الأربعون حدیثاً مع شرح للمصطلجات الفلسفیة والعرفانیة والفقهیة والروائیة

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

الأربعوُنَ حَديِثًا

مَعَ شَرحٍ لِلمُصطَلجَاتِ الفَلسَفِيةِ

وَالعِرفَانِيَة وَالفِقِهيَةِ وَالرِوَائِيَةِ

سَماجَةُ ايَة اللهِ العُظمی

الأمامِ السِيَدِ رُوحیِ الله الِمُوسَوي الِخُمینی (قدس سره)

تعريب

محمد الغروي

دائر زَين العابِدِينَ (علیه السّلام)

طبع في لبنان

كافة الحقوُق محفوظة ومُسجلة

الطبعَة الأولئ

1431 هـ - 2010م

دائر زَين العابِدِينَ (علیه السّلام)

بيروت - لبنان

اشارة

الأربعوُنَ حَديِثًا

الأربعوُنَ حَديِثًا

مَعَ شَرحٍ لِلمُصطَلجَاتِ الفَلسَفِيةِ

وَالعِرفَانِيَة وَالفِقِهيَةِ وَالرِوَائِيَةِ

سَماجَةُ ايَة اللهِ العُظمی

الأمامِ السِيَدِ رُوحیِ الله الِمُوسَوي الِخُمینی (قدس سره)

تعريب

محمد الغروي

دائر زَين العابِدِينَ (علیه السّلام)

طبع في لبنان

كافة الحقوُق محفوظة ومُسجلة

الطبعَة الأولئ

1431 هـ - 2010م

دائر زَين العابِدِينَ (علیه السّلام)

بيروت - لبنان

مقدمة الطبعة الرابعة

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه المنتجبين .

وبعد . . . نجد في هذا اليوم عدداً كبيراً من المسلمين يعيشون في بُعد ومنأى عن معرفة الله وصفاته ورسله وأنبيائه وعقابه وثوابه ومعاده، ويكون موقفهم من هذه الأمور الأساسية موقف المتفرّج واللامبالاة، فلا معرفة بالمبدإ ولا دراية بالمعاد ولا اكتراث بالنظرة الصحيحة إلى الكون والحياة .

كما أنهم يعيشون حالة الإهمال والتنكّر لأحكام الدين الفقهية التي قررها الله سبحانه من خلال معرفته عزّ وجلّ لما فيه خير أو شرّ للإنسان .

ونجد معظم المسلمين في حالة من الانحطاط السلوكي والخلقي في علاقاتهم العائلية والاجتماعية، رغم تشدّقهم بالإسلام واعتناقهم للقرآن الكريم.

ولكن الصحوة الإسلامية التي عمّت المجتمعات الإسلامية بعد انتصار الثورة الإسلامية، قد دفعت بالكثير من المسلمين نحو المكتبات الإسلامية لاقتناء الكتب المفيدة وقراءتها وبناء شخصيتهم الفردية والاجتماعية على الأسس العلمية الإسلامية الرشيدة .

ومن هذه الكتب القيمة كتاب (أربعون حديثاً) لسيدنا وقائدنا الإمام الخميني قدّس الله سرّه، حيث تولى رضوان الله تعالى عليه البحث عن المعارف الإسلامية وخاصة العقائدية والأخلاقية منها في هذا الكتاب.

فإّنّ في قراءة هذا السفر العظيم توضيح للعقائد الإسلامية وشرحها بما يسهل على الجميع استيعابها وفهمها، وتطهير للنفس من كدر العوائق والحجب وتزكية للأخلاق والسلوك وتطوير لرؤية الإنسان نحو الكون والحياة .

ونستطيع أن نقول بأن هذا الكتاب خير دواء وعلاج لما يعانيه المسلمون في حياتهم

العقائدية والأخلاقية من الابتعاد عن الله سبحانه وتعالى، وعن شريعته السهلة السمحاء حيث يقرب الدين إلى الإنسان ويجعله متقرَباً إليه .

ولهذا نرى أنه عندما طبع هذا الكتاب للمرة الأولى في بيروت وطرح في السوق وبين أيدي القرّاء نفدت الطبعة الأولى بين عشية وضحاها، فطبعت للمرة الثانية والثالثة . وعرض الكتاب في دور التوزيع والنشر، وانهال الطلب عليه من معظم الدول العربية المسلمة وانتهت الأعداد في فترة قريبة نسبياً.

وفي تلك الفترة كنت أراجع الكتاب وأمعن النظر فيه فوجدت بأنّ الكتاب يشتمل على مصطلحات علمية غامضة تحتاج إلى توضيح وتفسير، وأن هناك نصوصاً وروايات لم نعثر على مصادرها في الطبعات الأولى واقتصرنا فيها على الترجمة والإشارة .

ولهذا طلبت مجدداً من سماحة الأخ السيد الغروي أن يبذل الجهد الوفير لإخراج النصوص والأحاديث من مصادرها ووضع ملحقاً للمصطلحات الفلسفية والعرفانية والفقهية والروائية وأضاف هذه المساعي المتواضعة إلى الطبعة الرابعة فكانت الطبعات الثلاثة الأولى من ناحية الملحق في تفسير المصطلحات العلمية ومن ناحية ذكر النصوص والأحاديث التي عثرنا عليها من مراجعها ومصادرها، في متن الكتاب أو الهامش.

ونسأل المولى العزيز القدير أن يجعل هذا الكتاب مصدر خير ونفع لنا ولجميع المسلمين في الدنيا والآخرة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

الناشر

18/ شوّال/ 1412

21/ 4 / 1992

مقدمة المترجم

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على خير خلقه محمّد وآله الطيّبين الطاهرين .

وبعد . . . لا يعرف أحد السرّ الدفين في عدد «الأربعين» وفلسفته الوجودية، وامتيازه على الأعداد الأخرى والأرقام الثانية، حيث نواجه في الأحاديث المأثورة عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته الكرام، تركيزاً كثيراً في شتّى المجالات والمواضيع على هذا العدد: «الأربعين» بالذات، ممَّا يسترعي الانتباه والوقوف أمام هذه الظاهرة الفريدة بين الأعداد والأرقام. كما أن القرآن الكريم عند سرده لقصص بعض الأنبياء العظام يومىء إلى دور هذا العدد في حياة النبيّ (علیه السّلام).

وإليك بعض التفصيل لما ألمحنا إليه، من القرآن الكريم والسنّة الشريفة . وهو :

تحدّث القرآن الكريم عن قوم موسى (علیه السّلام) وتقهقرهم على ما كانوا عليه من الكفر والضلال عندما تأخر عنهم موسى (علیه السّلام) أربعين ليلة قائلاً: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ ليْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ(1).

كما وأن القرآن الكريم قد جاء على ذكر قوم موسى (علیه السّلام)، وما تلقّوا من العذاب في الدنيا بعد أن رفضوا الانصياع له عليه الصّلاة والسلام، متحدثاً:

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(2)بعد أن أمر موسى (علیه السّلام) قومه بالدخول في الأرض المقدّسة حسب ما


1) سورة البقرة، الآية : 51 .

2) سورة المائدة، الآية : 26 .

يحكي القرآن الكريم يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ(1). ولكن قومه تعنتوا وتمردوا و قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ(2)فتاهوا أربعين سنة في البيداء .

وفي مجال ثالث يربط القرآن الكريم بين بلوغ الأشُدّ وكمال العقل لدى الإنسان من جهة وبين البلوغ للعام الأربعين من جهة أخرى حيث يقول عزّ من قائل: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ(3)ففي هذه الموارد الثلاثة يؤكد القرآن الكريم على عدد «الأربعين».

وأمّا الأحاديث التي جاءت على ذكر عدد الأربعين في مجالات مختلفة فكثيرة :

منها: استحباب شهادة أربعين مؤمناً بالخير والإيمان للمؤمن الذي رحل من الدنيا .

عن أبي عبد الله (علیه السّلام) أَنَّهُ قَالَ : «إِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ فَحَضَرَ جَنَازَتَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلاً مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقَالُوا اللَّهُمَّ إِنَّا لا نَعْلَمُ مِنْهُ إِلا خَيْراً وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَجَزْتُ شَهَادَنَكُمْ وَغَفَرْتُ لَهُ مَا عَلِمْتُ مِمَّا لا تَعْلَمُونَ»(4).

ومنها: استحباب اجتماع أربعين شخصاً في الدعاء والمسألة من الله سبحانه .

عن أبي خالد قال : قال أبو عبد الله (علیه السّلام): «مَا مِنْ رَهْطٍ أَرْبَعِينَ رَجُلاً اجْتَمَعُوا فَدَعَوُا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَمْرٍ إِلا اسْتَجَابَ لَهُمْ»(5).

ومنها : استحباب دعاء الإنسان لأربعين شخصاً من المؤمنين قبل دعائه لنفسه.

عَن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «مَنْ قَدَّمَ فِي دُعَائِهِ أَرْبَعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ دَعَا لِنَفْسِهِ اسْتُجِيبَ لَهُ »(6).


1) سورة المائدة، الآية : 21 .

2) سورة المائدة، الآية : 24 .

3) سورة الأحقاف، الآية : 15.

4) وسائل الشيعة، المجلد 2 ، الباب 90 ، من أبواب الدفن ، ح 1 ص 925 .

5) وسائل الشيعة، المجلد 4، الباب 38 ، من أبواب الدعاء ، ح 1 ص 1143 .

6) وسائل الشيعة، المجلد 4، الباب 45 ، من أبواب الدعاء ، ح 5 ص 1154 .

ومنها: تأكد استحباب زيارة الحسين (علیه السّلام) يوم الأربعين من مقتله وهو يوم العشرين من صفر .

عن أبي محمّد الحسن بن علي العسكري (علیه السّلام) أنه قال : «عَلَامَاتُ الْمُؤْمِن خَمْسٌ: صَلاةَ الْخَمْسِينَ، وَزِيَارَةُ الأَرْبَعِينِ، وَالتَّخَتُمُ بِالْيَمِينِ، وَتَعْفِيرُ الْجَبِينِ، وَالْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»(1).

ومنها : استحباب رشّ القبر بالماء بعد الدفن وتكراره أربعين شهراً أو أربعين يوماً في كل يوم مرّة واحدة .

عن محمد بن الوليد أن صاحب المقبرة سأله عن قبر يونس بن يعقوب وَقَالَ: «مَنْ صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ فَإِنَّ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنِ مُوسى الرضا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَنِي أَنْ أَرُسٌ قَبْرَهُ أَرْبَعِينَ شَهْرًا أَوْ أَرْبَعِينَ يَوْماً فِي كُلُّ يَوْمٍ مَرَّةً»(2).

ومنها : أن آثار الإخلاص الله تتفجر لدى المؤمن إذا استمر عليه لمدة أربعين يوماً .

عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : «مَا أَخْلَصَ عَبْدٌ الْإِيْمَانَ بِاللَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً أَو قَالَ: مَا أَجْمَلَ عَبْدٌ ذَكَرَ اللَّهَ أَرْبَعِينَ يَوْماً إِلا زَهْدَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا، وَبَصْرَهُ دَاءَهَا وَدَوَاءَهَا، وَأَثْبَتَ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ . . .»(3).

ومنها: احتباس الوحي عن النبي موسى (علیه السّلام) أربعين صباحا(4)، وأن مدّة مُلك داوود (علیه السّلام) كانت أربعين سنة(5)، وأن الوحي قد احتبس عن النبي محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) أربعين يوما(6).

وأورد المحقق الطهراني في الذريعة أحد عشر كتاباً لعلماء ومحدثّين وكُتاب من القرون الأولى الهجرية إلى يومنا هذا يحمل عنوان الأربعين مثل :ــ


1) وسائل الشيعة، المجلد 10 ، الباب 56 ، من أبواب المزار وما يناسيه ، ح 1 .

2) وسائل الشيعة، المجلد 2 ، الباب 32، من أبواب الدفن، ح6 ص 860 .

3) بحار الأنوار، المجلد 70 ، ح 8 ص 240 .

4) بحار الأنوار، المجلد 13 ، ح 9 ص 8 .

5) بحار الأنوار، المجلد 14 ، ح 23 ص 15 .

6) بحار الأنوار، المجلد 16 ، ص 136.

1 - الأربعون حديثاً منظوماً .

2 - الأربعون دليلاً .

3 - الأربعون رسالة .

4 - الأربعون سؤالاً .

5 - الأربعون سورة .

6 - الأربعون مجلساً .

7 - الأربعون مسألة .

8 - الأربعونيات .

9 - الأربعون حديثاً عن الأربعين.

10 - الأربعون حديثاً من الأربعين عن الأربعين.

11 - الأربعين من الأربعين عن الأربعين مع الأربعين في مناقب أمير المؤمنين (علیه السّلام).

فنستظهر من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، واهتمام العلماء بعدد الأربعين في تصانيفهم القّيمة. أنّ لهذا العدد شأناً قد لا يتوفّر في الأعداد والأرقام الأخرى.

ومن جملة تلك الروايات المأثورة عن أهل البيت (علیهم السّلام)، الأحاديث المعروفة المشهورة بـ «مَنْ حفظ أربعين حديثاً» لدى الفريقين .

عن أبي عبد الله الصادق (علیه السّلام) قال : «مَنْ حَفِظَ مِنْ شِيعَتِنَا أَرْبَعِينَ حَدِيثًا بَعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِماً فَقِيها وَلَمْ يُعَذِّبْهُ»(1).

وعن أنس قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ حَفِظَ عَنِّي مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا فِي أَمْرٍ دِينِهِ يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالدَّارَ الآخِرَةِ بَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيها عَالِماً»(2).

وغير ذلك من الأخبار المنقولة عن المعصومين (علیهم السّلام) التي تفوق حدّ الإحصاء .


1) بحار الأنوار، المجلد 2 ، ح 1 ص 153 .

2) بحار الأنوار، المجلد 2 ، 5 ص 154 .

قال المجلسي (رحمه الله علیه): «هذا المضمون مشهور مستفيض بين الخاصّة والعامّة بل قيل إنه متواتر».

وذكر الباحث المدقق الطهراني في الذريعة أن ّ إطلاق الحفظ عنه، في تلك الأحاديث، لو فرض شموله للحفظ عن ظهر القلب أو الحفظ بالتدبّر في فهم المراد أو الحفظ بالعمل على طبقه، لكن أظهر مصاديقه كتابة الحديث عنه.

ولذا جرت سيرة الأعلام على اقتفاء هذه السنّة بتأليف كتاب يدوّن فيه أربعون حديثاً للعلماء والفقهاء والمحد َّثين. وبلغ عدد الكتب المؤلفة باسم (الأربعون) على أيدي علماء الشيعة ما ينوف على سبع وسبعين كتاباً حسب ما هو مدو ّن في كتاب الذريعة .

ولعلّ أول من ألف في الأربعين هو أبو بكر الكلاباذي المتوفى عام 380هـ . ق كما يبرز اسم أبي سعيد محمد بن أحمد بن الحسين الخزاعي في القرن الخامس حيث كتاب (الأربعون حديثاً عن الأربعين) في فضائل أمير المؤمنين (علیه السّلام) وأسماء كل من منتجب الدين علي ابن الشيخ عبيد الله حفيد ابن بابويه القمي وأبي الرضا فضل الله بن علي بن هبة الله الراوندي ومحمد بن علي بن شهر آشوب المازندراني في تأليفهم لأربعين حديثاً في القرن السادس الهجري. ونجد أسماء العلماء الكبار في القرون التالية المؤلفين لكتاب أربعين حديثاً مثل أسعد بن إبراهيم بن علي الحلي وشمس الدين محمد بن مكي الشهيد الأول والشيخ جمال الدين أبي عبد الله الفاضل المقداد والشيخ إبراهيم سليمان القطيفي . . وهكذا .

كما نجد بأن هذه الكتب مختلفة فيما بينها من ناحية الموضوع والمضمون، رغم اتفاق جميع هذه الكتب في اسم واحد هو : «أربعون حديثاً»، إذ أن قسماً منها في مناقب الفقراء خاصة، وقسماً آخر في خصوص الإمامة، وقسماً ثالثاً في فضائل أمير المؤمنين (علیه السّلام) وقسماً رابعاً في الأحكام والأخلاق، وخامساً في فضيلة العلم، وسادساً في الطب، وسابعاً في الأخلاق .

وهكذا فإنّ كبار علماء السنّة قد اختاروا أربعين حديثاً من الأحاديث الشريفة وجمعوها في كتاب واحد وأسموه بـ «الأربعين» مثل : «أربعون حديثاً» لمحيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف الدين النووي. و«أربعون حديثاً في اصطناع المعروف» و«أربعون

أربعين في أحاديث سيد المرسلين» ليوسف ابن إسماعيل النبهاني. و«أربعون صحيفة» لمحيي الدين بن عربي .

وممّن أل ّف في هذا الموضوع قائد الثورة الإسلامي ّة الإمام الخميني العظيم قد ّس الله نفسه الزكية قبل انتصاره على قوى الاستكبار العالمي الشرقي والغربي بأربعين عاماً تقريباً. حيث ذكر الإمام رضوان الله تعالى عليه في آخر كتابه هذا «قد تمّ هذا الكتاب على يد الفاني المؤلف الفقير في عصر يوم الجمعة الرابع من شهر محر ّم الحرام عام ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة القمرية» الموافق عام 1939 الميلادي. وكان انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام ألف وأربعمائة من الهجرة النبوية المصادف عام 1979 الميلادية. فيكون الفاصل بين يوم الفراغ من تأليف هذا الكتاب ويوم انتصار الثورة الإسلامية أربعين عاماً .

وممّا يجدر الانتباه إليه هو أن ّ الإنسان عندما يتأمل في حياة هذا القائد الكبير قبل انتصاره على الشاه عميل الصهيونية العالمية بعقود أربعة أو أكثر، ويدرس الشعارات التي رفعها إمام الأمة أيام الثورة، ويصغي إلى أحاديث القائد بعد قيادته للحكم طيلة عشرة أعوام من نهاية حياته الكريمة، يفهم ويتيقن بأنّ هذه الثورة الإسلامية وقائدها الكبير امتداد لشريعة الله في أرضه على يد النبي ّ الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) حيث أن ّ الأفكار والاتجاهات والأهداف وأدبيات الثورة وثقافة الملتزمين بالقائد قبل استلام الحكم بأربعين عاماً وبعد استلام السلطة هي هي بعينها من دون أي تغيير وتحريف أو تبديل .

إن معظم أفكار هذا الكتاب المؤلف قبل أربعين عاماً من الانتصار على الكفر، قد ترد ّدت على لسان القائد في مناسبات عدة لدى توجيه المسؤولين والأمة أيام الحكم والسلطة. وإن الهدف الأول والأخير هو السير إلى الله سبحانه وعدم الاغترار بزخارف الدنيا فإنّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبقى(1).

وعندما نقارن هذا الكتاب مع الكتب الأخرى في الموضوع ذاته : «الأربعون حديثاً»، نجد أنّ هذا الكتاب يتفوّق على غيره من كتب «الأربعون حديثاً» في الأمور التالية


1) سورة القصص، الآية : 60 .

رغم أنّ المؤلفين لها علماء لامعون وأجلّاء. وهي :

اولاً - شمولية الكتاب:

لقد أسلفنا الحديث عن أنّ معظم كتب «الأربعون حديثاً»، يتناول موضوعاً واحداً ويتحدّث عن أربعين حديثاً منقولاً عن المعصومين (علیهم السّلام) في ذلك الموضوع مثل فضائل الفقراء، أو فضائل أمير المؤمنين (علیه السّلام)، أو الطبّ أو . . . في حين أن هذا الكتاب يتحدّث عن أكبر عدد ممكن من الأبحاث المتنوعة مثل تفسير بعض آيات القرآن الكريم، وأصول الدين، والأخلاق وشرح بعض الروايات المشهورة المستعصي فهمها على الناس والعرفاء .

كما أن المؤلَّف قدّس الله نفسه يتناول الحديث ويدرسه من جوانب عديدة مختلفة : مثل الأحكام الفقهية والعرفانية والفلسفية واللغوية والأصولية(1)ولا يقتصر على جانب واحد .

ثانياً - الدقة والعمق:

ليس مستوى الكتاب بسيطاً ومفهوماً لدى الكثير من الناس بل حتّى لدى الكثير من أهل العلوم الدينية وذلك أنّ المؤلّف رضوان الله تعالى عليه قد دخل جوهر المعارف وعمق الأبحاث واستظهر الحقائق العلمية التي قلما يبلغ إليها الكُتَّابُ والباحثون، ناهيك عن تعمّقه في أبحاث فلسفية وعرفانية تقف عندها سفينة المساكين ويعجز عن فهمها الكثير الكثير من المثقفين ويكاد أن يكون من النادر جداً أن نجد كتاباً آخر من زملاء هذا الكتاب يتمتع بهذا المستوى من الدقة والعمق .

ثالثاً - تصوير المكافاة الأخروية:

إنّ المؤلّف رضوان الله تعالى عليه عند عرضه للمعاصي الكبيرة الموبقة مثل الغيبة والحسد والكبر و . . . يصوّر العذاب الدنيوي بصورة يعيشه ويلمسه الإنسان، ويجسّد العذاب الأخروي ببيان يحسب الإنسان أنّه يراه وأنّه قريب منه جدّاً .


1) الأصولية : علم أصول الفقه .

كما وأنّه طّيب الله ثراه عندما يستعرض الحسنات والمثوبات يشرح بكل وضوح ارتباط الحسنات بالأعمال والآخرة بالدنيا، ويبين كيفية الارتباط ومستواه .

وعندما يقرأ الإنسان في الأحاديث المباركة الجزاء الكبير على عمل بسيط وقليل، قد ينبعث الاستغراب أو الاستنكار لمثل هذه المكافأة. ولكننا نجد بأن الإمام (رحمه الله علیه) يشرح ويستدلّ ويبيّن هذا الارتباط والتلاصق بصورة واضحة فلا يبقى مجال للاستغراب والتردد في ذلك، وإنما تحصل للإنسان القناعة بصواب مضمون الحديث وصحة هذه المكافأة العظيمة من الربّ الرحيم على عمل صغير وقليل .

رابعاً - الموعظة والنصيحة:

يحتوي هذا الكتاب على قدر كبير من الموعظة والنصيحة بلغة عذبة وسهلة حرارة الحبّ ودفء الحنان مستعيناً بأمثلة مستخلصة من واقع الحياة التي يعيش فيها الإنسان، مَثَلُهُ في ذلك مثل الأب الكبير العطوف الذي يمسك بيد أولاده ويسير بهم في معترك الحياة ومنعطفات الحوادث والأيام ويشرح لهم بلسان ملؤه الرأفة والرحمة عواقب الأمور، ونتائج الأعمال، وعدم الانبهار بالمظاهر الخلابة والزركشة المغرية .

إنّ المؤلّف قدَّس الله نفسه يشفع الأبحاث العلمية في معظم الأحاديث بالموعظة والنصيحة حتى تكون فائدة البحث أوفى، وثمرة الحديث أنضج .

ويشعر القارىء بأنّ هذه النصائح والمواعظ الربانية تنبعث من القلب الطاهر النقي المحفوف بالحبّ الإلهي والإخلاص الكامل، لأنها تأخذ الإنسان وتهيمن عليه وترتسم في قلبه .

خامساً - الداء والدواء:

يتولى السيد الإمام (رحمه الله علیه) بيان المساوىء الخلقية والعاهات النفسية مع بيان آثارها وأعراضها على الإنسان والمجتمع . . ثم يطرح صيغة العلاج بشقّيها العلمي والعملي مع التذكير بمغبّة الأمراض النفسية إذا أهملها الإنسان وأجّلها، والتنبيه بنتائجها على الصعيد الفردي والاجتماعي والدنيوي والأخروي.

ومثل هذا الأسلوب من الطرح والعلاج، وإن كان مذكوراً في بعض الكتب

الأخلاقية، ولكنها لا تقدّم الوصفة العلاجية الطبيّة بمثل ما نشهد في هذا الكتاب .

سادساً - التواضع والإزدراء بالنفس:

إنّ المؤلفين في مختلف الموضوعات إن لم يتبجحوا ويفتخروا بإنجازاتهم وأفكارهم وأبحاثهم، فإنهم يختارون الصمت ويتركون الحكم على الكتاب ومحتوياته إلى القارىء. ولكننا في هذا الكتاب نجد التواضع والاحتقار من المؤلف لنفسه والاستهانة بالأفكار التي يبديها والأبحاث التي يشرحها أمام الفلاسفة والعلماء والأجلّاء، وكأنَّ تلميذاً بسيطاً يسطّر أمام العظماء والكبار دروسه فيعتذر أمام القارىء مما يكتبه ويصنّفه .

إنّ الإمام رضوان الله تعالى عليه يزدري نفسه ويحتقرها ولا يجد لها شأناً على كافة المستويات العلمية والعرفانية والفلسفية والعملية والأخلاقية. وهذا أمر نكاد أن لا نعثر عليه في كتاب آخر .

سابعاً - التعظيم للعلماء:

إن أدب المؤلف طّيب الله ثراه دفع به إلى تجليل كلّ العلماء والمحدّثين والفلاسفة وتعظيم كل من يرد ذكره في الكتاب فيعبّر عن الكليني بثقة الإسلام والمسلمين تارة وبحجة الفرقة وثقتها أخرى وشيخ المحدّثين وأفضلهم ثالثة. وعن نصير الدين الطوسي بأفضل المتأخرين وأكمل المتقدمين. وعن البهائي العاملي بالشيخ الجليل العارف. وعن المجلسي بالمحقق المدقق و . . . فهذا التعظيم والاحترام للعلماء والفقهاء والمحدّثين ظاهر لكل من يقرأ صفحات من هذا الكتاب .

ثامناً - تعظيم المعصومين في الكتابة:

إعتاد الكتَّاب والمؤلفون بذكر (صلی الله علیه و آله و سلم) كناية عن صلّى الله عليه وآله وسلَّم عقيب ذكر اسم النبي محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) . وذكر (علیه السّلام) إثر ذكر اسم إمام من الأئمة المعصومين (علیهم السّلام) إشارة إلى عليه السلام ولكن الإمام (رحمه الله علیه) قد خالف هذا العرف السائد لدى العلماء وأتى على ذكر صلى الله عليه وآله وسلّم بعد اسم رسول الله صلوات الله عليه وآله وذكر عليه الصلاة والسلام بعد اسم كل واحد من الأئمة (علیهم السّلام) ولم أعثر في هذا الكتاب الضخم على مورد

واحد اكتفى بالاحترام والتقدير كناية بل صرّح بالتقدير الصريح الواضح بكل افتخار واعتزاز. وهذا دليل على تقديره رضوان الله تعالى عليه لرسول الله وأهل بيته الكرام حتی على مستوى الكتابة .

تاسعاً - عرفانيات الإمام:

يستنطق الإمام قدّس سرّه في شرحه للأحاديث الكريمة القرآن الكريم والسنة المباركة ويتحدّث في عرفان الله وتجلّياته ومراتب الكمال التي يحصل عليها الإنسان حسب ما يؤكد عليه الإسلام بعيداً عن العرفان الدخيل على الإسلام الذي يدفع بالإنسان إلى العزلة وترك الحياة والعزوف عن المجتمع بل يرشد الإنسان إلى العرفان الإسلامي القرآني الأصيل على ضوء الأحاديث المأثورة عن أهل بيت النبي الأطهار الذي يدعو إلى التقوى ومعرفة الله والتوكّل عليه وتفويض الأمور إليه. ويشوّق إلى الأعمال الصالحة ومزاولة الحياة الاجتماعية على سنّة الله وسنّة رسوله والابتعاد عن العصيان والتمرّد على المولى الخالق الكريم السميع البصير .

كما أن الإمام قدّس سرّه لم يعبأ بالألفاظ والمصطلحات العلمية العرفانية وإنما يتحدث عن المحتوى والحالة والنور الذي يريده الإسلام للناس .

هذا الكتاب:

هذا الكتاب هو شرح الدروس الأخلاقية والعقائدية التي كان يلقيها على تلامذته في المدرسة الفيضية ومدرسة ملا صادق في قم المقدسة وانتهى منه 1358هـ . ق وكان مخطوطاً ومنسياً طيلة نصف قرن تقريباً.

وفي يوم من الأيام زار أعضاء جمعية الروحانيين المجاهدين في طهران الإمام الخميني واقترحوا على سماحته السماح لهم بطبع مؤلفاته القيمة ونشرها بين الناس فأجاب الإمام بكل تواضع لا أملك كتباً مفيدة للناس نعم كانت لي مؤلفات تفيد عامة الناس ولكنني مع الأسف لا أدري هل بقيت لدى زميلي في البحث، أيام الدراسة وصديق عمري آية الله آخوند ملا علي الهمداني عندما أعطيته إياها لمراجعتها وإبداء رأيه فيها أو أنها لدى

السلطة الغاشمة الشاهنشاهية عند اقتحامها لبيتي في قم المقدسة إبان الثورة الإسلامية في إيران؟

فانتقل هذا الحديث إلى المتتبع الشيخ عبد الرحيم عقيقي بخشايشي وراجع المهندس حسين ابن آية الله الملا علي الهمداني وأخبره بما حدث به الإمام قدّس سرّه فقال إنني سمعت من المرحوم الوالد أنّ في مكتبته كتباً ثلاثة للإمام الخميني وهي شرح دعاء السحر وآداب الصلاة، والأربعون، وكان رحمه الله يهتم بها ويحافظ عليها كثيراً فذهبنا إلى مدينة همدان وبحثنا عنها في المكتبة حتى عثرنا عليها وأخذنا الكتب الثلاثة إلى الإمام قدّس سرّه وألقيناها عنده لمراجعتها مدّة شهر واحد وبعد ذلك صدر الإذن من سماحته بالطبع فطبع في بادىء الأمر كل حديث من الأربعين حديثاً في مجلة الإعتصام ابتداءً من العدد 19 ثم في كتاب واحد. وهكذا كانت قصة هذا الكتاب الذي عاش في دائرة النسيان فترة ثم ظهر إلى الوجود لكي يشرق على قلوب المسلمين وينعشها ويخرجها من الظلام والغفلة إلى النور واليقظة .

ولا يسعني في نهاية هذه المقدمة إلاّ وأن أشكر رعاية واهتمام مؤسسة «دار التعارف للمطبوعات والنشر» تحت إشراف أخينا الحاج حامد عزيزي على طبعه وإخراجه لهذا الكتاب القيّم في شكله الأنيق ونشره بين أيدي الناس في العالم الإسلامي، حتى يستفيدوا ويستنيروا بالنور الإلهي المشرق. إنه سميع عليم وبالإجابة جدير.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

السيد محمد الغروي

صور - جبل عامل - لبنان

21 / شعبان / 1411هـ - 8/ آذار / 1991م

مقدمة المؤلف

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة على محمّد وآله أجمعين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين .

إلهي : - أنر مرآة القلب بنور الإخلاص، واجل عن صفحة القلب صدأ الشرك، وأهد هؤلاء المساكين في بيداء الحيرة والضلالة إلى جادة السعادة والفلاح الواسعة . . .

ووفقنا للتخلّق بالأخلاق الكريمة واجعل لنا نصيباً ممّا اختصصت به أولياءك من نفحاتك وألطافك الخاصة . . .

وأخرج من مملكة قلوبنا جنود الشيطان والجهل، وأحلّ محلّها جنود العلم والحكمة والرحمن . . .

وأخرجنا من هذا العالم بحبّك وحبّ من خصصتهم بقربك . . . وعاملنا برحمتك حين الموت وبعده . . .

واقرن عاقبة أمرنا بالسعادة بحقّ محمّد وآله الطاهرين.

وبعد . . . يقول هذا العبد الفقير الضعيف : كنت أحدث نفسي منذ فترة، بأن أجمع أربعين حديثاً من أحاديث أهل بيت العصمة والطهارة، المدوّنة في الكتب المعتبرة للأصحاب والعلماء رضوان الله عليهم، وأن أشرح كلّ حديث شرحاً يتناسب وفهم العامة. ومن هذا المنطلق كتبتها باللغة الفارسية كي ينتفع منها الذين ينطقون بالفارسية . ولعَلي بذلك - إن شاء الله - أصبح ممن يشمله الحديث الشريف لخاتم الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) حيث يقول : «مَنْ حَفَظَ عَلى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا يَنتَفِعُونَ بها بَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيها عَالِماً»(1). إلى أن وفّقت للبدء بذلك. ومن الله أطلب التوفيق لإتمامه إنّه وليّ التوفيق .


1) صحيفة الرضا، ح 114 ، وفي كتاب عيون أخبار الرضا، ج 2، 99. «من حفظ من أمتي بدلاً على أمتي».

الحديث الأول : «جهاد النفس»

اشارة

عن أبي عبد الله (الإمام جعفر الصادق (علیه السّلام)) أنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) بعث سريَة، فلمَّا رجعوا، قال: «مَرْحَباً بِقَومِ قَضَوُا الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ وَبَقِيَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ الأَكْبَرُ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ: جِهادُ النَّفْسِ»(1).


1) فروع الكافي، ج 5 ، كتاب الجهاد، باب وجوه الجهاد، ص3.

مشايخ الامام الخميني في الحديث

أخبرني(1)إجازة مكاتبة ومشافهة(2)

وانطلاقاً من هذه السيرة الحسنة يبتدىء الإمام قدس سره في بداية بعض الأحاديث التي يرويها بنفسه عن شیخه متسلسلاً إلى محمد بن يعقوب الكليني قدس الله أسرارهم.

عدّة من المشايخ العظام، والثقاة الكرام:

منهم الشيخ العلّامة المتكلم، الفقيه الأصولي الأديب المتبحّر الشيخ محمد رضا آل العلامة الوفي الشيخ محمد تقي الأصفهاني(3)

لقد كان جده الشيخ محمد تقي الإصفهاني المتوفى عام 1248 من تلاميذ وحيد البهبهاني وأجلاء علماء إصفهان ودرس عليه كل من السيد الشيرازي والسيد حسن المدرس وألف الكتاب المعروف (هداية المسترشدين في شرح معالم الدين).

أدام الله توفيقه حين تشرفه بقم المشرّفة .

1) لم يذكر الإمام رضوان الله تعالى عليه تاريخ بداية التأليف. ولكنه قدّس سرّه قد ذكر في نهاية كتابه هذا أنه قد فرغ منه يوم الجمعة 4 - محرم - 1358 هـ . ق الموافق 24 - 2 - 1939 م وعليه يمضي على تأليف الكتاب عند طباعته لأول مرة نصف قرن تقريباً.

2) للمحافظة على الأحاديث من عدم الدّس والوضع والكذب والافتراء فيها وعدم تصدي الدجالين والوضاعين والمجهولين واللاموثوقين لنقلها، اعتاد علماء علم الحديث من قديم الزمان على الإجازة والاستجازة في نقل الروايات، حيث كان مشايخ علم الحديث يجيزون من يرونه عالماً وتقياً، نقل الحديث وإن الفضلاء والعلماء لحيازة الاعتبار والوثاقة لدى روايتهم للحديث، كانوا يحضرون مجالس علماء علم الحديث ويتعلمون ثم يستجيزون أساتذتهم للسماح لهم في نقل الأحاديث والروايات. وهذه السيرة الحسنة إلى يومنا هذا جارية بشكل عام. والإجازات التي كانت تعطى من قبل مشائخ علم الحديث كانت كتبية تارة وشفهية أخرى وهما معاً ثالثة وكان العالم عند روايته للحديث يذكر (أن فلان قد أجازني كتباً ومشافهة وأخبرني . .).

3) توفي الشيخ محمد رضا مسجد شاهي عام 1362هـ. ق وهو من كبار علماء مدينة أصفهان ومن بيت الشيخ محمد تقي الإصفهاني صاحب (هداية المسترشدين) وكان قدّس سرّه من تلامذة السيد الشيرازي الكبير (صاحب فتوى تحريم التنباك) والسيد محمد الفشاركي والآخوند الشيخ كاظم الخراساني (صاحب الكفاية) وزميل آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري (مؤسس الحوزة العلمية في قم) في الدرس والبحث . كما أنه كان عام 1344 - 1345 أستاذا في حوزة قم ثم انتقل بعد استشهاد عمه العالم الشيخ نور الله الإصفهاني إلى إصفهان وأصبح مرجعاً وذا حوزة علمية في تدريس الفقه والأصول حتى الأيام الأخيرة من حياته .

والشيخ العالم الجليل المتعبّد الثقة الثبت الحاج الشيخ عباس القمي(1)

يعد رحمه الله محققاً وكثير التأليف ومن مصنّفاته كتاب (سفينة البحار) الذي أنفق في تأليفه سبعاً وعشرين

عاماً ومن مؤلفاته (مفاتيح الجنان، ومنتهى الآمال، وتتمة المنتهى، والفوائد الرضوية).

دام توفيقه . وكلاهما عن المولى العالم الزاهد العابد الفقيه المحدث الميرزا حسين النوري(2)نوَّر مرقده الشريف عن العلّامة الشيخ مرتضى الأنصاري(3)

إنّ آراءه ومؤلفاته لا تزال محلّ درس وبحث وقبول ومناقشة في المجالس العلمية التي تنعقد لدى العلماء وحيث ألفوا الكثير من الشروح والهوامش على كتبه. من أساتذته الشيخ موسى كاشف الغطاء، والشيخ علي كاشف الغطاء، والملا أحمد النراقي. والسيد أحمد المجاهد. وتخرج من مجلس درسه الفقهاء الكبار منهم الشيخ محمد كاظم الخراساني، والسيد الشيرازي الكبير، والميرزا محمد حسن الآشتياني . من مؤلفاته القيمة الرسائل، المكاسب، الطهارة.

قدّس الله سرّه .

ومنهم السيد السند الفقيه المتكلّم الثقة الثبت العلامة السيد محسن الأمين العاملي(4)أدام الله تأييداته ، عن الفقيه العلّامة صاحب المصنّفات العديدة السيد محمد بن


1) الشيخ عباس القمي (1294 - 1359هـ) من كبار محدّثي الشيعة في القرن الرابع عشر ومن مشايخ الحديث وممن أجاز الإمام الخميني في الرواية . كان رحمه الله من الملازمين للعلامة الشيخ حسين النوري سنين طويلة ومساعداً له في استنساخ الكتب وتصحيحها والتأليف .

2) الشيخ حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي (1254 - 1320هـ) فقيه ومفسّر ومحدث يندر نظيره ورجالي بارز وله سهم كبير في نشر أحاديث أهل البيت (علیهم السّلام) من تلامذته المحقق الشيخ عباس القمي والمحقق المتتبع الشيخ الطهراني (صاحب الذريعة) ومن المستجيزين منه . له مستدرك الوسائل، مستدرك مزار البحار، النجم الثاقب . اللؤلؤ والمرجان. تحفة الزائر .

3) الشيخ مرتضى الأنصاري (1214 - 1281 هـ) الملقب بـ (خاتمة الفقهاء والمجتهدين) من ذريّة صحابي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) جابر بن عبد الله الأنصاري ومن نوابغ علم أصول الفقه والذين أحدثوا فيه تطوراً كبيراً .

4) السيد محسن بن عبد الكريم بن علي بن محمد الحسيني العاملي الملقب بالأمين (1282 - 1371هـ) من كبار علماء الإمامية ومفاخر الشيعة الاثني عشرية، درس المقدمات في جبل عامل ثم هاجر إلى النجف الأشرف وحضر على الشيخ محمد كاظم الخراساني وشيخ الشريعة الإصفهاني والحاج اقا رضا الهمداني والشيخ محمد طه نجف وعلماء آخرين. وبعد الانتهاء من الدراسة عاد إلى جبل عامل وانصرف إلى التحقيق والتأليف . وترك آثاراً علمية كثيرة أبرزها الكتاب المشهور (أعيان الشيعة) ومنها: أساس الشريعة، في أبحاث فقهية استدلالية. الدرة البهية، المجالس السنية، معدن الجواهر في علوم الأوائل والأواخر .

هاشم الموسوي الرضوي الهندي(1)المجاور في النجف الأشرف حيّاً وميّتاً قدّس الله سرّه، عن العلّامة الأنصاري.

ومنهم العالم الثقة الثبت السيد السند أبو القاسم الدهكردي الأصفهاني(2)، عن السيد السند الأمجد الميرزا محمد هاشم الأصفهاني(3)قدّس سرّه، عن العلّامة الأنصاري. ولنا طُرق أخرى غير منتهية إلى الشيخ تركناها، عن المولى الأفضل أحمد النراقي(4)

الأحكام، عوائد الأيام، منهاج الأصول إلى علم الأصول، مستند الشيعة، ديوان شعر باللغة الفارسية .

، عن السيد مهدي الملقّب بـ«بحر العلوم» صاحب الكرامات(5)- رضوان الله

1) السيد محمد بن هاشم الموسوي الرضوي الهندي (1242 - 1323هـ) ولد في الهند وهاجر إلى النجف لطلب العلوم الدينية وأمضى حياته في البحث والتحقيق حتى يوم وفاته. كان من تلاميذ الشيخ الأنصاري . من مؤلفاته نظم اللثالي في الرجال، أرجوزة في الفقه، الأضواء المزيلة، شرح الشرائع، تقريرات بحث الشيخ الأنصاري .

2) السيد أبو القاسم الحسيني الدهكردي المتوفى عام (1353هـ) من تلامذة السيد الشيرازي الكبير والشيخ زين العابدين المازندراني والميرزا حسين النوري . من مؤلفاته : حاشية على تفسير الصافي، حاشية على كتاب الوافي، وحاشية على كتاب المكاسب، الوسيلة في السير والسلوك.

3) السيد محمد بن هاشم بن زين العابدين الموسوي الإصفهاني المعروف بـ (چهارسوقي) (1235 - 1318هـ) من فقهاء الإمامية وهو أخ لمؤلف كتاب روضات الجنات، تلمذ على الشيخ مرتضى الأنصاري ومن مشائخ الإجازة للسيد محمد كاظم اليزدي وشيخ الشريعة الإصفهاني. من مؤلفاته : الاستصحاب، أصول ال الرسول، حاشية على الأسفار ، حاشية على شرح اللمعة، وحاشية على القوانين، وحاشية على المعالم.

4) الملا أحمد بن محمد مهدي بن أبي ذر النراقي المتوفى عام (1244) فقيه ومحدّث وأستاذ في علم الرجال والرياضيات والفلسفة ومشهور في زهده وتقواه، استفاد أكثر علومه من أبيه الملا محمد مهدي النراقي الذي كان من نوادر الدهر كما تلمذ على يد السيد مهدي بحر العلوم والشيخ جعفر كاشف الغطاء كما أنه كان أستاد الشيخ مرتضى الأنصاري والسيد محمد شفيع الجايلقي . من مؤلفاته : معراج السعادة، مفتاح

5) السيد مهدي بن مرتضى الطباطبائي البروجردي (1154 - 1212هـ) المعروف بـ (بحر العلوم) من الفقهاء الكبار والعرفاء الكمل وصاحب الكرامات متمتعاً بالاحترام والتقديس لدى الخواص والعوام، كان ممن تشّرف مراراً بزيارة الإمام صاحب العصر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) . تقلد (رحمه الله علیه) الزعامة العلمية والاجتماعية وتلمذ عليه الفقهاء الكبار مثل الشيخ جعفر كاشف الغطاء والسيد محمد جواد العاملي والشيخ محمد تقي الإصفهاني والملا أحمد النراقي وأبو علي الحائري والشيخ أسد الله التستري. من أبرز مؤلفاته : المصابيح الدرة النجفية في الفقه، كتاب الرجال .

عليه - عن أستاذ الكلّ الأقا محمد باقر البهبهاني(1)، عن والده الأكمل محمد أكمل(2)، عن المولى محمد باقر المجلسي(3)، عن والده المحقق المولى محمد تقي المجلسي(4)، عن الشيخ المحقق البهائي(5)، عن والده الشيخ حسين(6)، عن الشيخ زين الدين الشهير


1) محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني (1116 و 1117 - 1208هـ) المعروف بـ(الوحيد) و (أستاذ الكل) و(الكبير) فقيه، أصولي، رجالي مشهور اتخذ من كربلاء مقراً له واستطاع من خلال تربية نخبة من تلامذته ومن خلال مجالس البحث والمناقشة أن يقضي على هيمنة الاخباريين على الفقه . من أبرز تلاميذه السيد مهدي بحر العلوم والشيخ جعفر كاشف الغطاء والميرزا القمي (صاحب القوانين) والملا محمد مهدي النراقي والسيد علي (صاحب الرياض) والسيد مهدي الشهرستاني والسيد محمد باقر الشفتي والسيد جواد العاملي (صاحب مفتاح الكرامة).

2) الملا محمد أكمل والد محمد باقر البهبهاني كان معروفاً في العلم والتقوى وكان من مشايخ الإجازة.

3) الملا محمد باقر بن محمد تقي المجلسي الإصفهاني المشهور بالعلامة المجلسي (1037 - 1111هـ) كان من كبار علماء الشيعة ومن المتبحرين في مختلف العلوم الإسلامية وخاصة في علم الحديث. درس على والده والشيخ الحّر العاملي والسيد علي خان الشيرازي وتلمذ عليه الميرزا عبد الله الأفندي (مؤلف رياض العلماء) والسيد نعمت الله الجزائري والملا صالح المازندراني. وأنفق جهدا كبيرا في جمع ونشر أحاديث أهل البيت (علیهم السّلام) وألّف أكثر من ستين كتاباً باللغتين العربية والفارسية أهمها بحار الأنوار ومن مؤلّفاته مرآة العقول في شرح الكافي، وحياة القلوب، وزاد المعاد، وحق اليقين، وجلاء العيون، وحلية المتقين، والأربعون حديثاً .

4) الملا محمد تقي بن مقصود علي الإصفهاني المعروف بـ(المجلسي الأول) (1070هـ. ق) فقيه، محدث، رجالي، عابد زاهد وله دور بارز في نشر أحاديث أهل البيت (علیهم السّلام) ومن تلامذة الشيخ البهائي والملا عبد الله الشوشتري. له مؤلفات كثيرة أشهرها : شرح الزيارة الجامعة، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، إحياء الأحاديث في شرح التهذيب للشيخ الطوسي، الأربعون حديثاً، بعض الهوامش على الصحيفة السجادية .

5) الشيخ بهاء الدين محمد بن حسين بن عبد الصمد العاملي المعروف بالشيخ البهائي (953 - 1030هـ. ق) كان أستاذاً فريداً في العلوم والفنون المختلفة في عصره، حائزاً على لقب شيخ الإسلام في إصفهان تلمذ عليه كل من صدر المتألّهين والملا محمد تقي المجلسي والمحقق السبزواري وفاضل جواد . ترك كتباً في علوم مختلفة منها: في الفقه: الجامع العباسي، حواشي على قواعد الشهيد. وفي علم الهيئة : الاسطرلاب، وتشريح الأفلاك وفي الحديث والدعاء: مشرق الشمسين، حبل المتين، شرح دعاء الصباح، شرح الأربعين حديثاً. وفي علم الأدب: الفوائد الصمدية، وأسرار البلاغة .

6) الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي (918 - 984 هـ. ق) والد الشيخ البهائي، ينتهي نسبه إلى حارث بن عبد الله الهمداني من خواص أصحاب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، كان من تلامذة الشهيد الثاني والسيد حسن الكركي وأصبح أستاذاً محققاً وأديباً شاعراً مستقطباً عدداً كبيراً من التلامذة. من مؤلفاته : دراية الحديث، الأربعون ، شرح القواعد.

بالشهيد الثاني(1)، عن الشيخ علي بن عبد العالي الميسي(2)، عن الشيخ شمس الدين محمد ابن المؤذن الجزيني(3)، عن الشيخ ضياء الدين علي(4)، عن والده الحائز للمرتبتين الشيخ شمس الدين محمد بن مكي(5)، عن الشيخ أبي طالب محمد فخر المحققين(6)، عن والده آية الله الحسن بن مطهر العلامة الحلي(7)، عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن الحسن ابن


1) الشيخ زين الدين ابن الشيخ نور الدين العاملي المعروف بالشهيد الثاني (911 - 966 هـ. ق) زاهد عابد ومن كبار فقهاء الشيعة، جامع لعلوم مختلفة، كان متقناً لفقه المذاهب الأربعة ومدرساً لها . من مؤلفاته : شرح اللمعة، مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام، منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، أسرار الصلاة، كشف الريبة في أحكام الغيبة .

2) الشيخ عبد العلي الميسي الكركي المشهور بالمحقق الكركي والمحقق الثاني (938هـ. ق) فقيه أصولي ومن مفاخر فقهاء الشيعة، قدم من جبل عامل لبنان إلى إيران أيام الصفويين وأوجد حوزة علمية في قزوين وإصفهان وأخرج علماء كبار منها، منهم: الشيخ علي منشار السيد أمير الإسترآبادي، الشيخ عبد النبي الجزائري. ومن مؤلفاته : كتاب جامع المقاصد في شرح قواعد العلامة الحلي.

3) الشيخ محمد بن محمد بن داود المؤذن العاملي الجزيني ابن عم الشهيد الأول كان عالماً فاضلاً شاعراً .

4) الشيخ ضياء الدين علي بن محمد المكي الابن الثاني للشهيد الأول كان عالماً وفاضلا ومحققاً. وقد روى عنه الشيخ محمد بن محمد بن داود مؤذن .

5) الشيخ شمس الدين محمد بن مكي العاملي المعروف بالشهيد الأول (734 - 786هـ. ق) من أعاظم فقهاء الإمامية . كان أستاذاً في العلوم المختلفة بلا منازع وملقباً بإمام الفقه. تربى في بيت علم وأدب وأنجب أولاداً من الذكور والإناث كانوا جميعاً من الفقهاء. تلمذ على كثير من الأساتذة ونال الإجازة في نقل الأحاديث من علماء المذاهب الإسلامية. من تلامذته المشهورين الشيخ زين الدين علي بن خازن والشيخ عبد العالي الكركي والشيخ حسن بن سليمان والشيخ المقداد السيوري. من مؤلفاته: الدروس. الذكرى البيان. اللمعة الدمشقية. الأربعون حديثاً .

6) فخر المحققين أبو طالب محمد بن الحسن (682 - 771هـ. ق) من كبار فقهاء الإمامية الذين حازوا - كما يقال - على درجة الاجتهاد وهو في السنة العاشرة من حياته ، تلمذ على أبيه العلامة الحلي وورث العلم من أبيه. من تلامذته: الشهيد الأول، السيد حيدر الآملي، السيد تاج الدين، ابنه ظهير الدين . من مؤلفاته : الفوائد في حل مشكلات القواعد، شرح مبادىء الأصول، الكافية، الوافية في علم الكلام.

7) آية الله الشيخ جمال الدين حسن بن يوسف بن علي بن مطهر الحلي (648 - 726هـ. ق) فقيه محدث، مفسر، متكلم ، أديب، جامع للمعقول والمنقول، ورئيس الإمامية في أيامه ولقبه المشهور (العلامة). ما يختص به : درس على كبار علماء الشيعة والسنة منهم: المحقق الحلي، الخواجه نصير الدين الطوسي، والسيد أحمد بن طاووس، والشيخ نجيب الدين. تلمذ عليه ابنه فخر المحققين واستفاد منه خواجه نصير الدين الطوسي . من مؤلفاته في الفقه : تبصرة المتعلمين، المختلف، القواعد، تذكرة الفقهاء. وفي علم الكلام: شرح تجريد الاعتقاد، الألفين. وفي علم الرجال : المختصر . وفي التفسير : تلخيص الكشاف .

سعيد الحلي المحقق على الإطلاق(1)، عن السيد أبي علي فخار بن معد الموسوي(2)، عن الشيخ شاذان بن جبرائيل القمي(3)، عن الشيخ محمد ابن أبي القاسم الطبري(4)، عن الشيخ أبي علي الحسن(5)، عن والده شيخ الطائفة، أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي(6)(رحمه الله علیه) جامع «التهذيب والاستبصار» عن إمام الفقهاء والمتكلمين، الشيخ


1) الشيخ أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي (602 - 676هـ .ق) المشهور بالمحقق من كبار فقهائنا اللامعين. لقد تلمذ على هذا الفقيه البارز العلامة الحلي وأخوه والسيد غياث الدين بن أحمد بن طاووس وترك (رحمه الله علیه) كتاب شرائع الإسلام الذي غدا من يوم تأليفه إلى يومنا هذا محور البحث والدرس لدى علمائنا العظام ومنهم الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر الذي تولى شرحه. ومن مؤلفاته : المختصر النافع، المعتبر في شرح المختصر .

2) السيد شمس الدين أبو علي فخار بن معد الموسوي الحلي (600هـ.ق) فاضل وأديب ومحدّث وصاحب كتاب الرّد على الذاهب إلى تكفير أبي طالب.

3) الشيخ الجليل الثقة أبو الفضل شاذان بن جبرئيل القمي عالم فاضل وفقيه جليل . له كتاب الصلة في معرفة القبلة وكتاب الفضائل .

4) الشيخ عماد الدين أبو جعفر محمد ابن أبي القاسم الطبري ابن أبي القاسم علي بن محمد الأملي، له : بشارة المصطفى لشيعة المرتضى، الفرج في الأوقات، شرح مسائل الذريعة .

5) أبو علي حسن بن محمد الطوسي من فقهاء الشيعة الكبار ومن تلاميذ والده الشيخ الطوسي، تولى تدريس تلاميذ أبيه بعد وفاته واستفاد طلاب كثيرون من علمه توفي عام 515 هـ .ق وله : المرشد إلى سبيل التعبد، شرح نهاية الأحكام.

6) أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس سره (385 - 465 هـ .ق) الملقب بـ(شيخ الطائفة) من أكبر علماء الإسلام كان (رحمه الله علیه) رئيس الفقهاء والمتكلمين في عصره وله باع طويل في علم الأدب والرجال والتفسير والحديث. أساتذته: الشيخ المفيد السيد المرتضى، ابن الغضائري، ابن عبدون، له كتابان في الحديث من الكتب الأربعة للشيعة الإمامية هما : الاستبصار والتهذيب وكتابان في الفقه هما: النهاية، والخلاف، وكتاب المبسوط من كتبه الفقهية التي تعرض لبيان أحكام المسائل الكثيرة الفرعية. ومن مؤلفاته : كتاب الفهرست، الرجال، اختيار معرفة الرجال، عدّة الأصول، الغيبة، التبيان في تفسير القرآن، تلخيص الشافي، مصباح المتهجد، ترك قدس سره مدينة بغداد بعد إحراق مكتبته عام 448هـ . ق وهاجر إلى النجف الأشرف وأسس الحوزة العلمية فيها .

أبي عبد الله محمد بن النعمان «الشيخ المفيد»(1)عن شيخه رئيس المحدثين الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي(2)، صاحب كتاب «من لا يحضره الفقيه»، عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن قولويه(3)، عن الشيخ الأجلّ ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني(4)، صاحب «الكافي»، عن علي بن


1) الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن نعمان (336 أو 338 - 413 هـ. ق) الملقب بـ(المفيد) و(ابن المعلم) من كبار فقهاء ومتكلمي ومحدِّثي الشيعة، والمتصدين للزعامة العلمية في بغداد أيام حياته. نال الألطاف والعناية من الإمام الحجة بن الحسن العسكري (علیه السّلام)، حيث تشرف برسالتين من الإمام المنتظر وفيهما خطاب إليه قدّس سرّه بـ(الأخ السديد) و(الشيخ المفيد) و (الولي الرشيد) و(الولي المخلص) و (ناصر الحق) و(الداعي إلى الحق). درس على علماء الشيعة والسنة والزيدية مثل جعفر بن محمد بن قولويه، الشيخ الصدوق، ابن الجنيد، الاسكافي، علي ابن أبي الجيش البلخي . ومن تلامذته اللامعين : السيد المرتضى علم الهدى السيد الرضي الشيخ الطوسي، النجاشي، الكراجكي، سالار بن عبد العزيز. ترك ما يقارب مائتي مؤلف الأعم من الصغير والكبير أشهرها: الإرشاد، الجمل، الاختصاص، أوائل المقالات، الأمالي، المقنعة.

2) محمد بن علي بن حسين بن موسى بن بابويه القمي المكنى بأبي جعفر المعروف بـ(ابن بابويه) (- 381هـ. ق) من كبار علماء الإمامية ومشائخ الحديث وفقهاء الشيعة. ولد بدعاء إمام العصر عجل الله تعالى فرجه أيام الغيبة الصغرى روى عن أبيه علي بن بابويه ومحمد بن الحسن بن الوليد وجعفر بن محمد بن قولويه. وروى عنه كل من الشيخ المفيد وابن شاذان والغضائري والشيخ أبو جعفر محمد الف الدوريستي . حدود ثلاثمائة كتاب أشهرها : من لا يحضره الفقيه، إكمال الدين وإتمام النعمة، الخصال، التوحيد، عيون أخبار الرضا، الأمالي، معاني الأخبار، علل الشرائع، الهداية، المقنع. دفن في الري وضريحه مهوى الموالين لأهل البيت (علیهم السّلام).

3) أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي (368هـ . ق) من المحدثين وفقهاء الشيعة الكبار في القرن الرابع الهجري. روى عن الكليني وابن عقدة وعلي بن بابويه القمي (والد الشيخ الصدوق) ونقل عنه كل من الشيخ المفيد والنجاشي وغيرهما . له آثار في الفقه والحديث أشهرها كتاب كامل الزيارات .

4) محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي المشهور بـ(ثقة الإسلام) (328 أو 329هـ. ق) من كبار محدثي الشيعة وشيخ مشايخ أهل الحديث، وأفضل المحدثين عبر التاريخ. تلقى الحديث عن ما يقارب من أربعين شخصاً وتلقى عنه الكثير من كبار العلماء مثل جعفر بن محمد بن قولویه، هارون بن موسى التلعكبري. وهو أول مؤلف من مؤلفي الكتب الأربعة الحديثية للشيعة الإمامية، والذي جمع الأحاديث طوال أعوام مديدة في أقسام ثلاثة: أصول الكافي، فروع الكافي، روضة الكافي. له : كتاب الرجال، رسائل الأئمة ، كتاب الردّ على القرامطة وكتاب تعبير الرؤيا .

إبراهيم(1)، عن أبيه(2)، عن النوفلي(3)

الرضا (علیه السّلام) ومات في الري .

، عن السكوني(4)، عن أبي عبد الله (الإمام جعفر الصادق (علیه السّلام)) أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، بَعَثَ سَرِيَّةٌ ، فَلَمَّا رَجَعُوا، قال: مَرْحَباً بِقَوْمٍ قَضَوا الْجِهَادَ الأَصْغَرَ وَبَقِيَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ الأَكْبَرُ ، فقيل : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجِهَادُ الأَكْبَرُ؟ قَالَ : «جِهَادُ النَّفْسِ»(5).

الشرح:

إن «السريّة» قطعة من الجيش. ويقال خير السرايا أربعمائة رجل(6). وأما باقي مفردات الحديث فواضحة .

إعلم أنّ الإنسان كائن عجيب، له نشأتان، وعالمان: نشأة ظاهرية مُلكية دنيوية هي بدنه، ونشأة باطنية غيبية ملكوتية تكون من عالم آخر . إنّ لنفس الإنسان التي هي من عالم الغيب والملكوت مقامات ودرجات قسَّموها بصورة عامة إلى سبعة أقسام حيناً(7)، وإلى


1) علي بن إبراهيم بن هاشم القمي فقيه، محدث، مفسر عاش في أواخر القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع الهجري ومن مشايخ الكليني . له كتب تنسب إليه مثل : كتاب المناقب، قرب الإسناد، كتاب الشرائع، كتاب المغازي، كتاب الأنبياء ، تفسير القرآن. مات ودفن في قم المقدسة.

2) إبراهيم بن هاشم القمي روى كثيراً عن أصحاب الإمام محمد الجواد (علیه السّلام) وأصحاب الأئمة سلام الله عليهم. قالوا إنه أول من نشر أحاديث الكوفيين في قم المقدسة . له كتاب النوادر وقضايا أمير المؤمنين .

3) الحسين بن يزيد النوفلي شاعر وأديب نزل الري وعده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام

4) اسماعيل ابن أبي زياد السكوني من العامة ومن الرواة عن الإمام الصادق (علیه السّلام) ونقل الشيخ الطوسي في عدة الأصول أن علماء الإمامية أخذوا برواياته وعملوا بها (عدة الأصول ج 1 ص 38) .

5) فروع الكافي - كتاب الجهاد - باب وجوه الجهاد، الحديث الثالث .

6) السرية اسم لقسم من العسكر ، قيل إن أفضل السرايا ما كان مؤلفاً من 400 شخصاً ونقل أيضاً عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أن (خير السرايا أربعمائة) وسائل الشيعة 11/ 103 كتاب الجهاد، باب 54 حديث 1 .

7) الحاج ملا هادي السبزواري عدد مقامات النفس في حاشية الأسفار على النحو التالي: النفس، القلب، العقل، الروح، السرّ، الخفي، الأخفى. وذكر المقدس الشاه آبادي في كتابه (الإنسان والفطرة) أن مقام العقل قبل مقام القلب، ولكن صدر المتألهين يعدد المقامات على الصورة التالية: الطبع، النفس، القلب، العقل الروح، السر، الخفي فلم يأت على ذكر مقام الأخفى، مضيفاً مقام الطبع. (الأسفار، ج 7، ص 36 ، طبع دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة - 1981 - بيروت - لبنان).

أربعة أقسام حيناً(1)ثانياً، وإلى ثلاثة أقسام حيناً ثالثاً(2)، وإلى قسمين حيناً رابعاً(3). ولكل من المقامات والدرجات جنود رحمانية وعقلانية تجذب النفس نحو الملكوت الأعلى وتدعوها إلى السعادة. وجنود شيطانية وجهلانية تجذب النفس نحو الملكوت السفلي وتدعوها للشقاء . وهناك دائماً جدال ونزاع بين هذين المعسكرين، والإنسان هو ساحة حربهما ، فإذا تغلّبت جنود الرحمن كان الإنسان من أهل السعادة والرحمة وانخرط في سلك الملائكة وحُشِرَ في زمرة الأنبياء والأولياء والصالحين .

وأما إذا تغلّب جند الشيطان ومعسكر الجهل، كان الإنسان من أهل الشقاء والغضب (مغضوب الله سبحانه)، وحُشِرَ في زمرة الشياطين والكفار والمحرومين .

وحيث أنّ هذه الأوراق ليست محلاًّ للتفصيل والشرح، أشير هنا بصورة إجمالية إلى مقامات النفس وأوجه سعادتها وتعاستها، وأوضّح كيفية مجاهدتها إن شاء الله .

المقام الأول: فصل: إشارة إلى المقام الأول للنفس

اشارة

وفيه عدة فصول

إعلم أنّ مقام النفس الأول ومنزلها الأدنى والأسفل، هو منزل المُلك والظاهر وعالمهما . وفي هذا المقام تتألّق الأشعة والأنوار الغيبية في هذا الجسد المادي والهيكل


1) ذكروا لعقل الإنسان مراحل أربعة هي: العقل الهيولاني، العقل بالملكة، العقل بالفعل، العقل بالمستفاد. (شواهد الربوبية ص 202 - 207) وهكذا يجعل صدر المتألهين للنفس الإنساني مراحل أربعة حيث يقسم نفس الإنسان إلى السر والعلن ويقسم كلا منهما إلى الظاهر والباطن يقول (إعلم أن القرآن كالإنسان ينقسم إلى سرّ وعلن ولكل منهما أيضاً ظهر وبطن) (الأسفار ، ج7، ص36، طبع دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1981 - بيروت - لبنان) .

2) قسم الشيخ أبو علي بن سينا قوى النفس في المرحلة الأولى إلى مراتب ثلاثة : النفس النباتية، النفس الحيوانية، النفس الإنسانية. والتقسيم الثلاثي الآخر يلحظ مراتب المُلك والبرزخ والعقل .

3) إن تقسيم النفس إلى قسمين إشارة إلى تقسيم النفس إلى الظاهر والباطن أو حسب تعبير آخر إلى السّر والعلن، الملك والملكوت، الدنيا والآخرة .

الظاهري، وتمنحه الحياة العرضية، وتجهز فيه الجيوش، فتكون ساحة معركة النفس وجهادها نفس هذا الجسد، وجنودها هي قواها الظاهرية التي وجدت في الأقاليم الملكية السبعة وهي: «الأذن والعين واللسان والبطن والفرج واليد والرجل». وتكون جميع هذه القوى المتوزعة في تلك الأقاليم السبعة، تحت تصرف النفس في مقام الوهم، فالوهم سلطان جميع القوى الظاهرية والباطنية للنفس، فإذا تحكم الوهم على تلك القوى سواء بذاته - مسقلاً - وبتدخل الشيطان، جعلها - أي تلك القوى - جنوداً للشيطان، وبذلك يجعل هذه المملكة تحت سلطان الشيطان، وتنهزم عندها جنود الرحمن والعقل، وتتوارى وتخرج من نشأة الملك وعالم الإنسان وتهاجر عنه ، وتصبح هذه المملكة خاصة بالشيطان. وأما إذا خضع الوهم لحكم العقل والشرع، وكانت حركاته وسكناته مقيدة بنظام العقل والشرع، فقد أصبحت هذه المملكة مملكة روحانية وعقلانية، ولم يجد الشيطان وجنوده محط قدم لهم فيها .

إذاً، يكون جهاد النفس في هذا المقام، عبارة عن انتصار الإنسان على قواه الظاهرية، وجعلها مؤتمرة بأمر الخالق، وعن تطهير المملكة من دنس وجود قوى الشيطان وجنوده .

فصل : في التفكر

إعلم أنّ أول شرط مجاهدة النفس والسير باتجاه الحق تعالى، هو «التفكر»، وقد وضعه بعض علماء الأخلاق في بدايات الدرجة الخامسة(1)، وهذا - التصنيف - صحيح في محلّه أيضاً.

والتفكّر في هذا المقام هو أن يفكّر الإنسان بعض الوقت في أنّ مولاه الذي خلقه في هذه الدنيا، ووفّر له كل أسباب الدعة والراحة، ووهبه جسماً سليماً وقوى سالمة ذات منافع تحيَّر ألباب الجميع ، والذي رعاه وهيَّأ له كل هذه السعة وأسباب النعمة والرحمة من جهة وأرسل جميع هؤلاء الأنبياء، وأنزل كلّ هذه الكتب «الرسالات»، وأرشد ودعا


1) منازل السائرين، خواجة عبد الله الأنصاري، ص 13 .

إلى الهدى من جهة أخرى . . . هذا المولى ماذا يستحق منّا؟ وما هو واجبنا تجاه مالك الملوك هذا؟! . هل أن وجود جميع هذه النعم، هو فقط لأجل هذه الحياة الحيوانية وإشباع الشهوات التي نشترك فيها مع الحيوانات، أو أن هناك هدفاً وغاية أخرى؟ .

هل أنّ للأنبياء الكرام، والأولياء العظام، والحكماء الكبار، وعلماء كلّ أمة الذين يدعون الناس إلى حكم العقل والشرع ويحذّرونهم من الشهوات الحيوانية ومن هذه الدنيا البالية، عداءً ضد الناس أم أنهم كانوا مثلنا لا يعلمون طريق صلاحنا نحن المساكين المنغمسين في الشهوات؟! .

إنّ الإنسان إذا فكَّر لحظة واحدة، عرف أنّ الهدف من هذه النعم هو شيء آخر، وأن الغاية من هذا الخلق أسمى وأعظم، وأنّ هذه الحياة الحيوانية ليست هي الغاية بحدَّ ذاتها، وأنّ على الإنسان العاقل أن يفكّر بنفسه، وأن يترحّم على حاله ونفسه المسكينة ؛ ويخاطبها قائلاً: أيتها النفس الشقية التي قضيت سني عمرك الطويلة في الشهوات، ولم يكن نصيبك سوى الحسرة والندامة، ابحثي عن الرحمة، واستحي من مالك الملوك، وسيري قليلاً في طريق الهدف الأساسي المؤدّي إلى حياة الخلد والسعادة السرمدية، ولا تبيعي تلك السعادة بشهوات أيام قليلة فانية، التي لا تتحصل حتى مع الصعوبات المضنية الشاقة. فكّري قليلاً في أحوال أهل الدنيا، من السابقين واللاحقين وتأمّلي متاعبهم وآلامهم كم هي أكبر وأكثر بالنسبة إلى هنائهم، في نفس الوقت الذي لا يوجد فيه هناء وراحة لأي شخص.

إنّ الذي يكون في صورة الإنسان ولكنه من جنود الشيطان وأعوانه، والذي يدعوك إلى الشهوات، ويقول : يجب ضمان الحياة المادية، تأمّل قليلاً في حال نفس ذلك الإنسان واستنطقه ، وأنظر هل هو راض عن ظروفه ، أم أنه مبتل ويريد أن يبلي مسكيناً آخر ؟! .

وعلى أيّ حال ؛ فادع ربّك بعجز وتضرّع أن يعينك على أداء واجباتك التي ينبغي أن تكون أساس العلاقة فيما بينك وبينه تعالى، والمأمول أن يهديك هذا التفكير المنبعث عن نية مجاهدة الشيطان والنفس الأمارة إلى طريق آخر، ويوفّقك للرقي إلى منزلة أخرى من منازل المجاهدة .

فصل : في العزم

وهناك مقام آخر يواجه الإنسان المجاهد بعد التفكّر ، وهو مقام العزم (وهذا هو غير الإرادة التي عدها الشيخ الرئيس(1)

في والإلهيات وعليه شروح كثيرة أهمها شرح فخر الدين الرازي وخواجه نصير الدين الطوسي . الشفا : كتاب يبحث بصورة مبسطة عن المنطق والرياضيات والطبيعيات والإلهيات النجاة في الفلسفة. المبدأ والمعاد، القانون في الطب، القصيدة العينية، التعليقات.

في الإشارات أولى درجات العارفين)(2). يقول أحد مشايخنا أطال الله عمره : «إنَّ العزم هو جوهر الإنسانية، ومعيار ميزة الإنسان، وأنّ اختلاف درجات الإنسان باختلاف درجات عزمه».

والعزم الذي يتناسب وهذا المقام، هو أن يوطن الإنسان نفسه على ترك المعاصي وأداء الواجبات، ويتخذ قراراً بذلك، ويتدارك ما فاته في أيام حياته، وبالتالي يسعى على أن يجعل من ظاهره إنساناً عاقلاً وشرعياً، بحيث يحكُم الشرع والعقل حسب الظاهر بأن هذا الشخص إنسان. والإنسان الشرعي هو الذي ينظم سلوكه وفق ما يتطلبه الشرع، يكون ظاهره كظاهر الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، يقتدي بالنبي العظيم (صلی الله علیه و آله و سلم) ويتأسى به في جميع حركاته وسكناته، وفي جميع ما يفعل وما يترك. وهذا أمر ممكن، لأنّ جعل الظاهر مثل هذا القائد أمر مقدور لأيّ فرد من عباد الله.

وأعلم . . . أن طيّ أي طريق في المعارف الإلهية، لا يمكن إلاّ بالبدء بظاهر الشريعة، وما لم يتأدّب الإنسان بآداب الشريعة الحقّة، لا يحصل له شيء من حقيقة


1) حسین بن عبد الله بن سينا (370 - 427 أو 428 هـ . ق) المعروف بـ (أبو علي سينا) و (الشيخ الرئيس) من فحول أطباء المسلمين ومن كبار الفلاسفة المشائيين ومن ذوي النظر والرأي في العلوم الأخرى أيضاً استطاع من خلال تمتعه بذكاء خارق وحافظة قوية أن ينتهي من الدراسة في فترة قصيرة ويترك مؤلفات قيمة مختلف المجالات العلمية منها : الإشارات والتنبيهات وهو كتاب يحتوي على المنطق والطبيعيات

2) قال ابن سينا في الفصل السابع: أول درجات حركات العارفين ما يسمّونه هم الإرادة وهو ما يعتري المستبصر باليقين البرهاني أو الساكن النفس إلى العقد الإيماني من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى فيتحرك سيره إلى القدس لينال من روح الاتصال فمادامت درجته هذه فهو مريد. (الإشارات والتنبيهات ، ج 4، طبع مؤسسة النعمان، ص71).

الأخلاق الحسنة، كما لا يمكن أن يتجلّى في قلبه نور المعرفة، وتتكشّف له العلوم الباطنية وأسرار الشريعة. وبعد انكشاف الحقيقة، وظهور أنوار المعارف في قلبه، لا بد من الاستمرار في التأدّب بالآداب الشرعية الظاهرية أيضاً .

ومن هنا نعرف بطلان دعوى من يقول : ـ(إنَّ الوصول إلى العلم الباطن يكون بترك العلم الظاهر)، أو (لا حاجة إلى الآداب الظاهرية بعد الوصول إلى العلم الباطن). وإن هذه الدعوى ترجع إلى جهل من يقول بها، وجهله بمقامات العبادة ودرجات الإنسانية . ولعلّي أتوفّق لبيان بعض هذا الأمر في هذه الأوراق إن شاء الله تعالى.

فصل : في السعي للحصول على العزم

أيها العزيز . . . اجتهد لتصبح ذا عزم وإرادة، فإنك إذا رحلت من هذه الدنيا دون أن يتحقق فيك العزم (على ترك المحرّمات) فأنت إنسان صوري، بلا لبّ، ولن تحشر في ذلك العالم (عالم الآخرة) على هيئة إنسان، لأنّ ذلك العالم هو محلّ كشف الباطن وظهور السريرة، وإنَّ التجرؤ على المعاصي يفقد الإنسان تدريجياً، العزم ويختطف منه هذا الجوهر الشريف. يقول الأستاذ المعظم دام ظلّه : «إنَّ أكثر ما يسبّب على فقد الإنسان العزم والإرادة هو الاستماع للغناء».

إذاً؛ تجنّب يا أخي المعاصي، واعزم على الهجرة إلى الحق تعالى، وأجعل ظاهرك ظاهراً إنسانياً، وأدخل في سلك أرباب الشرائع، وأطلب من الله تعالى في الخلوات العون على بلوغ هذا الهدف وأستشفع برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته (علیهم السّلام) حتى يوفّقك الله على ذلك، ويعصمك من المزالق التي تعترضك، لأن هناك مزالق كثيرة تعترض الإنسان أيام حياته، ومن الممكن أنه في لحظة واحدة يسقط في مزلق مهلك، يعجز من السعي لإنقاذ نفسه، بل قد لا يهتم بإنقاذ نفسه، بل ربما لا تشمله حتى شفاعة الشافعين . نعوذ بالله منها .

فصل : في المشارطة والمراقبة والمحاسبة

ومن الأمور الضرورية للمجاهد : «المشارطة والمراقبة والمحاسبة» فالمشارط هو

الذي يشارط نفسه في أول يومه على أن لا يرتكب اليوم أي عمل يخالف أوامر الله، ويتخذ قراراً بذلك ويعزم عليه. وواضح أن ترك ما يخالف أوامر الله، ليوم واحد، أمر يسير للغاية، ويمكن للإنسان بكل سهولة أن يلتزم به . فاعزم وشارط وجرّب، وانظر كيف أنّ الأمر سهل يسير .

ومن الممكن أن يصوّر لك إبليس اللعين وجنده أنّ الأمر صعب وعسير . فأدرك أن هذه هي من تلبيسات هذا اللعين، فالعنه قلباً وواقعاً، وأخرج الأوهام الباطلة من قلبك، وجرّب ليوم واحد، فعند ذلك ستصدق هذا الأمر .

وبعد هذه المشارطة عليك أن تنتقل إلى «المراقبة»، وكيفيتها هي أن تنتبه طوال مدة المشارطة إلى عملك وفقها، فتعتبر نفسك ملزماً بالعمل وفق ما شارطت . وإذا حصل - لا الله - حديث لنفسك بأن ترتكب عملاً مخالفاً لأمر الله، فاعلم أنّ ذلك من عمل سمح الشيطان وجنده، فهم يريدونك أن تتراجع عمَّا اشترطته على نفسك، فالعنهم واستعذ بالله من شرّهم، وأخرج تلك الوساوس الباطلة من قلبك، وقل للشيطان : «إني اشترطت على نفسي أن لا أقوم في هذا اليوم - وهو يوم واحد - بأيّ عمل يخالف أمر الله تعالى، وهو ولي نعمتي طول عمري، فقد أنعم وتلطّف عليَّ بالصحة والسلامة والأمن وألطاف أخرى، ولو أني بقيت في خدمته إلى الأبد لما أديّت حق واحدة منها، وعليه فليس من اللائق أن لا أفي بشرط بسيط كهذا»، وآمل - إن شاء الله - أن ينصرف الشيطان، ويبتعد عنك، وينتصر جنود الرحمن .

والمراقبة لا تتعارض مع أيّ من أعمالك كالكسب والسفر والدراسة، فكن على هذه الحال إلى الليل ريثما يحين وقت المحاسبة .

وأمّا «المحاسبة» فهي أن تحاسب نفسك لترى هل أدّيت ما اشترطت على نفسك مع الله، ولم تخن وليّ نعمتك في هذه المعاملة الجزئية؟ إذا كنت قد وفيت حتمّاً، فاشكر الله على هذا التوفيق، وإن شاء الله لك سبحانه التقدّم في أمور دنياك وآخرتك، وسيكون عمل الغد أيسر عليك من سابقه، فواظب على هذا العمل فترة، والمأمول أن يتحوّل إلى ملكة فيك بحيث يصبح هذا العمل بالنسبة إليك سهلاً ويسيراً للغاية، وستحسُّ عندها باللذة والأنس في طاعة الله تعالى وترك معاصيه، وفي هذا العالم بالذات، في حين أن هذا

العالم ليس هو عالم الجزاء لكن الجزاء الإلهي يؤثّر ويجعلك مستمتعاً وملتذّاً - بطاعتك الله وابتعادك عن المعصية - .

وأعلم أنّ الله لم يكلفك ما يشقّ عليك به، ولم يفرض عليك ما لا طاقة لك به ولا قدرة لك عليه، لكن الشيطان وجنده يصوّرون لك الأمر وكأنه شاق صعب .

وإذا حدث - لا سمح الله - أثناء المحاسبة تهاون وفتور تجاه ما اشترطت على نفسك، فاستغفر الله واطلب العفو منه، واعزم على الوفاء بكل شجاعة بالمشارطة غداً، وكن على هذا الحال كي يفتح الله تعالى أمامك أبواب التوفيق والسعادة، ويوصلك إلى الصراط المستقيم للإنسانية .

فصل : في التذكر

ومن الأمور التي تُعين الإنسان - وبصورة كاملة - في مجاهدته للنفس والشيطان، والتي ينبغي للإنسان السالك المجاهد الانتباه إليها جيداً هو «التذكر». وبذكره نختم الحديث عن هذا المقام، على الرغم من أنه لازال هناك الكثير من المواضيع .

والذكرى في هذا المقام، هي عبارة عن ذكر الله تعالى ونعمائه التي تلطف بها على الإنسان .

وأعلم أن احترام المنعم وتعظيمه، هو من الأمور الفطرية التي جبل الإنسان عليها والتي تحكم الفطرة بضرورتها، وإذا تأمل أي شخص في كتاب ذاته، لوجده مسطوراً فيه أنه يجب تعظيم من أنعم نعمةً على الإنسان. وواضح أنه كلما كانت النعمة أكبر وكان المنعم أقلّ غرضاً، كان تعظيمه أوجب وأكثر، حسب ما تحكم به الفطرة. فهناك مثلاً فرق واضح في الاحترام والتقدير بين شخص يعطيك «حصاناً» تلاحقه عيناه ويرمي من ورائه شيئاً، وبين الذي يهبك مزرعة كاملة ولا يمنّ عليك . أو مثلاً، إذا أنقذك طبيب من العمى، فتقدره وتحترمه بصورة فطرية، وإذا أنقذك من الموت كان تقديرك واحترامك له أكثر .

لاحظ الآن أن النعم الظاهرة والباطنة التي تفضّل بها علينا مالك الملوك جلَّ شأنه لو

اجتمع الجنّ والإنس لكي يعطونا واحدة منها لما استطاعوا. وهذه حقيقة نحن غافلون عنها، فمثلاً هذا الهواء الذي ننتفع به ليلاً ونهاراً، وحياتنا وحياة جميع الموجودات مرهونة به، بحيث لو فقد مدة ربع ساعة لما بقي هناك حيوان على قيد الحياة، هذا الهواء كم هو نعمة عظيمة، يعجز الجن والإنس جميعاً عن منحنا مثيلاً لها لو أرادوا أن يمنحونا ذلك؟ وعلى هذا فقس وتذكر قليلاً كافة النعم الإلهية مثل سلامة البدن والقوى الظاهرية من قبيل البصر والسمع، والتذوق واللمس، والقوى الباطنية مثل التخيّل والواهمة والعقل وغير ذلك حيث يكون لكل واحدة من هذه النعم منافع خاصة لا حدَّ لها . وجميع هذه النعم وهبنا إياها مالك الملوك دون أن نطلب منه أو يمنَّ علينا ولم يكتف بهذه النعم بل أرسل الأنبياء والرسل والكتب وأوضح لنا طريق السعادة والشقاء والجنة والنار، ووهبنا كلّ ما نحتاجه في الدنيا والآخرة، دون أن يكون فقيراً ومحتاجاً إلى طاعتنا وعبادتنا . فهو سبحانه لا تنفعه الطاعة ولا تضرّه المعصية، وطاعتنا ومعصيتنا بالنسبة له على حدّ سواء، بل من أجل خيرنا ومنفعتنا نحن يأمر وينهي . وبعد تذكّر هذه النعم والكثير الكثير من النعم حقّاً جميعُ البشر عن إحصاء الكليّات منها، فكيف بعدّها واحداً الأخرى التي يعجز واحداً؟ بعد ذلك يُطرح السؤال التالي : ألا تحكم فطرتك بوجوب تعظيم منعم كهذا وما هو حكم العقل تجاه خيانة وليّ نعمة كهذا؟! .

ومن الأمور الأخرى التي تقرّها الفطرة، احترام الشخص الكبير العظيم، ويرجع كل هذا الاحترام والتقدير الذي يبديه الناس تجاه أهل الدنيا والجاه والثروة والسلاطين والأعيان، يرجع إلى أنهم يرون أولئك كباراً وعظماء، وأيّ عظمة تصل إلى مستوى عظمة مالك الملوك الذي خلق هذه الدنيا الحقيرة الوضيعة والتي تعتبر من أصغر العوالم وأضيق النشئات، رغم كل ذلك لم يتوصل عقل أي موجود إلى إدراك كنهها وسرّها حتى الآن، بل ولم يطلع كبار المكتشفين في العالم بعد، على أسرار منظومتنا الشمسية هذه، وهي أصغر المنظومات ولا تعد شيئاً، قياساً بباقي الشموس. أفلا يجب احترام وتعظيم هذا العظيم الذي خلق هذه العوالم وآلاف الآلاف من العوالم الغيبية بإيماءة؟! .

ويجب أيضاً بالفطرة، احترام من يكون حاضراً، ولهذا ترى بأن الإنسان إذا تحدث لا سمح الله عن شخص بسوء في غيبته، ثم حضر في أثناء الحديث ذلك الشخص، اختار المتحدث حسب فطرته الصمت، وأبدى له الاحترام. ومن المعلوم أن الله تبارك وتعالى

حاضر في كل مكان وتحت إشرافه تعالى تدار ممالك الوجود، بل إنّ كلّ نفس جميع تكون في حضرة الربوبية، وكلّ علم يوجد ضمن محضره سبحانه وتعالى .

فتذكري يا نفسي الخبيثة أي ظلم فظيع، وأي ذنب عظيم تقترفين إذا عصيت مثل هذا العظيم في حضرته المقدسة وبواسطة القوى التي هي نعمه الممنوحة لك؟ ألا ينبغي أن تذوبي من الخجل وتغوري في الأرض لو كان لديك ذرة من الحياء؟ .

إذاً: فيا أيها العزيز ؛ كن ذاكراً لعظمة ربّك، وتذكّر نعمه وألطافه، وتذكر أنك في حضرته - وهو شاهد عليك - فدع التمرّد عليه، وفي هذه المعركة الكبرى تغلب على جنود الشيطان، وأجعل من مملكتك مملكة رحمانية وحقانية، وأحلل فيها عسكر الحق تعالى محلّ جنود الشيطان، كي يوفقك الله تبارك وتعالى في مقام مجاهدة أخرى، وفي ميدان معركة أكبر تنتظرنا وهي الجهاد مع النفس في العالم الباطن، وفي المقام الثاني للنفس، وهذا ما سنشير إليه لاحقاً إن شاء الله . وأكرر التذكير بأنه في جميع الأحوال لا تعلق على نفسك الآمال لأنه لا ينهض أحد بعمل غير الله تعالى. فاطلب من الحق تعالى نفسه بتضرع وخشوع، كي يعينك في هذه المجاهدة لعلك تنتصر . إنه ولي التوفيق .

المقام الثاني: وفيه عدة فصول أيضاً فصل : صراع جنود الرحمن مع جنود الشيطان الباطنية النفسية

اشارة

إعلم أنّ للنفس الإنسانية مملكة ومقاماً آخر، وهي مملكتها الباطنية ونشأتها الملكوتية، وفيها تكون جنود النفس أكثر وأهم مما في مملكة الظاهر، والصراع والنزاع فيها بين الجنود الرحمانية والشيطانية أعظم والغلبة والانتصار فيها أشد وأهم، بل وإنّ كل ما في مملكة الظاهر قد تنزَّل من هناك وتظهر في عالم المُلك. وإذا تغلب أي من الجند الرحماني أو الشيطاني في تلك المملكة، يتغلّب أيضاً في هذه المملكة . وجهاد النفس في هذا المقام مهم للغاية، عند المشايخ العظام من أهل السلوك والأخلاق، بل ويمكن اعتبار هذا المقام منبع جميع السعادات والتعاسات، والدرجات والدركات .

ويجب على الإنسان الالتفات كثيراً إلى نفسه في هذا الجهاد. فمن الممكن لا سمح الله أن تسفر هزيمة الجنود الرحمانية في تلك المملكة وتركها خالية للغاصبين والمحتلين من جنود الشيطان، عن الهلاك الدائم للإنسان بالصورة التي يستحيل معها تلافي الخسارة، ولا تشمله شفاعة الشافعين، وينظر إليه أرحم الراحمين أيضاً بعين الغضب والسخط - نعوذ بالله من ذلك - بل ويصبح شفعاؤه خصماءه، وويل لمن كان شفيعه خصمه .

ويعلم الله أي عذاب وظلمات وشدائد وتعاسات تلي هذا الغضب الإلهي . وتعقب معاداة أولياء الله حيث تكون كل نيران جهنم وكل الزقوم والأفاعي والعقارب لا شيء أمام هزيمة جنود الرحمان من قبل جنود الشيطان التي تترتب عليها عقوبات تفوق جميع نیران جهنم والزقوم والأفاعي. والعياذ بالله من أن يصبّ على رؤوسنا نحن الضعفاء والمساكين ذلك العذاب الذي يخبر عنه الحكماء والعرفاء وأهل الرياضة والسلوك، فإنّ جميع أشكال العذاب التي تتصورونها، يسيرة وسهلة في مقابله، وجميع النيران التي سمعتم بها، جنة ورحمة في قباله وبالنسبة إلى ذلك العذاب .

إنّ وصف النار والجنة الوارد في كتاب الله وأحاديث الأنبياء والأولياء، يتعلّق غالباً بنار الأعمال وجنّتها اللتين أعدتا للأعمال الصالحة والسيئة. وهناك إشارة خفية أيضاً إلى جنّة الأخلاق ونارها، وأهميتهما أكبر ، وأحياناً يشار أيضاً إلى جنة اللقاء ونار الفراق، وهذه أهم من الجميع، ولكنها إشارات محجوبة عنّا، ولها أهلها، وأنا وأنت لسنا من أهلها، ولكن من الأجدر بنا أن لا نكون منكرين لها. وليكن لدينا إيمان بكل ما قاله الله تعالى وأولياؤه. إذ يكون في هذا الإيمان الإجمالي نفع لنا. ومن الممكن أن يكون الإنكار في غير محله، ولما رفض في غير موقعه الصادرين عن غير علم وفهم، أضرار كبيرة جداً علينا. وهذه الدنيا ليست هي بعالم الالتفات لتلك الأضرار . فمثلاً عند سماعك الحكيم الفلاني أو العارف الفلاني أو المرتاض الفلاني، يقول شيئاً لا يتلاءم وذوقك الخاص، فلا تحكم عليه فوراً بالبطلان والوهم، فقد يكون لذلك القول أصل في الكتاب والسنّة ولكن عقلك لم يطلع عليه بعد .

فما الفرق بين أن يفتي فقيه بفتوى في باب الدّيات وأنتم لم تعرفوها، ثم من دون

مراجعة دليله تردّونه، وبين أن يقول شخص سالك إلى الله أو عارف بالله، قولاً يتعلّق بالمعارف الإلهية أو بأحوال الجنة والنار، وأنتم ودون مراجعة لدليله لا تردّونه فحسب، بل وتهينونه أو تتجرأون عليه؟ فمن الممكن لذلك الشخص وهو من أهل ذلك الوادي وصاحب ذلك الفن أن يكون له دليل من كتاب الله، أو من أحاديث الأئمة، ولكنك لم تطلع عليه بعد، ففي هذه الحالة تكون قد رددت على الله ورسوله دون مبرر مقبول. ومعلوم أن الاحتجاج بأسلوب «أن ذلك لا يتلاءم مع ذوقي» أو «لم يصل إليه علمي» أو «سمعت خلاف ذلك من الخطباء»، فإنّ هذا كلّه لا يشكّل عذراً مقبولاً. وعلى أي حال لترجع إلى صلب الموضوع.

فما قالوه بشأن جنّة الأخلاق والملكات، وجهنم الأخلاق والدركات، مصيبة لا يطيق العقل حتى سماعها .

إذاً فيا أيها العزيز؛ فكر، وابحث عن العلاج، واعثر على سبيل نجاتك ووسيلة خلاصك، واستعن بالله أرحم الراحمين، واطلب من الذات المقدس، في الليالي المظلمة، بتضرع وخضوع أن يعينك في هذا الجهاد المقدس مع النفس، لكي تتغلّب إن شاء الله، وتجعل مملكة وجودك رحمانية، وتطرد منها جنود الشيطان، وتسلم الدار إلى صاحبها حتى يفيض الله عليك السعادة والبهجة والرحمة التي يهون إلى جانبها كلّ ما سمعت عن وصف الجنة والحور والقصور، وتلك هي السلطة الإلهية العامة التي أخبر عنها أولياء الله من هذه الأمة الحنيفة، مما لم يطرق سمع أحد ولم يخطر على قلب بشر(1).

فصل: إشارة إلى بعض القوى الباطنية

إعلم أنّ الله تبارك وتعالى قد خلق بيد قدرته وحكمته في عالم الغيب وباطن


1) إشارة إلى حديث عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : إن الله يقول أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. (مجمع البيان، تفسير الآية : 18 ، سورة السجدة. وبحار الأنوار، ج 8، ص 198 ، کتاب العدل والمعاد، باب الجنة ، حديث 16).

النفس، قوىَ لها منافع لا تحصى. وأنّ ما نبحثه هنا هو ما يتعلّق بهذه القوى الثلاث، وهي : «الوهمية والغضبية والشهوانية»، ولكلّ واحدة من هذه القوى منافع كثيرة من أجل حفظ النوع والشخص وإعمار الدنيا والآخرة كما ذكر ذلك العلماء. ولا حاجة لنا في بيان ذلك في هذه اللحظة، وما يجب أن أنبّه عليه في هذا المقام هو أنّ هذه القوى الثلاث هي منبع جميع الملكات الحسنة والسيئة، وأصل جميع الصور الغيبية الملكوتية. وتفصيل هذا الإجمال هو أنّ الإنسان كما أنّ له في هذه الدنيا صورة ملكية دنيوية، خلقها الله تبارك وتعالى على كمال الحسن والجمال والتركيب البديع، والتي تتحيّر أمامها عقول جميع الفلاسفة والعظماء، لم يستطع علم معرفة الأعضاء والتشريح حتى الآن أن يتعرّف على حقيقتها بصورة صحيحة، وقد مّيزها الله تعالى عن جميع المخلوقات بحسن التقويم وجودة جمال المنظر ، كذلك فإنّ له - أي للإنسان - صورة وهيئة وشكلاً ملكوتياً غيبياً، وهذه الصورة تابعة لملكات النفس والخلقة الباطنية .

وفي عالم ما بعد الموت - سواء في البرزخ أو القيامة - إذا كانت خلقة الإنسان في الباطن والملكة والسريرة إنسانية، تكون الصورة الملكوتية له صورة إنسانية أيضاً. وأما إذا لم تكن ملكاته ملكات إنسانية، فصورته - في عالم ما بعد الموت - تكون غير إنسانية أيضاً، وهي تابعة لتلك السريرة والملكة. فمثلاً إذا غلبت على باطنه ملكة الشهوة والبهيمية، وأصبح حكم مملكة الباطن حكم البهيمة، كانت صورة الإنسان الملكوتية على صورة إحدى البهائم التي تتلاءم وذلك الخُلُق . وإذا غلبت على باطنه وسريرته ملكة الغضب والسبعية، وكان حكم مملكة الباطن والسريرة حكماً سبعياً، كانت صورته الغيبية الملكوتية صورة أحد السباع والبهائم. وإذا أصبح الوهم والشيطنة هما الملكة، وأصبحت للباطن والسريرة ملكات شيطانية كالخداع والتزوير والنميمة والغيبة، تكون صورته الغيبية، الملكوتية على صورة أحد الشياطين حسب ما يتناسب وتلك الصورة.

ومن الممكن أحياناً أن تتركب الصورة الملكوتية من ملكتين أو عدّة ملكات، وفي هذه الحالة لا تكون على صورة أي من الحيوانات، بل تتشكّل له صورة غريبة، هذه الصورة بهيئتها المرعبة المدهشة والسيئة المخيفة، لن يكون لها مثيل في هذا العالم .

ينقل عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّ بعض الناس يحشرون يوم القيامة على صورة تكون

أسوأ من صورة القردة(1)، بل وقد تكون لشخص واحد عدّة صور في ذلك العالم، لأنّ ذلك العالم لا يضاهي هذا العالم الذي لا يمكن لأي شيء، أن يتقبّل أكثر من صورة واحدة له. وهذا الأمر يتطابق مع البرهان ويكون ثابتاً في محلّه أيضاً .

واعلم أنّ المعيار لهذه الصور المختلفة - والتي تعدّ صورة الإنسان واحدة منها، والباقي صور أشياء أخرى - هو وقت خروج الروح من هذا الجسد، وظهور مملكة البرزخ، واستيلاء سلطان الآخرة، والذي أوّله في البرزخ عند خروج الروح من الجسد، فبأية ملكة يخرج بها الإنسان من الدنيا، تتشكّل على ضوئها صورته الأخروية، وتراه العين الملكوتية في البرزخ، وهو نفسه أيضاً عندما يفتح عينه في برزخه، ينظر إلى نفسه بالصورة التي هو عليها - في ذلك العالم - إذا كان لديه بصر . وليس من المحتم أن تكون صورة الإنسان في ذلك العالم على نفس تلك الصورة التي كان عليها في هذه الدنيا . يقول سبحانه وتعالى على لسان البعض : قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً، فيأتيه من الله الجواب : قَالَ كَذَلِكَ أَتَنكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسى(2).

فيا أيها المسكين ؛ قد كانت لديك عين مُلكية ظاهرة البصر، ولكنك في باطنك وملكوتك كنت أعمى، وقد أدركت ذلك - العمى - فعلاً. نعم، إنك كنت أعمى منذ البداية، ولم تكن لديك عين البصيرة الباطنية التي ترى بها آيات الله .

أيها المسكين؛ أنت ذو قامة متناسقة وصورة جميلة في التركيب المُلكي. ولكن معيار عالم الملكوت والباطن يختلف عن المعايير المادية. عليك أن تحرز الاستقامة الباطنية كي تكون مستقيم القامة في يوم القيامة. يجب أن تكون روحك روحاً إنسانية، كي تكون صورتك في عالم البرزخ صورة إنسانية . . . أنت تظن أن عالم الغيب والباطن وهو عالم كشف السرائر وظهور الملكات - مثل عالم الظاهر والدنيا، حيث يمكن أن يقع الخطأ والالتباس . . . إنَّ عينيك وأذنيك ويديك ورجليك وسائر أعضاء جسدك،


1) یحشر بعض الناس علی صور تحسن عندها القردة و الخنازیر. (علم الیقین، ج2 ص 901).

2) إشارة إلى الآية الكريمة قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (سورة طه ، الآيتان : 125 - 126).

جميعها، ستشهد عليك بما فعلت، بألسنة ملكوتية، بل وبعضها بصور ملكوتية .

أيها العزيز؛ افتح سمع قلبك، وشدّ حزام الهمّة على وسطك، وارحم حال مسكنتك، لعلّك تستطيع أن تجعل من نفسك إنساناً، وأن تخرج من هذا العالم في صورة إنسان، لتكون عندها من أهل الفلاح والسعادة وحذار من أنّ تتصور أن كل ما تقدّم هو موعظة وخطابة. فهذا كله هو نتيجة أدلّة فلسفية توصّل إليها الحكماء العظام. وثمرة كشف، انكشف لأصحاب الرياضات، وحصيلة أخبار مأثورة إخبار عن الصادقين والمعصومين (علیهم السّلام).

ولا نتوخَّى في هذه الأوراق عرض البراهين والأحاديث بصورة مشروحة ومفصلة.

فصل: في بيان لجم الأنبياء لطبيعة الإنسان

إعلم أنّ الوهم والغضب والشهوة يمكن أن تكون من الجنود الرحمانية، وتؤدّي إلى سعادة الإنسان وتوفيقه إذا سلّمتها للعقل السليم وللأنبياء العظام. ومن الممكن أن تكون من الجنود الشيطانية إذا تركتها وشأنها، وأطلقت العنان للوهم ليتحكم في القوتين الأخريين : الغضب والشهوة.

وأيضاً لم يعد خافياً أنّ أياً من الأنبياء العظام (علیهم السّلام) لم يكبتوا الشهوة والغضب والوهم بصورة مطلقة، ولم يقل حتى الآن أي داع إلى الله، بأنّ الشهوة يمكن أن تُقتل بصورة عامة، وأن يُخمد أوار الغضب بصورة كاملة، وأن يترك تدبير الوهم، بل قالوا : يجب السيطرة عليها حتى تؤدّي واجبها في ظل ميزان العقل والدستور الإلهي لأنّ كل واحدة من هذه القوى تريد أن تنجز عملها وتنال غايتها ولو استلزم ذلك الفساد والفوضى . فمثلاً النفس البهيمية المنغمسة في الشهوة الجامحة التي مزّقت عنانها تريد أن تحقق هدفها ومقصودها، ولو كان ذلك يتّم بواسطة الزنا بالمحصنات وفي الكعبة (والعياذ بالله). والنفس الغضوب، تريد أن تنجز ما تريد حتى ولو استلزم ذلك قتل الأنبياء والأولياء. والنفس ذات الوهم الشيطاني تريد أن تؤدّي عملها حتى ولو استلزم ذلك الفساد في الأرضّ، وقلب العالم بعضه على بعض .

لقد جاء الأنبياء (علیهم السّلام)، وأتوا بقوانين، وأنزلت عليهم الكتب السماوية، من أجل الحيلولة دون الانفلات والإفراط في الطبائع، ومن أجل إخضاع النفس الإنسانية لقانون العقل والشرع وترويضها وتأديبها حتى لا يخرج تعاملها عن حدود العقل والشرع.

إذاً ؛ فكل نفس كيَّفت ملكاتها وفق القوانين الإلهية والمعايير العقلية، تكون سعيدة ومن أهل النجاة، وإلا فليستعذ الإنسان بالله من ذلك الشقاء وسوء التوفيق وتلك الظلمات والشدائد المقبلة التي منها تلك الصور المرعبة والمذهلة المصاحبة للإنسان في البرزخ والقبر والقيامة وجهنم، والتي نتجت عن الملكات والأخلاق الفاسدة التي لازمته في الدنيا .

فصل: في بيان السيطرة على الخيال

إعلم أنّ الشرط الأول للمجاهد في هذا المقام (جهاد النفس) والمقامات الأخرى، والذي يمكن أن يكون أساس التغلّب على الشيطان وجنوده، هو إمساك طائر الخيال، لأنّ هذا الخيال طائر متحلّق يستقّر في كل آن على غصن ويجلب الكثير من الشقاء. وإنه من إحدى وسائل الشيطان التي جعل الإنسان بواسطتها مسكيناً عاجزاً ودفع به نحو الشقاء.

وعلى الإنسان المجاهد الذي نهض لإصلاح نفسه، وأراد أن يصفّي باطنه، ويفرغه من جنود إبليس، عليه أن يمسك بزمام خياله وأن لا يسمح له بأن يطير حيثما شاء، وعليه أن يمنع من التحليق في الخيالات الفاسدة والباطلة، والمعاصي والشيطنة، وأن يوجه خياله دائماً نحو الأمور الشريفة . وهذا الأمر ولو أنه قد يبدو في البداية صعباً بعض الشيء، ويصوّره الشيطان وجنوده لنا وكأنه أمر عظيم ، ولكنه يصبح يسيراً بعد شيء من المراقبة والحذر .

إنّ من الممكن لك - من باب التجربة - أن تسيطر على جزء من خيالك، وتنتبه له جيداً. فمتى ما أراد أن يتوجَّه إلى أمر وضيع، إصرفه نحو أمور أخرى كالمباحات أو الأمور الراجحة الشريفة. فإذا رأيت أنّك حصلت على نتيجة فاشكر الله تعالى على هذا التوفيق، وتابع سعيك، لعلّ ربّك يفتح لك برحمته الطريق أمامك للملكوت وتهتدي إلى صراط الإنسانية المستقيم، ويسهل عليك مهمة السلوك إليه سبحانه وتعالى .

وانتبه إلى أنّ الخيالات الفاسدة القبيحة والتصوّرات الباطلة هي من إلقاءات الشيطان، الذي يريد أن يوطن جنوده في مملكة باطنك . فعليك أيها المجاهد ضد الشيطان وجنوده، وأنت تريد أن تجعل من صفحة نفسك مملكة إلهية رحمانية، عليك أن تحذر كيد هذا اللعين، وأن تبعد عنك هذه الأوهام المخالفة لرضا الله تعالى، حتى تنتزع - إن شاء الله - هذا المتراس المهم جداً من يد الشيطان وجنوده في هذه المعركة الداخلية. فهذا المتراس بمنزلة الحّد الفاصل، فإذا تغلّبت وانتصرت فتأمّل خيراً .

أيها العزيز . . . استعن بالله تبارك وتعالى في كل آن ولحظة، واستغث بحضرة معبودك، واطلب بعجز وإلحاح . . . قائلاً :

اللهم . . . إنّ الشيطان عدوّ عظيم، كان له ولا يزال طمع بأنبيائك وأوليائك العظام .

اللهم . . . فأعنّي وأنا عبدك الضعيف المبتلى بالأوهام الباطلة والخيالات والخرافات العاطلة، كي أستطيع أن أجابه هذا العدوّ القوي.

اللهم . . . وساعدني في ساحة المعركة مع هذا العدوّ القوي الذي يهدد سعادتي وإنسانيتي، لكي أستطيع أن أطرد جنوده من المملكة العائدة لك، وأقطع يد هذا الغاصب من البيت المختصّ بك .

فصل: في المقارنة

ومن الأمور التي تعين الإنسان في هذا السلوك، والتي يجب عليه الانتباه لها، هي «الموازنة». فالموازنة هي أن يقارن الإنسان العاقل بين منافع ومضارّ كل واحدة من الأخلاق الفاسدة والملكات الرذيلة التي تنشأ عن الشهوة والغضب والوهم عندها تكون طليقة وتحت تصرّف الشيطان وبين منافع ومضارّ كل واحدة من الأخلاق الحسنة والفضائل النفسية والملكات الفاضلة والتي هي وليدة تلك القوى الثلاث عندما تكون تحت تصرّف العقل والشرع، ليرى على أيّ واحدة منها يصحّ الإقدام ويحسن العمل؟! .

فمثلاً ، إنّ النفس ذات الشهوة المطلقة العنان المتعمقة فيها وأصبحت ملكة ثابتة لها، وتولّدت منها ملكات كثيرة في أزمنة متطاولة، هذه النفس لا تتورّع عن أي فجور تصل يدها إليه، ولا تعرض عن أي مال يأتيها ، ومن أي طريق كان، وترتكب كل ما يوافق رغبتها وهواها - مهما كان - ولو استلزم ذلك أي أمر فاسد وحرام .

وآثار الغضب الذي أصبح ملكة للنفس، وتولدّت منه ملكات ورذائل أخرى، هي أنه يظلم بالقهر والغلبة كل من تصل إليه يده، ويفعل ما يقدر عليه ضدّ كل شخص يبدي أدنى مقاومة، ويثير الحرب بأقل معارضة له، ويبعد المضرّات وما لا يلائمه، بأيّة وسيلة مهما كانت، ولو أدّى ذلك إلى وقوع الفساد في العالم. فهذه هي العوائد على صاحب الواهمة الشيطانية الذي ترسّخت فيه هذه الملكة، فهو ينفذ عمل الغضب والشهوة بأية شيطنة وخدعة كانت، ويسيطر على عباد الله بأيّة خطة باطلة تتّم، سواء بتحطيم عائلة ما، أو بإبادة مدينة أو بلاد ما .

هذه هي آثار تلك القوى عندما تكون تحت تصرّف الشيطان. ولكن عندما تفكرون بصورة صحيحة، وتلاحظون أحوال هؤلاء الأشخاص، تجدون أنّ أيّ شخص - مهما كان قوياً، ومهما حقق من آماله وأمانيه - فإنه - رغم ذلك - لا يحصل حتى على واحد من الألف من آماله، بل إن تحقق الآمال ووصول أي شخص إلى أمانيه، أمر مستحيل في هذا العالم، فإنّ هذا العالم هو «دار التزاحم» وإنّ مواده تتمّرد على الإرادة. كما أنّ ميولنا وأمنياتنا أيضاً لا يحدّها حد. فمثلاً إنّ القوة الشهوية في الإنسان، هي في صورة لو كانت بیده نساء مدينة كاملة - بفرض المحال - لتوجّه إلى نساء مدينة أخرى أيضاً، وإذا أصبحت بلاد بأكملها من نصيبه لتوجّه إلى بلاد أخرى، وعلى الدوام تجده يطلب ما لا يملك، رغم أنّ ذلك من فرض المحال وأنّه مجرّد خيال، ومع هذا يبقى مرجل الشهوة مشتعلاً، وإن الإنسان لم يصل بعد إلى أمنيته . وهكذا بالنسبة إلى القوة الغضبية فإنها قد خلقت في الإنسان في صورة لو أنه أصبح يملك الرقاب بشكل مطلق في مملكة ما، لذهب إلى مملكة أخرى لم يسيطر عليها بعد، بل إنّ كلّ ما يحصل عليه تتزايد فيه هذه القوة. وعلى كل منكر - لهذه الحقيقة - أن يراجع حاله وحال أهل هذا العالم، كالسلاطين، والمتمولين، وأصحاب القوّة والجاه ، وحينذاك سيصدق كلامنا هذا .

إذاً، فالإنسان - على الدوام - عاشق لما لا يملك ولما ليس في يده. وهذه فطرة أثبتها المشايخ العظام وحكماء الإسلام الكبار خصوصاً أستاذنا وشيخنا في المعارف الإلهية سماحة العارف الكامل «ميرزا محمد علي شاه آبادی»(1)روحي له الفداء، وأثبتوا بها الكثير من المعارف الإلهية(2)وهي لا ترتبط بموضوعنا المبحوث عنه.

وعلى أي حال ؛ فلو وصل الإنسان إلى أهدافه، فكم يدوم تمتعه واستفادته منها؟ وإلى متى تبقى قوى شبابه؟

عندما ينقضي ربيع العمر، ويحلّ خريفه، تذهب القوة من الأعضاء وتتعطّل الحاسة الذائقة، وتتعطل العين والأذن وحاسة اللمس وباقي الحواس، وتصبح اللذات - عموماً - ناقصة أو تفنى نهائياً. وتهجم الأمراض المختلفة، فلا تستطيع أجهزة الهضم والجذب والدفع والتنفس أن تؤدي عملها بشكل صحيح ولا يبقى للإنسان، شيء سوى أنّات التأوّه الباردة والقلب المملوء بالألم والحسرة والندم .

إذاً ؛ فمدة استفادة الإنسان من تلك القوى الجسمانية لا تتجاوز الثلاثين أو الأربعين عاماً بالنسبة إلى أقوياء البنية والأصحّاء السالمين وهي فترة ما بعد فهم الإنسان وتمييزه الحسن من القبيح إلى زمن تعطيل القوى أو نقصانها، وهذا يصح إذا لم يصطدم بالأمراض والمشاكل الأخرى التي نراها يومياً ونحن عنها غافلون .


1) الشيخ محمد علي بن محمد جواد حسین آبادي الإصفهاني الشاه آبادي (1292 - 1369 هـ. ق) فقيه . أصولي، عارف وفيلسوف بارز عاش في القرن الرابع عشر الهجري ودرس في الحوزة العلمية من أصفهان وطهران وأنهى الدرس في النجف الأشرف تلمذ على أخيه الشيخ أحمد والشيخ محمد هاشم الجهار سوقي في اصفهان، وعلى الشيخ هاشم الأشكوري والميرزا حسن الاشتياني في طهران، وعلى الشيخ الخراساني وشيخ الشريعة الإصفهاني والشيخ محمد تقي الشيرازي في النجف الأشرف. وبدأ بالتدريس في سامراء ثم في قم وطهران. وكان الإمام الخميني قدس سره يحضر دروس عرفانه و اخلاقه في الفترة الواقعة بين 1347 و 1354هـ . ق . وكان رضوان الله تعالى عليه يجله كثيرا . توطن الشيخ محمد علي الشاه ابادي في طهران بعد هجرته من قم المقدسة وقام بالتوجيه والإرشاد للنفوس ومات فيها ودفن في مقبرة المرحوم الشيخ أبو الفتوح الرازي في جوار مقام السيد عبد العظيم الحسني له: شذرات المعارف، الإنسان والفطرة، القرآن والعترة، الإيمان والرجعة، منازل السالكين، تعليقة على كفاية الأصول.

2) راجع کتاب رشحات البحار، كتاب الإنسان والفطرة.

وأفترض لكم بصورة عاجلة، فرضية خيالية (وهذا أيضاً ليس له واقع) أفترض لكم عمراً هو مائة وخمسون عاماً، توافر جميع أسباب الشهوة والغضب والشيطنة، وأفترض بأنه لا يعترضكم أي شيء غير مرغوب فيه، ولا يحدث أي شيء يخالف هدفكم، ومع هذه الفرضية، ماذا ستكون عاقبتكم بعد انقضاء هذه المدة القصية والتي تمرّ مّر الرياح ؟! فماذا ادخرتم من تلك اللذات لأجل حياتكم الدائمية؟! لأجل يوم عجزكم ويوم فقركم ووحدتكم؟! لأجل برزخكم وقيامتكم، لأجل لقاءكم بملائكة الله وأوليائه وأنبيائه ؟! - هل ادّخرتم سوى الأعمال القبيحة المنكرة، والتي ستقدم لكم صورها في البرزخ والقيامة، وهي الصور التي لا يعلم حقيقتها إلا الله تبارك وتعالى؟

إنْ جميع نيران جهنم، وعذاب القبر والقيامة وغيرها مما سمعت، هي جهنم أعمالك التي تراها هناك كما يقول تعالى : . . . وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً . . .(1).

لقد أكلت مال اليتيم وتلذّذت بذلك ولكن الله وحده يعلم ما هي صورة هذا العمل في ذلك العالم والتي ستراها في جهنم، وما هي نتيجة اللذّة التي ستكون نصيبك هناك؟ الله يعلم أي عذاب شديد ينتظرك بسبب تعاملك السيىء مع الناس وظلمك لهم في ذلك العالم؟ ستفهم أي عذاب قد أعددت لنفسك بنفسك، عندما اغتبت؟ فإن الصورة الملكوتية لهذا العمل قد أعدّت لك وسترد عليك وتحشر معها، وستذوق عذابها، وهذه هي جهنم الأعمال وهي يسيرة وسهلة وباردة وملائمة للعاصين، وأما الذين زرعوا في نفوسهم الملكة الفاسدة والرذيلة السيئة الباطلة، كالطمع والحرص والجدال والشره وحب المال والجاه والدنيا وباقي الملكات، فلهم جهنم لا يمكن تصوّرها، لأن تصوّر تلك لا يمكن أن تخطر على قلبي وقلبك، بل تظهر النار من باطن النفس ذاتها، وأهل جهنم أنفسهم يفرّون رعباً من عذاب أولئك، وفي بعض الروايات الموثقة أنّ هناك في جهنم وادياً للمتكبرين يقال له «سقر»، وقد شكا الوادي إلى الله تعالى من شدّة الحرارة وطلب منه سبحانه أن يأذن له بالتنفس، وبعد أن أذن له تنفس، فأحرق سقر، جهنم(2).


1) سورة الكهف، الآية : 49 .

2) عن أبي عبد الله (علیه السّلام): «إن في جهنم لوادياً للمتكبرين يقال له سقر ، شكا إلى الله عزّ وجلّ شدّة حرّه وسأله أن يأذن له أن يتنفس ، فتنفس فأحرق جهنم». أصول الكافي، المجلد الثاني، باب الكبر ، ح 10 .

وأحياناً تصبح هذه الملكات سبباً في أن يخلد الإنسان في جهنم لأنها تسلبه الإيمان كالحسد الذي ورد في رواياتنا الصحيحة عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «إِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ»(1). وكحبّ الدنيا والجاه والمال الذي ورد في الروايات الصحيحة أنها أكثر إهلاكاً لدين المؤمن من ذئبين أطلقا على قطيع بلا راع، فوقف أحدهما في أول القطيع والثاني في آخره . . . عن أبي عبد الله (علیه السّلام): «مَا ذِنْبَانِ صَارِيَانِ فِي غَنَم قَدْ فَارَقَهَا رَعَاؤُهَا أَحَدُهُما فِي أَوَّلِهَا وَالآخَرُ فِي آخِرِهَا بِأَفْسَدَ فِيهَا مِنْ حُبِّ الْمَالِ وَالشَّرَفِ فِي دِينِ المُسْلِم»(2).

نسأل الله أن لا تؤول عاقبة المعاصي إلى الملكات والأخلاق الظلمانية القبيحة، والتي تؤول إلى فقدان الإيمان وموت الإنسان كافراً، لأنّ جهنم الكافر وجهنم العقائد الباطلة أشدّ بدرجات، وأكثر إحراقاً وظلمة من ذينك الجهنمين اللذين مرَّ ذكرهما (جهنم الأعمال، وجهنم الملكات الفاسدة).

أيها العزيز . . . لقد ثبت في العلوم العالية أن درجات الشدّة غير محدودة، فمهما تتصور أنت ومهما تتصور العقول بأسرها شدّة العذاب، فوجود عذاب أشدّ، أمر ممكن أيضاً، وإذا لم تر برهان الحكماء، ولم تصدق كشف أهل الرياضة النفسية، فأنت بحمد الله مؤمن تصدّق الأنبياء صلوات الله عليهم، وتقرّ بصحة الأخبار الواردة في الكتب المعتبرة التي يقبلها جميع علماء الإمامية، وتقرّ بصحّة الأدعية والمناجاة الواردة عن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم. فعندما ترى مناجاة مولى المتقين أمير المؤمنين سلام الله عليه، ومناجاة سيد الساجدين (علیه السّلام) في دعاء أبي حمزة الثمالي . . . قف عندها قليلاً وتأمل في مضمونها ، وفكّر قليلاً في محتواها، وتمعّن قليلاً في فقراتها، وليس ضرورياً أن تقرأ دعاء طويلاً دفعة واحدة وبسرعة من دون تفكّر في معانيه . ليس لديّ ولديك حال سيد الساجدين (علیه السّلام) كي نقرأ تلك الأدعية المفصّلة بشوق وإقبال، فاقرأ في كل ليلة ربع


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الحسد، ح2 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني - كتاب الإيمان والكفر - باب حب الدنيا والحرص عليها - ح2 .

ذلك أو ثلثه وفكّر في فقراته ، لعلَّك تصبح صاحب شوق وإقبال وتوجه، وفوق ذلك كلّه فكّر قليلاً في القرآن، وانظر أي عذاب وَعَدَ به بحيث أن أهل جهنم يطلبون من الملك الموكَّل بجهنم أن ينتزع منهم أرواحهم ، ولكن هيهات إذ لا مجال للموت هناك . أنظر إلى قوله تعالى : . . . يا حَسْرَتي عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنبِ اللهِ ، وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ(1).

فأية حسرة هذه التي يذكرها الله تعالى بتلك الشدّة وبهذا التعبير؟ تدبّر في هذه الآية القرآنية الشريفة ولا تمرّ عليها دون تأمّل.

وتدبّر أيضاً آية يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ(2).

حقّاً فكّر يا عزيزي! القرآن - أستغفر الله - ليس بكتاب قصة، ولا بممازح لأحد، أنظر ما يقول . . . أي عذاب هذا الذي يصفه الله تبارك وتعالى وهو العظيم الذي لا حدّ ولا حصر لعظمته ولا انتهاء لعزّته وسلطانه، يصفه بأنه شديد وعظيم . . . فماذا وكيف سيكون هذا العذاب؟! الله يعلم، لأنّ عقلي وعقلك وعقول جميع البشر عاجزة عن تصوّره. ولو راجعت أخبار أهل بيت العصمة والطهارة وآثارهم، وتأمّلت فيها، لفهمت أن قضية عذاب ذلك العالم، هي غير أنواع العذاب التي فكّرت فيها، وقياس عذاب ذلك العالم بعذاب هذا العالم، قياس باطل وخاطىء.

وهنا أنقل لك حديثاً شريفاً عن الشيخ الجليل صدوق الطائفة، لكي تعرف ماهية الأمر وعظمة المصيبة ، مع أن هذا الحديث يتعلّق بجهنم الأعمال وهي أبرد من جميع النيران . وعليك أن تعلم أولاً أن الشيخ الصدوق الذي ينقل عنه الحديث، هو الشخص الذي يتصاغر أمامه جميع العلماء الأعلام، إذ يعرفونه بجلالة القدر. وهذا الرجل العظيم هو المولود بدعاء إمام العصر (علیه السّلام)، وهو الذي حظي بألطاف الإمام المهدي (علیه السّلام) وعجّل الله تعالى فرجه الشريف وإني أروي الحديث بطرق متعددة عن كبار علماء الإمامية - رضوان الله عليهم - بأسناد متصلة بالشيخ الصدوق، والمشايخ ما بيننا وبين الصدوق (رحمه الله علیه)، جميعهم من كبار


1) سورة الزمر، آية : 56 .

2) سورة الحج ، آية : 2.

الأصحاب وثقاتهم. إذا فعليك الاهتمام بهذا الحديث إن كنت من أهل الإيمان .

روى الصدوق، بإسناده عن مولانا الصادق (علیه السّلام)، قال : «بَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ قَاعِداً إِذْ أَتَاهُ جَبْرَائِيلُ وَهُوَ كَثِيبٌ حَزِينٌ مُتَغَيِّرُ اللَّونِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : يَا جَبْرَائِيلُ مَا لِي أَرَاكَ كَثِيباً حَزِينَاً؟ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ فَكَيْفَ لا أكُونُ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا وُضِعَتْ مَنَافِيحُ جَهَنَّمَ الْيَوْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : وَمَا مَنَافِيحُ جَهَنَّمَ يَا جَبْرَائِيلُ؟ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالنَّارِ فَأُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامِ حتَّى أَحْمَرَّتْ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَأُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عام حَتَّى أَبْيَضَّتْ ثُمَّ أَمَرَ بها فَأُوقِدَ عَلَيْها أَلْفَ عام حَتَّى أَسْوَدَّتْ وَهِيَ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ فَلَوْ أَنَّ حَلْقَةً مِنَ السِّلْسِلَةِ الَّتِي طُولِهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً وُضِعَتْ عَلَى الدُّنْيَا، لَذَابَتِ الدُّنْيا مِنْ حَرِّهَا وَلَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُومِ وَالضَّرِيعِ قَطَرَتْ فِي شَرَابِ أَهْلِ الدُّنْيا لَمَاتُوا مِنْ نَتْنِهَا . قَالَ : فبكى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَبكى جِبْرَائِيلُ فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكاً، فَقَالَ : إِنَّ رَبَّكُمَا يَقْرَأْكُمَا السَّلامَ وَيَقُولُ : إِنِّي أمِنتَكُمَا مِنْ أَن تذْنِنَا ذَنْباً أَعَذِّبُكُمَا عَلَيْهِ»(1).

أيها العزيز . . . إنّ أمثال هذا الحديث الشريف كثيرة، ووجود جهنم والعذاب الأليم من ضروريات جميع الأديان ومن البراهين الواضحة، وقد رأى نماذج لها في هذا العالم، أصحاب المكاشفة وأرباب القلوب. ففكَّر وتدبّره بدقة في مضمون هذا الحديث القاصم للظهر، فإذا احتملت صحته، ألا ينبغي لك أن تهيم في الصحاري، كمن أصابه المسّ؟! . ماذا حدث لنا لكي نبقى إلى هذا الحدّ في نوم الغفلة والجهالة؟! أنزلت علينا مثل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وجبرائيل ملائكة أعطتنا الأمان من عذاب الله، في حين أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأولياء الله ، لم يقرّ لهم قرار إلى آخر أعمارهم من خوف الله، لم يكن لهم نوم ولا طعام؟ علي بن الحسين وهو إمام معصوم، يقطع القلوب بنحيبه وتضرّعه ومناجاته وعجزه وبكائه، فماذا دهانا وصرنا لا نستحي أبداً، فنهتك في محضر الربوبية كلّ هذه المحرمات والنواميس الإلهية؟ فويل لنا من غفلتنا، وويل لنا من شدّة سكرات


1) علم اليقين، فيض الكاشاني، المقصد 4 ، الباب 15 ، فصل 6 ، ص 1032 .

الموت، وويل لحالنا في البرزخ وشدائده، وفي القيامة وظلماتها ويا ويل لحالنا في جهنم وعذابها وعقابها .

فصل: في معالجة المفاسد الأخلاقية

أيها العزيز ؛ إنهض من نومك، وتنبّه من غفلتك، واشدد حيازيم الهمة، واغتنم الفرصة مادام هناك مجال، ومادام في العمر بقية، ومادامت قواك تحت تصرفك، وشبابك موجوداً، ولم تتغلب عليك - بعد - الأخلاق الفاسدة، ولم تتأصل فيك الملكات الرذيلة، فابحث عن العلاج، واعثر على الدواء لإزالة تلك الأخلاق الفاسدة والقبيحة، وتلمس سبيلاً لإطفاء نائرة الشهوة والغضب . . .

و أفضل علاج لدفع هذه المفاسد الأخلاقية، هو ما ذكره علماء الأخلاق وأهل السلوك، وهو أن تأخذ كلّ واحدة من الملكات القبيحة التي تراها في نفسك، وتنهض بعزم على مخالفة النفس إلى أمد، وتعمل عكس ما ترجوه وتطلبه منك تلك الملكة الرذيلة .

وعلى أيّ حال ؛ أطلب التوفيق من الله تعالى لإعانتك في هذا الجهاد، ولا شك في أنّ هذا الخلق القبيح، سيزول بعد فترة وجيزة، ويفرّ الشيطان وجنوده من هذا الخندق، وتحل محلهم الجنود الرحمانية .

فمثلاً من الأخلاق الذميمة التي تسبب هلاك الإنسان، وتوجب ضغطة القبر، وتعذب الإنسان في كلا الدارين، سوء الخلق مع أهل الدار والجيران أو الزملاء في العمل أو أهل السوق والمحلة، وهو وليد الغضب والشهوة، فإذا كان الإنسان المجاهد يفكر في السموّ والترفّع، عليه - عندما يعترضه أمر غير مرغوب فيه حيث تتوهّج فيه نار الغضب لتحرق الباطن، وتدعوه إلى الفحش والسّيء من القول - عليه أن يعمل بخلاف النفس، وأن يتذكر سوء عاقبة هذا الخلق ونتيجته القبيحة، ويبدي بالمقابل مرونة، ويلعن الشيطان في الباطن ويستعيذ بالله منه.

إنّي أتعهد لك بأنك لو قمت بذلك السلوك، وكرّرته عدّة مّرات، فإنّ الخلق السّيء

سيتغير كليّاً، وسيحلّ الخلق الحسن في عالمك الباطن، ولكنك إذا عملت وفق هوى النفس، فمن الممكن أن يبيدك في هذا العالم نفسه، وأعوذ بالله تعالى من الغضب الذي يهلك الإنسان في آن واحد في كلا الدارين فقد يؤدّي ذلك الغضب - لا سمح الله - إلى قتل النفس. ومن الممكن أن يتجرّأ الإنسان في حالة الغضب على النواميس الإلهية . كما رأينا أن بعض الناس قد أصبحوا من جرّاء الغضب مرتدّين. وقد قال الحكماء : «إن السفينة التي تتعرّض لأمواج البحر العاتية وهي بدون قبطان، لهي أقرب إلى النجاة من الإنسان هو في حالة الغضب».

أو إذا كنت - لا سمح الله - من أهل الجدل والمراء في المناقشات العلمية كما عليه بعض طلّاب العلوم الدينية نحن الطلبة، المبتلين بهذه السريرة القبيحة، فاعمل فترة بخلاف النفس، فإذا دخلت في نقاش مع أحد الأشخاص في مجلس مّا ، ورأيت أنه يقول الحق فاعترف بخطأك وصدّق قول المقابل، والمأمول أن تزول هذه الرذيلة في زمن قصير .

ونعوذ بالله من أن ينطبق علينا قول بعض أهل العلم ومدّعي المكاشفة، حيث يقول: «لقد انكشف لي خلال إحدى المكاشفات أنَّ تخاصم أهل النار الذي يخبر عنه الله تعالى في القرآن، هو الجدل الذي قد يدور بين أهل العلم وبين أهل الحديث» .

والإنسان إذا احتمل صحة هذا الأمر فعليه أن يسعى كثيراً من أجل إزالة هذه الخصلة .

روي عن عدّة من الأصحاب أنهم قالوا : «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ يَوْماً وَنَحْنُ نَتَمَارَى فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَغَضِبَ غَضَباً شَدِيداً لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ، قَالَ : إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يُمَارِي، ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ الْمُمَارِيَ قَدْ تَمَّتْ خَسارَتُهُ ، ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ الْمُمَارِيَ لا أَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنِّي زَعِيمٌ بِثَلاثِ أَبْيَاتِ فِي الْجَنَّةِ فِي رِياضِها وَأَوْسَطِها وَأَعْلاها لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ صَادِقٌ، ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ مَا نَهَانِي عَنْهُ رَبِّي بَعْدَ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ الْمِرَاءُ»(1).


1) بحار الأنوار، المجلد الثاني، ص138 - 139 .

وعنه أيضاً: «لا يَسْتَكْمِلُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَدَعَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقا»(1).

والأحاديث في هذا الباب كثيرة. فما أقبح أن يحرم الإنسان شفاعة الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) و بواسطة مغالبة جزئية ليس فيها أي ثمر ولا أثر! وما أقبح أن تتحوّل مذاكرة العلم - وهي أفضل العبادات والطاعات إذا كانت بنيَّة صحيحة - إلى أعظم المعاصي مرتبة عبادة الأوثان بفعل الجدل والمراء ! .

وعلى أي حال ؛ ينبغي للإنسان أن يأخذ بنظر الاعتبار حدّ كل واحد من الأخلاق القبيحة الفاسدة، ويخرجها من مملكة روحه بمخالفة النفسو وعندما يخرج الغاصب، يأتي صاحب الدار نفسه، فلا يحتاج - حينذاك - إلى مشقة أخرى أو إلى طلب العود منه إلى الدار .

وعندما يكتمل جهاد النفس في هذا المقام، ويتوفق الإنسان إلى إخراج جنود إبليس من هذه المملكة، مملكته مسكناً لملائكة الله ومعبداً لعباده الصالحين، فحينذاك يصبح السلوك إلى الله يسيراً، ويتضح طريق الإنسانية المستقيم، وتفتح أمام الإنسان أبواب البركات والجنات، وتغلق أمامه أبواب جهنم والدركات، وينظر الله تبارك وتعالى إليه بعين اللطف والرحمة، وينخرط في سلك أهل الإيمان، ويصبح من أهل السعادة وأصحاب اليمين، ويفتح له طريقاً إلى باب المعارف الإلهية - وهي غاية خلق الجن والإنس - ويأخذ الله تعالى بيده في هذا الطريق المحفوف بالمخاطر.

وقد كنّا نريد أن نشير إلى المقام الثالث للنفس وكيفية المجاهدة فيه ونذكَّر أيضاً بمكائد الشيطان في هذا المقام، ولكننا لم نر المقام مناسباً لذلك، فصرفنا النظر، وأسأل الله تعالى التوفيق والتأييد لكتابة رسالة خاصة في هذا الباب .


1) بحار الأنوار، المجلد الثاني، ص138 - 139.

الحدیث الثاني: «الرياء»

اشارة

بِالسِّنَدِ الْمُتَّصِلِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَا، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَلِيفَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السّلامُ: «كُلُّ رِيَاءِ شِرْكٌ إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِلنَّاسِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى النَّاسِ وَمَنْ عَمِلَ لِلَّهِ، كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى اللهِ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الرياء، ح3 .

الشرح:

إعلم أنّ الرياء هو عبارة عن إظهار وإبراز شيء من الأعمال الصالحة أو الصفات الحميدة أو العقائد الحقة الصحيحة، للناس لأجل الحصول على منزلة في قلوبهم والاشتهار بينهم بالصلاح والاستقامة والأمانة والتديّن، من دون أن تكون هناك نيّة إلهية صحيحة. وهذا الأمر يتحقق في عدّة مقامات .

المقام الأول: لهذا النوع من الرياء درجتان

الأولى : وهي أن يظهر العقائد الحقة والمعارف الإلهية، من أجل أن يشتهر بين الناس بالديانة، ومن أجل الحصول على منزلة في القلوب، كأن يقول : «إنّي لا أعتبر أنّ هناك مؤثراً في الوجود إلاّ الله»، أو أن يقول : «إنّي لا أتوكل على أحد سوى الله» أو أن يثني على نفسه كناية أو إشارة بامتلاك العقائد الحقة، وهذا الأسلوب هو الأكثر رواجاً .فمثلاً عندما يجري حديث عن التوكّل أو الرضا بقضاء الله ، يجعل الشخص المرائي نفسه في سلك أولئك الجمع بواسطة تأوّهه أو هزّ رأسه .

الثانية : وهي أن يبعد عن نفسه العقائد الباطلة وينزّه نفسه عنها، لأجل الحصول على الجاه والمنزلة في القلوب، سواء أكان ذلك بصراحة القول أم بالإشارة .

المقام الثاني: وفيه أيضاً مرتبتان

إحداهما : أن يظهر الخصال الحميدة والملكات الفاضلة .

والأخرى: أن يتبّرأ مما يقابلها، وأن يزكّي نفسه للغاية نفسها التي أصبحت معلومة .

المقام الثالث: له أیضا درجتان

وهو الرياء المعروف عند الفقهاء الماضين - رضوان الله عليهم - وله أيضاً نفس تلكما الدرجتين :

إحداهما: أن يأتي بالأعمال والعبادات الشرعية، أو أن يأتي بالأمور الراجح عقلاً، بهدف مراءاة الناس وجلب القلوب، سواء أن يأتي بالعمل نفسه بقصد الرياء، أو بكيفيته، أو شرطه أو جزئه بقصد الرياء على الشكل المذكور في الكتب الفقهية(1).

ثانيهما : أن يترك عملاً محرّماً أو مكروهاً بنفس الهدف المذكور .

ونحن نشرح في هذه الأوراق، بعضاً من مفاسد كلّ واحد من هذه المقامات الثلاث ونشير إلى ما يبدو علاجاً لها على نحو الاختصار .

المقام الأول: الرياء وفيه عدة فصول فصل: الرياء، في أصول العقائد والمعارف الإلهية

اشارة

إعلم أنّ الرياء في أصول العقائد والمعارف الإلهية أشدّ من جميع أنواع الرياء عذاب وأسوأها عاقبة، وظلمته أعظم وأشدّ من ظلمات جميع أنواع الرياء. وصاحب هذا العمل إذا كان في واقعه لا يعتقد بالأمر الذي يظهره، فهو من المنافقين، أي أنه مخلَّد في النار وأن هلاكه أبديّ، وعذابه أشدّ العذاب .

وأمّا إذا كان معتقداً بما يظهر، لكنه يظهره من أجل الحصول على المنزلة والرتبة في قلوب الناس، فهذا الشخص وإن لم يكن منافقاً إلاّ أن رياءه يؤدّي إلى اضمحلال نور الإيمان في قلبه، ودخول ظلمة الكفر إلى قلبه، فإن هذا الشخص يكون مشركاً في


1) تحدث الفقهاء في بحث نية الصلاة، عن مسألة الرياء. راجع كتاب الجواهر ج9 ص187 - 195 وكتاب الصلاة فصل النية. من كتاب العروة الوثقى ص 208 - 210 ، وكتاب الصلاة، فصل النية من كتاب تحرير الوسيلة، ج 1 ص 121 .

الخفاء، لأنّ المعارف الإلهية والعقائد الحقة، التي يجب أن تكون خالصة لله، ولصاحب تلك الذات المقدسة، قد حوّلها - المرائي - إلى الناس، وأشرك فيها غيره، وجعل الشيطان متصرّفاً فيه، فهذا القلب ليس الله .

ونحن سنذكر في أحد الفصول(1)أنّ الإيمان من الأعمال القلبية، وليس هو مجرّد علم، وقد جاء في الحديث الشريف : «كُلُّ رِيَاءِ شرك».

ولكن هذه الفجيعة الموبقة، وهذه السريرة المظلمة، وهذه الملكة الخبيثة، تؤدّي بالإنسان في النهاية، إلى أن تصبح دار قلبه مختصة بغير الله، وتؤدّي ظلمة هذه الرذيلة بالإنسان تدريجياً إلى الخروج من هذه الدنيا بدون إيمان .

وهذا الإيمان الخيالي الذي يمتلكه هو صورة بلا معنى، وجسد بلا روح، وقشر بلا لبّ، ولا يكون مقبولاً عند الله تعالى، كما أشير إليه في حديث مذكور في كتاب الكافي، عن علي بن سالم، قال: «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السّلام) يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنا شَرِيكٍ مَنْ أَشْرَكَ مَعِي غَيْرِي فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لَمْ أَقْبَلُهُ إِلَّا مَا كَانَ لِي خَالِصاً»(2).

وبديهي أنّ الأعمال القلبية في حال عدم خلوصها لا تصبح مورداً لتوجّه الحقّ تعالى ولا يتقبلها بل يوكلها إلى الشريك الآخر ، الذي كان يعمل له ذلك الشخص مراءاة . إذاً فالأعمال القلبية تصبح مختصة بذلك الشخص، وتخرج من حد الشرك، وتدخل إلى الكفر المحض . بل ويمكن القول إنّ هذا الشخص هو من جملة المنافقين. وكما أنّ شركه خفي فنفاقه خفي أيضاً، فهذا المسكين يتصوّر أنه مؤمن ولكنه مشرك منذ البداية، وفي النتيجة هو منافق . وعليه أن يذوق عذاب المنافقين، وويل للذي ينتهي عمله إلى النفاق .

فصل: في بيان أن العلم يغاير الإيمان

إعلم أنّ الإيمان غير العلم بالله ووحدانيته وسائر الصفات الكمالية الثبوتية


1) يأتي الحديث عن ذلك في الفصل التالي مباشرة.

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الرياء، ح9 .

والجلالية السلبية، والعلم بالملائكة والرسل والكتب ويوم القيامة. وما أكثر من يكون له هذا العلم ولكنه ليس بمؤمن . فالشيطان عالم بجميع هذه المراتب بقدر علمنا وعلمكم، ولكنه كافر . بل إنّ الإيمان عمل قلبي، وما لم يكن ذلك فليس هناك إيمان. فعلى الشخص الذي علم بشيء عن طريق الدليل العقلي أو ضروريات الأديان، أن يسلّم لذلك قلبه أيضاً، وأن يؤدي العمل القلبي الذي هو نحو من التسليم والخضوع، ونوع من التقبّل والاستسلام - عليه أن يؤدّي ذلك - لكي يصبح مؤمناً .

وكمال الإيمان هو الاطمئنان. فإذا قوي نور الإيمان تبعه حصول الاطمئنان في القلب، وجميع هذه الأمور هي غير العلم. فمن الممكن أن يدرك العقل بالدليل شيئاً لكن القلب لم يسلم بعد، فيكون العلم بلا فائدة. مثلاً أنتم أدركتم بعقولكم أن الميت لا يستطيع أن يضر أحداً، وأن جميع الأموات في العالم ليس لهم حس ولا حركة بقدر ذبابة، وأن جميع القوى الجسمانية والنفسانية قد فارقته، ولكن حيث أنّ القلب لم يتقبل هذا الأمر ولم يسلّم أمره للعقل ، فإنكم لا تقدرون على مبيت ليلة مظلمة واحدة مع ميت ! !

وأما إذا سلّم القلب أمره للعقل، وتقبَّل هذا الحكم منه، فلن يكون في هذا العمل - أي المبيت مع الميت - أي إشكال بالنسبة إليكم، كما أنه وبعد عدّة مرّات من الإقدام، يصبح القلب مسلّماً، فلن يبقى عنده بعدها بأس أو خوف من الميت .

إذاً ؛ أصبح معلوماً أنّ التسليم - وهو من حظ القلب - غير العلم الذي هو من حظ العقل .

ومن الممكن أن يبرهن إنسان بالدليل العقلي، على وجود الخالق تعالى والتوحيد والمعاد وباقي العقائد الحقة، ولكن هذه العقائد لا تسمى إيماناً، ولا تجعل الإنسان مؤمناً، وإنما هو من جملة الكفار أو المنافقين أو المشركين. فاليوم العيون مغشاة، والبصيرة الملكوتية غير موجودة، والعين الملكية لا تُدرك، ولكن عند كشف السرائر، وظهور السلطة الإلهية الحقة، وخراب الطبيعة وانجلاء الحقيقة، سيعرف ويلتفت بأنّ الكثيرين لم يكونوا مؤمنين بالله حقّاً، وأن حكم العقل لم يكن مرتبطاً بالإيمان، فما لم تكتب عبارة «لا إله إلا الله» بقلم العقل على لوح القلب الصافي لن يكون الإنسان مؤمناً بوحدانية الله .

وعندما ترد هذه العبارة النورانية الإلهية على القلب، تصبح سلطة القلب لذات الحق تعالى، فلا يعرف الإنسان بعدها شخصاً آخر مؤثراً في مملكة الحق، ولا يتوقع من شخص آخر جاهاً ولا جلالاً، ولا يبحث عن المنزلة والشهرة عند الآخرين .

ولا يصبح القلب مرائياً ولا مخادعاً حينئذِ . وإذا رأيتم رياء في قلوبكم، فاعلموا أنّ قلوبكم لم تسلّم للعقل، وأنّ الإيمان لم يقذف نوره فيها، وأنكم تعدون شخصاً آخر إلهاً ومؤثراً في هذا العالم، لا الحق تعالى، وأنكم في زمرة المنافقين أو المشركين أو الكفار .

فصل: في وخامة أمر الرياء

تأمل أيها الشخص المرائي . . . يا من أودعت العقائد الحقّة والمعارف الإلهية بيد عدوّ الله ، الشيطان، وأعطيت ما هو مخصوص بالحق تعالى للآخرين، وبدّلتَ تلك الأنوار التي تضيء الروح والقلب وهي رأسمال النجاة والسعادة الأبدية اللقاء ومنبع الإلهي وبذرة القرب من المحبوب أبدلتها بظلمات موحشة وشقاء أبدي وجعلتها رأسمال البعد والابتعاد عن ساحة المحبوب المقدسة، والابتعاد عن لقاء الله تعالى .

تهيأ، أيها المرائي، للظلمات التي لا نور بعدها، وللشدائد التي لا فرج لها، وللأمراض التي لا يرجى شفاؤها، وللموت الذي لا حياة معه، وللنار التي تخرج من باطن القلب فتحرق ملكوت النفس وملك البدن حرقاً لم يخطر على قلبي وقلبك، والتي يخبرنا عنها الله تعالى في كتابه المنزل في الآية الشريفة: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ(1). حيث تحدثت عن نار الله ، هذه النار التي تتسلّط على القلوب فتحرقها، وليست هناك نار تحرق القلب سوى النار الإلهية فإذا فقدت فطرة التوحيد - وهي فطرة الله - وحلَّ محلّها الشرك والكفر ، حينئذ لن تكون شفاعة الشافعين من نصيب الإنسان بل يخلد الإنسان في العذاب، وما أدراك ما العذاب؟ إنه العذاب الذي ينبعث عن الغضب الإلهي .


1) سورة الهمزة، الآيتان: 6 - 7 .

إذاً أيها العزيز . . . من أجل خيال باطل ومحبوبية بسيطة في أعين العباد الضعاف، ومن أجل جذب قلوب الناس المساكين، لا تعرض نفسك للغضب الإلهي، ولا تبع ذلك الحب الإلهي وتلك الكرامات غير المحدودة، وتلك الألطاف والعنايات الربانية، لا تبعها بمحبة بسيطة عند مخلوق ليس له أثر ، ولا تكسب منه أيّة ثمرة سوى الندامة والحسرة، عندما تقصر يداك عن هذا العالم - وهو عالم الكسب -، وعندما ينقطع عملك، وليس للندم حينئذ نتيجة ولا للإنابة من فائدة .

فصل: تنبيه علمي لاستئصال جذور الرياء

تذكر هنا أمراً نأمل أن يكون مؤثراً في علاج هذا المرض القلبي سواء في هذا المقام أو المقامات الأخرى، وهذا الأمر مطابق للبرهان - الدليل - والمكاشفة والعيان وأخبار المعصومين وكتاب الله، وللعقل حيث يصدق عقول الناس .

وهو أنه نتيجة لإحاطة قدرة الله تبارك وتعالى بجميع الموجودات، وبسطه لسلطانه الكائنات، وإحاطة قيمومته بجمیع الممكنات، فإنّ قلوب العباد جميعاً تكون على جميع تحت تصرّفه وبيد قدرته وفي قبضة سلطانه، ولا يتصرف - ولن يتصرف - أحد في قلوب العباد بدون إذنه القيومي وإجازته التكوينية. وحتى أصحاب القلوب أنفسهم ليست لهم القدرة على التصرّف في قلوبهم بدون إذن من الله تعالى. وبهذا المعنى وردت كلمات، إشارة وكناية وصراحة في القرآن وفي أخبار أهل البيت (علیهم السّلام)(1)

(بحار الأنوار، ج 72 ص 28) كتاب العشرة باب 40 الحديث 9 .

.

إذاً، فالله تعالى هو صاحب القلب والمتصرّف فيه وأما العبد الضعيف العاجز فلا يستطيع أن يتصرّف بقلبه بدون إذنه ، بل إنّ إرادته قاهرة لإرادتك ولإرادة جميع الموجودات . إذن فرياؤك وتملّقك ، إذا كانا لأجل جذب قلوب العباد ، ولفت نظرهم، ومن أجل الحصول


1) يقول الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ (الأنفال، الآية : 24) وعن أبي جعفر (علیه السّلام): «فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء ساعة كذا وساعة كذا وإن العبد ربما وفق للخير».

على المنزلة والتقدير في القلوب والاشتهار بالصلاح ، فإنَّ ذلك خارج كلية عن تصرفك ، وهو تحت تصرف الله ، فإله القلوب وصاحبها يوجّه القلوب نحو من يشاء بل من الممكن أن تحصل على نتيجة عكسية . وقد رأينا وسمعنا أنّ أشخاصاً متملقين ومنافقين ممن لم تكن لهم قلوب طاهرة، قد افتضحوا وبان زيفهم ففرض عليهم عكس ما أرادوا الحصول عليه من النتائج في نهاية الأمر. لقد وردت الإشارة إلى هذا المعنى في الحديث الشريف في الكافي : عن جراح المدانني، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) في قول الله عزَّ وجلَّ : فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(1). قال (علیه السّلام): «الرَّجُلُ يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الثَّوَابِ لا يَطْلبُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ ، إِنَّمَا يَطْلبُ تَزْكِيَةَ النَّاسِ يَشْتَهِي أَنْ يَسْمَعَ بِهِ النَّاسُ فَهَذَا الَّذِي أَشْرَكَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ ثُمَّ قَالَ : مَا مِنْ عَبْدِ أَسرَّ خَيْراً فَذَهَبَتِ الأَيَّامُ أَبَداً حَتَّى يُظْهِرَ اللَّهُ لَهُ خَيْراً، وَمَا مِنْ عَبْدٍ أَسَرَّ شَرّاً فَذَهَبَتِ الأَيَّامُ أَبَداً حَتَّى يَظْهِرَ اللَّهُ لَهُ شَرَا»(2).

اذا أيها العزيز، أطلب السمعة والذكر الحسن من الله ، إلتمس قلوب الناس من مالك القلوب، إعمل أنت الله وحده فستجد أن الله تعالى - فضلاً عن الكرامات الأخروية ونعم ذلك العالم - سيتفصل عليك في هذا العالم نفسه بكرامات عديدة، فيجعلك محبوباً، ويعظّم مكانتك في القلوب. ويجعلك مرفوع الرأس - وجيهاً - في كلتا الدارين . ولكن إذا استطعت مخلّص قلبك بصورة كاملة بالمجاهدة والمشقّة، من هذا الحبّ أيضاً، وطهر باطنك، كي يكون العمل خالصاً من هذه الجهة، ويتوّجه القلب إلى الله فقط حتى تطهّر الروح، وتزول أدران النفس . فأيّة فائدة تجني من حبّ الناس الضعاف لك، أو بغضهم، أو من الشهرة والصين عند العباد وهم لا يملكون شيئاً من دون الله تعالى؟ وحتى لو كانت له فائدة - على سبيل الفرض - فإنما هي فائدة تافهة ولأيام معدودات، ومن الممكن أن يسوق هذا الحب عاقبة عمل الإنسان إلى الرياء، وأن يجعل الإنسان - لا سمح الله - مشركاً ومنافقاً وكافراً . وإذا لم يفتضح في هذا العالم، فسيفتضح في ذلك العالم في محضر العدل الرباني، عند عباد الله الصالحين وأنبيائه العظام وملائكته المقرّبين، ويهان


1) سورة الكهف، الآية : 111 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، باب الرياء ، ح 4 .

مسكيناً. إنها فضيحة ذلك اليوم، وما أدراك ما تلك الفضيحة، والله يعلم أية ويصبح ظلمات تلي تلك المهانة في ذلك المحضر ! إنّ ذلك اليوم - كما يقول الله تعالى في كتابه - يتمنى الكافر فيه قائلاً : يا ليتني كُنتُ تُراباً(1)، ولكن لا جدوى لهذا التمني.

أيها المسكين، إنك ولأجل محبة بسيطة، جزئية، ومنزلة عديمة الفائدة بين العباد، تجاوزت تلك الكرامات وفقدت رضا الله، وعرضت نفسك لغضب الله .

لقد استبدلت الأعمال التي كان ينبغي أن تهيىء بها دار الكرامة في الآخرة، وتوفّر الحياة السعيدة الدائمة وتصل بواسطتها إلى أعلى عليين في الجنان، استبدلتها بظلمات الشرك والنفاق وأعددت لنفسك الحسرة والندامة والعذاب الشديد، وجعلت نفسك من أهل «سجين»، بالصورة التي وردت في الحديث الشريف في الكافي عن الإمام الصادق (علیه السّلام): «قال : قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنَّ الْمَلَكَ لَيَصْعَدُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجاً بِهِ فَإِذَا صَعَدَ : بِحَسَنَاتِهِ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، اجْعَلُوهَا فِي سِجِّين، إِنَّهُ لَيْسَ إِيَّايَ أَرَادَ بِهَا»(2).

إننا هنا وفي هذا الحال، لا نستطيع أن نتصور «سجَّين» ولا أن نفهم ديوان، عمل «الفُجّارِ»، ولا أن نرى صور هذه الأعمال وهي في سجين . . . وسنرى حقيقة الأمر في أحد الأيّام ولكن عندها تقصر أيدينا عن العمل ولا سبيل حينئذ للنجاة .

أيها العزيز . . .! استيقظ وأبعد عنك الغفلة والسكرة وزن أعمالك بميزان العقل قبل أن توزن في ذلك العالم، وحاسب نفسك قبل أن تُحاسب، وأجل مرآة القلب من الشرك والنفاق والتلوّن، ولا تدع صدأ الشرك والكفر يحيط به بمستوى لا يمكن جلاؤه حتى بنيران ذلك العالم، لا تدع نور الفطرة يتبدل بظلمة الكفر ، لا تدع هذه الآية فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ...(3)أن تضيع لا تخن هذه الأمانة الإلهية بهذا النحو، نظف مرآة قلبك لكي يتجلّى فيها نور جمال الحق فيغنيك عن العالم وكل ما فيه . ولكي تتوهّج نار الحب - العشق - الإلهي في قلبك، فتحرق الأنواع الأخرى من الحب، ولا تستبدل


1) سورة النبأ، الآية : 41 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني - كتاب الإيمان والكفر ، باب الرياء ، ح7 .

3) سورة الروم، الآية : 30.

حينذاك جميع هذا العالم بلحظة واحدة من الحب الإلهي، ولكي تحصل على لذّة في مناجاة الله وذكره، تعتبر غيرها من جميع اللذات الحيوانية، لعباً ولهواً.

وإذا لم تكن من أهل هذه العوالم، وترى هذه المعاني غريبة وعجيبة لديك فإياك أن تضيع تلك النعم الإلهية في العالم الآخر المذكورة في القرآن المجيد وأخبار المعصومين (علیهم السّلام) وتخسرها من أجل جذب قلوب المخلوقين . . .

لا تُضيّع كل هذا الثواب من أجل شهرة وهمية في أيام معدودات، لا تحرم نفسك من كل هذه الكرامات، لا تبع السعادة الأبدية بالشقاء الدائم .

فصل: في الدعوة إلى الإخلاص

إعلم أنّ مالك الملوك الحقيقي وولي النعمة الواقعي، الذي تفضّل علينا بكل هذه الكرامات، وهيأ لنا كل هذه النعم، قبل المجيء إلى هذا العالم، من الغذاء الطيّب ذي المواد النافعة المناسبة لمعدتنا الضعيفة، ومن المربّي الخادم بلا منّة بل بفعل الحبّ الفطري الذاتي. وهيّأ لنا البيئة والهواء المناسبين وباقي النعم العظيمة الظاهرة والباطنة . كما أعدَّ لنا الكثير في العالم الآخر وفي البرزخ قبل ذهابنا إلى هناك، هذا المتفضّل قد طلب منا قائلاً :

«أخلص قلبك لي ولأجل كرامتي، كي تحصل أنت على النتيجة، وتحصل أنت على الفائدة» ومع ذلك لا يلقى منّا أذنا صاغية بل يرى التمرّد عليه والسير على خلاف رضاه، فأي ظلم عظيم نكون قد اجترحناه بذلك؟! وأي مالك الملوك نحارب؟! ونتيجة ذلك كلّه تكون وبالاً علينا نحن، أما الله تعالى فلا يصاب سلطانه بضرر ولا ينقص من ملكه شيء ولا نخرج من سلطنته وسلطته، حتى إذا كنّا مشركين لأننا ألحقنا الضرر بأنفسنا ، . . . فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(1)فهو غني عن عبادتنا وإخلاصنا وعبوديتنا، ولا يؤثر تمرّدنا وشركنا وابتعادنا عنه شيئاً في مملكته، وحيث أنه أرحم الراحمين فقد اقتضت رحمته الواسعة وحكمته البالغة أن يعرض لنا طريق الهداية وسبيل الخير والشر


1) سورة آل عمران، الآية : 97 .

والحسن والقبح ويدلنّا على زلاّت طريق الإنسانية، ومزالق طريق السعادة، والله تعالى في هذه الهداية والإرشاد بل في هذه العبادات والإخلاص والعبودية، له سبحانه علينا منن عظيمة وجسيمة بحيث لا يمكن أن نفهمها ما لم تنفتح عين البصيرة والبرزخية التي ترى الواقع، وما دمنا في هذا العالم الضيق والمظلم، وفي ظلام الطبيعة، وما دمنا مقيدين بسلاسل الزمان، معتقلين في هذا المكان السجن المظلم فإنّا لا ندرك منن الله العظيمة علينا، ونتخيّل بأنّ نعم الله علينا تتلخّص في هذا الإخلاص وهذه العبادة، وفي ذلك الإرشاد وتلك الهداية فحسب.

لا تتوهم أبداً أنّ لنا المنّة على الأنبياء العظام والأولياء الكرام أو على علماء الأمة وهم الأدلاّء إلى سعادتنا ونجاتنا، والذين أنقذونا من الجهل والظلمة والشقاء، أخذونا إلى عالم النور والسرور والبهجة والعظمة والذين تحملوا ولازالوا يتحملون كل هذه المشاق والمصاعب من أجل تربيتنا وإنقاذنا من تلك الظلمات التي تلازم الاعتقادات الباطلة، ومن الجهل المركب بكل أشكاله، ومن أنواع الضغوطات والعذاب الذي هو صورة الملكات والأخلاق الرذيلة، ومن تلك الصور الموحشة والمرعبة التي هي ملكوت أعمالنا وأفعالنا القبيحة - وكذلك - لأجل إيصالنا إلى تلك الأنوار وأنواع البهجة والسرور والراحة والأنس والنعيم والحور والقصور التي لا نقدر أن نتصورها، حيث أن عالم الملك هذا كل معغ له من عظمة، أضيق من أن يحتوي على واحدة من حلل الجنة، وأنّ أعيننا لا تطيق رؤية شعرة واحدة من شعر حور العين، وتكون كل هذه المثوبات صوراً ملكوتية لتلك العقائد والأعمال والتي أدركها الأنبياء العظام، خصوصاً صاحب الكشف الكلي والكتاب الجامع خاتم الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم)، أدركوها بالوحي الإلهي ورأوها وسمعوها ودعونا إليها. ونحن المساكين كالأطفال، المتمردين على حكم العقلاء بل المخطئين لهم، قد دائماً بالعناد والمحاربة والانفصال، ولكن تلك النفوس الزكية والأرواح الطيبة واجهناهم الطاهرة - الأنبياء - بما يكمن فيهم من الرأفة والرحمة بعباد الله، لم يقصّروا أبداً في دعوتهم، على الرغم من جهلنا وعنادنا، بل ساقونا نحو الجنة والسعادة بكل ما يملكون من القوة وأساليب الدعوة دون أن ينتظروا منّا جزاء ولا شكوراً.

وحتى عندما يحدّد الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) أجره بـ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا

الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى(1)، فإنّ صورة هذه المودة في العالم الآخر قد تكون بالنسبة الينا أعصم الصور نوراً وعطاء. وهذا هو أيضاً من أجلنا نحن ومن أجل وصولنا إلى السعادة والرحمة. إذاً، فأجر الرسالة عائد إلينا أيضاً، ونحن الذين ننتفع به، فأية منة لنا نحن المساكين عليهم؟! . . . وأية فائدة تعود عليهم - سلام الله عليهم - من إخلاصنا لهم وتعلّقنا بهم؟! أية منة لكم ولنا على علماء الأمة؟ بدءاً من ذلك العالم الذي يوضح ويبين لنا الأحكام الشرعية، إلى النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) وإلى ذات الله المقدسة جلَّ جلاله فإنّ لكل منهم حسب درجته ومقامه من حيث إرشادهم لنا إلى طريق الهداية منناً لا نستطيع مكافأتهم عليها في هذا العالم، فهذا العالم لا يليق بجزائهم . فلله ولرسوله ولأوليائه المنّة وكما يقول تعالى : . . . قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ، إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(2). إذاً، فإن كنّا صادقين في ادّعاء الإيمان، فللّه المنّه علينا في هذا الإيمان نفسه. فالله بصير وعالم بالغيب، وهو يعلم ماهية صور أعمالنا. وكيفية صورة إيماننا وإسلامنا في عالم الغيب. أما نحن المساكين حيث لا نعرف الحقيقة، فإننا نتعلّم العلم من العالم ونمنّ عليه، ونصلّي جماعة مع العالم ونمنّ عليه، مع أنّ لهم المنّة علينا ونحن لا نعلم . بل وإن هذه المنّة التي نمنُ بها عليهم هي التي تحبط أعمالنا وتجرّها إلى «سجّين»، وتذروها في الهواء لكي تفنى وتذهب .

المقام الثاني: الرياء، وفيه فصلان، الفصل الأول: الریاء في العمل

اشارة

إعلم أنّ الرياء في هذا المقام وإن لم يكن تححم المقام الأول - من الدفع نحو الكفر .. إلا أنه ، بعد الالتفات إلى موضوعه، قد يفضي بعمل المرائي أيضاً في هذا المقام


1) سورة الشورى، الآية : 23.

2) سورة الحجرات، الآيتان: 17 - 18.

(العمل) إلى الكفر فيصبح واحداً في النتيجة مع عمل المرائي في ذلك المقام: مقام الرياء في العقيدة.

لقد أوضحنا في شرح الحديث السابق، أنه يمكن أن تكون للإنسان في عالم الملكوت صورة تغاير الصورة الإنسانية، وأن تلك الصور تتبع ملكوت النفس وملكاتها، فإذا كنتم ذوي ملكات فاضلة إنسانية، فستجعل هذه الملكات صوركم، إنسانية عندما يحشر الإنسان ومعه تلك الملكات ما لم تخرج عن طريق الاعتدال، بل إنّ الملكات إنما تكون فاضلة حين لا تتصرف النفس الأمارة بالسوء فيها، ولا يكون الخطوات النفس دور في تشكيلها .

يقول أستاذنا الشيخ محمد علي الشاه آبادي دام ظله : «إنّ المعيار في الرياضة الباطلة والرياضة الشرعية الصحيحة هو خطى النفس وخطى الحق، فإذا كان تحرّك السالك بخطى النفس وكانت رياضته من أجل الحصول على قوى النفس وقدرتها وتسلّطها، كانت رياضته باطلة وأدّى سلوكه إلى سوء العاقبة . وتظهر الدعاوى الباطلة - عادة - من مثل هؤلاء الأشخاص.

أما إذا كان تحرّك السالك بخطى الحق وكان باحثاً عن الله، فإن رياضته هذه حقّة وشرعية وسيأخذ الله تعالى بيده ويهديه كما تنّص على ذلك الآية الشريفة التي تقول : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا . . .(1)وسيؤول عمله إلى السعادة. فتسقط عنه «الأنا» ويزول عنه الغرور. ومعلوم أنّ خطوات الشخص الذي يعرض أخلاقه الحسنة وملكاته الفاضلة على الناس ليلفت أنظارهم إليه هي خطوات النفس، وهو متكبّر وأناني و معجب بنفسه، وعابد لها».

ومع التكبّر تكون العبودية لله وهماً ساذجاً، وأمراً باطلاً ومستحيلاً، ومادامت مملكة وجودكم مملوءة بحب النفس وحب الجاه والجلال والشهرة والترأس على عباد الله ، فلا يمكن اعتبار ملكاتكم ملكات فاضلة، ولا أخلاقكم أخلاقاً إلهية . فالفاعل في مملكتكم هو الشيطان، وليس ملكوتكم وباطنكم على صورة إنسان. وعند فتح العيون


1) سورة العنكبوت، الآية : 69.

البرزخية، ترون ملكوتكم على غير صورة الإنسان، وإنما هي صورة أحد الشياطين مثلاً . وحصول المعارف الإلهية والتوحيد الكامل أمر مستحيل بالنسبة إلى قلب كهذا مادام مسكناً للشيطان، ومادام ملكوتكم غير إنساني، وما دامت قلوبكم غير مطهرة من هذه الانحرافات والأنانيات .

ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «لا تَسَعُنِي أَرْضِي وَلَا سَمَائِي، بَلْ يَسَعُني قَلْبُ عَبْدِيَ المُؤْمِنَ»(1)ليس موجود يكون آية جمال المحبوب سوى قلب المؤمن. إن المتصرّف في قلب المؤمن هو الله ، لا النفس. الفاعل في وجوده هو المحبوب، فلا يكون قلب المؤمن متمرّداً ولا تائهاً .

«قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ إِصْبَعَيِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ»(2).

وأنت أيها المسكين العابد للنفس، والذي تركت الشيطان والجهل يتصرّفان قلبك، ومنعت يد الحق أن تتصرّف في قلبك، أيّ إيمان لديك حتى تكون محلاًّ لتجلّي الحق والسلطة المطلقة؟

فاعلم إذاً، أنك مادمت على هذه الحال، ومادامت رذيلة الغرور موجودة فيك، فأنت كافر بالله، معدود من زمرة المنافقين، رغم زعمك بأنّك مسلم ومؤمن بالله .

الفصل الثاني: خلق الله الإنسان لنفسه سبحانه

أيها العزيز! استيقظ وانتبه وافتح أذنيك، وحرّم نوم الغفلة على عينيك، واعلم أنّ


1) إحياء العلوم، المجلد الثالث، ص 12 . إتحاف السادة المتقين، المجلد السابع، ص 234 . غوالي اللثالي، المجلد الرابع ، ص 7 وفيه (ولكن يسعني). وكتاب عوالي اللثالي ، ج 4 ، ص7 . وبحار الأنوار، ج 55 ص 39 . كتاب السماء والعالم، باب العرش والكرسي وحملتهما . وكتاب المحجة البيضاء ، جه ص 27 . کتاب شرح عجائب القلب .

2) صحيح مسلم، المجلد 8 ، ص 51 . إحياء العلوم، المجلد الأول ص 76 . الجامع الصغير، المجلد الأول ص 83 والمجلد الثاني ص 151 . بحار الأنوار، ج 72، ص 48 ، كتاب العشرة، باب 40 ، حديث 9 .

الله خلقك لنفسه كما يقول في الحديث القدسي :

«يَا ابْنَ آدَمَ خَلَقْتُ الأَشْيَاءَ لأَجْلِكَ وَخَلَقْتُكَ لأجلي»(1)واتخذ من قلبك منزلاً له، فأنت وقلبك من النواميس والحرمات الإلهية، والله تعالى عيور، فلا تهتك حرمته وناموسه إلى هذا الحدّ، ولا تدع الأيادي تمتد إلى حرمه وناموسه . احذر غيرة الله، وإلاّ فضحك في هذا العالم بصورة لا تستطيع إصلاحها مهما حاولت. أتهتك في ملكوتك وفي محضر الملائكة والأنبياء العظام ستر الناموس الإلهي؟ وتقدم الأحلاق الفاضلة التي تخلّق بها الأولياء إلى الحق، إلى غير الحق؟ وتمنح قلبك لخصم الحق؟ وتشرك في باطن ملكوتك؟ كن على حدر من الحق تعالى فإنه مضافاً إلى هتكه سبحانه لناموس مملكتك في الآخرة - وفصحه لك أمام الأنبياء العظام والملائكة المقرّبين، سيفضحك في هذا العالم ويبتليك بفضيحه لا يمكن تلافيها . . . وبتمزيق عصمة لا يمكن ترقيعها .

إنّ الحق تعالى «ستار» ولكنه غيور أيضاً . . . إنه «أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ» ولكنه «أَشَدُّ المُعاقِبِينَ» أيضاً، يستر ما لم يتجاوز الحد. فقد تؤدي هذه الفصيحه الكبرى - لا سمح الله - إلى تغليب الغيرة على الستر، كما سمعت في الحديث الشريف(2).

مارجع إلى نفسك قليلاً، وعد إلى الله، فالله رحيم، وهو يبحث عن دريعة لإفاضة الرحمه عليك . وإذا أنبت إليه ، فإنه يستر بغفرانه معاصيك وعيوبك الماضية، ولن يطلع عليها أحداً ويجعلك صاحب فضيلة، ويظهر فيك الأخلاق الكريمة، ويجعلك مرآة لصفاته تعالى ويجعل إرادتك فعّالة في ذلك العالم كما أن إرادته نافذة في جميع العوالم .

كما ورد في حديث منقول : إن أهل الجنة عندما يستقرون في الجنة، تبلغهم رسالة من لحق تعالى خلاصتها: من الحي الأبدي الذي لا يموت، إلى الحي الأمدي الذي لا تموت إذا أردت شيئاً قلتُ له كن فيكون، جعلتك هذا اليوم في مستوىَ إذا أردتَ شيئاً ملت له كن فيكون(3).


1) المنهج القوي، المجلد الخامس - ص 516 . وعلم اليقين، المجلد الأول، ص 381.

2) المذكور في ص 66 فراجع .

3) من الحي القيوم الذي لا يموت إلى الحي القيوم الذي لا يموت. أما بعد فإني أقول للشيء كن فيكون وقد جعلتك تقول للشيء كن فيكون. علم اليقين ج 2 ص 1061 .

لا تكن محباً لنفسك، سلّم إرادتك للحق تعالى، فإن الذات المقدسة يتفضّل عليك بجعلك مظهراً لإرادته، ويجعلك متصرّفاً في كافة الأمور. ويخضع لقدرتك مملكة الإيجاد. وهذا هو غير التفويض الباطل، كما هو معلوم في محله .

فيا أيها العزيز أنت أعرف بنفسك فاختر إما هذا وإما ذاك فالله غنيَّ عنّا وعن كل المخلوقات إنه غنيَّ عن احلاصنا وإخلاص كل الموجودات .

المقام الثالث: الرياء، وفيه فصول. فصل: تلاعب الشيطان مع الناس من خلال المناسك والعبادات

اشارة

إعلم أنّ الرياء في هذا المقام، أكثر من المقامات الأخرى وأوسع شيوعاً، إذ أننا نحن العامة من الناس، لسنا على العموم أهلاً لذينك المقامين. ولهذا لا يدخل الشيطان إلينا من ذلك الطريق، ولكن بما أن معظم الناس المتعبدين، هم من أهل المناسك والعبادات الظاهرية، فإنّ الشيطان أكثر حريّة في التلاعب بهم، في هذا المقام ومن خلال العبادات .

كما أنّ مكائد النفس في هذه المرحلة أكثر. وبتعبير آخر : بما أن عامة الناس؛ يفوزون بالجنة بالأعمال الجسمانية، وأنهم يحصلون على الدرجات الأخروية بممارسة الأعمال الحسنة وترك الأعمال السيئة، فإن الشيطان يدخل عليهم من هذا الطريق نفسه، ويسقي حذور الرياء والتملق في أعمالهم، فتفرّع وتورق، ويبدل حسناتهم سيئات، ويدخلهم جهنم ودركاتها عن طريق المناسك والعبادات، ويحوّل الأمور التي يريدون أن يعمّروا بها آخرتهم إلى أدوات لتخريبها - الآخرة - فيجعل الملائكة ما هو - الأعمال - من العليين بأمر من الله في سجين .

فعلى الذين يملكون هذا الجانب فقط، ولا زاد لهم سوى زاد الأعمال، عليهم أن

يكونوا حذرين كل الحذر لئلا يفقدوا - لا سمح الله - الزاد والراحلة كليهما، ويصبحوا من أهل جهنم، ولا يبقى لهم طريق نحو السعادة، وتغلق في وجوههم أبواب الجنة، وتفتح لهم أبواب النار .

فصل: في دقّة أمر الرياء

كثيراً ما يتفق أن يكون الشخص المرائي نفسه غافلاً أيضاً عن كون الرياء قد تسرّب إلى أعماله، وأنّ أعماله صارت رياء وهباء إذ أنّ مكائد الشيطان والنفس من الدقة والخفاء، وصراط الإنسانية من الرهافة والظلمة بدرجة لا ينتبه الإنسان إلى ما هو فيه إن لم يكن حذراً جداً. إنه يحسب أن أعماله الله ولكنها تكون في الواقع للشيطان ولما كان الإنسان مجبولاً على حب النفس، فإن حجاب حبّ النفس يستر عنه معايب نفسه، وقد يأتي(1)بيان بعض ذلك ضمن شرح بعض الأحاديث إن شاء الله، ونسأل منه سبحانه التوفيق على ذلك .

ففي دراسة علوم الدين، مثلاً - وهي من الطاعات والعبادات المهمة - يبتلي الإنسان الكامل بالرياء من حيث لا يدري وذلك بسبب الحجاب الغليظ لحب النفس .

إنّ الإنسان يرغب أن يتفرّد في استيعاب معضلة علمية وحلّها لدى محضر العلماء والرؤساء والفضلاء، ويبتهج أكثر، كلما كان توضيحه للمسألة العلمية أحسن، ولفت انتباه الحاضرين أكثر . لأنه يحب أن ينتصر على كل من يناظره. إنه يشعر بنوع من الدلال العلمي والتفوّق، وإذا اقترن ذلك بتصديق من إحدى الشخصيات، لكان نور على نور . إن هذا المسكين غافل عن أنه أحرز هنا موقعاً لدى الفضلاء والعلماء ولكنه سقط من عين ربهم ومالك ملوك العالم، وأن عمله قد ترك بأمر الحق المتعال في سجين . ثم إنّ عمله هذا من الرياء ممزوج بعدة معاص أخرى، مثل فضحه وإذلاله وإيذائه أخاً له في الإيمان، وأحياناً التجرؤ على مؤمن وهتكه ، وكل واحدة من هذه الأعمال هي من الموبقات وكافية


1) الحديث الثالث ص 10 فصل في بيان أن حب النفس أساس العجب.

وحدها لإدخال الإنسان في جهنم . وإذا ألقت النفس مرة أخرى شباك كيدها، لتقول لك : إنّ هدفي هو إعلان الحكم الشرعي وإظهار كلمة الحق وهو من أفضل الطاعات، وليس لإظهار العلم والتكبر وحب الظهور، فاسأل نفسك في الباطن أنه لو كان زميلي المساوي لي في الدرجة العلمية هو الذي قال ذلك الحكم الشرعي وهو الذي حلَّ تلك المعصلة وكنتِ أنتِ مغلوبة في ذلك المحضر، أكان ذلك على حدَّ سواء عندك؟ إذا كان كذلك فأنت صادق. وإذا لم تترك كيدها وقالت لك : إنّ إظهار الحق فضيلة، وله ثواب عند الله تعالى، وأنا أريد أن انال هذه الفضيلة، وأعمّر دار الثواب، فقل لها : لنفرض أنّ الله تعالى أنعم عليك بتلك الفضيلة نفسها في حالة مغلوبيتك وتصديقك بالحق، فهل تبقين طالبة للغلبة؟ فإذا رجعتم إلى باطنكم ورأيتم أنكم ما زلتم تميلون إلى الغلبة، والاشتهار بين العلماء بالعلم والفضل، وأن بحثكم العلمي كان لأجل الحصول على المكانة في قلوب أولئك ، إذاً ، فاعلموا أنكم مراؤون في هذا البحث العلمي الذي هو من أفضل الطاعات والعبادات وأنّ عملكم هذا - بحسب الرواية الشريفة في كتاب (الكافي) - هو في «سجين»، وأنكم مشركون بالله . وأن هذا العمل هو لأجل حبّ الجاه والشرف وهما - بحسب الرواية - أشد ضرراً على الإيمان من ذئبين أطلقا على قطيع بلا راع(1).

إذاً، فعليكم أنتم أهل العلم المتكفلين بإصلاح الأمة والإرشاد إلى الآخرة الأطّباء للأمراض النفسية، أن تصلحوا أنفسكم أولاً وتجعلوا مزاجكم النفسي سالماً، كي لا تكونوا في زمرة «العالم بلا عمل» وهو صنف معلوم الحال والعاقبة :

اللّهمّ طهّر قلوبنا من كدر الشرك والنفاق، وصفَّ مرآة قلوبنا من صدإ حبّ الدنيا وهي منشأ جميع هذه الأمور. اللهمّ رافقنا، وخذ بأيدينا نحن المساكين المبتلين بهوى النفس وحبّ الجاه والشرف في هذا السفر المملوء بالخطر وفي هذا الطريق المليء بالمنعطفات والصعاب والظلمات إنّك على كل شيء قدير .

إنّ صلاة الجماعة واحدة من العبادات العظيمة في الإسلام، وفضل إمامتها أعظم. ومن هنا فإنّ الشيطان ينفذ إلى هذه العبادة أكثر، وهو مع الإمام أشدّ عداوة، ويسعى إلى


1) تقدم الحديث عنه في ص 50 فراجع .

أن ينتزع منه هذه الفضيلة، ويفرغ عمله من الإخلاص، ويدخله إلى «سجّين»، ويجعله مشرك بالله. ولأجل ذلك يدخل الشيطان إلى قلوب بعض أئمة الجماعة بطرق مختلفة مثل : العجب (سيأتي بيانه إن شاء الله لاحقاً) ومثل : الرياء وهو إظهار هذه العبادة العظيمة أمام الناس من أجل الحصول على منزلة في قلوب الناس والاشتهار بالعظمة لديهم . فمثلا یری إمام الجماعة أن أحد المشهورين بالتقوى والدين قد حضر إلى صلاة جماعته، ولأجل جذب قلبه يكثر من خضوعه ويلتجيء إلى أساليب مختلفة، وحيل كثيرة لصيده، ومن لأجل تعظيم نفسه عند الغائبين الذين لم يحضروا صلاة جماعته، يتحدث في المجالس عن ذلك المتديّن، ويحاول إفهام الناس أنّ فلاناً يأتمّ به ويشارك في صلاة جماعته. ثم هو أيضاً يقابله بالودّ والحبّ في قلبه ، لأجل حضوره في صلاة جماعته ويكن ّله من الحب والإخلاص ما لم يكنّ لحظة طوال حياته، الله ولا لأولياء الله، خصوصاً إذا كان هذا المتديّن من التجار المحترمين . وإذا حدث لا سمح الله أن ضلَّ أحد الأشراف طريقه والتحق بصلاة الجماعة، فإنّ المصيبة على إمام الجماعة من وسوسة الشيطان تكون أعظم. إنّ الشيطان لا يترك حتى إمام جماعة قليلة الأفراد، فيذهب إليه ويوحي له فيوسوس في نفسه : إنني قد أعرضت عن الدنيا، وأقضيها في مسجد صغير، القراء والمساكين. وهذا أيضاً مثل ذاك، أو أسوأ منه، لأنه يثقل قلبه برذيلة الحسد أيضاً ، فهو فضلاً عن كونه لم ينل من الدنيا شيئاً، يسلبه الشيطان عدّته لآخرته، فيخسر الدنيا والآخرة.

وفي الوقت نفسه لم يرفع الشيطان يده عنّا : أنا وأنت من الذين نقصّر في الحضور في صلاة الجماعة ونحمل الهم والأسى لعدم توفّر الظروف والمناخ لإقامة صلاة الجماعة بإمامتنا، فيدفعنا إلى الإساءة إلى جماعة المسلمين والطعن بهم وخلق عيوب للجماعة، ونعد عدم الإشتراك في الجماعة ، عزلة، نظهر أنفسنا كأننا راهدون في الدنيا ومنزّهون عن حب الجاه والذات، في حين أننا أسوأ من كلتا الفئتين السالفتين، فلا نحن نلنا الدنيا الكاملة التي نالتها الطائفة الأولى، ولا دنيا الطائفة الثانية الناقصة، ولا نحن فزنا بالآخرة، مع أننا أيضاً لو أتيح لنا ما نريد لكنا أشدّ من كلتا الطائفتين حبّاً للجاه والمال .

والشيطان لا يكتفي بإمام الجماعة وحده فلا تنطفىء شعلة شهوته بجعله - إمام

الجماعة - من أهل النار ، بل يدخل إلى صفوف المصلّين المؤمنين، فحيث أنّ فضيلة الصف الأول أعظم من سائر الصفوف، وأن جانب يمين الإمام أكثر فضلاً من جانب يساره، فهو يستهدفه أكثر من غيره .

مسكين هذا المتديَّن يجرّه الشيطان من بيته البعيد ويجلسه في الجانب الأيمن من الصف الأول، ثم يوسوس له كي يتباهى على الناس بهذه الفضيلة، إذ لا يدري هذا لمسكين ماذا يفعل؟ فيأخذ بإظهار فضله بتفاخر ودلال، ويبرز شركه الباطن فيكون مصيره إلى «سجَّين» ثم يذهب الشيطان إلى باقي الصفوف ويدفعهم إلى أن يطعنوا من في لصف الأول بالكناية والإشارة وأن يجعلوا ذلك المتدين المسكين هدفاً لسهام الطعن الشتم، معتبرين أنفسهم منزهين عن مثل أطواره. وأحياناً قد يُرى شخص محترم، خصوصاً إذا كان من أهل الفضل والعلم، قد أخذ الشيطان بيده وأجلسه في الصف الأخير، كأنه يريد أن يقول للحاضرين : إني بمقامي هذا لا ينبغي أن أصلي مع شخص كهذا، لكن لكوني قد أعرضت عن الدنيا وليس لدي هوى في النفس، فقد جئت بل وجلست في الصف الأخير ولن ألتقي أشخاصاً من هذا القبيل في الصف الأول من صلاة الجماعة .

ولا يكتفي الشيطان بالإمام والمأموم ، بل يأخذ بزمام بعض المصلين المنفردين عن الجماعة فيقوده من السوق أو المنزل، بدلال وتبختر، إلى زاوية في المسجد، حيث يفرش سجادته منفرداً، دون أن يرى أي إمام عادلاً، ويصلّي في حضور الناس ويطيل السجود والركوع والأذكار الطويلة. هذا الإنسان يضمر في باطنه كلمة للناس هي : «إنني متدين ومحتاط إلى درجة أترك صلاة الجماعة لئلا أبتلي بإمام غير عادل». هذا الإنسان، فضلاً عن أنه معجب بنفسه ومُراء، فإنه لا يعرف المسائل الشرعية أيضاً، وذلك لأن مرجع تقليد هذا الشخص، قد لا يشترط أكثر من مجرّد حسن الظاهر في صحة الاقتداء، ولكن عمله هذا ليس من هذا الباب، بل من أجل الرياء أمام الناس، ولأجل الحصول على المكانة والمنزلة في القلوب .

وهكذا سائر أعمالنا، فهي تحت تصرّف الشيطان الملعون الذي ينزل في كل قلب كدر ملوث، ويحرق الأعمال الظاهرة والباطنة ويجعلنا من أهل النار عن طريق الأعمال الحسنة .

فصل: في الدعوة إلى الإخلاص

إذاً أيها العزيز، كن دقيقاً في أعمالك وحاسب نفسك في كل عمل، واستنطقها عن الدافع في الأعمال الخيرة، والأمور الشريفة، فما الذي يدفعها إلى السؤال عن مسائل صلاة الليل أو على ترديد الأذكار ؟ هل تريد أن تتفهّم أحكام صلاة الليل وتعلّمها قربة إلى الله، أو تريد أن توحي إلى الناس بأنها من أهل صلاة الليل؟

لماذا تريد أن تخبر الناس بأي أسلوب كان، عن الزيارة للمشاهد المشرفة وحتى عن عدد الزيارات؟

لماذا لا ترضى أن لا يطّلع أحد على الصدقات التي تعطيها في الخفاء، وتحاول أن تتحدث عنها ليطّلع عليها الناس؟ إذا كان ذلك الله ، وتريد أن يتأسّى به الناس باعتبار أن «الدال على الخير كفاعله»(1)، فإنّ إظهاره حسن، واشكر الله على هذا الضمير النقي والقلب الطاهر ! .

ولكن ليكن الإنسان حذراً في المناظرة والجدال مع النفس، وأن لا ينخدع بمكرها، وإظهارها له العمل المرائي بصورة عمل مقدس . فإن لم يكن الله ، فتركه أولى، لأنّ هذا من طلب السمعة وهو من شجرة الرياء الملعونة. ولن يقبل الله المنّان عمله، بل يأمر بإلقائه في سجّين. ويجب علينا أن نستعيذ بالله تعالى من شرَّ مكائد النفس، فإنّ مكائدها خفية جداً، ولكننا نعلم إجمالاً أن أعمالنا ليست خالصة لله، وإلا فإذا كنّا عباداً لله مخلصين، فلماذا تكون للشيطان علينا هذه السيطرة وبهذا القدر؟ مع أنه أعطى لربَّه عهداً أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين، وأنه لا يمد يده إلى ساحتهم المقدسة(2)،، وعلى حد قول شيخنا(3)الكبير دام ظله : فإنّ الشيطان كلب أعتاب الحضرة الإلهية، فلا


1) بحار الأنوار، ج 13 ص 17 ، كتاب الزكاة والصدقة، باب 20 ح 1.

2) إشارة إلى الآية المباركة: قَالَ رَبِّ بِمَا أَخْوَيْتَنِي لأَزَيَّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَة الأرض ولأخوينهم أَجْمَعِينَ الأعِبَادَكَ مِنْهُم الْمُخْلَصِينَ (سورة الحجر، الآيتان : 20 - 21).

3) الشيخ محمد علي الشاه آبادي.

ينبح في وجه من كانت له معرفة بالله ولن يؤذيه وكلب الدار لا يطارد معارف صاحب الدار . ولكن الشيطان لا يسمح بالدخول لمن ليست له معرفة بصاحب الدار، إذاً؛ إذا رأيت أن للشيطان شأناً معك وسيطرة عليك فاعلم أنّ أعمالك غير خالصة، وأنها ليست الله تعالى .

وإذا كنت مخلصاً فلماذا لا تجري ينابيع الحكمة من قلبك على لسانك مع أنك تعمل أربعين سنة قربة إلى الله حسب تصوّرك؟ في حين أنه ورد في الحديث الشريف عن الرضا عن آبائه (علیهم السّلام) قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَا خَلَصَ عَبْدٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً إِلا جَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ»(1)، إذاً؛ فاعلم أنّ أعمالنا غير خالصة الله، ولكننا لا ندري، وهاهنا الداء الذي لا دواء له ! .

ويل لأهل الطاعة والعبادة والعلم والديانة الذين عندما يفتحون أبصارهم ويقيم سلطان الآخرة قدرته، يرون أنفسهم من أهل كبائر المعاصي، بل وأسوأ من أهل الكفر والشرك، بحيث أنّ صحيفة أعمالهم تكون أشدّ سواداً من صحائف الكفّار والمشركين .

الويل لمن يدخل بصلاته وطاعته جهنم، الويل لمن تكون صورة صدقته وزكاته وصلاته أبشع مما يمكن تصوّره. أيها المسكين المرائي، أنت مشرك، وأما العاصي فموحّد. إن الله يرحم بفضله العاصي إن شاء، لكنه يقول إنه لن يرحم المشرك إذا رحل من الدنيا بدون توبة(2).

لقد سمعت في الأحاديث الشريفة أنّ المرائي مشرك. إن من يرائي بين الناس برياسته الدينية وإمامته وتدريسه وصومه وصلاته وبأعماله الصالحة لأجل الحصول على المنزلة في قلوبهم، فهو مشرك. وإنه لن يكون مشمولاً بمغفرة الله تعالى حسب الآية الشريفة وأخبار أهل بيت العصمة - صلوات الله عليهم .. إذاً؛ فيا ليتك كنت من أهل الكبائر، ومتجاهراً بالفسق، ومنتهكاً للحرمات الظاهرية، وكنت موحّداً ولم تشرك بالله .

فيا أيها العزيز؛ فكّر لتجد سبيلاً لنجاتك، واعلم أنّ الشهرة بين هؤلاء الناس وَهم


1) بحار الأنوار، المجلد 70 ، ص 242 . كتاب الإيمان والكفر ، باب الإخلاص، ح1.

2) إشارة إلى قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ (سورة النساء، الآية : 48 ، 116).

باطل، إنها ليست بشيء . إنّ قلوب هؤلاء التي لو أكلها عصفور لما شبع(1)، إن هي إلا قلوب ضعيفة تافهة، ولا طاقة لها على شيء، وإنّ هذا المخلوق الضعيف لا حول له ولا فوة . القوة هي قوة الله المقدسة، فهو الفاعل المطلق ومسبب الأسباب. ولو اجتمع الناس جميعاً وكان بعضهم لبعض ظهيراً، لما استطاعوا أن يخلقوا ذبابة، وإذا سلبت منهم الذبابة شيئاً لما استطاعوا استرجاعه منها . كما جاء في الآية الكريمة :

يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلَقُوا ذباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبُهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَقِدُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ(2). القوة الله تعالى وهو المؤثر في جميع الموجودات. أكتب على قلبك بمداد العقل - مهما قاسيت في ذلك وعانيت - أن : «لا مؤثر في الوجود إلا الله» ! .

أدخل في قلبك بأيّة وسيلة كانت، التوحيد العملي وهو أول درجات التوحيد، واجعل قلبك مؤمناً ومسلماً، واختم على قلبك بهذه الكلمة المباركة بالختم الشريف «لأ إله إلا الله» واجعل صورة القلب صورة كلمة التوحيد، وأوصله إلى درجة «الإطمئنان»، وأفهمه أن الناس لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً، فالله وحده هو النافع والضارّ. أزل هذا العمى عن عينك، وإلا فستكون ممن يقول : . . . رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً(3)، وتحشر يوم كشف السرائر، أعمى. واعلم أنّ إرادة الله تعالى قاهرة لجميع الإرادات، وإذا اطمأنّ قلبك بهذه الكلمة المباركة وتسلّم لهذه العقيدة، فالأمل أن ينجز عملك، وتستأصل جذور الشرك والرياء والكفر والنفاق من قلبك.

واعلم أنّ هذه العقيدة الحقّة مطابقة للعقل والشرع وليس فيها شبهة الجبر، وهي الشبهة التي من المحتمل أن يعتقد بها بعض مَنْ لا اطّلاع لهم على مبادىء الموضوع


1) قال الإمام الصادق (علیه السّلام): «يا ابن آدم لو أكل قلبك طائر لم يشبعه» . أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكلام في الكيفية ، ج 7 .

2) سورة الحج ، الآية : 73 .

3) سورة طه، الآية : 251 .

ومقدماته ولم يطرق سمعهم شيء من تلك الأمور، مع أنّ ذلك لا يرتبط بالجبر، فهو توحيد والجبر شرك، وهذه هداية والجبر ضلالة. وهذا ليس مكاناً مناسباً لبيان الجبر والتفويض، ولكن الأمر واضح عند أهله ولا حقّ لغيرهم بالدخول في هذه المواضيع، بل وقد نهى صاحب الشريعة عن الدخول فيها(1).

وعلى أي حال ؛ أطلب من الله الرحيم في كل حين، وخصوصاً في الخلوات، وبتضرّع وعجز وتذلّل، أن يهديك بنور التوحيد، وأن ينوّر قلبك ببارقة غيب التوحيد في الإيمان والعبادة، حتى تعلم أنّ جميع العالم الواهي وكل ما فيه يكون لا شيء، واسأل الذات المقدّس بكل تضرّع أن يجعل أعمالك خالصة وأن يهديك إلى طريق الخلوص والولاء. وإذا وانتك حالة السموّ الروحي، فاذكر بالدعاء هذا العبد الضعيف العاطل الخالي من الحقيقة الذي ضيّع عمره في الهوى، وأصبح قلبه بسبب كدر المعاصي والأمراض القلبية بحيث لم تعد تؤثّر فيه أيّة نصيحة ولا رواية ولا برهان ولا دليل ولا آية، لعلّه بجد بدعائكم طريق النجاة، فإنّ الله لا يردّ دعاء المؤمن في حضرته ، بل يستجيب دعاءه(2).

بعد التذكير بهذه المطالب التي كنت تعرفها ولم تكن جديدة عليك، راقب قلبك وانتبه له، وأخضع أعمالك وتعاملك وحركاتك وسكناتك للملاحظة، وفتّش في خبايا قلبك، وحاسبه حساباً شديداً مثلما يحاسب شخص من أهل الدنيا شريكه، واترك كل عمل فيه شبهة الرياء والتملّق ولو كان عملاً شريفاً جداً. وإذا رأيت أنك لا تستطيع أداء الواجبات بإخلاص في العلن، فأدّها في الخفاء أنه يستحبّ الإتيان بها في العلن. وقليلاً ما يتّفق أن يقع الرياء في أصل الواجب، والأغلب أن يقع في الخصوصيات والمستحبات والإضافات، وعلى أيّة حال ؛ طهّر قلبك من دنس الشرك بجد ومجاهدة


1) قال الامام الصادق (علیه السّلام) قال أمير المؤمنين (علیه السّلام) لرجل قد سأله عن القدر فقال : «بحر عميق فلا تلجه ثم سأله ثانية فقال طريق مظلم فلا تسلكه ثم سأله ثالثة فقال : سر الله فلا تتكلفه» . بحار الأنوار، ج5 ، ص 97 ، کتاب العدل والمعاد، باب القضاء والقدر ، ح 22 .

2) قال الإمام الصادق (علیه السّلام): ما أبرز عبد يده إلى الله العزيز الجبار إلا استحى الله عز وجل أن يردها صفراً حتى يجعل فيها من فضل رحمته ما يشاء فإذا دعا أحدكم فلا يرد يده حتى يمسح على وجهه ورأسه». أصول الكافي، ج 2 ص 271 ، كتاب الدعاء باب أن من دعا استحيب له ، ح2 .

شديدتين، لئلا تنتقل من هذا العالم - لا سمح الله - وأنت بهذه الحال السيئة من دون أن يكون لك أمل بالنجاة أبداً، ويكون الحق المتعال غاضباً عليك، كما ورد في الحديث الشريف المنقول في (الوسائل) عن (قرب الإسناد) بسند متصل إلى أمير المؤمنين (علیه السّلام) أنه قال : «قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَزَيَّتَ لِلنَّاسِ بِمَا يُحِبُّ اللَّهُ وَبَارَزَ لِلَّهِ فِي السِّرِّ بِمَا يَكْرَهُ اللَّهُ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ وَلَهُ مَا قِتٌ»(1).

وفي هذا الحديث الشريف احتمالان :

الأول : هو ذلك الذي يظهر للناس الأعمال الصالحة ويخفي الأعمال القبيحة .

والآخر : هو ذلك الذي يظهر للناس هيكل العمل وفي الباطن يقصد الرياء، وكلتا الصورتين يشملهما الرياء، لأنّ الإتيان بالواجبات والمستحبات، بغير قصد الرياء لا يستوجب الغضب، بل يمكن القول أنّ المعنى الثاني أفضل لأنّ التجاهر بالأعمال القبيحة أشدّ، وعلى كل حال ؛ لا سمح الله أن يكون مالك الملوك وأرحم الراحمين غاضباً على الإنسان «أعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ الحَلِيم».

فصل: في بيان حديث علوي

نختم هذا المقام بحديث شريف روي في كتاب (الكافي) عن أمير المؤمنين (علیه السّلام) ونقل الشيخ الصدوق(2)رضوان الله عليه مثل هذا الحديث عن الإمام الصادق (علیه السّلام) وهو من جملة وصايا الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) الأمير المؤمنين (علیه السّلام) وهو هذا:

بإسناده: عن أبي عبد الله (علیه السّلام): قال : قال أمير المؤمنين (علیه السّلام): «ثَلَاثُ عَلامات لِلْمُرَانِي : يَنشَط إذا رأى النَّاسَ، وَيَكْسَلُ إِذا كَانَ وَحْدَهُ، وَيُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ فِي جَمِيع أموره»(3).


1) وسائل الشيعة، المجلد الأول، الباب الحادي عشر من أبواب مقدمة العبادات ، ح 14 ص 50 .

2) تقدم باختصار ترجمة الشيخ محمد بن علي بن بابويه الصدوق في ص 29 من هذا الكتاب .

3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الرياء ، ح 8 .

ولما كانت هذه السيَّئة - الرياء - الخبيثة شديدة الخفاء، غابت حتى عن الإنسان نفسه بحيث يكون في الباطن من أهل الرياء وهو يتوهّم عمله خالصاً، ولهذا ذكروا لها علامة، وبواسطة تلك العلامة يطلع الإنسان على سريرته، وينهض لمعالجتها. وهذه العلامة هي أنّ الإنسان يشاهد في نفسه عزوفاً عن الطاعات عندما يكون وحده، وإذا تعبّد فمع كلفة أو من منطلق العادة لا تكون ذات إقبال وتوجّه، بل يأتي بالعبادة مقطعة الأوصال من غير كمال وتمام، ولكن عندما يحضر في المساجد والمجامع، وفي المحافل العامة يؤدّي تلك العبادة في الظاهر بنشاط وسرور وحضور قلب ويميل إلى إطالة الركوع والسجود، ويؤدّي المستحبات أداءً حسناً مع توفير كافة أجزائها وشروطها .

إنّ الإنسان إذا كان متنبهاً بعض الشيء، ليسأل نفسه عن سبب مثل هذا التصرّف؟ ولماذا تنصب شباكها باسم التقدس؟ لموّهت على الإنسان وقالت : بما أنّ العبادة في المسجد أعظم ثواباً أو أنّ في صلاة الجماعة كذا من الثواب، يشتدّ النشاط . أما إذا صلّيت منفرداً وفي غير المسجد، فيكون الاهتمام من أجل أنه: «يستحب أداء العمل أمام الناس بصورة حسنة لكي يقتدي به الآخرون ويرغبون في الدين». إنها - النفس - تحدع الإنسان بأية وسيلة كانت، ولهذا لا يفكّر في العلاج. وإنّ المريض الذي يعتقد نفسه سالماً، لا يؤمل له الشفاء، إنّ هذا الشقي يرغب في باطن ذاته ولبّ سريرته أن يظهر عمله للناس وهو غافل عن أن ذلك بدافع من الشيطان، بل إنّ نفسه تظهر له المعصية في صورة العبادة، وتظهر التكبّر والغرور في شكل ترويج للدين. إنّ الإتيان بالمستحبات في الخلوات مستحب ، فلماذا ترغب النفس دائماً في أن تؤديها في العلن؟ إنه يبكي من خوف الله في المحافل العامة بحرقة وألم، ولكنه في الخلوات مهما ضغط على نفسه لا تندى عينه. فما الذي حدث لكي يذهب عنه خوف الله إلا بين الناس؟ تسمع له في ليالي القدر وفي جموع الناس الحسرات والنحيب والحرقة والبكاء، يصلي مائة ركعة ويقرأ دعاء الجوشن الكبير والصغير وعدة أجزاء من القرآن المجيد في وسط الجموع، دون أن يتلكأ أو يحسّ بالتعب .

إذا كانت أعمال الإنسان لأجل رضا الله فقط أو لاستحصال رحمته أو خوفاً من النار وشوقاً إلى الجنة، فلماذا يرغب في أن يمدحه الناس على كل عمل عمله؟ فتجد أُذُنَه

متوجهة إلى ألسن الناس وقلبه عندهم، لكي يسمع من بمدحه، بقوله : ما أشدّ تديّن والتزام هذا الإنسان؟ وما أحرصه على اداء الفرائض في مواعيدها والمستحبات في أوقاتها؟ وإنه إنسان مستقيم وصادق في معاملاته! إذا كان الله هو الهدف في عملك فما هذا الميل المفرط نحو الناس؟! وإذا كانت الجنة والنار هما اللتان تدفعانك إلى العمل فما الذي يحكي لنا هذا الانحراف؟! انتبه، فإنّ هذا الحب هو من نفس شجرة الرياء الخبيثة، فاسعَ ما استطعت لإصلاح نفسك من أمثال هذا الحب إذا كان ذلك ممكناً .

في هذا المقام أنبّه إلى نقطة مهمة وهي أنّ لكل واحدة من هذه الصفات النفسانية، الحسنة منها والسيَّئة، درجات كثيرة جداً، بحيث أنّ مرتبة من الصفات يعتبر الاتصاف بها من الحسنات والتخلي عنها من السيئات وتكون من مختصات أولياء الله، أو العرفاء بالله، ولا يشاركهم فيها غيرهم من سائر الناس والصفة التي تعتبر نقصاً لأولياء الله، والعرفاء بالله، لا تعتبر نقصاً لغيرهم من الناس حسب المقام الذي يتمتعون به، بل قد يكون بمعنى من المعاني كمالاً لهم. وكذلك تكون حسنات فئة سيئات لفئة أخرى .

والرياء من جملة ما يدور كلامنا عليه حالياً. فالإخلاص من جميع مراتب الرياء هو من مختصات أولياء الله والآخرون ليسوا شركاء في هذه المرتبة، واتّصاف عامة الناس بدرجة من درجات الإخلاص ليس نقصاً بالنسبة إليهم بحسب المقام الذي هم فيه ، ولا يضرّ بإيمانهم وإخلاصهم. فمثلاً تميل نفوس عامة الناس بحسب الغريزة والفطرة إلى أن تظهر خيراتها أمام الناس، وإن لم يقصدوا أن يظهروها، ولكن نفوسهم مفطورة على هذا الميل. وهذا ليس موجباً لبطلان العمل أو الشرك أو النفاق أو الكفر ، وإن كان ذلك نقص بالنسبة للأولياء وشرك ونفاق لدى الولي أو العارف بالله. والتنزّه عن مطلق الشرك والإخلاص في جميع مراتبه هو أول مقامات الأولياء ولهم مقامات أخرى لا يناسب هذا المجال ذكرها .

ثم إن قول الأئمة (علیهم السّلام) إن «عِبَادَتَنَا عِبَادَةُ الأَحْزَارِ» أي حبا الله ، لا طمعاً بالجنة ولا خوفاً من النار(1)

وسائل الشيعة، ج 1 ص 25 أبواب مقدمة العبادات، الباب التاسع الحديث الأول. وأصول الكافي ج 3 ص 131 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب العبادة ح 5.

، فهو من المقامات الاعتيادية - بالنسبة إليهم - وهو أولى درجات

1) قال: «العبادة ثلاثة : قوم عبدوا الله عزّ وجلّ خوفاً فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء، وقوم عبدوا الله عزّ وجلّ حباً له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة» .

الولاية، ولهم في العبادات حالات لا يمكن أن تستوعبها عقولنا ولا عقولكم .

وبهذا البيان الذي سمعت يمكن الجمع بين الحديث السابق المنقول عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأمير المؤمنين (علیه السّلام)، والحديث الذي ينقله زرارة، عن أبي جعفر الإمام محمد الباقر (علیه السّلام) وهو حديث محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُل يَعْمَلُ الشَّيْء مِنَ الْخَيْرِ فَيَراهُ إِنْسَانُ فَيَسُرُّهُ ذَلِكَ، قَالَ : ثُمَّ لَا بَأْسَ، مَا مِنْ أَحَدٍ إِلا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ فِي النَّاسِ الْخَيْرُ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَنَعَ ذَلِكَ لِذَلِكَ»(1).

يعدّ في أحد الحديثين حبّ المدح علامة الرياء، ويعدّ في الآخر السرور بظهور الخيرات أمراً لا بأس به. ويكون هذا حسب اختلاف مراتب الأشخاص. وهناك وجه آخر للجمع بين الحديثين، صرفنا النطر عنه هنا .

تتمة

إعلم، أن السمعة وهي عبارة عن إيصال خصال النفس إلى أسماع الناس لاجتذاب قلوبهم ولأجل الاشتهار، من شجرة الرياء الخبيثة . ولهذا السبب. ذكرناها مع الرياء في باب واحد، ولم نعمد إلى ذكر كل واحدة منهما بصورة منفصلة .


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب في أصول الكفر وأركانه ، ح 18 .

الحديث الثالث: «العُجب»

اشارة

بالسَّنَد المتّصل إلى محمّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عن أحمد بن عمر الحلال، عن علي بن سويد، عن أبي الحسن (علیه السّلام) قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الْعُجْبِ الَّذِي يُفْسِدُ الْعَمَلَ، فَقَالَ: الْعُجْبُ دَرَجَاتٌ مِنْهَا أَنْ يُزَيْنَ لِلْعَبْدِ سُوءُ عَمَلِهِ فَيَرَاهُ حَسَناً فَيُعْجِبُهُ وَيَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً وَمِنْهَا أَنْ يُؤْمِنَ الْعَبْدُ بِرَبِّهِ فَيَمُنَّ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلْ وَلِلهِ عَلَيْهِ فِيهِ الْمَن»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العجب، ح3 .

الشرح:

*الشرح(1):

العُجب : هو عبارة حسب ما ذكره العلماء رضوان الله عليهم عن : «تعظيم العمل الصالح واستكثاره والسرور والابتهاج به، والتغنج والدلال بواسطته، واعتبار الإنسان نفسه غير مقصَّر». وأما السرور بالعمل مع التواضع والخضوع الله تعالى وشكره على هذا التوفيق وطلب المزيد منه ، فإنه ليس بعجب بل هو أمر ممدوح(2). ينقل المحدّث العظيم مولانا العلامة المجلسي(3)طاب ثراه، عن المحقق الخبير والعالم الكبير الشيخ بهاء الدين العاملي رضوان الله عليه(4)أنه قال : «لا ريب في أنّ من من عمل أعمالاً صالحة من صيام الأيام، وقيام الليالي، وأمثال ذلك يحصل لنفسه ابتهاج . فإن كان من حيث كونها عطية من الله له، ونعمة منه تعالى عليه، وكان مع ذلك خائفاً من نقصها، شفيقاً من زوالها، طالباً من الله الازدياد منها ، لم يكن ذلك الابتهاج عُجباً. وإن كان من حيث كونها صفه وقائمة به ومضافة إليه، فاستعظمها وركن إليها، ورأى نفسه خارجاً عن حدّ التقصير، وصار كأنّه يمنَ على الله سبحانه بسببها فذلك هو العُجب(5)».

أقول، وأنا الفقير: إنّ تفسير العُجب بالصورة التي ذكروها صحيح، ولكن يجب


1) في وسائل الشيعة أبواب مقدمة العبادات، باب تحريم الإعجاب النفس، ويقول العلامة المجلسي، «من الممكن أن يكون (أبو الحسن) المذكور في هذا الحديث الشريف هو الإمام الرضا (علیه السّلام) لأن علي بن سويد يروي عنهما كليهما (علیه السّلام) (الإمام موسى بن جعفر والإمام الرضا) وإن كان يروي عن الكاظم (علیه السّلام) أكثر من روايته عن الإمام الرضا (علیه السّلام) على الله عنه».

2) جامع السعادات، ج 1 ص 8 ، 357 . المحجة البيضاء ، ج 6 ص 7 - 276 .

3) ذكرنا بصورة مختصرة ترجمة محمد باقر المجلسي في الهامش ص 26 عند شرح الحديث الأول.

4) تحدثنا باختصار عن ترجمة الشيخ محمد بن الحسين البهائي في الهامش ص 26 عند شرح الحديث الأول.

5) مرآة العقول ، ج 1 ص 218 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب العجب، حدیث 1 .

اعتبار العمل أعمّ من العمل الباطني والظاهري، القلبي والشكلي، وكذلك أعمّ من العمل القبيح والعمل الحسن . وذلك لأنّ العُجب مثلما يدخل على أعمال الجوارح، يدخل أيضاً على أعمال الجوانح فيفسدها، وكما أن صاحب الفضيلة الحسنة يعجب بخصاله، كذلك يكون ذو العمل الشنيع أيضاً، أي أنه يعجب بخصلته، كما صرّح بهذا، الحديث الشريف حيث خصّهما بالذكر لأنهما خافيان عن نظر أغلب الناس . وسيأتي ذكرهما إن شاء الله .

ويجب أن نعلم أيضاً أنّ السرور الخالي من العُجب والذي اعتبروه من الصفات الممدوحة إنّما يلاحظ بحسب نوعه، كما سيأتي بيانه في فصل من الفصول اللاحقة(1).

واعلم أن للعُجب، كما وردت الإشارة إليه في الحديث الشريف، درجات :

الدرجة الأولى : العُجب بالإيمان والمعارف الحقّة، ويقابله العُجب بالكفر والشرك والعقائد الباطلة .

الدرجة الثانية : العُجب بالملكات الفاضلة والصفات الحميدة ويقابله العُجب بسيئات الأخلاق وباطل الملكات .

الدرجة الثالثة : العُجب بالأعمال الصالحة والأفعال الحسنة ويقابلها العُجب بالأعمال القبيحة والأفعال السيئة .

وهناك درجات أخرى غير هذه ولكنها ليست مهمة في هذا المقام. ونحن إن شاء الله سنشير ضمن فصول لاحقة، إلى تلك الدرجات ومنشئها وما يمكن أن يكون علاجاً لها . و به نستعين .

فصل في مراتب العُجب

اشارة

*في مراتب العُجب(2)

إعلم أنّ لكل واحدة من الدرجات الآنفة الذكر من العُجب مراتب . يكون بعض


1) المذكور في ص 100 .

2) في هذا الفصل نشرح العجب في الخصال الحسنة، وسنشرح في بعض الفصول القادمة، العُجب بالخصال التي تقابل الصفات الحسنة . أيضاً (منه عفي عنه) .

هذه المراتب واضحة وبيّنة ويمكن للإنسان الاطّلاع عليها بأقلّ تنبّه والتفات. وبعضها الآخر دقيق وخفيّ للغاية بحيث لا يمكن للإنسان أن يدركها ما لم يفتش ويدقّق بصورة صحيحة . كما أنّ بعض مراتبها أشدّ وأصعب وأكثر تدميراً من بعضها الآخر .

المرتبة الأولى:

وهي أشدّ المراتب وأهلكها، حيث تحصل في الإنسان بسبب شّدة العُجب حالة يمنّ معها في قلبه بإيمانه أو خصاله الحميدة الأخرى على وليّ نعمته ومالك الملوك، فيتخيّل أنّ الساحة الإلهية قد اتّسعب بسبب إيمانه، أو أنّ دين الله قد اكتسب رونقاً بذلك أو أنه بترويجه للشريعة أو بإرشاده وهدايته أو بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أو بإقامته الحدود، أو بمحرابه ومنبره، قد أضفى على دين الله بهاءً جديداً، أو أنه بحضوره جماعة المسلمين، أو بإقامة مجالس التعزية لأبي عبد الله (علیه السّلام) قد أضفى على الدين جلالاً، لذلك يمنّ على الله وعلى سيد المظلومين وعلى الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، وإن لم يظهر لأحد هذا المعنى، إلا أنه يمنّ في قلبه. ومن هنا ومن هذا الباب بالذات تنشأ المنّة على عباد الله في الأمور الدينية، كأن يمنّ على الضعفاء والفقراء بإعطائهم الصدقات الواجبة والمستحبة ومساعدتهم، وأحياناً تكون هذه المنّة خافية حتى على الإنسان نفسه (وقد تقدّم في الحديث الثاني شرح عدم إمكان امتنان الإنسان على الله، وإنما يمنّ الله على الناس جميعاً) .

المرتبة الثانية:

وهي التي يتدلّل فيها الإنسان ويتغنّج بواسطة العُجب على الله تعالى وهذه غير المنّة، ولو أنّ البعض لم يفرّق بينهما .

إنّ صاحب هذا المقام يرى نفسه محبوباً الله تعالى، ويرى نفسه في سلك المقرَّبين والسابقين، وإذا جيء باسم ولّي من أولياء الله أو جرى حديث عن المحبوبين والمحبّين أو السالك المجذوب، اعتقد في قلبه أنه من أولئك. وقد يبدي التواضع رياء وهو خلاف ذلك، أو أنه لكي يثبت ذلك المقام لنفسه، ينفيه عن نفسه بصورة تستلزم الإثبات .

وإذا ما ابتلاه الله تعالى ببلاء، راح يعلن أن «الْبَلاءَ لِلْوَلاءِ»(1).

إنّ مدّعي الإرشاد من العرفاء والمتصوّفة وأهل السّلوك والرياضة أقرب إلى هذا الخطر من سائر النّاس .

المرتبة الثالثة:

أن يرى العبد نفسه وبواسطة الإيمان أو الملكات أو الأعمال، دائنا الله وأنه بذلك يكون مستحقّاً للثواب، ويرى واجباً على الله أن يجعله عزيزاً في هذا العالم، ومن أصحاب المقامات في الآخرة، ويرى نفسه مؤمناً تقياً وطاهراً، وكلّما جاء ذكر المؤمنين بالغيب، قال في نفسه: «حتى لو عاملني الله بالعدل، فإنّي أستحقّ الثواب والأجر» بل يتعدّى بعضهم حدود القبح والوقاحة ويصرّح بهذا الكلام. وإذا ما أصابه بلاء وصادفه ما لا يرغب، فإّنه يعترض على الله في قلبه، ويتعّجب من أفعال الله العادل، حيث يبتلي المؤمن الطاهر، ويرزق المنافق، ويغضب في باطنه على الله تبارك وتعالى وتقديراته، ولكنه يظهر الرضا في الظاهر، ويصبُّ غضبه على ولي نعمته، ويظهر الرضا بالقضاء أمام الخلق. وعندما يسمع أن الله يبتلي المؤمنين في هذه الدنيا، يسلّي نفسه بذلك في قلبه، ولا يدري بأنّ المنافقين المبتلين كثيرون أيضاً وليس كل مُبتل مؤمناً .

المرتبة الرابعة:

هي أن يرى الإنسان نفسه مُتميّزاً عن سائر الناس وأفضل منهم بالإيمان، وعن المؤمنين بكمال الإيمان، وبالأوصاف الحسنة عن غير المتصفين بها، وبالعمل بالواجب وترك المحرَّم عمّا يقابل ذلك، كما أنّه يرى في عمل المستحبات والتزام الجمعة والجماعات والمناسك الأخرى وترك المكروهات يرى نفسه أكمل من عامة الناس، وأنّ له امتيازاً عليهم. فيثق بنفسه وبأعماله، ويرى سائر الخلق زبداً ناقصين، وينظر إلى سائر


1) تصيّدوا هذه الجملة من الأحاديث التي تقول بأن مصائب الدنيا دليل إيمان الإنسان وحبه لربه كما قال الإمام محمد الباقر (علیه السّلام): «يبتلى المرءُ بِقدرِ حُبَّهِ» وقال الإمام الصادق (علیه السّلام): «ومَا أَحَبَ اللهُ قَوْماً إِلا ابتلاهم» . (بحار الأنوار ، ج 64 ، ص 236 ، كتاب الإيمان والكفر، باب شدّة ابتلاء المؤمن).

الناس بعين الاحتقار، ويطعن بقلبه أو بلسانه في عباد الله ويعيبهم، ويبعد كل بصورة مّا عن ساحة رحمة الله، ويجعل الرحمة خالصة له ولأمثاله .

ومثل هذا الإنسان يصل إلى درجة بحيث يناقش كل عمل صالح براه من الناس، ويخدشه بقلبه على نحو ما، ويرى أعماله خالصة من ذلك الاعتراض والنقاش ولا يرى الأعمال الحسنة من الناس شيئاً ولكن إذا صدرت هذه الأعمال نفسها عنه يراها عظيمة . إنه يعرف جيداً عيوب الناس وهو غافل عن عيوبه .

هذه علامات العُجب، وإن كان الإنسان نفسه قد يكون غافلاً عنها. وللعُجب درجات أخرى، لم أذكر بعضها ، وأكون غافلاً عن بعضها الآخر حتماً .

فصل: إن أهل الفساد قد يعجبون بفسادهم

يصل أهل الكفر والنفاق والمشركون والملحدون وذوو الأخلاق القبيحة، والملكات الخبيثة وأهل المعصية والعصيان، أحياناً إلى درجة الإعجاب بغرورهم وزندقتهم تلك، أو بسيئات أخلاقهم وموبقات أعمالهم، ويسرّون بها، ويرون بها أنفسهم من ذوي الأرواح الحرّة، الخارجة عن التقليد وغير المعقّدة بالأوهام والخرافات، ويرون أنفسهم أولي شهامة ورجولة، ويتصورون أن الإيمان بالله من الأوهام، وأنّ التعبّد بالشرائع من ضعف العقل وصغره، ويرون أنّ الأخلاق الحسنة والملكات الفاضلة، هي من ضعف النفس والمسكنة، ويحسبون أنّ الأعمال الحسنة والمناسك والعبادات هي من ضعف الإدراك ونقصان الإحساس، ويرون أنّ أنفسهم تستحق المدح والثناء، بسبب الروح الحّرة التي لا تعتقد بالخرافات ولا تبالي بالشرائع. لقد تأصلت في قلوبهم الخصال القبيحة والسيئة وأصبحوا يأنسون بها، وبها امتلات أعينهم وآذانهم فرأوها حسنة، وتصوروها كمالاً مثلما وردت الإشارة إلى ذلك في هذا الحديث الشريف حيث قال : «أَلْعُجْبُ دَرَجَاتٌ مِنْهَا أَنْ يُزَيَّنَ لِلْعَبْدِ سُوءُ عَمَلِهِ فَيَرَاهُ حَسَناً فَيُعْجِبُهُ وَيَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً»، وهذه إشارة إلى قوله تعالى : أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً . . .(1)


1) سورة فاطر، الآية : 8.

وكما يقول : «وَيَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً»، يشير إلى قوله تعالى: قُلْ هَلْ نَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالَهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً(1). تلك المجموعة من الناس الذين هم في الواقع جهلة ويحسبون أنفسهم علماء، أولئك هم أكثر الناس مسكنة وأسوأ الخلائق حّظاً، أولئك يعجز أطباء النفوس عن علاجهم، ولا تؤثر فيهم الدعوة والنصيحة، بل قد تعطي أحياناً نتيجة عكسية . أولئك لا يعون الدليل بل يسدّون أسماعهم عن هداية الأنبياء (علیهم السّلام) وبرهان الحكماء ومواعظ العلماء .

وعليه فتجب الاستعاذة بالله من شّر النفس ومكائدها التي تجرّ الإنسان من المعصية إلى الكفر ومنه إلى العُجب به. إنّ النفس والشيطان، بتهوينهما بعض المعاصي، يلقيان بالإنسان في المعصية، وبعد تأصيلها في قلبه وتحقيرها في عينه، يبتلي الإنسان بمعصية أخرى أكبر قليلاً من الأولى، ومع التكرار تسقط المعصية الثانية من النظر أيضاً وتبدو صغيرة وهيَّنة في عين الإنسان، فيبتلي بما هو أعظم. وهكذا يسير الإنسان نحو الهاوية خطوة فخطوة، وشيئاً فشيئاً فتصغر كبائر المعاصي في عينه إلى أن تسقط جميع المعاصي في نظره، فيستهين بالشريعة والقانون الإلهي، ويؤول عمله إلى الكفر والزندقة والإعجاب بهما. وقد يأتي الحديث عن ذلك فيما يأتي .

فصل: في بيان أن حبل الشيطان دقيقة

وعلى غرار ما يتدرج عمل أولي العُجب بالمعاصي من مرتبة إلى أخرى حتى يصل إلى الكفر والزندقة، كذلك يتطوّر العُجب بالطاعات من العُجب في الدرجة الناقصة إلى الدرجة الكاملة، فتصبح مكائد النفس والشيطان في القلب على أساس تخطيط ودراسة . إنّ الشيطان لا يمكن أبداً أن يعهد إليكم، أنتم المتّقون الخائفون من الله، مهمة قتل النفس


1) سورة الكهف، الآيات : 103 - 105 .

أو الزنا، أو أن يقترح على الشخص الذي يتمتع بالشرف وطهارة النفس، السرقة أو قطع الطريق، فلا يمكن أن يقول لك منذ البداية بأن مّنَّ على الله بهذه الأعمال أو ضع نفسك في زمرة المحبوبين والمحّبين والمقرّبين من الحضرة الإلهية. وإنما يبدأ الأمر بالخطوة الأولى ثم يشق طريقه في قلوبكم، فيدفعكم نحو الحرص الشديد على التزام المستحبات والأذكار والأوراد. وفي غضون ذلك يزيّن أمامكم بما يناسب حالكم، عملاً واحداً من أهل المعصية، ويوحي لكم بأنَّكم بحكم الشرع والعقل أفضل من هذا الشخص، وأنَّ أعمالكم موجبة لنجاتكم، وأنكم بحمد الله طاهرون بعيدون عن المعاصي ومبرأون منها، فيتحصل من هذه الإيحاءات نتيجتان :

الأولى : هي سوء الظن بعباد الله.

والأخرى : العُجب بالنفس .

وكلاهما من المهلكات ومن معين المفاسد.

قولوا للشيطان والنفس : قد تكون لهذا الشخص المبتلي بالمعصية، حسنات، أو أعمال أخرى فيشمله الله تعالى بها بوافر رحمته، ويجعل نور تلك الحسنات والأعمال مناراً يهديه فيؤول عمله إلى حسن العاقبة. ولعلّ الله قد ابتلى هذا الشخص بالمعصية لكي لا يبتلى بالعجب، الذي يعدّ أسوأ من المعصية . مثلما ورد في الحديث الشريف المنقول في الكافي، عن أبي عبد الله (علیه السّلام)، قال : «إِنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّ الذَّنْبَ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْعُجْبِ وَلَولا ذَلِكَ مَا ابْتَلَى مُؤْمِناً بِذَنْبٍ أَبَداً»(1) ولعلّ عملي أنا يؤول إلى سوء العاقبة بسبب الظن هذا . وكان شيخنا الجليل العارف الكامل الشاه آبادي(2)«روحي فداه» يقول :

«لا تعيبوا على أحد، حتى في قلوبكم، وإن كان كافراً، فلعلّ نور فطرته يهديه، ويقودكم تقبيحكم ولومكم هذا إلى سوء العاقبة إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير التعبير القلبي» بل كان يقول : «لا تلعنوا الكفّار الذين لا يعلم بأنّهم رحلوا عن هذا العالم وهم في حال الكفر ، فلعلّهم اهتدوا في أثناء الرحيل فتصبح روحانيتهم مانعاً لرقيكم».


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب العُجب ، ح 1 ص 313.

2) ذكرنا بصورة مختصرة حياة الشيخ الشاه ابادي في ص 48 من هذا الكتاب .

وعلى أيّ حال، فإنّ النفس والشيطان، بدخلانكم في المرحلة الأولى من العُجب وقليلاً قليلاً ينقلانكم من هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى، ومن هذه الدرجة إلى درجة أكبر إلى أن يصلا بالإنسان في النهاية إلى المقام الذي يمنّ فيه على ولي نعمته ومالك الملوك، بإيمانه أو أعماله ويصل عمله إلى أسفل الدرجات .

فصل: في مفاسد العُجب

إعلم أنَّ العُجب بنفسه من المهلكات والموبقات وممّا يحبط إيمان الإنسان وأعماله ويفسدها، كما يجيب الإمام (علیه السّلام) الراوي عندما يسأله في هذا الحديث الشريف عن العُجب الذي يفسد العمل فيحدّد (علیه السّلام) أنّ درجة منه هي العُجب في الإيمان وقد سمعت في الحديث السابق أنّ العجب أشدّ من الذهب في حضرة الله تعالى. ولهذا قد يبتلي الله سبحانه المؤمن بالمعصية لكي يصبح ماً من العجب. وكذلك الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) يعتبر العُجب من المهلكات(1).

وفي أمالي الصدوق، عن أمير المؤمنین (علیه السّلام) أنه قال: «مَنْ دَخَلَهُ الْعُجْبُ هَلَكَ»(2)وصورة هذا السرور - الحاصل من العجب - في البرزخ وما بعد الموت، تكون موحشة ومرعبة جداً، ولا نظير لها في الهول.

وأوضح ما يشير إلى ذلك قول الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصيته لأمير المؤمنين (علیه السّلام): «وَلا وَحْدَةَ أَوْحَشَ مِن الْعُجب»(3).

سأل موسى بن عمران على نبّينا وآله وعليه السلام الشيطان : «أَخْبِرْنِي بِالذَّنْبِ الَّذِي


1) قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «ثَلَاثَ مُهْلِكَاتٌ شُحْ مُطَاعٌ، وَهَوى مُتَّبَعَ ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ مُحيط لِلْعَمَل وَهُوَ دَاعِيَةُ الْمَقْتِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ». (بحار الأنوار، ج 69 ، ص 321، كتاب الإيمان والكفر، باب العجب، ح1 ) .

2) وسائل الشيعة، المجلد الأول، الباب 3 من أبواب مقدمة العبادات ، ح 18 .

3) قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لعلي (علیه السّلام): «لا مَالَ أعْوَدُ مِنَ الْعَقلِ ، وَلا وِحْدَةَ أَوْحَسُ مِنَ الْعُجْبِ». وسائل الشيعة، المجلد الأول، الباب 23 من أبواب مقدمة العبادات، ح 14 .

إِذَا ارْتَكَبَهُ ابْنُ آدَمَ اسْتَحْوَذَتَ عَلَيْهِ ، قَالَ : إِذَا أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ ، وَاسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ، وَصَغَرَ فِي عَيْنِهِ ذنبه»(1).

وقال : قال الله تعالى لداود (علیه السّلام): «يَا دَاوُدُ بَشِّرِ الْمُذْنِبِينَ وَأَنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ» . قال : يَا رَبِّ كَيْفَ أَبَشِّرُ الْمُدْنِبِينَ وَأَنْذِرُ الصِّدِّيقِينَ؟ قال : «يَا دَاوُدُ بَشِّرِ الْمُذْنِبِينَ أنِّي أَقْبَلُ التَّوْبَةَ وَأَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ. وَأَنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ أَلا يَعْجَبُوا بِأَعْمَالِهِمْ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَنْصِبُهُ لِلْحِسَابِ إِلا هَلَكَ»(2)أعوذ بالله تعالى من المناقشة في الحساب التي تهلك الصديقين ومن هو أعظم منهم .

ينقل الشيخ الصدوق(3)في الخصال مسنداً إلى الإمام الصادق (علیه السّلام) أن الشيطان يقول : «إِذَا ظَفَرْتُ بِابْنِ آدَمَ فِي ثَلَاثِ فَلَا يُهِمُّنِي عَمَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لأَنَّهُ لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ : إِذَا اسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ، وَنَسِيَ ذَنْبُهُ، وَتَسَرَّبَ إِلَيْهِ الْعَجَبُ»!(4).

يضاف على ما سمعت من مفاسد العُجب، أنَّه شجرة خبيثة، نتاجها الكثير من الكبائر والموبقات. فعندما يتأصَّل العجب في القلب، يجرّ عمل الإنسان إلى الكفر والشرك وإلى ما هو أعظم من ذلك.

ومن مفاسده استصغار المعاصي . بل إنَّ ذا العُجب لا ينهض لإصلاح نفسه، ويظنّ أنَّ نفسه زكيّة طاهرة، فلا يخطر على باله أبداً أن يظهّرها من المعاصي، لأنَّ ستار الإعجاب بالنفس وحجابه الغليظ يحول بينه وبين أن يرى معايب نفسه. وهذه مصيبة، إذ أنها تحجز الإنسان عن جميع الكمالات، وتبتليه بأنواع النواقص، وتؤدّي بعمل الإنسان إلى الهلاك الأبدي، ويعجز أطباء النفوس عن علاجه . . .

ومن مفاسده الأخرى أنها تجعل الإنسان يعتمد على نفسه في أعماله، وهذا ما يصبح سبباً في أن يحسب الإنسان الجاهل المسكين نفسه في غنى عن الحقّ تعالى، ولا


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب العجب ، ح 8 .

2) خصال الصدوق، باب الثلاثة ، ح 86 .

3) تحدثنا عن ترجمته بصورة مختصرة في ص 29 فراجع .

4) خصال الصدوق، باب الثلاثة ، ح 86 .

يرى عليه فضل للحق تعالى، ويرى - بحسب عقله الصغير - أنّ الحق تعالى ملزم بأن يعطيه الأجر والثواب، ويتوهّم أنّه حتى لو عومل بالعدل أيضاً لاستحقّ الثواب، وسيأتي فيما بعد ذكر هذا الأمر إن شاء الله(1).

ومن مفاسد العُجب الأخرى، أن ينظر الإنسان باحتقار إلى عباد الله، ويحسب أعمال الناس لا شيء وإن كانت أفضل من أعماله، فتكون هذه النظرة وسيلة لهلاك الإنسان أيضاً، وشوكة في طريق خلاصه ونجاته .

ومن مفاسده الأخرى، أنه يدفع الإنسان إلى الرياء، لأنَّ الإنسان بصورة عامة إذا استصغر أعماله - وجدها لا شيء - ووجد أخلاقه فاسدة، وإيمانه لا يستحقّ الذكر، وعندما لا يكون معجباً بنفسه ولا بصفاته ولا بأعماله، بل وجد نفسه وجميع ما يصدر عنها سيئاً وقبيحاً، لا يطرحها ولا يتظاهر بها، فإنَّ البضاعة الفاسدة تكون سيّئة وغير صالحة للعرض. ولكنه إذا رأى نفسه كاملاً وأعماله جيّدة، فإنه يندفع إلى التظاهر والرياء، ويعرض نفسه على الناس .

يجب اعتبار مفاسد الرياء المذكورة في الحديث الثاني من مفاسد العُجب أيضاً .

وهناك مفسدة أخرى هي أنَّ هذه الرذيلة تؤدّي إلى رذيلة الكبر المهلكة، وتبعث على ابتلاء الإنسان بمعصية التكبر - وسيأتي إن شاء الله ذكر الحديث عنها فيما بعد - .

تنشأ من هذه الرذيلة مفاسد أخرى أيضاً بصورة مباشرة وغير مباشرة وشرح ذلك يوجب التفصيل. فليعلم المعجب أن هذه الرذيلة هي بذرة رذائل أخرى، ومنشأ لأمور يشكّل كل واحد منها سبباً للهلاك الأبدي والخلود في العذاب . فإذا عرف هذه المفاسد بصورة صحيحة ولاحظها بدقة، ورجع إلى الأخبار والآثار الواردة بشأنها عن الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيت ذلك القائد صلوات الله عليهم أجمعين، فمن المحتّم أن يعتبر الإنسان نفسه ملزماً بالنهوض لإصلاح النفس، وتطهيرها من هذه الرذيلة واستئصال جذورها من باطن النفس، لئلا ينتقل لا سمح الله إلى العالم الآخر وهو بهذه الصفة، وإنه


1) يأتي الحديث في ذلك في ص 100 فانتظر قليلاً .

حينما يغمض عينيه المادية الملكوتية، ويشرق عليه سلطان البرزخ والقيامة ، يرى أنّ حال أهل كبائر المعاصي أفضل من حاله حيث غمرهم الله برحمته الواسعة بسبب ندمهم أو بسبب ما كان لديهم من رجاء بفضل الله تعالى. وأمّا هذا المسكين الذي رأى نفسه مستقلاً، وحسبها في باطن ذاته غنية عن فضل الله، فيرى بأنَّ الله تعالى حاسبه لذلك حساباً عسيراً، وأخضعه لميزان العدل كما أراد، وأفهمه بأنه لم يقم بأية عبادة الله تعالى، وأنّ جميع عباداته أبعدته عن الساحة المقدّسة، وأنّ كل أعماله وإيمانه باطل وتافه . بل وأنّ تلك الأعمال والعبادات نفسها هي سبب الهلاك وبذرة العذاب الأليم ورأس مال الخلود في الجحيم . الويل لمن يعامله الباري تعالى بعدله، فإذا ما عومل الناس مثل هذا التعامل ما نجا أحد من الأولين والآخرين(1). إنّ مناجاة صفوة الله - من الأنبياء والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم - مشحونة بالاعتراف بالتقصير والعجز عن القيام بالعبودية(2). وعندما يعلن رسول الله محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) أفضل الكائنات وأقربها إلى الله قائلاً : «مَا عَرَفْنَاكَ حَقٌّ مَعْرِفَتِكَ وَمَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ»(3)فماذا سيكون حال سائر الناس؟ . . . نعم، إنهم العارفون بعظمة الله تعالى، العالمون بحقيقة نسبة «الممكن» إلى «الواجب» إنهم يعلمون، أنهم لو قضوا جميع أعمارهم في الدنيا بالعبادة والطاعة والتحميد والتسبيح ، لما أدوا شكر نعم الله ، فكيف يمكن أداء حقّ الثناء على ذاته وصفاته المقدّسة؟ ، إنّهم يعلمون أن ليس لموجود شيء. فالحياة والقدرة والعلم والقوّة وسائر الكمالات الأخرى هي ملك لكماله تعالى، و«الممكن» فقير، بل فقر محض يستظلّ بظلّه تعالى، وليس بمستقلّ بذاته. أيّ كمال يملكه «الممكن» بنفسه لكي يتظاهر بالكمال؟، وأية قدرة يمتلكها لكي يتاجر بها؟ أولئك العارفون بالله وبجماله وجلاله شاهدوا شهود


1) يقول الإمام زين العابدين (علیه السّلام) في دعاء أبي حمزة الثمالي : «لَسْتُ أَتَّكِلُ فِي النَّجَاةِ مِنْ عِقَابِكَ عَلَى أَعْمَالِنَا بَلْ بِفَضْلِكَ عَلَيْنَا لأنَّكَ أَهْلُ التَّقْوى وَالْمَغْفِرَةِ».

2) يقول الإمام السجاد (علیه السّلام): «وَلَا يَبْلُغَ مَبْلَغاً مِنْ طَاعَتِكَ وَإِنْ اجْتَهَدَ إِلا كَانَ مُقَصِّراً دُونَ اسْتِحْقَاقِكَ بِفَضْلِكَ فَأَشْكَرُ عِبَادِكَ عَاجِزْ عَنْ شَكْرِكَ وَأَعْبَدُهُمْ مُقَصِّرْ عَنْ طَاعَتِكَ». (الصحيفة السجادية: دعاء 37 ومناجاة العارفين من المناجاة الخمسة عشر للإمام زين العابدين (علیه السّلام).

3) مرآة العقول ، ج 8، ص 146 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الشكر ، ح 8 .

عيان نقصهم وعجزهم وشاهدوا كمال «الواجب» تعالى، وإنما نحن المساكين الذين قد ران حجاب الجهل والغفلة والعجب والمعاصي على قلوبنا وقوالبنا وغشى أبصارنا وأسماعنا وعقولنا وكافة قوانا المدركة بحيث أخذنا نستعرض عضلاتنا في مقابل قدرة الله القاهرة، ونعتقد أنّ لنا استقلالاً وشيئية بذواتنا .

أيها «الممكن» المسكين الجاهل بنفسك وبعلاقتك بالله!، أيها «الممكن» السّيء الحظ الغافل عن واجباتك إزاء مالك الملوك ! إنّ هذا الجهل هو سبب جميع ما يلحقك من سوء التوفيق، وهو الذي ابتلانا بجميع هذه الظلمات والمكدّرات . إن الفساد قد ينشأ من الأساس، وإن تلوّث الماء قد يكون من المعين. إنّ عيون معارفنا عمياء، وقلوبنا مّيتة، وهذا سبب جميع المصائب ولكننا مع كل ذلك لسنا حتى بصدد إصلاح أنفسنا ! .

اللهم تفضّل علينا بتوفيق التوبة ، وعّرفنا أنت بواجباتنا، وتفضّل علينا بنصيب من أنوار معارفك التي ملأت بها قلوب العرفاء والأولياء، أظهر لنا إحاطة قدرتك وسلطتك ، وعرّفنا بنواقصنا. فهمنا نحن المساكين الغافلين الذين ننسب جميع المحامد إلى الخلق، فهمنا معنى أَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، عرف قلوبنا بأن ليست هناك محمدة من مخلوق . أظهر لنا من حقيقة ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ نَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . . .(1)أدخل كلمة التوحيد إلى قلوبنا القاسية الكدرة، نحن أهل الحجاب والظلمة، وأهل الشرك والنفاق، نحن الأنانيون، عّباد النفس، المعجبون بها، أخرج من قلوبنا حبّ النفس وحبّ الدّنيا ، واجعلنا عشّاقاً لله وعباداً لك إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(2)

فصل: في بيان أن حُبّ النفس أساس العُجب

إعلم أنّ رذيلة العُجب تنشأ من حبّ النّفس، لأن الإنسان مفطور على حبّ الذّات، فيكون أساس جميع الأخطاء والمعاصى الإنسانية والرذائل الأخلاقية، حبّ النفس.


1) سورة النساء، الآية : 79 .

2) سورة آل عمران الآية : 26 .

ولهذا فإنّ الإنسان يرى أعماله الصغيرة كبيرة، وبذلك يرى نفسه من الصالحين ومن خاصة الله ويرى نفسه مستحقاً للثناء، ومستوجباً للمدح على تلك الأعمال الحقيرة التافهة. بل ويحدث أحياناً أن تلوح لنظره قبائح أعماله حسنة وإذا ما رأى من غيره أعمالاً أفضل وأعظم من أعماله فلا يعيرها أهمية، ويصف أعمال الناس الصالحة بالقبح، وأعماله السيئة القبيحة بالحسنة . يسيء الظنّ بخلق الله ولكنه يحسن الظنّ بنفسه، وبسبب حبّه لنفسه يرى بعمله الصغير الممزوج بآلاف القذارات المبعدة عن الله ، أن الله مدين له وأنه يستوجب منه الرحمة .

فلنفكر الآن قليلاً في أعمالنا الصالحة ولنحكَّم العقل قليلاً في الأفعال العبادية الصادرة عنّا، ولننظر إليها بعين الإنصاف، لنرى هل أننا نستحقّ بها المدح والثناء والثواب والرحمة، أو أننا جديرون باللوم والعتاب والغضب والنقمة؟ وإذا ما أحرقنا الله بسبب هذه الأعمال، التي نراها حسنة، بنار القهر والغضب ألا يكون ذلك عدلاً؟. . .

إنّي أحكّمكم في هذا السؤال الذي أطرحه، وأريد منكم الجواب عليه بإنصاف - بعد إعمال الفكر والتأمّل -. والسؤال هو أنه إذا أخبركم الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله ، وهو الصادق المصدّق، أنكم إذا عبدتم الله طوال عمركم وأطعتم أوامره وتركتم شهوات النفس ورغباتها، أو تركتم عبادته وعملتم على خلاف توجيهاته سبحانه وتعالى وعلى أساس رغبات النفس وشهواتها طيلة حياتكم، إذا أخبركم الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بأنكم سيّان - في كلتا الحالتين - لن تختلف درجاتكم في الآخرة. إنّكم على كلّ حال الناجون وستذهبون إلى الجنة وتأمنون من العذاب، فلا فرق - حسب الفرض - بين أن تصلوا أو تزنوا، ولكن مع ذلك يكون رضا الله تعالى في عبادته والثناء عليه وحمده، والابتعاد عن الشهوات والرغبات النفسانية في هذا العالم، مع عدم الإثابة على الطاعة. فهل كنتم تصبحون من أهل المعصية أو من أهل العبادة؟ هل كنتم تتركون الشهوات وتحرمون على أنفسكم اللّذات النفسانية من أجل رضا الله تعالى والرغبة فيه، أو لا؟ هل كنتم باقين من المتوسّلين إليه تعالى بالمستحبات والجمعة والجماعات؟ أو كنتم تغرقون في الشهوات وتلازمون اللهو واللعب والملاهي وغير ذلك؟ أجيبوا بإنصاف ودون تظاهر ورياء. إنني

أعلن عن نفسي وعمّن هو على شاكلتي بأنا كنّا نصبح من أهل المعصية ونترك الطاعات ونعمل بالشهوات النفسانية .

وبعد ما تقدّم نستنتج أنّ جميع أعمالنا هي من أجل اللّذات النفسانية ومن أجل الاهتمام بالبطن والفرج. إننا عُبّاد للبطن وعُبّاد للشهوة، ونترك لذّة صغيرة، للذّة أعظم وإنّ وجهة أنظارنا وقبلة آمالنا هي فتح بساط الشهوة. إنّ الصلاة التي هي معراج القُرب إلى الله نؤدّيها قربة لنساء الجنّة ولا علاقة لها بالقُرب إلى الله، ولا علاقة لها بطاعة الأمر، وهي بعيدة آلاف الفراسخ عن رضا الله .

أيها المسكين الغافل عن المعارف الإلهية، يا من لا تفهم سوى إرادة شهوتك وغضبك، أنت المتوسّل بالأذكار والأوراد والمستحبات والواجبات، والتارك للمكروهات والمحرّمات والمتخلّق بالأخلاق الحسنة، والمتجنّب لسيئات الأخلاق، ضع أعمالك أمام عين الإنصاف، أتقوم بها لأجل الوصول إلى الشهوات النفسانية والجلوس على سرر مطعّمة بالزبرجد، ومعانقة الضحوكات والدعوبات في الجنّة، وارتداء الحرير والاستبرق، والسكنى في القصور الفارهة الجميلة، والوصول إلى الأماني النفسية؟ أفينبغي أن تمنّ بهذه الأعمال على الله وهي جميعاً لأجل النفس ومن أجل عبادتها، وتعدّها عبادة الله ؟ هل يختلف حالكم عن ذلك الأجير الذي ينّجز عملاً من أجل الأجر، ثم يقول : إنني أنجزت ذلك العمل لأجل صاحب العمل فحسب؟ أفلا تكذّبوه؟

الستم كاذبين حينما تقولون : إننا نصلّي تقرّباً إلى الله تعالى؟ الأجل التقرّب إلى الله هذه الصلاة أو لأجل التقرّب لنساء الجنّة وإشباع الشهوة؟ أقولها صراحة، إن جميع عباداتنا هذه لهي من كبائر الذنوب عند العرفاء بالله وأولياء الله .

أيها المسكين! أنت في حضرة الله جلّ جلاله، وفي محضر الملائكة المقّربين، تعمل خلاف رضا الله تعالى، والعبادة التي هي معراج القُرب من الله ، تؤدّيها لأجل النفس الأمارة بالسوء ولأجل الشيطان، وعندها لا تستحي أن تكذب في العبادة عدّة أكاذيب في حضرة الربّ والملائكة المقّربين وتفتري عدّة افتراءات، وتمّن وتعجب وتتدلل أيضاً، ولا تخجل بعد كل ذلك! بماذا تختلف عبادتي هذه وعبادتك عن معصية أهل العصيان،

وأشدّها الرياء؟ فالرياء شرك وقبحه ناشيء من أنّك لم تؤد العبادة لأجل الله. جميع عباداتنا شرك محض ولا أثر فيها للخلوص والإخلاص ، بل حتى أنّ رضا الله لا يشترك في الدافع إلى إنجاز هذه العبادة، فهي لأجل الشهوات وإعمار البطن والفرج فحسب .

أيها العزيز، إنّ الصلاة التي تكون لأجل المرأة، سواء أكانت في الدنيا أم في الجنّة، لا تكون الله ، الصلاة التي تكون من أجل الحصول على آمال الدنيا أو آمال الآخرة، لا علاقة لها بالله فلماذا إذا تتدلل إلى هذا الحدّ، وتنظر إلى عباد الله بعين الاحتقار، وتحسب نفسك من خواص الله تعالى؟ أيها المسكين! أنت بهذه الصلاة مستحق للعذاب و مستوجب لسلسلة طولها سبعون ذراعاً(1). فلماذا إذاً تحسب نفسك دائنا الله، وتهييء لنفسك بهذا التدلّل والعُجب عذاباً آخر؟ إعمل الأعمال التي أمرت بها، واعلم أنها ليست لأجل الله ، واعلم أن الله يدخلك الجنّة بتفضّله وترحمه، وأن الله تعالى خفّف عن عباده لضعفهم بالتجاوز عن نوع من الشرك وأسدل عليه بغفرانه ورحمته حجاب ستره، فحاذر أن يتمزّق هذا الحجاب وليبق حجاب غفران الله على هذه السيئات التي أسميناها عبادة . فإذا حدث لا سمح الله أن انطوت صفحتك هذه ورحلت من هذه الدنيا وجاءت صفحة العدل فإنّ عفونة عبادتنا عندئذ لن تقلّ عن عفونة المعاصي والموبقات التي يرتكبها أهل المعصية. وقد أشرنا فيما مضى إلى حديث ينقله ثقة الإسلام الكليني(2)في كتاب (الكافي) بسنده إلى الإمام الصادق (علیه السّلام)، وهنا ننقل قسماً من هذا الحديث بنصّه تبرّكاً و تيمّناً: عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال الله عزّ وجلّ لداود (علیه السّلام): «يَا دَاوُدُ بَشِّرِ الْمُذْنِبِينَ وَأَنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ . قَالَ : كَيْفَ أُبَشِّرُ الْمُذْنِبِينَ وَأَنْذِرُ الصِّدِّيقِينَ؟ قَالَ: «يَا دَاوُدُ بَشِّرِ الْمُذْنِبِينَ أَنِّي أَقْبَلُ التَّوْبَةَ وَأَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ وَأَنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ أَنْ لَا يَعْجَبُوا بِأَعْمَالِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَنْصِبُهُ لِلْحِسَابِ إِلا هَلَكَ»(3). لأنه مستحقّ للعذاب، وفق العدالة فإنّ ثواب عبادات العبد لا تعادل شكر واحدة من نعمائه .


1) إشارة إلى الآية المباركة : خُذُوهُ فَقُلُوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (سورة الحاقة، الآيات : 31 - 33) .

2) تحدثنا عن ترجمته مختصراً في ص 29 فراجع .

3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب العُجب ، ح 1 ، ص 314.

فإذا علمت أنّ الصدّيقين، على الرغم من أنّهم مُطهَّرون من الذنب والمعصية، جميعاً هالكون في الحساب، فماذا نقول أنا وأنتم ؟ . . . هذا كله عندما تكون أعمالي وأعمالكم خالصة من الرياء الدنيوي ومن الموبقات والمحرّمات وقلّما يحصل لنا خلوص عمل من الرياء والنفاق .

وعليه إذا استدعى العمل العُجب والتدلّل والتغنّج، فافعل. وإذا استدعى الخجل والتذلّل والاعتراف بالتقصير فيجب عليك بعد كل عبادة أن تتوب من تلك الأكاذيب التي قلتها في حضرة الله تعالى، وممّا نسبته إلى نفسك دون دليل . ألا ترى أنّ عليك أن تتوب من قولك وأنت تقف أمام الله قبل الدخول في الصلاة : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(1)إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)فهل وجوهكم متوجّهة إلى فاطر السماوات والأرض؟ هل أنتم مسلمون وخالصون من الشرك؟ هل صلاتكم وعبادتكم وحياتكم ومماتكم الله؟ ألا يبعث على الخجل - بعد هذا - أن تقولوا في الصلاة أَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ فهل حقّاً تقرّون بأنّ المحامد كلّها الله ؟ ، في حين أنّكم تقرّون بالحمد لعباده، بل ولأعدائه؟ ، أليس قولكم رَبِّ الْعَالَمِينَ يكون كذباً لأنكم تقرّون في الوقت نفسه بالربوبية لغيره تعالى في هذا العالم، أفلا يحتاج ذلك إلى التوبة والخجل؟

وحينما تقول : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فهل تراك تعبد الله أم تعبد بطنك وفرجك؟ هل أنت تطلب الله أو الحور العين؟ هل تطلب العون من الله فقط؟ إنَّ الشيء الذي لا يؤخذ بعين الاعتبار في الأعمال هو الله ، وأنت إذا ذهبت إلى زيارة بيت الله، فهل أن مقصدك ومقصودك هو الله، وأن مطلبك ومطلوبك هو صاحب البيت؟ وهل قلبك مترنّم بقول الشاعر :

وما حُبُّ الديار شغفن قلبي *** ولكن حُبُّ من سكن الديارا

أباحثّ أنتَ عن الله ؟ أتطلب آثار جمال الله وجلاله؟ الأجل سيد المظلومين تقيم


1) سورة الأنعام، الآية : 79.

2) سورة الأنعام، الآية : 162 .

العزاء؟ ألأجله (علیه السّلام) تلطم على رأسك وصدرك أم لأجل الوصول إلى آمالك وأمانيك؟ أهي بطنك التي تدفعك لإقامة مجالس العزاء، وشهوة الظهور هي التي تدفعك للذهاب إلى صلاة الجماعة، وهوى النفس هو الذي يجرّك للمناسك والعبادة؟

فيا أيها الأخ، كن حذراً تجاه مكائد النّفس والشيطان، واعلم أنّه لن يدعك أيها المسكين بأن تؤدّي عملاً واحداً بإخلاص، وحتى هذه الأعمال غير الخالصة التي تقبّلها الله تعالى منك بفضله ، لا يدعك - الشيطان - أن تصل بها إلى الهدف، فيعمل عملاً تحبط به أعمالك كلها، وتخسر حتى هذا النفع بسبب هذا العجب والتدلّل في غير موقعه. وبغضّ النظر عن بعد الوصول إلى الله ورضاه، فإنّك لن تصل إلى الجنّة ولا إلى الحور العين، بل تخلد في العذاب وتعذّب بنار الغضب كذلك .

أنت تظن أنّك بهذه الأعمال المتفسّخة المتعفّنة الهزيلة الممزوجة بالرياء وطلب السمعة وألف مصيبة أخرى التي تحول دون قبول العبادات كلّها، تظن أنّك بها تستحق الأجر من الحقّ تعالى أو أنّك أصبحت بها من المحبّين والمحبوبين. أيها المسكين الجاهل بأحوال المحبّين ! يا سيىء الحظّ الذي لم يّطلع على قلوب المحبيّن، وعلى لهب شوقها تجاه الحق سبحانه، أيها المسكين الغافل عن حرقة المخلصين ونور أعمالهم ! أو تظن أن أعمالهم أيضاً مثل أعمالي وأعمالك؟ أو تتوهّم أنّ ميزة صلاة أمير المؤمنين (علیه السّلام) عن صلاتنا أنه (علیه السّلام) كان يمدّ «الضالّين» أكثر أو أن قراءته أصحّ أو أنّ سجوده أطول وأذكاره وأوراده أكثر؟ أو أنّ ميزة ذلك الرجل العظيم في أنه كان يصلّي عدّة مئات من الركعات ليلياً؟ أو تظن أنّ مناجاة سيد الساجدين علي بن الحسين هي مثل مناجاتي ومناجاتك؟ وإنه كان يتحرّق ويتضرّع ويتلظّى بتلك الصورة من أجل الحور العين والكمثرى والرمّان من نعم الجنّة؟

أقسم به صلوات الله وسلامه عليه (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ)(1)لو أن المحبّين كان بعضهم ظهيراً للبعض الآخر، وأرادوا أن يتفوّهوا بكلمة (لا إله إلا الّله) مرة واحدة بمثل ما كان يقولها أمير المؤمنين (علیه السّلام) لما استطاعوا . فكم أكون تعيساً وشقياً أن لا أكون على خطى


1) مأخوذ من قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَقَسَمْ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (سورة الواقعة، الآية : 76).

علي (علیه السّلام) وأنا من العارفين لمقام ولاية علي (علیه السّلام)؟

أقسم بمقام علي بن أبي طالب (علیه السّلام)، لو أنّ الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين - عدا الرسول الخاتم الذي يكون مولى علي وغيره - أرادوا أن يكبرّوا مرّة، تكبيراً على غرار ما كان يكبّر علي (علیه السّلام)، لما استطاعوا . وأمّا الوقوف على قلوبهم فلا يعرف أحد شيئّاً إلأ حملة تلك القلوب وأصحابها !

فيا أيها العزيز! لا تتباهى بقربك من الله ولا تبالغ في حبّك له، أيها العارف، أيها الصوفي، أيها الحكيم، أيها المجاهد، أيها المرتاض، أيها الفقيه، أيها المؤمن، أيها المقدس، أيها المساكين المبتلون يا سيئي الحظ المغلوبين بمكائد النفس وهواها، أيها المساكين المبتلون بالآمال والأماني وحب النفس، كلكم مساكين، كلكم بعيدون فراسخ عن الإخلاص وعبادة الله، لا تحسنوا الظن بأنفسكم إلى هذا الحّد، لا تتغنجوا ولا تتدللّوا. اسألوا قلوبكم: هل تبحث عن الله، أم تريد ذاتها؟ هل هي موحدة وتطلب الواحد أم مشركة وتعبد اثنين؟ فماذا يعني إذاً كل هذا العُجب؟ ماذا يعني إذا التعالي بالعمل إلى هذا الحدّ؟ وهو إذا صحّت جميع أجزائه وشروطه وخلا من الرياء والشرك والعُجب وباقي المفسدات، فهدفه الوصول إلى إشباع شهوات البطن والفرج، فما قيمته كي تنقله الملائكة؟ هذه الأعمال من القبائح والفجائع، وينبغي للإنسان أن يخجل منها ويسترها . . .

إلهي . . . بك نعوذ نحن المساكين من شرّ الشياطين والنفس الأمّارة بالسوء، اللّهمّ فاحفظنا من مكائدهما بحقّ محمّد وآله .

الحديث الرابع: «الکبر»

اشارة

بالسند المتّصل إلى محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبان، عن حكيم، قال: «سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) عَنْ أَدْنَى الْإِلْحَادِ، فَقَالَ: الْكِبرُ أَدْنَاهُ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الكبر ، ح 1 .

الشرح:

الكِبر عبارة عن حالة نفسية تجعل الإنسان يترفّع ويتعالى على الآخرين. ومن أماراته تلك الأعمال التي تصدر عن الإنسان، والآثار التي تبدو منه بحيث يقال عنه أنّه متكبّر . وهذه الصفة هي غير العُجب، بل هي، كما سبق قوله ، صفة رذيلة وخبيثة، تنجم عن العجب، لأنّ العُجب هو الإعجاب بالذات، والكبر هو التعالي والتعاظم على الناس . فعندما يتوهّم الإنسان أي فيه صفة من صفات الكمال، تنتابه حالة، هي مزيج من السرور والتدلّل والتغنّج وغيرها. هذه هي صفة «العُجب» ولكونه يرى الآخرين لا يملكون تلك الصفة التي يتوهّمها في نفسه، ينتابه شعور آخر هو تصوّر التفوّق والتقدّم، وهذا يؤدّي به إلى التعاظم والترفّع، وهذه هي صفة «الكبر».

إنّ كل هذه الحالات تكون في القلب وفي الباطن، وتظهر آثارها على الظاهر، في الملامح وفي الأفعال وفي الأقوال. وبهذا يصبح الإنسان مغروراً وإذا ازداد أصبح معجباً بنفسه، وعندما يطفح إعجابه بنفسه يتعاظم ويترفّع ويتكبّر .

واعلم أنّ الصفات النفسانية، سواء أكانت من صفات النقص والرذيلة أم من صفات الكمال والفضيلة، فإنّها دقيقة ومبهمة جداً. ولهذا فإنّ التمييز بينها والتعرّف عليها يكون في غاية الصعوبة، ولربما يقع الكثير من الاختلاف بين العلماء الأعلام عند تحديدها، أو أنّه يصعب وضع تعريف لهذه الصفة الوجدانية من دون أن تصيبها منقصة . لذلك فمن الخير ترك هذه الأمور للوجدان نفسه، ونحرر أنفسنا من اصطناع المفاهيم حتى لا نتخلّف عن الهدف المقصود والمنشود .

فلا بدّ أن نعرف أنّ للكبر درجات تشبه الدرجات التي ذكرناها في العجب. ويضاف

عليها درجات أخرى ذات صلة بالعجب أعرضنا عن ذكرها هناك لعدم أهميتها، ولكننا نتعرّض إليها هنا لكونها مهمة فنقول :

أمّا الدرجات التي ورد شبيهها في العُجب فهي أيضاً ست :

1 - الكبر بسبب الإيمان والعقائد الحقّة . ويقابله الكبر بسبب الكفر والعقائد الباطلة .

2 - الكبر بسبب الملكات الفاضلة والصفات الحميدة. ويقابله الكبر بسبب الأخلاق الرذيلة والملكات القبيحة .

3 - الكبر بسبب العبادات والصالحات من الأعمال ويقابله الكبر بسبب المعاصي والسيّئات من الأعمال .

وكل درجة من هذه يمكن أن تكون وليدة مثيلتها من درجات العُجب. وقد تكون وليدة سبب آخر سوف تأتي الإشارة إليه فيما بعد(1). أمّا الذي نحن بصدده هنا على وجه الخصوص فهو الكبر بسبب أمور خارجية، مثل الحسب والنسب والمال والجاه والرئاسة وغيرها. ولسوف نشير إن شاء الله خلال الفصول اللاحقة إلى بعض مفاسد هذه الرذيلة وعلاجها قدر الإمكان، سائلين الله تعالى التوفيق الحصول تأثير ذلك فينا وفي الآخرين .

فصل: في بيان درجات الكبر

إعلم أنّ للكبّر ، من منظور آخر ، درجات :

الأولى : التكبّر على الله تعالى .

الثانية : التكبرّ على الأنبياء والرسل والأولياء صلوات الله عليهم .

الثالثة : التكبّر على أوامر الله تعالى، وهذا يرجع إلى التكبّر على الله.

الرابعة : التكبّر على عباد الله تعالى، وهذا أيضاً يراه أهل المعرفة راجعاً إلى التكبّر على الله .

أما التكبّر على الله فهو أقبحها وأشدّها هلكة ويأتي على رأس درجات الكبر، وتراه


1) سنشير إليه في ص 112 تحت عنوان فصل (في الأسباب الأساسية للتكبّر).

في أهل الكفر والجحود ومدّعي الألوهية، وقد تراه أحياناً في بعض أهل الدين ولا يناسب ذكره هنا . وهذا هو منتهى الجهل وعدم معرفة «الممكن» حدود نفسه، وعدم معرفة مقام «واجب الوجود».

وأما التكبّر على الأنبياء والأولياء، فكثيراً ما كان يحصل في زمان الأنبياء. قال تعالى على لسانهم :

... أَنُؤْمِنُ لِيَشْرَيْنِ مِثْلِنَا . . .(1). وقال تعالى على لسان آخرين منهم :

. . . لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ(2) وفي صدر الإسلام وقع الكثير من التكبّر على أولياء الله، وفي هذا الزمان أيضاً نجد نماذج منه في بعض المحسوبين على الإسلام.

وأمّا التكبّر على أوامر الله فيظهر في بعض العاصين، كأن يمتنع أحدهم عن الحجّ بحجّة أنه لا يستسيغ مناسكه من إحرام وغيره. أو يترك الصلاة لأنّ السجود لا يليق بمقامه، بل قد يظهر ذلك أحياناً عند أهل النسك والعبادة وأهل العلم والتديّن، كأن يترك الأذان تكبّراً ، أو لا يتقبّل مقولة الحق إذا جاءت ممّن هو قريب له أو دونه منزلة .

فقد يسمع الإنسان قولاً من زميل له فيردّه بشدّة ويطعن في قائله، ولكنه إذا سمع ذلك القول نفسه، من كبير في الدين أو الدنيا، قبله(3). بل قد يكون جاداً في ردّ الأول وجاداً أيضاً في قبول الثاني. إنّ شخصاً هذا شأنه لا يكون من طلاّب الحق، بل يكون تكبّره قد أخفى عنه الحقّ، وأعماه تملّقه لذاك الكبير وأصمّه . ومثل هذا التكبّر يتّصف به أيضاً من يترك تدريس علم أو كتاب باعتباره لا يليق به، أو يرفض تدريس أشخاص لا مركزية لهم، أو لأنّ عددهم قليل، أو يترك صلاة الجماعة في مسجد صغير ولا يقتنع بعدد


1) سورة المؤمنون، الآية : 47.

2) سورة الزخرف، الآية : 31 .

3) لا يخفى أن ترك القبول يرجع إلى ناحيتين : إحداهما تكبّر على أوامر الله . وثانيهما: تكبّر على عباد الله تعالى (منه عُفي عنه).

معدود من المأمومين حتى وإن علم أنّ في مثل تلك الجماعة رضا الحقّ تعالى. وقد تصبح هذه الحال من الدقة بحيث أن صاحبها لا يدرك أنّ عمله هذا يرجع إلى الكبر، إلاّ إذا تدارك الأمر بإصلاح نفسه وتخلّص من مكائد هذه الحال .

أمّا التكبّر على عباد الله فأقبحه التكبّر على العلماء بالله، ومفاسده أكثر من كل شيء وأهم. ومن هذا التكبّر رفض مجالسة الفقراء، والتقدّم في المجالس والمحافل، وفي المشي، وفي السلوك . وهذا النوع من التكبّر رائج وشائع بين مختلف الطبقات، ابتداءً من الأشراف والأعيان والعلماء والمحدّثين والأغنياء حتى الفقراء والمعوزين، إلاّ من حفظه الله من ذلك.

إنّ التمييز بين التواضع والتملّق، والتكبّر والإباء يصبح أحياناً على درجة كبيرة من الصعوبة، فلا بُدَّ للإنسان أن يتعوّذ بالله ليهديه إلى طريق الهداية، وإذا تصدّى الإنسان لإصلاح نفسه وتحرّك نحو المقصود، فإّن الله تعالى سوف يشمله برحمته الواسعة وييسّر له سبيل الهداية .

فصل: في الأسباب الأساسية للتكبّر

للكبر أسباب عديدة ترجع كلّها إلى توهّم الإنسان الكمال في نفسه، ممّا يبعث على العجب الممزوج بحبّ الذات، فيحجب كمال الآخرين ويراهم أدنى منه ، ويترفّع عليهم قلبياً أو ظاهرياً. فمثلاً، قد يحصل بين علماء العرفان أن يتصوّر أحدهم نفسه من أهل العرفان والشهود ومن أصحاب القلوب والسوابق الحسنى، فيترفّع على الآخرين ويتعاظم عليهم. ويرى أنّ الحكماء والفلاسفة سطحيون، وأنّ الفقهاء والمحدّثين لا يتجاوزون الظاهر في نظراتهم، وأن سائر الناس كالبهائم. وينظر إلى عباد الله بعين التحقير والإزدراء. ويذهب هذا المسكين ينمّق الحديث عن الفناء في الله والبقاء بالله، ويدقّ طبل التحقّق. مع أنّ المعارف الإلهية تقتضي حسن الظنّ بالكائنات، فلو أنّه كان قد تذوّق حلاوة المعرفة بالله لما تكبّر على مظاهر جمال الله وجلاله بحيث أنّه في مقام العلم والبيان يصرّح خلاف حاله، ولكن الحقيقة هي أنّ هذه المعارف لم تدخل قلبه، بل إنّ هذا

المسكين لم يبلغ حتى مقام الإيمان ولكنه يتشدّق بالعرفان، ومن دون أن يكون له حظّ من العرفان يتحدّث عن مقام التحقّق .

إنّ من بين الحكماء أيضاً أناساً، يرون أنّهم بما يملكون من براهين ومن علم بالحقائق، وبكونهم من أهل اليقين بالله وملائكته وكتبه ورسله، ينظرون إلى سائر الناس بعين التحقير، ولا يعتبرون علوم الآخرين، علوماً، ويرون عباد الله جميعاً ناقصي علم وإيمان، فيتكبّرون عليهم في الباطن، ويعاملونهم في الظاهر بكبرياء وغرور، مع أنّ العلم بمقام الربوبية، وفقر الممكن (المخلوق)، يقضيان بخلاف ذلك. والحكيم من تحلّى بملكة التواضع بوساطة العلم بالمبدإ والمعاد.

لقد وهب الله لقمان الحكمة بنصّ من القرآن الكريم(1)ومن جملة وصايا ذلك وهب العظيم لابنه ، كما ورد في القرآن الكريم :

وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور(2). ونجد في الذين يدّعون الإرشاد والتصوّف وتهذيب الباطن، أشخاصاً يعاملون الناس بالتكبّر ويسيؤون الظّن بالعلماء والفقهاء وأتباعهم، ويطعنون بالعلماء والحكماء، ويرون النّاس، عدا أنفسهم ومن يلوذ بهم، من أهل الهلاك. وبما أنّهم صفر اليدين من العلوم، يصفون العلوم بأنها أشواك الطريق، ويرون أصحابها شياطين طريق السالك، مع أنّ كل ما يزعمونه لأنفسهم من مقام يقتضي خلاف ذلك كلّه. إنّ من يدّعي أنه هادي الخلائق ومرشد الضالّين يجب أن يكون هو بنفسه منزّهاً عن المهلكات والموبقات، زاهداً في الدنيا، غارقاً في جمال الله ، لا يتكبّر على خلقه ولا يسيء الظنّ بهم .

كذلك نجد أحياناً بين الفقهاء وعلماء الفقه والحديث وطلّابهما من ينظر إلى سائر الناس بعين الاحتقار، ويتكبّر عليهم، ويرى نفسه جديراً بكلّ إكرام وإعظام، ويعتقد أن من المفروض على الناس أن يطيعوا أمره إطاعة عمياء، وأنه لا يُسْأَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ


1) وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ أَشْكُرْ . . . (سورة لقمان، الآية : 12).

2) سورة لقمان، الآية : 18 .

يُسْأَلُونَ(1)، ، وما من أحد يستحق الجنّة، في رأيه، إلاّ هو مع أفراد معدودين مثله وكلّما جاء ذكر طائفة مقترناً بأيّ علم من العلوم طعن فيهم، من دون أن يعترف بأيّ علم سوى علمه القليل الذي يتمتع به ويرى أنّ تلك العلوم تافهة وغير نافعة ومدعاة للهلاك، فيرفض العلماء وسائر العلوم جهلاً وسفها، ويُظهر كأن تديّنه هو الذي يحتّم عليه أن يحتقرهم ويستهين بهم، مع أن العلم والدين منزّهان عن أمثال هذه الأطوار والأخلاق . إنّ الشريعة المطّهرة تحرّم التصريح بقول من دون علم. وتوجب الحفاظ على كرامة المسلم(2). أما هذا المسكين الذي لا معرفة له بالدين ولا بالعلم، فيعمل على خلاف قول الله ورسوله، ثم يقول إنّ ذلك من صلب الدين، مع أن سيرة السلف والخلف من العلماء العظام تكون مغايرة لهذا إن كل علم من العلوم الشرعية يقضي بأن يتّصف العلماء بالتواضع، وأن يقتلعوا جذور التكبّر من قلوبهم. ولا يوجد علم يدعو إلى التكبّر ويرفض التواضع . وعليه، سوف نبّين العلّة في كون علم هؤلاء الأشخاص يخالف عملهم(3).

إنّ الكبر منتشر بين علماء سائر العلوم الأخرى أيضاً، في الطبّ والرياضيات والطبيعة، وكذلك أصحاب الصناعات الهامّة، كالكهرباء والميكانيك وغيرهما. إنهم أيضاً لا يقيمون وزناً للعلوم الأخرى مهما تكن، ويحتقرون أصحابها، وكلّ منهم يحسب أنّ ما عنده وحده هو العلم، وما عند غيره ليس بعلم، فيتكبّر على الناس في باطنه وظاهره، مع أنّ ما عنده من علم لا يستدعي مثل هذا التكبّر .

وهناك من غير أهل العلم، مثل أهل النسك والعبادة، من يتكبّر أيضاً على الناس ويتعالى عليهم، ولا يعتبر الناس حتى العلماء من أهل النجاة، وكلّما جرى حديث عن


1) سورة الأنبياء، الآية : 23 .

2) تدلّ الآيتان الكريمتان في سورة بني إسرائيل الآية 36 وسورة النور الآية 15 وهكذا الروايات الكثيرة على حرمة دم المسلم وعرضه وماله، كما في أصول الكافي، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، ح9 . وفي وسائل الشيعة، ج 10، ص 422 «حُرمَةُ النَّبِيِّ وَالْمُؤْمِن أعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ البَيْتِ». وفي باب (حق المؤمن على أخيه وأداء حقه) وباب (من أذى المسلمين واحتقرهم) وباب (من طالب عثرات المؤمنين) من كتاب الإيمان والكفر من أصول الكافي أحاديث تبين حقوق المؤمن .

3) يتّم البيان في تتمة هذا الحديث .

العلم قال : ما فائدة علم بلا عمل؟ العمل هو الأصل. إنهم يهتمون بما يقومون به من عمل وطاعة، وينظرون بعين الاحتقار إلى جميع الطبقات، مع أنّ المرء إذا كان من أهل الإخلاص والعبادة ينبغي لعمله أن يصلحه. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي معراج المؤمن، ولكن هذا الذي أمضى خمسين سنة في الصلاة وأداء الواجبات والمستحبات مصاب برذيلة الكبر التي هي من الإلحاد، وبالعُجب الذي هو أكبر من الفحشاء، وبالتقرّب من الشيطان وخلقه .

إنّ الصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء ولا تحافظ على القلب، بل لكثرتها تبعث على ضياع القلب، إنّ مثل هذه الطاعة ليست بصلاة. إنّ صلاتك التي تحافظ عليها كثيراً وتحرص على إقامتها، إذا كانت تقرّبك من الشيطان وخصيصته من الكبر، فهي ليست بصلاة ، لأنّ الصلاة لا تستدعي ذلك .

كل هذه الأمور تحصل من العلم والعمل. أمّا الذي يحصل من غير ذلك فيرجع أيضاً إلى تصوّر المرء بأنه يمتلك إحدى الكمالات وأن غيره يفتقر إليها . فهذا الذي يملك الحسب والنسب يتكبّر على من لا يملكهما . وقد يتكبّر صاحب الجمال على فاقده، وطالبه، أو إذا كان كثير الأتباع والأنصار أو ذا قبيلة كبيرة، أو له تلامذة كثيرون، وأمثال ذلك، فإنه يتعالى ويتكبّر على الذي ليس له مثل ذلك .

وبناء على ذلك، فإنّ سبب الكبر إنّما هو تصوّر وجود کمال موهوم، والابتهاج بذلك والعُجب به، ورؤية الآخرين خلوا منه . وقد يحدث أحياناً أنّ صاحب الأخلاق به، الفاسدة والأعمال القبيحة يتكبّر على غيره، ظانّاً أنّ ما فيه. ضرب من الكمال. وعلى الرغم من أنّ المتكبّر قد يمتنع أحياناً لسبب ما من إظهار التكبر علانية، ولا يفصح عن أي أثر لذلك، إلا أنّ هذه الشجرة الخبيثة تمدّ جذورها في قلبه ولا بدَّ أن يتبين أثر ذلك منه إذا خرج عن طوره الطبيعي، كأن يستولي عليه الغضب فيفلت منه الزمام، وإذا به تظهر عليه أمارات الكبرياء والتعاظم، ويباهي الآخرين بما عنده من علم أو عمل أو أي شيء آخر، ويفاخرهم به .

وفي أحيان أخرى قد لا يهتم بإخفاء تكبّره على من حوله ، كما لو كان العنان قد أفلت من

يده، فتظهر آثار الكبر في أعماله وحركاته وسكناته ، كأن يتقدّم في المجالس ويسبق الآخرين في الدخول والخروج، ولا يسمح للفقراء بحضور مجالسه، ولا يحضر مجالسهم، ويحيط نفسه بهالة من الحرمة ، ويظهر التعالي في مشيته وفي نظرته وفي حديثه مع الناس .

يقول أحد المحققين، والذي أخذنا منه الكثير من أصول هذا البحث وترجمناه: «إنّ أدنى درجة الكبر في العالم هي أن يدير وجهه عن الناس كأنه يعرض عنهم، وفي العابد هي ان يعبس في وجوه الناس ويقطب جبينه، وكأنه يتجنّبهم أو أنه غاضب عليهم، غافلاً من أن الورع ليس في تقطيب الجبين، ولا في عبوس ملامح الوجه، ولا في البعد عن الناس والإعراض عنهم، ولا في لّي الجيد، وطأطأة الرأس، ولملمة الأذيال، بل الورع يكون في القلب». لقد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «هاهنا التّقوى» وأشار إلى صدره(1).

وقد يظهر الكبر على اللسان بتبيان المفاخرة والمباهاة وتزكية الذات. فهذا العابد، وهو في مقام التفاخر ، يقول : إنني قمت بكذا عمل . فينتقص بهذا من الآخرين عن طريق إضفاء الأهمية على أعماله. وأحياناً لا يصرّح بذلك، ولكنه قد يتفوّه بما يوحي بأنه يزكّي ذاته. والعالم يقول للآخرين : ما أدراك أنت ؟ إنني طالعت الكتاب الفلاني مرّات عديدة، وأمضيت سنوات لدى المجامع العلمية، ورأيت عدداً من أساطين العلم وأساتذته، لقد أجهدت نفسي كثيراً، صنّفت وألّفت الكتب الكثيرة، وما إلى ذلك. وعلى كل حال. ينبغي أن نتعوّذ بالله من شرَّ النفس ومكائدها .

فصل: في مفاسد الكبر

إعلم أنّ لهذه الصفة القبيحة بحدّ ذاتها مفاسد كثيرة، وهذه المفاسد تتمخّض عنها مفاسد أخرى كثيرة . إنّ هذه الرذيلة تحول دون وصول الإنسان إلى الكمالات الظاهرية


1) بحار الأنوار، ج 70 ص 198 وص 199، کتاب الإيمان والكفر، باب الكبر. مرآة العقول، ج 10، ص 190 ، كتاب الإيمان والكفر، باب الكبر عن أنس قال كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: «الإسلام علانية والإيمان في القلب قال : ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات. قال ثم يقول : التقوى هاهنا . التقوى هاهنا». (مسند أحمد بن حنبل، ص 134).

والباطنية والاستمتاع من الحظوظ الدنيوية والأخروية. إنها تبعث في النفوس الحقد والعداوة، وتحطّ من قدر الإنسان في أعين الخلق وتجعله تافهاً، وتحمل الناس على أن يعاملوه بالمثل تحقيراً له واستهانة به .

جاء في (الكافي) عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنه قال :

«مَا مِنْ عَبْدِ إِلا وَفِي رَأْسِهِ حِكْمَةٌ وَمَلَكٌ يُمْسِكُهَا ، فَإِذَا تَكَبَّرَ قَالَ لَهُ : اتَّضِعُ وَضَعَكَ اللَّهُ، فَلاَ يَزَالُ أَعْظَمَ النَّاسِ فِي نَفْسِهِ وَأَصْغَرَ النَّاسِ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ. وَإِذَا تَوَاضَعَ رَفَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ قَالَ : انْتَعِشَ نَعَشَكَ اللهُ ، فَلَا يَزَالُ أَصْغَرَ النَّاسِ فِي نَفْسِهِ وَأَرْفَعَ النَّاسِ فِي أعْيُنِ النَّاسِ»(1).

فيا أيها العزيز ما يحتوي عليه رأسك من الدماغ، تحتويه رؤوس الآخرين أيضاً، إذا كنت متواضعاً، احترمك الناس قهراً واعتبروك كبيراً، وإذا تكبّرت على النّاس لم تنل منهم شيئاً من الاحترام. بل إذا استطاعوا أن يذلّوك لأذلّوك ولم يكترثوا بك. وإن لم يستطيعوا إذلالك ، لكنت وضيعاً في قلوبهم، وذليلاً في أعينهم، ولا مقام لك عندهم. إفتح قلوب الناس بالتواضع فإذا أقبلت عليك القلوب ظهرت آثارها عليك وإن أدبرت تكون آثارها على خلاف رغباتك .

فإذا فرضنا أنّك كنت من المبتغين للاحترام والمقام الرفيع، لكان اللازم عليك أن تسلك الطريق ينتج ما هو على خلاف طلبك وقصدك . إنّك لا تكسب من وراء التكبّر، نتيجة دنيوية مجدية، بل ستحصد من ورائه نتيجة معكوسة. ويضاف إلى ذلك أنّ مثل هذا الخلق يوجب الذلّ في الآخرة والمسكنة في ذلك العالم. فكما أنّك احتقرت الناس في هذا العالم، وترفّعت على عباد الله وتظاهرت أمامهم بالعظمة والجلال والعزة والاحتشام، كذلك تكون صورة هذا التكبّر في الآخرة، الهوان كما ورد في الحديث الشريف من كتاب أصول الكافي :

بإسناده، عن داود بن فرقد، عن أخيه ، قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السّلام) يقول : «إن


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الكبر ، ح 16 .

الْمُتَكَبِرِينَ يُجْعَلُونَ فِي صُوَرِ الذُّرِّ يَتَوَطاهُمُ النَّاسُ حَتَّى يَفْرَغَ اللَّهُ مِنَ الْحِسَابِ»(1).

وجاء في وصايا الإمام الصادق (علیه السّلام) لأصحابه :

«إِيَّاكُمْ وَالْعَظَمَةَ وَالْكِبْرَ، فَإِنَّ الْكِبْرَ رِدَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمَنْ نَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَهُ قَصَمَهُ اللهُ وَأَذَلَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(2).

ولا أعرف بأن الله تعالى إذا أذلّ شخصاً ماذا يصنع به؟ وبماذا يبتليه؟ لأن أمور الآخرة تختلف عن أمور الدنيا كثيراً، فإنّ الذلّ في الدنيا يغاير الذل في الآخرة، كما أنّ نعم الآخرة وعذابها، لا تتناسب مع هذا العالم، إن نعمها تفوق تصوّرنا، وإن عذابها لا يخطر على بالنا إن كرامتها أسمى من تصوّرنا، والذل فيها يختلف عن الذل والهوان الذي نعرفه، وتكون عاقبة المتكبر النار ففي الحديث «الْكِبْرُ مَطَايَا النَّارِ»(3)فلا يرى الجنّة من كان في قلبه كبر . كما روي عن الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم): «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كبر»(4)وقد حدث الإمام الباقر والإمام الصادق (علیه السّلام) أيضاً بهذا المضمون(5). وفي حديث الكافي الشريف أن الإمام الباقر (علیه السّلام) قال :

«الْعِزُّ رِدَاءُ اللَّهِ، وَالْكِبْرُ إِزَارُهُ ، فَمَنْ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْهُ أَكَبَّهُ اللَّهُ فِي جَهَنَّمَ»(6).

وما أدراك ما جهنم التي أعدّها الله للمتكبّرين. فهي غير جهنم التي أُعدَّت لسائر الناس. يكفي أن نورد هنا الحديث الذي سبق أن ذكرناه :

عن محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الكبر ، ح 11 .

2) وسائل الشيعة، المجلد 11 ، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر ، ح 9 .

3) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر ، ح 14 .

4) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر ، ح6 .

5) أصول الكافي، ج 2، ص310 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الكبر ، ح 6 . معاني الأخبار للشيخ الصدوق، ص 241 ، باب معنى الكبر ، ح2 . ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، ص 264 ، عقاب المتكبرين، ح4 .

6) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر ، ح2 . وأصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر، باب الكبر، ج3، ص309 . وكتاب ثواب الأعمال، وعقاب الأعمال، عقاب المتكبرين، ح1 ، ص 264 .

بكير، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «إِنَّ فِي جَهَنَّمَ لَوَادِياً لِلْمُتَكَبِرِينَ يُقَالُ لَهُ سَقَرُ»، شَكَى إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شِدَّةَ حَرِّهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يَتَنَفْسَ فَتَنَفْسَ فَأَحْرَقَ جَهَنَّمَ».(1)والحديث في غاية الاعتبار (من حيث السند) بل هو كالصحيح .

أعوذ بالله من مكان رغم كونه دار عذاب، تشكو حرارتها، فتتنفس فتحترق جهنم من جرّاء تنفسها. إننا لا نستطيع أن ندرك شدّة حرارة نار الآخرة في هذا العالم، إذ أنّ أسباب شدّة العذاب وضعفه تختلف أسباب شدّة العذاب الدنيوي وخفتها من جهات عديدة .

فمن جهة، تتبع قوة الإدراك وضعفه؛ إذ كلّما كان المدرك أقوى والإدراك أتّم وأنقى كان إدراك الألم والعذاب أكثر .

ومن جهة أخرى، تعتمد على اختلاف المواد التي يقوم بها الحسّ في تقبّل الحرارة، لأنّ المواد تختلف من حيث تقبل الحرارة. فالذهب والحديد، مثلاً، يتقبّلان الحرارة أكثر من الرصاص والقصدير. وهذان يتقبلانها أكثر من الخشب والفحم، وهذان أكثر من الجلد واللحم .

كما أن لمستوى ارتباط قوّة الإدراك بالموضع المقابل للحرارة أثراً في شدّة وضعف العذاب. فمثلاً المخ الذي يكون تقبله للحرارة، أقلّ من العظام، يكون تأثره أشدّ، لأنّ قوة الإدراك فيه أكبر. وإنّ للحرارة نفسها من حيث كمالها ونقصانها، دوراً في الشدة والضعف فالحرارة التي تصل إلى مائة درجة تؤلم أكثر من الحرارة التي تصل إلى درجة خمسين .

كما أنّ لمدى ارتباط المادة الحرارية الفاعلة بالمادة المتقبّلة لها سبباً في تخفيف أو تشديد العذاب. فمثلاً، إذا كانت النار قريبة من اليد كان الاحتراق أخفّ ممّا إذا التصقت النار باليد .


1) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر ، ح 6 . وأصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر، باب الكبر، ص310 ، ح 10 . ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، عقاب المتكبرين، ص 265، ح 7 .

جميع هذه الأسباب الخمسة المذكورة تكون في هذه الدنيا في منتهى النقص، وفي الآخرة في منتهى كمال القوة والتمامية. إنّ جميع إدراكاتنا في هذا العالم ناقصة وضعيفة ومحجوبة بحجب كثيرة لا يتسع المجال لذكرها ولا تناسبه. إن أعيننا لا ترى اليوم الملائكة ولا جهنم، وآذاننا لا تسمع الأصوات العجيبة والغريبة التي تصدر من البرزخ وأصحابه ومن القيامة وأهلها، وحواسنا لا تحسّ بالحرارة هناك، كل ذلك لأنها ناقصة جميعاً. إنّ الآيات والأخبار الواردة عن أهل البيت صلوات الله عليهم مشحونة بذكر هذا الأمر، تلويحاً وتصريحاً. إن جسم الإنسان في هذا العالم لا يتحمل الحرارة، إذ لو بقي ساعة واحدة في النار الباردة من الدنيا لاستحال إلى رماد ولكن الله القادر يجعل هذا الجسم يوم القيامة قابلاً للبقاء في نار جهنم - التي شهد جبرائيل بأنه لو جيء واحد بذراع من سلاسل جهنم التي طول الواحدة منها سبعون ذراعاً إلى هذه الدنيا ووضعت على جبال الدنيا لذابت من شدّة حرارتها - من دون أن يذوب(1)

بحار الأنوار، ج 8 ، كتاب العدل والمعاد، باب النار ، ح 64 ص 305. تفسير البرهان، ج 4 ، تفسير الآية 32 من سورة الحاقة ص 379 .

. فقابلية جسم الإنسان للحرارة يوم القيامة لا تقاس بقابلية لها في دار الدنيا .

أمّا ارتباط النفس بالجسد في هذه الدنيا فضعيف وناقص، ففي هذا العالم يستعصي على النفس أن تظهر فيه بكامل قواها، أما الآخرة فهي عالم ظهور النفس . إن نسبة النفس إلى الجسد نسبة الفاعلية والخلاقية، كما هو ثابت في محله(2)، وهي أتمّ مراتب النسبة والارتباط .

ونار هذه الدنيا نار باردة ذاوية وعرضية ومشوبة بمواد خارجية غير خالصة . أما نار جهنّم، فنار خالصة لا تشوبها شائبة، وجوهر حيّ قائم بذاته ذو إرادة يحرق أهله بإدراك وإرادة، ويشدّد الضغط عليهم بقدر الإمكان. ولقد سمعت الصادق المصدّق الأمين جبرائيل، وهو يصفها. والقرآن والأخبار مليئة بوصفها. أما ارتباط نار جهنم والتصاقها


1) «وَلَوْ أنْ ذِرَاعاً مِنَ السُّلْسَلَةِ التي ذَكَرَهَا اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَضِعَ عَلَى جَميع جَبَالِ الدُّنْيَا لذابَتْ عَنْ آخِرِهَا».

2) راجع كتاب الأسفار الأربعة، ج 8 ، السفر الرابع أو الثالث، الفصل 11 و 15 ، ص 137 - 143 - 154 - 155.

بالجسم فلا شبيه له في هذا العالم، ولو تجمّعت جميع نيران العالم وأحاطت بإنسان لما أحاطت بغير سطح جسمه. أمّا نار جهنم، فتحيط بالظاهر والباطن وبالحواس المدركة وما يتعلّق بها . إنها نار تحرق القلب والروح والقوى، وتتحد بها بنحو لا نظير له في هذا العالم .

فيتبيّن ممّا ذكر أنّ هذا العالم لا تتوافر فيه وسائل العذاب بأيّ شكل من الأشكال، فلا مواده - العالم - جديرة بالتقبّل، ولا مصادره الحرارية تامة الفاعلية، ولا الإدراك تام. إنّ النار التي تستطيع أن تحرق جهنم بنفس منها ، لا يمكن أن نتصورها ولا أن ندركها، إلا إذا كنا - لا سمح الله - من المتكبّرين، انتقلّنا من هذا العالم إلى الآخرة قبل أن نطهّر أنفسنا من هذا الخلق القبيح، حيث نراها رأي العين فَلَيْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ(1).

فصل: في بيان بعض عوامل التكبر

إعلم أنّ من عوامل التكبّر، فضلاً عمّا سبق ذكره من الأسباب، هو صغر العقل، وضعف القابلية، والضعة، وقلة الصبر. فالإنسان لضيق أفقه ما أن يجد في نفسه خصلة مميّزة حتّى يتصوّر لها مقاماً ومركزاً خاصاً. ولكنه لو نظر بعين العدل والإنصاف إلى كلّ أمر يتقنه وكل خصلة يتميز بها ، لأدرك أن ما تصوّره كمالاً يفتخر به ويتكبر بسببه، إما أنه ليس كمالاً أصلاً، وإما أنه إذا كان كمالاً فإنّه لا يكاد يساوي شيئاً إزاء كمالات الآخرين وأنه كمن صفع وجهه ليحسب الناس احمرار وجهه نتيجة النشاط والحيوية. كما قيل: «إِسْتَسْمَنَ ذَا وَرَم». فعلى سبيل المثال أن العارف الذي ينظر من خلال عرفانه إلى الناس جميعاً بعين الازدراء متكبراً، أو يقول عنهم إنهم قشريون وسطحيون. ترى أنه لا يملك شيئاً من المعارف الإلهية، سوى حفنة من المفاهيم التي لا تعدو جميعاً من أن تكون حُجُباً تغطي الحقائق، أو مطبّات في الطريق، ومجموعة من المصطلحات ذات البريق الخادع ممّا لا علاقة لها بالمعارف الإلهية، وبعيدة كل البعد عن معرفة الله وعن العلم بأسمائه


1) سورة النحل، الآية : 28 .

وصفاته؟ إنّ المعرفة صفة القلب. وكاتب هذه السطور يعتقد أن جميع هذه العلوم هي علوم عملية ، لا مجرّد معرفة نظرية وحياكة مصطلحات. لقد رأينا خلال هذا العمر القصير والمعرفة القليلة ضمن من يسمون بالعرفاء والعلماء في سائر العلوم، أشخاصاً - أقسم بالعرفان والعلم - أنهم لم يتأثروا قلبياً بهذه الاصطلاحات بل كان لها تأثير معكوس عليهم .

أيها العزيز ! إنّ العرفان بالله ، كما تعلم، يحيل القلب إلى محلّ تتجلّى فيه أسماء الله وصفاته وينزل فيه السلطان الحقيقي الذي يمحو آثار التلوث ويطرد التعيّن :

. . . إنّ المُلوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةٌ أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةٌ. . .(1)إِنَّه يجعل القلب أحديّاً أحمديّاً، فلماذا صار قلبك والها بجمالك ، وزاد في تلوّنك، وضاعف في تعيناتك وإضافاتك وأبعدك عن الحق تعالى وتجليات أسمائه، وجعل قلبك موطناً للشيطان فتنظر عباد الله، وأصحاب أبواب الحق، ومظاهر جمال المحبوب، نظرة تحقير وازدراء؟ إنك تتكبر على الله، وتتفرعن في حضرة ذات الله وأسمائه وصفاته . یا طالب المفاهيم، ويا مضيع الحقائق ! تمهّل، أنظر إلى ما لديك من المعارف فما الأثر الذي تراه من الحق وصفاته في نفسك؟ ولعلّ علم الموسيقى والإيقاع ادق من علمك، واصطلاحات العلوم الأخرى كالفلك والميكانيك وسائر العلوم الطبيعية والرياضية، تساوي اصطلاحات علمك ودقته تماماً. فكما أن، تلك العلوم ليس لها عرفان بالله، فكذلك علمك الذي حجبته الاصطلاحات وسجف المفاهيم والاعتبارات، لا يرجى منه تغيير في نفس ولا حال قال الشيخ البهائي : إنّ العلوم التقلليدية كلها قيل وقال، لا تثمر تغييراً ولا تبعث على حال(2)

علم رسمي سر بسر قیل است و قال *** نه از آن كيفيتي حاصل نه حال

إن العلوم التقليدية كلها قيل وقال *** لا تنتج حالاً ولا تبعث على تغيير

كشكول الشيخ البهائي ج 1 ص 209 .

، بل إنّ تلك العلوم لدى منطق العلوم الطبيعية والرياضية أفضل مما هو لديك من العلم، لأنّ تلك العلوم تنتج شيئاً، وليس لعلمك

1) سورة النمل، الآية : 34.

2) قال الشيخ البهائي :

ناتج ، أو أن ناتجه معكوس . فالمهندس ينال نتيجة هندسته ، والصائغ نتيجة صنعته، أمّا أنت فقد قصرت يدك عن النتائج الدنيوية، ولم تصل إلى نتائج عرفانك . فحجابك أثقل وأسمك، وما أن يدور الكلام عن الأحديّة حتى يغشاك ظلام غير متناه، وما أن تسمع عن حضرة أسماء الله وصفاته حتى تتصوّر كثرة غير متناهية . إذا لم تعثر على الطريق إلى الحقائق والمعارف من هذه الاصطلاحات، بل صارت مدعاة للتفاخر والتكبّر على العلماء الحقيقيين . إنّ المعارف التي تزيد من كدر القلب ليست بمعارف، والويل لمعارف تجعل عاقبة صاحبها وارثاً للشيطان!.

إنّ الكبر من أخلاق الشيطان الخاصة. فقد تكبّر على أبيك آدم، فطرد من حضرة الله ، وأنت أيضاً مطرود لأنك تتكبّر على كل الآدميين من أبناء آدم . ومن هنا أيضاً يجب أن تفهم حال سائر العلوم الأخرى. إنّ الحكيم إذا كان حكيماً وعرف نسبته إلى الخلق وإلى الحق، خرج الكبرياء من قلبه واستقام أمره. ولكن هذا المسكين الذي يركض وراء المصطلحات والمفاهيم يظن أنها هي الحكمة، وأنها هي التي تصنع العالم والحكيم، فمرة يرى نفسه متصفة بالصفات الواجبة، فيقول: «الْحِكْمَةَ هِيَ التَشَبَّهُ بِالإِلهِ»(1)، ومرة يحسب نفسه في زمرة الأنبياء والمرسلين، فيقرأ: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ(2)، وأحياناً يقرأ: «الْحِكْمَةَ ضَالَّهُ الْمُؤْمِنِ»(3)، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كثيراً(4)، ولكن ما أجهله بالحكمة وما أبعده عنها وعن خيراتها؟!

يقول الحكيم المتأله وفيلسوف الإسلام الكبير، المحقق الداماد يرمز إلى نفسه في القصائد بـ(الإشراق).(5)، رضوان الله


1) الأسفار الأربعة، ج 1 ص 22.

2) سورة الجمعة، الآية : 2 .

3) نهج البلاغة - قصار الحكم - 80 ، (الشيخ صبحي الصالح).

4) سورة البقرة، الآية : 269 .

5) المولى محمّد باقر بن شمس الدين محمد المعروف بـ(میرداماد) ( 1041هـ. ق) ولد في اصفهان ودفن في النجف الأشرف كان من العلماء النادرين والفلاسفة الكبار وجامعي العلوم العقلية والنقلية ولا مثيل له في حل المعضلات الفقهية والحديثية. ساهم كثيراً في نشر فلسفة ابن سينا ومذهب الإشراق في القرن الحادي عشر الهجري وقام بدور فعال لظهور الفلسفة المتعالية لصدر المتألهين الشيرازي (كان تلميذاً لميرداماد). له : القبسات، التقديسات، سدرة المنتهى التعليقة على كتاب من لا يحضره الفقيه . كان

عليه : «الحكيم من كان جسده كالرداء له، متى ما شاء خلعه». فانظر إلى ما يقوله هو وما نقوله نحن! وما أدركه هو من الحكمة وما أدركنا نحن منها! إذاً، فأنت الذي تتباهى ببضعة اصطلاحات و مفاهيم وتتكبر على الناس، إنما ذلك دليل ضيق نفسك وقلة صبرك وعدم أهليتك .

إن من يرى نفسه مرشد الخلائق وهاديهم، ويجلس على كرسي التصوف والتوجيه، يكون أسوأ حالاً من المسعف والمتصوّف، وأكثر دلالاً منهما. إنه سرق المصطلحات منهما وأسبغ بعض المظاهر على بضاعته في السوق، وصرف قلوب الناس عن الله ووجهها نحو نفسه ودفع بذلك الإنسان الطيب النقي السريرة، على إساءة الظن بالعلماء وعامة الناس. ولكي تعطى أسواقهم شيئاً من الرواج، يطعمون الناس، عن وعي أو بدون وعي، بعضاً من مصطلحاتهم الجذابة، ظانين أن ألفاظاً مثل : «مجذوب علي» أو «محبوب علي» سوف تمنحهم حقاً حالاً من الانجذاب والحب! نتيجة هذه الأسماء التي يستعملها الدراوشة والمدعون للعرفان .

أنت يا طالب الدنيا وسارق المفاهيم، إن عملك هذا كما تظنه لا يدعو إلى الفخر والتكبر! إنّ المسكين لقلة صبره وصغر عقله ينخدع حتى بنفسه، فيرى لنفسه مقاماً، وقد امتزج فيه حبّ النفس وحبّ الدنيا مع المفاهيم المسروقة والإضافات والاعتبارات، فأصبح مولوداً مشوّهاً، إذ نشأ عن تجمعها مزيج عجيب وخليط غريب. وعلى الرغم من كل هذه العيوب يحسب نفسه مرشد الخلائق وهادي الأمة إلى النجاة، ومالك سرّ الشريعة! بل قد تتجاوز وقاحته الحدود، فيرى نفسه في مقام الولاية الكلية. وهذا ناشىء أيضاً من صغر العقل وضيق القلب والصدر وقلّة الاستعداد والأهلية .

وأنت أيضاً يا طالب علوم الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية، لا تملك من علمك أكثر من حفنة من الاصطلاحات الخاصة بالأصول والحديث، فإذا لم يضف إليك علمك هذا الذي كله عمل، شيئاً ولم يستطع إصلاحك، بل أنتج المفاسد الأخلاقية والعملية، فإنّ عملك أحطّ من عمل علماء العلوم الأخرى وأتفه بل أقلّ من عمل كل

العوام. إنّ هذه المفاهيم العرضية والمعاني الحرفية والدخول في منازعات لا طائل وراءها ولا علاقة لمعظمها بدين الله ولا بالعلوم حتى تسميها بالثمرة العلمية، إن هذه المفاهيم لا تستوجب كل هذا الابتهاج والتكبر . والله يشهد ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً(1)انه لو كانت هذه هي نتيجة العلم، دون أن تستطيع هدايتك، ودون أن تبعد عنك المفاسد الأخلاقية والسلوكية، فإنّ أحط الأعمال خير من عملك لأن تلك نتائجها عاجلة ومفاسدها الدنيوية والأخروية أقل. وأنت أيها المسكين لا تنال سوى الوزر والوبال، ولا تحصد غير المفاسد الأخلاقية والأعمال القبيحة. وعليه، فإن عملك من حيث الاعتبار العلمي ليس فيه ما يدعو إلى التكبّر ، بل كل ما في الأمر أنك لضيق أفقك العلمي، ما أن تضع اصطلاحاً فوق اصطلاح حتى تحسب نفسك عالماً وسائر الناس جهلاء وتفترش أجنحة الملائكة تحت أقدامك(2)وكأنها تطير بك، وتضيق على الناس في المجالس وفي الطرقات .

ولكن الأحط من هذا والأحقر مكانة هو ذلك الذي يتكبر ويتباهى بالأمور الخارجية، مثل المال والجاه، والخدم، والحشم، والقبيلة. فهذا المسكين بعيد عن الخلق البشري والأدب الإنساني فارغ اليد من كل العلوم والمعارف. ولكن بما أن ملابسه من أجود الأصواف وأباه فلان ابن فلان فهو يتكبر على الناس . فما أضيق عقله وأشدّ ظلام قلبه! إنه يقتنع من كل الكمالات باللباس الجميل، ومن كل جمال بالقبعة والرداء! يرتضي المسكين مقام الحيوانية ويقبل بحظها، ويقتنع من جميع المقامات السامية الإنسانية بالصورة الخالية من كل شكل ومضمون، والفارغة من الحقيقة، ظانا نفسه بهذا أنه ذو مقام. وفي الواقع إنه على درجة من الضعة ومن عدم اللياقة، بحيث أنه إذا شاهد أحداً أعلى منه مرتبة واحدة دنيوية يخضع له كما يتخضع العبد لسيده. لا شك أن من لا هم له سوى الدنيا، لا يكون إلا عبداً للدنيا ولأهلها. وأن يغدو ذليلاً لدى من يتزلف ويستذلّ لديهم .


1) سورة النساء، الآية : 166 .

2) إشارة إلى حديث (فضل طلب العلم) وهو الحديث السادس والعشرون من هذا الكتاب .

وعلى كل حال ، يعتبر ضيق أفق الفكر وانحطاط القابلية من أهم عوامل الكبر ، ولذلك فمن يتّصف بهذا يتأثر بالأمور التي ليست من الكمال ، أو ليست من الكمال اللائق، تأثراً شديداً يدفع به إلى العُجب والكبر . وكلما كثر حبه للنفس وللدنيا، ازداد تأثراً بهذه الأمور .

فصل: في بيان معالجة الكبر

بعد ما عرفت مفاسد الكبر، حاول أن تعالج نفسك مشمّراً عن ساعد الجّد للبحث عن العلاج، واشحذ همتّك لتطهير القلب من هذا الدرن ، وأزل الغبار والأتربة عن مرآته . فإذا كنت ممن قويت نفوسهم، واتسعت صدورهم، ولم يتجذّر حّب الدنيا في قلبك ، ولم يبهرك زبرجها وزخرفها، وكانت عين إنصافك مفتوحة، فإنّ الفصل السابق خير علاج علمي لك. وإذا لم تكن قد دخلت هذه المرحلة، ففكّر قليلاً في حالك، فلعل قلبك يصحو .

فيا أيها الإنسان الذي لم تكن شيئاً في أول أمرك، وكنت كامناً في دهور العدم والآباد غير المتناهية، ما هو الأقل من العدم واللاشيء على صفحة الوجود؟ ثم لما شاءت مشيئة الله أن يظهرك، إلى عالم الوجود فمن جرّاء قلة قابليتك الناقصة وتفاهتك وضعتك وعدم أهليتك لتقبل الفيض، أخرجك من هيولى العالم - المادة الأولى - التي لا تكون سوى القوة المحضة والضعف الصرف، إلى صورة الجسمية والعنصرية، التي هي أخس الموجودات وأحط الكائنات، ومن هناك أخرجك نطفة لو مسّتها يدك لاستقذرتها وتطهرت منها، ووضعك في منزل ضيّق رجس هو خصيتي الأب، وأخرجك من مجرى البول في حالة مزرية قبيحة، وأدخلك في رحم الأم من مكان تنفر من ذكر اسمه . وحوّلك هناك إلى علقة ومضغة، وغذاك بغذاء يزعجك سماع اسمه ويخجلك. ولكن بما أنّ الجميع هذا هو حالهم وتلك هي بليتهم ، زال الخجل «والبَلِيَّةُ إِذَا عَمَّتْ طَابَتْ».

في كل هذه التطورات كنت أرذل الموجودات وأذلها وأحطّها، عارياً عن إدراك ظاهري وباطني، بريئاً من كل الكمالات. ثم شملتك رحمته وجعلك قابلاً للحياة، فظهرت فيك الحياة رغم كونك في أشدّ حالات النقص، بحيث أنك كنت أحط من الدودة

في أمور حياتك، فزادت برحمته تدريجياً قابليتك على إدارة شؤون حياتك، إلى أن أصبحت جديراً بالظهور في محيط الدنيا، أظهرك في هذه الدنيا من خلال أشدّ المجاري ضعة، وفي أوطإ الحالات، وأنت أضعف في الكمالات وشؤون الحياة، وأدنى من جميع مواليد الحيوانات الأخرى. وبعد أن منحك بقدرته قواك الظاهرية والباطنية، مازلت ضعيفاً وتافهاً بحيث أنّ أيّاً من قواك ليست تحت تصرفك فلست بقادر على المحافظة على صحتك، ولا على قواك ولا على حياتك، ولست بقادر على الاحتفاظ بشبابك وجمالك. وإذا ما هاجمتك آفة أو انتابك مرض فلست بقادر على دفعهما عنك. وعلى العموم، ليس تحت تصرفك شيء من ذلك. لو جعت يوماً لتنازلت حتى لأكل الجيفة، ولو غلبك العطش لما امتنعت عن شرب أي ماء آسن وهكذا أنت في شؤونك الأخرى عبد ذلیل مسكين لا قدرة لك على شيء. ولو قارنت حظك من الوجود ومن

الكمالات بما لسائر الموجودات، لوجدت أنك وكل الكرة الأرضية، بل وكل المنظومة الشمسية، لا قيمة لكم مقابل هذا العالم الجسماني الذي هو أدنى العوالم وأصغرها .

أيها العزيز! إنك لم تر سوى نفسك، والذي رأيته لم تضعه موضع الاعتبار والمقارنة. حاول أن تنظر إلى نفسك وما تملك من شؤون الحياة وزخارف الدنيا وقارنها بمدينتك . وقارن مدينتك بوطنك، ووطنك بسائر الدول في الدنيا التي لم تسمع بأكثر من واحدة بالمائة منها، وقارن كل الدول بالكرة الأرضية، والأرض بالمنظومة الشمسية، وبالكرات الواسعة التي تعيش على فتات أشعة الشمس المنيرة، وقارن كل المنظومة الشمسية الخارجة عن محيط فكري وفكرك، بالمنظومات الشمسية الأخرى التي تعدّ شمسنا وجميع سياراتها، واحدة من سيارات إحدى تلك المنظومات التي لا يمكن أن تقارن شمسنا معها، والتي يقال أن ما اكتشف منها حتى الآن يبلغ عدة ملايين من المجرّات، وأن في هذه المجرّة القريبة الصغيرة عدة ملايين من المنظومات الشمسية التي تكبر أصغر شمسها على شمسنا ملايين المرات وتسطع نوراً أكثر . هذه كلها من العوالم الجسمانية التي لا يعرفها إلا خالقها، وإن ما اكتشف منها لا يبلغ الجزء الضئيل منها . وكل عوالم الأجسام هذه لا تكون شيئاً بالقياس إلى عالم ما وراء الطبيعة، فهنالك عوالم لا يمكن للعقل البشري أن يتخيّلها .

هذه شؤون حياتك وحياتي وهذه حظوظنا ونصيبنا من عالم الوجود. وعندما تشاء إرادة الله أن تتوفاك وتنقلك من هذه الدنيا ، فإنه يأمر جميع قواك بالاتجاه نحو الضعف وجميع حواسك بالتوقف عن العمل، فتختل أجهزة وجودك ، ويذهب سمعك وبصرك، وتضمحل قواك وقدراتك، فتصير قطعة جماد تزكم بعد أيام رائحتك العفنة، أنوف الناس وتؤذي مشامّهم، ويهربون من صورتك وهيئتك، وما أن تمضي عليك أيام أخر حتى تهترىء أعضاؤك وتتفسّخ. هذه هي أحوال جسمك، أما أحوال أموالك وثروتك فأمرها معروف .

أما عالم برزخك : فإنّك إن انتقلت من هذه الدنيا - لا سمح الله - قبل أن تصلحه ، فالله يعلم كيف تكون صورتك، وكيف تكون أحوالك، إذ أن قوى الإدراك في هذا العالم عاجزة عن أن تسمع أو ترى أو تشم شيئاً من ذلك العالم. إن ما تسمعه عن ظلمة القبر و وحشته وضيقه إنّما تقيسه على ما في هذا العالم من ظلمة ووحشة وضيق، مع أن هذا القياس وهذه المقارنة باطلة. نسأل الله أن ينجينا مما أعددنا لأنفسنا بأنفسنا ! .

إن عذاب القبر أنموذج من عذاب الآخرة والمستفاد من بعض الأحاديث أن أيدينا تقصر عن الوصول إلى شفاعة الشفعاء في القبر(1)

129.

، فيا له من عذاب! إن نشأة الآخرة أشدّ وأفظع من جميع الحالات السابقة. إنه يوم تبرز فيه الحقائق، وتنكشف فيه السرائر، وتتجسّد فيه الأعمال والأخلاق . يوم تصفية الحساب، يوم الذلة في المواقف . تلك هی أحوال يوم القيامة ! .

أما حال جهنم التي تكون بعد يوم القيامة فأمرها معلوم أيضاً. إنك تسمع أخباراً عن جهنم! إنّ النار ليست وحدها عذاب جهنم فلو أنّ باباً منها انفتحت على عينيك وعلى هذا العالم لهلك أهلها خوفاً. وكذلك لو انفتحت باب أخرى على أذنيك، وأخرى على


1) قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام): إني سَمِعْتُكَ وَأَنتَ تَقُولُ كُلُّ شِيعَتِنَا فِي الْجَنَّةِ عَلَى مَا كَانَ فِيهِمْ. قال: صَدَقَتكَ، كُلُّهُمْ وَاللَّهِ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ الذُّنُوبَ كَثِيرَةً كِبَارٌ. فَقَالَ : أَما فِي الْقِيَامَةِ فَكُلُّكُم فِي الْجَنَّةِ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ المُطَاع أو وَصِيِّ النَّبِيِّ وَلَكِنِّي وَاللهِ أَتَخَوْفُ عَلَيْكُمْ فِي الْبَرْزَحْ. قُلْتُ: وَمَا البَرْزَ؟ قَالَ : الْقَبَرُ مُنْذُ حِينِ مَوْتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . (الفروع من الكافي، ج 3، كتاب الجنائز، باب ما ينطق به موضع القبر ، ج 3، ص 242 .

خياشيمك ، لو أن أياً منها فتح على أهل هذا العالم لهلكوا جميعاً من شدّة العذاب .

يقول أحد علماء الآخرة: مثلما أن حرارة جهنم أشدّ ما تكون، كذلك برودتها أشدّ ما تكون . والله تعالى قادر على أن يجمع الحرارة والبرودة معا(1). هكذا هي نهاية حالك .

إذاً، فالذي أوله عدم غير متناه، وهو منذ أن قدمه يضع في الوجود تكون جميع تطوراته قبيحة وغير جميلة، وكل حالاته مخجلة، وكل من دنياه وبرزخه وآخرته أفجع من الأخرى، بِمَ يتكبر؟ بأي جمال أو كمال يتباهى؟ إن من كان جهله أكبر وعقله أصغر كان تكبّره أكثر ومن كان علمه أكثر وروحه أكبر وصدره أوسع، كان تواضعه أكثر .

النبي الكريم (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي كان علمه من الوحي الإلهي، وكانت روحه من العظمة بحيث أنها بمفردها غلبت نفسيات كل البشر، إن هذا النبي قد وضع جميع العادات الجاهلية والأديان تحت قدميه، ونسخ جميع الكتب، واختتم دائرة النبوة بشخصه الكريم، وكان هو سلطان الدنيا والآخرة والمتصرّف في جميع العوالم بإذن الله، ومع ذلك كان تواضعه مع عباد الله أكثر من أي شخص آخر . كان يكره أن يقوم له أصحابه احتراماً، وإذا دخل مجلساً لم يتصدّر، ويتناول الطعام جالساً على الأرض قائلاً : إنني عبد، أكل مثل العبيد وأجلس مجلس العبيد(2).

لقد نقل عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يحبّ أن يركب الحمار من دون سرج، وأن يتناول الطعام مع العبيد على الأرض، وكان يعطي الفقراء بكلتا يديه . كان ذلك الإنسان العظيم يركب الحمار مع غلامه أو غيره(3)، ويجلس على الأرض مع


1) الفتوحات المكية ، ج 1 ، الفصل الأول، الباب 61 .

2) أشير في روايات كثيرة إلى أخلاق رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وسلوكه تعرض الكتاب لبعضها، عن أنس بن مالك قال : لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وكانوا إذا رأوه لم يقوموا إليه لما يعرفون من كراهيته . وعن ابن عباس قال : كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ويعتقل الشاة ويجيب دعوة المملوك . ويقول 1 : «أنا عبد اأكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد». (كتاب مكارم الأخلاق، الفصل الثاني، ص 12).

3) وكان يجلس على الأرض وينام عليها ويأكل عليها وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويفتح الباب ويحلب الشاة ويعقل البعير فيحلبها ويطحن مع الخادم إذا أعيى .. ويخدم في مهنة أهله ويقطع اللحم وإذا جلس على الطعام جلس محقراً . . يركب ما أمكنه من فرس أو بغلة أو حمار ويركب الحمار بلا سرج وعليه العذار . . يجالس الفقراء ويؤاكل المساكين ويناولهم بيده. (بحار الأنوار، ج 16 ، تاريخ نبينا محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، باب مكارم أخلاقه ، ح 34 ، ص 226).

العبيد. وفي سيرته أنه كان يشترك في أعمال المنزل، ويحتلب الأغنام، ويرقع ثيابه ويخصف نعله بيده، ويطحن مع خادمه ويعجن، يحمل متاعه بنفسه، ويجالس الفقراء والمساكين ويأكل معهم(1). هذه وأمثالها، نماذج من سيرة ذلك الإنسان العظيم وتواضعه، مع أنه فضلاً عن مقامه المعنوي كان في أكمل حالات الرئاسة الظاهرية .

وهكذا قد اقتدى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب اليا ، إذ كانت سيرته من سيرته (صلی الله علیه و آله و سلم)(2).

فيا أيها العزيز! إذا كان التكبر بالكمال المعنوي، فقد كان الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) والإمام علي (علیه السّلام) أرفع شأناً، وإذا كان بالرئاسة والسلطان، فقد كانت لهما الرئاسة الحقّة. و مع ذلك، كانا أشد الناس تواضعاً. واعلم أن التواضع وليد العلم والمعرفة، والكبر وليد الجهل وانعدام المعرفة، فامسح عن نفسك عار الجهل والانحطاط، واتّصف بصفات الأنبياء، واترك صفات الشيطان، ولا تنازع الله في ردائه - الكبرياء - فمن ينازع الحقّ في ردائه فهو مغلوب ومقهور بغضبه، ويُكَبُّ على وجهه في النار .

وإذا عزمت على إصلاح نفسك، فطريقه العملي، أمر يسير مع شيء من المثابرة، وإنه طريق لو اتّصفت بهمة الرجال وحرية الفكر وعلوّ النظر ، فلن تصادفك أيّة مخاطر . فإنّ الأسلوب الوحيد للتغلب على النفس الأمارة، وقهر الشيطان، ولاتّباع طريق النجاة، هو العمل بخلاف رغباتهما . إنه لا يوجد سبيل أفضل لقمع النفس من الاتّصاف بصفة التواضع ومن السير وفق مسيرة المتواضعين فحيثما تكن درجة التكبر عندك، ومهما تكن طريقتك


1) وكان يجلس على الأرض وينام عليها ويأكل عليها وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويفتح الباب ويحلب الشاة ويعقل البعير فيحلبها ويطحن مع الخادم إذا أعيى. ويخدم في مهنة أهله ويقطع اللحم وإذا جلس على الطعام جلس محقراً .. يركب ما أمكنه من فرس أو بغلة أو حمار ويركب الحمار بلا سرج وعليه العذار .. يجالس الفقراء ويؤاكل المساكين ويناولهم بيده . (بحار الأنوار، ج 16 ، تاريخ نبينا محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، باب مكارم أخلاقه ، ح 34 ، ص 226) .

2) راجع كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة ، ج 1 ص 162 - 172 ، في وصف زهده في الدنيا .

في العلم والعمل، إعمل قليلاً بخلاف هوى نفسك، فإنّ مع الالتفات إلى الملاحظات العلمية تجاه التكبر، والانتباه إلى النتائج المطلوبة. إذا رغبت نفسك بأن تتصدّر المجلس م تقدماً على أقرانك ، فخالفها واعمل عكس ما ترغب فيه . وإذا كانت نفسك تأنف من مجالسة الفقراء والمساكين، فمرّغ أنفها في التراب وجالسهم، وآكلهم، ورافقهم في السفر، ومازحهم وقد تجادلك نفسك فتقول لك : إنّ لك مقاماً ومنزلة، وإن عليك أن تحافظ على مقامك من أجل ترويج الشريعة والعمل في سبيلها ، فمجالستك الفقراء تذهب بمنزلتك من القلوب، وإن المزاح مع مَنْ هو دونك، يقلل من عظمتك، وجلوسك في ذيل المجلس يحط من هيبتك، فلا تقدر أن تؤدي واجبك الشرعي على خير وجه!! إعلم، أن هذه كلها من مكائد الشيطان والنفس الأمارة. لقد كان مقام رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في الدنيا من حيث الرئاسة والمركز أرفع منك ، ومع ذلك كانت سيرته هي التي قرأت عنها وسمعت بها .

لقد عاصرت شخصياً من العلماء من كانت لهم الرئاسة والمرجعية الدينية كاملة في دولة واحدة، بل ولكلّ الشيعة في العالم وكانت سيرتهم تلي سيرة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).

منهم، الأستاذ المعظّم والفقيه المكرّم الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي(1)حيث كانت له رئاسة الشيعة ومرجعيتهم من 1340هـ(2)حتی 1355هـ . ق(3). كانت سیرته عجيبة، كان يرافق الخدم في السفر، ويؤاكلهم ويفترش الأرض، ويمازح صغار الطلبة. وخلال أيام مرضه في أواخر حياته ، كان يخرج بعد المغرب يتمشى في الشارع وقد لف رأسه بقطعة قماش بسيطة متنعلاً حذاءً بسيطاً من دون أي اهتمام بالمظهر، وكان هذا يزيد


1) آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (1276 - 1355 هـ. ق) من الفقهاء الكبار ومراجع التقليد في القرن الرابع عشر الهجري عندما أنهى دراسة المقدمات في إيران ذهب إلى سامراء والنجف الأشرف ودرس على السيد الشيرازي الكبير والشيخ محمد تقي الشيرازي والشيخ الخراساني والسيد كاظم اليزدي والسيد محمد الاصفهاني الفشاركي ثم عاد عام 1332 هـ. ق إلى أراك وقدم عام 1340 هـ . ق إلى قم المقدسة وبعد التماس العلماء وإصرارهم على البقاء في قم اختار التوطن في هذه المدينة بعد الاستخارة وأسس الحوزة العلمية وتخرّج من محضره العلمي علماء كبار في طليعتهم الإمام الخميني . من كتبه : في الأصول : درر الفوائد في الأصول. وفي الفقه: الصلاة، النكاح، الرضاع، المواريث .

2) حدود 1920م (المترجم).

3) حدود 1935م (المترجم).

من وقعه في القلوب، من دون أن تصاب هيبته بأيّ اهتزاز أو وهن .

وكان هناك آخرون من علماء قم ممن لم يلتفتوا أبداً إلى هذه التقيدات التي يحيكها نك الشيطان. كانوا يشترون حاجياتهم من السوق بأنفسهم، ويحملون الماء من مخازن المياه إلى بيوتهم، ويشتغلون في منازلهم. وكان صدر المجلس وذيله سواء عندهم. وكانوا على درجة من التواضع بحيث تبعث على التعجّب ومع ذلك كلّه كان مقامهم

محفوظاً بل كانت منزلتهم تسمو في قلوب الناس أكثر فأكثر.

وعلى أي حال، إن صفة النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) وصفة علي بن أبي طالب (علیه السّلام) تقلّل من قدر الإنسان إذا اتصف بها. ولكن لا بُدَّ من أن ينتبه الإنسان إلى مكائد النفس في هذه الحالات، لأنها كثيراً ما تكون قد أعدّت لك فخّاً آخر لتوقعك فيه. فقد يجلس أحدهم - من يريد التخلّص من الكبر - في ذيل المجلس بهيئة من يريد أنّ يقول إنّ مقامه أرفع من مقامات الحاضرين، ولكنه لتواضعه جلس حيث جلس . وإذا التبس على الناس الأمر وقدموا عليه من يشك في أفضليته عليه ، فإنه - من يهرب من صفة التكبر - يقدم على نفسه من لا يشك في تأخره عنه لكي يزيل ذلك الإلتباس بالإيحاء بأن تأخيره في الدخول على المجالس وتقديم الآخرين على نفسه يكون من باب التواضع هذه ومئات الأمثلة الأخرى من هذا القبيل هي من مكائد النفس التي تريد للإنسان التكبر والرياء .

فلا بُدَّ من المجاهدة الخالصة الصادقة وبها يمكن إصلاح النفس. إنّ جميع الصفات النفسانية قابلة للإصلاح، إلا أنّ الأمر في البداية يتطلب بعض العناء، ولكن ما أن يضع قدمه على طريق الإصلاح حتى يسهل عليه الأمر. إنّما المهم هو أن يشرع في التفكير في تطهير نفسه وإصلاحها، والاستيقاظ من النوم .

إنّ المرحلة الأولى من مراحل الإنسانية هي «اليقظة» وهي الاستيقاظ من نوم الغفلة، والصحوة من سكر الطبيعة، والإدراك بأنّ الإنسان مسافر، وأنّه لا بُدَّ للمسافر من زاد وراحلة . وزاد الإنسان خصاله، وراحلته في هذه المرحلة الخطيرة المخيفة، وفي هذه الطريق الضيقة، على الصراط الذي هو أحدّ من السيف وأدقّ من من الشعرة(1)، هي همة


1) عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «أن الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف وأظلم من الليل» . كتاب علم اليقين، ج 2، المقصد الرابع في معنى الصراط، ص 969 . ووردت روايات أخرى عن الإمام الصادق (علیه السّلام) في هذا المضمار . (أمالي الصدوق، مجلس 33، ح 4 ، ص 177 . بحار الأنوار، ج8، كتاب العدل والمعاد، باب 22 ، 2 ، ص 65).

الرجال وعزمهم. والنور الذي ينير ظلام هذا الطريق، هو نور الإيمان والخصال الحميدة. فإذا تقاعس الإنسان ووهنت همّته أخفق في العبور، وانكّب على وجهه في النار، وساوى تراب الذلّ، وانقلب في هاوية الهلاك. فمن لم يستطع اجتياز هذا الصراط لا يستطيع اجتياز صراط يوم القيامة أيضاً.

فيا أيها العزيز، أشدد عزيمتك، ومزّق عن نفسك سجف الجهل، وانج بنفسك من هذه الورطة المهلكة! كان إمام المتقين وسالك طريق الحقيقة ينادي في المسجد بأعلى صوته حتى يسمعه الجيران : «تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللهُ فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيل»(1)! وما زادّ ينفعك سوى الكمالات النفسانية، وتقوى القلب، والأعمال الصالحة، وصفاء الباطن، وخلوص النّية من كل عيب وغشّ .

فإذا كنت من أهل الإيمان الناقص والصوري، فعليك أن تطهر نفسك من هذا الغشّ حتى تنضم إلى زمرة السعداء والصالحين. والغشّ يزول بنار التوبة والندم، وبإدخال النفس في أتون العذاب واللوم، وصهرها في حرارة الندامة والعودة إلى الله. عليك أن تعمل في هذا العالم، وإلا فإنّ نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ(2)سوف تذيب قلبك. والله أعلم كم قرن من قرون الآخرة يستغرق إصلاحك هذا! إنّ التطهّر في هذه الدنيا سهل يسير، فالتغيّرات والتصوّرات سريعة الوقوع فيها، أما في العالم الآخر فالتغيير يكون بشكل آخر، فزوال صفة من صفات النفس قد يستغرق قروناً عديدة.

إذاً، أيها الأخ، مادمت في مقتبل عمرك، وزهرة شبابك، وأرج قوتك، وحرية إرادتك، سارع لإصلاح نفسك، ولا تلق بالاً لهذا الجاه والمقام، وطأ على هذه الاعتبارات بقدميك إنك إنسان، فأبعد نفسك عن صفات الشيطان، فلعل الشيطان يهتم بهذه الصفة اهتماماً كبيراً لكونها صفة صفاته. وهي التي أدت إلى طرده من حضرة


1) نهج البلاغة - الخطبة 204 - الشيخ صبحي الصالح .

2) سورة الهمزة ، الآيتان : 6و7 . وأشرنا إلى ذلك في الحديث الثاني ص 63 فراجع .

الله، ولذلك فهو يريد أن يوقع الإنسان، عارفاً أو عامياً عالماً أو جاهلاً، في مثل هذه الرذيلة، حتى إذا ما لقيك يوم القيامة شَمَتَ بك قائلاً : «يا ابن آدم، ألم يخبرك الأنبياء بأنّ التكبّر على أبيك قد طردني من حضرة الحقّ. لقد نزلت عليّ لعنة الله لأني احتقرت مقام آدم واستعظمت مقامي ، فلماذا أوقعتك نفسك في هذه الرذيلة»؟ .

وعندئذ تصبح، أيها المسكين! موضع شماتة أرذل مخلوقات الله وأحطها، فضلاً عن عذابك وابتلاءاتك وندامتك وحسرتك مما يعجز الكلام عن وصفه. إن الشيطان لم يكن قد تكبر على الله ، بل على آدم وهو من مخلوقات الحق، فقال: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْته مِنْ طِينٍ(1)فاستعظم نفسه واستحقر آدم. وأنت تستصغر بني آدم وتستكبر بنفسك عليهم، فأنت أيضاً تعصي أوامر الله . لقد قال لك تعالى : كن متواضعاً مع عباد الله، ولكنك تتكبّر وتتعالى عليهم. فلماذا، تلعن الشيطان وحده؟ أشرك نفسك الخبيثة معه في اللعن أيضاً، مثلما أنت شريكه في هذه الرذيلة. إنّك من مظاهر الشيطان، بل إنّك تجسّد الشيطان. ولربما كانت صورتك في البرزخ وفي يوم القيامة صورة شيطانية. فإنّ المقياس في صورة الإنسان في الآخرة الملكات الحاصلة للنفس . فليس هناك ما يمنع من أن تكون على صورة شيطان، أو على صورة نملة صغيرة، إن موازين الآخرة تختلف عن موازين الدنيا .

فصل: قد يكون الحسد سبباً للتكبر

إعلم أنّ من الممكن أحياناً أن يتكبر فاقد الكمال على واجد الكمال، كأن يتكبّر الفقير على الغني والجاهل على العالم. ولا بُدَّ أن نعرف أنه مثلما كان العجب أحياناً مدخلاً للتكبّر، فإنّ الحسد قد يصبح أيضاً مدخلاً إليه . فالإنسان الذي يفتقر إلى كمال موجود في غيره، يندفع إلى أن يحسده، ثم يصير سبباً لكي يتكبّر عليه ويسعى جهده لإذلاله وإهانته .


1) سورة الأعراف الآية : 12 .

روي عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنه قال : «الْكِبْرُ قَدْ يَكُونُ فِي شِرَارِ النَّاسِ مِنْ كُلِّ جِنس ...» ثُمَّ قال : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَرَّ فِي بَعْضٍ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَسَوْداءَ تَلْقِطُ السَّرْقِينَ، فَقِيلَ لَهَا : تَنَحِي عَنْ طَرِيقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنَّ الطَّرِيقَ لَمُعْرِضْ . فَهَمَّ بِهَا بَعْضُ الْقَوْمِ أَنْ يَتَنَاوَلَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا جَبَّارَةٌ»(1).

وقد تظهر هذه الصفة في بعض أهل العلم، مبرراً أنّ التواضع أمام الأغنياء غير محمود، وتقول له نفسه الأمارة بالسوء إنّ التواضع للأغنياء منقصة للإيمان . إن المسكين لا يميّز بين التواضع لغني من أجل غناه والتواضع لغير ذلك. فمرّة يتواضع الإنسان مدفوعاً برذيلة حب الدنيا والانجذاب نحو طلب الجاه والمقام. فليس هذا من خلق التواضع في شيء، بل إنّه المداهنة والملق وإنّه من الرذائل النفسانية، وصاحبها لا يتواضع للفقراء، إلاّ إذا طمع فيهم بشيء أو أراد منهم شيئاً .

ومرة أخرى يكون طبع التواضع في الإنسان داعية له إلى احترام الناس والتواضع لهم. فقراء كانوا أم أغنياء، مرموقين كانوا أم مغمورين. فهذا تواضعه خالص من غير شائبة، وروحه طاهرة مطهرة، لم يجتذب قلبه الجاه والمقام. إنه تواضع محمود للفقراء ومحمود للأغنياء، فلا بُدَّ من احترام كل إنسان بما هو خليق به. أما تحقيرك لأهل الجاه والغنى والتكبّر عليهم فلا يعني أنك لست متملقاً، بل یعنی أنك حسود، وتكون في الوقت نفسه على خطأ . ولهذا إذا رأيتهم يحترمونك على غير انتظار وتوقّع، تتواضع لهم وتخفض لهم جناحك .

وعلى كل حال، إنّ مكائد النفس وأحابيلها من الدقّة المتناهية بحيث أن المرء لا يسعه إلاّ أن يستعيذ بالله منها .

والحمد الله أولاً وآخراً .


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الكبر ، ح 2 .

الحديث الخامس: «الحسد»

اشارة

بالسند المتَّصل إلى محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن داود الرقي، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): قال الله عزّ وجلّ لمُوسَى بِنِ عِمران: «يا ابْنَ عِمْرَانَ لا تَحْسُدَنُ النَّاسَ عَلَى مَا آتَيْتُهُمْ مِنْ فَضْلِي وَلا تَمُدَّنُ عَيْنَيْكَ إِلَى ذَلِكَ وَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ فَإِنَّ الْحَاسِدَ سَاخِطٌ لِنِعَمِي صَادٌ لِقِسْمِيَ الَّذِي قَسَمْتُ بَيْنَ عِبَادِي وَمَنْ يَكُ كَذَلِكَ فَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ مِنّى»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الحسد ، ح6 .

الشرح:

إنّ الحسد، حالة نفسية يتمنّى صاحبها سلب الكمال والنعمة التي يتصوّرهما عند الآخرين، سواء أكان يملكهما أم لا، وسواء أرادها لنفسه أم لم يردها. وهذا يختلف عن الغبطة، لأن صاحب الغبطة، يريد أن تكون لنفسه النعمة التي توجد لدى الغير، من دون أن يتمنى زوالها عن الغير. وأما قولنا : «النعمة التي يتصورها عند الآخرين» فنعني به أنّ تلك النعمة قد لا تكون بذاتها نعمة حقيقية. فطالما تبيّن أنّ الأمور التي تكون بحدّ ذاتها من النقائص والرذائل، يتصوّرها الحسود من النعم والكمالات، فيتمنى زوالها عن الآخرين . أو أن خصلة تعدّ من النقائص للإنسان ومن الكمال للحيوان ويكون الحاسد في مرتبة الحيوانية فيراها كمالاً، ويتمنى زوالها . فهناك بين الناس، مثلاً أشخاص يحسبون الفتك بالغير وسفك الدماء موهبة عظيمة، فإذا شاهدوا من هو كذلك حسدوه. أو قد يحسبون سلاطة اللسان وبذاءته من الكمالات، فيحسدون صاحبها . إذاً، فالمعيار في معرفة هذه الحالة النفسية هو توهّم الكمال وتصوّر وجود النعمة لا النعمة نفسها، فالذي يرى في الآخرين نعمة، حقيقية كانت أو موهومة ويتمنى زوالها، يعد حسوداً.

إعلم أنّ للحسد أنواعاً ودرجات حسب حال المحسود، وحسب حال الحاسد، وحسب حال الحسد ذاته .

أمّا من حيث حال المحسود، فمثل أن يحسد شخصاً لما له من كمالات عقلية، أو خصال حميدة، أو لما يتمتع به من الأعمال الصالحة والعبادية، أو لأمور خارجية أخرى، مثل امتلاكه المال والجاه والعظمة والاحتشام وما إلى ذلك، أو أن يحسد على ما يقابل هذه الحالات من حيث كونها من الكمال الموهوم الموجود في المحسود .

وأمّا من حيث حال الحاسد، فقد ينشأ الحسد أحياناً من العداوة، أو التكبّر، أو

الخوف، وغير ذلك من الأسباب والعوامل التي سيرد ذكرها فيما بعد .

وأمّا من حيث حال الحسد نفسه، الذي نستطيع أن نقوله أنّها الدرجات والتقسيمات الحقيقية، للحسد دون ما سبق ذكره، فلشدّته وخفّته مراتب كثيرة، تختلف باختلاف الأسباب، كما تختلف باختلاف الآثار. وسوف نشير، إن شاء الله في عدة فصول، إلى مفاسد الحسد وعلاجه . قدر استطاعتنا ، ومن الله التوفيق .

فصل: في ذكر بعض أسباب الحسد

للحسد أسباب كثيرة، يرجع أكثرها إلى رؤية الذلّ في النفس، تماماً كما أن الكبر، نوعاً - يتم على عكس ذلك . فكما أنّ المرء عندما يجد في نفسه كمالاً لا يجده في غيره، تنشأ عنده حالة من الترفّع والتعزّز والتعالي في نفسه، فيتكبّر. وإذا لاحظ الكمال في غيره، انتابته حالة الذّل والانكسار . ولولا وجود عوامل خارجية ولياقات نفسانية، لنتج من ذلك الحسد. وقد ينشأ من تصوّر ذلّه في تساوي غيره معه، مثل أن يحسد صاحب الكمال والنعمة مثيله أو الذي يليه. ويمكن القول إنّ الحسد هو ذلك الانقباض والذلّ النفسي اللّذان تكون نتيجتهما الرغبة في زوال النعمة والكمال عن الآخرين. وقد حصر بعضهم - كالعلامة المجلسي قدّس سرّه(1)أسباب الحسد في سبعة أمور(2):

الأول : العداوة .

الثاني: التعزّز: أن يكون من حيث يعلم أنّه يستكبر بالنعمة عليه وهو لا يطيق احتمال كبره وتفاخره لعزّة نفسه .

الثالث : الكبر : أن يكون في طبعه أن يتكبّر على المحسود ويمتنع ذلك عليه بنعمته وهو المراد بالتكبّر .


1) أشرنا إلى ترجمة العلّامة المجلسي في الهامش في ص 26 من الحديث الأول فراجع .

2) بحار الأنوار، المجلد الثالث والسبعون ، ص 240 . مرآة العقول، ج 10 ، كتاب الإيمان والكفر، باب الحسد، ص 159 .

الرابع: التعجب: أن تكون النعمة عظيمة والمنصب كبيراً فيتعجّب من فوز مثله بمثل تلك النعمة كما أخبر الله تعالى عن الأمم الماضية إذ قالوا : مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا(1)وأَنُؤْمِنُ لِبَشَرِيْنِ مِثْلِنَا(2)وأمثال ذلك كثيرة فتعجّبوا من أن يفوزوا برتبة الرسالة والوحي والقرب مع أنهم بشر مثلهم فحسدوهم وهو المراد بالتعجّب .

الخامس : الخوف: أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمة بأن يتوصّل بها إلى مزاحمته في أغراضه .

السادس: حب الرئاسة : أن يكون يحبّ الرياسة التي تنبني على الاختصاص بنعمة لا يساوى فيها .

السابع : خبث الطينة : أن لا يكون بسبب من هذه الأسباب بل لخبث النفس وشحّها بالخير لعباد الله .

ولكنني أعتقد كما أشرت إليه سابقاً، أن معظم هذه الأسباب بل كلّها تعود إلى رؤية ذلّ النفس ، وأن السبب المباشر للحسد حسب التعريف المشهور له هو ما ذكرناه - انبعاث الحسد من رؤية ذلّ النفس فلا مجال لذكر هذه الأقسام -. وأما بناءً على ما ذكرنا في معنى الحسد من أن نفس هذه الحال تكون حسداً فلا اعتراض على صحة ذكر هذه الأقسام. وعلى أي حال يكون البحث حول هذه المعاني بعيداً عن مقصودنا وعن طبيعة موضوعنا .

فصل: في بعض مفاسد الحسد

إعلم أنّ الحسد نفسه أحد الأمراض القلبية المهلكة، ويتولّد منه أيضاً أمراض قلبية كثيرة، كالكبر وفساد الأعمال وتعدّ كل واحدة منها من الموبقات . وتشكّل سبباً مستقلاً لهلاك الإنسان. ولسوف نباشر بذكر المفاسد الواضحة منها. ولا شك في أنّ هناك مفاسد خفية عن نظر الكاتب .


1) سورة يس، الآية : 15 .

2) سورة المؤمنون، الآية : 47.

وأما مفاسد الحسد فسنكتفي بما نقل عن الصادق المصدق.

ففي صحيحة معاوية بن وهب قال : قال أبو عبد الله (علیه السّلام): «آفَةُ الدِّينِ الْحَسَدُ وَالْعُجْبُ وَالْفَحْرُه»(1).

وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السّلام): «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِي بِأَيِّ بَادِرَةٍ فَيُكَفِّرُ، وَإِنَّ الحَسَدَ لَيَأْكُلُ الإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ»(2).

ومعلوم أن الإيمان نور إلهي يجعل القلب موضع تجليات الحقّ جلّ جلاله، كما جاء في الأحاديث القدسية: «لاَ يَسَعُنِي أَرْضِي وَلاَ سَمَائِي بَلْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِن»(3).

فهذا النور المعنوي، وهذا البارقة الإلهية التي تجعل القلب أوسع من كل الموجودات، تتعارض مع هذا الضيق والظلام اللذين تسببهما هذه الرذيلة، رذيلة، الحسد. إنّ هذه الصفة القبيحة تضغط على القلب وتضيقه فتبدو آثارها في كل كيان الإنسان، باطنه وظاهره. إنّها تصيب القلب بالحزن والكدر، والصدر بالاختناق والضيق، والوجه بالعبوس والغضب. وهذه الحال تطفىء نور الإيمان، وتميت قلب الإنسان، وكلما اشتدّت ازداد ضعف الإيمان .

إنّ جميع الصفات المعنوية والظاهرية للمؤمن، تتنافى والآثار التي يوجدها الحسد في ظاهر الإنسان وباطنه . إنّ المؤمن يحسن الظّن بالله تعالى، وهو راض بقسمه الذي يقسمه بين عباده. أمّا الحسود فساخط على الله تعالى، يشيح بوجهه عن تقديراته. لقد جاء في الحديث الشريف: إنّ المؤمن لا يتمنى السوء للمؤمنين، بل هم أعزّاء عنده، والحسود بعكس ذلك.

والمؤمن لا يغلبه حبّ الدنيا، والحسود إنما هو مُبتلى بشدّة حبّه للدنيا . والمؤمن


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الحسد ، ح5 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الحسد ، ، ح 1 .

3) إحياء العلوم، المجلد الثالث، ص12. إتحاف السادة المتقين، المجلد السابع، ص 234 . عوالي اللثالي، المجلد الرابع، ص7 .

لا يداخله خوف ولا حزن إلاّ من باريء الخلق تعالى، أما الحسود فخوفه وحزنه يدوران حول المحسود .

والمؤمن طلق المحيّا، وبشراه في وجهه ، والحسود مقطب الجبين عبوس الوجه .

والمؤمن متواضع، والحسود متكبّر في معظم الحالات. فالحسد، آفة الإيمان التي تأكله ، كما تأكل النار الحطب .

ويكفي في شناعة هذه الرذيلة هو أنّ الحسد يقضي على الإيمان الذي يعدّ وسيلة النجاة في الآخرة، وباعثاً لحياة القلوب* ويجعل الإنسان مفلساً ومسكيناً .

وإِنْ منالمفاسد الكبيرة التي لا تنفكّ عن الحسد، سخط الحسود على الخالق وولي نعمته وإعراضه عن تقديراته تعالى .

في هذا اليوم إنّ حجب الطبيعة الدكناء والحجب الحاصلة من انشغالنا بهذه الطبيعة قد حجبت جميع مشاعرنا ، فأعمت أعيننا وأصمّت آذاننا ، فلا ندري أننا غاضبون تجاه مالك الملوك ومعرضون عنه ولا نعلم ما هي صورة هذا الغضب والإعراض في الملكوت حيث مساكننا الأصلية الدائمية؟ وإنما يصل إلى أسماعنا قول الإمام الصادق (علیه السّلام): «وَمَنْ يَكُ كَذَلِكَ فَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ مِنّي» ولا نفهم ماذا يحمل لنا تبرؤ الحقّ تعالى منّا وإعراضه عنّا من مصائب ؟ إنّ من يخرج عن ولاية الله ويطرد من ظل راية أرحم الراحمين لن يكون له أمل في النجاة، ولن يشفع له أحد: مَنْ ذَا الَّذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذْنِهِ(1)من ذا الذي يتقدّم ليشفع لمن يسخط عليه الله ويكون خارجاً عن حرز ولايته، وقد انقطع حبل المودّة بينه وبين مالك الرقاب؟ واسوأتاه! واحسرتاه على ما نفعله بأنفسنا ! لم يفتأ الأنبياء والأولياء يصرخون في آذاننا ويريدون إيقاظنا من النوم، ولكننا نزداد غفلة وشقاء يوماً بعد يوم.

ومن مفاسد هذا الخلق الذميم، كما يقول العلماء، ضيق القبر وظلمته. إذ أنهم يقولون إنّ صورة هذا الخلق الفاسد الرديء، التي فيها ضيق نفساني وكدر قلبي، تشبه ضيق القبر وظلمته، إذ أنّ ضيق القبر أو اتّساعه منوط بضيق الصدر أو انشراحه .


1) سورة البقرة، الآية : 255 .

روي عن الإمام الصادق (علیه السّلام) - إلى أن قال : «وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) خَرَجَ جَنَازَةِ «سَعْدِ» وَقَدْ شَيْعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكَ . فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ : مِثْلُ «سَعْدِ» يُضَمَّ؟ قَالَ : قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَخِتُ بِالْبَوْلِ فَقَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ، إِنَّمَا كَانَ مِنْ زَعَارَةٍ فِي خُلْقِهِ عَلى أَهْلِهِ»(1).

إنّ الضيق والضغط والكدر والظلام الذي يحصل في القلب بسبب الحسد قلّما يوجد في خلق فاسد آخر. وعلى أي حال إنّ صاحب هذا الخلق يعيش في الدنيا معذباً مبتلّى، ويكون له في القبر ضيق وظلمة، ويحشر في الآخرة مسكيناً متألّماً .

هذه هي مفاسد الحسد نفسه دون المفاسد الخلقية الأخرى، أو الأعمال الفاسدة

الباطلة، التي يمكن أن تتولد عن الحسد، وقلّما يتفق أن لا تتولّد عن الحسد مفاسد أخرى بل إنّ عدداً من السيئات الأخلاقية والأعمال الباطلة الأخرى تكون وليدة الحسد، كالكبر في بعض الحالات، كما سبق، والغيبة، والنميمة، والشتم والإيذاء، وغير ذلك مما هو من الموبقات والمهلكات .

فعلى الإنسان العاقل أن يشمّر عن ساعد الجد لينقذ نفسه هذا العار وأن يأمن من هذه هذه النار المحرقة والآفة الصعبة، وأن ينجو بنفسه من ضغط الفكر وضيق الصدر في هذه الدنيا - وهما نوعان من العذاب المرافقان للعمر كلّه - وكذلك من الضيق والظلمة في القبر وفي البرزخ، ومن غضب الله تعالى. على الإنسان أن يفكّر قليلاً ليدرك أن أمراً له هذا القدر من المفاسد يجب أن يعالج، مع العلم أن حسدك لن يضر المحسود. فلا تزول نعمته بمجرّد حسدك له، بل يكون له نفع دنيوي وأخروي، وذلك لأن شقاءك وحزنك وأنت عدوّه وحاسده يعد نفعاً له. فهو يرى أنه متنعّم وأنت معذّب بتنعّمه، وهذه نعمة له . فإذا انتبهت لهذه النعمة الثانية التي تتوفّر للمحسود جلبت لنفسك عذاباً وضغطاً فكرياً آخرين ويعتبر عذابك هذا نعمة له وهكذا. وعليه، فإنك تكون دائماً في عذاب وشقاء وتعاسة وغّم، وهو في نعمة وسرور وانبساط . وفي الآخرة أيضاً يكون حسدك له نفعاً له، وخصوصاً إذا كان الحسد قد دفع بك إلى الغيبة والافتراء وسائر الرذائل، مما يستوجب


1) فروع الكافي، المجلد الثالث، باب المسألة في القبر ، ح 6 ص 236 .

أخذ حسناتك وإعطائها له، فتعود أنت مفلساً ، ويزداد هو نعمة وعظمة .

لو أنّك أمعنت الفكر في هذه الأمور لأقدمت على تطهير نفسك من هذه الرذيلة وأنقذت نفسك من هذه المهلكة . ولا تظن أن الرذائل النفسانية والأخلاق النفسية غير ممكنة الزوال، إن ظنوناً باطلة توحيها إليك النفس الأمارة والشيطان لكي تنحرف عن سلوك الآخرة و اصلاح النفس . فمادام الإنسان في دار الزوال وعالم التبدّل هذا، فمن الممكن أن يتغيّر في جميع صفاته وأخلاقه، ومهما تكن صفاته متمكنة، فإنّها قابلة للزوال مادام حياً في هذه الدنيا، وإنما تختلف صعوبة التصفية وسهولتها نتيجة شدّة هذه الصفات وخفتها.

ومن المعلوم أنّ إزالة صفة حديثة الظهور في النفس إنّما يتحقّق بقليل من الجهد والترويض، كالنبتة في أيّامها الأولى التي لم ترسل جذورها إلى الأعماق بعد ولم تتمكن من التربة. ولكن إذا تمكنت تلك الصفة من النفس وأصبحت من الملكات المستقرة فيها، فإنه يصعب إزالتها، ورغم أنّ إزالتها ممكنة، كاقتلاع شجرة ضخمة معمّرة ضربت بجذورها في أعماق التربة، فكلّما تقاعست وأبطأت في مساعيك لاقتلاع جذور المفاسد من قلبك وروحك، ازداد تعبك وعناؤك يوم اجتثاثها .

فيا عزيزي ؛ إنّ الوقوف منذ البداية دون تسرّب المفاسد الأخلاقية أو العملية إلى مملكة ظاهرك وباطنك، أيسر بكثير من إخراجها بعد توغّلها، لأنّ ذلك يتطلب الكثير من العناء والجهد. وإذا تسرّبت، فإنّك كلّما أخّرت التصدّي لإخراجها، ازداد الجهد المطلوب منك وضعفت قواك الداخلية.

يقول شيخنا الجليل والعارف الكبير الشاه آبادي (روحي فداه)(1): إنّ الإنسان في عزّ شبابه وقوّة فتوّته يكون أقدر على الوقوف بوجه المفاسد الأخلاقية، وأفضل في أداء واجبه الإنساني. فلا تتركوا هذه القوى تضيع من أيديكم، ويستولي عليكم ضعف الشيخوخة، وعندئذٍ يصعب عليكم التوفيق في مساعيكم ، وحتى لو أنكم وفقتم، فإنّ ذلك الإصلاح سوف يتطلّب منكم الكثير من المشقة والتعب.

وعليه، إذا فكّر الإنسان العاقل في المفاسد ووجد أنّه غير داخل فيها، فإنّه يستطيع


1) تقدّمت ترجمته بصورة مختصرة في ص 48 من هذا الكتاب فراجع.

أن يمنع نفسه من التلوّث بها، وإذا وجد نفسه - لا سمح الله - مبتلاة بها، فخير له أن يسرع في إصلاح نفسه قبل أن تتجذّر تلك المفاسد فيه وإذا كانت - لا سمح الله - قد تجذرت فيه فعليه أن يبذل كل جهد مستطاع في سبيل اقتلاع تلك الجذور لئلا يصل إلى مرحلة اللاعودة في البرزخ والآخرة، لأنها إذا أعطت ثمرها، وخرج صاحبها بخلقه الفاسد من هذه الدنيا المتبدلة في هيولاها والمتغيرة في جوهرها، خرج أمر اقتلاعها من يديه، وهيهات أن يتبّدل خلق من الأخلاق النفسانية في الآخرة أو في البرزخ .

جاء في مضمون حديث عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، أن الخلود في الجنّة أو في النار منوط بنية الإنسان. فالنوايا الفاسدة، التي هي وليدة الأخلاق الرذيلة، لا يمكن أن تزول إلا بزوال منشئها(1).

إنّ الملكات في ذلك العالم تكون على درجة من شدّة الظهور وقوّته بحيث أنّ زوالها إما أن لا يكون ممكناً، فيكون صاحبها مخلّداً في النار . وإما إذا أمكن بالضغوطات والمشاق والنيران إزالتها، فإنّ ذلك قد يحدث ولكن بعد قرون ربوبية .

فيا أيها الإنسان العاقل ! إنّ ما يمكن أن تصلحه في شهر أو في سنة مع التعب القليل الدنيوي وبمحض اختيارك واضعاً حداً لشقائك في الدنيا والآخرة، لا تهمله لكيلا يوردك موارد الهلاك .

فصل: في بيان جذور المفاسد الخلقية

سبق(2)القول بأن الإيمان، الذي هو حظ القلب، غير العلم الذي هو حظّ العقل.


1) عن الإمام الصادق (علیه السّلام) عن ابائه وأجداده عن أمير المؤمنين (علیه السّلام): كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ذات يوم جالساً في مسجده إذ دخل عليه رجل من اليهود . . قال اليهودي فإن كان ربك لا يظلم فكيف يخلد في النار أبد الآبد من لم يعصه إلا أياماً معدودة قال يخلده على نيته فمن علم الله نيته أنه لو بقي في الدنيا إلى انقضائها كان الله يعصي عز وجل، خلده في ناره على نيته ونيته في ذلك شرّ من عمله وكذلك يخلد من يخلد في الجنة بأنه ينوي أنه لو بقي في الدنيا أيامها لأطاع الله أبداً ونيته خير من عمله فبالنيات يخلّد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار . (كتاب التوحيد ، باب الأطفال ، ح 14 ، ص 398 - 399) .

2) سبق في ص 61 من هذا الكتاب.

ثم إنّ جميع المفاسد الأخلاقية والعملية تنشأ عن كون القلب غافلاً عن الإيمان، وأن ما يدركه العقل عن طريق البرهان العقلي أو عن طريق أخبار الأنبياء لم يوصله إلى القلب، ولذلك فالقلب لا يعرف عنه شيئاً .

إنّ من بين المعارف التي يصدّقها الحكماء والمتكلمون وعامة الناس من أهل الشرائع، ولا يشكون فيها أبداً، هو أنّ ما جرى به قلم الحكيم المطلق جلّت قدرته من الوجود والكمال ومن بسط النعمة وتقسيم الآجال والأرزاق، جاء على خير تقدير وأجمل نظام، وهو يتطابق كل التطابق مع المصالح التامّة والنظام الكلّي لأتّم نظام متصوّر. ولكن يعبّر كل واحد - من الحكماء والمتكلمين - بلسانه الخاص واصطلاحه الذي يختصّ بفنه الذي اتّخذه وسيلة لتبيان هذه النعمة الإلهية والحكمة الكاملة.

يقول العارف: ظلّ الجميل جميل على الإطلاق. ويقول الحكيم : النظام العيني المطابق للنظام العلمي خالٍ من النقص والشرور ، والشرور المتوهمة الجزئية هي من أجل إيصال الكائنات إلى كمالاتها التي تليق بها(1). ويقول المتكلم وأهل الشرائع : أفعال الحكيم تكون على أساس من الحكمة والصلاح، وإن أيدي العقول البشرية الجزئية المحدودة قاصرة عن إدراك المصالح العالية في التقديرات الإلهية(2). هذا الموضوع يدور على ألسنة الجميع، وكل يستدلّ على ذلك بأدلة تتناسب مع مدى سعة علمه وعقله. ولكن بما أنّه لم يتعدّ حدود الأقوال إلى حيث القلوب والأحوال، فإن ألسنة الاعتراض مطلقة، وإنّ من لم يكن له حظّ من الإيمان يقوم بتفنيد برهانه وتكذيب قوله . وعلى هذا الأساس تكون المفاسد الأخلاقية .

وليعلم من يحسد الناس ويتمنى زوال النعمة عن الآخرين، ويحقد في قلبه على أصحاب النعم، أنه لا إيمان له بأن الله عزّ وجلّ من باب معرفة الصالح أسبغ نعمه على أولئك، وأن إدراكنا لذلك قاصر. وليعلم أيضاً أنه لا يؤمن بعدل الله تعالى ولا يرى التقسيم عادلاً مع أنّك في أصول العقائد تقول إنّ الله عادل، وما هذا إلا مجرد لفظة على


1) كتاب الأسفار الأربعة، السفر الثالث، الوقف الثامن، الفصل الأول، إلى الفصل التاسع ، ص 55 - 105 .

2) كتاب كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، المقصد الثالث، الفصل الثاني، ص 234 .

لسانك . إنّ الإيمان بالعدل يناقض الحسد . إنّك إذا كنت ترى الله عادلاً، لرأيت تقسيمه عادلاً أيضاً. وقد جاء في الحديث الشريف : يقول الله عزّ وجلّ : «إِنَّ الْحَسُودَ يَشِيحُ بِوَجْهِهِ عَمَّا قَسَمْتُهُ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَهُوَ سَاخِطَ عَلى نِعَمِي».

إنّ القلب يخضع بالفطرة للقسمة العادلة، وينفر بالفطرة كذلك من العسف والجور. إنّ من الفطرة الإلهية الكامنة في أعماق البشر حبّ العدل والرضى به، وكراهة الظلم وعدم الانقياد له. فإذا رأى خلاف ذلك فليعلم أنّ في المقدمات نقصاً. فإذا سخط على النعمة وأعرض عن القسمة، فذلك لأنه لا يرى ذلك عدلاً، بل يراه - والعياذ بالله - جوراً. وليس معناه أنّه يرى القسمة عادلة ثم يعرض عنها، أو أنه يرى الخطة المرسومة مطابقة للنظام الأتّم والمصلحة التامة، ثم يسخط عليها، بل يرى جور أنّ هذا ومغاير للعدل. إننا نأسف جداً على أن إيماننا ناقص حيث لم تخرج أدلتنا العقلية من نطاق العقل لتصل إلى حدود القلب. ليس الإيمان بالقول والسماع والمطالعة والمباحثة والنقاش فحسب وإنما يتطلب أيضاً خلوص النية . إنّ الباحث عن الله يجده لا محالة، والذي يطلب المعارف يبحث عنها، وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً . . .(1)وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور(2).

فصل: في بيان المعالجة العملية للحسد

يوجد فضلاً عن العلاج العلمي الذي ذكرنا بعضه، العلاج العملي لهذه الرذيلة، وذلك بأن تتكلّف إظهار المحبة للمحسود وترتّب الأمور بحيث يكون هدفك هو معالجة مرضك الباطني. إن نفسك تدعوك لإيذائه واعتباره عدواً، وتكشف لك عن مساوئه و مفاسده. ولكن عليك أن تعمل خلافاً لما تريده النفس، وأن تترحّم عليه وتحترمه وتجلّه. واحمل لسانك على أن يذكر محاسنه، واعرض أعماله الصالحة على نفسك


1) سورة الإسراء، الآية : 72.

2) سورة النور، الآية : 40 .

وعلى الآخرين، وتذكر صفاته الجميلة. صحيح أنّ هذا السلوك يكون تكلّفاً في بادىء الأمر ومن باب المجاز دون الحقيقة ولكن بما أن الهدف هو إصلاح النفس وإزالة هذه المنقصة والرذيلة، فإن نفسك سوف تقترب في النهاية من الحقيقة، ويخفّ تكلفك شيئاً فشيئاً، وترجع نفسك إلى حالها الطبيعي وتصبح ذات واقعية .

قل لنفسك، على الأقل : إنّ هذا الإنسان عبد من عباد الله، ولعلّ الله نظر إليه نظرة لطف فأنعم عليه بما أنعم، خصّه دون غيره بها، خصوصاً إذا كان المحسود من رجال العلم والدين، وأنه محسود على ذلك، فإن مثل هذا الحسد يكون أقبح، ومعاداة أمثال هؤلاء أسوأ عاقبة. ولا بُدَّ من تفهيم النفس بأنّ هؤلاء هم من عباد الله المُخْلَصِين الذين شملهم توفيق منه، ووهبهم هذه النعم العظيمة. وهي نعم يجب أن تبعث في القلوب المحبة لهم واحترامهم والخضوع لهم. فإذا رأى أنّ هذه الأمور التي يجب أن تكون دافعاً على المحبة والاحترام توجب نقيض ذلك، فعليه أن يعلم أن الشقاء قد اكتنفه من كل جانب، وأن الظلام قد أحاط بباطنه، فلا بد أن يبادر إلى إصلاح نفسه بالطرق العلمية والعملية. وليعلم أنه إذا اتخذ طريق المحبة فإنه سرعان ما يكون موفقاً، لأن نور المحبة قاهر للظلمة ومزيل للكدر . ولقد وعد الله تعالى المجاهدين أن يهديهم وأن يعينهم بلطفه الخفي ويوفقهم. إنه ولي التوفيق والهداية .

فصل: في ذكر حديث الدفع

إعلم أنّه ورد في بعض الأحاديث الشريفة ما مضمونه أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : إن الله رفع عن أمتي تسعاً . . . ومنها الحسد إذا لم يظهر من خلال يده أو لسانه(1). ومن المعلوم أنه يجب أن لا تَحُولَ أمثال هذا الحديث الشريف دون المساعي الجادة لقلع هذه الشجرة الخبيثة من النفس، ولا تمنع المحاولات المبذولة في سبيل تطهير الروح من هذه النار التي تحرق الإيمان، ومن هذه الآفة التي تقضي عليه، لأنه يندر أن تدخل هذه الرذيلة


1) أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر ، باب ما رفع عن الأمة ، ح 2 ص 263 .

المفسدة إلى نفس إنسان ولا تتوالد فيها المفاسد المختلفة، ثم لا يظهر أثرها أبداً، ويحافظ على إيمان الإنسان .

مع أنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة أنّ هذه الصفة تأكل الإيمان، وأنها آفة الإيمان(1)، وأن الله تعالى بريء من صاحبها، وأنه مطرود من حضرته، فيجب أن لا يغفل الإنسان عن مثل هذا الأمر الخطير والفساد الكبير الذي يهدد كل وجوده وطاقاته، متمسكاً بالتفسير الظاهري لهذا الحديث الشريف .

عليك إذاً، أن تقوم جاهداً، بتقليم فروع الحسد، والسعي لإصلاح النفس، ولا تدع شيئاً منه يترشح إلى الخارج، وعندئذ تضعف جذوره، ويقف نموه. وإذا وافتك المنيّة وأنت ماض في سبيل الإصلاح والترويض للنفس، فإن رحمة الله سوف تشملك، ولسوف ينالك العفو برحمة الله الواسعة وببركة الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، وإذا بقيت منه باقية فإن بوارق الرحمة الإلهية سوف تحرقها وتطهّر النفس وتزكيها .

أما ما جاء في رواية حمزة بن حمران ، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) من أنه قال : أنه قال : «ثَلاثَةٌ لَمْ يَنْجُ مِنْهَا نَبِيٌّ فَمَنْ دُونَهُ الْتَفَكَّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ والطَّيَرَةُ وَالْحَسَدُ إِلا أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَسْتَعْمِلُ حَسَدَهُ»(2)فإنّه إما أن يكون من باب المبالغة الدالة على كثرة الإبتلاء بها وإما أن يكون التعبير كناية عن كثرة الإبتلاء دون أن يكون القصد هو مضمون الكلام بذاته، وإما أنه اعتبر الحسد أعم من الغبطة، من باب المجاز، وإما أنه يقصد بالحسد تمنّي زوال بعض النعم المستعملة لدى الكفار في ترويج مذهبهم الباطل. وإلا فإن الأنبياء مطهّرون من الحسد بمعناه الحقيقي . إن القلب الملوّث بالمساوىء الأخلاقية والقذارات الباطنية لا يمكن أن يهبط عليه الوحي والإلهام، ولا يكون موطن التجليات الذاتية والصفاتية . إذاً، لا بُدَّ أن يفسر هذا الحديث بحسب ما ذكر، أو بتفسير آخر، أو يرد علمه إلى قائله صلوات الله عليه .

والحمد لله أولاً وآخراً .


1) تقدّمت الأحاديث في ص 50 وص 142 من هذا الكتاب .

2) وسائل الشيعة المجلد 11 ، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الحسد ، ح 8 . وروضة الكافي، ج8، ص 108 ، ح 86 .

الحديث السادس: «من أصبح وأمسى والدنيا أو الاخرة أكبر همّه»

اشارة

بالسند المتَّصل إلى محمّد بن يعقوب عن محمَد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان وعبد العزيز العبدي، عن عبد الله ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «مَنْ أَصْبَحَ وَأَمْسَى وَالدُّنْيَا أَكْبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَشَتَّتَ أَمْرَهُ وَلَمْ يَنَلْ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُسِمَ لَهُ وَمَنْ أَصْبَحَ وَأَمْسَى وَالْآخِرَةُ أَكْبَرُ هَمِّهِ، جَعَلَ اللهُ الْغِنَى فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ أَمْرَهُ »(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب حبّ الدنيا ، ح 15 .

الشرح:

إعلم أنّ للدنيا والآخرة إطلاقات حسب آراء أرباب العلوم ولدى مقاييس معارفهم وعلومهم ولا يكون البحث عن حقيقتها على ضوء المصطلحات العلمية بمهمة لدينا، فإن بذل الجهد في فهم الاصطلاحات والردّ والقبول والجرح والتعديل يحول دون بلوغ القصد .

وإنّما المهم في هذا الباب هو فهم الدنيا المذمومة التي على طالب الآخرة أن يتحرّز منها. وما يعين الإنسان على النجاة، وسوف نبين ذلك إن شاء الله في بضعة فصول، ونسأل الله تعالى التوفيق في سلوك هذا الطريق .

فصل: في بيان كلام مولانا المجلسي - رحمه الله - في حقيقة الدنيا المذمومة

يقول المحقق الخبير والمحدّث المنقطع النظير مولانا المجلسي (رحمه الله علیه)(1):

(فاعلم أنّ الذي يظهر من مجموع الآيات والأخبار على ما نفهمه أن الدنيا المذمومة مركبة من مجموع أمور تمنع الإنسان من طاعة الله وحبّه وتحصيل الآخرة، فالدنيا والآخرة، ضرّتان متقابلتان فكلما يوجب رضى الله سبحانه وقربه فهو من الآخرة، وإن كان بحسب الظاهر من أعمال الدنيا كالتجارات والصناعات والزراعات التي يكون المقصود منها تحصيل المعيشة للعيال لأمره تعالى به وصرفها في وجوه البّر، وإعانة


1) تقدّمت ترجمته باختصار في ص 26 فراجع .

المحتاجين، والصدقات، وصون الوجه عن السؤال وأمثال ذلك، فإنّ هذه كلها من أعمال الآخرة وإن كان عامة الخلق يعدونها من الدنيا .

والرياضات المبتدعة والأعمال الريائية، وإن كان مع الترهب وأنواع المشقة فإنها من الدنيا لأنها مما يبعد عن الله ولا يوجب القرب إليه كأعمال الكفّار والمخالفين) انتهى کلامه(1).

ونقل المجلسي (رحمه الله علیه) عن أحد المحققين :

«دنياك وآخرتك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك، والقريب الداني منهما يسمّى الدنيا وهي كل ما قبل الموت، والمتراخي المتأخر يسمى آخرة، وهي ما بعد الموت . فكل مالك فيه حّظ وغرض ونصيب وشهوة ولذة في عاجل قبل الوفاة، فهي الدنيا في حقك . . .»(2).

يقول الفقير إلى الله : إن الدنيا مرة تطلق على نشأة الوجود النازلة والتي هي دار تصرّم وتغيّر ومجاز، والآخرة تطلق على الرجوع من هذه النشأة إلى ملكوت الإنسان وباطنه والتي هي دار بقاء وخلود وقرار. وهاتان النشأتان متحققتان لكل نفس من النفوس وشخص من الأشخاص. وعلى العموم، لكلّ كائن مقام ظهور وملك وشهود . وتلك هي مرتبته النازلة الدنيوية. ومقام باطني، وملكوت غيبي، وهي النشأة الصاعدة الأخروية . وهذه النشأة النازلة الدنيوية وإن كانت ناقصة بذاتها وإنها آخر مراتب الوجود، ولكن لما كانت مهد تربية النفوس القدسية، ودار تحصيل المقامات العالية، ومزرعة الآخرة، فإنها من أحسن مشاهد الوجود وأعز النشآت، وهي المغنم الأفضل عند الأولياء وأهل سلوك الآخرة. ولولا هذه الأمور الملكية والتغييرات والحركات الجوهرية، الطبيعية والإرادية، ولولا أن يسلّط الله تعالى على هذه النشأة التبدّلات والتصرّمات، لما وصل أحد من ذوي


1) بحار الأنوار، المجلد 73 ، باب حب الدنيا وذمها، ص 63 . مرآة العقول، ج 8 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب ذم الدنيا والزهد فيها ، ص 263 .

2) بحار الأنوار، المجلد 73 ، باب حب الدنيا وذمّها ، ص 25 . مرآة العقول، ج 10، كتاب الإيمان والكفر ، باب حب الدنيا وذمها، ص 264.

النفوس الناقصة إلى حدّ كماله الموعود ودار قراره وثباته، ولحصل النقص الكلي في الملك والملكوت .

إنّ ما ورد في القرآن والأحاديث عن ذمّ هذه الدنيا، لا يكون عائداً في الحقيقة إلى الدنيا من حيث نوعها أو كثرتها، بل يعود إلى التوجّه نحوها وانشداد القلب بها ومحبتها .

وعليه، يتبين من ذلك أنّ أمام الإنسان دنياوان : دنيا ممدوحة ودنيا مذمومة. فالممدوح هو الحصول في هذه النشأة وهي دار التربية ودار التحصيل ومحل التجارة لنيل المقامات واكتساب الكمالات والإعداد لحياة أبدية سعيدة، ممّا لا يمكن الحصول عليه دون الدخول إلى هذه الدنيا، كما جاء في خطبة لمولى الموحدين أمير المؤمنين (علیه السّلام) رداً على من ذم الدنيا :

«. . . إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا ، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا ، وَدَارٍ غِنى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا ، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهَا . مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللَّهِ، وَمُصَلَّى مَلائِكَةِ اللَّهِ، وَمَهْبِطُ وخي اللهِ، وَمَتجَرُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ، وَرَبَحُوا فِيهَا الْجَنَّةَ ...»(1).

وقال الله تعالى: . . . وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ(2)وهي دار الدنيا حسب ما ورد في تفسير العياشي(3)

قال العياشي (المترجم) في تفسيره عن ابن مسكان عن أبي جعفر (علیه السّلام) في قوله . . . ولنعم دار المتقين قال الدنيا (تفسير العياشي ، ج 2، ص 258 ).

عن الإمام الباقر (علیه السّلام). وعليه، فإنّ عالم الملك، وهو مظهر الجمال والجلال وحضرة الشهادة المطلقة، ليس مذموماً بهذا المعنى، بل المذموم هو دنيا الإنسان نفسه، أي التوجّه إليها والتعلّق بها وحبّها، وهذا هو منشأ كل المفاسد والخطايا القلبية والظاهرية .

1) نهج البلاغة ، الحكمة رقم 131 (الشيخ صبحي الصالح).

2) سورة النمل، الآية : 30.

3) أبو نصر محمد بن مسعود بن محمد ابن العياشي التميمي من كبار علماء الشيعة وأركان الحديث والتفسير الروائي في أواخر القرن الثالث الهجري. تلمذ على يديه محدثون أجلاء مثل الشيخ الكشي صاحب الرجال والشيخ جعفر بن محمد العياشي ابن المترجم. له مؤلفات كثيرة تربو على مائتين لدى الشيخ الطوسي منها : كتاب التفسير ، كتاب الصلاة، كتاب الطب، كتاب معرفة الناقلين، كتاب الغيبة .

كما جاء في كتاب الكافي الشريف عن الإمام الصادق (علیه السّلام): قال (علیه السّلام): «رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ حُبُّ الدُّنْيَا»(1).

أبي جعفر الباقر (علیه السّلام) قال: «مَا ذِلْبَانِ ضَارِيانِ فِي غَنَمٍ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ هَذَا فِي أَوَّلِهَا وَهَذَا فِي آخِرِهَا بَأَسْرَعَ فِيهَا مِنْ حُبِّ الْمَالِ وَالشَّرَفِ فِي دِينِ الْمُؤْمِنِ»(2).

فتعلق القلب بالدنيا وحبّها، هو الدنيا المذمومة. وكلّما كان التعلق بها أشدّ كان الحجاب بين الإنسان ودار الكرامة، والحاجز بين القلب والحق سبحانه ، أسمك وأغلظ . وإن ما جاء في الأحاديث الشريفة من أنّ الله ألف حجاب من النور والظلمة(3)، سبعين يمكن أن يكون المقصود من حجب الظلمة هذه الميول والتعلقات القلبية نحو الدنيا. فكلما كان التعلّق بالدنيا أقوى، كان عدد الحجب أكثر ، وكلما كان الحب لها أشدّ، كانت الحجب أغلظ واختراقها أصعب .

فصل: في بيان سبب ازدياد حبّ الدنيا

إعلم أنه لما كان الإنسان وليد هذه الدنيا الطبيعية، وهي أمه، وهو ابن هذا الماء والتراب، فإنّ حبّ الدنيا يكون مغروساً في قلبه منذ نشوئه ونموه، وكلما كبر في العمر، كبر هذا الحب في قلبه ونما. وحيث أنّ الله قد وهبه من القوى الشهوانية ووسائل التلذذ للحفاظ على ذاته وعلى البشرية، يزداد حبه ويقوى تعلقه، ويظن أن الدنيا إنما هي دار اللذات وإشباع الرغبات، ويرى في الموت قاطعاً لتلك اللذات، وحتى لو عرف من خلال أدلة الحكماء أو أخبار الأنبياء صلوات الله عليهم أن هناك عالماً أخروياً فإن قلبه يبقى غافلاً عن كيفية عالم الآخرة وحالاته وكمالاته ولا يتقبله، فضلاً عن بلوغه مقام الاطمئنان. ولهذا يزداد حبّه وتعلّقه بهذه الدنيا.


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب حب الدنيا والحرص عليها ، ح1 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب حب الدنيا والحرص عليها ، ح 2 و 3.

3) عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) «إن الله تبارك وتعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة» (بحار الأنوار، ج 55 ، كتاب السماء والعالم ، باب 5 ، ذيل الحديث 13 ، ص 45 .

وبما أنّ حبّ البقاء فطري في الإنسان، فهو يكره الزوال والفناء، ويظن أن الموت، فناء ولو أنه آمن بعقله بأنّ هذه الدنيا دار فناء ودار ممر، وأن العالم الآخر عالم بقاء سرمدي، فما دام إيمانه العقلي هذا يكون موجوداً، ولم يدخل الإيمان في قلبه، بل ولم يحصل الاطمئنان الذي هو المرتبة الكاملة للإيمان القلبي. فهو لا يزال يميل فطرة، إلى الدنيا والبقاء فيها كما طلب إبراهيم خليل الرحمن من الحق المتعال هذا الاطمئنان، فأنعم به علیه(1). إذاً، إما أن القلوب لا تؤمن بالآخرة، مثل قلوبنا، وإن كنا نصدّق بها تصديقاً

عقلياً، وإما أنها لا اطمئنان فيها، فيكون حبّ البقاء في هذا العالم، وكراهة الموت والخروج من هذا العالم في القلب موجوداً . ولو أدركت القلوب أن هذه الدنيا هي أدنى العوالم، وأنّها دار الفناء والزوال والتصرّم والتغير، وأنّها دار الهلاك ودار النقص، وأنّ العوالم الأخرى التي تكون بعد الموت عوالم باقية وأبدية، وأنّها دار كمال وثبات وحياة وبهجة وسرور، لحصل فيها بالفطرة حب تلك العوالم، ولنفرت من هذه الدنيا. ولو ارتفع الإنسان عن هذا العالم ووصل إلى مقام الشهادة والوجدان ورأى الصورة الباطنية لهذا العالم وللتعلق به، والصورة الباطنية لذلك العالم - عالم الآخرة - والتعلّق به، لأصبح هذا العالم ثقيلاً عليه، وغصة في حلقه، ولنفر منه، واشتاق للتخلص من هذا السجن المظلم ومن سلسلة قيود الزمان والتغير، كما جاء في كثير من كلام الأولياء .

يقول الإمام علي (علیه السّلام): «وَاللَّهِ لأَبْنُ أَبي طَالِبٍ أَنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِتَدْيِ أُمِّهِ»(2).

ذلك لأنه رأى بعين الولاية حقيقة هذه الدنيا، فلا يؤثر على مجاورة رحمة الحقّ المتعال شيئاً أبداً. ولولا المصالح لما ثبتت نفوسهم الطاهرة، لحظة واحدة في سجن الطبيعة المظلمة. إن الوقوع في الكثرة، ونشأة الظهور والاشتغال بالتدبّرات الملكية بل التأييدات الملكوتية، يعد كل ذلك للمحبين والمنجذبين، ألم وعذاب ليس بمقدورنا أن نتصورهما .

إن أكثر أنين الأولياء إنما هو من ألم فراق المحبوب والبعد عن كرامته، كما أشاروا


1) إشارة إلى الآية الكريمة وإذ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (سورة البقرة، الآية : 260).

2) نهج البلاغة ، الخطبة 5 ، (الشيخ صبحي الصالح) .

إلى ذلك بأنفسهم في مناجاتهم(1)، على الرغم من أنهم لا يحجبهم حجاب ملكي أو ملكوتي، وقد اجتازوا جحيم الطبيعة الذي كان خامداً غير مستعر(2)، وقد خلوا من التعلّق بالدنيا وتطهرت قلوبهم من الخطيئة الطبيعية. إلا أن الوقوع في عالم الطبيعة مما كان يحصل لهم يعدّ تلذذاً قسرياً طبيعياً حتى وإن كان بأقل قدر، ويكون ذلك من باب الحجاب. وفي ذلك يقول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم):

«لَيَرَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةٌ»(3).

ولعلّ خطيئة آدم أبي البشر نجمت عن هذا التوجه القسري نحو تدبير الملك والحاجة الاضطرارية إلى القمح وسائر الأمور الطبيعية وهذه خطيئة بالنسبة إلى أولياء الله والمنجذبين إليه. ولو بقي آدم (علیه السّلام) في ذلك الانجذاب الإلهي، ولم يدخل في قضية الملك، لما حدث كل هذا الشقاء والعناء في الدنيا والآخرة.

فصل: في بيان تأثير الحظوظ الدنيوية في القلب ومفاسده

إعلم أن ما تناله النفس من حظ في هذه الدنيا، يترك أثراً في القلب، وهو من تأثیر الملك والطبيعة، وهو السبب في تعلقه بالدنيا. وكلما ازداد التلذذ بالدنيا، اشتد تأثر القلب وتعلقه بها وحبه لها، إلى أن يتجه القلب كُلّياً نحو الدنيا وزخارفها، وهذا يبعث على الكثير من المفاسد . إن جميع خطايا الإنسان وابتلاءه بالمعاصي والسيئات سببها هو هذا الحب للدنيا والتعلّق بها، كما ورد في الحديث الذي أوردناه من كتاب أصول الكافي قبل قليل(4).


1) يقول الإمام علي بن أبي طالب (علیه السّلام) في دعاء (كميل) : «إلهي وربي هبني صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك» (مصباح المتهجد وسلاح المتعبد) ص 587 أعمال ليلة النصف من شهر شعبان .

2) إشارة إلى الحديث (ولهذا لما سئل بعض أئمتنا عن عموم الآية وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا (سورة مريم، الآية : (71) قال : «جزناها وهي خامدة» علم اليقين ، ج 2، ص 971 .

3) مستدرك الوسائل، ج 5، كتاب الصلاة، أبواب الذكر ، باب 22 ، ح2، ص320.

4) تقدم في ص 154 فراجع .

وإن من المفاسد الكبيرة لحبّ الدنيا - كما كان يقول شيخنا العارف(1)(روحي فداه) - هو أنه إذا انطبع حب الدنيا على صفحة قلب الإنسان، واشتد الأنس بها، انكشف له عند الموت أنّ الحق المتعال يفصل بينه وبين محبوبه ، ويفرّق بينه وبين مطلوبه، فيغادر الدنيا ساخطاً مغتاظاً على ولّي نعمته . إنّ هذا القول القاصم للظهر يجب أن يوقظ الإنسان أيما إيقاظ للحفاظ على قلبه. فالعياذ بالله من إنسان يسخط على وليّ نعمته، مالك الملوك الحق عزّ وجلّ، إذ ليس أحد يعرف صورة هذا السخط والعداء، غير الله تعالى .

ويقول أيضاً شيخنا المعظّم - دام ظّله - نقلاً عن أبيه المعظم، إنه كان في أواخر عمره خائفاً بسبب المحبة التي كان يكنها لأحد أولاده، ولكنه بعد الانهماك بالرياضات النفسية تخلّص من ذلك الخوف، وانتقل إلى دار السرور مسروراً، رضوان الله عليه .

جاء في (الكافي) بإسناده عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ مَاءِ الْبَحْرِ كُلَّمَا شَرِبَ مِنْهُ الْعَطْشَانُ ازْدَادَ عَطَشاً حَتَّى يَقْتُلَهُ»(2).

إنّ حبّ الدنيا ينتهي بالإنسان إلى الهلاك الأبدي، وهو أصل البلايا والسيّئات الباطنية والظاهرية وقد نقل عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قوله : «إِنَّ الدِّرْهَمَ وَالدِّينَارَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ»(3).

وعلى فرض أن الإنسان لم يرتكب معاصي أخرى - على الرغم من أنّ هذا الفرض بعيد، أو من المستحيل عادة - فإن التعلّق بالدنيا نفسه معصية، بل إن مقياس طول بقاء الإنسان في عالم القبر والبرزخ هو أمثال هذه التعلقات. فكلما كان التعلق بالدنيا أقل كان البرزخ وقبر الإنسان أكثر نوراً وأوسع، ومكثه فيه أقصر. ولذلك فقد ورد في بعض الروايات : إن عالم القبر لأولياء الله لا يزيد عن ثلاثة أيام وإنما كان هذا لأجل التعلّق الطبيعي والعلاقة الجبلية لأولياء الله تجاه هذا العالم .

وإنّ من مفاسد حبّ الدنيا والتعلّق بها هو أنّه يجعل الإنسان يخاف الموت. وهذا


1) المقصود آية الله الشاه آبادي المترجم باختصار في ص 48 فراجع .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب ذم الدنيا ، ح 54 .

3) أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر ، باب حب الدنيا والحرص عليها ، ح6 ، ص 316.

الخوف الناشيء من حبّ الدنيا والتعلّق القلبي بها المذموم جداً. غير الخوف من المرجع - مآل الإنسان بعد الموت - المعدود من صفات المؤمنين. إن أهم صعوبة في الموت هي ضغوطات لرفع هذه العلائق، والخوف من الموت.

يقول المحقق والمدقق الإسلامي البارع ، السيد العظيم الشأن الداماد(1)، كرم الله وجهه في كتابه (القبسات) الذي يعد من الكتب النادرة : لا يُخِيفَنَّكَ الْمَوْتُ ، فَإِنَّ مَرَارَته فِي خَوْفِهِ»(2).

ومن المفاسد الكبيرة لحب الدنيا أنه يمنع الإنسان من الرياضات الشرعية والعبادات والمناسك، ويقوّي جانب الطبيعة في الإنسان بحيث يجعلها تعصي الروح وتتمرد عليها ويوهن عزم الإنسان وإرادته، مع أن من أكبر أسرار العبادات والرياضات الشرعية هو أن تجعل الجسم وقواه الطبيعية تابعة ومنقادة للروح بحيث يكون للإرادة دور مؤثر في الجسم ويخضع الجسم لأوامر الإرادة فيعمل بما تشاء، ويمتنع عما تشاء ، ويصبح ملك الجسم وقواه الظاهرة مقهوراً ومسخّراً للملكوت بحيث أنه يقوم بما يريد من دون مشقة ولا عناء .

إنّ من الفضائل والأسرار الشاقة والصعبة للعبادات تحقق هذا الهدف - تسخير مُلك الجسم للملكوت - أكثر حيث يصير بذلك الإنسان ذا عزم، ويتغلّب على الطبيعة والملك. فإذا اكتملت الإرادة وقوي العزم واشتد، أصبح كمثل الجسم وقواه الظاهرة والباطنة مَثَل ملائكة الله الذين لا يعصون الله وإنما يطيعونه في كل ما يأمرهم به وينهاهم عنه ، من دون أن يعانوا في ذلك عنتاً ولا مشقة .

كذلك إذا أصبحت قوى الإنسان مسخّرة للروح ، زال كل تكلّف وتعب وتحوّل إلى الراحة واليسر، واستسلمت أقاليم الملك السبعة للملكوت وأصبحت جميع القوى عمالاً له .

فاعلم، يا عزيزي، أن العزم والإرادة القوية لذلك العالم ضروريان وذات فعالية .


1) ذكرنا ترجمته باختصار في ص 123 فراجع .

2) قبسات» میرداماد، ص 72.

إنّ المقياس للبلوغ إلى أفضل مراتب الجنّة هو العزم والإرادة وأن الإنسان الذي ليست له إرادة نافذة ولا عزم قوي لا ينال تلك الجنة ولا يبلغ ذلك المقام الرفيع .

جاء في الحديث، أن أهل الجنة عندما يستقرون فيها، تنزل عليهم رسالة من ساحة القدس الإلهي جلّت عظمته بهذا المضمون: «هذه رسالة من الحي الثابت الخالد إلى الحي الثابت الخالد. أنا الذي أقول للشيء: كن، فيكون، وقد جعلتك اليوم أيضاً في مستوى إذا أمرت الشيء وقلت له: كن، فيكون»(1).

فلاحظ أي مقام وسلطان هذا؟ وأية قدرة إلهية هذه التي تجعل إرادة الإنسان مظهراً لإرادة الله ! فيُلبس العدم لباس الوجود ؟ هذه القدرة وهذا النفوذ هما أفضل وأرفع من كل النعم الجسمانية. وبديهي، أن تلك الرسالة لم تكتب عبثاً وجزافاً. إن من كانت إرادته تابعة للشهوات الحيوانية، وعزيمته ميتة خامدة، لا يصل إلى هذا المقام. إن أعمال الله منزهة عن العبث. فكما أن هذا العالم قائم على النظام والترتيب، على الأسباب والمسببات، كذلك هي الحال في العالم الآخر، بل إن العالم الآخر أليق بالنظام والأسباب والمسببات . وإن جميع نظام عالم الآخرة ينبعث من المناسبات والأسباب، وإن نفوذ الإرادة يجب أن يتهيا من هذا العالم، فإنّ الدنيا مزرعة الآخرة وإنّ هذا العالم مادة لكلّ نعم الجنّة ونقم النار .

إذاً، كل عبادة من العبادات وكلّ منسك من المناسك الشرعية، فضلاً أن لها عن صورة أخروية وملكوتية بها تتم عمارة الجنّة الجسمانية وقصورها، وتهيئة الغلمان والحور - طبقاً للبراهين والأحاديث(2)- فإنّ لكلّ عبادة من العبادات أيضاً أثراً يحصل في


1) من الحي القيوم الذي لا يموت إلى الحي القيوم الذي لا يموت. أما بعد فأني أقول للشيء: كن، فيكون، وقد جعلتك تقول للشيء: كن، فيكون. (كتاب علم اليقين، ج 2، ص 1061).

2) عن جميل عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «لما أسري بي إلى السماء دخلت الجنة عليم فرأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب ولبنة من فضة وربما أمسكوا فقلت لهم ما لكم ربما بنيتم وربما أمسكتم فقالوا حتى تجيئنا النفقة فقلت لهم وما نفقتكم؟ فقالوا : قول المؤمن في الدنيا سبحان الله ، والحمد لله، ولا إله إلا الله ، والله أكبر فإذا قال بنينا وإذا أمسك أمسكنا . (بحار الأنوار ، ج 90 ، كتاب الذكر والدعاء ، الباب الثاني، ح7، ص 169 - 170).

النفس، مما يقوّي الإرادة شيئاً فشيئاً ويصل بقدرتها إلى حدّ الكمال. لذلك كلّما كانت العبادات أشق كانت أرغب : «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا»(1). فالتنازل عن النوم اللذيذ في ليل الشتاء البارد، والانصراف إلى عبادة الحق المتعال، يزيد من قوة الروح وتغلبها على قوى الجسم، ويقوّي الإرادة. وإذا كان هذا في أول الأمر على شيء من المشقة والعناء، فإن ذلك يخفّ تدريجاً كلّما واصل العبادة، وازدادت طاعة الجسم للنفس . إذ أننا نلاحظ أنّ أهل العبادة يقومون بالأعمال دون مشقة وتكلّف . أما نحن فشعورنا بالكسل وبالمشقة ناشيء من أننا لا نبدأ بالعمل. فلو أننا بدأنا العمل وكررناه عدة مرات، لتبدلت مشقته إلى راحة، بل إنّ أهلها يلتذون بها أكثر مما نلتذ نحن بمشتهيات الدنيا. إذاً، فالأمر يصبح عادياً بالتكرار والخير عادة .

ولهذه العبادة ثمرات .

منها : أن صورة العمل نفسه تصبح على قدر من الجمال في ذلك العالم لا يكون له نظير في هذا العالم، ونكون عاجزين عن تصوّر مثلها .

منها: أن النفس تصبح ذات عزم واقتدار، فتكون لها نتائج كثيرة، وقد سمعت واحدة منها .

ومنها أيضاً: أنها تجعل الإنسان يأنس بالذكر والفكر والعبادة، فإن المجاز قد يقرب الإنسان إلى الحقيقة فيتوجه القلب إلى مالك الملوك، وتحصل المحبة لجمال المحبوب الحقيقي، يخفف من تعلق القلب وحبه للدنيا والآخرة. إذ لو حصلت الجاذبية الربوبية والحال الخاصة، لأمكن إدراك حقيقة العبادة والسر الحقيقي للتذكر والتفكر، ولسقط كلا العالمين - الدنيا والآخرة - من نظره، ولأذهب تجلّي الحبيب غبار الرؤية الإثنينّية من القلب ولا يعرف أحد سوى الله الكرامة المعطاة لمثل هذا العبد؟ وكما يقوى عزم الإنسان بالرياضات الشرعية والعبادات والمناسك وترك الرغبات ويصبح الإنسان ذا


1) بحار الأنوار، ج 67 ، كتاب الإيمان والكفر ، الباب 53 ، ذیل حدیث 2، ص191. نهاية ابن الأثير، المجلد الأول، ص 440 ، مادة «همز» أهمزها أي أقواها وأشدّها .

عزم وإرادة، فكذلك في المعاصي تتغلّب الطبيعة لدى الإنسان وتضعف إرادته وعزمه . كما سبق ذكر شيء منه .

فصل الإنسان بفطرته يحب الكمال التّام المطلق

لا يخفى على كل ذي وجدان أنّ الإنسان، بحسب فطرته الأصيلة وجبلته الذاتية، يعشق الكمال التام المطلق، ويتوجّه قلبه شطر الجميل على الإطلاق والكامل من جميع الوجوه . وهذا من فطرة الله التي فطر الناس عليها وبهذا الحب للكمال، تتوفّر إرادة الملك والملكوت، وتتحقق أسباب وصول عشاق الجمال المطلق إلى معشوقهم .

غير أن كل امرىء يرى الكمال في شيء ما، حسب حاله ومقامه فيتوجه قلبه إليه . فأهل الآخرة يرون الكمال في مقامات الآخرة ودرجاتها، فقلوبهم متوجهة إليها. وأهل الله يرون الكمال في جمال الحق، والجمال في كماله سبحانه يقولون : ... وَجَهتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ . . .(1)ويقولون: «لي مَعَ اللهِ حَالٌ»(2)وفيهم حب وصاله وعشق جماله. وأهل الدنيا عندما رأوا أن الكمال في لذائذها، وتبين لأعينهم جمالها، اتجهوا فطرياً نحوها . ولكن على الرغم من كل ذلك، فإنّه لما كان التوجه الفطري والعشق الذاتي قد تعلقا بالكمال المطلق، كان ما عدا ذلك من التعلقات عرضياً ومن باب الخطأ في التطبيق . إن الإنسان مهما كثر ملكه ومهما نال من الكمالات النفسية أو الكنوز الدنيوية أو الجاه والسلطان، ازداد اشتياقه شدّة، ونار عشقه التهاباً. فصاحب الشهوة، كلما ازدادت أمامه المشتهيات، ازداد تعلق قلبه بمشتهيات أخرى ليست في متناول يده، واشتدت نار شوقه إليها . كذلك النفس التي تطلب الرئاسة، فهي عندما تبسط لواء قدرتها على قطر من الأقطار، تتوجه بنظرة طامعة إلى قطر آخر، بل لو أنها سيطرت على الكرة الأرضية برمتها ، لرغبت في التحليق نحو الكرات الأخرى للاستيلاء عليها . إلا أنّ هذه


1) سورة الأنعام، الآية : 79 .

2) إشارة إلى الحديث المشهور المنقول عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) «لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل» راجع كتاب أحاديث المثنوي ، الأربعون للعلامة المجلسي، شرح حدیث 15 ، ص 177 .

النفس المسكينة لا تدري بأنّ الفطرة إنما تتّطلع إلى شيءٍ آخر. إنّ العشق الفطري الجبلّي يتّجه إلى المحبوب المطلق، إنّ جميع الحركات الجوهرية والطبيعية والإرادية، وجميع التوجّهات القلبية والميول النفسية تتوّجه نحو جمال الجميل الأعلى على الإطلاق، ولكنهم لا يعلمون، فينحرفون بهذا الحب والعشق والاشتياق - التي هي براق المعراج وأجنحة الوصول - إلى وجهة هي خلاف وجهتها، فيحرّروها ويقيدوها بلا فائدة.

لقد ابتعدنا عن المقصود، وهو أنه لمّا كان الإنسان متوجهاً قلبياً إلى الكمال المطلق، فإنّه مهما جمع من زخرف الحياة فإنّ قلبه يزداد تعلقاً بها. فإذا اعتقد أن الدنيا وزخارفها هي الكمال ازداد ولعه بها، واشتدت حاجته إليها، وتجلّى أمام بصره فقره إليها . بعكس أهل الآخرة الذين أشاحوا بوجوههم عن الدنيا، فكلما ازداد توجههم نحو الآخرة، قلّ التفاتهم واهتمامهم بهذه الدنيا، وتلاشت حاجتهم إليها، وظهر في قلوبهم الغنى، وزهدوا في الدنيا وزخارفها. كما أن أهل الله مستغنون عن كلا العالمين (الدنيا والآخرة)، متحررون من كلتا النشأتين وكل حاجتهم نحو الغنى المطلق، متجلياً الغنى بالذات في قلوبهم، فهنيئاً لهم .

إذاً يمكن أن يكون مضمون الحديث الشريف إشارة لما مرّ شرحه من قوله : «مَنْ أَصْبَحَ وَأَمْسَى وَالدُّنْيَا أَكْبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَشَتَّتَ أَمْرَه، وَلَمْ يَنَلْ مِنَ الدُّنْيَا قسِمَ لَهُ، وَمَنْ أَصْبَحَ وَأَمْسَى وَالآخِرَةُ أَكْبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللَّهُ الْغِنى فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ أمره».

ومن المعلوم، أن من يتجه قلبه إلى الآخرة، تغدو أمور الدنيا وصعابها في نظره حقيرة سهلة، ويجد هذه الدنيا متصرّمة، ومتغيرة، ويراها معبراً ومتجراً وداراً للابتلاء والتربية، ولا يهتم بما فيها من ألم وسرور، فتخف حاجاته ويقل افتقاره إلى أمور الدنيا وإلى الناس، بل يصل إلى حيث لا تبقى له حاجة، فيجتمع له أمره، وتنتظم أعماله، ويفوز بالغنى الذاتي والقلبي .

إذاً، كلّما نظرت إلى هذه الدنيا بعين المحبة والتعظيم، وتعلق قلبك بها، ازدادت حاجتك بحسب درجات حبك لها، وبان الفقر في باطنك وعلى ظاهرك، وتشتتت أمورك

واضطربت، وتزلزل قلبك واستولى عليه الخوف والهم ، ولا تجري أمورك كما تشتهي، وتكثر تمنياتك ويزداد جشعك، ويغلبك الغم والتحسّر، ويتمكن اليأس من قلبك والحيرة، كما وردت الإشارة إلى بعض ذلك في الحديث الشريف . فقد روى في (الكافي) بإسناده عن حفص بن قرط ، عن أبي عبد الله الإمام جعفر الصادق (علیه السّلام) أنه قال :

مَنْ كَثرَ اشْتِبَاكُهُ بِالدُّنْيَا كَانَ أَشَدَّ لِحَسْرَتِهِ عِنْدَ فِرَاقِهَا»(1).

وعن أبي يعفور قال : سمعت أبا عبد الله الصادق (علیه السّلام) يقول :

«مَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِالدُّنْيَا تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِثَلَاثِ خِصَالٍ هَمِّ لَا يَفْنَى وَأَمَلٍ لَا يُدْرَكُ وَرَجَاءٍ لَا ينَالُ»(2).

أما أهل الآخرة، فإنّهم كلما ازدادوا قرباً من دار كرم الله ، ازدادت قلوبهم سروراً واطمئناناً، وازداد انصرافهم عن الدنيا وما فيها ولولا أن الله قد عيّن لهم آجالهم لما مكثوا في هذه الدنيا لحظة واحدة. فَهُم كما يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام): «نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ فِي الْبَلاءِ، كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ، وَلَوْلَا الأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ، لَمْ تَسْتَقِرٌ أَزْوَاجُهُم فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنِ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ»(3). جعلنا الله وإياكم منهم، إن شاء الله .

إذاً، يا عزيزي، بعد أن عرفت مفاسد هذا التعلّق والحب، وأدركت أن ذلك يفضي بالإنسان إلى الهلاك، ويجرده من الإيمان، ويجعل دنياه وآخرته متشابكتين مضطربتين، فشمّر عن ساعد الجد، وقلّل حسب طاقتك، التعلّق بهذه الدنيا، اجتث جذور حبّها من نفسك، واحتقر هذه الأيام القليلة التي تقضيها في الحياة، وازهد في خيراتها المشوبة بالألم والعذاب والنقمة، واطلب من الله أن يعينك على الخلاص من هذا العذاب وهذه المحنة، ويجعل قلبك يأنس بدار كرمه تعالى: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى(4).


1) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر ، باب حب الدنيا ، ح16 .

2) المصدر السابق، ح17 .

3) نهج البلاغة ، الخطبة 193 (الشيخ صبحي الصالح).

4) سورة القصص، الآية : 60 .

الحديث السابع: «الغضب»

اشارة

بالسند المتَّصل إلى محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن داود بن فرقد قال: قال أبو عبد الله (علیه السّلام): «الْغَضَبُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الغضب، ح3 .

الشرح:

قال المحقق الكبير أحمد بن محمد، المعروف بابن مسكويه(1)، في كتاب (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) القّيم الذي يقل نظيره في حسن التنظيم والبيان ما نصه :

«والغضب بالحقيقة هو حركة للنفس يحدث بها غليان دم القلب شهوة للانتقام . فإذا كانت هذه الحركة عنيفة، أججت نار الغضب وأضرمتها، فاحتد غليان دم القلب وامتلأت الشرايين والدماغ دخاناً مظلماً مضطرباً يسوء منه حال العقل ويضعف فعله، ويصير مثل الإنسان عند ذلك على ما حكته الحكماء مثل كهف مليء حريقاً وأضرم ناراً فاختنق فيه اللهيب والدخان وعلا منه الأجيج والصوت المسمى وحيح النار، فيصعب علاجه ويتعذر إطفاؤه، ويصير كل ما تدنيه منه للإطفاء سبباً لزيادته ومادة لقوته . فلذلك يعمى الإنسان عن الرشد ويصم عن الموعظة، بل تصير المواعظ في تلك الحال سبباً للزيادة في الغضب ومادة للهيب والتأجج وليس يرجى له في تلك الحال حيلة». ثم يقول(2):

«وأما سقراطيس(3)قال : إنّي للسفينة إذا عصفت بها الرياح وتلاطمت عليها


1) أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه (330 - 431 هـ. ق ) الفيلسوف والطبيب الإسلامي المعروف الذي اشتهر في الطب النظري والعملي وفي اللغة والأدب وفنون الشعر والخط والمنطق والرياضيات والأخلاق خاصة له ترتيب السعادة، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، جاویدان خرد، اداب الفرس والهند، تجارب الأمم وتعاقب الهمم.

2) تهذيب الأخلاق، لأبي علي أحمد بن محمد بن مسكويه ص 193 منشورات الجامعة الأمريكية - بيروت .

3) في كتاب (الأربعون حديثاً الأصل) وأما بقراط . . . وفي كتاب تهذيب الأخلاق وأما سقراطيس . . .(المترجم).

الأمواج وقذفت بها إلى اللجج التي فيها الجبال، أرجى مني للغضبان الملتهب، وذلك أنّ السفينة في تلك الحال يلطف لها الملاحون ويخلصونها بضروب الحيل، أما النفس إذا استشاطت غضباً فليس يرجى لها حيلة البتة وذلك أن كل ما رُقي به الغضب من التضرع والموعظة والخضوع يصير له بمنزلة الجزل من الحطب يوهجه ويزيده استعاراً» (انتهى)(1).

فصل: في بيان فوائد القوة الغضبية

إعلم أن غريزة الغضب من النعم الإلهية التي يمكن بها عمارة الدنيا والآخرة، وبها يتم الحفاظ على بقاء الفرد والجنس البشري والنظام العائلي، ولها تأثير كبير في إيجاد المدينة الفاضلة ونظام المجتمع. فلولا وجود هذه الغريزة الشريفة في الحيوان لما قام بالدفاع عن نفسه ضد هجمات الطبيعة، ولآل أمره إلى الفناء والاضمحلال. ولولا وجودها في الإنسان، لما استطاع، أن يصل إلى كثير من مراتب تطوّره وكمالاته زائداً على تحقق ما تقدم. بل إنّ التفريط والنقص من حال الاعتدال يعد من مثالب الأخلاق المذمومة ومن نقائص الملكات التي يترتب عليها الكثير من المفاسد والمعايب، كالخوف، والضعف، والخمود، والتكاسل، والطمع، وقلة الصبر، وعدم الثبات في المواقف التي تتطلب الثبات، والخمود، والخنوع، وتحمل الظلم، وقبول الرذائل، والاستسلام لما يصيبه أو يصيب عائلته، وانعدام الغيرة، وخور العزيمة . . .

إن الله سبحانه يصف المؤمنين بقوله : أشدّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ(2).

إن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنفيذ الحدود والتعزيرات وسائر التعاليم السياسية الدينية والعقلية، لا يكون إلا في ظلّ القوة الغضبية الشريفة. وعلى ذلك، فإن الذين يظنون أن قتل غريزة الغضب بالكامل وإخماد أنفاسها يعد من الكمالات والمعارج النفسية إنما يرتكبون خطيئة عظيمة، ويغفلون عن حّد الكمال ومقام الاعتدال .


1) تهذيب الأخلاق، لأحمد ابن مسكويه ، ص 195 - منشورات الجامعة الإمريكية - بيروت .

2) سورة الفتح ، الآية : 29 .

هؤلاء المساكين لا يعلمون أنّ الله تبارك وتعالى لم يخلق هذه الغريزة الشريفة في جميع أصناف الحيوانات عبثاً، وأنه جعل هذه الغريزة في بني آدم رأسمال الحياة الملكية والملكوتية، ومفتاح الخيرات والبركات. إن الجهاد ضد أعداء الدين، وحفظ النظام العائلي للإنسان والدفاع عن النفس والمال والعرض وعن سائر القوانين الإلهية، والجهاد مع النفس وهي الد أعداء الإنسان(1)، لا يكون كل ذلك إلا بهذه الغريزة الشريفة. إن منع الاعتداءات والذب عن الحدود والثغور ، ودفع المؤذيات والمضرات عن الفرد والمجتمع ، يجري تحت لواء هذه الغريزة. لذلك سعى الحكماء إلى معالجة خمود هذه الغريزة وركودها. وهناك معالجات علمية وعملية لإيقاظها وتحريكها : مثل الإقدام على الأمور العظيمة المخيفة، والذهاب إلى ميادين الحرب، والجهاد ضد أعداء الله ، فقد نقل عن بعض المتفلسفين أنه كان يرتاد الأماكن المخوفة ويلبث فيها قليلاً ويلقي بنفسه في المخاطر العظيمة، ويركب البحر في أوج تلاطم أمواجه، وذلك لكي يخلص نفسه من الشعور بالخوف ويتحرر من الضعف والكسل(2).

وعلى أي حال فإن غريزة الغضب موجودة لدى كل إنسان ومودعة في باطنه، ولكنها في بعضهم خامدة منكمشة، كالنار تحت الرماد. فالواجب على من يلحظ في نفسه حال الخمول والضعف وانعدام الغيرة أن يعالج الحالة بضدها، ويخرج نفسه مما هي فيه إلى حال من الاعتدال. وهذه الحال المحاولة من الشجاعة التي تعد من الملكات الفاضلة والصفات الحسنة، مما سوف ترد الإشارة إليه .

فصل في بيان ذم الإفراط في الغضب

إذا كانت حال التفريط ونقص الاعتدال من الصفات المذمومة التي تؤدي إلى كثير من المفاسد التي ذكرنا بعضها، كذلك هي حال الإفراط وتجاوز حد الاعتدال، فهي أيضاً


1) إشارة إلى الحديث : «أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك» . (عوالي اللثالي، ج4، ص118. بحار الأنوار، ج 67 ، كتاب الإيمان والكفر ، الباب 45 ، ح 1 ، ص 64 .

2) تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، ص172 ، طبع مصر .

تعدّ من الصفات المذمومة التي تقود إلى مفاسد كثيرة، ويكفي لتبيان مفاسد هذه الحال ذكر هذا الحديث الشريف الوارد في الكافي .

عن أبي عبد الله (علیه السّلام) أنه قال قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «الْغَضَبُ يُفْسِدُ الإِيمَانَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ العَسَلَ»(1).

فقد يصل الغضب بالإنسان إلى حد الإرتداد عن دين الله ، وإطفاء نور الإيمان، بحيث إن ظلام الغضب وناره تحرق العقائد الحقة. بل قد يصل الأمر إلى الكفر الجحودي الذي نتيجته الهلاك الأبدي . ثم ينتبه على نفسه بعد فوات الأوان وحين لا ينفع الندم ويمكن أن تكون نار الغضب جمرة الشيطان، التي وردت في كلام الإمام الباقر (علیه السّلام) «إِنَّ هَذَا الْغَضَبَ جَمْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تُوقَدُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ»(2)صورتها في ذلك العالم، صورة نار الغضب الإلهي .

كما ورد عنه (علیه السّلام) في حديث شريف رواه صاحب الكافي» :

«مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ فِيمَا نَاجَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مُوسَى : يَا مُوسَىٰ أَمْسِكْ غَضَبَكَ عَمَّنْ مَلَّكْتُكَ عَلَيْهِ أُكُفُ عَنْكَ غَضَبِي»(3).

ولا شك في أنه ليست هناك نار أشد من نار غضب الله عذاباً. وقد جاء في كتب الحديث، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى (علیه السّلام): أَيُّ الأَشْيَاءِ أَشَدُّ؟ قَالَ أَشَدُّ الأَشْيَاءِ غَضَبُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالُوا بِمَ نَتَّقِي غَضَبَ اللهِ؟ قَالَ بِأَنْ لا تَغْضَبُوا»(4).

وهكذا يتضح أن غضب الله من أصعب الأمور وأشدها ، وأن نار غضبه أشد إحراقاً وصورة الغضب للإنسان في هذه الدنيا هي صورة نار غضب الله في العالم الآخر . وكما أن الغضب يظهر من القلب، فلعل نار الغضب الإلهي الذي يكون مبدأه الغضب وسائر الرذائل القلبية الأخرى تنبعث من باطن القلب، وتسري إلى الظاهر، وتخرج السنة


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الغضب ، ح 1 .

2) أصول الكافي ، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح12 .

3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح7 .

4) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، ص 289 .

نيرانها المؤلمة من الأعضاء الظاهرية مثل العين والأذن واللسان وغيرها بل إن هذه الأعضاء تكون أبواباً تنفتح على جهنم، فتحيط نار جهنم بالأعمال والآثار الجسمية التي في ظاهر جسد الإنسان، لتتجه إلى باطنه، فيقع الإنسان في العذاب والشدة بين جهنمين : أحدهما يبرز من باطن القلب ويدخل السنة لهيبها بواسطة أم الدماغ إلى عالم الجسم. وثانيهما صورة قبائح الأعمال وتجسم الأفعال، حيث تتصاعد نيرانها من الظاهر إلى الباطن والله سبحانه وتعالى يعلم مدى هذا الضغط ؟ وهذا العذاب؟ إنه غير الاحتراق وغير الانصهار أتظن أن إحاطة جهنم تشبه هذه الإحاطات التي تتصورها؟ إن الإحاطة هنا إنما تكون بظاهر السطح فقط . أما هناك فتكون بالظاهر وبالباطن، بالسطوح وبالأعماق. وإذا أصبحت صورة الغضب عند الإنسان صفة راسخة لا سمح الله - وصورة الغضب آخر مراحل الرسوخ - كانت المصيبة أعظم، وأصبح للإنسان في البرزخ ويوم القيامة صورة السباع، السباع التي لا شبيه لها في هذه الدنيا . وذلك لأن سبعية الإنسان، وهو في حالة الغضب، لا يمكن مقارنتها بسبعية أي حيوان آخر من الحيوانات. وكما أن الإنسان في حالة كماله أعجوبة الدهر ولن تجد له نظيراً، كذلك في حال نقصه واتصافه بالرذائل وبالصفات الخسيسة لن تجد بين الكائنات من يقف معه في ميزان المقارنة ، لقد وصفهم الله بقوله : إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَل(1)، ووصف قلوبهم فقال : فَهِيَ الْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ(2).

هذا الذي مرّ بك كان جانباً من مفاسد نار الغضب الحارقة، إذا لم يستتبع الغضب معاص أخرى، بل بقي ناراً داخلية مظلمة تتعقد في الباطن وتنحبس وتختنق فتطفى نور الإيمان كالنار المشتعلة التي يخالطها الدخان الأسود الذي يغشى النور فيطفئه. ولكن ذلك أمر بعيد، بل قد يكون من الأمور المستحيلة أن يكون الإنسان في حال غضب شديد مستعرة ناره، ثم يمتنع عن ارتكاب معاص وموبقات مهلكة أخرى. فكثيراً ما يؤدي الغضب المستعر، وهذه الجمرة الشيطانية الملعونة، في مدة دقيقة واحدة إلى إلقاء


1) سورة الفرقان، الآية : 44 .

2) سورة البقرة، الآية : 74 .

الإنسان في هاوية الهلاك والعدم، كأن يسب الأنبياء والمقدسات، والعياذ بالله، أو يقتل نفساً بريئة مظلومة، أو يهتك الحرمات، فيخسر الدنيا والآخرة، كما جاء في الكافي عن أبي عبد الله (علیه السّلام) في حديث له :

كان أبي يقول: «أَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِنَ الْغَضَبِ؟ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ فَيَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَيَقْذِفُ الْمُحْصَنَةَ»(1).

لقد وقعت أفظع الفتن وارتكبت أفجع الأعمال بسبب الغضب واشتعال ناره الحارقة. وعلى الإنسان، وهو سليم النفس، أن يكون على حذر كثير من حال غضبه . وإذا كان يعرف من نفسه حدوث حالات الغضب عليه أثناء هدوئه النفسي، يعالجها وأن يفكر في مبادئها وفي مفاسدها عند اشتدادها واثارها ونتائجها في النهاية، لعله يصل إلى معرفة طريق لإنقاذ نفسه . فليفكر في أن هذه الغريزة التي وهبها الله تعالى إياه لحفظ نظام الظاهر والباطن وعالم الغيب والشهادة إذا استخدمها لغير تلك الأهداف وبخلاف ما يريد الله سبحانه وضد المقاصد الإلهية، فما مدى خيانته؟ وما هي العقوبات التي يستحقها؟ وكم هو ظلوم جهول؟ لأنه لم يَصُنْ أمانة الحق تعالى(2)، بل استعملها في العداوات والمخاصمات . إن امرئاً هذا شأنه لا يمكن أن يأمن الغضب الإلهي .

ثم إن عليه أن يفكر في المفاسد العملية والأخلاقية التي تتولد من الغضب ومن سوء الخلق. إذ كل مفسدة من هذه المفاسد يمكن أن تكون سبباً في ابتلاء الإنسان بصورة دائمة ببلايا شديدة في الدنيا، وبالعذاب والعقاب في الآخرة .

أما المفاسد الأخلاقية التي تتولد من هذا الخلق فهي الحقد على عباد الله، وقد ينتهي به الأمر إلى الحقد على الأنبياء والأولياء، بل وحتى على ذات الله المقدسة الواجبة الوجود وولي النعم، وشدّة هذا القبح وهذه المفسدة واضح للجميع . نعوذ بالله تعالى من شر نفس عنيدة إذا ما انفصم وثاقها للحظة واحدة، جرّت الإنسان إلى تراب الذل وقادته


1) أصول الكافي، المجلد الثاني كتاب الإيمان والكفر ، باب الغضب ، ح 4 .

2) إشارة إلى الآية الكريمة 72 في سورة الأحزاب : إنا عَرَضْنَا الأمانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً.

إلى أرض الهلاك الأبدي. وكذلك الحسد الذي مرّت بك بعض مفاسده وشروره في شرح الحديث الخامس. وغير ذلك من المفاسد الأخرى التي تتولد من الغضب .

وأما مفاسد الغضب المؤثرة في الأعمال فإنها ليست بمحصورة، فلعله يتفوه بما فيه الارتداد أو سب الأنبياء والأولياء، والعياذ بالله، وهتك الحرمات الإلهية، وخرق النواميس المقدسة، وقتل الأنفس الزكية، والافتراء على العوائل المحترمة بما يصمها بالعار والذل ويقضي على النظام العائلي بكشف الأسرار وهتك الأستار، وغير ذلك من المفاسد التي لا تحصى والتي يبتلي بها الإنسان لدى فورة الغضب الباعثة على نسف الإيمان وهدم البيوت.

لذلك يمكن أن توصف هذه السجية بأنها أم الأمراض النفسية ومفتاح كل شر. ويقابلها كظم الغيظ وإخماد سعير الغضب فإنه من جوامع الكلم ودائرة تمركز الحسنات ومجمع الكرامات. كما جاء في حديث (الكافي) عن أبي عبد الله (علیه السّلام) أنه قال سمعت أبي يقول :

«أتى رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ بَدَوِيٌّ، فَقَالَ : إِنِّي أَسْكُنُ الْبَادِيَةَ فَعَلَّمْنِي جَوَامِعَ الْكَلَامِ فَقَالَ: آمُرُكَ أَنْ لَا تَغْضَبَ . فَأَعْادَ عَلَيْهِ الْأَعْرَابِيُّ الْمَسْأَلَةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى رَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى نَفْسِهِ . فَقَالَ : لا أَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ هَذَا مَا أَمَرَني رَسُولُ اللهِ إِلا بِالْخَيْرِ. قَالَ : وَكَانَ أبي يَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِنَ الْغَضَبِ؟ الرَّجُلُ لَيَغْضَبُ فَيَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ وَيَقْذِفُ الْمُحْصَنَةَ»(1)

بعد أن يدرك الإنسان، في حال تعقله وسكون نفسه وخمود غضبه، المفاسد الناجمة عن الغضب، والمصالح الناجمة عن كظم الغيظ، يلزم أن يحتم على نفسه أن يطفى هذا اللهيب الحارق وهذه النار المشتعلة في قلبه، مهما لا قى من عنت ونصب في سبيل ذلك، ليغسل قلبه من الظلام والكدر، ويعيد إليه صفاءه ونقاءه. وهذا أمر ممكن تماماً بشيء من مخالفة النفس والعمل ضد هواها، وبقليل من النصح والإرشاد والتدبر في عواقب الأمور. وهذه وسيلة يمكن بها إزالة جميع الأخلاق الفاسدة والعادات القبيحة من


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الغضب ، ح 4 .

ساحة النفس، وإبدالها بجميع الصفات الحسنة والأخلاق المحمودة التي يجب أن يتحلّى بها القلب .

فصل: في بيان علاج الغضب المشتعل

إن للغضب المشتعل علاجاً علمياً وعملياً أيضاً.

أما علاجه العلمي فهو أن يتفكر الإنسان في تلك الأمور التي ذكرت، ويعد هذا من العلاج العملي أيضاً .

أما العلاج العملي فأهمه صرف النفس عن الغضب عند أول ظهوره. وذلك لأن الغضب أشبه بالنار، فهو يزداد شيئاً فشيئاً ويشتّد، حتى يتعالى لهيبه، وترتفع حرارته، ويفلت العنان من يد الإنسان، ويخمد نور العقل والإيمان، ويطفى سراج الهداية فيصبح الإنسان ذليلاً مسكيناً . فعلى الإنسان أن يأخذ حذره قبل أن يزداد اشتعاله ويرتفع سعيره، فيشغل نفسه بأمور أخرى، أو أن يغادر المكان الذي ثار فيه غضبه، أو أن يغير من وضعه . فإذا كان جالساً فلينهض واقفاً، وإذا كان واقفاً فليجلس ، أو أن يشتغل بذكر الله تعالى . بل هناك من يرى وجوب ذكر الله في حال الغضب(1)، أو أن يشغل نفسه بأي أمر آخر .

على كل حال، يسهل كبح جماح الغضب في بداية ظهوره. ولهذا العمل في هذه المرحلة نتيجتان :

الأولى : هي أن يهدىء النفس ويقلّل من اشتعال الغضب .

والثانية : هي أنه يؤدي إلى المعالجة الجذرية للنفس . فإذا راقب الإنسان حاله وعامل نفسه بهذه المعاملة تغّيرت حاله تغيراً كلياً واتجهت نحو الاعتدال. وقد وردت الإشارة إلى بعض ذلك في كتاب (الكافي) بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال :


1) جعل الشيخ الحّر العاملي في كتاب وسائل الشيعة باباً باسم (باب وجوب ذكر الله عند الغضب) فاستفاد وجوب الذكر عند الغضب من الروايات الشريفة (وسائل الشيعة، ج 11، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 84، ص 291 .

«إِنَّ هَذَا الْغَضَبَ جَمْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تُوقَدُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا غَضِبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ وَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِيهِ، فَإِذا خَافَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ فَلْيَلْزَمِ الْأَرْضَ فَإِنَّ رِجْزَ الشَّيْطَانِ يَذْهَبُ عَنْهُ عِنْدَ ذلِكَ»(1).

وبإسناده، عن ميسر قال : ذكر الغضب عند أبي جعفر الباقر (علیه السّلام) فقال : «إن الرّجُلَ لَيَغْضَبُ فَمَا يَرْضَى أَبَداً حَتّى يَدْخُلَ النّارَ فَأَيْمَا رَجُلٍ غَضِبَ عَلَى قَوْمٍ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ سَيَذْهَبُ عَنْهُ رِجْرُ الشَّيْطَانِ وَأَيَّمَا رَجُلٍ غَضِبَ عَلَى ذِي رَحِمٍ فَلْيَدْنُ مِنْهُ فَلْيَمَسَّهُ، فَإِنَّ الرَّحِمَ ، إِذا مُسَّتْ، سَكَنَتْ»(2).

يستفاد من هذا الحديث الشريف علاجان عملیان حال ظهور الغضب . الأول عام، وهو الجلوس من القيام، أي تغيير وضعية الإنسان، ففي حديث آخر أنه إذا كان جالساً عند الغضب فليقم واقفا(3).

وقد نقل عن الطرق العامة أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عندما كان يغضب، يجلس إذا كان واقفاً، ويستلقي على قفاه إذا كان جالساً وبذلك يسكن غضبه(4).

والعلاج العملي الآخر علاج خاص بالأرحام، وهو أن يمسه فيسكن غضبه .

هذه معالجات يقوم بها الغاضب لنفسه عند هياج الغضب. أما إذا أراد الآخرون معالجة الغاضب فعند ظهور بوادر الغضب، عليهم أن يعالجوه بإحدى الطرق العلمية والعملية المذكورة. ولكن إذا اشتدت حاله واشتعل غضبه، فإن النصائح تنتج عكس المطلوب. ولذلك يكون علاجه وهو في هذه الحال صعباً، إلا بتخويفه من قبل شخص يهابه ويخشاه، وذلك لأن الغاضب إنما يغضب عندما يرى نفسه أقوى ممن يغضب عليه ،


1) أصول الكافي، المجلد، الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الغضب ، ح 12.

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الغضب، ح2 .

3) عن أبي عبد الله (علیه السّلام) أنه ذكر عنده الغضب فقال : «إن الرجل ليغضب حتى ما يرضى أبداً ويدخل بذلك النار وأيما رجل غضب وهو قائم فليجلس فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان وإن كان جالساً فليقم». (مرآة العقول، ج 10 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الغضب ، ح 2 ، ص 146).

4) عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إذا غضب وهو قائم جلس وإذا غضب وهو جالس اضطجع فيذهب غيظه» (مرآة العقول، ج 10 ، باب الغضب ، ص 146) و (مسند أحمد بن حنبل، ج 5، ص 152).

أو يرى أنه، على الأقل، يتساوى معه في القوة. أما مع الذين يرى أنهم أقوى منه ، فلا يُظهر الغضب أمامهم، بل تكون الفورة والاشتعال في باطنه ويبقى محبوساً في داخله ويولد الحزن في قلبه. وعليه فإن العلاج في حالات الانفعال الشديدة من الغضب والفورة يكون على جانب كبير من الصعوبة . نعوذ بالله منه .

فصل في بيان أن معالجة الغضب باقتلاع جذوره

من أهم سبل معالجة الغضب هي اقتلاع جذوره بإزالة الأسباب المثيرة له. وهي أمور عديدة، سوف نتناول بعضاً منها مما يتناسب وهذا الكتاب .

من تلك الأسباب حبّ الذات، ويتفرّع عنه حب المال والجاه والشرف والنفوذ والتسلط . وهذه كلها تتسبب في إشعال نار الغضب، إذ أن من كانت فيه هذه الأنواع من الحب، اهتم بهذه الأمور كثيراً، وكان لها في قلبه مكان رفيع. فإذا اتفق أن واجه بعض الصعوبات في واحدة منها، أو أحس بأن هناك من ينافسه فيها، تنتابه حال من الغضب والهيجان دون سبب ظاهر، فلا يعود يملك نفسه، بل يستولي عليه الطمع وسائر الرذائل الناجمة عن حب الذات والجاه وتمسك بزمامه، وحاد بأعماله عن جادة العقل والشرع. ولكن إذا لم يكن شديد التعلق والاهتمام بهذه الأمور، فإن هدوء النفس والطمأنينة الحاصلة من ترك حب الجاه والمقام وسائر تفرعاته، تمنع النفس من أن تخطو خطوات تخالف العدالة والروية . إن الإنسان البسيط غير المتكلف يتحمل المنغصات ولا تتقطع حبال صبره، فلا يستولي عليه الغضب المفرط في غير وقته. أما إذا اقتلع جذور حب الدنيا من قلبه اقتلاعاً، فإن جميع المفاسد تهجز قلبه وتحل محلها الفضائل الأخلاقية السامية .

ومن الأسباب الأخرى لإثارة الغضب هو أن الإنسان قد يظن الغضب، وما يصدر عنه من سائر الأعمال القبيحة والرذائل السافلة، كمالاً، وذلك لجهله وقلة معرفته . فيحسب الغضب من الفضائل، ويراه بعض الجهال فتوة وشجاعة وجرأة، فيتباهى ويطري على نفسه في أنه فعل كذا وكذا، فيحسب هذه الصفة الرذيلة المهلكة شجاعة، هذه

الشجاعة التي تكون من أعظم صفات المؤمنين، وأشرف الصفات الحسنة . فلا بد وأن نعرف بأن الشجاعة غير الغضب، وأن أسبابها ومبادئها وآثارها وخواصها تختلف عن أسباب الغضب ومبادئه وآثاره وخواصه. إن مبدأ الشجاعة هو قوة النفس والطمأنينة والاعتدال والإيمان وقلة المبالاة بزخارف الدنيا وتقلباتها . أما الغضب فناشي عن ضعف النفس وتزلزلها، وقلة الإيمان، وعدم الاعتدال في المزاج وفي الروح، وعن حب الدنيا والاهتمام بها، والتخوف من فقدان اللذائذ البشرية . لذلك تجد هذه الرذيلة مستحكمة في المرضى أكثر مما هي في الأصحاء، وفي الصغار أكثر مما هي في الكبار، وفي الشيوخ أكثر مما هي في الشبان . فالشجاعة عكس الغضب تماماً. ومن كانت فيه زذائل أخلاقية كان أسرع إلى الغضب ممن فيهم فضائل أخلاقية، إذ يكون البخيل أسرع في الغضب من غيره إذا تعرض ماله وثروته للخطر .

هذا من حيث مبادىء الشجاعة والغضب وما يوجبهما، وهما من حيث الآثار والنتائج مختلفان أيضاً. فالغاضب، وهو في حال ثورة غضبه، يكون أشبه بالمجنون الذي فقد عنان عقله، ويصبح مثل الحيوان المفترس الذي لا تهمه عواقب الأمور، فيهجم دون ترو أو احتكام إلى العقل، فيسلك سلوكاً قبيحاً ، يفقد سيطرته على لسانه ويده وسائر أعضائه، وتلتوي شفتاه في هيئة قبيحة بحيث أنه لو أعطي مرآة، لخجل من صورته التي يراها فيها .

إن بعض أصحاب هذه الرذيلة يغضبون لأتفه الأمور، بل يغضبون حتى على الحيوانات والجمادات، ويلعنون حتى الريح والأرض والبرد والمطر وسائر الظواهر الطبيعية إذا كانت خلاف رغباتهم. ويغضبون أحياناً على القلم والكتاب والأواني فيمزقونها أو يحطمونها . أما الشجاع فهو بخلاف ذلك تماماً. فأعماله لا تكون إلا عن روية ووفق ميزان العقل وطمأنينة النفس. يغضب في محله، ويحلم في محله، لا تهزّه التوافه ولا تغضبه. وإذا غضب غضب بمقدار، وينتقم بعقل، ويعرف كيف ينتقم ومتى وممن؟ وكيف يعفو ومتى وممن؟ وفي حال غضبه لا يفقد زمام نفسه، ولا يبادر بالكلام البذيء ولا بالأعمال القبيحة، ويزن كل أعماله بميزان العقل والشرع والعدل والإنصاف، ويخطو خطوات لا يندم عليها بعد ذلك .

فعلى الإنسان الواعي أن لا يخلط بين هذا الخُلق الذي يتصف به الأنبياء والأولياء والمؤمنون، ويعدّ من الكمالات النفسية . والخلق الآخر الذي هو من النقائص والصفات الشيطانية ومن وسوسة الخناس. إلاّ أن حجاب الجهل وعدم المعرفة وحب الدنيا وحب الذات، يعمي عين الإنسان ويصّم أذنه ويلقيه في المسكنة والعذاب .

وهناك أسباب أخرى ذكروها للغضب، مثل العُجب والزهو والكبرياء والمراء والعناد والمزاح وغيرها مما يطيل البحث الدخول في تفاصيلها، ولعل أكثرها ينطوي تحت هذين الموضوعين المذكورين بصورة مباشرة أو غير مباشرة. والحمد لله .

الحديث الثامن: «العصبية»

اشارة

بسندي المتَّصل إلى محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النّوفلي، عن السَّكوني، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حَبَّةٌ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ عَصَبِيَّةٍ، بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَعْرَابِ الْجَاهِلِيَّةِ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب العصبية ، ح 3 .

الشرح:

الخردل، نبات معروف له خواص كثيرة، ويصنع منه الشمع . والعصبيّ : هو الذي يعين قومه على الظلم ويغضب لعصبته ويحامي عنهم. وعُصبة المرء أقرباؤه من جهة الأب، لأنهم يحيطون به فيقوى بهم. والتعصب بمعنى الحماية والدفاع.

يقول الفقير إلى الله : العصبية واحدة من السجايا الباطنية النفسانية. ومن آثارها الدفاع عن الأقرباء، وجميع المرتبطين به وحمايتهم، بما في ذلك الارتباط الديني أو المذهبي أو المسلكي، وكذلك الارتباط بالوطن وترابه، وغير ذلك من ارتباط المرء بمعلّمه، أو بأستاذه، أو بتلامذته وما إلى ذلك . والعصبية من الأخلاق الفاسدة والسجايا غير الحميدة، وتكون سبباً في إيجاد مفاسد في الأخلاق وفي العمل. وهي بذاتها مذمومة حتى وإن كانت في سبيل الحق، أو من أجل أمر ديني، من غير أن يكون مستهدفاً لإظهار الحقيقة، بل يكون من أجل تفوقه أو تفوق مسلكه ومسلك عصبته، أما إظهار الحق والحقيقة وإثبات الأمور الصحيحة والترويج لها وحمايتها والدفاع عنها، فإما أنه ليس من التعصب، وإما أنه ليس تعصباً مذموماً.

إن المقياس في الاختلاف يتمثل في الأغراض والأهداف وخطوات النفس والشيطان أو خطوات الحق والرحمن. وبعبارة أخرى، إن المرء إذا تعصّب لأقربائه أو أحبته ودافع عنهم، فما كان بقصد إظهار الحق ودحض الباطل، فهو تعصب محمود ودفاع عن الحق والحقيقة. ويعد من أفضل الكمالات الإنسانية، ومن خلق الأنبياء والأولياء. وعلامته المميزة هو أن يميل الإنسان إلى حيث يميل الحق فيدافع عنه، حتى وإن لم يكن هذا الحق إلى جانب من يحبّ، بل حتى لو كان الحق إلى جانب أعدائه. إن شخصاً هذا شأنه يكون من جملة حماة الحقيقة، ومن زمرة المدافعين عن الفضيلة وعن

المدينة الفاضلة، ومن الأعضاء الصالحين في المجتمع ، ومن المصلحين لمفاسده .

أما إذا تحرّك بدافع قوميته وعصبته بحيث أخذ بالدفاع عن قومه وأحبته في باطلهم وسايرهم فيه ودافع عنهم، فهذا شخص تجلت فيه السجية الخبيثة، سجية العصبية الجاهلية. وأصبح عضواً فاسداً في المجتمع ، وأفسد أخلاق المجتمع الصالح، وصار في زمرة أعراب الجاهلية، وهم فئة من أعراب البوادي قبل الإسلام ممن كانوا يعيشون في ظلام الجهل، وقد قويت فيهم هذه النزعة القبيحة، والسجية البشعة بل إن هذه الصفة توجد في معظم أهل البوادي، عدى من اهتدى بنور الهداية، كما ورد في الحديث الشريف عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام): أن الله سبحانه يعذب ستة :

«أَهْلَ الْبَوَادِي بِالْعَصَبِيَّةِ وَأَهْلَ الْقُرى بِالْكِبْرِ وَالأُمَرَاءَ بِالظُّلْمِ، وَالْفُقَهَاءَ بِالْحَسَدِ، وَالتَّجَارَ بِالْخِيَانَةِ وَأَهْلَ الرِّسَاتِيق بالْجَهْل»(1).

فصل: في بيان مفاسد العصبية

يستفاد من الأحاديث الشريفة عن أهل بيت العصمة والطهارة أن العصبية من المهلكات والباعثة على سوء العاقبة والخروج من عصمة الإيمان، وأنها من ذمائم أخلاق الشيطان .

جاء في الكافي بسنده الصحيح، عن أبي عبد الله الصادق (علیه السّلام) قال : «مَنْ تَعَصَّبَ أو تُعَصِّبَ لَهُ فَقَدْ خُلِعَ رِيقُ الإِيمَانِ مِنْ عُنُقِهِ»(2). أي أن المتعصب بتعصبه يكون قد خرج من إيمانه، وأما المتعصب له، فبما أنه قد رضي بعمل المتعصب، يصبح شريكاً له في العقاب. كما قال (علیه السّلام) الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم وعلى كل داخل في باطل إثمان : إثم العمل به وإثم الرضا به(3).


1) خصال الشيخ الصدوق - ج 1 - باب الستة - حدث 14 - ص 325 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب العصبية ، ح 2 .

3) نهج البلاغة - قصار الحكم ، الرقم 154 .

وعن أبي عبد الله الصادق (علیه السّلام) قال : «مَنْ تَعَصَّبَ عَصَّبَهُ اللهُ بِعِصَابَةٍ مِنَ النّارِ»(1).

وعن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ حَمِيَّةَ غَيْرُ حَمِيَّةِ حَمْزَةَ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ غَضَباً لِلنَّبِيِّ»(2).

وقد وردت قصة إسلام حمزة بن عبد المطلب بعبارات مختلفة(3)، وهي خارجة عن نطاق بحثنا هذا. وعلى كل حال، فمن المعلوم أن الإيمان، وهو الفوز الإلهي ومن الخلع الغيبية الله جل جلاله، الذي يفيض بها على المخلصين من عباده، والخاصة في محفل انسه، يتنافى مع مثل هذه السجية الممقوتة التي تدوس الحق والحقيقة، وتطأ بأقدام الجهل على الصدق والاستقامة .

ولا شك في أن القلب إذا غطّاه صدأ حب الذات والأرحام والتعصب القومي الجاهلي، فلن يكون فيه مكان لنور الإيمان، ولا موضع للاختلاء مع الله ذي الجلال تعالى. إن ذلك الإنسان الذي تظهر في قلبه تجليات نور الإيمان والمعرفة، ويطوق رقبته الحبل المتين والعروة الوثقى للإيمان، ويكون رهن الحقيقة والمعرفة، هو ذلك الإنسان الذي يلتزم بالقواعد الدينية وتكون ذمته مرهونة لدى القوانين العقلية، ويتحرك بأمر من العقل والشرع، دون أن يهز موقفه أيّ من عاداته وأخلاقه وما يأنس به من مألوفاته. فلا تحيد به عن الطريق المستقيم. إن الإنسان الذي يدعي الإسلام والايمان هو الذي يستسلم للحقائق ويخضع لها، ويرى أهدافه، مهما عظمت، فانية في أهداف ولي نعمته، ويضحي بنفسه وبإرادته في سبيل إرادة مولاه الحقيقي. ومن الواضح أن مثل هذا الشخص لا يعرف العصبية الجاهلية، وإنه بريء منها، ولا يتجه قلبه إلاّ إلى حيث الحقائق، ولا تغشي عينيه أستار العصبية الجاهلية السميكة وأنه يطأ بقدميه في سبيل إعلاء كلمة الحق


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب العصبية ، ح4 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العصبية ، ح 5.

3) وردت قصة حمزة بعبارات مختلفة في الكتب التالية: (أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب العصبية ، ح 5 ، ص 308) و (بحار الأنوار، ج 7، كتاب الإيمان والكفر، باب العصبية، ح4 ، ص 285) و(الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم)، ج 2، ص 75) و (سيرة النبي ، ج 1، ص312) و(أسد الغابة ، ج 2، ص 146) و(الاستیعاب، ج1، ص271).

والإعلان عن الحقيقة على كل العلاقات والارتباطات، ويفدي بجميع الأقرباء والأحبة والعادات على أعتاب ولي النعم المطلق. وإذا تعارضت العصبية الإسلامية عنده مع العصبية الجاهلية، قدم الإسلام وحب الحقيقة .

إن الإنسان العارف بالحقائق يعلم أن جميع العصبيات والارتباطات والعلاقات ليست سوى أمور عرضية زائلة، إلا تلك العلاقة بين الخالق والمخلوق، وتلك العصبية الحقيقية التي هي أمر ذاتي غير قابل للزوال، وهو أوثق من كل ارتباط، وأقوى من كل حسب وأسمى من كل نسب .

في حديث شريف أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : «كُلُّ حَسَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِع يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلا حَسَبِي وَنَسَبِي»(1). وذلك لأن حسب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) روحاني وباق، وبعيد عن العصبيات الجاهلية، وهذا الحسب والنسب الروحانيان في ذلك العالم، يكون ظهورهما أكثر وكمالهما أوضح فإن نسبه علاقة إلهية لا تظهر على كمال حقيقتها إلا في ذلك العالم. إن هذه العلائق الجسمانية المُلكية القائمة على العادات البشرية إنما تتقطع بأتفه الأسباب، وليس لأي منها في ذلك العالم نفع ولا قيمة، إلا تلك العلائق التي تتوثق في نظام ملكوتي إلهي وتحت ظل ميزان القواعد الشرعية والعقلية التي لا انفصام لها .

فصل: في بيان الصورة الملكوتية للعصبية

سبق في شرح بعض الأحاديث القول بأن المعيار في الصور الملكوتية والبرزخية وفي يوم القيامة هو الملكات وقوتها ، وأن ذلك العالم هو محل ظهور سلطان النفس الذي لا يعصي له الجسم أمراً . فقد يحشر الإنسان في ذلك العالم على صورة حيوان أو شيطان. وقد مرّ بنا في الحديث في بداية المقال : «مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حَبَّةٌ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ عَصَبِيَّةٍ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَعْرَابِ الْجَاهِلِيَّةِ». ولعله إشارة إلى ذلك الموضع الذي ذكرناه .


1) وسائل الشيعة كتاب النكاح، الباب الثامن من أبواب مقدمات وآداب النكاح، ح5. بحار الانوار، ج 25 ، كتاب الإمامة، باب إن الأئمة من ذرية الحسين (علیه السّلام)، ص 249 .

إن الإنسان الذي فيه هذه الرذيلة، لعله عندما ينتقل إلى العالم الآخر يرى نفسه من أعراب الجاهلية من غير إيمان بالله تعالى ولا بالنبوة والرسالة، ويرى أنه في الصورة التي يحشر بها أولئك الأعراب، ولا يعلم بأنه كان في الدنيا يعتنق العقيدة الحقة من الإيمان بالله وبرسوله وأنه من أمة الرسول الخاتم (صلی الله علیه و آله و سلم). كما جاء في الحديث عن أهل جهنم ينسون اسم رسول الله، ولا يستطيعون أن يعرفوا أنفسهم، إلا بعد أن يشاء الحق سبحانه أن ينجيهم(1). وبما أن هذه السجية من سجايا الشيطان، كما ورد في بعض الأحاديث، فلعل أعراب الجاهلية وأصحاب العصبية يحشرون يوم القيامة على هيئة الشياطين .

في الكافي في الصحيح، عن أبي عبد الله الصادق (علیه السّلام) قال : «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّ إِبْلِيسَ مِنْهُمْ وَكَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ فَاسْتَخْرَجَ مَا فِي نَفْسِهِ بِالْحَمِيَّةِ وَالْغَضَبِ. فَقَالَ خَلَقْتَني مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ»(2).

فاعلم أيها العزيز أن هذه الخصلة الخبيثة، من الشيطان، وأنها من مغالطات ذلك المعلون ومعاييره الباطله . إنه يغالط عن طريق هذا الحجاب السميك الذي يخفي عن النظر كل الحقائق، بل يظهر رذائل النفس كلها محاسن، وجميع محاسن الآخرين رذائل، من الواضع أنه كيف يكون مصير الإنسان الذي يرى جميع الأشياء على غير حقيقتها وواقعيتها .

وفضلا عن كون هذه الرذيلة هي نفسها تكون سبب هلاك الإنسان، فإنها كذلك منشأ الكثير من المفاسد الأخلاقية والأعمال القبيحة التي لا يتسع المجال لذكرها .

وعليه، إذا عرف الإنسان العاقل أن هذه المفاسد ناشئة تلك السجية الفاسدة، من وأذعن للشهادة الصادقة المصدقة من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته عليهم السلام بأن هذه الرذيلة تجر الإنسان إلى الهلاك وتدخله النار، فما عليه إلا أن يتصدى لعلاج نفسه من هذه السجية، وأن يطهر قلبه حتى من حبة خردل منها، حتى يكون طاهراً عند الانتقال من هذه الدنيا إلى العالم الآخر عند اقتراب أجله، فينتقل بنفس صافية، إن على الإنسان أن


1) نقل المرحوم الفيض الكاشاني في كتابه علم اليقين، ج 2، ص 1042 - 1043 روايات بهذا المضمون.

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب العصبية ح6 .

يدرك أن الفرصة محدودة والوقت قصير جداً، لأنه لا يعلم متى يحين موعد رحيله .

أيتها النفس الخبيثة لكاتب هذه السطور، لعل الأجل المقدر قد حان وأنت منهمكة في الكتابة، فينقلك بكل رذائلك إلى العالم الذي لا عودة منه .

ويا أيها العزيز يا من تقرأ هذه الوريقات، خذ العبرة من حال هذا الكاتب الذي يرزح الآن أو مستقبلاً تحت الثرى، وهو في العالم الآخر مبتلى بأعماله وأخلاقه البشعة . لقد ضيّع الفرصة الثمينة التي كانت عنده بالبطالة والأهواء، فأتلف ذلك الرأسمال الإلهي وأباده . فانتبه إلى نفسك لأنك ستكون يوماً مثلي دون أن تعلم متى يكون ذلك . فلعلك الآن وأنت مشغول بالقراءة، إذا تباطأت ذهبت الفرصة من يدك يا أخي، لا تؤجل هذه الأمور لأنها لا تحتمل التأجيل، فكم من إنسان سليم وقوي فاجأه الموت في لحظة وأخرجه من هذه الدنيا إلى العالم الآخر ولا نعلم عن مصيره شيئاً، إذاً، لا تضيع الفرصة، بل اغتنم اللحظة الواحدة، لأن القضية عظيمة الأهمية، والرحلة شديدة الخطورة. فإذا قصّر الإنسان في هذه الدنيا التي هي مزرعة الآخرة، يكون السيف قد سبق العذل، ولن تستطيع إصلاح فساد النفس، ولا يكون نصيبك سوى الحسرة والندم والذل .

إن أولياء الله لم يخلدوا إلى الراحة أبداً، وكانوا دائمي الخوف من هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر. إن حالات علي بن الحسين (علیه السّلام)، الإمام المعصوم، تثير الحيرة . وأنين أمير المؤمنين علي (علیه السّلام)، الولي المطلق تبعث على الدهشة. ما الذي جرى لنكون على هذا القدر من الغفلة؟ من الذي جعلنا نطمئن؟ إنه لا يغرينا أحد بتأجيل عمل اليوم إلى الغد إلا الشيطان. إنه يريد أن يزيد من أعداد أنصاره وأعوانه، وأن يجعلنا نتخلق بأخلاقه حتى نحشر مع أتباعه. إن ذلك الملعون هو الذي يسعى دائماً إلى تهوين أمور الآخرة في أعيننا، وبتذكيرنا لرحمة الله والشفاعة الشافعين يريد أن ينسينا ذكر الله وطاعته . ولكن يا للأسف ! فهذه كلها أمنيات باطلة، وهي من أحابيل مكر ذلك المعلون وحيله. إن رحمة الله تحيط بك الآن، رحمته في صحتك وسلامتك وحياتك وأمنك وهدايتك وعقلك وفرصتك وإرشادك إلى إصلاح نفسك وأن آلاف الرحمة الإلهية المختلفة تحيط بك من جميع الجهات ولكنك لا تنتفع بها ، بل تطيع أوامر الشيطان. فإذا لم تستطع أن تستفيد من رحمات هذه الدنيا، فاعلم أنه لن تنالك في العالم الآخر رحمات الله اللامتناهية بل

تحرم من شفاعة الشافعين. إن مظهر شفاعة الشافعين في هذه الدنيا هو الاهتداء بهداهم، وفي ذلك العالم هو الشفاعة لأنها باطن الهداية. فإذا حرمت الهداية هنا، حرمت الشفاعة هناك. وعلى قدر اهتدائك تكون لك الشفاعة . إن شفاعة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم). مثل رحمة الله المطلقة تنال من هو جدير بها .

فإذا انتزع الشيطان، لا سمح الله، وسائل الإيمان من يدك، فلن تكون جديراً بالرحمة والشفاعة. نعم، رحمة الله واسعة في الدارين. فإذا كنت تطلب الرحمة، فلماذا لا تستفيد من فيوضات الرحمة المتتالية في هذه الدنيا، وهي بذور الرحمات الأخرى؟ إن هذا العدد الكبير من الأنبياء والأولياء دعوك إلى مائدة ضيافة الله ونعمه، ولكنك رفضتها وهجرتها بوسوسة من الخنّاس، وبإيحاء من الشيطان، وضحيت بمحكمات كتاب الله ، وبالمتواترات من أحاديث الأنبياء والأولياء، وببديهات عقول العقلاء، وببراهين الحكماء الدامغة، على مذبح نزعات الشيطان والأهواء النفسية. الويل لي ولك من هذه الغفلة والعمى والصمم والجهل!.

فصل: في عصبيات أهل العلم

من جملة العصبيات الجاهلية هو العناد في القضايا العلمية، والدفاع عن كلمة سبق أن صدرت منه أو من معلمه أو شيخة، دون النظر إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل. ولا شك أن مثل هذا التعصب أقبح من كثير من العصبيات الأخرى وأجدر بالذم من جوانب عديدة. فمن جانب المتعصب نفسه نرى أن أهل العلم ينبغي أن يكونوا هم المربين لأبناء البشر، باعتبارهم فروع شجرة النبوة والولاية، وعارفين بوخامة الأمور وعواقب فساد الأخلاق. فإذا اتصف العالم، لا قدر الله، بالعصبية الجاهلية أو بالصفات الرذيلة الشيطانية، كانت الحجة عليه أتم وعقابه أشد. إن من يعرف نفسه على أنه مصباح الهداية، وشمع محفل العرفان، والهادي إلى السعادة، ومعرّف طرق الآخرة، ثم لا يعمل، لا سمح بما يقول، ويختلف باطنه عن ظاهره، يكون في زمرة أهل الرياء والنفاق، ويحسب مع علماء السوء، ويكون عالماً بلا عمل. وهذا عقابه أكبر وعذابه

أشدّ . وقد أشار الله سبحانه إلى أمثال هذا في القرآن بقوله :

بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(1). إذاً، من أهم التزامات أهل العلم هو أن يحافظوا على هذه الأمور وهذه المقامات، وأن يطهروا أنفسهم كل التطهير من هذه المفاسد، لكي يصلحوا بهذا أنفسهم والمجتمع، وتكون مواعظهم مؤثرة، وتقع نصائحهم موقعها من القلوب. إن فساد العالم يؤدي إلى فساد الأمة. ومن البديهي أن الفساد الذي يتسبب في مفاسد أخرى والخطيئة التي تزيد خطايا أخرى وتعظمها تكون أعظم عند وليّ النعم من الفساد الجزئي الذي لا يتعدّى إلى غيره .

ومن ناحية أخرى في قباحة هذه السجيّة لدى أهل العلم هو جانب العلم نفسه، إذ أن هذه العصبية خيانة للعلم وتجاهل لحقه إذ أن من يتحمل عبء هذه الأمانة ويلبس لبوسها، فعليه أن يرعى حرمتها ، واحترامها، وأن يعيدها إلى صاحبها صحيحة سليمة . فإذا ما تعصب، تعصب الجاهلية يكون قد خان الأمانة وارتكب الظلم والعدوان، وهذه بذاتها خطيئة كبرى .

والناحية الثانية من جراء هذه السجيّة القبيحة إهانة أهل العلم فيما إذا كان التعصّب في المباحث العلميّة مع العلم بأن أهل العلم من الودائع الإلهية الواجب احترامهم . بينما يكون هتكهم هتكاً لحرمات الله ومن الموبقات الكبيرة. وقد تؤدي العصبية التي لا تكون في محلها، إلى هتك حرمة أهل العلم. أعوذ بالله من هذه الخطيئة الكبيرة! .

وهناك جانب آخر هو جانب المتعصب له، أي الأستاذ وشيخ الإنسان. وهذا يوجب العقوق، وذلك لأن المشايخ العظام والأساطين الكرام، نضر الله وجوههم، يميلون إلى جانب الحق ، ويهربون من الباطل، ويسخطون على من يتذرع بالتعصب لقتل الحق وترويج الباطل. ولا شك في أن العقوق الروحي أشد من العقوق الجسمي، وحق الأبوة الروحية أسمى من حق الأبوة الجسمية .


1) سورة الجمعة ، الآية: 5.

إذاً، يتحتّم على أهل العلم، زادهم الله شرفاً وعظمة، أن يتبرأوا من المفاسد الأخلاقية والعملية، وأن يزينوا أنفسهم بحلية الأعمال الحسنة والأخلاق الكريمة، وأن لا ينزلوا عن المركز الشريف الذي أنعم الله تعالى به عليهم، إذ أن مدى الخسران في ذلك لا يعلمه إلا الله . والسلام .

الحديث التاسع: «النفاق»

اشارة

بالسند المتّصل إلى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن عون ابن القلانسي عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله الصادق (علیه السّلام)، قال: «مَنْ لَقِيَ الْمُسْلِمِينَ بِوَجْهَيْنِ وَلِسَانَيْنِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب ذي اللسانين ، ح1.

الشرح

لقاء المسلمين بوجهين هو: أن يبدي المرء ظاهر حاله وصورته الخارجية لهم على خلاف ماتكون في باطنه وسريرته، كان أنه يبدي من أهل المودة والمحبة لهم، وأنه مخلص حميم، بينما يكون في الباطن على خلاف ذلك فيعاملهم بالصدق والمحبة في حضورهم، ولا يكون كذلك لدى غيابهم .

أما ذو اللسانين فهو أن يثني على كل من يلقى من المسلمين ويمتدحه ويتملق له ويظهر المحبة له، ولكنه في غيابه يعمد إلى تكذيبه وإلى استغابته، فبناء على هذا التفسير، تكون الحالة الأولى هي : «النفاق العملي» والحالة الثانية هي : «النفاق القولي». ولعل الحديث الشريف يشير إلى صفة النفاق القبيحة. وباعتبار أن هاتين الحالتين هي من أظهر صفات المنافقين وألصقها بهم، اقتصر الحديث الشريف على ذكرها خاصّة .

والنفاق من الرذائل النفسانية والملكات الخبيثة التي تنجم عنها آثار كثيرة تكون منها هذين الأثرين المذكورين. كما أن له درجات ومراتب . وسوف نحاول إن شاء الله، أن نذكر تلك الدرجات والمراتب ومفاسدها ومعالجتها بقدر الإمكان، خلال بضعة فصول .

فصل: في بيان مراتب النفاق

إعلم أن النفاق، مثل سائر الأوصاف والملكات الخبيثة أو الشريفة، درجات ومراتب من حيث القوة والضعف . وأن كل رذيلة لو لم يتصدَّ لها المرء بالعلاج الناجح، بل خضع لها وتبعها، مالت إلى الاشتداد. وإن درجات اشتداد الرذائل، مثل درجات اشتداد الفضائل، غير متناهية ولا تقف عند حدّ .

فالمرء إذا ترك النفس الأمارة على حالها فبسبب ميلها الذاتي وعدم ارتياحها ومساعدة الشيطان لها والوسواس الخّناس اندفعت لأجل كل ذلك نحو الفساد. فيتفاقم حالها، وتزداد قوة وشدة يوماً بعد يوم، حتى يصل الأمر بتلك الرذيلة التي تابعها أن تتخذ الصورة الجوهرية للنفس وفصلها الأخير، وتصبح مملكة الإنسان، ظاهرها وباطنها تحت سيطرة تلك الرذيلة. فإذا كانت رذيلة شيطانية، كالنفاق والاتصاف بذي الوجهين، مما هو من صفات ذلك الشيطان الملعون، كما جاء في القرآن الكريم : وَقَاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ(1)، بينما كان الأمر خلاف ذلك، استسلمت مملكة الإنسان للشيطان، وأصبحت الصورة الأخيرة للنفس وباطنها وذاتها وجوهرها، صورة للشيطان، وقد تصبح صورته الظاهرة في الدنيا أيضاً كصورة الشيطان، وإن كانت ملامحه هنا بشرية .

فإذا لم يقف الإنسان بوجه هذه الصفة ولم يردعها، وترك نفسه وشأنها، فلن يمضي وقت طويل حتى يفلت الزمام منه ، ويصبح كلّ همه واهتمامه منصباً على تلك الرذيلة، حتى أنه لا يلتقي شخصاً إلا وعامله معاملة ذي الوجهين وذي اللسانين، ولا يعاشر أحداً إلا وخالطت معاشرته تلك الصفة من التلوّن والنفاق، دون أن يخطر له شيء سوى منافعه الخاصة وأنانيته وعبادته لذاته، واضعاً تحت قدميه الصداقة والحمية والهمة والرجولة . ومتسماً في كل حركاته وسكناته بالتلون، ولا يمتنع عن أي فساد وقبح ووقاحة. إن شخصاً هذا شأنه يكون بعيداً عن البشرية والإنسانية، ومحشوراً مع الشياطين.

كل هذا الذي استعرضناه يمثل القوة والضعف في جوهر النفاق نفسه، ولكنه يختلف باختلاف متعلقه . فقد يكون النفاق في دين الله وقد يكون في السجايا الحسنة والفضائل الأخلاقية، وقد يكون في الأعمال الصالحة والمناسك الإلهية، وقد يكون في الأمور العادية والمتعارف عليها. وهكذا قد ينافق المرء مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، أو مع أو مع أئمة الهدى (علیهم السّلام)، أو مع الأولياء والعلماء والمؤمنين، وقد يتسع النفاق فيكون مع المسلمين وسائر خلق الله من الملل الأخرى .

بديهي أن تكون هناك اختلافات في مدى قبح هذه الحالات التي عدّدناها


1) سورة الأعراف الآية : 21 .

ووقاحتها، على الرغم من أنها جميعاً تشترك من حيث الأصل في الخبث والقبح، لأنها فروع وأغصان الشجرة خبيثة واحدة.

إن النفاق والاتصاف بذي الوجهين، وإن كانا في أنفسهما من الصفات القبيحة التي لا يتصف بهما الإنسان الشريف، ويُعتبر المتصف بهما خارجاً عن المجتمع الإنساني، بل لا يكون شبيهاً بأي حيوان وأنهما يبعثان على الفضيحة والذل في هذه الدنيا أمام الأصحاب والأقران، كما أنهما يوجبان الذل والعذاب الأليم في الآخرة فقد جاء في الحديث الشريف وصف المنافق بأن صورته في ذلك العالم «أَنَّهُ يُحْشَرُ بِلِسَانَيْنِ مِنْ نَارِ» ويسببان طأطأة الرأس والفضيحة أمام خلق الله وفي حضرة الأنبياء المرسلين والملائكة المقربين. كما يتضح من هذا الحديث شدة عذاب المنافق وذي الوجهين، لأنه إذا أصبح جوهر الجسم جوهر النار ، كان الاحساس أقوى والألم أشد ، أعوذ بالله من شدته .

عن علي (علیه السّلام) قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذُو الْوَجْهَيْنِ دَالِعاً لِسَانَهُ فِي قَفَاهُ وَآخَرَ مِنْ قَدَامِهِ يَلْتَهِبَانِ نَاراً حَتَّى يُلْهِبَا جَسَدَهُ. ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا ذَا وَجْهَيْن وَلِسَانَين يُعْرَفُ بِذلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(1)، ويكون مشمولاً بالآية الشريفة:

وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سوء الدار(2). إن النفاق وذا الوجهين مضافاً إلى ما تقدم يكونان مصدر كثير من المفاسد والمهالك التي يمكن لأية واحدة منها أن تحكم بالفناء على دنيا الإنسان وآخرته، مثل «الفتنة» التي ينص القرآن الكريم على أنها «أشَدُّ مِنَ القَتل»(3). ومثل «النمية» التي يقول عنها الإمام الباقر (علیه السّلام):


1) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 143، من أبواب أحكام العشرة ، ح 5 . ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، عقاب من كان ذا وجهين وذا لسانين، ص 316 .

2) سورة الرعد، الآية : 25 .

3) سورة البقرة، الآية : 191 .

«مُحَرَّمَةَ الْجَنَّةُ عَلَى الْقَانِينَ الْمَثَانِينَ بالنَّمِيمَةِ»(1).

ومثل «الغيبة» التي قال عنها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إنَّهَا أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا»(2). ومثل إيذاء المؤمن وسبه وكشف الستر عنه وإفشاء سره، وغيرها مما يعد كل واحد منها سبباً مستقلاً لهلاك الإنسان .

واعلم أنه تندرج في النفاق وذي الوجهين جملة أمور هي : الغمز واللمز والكنايات التي يطلقها البعض على البعض الآخر، على الرغم من إظهار المحبة والصداقة الحميمة. فعلى الإنسان أن يكون على حذر شديد، وأن يراقب سلوكه وأعماله. فإن مكائد النفس والأساليب الشيطانية الماكرة خفية جداً، قل من استطاع الإفلات منها . فقد يصبح الإنسان بإشارة من إشاراته التي تصدر في غير محلها، أو بغمز وتعريض يصدر منه في غير موضعه، من ذوي الوجهين، وقد يكون الإنسان مُبتلى بهذه الرذيلة حتى نهاية عمره، بينما هو يتصور نفسه سليمة وطاهرة. إذاً ،‌ على الإنسان أن يكون مثل الطبيب العطوف الحاذق، والممرض الشفيق المطلع على حالات النفس، يراقب أعماله وتطوراته دائماً ولا يغفل عن ذلك أبداً، وأن يعلم أنه ما من مرض أخفى، وفي الوقت نفسه أفتك، من الأمراض القلبية، وأنه ما من ممرض يكون أشفق وأعطف على الإنسان من نفسه .

فصل: في معالجة النفاق

إعلم أن لعلاج هذه الخطيئة الكبيرة طريقين :

أحدهما : هو التفكير في المفاسد التي تنتج عنها . ذلك أن الإنسان في هذه الدنيا إذا عُرف بهذه الصفة بين الناس سقط من أنظارهم، وافتضح بين الخاصة والعامة، وفقد كرامته بين أصحابه، فيطردونه من مجالسهم، ويتخلف عن محافل أنسهم، ويقصر عن


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب النميمة، ح2 ، القتات : النمام.

2) قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): يا أبا ذر إيّاك والغيبة فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا . قلت يا رسول الله ولم ذاك بأبي أنت وأمي ؟ قال : لأنّ الرجل يزني فيتوبُ إلى الله فيتوب الله عليه والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبه. (بحار الأنوار ، ج 74 ، كتاب الروضة، باب مواعظ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ص 89) .

اكتساب الكمالات وبلوغ المقاصد . فعلى الإنسان ذي الشرف والضمير أن يطهر نفسه من هذا العار الملطخ للشرف، لكيلا يبتلى بأمثال هذه الحالات من الذل والضعة. كذلك الأمر في عالم الآخرة ، عالم كشف الأسرار. إذ كل ما هو مستور في هذه الدنيا عن أنظار الناس لا يمكن ستره في عالم الآخرة. فهناك يحشر وهو مشوّه الخلقة بلسانين من نار، ويعذب مع المنافقين والشياطين .

إذاً، فالإنسان العاقل إذا ما رأى هذه المفاسد، ولم يجد لذلك الخلق نتيجة غير القبح والرذيلة، وجب عليه أن يتجنب الاتصاف بهذه الصفة والسلوك للمعالجة وهو :

الطريق الآخر : وهو الأسلوب العملي لعلاج النفس وهو أن يراقب الإنسان حركاته وسكناته بكل دقة وتمحيص لفترة من الوقت، وأن يعمد إلى العمل بما يخالف رغبات النفس وتمنياتها، وأن يجاهد في جعل أعماله وأقواله في الظاهر والباطن واحدة وأن يبتعد عن التظاهر والتدليس في حياته العملية، وأن يطلب من الله تعالى، خلال ذلك، التوفيق والنجاح في التغلب على النفس الأمارة وأهوائها، ويعينه في محاولاته العلاجية . إذ أن فضل الله تعالى على الناس ورحمته بهم لا نهاية لها. وهو يشمل بعونه كل من خطا نحو إصلاح نفسه، ويمد يد الرحمة لإنقاذه فإذا ثابر على ذلك بعض الوقت، كان له أن يرجو لنفسه الصفاء والانعتاق من النفاق وذي الوجهينية، وأن يصل إلى حيث يتطهر قلبه من هذه الرذيلة ليصبح موضع ألطاف الله ورحمة ولي نعمته الحقيقي. وذلك لأن التجربة والبراهين تدل على أنه ما دامت النفس في هذه الدنيا كانت منفعلة بما يصدر عنها من أفعال وأقوال، الصالحة منها والطالحة، ويكون لكل ذلك أثر فيها. فإذا كان العمل صالحاً، كان أثره نورانياً كمالياً، وإذا كان خلاف ذلك، كان أثره مظلماً انتقاصياً، حتى القلب كله نيراً أو مظلماً، منخرطاً في سلك السعداء أو الأشقياء. إذاً، فما دمنا في يصبح دار العمل وفي هذه المزرعة، فإننا نستطيع بإرادتنا أن ندفع بقلوبنا إما إلى السعادة وإما إلى الشقاء، لأن المرء رهين عمله وفعله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ(1).


1) سورة الزلزلة ، الآيتان: 7-8 .

فصل: في بيان بعض أقسام النفاق

إعلم أيها العزيز أن من مراتب النفاق وذي اللسانين والوجهين، النفاق مع الله تعالى والتوجه إلى مالك الملوك ووليّ النّعم بوجهين، حيث نكون من المبتلين به في هذا العالم ونحن غافلون عنه . لأن أستار الجهل الكثيفة وحجب الأنانية المظلمة وحب الدنيا وحمد الذات مسدولة عليه ومختفية عنّا ومن الصعب جداً أن ننتبه له قبل انكشاف السرائر، ورفع

الحجب، والظعن عن دنيا الطبيعة، وشدّ الرحال عن دار الغرور ودار الجهل والغفلة .

إننا الآن غارقون في نوم الغفلة ، محكومون لسكر الطبيعة، والميول والرغبات التي تزيّن لنا كل قبائح الأخلاق وفساد الأعمال، وإذا ما استيقظنا وصحونا من هذه السكرة العميقة يكون قد فات الأوان. إذ نجد أنفسنا قد صرنا في زمرة المنافقين وذي الوجهين واللسانين وحُشرنا بلسانين من نار، أو بوجهين مشوهين بشعين، وعندئذ لن تنفعنا نداءاتنا ربِّ ارْجِعُونِ(1)إننا نجاب بـ«كلا» . إن صفة التلون هذه تكون بحيث أننا ، أنا وأنت، نقضي كل عمرنا ونحن نظهر التمسك بكلمة التوحيد، وندعي الإسلام والإيمان، بل المحبة والمحبوبية، وغير ذلك من الادعاءات على قدر ما نشتهي ونحب .

فإذا كنّا من عامة الناس وعوامهم ادّعينها الإسلام والإيمان والزهد والخلوص .

وإذا كنا من أهل العلم والفقه، ادعينا كمال الإخلاص والولاية وخلافة الرسول، متشبثين بما نقل عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : أنه قال : «اللَّهُمَّ ارْحَمْ خُلَفَائِي»(2)، ويقول الإمام صاحب الزمان روحي له الفداء : إنَّهُمْ حُجَّتِي»(3)وغير ذلك من الأقوال المنقولة عن أئمة الهدى سلام الله عليهم في شأن العلماء والفقهاء .


1) سورة المؤمنون، الآية : 99.

2) وسائل الشيعة، المجلد الثامن عشر، أبواب صفات القاضي ص 100 - 101.

3) في التوقيع الشريف عن الحجة بن الحسن عجّل الله تعالى له الفرج .. وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم . (وسائل الشيعة المجلد الثامن عشر، أبواب صفات القاضي، ح9 ، ص 101).

وإذا كنّا من أهل العلوم العقلية، ادعينا الإيمان الحقيقي المبرهن، وزعمنا أننا نملك علم اليقين وعين اليقين، وحق اليقين، معتقدين أن سائر خلق الله ناقضوا علم وإيمان، ونستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة الواردة بحقنا .

وإذا كنا من أهل العرفان والتصوف، ادعينا المعارف الإلهية والانجذاب الروحي والفناء في الله، والبقاء بالله، وولاية الأمر، وما إلى ذلك من الأقوال مما يخطر بالبال من الألفاظ الجذابة.

وهكذا فإنّ كل طائفة منا تدعي بلسانها وظاهر حالها أن لها مرتبتها وإظهار حقيقة من الحقائق الشائعة. فإذا كان هذا الظاهر مطابقاً للباطن، واتفق العلن مع السرَّ، وكان صادقاً مصدقاً، فهنيئاً لأرباب النعيم نعيمهم. أما إذا كان، مثل كاتب هذه السطور، الأسود الوجه، القبيح، المشوه الخلقة، فليعلم أنه من المنافقين وذوي الوجهين واللسانين، وعليه أن يبادر إلى علاج نفسه، وأن يغتنم الفرصة قبل فواتها للخروج من التعاسة والذل والظلام .

أيها العزيز المدعي للإسلام قد ورد في «الكافي» حديث شريف عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ»(1)فلماذا نقوم أنا وأنت وعلى قدر ما نستطيع ونتمكن، على إيصال الأذى إلى من هم أقل منّا ولا نمتنع عن ظلمهم والإجحاف بحقهم؟ وإذا لم تصل أيدينا إليهم فلن نتوقف عن تجريحهم بحد اللسان في حضورهم، أو حتى في غيابهم، فنعمد إلى هتك أسرارهم، والكشف عن مكنوناتهم، واغتيابهم، وإلصاق التهم بهم .

إذاً فادعاؤنا نحن الذين لا يسلم المسلمون من أيدينا وألسنتنا، للإسلام مخالف للحقيقة، وباطننا يخالف ظاهرنا، وأننا من زمرة المنافقين ومن ذوي الوجهين .

يا من تدّعي الإيمان وخضوع القلب في حضرة الله ذي الجلال، إذا كنت تؤمن بكلمة التوحيد، ولا يعبد قلبك غير الواحد، ولا يطلب غيره، ولا ترى الألوهية تستحق


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب المؤمن وعلاماته ح 12 .

إلا لذاته المقدسة، وإذا كان ظاهرك وباطنك يتفقان فيما تدّعي، فلماذا نجدك وقد خضع قلبك لأهل الدنيا كل هذا الخضوع؟ لماذا تعبدهم؟ أليس ذلك لأنك ترى لهم تأثيراً في هذا العالم، وترى أن إرادتهم هي النافذة، وترى أن المال والقوة هما الطاقة المؤثرة والفاعلة؟ وأن ما لا تراه فاعلاً في هذا العالم هو إرادة الحق تعالى، فتخضع لجميع الأسباب الظاهرية، وتغفل عن المؤثر الحقيقي وعن مسبب جميع الأسباب، ومع كل ذلك تدّعي الإيمان بكلمة التوحيد. إذاً، فأنت أيضاً خارج عن زمرة المؤمنين، وداخل في زمرة المنافقين ومحشور مع أصحاب اللسانين .

وأنت يا من تدّعي الزهد والإخلاص، إذا كنت مخلصاً حقاً، وأنك لأجل الله ولأجل دار كرامته تزهد عن مشتهيات الدنيا، فما الذي يحملك على أن تفرح بمدح الناس لك والثناء عليك بقولهم إنك من أهل الصلاح والسداد؟ فيملأ السرور قلبك، ولماذا لا تبخل بشيء في سبيل مجالسة أهل الدنيا وفي سبيل زخارفها، وتفرّ من الفقراء والمساكين؟

فاعلم أن زهدك وإخلاصك ليسا حقيقيين، بل إن زهدك في الدنيا هو من أجل الدنيا، وأن قلبك ليس خالصاً لوجه الله ، وأنك كاذب في دعواك، وأنك من المتلوّنين المنافقين .

وأنت يا من تدّعي الولاية من جانب وليّ الله ، والخلافة من جانب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فإن كان واقعك مطابقاً للحديث المروي في كتاب «الاحتجاج»: «صَائِنَا لِنَفْسِهِ، حَافِظاً لِدِينِهِ، مُخَالِفاً لِهَوَاهُ، مُطِيعاً لأمرِ مَوْلاهُ»(1). وإذا كنت ورقة على غصن الولاية والرسالة، ولا تميل إلى الدنيا، ولا تحب التقرب إلى السلاطين والأشراف، ولا تنفر من مجالسة الفقراء، فإن اسمك يطابق مسماه، وإنك من الحجج الإلهية بين الناس، وإلا فإنك من علماء السوء، وفي زمرة المنافقين، وحالك أسوأ من الطوائف التي ذكرناها، وعملك أقبح، ويومك أشد سواداً ، لأن الحجة على العلماء أتم .

وأنت يا من تدّعي امتلاك الحكمة الإلهية، والعلم بحقائق المبدإ والمعاد، إذا كنتَ


1) الاحتجاج، المجلد الثاني، احتجاجات الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) ص 458 .

عالماً بالحقائق في الأسباب والمسببات، وإذا كنت حقاً عالماً بالصور البرزخية وأحوال الجنة والنار، فلا بُدَّ أن لا يقر لك قرار، وعليك أن تصرف كل وقتك في إعمار عالم البقاء، وأن تهرب من هذه الدنيا ومغرياتها، فأنت عالم بما هنالك من مصائب وظلام وعذاب لا يطاق . إذاً ، لماذا لا تتقدم ولو خطوة واحدة خارج حجب الكلمات والألفاظ والمفاهيم، ولم تؤثر في قلبك البراهين الفلسفية قدر جناح ذبابة؟ إذاً، أنت خارج عن زمرة المؤمنين والحكماء، ومحشور في زمرة المنافقين، وويل للذي يقضي عمره وجهده في علوم ما وراء الطبيعة، دون أن يسمح له انتشاؤه بخمر الطبيعة بدخول ولو حقيقة واحدة إلى قلبه .

وأنت يا من تدّعي المعرفة والانجذاب والسلوك والمحبة والفناء، إذا كنت حقاً من أهل الله ومن أصحاب القلوب، ومن ذوي السابقة الحسنة، فهنيئاً لك. ولكن كل هذه الشطحات(1)

وقال صاحب دستور العلماء : إن الشطحات الأحاديث التي يتفّوه بها الإنسان عند السكر وتغلّب سلطان الحقيقة تفوح منها رائحة اللغو والهياج ظاهره يخالف العلم ويغاير المتعارف. (دستور العلماء، ج 2، ص 214) ويقول الإمام قدّس سرّه في كتاب مصباح الهداية (والشطحيات كلها من نقصان السالك والسلوك) مصباح الهداية ، ص 207.

وهذا التلون(2)وتلك الادعاءات اللامسؤولة التي تكشف عن حب الذات ووسوسة الشيطان، تتعارض مع المحبة والانجذاب «إنَّ أَوْلِيَائِي تَحْتَ قِبَابِي لَا يَعْرِفُهُمْ غَيْرِي»(3). فأنت إذا كنت من أولياء الله والمنجذبين إليه ومحبيه، فإن الله يعلم بذلك، فلا

1) الشطحات: يقول صاحب تاج العروس: إنّ (الشطحات) من المصطلحات المعروفة لدى العرفاء ويقصدون منها الكلمات التي يتحدثها المتصوف لدى غيابه عن الوعي ومشاهدته للحق حيث لا يرى إلا الحقيقة . تاج العروس ، ج 2، ص 172 .

2) التلوّن هو تلوّن العبد في أحواله أي التحوّل من حال إلى آخر . يقول أبو القاسم القشيري : التلوين صفة أصحاب الأحوال والتمكين صفة أهل الحقائق والعبد عندما يكون في الطريق يتلوّن. وقال الشيخ عبد الرزاق الكاشاني : إن التلون هو تغّير حالات العبد. وهو مقام ناقص لدى الكثير من الكبار وعندي يعد من أكمل المقامات ويكون حال العبد في هذا المقام حال كلامه سبحانه : كُلِّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ . وذكر الشيخ محيي الدين العربي نفس هذه المقولة في كتاب المصطلحات الصوفية. ولكن الإمام قدّس سرّه يرى التلون نقصاً للعبد لا كمالاً .

3) إحياء العلوم، المجلد الرابع، ص 256 . اسرار الشريعة واطوار الطريقة وأنوار الحقيقة ص197. مصباح الهداية ومفتاح الكفاية ص 387. مرصاد العباد ص 127 .

تظهر للناس مدى مقامك ومنزلتك بهذه الصورة، ولا تسع لتلفت قلوب عباد الله الضعيفة من وجهة خالقها إلى وجهة المخلوق ولا تغتصب بيت الله. واعلم أن عباد الله أعزاء وقلوبهم ثمينة ويجب أن تشتغل في محبة الله، فلا تتلاعب إلى هذا الحد ببيت الله ولا تتعرض لحرماته ، فَإِنَّ لِلْبَيْتِ رَبِّاً(1)فإذا لم تكن صادقاً في دعاواك، فأنت في زمرة أهل النفاق ومن ذوي الوجهين.

لنكتف بهذا القدر هنا، إذ ليس الإسهاب في هذا الموضوع مما يجدر بي وأنا ذو الوجه المظلم!.

يا أيتها النفس اللئيمة التي تتظاهرين بالتفكير للخروج من الأيام المظلمة والنجاة من هذه التعاسة. إذا كنت صادقة، وقلبك يواكب لسانك، وسرّك يطابق علنك، فلماذا أنتِ غافلة إلى هذا الحد؟ ولماذا يسيطر عليكِ القلب المظلم والشهوات النفسانية وتتغلب عليك، دون أن تفكري في رحلة الموت المليئة بالمخاطر؟ .

لقد تصرّم عمرك دون أن تبتعدي عن أهواك ورغباتك . ولقد أمضيت عمراً منغمساً في الشهوة والغفلة والشقاء وسيحل الأجل قريباً، وأنت ما زلت تمارسين أعمالك وأخلاقك القبيحة . فأنت نفسك واعظ غير متعظ، ومن زمرة المنافقين وذوي الوجهين . ولئن بقيت على هذا الحال فستحشرين بوجهين ولسانين من نار . . .

اللهم أيقظنا من هذه الرقدة المديدة، وأصحنا من السكر والغفلة! وأنر قلوبنا بنور الإيمان! وارحم حالنا! إننا لسنا من رجال هذا الميدان. فمُدَّ إلينا يدك وأعنا على النجاة من مخالب الشيطان وأهواء النفس، بحق أوليائك محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين .


1) هذا جواب عبد المطلب لأبرهة القادم إلى مكة لهدم الكعبة . (بحار الأنوار، ج 15، تاريخ نبيّنا (صلی الله علیه و آله و سلم)، ص 131 - 136 ، الباب الأول، ج 70 و 71 . سيرة ابن هشام، ج 1، ص 65) .

الحديث العاشر: «اتباع الهدى وطول الأمل»

اشارة

بالأسناد المتَّصلة إلى رئيس المحدَّثين محمّد بن يعقوب - رضوان الله عليه - عن الحسين بن محمّد، عن معلَّى بن محمّد، عن الوشاء، عن عاصمِ بنِ حُميد، عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل قال: قال أمير المؤمنين (علیه السّلام): «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ: اتَّبَاعَ الْهَوَى وَطُولَ الأمَلِ، أَمَّا اتَّبَاعُ الْهَوَى فَإنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَإِنَّهُ يُنْسِي الآخِرَةَ»(1).


1) أصول الكافي ، المجلد الثاني، الإيمان والكفر، باب اتّباع الهوى، ح3.

الشرح:

«الهوى» في اللغة «حب الشيء» و «اشتهاؤه من دون فرق في أن يكون متعلقه أمراً حسناً ممدوحاً، أو قبيحاً مذموماً. أو أن النفس بمقتضى الطبيعة، تميل إلى الشهوات الباطلة والأهواء النفسية، لولا العقل والشرع اللذان يكبحانها. أما احتمال الحقيقة الشرعية(1)، كما يقول بعض المحققين(2)، فمستبعد .

أما «الصّد» عن الشيء فمعناه المنع والإعراض والانصراف عنه. وهي معان تناسب الكلمة، إلا أن المعنى المقصود هنا هو المنع والانصراف عن الشيء، إذ أن الصد بمعنى الإعراض يكون لازماً لا متعدياً .

وسوف نحاول، إن شاء الله، من خلال مقامين اثنين أن نوضح فساد هاتين الصفتين ، وكيف تقوم الأولى بالمنع عن الحق. وتقوم الثانية بنسيان الآخرة. طالبين من الله التوفيق :

المقام الأول في ذم اتباع هوى النفس وفيه فصول

فصل: في بيان أن الإنسان عند ولادته يكون حيواناً بالفعل

إعلم أن النفس الإنسانية، على الرغم من كونها، في معنى من المعاني الخارجة عن


1) الحقيقة الشرعية هي استعمال الشارع اللفظ في معنى جديد صاغه الشارع من دون قرينة بعد أن كان اللفظ مستعملاً في معنى آخر لدى أهل اللغة مثل كلمة الصلاة الموضوعة في اللغة للدعاء ووضعه الشارع في العبادة الخاصة .

2) مرآة العقول، كتاب الإيمان والكفر، باب اتّباع الهوى، ج10، ص312، ح 1 .

نطاق بحثنا، مفطورة على التوحيد، بل هي مفطورة على جميع العقائد الحقة . ولكنها منذ ولادتها وخروجها إلى هذا العالم تنمو معها الميول النفسية والشهوات الحيوانية، إلاّ من أيده الله وكان له حافظ قدسي. ولما كان هذا الاستثناء من النوادر فإنه لا يدخل في حسابنا، لأننا نتناول نوع الإنسان عموماً.

لقد ثبت في محله بالبراهين أن الإنسان منذ أول ظهوره، وبعد مروره بمراحل عدّة، لا يعدو أن يكون حيواناً ضعيفاً لا يمتاز عن سائر الحيوانات إلا بقابلياته الإنسانية . وأن تلك القابليات ليست بمقياس إنسانيته الفعلية .

فالإنسان حيوان بالفعل عند دخوله هذا العالم، ولا معيار له سوى شريعة الحيوانات التي تديرها الشهوة والغضب. ولكن لما كان لاعجوبة الدهر هذا، الإنسان، ذات جامعة، أو قابلة على الجمع، فإنه يدبر هاتين القوتين تجده يلتجيء إلى استعمال الصفات الشيطانية، مثل الكذب والخديعة والنفاق والنميمة وسائر الصفات الشيطانية الأخرى. وهو بهذه القوى الثلاث، الشهوة، الغضب، هوى النفس، التي هي أصل كل المفاسد المهلكة، يخطو نحو التقدم، فتنمو فيه كذلك هذه القوى وتتقدم وتتعاظم. وإذا لم تقع تحت تأثير مربّ أو معلم، فإنه يصبح عند الرشد والبلوغ حيواناً عجيباً يفوز بقصب السبق في تلك الأمور المذكورة على سائر الحيوانات والشياطين، ويكون أقوى وأكمل في مقام الحيوانية والصفات الشيطانية من الجميع. وإذا ما استمرت حاله على هذه المنوال، ولم يتبع في هذه الشؤون الثلاثة سوى أهوائه النفسية، فلن يبرز فيه شيء من المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، بل تنطفى فيه جميع الأنوار الفطرية .

فتقع جميع مراتب الحق التي لا تعدو هذه المقامات الثلاثة التي ذكرناها، أي المعارف الإلهية، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة تحت أقدام الأهواء النفسية . وعندئذٍ يصبح اتباع الأهواء النفسية والرغبات الحيوانية حائلاً دون أن يتجلّى فيه الحق من خلال أية واحدة من تلك المراتب، ويطفى ظلام النفس وأهواؤها كل أنوار العقل والإيمان، ولن تتاح له ولادة ثانية، أي الولادة الإنسانية، بل يمكث على تلك الحال ويكون ممنوعاً ومصدوداً عن الحق والحقيقة إلى أن يرحل عن هذا العالم. إن مثل هذا

الشخص إذا رحل عن هذا العالم بتلك الحالة، لن يرى نفسه في ذلك العالم ، عالم كشف السرائر، إلا حيواناً أو شيطاناً. لا تشّم منه رائحة الإنسان والإنسانية أبداً، فيبقى في تلك الحال من الظلام والعذاب والخوف الذي لا ينتهي حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. إذن هذه هي حال التبعية الكاملة لأهواء النفس والتي تُبعد الإنسان نهائياً عن الحق .

هنا يمكن أن نعرف أن ميزان البعد عن الحق هو اتباع هوى النفس. ومسافة ومن هذا البعد تقدر أيضاً بمقدار التبعية . فمثلاً ، لو أن هذا الإنسان ، استطاع أن يجعل مملكة إنسانية هذا الإنسان الذي اقترن منذ ولادته بالقوى الثلاثة وترعرعت وتكاملت فيه تلك القوى أيضاً مع نمو الإنسان وتكامله، لو استطاع أن يجعل هذه المملكة متأثرة بتربية تعاليم الأنبياء والعلماء والمرشدين لاستسلم شيئاً فشيئاً لسلطة تربية الأنبياء والأولياء (علیهم السّلام)، فقد لا يمضي عليه وقت طويل حتى تصبح القوة الكاملة الإنسانية، التي أودعت فيه على أساس القابلية فعلية ظاهرة للعيان، وترجع جميع شؤون مملكته وقواها إلى شأن الإنسانية بحيث يجعل شيطان نفسه يؤمن على يديه كما قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنْ شَيْطَانِي آمَنَ بِيَدِي»(1)فتستسلم حيوانيته لإنسانيته، حتى تصبح مطية مروّضة على طريق عالم الكمال والرقي، وبراقاً يرتاد السماء نحو الآخرة، ويمتنع عن كل معاندة وتمرد. وبعد أن تستسلم الشهوة والغضب إلى مقام العدل والشرع تنتشر العدالة في المملكة، وتتشكل حكومة عادلة حقة يكون فيها العمل والسيادة للحق وللقوانين الحقة، بحيث لا تتخذ فيها خطوة واحدة ضد الحق، وتكون خالية من كل باطل وجور.

وعليه، فكما أن ميزان منع الحق والصدّ عنه هو اتباع الهوى، فكذلك ميزان اجتذاب الحق وسيادته هو متابعة الشرع والعقل . وبين هذين المقياسين وهما التبعية التّامة لهوى النفس والتبعية التامة المطلقة للعقل منازل غير متناهية، بحيث أن كل خطوة يخطوها في اتباع هوى النفس، يكون بالمقدار نفسه قد منع الحق، وحجب الحقيقة، وابتعد عن أنوار الكمال الإنساني وأسرار وجوده. وبعكس ذلك، كلما خطا خطوة


1) ورد مثل هذا الحديث في كتاب غوالي اللثالي المجلد 4 ص 97 . وفي كتاب علم اليقين، المجلد 1 ، ص 282 .

مخالفة لهوى النفس ورغبتها، يكون بالمقدار نفسه قد أزاح الحجاب وتجلّى نور الحق في المملكة .

فصل: في ذم اتباع الهوى

يقول الله تعالى في ذم اتّباع النفس وأهوائها : ولا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيل الله(1). . . وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدى مِنَ اللَّهِ(2).

وجاء في الكافي الشريف، بسنده عن الإمام الباقر (علیه السّلام) قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَعَظَمَتِي وَكِبريائي وَنُورِي وَعُلُوِّي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لا يُؤثِرُ عَبْدٌ هَوَاهُ عَلَى هَوَايَ إِلا شَدَّتُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَلَبَّسْتُ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَشَغَلْتُ قَلْبَهُ بِهَا وَلَمْ أُوتِهِ مِنْها إِلا مَا قَدَّرْتُ لَهُ وَعِرْنِي وَجَلالِي وَعَظَمَتِي وَنُورِي وَعُلُوِّي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَوَايَ عَلَى هَوَاهُ إِلا اسْتَحْفَظْتُهُ مَلائِكَتِي وَكَفَّلْتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ رِزْقَهُ وَكُنْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَارَةِ كُلِّ نَاجِرٍ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ»(3).

وهذا الحديث الشريف من محكمات الأحاديث التي يدل مضمونها على أنه ينبع من علم الله تعالى الرائق حتى وإن كان مطعوناً فيه بضعف السند، فنحن لسنا بصدد شرحه. وهناك حديث آخر منقول عن الإمام علي (علیه السّلام) قال فيه :

«إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الأَمَلِ»(4).

وجاء في الكافي عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنه قال :

«إحْذَرُوا أَهْوَاتَكُمْ كَمَا تَحْذَرُونَ أَعْدَاءَكُمْ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَعْدَى لِلرِّجَالِ مِن اتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ وَحَصَائِدِ أَلْسِنَتِهِمْ»(5).


1) سورة ص ، الآية : 26 .

2) سورة القصص، الآية : 50.

3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب اتباع الهوى، ح2 .

4) نهج البلاغة ، خطبة 42 ، (الشيخ صبحي الصالح) .

5) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب اتباع الهوى ، ح 1 .

إعلم أيها العزيز، أن رغبات النفس وآمالها لا تنتهي ولا تصل إلى حد أو غاية . فإذا اتبعها الإنسان ولو بخطوة واحدة، فسوف يضطر إلى أن يتبع تلك الخطوة خطوات، وإذا رضي بهوى واحد من أهوائها، أجبر على الرضى بالكثير منها. ولئن فتحت باباً واحداً لهوى نفسك، فإن عليك أن تفتح أبواباً عديدة له .

إنك بمتابعتك هوى واحداً من أهواء النفس توقعها في عدد من المفاسد، ومن ثم سوف تبتلى بآلاف المهالك، حتى تنغلق، لا سمح الله، جميع طرق الحق بوجهك في آخر لحظات حياتك، كما أخبر الله بذلك في نص كتابه الكريم(1)، وكان هذا هو أخشى ما يخشاه أمير المؤمنين وولي الأمر، والمولى، والمرشد والكفيل للهداية والموجه للعائلة البشرية (علیه السّلام).

بل إن روح النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأرواح الأئمة (علیهم السّلام) تكون جميعاً في قلق واضطراب لئلا تسقط أوراق شجرة النبوة والولاية وتذوي .

قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فَإِنِّي أَبَاهِي بِكُمُ الأُمَمَ وَلَوْ بِالسِّقْطِ»(2).

لا شك في أنه لو سار الإنسان في مثل هذه الطريق المخوفة المحفوفة بالمخاطر مما قد يلقي به إلى هوّة الفناء ويجعله موضع عقوق أبيه الحقيقي، أي النبي الكريم (صلی الله علیه و آله و سلم)، ويجعل نبيه الذي هو رحمة للعالمين ساخطاً عليه . فما أشد تعاسته، وما أكثر المصائب والبلايا التي يخبئها له الغيب !.

فإذا كنت على صلة برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وإذا كنت تحب أمير المؤمنين (علیه السّلام) وإذا كنت من محبي أولادهما الطاهرين، فاسْعَ لكي تزيل عن قلوبهم المباركة القلق والاضطراب .


1) راجع الآيات الكريمة التالية : الآية 23 سورة الجاثية، الآية 50 سورة القصص، الآية 10 سورة الروم.

2) مستدرك وسائل الشيعة، كتاب النكاح ، الباب الأول من أبواب مقدمات النكاح، ح17. لا تجد في الحديث هنا كلمة (ولو بالسقط) ورد في تفسير أبو الفتوح الرازي (سورة النور، آية: 32) «تَنَاكَحُوا تكْثُرُوا فَإِنِّي أَبَاهِي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَوْ بِالسِّقْطِ». وفي بحار الأنوار، الباب الأول من أبواب النكاح. ج 103، ص 220، ح 24 تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط .

لقد جاء في القرآن الكريم في سورة هود :

. . . فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ . . .(1). وجاء الحديث الشريف أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : «شَيبتني سُورَةُ هُودٍ»(2)لمكان هذه الآية . يقول الشيخ العارف الكامل الشاه آبادي(3)، روحي فداه، : «هذا، على الرغم من أن هذه الآية قد جاءت في سورة الشورى(4)أيضاً ، ولكن من دون وَمَنْ تَابَ مَعَكَ إلا أن النبي خصّ سورة هود بالذكر. والسبب أن الله تعالى طلب منه استقامة الأمة أيضاً، فكان يخشى أن لا يتحقق ذلك الطلب، وإلا فإنه بذاته كان أشدّ ما يكون استقامة، بل لقد كان (صلی الله علیه و آله و سلم) مثال العدل والاستقامة».

إذاً، يا أخي، إذا كنت تعرف أنك من أتباع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وتريد أن تحقق هدفه، الاهلي فاعمل على أن لا تخجله بقبيح عملك وسوء فعلك . ألا ترى أنه إذا كان أحد من أولادك والمقربين إليك يعمل القبيح وغير المناسب من الأعمال التي تتعارض وشأنك، فكم سيكون ذلك مدعاة لخجلك من الناس وسبباً في طأطأة رأسك أمامهم؟ ولا بد أن تعلم أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وعلياً (علیه السّلام)، هما أبوا هذه الأمة بنص ما قاله النبي الكريم: «أَنَا وَعَلي أَبَوْا هَذِهِ الأُمَّةِ»(5). فلو أحضرنا في حضرة ربّ العالمين يوم الحساب وأمام نبينا وأئمتنا، ولم يكن في كتاب أعمالنا سوى القبيح من الأعمال، فإن ذلك سوف يصعب عليهم ولسوف يشعرون بالخجل في حضرة الله والملائكة والأنبياء . وهذا هو الظلم العظيم الذي نكون قد ارتكبناه بحقهم، وإنها لمصيبة عظمى نبتلى بها، ولا نعلم ما الذي سيفعله الله بنا؟

فيا أيها الإنسان الظلوم الجهول، يا من تظلم نفسك! كيف تكافى أولياءك الذين


1) سورة هود، الآية : 112 .

2) تفسير مجمع البيان، المجلد الخامس، ص 140 . وكتاب علم اليقين، ج 2، ص971 ، تفسير الكشاف، ج 2، ص 432 .

3) تقدمت ترجمة المقدس الشاه آبادي باختصار في ص 48 من هذا الكتاب فراجع.

4) سورة الشورى، الآية 15 .

5) بحار الأنوار، ج 36 تاريخ أمير المؤمنين (علیه السّلام)، باب 26 ، ج 12 ص 11 .

بذلوا أموالهم وأرواحهم في سبيل هدايتك، وتحمّلوا أشد المصائب، وأفظع القتل، وأقسى السبي لنسائهم وأطفالهم من أجل إرشادك ونجاتك؟ فبدلاً من أن تشكرهم على ما فعلوا وتحفظ لهم أياديهم البيض نحوك ، تقوم بظلمهم ظناً منك أنك إنما تظلم نفسك وحدها! استيقظ من نوم الغفلة، واخجل من نفسك، واتركهم يعانون من الظلم الذي تحملوه من أعداء الدين من دون أن تضيف على ظلامتهم ظلامة أخرى، لأن الظلم من المحب أشد ألماً وأكثر قبحاً! .

فصل: في تعدد هوى النفس

لا بُدَّ أن نعرف أن أهواء النفس متعددة ومتنوعة من حيث المراتب والمتعلقات، وقد تكون أحياناً الدقة بحيث أن الإنسان نفسه يغفل عن ملاحظة أنها من مكائد الشيطان ومن أهواء النفس ما لم يُنَبِّه على ذلك، ويوقظ من غفلته. إلا أنها جميعها تشترك في كونها تمنع الحق وتصدّ عن طريقه، رغم اختلاف مراتبها ودرجاتها، فإن أصحاب الأهواء الباطلة من الذين يتخذون الآلهة من الذهب وغيرهم، كما يخبر الله سبحانه عنهم في قوله: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ(1)وغيرها من الآيات الشريفة، ينقطعون عن الله ، بصورة معينة، وإن أتباع الأهواء النفسية والأباطيل الشيطانية في عقائدهم الباطلة وأخلاقهم الفاسدة يحتجبون عنه سبحانه بصورة أخرى، وإن أصحاب المعاصي الكبيرة والصغيرة والموبقات والمهلكات كل حسب درجة المعصية ومرتبتها يبتعدون عن سبيل الحق بصورة ثالثة. وإن أهل الأهواء في الرغبات النفسية المباحة مع الانشغال والانهماك فيها يتخلفون عن سبيل الحق بصورة رابعة . وإن أهل المناسك والطاعات الظاهرية الذين يعبدون من أجل عمران الآخرة وتلبية الشهوات النفسية ومن أجل البلوغ إلى الدرجات العلى أو الخشية من العذاب الأليم والنجاة من الدركات السفلى يحتجبون عن الحق وسبيله بصورة خامسة، وإن أصحاب تهذيب النفس وترويضها،


1) سورة الجاثية، الآية : 23 .

لإظهار قدرتها والوصول إلى جنة الصفات، فيفصلون عن الحق ولقائه بشكل آخر، وإن أهل العرفان والسلوك والانجذاب ومقامات العارفين الذين لا يهمهم سوى لقاء الحق والوصول إلى مقام القرب، يحتجبون عن الحق وتجلياته الخاصة بنوع سابع لأن التلوّن وآثار وجوده الخاص لا يزال عندهم موجوداً .

ثم توجد بعد هذه المراتب درجات أخرى لا يناسب ذكرها في هذا المقام. فإن على أصحاب هذه المراتب أن يراقبوا بدقة حالهم، وأن يطّهروا أنفسهم من الأهواء لئلا يتخلّفوا عن طريق الله ولا يضلوا عن مسالك الحقيقة، حتى تظل أبواب الرحمة مفتوحة عليهم، مهماتكن مقاماتهم ومنازلهم . واللهُ وَلِيُّ الهِدَايَةِ.

المقام الثاني في ذم طول الأمل وفيه فصلان

فصل: في بيان أن طول الأمل ينسي الآخرة

إعلم أن المنزل الأول من منازل الإنسانية هو منزل اليقظة كما يقوله كبار أهل السلوك في بيانهم المنازل السالكين(1)، ولهذا المنزل كما يقول الشيخ العظيم الشأن الشاه آبادي، دام ظله، بيوت عشرة، لسنا الآن بصدد تعدادها. ولكن ما يجب قوله هو أن الإنسان ما لم ينتبه إلى أنه مسافر، ولا بُدَّ له من السير، وأن له هدف وتجب الحركة نحوه، وأن البلوغ إلى المقصد ممكن ، لما حصل له العزم والإرادة للتحرك . ولكل واحد من هذه الأمور، شرح وبيان لو ذكرناه لطال بنا المقام .

ويجب أن نعرف أن من أهم أسباب عدم التيقظ الذي يؤدي إلى نسيان المقصد ونسيان لزوم المسير، وإلى إماتة العزم والإرادة، هو أن يظن الإنسان أن في الوقت متسعاً للبدء بالسير، وأنه إذا لم يبدأ بالتحرك نحو المقصد اليوم، فسوف يبدأه غدا، وإذا لم يكن في هذا الشهر، فسيكون في الشهر المقبل.


1) کتاب منازل السائرين، قسم البدايات ، باب اليقظة، ص 8 .

فإن طول الأمل هذا وامتداد الرجاء، وظن طول البقاء، والأمل في الحياة ورجاء سعة الوقت، يمنع الإنسان من التفكير في المقصد الأساسي الذي هو الآخرة. ومن لزوم السير نحوه ومن لزوم اتخاذ الصديق وتهيئة الزاد للطريق، ويبعث الإنسان على نسيان الآخرة ومحو المقصد من فكره، ولا قدر الله، إذا أصيب الإنسان بنسيان للهدف المنشود في رحلة بعيدة وطويلة ومحفوفة بالمخاطر مع ضيق الوقت، وعدم توفّر العُدَّة والعدد رغم ضرورتهما في السفر، فإنه من الواضح أنه لا يفكر في الزاد والراحلة، ولوازم السفر وعندما يحين وقت السفر يشعر بالتعاسة، ويتعثر ويسقط في أثناء الطريق، ويهلك دون أن يهتدي إلى سبيل .

فصل: موعظة حول طول الأمل

إعلم إذاً، أيها العزيز، أن أمامك رحلة خطرة لا مناص لك منها، وأن ما يلزمها من عدّة وعدد وزاد وراحلة هو العلم والعمل الصالح. وهي رحلة ليس لها موعد معين، فقد يكون الوقت ضيقاً جداً، فتفوتك الفرصة. إن الإنسان لا يعلم متى يقرع ناقوس الرحيل للانطلاق فوراً. إن طول الأمل المعشعش عندي وعندك الناجم من حب النفس ومكائد الشيطان الملعون ومغرياته، تمنعنا من الاهتمام بعالم الآخرة ومن القيام بما يجب علينا. وإذا كانت هناك مخاطر وعوائق في الطريق، فلا نسعى لإزالتها بالتوبة والإنابة والرجوع إلى طريق الله، ولا نعمل على تهيئة زاد وراحلة، حتى إذا ما أزف الوعد الموعود اضطررنا إلى الرحيل دون زاد ولا راحلة ومن دون العمل الصالح، والعلم النافع، اللذان تدور عليهما مؤنة ذلك العالم، ولم نهيىء لأنفسنا شيئاً منهما. وحتى لو كنا قد عملنا عملاً صالحاً، فإنه لم يكن خالصاً بل مشوباً بالغش، ومع آلاف من موانع القبول. وإذا كنا قد نلنا بعض العلم، فقد كان علماً بلا نتيجة وهذا العلم إما أن يكون لغواً وباطلاً، وإما أنه من الموانع الكبيرة في طريق الآخرة. ولو كان ذلك العلم والعمل صالحين، لكان لهما تأثير حتمي وواضح فينا نحن الذين صرفنا عليهما سنوات طوالاً، ولغيرا من أخلاقنا وحالاتنا. فما الذي حصل حتى كان لعملنا وعلمنا مدة أربعين أو خمسين سنة تأثير

معكوس بحيث أصبحت قلوبنا أصلب من الصخر القاسي؟ ما الذي جنيناه من الصلاة التي هي معراج المؤمنين؟ أين ذلك الخوف وتلك الخشية الملازمة للعلم؟ لو أننا أجبرنا على الرحيل ونحن على هذه الحال، لا سمح الله لكان علينا أن نتحمل الكثير من الحسرات والخسائر العظيمة في الطريق، مما لا يمكن إزالته ! .

إذاً فنسيان الآخرة من الأمور التي يخافها علينا وليّ الله الأعظم، الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، ويخاف علينا من الباعث لهذا النسيان وهو طول الأمل، لأنه يعرف مدى خطورة هذه الرحلة، ويعلم ماذا يجري على الإنسان الذي يجب أن لا يهدأ لحظة واحدة عن التهيؤ وإعداد الزاد والراحلة، عندما ينسى العالم الآخر، ويستهويه النوم والغفلة من دون أن يعلم أن هناك عالماً آخر، وأن عليه أن يسير إليه حثيثاً. وماذا سيحصل له وما هي المشاكل التي يواجهها؟

يحسن بنا أن نفكر قليلاً في سيرة أمير المؤمنين والنبي الكريم (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهما من أشرف خلق الله ومن المعصومين عن الخطا والنسيان والزلل والطغيان، لكي نقرن بين حالنا وحالهم. إن معرفتهم بطول السفر ومخاطره قد سلبت الراحة منهم، وإن جهلنا أوجد النسيان والغفلة فينا .

إن نبينا (صلی الله علیه و آله و سلم) قد روّض نفسه كثيراً في عبادة الله ، وقام على قدميه في طاعة الله حتى

ورمت رجلاه ، فنزلت الآية الكريمة تقول له : طَة * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى(1)وعبادات علي (علیه السّلام) وتهجده وخوفه من الحق المتعال معروف للجميع .

إذاً، إعلم أن الرحلة كثيرة المخاطر، وإنما هذا النسيان الموجود فينا ليس إلاّ من مكائد النفس والشيطان، وما هذه الآمال الطوال إلا من أحابيل إبليس ومكائده. فتيقظ أيها النائم من هذا السبات وتنبّه ، واعلم أنك مسافر ولك مقصد، وهو عالم آخر، وأنك راحل عن هذه الدنيا، شئت أم أبيت. فإذا تهيأت للرحيل بالزاد والراحلة لم يصبك شيء


1) سورة طه، الآية 1 - 2 . عن الإمامين الباقر والصادق (علیهما السّلام): كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إذا صلى قام على أصابع رجليه حتى تورّمت فأنزل الله تبارك وتعالى طه. (تفسير علي بن ابراهيم القمي، ج2، ص 58).

من عناء السفر، ولا تصاب بالتعاسة في طريقه، وإلا أصبحت فقيراً مسكيناً سائراً نحو شقاء لا سعادة فيه، وذلّة لا عزّة فيها وفقر لا غناء معه وعذاب لا راحة منه . إنها النار التي لا تنطفى، والضغط الذي لا يخفف، والحزن الذي لا يتبعه سرور، والندامة التي لا تنتهي أبداً .

أنظر أيها الأخ إلى ما يقوله الإمام في دعاء كميل وهو يناجي الحق عزّ وجلَّ: «وَأَنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفِي عَنْ قَلِيلِ مِنْ بَلاءِ الدُّنْيَا وَعُقُوبَاتِهَا» إلى أن يقول : «وَهَذَا مَا لا تَقُومُ لَهُ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ»(1). ترى ما هذا العذاب الذي لا تطيقه السماوات والأرض، الذي قد أعد لك؟ أفلا تستيقظ وتنتبه، بل تزداد كل يوم استغراقاً في النوم والغفلة؟

فيا أيها القلب الغافل ! إنهض من نومك وأعد عدتك للسفر، «فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بالرَّحِيل»(2)، وعمال عزرائيل منهمكون في العمل ويمكن في كل لحظة أن يسوقوك سوقاً إلى العالم الآخر . ولا تزال غارقاً في الجهل والغفلة؟

«اللَّهُمَّ إنِّي أسألكَ التَّجَافِيَ عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالإِنابَةَ إِلَى دَارِ السُّرُورِ والاسْتِعْدَادَ لِلْمَوْتِ قَبْلَ حُلُولِ الْقَوْتِ»(3).


1) مصباح المتهجد، دعاء كميل بن زياد، ص 587.

2) نهج البلاغة، الخطبة ، 204 ، (الشيخ صبحي الصالح) .

3) مفاتيح الجنان، دعاء ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان. الإقبال ص228. المراقبات من أعمال السنة ، ص 155 .

الحديث الحادي عشر: «الفطرة»

اشارة

بالسند المتصل إلى محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة قال: «سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا. قال: «فَطَرَهُمْ جَمِيعاً عَلَى التَّوْحِيدِ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب فطرة الخلق على التوحيد، ح3 .

الشرح:

يقول أهل اللغة والتفسير : إن «الفطرة» تعني الخلق. وفي الصحاح : «الفطرة» بالكسر «الخلقة». ويمكن أن تكون الكلمة مأخوذة من «فَطَرَ» أي «شقّ ومزّق» كأن الخلق أشبه بشق حجب العدم والغيب. وبهذا المعنى يكون إفطار الصائم، فكأنه يمزق استمرارية الإمساك المتصل .

وعلى كل حال، البحث اللغوي خارج عن نطاق بحثنا. إنما هذا الحديث الشريف إشارة إلى الآية المباركة في سورة الروم: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(1).

فصل: في معنى الفطرة

إعلم أن المقصود من «فِطْرَة الله» التي فطر الناس عليها هو الحال والكيفية التي خلق الناس وهم متّصفون بها والتي تعد من لوازم وجودهم . ولذلك «تخمّرت» طينتهم بها في أصل الخلق. والفطرة الإلهية، كما سيتبين فيما بعد، من الألطاف التي خص الله تعالى بها الإنسان من بين جميع المخلوقات، إذ إن الموجودات الأخرى غير الإنسان إما أنها لا تملك مثل هذه الفطرة المذكورة وإما أن لها حظاً ضئيلاً منها .

وهنا لا بُدَّ من معرفة أن الفطرة، وإن فسرت في هذا الحديث الشريف وغيره من الأحاديث(2)

التوحيد، باب 53 ، ص 328 - 331، ح 1 و 2 و 4 و 8 . تفسير البرهان، ج 3، ص 261 و 263 .

بالتوحيد، إلا أن هذا هو من قبيل بيان المصداق، أو التفسير بأشرف أجزاء

1) سورة الروم، الآية : 30.

2) أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر، باب فطرة الخلق على التوحيد، ح1 و5 ، ص 12 و 13.

الشيء، كأكثر التفاسير الواردة عن أهل بيت العصمة (علیهم السّلام)، وفي كل مرة تفسر بمصداق جديد بحسب مقتضى المناسبة، فيحسب الجاهل أن هناك تعارضاً. والدليل على أن المقام كذلك هو أن الآية الشريفة تعتبر «الدين» هو «فطرة الله» مع أن الدين يشمل التوحيد والمبادئ الأخرى .

وفي صحيحة عبد الله بن سنان(1)فسرت الفطرة على أنها تعني «الإسلام». وفي حسنة زرارة(2) فسرت بالمعرفة، وفي الحديث المعروف : «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ»(3) جاءت في قبال «التهود» و«التنصر» و«التمجس»(4). كما أن الإمام الباقر (علیه السّلام) في حسنة زرارة المذكورة فسّرها بالمعرفة. وعليه، فالفطرة ليست مقصورة على التوحيد، بل إن جميع المبادىء الحقة هي من الأمور التي فَطَرَ الله تعالى الإنسان عليها .

فصل: في تحديد أحكام الفطرة

لا بُدَّ أن نعرف بأن ما هو من أحكام الفطرة لا يمكن أن يختلف فيه اثنان . من ناحية أنها من لوازم الوجود وقد تخمّرت في أصل الطبيعة والخلقة. فالجميع، من الجاهل


1) عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال سألته عن قول الله عزّ وجلّ: فطرت الله التي فطر الناس عليها ما تلك الفطرة؟ قال : هي الإسلام فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد. قال: ألست بربكم وفيه المؤمن والكافر (أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر، باب فطرة الخلق على التوحيد، ح2، ص 12.

2) عن زرارة عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال سألته عن قول الله عزّ وجلّ: حنفاء الله غير مشركين به قال : الحنيفية من الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله . قال فطرهم على المعرفة به وقال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كل مولود يولد على الفطرة يعني المعرفة بأن الله عزّ وجلّ خالقه كذلك قوله : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله. (أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر، باب فطرة الخلق على التوحيد، ح4 ، ص 12 و 13).

3) غوالي اللئالي، المجلد الأول، ص 35 .

4) قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «كل مولود يولد على فطره حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» (عوالي اللثالي، ج 1 ، الفصل الرابع ، ح18 ، ص 35 .

والمتوحش والمتحضر والمدني والبدوي، مجمعون على ذلك . وليس ثمّة منفذ للعادات والمذاهب والطرق المختلفة للتسلل إليها والإخلال بها. إن اختلاف البلاد والأهواء والمأنوسات والآراء والعادات، التي توجب وتسبّب الخلاف والاختلاف في كل شيء، حتى في الأحكام العقلية ليس لها مثل هذا التأثير أبداً في الأمور الفطرية، كما أن اختلاف الإدراك والأفهام قوة وضعفاً لا تؤثر فيها . وإذا لم يكن الشيء بتلك الكيفية فليس من أحكام الفطرة ويجب إخراجه من فصيلة الأمور الفطرية. ولذلك تقول الآية: فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها(1)أي أنها لا تختص بفئة خاصة ولا طائفة من الناس، ويقول تعالى أيضاً: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ(2)أي لا يغيّره شيء، كما هو شأن الأمور الأخرى التي تختلف بتأثير العادات وغيرها .

ولكن مما يثير الدهشة والعجب أنه على الرغم من عدم وجود أي خلاف بشأن الأمور الفطرية، من أول العالم إلى آخره، فإن الناس يكادون أن يكونوا غافلين عن أنهم متفقون، ويظنون أنهم مختلفون، مالم ينبههم أحد على ذلك ، وعند ذلك يدركون أنهم كانوا متفقين رغم اختلافهم في الظاهر، كما سيتضح ذلك فيما يأتي من البحث إن شاء الله .

وهذا ما تشير إليه الجملة الأخيرة من الآية الشريفة: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(3).

فيتضح مما سبق ذكره أن أحكام الفطرة أكثر بداهة من كل أمر بديهي . إذ لا يوجد في جميع الأحكام العقلية حكم مثلها في البداهة والوضوح، حيث لم يختلف فيه الناس ولن يختلفوا. وعلى هذا الأساس تكون الفطرة من أوضح الضروريات وأبده البديهيات، كما أن لوازمها أيضاً يجب أن تكون من أوضح الضروريات. فإذا كان التوحيد أو سائر المعارف من أحكام الفطرة أو من لوازمها ، وجب أن يكون من أوضح الضروريات وأجلى البديهيات وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ .


1) سورة الروم، الآية: 30.

2) سورة الروم، آية : 30.

3) سورة الروم، آية : 30.

فصل: (الدين من الفطرة)

إعلم أن المفسرين، من العامة والخاصة، فسّروا كلّ على طريقته، كيفية كون الدين أو التوحيد من الفطرة. ولكننا في هذه الوريقات لا نجري مجراهم وإنما نستفيد في هذا المقام من آراء الشيخ العارف الكامل (الشاه آبادي)(1)الذي هو نسيج وحده في هذا الميدان(2). فقد أشار أن بعضها قد ورد بصورة الإشارة والرمز في بعض كتب المحققين من أهل المعارف، وبعضها الآخر مما خطر في فكري القاصر .

إذاً، لا بُدَّ أن نعرف أن من أنواع الفطرة الإلهية ما يكون على «أصل وجود المبدإ» تعالى وتقدس ومنها الفطرة على «التوحيد» وأخرى على «استجماع ذات الله المقدسة لجميع الكمالات» وأخرى على «المعاد ويوم القيامة» وأخرى على «النبوة» و«وجود الملائكة والروحانيين وإنزال الكتب وإعلان طريق الهداية» وهذه الأمور بعضها من الفطرة ، وبعضها من لوازم الفطرة. فالإيمان بالله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله وبيوم القيامة، هو الدين القيم المحكم والمستقيم والحق على امتداد حياة المجموعة البشرية . ولسوف نشير إلى بعض منها مما سيتناسب والحديث الشريف، طالبين التوفيق من الحق تعالى .

المقام الأول في بيان أنّ أصل وجود المبدا المتعالي جل وعلا من الأمور الفطرية

وهذا يتضح بعد التنبيه إلى مقدمة واحدة هي أن من الأمور الفطرية التي جبلت عليها سلسلة بني البشر بأكملها، بحيث أنك لن تجد فرداً واحداً في كل المجموعة البشرية يخالفها، ولن تستطيع العادات والأخلاق والمذاهب والمسالك وغيرها أن تبدلها ولا أن تحدث فيها خللاً، إنها «الفطرة التي تعشق الكمال». فأنت إن تجولت في جميع الأدوار


1) تقدّمت ترجمته باختصار في ص 48 فراجع .

2) رشحات البحار ، ص 28 - 31 ، وكتاب الإنسان والفطرة .

التي مرّ بها الإنسان، واستنطقت كل فرد من الأفراد، وكل طائفة من الطوائف، وكل ملّة من الملل، تجد هذا العشق والحب قد جبل في طينته، فتجد قلبه متوجهاً نحو الكمال. بل إن ما يحدّد الإنسان ويدفعه في سكناته وتحركاته، وكل العناء والجهود المضنية التي يبذلها كل فرد في مجال عمله وتخصصه، إنما هو نابع من حب الكمال، على الرغم من وجود منتهى الخلاف بين الناس فيما يرونه من الكمال؟ وبأي شيء يتحقق الكمال ويشاهد الحبيب والمعشوق؟

فكلّ يجد معشوقه في شيء، ظاناً أن ذلك هو الكمال وكعبة الآمال، فيتخيله في أمر معين، فيتوجه إليه، ويتفانى في سبيله تفاني العاشق. إن أهل الدنيا وزخارفها يحسبون الكمال في الثروة، ويجدون معشوقهم فيها، فيبذلون من كل وجودهم الجهد والخدمة الخالصة في سبيل تحصيلها فكل شخص، مهما يكن نوع عمله، ومهما يكن موضع حبه وتعشقه، فإنه لاعتقاده بأن ذلك هو الكمال يتوجه نحوه. وهكذا حال أهل العلوم والصنايع، كلّ يرى الكمال في شيء ويعتقد أنه معشوقه، بينما يرى أهل الآخرة والذكر والفكر غير ذلك . . .

وعليه، فجميعهم يسعون نحو الكمال. فإذا ما تصوّروه في شيء موجود أو موهوم تعلقوا به وعشقوه. ولكن لا بُدَّ أن نعرف أنه على الرغم من هذا الذي قيل، فإن حب هؤلاء وعشقهم ليس في الحقيقة لهذا الذي ظنوه بأنه معشوقهم، وإن ما توهّموه وتخيّلوه ويبحثون عنه ليس هو كعبة آمالهم. إذ لو أن كل واحد منهم رجع إلى فطرته لوجد أن قلبه في الوقت الذي يظهر العشق لشيء مّا فإنه يتحوّل عن هذا المعشوق إلى غيره إذا وجد الثاني أكمل من الأول(1)

مدينة تعجّ بالدلال والحوريات في الأطراف الستة *** ومع الأسف لا أملك شيئاً ولو كان لي شيء لامتلكتهن

: - ثم إذا عثر على أكمل من الثاني، ترك الثاني، وانتقل بحبه إلى الأكمل منه ، بل إن نيران عشقه لتزداد اشتعالاً حتى لا يعود قلبه يلقي برحاله في أية درجة من الدرجات ولا يرضى بأي حد من الحدود.

1) يقول العارف المشهور حافظ الشيرازي :

مثلاً ، إذا كنت تحب جمال القدود ونضارة الوجوه، وعثرت على ذلك عند من تراها كذلك، توجّه قلبك نحوها. فإذا لاح لك جمال أجمل، لا شك في أنك سوف تتوجه إلى الجميل الأجمل، أو أنك على الأقل تطلب الاثنين معاً، ومع ذلك لا تخمد نار الاشتياق عندك، ولسان حال فطرتك يقول : كيف السبيل إليهما معاً؟ ولكن الواقع هو أنك تطلب كل جميل تراه أجمل، بل قد تزداد اشتياقاً بالتخيل، فقد تتخيل أن هناك جميلاً من كل ما تراه بعينك، في مكان ما، فيحلق قلبك طائراً إلى بلد الحبيب، ولسان حالك يقول :

هل سمعت الموجود الحاضر والغائب في آن معاً؟ *** إنني ذلك الحاضر في الجمع وقلبي موجود في مكان آخر

وقد تعشق ما تتمنى. فأنت إن سمعت بأوصاف الجنة وما فيها من الوجوه الساحرة، حتى وإن لم تكن تؤمن بالجنة لا سمح الله، قالت فطرتك : ليت هذه الجنة موجودة وليتهن كُنَّ من نصيبي ! .

وهكذا الذين يرون الكمال في السلطان والنفوذ واتساع الملك، يتّجه حبهم واشتياقهم إلى ذلك. فهم إذا بسطوا سلطانهم على دولة واحدة، توجهت أنظارهم إلى دولة أخرى، فإذا دخلت تلك الدولة أيضاً تحت سيطرتهم، تطلعت أعينهم إلى أكثر من ذلك . فهم كلما استولوا على قطر، اتجه حبهم إلى الاستيلاء على أقطار أخرى، بل تزداد نار تطلعاتهم لهيباً، وإذا بسطوا سلطانهم على الأرض كلها، وتخيلوا إمكان بسط سلطتهم على الكواكب الأخرى، تمنّت قلوبهم لو كان بالإمكان أن يطيروا إلى تلك العوالم كي يخضعوها لسيطرتهم .

وقس على ذلك أصحاب الصناعات ورجال العلم وغيرهم، وكل أفراد الجنس البشري، مهما تكن مهنتهم وحرفهم، فهم كلما تقدموا فيها مرحلة متقدمة، رغبوا في بلوغ مرحلة أكمل من سابقها، ولهذا يشتدَ شوقهم وتطلَعهم .

إذَاً، فنور الفطرة قد هدانا إلى أن نعرف أن قلوب جميع أبناء البشر، من أهالي أقصى المعمورة وسكان البوادي والغابات إلى شعوب الدول المتحضرة في العالم، ابتداءً

بالطبيعيين والماديين وانتهاء بأهل الملل والنحل، تتوجه قلوبهم بالفطرة إلى الكمال الذي لا نقص فيه . فيعشقون الكمال الذي لا عيب فيه ولا كمال بعده، والعلم الذي لا جهل فيه، والقدرة التي لا تعجز عن شيء، والحياة التي لا موت فيها، أي أن «الكمال المطلق» هو معشوق الجميع. إن جميع الكائنات والعائلة البشرية، يقولون بلسان فصيح واحد وبقلب واحد: إننا نعشق الكمال المطلق، إننا نحب الجمال والجلال المطلق، إننا نطلب القدرة المطلقة، والعلم المطلق. فهل هناك في جميع سلسلة الكائنات، أو في عالم التصور والخيال، وفي كل التجويزات العقلية والاعتبارية، كائن مطلق الكمال ومطلق الجمال، سوى الله تقدست أسماؤه، مبدأ العالم جلّت عظمته؟ وهل الجميل على الإطلاق الذي لا نقص فيه إلا ذلك المحبوب المطلق؟

فيا أيها الهائمون في وادي الحسرات والضائعون في صحاري الضلالات . بل أيتها الفرشات الهائمة حول شمعة جمال الجميل المطلق، ويا عشّاق الحبيب الخالي من العيوب والدائم الأزلي، عودوا قليلاً إلى كتاب الفطرة وتصفحوا كتاب ذاتكم لتروا أن قلم قدر الفطرة الإلهية قد كتب فيه : إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ(1)فهل أن «فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا» هي فطرة التوجه نحو المحبوب المطلق؟ وهل أن الفطرة التي لا تتبدل لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ هي فطرة المعرفة؟ فإلى متى توجه هذه الفطرة التي وهبك الله إياها نحو الخيالات الباطلة، نحو هذا وذاك من المخلوقات الله؟ إذا كان محبوبك هو هذا الجمال الناقص والكمالات المحدودة، فلماذا عندما تصل إليها يبقى اشتياقك ملتهباً لا يحمد ، بل يزداد ويشتد ؟

تيقّظ من نوم الغفلة واستبشر فرحاً بأن لك محبوباً لا يزول، ومعشوقاً لا نقص فيه، و مطلوباً من دون عيب، وأن لك مقصوداً يكون نور طلعته هو النور اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ(2)، وإن محبوبك ذو إحاطة واسعة «لَو دُلِّيتُمْ بِحَبْلِ إِلَى الْأَرَضِينَ السُّفْلَى عَلَى اللهِ»(3). إذن يستوجب عشقك الحقيقي معشوقاً حقيقياً، ولا يمكن أن يكون


1) سورة الأنعام، الآية : 79 .

2) سورة النور، الآية : 36 .

3) راجع كتاب معجم الأحاديث النبوية . مادة (د ل و) . علم اليقين، ج 1، المقصد الأول، الباب الثالث الفصل الخامس، ص 54 .

شيئاً متوهماً متخيلاً، إذ أن كل موهوم ناقص، والفطرة إنما تتوجه إلى الكمال. فالعاشق الحقيقي والعشق الحقيقي لا يكون من دون معشوق، ولا يكون غير الله الكامل، معشوقاً تتجه إليه الفطرة، فلازم تعشق الكمال المطلق وجود الكمال المطلق. وقد سبق أن عرفنا أن أحكام الفطرة ولوازمها أوضح من جميع البديهيات أفِي اللَّهِ شَكٍّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ(1).

المقام الثاني: في بيان أن توحيد الحق المتعالي وصفاته الأخرى فطرية

في بيان أن توحيد الحق، تعالى شأنه، واستجماع ذاته لكل الكمالات من الأمور الفطرية، وبالانتباه إلى ما جاء في المقام الأول يتضح ذلك أيضاً. إلا أننا سنبرهن على ذلك ببيان آخر هنا أيضاً.

إعلم أن من الأمور الفطرية التي :فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا» هو النفور من النقص، ولذلك فإن الإنسان ينفر من كل ناقص، قد وجد فيه نقصاً وعيباً. إذاً، فالفطرة تنفر من النقص والعيب كما أنها تنجذب إلى الكمال. فالفطرة لا بد وأن تتوجه إلى الواحد الأحد، لأن كل كثير ومركب ناقص، ولا تكون كثرة من دون محدودية مع أن المحدودية نقص . وكل ناقص مرغوب عنه من جانب الفطرة وليس بمرغوب فيه. إذا ، أمكن من هاتين الفطرتين : «فطرة حب الكمال» و «فطرة النفور من النقص» إثبات التوحيد . بل إن استجماع الله لجميع الكمالات، وخلو ذاته المقدسة من كل نقص، قد ثبت بالفطرة أيضاً. وسورة التوحيد المباركة التي تبيّن نسب الحق المتعالي، وبحسب رأي شيخنا الجليل(2)(روحي فداه) إن الهوية المطلقة، التي تتوجه إليها الفطرة والتي أشير إليها في صدر سورة التوحيد المباركة بكلمة «هو» المباركة، تعد برهاناً على الصفات الست المذكورة بعد ذلك . إذ لما كانت ذات الله المقدسة هوية مطلقة، والهوية المطلقة يجب أن تكون كاملة مطلقة، وإلا


1) سورة إبراهيم، الآية : 10 .

2) الشيخ محمد علي الشاه آبادي. الذي تقدم ترجمته باختصار ص48 فراجع .

لكانت محدودة، ولم تكن مطلقة، فهو مستجمع لجميع الكمالات، فهو (الله). وفي الوقت الذي يكون مستجمعاً لجميع الكمالات يكون بسيطاً، وإلا فالهوية لا تكون مطلقة، إذاً فهو «أحد» ولازم الأحدية هو الواحدية ولما كانت الهوية المطلقة المستجمعة لجميع الكمالات منزهة عن جميع النقائص التي تعود بأجمعها إلى الماهية، إذا فتلك الذات المقدسة هي «الصَّمَدُ» وليست جوفاء. ولما كانت الهوية مطلقة، فلن يتولد منها شيء ولا ينفصل عنها شيء، ولا ينفصل هو عن شيء لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدُ وإنما هو مبدأ كل شيء ومرجع جميع الموجودات، بدون الانفصال الذي يوجب النقصان. والهوية المطلقة أيضاً ليس لها كفؤ. إذ لا يمكن تصور التكرار في الكمال الصرف. إذاً فالسورة المباركة (الإخلاص) من أحكام الفطرة ولبيان نسب الحق المتعال .

المقام الثالث: في بيان أن المعاد فطري

إن «المعاد» أو يوم القيامة من الأمور الفطرية المجبولة عليها طينة البشر. وهذا أيضاً، مثل المقامين السابقين، يمكن البرهنة عليه بطرق كثيرة وأمور فطرية عديدة، ونحن هنا نشير إلى بعض منها .

إعلم أن من الفطريات الإلهية التي فُطرت عليها العائلة البشرية كافة هي فطرة حب الراحة. فلو أنك في كل أدوار التمدن والتوحش. والتدين والعناد رجعت إلى هذا الإنسان، الجاهل والعالم، والوضيع والشريف، والمدني والبدوي، وسألته: «لم كل هذا التعلق المتنوع والأهواء الشتى، وما الغاية من تحمل كل هذه المشقات والصعوبات والمعاناة في الحياة؟» فإنهم جميعاً وبكلمة واحدة وبلسان الفطرة الصريح يجيبون قائلين : بأن كل ما يتوخونه إنما هو راحتهم، وأن الغاية النهائية والمرام الأخير وأقصى ما يتمنونه من كل عمل وتعب هو الراحة المطلقة الخالية من العناء. فلما كانت هذه الراحة التي لا . تمازجها مشقة والتي لا يشوبها ألم ونقمة هي معشوقة الجميع، وكانت هذه المعشوقة المفقودة لدى كل إنسان مقصورة في شيء، لذلك فهو عندما يحب شيئاً يتصور محبوبه فيه، مع أن مثل هذه الراحة المطلقة لا وجود لها في كل أرجاء العالم وزواياه. إذ ليس من

الممكن أن نعثر على راحة غير مشوبة بالألم. إن جميع نعم هذا العالم يصاحبها العناء والعذاب المضني، وما من لذة إلا وفيها ألم. إن العذاب والتعب والألم والحزن والهم والغم تملأ أرجاء الأرض.

وعلى امتداد حياة الإنسان لن تجد فرداً واحداً يتساوى عذابه وراحته، وتوازي نعمته تعبه ونصبه، ناهيك عن الراحة الخالصة المطلقة. وبناءً على ذلك فإن معشوق الإنسان لا يوجد في هذا العالم الدنيوي. إن العشق الفطري الذي جبل عليه أبناء البشر لا يكون من دون معشوق موجود فعلاً .

إذاً، لا بُدَّ من أن يكون هناك في دار التحقق وعالم الوجود عالم لا تشوب راحته شائبة من ألم وعذاب وتعب، راحة مطلقة لا يخالطها شيء من العناء والشقاء، سرور دائم خالص لا يعتوره حزن ولا همّ. ذلك العالم هو «دار نعیم الله»، عالم كرم ذات الله المقدسة .

وهو عالم يمكن إثباته بفطرة الحرية ونفوذ الإرادة الموجودة في فطرة كل إنسان . ولما كانت مواد هذا العالم وما به من العسر والضيق مما يستعصي على حرية الإنسان وإرادته، فلا بُدَّ إذاً، أن يكون هناك عالم آخر تكون للإرادة فيه كلمة نافذة ، ولا تستعصي مواده على إرادة الإنسان، ويكون الإنسان في ذلك العالم فعّالاً لما يشاء والحاكم بما يريد، حسبما تقتضيه الفطرة .

إذاً، يعتبر العشق للراحة والعشق للحريّة هما الجانبان المودعان لدى الإنسان، بموجب فطرة الله التي لا تتبدل، فيحلق بهما في عالم الملكوت الأعلى متقرباً إلى الله .

وفي المقام مواضيع أخرى لا تسعها هذه الأوراق ؛ وفيها فطرات أخرى لإثبات المعارف الحقة، مثل إثبات النبوة، وبعثة الرسل، وإنزال الكتب السماوية. بل بفطرة واحدة من هذه الفطر المذكورة يمكن إثبات جميع المعارف. ولكننا نكتفي بهذا القدر لئلا نخرج عن الموضوع ولكيلا نشرح ما لا يتناسب مع الحديث الشريف .

إلى هنا عرفنا أن العالم بالمبدإ، والكمالات، ووحدتها، والمعاد، وعالم الآخرة كلها من الأمور الفطرية. والحمد لله .

الحديث الثاني عشر: «التفكر»

اشارة

بسندي المتّصل إلى محمّد بن يعقوب - رضوان الله عليه - عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النَّوفلي، عن السَّكوني، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «كان أمير المؤمنين (علیه السّلام) يقول: «نَبِّهُ بِالتَّفَكُرِ قَلْبَكَ وَجَافِ عَنِ اللَّيْلِ جَنْبَكَ وَاتَّقِ اللهَ رَبِّكَ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب التفكّر ، ح 1 .

الشرح:

«كَانَ يَقُولُ» يختلف عن «قَالَ» أو «يَقُولُ» من حيث الدلالة، لأنه يفيد الاستمرار والدوام. وهذا يعني أن الإمام (علیه السّلام) كان يكرر هذا الكلام. «والتنبيه» هو الإخراج من الغفلة والإيقاظ من النوم. وكلا المعنيين مناسب هنا. فالقلوب قبل التفكر غافلة، وقبل الإيقاظ نائمة، والتنبيه يخرجها من الغفلة، ويوقظها من النوم. والنوم واليقظة، والغفلة والفطنة، لكل من مُلك الجسد وملكوت النفس، مختلفان . فقد تكون العين الظاهرة يقظة وجانب المُلك واعياً، ولكن عين الباطن والبصيرة تغط في نوم ثقيل، وجانب ملكوت النفس في غفلة ومن دون وعي .

و«التفكَّرُ» إعمال الفكر، وهو ترتيب الأمور المعلومة للوصول إلى النتائج المجهولة. فهو أعم من التفكر الذي يعد من مقامات السالكين . لأن الخواجة الأنصاري(1)يعرفه بقوله : «إعْلَمُ أَنَّ التَّفَكَّرَ تَلَمُّسُ الْبَصِيرَةِ لاستدراك الْبَغْيَةِ»(2). ومعلوم أن مطلوبات القلب هي المعارف، ولهذا فإن المراد بالتفكر في هذا الحديث الشريف هو المعنى الخاص الذي يعود إلى القلوب وحياتها .

وللقلب تعريفات وإصطلاحات كثيرة : فإذا عُرف عند الأطباء وعامة الناس، كان المراد منه تلك القطعة من اللحم الصنوبرية الشكل التي بانقباضها وانبساطها يجري الدم في الشرايين، ومن ذلك تتولد الروح الحيوانية التي هي بخار لطيف .


1) العارف خواجه عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (396 - 481هـ.ق) من المحدثين والعرفاء الكبار ومن المريدين للشيخ أبو الحسن الخرقاني، وخليفته بعد وفاته. له: منازل السائرين، زاد العارفين، رسالة القلب والنفس.

2) «منازل السائرين» ج 1، ص 57 ، قسم البدايات ، باب التفكر .

وعند الحكماء يطلق على بعض مقامات النفس. وله عند أصحاب العرفان مقامات ومراتب، يكون التعمق في بيان هذه المصطلحات خارجاً عن قصدنا.

وفي القرآن الكريم والأحاديث الشريفة يطلق (القلب) في المواضيع المختلفة على كل واحد من المعاني المتداولة بين العامة والخاصة، مثل إذ بَلَغَتِ القُلوبُ الْحَنَاجِرَ(1)وهو بمعناه المتداول بين الأطباء، . . . لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بها(2)وهو المعنى المتداول على ألسنة الحكماء. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ(3)وهو الاصطلاح الجاري عند العرفاء. وما جاء في الحديث الشريف بشأن التفكر هو المتداول عند الحكماء. أما القلب في اصطلاح العرفاء، فلا علاقة له بالتفكر، وخصوصاً في بعض مراتبه ، كما يعرف ذلك أهل الاصطلاح .

وقول الإمام (علیه السّلام): «جافِ عَنِ اللَّيْلِ جَنْبَكَ»، الجفاء بمعنى «البعد» و«جافاه عنه، فتجافى جنبه عن الفراش» أي «نبا» كما في الصحاح. ونسبة المجافاة إلى الليل من الإسناد إلى المجاز، أو من جعل الليل فراشاً ادعاء، أو أن الكلمة استعملت في معناها الحقيقي وأن الإسناد يكون حقيقياً ولكن الفرق في الإرادة الجدية والاستعمالية، كما احتملوه في مطلق المجازات(4)، وحسبما أسهب في شرحه الشيخ الفقيه والأصولي والأديب المتبحر «الشيخ محمد رضا الأصفهاني»(5)في «جلية الحال». ومهما يكن، فتلك كناية عن النهوض عن فراش النوم في الليل من أجل العبادة. وبعد ذلك سوف يتم بيان التقوى ومراتبها، إن شاء الله . . . ولكننا سوف نبّين ضمن فصول عديدة مناسبات الحديث الشريف فيما يلي:


1) سورة الأحزاب ، الآية : 10 .

2) سورة الأعراف، الآية : 179.

3) سورة ق ، الآية : 37 .

4) لتوضيح هذه المصطلحات الأصولية لا بدّ من مراجعة الكتب الأصولية ومنها (تهذيب الأصول) تقرير دروس الإمام الخميني في الأصول، ج1، بحث الحقيقة والمجاز، ص 30.

5) تقدّمت ترجمته في ص 23 باختصار فراجع .

فصل: في بيان فضيلة التفكر

إعلم أن للتفكر فضائل كثيرة. فالتفكر هو مفتاح أبواب المعارف وخزائن الكمالات والعلوم، وهو مقدّمة لازمة وحتمية للسلوك الإنساني، وله في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة تعظيم بليغ وتمجيد كامل، كما أن تاركه معيّر ومذموم. وقد جاء في «الكافي» الشريف عن الإمام الصادق (علیه السّلام).

«أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ إِدْمَانُ التّفكرِ فِي اللهِ وَفِي قُدْرَتِهِ»(1)، ويرد ذكر لهذا الحديث فيما بعد. وفي حديث آخر : «تَفَكَّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَام لَيْلَةٍ»(2). ويرد ذكر لهذا الحديث فيما بعد. وفي حديث آخر : «إِنْ تَفَكَّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ»(3). وفي حديث غيره: «إِنَّ تَفَكَّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةٍ»(4)، وفي رواية : «سَبْعِينَ سَنَةٍ»(5)، وعن بعض علماء الفقه والحديث : «أَلْفَ سَنَةٍ». وعلى كل حال، إن للتفكر درجات ومراتب، ولكل مرتبة نتيجة أو نتائج، وسوف نتناول بعضها .

الأول : هو التفكر في الحق تعالى، وأسمائه وصفاته وكمالاته. ونتيجة ذلك هو العلم بوجوده وبأنواع تجلياته، التي منها الأعيان الواقعية والمظاهر الخارجية. وهذا أفضل مراتب التفكر، وأعلى مراتب العلوم، وأتقن مراتب البرهان. إذ أن الانتباه إلى ذات العلة، والتفكر في السبب المطلق، يدفع بالإنسان إلى العلم به وبالمسبَّبات والمعلولات. وهذا هو رسم تجليات قلوب الصديقين، ولذلك سمي باسم : «برهان


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب التفكر ، ح 3 .

2) عن الحسن الصيقل قال : قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام) تفكر ساعة خير من قيام ليلة؟ قال: نعم، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) «تفكر ساعة خير من قيام ليلة» (بحار الأنوار، كتاب الإيمان والكفر، باب التفكر ، ح 16 ، ص 325 . أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر ، ح 2 ص 54) .

3) قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «فكر ساعة خير من عبادة سنة» (عوالي اللثالي، ج 2، المسلك الرابع، ح152 ، ص 57 . شرح مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة، الباب 26 ، في بيان التفكر، ص171).

4) قال الطريحي في مجمع البحرين في كلمة (الفكر) تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة . .

5) قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «تفكر ساعة خير من عمل سبعين سنة. (أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة، ص 207).

الصديقين». فالصدّيقون بمشاهدة الذات يشهدون الأسماء والصفات، وفي مرآة الأسماء ، يشهدون الأعيان والمظاهر. وما تسمية هذا القسم من البرهان باسم «برهان الصديقين» إلا لأن الصدّيق إذا أراد أن يظهر مشاهداته في صورة برهان، وأن يضع ما وجده ذوقاً وشهوداً في قالب الألفاظ، لكان هكذا. ولا يعني هذا الإسم أن كل من استدل بهذا البرهان على ذات الله وتجلياته كان من الصديقين، ولا أن معارف الصدّيقين هي من سنخ البراهين، فإن لهم براهين خاصة وهيهات أن تكون علومهم من جنس التفكر، أو أن تكون ثمة مشابهة بين مشاهداتهم وبين البرهان ومقدماته. فما دام القلب في حجاب البرهان، وخطوته هي خطوة التفكر ، لا يكون قد وصل إلى أول مراتب الصديقين . وإذا ما خرج من حجاب العلم والبرهان السميك، فلا علاقة له بالتفكر، بل يفوز في آخر الأمر ومنتهى السلوك بمشاهدة جمال الجميل المطلق، من دون واسطة البرهان، وحتى من دون واسطة أي كائن، ويذوق اللذة الدائمة السرمدية، ويتحرر من الدنيا وما فيها، ويبقى في الفناء التام تحت قباب الكبرياء، ولا يبقى منه اسم ولا رسم ويصبح مجهولاً مطلقاً، إلا إذا شملته العناية الإلهية وأرجعته إلى مملكته وممالك الوجود على قدر سعة وجود عينه الثابتة، ويتم له في هذا الرجوع كشف سبحات الجمال والجلال، ويشهد في مرآة الذات الأسماء والصفات، ومنها يفوز بمشاهدة عينه الثابتة وكل ما هو تحت ظل حمايته، وتنكشف كيفية سلوك المظاهر والرجوع إلى الظاهر، على قلبه، ثم يتشرف برداء النبوة. إذ في هذا المقام يظهر اختلاف مقامات الأنبياء والرسل، وتنكشف لهم في هذا المقام سعة دائرة الرسالة أو ضيقها والمبعوث منه والمبعوث إليه. إن الإسهاب في المقال بهذا الشأن لا يتناسب مع هذه الأوراق، حتى أننا تغاضينا عن برهان الصدّيقين أيضاً لأن له مقدمات يطول شرحها هنا .

تتميم: في بيان التفكر الممنوع والمرغوب في ذات الحق

لا بُدَّ أن نعرف أن قولنا : «التفكر في الذات والأسماء والصفات» قد يحمل الجاهل على الظنّ بأن التفكر في ذات الله ممنوع بحسب الروايات، دون أن يعلم أن التفكر

الممنوع هو التفكر في اكتناه الذات وكيفيتها، حسب ما يستفاد من الأحاديث الشريفة(1). وقد يُمنع غير المؤهل، من النظر في بعض المعارف ذات المقدمات الدقيقة. وهذان المقامان يتفق بشأنهما الحكماء أيضاً. إلا أن استحالة اكتناه الذات الإلهية مبرهنة في كتبهم(2)، ومنع التفكر فيها مسلّم به عند الجميع .

أما شرائط الدخول في هذه العلوم، ومنع تعليم غير المؤهل، فمذكورة في كتبهم، ووصاياهم في خصوص شرائط الدخول ومسطورة في أوائل كتبهم أو أواخرها، كما فعل إماما الفن وفيلسوفا الإسلام العظيمان، «الشيخ ابن سينا»(3) في آخر «الإشارات»(4)و «صدر المتألهين»(5)

تلمذ على المحقق ميرداماد و میرفندرسكي والشيخ البهائي . وتلمذ عليه علماء أبرزهم : الملا محسن فيض الكاشاني، عبد الرزاق اللاهيجي الملقب بـ(الفياض).

أول «الأسفار»(6)حيث أوردا وصاياهما البليغة في ذلك (فراجع)(7).

أما النظر في ذات الله لغرض إثبات وجوده وتوحيده وتنزيهه وتقديسه، فهو الغاية من إرسال الأنبياء والمقصد لآمال العرفاء. والقرآن الكريم والأحاديث الشريفة مشحونة بالأخبار حول العلم بذات الله وكمالاته وأسمائه . وكتب الأخبار المعتبرة، مثل «الكافي» و«توحيد» الشيخ الصدوق، تتعمق في إثبات ذات الله وأسمائه وصفاته. والفرق بين


1) «تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره» «المحجة البيضاء» ج 8 ص 193 .

2) شرح أصول الكافي لصدر المتألهين الشيرازي، ج 1، ص 251 . كتاب التوحيد، باب النهي عن الكلام في الكيفية، ص 251 . نقد النصوص في شرح نقش الفصوص للعارف الجامي، ص 27 - 28 .

3) تقدمت ترجمته باختصار في ص 34.

4) «الإشارات والتنبيهات»، ج 3، الخاتمة والوصية، ص 419 ط . الحيدري طهران.

5) إن محمد بن إبراهيم الشيرازي (979 - 1050) الملقب بصدر الدين وصدر المتألهين والمعروف بـ(الملا صدرا) من كبار حكماء الإسلام ومن المؤسسين (للحكمة المتعالية) ومن ذوي الرأي البديع في الفلسفة إن المدرسة الفلسفية لصدر المتألهين قد ترجحت على المدارس الفلسفية الأخرى وأصبح معظم فلاسفة المسلمين من أتباع مدرسته وغدا كتاب الأسفار الأربعة الشامل لآرائه الفلسفية بصورة مبسطة أهم مؤلف له . ومؤلفاته الأخرى القيمة : تفسير القرآن الكريم ، شرح أصول الكافي، المبدأ والمعاد، مفاتيح الغيب، شواهد الربوبية ، أسرار الآيات، تعليقة على كتاب الشفاء.

6) «الأسفار الأربعة» ج 1، ص 10 (دار المعارف الإسلامية).

7) الكتابين المذكورين.

المأثورات عن الأنبياء وكتب الحكماء إنما هو في الاصطلاحات والإيجاز والتفصيل فقط، مثلما أن الفرق بين الفقه والأخبار الخاصة بالفقه هو في الاصطلاحات والإيجاز والتفصيل أيضاً، لا في المعنى .

لكن المصيبة في أن هناك بعض الجهلاء في لباس أهل العلم الغير عارفين بالكتاب والسنة والجاهلين بهما، ظهروا في القرون الأخيرة، من دون أية رؤية صحيحة أو اعتماد على معيار صحيح أو معرفة بالكتاب والسنة، وجعلوا جهلهم وحده دليلاً على بطلان العلم بالمبدإ والمعاد، ولكي يروجوا بضاعتهم حرموا النظر في المعارف التي هي غاية ما يقصده الأنبياء والأولياء سلام الله عليهم، والتي امتلأ بها كتاب الله وأخبار أهل البيت (علیهم السّلام) وراحوا يرمون أهل المعرفة بكل شتيمة واتهام، وسببوا انحراف قلوب عباد الله عن العلم بالمبدإ والمعاد، وكانوا سبباً في تفريق الكلمة وتشتيت شمل المسلمين. ولو سأل سائل : لِمَ كل هذا التكفير والتفسيق؟ لتشبث المجيب بالحديث القائل : «لا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللهِ»(1). إن هذا الجاهل المسكين مخطىء وجاهل من جهتين :

الأولى : أنه ظن أن الحكماء يقومون بالتفكر في ذات الله، مع أنهم يرون أن التفكر في ذات الله واكتناهها ممتنع ، وهذا من المسائل المبرهن عليها في هذا العلم .

والثاني : أنه لم يفهم معنى الحديث، فظن أنه لا يجوز التفوه بأي شيء عن ذات الله المقدسة مطلقاً. إننا سنذكر بعض الأحاديث ونجمع بينها وبين ما في نظرنا القاصر، ونجعل الإنصاف هو الحكم، على الرغم من أن هذا يخرج قليلاً عن موضوعنا، ولكن لعل فيه بعض الضرورة لرفع الشبهة وإبطال الباطل .

الكافي بإسناده عن أبي بصير : قال أبو جعفر (علیه السّلام): «تَكَلَّمُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ وَلَا تَتَكَلَّمُوا فِي اللَّهِ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي اللَّهِ لا يَزْدَادُ صَاحِبُهُ إِلَّا تَحَيَّراً»(2).


1) تفسير القرآن الكريم، ج 4 ، ص 421 . نقل مضمون هذه الروايات بعبارات مختلفة راجع أصول الكافي، ج1 ، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكلام في الكيفية، ح7، ص 93 . توحيد الصدوق، باب 67 ، ح1 و 2 و 9 ، ص 454 - 457 . علم اليقين ، ج 1 ، ص 95 . المحجة البيضاء ، ج 8، ص 193 و 210.

2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكلام في الكيفية ، ح 1 ، مرآة العقول، ج 1، کتاب التوحيد، باب النهي عن الكلام في الكيفية ، ح 1 ، ص 322 .

يدل هذا الحديث بذاته على أن المراد هو التكلم في اكتناه ذات الله وكيفيته ومحاولة تعليله. وإلا فإن الكلام في إثبات ذاته تعالى وسائر كمالاته وتوحيده وتنزيهه لا يوجب التحيّر. ولعل النهي موجه إلى الذين يكون التكلم حتى في هذه الأمور موجباً لحيرتهم . وقد احتمل المرحوم المحدث المجلسي(1)رحمه الله هذين الاحتمالين، اللذين قربناهما، من دون تعليق، ولكن قوّى الاحتمال الأول .

وفي رواية أخرى عن حريز : «تَكَلَّمُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَتَكَلَّمُوا فِي ذَاتِ اللَّه»(2). وهناك روايات أخرى بهذا المضمون أو قريبة منه ، مما لا نجد ضرورة لذكرها .

وفي «الكافي» عن أبي جعفر (محمد الباقر) (علیه السّلام) قال: «إِيَّاكُمْ وَالتَّفَكَّرَ فِي اللَّهِ وَلَكِنْ إِذا أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إِلَى عَظَمَتِهِ ، فَأَنْظُرُوا إِلَى عَظِيمٍ خَلْقِهِ»(3).

الظاهر أن هذا الحديث أيضاً يشير إلى التفكر في كنه ذات الله، لأنه يقول في نهايته : «إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه». أیستدلوا من عظمة المخلوق على عظمة الخالق عزَّ وجلَّ . ويكون هذا على سبيل المثال لمختلف طبقات الناس الذين يمرّ طريق معرفتهم من خلال المخلوق .

هذه الأحاديث وأمثالها التي تنهى عن التكلم في ذات الله والتفكر فيه هي نفسها دليل على ما نقصده. والحديث الذي يوضح هذا الأمر هو الحديث الشريف في «الكافي» في باب التفكر .

عن أبي عبد الله (جعفر) الصادق (علیه السّلام) قال : «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ إِدْمَانُ التّفكر فى الله وَفِي قُدْرَتِهِ»(4).

وفي حديث آخر في «الكافي» .

سئل علي بن الحسين (علیه السّلام) عن التوحيد ، فقال :


1) تقدّم ترجمته باختصار في ص 26 فراجع .

2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد ، باب النهي عن الكلام في الكيفية ، ح 1 وح 7 .

3) المصدر السابق.

4) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب التفكر ، ح 3 .

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ مُعْمِقُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، وَالآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْحَدِيدِ إِلى قَوْلِهِ : وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ فَمَنْ رَامَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ»(1).

إذا ، يتضح أن هذه الآيات التي تشير إلى التوحيد، وتنزيه الله، والبعث، ورجوع الكائنات [إلى الله] نزلت للمتعمقين وأهل التفكير العميق .

فهل مع كل هذا يمكن القول إن التفكر في ذات الله حرام؟ أي حكيم أو عارف جاء بمعارف أكثر مما جاء في أول (سورة الحديد)؟ إن منتهى معرفتهم هو الوصول إلى قوله تعالى : سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ . هل هناك أفضل بياناً في وصف الله تعالى وتجلي ذاته المقدسة من الآية الشريفة : هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ؟(2).

أقسم بحياة الحبيب أنه لو لم تكن لبيان حقيّة كتاب الله الكريم غير هذه الآية الشريفة لكفت ذوي القلوب. إرجعوا قليلاً إلى كتاب الله ، وإلى خطب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأخبار خلفائه المعصومين سلام الله عليهم ، وقارنوا لتروا مّن من الحكماء والعارفين جاء ببيانات أجلى وأوضح مما جاء بها أولئك في كل موضوع من مواضيع المعارف؟ إن أقوالهم مشحونة بوصف الحق والاستدلال على ذات الله وصفاته المقدسة، بحيث أن كل طائفة تحظى على قدر سعتها وإدراكها .

إذاً، يتضح من مجموع هذه الأخبار أن التفكر في ذات الله ممنوع إذا كان ذلك في مرتبة التفكر في كنه ذات الله وكيفيته. كما جاء في حديث «الكافي»: «مَنْ نَظَرَ فِي اللهِ كَيْفَ هُوَ، هَلَكَ»(3)، أو أن الجمع بين الأخبار الناهية والآمرة يستدعي منع فريق من الناس الذين لا تطيق قلوبهم الاستماع إلى البرهان وليس لهم الاستعداد للدخول في مثل هذه البحوث . والدليل على مدى الجمع موجود في الأخبار نفسها .


1) أصول الكافي، المجلد الأول كتاب التوحيد، باب النسبة ، ح 3 .

2) سورة الحديد، الآية : 3 .

3) أصول الكافي، ج 1، كتاب التوحيد ، باب النهي عن الكلام في الكيفية ، ح 5 ، ص 93 .

أما الذين لهم الاستعداد والأهلية، فيكون من الراجح لهم التفكر ، بل هو أفضل من جميع العبادات .

على كل حال، لقد خرجنا كليّاً عن المقصد. ولكن لم يكن لنا مناص من أن نتعرض لهذا الرأي الفاسد والتهمة التي لا ترضي الحق، والمتداولة في هذا الزمان على الألسنة، لعل ذلك يُحدث بعض التأثير في قلوب بعضهم . ولو تمّ تأثير هذا القول في قلب شخص واحد لكفاني . والحمد الله وإليه المشتكى .

فصل: التفكر في الممنوع

ومن مراتب التفكر، التفكر في روائع الصنع واتقانه ودقائق الخلق، بما يتناسب وقدرة الإنسان من طاقة للتفكر. ونتيجة هذا التفكر هي معرفة المبدإ الكامل والصانع الحكيم، وهذا على العكس من «برهان الصدّيقين». إذ أن مبدأ البرهان في ذاك المقام هو الحق تعالى عن اسمه، ومنه يحصل العلم بالتجليات والمظاهر والآيات. وأما في هذا المقام فمبدأ البرهان هو «المخلوقات التي عن طريقها يتم العلم بالمبدإ والصانع». وهذا البرهان يكون للعامة من الناس الذين لا حظ لهم من برهان الصديقين. ولهذا، قد ينكر الكثيرون أن يصبح التفكر في الحق مبدأ العلم به، وأن يؤدي العلم بالمبدإ إلى العلم بالمخلوق .

وملخّص الكلام، أن التفكر في لطائف الصنعة ودقائقها وفي اتقان نظام الخليقة، من العلوم النافعة، ومن أفضل الأعمال القلبية، وخير من جميع العبادات، لأن نتيجته أشرف نتيجة. وعلى الرغم من أن النتيجة الأصلية لجميع العبادات والسر الحقيقي لها هو الحصول على المعرفة . فإن كشف هذا السر والحصول على تلك النتيجة ليسا متيسرين للجميع، بل إن لذلك أهلاً تكون لهم في كل عبادة بذرة لمشاهدة أو لمشاهدات. وعلى أي حال إن الاطلاع على لطائف الصنعة وأسرار الخليقة بحسب الحقيقة والواقع لم يتيسر للبشر، حتى الآن. إن أساس الخليقة ونظامها يكون من الدقة والاستحكام ومن الجمال والكمال في مستوى لو أن الإنسان أمعن النظر في أي كائن مهما كان حقيراً، مستخدماً كل

علومه التي اكتسبها خلال قرون، لما استطاع أن يطلع على نسبة واحد بالألف، من ذلك ، فكيف له أن يتمكن من إدراك النظام الكلي الجميل ، ساعياً عن طريق الأفكار البشرية الجزئية الناقصة، لفهم بدائعه ودقائقه . إننا سنلفت انتباهك إلى إحدى دقائق الخلق مما هو قريب بعض الشيء من الأفهام ويعدّ من المحسوسات ، (اقرأ الحديث المفصل عن هذا المجمل).

أيها العزيز، انظر وتأمل في العلاقة التي بين هذه الشمس والأرض. وفي المسافة المعينة بين الأرض والشمس، وحركة الأرض حول نفسها وحول الشمس. تلك الحركة التي تكون على مدار محدّد فيحصل منها الليل والنهار والفصول . فما أتقنه من صنع وما أكملها من حكمة؟ ولولا هذا التنظيم، أي لو كانت الشمس أقرب أو أبعد، لما تكون في الأرض - في الحالة الأولى من الحر، وفي الحالة الثانية من البرد معدن، ونبات، وحيوان . وكذلك لو توقّفت الأرض عن الحركة، على ما هي عليه من البعد عن الشمس لما كان الليل والنهار، ولا كانت الفصول، ولما تكونت الأرض نهائياً أو القسم الأكبر منها .

ولا يقتصر على هذا أيضاً، فإن الأوج، أو أقصى نقطة للأرض عن الشمس، يقع في جهة الشمال لكيلا تزداد الحرارة فتصاب الكائنات بالضرر. وكذلك الحضيض، أو أقرب نقطة بين الشمس والأرض، يقع في جهة الجنوب، لكيلا يصاب أهل الأرض بضرر . ولا يكتفي بهذا أيضاً فالقمر المؤثر في تربية موجودات الأرض، يعاكس الأرض في سيرها، بحيث عندما تكون الشمس في شمال الأرض، يكون القمر في جنوبها، والعكس بالعكس، إذا كان هذا في الشمال، كانت تلك في الجنوب، وذلك لانتفاع سكان الأرض منهما . هذه كلها من الأمور الضرورية المحسوسة. غير أن الإحاطة ببدائع النظام ودقائقه لا تكون إلا للخالق الذي يحيط علمه بكل شيء.

ولكن لم ابتعدنا كل هذا البعد؟ فليفكّر المرء في خلقه هو، على قدر طاقته وسعة علمه : أولاً في الحواس الظاهرة التي صنعت وفق المدركات والمحسوسات، إذ أن لكل مجموعة من المدركات، التي توجد في هذا العالم، قوة مدركة بأدق ما تكون من الدقة والترتيب المحيّرين للعقول .

والأمور المعنوية، التي لا تدرك بالحواس الظاهرة، تدرك على ضوء الحواس

الباطنية . دع عنك علم الروح والقوى الروحية للنفس، مما تقصر مدارك الإنسان عن فهمها ، واتجه بنظرك إلى علم الأبدان وتشريحها وبنائها الطبيعي، وخصائص كل عضو من الأعضاء الظاهرة والباطنة . انظر ما أغرب هذا النظام وما أعجب هذا الترتيب؟! على الرغم من أن علم البشر لم يبلغ حتى الآن، ولن يبلغ حتى بعد مائة قرن، إلى معرفة واحد بالألف منه، حسب الاعتراف الصريح بأفصح لسان من جميع العلماء بعجزهم، مع أن جسم الإنسان بالنسبة إلى كائنات الأرض الأخرى، لا يزيد على مجرد ذرة تافهة، وأن كل منظومتنا الشمسية لا وزن لها إزاء المنظومات الشمسية الأخرى، وأن كل هذه المنظومات، الكبيرة منها والصغيرة، مبنية وفق ترتيب منظم، ونظام مرتب، بحيث أن أي نقد لا يمكن أن يوجه إلى أتفه ذرّة فيها، وأن عقول البشر كافة عاجزة عن فهم دقيقة من دقائقها .

فهل بعد هذا التفكّر يحتاج عقلك إلى دليل آخر ليذعن بأن كائناً عالماً، حكيماً، لا يشبه الكائنات الأخرى، هو الذي أوجد هذه الكائنات بكل حكمة ونظام وترتيب واتقان؟ .

أفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ(1). إن كل هذا الخلق المتقن الذي يعجز الإنسان عن فهمه، لم يظهر عبثاً وتلقائياً! فلتعم عين القلب التي لا ترى الله ، ولا تشاهد جمال جميله في هذه المخلوقات! وليمحق الذي يبقى في الشك والتردد بعد كل هذه الآيات والآثار؟ ولكن ما الذي يستطيع هذا الإنسان المسكين عمله بالأوهام؟ .

لو أنك عرضت مسبحتك وزعمت أن حبّاتها قد انتظمت تلقائياً من دون أن ينظمها منظم، لاستهزأت بك البشرية. والأدهى من ذلك أنك لو أخرجت ساعتك من جيبك وزعمت نفس الزعم أيضاً بالنسبة إليها، ألا يخرجونك من زمرة العقلاء؟ وألا يرميك كل عقلاء العالم بالجنون؟ فإذا وُصِفَ الذي يُخْرِجُ نظام هذه الساعة من قاعدة العلة والمعلول، بأنه مجنون ويجب أن يحرم من حقوق العقلاء فما الوصف المناسب الذي يجب أن يوصف به من يزعم أن نظام هذا العالم، لا بل هذا الإنسان ونظام روحه وجسمه قد ظهر تلقائياً؟ هل يجب إبقاؤه في زمرة العقلاء؟ ترى أي بله أشد من هذا؟.


1) سورة ابراهيم، الآية : 10.

قتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ(1).

فصل: التفكر في أحوال النفس

من درجات التفكر أيضاً التفكر في أحوال النفس الذي يؤدي إلى نتائج كثيرة ومعارف عديدة. وإننا سنلقي نظرة على نتيجتين اثنتين: الأولى : العلم بيوم المعاد . والثانية : العلم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، أي النبوة العامة، والشرائع الحقة .

إن من حالات النفس هو تجرّدها، وهي حالة لم يُول الحكماء العظام أهمية لأية مسألة حكمية فلسفية أخرى مثلما أولوا هذه المسألة وأثبتوها بالأدلة والبراهين. ولكننا لسنا الآن في صدد إثبات تجرد النفس بصورة مفصلة، وإنما نكتفي ببعض الأدلة التي لا تستعصي مبادئها على الفهم، للوصول إلى المقصود.

فنقول : يجمع الأطباء وعلماء الأبدان، وفي ظل التجارب، على أن جميع أعضاء الجسم، من أم الدماغ التي هي مركز الإدراكات ومحل ظهور قوى النفس، وحتى آخر أجزائه الصلبة، تبدأ، من سن الخامسة والثلاثين، أو الثلاثين فما فوق، بالانحدار نحو الانحطاط والنقصان، والاقتراب من الضعف والانحلال. ولقد جربنا بأنفسنا أيضاً كيف يبدو الضعف في القوى كلها. ولكن في هذه الفترة نفسها، أي من سن الثلاثين أو الأربعين فما فوق، تزداد القوى الروحية والإدراكات العقلية كمالاً ورقياً وسداداً . ويتضح من هذا أن القوى العقلية ليست جسمانية، إذ لو كانت جسمانية لانحدرت، مثل سائر قوى الجسم، نحو الضعف والوهن. كما لا يمكن القول بأن القوى العقلية تزداد قوة بكثرة إعمال القوة الفكرية وحصول التجربة، إذ أن القوى الجسمانية ينتابها التعب والانحلال، لا القوة والكمال، نتيجة لكثرة العمل وبذل الجهد. وهذا بذاته دليل على أن القوى العقلية ليست جسمية ولا من آثار الجسم. والاعتراض على هذا الكلام بضعف القوى الفكرية أيام الكهولة، كالضعف الجسماني، لا محل له، وذلك لأنه :


1) سورة عيسى، الآية: 17.

أولاً : ليست هناك قوة جسمانية تنمو وتشتد حتى سن الكهولة بحيث يمكن أن نقول بأن الموضع الفلاني من الجسم هو موضع الإدراكات العقلية وأنه كان يشتد ويزداد قوة حتى سن الكهولة، والآن بعد أن ضعف هذا الموضع ضعفت بضعفه القوة الفكرية أيضاً.

ثانياً : هل إن هذا الضعف في الكهولة يعود إلى الفكر كقوة حالة في الجسم، أم أن الفكر يحتاج إلى قوة جسمانية فعند وهن الجسم - محل الفكر - لا يؤدي دور الفكر؟ هذا كله بالنسبة إلى القوة الفكرية وأما الإدراكات المحضة والملكات الفاضلة في فترة الكهولة تكون أقوى أيضاً مما كانت عليه من قبل، حتى وإن قل ظهورها أو إظهارها. وعلى كل حال، يكفي لإثبات دعوانا - تجرد النفس - ما قلناه من قوة الإدراك في سنّ الأربعين أو الخمسين مع أن الجسم ينحدر نحو الوهن والضعف .

وأما الإجابة على الاعتراض والنقض فهو أن النفس لمَّا تستجمع قواها من ملك البدن، وتعود القوى إلى باطن ذاتها، كلما كانت القوى أقرب إلى عالم الجسم والجسماني، كلما كان أسرع إلى الضعف والكلال، وكلما كانت أبعد كانت أبطأ في الإصابة بالضعف، أما القوى التي تنتمي إلى عالم التجرد والملكوت فتقوى وتزداد شدة عندما يزداد عمر الإنسان. وهذا دليل على أن النفس ليست جسماً ولا هي قوة جسمانية .

وأيضاً فإن خصائص النفس وآثارها وأفعالها على النقيض من خصائص الأجسام وآثارها وأفعالها بصورة مطلقة. وهذا دليل على أن النفس ليست جسماً .

فمثلاً، نحن نعلم أن الجسم لا يتقبل بالضرورة سوى صورة واحدة، وإذا أريد إعطاؤه صورة أخرى كان لا بُدَّ للصورة الأولى أن تفارقه لكي يمكنه تقبل الصورة الثانية .

فإذا رسمت مثلاً، صورة على صفحة الورق، لا يمكن رسم صورة أخرى مكانها إلا إذا أزيلت الصورة الأولى تماماً. وهذا الحكم يجري في جميع الأجسام بالضرورة العقلية .

أما النفس فتختلف تماماً، ففي الوقت الذي تكون هناك صورة مرسومة فيها، يمكن رسم صورة أخرى مضادة لها من دون زوال الصورة الأولى.

وأيضاً فإنّ الجسم ترتسم فيه الصور المتناهية. أما في النفس فترتسم الصور غير المتناهية . ولهذا فهي تحكم على الأمور غير المتناهية .

وأيضاً فإنّ الجسم الذي تزول منه الصورة، لا تعود إليه من دون استئناف السبب، ولكن النفس إذا غابت عنها بعض الصور عادت إليها من دون سبب خارجي .

إذاً، يتبين أن النفس تضاد جميع الأجسام في خصائصها وآثارها وأفعالها . أي أن النفس مجردة وليست من سنخ الأجسام والجسمانيات، والمجردات لا تفسد، كما هو مبرهن عليه في محله . وذلك لأن الفساد لا يكون من دون مادة قابلة للفساد، والمجردات منزهة عن مادة قابلة للفساد. إذ أن ذلك من لوازم الأجسام. إذاً، لا تفسد النفس. ومن هنا يستنتج أن النفس لا تفسد بفساد البدن وبمفارقتها له، بل تبقى في عالم آخر، ولا تفنى. وهذا هو المعاد الروحي للنفوس والأرواح قبل يوم القيامة إلى أن يشاء الله لها أن تعود إلى الأبدان. إننا الآن في صدد إثبات المعاد المطلق في قبال المنكر المطلق وقد اتضحت الفكرة من خلال هذه المقدمات .

ولا بدَّ أن نعرف أن للنفوس صحّة ومرضاً، وصلاحاً وفساداً، وسعادة وشقاء، وأن إدراك طرقها ودقائق مصالحها ومفاسدها لا يتسنّى لأحد سوى ذات الله المقدسة. لذلك ففي النظام الأتم - الذي هو أحسن النظام، وقد تبين من قبل أن منَّظمه حكيم على الإطلاق ومحيط بكل شيء - لا يمكن أن يهمل بيان طرق السعادة والشقاء، والطرق الهادية إلى الصلاح والفساد، وطرق علاج النفوس، إذ أن مثل هذا الإهمال يقتضي النقص في العلم أو النقص في القدرة، أو الظلم والبخل من دون سبب .

ولقد تبيّن أن ذات الله المقدسة منزهة عن كل ذلك، فهو الكامل على الإطلاق، والمفيض على الإطلاق، وأن إهمال بيان الطرق الموصلة إلى السعادة والشقاء يعد خللاً كبيراً في الحكمة، ويبعث على الفساد والاختلال في النظام والحكم. إذاً، أصبح من اللازم بيان طرق السعادة والهداية في النظام الأتم .

وقد حصلت من هذا نتيجتان واضحتان :

الأولى: هي أن الشريعة - وهي الوصفة الخاصة بإصلاح الأمراض النفسية - لا توجد إلا عند ذات الحق المقدس.

والثانية : هي أن الله تعالى يعلنها - الشريعة - حتماً . ومعلوم أن مثل هذا الهدف

العظيم، وهذا العلم الكامل الدقيق الذي يعجز عن إدراكه أعقل العقلاء، الذي يربط بين الملك والملكوت وتأثير الصور الملكية في باطن النفس، لا يقع لأحد إلا عن طريق الوحي والإلهام. أي يجب أن يكون تعليمه من جانب الحق تعالى وبديهي. ان جميع أفراد البشر ليسوا خليقين بمثل هذه الهبة، وليست لهم القابلية والقدرة على القيام بمثل هذه المهمة. ولكن يظهر خلال بضعة قرون من يكون جديراً بالاضطلاع بمثل هذا الواجب وتحقيق مثل هذا الهدف العظيم، فيبعثه الحق تعالى ليبيّن للناس الطريق إلى السعادة والطريق إلى الشقاء، وليعلّم الناس كيف يصلحون أنفسهم . وهذه هي النبوة العامة .

ولمّا انتهى بنا الحديث إلى هنا، خطر لي أن أشير استطراداً إلى موضوع أراه من البديهيات .

وهو أننا وبعد أن علمنا ضرورة وجود شريعة إلهية لبني البشر، ولزوم رجوعنا إلى الشرائع السائدة بين الناس، وهي على الأغلب الشرائع الإلهية الثلاث : اليهودية والمسيحية والإسلام، نرى بأن الشريعة الإسلامية هي أكمل من الشرائع الأخرى في أبعادها الثلاثة، التي هي أساس الشرائع ومدار التشريع، - أحدها ما يعود إلى العقائد الحقة، والمعارف الإلهية وتوصيف الحق وتنزيهه. وكيفية ذلك. والعلم بالملائكة وتوصيف الأنبياء (علیهم السّلام) وتنزيههم، مما هو أصل الشريعة وأساسها. وثانيها ما يعود إلى الخصال الحميدة والأخلاق الفاضلة وإصلاح النفس. وثالثها هو جانب الأعمال الفردية والاجتماعية والسياسية والمدنية وغير ذلك - بل إن كل ناظر منصف وغير مغرض في هدفه يدرك أن الإسلام أرقى من أن يقارن بدين آخر، وأن الحياة البشرية لم تشهد قانوناً ولا شريعة بهذا الاتقان بحيث تكون تامة وكاملة في جميع مراحل الحياتين الدنيوية والأخروية. وهذا بذاته خير دليل على أحقية الإسلام وصدقه .

وعليه، وبعد إثبات النبوة العامة، وأن الله قد شرع لبني البشر شريعة، وبيّن لهم طريق الهداية، ووضعهم ضمن إطار نظم ونظام، لم يعد إثبات أحقية الدين الإسلامي بحاجة إلى مقدمات أبداً، سوى التمعن فيه ومقارنته بسائر الأديان والشرائع في جميع المراحل التي يمكن تصورها، ابتداء من حاجة الإنسان إلى الملكات الحقّة والمعارف النفسانية، وحتى بلوغ الواجبات النوعية الفردية والاجتماعية. وهذا معنى من معاني

الحديث الشريف : «الإِسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعْلَى عَلَيْهِ»(1)إذ كلما ازداد العقل البشري تقدماً وتطوراً في مدركاته وتمعنا في حجج الإسلام وبراهينه، ازداد خضوعاً لنور هدايته، وقوة أمام الحجج فلا تظهر حجة ودليل في العالم ضد الإسلام إلا وينتصر عليه .

والمستخلص من أدلتنا على إثبات نبوة خاتم النبيين (صلی الله علیه و آله و سلم) هو أنه لما كان اتقان خلق الكائنات وحسن ترتيبها وتنظيمها دليلاً يهدينا إلى الاعتراف بوجود الخالق والمنظم الذي يحيط علمه بكل الدقائق واللطائف والجلائل، كذلك يهدينا اتقان أحكام شريعة وحسن نظامها وترتيبها الكامل وكونها تتكفل بكل الحاجات المعنوية والمادية، الدنيوية والأخروية، الفردية والاجتماعية، إلى أن مشرعها ومنظمها عالم محيط بجميع حاجات العائلة البشرية . وكما أن العقل يهدينا إلى أن عقل ذلك الإنسان، الذي كتب تاريخه جميع المؤرخين من مختلف الأمم قائلين إنه كان أمياً وعاش في محيط خال من الكمالات والمعارف، لا يمكن أن يكون قادراً على وضع مثل هذا الترتيب الكامل والنظام التام بنفسه . كذلك ندرك بالضرورة أن هذه الشريعة قد شرعت في الغيب وفيما وراء الطبيعة، ونزلت عن طريق الوحي والإلهام على ذلك الإنسان العظيم. والحمد لله على وضوح الحجة .

كنت ناوياً الإشارة إلى نوع آخر من أنواع التفكر، وهو التفكر في عالم الملك الذي تكون نتيجته الزهد. ولكن عنان القلم في المقالات السابقة قد أقلت من يدي، فشرحت ذلك بصورة مطولة، أدّت إلى الخروج عن الموضوع ولهذا غضضت الطرف عنه .

فصل: في فضيلة صلاة الليل

بقي علينا شرح جملتين أخريين من الحديث الشريف حيث يقول صلوات الله عليه «جافِ عَنِ اللَّيْلِ جَنْبَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ رَبِّكَ».

في هذا الكلام المبارك يقرن الإمام (علیه السّلام) الأعمال القلبية والتفكر المنبّه، وتقوى الله


1) وسائل الشيعة، المجلد 17 ، كتاب الفرائض والمواريث، ح 32365 .

تعالى، بإحياء الليل ومجافاة الفراش من أجل العبادات. وهذا دليل على كمال صلاة الليل وفضيلتها وأهميتها . كما أن الأحاديث الشريفة تمجد هذا العمل الشريف كثيراً. ويُستدل من سيرة أئمة الهدى (سلام الله علیها)

(علیهم السّلام)والمشايخ العظام والعلماء الأعلام أنهم كانوا مثابرين على أدائها . بل كانوا يحرصون على اليقظة في الهزيع الأخير من الليل، بصرف النظر عن التعبد فيه .

لقد جاء في كتاب «وسائل الشيعة» - الذي يعتبر من أعظم كتب الإمامية، ومدار المذهب ومرجع العلماء والفقهاء - واحد وأربعون حديثاً في فضلها، والعديد من الأحاديث في كراهية تركها. وفضلاً عن ذلك يشير إلى السابقات واللاحقات من الأحاديث في شأنها.(1)وهناك، بالطبع، أحاديث كثيرة جداً في كتب الأدعية وغيرها، ولكننا، من أجل التيمن والتبرك نورد بعضاً منها :

عن الكافي بإسناده عن معاوية بن عمّار :قَالَ : سمعت أبا عبد الله (علیه السّلام) يَقُولُ : «كَانَ فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) لِعَلِي قَوْلَهُ : يَا عَلِيُّا أُوصِيكَ فِي نَفْسِكَ بِخِصَالٍ فَأَحْفَظْهَا، ثُمَّ قَالَ : أَللَّهُمَّ أَعِنْهُ . . . إلى أنْ قالَ: وَعَلَيْكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ الليل»(2).

يتبيّن من صدر هذا الحديث وذيله ما لصلاة الليل من أهمية .

وعن الخصال عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «قَالَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم) لِجَبْرَئِيلَ : عِظْنِي، فَقَالَ : يا مُحَمَّدُ عِشَ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلَاقِيهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَعِزُّهُ كَفَّهُ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ»(3).

إن تخصيص الموعظة المقدسة لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بهذا الأمر ليدل أيضاً على أهميته البالغة . ولو كان جبرائيل الأمين يرى أهمية أكبر لأجر آخر لكان قدمه في هذا المقام :

وفي المجالس بإسناده عن ابن عباس قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في حَدِيثٍ : «فَمَنْ رُزِقَ صَلاةَ اللَّيْلِ مِنْ عَبْدٍ أو أمَةٍ قَامَ لِلَّهِ مُخْلِصاً فَتَوضَّأَ وُضُوءاً سَابِعَاً وَصَلَىٰ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ


1) وسائل الشيعة، ج5 ، كتاب الصلاة، أبواب بقية الصلوات المندوبة، الباب 39 و 40 ، ص 268 - 281 .

2) وسائل الشيعة، المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب بقية الصلوات المندوبة ، ح 1.

3) وسائل الشيعة، المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب الصلوات المندوبة ، ح 3.

بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَقَلْبٍ سَلِيمٍ [وَبَدَنِ خَاشِعِ] وَعَيْنِ دَامِعَةٍ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْفَهُ سَبْعَةَ صُفُوفِ مِنَ الْمَلائِكَةِ فِي كُلِّ صَفٌ ما لا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلا اللَّهُ أحَدُ طَرَفَيْ كُلِّ صَفٌ بِالْمَشْرِقِ وَالْآخَرُ بِالْمَغْرِبِ، فَإِذَا فَرَغَ كَتَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِعَدَدِهِمْ دَرَجَاتٍ»(1).

وعن العلل بإسناده إلى أنس قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يَقُولُ: الرَّكْعَتَانِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وَمَا فِيها»(2).

وثمة أحاديث كثيرة أشير فيها إلى أن صلاة الليل هي شرف المؤمن، وزينة الآخرة، مثلما أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا .

وعن العلل بإسناده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري قال : «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) يَقُولُ: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً إِلا لإطْعَامِ الطَّعَامِ وَالصَّلاةِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَام»(3).

ولو لم تكن لصلاة الليل سوي تلك الفضيلة لأهلها لكفتها، ولكنهم ليسوا بأمثالي . إننا لا نعلم شيئاً عن عظمة رداء الخَلّة وما يعني مقام اتخاذ الله تعالى العبد حبيباً وخليلاً . فكل العقول تعجز عن تصور ذلك. فلو أنهم أكرموا الخليل بكل ما في الجنة من نعم، فإنه لا يلتفت إليها (ما دام مع خليله). وأنت أيضاً إذا كان لك محبوب عزيز، أو كان لك صديق حميم ودخل عليك، فإنك تترك كل نعمة ورفاه، وتستغني عن ذلك بجمال المحبوب ولقاء الصديق، بالرغم من أن هذا المثل بعيد عن المقام بعد المشرقين .

وعن علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «مَا مِنْ عَمَلٍ حَسَنٍ يَعْمَلُهُ الْعَبْدُ إِلا وَلَهُ ثَوَابٌ فِي الْقُرْآنِ إِلا صَلاةَ اللَّيْلِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُبَيِّنُ ثَوَابَهَا لِعَظِيمٍ خَطَرِهَا عِنْدَهُ فَقَالَ : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»(4).


1) وسائل الشيعة، المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب بقية الصلوات المندوبة، ح 29 وح 31 وح 30.

2) المصدر السابق.

3) المصدر السابق.

4) وسائل الشيعة، المجلد الخامس، الباب 40 ، من أبواب بقية الصلوات المندوبة ، ح 13 .

ترى ما قرة العين هذه التي يدخرها الله ويخفيها حتى لا يعلم أحد عنها شيئاً، وما يمكن أن تكون؟ فلو كانت من قبيل «أنهار جارية» و«قصور عالية» ومن نعم الجنة المختلفة، لذكرها الله ، مثلما بين ما للأعمال الأخرى وأطلع الملائكة عليها.

ولكن يبدو أنها ليس من ذلك السنخ ، وأنها أعظم من أن ينوه بها لأحد، وخصوصاً لأحد من أهل هذه الدنيا . إنه لا تقارن نعم ذلك العالم بالنعم هنا، ولا تظنن أن الفردوس والجنان تشبه بساتين الدنيا، أو ربما أوسع وأبهى . هناك دار كرامة الله ودار ضيافته . فكل هذه الدنيا لا شيء إزاء شعرة واحدة من الحور العين في الجنة . بل ليست شيئاً إزاء خيط من خيوط الحلل الفردوسية التي أعدت لأهل الجنة. ومع كل هذا الوصف، لم يجعلها الله ثواب من يؤدي صلاة الليل، وإنما ذكرها من باب التعظيم له. ولكن هيهات! نحن الضعفاء في الإيمان لسنا من أصحاب اليقين، وإلا لما كنا نستمر في غفلتنا، ونعانق النوم حتى الصباح. لو أن يقظة الليل تكشف للإنسان حقيقة الصلاة وسرها، لأنس بذكر الله والتفكر في الله، ولجعل الليالي مركوبه للعروج إلى قربه تعالى(1)، ولما كان ثمة ثواب له إلا جمال الحق الجميل وحده.

الويل لنا نحن الغافلين الذين لا نستيقظ من النوم حتى آخر العمر . نبقى في سكر الطبيعة غارقين، بل نزداد كل يوم سكراً وغفلة، ولا نفهم شيئاً سوى الحالة الحيوانية من مأكل ومشرب ومنكح ، ومهما فعلنا، وإن كان من سنخ العبادات، فإنما نفعله في سبيل البطن والفرج. أتحسب أن صلاة خليل الرحمن كانت مثل صلاتنا؟ الخليل لم يطلب حاجة حتى من جبرئيل(2)، ونحن نطلب حاجاتنا من الشيطان نفسه ظناً منا بأنه يقضي الحاجات؟ ولكن علينا أن لا نيأس. فلعلك بعد مدة من سهر الليالي والاستئناس بذلك


1) يصف الله سبحانه صلاة الليل والقائمين لها بقوله تعالى : إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وَأَقْوَمُ قيلا إن لك في النهار سبحاً طويلاً (سورة المزمل، الآيتان 6و7) ويقول الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام): «الوصول إلى الله سفر لا يدرك إلا بامتطاء الليل» (مقدمة كتاب سرّ الصلاة، ص 12).

2) عن أبي عبد الله علي (علیه السّلام): لما أجلس إبراهيم في المنجنيق وأرادوا أن يرموا به في النار أتاه جبرائيل (علیه السّلام) فقال السلام عليك يا إبراهيم ورحمة الله وبركاته ألك حاجة ؟ فقال أما إليك فلا». (مجمع البيان، ج7، تفسير الآية 69 ، ص 78) .

والاعتياد عليه، يلبسك الله بلطفه الخفي خلعة الرحمة. كما أن عليك ألا تغفل عن سرّ العبادة بصورة عامة، ولا تقصر همك على التجويد في القراءة وتصحيح الظاهر فقط . ولئن لم تقدر أن تكون خالصاً الله تعالى، فاسعَ على الأقل، من أجل قرة العين التي يخفيها الله عزّ وجلَّ، وتذكر الفقير، العاصي، الحيواني السيرة الذي اكتفى من كل المراتب، بالحيوانية. وإذا وجدت في نفسك الرغبة، فقل بخلوص نية :

«اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي النّجافِيَ عَنْ دَارِ الْغُرُورِ وَالإِنابَةَ إِلى ذارِ الْخُلُودِ، وَالإِسْتِعْدَادَ لِلْمَوْتِ قَبْلَ حُلولِ الْقَوْتِ»(1).

فصل في بيان التقوى

إعلم أن التقوى من «الوقاية» بمعنى المحافظة. وهي في العرف وفي مصطلح الأخبار والأحاديث تعني : «وقاية النفس من عصيان أوامر الله ونواهيه وما يمنع رضاه» وكثيراً ما عرفت بأنها «حفظ النفس حفظاً تاماً عن الوقوع في المحظورات بترك الشبهات» فقد قيل : «وَمَنْ أَخَذَ بِالشَّبَهَاتِ وَقَعَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُ»(2)، «فَمَنْ رتَعَ حَوْلَ الْحِمَى أُوشِكَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ»(3).

لا بدَّ أن تعرف أن التقوى، وإن لم تكن من مدارج الكمال والمقامات، ولكنه لا يمكن بدونها بلوغ أي مقام، وذلك لأن النفس ما دامت ملوثة بالمحرمات، لا تكون داخلة في الإنسانية، ولا سالكة طريقها، وما دامت تميل إلى المشتهيات واللذائذ النفسية وتستطيب حلاوتها، لن تصل إلى أول مقامات الكمال الإنساني، وما دام حب الدنيا والتعلق بها في القلب، فلا يمكن أن يصل إلى مقام المتوسطين والزاهدين، وما دام حب الذات باقياً في دخيلة ذاته. لن ينال مقام المخلصين والمحبين، وما دامت الكثرة الملكية


1) مفاتيح الجنان، أعمال ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان .

2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتبا فضل العلم، باب اختلاف الحديث ، ح 9 .

3) وسائل الشيعة، المجلد 18 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي، باب وجوب التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى ، ح 39 .

والملكوتية ظاهرة في قلبه، لن ينال مقام المنجذبين، وما دامت كثرة الأسماء متجلية في باطنه، لن يصل إلى الفناء الكلي، وما دام القلب يلتفت إلى المقامات، لن يبلغ مقام كمال الفناء، وما دام هناك تلوين، لن يصل إلى مقام التمكين ولن تتجلى في سرّه الذات في مقام الاسم الذاتي تجلياً أزلياً وأبدياً. فتقوى العامة إذا تكون من المحرمات، وتقوى الخاصة تكون من المشتهيات، وتقوى الزاهدين من حب الدنيا، والمخلصين من حب الذات، والمنجذبين من كثرة ظهور الأفعال، والفانين من كثرة الأسماء، والواصلين من التوجه إلى الفناء، والمتمكنين من التلوينات فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ(1).

ولكل من هذه المراتب شرح وتفصيل لا يحصل لأمثالنا منه سوى الحيرة والضياع في المصطلحات، والتلفع في حجب المفاهيم، إذ لكل معركة رجال .

والآن نعود إلى بيان نبذة من التقوى المذكورة في بدء الأمر، لأهميتها للناس بصورة عامة :

فصل: في بيان تقوى العامة (عموم الناس)

إعلم أيها العزيز أنه مثلما يكون لهذا الجسد صحة ومرض، وعلاج ومعالج، فإن للنفس الإنسانية أيضاً صحة ومرضاً، وسقماً وسلامة، وعلاجاً ومعالجاً. إن صحة النفس وسلامتها هي الاعتدال في طريق الإنسانية، ومرضها وسقمها هو الاعوجاج والانحراف عن طريق الإنسانية، وإن الأمراض النفسية أشد فتكاً آلاف المرات من الأمراض الجسمية . وذلك لأن هذه الأمراض إنّما تصل إلى غايتها بحلول الموت. فما أن يحل الموت، وتفارق الروح البدن، حتى تزول جميع الأمراض الجسمية والاختلالات المادية، ولا يبقى أثر للآلام أو الأسقام في الجسد. ولكنه إذا كان ذا أمراض روحية وأسقام نفسية - لا سمح الله - فإنه ما أن تفارق الروح البدن، وتتوجه إلى ملكوتها الخاص، حتى تظهر آلامها وأسقامها .


1) سورة هود، الآية: 112 .

إن مثل التوجه إلى الدنيا والتعلق بها، كمثل المخدر الذي يسلب الإنسان شعوره بنفسه. فعندما يزول ارتباط الروح بدنيا البدن، يرجع إليها الشعور بذاتها، ومن ثم الإحساس بالآلام والأسقام التي كانت في باطنها، فتظهر مهاجمة لها بعد أن كانت مختفية كالنار تحت الرماد. وتلك الآلام والأسقام إما أن تكون ملازمة لها (للروح) ولا تزول عنها أبداً، وإما أن تكون قابلة للزوال. وفي هذه الحالة يقتضيها أن تبقى آلاف السنين تحت الضغط والعناء والنار والاحتراق قبل أن تزول، إذ أن آخر الدواء الكي(1). قال الله تعالى: يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتَكُوى بها جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ(2).

إن الأنبياء هم بمنزلة الأطباء المشفقين، الذين جاؤوا بكل لطف ومحبة لمعالجة المرضى، بأنواع العلاج المناسب لحالهم، وقاموا بهدايتهم إلى طريق الرشاد(3)

إننا أطباء وتلاميذ الحق *** ولّما شاهدنا المحيط الكبير، إنفلق

. «إننا أطباء وتلاميذ الحق» وإن الأعمال الروحية القلبية والظاهرية والبدنية هي بمثابة الدواء للمرض كما أن التقوى، في كل مرتبة من مراتبها، بمثابة الوقاية من الأمور المضرة للأمراض. ومن دون الحمية لا يمكن أن ينفع العلاج، ولا أن يتبدل المرض إلى صحة .

قد يغلب الدواء والطبيعة على المرض في الأمراض الجسمية حتى مع عدم الحمية جزئياً. وذلك لأن الطبيعة هي نفسها حافظة للصحة ودواء لها. ولكن الأمر في الأمراض النفسية صعب، وذلك لأن الطبيعة قد تغلبت على النفس منذ البداية، فتوجهت هذه نحو الفساد والانتكاس إنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ(4)، وعليه ، فإن من يتهاون في الحمية، تصرعه الأمراض، وتجد مناطق للنفوذ إليه ، حتى تقضي على صحته قضاء مبرماً .

إذاً، فالإنسان الراغب في صحة النفس، والمترفق بحاله، إذا تنبه أن وسيلة الخلاص من العذاب تنحصر في أمرين :


1) نهج البلاغة ، خطبة 168 .

2) سورة التوبة، الآية : 35 .

3) يقول المولوي في كتابه العرفاني المسمّى بـ(المثنوي) الدفتر الثالث - البيت - 2742 :

4) سورة يوسف، الآية : 52 .

الأول : الإتيان بما يصلح النفس ويجعلها سليمة .

والآخر: هو الامتناع عن كل ما يضرها ويؤلمها .

ومن المعلوم أن ضرر المحرمات أكثر تأثيراً في النفس من أي شيء آخر، ولهذا كانت محرّمة، كما أن الواجبات لها أكبر الأثر في مصلحة الأمور، ولهذا كانت واجبة وأفضل من أي شيء، ومقدمة على كل هدف، وممهدة للتطور إلى ما هو أحسن .

إن الطريق الوحيد إلى المقامات والمدارج الإنسانية يمر عبر هاتين المرحلتين، بحيث أن من يواظب عليهما يكون من الناجين السعداء، وأهمهما هي التقوى من المحرمات، وإن أهل السلوك يحسبون هذه المرحلة مقدمة على المرحلة الأولى، إذ يتضح من الرجوع إلى الأخبار والروايات وخطب «نهج البلاغة» أن المعصومين (علیهم السّلام) كانوا يعتنون كثيرا بهذه المرحلة .

إذاً ، أيها العزيز! بعد أن عرفت بأن المرحلة مهمة جداً. ثابر عليها بدقة، فإذا أنت خطوت الخطوة الأولى وكانت صحيحة، وبنيت هذا الأساس قوياً، كان هناك أمل بوصولك إلى مقامات أخرى، وإلا امتنع الوصول، وصعبت النجاة.

كان شيخنا العارف الجليل(1)يقول : إن المثابرة على تلاوة آخر آيات سورة الحشر المباركة، من الآية الشريفة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لغد . . .(2)إلى آخر السورة المباركة، مع تدبر معانيها، في تعقيبات الصلوات، وخصوصاً في أواخر الليل حيث يكون القلب فارغ البال، مؤثرة جداً في إصلاح النفس، وفي الوقاية من شر النفس والشيطان. وكان يوصي بدوام حال الوضوء، قائلاً: إن الوضوء مثل «بزّة جندي». وعلى كل حال، عليك أن تطلب من القادر ذي الجلال، من الله المتعال جلّ جلاله، مع التضرع والبكاء والالتماس كي يوفقك في هذه المرحلة ويعينك في الحصول على خصلة التقوى .


1) الشيخ العارف الجليل هو المرحوم الشاه آبادي المتقدم ترجمته في ص 48 فراجع .

2) سورة الحشر، الآية : 18 .

واعلم، أن بدايات الأمر صعبة وشاقة، ولكن بعد فترة من الاستمرار والمثابرة تتحول المشقة إلى راحة، والعسر إلى يُسر، بل تتبدل إلى لذة روحية، خصوصاً، وأن أصحاب هذه اللذة لا يستبدلونها بجميع اللذائذ. ويمكن، إن شاء الله، وبعد المواظبة الشديدة والتقوى التامة، أن تنتقل من هذا المقام إلى مقام تقوى الخاصة. وهي التقوى التي تتلذذ الروح بها. إذ أنك بعد أن تذوق طعم اللذة الروحية تترك شيئاً فشيئاً اللذائذ الجسدية وتتجنبها . وعندئذ يسهل عليك المسير حتى لا تعود تقيم وزناً للذات الجسدية الزائلة ، بل تنفر منها، وتقبح زخارف الدنيا في عينيك، وتنظر في باطنك فتجد أن كل لذة من لذات هذا العالم قد أوجدت في النفس أثراً وأبقت في القلوب لطخة سوداء تبعث على شدة الانس بهذه الدنيا والتعلق بها. وهذه هي نفسها تكون سبب الإخلاد إلى الأرض. وعند سكرات الموت تتبدل إلى صعوبة ومشقة ومعاناة. والواقع أن صعوبة سكرات الموت وحالة النزع الأخير القاسية ناجمة عن هذه اللذات وحب الدنيا، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فإذا أدرك الإنسان هذا المعنى سقطت لذات العالم من عينه كلياً، ونفر من الدنيا وما فيها من مباهج وزخارف. وهذا هو التقدم الثاني إلى المقام الثالث التقوى .

وبذلك يصبح سبيل السلوك إلى الله سهلاً ميسوراً، وطريق الإنسانية نيراً واسعاً، وتصبح خطوته شيئاً فشيئاً خطوة الحق، ورياضته رياضة الحق، ويتهرب من النفس وآثارها وأطوارها. إذ يجد في ذاته عشقاً للحق ، فلا يعود يقنع بوعود الجنة والحور العين والقصور، بل يكون مطلوبه ومقصوده أمراً آخر، وينفر من الأنانية وحب الذات.

فيتقي حب النفس ويتقي ذاته وأنانيته. وهذا مقام على قدر كبير من الشموخ والرفعة، وهو أول مراتب هبوب نسيم الولاية، فيدرجه الحق المتعال في كنف لطفه ويعينه ويجعله موضع ألطافه الخاصة .

أما ما يحدث للسالك بعد ذلك فخارج عن قدرة القلم. والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، والصلاة على محمد وآله الطاهرين .

الحديث الثالث عشر: «التوكل»

اشارة

بالسند المتَّصل إلى الشيخ الجليل ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن غير واحدٍ، عن علي بن أسباط، عن أحمد بن عمر الحلّال، عن علي بن سويد، عن أبي الحسن الأوّل (علیه السّلام) قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ(1)فقال: «التَّوَكُلُ عَلَى اللَّهِ دَرَجَاتٌ، مِنْهَا أَنْ تَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ فِي أُمُورِكَ فَمَا فَعَلَ بِكَ كُنْتَ عَنْهُ رَاضِياً تَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَأْلُوكَ خَيْرًا وَفَضْلاً وَتَعْلَمُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ لَهُ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ بِتَقْوِيضِ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَثِقْ بِهِ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا»(2).


1) سورة الطلاق، الآية : 3 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب التفويض إلى الله والتوكل عليه، ح5 .

الشرح:

«الحلّال» بتشديد اللام: بائع الحِلّ، وهو دهن السمسم. وأبو الحسن الأول هو الإمام موسى بن جعفر الكاظم (علیه السّلام). ويكنى أيضاً بأبي الحسن المطلق. وأبو الحسن الثاني هو الإمام علي بن موسى الرضا (علیه السّلام). وأبو الحسن الثالث هو الإمام علي ابن محمد الهادي (علیه السّلام).

و«التوكل» كما في اللغة، هو إظهار العجز والاعتماد على طرف آخر : واتكلت على فلان في أمر، اعتمدته. وأصله: او تكلت . و«حسبه» أي مُحْسِبُه وكافيه . و«يألوك»

من : ألا، يألو ، ألواً. ويعني التقصير. وقد قال بعضهم : إذا عدّي هذا الفعل إلى مفعولين تضمن معنى المنع(1)، وهذا حسن، لأن المعنى يكون أسلس، وإن لم تكن ثَمَّة حاجة إلى ذلك، فمعنى التقصير وحده يكفي، كما يستفاد خلاف ذلك من «الصحاح» الذي جاء فيه: «ألا، يألو : أي قصّر. وفلان لا يألوك نصحاً». فيتبّين من ذلك أن المعنى واحد حتى مع المفعولين .

و«التوكل» غير «التفويض»، وكلاهما غير «الرضا» وغير «الوثوق» كما سيأتي بيانه. وسوف نشرح فيما يلي ما يحتاج من الحديث الشريف إلى شرح .

فصل: في بيان معنى التوكل ودرجاته

إعلم أن للتوكل معاني متقاربة، ولكن بتعبيرات مختلفة، بحسب المسالك


1) مرآة العقول، ج8، كتاب الإيمان والكفر ، باب التفويض، ح5، ص 23.

المختلفة، كما يقول صاحب «منازل السائرين»: «التَّوَكُلُ كِلَةُ الْأَمْرِ كُلِّهِ إِلَى مَالِكِهِ وَالتَّعوِيلُ عَلى وَكَالَتِهِ»(1). ويقول بعض أصحاب العرفان: «التَّوكَّلُ طَرحُ الْبَدَنِ فِي الْعُبُودِيَّةِ وَتَعَلَّقُ الْقَلْبِ بِالرُّبُوبِيَّةِ»(2). وقال آخرون : «التَّوكُلُ عَلَى اللَّهِ انْقِطَاعُ الْعَبْدِ فِي جَمِيعِ مَا يَأْمُلُهُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ».

وهكذا تجد هذه المعاني متقاربة، ولا حاجة للبحث في المفهوم. وكل ما يتطلب القول هو أن للتوكل درجات مختلفة بحسب اختلاف مقامات العباد. ولما كانت معرفة درجات التوكل مبنية على العلم بدرجة معرفة العباد بربوبية الحق جل جلاله، كان لا بُدَّ من الإشارة إلى ذلك .

فاعلم أن أحد أصول معارف السالكين ومقاماتهم، التي لا تكون إلاّ به ، هو العلم بربوبية الحق تعالى، ومالكيته، وكيفية تصرف الذات المقدسة في الأمور. إننا لا ندخل هذا البحث من الناحية العلمية، لأن ذلك يتطلب التحقيق في «الجبر والتفويض» وذلك ما لا يتناسب مع هذه السطور. وإنما نقتصر على ذكر درجات الناس في معرفة ذلك .

وعليه، نقول إن الناس في معرفة الربوبية مختلفون متباينون إلى حدّ كبير : فالموحّدون عموماً يعرفون أن الحق تعالى هو خالق مبادىء الأمور، وكليات الجواهر، وعناصر الأشياء، ويرون بأن تصرفه محدود ، ولا يقولون بإحاطته الربوبية. فهؤلاء تراهم تارة يقولون : مقدر الأمور حق؟ وهو المتصرف في كل شيء، فما من كائن يكون إلا بإرادته المقدسة، ولكنهم ليسوا أصحاب هذا المقام، لا علماً، ولا إيماناً، ولا شهوداً، ولا وجداناً.

إن هذا الفريق من الناس - والظاهر أننا منهم - ليس لهم علم كامل بربوبية الله بل يكون توحيدهم ناقصاً، حيث حجبت عنهم ربوبية الحق وسلطنته لعلل وأسباب ظاهرة، وليس لهم مقام التوكل وهو ما يدور كلامنا عليه إلا لفظاً وادعاء. لهذا، فإنهم في الأمور الدنيوية، لا يعتمدون على الحق سبحانه، بأيّ شكل من الأشكال، ولا يتشبثون إلا


1) «منازل السائرین» ، قسم المعاملات، الباب السابع والعشرون، ص 753 .

2) الرسالة القشيرية ، ج 1 ، ص 468 .

بالأسباب الظاهرية والمؤثرات الكونية. وإذا ما اتفق أحياناً أن توجهوا إلى الحق تعالى وطلبوا منه حاجة& أو رجوا منه رجاء، فذلك من باب التقليد، أو من باب الاحتياط، لأنهم لا يرون في ذلك ضرراً عليهم، بل ربما يحتملون فيه فائدة. وفي هذه الحال توجد رائحة التوكل. ولكنهم إذا رأوا الأسباب الظاهرة ملائمة ومطابقة لأهوائهم، غفلوا كليIاً عن الحق تعالى وعن تصريفه للأمور. إن المقولة القائلة بأن التوكل لا يتنافى مع العمل والتكسب، صحيحة، بل هي مطابقة للبرهان وللنقل، ولكن الاحتجاب عن ربوبية الحق وتصريفه للأمور واعتبار الأسباب مستقلة، يتنافى والتوكل .

إن هؤلاء الذين لا يتمسكون حتى بأدنى درجات التوكل في أعمالهم الدنيوية، يتحدثون فيما يتعلق بالأمور الأخروية عن التوكل بزهو ومباهاة، وإذا ما ظهر منهم أيI تهاون وضعف وكسل في العلم أو في تهذيب النفس والعبادات والطاعات، بادروا إلى إظهار اعتمادهم وتوكلهم على الحق تعالى وفضله. وكأنهم يريدون بمجرد تلفظهم بأن «الله عظيم» و «إننا متوكلون على فضل الله» أن ينالوا الدرجات الأخروية! فإنهم يقولون في الشؤون الدنيوية : إن السعي والعمل لا يتنافيان مع التوكل على الله، وفي الأمور الأخروية يرون السعي والعمل ينافيان الاعتماد والتوكل عليه. وما هذا إلا من مكائد النفس والشيطان. فهؤلاء ليسوا متوكلين على الله، لا في الأمور الدنيوية، ولا في الأمور الأخروية، ولا هم يعتمدون عليه في أي أمر من الأمور. ولكنهم لاهتمامهم بالأمور الدنيوية، يتشبثون بالأسباب، دون الاعتماد على الحق تعالى وتصريفه للشؤون في العالم. وعلى العكس من ذلك، فهم ، لعدم اهتمامهم بأمور الآخرة، وعدم إيمانهم إيماناً صادقاً بيوم المعاد وتفاصيله، يصطنعون لذلك الأعذار. فمرة يقولون : «الله عظيم»، ومرة يظهرون الاعتماد على الله وعلى شفاعة الشفعاء، مع أن هذا كله ليس سوى لقلقة لسان لا أساس لها من الحقيقة في شيء.

وثّمة فريق ثان من الناس اقتنعوا، إما بالبرهان وإما بالنقل، وصدّقوا بأن الحق تعالى هو مقدر الأمور، ومسبب الأسباب، والمؤثر في الوجود، ولا حدود لقدرته وتصرّفه. هؤلاء يتوكلون على الحق سبحانه عن طريق العقل، أي إن أركان التوكل تامة عندهم، بحسب الأدلة العقلية والنقلية ولهذا فهم يرون أنفسهم من المتوكلين، ويقيمون

الدليل أيضاً على لزوم التوكل، لأنهم أثبتوا أركان التوكل، والتي هي أمور :

إن الحق تعالى عالّم بحاجات العباد .

إنه قادر على تلبية تلك الحاجات .

إنه ليس في ذاته المقدسة بخل .

إنه رحيم بالعباد ورؤوف بهم .

وإذا ، يجب التوكل على عالم قدير كريم رحيم بالعباد، قائم بمصالحهم، لا يفوّت عليهم شيئاً فيها، حتى وإن لم يميزوا هم بين ما ينفعهم وما يضرهم. هؤلاء وإن كانوا من المتوكلين عملياً، إلا أنهم لم يبلغوا مرتبة الإيمان. فهم لهذا مضطربون في اتخاذ أمر من أمورهم، وعقولهم مغلوبة في الصراع مع قلوبهم، لأنها بالأسباب متعلقة، وعن تصرف الحق سبحانه في الأشياء محجوبة .

أما الطائفة الثالثة، فهم الذين توصّلوا بقلوبهم إلى معرفة تصرّف الحق تعالى في الكائنات، فآمنت تلك القلوب بأن مقدّر الأمور، والسلطان ومالك الأشياء، هو الحق تعالى، وكتبوا بقلم العقل على ألواح القلوب أركان التوكل. هؤلاء هم أصحاب مقام التوكل . غير أن هؤلاء أيضاً يختلفون من حيث مراتب الإيمان ودرجاته اختلافاً كبيراً، قبل أن يصلوا إلى درجة الاطمئنان الكامل. وعند ذاك تظهر في قلوبهم درجة التوكل الكاملة، ولا تتعلق بالأسباب، بل تتشبث بمقام الربوبية، فتطمئن إليه وتعتمد عليه، كما وصف العارف المتقدم، التوكل قائلاً إنه : «طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية». وكل ما قلناه يعود إلى ما إذا كان القلب في مقام الكثرة الافعالية، وإلا فإنه يتجاوز مقام التوكل ويخرج عن المقصود .

إذاً ، فقد اتضح أن للتوكل درجات. ولعل الدرجة التي تعرض لها الحديث الشريف هي توكل الطائفة الثانية. إذ أنه جعل العلم من مبادئه، وربما أشار أيضاً إلى درجات أخرى ذات اعتبارات مختلفة. إذ أن للتوكل درجات أخرى في تقسيمات مختلفة، مثلما هي الحال في درجات سلوك أصحاب العرفان والرياضيات، حيث يصلون من مقام الكثرة إلى مقام الوحدة تدريجاً، فلا يحصل فناء أفعالي مطلق، دفعة واحدة، بل يشاهد أولاً في

مقامه، ومن ثم في سائر الكائنات. فكذلك يحصل التوكل والرضا والتسليم وسائر المقامات بالتدرّج أيضاً. وربما يبدأ أول الأمر بالتوكل على الأسباب الغائبة والخفية، ومن ثم يصل إلى مقام المطلق تدريجاً، سواء أكانت له أسباب ظاهرة جليّة، أم أسباب باطنة خفيّة، وسواء أكان ذلك في أعماله هو أم في أعمال أقربائه ومقّربيه . ولذلك جاء في الحديث : «إِنَّ مِنْ دَرَجَاتِ التَّوَكَّلِ أَنْ تَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ أُمُورِكَ» .

فصل: في بيان الفرق بين «التوكل» و «الرضا»

إعلم أن مقام «الرضا» غير مقام «التوكل»، وهو أسمى منه وأرفع. وذلك لأن المتوكل يطلب الخير والصلاح لنفسه، فيوكل الحق تعالى، بصفته فاعل الخير، للحصول على الخير والصلاح. أما الشخص «الراضي» فيكون قد أفنى إرادته في إرادة الله، فلا يختار لنفسه شيئاً. ولقد سئل أحد أهل السلوك :

«مَا تُرِيدُ؟» . فَقَالَ : «أُرِيدُ أَنْ لا أُرِيدَ»(1).

فمطلوبه هو مقام الرضا. أما ما جاء في الحديث الشريف: «فَمَا فَعَلَ بِكَ كُنْتَ عَنْهُ راضياً» فإنه لا يعني مقام الرضا، ولذلك جاء بعد ذلك قوله : «تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَأْلُوكَ خَيْراً وَفَضْلاً»، وكأنه (صلی الله علیه و آله و سلم) أراد أن يوجد في السامع مقام التوكل، وذلك بوضع المقدمات، فقال أولاً : «تعلم أنه لا يألوك خيراً وفضلاً» ثم قال : «تعلم أن الحكم في ذلك له» طبيعي أن من يعلم أن الله تعالى قادر على كل شيء، وأنه لا يفوت على نفسه خيره وفضله، فإن مقام التوكل يحصل له، وذلك لأن ركني التوكل الأساسيين قد ذكرهما، بينما لم يذكر الركنين أو الثلاثة الأخرى لوضوحهما. إذاً، تكون نتيجة المقدمات المذكورة المطوية والمعلومة هي أن ما يفعله الحق تعالى يبعث على الرضا والسرور. إذ أن فيه الخير والصلاح، وبذلك يحصل مقام التوكل . ولهذا فرع (علیه السّلام) في الحديث الشريف قوله : «فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ».


1) نقل هذا الكلام عن أبا يزيد، شرح منازل السائرين، القسم الرابع في الأخلاق، باب الرضا، ص89.

فصل: في بيان الفرق بين «التفويض» و «التوكل» و«الثقة»

ثم اعلم أن «التفويض» أيضاً غير «التوكل»، وأن «الثقة» غيرهما. ولذلك فقد أشير إليهما في مقامات السالكين بصورة منفصلة .

يقول الخواجة عبد الله الأنصاري : «التَّفْوِيضُ الْطَفُ إِشَارَةٌ وَأَوْسَعُ مَعْنى مِنَ التَّوَكَّلِ ثُمَّ قَالَ : التَّوَكَّلُ شُعْبَةٌ مِنْهُ»(1). وذلك لأن التفويض هو أن لا يرى العبد في نفسه حولاً ولا قوة، ولا يجد أن له التصرف في شيء، ويرى الحق تعالى هو المتصرف في كل الأمور . أما في التوكل فليس الأمر كذلك، لأن المتوكل يجعل الحق سبحانه قائماً مقامه في التصرف واجتلاب الخير والصلاح. وأما أن التفويض أوسع، لأن التوكل فرع منه، لأن التوكل يكون في المصالح، والتفويض يكون في الأمور كافة .

ولأن التوكل لا يكون إلاّ بعد وقوع سبب يستوجبه، أي عند وجود أمر يتوكل فيه العبد على الله، مثل توكل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأصحابه على الله في أن يحفظهم من المشركين، حينما قيل لهم : إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(2)وأما التفويض فيكون قبل وقوع السبب، كما جاء في الدعاء المروي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «اللَّهُمْ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إليك(3). وقد يكون بعد وقوع السبب، مثل تمثيل مؤمن آل فرعون .

إن ما ذكرناه يكون حاصل ترجمة شرح العارف المعروف «عبد الرزاق الكاشاني(4)» للتوكل والتفويض مأخوذاً من كلام العارف الكامل «الخواجة عبد


1) منازل السائرين، قسم البدايات، باب التفويض ، ص 34 .

2) سورة آل عمران، الآية : 173 .

3) كتاب من لا يحضره الفقيه، ح1351 .

4) الملا عبد الرزاق بن جمال (جلال) الدين إسحاق الكاشاني السمرقندي المكنى بأبي الغنائم الملقّب بـ كمال الدين من مشاهير عرفاء القرن الثامن الهجري ومن كبار شارحي كتاب الفصوص . مات عام (730 أو 735هـ . ق) من كتبه: الاصطلاحات الصوفية، تأويل الآيات أو تأويلات القرآن، شرح فصوص الحكم، شرح منازل السائرين .

الله(1)» مع شيء من الاختصار وفي كلام الخواجة(2)ما يدل على ذلك. ولكن في اعتبار التوكل شعبة من التفويض يستدعي النظر .

كما أن في جعل التفويض من التوكل مسامحة واضحة. وكذلك ليس ثمّة دليل على أن التوكل يقع بعد وقوع السبب . إذ في كلتا الحالتين - قبل وبعد وقوع السبب - يصح معنى التوكل. أما الحديث الشريف الذي يقول : «فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ بِتَفْرِيض ذَلِكَ إِلَيْهِ» فيمكن القول بأنه لا توكل إلا مع رؤية تصرفه بنفسه، ولهذا يتخذ لنفسه وكيلاً في أمر من أموره الخاصة به إلا أن الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) أراد أن يرفع ذلك من مقام التوكل إلى مقام التفويض، وليفهمه أن الحق تعالى لا يقوم مقامك في التصرف، بل هو المتصرف في ملكه ومملكته. وقد نبّه على ذلك الخواجة نفسه في «منازل السائرين» بشأن الدرجة الثالثة من درجات التوكل(3).

وأما «الثقة» فهي غير «التوكل» و«التفويض»، كما يقول الخواجة : «الثَّقَةُ سَوَادُ عَيْنِ التَّوَكُلِ، وَنَقْطَةُ دَائِرَةِ التَّفْوِيضِ، وَسُوَيْدَاهُ قَلْبِ التَّسْلِيم»(4).

أي أن المقامات الثلاثة لا تحصل من دون «ثقة»، بل إن روح تلك المقامات هي الثقة بالله تعالى . فما لم يثق العبد بالحق تعالى، لا يمكن أن ينالها .

فتبين السرّ في قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، بعد التوكل والتفويض، «ثق بِهِ فِيهَا وفي غَيْرِهَا».


1) تقدّم ترجمته في ص 233 .

2) شرح منازل السائري، باب المعاملات، باب التفويض ، ص78.

3) منازل السائرين، القسم الثالث، باب المعاملات، باب التوكل، ص 34 .

4) منازل السائرين، قسم البدايات ، باب الثقة ، ص 35 .

الحديث الرابع عشر: «الخوف والرجاء»

اشارة

بسندي المتَّصل إلى محمّد بن يعقوب، ثقة الإسلام وعماد المسلمين عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن منصور بن يونس، عن الحارث بن المغيرة أو أبيه، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: قلت له : مَا كَانَ فِي وَصِيَّةِ لُقْمَانَ؟ قَالَ: «كَانَ فِيْهَا الأعَاجِيبُ وَكَانَ أَعْجَبَ مَا كَانَ فِيهَا أَنْ قَالَ لابْنِهِ: خَفِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلٌ خِيفَةً لَوْ جِئْتَهُ بِبِرُ الثَّقَلَيْنِ لَعَذَّبَكَ، وَأَرْجُ اللَّهَ رَجَاءَ لَوْ جِئْتَهُ بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَرَحِمَكَ». كُمْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (علیه السّلام): «كَانَ أَبي يَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدِ مُؤْمِنٍ إِلا وَفِي قَلْبِهِ نُورَانِ نُورُ خِيفَةٍ وَنُورُ رَجَاءِ، لَوْ وُزِنَ هَذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا وَلَوْ وُرْنَ هَذَا لَمْ يَزِدْ عَلى هَذَا»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح 1 .

ا

الشرح:

يقول «الجوهري(1)» في الصحاح : «أعاجيب» كأنهم أرادوا جمع «أُعْجُوبَة» مثل أحدوثة وأحاديث. وقال : إن «الأعجوبة» هي ما يكون حسنه أو قبحه مثيراً للتعجب. ويكون المقصود في هذا الحديث هو المعنى الأول وكأن اللفظ في الأل مختص بما يثير حسنه العجب، وإن استعملت تطفلاً في الأعم.

و«البر» خلاف «العقوق» و «فُلانٌ يَبِرُّ خَالِقَهُ» يعني أنه يطيعه، كما يقوله الجوهري. و «الثقلان» هما الجن والإنس .

ويدل هذا (الحديث الشريف) على أن كلاً من الخوف والرجاء يجب أن يصل إلى مرتبة الكمال، ولا يجوز اليأس من رحمة الله تعالى أبداً، ولا الأمان من مكره مطلقاً. فهناك الكثير من الأحاديث التي تؤكد ذلك(2)، كما ينص القرآن الكريم على ذلك(3)أيضاً. ثم يجب الا يرجح أحدهما على الآخر. وسوف نقوم، بشرح ذلك وبيان المواضيع الأخرى من الحديث - إن شاء الله - ضمن فصول عديدة .

فصل: في بيان نظرتي الإنسان العارف

إعلم، أن للإنسان العارف بالحقائق والمطلع على النسبة بين الممكن والواجب


1) الجوهري هو اسماعيل بن حمّاد الجوهري (332 - 393هـ . ق) إمام اللغويين والأدباء كان عالماً في علم الكلام وأصول الفقه. من تلامذة أبو علي الفارسي وأبو سعيد السيرافي ومن أهم مؤلفاته كتاب (الصحاح) في اللغة .

2) بحار الأنوار ، ج 67 ، كتاب الإيمان والكفر ، الباب 59 ، ح 28 ، 39، 46، 71 و 72 و . .

3) سورة الأعراف، الآية : 99. سورة يوسف، الآية: 87 سورة الزمر، الآية : 53 . سورة الحجر، الآية : 56 .

جلّ وعلا نظرتين: الأولى : نظرته إلى نقصه الذاتي وإلى نقص جميع الممكنات وانحطاط الكائنات فهو يدرك في هذه النظرة، عيناً أو علماً، أن الممكن غارق بكلّيته في الذل والنقص وفي بحر ظلام الإمكان والفقر والاحتياج أزلاً وأبداً، وأنه لا يملك بذاته شيئاً إطلاقاً، وهو محض لا شيء، ومجرد ضعة، ونقص مطلق، بل إن هذه التعبيرات نفسها لا تصدق عليه حقيقة وإنما هي من ضيق أفق التعبير والكلام، وإلا فإن النقص والفقر والحاجة من سمات الشيئية ، وليس لجميع الممكنات والخلائق كافة ، شيئية بذواتها . وهو في هذه النظرة ، لو تقدم إلى أعتاب الربوبية بكل العبادات والطاعات والعلوم والمعارف، فلن يكون أمامه سوى أن يطأطيء رأسه خَجَلاً وذلاً وخوفاً، فما هذه العبادة والطاعة؟ ممن؟ ولمن ؟ إن كل المحامد تعود إليه تعالى، وليس للممكن أي تصرف فيها، بل إن تصرف الممكن يبعث على نقص في إظهار محامد الله والثناء عليه. وهذا ما سألوي عنه عنان القلم، ففي هذا المقام يقول عزَّ وجلَّ: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . . .(1). كما يقول في المقام الأول قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللهِ(2).

يقول الشاعر (حافظ الشيرازي) في هذا المقام :

قال مُرشدنا : إن قلم الصانع لم يخطأ ... (فإن الأخطاء منّا)

بوركت نظرته السديدة الساترة للعيوب ... وهي : (قُلْ كُلَّ مِنْ عِندِ اللهِ)

إن قول المرشد (الشطر الأول) راجع إلى المقام الثاني (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) . وأما (الشطر الثاني من الشعر) فيعود إلى المقام الأول (قُلْ كُلُّ مِنْ عِنْدِ اللهِ) وفي هذا المقام يستولي على الإنسان الخوف والحزن والخجل والخزي .

والنظرة الأخرى نظرته إلى كمال الواجب، وبسط بساط رحمته، وسعة لطفه تعالى وعنايته . فهو يرى أنه سبحانه قد بسط هذه النعم والرحمات المتنوعة، التي لا يمكن الإحاطة بها ولا حصرها وتحديدها، من دون استعداد وتهيؤ مسبق لها. وإنه قد فتح أبواب لطفه وعفوه على العباد دون استحقاق . فنعمه مبتدأة لا يسبقها سؤال .


1) سورة النساء، الآية : 79 .

2) سورة النساء، الآية: 78.

كما أشار إلى ذلك حضرة الإمام زين العابدين وسيد الساجدين (علیه السّلام)(1)كثيراً في أدعية الصحيفة وغيرها، فيقوى رجاؤه برحمة الحق تعالى ويزداد أمله، بالكريم الذي لا يسبغ كرمه إلا من باب الرحمة واللطف، وبمالك الملوك الذي يفيض علينا بنعمه من دون سؤال أو استعداد. تلك النعم التي تعجز العقول عن إدراك بعضها وتقصر . والمالك الذي لا تنقص من ملكه الواسع معصية العاصين، ولا تزيده طاعة المطيعين، بل إن هداية ذاته المقدسة لنا إلى طرق الطاعات، ومنعه إيّانا عن العصيان، إنما هو من عناياته الكريمة ونعمه وآلائه، لأجل وصولنا إلى مقامات الكمال ومدارجه الرفيعة، وللتنزه عن النقص والقبح والتشوه .

فإذا جثونا عند أعتاب رحمته وعنايته، لوجب أن نقول : اللهم إنك إذ ألبستنا لباس الوجود، ووهبتنا كل أسباب الحياة والرفاه بما يفوق إدراك المدركين، وأريتنا طرق الهداية، وأسبغت علينا من نعمك ، إنما كان ذلك لمصلحتنا لننعم بأفضالك ونعمك . وها نحن قد وفدنا إلى دار كرامتك، وعلى أعتاب سلطنتك، مثقلين بذنوب الثقلين، مع أن ذنوب المذنبين لم تنقص من خزائن رحمتك، ولم تخلّ خطاياهم بمملكتك. فماذا أنت صانع بقبضة تراب لا تساوي شيئاً عند أعتاب عظمتك سوى أن تشملها برحمتك وعنايتك؟ أيمكن أن نأمل غير الرحمة من لطفك؟

فعلى الانسان، إذاً، أن يتردد بين هاتين النظرتين. فلا هو يغمض عينيه عمّا فيه من نقص وقصور في القيام بالعبودية، ولا هو ينسى سعة رحمة الحق جلّ جلاله وعنايته وشموليتهما .

فصل: قصور الإنسان الممكن من أداء عبادة الحق

إعلم أيها العزيز، أن للخوف والرجاء مراتب ودرجات حالات العباد


1) يقول الإمام زين العابدين (علیه السّلام) في الدعاء الثاني عشر من الصحيفة السجادية : «إذ جميع إحسانك تفضّل وإذ كلّ يعمك ابتداء». وفي الدعاء الثاني والثلاثين منها أيضاً : «فلك الحمد على ابتدائك بالنّعم الجسام» ونجد بهذا المضمون في كل من دعاء أبي حمزة الثمالي ودعاء الإفتتاح فراجع .

ومراتب معرفتهم. فخوف العامة يكون من العذاب وخوف الخاصة يكون من العتاب، وخوف أخص الخاصة يكون من الاحتجاب. ولكننا لسنا الآن بصدد شرح ذلك، وإنما سنشير إلى الموضوع السابق ببيان آخر .

فاعلم أن ليس أحد من المخلوقات بقادر على عبادة الحق تعالى حق عبادته . لأن العبادة هي الثناء على مقام ذات الله المقدسة، وثناء كل شخص فرع معرفته بمن يثني عليه . ولّما كانت يد أرجاء العباد، في الحقيقة قصيرة، عن عِزَّ جلال معرفة ذاته المتعال، فهم إذاً ليسوا قادرين بالثناء على جماله وجلاله. وقد اعترف بذلك أشرف الخلائق وأعرف الكائنات بمقام الربوبية :

«مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ وَمَا عَرَفْنَاكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ»(1)حيث الجملة الثانية هي بمثابة التعليل للجملة الأولى، إذ قال :

«أنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»(2).

إذاً، فالقصور الذاتي من حق الممكن، والعلو الذاتي خاص بذات كبرياء الله جلّ جلاله، ولما كان العباد قاصرين عن الثناء على الله تعالى وعن عبادة ذاته المقدسة. ومن دون معرفة الحق سبحانه وعبوديته لا يمكن لأحد من عباده أن يبلغ المقامات الكمالية والمدارج الأخروية، كما هو ثابت ومبرهن عليه عند علماء الآخرة في محله، ولكن العامة غافلون عن ذلك، ويحسبون المدارج الأخروية جزافاً أو شبيهة بالجزاف - تعالى الله عن ذلك عُلواً كبيراً - لما كان كذلك فقد فتح الله تعالى بلطفه الشامل ورحمته الواسعة باباً من الرحمة والرعاية بالعباد عن طريق تعليمات الوحي الغيبية والإلهام، وبوساطة الملائكة والأنبياء. ذلكم هو باب العبادة والمعرفة. فعلم العباد طرق عبادته، وفتح لهم سبيلاً إلى المعارف لكي يخففوا من نقائصهم قدر الإمكان، ويسعوا لنيل الكمالات


1) «سفينة البحار» ج 2، ص 180 ، وما بعدها . مرآة العقول، ج 8 ، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر ، ص 146 .

2) المصدر نفسه، 181 ، وما بعدها. من دعاء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في السجود، فروع الكافي، ج 3، كتاب الصلاة، باب السجود، ح12 ، ص 324 ، مصباح الشريعة، الباب الخامس، مراة العقول، ج8، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر ، ص 146 .

الممكنة، ويهتدوا بأشعة نور العبودية للوصول إلى عالم كرامة الحق، وإلى الروح والريحان وجنات النعيم، بل إلى رضوان الله الأكبر .

إذاً، ففتح باب العبادة والعبودية من النّعم الكبرى التي تدين لها الكائنات كافة، دون أن تستطيع الوفاء بحق الشكر ، بل إن كل شكر هو فتح باب كرامة لا تقدر على شكره أيضاً. فإذا علم الإنسان مشربه هذا، واطّلع قلبه عليه، اعترف بتقصيره. وحتى لو أنه تقدم إلى أعتاب الله جلّ جلاله بعبادة الجن والإنس والملائكة المقربين، لكان مع ذلك خائفاً ومقصراً. وكذلك إن عباد الله العارفين وأولياء المختصين به الذين فتح لهم باباً من سر القدر، واستنارت قلوبهم بنور المعرفة، لارتجفت قلوبهم من الخوف، ونفوسهم من الخشية، بحيث لو اتجهت إليهم الكمالات كلها، وأعطوا مفاتيح المعارف كلها، وأترعت قلوبهم بالتجلّيات، لما قل من خوفهم قدر ذرة، ولا من خشيتهم قدر شعرة، كما يقول أحدهم : الناس تخاف النهاية وأنا أخاف البداية(1). سُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالى . يعلم الله يجب أن يتقطع قلب الإنسان من هذا الكلام، ويذوب خوفاً، ويهيم على وجهه في البراري فإلى أي حد يكون الإنسان غافلاً؟

ثم إنه قد سبق منا في شرح أحد الأحاديث السابقة(2)وقلنا بأننا في كل عباداتنا وطاعاتنا إنّما نريد مصالحنا الخاصة، ودافِعُنا إليها هو حبّ النفس. وما الزهد في الدنيا في الحقيقة إلا من أجل الآخرة. وهو أشبه بالزهد في الدنيا من أجل الدنيا عند الأحرار . فلو ذهبنا بعبادة الثقلين إلى محضر قدسه الربوبي، لما كان استحقاقنا سوى البعد عن ساحته المقدسة. لقد دعانا الحق تبارك وتعالى إلى مقام قربه وأنسه. قال: «وَخَلَقْتُكَ لأجلي»(3)وجعل غاية الخلق معرفته، وهدانا إلى طرق المعارف والعبودية، ولكننا مع هذا لم نشغل أنفسنا إلا بتعمير البطن والفرج، ولا هم لنا سوى الأنانية وحب الذات .

فيا أيها الإنسان المسكين، الذي لم تجن من عبادتك ومناسكك إلا البعد عن ساحة


1) هذا الكلام من مناجاة الخواجه عبد الله الأنصاري.

2) في ص 100 من هذا الكتاب.

3) ورد في الحديث القدسي : «يا ابن آدم خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي» (علم اليقين، ج1، الباب الخامس الفصل الثالث، ص381) .

الله المقدسة، والاستحقاق للعتاب والعقاب، عَلامَ اعتمادك ؟ ولماذا لا يقلقك ولا . يزعجك الخوف من شدة بأس الحق؟ أعندك متكأ تتكى عليه؟ أتثق بعملك وتطمئن إليه؟ إذا كان الأمر كذلك فالويل لك من معرفتك بحالك وحال مالك الملوك ! وإذا كان اعتمادك على فضل الحق وسعة رحمته وشمول عناية ذاته المقدس، لكان ذلك في محله جداً. لقد اعتمدت على أمر وثيق، ولجأت إلى أوثق ملجأ .

إلهي، وربي! إن أيدينا عن كل شيء قاصرة، ونحن عارفون بأننا ناقصون وتافهون، ولا نملك ما يليق بأعتاب قدسك. كلنا نقص وعيب. ظاهرنا وباطننا ملوث بالمهالك والموبقات. فمن نحن حتى نرجو القدرة على الثناء عليك، فيما يعترف الولي من أوليائك قائلاً: «أفَبِلِسَانِي الكالّ هذا أَشْكُرُكَ !»(1)مقراً بعجزه وقصوره، فكيف بنا نحن أهل المعصية المحجوبين عن ساحة كبريائك؟ ما عسانا نقول سوى أن نحرك السنتنا قائلين: إن رجاءنا موكول إلى رحمتك، وإن أملنا وثقتنا بفضلك ومغفرتك وجودك وكرمك، كما جاء على ألسنة أوليائك .

في الكافي، بإسناده عن أبي جعفر الباقر (علیه السّلام) قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : لا يَتَّكِلُ الْعَامِلُونَ لِي عَلَى أَعْمَالِهِمْ الَّتِي يَعْمَلُونَها لِثَوَابِي، فَإِنَّهُمْ لَوِ اجْتَهَدُوا وَاتَّعَبُوا أَنْفُسَهُمْ - أَعْمَارَهُمْ - فِي عِبَادَتِي كَانُوا مُقَصِّرِينَ غَيْرَ بَالِغِينَ فِي عِبَادَتِهِمْ عِبَادَتِي فِيمَا يَطْلَبُونَ عِندِي مِنْ كَرَامَتِي وَالنَّعِيمِ فِي جَنَّاتِي وَرَفِيعِ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي جوَارِي، وَلَكِنْ بِرَحْمَتِي فَلْيَثِقُوا، وَفَضْلِي فَلْيَرْجُوا، وَإِلَى حُسْنٍ فَلْيَرْجُوا ، وَإِلى حُسنِ الظَّنِّ بِي فَلْيَطْمَينُوا، فَإِنْ رَحْمَتِي عِنْدَ ذلِكَ تُدْرِكُهُمْ، وَمَنِّي يُبَلِّغُهُمْ رِضْوَانِي، وَمَغْفِرَتِي تَلْبِسُهُمْ عَفْوِي، فَإِنِّي أَنَا الله الرّحمن الرّحِيمُ، وبذلِكَ تَسَمِّيتُ»(2).

ومن أسباب الخوف أيضاً التفكر في شدة بأس الله تعالى، وفي دقة سلوك طريق الآخرة، والأخطار التي تحيط بالإنسان في حياته وعند موته، ومشاق البرزخ، ويوم القيامة، ومناقشات الحساب والميزان، مع ملاحظة الآيات والأخبار التي تنبىء عمّا وعد


1) من دعاء أبي حمزة الثمالي. مصباح الكفعمي، الفصل 45 ، ص 596 . مصباح المتهجد، ص 534 . .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب حسن الظن بالله ، ح1 .

الله تعالى عباده، مما يُحيي كامل الأمل والرجاء .

لقد جاء في الحديث، أن الحق تعالى يبسط يوم القيامة بساط رحمته بصورة يطمع حتى الشيطان بالمغفرة منه(1). وأن الحق سبحانه لم ينظر إلى هذا العالم منذ تكوينه وخلقه، نظرة لطف كما ورد في الرواية(2)وأنه سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذا العالم رحمته إلا بمقدار ذرة بالنسبة إلى العوالم الأخرى، هذه الذرة قد بعثت على إحاطة النعم الإلهية، وألطافه ورحمته وغفرانه، بالجميع من جميع جوانبهم، وأن الظاهر من النعم والباطن منها تعتبر مائدة نعم الله تبارك وتعالى وعطاياه التي لا يقدر العالم ببرمّته على الإحاطة بجزء منها ، فكيف إذا بنعمه سبحانه في عالم هو عالم كرامته، ودار ضيافته، وموضع رحمته ، حيث يبسط رحيميته ورحمانيته؟ فيحق للشيطان أن يطمع في نيل رحمة الله ، ويرجو عطيته ! إذاً ، فأكمل حسن ظنك بالله وثق بفضله إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً(3). فالله يغرق الجميع في بحر جوده وكرمه، والله لا يخلف وعده، وإن كان الخلف في الوعيد ممكن، وكثيراً ما يقع فعلا فليستبشر قلبك برحمته التامة. ولولا شمولك برحمته الواسعة لما كنت قد خلقت، فكل مخلوق مرحوم : وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ(4).

فصل: في الفرق بين الرجاء والغرور

ولكن أيها العزيز كن على حذر، لئلا تخلط بين الرجاء والغرور . فقد تكون مغتراً وتحسب نفسك من أهل الرجاء. إن من السهل التمييز بين الحالين في مباديهما. أنظر إلى هذه الحال التي فيك والتي تظن نفسك بها بأنك من أهل الرجاء . فهي إمّا أن تكون ناشئة


1) قال الصادق جعفر بن محمّد (علیه السّلام): «إذا كان يوم القيامة نشر الله تبارك وتعالى رحمته حتى يطمع إبليس في رحمته». (بحار الأنوار ، ج 7، كتاب العدل والمعاد، الباب 12 ، ح1).

2) في الحديث «فما لها عند الله عز وجل قدر ولا وزن ولا خلق فيما بلغنا خلقاً أبغض إليه منها ولا نظر إليها مذ خلقها» . (بحار الأنوار ، ج 70 ، كتاب الإيمان والكفر ، الباب (122 ، ح 109 ، ص 110).

3) سورة الزمر، الآية : 53 .

4) مقتبس من الآية المباركة «واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة انا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء» سورة الأعراف، الآية : 156 .

من التهاون في أوامر الحق سبحانه والتقليل منها ، وإمّا أن تكون ناجمة عن الاعتقاد بسعة رحمة الله وعظمة ذاته المقدسة. وإذا عسر عليك التمييز بينهما أيضاً، أمكنك التمييز من خلال الآثار. فإذا كان الإحساس بعظمة الله في القلب، وكان قلب المؤمن محاطاً برحمة ذاته المقدسة وعطاياه، لقام القلب بواجب العبودية والطاعة. لأنّ تعظيم العظيم المُنعم وعبادته من الأمور الفطرية التي لا خلاف فيها .

وإذا لم تكن في أداء واجبات العبودية، وفي بذل الجهد والجدّ في الطاعة والعبادة، معتمداً على أعمالك، ولم تحسب لها حساباً، وكنت آملاً رحمة الله وفضله وعطاءه، ووجدت نفسك مستحقاً للّوم والذّم والسخط والغضب بسبب أعمالك، ولم تعتمد إلا على رحمة الجواد المطلق، فأنت من أهل الرجاء . فاشكر الله تبارك وتعالى، واطلب من ذاته المقدسة أن يثبّت ذلك في قلبك، ويمنحك أعلى منه مقاماً .

أمّا إذا كنت - لا سمح الله - متهاوناً في أوامر الحق تعالى ومستحقراً ومستهيناً

لتعاليمه، فاعلم أنه الغرور الحاصل في قلبك وأنه من مكائد الشيطان، ومن نفسك الأمارة بالسوء. فلو آمنت بسعة الله ورحمته وعظمته. لظهر أثر ذلك فيك. إن المدعي الذي يخالف عمله دعواه يكذب نفسه بنفسه. والشواهد على هذا في الأحاديث المعتبرة كثيرة .

ففي الكافي بإسناده عن أبي نجران، عمَّن ذكره، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «قُلْتُ لَهُ: قَوْمٌ يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي وَيَقُولُونَ نَرْجُو فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمُ الْمَوْتُ، فَقَالَ : هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَتَرَجُحُونَ فِي الْأَمَانِي. كَذِبُوا لَيْسُوا بِرَاجِينَ، إِنَّ مَنْ رَجَا شَيْئاً طَلَبَهُ وَمَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْهُ»(1).

وبهذا المضمون رواية أخرى في كتاب الكافي الشريف :

وبإسناده عن الحسين ابن أبي سارة قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السّلام) يقول: «لا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً حَتَّى يَكُونَ خَائِفاً رَاجِياً وَلا يَكُونَ خَائِفاً رَاجِياً حَتّى يَكُونَ عَامِلاً لِمَا يَخَافُ وَيَرْجُوه»(2).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح5 وح11 .

2) المصدر السابق.

قال بعضهم : إنّ مَثَلَ من لا يعمل وينتظر رحمة ربه ويرجو رضوانه مَثَلُ من يرجو المسبَّب دون أن يُعِدَّ الأسباب، وَمَثَلُ الفلّاح الذي ينتظر الزرع من دون أن يبذر الأرض أو يهتم بها وبإروائها أو يقضي على موانع الزرع . إن مثل هذا الانتظار لا يسمّى بالرجاء، بل هو بله وحماقة. وإنّ مَثَلَ من لم يُصلح أخلاقه أو لم يبتعد عن المعاصي فينهض بأعمال راجياً تزكية نفسه(1)، مَثَلُ من يودع البذر في أراضي سبخة ، ومن الواضح أنّ هذا الزرع لا يثمر النتيجة المتوخّاة .

فالرجاء المستحسن والمحبوب هو تهيئة كافة الأسباب التي يمتلكها الإنسان كما أمر الله بها واستغلالها حسب القدرة التي زوّده بها الحق المتعال بعنايته الكاملة، وحسب هدايته - عزّ وجلّ - إياه إلى طرق الصلاح والفساد، ثم ينتظر ويرجو الحقّ المتعال أن يتمّ عنايته السابقة تجاه الأسباب التي وفّرها من قبل، ويحقق الأسباب التي لا تدخل تحت إرادته واختياره من بعد، ويزيل الموانع والمفاسد .

فإذا نظف العبد أرض قلبه من أشواك الأخلاق الفاسدة وأحجار الموبقات وسباختها، وبذر فيها بذور الأعمال، وسقاها بماء العلم الصافي النافع والإيمان الخالص، وخلصها من المفسدات والموانع مثل العجب والرياء وأمثالها التي تعد بمثابة الأعشاب الضارّة العائقة لنموّ الزرع، ثم انتظر ربّه المتعالي ورجاه أن يثبته على الحق، ويجعل عاقبة أمره إلى خير، كان هذا الرجاء مستحسناً . كما يقول الحق المتعالي :

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ(2).

فصل: في سبب تعادل الخوف والرجاء

ورد في نهاية هذا الحديث الشريف - الحديث الرابع عشر - أنّه لا بدّ من تعادل


1) إحياء علوم الدين، ج 4 ، كتاب الخوف والرجاء، بحث حقيقة الرجاء، ص 139 .

2) سورة البقرة، الآية : 218 .

الخوف والرجاء وعدم تفوّق أحدهما على الآخر، كما ورد هذا المضمون في مرسلة ابن أبي عمير عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أيضاً(1).

إنّ الإنسان عندما يدرك منتهى قصوره في النهوض بالعبودية، ويرى صعوبة وضيق طريق الآخرة، يتولد فيه الخوف بأعلى درجة، وعندما يجد ذنوبه ويفكّر في أناس كانت عاقبة أمرهم الموت من دون إيمان وعمل صالح، رغم حسن أحوالهم في بدء الأمر ولكنهم انتهوا إلى سوء العاقبة، يشتد فيه الخوف. ففي الحديث الشريف في الكافي عن الإمام الصادق (علیه السّلام):

قال: «الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْن ذَنْب قَدْ مَضى لا يَدْرِي مَا صَنَعَ اللَّهُ فِيهِ وَعُمْرٍ قَدْ بَقِيَ لا يَدْرِي مَا يَكْتَسِبُ فِيهِ مِنَ الْمَهَالِكِ فَهُوَ لا يُصْبحُ إِلا خَائِفاً وَلَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الخَوْفُ»(2).

ونقل الكافي في حديث آخر عن الإمام (علیه السّلام) خطبة عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بهذا المضمون(3).

وعلى أي حال يرى الإنسان نفسه في منتهى النقص والتقصير، ويرى الحّق في منتهى العظمة والجلال، وسعة الرحمة والعطاء، ويعيش العبد بين هاتين النظرتين دائماً في حال متوازية بين الخوف والرجاء. وحيث أن الأسماء الجلالية والجمالية تتجليان في قلب السالك بصورة متعادلة لا يترجح كل من الخوف والرجاء على الآخر.

وقال(4)بعض إن الخوف في بعض الأحيان أنفع للإنسان مثل أيام الصحة والعافية، حتى يجهد الإنسان نفسه في كسب الكمال والعمل الصالح. وفي بعض الأحيان الرجاء أفضل مثل أيام ظهور علامات الموت، حتى يلاقي الإنسان الحق المتعالي مع حالة مفضلة أكثر عنده - سبحانه(5).


1) أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر ، باب الخوف والرجاء، ح13، ص71.

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح 12 .

3) أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر ، باب الخوف والرجاء، ح12، ص71.

4) بحار الأنوار، المجلد 70 ، باب الخوف والرجاء، ص 355 .

5) إحياء علوم الدين، ج 4 ، كتاب الخوف والرجاء، ص 163 . أسرار الصلاة للشيخ جواد الملكي التبريزي، ص 163 - 164 .

ولكن هذا الكلام لا يتطابق مع الكلمات السابقة والأحاديث المذكورة، لأنّ الرجاء المحبوب يدفع الإنسان أيضاً نحو العمل واكتساب الآخرة، والخوف من الحق سبحانه محبوب لديه - عزّ وجلّ - ولا يتنافى مع الرجاء المؤكد .

وقال بعضهم(1): إنّ الخوف لا يعتبر من الفضائل النفسية والكمالات العقلية في عالم الآخرة وإنما يعدّ من الأمور النافعة في دار الدنيا التي هي دار العمل، حيث يحرص الإنسان على فعل العبادات وترك المعاصي وينتهي دوره بعد الخروج من هذه الدنيا. في حین أنّ الرجاء لا ينقطع ويستمر حتى في عالم الآخرة. لأنّ العبد كلما نال رحمة الله أكثر ازداد طمعه نحو فضل الحق المتعالي أكثر ، لأنّ خزائن رحمة الحق الجليل لا تتناهى . فالخوف ينقطع بالموت ويبقى الرجاء حتى إلى ما بعد الموت(2).

يقول(3)المحدّث المحقق المجلسي (رحمه الله علیه): «والحق أنّ العبد ما دام في دار التكليف لا بدّ له من الخوف والرجاء وبعد مشاهدة أمور الآخرة يغلب عليه أحدهما لا محالة حسب ما يشاهده من أحوالها»(4).

يقول الكاتب : إنّ ما قيل من غلبة الخوف والرجاء في عالم الآخرة، لا يتلاءم مع ما ذكر من معنى الرجاء. وعلى فرض صحة الكلام المذكور فهو صحيح بالنسبة إلى المتوسطين حيث يكون خوفهم ورجاؤهم عائدين إلى الثواب والعقاب .

وأما حال الخواصّ والأولياء فيختلف الأمر عمّا ذكروا، لأن الخوف والرجاء الناجمين عن مشاهدة عظمة وجلال وتجلّي أسماء اللطف والجمال، والحاصلين في القلب لا يزولان بمشاهدة أمور الآخرة. ولا يترجّح أحدهما على الآخر، بل إنّ آثار الجلال والعظمة وتجليّات الجمال واللطف في عالم الآخرة أكثر، فيصبح الخوف


1) مرآة العقول، ج 8 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح 1 ، ص 32 نقل المرحوم المجلسي هذا الكلام عن بعض العلماء .

2) بحار الأنوار، المجلد 70 ، باب الخوف والرجاء، ص 355 .

3) تقدّمت ترجمته في ص 23 فراجع .

4) مرآة العقول، ج 8 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الخوف والرجاء، ج1، ص32.

الحاصل من عظمة الحق من اللذائذ الروحانية، ولا يتنافى هذا مع الآية الكريمة األا إنَّ أولياء الله لا خَوْفٌ عَليهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(1)كما يتبّين ذلك بالتمعن في الآية المباركة . وما نقل - قبل أسطر - من أنّ الخوف ليس بفضيلة نفسية، ليس هو الخوف من الجلال والعظمة، لأنّ مثل هذا الخوف يكون كمالاً ومن صفات الكاملين والمكملين. كما أنّ خوف غيرهم يكون أكثر . والحمد لله على جماله وجلاله والصَّلاة على محمّد وآله .


1) سورة يونس، الآية : 62.

الحديث الخامس عشر: «البلاء»

اشارة

بسندنا المتَّصل إلى سلطان المحدَّثين محمّد بن يعقوب الكليني - رضوان الله عليه - عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن سماعة، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: إِنَّ فِي كِتَابٍ عَلِيٌّ (علیه السّلام): «إِنْ أَشَدَّ ام النَّاسِ بَلاءَ النَّبيُّونَ ثُمَّ الْوَصِيُّونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ وَإِنَّمَا يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ، فَمَنْ صَحْ دِينُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، اشْتَدَّ بَلاؤُهُ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلِ الدُّنْيَا ثَوَاباً لِمُؤْمِنٍ وَلَا عُقُوبَةٌ لِكَافِرٍ وَمَنْ سَخُفَ دِينُهُ وَضَعْفَ عَقْلُهُ، قَلَّ بَلاَؤُهُ وَإِنَّ الْبَلاءَ أَسْرَعُ إِلَى الْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ مِنَ الْمَطَرِ إِلَى الْأَرْضِ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب شدّة ابتلاء المؤمن ، ح 29 .

الشرح:

قال بعض بأنّ المقصود من الناس في أمثال هذا الحديث الشريف، الكاملون من قبيل الأنبياء والأولياء والأوصياء، فإنّهم الناس حقاً . وأمّا عامة الناس فهم النسناس كما ورد في الحديث(1).

ولكن لا مرجّح لهذا الكلام، بل المناسب في المقام إرادة عموم البشر وهو واضح تماماً. ويكون - هذا المعنى - مستفاداً من الأحاديث الموجودة في هذا الباب من كتاب الكافي. وإذا عثرنا في حديث على كلمة «الناس» وكان المقصود منها الكاملين، فليس ذلك مبرراً لإرادة هذا المعنى من هذه اللفظة حيثما وردت .

إنّ «البلاء» هو الاختبار والامتحان، في الحسن والقبح. كما صرّح بذلك أهل اللغة. يقول الجوهري(2)في الصحاح : (والبلاء الاختبار يكون بالخير والشر، يقال أبلاه الله بلاء حسناً وابتلاه معروفاً) ويقول الحقّ المتعال : بَلاء حَسَناً(3).

وعلى أيّ حال إنّ كل ما يمتحن به الحقّ - جلّ جلاله - عباده يدعى بلاء أو ابتلاء سواء كان بالأمراض والأسقام والفقر والذلّ وإدبار الدنيا أو بما يقابل هذه الأمور، كأن يُختبر بكثرة الجاه والاقتدار والمال والمنال وبالزعامة والعزّة والعظمة. ولكن متى ما ذكر البلاء أو البلية أو الابتلاء بصورة مطلقة انصرف وانسبق إلى الذهن من اللفظ، البلاء من القسم الأول .


1) مرآة العقول، ج9، كتاب الإيمان والكفر ، باب شدّة ابتلاء المؤمن ، ح 1 ص321.

2) تقدّم ترجمته في ص 269 فراجع .

3) سورة الأنفال، الآية : 16 .

و «أَمْثَلُ» بمعنى أفضل وأشرف يقال : هذا أمثل من هذا أي أفضل وأدنى إلى الخير . وأماثل الناس، خيارهم. فمعنى «ثُمَّ الأمثَلُ فَالْأَمْثَلُ» هو أن من كان أفضل وأحسن - بعد الأئمة الأوصياء (صلی الله علیه و آله و سلم) - فبلاؤه أشدّ من الآخرين. ومَنْ كان - من غير الفئة المذكورة - أفضل فبلاؤه أكثر من غيره من الناس. فمراتب الابتلاء على قدر درجات الفضل - عند الله سبحانه -. ولا يوجد مثل هذا التعبير - الأمثل فالأمثل - في الأدب الفارسي حتى أذكره .

والـ «سخف» هو ضعف العقل وخفته، كما ورد في الصحاح وغيره من الكتب اللغوية .

والـ «قَرَارُ» هو المستقر والمكان، كما يستفاد من معاجم اللغة . وفي - كتاب - قاموس اللغة : «القرار والقرارة ما قُرَّ فيه والمطمئن من الأرض» ووجه الشبه - بين المؤمن التقي وقرار الأرض - هو أن الأرض محلّ الأمطار ومستقرّها، حيث تهطل قطرات السماء عليها وتستقرّ ، وكذلك المؤمن حيث تهجم عليه البلايا، وتستقر عنده ولا تفارقه .

ونحن إن شاء الله سنشرح ما يحتاج إليه الحديث الشريف في غضون فصول عدّة .

فصل: في بيان معنى الامتحان وآثاره وكيفية نسبته إلى الحق المقدس المتعالي

إعلم أنّ النفوس البشرية منذ ظهورها وتعلّقها بالأجساد، وهبوطها إلى عالم المُلك - عالم المادة - تكون على نحو القوة - الأهلية والقابلية - تجاه جميع العلوم والمعارف والملكات - الحالات الراسخة المتمركزة في الإنسان - الحسنة والسيئة، بل تجاه جميع الإدراكات والفعليّات - الحاضرة التي هي ذات آثار - ثم تتدرّج بعناية الحق - جلّ جلاله - نحو الفعلية شيئاً فشيئاً، فتبدو أولاً الإدراكات الضعيفة الجزئية مثل حاسة اللمس والحواس الظاهرية الأخرى الأخسّ فالأخسّ ثم تظهر ثانياً الإدراكات الباطنية متدرّجة أيضاً. ولكن الملكات لاتزال موجودة بالقوة، فإن لم تتأثّر بعوامل تفجر فيها الطاقات الخيرة وتركت لوحدها لانتصرت الخبائث وتحققت الملكات الفاسدة وانعطفت نحو

القبائح والمساوىء، لأنّ الدواعي الداخلية الباطنية كالشهوة والغضب وغيرها يسوقان الإنسان إلى الفجور والتعدّي والظلم وبعد انقياده لهما يتحوّل في فترة قصيرة إلى حيوان عجيب وشيطان غريب .

ولما كانت عناية الحق تعالى ورحمته قد وسعت بني الإنسان في الأزل، جعل لهم سبحانه حسب تقدير دقيق نوعين من المربي والمهذب، بمثابة جناحين يطير بهما من حضيض الجهل والنقص والقباحة والشقاء إلى أوج العلم والمعرفة والكمال والجمال والسعادة ويحرّر نفسه من ضغط ضيق عالم الطبيعة إلى الفضاء الرحب الملكوتي الأعلى. وهما :

المربي الباطني المتجسّد في العقل والقدرة على التمييز بين الحسن والقبيح. والمربي الخارجي المتمثل في الأنبياء والأدلاء لطرق السعادة والشقاء. وكلّ منهما لا يؤدي دوره بدون الآخر، إذ أن العقل البشري عاجز عن معرفة طرق السعادة والشقاء واكتشاف الطريق إلى عالم الغيب، ونشأة الآخرة، كما أنّ هداية الأنبياء، وإرشادهم لا تكون مؤثرة بدون إدراك العقل والقدرة على التمييز .

فالحق - تبارك وتعالى - منحنا هذين النوعين من الموجه لكي نجعل الطاقات المكتنزة والاستعدادات الكامنة في النفوس تتحرّك من القوة إلى الفعلية والظهور. وقد وهب الحق المتعالي هاتين النعمتين الكبيرتين لنا امتحاناً واختباراً، لأن الإنسان يتميز أفراده بعضهم عن بعض، ويتّم الفصل بين السعيد والشقي والمطيع والعاصي والكامل والناقص. كما قال ولي المؤمنين (علیه السّلام) : «وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً وَلَتُغَرْبَنَّ

غَرْبَلَةٌ»(1).

وفي كتاب الكافي الشريف في باب التمحيص والامتحان عن ابن أبي يعفور عن الإمام الصادق (علیه السّلام): «لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحْصُوا وَيُمَيَّزُوا وَيُغَرَبَلُوا وَيُسْتَخْرَجُ فِي الْفِرْبَالِ خَلْق كَثِيرٌ»(2).


1) نهج البلاغة ، خطبة 16 (الشيخ صبحي الصالح).

2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب التمحيص والامتحان ، ح2 .

وبإسناده عن منصور قال : قال لي أبو عبد الله (علیه السّلام): «يَا مَنْصُورُ إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لا يَأْتِيكُمْ إِلا بَعْدَ إِيَاس وَلا وَاللَّهِ حَتَّى تُمَيَّزُوا وَلَا وَاللَّهِ حَتَّى تُمَحْصُوا وَلَا وَاللَّهِ حَتَّى يَشْقَى مَنْ يشقى وَيَسْعَدَ مَنْ يَسْعَدُه»(1).

وفي حديث آخر عن أبي الحسن (علیه السّلام) قال : «يُخَلَّصُونَ كَمَا يُخَلَّصُ الذَّهَبُ»(2).

وفي كتاب الكافي الشريف في باب الابتلاء والاختبار بسنده إلى الإمام الصادق (علیه السّلام) قال : «مَا مِنْ قَبضِ وَلَا بَسْطِ إِلَّا وَلِلَّهِ مَشِيئَةً وَقَضَاءٌ وَابْتِلَاهُ»(3).

وفي حديث آخر عنه (علیه السّلام) قال : «إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ فِيهِ قَبْضَ أَوْ بَسْطَ مِمَّا أَمَرَ اللهُ أو نَهَى عَنْهُ إِلا وَفِيهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ابْتِلاءٌ وَقَضَاءُ»(4).

و«القَبْضُ» في اللغة الإمساك والمنع والأخذ ، و«البَسْط» بمعنى النشر والعطاء: فكل عطاء وتوسعة ومنع امتحان للإنسان، كما أنّ كلّ أمر ونهي وتكليف يكون للامتحان أيضاً. فإنّ بعث الرسل ونشر الكتب السماوية لغربلة الناس، ولفصل الأشقياء عن السعداء، والمطيعين من العاصين. ومعنى امتحان الحق المتعالي للناس واختبارهم هو الفصل الحقيقي الواقعي على صعيد الخارج - للناس بعضهم عن بعض، لا العلم بالفصل ، لأنّ علم الحق جلّ جلاله أزليّ ومتعلق ومحيط بكل شيء قبل إيجاده .

والحكماء قد أسهبوا الحديث في معنى الابتلاء والامتحان. ولا يتناسب نقله في هذا الكتاب. فنتيجة الاختبار بصورة مطلقة - ورغم أن الأمرين المذكورين من أهم نتائجه - هو فصل السعيد عن الشقي على صعيد الخارج الواقعي .

وتتّم في هذا الامتحان والتمحيص حجة الله على خلقه أيضاً، وتكون تعاسة وسعادة وهلاك وحياة كل شخص عن حُجّة وبيّنة، ولا يبقى لأحد مجال للاعتراض، فمن سعى في طريق السعادة والحياة الأبدية، كان سعيه توفيقاً من الله وهداية له، لأنه سبحانه قد وفر


1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب التمحيص والامتحان، ح3 .

2) أصول الكافي، المجلد الأول كتاب الحجة، باب التمحيص والامتحان ، ح 4 .

3) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب الابتلاء والاختبار ، ح 1 .

4) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب الابتلاء والاختبار ، ح2 .

جميع أسباب هذا السبيل. ومن جدّ في طريق الشقاء ووجّه وجهه نحو الهلاك ومتابعة الهوى والشيطان مع توفّر كل طرق الهداية وأسباب السعادة، فقد اختار بنفسه الهلاك والتعاسة رغم نهوض الحجة البالغة للحقّ تبارك وتعالى على خلاف ما ارتاه لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ(1).

فصل: في بيان فلسفة شدّة ابتلاء الأنبياء والأوصياء والمؤمنين

إعلم وقد سبق منّا الحديث بأن كل عمل يصدر من الإنسان، بل كل ما يقع منه في عالم ملك الجسم، وكان مدركاً للنفس، يترك أثراً لدى النفس، من دون فرق بين الأعمال الحسنة أو السيئة(2)، ومن دون فرق بين أن يكون العمل من نوع الأفراح أو نوع الأتراح. وقد عُبّر عن هذا الأثر في الأخبار بنقطة بيضاء ونقطة سوداء فمثلاً : إن كل لذة ممّا يلتذّ الإنسان به من المطعومات أو المشروبات أو المنكوحات أو غيرها، يترك أثراً في النفس، ويحصل تعلّق ومحبة في عمق الروح تجاهه - الشيء الذي تمتّع فيه - ويزداد توجّه النفس إليه. وكلّما توغل في اللذائذ والمشتهيات أكثر، ازداد تعلق النفس وحبها لهذا العالم أكثر . وغدا ركونه واعتماده على هذا العالم أكبر، فتتربى النفس وترتاض على التعلّق بالدنيا . وكلّما كانت المتع في ذائقته أحلى، كانت جذور محبة الدنيا في قلبه أكثر . وكلّما توفّرت وسائل العيش والعشرة والراحة بشكل أوفى، أصبحت درجة التعلق بالدنيا أقوى وكلّما أقبلت النفس على الدنيا أكثر، كلّما كانت غفلته عن الحق وعالم الآخرة أكثر . فإنّ نفس الإنسان إذا ركنت إلى الدنيا كلّياً وصار توجهها مادياً ودنيوياً، انصرف عن الحقّ المتعال ودار الكرامة نهائياً و لأَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ(3).


1) سورة البقرة، الآية : 286 .

2) عن زرارة عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : قال : «ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض فإذا تغطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً». (أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر، باب الذنوب، ج20، ص 273).

3) سورة الأعراف، الآية : 176 .

فالانهماك في بحر اللذائذ والمشتهيات يصرف الإنسان إلى حبّ الدنيا من دون اختيار، وحبّ الدنيا يوجب النفور عن غيرها، والإقبال على الملك - الماديات - يسبب الغفلة عن الملكوت - عالم الغيب -. وكذلك العكس فلو أنّ الإنسان استاء من شيء وشعر ببشاعته، استدعت صورة ذلك الشيء الكراهية والنفور، وكلّما كانت تلك الصورة في النفس أقوى كان النفور والانزجار منها أكثر .

فمثلاً : إذا دخل شخص على بلد وابتلى بأسقام وآلام فيه وعانى من ورائه مشاكل داخلية وخارجية لكرهه وتنفّر منه وكلّما كانت معاناته أكثر كان هروبه ونفوره منه أكثر وإذا وجد مدينة أفضل منه لأقبل عليها وإن لم يستطع التحرك نحوها، لاشتاق إليها وتوجّه قلبه نحوها .

فالإنسان إذا عاش هموم الدنيا وآلامها وأسقامها ومشاكلها وعناءها وشعر بأنّ أمواج الفتن والمحن تزحف نحوه، خفّ تعلّقه بها - أي الدنيا - وقلّ ركونه إليها ونفر قلبه منها . وإذا اعتقد بوجود عالم آخر، وفضاء رحب فارغ من جميع أنواع الشقاء والتعاسة، ارتحل إليه . وإذا لم يتمكّن من السفر بجسمه لذهب بروحه وبعث بقلبه إلى ذلك العالم .

وواضح جداً أن المفاسد الروحية والخلقية والسلوكية بأسرها تنجم عن حبّ الدنيا والغفلة عن الله سبحانه وعالم الآخرة، وإنّ حبّ الدنيا رأس كل خطيئة(1).

في حين أنّ الصلاح الروحي والخلقي والسلوكي ينبعث من التوجّه نحو الحق، ودار الكرامة - عالم الآخرة - ومن اللامبالاة بالدنيا وعدم الانبهار بزخارفها .

إذا علمنا من هذا التمهيد بأنّ لطف الحق تبارك وتعالى وعنايته كلّما شملت لشخص أكثر ، ووسعته رحمة الذات المقدسة بصورة أوفى ، كلّما أبعده سبحانه عن هذا العالم وزخرفه أكثر، ودفع عنه أمواج المحن والفتن أكثر ، حتى تنقلع رغبته في الدنيا وزركشتها، ووجه وجهه حسب مستوى إيمانه إلى عالم الآخرة وارتبطت روحه بذلك العالم.


1) إشارة إلى الحديث المنقول عن الإمام علي بن الحسين (علیه السّلام) حيث قال : «حبّ الدنيا رأس كل خطيئة» . (أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر ، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها، ح11، ص 131).

وإن لم تكن جدوى من احتمال شدائد المحن إلاّ هذه الجهة - الانزجار والإعراض عن الدنيا والإقبال نحو الآخرة - لوحدها، لكفى .

وفي الأحاديث الشريفة إشارة إلى هذا المعنى :

محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَتَعَاهَدَ الْمُؤْمِنَ بالْبَلَاءِ كَمَا يَتَعَاهَدُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ بِالْهَدِيَّةِ مِنَ الْغَيْبَةِ وَيَحْمِيهِ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي الطَّبِيبُ المريض»(1)

ونقل هذا المعنى في حديث آخر(2). ولا يحسبن أحد أن محبة الحق وشدّة عناية ذاته الأقدس، لبعض عباده جزاف ومن دون جهة - والعياذ بالله - بل كل خطوة يخطوها مؤمن وعبد من عباده، غمرته رحمة الحق المتعالي وأقبل على عبده قدر ذراع(3).

إنّ مَثَلَ الإيمان وتوفير بواعث التوفيق، مَثَلُ إنسان قد حمل مصباحاً وسلك طريقاً مظلماً فكلما تقدم خطوة، أضاء أمامه واهتدى للخطوة اللاحقة. فكلما رفع الإنسان قدماً نحو عالم الآخرة، اتضح السبيل أكثر ، وغمرته عنايات الحق بصورة أكبر، وتوفّرت عوامل التوجه إلى عالم القرب - الآخرة - والانزعاج عن عالم البعد - الدنيا - والعنايات الأزلية للحق المتعالي إنما تسع الأنبياء والأولياء لعلمه - سبحانه - الأزلي بطاعتهم أيام التكليف.

كما أنّكم لو علمتم أيام طفولة ولديكم بأن أحدهما سيطيعكم ويسعى في تأمين رضاكم وثانيهما يبعث على سخطكم وامتعاضكم، فمن المعلوم أن ألطافكم ستشمل المطيع أكثر من الثاني منذ الأيام الأولى .

ومن فوائد شدّة ابتلاء الخواص من العباد، أنّ هؤلاء من خلال المحن والمعاناة يذكرون الحق ويناجونه. ويتضرّعون على أعتابه المقدسة في ساحة ذاته الأقدس ويعيشون مع ذكره وفكره .


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب شدّة ابتلاء المؤمن ، ح 17 .

2) أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر ، باب شدّة ابتلاء المؤمن ، ح28، ص 259 .

3) في الحديث القدسي : «من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً». (بحار الأنوار، ج3، كتاب التوحيد، باب 14 ، ص 313 . كنز العمال ، ج 1 ، ح 135 ، ص 225) .

ومن الطبيعي أنّ نوع بني الإنسان يتشبث حين الشدّة بكل ما يرجو فيه النجاة، وعند الرخاء والراحة يغفل عنه. ولما كان الخواص من العباد، لا يعرفون ملجاً إلا الحق، توجهوا نحوه، وانقطعوا إلى مقامه المقدّس، وإنّ الحق المتعال يوفّر لهم سبب الانقطاع إليه من خلال عنايته الخاصة بهم .

ولا تستساغ هذه الفائدة - من الابتلاء - وحتى الفائدة السابقة، لدى الأنبياء والأولياء الكُمَّل، لتنزّه مقامهم الشامخ عن ذلك، وعدم انعطاف قلوبهم تجاه الدنيا، ولا تتبدل في الانقطاع إلى الحق من جرّاء تغيّر الأحوال.

ويمكن أن يكون إيثار الأنبياء والأولياء للفقر على الغنى، والابتلاء على الراحة، والمعاناة على غيرها نتيجة أنهم وقفوا من خلال النور الباطني والمكاشفات الروحانية على أنّ الحق المتعالي لا ينظر بعين اللطف إلى هذا العالم ولا إلى زخارفه، ولا يكون للدنيا وما فيها موقع أمام ساحته المقدّسة إلا الذل والهوان. والأحاديث الشريفة شاهدة على ذلك(1). ففي الحديث أن جبرائيل قد نزل على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ومعه مفاتيح خزائن الأرض وقال لو اخترتها لما هبط من درجاتك الأخروية، شيء أبداً. ولكن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قد امتنع عن القبول تواضعاً للحق سبحانه، واختار الفقر(2).

وفي الكافي الشريف في حديث بسنده عن الإمام الصادق (علیه السّلام) قال : «إِنَّ الْكَافِرَ لَيَهُونُ عَلَى اللهِ لَوْ سَأَلَهُ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ»(3)وذلك من جرّاء هوان الدّنيا في عين الحقّ الكبير المتعالي. وفي حديث إنّ الحق جلّ وعلا منذ أن خلق العالم المادي لم ينظر إليه نظرة لطف وعناية(4).


1) نهج البلاغة ، الخطبة القاصعة، خطبة 159 و 234.

2) إشارة إلى هذا الحديث . . «وهبط مع جبرائيل ملك لم يطأ الأرض قّط معه مفاتيح خزائن الأرض فقال : يا محمّد إن ربك يقرئك السلام ويقول: هذه مفاتيح خزائن الأرض فإن شئت فكن نبيّاً عبداً وإن شئت فكن نبياً ملكاً فأشار إليه جبرائيل (علیه السّلام) أن تواضع يا محمد فقال : بل أكون نبياً عبداً ثم صعد إلى السماء» (الأمالي للصدوق، المجلس 69 ، ح2).

3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب شدة ابتلاء المؤمن ، ح 28 .

4) تقدمت الإشارة إلى هذا الحديث في ص 275 فراجع .

ومن فوائد شدّة ابتلاء المؤمنين حسب ما أشير إليها في الأخبار، أن لهم درجات لا ينالونها إلا من وراء المصائب والأسقام والآلام(1). ويحتمل أن تكون هذه الفوائد صورة - غيبية - للإعراض عن الدنيا والإقبال على الحقّ المتعالي. ويمكن أن تكون صورة ملكوتية لهذه المحن حيث لا تبلغ إلا بعد حصولها - البليّات - في عالم الملك وابتلاء الإنسان بها، كما ورد في الحديث الشريف المأثور في الكافي بسنده إلى الإمام الصادق (علیه السّلام) قال: «إِنَّهُ لَيَكُونُ لِلْعَبْدِ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ اللَّهِ فَمَا يَنَالُهَا إِلَّا بِإِحْدَى الخَصْلَتَيْنِ إِمَّا بِذَهَابِ مَالِ أَوْ بِبَلِيَّةٍ فِي جَسَدِهِ»(2).

وفي رواية شهادة الإمام أبي عبد الله الحسين (علیه السّلام) أنه رأى جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في المنام وأخبره بـ«أَنَّ لَكَ دَرَجَةً فِي الجَنَّةِ لا تَنَالُها إلا بالشَّهَادَةِ»(3).

ومن المعلوم أنّ الصورة الملكوتية للشهادة في سبيل الله لم تحصل إلاّ بعد وقوع الشهادة في عالم المُلك - عالمنا الحاضر - كما برهن على ذلك في العلوم العالية. وورد في الأخبار المذكورة أنّ لكل عمل في هذا العالم صورة في عالم آخر(4).


1) بحار الأنوار، ج 78 ، كتاب الطهارة، الباب 44 ، ح 11، ص 174 . أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن ، ح 14 ، ص 255 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب شدّة ابتلاء المؤمن ، ح 23 و 3.

3) في بحار الأنوار: «فجاءه النبي وهو في منامه فأخذ الحسين وضمّه إلى صدره وجعل يقبل بين عينيه ويقول بأبي أنت كأني أراك مرملاً بدمك بين عصابة من هذه الأمة يرجون شفاعتي ما لهم عند الله من خلاق يا بني إنك قادم على أبيك وأمك وأخيك وهم مشتاقون إليك وإن لك في الجنّة درجات لا تنالها إلا بالشهادة». (بحار الأنوار ، ج 44 ، باب 37 ، ح 1 ، ص 313) .

4) في حديث المعراج الطويل أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : «فإذا أنا بقوم بين أيديهم موائد من لحم طيب ولحم خبيث وهم يأكلون الخبيث ويدعون الطيب فسألت جبرائيل من هؤلاء فقال : الذين يأكلون الحرام ويدعون الحلال من أمتك . قال : ثم مررت بأقوام لهم مشاخر كمشاخر الإبل يقرض اللحم من أجسامهم ويلقى في أفواههم فقلت من هؤلاء يا جبرائيل؟ فقال : هم الهمازون اللمّازون، ثم مررت بأقوام ترضخ وجوههم ورؤوسهم بالصخر فقلت من هؤلاء يا جبرائيل؟ فقال : الذين يتركون صلاة العشاء» . (بحار الأنوار ، ج 6 ، كتاب العدل والمعاد، باب أحوال البرزخ والقبر وعذابه وسؤاله، ص 239. علم اليقين، ج 2، المقصد الرابع، الباب 2 ، ص 884) .

وفي الكافي عن الإمام الصادق (علیه السّلام) قال : «إِنَّ عَظِيمَ الْأَجْرِ لَمَعَ عَظِيمِ الْبَلَاءِ وَمَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْماً إِلَّا ابْتَلَاهُمْ»(1).

فصل: الأنبياء مبرؤون من العيوب الجسدية

يقول المحدّث الكبير المجلسي(2)(رحمه الله علیه) (في هذه الأحاديث - أحاديث ابتلاء الأنبياء - الواردة من طرق الخاصة والعامة، دلالة واضحة على أن الأنبياء والأوصياء (علیهم السّلام) في الأمراض الحسيّة والبلايا الجسمية كغيرهم بل هم أولى بها من الغير تعظيماً لأجرهم الذي يوجب التفاضل في الدرجات ولا يقدح ذلك في رتبتهم بل هو تثبيت لأمرهم وأنهم بشر إذ لو لم يصبهم ما أصاب سائر البشر مع ما يظهر في أيديهم من خرق العادة لقيل فيهم ما قالت النصارى في نبيهم) انتهى(3).

وقال المحقق المدقق الطوسي والحكيم العظيم القدوسي(4)- عّطر الله مرقده - في كتاب التجريد في بحث ما يجب كونه في كل نبي (. . . وكلّما ينفر عنه الخلق . . . ) .

وقال علامة علماء الإسلام(5)- رضوان الله عليه - في شرح هذه الجملة: (وأن يكون منزّهاً عن الأمراض المنفّرة نحو الأنبة وسلس الريح والجذام والبرص لأنّ ذلك كله ممّا ينفّر عنه فيكون منافياً للغرض من البعثة)(6).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب شدّة ابتلاء المؤمن، ح 23 وح3.

2) تقدّم ترجمته في ص 26 فراجع .

3) بحار الأنوار ، ج 64 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب شدة ابتلاء المؤمن ، ص 250 .

4) محمد بن الحسن الطوسي المعروف بخواجة نصير والمحقق الطوسي (597 - 672 هـ. ق) من العلماء والفلاسفة المسلمين المشهورين له باع طويل في الفلسفة وعلم الكلام والرياضيات وعلم الفلكيات (الهيئة) تلمذ عليه كل من العلامة الحلي وقطب الدين الشيرازي والسيد عبد الكريم بن طاووس وله : شرح الإشارات، التجريد، تحرير أقليدس، تحرير المجسطي، اخلاق الناصري .

5) تقدم ترجمة العلامة الحلّي في ص 28 فراجع .

6) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، المقصد الرابع في وجوب العصمة، ص218 .

الكاتب : إنّ درجة النبوّة وإن كانت تابعة للكمالات النفسية والدرجات الروحانية، ولا علاقة لها بالجسم. وإنّ النقائص الجسمانية وأمراضها لا تسيء إلى المقام الروحاني للأنبياء . وإنّ الأمراض المنفّرة لا تقلل شيئاً من علوّ شأنهم وعظمة رتبتهم، إن لم تؤكد كمالاتهم وتدعم درجاتهم، كما أشير إليها . ولكن ما ألمح إليه المحققان لا يخلو عن وجه، ، لأنّ عوام الناس لا يفرقون بين المقامات - الجسمية والروحية - ويحسبون أن النقص الجسماني نتيجة النقص الروحاني أو ملازم له، ويعتبرون أنّ من عناية الحق سبحانه أن لا يصيب الأنبياء أصحاب الشريعة والمبعوثين بالرسالة، بأمراض تسبب نفرة الطباع واستيحاش الناس . فعدم ابتلائهم لا يكون نتيجة أن هذه المصائب والبلايا تحط من مقام النبوة، بل لأجل فائدة هي إكمال التبليغ والإرشاد. وعليه لا مانع من ابتلاء بعض الأنبياء الذين لم يحظوا بالشريعة، وابتلاء الأولياء الكبار والمؤمنين بمثل هذه المحن. كما كان النبي أيوب والمؤمن حبيب النجار مبتليين. وقد وردت أحاديث كثيرة في ابتلاء النبي أيوب (علیه السّلام):

فمن ذلك ما روي عن تفسير علي بن إبراهيم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) في حديث طويل قال: «فَسَلَّطَهُ عَلَى بَدَنِهِ مَا خَلاَ عَقْلَهُ وَعَيْنَيْهِ فَنَفَخَ فِيهِ إِبْلِيسُ فَصَارَ قَرْحَةٌ وَاحِدَةً مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ فَبَقِيَ فِي ذَلِكَ دَهْراً طَوِيلاً يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَشْكُرُهُ حَتَّى وَقَعَ فِي بَدَنِهِ الدُّودُ وَكَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ بَدَنِهِ فَيَرُدُّهَا وَيَقُولُ لَهَا أَرْجِعِي إِلَى مَوْضِعِكِ الَّذِي خَلَقَكِ اللَّهُ مِنْهُ وَنَتَنَ حَتَّى أَخْرَجَهُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ مِنَ الْقَرْيَةِ وَالْقَوْهُ فِي الْمَرْبَلَةِ خَارِجَ الْقَرْيَةِ»(1).

وفي الكافي بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : قُلْتُ لَهُ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ * إِنَّهِ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2)فَقَالَ: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ يُسَلَّطَ وَاللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ عَلَى بَدَنِهِ وَلَا يُسَلَّطُ عَلَى قَدْ سُلْطَ عَلَى أَيُّوبَ فَشَوَّهَ خَلْقَهُ وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَى دِينِهِ وَقَدْ يُسَلَّطُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَبْدَانِهِمْ وَلَا يُسَلَّطُ عَلَى دِينِهِمْ»(3).


1) بحار الأنوار، ج 12، کتاب النبوة، باب قصص أيوب ، ح3 ، ص 342 .

2) سورة النحل، الآيتان 98 - 99 .

3) روضة الكافي، ص 288 ح 433 .

وبإسناده عن ناجية قال : «قُلْتُ لأبي جَعْفَرِ (علیه السّلام): إِنَّ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يُبْتَلَى بِالْجُذَامِ وَلَا بِالْبَرَصَ وَلَا بِكَذَا وَلَا بِكَذَا، فَقَالَ : إِنْ كَانَ لَغَافِلاً عَنْ صَاحِبٍ يَاسِينَ إِنَّهُ كانَ مُكَنِّعاً - ثُمَّ رَدَّ أَصَابِعَهُ فَقَالَ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى تَكْنِيعِهِ ، أَتَاهُمْ فَأَنْذَرَهُمْ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْغَدِ، فَقَتَلُوهُ. ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُبْتَلَى بِكُلِّ بَلِيَّةٍ وَيَمُوتُ بِكُلِّ بَلِيَّةٍ إِلا أَنَّهُ لا يَقْتُلُ نَفْسَهُ»(1).

إن «صاحب ياسين» هو حبيب النجار و«التكنيع» مع النون كما هو في أكثر النسخ بمعنى التشنج والمثلة كما في البحار. قال المجلسي «كأنه كان الجذام سبباً لتكنيع أصابعه»(2)وفي هذا الكلام تأمل .

ويستفاد من هذه الأحاديث والروايات الأخرى أن الأنبياء والمؤمنين قد يصابون بأمراض منفّرة لأجل بعض المصالح وتقابل هذه الأخبار، أحاديث أخرى تنفي تشويه جسم النبي أيوب (علیه السّلام) بسبب الأمراض، وانبعاث الرائحة الكريهة من جسده المبارك(3). ولا جدوى في الجمع بين هذه الروايات وإطالة البحث فيها .

وملخّص الحديث أن مثل هذه الأمراض لا تسيء إلى المؤمنين ولا تعد نقصاً لهم ولا للأنبياء (علیهم السّلام)، بل تبعث على رفعة درجتهم وعلو شأنهم والله تعالى أعلم بالصّواب.

فصل: في بيان أن الدنيا ليست محلاً لثواب الحق المتعالي وعقابه

إعلم أنّ هذا العالم الدنيوي لما فيه من النقص والقصور والضعف لا يكون دار


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح12 .

2) بحار الأنوار، المجلد 67 ، ص 250 . مرآة العقول، ج9، كتاب الإيمان والكفر، باب شدّة ابتلاء المؤمن، ح12، ص330.

3) روى الإمام الصادق عن أبيه (علیه السّلام): «إن أيوب ابتلي سبع سنين من غير ذنب وإن الأنبياء لا يذنبون، لأنهم معصومون مطهرون ولا يذنبون، ولا يزيغون ولا يرتكبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً وقال إن أيوب من جميع ما ابتلي به لم تنتن له رائحة ولا قبحت له صورة ولا خرجت منه مدّة من دم ولا قيح ولا استقذره أحد راه ولا استوحش منه أحد شاهده ولا تدوّد شيء من جسده وهكذا يصنع الله عز وجل بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرمين عليه وإنما اجتنبه الناسُ لفقره وضعفه في ظاهر أمره لجهلهم بما له عند ربه تعالى ذكره من التأييد والفرج» . (بحار الأنوار، ج 12، کتاب النبوّة، باب قصص أيّوب ، ح13 ، ص 348).

كرامة ولا محلاً لثواب الحقّ سبحانه ولا محلاً لعذابه وعقابه، لأنّ دار كرامة الحق عزّ وجلّ عالم تكون نعمه خالصة وغير مشوبة بالنقم، وراحته غير مخلوطة بالشقاء والتعب، ومثل هذه النعم غير متوفرة في هذا العالم، لأنه دار التزاحم والصراع. وإنّ كل نعمة من نعم هذا العالم محفوفة بأنواع من العذاب والآلام والمحن. بل قال الحكماء أن لذات هذا العالم هي دفع للآلام(1)ونستطيع أن نقول إنّ لذّاته تبعث على الآلام لأنّ إثر كل لذة، شقاء ونصب وألم، بل إن مادة هذا العالم تتمرد على قبول الرحمة الخالصة والنعمة المحضة غير المشوبة بالمكاره . وهكذا العذاب والشقاء والألم والتعب في هذا العالم لا يكون خالصاً، بل يكون كل ألم وتعب محفوفاً بنعمة أو نعم، وكل واحد من الآلام والأسقام والشقاء والمحن في هذا العالم لا يكون محضاً وغير مشوب بنعمة ورحمة : فإنّ مادّة هذا العالم تتمرّد على قبول العذاب الخالص المطلق .

إنّ دار عذاب الحق سبحانه ودار عقابه، دار فيها العذاب المحض والعقاب الخالص، وإن آلامها وأسقامها لا تضاهى بآلام وأسقام هذا العالم كأن يمسّ العذاب عضواً دون عضو ، أو يكون عضو سالماً في راحة والآخر في تعب وشقاء. وقد أشير إلى بعض ما ذكرنا في الحديث الشريف الذي شرحناه عندما يقول : «وَذَلِكَ - السبب في ابتلاء المؤمن بالبلياّت - أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلِ الدُّنْيَا ثَوَاباً لِمُؤْمِنٍ وَلَا عُقُوبَةٌ لِكَافِرِ» هنا - عالم الدنيا - دار تكليف، ومزرعة الآخرة، وعالم الكسب . وهنّاك - عالم الآخرة - دار جزاء ومكافأة وثواب وعقاب .

إنّ الذين يتوقعون من الحقّ سبحانه أن ينتقم في هذا العالم من كل مرتكب معصية أو فاحشة أو جور أو اعتداء، بأن يضع - عزّ وجلّ - حداً له، فيقطع يده ويقلع العاصي من الوجود إنهم غافلون بأن مثل هذا العقاب خلاف النظم والسُّنَّة الإلهية التي أقرها الله سبحانه إن هذه الدار، دار امتحان وتفريق بين الشقي والسعيد والمطيع والعاصي، وعالم ظهور الفعليات وليس بدار تبين نتائج الأعمال والملكات. وإذا انتقم الحق المتعالي من ظالم نادراً، لأمكننا القول بأنّ عناية الحق عزّ وجلّ قد شملته . وإذا ترك أهل


1) المبدأ والمعاد، (صدر المتألهين).

الموبقات والظلم في ضلالهم وغيهم كان ذلك استدراجاً. كما يقول الله سبحانه : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمَلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ(1).

ويقول: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ(2).

وفي مجمع البيان عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنه قال : «إِذَا أَحْدَثَ الْعَبْدُ ذَنْباً جُدِّدَ لَهُ نِعْمَةٌ فَيَدَعُ الْإِسْتِغْفَارَ فَهُوَ الْإِسْتِدْرَاجُ»(3).

فصل: إن شدّة المعاناة الروحية توازي شدّة الإدراك

يظهر من نهاية الحديث الشريف - المذكور في بداية الموضوع - «وَمَنْ سَخْفَ دِينُهُ وَضَعُفَ عَقْلَهُ، قَلَّ بَلاَؤُهُ» أن البليّة تعمّ الجسمانية والروحانية، فإنّ الأشخاص الضعاف في عقولهم وإدراكهم في أمان من المعاناة الروحية والانزعاجات العقلية، على خلاف من يتمتع بالعقل الكامل والإدراك الحذق، حيث تزداد معاناته ومصائبه. ومن المحتمل أن يعود إلى هذا المعنى كلام الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) القائل : «مَا أُوذِيَ نَبِيٍّ مِثْلَ مَا أُوذِيتُ»(4)لأن كل من يدرك جلال الرب وعظمته أكثر ، ويقف على المقام المقدّس للحق جل وعلا بشكل أعمق، يتألم ويتعذب من جراء عصيان العباد وهتكهم للحرمة أكثر. وأيضاً كلّ من كانت رحمته وعنايته وشفقته على عباد الله أكثر، تأّذى من اعوجاج العباد وشقائهم أكثر .

و قطعاً كان خاتم النبيين (صلی الله علیه و آله و سلم) في كلّ هذه المقامات والمنازل الكمالية، أكمل من جميع النبيين والأولياء وبني الإنسان فتكون محنه وآلامه أعمق .

وأيضاً هناك توجيه آخر - لكلام الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) - لا يتناسب مع هذا المقام. والله العالم وله الحمد .


1) سورة القلم، الآيتان : 44 - 55 .

2) سورة آل عمران، الآية: 178 .

3) مجمع البيان، المجلد الخامس، تفسير سورة القلم، ص 340 .

4) الجامع الصغير، المجلد الثاني، ص 144 ، من دون لفظ (مثل).

الحديث السادس عشر: «الصبر»

اشارة

بأسانيدنا المتَّصلة إلى ثقة الإسلام والمسلمين، فخر الطائفة الحقَّة ومقدَّمهم محمّد بن يعقوب الكُلَيْني - رضي الله عنه - عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن علي بن النُّعمان، عن عبد الله بن مَسْكان، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السّلام) يقول: «إِنَّ الحُرِّ حُرِّ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، إِنْ نَابَتْهُ نَائِبَةٌ صَبَرَ لَهَا، وَإِنْ تَدَاكُتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ لَمْ تَكْسِرْهُ، وَإِنْ أَسِرَ وَقُهِرَ، وَاسْتُبْدِلَ بِالْيُسْرِ عُسْرًا، كَمَا كَانَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ الْأَمِينُ لَمْ يُضْرِرْ حُرِيْتَهُ أَنِ استُعْبِدَ وَقُهِرَ، وَأُسِرَ وَلَمْ تُضْرِرْهُ ظُلْمَةُ الْجُبِّ وَوَحْشَتُهُ وَمَا نَالَهُ أَنْ مَنْ اللهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ الْجَبَّارَ العَاتِي لَهُ عَبْدًا بَعْدَ إِذْ كَانَ [لَهُ] مَالِكاً، فَأَرْسَلَهُ وَرَحِمَ بِهِ أُمَّةٌ وَكَذَلِكَ الصَّبْرُ يُعْقِبُ خَيْرًا فَاصْبِرُوا وَوَطَّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الصَّبْرِ تُؤْجَرُوا»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصبر ، ح 6 .

الشرح:

إن الـ«نَّائبَةَ» مفرد وجمعها نوائب وهي الحوادث والكوارث النازلة. وفي الصحاح أنها المصيبة . و«دَك» بمعنى دقّ . وفي الصحاح : (وقد دككت الشيء أدكه دكاً إذا ضربته وكسرته حتى سويته بالأرض. انتهى). وتداكت عليه أي تداقت واستعملت أيضاً بمعنى الاجتماع والازدحام. كما نقل عن كتاب «النهاية» حديثاً عن الإمام أمير المؤمنين علي (علیه السّلام) «ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكُكَ الإِبِلِ الْهِيْمِ عَلَى حِيَاضِهَا»(1)أي ازدحمتم. ونقل عن النهاية أيضاً أن أصل دلك بمعنى الكسر(2)و أن استعماله في هذا الحديث بالمعنى الأول - الاجتماع - أنسب لمكان «لم تكسره» وإن كان المعنى الثاني - الكسر - أيضاً مناسباً. وكلمة (إن) في «وَإِنْ أُسِرَ» وصلية وقوله «وَقُهِرَ وَاسْتَبْدَلَ» معطوفان على «أسر». وقال المجلسي(3)رحمه الله أن في بعض النسخ «واستبدل بالعسر يسراً»(4)- بتقديم العسر على اليسر - وعليه تكون جملة (واستبدل) معطوفة على «لَمْ تَكْسِرُه»، فيتبيّن بذلك منتهى الصبر .

وجملة «أن اسْتَعْبِدَ» مبني على المفعول وفاعل لقوله «لم يضرر». وفي نسخة مرآة العقول «استبعد» بتقديم الباء على العين المهملة(5). وفي كتاب وسائل الشيعة «استعبد» بتقديم العين على الباء(6)، ولكن المظنون أن نسخة مرآة العقول من سهو الكاتب وإن كان


1) نهج البلاغة، الخطبة 220 نهاية ابن الأثير، المجلد الثاني، ص128.

2) نهاية اللغة، باب الدال مع الكاف .

3) تقدّم ترجمته باختصار في ص 26 فراجع .

4) مرآة العقول، ج8، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر ، ح7، ص130 .

5) مراة العقول، ج8، ص 130.

6) وسائل الشيعة، كتاب الطهارة، أبواب الدفن، الباب 76 ، ح7 ، ص 903 .

معناه - استبعد - لا يخلو عن الصحة. ولكن المناسب مع المقام ومع الحديث الشريف هو ما ورد في نسخة وسائل الشيعة .

وقوله «وَمَا نَالَهُ» معطوف على ظلمة الجُبِّ أي لم يضرره ما ناله من إخوته ومن ظلمة الحب والوحشة والبليات .

وقوله «أَن مَنّ الله» الأظهر أنه بتقدير إلى - حرف الجر - ومتعلق بـ«لم تضرر» (فالظرف متعلق بلم يُضرر في الموضعين - ما ناله وأن استبعد - على سبيل التنازع)(1).

وأورد المرحوم المجلسي احتمالات كثيرة في ذلك لا يخلو ذكرها عن التطويل(2). والمقصود من قوله «عبداً بعد إذ كان مالكاً»، أنه أطاعه .

فصل: في بيان أنّ أسر الشهوة مصدر لكل أسر

إعلم أن الإنسان إذا أصبح مقهوراً لهيمنة الشهوة والميول النفسية، كان رقُّه و عبوديته وذلته بقدر مقهوريته لتلك السلطات الحاكمة عليه، ومعنى العبودية لشخص هو الخضوع التام له وإطاعته. والإنسان المطيع للشهوات المقهور للنفس الأمارة يكون عبداً منقاداً لها. وكلما توحي هذه السلطات بشيء أطاعها الإنسان في منتهى الخضوع، ويغدو عبداً خاضعاً ومطيعاً أمام تلك القوى الحاكمة، ويبلغ الأمر إلى مستوى يفضل طاعتها على طاعة خالق السماوات والأرض، وعبوديتها على عبودية مالك الملوك الحقيقي، وفي هذا الحال تزول عن نفسه العزة والكرامة والحرية ويحل محلها الذل والهوان والعبودية، ويخضع لأهل الدنيا، وينحني قلبه أمامهم وأمام ذوي الجاه والحشمة، ويتحمل لأجل البلوغ إلى شهواته النفسية الذل والمنّة، ويستسيغ لأجل الترفيه عن البطن والفرج الهوان، ولا يتضايق من اقتراف ما فيه خلاف الشرف والفتوة والحرية عندما يكون أسيراً لهوى النفس والشهوة. وينقلب إلى أداة طيّعة أمام كل صالح وطالح، ويقبل امتنان


1) بحار الأنوار، المجلد 71، ص70 مرآة العقول، ج8، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح6 ، ص 131 .

2) المصدر السابق.

كل وضيع عنده لمجرد احتمال نیل ما يبتغيه حيث يزعمون أن الوهم في دائرة الأطماع حجة .

إن عبيد الدنيا وعبيد الرغبات الذاتية، والذين وضعوا رسن عبودية الميول النفسية في رقابهم، يعبدون كل من يعلمون أن لديه الدنيا أو يحتملون أنه من ذوي الدنيا، ويخضعون له، وإذا تحدثوا عن التعفف وكبر النفس كان حديثهم تدليساً محضاً، وإن أعمالهم وأقوالهم تكذّب حديثهم عن عفة النفس ومناعتها .

وهذا الأسر والرق من الأمور التي تجعل الإنسان دائماً في المذّلة والعذاب والنَّصَب . ويجب على الإنسان ذي النبل والكرامة أن يلتجيء إلى كل وسيلة لتطهير نفسه منها. ويتم التطهير من هذه القذارات، والتحرير من كل خفّة وهوان، بمعالجة النفس، وهي لا تكون إلا بواسطة العلم والعمل الناجع .

أما العمل فيكون بالرياضة الشرعية وبمخالفة النفس فترة يتم فيها الوازع للنفس تجاه حبها المفرط للدنيا والشهوات والأهواء حتى تتعوّد النفس على الخيرات والكمالات .

وأما العلم فيتم بتلقين النفس وإبلاغ القلب : بأن الناس الآخرين يضاهونه في الفقر والضعف والحاجة والعجز، وأنهم يشبهونه أيضاً في الاحتياج إلى الغنّي المطلق القادر على جميع الأمور الجزئية والكلية، وأنهم غير قادرين على إنجاز حاجة أحد أبداً، وأنهم أتفه من أن تنعطف النفس إليهم، ويخشع القلب أمامهم، وأن القادر الذي منحهم العزة والشرف والمال والوجاهة، قادر على المنح لكل أحد .

ومن العار حقيقة على الإنسان أن يتذلّل وينحّط في سبيل بطنه وشهوته، ويتحمل الامتنان من مخلوق فقير ذليل لا حول له ولا علم ولا وعي .

إذا أردت - أيها الإنسان - أن تقبل المنّة فلتكن من الغني المطلق وخالق السماوات والأرض، فإنك إذا وجهت وجهك إلى الذات المقدسة، وخشع في محضره قلبك تحرّرت من العالمين - ما سوى الله - وخلعت من رقبتك طوق العبودية . «العُبُودِيَّةُ جَوْهَرَةٌ كنهها الربوبية»(1).

ونتيجة لعبودية الحق والانتباه إلى نقطة واحدة مركزية، وإفناء كل القوى


1) مصباح الشريعة، الباب المائة، في حقيقة العبودية .

والسلطات - النفس وأهوائها - في السلطة الإلهية المطلقة، تنجم حالة في القلب تقهر العوالم الأخرى وتستولي عليها، وتظهر للروح حالة من الشموخ والعظمة تأبى الطاعة إلا أمام الرب سبحانه وأمام من تكون طاعتهم طاعة ذات الحق المقدس، وإذا كان من جراء الظروف الطارئة محكوماً لأحد، لما تزلزل قلبه منه ولحافظ على حرية نفسه واستقلالها، كما كان الشأن في النبي يوسف ولقمان حيث لم تنعكس سلباً عبوديتهما الظاهرية على حرية وانطلاقة نفسيهما .

كم من أصحاب القدرة والسلطة الظاهرية لم يستنشقوا نسمة حرية النفس الشخصية والاعتداد بها ويكونون أذلاء وعبيداً للنفس وأهوائها، ويتزلفون نحو المخلوق التافه؟ .

نقل عن الإمام علي بن الحسين (علیه السّلام) أنه قال في حديث «إنّي لأن أنْ أطلبَ الدُّنْيَا مِنْ خَالِقِهَا فَكَيْفَ مِنْ مَخْلُوقِ مِثْلِي»(1).

أيها العزيز إن لم تشعر بالنقص في طلب الدنيا، فعلى الأقل لا تطلبها من إنسان ضعيف مثلك . وافهم بأنه لا حول للمخلوق في أعمال دنياك . فلو فرضنا بأنك استطعت الذل والامتنان المتكرر أن تكسب رأي الإنسان الذي تطلب منه إعمار دنياك فإن رأيه وإرادته لا تكون فاعلة في مُلك الحق سبحانه . إذ لا يوجد أحد يتصرف في مملكة مالك الملوك . فلا تتملق لتأمين حياتك الدنيوية المعدودة، وشهواتك المحدودة، تجاه مخلوق معدم . ولا تغفل عن إلهك، وحافظ على حريتك، وارفع أغلال العبودية والأسر عن رقبتك، وكن حراً في جميع حالاتك كما ورد في الحديث الشريف «إن الْحُرَّ حُرِّ عَلى جَميع أَحْوَالِهِ» .

واعلم أن الغنى - غنى النفس - وأن عدم الحاجة من حالات الروح، وغير مرتبطة بأمور خارجة عن الإنسان. وإنني رأيت أناساً من أهل الثراء والمال والجاه يتفوهون بكلمات يندى لها الجبين ولا يقولها المستجدي المتهتك . إنه المسكين الذي ضربت على روحه الذلة والمسكنة .


1) علل الشرائع، المجلد الأول، باب 165 ، العلة التي من أجلها سمي علي بن الحسين (علیه السّلام) زين العابدين.

إن شعب اليهود بالنسبة إلى عددهم يعدّون من أغنى الشعوب القاطنين على ظهر الأرض كافة ولكنهم يعيشون طيلة حياتهم في الشقاء والتعاسة والشدة والهوان، وتبدو على ملامحهم الحاجة والفقر والذل والمسكنة، ولا يكون ذلك إلا من وراء الفقر النفسي والذل الروحي. ورأينا في أصحاب الزهد وذوي الحياة البسيطة - الدراوشة - أشخاصاً قلوبهم مفعمة بالغنى والكفاف، ويلقون نظرة اللامبالاة على الدنيا وكل ما فيها، ولا يجدون أحداً أهلاً للاستنجاد به إلا الحق المقدس المتعالي. وأنت أيضاً تمعّن وابحث في أحوال أهل الدنيا وذوي الرغبة في الرئاسة، كي ترى ذلهم وتزلفهم وخضوعهم أمام الناس أكثر من الآخرين. إن أدعياء الإرشاد والتوجيه، يتحملون الذل بعد الذل ويبدون الخضوع إثر الخضوع في سبيل ترفيه بطونهم وفروجهم. إن خضوع الحالة القلبية للمراد المربي - الطالب للدنيا تجاه المُريد - المُربى - أكثر من خضوع قلب المريد تجاه المُراد، رغم البون الشاسع بين نوعية الإرادتين فإن إرادة المريد روحانية وإلهية حتى إذا كان على خطأ واشتباه - من جهة متعلق الإرادة - في حين أن إرادة المراد دنيوية وشيطانية . إن ما ذكرناه بأسره، هو الذل الدنيوي والمفاسد الدنيوية. فإذا ارتفعت الحجب تتجلى الصورة الملكوتية للأسر في أغلال الشهوات، وسلاسل الرغبات النفسانية وأنها كيف تكون؟ .

ولعل هذه السلسلة التي طولها سبعون ذراعاً والتي أخبر عنها الله تعالى والتي تكون أصفاداً وأغلالاً لنا في يوم الآخرة هي الصورة الملكوتية لهذا الأسر والرق في ظل أوامر القوة الشهوية والغضبية. بقول الله تعالى وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً(1)ويقول لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ(2).

فما يصل إلينا في ذلك العالم هو صور أعمالنا . فلذلك مزّق سلاسل الشهوة والأهواء المتعرجة بعضها على بعض، وحطم أصفاد القلب، واخرج من قيود الأسر، وكن حراً في هذا العالم، حتى تكون حراً في ذلك العالم. ولولا ذلك لوجدت الصورة


1) سورة الكهف، الآية : 49 .

2) سورة البقرة، الآية : 286 .

الملكوتية لهذا الأسر حاضرة في ذلك العالم، واعلم بأنها مؤلمة جداً.

إن أولياء الله رغم تحررهم التام من الأسر والرق، وبلوغهم الحرية المطلقة فإن قلوبهم كانت مضطربة وكانوا يجزعون وينحبون بدرجة تثير دهشة العقول .

فصل أسر الشهوة أساس البلاء

إن أبحاث هذه الأوراق وإن كانت من الأمور الرائجة الشائعة ومن المكررات، ولكن لا بأس في ذلك فإن تذكير النفس وتكرار قول الحق، أمر مطلوب. ولهذا يستحم تكرار الأذكار والأوراد والعبادات والمناسك . والسبب الرئيسي هو تعويد النفس وترويضها. فلا تضجر يا عزيزي من التكرار. واعلم أنه ما دام الإنسان يرزح في قيود النفس والشهوات، وما دامت سلاسل الشهوة والغضب الطويلة على رقبته لا يستطيع أن يبلغ المقامات المعنوية والروحانية، ولا تظهر فيه السلطة الباطنية للنفس وإرادتها الثاقبة، ولا يحصل له مقام استقلال النفس وعزّتها، الذي هو أرقى مقام لكمال الروح، بل إن هذا الأسر والرق يقيّده ولا يسمح له بالتّمرد على النفس في جميع الأحوال. ولما قويت هيمنة النفس الأمارة والشيطان في الباطن، وانقادت القوى جميعها لهما في العبودية والطاعة وأبدت لهما الخضوع والتسليم التامّين، ما اقتصرتا على المعاصي بل دفعتا بالإنسان من المعاصي الصغيرة رويداً رويداً إلى المعاصي الكبيرة ، ومنها إلى ضعف في العقائد ثم إلى الأفكار المظلمة ثم إلى الطريق المغلق للجحود ثم إلى بغض وعداوة الأنبياء والأولياء. وحيث إن النفس مضطهدة وتعيش حالة الرق، لا تستطيع أن تخرج على رغباتها. وعليه تكون عاقبة أمر الطاعة والتقّيد - للنفس الأمارة - وخيمة جداً، وستدفع بالإنسان إلى أماكن خطيرة ومخيفة .

إن الإنسان العاقل الرؤوف بنفسه لا بد له من السعي واللجوء إلى كل سبيل لإنقاذ نفسه من الأسر، والنهوض أمام النفس الأمارة والشيطان الباطني، ما دامت الفرصة سانحة، وقواه الجسدية سالمة وما دام أنه على قيد الحياة وفي صحة موفورة وفتوة موجودة، وأن قواه لم تتسخر كلياً، ثم يراقب حياته فترة من الوقت، ويتأمل في أحوال

نفسه وأحوال الماضين، ويتمعن في سوء عاقبة بعضهم. ويُفهم نفسه أن هذه الأيام القليلة، تبلى، ويوقظ قلبه ويفهمه الحقيقة التالية المنقولة عن الرسول الأكرم (عجل الله تعالی فرجه الشریف) - حيث خاطبنا قائلاً : «الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ»(1)فلو أننا لم نزرع في هذه الأيام المعدودة، ولم نعمل عملاً صالحاً، لفاتتنا الفرصة، وإذا غشينا الموت، وحلّ العالم الآخر، لانقطعت أعمالنا جميعاً وذهبت آمالنا نهائياً. وإذا جاء ملك الموت ونحن لا نزال عبيد الشهوات وأسارى قيود أهواء النفس المتشعبة - والعياذ بالله - لكان من الممكن للشيطان أن يسرق إيماننا الذي هو غايته القصوى وأن يحتال ويتراءى أمام قلبنا بصورة نخرج من الدنيا ونحن أعداء الحق المتعالي والأنبياء والأولياء. والله سبحانه يعرف ماذا وراء هذا الحجاب من الشقاوات والظلمات والوحشة؟ .

فيا أيتها النفس الدنيئة ويا أيها القلب الساهي استيقظا وانهضا أمام هذا العدو الذي الجمكما منذ سنين وربطكما بأغلال الأسر وقادكما إلى كل جهة حيث يريد، ودفع بكما إلى كل عمل قبيح وسلوك بشع وأجبركما عليه. وحطّما هذه القيود، وكسرا هذه السلاسل، وكن أيها الإنسان حرا ، وادفع عن نفسك الذل والهوان، وضع في رقبتك طوق العبودية للحق - جلّ جلاله - حتى تتحرر من كل عبودية وترقى إلى السلطة الإلهية في العالمين .

أيها العزيز على الرغم من أن هذا العالم ليس بدار الجزاء والمكافأة وليس بمحل لظهور سلطة الحق المتعالي، وإنما هو سجن المؤمن(2)، فلو تحررت من أسر النفس، وأصبحت عبداً للحق المتعالي، وجعلت القلب موحداً، وأجليت مرآة روحك من غبار النفاق والأثنينية، وأرسلت قلبك إلى النقطة المركزية للكمال المطلق، لشاهدت بعينك آثار ذلك في هذا العالم، ولتوسع قلبك بقدر يغدو محلاً لظهور السلطنة التامة الإلهية حيث تصير مساحتها أوسع من جميع العوالم «لا يَسَعُني أرْضِي وَلَا سَمَائِي وَلَكِنْ يَسَعُني


1) علم اليقين ، ج 1، ص 347 . إحياء العلوم للغزالي، المجلد الرابع، ص 14 . كنوز الحقائق (المطبوع على هامش كتاب الجامع الصغير) ج 1 ص 133 .

2) إشارة إلى الحديث المنقول عن أبي عبد الله (علیه السّلام) حيث قال: «الدنيا سجن المؤمن» (أصول الكافي، ج 2 ، كتاب الإيمان والكفر، ص 250).

قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤمِنِ»(1)ولشعرت غنى واضحاً في النفس، حيث لم تعبأ بكل العوالم الغيبية والمادية، ولأصبحت إرادتك قوية، حيث لم تفكر في عالمي الملك والملكوت، ولم تجد لهما اللياقة لاحتضانك . بيت شعر للعارف المشهور سعدى الشيرازي :

هل رأيت تحليق الطير؟

إنسلخ من أغلال الشهوة حتى ترى تحليق الإنسان!

فصل: معنى الصبر وأنه نتيجة التحرر من قيود النفس

من النتائج الكبيرة والثمار العظيمة لتحرّر الإنسان من عبودية النفس، الصبر في البلايا والنوائب. وعلينا أن نشرح معنى الصبر بصورة مختصرة مع ذكر أقسامه ونتائجه، وارتباطه بالتحرر من أسر النفس .

قال محقّق الطائفة الحقّة ومدقّق الفرقة المحقّة، الكامل في العلم والعمل نصير الدين الطوسي(2) - قدس الله نفسه القدوسية - في تعريف الصبر : إنه كفّ النفس عن الجزع عند حلول مكروه(3). وقال العارف المحقق المشهور في كتاب «منازل السائرين» إنه : امتناع النفس عن الشكوى على الجزع المستور. (انتهى)(4) .

واعلم أن الصبر يعتبر من مقامات المتوسطين، لأن النفس ما دامت تكره المصائب والبليات، وتجزع منها، يكون مقام معرفته ناقصاً. كما أن مقام الرضا بالقضاء، والابتهاج من إقبال المصائب عليه، مقام أرقى من مقام الصبر، رغم كون مقام الرضا من مقامات المتوسطين أيضاً. وهكذا يكون الصبر على المعصية والطاعة، من جراء نقص


1) بحار الأنوار، كتاب السماء والعالم، باب العرش والكرسي وحملتهما ، ج 55، ص 39. المحجة البيضاء ، ج 5 ، كتاب شرح عجائب القلب، ص 27 . إحياء العلوم، ج 3، كتاب شرح عجائب القلب، ص 17 . عوالي اللثالي ، ج 4 ، ص 7 .

2) تقدّم ترجمته بصورة مختصرة في ص 233 فراجع.

3) أوصاف الأشراف، الفصل الخامس، الباب 3، ص108.

4) منازل السائرين، باب الصبر، ص38.

المعرفة بأسرار العبادة وصور المعاصي والطاعات. فإن الإنسان إذا أدرك حقيقة العبادة و آمن بصورها البهية البرزخية، وكذلك آمن بالصور البرزخية الموحشة للمعاصي لما كان للصبر على الطاعة أو المعصية وقعّ. بل الأمر يغدو معكوساً. فإنه إذا واجه ابتهاجاً وراحة أو أفضى به الأمر إلى ترك عبادة أو فعل معصية، لأصبحت هذه الأمور مكروهة عنده وكان جزعه الباطني - النفسي - أكبر من جزع ذوي الصبر في البليّات والمصائب .

نقل عن العبد الصالح، العارف بوظائف العبودية وصاحب المقامات والكرامات علي بن طاووس(1)- قدس الله نفسه - أنه كان يحتفل في كل عام يوم ذكرى بلوغه للتكليف الشرعي، ويتّخذه عيداً وينثر الهدايا على الأصدقاء والأهل، وذلك لما شرّفه الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم بالإذن في فعل العبادات والطاعات(2).

هل إن فعل الطاعات يعدُّ لهذا الروحاني من الصبر على المكروهات الكامنة في أعماق الإنسان؟ أين نحن وأين هؤلاء العباد المنقادون للحق تبارك وتعالى؟ نحن نحسب بأن الحق تبارك وتعالى قد كلفنا وشدد علينا، ونعتبر الأحكام الشرعية كلفة وازعاجاً. وإذا بذل أحدنا الجهد في أول الوقت لأداء الفريضة، لقال إنه المفروض عليَّ، ويجب في أقرب وقت أن أرتاح منه ! كل هذه التعاسة من جهلنا وقلة علمنا ونقص أو فقدان إيماننا .

وعلى أيّ حال فالحقيقة أن الصبر هو الامتناع عن الشكوى على الجزع الكامن. وما ورد في أئمة الهدى أو الأنبياء العظام من نعتهم بالصبر، فمن المحتمل أنه من الصبر على الآلام الجسدية التي تسبب الانفعال والتأثر - حسب طبيعة الإنسان - أو من الصبر على فراق الأحبة وهو حينئذ من المقامات الكبيرة للمحبين فيصح الحديث عنه في تراجم حياتهم. وأما الصبر على الطاعات أو المعاصي أو النوائب عدا ما ذكرنا - الآلام الجسمية - فلا معنى لها في حقهم ولا في حق شيعتهم .


1) السيد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر (589 - 664 هـ. ق) المشهور بـ( ابن طاووس) عالم، عابد، زاهد، بل من أبدال علماء الشيعة، له مقامات وكرامات وممن كان يتشرّف بزيارة الحجّة بن الحسن العسكري (عجل الله تعالی فرجه الشریف) أيام غيبته. له كتب قّيمة في علوم مختلفة خاصة في الأخلاق والعبادات منها: مهج الدعوات، الإقبال ، جمال الأسبوع، كشف المحجة، اليقين، فلاح السائل .

2) كشف المحجة، الفصل 48 ، ص 31 .

يقول العارف المعروف كمال الدين عبد الرزاق الكاشاني(1)في كتابه شرخ المنازل : إن هدف خواجة الأنصاري من قوله إن الصبر كف النفس عن الشكوى . هو الشكوى إلى المخلوق وأما الشكوى عند الحق المتعالي وإظهار الجزع والفزع أمام قدسيته فلا تتنافى مع الصبر. كما اشتكى النبي أيوب عند الحق سبحانه قائلاً: أنى مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبِ وَعَذَابِ(2)رغم أن الله تعالى أثنى عليه بقوله : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أواب(3). وقال النبي يعقوب ﴾إِنَّمَا أَشْكُوا بَنّي وحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾(4)مع أنه کان من الصابرين. بل إن ترك الشكوى إلى الحق المتعالي إظهار للجلادة وللدعوى (انتهى)(5).

ويبدو من تراجم حياة الأنبياء العظام والأئمة المعصومين - صلوات الله عليهم أجمعين - رغم أن مقاماتهم كانت أرفع من مقام الصبر ومقام الرضا والتسليم. أنهم لم يمتنعوا من الدعاء والتضرع والعجز أمام المعبود، وكانوا يسألون حاجاتهم من الحق سبحانه . وهذا لا يكون مغايراً للمقامات الروحية، بل إن تذكر الحق جل وعلا والخلوة والمناجاة المحبوب وإظهار العبودية والذل أمام عظمة الكامل المطلق، غاية آمال العارفين وثمرة سلوك السالكين.

فصل: في نتائج الصبر

إعلم أن للصبر نتائج كثيرة التي منها ترويض النفس وتربيتها : إذا صبر الإنسان حيناً من الوقت على المفاجئات المزعجة ونوائب الدهر، وعلى مشّاق العبادات والمناسك وعلى مرارة ترك الملذات النفسية امتثالاً لأوامر وليّ النعم، وتحمّل الصعاب مهما كانت


1) تقدّم ترجمته في ص 264 من هذا الكتاب .

2) سورة صّ ، الآية : 41 .

3) سورة صّ ، الآية : 44.

4) سورة يوسف، الآية : 86 .

5) شرح منازل السائرين، باب الصبر، ص 85 .

شديدة ومؤلمة، تروضت النفس شيئاً فشيئاً، واعتادت وتخلّت عن طغيانها، وتذللت صعوبة تحمل المشاق، عليها، وحصلت للنفس ملكة راسخة نورية، بها يتجاوز الإنسان مقام الصبر ليبلغ المقامات الأخرى الشامخة . بل إن الصبر على المعصية يبعث على تقوى النفس، والصبر على الطاعة يسبب الاستيناس بالحق عز وجل، والصبر على البلايا يوجب الرضا بالقضاء الإلهي، وكل ذلك من المقامات الشامخة لأهل الإيمان، بل لأهل العرفان. وقد ورد في الأحاديث الشريفة عن أهل بيت العصمة ثناء بليغ على الصبر . كما جاء في الكافي الشريف عن الإمام الصادق (علیه السّلام):

قال : «الصَّبْرُ مِنَ الإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ فَإِذَا ذَهَبَ الرَّأْسُ ، ذَهَبَ الْجَسَدُ، وَكَذَلِكَ إذَا ذَهَبَ الصَّبْرُ ، ذَهَبَ الإِيمَانُ»(1).

وفي حديث آخر عن الإمام السجّاد علي بن الحسين (علیه السّلام): قالَ : «الصَّبْرُ مِنَ الإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرِّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ وَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لا صَبْرَ لَهُ»(2).

والأحاديث كثيرة في هذا الباب . ونحن سنأتي على ذكر بعضها عند توفر المناسبة .

إن الصبر مفتاح أبواب السعادات، وباعث للنجاة من المهالك بل الصبر يهوّن المصائب، ويخفف الصعاب، ويقوي العزم والإرادة، ويبعث على استقلالية مملكة الروح. وأما الفزع والجزع فمضافاً على أنه عيب، وكاشفّ عن الضعف في النفس، يجعل الإنسان مضطرباً، والإرادة ضعيفة والعقل موهوناً .

يقول المحقق الخبير الخواجة نصير الدين الطوسي :

«وهو - أي الصَّبْرُ - يَمْنَعُ الْبَاطِنَ عَنِ الاضْطِرَابِ، وَالنِّسَانَ عَنِ الشَّكَايَةِ، والأَعْضَاءَ عَنِ الْحَرَكَاتِ الْغَيْرِ الْمُعْتَادَةِ»(3).

وعلى العكس فإن الإنسان غير الصابر، قلبه مضطرب، وباطنه موحش ونفسه قلقة


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصبر، ح2 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصبر ، ح 4 .

3) كتاب أوصاف الأشراف، الفصل الخامس، الباب الثالث .

ومهزوزة. وهذا بنفسه بلّية فوق جميع البلايا، ومصيبة من أعظم المصائب التي تحل بالإنسان، وتسلب منه الراحة والقرار. وأما بالصبر فتخفّ الرزية، ويتغلب القلب على النوائب والبلايا، وتنتصر إراد الإنسان على المصائب . ولذا نجد الإنسان غير الصابر، يشكو عند من هو أهل للشكاية، ومن هو ليس بأهل للشكاية، وهذا الأمر زائداً على أنه يؤدي إلى الفضيحة لدى الناس. والاشتهار بالضعف بينهم وعدم الجلادة، فإنه يسقطه من أعين الناس ويحط من كرامته لدى ملائكة الله، وأمام جلال القدس الربوبي.

إن العبد الذي لا يتحمّل مصيبة واحدة نازلة عليه من الحق المتعالي والحبيب المطلق والذي إذا واجه بلّية واحدة رفع صوته بالشكوى من ولي نعمه أمام المخلوق، رغم نزول البركات عليه وتلقيه آلاف النعم، مثل هذا العبد أي إيمان له؟ وأي تسليم له أمام المقام القدسي للحق؟ فيصح أن يقال : من لا صبر له لا إيمان له . لو كنت مؤمناً بالحضرة الربوبية، ورأيت بأن مجاري الأمور بيد قدرته الكاملة، ولا يكون لأحد يد في الحوادث والأمور ، لما اشتكيت من حوادث الأيام والبليات أمام غير الحق تعالى، بل لاستقبلتها بكل حفاوة وتكريم وشكرت نعم الحق سبحانه .

فكلّ الاضطرابات النفسية والشكاوى اللسانية والحركات الغير اللائقة والغير المعتادة للأعضاء، تشهد بأننا لسنا من ذوي الإيمان، فما دامت النعمة موفورة، شكرنا ربنا شكراً ظاهرياً لا لب له، بل يكون لأجل طمع الزيادة، وحينما تواجهنا مصيبة واحدة أو يحلّ بنا ألم ومرض، اشتكينا من الحق المتعالي لدى الناس وغمزنا فيه، واعترضنا عليه، وأبدينا الشكوى أمام كل من هو أهل ومن هو ليس بأهل وتتحول الشكاوى والجزع والفزع في النفس إلى بذور البغض تجاه الحق والقضاء الإلهي، ثم ينمو شيئاً فشيئاً ويشتد حتى يتحول إلى ملكة ، بل - لا سمح الله - تتحول الصورة الداخلية للذات صورة البغض لقضاء الحق، والعداء للذات المقدس. وحين ذلك يفلت الزمام من اليد، ويزول الاختيار عن الإنسان، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً لتحسين الوضع وضبط الأوهام، ويتلوّن الظاهر والباطن بلون العداء للحق سبحانه وتعالى، وينتقل من هذا العالم وهو قطعة من البغض والعداء لمالك النعم، فيبتلي بالشقاء الأبدي والظلام الدائم. وأعوذ بالله من سوء العاقبة

والإيمان المستعار المستودع. فيكون كلام المعصوم (علیه السّلام) صحيحاً حيث يقول : عندما يذهب الصبر يذهب الإيمان .

فيا أيها العزيز إن الموضوع خطير، والطريق محفوف بالمخاطر، فابذل من كل وجودك الجهد واجعل الصبر والثبات من طبيعتك، أمام حوادث الأيام وانهض أمام النكبات والرزايا، ولقّن النفس بأن الجزع والفزع مضافاً إلى أنهما عيبان فادحان، لا جدوى من ورائهما للقضاء على المصائب والبليات، ولا فائدة من الشكوى على القضاء الإلهي وعلى إرادة الحق عز وجل أمام المخلوق الضعيف الذي لا حول له ولا قوة.

كما أشير إلى ذلك في الحديث الشريف المنقول في الكافي :

محمد بن يعقوب بإسناده عن سماعة بن مهران، عن أبي الحسن (علیه السّلام) قال : «قَالَ لي : مَا حَبَسَكَ عَنِ الْحَجِّ ؟ قَالَ : قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَقَعَ عَلَيَّ دَيْنٌ كَثِيرٌ وَذَهَبَ مَالِي، وَدَيْنِي الَّذِي قَدْ لَزَمَنِي هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَهَابٍ مَالِي فَلَوْلا أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِنَا أَخْرَجَنِي مَا قَدَرْتُ أَنْ أَخْرُجَ، فَقَالَ لِي : إِنْ تَصْبِرْ تَغْتَبَطُ وَإِلا تَصْبِرُ يُنْفِذِ اللَّهُ مَقَادِيرَهُ رَاضِياً كُنتَ أَمْ کارها»(1)

فاعلم بأن الجزع والفزع لا يجديان، بل لهما أضرار مخيفة ومهالك تنسف الإيمان. وأما الصبر والجلادة فلهما الثواب الجزيل والأجر الجميل والصورة البهية البرزخية الشريفة كما ورد في ذيل الحديث الشريف الذي نحن بصدد شرحه حيث يقول : «وَكَذَلِكَ الصَّبْرُ يُعْقِبُ خَيْراً فَاصْبِرُوا وَوَطَنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الصَّبْرِ تُؤْجَرُوا» فعاقبة الصبر إلى خير في هذه الدنيا كما يستفاد من التمثيل بالنبي يوسف (علیه السّلام) - في الحديث المذكور - ويبعث على الأجر والثواب في يوم الآخرة .

وفي الحديث الشريف المنقول في الكافي بسنده إلى أبي حمزة الثمالي (رحمه الله علیه) قال : «مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِبَلاءِ فَصَبَرَ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرٍ أَلْفِ شَهِيده»(2).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر ، ح 1 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر ح 17 .

ووردت أحاديث كثيرة في هذا المضمار . ونحن سنذكر بعضها في الفصل القادم . وأما أن للصبر صورة بهية برزخية، فمضافاً إلى أنها تتطابق مع بعض الأدلة نجد الأحاديث الشريفة أيضاً تتحدث عنها كما في الكافي الشريف عن الإمام الصادق (علیه السّلام) قال : «إذا دَخَلَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ كَانَتِ الصَّلَاةُ عَنْ يَمِينِهِ وَالزَّكَاةَ عَنْ يَسَارِهِ وَالْبِرُّ مُطِلٌّ عَلَيْهِ وَيَتَنَحَّى الصَّبْرُ نَاحِيَةٌ، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْمَلَكَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ مُسَاءَلَتَهُ قَالَ الصَّبْرُ لِلصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْبِرِّ : دُونَكُمْ صَاحِبَكُمْ فَإِنْ عَجَزْتُمْ مِنْهُ فَأَنَا دُونَهُ»(1).

فصل: في درجات الصبر

إعلم أن للصبر درجات حسب ما يفهم من الأحاديث الشريفة. ويختلف الأجر والثواب عليه على ضوء مراتبه. كما في الكافي الشريف مستنداً إلى مولى المتقين الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام). قالَ: «قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) الصَّبْرُ ثَلَاثَةٌ : صَبْرٌ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَصَبْرٌ التام عَلَى الطَّاعَةِ وَصَبْرٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ. فَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ حَتَّىٰ يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزَائِهَا ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثْمَانَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ كَتَبَ اللهُ لَهُ سِمَائَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تَخُومِ الْأَرْضِ إِلَى الْعَرْشِ، وَمَنْ صَبَرَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ كَتَبَ اللهُ لَهُ تِسْعَمَانَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الْأَرْضِ إِلَى مُنْتَهَى الْعَرْشِ»(2).

ويفهم من هذا الحديث بأن الصبر على المعصية أفضل من كل مراتب الصبر حيث تكون درجاته أكثر ، والفواصل بين درجاته كبيرة جداً. ويفهم أيضاً بأن مساحة الجنة أوسع مما في أوهامنا نحن المحجوبين والمقيدين. ولعل ما ورد في تحديد الجنة من قوله تعالى: عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ(3)

(سورة آل عمران، الآية: 133).

عائد إلى جنة الأعمال، وما ورد في هذا

1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصبر ، ح 8 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصبر ، ح 15 .

3) إشارة إلى قوله تعالى : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.

الحديث الشريف، جنة الأخلاق، والمقياس في جنة الأخلاق، قوة الإرادة وكمالها، وهي غير محدودة بحد .

وقال بعض بأن المقصود في الحديث الشريف تحديد الجنة من جهة العلو والارتفاع، وفي الآية المباركة من جهة العرض(1)، ولا تنافس بينهما إذ أنه من الممكن أن يتحدا من ناحية العرض ويختلفا من ناحية الارتفاع.

وهذا بعيد، لأن الظاهر من «العرض» المساحة لا ما يقابل الطول. كما أنه ليس للسماوات والأرض عرضاً بالمعنى المقابل للطول حسب المتفاهم العرفي واللغوي، وإن كان لهما عرض بمعنى البعد الثاني في مصطلح الطبيعيين، والقرآن الكريم لا يتكلم على أساس المصطلحات العلمية .

وفي الكافي الشريف مستنداً إلى الإمام الصادق (علیه السّلام) قال : «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُنَالُ فِيهِ الْمُلْكُ إِلا بِالْقَتْلِ وَالتَّجَبْرِ، وَلَا الْغِنَى إِلا بِالْغَصْبِ وَالْبُخْلِ، وَلاَ الْمَحَبَّةَ إِلا بِاسْتِخْرَاج الدِّينِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَصَبَرَ عَلَى الفقرِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْغِنَى وَصَبَرَ عَلَى الْبَعْضَةِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَصَبَرَ عَلَى الذُّلِّ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْعِزَّ آتَاهُ اللَّهُ ثَوَابَ خَمْسِينَ صِدِّيقاً مِمَّنْ صَدَّقَ بِي»(2).

ونقل حديث آخر أيضاً عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)(3)بهذا المضمون وعلى أي حال فإن الأحاديث في هذا الموضوع كثيرة. ونحن نكتفي بهذا القدر من الأحاديث الشريفة .

فصل: في بيان درجات صبر المعرفة

إعلم أن ما ذكرناه إلى هنا، يعود إلى عامة الناس والمتوسطين كما ذكرت في أول


1) مرآة العقول، ج 8 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصبر ، ح 15 ، ص 138 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصبر ، ح 12 .

3) بحار الأنوار، ج 68 ، كتاب الإيمان والكفر ، الباب 62 ، ح 6 ، ص 76 .

فصل من هذه الفصول - المذكورة - من أن الصبر قد عُدَّ من مقامات المتوسطين من الناس. ولكن للصبر درجات أخرى ترجع إلى أهل السلوك والعرفاء والكُمَّلين والأولياء. حيث أن منها : (الصَّبْرُ فِي اللهِ) وهو الثبات في المجاهدة وترك ما هو متعارف لدى الناس ومألوف عندهم . بل ترك نفسه في سبيل الحبيب. وهذا المقام عائد لأهل السلوك .

والمرتبة الأخرى (الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ) وهو لأهل الحضور ومشاهدي الجمال حين الخروج من جلباب الإنسانية، والتجرد عن ملابس الأفعال والصفات ولدى تجلي القلب بتجليات الأسماء والصفات، وتوارد واردات الأنس والهيبة، وحفظ النفس من التلوّنات، والغياب عن مقام الأنس والشهود.

والمرتبة الثالثة (الصَّبْرُ عَنِ اللهِ) وهو من درجات العشاق والمشتاقين من أهل الشهود والعيان عندما يعودون إلى عالمهم ويرجعون إلى عالم الكثرات والصحو. وهذا من أصعب مراتب الصبر وأقسى المقامات. وقد أشار إلى هذه المرتبة مولى السالكين وإمام الكملين وأمير المؤمنين (علیه السّلام) في الدعاء الشريف الموسوم بدعاء كميل : «فَهَبْني يا إلهِي وَسَيّدِي وَمَوْلايَ صَبَرْتُ عَلى عَذَابِكَ فَكَيْفَ أصْبِرُ عَلى فِرَاقِكَ»(1).

وروي أن شاباً من المحبين سأل الشبلي عن الصبر فقال : «أَيُّ الصَّبْرِ أَشَدُّ؟ فَقَالَ : الصَّبْرُ لِلَّهِ. فَقَالَ: لا. فَقَالَ: الصَّبْرُ بِاللَّهِ. فَقَالَ : لا ، فَقَالَ: الصَّبْرُ عَلَى اللهِ. فَقَالَ : لا . فَقَالَ : الصَّبْرُ فِي اللَّهِ . فَقَالَ : لا . فَقَالَ : الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ . فَقَالَ : لا . فَقَالَ : وَيْحَكَ فَأَيُّ؟ فَقَالَ : الصَّبْرُ عَنِ اللَّهِ فَشَهِقَ الشَّبْلِي وَخَرَّ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ(2).

والمرتبة الرابعة (لصَّبْرُ بِاللهِ) وهو لأهل التمكين والاستقامة حيث يحصل بعد الصحو والبقاء بالله وبعد التخلق بأخلاق الله ، ولا نصيب فيه إلاّ للكملين .

وحيث أنه لا حظّ لنا في هذه المراتب ولا نصيب، لم نتطرق في هذه الأوراق للبحث المفصل عن ذلك.

والحمد الله أولاً وآخراً وصلى الله على محمد وآله الطاهرين .


1) دعاء کمیل، کتاب مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد .

2) شرح منازل السائرین، باب الصبر، ص88 .

الحديث السابع عشر: «التوبة»

اشارة

بالسَّند المتصل إلى الإمام الأقدم حجّة الفرقة ورئيس الأمة، محمّد بن يعقوب الكُلَيْني - رضي الله عنه - عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السّلام) يقول: «إِذَا تَابَ الْعَبْدُ تَوْبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ اللهُ فَسَتَرَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. فَقُلْتُ: وَكَيْفَ يَسْتُرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يُنْسِي مَلَكَيْهِ مَا كَتَبَا عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوب، ثُمَّ يُوحِي إلى جَوَارِحِهِ اكْتُمِي عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ وَيُوحِي إِلى بِقَاعِ الْأَرْضِ: اكْتُمِي عَلَيْهِ مَا كَانَ يَعْمَلُ عَلَيْكِ مِنَ الذُّنُوبِ. فَيَلْقَى اللَّهَ حِينَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ شَيْءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ الذُّنُوبِ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب التوبة ، ح 1 .

الشرح: في بيان حقيقة التوبة

إعلم أن التوبة من المنازل المهمة الصعبة. وهي عبارة عن الرجوع من عالم المادة إلى روحانية النفس، بعد أن حجبت هذه الروحانية ونور الفطرة، بغشاوات ظلمانية من جراء الذنوب والمعاصي .

وتفصيل هذا الاجمال بإيجاز هو: أن النفس في بدء فطرتها خالية من كل أنواع : الكمال والجمال والنور والبهجة، كما أنها تكون خالية أيضاً من أضداد هذه الصفات المذكورة الأربعة - فكأن النفس صفحة نقية من كل رسم ونقش، لا توجد بها الكمالات الروحية ولا تتصف بالنعوت المضادة لها. ولكن قد أودع فيها نور الاستعداد والأهلية لنيل أي مقام رفيع أو وضيع، وأنشئت فطرتها على الاستقامة، وعجنت طينتها بالأنوار الذاتية. وعندما تجترح سيئة، تحصل في القلب ظلمة وسواد. وكلما ازدادت المعاصي تضاعفت الظلمة والسواد، إلى أن يغشى الظلام والسواد القلب كله، وينطفىء نور الفطرة ويبلغ مرتبة الشقاء الأبدي. فإذا انتبه الإنسان قبل أن يستوعب الظلام القلب كله، ثم اجتاز منزل اليقظة ودخل على منزل التوبة واستوفى حظوظ هذا المنزل حسب الشرائط التي سنأتي على ذكرها إجمالاً في هذه الصفحات، زالت الحالات الظلمانية والكدورات الطبيعية وعاد إلى الحالة الفطرية النورية الأصلية والروحانية الذاتية وكأنها تنقلب النفس - إلى صفحة خالية من جميع الكمالات وأضدادها. كما ورد في الحديث الشريف المشهور «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ»(1)


1) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر ، باب التوبة ، ح 10 .

فتبين أن حقيقة التوبة هي الرجوع من عالم الطبيعة وآثارها ومضاعفاتها إلى عالم الروحانية والفطرة. كما أن حقيقة الإنابة رجوع من الفطرة والروحانية إلى الله والسفر والهجرة من بيت النفس نحو بيت القصيد. فمنزل التوبة سابق ومقدم على منزل الإنابة، ولا يناسب تفصيل ذلك في هذا المقال.

فصل: نقطة هامة

على سالك طريق الهداية والنجاة، الانتباه إلى نقطة هامة : هي أن التوفيق إلى التوبة الصحيحة الكاملة مع توفير شرائطها - التي سنذكرها - من الأمور الصعبة، وقليلاً ما يستطيع الإنسان أن يصل إلى هذا المقصد . بل إن اقتراف الذنوب وخاصة المعاصي الكبيرة يجعلان الإنسان غافلاً عن ذكر التوبة نهائياً. وإذا ما أثمرت وقويت شجرة المعاصي في مزرعة قلب الإنسان وتحكّمت جذورها، ستكون لها نتائج وخيمة : منها حث الإنسان على الانصراف كلياً عن التفكير في التوبة، وإذا تذكرها أحياناً تكاسل في إجرائها وأجلها وقال: «اليوم أو غداً وهذا الشهر أو الشهر المقبل، ويخاطب نفسه قائلاً إنني أتوب آخر العمر وأيام الشيخوخة توبة صحيحة». وإنه يغفل عن أن هذا مكر مع الله واللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(1). فلا يتوقع الإنسان أنه بعد أن تقوى جذور الذنوب في نفسه، يستطيع أن يتوب أو يقوم بتوفير شروط التوبة . إن أفضل أيام التوبة وربيعها هي فترة أيام الشباب . لأن الذنوب أقل وشوائب القلب وظلمات الباطل أخف، وشروط التوبة أسهل وأيسر. وقد يكثر في سن الشيخوخة حرص الإنسان وطمعه وحبه للمال ويزداد أمله . وقد أثبتت التجربة ذلك .

والحديث النبوي الشريف(2)أفضل شاهد على هذه المقولة . وإذا افترضنا أن الإنسان يستطيع القيام بهذا العمل (التوبة) في سنّ الشيخوخة. فما هو الضمان للصول إلى


1) سورة آل عمران الآية : 54 .

2) قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنتان: الحرص والأمل». (الخصال، ج1، باب الاثنين، ح 112 ص 73 . إحياء العلوم، ج 4 ، كتاب ذكر الموت وما بعده، فضيلة قصر الأمل، ص 438).

سن الشيخوخة وعدم إدراكه الأجل المحتوم أيام الشباب على حين غرّة، وهو مشغول بارتكاب الذنوب والعصيان؟ إن انخفاض عدد المسنين، دليل على أن الموت أقرب إلى الشباب منه إلى الشيخ. إننا في المدينة التي يبلغ تعدادها خمسين ألف نسمة لم نجد خمسين شيخاً يناهز عمر كل منهم ثمانين عاماً!

فيا أيها العزيز كن على حذر من مكائد الشيطان ولا تمكر على الله ولا تحتال عليه بأن تقول أعيش خمسين عاماً أو أكثر مع الأهواء، ثم أستغفر ربي لدى الموت وأستدرك الماضي، لأن هذه أفكار واهية .

إذا سمعت أو علمت من الحديث الشريف أن الله سبحانه وتعالى قد تفضّل على هذه الأمة بتقبل توبتهم قبل مشاهدة آثار الموت أو عند الموت فذلك صحيح(1)، ولكن هيهات أن تتحقق التوبة من الإنسان في ذلك الوقت .

هل تظن أن التوبة مجرد كلام يقال؟ إن القيام بالتوبة لعمل شاق . إن الرجوع إلى الله والعزم على عدم العودة إلى الذنب يحتاج إلى رياضة علمية وعملية، إذ نادراً ما يحدث للإنسان أن يفكر لوحده بالتوبة أو يتوفق إليها أو يتوفق إلى توفير شرائط صحة التوبة وقبولها أو إلى توفير شرائط كمالها . إذ من الممكن أن يدركه الموت قبل التفكير في التوبة أو إنجازها وينقله من هذه النشأة مع المعاصي التي تنوء بالإنسان ومع ظلمات الذنوب

اللامتناهية. وفي ذلك الوقت يعلم الله وحده المصائب والمحن التي سوف يواجهها!.

ليس من السهل أن يتدارك الإنسان في العالم الآخر معاصيه، فإذا كان من أهل النجاة وممّن عاقبة أمره سعيدة: إذ لا بد من متاعب وضغوطات ونيرانِ حتى يصبح الإنسان أهلاً لرحمة أرحم الراحمين .


1) روى الإمام الصادق (علیه السّلام) عن جدّه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه : من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته. ثم قال : إن السنة لكثيرة، من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته . ثم قال : إن الشهر لكثير من تاب قبل موته بجمعة قبل الله توبته ثم قال : إن الجمعة لكثير من تاب قبل موته بيوم قبل الله توبته ثم قال : إن يوماً لكثير من تاب قبل أن يعاين قبل الله توبته». (أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر ، باب فيما أعطى الله عزّ وجلّ آدم وقت التوبة ، ح2 ، ص 440).

إذاً أيها العزيز! عجّل في شدّ حيازيمك ، وإحكام عزيمتك وقوَتك الحاسمة وأنت في أيام الشباب أو على قيد الحياة في هذه الدنيا وتب إلى الله، ولا تسمح لهذه الفرصة التي أنعم الله بها عليك أن تخرج من يدك، ولا تعبأ بتسويف الشيطان ومكائد النفس الأمارة .

نقطة هامة

ويجب الانتباه إلى نقطة هامة أخرى: هي أن الشخص التائب بعد توبته لا يستعيد الصفاء الداخلي الروحاني والنور الخالص الفكري السابق كما أنك لو سوّدت صفحة بيضاء، ثم حاولت أن تعالج السواد وتزيله عنها لم تعد الصفحة إلى حالتها الأولى من البياض الناصع . وكذلك الإناء المكسور إذا أصلحناه فمن الصعب أن يعود إلى حالته السابقة. إنه لبون شاسع بين خليل يكون مخلصاً مع الإنسان طوال العمر، وصديق يخونك ثم يعتذر عن تقصيره .

فضلاً عن أن قليلاً ما ترى شخصاً يستطيع القيام بوظائف التوبة بشكل صحيح .

إذاً، يجب على الإنسان أن يتجنب ما أمكن ارتكاب المعاصي والذنوب، لأن إصلاح النفس بعد إفسادها من الأعمال الشاقة . وإذا تورط لا سمح الله في مصيبة وجب عليه بشكل عاجل أن يفكر في العلاج لأن إصلاح الفساد القليل يتم بشكل أسرع وبكيفية أحسن .

أيها العزيز! لا تمر على هذا المقام من دون مبالاة ولا اهتمام. فكّر في حالك وعاقبة أمرك، وراجع كتاب الله وأحاديث خاتم الأنبياء وأئمة الهدى - سلام الله عليهم أجمعين - وكلمات علماء الأمة وأحكام العقل الوجدانية. إفتح على نفسك هذا الباب الذي يعدّ مفتاح الأبواب الأخرى، وادخل في هذا المقام الذي يعتبر من أهّم المنازل الإنسانية، بالنسبة إلينا وكن مهتماً فيه وواظب عليه وأطلب من الله عز وجل التوفيق في الوصول إلى المطلوب، واستعن بروحانية الرسول الأكرم وأئمة الهدى - سلام الله عليهم - والتجيء إلى ولي الأمر وناموس الدهر إمام العصر - عجل الله فرجه - وبالطبع ينجّي الضعفاء والعجزة ويعين المحتاجين .

فصل: في أركان التوبة

إعلم أن للتوبة الكاملة أركاناً وشروطاً. ولولا تحققها لما تحققت التوبة الصحيحة. ونحن نذكر الأركان وشرائطها الهامة :

إن من أهم الشروط التي تعتبر ركناً للتوبة هو الندامة على الذنوب والتقصير في أداء التكاليف الشرعية. ومنها : العزم على عدم العودة إلى الذنوب نهائياً. وفي الحقيقة فإن هذين الأمرين يحققان حقيقة التوبة ويعتبران من مقوماتها الذاتية. والعمدة في هذا الباب تحصيل هذا المقام وإنجاز هذه الحقيقة على نحو يتذكر الإنسان تأثير معاصيه في روحه وعواقبها في عالم البرزخ ويوم القيامة كما هو مقرر في المعقول والمنقول ومبرهن عليه لدى أهل العلم والمعرفة، ومأثور في أخبار أهل بيت العصمة (علیهم السّلام) من أن للمعاصي في عالم البرزخ والقيامة صوراً تتناسب معها وهذه الصور في ذلك العالم تكون ذات حياة وإرادة حيث تعذب الإنسان المذنب وتسيء إليه عن شعور وإرادة. إن نار جهنم أيضاً تحرق الإنسان عن إرادة. ووعي لأن تلك النشأة نشأة الحياة .

ففي ذلك العالم صور تحشر معنا من جراء أعمالنا الحسنة أو القبيحة. وقد ورد في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة صراحة وتلويحاً ذكر لهذا الموضوع .

ويتطابق مع مسلك الحكماء الإشراقيين، وذوق أهل السلوك ومشاهدات أصحاب العرفان. وكذلك تترك كل معصية في الروح أثراً عُبّر عنه في الأحاديث الشريفة بالنقطة السوداء(1)وهي ظلام يظهر في القلب والروح ثم تتوسع هذه النقطة حتى تسوق الإنسان إلى الكفر والزندقة والشقاوة الأبدية. وقد فصلنا ذلك في الفصول السابقة(2). فالإنسان


1) عن زرارة عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : قال : ما من عبد إلاّ وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء فإن تاب ذهب ذلك السواد وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض فإذا تغطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً. (أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر ، باب الذنوب ، ح 20 ، ص 273).

2) راجع ص 287 فراجع.

العاقل لو انتبه لهذه المعاني واعتنى بكلام الأنبياء والأولياء (علیهم السّلام) والعرفاء والحكماء والعلماء - رضوان الله عليهم - بقدر اعتنائه بقول طبيب معالج، لابتعد لا محالة عن المعاصي ولم يقترب منها أبداً. وإذا ابتلي بالمعصية لا سمع الله أبدى بسرعة تبرمه وانزعاجه منها وندم عليها وظهرت صورة ندمه في قلبه وتكون نتيجة هذه الندامة عظيمة جداً وآثارها حسنة وكثيرة، ثم يحصل من جراء ندمه العزم على ترك المعصية وترك مخالفة رب العالمين. وعندما يتوفر هذان الركنان - الندم على اقتراف المعصية والعزم على عدم العودة إليها - يتيسر أمر سالك طريق الآخرة، وتغمره التوفيقات الإلهية ليصبح حسب النص القرآني إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ(1)وهذه(2)الرواية الشريفة، محبوباً الله تعالى إذا كان مخلصاً في توبته. إنه يجب على الإنسان بالرياضة العلمية والعملية وبالتفكر والتدبر اللائق أن يسعى في سبيل تحقيق التوبة يجب عليه أن يفهم بأن المحبوبية عند الله لا تقدر في حساب. والله يعلم بأن صورة حب الحق في تلك العوالم من أي نوع من الأنوار المعنوية والتجليات الكاملة تكون؟ وإن الله سبحانه كيف يتعامل مع محبوبه ؟ أيها الإنسان كم أنت ظلوم وجهول؟! ولا تقدّر نعم وليّ النعم . إنك تعصي وتعادي سنين وسنين وليّ نعمك الذي وفّر لك كل وسائل الرفاه والراحة من دون أن تعود منها عليه - والعياذ بالله - بجدوى وفائدة، وطيلة هذه الفترة قد هتكت حرمته وطغيت عليه ولم تخجل منه أبداً ولكنك إذا ندمت على ما فعلت ورجعت إليه، أحبك الله وجعلك محبوباً له إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ فما هذه الرحمة الواسعة والنعم الوافرة؟ .

إلهي ! نحن عاجزون عن شكر آلانك، وألسنة البشر وجميع الأحياء في هذا الكون مصابة باللكنة - تجاه الحمد والثناء عليك - ولا يسعنا إلا أن ننكس رؤوسنا ونعتذر لك لعدم حيائنا منك . مَنْ نحن حتى نستحق رحمتك؟ ولكن سعة رحمتك وشمول نعمتك أوسع من تقديرنا لها «أنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»(3).


1) سورة البقرة، الآية : 222 .

2) الحديث السابع عشر المذكور لدى أول هذا البحث (التوبة) .

3) راجع معجم الأحاديث النبوية ج 1 ، ص 304 . فروع الكافي، ج 2، كتاب الصلاة، باب السجود، ح12 ، ص 324. مصباح الشريعة، الباب الخامس. مراة العقول ج 8 ، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر، ص 146 .

وأيضاً، يجب على الإنسان أن يقوي في قلبه صورة الندامة كي يحترق القلب بمشيئة الله تعالى. وذلك بأن يفكّر في الآثار الموحشة للمعاصي وعواقبها. ويعمل على تقوية الندامة في قلبه ويضرم النار في قلبه على غرار نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ(1)ويحرق قلبه في نار الندامة حتى تحترق مع نار الندامة جميع المعاصي وتزول الكدورة عن القلب وصدئه . وليعلم أنه إذا لم يضرم بنفسه هذه النار - الندامة - ولم يفتح في وجهه باب جهنم هذه التي تكون بذاتها الباب الرئيسي لأبواب الجنة، فعندما ينتقل من هذا العالم تهيأت له لا محالة في ذلك العالم نار عاتية، وتفتح في وجهه أبواب جهنم وتوصد في وجهه أبواب الجنة والرحمة .

إلهي ألهمنا صدراً محترقاً واقذف في قلوبنا جذوة من نار الندامة واحرقه مع هذه النار «الندامة» الدنيوية، وأزل عن قلوبنا الكدر والأدران، وأخرجنا من هذا العالم من دون مضاعفات المعاصي إنك ولي النعم وعلى كل شيء قدير .

فصل: في شروط التوبة

ذكرنا في الفصل السابق أركان التوبة. وسوف نذكر شروط قبولها وشروط كمالها مرتباً . ثم إن عمدة شروط القبول أمران كما أن عمدة شروط الكمال أمران أيضاً.

ونحن نذكر في هذا الفصل الكلام الشريف لمولى الموالي الذي هو في الواقع من جوامع الكلام، ومن كلام الملوك وملوك الكلام .

روى السيد الجليل السيد الشريف الرضي(2)رضي الله عنه في نهج البلاغة أن قائلاً


1) سورة الهمزة، الآية : 7.

2) السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى المشهور بالشريف الرضي (406 - 359هـ. ق) من أجلاء الشيعة ومشاهير علمائهم تلمذ على الشيخ المفيد وروى عنه الشيخ الطوسي وعلماء آخرون. كان في طليعة الأدباء والبلغاء في فنون الأدب والبلاغة ونال حظاً وافراً في مختلف العلوم الإسلامية واشتهر بالزهد والإباء وتولى نقابة السادات بعد وفاة أبيه . له : انشراح الصدر، خصائص الأئمة، تلخيص البيان عن معجزات القرآن، مجازات الآثار النبوية. وأبرز آثاره كتاب نهج البلاغة .

قال بحضرته (علیه السّلام): أستغفر الله ، فقال له : «تَكَلَتْكَ أُمُّكَ أَتَدْرِي مَا الاسْتِغْفَارُ ۚإِنَّ الاسْتِغْفَارَ دَرَجَةُ الْعِلِّينَ وَهُوَ اسْمَ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ : أَوَّلُهَا النَّدَمُ عَلَى مَا مَضى. الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْمَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً وَالثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتى تَلْقَى الله سُبْحَانَهُ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةُ الرَّابِعُ أَنْ تَعْمَدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقْهَا . وَالْخَامِسُ أَنْ تَعْمَدَ إِلَى اللّحم الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ فَتَدِيبَهُ بِالأَحْزَانِ حَتَّى تَلْصِقَ الْجِلْدَ بِالْعَظم وَيَنْشَأ بَيْنَهُمَا لَحْمُ جَدِيدٌ وَالسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلَاوَةَ الْمَعْصِيَةِ فَعِنْدَ ذلِكَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللهَ»(1).

يشتمل هذا الحديث الشريف على ركنين من أركان التوبة هما: الندامة والعزم على العودة وعلى شرطين مهمين للقبول : هما إرجاع حقوق المخلوق لأهلها ورد حقوق الخالق الله سبحانه . ولا تقبل التوبة من الإنسان بقوله أستغفر الله . إن على الإنسان التائب أن يرد كل ما أخذه من الناس من دون حق إلى أصحابه وإذا وجد حقوقاً أخرى للناس في ذمته واستطاع أن يؤديها إلى أصحابها أو يطلب السماح منهم، يجب أن لا يتوانى في ذلك. وأن يقضي كل الفرائض الإلهية أو يؤديها. وإذا تعذر عليه إنجاز ذلك أدى المقدار الميسور منه. وليعلم أن لكل هذه الحقوق أصحاب سيطالبونه بها في النشأة الأخرى بأشق الأحوال وليس له في ذلك العالم وسيلة لأداء هذه الحقوق، إلا أن يتحمل ذنوب الآخرين، ويدفع إليهم أعماله الحسنة فيصير حينذاك عاجزاً وشقياً ولا يملك طريقاً للخلاص وملجأ للاستخلاص .

أيها العزيز إياك أن تسمح للشيطان والنفس الأمارة بالهيمنة عليك والوسوسة في قلبك فيصوران لك العملية جسيمة وشاقة ويصرفانك عن التوبة . إعلم بأن إنجاز الشيء القليل من هذه الأمور يكون أفضل. ولا تيأس من رحمة الله ولطفه، حتى وإن كانت عليك صلاة كثيرة وصيام غير قليل، وكفارات عديدة، وحقوق إلهية كثيرة، وذنوب متراكمة، وحقوق الناس لا تعد، والخطايا لا تحصى.

لأن الحق المتعالي يسهّل عليك الطريق عندما تقوم بخطوات حسب قدرتك في


1) نهج البلاغة ، قصار الحكم، الرقم 417 ، (الشيخ صبحي الصالح).

اتجاهه، ويهديك سبيل النجاة. واعلم بأنّ اليأس من رحمة الحق من أعظم الذنوب، ولا أظن أن هناك ذنباً أسوأ وأشدّ تأثيراً في النفس من القنوط من رحمة الله . فإنّ الظلام الدامس إذا غشي قلب الإنسان اليائس من الرحمة الإلهية، لما أمكن إصلاحه، ولتحوّل إلى طاغية، لا يوجد سبيل للهيمنة عليه. فإيّاك أن تغفل من رحمة الحق عزّ وجلّ، وإياك أن تستعظم الذنوب وتبعاتها . إن رحمة الحق سبحانه أعظم وأوسع من كل شيء(1)

الدفتر الخامس، رقم الشعر 1537).

.

ماذا كنت في بدء الأمر؟ كنت في غياهب العدم ولا توجد فيك القابلية والأهلية، ولكن الحق جلّ وعلا، وهبك نعمة الوجود وكمالاته وبسط مائدة النعم اللامحدودة، والرحمة اللامتناهية، وسخر لك كافة الموجودات، من دون استحقاق واستعداد ومن دون سؤال ودعاء مسبق .

ثم إنك في هذا اليوم لا يكون وضعك أسوأ، من اليوم الذي كنت فيه عدماً صرفاً، ولا شيئاً بحتاً. إن الله قد وعد بالرحمة والمغفرة. تقدم إلى الأمام خطوة واحدة، باتجاه عتبة قدسه. فإنه سيأخذ بيدك مهما كلف الأمر . إنك إن لم تستطع أن تؤدي حقوقه، فهو سيتنازل عنها. وإن لم تستطع أن تدفع حقوق الناس، فإنه سيجبرها .

هل سمعت قصة الشاب الذي كان ينبش القبور في عهد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)؟(2)


1) يقول المولى الرومي في المثنوي : (علاج ذلك القلب عطاء الباذل وعطاء الحق غير مشروط بقابلية المعطى له .

2) عن عبد الرحمن بن غنم الدوّسي قال : دخل معاذ بن جبل على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) باكياً فسلم فردّ عليه السلام ثم قال : ما يبكيك يا معاذ؟ فقال : يا رسول الله إنّ بالباب شاباً طري الجسد، نقي اللون، حسن الصورة، يبكي على شبابه بكاء الشكلي على ولدها ، يريد الدخول عليك ؛ فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): أدخل علي الشاب يا معاذ ؛ فأدخله عليه فسلم فردّ عليه السلام، ثمّ قال : ما يبكيك يا شاب؟ قال : كيف لا أبكي وقد ركبت ذنوباً إن أخذني الله عز وجل ببعضها أدخلني نار جهنم ؟ ولا أراني إلا سيأخذني بها ولا يغفر لي أبدا؛ فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): هل أشركت بالله شيئاً؟ قال : أعوذ بالله أن أشرك بربي شيئاً ؛ قال : أقتلت النفس التي حرم الله ؟ قال : لا ، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل الجبال الرواسي، فقال الشاب : فإنّها أعظم من الجبال الرواسي، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق، قال: فإنها أعظم من الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق ! فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل السماوات ونجومها ومثل العرش والكرسي ، قال : فإنّها أعظم من ذلك ؛ قال : فنظر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إليه كهيئة الغضبان ثم قال : ويحك يا شاب ذنوبك أعظم أم ربك؟ فخر الشاب لوجهه وهو يقول : سبحان ربي ما شيء أعظم من ربي، ربي أعظم يا نبي الله من كل عظيم ؛ فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): فهل يغفر الذنب العظيم إلا الرب العظيم؟ قال الشاب : لا والله يا رسول الله ، ثم سكت الشاب فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): ويحك يا شاب ألا تخبرني بذنب واحد من ذنوبك ؟ قال : بلى أخبرك : إني كنت أنبش القبور سبع سنين ، أخرج الأموات، وأنزع الأكفان، فماتت جارية من بعض بنات الأنصار فلما حملت إلى قبرها ودفنت وانصرف عنها أهلها وجن عليهم الليل أتيت قبرها فنبشتها ثمَّ استخرجتها ونزعت ما كان عليها من أكفانها وتركتها متجردة على شفير قبرها، ومضيت منصرفاً فأتاني الشيطان فأقبل يزينها لي، ويقول : أما ترى بطنها وبياضها؟ أما ترى وركيها؟ فلم يزل يقول لي هذا حتى رجعت إليها، ولم أملك نفسي حتى جامعتها وتركتها مكانها، فإذا أنا بصوت من ورائي يقول : يا شاب ويل لك من ديان يوم الدين يوم يقفني وإياك كما تركتني عريانة في عساكر الموتى، ونزعتني من حفرتي وسلبتني أكفاني ، وتركتني أقوم جنبة إلى حسابي فويل لشبابك من النار! . فما أظن أني أشم ريح الجنة أبداً فما ترى لي يا رسول الله ؟ فقال النبّي (صلی الله علیه و آله و سلم): تنحّ عنيّ يا فاسق إني أخاف أن أحترق بنارك ، فما أقربك من النارا ثم لم يزل (علیه السّلام) يقول ويشير إليه حتى أمعن من بين يديه، فذهب فأتي المدينة فتزود منها ثم أتى بعض جبالها فتعبد فيها ، ولبس مسحاً وغل يديه جميعاً إلى عنقه، ونادى: يارب هذا عبدك بهلول، بين يديك مغلول، يا رب أنت الذي تعرفني، وزلّ منّي ما تعلم سيدي ! يا رب أصبحت من النادمين، وأتيت نبيك تائباً فطردني وزادني خوفاً، فأسألك باسمك وجلالك وعظمة سلطانك أن لا تخيب رجائي ؛ سيدي ! ولا تبطل دعائي، ولا تقنطني من رحمتك . فلم يزل يقول ذلك أربعين يوماً وليلة، تبكي له السباع والوحوش ، فلما تمت له أربعون يوماً وليلة رفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم ما فعلت في حاجتي؟ إن كنت استجبت دعائي وغفرت خطيئتي فأوح إلى نبيك ، وإن لم تستجب لي دعائي ولم تغفر لي خطيئتي وأردت عقوبتي فعجل بنار تحرقني أو عقوبة في الدنيا تهلكني، وخلصني من فضيحة يوم القيامة. فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم): والذين إذا فعلوا فاحشة يعني الزنا أو ظلموا أنفسهم يعني بارتكاب ذنب أعظم من الزنا، ونبش القبور، وأخذ الأكفان ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم يقول : خافوا الله فعجلوا التوبة ومن يغفر الذنوب إلا الله يقول عز وجل: أتاك عبدي يا محمد تائباً فطردته، فأين يذهب؟ وإلى من يقصد؟ ومن يسأل أن يغفر له ذنباً غيري؟ ثم قال عز وجل: ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون يقول : لم يقيموا على الزنا ونبش القبور وأخذ الأكفان أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين فلما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) خرج وهو يتلوها ويتبسم، فقال لأصحابه : من يدلني على ذلك الشاب التائب؟ فقال معاذ: يا رسول الله بلغنا أنه في موضع كذا وكذا، فمضى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بأصحابه حتى انتهوا إلى ذلك الجبل فصعدوا إليه يطلبون الشاب فإذا هم بالشاب قائم بين صخرتين، مغلولة يداه إلى عنقه، قد اسوّد وجهه، وتساقطت أشفار عينيه من البكاء، وهو يقول : سيدّي : قد أحسنت خلقي وأحسنت صورتي، فليت شعري ماذا تريد بي؟ أفي النار تحرقني ؟ أو في جوارك تسكنني؟ اللهم إنك قد أكثرت الإحسان إلي وأنعمت علي، فليت شعري ماذا يكون آخر أمري؟ إلى الجنة تزفني؟ أم إلى النار تسوقني ؟ اللهم إن خطيئتي أعظم من السماوات والأرض ومن كرسيك الواسع وعرشك العظيم، فليت شعري تغفر خطيئتي أم تفضحني بها يوم القيامة؟ فلم يزل يقول نحو هذا وهو يبكي ويحثو التراب على رأسه وقد أحاطت به السباع! وصفت فوقه الطير! وهم يبكون لبكائه ! فدنا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فأطلق يديه من عنقه، ونفض التراب عن رأسه، وقال: يا بهلول ! أبشر فإنك عتيق الله من النار . ثم قال (علیه السّلام) لأصحابه : هكذا تداركوا الذنوب كما تداركها بهلول . ثم تلا عليه ما أنزل الله عزّ وجلّ فيه وبشره بالجنة». (بحار الأنوار، ج 6 ، ص 23).

أيها العزيز إنّ طريق الحق سهل وبسيط، ولكنّه يحتاج إلى انتباه يسير، فيجب العمل، لأن التباطىء والتسويف، ومضاعفة المعاصي في كل يوم، تبعث على صعوبة الأمر، وأما الإقبال على العمل، والعزم على إصلاح السلوك والنفس، فيقرّب الطريق ويسهل العمل .

جربه، واعمل في الاتجاه المذكور، فإذا حصلت على النتيجة تبين لك صحة الموضوع. وإن لم تصل إلى النتيجة المتوخاة فإن طريق الفساد مفتوح ويد المذنب طويلة . وأما الأمران الآخران - الخامس والسادس المذكورين في الرواية المنقولة عن نهج البلاغة المتقدمة - اللذان ذكرهما الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فهما من شروط كمال التوبة، والتوبة الكاملة، لأن التوبة لا تتحقق ولا تقبل من دونهما، بل إن التوبة من دونهما ليست بكاملة .

إعلم أن لكل منزل من منازل السالكين مراتب و درجات تختلف حسب اختلاف حالات قلوبهم. وإن التائب إذا أراد البلوغ إلى مرتبة الكمال، فلا بد من تدارك ما تركه، وتدارك اللذائذ أيضاً، يعني لا بد من تدارك اللذائذ النفسانية التي لحقت به أيام الآثام والمعاصي وذلك بالسعي لمحو كل الآثار الجسمية والروحية التي حصلت في مملكة جسمه ونفسه من جراء الذنوب حتى تعود النفس مصقولة كما كانت في بدء الأمر، وتعود الفطرة إلى روحانيتها الأصيلة. وتحصل له الطهارة الكاملة .

لقد علمت بأن لكل معصية ومتعة انعكاس وأثر في الروح، كما قد يحصل أثر من بعض الذنوب واللذائذ في الجسم، فلا بد للتائب أن ينتفض ويستأصل تلك الآثام ويقوم بالرياضة البدنية والروحية حتى تزول منهما كل تبعات ومضاعفات الخطايا والآثام، كما أمرنا الإمام علي عليه الصلاة والسلام.

فعن طريق ممارسة الرياضة الجسمية من الإمساك عن أكل المقويات والمنشطات والصيام المستحب أو الواجب إذا كان في ذمته صيام الواجب، يذيب اللحوم التي نشأت على جسمه من الحرام والمعصية أو أيام الخطايا والآثام.

وعن طريق الرياضة الروحية من العبادات والمناسك يتدارك اللذائذ الطبيعية، لأن صورة المتع الطبيعية لا تزال ماثلة في ذائقة النفس، وما دامت عالقة بها فإن النفس ترغب إليها، ويعشقها القلب ويُخشى من لحظة طغيان النفس وتمرّدها على صاحبها - والعياذ بالله .. فلا بد على السالك لسبيل الآخرة والتائب عن المعاصي أن يُذيق الروح ألم الرياضة الروحية ومشقة العبادة. فإذا سهر ليلة في المعصية تداركها بليلة من العبادة. وإذا عاش يوماً واحداً مع اللذائذ الطبيعية تداركه بالصوم والمستحبات المناسبة حتى تظهر النفس من كل آثار المعاصي وتبعاته التي هي عبارة عن تعلق حب الدنيا بالنفس ورسوخه فيها، وتتطهر من كل ذلك .

نعم تكون التوبة في هذه الصورة أكمل، حيث يعود النور إلى فطرة النفس، ولا بد في غضون اشتغاله بهذه الأمور من التفكر والتدبر في نتائج المعاصي وشدّة بأس الحق المتعالي ودقة ميزان الأعمال وشدّة عذاب عالم البرزخ والقيامة. وليعلم وليلقّن النفس والقلب، بأن كل ذلك نتاج وصور هذه الأعمال القبيحة والمخالفة مالك الملوك . ونأمل بعد هذا العلم والتمعن أن تنفر النفس عن المعاصي، وترتدع بشكل كامل ونهائي، وينتهي بالتوبة إلى النتيجة المطلوبة، وتتم توبته وتكمل .

فهذان المقامات من المتممات والمكملات لمقام التوبة. والإنسان في بدء الأمر عندما يريد أن يدخل مقام التوبة ويتوب إلى الله لا يظن بأن المطلوب منه المرتبة الأخيرة من التوبة حتى يجد الطريق صعباً وعملية التوبة شاقة فينصرف عنها ويتركها .

إن كل مقدار يساعد عليه حال السالك، في سلوكه لطريق الآخرة، يكون مطلوباً ومرغوباً فيه، وعندما تطأ قدماه الطريق ييسر الله تعالى له الطريق. فلا بد أن تمنع صعوبة الطريق، الإنسان عن الهدف الأصيل، لأنه مهم جداً وعظيم جداً. وإذا انتبهنا إلى جلال الهدف وعظمته، تذللت أجله. وأي شيء أعظم من النجاة الأبدية

جميع الصعاب من والروح والريحان الدائميان؟ وأي بلاء أعظم من الهلاك الدائمي والشقاء السرمدي؟ ومع ترك التوبة والتسويف والتأجيل قد يبلغ الإنسان إلى الشقاء الأبدي والعذاب الخالد والهلاك الدائم. وعند الورود على مقام التوبة قد يتحول الإنسان إلى سعيد مطلق، ومحبوب للحق سبحانه . فإذا كان الهدف جليلاً على هذا المستوى، فلا بأس من المعاناة والآلام لأيام يسيرة.

واعلم أن الدخول في مقام التوبة بالمقدار الممكن والميسور مهما كان قليلاً فهو مجد وناجع. وقارن أمور الآخرة بالأمور الدنيوية فإن العقلاء إذا لم يستطيعوا أن يحققوا مبتغاهم الأعلى والأرفع ، لم يتركوا الهدف الأقل، وإذا لم يستطيعوا من تحصيل الهدف الكامل المنشود فإنهم لم يغضوا الطرف عن المطلوب الناقص .

وأنت أيضاً إذا لم تستطع أن تحقق التوبة الكاملة، فلا تعدل عن التوبة ولا تعرض عنها وحاول أن تحققها بالمستوى المستطاع والممكن .

فصل: في نتيجة الاستغفار

من الأمور الهامة التي لا بد للتائب أن يقدم عليها، اللجوء إلى مقام غفارية الله تعالى وتحصيل حالة الاستغفار، والطلب من الحق جل جلاله ومن مقام غفارية ذاته المقدس بلسان مقاله وحاله وفي السّر والعلن وفي الخلوات. الطلب منه بكل مذلة ومسكنة وتضرع وبكاء أن يستر عليه ذنوبه وانعكاساتها . نعم إن مقام الغفارية والستارية للذات المقدس يستدعي ستر العيوب وغفران تبعات الذنوب، لأن الصور الملكوتية للأعمال بمثابة وليد الإنسان، بل الصق من ذلك. وإن حقيقة التوبة وكلمات الاستغفار بمثابة اللعان ونفي الولد .

إن الحق تبارك وتعالى بسبب غفّاريته وستّاريته يقطع الصلة بين وليد الإنسان الصور الملكوتية للأعمال المحرمة - والإنسان، بواسطة لعان المستغفر . ويحجب عن تلك المعصية كل الكائنات التي اطّلعت على أحوال الإنسان من الملائكة، وكتاب صحائف الجرائم، والزمان والمكان وأعضاء نفس الإنسان وجوارحه، وينسيهم جيمعاً تلك المعصية. كما أشير إليه في الحديث الشريف حيث يقول «يُنسِي مَلَكَيْهِ مَا كَتَبَا عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوب» ومن المحتمل أن يكون المقصود وحيه تعالى للأعضاء والجوارح وبقاع الأرض، بكتمان المعاصي الوارد في الحديث الشريف هو إنساء المعاصي. كما يحتمل أن يكون المقصود من وحيه، الأمر بعدم الإدلاء بالشهادة. ويمكن أن يكون المقصود رفع الآثار التي تركتها المعاصي على الأعضاء والتي بها تتم الشهادة التكوينية .

كما أنه لو لم يتب لأمكن أن يشهد كل عضو بلسان مقاله أو حاله على أفعاله الأثيمة .

وعلى أيّ حال كما أن مقام الغفّارية والستّارية اقتضى الآن ونحن في هذا العالم أن لا تشهد أعضاؤنا وجوارحنا ضدنا وأن يستر الزمان والمكان أفعالنا المشينة، وكذلك يقتضي ستر أعمالنا في العوالم الأخرى عندما نتوب توبة صحيحة ونستغفر استغفاراً خالصاً ونرحل من هذا العالم، أو أن الناس يحجبون عن أعمالنا. ولعل مقتضى كرامة الحق - جل جلاله - هو الثاني حتى لا يكون الإنسان التائب مطأطأ رأسه ومفضوحاً أمام الآخرين والله العالم .

فصل: في تفسير التوبة النصوح

إعلم أن هناك تفسيرات مختلفة في بيان المقصود من التوبة النصوح . ومن المناسب أن نذكرها هنا بصورة مجملة. ونحن نكتفي بنقل كلام المحقق الجليل الشيخ البهائي قدس الله نفسه .

نقل المحدث الخبير المجلسي - رحمه الله -(1)عن الشيخ البهائي أنه قال :


1) بحار الأنوار، المجلد 16 ص 17 ، الطبعة الحديثة. الأربعون للشيخ البهائي، ح38، ص332، مرآة العقول، ج 11 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب التوبة، ح1 ، ص 295 .

«ثم اعلم أن المفسرين اختلفوا في تفسير التوبة النصوح على أقوال :

منها : أن المراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى أن يأتوا بمثلها لظهور آثارها الجميلة في صاحبها أو ينصح صاحبها فيقلع عن الذنوب ثم لا يعود إليها أبداً.

ومنها: النصوح ما كانت خالصة لوجه الله سبحانه من قولهم عسل نصوح إذا كان خالصاً من الشمع، بأن يندم على الذنوب لقبحها، وكونها خلاف رضى الله تعالى لا لخوف النار مثلاً.

وحكم المحقق الطوسي في التجريد(1)«بأن الندم من الذنوب للخوف من النار، ليس بتوبة».

ومنها : أن النصوح من النصاحة وهي الخياطة لأنها تنصح من الدين ما مزقته الذنوب أو يجمع بين التائب وبين أوليائه وأحبائه كما تجمع الخياطة بين قطع الثوب .

ومنها : أن النصوح وصف للتائب وإسناده إلى التوبة من قبيل الإسناد المجازي أي توبة تنصحون بها أنفسكم بأن تأتوا بها على أكمل ما ينبغي أن تكون عليه حتى تكون قالعة لآثار الذنوب من القلوب بالكلية. ويكون ذلك بذوب النفوس بالحسرات ومحو ظلمات القبائح بنور الأعمال الحسنة.

تكميل: في بيان أن جميع الموجودات ذات علم وحياة

إعلم أن للتوبة حقائق ولطائف وأسراراً، ولكل واحد من أهل السلوك إلى الله توبة خاصة تتناسب مع مقامه. وحيث أن لا حظ ولا نصيب لنا في تلك المقامات، فلا يناسب شرحها والإسهاب فيها في هذا الكتاب. والأفضل أن ننهي الحديث بذكر فائدة دقيقة تستكشف من الحديث الشريف - المذكور في أول التوبة - وتتفق مع ظاهر الكتاب الكريم والأحاديث الكثيرة المأثورة في الأبواب المتفرقة .


1) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، المقصد السادس في وجوب التوبة، ص 264 .

وتلك الفائدة هي : أن لكل واحد من الموجودات علم وحياة ومعرفة، بل إن جميع الموجودات تحظى بالمعرفة لمقام الحق المقدس جل وعلا. فإن الوحي إلى الأعضاء والجوارح وبقاع الأرض، بالكتمان، وإطاعتها للأمر الإلهي، وتسبيح الموجودات بأسرها الذي نص عليه القرآن الكريم(1)وأوردته الأحاديث الشريفة كثيراً، كل ذلك دليل على علم وشعور وحياة الموجودات، بل دليل على الارتباط الخاص بين الخالق والمخلوق، لا يطلع عليه أحد إلا ذاته المقدس جل وعلا ومن ارتضى من عباده(2).

وهذه الفائدة الدقيقة إحدى المعارف التي لمّح إليها القرآن الكريم وأحاديث الأئمة المعصومين، وتتطابق مع برهان الفلاسفة الإشراقيين وذوق أهل العرفان ومشاهدات أصحاب السلوك والرياضة الروحانية .

وقد ثبت في أبحاث ما قبل الطبيعة من الفسلفة أن حقيقة الوجود عين الكمالات والأسماء والصفات، وعندما يظهر في كل مرتبة - من مراتب الوجود - الوجود، ويتجلى في مرآة للأعين، يكون ظهوره مع جميع الشؤون والكمالات - لأن الوجود عين هذه الكمالات السبعة - من الحياة والعلم وبقية الأمهات السبعة(3). ولكل من مراحل تجلي حقيقة الوجود ومراتب تنزلات نور الجمال الكامل للمعبود تعالى شأنه، ارتباط خاص مقام الأحدية، ومعرفة كامنة خفية مع مقام الربوبية. كما تقول الآية الكريمة ما مِن دابَّة إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِها(4)وقالوا إن (هو) إشارة إلى مقام غيب الهوية . و آخِذٌ بِنَاصِيَتها هو الربط الأصيل الغيبي السّري الوجودي الذي لا مجال لأحد في معرفته.


1) يسبح الله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم، (سورة الجمعة، الآية: 1). وقوله تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم (سورة الإسراء، الآية : 44). وفي تفسير البرهان لدى تفسير هذه الآية المباركة أورد ثمان روايات تدل على تسبيح الموجودات .

2) إشارة إلى الآية المباركة عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول (سورة الجن، الآية : 27).

3) القدرة، الإرادة، الرحمانية، الرحيمية، القيوم (المترجم).

4) سورة هود، الآية : 56 .

الحديث الثامن عشر: «الذکر»

اشارة

بالسند المتَّصل إلى فخر الطائفة وذخرها محمد بن يعقوب الكُلَيْني - رضوان الله عليه - عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال: «مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي لَمْ تُغَيْر أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام سَأَلَ رَبِّهُ فَقَالَ: يَا رَبِّ أَقَرِيبٌ أَنْتَ مِنِّي فَأَنَاجِيكَ، أَمْ بَعِيدٌ فَأَنَادِيكَ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ: يَا مُوسَى أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي. فَقَالَ مُوسَى: فَمَنْ فِي سِتْرِكَ يَوْمَ لَا سِتْرَ إِلا سِتْرُكَ. فَقَالَ: الَّذِينَ يَذْكُرُونَنِي فَأَذْكُرُهُمْ وَيَتَحَابُونَ فِي فَاحِبُهُمْ فَأُولئِكَ الَّذِينَ إذَا أَرَدْتُ أنْ أصِيبَ أَهْلَ الْأَرْضِ بِسُوءٍ ذَكَرْتُهُمْ فَدَفَعْتُ عَنْهُمْ بِهِمْ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب ما يجب من ذكر الله في كل مجلس ، ح 4 .

الشرح يفهم من هذا الحديث الشريف بأن التوراة الرائجة بين اليهود محرّفة ومزورة. وأن محتوى التوراة الصحيحة يتواجد عند أهل البيت (علیهم السّلام). ويعرف أيضاً من منطويات التوراة والإنجيل المتداولين - لتدني مستواهما على جميع الأصعدة - أنهما ليسا بحديث إنسان عادي ، بل إنه حديث ينسجم مع أوهام بعض أهل الشهوات وذوي الأهواء النفسية .

يقول المحدث المحقق المرحوم المجلسي: «كان الغرض من السؤال عن آداب الدعاء مع علمه بأنه أقرب إلينا من حبل الوريد بالعلم والقدرة والعلية أي أتحب أن أناجيك كما يناجي القريب أو أناديك كما ينادى البعيد؟ وبعبارة أخرى إذا نظرت إليك فأنت أقرب من كل قريب، وإذا نظرت إلى نفسي أجدني في غاية البعد عنك فلا أدري في دعائي أنظر إلى حالي أو إلى حالك؟.

ويحتمل أن يكون السؤال للغير أو من قبلهم كسؤال الرواية»(1). انتهى كلامه .

في الإحاطة القيومية لله تعالى

من المحتمل أن النبي موسى (علیه السّلام) - في الحديث المذكور - يعرض عجزه عن كيفية دعائه الله تعالى فيقول : إلهي أنت منزّه من الاتصاف بالقرب والبعد حتى أدعوك دعاء من يكون دانياً أو قاصياً، فأنا متردد في أمري ولا أجد دعاء يليق بعظمتك وجلالك . فاسمح لي أن أناديك، وعلمني كيفية ندائك واهدني إلى ما يتناسب ومقام قدسك في هذا المجال .


1) مرآة العقول، المجلد 12، ص 122 .

فأتى الجواب من مصدر الجلال والعزّة: بأنني حاضر حضور القيومية في جميع النشآت وأن هذه العوالم بأسرها حاضرة لدّي. أنا جليس من يذكرني ونديم من يتحدث معي .

وبالطبع أن ذاته المقدس لا يتصف بالقرب والبعد وأنّ له إحاطة قيوميّة، وسعة وجوديّة تعّم جميع دائرة الوجود وكافة سلسلة الموجودات .

وما ورد في الآيات الشريفة من الكتاب الإلهي الكريم من توصيف الحق المتعالي بالقرب مثل قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ(1)وقوله - عز من قائل - نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(2)وغيرها من الآيات فمن باب المجاز والاستعارة. لأن ساحته المقدسة تتنزه عن القرب والبعد الحسيين والمعنويين . إذ يستلزم ذاك - القرب والبعد الحسيان والمعنويان - نوعاً من التحديد والتشبيه ، والحق المتعالي منزه عن ذلك، بل إن حضور قاطبة الموجودات أمام وجوده المقدس، حضور تعلقي، وإحاطة ذاته المتعالي لكل دقائق الكائنات وسلسلة الموجودات، إحاطة قيومية وهذا الحضور وهذه الإحاطة يختلفان عن الحضور الحسي والمعنوي وعن الإحاطة الظاهرية والباطنية .

ويستفاد من هذا الحديث وبعض الأحاديث الأخرى رجحان الذكر - ذكر الله - الخفيّ، واستحباب الذكر السرّي والقلبي، كما يقول الله سبحانه أيضاً في الآية المباركة وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً(3).

وجاء في الحديث الشريف أنه لا يعلم أحدٌ ثواب ذكر الله سبحانه، إلا الله تعالى لعظمته وكبره(4). وقد يكون الإجهار في الذكر وإظهاره راجحاً في بعض الحالات والمقامات ولدى طرو بعض العناوين، مثل الذكر لدى أهل الغفلة لكي ينتبهوا .


1) سورة البقرة، الآية : 168 .

2) سورة ق : الآية : 16 .

3) سورة الأعراف، الآية : 205 .

4) عن علي بن إبراهيم عن أبيه . . عن أحدهما (علیه السّلام) قال : «لا يكتب الملك إلا ما سمع وقال الله عزّ وجلّ واذكر ربك فى نفسك تضرعا وخيفة فلا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس الرجل غير الله عزّ وجلّ لعظمته». (أصول الكافي، ج 2، كتاب الدعاء، باب ذكر الله عز وجل في السر ، ح 4 ، ص 502).

ففي الحديث الشريف من الكافي قال أبو عبد الله (علیه السّلام): «الذَّاكِرُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْغَافِلِينَ، كَالْمُقَاتِل فِي الْمُحَارِبِينَ»(1).

ونقل عن عدة الداعي للشيخ ابن فهد(2): قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ فِي السُّوقِ مُخلِصاً عِنْدَ غَفْلَةِ النَّاسِ وَشُغْلِهِمْ بِمَا فِيهِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ حَسَنَةٍ وَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْفِرَةٌ لَمْ تَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ»(3).

وكذلك يستحب الإجهار بالذكر في أذان الإعلام والخطبة وغيرها .

فصل: خصائص ذكر الله تعالى

يستفاد من هذا الحديث الشريف، أن لذكر الله والتحابّ بين الأشخاص في سبيل الله ، خصائص : إحداها - وهي الأهم - أن ذكر العبد الله ، يبعث على ذكر الله لعبده، كما نطقت بهذا المضمون أحاديث أخرى أيضاً(4). ويقابل هذا الذكر النسيان، وقد قال سبحانه وتعالى عن الناسي في القرآن كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تنسى(5)

فكما أن نسيان الآيات والعمى الباطني عن رؤية مظاهر جمال الحق وجلاله يسبب عمّى في العالم الآخر، يكون التذكر للآيات والأسماء والصفات وتذكر الحق سبحانه وجماله باعثاً على حدة في البصيرة، وإزاحة للحجب، بقدر قوة التذكر ونورانيته .


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب ذكر الله عز وجل في الغافلين، ح1 .

2) أحمد بن محمد بن فهد الأسدي الحلي (756 - 841) فقیه، محدث، عابد، عارف، كامل في القرن التاسع الهجري. تلمذ عليه كل من العلماء الكبار مثل المحقق الكركي، ابن أبي جمهور الأحسائي، الشيخ علي ابن طالبي. له: عدة الداعي، آداب الداعي، أسرار الصلاة، التحرير، المقتصر في شرح الإرشاد، شرح ألفية الشهيد، المهذب البارع في شرح المختصر النافع .

3) عدة الداعي، ص 242 .

4) وسائل الشيعة، ج 4 ، كتاب الصلاة، الباب السابع، وردت أحاديث أربعة بهذا المضمون، ص 1185.

5) سورة طه، الآية : 126 .

هذا وإن تذكر آيات الحق سبحانه، وصيرورته - هذا التذكر - ملكة - راسخة - في الإنسان يجعل لبصيرته قوّة، فيرى من خلال الآيات، جمال الحق. وإن تذكّر الأسماء والصفات يبعث على مشاهدة الحقّ في تجليّات أسمائه وصفاته. وإن تذكّر الذات عزّ من دون حجاب الآيات والأسماء والصفات، يوجب رفع الحجب بأسرها ومشاهدة

شأنه الحبيب من دون غشاء وحجاب .

ويعتبر هذا - التفسير - واحداً من التوجيهات والتفسيرات للفتوحات الثلاثة التي هي قرة عين العرفاء والأولياء، وهي:

الفتح القريب. الفتح المبين . الفتح المطلق . الذي هو فتح الفتوح .

وكما أن التذكّرات الثلاثة - المذكورة - تزيل الحجب الثلاثة، كذلك التحابب بين الناس في الله سبب لمحبة الله، وتكون نتيجته رفع الحجب حسب ما يقوله العرفاء الشامخون.

ومن الواضح أن للتحابب بين الناس مراتب و درجات، كما أن للحبّ في الله من جهة الخلوص والخلوّ من الشوائب مراتب كثيرة ودرجات عديدة أيضاً، والحب الخالص التام هو الحب المحض الفارغ من شوب كثرات الأسماء والصفات، وهو الموجب لحصول الحب التام. والمحبوب المطلق في شريعة العشاق، لا يكون محجوباً عن الوصال، ولا يبقي بينه وبين محبوبه حجاباً .

وبهذا البيان نستطيع أن نوفق بين سؤالي النبي موسى (علیه السّلام)، لأنه (علیه السّلام) عندما سمع من حضرته تعالى بأنه - عزّ وجل - جليس من ذكره، وسمع من محبوبه ، أمنيته من الوعد بالوصال والوصول إلى الجمال، أراد أن يستقصي أهل الوصال حتى ينهض بالمسؤولية مع كافة الشؤون المتوجبة عليه، فقال: «فَمَنْ فِي سِتْرِكَ يَوْمَ لَا سِتْرَ إِلَّا سِتْرُكَ لي؟ وَمَنْ يَكُونُ فِي سِتْرِكَ، بَعْدَ أَنْ تَخَلَّصَ مِنَ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِكَ، وَحَطَّمَ قُيُودَ الْحُجُبِ، وَوَصَلَ إِلَى جَمَالِكَ الْجَمِيل؟». فقال هم طائفتان: الذين يذكرونني ابتداءاً، والذين يتحابّون لأجلي حيث يكون تذكراً في مظهر جمالي التام، الذي هو الإنسان. إنهما - الطائفتان - في مأمني وجلسائي وأنا جليسهم .

فتبين أن لهاتين الطائفتين خصلة عظيمة واحدة، ونتاج عظيم آخر ، إذ أنهم يذكرون الله فينقلبوا - بذكرهم له - محبوبين للحق المتعالي ونتيجته أنهم يستقّرون في ستره سبحانه وملجئه يوم لا ستر فيه، ويختلي بهم الحق عز وجل في المحل الأرفع .

ومن خصال هاتين الطائفتين أن الله سبحانه يرفع لكرامتهم، العذاب عن عباده بمعنى أنه ما دامت الطائفتان تعيشان بين العباد، لا يُنزل الله سبحانه العذاب على الناس .

فصل: في الفرق بين مقام التفكر والتذكر

إعلم أن التذكر من نتائج التفكر ، ولهذا يعتبرون مقام التفكر مقدماً على مقام التذكر . يقول العارف عبد الله الأنصاري : «التَّذَكَّرُ فَوْقَ التَّفَكُرِ ، فَإِنَّ التَّفَكُرَ طَلَب وَالتَّذَكَّرُ وُجُوده»(1)إذ أن التفكر طلب للمحبوب والتذكر حصول للمطلوب. فما دام الإنسان يطلب ويبحث يكون محجوباً عن مطلوبه وعندما يصل إلى محبوبه يتحرّر من عناء البحث والتفتيش.

إن قوّة التذكّر وكماله، يرتبطان بقوة التفكر وكماله. والتفكر الذي يفضي إلى التذكر التام للمعبود، لا يساوي الأعمال الأخرى ولا يقاس في الفضيلة بها. ففي الأحاديث الشريفة أن تفكر ساعة أفضل من عبادة سنة واحدة أو ستين عاماً أو سبعين عاما(2). ومن الواضح أن الغاية من العبادات وثمرتها المهمة، حصول المعرفة والتذكر للمعبود الحق. وستحصل على هذه الخاصيّة من التفكّر الصحيح، أحسن من الحصول عليها عن طريق العبادة .

إذ لعلّ تفكر ساعة واحدة، يفتح أبواباً من المعارف على السالك، لا تفتحها عبادة سنة، أو إن في تفكر ساعة واحدة تذكر للإنسان بحبيبه سبحانه، ما لا يحصل من سبعين المشاق والمساعي المجمدة فترة سنين عديدة مثل هذا التذكّر .


1) منازل السائرين، قسم البدايات، باب التذكر ، ص 15 .

2) عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «فكر ساعة خير من عبادة سنة . وتفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة. وتفكر ساعة خير من عمل سبعين سنة». المتقدمة في ص 235 فراجع.

واعلم أيها العزيز أن تذكر الحبيب، والتفكر فيه دائماً، يثمر نتائج كثيرة لكافة الطبقات .

أما الكُمَّل والأولياء والعرفاء فإن تذكر الحبيب في نفسه، غاية آمالهم وفي ظلّه يبلغون جمال حبيبهم ، هنيئاً لهم .

وأما عموم الناس والمتوسطون منهم، فهو أفضل مصلح للأخلاق والسلوك وللظاهر والباطن .

إذا عاش الإنسان مع الحق سبحانه وتعالى في جميع الأحوال وكافة المستجدات، و شاهد نفسه أمام الذات المقدس عزّ شأنه، لأحجم عن الأمور التي تسخط الله، وردع نفسه عن الطغيان. إن المشاكل والمصائب المنبثقة من النفس الأمارة والشيطان الرجيم قد نشأت عن الغفلة عن ذكر الحق وعذابه وعقابه. إن الغفلة عن الحق تضاعف كدورة القلب، وتمكّن النفس والشيطان من التحكّم في الإنسان وتسبّب زيادة المفاسد على مرّ الأيام.

وإنّ التذكر للحق جلّ شأنه يبعث على صفاء النفس وصقلها، ويجعلها مظهراً للمحبوب ويوجب صفاء الروح ونقائها. ويحرّر الإنسان من أغلال الأسر، ويُخرج حب الدنيا الذي هو رأس الخطايا ومصدر السيئات من القلب، ويجعل الهموم هماً واحداً، والقلب نظيفاً وطاهراً لورود صاحبه - الحق جل وعلا -.

فيا أيها العزيز مهما تتحمل من الصعاب في سبيل الذكر والتذكر للحبيب - الحق سبحانه - كان ذلك قليلاً . روّض قلبك على التذكر للمحبوب، لعل الله يجعل صورة القلب، صورة لذكر الحق، وكلمة لا إله إلا الله الطيبة، الصورة النهائية والكمال الأقصى للنفس، فإنه لا زاد أفضل منه للسلوك إلى الله، ولا مصلح أحسن منه لعيوب النفس، ولا رفيق أجدى منه في المعاف الإلهية .

فإذا كنت طالباً للكمالات الصورية والمعنوية، وسالكاً لطريق الآخرة ومهاجراً و مسافراً إلى الله، اجعل قلبك معتاداً على تذكر المحبوب، واعجن قلبك مع ذكر الحق تبارك وتعالى .

فصل: في بيان أن الذكر التام هو الذكر البالغ إلى كل أطراف المملكة - جسم الإنسان -

إن ذكر الحق والتذكر لذاته المقدس من صفات القلب، وإن القلب إذا تذكر ترتبت عليه - القلب - جميع الفوائد المذكورة للذكر، ولكن الأفضل أن يعقب الذكر القلبي، الذكر اللساني. وإن أفضل وأكمل مراتب الذكر كافّة هو الذكر الساري في نشآت مراتب الإنسانية، والجاري على ظاهر الإنسان وباطنه، سره وعلنه .

فيكون الحق سبحانه مشهوداً في سرّ الوجود، وتكون الصورة الباطنية للقلب والروح، صورة تذكر المحبوب. ويطغى على الأعمال القلبية والقالبية - الظاهرية - التذكر الله سبحانه. وتنفتح الأقاليم السبع الظاهرية، والممالك الباطنية، على ذكر الحق، وتتسخّر لتذكر الجميل المطلق. بل لو أن حقيقة الذكر تحوّلت إلى صورة باطنية للقلب، وانفتحت مملكة القلب على يديه - الذكر - لجرى حكمه في كل الممالك والأقاليم القوى الجسمية الظاهرية والباطنية - ولكانت حركة وسكون العين واللسان واليد والرجل، وأفعال كل القوى والجوارح مع ذكر الحق . ولم تقم - القوى الظاهرية والباطنية في جسم الإنسان - بإنجاز ما يخالف الوظائف الشرعية المقررة. فتكون حركاتها وسكناتها مبدوّة ومختومة بذكر الحق، وتنفذ بسم اللهِ مَجْرَاهَا وَمَرْساها(1)في جميع أطراف المملكة - جسم الإنسان بما فيه القوى الظاهرية والباطنية - .

وفي النتيجة يتحول الإنسان إلى حقيقة الأسماء والصفات، بل إلى صورة اسم الله الأعظم، ومظهره. وهذه هي الغاية القصوى لكمال الإنسان ومنتهى رجاء أهل الله . وكلما حصل انخفاض عن هذا المستوى الرفيع، قلّ نفذ الذكر - في الإنسان - انتقص وبنفس كمال الإنسان، وأثر نقصان كل من الظاهر والباطن، في الآخر، لأن نشآت

النسبة من وجود الإنسان مترابطة ومتأثرة بعضها ببعض .


1) سورة هود، الآية : 41 .

ومن هنا يعلم أن ذكر الحق بالنطق واللسان الذي يعّد من أقل مراتب الذكر، يكون مجدياً ونافعاً أيضاً لأنه .

أولاً : قام اللسان بوظيفته بواسطة ذكره وإن كان هذا الذكر قالباً لا روح له . وثانيا : يمكن أن يصير الذكر باللسان سبباً لتفتّح لسان القلب على الذكر أيضاً بعد فترة من المواظبة على ذكر اللسان والاستمرار عليه بشروطه

قال شيخنا الكامل العارف الشاه آبادي - روحي فداه - يجب أن يكون الإنسان الذاكر مثل المعلم الذي يريد أن يعلم الطفل الصغير الذي لم ينطق بعد الكلمات، حيث يكرّر الكلمة، حتى ينفتح لسان الطفل وينطق الكلمة ، ثم نرى المعلم يداعب الطفل ويردد الكلمة بمثل ما سمعها من الطفل فيزول تعب المعلم وكأن مدداً يبلغه من الطفل . كذلك الذاكر يجب أن يعلم قلبه الذكر إذا لم ينفتح لسان قلبه على الذكر. وسبب تكرار الذكر هو انفتاح لسان القلب على الذكر . وآية انفتاح لسان القلب أن لسان الفم يتبع القلب، فيزول نصب تكرار الذكر وعناؤه. لقد كان في البدء اللسان ذاكراً والقلب استمد الذكر منه ، وبعد انفتاح لسان القلب بالذكر، يتبعه لسان الفم، ويستمدّ اللسان منه - القلب - الذكر، أو من الغيب .

ولا بُدَّ من معرفة أن الأعمال الظاهرية الصورية لا تليق بمقام الغيب، ولا تحشر في عالم الملكوت، إلا إذا بلغها من باطن الروحانية ولباب القلب مدد، ووهبها حياة ملكوتية، ولا يكون ذلك إلا بالنفخة الروحية التي هي بمثابة الروح والباطن، لصورة خلوص النية، والنية الخالصة، وبموجبها يحشر الجسم في عالم الملكوت ويعتبر لائقاً للقبول في مقام الغيب القدسي. ولهذا أورد في الروايات الشريفة أن قبول الأعمال على قدر توجه القلب(1). ومع كل ذلك أيضاً يكون الذكر باللسان محبوباً ومستحباً، ويقود الإنسان في نهاية المطاف إلى الحقيقة . ومن هذا المنطلق ورد في الأحاديث الشريفة مدح عظيم للذكر اللساني . وقليلاً ما تجد موضوعاً يشتمل على أحاديث كثيرة(2). مثل موضوع


1) قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «ان الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم» (بحار الأنوار، ج 67 ، كتاب الإيمان والكفر ، الباب 54 ، ح 21 ، ص 248) .

2) أصول الكافي، ج 2، كتاب الدعاء، باب ما يجب من ذكر الله في كل مجلس، باب ذكر الله عزّ وجلّ كثيراً، ص 496 - 506 . وسائل الشيعة، ج 4 ، كتاب الصلاة، أبواب الذكر، ص 1177 و 1240. المحجة البيضاء، ج 2، ص 265 - 277 كتاب الأذكار والدعوات، ص 343 - 387، كتاب ترتيب الأوراد وتفصيل إحياء الليل .

الذكر . وقد أثنت أيضاً الآيات الكريمة كثيراً على ذكر الله باللسان(1). وإن كانت هذه الآيات غالباً ما تتحدث عن الذكر القلبي أو الذكر مع الروح، ولكن تذكر الحق في كل مرتبة محبوب ومطلوب. ونحن نختم الكلام في هذا المقام بعرض الأحاديث الشريفة للتيمن والتبرك .

فصل: في ذكر بعض الأحاديث في فضل ذكر الله

في الكافي بسند صحيح عن الفضيل بن يسار قال : قال أبو عبد الله (علیه السّلام): «ما مِنْ مَجْلِس يَجْتَمِعُ فِيهِ أَبْرَارٌ وَفُجَارٌ فَيَقُومُونَ عَلى غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا كَانَ حَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(2).

من الواضح أن الإنسان عندما تنكشف عليه يوم القيامة، النتائج العظيمة لذكر الله، ویری نفسه بعيداً عنها، ويعلم بأنه قد حرم من نعم كثيرة ، ولا يستطيع تداركها، تستولي عليه الحسرة والندامة. فيجب على الإنسان أن يغتنم الفرصة ولا يخلي مجالسه ومحافله من ذكر الله .

الكافي بسند موثق عن أبي جعفر (علیه السّلام): «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ فَلْيَقُلْ إِذا أَرَادَ أن يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»(3).

ونقل عن الإمام الصادق (علیه السّلام) بأن أمير المؤمنين (علیه السّلام) قال : «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ


1) سورة الرعد، الآية : 28 سورة العنكبوت الآية : 45 سورة الحديد، الآية : 16 ، سورة البقرة، الآية : 220 ، سورة الأحزاب، الآية 41 و ..

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء باب ما يجب من ذكر الله في كل مجلس ، ح 1 .

3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء باب ما يجب من ذكر الله في كل مجلس، ح3. سورة الصافات، الآية: 182 .

يَومَ الْقِيَامَةِ كَيْلَهُ تَامّاً مِنَ الثَّوَابِ فَلْيَتْلُوا هَذِهِ الآيَاتِ الْمُبَارَكَةِ - سبحان ربك إلى آخره - في دُبُرِ كُلِّ صَلاة»(1).

وعن الصادق (علیه السّلام) مرسلاً ، «كَفَّارَاتُ الْمَجالِس أَنْ تَقُولَ عِنْدَ قِيَامِكَ مِنْهَا سُبْحَانَ رَبَّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»(2).

الكافي بإسناده عن ابن فضال رفعه قال : «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِعِيسَى (علیه السّلام): يَا عِيسَى اذْكُرْنِي فِي نَفْسِكَ أذكركَ في نَفْسِي وَاذْكُرْنِي فِي مَلَئِكَ أَذْكُرْكَ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْ مَلَا الْآدَمِيِّينَ. يا عِيسَى أَلِنْ لِي قَلْبَكَ وَأَكْثِرْ ذِكْرِي فِي الْخَلَوَاتِ وَاعْلَمْ أَنَّ سُرُورِي أَنْ تُبَصْبِصَ إِلَيَّ وَكُنْ فِي ذلِكَ حَيّاً وَلا تَكُنْ مَيِّناً»(3).

«التبصبص» هو حركة ذنب الكلب نتيجة الخوف أو الطمع. وهذا كناية عن شدّة الالتماس والمسكنة . و(كُنْ فِي ذلِكَ حَيّاً وَلا تَكُنْ مَيْتاً) بمعنى انتباه القلب وحضوره .

الكافي بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام): قال : «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : مَنْ شُغِلَ بِذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أَعْطِي مَنْ سَأَلَنِي»(4).

عن أحمد بن فهد في عُدَّة الداعي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : «. . . وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْمَالَكُمْ [عِنْدَ مَليكِكُمْ] وَأَزْكَاهَا وَأَرْفَعَهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرَ ما طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ذِكْرُ ) اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ : أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي»(5).

إن الأحاديث المأثورة في فضل ذكر الله وكيفيته وآدابه وشرائطه تفوق استيعاب هذه الصفحات. والحمد الله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً .


1) جامع الأحاديث، كتاب الصلاة ، ح3487 .

2) وسائل الشيعة المجلد 15 ، ص 28901.

3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب ذكر الله في السر ، ح3 .

4) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب الاشتغال بذكر الله ، ح1.

5) عدة الداعي، ص 238 .

الحديث التاسع عشر: «الغيبة»

اشارة

بسندي المتّصل إلى ثقة الإسلام والمسلمين محمّد بن يعقوب الكُلَيْني - رضوان الله تعالى عليه - عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «الغِيبَةُ أَسْرَعُ فِي دِينِ الرَّجُلِ المُسْلِمِ مِنَ الْأَكْلَةِ فِي جَوْفِهِ».

قال: وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «أَلْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ إِنْتِظَارَ الصَّلاَةِ عِبَادَةٌ مَا لَمْ يُحْدِثُ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا يُحْدِثُ؟ قَالَ: الْاِغْتِيَابَ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الغيبة والبهت ، ح 1 .

الشرح:

الغيبة كما في اللغة مصدر «غاب»، واسم مصدر لـ«اغتياب». قال الجوهري : «اغتابه اغتياباً إذا وقع فيه، والاسم الغيبة، وهو أن يتكلّم خَلْفَ إِنْسانِ مستور بما يغمّه لو سمعه، فإن كان صدقاً سمّي غيبة، وإن كان كذباً سمّي بهتاناً - انتهى»(1).

قال المحقق المحدث الملجسي عليه الرحمة : هذا بحسب اللغة(2)انتهى . ولكن يبدو بأن صاحب الصحاح - الجوهري - ذكر المعنى الاصطلاحي لا اللغوي . لأن المعنى اللغوي لـ(غاب واغتاب) وجميع مشتقاته ليس بذلك . وإنما هو معنى أعم من ذلك، وقد يكتب اللغويون المعنى الاصطلاحي أو الشرعي للكلمة في كتبهم. وينقل عن صاحب القاموس أن غاب بمعنى عاب. وعن المصباح المنير : «اغتابه إذا ذكره بما يكرهه من العيوب وهو حق»(3)

وحسب اعتقاد الكاتب أن هذه المعاني المذكورة لا تمتّ إلى المعنى اللغوي بشيء، بل في كل منها قيود تداخلت مع المعنى المصطلح. وعلى أيّ حال لا جدوى في البحث عن المعنى اللغوي، فإن المهم هو الوصول إلى الموضوع الشرعي الذي أصبح متعلقاً للتكليف الشرعي - الحرمة -. وحسب الظاهر يكون لهذا الموضوع - الغيبة - فيود شرعية لا يرقى إليها الفهم العرفي والمعنى اللغوي . ونتطرق للبحث في ذلك بعد قليل .

والأكْلَةُ كفرحة، داءً في العضو يأتكل منه كما في القاموس وغيره وقد يقرأ بمدّ


1) بحار الأنوار، المجلد 75 ، ص 221.

2) بحار الأنوار، ج 75، ص 221. مرآة العقول، ج 10، كتاب الإيمان والكفر ، باب الغيبة والبهتان ، ح1.

3) مصباح المنير، ج 2، ص 458 .

الهمزة على وزن فاعلة أي العلّة التّي تأكل اللحم والأوّل أوفق باللغة كذا قال المجلسي(1).

وعلى أي حال فالمقصود هو أن مرض الأكلة عندما يحلّ في العضو وخاصّة الأعضاء اللطيفة من الجسم مثل الباطن منه، يأكله بسرعة ويقضي عليه، كذلك الغيبة تأكل دين الإنسان أسرع من ذلك، وتفسده وتقضي عليه .

«مَا لَمْ يُحْدِثُ» من باب الإفعال، والضمير المستتر فيه يعود إلى «الجالس» المستفاد من «الجلوس» المذكور في الرواية .

و«الاغْتِيَابَ» منصوب ومفعول لفعل مقدر - يحدث - مفهوم من كلام السائل. وفي بعض النسخ «ما الحدث» في مكان «ما يحدث» وعليه يكون «الاغتياب» مرفوعاً على الخبرية .

فصل: في تعريف الغيبة

إعلم أن الفقهاء - رضوان الله عليهم أجمعين - ذكروا تعاريف كثيرة للغيبة، لا يتناسب عرضها ومناقشة كل واحد منها من ناحية الجامعيّة - الشمول لكل أفراد الغيبة والمانعية - عدم الاستيعاب لما ليس من الغيبة - مع حجم هذا الكتاب، إلا إذا اقتصرنا على ذكر التعاريف إجمالاً.

يقول الشيخ المحقق السعيد الشهيد الثاني في (كشف الريبة) وأما في الاصطلاح فلها تعريفان: أحدهما مشهور: «هُوَ ذِكْرُ الإِنْسَانِ حَالَ غَيْبَتِهِ بِمَا يَكْرَهُ نِسْبَتَهُ إِلَيْهِ مِمَّا يُعَدُّ نقصاناً فِي الْعُرْفِ بِقَصْدِ الإِنْتِقَاصِ وَالدَّم»(2).

وثانيهما: «التنبِيهُ عَلَى مَا يَكْرَهُ نِسْبَتَهُ إِلَيْهِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الأَوَّلِ»(3)وحاصل المعنى الأول: أن الغيبة عبارة عن ذكر إنسان في غيبته بما يكره نسبته إليه، مما يُعَدُّ نقصاً وذمّاً


1) بحار الأنوار، المجلد 75، ص 220 . مرآة العقول، ج 10، كتاب الإيمان والكفر، باب الغيبة والبهت، ح 1 ص 406 .

2) کشف الريبة، في تعريف الغيبة والترهيب منها ، ص 2 .

3) بحار الأنوار، المجلد 75 ، ص 221 .

لدى الناس، وكون هذا الذكر بقصد الانتقاص والطعن. وحاصل المعنى الثاني هو التنبيه إلى ما هو كذلك . ثم إن التعريف الثاني يكون أعّم من الأول فيما إذا كان الذكر - في الأول - بمعنى القول كما هو المتفاهم العرفي، فيكون التنبيه - في الثاني - أعم من القول والكتابة والحكاية وغيرها من سائر طرق التفهيم. وإذا كان الذكر أعم من القول كما هو الموافق للغة، كان مرجع التعريفين واحداً. والمستفاد من الأخبار أيضاً يدل على هذين التعريفين.

مثل ما هو في مجالس الشيخ في حديث أبي بصير في وصية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لأبي ذرّ - رضوان الله عليه - وفيه «قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالَ : ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا هُوَ فِيهِ فَقَدِ اخْتَبْتَهُ وَإِذَا ذَكَرْتَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَنَّهُ»(1).

وورد في الحديث النبوي الشريف : «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ فَقَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ . . . إلخ »(2).

ويرجع هذا المعنى الأول حسب المتفاهم العرفي إلى معنى الذكر، أو إلى المعنى الثاني بناءً على أن الذكر أشمل من القول . ولم يذكر الحديث غياب الأخ، لأنه مفهوم من معنى الغيبة فلا حاجة لذكره. ومن الواضح أيضاً أن المقصود من الأخ هو الأخ في الإيمان لا في النسب . و(مَا يَكْرَهُ) تعبير عن كل ما فيه نقص عرفاً. وإرادة الانتقاص والطعن وإن لم تذكر في الحديثين الشريفين: لأبي ذر، والنبوي المشهور، ولكنها مستفادة من فحوى الكلام . بل إن صدر رواية أبي ذرّ يدلّ على ذلك، فكان مستغنياً عن ذكره . لأن في صدر الرواية «أَلْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا . قُلْتُ: وَلِمَ ذاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لأَنَّ الرَّجُلَ يَزْنِي فَيَتُوبُ إلَى اللهِ فَيَتُوبُ الله عَليه والغيبة لا تُغْفَرُ حَتَّى يَغْفِرَهَا صَاحِبُهَا ثُمَّ قَالَ: .... وَأَكُلُ لَحْمِهِ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ»(3)ويفهم من هاتين الجملتين أن الذكر مع قصد الانتقاص، يكون غيبة وإن كان ذكر الغير بقصد الشفقة عليه لما كانت غيبة حتى يحتاج إلى طلب المغفرة. ولما كانت من أكل لحمه. ويستفاد من رواية عائشة أن الغيبة أعم من الذكر القولي: «قَالَتْ :


1) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة ، ح 9 .

2) المحجة البيضاء، المجلد 5 ، ص 256 .

3) وسائل الشيعة، المجلد 8 ، أبواب أحكام العشرة ، الباب 152 ، ح 9 ، رقمه ح 16312 .

دَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةَ فَلَمّا وَلَتْ أوْمَأْتُ بِيَدِي أَنَّها قَصِيرَةً فَقَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): اختيتيها»(1)بل العرف لا يفهم من أخبار الغيبة، خصوصية للفظ ، وإنما تعرض له من جهة أنه أسلوب من أساليب التفهيم، بمعنى أن الغيبة غالباً ما تكون باللفظ ، لا من جهة أن للفظ من جهة أن للفظ خصوصية مميزة.

يبقى مطلب واحد وهو أن المستفاد من أخبار الغيبة أن كشف ستر المؤمنين حرام

بمعنى أنه يحرم إظهار عيوب المؤمنين المستورة، من دون فرق بين أن تكون هذه العيوب خلقية أو خُلقية أو سلوكية، سواء كان الشخص المتصف بالغيب راضياً بكشف عيبه أو لا. وسواء كان هناك قصد انتقاص أم لا . ولكن يستفاد من مراجعة عدّة روايات في المقام أن لقصد الانتقاص والطعن دور في حرمة الغيبة، إلا إذا كان العمل بنفسه من الأمور التي يحرم شرعاً ذكره وإشاعته. بأن يكون معصية وتعدّياً على حقوقه سبحانه حيث لا يجوز لصاحب المعصية إظهارها للآخرين، وأنها من إشاعة الفاحشة. وهذا لا يكون مرتبطاً بحرمة الغيبة. ولا يبعد أن يكون إظهار المستور من عيوب المؤمنين عند عدم رضاهم بذلك، محرّماً، حتى وإن لم يكن هناك قصد للانتقاص منهم . وعلى أي حال إن التفصيل في هذا الموضوع، أكثر مما ذكرنا ، يكون خارجاً عن المطلوب .

فصل: الغيبة ومساوئها

إعلم أن حرمة الغيبة محل اتفاق إجمالاً، بل تعّد من ضروريّات الفقه ومن المعاصي الكبيرة والموبقات المهلكة. ويكون البحث في ذلك والموارد التي استثني منها، خارجة عن نطاق هذا الكتاب. واللازم في هذا المقام التنبيه على فساد هذه السيئة الموبقة وعلى مضاعفاتها، حتى نبتعد عنها ولا نبتلي بها إنشاء الله أو إذا ابتلينا - لا سمح الله - لتراجعنا وتُبنا، واستأصلنا مادة الفساد، ولا نفسح المجال للرحيل من هذا العالم مع هذا الدنس والابتلاء بهذه المعصية الكبيرة الماحقة للإيمان. لأن لهذه الخطيئة الكبيرة في عالم الغيب، وراء حجاب الملكوت، صورة مشوهة بشعة، تبعث - مضافاً إلى قبح منظرها - على الفضيحة في الملا الأعلى ولدى محضر الأنبياء والمرسلين والملائكة


1) جامع السعادات، المجلد 2 ، ص 294 .

المقربين. والصورة الملكوتية لها، هي التي أشار إليها سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وشرحتها الأحاديث الشريفة صراحة وتلويحاً أيضاً. قال الله تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْناً فَكَرِهْتُمُوهُ(1).

نحن غافلون عن أن أعمالنا بأنفسها في صور مناسبة معها، تعود إلينا، في عالم آخر. وغافلون عن أن لهذا العمل صورة أكل الميتة. إن صاحب هذا العمل - المغتاب - يضاهي الكلاب الجارحة، في افتراسه لأعراض الناس ولحومهم، وسترجع إليه الصورة الملكوتية لهذا العمل - كلب ينهش لحم الميت - في نار جهنم .

وفي رواية أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لمّا رجم الرجل في الزنا قال رجل لصاحبه : «هذا أَقْعِصَ(2)كَمَا يُقْعَصُ الْكَلْبُ فَمَرَّ النَّبِيُّ مَعَهُما بِجِيفَةٍ، فَقَالَ : إِنْهَشَا مِنْهَا، فَقَالا : يَا رَسُولَ اللهِ تَنْهَشَ جِيفَةً؟ فَقَالَ : ما أَصَبْتُمَا مِنْ أَخِيكُما أَنْتَنُ مِنْ هَذِهِ»(3).

نعم إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قد شاهد نتيجة قوة نور بصيرته وحدّة مشاهدته - النبوة الغيبية - عملهم - المغتابين - وعرف بأن جيفة الغيبة أشد من جيفة الميتة وصورة عمل الغيبة أشد قبحاً وفظاعة من صورة الميتة المتفسخة.

وفي رواية أخرى أن المغتاب يأكل من لحمه يوم القيامة. وفي وسائل الشيعة عن كتاب «المجالس» لصدوق الطائفة - رضوان الله عليه - عن نوف البكالي قال أتي أمير المؤمنين (علیه السّلام) (إلى أن قال) قلت زدني قال : «اجْتَنِبَ الْغِيبَةَ فَإِنَّهَا إِذَامُ كِلابِ النَّارِ ثُمَّ قَالَ : يَا نَوْفُ كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ وُلِدَ مِنْ حَلالٍ، وَهُوَ يَأْكُلُ لُحُومَ النّاسِ بِالْغِيبَةِ»(4).

ولا تهافت بين هذه الأحاديث الشريفة. إذ يمكن أن يتحقق كل ذلك. بأكل المغتاب - لحم الميتة ويأكل لحم جسده أيضاً. يكون على صورة الكلب فيأكل الجيفة، ويكون على صورة الميتة تأكله كلاب جهنم أيضاً. هناك - في عالم الآخرة - إن الصورة


1) سورة الحجرات، الآية : 12 .

2) القعص: القتل .

3) المحجة البيضاء، المجلد الخامس، ص 253 .

4) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة ، ح 16 .

تابعة للحيثيات التي توجد في الفاعل فيمكن أن تكون لموجود واحد صوّر مختلفة . كما هو مقرّر في محله - العلوم الفلسفية والعرفانية -.

وعن عقاب الأعمال بإسناده . .. عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث : « . . . وَمَنْ مشى فِي غِيبَةٍ أَخِيهِ وَكَشْفِ عَوْرَتِهِ كَانَتْ أَوَّلُ خَطْوَةٍ خَطَاهَا وَضَعَهَا فِي جَهَنَّمَ وَكَشَفَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ»(1).

هذا وضعه يوم القيامة وفي جهنم حيث يفضحه الله تعالى بين الناس وأمام الملكوتيين .

وفي وسائل الشيعة عن الإمام الصادق (علیه السّلام) عن آبائه (علیهم السّلام) في حديث المناهي أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) . . . ونهى عن الغيبة وقال : «مَنِ افْتَابَ امْرَءاً مُسْلِماً بَطَلَ صَوْمُهُ وَنَقَضَ وُضُوءَهُ وَجَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُوحُ مِنْ فِيهِ رَائِحَةَ أَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ يَتَأَذَى بِهِ أَهْلُ الْمَوْقِفِ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ مَاتَ مُسْتَحِلاً لِمَا حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ»(2).

وهذا حاله قبل وروده على نار جهنم حيث يكون أمره مفضوحاً على رؤوس الأشهاد ويعتبر من الكفار ، لأن المستحل لما حرمه الله يكون كافراً، وتكون نهاية المغتاب - يوم القيامة - حسب هذه الرواية تضاهي نهاية الكافر لأنهما يستحلان ما حرّمه الله .

وروي أيضاً عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في بيان حال المغتاب في البرزخ الرواية التالية :

«عَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): مَرَرْتُ لَيْلَةَ أَسْرِيَ بِي عَلَىٰ قَوْمٍ يَحْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ بِأَضافِيرِهِمْ، فَقُلْتُ: يَا جَبْرَئِيلُ مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ النَّاسَ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ»(3).

فتبين أن المغتاب مفضوح في عالم البرزخ وعلى استحياء أمام أهل المحشر يوم الوقوف بين يدي رب العالمين، وفي حال من الذل والمسكنة عندما يزّج به في نار جهنم،


1) عقاب الأعمال، ص 340 .

2) وسائل الشيعة، المجلد 8 ، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة ، ح 13 .

3) المحجة البيضاء ، المجلد 5 ، ص 251.

بل إن بعض مراتب الغيبة يدفع بصاحبها على الفضيحة في هذا العالم أيضاً .

ففي أصول الكافي عن إسحاق بن عمار قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السّلام) يقول : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «يا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَخْلَصِ الْإِيْمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لا تَدُمُوا الْمُسْلِمِينَ وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّ مَنْ تَتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ تَتَّبَعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَّبَعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَقْضَحُهُ وَلَوْ فِي بَيْتِهِ»(1).

إن الله سبحانه وتعالى غيور، ويكون هتك ستر المؤمنين وكشف عوراتهم، لناموس إلهي وكرامته. ولو أن إنساناً تجاوز في الاستهتار الحدود، وهتك حرمات الله، کشف الله الغيور عيوبه التي سترها عن الآخرين بلطفه وستّاريته، وهتك أسراره وفضح أمره في هذا العالم أمام الناس وفي عالم الآخرة أمام الملائكة والأنبياء والأولياء (علیهم السّلام).

وفي الحديث الشريف في الكافي عن أبي جعفر (علیه السّلام): «قَالَ: لَمّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) قَالَ : يَا رَبِّ مَا حَالُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَكَ : قَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ بارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَأَنَا أَسْرَعُ [شَيْءٍ إِلَى نَصْرَةِ أَوْلِيَائِي»(2).

والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة .

وعن الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنه قال : «وَمَنِ اغْتَابَهُ بِمَا فِيهِ فَهُوَ خارج مِنْ وِلايَةِ اللهِ تَعَالَى دَاخِل فِي ولايَةِ الشَّيْطَانِ»(3).

ومن الواضح أن من يخرج عن ولاية الله تعالى ويدخل في ولاية الشيطان، لا يكون من أهل النجاة والإيمان. كما ورد في حديث إسحاق ابن عمار المتقدم(4)أيضاً من أن إسلام المغتاب بلسانه ولم يخلص الإيمان في قلبه .

ومعلوم أن من يؤمن بالله ويُصدق بيوم الجزاء ويعتقد اعتناقه يوم القيامة لصور أعماله وحقائق سيئاته لا يقترف موبقة كبيرة ، تفضحه في عوالم الغيب والشهادة وفي


1) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من طلب عثرات المؤمنين ، ح 2 .

2) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من اذى المسلمين ، ح8 .

3) بحار الأنوار، المجلد 75 ، باب الغيبة ، ح 12 .

4) تقدم قبل قليل المصدر وهو أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر ، باب من طلب عثرات المؤمنين ، ح 2 .

عالم الدنيا والبرزخ والآخرة، وتقوده إلى شرّ المصائب، التي هي نار جهنم، وتخرجه عن ولاية الحق المتعالي وتدخله تحت ولاية الشيطان .

لو أننا اجترحنا مثل هذه المعصية العظيمة لوجب أن نعرف بأن الأساس غير سليم، وأن حقيقة الإيمان لم يدخل في قلبنا. ولو أن الإيمان تغلغل في القلب، لصلحت الأمور ، لأن آثاره - الإيمان - تتسرب إلى الظاهر والباطن والسر والعلن.

فلا بد من معالجة الباطن وأمراض القلب. ويستفاد من الأحاديث أن ضعف الإيمان وعدم خلوصه كما يسبب فساداً في الأخلاق وانحرافاً في الأعمال، كذلك توجب المفاسد الأخلاقية نقصاً في الإيمان بل زواله. وهذا الكلام يتطابق مع بعض البراهين. كما تقرر في محله .

واعلم أن هذه المعصية من جهة أخرى أشدّ من كافة المعاصي، وأن آثارها أخطر من آثار الذنوب الأخرى، لأن الغيبة مضافاً إلى أنها تمس حقوق الله ، تمس حقوق الناس أيضاً. ولا يغفر الله للمغتاب حتى يرضى صاحب الغيبة. كما ورد هذا المضمون في الحديث الشريف المأثور بطرق مختلفة .

عن محمّد بن الحسن في المجالس والإخبار بإسناده عن أبي ذر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصية له قال: «يا أَبا ذَرِّ إِيَّاكَ وَالْفِيبَةَ، فَإِنَّ الْغِيبَةَ أَشَدُّ مِنَ الزِّنا. قُلْتُ : وليم ذاك يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لأَنَّ الرَّجُلَ يَزْنِي فَيَتُوبُ إلَى اللَّهِ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَالْعِيبَةُ لَا تُغْفَرُ حَتَّى يَغْفِرَها صَاحِبُها»(1)

وفي كتاب علل الشرائع والخصال ومجمع البيان وإخوان الصفا أحاديث بهذا المعنى أو قريب من هذا المعنى(2).

ولو أن الإنسان والعياذ بالله مات وعليه حقوق الناس، كان أمره صعباً جداً. إذ أن


1) وسائل الشيعة، المجلد الثامن الباب 152 من أبواب أحكام العشرة ، ح 9 .

2) علل الشرائع، ج 2، باب 345، العلة التي من أجلها صارت الغيبة أشد من الزنا، ص557 . الخصال، باب الاثنين، ح 90 ، ص 63 . مجمع البيان، ج 9، ص 206 . مصادقة الإخوان، باب الوقيعة في الإخوان، ح1 ، ص 48 .

علاقة الإنسان في حقوق الله تكون مع الكريم الرحيم الذي لا يتطرق إلى ساحته القدسية شيء من البغض والضغينة والعداوة والتشفي و - لكنه - في حقوق العباد قد يرتبط بإنسان فيه تلك الصفات الفاسدة ولا يتجاوز عنه بسرعة أو لا يرضى عنه نهائياً .

فلا بد للإنسان من المحافظة على نفسه كثيراً، والانتباه إلى الملاحظات التي ذكرناها فإن الأمر خطير جداً وصعب للغاية . والأحاديث في خطورة الغيبة أكثر من مجال هذه الصفحات. ونحن نقتصر على ذكر بعضها .

مثل ما رُوي عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه خطب يوماً فذكر الربا وعظم شأنه فقال : «إنَّ الدَّرْهَمَ يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِنَ الرِّبَا أَعْظَمُ مِنْ سِتٌ وَثَلاثِينَ زَنْبَةٌ وَإِنْ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِم»(1).

وروي عنه (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: «مَا النَّارُ فِي الْيس بِأَسْرَعَ مِنَ الْغِيبَةِ فِي حَسَنَاتِ الْعَبْدِ»(2).

وعن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «يُؤْتَى بِأَحَدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ وَيُدْفَعُ إِلَيْهِ كِتَابُهُ فَلَا يَرَى حَسَنَاتِهِ فِيهِ فَيَقُولُ إِلهِي لَيْسَ هَذَا كِتَابِي فَإِنِّي لا أرى فِيهِ حَسَنَاتِي . فَيُقَالُ لَهُ إِنَّ رَبَّكَ لا يَضِلُّ وَلا يَنْسى ذَهَبَ عَمَلَكَ بِاغْتِيابِ النَّاسِ . ثُمَّ يُؤْتَى بِآخَرَ وَيُدْفَعُ إِلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَرَى فِيهِ طَاعَاتٍ كَثِيرَةٌ فَيَقُولُ : إِلهِي مَا هَذَا كِتَابِي فَإِنِّي مَا عَمِلْتُ هَذِهِ الطَّاعَاتِ، فَيُقَالُ لَهُ : إنَّ فُلاناً اكْتَابَكَ فَدُفِعَ حَسَنَاتُهُ إِلَيْكَ»(3).

وعن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) «أدْنَى الْكُفْرِ أَنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ مِنْ أَخِيهِ كَلِمَةٌ ، يَحْفَظْهَا عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنْ يَفْضَحَهُ بِهَا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ»(4).

هذه هي الأخبار المأثورة في خصوص الغيبة. في حين أن عناوين أخرى من


1) المحجة البيضاء، المجلد الخامس، ص 253 وص 264.

2) المصدر السابق.

3) جامع الأخبار، ص 171 . بحار الأنوار، ج 2 باب الغيبة ، ص 259 .

4) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين، رواية تضاهي هذه الرواية. بحار الأنوار، ج 75 ، كتاب الروضة ، الباب 23 ، ح 112 ، ص 276 .

المعاصي المذكورة في الروايات تنطبق أيضاً على الغيبة وتعمّها تلك الآثام مع مضاعفاتها الفاسدة مثل : إهانة المؤمن وإذلاله واحتقاره وتعييره وإحصاء عثراته والطعن فيه. وكل واحد من هذه الأمور سبب مستقل لهلاك الإنسان. والأحاديث في تشنيع كل واحد منها قاصمة للظهر.

ونحن أعرضنا عن نقلها للمحافظة على الاختصار .

فصل: المفاسد الاجتماعية للغيبة

كما أن هذه المعصية الكبيرة وهذه الجريرة العظيمة، من المفسدات للإيمان والأخلاق والظاهر والباطن وممَّا تدفع بصاحبها إلى الفضيحة في الدنيا والآخرة. حيث ذكرنا سلفاً في الفصل السابق نبذة يسيرة منها، كذلك تشتمل هذه الرذيلة على مفاسد اجتماعية ونوعية، ولهذا يكون فسادها وقبحها أعظم من كثير من المعاصي .

إن من الأهداف الكبيرة للشرائع الإلهية والأنبياء العظام - سلام الله عليهم - مضافاً إلى كونه - الهدف الذي نذكره - هدفاً مستقلاً وليس بمجرد أداة وواسطة وإنّما هي الوسيلة التي تبعث على إنجاز الأهداف الأساسية الكبيرة، وشرط ضروري لتحقيق المدينة الفاضلة، ولا يتحقق هذا الهدف الكبير المصلح للمجتمع والفرد إلا في ظل وحدة النفوس واتحاد الهمم والتآلف والتآخي، والصداقة القلبية والصفاء الباطني والظاهري، وتربية أفراد المجتمع على نمط يساهم كلهم في بناء شخص واحد، ويحوّل المجتمع إلى فرد، ويجعل الأفراد بمنزلة الأعضاء والأجزاء لذلك الفرد وتدار كافة الجهود والمساعي حول الهدف الإلهي الكبير، والأمر الهام العقلي العظيم - الوحدة والأخوة - الذي فيه مصلحة الفرد والمجتمع. ولو أن مثل هذه الوحدة والأخوة ظهرت في طائفة أو نوع، لتغلبوا على جميع الطوائف والأمم التي لا تحظى بالأخوة والوحدة كما يتضح ذلك من مراجعة التاريخ وخاصة دراسة الحروب الإسلامية والفتوحات العظيمة، حيث تمتع المسلمون لدى بزوغ القانون الإلهي - الإسلام - بشيء من الوحدة والاتحاد، واقترنت مساعيهم بشيء من الخلوص في النية، فحققوا في فترة قصيرة إنجازات عظيمة، وهزموا

القوى الجبارة آنذاك المتمثلة في إيران والروم وانتصروا رغم قلة عددهم وعدتهم على الجيوش المدجّجة بالسلاح وعلى المجتمعات الكبيرة.

إن نبي الإسلام قد أجرى عقد الأخوة في الأيام الأولى بين المسلمين، فسادت الأخوة حسب الآية الكريمة إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ(1)بين جميع المؤمنين .

وفي الكافي الشريف: عن العرقُوفي قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السّلام) يقول لأصحابه: «إِتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا إِخْوَةٌ بَرَرَةٌ فِي اللَّهِ مُتَوَاصِلِينَ مُتَرَاحِمِينَ. تَزَاوَرُوا وَتَلاقَوا وَتَذْكُرُوا أَمْرَنَا وَأَحْیُوهُ»(2).

وعن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : يَحِقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْإِجْتِهَادُ فِي التَّوَاصُلِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى التَّعَاطَفِ وَالْمُوَاسَاةِ لِأَهْلِ الْحَاجَةِ وَتَعَاطَفِ بَعْضِهِمْ عَلَىٰ بَعْضٍ حَتَّىٰ تَكُونُوا كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ . . .»(3).

وعنه (علیه السّلام) : «تَواصَلُوا وَتَبَارُّوا وَتَرَاحَمُوا وَكُونُوا إِخْوَةٌ بَرَرَةٌ كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَل»(4).

ومن المعلوم أنه كلما يبعث على ازدياد هذه الصفات، يكون محبوباً ومرغوباً فيه وكلما ينقض هذه الأخوة ويفرط عقد التواصل ويدفع نحو التمزّق، يعتبر مبغوضاً عند صاحب الشريعة ومناقضاً لأهدافه الكبيرة. ومن الواضح لدى الجميع بأن هذه المعصية الكبيرة الخطيرة - الغيبة - إذا أشيعت في المجتمع، أصبحت سبباً للضغينة والحسد والعداوة والبغض وترسيخ جذور الفساد في المجتمع، وغرس شجرة النفاق فيه، وضعضعة وحدة المجتمع وتضامنه، ووهن أساس الديانة، وفي النهاية تزداد في المجتمع القبائح والفساد.

فيجب على كل مسلم غيور ملتزم، لصيانة نفسه من الفساد، وأهل دينه من النفاق


1) سورة الحجرات، الآية : 10 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب التراحم والتعاطف، ح1 و 4 و 3 .

3) المصدر السابق.

4) المصدر السابق.

وللمحافظة على المجتمع الإسلامي ووحدته ولتحكيم عقد الأخوة أن يبتعد عن هذه الرذيلة، ويمنع المغتابين من هذه الموبقة القبيحة، ويتوب إلى الله من هذا العمل الكريه، إذا كان مبتلياً به، ويسترضي من اغتابه إذا أمكن، من دون أن يفضي إلى مشكلة، ويستحله فإذا جعله في حل، وإلا استغفر له. وتخلى عن هذه الخطيئة، وأنعش من جديد قلبه جذور الصداقة والاتحاد، حتى يصبح من الأعضاء الصالحين في المجتمع وينقلب إلى جزء هامّ في عجلة الإسلام والله الهادي إلى سبيل الرشاد.

فصل: في علاج هذه الموبقة

إعلم أن معالجة هذه الخطيئة العظيمة وغيرها من الخطايا تكمن في العلم النافع والعمل .

أمّا العلم النافع فهو أن يفكر الإنسان في الآثار الناجعة التي تترتب على معالجة هذه الموبقة، ويقارنها المضاعفات السيئة والآثار الشنيعة التي تترتب على الغيبة، ثم يعرض كلا الأمرين على العقل ويستهديه لما فيه الحسن والخير والصلاح .

إن الإنسان لا يعادي نفسه البتة من اقترافه للمعصية، وإنما يجترح السيئات من جراء الجهل والغفلة عن بواعثها ونتائجها. ومن جراء الفائدة الموهومة المترتبة على تلك المعصية، من إرضاء رغباته النفسية في ذكر مساوىء الناس وكشف عوراتهم دقائق محدودة، ومن تضييع الوقت في ذكر اللطائف اللاذعة والأحاديث الشنيعة المنسجمة مع الطبيعة الحيوانية أو الشيطانية ولهوه في جلسته مع أصدقائه وإشفاء غيظه ممن يحسدهم .

ولكن آثار الغيبة القبيحة قد عرفت قسماً منها في الفصول السابقة وعليك أن تقف على قسم آخر وتتعظ منه، وتأخذه بعين الاعتبار لدى المقارنة حسنات الكفّ عن بين الغيبة - بالمعالجة - وسيئات الانهماك فيها . وتنجم عن هذا التفكر والمقارنة، آثار طيبة .

أما آثارها الشنيعة في هذا العالم فهو سقوط الإنسان من أعين الناس، وسحب ثقتهم به. إن طبائع الناس مجبولة على حب الكمال والجمال والحسن، والنفور من كل نقص وقبح وانحطاط. وملخص الحديث أن الناس يفرقون بين من يتجنّب، هتك أستار الناس

وكشف أعراضهم وأسرارهم، وبين غيره، حتى إن الذي يتولّى الغيبة يرى في نفسه فطرة وعقلاً ، الإنسان الذي يكون على حذر من هذه الأمور - هتك الأستار وكشف الأعراض والأسرار - مفضلاً على نفسه. وإذا تمادى الإنسان وتجاوز الحدود، وهتك أسرار وأعراض الناس، فضحه الله في هذه الدنيا . كما صُرِّح بذلك في حديث إسحاق بن عمار المتقدم (1). ويجب أن يكون على حذر من فضيحة يريدها الله للإنسان حيث لا يمكن داركها .

أعوذ بالله من غضب الحليم. إن من المحتمل أن يفضي هتك حرمات المؤمنين وكشف عوراتهم بالإنسان، إلى سوء العاقبة. لأن هذا العمل الشنيع إذا أصبح ملكة راسخة لدى الإنسان، ترك آثاراً في النفس : منها الضغينة والعداوة تجاه المستغاب التي تزداد شيئاً فشيئاً فعندما يدنو منه الأجل، وتنكشف عنه حجب الملكوت، ويرى المقامات الشامخة للذين اغتابهم وتعظيم الحق سبحانه لهم، قد تحصل عنده الكراهية للحق سبحانه، لأن الإنسان يعادي، المحب لعدوه، ويبغض المحب لمبغوضه، فيخرج من الدنيا وهو كاره للحق والملائكة ويمنى بالخذلان الأبدي والشقاء الدائم .

عزيزي تصادق مع عباد الله الذين تشملهم رحمة الله ونعمه، ويتزينون بالإسلام والإيمان وأحببهم في قلبك . وإياك أن تعادي محبوب الحق المتعالي، لأنه سبحانه يعادي أعداء أحبائه وسوف يبعدك عن ساحة رحمته . إن عباد الله المخلصين مجهولين بين سائر عباده، الممكن أن يعود عداؤك لمؤمن وهتكك حرمته وكشفك عورته، إلى هتك ومن حرمة الله تعالى ومعاداته ! .

إن المؤمنين أولياء الحق، والتحاب معهم، تحابّ مع الحق، والتخاصم معهم تخاصم مع الحق . إياك وإثارة غضب الحق سبحانه ، ومعاداة شفعاء يوم القيامة «ويلٌ لِمَنْ شفَعاؤه خُصَماؤه» فكر قليلاً في النتائج الدنيوية والأخروية لهذه المعصية، وتأمل يسيراً في تلك الصور - صُوَر تجسّد الأعمال - الموحشة المدهشة التي يبتلي بها الإنسان في القبر والبرزخ ويوم القيامة. وراجع الكتب المعتبرة لعلمائنا العظام - رضوان الله عليهم -


1) الحديث المتقدم في ص 353 .

والأحاديث المأثورة عن الأئمة الأطهار - عليهم سلام الله - التي تقصم الظهر، من شدة العقاب المتوعد عليه . ثم قارن بين ربع ساعة من اللغو في الحديث والثرثرة في ظل تحقيق رغبة وهميّة، وبين آلاف السنين من المعاناة، إذا كنت من أهل النجاة وارتحلت عن هذه الدنيا الإيمان. وإلا تكن - من أهل الإيمان والنجاة - فقارن تلك الدقائق اليسيرة مع الخلود في نار جهنم والعذاب الأليم المؤيد - نعوذ بالله منه -.

يضاف إلى ذلك أنك إذا خاصمت الشخص الذي تستغيبه، فمقتضى إيمانك بالأحاديث الشريفة أن تكفّ عن استغابته. لأنه ورد في الخبر أن حسنات المسغيب تنتقل إلى صحيفة عمل المستغاب، وسيئات المستغاب تنتقل إلى سجّل عمل المستغيب . فإنك أردت أن تعاديه، ولكنك في الحقيقة قد عاديت نفسك .

إذن اعلم أنك لا تستطيع أن تحارب الله. إن الله قادر على أن يجعل المغتاب نتيجة غيبتك إياه عزيزاً ومقدراً بين الناس، ويجعلك حقيراً وذليلاً. ويقوم سبحانه أمام الكروبيين - المقربين - بنفس العملية، فيملأ صحيفة عملك من السيئات ويفضحك، ويملأ صحيفة عمله من الحسنات معززاً مكرّماً .

فافهم أنك تحارب - بغيبتك - أي قادر جبار، وكن على حيطة وحذر من معاداته .

وأما من الناحية العملية فلا بد من كفّ النفس عن كفّ النفس عن هذه المعصية لبعض الوقت مهما كان صعباً، ولجم اللسان، والمراقبة الكاملة للنفس، ومعاهدة النفس بعدم اقتراف هذه الخطيئة، ومراقبتها والحفاظ عليها ومحاسبتها. حيث يمكن أن يتم إصلاح النفس بعد مضي فترة قصيرة بمشيئته تعالى. واستئصال مادة هذا الفساد، ويسهل عليك الأمر قليلاً . وبعد فترة تحسّ بأنك تتنفر منها بحسب طبيعتك وتنزجر عنها. ثم تكون راحة النفس ومتعتها في ترك هذه المعصية .

فصل: الأولى ترك الغيبة في الموارد الجائزة

إعلم بأن العلماء والفقهاء - رضوان الله عليهم - استثنوا موارد من حرمة الغيبة تبلغ في كلمات بعضهم العشرة ولسنا بصدد عرضها وتعدادها، حتى لا تكون هذه الصفحات ساحة لبيان الأبحاث الفقهية. والذي يجب أن نذكره هنا هو أن على الإنسان أن لا يعيش

حالة الاطمئنان أبداً من مكائد النفس، بل يجب أن يتحرك في منتهى الحذر والاحتياط، ولا يكون في صدد التبرير - لغيبته - بالأعذار بأن يقول إن هذا المورد هو من الموارد المستثناة فيسمح لنفسه بالبحث عن عيوب الناس وإشاعتها في المجتمع .

إن مكائد النفس بالغة الدقة، فيمكن أن تخدع الإنسان عن طريق الشرع، وتزّجه في مهلكة. فمثلاً إن غيبة المتجاهر بالفسق جائزة، وإذا توقف ردعه بعض الأحيان على استغابته وجبت غيبته من باب النهي عن المنكر، ولكن يجب أن يتأمل الإنسان بأن الدافع النفسي لغيبته هو الداعي الشرعي الإلهي - النهي عن المنكر - أو أن الباعث، أهواء شيطانية، ورغبة نفسانية - العداوة والتشفي و . . . فإن كان الهدف الدافع الإلهي - النهي عن المنكر - كان عمله من العبادات، بل كانت غيبته هذه بنيّة إصلاح المتجاهر بالفسق والإساءة إليه، من أوضح مصاديق الإحسان والإنعام إليه وإن لم يشعر المغتاب بذلك. ولكن إذا كان قصده مشوباً بالفساد والميول النفسانية، فلا بد من تخليص النية - من غير الدافع الإلهي - والصفح عن أعراض الناس وحرماتهم عند عدم وجود هدف صحيح.

بل إن تعويد النفس على الغيبة في الأحوال الجائزة، يضّر بحالها أيضاً. لأن النفس تميل نحو الشرور والقبائح، فمن المحتمل أن ينجر رويداً رويداً من الموارد الجائزة إلى مرحلة أخرى وهي الموارد المحرمة. كما أن الدخول في الشبهات غير محمود، رغم جوازه، لأنها حمى المحرمات ومن الممكن أن الاقتحام في الحمى يفضي إلى الدخول في المحرّمات. يجب على الإنسان مهما أمكن أن يبعد النفس عن الغيبة في الأحوال المسموحة، ويحترز عن الأمور التي يحتمل أن يكون فيها طغيان للنفس .

نعم في الأحوال التي تجب الغيبة فيها، مثل غيبة المتجاهر بالفسق بهدف منعه إذا كان لا يرتدع إلا بها، والموارد الأخرى التي ذكرها العلماء، فلا بد من الإقدام عليها، مع السعي الحثيث لتخليص النية عن هوى النفس ومتابعة الشيطان. ولكن ترك الغيبة في الموارد الجائزة أولى وأحسن ومن الأجدر أن لا نفعل كل عمل جائز، وخاصة الأمور التي يكون فيها لمكائد النفس والشيطان دور بارز .

وفي الحديث : مرَّ عيسى بن مريم (علیه السّلام) ومعه الحواريُّون على جيفة كلب، فقال

الحواريون ما أنتن ريح هذا الكلب فقال عيسى (علیه السّلام): «مَا أَشَدَّ بَيَاضَ أَسْنَانِهِ»(1).

ن المربي والموجه للإنسان لا بد وأن يكون ذا نفس طاهرة نقيّة. إن عيسى لم يسمح أن يذكر مخلوق الله بالسوء . إنهم شاهدوا عيبه وهو قد لوّح بكماله .

سمعت رواية منقولة عن السيد المسيح (علیه السّلام) أنه قال : لا تكونوا مثل البعوض الذي يفتش عن الأوساخ والقاذورات فلا تركزوا على عيوب الناس.

وروي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: «طوبى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ»(2).

من الجدير بالإنسان أن يبحث عن عيوبه قليلاً بمثل ما يتحرَّى عن عيوب الناس . وكم هو قبيح على الإنسان الذي فيه آلاف العيوب، أن يغفل عن عيوبه، وينتبه لعيوب الآخرين وبذلك يضيف عيباً آخر على عيوبه. إذا تأمل الإنسان قليلاً في أحواله وأخلاقه وأعماله وانصرف إلى إصلاحها، لصلحت أعماله. وإذا اعتقد بأنه خال عن العيوب، كانت عقيدته هذه نتيجة جهله المطبق. ولا يوجد عيب أعظم من عيب عدم التفات الإنسان إلى عيبه، ويكون غافلاً عنه ومن أن الإنسان مجموعة عيوب ونقائص، فيترك عيوبه وينعطف على عيوب الآخرين .

فصل: في بيان أن الاستماع إلى الغيبة محرم

إن الاستماع إلى الغيبة محرّم ، كما أن الاستغابة تكون محرّمة بل يظهر في بعض الروايات أن المستمع مثل المغتاب في كل الأمور حتى وجوب التسامح منه، وأنه من الكبائر. عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) «الْمُسْتَمِعُ أَحَدُ الْمُغْتَابَيْنِ»(3)وعن علي (علیه السّلام): «السَّامِعُ أَحَدُ الْمُغْتَابَينِ»(4).


1) المحجة البيضاء، المجلد 5 ، ص 254 . بحار الأنوار ، ج 14 ، كتاب النبوة، باب 21 ح47 ، ص 327.

2) المحجة البيضاء، المجلده ، ص 264.

3) المحجة البضاء، المجلد الخامس، کتاب آفات اللسان ص 260 .

4) غرر الحكم، المجلد الثاني، ص 12 . بحار الأنوار، ج 72 ، كتاب العشرة، باب 64 ، ح1 .

بل يظهر من الروايات الكثيرة وجوب ردّ الغيبة .

عن الصَّدوق بإسناده عن الصادق (علیه السّلام) في حديث مناهي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) «أن رَسُولَ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نَهى عَنِ الْغِيبَةِ وَالإِسْتِمَاع إِلَيْهَا - إلى أنْ قالَ : أَلا وَمَنْ تَطَوَّلَ عَلى أَخِيه فِي غِيبَةٍ سَمِعَهَا فِي مَجْلِسَ فَرَدَّهَا عَنْهُ رَدَّ اللَّهُ عَنْهُ أَلْفَ بَاب مِنَ الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَإِنْ هُوَ [لَمْ يَرُدُّها وَهُو] قَادِرٌ عَلَى رَبِّهَا عَلَيْهِ كَوِزْرِ مَنِ افْتَابَهُ سَبْعِينَ مَرَّةً»(1).

وعن الصَّدوق بإسناده عن جعفر بن محمد (علیه السّلام) عن آبائه في وصية النبي لعلي (علیه السّلام): «يا عَلِيٌّ! مَنِ اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فَاسْتَطَاعَ نَصْرَهُ فَلَمْ يَنْصُرْهُ خَذَلَهُ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ»(2).

وعن عقاب الأعمال بسنده عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ رَدَّ عَن أَخِيهِ غِيبَةٌ سَمِعَهَا فِي مَجْلِس رَدَّ اللهُ عَنْهُ أَلْفَ بَابٍ مِنَ الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَإِنْ لَمْ يَرُدُّ عَنْهُ وَأَعْجَبَهُ كَانَ عَلَيْهِ كَوِزْرٍ مِّنِ افْتَابَ»(3).

يقول علامة علماء المتأخرين المحقق الجليل الجامع لفضيلتي العلم والعمل الشيخ الأنصاري - رضوان الله تعالى عليه -.

«والظاهر أن الردّ غير النهي عن الغيبة، والمراد به الانتصار للغائب بما يناسب تلك الغيبة فإن كان عيباً دنيوياً انتصر له بأن العيب ليس إلا ما عاب الله به من المعاصي التي من أكبرها ذكرك أخاك بما لم يعبأ الله به وإن كان عيباً دينياً وجهه بمحامل تخرجه عن المعصية فإن لم يقبل التوجيه انتصر له بأن المؤمن قد يبتلى بالمعصية فينبغي أن تستغفر له وتهتم له لا أن تعيره، وإن تعييرك إياه لعله أعظم عند الله من معصيته(4)انتهى كلامه رفع مقامه .

ويلاحظ أحياناً أن المستمع أنه فضلاً عن لم يمنع الغيبة، يعمد إلى تحريض الشخص المستغيب، أو يشجّعه عليها من خلال مشاركته معه في الاستغابة، أو تحسينه


1) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 151 ، من أبواب أحكام العشرة ، ح 13 .

2) وسائل الشيعة، المجلد الثامن ، الباب 156 ، من أبواب أحكام العشرة ، ح 1 .

3) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 156 ، من أبواب أحكام العشرة ، ح5 .

4) المكاسب، شرح السيد الكلانتر - المجلد الرابع، ص 69 .

إياه على غيبته وإذا كان المستمع من أهل الصلاح، رغّب المستغيب في الاستغابة نتيجة موقفه ذات الطابع الديني لدى استماع الغيبة، من الاشتغال بذكر الله أو الاستغفار أو الأمور الأخرى التي تعدّ من الوسائل الشيطانية لأنه بموقفه هذا يدفع المستغيب إلى الاستغابة .

ومن الممكن أن يكون الحديث الشريف الذي يضاعف وزر المستمع للغيبة سبعين مرّة بالنسبة إلى وزر المستغيب، إشارة لهؤلاء الأشخاص - يستمعون الغيبة ويشجعون المستغيب من خلال مواقفهم الدينية الظاهرية على المضي فيها - نعوذ بالله منه .

تتميم: كلام الشهيد الثاني - رحمه الله -

للشيخ الجليل والمحقق العظيم الشهيد السعيد الشهيد الثاني - رضوان الله عليه - کلام نختم به هذا المقام، حيث قال :

«ومن أضرّ أنواع الغيبة، غيبة المتّسمين بالفهم والعلم المرائين فإنهم يفهمون المقصود على صفة أهل الصلاح والتقوى ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة ويفهمون المقصود ولا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين الرياء والغيبة، وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول الحمد الله الذي لم يبتلنا بحب الرياسة أو حبّ الدنيا أو بالتكيف بالكيفية الفلانية، أو يقول نعوذ بالله من قلة الحياء أو من سوء التوفيق أو نسأل الله أن يعصمنا من كذا بل مجرد الحمد على شيء إذا علم منه اتصاف المحدّث عنه بما ينافيه ونحو ذلك فإنه يغتابه بلفظ الدعاء وسَمْتِ أهل الصلاح. وإنما قصده أن يذكر عيبه بضرب من الكلام المشتمل على الغيبة والرياء، ودعوى الخلاص من الرذائل، وهو عنوان الوقوع فيها، بل في أفحشها ومن ذلك أنه يقدم مدح من يريد غيبته فيقول ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات، ولكن قد اعتراه فتور وابتلى بما يبلتلي به كلّنا وهو قلّة الصبر فيذكر نفسه بالذّم، ومقصوده أن يذم غيره، وأن يمدح نفسه بالتشبّه بالصالحين في ذمّ أنفسهم فيكون مغتاباً مرائياً، مزكّياً نفسه، فيجمع بين ثلاث فواحش، وهو يظنّ بجهله أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة، هكذا يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعلم

والعمل من غير أن يتقنوا الطريق فيتبعهم ويحبط بمكائده عملهم ويضحك عليهم ويسخر منهم .

ومن ذلك أن يذكر ذاكر عيب إنسان فلا ينتبه له بعض الحاضرين فيقول سبحان الله ما أعجب هذا حتى يُصغي الغافل إلى المغتاب ويعلم ما يقوله، فيذكر الله سبحانه، ويستعمل اسمه آلة في تحقيق خبثه وباطله وهو يمنّ على الله بذكره جهلاً وغروراً ومن ذلك أن يقول جرى من فلان كذا وابتلى بكذا ، بل يقول جرى لصاحبنا أو صديقنا كذا، تاب الله عليه وعلينا، يظهر الدعاء له والتألم والصداقة والصحبة والله مطلع على خبث سريرته وفساد ضميره، وهو بجهله لا يدري أنّه قد تعرّض لمقت أعظم مما يتعرض له الجهّال إذا جاهروا بالغيبة .

ومن أقسامها الخفّية الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب فإنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة، فيزيد فيها، فكأنّه يستخرج منه الغيبة بهذا الطريق فيقول عجبت مما ذكرته ما كنت أعلم بذلك إلى الآن ما كنت أعرف من فلان ذلك، يريد بذلك تصديق المغتاب، واستدعاء الزيادة منه باللطف والتصديق لها غيبة، بل الإصغاء إليها، بل السكوت عند سماعها، انتهى كلامه رفع مقامه(1).

وأحياناً تضاف عناوين أخرى على عنوان الغيبة أيضاً فيبعث على ازدياد الفساد والقبح والعقاب. مثل أن يثني المستغيب على المستغاب أمامه ويعرب له عن حبه له . ويكون هذا من مراتب النفاق ويعدّ من ذوي اللسانين والوجهين. والروايات تذم مثل هذا الإنسان .

ففي الكافي الشريف بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «مَنْ لَقِيَ الْمُسْلِمِينَ بِوَجْهَيْنِ وَلِسَانَينِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ لِسَانَانِ مِنْ نَارِ»(2).

هذه هي صورة هذا العمل القبيح ونتيجة هذا النفاق في عالم الآخرة . أعوذ بالله من شّر لساني ونفسي الأمارة. والحمد لله أولاً وآخراً.


1) كشف الريبة، عن أحكام الغيبة، في أقسام الغيبة، ص197 ، 198 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب ذي اللسانين، ح1 .

الحديث العشرون: «النية»

اشارة

بالسند المتَّصل إلى الشيخ الثقة الجليل محمّد بن يعقوب الكليني - قُدس سره - عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن المنْقَرِي، عن سُفْيان بن عُيَيْنَة، عن أبي عبد الله لا في قول الله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(1). قال: «لَيْسَ يَعْنِي أَكْثَرَكُمْ عَمَلاً وَلَكِنْ أَصْوَبَكُمْ عَمَلاً، وَإِنَّمَا الْإِصَابَةُ خَشْيَةُ اللهِ وَالنّيّةُ الصَّادِقَةُ وَالْخَشْيَة. ثم قَالَ: الْإِبْقَاءُ عَلَى الْعَمَلِ حَتَّى يَخْلُصَ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَلِ وَالْعَمَلُ الْخَالِصُ الَّذِي لا تُرِيدُ أَنْ يَحْمَدَكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلا اللَّهُ تَعَالَى أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ. أَلا وَإِنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْعَمَلُ ثُمَّ تَلاَ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ(2)يَعْنِي عَلَى بَيْتِهِ»(3).


1) سورة الملك، الآية : 3 .

2) سورة الإسراء، الآية : 87 .

3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الإخلاص ، ح4 .

الشرح:

البلاء بمعنى الاختبار والتمحيص . كما في الصحاح : «بَلَوْتُهُ بَلْوى : جَرَّبْتُهُ واختبرته، وبلاه الله بلاء وأبلاه إبلاء حَسَناً وابتلاه أي اختبره».

و«أَيُّكُمْ» مفعول ثان لـ«لِيَبْلُوَكُمْ» بعد تضمين يبلو معنى العلم على ما ذكره المجلسي. وهو ليس بصحيح. لأن أي الاستفهامية تعلق الفعل عن العمل - فلا تعمل يبلو ولا تتعدى إلى مفعولين -. والصواب أن «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» جملة مبتدأ وخبر، وفي المعنى مفعول لفعل «يبلوكم» - المعلق عن العمل -. لو جعلنا «أي» موصولة لكان لكلام المرحوم المجلسي وجهاً، ولكنها في الاستفهامية أظهر.

و«الصواب» نقيض الخطأ كما يقول الجوهري. والخَشْيَة» الثانية غير موجودة في بعض النسخ كما يقول المجلسي(1). ولو كانت موجودة لأمكن فيها احتمالات، أظهرها أن الـ«و» بمعنى «مع». ونقل عن (أسرار الصلاة) للشهيد الثاني رحمه الله «النية الصادقة الحسنة»(2)

لا تحتوي إلا على النية الصادقة .

بدلاً عن «النية الصادقة والخشية» و«الإبقاء على العمل» مراعاته والمحافظة عليه كما قال الجوهري : «أبقيت على فلان إذا أرعيت عليه وحميته». و«الشاكلة» بمعنى الطريقة والشكل .والناحية. كما في القاموس والصحاح فعن القاموس «الشاكلة : الشكل والناحية والنية والطريقة».

ونحن سنوضح ما يحتاج إلى الشرح من الحديث الشريف ضمن فصول عديدة إن شاء الله .


1) مرآة العقول، ج 7، كتاب الإيمان والكفر ، باب الإخلاص ، ح 4 ، ص 78 .

2) ينقل العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار، ج 67 ، من نسخة كتاب أسرار الصلاة للشهيد ولكن نسخة الأصل

إن «ليَبْلُوَكُمْ» - في الحديث الشريف - إشارة إلى قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عمَلاً(1)

قال المحقق المجلسي - قدّس الله سرّه - تدلّ هذه الآية الشريفة على أن الموت أمر وجودي . والمراد منه إما الموت الطارىء على الحياة، أو العدم الأصلي. انتهى(2).

إن دلالة الآية الشريفة - على أن الموت أمر وجودي - تتوقف على تعلق الخلق، والتكوين بالموت، بالذات، وأما إذا كان التعلق بالعرض فلا تصح تلك الدلالة، كما يصرح بذلك المحققون. وعلى فرض دلالتها، فلا وجه لجعل الموت - في الآية الشريفة - عدماً أصلياً لأن اعتبار العدمي الأصلي، وجودياً من الجمع بين النقيضين . مع أنه في نفسه لا يصح تفسير الموت بالعدم الأصلي .

وملخص القول : إنّ مقتضى التحقيق هو أن الموت عبارة عن الانتقال النشأة عن الظاهرية الملكية - الدنيا - إلى النشأة الباطنية الملكوتية. أو أن الموت عبارة عن الحياة الثانية الملكوتية بعد الحياة الأولى المُلكية الدنيوية. وعلى كل تقدير يكون الموت أمراً وجودياً بل هو أتم من الوجود الملكي، لأن الحياة الملكية الدنيوية مشوبة بالمواد الطبيعية الميتة التي تكون حياتها عرضية وزائلة. في حين أن الحياة الذاتية الملكوتية التي تحصل هناك تبعث على استقلالية للنفوس، وتكون تلك الدار ، دار حياة ومن لوازم الحياة. وإن الأبدان المثالية الرزخية قائمة بالنفوس قياماً صدورياً - مثل قيام المعلول بالعلة - كما هو مقرر في محله المناسب .

وبالجملة إن الحياة الملكوتية - التي يُعبّر عنها بالموت حتى لا يكون ثقيلاً على السمع - متعلق للجعل والتكوين وتحت قدرة الذات المقدس .


1) سورة الملك، الآيتان: 1 و 2 .

2) مرآة العقول، ج 7، كتاب الإيمان والكفر ، باب الإخلاص ، ح4 ، ص 77 .

فصل: في الإشارة إلى توجيه نسبة الإبتلاء إلى الحق تعالى

قد تقدّم(1)منا معنى الاختبار والامتحان وكيفية نسبته إلى الحق المتعال جلّ جلاله عند شرح بعض الأحاديث، على نحو لا يستلزم الجهل على الذات المقدس، ومن دون حاجة إلى تكلف وتأويل. ولا بد من الإشارة إليه بصورة مجملة، هي :

إن نفس الإنسان في بدء فطرتها وخلقتها تتمتع بالاستعداد المحض والقابلية الصرفة، وهي خالية عن كل فعلية من ناحية السعادة والشقاء، وبعد حصول الحركات الطبيعية الجوهرية، والأفعال الاختيارية تتحول الاستعدادات إلى الفعلية وتنجم التشخصات والتميزات .

فانفراد السعيد عن الشقي والغث عن السمين، يحصل في هذه الحياة الملكية. والهدف من تكوّن الحياة المُلكية هو تمحيص النفوس والتفرقة بين السعيد منها والشقي . وعليه تتضح الغاية المنشودة من وراء اختبار الناس.

وأما خلق الموت فهو أيضاً دخيل في هذا الفرز والتفريق بين السعيد والشقي، بل هو الجزء الأخير من العلة، لأن المقياس في الفعليّات هي الصور - الملكوتية - الأخيرة التي ينتقل بها الإنسان من هذا العالم .

وخلاصة الكلام: أن المقياس في التفرقة هو الصور الأخروية الملكوتية، وهي لا تحصل إلا بواسطة الحركات الجوهرية والأفعال الاختيارية الدنيوية المُلكية. فاتضحت الغاية المنشودة من الامتحان والاختبار المترتب على خلق الموت والحياة من دون بقاء جهل في ذلك .

نعم تفصيل ذلك لأجل دحض كل الملاحظات، يرتبط ببيان العلم الذاتي لله قبل الإيجاد، وعلمه الفعلي لدى الإيجاد، وهو أكبر من نطاق هذا الكتاب. وقوله سبحانه أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً الذي ربط نتيجة الامتحان بأحسن الأعمال، يعود أيضاً إلى هذا المعنى المذكور. وعليه يفسّر الحديث الشريف، لأنه فسر الأحسن بالأصوب ، والأصوب بخشية الله والنية الصادقة، وهي الصور الباطنية للنفس، والباعثة على


1) تقدم في ص 283 .

التشخصات الحقيقية للأرواح ، أو أنها من مظاهر التشخصات الغيبية الجوهرية للنفس . بل بناءاً على تأثر القلب والباطن من الأعمال الظاهرية كما ذكرناه سابقاً(1)، يحصل الأعمال أيضاً ، فامتحان الأعمال ، اختبار للذاتيات أيضاً .

التشخص عبر وإذا فسّرنا الآية المباركة حسب ظاهرها، وقطعنا النظر عن تفسير الإمام (علیه السّلام)، كان الاختبار أيضاً بهذا المعنى المذكور، لأن نفس الحضور في هذه النشأة الدنيوية وخلق الموت والحياة، باعثان على فرز الأعمال الحسنة عن الأعمال السيئة. أما سببية خلق الحياة في ذلك فمعلوم، لأنها سبب النهوض والحركة والعمل. وأما خلق الموت، فمع العلم بعدم استقرار الحياة الدنيوية، وتيقن حصول الارتحال من هذه النشأة الفانية، تختلف الأعمال من إنسان لآخر، ويتم الفرز بين صالحها وطالحها .

فصل: في بيان أن الخشية والنية الصادقة تبعثان على صواب الأعمال

إعلم أن هذا الحديث الشريف أناط صواب وحسن العمل بأمرين شريفين، وجعل المقياس في كمال وتمامية الأعمال، هذين الأصلين: أحدهما الخوف والخشية من الحق المتعالي. وثانيهما النية الصادقة والإرادة الخالصة. وعلينا أن نشرح الصلة القائمة بين هذين الأمرين مع كمال العمل وصوابه .

فنقول : - الأمر الأول - إن الخوف والفزع من الحق المتعالي يوجب خشية النفس وتقواها، وهي بدورها تبعث على قبول آثار الأعمال أكثر .

وتفصيل هذا الإجمال هو أننا ذكرنا سابقاً لدى شرح بعض الأحاديث المتقدمة(2)أن لكل الأعمال الحسنة أو السيئة تأثيراً في النفس. فإذا كانت تلك الأعمال من سنخ العبادات والمناسك كان التأثير هو خضوع القوى الطبيعية للقوى العقلية، وقاهرية ملكوتية النفس على المُلك، وانقياد الناحية الطبيعية للإنسان لناحيته الروحانية حتى يبلغ الأمر إلى الجذبة الروحية والوصول إلى المقصود الأصلي. وكل عمل يبعث على مثل هذا


1) تقدّم في ص 41 وص158 فراجع.

2) تقدّم في ص 153 فراجع.

التأثير أكثر ، وينجز هذه الخدمة ،أحسن يكون أصوب، ويترتب عليه المقصود الأصلي بشكل أفضل. وكل شيء له دور في هذا التأثير، فهو متكفل لصواب العمل. وغالباً ما يكون هذا هو المقياس لأفضلية الأعمال. ويمكن أن يكون الحديث المعروف «أفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَرُها»(1)مندرجاً تحت هذا المقياس أيضاً.

وبعد تبين هذه المقدمة، لا بد أن نعرف بأن التقوى تزكّي النفس وتطهّرها من الدنس والقذارات. وطبعاً إذا كانت صفحة النفس ناصعة، وطاهرة من حجب المعاصي وكدرها، كانت الأعمال الحسنة مؤثرة أكثر، وإصابتها للهدف المبتغى أدق، وتحقق السرّ الكبير للعبادات الذي هو ترويض الجانب المادي للإنسان، وقهر ملكوته على ملكه ونفوذ الإرادة الفاعلة للنفس، يكون بصورة أفضل .

فالخشية من الحق سبحانه، التي لها التأثير التام في تقوى النفوس هي من العوامل الكبيرة لإصلاح النفس، وذات دور في إصابة الأعمال وحسنها وكمالها. لأن التقوى مضافاً إلى أنها من العوامل الكبيرة في إصلاح النفس، تكون ذات قدرة فعالة في تأثير الأعمال القلبية والقالبية - الظاهرية - للإنسان، وتكون سبباً لقبولها أيضاً. كما يقول الله تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(2).

والعامل الثاني المهم في إصابة الأعمال - لأهدافها - وكمالها، والذي يكون بمثابة القوة الفاعلة (كما أن الخشية، والتقوى الحاصلة منها بمثابة شرط التأثير، وفي الواقع إنهما يبعثان على تطهير القابل، ورفع للمانع) هي النية الصادقة والإرادة الخالصة حيث يكون كمال العبادات ونقصها وصحتها وفسادها بصورة كلّية تابعاً لها. وكلما كانت العبادات أصفى من الشرك وشوب النية، كلما كانت أكمل. وليس في العبادات شيء ذو أهمية مثل النية وخلوصها، لأن نسبة النيات إلى الأعمال كنسبة الأرواح إلى الأبدان والنفوس إلى الأجساد فكذلك أجسام - صور - العبادات ، توجد من خلال مقام الملك للنفس وجسدها، وتحصل النية وروح العبادة من باطن النفس - أعماقها - ومقام القلب. ولا تقبل عبادة البتة عند الحق المتعالي من دون نية خالصة . إلا أنها إذا لم تكن خالصة من


1) نهاية ابن الأثير ، المجلد 1 ، ص 440 بحار الأنوار، ج 67 ، كتاب الإيمان والكفر باب 53 ، ص191 .

2) سورة المائدة، الآية : 27 .

الرياء والشرك الظاهري المُلكي - وهو الرياء المذكور لدى الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم - كانت باطلة وغير مجزية ظاهراً - في منطق الفقه .. وإن لم تكن خالصة من الشرك الباطني، فهي وإن أنت صحيحة ومجزية حسب ظاهر الشرع والحكم الفقهي ولكنها ليست بصحيحة حسب باطن الشرع والواقع وفلسفة العبادة، وغير مقبولة لدى الذات المقدس. فلا ملازمة بين صحة العبادة وبين قبولها، كما أشير إلى ذلك كثيراً في الأخبار المأثورة عن أهل البيت (علیهم السّلام)(1). والتعريف الجامع للشرك في العبادة، الشامل لكل مراتبه هو : إدخال رضى غير الحق في العبادة. سواء كان - رضا غير الحق - رضى نفسه أو غيره. إلا أنه إذا كان إدخالاً لرضا غير نفسه من الناس في العبادة، لكان شركاً ظاهرياً ورياءاً فقهياً. وإن كان رضا نفسه كان شركاً خفياً وباطنياً، والعبادة باطلة، ولا يعباً بها لدى أهل المعرفة، ولا تكون مقبولة لدى الحق سبحانه .

مثلاً من يؤدي لسعة رزقه صلاة الليل، أو يتصدّق لدفع البلية، أو يقدم الزكاة لتنمية أمواله ويأتي بهذه العبادات من أجل الحق تعالى، مع أنه يسأل ربه أن يهب له تلك الأمور ببركة تلك العبادات، هذه العبادات وإن كانت صحيحة ومجزية، وتترتب عليها تلك الآثار أيضاً إذا اشتملت هذه العبادات على أجزائها وشرائطها. ولكنها لا تكون عبادة للحق المتعالي وغير محتوية للنية الصادقة والإرادة الخالصة. بل إنها عبادة لتعمير الدنيا ولنيل الرغبات النفسية الدنيوية، فلا يكون عمله مصيباً. كما أن العبادات إذا كانت نتيجة الخوف من نار جهنم، والشوق إلى الجنة ، لما كانت خالصة للحق سبحانه، ولما ضمنت النية الصادقة، بل نستطيع أن نقول إن مثل هذه العبادات خالصة للشيطان والنفس، لأن الإنسان الذي يقوم بمثل هذه العبادات - لأهداف دنيوية أو الفزع من جهنم - لم يُدخل رضى الحق سبحانه في عبادته البتة، حتى يتحقق الشرك ويكون مشركاً في عبادته، وإنما عبد الصنم الكبير فقط(2)

إنّ صنم النفس هي أم الأصنام *** لأن الأول يمثل الأفعى والثاني يمثل الحيّات

.

1) وسائل الشيعة، ج 1، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 12 ، ح 3 و 11 . مستدرك الوسائل، ج 1 ، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 12 ، ح 8 .

2) يقول الشاعر العرفاني المولى المثنوي :

إن الله سبحانه يقبل أمثال هذه العبادات نتيجة عجزنا ونتيجة رحمته الواسعة في مرحلة بمعنى أن هناك آثار تترتب على هذه العبادات، ومكافآت تمنح عليها، فلو أن الإنسان عمل بتلك الشرائط الظاهرية مع توجه القلب وحضوره ومع شرائط قبول الأعمال، ترتبت الآثار كافة عليها وأنجزت تلك المكافآت الموعودة .

هذا هو حال عبادة العبد والأجراء. وأما عبادة الأحرار الذين يعبدون الله لحبهم الحق المتعالي ولبحثهم عن الذات المقدسة، فإنهم لا يعبدونه من أجل الخوف من نار جهنم أو الشوق إلى الجنة، فهذه العبادة أول مقام الأولياء والأحرار. ولهم مقامات ومعارج أخرى لا يمكن ذكرها. فما دامت النفس تلتفت إلى العبادة والعابد والمعبود، لم يتحقق الخلوص. إنه يجب أن يخلو القلب من الغير ولا ينفذ فيه أحد غير الحق حتى يكون خالصاً. كما ورد في الحديث الشريف المنقول عن الكافي بسنده إلى سفيان بن عيينة (راوي الحديث العشرين) قال :

«سَأَلْتُهُ مَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَليم(1). قَالَ : أَلْقَلْبُ السليمُ الَّذِي يَلْقى رَبَّهُ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ سِوَاهُ قَالَ: وَكُلُّ قَلْبِ فِيهِ شِرْكٌ أَوْ شَكٍّ فَهُوَ سَاقِط وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيا لِتَفْرَعَ قُلُوبُهُمْ لِلآخِرَةِ»(2).

ومن المعلوم أن القلوب التي استقبلت غير الحق وتعرّضت لهزات الشك والشرك سواء كان الشرك جلياً أم خفياً فهي ساقطة في محضر القدس الربوبي. وإن من الشرك الخفي الاعتماد على الأسباب والركون إلى غير الحق .

وقد ورد عن أبي عبد الله (علیه السّلام) «أنَّ الشِّرْكَ أخْفى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ وَقَالَ: مِنْهُ تَحْوِيلُ الْخَاتَم لَيَذْكُرَ الْحَاجَةَ وَشِبْهُ هذا»(3)

الجواز إلا في عدد الركعات. لكن سوق الرواية يشهد على الكراهية (منه على الله عنه) .

. ودخول غير الحق المتعالي إلى القلب يعد من الشرك الخفي. وإخلاص النية هو إخراج غير الحق سبحانه من مقام الذات المقدس - القلب -.

1) سورة الشعراء، الآيتان: 89 - 90 .

2) اصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الإخلاص ، ح5.

3) وسائل الشيعة، المجلد 3 ، أبواب أحكام الملابس، باب 61 ، ص 409 وقد أفتى صاحب الوسائل بعدم

وكما أن للشرك مراتب، يكون للشك مراتب أيضاً، وإن منها الشك الجلي، ومنها الشك الخفي. وتحصل هذه المراتب نتيجة ضعف في اليقين ونقصان في الإيمان. إن مطلق الاعتماد على غير الحق سبحانه والالتفات إلى المخلوق يكون من جراء ضعف اليقين والإيمان، كما أن التزلزل في الأمور نتيجة لذلك أيضاً. والمرتبة الأخفى للشك هي حالة من التلون في القلب وعدم التمكين في التوحيد. فالتوحيد الحقيقي، هو إسقاط الإضافات والتعيّنات والكثرات، حتى كثرات الأسماء والصفات، والتمكين فيه يكون بالخلاص من الشك. وإن القلب السليم، هو القلب الفارغ من مطلق الشرك والشك. وفي هذا الحديث الشريف القائل : «وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالزُّهْدِ...» إشارة إلى أن الغاية من الزهد في الدنيا هو انصراف القلب شيئاً فشيئاً عن الدنيا وتنفره عنها، وتوجهه إلى المقصود الأصلي والمطلوب الواقعي - الحق المتعالي -.

ويبدو من صدر الحديث - المروي عن سفيان بن عيينة - أن المقصود من الآخرة النهاية القصوى لدائرة الوجود، ونهاية الرجوع. وهي الآخرة بالقول المطلق. وعليه تكون الدنيا دائرة الظهور بأسرها والزهد فيها يستلزم خلوص القلب من غير الحق تعالى . فكل من في قلبه غير الحق عزَّ وجلّ، ينتبه إلى غيره سبحانه - من دون فرق بين أن يكون هذا الغير من الأمور المُلكية المادية أو الأمور المعنوية ومن دون فرق بين أن تكون الصورة أخروية أو من الكمالات أو المدارج الشامخة، وملخص القول: التوجّه إلى غير الحق المتعالي - يعدّ من عمل أهل الدنيا ولا يكون زاهداً فيها ويكون محروماً من الآخرة الحقيقية ومن جنّة اللقاء التي هي أعلى مراتب الجنة، وإن كانت لهم مراتب أخرى من الكمالات المعنوية والجنان الرفيعة. كما أن أهل الدنيا ذو مقامات مختلفة بالنسبة إلى الأحوال الدنيوية، ولكن تلك المقامات بعيدة كثيراً عن أهل الله .

فصل: في تعريف الإخلاص

إعلم أنهم ذكروا تعاريف مختلفة للإخلاص ونحن نذكر بعضها وهو المتداول لدى أهل السلوك والعرفان، بصورة مختصرة .

قال العارف الحكيم السالك خواجه عبد الله الأنصاري قدس سره: «الإخلاص تصفية العمل من كلّ شوب»(1)وهذا أعم من أن يشوب العمل برضى نفسه، أو رضى غيره من المخلوقات الأخرى .

ونقل عن الشيخ البهائي أن أرباب القلب - العرفاء - ذكروا تعاريف عديدة للإخلاص :

«قيل : هو تنزيه العمل من أن يكون لغير الله فيه نصيب» وهذا أيضاً قريب إلى التعريف المذكور .

«وقيل : هو أن لا يريد عامله عليه عوضاً في الدارين»(2). ونقل عن صاحب غرائب البيان: أن المخلصين هم الذين يعبدون الله، ولا يرون أنفسهم ولا العالم ولا أهله، في العبودية، ولا يتجاوزون حدود العبودية في مشاهدة الربوبية .

وعندما تتساقط من العبد حظوظه بدءاً من التراب وانتهاءاً بالعرش فقد سلك الدين، وهو طريق العبودية الخالصة من رؤية الحوادث - غير الله - نتيجة شهود الروح لجمال الرب المتعالي. وهذا هو الدين الذي اصطفاه الحق المتعالي لنفسه، وأخلصه من غير الحق قائلاً أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ(3)والدين الخالص هو نور القدم، بعد اضمحلال الحدوث في فياض نور عظمته ووحدانيته. فكأنّ الله قد دعا عباده على سبيل التنبيه والإشارة نحو تخليص سرّه في الغير لدى توجههم إليه .

ونقل عن الشيخ المحقق محيي الدين العربي(4)

يعد كتاب فصوص الحكم من المراجع الأساسية والكتب الدراسية في العرفان. وقد تولى كبار العرفاء الشرح والتعليق عليه. وكان للإمام الخميني قدس سره عليه تعليقات قيمة .

أنه قال :

1) منازل السائرين، قسم المعاملات، باب الإخلاص.

2) الأربعون للشيخ البهائي، ح37 .

3) سورة الزمر، الآية : 3 .

4) محيي الدين العربي هو محمد بن علي بن محمد العربي (560 - 634 هـ. ق ) أكبر عارف في القرن السابع الهجري ومن العرفاء الكبار في الإسلام اشتهر بـ (ابن العربي) وبـ(محيي الدين) وبـ (الشيخ الأكبر) وغدت مؤلفّاته إلى يومنا هذا مصادر للمراجعة والبحث والتدريس والشرح لكل العرفاء والمحبين للعرفان . إن استيعاب كتب ابن العربي وخاصة (الفصوص) صعب جداً ولا يلم بها منذ تأليفه إلى يومنا هذا إلا القليل. له : ما يقارب مائتي كتاب أهمها : (الفتوحات المكية، فصوص الحكم، التجليات الإلهية، إنشاء الدوائر ، تفسير القران).

«ألا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ عَنْ شَوْبِ الْغَيْرِيَّةِ وَالأَنانِيَّةِ، لِأَنَّكَ لِفَنَاتِكَ فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا ذَاتَ لَكَ وَلا صِفَةَ وَلا فِعْلَ وَلا دِينَ وَإِلا لَمَا خَلَصَ الدِّينُ بِالْحَقِيقَةِ فَلَا يَكُونُ لِلَّهِ». فما دامت العبودية والغيرية والأنانية باقية والعابد والمعبود والعبادة والإخلاص والدين حاضراً، يكون - العمل - مشوباً بالغيرية والأنانية وهذا شرك لدى أرباب القلوب .

إن عبادة أرباب الإخلاص هي رسم تجلّيات المحبوب، ولا يوجد في قلوبهم سوى الحق المتعالي الواحد. ومع أن أفق الإمكان قد اتصل بالوجوب، وإن التدلّي الذاتي ، والدنو المطلق الحقيقي قد حصل لهم، وإن رسم الغيرية قد ارتفع بالكلية عنهم، فهم يقومون بكافة وظائف العبودية. ولا تكون عبادتهم بالرويّة والتفكر، بل تكون عبادتهم بالتجلي . كما أشير إلى هذا المعنى في صلاة ليلة معراج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).

فصل: في بيان الإخلاص بعد العمل

إعلم أن ما ورد في الحديث الشريف «الإبْقَاءُ عَلَى الْعَمَلِ حَتَّى يَخْلُصَ، أَشَدُّ مِنَ الْعَمَلِ» حثّ على لزوم المحافظة والمواظبة على الأعمال، التي تصدر من الإنسان، حين إنجازها وبعد تحققها، إذ قد يأتي الإنسان بالعمل من دون عيب ونقص وخال من الرياء والعجب وغيره، ولكنه بعد العمل وبواسطة ذكره للآخرين يعاب بالرياء. كما ورد في الحديث الشريف المنقول عن الكافي :

عن أبي جعفر (علیه السّلام) أنه قال : «الإِبْقَاءُ عَلَى الْعَمَلِ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَلِ. قَالَ: وَمَا الْإِبْقَاءُ عَلَى الْعَمَلِ؟ قَالَ: يَصِلُ الرَّجُلُ بِصِلَةٍ وَيُنْفِقُ نَفَقَةٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ سِراً ثُمَّ يَذْكُرُها فَتَكْتَبُ لَهُ عَلانِيةٌ ثُمَّ يَذْكُرُها فَتَكْتَبُ لَهُ رياءً»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الرياء ، ح 16 .

إن الإنسان حتى نهاية حياته لا يأمن أبداً من شر الشيطان والنفس، وعليه أن لا يظن بأنه عندما أتى بعمل لوجه الله، من دون ملاحظة رضى المخلوق، أصبح في مأمن من شرّ النفس الخبيثة . وإنه إذا لم يراقب العمل ولم يواظب عليه، فمن الممكن أن تجبره نفسه على إظهاره أمام الآخرين. وقد يتم الإظهار بالإيماء والتلويح، فمثلاً إذا أراد أن يكشف عن صلاة الليل التي أتى بها للناس التجأ إلى أساليب اللف والدوران، فيتحدّث عن حسن جوّ السَّحَرِ أو ردائته وعن مناجاة الناس أو أذانهم في السحر، وضيّع عمله من جرّاء المكائد الخفية للنفس، وألغاه من الاعتبار.

يجب أن يكون الإنسان مثل الطبيب الرحيم، والمرافق الرؤوف يراقب نفسه، ولا لفلتان زمامها مِنْ يده، لأنها في لحظة من الغفلة تنفلت من يده وتقوده إلى الذل يسمح والهلاك. وعلى أي حال نستعيذ بالله من شر الشيطان والنفس الأمارة. «إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي»(1).

ولا بد من معرفة أن تخليص النية من جميع مراتب الشرك والرياء وغيرها ومراقبتها والمحافظة عليها من الأمور الصعبة والمهمة جداً، بل إن بعض مراتبها لا يتيسر إلا للخلّص من أولياء الله تعالى. لأن النية عبارة عن الإرادة الباعثة نحو العمل، وهي تتبع الغايات الأخيرة الدافعة نحو العمل، كما أن هذه الغايات تتبع الملكات النفسانية التي تشكل باطن ذات الإنسان وشاكلته. فمن له حبّ الجاه والرياسة، وغدا هذا الحب ملكة نفسانية وشاكلة روحه، كان منتهى أمله البلوغ إلى سدة الزعامة، وكانت أفعاله الصادرة منه تابعة لتلك الغاية، وكان دافعه ومحرّكه هو مبتغاه النفسي المذكور، وصدرت عنه أعماله للوصول إلى ذلك المطلوب. فما دام هذا الحب في قلبه، لا يمكن أن يصير عمله خالصاً. ومن صار حبّ النفس والأنانية ملكة له، وشاكلة نفسه، كانت غاية مقصده ونهاية مطلوبه الوصول إلى ما يلائم نفسه وكان الدافع والمحرك له في هذه الأعمال، نفس الغاية، سواء كانت الأعمال للوصول إلى مطلوب دنيوي أو أخروي من قبيل الحور والقصور والجنّات ونِعَم ذلك العالم . بل ما دامت الأنانية، والذاتية موجودة، كان إقدامه


1) سورة يوسف، الآية : 53.

أو سلوكه لتحصيل المعارف - الربوبية - والكمالات الروحية، لنفسه ونفسانياته من حبّ للنفس لا من حبّ الله . ومن المعلوم أنهما لا يجتمعان، بل إذا أحب الله كان، من أجل نفسه وليس من أجل الله وكانت غاية المقصود ونهاية المطلوب نفسه ونفسانياته .

فاتضح أن تخليص النية من مطلق الشرك، عمل صعب جداً، ولا يقدر عليه كل أحد. وإن كمال الأعمال ونقصها تابع لكمال النية ونقصها، لأن النية هي الصورة الفعلية، والناحية الملكوتية للعمل . كما أشرنا إليه سابقاً .

وفي الحديث الشريف تلميح إلى هذا الموضوع، عندما يقول «وَالنِّيَّةُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَل أَلاَ وَإِنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْعَمَلُ» واحتمل بعض أن هذا المعنى مبالغة، ولكنه ليس بشيء من المبالغة، بل مبني على الحقيقة، لأن النية هي الصورة الكاملة للعمل، والفصل المحصل له، وصحة العمل وفساده وكماله ونقصه، مرتبطة بالنية .

كما أن عمل شخص واحد لاختلاف نيته قد يكون تعظيماً للغير، وقد يكون توهيناً له ، وقد يصير تامّاً بها، وقد يصير ناقصاً لفقدانها، وقد يكون من سنخ الملكوت الأعلى وله صورة بهية جميلة، وقد يكون من سنخ الملكوت السفلى وله صورة موحشة مخيفة .

إن ظاهر صلاة علي بن أبي طالب (علیه السّلام)، وظاهر صلاة المنافق متشابهان في الأجزاء والشرائط والشكل الظاهري، ولكن هذا يعرج بعمله إلى الله، ولصلاته صورة ملكوتية علوية، وذاك يغور في أعماق جهنم، ولصلاته صورة ملكوتية سفلية .

وعند تقديم أهل بيت العصمة (علیهم السّلام)، للفقير أقراصاً من خبز الشعير لوجه الله، تنزل من عند الله سبحانه آيات كريمة في الثناء عليهم(1)، ويحسب الإنسان الجاهل أن تحمّل الجوع ليومين أو ثلاثة أيام ودفع الطعام إلى الفقير أمراً مهماً، رغم أن مثل هذا العمل تكمن في القصد الخالص والنية الصادقة. إن روح العمل، القوية واللطيفة والتي ا تنبعث من القلب السليم الصافي، هي مصدر هذه الأهمية القصوى .

إنه لا فرق بين المظهر الخارجي للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وكافة الناس، ولهذا عندما كان يدخل


1) سورة الدهر، الآيات 5 - 22.

عليه (صلی الله علیه و آله و سلم) شخص من خارج المدينة، وكان - عليه الصلاة والسلام - جالساً مع مجموعة من المسلمين، يسأل - الوافد - أيكم النبي ؟(1)إن الذي يفضّل النبي ؟ إن الذي يفضّل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على غيره، هو روحه الكبيرة، القوية اللطيفة لا جسمه المبارك وبدنه الشريف. وقد قالوا في العلوم العقلية أن شيئية الشيء بصورته لا بمادته . بل إن الحدّ التام هو التعريف بالفصل فقط، أما التعريف بالجنس والفصل فهو من الحد الناقص، لأنّ الاختلاط بالغرائب والأجانب، والتعريف بالمنافي، يسيء إلى حقيقة الشيء وإلى تعريفه وتماميته . والمادة والجنس تعتبران من الغرائب والأجانب بالنسبة إلى حقيقة الشيء التي هي عبارة عن الصورة والفعلية والفصل. فإذن تمام حقيقة الأعمال هي صور الأعمال وناحيتها الملكوتية التي هي النية .

ويُستفاد من هذا البيان أن الإمام الصادق (علیه السّلام) قد بيّن في هذا الحديث الشريف - الحديث العشرون - :

أولاً : صور الأعمال وموادّها، وقال إن الجزء الصوري أفضل من الجزء المادي، وأن النية أفضل من العمل، كما نقول إن الروح أفضل من الجسم وليس لازم ذلك - مقتضى أفعل التفضيل - أن العمل من دون نيّة يكون صحيحاً، وأن الجسم من دون الروح يكون جسماً، بل المعنى أن بعد تعلق النية بالعمل، والروح بالجسم يتحقق عمل واحد، وجسم واحد، وأن كل واحد من الجزء الصوري الملكوتي في هذين المزيجين الخليطين : النية مع العمل، والروح مع الجسم، يكون أفضل من الجزء المادي الملكي. وهذا هو معنى الحديث المشهور «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ»(2).

وثانياً : إن العمل يكون فانياً في النية، والمُلك في الملكوت، والمظهر في الظاهر وقال (علیه السّلام) «أَلاَ وَإِنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْعَمَلُ» ولا يوجد شيء آخر عدا النية، وإن جميع الأعمال فانية في النية، ولا استقلالية لها . ثم استشهد بقوله تعالى قُلْ كُلِّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ وإن الأعمال تابعة لشاكلة النفس، وشاكلة النفس، وإن كانت الهيئة الباطنية للروح، والملكات المخمرة فيها، لكن النية هي الشاكلة الظاهرية للنفس .


1) بحار الأنوار، ج 16 ، تاریخ نبينا (صلی الله علیه و آله و سلم)، باب مكارم أخلاقه وسيره ، ح35 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، ح 2 .

ونستطيع أن نقول بأن الملكات هي الشاكلة الأولية للنفس، والنيات هي الشاكلة الثانوية لها، والأعمال تتبعها، كما قال الصادق (علیه السّلام).

ومن هنا يتبين بأن طريق تخليص الأعمال من جميع مراتب الشرك والرياء وغيرها ينحصر في إصلاح النفس وملكاتها، ويكون ذلك معيناً لكل الإصلاحات، ومصدراً لجميع المعارج والكمالات.

فإذا أخرج الإنسان حب الدنيا عبر الترويض العلمي أو العملي من قلبه، كانت غايته المنشودة شيئاً آخر غير الدنيا، وخلصت أعماله من الشرك الأعظم الذي هو جلب أنظار أهل الدنيا وكسب موقع لديهم، وطهرت نيته، وتساوى عنده العمل في الظاهر أو الخلوة في السر أو العلن.

وإذا أخرج الإنسان من قلبه حب النفس بالرياضة النفسية، فبالمقدار الذي يفرغ القلب من حب النفس، يمتلىء حباً لله، وتخلص أعماله من الشرك الخفي أيضاً. وما دام حب النفس في القلب، وما دام الإنسان يعيش في البيت المظلم للنفس، لا يكون مسافراً إلى الله تعالى، بل يعد من المخلدين في الأرض. فإن الخطوة الأولى نحو الله ، تتمثل في ترك حب النفس، والوطء بقدمه على الأنانية والذاتية. وهذا هو المقياس في السفر إلى الله .

قال بعض : إن هذا أحد معاني الآية الكريمة وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى هو اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ(1)أي من يخرج من بيت نفسه ويهاجر إلى الحق في الرحلة المعنوية ثم يدركه الفناء التام(2)كان أجره على الله تعالى .

ومن المعلوم أن مثل هذا المسافر لا يستحق أجراً ومكافأة إلا مشاهدة الذات المقدس، والوصول إلى الفناء في حضرته ، كما يقال عن السنة العرفاء بيت شعر :

لا يتطرق إلى قلوبنا أحد أبداً إلا الحبيب .

فقدم العالم إلى العدوّ فإننا اقتصرنا على الحبيب .


1) سورة النساء، الآية : 100 .

2) قال الميبدي ذلك في تفسير هذه الآية المباركة (تفسير كشف الأسرار، ج 2، ص 663).

الحديث الحادي والعشرون: «الشكر»

اشارة

بالسند المتَّصل إلى حجَّة الفرقة وإمامهم محمّد بن يعقوب الكُليني - كرّم الله وجهه - عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد بن سَماعة عن وُهَيْب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) عِنْدَ عَائِشَةَ لَيْلَتَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ تُثْعِبُ نَفْسَكَ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخُرَ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ أَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُوراً؟ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) يَقُومُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : طَهُ * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى(1).


1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الإيمان والكفر ، باب الشكر ، ح 6 .

الشرح:

قد غفر الله لك : إشارة إلى قوله تعالى في سورة الفتح إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَرَ(1).

إعلم أن العلماء - رضوان الله تعالى عليهم - ذكروا في تفسير هذه الآية المباركة وجوهاً لمنع تنافي الآية مع عصمة النبي المكرم. ونحن نستعرض بعض الوجوه التي نقلها المرحوم العلامة المجلسي رحمه الله تعالى ثم نبيّن بصورة مجملة ما ذكره أهل المعرفة كل حسب ذوقه ومسلكه .

قال المرحوم المجلسي(2): لأصحابنا فيه وجهان :

أحدهما : أن المراد ليغفر الله ما تقدم من ذنب أمتّك، وما تأخّر بشفاعتك، ونسبة معاصي الأمة إلى الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لشدّة الاتصال بين الرسول والأمة. ويؤيده ما رواه المفضل بن عمر عن الصادق (علیه السّلام) قال : «سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ : واللَّهِ مَا كَانَ لَهُ ذَنْبٌ وَلَكِنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لَهُ أَنْ يَغْفِرَ ذُنُوبَ شِيعَةِ عَلِيٍّ (علیه السّلام) مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِمْ وَمَا تَأَخَرَ» .

وروى عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام) عن قول الله عز وجل : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قال: «مَا كَانَ لَهُ ذَنْبٌ وَلَا هَمَّ بِذَنْبٍ وَلَكِنْ حَمَّلَهُ ذُنُوبَ شِيعَتِهِ ثُمَّ غَفَرَهَا لَهُ»(3).

يقول الكاتب : لهذا التوجيه على مسلك العرفاء وجه وجيه، ولا تخلو الإشارة إليه


1) سورة الفتح، الآية : 1، 2 .

2) نقلا عن الطبرسي (رحمه الله علیه)، في مجمع البيان عند تفسير سورة الفتح .

3) بحار الأنوار، المجلد 17 ، ص76 .

من فائدة. وهي أنه لا بد وأن نعلم كما تقرّر في محله أن العين الثابت للإنسان الكامل. مظهر اسم الله الأعظم الذي يكون إمام أئمة الأسماء وأما أعيان كافة الموجودات فهي في ظل عين الإنسان الكامل في العلم وعالم الأعيان، متقررة، وفي عالم العين والتحقق تكون موجودة .

إذن تكون أعيان جميع دائرة الوجود مظهر عين الإنسان الكامل في عالم الأعيان، وتكون جميع الموجودات مظاهر جماله وجلاله في عالم الظهور . ولهذا كل نقص يقع في عالم التحقق، وكل ذنب يبرز من المظاهر، سواء كان من الذنوب التكوينية أو التشريعية، ينسب إلى الظاهر حقيقة لا مجازاً لمكان الظاهر والمظهر. فإن صدق قوله تعالى مَا أصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ(1)صدق أيضاً قوله تعالى قُلْ كُلّ مِنْ عِندِ اللهِ(2). والأخبار الكثيرة تشير إلى هذا الموضوع. حيث يقول الإمام الصادق (علیه السّلام): «نَحْنُ السَّابِقُونَ الآخِرُونَ»(3)ويقول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ : الْقِيَامَةِ»(4)ويقول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ رُوحِي أَو نُورِي»(5)ويقول عليه الصلاة والسلام: «سَبِّحْنَا فَسَبَّحَتِ الْمَلائِكَةُ، قَدَّسَنَا فَقَدَّسَتِ الْمَلَائِكَةُ)(6)ويقول الإمام الصادق : «لَوْلانَا مَا عُرِفَ اللَّهُ»(7)ويقول (علیه السّلام): «لَوْلاكَ لَما خَلَقْتُ الْأَفْلاكَ»(8)ويقول (علیه السّلام): «نَحْنُ وَجْهُ اللَّهِ»(9).

وفي حديث عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : «أَنَا شَجَرَةٌ وَفَاطِمَةً فَرْعُهَا وَعَلِيٌّ لِقَاحُهَا


1) سورة النساء، الآية : 79 .

2) سورة النساء، الآية : 79 .

3) بحار الأنوار، المجلد 24، ح 11 ، ص 4 .

4) بحار الأنوار، المجلد 16 ، ح 1 ، ص 402 .

5) بحار الأنوار، المجلد 15 ، ح 44 ، ص 25 .

6) عيون أخبار الرضاج 1 ، ص 263 .

7) بحار الأنوار، ج 26، ح 13 ، ص 247 .

8) علم اليقين، ج 1، ص 381.

9) توحيد الصدوق ص 150 .

وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ثَمَرَتْهَا وَمُحِبُوهُمْ مِنْ أُمَّتِي وَرَقُهَا»(1)، فزينة شجرة الولاية الطيبة بمظهرها، وما يرد من النقص على مظهرها ينعكس على الشجرة الطيبة .

إذن ذنوب كافة الموجودات، ذنوب الولي المطلق، والحق المتعالي برحمته التامة ومغفرته الواسعة، قد رحم النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، قائلاً ليَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ وبشفاعته تصل كل دائرة الوجود إلى سعادته الكاملة، وآخَرُ مَنْ يَشْفَعُ أَرْحَمُ الراحمين(2).

وعلى أساس هذا التوجيه، تندرج هذه الآية المباركة في عداد تلك الآية التي تقول : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى(3)والتي قالوا إنَّها «أرجى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ»(4). ويمكن أن يكون المقصود من قوله مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ بناءاً على هذا التفسير ذنوب الأمم السابقة، لأن جميع الأمم ، أمة هذا الوجود المقدس، وأن دعوة الأنبياء بأسرهم دعوة إلى الشريعة الخاتمة، ومظاهر للولي المطلق وآدم ومن دونه من أوراق شجرة الولاية .

ثانيهما: ما ذكره السيد المرتضى(5)قدّس الله روحه أن الذنب مصدر والمصدر يجوز إضافته إلى الفاعل والمفعول معاً، فيكون هنا مضافاً إلى المفعول. والمراد ما تقدّم من ذنبهم إليك في منعهم إيّاك عن مكّة وصدّهم لك عن المسجد الحرام .

و معنى المغفرة على هذا التأويل الإزالة والنسخ لأحكام أعداء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من


1) أمالي المفيد، مجلس 28 ، ح 5 ، ص 245 ، طبع دار المرتضى. وفي البحار : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «أنا أصلها وعلي فرعها والأئمة أغصانها وعلمنا ثمرها وشيعتنا ورقها» . (بحار الأنوار ، ج 24 ، كتاب الإمامة، باب 44 ، ح3) .

2) علم اليقين، ج 2، المقصد الرابع في الخلود، ص 1086 .

3) سورة الضحى، الآية 5 .

4) مجمع البیان، ج 10، عند تفسير الآية الخامسة من سورة الضحى . ص 505 .

5) السيد علي بن الحسين بن موسى المعروف بـ(السيد المرتضى) و ( علم الهدى) (355 - 436 هـ. ق) من كبار علماء الإسلام والشيعة، جامع للعلوم العقلية والنقلية وصاحب الفضائل والكمالات الكثيرة. كان متعمقاً في علم الكلام والفقه وأصوله والتفسير والحديث والرجال والأدب العربي. يروي عن الشيخ المفيد وحسين بن علي بن بابويه وغيرهما ودرس عليه كثير من أجلاء العلماء منهم الشيخ الطوسي . له : الأمالي، الذريعة إلى أصول الشريعة، الناصريات، الانتصار، الشافي.

المشركين أي يزيل الله سبحانه ذلك عند فتح مكة ويستر عليك ذلك العار بفتح مكة وأنك ستدخل مكة في القريب العاجل ولهذا جعل المغفرة غرضاً من الفتح ووجهاً له(1).

قال السيد (رحمه الله علیه): فإذا أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مبيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ معنى معقولاً ، لأن المغفرة للذنوب لا تعلق لها بالفتح وليس غرضاً فيه. فأما قوله : مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فلا يمتنع أن يريد به ما تقدم زمانه من فعلهم القبيح بك وبقومك(2).

الثالث: أن معناه :هو : (لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك). والقضية الشرطية لا تستلزم صدق طرفيها وتحققها .

الرابع : أنه سمى ترك الندب ذنباً وحسن ذلك أنه (صلی الله علیه و آله و سلم) ممن لا يخالف الأوامر إلا هذا الضرب من الخلاف ولعظم منزلته وقدره جاز أن يسمى بالذنب منه فإذا وقع من غيره لم يسم ذنبا(3).

الخامس : أن القول خرج مخرج التعظيم وحسن الخطاب كما تقول غفر الله لك .

قال المجلسي : وقد روى الصدوق في العيون بإسناده عن علي بن محمد بن الجهم قال : حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْمَأْمُونِ وَعِنْدَهُ الرِّضَا (علیه السّلام) فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أليسَ مِنْ قَوْلِكَ : إِنَّ الأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ؟ قَالَ : بَلَى، قَالَ : فَما معنى قَوْلِ اللَّهِ : لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ الرِّضا (علیه السّلام): لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ عِنْدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ أَعْظَمَ ذَنْباً مِنْ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) لأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ثَلاثمائة وَسِتِّينَ صَنَماً، فَلَمَّا ثَلَاثَمَانَةٍ جَاءَهُمْ (صلی الله علیه و آله و سلم) بِالدَّعْوَةِ إِلى كَلِمَةِ الإِخْلاصِ كَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَعَظُمَ وَقَالُوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلها واحداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٍ عُجَابٌ - إلى قَوْلِهِ - إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاق(4).


1) بحار الأنوار، المجلد 17 ، ص 75 تنزيه الأنبياء، ص 115 ، 118 .

2) ذكر السيد المرتضى الوجوه المذكورة في تنزيه الأنبياء والشيخ الطبرسي في مجمع البيان والعلامة المجلسي في بحار الأنوار، المجلد 17 ، ص 75 .

3) بحار الأنوار، المجلد 17 ، ص 74 .

4) سورة ص ، الآيات : 5 ، 7 .

فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) قَالَ لَهُ : يَا مُحَمَّدُ أإِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ عِندَ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ بِدُعَائِكَ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؛ لأنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ، وَخَرَجَ بَعْضُهُمْ عَنْ مَكَّةَ؛ وَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ لَمْ يَقْدِرُ عَلى إِنْكَارِ التَّوْحِيدِ عَلَيْهِ إِذا دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ. فَصَارَ ذَنْبُهُ عِنْدَهُمْ فِي ذلِكَ مَغْفُوراً بِظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ الْمَأْمُونُ : لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ»(1).

يقول الكاتب . إن هناك توجيهاً سادساً للحديث الشريف تجاه تفسير الآية المباركة و حاصله أن المقصود من قوله سبحانه من (ذَنْبِكَ) ذنوبه صلوات الله عليه في رأي المشركين وحسب زعمهم الفاسد.

فصل في توجيه عرفاني للآية الشريفة

إعلم أن للآية الشريفة تفسيراً يتبين على أساس ذوق أهل العرفان ومسلك ذوي القلوب، وعليه لا بد من ذكر الفتوحات الثلاثة الشائعة عندهم. فنقول إن الفتح في مشربهم عبارة عن فتح أبواب المعارف والعوارف والعلوم والمكاشفات على الإنسان من قبل الحق سبحانه بعد أن كانت موصدة في وجهه ومغلقة عليه . فما دام الإنسان في البيت المُظلم للنفس، وهو مشدود بالتعلقات والرغبات النفسية، تكون أبواب المعارف والمكاشفات عليه مسدودة، وعندما يغادر هذا البيت المُظلم ببركة ترويض النفس، وأنوار الهداية، واجتياز منازل النفس، تنفتح أبواب قلبه عليها - العلوم والمكاشفات - وتلقى المعارف في قلبه، ويصبح من ذوي مقام القلب. ويدعى هذا القلب «بالفتح القريب»، لأنه أول الفتوحات وأقربها. ويقال بأن الآية المباركة نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ(2)تشير إلى هذا الفتح.

ومن الواضح أن هذا الفتح وكافّة الفتوحات تتم بعون الله وإمداده ونور الهداية وجاذبية الذات المقدس سبحانه عزّ وجلّ.


1) عيون أخبا الرضا، ج 2، باب 15 ، ص 180 ، بحار الأنوار ، ج 17، تاريخ نبينا ، الباب 15 ، ح 20 .

2) سورة الصف، الآية : 14 .

و ما دام السالك يكون في عالم القلب، وتكون النقوش والتعيّنات مستحوذة عليه، كانت أبواب الأسماء والصفات مغلقة ومسدودة عليه فإذا تلاشت تلك الرسوم من عالم القلب، بواسطة تجلّيات، الأسماء والصفات وأفنت تلك التجليات، صفات القلب وتعيناته وكمالاته، تحقق «الفتح المبين» وانفتحت عليه باب الأسماء والصفات، وارتفعت النقوش المتقدمة النفسية، والمتأخرة القلبية، وغُفرت ذنوبه في ظل غفارية الأسماء وستّاريتها . ويقال بأنّ قوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ تلويح إلى هذا الفتح ومعناه إنا فتحنا عليك عالم الأسماء والصفات فتحاً مبيناً، حتى نغفر لك في ظل غفارية الأسماء الإلهية، الذنوب المتقدمة النفسية، والقلبية المتأخرة. ويكون هذا فتحاً لباب الولاية .

وما دام السالك في حجاب كثرات الأسماء، وتعيّنات الصفات، تكون أبواب التجليات الذاتية، مغلقة في وجهه. وحينما تتم التجليات الذاتية الأحدية عليه، وتباد النقوش الخلقية والأمرية بأسرها من قلبه، ويغرق العبد في عين الجمع يكون «الفتح المطلق» وغُفران الذنب المطلق واستتر بواسطة التجلي الأحدي على الذنب الذاتي الذي يكون مصدراً لكل الذنوب «وُجُودُكَ ذَنْبٌ لا يُقَاسُ بِهِ ذَنْبُ». ويقال بأن قوله تعالى : إذا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)إشارة إلى هذا الفتح.

فمع «الفتح القريب» تنفتح أبواب المعارف القلبية، وتغفر الذنوب النفسية. ومع «الفتح المبين» تنفتح أبواب الولاية، والتجليات الإلهية. وتغفر البقايا من الذنوب المتقدمة النفسية، والذنوب المتأخرة القلبية. ومع «الفتح المطلق» تتكشف التجليات الذاتية الأحدية، ويغفر الذنب الذاتي المطلق .

ولا بد من معرفة أن «الفتح القريب» و«الفتح المبين» يتيسران للأنبياء والأولياء والعرفاء. وأما «الفتح المطلق» فهو من المقامات الخاصة بالمرتبة الختمية - خاتم النبيين - وإذا حصل ذلك لشخص، فإنما هو بالتبع وبسبب شفاعة النبي شفاعة النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم).


1) سورة النصر، الآية : 1 .

وعُلم من البيان السابق أن للذنب مراتب يعدّ بعضها من حسنات الأبرار وبعضها من سيئات المخلصين. كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : «ليَرَانُ - أو لَيُغَانُ - عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً»(1)وهذا الرَّين - الغبرة - هو الالتفات إلى عالم الكثرة ولكنه سرعان ما يزول. وفي الحديث (أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يقوم من مجلس وإن خفّ، حتى يستغفر الله خمساً وعشرين مرة)(2).

فيظهر من هذه الأحاديث بأن الاستغفار لا يختص فقط بالذنوب التي تتنافى مع العصمة، وأن المغفرة والذنب في الآية لا تكونان من المغفرة والذنب المصطلح عليهما عرفاً لدى عامة من الناس. ولا تتنافى هذه الآية الشريفة مع المقامات المعنوية من العصمة بل تؤكدها . لأن من لوازم السلوك الروحاني واجتياز المدارج والوصول إلى أوج الكمال الإنساني، هو غفران الذنوب. لأن كل موجود في هذا العالم نتاج هذه النشأة الملكية والمادة الجسمية، وله كافة الشؤونات المُلكية الحيوانية والبشرية والإنسانية المتوفرة بعضها بالفعل وبعضها بالقوة .

فإذا أراد السفر من هذا العالم إلى عالم آخر، ومنه إلى مقام القرب المطلق، لا بد من اجتياز هذه المدارج، والعبور من المنازل الواقعة في الطريق، وعندما يصل إلى مرتبة، تغفر له ذنوب المرتبة السابقة وهكذا حتى تغفر له جميع الذنوب في ظل التجليات الذاتية الأحدية، ويستتر الذنب الوجودي الذي هو منشأ كافة الذنوب في ظل الكبرياء الأحدي. وهذه هي غاية عروج كمال الموجود. ويحدث في هذا المقام الموت والفناء التام. ولهذا عندما نزلت الآية الشريفة إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : إن هذه السورة تنبىء بموتي(3). والله العالم .


1) صحيح مسلم، کتاب الذكر، ص 41 . وفي الحديث 22 من كتاب أربعين الشيخ البهائي «مائة مرة». مستدرك الوسائل، ج 5 ، كتاب الصلاة، أبواب الذكر، الباب 22، ح 2.

2)

3) تفسير نور الثقلين، المجلد الخامس، ص 689 . مجمع البيان، عند تفسير سورة النصر .

فصل: في حقيقة الشكر

إعلم أن الشكر عبارة عن تقدير نعمة المنعم. وتظهر آثار هذا التقدير في القلب في صورة، وعلى اللسان في صورة أخرى، وفي الأفعال والأعمال بصورة ثالثة .

أما آثاره القلبية فهي من قبيل الخضوع والخشوع والمحبة والخشية وأمثالها . وأما آثاره على اللسان، فالثناء والمدح والحمد، وأما آثاره في الأعضاء فالطاعة واستعمال الجوارح في رضا المنعم وأمثاله .

ونقل(1)عن الراغب(2)

الذريعة إلى مكارم الشريعة، مقدمة التفسير للقرآن، تحقيق البيان في تأويل القرآن .

(الشكر تصور النعمة وإظهارها. قيل وهو مقلوب عن الكشر أي الكشف ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها، ودابة شكور مظهر بسمنه إسداء صاحبه إليه . وقيل أصله من عَيْنٌ شَكرى : أي ممتلئة ، فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه. والشكر ثلاثة أضرب: شكر بالقلب وهو تصور النعمة. وشكر باللسان وهو الثناء على المنعم . وشكر بسائر الجوارح وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها) انتهى(3).

وقال العارف المحقق الخواجة الأنصاري(4)(الشكر اسم المعرفة والنعمة، لأنها طريق لمعرفة المنعم)(5).

وقال الشارح المحقق (إن تصور النعمة من المنعم، ومعرفة أن هذه النعمة منه، هو الشكر بعينه كما روي عن النبي داوود (علیه السّلام) أنه قال: يا رب كيف أشكرك مع أن الشكر نعمة أخرى، وتستدعي شكراً آخر؟ فأوحى الله تعالى إليه، يا داوود عندما عرفت بأن كل


1) بحار الأنوار، المجلد 71، ص 22 .

2) كان حسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الإصفهاني (المتوفى 565 أو 502هـ. ق) متبحراً في اللغة والشعر العربي وعلم الكلام والعلوم القرآنية له مؤلفات كثيرة منها : المفردات في غريب القرآن.

3) المفردات في غريب القرآن عند تفسير كلمة (الشكر) .

4) تقدّم ترجمته باختصار في ص 233 فراجع .

5) کتاب منازل السائرين، قسم الأخلاق، باب الشكر .

نعمة نازلة عليك ، تكون مني، فقد شكرتني)(1).

يقول الكاتب : إن ما ذكره المحققون في الشكر مبني على المجاز والمسامحة، لأن الشكر لا يكون نفس المعرفة بالقلب، والإظهار باللسان، والعمل بالأعضاء والجوارح، بل هو حالة نفسية ناجمة عن معرفة المنعم، والنعمة وأن هذه النعمة من المنعم، وتنتج من هذه الحال الأعمال القلبية والقالبية - العمل بالجوارح -. كما ذكر للشكر بعض المحققين معنى يقترب من هذا المعنى، رغم أن كلامهم أيضاً لا يخلو من المسامحة .

وقال المحقق(2)الطوسي قدس سره : الشكر أشرف الأعمال وأفضلها واعلم أن الشكر مقابلة النعمة بالقول والفعل والنية وله أركان ثلاثة :

الأول : معرفة المنعم وصفاته اللائقة به، ومعرفة النعمة من حيث إنّها نعمة ولا تتمَّ تلك المعرفة إلا بأن يعرف أنَّ النعم كلّها جليها وخفيها كلّها جليها وخفيها من الله سبحانه وأنه المنعم الحقيقي وأنَّ الخلق كلهم منقادون لحكمه مسخّرون لأمره.

الثاني : الحال التي هي ثمرة تلك المعرفة، وهي الخضوع والتواضع والسرور بالنعم، من حيث إنّها هدية دالة على عناية المنعم بك، وعلامة ذلك أن لا تفرح من الدُّنيا إلاّ بما يوجب القرب منه.

الثالث : العمل الذي هو ثمرة تلك الحال فإنَّ تلك الحال إذا حصلت في القلب حصل فيه نشاط للعمل الموجب للقرب منه، وهذا العمل يتعلق بالقلب واللسان والجوارح.

أمّا عمل القلب فالقصد إلى تعظيمه وتحميده وتمجيده، والتفكر في صنائعه وأفعاله وآثار لطفه، والعزم على إيصال الخير والإحسان إلى كافة خلقه . وأما عمل اللسان فإظهار ذلك المقصود بالتحميد والتمجيد والتسبيح والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك. وأما عمل الجوارح فاستعمال نعمه الظاهرة والباطنة في طاعته


1) شرح منازل السائرين، قسم الأخلاق، باب الشكر .

2) بحار الأنوار المجلد 71، ص 22 .

وعبادته، والتوقّي من الاستعانة بها في معصيته ومخالفته كاستعمال العين في قراءة مصنوعاته، وتلاوة كتابه، وتذكر العلوم المأثورة عن الأنبياء والأوصياء (علیهم السّلام) وكذا سائر الجوارح . انتهى كلامه(1).

فصل: في كيفية الشكر

إعلم أن شكر نعم الحق المتعالي سبحانه الظاهرية والباطنية، من المسؤوليات اللازمة للعبودية، حيث يجب على كل شخص حسب قدرته المتيسرة أن يشكر ربه، رغم أن أحداً من المخلوقين لا يستطيع أن يؤدي حق شكره تعالى. ويكون منتهى الشكر في معرفة الإنسان عجزه عن النهوض بحق شكره سبحانه. كما أن غاية العبودية تكون في معرفة الإنسان عجزه عن القيام بحق العبودية له تعالى. ومن هذا المنطلق اعترف الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) بالعجز ، مع أن شخصاً لم يشكر ربه ولم يعبده، بمثل شكر ذلك الوجود المقدس وعبوديته، لأن كمال الشكر ونقصه يتبعان التعرف الكامل على المنعم وإحسانه ، والتعرف الناقص على المنعم وجميله . ولهذا لم يستطع أحد النهوض بحق شكره. لأنّ أحداً لم يعرفه حق معرفته .

إنما العبد يكون شكوراً، إذا علم ارتباط الخلق بالحق، وعلم انبساط رحمة الحق من أول ظهوره إلى ختامه، وعلم ارتباط النعم بعضها مع بعض وعلم بداية الوجود ونهايته على ما هو عليه. ومثل هذه المعرفة لا تحصل إلا للخلّص من أولياء الله الذين كان أشرفهم وأفضلهم، الذات المقدس خاتم الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم)، وإن كافة الناس محجوبون عن بعض مراتب هذه المعرفة بل عن أكثر مراتبها وأعظمها . بل ما دامت حقيقة سريان الوهية الحق لم تنتقش في قلب العبد بعد ولم يؤمن بأنه (لا مُؤَثَرَ فِي الوُجُودِ إلا الله) ولا تزال غيرة الشرك والشك عالقة في قلبه، لا يستطيع أن يؤدي شكر الحق المتعالي كما يجب أن يكون . إن الذي يلتفت إلى الأسباب، ويرى تأثير الموجودات بصورة مستقلة، ولا يُرجع النعم إلى ولي النعم ومصدرها ، يكون كافراً بنعم الحق المتعالي. إنه قد نحت أصناماً


1) المحجة البيضاء ، ج 7، بيان حد الشكر وحقيقته .

وجعل لكل واحد منها دوراً مؤثراً. إنه قد ينسب الأعمال إلى نفسه، بل يجعل شخصه متصرفاً في الأمور. وقد يتحدث عن فعّالية طبائع عالم الكون. وقد يرى الناس بأن النعم من الأرباب الظاهريين الصوريين، ويجردون الحق من التصرف، ويقولون بأن يد الله مغلولة غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا(1). في حين أن يد الحق مبسوطة وإن كل دائرة الوجود منه في الواقع والحقيقة، ولا مجال للآخرين فيها. بل إن العالم بأسره مظهر قدرته ونعمته، وإن رحمته وسعت كل شيء وإن جميع النعم منه، وليست لأحد نعمة حتى يُعد منعماً . بل إن وجود العالم منه ، وغيره لا وجود له حتى يصدر عنه شيء، ولكن العيون عمياء، والآذان صمّاء، والقلوب محجوبة. قال العارف المولوي في المثنوي :

«أبحث عن عين تثقب الأسباب الظاهرية وتستأصل الحجب من جذورها».

إلى متى وإلى أي مستوى تكفر قلوبنا الميتة بنعم الحق سبحانه، وتتعلق بهذا العالم وظروفه وأشخاصه؟ إن هذه التعلقات والتوجهات، كفران لنعم ذاته المقدس وإسدال الستار على رحمته .

ومن هنا يعلم أن النهوض بحق شكره لا يكون في مستطاع أي شخص، كما يقول الحق المتعالي جلّ جلاله: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(2)فإن القليل من العباد يعرفون كما ينبغي نعم الحق. ولهذا فإن القليل من العباد يؤدون الشكر للحق جل جلاله كما يستحق .

ولا بد من معرفة أنه كما تختلف مستويات معرفة العباد، كذلك تختلف مراتب شكرهم. وأيضاً فإن مراتب الشكر مختلفة، لأن الشكر هو الثناء على النعم. فإذا كانت النعم من قبيل النعم الظاهرية كانت لها مرتبة من الشكر، وإذا كانت من النعم الباطنية كانت لها مرتبة أخرى. وإذا كانت من نوع العلوم والمعارف كان شكرها من نوع آخر، وإن كانت من تجليات الأسماء، كان لها شكر، وإن كانت من قبيل التجليات الذاتية


1) سورة المائدة، الآية : 64 .

2) سورة سبأ، الآية : 13.

الأحدية كان هناك شكر آخر. وحيث أن جميع مراتب النعم متوفرة لقليل من العباد، كان النهوض بأداء الشكر على جميع المستويات لقليل من العباد، وهم الخلص من الأولياء الجامعين لجميع الحضرات، والذين هم برزخ البرازخ، والحافظين لكل المراتب الظاهرة والباطنة، ولهذا يكون شكرهم مع جميع الألسنة الظاهرة والباطنة والسّرّية .

والشكر وإن قالوا إنه من المقامات العامّة - لأنه مقرون بدعوى مكافأة المنعم على أنعامه. فيعدّ هذا من إساءة الأدب للمنعم - ولكنّ هذه المقارنة تكون لغير الأولياء خصوصاً الكامل منهم، الجامع للحضرات، والحافظ لمقامي الكثرة والوحدة. ولهذا قال الشيخ العارف الخواجة الأنصاري، رغم قوله بأن الشكر من المقامات العامة : «وَالدَّرَجَةُ الثَّالِثَةَ أَنْ لا يَشْهَدَ الْعَبْدُ إِلا الْمُنْعِمَ فَإِذَا شَهِدَ الْمُنْعِمَ عُبُودِيَةٌ اسْتَعْظَمَ مِنْهُ النِّعْمَةَ، وَإِذَا شَهِدَهُ حباً استخلى مِنْهُ الشِّدَّةَ ، وَإِذَا شَهِدَهُ تَفْرِيداً لَمْ يَشْهَدُ مِنْهُ نِعْمَةً وَلَا شِدَّةٌ»(1).

توضيحه : إن الدرجة الثالثة من الشكر هو مشاهدة العبد لجمال المنعم والتأمل فيه وله مقامات ثلاثة :

الأول : أن يشاهد جمال المنعم مشاهدة العبد الذليل لمولاه، ويغفل عن نفسه ويستغرق في آداب الحضور، ولا يرى لنفسه اعتباراً. فإذا أنعم عليه في اللحظات التي فيها يحتقر نفسه، بنعمة استعظمها، ويجد نفسه غير مؤهل لتلك النعمة.

الثاني : أن يشاهده مشاهدة الصديق لصديقه، وفي هذه الحال يستغرق في جمال محبوبه ، وكل ما يرى منه يكون محبوباً لديه ومستمتعاً منه، حتى إذا كان شاقاً ومجهداً .

الثالث : يشاهده مشاهدة التفريد ومن دون تعيّنات الأسماء، بل يشاهد نفس الذات، فيغفل عن نفسه وعن غيره، ولا يكون مشهوداً له إلا ذات الحق من دون أن يرى نعمة أو يشاهد شدّة .

فعلم أن أوائل المقامات في كل من مقامات السالكين هي من السبل العامة، وفي نهاية المقامات يتخصص الأمر للخلّص بل للكمّل .


1) منازل السائرين، قسم الأخلاق، باب الشكر .

تكملة: في فضيلة الشكر على ضوء الأخبار المأثورة

ونختم هذا المقام بذكر بعض أحاديث الشكر .

في الكافي : بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «الطَّاهِمُ الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الأَجْرِ كَأَجْرِ الصَّائِمِ الْمُحْتَسِبِ. وَالْمُعَافَى الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ الْمُبْتَلَى الصَّابِرِ. وَالْمُعْطَى الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ الْمَحْرُومِ الْقَانِعِ»(1).

وبإسناده عن عبيد الله بن الوليد قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السّلام) يقول: «ثلاث لا يضُرُّ مَعَهُنَّ شَيْءٌ : الدُّعَاءُ عِنْدَ الْكَرْبِ ، وَالإِسْتِغْفَارُ عَلَى الذُّنُوبِ وَالشَّكْرُ عِنْدَ النِّعْمَةِ»(2).

وبإسناده عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله (علیه السّلام): «إِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ مِنَ الْمَاءِ فَيُوجِبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا الْجَنَّةَ. ثُمَّ قَالَ : إِنَّهُ ليَأْخُذُ الإِناءَ فَيَضَعُهُ عَلَى فِيهِ فَيُسَمِّي ثُمَّ يَشْرَبُ فَيُنَجِّيهِ وَهُوَ يَشْتَهِيهِ فَيَحْمَدُ اللَّهَ ثُمَّ يَعُودُ فَيَشْرَبُ ثُمَّ يُنَجِّيهِ فَيَحْمَدُ اللَّهَ ثُمَّ يَعُودُ فَيَشْرَبُ ثُمَّ يُتَحَيهِ فَيَحْمَدُ اللهَ فَيُوجِبُ الله عَزَّ وجَلَّ بِهَا لَهُ الجَنَّةَ»(3).

وحمد الله يساوي الشكر. كما ورد في الروايات الكثيرة أن من قال (الحمد الله) فقد شكر الله. كما في كتاب الكافي الشريف بسنده إلى عمر ابن يزيد : قال : «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (علیه السّلام) يَقُولُ : شَكْرُ كُلِّ نِعْمَةٍ وَإِنْ عَظَمَتْ أَنْ تَحْمَدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهَا»(4).

وبإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «شكرُ النِّعْمَةِ اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ، وَتَمَامُ الشكر قَوْلُ الرَّجُلِ : أَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»(5).

وبإسناده عن حماد بن عثمان قال : «خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (علیه السّلام) مِنَ الْمَسْجِدِ وَقَدْ ضاعَتْ دَابَّتْهُ فَقَالَ : لَئِنْ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيَّ لأَشْكُرَنَّ اللَّهَ حَقَّ شُكْرِهِ. قَالَ : فَمَا لَبِثَ أَنْ أُتِيَ بِهَا ،


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر ، ح 1 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر ح 7 .

3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الشكر ، ح 16 .

4) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، بال الشكر ، ح 11.

5) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الشكر ، ح 10 .

فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ . فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : جُعِلْتُ فِدَاكَ أَلَيْسَ قُلْتَ : لَأَشْكُرَنَّ اللَّهَ حَقَّ شُكْرِهِ؟ فَقَالَ أبو عَبْدِ الله (علیه السّلام): ألَمْ تَسْمَعني قُلْتُ : أَلْحَمْدُ لِلَّهِ»(1).

ويفهم من هذا الحديث، أن حمد الله سبحانه من أفضل مصاديق الشكر باللسان .

إن من آثار الشكر، زيادة النعمة ووفورها، كما صرّح بذلك الكتاب الكريم لئن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ. وفي كتاب الكافي الشريف عن الإمام الصادق (علیه السّلام) قال: «مَنْ أعْطِيَ الشَّكْرَ أُعْطِيَ الزَّيَادَةَ»، يقول الله عزّ وجلّ : لَئْنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ(2)

تتميم

إعلم أن عائشة قد حسبت بأن سر العبادات، ينحصر في الخوف من العذاب أو في محو السيئات، وتصورت بأن عبادة النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، مثل عبادة كافة الناس، ولهذا بادرت إلى الاعتراض عليه قائلة : لماذا تجهد نفسك؟ وقد نشأ هذا الظن من جراء جهلها لمقام العبادة والعبودية ولمقام النبوة والرسالة، حيث لم تعرف بأن عبادة العبيد والأجراء بعيدة عن ساحة قدسه، وأن عظمة الرب، وشكر نعمه اللامتناهية قد سلبت الراحة والقرار من حضرته - صلوات الله عليه وآله -، بل إن عبادة الأولياء الخُلص، انتقاش للتجليات اللامتناهية للمحبوب، كما أشير إليه في الصلاة المعراجية(3).

إن الأولياء (علیهم السّلام) رغم أنهم ينصهرون في الجمال والجلال، ويفنون في الصفات والذات، لا يغفلون عن كل مرحلة من مراحل العبودية. وإن حركات أبدانهم تتبع حركاتهم العشقية الروحانية، وهي تتبع كيفية ظهور جمال المحبوب، ولكن لا يمكن عائشة بجواب مفحم، بل اقتصر عليه وآله الصلاة والسلام على جواب

التحدث


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الشكر ، ح 18 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الشكر ، ح 8 .

3) في حديث صلاة المعراج : «ثم طأطيء يديك واجعلها على ركبتيك فانظر إلى عرشي قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): فنظرت إلى عظمة ذهبت لها نفسي وغشي علي فألهمت أن قلت : (سبحان ربي العظيم ويحمله) لعظم ما رأيت فلما قلت ذلك تجلى الغشي عني حتى قلتها سبعاً». (علل الشرائع، ج 2، الباب الأول، ح1).

مقنع، حيث بيّن مرتبة من المراتب النازلة للعبادة حتى تعرف هذا المقدار بأن عبادات حضرته ليست لهذه الأمور الدنية الحقيرة. والحمد لله .

فصل تفسير كلمة «طه» وبيان كيفية دعوة رسول الله الناس إلى الله

روى علي بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) وأبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذا صَلَّى قَامَ عَلى أصابع رِجْلَيْهِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ(1)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «طه» - بِلغَةِ طَيٍّ : يَا مُحَمَّدُ - مَا أَنْزَلْنَا - الآية»(2).

وعن الصدوق في معاني الأخبار بإسناده عن سفيان الثوري عن الصادق (علیه السّلام) في حديث طويل قال فيه: «وَأَمَّا «طه» فَاسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَمَعْنَاهُ : يَا طَالِبَ الْحَقِّ الهادي إليه»(3).

وروي عن ابن عباس(4)وآخرين أن «طه» بمعنى أيها الرجل بمعنى أيها الرجل(5). ونقل عن بعض العامة أن «ط» إشارة إلى طهارة قلب الرسول الأكرم من غير الله و«الهاء» تلويح إلى أن قلبه اهتدى إلى الله(6). وقيل إن «ط» طرب أهل الجنة و «الهاء» هوان أهل جهنم(7). وقال الطبرسي (رحمه الله علیه)(8): (رُوي عن الحسن أنه قرأ «طه» بفتح الطاء وسكون الهاء. فإن صح


1) إن قيامه (صلی الله علیه و آله و سلم) على أصابع رجليه كما في الأحاديث. وقيامه على رجل واحدة كما في بعض روايات أخرى لعله من الأحكام الخاصة به (صلی الله علیه و آله و سلم) أو كان مشتركاً بينه وبين غيره ولكنه نسخ . والله العالم (منه عفي عنه) .

2) تفسير علي بن إبراهيم، المجلد الثاني، سورة طه ص 58 .

3) معاني الأخبار باب معنى الحروف المقطعة ص 22 . (4) عبد الله بن العباس كان ملازماً وصاحباً لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أيام الطفولة ومن أنصار الإمام علي بن أبي طالب ولقب بـ(ترجمان (القرآن) وبـ(فارس القرآن) وبـ(حبر الأمة) وبـ(رأس المفسرين) وبـ(شيخ المفسرين) وتلمذ المفسرون من التابعين على يديه .

4) نقل الشيخ الطبرسي في مجمع البيان هذا القول من ابن عباس وسعيد بن جبير وحسن ومجاهد.

5) نقل العلامة المجلسي هذا القول من القشيري حسب نقل النسفي . (بحار الأنوار، ج 68 ، ص 27).

6) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ، ج 11 ، ص 166 .

7)

8) الشيخ أبو علي فضل بن حسن بن فضل الطبرسي (472 - 548 أو 552هـ. ق) مفسّر وفقيه كبير في القرن السادس روى عن الشيخ أبي علي ابن الشيخ الطوسي وغيره وتلمذ عليه جمع من الأجلاء مثل أبي نصر حسن بن فضل صاحب مكارم الأخلاق. محمد بن علي بن شهر اشوب . الشيخ منتجب الدين صاحب الفهرست. والقطب الراوندي وجمع من المشاهير . له عدة تفاسير أشهرها مجمع البيان وله جامع الجوامع في التفسير. إعلام الورى . تاج المواليد .

ذلك فأصله طأ، فأبدل من الهمزة هاء ومعناه طا الأرض بقدميك جميعاً . انتهى)(1).

و مجمل الكلام أنه يوجد اختلاف شديد في الحروف المقطعة الواقعة في أوائل بعض السور. وما يوافق الاعبتار أكثر من غيره هو أنها إشارات ورموز تستعمل بين المحب والحبيب ولا يستطيع أحد أن يعرف شيئاً عنها. وما ذكره بعض المفسرين حول تلك الحروف حسب تخريصهم وحدسهم فهو حدس موهون لا مستند له غالباً. وفي حديث أبي سفيان الثوري أيضاً إشارة إلى أنها رموز(2). ولا يستبعد أن تكون أموراً فوق القدرة الاستيعابية للإنسان، وقد خص الله سبحانه فهمها بالمخاطبين المخصوصين من أوليائه .

والشقاء والشقاوة ضد السعادة، ومعناها النصب والتعاسة . قال الجوهري (الشقاء والشقاوة - بالفتح - نقيض السعادة).

روى الطبرسي(3)في الاحتجاج عن موسى بن جعفر (علیه السّلام) عن آبائه (علیهم السّلام) قال : قال أمير المؤمنين (علیه السّلام): «وَلَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ حَتَّىٰ

لم تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ ، يَقُومُ اللَّيْلَ أَجْمَعَ حَتّى عُوتِبَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: طة * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى بَلْ لِتَسْعَدَ بِهِ»(4).


1) مجمع البيان، تفسير الآية الأولى من سورة طه .

2) أجاب الإمام الصادق (علیه السّلام) على سؤال سفيان الثوري حول معاني الحروف المقطعة قائلاً: «إنها رموز وإشارات أما ألم في أول البقرة فمعناه أنا الله الملك . وأما ألم في أول آل عمران فمعناه أنا الله المجيد» (معاني الأخبار، باب معنى الحروف المقطعة).

3) أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي عالم وفقيه ومحدّث ومؤرّخ شيعي في القرن السادس وأوائل القرن السابع. توفي حدود عام (620 هـ. ق) من كتبه : الكافي في الفقه، تاريخ الأئمة، كتاب الصلاة، مفاخر الطالبية، الاحتجاج .

4) احتجاج الطبرسي، المجلد الأول، إحتجاج الإمام علي (علیه السّلام) على اليهود . ص 326 .

وروي عن الإمام الصادق (علیه السّلام) «أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يرفع إحدى رجليه في العبادة، كي يزيد تعبه وجهده، فأنزل الله عليه هذه الآية المباركة»(1). وقال بعض المفسرين هو جواب للمشركين حين قالوا إنه شقي فقال سبحانه : يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى(2).

وقال شيخنا العارف الكامل الشاه آبادي : إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عندما دعا الناس إلى رسالته ولم يجد الإصغاء المطلوب والدخول في دين الله حسب المستوى المرغوب فيه، أبدى احتمالاً في نفسه وهو النقص في دعوته - الداعي - فانصرف إلى ترويض نفسه طيلة عشرة أعوام حتى ورمت قدماه فنزلت هذه الآية المباركة مخاطبة إياه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، إنك طاهر وهاد،، ولا يوجد عيب ونقص فيك، بل النقيصة في الناس إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ(3).

وعلى أي حال يستفاد من هذه الآية المباركة، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان في ترويض وتعب وجهد. ويستفاد من مجموع أحاديث المفسرين هذا المعنى أيضاً، رغم اختلافهم في كيفية الترويض والتعب .

ويجب أن تكون هذه الآية المباركة، قدوة للناس جميعاً وخاصة للعلماء الذين يريدون القيام بالدعوة إلى الله تعالى، حيث أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مع طهارة قلبه وكماله التجأ إلى الترويض وأتعب نفسه حتى نزلت الآية الشريفة من الحق المتعالي. ونحن رغم ثقل الخطايا والذنوب، لم نفكر البتة في معادنا ومآلنا وكأننا نحمل صك الخلاص والبراءة من نار جهنم والأمان من العذاب. وهذا لا يكون إلا نتيجة أن حب الدنيا قد أصم آ آذاننا فلا نسمع كلمات الأولياء والأنبياء .


1) مجمع البيان، تفسير الآية الأولى من سورة طه .

2) مجمع البيان، تفسير الآية الأولى من سورة طه، نقلاً عن الحسن البصري.

3) سورة القصص، الآية : 56 .

الحديث الثاني والعشرون: «اللإنسان وكراهته للموت»

اشارة

بالسند المتَّصل إلى ركن الإسلام وثقته محمّد بن يعقوب الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن واصل، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٌ مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ فَقَالَ: لأَنْكُمْ عَمْرْتُمُ الدُّنْيَا وَأَخْرَبْتُمُ الآخِرَةَ، فَتَكْرَهُونَ تُنْقَلُوا مِنْ عِمْرَانٍ إِلَى خَرَابٍ، فَقَالَ لَهُ: فَكَيْفَ تَرَىٰ قُدُومَنَا عَلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْمُحْسِنُ مِنْكُمْ فَكَالْغَائِبِ يَقْدُمُ عَلَى أَهْلِهِ؛ وَأَمَّا الْمُسِيءُ مِنْكُمْ فَكَالآبِقِ يُرَدُّ عَلَى مَوْلاهُ. قَالَ: فَكَيْفَ تَرى حَالَنَا عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: إعْرِضُوا أَعْمَالَكُمْ عَلَى الْكِتَابِ، إِنَّ اللهَ يَقُولُ: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمِ(1)قَالَ: فَقَالَ الرّجُلُ: فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ؟ قَالَ: رَحْمَةُ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ».

قال أبو عبد الله (علیه السّلام): «وَكَتَبَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرُ - رَضِيَ الله عَنْهُ - يَا أَبَا ذَرٌ: اطْرِفْنِي بِشَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ الْعِلْمَ كَثِيرٌ وَلَكِنْ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ لا تُسِيءَ إلى مَنْ تُحِبُّهُ فَافْعَلْ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : وَهَلْ رَأَيْتَ أَحَداً يُسِيءُ إِلَى مَنْ يُحِبُّهُ؟ فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ، نَفْسُكَ أَحَبُّ الْأَنْفُسِ إلَيْكَ فَإِذَا أَنْتَ عَصَيْتَ اللهَ فَقَدْ أَسَاتَ إِلَيْهَا»(2).


1) سورة الانفطار، الآية : 14 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب محاسبة العمل، ح20 .

الشرح:

إن الناس يختلفون كثيراً في كراهية الموت والخوف منه، كما أنهم يختلفون في مناشىء هذه الكراهية. وما ذكره أبو ذر رضوان الله تعالى عليه في الرواية المذكورة فهو مرتبط بالمتوسطين من الناس. ونحن نذكر إجمالاً موقف الناقصين والكاملين من الناس، تجاه الموت .

فلا بد أن نعرف بأن كراهتنا للموت، وخوفنا منه نحن الناقصين، لأجل أمر أشرنا إليه(1)لدى شرح بعض الأحاديث المتقدمة، وهو أن الإنسان حسب فطرته التي فطرها الله سبحانه، وجبلّته الأصيلة، يحب البقاء والحياة، ويتنفر من الفناء والممات، وهذا يرتبط بالبقاء المطلق والحياة الدائمية السرمدية، أي البقاء، الذي لا فناء فيه والحياة التي لا زوال فيها. إن بعض الكبار(2)قد أثبتوا يوم المعاد القيامة مع هذه الفطرة التي تحب الحياة والبقاء، حسب بيان يوجب ذكره هنا الخروج عن المقصود. وحيث أن في فطرة الإنسان هذا الحب وذاك التنفر، فإنه يحب ويعشق ما يرى فيه البقاء، ويحب ويعشق العالم الذي يرى فيه الحياة الخالدة ، ويهرب من العالم الذي يقابله. وحيث إننا لا نؤمن بعالم الآخرة، ولا تطمئن قلوبنا نحو الحياة الأزلية، والبقاء السرمدي لذلك العالم، نحب هذا العالم، ونهرب من الموت حسب تلك الفطرة والجبلّة .

وقد ذكرنا سابقاً(3)أن الإدراك والإذعان العقلي يختلف عن الإيمان والاطمئنان


1) في ص132 (الفارسي).

2) في آیة الله الشيخ محمد علي الشاه آبادي (رحمه الله علیه) (رشحات البحار ص 263) (الإنسان والفطرة) .

3) في ص 61 .

القلبي . نحن ندرك عقلاً أو نصدق أحاديث الأنبياء تعبداً بأن الموت - الذي هو انتقال من النشأة النازلة المظلمة المُلكية إلى عالم آخر، عالم حياة دائمية نورانية، ونشأة باقية عالية ملكوتية - حق، ولكن قلوبنا لا تحظى بشيء من هذه المعرفة، ولا علم لها عن ذلك. بل إن قلوبنا قد أخلدت إلى أرض الطبيعة، والنشأة الملكية، ونعتبر الحياة هي هذه الحياة النازلة الحيوانية المُلكية، ولا نرى بقاء وحياة للعالم الثاني، عالم الآخرة، وعالم الحيوان. ولهذا نركن ونعتمد على هذا العالم - المادي - ونخاف ونهرب ونتنفر من ذلك العالم - عالم الآخرة - إن كل شقائنا هذا من وراء النقص في الإيمان بيوم القيامة ومن عدم الاطمئنان بعالم الآخرة. لو أننا آمنا بعالم الآخرة والحياة الأبدية، عُشر اطمئناننا بالحياة الدنيوية وعيشها، وعُشر إيماننا بحياة هذا العالم وبقائه ، لتعلقت قلوبنا بذلك العالم أكثر ولعشقناه، ولسعينا قليلاً في إصلاح الطريق وترميمه. ولكن المؤسف أن إيماننا بالآخرة قد نضب في القلب، وأن يقيننا متزلزل، فنضطر إلى أن نخاف من الموت والفناء والزوال. وعليه ينحصر العلاج الحاسم في إدخال الإيمان إلى القلب عبر التفكير والذكر النافع والعلم والعمل الصالح .

وأما خوف وكراهة المتوسطين، للموت، أي الذين لا يؤمنون بعالم الآخرة، فلأن قلوبهم انشدّت إلى تعمير الدنيا، وغفلت عن تعمير الآخرة، ولهذا لا يرغبون في الانتقال مكان فيه العمران والازدهار إلى من مكان فيه الدمار والخراب. كما ذكر ذلك أبوذر الغفاري رضي الله تعالى عنه. وهذا أيضاً ناتج عن نقص في الإيمان والاطمئنان. وأما إذا كان الإيمان كاملاً ، فلا يسمح الإنسان لنفسه أن يشتغل بأموره الدنيوية المنحطة ويغفل عن بناء الآخرة.

وملخص الكلام: أن كل هذه الوحشة والكراهية والخوف، تكون نتيجة بطلان أعمالنا، واعوجاج سلوكنا ومخالفتنا لمولانا، في حين أنه إذا كان نهجنا صحيحاً وكنا نقوم بمحاسبة أنفسنا لما استوحشنا من الحساب يوم القيامة ، لأن الحساب هناك عادل، والمحاسب يكون عادلاً، فخوفنا من الحساب لأجل سوء أعمالنا وتزويرنا واحتيالنا، وليس من الحساب نفسه .

ففي الكافي الشريف نسبة - إلى الإمام موسى بن جعفر (علیه السّلام) قال : «ليسَ مِنَّا مَنْ لَمْ

يُحَاسِبْ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَإِنْ عَمِلَ حَسَناً اسْتَزَادَ اللَّهَ وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَاً اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنهُ وَتَابَ إليه»(1).

فلو تحملنا محاسبة أنفسنا، لما واجهنا صعوبة في موقفنا يوم الحساب، ولما دخل علينا الخوف والفزع. وهكذا كل المهالك والمواقف في ذلك العالم نتيجة أعمالنا في هذا العالم .

مثلاً : إذا انتهجت في هذا العالم صراط النبوة، والطريق المستقيم للولاية، ولم تنحرف عن محجة ولاية علي بن أبي طالب (علیه السّلام)، ولم تنزلق أقدامك، لما كان عليك بأس حين اجتيازك على الصراط يوم القيامة. لأن حقيقة الصراط هي الصورة الباطنية للولاية. كما ورد في الأحاديث الشريفة أن أمير المؤمنين (علیه السّلام) هو الصراط(2). وفي حديث آخر : «نَحْنُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمُ»(3)وفي الزيارة المباركة الجامعة الكبيرة «أنتُمُ السَّبِيلَ الأعْظَمُ وَالصِّرَاط الأقوم»(4). فمن كان على هذا الصراط مستقيماً في حركته في الحياة الدنيا، ولم يضطرب قلبه لما اضطربت أيضاً أقدامه على الصراط في الحياة الآخرة، وإنما يجتازه كالبرق الخاطف. وهكذا إذا كانت أخلاقه طيبة، وملكاته مستقيمة ونورانية، لكان في مأمن من ظلمة القبر ووحشته، وعالم البرزخ ومخاوفه، وعالم القيامة وأهوالها، ولم يكن عليه خوف من تلك النشآت. فعليه يكون الداء منا والدواء أيضاً منا . كما قال أمير المؤمنين (علیه السّلام) في الأبيات المنسوبة إليه :

دواؤكَ فِيكَ وَمَا تَشْعُرُ *** ودَاوُكَ مِنْكَ وَمَا تُبْصِرُ(5)


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب محاسبة العمل، ح2 .

2) عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : الصراط المستقيم أمير المؤمنين علي (علیه السّلام)». (معاني الأخبار، ج 2، باب معنى الصراط ، ح 2 و 3 . تفسير علي بن إبراهيم، ص 606) .

3) عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين (علیه السّلام) قال : «ليس بين الله وبين حجته حجاب فلا الله دون حجته ستر، نحن أبواب الله ، ونحن الصراط المستقيم، ونحن عيبة علمه، ونحن تراجمة وحيه، ونحن أركان توحيده، ونحن موضع سرّه». (معاني الأخبار، باب معنى الصراط ، ح 5).

4) زيارة الجامعة الكبيرة الموجودة في معظم كتب الأدعية والزيارات. من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص37.

5) هذا البيت منسوب إلى الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام).

وفي الكافي الشريف بسنده إلى الإمام الصادق (علیه السّلام) أنه قال لرجل: «إِنَّكَ قَدْ جُعِلْتَ طَبِيبَ نَفْسِكَ، وَبَيِّنَ لَكَ الدّاءُ، وَهُرَفْتَ آيَةَ الصَّحَةِ، وَدَلِلْتَ عَلَى الدُّوَاءِ، فَانْظُرْ كَيْفَ قِيَامُكَ عَلَى نَفْسِكَ»(1).

أيها الإنسان فيك أعمال وأخلاق وعقائد فاسدة، وتكون رسالات الأنبياء وأنوار الفطرة والعقل، أدوية ناجعة، ويتم إصلاح النفوس بالسعي في تزكيتها وتصفيتها .

هذا تمام الكلام في حال المتوسطين.

وأما الكُمّل، والمؤمنون، فإنهم لا يكرهون الموت ولكنهم يستوحشون منه ويخافونه، لأنهم يخشون عظمة الحق المتعالي، وجلال ذاته المقدس، كما قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «فَأَيْنَ هَوْلُ الْمُطْلَعِ(2)وكما كان أمير المؤمنين (علیه السّلام) ليلة التاسع عشر من شهر رمضان في فزع دهشة عظيمة(3)، رغم أنه كان يقول : «وَاللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ أنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ»(4).

وملخص الحديث: أن خوف هؤلاء يكون من أمور أخرى، ولا يكون من نوع خوفنا نحن المصفدين بالآمال والأماني، والمحبين للدنيا الفانية. وإن قلوب أولياء الله من جّراء الخوف في منتهى الاختلاف فيما بينها حتى لا يمكن عدّ المراتب المختلفة وإحصاؤها. ونحن نشير إلى بعضها بصورة مجملة فنقول :

إن قلوب الأولياء تختلف فيما بينها في قبول تجليات الأسماء: فبعضها قلوب عشقية وشوقية والحق المتعالي يتجلّى في تلك القلوب من خلال أسمائه الجمالية» وذاك التجلي، يبعث على الشوق والخوف، فإن الخوف يكون من مضاعفات تجلّي عظمته سبحانه. وإن قلب الواله العاشق يكون مضطرباً حين اللقاء مع حبيبه، وفي نفس الوقت يكون مستوحشاً وخائفاً ولكن هذا الخوف والاستيحاش يختلفان عن المخاوف العادية .


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب محاسبة العمل ، ح6 .

2) تفسير البرهان ، ج 4 ، لدى تفسير الآية الأولى من سورة النصر، ح3.

3) کتاب فيه ما فيه للمولوي مؤلف المثنوي ، ص 48 .

4) نهج البلاغة الخطبة 5 (الشيخ صبحي الصالح).

وبعضها قلوب خوفية وحزينة ، وإن الحق المتعالي يتجلى في تلك القلوب بواسطة الأسماء الجلالية والعظمة، فيحصل الوَجد والحب الشديد المشوب بالخوف، والحيرة المشوبة بالحزن. وفي الحديث أن النبي يحيى (علیه السّلام) رأى يوماً النبي عيسى (علیه السّلام) يضحك، فعاتبه قائلاً : أتأمن مكر الله وعذابه، فأجاب عيسى (علیه السّلام): أأنت أيس من رحمة الله وفضله؟ فأوحى الله سبحانه إليهما من كان منكما يحسن الظن بي أكثر فهو محبوب عندي أكثر .

فلمَّا تجلّى الحق المتعالي في قلب يحيى (علیه السّلام) من خلال الأسماء الجلالية كان يحيى خائفاً، ومؤنباً للنبي عيسى (علیه السّلام) بتلك الشدة. ولكن الحق قد تجلّى بأسمائه الجمالية في قلب عيسى (علیه السّلام) فأجاب عيسى يحيى حسب تجلّيات الرحمة .

فصل: الجنة والنار عالمان مستقلان، تساق إليهما أعمال الإنسان

إعلم أن الظاهر من هذا الحديث - الثاني والعشرين - عندما يقول : «عَمَّرْتُمُ الدُّنْيَا وَأَخْرَبْتُمُ الآخِرَةَ» أن دار الآخرة والجنة مشيدة وقائمة ، وتتهدم بأعمالنا. ومن الواضح أن المقصود - من قوله عمرتم الدنيا وأخر بتم الآخرة - هو التشابه في التعبير، فإنه لما عبر عن الدنيا بالتعمير عبر عن دار الآخرة بالتخريب. وإن عالم الجنة والنار وإن كانا مخلوقين، ولكن تعمير دار الجنة ومواد بناء جهنم تابعة لأعمال أهل كل منهما. وفي الحديث القدسي «يا محمد إقرأ أمتك عني السلام وأخبرهم أن الجنة ماؤها عذب وتربتها طيبة، فيها قيعان بيض غرسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله فمر أمتك فليكثروا من غرسها»(1). وهذا يتطابق مع البرهان وكشف أهل المكاشفة. كما يقول بعض العرفاء المحققين : (إعلم - عصمنا الله وإياك - أن جهنم من أعظم المخلوقات، وهي سجن الله في الآخرة. وإنما سمّيت بجهنم لبعد قعرها حيث يقال لبئر بعيد الغور والعمق بئر جهنام. وهي تحتوي على حرارة وزمهرير - البرودة - وتكون برودتها في أقصى


1) أمالي الصدوق ص 366 المجلد 19 ، علم اليفين، ج 2، ص 1060 .

درجات البرودة، وحرارتها في أقصى درجات الحرارة، وتعتبر المسافة بین أعلاها وأسفلها مسيرة سبعمائة وخمسين عاماً. والناس اختلفوا في أن جهنم مخلوقة أم غير مخلوقة، وكان الخلاف في ذلك مشهوراً. كما أنهم اختلفوا في أن الجنة مخلوقة. أم غير مخلوقة. أما عندنا وعند أصحابنا من أهل المكاشفة والمعرفة فإن الجنة وجهنم مخلوقتان وغير مخلوقتين أما إنهما مخلوقتان فإن مثلهما، مثل رجل بني بيتاً وأقام الجدار الخارجي حيث يقال له بيت، ولكننا عندما ندخل لا نجد شيئاً إلا سوره وحائطه الذي يصون البيت من الخارج، ولكن بعد ذلك يُشيدّ البيت حسب طلب الساكنين من بناء الغرف والمرافق والملاجيء وحسب هدف صاحب البيت وما ينبغي أن يكون فيه . انتهى)(1).

وفي الحديث قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «لما أسري بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت : فيها قيعان ورأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب ولبنة من فضة وربما أمسكوا فقلت لهم : ما بالكم قد أمسكتم . فقالوا : تجيئنا النفقة فقلت : وما نفقتكم؟ قالوا قول المؤمن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإذا قال بنينا وإذا سكت أمسكنا»(2).

وخلاصة الحديث: أن صورة الجنة وجهنم الجسمانيتين الماديتين هي صور الأعمال والأفعال الحسنة والسيئة لبني آدم حيث تعود إليهم يوم الآخرة كما أن الآيات الشريفة قد أشارت إلى ذلك مثل قوله تعالى : وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً(3)وقوله : «إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالَكُمْ تَرَدُّ إليكم»(4)ومن الممكن أن يكون عالم الجنة وعالم جهنم نشأتين ودارين مستقلين يتحرك إليهما بالحركة الجوهرية، والدوافع الملكوتية والحركات الإرادية العملية والخلقية . وإن كانت حظوظ كل الناس من صور أعمال أنفسهم .

وعلى أي حال فإن عالم الملكوت الأعلى عالم الجنة الذي هو عالم مستقل تساق النفوس السعيدة إليه. وعالم جهنم هو الملكوت السفلى الذي تساق إليه النفوس الشقية


1) الفتوحات المكية ، ج 1، الفصل الأول، الباب 61.

2) بحار الأنوار، المجلد 10 ، كتاب الذكر والدعاء، الباب الثاني ، ح7 .

3) سورة الكهف، الآية : 49 .

4) علم اليقين، المجلد 2 ، المقصد الرابع في أحوال البرزخ ص 884 .

. وما يعود إلى الإنسان في كل من النشأتين من الصور البهية الحسنة أو الصور المؤلمة المدهشة فهي أعمال نفس الإنسان .

وبهذا البيان نجمع بين ظواهر الكتاب والأخبار المختلفين بحسب الظاهر . كما أن هذا البيان يوافق البرهان ومسلك ذوي العرفان أيضاً.

فصل: الشيطان والنفس تغرران بالإنسان إلى الهلاك بكل الوسائل

لا يخفى أن حديث أبي ذر رضوان الله تعالى عليه في هذا المقام، حديث جامع ، وكلام متين، لا بد من المحافظة عليه، فإنه لما قال : اعرضوا أعمالكم على الكتاب الكريم حيث يقول : إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمِ تمسك الرجل بالرحمة قائلاً : فأين رحمة الله ؟ قال أبو ذر لا تكون رحمة الحق من دون قيد ولا شرط بل هي قريبة من المحسنين .

إعلم أن الشيطان الملعون، والنفس الأمارة بالسوء الخبيثة، يغرران الإنسان عبر طرق كثيرة، ويقودانه إلى الهلاك الأبدي الدائمي، وآخر وسيلة يلتجآن إليها، هي تغرير الإنسان في بدء الأمر برحمة الحق سبحانه، ومنعه بذلك عن المضي في العمل الصالح، وهذا الاتكال على الرحمة من مكائد الشيطان وأساليب تضليله. والدليل على ذلك أننا في قضايانا الدنيوية، لا نعتمد على رحمة الحق سبحانه، بل نرى العوامل الطبيعية والظاهرية، مستقلة ومؤثرة بدرجة كأنه لا أثر في الوجود إلا للأسباب الظاهرية. ولكننا في الأمور الأخروية نتكل غالباً حسب زعمنا على رحمة الحق سبحانه، ونغفل عن توجيهه لنا وتوجيه رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فكانّ الله لم يزودنا بالقدرة على العمل، ولم يعلّمنا سبيل الصواب، والاعوجاج .

و خلاصة الكلام: نكون في شؤوننا الدنيوية من المفوضة، وفي شؤوننا الأخروية من الجبريين، غافلين عن أن هذين المسلكين باطلان وفاسدان و مخالفان لإرشاد الأنبياء صلى الله عليهم، ومنهج الهدى، والأولياء المقربين. مع . كانوا جميعاً يؤمنون برحمة الحق وكان إيمانهم أكثر من الآخرين. رغم ذلك كله، لم يغفلوا لحظة واحدة عن أداء واجبهم، ولم يتوقفوا عن السعي وبذل الجهد دقيقة واحدة .

أخي ادرس صحائف أعمالهم : أدعية ومناجاة سيد الساجدين وزين العابدين (علیه السّلام) وتدبّر أنه ماذا كان يفعل في مقام العبودية؟ وكيف كان ينهض بدور العبودية؟ ومع ذلك عندما يلقي - الإمام السجّاد - نظرة على صحيفة مولى المتقين، أمير المؤمنين (علیه السّلام)، يبدي أسفه، ويظهر عجزه !(1).

فنحن إما أن نكذبهم - نعوذ بالله - ونقول بأنهم لم يطمئنوا ولم يؤمنوا برحمة الحق سبحانه، مثلما أننا لم نؤمن ولم نطمئن برحمته عز وجل أو نكذب أنفسنا، ونفهم بأن هذه الأقوال التي نتفوه بها من مكائد الشيطان وإغراءات النفس، حيث يريدان تضليلنا عن الصراط المستقيم . نعوذ بالله من شرهما .

فيا أيها العزيز، كما قال أبو ذر للرجل : إن العلم كثير ، ولكن العلم النافع لأمثالنا أن لا نسيىء إلى أنفسنا ونعرف بأن أوامر الأنبياء والأولياء (علیهم السّلام) تكشف عن حقائق نحن محجوبون عنها. إنهم يعلمون بأن للأخلاق الذميمة والأعمال السيئة، صوراً بشعة وثماراً فاسدة، وأن للأعمال الحسنة والأخلاق الكريمة صوراً جميلة ملكوتية . إنهم حدثونا عن كل شيء عن الدواء والعلاج وعن الداء والسقم . فإذا كنت عطوفاً على نفسك، فلا بد وأن لا تتجاوز هذه الإرشادات لتداوي ألمك ، وتعالج مرضك . الله يعلم أنه إذا انتقلنا مع ما نحن عليه الآن إلى ذلك العالم، فبأي مصائب وآلام ومعاناة سوف نبتلي؟ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلاً وآخراً.


1) كشف الغمّة في معرفة الأئمة، ج 2، ص 85 .

الحديث الثالث والعشرون: المراء والجدل»

اشارة

بالسنّد المتَّصل إلى حجّة الفرقة وثقتها محمّد بن يعقوب الكُلَيْني - رضي الله عنه - عن علي بن إبراهيم، رفعه إلى أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «طَلَبَةُ الْعِلْمِ ثَلاثَةٌ فَاعْرِفْهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ: صنف يَطْلُبُهُ لِلْجَهْلِ. فَصَاحِبُ الْجَهْلِ وَالْمِرَاءِ مُؤْذٍ مُمَارٍ مُتَعَرِّضٌ لِلْمَقَالِ فِي أَنْدِيَةِ الرِّجَالِ بِتَذَاكُرِ الْعِلْمِ وَصِفَةِ الْحِلْمِ، قَدْ تَسَرْبَلَ بِالْخُشُوعِ وَتَخَلَّى مِنَ الْوَرَعِ، فَدَقُ اللَّهُ مِنْ هَذَا خَيْشُومَهُ وَقَطَعَ مِنْهُ حَيْزُومَهُ، وَصَاحِبُ الْإِسْتِطَالَةِ وَالْخَتْلِ ذُو خِبْ وَمَلَقٍ، يَسْتَطِيلُ عَلَى مِثْلِهِ مِنْ أَشْبَاهِهِ وَيَتَوَاضَعُ لِلْأغْنِيَاءِ مِنْ دُونِهِ، فَهُوَ لِحَلْوَائِهِمْ هَاضِمٌ وَلِدِينِهِ حَاطِمٌ، فَأَعْمَى اللهُ عَلَى هَذَا خُبْرَهُ وَقَطَعَ مِنْ آثَارِ الْعُلَمَاءِ أَثَرَهُ، وَصَاحِبُ الْفِقْهِ وَالْعَقْلِ ذُو كَآبَةٍ وَحُزْنٍ وَسَهَرٍ، قَدْ تَحَنَّكَ فِي بُرْنُسِهِ وَقَامَ اللَّيْلَ فِي حِنْدِسِهِ، يَعْمَلُ وَيَخْشَى وَجِلاً دَاعِياً مُشْفِقاً مُقْبِلاً عَلَى شَأْنِهِ عَارِفاً بِأَهْلِ زَمَانِهِ مُسْتَوْحِشاً مِنْ أَوْثَقِ إِخْوَانِهِ، فَشَدَّ اللَّهُ مِنْ هَذَا أَرْكَانَهُ وَأَعْطَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَانَهُ».

قَالَ الْكُلَيْنِيُّ (رحمه الله علیه) وَحَدَّثَنِي بِهِ محمَّدُ أبو عبد الله القزويني عن عدة من أصحابنا، منهم جعفر بن محمّد الصِّيقل بقزوين، عن أحمد بن عيسى العلويَّ، عن عباد بن صُهَيب البصريَّ، عن أبي عبد الله (علیه السّلام)(1).


1) أصول الكافي، المجلد 1 ، كتاب فضل العلم، باب النوادر ، ح5.

الشرح:

«بأعيانهم» تأكيد لضمير (إغرفهُمْ)، فالمعنى إعرفهم بأنفسهم حتى يتحدّدوا ويتشخّصوا ولا يلتبسوا عليك، مثل أن تقول رَأَيْتُهُ بِعَيْنِهِ. وقوله «كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ حَلالٌ وَحَرَامٌ فَهُوَ لَكَ حَلالٌ حَتَّى تَعْرِفَ الْحَرَامَ بِعَيْنِهِ»(1). إن المحقق المحدث المجلسي رحمه الله قد أبدى احتمالات عديدة، وقال في هذا المقام إن الاحتمال المتعين والواضح لا يكون شيئاً من ذلك ، وإن تلك الاحتمالات أيضاً في منتهى البعد. مثل القول: بأعيانِهِمْ : أَي بِخَوَاصِهِمْ وَأَفْعَالِهِمُ الْمَخْصُوصَةِ بِهِمْ أَوْ بِالشَّاهِدِ وَالْحَاضِرِ مِنْ أَفْعَالِهِمْ، والقول: وَقِيلَ: بِأَعْيانِهِمْ أَي أَقْسَامِهِمْ وَمَفْهُومَاتِ أَصْنَافِهِم، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِأَعْيَانِهِمْ مَنَاظِرُهُمْ مِنْ هَيْتَتِهِمْ وَأَوْضَاعِهِمْ كَالسَّسَرْبُلِ بِالْخُشُوع(2). وغير ذلك من الاحتمالات البعيدة .

قوله : «وَصِفاتِهِمْ» إن المقصود من الأوصاف، الحالات التي تتبع الملكات والأغراض لهذه الصفات الثلاثة مثل مؤذ، مراء، متعرض . . . فبهذه الأوصاف يتم تعريف أحوالهم ويتشخصون بأعيانهم .

وَ«الجَهْلُ»: خلاف العلم ، ولعل المقصود منه هنا، إخفاء الحق أو تجاهله ورفض قبول الحق. ونحن سنشرح هذا الموضوع أكثر مما ذكرناه هنا . وقال المجلسي : الْجَهْلُ : السَّفَاهَةَ وَتَرْك الْحِلْمِ، وَقِيلَ : ضِدُّ الْعَقْل(3).

و«المراء»: الجدال في الرأي والحديث، ومنه مادة جَدَل التي هي من الصناعات


1) وسائل الشيعة، ج 12 ، كتاب التجارة، الباب 4 ، أبواب ما يكتسب به ، ح 1 .

2) مرآة العقول ، ج 1، كتاب فضل العلم ، باب النوادر ، ح5 .

3) مرآة العقول ، ج 1، كتاب فضل العلم ، باب النوادر ، ح5 .

الخمس المذكورة في المنطق. يُقالُ : مارَيْتُ الرَّجُلَ أماريه مراء؛ إذا جادلته. كما ورد في صحاح الجوهري. وهذا الكلام وإن كان مطلقاً يعم الجدل المنطقي وغيره - ولكن الظاهر هو ما ذكرناه. وفي المقام احتمال آخر سنأتي على ذكره في أحد الفصول القادمة(1).

و«الإستطالة»: طلب الرفعة. والخَتل بفتح الخاء المعجمة وسكون التاء بمعنى الخدعة والمكر . قال الجوهري : خَتَلَهُ وخاتَلَهُ أَي خَدَعَهُ والتَّحَاتُلُ : التَّحَادُعُ .

قوله: «مُمَارِ»: سنتحدث عن سبب تعريف صاحب المراء بالمماري، وصاحب الاستطالة والختل، بالاستطالة على الأنداد وبصاحب الخب أي الخدعة(2).

قوْلَهُ: «مُتَعَرِّضَ لِلْمَقَالِ»: أي إظهار المقال : يُقالُ : عَرضْتُ لَهُ الشَّيء؛ إذا أَظْهَرْتَهُ لَهُ وَعَرَضَ لَهُ أَمْرُ كَذَا وَيَعْرِضُ : أي ظَهَرَ .

و«الأندية» : جمع «النادي» وهو محل اجتماع القوم، ومجلس التداول لقضاياهم . فإذا تفرقوا لا يقال للمحل «النادي» ومنه «دارُ النَّدْوَة» التي كانت في مكة والتي شيّدت للاجتماع والتشاور . و«نَدي» على وزن فعيل وتستعمل «نَدْوَةَ» و«مُنتَدى» و«مُتَنَدى» بهذا المعنى كما يقول الجوهري .

«بتَذَاكُرِ الْعِلْمِ»: الظرف إما متعلق بالمقال أو بدل عن المقال. وصِفَةِ الْحِلْم: معطوفة على تذاكر العلم. والمقصود هو أنهم يتذاكرون العلم حتى يجعلوا أنفسهم من المنتمين إليه ويصفون الحلم ويستحسنوه حتى يُعدّوا من زمرة الحكماء، رغم أنهم يكونون من أهل العلم ولا من أصحاب الحلم. إن علمهم جهل في صورة العلم وحلمهم خارج عن الحدود الكاملة المعتدلة. ونحن سنتحدث قليلاً عن هذا الموضوع .

قوْلُهُ: «تَسَرْبَلَ» : من باب تفعلل - معناه لَبِسَ السربال - يقال : سَرْبَلْتُهُ فَتَسَرْبَلَ : أي البَسْتُهُ السِّرْبَالَ. وَتَسَرْبَل بِالْخُشوع : أي ارتدى لباس الخضوع، وأظهر ملازمته بمثل ما


1) سيأتي الحديث عنه في الفصل المذكور في ص 425 .

2) المقصود أن تعريف صاحب المراء بالمماري، وأصحاب الخدعة، بذوي الخدعة من قبيل تعريف الشيء بنفسه وهذا ليس بصحيح لدى المناطقة. ونحن سنبين وجه ذلك بعد حين لدحض هذه العقدة (منه).

أن الثوب يلصق بالجسم ويلازمه. في حين أنه خال عنه، كالثوب الذي يكون استعارة على الجسم .

و«الورع»: بفتح الراء . معناه الابتعاد وتجنب المحرمات والمشتبهات .

قوله: «فَدَقَ الله ... الخ»: يحتمل أن تكون هذه الجملة ومثيلاتها من الجملتين اللاحقتين للدعاء، ويحتمل أن تكون إخباراً لأحوالهم في الدنيا والآخرة أو فيهما. و «دَق» بمعنى قرع أو إنه اسم صوت .

قوله: «مِنْ هَذَا»: أي من أجل كل واحد من هذه الخصال .

«والخيشوم»: هو أعلى الأنف. والمقصود من دقّ الخيشوم، الكناية عن الذل والهوان، أي أن الله سبحانه لأجل تلك الخصال يذلّهم . وإننا سنلمح لهذا المعنى بعد حين(1).

«وَالْحَيْزُوم» : بفتح الحاء المهملة وضم الزاء المعجمة. ومعناه: ما يضم عليه الحزام الْمَحْرَم. وبمعنى وسط الصدر والعظم الذي يحيط مثل الطوق على الحلقوم. والمعنى الأول هو المناسب، لنسبة القطع إليه .

«والخب»: بكسر الخاء معناه الخدعة والحبث والغش . يُقالُ رَجُلٌ خِب - بِكَسْرِ أو فتح - بمعنى الخداع كما يقول الجوهري .

«ومَلِقٌ» : بمعنى التملق والتزلف، وهذا المعنى يلازم ما قاله الجوهري في صحاحه من قول : قال «رجل مَلِقٌ يُعطي بلسانه ما ليسَ في قلبه. انتهى» وهذا تفسير باللازم الأعم بل المعنى إظهار التلطف والتودد المشوب بالتخضع رغم أن قلبه لا يكون كذلك.

قوْلُهُ «لِحَلْوائِهِمْ»: يقول المجلسي وفي بعض النسخ مع النون(2). وعليه تكون الكلمة - بضم الحاء المهملة وسكون اللام - ومعناها أجرة السمسار والكاهن، وما يُدفع من قبيل الرشوة والمقصود ما يدفع له الأغنياء مكافأة لأعماله التي أنجزها لهم، ولتنازله عن مواقفه الدينية .


1) سيأتي الحديث عنه في ص 425 .

2) مرآة العقول، ج 1، كتاب فضل العلم، باب النوادر ، ح5 .

«والحطم»: هو الكسر. ويقول المجلسي : إن حطم بمعنى الكسر، الباعث على الفساد(1).

قوله : «خُبْرَهُ»: يحتمل أن تكون بضم الخاء المعجمة وسكون الباء بمعنى الخبرة والبصيرة. ويحتمل أن يكون بفتح الخاء والباء. وحيث أن الفعل منسوب إليه كان المعنى الأول أنسب وإن كان المعنى الثاني لا يخلو عن وجه .

«والكآبة» : بالتحريك والمدّ والتسكين، سوء الحال والذبول من شدّة الهمّ والحزن .

قوْلُهُ : «تَحَنَّكَ في بُرْنُسِهِ»: يعني جعل تحت الحنك - الطرف من العمامة على الرأس - في برنسه. والبرنس قلنسوة طويلة كان أهل العبادة في صدر الإسلام يضعونها على رؤوسهم. كما ورد في (صحاح اللغة) للجوهري. وقال المحقق المجلسي (تشير هذه الجملة إلى استحباب التحنك في الصلاة)(2). وفي هذا الاستظهار نظر، لأن التحنك في ثياب يرتديها أهل العبادة، يدل على استحبابه بصورة مطلقة ولا يدل على الاستحباب في خصوص وقت الصلاة، نعم لو كان البرنس ثوباً يخص الصلاة فقط، لكان الاستظهار صحيحاً.

«وَالْحِنْدِس»: - مع الحاء المهملة المكسورة، ومع النون الساكنة، والدال المهملة المكسورة - هو الليل الشديد الظلام، كما يقول الجوهري. وإضافته إلى الضمير إضافة بيانية : وجملة (في حِنْدِسِه) بَدَل «ليل» ويحتمل بقوة أن يكون الحندس في هذا المقام ظلمة الليل بناءاً على تجريده - من الألف واللام -.

قوْلُهُ: «فَشَدَّ الله أركانَهُ»: إن «شَدّ» بمعنى القوة والمتانة، يقال شدّ عضده أي قواه . وإن «الرُّكْن» هو الذي يُعتمد ويُقام عليه . قال الجوهري : «رُكُنُ الشَّيء : جَانِبُهُ الأقْوى».

ونحن نذكر في شرح هذا الحديث ما يناسب بيانه وشرحه، ضمن فصول عديدة. وَعَلَى الله التكلانُ .


1) مرآة العقول ، ج 1، كتاب فضل العلم ، باب النوادر ، ح5.

2) مرآة العقول ، ج 1، كتاب فضل العلم ، باب النوادر ، ح5.

فصل: كيفية حصول العلم الصحيح

اعلم أنه قد تقرر في محله بأن مقدمات القياس بالنسبة إلى نتائجه، والأدلة والبراهين في كل علم بالنسبة إلى مدلولاتها والمبرهن عليه، تكون بمثابة المُعدّات، فليست مستقلة بصورة تامة - تتولد عنها الدلالات وتكون منتجة من دون ارتباطها بشيء آخر - ولا غريبة عنها نهائياً ومن دون ارتباط - بأن تكون عقيمة وغير منتجة -. وقد اختلفت في المقام. الطائفتان المجبّرة والمفوّضة، وحادت كلتاهما عن طريق الاعتدال، واختارت كل منهما جانباً يتناسب مع وجهة نظرها ومذهبها. فقالت إحداها : إن المقدمات مستقلة، وإنه لو أغلقت أبواب عالم الغيب، وانقطع الفيض من عالم الملكوت، لاستطاع الإنسان أن ينتهي من المقدمات ذاتها إلى النتائج. وقالت الأخرى منهما إن المقدمات لا علاقة لها كلياً مع النتائج ولكن العادة قد جرت على إلقاء النتائج في ذهن الإنسان بعد ترتيب المقدمات، وأن المقدمات ترتبط بالنتائج شكلياً من دون أن يكون بينهما ارتباط حقيقة .

وكل واحد من هذين الرأيين مع منطلقاته من المذهبين - المجبّرة والمفوّضة - باطل لدى أهل المعارف الحقة والعلوم الحقيقية .

والحق - وفاقاً لأهله - هو : أن المقدمات ذات دور إعدادي للنفس، لتلقي العلوم المفاضة عليها من المبادىء العالية الغيبية .

ونحن لسنا هنا بصدد شرح هذا المذهب وإبطال المسلكين المذكورين، لأنه يوجب الخروج عن الهدف المبتغى ، وإنما ذكرنا ذلك استطراداً لشرح موضوع آخر هو :

إننا بعدما ذكرنا أن إلقاء العلوم والمعارف من العوالم الغيبية، ومن نتائج ارتباط النفس بها - وتقبّلها للعلوم - كما ورد في الحديث الشريف: «لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ التَّعْلِيمِ بَلْ هُوَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبٍ مَنْ يَشَاءُ»(1)فكل نفس ذات ارتباط مع الملكوت الأعلى وعالم الملائكة المقربين، تكون الإلقاءات إليها من نوع الفيوضات الملكيّة، والعلوم التي تفاض


1) بحار الأنوار، المجلد 1 ، كتاب العلم، الباب 7 ، ح 17 ص 225 .

عليها هي من العلوم الحقيقية ومن عالم الملائكة. وكل نفس منشدّة إلى عالم الملكوت السفلي، وعالم الجن والشيطان والنفس الخبيثة ، كانت الإلقاءات إليها شيطانية ومن قبيل الجهل المركب، والحجب المظلمة .

ومن هذا المنطلق يرى أرباب المعارف - العرفاء - وأصحاب العلوم الحقيقية - يأتي تفسير العلم الحقيقي - أن تطهير النفوس، وإخلاص النية، وتصحيح الغايات والأهداف في تحصيل العلم وخاصة في دراسة المعارف الحقة والعلوم الشرعية، هو الشرط الأول في ذلك، ويؤكدونه على المتعلمين، لأنه مع تصفية النفس، وتجليتها، يشتد ارتباطها بالمبادىء العالية. وعندما يقول الرب جلّ جلاله في الآية الكريمة إِتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ الله(1)فلأجل أن التقوى تزكّي النفس وتربطها بعالم الغيب المقدس ثم يكون التعليم الإلهي والإلقاء الرحماني، لأن البخل في المبادىء العالية، محال، وإن فيضها يكون واجباً، إذ أن واجب الوجود بالذات، واجب من جميع الجهات والحيثيات .

وإذا كان الإنسان لأجل تعمير نفسه ومأكله ومشربه وأنانيته النفسانية، منصرفاً إلى تحصيل العلوم، غدا الهدف غير إلهي ، وأصبحت الإلقاءات شيطانية .

ومن المقاييس التي لا تفرّق، بين الإلقاءات الرحمانية، والإلقاءات الشيطانية، والتي لم يذكرها أهل المعارف حسب ما أظن، هو ما ذكرناه، والذي يُدركه الإنسان بنفسه في كثير من الأحيان. فإن ما يلقى إلى النفس المعتمة، اللانقية، يكون من الجهل المركب الذي هو مرض نفسي لا دواء له، وشوك في طريق وصولهم إلى الحقيقة. لأن المقياس في العلم، ليس هو تجميع المفاهيم الكلية، والاصطلاحات العلمية، بل المقصود منه، رفع الحجب عن عين البصيرة للنفس، وفتح باب معرفة الله، حيث يكون العلم الحقيقي هو مصباح هداية الملكوت، والصراط المستقيم، للتقرب إلى الحق، ودار كرامته. وكل ما عدا ذلك، وإن كان في عالم الملك، وقبل إزاحة حجب الطبيعة - الدنيا - فهو في شكل العلم وصورته، وإن أصحابه لدى أهل الحوار والجدال، يُعدّون من العلماء والعرفاء والفقهاء. ولكنه بعد تساقط الحجب عن وجه القلب، وكشف ستار الملكوت،


1) سورة البقرة، الآية : 282.

والاستفاقة من السبات العميق في عالم المُلك والطبيعة - الدنيا - يتبين بأن سُمك هذا الحجاب وغلظته أكثر من كل الحجب، وأن هذه العلوم المقررة بأسرها، من الحجب الغليظة الملكوتية التي تكون بين حجاب وآخر مسافة أميال وفراسخ وقد كنا من الغافلين عنه «النَّاسُ نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انتبهوا»(1)ويتبين بأننا جميعاً كيف سنكون؟

وهنا العار والفضيحة، إذ نتعلم خمسين عاماً أو أكثر أو أقل، ونزعم بأن أبحاثنا الله سبحانه، ولكننا نكون من المخطئين أيضاً ومن الغافلين عن كيد الشيطان ومكر النفس، لأن حبّ النفس حجاب سميكّ جداً، يستر علينا عيوبنا .

ولهذا ذكر الأولياء الأطهار، والأئمة الكبار عليهم سلام الله ، معالم وآثاراً لتفهيمنا سبل التفريق بين الإلقاءات الرحمانية والإلقاءات الشيطانية، حتى نعرف بها أنفسنا، ونختبرها، ولا نحسن الظن بها عبثاً ولغواً.

وبعد هذا نشير إلى العلامات التي أتت على ذكرها الرواية الشريفة :

فعُلِمَ بأن طلاب العلم ينقسمون بصورة كلية أولية . إلى طائفتين :

إحداهما : إن هدفهم من وراء طلب العلم يكون إلهياً .

ثانيهما: إن مقصودهم من وراء الدراسة، أمور نفسية. ونستطيع أن نقول إن غاية مطلوبهم الجهل ، لأن العلوم الصورية التي تحصل لديهم، تكون في الحقيقة من الجهل المركب، والحجب الملكوتية .

وهذان الصنفان اللذان ذكرهما الإمام الصادق (علیه السّلام) في هذا الحديث الشريف الذي شرحناه يلتقيان في هذا الأمر الذي ذكرناه - الجهل - لأن أصحاب المراء والجدال وكذلك ذوي الاستطالة والختل، من أرباب الجهل والضلال. ولهذا يمكننا أن نقول بأن «الجهل» الذي جعله الإمام (علیه السّلام) من علامات الصنف الأول، غير «الجهل» الذي له معنىَ متعارف، بل المقصود إما التباس الأمور، وإلقاء الناس في الجهالة، أو المقصود من الجهل، التجاهل وعدم الإذعان للحق. كما أن هذين الأمرين من خصائص أصحاب


1) كتاب (شرح مائة كلمة قصار) لابن ميثم البحراني ص 54 . عوالي اللثالي ، ج 4 ، ح48 .

المراء والجدال. فإنهم يجحدون الأمور الحقة والحقائق الشائعة، ويتجاهلون، حتى يثبتوا كلامهم، وينعشوا الأباطيل، وينشروا أمتعتهم الفاسدة .

وأما أن الإمام الصادق (علیه السّلام) جعل الناس على ثلاثة أصناف - مع أنهم حسب التقسيم الأولي الكُلّي صنفان يدوران بين النفي والإثبات، وحسب اعتبار آخر يكون أكثر من ثلاثة أصناف - فيمكن أن نقول إنما هو لأجل أنه صلوات الله وسلامه عليه أراد أن ينبه إلى هذين الصنفين العظيمين، وهذين النوعين الكبيرين اللذين يعود إليهما معظم أصحاب الجهل والضلال. ولهذا نجد في رواية أخرى الإمام الصادق (علیه السّلام)، يصنف طلاب العلوم إلى صنفين :

الكافي : بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «مَنْ أَرَادَ الْحَدِيثَ لِمَنْفَعَةِ الدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الآخِرَةِ نَصِيبٌ . وَمَنْ أَرَادَ بِهِ خَيْرَ الآخِرَةِ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»(1).

فصل: مفاسد المراء والجدال

قد سبق(2)منا الكلام في ذكر مفاسد المراء والجدال ضمن حديث من الأحاديث الشريفة. ولمّا رأينا أن من المناسب هنا ذكر بعض الأحاديث التي تبين مفاسد المراء والجدال عرضناها وبيّنا نبذة منها وهي :

في الكافي الشريف بسنده إلى الإمام الصادق (علیه السّلام): قال : قال أمير المؤمنين (علیه السّلام): «إِيَّاكُمْ وَالْمِرَاءَ وَالْخُصُومَةَ فَإِنَّهُمَا يُمْرِضَانِ الْقُلُوبَ عَلَى الإِخْوَانِ وَيَنْبُتُ عَلَيْهِمَا النِّفَاقُ»(3).

وفي الكافي أيضاً عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «إيَّاكُمْ وَالْخُصُومَةَ فَإِنَّهَا تَشْغَلُ الْقَلْبَ وثورِثُ النِّفَاقَ وَتَكْسِبُ الضَّفَائِنَ»(4).


1) أصول الكافي، المجلد 1 ، كتاب فضل العلم، باب المستأكل بعلمه ، ح2 .

2) تقدم في ص 54 فراجع.

3) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب المراء والخصومة ، ح 1 .

4) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب المراء والخصومة ، ح 8 .

وفيه أيضاً عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «قَالَ جَبْرَائِيلُ لِلنَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم): إِيَّاكَ وَمُلاحَاةَ الرجال»(1).

أما بيان أن المراء والخصومة في المقال، يمرضان القلب، ويسيئان نظرة الإنسان إلى أصدقائه ويبعثان النفاق في القلب، فقد سبق(2)منا الكلام بأن الأعمال الظاهرية تترك آثاراً في الباطن والقلب، متناسبة مع تلك الأعمال، ونقول هنا بأن تأثير الأعمال السيئة في القلب أسرع وأكثر، لأن الإنسان نتاج عالم الطبيعة - المادة - وأن القوى الشهوية والغضبية والشيطانية ترافقه وتتصرف فيه، كما ورد في الحديث : «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مَجْرَى الدَّم مِنْ بَنِي آدَمَ»(3)، ولهذا يتجه القلب نحو المفاسد، والأمور المنسجمة مع الطبيعة، ولدى وصول أقل عون ومدد من الخارج مثل أعضاء الإنسان أو الصديق المنحرف السيّىء، يتحقق الأثر الشديد في القلب. كما ورد النهي في الروايات الشريفة عن الصداقة والمؤاخاة مع المنحرفين .

الكافي : عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : قال أمير المؤمنين (علیه السّلام): «لا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُوَاخِيَ الْفَاجِرَ فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَهُ فِعْلَهُ وَيُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ وَلَا يُعِينُهُ عَلَىٰ أَمْرٍ دُنْيَاهُ وَلَا أَمْرٍ مَعَادِهِ وَمَدْخَلَهُ إِلَيْهِ وَمَخْرَجُهُ مِنْ عِنْدِهِ شَيْنٌ عَلَيْهِ»(4).

وعن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «لا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُوَاخِيَ الْفَاجِرَ وَلَا الْأَحْمَقَ وَلا الْكَذَّابَ»(5).

والنكتة المهمة في النهي عن مخالطة أهل المعصية، أو الحضور إلى مجلس يعصى الله فيه أو التوادّ والتحابّ مع أعداء الله، هي من تأثير أخلاق العصاة والمنحرفين وسلوكهم في الإنسان .


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب المراء والخصومة ، ح6 .

2) تقدّم الكلام عنه في ص 4 و 156 .

3) علم اليقين، ج 1، المقصد الثاني في العقبات والشياطين سنن الدارمي، المجلد 2، ص320. مسند ابن حنبل ص 156 .

4) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب العشرة ، باب من تكره مجالسته ، ح 13 و 3.

5) المصدر السابق .

والأهم من كل ذلك هو تأثر روح الإنسان من أعمال نفسه، فإن في ممارسة قليلة للأعمال السيئة، تأثير كبير على الروح، بحيث لا يتيسَّر ولا يمكن التنزه من تلك الآثار وتطهير الروح منها عبر سنين طويلة .

فعلم أن الإنسان لو انصرف إلى المراء والخصومة، لحصلت بعد فترة، ظلمة موحشة في القلب، وأفضت الخصومة اللسانية الظاهرية، إلى الخصومة القلبية الباطنية . وهذا هو السبب الكبير للنفاق والتلون. فلا بد من معرفة أن مفاسد النفاق تعود إلى مفاسد المراء والجدال أيضاً. وقد تقدم(1)منا لدى شرح رواية الحديث عن مساوىء النفاق والتلون، ولا حاجة إلى إعادته هنا .

وذكر الإمام الصادق (علیه السّلام) آثاراً وعلائم لصاحب الجهل والمراء :

منها : إيذاء الناس، وسوء مجلسه، وهذه من الصفات الذميمة والمفاسد التي تكون سبباً مستقلاً لهلاك الإنسان. وفي الحديث الشريف المنقول من الكافي «من آذى لي وَلِيّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ»(2). والأحاديث في هذا المضمار كثيرة لا يتسع لها هذا البحث المختصر .

ومنها: المراء والتصدّي للحديث والبحث العلمي لأجل التغلب على الآخرين، وإظهار علمه . وأما جعله صلوات الله وسلامه عليه، المراء علامة على المراء، فيمكن أن يكون المقصود من المراء، الأول - في كلامه (علیه السّلام) - الصفة القلبية وملكته الخبيثة، ومن المراء الذي هو آية وعلامة - المراء الثاني - الأثر الظاهر من المراء .

ومنها : أن يظهر الاتصاف بالحلم رغم أنه غير ملتزم به، وهذا هو النفاق وذو الوجهين والرياء والشرك، كما أن إظهار الخشوع من الخلو من الورع، من أوضح مصاديق الشرك والرياء والنفاق والتلوّن .

فلمّا علمنا أنّ لهذه الصفة - المراء - مساوىء عظيمة، وأن كل واحدة منها توجب


1) تقدّم الكلام عنه في ص 197 فراجع .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب من آذى المسلمين، ح8. بحار الأنوار، ج 72 ، كتاب العشرة، الباب 56 ، وفيه : «من آذى ولياً فقد أرصدني بالمحاربة».

الموبقات والمهلكات، وجب إنقاذ أنفسنا بالترويض والجهد، من هذه الخصلة المشينة، والرذيلة المفسدة للقلب، المدمرة للإيمان، وتطهير النفس من هذه الظلمة والغبرة، وتزيين القلب وجلائه بخلوص النية، وصدق الباطن .

وهنا نكتة لو وقف عندها الإنسان وتأمل فيها، لانقصم ظهره، وهي أن الإمام الصادق (علیه السّلام) يقول بعد ذكره لهذه العلامة : «فَدَقَّ اللَّهُ مِنْ هَذَا خَيْشُومَهُ وَقَطَعَ مِنْهُ حَيْزُومَهُ» وهذه الجملة إما إخبار أو دعاء؟ وعلى أي حال فإنها ستتحقق، لأنها إذا كانت إخباراً، فهو إخبار صادق مصدّق، وإن كان دعاءاً فهو دعاء إمام معصوم ووليّ الله ، ويكون مستجاباً وهذا كناية عن الذل والهوان والفضيحة . ولعل الإنسان يفتضح في الدنيا والآخرة ويكون مهاناً فيهما . إنه يذل في هذا العالم أمام أناس أراد أن يكون وجيهاً عندهم عبر تظاهره بالعلم فعلى العكس من ذلك ينحط من قدره، ويذهب ماء وجهه، ويصبح مهاناً وذليلاً أمام من كان يسعى للتفوق عليهم . وإنه يذلّ ويهان في عالم الآخرة أمام الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين وأوليائه المعصومين وعباده الصالحين، ولا يكون له شأن عندهم .

إذاً: الويل لنا نحن أصحاب المراء والجدال وذوي الأهواء النفسية والخصومات، حيث ابتلينا بهذه النفس الخبيثة التي لا تعرف الرحمة والحنان، والتي لا تتركنا، إلى أن تهلكنا في جميع النشآت والعوالم ، ولم نبادر لإصلاحها إطلاقاً. لقد صممنا آذاننا ولم نستيقظ من سباتنا العميق الباعث على التوغل في عالم المادة .

إلهي أنت مصلح العباد، وبيدك القلوب، وطوع قدرتك وجود الكائنات، وتحت هيمنتك، قلوب العباد، وإننا لا نملك نفعاً ولا ضراً ولا حياةً، ولا موتاً، أنِر يا إلهي بنور فيضك قلوبنا المعتمة، ونفوسنا المظلمة، وأصلح بفضلك ولطفك مفاسدنا وأنقذ هؤلاء الضعفاء العجز .

فصل: في المراتب الظاهرية والباطنية للمراء وآثارها

كما ذكرنا في الجملة الأولى من هذا الحديث الشريف، أن للمراء مرتبة باطنية وملكة نفسانية، ومرتبة ظاهرية تكون نتاجاً لتلك المرتبة الباطنية، وآية وعلامة عليها.

فكذلك الجملة الثانية من كلام الإمام عليه الصلاة والسلام حيث يكون لصاحب الاستطالة والترفع والختل والخديعة، مرتبة باطنية وسريّة هي ملكتها، ومرتبة ظاهرية هي وليدة تلك الملكة. كما أن للقلب أيضاً في كثير من الأعمال والأفعال نصيب، حيث قد يصل إلى مرحلة الرسوخ والملكة وقد يبلغ مرتبة الحال - السطح - دون الارتكاز والرسوخ، وتكون الأعمال الظاهرية من آثارها ومضاعفاتها. فمن كانت له ملكة الاستطالة والترفع وحب الرئاسة، والتزوير وخداع الناس كانت لها علامات وآثار ظاهرية أيضاً، حيث ذكر بعضها الإمام الصادق (علیه السّلام): وهي : الخدعة والاحتيال على الناس، فإنه يجعل نفسه من أهل الصلاح في حين أنه لم يكن في الحقيقة منهم. وهؤلاء الناس ذئاب في زي الحَمَل الوديع، وشياطين في هيكل الإنسان . وإنهم أسوأ خلق الله، وإساءتهم إلى دين الناس، أكثر من إساءة جيوش المخالفين الأعداء .

ومنها: أي من الآثار الظاهرية للجهل والمراء. أنهم يتزلفون ويتواضعون تجاه من يطمعون فيه، وينصبون له شَرَكَ التدليس والتملق والتواضع، حتى يصيدوا البسيط من الناس، ويستفيدوا من حبهم الدافىء الجميل، وقربهم واحترامهم الدنيوي، فهم يدفعون بدينهم وإيمانهم، كي يستفيدوا من دنياهم، وهؤلاء من الناس الذين ورد فيهم الحديث قائلاً «. . . يَطْلَعُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى قَومٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيَقُولُونَ مَا أَدْخَلَكُمُ النَّارَ وإِنَّمَا دَخَلْنَا الْجَنَّةَ بِفَضْلِ تَعْلِيمِكُمْ وَتَأْدِيبِكُمْ فَيَقُولُونَ إِنَّا كُنَّا نَأْمُرُكُمْ بِالْخَيْرِ وَلَا نَفْعَلَهُ»(1).

ومنها : أنهم يتكبرون على أبناء نوعهم وأشباههم وأمثالهم الذين لا يطمعون فيهم دنيوياً ولكنهم يعتبرونهم عثرات في طريق تقدمهم، ويترفعون عليهم ويحقّرونهم مهما أمكن من سلوكهم وأقوالهم، لأنهم يخشون أن ينافسوهم يوماً من الأيام، ويقللون من اعتباراتهم .

ولا بد من معرفة أن من أصعب الأمور، وأقسى الأشياء، محافظة العلماء والزهاد والمتقين على دينهم والمراقبة لقلوبهم في حياتهم .

ولهذا لو أن شخصاً من هذه الطبقة ينهض بوظائفه، وبكل إخلاص في النية ويسلك


1) وسائل الشيعة، المجلد 11، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باب 10 ، ح 12 .

طريق العلم، والزهد والتقى، وينقذ نفسه من هذه المحن، ويسعى في سبيل إصلاح الآخرين، بعد أن أصلح نفسه ويرعى أيتام آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، كان مثل هذا الإنسان من المقربين والسابقين. كما قال الإمام الصادق (علیه السّلام) ذلك في خصوص أربعة رجال كانوا من حواري الإمام الباقر (علیه السّلام). ففي الوسائل عن رجال الكشي بسنده إلى أبي عبيدة الحذاء قَالَ: «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (علیه السّلام) يَقُولُ : زَرَارَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِم وَأَبُو بَصِيرٍ وَيُرَيْدٌ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ(1).

والأحاديث في هذا المضمار كثيرة وفضل أهل العلم أوسع من قدرة الإنسان على بیانه. ويكفي في ذلك الحديث المنقول عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِي بِهِ الإِسْلَامَ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ دَرَجَةً وَاحِدَةً فِي الْجَنَّةِ»(2)وسنأتي بعد ذلك على ذكر فضل أهل العلم إن شاء الله .

وإذا انحرف العالم - لا سمح الله - عن طريق الإخلاص، وسلك طريق الباطل، اعتبر من علماء السوء الذين هم أسوأ خلق الله وقد وردت فيهم أحاديث شديدة، وتعبيرات قاسية .

ويجب على طلاب العلوم الدينية، والسالكين لهذا السبيل المحفوف بالمخاطر، أن يكون أول ما يضعونه بعين الاعتبار، إصلاح أنفسهم أثناء الدراسة ويفضّلوه مهما أمكن على كل شيء، لأنه أوجب كل الواجبات العقلية والفرائض الشرعية وأصعبها .

فيا طلاب العلوم الإسلامية، والكمالات والمعارف، استيقظوا من نومكم، واعلموا أن الله قد أتم الحجة عليكم أكثر ، وسيحاسبكم أشدّ ويكون ميزان أعمالكم وعلومكم مغايراً كلياً لميزان كافة العباد، وصراطكم أرق وأدق، ومحاسبة الله لكم أعظم.

الويل لطالب العلم، عندما يبعث علمه في قلبه، الظلمة والكدرة. كما نشعر نحن بأننا إذا حصلنا على بعض المفاهيم الناقصة والمصطلحات التي لا طائل منها، توقفنا عن


1) وسائل الشيعة، المجلد 18 ، الباب 11 ، من أبواب صفات القاضي، ح22 .

2) سنن الدارمي، المجلد 1، ص 100.

متابعة طريق الحق، وتحكّم فينا الشيطان والنفس، وانثنينا عن طريق الإنسانية والهداية، وغدت هذه المفاهيم الحقيرة حجابنا الغليظ ، ولا منجي لنا إلا اللجوء إلى الذات المقدس تعالى .

إلهي : نحن نعترف بالتقصير، ونقرّ بالإثم، ونعلم بأننا لم نخط خطوة واحدة في سبيل رضاك، ولم نأت بعبادة على وجه الإخلاص لك. ولكن نرجو أن تعاملنا بلطفك العميم ورحمتك الواسعة. وأن تستر عيوبنا في الآخرة كما سترت عيوبنا في الدنيا فإننا هناك أحوج إلى الستر والمغفرة .

ويجب في هذا المقام أيضاً أن أبين نكتة مذكورة في ذيل الجملة الأولى من الحديث الشريف وهو أن الإمام يقول «فَأَعْمَى اللَّهُ عَلى هَذَا خُبْرَهُ وَقَطَعَ مِنْ آثَارِ الْعُلَمَاءِ أَثَرَهُ» وَهَذه الجملة أيضاً ستحصل سواء كانت إخباراً أو دعاءاً. ويجب أن يكون الإنسان حذراً جداً من العمى في البصيرة والباطن الذي يكون مصدر كافة أنواع الشقاء والظلمات ومبعثاً لكل أصناف التعاسة .

وهكذا فإن «قطع الأثر من آثار العلماء» والحرمان من كراماتهم وعطاياهم، مضافاً على أنه حرمان في نفسه، يكون شناره وعاره وفضيحته أمام الخواص في ساحة الحق المتعالي يوم القيامة أكثر مما يتصور .

فصل: علامات أهل الفقه والفلسفة

لأصحاب الفقه والعقل - الذين يقصدون التفقه في الدين وإدراك الحقائق - أيضاً علامات وآثار، عمدتها ما ذكره الإمام (علیه السّلام):

منها : أنه ينجم عن هذا العلم في قلبه الحزن والهم والانكسار، ومن الواضح أن هذا الانكسار والفزع لا يكون لأجل الأمور الدنيوية الدنية الزائلة، بل إنه ناجم عن الخوف من المعاد، والتقصير في وظائف العبودية. وإن الانكسار والحزن مضافاً إلى أنهما ينيران القلب ويجلّيانه، يكونان مبدءاً لإصلاح النفس، ومنشأ للنهوض بوظائف

العبودية. وإن هذا النور - نور القلب - يسلب السكون والقرار من النفس، ويعرّف قلبه على الحق سبحانه وعلى دار كرامته. ويجعله مستمتعاً في مناجاته مع الحق المتعالي فيحيي لياليه ويقوم بوظائف العبودية . كما قال (علیه السّلام): «قَدْ تَحَنَّكَ فِي بُرْنُسِهِ، وَقَامَ اللَّيْلَ في جندِسِهِ» فإن الجملة الأولى كناية عن ملازمة العبادة .

ومن علامات هذا العالم الرباني أنه رغم قيامه الكامل بوظائف العبودية يعيش حالة الفزع، لأن نور العلم يهديه إلى أنه كلما أدّى وظائفه، يشعر بأنّه قاصر أو مقصّر، وأنه لا يستطيع أن يخرج من مسؤولية شكر نعمه وحقيقة عبادته. فيكون قلبه مملوءاً من الخوف والخشية . وقد قال الحق جل جلاله فيهم : إنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(1).

إن نور العلم يبعث على الخشية والحزن، وصاحبه رغم إقباله على إصلاح نفسه لا يقّر له قرار من جراء خوفه من يوم القيامة، ويدفعه نحو الطلب من الله في أن يصلحه ، ويحذره من الانشغال بغير الحق، ويبعده عن أهل زمانه، ويجعل هاجسه الخوف من أن أهل الدنيا قد يمنعونه من السير إلى الله، والسفر إلى عالم الآخرة، ويزينون الدنيا ولذائذها في عينه. والحق سبحانه يؤيد مثل هذا الإنسان، ويقوي وجوده وينعم عليه بالأمان يوم القيامة. فيا ليتنا كُنَّا مَعَهُمْ فَتَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلاً وآخراً وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرينَ.


1) سورة فاطر، الآية : 28 .

الحديث الرابع والعشرون: «العلم»

اشارة

بالسَّند المتصل إلى أفضل المحدَّثين وأقدمهم محمّد بن يعقوب الكُلَيْني - رضوان الله عليه - عن محمّد بن الحسن وعلي بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عيسى، عن عبيد الله بن عبد الله الدَّهقان، عن دُرُست الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى (علیه السّلام) قال: «دَخَلَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) الْمَسْجِدَ فَإِذَا جَمَاعَةٌ قَدْ أَطَافُوا بِرَجُلٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: عَلامَةٌ، فَقَالَ: وَمَا الْعَلامَةُ؟ فَقَالُوا لَهُ أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَنْسَابِ الْعَرَبِ وَوَقَائِعِهَا وَأَيَامِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْأَشْعَارِ الْعَرَبِيّةِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم): ذَاكَ عِلْمٌ لَا يَضُرُّ مَنْ جَهِلَهُ وَلا يَنْفَعُ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ قَالَ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): إنَّمَا الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ النَّبِيُّ أوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وَمَا خَلاَهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله ، ح 1 .

الشرح:

ورد في بعض النسخ مكان (ما هذا)، (من هذا). واستعمل صلوات الله عليه (ما هذا لأجل التحقير .

و (العلامة) صيغة المبالغة، والتاء أيضاً للمبالغة والمعنى كثير العلم جداً.

إعلم أنه ذكر في المنطق بأن (من) للسؤال عن الشخص وكلمة (ما) للسؤال عن الحقيقة أو عن شرح الاسم ومفهومه. وعندما قالوا لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إن هذا الرجل علامة استفهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عن تصورهم لحقيقة العلامة، ومغزى علمه، ولهذا سأل بكلمة ( ما ) . فإنه قد تجعل الأوصاف العنوانية - العلامة - وسيلة للسؤال عن الذات . مثل ما إذا كان الإنسان عارفاً لحقيقة الوصف ولكنه يجهل الموصوف فيسأل حينئذ بكلمة من ويقول من العلامة؟

وأما إذا كان الشخص معروفاً والوصف مجهولاً أو أن الغرض قد تعلق بمعرفة الوصف فقط فيسأل حينئذ بكلمة (ما) ويتوجه السؤال نحو الوصف فقط لا الموصوف مع الوصف ولا الموصوف فقط .

وفي هذا الحديث الشريف لما قالوا إن هذا الرجل علّامة، تعلق غرض خاتم النبيين نحو معرفة حقيقة الوصف حسب زعمهم فقال (وما العلامة؟) ولم يقل (من العلامة؟) أو (لماذا يقال له العلامة؟) أو (ما السبب في كونه علامة؟).

وما ذكرناه أوضح ممّا حققه محقق الفلاسفة وفيلسوف المحققين صدر المتألهين - قدّس الله نفسه - في شرح هذا الحديث الشريف(1)الذي يوجب ذكره الإطالة والخروج عن المقصد.


1) شرح أصول الكافي، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم، ح1 .

فصل: أقسام العلوم النافعة

إعلم - قد تقدم(1)سابقاً - بأن للإنسان - إجمالاً وبصورة كلية - نشآت ومقامات وعوالم ثلاث :

الأولى - نشأة الآخرة، وعالم الغيب، ومقام الروحانية والعقل.

الثانية - نشأة البرزخ وعالم متوسط بين العالمين، ومقام الخيال.

الثالثة - نشأة الدنيا ومقام المُلك وعالم الشهادة .

ولكل منها كمال خاص وتربية خاصة وعمل يتناسب مع نشأته ومقامه، وإن الأنبياء (علیهم السّلام) يتولّون بيان تلك الأعمال .

فجميع العلوم النافعة تنقسم إلى هذه العلوم الثلاثة :

علم راجع إلى الكمالات العقلية والوظائف الروحية. وعلم راجع إلى الأعمال القلبية ووظائفها. وعلم راجع إلى الأعمال القالبية الخارجية، ووظائف النشأة الظاهرة للنفس .

أما العلوم التي تقوّي العالم الروحاني، والعقل المجرد وتربّيهما فهي: العلم بالذات المقدس الحق جلّ وعلا، ومعرفة أوصافه الجمالية والجلالية، والعلم بالعوالم الغيبية المجردة مثل الملائكة وأصنافهم من أعلى مراتب الجبروت الأعلى والملكوت الأعلى إلى نهاية الملكوت السفلي والملائكة الأرضية وجنود الحق سبحانه. والعلم بالأنبياء والأولياء ومقاماتهم ومدارجهم، والعلم بالكتب المنزلة، وكيفية نزول الوحي، وتنزل الملائكة والروح. والعلم بنشأة الآخرة وكيفية عودة الموجودات إلى عالم الغيب، وحقيقة عالم البرزخ والقيامة، وتفاصيل ذلك .

وملخص الكلام : أن العلم الذي يرتبط بالعالم الروحاني والعقل المجرد، هو العلم


1) مرّ الحديث عنه في ص 39,31 فراجع.

بمبدإ الوجود وحقيقته ومراتبه وبسطه وقبضه وظهوره ورجوعه. ويتكفل بيان هذا العلم بعد الأنبياء والأولياء، الفلاسفة والعظام من الحكماء وأصحاب المعرفة والعرفان .

أما العلوم التي ترتبط بتربية القلب وترويضه والأعمال القلبية فهي : العلم المُلقية بالمنجيات الخُلقيّة والمهلكات، أي العلم بمحاسن الأخلاق مثل الصبر، والشكر، والحياء والتواضع، والرضا والشجاعة والسخاء والزهد والورع والتقوى وغير ذلك من محاسن الأخلاق، والعلم بكيفية تحصيلها وأسباب حصولها ومبادئها وشرائطها . والعلم بقبائح الأخلاق مثل الحسد والكبر والرياء والحقد والغش وحب الرئاسة والجاه وحب الدنيا والنفس وغير ذلك، والعلم بمبادئها التي تمنحها الوجود، والعلم بكيفية التنزه عنها. والذي يتولىّ بيان هذه الأمور أيضاً الأنبياء والأوصياء عليهم الصلاة والسلام ثم علماء الأخلاق وأصحاب الرياضة الروحية وذوو المعارف.

والعلوم التي تناط بها تربية الظاهر وترويضه، علم الفقه ومبادئه، وعلم آداب المعاشرة وتدبير المنزل، وسياسة المُدن ويتكفل شرحها الأنبياء ثم الأولياء (علیهم السّلام) ثم علماء الظاهر من الفقهاء والمحدثين. ولا بد من معرفة كل واحد من هذه المراتب الثلاث الإنسانية المذكورة مترابطة بدرجة، تنعكس آثار كل مرتبة على المرتبة الأخرى من دون فرق في ذلك بين الأمور الكمالية، أو الأمور القبيحة المعيبة .

مثلاً لو أن شخصاً قام بالوظائف العبودية والمناسك الظاهرية - حسب ما هو لازم ومطابق لتوجيهات الأنبياء - لانعكست من جرّاء أدائه لمسؤولياته العبودية آثار على قلبه وروحه، حيث يحسن خلقه، وتتكامل عقائده. وهكذا فإن من يواظب على تهذيب خلقه وتحسين باطنه، يترك آثاراً على النشأتين الأخرويتين البرزخ والقيامة. كما أن كمال الإيمان ومتانة العقائد يؤثران في النشأتين التاليتين. ويكون كل ذلك نتيجة شدة الارتباط بین المقامات الثلاثة، بل التعبير بالارتباط بين العوالم الثلاثة من جهة ضيق الخناق لعدم وجود كلمة أخرى تعبّر عن مدى تداخل كل منها في الآخر. إذ لا بد وأن نقول إنها - العوالم الثلاثة - حقيقة واحدة، ذات مظاهر ثلاثة. وهكذا كمالات المقامات الثلاثة مرتبطة بكمالات كل واحد منها. من دون أن يظن أحد أنه يستطيع أن يكون ذا إيمان كامل أو خلق مهذب من دون الأعمال الظاهرية، والعبادات الصورية. أو يستطيع أن يجعل

إيمانه كاملاً وأعماله تامةً، رغم نقصان في خُلقه وعدم تهذيبه، أو يمكن أن يتم أعماله الظاهرية ويكمّل محاسن أخلاقه من دون الإيمان القلبي. وهكذا عندما تكون الأعمال الصورية - الصلاة، الصوم، والحج . . . - ناقصة وغير متجسدة على ضوء أوامر الأنبياء، لحصل حجاب في القلب وكدورة في الروح، وهما يمنعان من نور الإيمان واليقين. وأيضاً إذا كان الخلق الذميم معشعشاً في القلب، لمنع من نفوذ الإيمان إليه .

فيلزم على طالب السفر إلى عالم الآخرة. والسالك على الصراط المستقيم للإنسانية أن يتمعن في كل واحد من المراتب الثلاث، ويشدّد في المراقبة عليها، ويصلحها، ويروضها ولا يلوي بوجهه عن كل واحد من الكمالات العلمية والعملية.

ولا يحسب بأن تهذيب الخلق أو ترسيخ العقائد أو موافقة ظاهر الشريعة، يكفيه، كما اكتفى بعض أصحاب العلوم الثلاثة بكل واحد من الأمور الثلاثة. فمثلاً يقول شيخ الإشراق(1)، في أول كتابه (حكمة الإشراق) بتقسيمات، تعود إلى : كامل في العلم والعمل، وكامل في العمل، وكامل في العلم، ويستفاد من ذلك أن كلا من العلم الكامل مع النقصان في العمل، يمكن أن يتحقق، واعتبر ذوي العلم الكامل، من أهل السعادة، والمرتبطين بعالم الغيب والتجرد، ورأى أن مالهم الانخراط في سلك العلييّن والروحانيين(2).

ويرى بعض علماء الأخلاق، وتهذيب الباطن، أن منشأ جميع الكمالات، تحسين الأخلاق وتهذيب القلب وأعماله، ولا يرون دوراً للحقائق العقلية والأحكام الظاهرية، بل يعتبرونها معوقات في سبيل السالكين(3).

ويزعم بعض علماء الظاهر - الفقهاء -، أن العلوم العقلية والباطنية والمعارف الإلهية من الكفر والزندقة، ويعاندون طلابها وعلماءها .


1) لشيخ يحيى بن حبش (شهاب الدين السهروردي) المعروف بـ(شيخ الإشراق) من حكماء القرن السادس الهجري والذي يعرف أيضاً بـ(الشيخ المقتول) و(الحكيم المقتول). إنه أحيى مدرسة الإشراق وقتل وعمره ست وثلاثون سنة عام 581هـ. له : حكمة الإشراق، بستان القلوب، البارقات الإلهية، البروج. شرح الإشارات، أنغام أجنحة جبرائيل.

2) شرح حكمة الإشراق، ص 22 - 25 .

3) جامع السعادات، ج1، ص 43 .

إن هؤلاء الطوائف الثلاث الذين يعتنقون هذه الآراء الثلاثة الباطلة، لمحجوبون عن المقامات الروحانية والنشآت الإنسانية، ولم يتدبروا بصورة صحيحة في علوم الأنبياء والأولياء. ولهذا كان بينهم العداء سائداً دائماً والافتراء متبادلاً، وكان أحدهم يرمي الآخر بالباطل، مع أنهم جميعاً على الباطل ولكنهم يختلفون في تحديد مراتب الباطل بمعنى أن أصحاب الطوائف الثلاث صادقون في تكذيب كل منهم للآخر، لا من جهة أن علمهم أو عملهم باطل بصورة مطلقة، بل من جهة أن تحديدهم للمراتب الإنسانية بهذا المستوى - أن أصحاب الكمال العلمي هم العليون وأن أصحاب التهذيب للباطن هم ذوو الكمالات، وأن أصحاب العلوم الظاهرية هم المقربون عند الله - وجعلهم العلوم والكمالات مقتصرة على المجال الذي يرتأونه، يكون على خلاف الواقع .

إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قد قسّم في هذا الحديث الشريف العلوم إلى ثلاثة أقسام. ولا شك أن هذه العلوم الثلاثة، مرتبطة بهذه المراتب الثلاث كما تشهد بذلك العلوم السائدة في الكتب الإلهية وسنن الأنبياء وأحاديث المعصومين عليهم الصلاة والسلام، حيث تكون العلوم لديهم مقسّمة إلى هذه الأقسام الثلاثة :

أحدها : - العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فإن الكتب السماوية وخاصة الكتاب الإلهي الجامع والقرآن الربوبي الكريم مشحونة، من ذلك، بل نستطيع أن نقول إن الشيء الوحيد الذي تصدّى كتاب الله لذكره أكثر من غيره، هو هذا العلم، مع الدعوة إلى المبدإ والمعاد على أساس براهين صحيحة ووضوح كامل ذكرها المحققون .

وأما القسم الثاني والثالث فلا ذكر لهما بمقدار القسم الأول .

وإن أحاديث أئمة الهدى (علیهم السّلام) في هذا المجال - القسم الأول من العلوم الثلاثة - تفوق حدّ الإحصاء. ويتضح ذلك عند مراجعتنا للكتب المعتبرة لدى جميع العلماء رضوان الله عليهم مثل كتاب (الكافي) الشريف و (توحيد الصدوق) وغيرهما .

وهكذا وردت بالنسبة إلى تهذيب النفس وإصلاح الأخلاق وتعديلها، آيات في الكتاب الإلهي، وأحاديث مأثورة عن أهل البيت (علیهم السّلام)، فوق المستوى المتصور، ولكن تلك الآيات وهذه الروايات أصبحت لدينا نحن المساكين والمبتلين بالآمال والأماني،

مهجورة وغير معتبرة ولا نبالي بها. وسيأتي يوم يؤاخذنا الله سبحانه عليها، ويحتج علينا، ويتبرأ منا - نعوذ بالله - الأئمة الأطهار (علیهم السّلام)، لبراءتنا من أحاديثهم وعلومهم . نعوذ بالله من سوء العاقبة وشرّ الختام .

وإن الأحاديث العائدة إلى الفقه والمناسك الظاهرية، مشحونة بها كل كتبنا ولا نحتاج إلى عرضها وذكرها .

إذا اتضح أن علوم الشريعة منحصرة في هذه الأقسام الثلاثة، حسب حاجات الإنسان، والمقامات الإنسانية الثلاثة . ولا يحق لأحد من العلماء في هذه العلوم الثلاثة أن يطعن في الآخر، ولا يجب على الإنسان إذا جهل علماً أن يكذّبه ويتطاول على صاحبه. وكما أن العقل السليم يعتبر التصديق من دون تصور من الأغلاط والقبائح الأخلاقية، فكذلك التكذيب لشيء من دون تصوّر بل حاله أسوأ وقبحه أعظم. فإذا سألنا الله سبحانه يوم القيامة، وقال مثلاً أنتم لم تكونوا تعرفون معنى وحدة الوجود حسب مسلك الحكماء، ولم تتعلموه من الإنسان المتخصص في ذلك العلم وصاحب ذلك الفن، ولم تحصلوا على علم الفلسفة ومقدماتها فلماذا أهنتم القائل بها وكفّرتموه من دون معرفة؟

فماذا نملك من الجواب أمام ساحة قدسه حتى نجيب عليه، عدا أن نطاطىء الرأس حياء وخجلاً؟ ولا يقبل الاعتذار بأنني هكذا زعمت في نفسي. إن لكل علم مبادىء ومقدمات ولا يتيسر فهم ذلك العلم إلا بعد استيعاب تلك المقدمات، وخاصّة مثل هذه المسألة الدقيقة التي استنزفت جهود أجيال تلو أجيال، پمع ذلك يصعب فهم أصل

الحقيقة ومغزاها بصورة دقيقة .

إن الشيء الذي بحثه الحكماء والفلاسفة آلاف السنين ودقّقوا فيه، هل تريد أن تدرك بعقلك الناقص، الموضوع بواسطة دراسة كتاب واحد أو قصيدة واحدة من قصائد المثنوي؟ وقطعاً لا تستطيع أن تدرك شيئاً من ذلك . رَحِمَ اللَّهُ امْرِنَا عَرَفَ قَدْرَهُ وَلَمْ يَتَعَدَّ طورة(1).


1) غرر الحكم ، باب الراء. الفصل 33 ، ح 1 ، ص 408 .

وهكذا إذا سأل الله سبحانه حكيماً متفلسفاً أو عارفاً متصنعاً، لماذا جعلت العالم الفقيه قشرياً وظاهرياً وطعنت فيه؟ بل ما هو المبرّر الشرعي في قدحك في سلسلة من العلوم الشرعية، التي جاء بها الأنبياء (علیهم السّلام) من قبل ربّ الأرباب لتكميل النفوس البشرية وفي تكذيبك إياها وإهانتها؟ وما هو المسوّغ الشرعي أو العقلي للتطاول على مجموعة من العلماء والفقهاء؟ فما هو جوابه أمام الحق المتعالي؟ إنه لا يملك جواباً إلا أن يطأطىء رأسه حياءً مُبدياً الانفعال. وعلى أي حال نترك هذه المرحلة من البحث التي تبعث على السام والضجر.

فصل: تفسير كل من الآية المحكمة، الفريضة العادلة، السنة القائمة

بعد أن تبين أن العلوم الثلاثة التي ذكرها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هي هذه الفروع الثلاثة التي ذكرناها، نقول على أي علم من العلوم الثلاثة تنطبق هذه العلوم ثم السعي في سبيل طلبها وتحصيلها، ولكن من أجل شرح الحديث الشريف، لا بد من الإشارة إلى تلك العلوم الثلاثة : فنقول :

إن أعاظم علمائنا رضوان الله تعالى عليهم الذين تصدّوا لشرح هذا الحديث الشريف، قد اختلفوا فيما بينهم في شرحه، ولكن ذكر تلك الأقوال والشروح يسبب إطالة الحديث. ونحن سنذكر ما يخطر ببالنا القاصر في هذا الموضوع مع ذكر شواهد لم تبيّن بعد. ثم نأتي على ذكر نكتة مهمة قد بيّنها العارف الكامل الشاه آبادي - دام ظله - :

اعلم أن (الآية المحكمة) هي العلوم العقلية والعقائد الحقّة والمعارف الإلهية. وإن (الفريضة العادلة) عبارة عن علم الأخلاق وتطهير القلوب. و(السنّة القائمة) عبارة عن العلم الظاهر وعلوم الآداب القالبية - الصورية -. وذلك أن كلمة (آية) التي تكون بمعنى العلامة، تتناسب مع العلوم العقلية الاعتقادية، لأن هذه العلوم هي علامات الذات والأسماء والمعارف الأخرى. ولم نعهد من قبل، أن استعملت الآية أو العلامة في علوم أخرى . فمثلاً نجد في موارد كثيرة من الكتاب الإلهي، بعد استعراض البرهان على وجود الصانع المقدس أو على الأسماء والصفات لذاته المقدس أو على وجود القيامة وكيفيتها

وعالم الغيب والبرزخ قوله إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةٌ(1)او لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(2)او لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(3)وهذا تعبير شائع بالنسبة إلى هذه العلوم والمعارف. في حين أن كلمة (آية) لو ذكرت إثر مسألة فقهية شرعية أو أصل من الأصول الأخلاقية لكان مستهجناً. كما هو الظاهر. فعلم أن (الآية) والعلامة من مختصات ومما يتناسب مع علوم المعارف الإلهية . كما أن التوصيف بـ(الحكمة) مما ينسجم مع هذه العلوم، لأن هذه العلوم تخضع للموازين العقلية والبراهين المحكمة. وأما بقية العلوم فلا يوجد لها غالباً دليل قاطع ومتين .

وأما الدليل على أن (الفريضة العادلة) تعود إلى علم الأخلاق هو وصف الفريضة بالعادلة، لأن الخلق الحسن كما تقرر في ذلك العلم - علم الأخلاق - هو الخروج عن حدّ الإفراط والتفريط فإن كلاَّ منهما مذموم ومشين، وأما العدالة التي هي الحد المتوسط والمعتدل بينهما فمستحسن . مثلاً :

إن الشجاعة التي هي من أصول وأركان الخلق الحسن والملكة الفاضلة، الحالة هي المتوسطة والمعتدلة بين الإفراط، الذي يُعبّر عنه بالتهوّر (وهو عدم الخوف من مورد ينبغي الخوف فيه) والتفريط الذي يعبَّر عنه بالجبن .

والحكمة التي تكون من الأركان أيضاً تتوسط بين رذيلة (السفه) وهو استعمال الفكر في غير مورده أو في الموارد التي لا ينبغي استعماله فيها . وبين رذيلة (البله) وهو عبارة عن تعطيل القوة الفكرية في الموارد التي ينبغي استعمالها فيها .

وهكذا العفّة فإنها تتوسط بين رذيلة الشره والخمود. والسخاء يتوسط بين الإسراف والبخل .

فالفريضة العادلة تدل على انطباقها على علم الأخلاق. كما أن كلمة (الفريضة) أيضاً تُشعر بذلك. لأن الفريضة المقابلة للسُنّة الراجعة إلى القسم الثالث، يجد العقل إلى


1) سورة النحل، الآية : 11 .

2) سورة يونس، الآية : 24 .

3) سورة الرعد، الآية : 4 .

استيعابها سبيلاً، كما هو شأن علم الأخلاق، على خلاف السنّة التي تكون تعبّداً صرفاً ويكون العقل عاجزاً عن إدراكه .

ولهذا نقول إن (السنة القائمة) تعود إلى العلوم التعبدية، والآداب الشرعية التي يعبر عنها بالسنة - فعل المعصوم وقوله وتقريره - والتي تعجز العقول غالباً عن إدراكها. وينحصر طريق إثباتها وفهمها بالسنة . كما أن توصيف السنة بالقائمة يتناسب مع الواجبات الشرعية، لأن كلمة إقامة الواجبات من الصلوات والزكوات وغيرهما من التعابير الشائعة الصحيحة. في حين أن هذه الكلمة لم تستعمل في العلمين الآخرين ولم يكن التعبير فيهما بالسنة صحيحاً .

هذا منتهى ما يمكن تطبيقه في هذا الحديث الشريف حسب المناسبات القائمة بين كلماته . والعلم عند الله الله.

فصل: علامات العلوم النافعة

الآن نفسح المجال لذكر النكتة التي وعدناكم بذكرها، وهي أن الحديث الشريف قد عبر عن علم العقائد والمعارف بالآية وهي بمعنى العلامة، والسر في التعبير هذا هو أن العلوم العقلية والحقائق الاعتقادية إذا تم تحصيلها لأجل نفس هذه العلوم والحقائق ولأجل تجميع المفاهيم والمصطلحات وزخرفة العبارات وتزيين تركيب الكلمات بعضها مع بعض ومن ثم نقلها إلى العقول الضعيفة للحصول على المقامات الدنيوية، لا تكون مثل هذه العلوم من الآيات المحكمة، وإنما هي حجب غليظة وأوهام واهية، لأن الإنسان إذا لم يبتغ من وراء طلب العلم الوصول إلى الحق والتحقق بأسماء الله وصفاته، والتخلق بأخلاق الله سيتحول كل واحد من إدراكاته إلى دركات، وحجب مظلمة، تسود قلبه وتعمي بصيرته، ويصبح من مصاديق الآية المباركة التي تقول : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسى(1).


1) سورة طه، الآية : 124 .

فإن المقياس في البصر في عالم الآخرة، هو بصيرة القلب، وإن الجسم والقوى تكون - في الآخرة - تابعة للقلب واللب، وإن ظلية ذلك العالم، لهذا العالم تبدو بنحو أتم ، وإن ظل الأعمى والأصم والأبكم تجاه آيات الله تعالى، هو العمى والصمم والبكم في يوم القيامة .

لا يظن علماء المفاهيم والمصطلحات والعبارات، وحافظو الكتب في الصدور، بأنهم من أهل العلم بالله والملائكة واليوم الآخر ، فلو كانت علومهم علامة وآية - على معرفة الله - فلماذا لم تتنور قلوبهم من الآثار النورانية؟ نعم قد أضيفت على ظلمات قلوبهم ومفاسد أخلاقهم وأعمالهم الظلمات والفساد. والقرآن الكريم قد ذكر المقياس لمعرفة العلماء حيث يقول : «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ»(1)فمن لا يخشى ولا يخاف من الحقّ المتعالي فلا يعدّ من العلماء .

هل في قلوبنا شيء من آثار الخشية؟ وإذا كانت فلماذا لم يبد أثر منها على ظاهرنا؟ ففي الحديث الشريف عن الكافي بسنده إلى أبي بصير قال : «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السّلام) (أَبا جَعْفَرِ - خ ل) يَقُولُ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السّلام) يَقُولُ : يَا طَالِبَ الْعِلْمِ إِنَّ لِلْعِلْمِ فَضَائِلَ كَثِيرةً، فَرَأْسَهُ التّواضُعُ، وَعَيْنُهُ الْبَرَاءَةُ مِنَ الْحَسَدِ وأَذَنْهُ الفَهُمُ، وَلِسَانُهُ الصدق، وحفظه وَحِفْظُهُ الْفَحْصُ، وَقَلْبُهُ حُسْنُ النِّيَّةِ، وَعَقْلَهُ مَعْرِفَةُ الأَشْيَاءِ وَالأُمُورِ، وَيَدُهُ الرَّحْمَةُ، وَرِجْلَهُ زِيَارَةُ الْعُلَمَاءِ، وَهِمَّتُهُ السَّلَامَةُ، وَحِكْمَتَهُ الْوَرَعُ، وَمُسْتَقَرُّهُ النَّجَاةُ، وَقَائِدُهُ الْعَافِيَةُ، وَمَرْكَبُهُ الْوَفَاءُ، وَسِلاَحُهُ لِينُ الْكَلِمَةِ، وَسَيْفَهُ الرِّضَا وَقَوْسُهُ الْمُدَارَاةُ، وَجَيْشُهُ مُحَاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ، وَمَالَهُ الأَدَبُ، وَذَخِيرَتُهُ اجْتِنَابُ الذُّنُوبِ، وَزَادُهُ الْمَعْرُوفُ، وَمَاؤُهُ المُوَادَعَةُ، وَدَلِيلهُ الْهُدَى، وَرَفِيقَهُ مَحَبَّةُ الْأَخْيَارِ»(2).

إن ما استعرضه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) يكون من علامات العلماء، وآثار العلوم، فمن حصل على العلوم السائدة وكان خالياً من هذه الآيات، فليعلم بأنه لا حظ له من العلم، بل هو من أصحاب الجهل والضلال، وتوجب له في عالم الآخرة هذه


1) سورة فاطر، الآية : 26 .

2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب فضل العلم ، باب النوادر ، ح2 .

المفاهيم والجهل المركب والكلمات المتبادلة بينه وبين العلماء الآخرين لدى التحقيق والبحث، الحجب الظلمانية، وتكون حسرته يوم القيامة أعظم الحسرات . فالمقياس في العلم أن يكون آية وعلامة، ولا تكون له إنّية ولا أنانية، بل تضمحل لدى حصول العلم الإنية، وتتلاشى الأنانية ولا يغدو العلم باعثاً على النخوة والأنانية والتظاهر والترفع .

ثم عبر الإمام (علیه السّلام) عن العلم بـ(الحكمة) لأجل أن العلم الصحيح لنورانيته وضيائه في القلب، يوجب الاطمئنان، ويدحض الريب والشك، ومن الممكن أن الإنسان طيلة حياته يخوض في البراهين ومقدماتها، ويستدل لكل واحد من المعارف الإلهية ببراهين عديدة وأدلة كثيرة، ويتفوّق على أقرانه في مقام البحث والمنافسة، ولكن تلك العلوم لم تؤثر في قلبه شيئاً، ولم تبعث لديه الاطمئنان، بل تزيده شكاً وتحيراً والتباساً، فجمع المفاهيم والإكثار من المصطلحات، لا تجدي نفعاً، وإنما تُشغل القلب بغير الحق سبحانه، وتثنيه عن الذات المقدس، فيغفله .

أيها العزيز إن العلاج كل العلاج فيما إذا أراد الإنسان أن يكون علمه إلهياً فعليه عندما يدرس أي علم شاء، أن يبادر إلى مجاهدة النفس، ويسعى بواسطة الرياضة الروحانية، في سبيل تخليص نيته. فإن المنقذ الأساسي، ومصدر الفيض، تخليص النية، والنية الخالصة «مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً جَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ»(1)فهذه فوائد وآثار الإخلاص في أربعين يوماً . فأنت عندما بذلت الجهد أربعين عاماً أو أكثر في سبيل تجميع المصطلحات والمفاهيم العلمية، واعتبرت نفسك علامة ومن جنود الله ، ولكن لم تجد أثراً للحكمة في قلبك، ولا طعماً لها على لسانك فاعلم بأن دراستك وتعبك لم يقترنا بالإخلاص بل إنما اجتهدت للشيطان والرغبات النفسية. فعندما رأيت بأن هذه العلوم لم تثمر ولم تنجع فانصرف ولو لأجل الاختبار نحو إخلاص النية وتصفية القلب من الرذائل والكدر ، فإذا لمست أثراً حاول أن تستمر في ذلك أكثر. وإن كانت التصفية لأجل الاختبار كانت هذه النية متنافية مع الإخلاص، ولكن من المحتمل أن بصيصاً من نورها يهديك .


1) بحار الأنوار، ج 67 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الإخلاص، ح 10 .

وعلى أي حال أيها العزيز أنت محتاج في جميع العوالم : عالم البرزخ وعالم القبر وعالم القيامة ودرجاتها إلى المعارف الإلهية الحقة، والعلوم الحقيقية والخلق الحسن والأعمال الصالحة . فاجتهد أينما كنت من هذه الدرجات والمراتب، وأكثر من إخلاصك وأزل عن قلبك أوهام النفس ووساوس الشيطان حتى تظهر لك النتائج، وتجد سبيلاً إلى الحقيقة، وينفتح لك طريق الهداية، ويكون الله سبحانه في عونك .

يعلم الله سبحانه بأننا إذا انتقلنا مع هذه العلوم التافهة الباطلة وهذه الأوهام الفاسدة والقلب الكدر والخلق الذميم إلى عالم الآخرة، كيف تكون مصائبنا ومحنتنا، وكيف يكون مصيرنا ، وأي ظلام ووحشة وعذاب توفّر لنا هذه العلوم وهذه الأخلاق؟

فصل: أقسام العلوم الدنيوية والأخروية

نقل محقق الفلاسفة صدر الحكماء والمتألهين قدس الله سره وأجزل أجره في (شرح أصول الكافي) عن الشيخ الغزالي(1)كلاماً طويلاً خلاصته : أن العلوم تنقسم إلى علوم دنيوية وأخروية، وجعل علم الفقه من العلوم الدنيوية. وقسّم العلوم الأخروية إلى علم المكاشفة والمعاملة واعتبر علم المعاملة، هو العلم بأحوال القلوب، وعلم المكاشفة نور يحصل في القلب بعد تطهيره من الصفات المذمومة، وبه تنكشف الحقائق، وتحصل المعرفة الحقيقية بالذات والأسماء والصفات والأفعال وأسرارها وكافة المعارف الإلهية(2).


1) الشيخ أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي (450 - 505 هـ.ق) الملقب بـ(حجة الإسلام) من كبار فقهاء الشافعية. إتبع مسلك الأشاعرة في العقائد إلتحق بمدرسة إمام الحرمين الجويني في نيسابور ولمس منه التقدير والاحترام ترك له تكريماً وزير نظام الملك الطوسي مدرسة النظامية في بغداد وهي من المدارس المهمة ولكنه بعد فترة واثر تحوّل معنوي اعتزل العلوم التقليدية وآثر الطريقة الصوفية. له في الفقه : الوسيط والبسيط ، وفي أصول الفقه : المستصفى، إحياء العلوم، معيار العلم، تهافت الفلاسفة.

2) شرح أصول الكافي، كتاب فضل العلم، باب فرض العلم ، ح5 ، إحياء العلوم للغزالي، المجلد الأول، ص 19 .

ولما كان هذا التقسيم مرضياً لدى المحقق المذكور قال في شرح هذا الحديث الذي نحن بصدد شرحه : (الظاهر أن هذا التقسيم الحاصر الذي بينّه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يعود إلى علوم المعاملات، لأن معظم الناس ينتفعون من هذه العلوم، وأما علوم المكاشفة، فتحصل لدى قليل من الناس وتكون أعزّ من الكبريت الأحمر، كما تدل(1)عليه أحاديث كتاب الإيمان والكفر التي سنذكرها) .

يقول الكاتب إن في كلام الشيخ الغزالي إشكال. وعلى فرض صحة كلامه وعدم توجه الإشكال عليه، يرد إشكال آخر على ما ذكره صدر المتألهين رحمه الله تعالى. أما الاعتراض على كلام صدر المتألهين حسب فرض صحة كلام الغزالي، فهو أن الغزالي اعتبر علم المعاملات الذي هو العلم بأحوال القلب من المنجيات حيناً مثل الصبر والشكر والخوف والرجاء وغير ذلك، ومن المهلكات حيناً آخر مثل الحقد والحسد والغل والغش وغيرها، وعليه لا تكون العلوم الثلاثة التي ذكرها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من علوم المعاملة إلا قسماً واحداً منها وهو الفريضة العادلة، وقد تقدم شرح ذلك. في حين أن صدر المتألهين جعل العلوم الثلاثة من علوم المعاملة.

وأما الملاحظة الواردة على كلام الشيخ الغزالي فتتجسد في أمرين :

أحدهما : إنه اعتبر علم الفقه من العلوم الدنيوية والفقهاء من علماء الدنيا، مع أن هذا العلم من أعز علوم الآخرة. وهذا التوجه، نشأ من الحب للنفس، وحب ما يتصور أنه من أهله وهو علم الأخلاق بالمعنى المتعارف المتداول بين الناس، ولهذا طعن في كل العلوم، حتى العلوم العقلية .

ثانيهما: أنه جعل المكاشفات جزءاً من العلوم وأوردها في تقسيمات العلوم في أن الحق يستدعي أن نقول بأن العلم هو الذي يشتمل على التدبر والتمعن والبرهان حين والاستدلال، بينما قد تكون المكاشفات والمشاهدات نتيجة العلوم الحقيقية، وقد تكون من جراء الأعمال القلبية. وعلى أي حال إن المشاهدات والمكاشفات، والتحقق بحقائق


1) شرح أصول الكافي ، كتاب فضل العلم، باب فرض العلم ، ح1 .

الأسماء والصفات، يجب أن لا تندرج في تقسيمات العلوم ، لأن العلوم في واد والمكاشفات في واد آخر . والأمر سهل .

فصل: اقسام العلوم حسب ما ورد في الحديث الشريف

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

إعلم أن كثيراً من العلوم تندرج على تقدير في قسم من الأقسام الثلاثة التي ذكرها رسول الله، وعلى تقدير آخر في قسم آخر. مثلاً : إن علم الطب والتشريح والنجوم والأفلاك وما يضاهيها، إذا جعلناها آية وعلامة، وكذلك علم التاريخ وأمثاله، إذا ألقينا عليه نظرة اعتبار واتّعاظ، اندرج جميعها في (الآية المحكمة)، لأنه يحصل بواسطتها العلم بالله أو بالمعاد، أو يتأكد العلم بالله وبالمعاد وقد يندرج تحصيلها في (الفريضة العادلة) وقد يندرج تحت (السنة القائمة).

وأما إذا كانت دراسة هذه العلوم، لأجل ذاتها أو لأجل أهداف أخرى، فلو شغلتنا عن علوم الآخرة، لأصبحت مذمومة بالعرض، لأنها صرفت الناس عن الآخرة، وإن لم تشغلنا عن علوم الآخرة فليس فيها ضرر أو نفع، كما قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم). فالعلوم بصورة كلية تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

الأول - ما كان نافعاً للإنسان حسب أحواله في النشآت الأخرى التي يعتبر الوصول إليها غاية التكوين والكائنات. وهذا القسم هو الذي جعله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) علماً، وقسمه إلى الأقسام الثلاثة التي وردت في الحديث الشريف .

الثاني - ما يضر بالإنسان ويصرفه عن وظائفه اللازمة. ويكون هذا القسم من العلوم المذمومة التي يجب على الإنسان أن لا يقترب منها مثل علم السحر، والشعوذة وأمثالهما . . .

الثالث - ما لا يوجد فيها ضرر ولا نفع، فيهدر الإنسان وقته عليها للتسلّي والتلهّي، مثل علم الموسيقى وعلم الأنساب والحساب والهندسة والأفلاك وأمثال ذلك. ولو

استطاع الإنسان أن يُدخل هذا النوع من العلم تحت واحد من العلوم الثلاثة لكان أفضل .

وإن لم يتمكن من ذلك، فعدم الاشتغال يكون حسناً . لأن الإنسان العاقل عندما عرف بأنه هذا العمر القصير، والوقت القليل، والحوادث الكثيرة، لا يستطيع أن يكون جامعاً لكل العلوم وحائزاً على جميع الفضائل، فلا بد له من التفكير والتأمل في العلوم، واختيار ما يكون له أنفع ، والانصراف إليه، وتكميله.

ومن المعلوم أن ما هو أنفع من كل العلوم وأهمها بالنسبة إلى حياته الأبدية الخالدة هو العلم الذي أمر به الأنبياء (علیهم السّلام) والأولياء، وحنّوا الناس على تعلّمه، وهو هذه العلوم الثلاثة التي ذكرناها. والحمد الله تعالى .

الحديث الخامس والعشرون: «الشك والوسوسة»

اشارة

بسندي المتَّصل إلى شيخ المحدَّثين وافضلهم محمّد بن يعقوب الكُلَيْني - رحمه الله تعالى - عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان قال: «ذَكَرْتُ لأَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السّلام) رَجُلاً مُبْتَلَى بِالْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ وَقُلْتُ: هُوَ رَجُلٌ عَاقِلٌ. فَقَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ (علیه السّلام): وَأَيْ عَقْلِ لَهُ وَهُوَ يُطِيعُ الشَّيْطَانَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: وَكَيْفَ يُطِيعُ الشَّيْطَانَ؟ فَقَالَ: سَلْهُ هَذَا الَّذِي يَأْتِيهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَكَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ»(1).


1) اصول الكافي، المجلد الأول، كتاب العقل والجهل ، ح 10 .

الشرح:

إعلم أن الوسوسة والشك والتزلزل والشرك وأشباهها من الخطورات الشيطانية والإلقاءات الإبليسية التي تقذف في قلوب الناس. كما أن الطمأنينة واليقين والثبات والإخلاص وأمثالها من الإفاضات الرحمانية والإلقاءات المُلكية. وتفصيل هذا الإجمال بصورة مختصرة هو : أن قلب الإنسان شيء لطيف متوسط بين نشأة الملك ونشأة الملكوت ، بین عالم الدنيا وعالم الآخرة، عين منه نحو عالم الدنيا والملك، وبها يعمّر هذا العالم، وعين أخرى منه نحو عالم الآخرة والملكوت والغيب، وبها يعمر عالم الآخرة والملكوت .

فالقلب بمثابة مرآة لها وجهان، وجه منها نحو عالم الغيب، وتنعكس فيه الصور الغيبية، ووجه آخر نحو عالم الشهادة وتنعكس فيه الصور الملكية الدنيوية . ويتم انعكاس الصور الدنيوية من خلال القوى الحسّية الظاهرية وبعض القوى الباطنية مثل الخيال والوهم. وتنتقش الصور الأخروية فيها من باطن العقل وسرّ القلب. فإذا قويت الوجهة الدنيوية، والتفتت كلياً إلى تعمير الدنيا ، وانحصرت همته في هذا العالم واستغرق في ملاذ البطن والفرج، وكافة المشتهيات والمتع الدنيوية، انعطف باطن الخيال نحو الملكوت السفلي، الذي يكون بمثابة الظل المظلم لعالم المُلك والطبيعة، وعالم الجن والشياطين والنفوس الخبيثة، وتكون الإلقاءات شيطانية، وباعثة على تخيلات باطلة وأوهام خبيثة . وحيث أن النفس تنتبه إلى الدنيا ، اشتاقت إلى تلك التخيلات الباطلة، وتبعها أيضاً العزم والإرادة، وتتحول كل الأعمال القلبية والقالبية إلى سنخ الأعمال الشيطانية من قبيل الوسوسة والشك والترديد والأوهام والخيالات الباطلة. وتصبح الإرادة على ضوء ذلك في مُلك الجسم فعّالة وتتجسد الأعمال البدنية أيضاً حسب الصور الباطنية للقلب، لأن الأعمال صورة وتمثال للإرادات، التي هي صور ومثال للأوهام التي

هي بدورها انعكاس لاتجاه القلب. وحيث أن وجهة القلب كانت نحو عالم الشيطان، كانت الإلقاءات في القلب من سنخ الجهل المركب الشيطاني، وفي النهاية تستشري من باطن الذات، الوسوسة والشك والشرك والشبهات الباطلة، وتسري في كل أنحاء الجسم .

وعلى هذا القياس المذكور، إذا كانت وجهة القلب نحو تعمير الآخرة، والمعارف الحقة، وعالم الغيب، لحصل له وئام مع الملكوت الأعلى، الذي هو عالم الملائكة، وعالم النفوس الطيبة السعيدة، والذي يكون هذا العالم بمثابة الظل النوراني لعالم الطبيعة، واعتبر العلوم التي تفاض عليه، من العلوم الرحمانية الملكية والعقائد الحقة، وغدت الخواطر من الإلقاءات والخواطر الإلهية، وتطهر من الشك والشرك وتنزه منهما، وحصلت الاستقامة والطمأنينة في النفس، وصارت أشواقها أيضاً على ضوء تلك العلوم، وإرادتها على ضوء تلك الأشواق. ومجمل الكلام أن الأعمال القلبية والقالبية والظاهرية والباطنية، تتحقق على أساس العقل والحكمة .

ولهذه الإلقاءات الشيطانية والملكية والرحمانية مراتب ومقامات، لا تسمح هذه الصفحات فعلاً، في التطرق إلى تفصيل ذلك .

وتدل على ذلك بعض الأخبار الشريفة، مثل ما ورد في مجمع البيان عن العياشي(1):

روى العياشي بإسناده عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد (علیهم السّلام) قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَا مِنْ مُؤْمِنِ إِلَّا وَلِقَلْبِهِ فِي صَدْرِهِ أَدْنَانِ : أُذُنٌ يَنْقُتُ فِيهَا الْمَلَكُ وَأُذُنٌ ينفتُ فِيهَا الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ، يُؤَيِّدُ اللهُ الْمُؤْمِنَ بِالْمَلَكِ وَهُوَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ : وَأَيَّدَهُمْ بروح منه(2).

وفي «مجمع البحرين» في حديث آخر انه قال: «الشَّيْطَانُ وَاضِعٌ خَطْمَهُ عَلى قَلْب ابْنِ آدَمَ، لَهُ خُرْطُومٌ مِثْلُ خَرْطُومٍ الْخِنْزِيرِ، يُوَسْوِسُ لابنِ آدَمَ أَنْ أَقْبِلْ عَلَى الدُّنْيَا وَمَا لا


1) محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي المعروف بالعياشي من رواة الطبقة الثامنة وفي القرن الثالث الهجري. موثوق ومتبحّر في الأخبار ترك أكثر من مائتي مؤلف أشهرها : تفسير القرآن الكريم المعروف بتفسير العياشي .

2) مجمع البيان، المجلد العاشر ، ص 571 .

يُحِلُّ اللهُ ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ»(1)إلى غير ذلك من الروايات .

فصل: الوسوسة من الأعمال الشيطانية

بعد أن علمنا عن طريق أهل المعرفة، أن الوسوسة من الأعمال الشيطانية، كما ورد في هذا الحديث الشريف الذي نحن بصدد شرحه، والأحاديث الأخرى، نضطر إلى بيان هذا الموضوع بطريق آخر يكون أقرب إلى أذهان العامة وأكثر ملائمة لها، رغم أن البيان السابق عند أهله موافق للقواعد العقلية والضوابط البرهانية ومطابق لذوق أهل المعرفة ومشاهدات أصحاب القلوب، ولكن حيث أنه يرتكز على قواعد وأسس خارجة عن مستوى هذا الكتاب، ننصرف عن بيانها . ونقتصر على ذكر أصل الموضوع فنقول :

إن الشاهد على أن هذه الوساوس والأعمال من ألعاب الشيطان وإلقاءات ذلك الملعون، وأنه لا يوجد لها دافع ديني وباعث إيماني، رغم زعم صاحبها أن دافعه أمر ديني، هو أن هذه الوساوس تخالف أحكام الشريعة وأخبار أهل بيت العصمة والطهارة .

مثلاً : وردت في أحاديث متواترة عن طريق أهل بيت العصمة (علیهم السّلام)، كيفية وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من أنها كانت غسلة واحدة(2). ومن ضروريات الفقه، إجزاء غرفة واحدة للوجه، وغرفة لغسل اليد اليمنى وغرفة لغسل اليد اليسرى وأما الإجزاء مع غرفتين أو غسلتين لكل من الوجه واليد اليمنى واليسرى، فهو محل خلاف(3)، حتى أنه يستفاد من وسائل الشيعة الفتوى بعدم الجواز أو التأمل في عدم الجواز(4)

(وسائل الشيعة، ج 1، كتاب الطهارة، باب 31، ص306) .

. ونقل عن آخرين

1) مجمع البحرين، مادة خنس، ص 305 .

2) قال الإمام الصادق (علیه السّلام): «والله ما كان وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلا مرة مرة» (وسائل الشيعة، ج1، كتاب الطهارة، باب 31 من أبواب الوضوء، ح 10 و 11 و 12).

3) في الغسلة الثانية أقوال ثلاثة، أفتى معظم الفقهاء باستحبابها وذهب بعض إلى الجواز والثالث إلى عدم الجواز.

4) يستوحى من عنوان الباب ذلك حيث يقول : باب إجزاء الغرفة الواحدة في الوضوء وحكم الثانية والثالثة .

خلاف ذلك(1). مع أن جواز الغسلتين لا يكون محل تأمل أيضاً. بل إن الشهرة العظيمة(2)مع الأخبار الكثيرة(3)دالة على استحبابه، لكن لا يبعد أفضلية الغسلة الواحدة شريطة أن يصل الماء إلى جميع أطراف العضو الذي نريد أن نغسله . مع العلم بأن الغسل ثلاث مرات بأن نصب الماء في كل مرة على أن يستوعب الماء العضو المغسول هو بدعة و حرام من دون أي محذور، ووضوؤه يكون باطلاً إذا مسح مع رطوبة الغسلة الثالثة. وفي أخبار أهل البيت (علیهم السّلام) أن الغسلة الثالثة بدعة، وكل بدعة في النار(4).

وعليه فإن الإنسان الجاهل المبتلى بالوسوسة، يغسل أعضاء الوضوء أكثر من عشر مرات وفي كل مرة يوصل الماء إلى كل أطراف العضو الذي يُريد أن يغسله بدقة متناهية، بل يغسل العضو حتى يجري ماء الوضوء، ويتحقق الغسل الشرعي ثم يكرر الغسل مرات عديدة، فمع أي مقياس نستطيع أن نطبق عمله هذا؟ ومع أي حديث أو فتوى فقيه يتطابق عمله؟ لقد صلى المسكين عشرين عاماً أو أكثر مع مثل هذا الوضوء الباطل، وتظاهر أمام الناس أنه في منتهى القدسية والطهارة. إن الشيطان قد داعبه ، والنفس الأمارة بالسوء، قد غرّته، ومع هذا كله يخطّىء الآخرين ويرى نفسه مصيباً.

إن الذي يخالف النص المتواتر وإجماع العلماء، هل يجب أن نعدّه من عمل الشيطان أو من طهارة النفس وتقواها؟ فإذا كانت هذه الوسوسة من جراء منتهى التقوى والاحتياط في الدين فلماذا نجد الكثير من ذوي الوسوسة التي لا مبر لها والجهلة المتنسكين، لا يحتاطون في مواضع يجب الاحتياط فيها أو يستحب؟ هل سمعت أحداً يعيش حالة الوسوسة في الشبهات المالية؟ من من الوسواسين دفع الزكاة والخمس مرات


1) ذهب ابن إدريس إلى عدم الجواز (مختلف الشيعة، ج 1، ص 282) .

2) جواهر الكلام، ج 2، ص 266 .

3) وسائل الشيعة، ج 1، كتاب الطهارة الباب 15 من أبواب الوضوء ، ح 3 والباب 31، من نفس الباب أيضاً، ح 28 و 29 .

4) عن الإمام الصادق (علیه السّلام): «الوضوء واحدة فرض. واثنتان لا يؤجر والثالث بدعة». (وسائل الشيعة، ج 1 ، كتاب الطهارة، الباب 31 من أبواب الوضوء، ح3. ونقل الإمام الصادق (علیه السّلام) عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». أصول الكافي، ج 1، كتاب فضل العلم، باب البدعة والرأي والقياس، ح12) .

عديدة؟ وذهب إلى الحج لأداء الواجب مرات متكررة؟ وأعرض عن الطعام المشتبه؟ لماذا كانت أصالة الحلية(1)في الأطعمة المشتبهة جارية وأصالة الطهارة(2)في مشكوك النجاسة غير جارية؟ أنه في باب مشكوك الحلية من الراجح الاجتناب. وتدل على ذلك الأحاديث الشريفة مثل حديث التثليث(3)- عن أبي عبد الله (علیه السّلام) في حديث قال : «وإِنَّما الأُمُورُ ثَلَاثَةٌ : أَمْرٌ بَيِّنْ رُشْدُهُ فَيُتَّبِعْ وَأَمْرٌ بَيْنَ غَيَّهُ فَيُجتنب وَأَمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ» - وفي باب الطهارة عكس ذلك - «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ طَاهِرٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ نَجِسٌ»(4).

كان أحد الأئمة المعصومين سلام الله عليه وعليهم إذا ذهب لقضاء حاجته رشّ الماء على فخذيه، حتى إذا ترشحت لدى الاستبراء أو الاستنجاء قطرات من الماء لم يحسّ بذلك - فهو لم يحتط ولم يتوسوس -. وهذا المسكين الذي يرى نفسه محتذياً حذو الإمام المعصوم (علیه السّلام) وأخذاً دينه منه، لا يتقي لدى التصرف في الأموال، ولا يحتاط تجاه الطعام بل يتكل على قاعدة أصالة الطهارة ويأكل، ثم يقوم ويغسل فمه ويديه. إنه حين الأكل يتمسك بأصالة الطهارة وبعد أن يشبع يقول كل شيء نجس، وإذا كان من أهل العلم برّر عمله هذا بأنني أريد أن أصلي مع الطهارة الواقعية ، مع أننا لم نعرف ميزة للصلاة مع الطهارة الواقعية. ولم ينقل عن أحد من الفقهاء رضوان الله عليهم اعتبار الطهارة الواقعية في الصلاة. وعليه إذا كنت من أهل الطهارة الواقعية فلماذا لم تكن من


1) أصالة الحلية : أصل فقهي يجري عند الشك في حلية شيء وحرمته ويحكم بحلية الشيء فيه حتى يثبت خلافه. ومن مصادر هذا الأصل صحيحة عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق (علیه السّلام) قال: «كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه». (وسائل الشيعة، ج 12، كتاب التجارة، الباب الرابع من أبواب ما يكتسب به ، ح 1 ) .

2) أصالة الطهارة : أصل فقهي يتمسّك به لدى الشك في نجاسة شيء أو طهارته فيحكم بالطهارة حتى تثبت النجاسة. ومن مدارك هذا الأصل موثقة عمار عن الإمام الصادق (علیه السّلام) «كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر». (وسائل الشيعة، ج 2، كتاب الطهارة، الباب ،37، من أبواب النجاسات ، ح4) .

3) وسائل الشيعة، المجلد 18 ، الباب الثاني عشر من أبواب صفات القاضي ، ح 9 .

4) وعن الإمام الصادق (علیه السّلام) وإنما الأمور ثلاثة أمر بيّن رشده فيتبع وأمر بين غيّه فيجتنب وأمر مشكل يردّ علمه إلى الله وإلى رسوله. قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): حلال بين وحرام بيّن وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم». (أصول الكافي، ج 1، کتاب العلم، باب اختلاف الحديث ، ح 9 ) .

أهل الحلّية الواقعية؟ وإذا فرضنا أنك أردت الطهارة الواقعية فما معنى الغسل في الماء الكر أو الجاري عشر مرات؟ مع أنه يكفي الغسل مرة واحدة من غير البول أو بعض النجاسات الأخرى في الماء الجاري أو في الماء الكر. وأمّا في البول فتكفي مرة واحدة على المشهور وتكفي مرتان إجماعاً، فلا يكون الغسل لمرات عديدة إلا من تدليس الشيطان وتسويل النفس. وحيث أن ذلك لا يتطلب جهداً منا نجعله رأس المال للتظاهر بالقدسيّة.

وأسوأ من كل ذلك وأكثر فضيحة، وسوسة البعض لدى نية الصلاة وتكبيرة الإحرام، لأنه يرتكب عدة محرمات، ويعتبر نفسه من المقدسين، ويرى بهذا العمل ميزة لنفسه. هذه النية التي تتوقف عليها الأعمال الاختيارية بأسرها، وتعد من الأمور اللازمة للأعمال الاختيارية، ولا يستطيع الإنسان أن يأتي بعمل من الأعمال العبادية أو غير العبادية من دونها، فمع هذا الوصف ومع مختلف أساليب الشيطنة وهيمنة الشيطان عليه قد يبتلي ساعة أو ساعات، لإنجاز هذا الأمر الضروري وأعماه إبليس لعنه الله الذي وضع الطوق واللجام على هذا المسكين، وأخفى عليه هذا الأمر الضروري وابتلاه بالمحرمات الكثيرة من قبيل قطع الصلاة، وتركها وتجاوز وقتها، أو أنه من طهارة الباطن والقدس والتقوى؟

و من شؤون الوسوسة عدم الاقتداء بأشخاص حكم عليهم بالعدالة نصاً وفتوى، فإن ظاهرهم من أهل الصلاح ومن المحافظين على الأعمال الشرعية وباطنهم معلوم عند الله ، ولا يجب علينا البحث والتفتيش الدقيق عنهم، بل لا يجوز البحث والتحرّي عنهم ومع ذلك نرى الشيطان يلجمه ويقوده إلى زاوية من زوايا المسجد معتزلاً عن جماعة المسلمين فيصلي فرادى، ويعلل عدم التحاقه بالجماعة بأنني أحتاط ولا أجد توجهاً قلبياً نحو الجماعة ولكنه لا يتضايق من إمامته للجماعة مع أن الإمامة أصعب، ومحل التباسها أكثر ولكن لما كانت الإمامة موافقة للرغبات النفسية لا يحتاط في ذلك .

ومن شؤون الوسوسة التي يكثر الابتلاء بها، الوسوسة في قراءة الفاتحة في الصلاة حيث قد تخرج نتيجة التكرار للحروف أو الكلمات وتفخيمها من القواعد التجويدية وقد تتغير صورة الكلمة كلياً. مثلاً ينطق حرف الضاد من كلمة (الضالين) بصورة تقترب من حرف القاف . ويتفوه بالحاء في (الرحمن الرحيم) وكأنه ينطق كلمة غريبة. ويفصل بين حرف وحرف في كلمة واحدة مما يسبب تغييراً في هيئة الكلمة ومادتها، وتنسلخ الكلمة

عن وضعها الطبيعي. ومجمل القول إن الصلاة التي تعدّ معراجاً للمؤمن، وقرباناً للمتقين، وعموداً للدين، تفرغ من كافة شؤوناتها المعنوية، وأسرارها الإلهية، وتتحول إلى كلمات يراد لها التجويد وكيفية الإلقاء، ومن ثمَّ ينجر تحديد الكلمات، إلى فسادها وإلى عدم إجزائها وكفايتها بحسب ظاهر الشرع. فهل إن هؤلاء وفي هذه الحالات، يعيشون وساوس الشيطان أو تغمرهم فيوضات الرحمن؟

لقد وردت روايات كثيرة في حضور القلب لدى الصلاة، والتوجه القلبي العبادات ولكن هذا المسكين عرف من حضور القلب علماً وعملاً، الوسوسة في النية ومدّ تلفظ كلمة ولا الضالين أكثر من القدر اللازم وتغيير تقاسيم الوجه والفم حين الكلمات .

اليست هذه بمصيبة، حيث أن الإنسان يغفل سنيناً طويلة عن حضور القلب ومعالجة قلقه النفسي، ولم يتصدّ لإصلاحه، ولا يعتبر لحضور القلب شأناً من شؤون العبادة، ولم يتعلم كيفية تحصيله من علماء القلوب - العرفاء - ولم يلتزم به، ويشتغل بهذه الأباطيل التي تكون من الخنّاس اللعين(1)حسب نص الكتاب الكريم وأنها من عمل الشيطان(2)حسب تصريح الصادقين (علیهم السّلام) بذلك. وأن العمل بها يوجب البطلان، كما ذكرتها فتاوى الفقهاء لكنه يعتبر كل ذلك من شؤون الطهارة والقدسية؟ .

وقد تحدث الوسوسة أو تشتد من جرّاء أن جهلة مثل هذا الإنسان الوسواسي يطرون عليه ويعتبرون وسوسته من الفضائل، ويثنون على ديانته وقدسيته وتقواه، قائلين إنه نتيجة شدة دينه وتقواه أصبح وسواسياً، مع أن الوسوسة لا ترتبط بالديانة أبداً، بل هي مخالفة للدين ومن ثمار الجهل وعدم العلم. ولكنهم لما لم يبينوا له حقيقة الأمر، ولم يبتعدوا عنه ولم يؤنبوه بل على العكس مدحوه وأثنوا عليه، استمر في عمله الشنيع، حتى بلغ نهايته، وجعل نفسه لعبة بيد الشيطان وجنوده، فأقصاه من ساحة قدس المقربين .


1) إشارة إلى الآية 4 و 5 من سورة الناس من شر الوسواس الخنّاس * الذي يوسوس في صدور الناس.

2) في رواية عبد الله عن الإمام الصادق (علیه السّلام): «أنه من عمل الشيطان» (وسائل الشيعة، ج1، سنان كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 10 ، ح1).

فيا أيها العزيز، بعد أن علم نقلاً وفعلاً بأن هذه الوساوس من الشيطان، وهذه الخواطر من عمل إبليس، الذي يفسد عملنا، ويصرف قلوبنا عن الحق المتعالي. ومن المحتمل أنه لا يكتفي بهذه الوسوسة في العمل، بل يبدي البراعة، ليدخل الوسوسة في العقيدة والدين، ويبعد دينك عن دين الله، ويجعلك شاكاً في المبدإ والمعاد، ويدفعك إلى الشقاء الأبدي. وإذا لم يستطع أن يضلّل أشخاصاً الفسق والفجور، فهو يسلك سبيل العبادات والمناسك فيبطل نهائياً الأعمال والأفعال التي يجب أن نتقرب بها إلى الله ، ونعرج من خلالها إلى الحق المتعالي، ويجعلها دوافع للابتعاد عن ساحة القدس الربوبي جل شأنه والتقرب من إبليس وجنوده. وعلى أي حال يخشى من أن يعبث في عقائدك. بعد علمنا ذلك لا بد من السعي في سبيل معالجة هذه الحالة بأي شكل كان وبواسطة أي ترويض روحاني ممكن .

فصل: معالجة الوسوسة عن طريق العلم والعمل

إعلم أن معالجة هذه الآفة القلبية التي يخشى منها أن تؤدي بالإنسان إلى الهلاك الأبدي والشقاء الدائم، كبقية الأمراض القلبية، يمكن أن تتم بواسطة العلم النافع والعمل بكل سهولة ويسر . فيجب أولاً أن يشعر الإنسان بأنه سقيم، حتى يسعى في سبيل المعالجة . ولكن النقص يكمن في أن الشيطان قد يزيّن له الأمور على مستوى لا يرى فيه هذا المسكين نفسه مريضاً ، وإنما الآخرون يرونه منحرفاً عن السبيل وغير مكترث بالدين .

أما المعالجة لهذه الآفة القلبية بواسطة العلم فيكون بالتفكر في هذه الأمور المذكورة، حيث يجدر بالإنسان أن تكون أعماله وأفعاله، نتيجة التفكر والتأمل. بأن يفكر في أن هذا العمل الذي يريد أن ينجزه، ويريد أن يجعله مرضياً الله تعالى من أي مصدر يكون وممن يؤخذ حتى تكون كيفيته بذلك الشكل المخصوص؟ ومن الواضح أن العوام من الناس يأخذون من الفقهاء كيفية العمل، ومراجع التقليد يستنبطونها من الكتاب والسنة والقواعد الفقهية. وعندما نرجع إلى الفقهاء نسمع منهم القدح في عمل الوسواسي، ويرون بعض أعماله باطلة، وعندما نرجع إلى الأحاديث الشريفة، والكتاب

الإلهي نجد بأن عمله يعتبر من الشيطان ويجعل صاحبه مجنوناً. إذن إن الإنسان العاقل إذا فكر وتدبر قليلاً قبل أن يهيمن الشيطان على عقله لأوجب على نفسه الإقلاع عن هذا العمل الفاسد، ولسعى في سبيل تصحيح عمله حتى يكون مرضياً عند الحق المتعال .

ويجب على كل من يشك في حصول الوسوسة عنده، أن يكون مثل الناس العوام، في عرض عمله على العلماء والفقهاء، والاستفهام منهم بأنه هل ابتلي عمله بمرض الوسوسة أم لا؟ لأنه كثيراً ما يكون الإنسان الوسواسي غافلاً عن حاله ومعتقداً بأنه معتدل وأن الآخرين غير مكترثين بالدين. ولكنه إذا فكر قليلاً، لوجد أن مصدر هذا الاعتقاد هو الشيطان وإلقاءاته الخبيثة، لأنه يرى بأن العلماء والفقهاء الكبار ومن الذين يؤمن بعلمهم وعملهم، بل ويكونون مراجع المسلمين في أخذ مسائل الحلال والحرام منهم، يعملون بما يُغاير عمله . ولا يستطيع القول بأن الملتزمين غالباً والعلماء والفقهاء لا يحفلون بدين الله وأن الإنسان الوسواسي وحده يتقيد بالدين .

وعندما أدرك ضرورة إصلاح العمل، دخل مرحلة العمل، والعمدة في هذه المرحلة عدم الاهتمام بالوساوس الشيطانية والأوهام التي تلقى عليه . فمثلاً إذا كان مجتهداً - ومبتلياً بالوسوسة في الوضوء، فليتوضأ مع غرفة واحدة رغم وسوسة الشيطان. إن الشيطان يوسوس ويقول بأن هذا العمل ليس بصحيح ولكن يواجهه بأن عملي لولم يكن صحيحاً لوجب أن لا يكون عمل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة الطاهرين (علیهم السّلام) والفقهاء جميعاً صحيحاً لأن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة الطاهرين قد توضأوا في فترة طويلة تقرب من ثلاثمائة سنة، وكانت كيفية وضوء جميعهم واحدة. فإذا كان عملهم باطلاً، فليكن عملي باطلاً أيضاً. وإذا كنت مقلداً لمجتهد، فأجب الشيطان بأنني أعمل على ضوء فتوى المجتهد ، فإذا كان وضوئي باطلاً، فلا يؤاخذني ربي عليه، ولا تكون علي حجته . وإذا أوقعك الشيطان الملعون في الشك قائلاً بأن المجتهد لم يقل هكذا فافتح رسالته العملية وتأكد من صحة العمل، فإذا لم تعبأ بإلقاءاته عدة مرات، وعملت على خلاف رأيه، غدا آيساً منك . ونرجو أن تكون المعالجة النهائية لمرضك . كما ورد هذا المعنى في الأحاديث الشريفة :

فعن الكافي بإسناده عن زرارة وأبي بصير قالا : «قُلْنَا لَهُ: الرَّجُلُ يَشْكُ كَثِيراً فِي

صَلَاتِهِ حَتَّى لا يَدْرِي كَمْ صَلَّى وَلَا مَا بَقِيَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يُعِيدُ . قُلْنَا لَهُ : فَإِنَّهُ يَكْثُرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، كُلَّمَا أَعَادَ شَكٍّ . قَالَ : يَمْضِي فِي شَكْهِ، ثُمَّ قَالَ : لا تُعَوِّدُوا الْخَبِيثَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ بِنقض الصَّلاةِ فَتُطْمِعُوهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ خَبِيتْ يَعْتَادُ لِمَا هُودَ ، فَلْيَمْضِ أَحَدُكُمْ فِي الْوَهُم وَلَا يُكْثِرَنَّ نقْضَ الصَّلاةِ فَإِنَّهُ إِذَا فَعَل ذلِكَ مَرَّاتٍ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ الشَّكُ . قَالَ زُرَارَةُ : ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا يُرِيدُ الْخَبِيثُ أَنْ يُطَاعَ فَإِذَا عُصِيَ لَمْ يَعُدْ إِلَى أَحَدِكُمْ»(1).

وبإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : «إذا كَثرَ عَلَيْكَ السَّهْرُ فَامْضِ فِي صَلَاتِكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَدَعَكَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ»(2).

ومن الوضوح بمكان أنك إذا خالفت الشيطان فترة من الزمان، ولم تلق بالاً لوساوسه، لانقطع طمعه عنك، وعادت الطمأنينة والسكون إلى نفسك. ولكن في غضون أيام تصدّيك للشيطان، تضرّع إلى ساحة الحق المتعالي والتجيء إلى ذاته المقدس من شرّ ذاك الملعون وشر النفس، واستعذ بالله منه وهو يعينك عليه كما ورد في الكافي الأمر بالاستعاذة من الشيطان .

بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «أَتَى رَجُلٌ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشْكُو إِلَيْكَ مَا أَلْقَى مِنَ الْوَسْوَسَةِ فِي صَلَاتِي حَتَّى لا أَدْرِي مَا صَلَّيْتُ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصَانِ، فَقَالَ : إِذا دَخَلْتَ فِي صَلاتِكَ فَاطْعَنْ فَخِذَكَ الأَيْسَرَ بِإِصْبَعِكِ الْيُمْنَى الْمُسحَةِ ثُمَّ قُلْ: «بِسْمِ اللهِ وَبِاللهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ ، أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ، فَإِنَّكَ تَنْحَرُهُ وتَطْرُدُهُ»(3).

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، والصّلاة والسّلام على محمد وآله الطاهرين .


1) فروع الكافي، المجلد 3 ، كتاب الصلاة، باب من شك في صلاته ، ح 2 ص 358 و 359 .

2) المصدر السابق.

3) فروع الكافي، المجلد 3 ، كتاب الصلاة، باب من شك في صلاته، ح4 ، ص 359 .

الحديث السادس والعشرون: «طالب العلم»

اشارة

بالسند المتَّصل إلى ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكُلَيْني، عن محمّد بن الحسن وعليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعاً عن جعفر بن محمّد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون القداح ؛ وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن القداح، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً سَلَكَ الله به طريقاً إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضاً بِهِ، وَإِنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لِطَالِبٍ الْعِلْمِ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ. وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرْثُوا دِينَاراً وَلَا دِرْهَما وَلَكِنْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الأول ، كتاب فضل العلم، باب ثواب العالم والمتعلَّم ، ح 1 .

الشرح:

إعلم أن ألفاظ هذه الرواية لا تحتاج إلى الشرح ، ولكننا نشرح هذه الخصال التي ذكرها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في افضل طالب العلم والعلماء، ضمن فصول عديدة. وعلى الله التكلان.

فصل: في بيان أن من سلك طريق العلم جعله الحق المتعالي من السالكين لطريق الجنة

لا بد من معرفة أن العلوم بصورة كلية تنقسم إلى قسمين :

أحدهما : العلوم الدنيوية التي هدفها الوصول إلى المآرب الدنيوية. على أساس أن النية قد تكون الأنانية وقد تكون إلهية .

والآخر : العلوم الأخروية التي يقصد منها البلوغ إلى المقامات والدرجات الملكوتية والوصول إلى المراتب الأخروية. وقد تقدّمت منا الإشارة إلى أن الفرق بين القسمين يكون على أساس النية والقصد غالباً، وإن كانت هذه العلوم في نفسها تنقسم إلى نوعين. ويكون المقصود من هذا العلم في هذا الحديث حسب الآثار المذكورة لطلب العلم وللعلماء في هذه الرواية، هو النوع الثاني وهو العلوم الأخروية. وهذا واضح .

وتقدّم منّا أيضاً بأن جميع العلوم الأخروية لا تخرج عن إطار الحالات الثلاثة وهي أنها: إما من قبيل العلم بالله والمعارف الإلهية، أو من قبيل علم تهذيب النفس والسلوك إلى الله، أو من قبيل علم الآداب وسنن العبودية. ونقول هنا بأن تعمير نشأة الآخرة يرتبط بهذه الأمور الثلاثة. وعليه تكون الجنة أيضاً منقسمة إلى جنات ثلاثة :

إحداها: جنة الذات وهي التي تكون غاية للعلم بالله والمعارف الإلهية .

وثانيها : جنة الصفات وهي نتيجة تهذيب النفس وترويض الروح .

وثالثها: جنّة الأعمال وهي صورة أداء العبودية وآثارها، وهذه الجنات لا تكون معمورة ومشيّدة .

وكما أن أرض «جنة الأعمال» قاع(1)- مسطحة ومستوية - فكذلك أراضي النفس في بدء الأمر مستوية ولا شيء فيها. ويكون عمرانها تابع لعمران النفس.

وإذا لم يُعمّر مقام الغيب النفس بالمعارف الإلهية، والجذبات الغيبية الذاتية، لم تحصل للإنسان «جَنَّةُ الذَّاتِ وَاللقَاءِ». وإن لم يهذّب الباطن، ولم يتحلّ الداخل، ولم تقوّ الإرادة والعزم ولم يكن القلب محل تجل للأسماء والصفات، لم تكن «جَنَّةُ الأَسْمَاءِ والصفاتِ» التي هي الجنّة المتوسطة، للإنسان. وإن لم ينهض الإنسان بالعبودية، ولم تتطابق أعماله وأفعاله وحركاته وسكناته أحكام الشريعة، لم يحصل على «جَنَّةِ الأعمال» التي فيها ما تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْبُنُ(2).

وبناءاً على هذه المقدمة الموافقة للبراهين الفلسفية، وذوق أهل العرفان، وأخبار الأنبياء والأولياء (علیهم السّلام)، والمستفادة من القرآن الإلهي الكريم، يتبين أن العلوم في أي مستوى كانت: سواء كان علم المعارف أو غيره فهي السبيل للوصول إلى الجنة التي تتناسب مع ذلك العلم ، وسالك سبل كل علم، سالك لطريق من طرق الجنة .

وقد ذكرنا سابقاً(3)بأن العلوم بصورة عامة، طريق إلى العمل، حتى علوم المعارف إلا أن الأعمال التي تنجم من علم المعارف، هي أعمال قلبية، وجذبات باطنية، وتكون نتيجة تلك الأعمال والجذبات وصورها الباطنية، صورة «جنة الذات واللقاء». إذن : سلوك طريق العلم، سلوك طريق طريق الجنة - العلم طريق إلى الجنة -، وطريق الطريق، طريق أيضاً.


1) في الحديث النبوي الشريف: «الجنة قيعان وإن غراسها سبحان الله وبحمده». (علم اليقين، ج 2، ص 1060).

2) سورة الزخرف، الآية : 71.

3) في الحديث الثالث والعشرين والرابع والعشرين .

والسر في قوله (علیه السّلام): «سلك الله به إلى الجنة» حيث نسب إلى العبد، السلوك العلمي . من سلك طريقاً يطلب فيه علماً - وإلى ذاته المقدس الحق، السلوك إلى الجنة - سلك الله به إلى الجنة - لأجل أنه في مقام الكثرة رجّح طلب العبد العلم، وفي مقام الرجوع إلى الوحدة، رجّح طرف الحق. ولولا هذا التوجيه، لاستطعنا من جهة أن نقول : يُنسب أيضاً إلى العبد السلوك إلى الجنة وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً(1)فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ(2). كما نستطيع من جهة أخرى أن ننسب السلوك إلى العلم، إلى الذات المقدس أيضاً وأنه من تأييده وتوفيقاته. قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللهِ(3).

ولمحقق الفلاسفة، وفخر الطائفة الحقة صدر المتألهين - رضوان الله تعالى عليه - في هذا المقام شرح يبتني على ذلك(4)، وهو أن نفس إدراك الملائم والمنافر، جنة ونار، وأن العلوم مما يلائم النفس، والجهل مما تنفر منه .

وهذا الرأي مخالف لنظريته المذكورة في الكتب الحكمية عند ردّه على الشيخ الغزالي، حيث يذهب - الشيخ الغزالي(5)- إلى أن الجنة والنار ، عبارة عن اللذات والآلام الحاصلة في النفس، ويجحد وجودهما - الجنة والنار - الخارجيين، حسب ما ينقل عنه(6). وهذا المذهب، مضافاً إلى أنه مخالف لبرهان الحكماء، مغاير لأخبار الأنبياء، والكتب السماوية، وضرورة الأديان بأسرها. فنهض - صدر المتألهين - الفيلسوف العظيم الشأن، للإجابة عليه، وإبطال تصوره، ولكنه - صدر المتألهين - قد ذكر في المقام ما يضاهي المنقول عن الشيخ الغزالي، رغم رفضه وإنكاره لمسلك الغزالي. وعلى أي حال


1) سورة الكهف، الآية : 42 .

2) سورة الزلزلة ، الآيتان : 7 و 8 .

3) سورة النساء، الآية : 78.

4) شرح أصول الكافي، كتاب فضل العلم ، باب ثواب العالم والمتعلّم ، ح 1 .

5) الأسفار الأربعة، ج 9 ، السفر الرابع، الباب الثامن، الفصل العاشر .

6) تهافت الفلاسفة، الغزالي، ص 268 .

هذا الكلام - مذهب صدر المتألهين - ليس بصحيح عندي ولكن لا يتناسب مع حجم الكتاب عرض أكثر من هذا المقدار من البحث .

فصل: في بيان أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم حتى يطا عليها

إعلم أن ملائكة الله على أصناف وأنواع كثيرة كلهم جنود الحق المتعالي، ولا يعلمهم أحد إلا الذات المقدس علاّم الغيوب وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ(1).

صنف منهم ملائكة مهيّمون - عاشقون - مجذوبون ، لا يلتفتون نهائياً إلى عالم الوجود، ولا يعرفون بأن الله قد خلق عالماً أم لا، وإنما هم مستغرقون في جمال الحق وجلاله، ومنصهرون في كبرياء ذاته المقدس(2). ويقال بأن كلمة (ن) المباركة في الآية الشريفة ن، وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(3)إشارة إلى هذا الصنف من الملائكة .

وصنف آخر منهم، ملائكة مقربون ومن سُكّان الجبروت الأعلى، وهم أنواع كثيرون ولكل منهم شأن وتدبير في العالم لا يكون لغيرهم من الملائكة .

وطائفة رابعة ملائكة عالم البرزخ والمثال .

وطائفة خامسة الملائكة الموكّلون على عالم المُلك والطبيعة، حيث يتولّى كلّ منهم أمراً ويدبر شأناً، وهذا القسم من الملائكة المدبرين في عالم الملك، غير الملائكة الموجودين في عالم المثال والبرزخ. كما هو مقرر في محلّه، ومستفاد من الأخبار أيضا(4).

ولا بد من معرفة أنه لا توجد أجنحة وريش وأعضاء أخرى للملائكة على مختلف أصنافهم، فإن الملائكة المُهيّمين حتى سكان الملكوت الأعلى منزهون ومبرأون من هذه


1) سورة المدثر، الآية : 31 .

2) علم اليقين، ج 1، المقصد الثاني، الباب الأول، الفصل الأول، ص 256 .

3) سورة القلم، الآية : 1.

4) علم اليقين، الفيض الكاشاني، ج 1، المقصد الثاني، الباب الثاني، الفصل الأول، ص 259 .

الأعضاء والأجزاء المقدارية، ومجردون من المادة ولوازمها ومقدارها وعوارضها. وأما ملائكة عالم المثال والموجودات الملكوتية البرزخية، فمن المحتمل أن تكون في هذه الطائفة من الملائكة، جوارح وأعضاء وأجنحة ورياش وغيرها، ولمّا كانوا من عالم المثال والبرزخ، وكان لهذا العالم كميّة وكيفية، كان لهذه الطائفة شكل خاص، وجوارح مخصوصة وإن قوله تعالى: وَالصَّافاتِ صَفًّا(1)؛ وأُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ ورباعَ(2)يرتبط بهذه الطائفة من الملائكة. ولكن للملائكة المقربين والقاطنين في الجبروت الأعلى، والإحاطة الوجودية القيّوميّة، فهم يستطيعون أن يتمثلوا في كل واحد من العوالم بهيئة وصورة تتناسب مع ذلك العالم. كما أن جبرائيل الأمين، الذي هو من المقربين للساحة المقدسة، وحامل الوحي الإلهي، ومن أعلى مراتب موجودات سكان الجبروت، كان يتمثل لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، في شكل خاص دائماً، وفي شكل مطلق، مرتين، وفي عالم المُلك حيناً وخاصة في صورة دحية الكلبي رضيع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي كان أجمل الناس(3).

ولا بد من معرفة أن التمثّل المُلكي للملائكة، لا يكون مثيل الموجودات الملكية، كي يراه كل سليم الحس والبصر، بل الجانب الملكوتي للملائكة يغلب الجانب الملكي . ولهذا لا يراهم الناس جميعاً مع أبصارهم المُلكية، بل يراه البعض، كما رأى بعض أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) جبرائيل وهو في صورة دحية الكلبي، بعد تأييد من الحق المتعالي، وإشارة من خاتم الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم).

ومن هذا المنطلق فإن طلبة العلم والمعارف، والمتوجهين إلى الحق والحقيقة، والسالكين لسبيل رضا الله من الأبناء الروحانيين لآدم صفي الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الذين يكونون مسجوداً للملائكة ومطاعاً لتمام دائرة الوجود، هؤلاء يكونون محل عناية ملائكة الله، ورعايتهم وتأييدهم، وإنّ مثل هذا المُلكي الذي تحوّل إلى وجود ملكوتي، وهذا الأرضي


1) سورة الصافات، الآية : 1 .

2) سورة فاطر، الآية : 1.

3) بحار الأنوار، ج 18 ، تاريخ النبي ، الباب 2، ح 29 .

الذي أصبح سماوياً قد وطأت أقدامه، أجنحة الملائكة، فإذا انفتحت عين بصيرته الملكوتية والمثالية لرأى بأنه مستقر على أجنحة الملائكة، وأنه يطوي المسافات بفضل تأییداتهم .

هذا بالنسبة إلى الذين - الأبناء الروحانيون لآدم (علیه السّلام) - هاجروا من الملك إلى الملكوت، وإن كانوا لا يزالون في الطريق.

وأما الذين، لا يزالون يعيشون في عالم المُلك، ولم يطرقوا عالم الملكوت، فمن الممكن أن يكونوا محل تأييد ولطف الملكوتيين، حيث يفترشون أجنحتهم تواضعاً لهم وابتهاجاً بهم وبأعمالهم. كما أشير إلى ذلك كما أشير إلى ذلك في هذا الحديث الشريف وفي حديث (عوالي اللئالىء). عن المقداد - رضي الله عنه - أنّه قال : «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) يَقُولُ: إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَها لِطَالِبِ الْعِلْمِ حَتَّى بَطَأَ عَلَيْهَا رِضاً بِهِ»(1).

فعلم أن الخطوة الأولى إلى الله وإلى مرضاته، وضع الأقدام على أكتاف الملائكة، والجلوس على أجنحتهم، ويكون هذا الفرش وهذا الافتراش موجودين حتى نهاية مراتب الدراسة، ونهاية أيام تحصيل العلم والمعارف، ولكن الدرجات تختلف، والملائكة المؤيدين لهذا السالك في سبيل العلم يتبدلون، حسب تبدل المراتب، ويصل مستوى السالك إلى مرحلة، يرفع قدمه من على رأس الملائكة المقربين، ويجتاز عوالم، ويطوي مراتب، لا يستطيع أن يدنو منها الملائكة المقربون، بل يبدي جبرائيل أمين الوحي عجزه عن الوصول إلى تلك الدرجات حيث يقول «لَوْ دَنَوْتُ أَنْمُلَةٌ لاحْتَرَقْتُ»(2).

فلما لم يكن هذا الكلام معارضاً للبرهان، بل يوافقه، فلا داعي إلى تأويل جملة إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم - كما صنع الفيلسوف العظيم، صدر المتألهين(3)، مع أنه اعترف وأثبت ملائكة عالم المثال، والتمثلات الملكية والملكوتية للملائكة في كتبه الفلسفية والعلمية، مع بيان أنيق يختص به.


1) عوالي اللثالي، المجلد الأول، ص 106 .

2) بحار الأنوار، المجلد الثامن عشر، تاريخ النبي ، باب إثبات المعراج ، ح 85 ص 382 .

3) شرح أصول الكافي، كتاب العلم، باب ثواب العالم والمتعلم ، ح 1 ، ص 137 .

فصل: في بيان أنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض

إعلم أنه قد تقرر في محلّه أن حقيقة الوجود، عين جميع الكمالات والأسماء والصفات، كما أن الوجود الخالص المحض عين الكمال المحض الخالص. ولهذا حيث أن الحق المتعالي جل شأنه يكون وجوداً صرفاً، فهو كمال صرف، وأنه سبحانه عين جميع الأسماء والصفات الجمالية والجلالية. وفي الحديث «عِلْمٌ كُلُّهُ، قُدْرَةٌ كُلُّهُ»(1).

وقد ثبت بالبرهان أن حقيقة الوجود، في المرايا - العالم - عين جميع الكمالات، وأنه لا يمكن البتة تجريد الكمالات من الوجود، لكن ظهور الكمالات، يكون بقدر سعة وضيق الوجود، وصفاء وكدورة المرآة. ولهذا تكون كافة الكائنات الوجودية، آيات ذاته تعالى ومرآة أسمائه وصفاته. وهذا الموضوع رغم أنه مبرهن عليه، بل قلّما تجد مسألة فلسفية تبلغ مستوى الموضوع المبحوث عنه هنا في الإحكام والقوة، واتقان الدليل. فهو مطابق لمشاهدات أصحاب الشهود، ومذاق أرباب المعرفة، وموافق مع الآيات الكريمة، وأخبار أهل بيت العصمة والطهارة (علیهم السّلام). كما أشار كتاب الله سبحانه في آيات عديدة، إلى تسبيح الموجودات بأسرها : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ(2)وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ(3).

ومن الواضح جداً أن التسبيح والتقديس والثناء، يتطلب العلم والمعرفة لمقام الذات المقدس - للحق جل شأنه - ومن دون العلم والمعرفة لا يمكن التسبيح والتقديس والتحميد .

وقد تولّت الأحاديث بيان هذا الموضوع الشريف بكل صراحة ووضوح لا يقبل أي توجيه وتأويل . ولكن ذوي الحجب والمحجوبين عن المعارف الإلهية، من أهل الفلسفة التقليدية وذوي الجدل، قد أوّلوا كلام الله ، تأويلاً باهتاً ومضافاً إلى أنه مخالف لظاهر


1) يقول الفارابي في الفصوص: (وجود كله، قدرة كله، حياة كله)، ص 253 و 416 .

2) صورة الجمعة، الآية : 1 .

3) سورة الإسراء، الآية : 44.

الآيات الكريمة ونصوص القرآن الكريم، يكون حديثهم بعض الموارد، مثل قصة تكلم النمل في سورة النمل المباركة(1)، مخالفاً للنصوص الكثيرة الواردة عن الأئمة الأطهار (علیهم السّلام) ومخالفاً لبراهين الحكمة القويمة أيضاً. ولا يتناسب ذكر البراهين مع مقدماتها. وحجم هذا الكتاب المختصر .

فتسبيح الموجودات للحق المتعالي يكون عن وعي وشعور. وفي الحديث عن الباقر (علیه السّلام) قال : قال النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم): «إنِّي كُنتُ أَنْظُرُ إِلَى الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَأَنَا أَرْعَاهَا - وَلَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ - فَكُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا [قَبْلَ النُّبُوَّةِ] وَهِيَ مُتَمَكِّنَةٌ فِي الْمَكْينَةِ ما حَوْلَها شَيْءٌ يُهَيِّحُها حَتى تَذْهَرَ فَتَطِيرَ، فَأَقُولُ : مَا هَذَا؟ وَأَعْجَبُ حَتَّى جَاءَنِي جَبْرَئِيلُ فَقَالَ : إِنَّ الْكَافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةٌ مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئاً إِلا سَمِعَها وَيَدْعَرُ لَهَا إِلَّا الثَّقَلَيْن»(2)

ويقول أهل المعرفة إنّ الإنسان أكثر الموجودات بعداً وحجاباً عن الملكوت ما دام هو منهمك بعالم المُلك وشؤونه ، لأن اشتغاله أكثر من الكل وأقوى، فيكون احتجابه أكثر من الجميع، وحرمانه عن الوصول إلى عالم الملكوت أعظم.

وأيضاً لأن كافة الموجودات ذات وجهة ملكوتية يكتسبون بها الحياة والعلم والشؤون الحياتية وكذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ(3). وهذا دليل آخر لتحقق العلم والحياة في الموجودات بأسرها .

وبعد أن علم أن لجميع الموجودات علماً ومعرفة وأنها ذات وجهة ملكوتية، ولكن الإنسان بما أنه من جهة ليس في مرتبتها، بل أرفعها وأسماها وبما أنه محجوب من جهة أخرى عن عالم الملكوت، لا يحصل له العلم بحياة الموجودات وشؤونها . بعد هذا الكلام لا مانع من القول باستغفار كل ما في السماء والأرض للإنسان السالك لطريق العلم، المتوجه إلى الحق المتعالي، الذي هو زبدة عالم الوجود، وولي النعمة لعالم التحقق، وطلب الكائنات من مقام غفارية الذات المقدس الحق جل وعلا، مع ألسنتهم


1) التفسير الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ج 13 ، ص 169 - 176 .

2) فروع الكافي، المجلد 3، ص 233.

3) سورة الأنعام، الآية : 75 .

المقالية، ولهجتهم الصريحة الملكوتية، التي تسمعها الآذان الملكوتية الصاغية، أن يغرق في بحار غفرانه هذا النتاج الكامل المُلكي، الذي هو مفخرة الطبيعة، وأن يستر عيوبه جميعاً.

كما أنه لا مانع من احتمال آخر هو أن الكائنات الأخرى تعلم، بأن الوصول إلى مقام فناء ذات الإنسان المقدس، والغرق في بحر الكمال، لا يتيسر إلا بتبع ذات الإنسان المقدس الكامل العالم بالله، العارف للمعارف الإلهية، الجامع للعلم والعمل - كما هو مقرر في محلّه - فمن هذه الجهة يسألون الحق سبحانه ، الكمال الإنساني، الذي يحصل بالغرق في بحر غفارية الحق، حتى ينالوا بواسطته كمالاتهم اللائقة بهم - والله العالم .

فصل: في بيان أن فضل العالم على العباد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر وهي ليالي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر

إعلم أن حقيقة العلم والإيمان الذي يتقوّم بالعلم، عبارة عن النور . وهذا الموضوع مضافاً إلى أنه مطابق مع البرهان والعرفان، موافق لنصوص وأخبار أهل العصمة والطهارة (علیهم السّلام) أيضاً. لأن حقيقة النور التي هي عبارة عن الظاهر والمكشوف بالذات، المظهر والكاشف للغير، ثابتة للعلم وصادقة عليه، بل صدق هذه الحقيقة على العالم يكون حقيقياً، وعلى الأنوار الحسية، مجازياً، لأن النور الحسي، لا ظهور ذاتي له في الحقيقة وإنه من تعيّنات - مصاديق - تلك الحقيقة، وتكون له الماهية، وأما حقيقة العلم، فهي عين الوجود ذاتاً، وغيره مفهوماً، فهو في حاق الحقيقة، وعالم الخارج موافق للوجود ومتحد معه، وتكون حقيقة الوجود عين النور، وعين العلم اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ(1)فالعلم عين النور. وقد عبّر في الآيات الشريفة عن الإيمان والعلم بالنور وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَالَهُ مِنْ نُورِ(2).


1) سورة النور، الآية : 35 و 40 .

2) المصدر السابق.

وقد فسر (النور) حسب تفسير أهل بيت العصمة (علیهم السّلام) في آية النور المباركة بالعلم، فَعَنْ الصادق - (علیه السّلام)- اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قَالَ: كَذَلِكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿مَثَلُ نُورِهِ قَالَ: مُحَمَّدٌ (صلی الله علیه و آله و سلم) كَمِشْكوة قال : صَدْرُ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) فيها مِصْبَاحٌ قَالَ فِيهِ نُورُ الْعِلْمِ يَعْنِي النُّبُوَّةَ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ قَالَ: عِلْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَدَرَ إِلى قَلْبِ عَلِيٌّ» - الحديث(1).

وعن الباقر (علیه السّلام) أنه يقول: «أنا هادِي السَّمَواتِ والأَرْضِ، مَثَلُ الْعِلْمِ الَّذِي أَعْطِيتُهُ - وَهُوَ النُّورُ الَّذِي يُهْتَدَى بِهِ مِثْلُ الْمِشْكوةِ فِيهَا الْمِصْبَاحُ ، فَالْمِشْكوةُ قَلْبُ مُحَمَّد (صلی الله علیه و آله و سلم) وَالْمِصْبَاحُ نُورُهُ الَّذِي فِيهِ الْعِلْمُ»(2).

وفي رواية قال: «فَالْمُؤْمِنُ يَنْقَلِبُ فِي خَمْسَةٍ مِنَ النُّورِ : مَدْخَلَهُ نُورٌ، وَمَخْرَجُهُ نُورٌ، وَعِلْمُهُ نُورٌ ، وَكَلامُهُ نُورٌ، وَمَصِيرُهُ إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُور»(3).

وورد في الحديث المعروف : «الْعِلْمُ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ»(4).

ولهذا النور مراتب حسب مراتب إيمان وعلم ذوي النور .

ولا بد من معرفة أن هذا النور الحقيقي الموجود في قلوب أهل الإيمان والعلم، لمّا كان من أنوار عالم الآخرة، ينير في عالم الآخرة حسب فعالية النفس بالنور الحسّي. وحيث أن هذا النور هو الذي ينير الصراط، يكون نور طائفة مثل نور الشمس وأخرى مثل نور القمر حتى ينتهي الأمر إلى نور يضيء أمام قدميه فقط.

وعندما علمنا بأن العلم نور وظهور، حقيقة من دون شائبة مجاز، لا بد وأن نعرف بأننا نحن المساكين الذين ما دمنا نعيش في حجب ظلمات الطبيعة، وفي الليل المظلم من عالم الملك، نكون محجوبين عن العلم: الشمس الحقيقية، والنور المتزايد للعلم


1) توحيد الصدوق، باب تفسير آية النور ، ج 3، ص 157.

2) تفسير نور الثقلين، المجلد الثالث، ص 105 . روضة الكافي، ج 8 ، باب تفسير آيات من القرآن ح574 ، ص 380.

3) تفسير البرهان، المجلد 3: ص 135.

4) بحار الأنوار، المجلد الأول، كتاب العلم، الباب 7 ، ح 17 ص 225 .

والوعي، ونتصور بأن هذه الكلمات مبتنية على المثال والمجاز والاستعارة والتخمين والتعبير .

نعم، لمّا كنا في سُبات في هذه الحياة المستعارة، وكان سكر الطبيعة يداعب رأسنا ولم نفرق بين الحقيقة والمجاز، يترائى أمام أنظارنا المجازية النور المجازي لأنه في الحقيقة تترائى في عالم المجاز ، الحقيقة ، مجازاً . «النَّاسُ نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انتبهوا»(1).

وعندما نفتح أعيننا، نرى العالم نّيراً بمثل ما نرى الشمس والقمر نيّرين، فبنوره في هذا العالم، تضاء القلوب المظلمة، وتُحيى الجهال الأموات، وفي ذلك العالم أيضاً نوره يحيط ويشفع، من خلال إحاطته النورية، المقتبسين من مشكاة علمه والمرتبطين بساحة قدسه .

ولا بد وأن نعرف بأن العبادة لا تتحقق من دون علم أيضاً، ومن هنا يكون للعابد نور مخصوص به، بل إن نفس الإيمان وعبادة الحق المتعالي من سنخ النور ولكن نور العابد، يضيء لنفسه وينير تحت أقدامه، ولا ينير للآخرين ولهذا يكون مثلهم مثل النجوم ليلة البدر ، حيث تختفي أنوارها أمام نور القمر ليلة البدر، وإنما تضيء لنفسها من دون أن تنفع الآخرين وتسطع لهم . فمثل العابد أمام العالم، لا يكون مثل النجمة في الليل المظلم حتى ينير قدراً من المساحة المحيطة بالنجمة وإنما يضيء بمثل إضاءة النجمة ليلة البدر حيث تكون ظاهرة وغير مظهرة لشيء آخر .

قال صدر المتألهين - قدس سره - (إن المقصود من العالم في هذا الحديث الشريف غير العالم الرباني ممّن يكون علمه لدنيّاً وحاصلاً بواسطة الموهبة الإلهية كما هو شان علم الأنبياء والأولياء (علیهم السّلام). ويدل على ما ندعيه تمثيله بالقمر إذ لو كان المقصود من العلم، اللدني منه، لكان من الجدير به أنه يمثل بالشمس لأن نورها بإفاضة من الحق المتعال من دون واسطة شيء آخر من نوعه أو جنسه)(2)انتهى كلامه رفع مقامه .


1) عوالي اللتالي ، ج 4 ، ح 48 ، ص 73 .

2) شرح أصول الكافي . كتاب فضل العلم ، باب ثواب العلم والمتعلم ، ج 1، ص 138.

فصل: في بيان أن العلماء ورثة الأنبياء عليهم السلام

هذه الوراثة روحانية، وولادة العلماء من الأنبياء ولادة ملكوتية، والإنسان كما يكون حسب نشأته المُلكية والجسمية، وليد المُلك والطبيعة فبعد تربية الأنبياء للإنسان، وحصول مقام القلب له، تكون له ولادة ملكوتية. وكما أن منشأ تلك الولادة المادية، الأب الجسماني، يكون منشأ هذه الولادة الأنبياء (علیهم السّلام)، فيكونون الآباء الروحانيين، وتكون الوراثة، وراثة روحانية باطنية، والولادة ولادة ثانوية ملكوتية. وتكون التربية والتعليم بعد الأنبياء من شؤون العلماء، الورثة الحقيقيون للأنبياء. إن الأنبياء (علیهم السّلام) حسب هذا المقام الروحاني لا يملكون درهماً ولا ديناراً ولا يلتفتون إلى عالم الملك والشؤون المُلكية فتَرِكَتُهم حسب هذا المقام الروحاني، لا يكون شيئاً آخر عدا العلم والمعارف وإن كان حسب ولادتهم - الأنبياء - المُلكية والشؤون الدنيوية يحتوون على كل الحيثيات البشرية قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلَكُمْ(1)وورثتهم حسب هذا المقام - الحيثيات البشرية - لا يكونون العلماء، بل أولادهم الجسمانيون الذين يرثون حسب الدرهم والدينار.

وهذه الرواية الشريفة ظاهرة بل صريحة في الوراثة الروحانية كما ذكرناها. ويكون مقصود الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) من الحديث المنسوب إليه «نَحْنُ مَعَاشِرُ الْأَنْبِيَاءِ لا نُوَرِّثُ(2)على فرض صحة صدوره عنه (صلی الله علیه و آله و سلم)، ما يرتبط بشأن النبوة والوراثة الروحانية حيث لا يورّثون مالاً ولا مثالاً، بل يورّثون العلم. كما هو واضح. والسلام.


1) سورة الكهف، الآية : 110 .

2) مسند أحمد بن حنبل، ج 2، ص 463 .

الحديث السابع والعشرون: «حضور القلب»

اشارة

بالسَّند المتَّصل إلى الشيخ الأجلَ والثّقة الجليل محمّد بن يعقوب الكُلَيْني - رضوان الله عليه - عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرِّعُ لِعِبَادَتِي أَمْلأُ قَلْبَكَ غِنى. وَلا أَكِلُكَ إِلَى طَلَبِكَ، وَعَلَى أنْ أسُدْ فَاقَتَكَ وَأَمْلأَ قَلْبَكَ خَوْفاً مِنِّي وَإِنْ لا تَفَرّغْ لِعِبادَتِي أَمْلأُ قَلْبَكَ شُغْلاً بِالدُّنْيَا ثُمَّ لَا أَسْدُ فَاقَتَكَ وَأَكِلُكَ إِلَى طَلَبِكَ»(1)


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العبادة، ج1.

الشرح:

(تفرغ لكذا) على وزن تفعَّل بمعنى أنفق وقته جميعاً ولم يبق شيئاً حتى ينشغل بشيء آخر . وتَفَرُّغ القلب للعبادة، معناه إخلاؤه من الانتباه لأي شيء آخر حتى ينشغل بالعبادة خاصة .

وملأ الإناء ماء ومن الماء وبالماء : وضع فيه بقدر ما يأخذه . و«أكل» صيغة متكلم من يكل. وكل إليه الأمر أي سلمه وفوضه وتركه إليه واكتفى به. «أسُدُّ» صيغة متكلم أيضاً من سد يسد سداً ومن باب نصر نقيض الفتح. «الفاقة» أي الحاجة والفقر. «وأملأ قلبك خوفاً مني»، الظاهر أنه أملا - صيغة متكلم لوحده . ويستبعد أن تكون صيغة أمر معطوفة على أول الكلام. ونحن سنذكر ما يتناسب من الشرح والبيان حول هذا الحديث الشريف من خلال فصول إن شاء الله.

فصل: كيفية حصول التفرغ للعبادة

إعلم أن التفرغ للعبادة يحصل من تكريس الوقت والقلب بها. وهذا من الأمور المهمة في باب العبادات . فإن حضور القلب من دون تفريغه وتكريس الوقت له غير ميسور، والعبادة من دون حضور القلب، غير مجدية . وما يبعث على حضور القلب، أمران :

أحدهما : تفريغ القلب والوقت للعبادة .

ثانيهما: إفهام القلب أهمية العبادة. والمقصود من تفريغ الوقت هو أن الإنسان يخصّص في كل يوم وليلة وقتاً للعبادة ويوطّن نفسه على العبادة في ذلك الوقت، رافضاً الانشغال في ذلك الوقت بأي عمل آخر .

إن الإنسان إذا اقتنع بأن العبادة من الأمور الهامّة، وأنها أكثر أهمية بالنسبة إلى الأمور الأخرى، بل لا مجال للمقارنة بين العبادة والأمور الثانية الأخرى، لحافظ على أوقات العبادة وخصص لها وقتاً.

ونحن بعد هذه اللمحة الخاطفة من أهمية العبادة، نشرح نبذة من أهميتها .

وعلى أي حال لا بد للإنسان المتعبد، أن يوظف وقتاً للعبادة. وأن يحافظ على أوقات الصلاة التي هي أهّم العبادات وأن يؤديها في وقت الفضيلة، ولا يختار لنفسه في تلك الأوقات عملاً آخر. وكما أنه يخصص وقتاً لكسب المال والجاه والدراسة والبحث، كذلك لا بد أيضاً من تخصيص وقت للعبادات، حتى يكون خالياً من أي عمل آخر ، ويتيسر له حضور القلب الذي هو بمثابة اللب والجوهر. ولكن إذا فرضنا بأن شخصاً مثلي تكلف من أداء صلاته، ورأى بأن العبادة من الأمور الزائدة، لأجل صلاته إلى آخر الوقت، ولأتى بها بكل فتور ونقص، لما يرى حين التهيؤ لأداء الصلاة، أن هناك أموراً أخرى في نظره أهم منها، وأنها تتزاحم مع هذه الأمور الهامة، فيفضّل غير الصلاة عليها. ومن المعلوم أن مثل هذه العبادة لا نورانية لها، بل تكون مثار سخط إلهي، ويكون صاحبها مستخفاً بالصلاة ومتهاوناً في أمرها . أعوذ بالله من الاستخفاف بالصلاة وعدم الاكتراث بها .

وإن هذا الكتاب، لا يسع عرض الأخبار المأثورة في المستخفين بالصلاة .

ولكننا سنذكر بعضها للاتعاظ والاعتبار.

عن محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : «لَا تَتَهَاوَنْ بِصَلَاتِكَ فَإِنَّ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ : لَيْسَ مِنِّي مَنِ اسْتَخَفْ بِصَلَاتِهِ، لَيْسَ مِنِّي مَنْ شَرِبَ مُسْكِراً، لا عَليَّ الْحَوْضَ لا وَاللهِ»(1)و بإسناده عن أبي بصير قال : قال أبو الحسن الأول (علیه السّلام): «لَمَّا حَضَرَتْ أَبِي الْوَفَاةُ قَالَ لِي : يَا بُنَيَّ لا يَنَالُ شَفَاعَتْنَا مَنِ اسْتَخَفْ بِالصَّلاَةِ»(2).

والأخبار كثيرة في المقام، ويكفي هذان الحديثان لمن يريد أن يعتبر ويتعظ . ويعلم


1) فروع الكافي، المجلد الثالث باب من حافظ على صلاته أو ضيّعها ، ح7، 15 ص 269 ، 270 .

2) المصدر السابق .

الله وحده حجم المصيبة العظمى الناشئة من الانقطاع عن الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) والخروج من تحت ظل حمايته كما ورد في الحديثين الشريفين! كما أن الله يعلم مستوى الخذلان، عندما يُمنى الإنسان بالحرمان من شفاعة رسول الله وأهل بيته العظام !

لا تظن بأن أحداً يرى رحمة الحق سبحانه، ووجه الجنة، من دون شفاعة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وحمايته ورعايته! والآن انتبه إلى أن تقديم أي عمل بسيط ، بل المصلحة الموهومة على الصلاة التي هي قرّة عين الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، والوسيلة الرفيعة لنزول رحمة الحق، وأن إهمالها وتأخيرها إلى نهاية وقتها من دون مسوّغ، وعدم المحافظة على حدودها، أليست هذه الأمور من التهاون والاستخفاف بالصلاة؟ فإذا كان هذا من التهاون في الصلاة، فاعلم، حسب شهادة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و وشهادة الأئمة الأطهار (علیهم السّلام)، أنك قد خرجت عن ولايتهم، ولا تنالك شفاعتهم.

إنتبه إذا أردت شفاعتهم، ورغبت في أن تكون من أُمة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، إهتم بهذه الوديعة الإلهية، وعظم من أمرها، وإلا فأنت تواجه العقاب والعاقبة السيئة. إن الله تعالى وأولياءه في غنى عن أعمالي وأعمالك ، فيُخشى أنك إذا لم تهتم بها ، أدى ذلك إلى تركها وينتهي الأمر إلى جحودها فتصير من الأشقياء المؤبدين والهالكين الدائمين .

والأهم من تفريغ الوقت، تفريغ القلب، بل إن تفريغ الوقت، مقدمة لتفريغ القلب أيضاً، وذلك أن الإنسان لدى اشتغاله بالعبادة يجرّد نفسه من هموم الدنيا وأعمالها، وينقذ قلبه من الأوهام المتشتتة، والأمور المختلفة، ويفرغ فؤاده نهائياً، ويخلَصه مرة واحدة للتوجه إلى العبادة والمناجاة مع الحق المتعالي. ولو لم يفرغ القلب من هذه الأمور، لما حصل لقلبه ولعبادته التفرغ. ولكن شقائنا في أننا نترك كل أفكارنا المتشتتة، وأوهامنا المختلفة إلى وقت العبادة، وعندما نكبر تكبيرة إحرام الصلاة، فكأننا فتحنا باب المتجر، أو دفتر الحساب، أو كتاب الدرس، ونرسل قلبنا للانصراف إلى أمور أخرى، ونغفل كلياً عن العمل العبادي، وعندما ننتبه للعبادة نجد أنفسنا في نهاية الصلاة!.

وفي الحقيقة إنه لمن الفضيحة أمر هذه العبادة، ومما يبعث على الخجل أمر هذه المناجاة .

عزيزي : إجعل مناجاتك مع الحق سبحانه بمثابة التحدث مع إنسان بسيط من هؤلاء الناس؛ فكيف إنك إذا تكلمت مع صديق، بل مع شخص غريب انصرف قلبك عن غيره، وتوجّهت بكل وجودك نحوه، أثناء التكلم معه، فلماذا إذا تكلمت وناجيت ولي النعم، ورب العالمين، غفلت عنه وانصرفت عنه إلى غيره؟ هل إن العباد يقدرَّون أكثر من الذات المقدس للحق؟ أو أن التكلم مع العباد أغلى من المناجاة مع قاضي الحاجات؟

نعم أنا وأنت، لا نعرف ما هي المناجاة مع الحق سبحانه؟ إننا نرى التكاليف الإلهية كلفة، وفرضاً علينا، ومن الواضح أنه متى ما أصبح شيء ما حملاً ثقيلاً على الإنسان وعلى شؤون حياته، لما اعتبر عنده ذلك الشيء ذا بال وأهمية . إنه لا بد من إصلاح الينبوع، والعثور على الإيمان بالله، وبكلمات أنبيائه حتى يتم إصلاح الأمور. إن كل تعاستنا من ضعف الإيمان ووهن اليقين. إن إيمان السيد ابن طاووس رضي الله عنه ، يدفعه للاحتفال بلوغه(1)، لأن الحق المتعال قد رخّص له بالمناجاة، وزيّنه بزينة بيوم التكليف والخطاب(2)فلاحظ بكل دقة أي قلب هذا الذي يحمل هذا القدر الكبير من النور والصفاء. إذا لم يكن عمل هذا السيد الجليل حجة لك، فعمل سيد الموحدين وأولاده المعصومين (علیهم السّلام) حجة عليك، فتأمل في حياتهم وكيفية عباداتهم ومناجاتهم، حيث كان لون وجه بعضهم يتغير لدى حلول وقت الصلاة، وتضطرب فرائصه خشية أن يخطأ في الواجب الإلهي(3)، رغم أنهم كانوا معصومين .

اشتهر عن الإمام علي بن أبي طالب (علیه السّلام) أن سهماً قد أصاب قدمه المبارك، فلم


1) تقدم في ص 307 .

2) كشف المحجة ، الفصل 48 ، ص 31 .

3) قال الإمام الباقر (علیه السّلام): «كان علي بن الحسين يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة وكانت الريح تميله بمنزلة السنبلة وكانت له خمسمائة نخلة فكان يصلي عند كل نخلة ركعتين وكان إذا قام في صلاته غشي لونه لون اخر وكان قيامه في صلاته قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل كانت أعضاؤه ترتعد من خشية الله وكان يصلي صلاة مودع يرى أنه لا يصلي بعدها أبداً». (بحار الأنوار، ج 46 ، تاريخ سيد الساجدين، الباب 5 ، ح 75) .

يستطع أن يتحمّل ألم انتزاعه من رجله، فقام وصلّى وفي أثناء اشتغاله بالصلاة، انتزع السهم ولم ينتبه أصلاً(1).

عزيزي : إن هذا الموضوع - عدم إدراك الألم حين التوجه إلى شيء - ليس من الأمور الممتنعة، فإن له أمثلة كثيرة في الأمور العادية من حياة الناس. إن الإنسان عند هيجان الغضب أو المحبة ، يغفل عن كل شيء. قال أحد أصدقائنا الموثوقين (عندما اصطدمت مع جمع من الأوباش في مدينة أصفهان، تصورت في أثناء المعركة وضربهم لي بأنهم يضربونني بأيديهم ولم أفهم أكثر من ذلك، وبعد أن وضعت المعركة أوزارها، علمت بأنهم قد طعنوني بالسكين طعنات، وطرحوني في فراش المرض لأيام ووجه ذلك معلوم أيضاً، فإن النفس عندما تلتفت بصورة تامة إلى شيء، تغفل عن ملك البدن ، وتتوقف القوى الحسية عن العمل وتتحوّل الهموم إلى هم واحد. إننا نشعر بأنفسنا حين السجال في الكلام والجدال في البحث - نعوذ بالله - بالغفلة عما يحدث في المجلس. ومع الأسف إننا نتوجه نحو كل شيء توجهاً تاماً، إلا نحو عبادة الله، ولهذا نستبعد مثل هذا التوجه الكامل في العبادة نحو الله سبحانه .

وعلى أي حال إن تفريغ القلب من غير الحق يعدّ من الأمور المهمة، التي يجب على الإنسان أن يحققها مهما كلف الثمن، والسبيل إلى تحصيله ميسور وسهل، فمع قدر قليل من الانتباه والمراقبة نستطيع أن ننجزه ونحققه .

يجب على الإنسان الذي يريد السلوك إلى الله من إمساك الخيال فترة من الزمان، والجامه عندما يريد أن يتحول من غصن إلى غصن آخر - ويتشتت - وبعد مضي فترة من المراقبة، يُدَجّن الخيال ويهدأ وتزول عنه حالة التشتت ويصير الخير من عادته - والخير عادة - فينصرف فارغ البال إلى التوجه نحو الحق والعبادة .

والأهم من كل ذلك والذي يجب أن نجعل الأمور الأخرى مقدمة له، هو حضور القلب الذي هو روح العبادة، والذي ترتبط به حقيقة العبادة، ومن دونه لا يكون له أهمية، ولا تقع مقبولة في ساحة الحق المتعالي، كما ورد في الروايات الشريفة .


1) جامع السعادات، ج 1، ص328.

في الكافي : بإسناده عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیه السّلام) أَنَّهُما قالا : «إِنَّمَا لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ مَا أَقْبَلْتَ عَلَيْهِ مِنْهَا ، فَإِنْ أَوْهَمَهَا كُلَّهَا أوْ غَفَلَ عَنْ آدَابِهَا لَقَتْ فَضُرِبَ بِهَا وَجْهُ صاحبتها»(1).

وروى الشيخ الأقدم محمد بن الحسن(2)- رضوان الله عليه - في التَّهذيب بإسناده عن الثُّمالي قالَ: رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (علیه السّلام) يُصَلِّي فَسَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبِهِ فَلَمْ يُسَوِّهِ حَتى فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ. قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذلِكَ، فَقَالَ : وَيْحَكَ أَتَدْرِي بَيْنَ يَدَيْ مَنْ كُنتُ؟ إِنَّ العَبْدَ لاَ تُقْبَلُ مِنْهُ صَلاَةَ إِلا مَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ مِنْهَا . فَقُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ هَلَكْنَا . قَالَ : كَلا، إِنَّ اللهَ مُتَمِّم ذلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّوَافِل»(3).

وعن الخصال: بإسناده عن علي (علیه السّلام) في حديث الأربعمائة قال: «لا يَقُومَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ مُتَكَاسِلاً وَلَا نَاعِساً ، وَلَا يُفَكِّرَنَّ فِي نَفْسِهِ فَإِنَّهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّمَا لِلْعَبْدِ مِنْ صَلاتِهِ مَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ مِنْهَا بِقَلْبِهِ»(4).

والأخبار في هذا المضمار كثيرة. وهكذا بالنسبة إلى فضيلة توجه القلب. ونحن تذكر بعضها في المقام ونكتفي به، فإنه كاف لمن أراد أن يعتبر ويتعظ .

عن محمد بن علي بن الحسين صدوق الطائفة بإسناده عن عبد الله ابن أبي يعفور قال : قال أبو عبد الله (علیه السّلام): «يا عَبْدَ اللَّهِ إِذا صَلَّيْتَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّع يَخَافُ أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهَا أَبَداً، ثُمَّ اصْرِفْ بِبَصَرِكَ إِلى مَوْضِعِ سُجُودِكَ، فَلَوْ تَعْلَمُ مَنْ عَنْ يَمِينِكَ وَشِمَالِكَ. لأَحْسَنْتَ صَلاتَكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ يَرَاكَ وَلَا تَرَاهُ»(5).

وبإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) في حديث أنه قال: «لأحِبُّ لِلرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ مِنْكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاةِ فَرِيضَةٍ أَنْ يُقْبِلَ بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ وَلَا يَشْغَلْ قَلْبَهُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يُقْبِلُ


1) فروع الكافي، المجلد الثالث كتاب الصلاة، باب ما يقبل من صلاة الساهي ، ح 4 ص 363 .

2) تقّدم ترجمته في ص 28 فراجع.

3) وسائل الشيعة، المجلد الرابع ، الباب الثالث من أبواب أفعال الصلاة ، ح6 وح4 .

4) المصدر السابق.

5) وسائل الشيعة، المجلد الرابع، الباب الثاني من أبواب أفعال الصلاة ، ح5.

بِقَلْبِهِ فِي صَلَاتِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا أَقْبَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَأَقْبَلَ بِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ بِالْمَحَبَّةِ بَعْدَ حُبِّ اللَّهِ إِيَّاهُ»(1).

انتبه ما أعظم هذا الخبر الباعث على الفرح والسرور، الذي يخبر به الصادق من آل محمد (علیهم السّلام) المؤمنين، ومع الأسف إننا نحن المساكين المحجوبين عن المعرفة، المحرومين من التوجه إلى الحق المتعالي، لا نعرف شيئاً عن صداقة ذاته المقدس لنا وإقباله علينا ونقيس الصداقة مع الحق على الصداقة مع العباد. إن أهل المعرفة يقولون بأن الحق المتعالي يرفع الحجب لمحبوبه، ويعلم الله ما في هذا الرفع للحجب من الكرامات! إنه غاية آمال الأولياء، وأقصى أمنياتهم هو رفع هذه الحجب .

إن أمير المؤمنين (علیه السّلام) وأولاده المعصومين يسألون الله سبحانه في المناجاة الشعبانية قائلين :

«إلهِي هَبْ لِي كَمَالَ الانقطاع إليكَ، وَأَيْرٌ أَبْصَارَ قُلوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْكَ، حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ القُلوبِ حُجَبَ النُّورِ ، فَتَصِلَ إلى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ، وَتَصِيرَ أَرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةٌ بِعِز قُدسِك»(2).

إلهي أية بصيرة هذه البصيرة القلبية النورانية التي سألها أولياؤك، ورجوك أن يصلوا إليك بها ؟

إلهي ما هي هذه الحجب النورية التي يتداول ذكرها على السنة أئمتنا المعصومين (علیهم السّلام)؟ إلهي ما هو معدن العظمة والجلال وعزّ القدس والكمال، الذي يكون منتهى هؤلاء الكبار، ونحن منه ، محرومون حتى عن استيعابه العلمي فكيف بتذوقه و شهوده؟ إلهي نحن عبادك المسودة وجوههم والمظلمة أيامهم، لا نعرف شيئاً عدا طعامنا وشرابنا وراحتنا وبغضنا وشهوتنا، ولا نفكر يوماً في معرفة هذه الأمور، فانظر إلينا بلطفك ، وأيقظنا من سُباتنا وأزل عنا هذا السكر الذي قد غشينا .


1) وسائل الشيعة، المجلد الرابع، الباب الثاني من أبواب أفعال الصلاة ، ح6 .

2) بحار الأنوار، ج 91 ، كتاب الذكر والدعاء، الباب 32، ح 12 . إقبال الأعمال، أعمال شهر شعبان، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، ص 374.

وعلى أية حال يكفي لأهل المعرفة هذا الحديث الواحد، حتى ينفقوا جلّ عمرهم، لتحصيل الحب الإلهي، ويتمتعوا بالإقبال على الله. ولكن أمثالنا الذين لا يكونون جياد هذه الساحة وفرسان هذا الميدان نتشبث بأحاديث أخرى:

عن ثواب الأعمال : بإسناده عمَّن سمع أبا عبد الله (علیه السّلام) يقول: «مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ فِيهِمَا ، انْصَرَفَ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ذَنْبٌ إِلا غُفِرَ لَهُ»(1).

وعن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنَّه قال : «رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ فِي تَفَكَّرِ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ»(2).

فصل: مراتب حضور القلب

بعد أن علمت أن حضور القلب في العبادات، جوهر العبادة وروحها، وأن نورانية العبادة مع مراتب كمالها، مرتبطتان بحضور القلب ومراتبه، لا بد من معرفة مراتب حضور القلب وهي أن بعضها تختص بأولياء الحق سبحانه، وتكون أيدي الآخرين قاصرة عن الوصول إلى قمتها. وبعضها متيسرة الحصول والتحقق لكافة الناس أيضاً.

ولا بد من معرفة أن حضور القلب، ينقسم بصورة عامة إلى قسمين مهمين :

أحدهما: حضور القلب في العبادة .

والآخر : حضور القلب في المعبود .

وقبل شرح هذا الموضوع ، لا بد من ذكر مقدمة هي :

يقول أهل المعرفة - العرفاء - أن العبادات بأسرها، ثناء للمعبود ولكن كل منها ثناء للحق سبحانه، بواسطة نعت من النعوت أو اسم من الأسماء، إلا الصلاة فإنها ثناء للحق مع جميع الأسماء والصفات. وقد تقدم منا الكلام لدى شرح بعض الأحاديث(3)وقلنا


1) وسائل الشيعة، المجلد الرابع، الباب الثاني والثالث من أبواب أفعال الصلاة ، ح 7 وح5 .

2) المصدر السابق.

3) تقدّم في ص 228 فراجع.

بأن ثناء المعبود من الفطرة التي جبل عليها جميع الناس، والتي تقضي بلزوم الثناء على المعبود، والخضوع للكامل المطلق والجميل المطلق والمنعم المطلق والعظيم المطلق . وحيث أن أحداً لا يستطيع أن يكتشف كيفية ثناء الذات الأحدى المقدس، لأنه قائم على معرفة الذات والصفات، وكيفية ارتباط عالم الغيب بعالم الشهادة، وعالم الشهادة بعالم الغيب، وأن هذه المعرفة غير متيسرة لكل أحد إلا عن طريق الوحي والإلهام الإلهي، ولهذا كانت العبادات بشكل عام توقيفية، وبيد الحق سبحانه، ولا يحق لأحد أن يشرّع من عنده، ويبدع عبادة كما لا اعتبار لأساليب التواضع والاحترام المعهودة عند الناس أمام الكبار والسلاطين، أمام عظمة ساحة قدس رب العالمين. فلا بد للإنسان أن يفتح سمعه وعينه ويتلقى كيفية العبادة والعبودية من الوحي والرسالة، من دون أن يتصرف هو بنفسه.

فبعد أن علمنا بأن العبادة هي الثناء على المعبود، إعلم بأن حضور القلب كما أشير إليه ينقسم إلى قسمين مهمين :

أحدهما: حضور القلب في العبادة .

والآخر : حضور القلب في المعبود .

أما حضور القلب في العبادة، فله أيضاً مراتب، وعمدتها مرتبتان :

إحداهما : حضور القلب في العبادة إجمالاً: وهو أن الإنسان لدى إنجازه لعبادة مهما كانت هذه العبادة من الطهارة مثل الوضوء والغسل أو من قبيل الصلاة والصيام والحج وغيرها من الأمور العبادية - يعرف إجمالاً بأنه يثني على المعبود، رغم عدم معرفته أيّ ثناء أو أي اسم من أسماء الحق يدعو .

لقد كان شيخنا العارف الكامل - الشاه آبادي روحي فداه - يضرب مثالاً على حضور القلب في العبادة على سبيل الإجمال، بأن شخصاً ينظم قصيدة في مدح أحد ثم يعطيها لطفل لا يستوعب معناها أبداً، لكي يلقيها أمام ذلك الممدوح، ثم يفهم الطفل بأن هذه القصيدة قد نظمت في مدح ذلك. فعندما يقرأ الطفل هذه القصيدة، يعلم إجمالاً بأنه يثني على الممدوح رغم جهله لكيفية ثنائه عليه. ونحن الذين أيضاً بمثابة الأطفال نمدح الحق، من دون أن نعرف ما هي أسرار هذه العبادات؟ وما هي الأسماء التي ترتبط بها هذه

العبادات؟ وكيف تكون هذه العبادات ثناءاً للحق جل وعلا؟ ولكن لا بد وأن نعرف إجمالاً بأن كل واحد من هذه العبادات، ثناء على الكامل المطلق والمعبود المطلق والممدوح المطلق، على الشكل الذي أثنى هو بنفسه على نفسه، وأمرنا أن نثني أمام ساحته المقدسة بنفس هذه الكيفية.

والآخر: من مراتب حضور القلب، هو حضور القلب في العبادة بصورة تفصيلية . ولا تتيسر لأحد المرتبة الكاملة منها إلا للخلّص من أوليائه، ولأهل المعرفة، ولكن بعض المراتب الدانية منها متيسرة الحصول للآخرين، حيث تكون المرتبة الأولى منها هي الالتفات إلى معاني الألفاظ في مثل الصلاة والدعاء. وقد أشير إلى هذه المرتبة في رواية مأثورة عن (ثواب الأعمال) سابقاً(1).

والمرتبة الأخرى أن يعرف حسب الإمكان أسرار العبادة، ويعلم كيفية ثناء المعبود في كل من الأوضاع والأحوال.

إن أهل المعرفة قد بينوا شيئاً قليلاً من أسرار الصلاة والعبادات الأخرى، واستفادوا حسب الإمكان من أخبار المعصومين (علیهم السّلام)، وإن كان فهم الحقيقة بأسرها غير متيسر إلاّ للقليل من الناس، وما تيسّر فهمه، فهو غنيمة لأهله .

وأما حضور القلب في المعبود: فله مراتب أيضاً وعمدتها مراتب ثلاثة :

إحداها : حضور القلب في تجلّيات الأفعال .

ثانيها : حضور القلب في تجلّيات الأسماء والصفات .

وثالثها: حضور القلب في تجلّيات الذات .

ولكل واحدة من هذه المراتب الثلاث كلية أربع مراتب :

المرتبة العلمية، المرتبة الإيمانية، المرتبة الشهودية، المرتبة الفنائية. والمقصود من حضور القلب في تجليات الأفعال العلمية، هو أن الشخص العابد السالك يدرك عن يقين وبرهان بأن مراتب الوجود كافة، ومشاهد الغيب والشهود بأسرها، قبس من


1) تقدّم في ص 483 من هذا الكتاب .

فيوضات تجلي الذات الأقدس، وأن من أدنى مرتبة في عالم الطبيعة إلى مبدإ الملكوت الأعلى والجبروت الأعظم، حاضر عند ساحة قدسه، بحضور واحد، وأن الجميع شعاع مظهر مشيئته كما ورد في الحديث الشريف المنقول عن الكافي عن أبي عبد الله (علیه السّلام): «خَلَقَ اللهُ الْمَشِيَّةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ الأَشْيَاءَ بِالْمَشِيَّةِ»(1)فالمشية تكون بنفسها مظهراً للذات، وسائر الموجودات مخلوقة بها. ونحن لسنا بصدد الاستدلال على هذا المعنى الشريف . فإذا علم العبد هذا المعنى عن علم ودليل، فهم بأنه هو وعبادته وعلمه وإرادته وقلبه وحركات قلبه وظاهره وباطنه والجميع حاضرون في ساحة قدسه بل الكل عين الحضور .

وإذا سَجِّل مع قلم العقل هذا المعنى الثاني بالدليل، على لوح القلب، واعتقد عبر الترويض العلمي والعملي، بهذه القضية اليقينية الإيمانية، لبلغ حضور القلب مرتبة تجلي الإيمان. وبعد حصول الكمال لهذا الإيمان والمجاهدة والترويض والتقوى الكاملة للقلب، تشمله الهداية الإلهية، ويحصل في قلبه قدر من تجليات الأفعال بالعيان والشهود، ثم يتكامل حتى يصبح القلب كلياً مرآة للتجليات، ويحصل للسالك الصعق والفناء. وهذه هي المرتبة الأخيرة للحضور، التي تنتهي إلى فناء الحاضر في تجليات الأفعال. وكثير من أهل السلوك يبقون في هذا الصعق إلى الأبد ولا يصحون .

وإذا كان قلب السالك مؤهلاً لأكثر من ذلك من جراء إشعاع الفيض الأقدس في عالم الأزل، يصحو السالك من الصعقة، ويحصل له الانس ويعود إلى عالمه ويكون مورداً لتجليات الأسماء، ويطوي تلك المراتب الأربعة، ويصل إلى مرحلة الفناء في الصفات، وبمناسبة عينه الثابتة يفنى في اسم من الأسماء الإلهية. وإن كثيراً من أهل السلوك يبقون في هذا الفناء الأسمائي ولا يصحون . ولعل الكلمة القائلة «إِنَّ أَوْلِيَائِي تَحْتَ قَبَابِي لا يَعْرِفُهُمْ غَيْرِي»(2)إشارة إلى هؤلاء الأولياء .


1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب أن الإرادة من صفات الفعل ، ح4 .

2) إحياء العلوم ، ج 4 ، ص 256 . أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة، ص197. مصباح الهداية و مفتاح الكفاية، ص 387. مرصاد العباد، ص 127.

وإذا كان هناك استعداد أكثر من جراء تجلي الفيض الأقدس في عالم الأزل، يحصل للسالك بعد الصعقة والفناء، الانس أيضاً ويصحو، ويصير محلاً للتجليات الذاتية ويطوي المراحل الأربعة حتى مرتبة الفناء الذاتي، والصعق الكلي فينتهي السير إلى الله ويحصل الفناء التام .

قال بعض إن الآية الكريمة وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ(1)تشير إلى هذه الطائفة من أولياء الله والسالكين إليه وأجرهم لا يكون إلا على الذات المقدس تبارك وتعالى .

وقد يتفق أن يفيق السالك من فنائه فينهض حسب استعداده، وقدر إحاطة عينه الثابتة، لهداية الناس يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرُ(2). وإن كانت عينه الثابتة تابعة للاسم يَا * الأعظم لاختتمت به دائرة النبوة - كما اختتمت بالنبي المعظم الخاتم (صلی الله علیه و آله و سلم، ولم يوجد شخص آخر من الأولين والآخرين ومن الأنبياء والمرسلين، كانت عينه الثابتة، تابعة للاسم الأعظم وكان ظهور ذاته بجميع الشؤون - ولهذا حصل له (صلی الله علیه و آله و سلم) ظهور بجميع الشؤون وحصلت الغاية من الظهور في الهداية، وتم الكشف الكلي، واختتمت النبوة بوجوده المقدس.)وإذا فرضنا أن شخصاً من أولياء الله تبعاً لذات النبي المقدس وهدايته سبحانه، بلغ نفس المقام المقدس، لكان كشفه عين النبي، إذ لا يجوز التكرار في التشريع. فإذن انتهت دائرة النبوة في وجوده المقدس (صلی الله علیه و آله و سلم، ووضع اللبنة الأخيرة في دائرة النبوة، كما ورد في الحديث(3).)ولا بد من معرفة أن العبادات والكيفيات المعنوية لها، تختلف كثيراً من شخص


1) سورة النساء، الآية : 100 .

2) سورة المدثر، الآيات: 1 و 2 .

3) قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها وأجملها وترك فيها موضع لبنة لم يضعها فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ويقولون لو تم موضع هذه اللبنة فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة». (كنز العمال ، ج 11، ح 31981).

لآخر من أصحاب هذه المقامات المذكورة وتتفاوت، حيث يكون لكل منهم حظّ ونصيب من المناجاة مع الحق المتعالي، ما لا يكون لغيره الذي لم يبلغ ذلك المقام . ومن الواضح أن ما حصل للإمام الصادق (علیه السّلام لدى العبادة لا يمكن أن يحصل للآخرين .)لقد نقل عن كتاب (فلاح السائل للسيد ابن طاوس قدس الله سره - أنه قال : «فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَوْلانَا جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ (علیه السّلام) كَانَ يَتْلُو الْقُرْآنَ فِي صَلَاتِهِ فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ سُئِلَ : مَا الَّذِي أَوْجَبْ مَا انْتَهَتْ حَالكَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ مَا مَعْنَاهُ : مَا زِلْتُ أَكَرِّرُ آيَاتِ القُرآنِ حَتى بَلَغْتُ إلى حَالٍ كَأَنَّني سَمِعْتُهَا مُشَافَهَةٌ مِمَّنْ أَنْزَلَها عَلَى الْمُكَاشَفَةِ وَالْعِيَانِ، فَلَمْ تَقُم القُوَّةَ الْبَشَرِيَّة بمُكَاشَفَةِ الْجَلَالَةِ الإِلَهِيَّةِ»(1).)والحالة التي كانت تحصل لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم، لم تحصل لأحد الكائنات كما ورد في الحديث المشهور «لي مَعَ اللهِ حالَ لا يَسَعُهُ مَلَكَ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ»(2). وعليه أترك هذا الموضوع الذي لا حظ لي فيه إلا الألفاظ، وأشير إلى أن المهمّ لأمثالنا المحرومين من مقامات الأولياء، أن لا نجحد هذه المقامات بل نسلم بها فإن في التسليم لأمر الأولياء فوائد كثيرة وفي الإنكار والعياذ بالله مفاسد . اللَّهُمَّ إنِّي مُسَلَّمٌ لأَمْرِ - صلوات الله عليهم أجمعين -.)### فصل: بيان بعض أسرار العبادة وتجسم الأعمالإعلم أنه لا يتم حضور القلب في العبادات، إلا بعد تفهيم القلب لأهمية العبادات، وهو لا لا يتيسر إلاّ عند استيعاب أسرارها وحقائقها. ومن الواضح أن ذلك لا يحصل لنا، ولكنني أذكر منها بالمقدار الذي يتناسب مع فهم أمثالي مستفيداً من أخبار أهل بيت العصمة (علیهم السّلام، و من كلمات أهل المعرفة، بالمقدار الذي ينسجم مع حجم هذا الكتاب .)إعلم - كما أشرنا مرّات - أن لكل من الأعمال الحسنة والأفعال العبادية صورة


1) فلاح السائل ذكر أدب العبد في قراءة القرآن في الصلاة ص 107 .

2) كتاب الأربعون حديثاً للشيخ المجلسي ، ح 15 .

باطنية ملكوتية، وأثر في قلب العابد ، أما الصورة الباطنية فهي التي تعمّر العوالم البرزخية والجنة الجسمانية، لأن أرض الجنة قاع خالية من كل شيء كما ورد في الحديث(1، وأن الأذكار والأعمال موادّ إنشاء وبناء لها . كما ورد في الحديث أيضاً(2). وإن الآيات الكثيرة من الكتاب الشريف الإلهي، تدل على تجسّم الأعمال مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ)(3)ومثل قوله تعالى: وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً(4). والأخبار الدالة على تجسم الأعمال والصور الغيبية الملكوتية مذكورة في أبواب مختلفة . ونحن نكتفي بذكر بعضها :

روى الصدوق - قدّس سرّه - بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَأَقَامَ حُدُودَهَا ، رَفَعَهَا الْمَلَكُ إِلَى السَّمَاءِ بَيْضَاءَ نَقِيَّةٌ تَقُولُ : حَفِظَكَ اللَّهُ كَمَا حَفِظْتَنِي اسْتَوْدَعَني مَلَكٌ كَرِيمٌ. وَمَنْ صَلاهَا بَعْدَ وَقْتِهَا مِنْ غَيْر عِلَّةٍ وَلَمْ يُقِمْ حُدُودَهَا ، رَفَعَهَا الْمَلَكُ سَوْداءَ مُظْلِمَةٌ وَهِيَ تَهْتِفُ بِهِ ضَيَّعْتَنِي ضَيْعَكَ اللَّهُ كَمَا ضيعتني وَلَا رَعَاكَ اللهُ كَمَا لَمْ تَرْعَنِي»(5).

ويستفاد من هذا الحديث الشريف مضافاً إلى تحقق الصورة الملكوتية للعمل، حياة الصورة الملكوتية وشؤونها الحياتية أيضاً، وهذا ضرب من البرهان على تجسم الأعمال. والأخبار تدل على أن لجميع الموجودات حياة ملكوتية، وأن عالم الملكوت كله حياة وعلم. وَإنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ(6).

وفي الكافي بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) في حديث طويل : «إِذَا بَعَثَ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ قَبْرِهِ خَرَجَ مَعَهُ مِثَالَ يَقْدُمُ أَمَامَهُ، كَلَّمَا يَرَى الْمُؤْمِنُ مَوْلاً مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ لَهُ


1) علم اليقين، ج 2، ص 1060 .

2) تقدم في ص 410 فراجع .

3) سورة الزلزلة ، الآيات : 7-8 .

4) سورة الكهف، الآية : 49 .

5) وسائل الشيعة، المجلد الثالث الباب الثالث من أبواب المواقيت، ح17، ص90 .

6) سورة العنكبوت، الآية : 64.

المِثالُ : لا تَفْزَعُ وَلَا تَحْزَنْ وَأَبْشِرْ بِالسُّرُورِ وَالْكَرَامَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّىٰ يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُحَاسِبَهُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَأْمُرَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمِثَالُ أَمَامَهُ فَيَقُولُ لَهُ الْمُؤْمِنُ: يَرْحَمُكَ اللهُ نِعْمَ الْخَارِجُ ، خَرَجْتَ مَعِي مِنْ قَبْرِي وَمَا زِلْتَ تُبَشِّرُنِي بِالسُّرُورِ وَالْكَرَامَةِ مِنَ اللهِ حَتى رَأَيْتُ ذَلِكَ، فَيَقُولُ : مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ : أَنَا السُّرُورُ الَّذِي كُنْتَ أَدْخَلْتَهُ عَلَى أَخِيكَ الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا، خَلَقَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ لأَبَشِّرَكَ»(1).

وفي هذا الحديث الشريف أيضاً دلالة واضحة على تجسّم الأعمال في نشأة الآخرة. كما ذكر الشيخ الأجل بهاء الدين(2)قدس سره أيضاً إثر ذكره لهذا الحديث : (وقد ورد في بعض الأخبار تجسم الاعتقادات أيضاً فالأعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة تظهر صوراً نورانية مستحسنة موجبة لصاحبها كمال السرور والابتهاج، والأعمال السيئة والاعتقادات الباطلة تظهر صوراً ظلمانية مستقبحة توجب غاية الحزن والتألم كما قاله جماعة من المفسرين في قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَينَهُ أَمَداً بَعِيداً(3)ويرشد إليه قوله تعالى : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاناً لِيُرَوْا أَعَمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ(4)ومن جعل التقدير ليروا جزاء أعمالهم ولم يرجع ضمير يره إلى العمل فقد بعد عن الحق)(5). انتهى كلامه رفع مقامه الشريف .

وفي هذا المقام كلام غريب صدر من بعض المحدثين الأجلاء(6)والأولى عدم ذكره، وهو ينبع من توهم المنافاة بين القول بتجسم الأعمال، والقول بالمعاد الجسماني أن هذا الكلام - تجسم الأعمال - يؤكد المعاد الجسماني وكلمة «تمثل» في هذا الحديث الشريف تعطي نفس المعنى التمثل المذكور في قوله تعالى :


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب إدخال السرور على المؤمنين، ح8 .

2) تقدم ترجمته في ص 26 من الكتاب .

3) سورة آل عمران، الآية: 30 .

4) سورة الزلزلة ، الآية : 6 .

5) الأربعون، الشيخ البهائي ص 200، شرح حديث 33 عن مرآة العقول ج 9 ص 94 .

6) مرآة العقول ، ج 9، كتاب الإيمان والكفر، باب إدخال السرور على المؤمنين، ح8 .

فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِياً(1)والذي هو التمثل بالصورة الجسمانية حقيقة، وليس معنى الوهم والخيال والرؤيا في المنام. وليس من المستحسن صرف أمثال هذه الآيات والروايات عن ظاهرها لأجل عدم انسجام مضمونها مع عقولنا، رغم مطابقتها للبرهان القاطع المذكور في محله، وموافقته لمذهب الحكماء والفلاسفة . فإن من أفضل الأمور التسليم أمام ساحة قدس الحق المتعالي والأولياء المعصومين والإذعان إلى الآيات الشريفة والروايات المباركة . فعلم أن لكل عمل مقبول لدى ساحة قدس الحق المتعالي صورة بهية حسنة تتناسب معه من الحور أو القصور أو الجنان العالية أو الأنهار الجارية. ولا يوجد كائن على صفحة الوجود جزافاً، بل هناك ارتباطات عقلية بينها لا يدركها إلا الكمّل من الأولياء. وعلى أي حال إن هذا الموضوع يتطابق مع مقاييس العقل والبراهين الفلسفية.

ثم بعد أن علم بأن الحياة في عالم الآخرة ولذاتها ترتبط بأعمال تنتقل صورها الكمالية إلى ذلك العالم، وأن تلك الأعمال عبادات قد اكتشفها محمد بن عبد الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأخبر أمته بها، وأن كمال العبادة وحسنها منوط بالنية وتوجه القلب والمحافظة على شرائطها، وأنه إذا فقدت العبادة هذه الأمور أو بعضها، سقطت عن الاعتبار، بل كانت لها صورة بشعة مشوّهة يلقاها الإنسان في عالم الآخرة، كما يستفاد ذلك من الأخبار والأحاديث .

بعد أن علمت هذه الأمور، على كلّ إنسان مؤمن بعالم الغيب وبأحاديث الأنبياء والأولياء وأهل المعرفة وذوي الرغبة في الحياة الأبدية، أن يصلح أعماله مهما كلفت مشقة وجهد وترويض للنفس حيث يجب عليه بعد موافقة ظواهر أعماله للقواعد من الاجتهادية أو فتوى الفقهاء رضوان الله عليهم السعي في سبيل إصلاح سيرته وباطنه، وبذل الجهد حتى يأتي بالفرائض. كما ورد في الأحاديث الشريفة، أن النوافل تجبر الفرائض وتبعث على قبولها .


1) سورة مريم، الآية : 17 .

في العلل : بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : «إنَّمَا جُعِلَتِ النَّافِلَةُ لِيَتمَّ بِهَا مَا يَفْسُدُ مِنَ الْفَرِيضَةِ»(1).

وروى الشيخ - قدس سره - بإسناده عن أبي بصير قال : أبو عبد الله (علیه السّلام): «يُرْفَعُ لِلرَّجُلِ مِنَ الصَّلاةِ رَبِّعُها أو ثمنها أو نِصْفُها أو أكثَرُ بِقَدْر مَا سَها(2)، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يم ذلِكَ بِالنَّوافِل»(3).

ومن هذا القبيل روايات كثيرة. ومن المعلوم أننا لا نخلو من السهو والنسيان وتشويش في الحواس والأمور الأخرى التي تتنافى مع الصلاة أو مع كمالها، وقد شرع الله بلطفه الكامل النوافل حتى تجبر نقيصتها، ومن اللازم وبقدر الإمكان أن لا نغفل عن هذا الأمر ولا نترك النوافل .

وعلى أي حال أيها العزيز، أفق قليلاً من الغفلة، وتأمل في أمرك، وانظر في صحيفة أعمالك، واخش من أعمال تظن أنها صالحة مثل الصلاة والصوم والحج وغيرها، في حين أنها تكون سبب عنائك وذلك في ذلك العالم. فحاسب نفسك ما دامت الفرصة مؤاتية، وزن عملك بيدك، وزنه في ميزان شريعة أهل البيت وولايتهم، وتبين من صحته وفساده وكماله ونقصه، واجبره ما دامت الفرصة سانحة، والمهلة باقية. وإن لم تحاسب نفسك هنا ولم تصحح أعمالك فستحاسب هناك، ويوضع ميزان الأعمال أمامك، فتواجه مصائب عظمى. إتق الله في ميزان عدله، ولا تغتر بشيء، ولا تترك الجد والاجتهاد، وراجع صحيفة أعمال أهل البيت (علیهم السّلام) المعصومين من الخطأ، وتأمل فيها، حتى تعرف بأن الأمر صعب والطريق ضيق ومظلم .


1) وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 17 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ، ح 10 .

2) قوله (بقدر ما سها) إن المقصود من هذا الحديث الشريف كما هو في الروايات الأخرى، هو أنه يرتفع من الصلاة ويقبل منها بقدر توجه القلب . فقوله (بقدر ما سها) لأجل بيان أصل النسبة وليس لبيان القدر المرفوع . ويحتمل أن يكون السهو بمعنى سكون القلب ولينه لأن السكون قد يكون بمعنى اللين كما ذكره الجوهري. (منه عفي عنه) .

3) وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 17 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ، ح12 .

انظر إلى هذا الحديث الشريف وانتبه إلى تفاصيل الأمور من خلال هذا الإجمال .

عن فخر الطائفة وسنادها وذخرها وعمادها محمَّد بن محمد بن النُّعمان المفيد(1)- رضوان الله عليه - في الإرشاد : عن سعيد بن كلثوم، عن الصادق جعفر بن محمد (علیه السّلام) قال: «وَاللَّهِ مَا أَكَلَ عَلِيٌّ بن أبي طالب (علیه السّلام) مِنَ الدُّنْيا حَرَامًا قَطَّ حَتَّىٰ مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَمَا عَرَضَ لَهُ أَمْرَانِ كِلاَهُمَا لِلَّهِ رِضاً إِلا أَخَذَ بِأَشَدِّهِمَا عَلَيْهِ فِي بَدَيْهِ دِينِهِ - خ ل) وَمَا نَزَلَتْ بِرَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نازِلَةٌ قَطْ إِلا دَعَاهُ ثِقَةٌ بِهِ، وَمَا أَطاقَ أَحَدٌ عَمَلَ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) مِنْ هَذِهِ الأمةِ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ لَيَعْمَلْ عَمَلَ وَجِلٍ كَانَ وَجْهُهُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يَرْجُو ثَوَابَ هَذِهِ وَيَخَافُ عِقَابَ هَذِهِ .

وَلَقَدْ أَعْتَقَ مِنْ مَالِهِ أَلْفَ مَمْلُوك فِي طَلَب وَجْهِ اللهِ وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ مِمَّا كَدَّ بِيَدَيْهِ وَرَشَحَ مِنْهُ جَبِينُهُ. وَإِنَّهُ كَانَ لَيَقُوتُ أَهْلَهُ بِالزَّيْتِ وَالْخَلِّ والْعَجْوَةِ، وَمَا كَانَ لِبَاسُهُ إِلا كَرَابِيسَ إِذَا فَضَلَ شَيْءٍ عَنْ يَدِهِ دَعَا بِالْجَلَمِ فَقَصَّهُ.

وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ وَلْدِهِ وَلَا أَهْلِ بَيْتِهِ أَحَدٌ أَقْرَبُ شَبَهَا بِهِ فِي لِبَاسِهِ وَفِقْهِهِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (علیه السّلام)، وَلَقَدْ دَخَلَ أَبُو جَعْفَرٍ (علیه السّلام) ابْنُهُ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا لَمْ يَبْلُغُهُ عالم أَحَدٌ ، فَرَاهُ قَدِ اصْفَرَّ لَوْنُهُ مِنَ السَّهَر وَوَمَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْبُكَاءِ وَدَبِرَتْ وَانْخَرَمَ أَنْفُهُ مِنَ السُّجُودِ وَوَرِمَتْ سَاقَاهُ وقَدَمَاهُ مِنَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ .

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (علیه السّلام): فَلَمْ أَهْلِكَ حِينَ رَأَيْتُهُ بِتِلْكَ الْحَالِ إِلا الْبُكَاءَ فَبَكَيْتُ رَحْمَةٌ لَهُ فَإِذَا هُوَ يُفَكِّرُ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ بَعْدَ هُنَيْنَةٍ مِنْ دُخُولِي فَقَالَ : يَا بُنَيَّ أَعْطِنِي بَعْضَ تِلْكَ الصُّحُفِ الَّتِي فِيهَا عِبَادَةُ عَلِيٍّ بن أبي طالب (علیه السّلام)، فَأَعْطَيتُهُ فَقَرَأَ فِيهَا شَيْئًا يَسِيراً ثُمَّ تَرَكَهَا مِنْ يَدِهِ تَضَحُراً وَقَالَ : مَنْ يَقْوى [ عَلَى] عِبَادَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب (علیه السّلام)»(2).

وعن أبي جعفر (علیه السّلام): كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (علیه السّلام) يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَ رَكْعَةٍ، وَكَانَتِ الرِّيحُ تُمَيِّلَهُ مِثْلَ السَّنْبُلَةِ»(3).


1) تقّدم ترجمته في ص 29 فراجع.

2) الإرشاد، ص 256،255 .

3) الإرشاد، ص 256 .

عزيزي: فكَر قليلاً في هذه الأحاديث الشريفة، وانظر إلى الإمام الباقر (علیه السّلام) المعصوم الذي بكي من شدة وكيفية عبادة أبيه. وإلى الإمام السجاد (علیه السّلام) رغم شدّة محافظته على العبادة وكمالها والتي بعثت على بكاء ابنه الإمام الباقر (علیه السّلام)، أنه صلوات الله عليه قرأ شيئاً يسيراً من صحيفة عمل جده علي بن أبي طالب (علیه السّلام)، وأظهر عجزه . ومن المعلوم أن الجميع عاجزون عن عبادة مولانا أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وأن الناس عاجزون عن عبادة المعصومين (علیهم السّلام)، ولكن لا يجوز للإنسان العاجز عن نيل المقام العالي أن يترك العبادات نهائياً.

لا بد من معرفة أن هذه العبادات - والعياذ بالله - لا تكون عبثاً، بل إن إبداء أهل المعرفة الحقيقيين العجز والذل وإلحاحهم في الدعاء والمسألة ، من أجل أن الطريق ضيق ومحفوف بالمخاطر، وأن مضاعفات الموت والقيامة، صعبة للغاية. إن حالة اللامبالاة هذه التي نعيشها تكون نتيجة ضعف إيماننا ووهن عقيدتنا وجهلنا .

إلهي أنت واقف على حقيقتنا، وعالم بقصورنا وتقصيرنا، وضعفنا وعجزنا .

أنت غمرتنا برحمتك قبل أن نسألها وابتدأتنا بنعمك، وتفضّلت علينا من دون طلب والتماس. نحن نعترف بتقصيرنا وكفرنا لآلائك اللامتناهية، ونجد أنفسنا من المستحقين لعذابك الأليم، ودخول الجحيم ولا نملك شيئاً يسعفنا ووسيلة تعيننا، فقد عرفناك بهذه الصفات حسب فهمنا واستيعابنا. فماذا تصنع مع حفنة تراب إن لم ترحمه وتتفضل عليه ؟

أَيْنَ رَحْمَتُكَ الْوَاسِعَةُ؟ أَيْنَ أَيَادِيكَ الشَّامِلَةُ؟ أَيْنَ فَضْلُكَ الْعَمِيمُ أَيْنَ كَرَمُكَ يَا كَرِيمٌ؟

فصل: في بيان أن التفرغ في العبادة يوجب الغنى في القلب

لا بد من معرفة أن الغنى من الأوصاف الكمالية للنفس، بل يكون من الصفات الكمالية للموجود بما أنه موجود، ولهذا، يكون الغنى من الصفات الذاتية للذات الحق المقدس جلّ وعلا، وإن الثروة والأموال لا توجب الغنى في النفس، بل نستطيع أن نقول إن من لا يملك غنى في النفس، يكون حرصه تجاه المال والثراء والمنال أكثر، وحاجته

أشد. ولمّا لم يكن أحد غنياً حقيقياً أمام ساحة الحق جلّ جلاله المقدسة الغني بالذات، وكانت الموجودات كلها من أدناها وهو التراب إلى ذروة الأفلاك، ومن الهيولى الأولى إلى الجبروت الأعلى، فقيرة ومحتاجة، لهذا كلما كان تعلق القلب إلى غير الحق، وتوجه الباطن نحو تعمير المُلك والدنيا أشدّ، كان الفقر والحاجة أكثر، أما الحاجة القلبية، والفقر الروحي، فواضح جداً، لأن نفس التعلق والتوجه فقر. وأما الحاجة الخارجية التي تؤكد بدورها الفقر القلبي، فهي أيضاً أكثر، لأن أحداً لا يستطيع النهوض بأعماله بنفسه، فيحتاج في ذلك إلى غيره والأثرياء وإن ظهروا في مظهر الغنى ولكنهم بالتمعن يتبين أن حاجتهم تتضاعف على قدر تزايد ثرواتهم. فالأثرياء فقراء في مظهر الأغنياء، ومحتاجون في زيّ من لا يحتاج .

وكلّما اتجه القلب نحو تدبير الأمور وتعمير الدنيا أكثر ، وكان تعلقه أشد، كان غبار الذل والمسكنة عليه أوفر ، وظلام الهوان والحاجة أوسع، وعلى العكس كلّما رَكَل بقدميه التعلق بالدنيا، حوّل بوجه قلبه إلى الغنى المطلق، وأمن بالفقر الذاتي للموجودات، وعرف بأن أحداً من الكائنات لا يملك لنفسه شيئاً، وأن جميع جميع الأقوياء والأعزاء والسلاطين قد سمعوا بقلوبهم أمام ساحة الحق المقدسة من الهاتف الملكوتي، واللسان الغيبي، الآية الكريمة يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ(1)كلما استغنى الإنسان عن العالمين أكثر، وبلغ مستوى استغنائه درجة لا یری لملك سليمان قيمة، ولا يأبه بخزائن الأرض عندما توضع بين يديه مفاتيحها . كما ورد في الحديث أن جبرائيل قد هبط من قبل الله تعالى بمفاتيح خزائن الأرض لخاتم النبيين (صلی الله علیه و آله و سلم)، فتواضع صلوات الله وسلامه عليه ورفض قبولها وافتخر بفقره(2).

ويقول الإمام علي بن أبي طالب (علیه السّلام) لابن عباس بعد دخوله عليه : والله لهي


1) سورة فاطر، الآية : 15.

2) قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «. . وهبط مع جبرئيل ملك لم يطأ الأرض قط معه مفاتيح خزائن الأرض فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول هذه مفاتيح خزائن الأرض فإن شئت فكن نبياً عبداً وإن شئت فكن نبياً ملكاً فأشار إليه جبرئيل (علیه السّلام) أن تواضع يا محمد فقال : بل أكون عبداً ثم صعد إلى السماء». (أمالي الصدوق، مجلس 69 ، ح2).

• النعل - أحبّ إليَّ من إمرتكم» فعن نهج البلاغة قال عبد الله بن عباس «دخلت على أمير المؤمنين (علیه السّلام) بذي قار وهو يخصف نعله فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ فقلت : لا قيمة لها فقال (علیه السّلام) والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً»(1). ويقول الإمام علي بن الحسين (علیه السّلام) «أسْتَنْكِفُ أن أطلبَ الدُّنْيا مِنْ خَالِقِهَا فَكَيْفَ بِطَلَبِة امِنْ مَخْلُوقِ مِثْلِي»(2).

وورد في كتاب (سلسلة الرعية الكبرى) لنجم الدين(3)، بعد الأيمان المغلظة: «لو خيروني بين ثروة الدنيا وجاهها مع الجنة وحورها وقصورها، وأرادوا مني مجالسة الأغنياء من جهة، وبين البؤس في الدنيا والشقاء في الآخرة وأرادوا مني مجالسة الفقراء من جهة أخرى، لاخترت الفقراء وابتعدت عن عار مجالسة الأغنياء والنار خير من العار»(4). نعم إن أهل الحق يعرفون بأن التوجه نحو خزائن الدنيا والمال والجاه والمجالسة مع أهلها يسبب أي نوع من الكدورة والظلام في القلب؟ وكيف يبعث على الوهن والفتور في العزيمة، ويوجب الفقر والحاجة لدى القلب وفقره، ويصرفه عن الانتباه إلى النقطة المركزية الكاملة بصورة مطلقة؟ ولكن عندما أعطيت - أيها العزيز - القلب إلى أهله والبيت إلى صاحبه وأعرضت عن غيره ولم تدفع البيت إلى الغاصب، تجلّى فيه صاحبه. ومن المعلوم أن تجلي الغنيّ المطلق، يدفع إلى الغنى المطلق، ويغرق في بحر العزة والغنى، فيمتلىء من الغنى وعدم الاحتياج وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ(5)وينهض صاحب البيت بإدارة أموره، ولم يترك الإنسان إلى نفسه، وإنما يتدخل ويتصرف في جميع شؤون عبده، بل يصبح هو سمعه وبصره ويده ورجله،


1) (نهج البلاغة ، الخطبة 33، ص102).

2) علل الشرائع، ج 1 ، الباب 165 ، ح 3.

3) أحمد بن عمران بن محمد (540 - 618 هـ. ق .) الصوفي الخوارزمي المعروف بـ(نجم الدين) من العرفاء المشهورين وكبار مشايخ الصوفية. له: رسالة الخائف الهائم عن لومة اللائم، فواتح الجمال، منازل السائرين، منهاج السالكين .

4) منهاج السالكين، المنهج السادس ، ص 157 .

5) سورة المنافقون، الآية : 9 .

وتتحقق بذلك ثمرة التقرّب بالنوافل، كما ورد في الحديث الشريف عن الكافي بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) في حديث: «وَإِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى أَحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِسُ بِهَا الحديث»(1)فتوصد باب فقر العبد وفاقته نهائياً ويستغني عن العالمين .

ومن المؤكد أنه يرتفع من وراء هذا التجلي الخوف من جميع الكائنات، ويحلُّ الخوف من الحق المتعالي محله، وتملأ القلب عظمة الحق وهيبته، ولا يرى لغير الحق عظمة واحتشاماً وتصرفاً، ويدرك حقيقة (لا مؤثر في الوجودِ إلا الله) بكل قلبه . وقد أشير في هذا الحديث الشريف إلى بعض هذه المطالب التي ذكرناها (تَفَرَّغْ لِعِبَادَنِي أَمْلأُ قَلْبَكَ غنى - الخ) وهذا التفرغ القلبي لأجل العبادة يسمو بالإنسان رويداً رويداً إلى أعلى مراتب حضور القلب للعبادة .

هذه نبذة من الآثار التي تترتب على العبادة كما ذكرناها .

فلو أن القلب غفل عن الاشتغال بالحق وأهمل التفرغ في التوجه نحوه لغدت هذه الغفلة أساس كل الشقاء، وينبوع جميع النقائص ومبعث كافة الأمراض النفسية، وبسبب هذه الغفلة يحول بين القلب والحق المتعالي ظلام داكن وكدورة شديدة وحجب غليظة تمنع من تغلغل نور الهداية فيه، وتحرمه من التوفيقات الإلهية، وينعطف القلب مرة واحدة إلى الدنيا وملذاتها من تعمير البطن والفرج. ويغشاه حجاب الأنانية والإنية، وتطغى النفس، ويكون تحرك صاحب هذه النفسية من خلال الترفع والأنانية، ويبدو ذله الذاتي وفقره الحقيقي ويبتعد في كل حركاته وسكناته عن ساحة الحق المتعالي، ويكون نصيبه الخذلان . كما تولى الحديث الشريف بيانه: «وَإنْ لا تَفْرَغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأُ قَلْبَكَ شُغْلاً بالدُّنْيَا ثم لا أسُدُّ فَاقَتَكَ وَأَكِلكَ إِلى طَلَبِكَ».

لا بد من معرفة أن المقصود من إيكال الأمر إلى العبد - أكلك إلى طَلَبِكَ ، ليس


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب من آذى المسلمين، ح8 .

بمعنى تفويض الأمر إليه، لأن هذا المسلك لدى العرفاء والفلاسفة ومذهب الحق باطل وممتنع. إذ لا يوجد كائن خارج عن نطاق تصرف الحق سبحانه، وحيطة قدرة ذاته المقدس، ولا يوكل إليه شيء من تدبير أموره. لكن العبد لمّا ينصرف عن الحق ويتوجه إلى الدنيا وتتحكم فيه الطبيعة وتتغلب عليه الأنانية ويبرز فيه العجب والذاتية والمحورية، يُعبر عن ذلك بإيكال الأمر إلى العبد. وأما الإنسان الذي يولي وجهه نحو الحق والملكوت الأعلى، ويغمر جوانب قلبه نور الحق ، فلا محالة تكون تصرفاته حقاً، بل يتحول في بعض المراحل وجوده إلى وجود الحق . كما أشير إلى بعض هذه المقامات في الحديث الشريف المذكور في الكافي عند عرضه لبعض آثار التقرب إلى الله بالنوافل . والله العالم .

الحديث الثامن والعشرون: «لقاء الله»

اشارة

بالسند المتَّصل إلى ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكُلَيْني (رحمه الله علیه) عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمد بن خالد: والحسين بن سعيد جميعاً، عن القاسم بن محمّد، عن عبد الصَّمد بن بشير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «قُلْتُ: أَصْلَحَكَ الله مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ أَبْغَضَ لِقَاءَ اللَّهِ أَبْغَضَ اللهُ لِقاءَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ حَيْثُ تَذْهَبُ، إِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ إِذَا رَأى مَا يُحِبُّ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبٌ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَقْدِمَ عَلَى اللهِ، وَاللهُ تَعَالَى يُحِبُّ لِقَاءَهُ وَهُوَ يُحِبُّ لِقَاءَ اللهِ حِينَئِذٍ، وَإذَا رَأى مَا يَكْرَهُ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ وَاللهُ يُبْغِضُ لِقَاءَهُ»(1).


1) فروع الكافي، المجلد الثالث، كتاب الجنائز، باب ما يعاين المؤمن والكافر، ص 134.

الشرح:

«أصْلَحَكَ اللَّهُ» دعاء في الخير، ولا يلزم في الدعاء أن يكون المدعوّ له فاقداً لمضمون الدعاء، بل الدعاء مستحب حتى وإن كان مضمونه حاصلاً في المدعو له. فيكون الدعاء للإمام الصادق (علیه السّلام) بالصلاح والسداد ضمن الحدود المتعارفة .

كما أن جملة «غَفَر اللَّهُ لَكَ» و«عَفَى اللَّهُ عَنْكَ» من الأدعية التي يصلح أن ندعو بها لتلك الذوات المقدسة. وقد حمل البعض الآية الكريمة لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ(1)على هذا المعنى المذكور، وقالوا إن هذه الآية المباركة بمثابة أن يقال غَفَرَ اللهُ لَكَ»(2)ولا يجب أن يكون الطلب من أجل تحقق مضمونه. ولكن هذا التفسير في الآية المباركة بعيد . ونحن قد بينا ذلك في شرح حديث من الأحاديث السابقة(3)وعلى كل حال فإن الصحيح هو عدم توقع حصول المضمون من الإنشاءات والأدعية من المدعو له غالباً.

«اللقاء» بفتح اللام وكسره، مصدر لقي على وزن رضي، كما أن لِقاءَةٌ ولِقايَةٌ ولقياً ولقياناً ولقيانة بكسر اللام في جميع ذلك ولقياً ولقى ولقياناً ولقيانة بضم اللام في جميع ذلك، مصدر لقي أيضاً، ومعناه الرؤية واللقاء. ويأتي بيان معنى لقاء الله حسب ما يتناسب وحجم هذا الكتاب .


1) سورة الفتح، الآية : 2 .

2) مجمع البيان، ج 9، ص 169 . وقد عدّ الشيخ الطبرسي هذا القول ضعيفاً. بحار الأنوار، ج 68 ، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر ، ح 3 .

3) شرح الحديث الواحد والعشرين ص 385 .

و«أبغض» من باب الإفعال، و«بَغْضَ» مثل - كَرُمَ، وَنَصَرَ وَفَرِحَ - بَغَاضَةٌ فهو بغيضَ، بمعنى ضد الحب. و«بغضَة وبغضاء» شدّة البغض. وعلى أي حال فإن الحب والبغض من الصفات النفسية المتقابلة، ومعناها واضح لدى الوجدان، مثل وضوح كافة المعاني الوجدانية والصفات النفسية التي تكون حقيقتها أوضح من الإدلاء بمعانيها. وسيأتي معنى نسبة الحب والبغض إلى الذات الحق المقدس، وأنها بأي اعتبار تكون، إن شاء الله تعالى .

قوله : «إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ» ولمّا تصوّر الراوي الموت ملازماً مع لقاء الله أو كان مقصوده من لقاء الله نفس الموت. اعتبر كره الموت كرهاً للقاء الله تعالى، فسأل هذا السؤال، فأجاب الإمام (علیه السّلام) بأنه ليس المقياس كراهية الموت بصورة مطلقة بل الميزان كراهية الموت لدى نزع الروح عندما يرى آثار الملكوت والعوالم الأخرى .

وقوله (علیه السّلام): «ليسَ ذَلِكَ حَيْتُ تَذْهَبُ». يستعمل كثيراً في اللغة العربية مثل هذا التعبير، ويقصدون منه ذهاب الوهم، بل التعبير المتداول في الذهاب ومشتقاته، هو ذهاب الوهم والعقيدة وأمثالها. كما أن المذهب يكون بهذا المعنى. وهذا يبتني على الاستعارة لأنه مأخوذ من الذهاب الخارجي .

قوله (علیه السّلام): «عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ» المعاينة مصدر من باب المفاعلة وعاينتُ الشَّيْءَ عِياناً إذا رَأَيْتَهُ بِعَيْنِكَ . ويسمى حين النزع والاحتضار بالمعاينة، لأن المیّت يشاهد آثار عالم الآخرة بعينه، حيث تنفتح عيونه الغيبية الملكوتية، وتنكشف له نبدة من أحوال الملكوت، ويعاين بعض آثار وأعمال وأحوال نفسه .

ونحن نذكر ما يحتاج من الحديث الشريف إلى الشرح والبيان في خلال فصول. وعلى الله التكلان.

فصل: في لقاء الله وكيفيته

إعلم أن الآيات والأخبار الواردة في لقاء الله صراحة أو كناية وإشارة، كثيرة لا يسع

هذا المختصر الخوض في ذلك مفصلاً. ولكننا نشير إلى بعضها بصورة مختصرة. ومن أراد التفصيل في ذلك أكثر فعليه مراجعة كتاب (لقاء الله) للمرحوم العارف بالله ، الحاج ميرزا جواد التبريزي قدس سره(1)، حيث جمع إلى حد كبير الأخبار المأثورة في هذا الموضوع .

إعلم أنه قد ذهب بعض العلماء والمفسرين إلى سدّ باب السبيل إلى (لقاء الله) نهائياً، والجحود للمشاهدات العينية والتجليات الذاتية والأسمائية، زاعمين بذلك أنهم ينزهون الذات المقدس، ومفسرين جميع آيات لقاء الله وأحاديثها، بلقاء يوم الآخرة، ولقاء الجزاء والثواب والعقاب .

وهذا التوجيه ليس ببعيد كثيراً، بالنسبة إلى مطلق اللقاء واتجاه بعض الآيات والروايات، ولكنّه بالنسبة إلى بعض الأدعية المعتبرة والأحاديث المأثورة في الكتب المعتبرة، والأحاديث المشهورة التي ارتكز عليها علماؤنا العظام، موهون وبعيد جداً.

ولا بد أن نعرف بأنه ليس مقصود من أجاز فتح الطريق على لقاء الله ومشاهدة جمال الحق وجلاله، جواز اكتناه - التعرف على الحقيقة والذات - ذاته المقدس، أو إمكان الإحاطة في العلم الحضوري والمشاهدة العينية الروحانية، على ذاته، المحيط بكل شيء على الإطلاق، فإن امتناع الاكتناه لذاته المقدس بالفكر في العلم الكلي - الفلسفة - وامتناع الإحاطة بالبصيرة في العرفان، من الأمور البرهانية، ومتفق عليه لدى جميع العقلاء، وأرباب القلوب والمعارف. بل المقصود لدى من يدعي مقام لقاء الله هو : أنه بعد حصول التقوى التامة والكاملة، وانصراف القلب نهائياً عن جيمع العوالم، ورفض التوجه نحو النشأتين - المُلك والملكوت - ووطء الأنانية والإنية، والإقبال الكلي نحو الحق المتعالي وأسماء ذاته المقدس وصفاته، والانصهار في عشق ذاته المقدس وحبّه، و تحمّل جهد وترويض القلب، بعد كل ذلك يحصل صفاء في القلب لدى السالك يبعث


1) الشيخ ميرزا جواد التبريزي المتوفى عام (1344 هـ. ق) كان عالماً كبيراً، لازم الملا حسينقلي الهمداني (الأخلاقي الكبير) في النجف الأشرف واستفاد منه الكثير ثم عاد عام (1320 هـ. ق) إلى تبريز ثم قدم إلى قم المقدسة وأصبح بيته عبر سنين طويلة مجلس تذكر وموعظة. له آثار قيمة في تهذيب النفس والأخلاق منها : رسالة لقاء الله ، أسرار الصلاة المراقبات في أعمال السنة .

على تجلّي أسمائه وصفاته، وتمزّق الحجب الغليظة التي أسدلت بين العبد من جهة والأسماء والصفات من جهة أخرى، ويوجب الفناء في الأسماء والصفات والتعلق بعزّ قدسه وجلاله والتدلّي التام بذاته. وفي هذا الحال لا يوجد حاجز بين روح السالك المقدسة والحق المتعالي سوى حجاب الأسماء والصفات .

ويمكن أن يرفع الستار النوري للأسماء والصفات لبعض أرباب السلوك أيضاً، وينال التجليات الذاتية الغيبية، ويرى نفسه متدلياً ومتعلقاً بالذات المقدس، ويشهد الإحاطة القيومية للحق والفناء الذاتي لنفسه، ويرى بالعيان أن وجوده ووجود كافة الكائنات، ظل للحق المتعالي .

وكما قامت البراهين على أنه لا حجاب بين الحق سبحانه والمخلوق الأول المجرد عن جميع المواد والتعلقات، بل البرهان قائم على عدم وجود حجاب بين الحق وكافة المجردات بشكل عام، فكذلك لا يوجد حجاب بين هذا القلب الذي بلغ في سعته وإحاطته الموجودات المجردة بل اجتازها ووطأ بأقدامه على رؤوسها، وبين الحق المتعالي. كما في الحديث الشريف المنقول عن (الكافي) و (التوحيد) .

«إنَّ رُوحَ الْمُؤْمِن لأشَدُّ اتصالاً بروح اللهِ مِن انضالِ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِهَا»(1)وفي بِرُوحِ المناجاة الشعبانية المقبولة لدى العلماء، والتي يدل مضمونها على أن هذه المناجاة من الأئمة المعصومين (علیهم السّلام): «إلهِي هَبْ لِي كَمَالَ الانْقِطَاعِ إِلَيْكَ، وَأَبْرُ أَبْصَارَ قُلوبِنَا بِضِياءِ نَظَرِهَا إِلَيْكَ حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ القُلوبِ حُجُبَ النُّورِ فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ وَتَصِيرَ أَرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزّ قُدْسِكَ . إلهِي وَاجْعَلْنِي مِمَّنْ نَادَيْتَهُ فَأَجَابَكَ وَلَاحَظْتَهُ فَصَعِقَ لِجَلَالِكَ فَنَاجَيْتَهُ سِرّاً وَعَمِلَ لَكَ جَهْراً»(2). وفي الكتاب الإلهي الشريف، لدى حكاية معراج الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ثُمَّ دَنى فَتَدلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أو أدنى(3)ولا تتنافى هذه


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب أخوة المؤمنين، ح4 .

2) مفاتيح الجنان، المناجاة الشعبانية . مصباح المتهجد ص 374 . بحار الأنوار ج 91 ، كتاب الذكر والدعاء، الباب 32، ح 12 .

3) سورة النجم ، الآيتان : 8 و 9.

المشاهدة الحضورية الفنائية، مع البرهان على عدم الاكتناه والإحاطة للذات المقدسة، الأخبار والآيات التي تدل على تنزيه الحق جلّ وعلا من كل عيب ونقص وحدّ. بل يكون مؤكداً ومؤيداً لها .

فانظر الآن ما جدوى هذه التوجيهات والتأويلات البعيدة؟ هل نستطيع أن نوجه كلام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) الذي يقول «فَهَبْنِي صَبَرْتُ عَلَى عَذَابِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِرَاقِكَ»(1)هل أن تحرق وتألم أولياء الله، من فراق حور العين وقصور الجنة؟ وهل يمكن تفسير هذه الجملة «مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ وَلَا طَمَعاً في جَنَّتِكَ بَلْ وَجَدْتُكَ أَهْلَا لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُكَ عِبَادَةَ الأَحْرَارِ»(2)على أن هذا الأنين هو من جراء الفراق عن الجنة وأطعمتها؟ هيهات أن يكون ذلك ، إنه لكلام غير موزون، وتوجيه غير مقبول.

هل يمكن القول إن تجلّي جمال الحق سبحانه ليلة المعراج، والمجلس الذي أقيم في تلك الليلة من دون أن يحضرها أحد من الكائنات أو لم يطلع على أسراره أحد، حتى أمين الوحي جبرائيل، بأنه مشاهدة للجنة وقصورها المشّيدة، وأن أنوار العظمة والجلال هي رؤيته لنعم الحق؟

هل إن التجليات التي حصلت للأنبياء (علیهم السّلام)، والتي ورد ذكرها في الأدعية المعتبرة هي من قبيل النعم والمأكول والمشروب أو البساتين والقصور؟ .

ومن المؤسف أننا نحن المساكين، المسجونين في الحجب المظلمة، والمصفدين بسلاسل الآمال والأمنيات، لا نفهم إلا المطعومات والمشروبات والمنكوحات وأمثالها، وإذا أراد فيلسوف أو عارف أن يرفع هذه الحجب، اعتبرنا سعيه هذا غلطاً وخطأ، وما دمنا مسجونين في البئر المظلم، عالم المُلك لم نستوعب شيئاً من أصحاب المعارف والمشاهدات .

ولكن عزيزي : لا تقارن نفسك مع الأولياء، ولا تظن بأن قلبك يضاهي قلوب الأنبياء وأهل المعارف. إن قلوبنا المشحونة بغبار التعلق بالدنيا، وملذاتها وإن انغماسنا


1) مفاتيح الجنان، دعاء كميل، مصباح المتهجد وسلاح المتعبد، أعمال منتصف شهر شعبان .

2) وسائل الشيعة، ج 1، أبواب مقدمة العبادات، الباب 9 ، ج 1 .

في الشهوات يمنع قلوبنا من أن تكون مرآة لتجلي الحق سبحانه، ومحلاً لظهور المحبوب. ومن المعلوم أننا لا نعي شيئاً من تجليات الحق وجماله وجلاله عندما نشعر بالأنانية والذاتية والمحورية بل يجب أن نكذب في هذا الحال أحاديث الأولياء وأهل - المعرفة، فإن لم نكذبها بألسنتنا في الظاهر، لكذبناها في قلوبنا. وإن لم نجد سبيلاً للتكذيب، بأن كانت أحاديث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أو الأئمة المعصومين (علیهم السّلام)، لفتحنا باب التأويل والتفسير، وفي النهاية نسدّ باب معرفة الله .

فنفسر قوله : «مَا رَأَيْتُ شَيْئاً إِلَّا وَرَأَيْتُ اللَّهَ مَعَهُ وَقَبْلَهُ وَفِيهِ»(1)على رؤية الآثار وقوله «لَمْ أَعْبُدُ رَبَّاً لَمْ أَرَهُ»(2)بالعلم بالمفاهيم الكلية التي تضارع علومنا، وقوله في آياته الكريمة التي تتحدث عن لقاء الله، بلقاء يوم الجزاء. وقوله : «لي مَعَ اللهِ حَالَةٌ»(3)بحالة الرقة في القلب . وقوله : «وَارْزُقْنِي النَّظَرَ إِلى وَجْهِكَ الْكَرِيم»(4)وتأوه الأولياء وتحرّقهم في معاناة الفراق، بالبعد عن حور العين، وطيور الجنة . وهذه التفاسير لا تكون إلا نتيجة أننا لا نكون رجال تلك الساحات، ولا نفهم إلا المتع الحيوانية والجسمانية دون غيرها، ولهذا ننكر جميع المعارف. والأنكى من كل ذلك، هذا الإنكار الذي يفضي إلى غلق باب كل المعارف، ويحجزنا عن السعي والطلب ، ويجعلنا نقتنع بمستوى الحيوانية والبهيمية، ويحرمنا من عوالم الغيب والأنوار الإلهية. لقد أصبحنا نحن المساكين المحرومين نهائياً من المشاهدات والتجليات، في منأى حتى عن الإيمان بهذه المعاني التي هي درجة من الكمال النفسي والتي يمكن أن تسوقنا إلى مرحلة متقدمة. إننا نهرب من العلم الذي قد يكون منطلقاً وبذرة للمشاهدات، ونغلق عيوننا وأسماعنا نهائياً ونضع القطن في آذاننا حتى لا يتطرق كلام الحق إليها. وإذا سمعنا حقيقة من لسان عارف هائم أو سالك حزين أو فيلسوف متأله ، نتصدى فوراً نتيجة عدم طاقة آذاننا على استماع تلك الحقيقة، ونتيجة


1) الأسفار، ج 1، ص 117 . علم اليقين ، ج 1 ، ص 49 .

2) علم اليقين ، ج 1، المقصد الأول في تنزيهه سبحانه ، ص 49 . التوحيد، الباب 43 ، ح1 .

3) الأربعون، للمجلسي، شرح حديث 15 .

4) يضاهي هذا الدعاء ما كان يدعو به رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في السجود : اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك الكريم». (إحياء العلوم، ج1، ص319).

أن حُبَّ النفس يمنعنا من جعل هذه الحقائق أسمى من قدرة استيعابنا لها، نتصدى فوراً للطعن فيه ولعنه وتكفيره وتفسيقه ولا نأبى من أي غيبة أو تهمة.

إننا نوقف الكتاب ونشترط على كل من يستفيد منه أن يلعن المرحوم الملّا محسن فيض الكاشاني(1)- صاحب كتب الأخبار والأخلاق والكلام والتفسير - يومياً مائة مرة ، . ونرمي صدر المتألهين الذي هو قمة التوحيد بالزندقة ولا نبخل عن إهانته أبداً، ونقول عنه بأنه صوفي رغم عدم ظهور أي رغبة منه في كل كتبه نحو مذهب التصوف ورغم تأليفه لكتاب (كسر أصنام الجاهلية في الرد على الصوفية)(2).

إننا نترك الذين يستحقوق اللعن، ويكونون ملعونين على لسان الله ورسوله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ونلعن من يصرّح بالإيمان بالله ورسوله والأئمة الهادين (علیهم السّلام). وإنني أعلم بأن هذا اللعن والتوهين لا يسيء إلى مقامهم، بل قد يضاعف حسناتهم ويرفع من درجاتهم، ولكنه يسيء إلينا وقد يبعث على الخذلان وسلب التوفيق منا .

يقول شيخنا العارف - الشاه آبادي - روحي فداه (لا تلعنوا الأشخاص حتى الكافر الذي مات ولم تعرفوا أنه على أي دين مات، إلا إذا أخبر وليّ معصوم عن حاله بعد الموت، إذ من الممكن أنه أصبح مؤمناً لدى سكرات الموت، وإنما العنوا بصورة عامة وكلية).

فكم هو فرق بين شخص يملك مثل هذه النفس القدسية التي لا ترضى أن يلعن من مات على الكفر ظاهراً، لإمكان أنه غدا مؤمناً في اللحظات الأخيرة من حياته، وشخص


1) محمد محسن ابن الشاه مرتضى المتوفى (1091هـ . ق) المشهور بـ(الفيض الكاشاني) محدّث قرن الحادي عشر الهجري وفقيهه وعارفه وحكيمه. كان تلميذاً للشيخ البهائي والمولى محمد صالح والسيد هاشم البحراني وصدر المتألهين ونلمس تأثره بآراء استاذه صدر المتألهين في كتبه. ودرس عليه كل من العلامة المجلسي والسيد نعمة الله الجزائري والقاضي سعيد القمي وابنه . ترك ما يقارب من تسعين مؤلفاً، منها : تفسير الصافي، الوافي في الحديث، المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، الشافي، علم اليقين، الحقائق، الكلمات المكنونة، الأصول الأصلية.

2) يشتمل هذا الكتاب على مقالات أربع: الأولى: باب مقام العالم الرباني والعارف الحقيقي وبطلان أعمال المتصوفة. الثانية: الهدف من العبادات البدنية والرياضة النفسية. الثالثة: صفات الأبرار. الرابعة : المواعظ والنصائح .

آخر من أمثالنا - وإلى الله المشتكى - يرقى المنبر مع أنه من أهل العلم والفضيلة(1)ويقول أمام العلماء والفضلاء مستغرباً (إن فلاناً رغم أنه فيلسوف، يتلو القرآن). وهذا الكلام يشبه ما إذا قلنا (إن فلاناً رغم كونه نبياً، يعتقد بالمبدإ والمعاد) .

إنني أيضاً لا أعتقد كثيراً بالعلم فقط، إن العلم الذي لا يفضي إلى الإيمان أراه الحجاب الأكبر، ولكن لو لم نرد الحجاب ولم نتعلم لما تمكنا من خرقه .

إن العلوم بذور المشاهدات . وإنه لمن الممكن أن يبلغ الإنسان إلى مقامات شامخة من دون تعلّم حجاب المصطلحات والعلوم، ولكن هذا خلاف العادة، وخلاف طبيعة السنن، وإنه نادراً ما يحصل. فالطريق الطبيعي لمعرفة الله وطلبه هو أن الإنسان يبتدىء أولاً بإنفاق وقته في التفكر بالحق سبحانه، ويحصل على العلم بالله وأسماء ذاته المقدس وصفاته حسب الأساليب المتبعة من التلمذة على يد رجال ذلك العلم، ثم يتزوّد من المعارف بواسطة الرياضة العلمية والعملية وينتهي بذلك حتماً إلى النتيجة المنشودة .

وإن لم يكن الإنسان من أهل المصطلحات - العلم - يستطيع أن يصل إلى النتيجة من خلال تذكّر المحبوب، وانشغال القلب بالذات المقدّس. ومن المعلوم أن مثل هذا الانشغال القلبي والتوجه الباطني سيكون سبباً لهدايته وأن الله سبحانه سيعينه في ذلك، وأن حجاباً من الحجب سيرفع له ، وأنه سيتنازل قليلاً عن موقفه المنكر - تجاه العرفاء والفلاسفة - ولعلّ الله سبحانه يفتح عليه ببركة عناياته الخاصة، باباً من المعارف إِنَّهُ وَلِيُّ النِّعَمِ.

فصل: في بيان انكشاف بعض الأحوال الغيبية على الإنسان لدى موته

يفهم من هذا الحديث الشريف، أن حين المعاينة وعند الموت ، تنكشف على الإنسان الذي أوشك على الرحيل بعض مقاماته وأحواله. ويطابق هذا ضرباً من البراهين ويوافق


1) قال الخطيب في مجلس عزاء المرحوم المولى ميرزا علي الحكيم ذلك الكلام. (تفسير سورة الحمد، المجلس الخامس، ص 121).

مكاشفات أصحاب الكشف والعيان. ويجاري الأحاديث المروية والآثار الأخرى أيضاً.

إن الإنسان ما دام يشتغل بتعمير هذا العالم، ويكون قلبه متجهاً نحو هذه النشأة، وما دام سكر الطبيعة - عالم المادة - قد أغماه وأفقده وعيه، والشهوة والغضب المخدرتان قد خدّرتاه وسلبتا لبه ، يكون محجوباً نهائياً عن صور أعماله وأخلاقه، وتكون آثار أعماله وأخلاقه مهجورة في ملكوت قلبه . ولكن عندما تغشاه سكرات الموت وتواجهه صعابها وضغوطها، ويبتعد قليلاً عن هذه النشأة، فإذا كان من أهل الإيمان واليقين، وكان قلبه متعلقاً بهذه العوالم المادية، اتجه قلبه في نهاية المطاف من حياته إلى ذلك العالم، والسائقون الغيبيون، وملائكة الله الموكلون عليه، يسوقونه جميعاً إلى ذلك العالم، وبعد هذا السوق وذاك الانصراف ينكشف له نموذج من عالم البرزخ، وتنفتح عليه من عالم الغيب كُوّة ويتكشف له حاله ومقامه قليلاً كما نقل عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أنه قال : «حَرَامٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هِيَ أَمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»(1).

وهنا حديث شريف نذكره بتمامه لأن فيه بشارة لأهل الولاء، بولاية مولى الموالي، والمتمسكين بذيل عناية أهل بيت العصمة (علیهم السّلام). وهو حديث نقله الفيض الكاشاني في كتابه علم اليقين . قَالَ : وفي كتاب الحسين بن سعيد الأهوازي ، عَنْ عَبّادِ بن مروانَ قالَ : «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السّلام) يَقُولُ : مِنْكُمْ وَاللَّهِ يُقْبَلُ، وَلَكُمْ وَاللَّهِ يُغْفَرُ إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ أحَدِكُمْ وَبَيْنَ أَنْ يُغتبطَ وَيَرَى السُّرُورَ وَقُرَّةَ الْعَيْنِ إِلا أَنْ تَبْلُغَ نَفْسُهُ هَهُنَا - وَاوْمَى بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ ثُمَّ قَالَ (علیه السّلام) - إِنَّهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ وَاحْتَضَرَ ، حَضَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَعَلِيٌّ وَالْأَئمة وَجَبْرَئِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ (علیهم السّلام)، فَيَدْنُوا مِنْهُ جَبْرَئِيلُ (علیه السّلام) فَيَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنَّ هَذَا كَانَ يُحِبُّكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ فَأحِبَّهُ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): يا جَبْرَئِيلُ إِنَّ هَذَا كَانَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ فَأَحِبَّهُ ، فَيَقُولُ جَبْرَئِيلُ : يَا مَلَكَ الْمَوْتِ إِنَّ هَذَا كَانَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَآلَ رَسُولِهِ فَأَحِبَّهُ وَارْفُقْ بِهِ .

فَيَدْنُو مِنْهُ مَلَكُ الْمَوْتِ (علیه السّلام)فَيَقُولُ : يا عَبْدَ اللَّهِ أَخَذْتَ فِكَاكَ رَقَيْتِكَ؟ أَخَذْتَ أَمَانَ بَرَاءَتِكَ؟ تَمَسَّكْتَ بِالْعِصْمَةِ الْكُبرى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيا؟ فَيُوفِّقَهُ اللَّهُ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ :


1) علم اليقين للفيض الكاشاني، المجلد الثاني المقصد الرابع في ذكر الموت، ص 853 .

وَمَا ذَاكَ؟ فَيَقُولُ : ولاية علي بن أبي طالب (علیه السّلام)، فَيَقُولُ : صَدَقْتَ ، أَمَّا الَّذِي كُنتَ تَحْذَرُ فَقَدْ آمَنَكَ اللهُ، وأَمَّا الَّذِي كُنتَ تَرْجُو فَقَدْ أَدْرَكْتَ أَبْشِرْ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ مُرَافَقَةِ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَعَلِي وَالْأَئِمَّةِ مِنْ وَلْدِهِ (علیهم السّلام).

ثُمَّ يَسُلُّ نَفْسَهُ سَلاً رَفِيقاً ثُمَّ يَنْزِلُ بِكَفَنِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَحُنُوطُهُ حُنُوطٌ كَالْمِسْكِ الْأَذْفَرِ فَيُكْفَنُ بِذلِكَ الْكَفَنِ وَيُحَلَّطْ بِذلِكَ الْحُنُوطِ، ثُمَّ يُكسى حُلَّةً صَفْرَاءَ مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ. فَإِذا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ فَتِحَ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ رَوْحِهَا وَرَيحَانِهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : نَم نَوْمَةَ الْعَرُوسِ عَلَىٰ فِرَاشِهَا، أَبْشِرُ بِرَوْحِ وَرَيْحَانٍ وَجَنَّةِ نَعِيمٍ وَرَبِّ غَيْرَ غَضْبَانَ .

قَالَ : وَإِذَا حَضَرَتِ الْكَافِرَ الْوَفَاةُ حَضَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَعَلِيٌّ وَالْأَئِمَّةُ وَجَبْرَئِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ (علیهم السّلام)، فَيَدْنُو مِنْهُ جَبْرَئِيلُ فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا كَانَ مُبْغِضاً لكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ فَأَبْغِضُهُ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): يا جَبْرَئِيلُ إِنَّ هَذَا يُبْغِضُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ : وأهْلَ بَيْتِ رَسُولِهِ فَأَبْغِضُهُ: فَيَقُولُ جَبْرَئِيلُ : يَا مَلَكَ الْمَوْتِ إِنَّ هَذَا يُبْغِضُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَهْلَ بَيْتِ رَسُولِهِ (علیهم السّلام) فَأَبَغِضُهُ وَاعْتُفْ عَلَيْهِ .

فَيَدْنُو مِنْهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَقُولُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ أَخَذْتَ فِكاكَ رَقَبَتِكَ؟ أَخَذْتَ بَرَاءَةً؟ أَمَا تَمَسَّكْتَ بِالْعِصْمَةِ الْكُبْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيا؟ فَيَقُولُ : لا ، فَيَقُولُ لَهُ : أَبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ بِسَخَطِ عَذَابِهِ وَالنَّارِ ، أَمَّا الَّذِي كُنْتَ تَرْجُو فَقَدْ فَاتَكَ، وَأَمَّا الَّذِي كُنْتَ تَحْذَرُ فَقَدْ نَزَلَ بِكَ . ثُمَّ يَسُلُّ نَفْسَهُ سَلاً عَنِيفاً، ثُمَّ يُوَكَّلُ بِرُوحِهِ ثَلَاثَمَانَةِ شَيْطَانٍ يَبْزَقُونَ فِي وَجْهِهِ وَيَتَأْذَى بِرِيحِهِ، فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ فَتِحَ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ فِيح رِيحِهَا وَلَهَبِهَا»(1).

ولا بد أن تعرف أن عالم برزخ كل شخص، أنموذج من نشأته يوم القيامة، والبرزخ عالم يتوسط بين هذا العالم وعالم القيامة، وتنفتح على هذا العالم كُوَّة من الجنة أو النار . كما أشير إليه في نهاية هذا الحديث الشريف، وفي الحديث النبوي المعروف «أَلْقَبرُ إِمَّا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَر النيران»(2).

فتبين أن الإنسان لدى سكرات الموت والاحتضار يشاهد صور أعماله وآثارها،


1) علم اليقين، المجلد 2 ، ص 854 ، 856 .

2) سنن الترمذي، المجلد الرابع ، ص 640 باب 26 كتاب صفة القيامة .

ويسمع من ملك الموت بشارة الجنة أو الوعد بالنار. وكما أن هذه الأمور تنكشف عليه قليلاً، كذلك تنكشف عليه الآثار التي تركتها أعماله وأفعاله في قلبه، من النورانية وشرح الصدر ورحابته أو أضدادها أيضاً من الظلام والكدورة والضغط والضيق في الصدر، فإن كان من أهل الإيمان والسعادة، يستعد قلبه عند معاينة البرزخ لمشاهدة النفحات اللطيفة اللطفية والجمال، وتظهر فيه آثار تجلّيات اللطف والجمال، فيأخذ القلب في الحب للقاء الله، وتشتعل في قلبه، جذوة الاشتياق إلى جمال المحبوب إن كان من أهل الحسنى وحب الله والجاذبة الربوبية، ولا يعرف أحد إلا الله، مقدار اللذات والكرامات الموجودة في هذا التجلّي والاشتياق!.

وإن كان من أهل الإيمان والعمل الصالح، أغدقت عليه كرامات الحق المتعالي بقدر إيمانه وأعماله، ويراها لدى الاحتضار، فيتوق إلى الموت ولقاء كرامات الحق ويرتحل من هذا العالم مع البهجة والسرور والروح والريحان، ولا تطيق الأعين الملكية والذائقة المادية، رؤية هذه الكرامات ومشاهدة هذه البهجة والفرح .

وإن كان من أهل الشقاء والجحود والكفر والنفاق والأعمال القبيحة والأفعال السيئة، انكشف عليه بقدر نصيبه من دار الدنيا وما وفره واكتسبه لنفسه منها، من آثار السخط الإلهي والقهر ، ونموذج من دار الأشقياء، فيدخل الذعر والهلع في نفسه بدرجة لا يكون عنده شيء أبغض من التجليات الجلالية والقاهرة للحق المتعالي ويستولي عليه من جراء هذا البغض والعداوة الشديدين، الضغوط والظلام والصعاب والعذاب، لا يعرف حجمهما أحد إلا الذات الحق المقدس، وهذه المحن تكون لمن كان من الجاحدين والمنافقين ومن أعداء الله وأعداء أوليائه في هذه الدنيا. وينكشف على أهل المعاصي والكبائر، بقدر اجتراحهم للسيئا،ت نموذج من جهنمهم، فلا يكون شيء عندهم أبغض من الرحيل من هذا العالم، فيُرحلون بكل عنف وقسوة وعذاب، وفي نفوسهم حسرات لم تتحقق في هذه الأحوال .

ويستفاد من هذا البيان أن الإنسان لدى الاحتضار والمعاينة، يشاهد ما كان فيه وهو غير واقف عليه، رغم أنه بذر بنفسه هذه المعاينة والمشاهدة في عالم وجوده .

إن الحياة الدنيوية، كانت ستاراً ملقىَ على عيوبنا، وحجاباً على وجه أهل المعارف، وعندما يزاح هذا الستار، ويُخترق هذا الحجاب، يرى الإنسان أنموذجاً، مما أعده لنفسه، ومما كان فيه .

إن الإنسان لا يرى في العوالم الأخرى من العذاب والعقاب، إلا ما وفّره وهيّاه في هذه الدنيا، ولا يشاهد في العالم الآخر إلا صورة ما أنجزه في هذا العالم من الأعمال الصالحة والخلق الحسن، والعقائد الصحيحة، مع رؤيته لما يتفضل عليه الحق المتعالي بلطفه من الكرامات الأخرى .

يروي صاحب كتاب تفسير (الصافي) عن (مجمع البيان) في ذيل الآية المباركة ﴾فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه﴾(1)- الخ - حديثاً عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وفيه «هِيَ - هذه الآية - أحْكَمُمْ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم يُسَمِّيهَا الْجَامِعَةَ»(2).

فلا بد وأن نعلم بأننا إذا تعلقنا بالحق المتعالي وأوليائه، ووضعنا في رقابنا حبل طاعة الذات المقدس، وجعلنا اتجاه القلب إلهياً وربانياً، لظهرت أمامنا حين النزع، الحقائق بعينها في صور بهيّة. وعلى العكس إذا كانت قلوبنا ذات صبغة دنيوية، وانصراف عن الحق ، فمن الممكن أن تُبذر فيها شيئاً فشيئاً بذور عداوة الحق والأولياء، وتشتدّ هذه العداوة، حين المعاينة، فتظهر آثارها الغريبة الموحشة كما قد سمعت .

إذن من الأمور الهامة السعي في سبيل تطوير حالة القلب، وجعلها إلهية، وتوجيهها نحو الحق المتعالي وأوليائه ودار كرامته، ويتم هذا قطعاً بواسطة التفكر في آلاء الذات المقدس، ونعمائه والمحافظة على طاعته وعبادته . ولكن يجب أن لا يعتمد الإنسان على نفسه ومساعيه، بل يستعين بالله على ذلك في جميع الأحوال، وخاصة في حالات الخلوة الله بكل تذلل وتضرّع وبكاء، ويطلب منه أن يلقي حبّه في قلبه ويضيئه بنور محبته ومعرفته، ويخرج حب الدنيا وما عدى الله من قلبه . ومن الواضح أن هذا الدعاء يكون في


1) سورة الزلزلة ، الآية : 7.

2) هذه الرواية منقولة عن عبد الله بن مسعود كما في مجمع البيان، المجلد الخامس ص 525 .

بدء الأمر من دون لبّ، ويكون صرف لقلقة لسان، لأن مطالبة زوال حب الدنيا من القلب مع كونه مفرطاً في التعلق بها، مشكل جداً. ولكن نرجو بعد التمعّن في ذلك فترة من الزمن، والمراقبة، وإفهام القلب النتائج الحسنة لمحبة الله، والنتائج السيئة لحب الدنيا، أن يتحقق ذلك إن شاء الله تعالى .

فصل: في بيان معنى حبّ الحق المتعالي وبغضه

إعلم أن نسبة الحب والبغض وأمثالها للحق المتعالي، الواردة في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، لا تكون بمعناها المتفاهم العرفي، لأن لازمها الانفعال النفسي الذي يتنزه الحق سبحانه منه. ولا مجال في هذا المختصر، للإسهاب في ذلك، فنقتصر على الإجمال والإشارة.

لا بد من معرفة أن كثيراً من الأوصاف والأحوال، بعد تنزلها من العوالم الغيبية التجريدية، وحصولها للنشأة المُلكية المادية التي هي عالم الفرق بل عالم فرق الفرق، تتجلّى في صورة تختلف عن الصور الغيبية المتجردة من الآثار واللوازم . كما أن الأفلاطونيين الذين يعتقدون بأن كافة الموجودات المُلكية، مظاهر للأزواح الغيبية، وتنزلات للحقائق الملكوتية، وأمثلة للمثل الأفلاطونية، هؤلاء يرون أن العوارض والكيفيات التي تقوم في هذا العالم بغيرها - لا بنفسها كما هو شأن الجواهر - يرون أنها تتجلى في ذلك العالم صورها الذاتية بوجوداتها من دون حاجة إلى الارتكاز على الغير، وعليه نقول إن أمثال هذه الأوصاف والأحوال التي تلازم في عالم الملك، التجدد والانفعال، تكون موجودة في العوالم الغيبية، والنشآت التجريدية وخاصة في عالم الأسماء ومقام الواحدية، في صورة منزّهة وبعيدة عن جميع النقائص، ويكون التعبير عن تلك الصور، حسب النشأة التجريدية والصُّقع الربوبي مغايراً عن التعبير عنها في هذا العالم.

فمثلاً إن التجليات الرحمانية والرحيمية والتي نقول عنها أيضاً التجليات الجمالية واللطفية والحبية والأنسية، إذا ظهرت في هذا العالم، كانت في صورة الحب والرحمة

واللطف، الملازمة للانفعال والتأثر، وذلك نتيجة ضيق هذا العالم. ففي الحديث أن للرحمة مائة جزء، وأن جزءاً واحداً منها قد هبط إلى هذا العالم، وتحقّقت به الرحمة كل الرحمة في هذا العالم، مثل الرحمة الحاصلة بين الأولاد والأبوين وأمثال ذلك . كما أن التجليات القاهرية والمالكية التي هي من تجليات الجلال، تظهر في هذا العالم في صورة البغض والغضب المتلازمين للانفعال والتأثر أيضاً.

وعلى أي حال إن باطن الحب والبغض، الرحمانية والقهَّارية وتجلّيات الجمال والجلال، وتكون تلك التجلّيات، موجودة بعين الذات، ولا تتطرق إليها الكثرة والتجدّد والانفعال. كما أن مظهر الرحمانية والقهّارية، الحبّ والبغض المتوفران في هذا العالم، وحيث إن المظهر - الحب والبغض - يكون فانياً في الظاهر - الرحمانية والقهارية - والظاهر يتجلى في المظهر، يصح في بعض المقامات التعبير عن أحدهما بالآخر . وعليه يكون سخط الحق المتعالي لعبده، ظهوراً بالقهّارية والانتقام، وظهور حبه له بالرحمة والكرامة . والله العالم.

الحديث التاسع والعشرون: «وصيّة النبيّ لعليّ بخصال»

اشارة

بالسنَّد المتَّصل إلى أفضل المحدثين وأقدمهم محمّد بن يعقوب الكُلَيْني - رضي الله عنه - عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد ابن عيسى، عن علي بن النَعمان، عن معاوية بن عمّار قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السّلام) يقول: «كَانَ فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) لِعَلِي (علیه السّلام) أَنْ قَالَ: يَا عَلِيٌّ أُوصِيكَ فِي نَفْسِكَ بِخِصَالٍ فَاحْفَظْهَا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنْهُ. أما الأولى فَالصِّدْقُ وَلَا يَخْرُجَنْ مِنْ فِيكَ كِذْبَةٌ أَبَداً. وَالثَّانِيَةُ الْوَرَعُ وَلاَ تَجْتَرِى عَلَى خِيَانَةٍ أَبَداً وَالثَّالِثَةُ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ كَأَنَّكَ تَرَاهُ. وَالرّابِعَةُ حَفْرَةُ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى يُبْنَى لَكَ بِكُلِّ دَمْعَةٍ أَلْفُ بَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ. وَالْخَامِسَةُ بَذْلُكَ مَالَكَ وَدَمَكَ دُونَ دِينِكَ. وَالسَّادِسَةُ الأخْذُ بِسُنُتِي فِي صَلَاتِي وَصَوْمِي وَصَدَقَتِي، أَما الصَّلَاةُ فَالْخَمْسُونَ رَكْعَةً وَأَمَّا الصِّيَامُ فَثَلاثَةُ أَيَامِ فِي الشَّهْرِ: الْخَمِيسُ فِي أَوْلِهِ وَالْأَرْبِغَاءُ فِي وَسَطِهِ وَالْخَمِيسُ فِي آخِرِهِ، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَجُهْدُكَ حَتَّى تَقُولَ قَدْ أَسْرَفْتُ وَلَمْ تُسْرِفْ.

وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَعَلَيْكَ بصَلاَةِ الرُّوَالِ وَعَلَيْكَ بصَلاَةِ الرُّوَالِ، وَعَلَيْكَ بِصَلاَةِ الرُّوَالِ، وَعَلَيْكَ بِتِلاوَةِ الْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَعَلَيْكَ بِرَفْعِ يَدَيْكَ فِي صَلَاتِكَ وَتَقْلِيبِهِمَا، وَعَلَيْكَ بِالسَّوَاكِ عِنْدَ كُلَّ وُضُوءِ، وَعَلَيْكَ بِمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ فَارْكَبُهَا وَمَسَاوِيءِ الْأَخْلاقِ فَاجْتَنِبْهَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُ فَلَا تَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَكَ»(1).


1) روضة الكافي، ص 79 ، ح33 .

الشرح:

(الخصال) جمع خصلة ومعناها الفضيلة النابعة من السجية، كما في (الصحاح) وعليه يكون استعمالها في مطلق الأفعال والخلق، كما في هذا الحديث الشريف وغيره، من باب المجاز. ومن الممكن أن تكون الخصلة، أعم من الفضيلة الراسخة في طبيعة الإنسان، فيكون استعمالها في مثل هذه الموارد من باب الحقيقة .

قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): (الورع) بفتح الراء و(الرَّعة) مصدران لورع يرع بكسر الراء فيهما . ومعناه التقوى ومنتهى الحذر. ومن المحتمل أن يكون المعنى مأخوذاً من ورّعته توريعاً، أي كففته ، لأن الورع في الحقيقة، كف النفس، ومنعها من تخطي حدود الشرع والعقل . أو من ورّع بمعنى الرد، يقال وَرّعت الإبل عن الماء إذا رددتها، لأن المؤمن يرّد نفسه عن الشهوات والولوج فيها .

قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): (لا تَجْتَرِىء) يكون من باب الافتعال، بمعنى الجسارة والشجاعة، وكثرة الإقدام في الأمور. في الصحاح عن أبي زيد (الجُرْأةُ مِثالُ الجُرْعَةِ : الشَّجَاعَةُ) و (الصحاح) أيضاً (الجريء المِقْدَامُ) .

قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): (فَجُهْدُكَ) الجُهْدُ بضم الجيم وفتحها : الطاقةُ والمَشَقَّةُ، يُقالُ : جَهَدَ دابَّتَهُ وَأَجْهَدَهَا ، إذا استعملها أكثر من طاقتها. ويكون الجهد أيضاً بمعنى الجدية والإصرار وهذه المعاني تتناسب مع هذه الرواية .

قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «عَلَيْكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ» إن كلمة «عليك» اسم فعل، وتستعمل بمعنى الفعل المتعدي أو في محل الفعل المتعدي «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» أي الزموا، وعليه تكون الباء

للتأكيد والتأبيد لا للتعدية. وقال في مجمع البحرين إذا تعدّت عليك، بالباء كان معناها استمسك(1)مع إفادة المبالغة .

ونحن نذكر إن شاء الله معاني الحديث، ضمن مقدمات وفصول .

مقدمة

يتضح من نواحي عديدة من هذا الحديث الشريف، أن هذه الوصايا التي أوصى بها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، مولانا أمير المؤمنين (علیه السّلام) كانت عنده صلوات الله وسلامه عليه مهمة جداً، وهذه النواحي هي :

إحداها : توجيه الوصية نحو أمير المؤمنين (علیه السّلام) مع أنه سلام الله عليه، أسمى من أن يتساهل في الأحكام الشرعية، والأوامر الإلهية، ولكن هذه الأمور لدى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كانت هامة جداً، فلم يحجم عن الوصية بها. ومن المتعارف أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يوصي بشيء إلا وقد كان يعتني به ويراه مهماً، فلأجل إظهار أهميته، يوصي به، حتى لمن يعرف أنه لا يتهاون فيه .

أما احتمال أنه (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أوصى أمير المؤمنين (علیه السّلام) حتى يفهم الآخرين، من قبيل (إِيَّاكَ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَة)(2)فهو بعيد . لأن سياق الحديث يشهد بأن الخطاب متوجه نحو الإمام علي (علیه السّلام)، وأنه المقصود مباشرة، كما يستفاد من كلمة (في نَفْسِكَ) و(احْفَظْهَا) و(اللَّهُمَ عِنْهُ) . ثم إن مثل هذه الوصايا كانت متداولة بين الكبار من الناس، الأئمة الأطهار (علیهم السّلام) من وصية بعضهم البعض الآخر، وكان الظاهر من سياق كل وبين واحد من مثل هذه العبارات التي وردت من إمام لإمام آخر (علیهم السّلام)، هو الإمام المخاطب بنفسه. كما ورد في إحدى وصايا الإمام علي بن أبي طالب (علیه السّلام) إلى ولديه الإمام الحسن والإمام الحسين (علیه السّلام): «أُوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وُلْدِي وَأَهْلَ بَيْتِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي»(3).


1) مجمع البيان، ج2، ص 244 .

2) مجمع الأمثال ، ج 1، ص 50 .

3) نهج البلاغة، كتاب 47 .

ومن المعلوم أن الحسنين (علیه السّلام) كانا داخلين في هذه الوصية. وتكشف هذه الوصايا عن شدة اهتمام وتعلق المعصومين (علیهم السّلام) بعضهم ببعض وعلى أي حال إن كون الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) مخاطباً بالوصية يكشف عن عظمة الوصية وأهميتها .

ثانيتها : إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أكد على هذه الوصية بهذا المستوى من التأكيد للإمام علي بن أبي طالب (علیه السّلام) رغم أنه لن يتجاوز (علیه السّلام) وصية رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قيد أنملة ولم يبد تجاهها وهناً ولا فتوراً.

ثالثتها: نبه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عليا (علیه السّلام) بعد أن قال «يا عَلِي أُوصِيكَ» على أهمية الوصية حيث قال «فأحفظها عني». ولما تمنى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على علي (علیه السّلام) أن يأتي بهذه الوصايا المهمة دعا له قائلاً «اللَّهُمَّ أعِنْهُ» وهكذا بقية التأكيدات التي وردت في كل واحدة من هذه الجمل بصورة مستقلة مثل نون التأكيد، وتكرار الوصية وغير ذلك مما لا نحتاج إلى تعداده .

إذن يعلم أن هذه الوصايا من الأمور الهامة. ومن الواضح أنه لا يعود في جميع هذه الوصايا بالفائدة على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وإنما تعود المنفعة إلى المخاطب . والإمام (علیه السّلام) وإن كان في الأصل هو المخاطب، ولكن التكاليف عامة ومشتركة بين الجميع، حيث لا تعطل برحيل المخاطب، بل إنها متواصلة مع الأجيال .

ولا بد من معرفة أن شدّة تعلق رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، بالإمام علي (علیه السّلام) تبعث على

الفائدة الكبيرة لهذه الوصايا التي بينت بهذا الأسلوب وعلى أهميتها الكبيرة . والله العالم .

فصل: في مفاسد الكذب

من وصايا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ملازمة الصدق والابتعاد عن الكذب - فَالصِّدْقُ وَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنْ فِيكَ كِذَّبَةٌ أَبَداً - ويستفاد من تقديم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لهذه الوصية على الوصايا الأخرى، أن هذه الوصية أهم من كافة الوصايا المذكورة. ونحن نقدم مفاسد الكذب على مصالح الصدق .

واعلم أن هذه الرذيلة من الأمور التي اتفق العقل والنقل على قبحها وفسادها وأنها في نفسها من الفواحش والمعاصي الكبيرة، كما تدل على ذلك الأخبار. وقد تترتب عليها مفاسد أخرى لا تقل عن هذه الموبقة . بل قد يسقط الإنسان من أعين الناس في الوسط الاجتماعي على إثر كذبة واحدة عندما تكتشف، من دون أن يستطيع جبرها حتى نهاية عمره. فإذا اشتهر إنسان لا قدر الله بالكذب، فلعلّه لا يوجد شيء آخر يسيء إلى شخصية الإنسان أكثر من الكذب. ومضافاً إلى ذلك فإن مفاسده الدينية وعقوباته الأخروية كثيرة أيضاً. ونحن نقتصر على ذكر بعض الأحاديث الشريفة في هذا الموضوع. وحيث إن شناعة الكذب من الأمور الواضحة المعروفة، نبتعد عن الإسهاب في الحديث عنه.

روى في «الوسائل» عن محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : «إن اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِلشَّرِّ أَقفالاً وَجَعَلَ مَفَاتِيحَ تِلْكَ الْأَقْفَالِ الشَّرَابَ، وَالْكِذْبُ أَشَرُّ مِنَ الشَّرَابِ»(1).

والآن تدبر في هذا الحديث الشريف المروي عن عالم آل محمد (علیهم السّلام)، والمذكور في كتاب يعدّ مرجعاً لجميع علماء الأمة، ويتلقى بالقبول لدى كافة العلماء رضوان الله عليهم، وانظر هل يبقى سبيل للاعتذار ؟ أليس هذا التهاون في الكذب إلا من جراء الضعف في الإيمان تجاه أخبار أهل بيت العصمة (علیهم السّلام)؟ .

نحن لا نعرف الصورة الغيبية لأعمالنا، ولا ندرك الارتباطات الغيبية بين الملك والملكوت، ولهذا نبتعد عن مثل هذه الأخبار، ونحمل أمثالها على المبالغة . ولكن هذا المنهج باطل وناتج من الجهل والضعف في الإيمان . فلو فرضنا بأننا حملنا هذا الحديث الشريف على المبالغة، أليست المبالغة ذات شروط ووضع خاص؟ هل نستطيع أن نقول عن كل شيء إنه أسوأ من الخمر، أو لا بد وأن يكون الشيء ذا شرّ عظيم حتى نتمكن من المبالغة فيه ونقول إنه أعظم من الشر؟ .

و بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام)قالَ: «الْكِذَبُ هُوَ خَرَابُ الإِيمَانِ»(2).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكذب ، ح 3 .

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكذب ، ح 4 .

في الحقيقة أن مثل هذه الأخبار، تهزّ أعماق الإنسان، وتقصم الظهر، فإننا نتصور بأن الكذب من الأعمال الفاسدة، التي فُقِدَ الاحساس بقبحها نهائياً من جراء شيوعها بين الناس، ولكن سيأتي وقت ننتبه ونشعر بأن الإيمان الذي هو رأس مال حياة عالم الآخرة، قد زال من أيدينا من جراء الاستهانة بالكذب من دون أن نشعر بذلك أبداً .

وعن أبي الحسن الرضا (علیه السّلام): قال : «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) يَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَاناً؟ قَالَ : نَعَمْ، قِيلَ وَيَكُونُ بَخِيلاً؟ قَالَ : نَعَمْ، قِيلَ : وَيَكُونُ كَذَّاباً؟ قَالَ : لا»(1).

ونقل عن صدوق الطائفة محمد بن علي بن الحسين(2)أنه قال: من كلام رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «أَرْبَى الرِّبَا الْكِذَبُ»(3)مع أن التشديد في حرمة الربا وبشاعته مما يذهل الإنسان .

ومن الأمور التي لا بد للإنسان أن يلتفت إليها، هو أن الأخبار قد استنكرت الكذب حتى هزله ومزحه، وشدّدت في ذلك. وأفتى العلماء بحرمته أيضاً. كما ذكر صاحب الوسائل في عنوان الباب الذي هو تعبير عن فتاواه : باب تحريم الكذب في الصغير والكبير والجد والهزل عدا ما استثني(4).

وعن الكافي الشريف عن أبي جعفر (علیه السّلام): «قَالَ : كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا يَقُولُ لِوُلْدِهِ اتَّقُوا الكَذِبَ الصَّغِيرَ مِنْهُ وَالْكَبِيرَ فِي كُلِّ جِدٌ وَهَزْلٍ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَذِبَ فِي الصَّغِيرِ اجْتَرَأَ عَلَى الْكَبِيرِ أمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) قَالَ : مَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَصْدَقَ حَتى يكتبهُ اللهُ صِدِّيقاً وَمَا يَزَالُ العبد يكذِبُ حَتَّى يَكْتبُهُ اللهُ كَذَاباً»(5).


1) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 138 ، باب تحريم الكذب، أبواب أحكام العشرة ح 11، مسند الإمام الرضا، ج 1، باب الذنوب ، ح 72 .

2) تقدمّت ترجمته في ص 29 .

3) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، كتاب الحج، الباب 138 ، من أبواب أحكام العشرة ، ح 12 .

4) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 140 ، باب تحريم الكذب في الصغير والكبير والجد والهزل عدا ما استثني .

5) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الكذب، ح2 .

وفي الكافي عن الأصبغ بن نباته قال : قال أمير المؤمنين (علیه السّلام): «لا يَجِدُ عَبْدٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتْرُكَ الْكِذَبَ هَزْلَهُ وَجِدَّهُ»(1).

وفي وصايا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لأبي ذر : «يَا أَبَا ذَرٍّ، وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ ، وَيْلٌ لَهُ ، وَيْلٌ لَهُ»(2).

وبعد عرض هذه الأخبار الشديدة والمنقولة عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة المعصومين (علیهم السّلام)، لا بد من الجرأة الكبيرة والشقاء المضاعف، حتى يقدم الإنسان على هذا الأمر الخطير، والمعصية الكبيرة .

وكما أن الكذب قد عُدّ المفاسد الخطيرة جداً، اعتبر صدق اللهجة والاستقامة من في الحديث، مهماً جداً، وأثني عليه في أخبار أهل البيت (علیهم السّلام) ثناءاً بليغاً. ونحن نكتفي بذكر بعضها :

محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام): «قَالَ : كُونُوا دُعَاةٌ لِلنَّاسِ بِالْخَيْرِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ، لِيَرَوْا مِنْكُمُ الاجْتِهَادَ وَالصَّدْقَ وَالْوَرَعَ»(3).

وقال الصدوق (رحمه الله علیه) بسنده إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) «قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي غَداً وَأَوْجَبَكُمْ عَلَيَّ شَفَاعَةٌ، أَصْدَقَكُمْ لِسَاناً، وأَداكُمْ لِلأَمَانَةِ وَأَحْسَنَكُمْ خُلَقاً وَأَقْرَبَكُمْ مِنَ النَّاسِ»(4).

فصل: في حقيقة الورع ومراتبه

يتحدث هذا الفصل عن الورع، وأنه قد عُدَّ من منازل السالكين والسائرين إلى الله


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الكذب ، ح 11 .

2) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة ح4 ص 577 .

3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصدق وأداء الآثار ، ح 10 .

4) أمالي الشيخ الصدوق - المجلس 76 - ص 411 بحار الأنوار، ج 66 ، كتاب الإيمان والكفر ، الباب 38 ، ح 41 .

سبحانه، وعُرف حسب ما نقل العارف المعروف خواجه عبد الله الأنصاري «هُوَ تَوَقٌ مُسْتَقصى عَلى حَذَرٍ أَوْ تَحَرَّجْ عَلى تعظيم»(1). وهذا التعريف يشمل كافة مراتبه، لأن للورع مراتب كثيرة: فورع العوام، الاجتناب عن الكبائر. وورع الخواصّ الابتعاد عن الشبهات خشية الوقوع في المحرمات كما أشير إليه في حديث التثليث الشريف(2). وورع أهل الزهد الاجتناب عن المباحات للابتعاد عن وزرها. وورع أهل السلوك ترك النظر إلى الدنيا لأجل الوصول إلى باب الله، ومشاهدة جمال الله . وورع الأولياء الاجتناب عن التوجه إلى الغايات .

ولكل واحدة من هذه المراتب شرح لا يجدينا الإسهاب فيه . وما يجب أن نعرفه هنا هو:

أن الورع عن المحرمّات الإلهية يكون أساس جميع الكمالات المعنوية ، والمقامات الأخروية. ولا يحصل لأحد مقّام إلا عند الورع عن محرمات الله . وإن القلب الذي لا يتحلّى بالورع، ليصدأ، ويبلغ به الأمر إلى مستوى لا يُرجى له النجاة. إن الورع يوجب صفاء النفوس وجلاءها، وإنه يكون من أهّم المنازل لدى العوام، ويعتبر من أفضل زاد المسافر نحو الآخرة. وقد ورد في فضله حسب أحاديث أهل بيت العصمة (علیهم السّلام) أكثر مما يسعه هذا الكتاب. ونحن نكتفي بذكر بعض هذه الأحاديث، ويرجع الباحث لأكثر من ذلك، إلى كتب الأخبار .

الكافي : بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام): «قالَ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالْوَرَعَ وَالاجْتِهَادِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لا يَنْفَعُ اجْتِهَادٌ لا وَرَعَ فِيهِ»(3).

وبهذا المضمون رواية أخرى أيضاً(4). وهذا شاهد على أن العبادات تتساقط من


1) منازل السائرين، باب الورع، ص 24 .

2) وسائل الشيعة، المجلد 18 ، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، ح9 عن أبي عبد الله في حديث قال : وإنما الأمور ثلاثة أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين فيه فيجتنب ، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات .

3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الورع ح 11 .

4) أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر ، باب الورع، ح1 و 3 و 4 .

الاعتبار، إذا كانت خالية من الورع ومن المعلوم أن الغاية المنشودة من العبادات التي هي ترويض النفس، ولجمها، وقهر الملكوت للمُلك والطبيعة، لا تحصل إلا بواسطة الورع الشديد، والتقوى الكاملة.

ثم إن النفوس المدنسة بالمعصية، لا تقبل صورة ولا رسماً إلا بعد تنظيفها من الكدر وتطهيرها من القذارة، حتى يتمكن الرسّام من الرسم فيها. فالعبادات التي هي الصور الكمالية للنفس، لا تنفع من دون صقلها من غبار المعصية، وإنما تكون صورة من دون لب و ظاهراً من دون روح .

وبإسناده عن يزيد بن خليفة قال : «وَعَظَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (علیه السّلام) فَأَمَرَ وَزَهَّدَ ثُمَّ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْوَرَع فَإِنَّهُ لا يُنَالُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِالْوَرَعِ»(1).

فبموجب هذا الحديث الشريف، أن الإنسان الذي لا ورع له، يكون محروماً من الكرامات التي وعدها الله لعباده. وهذا الحرمان من أعظم الخذلان والشقاء .

وفي حديث من الوسائل مسنداً إلى الإمام الباقر (صلی الله علیه و آله و سلم): «لا تُنَالُ وِلايَتْنَا إِلَّا بِالْعَمَلِ وَالْوَرَع(2).

وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق (علیه السّلام): «. . . ثُمَّ قَالَ يَا عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ علي لَيْسَ مِنَّا وَلاَ كَرَامَةَ مَنْ كَانَ فِي مِصْرِ فِيهِ مَاتَهُ أَلْفِ أَوْ يَزِيدُونَ وَكَانَ فِي ذَلِكَ المِصْرِ أَحَدٌ أوْرَعَ مِنْهُ»(3).

ومن الكافي الشريف رواية بهذا المضمون أيضاً(4).

ولا بد من معرفة أن المقياس في كمال الورع على ضوء الروايات الشريفة، هو الاجتناب عن محرمات الله ، وأن كل من يبتعد عن المحرمات الإلهية أكثر، يُعد من أورع الناس طراً. فينبغي أن لا يستغل الشيطان هذا الموضوع - ليس منا وفي مصر مائة ألف


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الورع ، ح 3 .

2) وسائل الشيعة، المجلد 11، باب 21 من أبواب جهاد النفس ح 17 و 11 .

3) المصدر السابق.

4) أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر ، باب الورع ، ح 10 .

يوجد أحد أورع منه - ويلقي اليأس في القلب، لأن من طبيعة هذا الملعون دفع الإنسان إلى الشقاء الأبدي من خلال اليأس، بأن يقول له في المقام مثلاً : كيف يمكن أن يكون هو أورع إنسان في بلد يحتضن مائة ألف أو يزيدون من الناس؟ فإن هذا من أساليب كيد هذا اللعين، ووساوس النفس الأمارة. ولكن جوابه هو أن من ابتعد عن المحرمات الإلهية يندرج في هذه الروايات، حسب ما يستفاد من الأحاديث المباركة، ويعتبر من أورع الناس .

ثم إن الابتعاد عن المحرمات الإلهية، لا يستدعي جهداً جباراً، بل الإنسان مع قليل من الترويض النفسي والعمل، يستطيع أن يترك جميع المحرمات، شريطة إرادته أن يكون فرداً من أهل السعادة والنجاة، ومن أهل الولاية للأئمة الأطهار وكرامة الحق المتعالي. وإذا لم يكن له صبر على المعصية، بهذا المقدار، لما تحقق له البعد عن المعصية . إنه يجب أن يتمتع بقدر من الجلادة والإصرار والترويض النفسي.

تتميم: في بيان مفاسد الخيانة وحقيقة الأمانة

توجد في المقام نكتة لا بد من الإشارة إليها، وهي أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بعد أن أوصى بالورع فرع عليه قائلاً : «وَلا تَجْتَرِى عَلى خِيَانَةٍ أبداً» مع أن الورع يكون عن كل المحرمات، أو يكون أعم من الخيانة، وعليه لا بد من تفسير الخيانة بمعنى أعم من المتفاهم العرفي لها، حتى تتطابق مع الورع، بأن نقول إن مطلق المعصية أو اقتراف مطلق ما يمنع السير إلى الله ،خيانة، لأن التكاليف الإلهية أمانات للحق سبحانه كما ورد في الآية الكريمة (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ . . .(1)الخ . حيث فسر بعض المفسرين الأمانة بالتكاليف الإلهية(2)، بل إن جميع الأعضاء، والجوارح والقوى، أمانات للحق المتعالي واستعمالها على خلاف رضا الحق سبحانه، خيانة، كما أن توجيه القلب إلى غير الحق يعدّ من الخيانة . بيت شعر :


1) سورة الأحزاب، الآية: 72.

2) صاحب مجمع البیان، تفسير آية 72 من سورة الأحزاب .

هذه الروح التي أعارها لي الصديق الحميم *** سأرجعها إليه في اليوم الذي أرى وجهه

أو أن المقصود من الخيانة نفس المعنى المتعارف، ولكن سبب التركيز عليها هو ابداء شدة الاهتمام بالخيانة ، فكأنّ الورع كل الورع هو الابتعاد عن خيانة الأمانة .

ومن يرجع إلى أخبار المعصومين (علیهم السّلام) المأثورة في ردّ الأمانة والابتعاد عن الخيانة، لأدرك حجم اهتمام الشارع المقدس بهذا الموضوع. ويضاف إلى ذلك هو ان قبحها الذاتي لا يخفى على أحد. وأنه يجب إخراج الإنسان الخائن من المجتمع البشري، وإلحاقه بأرذل الشياطين. ومن المعلوم أن الإنسان الذي يشتهر بين الناس بالخيانة، تضيق عليه الحياة وتصعب، حتى في هذا العالم أيضاً.

إن البشر بصورة عامة يعيشون مع بعضهم البعض في ظّل التعاون والتعاضد حياة سعيدة، ولا يمكن لأحد الحياة بصورة منفردة ، إلا إذا غادر المجتمع البشري والتحق بالحيوانات الوحشية . ثم إن العجلة الكبيرة التي تدور لتحريك الحياة الاجتماعية، هي اعتماد الناس بعضهم على بعض، فإذا زال الاعتماد وتلاشت الثقة، لما تمكّن الإنسان أن يعيش هنيئاً رغيداً. إن الركيزة الأساسية للاعتماد المتبادل بين الناس قائمة على الأمانة وترك الخيانة، فلا يحظى الخائن، بالاطمئنان لدى الناس ويعدّ مارقاً على المدنية وخارجاً عن عضويته في المجتمع البشري وتكون عضويته مرفوضة لدى أصحاب المدينة الفاضلة. ومن الواضع أن مثل هذا الإنسان يعيش حياة ضنك وفي صعوبة بالغة .

ونحن لأجل تتميم الفائدة، نذكر في هذا الباب بعض الأحاديث المنقولة عن أهل بيت العصمة (علیهم السّلام)، إذ تكتفي بها القلوب الواعية، والأعين الباصرة.

محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «لا تَنْظُرُوا إِلَى طُولِ رُكوع الرَّجُلِ وَسُجُودِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ شَيءٌ اعْتَادَهُ فَلَوْ تَرَكَهُ اسْتَوْحَشَ لِذلِكَ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَىٰ صِدْقٍ حَدِيثِهِ وَأَدَاءِ أَمَانَتِهِ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصدق وأداء الأمانة ، ح 12 .

وبإسناده عن أبي كَهْمَس قالَ: قُلْتُ لأبي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السّلام): عَبْدُ اللَّهِ ابْنِ أَبِي : يَعْفُورٍ يُقْرِئُكَ السَّلامَ قالَ: عَلَيْكَ وَعَلَيْهِ السَّلامُ، إِذَا أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ فَأَقْرِتْهُ السَّلامَ وَقُلْ لَهُ: إِنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ لَكَ، انْظُرْ مَا بَلَغَ بِهِ عَلِيٌّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) فَالْزَمُهُ، فَإِنَّ عليا (علیه السّلام) إِنَّمَا بَلَغَ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ»(1).

فيا عزيزي: تدبر في هذا الحديث الشريف، وانظر إلى أن مقام صدق الحديث وأداء الأمانة دفعا بعلي بن أبي طالب (علیه السّلام) إلى بلوغ ذلك المقام الرفيع .

ويفهم من هذا الحديث أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يحب هاتين الخصلتين أكثر من غيرهما، لأن هاتين الصفتين من الصفات الكمالية لمولانا علي بن أبي طالب (علیه السّلام) قد بلغتا به ذلك المقام الرفيع، وإن الإمام الصادق (علیه السّلام) قد أبدى اهتماماً بهاتين الصفتين أكثر من كل الأفعال والأوصاف، وذكر (علیه السّلام) ابن أبي يعفور الذي هو من المخلصين والمقربين له (علیه السّلام) بهما خاصة .

وبإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : قال أبو ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) يَقُولُ: «حَافَّتَا الصِّرَاطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّحِمُ والأَمَانَهُ، فَإِذَا مَرَّ الْوَصُولُ لِلرَّحِمِ الْمُؤَدِّي لِلأَمَانَةِ نَقَذَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِذَا مَرَّ الْخَائِنُ لِلأَمَانَةِ الْقَطُوعُ لِلرَّحِمِ لَمْ يَنْفَعُهُ مَعَهُمَا عَمَلَ وَتَكْفَأُ بِهِ الصِّرَاط فِي النَّارِ»(2).

فعلم بأن صورتي الرحم والأمانة في ذلك العالم تقفان على طرفي الطريق، وتعينان من يصل رحمه ويؤدي أمانته، ومع تركهما لا يفيدنا أي عمل آخر وإنما بتركهما يهوي الإنسان في النار .

وبإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : قال أمير المؤمنين (علیه السّلام): «أَدُّوا الْأَمَانَةَ وَلَوْ إلى قَاتِل وَلَدِ الأَنْبِيَاءِ»(3).

وبإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) في وصيَّتِهِ لَهُ : «اعْلَمْ أَنَّ ضَارِبَ عَلِي (علیه السّلام)


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصدق وأداء الأمانة ، ح5.

2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصدق وأداء الأمانة ، ح5 .

3) کتاب فروع الكافي، المجلد الخامس، باب أداء الأمانة ح3 و5 .

بِالسَّيْفِ وَقَاتِلَهُ لَوِ الْتَمَتَنِي وَاسْتَنْصَحَنِي وَاسْتَشَارَنِي ثُمَّ قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْهُ لأَدَّيْتُ إِلَيْهِ الأَمَانَةَ»(1).

ومحمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال : «سَمِعْتُ سَيِّدَ الْعَابِدِينَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بن أبي طالب (علیه السّلام) يَقُولُ لِشِيعَتِهِ : عَلَيْكُمْ بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) بالْحَقِّ نَبِيا لَوْ أَنَّ قَاتِلَ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (علیه السّلام) اثْتَمَتَنِي عَلَى السَّيْفِ الَّذِي قَتَلَهُ بِهِ لأَدَّيْتُهُ إِلَيْهِ»(2).

وبإسناده عن الصادق (علیه السّلام) عن آبائه (علیهم السّلام) عن النَّبيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث المَناهِي أَنَّهُ نَهى عَنِ الْخِيَانَةِ وَقَالَ: «مَنْ خَانَ أَمَانَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَرُدَّهَا إِلى أَهْلِهَا ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ مَاتَ عَلى غَيْرِ مِلَّتِي وَيَلْقَى اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ وَمَنِ اشْتَرَىٰ خِيَانَةٌ وَهُوَ يَعْلَمُ فَهُوَ كَالَّذِي خَانَهَا»(3)

وتوجد بهذا المضمون أحاديث أخرى مذكورة في كتب الأخبار. ويعرف الجميع مضاعفات سخط الذات المقدس الحق وغضبه على العبد. كما أنه من المعلوم أن الشفعاء، لا يشفعون لمن هو مغضوب عليه لدى الحق سبحانه. وخاصة أن الخائن يكون خارجاً أيضاً عن أمة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم). ففي حديث آخر «ليسَ مِنَّا مَنْ خَانَ مُؤْمِناً»(4).

وفي حديث ثالث عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ خَانَ أَمَانَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَرُدُّها عَلَىٰ أَهْلِهَا مَاتَ عَلَى غَيْرِ دِينِ الإِسْلامِ وَلَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ فَيُهُوَىٰ بِهِ فِي شَفِيرٍ جَهَنَّمَ أَبَدَ الآبِدِينَ»(5)أعوذ بالله من هذه الخطيئة .

ومن المعلوم أن خيانة المؤمنين تعمّ الخيانة المالية والخيانات الأخرى التي هي أكبر من الخيانة المالية. فيجب على الإنسان في هذه الدنيا أن يراقب النفس الأمارة كثيراً، إذ ربما تقوم بعملية التعتيم للحقائق على الإنسان وتذليل الصعوبات وتسهيلها، مع أنها توجب الشقاء الدائم والخذلان الأبدي .


1) المصدر السابق.

2) وسائل الشيعة، المجلد 13 ، باب وجوب أداء الأمانة، من كتاب أحكام الوديعة ح 13 .

3) وسائل الشيعة، المجلد 13 ، الباب 3 من أبواب أحكام الوديعة ح 2 .

4) وسائل الشيعة، المجلد 13 ، الباب 3، من أبواب أحكام الوديعة ، ح3 .

5) وسائل الشيعة، المجلد 13 ، الباب 3، من أبواب أحكام الوديعة ، ح5.

هذه هي حال الخيانة لعباد الله، ويتبين من هنا أيضاً وضع الخائن لأمانة الحق المتعالي .

في الإشارة إلى بعض أمانات الحق سبحانه

ولا بد من معرفة أن الحق تبارك وتعالى، قد وهبنا كافة القوى والأعضاء الظاهرية والباطنية، وبسط لنا بساط الرحمة والنعمة في مملكتنا الظاهرية والباطنية، ووضعها كلها تحت قدرتنا لتسخيرها، وائتمننا عليها بلطفه ورحمته، وهي - هذه العطايا - طاهرة ونظيفة من كل القذارات الصورية والمعنوية وكذلك ما أنزل علينا من عالم الغيب كان بعيداً عن الشوائب والعناصر الغريبة، فإذا أرجعنا هذه الأمانات لدى لقائنا بالذات المقدس، من دون أن تصير ممزوجة مع عالم المادة، وقذارات الملك والدنيا، كُنَّا أُمناء على الأمانة التي أودعت عندنا. وإن لم نحافظ على طهارة هذه الأمانات، غدونا من الخائنين والخارجين عن الإسلام الحقيقي، وملّة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).

وفي الحديث المشهور إن «قَلْبَ الْمُؤْمِنِ عَرْشُ الرَّحْمنِ»(1)وفي الحديث القدسي المعروف لا يَسَعُنِي أَرْضِي وَلا سَمَائِي وَلكِنْ يَسَعُني قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ»(2)فإن قلب المؤمن عرش الحق المتعالي، وسرير سلطنته وسكنى ذاته المقدس، وإنه سبحانه صاحب هذا البيت، فالالتفات إلى غير الحق خيانة للحق، والحب لغير ذاته الأقدس ولغير أوليائه الذين يعتبر حبّهم حبّه سبحانه ، خيانة لدى العرفاء .

وإن ولاية أهل بيت العصمة والطهارة، ومودّتهم، ومعرفة مرتبتهم المقدسة، أمانة من الحق سبحانه . كما ورد في الأحاديث الكثيرة الشريفة في تفسير الأمانة في الآية ﴾إنا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ والأرْضِ﴾(3)بولاية أمير المؤمنين (علیه السّلام). كما أن غصب


1) بحار الأنوار ، ج 55 ، كتاب السماء والعالم، باب 4 ، ص 39 .

2) بحار الأنوار، ج 55 ، كتاب السماء والعالم، باب العرش والكرسي وحملتهما ، ص39. المحجة البيضاء، ج5 ، کتاب شرح عجائب القلب، ص 27 . إحياء العلوم، ج 3، كتاب شرح عجائب القلب ، ص 17 .

3) منها ما رواه الكليني عن الإمام الصادق (علیه السّلام) في تفسير الآية الكريمة: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولاً قال : «هي ولاية أمير المؤمنين علي (علیه السّلام)» (أصول الكافي، ج 1، كتاب الحجة، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية، ح2).

خلافته وولايته، خيانة لتلك الأمانة وإن رفض المتابعة للإمام علي علية مرتبة من مراتب الخيانة . وفي الأحاديث الشريفة .

إن الشيعي هو الذي يتبع أمير المؤمنين (علیه السّلام) اتباعاً كاملاً وإلا فإن مجرد دعوى التشيع من دون الاتباع لا يكون تشيعاً(1).

إن كثيراً من الأوهام، تعتبر من قبيل الشهوة الكاذبة حيث يشتهي الإنسان الطعام وهو شبعان ، فإذا لمسنا في قلوبنا مودة علي (علیه السّلام) وأولاده الطاهرين اغتررنا بها، وحسبنا أن هذه المودة لوحدها ستبقى وتستمر من دون حاجة إلى تبعية كاملة لهم. ولكن ما هو الضمان على بقاء هذه المودة إن لم نحافظ عليها بل إن تخلينا عن آثار الصداقة والمودة التي هي المشايعة والتبعية؟ إذ من الممكن أن الإنسان ينسى علي بن أبي طالب (علیه السّلام) من جراء الذهول والوحشة الحاصلتين من الضغوط الواقعة على غير المخلصين والمؤمنين . ففي الحديث (إن طائفة من أهل المعصية يتعذبون في جهنم وهم ناسون اسم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وبعد انتهاء فترة العذاب وحصول الطهارة والنظافة من قذارات المعاصي يتذكّرون اسم النبي المبارك أو يلقى الاسم في قلوبهم، فيصرخون ويستغيثون قائلين وا محمداه (صلی الله علیه و آله و سلم) فتشملهم بعد ذلك الرحمة)(2).

إننا نظن أن حادثة الموت وسكراته، تضاهي حوادث هذا العالم. عزيزي إنك عندما تعاني من مرض بسيط تنسى كل علومك وثقافاتك، فكيف بك عندما تواجه الصعاب والضغوط والمصائب والأهوال التي ترافق الموت وسكراته؟ إذا تصادق الإنسان الحق سبحانه، وعمل حسب متطلبات الصداقة، وتذكر الحبيب وتبعه، كانت تلك الصداقة مع الولي المطلق، والحبيب المطلق، الذي هو الحق المتعالي محبوبة لديه سبحانه، وملحوظة عنده تعالى. ولكنه إذا ادعى المودة ولم يعمل حسب مقتضاها بل


1) قال الإمام (علیه السّلام): «قال رجل لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).. فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): لا تقل إنه من شيعتنا فإنه كذب إن شيعتنا من شيعنا وتبعنا في أعمالنا وليس هو الذي ذكرته في هذا الرجل من أعمالنا». (بحار الأنوار ، ج 65 ، كتاب الإيمان والكفر، باب 19 ، ح 11).

2) تقدم مضمون هذا الحديث في ص 187 .

خالفه، فمن الممكن أن الإنسان يتخلى عن تلك الصداقة مع الولي المطلق قبل رحيله من هذه الدنيا نتيجة التغييرات والتبدلات والأحداث المتقلبة في هذا العالم . بل والعياذ بالله قد يصير عدواً له سبحانه وتعالى . كما أننا شاهدنا أشخاصاً كانوا يدعون المودة والصداقة وبعد العشرة اللامسؤولة، والأعمال البشعة تحوّلوا إلى أعداء وخصماء لله ورسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته (علیهم السّلام). وإذا فرضنا أن هؤلاء رحلوا من هذا العالم على حب محمد وآله ، فهم حسب الروايات الشريفة والآيات المباركة من أهل النجاة يوم القيامة ومصيرهم السعادة، ولكنهم يكونون في معاناة لدى البرزخ وأهوال الموت وعند الحشر. ففي الحديث «إنَّنا شُفَعَاؤُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلكِنْ تَزَوِّدُوا لِبَرْزَخِكُمْ»(1).

أعوذ بالله من عذاب القبر وضغطه وشدة البرزخ وعذابه، حيث لا يشابهه شيء في هذا العالم. إن الكوة التي تفتح من جهنم على القبر، لو انفتحت على هذا العالم لهلكت كافة الموجودات . نعوذ بالله منه .

فصل: في بيان الخوف من الحق المتعالي

إعلم أن الخوف من الحق جل وعلا من المنازل التي قلّما نستطيع أن نجد للعوام من الناس منزلة وفضيلة في مستوى منزلة الخوف من الحق سبحانه . وهذا الخوف مضافاً إلى أنه يكون من الكمالات المعنوية، يعتبر الكمالات المعنوية، يعتبر منشأ لكثير من الفضائل النفسية، وعاملاً هاماً لإصلاح النفس، بل مصدر جميع الإصلاحات للنفس، ومبدأ لعلاج جميع الأمراض الروحية. ويجب على الإنسان المؤمن بالله، السالك والمهاجر إلى الله، أن يهتم كثيراً بهذه المنزلة، وأن يقبل بوجهه أكثر فأكثر على ما يبعث الخشية من الله في القلب، ويعمّق جذوره فيه، مثل التفكر في العذاب والعقاب وشدّة أهوال الموت وبعد الموت في عالم البرزخ والقيامة، وأهوال الصراط والميزان والحساب وألوان عذاب جهنم، ومثل التذكر لعظمة الحق المتعالي وجلاله وقهره وسلطانه ومكره وسوء العاقبة وأمثال ذلك .


1) وسائل الشيعة، المجلد الرابع ، ص 688 ، فروع الكافي، ج 3، كتاب الجنائز، باب ما ينطق به موضع القبر ح3.

وحيث إنا عرضنا شرحاً مختصراً لكل هذه المراحل في هذا الكتاب، اقتصرنا هنا على ذكر بعض الأحاديث في فضيلة الخوف من الله تعالى .

محمَّدُ بنُ يعقوبَ بإسناده عن إسحاق بن عمار قال : قال أبو عبد الله (علیه السّلام): «يا إِسْحَاقُ، خَفْ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، وإنْ كُنتَ لا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ، وَإِنْ كُنْتَ تَرَىٰ أَنَّهُ لَا يَرَاكَ فَقَدْ كَفَرْتَ ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاكَ ثُمَّ بَرَزْتَ لَهُ بِالْمَعْصِيَةِ فَقَدْ جَعَلْتَهُ مِنْ أَهْوَنِ النَّاظِرِينَ عَلَيْكَ»(1).

واعلم أنه إذا عرف شخص كيفية تجلي الحق في المُلك والملكوت، وظهور الذات المقدس في السماوات والأرضين، بواسطة المشاهدة الحضورية، أو المكاشفة القلبية، أو الإيمان الحقيقي وإذا أدرك كيفية ارتباط الحق بالخلق، والخلق بالحق على ما هي عليها، وكيفية ظهور المشيئة الإلهية في الكائنات الموجودة، وفناء هذه الموجودات في تلك الإرادة على ما هي عليها، لعرف بأن الحق المتعالي حاضر في كل مكان وحيز ولشاهده بالعلم الحضوري في جميع الموجودات، كما يقول الإمام الصادق (علیه السّلام)«ما رَأَيْتُ شَيْئاً إلا وَرَأَيْتُ اللَّهَ مَعَهُ أَوْ فِيهِ»(2)وتنكشف عليه حقيقة «كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ»(3)المتوخاة من التقرب بالنوافل. فيرى الحق حاضراً في جميع مراتب الوجود، حسب مرتبته ومقامه إما علماً أو إيماناً أو عيناً وشهوداً. ومن المعلوم، أن السالك في أي مقام كان، يراعي حضور الحق، ويمتنع عن مخالفة ذاته المقدس، لأن مراعاة الحضور والمحضر من الأمور الفطرية التي جبل عليها الإنسان، فإنه مهما كان مستهتراً ومن دون حياء، فرق بين حضور الطرف الآخر وغيابه، خاصة إذا كان حضوراً للمنعم العظيم الكامل، لأن فطرة الإنسان تراعي حضور كل شيء بصورة مستقلة.

في بيان اختلاف الناس في مراعاة حضور الحق عز وجل

ولا بد من معرفة أن كل واحد من أهل الإيمان والسلوك والعرفان والولاية، يراعون


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح 2 .

2) علم اليقين، ج 1، المقصد الأول، في تنزيهه سبحانه، ص 49. التوحيد، الباب 43 ، ح1 ، 305.

3) أصول الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر ، باب من اذى المسلمين، ح1 ، ص 352.

حضور الحق سبحانه وحضرته حسب مرتبتهم التي تخصّهم، فإن المؤمنين والمتقين يراعون حضوره جلّ وعلا بامتثال الأوامر وترك النواهي والمجذوبين بعدم الالتفات إلى الغير، والانقطاع التام الكامل عن غيره. والأولياء الكمّل بنفي الغير وإزهاق الأنانية .

و ملخص الكلام: أن من المقامات الشامخة لأهل المعرفة وأصحاب القلوب، مشاهدة حضور الحق المتعالي ومراعاة حضرته. كما أنّه لدى مشاهدتهم كيفية العلم الفعلي للحق سبحانه، وفناء الأشياء فيه تعالى، وحضور الموجودات لدى ساحة قدسه، ومعرفتهم بأن هذا العالم في محضر الرب المتعالي، يراعون محضره، كل حسب مقامه الذي يحظى فيه . وهذا أيضاً من الأمور الفطرية .

وأشار رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى المقام الأول - مشاهدة حضور الحق سبحانه - في وصيته لأمير المؤمنين (علیه السّلام)، هذه الوصية التي نحن بصدد شرحها. كما أشير إليه في الحديث الشريف لإسحاق بن عمار بقوله (علیه السّلام): «وَالثَّالِثَةُ : الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ كَأَنَّكَ تَرَاهُ». وما ورد في الحديث السابق عن الصادق (علیه السّلام) : «خف الله كأنك تراه(1).

وأشار الإمام الصادق (علیه السّلام) إلى المقام الثاني - مشاهدة كيفية العلم الفعلي سبحانه وتعالى - بقوله : «وَإِنْ كُنْتَ لا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». وإلى فطرية رعاية محضره سبحانه ، بقوله : «وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاكَ».

إن للخوف مراتب حسب اختلاف مراتب أهل الإيمان والسلوك وذوي الترويض للنفس وأرباب العرفان، ويعتبر من المراتب العظيمة للخوف، الخشية من عظمة الحق وتجلياته القهرية والجلالية. ومن الممكن أن لا نجعل هذا المقام من مراتب الخوف، كما يقول العارف المعروف في كتاب (منازل السائرين): «وَلَيْسَ فِي مَقَامِ أَهْلِ الْخُصُوص وَحْشَةُ الْخَوْفِ إِلَّا هَيْبَةُ الإِجْلاَلِ»(2).


1) تقدم في ص 534 .

2) منازل السائرين، القسم الثاني، باب الخوف .

في فضل البكاء

إن للبكاء من خشية الله سبحانه فضلاً كبيراً، كما ورد في هذا الحديث «يُبنى لَكَ بِكُلِّ دَمْعَةٍ أَلْفُ بَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ».

روى الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين رضوان الله عليه بسنده المتصل إلى الإمام الصادق (علیه السّلام) عن آبائه عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث المناهي قالَ: «وَمَنْ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرَةٍ مِنْ دُمُوعِهِ قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ مُكَلَّلَ بِالدُّرِّ وَالْجَوْهَرِ ، فِيهِ مَا لا عَيْنُ رَأتْ وَلا أَذَنْ سَمِعَتْ ، وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبٍ بَشَره»(1).

وعن «ثواب الأعمال» بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «ليسَ شَيْءٌ إِلَّا وَلَهُ شَيْءٌ يَعْدِلُهُ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّهُ لا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ، وَدَمْعَةٌ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا مِثْقَالَ، فَإِنْ سَالَتْ عَلى وَجْهِهِ لَمْ يَرْهَقُهُ قَهْرٌ وَلَا ذِلَّةٌ بَعْدَهَا أبدأ»(2).

وفي عيون الأخبار عن الحسن بن علي العسكري عن آبائه (علیهم السّلام) قال : قَالَ الصَّادِقُ (علیه السّلام) : «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا بَيْنَ الشَّرِى وَالْعَرْشِ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ فَمَا هُوَ إِلا أَنْ يَبْكِيَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ نَدَماً عَلَيْهَا حَتَّىٰ يَصِيرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَقْرَبُ مِنْ جِفْنِهِ إلى مُقلَتِهِ»(3).

وفي الكافي عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَلَهُ كَيْلٌ لَوْ أَنَّ بَاكِياً بكي فِي أُمَّةٍ لَرحِمُوا»(4).

وهناك أحاديث كثيرة بهذا المضمون مأثورة عن المعصومين (علیهم السّلام)(5).


1) وسائل الشيعة، المجلد 11 ، الباب 15 ، من أبواب جهاد النفس وما يناسبه ح1 ، ص 175 .

2) وسائل الشيعة، المجلد 11 ، الباب 15 ، أبواب جهاد النفس، ح 6 .

3) وسائل الشيعة، المجلد 11 ، الباب 15 ، من أبواب جهاد النفس وما يناسبه ح 10، ص178 .

4) وسائل الشيعة، المجلد 11 ، الباب 15 ، من أبواب جهاد النفس وما يناسبه ح 11 ، ص 178 .

5) ذكر الشيخ الكليني في الكافي في باب البكاء من كتاب الدعاء في المجلد الثاني ثلاثة عشر حديثاً. وذكر الشيخ الحرّ العاملي في الباب الخامس عشر من أبواب جهاد النفس في فضل البكاء خمسة عشر حديثاً .

في بيان وتوجيه المكافاة العظيمة على الأعمال البسيطة

يجب أن نشير إلى أن بعض أصحاب النفوس الضيعفة، غير المطمئنة تعترض على ما ورد في الأحاديث الشريفة من المكافأة العظيمة يوم القيامة على أمور جزئية بسيطة، في أننا غافلون عن أن شيئاً إذا كان عندنا تافهاً وبسيطاً لما كان دليلاً على أن صورته حين الغيبية الملكوتية أيضاً بسيطة وتافهة؛ إذ من الممكن أن يكون شيئاً متواضعاً ولكن باطنه وملكوته في منتهى الجلال والعظمة. فإن الهيكل المقدس لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والشكل الخارجي لجسم الرسول الأكرم المعظم (صلی الله علیه و آله و سلم)، من الكائنات الصغيرة في هذا العالم، ولكن روحه المقدسة تحيط بالمُلك والملكوت، ويكون (صلی الله علیه و آله و سلم) واسطة لإيجاد السماوات والأرضين، فالحكم على صغر الصورة الباطنية الملكوتية لشيء، يتفرع على العلم بعالم الملكوت، وبواطن الأشياء، ولا يحق لأمثالنا إصدار مثل هذا الحكم. ولا بد لنا من الانتباه لكلمات علماء عالم الآخرة أي الأنبياء والأولياء (علیهم السّلام) والإذعان لما يقولون .

ثم إن ذلك العالم قائم على التفضل وبسط رحمة الحق اللامتناهية، ومن المعلوم أنه لا حدود لتفضّل الحق المتعالي، وأنه لمن منتهى الجهل استبعاد تفضّل ذي الجود المطلق، وذي الرحمة اللامحدودة .

إن النعم التي منحها سبحانه لعباده والتي تبعث على عجز العقول عن إحصاء مفرداتها بل على العجز عن إحصاء كلياتها، هذه النعم كانت من دون طلب واستحقاق، فما هو المانع أن يتلطف الحق سبحانه على عباده، انطلاقاً من تفضّله البحت ومن دون أي سبب، أضعافاً مضاعفة الأجر والمثوبة؟ وهل نستطيع أن نستبعد المكافأة العالية والكثيرة في عالم قد قيل فيه فِيهَا مَا تَشْتَهِي الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ(1)موضوع تحت تصرّف إرادة الإنسان رغم عدم وجود حدّ محدود لمشتهيات الإنسان؟ إن الله سبحانه قد خلق عالم الآخرة وخلق إرادة الإنسان بصورة لو أراد الإنسان شيئاً لتحقق ذلك الشيء بنفس إرادته . فلا استبعاد لمكافأة كثيرة وكبيرة في ذلك العالم على أعمال بسيطة وجزئية .

عزيزي إن الأخبار والأحاديث الشريفة التي تتحدث عن مثل هذه المثوبات الكثيرة


1) سورة الزخرف، الآية : 71 .

لا تتحدّد بالواحد والاثنين والعشرة حتى نستطيع أن نناقش فيها، وإنما هي فوق حدّ التواتر فإن جميع الكتب المعتبرة المعتمدة مشحونة بأمثال هذه الأحاديث، وتكون هذه الأخبار الكثيرة بمثابة ما إذا كنا قد سمعنا الحديث بآذاننا من المعصومين (علیهم السّلام)، ومن دون حاجة إلى التأويل والتفسير. إذن إنكار موضوع - المكافأة الكثيرة على العمل البسيط - الموافقة للنصوص المتواترة، والتي لا تصطدم أيضاً مع البراهين بل تتطابق مع سلسلة من الأدلة ، إنكار ذلك يكون من جرّاء ضعف في الإيمان ومنتهى الجهالة .

يجب على الإنسان أن يكون مستسلماً لأقوال الأنبياء والأولياء (علیهم السّلام) ولا يوجد شيء في سبيل تكامل الإنسان، أفضل من التسليم والطاعة أمام أولياء الحق. وخاصة في الأمور التي لا مجال للعقل في التّطرق إليها ولا يوجد سبيل لإدراكها واستيعابها إلا بواسطة الوحي والرسالة. ولو أراد الإنسان أن يتطرق بعقله الصغير وأوهامه وظنونه، إلى الأمور مور الغيبية الأخروية، والتعبدية الشرعية، لانتهى أمره إلى إنكار الضروريّات والمسلّمات، لأنه ينجّر من القليل إلى الكثير رويداً رويداً، ومن البسيط إلى الأعلى حتى يفضي به الأمر إلى جحود الأوليات البديهية من الدين .

ولو فرضنا أن الإنسان ناقش في الأخبار وسندها - رغم أنه لا مجال لمثل هذه المناقشة - لما استطاع أن يناقش في الكتاب الكريم والقرآن السماوي المجيد حيث نجد فيه أيضاً ذكراً لأمثال هذه المثوبات، مثل قوله تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرِ(1)وقوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنْبُلَةٍ مِائَةً حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ(2).

بل وحسب زعم الكاتب أن من عوامل هذا الرفض والاستبعاد للمكافأة الكبيرة على العمل الصغير، العُجب واستعظام العمل . مثلاً إذا صام شخص يوماً واحداً، أو أحيا ليلة واحدة بالعبادة، فلا يستكثر الثواب الكثير إذا سمع بأن جزاءه ثواب عظيم، ولكنه إذا عرف بأنّ هذا الثواب ثمن عمله استبعد عظمة الأجر والثواب، وبعد أن يستعظم عمله


1) سورة القدر، الآية : 3 .

2) سورة البقرة الآية: 261 .

ويُعجب به، يتلاشى الاستبعاد ويُصدّق الثواب العظيم ويؤمن به .

عزيزي إذا فرضنا بأننا إذا كنا طيلة حياتنا التي نعيشها خمسين أو ستين عاماً، من الملتزمين لكل الوظائف الشرعية، ثم ارتحلنا من هذه الدنيا مع إيمان صحيح وعمل صالح وتوبة مقبولة فماذا نستحق من الجزاء لهذا القدر من الإيمان والعمل؟ مع أن هذا الإنسان حسب القرآن الكريم والسنة النبوية واتفاق جميع الأمم، تشمله رحمة الحق سبحانه، وتدخله الجنة الموعودة، هذه الجنة التي يخلد الإنسان في نعمها ورفاهها، ويعيش إلى الأبد في الرحمة والروح والريحان، ولا مجال لإنكار ذلك أبداً، أنه إذا أردنا أن نقارن الجزاء بالعمل - على فرض أن يكون لعملنا مكافأة - لما استحق هذا القدر من الجزاء الذي يعجز العقل عن تصور كميته وكيفيته .

فيظهر أن القضية لا ترتبط بمقارنة المكافأة مع العمل، بل تكون منوطة بشيء آخر الرحمة الواسعة الإلهية - وعليه لا يبقى مجال لاستبعاد هذه المكافأة العظيمة على عمل صغير، ورفضها.

فصل: في بيان عدد النوافل

إن مقصود رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من قوله : «أَمَّا الصَّلاةُ فَالْخَمْسُونَ رَكْعَةً» الموافق لسنته «الآخِذُ بِسُنَّتِي فِي صَلاتِي»، هو الصلوات من فرائضها ونوافلها عدا ركعتين بعد صلاة العشاء تؤديان من جلوس وتعدّان ركعة واحدة، حيث يكون مجموع عدد الركعات مع هاتين الركعتين من جلوس إحدى وخمسين ركعة . ولعل تجاهل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لذكر هذه الركعة لأجل أن الخمسين ركعة هذه، مستحب مؤكد. كما تدلّ على ذلك رواية ابن أبي عمير قال : «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (علیه السّلام) عَنْ أَفْضَلِ مَا جَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ: تَمَامُ الْخَمْسِينَ»(1).

ويستفاد من بعض الروايات أنه قد جرت سيرة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على أداء الخمسين


1) وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 13 من أبواب أعداء الفرائض ونوافلها ح5 ص 32 .

ركعة هذه(1). مع أن هناك روايات أخرى تدل على أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قد كان يأتي بالعتمة(2)- الركعتان من جلوس بعد صلاة العشاء - ولعلّ عدم ذكرها ضمن النوافل، وجعل السنّة خمسين ركعة، لأجل أن العتمة بديل عن صلاة الوتر من دون أن تكون لها استقلالية، كما تدل على ذلك رواية فضيل بن يسار(3)، وتسمى في الرواية الشريفة بالوتر(4). وفي بعض الروايات أن من صلى العتمة ومات كان من الذين ماتوا وقد أقاموا صلاة الوتر(5). ففي الحقيقة أن صلاة العتمة هي صلاة الوتر التي لا بد أن نؤديها قبل وقتها خشية موتنا تلك الليلة، فعندما يحلّ وقتها لا تكون تلك العتمة مجزية عنها. وفي بعض الروايات أن العَتَمَة لم تكن من نوافل الصلوات اليومية، وإنما أضيفت إليها حتى تكون النوافل ضعف الفرائض (6).

وملخص الحديث : أنه لا تهافت بين هذه الروايات، فإنه من الممكن أن تكون خمسون ركعة من أفضل السُّنن، وهاتان الركعتان من جلوس - العتمة - مستحبتان غير مؤكدتين، وإنما شرعتا لتتميم عدد الضعف، وللاحتياط في الإتيان بالعتمة قبل مفاجأته الموت بالليل قبل أن يأتي بصلاة الوتر .

وعلى أي حال هناك فضل كبير للنوافل اليومية، بل اعتبر في بعض الروايات أن من المعاصي(7)ترك النافلة وفي بعض آخر أن الله سبحانه سيعذب الإنسان على ترك السنة(8). وفي بعضها تصريح بوجوب النوافل(9). ويكون هذا التعبير لأجل التأكيد على الإتيان بها والردع عن تركها. وينبغي على الإنسان مهما أمكن أن لا يتركها، لأن الهدف


1) وسائل الشيعة، ج 3، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ، ح1 وح4 .

2) وسائل الشيعة، ج 3، الباب 13 ، من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ، ح 15 .

3) وسائل الشيعة، ج 3، الباب 13 ، من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ، ح2 .

4) وسائل الشيعة، ج 3، الباب 29 ، من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ، ح1، 2، 4 ، 5 ، 7 .

5) وسائل الشيعة، ج 3، الباب 29 ، من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ، ح 8 .

6) وسائل الشيعة، ج 3، الباب 29 ، من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ، ح3 .

7) تهذيب الأحكام ، ج 2، كتاب الصلاة، الباب الأول ، ح 23 .

8) وسائل الشيعة، ج 3، کتاب الصلاة، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض ، ح6 .

9) مستدرك الوسائل، ج 3، كتاب الصلاة، الباب 12 ، ح 4 و 5 .

المنشود من ورائها حسب الروايات المذكورة إتمام الفرائض وقبولها(1). ففي بعض الأحاديث قال الصادق (علیه السّلام): «شِيعَتنا أَصْحَابُ الإحدى وَخَمْسِينَ رَكْعَةً»(2)ويظهر من هذا الحديث أن الشيعة هم الذين يأتون بالإحدى وخمسين ركعة، ولم يتقصروا على الاعتقاد بها فحسب من دون أن ينجزوها. ويقابلهم أهل السنة. ويظهر ذلك من حديث علامات المؤمن عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري (علیه السّلام) قَالَ: «عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ، وَعَدَّ مِنْها صَلاةَ الإحدى وَخَمْسِينَ»(3).

في بيان استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر

وأما السنة الثانية للرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) فهي الصيام ثلاثة أيام في الشهر. وقد ورد في فضل ذلك ما يتجاوز أربعين رواية(4). وحصل خلاف لدى العلماء الاعلام حول كيفية ذلك. والذي يشتهر بينهم ويتطابق مع الأحاديث الكثيرة، وعمل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في نهاية عمره الشريف وعمل أئمة الهدى (علیهم السّلام)، هو صوم ثلاثة أيام من الشهر الواحد هي : أول خميس من الشهر، وهو يوم عرض الأعمال. والأربعاء الأول من العشرة الثانية وهو يوم نحس مستمر، ويوم نزول العذاب. والخميس الأخير من الشهر الذي هو يوم عرض الأعمال أيضاً. وفي الرواية عن أبي عبد الله (علیه السّلام): «. . . لأَنَّ مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الأُمَمِ كَانُوا إِذَا نَزَلَ عَلَى أَحَدِهِمُ الْعَذَابُ، نَزَلَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الأَيَّامَ لأَنَّهَا الأَيَّامُ الْمَخُوفَةُ»(5). وفي صدر هذا الحديث : «وَقَالَ لَيَعْدِلَنَّ - صِيَامُ


1) وسائل الشيعة، ج 3، كتاب الصلاة، الباب 17 ، من أبواب أعداد الفرائض ، ح 2 و 4 .

2) عن أبي بصير قال قال الصادق (علیه السّلام): «شيعتنا أهل الورع والاجتهاد وأهل الوفاء والأمانة وأهل الزهد والعبادة وأصحاب الإحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة القائمون بالليل الصائمون بالنهار يزكون أموالهم ويحجون البيت ويجتنبون كل محرم». (وسائل الشيعة، ج 3، كتاب الصلاة، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض ، ح26) .

3) وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ، ح29 .

4) وسائل الشيعة، ج 7، الباب 7 - 12- من أبواب الصوم المندوب .

5) وسائل الشيعة، المجلد 7، الباب 7 من أبواب الصوم المندوب ، ح 1 .

ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ - صَوْمَ الدَّهْرِ»(1). وعلّل في بعض الروايات بالآية الكريمة مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا(2).

وأما الروايات التي تخالف الأحاديث المذكورة من جهة تعيين أيام الصيام الثلاثة، فهي محمولة على مراتب الفضل . وإذا افترضنا التهافت والتعارض بين هاتين المجموعتين من الأخبار، كان الترجيح من جهات شتّى للروايات التي منها الحديث الشريف. بل نستطيع أن نقول بأنه من التعارض بين النصّ والظاهر أو بين الأظهر والظاهر، والمجموعة التي فيها الحديث المذكور نصّ وأظهر فتتقدم على المجموعة التي تقابلها وتعارضها .

وأما مرسلة الصدوق التي تقول : «وَرُوِيَ عَنِ الْعَالِم أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ خَمِيسَيْنِ يَتَّفِقَانِ فِي آخِرِ الْعَشْرِ، فَقَالَ ضم الأَوَّلَ فَلَعَلَّكَ لا تَلْحَقُ الثَّانِيَ»(3)فلا تتنافى مع هذه الأخبار، لأن ظاهرها البلوغ إلى الثواب العاجل، إذ من المحتمل أن لا يتوفق الإنسان إلى الصيام في الخميس الثاني بسبب مفاجأته الموت. كما ورد نفس هذا المضمون في تعليل صلاة العَتَمَة. فهذه الرواية - مرسلة الصدوق - بنفسها تدل على المقصود، من أفضلية الصوم في الخميس الأخير من الشهر، ولا تمت إلى الأخبار المعارضة بصلة. والظاهر أن الإنسان إذا صام الخميس الأول من الشهر، وبقي على قيد الحياة حتى حلول الخميس الأخير من الشهر فالأفضل صومه أيضاً، لنيل ثوابه، إذ أن الصوم في الخميس الأول لا يغني عنه. وما ذكره المحقق الجليل فيض(4)الكاشاني، والمحدث العالي الشأن صاحب الحدائق(5)عليهما الرحمة للجمع بين هاتين المجموعتين من الأحاديث فبعيد، وخاصّة


1) وسائل الشيعة، ج 7، الباب 7 من أبواب الصوم المندوب ، ح 2 و 5 و 6 .

2) سورة الأنعام، الآية : 160 .

3) وسائل الشيعة، المجلد 7 من أبواب الصوم المندوب ، ح 4 .

4) تقدّم ترجمته في ص 509 .

5) الشيخ يوسف بن أحمد بن إبراهيم البحراني (1186 - 1107 هـ. ق) الفقيه الكبير والعالم الرباني من آل عصفور، عاش في مدينة كربلاء متصدياً لحوزتها العلمية طيلة عشرين عاماً ومتلمذاً عليه كل من الميرزا القمي (صاحب القوانين)، السيد مهدي بحر العلوم، السيد ميرزا مهدي الشهرستاني، الملا محمد مهدي النراقي. له كتب فقهية كثيرة أشهرها : (الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة) وهو من الكتب الفقهية العلمية المهمة .

كلام صاحب الحدائق رضوان الله تعالى عليه(1).

في بيان فضيلة الصدقة

وأما السنة الثالثة لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فهي عبارة عن : «أَمَّا الصَّدَقَةُ فَجُهْدُكَ حَتَّى : تَقُولَ قَدْ أَسْرَفْتُ وَلَمْ تُسْرِفْ» وهي من المستحبات، التي قل أن يبلغ مثوبتها في الأجر والثواب، عمل آخر . والأخبار في التصدق، حتى على من لا يوافقنا في الدين، وعلى الحيوانات البرية والبحرية، أكثر مما يتناسب مع حجم هذا الكتاب. ونحن نكتفي بذكر بعضها :

محمَّد بن يعقوب بإسناده عن عبد الله بن سنان في حديث قالَ : قَالَ أبو عبد الله (علیه السّلام): «ليسَ شَيْءٌ أَثْقَلَ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَهِيَ تَقَعُ فِي يَدِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ الْعَبْدِ»(2).

وبإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) في حديث قال: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقُ شَيْئاً إِلا وَلَهُ خَازِنَ يَخْرُتُهُ إِلا الصَّدَقَةَ فَإِنَّ الرَّبِّ بَلِيهَا بِنَفْسِهِ؛ وَكَانَ أَبِي إِذَا تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ وَضَعَهُ فِي يَدِ السَّائِلِ ثُمَّ ارْتَدَّهُ مِنْهُ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ رَدَّهُ فِي يَدِ السَّائِلِ»(3).

وهناك أحاديث أخرى قريبة من مضمون هذا الحديث(4)، دالّة على عظمة شأن الصدقة وجلالة قدرها، حيث إن الله سبحانه لم يحوّل أمرها إلى شخص آخر، وإنما تولى هو بنفسه مع يد قدرته وإحاطته القيومية، المحافظة على صورة الصدقة الغيبية الكاملة .

ثم إن التدبر في هذا الحديث الشريف وأمثاله المذكورة في الأبواب المختلفة من كتب الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين، يبعث على استكشاف التوحيد الفعلي للحق سبحانه، والتجلّي القيومي لدى أهل المعرفة وأصحاب القلوب - العرفاء - ويشير إلى


1) كتاب الوافي، كتاب الصيام، الباب الرابع ، صيام السنة الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، ج 6 ، كتاب الصوم، في الصوم المندوب ، ص188 .

2) فروع الكافي، المجلد 4، كتاب الزكاة، باب فضل الصدقة ، ح5.

3) فروع الكافي، ج 4 ، كتاب الزكاة، باب صدقة الليل، ح3 .

4) مستدرك الوسائل، ج 7، كتاب الزكاة، باب 4 من أبواب الصدقة ، ح1 - 6 .

نكتة مهمة، يجب على من يؤدي هذا الأمر المهم - التصدّق - الالتفات إليها، وهي :

إن الإنسان عندما يتصدق بيده إذا من على الفقير أو أساء إليه والعياذ بالله، كانت منته أولاً إلى الله تعالى وثانياً إلى الفقير. كما أنه إذا خشع وتواضع وأبدى منتهى الذل والمسكنة لدى تقديم الصدقة إلى السائل المؤمن، كان خضوعه وذله وخشوعه الله أولاً ثم للفقير المؤمن ثانياً. كما رأينا بأن عالم آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، و عاشق جمال الحق المتعالي، الإمام باقر العلوم (علیه السّلام) «إِذَا تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ وَضَعَهُ فِي يَدِ السَّائِلِ ثُمَّ ارْتَدَّهُ مِنْهُ فَقَبَّلَه وَشَمِّهُ ثُمَّ رَدَّهُ فِي يَدِ السَّائِل».

والله سبحانه يعلم بأن مثل هذه المغازلة مع المعشوق جل وعلا إلى أي حدّ كانت تبعث على قرار نفس العاشق المجذوب، وراحة أعماق الإمام المقدسة وكانت تسبّب إخماد ذلك اللهب والضرام المتأجج في صدره صلوات الله وسلامه عليه . ومن المؤسف جداً آلاف المرات أني قدمت إلى هذا العالم وأنا مستغرق في بحار هوى النفس، وملتصق بالأرض المادية، ومقيد بالشهوات وأسير للبطن والفرج، وغافل عن عالم مُلك الوجود، وسكران بسكر الأنانية والذاتية، من المؤسف أني سأفارق هذا العالم، ولم أدرك شيئاً من محبّة الأولياء، ولم أفهم شيئاً أبداً من جذباتهم وجذواتهم ومنازلهم ومغازلاتهم، بل كان حضوري في هذا العالم حضوراً حيوانياً، وحركاتي حركات حيوانية وشيطانية. وعليه فسيكون موتي أيضاً حيوانياً وشيطانياً. اللهم إليك المشتكى وعليك المعول .

إلهي : أنقذنا بنور هدايتك، وأيقظنا من هذا النوم العميق، وخذ بأيدينا إلى عالم الغيب والنور ودار البهجة والسرور، ومحفل الانس، والخلوة الخاصة بك.

وبإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «أَرْضُ الْقِيَامَةِ نَارٌ مَا خَلَا ظِلِّ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّ صَدَقَتَهُ تُظِلُّهُ»(1)وفي الرواية عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : قالَ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى «أَنَا خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَكَلْتُ بِالأَشْيَاءِ غَيْرِي إِلا الصَّدَقَةَ فَإِنِّي أَقْبَضُهَا بِيَدِي، حَتَّى أَنَّ الرّجُلَ يَتَصَدَّقُ بِشِفّةِ الثَّمَرَةِ فَأَرَبِّيها لَهُ كَمَا يُرَبِّي الرَّجُلُ مِنْكُمْ فَصِيلَهُ وَفلُوهُ حَتَّى أَتْرَكَهُ يَوْمَ


1) فروع الكافي، المجلد 4 ، كتاب الزكاة، باب فضل الصدقة ، ح6 ص3.

الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مِنْ أَحَدٍ»(1)وروايات كثيرة من هذا القبيل .

وورد في أحاديث كثيرة : عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «الصَّدَقَةُ تَدْفَعُ مِينَةَ السُّوءِ»(2).

وعن أبي الحسن (علیه السّلام) قَالَ: «إِسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ»(3).

وعن أبي عبد الله (علیه السّلام) قَالَ: «حُسْنُ الصَّدَقَةِ يَقْضِي الدِّينَ»(4).

وعن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «قَالَ الْبِرُّ وَالصَّدَقَةُ يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ، وَيَزِيدَانِ فِي الْعُمُرِ، وَيَدْفَعَانِ سَبْعِينَ مِينَةَ سُوءٍ »(5).

وعن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إنَّ الصَّدَقَةَ وَصِلَةَ الرَّحِمِ تُعَمِّرَانِ الدِّيارَ ، وتَزِيدَانِ فِي الأَعْمَارِ»(6).

وعن أبي جعفر (علیه السّلام) إِنَّهُ قَالَ: الصَّدَقَةُ عَلى خَمْسَةِ أَجْزَاءِ، جُزْءٌ الصَّدَقَةُ فِيهِ بِعَشَرَةٍ وَهِيَ الصَّدَقَةُ عَلَى الْعَامَّةِ. وَقَالَ تَعَالَى : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَجُزْءٌ الصَّدَقَةُ فِيهِ بِسَبْعِينَ وَهِيَ الصَّدَقَةُ عَلى ذَوِي الْعَاهَاتِ، وَجُزْءٌ الصَّدَقَةُ فِيهِ بِسَبْعَمَانَةٍ وَهِيَ الصَّدَقَةُ عَلَى ذَوِي الأَرْحَامِ، وَجُزْءٌ الصَّدَقَةُ بِسَبْعَةِ آلافٍ وَهِيَ الصَّدَقَةُ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَجُزْءٌ الصَّدَقَةُ بِسَبْعِينَ أَلْفاً وَهِيَ الصَّدَقَةُ عَلَى الْمَوْتِى»(7).

وعن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَزِيدُ الْمَالَ إِلا كَثْرَةٌ»(8).

عن أبي عبد الله (علیه السّلام) أنه قال : «ارْغَبُوا فِي الصَّدَقَةِ وَبَكِّرُوا بِهَا، فَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ حِينَ يُصْبِحُ يُرِيدُ بِهَا مَا عِنْدَ اللَّهِ ، إِلا دَفَعَ اللهُ بِهَا عَنْهُ شَرَّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ


1) البحار، المجلد 96 ، باب فضل الصدقة وأنواعها وآدابها ، ح44 ، ص 127 .

2) فروع الكافي، المجلد 4 ، كتاب الزكاة، باب فضل الصدقة ص 2، ح 1 وص 10 ح 4 .

3) المصدر السابق.

4) فروع الكافي، المجلد 4، ص 10 ح5.

5) البحار، المجلد 96 ، باب فضل الصدقة وأنواعها ، ح 55 ، ص 130.

6) البحار، المجلد 96 ، باب فضل الصدقة وأنواعها، ح17 ص 119 .

7) مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7، الباب 18 من أبواب الصدقة ، ح 10 ص 196 .

8) مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7، الباب 1 من أبواب الصدقة ، ح 26 ص 160 .

فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ قَالَ وَقَاهُ اللَّهُ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ»(1).

وعن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «وَمَنْ أَحَبَّ أنْ يُذْهِبَ الله عَنْهُ نَحْسَ لَيْلَتِهِ فَلْيَفْتَحْ لَيْلَتِهِ بِصَدَقَةٍ ، يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُ نَحْسَ لَيْلَتِهِ»(2).

وعن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ اللَّهَ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَدْفَعُ بِالصَّدَقَةِ الدَّاءَ و . . .»(3). وعن : و. بصير عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال: «لأن أحجّ حِجّةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ رَقَبَةً وَرَقَبَةً انتهى إلى عَشْرِ وَمِثْلَهَا وَمِثْلَهَا حَتَّى انتهى إلى سَبْعِينَ وَلِأَنْ أَعْدِلَ أَهْلَ بَيْتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَشْبِعُ جُوعَتَهُمْ وَأَكْسُو عَوْرَتَهُمْ وَأَكْتُ وُجُوهَهُمْ عَنِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أ أَنْ أَحُجّ حِجَّةً وَحِجَةٌ حَتَّى انتهى إلى عَشْرٍ وَعَشْرِ وَمِثْلَهَا وَمِثْلَهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعِينَ»(4).

مع أنه قد ورد في عتق الرقاب عن أبي جعفر (علیه السّلام) أنه قال: «قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): مَنْ أَعْتَقَ مُسْلِماً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوِ مِنْهُ عُضْوا مِنَ النَّار»(5).

وعن أبي عبد الله (علیه السّلام): «أنْ أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لا أَعْتَقَ أَلْفَ مَمْلُوكِ مِنْ كَدْ يَدِهِ»(6). وغير ذلك من الروايات التي يبعث عرضها على إطالة لا موجب لها .

في بيان أمر دقيق آخر

ونحن ننهي هذا الموضوع بذكر أمر دقيق لا بد من معرفته وهو أنه قد ورد في الآية الشريفة قوله : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ(7).

وفي الحديث عن الحسين بن علي والصادق صلوات الله عليهما : «أَنَّهُمَا كَانَا


1) مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7 ، الباب 7 من أبواب الصدقة ، ح 1 ص 170 .

2) فروع الكافي، المجلد 4، ص 5 ، 7 .

3) المصدر السابق.

4) وسائل الشيعة، المجلد 6 ، الباب 2، من أبواب الصدقة ، ح 1 ص 260 .

5) وسائل الشيعة ، المجلد 16 ، الباب 1 من أبواب استحباب أخبار عتق العبدح 7 و 6 ص 4 .

6) المصدر السابق.

7) سورة آل عمران، الآية : 92.

يَتَصَدَّقَانِ بِالسُّكَّرِ وَيَقُولَانِ إِنَّهُ أَحَبُّ الأَشْيَاءِ إِلَيْنَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ(1).

وفي الحديث عن أبي الطفيل قال : اشْتَرى عَلي (علیه السّلام) ثَوْبَاً فَأَعَجَبَهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ وَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) يَقُولُ : مَنْ آثَرَ عَلَى نَفْسِهِ آثَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْجَنَّةِ وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئاً فَجَعَلَهُ لِلَّهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدْ كَانَ الْعِبَادُ يُكَافِئُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنَا أَكَافِيكَ الْيَومَ بِالْجَنَّةِ»(2).

وروي أن أبا طلحة وهو من الأصحاب، قسم حائطاً - بستاناً - له في أقاربه عند نزول هذه الآية وكان أحب أمواله إليه هذا الحائط فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «بَخ بَخِ ذَلِكَ مَالُ رَابِحُ لَكَ»(3).

وَاسْتَضافَ أَبُوذَرِّ الْغِفَارِي ضَيْفاً فَقَالَ لِلضَّيْفَ : إِنِّي مَشْغُولٌ وَإِنَّ لِي إِبلاً فَأَخْرُجُ وَأَتِنِي بِخَيْرِهَا فَذَهَبَ فَجَاءَ بِنَاقَةٍ مَهْزُولَةٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرِّ خُنتَني بِهَذِهِ فَقَالَ وَجَدْتُ خَيْرَ الْإِبِلِ فَحْلَهَا فَذَكَرْتُ يَوْمَ حَاجَتِكُمْ إِلَيْهِ فَقَالَ أَبُو ذَرِّ إِنَّ يَوْمَ حَاجَتِي إِلَيْهِ لَيَوْمَ أُوضَعُ فِي حُفْرَتي مَعَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ . وَقَالَ أَبُو ذَرِّ فِي الْمَالِ ثَلَاثَةُ شُرَكَاء : الْقَدَرُ لا يَسْتَأْمِرُكَ أَنْ يَذْهَبَ بِخَيْرِهَا أَوْ شَرِّهَا مَنْ هَلَكَ وَالْوَارِثُ يَنْتَظِرُكَ أَنْ تَضَعَ رَأْسَكَ ثُمَّ يَسْتَاتُها وَأَنْتَ ذَمِيمٌ وَأَنْتَ الثَّالِثُ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَكُونَ أَهْجَرَ الثَّلَاثَةِ فَلَا تَكُنْ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ : لَنْ تَنَالُوا البِر حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإِنَّ هَذَا الْجَمَلَ كَانَ مِمَّا أُحِبُّ مِنْ مَالِي فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَقَدِّمَهُ لِنَفْسِي»(4).

في بيان سرّ من أسرار الصدقة

لا بد وأن نعرف بأن الإنسان قد نشأ وتربى على حبّ المال والجاه والزخارف


1) تهذيب الأحكام، ج 4 ، کتاب الصيام، باب الزيارات ، ح 104 . مجمع البيان، المجلد الثاني، تفسير الآية 92 سورة آل عمران . ص 472.

2) المصدر السابق.

3) تفسير الصافي، المجلد الأول، ص 329.

4) مجمع البيان، المجلد الثاني، ص 474 .

الدنيوية وقد انعكس هذا التعلق على قلبه، وتعمّق فيه وأضحى مصدراً لكثير من المفاسد الخلقية والسلوكية، بل للانحرافات الدينية. كما ورد في أحاديث كثيرة(1)وأشرنا إلى ذلك في غضون شرحنا لبعض الأحاديث(2). وعليه إذا استطاع الإنسان بواسطة الصدقات أو الإيثار على النفس أن يسأتصل من قلبه هذا التعلق أو يخفف منه، لتمكن من اجتثاث مادة الفساد ومصدر الأعمال المشينة فترة حياته وفتح أبواب المعارف الإلهية، وعالم الغيب والملكوت، والملكات الفاضلة، على نفسه. وهذا من الأمور الهامة في الإنقاق المالي الواجب والمستحب وخاصة في الإنفاق المستحب حيث لا بد من الإقلاع عن التعلق بالدنيا حتى يتم البذل. وهو واضح .

إذن يتبين من كافة الأخبار والأحاديث في هذا الموضوع أن الصدقة تشتمل على الفضائل الدنيوية والأخروية حيث ترافق الإنسان من اللحظة الأولى من التصدق فتدفع الشرّ والبلاء عن الإنسان حتى يوم القيامة ومواقفها إلى أن تدخل الإنسان إلى الجنة وتسكنه جوار الحق سبحانه .

تتمة

لا بد وأن نعرف بأن صدقة السر أفضل من الصدقة في العلانية ، كما ورد في الكافي الشريف بسنده إلى عمار الساباطي عن الإمام الصادق (علیه السّلام) قال: «يَا عَمَّارُ الصَّدَقَةُ فِي السِّرِّ وَاللَّهِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي الْعَلَانِيَةِ وَكَذَلِكَ وَاللَّهِ الْعِبَادَةُ فِي السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي العلانية»(3).

وقد ورد في أحاديث كثيرة عن أبي جعفر (علیه السّلام) قالَ : «قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): «صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِي غَضَبَ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالى»(4).

وفي الحديث عن أبي جعفر الباقر (علیه السّلام): «سَبْعَةَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظل إلا


1) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر ، باب حب الدنيا والحرص عليها ، أحاديث 1 - 17 .

2) تقّدم في ص 156 .

3) فروع الكافي، ج 4 ، كتاب الزكاة، باب فضل صدقة السر ، ح 2 .

4) فروع الكافي، ج 4 ، كتاب الزكاة، باب فضل صدقة السر ، ح 1 و 3.

ظِلُّهُ - إلى أن قال : وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَمْ تَعْلَمْ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ»(1).

ولعل نكتة أفضلية صدقة السّرّ تكمن أولاً في أن عبادة السر أبعد من الرياء، وأقرب إلى الإخلاص، وثانياً أن صدقة السرّ تحافظ على كرامة الفقراء .

وأيضاً أن الصدقة على الأرحام والأقرباء أفضل من التصدق على غيرهم، لأن عنوان صلة الرحم الذي هو من أفضل العبادات ينطبق على مثل هذه الصدقة. ففي الحديث عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِح»(2)وعن أبي عبد الله (علیه السّلام) قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ : «الصَّدَقَةُ بِعَشَرَةِ وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةِ عَشَرَ وَصِلَةَ الإِخْوَانِ بِعِشْرِينَ وَصِلَةَ الرَّحِمِ بِأَرْبَعَةِ وَعِشْرِينَ»(3)وفي بعض الروايات عن محمد بن علي بن الحسين (علیهم السّلام) قال : «قال ان : لا صَدَقَةَ وَذُو رَحِمٍ مُحْتَاج»(4).

ختام

إعلم أنه يظهر من قوله (علیه السّلام) في هذا الحديث الشريف: «وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَجُهْدَكَ حَتَّى تَقُولَ قَدْ أَسْرَفْتُ وَلَمْ تُسْرِف» أن المطلوب في الصدقة الإكثار فيها وأنه لا يتحقق الإسراف مهما أكثر الإنسان من التصدّق. وفي الحديث «قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السّلام)- إلى أن قال - فَقَالَ إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (علیه السّلام) قَاسَمَ رَبَّهُ ثَلاثَ مَرَّاتِ حَتَّى نَعْلاً وَنَعْلاً وَثَوْباً وَثَوْباً وَدِينَاراً وَدِينَاراً»(5).

وفي حديث آخر عن ابن أبي نصر، قَالَ قَرَأْتُ في كتاب أبي الحسن (علیه السّلام) إلى أبي جعفر: «يَا أَبَا جَعْفَرٍ بَلَغَنِي أَنَّ الْمَوَالِي إِذَا رَكِبَتَ أَخْرَجُوكَ مِنَ الْبَابِ الصَّغِيرِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ بُخْلٍ بِهِمْ لِئَلاً يَنَالَ مِنْكَ أَحَدٌ خَيْراً، وَأَسَأَلَكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ لَا يَكُنْ مَدْخَلَكَ وَمَخْرَجُكَ إِلَّا مِنَ


1) وسائل الشيعة، المجلد 6 ، الباب 13 من أبواب الصدقة ، ح 11 .

2) فروع الكافي، المجلد 4، ص 10.

3) المصدر السابق.

4) وسائل الشيعة، المجلد 6 ، الباب 20 من أبواب الصدقة ، ح 4 ص 286 .

5) وسائل الشيعة، المجلدة ، الباب 52 من أبواب الصدقة ، ح 1 ص 336 .

الْبَاب الكَبير فَإِذَا رَكِبْتَ فَلْيَكُنْ مَعَكَ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ ثُمَّ لا يَسْأَلُكَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلا أَعْطَيْتَهُ وَمَنْ سَأَلَكَ مِنْ عُمُومَتِكَ أنْ تبرهُ فَلاَ تُعْطِهِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ دِينَاراً وَالْكَثِيرُ إِلَيْكَ وَمَنْ سَأَلَكَ مِنْ عَمَّاتِكَ فَلاَ تُعْطِهَا أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَاراً وَالْكَثِيرُ إِلَيْكَ إِنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ بِذلِكَ أَنْ يَرْفَعَكَ اللهُ فَأَنْفِقْ وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْتَارا»(1).

ولا تتهافت هذه الروايات المذكورة مع الأحاديث التالية التي تقول : سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللهِ (علیه السّلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ فَقَالَ كَانَ فَلَانُ الْأَنْصَارِيُّ سَمَّاهُ وَكَانَ لَهُ حَرْتْ فَكَانَ إِذَا حَلَّ يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيُبْقَى هُوَ وَعِيَالُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَجَعَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ذلِكَ سَرَفاً»(2).

وعن أبي عبد الله (علیه السّلام)- إلى أن يقول : «فيكونُ مِنَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ يُرَدُّ دُعَاؤُهُمْ قُلْتُ مَنْ هُمْ؟ قَالَ : أَحَدُهُمْ رَجُلٌ كَانَ لَهُ مَالَ فَأَنْفَقَهُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ يَا رَبِّ ارْزُقْنِي فَيُقَالُ لَهُ أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ سَبِيلاً إِلى طَلَبِ الرِّزْقِ»(3).

وعن أبي عبد الله (علیه السّلام): قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ صَدَقَةٌ تَكُونُ عَنْ : فَضْلِ الْكَفْ»(4). ووجه عدم التهافت هو أن الإكثار في التصدق قد لا يبلغ مرحلة التضييق على الأهل والعيال . إذ ربما أشخاص يتصدقون بنصف أموالهم أو أكثر مع المحافظة على كفاف أهلهم، وعدم دفعهم نحو الضيق والعسر .

فصل: في فضيلة صلاة الليل

أبدى هذا الحديث الشريف اهتماماً بالغاً تجاه صلاتي الليل والظهر قائلاً: «وَعَلَيْكَ بِصَلاَةِ اللَّيْلِ وَعَلَيْكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ وَعَلَيْكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ الزَّوَالِ ،


1) وسائل الشيعة، المجلد 6 ، الباب 43 من أبواب الصدقة ، ح1 ، ص 324 .

2) وسائل الشيعة، المجلدة ، الباب 42 من أبواب الصدقة ، ح3 و1 و 4 ص 322 .

3) وسائل الشيعة، المجلدة ، الباب 42 من أبواب الصدقة ، ح 3 و1 و 4 ص 322 .

4) المصدر السابق.

وَعَلَيْكَ بِصَلاَةِ الزَّوَالِ وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ الزَّوَالِ» أما بالنسبة إلى صلاة الليل فقد تولينا الحديث عنها لدى شرحنا لبعض الأحايث المتقدمة(1). وهنا نكتفي بذكر الروايات الشريفة المأثورة في فضيلة صلاة الليل .

في الوسائل عن كتاب الكافي بسنده إلى أبي عبد الله الإمام الصادق (علیه السّلام) قال : «شَرَفَ الْمُؤْمِنِ صَلَالَهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزُّ الْمُؤْمِنِ كَفَهُ عَنْ أَعْرَاض النَّاسِ»(2).

وعن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «قَالَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم) لِجِبْرَائِيلَ عِفْنِي فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلَاقِيهِ وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ وَعِزُّهُ كَفَّهُ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ»(3).

وعن جعفر بن محمد عالم قال : «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَثَمَانِ رَكَعَاتٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْوَتْرِ زِينَةَ الآخِرَةِ وَقَدْ يَجْمَعُهَا اللهُ لأَقْوَام»(4).

وعن محمد بن محمد المفيد قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِذَا قَامَ الْعَبْدُ مِنْ لَذِيذ مَضْجَعِهِ وَالنَّعَاسُ فِي عَيْنِهِ لِيُرْضِيَ رَبَّهُ بِصَلَاةِ لَيْلِهِ بَاهَى اللَّهُ بِهِ الْمَلَائِكَةَ وَقَالَ أَمَا تَرَوْنَ عَبْدِي هُوَذَا قَدْ قَامَ مِنْ لَذِيلِ مَضْجَعِهِ لِصَلَاةٍ لَمْ أَفْرُضُهَا عَلَيْهِ إِشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ»(5).

والأحاديث المأثورة في فضل صلاة الليل كثيرة فلا مجال لعرضها في هذا المختصر(6).

في بيان الصلاة الوسطى

وأما المقصود من صلاة الزوال المذكورة في وصيّته صلوات الله وسلامه عليه «وَعَلَيْكَ بِصَلاَةِ الزَّوَالِ» فهو نوافل صلاة الظهر، كما صرّحت بها الأحاديث . وهذا القدر


1) تقدّم في ص 248 .

2) وسائل الشيعة، المجلده ، الباب 39 من أبواب بقية الصلوات المندوبة ح 2 و 3، ص 268.

3) المصدر السابق.

4) وسائل الشيعة، المجلده ، الباب 39 من أبواب بقية الصلوات المندوبة ، ح 34 و 35 ، ص 276 ، 277 .

5) المصدر السابق.

6) وسائل الشيعة، ج 3، كتاب الصلاة، باب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح1، 3، 6 .

من الاهتمام إما لأجل أن في هذه النوافل خصوصية معينة، وإما لأجل أنها من توابع الصلاة الوسطى، ومتمماتها ومن بواعث قبولها .

ويمكن أن يكون المقصود من صلاة الظهر نفسها التي تدعى أيضاً بالصلاة الوسطى، من جهة وقوعها في وسط الصلوات اليومية، وقد أمر الحق المتعالي بالمحافظة على إقامتها قائلاً : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلوة الوسطى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ(1).

ويؤيد هذا الاحتمال أولاً : أنه المشهور بين الفقهاء - رضوان الله عليهم - وثانياً أنه الأظهر من الروايات حيث تحظى بخصائص زائدة على الصلوات الأخرى. وثالثاً أنها الصلاة الأولى التي أنزلها الحق سبحانه بواسطة جبرائيل على آدم أبي البشر على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام .

والظاهر أن اهتمام رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بها حيث يوصي قائلاً: «عَلَيْكَ بِصَلَاةِ الزَّوَالِ» لأجل المحافظة على شروطها وحدودها ونوافلها وأوقاتها، وليس لأجل التأكيد على صلاة الظهر. ويستفاد ذلك من الأمر بالمحافظة على الصلوات وخاصة صلاة الظهر أيضاً. وقد وردت أحاديث كثيرة مأثورة عن أهل بيت العصمة (علیهم السّلام)، تأمرنا بالمحافظة على أوقات الصلوات، والإتيان بها في وقت فضيلتها، بل قد يسبب تأخير الصلاة عن وقت الفضيلة من دون مبرر، التهاون في الصلاة. وخاصة إذا استمر على مثل هذا التهاون، وتكّرر على مدى الأيام اللاحقة .

ومن الواضح جداً أن من يعتني بشيء، أنجزه في أسرع وقت وفي أفضل صورة. وعلى العكس ما إذا لم يحفل به وراه أمراً هيناً، لتهاون فيه وتماهل، ونعوذ بالله من أن ينتهي أمر الإنسان إلى الاستخفاف بالصلاة، والتهاون بها.

عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : «بَيْنَا رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَامَ يُصَلِّي فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَقَالَ (علیه السّلام) نَقْرٌ كَنَفْرِ الْغُرَابِ لَئِنْ مَاتَ هَذَا وَهَكَذَا صلاتُهُ لَيَمُوتُنَّ عَلى غَيْرِ دِينِي»(2)بل قد يفضي الأمر بالإنسان من جراء الاستخفاف


1) سورة البقرة، الآية : 238 .

2) وسائل الشيعة، المجلد 3 ، الباب 8 من أبواب أعداد الفرائض وأوقاتها ، ح2 ص21.

بالصلاة، إلى تركها. ومن الطبيعي أن الإنسان إذا لم يبد اهتماماً بشيء، من عينه ولانتهى إلى النسيان .

إننا قلّما يعترينا النسيان تجاه أمر دنيوي سّيما في الأمور المهمّة منها، وذلك لاستعظام النفس لها، وتعلّقها بها، وتذكّرها الدائم، ومن الطبيعي أن لا يُنسى مثل هذا الأمر. فإذا قال لك شخص صادق في وعوده، إنني لدى الظهر من يوم كذا، أدفع لك مبلغاً يعد كبيراً ومهمّاً عندك، فإنك لا تنسى ذلك اليوم والموعد بل تحصي الساعات والدقائق حتى يقترب الوقت لكي تستقبل الموعد بكل توجه وحضور قلب، كل ذلك نتيجة أن حبّ النفس لذلك الشيء وإكبارها له ، قد شغلك به، فلا تتهاون فيه أبداً. وهكذا يتم الاهتمام من جانب الإنسان في كل الأمور الدنيوية حسب وضعه وشؤونه، وأما إذا كان الشيء تافهاً لدى الإنسان، لتوجهت النفس له لحظة واحدة، ثم غفلت عنه .

إذن : هل تعرف المسوّغ لفتورنا هذا في الأمور الدينية؟ إنه لأجل عدم إيماننا بالغيب، ولأن مرتكزات عقائدنا واهية، وإيماننا بالوعود الإلهية والأنبياء مهتز ومتزلزل، وتكون النتيجة أن جميع الأمور الدينية والشرائع الإلهية عندنا تافهة وموهونة، ويفضي هذا الوهن شيئاً فشيئاً إلى الغفلة فإما أن هذه الغفلة تهيمن علينا، وتخرجنا كلياً من هذا الدين الشكلي الصوري الذي نعتنقه، أو تبعث على الغفلة لدى أهوال نزع الروح وشدائد اللحظات الأخيرة من حياة الإنسان .

إن من الأمور المهمة التي تتوفّر في هذه الصلوات الخمسة التي تعتبر عمود الدين، والقاعدة الصلبة للإيمان والتي لا يرقى إلى مستواها شيء في الأهمية بعد الإيمان، وبعد التوجهات النورية الباطنية، والصور الغيبية الملكوتية، حيث لا يعلم أحد عظمتها إلا الحق سبحانه والخواص من عباده. إن من الأمور المهمة التي تتواجد في الصلاة، هو تكرار تذكر الحق في حالات من الأدب الخاص الروحاني الإلهي، الذي يدفع الإنسان إلى توثيق الأواصر بينه من جهة الحق المتعالي والعوالم الغيبية من جهة أخرى. ويبعث على ملكة الخضوع لله سبحانه في الفؤاد، ويقوي الشجرة الطيبة التي هي التوحيد والتفريد، ويجذرها في النفس على نحو لا يمكن اقتلاعها. كما أنه يفلح في الاختبار العظيم الذي يحصل له من قبل الحق المتعالي لدى سكرات الموت وأهوال المطلع

ومشاهدة شيء من عالم الغيب، ويوجب استقرار دينه وثباته، من دون أن يكون مستودعاً وقابلا للزوال حتى يصاب بالنسيان، لدى أقل ضغط .

فيا أيها العزيز : إيّاك ثُمَّ إِيَّاكَ وَاللَّهُ مُعينكَ في أولاكَ وَأُخْرَاكَ أن تتهاون في أمورك الدينية وخاصة الصلوات الخمسة، وتبدي الفتور والإهمال تجاهها. ويعلم الله بأن الأنبياء والأولياء وأئمة الهدى (علیهم السّلام) قد دفعوا بالناس نحو الصلوات وحذّروهم من التخلف عنها، نتيجة العطف والحنان منهم على العباد، إذ أنهم لا ينتفعون من إيماننا ولا تجديهم أعمالنا شيئاً .

فصل: في فضل تلاوة القرآن

إن من وصايا الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ولي الأمر بتلاوة القرآن «وَعَلَيْكَ بِتَلَاوَةِ الْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ حَالِ» وإن عقلنا القاصر لا يستوعب فضيلة تلاوة القرآن وحمله وتَعلُّمه والتمسك به وملازمته والتدبر في معانيه وأسراره. وما نقل عن أهل بيت العصمة (علیهم السّلام) في ذلك أكثر من طاقة هذا الكتاب على استيعابه .

الكافي : بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «الْقُرْآنُ عَهْدُ اللَّهِ إِلَىٰ خَلْقِهِ فَقَدْ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْظُرَ فِي عَهْدِهِ وَأَنْ يَقْرَأَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسِينَ آيَةٌ»(1).

وبإسناده عن الزهري قال : سمعت علي بن الحسين (علیه السّلام) يقول: «آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ فَكَلَّمَا فُتِحَتْ خَزِينَةٌ يَنبَغِي لَكَ أَنْ تَنْظُرَ فِيهَا»(2).

والمستفاد من هذين الحديثين أنه حريّ بقرّاء القرآن التدبّر في آياته والتفكّر في معانيه، وأن التمعن والتأمل في الآيات الكريمة الإلهية، واستيعاب المعارف والحكم والتوحيد من القرآن العظيم، لا يكون من التفسير بالرأي المنهي عنه الذي يلتجيء إليه أصحاب الرأي والأهواء الفاسدة، الذين لا يتمسكون برأي أهل بيت الوحي، المخاطبين


1) أصول الكافي، المجلد الثاني كتاب فضل القرآن، باب في قراءته ح 1 و 2 .

2) المصدر السابق.

بالكلام الإلهي ، كما ثبت ذلك في محلّه ولا داعي للولوج في هذا الموضوع والإسهاب فيه . ويكفينا قوله تعالى : أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلوبِ أَقْفَالُها(1).

ووردت أحاديث كثيرة تأمرنا بالرجوع إلى القرآن والتعمّق في آياته. فقد نقل عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أنه قال: «ألا لا خَيْرَ فِي قَرَاءَةِ لَيْسَ فِيهَا تَدَبَّرٌ)(2).

وبإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَرَأَ خَمْسِينَ آيَةٌ كُتِبَ مِنَ الذَّاكِرِينَ، وَمَنْ قَرَأَ مَائَةَ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَرَأَ مَاتَيْ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْخَاشِعِينَ، وَمَنْ قَرَأَ ثَلاثمَانَةَ آيةٍ كُتِبَ مِنَ الْفَائِزِينَ، وَمَنْ قَرَأَ خَمْسَمَانَةَ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَمَنْ قَرَأَ أَلْفَ آيَةٍ كُتِبَ لَهُ قِنْطَارٌ مِنْ الْقِنْطَارُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ مِثْقَالِ مِنْ ذَهَب وَالْمِثْقَالُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطَاً أَصْغَرُهَا مِثْلُ جَبَلِ أَحَدٍ وَأَكْبَرُهَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»(3).

وجاء في الأحاديث الكثيرة أن قراءة القرآن تتمثل في صورة بهية جميلة تشفع لأهله وقرائه(4)، وقد أعرضنا عن ذكرها .

وفي الحديث عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قالَ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ شَابٌ مُؤْمِنٌ اخْتَلَطَ الْقُرْآنُ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ وَجَعَلَهُ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَكَانَ الْقُرْآنُ حَجِيرًا عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّ كُلَّ عَامِلٍ قَدْ أَصَابَ أَجْرَ عَمَلِهِ غَيْرَ عَامِلِي فَبَلِّغْ بِهِ أَكْرَمَ عَطَايَاكَ قَالَ فَيَكْسُوهُ اللهُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ حُلَّتَيْنِ مِنْ حَلَلِ الْجَنَّةِ وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ هَلْ أَرْضَيْنَاكَ فِيهِ؟ فَيَقُولُ الْقُرْآنُ يَا رَبِّ قَدْ كُنْتُ أَرْغَبُ لَهُ فِيمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا فَيُعْطَى الأَمَنَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِيَسَارِهِ ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ إِقْرَأْ وَاصْعَدْ دَرَجَةً ثُمَّ يُقَالُ لَهُ هَلْ بَلَغْنَا بِهِ وَأَرْضَيْنَاكَ فَيَقُولُ نَعَمْ»(5). وفي نفس الحديث عن الإمام الصادق (علیه السّلام): «وَمَنْ قَرَأَهُ


1) سورة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، الآية : 24 .

2) بحار الأنوار، المجلد 2 ص 211 .

3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب فضل القرآن، باب ثواب قراءة القرآن ، ح 5.

4) أصول الكافي، ج 2، كتاب فضل القرآن، ح1 ، 11، 12، 14 .

5) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب فضل القرآن، باب فضل حامل القرآن ، ح 4 ص 603 .

كَثِيراً وَتَعَاهَدَهُ بِمَشَقَةٍ مِنْ حِفْظِهِ أَعْطَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَجْرَ هَذَا مَرَّتَيْن»(1).

ويتبين من هذا الحديث الشريف أن المطلوب من تلاوة القرآن الكريم هو تأثيره في أعماق قلب الإنسان، وصيرورة باطنه صورة كلام الله المجيد، وتحويل ما هو ملكة القلب من القرآن الكريم إلى التحقق والفعلية وذلك حسب ما ورد في الحديث المذكور «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ شَابٌ مُؤْمِنٌ اخْتَلَطَ الْقُرْآنُ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ» حيث يكون كناية عن استقرار صورة القرآن في فؤاده، بدرجة يتحول باطن الإنسان حسب استعداده وأهليته، إلى كلام الله المجيد والقرآن الكريم .

وفي حَمَلَةِ القرآن من تحوّل تمام باطنه إلى حقيقة الكلام الجامع الإلهي، والقرآن الجامع والفرقان القاطع، وذلك مثل الإمام علي بن أبي طالب والمعصومين من أولاده الطاهرين (علیهم السّلام)، حيث يكون وجودهم آيات طيبات إلهية وآيات الله العظمى، والقرآن التام والتمام . بل إن هذا المطلوب من جميع العبادات كما أنه من الأسرار الهامة هو للعبادات، وأن تكرار الصلاة هي من أجل تحقيق هذه الحقائق العبادية، وتحويل ذات الإنسان وقلبه إلى صورة العبادة .

وفي الحديث «أن علياً (علیه السّلام) صَلاةُ الْمُؤْمِنِينَ وَصِيَامُهُمْ»(2).

في بيان أن العبادة تؤثر في الشباب

ويتم بالقرآن الكريم التأثر القلبي والتحوّل الباطني بصورة أفضل فترة الشباب، لأن قلب الفتى لطيف وبسيط وذو نقاء وصفاء أكثر . ولأن وارداته قليلة، وتضارب الأفكار وتهافتها فيه قليل . فيكون شديد الانفعال والتأثر وسريع التقبّل.

إذن يجب على الشباب حتى إذا كانت قلوبهم مطمئنة بالإيمان، أن ينتبهوا إلى كيفية


1) المصدر السابق.

2) يضاهي هذا الحديث ما ورد في البحار، المجلد 24 ، ح 14 ص 303 ، عن داوود بن كثير قال قُلْتُ لأبي عبد الله (علیه السّلام): أنتُمُ الصَّلاةُ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأنتُمُ الزَّكَاةَ وَأَنتُمُ الْحَيُّ ؟ فَقَالَ : يَا دَاوُدُ نَحْنُ الصَّلَاةُ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنَحْنُ الزَّكَاةَ وَنَحْنُ الصِّيَامُ و . . .

تفاعلهم وعِشرتهم مع الآخرين، ويتورّعوا عن الاختلاط مع السيئين. بل إن الصداقة والاختلاط مع العصاة وذوي الخلق الفاسد والسلوك المنحرف مسيء لجميع الناس من أي طبقة كانوا، ويجب أن لا يكون أحد مطمئناً بنفسه ومغروراً بإيمانه أو أخلاقه وأعماله . كما ورد في الأحاديث الشريفة(1)الأمر بالابتعاد عن معاشرة أهل المعصية .

في آداب تلاوة القرآن

وملخص القول: إن المبتغى من خلال تلاوة القرآن هو ارتسام صورة القرآن في القلب، وتأثير الأوامر والنواهي فيه، وتثبيت الأحكام والتعاليم الإلهية. ولا يتحقق هذا إلا في ظل مراعاة آداب القراءة وليس الهدف من الآداب ما هو المعروف لدى بعض القُرّاء من الاهتمام البالغ بمخارج الألفاظ، وأداء الحروف، هذا الاهتمام الباعث مضافاً إلى الغفلة عن المعاني والتدبر فيها، إلى إبطال التجويد بعض الأحيان، فإن كثيراً من الكلمات القرآنية نتيجة مثل هذا التجويد، تفقد صورتها الخلابة الأصيلة، وتتحول إلى صورة أخرى، ذات صورة ومادة تختلف عما أرادها الله تعالى . إن هذا يُعتبر من مكائد الشيطان حيث يتلهى الإنسان المؤمن إلى آخر عمره بألفاظ القرآن، وينسى نهائياً استيعاب سر نزول القرآن، وحقيقة الأوامر والنواهي، والدعوة إلى المعارف الحقة، والخلق الفاضل الحسن، بل ينكشف لديه بعد مضي خمسين عاماً أنه من جرّاء تغليظ بعض الحروف، والتشديد فيها، قد أخرج صورة بعض الكلمات كلياً عن حالتها الطبيعية وأصبحت ذات صورة غريبة .

بل الهدف المنشود من وراء آداب قراءة القرآن، تلك الآداب التي وردت في الشريعة المقدسة والتي يعدّ من أفضلها وأعظمها التفكر والتدبر في آيات القرآن كما تقدمت الإشارة إلى ذلك .

في الكافي الشريف بسنده إلى الإمام الصادق (علیه السّلام) قال : «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ فِيهِ مَنَارُ الْهُدى وَمَصَابِيحُ الدُّجى، فَلْيَجْلُ جَالٍ بَصَرَهُ وَيَفْتَحْ لِلضّياءِ نَظَرَهُ، فَإِنَّ التَّفَكَّرَ حَيَاةُ قَلْبٍ


1) أصول الكافي، ج 2، كتاب العشرة ، باب من تكره مجالسته ومرافقته ، ح 1 و 3 و6 و 7 و 10 .

الْبَصِيرِ كَمَا يَمْشِي الْمُسْتَنِيرُ في الظُّلُمَاتِ بِالنُّورِ»(1).

وفي المجالس بإسناده عن أمير المؤمنين (علیه السّلام) في كلام طويل في وَصْفِ الْمُتَّقِينَ : «وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَحْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ فَاقْشَعَرَّتْ مِنْهَا جُلُودُهُمْ وَوَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ فَظَنُّوا أَنْ صَهِيلَ جَهَنَّمَ وَزَفِيرَهَا وَشَهِيقَهَا فِي أَصُولِ آذَانِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَتَطَلَّعَتْ أَنْفُسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَظَنُّوا أَنَّهَا نَصْبَ أَعْيُنِهِمْ»(2).

ومن الواضح أن من يتمعّن ويتدبر في معاني القرآن الكريم، يتأثر قلبه، ويبلغ مقام المتقين شيئاً فشيئاً. وإن حظي بتوفيق وسداد من الله ، لتجاوز هذا المقام أيضاً ولتحوّل كل عضو وجارحة وقوة منه إلى آية من الآيات الإلهية، ولعلّ جَذَوَاتِ خطاب الله وجذباته، ترفعه وتبلغ به إلى مستوى إدراك حقيقة «اقْرَأْ واصْعَدُ»(3)في هذا العالم وانتهى إلى مرحلة سماع الكلام من المتكلم من دون واسطة، وتحوّل إلى موجود لا يسع الإنسان فهمه واستيعابه .

الإخلاص في القراءة

ومن الآداب اللازمة في قراءة القرآن، والتي لها دور أساسي في التأثير في القلب والتي لا يكون من دونها لأي عمل أهمية وشأن، بل يعتبر ضائعاً وباطلاً وباعثاً على السخط الإلهي. هو الإخلاص، فإنه ركن أصيل للانطلاق إلى المقامات الأخروية، ورأس مال في التجارة الأخروية .

وقد ورد في هذا الباب أيضاً أخبار كثيرة من أهل بيت العصمة (علیهم السّلام): منها ما حدثنا الشيخ الكليني رضوان الله تعالى عليه :

بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : «قُرَّاءُ القُرآنِ ثَلاثَةٌ : رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَاتَّخَذَهُ بِضَاعَةٌ وَاسْتَدَرَّ بِهِ الْمُلُوكَ وَاسْتَطَالَ بِهِ عَلَى النَّاسِ وَرَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَحَفِظَ حُرُوفَهُ وَضَيَّعَ


1) أصول الكافي، المجلد 2، کتاب فضل القرآن، ح5.

2) وسائل الشيعة، المجلد ، الباب 3 من أبواب قراءة القرآن ، ح6 .

3) أصول الكافي المجلد الثاني كتاب فضل القرآن، باب فضل حامل القرآن ، ح 4 .

حُدُودَهُ وَأَقَامَهُ إِقَامَةَ الْقَدَحِ، فَلَا كَثَّرَ اللَّهُ مَؤلَاءِ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ. وَرَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَوَضَعَ دَوَاءَ الْقُرْآنِ عَلَى دَاءِ قَلْبِهِ فَأَسْهَرَ بِهِ لَيْلَهُ وَأَظْماً بِهِ نَهَارَهُ وَقَامَ بِهِ فِي مَسَاجِدِهِ وَتَجَافَىٰ بِهِ عَنْ فِرَاشِهِ، فَبِأَولئِكَ يَدْفَعُ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْبَلاءَ ، وَبِأُولئِكَ يُدِيلُ اللهُ مِنَ الأَعْدَاءِ، وبأوليك يُنزِلُ اللهُ الْغَيْثَ مِنَ السَّمَاءِ، فَوَاللَّهِ لَهَؤُلاءِ فِي قُرَّاءِ الْقُرْآنِ أَعَزُّ مِنَ الْكِبْرِيتِ الأَحْمَرِ»(1).

وعن «عقاب الأعمال» بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام)، عن أبيه، عن آبائه (علیهم السّلام) قالَ : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَأْكُلُ بِهِ النَّاسَ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَظُمَ لَا لَحْمَ فِيهِ»(2).

وبإسناده عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث قالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَآثَرَ عَلَيْهِ حُبّ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا اسْتَوْجَبَ سَخَطَ اللَّهِ وَكَانَ فِي الدَّرَجَةِ مَعَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ يَندُونَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ .

وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ حَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ، قَالَ : كَذلِكَ أَتَنكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسى(3)فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ .

وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَتَفَتَّهَا فِي الدِّينِ كَانَ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ مِثْلُ جَمِيعِ مَا أَعْطِيَ الْمَلَائِكَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ .

وَمَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ يُرِيدُ بِهِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ وَيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ وَيَطْلَبَ بِهِ الدُّنْيَا بَدَّدَ اللهُ عِظَامَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِي النَّارِ أَشَدُّ عَذَاباً مِنْهُ، وَلَيْسَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ إِلا سَيُعَذِّبُ بِهِ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَخَطِهِ .

وَمَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَتَوَاضَعَ فِي الْعِلْمِ وَعَلَّمَ عِبَادَ اللَّهِ وَهُوَ يُرِيدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ أَعْظَمُ ثَوَاباً مِنْهُ وَلا أَعْظَمُ مَنْزِلَةٌ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلْ وَلَا دَرَجَةً رَفِيعَةٌ وَلَا نَفِيسَةٌ إلا وَكَانَ لَهُ فِيهَا أَوْفَرُ النَّصِيبِ وَأَشْرَفُ الْمَنَازِلِ»(4).


1) أصول الكافي، المجلد 2، ص 604 ، كتاب فضل القرآن باب النوادر ، ح 1 ص 627 .

2) وسائل الشيعة، المجلد 4 ، كتاب الصلاة باب 8 من أبواب قراءة القرآن ح 7، ص837 .

3) سورة طه ، الآية : 125 .

4) وسائل الشيعة، المجلد ، الباب9 من أبواب تكبيرة الإحرام ، ح 7 و 11 ص 727.

في معنى الترتيل

ومن آداب قراءة القرآن الكريم التي تبعث على التأثير في النفس، ويجدر بالقارىء أن يراعيها، هو الترتيل في التلاوة وهو كما في الحديث عبارة عن في الحديث عبارة عن الحد الوسط بين السرعة والعجلة من جهة، والتأني والفتور المفرطين الموجبين لتفرق الكلمات وانتشارها من جهة أخرى.

عن محمد بن يعقوب بإسناده عن عبد الله سليمان قالَ : «سَأَلْتُ أَبَا بن عَبْدِ الله (علیه السّلام) عنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً قَالَ : قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السّلام): تَبَيَّنَهُ تبياناً (تَبيينا - خ ل) وَلَا تَهُدَّهُ هَدَّ الشَّعْرِ وَلَا تَنثَرُهُ نَشْرَ الرَّمْلِ وَلَكِنْ أَفْرِضُوا قُلُوبَكُمُ الْقَاسِيَةَ وَلا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ»(1)(أي لا يكن هدفكم ختم القرآن في أيام معدودة أو الإسراع في قراءة السورة والبلوغ إلى آخرها) .

فالإنسان الذي يريد أن يتلو كلام الله، ويداوي قلبه القاسي، ويشفي أمراضه القلبية من خلال قراءته للكلام الجامع الإلهي، ويطوي مع نور هداية هذا المصباح الغيبي المنير، وهذا النور على النور السماوي، طريق الوصول إلى المقامات الأخروية والمدارج الكمالية، لا بد لهذا الإنسان من توفير الأسباب الظاهرية والباطنية والآداب الصورية والمعنوية. أما أمثالنا عندما نقرأ القرآن بعض الأحيان، فمضافاً إلى أننا نغفل نهائياً عن معاني الآيات الكريمة، وأهدافها السامية وأوامرها ونواهيها ووعظها وزجرها، وكأن آيات الجنة ونعيمها، وآيات جهنم والعذاب الأليم، لا تعنينا، بل - نعوذ بالله - يكون انتباهنا وتوجّه قلوبنا عند قراءة الكتب القصصية أكثر من توجهنا حين تلاوتنا للآيات المجيدة، مضافاً إلى ذلك فإننا في غفلة حتى عن الآداب الظاهرية لقراءة القرآن الكريم .

وقد ورد في الأحاديث الشريفة، الأمر بقراءة القرآن بصوت حزين وجميل وعن أبي الحسن (علیه السّلام) قال : «ذَكَرْتُ الصَّوْتَ عِنْدَهُ فَقَالَ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَينِ (علیه السّلام) كَانَ يَقْرَأْ فَرُبَّمَا مَرَّ بِهِ الْمَارُ فَصَعِقَ مِنْ حُسْنِ صَوْتِهِ، وإِنَّ الإِمَامَ لَوْ أَظهَرَ مِنْ ذلِكَ شَيْئاً لَمَا احْتَمَلَهُ النَّاسُ مِنْ


1) أصول الكافي ، المجلد الثاني كتاب فضل القرآن، باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن ح1 ص 614 .

حُسْنِهِ»(1)ونحن عندما نريد أن نُري الناس صوتنا الحسن وأنغامه الجميلة، نلتجيء إلى قراءة القرآن أو الأذان، من دون أن نستهدف تلاوة القرآن والعمل بهذا الاستحباب . وعلى كل حال إن مكائد الشيطان وأضاليل النفس الأمارة كثيرة، وغالباً ما يلتبس الحق بالباطل، والحسن بالقبيح، فيجب أن نلوذ بالله سبحانه ونعوذ به من هذه الأشراك والأفخاخ.

فصل: في بيان رفع اليدين في الصلاة وتقليبهما

إن ما ورد في هذا الحديث من قوله: «وَعَلَيْكَ بِرَفْعِ يَدَيْكَ فِي صَلَاتِكَ وَتَقْلِيبِهِمَا» ظاهر في رفع اليدين لدى التكبيرات أثناء الصلاة. وأن المقصود من تقليب اليدين يحتمل أن يكون جعل باطن الكفين نحو القبلة، فإن من المستحبات هو رفع اليدين لدى التكبير . ويحتمل أن يكون المقصود منه رفع اليدين لدى القنوت، فيجعل باطن الكفين نحو السماء، كما أفتى باستحباب ذلك الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم، ودرسوا دليل ذلك، رغم أنه لا حاجة إلى دليل آخر بعد السيرة القطعية المتشرعة على القنوت المتعارف من رفع اليدين نحو السماء وعدم فهمهم من القنوت إلا هذه الطريقة الشائعة لدى المصلين في القنوت، وعدم اكتفائهم برفع اليدين بصورة مطلقة. وعلى أي حال فإن الأظهر من هذه الرواية الشريفة، هو الاحتمال الأول .

واعلم أن المشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم استحباب رفع اليدين عند التكبير في الصلاة. وذهب بعض إلى الوجوب مستنداً إلى بعض الأوامر والأخبار التي وردت في تفسير الآية الشريفة فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ(2)بأن المقصود من النحر هو رفع اليدين عند التكبير(3).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، باب ترتيل القرآن ، ح 4 .

2) سورة الكوثر، الآية : 2 .

3) عن أبي جعفر في قوله فصل لربك قال الصلاة وانحر قَالَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ أَوَّلَ مَا يُكَبِّرُ فِي الافْتِتَاح. وعن عمر بن يزيد قالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (علیه السّلام) يَقُولُ في قَولِهِ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ هُوَ رَفْعُ يَدَيْكَ حِذَاءَ وجهك. تفسير الميزان، المجلد 20، ص 374 . (المترجم) تفسير نور الثقلين، ج5 ، تفسير سورة الكوثر، ح17 - 19 .

ولكن هناك شواهد كثيرة في الأحاديث تدل على استحباب رفع اليدين دون وجوبه ، مثل التعليل الوارد في الأخبار، وخاصة حديث فضل بن شاذان المروي عن الإمام الرضا (علیه السّلام)(1)مضافاً إلى أن صحيحة علي بن جعفر، صريحة في عدم وجوب رفع اليدين(2).

ولذا فإنّ هذه الأخبار - بعض الأخبار الواردة في تفسير فصلَّ لربك وانحر - مع قطع النظر عن القرائن الصارفة - ظاهرة في وجوب رفع اليدين لدى التكبير في الصلاة. ومقتضى الجمع بين الروايات الظاهرة في الوجوب بقطع النظر عن القرائن، والروايات الصريحة في الاستحباب، هو حمل الروايات جميعها على الاستحباب تحكيماً للنص على الظاهر.

ويحتمل أن تكون رواية علي بن جعفر دالّة على وجوب رفع اليد على خصوص الإمام دون المأموم. ويحتمل أن تكون بصدد بيان حال الإمام والمأموم في صلاة الجماعة وإيثار الصمت تجاه من يصلي فرادى. ولا منافاة في وجوب رفع اليدين على الجميع : الإمام والمأموم ومن يصلي فرادى، ولكن رفع يد الإمام يجزي عن رفع يد المأمومين كما أن قراءة الإمام تجزىء عن قراءة المأمومين .

وبناءً على هذا الاحتمال وهو أظهر الاحتمالات في الرواية، لا تردُّ مناقشة بعض المحققين المتأخرين، حتى يستلزم حمل المطلق على المقيّد، فتكون النتيجة أن رفع اليدين لدى التكبير واجب على الإمام خاصة دون غيره. ولكن مع ذلك فإن عدم القول بالفصل بين الإمام فيجب عليه رفع اليدين حين التكبير ، دون غيره، ومذهب المشهور من العلماء قديماً وحديثاً، وجميع القرائن الخارجية والداخلية، كل ذلك يدل على استحباب


1) عن الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السّلام) قال : «إِنَّمَا تُرفَعُ الْيَدَانِ بِالتَّكْبِيرِ لأَنْ رَفَعَ الْيَدَيْنِ ضَرْبٌ مِنَ الْإِبْتِهَالِ والتبتل والتضرع فَأَحَبُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أن يكون العبد في وقت ذكر وله مبتلا مُتَضَرُعاً مبتهلا ولأن في رفع يَكُونَ الْعَبْدُ وَقْتِ مُتَبَلاً الْيَدَيْنِ إِحْضَارُ النِّيَّةِ وَإِقْبَالُ القَلْبِ عَلى مَا قَالَ». (المترجم) وسائل الشيعة، المجلد 4 ، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام، ح11 .

2) عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (علیه السّلام) قال : «قال : عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ أنْ يَرْفَعَ يَدَهُ في الصَّلاةِ». المترجم). وسائل الشيعة، المجلد 4، باب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام، ح7 .

رفع اليدين، ولا مجال للبحث في ذلك. وهذا القدر من البحث قد فاض عن حجم هذا الكتاب .

ورغم أن رفع اليدين حين التكبير يكون مستحباً، فلا ينبغي ترك هذا المستحب مهما أمكن، وخاصة أن هناك من العلماء من يقول بوجوبه . ويكون مقتضى الاحتياط هو عدم ترك هذا المستحب .

في بيان سرَّ رفع اليدين لدى التكبير في الصلاة

وعلى أيّ حال فإن رفع اليدين لدى التكبير في الصلاة، يعدّ من زينة الصلاة، كما أن صلاة جبرائيل (علیه السّلام)، وملائكة السماوات السبع، تكون على هذا الغرار، كما ورد عن الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب (علیه السّلام) قال : «لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قَالَ يَا جِبْرَائِيلُ مَا هَذِهِ التَّحَيْرَةُ الَّتِي أَمَرَ بِهَا رَبِّي؟ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنُخَيْرَةٍ، وَلَكِنَّهُ يَأْمُرُكَ إِذَا تَحَرَّمْتَ لِلصَّلَاةِ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ إِذَا كَبَرْتَ وَإِذَا رَكَعَتَ وَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ وَإِذَا سَجَدْتَ فَإِنَّهَا صَلَاتُنَا وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةٌ وَإِنَّ زِينَةَ الصَّلَاةِ رَفْعُ الْأَيْدِي عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةِ»(1).

و نقل عن الإمام الرضا (علیه السّلام) كما في كتابي (علل الشرائع) و(عيون الأخبار) قال : «إِنَّمَا تُرفَعُ الْيَدَانِ بالتَّكْبِيرِ لأَنَّ رَفَعَ الْيَدَيْنِ ضَرْبٌ مِنْ الْإِيْتِهَالِ والتبتل وَالتَّضَرُّع فَأَحَبَّ الله عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فِي وَقْتِ ذِكْرِهِ لَهُ مُتَبَلاً مُتَضَرِّعاً مُبْتَهِلاً وَلِأَنَّ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ إِحْضَارُ النِّيَّةِ وَإقْبَالُ الْقَلْبِ»(2)وهذا الكلام يتطابق مع ما يقول بعض أهل المعرفة في فلسفة رفع اليدين لدى التكبير من إلقاء غير الله وراء ظهره، واقتلاع أشواك طريق الوصول إلى الحبيب، وجعل نفسه منقطعة عن الغير وخالصة مخلصة له - من دون أدنى توجه إلى الغير والغيرية الذي يعد في مذهب العشّاق والمحبين شركاً الله سبحانه - ثم يبدأ معراجه الحقيقي الروحاني، والسفر إلى الله . وهذا السفر والمعراج لا يمكن أن يتحقق من دون رفض الغير


1) وسائل الشيعة، المجلد 4 ، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام، ح13 و 14 .

2) وسائل الشيعة، المجلد 4 ، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام ، ح 11 .

والغيرية وترك الذات والأنانية. كما أن مع التكبيرات السبعة الافتتاحية نخرق الحجب السبعة الملكية والملكوتية نهائياً. ففي كل تكبيرة من التكبيرات السبعة من صلاة الأولياء خرق لحجاب، ورفض لعوالم ذلك الحجاب وللقاطنين فيها . ثم ينكشف عليهم حجاب آخر، ويتجلّى لهم على قلوبهم، تجلياً تقييدياً، فبالتكبير اللاحق يجتث الأشواك من الطريق، ولا يتلهى بعالم ما وراء الحجاب وساكنيه، وكأنّ باطن قلوبهم يهتف : الله أكبر أن يتجلى تجلياً تقييدياً، كما هتف بذلك شيخ الأولياء والمخلصين، خليل الرحمن في ذاك السفر العرفاني الشهودي، والتجليات التقييدية. فالسالك إلى الله، والمسافر إلى ساحة الحبيب، والمجذوب لطريق الوصول إلى المعشوق، يخرق الحجب واحداً بعد آخر، حتى ينتهي إلى التكبير الأخير، فيخرق به الحجاب السابع، ويرفض الغير والغيرية ويقول : وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ»(1كما قاله النبي إبراهيم خليل الرحمن ثم تنفتح عليه الأبواب، وتنكشف له سبحات الجلال، فيستعيذ من الشيطان الرجيم، ويبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم .)لقد أشار إلى ذلك محمّد بن عليّ بن الحسين (علیه السّلام بإسناده عن أبي الحسن (علیه السّلام) أنَّه رَوى لذلك عِلَّة أخرى وهي : «أنَّ النَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم) لَمَّا أُسرِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ قَطَعَ سَبْعَ حُجُبٍ فَكَبَّرَ عِنْدَ كُلِّ حِجَابٍ تَكْبِيرَةً فَأَوْصَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ إِلَى مُنْتَهَى الْكَرَامَةِ»(2).)وفي حديث آخر قريب إلى هذا المضمون عن أبي الحسن موسى (علیه السّلام قال : «قُلْتُ لَهُ لأَيِّ عِلَّةٍ صَارَ التَّكْبِيرُ فِي الافْتِتَاحَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ أَفْضَلُ (إلى أن قال) قَالَ يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ سَبْعاً وَالْأَرَضِينَ سَبْعاً وَالْحُجَبَ سَبْعاً ، فَلَمَّا أَسْرَى بِالنَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم)، فَكَانَ مِنْ رَبِّهِ كَقَابٍ قَوْسَيْنِ أو أدنى رَفَعَ لَهُ حِجَاباً مِنْ حُجُبِهِ فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَجَعَلَ يَقُولُ الكَلِمَاتِ الَّتِي ثَقَالُ فِي الإِفْتِتاح، فَلَمَّا رَفَعَ لَهُ الثَّانِيَ كَبُرَ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَلَغَ سَبْعَ حُجب فَكَبَّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، فَلِتِلْكَ الْمِلَّةِ يُكَبَرُ لِلإفْتِتَاحَ فِي الصَّلَاةِ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ»(3).)


1) سورة الأنعام، الآية : 79 .

2) وسائل الشيعة، المجلد 4 ، الباب 7 من أبواب تكبيرة الإحرام ، ح5.

3) وسائل الشيعة، المجلد 4 ، الباب 7 من أبواب تكبيرة الإحرام، ح7 .

وهذا الحديث ينسجم مع الذوق والمشرب العرفاني أكثر من الحديث السابق، لأن مع رفع كل يد لدى التكبير ، خرق لحجاب، وإزاحة الستار، وظهور نور من أنوار الكرامة وحيث أن هذا النور قيد من الحجب النورانية، فمع رفع اليدين يحطم هذا القيد ويزيح الحجاب ويُنَجِّيه وهكذا حتى يتجلى الذات ويتم الوصول إلى منتهى الكرامة، الذي هو غاية آمال الأولياء. ونستطيع أن نفسر الرواية السابقة على ضوء هذه الرواية .وعلى أي حال إننا محرومون من استيعاب هذه المعاني، فكيف بمشاهدتها أو الوصول إليها. ومشكلتنا أننا نجحد كل هذه المقامات والدرجات، ونعتقد بأن صلاة الأولياء ومعراجهم مثل صلاتنا ومعراجنا، ونجعل كمال عملهم مضاهياً لكمال عملنا، غاية الأمر أننا نتصور بأن صلاتهم تتفوق على صلواتنا من جهة حسن القراءة وإنجاز الآداب والشرائط، وأنها خالية من الشرك والرياء والعجب، أو أن عبادة الأولياء لا تكون خشيةَ من النار أو طمعاً في الجنة ولا نتصور شيئاً وراء ذلك، في حين أن لصلاتهم ومعراجهم الروحاني مقامات سامية أخرى، لا ترقى إليها أوهامنا .### في التنبيه إلى مكيدة من مكائد الشيطانوملخص الكلام في هذا المقام - الذي انتهينا إليه من دون قصد - أنه يجب أن ننتبه إلى أن أسوأ الأشواك في طريق الكمال والوصول إلى المقامات الروحانية، والذي يُعَدُّ من إبداع الشيطان القطاع للطريق، هو إنكار المقامات والمدارج الغيبية الروحية، ويعتبر هذا الجحود رأس مال كل الأضاليل والجهالات، وسبب للوقوف والخمود عن الحركة والتقدم، وإماتة لروح الشوق التي هي مركب الوصول إلى كل الكمالات، وإطفاء لهب العشق الذي يكون واسطة المعراج الروحاني الباعث على كمال الإنسان، فيُمنى بالتقاعس والإحجام عن الطلب .على العكس إن الإنسان إذا آمن بالمقامات الروحانية والمعارج العرفانية فمن الممكن أن هذا الإيمان يُلهب جذوة العشق الفطري الهامد تحت رماد الرغبات النفسية، ويشعل نور الشوق في القلب، ويندفع شيئاً فشيئاً نحو الطلب والنهوض بالجهاد، فيصبح مشمولاً لهداية الحق، ونجدة الذات المقدس المتعالي له والحمد الله .

### فصل: في فضل السواكإعلم أن من الآداب المستحبة الشرعية بشكل مطلق السواك الذي أوصى به رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم في هذا الحديث الشريف «وَعَلَيْكَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» ويتأكد في بعض الحالات الخاصة مثل قبل الوضوء وقبل الصلاة وعند قراءة القرآن وحين السحر ولدى القيام من النوم. وقد أكدت الأخبار الشريفة على ذلك، وذكرت له آثاراً كثيرة . ونحن نقتصر على ذكر بعضها في هذا الكتاب .)الكافي : بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام قالَ : «فِي السَّوَاكِ اثْنَتَا عَشْرَةَ خِصْلَةٌ : هُوَ مِنَ السُّنَّةِ وَمَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ وَمَجْلاَةٌ لِلْبَصَرِ وَيُرْضِي الرَّبِّ وَيَذْهَبُ بِالْبَلْغَم وَيَزِيدُ فِي الْحِفْظِ وَيُبَيِّضُ الأَسْنَانَ وَيُضَاعِفُ الْحَسَنَاتِ وَيَذْهَبُ بِالْحُفَرِ وَيَشدُّ اللَّةَ وَيُشَهي الطَّعَامَ وَيَفْرَحُ بِهِ الْمَلائِكَة»(1).)وهناك حديث آخر بهذا المضمون، وهذا الحفر الوارد في الحديث الشريف هو الالتهابات التي قد تحصل في أصول الأسنان من اللثة التي تدعى لدى الأطباء بـ(pyrrhei مرض استسقاء اللثة والتي توجب التقيح والتعفن، حيث يختلط القيح الذي ينز منه ، الطعام الممضوغ ويسبب أمراضاً خطيرة مثل سوء الهضم وغيره، وفي بعض الأحيان يضطر الطبيب إلى قلع الأسنان حتى يتمكن من القضاء على الأمراض .)فمن الحريّ بالإنسان أن يواظب على السواك الذي يفيد صحته وينظف أسنانه، مع قطع النظر عن الأمور الغيبية الباطنية التي أعظمها رضا الله سبحانه، وأن يستمر على هذه السنة التي تعدّ من سُنن المرسلين(2.)وفي الحديث عن أبي عبد الله (علیه السّلام قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) أَوْصَانِي جِبْرَائِيلُ بالسواك حَتَّى خِفْتُ عَلى أَسْنَانِي»(3).)


1) فروع الكافي، المجلد 6 ، كتاب الزي والتجمّل، باب السواك ، ح6 .

2) الخصال، ج 2، الباب العاشر ، ح 51 .

3) فروع الكافي، المجلد 6 ، الباب 2 من أبواب السواك من كتاب الزي والتجمل، ح8 .

وقال (صلی الله علیه و آله و سلم «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلى أُمِّتِي لأمرتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ وُضُوءِ كُلِّ صَلَاةٍ»(1).)وفي الحديث عن أبي عبد الله (علیه السّلام قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) كَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَ أَمَرَ بِوُضُويْهِ وَسِوَاكِهِ يُوضَعُ عِنْدَ رَأْسِهِ مَحْمَراً فَيَرْقُدُ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ يَرْقَدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَسْتَاكُ وَيَتَوضُأُ وَيُصَلِّي ثُمَّ قَالَ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ»(2).)وفي الحديث عن أبي عبد الله (علیه السّلام قَالَ : «رَكْعَتَانِ بِالسَّوَاكِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةٍ بِغَيْرِ سِواك»(3).)وفي الحديث عن المعلى بن خنيس قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السّلام عَنِ السَّوَاكِ بَعْدَ الْوُضُوءِ فَقَالَ الإِسْتِيَاكُ قَبْلَ أَنْ يَتَوضّأ قُلْتُ أَرَأَيْتَ إِنْ نَسِيَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ قَالَ يَسْتَاكُ ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ ثَلَاثَ مَرَّاتِ»(4).)والأخبار كثيرة في المقام ومن أرادها فليراجع كتب الأصحاب(5.)### فصل في بيان مبادىء محاسن الأخلاق ومساوئها المذكورةفي نهاية وصية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلمإننا وإن شرحنا في هذا الكتاب في مناسبات عديدة، كثيراً من خُلق النفس، بصورة مفصلة، وذكرنا بقدر ما يتناسب والميسور كيفية الاتصاف بالمحامد الخلقية والابتعاد عن مساوئها ومفاسدها، ولكننا في هذا المقام نستعرض بياناً جامعاً في هذا الموضوع .


1) وسائل الشيعة، المجلد 1 ، الباب 3 من أبواب السواك ، ح 4 .

2) وسائل الشيعة، المجلد 1 ، الباب 6 من أبواب السواك ، ح 1 .

3) وسائل الشيعة، المجلد 1 ، الباب 5 من أبواب السواك ، ح 2 .

4) بحار الأنوار، ج 73 ، كتاب الآداب والسنن ، باب السواك والحث عليه ، ح 32 و 34 .

5) وسائل الشيعة، المجلدا ، الباب 3 5، 6 . من أبواب السواك، الأحاديث من ح1 ، ج 40 .

إعلم أن الخُلق عبارة عن حالة نفسية، تدفع الإنسان نحو العمل من دون تروّي وتفكّر. فمثلاً إن الذي يتمتع بالسخاء، يدفعه خلقه هذا إلى الجود والإنفاق من دون حاجة إلى تنظيم مقدمات، وترتيب مرجحات. وكأنّ هذا الخلق غدا من الأمور الطبيعية للإنسان مثل النظر والسمع. وهكذا النفس العفيفة التي أصبحت العفّة خُلقاً لها وجزءاً طبيعياً لها، وما دامت النفس لم تبلغ هذا المستوى من التجذر الخلقي بواسطة التفكر والتدبر والترويض، لم يكن لها أخلاق وكمال، ويخشى عليها من زوال الخلق الكريم الذي يعدّ من الكمالات النفسية، وتغلب عليها العادات والخلق السيىّء. وأما إذا بلغ الخلق مستوى الأفعال الطبيعية في الإنسان، وغدا من قبيل القوى والآلات، وظهرت سلطنة الحق وقهره، لكان زواله مشكلاً ونادراً .وقال علماء الأخلاق إن هذه الحال والخلق النفسية قد تكون في الإنسان طبيعية وفطرية، ومرتبطة بمزاج الإنسان من دون فرق بين ما هو خير وسعادة أو شرّ وشقاء . كما هو المشهور من أن بعض الناس منذ نعومة أظفارهم يرغبون في الخير، وبعضهم ينزع نحو الشر وأن البعض يُثار بأدنى شيء، ويستوحش من عمل بسيط، ويفزع من أقل سبب، وبعض يكون على خلاف ذلك. وقد تحصل بعض هذه الخلق النفسانية من خلال العادات والعشرة والتدبر والتفكر، وقد تحصل نتيجة التفكر والتروي حتى يبلغ مستوى الملكة .وهناك اختلافات كثيرة بين علماء الأخلاق، لا مجال لذكرها والبحث عنها في هذا الكتاب حيث تعوقنا من التعمق في الهدف الأساسي. فنحن نستعرض ما يناسب المقام ويجديه فنقول :لا بد من معرفة أنه ليس المقصود من قولنا إن الخلق النفسية، طبيعية وفطرية . أنها ذاتية وغير خاضعة للتغيير، بل إن جميع الملكات والخُلق النفسانية، قابلة للتبدل والتحوّل، ما دامت النفس تعيش في هذا العالم، عالم الحركة والتغيير، وتخضع للزمان والتجدد، وتملك الهيولى والقوة، ويستطيع الإنسان أن يُغيّر خُلُقه النفسي ويحوّله إلى أضداده. وإضافة إلى البراهين والتجربة، تدل على ذلك أيضاً، دعوة الأنبياء والشرائع الحقة، الناس، للتخلق بالصفات الحميدة، والابتعاد عما يقابلها من الخلق السّيء.

ولا بد من معرفة أن علماء الأخلاق أرجعوا كافة الفضائل النفسية، إلى أمور أربعة : الحكمة، العفة، الشجاعة، العدالة، واعتبروا الحكمة فضيلة للنفس الناطقة التي تميّز وتفرّق الإنسان عن غيره. والشجاعة من فضائل النفس الغضبية. والعفّة من فضائل النفس الشهوية والعدالة ترعى الفضائل الثلاثة. كما وأن علماء الأخلاق أرجعوا جميع الفضائل والكمالات النفسية إلى هذه الفضائل الأربعة ولا يتناسب التفصيل في كل واحدة من هذه الفضائل الأربعة من حجم هذا الكتاب، ولا مجال لأمثالنا الإسهاب في ذلك. وما يجب فهمه هو أن المستفاد الحديث الشريف المأثور عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم «بُعِثْتُ من لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأخْلاقِ»(1)أن سبب بعث الأنبياء، والدافع لدعوة خاتم الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم)، هو إكمال مكارم الأخلاق. وأن الأخبار الشريفة قد أبدت الاهتمام الكبير، إجمالاً وتفصيلاً بمكارم الأخلاق أكثر من أي شيء آخر بعد الاهتمام بالمعارف الإلهية. ونحن سنذكر بعض تلك الأخبار بعون الله ، كما وأن أهمية الفضائل الخلقية أكبر من قدرتنا على شرحها وبسط الحديث فيها، ولكن لا بد وأن نقول بأن أساس الحياة الأبدية الأخروية، ورأس مال العيش في تلك النشأة، الخلق الفاضل، والاتصاف بمكارم الأخلاق، وأن الجنة الممنوحة للإنسان من جراء خلقه الكريم المسماة بجنّة الصفات، أفضل بكثير من جنة الأعمال الجسمانية والتي فيها ماطاب ولذّ، بشكل أفضل وأحسن من النعم المادية الجسمانية، كما أن فيها ظلمات وأهوال نتيجة الأعمال السيئة للإنسان، أسوأ من أي عذاب أليم.)ويستطيع الإنسان ما دام حياً، أن ينقذ نفسه من هذه الظلمات، ويبلغ بها عالم الأنوار. نعم يستطيع البلوغ إلى ذلك، ولكن لا مع هذه البرودة والخمود والفتور والإهمال الذي أصابنا، حيث نرى جميعاً بأننا منذ أيام الطفولة ننمو على الخلق الذميم والسلوك المنحرف، الذي اقترفناه من جراء هذه الحالات السيئة من العشرة اللامسؤولة، والاختلاف غير اللائق، ونحافظ عليها، بل نضيف في كل يوم على تلك الصفات البشعة، جريرة أخرى، وكأننا لا نعتقد بوجود عالم آخر ونشأة باقية أخرى(2.)


1) تفسیر مجمع البيان، المجلد 10 ، ص 333.

2) قال الشاعر حافظ الشيرازي: لو أن الإسلام هو هذا الذي يجسّده حافظ الشيرازي بخلقه وعمله فواويلاه لو كان إثر هذا اليوم (الدنيا) غداً (الآخرة).

كان دعوة الأنبياء والأولياء (علیهم السّلام لا تعنينا، وعليه لا نعلم إلى أين نصل مع هذه الأخلاق التي نتصف بها، ومع هذه الأعمال التي نقترفها؟ وفي أي صورة نحشر يوم القيامة؟ وعندما نصحو ونستيقظ، نعرف بأن الفرصة قد فاتتنا، وأن الحسرة والندامة ستكون من نصيبنا، ولا تلومن حينئذ إلا أنفسنا .)إن الأنبياء (علیهم السّلام، قد وضعوا بين أيدينا طريق السعادة، ثم قام العلماء والحكماء بتفسير أحاديثهم لنا، وشرح أساليب معالجة الأمراض الباطنية، وبذلوا أقصى الجهد لتفهيمنا إياها، ولكننا امتنعنا عن الاستيعاب، وأعطينا ظهورنا لهذه الإرشادات والكلمات . فلا بد من عود التأنيب إلينا كما قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذا الحديث الشريف الذي نشرحه (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلا تَلُومَنَّ إلا نَفْسَكَ).)وقد وردت روايات كثيرة لا تحصى تؤكد على مكارم الأخلاق، وتحذّر من الصفات التي تقابلها، ونحن ساهون ولاهون عن مراجعة تلك الأحاديث،فيا أيها العزيز: إن كنت راغباً في دراسة الأخبار والأحاديث، فراجع الكتب الشريفة للأخبار وخاصة كتاب (أصول الكافي حتى تعرف مدى اهتمام المعصومين (علیهم السّلام) بالخلق الكريم والمبادىء الفاضلة. وإن كنت من التائقين للبيان العلمي وكلمات العلماء فراجع الكتب الأخلاقية، مثل كتاب (طهارة الأعراق) لابن مُسْكَوَيْه(1)وكتب المرحوم فيض الكاشاني وكتب المجلسي وكتب النراقيين(2)حتى تستوعب آثار ونتائج مكارم الأخلاق. وإن وجدت نفسك في غنى عن اقتناء الفضيلة، أو لا تلمس ضرورة في الابتعاد عن الخلق السيّىء، فحاول أن تعالج جهلك الذي هو رأس الأمراض.)


1) طهارة الأعراق لابن مسكويه العالم في القرن الخامس الهجري .

2) الوالد هو المولى مهدي بن أبي ذر الكاشاني النراقي صاحب كتاب «جامع السعادات» المتوفى عام 1209 هـ. والولد هو أحمد بن مهدي صاحب كتاب «معراج السعادة» المتوفى عام 1245 هـ. والمحجة البيضاء والكلمات المكنونة والحياة الخالدة للفيض الكاشاني. وحق اليقين للعلامة المجلسي.

ونحن ننهي الموضوع بعد أن نتبرك بذكر بعض الأخبار الشريفة في هذا المضمار :في كتاب من لا يحضره الفقيه : بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام قالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَصَّ رَسُولَهُ (صلی الله علیه و آله و سلم) بِمَكَارم الأخلاقِ فَامْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ، فَإِنْ كَانَتْ فِيكُمْ فَاحْمَدُوا اللهَ وَارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي الزِّيَادَةِ مِنْهَا ، فَذَكَرَهَا عَشَرَةُ : اليَقِينُ وَالْقَنَاعَةُ وَالصَّبْرُ وَالشَّكْرُ وَالْحِلْمُ وَحُسْنُ الْخُلْقِ وَالسَّخَاءُ وَالغِيرَةُ وَالشَّجَاعَةُ وَالْمُرُوةُ»(1).)ونقل هذا الحديث بعدة طرق . إلا أنه ذكر في كتاب (معاني الأخبار «الرَّضا» بدلاً عن «الحلم».)وروى الفيض الكاشاني في كتاب «الوافي» هذا الحديث عن كتاب «الكافي» مع اختلاف يسير .وعن المجالس بإسناده عن الصادق جعفر بن محمد (علیه السّلام أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِمَكَارِم الأَخْلاقِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّهَا وَإيَّاكُمْ وَمَدَامَ الأَفْعَالِ فَإنَّ اللَّهَ يُبْغِضُهَا - إلى أَنْ قَالَ - : وَعَلَيْكُمْ بِحُسْنِ الْخُلْقِ فَإِنَّهُ يَبْلُغُ بِصَاحِبِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ - الحديث»(2).)الكافي : بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام قال: «إنَّ أَكْمَلَ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلقاً»(3).)وبإسناده عن علي بن الحسين (علیه السّلام قال : «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): مَا يُوضَعُ فِي مِيزَانِ امْرِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَفْضَلُ مِنْ حُسْنِ خُلْقٍ»(4).)وعن أبي عبد الله (علیه السّلام قَالَ : «قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) أَكْثَرَ مَا تَلِجُ بِهِ أُمَّتِي الْجَنَّةَ تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلق»(5).)


1) كتاب من لا يحضره الفقيه، المجلد الثالث، رقم الحديث 4901 .

2) وسائل الشيعة، المجلد 11، الباب 6 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه ، ح8.

3) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب حسن الخلق ، ح2 .

4) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب حسن الخلق ، ح6 .

5) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب حسن الخلق ح6 ، 8، 12 .

وعن أبي عبد الله (علیه السّلام قَالَ : «الْبِرُّ وحُسْنُ الْخُلْقِ يُعَمِّرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الأعمار»(1).)وعن أبي عبد الله (علیه السّلام قالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى حُسْنِ الْخُلْقِ كَمَا يُعْطِي الْمُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَعْدُو عَلَيْهِ وَيَرُوحُ»(2).)إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة في هذا الموضوع .وكما أن حسن الخلق يوجب كمال الإيمان، وثقل الميزان، والدخول في الجنان، فإن سوء الخلق يكون على العكس من ذلك حيث إنه يفسد الإيمان، ويلقي بصاحبه في العذاب الأليم. كما أشير إلى ذلك في الأحاديث الشريفة :الكافي : بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام قال : «إِنَّ سُوءَ الْخُلُقِ لَيَفْسِدُ الْإِيْمَانَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ»(3).)وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله (علیه السّلام قال : «إِنَّ سُوءَ الْخُلُقِ لَيَفْسِدُ الْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ(4).)وعن أبي عبد الله (علیه السّلام قَالَ : «قَالَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم): أَبَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِصَاحِبِ الْخُلُقِ السَّيءِ بِالتَّوْبَةِ قِيلَ وَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : لأَنَّهُ إِذَا تَابَ مِنْ ذَنْبٍ وَقَعَ فِي ذَنْبٍ أَعْظَمَ منه»(5).)وعن أبي عبد الله (علیه السّلام قَالَ: «مَنْ سَاءَ خُلقَهُ عَذَبَ نَفْسَهُ»(6).)ومن المعلوم أن الخلق السيّىء يعذب الإنسان دائماً، ويبعث أيضاً على العذاب والظلمات. كما ذكرنا لدى شرحنا لبعض الأحاديث . والحمد لله أولاً وآخراً .


1) المصدر السابق .

2) المصدر السابق .

3) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب سوء الخلق ح 3 و 1 و 2 و 4 .

4) المصدر السابق .

5) المصدر السابق .

6) المصدر السابق .

## الحديث الثلاثون: «أقسام القلوب»### اشارة

بسندي المتَّصل إلى ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكُلَيني - رضوان الله عليه - عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، عن المفضَّل، عن سعد، عن أبي جعفر (علیه السّلام قال: «إنّ الْقُلُوبَ أَرْبَعَةٌ: قَلْبٌ فِيهِ نِفَاقٌ وَإِيمَانٌ، وَقَلْبٌ مَنْكُوسٌ، وَقَلْبٌ مَطْبُوعٌ، وَقَلْبٌ أَزْهَرُ أَجْرَدُ. فَقُلْتُ: مَا الْأَزْهَرُ؟ قَالَ: فِيهِ كَهَيْئَةِ السِّرَاج، فَأَمَّا الْمَطْبُوعُ فَقَلْبُ الْمُنَافِقِ، وَأَمَّا الْأَزْهَرُ فَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ، إِنْ أَعْطَاهُ شَكَرَ وَإِن ابْتَلَاهُ صَبَرَ، وَأَمَّا الْمَطْبُوعُ فَقَلْبُ الْمُشْرِكِ؛ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًا عَلى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْنْ يَمْشِي سَوِيَا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(1)فَأَمَّا الْقَلْبُ الَّذِي فِيهِ إِيمَانُ وَنِفَاقُ فَهُمْ كَانُوا بِالطَّائِفِ فَإِنْ أَدْرَكَ أَحَدَهُمْ أَجَلُهُ عَلى نِفَاقِهِ هَلَكَ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ عَلَى إِيمَانِهِ نَجَا»(2).


1) سورة الملك، الآية : 22 .

2) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر ، باب في ظلمة قلب المنافق ، ح 2 .

الشرح:

«المنكوس» أي المقلوب يقال : نَكَسْتُ الشَّيْءَ أَنكُسْهُ نَكْساً : قَلَبْتُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وفي الصحاح الوَلَدُ المَنْكُوسُ : الذي يَخْرُجُ رِجْلَاهُ قَبْلَ رَأْسِهِ. ويقرب من هذا المعنى ما في الآية الشريفة مُكِباً عَلى وَجْهِهِ وقد استشهد (علیه السّلام) بهذه الآية، لأن الإكباب هو السقوط على الوجه، وهو كناية عن أن قلوب أهل الشرك مقلوبة، وأن حركتهم وسيرهم تكون على غير الصراط المستقيم، كما يأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى .

و«المطبوع» : أي المَخْتومُ، وَالطَّبْعُ بِالسُّكون: الخَلْمُ، وَبِالتَّحْرِيكِ الدَّنَسُ وَالْوَسَخُ . فإذا كان بمعنى المختوم كان كناية عن عدم تغلغل كلمة الحق والحقائق الإلهية في قلوبهم، ورفضها لتقبل تلك الحقائق، ولا يكون بمعنى أن الحق سبحانه يحجب الطافه الخاصة عن تلك القلوب، وإن كان هذا التفسير أيضاً صحيحاً. ولكن المعنى الأول هو الأنسب .

و«الأزهر»: الأبْيَضُ الْمُسْتَنِيرُ كَما عَن «النَّهَايَةِ»(1). وفي «الصَّحاح»: «الأَزْهَرُ : النيرُ وَيُسَمَّى الْقَمَرُ الأَزْهَرَ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : الأَزْهَرَانِ : الشَّمْسُ وَالقَمَرُ، وَرَجُلٌ أَزْهَرُ أي أبْيَضُ مُشْرِقُ الْوَجْهِ وَالْمَرْأَةُ : الزَّهْرَاءُ».

و«الأجْرَدُ»: الَّذِي لَيْسَ فِي بَدَنِهِ شَعْرٌ. وفي «الصحاح»: الجُرْدُ : فَضاء لا نَباتَ فيه. وهذه كناية عن عدم تعلق قلبه بالدنيا أو عن خلوه من الغلّ والغشّ . ونحن سنذكر ما يتناسب والمقام عند شرحنا للحديث الشريف، ضمن مقدمة وفصول عديدة .


1) النهاية، ج 2، مادة زهر .

مقدمة في الترغيب من إصلاح النفس

إعلم أن للقلب في شريعة الإسلام ولدى الحكماء والعرفاء، معان مختلفة، وأن بيان حقيقة القلب والمصطلحات المختلفة فيه، ومراتب القلوب ودرجاتها، خارج عن وظيفة هذا الكتاب، وغير ناجع لنا كثيراً أيضاً. فالأحسن أن نقتصر أيضاً على ذلك الغموض الموجود في الروايات الشريفة، المشتملة على ذكر القلب ونتجاوزه، كما فعلته تلك الروايات . ونذكر ما هو لنا هام وضروري .

لا بد من معرفة أن السعي في سبيل إصلاح القلب الذي يكون في صلاحه أو فساده أساس السعادة والشقاء أهم من البحث عن حقيقة القلب وعن المصطلحات الرائجة فيه(1)، بل قد يسبّب الانشداد إلى المصطلحات الواردة في القلب، والأبحاث المذكورة من حوله، والغور فيها الغفلة عن القلب نهائياً والتأخر في إصلاحه، وإنه قد أستاذاً يصير في شرح حقيقة القلب وماهيّته والمصطلحات المذكورة من قبل الحكماء والعرفاء في القلب، ولكن قلبه والعياذ بالله سيكون مقلوباً ومنكوساً. مثل الإنسان الذي يعرف خصائص الأدوية وآثارها الضارة أو النافعة، ويشرح كل واحد من ذلك بصورة جيدة، ولكنه لا يكون على حذر من الأدوية الضارة، ولا ينتفع من الأودية المجدية، فمن المسلّم أن مصير إنسان كهذا رغم إلمامه الواسع بالأدوية، الهلاك، ولن ينقذه علمه أبداً .

إننا ذكرنا سابقا(2)بأن العلوم بأسرها تكون للعمل، حتى علوم المعارف الإلهية حيث لها انعكاسات عملية أيضاً. ونقول هنا بأن علم أحوال القلوب وكيفية صحتها ومرضها وصلاحها وفسادها، من العلوم التي تعدّ مقدمة للعمل، وأداة لعلاج القلب وإصلاحه. وأما الإحاطة بهذه الأمور واستيعابها فلا يعتبر من الكمالات الإنسانية .


1) إعلم أنه ليس المقصود من هذا العرض عدم جدوى علم الأخلاق ومنجيات النفس ومهلكاتها، بل المقصود أنه يكون مقدمة للعمل وليس بشيء مستقل حتى يستنزف منا الوقت في سبيل تجميع المصطلحات ويمنعنا من بلوغ الهدف (منه عفي عنه) .

2) تقدّم في ص 465 .

إذن لا بد للإنسان أن يركّز انتباهه على إصلاح القلب، ويجعل مبتغاه، إكماله حتى ينال منتهى السعادة الروحانية، والمراتب العالية الغيبية . وإذا ما كان هذا الإنسان من أصحاب العلوم والدقائق والحقائق، لكان همّه الوحيد في غضون سيره في الآفاق والأنفس تحسين حالاته النفسية، فلو كانت الحالة النفسيّة من المهلكات لأصلحها، ولو كانت من المنجيات لبذل الجهد في سبيل تكميلها .

فصل: في بيان مصدر اقسام القلوب ومراتبها

إعلم أن التقسيم المذكور في الحديث الشريف للقلوب، تقسيم كلي ومجمل، وأن لكل قسم من القلوب الأربعة مراتب و درجات، سواء كان من ناحية الشرك والنفاق أو من ناحية الإيمان والكمال. ومن الظاهر أن هذا التقسيم للقلوب يكون على أساس تبلورها وتحركها حسب التحرك المعنوي دون التحرك من منطلق الفطرة والسجيّة، حتى لا يحصل التهافت والتضارب بين هذه الرواية التي تقسم القلوب، وبين أخبار الفطرة التي تقول بأن كل قلب ومولود يولد على فطرة التوحيد، وأن الشرك والنفاق طارئان وعرضيان، رغم صحة القول بأن الشرك والنفاق أيضاً من الفطرة على ضوء بعض البيانات حيث يكونان نتاج ظروف تربوية واجتماعية ترتبط بالفطرة، من دون أن يؤدي مثل هذا الكلام إلى الجبر المستحيل كما لا يبقى مجال حينئذ للتضارب بين روايات الفطرة وهذه الرواية التي نحن بصدد شرحها .

ولكن الاحتمال الأول - مصدر أقسام القلوب التحرك المعنوي - هو الأقرب إلى البرهان والأصوب إلى الاعتبار. وقد سبق(1)منا القول بأن الإنسان ما دام موجوداً في هذا العالم - عالم الهيولى والتغير والتبدل الجوهري والصوري والعرضي - يستطيع أن ينقذ نفسه من كل مرتبة من مراتب النقص والشقاء والشرك والنفاق، ويبلغ بها مراتب الكمالات والسعادات الروحية والروحانية .


1) تقدّم في ص 316 .

ولا يتضارب هذا المعنى المذكور ، مع الحديث المعروف «الشَّقِيٌّ شَقِيٌّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ»(1)لأن الحديث الشريف لا يدل على أن السعادة والشقاء ذاتيان للإنسان غير قابلين للجعل - بالجعل المركب - بل يدل على معنى ينسجم مع الدليل والبرهان، حيث ثبت في محله أن الشقاء عائد إلى النقص والعدم، والسعادة إلى الكمال والوجود. وأن ما يمت إلى شجرة الوجود الطيبة فهو من الذات الحق المقدس، إما على أساس طريقة أفضل المتأخرين، وأكمل المتقدمين، نصير الملّة والدين خواجة نصير الدين الطوسي قدس الله نفسه(2)، من تسلسل الأسباب والمسببات. وإما على أساس طريقة أعظم الفلاسفة بصورة مطلقة الشيخ صدر المتألهين من الظاهر والمظهر والوحدة والكثرة. وأن ما يعود إلى النقص والعدم فهو من شؤون الشجرة الخبيثة التي هي دون مستوى الجعل .

ونستطيع أن نقول بأن المقصود من «بطن الأم» الذي تستند السعادة والشقاء إليه، حسب ما ورد في الحديث الشريف، هو عالم الطبيعة المادية، حيث يكون أُمّاً لكل شيء مادي ومشيمة لتربية ما هو من الطبيعة . ولا نستطيع أن نفسر بطن الأم حسب المتعارف لدى الناس - من رحم الأم - لأن الظاهر من الرواية هو السعادة الفعلية في بطن الأم، مع العلم بأن السعادة التي تعدّ من الكمالات والفعليات، لا تتوفر للنفوس الهيولائية على نحو الفعلية فعلاً، وإنما تكون على أساس الاستعداد والأهلية والقوة، وعليه يكون الظاهر من الحديث هو أن السعيد، يكون في بطن أمه سعيداً بالفعل، في حين أن الدليل الفلسفي يقودنا إلى السعادة على نحو بالقوّة. فلا بد من مخالفة ظاهر الحديث الشريف .

ولمّا كان شرحنا للحديث متطابقاً مع البراهين، كان من المتعين تفسير الحديث الشريف على ضوء ما بيناه أو ما يؤول إليه.

وعلى أي حال إن الإسهاب في هذا الموضوع وعرض الأدلة الوافية، خارج عن وظيفة هذا الكتاب. ولكن القلم قد يطغى، ويجري على خلاف المقصود .


1) الجامع الصغير ، ج 2، ص 37 بحار الأنوار ، ج 5، كتاب العدل والمعاد، باب السعادة والشقاء، ح1 .

2) تقدّمت ترجمته باختصار في ص 292 .

في بيان وجه حصر أقسام القلوب في الأربعة المذكورة في الرواية

قال بعض : إن سبب انحصار أقسام القلوب في الأربعة هو : أن القلوب إما أن تتحلى بالإيمان أو لا. وعلى الأول إما أن تتصف القلوب بالإيمان بكل ما أتى به رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، أو تتصف ببعض ما يعتبر في الإيمان دون بعض؟ فالأول هو قلب المؤمن والثاني هو القلب المكتنف بالإيمان والنفاق وهو إما أن يعلن الإيمان ويظهره أو لا؟ فعلى الأول يكون القلب منافقاً وعلى الثاني يكون مشركاً .

وهذا التحليل لا ينسجم مع الحديث الشريف الظاهر في أن القلب الواحد قد يؤمن في الحقيقة بكل ما جاء به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقد ينافق .

وإذا أراد أحد أن يبرز الأقسام الأربعة، فالأفضل أن يقول: إن القلب إما أن يؤمن بكل ما جاء به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أو لا؟ وعلى الثاني إما يُظهر إيمانه أم لا؟ وعلى الأول إما أن يستقر فيه الإيمان من دون تزلزل، أو يؤمن حيناً، ويتراجع حيناً آخر رغم إفصاحه عن الإيمان أيضاً.

ويستفاد من ذيل هذا الحديث أن توبة من يتحول من الإيمان إلى الكفر والنفاق تكون مقبولة رغم نقضه للتوبة، وكرّر مثل هذا التراجع والتحول .

وفي حديث آخر في كتاب أصول الكافي بسنده إلى الإمام أبي جعفر (علیه السّلام) قال : «الْقُلُوبُ ثَلاثَةَ: قَلْبٌ مَنْكُوسَ لاَ يَعِي شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ وَهُوَ قَلْبُ الْكَافِرِ، وَقَلْبٌ فِيهِ سَوْدَاءُ فَالْخَيْرُ وَالشَرُّ فِيهِ يَعْتَلِجَانِ فَأَيُّهُما كَانَتْ مِنْهُ غَلَبَ عَلَيْهِ، وَقَلْبٌ مَفْتُوحٌ فِيهِ مَصَابِيحُ تَزْهَرُ وَلَا يُطْفَأَ نُورُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ»(1).

ولا تتنافى هذه الرواية مع الحديث الشريف السابق، لأن القسم الأول من هذه الرواية يعم قسمين من ذلك الحديث هنا : قلب المشرك والمنافق، لأن قلوب هؤلاء الطوائف الثلاثة : المشرك، المنافق، الكافر منكوسة، وهذا لا يتنافى مع كون «النكس» من الصفات الظاهرة لقلب المشرك والكافر وكون «المطبوع» من الصفات الظاهرة لقلب


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، باب في ظلمة قلب المنافق، كتاب الإيمان والكفر ، ح3 .

المنافق. ولهذا خص الحديث السابق كلاً من المنكوس والمطبوع بقسم من القلوب الأربعة .

فصل: في بيان حالات القلوب

ونحن نقدم الحديث من قلب المؤمن حتى يتبين وضع القلوب الأخرى عند مقارنتها مع قلب المؤمن .

لا بد من معرفة أنه قد ثبت بكل وضوح في العلوم الفلسفية العالية والمعارف الإلهية الحقة أن حقيقة الوجود، هي حقيقة النور، وأنهما عنوانان يحكيان عن حقيقة بسيطة واحدة، من دون أن يكون هناك تكثر وتعدّد. وثبت أيضاً أن كل ما يعد كمالاً وتماماً فهو عائد إلى الوجود بعينه. وهذا من المبادىء الأساسية المباركة التي من تشّرف بها واستوعبها، تنفتح عليه أبواب المعارف. وأما نفوسنا الضعيفة فهي قاصرة وعاجزة حقاً عن إدراك تلك الحقيقة اللهم إلا إذا توفرت له نجدة غيبية، وتوفيق أزلي إلهي .

ومن الواضح أيضاً أن الإيمان بالله من نوع العلم وأنه من الكمالات المطلقة، وبما أنه من الكمالات فهو أصل الوجود، وأصل حقيقة النور والظهور، وما لا يكون من الإيمان وتوابعه، فهو خارج عن نطاق الكمالات النفسية الإنسانية، وملحق بظلمات الأعدام والماهيات .

في بيان أن قلب المؤمن أزهر

إذن : تبين أن قلب المؤمن أزهر. وفي «الكافي» الشريف بسنده إلى أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ تَجِدُ الرّجُلَ لاَ يُخْطِئُ بِلامٍ وَلَا وَاوِ خَطِيباً مَضْقَعاً وَلَقَلْبُهُ أَشَدَّ ظُلْمَةٌ مِنَ اللَّيْلِ الْمُظْلِم، وَتَجِدُ الرّجُلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَبَرَ عَمَّا فِي قَلْبِهِ

بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ يَزْهَرُ كَمَا يَزْهَرُ الْمِصْباحُ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب في ظلمة قلب المنافق ، ح 1 .

وإنه أيضاً يسلك الصراط المستقيم، وينتهج في سيره الروحاني الجادة السوية الإنسانية . وذلك :

أولاً : لم يخرج قلب المؤمن من الفطرة التي فطرها الله والتي عجنها الحق المتعالي وخمرها بيديه الجمالية والجلالية فترة أربعين صباحاً، وعليه ينتهج قلب المؤمن على ضوء فطرة التوحيد التي هي التوجه والانشداد إلى الكمال المطلق والجمال التام، ولا محالة يكون هذا السير الروحاني لقلب المؤمن من مرتبة الفطرة المخمّرة حتى منتهى الكمال المطلق من دون أدنى اعوجاج وانحراف . وهذا هو الطريق الروحاني المستقيم، والجادة المستوية الغيبية . وأما القلوب الأخرى فهي خارجة عن فطرتها ومجانبة للسبيل المستقيم. وقد نقل عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه رسم على الأرض خطاً مستقيماً ثم رسم خطوطاً متقاطعة للخط المستقيم ثم قال إن الخط المستقيم هو صراطي ومنهجي(1).

في بيان أن المؤمن على الصراط المستقيم

وثانياً : إن المؤمن يتبع الإنسان الكامل. ولمّا كان الإنسان الكامل مظهراً لجميع الأسماء والصفات، ومربوباً للحق المتعالي بالاسم الجامع ، لم تكن لاسم غلبة على آخر في التصوف في الإنسان الكامل، وغدا - الإنسان الكامل - مثل ربه المتعالي وجوداً جامعاً من دون تفوق مظهرية اسم على اخر. واحتوى على مقام الوسطية والبرزخية الكبرى، وتم سيره على الصراط المستقيم الطريق الوسط الذي هو الاسم الجامع . وأما الكائنات الأخرى فيكون كل واحد منها مظهراً لاسم من الأسماء المحيطة أو غير المحيطة، ومتأثراً به، ويكون مبدؤه ومعاده نفس ذلك الاسم. وأما الاسم المقابل له فيكون في الغيب والباطن، ويكون تصرفه في ذلك الكائن من خلال أحدية الأسماء ولا مجال لنا حتى نشرح ذلك. فإذن الحق المتعالي في مقام الاسم الجامع ورب الإنسان، على الصراط المستقيم كما ورد في القرآن الكريم إِنَّ رَبِّي عَلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم(2)بمعنى مقام الوسطية والجامعية من دون غلبة صفة على أخرى، وظهور اسم دون آخر .


1) تفسير القرآن الكريم، صدر المتألهين ، ج 4 ، تفسير آية الكرسي . علم اليقين، ج 2، ص 967 .

2) سورة هود، الآية : 56 .

ويكون مربوب الذات المقدس الموجود في مقام الوسطية والجامعية على الصراط المستقيم أيضاً، من دون ترجح مقام على مقام، وشأن على شأن. كما يطلب هذا

المربوب، في معراجه الصعودي الحقيقي، ولدى منتهى وصوله إلى مقام القرب، بعد عرضه العبودية على الذات المقدس، وإرجاع كل عبادة وعبودية من كل عابد إلى الذات المتعالي، وحصر الإعانة في جميع مقامات القبض والبسط في ذاته جل جلاله بقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يطلب هذا المربوب قائلاً إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . وهذا الصراط هو الصراط الذي يهيمن عليه رب الإنسان الكامل، على وجه الربوبية والظاهرية - الإظهار والخلق - ويكون دور الإنسان الكامل، المربوبية والمظهرية - المخلوق -.

وأما الموجودات الأخرى، والسائرون إلى الله، فلا تنتهج الصراط المستقيم، بل تنزع إمّا نحو جانب اللطف والجمال، أو نحو جانب القهر والجلال .

وأما المؤمنون فلما كانوا تابعين في مسيرتهم للإنسان الكامل وواضعين خطاهم في موضع أقدامه وسائرين على ضوء نور هدايته ومعرفته، ومستسلمين للذات المقدس للإنسان الكامل، غير معتمدين على أنفسهم خطوة واحدة في سيرهم الروحاني إلى الله ، فلما كان المؤمنون كذلك كانوا من السالكين على الصراط المستقيم أيضاً وكان حشرهم مع الإنسان الكامل، ووصولهم تبعاً لوصول الإنسان الكامل، شرط محافظتهم على صفاء قلوبهم من تصرّف الشياطين والإنية والأنانية، بل واستسلامهم في المسير كلياً للإنسان الكامل ومقام الخاتمية .

في بيان مكائد الشيطان

ومن التصرفات الخبيثة للشيطان، إضلال القلب وإزاغته عن الصراط المستقيم وتوجيهه نحو فاتنة أو شيخ مرشد. ومن إبداع الشيطان الموسوس في صدور الناس، الفريد من نوعه، هو أنه مع بيان عذب ومليح، وأعمال مغرية، قد يعلق بعض المشائخ بشحمة أذن فاتنة جميلة ويبرر هذه المعصية الكبيرة بل هذا الشرك لدى العرفاء، بأن القلب إذا كان متعلقاً بشيء واحد، استطاع أن يقطع علاقاته مع الآخرين بصورة أسرع، فيركّز كلّ توجهه أولاً على الفتاة الجميلة بحجة أن القلب ينصرف عن غيرها وأنه منتبه إلى

شيء واحد ثم يقطع هذا الارتباط الوحيد ويركّز قلبه على الحق المتعالي. وقد يدفع الشيطان بإنسان أبله نحو إنسان أبله، نحو محيّا مرشد مكّار وحش، بل شيطان قاطع للطريق ويلتجىء في تبرير هذا الشرك الجلّي إلى أن هذا المرشد هو الإنسان الكامل، وأنه لا سبيل للإنسان في الوصول إلى مقام الغيب المطلق إلا بواسطة الإنسان الكامل المتجسد في المرآة الأحدية للمرشد، ويلتحق كل منهما حتى نهاية عمرهما بعالم الجن والشياطين: حيث يفكر المرشد في جمال معشوقه ومفاتنه، وهذا الإنسان البسيط بتركيز الانتباه على محيا مرشده البائس المنكوس حتى آخر حياته. فلا تنسلخ العلقة الحيوانية عن هذا المرشد، ولا يبلغ ذلك الإنسان الأبله الأعمى إلى منشوده ومبتغاه .

ولا بد من معرفة أن المؤمن لمّا كان سيره في هذا العالم معتدلاً، وقلبه سوياً، وتوجّهه نحو الله وصراطه مستقيماً، كان في ذلك العالم أيضاً صراطه مستقيماً وواضحاً، وجسمه معتدلاً وصورته وسيرته وظاهره وباطنه في صورة الإنسان وهيئته . وعند مقارنة قلب المشرك مع قلب المؤمن، نستطيع أن نفهم موقع قلب المشرك ومصيره، فحيث إن قلبه قد خرج عن الفطرة الإلهية، وانحرف عن النقطة المركزية للكمال، وعن بحبوحة النور والجمال، وابتعد عن التبعية للهادي المطلق والولي الكامل، وانشغل بإنيته وأنانيته بالدنيا وزخارفها، لم يحشر المشرك في العوالم الأخرى في سيرة الإنسان وصورته المعتدلة، وإنما يحشر في صورة حيوان منكوس الرأس، لأن الهيئة والصورة في ذلك العالم تتبع القلوب، وإن الظاهر هناك ظل لباطن الإنسان هنا، وإن القشر انعكاس للبّ وإن مواد ذلك العالم لا تأبى الأشكال الملكوتية الغيبية، كما هوشأن المواد في هذا العالم التي لا تقبل الأشكال المختلفة. وقد ثبت كل ذلك في محله بالدليل والبرهان .

فالقلوب التي أعرضت عن الحق والحقيقة، وخرجت عن فطرتها المستقيمة وأقبلت على الدنيا، ألقت بظلالها على ذلك العالم حيث يخرج أصحابها هناك من الاعتدال ويصبحوا منكوسين ، ومتجهين نحو عالم الطبيعة والدنيا التي تعتبر أسفل السافلين. فمن المحتمل أن يمشي البعض مكباً على وجهه وتكون ساقاه نحو الأعلى ويمشي بعض على بطنه، وبعض على يديه ورجليه، كما كان اتجاهه في هذا العالم

أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِباً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(1)فمن الممكن أن هذا الاستعمال المجازي في هذا العالم المجازي، يتحول إلى واقعية وحقيقة في عالم الحقائق والظهور للروحانيات والغيبيات . لقد فسرت الأحاديث الشريفة : الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ المذكور في نهاية هذه الآية المباركة بالإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) والأئمة المعصومين (علیهم السّلام):

عن الكافي بإسناده عن أبي الحسن الماضي (علیه السّلام) قال : «قُلْتُ: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِباً عَلى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ مَثَلاً ، مَنْ حَادَ عَنْ وِلَآيَةِ عَلِيٍّ (علیه السّلام) كَمَنْ يَمْشِي عَلَى وَجْهِهِ لا يَهْتَدِي لِأَمْرِهِ، وَجَعَلَ مَنْ تَبِعَهُ سَوِياً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَالصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السّلام)»(2).

وعن الفضيل قَالَ : «دَخَلْتُ مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السّلام) الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَهُوَ مُتَّكِيءٌ عَلَيَّ فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ وَنَحْنُ عَلى بَابِ بَنِي شَيْبَةَ فَقَالَ يَا فُضَيْلُ هَكَذَا كَانُوا يَطُوفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَعْرِفُونَ حَقًّا وَلَا يَدِينُونَ دِيناً يَا فُضَيْلُ أنْظُرْ إِلَيْهِم مُكِيِّينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ لَعَنَهُمُ اللهُ مِنْ خَلْقٍ مَسَخَهُمْ رَبُّهُمْ مُكَبِّينَ عَلى وُجُوهِهِمْ ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ أَفَمَنْ يَمْشِي - الخ - مُكِباً عَلى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يَعْنِي عَليا (علیه السّلام) والأوصياء (علیهم السّلام)»(3).

ونحن قد ذكرنا(4)بأن الإنسان الكامل يمشي في سيره الباطني الغيبي على الصراط المستقيم، وأما بيان أن الإنسان الكامل بنفسه صراطاً مستقيماً، فهو خارج عن مقصدنا وهدفنا فعلاً.


1) سورة الملك، الآية : 22 .

2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية ، ح 91 .

3) روضة الكافي، ح434 . وعن حمران قال: «سمعت أبا جعفر (علیه السّلام) يقول قول الله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل قال علي بن أبي طالب والأئمة من ولد فاطمة هم صراط الله فمن أباهم سلك السبل» (بحار الأنوار ، ج 24 ، كتاب الإمامة ، باب 24 ، ح 17) .

4) في ص 580 .

تتميم: في بيان قلب المنافق، واختلافه مع قلب المؤمن

تبيّن من الفصل السابق وضع قلب المؤمن والمشرك بل الكافر أيضاً. وتبيّن حال قلب المنافق لدى المقارنة مع قلب المؤمن أيضاً. فإن قلب المؤمن لم يخرج من فطرته النقية الناصعة الطاهرة، وكلّما يُلقى عليه من الحقائق الإيمانية والمعارف الحقة يتلقّاها بالقبول، ويبقى الانسجام بين الغذاء والمتغذي، بين المدرك - بفتح الراء - والمدرك بكسر الراء - من المعارف والحقائق من جهة ومقام الفطرة للقلب من جهة أخرى . ولهذا عبر عن قلب المؤمن في حديث آخر منقول في كتاب «الكافي» الشريف بـ«المفتوح»(1)وهذا الفتح وإن أمكن أن يكون إشارة إلى إحدى الفتوحات الثلاثة(2)، ولكنه أيضاً يتناسب مع هذا المعنى الذي ذكرناه .

وأما قلب المنافق، فبما أنه قد عَلِقَتْ به الأقذار والظلمات التي تتنافى مع فطرة الإنسان مثل التعصّب الجاهلي، والخلق الذميم، وحبّ النفس والجاه وغير ذلك مما لا تتناسب مع الفطرة، غدا مختوماً ومغلقاً ومطبوعاً ورافضاً لتقبل كلام الحق نهائياً، ومضاهياً لصفحة سوداء لا تجدي النقوش معها والرسوم عليها، مع العلم بأن تمسكه بالديانة والتظاهر بها، وسيلة شيطانية لتسيير أموره وتطوير دنياه.

ولا بد من معرفة أن قلب المشرك والمنافق منكوس ومطبوع، كما هو واضح، ولكن اختصاص كل من القلبين بأحدهما من أجل أن المشرك يخشع قلبه لدى العبادة لغير المعبود الحقيقي ولغير الكمال المطلق، فيكون لقلبه خصوصيتان إحداهما أصل الخضوع الصادق المتمثل في العبادة وثانيهما أنه لمّا كان هذا الخضوع للناقص والمخلوق، كان سبباً للنقص والكدر في القلب، فيكون قلبه منكوساً فيساوي المشركين في انتكاس قلبه، ويمتاز عليهم أيضاً بخصوصيّة أخرى - تذكر بعد قليل -. وقد يكون المنافق كافراً وجاحداً


1) وقلب مفتوح فيه مصابيح تزهر . أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب في ظلمة قلب المنافق ، ح 3 ص 423 .

2) الفتوحات الثلاثة هي: الفتح القريب، والفتح المبين، والفتح المطلق .

في الواقع، لجميع الشرائع، فهو أيضاً منكوس القلب، ولكن تتوفر فيه خصوصية أخرى بارزة أكثر هي أنه يصغي إلى الحق بحسب الظاهر ويعيش مع أهل الحق، وتطرق سمعه أحاديث الحق كما تطرق سمع المؤمنين كلمات الحق ولكن المؤمنين لصفاء باطنهم تكون قلوبهم مفتوحة فيتلقونها بالقبول التام، وأما المنافقون فلأجل الكدر والظلمات المحيطة بقلوبهم تكون قلوبهم مطبوعة ومختومة وترفض تلك الكلمات وتجحدها .

ثم إن تعرّض الحديث لخصوص صفتين من صفات المؤمن (إِنْ أَعْطَاهُ شَكَرَ وَإِنْ ابْتَلاهُ صَبَرَ) من أجل أن لهاتين الصفتين من صفات المؤمنين خصائص ومزايا لا تتواجد في غيرهما من الصفات، فإنهما من أمّهات الصفات الجميلة، وتتفرّع منهما صفات جميلة أخرى. ونحن قد ذكرنا شيئاً قليلاً منهما عند شرحنا لبعض الأحاديث المتقدمة(1).

ومن أجل أن هاتين الصفتين - أيضاً - من صفات الجلال والجمال، القهر واللطف، المتجلّيات بالعطاء والابتلاء. فإن الابتلاء وإن كان من صفات اللطف والجمال، ولكنه حيث يكون ظاهراً بالقهر، جعل منه. كما ذكر في بحث أسماء الحق وصفاته . والمؤمن ينهض دائماً بالعبودية بين هذين التجلّيين .

ختام في بيان أن الغفلة عن الحق المتعالي تبعث على انتكاسة القلب

تبيّن من العرض المتقدم أن النفوس المنكبّة على الدنيا، والملتهية بتعميرها والمنصرفة عن الحق، تكون منكوسة، رغم أنها تعتنق الإيمان بالمبدإ والمعاد، لأن المقياس في انتكاس القلوب، هو الغفلة عن الحق والانشغال بالدنيا وتعميرها. وهذا الإيمان بالمبدإ والمعاد إما لا يعد إيماناً وعقيدة كما ذكر في شرح بعض الإحاديث السابقة(2)، أو أن الإيمان يكون ناقصاً وبسيطاً جداً، وعليه لا يتنافى مع انتكاس القلب. بل إن من يظهر الإيمان بالغيب والحشر والنشر ، ولا يلتزم به، وإن إيمانه لا يدفع به إلى


1) تقدّم في الصفحات التالية : 287 و308 و 394.

2) الحديث التاسع والحديث العشرون والحديث السادس والعشرون .

عمل الجوارح والأركان، يكون مثل هذا الإنسان منافقاً ولا يكون مؤمناً. ويمكن أن يكون مَثَل هؤلاء المؤمنين في الظاهر، مَثَلَ قوم كانوا بالطائف - كما ورد في الحديث إن أدرك أحدهم أجله على نفاقه هلك وإن أدركه على إيمانه نجا - ونعوذ بالله من زوال هذا الإيمان الذي ليس له لبّ ولا جوهر ولا هيمنة على مُلك الجسم، ومن انتقال الإنسان من هذه الدنيا على النفاق، وحشره مع المنافقين. وهذا من الأمور الهامة التي لا بد أن تذعن لها نفوسنا الضعيفة، ونهتم بها ونكون حريصين على تعميق الإيمان في الظاهر والباطن والسرّ والعلن، ونجهد أنفسنا في سبيل هيمنة الإيمان على الظاهر أيضاً بعدما ندعي الإيمان في قلوبنا، حتى يتجذر الإيمان في القلب ولا يزول أمام أي عائق ومانع أو أي تغيير وتبديل، إلى أن يتّم تسليم هذه الأمانة الإلهية، والقلب الطاهر الملكوتي الذي تخمر بالفطرة الإلهية إلى الذات المقدس من دون أن تمتد إليه يد الشيطان والخيانة والحمد لله أولاً وآخراً.

الحديث الحادي والثلاثون: «إن الله عزّ وجلّ لا يوصف»

اشارة

بالسند المتَّصل إلى الشيخ الجليل أفضل المحدَّثين محمد ابن يعقوب الكُلَيْني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن ربعيَّ، عن زرارة، عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال: سمعته يقول: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يُوصَفُ، وَكَيْفَ يُوصَفُ وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقٌّ قَدْرِهِ(1)فَلا يُوصَفُ بِقَدَرٍ إلا كَانَ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ. وَإِنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لا يُوصَفُ، وَكَيْفَ يُوصَفُ عَبْد احْتَجَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِسَبْعٍ وَجَعَلَ طَاعَتَهُ فِي الْأَرْضِ كَطَاعَتِهِ فِي السَّمَاءِ فَقَالَ: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا(2)وَمَنْ أَطَاعَ هَذَا فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَانِي، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ، وَإِنَّا لا نُوصَفُ، وَكَيْفَ يُوصَفُ قَوْمٌ رَفَعَ اللهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَهُوَ الشَّكُ وَالْمُؤْمِنُ لا يُوصَفُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَلْقَى أَخَاهُ فَيُصَافِحُهُ فَلا يَزَالُ اللهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَالذُّنُوبُ تَتَحَاتُ عَنْ وُجُوهِهِمَا كَمَا يَتَحَاتُ الْوَرَقُ عَنِ الشَّجَرِ»(3)


1) سورة الأنعام، الآية : 91 .

2) سورة الحشر، الآية : 7 .

3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب المصافحة، ح16 .

الشرح:

قوله (علیه السّلام) وَ مَا قَدَرُوا اللهَ يقول الجوهري : القدر كون الشيء مساوياً لغيره بلا زيادة ولا نقصان وإن «قدر» بفتح الدال وسكونها مصدر ومعناها واحد. يقول الله سبحانه ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ(1)أي ما عظموا الله حق تعظيمه). انتهى .

يقول الكاتب : الظاهر أن القدر بمعنى كون الشيء مساوياً لغيره، وهو كناية عن عدم القدرة على توصيف الله وتعظيمه كما يجدر به سبحانه، و(قدره) وإن كان وصفاً موصوف في قالب الوصف، وسنشير إلى أن هذا التعبير من غير الحق المتعالي تجاه ذاته المقدس غير ميسور ولا جائز .

قوله (علیه السّلام): «فَلاَ يُوصَفُ بِقَدْر» قال المرحوم المجلسي (رحمه الله علیه): «كان خصّ القدرة بالذكر لأنها التي يمكن أن تعقل في الجملة من صفاته سبحانه أو هو على المثال ويمكن أن يقرأ بالفتح أي بقدر كما ورد في حديث آخر وهو أصوب»(2)وفي كتاب «الوافي» «بِقُدْرَةٍ» ولعله يكون بِقَدَرِه مع الهاء، كما ورد في بعض النسخ(3). وأما «بقُدْرَةِ» مع التاء فمن المظنون بل المقطوع به أنه من الأغلاط المطبعية، وذلك لعدم صيرورة المعنى واضحاً، ولعدم صحتها - القدرة - حسب ألفاظ الحديث حيث يعود إليها الضمير المذكر، وتأويل ذلك على خلاف القاعدة. وإنما التجأ المرحوم المجلسي إلى ما نقلنا عنه، لكونه من باب ضيق الخناق، مع أنه لا وجه للتفرقة بين إمكان تعقل قدرة الحق


1) سورة الأنعام، الآية : 91 .

2) مرآة العقول، المجلد 9 كتاب الإيمان والكفر ، باب المصافحة ، ح 16 ص 70 .

3) الوافي ، ج 5 ، ص 613.

إجمالاً حيث قال : «لأنها التي يمكن أن تعقل في الجملة من صفاته سبحانه»(1)وعدم إمكان تعقل بقية صفاته سبحانه. ولهذا نرى بأن مثل هذا التبرير للتفرقة لم يكن موجهاً حتى عنده أيضاً . قال : «وقد مرّ هذا الجزء من الخبر من كتاب التوحيد وفيه بقدر وهو أصوب»(2).

قوله (علیه السّلام): «تَتَحَاتُ» قال الجوهري في الصحاح : «الحَتُ : حَكُ الوَرَقِ مِنَ الغصن» وقال «تَحاثُ الشَّيْءُ : تَنَاثَرَه».

ونحن نشرح ما يتناسب مع هذا الحديث الشريف في فصول عدة .

فصل: في بيان المقصود من عدم توصيف الحق المتعالي

إعلم أن ما ورد في هذا الحديث الشريف : «إن الله عز وجل لا يوصف» إشارة إلى أوصاف وصفها، بعض أهل الجهل والجدل من المتكلمين، الحق المتعال. واستدعت هذه الأوصاف التحديد والتشبيه، بل التعطيل كما أشير إلى ذلك في الحديث بقوله تعالى : وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقٌّ قَدْرِهِ.

وفي باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى من كتاب «الكافي» المبارك روايات تدلّ على ذلك.

بإسناده عن عبدِ الرَّحيم بن عَتِيكِ القصير قَالَ: «كَتَبْتُ عَلَى يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أَعْيَنَ إلى أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السّلام): إِنَّ قَوْماً بِالْعِرَاقِ يَصِفُونَ اللَّهَ بِالصُورَةِ وَبِالتَّخْطِيط (بِالتَّخَاطِيطِ - خ ل) فَإِنْ رَأَيْتَ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ بِالْمَذْهَبِ الصَّحِيح فِي التَّوْحِيدِ. فَكَتَبَ إِلَى : سَألْتَ إِلَيَّ رَحِمَكَ اللهُ عَنِ التَّوْحِيدِ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قِبَلَكَ، فَتَعَالَى اللهُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، تَعَالَى عَمَّا وَصَفَهُ الْوَاصِفُونَ الْمُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ الْمُفْتَرُونَ عَلَى اللهِ .


1) مرآة العقول، المجلد 9، ص 70 - 71 ط دار الكتب الإسلامية، طهران.

2) مرآة العقول، المجلد 9، ص 70 - 71 ط دار الكتب الإسلامية، طهران .

فَاعْلَمْ - رَحِمَكَ اللهُ - أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ فِي التَّوْحِيدِ مَا نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَانْفِ عَنِ اللَّهِ الْبُطْلانَ وَالتَّشْبِية، فَلا نَفْيَ وَلَا تَشْبية، هُوَ اللهُ الثَّابِتُ الْمَوْجُودُ، تَعَالَى عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ، وَلاَ تَعْدُوا الْقُرْآنَ فَتَضِلُّوا بَعْدَ الْبَيَانِ (التَّبيانِ - خ ل)(1).

وبعد التدبر في صدر هذا الحديث الشريف وذيله، يفهم بأنه ليس المقصود من نفي توصيف الحق سبحانه عدم التفكر في صفات الحق المتعالي، وعدم توصيفه بصورة مطلقة، كما قال به بعض المحدثين الأجلاء(2)، إذ ورد في هذا الحديث وفي غيره من الروايات الأخرى(3)الأمر بنفي التعطيل والتشبيه عنه سبحانه، وهذا النفي لا يكون إلا بعد الوقوف على الصفات واستيعابها . بل المقصود لدى أبي عبد الله (علیه السّلام)، هو عدم توصيفه بما لا يليق بذاته المقدس الحق المتعالي، مثل إثبات الشكل والطول والعرض وغيرها من صفات المخلوقين، التي تلازم الإمكان والنقص . تعالى الله عنه .

وأما توصيف الحق المتعالي، بما يليق ويجدر بذاته المقدس، والذي أقيمت عليه البراهين الصحيحة في العلوم العالية الفلسفية، فهو أمر مطلوب، فإن كتاب الله سبحانه وسنة الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأحاديث أهل البيت (علیهم السّلام) مشحونة من ذلك، كما أن الإمام الصادق (علیه السّلام) لَمَّح في هذا الحديث الشريف إلى أن المقياس - في إثبات الأوصاف للحق سبحانه - هو البرهان الصحيح ولا يكون البحث في ذلك من ضمن مقصدنا .

وما أمر به الإمام الصادق (علیه السّلام) في توصيف الحق سبحانه، من لزوم عدم الخروج عمّا في القرآن الكريم بقوله : «إِنَّ الْمَذهَبَ الصَّحِيحَ فِي التَّوحِيدِ مَا نَزَلَ بِهِ الْقُرآنُ مِنْ صِفاتِ اللهِ» توجيه لمن لا يستوعبون المقياس من صفات الله سبحانه، وليس بمنع توصيف الله سبحانه بصفات لم تذكر في كتاب الله ولهذا نرى بأن الإمام صلوات الله عليه الذي أمر عبد الله بن علي بعدم توصيفه بوصف غير مذكور في كتاب الله مع أن هذا الإمام


1) أصول الكافي ، كتاب التوحيد، باب النهي عن الصفة ، ح1.

2) مرآة العقول، ج 1، کتاب التوحيد ، باب النهي عن التوصيف، ح1 .

3) التوحيد للشيخ الصدوق، الباب 2 . بحار الأنوار، ج 3، كتاب التوحيد، الباب9 ، ح13 .

بنفسه ينعت الحق بصفتين لم يعهد بهما في القرآن الكريم وهما الثابت والموجود .

نعم إذا أراد شخص أن يصف الحق المتعالي بوصف من وحي عقله القاصر المشوب بالأوهام، من دون أن يستنير بنور المعرفة والسداد الغيبي، لسقط إما في ضلال التعطيل والبطلان، وإما في هلاك التشبيه. فعلى أمثالنا الذين أسدلت على قلوبهم ستائر وحجبّ غليظة من الجهل والأنانية والعادات البشعة والخلق الغليظ الفظّ، أن لا نتطرق إلى عالم الغيب، ولا ننعت إلهاً على ضوء إدراكنا، لأن ما يخطر ببالنا لا يكون إلاّ مخلوقاً لنا .

ولا يخفى بأن المقصود من منع أمثالنا التطرق إلى عالم الغيب، ليس هو الإبقاء في عالم الجهل والأنانية أو والعياذ بالله دعوة الناس إلى الإلحاد بأسماء الله وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ(1)أو المنع من الوقوف على المعارف الإلهية التي هي عين الأولياء ومصباحهم وأساس الديانات وقاعدتها، بل إن نفس هذا الكلام - الكف عن التطرق لعالم الغيب - دعوة لإزالة هذه الحجب الغليظة، والانتباه إلى أن الإنسان ما دام ساقطاً في شباك حب الجاه والمال والدنيا والنفس، ويكون مَثَلُهُ ، مَثَل الكاتب القابع خلف حجب الجهل والضلال والعُجب والأنانية التي هي أغلظ الحجب، يكون بعيداً عن المعارف الحقة، ومحروماً من الوصول إلى هدفه ومبتغاه. وإذا لم تصله - والعياذ بالله - نجدة غيبية من الحق المتعالي أو أوليائه الكاملين، لما عرف المصير والنهاية لهذا المسير والحركة . أللَّهُمَّ إليكَ الشَّكوى وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ .

إلهنا : نحن التائهين في عالم الجهل، والمتحيرين في وادي الضلال، والمثقَّلين بالعُجب والأنانية، نحن الذين قدمنا على عالم المُلك والمادة، عالم الظلام، من دون أن نفتح أعين بصيرتنا، نشهد جمالك المنير في مرائي الصغار والكبار، ونرى بصيصاً من نورك الظاهر في أقطار السماوات والأرضين، ثم عشنا أيام حياتنا بعيون عُمي، وقلوب مهجورة، وأمضينا عمرنا في جهل وغفلة .

إلهنا إن لم تسعفنا وتسعنا رحمتك الواسعة، وعنايتك اللامتناهية، وإن لم تلق في


1) سورة الأعراف، الآية : 180 .

قلوبنا حرارة الحب وفي صدورنا العشق وفي أعماقنا الجذبات الروحية، لبقينا إلى الأبد في هذه الحيرة، ولما استطعنا أن نشقّ طريقنا ولكن «ما هكَذَا الظَّنُّ بِكَ»(1)إنك قد ابتدأت بالنعم وإن رحمتك قديمة لا مثيل لها .

إلهنا : تفضّل علينا وكن في عوننا، واهدنا إلى أنوار جمالك وجلالك، وأنر قلوبنا بضياء أسمائك وصفاتك .

في بيان أن العلم بحقيقة الأسماء والصفات غير ميسور

لا يخفى على أحد بأن استيعاب حقيقة أوصاف الحق، والإحاطة بها وبكيفيتها، من المسائل التي تكون يد البرهان قاصرة عن الوصول إلى قممها، وآمال العارفين مقطوعة عن البلوغ إلى مغزاها. وما ذكر من البراهين والآراء الدقيقة على يد علماء الحكمة والفلسفة أو في أبحاث الأسماء والصفات لأرباب المصطلحات العرفانية، يكون صحيحاً حسب مسلكهم ومبادئهم التي ينطلقون منها ، ولكن نفس العلم حجاب غليظ، فإذا لم يخرق هذا الحجاب بتوفيق من الله سبحانه في ظل التقوى الكاملة والترويض المجهد للنفس والانقطاع التام لله والمناجاة الصادقة معه، لم تشرق في قلب السالك أنوار الجمال والجلال، ولم يشهد قلب المهاجر إلى الله، المشاهدات الغيبية، ولم يتمتع بالحضور العيني لتجلّيات الأسماء والصفات، فضلاً عن الحظوة بالتجليات الذاتية . وهذا المعنى يجب أن لا يُحجم الإنسان عن البحث والطلب الذي هو تذكر للحق سبحانه . إذ أن من النادر جداً، غرس الشجرة الطيبة للمعرفة في القلب أو إنعاشها ونضارتها من دون بذر علوم حقة كافة شرائطها المعهودة، فالإنسان لا بد وأن يواظب في بدء الأمر على الرياضة العلمية مع النهوض بجميع شرائطها ومتمماتها ، ولا يسحب يده منها حيث قالوا : «العلوم بذر المشاهدات»(2). وإن لم تنتج العلوم في هذا العالم من جرّاء العوائق، نتيجة مجدية وتامة، لأثمرت في عوالم أخرى ثمرات طيبة، ولكن المهم هو النهوض بشرائطها ومقدماتها .


1) دعاء كميل، مصباح المتهجد، ص 587 .

2) الأسفار الأربعة، ج 9 ، تفسير صدر المتألهين، تفسير آية 17 من سورة الأعلى.

وقد تحدثنا عن بعض الشرائط والمقدمات لدى شرحنا لبعض من الأحاديث المتقدمة .

فصل: في بيان أن العلم بحقيقة روحانية الأنبياء والأولياء لا يمكن أن يتم بالفكر والبرهان

إعلم أنه لا يمكن معرفة روحانية ومقام خاتم الأنبياء (علیهم السّلام) خاصة، والأنبياء العظام والأولياء المعصومين (علیهم السّلام) عامّة التفكر والتدبر وسير الآفاق والأنفس، لأن هؤلاء الأجلاء منبعهم من الأنوار الغيبية الإلهية، والمظاهر التامة للجلال والجمال، وآياتهما الباهرة. وقد بلغوا في سيرهم المعنوي، وسفرهم إلى الله الغاية القصوى، والفناء في الذات، ومنتهى العروج: قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، رغم أن صاحب هذا المقام بالأصالة هو النبي الخاتم (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأن الأنبياء الآخرين السالكين لطرق العروج يبلغون هذا المقام السامي تبعاً للذات المقدس للنبي الخاتم (صلی الله علیه و آله و سلم).

ونحن لسنا بصدد بيان كيفية سير خاتم الأنبياء صلوات الله عليه، وبيان الفارق بين معراجه الروحاني ومعراج جميع الأنبياء والأولياء الأنبياء والأولياء (علیهم السّلام). وإنما نكتفي بذكر رواية واحدة تتحدث عن نورانيتهم، لأن إدراك نورانيتهم ، يفتقر أيضاً إلى نورانية باطنية وجذبة إلهية .

الكافي : بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : «سَأَلْتُهُ عَنْ عِلْمِ الْعَالِمِ، فَقَالَ لِي: يَا جَابِرُ، إِنَّ فِي الأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْصِيَاءِ خَمْسَةَ أَرْوَاحَ: رُوحُ الْقُدُسِ وَرُوحُ الْإِيْمَانِ وَرُوحُ الْحَيَوةِ وَرُوحُ الْقُوَّةِ ورُوحُ الشَّهْوَةِ. فَبِرُوحِ الْقُدُسِ - يَا جَابِرُ - عَرَفُوا مَا تَحْتَ الْعَرْشِ إلى مَا تَحْتَ الثّرى، ثُمَّ قَالَ : يَا جَابِرُ، إِنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ أَرْوَاحٍ يُصِيبُهَا الْحِدْثَانُ إِلَّا رُوحَ القُدُس فَإِنَّهَا لا تَلْهُو وَلا تَلْعَبُ»(1).

وبإسناده عن أبي بصير قال : «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (علیه السّلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى


1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة ، باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة (علیهم السّلام)، ح2 .

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ(1)قال : خَلْقَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْظَمُ مِنْ جَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ، كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) يُخْبِرُهُ وَيُسَدِّدُهُ وَهُوَ مَعَ الْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ»(2). يفهم من الحديث الأول، أن للأنبياء والأوصياء (علیهم السّلام) مقاماً شامخاً من الروحانية يدعى بـ(روح القدس) ومن خلاله يتمتعون بالإحاطة العلمية القّيومية لجميع الكائنات حتى ذراتّها الصغيرة جداً، ولا توجد فيها الغفلة والنوم والسهو والنسيان وكافة الحوادث والتغيرات والنقائص المُلكية، بل تكون من عالم الغيب المجرد، والجبروت الأعظم. كما يستفاد من الحديث الثاني، أن تلك الروح المجردة الكاملة، أعظم من جبرائيل وميكائيل (علیه السّلام) رغم أنهما أعظم القاطنين في مقام قرب الجبروت .

نعم إن الأولياء، الذين تخمّرت طينتهم على يدي قدرة الجمال والجلال للحق المتعالي، وتجلّى سبحانه في مرآتهم الكاملة، لدى التجلي الذاتي الأول بجميع الأسماء والصفات ومقام أحدية الجمع، وتعلّموا حقائق الأسماء والصفات في مقام غيب الهوية . إن مقام هؤلاء الأولياء أسمى وأرفع من أن تنال آمال أهل المعرفة أطراف كبرياء جلالهم وجمالهم، وأن تبلغ خطوات معرفة أهل القلوب ذروة كمالهم. وفي الحديث النبوي الشريف «عَلِيٌّ مَمْسُوسٌ فِي ذَاتِ اللهِ تعالى»(3)والكاتب قد وضع كتاباً متواضعاً في الأيام السابقة باسم (مصباح الهداية)(4). وصف فيه نبذة من مقام النبوة والولاية. مثل وصف الخفاش الشمس المضيئة للعالم .


1) سورة الشورى، الآية : 52 .

2) الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب الروح التي يسدد الله ... ح1.

3) بحار الأنوار، المجلد 39 تاريخ أمير المؤمنين الباب 88 ، ح 5 ، ص 313.

4) مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية كتاب قيم الله الإمام الخميني (عام 1349هـ. ق). وهو يشتمل على مقدمة ومشكاتين وخاتمة. أما المشكاة الأولى ففي أسرار خلافة محمد بن عبد الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وولاية علي ابن أبي طالب (علیه السّلام) في الحضرة العلمية. وأما المشكاة الثانية في بيان بعض أسرار الخلافة والولاية والنبوة في عالم نشأة العين وعالم الأمر والخلق. يقول الإمام (قدّس سرّه) في المقدمة عن موضوع الكتاب : (أحببت أن أبين لك في هذا الكتاب قدراً قليلاً من حقيقة الخلافة المحمدية ورشحة من بحر حقيقة الولاية العلوية وكيف أن هاتين الحقيقتين تجريان في عوالم الغيب والشهادة ومؤثرتان في مراتب النزول والصعود .

فصل: في بيان معنى قوله عليه السلام كيف يوصف عبد احتجب الله عزّ وجلّ بسبع

هناك احتمالات في هذه الجملة المذكورة في الحديث الشريف «كَيْفَ يُوصَفُ عَبْدٌ احْتَجَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِسَبْع» نذكر بعضها :

الاحتمال الأول : - ما ذكره بعض العارفين - المحدث العارف الكامل المرحوم فيض الكاشاني رحمه الله تعالى - أنه : (قد ورد في الحديث أن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره، وعلى هذا فيحتمل أن يكون معنى قوله (علیه السّلام) «احْتَجَبَ اللهُ بِسَبْع» أنه (صلی الله علیه و آله و سلم) قد ارتفعت الحجب بينه وبين تعالى حتى بقي من السبعين ألف سبع)(1).

وبناء على هذا الاحتمال يكون التقدير هذا «إحْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ بِسَبْع» فيكون اسم الجلالة فاعلاً لفعل (إحْتَجَبَ)، وهذا الاحتمال وإن كان أفضل الاحتمالات ولكنه لا يخلو من المناقشة . أما بحسب اللفظ فالمناسب في مقام التوصيف والتعريف هو التعبير عن مقصوده هذا بقوله «مَا احْتَجَبَ عَنِ اللَّهِ إِلا بِسَبْع» أو «ما احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ إِلا بِسَبْع»

وبعبارة أخرى بناءً على مقصوده ذاك أن كمال النبي وعدم جواز توصيفه (وأن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يوصف) يكون بعدم وجود الحجب الأخرى وليس بوجود الحجب السبعة، فكان من المناسب أن ينفي الحجب مع أنه لم يفعل ذلك .

وأما بحسب المعنى فالظاهر أن هذه الحجب التي (احتجب الله عزَّ وجل بسبع) من حجب النور والظلمة أي من الحجب الخلقية التي هي أقرب من نور الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) الطاهر ، مع أنه قد ثبت أن ذاته (صلی الله علیه و آله و سلم) هو الحجاب الأقرب والمخلوق الأول وأنه لا يوجد له حجب الأسماء والصفات، كما تقرر ذلك في محلّه. وأما مقامات رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ولطائفه السبعة فلا تكون أيضاً حجباً له .


1) مرآة العقول، المجلد 9، ص 71 الوافي، ج 5 ، كتاب الإيمان والكفر، باب المصافحة، ح16 .

الاحتمال الثاني : ما نقله المحدث الخبير المرحوم المجلسي أعلى الله في القدس مقامه عن بعض الأعلام ورآه وجيهاً (من أن هذه الجملة تمهيد لما بعدها أي احتجب الله عن الخلق بسبع سماوات وجعله خليفة في عباده، وأناط طاعته بطاعته، وفوض إليه أمور خلقه بمنزلة ملك جعل بينه وبين رعيته سبعة حجب وأبواب لم يمكنهم الوصول إليه بوجه، وبعث إليهم وزيراً ونصب عليهم حاكماً وكتب إليهم كتاباً تضمن وجوب طاعته و أن كل من له حاجة فليرجع إليه فإن قوله قولي، وأمره أمري وحكمه حكمي، فاحتجابه بالسبع كناية عن عدم ظهور وحيه وأمره ونهيه وتقديراته إلا من فوق سبع سماوات وإنما يظهر لنا ذلك ببيانه (صلی الله علیه و آله و سلم).

وهذا وجه وجيه خطر ببال القاصر سالفاً وإن وافقني على بعضه بعض(1).

ولا ترد على هذا الاحتمال المناقشة المتقدمة على معنى الرواية كما يستبعد أيضاً ورود المناقشة على ألفاظ الرواية، بل تكون أبعد من ورود المناقشة اللفظية على الاحتمال الأول .

وهناك احتمال ثالث يتمتع بالصحة والقبول لدى النفس ويتناسب مع الموضوع أيضاً. ولكّن صحته تتوقف على أحد أمرين :

إما أن نعتبر أنّ «احْتَجَبَ» استعمل بمعنى «حَجَبَ»، ويكون متعدياً. وإما أن نجوز تعدية إحْتَجَبَ» بالباء الجارة ويكون المفعول على كلا الاحتمالين مقدراً محذوفاً. ويكون هذا الاحتمال الثالث مع فرض صحة أحد الأمرين هو : كيف يوصف عبد، احتجبه

الحق المتعالي بحجب سبعة، وجعل سبحانه لإبراز جمال عبده محمد بن عبد الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وروحانيته، حجباً سبعة ابتداءاً من الطبيعة وانتهاءً بالمشيئة المطلقة، أو ابتداءاً من عالم ملكه - (صلی الله علیه و آله و سلم) - وطبيعته، حتى مقام غيب هويته، وذلك منسجماً مع عالم المشيئة .

ولكننا لم نجد في اللغة العربية وفي مجالات استعمال كلمة «احتجب» أنها استعملت متعدية رغم تصريح بعض علماء الأدب بجواز تعدية «احْتَجَبَ» بالباء. والعلم عندَ اللَّهِ «وَلَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً» .


1) مرآة العقول، المجلد 9 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب المصافحة، ح16، ص 71.

فصل: في بيان معنى تفويض الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في هذا الحديث الشريف والأحاديث الكثيرة الأخرى

إعلم أن للتفويض معنى مذكوراً في أبحاث الجبر والتفويض وهو أن الحق سبحانه قد عزل نفسه - والعياذ بالله - عن التصرف القيوّمي في كل أمر من الأمور من أقصى عالم من عوالم الغيب المجردة حتى منتهى النهايات من عالم الخلق والتكوين، وفوّض أمر ذلك إلى موجود سواء كان كاملاً تاماً وروحانياً وصاحب اختيار وإرادة، أو كان طبيعياً مسلوب الشعور والإرادة، يتصرف - هذا الموجود - بصورة تامة ومستقلة، ومثل هذا التفويض لا يمكن أن يكون لأحد، لا في عالم التكوين ولا في عالم التشريع وسياسة العباد وتأديبهم، وذلك من أجل أنّ هذا التفويض يستلزم النقص والإمكان في الوجود الواجب، ونفي الإمكان والحاجة في الممكن .

ويقابل التفويض هذا، الجبر الذي يكون عبارة عن نفي الآثار الخاصّة عن مراتب الوجود ونفي الأسباب والمسببات نهائياً، وإلغاء الوسائط بصورة كلّية . وهذا أيضاً باطل ومرفوض ومخالف للبراهين المحكمة. وهذا المعنى من الجبر المرفوض لا يختص أيضاً بأفعال المكلفين، بل يعم عالم التكوين والتشريع كما هو المشهور. فإن رفض الجبر والتفويض بهذا المعنى الذي ذكرناه هو سنة الله الجارية في كافة مراتب الوجود، ومظاهر عالم الغيب والشهود. والتحقيق في ذلك خارج عن نطاق هذا الكتاب. والروايات التي تنفي الجبر والتفويض إنما تنفيهما حسب المعنى المذكور، وأما الأخبار التي تقر التفويض في بعض الأحكام التشريعية مثل ما نقل عن الكافي بإسناده إلى أبي جعفر (علیه السّلام) قال : «وَضَعَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) دِيَّةَ العَيْنِ وَدِيَّةَ النَّفْسِ وَحَرَّمَ النَّبِيلَ وَكُلُّ مُسْكِرٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَضَعَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ جَاءَ فِيهِ شَيْءٌ؟ قَالَ : نَعَمْ لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَعْصِيه»(1).


1) أصول الكافي، المجلد 1 ، كتاب الحجة ، باب التفويض إلى رسول الله ، ح7 .

ومثله روايات أخرى تقول بأن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أضاف بعض الركعات على الصلوات(1)، وجعل الصيام في شهر شعبان مستحباً وصيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحباً(2)أو فُوِّضَ إليه صلوات الله وسلامه عليه أمرَ الخليقة مثل ما نقله الكافي :

بإسناده عن زُرارة قالَ: «سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرِ (علیه السّلام) وَأَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السّلام) يَقُولان: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَوَّضَ إلى نَبِيِّهِ أَمْرَ خَلْقِهِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ طَاعَتُهُمْ ؛ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ : مَا أَتيكُمُ الرَّسُولُ فَخُدُوهُ وَمَا نَهَيْكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»(3).

وروايات أخرى مأثورة بهذا المعنى أيضاً. وأما هذه الأخبار فقد فس َّرت على وجه آخر غير المعنى المرفوض . وذكر لها علماؤنا الأعلام وجوهاً :

منها : ما نقله المحدث الخبير المجلسي رحمه الله عن ثقة الإسلام الكليني وأكثر المحدثين وهو : (أنه تعالى لما أكمل نبيه بحيث لم يكن يختار من الأمور شيئاً إلا ما يوافق الحق والصواب ولا يحلّ بباله ما يخالف مشيته سبحانه في كل باب، فو ّض إليه تعيين بعض الأمور كالزيادة في ركعات الفرائض وتعيين النوافل من الصلاة والصيام وطعمة الجد وغير ذلك مما سيأتي بعضها في هذا الكتاب - مرآة العقول - إظهاراً لشرفه وكرامته عنده، ولم يكن أصل التعيين إلا بالوحي ولا الاختيار إلا بالإلهام ثم كان يؤكد ما اختاره (صلی الله علیه و آله و سلم) بالوحى)(4).

وقد ذكر المرحوم المجلسي وجوهاً أخرى مثل تفويض أمور الخلق إليهم الأنبياء - من سياستهم و تأديبهم وتكميلهم وتعليمهم . ومثل تفويض بيان العلوم والأحكام إليهم بما أرادوا أو رأوا المصلحة فيها بسبب اختلاف عقولهم وأفهامهم أو بسبب التقية(5).


1) وسائل الشيعة، كتاب الصلاة، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض ، ح 12 و 14 .

2) نقل فضل بن يسار عن الإمام الصادق (علیه السّلام) : وسن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)صوم شعبان وثلاثة أيام من كل شهر مثلي الفريضة فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك». (وسائل الشيعة، ج 7، الباب 28 من أبواب الصوم المندوب ، ح 5) .

3) أصول الكافي، المجلد 1 ، كتاب الحجة، باب التفويض إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ح3 .

4) مرآة العقول، المجلد 3، کتاب الحجة ، باب التفويض إلى رسول الله ، ح3 .

5) المصدر السابق.

ولكن لم يتحدث هؤلاء الأجلاء في الوجوه المحتملة التي استعرضوها، عن كيفية تفويض الأمور إليهم على أساس قاعدة محدّدة لم تتناف مع الأسس الصحيحة التي ينطلقون منها. كما أنهم لم يشرحوا الفرق بين التفويض الممكن عندهم والتفويض المستحيل . بل يظهر من كلام العلماء وخاصة المرحوم المجلسي رضوان الله تعالى عليه أن الإيمان (بالتفويض في الخلق والرزق والتربية والإماتة والإحياء إلى غير الحق سبحانه، كفر صريح ولا يستريب عاقل في كفر مَنْ قال به)(1)وجعلوا الكرامات والمعجزات من قبيل استجابة الدعاء وأن الحق سبحانه، هو الفاعل لكل هذه الأمور. ولكنهم أجازوا التفويض إليهم في تعليم الناس وتربيتهم وفي منع الناس من الأنفال والخمس أو الدفع إليهم وفي تشريع بعض الأحكام.

وهذا البحث من الدراسات التي قلّ ما توغل الباحثون فيها، حتى يكون له إطار عام ودقيق، ورغم أنهم تناولوا غالباً طرفاً من البحث وتحدثوا عنه.

وأنا - الكاتب - أيضاً مع قصور الباع، ونقص في العلم والاستعداد، والقلم المتعثر، والقرطاس الممزق، لا أستطيع أن أتوغل في هذه الفلاة المترامية الأطراف بصورة مفصلة. ولكنني مضطر لكي أشير إجمالاً إلى هذا الموضوع على شكل نتيجة البرهان، ولا مهرب من عدم إظهار الحق .

في إشارة إجمالية إلى معنى التفويض

لا بد من معرفة أنه لا فرق أبداً في التفويض المستحيل المستلزم لمغلولية يد الله وفاعلية قدرة العبد وإرادته بصورة مستقلة بين الأمور العظيمة أو الحقيرة. كما أن أمر الإحياء والإماتة، والإيجاد والإعدام، وتحويل عنصر إلى آخر لا يمكن أن يفوض لموجود، حتى أن تحريك قشّة أيضاً، لا يمكن أن يفوّض لا إلى ملك مقرّب ولا إلى نبي مرسل ولا إلى كائن ابتداءاً من العقول المجردة القاطنة في الجبروت الأعلى إلى المادة : الهيولى الأولى، وإن ذرات الكائنات بأسرها مسخرة تحت إرادة الحق سبحانه


1) مرآة العقول، المجلد 3، ص 143 ، طبع دار الكتب الإسلامية - طهران.

الكاملة، ولا استقلالية لها في أي عمل أبداً، وإن جميع الكائنات في وجودها وكمالها وحركاتها وسكناتها وإرادتها وقدرتها وكافة شؤونها محتاجة وفقيرة، بل هي فقر خالص وخالص فقر، كما أنه لا فرق أبداً في قيّوميّة الحق، وعدم استقلال العباد، وظهور إرادة الله ونفوذها وتغلغلها في كل شيء بين الأمور الكبيرة والصغيرة. وكما أننا العباد الضعاف قادرون على الأعما البسيطة مثل الحركة والسكون وأفعال أخرى صغيرة، فإن العباد المخلصين الله سبحانه الملائكة المجردين، قادرون على أعمال عظيمة من الإحياء والإماتة والرزق والإيجاد والإعدام. وكما أن ملك الموت يقوم بالإماتة، وعمله هذا لا يكون من قبيل استجابة الدعاء، وكذلك إسرافيل موكل بالإحياء، وإحياؤه لا يكون من قبيل استجابة الدعاء أو التفويض الباطل فكذلك الولي الكامل، والنفوس الزكية القويّة، مثل نفوس الأنبياء والأولياء، قادرة على الإعدام والإيجاد والإماتة والإحياء، بقدرة الحق المتعال، وليس هذا من التفويض المحال، ويجب أن لا نعتبره باطلاً. ولا مانع من تفويض أمر العباد، إلى روحانية كاملة، تكون مشيئته فانية في مشيئة الحق، وإرادته ظلال لإرادة الحق، ولا يروم إلا ما يريده الحق، ولا يتحرك إلا إذا كان موافقاً للنظام الأصلح، سواء كان في الخلق والتكوين أو التشريع والتربية، كما وردت الإشارة إلى ذلك في حديث ابن سنان المذكور في الفصل القادم بعد أسطر .

وملخص الكلام: أن التفويض بالمعنى الأول لا يكون جائزاً في أي مجال من المجالات وأنه مخالف للبراهين القاطعة. أما التفويض بالمعنى الثاني فجائز في كافة الأمور بل إن النظام العام للعالم، لا يقوم إلا على أساس الأسباب والمسببات «أبَى اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ الأُمُورَ إِلا بِأَسْبَابِهَا»(1).

واعلم أن كل ما بيناه على سبيل الاختصار هو من ثمار الأدلة والبراهين ومتطابق مع المقاييس الصحيحة الفلسفية، والمسلك العرفاني، والأخبار الشريفة والله الهادي .


1) نجد في كتاب أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب معرفة الإمام والرد إليه، ح7 من الأحاديث ما يكون مرادفاً لهذا الكلام.

فصل: في الإشارة إلى مقام الأئمة عليهم السلام

إعلم أن لأهل بيت العصمة والطهارة (علیهم السّلام) مقاماً روحانياً شامخاً، في السير المعنوي إلى الله، يفوق قدرة استيعاب الإنسان حتى من الناحية العلمية، وأسمى من عقول ذوي العقول وأعظم من شهود أصحاب العرفان. كما يستفاد من الأحاديث الشريفة، أنهم صلوات الله عليهم يشاركون الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) في مقام الروحانية وأن أنوارهم المطهرة كانت تسبّح وتقدّس للذات المتعال قبل خلق العالم .

الكافي : بإسناده عن محمَّد بن سنان قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرِ الثاني (الإمام الجواد (علیه السّلام)) فَأَجْرَيْتُ اخْتِلافَ الشَّيعَةِ فَقَالَ : يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَفَرِّداً بِوَحْدَانِيَّتِهِ، ثُمَّ خَلَقَ مُحمَّداً وَعَلِيّاً وَفَاطِمَةَ فَمَكنُوا أَلْفَ دَهْرٍ ، ثُمَّ خَلَقَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ فَأَشْهَدَهُمْ خَلْقَها وَأَجْرى طَاعَتَهُمْ عَلَيْها وَفَوَّضَ أُمُورَهَا إِلَيْهِمْ، فَهُمْ يُحِلُّونَ مَا يَشَاؤُونَ وَيُحَرِّمُونَ مَا يَشَاؤُونَ وَلَنْ يَشَاؤُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ الدِّيَانَةُ الَّتِي مَنْ تَقَدَّمَها مَرَقَ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا مُحِقِّ، وَمَنْ لزمها لحق، خُذْهَا إِلَيْكَ يا مُحَمَّدُه»(1).

وبإسناده عن المُفضَّل قالَ: «قُلْتُ لأبي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السّلام): كَيْفَ كُنتُمْ حَيْثُ كُنتُمْ فِي الأَظِلَّةِ؟ فَقَالَ : يَا مُفَضَّلُ، كُنَّا عِنْدَ رَبِّنَا ، لَيْسَ عِندَهُ أَحَدٌ غَيْرُنَا فِي ظِلَّةٍ خَضْرَاءَ، نُسَبِّحُهُ وَنُقَدِّسُهُ وَنَهَللَهُ وتَمَجدُهُ، وَمَا مِنْ مَلَكِ مُقَرَّبِ وَلا ذِي رُوحٍ غَيْرِنَا حَتَّىٰ بَدَا لَهُ فِي خَلْقِ الأَشْيَاءِ فَخَلَقَ مَا شَاءَ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ ثُمَّ أنهى عِلْمَ ذَلِكَ إلينا»(2).

إن الأحاديث المأثورة في طينة أبدانهم، وخلق أرواحهم ونفوسهم، وفيما منحوا من الاسم الأعظم، والعلوم الغيبية الإلهية من علوم الأنبياء والملائكة، ومما هو أعظم مما لا يخطر على بال أحد، وهكذا الأخبار المنقولة في فضائلهم في مختلف الأبواب من


1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب باب مولد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ح 5 و 7 .

2) المصدر السابق.

الكتب المعتبرة وخاصة كتاب أصول الكافي، إنّ مثل هذه الأخبار كثيرة وباعثة على تحير العقول، ولم يقف أحد على حقائقهم وأسرارهم صلوات الله عليهم إلاّ أنفسهم. وهذا الحديث الشريف الذي بين أيدينا يحتوي على إيماءة لفضيلة واحدة من فضائلهم، وهذه الفضيلة هي آية التطهير التي نزلت حسب الأخبار المتواترة المنقولة عن طرق العامة والخاصة في أهل بيت العصمة (علیهم السّلام)، والمقصود من أهل البيت في آية إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ المباركة على ضوء اتفاق الشيعة والأخبار المستفيضة أو المتواترة المأثورة في تفسيرها، هم آل بيت العصمة والطهارة الذين هم يكونون من قبیل توضيح الواضحات .

في بيان حقيقة العصمة

لقد فسر «الرِّجْسُ» في هذا الحديث الشريف وأحاديث أخرى، بالشك، وفي بعض الأحاديث بجميع العيوب فهم مطهّرون عنها. وتبين من الشرح لبعض الأحاديث السابقة، أن نفي الشك يستلزم، نفي العيوب القلبية والقالبية، بل يستلزم العصمة ، لأنها - العصمة - أمر على خلاف الإرادة والاختيار، وإنها لا تكون من الأمور الطبيعية والجبليّة، بل هي حالة نفسية، وأنوار باطنية تتفجّر من نور اليقين الكامل والاطمئنان التام .

إن مصدر جميع الخطايا والمعاصي التي تصدر من الإنسان، هو النقص في اليقين والإيمان، وإن مراتب اليقين والإيمان مختلفة بدرجة لا يمكن عدّها وبيانها. وإن اليقين الكامل والاطمئنان التام الذي يحظى به الأنبياء، والحاصل من المشاهدة الحضورية هو الذي يعصمهم من الآثام. إن يقين الإمام علي بن أبي طالب (علیه السّلام) قد أبلغه إلى مستوى يقول فيه : «وَاللَّهِ لَوْ أَعْطِيتُ الأقالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أفلاكِهَا عَلَىٰ أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أسْلَبُها جِلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ»(1).

و ملخص الحديث: أن الابتعاد عن الشرك والشك، والتطهير من أرجاس عالم الطبيعة وخبائثها ومن ظلمات التعلق بغير الحق تعالى شأنه وكدر الإنية، وإزاحة الحجب


1) نهج البلاغة ، الخطبة 224 . (الشيخ صبحي الصالح).

الغليظة من القلب والحاصلة من الأنانية والتوجّه إلى غير الحق سبحانه . إن هذا الابتعاد والتطهير يجعل صاحبه حسب الإرادة الأزلية، من الأنوار القدسية الإلهية، والآيات التامة الربوبية، والخالصين المخلصين الله سبحانه، كما أن مثل هذا الإنسان يحقق مقاماً رفيعاً لا يمكن إخضاعه للوصف والبيان، ولا تنال أيادي الآمال قمة جلاله مثله مثل عنقاء مغرب(1)غيب الهوية(2)

أيها الصيّاد إن الطائر العنقاء لا يقع في فخ أحد *** فاسحب الفخ ، فإنّ الهواء في الشبك

.

فصل: في بيان أن الإيمان لا يوصف

اعلم أن الإيمان أيضاً من الكمالات الروحية، التي قلما يدرك أحد حقيقتها النورية، حتى أن المؤمنين لم يعرفوا شيئاً عن نورانية إيمانهم، والكرامات التي تنتظرهم لدى ساحة قدسه المتعالي، ما داموا في عالم الدنيا، وظلام الطبيعة .

إن الإنسان نتيجة عيشه في هذا العالم، واندماجه مع الظروف السائدة، وأنسه بالعادات الجارية، يقارن جميع نعم وكرامات ذلك العالم أو عذابه وخذلانه مع آلاء وآلام هذا العالم المُلكي، فيقيس الكرامات التي وعد الحق المتعال المؤمنين، والعطايا التي ذخرها لهم، حسب ما حدَّث عنها الأنبياء (علیهم السّلام)، بهدايا السلاطين والأجلّاء إلى الناس أو يعتبرها أحسن وأفضل بقليل، ويفترض تلك النعم الأخروية مثل نعم هذا العالم أو ألطف وأمتع بقدر يسير، مع أن هذه المقارنة من القياس الباطل .

إننا لا نستطيع أن نتصور نعم ذلك العالم وروحه وريحانه، ولم يخطر على قلوبنا مثيلها، إننا لا نتمكن أن ندرك بأن جرعة من ماء الجنة تحتوي على كل اللذات المنظورة الممكنة، وأنّ كل لذة منها تفترق عن لذّة أخرى، كما أن كيفية كل لذّة لا تضاهي اللذات الموجودة هنا .


1) العنقاء المُغرب، عنقاء مُغرب ومُغربة على النعت، وعنقاء مُغرب على الإضافة، طائر معروف الاسم، مجهول الجسم (أقرب الموارد - مادة عنق - المترجم) .

2) قال الحافظ الشيرازي :

وفي هذا الحديث الشريف، ذكر لكرامة من كرامات المؤمنين التي لا تقاس لدى أصحاب المعرفة وأرباب القلوب، بأي شيء آخر ، ولا تدخل في أي ميزان ومقياس، وهي : «وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَلْقى أَخَاهُ فَيُصَافِحُهُ، فَلا يَزالُ الله ينظر إليهما».

وفي الروايات الكثيرة إشارة أيضاً إلى هذا المضمون ففي الكافي بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) قالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَيْنِ إِذَا تَضافَحا، أَقْبَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمَا بِوَجْهِهِ وَتَساقَطَتْ عَنْهُمَا الذُّنُوبُ كَما يَتَسَاقَطُ الْوَرَقُ مِنَ الشَّجَرِه»(1).

إنَّ الله سبحانه وتعالى وحده يعلم ما ينجم من توجه الحق المتعالي وإقباله سبحانه بوجهه الكريم على المؤمن عند مصافحته لأخيه المؤمن من النور والكرامة، ومن ارتفاع الحجب التي بين العبد المؤمن ونور جمال ذاته المقدس، ومن العنايات الربانية التي تنزل على المؤمن لنجدته. لكن لا بد من معرفة السر الواقعي والنكتة الحقيقية التي تبعث على هذه الكرامات وعدم الغفلة عنها كي ينتبه القلب إليها ويصير عمله كاملاً ونورانياً بها، ويحتوي العمل على الروح والنفحة الإلهية. وتلك النكتة الحقيقية والسر الواقعي هو : تحكم الود والمحبة في الله ، وتجديد عهد الأخوة في الله . كما أبدت أحاديث مباركة اهتماماً كبيراً بهذا السّر . وقد أشير إلى هذا الموضوع في الأحاديث الواردة في المصافحةأيضاً .

ففي الكافي بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : «إِنَّ الْمُؤْمِنَيْنِ إِذَا الْتَقَيَا وَتَصَافَحا، أَدْخَلَ اللَّهُ يَدَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا فَضافَحَ أَشَدَّهُمَا حُبّاً لِصَاحِبِهِ»(2).

وفي رواية أخرى عن إسحاق بن عمّار قالَ : «دَخَلْتُ عَلى أبي عَبْدِ اللهِ (علیه السّلام)- إلى أن قال - أَوَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الْمُؤْمِنَين إِذَا الْتَقَيَا فَتَضافَحَا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الرَّحْمَةَ عَلَيْهِمَا فَكانَتْ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ لأَشَدِّهِمَا حُبّاً لِصَاحِبِهِ فَإِذَا تَوَافَقَا غَمَرَتْهُمَا الرَّحْمَةُ»(3)والحمد الله أولاً وآخراً .


1) أصول الكافي، المجلد الثاني ، كتاب الإيمان والكفر ، باب المصافحة ، ح 4 وح 2 .

2) المصدر السابق.

3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب المصافحة ، ح 14 .

الحديث الثاني والثلاثون: «الرَّزق»

اشارة

بالسند المتصل إلى محمّد بن يعقوب الكلَيني، عن الحسين ابن محمّد، عن المُعَلَّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «مِنْ صِحْةِ يَقِينِ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ لَا يُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وَلَا يَلُومَهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِهِ اللهُ، فَإِنَّ الرِّزْقَ لا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةً كَارِهِ: وَلَوْ أَنْ أَحَدَكُمْ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ لأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بِعَدْلِهِ وَقِسْطِهِ جَعَلَ الرُّوْحَ وَالرّاحَةَ فِي الْيَقِينِ وَالرّضا، وَجَعَلَ الْهَمُ وَالْحُزْنَ فِي الشَّكُ وَالسِّخَطِ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر ، باب فضل اليقين ، ح 2 .

الشرح:

قال الجوهري إن السَّخَطَ على وزن الفرس، والسُّخط على وزن، قفل معناه خلاف الرضا. وقد سَخِطَ أي غَضِبَ فَهُو ساخط .

القسط : بكسر القاف بمعنى العدل ويكون عطفه على العدل في قوله «إِنَّ اللَّهَ بِعَدْلِهِ وَقِسْطِهِ» من العطف التفسيري .

الرَّوْحُ وَالرَّاحَةُ : هما بمعنى واحد وهو الاستراحة، كما يقول الجوهري فيكون عطف الراحة على الروح عطفاً تفسيرياً. أو أن «الرّوح» بمعنى راحة القلب و«الرَّاحة» بمعنى استراحة البدن، كما يقول المجلسي.

وَالْهَمَّ وَالْحُزْنُ : قال الجوهري إنهما بمعنى واحد فيكون عطف الثاني على الأول عطفاً تفسيرياً. قال المجلسي «الهمُّ اضطراب النفس عند تحصيله. والحزن جزعها واغتمامها بعد فواته»(1).

فصل: شرح قوله عليه السّلام «ولا يلومهم على ما لم يؤته الله»

قوله (علیه السّلام): «وَلا يَلُومَهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ» في هذه العبارة احتمالان :

أحدهما : «لا يذمهم - الناس - ولا يشكرهم على ترك صلتهم إياه بالمال وغيره فإن صاحب اليقين يعلم أن ذلك شيء لم يقدره الله له ولم يرزقه إياه لعدم كون صلاحه فيه


1) مرآة العقول، المجلد 7 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب فضل اليقين ، ح 2 ص 359 .

مطلقاً أو في كونه بيد هذا الرجل وبتوسطه، بل يوصله إليه من حيث لا يحتسب فلا يلوم أحداً بذلك»(1).

لقد أبدى المحقق الكاشاني (رحمه الله علیه) هذا الاحتمال(2). وأيده أيضاً المحدث الخبير المجلسي(3).

ثانيهما: «ما احتمله أيضاً الفيض (رحمه الله علیه) وهو : «أنه لا يلومهم - الناس - على ما لم يؤته الله إياهم فإن الله خلق كل واحد على ما هو عليه وكل ميسّر لما خلق له فيكون كقوله (علیه السّلام) لو علم الناس كيف خلق الله هذا الخلق لم يلم أحد أحداً»(4).

قال المحدث المجلسي (رحمه الله علیه) «ولا يخفى بعده لا سيما بالنظر إلى التعليل بقوله فَإنَّ الرِّزْق لا يَسُوقُهُ»(5).

يقول الكاتب : إن الاحتمال الثاني أفضل بكثير من الاحتمال الأول، خاصة بالنسبة إلى التعليل المذكور فإن الرزق لا يسوقه - لأنه يصح تأنيب الناس على فقرهم وعسر معيشتهم فيما إذا تمكنوا باختيارهم تحصيل الرزق، وتمكنوا من خلال السعي وبذل الجهد، الترفيه على النفس والتوسعة عليها، فيصح حينذ أن يخاطب المرء صاحبه قائلاً : إنني سعيت وجاهدت، ولكنك لم تتحرك ولم تجهد فأصبحت بالضائقة المعيشية. ولكن أهل اليقين يعلمون بأن الحرص والاكتساب لا يجلبان الرزق، فلا يلومونهم على ما لم يؤته الله .

ولا بد من معرفة أن أمثال هذه الأحاديث الشريفة الظاهرة في أن الرزق مقسوم ومقدّر ، كما هو المستفاد من الآيات القرآنية الشريفة المباركة، لا تتنافى مع الأخبار التي تحث على طلب الرزق وتؤكد على الكسب والتجارة، والتي ترى كراهة شرعية في ترك


1) مرآة العقول المجلد 7، كتاب الإيمان والكفر ، باب فضل اليقين، ح2 ، ص 356.

2) الوافي، ج 4 ، ص 269 .

3) مرآة العقول، ج 7، ص 357، كتاب الإيمان والكفر ، باب فضل اليقين ، ح 2 .

4) الوافي، ج 4 ، ص 270 .

5) مرآة العقول، المجلد 7 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب فضل اليقين ، ح2 ، ص 357 .

العمل والإحجام عن تحصيل الرزق، وتلوم على التخلي عن الكسب، وجاعلة التارك للاشتغال بالعمل التجاري ممن لا يستجاب دعاؤه، ولا يبعث الله رزقه . والأحاديث بهذا الصدد كثيرة. ونحن نقتصر على حديث واحد منها :

عن محمد بن الحسن شيخ الطائفة - قدّس سرّه - بإسناده عن علي بن عبد العزيز قال : قال أبو عبد الله (علیه السّلام): «مَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ؟ قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ أَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ وَتَرَكَ التِّجَارَةَ، فَقَالَ : وَيْحَهُ، أَمَا عَلِمَ أَنَّ ثَارِكَ الطلب لا يُسْتَجَابُ لَهُ دَعْوَةً إِنَّ قَوْماً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) لَمَّا نَزَلَتْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ(1)أَغْلَقُوا الأبوابَ وَأَقْبَلُوا عَلَى الْعِبَادَةِ وَقَالُوا: قَدْ كُفِينَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم) فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : مَا حَمَلَكُمْ عَلَى مَا صَنَعْتُمْ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِأَرزَاقِنَا فَأَقْبَلْنَا عَلَى الْعِبَادَةِ، فَقَالَ : مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ، عَلَيْكُمْ بِالطَّلَبِ»(2).

ووجه عدم المنافاة بين الأخبار هو أن طلب الرزق، من الإنسان، وأما ما بعده من الأرزاق والأمور الأخرى التي تحف بالرزق ففي يد قدرة الحق المتعالي ولا يكفي طلبنا وحده مستقلاً في جلب الرزق، فإن طلب الرزق من وظيفة العباد، وأما تنظيم الأمور وترتيب الأسباب الظاهرية وغير الظاهرية التي تخرج عن اختيار العباد غالباً فيكون بتقدير من الباري تعالى .

فالإنسان الذّي يتمتع بيقين صحيح، والذي يكون واقفاً على مجاري الأمور، يجب عليه في اللحظة التي لا يفتر فيها عن طلب الرزق، بل ينهض بوظائفه العقلية والشرعية لدى الاكتساب من دون أن يوصد أبواب الطلب على نفسه، يعرف هذا الإنسان أن كل شيء من الذات المقدس الحق المتعالي، وأنه لا يؤثر موجود آخر في الوجود ولا في كمالات الوجود . إن الطالب والطلب والمطلوب، إليه يعود سبحانه . وأما ما ورد في هذا الحديث الشريف «وَلاَ يَلُومَهُمْ عَلى ما لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ» فمعناه إذا كان هناك طلب بالقدر المتعارف فلا يلومهم على ما لم يؤته الله، وهذا لا يتنافى مع رجحان توبيخ وملامة من


1) سورة الطلاق، الآية : 3 .

2) وسائل الشيعة، المجلد 12 ، الباب 5 ، من أبواب مقدمات التجارة، ح7.

يتقاعسون عن الطلب لكي يندفعوا نحو طلب الرزق، كما ورد مثيله في الأخبار المباركة .

وملخّص الكلام : أن هذا الموضوع من فروع بحث الجبر والتفويض، فمن تضلّع في ذلك البحث يستطيع أن يقف ويطلع على المغزى والجوهر من هذا الموضوع. وتفصيله أوسع من مسؤوليتنا ووظيفتنا هنا .

فصل: في علامات صحة اليقين

جعل الإمام الصادق (علیه السّلام) في هذا الحديث الشريف، علامتين على صحة اليقين وسلامته هي :

أحدهما : لا يُرضي الناس بسخط الله .

والأخرى : لا يلوم الناس على ما لم يؤته الله .

وهاتان العلامتان من نتائج كمال اليقين. كما أن ما يقابلهما يكون من آثار ضعف اليقين وسقم الإيمان ومرضه .

ونحن قد أتينا في هذا الكتاب، لدى المناسبات المختلفة، على شرح الإيمان، واليقين، وثمارهما، حسب القدر المستطاع. كما وأننا نأتي الآن أيضاً بصورة مختصرة على ذكر هاتين العلامتين على صحة اليقين وسلامته وما يقابلهما الدالان على سقم اليقين وضعفه .

لا بد وأن نعلم بأن الراغب في تحصيل رضا الناس، والباذل جهده للهيمنة على قلوبهم وعقولهم، إنما يقوم بهذه المحاولات لأجل أنه مقتنع بأن لهؤلاء دوراً إيجابياً ومؤثراً في مطعمه ومطمحه، فالذين يحبون المال ويعبدون الدينار يخضعون أمام أصحاب الثروات ويتذللون بين أيديهم ويتزلفون لهم. والذين يطلبون الرئاسة والاحترامات الظاهرية، يتملقون أمام مريديهم، ويتواضعون لهم تحسّباً منهم بأن هذه الأساليب تستميلهم وتبعث على كسب قلوبهم، وهكذا تدور هذه العجلة، فالمستضعفون يستذلون ويتملقون بين يدي أرباب الرئاسة، وطالبوا الزعامة والوجاهة يخضعون ويتزلفون أمام

الطبقة المستفيضة، ويخرج من هذه الدائرة التي تدور بين الرؤساء والمرؤوسين، خصوص الذين هذبوا نفوسهم من خلال ترويض النفس في كل من الجانبين وبذلوا ما في وسعهم لأجل تحصيل رضا الحق سبحانه، ولم يتزلزلوا أمام الدنيا وزخارفها بل كانوا يفتشون في فترة رئاستهم عن رضا الحق جلّ وعزّ، ويبحثون عن الحق والحقيقة أيام مرؤوسيتهم المستضعفة .

في بيان أنّ الناس ينقسمون إلى قسمين

وعلى أي حال فإن الناس ينقسمون في هذه الدنيا إلى هاتين الطبقتين :

إمّا يقودهم يقينهم إلى الاعتقاد بأن الأساليب الظاهرية، والمؤثرات الشكلية مسخرة تحت الإرادة الأزلية الكاملة الوجوبية، فلا يجدون دوراً لغير الحق، ولا يلتمسون من غيره شيئاً. فهم آمنوا بأنه المالك والمؤثر في الدنيا والآخرة، واعتنقوا بكل إيمان ويقين غير مشوب بالنقص والترديد، الآية الكريمة المباركة القرآنية التالية : قل اللهم مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزَعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ(1)حيث يرون بأن الله سبحانه هو مالك ملك الوجود، وأن جميع العطايا تكون من ذاته المقدس، وأن القبض والبسط في الوجود وكمالاته يفيض منه سبحانه حسب ترتيب النظام والمصالح الكامنة .

و من البديهي أن أبواب المعارف تنفتح على هؤلاء الأشخاص، وتتحوّل قلوبهم إلى قلوب إلهية، لا يعبأون برضا الناس ولا بسخطهم، ولا يرومون إلا رضا الحق المتعالي، ولا يطمعون إلا فيه ولا يطلبون إلا منه، ولا تترنم قلوبهم إلا بهذا الكلام : إلهي إن أعطيتني فَمَنْ ذَا الَّذِي يَمْنَعُني، وإن منعتني فَمَنْ ذَا الذي يُعطيني. إنهم يغمضون أعينهم عن الناس وعطاياهم ودنياهم، ويحدّقون في الحق جل جلاله بكل حاجة وفقر، إنهم لا يبيعون رضا العالم بأسره، بسحط الحق المتعالي، كما قال أمير المؤمنين (علیه السّلام).

وفي نفس الوقت الذي لا يعبأون بأحد غير الحق المتعالي، بل يرون أن الكائنات بأسرها فقيرة إلى الله، ينظرون إلى كل شيء بعين ملؤها العظمة والرحمة والحنان، ولا


1) سورة آل عمران، الآية : 26 .

يلومون أحداً على شيء إلا من أجل إصلاح وضعه وتربيته. كما أن الأنبياء (علیهم السّلام) كانوا كذلك، لأنهم يعتبرون الناس من المرتبطين بالحق ومن مظاهر جماله وجلاله، ولا يسمحون لأنفسهم إلا بالنظر إلى عباد الله بكل لطف ومحبة . ولا يؤنبون في قلوبهم أحداً على نقصه أو فتوره، وإذا لاموا أحداً بألسنتهم فلأجل المحافظة على المصالح العامة وإصلاح أحوال العائلة البشرية. وهذا من نتائج وثمرات الشجرة الطيبة لليقين والإيمان، والمعرفة بالحدود والشريعة الإلهية .

وأما الطائفة الثانية فهم لا يعرفون عن الحق شيئاً، وإذا علموا شيئاً لكانت معرفتهم ناقصة وإيمانهم غير تام، وحيث أن انتباههم إلى الكثرات والأسباب الظاهرية قد أغفلهم عن مسبب، الأسباب أخذوا يركضون وراء رضا المخلوق، وقد ينتهي بهم الأمر إلى شراء رضا المخلوق الضعيف جداً، بسخط وغضب الله سبحانه. بأن يعلنوا موافقتهم لمعصية العصاة، أو يتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الوقت المناسب للأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، أو يفتوا بالباطل، أو يدعموا من ليس بأهل للتأييد أو يكذبوا مَنْ ليس من شأنه الدجل والكذب أو يغتابوا المؤمنين ويفتروا عليهم لأجل كسب مودة أهل الدنيا، ورعاية أصحاب المناصب الظاهرية. بل كل ذلك ينشأ من ضعف الإيمان، بل إنه مرتبة من مراتب الشرك. وتفضي مثل هذه المواقف بالإنسان إلى المهالك الكثيرة التي منها ما ورد في هذا الحديث الشريف من إساءة نظر مثل هذا الإنسان إلى عباد الله ومعاداتهم وتأنيبهم وملامتهم على أعمالهم إلى غير ذلك .

فصل: في نقل كلام المعتزلة والأشاعرة وإشارة إلى المذهب الصحيح في الرزق

إعلم : لقد عقد المحدث المجلسي رحمه الله في كتابه (مرآة العقول) عند هذا الحديث فصلاً للبحث عن أن الرزق المقسوم، من قبل الحق المتعالي هل يعم الحلال والحرام أو أنه يختص بالحلال؟ ونقل رضوان الله تعالى عليه عن كتاب (تفسير الفخر الرازي) اختلاف الأشاعرة والمعتزلة في ذلك، مع نقله للأحاديث والأخبار التي تمسك

بها كل واحد من الطرفين على وجهة نظره، وجعل موقف الإمامية متطابقاً مع المعتزلة في عدم كون الرزق المقسوم من الحرام بل يختص بالحلال. ونقل أدلة المعتزلة على موقفهم ذلك من ظواهر الآيات والأخبار(1)، وظاهر كلمة الرزق حيث تكون هذه الأمور مصدر الاحتجاج للطرفين، واختار رحمه الله موقف المعتزلة، لأنه موافق مع المذهب المشهور للإمامية، وارتضى براهينهم على ذلك. ولكن لا بد من معرفة أن هذه المسألة من فروع بحث الجبر والتفويض الذي لا يتوافق مذهب الإمامية فيه مع كل واحد من المعتزلة والأشاعرة، بل إن كلام المعتزلة أوهى وأوهن من كلام الأشاعرة. وإذا نزع بعض المتكلمين من الإمامية رضوان الله تعالى عليهم نحو رأي المعتزلة، فإنه نتيجة الغفلة حقيقة الحال والمآل . وقد قلنا قبل قليل بأن مسألة الجبر والتفويض المطروحة على بساط أبحاث معظم العلماء لاتزال غامضة لدى الفريقين ولم يتطرّق إليها حسب مقاييس علمية صحيحة. ولهذا لا يجد العلماء غالباً ارتباطاً بين هذه المسألة وبحث الجبر والتفويض، مع أنها من النقاط الدقيقة جداً.

و مجمل القول : أنه إذا ارتأى الأشاعرة بأن الحلال والحرام من الرزق المقسوم انطلاقاً من التزامهم بالجبر، أو المعتزلة بأن الحرام ليس من الرزق المقسوم لإيمانهم بالتفويض، لكان كلا المذهبين باطلاً، وقد ثبت فساده في محلّه. ونحن على ضوء المبادىء الثابتة لدينا بالدليل والبرهان نؤمن بأن الحلال والحرام من الرزق المقسوم من قبل الحق المتعالي، كما نرى الآثام بتقدير من الله وقضائه من دون أن يستلزم ذلك الجبر والفساد، وقد آلينا(2)على أنفسنا أن لا نغور في الأبحاث العلمية التي لا نعرف شيئاً عن مغزاها الحقيقي. مضافاً على أن هذا الكتاب لا يكون في مستوى عرض الأدلة والبراهين على المواقف المختارة. ولهذا نقتنع بهذه الإشارة . والله الهادي.

كما أن المرحوم المحدث المجلسي أورد أيضاً في نهاية شرحه لهذا الحديث في


1) التفسير الكبير، لفخر الدين الرازي ، ج 2، ص 30 .

2) وحيث أن الله سبحانه هو الذي يدبر الأمور، قمنا بدراسة مختصرة لهذه المسألة في شرح الحديث التاسع في شرح الحدیث والثلاثين القائل عرفت الله بفسخ العزائم ونقض الهمم (منه عفى عنه) .

كتابه مرآة العقول بحثاً آخر وهو أنه هل يجب على الله أن يرزق عباده بصورة مطلقة، أو عندما يسعى العبد في سبيل تحصيله وكسبه؟(1)إن هذا بحث يتناسب مع المبادىء التي يؤمن بها علماء الكلام، ولا بد من اتخاذ طريقة أخرى في كافة هذه الأبحاث عندما تعالج على أساس البراهين والمقاييس الفلسفية. والأولى ترك الكلام في أمثال هذه الأبحاث التي لا تجدي نفعاً تاماً. وقد أسلفنا الإشارة إلى أن تقسيم الأرزاق على ضوء القضاء الإلهي، لا تتنافى مع السعي والجهد في طلب الرزق .

فصل: الراحة في اليقين والقلق في الشك

في بيان أن الحق المتعالي قد جعل الرَّوْحَ والراحة في اليقين والرضا، والهمّ والحزن في الشك، والسخط ، وذلك على أساس القسط والعدل .

ولا بد أن نعرف بأن الرَّوْحَ والراحة في هذا الحديث الشريف، وكذلك الهمّ والحزن تعود إلى الأمور الدنيوية وكسب العيش، وطلب الرزق، نتيجة وقوعها إثر تقدير الأرزاق وتقسيمها. وإن كان إرجاعهما إلى الأمور الأخروية على أساس بيان آخر، أيضاً صحيح. ونحن نكون فعلاً بصدد بيان هذا الحديث الشريف .

وعليه : إعلم أن الإنسان الذي يعتقد بالحق وتقديره اعتقاداً يقينياً، ويعتمد على الركن الركين الذي يتمتع بالقدرة المطلقة ، والذي يقرر الأمور بأسرها على ضوء المصالح الغيبية، والذي له الرحمة الكاملة المطلقة والجود المطلق، من المعلوم أن مثل هذا الإنسان مع مثل هذا اليقين تتذلل الصعاب عنده وتهون أمامه المصائب، ويختلف كثيراً في طلبه للمعيشة عن أهل الدنيا وأهل الشك والشرك. إن الذين يعتمدون على الأسباب الظاهرية، يعيشون دائماً عند طلب الرزق في حالة من القلق والاضطراب، ولو اصطدموا بمشكلة، لعظمت عندهم وضاقت الحياة في أعينهم لأنهم لا يجدونها محفوفة بالمصالح الغيبية التي يعلمها الله ويجهلها الإنسان.


1) مرآة العقول، ج 7 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب فضل اليقين، ح2 .

وخلاصة الكلام: إن من يرى سعادته، في تحصيل هذه الدنيا، يواجه في طلبه هذا الآلام والعناء، وتُسلب عنه الراحة والبهجة، وتستنزف قواه وطاقاته في هذا الطلب. كما نرى أن أهل الدنيا دائماً في تعب ونصب، وأنهم لم يتمتعوا باطمئنان في الروح واستقرار في الجسم، وإذا حلّت بهم مصيبة، خارت قواهم وحيويتهم وزال جلدهم وصبرهم أمام الحوادث التي تداهمهم . وهذا لا يكون إلا نتيجة شكهم وعدم إيمانهم بالقضاء الإلهي وعدله ، فتكون هذه الأمور من الحزن والهم والتعب . نتيجة لهذا التزلزل .

وقد سبق منا شرح مسهب في هذا الموضوع، فلا ينبغي تكراره هنا .

وأما بيان : أن ترتب الروح والراحة على اليقين والرضا، وترتب الهمّ والحزن على الشك والسخط، من الجعل الإلهي، وأن هذا الجعل يكون عادلاً، فهو متوقف على بيان تطرق فاعليّة الحق المتعالي في جميع مراتب الوجود من دون أن يستلزم جبراً باطلاً ومستحيلاً، وعلى بيان البرهان اللمي - الاستدلال من المعلول على العلة من أن نظام الوجود أتم وأكمل نظام متصور. وهذان الأمران خارجان عن وظيفة ودور هذا الكتاب . والحمد لله أولاً وآخراً .

الحديث الثالث والثلاثون: «ولاية أهل البيت عليهم السلام»

اشارة

بالسَّند المتَّصل إلى الشَيخ الأقدم محمّد بن يعقوب الكلَيني - رضوان الله عليه - عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عمن ذكره، عن عبيد بن زرارة، عن محمّد بن مارد قال: قُلْتُ لأبي عَبْدِ اللهِ (علیه السّلام): «حَدِيثٌ رُوِيَ لَنَا أَنَّكَ قُلْتَ إِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ، فَقَالَ: قَدْ قُلْتُ ذَلِكَ، قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ زَنَوْا وَإِنْ سَرَقُوا وَإِنْ شَرِبُوا الْخَمْرَ؟ فَقَالَ لِي: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللهِ مَا أَنْصَفُونَا أَنْ نَكُونَ أَخِذْنَا بِالْعَمَلِ وَوُضِعَ عَنْهُمْ إِنَّمَا قُلْتُ: إِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ مِنْ قَلِيلِ الْخَيْرِ وَكَثِيرِهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْكَ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب أن الإيمان لا يضرّ معه سيّئة ، ح5 .

الشرح:

«حديث» مبتدأ ومسند إليه و«رُوِيَ» خبره ومسنده و «أَنَّكَ» بفتح الهمزة، خبر لمبتدإ محذوف أي هو أنك .

قوله «إِذا عَرَفْتَ» إن المقصود من المعرفة في هذا الحديث هو معرفة الإمام (علیه السّلام).

«قَالَ: قُلْتُ» يحتمل أن تكون التاء مضمومة فتكون للمتكلم لوحده. ويحتمل أن تكون مفتوحة فتكون الكلمة للخطاب .

«وإنْ زَنَوا» إنّ كلمة إن وصلية أي إذا عرفوا فليعملوا ما شاؤوا وإن كان عملهم من الكبائر .

قوله (علیه السّلام) «إِنَّا لِلَّهِ» إن هذه الكلمة تسمى بكلمة الاسترجاع، وتقال لدى شدّة المصيبة، وعظم الخطب. وحيث أن هذا الافتراء أو سوء الفهم، يعد من من المصائب الكبيرة، استرجع الإمام (علیه السّلام) حتى يثبت منتهى بعده عنها .

قوله (علیه السّلام): أن نكون أي في أن نكون بمعنى أنهم لم ينصفونا في أن نكون مكلفين ومأخوذين على التكاليف، وهم لأجل عقيدتهم فينا لم يكلفوا ولم يؤخذوا على أعمالهم . ثم ذكر (علیه السّلام) مغزى كلامه من أن الولاية شرط في قبول الأفعال. كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى .

فصل: في الجمع بين الأخبار التي تحثّ على العبادة وترك المعصية وبعض الأخبار التي تخالفها ظاهراً

إعلم أن من يراجع الأخبار المأثورة في ترجمة حياة الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) وأئمة

الهدى (علیهم السّلام)، وكيفية عبادتهم وبذلهم أقصى الجهد فيها، ويراجع تضرعهم وبكاءهم وذلهم ومسكنتهم وخشيتهم وحزنهم أمام ساحة قدس رب العزّة، وكيفية مناجاتهم بين يدي قاضي الحاجات لوجدها أوسع من التواتر وأكثر من المئات، وهكذا إذا راجع وصايا الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، ووصايا الأئمة بعضهم لبعض، ووصاياهم للخواصّ من شيعتهم، والخُلّص من مواليهم، ووصاياهم البليغة جداً التي كانوا يوصون بها محبيهم، ويحذرونهم من معصية الله تعالى والتأكيد عليهم في الابتعاد عن مخالفة الله سبحانه في أصول الأحكام وفروعها، المدوّنة في كتب الأخبار، إذا راجع تلك الأحاديث وهذه الوصايا، لحصل له علم قطعي بأن بعض الروايات التي يتنافى ظاهرها مع تلك الأحاديث لم يكن هذا الظاهر مقصوداً، فلا بد من تأويل هذه الأخبار بصورة لا تتضارب تلك الأحاديث الصريحة القطعية التي تعتبر من ضروريات الدين، أو القيام بالجمع بين هاتين الطائفتين من الأخبار، وإن لم يمكن التأويل ولا الجمع العرفي أرجعنا علمها إلى قائلها .

ونحن لا نستطيع في هذا الكتاب أن نستعرض جميع تلك الأخبار أو عشراً من أعشارها ونبين كيفية التوفيق والجمع بينها، ولكننا نضطر لذكر بعض الروايات من الطائفتين حتى تتضح حقيقة الحال .

الكافي : بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «شِيعَتْنَا [هم] الشَّاحِبُونَ الذَّابِلُونَ النَّاحِلُونَ الَّذِينَ إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ اسْتَقْبَلُوهُ بِحُزْنِ»(1).

والروايات التي تتحدث بهذا المضمون والتي تستعرض علامات الشيعة كثيرة .

وعنه، عن المفضَّل قال : قال أبو عبد الله (علیه السّلام): «إِيَّاكَ وَالسَّفْلَةَ فَإِنَّمَا شِيعَة عَليَّ (علیه السّلام) مَنْ عَفٌ بَطْنَهُ وَفَرْجَهُ وَاشْتَدَّ جِهَادُهُ وَعَمِلَ لِخَالِقِهِ وَرَجًا ثَوَابَهُ وَخَافَ عِقَابَهُ، فَإِذَا رَأَيْتَ أُولئِكَ فَأُولئِكَ شِيعَةُ جَعْفَرٍ»(2).

وعن الأمالي للحسن بن محمَّد الطوسي شيخ الطائفة (رحمه الله علیه) بإسناده عن


1) الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب المؤمن وعلاماته ، ح7 .

2) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب المؤمن وعلاماته ، ح 9 .

الرّضا (علیه السّلام)، عن أبيه عن جدَّه ، عن أبي جعفر (علیه السّلام)، أنَّهُ قالَ لِخَيْثَمَةَ : «أَبْلِغْ شِيعَتَنَا ، أَنا لا تُغْنِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَأَبْلِغْ شِيعَتَنَا أَنَّهُ لا يُنالُ مَا عِنْدَ اللهِ إِلا بِالْعَمَلِ، وَأَبْلِغْ شِيعَتَنَا أَنَّهُمْ إِذا قَامُوا بِمَا أُمِرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(1).

الكافي بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) من قالَ: «لا تَذْهَبُ بكُمُ الْمَذاهِبُ، فَوَالله ما شِيعَتْنَا إِلا مَنْ أَطاعَ اللَّهَ»(2).

وبإسناده عن جابر، عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : قال لي: «يَا جَابِرُ أَيَكْتَفِي مَنْ يَنْتَحِلُ التَّشَيْعَ أَنْ يَقُولَ بِحُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ ؟ فَوَاللَّهِ ما شيعَتنا إلا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَطَاعَهُ - إلى أن قال : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْمَلُوا لِمَا عِنْدَ اللهِ، لَيْسَ بَيْنَ اللهِ وَلا بَيْنَ أَحَدٍ قَرَابَةٌ، أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ أَتْقَاهُمْ وَأعْمَلَهُمْ بِطَاعَتِهِ. يا جَابِرُ وَاللهِ ما نَتَقَرَّبُ إلَى الله تعالى إلا بِالطَّاعَةِ، مَا مَعَنَا بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَلاَ عَلَى اللهِ لأَحَدٍ مِنْ حُجَّةٍ، مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطيعاً فَهُوَ لَنَا وَلِيٍّ ، وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ ، وَمَا تُنَالُ وِلايَتْنَا إِلا بِالْعَمَلِ وَالْوَرَع»(3).

وفي الكافي عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : «يا مَعْشَرَ الشَّيعَةِ - شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ - كُونُوا النّمْرَقَةَ الوسطى يَرْجِعُ إِلَيْكُمُ الْغَالِي وَيَلْحَقُ بِكُمُ التَّالِي فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَعْدٌ جُعِلْتُ فَذاكَ مَا الغَالِي؟ قَالَ قَوْمٌ يَقُولُونَ فينا ما لا نقولهُ فِي أَنْفُسِنَا فَلَيْسَ أولئِكَ مِنا وَلَسْنَا مِنْهُمْ . قَالَ : فَمَا التّالي؟ قَالَ : الْمُرْتَادُ يُرِيدُ الْخَيْرَ يُبَلِّغُهُ الْخَيْرَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ وَاللهِ ما مَعَنا مِنَ اللهِ بَرَاءَةٌ وَلا بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ قَرَابَةٌ وَلا لَنَا عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ وَلَا نَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ إلا بِالطَّاعَةِ فَمَنْ كَانَ مُطِيعاً لِلَّهِ تَنْفَعُهُ وَلايَتُنا، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَاصِياً لِلَّهِ لَمْ تُنَفَعُهُ وِلايَتُنَا ، وَيْحَكُمْ لا تَغْتَرُّوا وَيْحَكُمْ لا تَغْتَرُّوا»(4).

عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (علیه السّلام) قالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الصِّفَا فَقَالَ يَا بَنِي هاشم يا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ وَإِنِّي شَفِيقٌ عَلَيْكُمْ وَإِنَّ لِي عَمَلِي وَلِكُلِّ


1) أمالي الطوسي، المجلد 1، ص380.

2) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الطاعة والتقوى، ح1 و3 .

3) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الطاعة والتقوى، ح6 .

4) روضة الكافي، ص 159 ح 205 .

رَجُلٍ مِنْكُمْ عَمَلَهُ لا تَقُولُوا إِنَّ مُحَمَّداً مِنَّا وَسَنَدْخُلُ مَدْخَلَهُ فَلَا وَاللَّهِ مَا أَوْلِيَائِي مِنْكُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلا الْمُتَّقُونَ أَلا فَلا أَعْرِفُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَأْتُونَ تَحْمِلُونَ الدُّنْيا عَلَى ظُهُورِكُمْ ، وَيَأْتُونَ - النَّاسُ - يَحْمِلُونَ الآخِرَةَ»(1).

وفي حديث جابر عن أبي جعفر (علیه السّلام)، فَقَالَ: «يا جَابِرُ لَا تَذْهَبُ بِكَ الْمَذَاهِبُ حَسْبَ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ أَحِبُّ عَلِيّاً وَأَتَوَلاهُ ثُمَّ لا يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ فَعّالاً؟ فَلَوْ قَالَ إِنِّي أُحِبُّ رَسُولَ اللهِ، فَرَسُولُ اللهِ خَيْرٌ مِنْ عَلي (علیه السّلام) ثُمَّ لا يَتَّبِعُ سِيرَتَهُ وَلَا يَعْمَلُ بِسْتِهِ مَا نَفَعَهُ حُبُّهُ إِيَّاهُ شَيْئًا»(2).

قال طاووس الفقيه : «رأيته - الإمام زين العابدين (علیه السّلام)- يطوف من العشاء إلى السحر ويتعبّد، فلمّا لم ير أحداً رمق السماء بطرفه ، وقال : إلهي غارت نجوم سماواتك، وهجعت عيون أنامك، وأبوابك مفتحات للسائلين جئتك لتغفر لي وترحمني وتريني وجه جدّي محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) في عرصات القيامة، ثمَّ بكى وقال : وعزَّتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شالكَّ، ولا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرّض، ولكن سوَّلت لي نفسي وأعانني على ذلك سترك المرخى به عليَّ، فالآن من عذابك من يستنقذني ؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عنّي؟ فواسوأتاه غداً من الوقوف بين يديك، إذا قيل للمخفّين جوزوا ، وللمثقلين حطّوا، أمع المخفّين أجوز؟ أم مع المثقلين أحطّ ؟ ويلي كلّما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب، أما آن لي أن استحي من ربّي ؟! ثمَّ بكى وأنشأ يقول :

اتحرقني بالنار يا غاية المني *** فأين رجائي ثمَّ أين محبّتي

أتيت بأعمال قباح زريّة *** وما في الورى خلق جنى كجنايتي

ثمَّ بكى وقال : سبحانك تُعصى كأنك لا ترى، وتحلم كأنك لم تعص تتودّد إلى خلقك بحسن الصنيع كانَّ بك الحاجة إليهم، وأنت يا سيدي الغنيُّ عنهم ثمَّ خرَّ إلى الأرض ساجداً ؛ قال : فدنوت منه ورفعت رأسه ووضعته على ركبتي وبكيت حتى جرت


1) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الطاعة والتقوى، ح6 .

2) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الطاعة والتقوى، ح3 .

دموعي على خدَّه، فاستوى جالساً وقال : من الذي شغلني عن ذكر ربّي؟ فقلت: أنا طاوس يا ابن رسول الله ما هذا الجزع والفزع؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جانون، أبوك الحسين بن علي وأمك فاطمة الزهراء، وجدك رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)؟! قال : فالتفت إليَّ وقال : هيهات هيهات يا طاوس دع عنّي حديث أبي وأمي وجدَّي خلق الله الجنّة لمن أطاعه وأحسن ، ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولداً قريشيّاً أما سمعت قوله تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ والله لا ينفعك غداً إلا تقدمة تقدمها من عمل صالح»(1).

هذه بعض الأحاديث الشريفة الصريحة في أن الأهواء والرغبات تجاه هذه الحياة الدنيوية الموجودة فينا نحن أهل الدنيا وأهل المعصية، تكون فاسدة وباطلة، وتعتبر من الأهواء الشيطانية، مما هو مخالف للعقل والنقل .

وتنضم إلى تلك الأحاديث، الآيات الكريمة القرآنية مثل قوله تعالى: كُلُّ نَفْس بمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(2)وقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ وقوله تعالى: لَها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ(3)وغيرها من الآيات الشريفة الموجودة في كل صفحة من الكتاب المجيد التي تدلّ على أن الورع والعمل الصالح هما الركيزتان لنجاة الإنسان. ولا مجال لتأويل هذه الأخبار والتصرف فيها لأنه على خلاف الضرورة.

و تقابل هذه الروايات ، أحاديث أخرى مأثورة عن أهل البيت (علیهم السّلام) ومذكورة في الكتب المعتبرة أيضاً - كما تأتي بعد قليل - ولكننا نستطيع أن نجمع بين معظم هذه الروايات وتلك الأخبار بالجمع الصحيح العرفي، وإذا لم يكن الجمع مقبولاً ولم يكن التأويل ممكناً استطاعت هذه الروايات من مقاومة تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة المؤيدة بظاهر القرآن ونصوص الفرقان، والعقل السليم، والبداهة الضرورية


1) بحار الأنوار، المجلد 46 تاريخ علي بن الحسين (علیه السّلام) الباب 5 ، ح 75 ، ص 82 .

2) سورة المدثر، الآية : 38 .

3) سورة البقرة، الآية : 286 .

لدى المسلمين على أن الأساس هو العمل الصالح والورع .

فمن الأحاديث التي تقابل تلك الروايات ما رواه ثقة الإسلام الكلينيُ بإسناده عن يوسف بن ثابت ابن أبي سعدة، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «أَلْإِيمَانُ لا يَضُرُّ مَعَهُ عَمَل وكَذلِكَ الْكُفْرُ لا يَنْفَعُ مَعَهُ عَمَل»(1)وهناك روايات أخرى بهذا المضمون(2).

وقد فسر المحدث الجليل المجلسي عليه الرحمة، الضرر المنفي في هذه المجموعة من الأخبار: (مَا يَصِيرُ سَبَباً لِدُخُولِ النَّارِ أَوِ الْخُلُودِ فِيها)(3). انتهى. وإذا كان المقصود من الضرر المنفي، دخول النار، فلا منافاة بين عدم الدخول في النار حسب هذه الروايات، وتحقق أنواع أخرى من العذاب في عالم البرزخ والمواقف المختلفة في يوم القيامة .

ويظن الكاتب بأنه يمكن حمل هذه الأخبار، على أن الإيمان ينّور القلب قليلاً وفي درجة محدودة فإذا اقترف الإنسان خطيئة أو ذنباً توفق ببركة ذلك النور وملكة الإيمان، من معالجة تلك الجريرة بالتوبة والرجوع إلى الله ، فإن صاحب الإيمان بالله واليوم الآخر، لا يسمح لنفسه أن يترك ذنوبه إلى يوم القيامة. فهذه الأخبار في الحقيقة تحفز الإنسان على التمسك بالإيمان، والمحافظة عليه . كما ورد في كتاب «الكافي» عن الصادق (علیه السّلام) قال : قال موسى للخضر (علیه السّلام): «قَدْ تَحَرَّمْتَ بِصُحْبَتِكَ فَأَوْصِنِي قَالَ لَهُ الْزَمُ مَا لا يَضُرُّكَ مَعَهُ شَيْءٌ كَمَا لَا يَنْفَعُكَ مَعَ غَيْرِهِ شَيْءٍ »(4).

ومن ذلك ما رواه بإسناده عن محمَّد بن ريَان بن الصلت، رفعه عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السّلام) كَثِيراً ما يَقُولُ فِي خُطْيَتِهِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ دِينَكُمْ دِينَكُمْ، فَإِنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْحَسَنَةِ فِي غَيْرِهِ، وَالسَّيِّئَةُ فِيهِ تَغْفَرُ وَالْحَسَنَةُ فِي غَيْرِهِ لا تقبل»(5).


1) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الإيمان لا يضر معه سيئة ، ح4 .

2) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر ، باب أن الإيمان لا يضر معه سيئة ، ح 3 و 5 و6 .

3) مرآة العقول، المجلد 11، ص 396.

4) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب أن الإيمان لا يضر معه سيئة ح2 .

5) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب أن الإيمان لا يضر معه سيئة ح6 .

ويدل هذا الحديث الشريف وأمثاله من الأخبار التي ترغَّب على ملازمة الديانة الحقه، على أن خطايا المؤمنين وذنوب أصحاب الديانة الحقة، تؤول إلى المغفرة كما قال الله سبحانه : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً(1). ولهذا نستطيع أن نقول بأن سيئات المؤمنين أفضل من حسنات الآخرين التي لا تقبل أبداً . بل لعل الحسنات التي لا تحتوي على شرائط القبول مثل الإيمان والولاية، تنطوي على ظلمات أكثر من الظلمات الموجودة في سيئات المؤمنين الذين يعيشون في حال الخوف والرجاء نتيجة نور الإيمان المشع في قلوبهم. وعلى أي حال لا يدلّ هذا الحديث على أن أهل الإيمان لا يحاسبون على سيئاتهم كما هو ظاهر .

ومن الأحاديث المشهورة التي يقال إنّها مشهورة بين الفريقين الحديث القائل: «احُبُّ عَلِيٍّ احب عَلى حَسَنَةٌ لا يَضُرُّ مَعَهَا سَيِّئَةٌ، وَيُغْضُهُ سَيِّئَةٌ لا يَنْفَعُ مَعَهَا حَسَنَةٌ»(2).

وهذا الحديث الشريف من قبيل الأحاديث المذكورة التي وردت في الإيمان ومعناه : إما ما ذكره المرحوم المجلسي في تلك الأخبار من أن المقصود من الضرر المنفي هو عدم الخلود في النار أو عدم الدخول فيها، فيكون المعنى أن حبّ عليّ (علیه السّلام) الذي هو أساس الإيمان وإكماله وإتمامه يبعث على التخلص من النار بواسطة شفاعة الشافعين . وعليه كما قلنا لا يتنافى هذا الاحتمال مع ألوان العذاب في عالم البرزخ . وقد ورد في ذلك عن الصادق (علیه السّلام): «وَاللهِ ما أَخَافُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْبَرْزَخَ فَأَمَا إِذَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْنَا فَنَحْنُ أولى بكُمْ»(3). أو ما ذكرناه من أن حب الإمام علي (علیه السّلام) يبعث على نور وإيمان يجنّبان صاحبهما عن الآثام، ويدفعانه إلى التوبة والإنابة عندما يبتلى بالمعصية من دون أن يفسح المجال أمامه للتمادي في الغيّ والعصيان .

ومن تلك الأحاديث، الأخبار الواردة في تفسير الآيات الشريفة المذكورة في سورة الفرقان . قال الله تعالى :


1) سورة الزمر، الآية : 53 .

2) کتاب مناقب ابن شهر آشوب، المجلد 3، ص197.

3) راجع حديث 4 .

وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهَا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رجيما(1). ونحن نقتصر على ذكر واحدة من تلك الأخبار، لأنها جميعاً متقاربة في المضمون والمعنى :

عن الشيخ في أماليه بإسناده عن محمد بن مسلم الثقفي قال : «سَأَلْتُ أَبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ (علیه السّلام) عَنْ قَولِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ: فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً فقال (علیه السّلام): يؤتى بِالْمُؤْمِنِ الْمُذْنِبِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَامَ بِمَوْقِفِ الْحِسَابِ، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى حِسَابَهُ لا يُطْلِعُ عَلَى حِسَابِهِ أَحَداً مِنَ النَّاسِ، فَيُعَرِّفَهُ ذُنُوبَهُ حَتَّى إِذَا أَقَرٌ بِسَيِّئَاتِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْكَتَبَةِ: بَدِّلُوهَا حَسَنَاتٍ وَأَظْهِرُوها لِلنَّاسِ، فَيَقُولُ النَّاسُ حِينَئِذٍ : مَا كَانَ لِهَذَا الْعَبْدِ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةً ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، فَهَذَا تَأْوِيلُ الآيَةِ، وَهِيَ فِي الْمُدْنِبِينَ مِنْ شِيعَتِنَا خَاصَّةً»(2).

والباعث على ذكر الآيات الكريمة بأسرها وإطالة الكلام هنا، هو أن البحث مهمّ، و أن كثيراً من الخطباء قد شوهوا معنى هذه الأخبار للناس، وأن ربط الخبر بالآية لا يكون مفهوماً إلا إذا ذكرنا الآية نفسها فلهذا أعتذر من إطالة الأحاديث المملة .

من يقرأ الآيات المذكورة الثلاثة من أولها إلى آخرها، يفهم بأن الناس جميعاً مطوّقون بأعمالهم ومحاسبون على قبائحها، إلا الذين آمنوا، وتابوا من جرائرهم، وعملوا عملاً صالحاً فكل من توفّرت فيه هذه الأمور الثلاثة، فاز وشملته الطاف الله سبحانه وأصبح مكرّماً أمام ساحة قدسه، فتتحول سيئاته وآثامه إلى حسنات، وقد فسر الإمام الباقر (علیه السّلام) الآية المباركة بهذا التفسير أيضاً، وجعل كيفية حساب هؤلاء الأشخاص وموقفهم يوم القيامة على الشكل الذي ذكرناه .


1) سورة الفرقان، الآيات : 68 - 70 .

2) كتاب أمالي الشيخ الطوسي، المجلد 1 ، ص 70 .

ومن المعلوم أن هذا الأمر يختص بشيعة أهل البيت (علیهم السّلام)، ويحرم عنه الناس الآخرون. لأن الإيمان لا يحصل إلا بواسطة ولاية عليّ وأوصيائه من المعصومين الطاهرين (علیهم السّلام). بل لا يقبل الإيمان بالله ورسوله من دون الولاية، كما نذكر ذلك في الفصل التالي .

إذن لا بد من اعتبار هذه الآية المباركة والأخبار التي وردت في تفسيرها، من الطائفة الأولى من الروايات، لأنها تدلّ على أن الشخص إذا كان مؤمناً ولم يحاول القضاء على سيئته بالتوبة والعمل الصالح لما شملته الآية الكريمة .

فيا أيها العزيز لا يغرنّك الشيطان، ولا تخدعنك الأهواء النفسية. ومن المعلوم أن الإنسان الخامل المبتلى بالشهوات وحبّ الدنيا والجاه والمال كما هو شأن الكاتب يبحث عن مبرر لخموله ويقبل على كل ما يوافق شهواته ويدعم رغباته النفسية وأوهامه الشيطانية، وينفتح بكل وجوده على مثل هذه الأخبار، من دون أن يفحص عن مغزاها، أو يتأمل في الأخبار الأخر التي تعارضها وتقابلها . إن هذا المسكين يظن أن مجرد ادعاء التشيّع وحبّ التشيع وحبّ أهل بيت الطهارة والعصمة، يسوّغ له - والعياذ بالله - اقتراف كل محرّم من المحظورات الشرعية، ويرفع عنه قلم التكليف إن هذا السيىء الحظ لم بأن الشيطان قد ألبس عليه الأمر فيخشى عليه في نهاية عمره أن تسلب منه هذه ينتبه المحبة الجوفاء التي لا تجدي ولا تنفع، ويُحشر يوم القيامة صفر اليدين وفي صفوف نواصب أهل البيت (علیهم السّلام). إن ادعاء المحبة من دون دليل وبينّة، لا يكون مقبولاً. إنه لا يمكن أن أكون صديقك وأضمر لك الحبّ والإخلاص، ثم أقوم بكل ما هو مناقض لرغباتك وأهدافك. إن شجرة المحبة تنتج وتثمر في الإنسان المحبّ، العمل حسب درجة المحبة ومستواها، فإذا لم تحمل تلك الشجرة هذه الثمرة فلا بد من معرفة أنها لم تكن محبة حقيقية وإنما هي محبة وهمية .

إن النبي الأكرم وأهل بيته العظام صلوات الله عليهم، قد بذلوا حياتهم في نشر الأحكام الشرعية والعقائد والأخلاق، وأرادوا في ذلك البلوغ إلى منشودهم الوحيد وهو إبلاغ أحكام الله وإصلاح الإنسان وتهذيبه، واستساغوا في هذا السبيل الشريف أنواع

السلب والقتل والإذلال والإهانة، ولم يتوانوا في ذلك. فمحب أهل البيت، وشيعتهم، هو الذي يشاركهم في أهدافهم، ويعمل على ضوء أخبارهم وآثارهم. إن ما ذكر في الأخبار الشريفة من أن الإقرار باللسان والعمل بالأركان من دعائم الإيمان، فهو بيان لسرّ طبيعي، ولسنة الله الجارية، لأن حقيقة الإيمان، تلازم العمل والتنفيذ. إن العاشق في جوهر طبيعته، يظهر العشق تجاه المعشوق ويتغزّل به، وإن المؤمن إذا لم يعمل بمتطلبات الإيمان وما تستدعيه محبة الله وأولياؤه، لما كان مؤمناً ومحباً. وإن هذا الإيمان الشكلي والمحبة الجوفاء، من دون جوهر ومضمون، ينتفي ويزول أمام حوادث بسيطة وضغوط يسيرة، وينتقل هذا المحبّ إلى دار جزاء الأعمال، صفر اليدين.

فصل: في بيان ولاية أهل البيت شرط لقبول الأعمال

إن ما مرَّ في ذيل الحديث الشريف من أن ولاية أهل البيت (علیهم السّلام) ومعرفتهم شرط في قبول الأعمال، يعتبر من الأمور المُسَلَّمة، بل تكون من ضروريات مذهب التشيع المقدس. وتكون الأخبار في هذا الموضوع أكبر من طاقة مثل هذه الكتب المختصرة على استيعابها ، وأكثر من حجم التواتر. ويتبرك هذا الكتاب بذكر بعض تلك الأخبار .

عن الكافي : بإسناده عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال : «ذِرْوَةُ الأَمر وَسَنَامُهُ وَمِفْتَاحُهُ وَبَابُ الأَشْيَاءِ وَرِضَى الرَّحْمَنِ الطَّاعَةَ لِلْإِمَامِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ... أَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلاً قَامَ لَيْلَهُ وَصَامَ نَهَارَهُ وَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَحَجٌ جَمِيعَ دَهرِهِ وَلَمْ يَعْرِفُ ولاية ولي اللهِ فَيُوَاليَهُ وَتَكُونُ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ بِدَلَالَتِهِ إِلَيْهِ ، مَا كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ حَقٌّ فِي ثَوَابِهِ وَلَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ»(1).

وبإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «مَنْ لَمْ يَأْتِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا أَنتُمْ عَلَيْهِ ، لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ حَسَنَةٌ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ لَهُ سَيِّئَةٌ»(2).

وبإسناده عن أبي عبد الله (علیه السّلام) في حديث قال : «وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ إِبْلِيسَ - لَعَنَهُ اللَّهُ -


1) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر باب دعائم الإسلام ، ح5 .

2) سورة الأعراف، الآية: 180 .

سَجَدَ لِلَّهِ بَعْدَ الْمَعْصِيَةِ وَالتَّكَبرِ عُمْرَ الدُّنْيا مَا نَفَعَهُ ذَلِكَ وَلَا قَبِلَهُ اللَّهُ مَا لَمْ يَسْجُدُ لِآدَمَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ ، وكذلِكَ هَذِهِ الأَمةُ الْعَاصِيَةُ المَفْتُونَهُ بَعْدَ تَرْكِهِمُ الإمامَ الَّذِي نَصَبَهُ نَبِيُّهُمْ لَهُمْ، فَلَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ عَمَلاً وَلَنْ يَرْفَعَ لَهُمْ حَسَنَةٌ حَتَّى يَأْتُوا اللهَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ وَيَتَوَلَّوُا الإمامَ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِوِلايَتِهِ وَيَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الَّذِي فَتَحَهُ اللَّهُ وَرَسُولَهُ لَهُمْ - الحديث»(1).

والأخبار في هذا الموضوع وبهذا المضمون كثيرة، ويستفاد من مجموعها أن ولاية أهل البيت (علیهم السّلام) شرط في قبول الأعمال عند الله سبحانه، بل هو شرط في قبول الإيمان بالله والنبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم). ولا يستفاد كونها شرطاً في صحة الأعمال كما يستفاد ذلك من . الروايات الكثيرة مثل الرواية المذكورة في باب عدم وجوب قضاء المخالف عبادته إذا استبصر عن أبي عبد الله (علیه السّلام) - في حديث - قال : «كُلُّ عَمَلِ عَمَلَهُ وَهُوَ فِي حَالِ نُصْبِهِ وَضَلالَتِهِ، ثُمَّ مَنْ اللَّهُ عَلَيهِ وَعَرَّفَهُ الوِلايَةَ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ عَلَيْهِ إِلا الزَّكَاةَ فَإنَّهُ يُعِيدُها ، لأنَّهُ وَضَعَها فِي غَيْرِ مَوْضِعِها، لأنَّها لأهْلِ الْوِلايَةِ، وَأَمَّا الصَّلاةَ وَالْحَجُ والصِّيَامُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ»(2).

وفي رواية أخرى عن محمد بن حكيم قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السّلام) إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ كُوفِيَّانِ كَانَا زَيْدِيَّيْنِ فَقَالاً إِنَّا كُنَّا نَقُولُ بِقَوْلٍ وَإِنَّ اللَّهَ مَنْ عَلَيْنَا بِولايَتِكَ فَهَلْ يُقْبَلُ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِنَا فَقَالَ أَمَّا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُتْبِعُكُمَا ذَلِكَ وَيُلْحَقُ بِكُمَا وَأَمَّا الزَّكَاةَ فَلَا لِأَنَّكُمَا أَبْعَدْتُمَا حَقَّ امْرِىءٍ مُسْلِمِ وَأَعْطَيْتُمَاهُ غَيْرَهُ»(3).

وفي بعض الروايات (تعرض أعمال الناس في كل يوم خميس على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فيؤجل النظر فيها حتى يوم عرفة، وفي تلك اليوم يلقي صلوات الله وسلامه عليه نظره عليه ويجعل أعماله هباءاً منثوراً. قيل : أعمال أي شخص تتحول كذلك؟ قال صلوات الله عليه أعمال مبغضينا ومبغضي شيعتنا(4). وهذه الرواية تدلّ على


1) وسائل الشيعة، كتاب الطهارة، الباب 69 ، من أبواب مقدمة العبادات ح 3 و5 .

2) المصدر السابق.

3) وسائل الشيعة، كتاب الطهارة، الباب 31 من أبواب مقدمة العبادات ، ح 1 و5 .

4) قال الإمام الصادق (علیه السّلام): «إن أعمال العباد تعرض كل خميس على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فإذا كان يوم عرفة : هبط الرب تبارك وتعالى وهو قول الله تبارك وتعالى : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً فقلت : جُعلت فداك أعمال مَن هذه؟ قال : أعمال مبغضينا ومبغضي شيعتنا» (بحار الأنوار، ج 23، کتاب الإمامة، الباب 20، ح 37 ، ص 345) .

أن الولاية شرط في صحة الأعمال كما هو واضح وعلى أي حال يكون هذا البحث خارجاً عن مسؤوليتنا هنا والحمد لله أولاً وآخراً .

الحديث الرابع والثلاثون: «المؤمن»

اشارة

بالسَّند المتَّصل إلى ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكُلَيْني قدَّس سرّه - عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي سعيد القماط، عن ابان بن تغلب، عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال: «لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) قَالَ: يَا رَبِّ مَا حَالُ نام الْمُؤْمِنِ عِنْدَكَ؟ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيَا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، وَأَنَا أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي، وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي فِي وَفَاةِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ.

وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لا يُصْلِحُهُ إِلا الْغِنَى، وَلَوْ صَرَفْتُهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَهَلَكَ، وَإِنْ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لاَ يُصْلِحُهُ إِلا الْفَقْرُ، وَلَوْ صَرَفْتُهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَهَلَكَ. وَمَا يَتَقَرِّبُ إِلَيَّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِشَيْءٍ أحَبْ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ يَتَقَرِّبُ إِلَيَّ بِالنَافِلَةِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ إِذا سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطُقُ بهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِسُ بِهَا، إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ، وَإِنْ سَأَلَنِي أعْطَيْتُهُ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من آذى المسلمين، ح8 .

الشرح:

«أُسْرِيَ» : فعل مجهول ومعناه، السير في الليل. قال الجوهري : «سَرَيْتُ سُرى وَمَسْرى وَأَسْرَيْتُ بمعنى إذا سِرْتَ لَيْلاً، وبالألِفِ لَغَةُ أهل الحجاز انتهى»، فبناء على أن الإسراء هو السير في الليل، يكون تقييده بالليل في الآية الشريفة سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيلاً(1)لأجل إفهام الناس بأن فترة الإسراء كانت قصيرة رغم أن المسافة الكائنة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى تستدعي أربعين يوماً مشياً على الأقدام كما قاله الشيخ البهائي(2)، ويتم هذا التفهيم في هذه الآية إما بواسطة تنكير «ليلا». وإما بواسطة تجريد (الليل) من الألف واللام .

«وأُسرِيَ بِالنَّبِيِ» لقد حذفت بقية الأمور المرتبطة بالإسراء، لمعروفيتها ومعهوديتها فالمعنى : أسْرِيَ بِهِ إِلَى مَقَامِ الْقُرْبِ، مثلاً .

قوله : «ما حَالُ الْمُؤْمِنِ؟» معناه ما هو شأن المؤمن وما هي منزلته؟ .

قوله : «مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً» إن أهانه بمعنى اسْتَخَفْ بِهِ وَاسْتَهَانَ بِهِ، وَتَهَاوَن فِيهِ : أَي اسْتَحْقَرَهُ يُقَالُ: رَجُلٌ فيه مَهانَةٌ أي ذُلُّ وَضَعْفٌ. والظاهر أن حرف الجر في كلمة - لي - يمكن أن يكون متعلقاً بفعل «أهان»، وعليه تكون إهانة المؤمن لإيمانه بالله، ولأجل الحق المتعالي، ويمكن أن يتعلق بالـ«وليّ» وعليه يكون المقصود هو إهانة المؤمن بأي هدف كان .

والـ(وَلِيّ) معناه المحب .


1) سورة الإسراء، الآية : 1 .

2) الأربعون، للشيخ البهائي ، ح 35 ، ص 296 .

قوله : «بارَزَنِي» بَرَزَ الرَّجُلُ يَبْرُزُ بُرُوزاً : أَي خَرَجَ والمقصود هنا من المبارزة بالمحاربة هو الخروج للحرب أو إظهاره .

قوله : «مَساءَتَهُ» مصدر ميمي من ساءه أي أكرهه .

قوله : «إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لا يُصْلِحُهُ إِلا الْغِنى» قال الشيخ المحقق البهائي (رحمه الله علیه): (الصناعة النحوية تقتضي أن يكون الموصول اسم إن والجار والمجرور خبرها، لكن لا يخفى أنه ليس الغرض الإخبار عن أن الذي لا يصلحه إلا الفقر بعض العباد، بل الغرض العكس، فالأولى أن يجعل الظرف اسم إن والموصول خبرها، وهذا وإن كان خلاف ما هو المتعارف بين القوم لكن جوّز بعضهم مثله في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ(1)انتهى كلامه(2).

ولعل المبتدأ يكون محذوفاً في أمثال هذه الموارد، ويكون دالاً على حذف الجار، ولا يكون مثل هذا الحذف مخالفاً للقواعد النحوية. ونقل عن صاحب الكشاف (أن الجار والمجرور مبتدأ على معنى وبعض الناس أو بعض منهم من اتصف بما ذكر فيكون مناط الفائدة تلك الأوصاف ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدءاً)(3).

ولكن لا نحتاج إلى التأويل بناءاً على ما ذكرنا .

واعلم أن ذكر هذه الجملة (إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْغِنى) في هذا المقام، لأجل إزالة الالتباس، والإجابة على السؤال الذي يمكن أن يطرح من قبل الناس الذين لا يعرفون النظام الأتم، والقضاء الإلهي المكنون، وهو أن المؤمن إذا كان مقرباً إلى ساحة الحق تعالى بدرجة تكون إهانته، محاربة الله سبحانه فلماذا يبتلى بالفقر والحاجة؟ وإذا لم تكن الدنيا ذات قدر وشأن فلماذا يصبح بعض منهم أغنياء وأثرياء؟ حيث أجاب الحق سبحانه بأن الحالات النفسية لعبادي مختلفة، وقلوبهم متغايرة، فبعضهم لا يصير صالحاً إلا في ظروف البؤس والفقر، فأفقره حتى تصلح أحواله. وبعضهم يحتاج إلى الغنى


1) سورة البقرة، الآية : 8.

2) مرآة العقول، المجلد 10 ، ص 387 . الأربعون للشيخ البهائي ، ح35، ص 296 .

3) مرآة العقول، المجلد 10 ، ص 388. تفسير الكشاف، ج 1، تفسير الآية الثامنة من سورة البقرة.

والثروة حتى يتحول إلى مؤمن صالح، فأغنيهم ، وهاتان الحالتان من كرامة المؤمن وعزة جاهه في ساحة قدس الحق تبارك وتعالى .

قوله : «وَمَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ مِنْ عِبَادِي - إلخ» إن ذكر هذه الجملة والجملة التالية لها بيان لمقام قرب المؤمنين الكُمّل، فإنَّ الله بين الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، أحوال المؤمنين، مبتدئاً ومختتماً على هذا النحو بأن ذكر إجمالاً حال المؤمنين بصورة مطلقة قائلاً (مَنْ أَهَانَهُمْ فَقَدْ بارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ) ثم يقسم المؤمنين إلى طائفتين بل إلى ثلاث طوائف عند أهل المعرفة .

إحداهما : المؤمنون بشكل عام حيث يتكلم الحديث عنهم في جملة «مَا تَرَدَّدْتُ فِي أمر»حتى قوله «مَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ». والدليل على أن هذا الشطر من الحديث يكون فيهم، هو أنهم يكرهون الموت وأن الغنى والفقر يعبثان بقلوبهم ، وهاتان الخاصيتان لا تعودان إلى الكمل من المؤمنين، وإنما ترجعان إلى المتعارف من أهل الإيمان . وعليه لا يرد اعتراض(1)على ظاهر هذا الحديث القائل بأن المؤمن يكره الموت. المتهافت مع الأحاديث الشريفة الأخرى الظاهرة في أن المؤمن الخالص لا يكره الموت، حتى نحتاج إلى الجواب الذي نقله الشيخ المحقق البهائي عن الشيخ الشهيد رضوان الله تعالى عليهما. فمن يرغب في معرفة الجواب فليراجع كتاب «الأربعون حديثاً» للشيخ البهائي(2).

ثانيهما: - المؤمنون الكمّل: وقد تحدّث عنهم الحديث المذكور من قوله «ما يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ عَبْد . . .» إلى آخر الحديث. وقد قسم أهل المعرفة هذا الشطر من الحديث إلى طائفتين :


1) تعرض الشيخ البهائي رحمه الله لهذا الموضوع عند تفسيره للحديث الخامس والثلاثين من كتابه الأربعين قال : - وهم وتنبيه : قد يتوهم المنافاة بين ما دل عليه هذا وأمثاله من أن المؤمن الخالص يكره الموت، ويرغب في الحياة وبين ما ورد عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فإنه يدل بظاهره على أن المؤمن الحقيقي لا يكره الموت بل يرغب فيه، كما نقل عن أمير المؤمنين (علیه السّلام) أنه كان يقول : إن ابن أبي طالب انس بالموت من الطفل بندي أمه، وأنه قال حين ضربه ابن ملجم فزت ورب الكعبة. وقد أجاب عنه شيخنا الشهيد طاب ثراه في الذكرى فقال : إن حب لقاء الله غير مقيد بوقت، فحمل على حال الاحتضار ومعاينة ما يحب، كما روينا عن الصادق (علیه السّلام). (المترجم).

2) المصدر السابق.

إحداهما : المؤمنون الذين يتقربون إلى الله بالفرائض .

والأخرى : المؤمنون الذين يتقربون إلى الله بالنوافل(1)وقد أشار ذيل الحديث إلى مقام المؤمنين، ونتائج قربهم . ونحن بعون الله سنأتي على ذكر مقام كلتا الطائفتين بصورة مختصرة .

قوله : «يَبْطِسُ» يقول الجوهري : البَطْشَةُ : السَّطْوَةُ وَالأخْذُ بِالْعُنْفِ، وَقَدْ بَطَشَ بِهِ يَبْطسُ وَيَبْطْسُ بَطْشاً، وقد أريد من الكلمة هنا مطلق الأخذ بل الاستعمال المتعارف لهذه الكلمة حسب الظاهر، الأعم من الأخذ بالعنف أو اللين.

تنبيه:

قال الشيخ المحقق البهائي برَّد الله مضجعه هذا الحديث صحيح السند وهو من الأحاديث المشهورة بين الخاصة والعامة. وقد رووه في صحاحهم بأدنى تغيير. وذكر رحمه الله في هامش كتاب الأربعين أن علي بن إبراهيم من «المجموعة» الواقعة في السند، وعليه تكون الرواية صحيحة. وقد روى العامة هذا الحديث بطريق صحيح. ويعتبر هذا الحديث من الأحاديث المشهورة المتفق عليها لدى أهل الإسلام. انتهى(2).

فصل: في بيان التوجيهات المذكورة في نسبة التردّد والتحير إلى الحق المتعالي

إننا قد بينّا لدى شرح بعض الأحاديث السابقة(3)، موضوع إهانة المؤمنين، فلا ضرورة في تكراره هنا . فننتقل إلى شرح بعض الجمل الأخرى .


1) إن النوافل جمع ناقلة وهي الأعمال الغير الواجبة مما يفعل لوجه الله سبحانه وأما تخصيصها بالصلوات المندوبة فعرف طارىء. (منه عفي عنه) .

2) الأربعون للشيخ البهائي، ح35 ، ص 295 . صحيح البخاري، كتاب الرقاق، ج23، ص22 ومسند ابن حنبل، ج 4 ، ص 295 .

3) تقدّم في ص 358 .

إعلم أن العلماء قد وقفوا أمام نسبة التردد إلى الحق المتعالي الواردة في هذا الحديث الشريف وكذلك أمام ما ورد في أحاديث صحيحة بل في الكتاب الحكيم الإلهي من نسبة أمور أخرى إليه سبحانه مثل البداء والامتحان. إن العلماء قد وقفوا أمام هذه النسب إلى الحق سبحانه وبدأوا بالتوجيه والتأويل، كل على ضوء مسلكه . وقد أبدى الشيخ الأجل البهائي رضوان الله تعالى عليه في كتاب «الأربعين» احتمالات ثلاثة، نشير إليها على نحو الإيجاز والاختصار :

الأول : إن في الكلام إضماراً والتقدير لو جاز عليّ التردّد ما تردّدت في شيء كتردّدي في وفاة المؤمن .

الثاني : أنه لمّا جرت العادة بأن يتردّد الشخص في مساءة من يحترمه ويوقره كالصديق الوفي، والخلّ الصفي وأن لا يتردد في مساءة من ليس له عنده قدر ولا حرمة كالعدو والحية والعقرب، بل إذا خطر بالبال مساءته أوقعها من غير تردد ولا تأمل، صح أن يعبر بالتردّد والتأمل في مساءة الشيء عن توقيره واحترامه وبعدهما عن إذلاله واحتقاره فقوله سبحانه ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في وفاة المؤمن المراد به والله أعلم : ليس لشيء من مخلوقاتي عندي قدر وحرمة كقدر عبدي المؤمن وحرمته فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية .

الثالث : أنه قد ورد في الحديث من طرق الخاصة والعامة أن الله سبحانه يُظهر للعبد المؤمن عند الاحتضار من اللطف والكرامة والبشارة بالجنة ما يزيل عنه كراهة الموت، ويوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار، فيقل تأذيه به ويصير راضياً بنزوله، راغباً في حصوله، فأشبهت هذه الحالة معاملة من يريد أن يؤلم حبيبه ألماً يتعقّبه نفع عظيم يتردد في أنه كيف يوصل ذلك الألم إليه على وجه يقل تأذيه به، فلا يزال يظهر له ما يرغّبه فيما يتعقبه من اللذة الجسمية والراحة العظيمة إلى أن يتلقاه بالقبول، ويعده من الغنائم المؤدية إلى إدراك المأمول)(1)انتهى .


1) مرآة العقول، المجلد 10 ، ص 384 . الأربعون للشيخ البهائي ، ح 35 ، ص300.

توجيه عرفاني

وأما مسلك الحكماء والعرفاء في هذا الموضوع وأمثاله، فيختلف عن المذاهب الأخرى. ونحن لأجل صعوبة فهم مسلك الحكماء والعرفاء، لا نسترسل في الحديث عن ذلك ولا تذكر مقاماته، وإنما نعرض ما هو قريب على الاستيعاب والإدراك وموافق للذوق . فنقول :

لا بد من معرفة أن جميع مراتب الوجود، من منتهى قمة عالم الملكوت وذروة عالم الجبروت إلى أسفل السافلين من عالم الظلمات والهيولى تكون مظاهر جمال الحق سبحانه وجلاله، ومراتب تجليات الرب عز وجل. وأن جميع الكائنات غير مستقلة في ذاتها، وإنما هي تعلق صرف، وربط محض، وعين الفقر والتدلّي بالذات المقدس الحق، وأن الموجودات كافة مسخرات بأمر الحق، ومطيعات للأوامر الإلهية. كما أن الآيات القرآنية التي أشارت إلى ذلك كثيرة . قال تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رمى(1)إن هذا الإثبات والنفي - وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى - إشارة إلى مقام الأمر بين الأمرين، بمعنى أنك رميت، وفي نفس الوقت إنك لم ترم بقدرتك المستقلة، بل إنما حصل الرمي بواسطة ظهور قدرة الحق في مرآتك ، ونفوذ قدرته في عالم ملكك وملكوتك . فإذن أنت تكون رامياً. وفي نفس اللحظة يكون الحق جلّ وعلا رامياً .

وتضاهي تلك الآية المجيدة، الآيات الشريفة المذكورة في سورة الكهف المباركة عند بيان قصة الخضر وموسى (علیه السّلام): أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَمِيبَهَا وَكَانَ وَرَاثَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً وَأَمَا الْغُلامُ فَكانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَين فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْياناً وَكُفْراً فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكوة وأَقْرَبُ رُحْماً وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِفُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبراً(2)فإن النبي الخضر (علیه السّلام) كشف أسرار عمله لموسى ونسب مورد


1) سورة الأنفال، الآية : 17 .

2) سورة الكهف، الآيات : 79 - 82 .

العمل الناقص والمعيب إلى نفسه قائلاً فَأَرَدْتُ أنْ أعِيبَها وفي مورد الكمال نسب العمل إلى الحق سبحانه فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبَّهُما وكل ذلك يكون صحيحاً .

ومن أمثال الآيات المباركات قول الله تعالى حيث يقول : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ نوتِهاً(1)مع أن ملك الموت هو المسؤول عن توفي النفوس .

وقوله تعالى: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ(2)فالله تعالى هو الهادي والمضل. مع أن جبرائيل يكون هادياً، والرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) و يكون هادياً إنَّما أَنتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ(3)وإن الشيطان يكون مضلاً. وهكذا النفخة الإلهية من صور إسرافيل والنفخة الإسرافيلية حيث توجد التعددية - نفخة إلهية ونفخة إسرافيلية - من جهة والاشتراك والوحدة من جهة أخرى حيث أن الجميع منه وإليه .

فمن منظار لا يكون كلّ من إسرافيل وعزرائيل وجبرائيل ومحمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وكافّة الأنبياء وكلّ من هو في دار التحقق، شيئاً - هذا هو منظار الوحدة - فلا ينسب إليهم أمر ، في مقابل مُلك المَلِك بشكل مطلق، ومقابل إرادة الحق النافذة، إن جميع الأشياء مظاهر قدرة الحق وإرادته هُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلهُ وفِي الأَرْضِ إِله(4).

ومن منظار آخر وهو منظار الكثرة والانتباه إلى الأسباب والمسببات، تكون جميع الأسباب صحيحة وذات دور فاعل، ويكون النظام الكوني الأتم قائماً على أساس نظم وتنسيق بين الأسباب والمسببات، بحيث لو تعطل سبب واسطة في تسلسل الأسباب والوسائط في هذا الكون لتوقفت عجلة الوجود، وإذا لم يرتبط الحادث بالقديم، عبر الوسائط والأسباب المقررة، لتوقف الفيض وتعطلّت الرحمة. ولو أن شخصاً بواسطة المنطلقات والمقدمات المقرّرة في مظانّها - خاصة كتب العرفاء الشامخين وكتب صدر الحكماء والفلاسفة وأفضل الحكماء الإسلاميين(5)- أدرك هذا المشرب الإيماني


1) سورة الزمر، الآية : 42 .

2) سورة النحل، الآية : 93 .

3) سورة الرعد، الآية : 7 .

4) سورة الزخرف، الآية : 84 .

5) هو صدر المتألهين الشيرازي .

العذب، وأبلغ به مقام قلبه، لانفتحت عليه هذه الأبواب، ولعرف بأن هذه النِّسَب صحيحة وحقيقية ولا يخامره التسامح والمجاز نهائياً لدى دراساته الدقيقة العرفانية .

وعندما يرى بعض الملائكة الموكلين بنفوس المؤمنين وبقبض أرواحهم المقدسة، مقام المؤمنين لدى محضر الحق المقدس المتعالي، ويرون من جانب آخر أن المؤمنين يكرهون الموت، إنتابتهم حالة من التزلزل والتردد. وقد نسب سبحانه هذه الحال إلى نفسه (وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي فِي وَفَاةِ الْمُؤْمِنِ). كما نسب إلى نفسه التوفي، والهداية والإضلال. وكما أن تلك النسب إلى الحق المتعالي صحيحة على مسلك العرفاء، تكون نسبة التردّد إليه عز وجلّ صحيحة أيضاً.

ولكن استيعاب هذا المشرب والمذهب يحتاج إلى قريحة حسنة ولطيفة، وذوق سليم والله العالم الهادي .

ولا يخفى - هذا الأمر الهام وهو : - أنه لما كانت حقيقة الوجود عين حقيقة الكمال وعين التمام، وكانت النقائص والعيوب غير منتمية إلى الحق المتعالي، ولا مجعولة له كما تقرر بالبرهان في محله - فكلما كان الفيض أقرب إلى أفق الكمال وأبعد من الفتور والضعف، كان ارتباطه بالحق أتم ، ونسبته إلى الذات المقدس أولى، وعلى العكس كلما كانت ظلمات التعّين والأعدام أكثر، والقيود والحدود أوفر، كان الارتباط بالله أوهى، والانتساب إليه سبحانه أبعد .

ومن هنا نرى بأن الشرع المجيد - القرآن والسنة - كثيراً ما ينسب الفعل الإبداعي الغيبي المجرد - إلى الحق سبحانه، وقليلاً ما تنسب فيهما الأفعال المتجددة الملكية المادية الطبيعية - إلى الحق المتعالي .

فإذا فرّقت عيون ثاقبة، وقلوب يقظة، بين الكامل والناقص والحسن والقبيح، والجميل والبشع، استطاعت أن تفهم حينذاك، رغم أن كل ما في عالم التحقق، تجل فعلي للحق سبحانه ومرتبط به، بأن كافة أعماله جميلة وكاملة ولا علاقة للنقائص والعيوب بذاته المقدس. وأما ما هو الشائع على ألسنة الحكماء رضوان الله تعالى عليهم من إسناد النقص إلى الله - فهو انتساب بالعرض، حيث تروج مثل هذه النسبة المجازية

العرضية في بداية التعليم وفي الفلسفة الشائعة بين المتعلمين .

وفي هذا المستوى من العلم أخطاء والتباس يكون من الأولى غض الطرف عنها .

والمقصود من بيان هذا الأمر الأساسي المهم هو :

أولاً : تفنيد الكلمات الفاسدة التي يمكن أن تعترض على المقام من قبل جاهل عار عن المعارف الإلهية .

ثانياً : بيان أن نسبة هذا التردّد وترجّح الدوافع والحوافز، الحاصل لدى بعض الملكوتيين، نحو الحق سبحانه يكون تاماً، من نسبة الأمور الطبيعية التي تحدث في هذا العالم إليه سبحانه .

وثالثاً : أن على الإنسان العارف بالحقائق، أن يحدّد جهة الكمال والنقص، في هذا التردد، وترجح الدواعي، فينسب الكمال إلى الحق، ويسلب عنه النقص .

تتميم: في بيان توجيه آخر عن حديث التردد

وفي هذا المقام توجيه آخر لهذا الحديث الشريف الذي ينسب التردد إلى الحق المتعالي، قد خطر على فكري القاصر في سالف الأيام وهو :

إن العباد إما أن يكونوا عرفاء وأولياء الله ، وينخرطوا لدى سيرهم إلى الله، في سلك أصحاب القلوب، فيكونوا مجذوبين للحق، وتوّاقين لجماله الذي لا مثيل له ومستقبلين ذاته المقدس في كل تطلعاتهم وآمالهم ولا يلتفتون إلى غيره سبحانه من العوالم، بل لا يفكرون في أنفسهم وكمالاتهم.

وإما ينغمرون في زخارف الدنيا ويغوصون في ظلمات حبّ الجاه والمال وتكون قلوبهم متجهة نحو الأنانية والإنية من دون أن يعبأوا بالعالم الأقدس، ويأبهوا بالملكوت الأعلى وهم الملحدون في أسماء الله .

والطائفة الثالثة من المؤمنين هم الذين ينتبهون إلى العالم الأرفع نتيجة نور إيمانهم، ويكرهون الموت لالتفاتهم إلى هذا العالم. وقد عبّر الله سبحانه عن هذا التجاذب بين

المُلك والملكوت، والغيب والمادة والآخرة والدنيا، بالتردّد، ومن المعلوم أن التردد قائم بطرفي القضية . فكأنه يقول : لا يوجد في أي كان من الموجودات هذا التجاذب بين الملك والملكوت، بمثل ما هو موجود لدى العبد المؤمن فمن ناحية يكره الموت، لأنه قد وجّه وجهه إلى عالم الملك والدنيا، ومن ناحية أخرى تشدّه الجاذبة الإلهية نحوها، لإيصاله إلى كماله. فالحق المتعالي يكره إساءته التي تساوي بقاءه في عالم الطبيعة ويكره المؤمن الموت .

وأما الناس الآخرون فلا يكونون كذلك، حيث لا يكون لأولياء الله الانجذاب نحو عالم الملك والطبيعة، ولا يكون للمنغمسين في الدنيا الانجذاب نحو عالم الملكوت والغيب .

وتكون نسبة هذا التجاذب والتردد إلى الحق سبحانه على أساس ما ذكرناه في الوجه السابق - قبل هذا التتميم -.

وللمحقق الكبير والسيد الجليل المير محمد باقر الداماد وتلميذه محمد بن إبراهيم المعروف بصدر المتألهين أبحاث دقيقة يوجب ذكرها التفصيل والإطالة(1).

فصل: في بيان أن الحق المتعالي يُصلح أحوال المؤمنين بالفقر والغناء وغيرهما

يفهم من هذا الحديث الشريف القائل : «وَإِنَّ مِنْ عِبادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الغنى وَلَوْ صَرَفْتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَهَلَكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لا يُصْلِحُهُ إِلا الْفَقْرُ وَلَوْ صَرَفْتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَهَلَكَ» أن كل ما يوفره الحق سبحانه للمؤمنين من الغنى والفقر، والصحة والمرض والأمن والاضطراب وغير ذلك، فهو لأجل إصلاح المؤمنين وصيرورة قلوبهم خالصة الله سبحانه .

ولا يتنافى هذا الحديث الشريف مع الأحاديث الأخرى الكثيرة الواردة في باب شدّة


1) القبسات، ص 469 - 470 . الأسفار الأربعة، السفر الثالث، الموقف الرابع، الفصل 13 ، ص 395 .

ابتلاء المؤمنين بالأسقام والأوجاع والفقر والفاقة وكافة البلايا. لأن الحق المتعالي نتيجة لرحمته الواسعة وفضله العميم، يعامل كل إنسان حسب وضعه وظروفه حتى يكون الإنسان بعيداً من الدنيا . مَثَلُه في ذلك مثل الطبيب الذي يعالج مرضاه لإبعادهم عما لا يكون صالحاً لهم .

فقد يعطي لأحد ثروة، وفي الوقت نفسه يصيبه ببلايا أخر حسب شدة إيمانه وضعفه، كماله ونقصه، بل إن ثروته وغناه تحفّ بمصائب ومحن تصرفه عن الدنيا وحبها . إن تكوين هذا الشخص يكون على شاكلة، لو كان فقيراً لأصبح من الهالكين بصورة دائمة، لأنه يرى السعادة في المال والجاه ، وأنَّ أهل الدنيا هم السعداء فيتوجه إلى الدنيا وينهمك فيها، ولكنه لو تمكن من الدنيا، المحفوفة بالمكاره والآلام الخارجية والداخلية لانصرف عنها .

كان يقول أحد مشايخنا العظام: يحسب الإنسان أن في تعدد الزوجات دخولاً في الدنيا ورغبة فيها، في حين أن من الإبداع الفريد هو أن الإنسان عندما يدخل ويبتلى بها يخرج منها وينصرف عنها .

فإذن قد يصيب الله المؤمنين بالفقر، لإصلاحهم ولإبعادهم عن الدنيا مع أنه سبحانه يسلّيهم ويهوّن عليهم الفقر ، وقد يُغدِقُ عليهم الثراء والغنى ويترائي للآخرين بأن الأثرياء في رفاه ورغد وبهجة وراحة، ولكنهم يعيشون في محن وصعوبات وضيق. ولا منافاة في أن يكون أجر الفقراء المسلمين عند الحق المتعالي أكثر أيضاً. كما نفهم من الروايات . وقد ذكرنا نبذة من هذا الموضوع في شرح حديث من الأحاديث السابقة(1).

فصل: في بيان أن الفرائض والنوافل تُقرّب الإنسان من الله وبيان آثار ذلك حسب رأي أهل السلوك والعرفان

إعلم أن للسالك إلى الله، والمهاجر من بيت النفس المظلم، إلى الكعبة الحقيقية،


1) تقدّم في ص 287 .

سفراً روحانياً وسلوكاً عرفانياً، حيث يكون مبدأ هذه الرحلة بيت النفس والأنانية، ومنازل هذه الرحلة مراتب التعيّنات الآفاقية والأنفسية والمُلكية والملكوتية التي عبر عنها بالحجب النورانية والظلمانية «إِنَّ لِلَّهِ سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ»(1)أي أنوار الوجود وظلمات التعين أو أنوار الملكوت وظلمات الملك أو الظلمة الناتجة عن التعلقات النفسية والأنوار الطاهرة الباعثة عن التعلقات القلبية. وقد يعبر عن سبعين ألف حجاب من نور وظلمة، بحجب سبعة بصورة مضغوطة كما ورد عن الأئمة الأطهار (علیهم السّلام) في التكبيرات الافتتاحية السبعة للصلاة والتي تخرق كل تكبيرة حجاب(2). وورد في السجود على التربة الحسينية المطهرة ، خرق للحجب السبع(3). يقول العارف المشهور المولوي وقيل عبد الرحمن الجامي وقيل العطار النيسابوري : بيت شعر :

لقد جاب عطار مدن العشق السبعة *** ولا نزال نحن في منعطف زقاق واحد

وعبّر عن الحجب السبعة في الإنسان الصغير باللطائف السبعة(4). وقد يخفضون عدد الحجب إلى ثلاث حجب كلية(5)ويصطلحون عليها في عالم الآفاق، بالعوالم الثلاث(6). وفي عالم الأنفس بالمراتب الثلاثة(7). وقد يعبر عن الحجب على أساس


1) بحار الأنوار ، ج 55 ، كتاب السماء والعالم، الباب 5 ، ح13.

2) هشام بن الحكم عن أبي الحسين (علیه السّلام) : «أنه روى لذلك علة أخرى وهي أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لما أُسري به إلى السماء قطع سبع حجب فكبر عند كل حجاب تكبيرة فأوصله الله عزّ وجلّ بذلك إلى منتهى الكرامة» (وسائل الشيعة، ج 4 ، كتاب الصلاة، الباب السابع من أبواب تكبيرة الإحرام، ح5 ) .

3) كان لأبي عبد الله الصادق (علیه السّلام) خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله (علیه السّلام) فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه ثم قال : «إن السجود على تربة أبي عبد الله (علیه السّلام) يخرق الحجب السبع» المترجم) وسائل الشيعة، المجلد 3 ، باب 16 من أبواب ما يسجد عليه ، ح3 .

4) قال المرحوم الشاه آبادي إن اللطائف السبعة في وجود الإنسان هي : النفس، العقل، القلب، الروح، السر، الخفي، الأخفى . (رشحات البحار ، كتاب الإنسان والفطرة، ص177) .

5) المقصود هو حجب آيات الأسماء والصفات وهي في الآفاق العوالم الثلاثة وفي الأنفس المراتب الثلاثة .

6) العوالم الثلاث هي : عالم الطبيعة، عالم المثال، عالم العقل. واستدلّ صدر المتألهين على انحصار العالم في الثلاثة بأن الموجود ينقسم إلى : المحسوس، المتخيل، المعقول. (الشواهد الربوبية، ص 320).

7) المراتب الثلاثة إشارة إلى مرتبة ظهور النفس في البدن، ومرتبة برزخ النفس التي هي مرتبة التجرّد المثالي والقوى الباطنية، ومرتبة العقل التي هي عبارة عن التجرد الكامل .

الحدود المتوسطة بألف منزل معروف لدى السالكين. وبمائة منزل حسب اعتبار آخر. وبعشرة منازل على ضوء اعتبار ثالث(1). وقرّر الشيخ العارف الكامل الشاه آبادي دام ظله لكل منزل من منازل السائرين المائة، بيوتاً عشرة ببيان بديع فيصير المجموع ألف بیت. وإن إبراهيم خليل الرحمن (علیه السّلام) قد أوجز ذلك السفر الروحاني نحو الحق المتعالي الذي يقصه القرآن بمنازل ثلاثة : أحدهما الكوكب والآخر القمر والثالث الشمس(2).

وعلى أي حال إن مبدأ السفر الروحاني إلى الله سبحانه هو بيت النفس المظلم. ومنازل هذه الرحلة، المراتب الآفاقية والمراحل الأنفسية. ونهاية هذا السفر الذات الحق المقدس حيث يكون للإنسان الكامل في المرحلة الأولى الذات مع جميع الصفات والأسماء. وفي المرحلة الأخيرة الذات مضمحلاً فيه الأسماء والصفات. ولغير الإنسان الكامل الذات المقدس مع اسم وصفة وتعيّن من الأسماء والصفات والتعيّنات .

وبعد أن يطأ الإنسان السالك برِجْلِهِ على هامة إنيته وأنانيته، ويغادر البيت المظلم ويتجاوز المنازل ومراحل التعينات عند بحثه عن المقصد الأصلي وطلبه الله سبحانه ويطأ بقدميه على رأس كل ذلك، ويخرق الحجب الظلمانية والنورانية ويقطع من كل الموجودات والكائنات، ويحطم الأصنام من كعبة قلبه بيد قدرة ولايته، وتغيب الكواكب والأقمار والشموس من أفق قلبه ويغدو قلبه إلهياً ذا وجه واحد وجهة واحدة من دون أن يعكر صفوها التعلق بالغير، ويبلغ مستوى وَجَهتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ(3)ويفنى في الأسماء والذات والأفعال. وبعد هذه المراحل التي يجتازها، ينسلخ عن نفسه ويحصل له المحو الكلي وتظهر له حالة الصعق، ويصير الحق المتعالي


1) يقول الخواجه عبد الله الأنصاري في مقدمة كتابه (منازل السائرين): (إن أبا بكر الكتاني جعل بين العبد والحق ألف مقام نوراني وظلماني، وإنني أرجعتها إلى مائة مقام وجعلتها منقسمة إلى عشرة أقسام وأحاول أن أشرح كل واحدة منها على حدة .

2) إشارة إلى الآيات 77 - 78 - 79 من سورة الأنعام: فلمّا جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أقل قال لا أُحِبُّ الأقلين فلما رأى القمر بازفاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربّي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون.

3) سورة الأنعام، الآية : 79.

فيه فعّالاً. حيث يسمع بسمع الحق ويبصر بعين الحق ويبطش بيد قدرة الحق وينطق بلسان الحق، ويرى الحق ولا يرى غيره، ويتكلم بالحق دون غيره، فيكون تجاه غير الحق أعمى وأصم وأبكم وتجاه الحق بصيراً وسميعاً وناطقاً .

ولا يحصل هذا المقام إلا مع الجذب الربوبي وجذوة نار العشق، حيث يتقّرب بها إلى الحق بصورة مستمرة، ويُسعف بواسطة الجذبة الربوبية التي تحصل إثر حبّ الذات المقدس، حتى لا ينزلق في وادي الحيرة، ولا يبتلى بالشطحات وغيرها التي تكون من رواسب الأنانية. وقد أشير إلى هذين الأمرين في قوله «وَإِنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى أحبة».

فإنّ تقرّب العبد إلى الله من آثار جذوة العشق. وإن الجذبة الإلهية للحق سبحانه من نتائج الحب :

إذا لم تكن جذبة من طرف المعشوق *** لما أفلحت مساعي العاشق المسكين(1)

فيوجب التقرب بالنوافل، الفناء الكلي والاضمحلال المطلق والانصهار التام وتكون نتيجته «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ - إلخ» وبعد هذا الفناء التام، والمحو الكلي، والمحق المطلق، والصعق التام قد تشمله العناية الأزلية ويرجع إليه وعيه، ويعيده إلى عالمه ويعتريه الصحو، وتحصل له حال الأنس والطمأنينة، وتنكشف له سُبحات الجمال والجلال، وفي هذه الحال من الصحو تتجلى في مرآة الذات، الصفات وفيها تنكشف الأعيان الثابتة ولوازمها ، ويكون وضع أهل السلوك في هذا المقام مثل المقام الأول في أن عينه الثابتة، تفنى في الاسم الذي تتبعه، وتبقى معه وينكشف عليه حين الصحو الاسم نفسه والعين الثابتة التابعة لذلك الاسم.

إذن تنكشف عن الإنسان الكامل، المنطوي تحت الاسم الجامع الأعظم، مطلق الأعيان الثابتة مع لوازمها أزلاً وأبداً ، وتنكشف له حالات الكائنات واستعداداتها، وكيفية سلوكها وطريقة وصولها وتليق به زينة الخاتمية والنبوة الخاتمة اللتان تكوّنتا نتيجة


1) الأمثال والحكم لمؤلفه دهخدا، ج 1، ص 537.

الكشف المطلق، وتنكشف على بقية الأنبياء كل حسب مظهريته لاسم من الأسماء الإلهية، وحسب إحاطة وسعة ذلك الاسم، تنكشف الأعيان التابعة لذلك الإسم، وتنطلق منها سعة دائرة الدعوة وضيقها، والكمال والنقص، والأشرفية وغيرها، وتعود إلى التبعية للأسماء الإلهية. كما ذكرنا تفصيل ذلك في كتاب «مصباح الهداية»(1).

ومجمل الكلام، بعد أن يتحقق الصحو بعد المحو، يتحوّل وجوده إلى وجود حق، يرى الحق سبحانه في مرأة جماله ، الموجودات الأخرى، بل يتحول إلى موجود منسجم مع المشيئة. وإذا كان الإنسان كاملاً انسجم مع المشيئة المطلقة، وصارت روحانيته عين مقام الظهور الفعلي للحق عز وجل. وفي هذه الصورة يرى به الحق المتعالي ويسمع ويبطش، ويصير هو الإرادة النافذة للحق ومشيئته الكاملة، وعلمه الفعلي «فَالْحَقِّ يَسْمَعُ بِهِ وَيُبْصِرُ بِهِ - إلى آخره» ، «عَلِيٌّ عَيْنُ اللَّهِ وَسَمْعُ اللَّهِ وَجَنْبُ اللَّهِ»(2)إلى غير ذلك .

إذن إن التقرب بالفرائض يقود الإنسان إلى الصحو بعد المحو، وتكون ثماره ما سمعته .

ويجب أن يُعلم أن هذا الصحو بعد المحو والعود إلى عالم الكثرة، يسمّي بالقرب، لأن هذا الصحو بعد المحو، يختلف عن حالة الغفلة التي نعيشها ، وأن الوقوع في عالم الكثرة بعد المحو ، يغاير عالم كثرتنا الذي نعيش فيه لأن هذه الكثرة تكون حجاباً لنا عن وجه الحق ، ومرآة المشاهدة لهم. «ما رَأَيْتُ شَيْئاً إِلا وَرَأَيْتُ اللَّهَ مَعَهُ وَفِيهِ وَقَبْلَهُ وَبَعْدَهُ»(3).

ونستطيع أن نعتبر القرب الحاصل بالنوافل فناء اسمياً، والقرب الحاصل بالفرائض، فناءً ذاتياً، وعليه تكون النتيجة للتقرب عن طريق الفرائض المحو المطلق .

وليس من المناسب في هذا المقام إطالة البحث أكثر من ذلك، كما أن هذا القدر من الكلام ، يكون خروجاً عن طاقة استيعاب هذا الكتاب .


1) مصباح الهداية، ص 192 - 195 .

2) قال الإمام الصادق (علیه السّلام): «إنّ أمير المؤمنين (علیه السّلام) قد قال: «أنا علم الله وأنا قلب الله الواعي وأنا لسان الله الناطق وعين الله وجنب الله وأنا يد الله». (توحيد الصدوق، الباب 22 ، معنی جنب الله ، ح 1) .

3) الأسفار الأربعة، ج 1، ص 117 . علم اليقين، ج 1 ، ص 49 .

فصل: في نقل كلام الشيخ الأجل البهائي رضي الله عنه

قال الشيخ الجليل العارف البهائي رضوان الله تعالى عليه في كتاب (الأربعون) لدى شرحه لهذه الرواية الشريفة : «لأصحاب القلوب في هذا المقام كلمات سنيّة وإشارات سرّية وتلويحات ذوقية تعطر مشام الأرواح وتحيي رميم الأشباح، لا يهتدي إلى معناها ولا يطلع على مغزاها إلا من أتعب بدنه في الرياضات، وعنّى نفسه بالمجاهدات حتى ذاق مشربهم وعرف مطلبهم . وأمّا من لم يفهم تلك الرموز ولم يهتد إلى هاتيك الكنوز العكوفه على الحظوظ الدنية وانهماكه في اللذات البدنية، فهو عند سماع تلك الكلمات على خطر عظيم من التردي في غياهب الإلحاد والوقوع في مهاوي الحلول والاتحاد. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ونحن نتكلم في هذا المقام بما يسهل تناوله على الأفهام .

فنقول: هذا مبالغة في القرب، وبيان لاستيلاء سلطان المحبّة على ظاهر العبد وباطنه، وسرّه وعلانيته فالمراد والله أعلم : إني إذا أحببت عبدي جذبته إلى محلّ الأنس وصرفته إلى عالم القدس، وصيّرت فكره مستغرقاً في أسرار الملكوت وحواسّه مقصورة على اجتلاء أنوار الجبروت، فيثبت حينئذ في مقام القرب قدمه ويمتزج بالمحبة لحمه ودمه، إلى أن يغيب عن نفسه ويذهل عن حسه فيتلاشى الأغيار من نظره حتى أكون له بمنزلة سمعه وبصره كما قال من قال :

جنوني فيك لا يخفى *** وناري مِنكَ لا تَخْبُ تَخْبُر

فَأَنْتَ السمع والأبصار *** والأرْكَانُ وَالْقَلْ(1)

في نقل كلام المحقق الطوسي

قال أفضل المتأخرين، وأكمل المتقدمين الخواجة نصير الدين الطوسي قدس سرّه القدوسي (العارف إذا انقطع عن نفسه واتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته


1) مرآة العقول، المجلد 10، ص390.

المتعلقة بجميع المقدورات، وكل علم مستغرقاً في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات وكل إرادة مستغرقة في إرادته التي لا يتأبى عنها شيء من الممكنات، بل كل وجود وكل كمال وجود فهو صادر عنه فائض من لدنه. فصار الحق حينئذ بصره الذي يبصر به وسمعه الذي يسمع به وقدرته التي يفعل بها وعلمه الذي يعلم به، وجوده الذي يجود به، فصار العارف حينئذ متخلقاً بأخلاق الله في الحقيقة) انتهى كلامه زيد في علو مقامه(1).

في نقل كلام المرحوم المجلسي

ولحضرة المحقق المجلسي في الموضوع كلام أيضاً هو(2):

أنه سبحانه أودع في بدن الإنسان وقلبه وروحه قوى ضعيفة هي في معرض الانحلال والاختلال والانقضاء والفناء، فإذا اكتفى بها وصرفها في شهوات النفس والهوى تفنى كلها، ولا يبقى معه شيء منها ومن ثمراتها إلا الحسرة والندامة. وإذا استعملها في طاعة ربه وصرفها في طاعة محبوبه أبدله الله خيراً منها، وأقوى وأبقى تكون معه في الدنيا والعقبى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ(3)فمنها قوة السمع إذا بذلها في طاعة النفس والشيطان وما يلهي عن الرحمن بطل سمعه الروحاني وهذا السمع الجسماني في معرض الفناء ولذا قال سبحانه فيهم أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً(4)فهم صم بكم عمي في الدنيا والآخرة فمثلهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءاً ونداءاً فهم في الدنيا أيضاً كذلك، فإذا أبطل بالموت حسّهم، لم يبق لهم إلا الضلال والوبال، وإذا صرفها في طاعة ربه أبدله الله سمعاً كاملاً روحانياً لا يذهب بالصمم ولا بالموت فهو يسمع كلام الملائكة، ويصغي إلى خطاب الرب تعالى في الآخرة والأولى، ويفهم كلام الله وكلام الأنبياء والأوصياء (علیهم السّلام) فما منحه الله تعالى،


1) مرآة العقول، المجلد 10 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من آذى المسلمين ، ح8 ص 395 .

2) نقل الإمام قدس سره كلام المجلسي بصورة مختصرة . نقلناه من دون اختزال واختصار (المترجم).

3) سورة إبراهيم، الآية : 7 .

4) سورة الفرقان، الآية 44 .

سمع قلبي روحاني لا يضعف بضعف البدن ولا يذهب بالموت وبه يسمع في القبر الخطاب ويعد الجواب ويناديه الحبيب كما نادى الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) أهل القليب .

وكذا أودع الله سبحانه حساً ضعيفاً في البصر فإذا صرفه في مشتهيات نفسه ذهب الله بنوره وأعمى عين قلبه فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً، وإذا بذله في طاعة ربه نوّر الله عين قلبه، وأعطى بصره نوراً أعلى وأقوى ينظر به إلى الملكوت الأعلى ويتوسّم في وجوه الخلق ما لا يعرف غيره، ويرى الملائكة الروحانيين كما قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم). «اتقوا فَرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ وقال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ(1).

وكذا قوة البطش البدنية إذا صرفها في طاعة الله وقربه ونهكها بالرياضات الحقة أعطاه الله قوة روحانية لا تضعف بالأمراض، ولا تذهب بالموت فيها يقدر على التصرف في عالم الملك والملكوت كما قال أمير المؤمنين (علیه السّلام): «مَا قَلَعتُ بابَ خَيْبَرَ بِقُوَّةٍ جِسْمَانِيةٍ، بَلْ بِقُوَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ) .

وكذا النطق إذا صدق فيه وكان موافقاً لعمله ومصادفاً لرضا ربه فتح الله به ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فظهر معنى قوله سبحانه : كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصرهُ وَغير ذلك على ألطف الوجوه لِمَنْ كَانَ له قَلْبٌ أوْ الْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد(2). انتهى .

ولا يخلو كلام المجلسي هذا من الغرابة .

تتمة:

يقول الشيخ الأجل البهائي قدس سره : إنّ (هذا صريح في أن الواجبات أكثر ثواباً من المندوبات - ثم قال - إن قلت : مدلول هذا الكلام هو أن غير الواجب ليس أحبّ إلى الله سبحانه من الواجب، لا إن الواجب أحب إليه من غيره فلعلهما متساويان؟ قلت : الذي يستفيده أهل اللسان من مثل هذا الكلام هو تفضيل الواجب على غيره، ثم قال في نهاية دراسته للحديث واستثنى منه الشهيد رضوان الله عليه صوراً :


1) سورة الحجر، الآية : 75 .

2) مرآة العقول، المجلد 10 ص 392 -393.

أولها : الإبراء من الدَّين فإنه مستحب وهو أفضل من إنظار المعسر وهو واجب.

ثانيها : السلام ابتداءاً فإنّه أفضل من ردّه وهو واجب .

ثالثها : إعادة المنفرد صلاته جماعة . فإن الجماعة مطلقاً تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة فصلاة الجماعة مستحبة وهي أفضل من الصلاة التي سبقت وهي واجبة إلى غير ذلك انتهى(1).

وقد ناقش بعض في كل منها ولا حاجة لبيان تلك المناقشات .

ولا بد من معرفة أن الظاهر من الحديث الشريف هو أن الواجبات أفضل من المستحبات، وإن لم يكونا في سنخ واحد فمثلاً: ردّ السلام الواجب، أفضل من الحج المندوب، ومن تشييد المدارس العظيمة، وزيارة أهل الله من المؤمنين. وإن تراثي هذا الأمر بعيداً، ولهذا قال المرحوم المجلسي رحمه الله (يمكن تخصيص الأخبار وكلام الأصحاب بكون الواجب أفضل من المستحب من نوعه وصنفه)(2).

ولكن عندما يدل الدليل على ذلك فلا مجال لمثل هذا الاستبعاد .

ويمكن ادعاء انصراف الفريضة إلى الفرائض التعبدية المحضة مثل الصلاة والصوم والحج والزكاة وأمثالها، لا الفرائض الأخرى من أمثال إمهال المعسر، ورد السلام وغيرهما، رغم عدم خلو هذا الكلام أيضاً من الاعتراض. والحمد لله أولاً وآخراً.


1) مرآة العقول، المجلد 10 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من أذى المسلمين ، ح 8 ، ص 382 و 383.

2) مرآة العقول، المجلد 10، كتاب الإيمان والكفر ، باب من آذى المسلمين ، ح 8 ، ص 383 .

الحديث الخامس والثلاثون: «الحسنات من اللّه والسَّئات من اللإنسان»

اشارة

بالسَّند المتصل إلى عماد الإسلام والمسلمين محمّد بن يعقوب الكُلَيْني - رضوان الله عليه - عن محمّد بن يحيى، عن أحمد ابن محمّد بن أبي نصر، قال: قال أبو الحسن الرضا (علیه السّلام): «قَالَ اللهُ يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيئَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ، وَبِقُوَّتِي أَدْيْتَ فَرَائِضِي وَبِنِعْمَتِي قَوَيْتَ عَلَى مَعْصِيَتِي، جَعَلْتُكَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَوِيّاً، مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، وَذَلِكَ أنِّي أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ، وَأَنْتَ أوْلى بِسَيْئَاتِكَ مِنِّي، وَذَاكَ أَنَّنِي لا أسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ»(1).


1) أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب المشيئة والإرادة ، ح 6 .

الشرح:

في هذا الحديث الشريف أبحاث سامية، وأمور هامّة من العلوم العالية لما وراء الطبيعة التي إذا أردنا أن نبسط الحديث فيها مع بيان المقدمات لطال بنا المقام، ولخرج الكتاب عن حجمه المناسب .

إذن نضطر إلى سلوك الطريق الوسط، واللجوء إلى الاختصار فنذكر نتائج البراهين العلمية لبعض المسائل ضمن فصول عديدة. وَعَلَى اللَّهِ التِّكْلانُ.

فصل: في بيان أن لأسماء الحق سبحانه مقامين

إعلم أن لمشيئة الحق المتعالي جلّت عظمته ، بل لكل الأسماء والصفات مثل العلم والحياة والقدرة وغيرها مقامين :

أحدهما : مقام الأسماء والصفات الذاتية. وقد ثبت بالبرهان أن الذات المقدس الواجب الوجود بحيثية واحدة، وجهة بسيطة محضة، مستجمع لجميع الأسماء، والصفات وعين كل الكمالات. وأن الكمالات والأسماء، وصفات الجمال جميع والجلال تعود إلى حيثية الوجود البسيطة. وكل ما هو وراء الوجود فهو نقص وقصور وعدم، وحيث أن ذاته المقدس صرف، الوجود. ووجود صرف كان صرف الكمال وكمال صرف «عِلْمَ كُلَّهُ، قُدْرَةٌ كله، حياة كُّلهُ».

ثانيهما : مقام الأسماء والصفات الفعلية، الذي هو مقام الظهور بالأسماء والصفات الذاتية، ومرتبة التجلي بالصفات الجمالية والجلالية. وهذا المقام هو مقام معية القيومية .

هُوَ مَعَكُمْ(1)و مَا مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ(2). ومقام وجه الله ﴿أَيْنَمَا تُوَلُّوا ومَا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)(3). ومقام النورية اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ(4)ومقام المشيئة المطلقة وَمَا تَشَاؤُنَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ(5)«خَلَقَ اللهُ الأَشْيَاءَ بِالْمَشِيَّةِ وَخَلَقَ الْمَشِيَّةَ بنفسها»(6)، ولهذا المقام اصطلاحات وألقاب أخر على ألسنة أهل الله . وقد أشير إلى هذين المقامين في الآية الشريفة من الكتاب الإلهي : هُوَ الْأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ(7).

و مجمل القول إن مقام المشيئة الفعلية المطلقة، ذو إحاطة قيومية لجميع الموجودات المُلكية والملكوتية. وإن جميع الموجودات من ناحية تكون من تعيناته، ومن ناحية أخرى من مظاهره. وقد تكلّم هذا الحديث الشريف، عن مقام المشيئة الفعلية والمظهرية، وفناء مشيئة العباد في ذلك، بل مظهرية ومرآتية العباد وجميع شؤونهم عن ذلك قائلاً: «يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيتَي كُنتَ أنتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ، وَبِقُونِي أَديتَ فَرَائِضِي وَبِنِعْمَتِي قَوَيْتَ عَلَى مَعْصِيَتِي، جَعَلْتُكَ سَمِيعاً بَصِيراً قوياً». إن ذاتك وكمالات ذاتك بمشيئتي وقوتي، بل إنك بنفسك وكمالاتك من مظاهر وتعينات مشيئتي وَمَا رَمَيْتَ إذ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمی(8).

ولهذا الموضوع العرفاني شواهد كثيرة من القرآن والسنة، لا حاجة لذكرها ويرى الشيخ الجليل السهروردي الإشراقي قدس سره، أن العلم التفصيلي للحق المتعالي بالأشياء هو هذا المقام من العلم الفعلي(9). وتبعه في هذا الموضوع المحقق الطوسي


1) سورة الحديد، الآية : 4 .

2) سورة المجادلة، الآية : 7.

3) سورة البقرة، الآية : 115 .

4) سورة القلم، الآية : 35 .

5) سورة الدهر، الآية : 30.

6) أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب الإرادة أنها من صفات الفعل، ح4 .

7) سورة الحديد، الآية: 3.

8) سورة الأنفال، الآية : 17.

9) شرح حكمة الإشراق، المقال الثاني من القسم الثاني ، ص 357 - 358 .

قدس سره(1)ويرى صدر المتألهين - قدس سره - أن العلم التفصيلي هو مقام الذات البسيط(2)، ولا يوافق قدس سره هذين الجليلين على موقفهما بصورة مطلقة.

وأرى بأن جوهر كلامهما ، واحد وأن النزاع لفظي ولا يناسب المقام بيان ذلك .

وتبين من هذا العرض أن كل ما يحصل في هذا العالم الوجودي سواء كان من الجواهر القدسية الإلهية أو المُلكية الطبيعية أو الأعراض أو كان من الذوات والأوصاف والأفعال، فإن كل ذلك يتحقق بقيّوميّة الحق سبحانه ونفوذ قدرته وإحاطة قوته. وعليه يصح القول «بِقُوَّتِي أَدَّيْتَ فَرَائِضِي» ومقام المشيئة المطلقة هذه، هو مقام الرحمة الواسعة والنعمة الجامعة كما يقول «وَبِنِعْمَتِي قَوَيْتَ عَلَى مَعْصِيَتِي».

فصل: في الإشارة إلى مسالتي الجبر والتفويض

أشار الإمام الرضا عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الشريف بكل وضوح إلى مسألتي الجبر والتفويض والمذهب الحق وهو الأمر بين الأمرين، والمنزلة بين المنزلتين، الموافق لمسلك أهل المعرفة، وأصحاب القلوب، لأنه أثبت المشيئة والقوة للعبد، وفي نفس الوقت جعلها مشيئة الحق سبحانه قائلاً : «يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيتَي كُنتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وَيَقُونِي أَديتَ فَرَائِضِي وَبِنِعْمَتِي قَوَيْتَ عَلى مَعْصِيَنِي» فلا تنتفي عنك الأفعال والأوصاف والوجودات بصورة مطلقة، كما لا يثبت لك كل تلك الأمور بصورة مطلقة. إنك شئت، ومشيئتك قد فنيت فيّ ومشيئتك مظهر مشيئتي وتعينك مظهر تعيني. وتنهض بقوتك على طاعتي ومعصيتي، مع العلم بأن قوتك وقدرتك مظهر قدرتي وقوتي .

ولما كان هناك توهم اشكال واعتراض: وهو أنه بناءً على هذا العرض المذكور تنسب إلى الحق المتعالي النقائص والرذائل والمعاصي أيضاً كما تنسب الكمالات والفضائل .


1) شرح الإشارات، النمط السابع، الفصل السابع عشر. ومصارع المصارع، ص 141 .

2) الأسفار الأربعة، ج 6 ، السفر الثالث، الموقف الثالث، الفصل 12 ، ص 263 - 277 .

أجاب (علیه السّلام) على هذا الزعم على أساس فلسفي برهاني وذوقي عرفاني، من أن الحق عز وجل لمّا كان كمالاً صرفاً وخيراً محضاً وعين الجمال والبهاء، كانت الكمالات والخيرات من ناحيته، بل إن نظام الوجود، حقيقته في عالم الغيب والشهود، عين الكمال وأصل الجمال والتمام. وما يعود إلى النقص والرذيلة والشرّ والوبال، فهو عائد إلى العدم والتعيّن ومن لوازم الماهية. غير مجعول ومفاض من الحق سبحانه. بل إن الشرور الحاصلة في عالم الطبيعة وهذه النشأة المُلكية الضيقة نتيجة التضاد بين الموجودات، وضيق هذا العالم، وإن التضاد بين الكائنات لا يكون مجعولاً. فما هو من الخيرات والكمالات والحسنات فمن الحق، وما هو نقص وشر ومعصية فمن الخلق. كما قال (علیه السّلام) «مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» .

إذن إن جميع أنواع السعادة الدنيوية والأخروية، وجميع أنواع الخير الملكية والملكوتية قد أفيضت من ينبوع الخير والسعادة. وإن كافة أنواع الشقاء الدنيوي والأخروي وشرور هذا العالم والعوالم الأخر من القصور الذاتي للموجودات ونقصها . وما هو المعروف أن السعادة والشقاء لا يكونان مجعولين بجعل الجاعل، بل إنهما ذاتي الأشياء، فلا أساس له بالنسبة إلى السعادة، لأنها مجعولة ومفاضة من قبل الحق المتعال، إذ أن كل ذات من الذوات أو ماهية من الماهيات لا يكون سعيداً بل هو هلاك محض .

وأما بالنسبة إلى الشقاء، فلأن الشقاء التام راجع إلى حيثية الماهية وهي غير مجعولة، لا لأنها ذاتية بل لأنها أدون من مرتبة الجعل، فلا يتعلق بها الجعل. وأما الحديث المعروف «السَّعِيدُ سَعِيدٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالشَّقِيُّ شَقِي فِي بَطْنِ أُمِّهِ»(1)فله معنى آخر يعود إلى العلم بالأسماء والصفات ولا يناسب المقام ذكره .

وبعد هذا البيان الصحيح المستدل، نواجه شبهة مظنونة أخرى وهي أننا حسب البيان المذكور عزلنا الكائنات الموجودة عن الخير والسعادة، عندما ربطناها بالحق المتعالي وهذا من الجبر المرفوض. وجعلنا الشرّ والشقاء من الإنسان وعزلناها عن القدرة الواجبة وهذا من التفويض المستنكر ، وذاك الرفض وهذا الاستنكار ثابتان على مذهب


1) بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، الباب 6 ، ح1 .

العرفاء وعلى ضوء الأدلة الفلسفية فكيف يتّم التوفيق بين الكلام السابق وما يلازمه من الجبر أو التفويض؟

فأجاب الإمام صلوات الله وسلامه عليه حسب الدليل المذكور في الكلام الذي قلنا وتحقيق ذلك . إن الحق المتعال أولى بالحسنات من العباد وهم أولى بالسيئات من الذات المقدس للحق، وفي إثبات هاتين الأولويتين إثبات الانتساب إلى الطرفين .

أما بيان أولوية الحق سبحانه في الخير من عباده، فلأجل أن نسبة الخير إلى مبدا المبادىء نسبة وجودية بالذات، فإن الخير ذاتي الوجود وهو في الواجب عين الذات، وفي الممكن بالجعل والإفاضة، وعليه يكون مصدر إفاضة الخير من الواجب تعالى، ولكن مرآة ظهوره، ومظهره يكون الممكن. وتلك النسبة الظاهرية والمفيضة، أتمّ من هذه النسبة المظهرية والقابلية .

وأما في السيئات والشرور فيكون الأمر معكوساً رغم صحة الانتساب إلى الطرفين لأن ما يفاض من الحق يكون خيراً، ويلازمه تخلّل الشرّ على أساس الانجرار والتبعية فتكون نسبة الشر إلى الحق بالعرض وإلى الماهية بالذات لنقصانها وقصورها. وقد تولت الآية الكريمة بيان هاتين النسبتين. فعندما تتحكم الوحدة وتتلاشى الكثرات والنقائص يقول سبحانه: قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ(1)ولدى مراعاة الكثرات بالعرض والوسائط يقول عز وجل: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ(2).

فصل: في بيان أن الحق تعالى لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون

إعلم : يقول المحققون من الفلاسفة أنه لا يوجد غرض وغاية لأفعال الحق المتعالي سوى ذاته، وتجلّياته الذاتية، ولا يمكن أن يكون لذاته الأقدس في إيجاد الأشياء هدف آخر وراء ذاته وظهوره وتجليه المقدس. لأن كل فاعل عندما أوجد شيئاً وابتغى من


1) سورة النساء : الآية : 78 .

2) سورة النساء، الآية: 79 .

عمله غير ذاته مهما كانت هذه الغاية حتى إذا كانت إيصال الفائدة والمثوبة للغير، أو كان الغاية العبادة والمعرفة أو الثناء والحمد كان هذا الفاعل مستكملاً بهذه الغاية وكان وجود هذا الهدف بالنسبة إليه أولى من عدمه، وهذا يستلزم النقص فيه وانتفاعه بالفعل به، وهو محال على الذات المقدس الكامل على الإطلاق، الغني بالذات الواجب من جميع الجهات، فلا يستفسر عن أفعاله ولا يوجه إليه لِمَ و لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ(1). وأما الموجودات الأخرى فإنها تستبطن في أفعالها أغراضاً ومقاصد أخرى غير ذواتها. فإن عشّاق جمال الحق والمقربين إليه والمجذوبين نحوه يكون هدفهم البلوغ إلى باب الله، والوصول إلى لقاء الله، والتقّرب نحو ساحة قدسه الإلهي . وإن الكائنات الأخرى فهي حسب كمالها ونقصها وقوتها وضعفها أن تستهدف، ما هو زائد على ذواتها .

وخلاصة القول : إن ما يكون كمالاً مطلقاً وواجباً بالذات، كان واجباً من جميع الجهات. وعندما لا يصح توجيه الاستفسار نحو ذاته المقدس كانت أفعاله أيضاً بعيدة عن توجيه السؤال نحوها. على خلاف سائر الموجودات فإنه يصح السؤال عن سبب وجودها كما يصح الاستفهام عن أفعالها .

وأيضاً لما كان ذاته المقدس كاملاً مطلقاً وجميلاً مطلقاً، صار كعبة لآمال كافة الموجودات وهدفاً منشوداً لجميع الكائنات، في حين أنه سبحانه لا مقصد له من خلقه وأفعاله ولا كعبة لآماله وراء ذاته، لأن الموجودات الأخرى ناقصة بالذات، وإن كل ناقص مهروب عنه بالفطرة كما أن كل كامل مرغوب فيه، فالذات المقدس غاية جميع الحركات والأفعال، ولا توجد غاية وراء ذاته المقدس لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(2).

وأيضاً لما كان ذاته المقدس في المنتهى الأقصى من الجمال والكمال، كان نظام دائرة الوجود الذي هو ظل ذلك الجمال الحق سبحانه، في الغاية القصوى من الكمال الممكن، وعليه يكون هذا النظام الكلي الموجود أتم الأنظمة المنصورة، فيكون


1) هذه الجملة مقتبسة من الآية 23 - سورة الأنبياء.

2) سورة الأنبياء، الآية : 23 .

الاستفهام عن الغاية والغرض والفائدة، منبعثاً عن الجهل والنقص. كما أن إبليس اللعين وجه أسئلة سبعة معروفة، من جرّاء جهله، وأجابه الله سبحانه إجمالاً وعلى أساس وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ جواباً واحداً عن أسئلته السبعة(1)

1 - ما الحكمة في الخلق لا سّيما وقد كان عالماً أن الكافر لا يستوجب عند خلقه إلا النار؟

2 - ما الفائدة في التكليف مع أنه لا يعود إليه منه نفع ولا ضرر وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟

3 - هب أنه كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟

4 - لمّا عصيته في ترك السجود قلم لعنني وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه، ولي فيه أعظم الضرر ؟

5 - إنه لما فعل ذلك لم سلّطني على أولاده وأمكنني من إغوائهم وإضلالهم؟

6 - لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك فليم أمهلني ومعلوم أنه لو كان العالم خالياً من الشر لكان ذلك خيراً؟ (راجع تفسير الميزان - المجلد الثامن - ص 44 من الطبعة الخامسة لمؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت) (المترجم). الملل والنحل للشهرستاني .

فالله سبحانه لا يسأل لأن فعله في منتهى الكمال وتُسأل الكائنات الأخرى لنقصها الذاتي والفعلي.

وأيضاً إن الحق المتعالي حكيم بصورة مطلقة، فما يصدر منه من الأفعال يكون في منتهى الاتقان فلا يسأل، في حين أن الموجودات الأخرى تُسأل لأنها ليست كذلك .

وأيضاً إن كل ما يصدر من وجوده المقدس، فهو صادر من حقيقة ذاته وأصل حقيقته، بينما لم تكن الكائنات الأخرى كذلك، فهو فاعل بالذات ولا يصح السؤال عمن هو فاعل بالذات، أما الموجودات الأخرى فهي فاعلة بالعرض ويصح السؤال عن فعلها . وحيث أن الإرادة، والمشيئة، والقدرة عين ذاته المقدس، كانت الفاعلية بالذات عين الفاعلية بالإرادة والقدرة . ولا يرد هنا اعتراض الفاعل بالطبع. وهذا من الأبحاث الشريفة التي تثبت بالبرهان في محله، وبه تُحل الكثير من اعتراضات المتكلمين في أبواب مختلفة من المعارف الإلهية .

ويستفاد من البيان الذي ذكرناه، ارتباط الجمل المذكورة في الحديث الشريف


1) والأسئلة السبعة على ما ذكر السيد الطباطبائي في تفسير الميزان ستة منها نقلاً عن روح المعاني للآلوي هي:

بعضها مع البعض الآخر على أساس الرابطة العلية، وذلك أن الحق لا يسأل عن فعله لأن فعله کامل، تام، يحتوي على نظام أتم ، وأما الآخرون فليسوا كذلك فيسألون وذلك لأنه سبحانه أولى بالحسنات والعبد أولى بالسيئات وهو علّة لصدور السيئات مهما كانت فمن العبد وأما الحسنات فمن الحق عزّ وجلّ.

وهناك بيانات أخرى أيضاً تُبّين نوعيّة الارتباط بين الفاعل والفعل لم نذكرها هنا . والحمد لله أولاً وآخراً.

الحديث السادس والثلاثون: «الصّفات الذاتية للَّهِ سبحانه»

اشارة

بالسَّند المتَّصل إلى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكُلَيني، عن عليّ بن إبراهيم، عن محمد بن خالد الطَيالسيَ ، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السّلام) يقول: «لَمْ يَزَلِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ رَبَّنَا وَالْعِلْمُ ذَاتُهُ وَلاَ مَعْلُومَ، وَالسَّمْعُ ذَاتُهُ وَلا مَسْمُوعَ وَالْبَصَرُ ذَاتُهُ وَلا مُبْصَرَ وَالْقُدْرَةُ ذَاتُهُ وَلا مَقْدُورَ: فَلَمَّا أَحْدَثَ الأشْيَاءَ وَكَانَ الْمَعْلُومُ وَقَعَ الْعِلْمُ مِنْهُ عَلَى الْمَعْلُومِ وَالسِّمْعُ عَلَى الْمَسْمُوعِ وَالْبَصَرُ عَلَى الْمُبْصَرِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْمَقْدُورِ. قَالَ: قُلْتُ: فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَحَرِّكاً؟ قَالَ: فَقَالَ: تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ، إِنَّ الْحَرَكَةَ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ بِالْفِعْلِ. قَالَ: فَقُلْتُ: فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكَلِّماً؟ قَالَ: فَقَالَ: إِنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ لَيْسَتْ بِأَزَلِيَّةٍ كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلا مُتَكَلَّمَ»(1).


1) أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب صفات اللات، ح1.

الشرح:

قوله : «لَمْ يَزَلِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ رَبَّنَا» إن ربنا حسب الظاهر خبر (لَمْ يَزَلِ) وجملة (وَالْعِلْمُ ذَاتُهُ) حال لربنا ، ولكن هذا المعنى الظاهر لا يكون بليغاً ولا مقصوداً، لأن الهدف ليس هو إثبات أزلية صفة الربوبية بل المنشود إثبات أزلية صفة العلم قبل حصول المعلوم. ويمكن أن نقول بأنه يستفاد المقصود من مجموع هذه الجمل وهو إثبات الأزلية للعلم. كما يحتمل أن يكون (رَبَّنَا) مرفوعاً على التبعية لاسم (زَالَ) ويكون الخبر محذوفاً دلّت عليه جملة (وَالْعِلْمُ ذَاتُهُ) ويكون التقدير هكذا لم يزل الله ربنا عالماً والعلم ذاته .

ومن المحتمل أن تكون (زَال) تامة تقتصر على الاسم المرفوع فيكون المضارع (يَزولُ) وعليه لا يحتاج إلى الخبر ولا يكون مضارعه (يَزالُ) الذي يكون ماضيه زال والذي يعد من الأفعال الناقصة دائماً، على خلاف يزول الذي يكون تاماً دائماً .

قوله (علیه السّلام): «وَكَانَ الْمَعْلُومُ» إن كان هنا تامة ومعناها لما أوجد الأشياء وتحقق المعلوم . . .

قوله (علیه السّلام): «مُحْدَثَةٌ بِالْفِعْل» من الممكن أن يكون معنى بالفعل ما يقابل القوة أي المعنى المصدري فالمفهوم هو: أن الصفة التي تتحقق بالإيجاد والخلق، لا يمكن أن تكون صفة للحق سبحانه .

وفي هذا الحديث أبحاث شريفة نذكر بعضها حسب المناسبة والمقام .

فصل: في بيان عينية صفات الحق سبحانه مع الذات المتعالي

إعلم أنه قد أشير في هذا الحديث الشريف إلى عينية الذات المقدس للحق مع

الصفات الكمالية الحقيقية. مثل العلم والقدرة والسمع والبصر. وهذا من المباحث المهمة التي يكون الإسهاب فيها خارجاً عن حدود هذا الكتاب. ونحن نشير إلى المذهب الحق الموافق للبراهين السديدة للفلاسفة والمطابق لمنهج أهل المعرفة .

إعلم أنه قد ثبت في محلّه، أنّ ما هو من سنخ الكمال والجمال والتمام، فهو راجع إلى عين الوجود، وحقيقته، وأن الشيء الوحيد الأصيل الشريف في هذا الكون الذي يكون مصدراً لكل الكمالات ومصدراً لكافة الخيرات هو حقيقة الوجود. وذلك أنه إذا لم تكن الكمالات عين حقيقة الوجود. وكانت مغايرة في حاقّ الواقع مع حقيقة الوجود، للزم تحقق أصلين في عالم الوجود، ولبعث على مفاسد كثيرة. فكل ما يكون كمالاً، لا يكون بحسب المفهوم والماهية كمالاً، وإنما يكون كمالاً بواسطة تحققه وتحصّله في عالم الأعيان، وما هو موجود ومتحقق في حاق الأعيان ونفس الأمر هو أصل واحد، وهو الوجود فيعود كل ما هو كمال إلى أصل واحد وهو حقيقة الوجود.

وقد ثبت أن حقيقة الوجود أمر بسيط من جميع الجهات، وبريء من التركيب بصورة مطلقة، ما دام محافظاً وباقياً على ذاته الأصلية، وحقيقته الخالصة. وإذا تنزل عن أصالته وحقيقته، لغدا مركباً عقلياً أو خارجاً حسب مقامه ومنزلته . فهو بسيط ذاتاً ومركب نتيجة طروّ أمر غريب عرضي خارج عن ذاته . وتستفاد من هذا البيان المذكور، قاعدتان :

القاعدة الأولى : أن البسيط من جميع الجهات هو بنفسه جميع الكمالات من حيثية واحدة، وجهة فريدة، فمن الحيثية التي بها صار البسيط من جميع الجهات موجوداً، يكون عالماً وقادراً وحياً ومريداً، ويصدق عليه جميع الأسماء والصفات الجمالية والجلالية، فهو عالم من حيث أنه قادر، وقادر من حيث أنه عالم من دون أدنى اختلاف اعتباري حتى لدى العقل. وأما تغاير مفاهيم الأسماء، والموضوع له الألفاظ في اللغة، والتي تكون مفاهيم عقليّة متصوّرة على نحو لا بشرط - من دون تقييدها بالمدلول البسيط أو المركب - أما هذا التغاير فلا يتسرّب إلى الحقيقة العينية ومن الواضح أن المفاهيم المختلفة للكمال، تنتزع من شيء واحد، بل حسب البيان المتقدم (أن بسيط الحقيقة، بسيط من جميع الجهات) وعليه لا بد من انتزاع كل المفاهيم الكمالية من حيثية واحدة. وإذا انتزعت مفاهيم الكمال من حيثيات مختلفة ومصادر متعددة كما هو شأن بعض

الممكنات، لكان هذا التغاير أمراً عرضياً طارئاً وناتجاً من تنزل حقيقة الوجود، وتشابكه مع العدم بالعرض.

القاعدة الثانية : إن الكامل من جميع الجهات وإن ما هو صرف الكمال والخير لا بد وأن يكون بسيطاً من جميع الجهات .

وتستفاد أيضاً بالتبع قاعدتان أخريتان هما :

أن المركب مهما كان نوعه، لا يكون كاملاً من جميع الجهات، إذ أن النقص والعدم قد تسرّبا إليه .

وأن الناقص لا يكون بسيطاً بصورة مطلقة .

إذن لما كان الحق المتعالي بسيطاً تاماً، وبعيداً كل البعد عما يستلزم الإمكان والفقر والتعلق بالغير، كان كاملاً من جميع الجهات، ومشتملا على جميع الأسماء والصفات، وحقيقة أصيلة، ووجوده صريحاً من دون أن يخامره غير الوجود، ويخالط الكمال غير الكمال، فهو وجود صرف، إذ لو تدخل غير الوجود فيه لتحقق شرّ التراكيب وهو عبارة عن التركيب بين الوجود والعدم. فهو صرف العلم وصرف الحياة وصرف القدرة وصرف البصر والسمع وكافة الكمالات. وعليه يصح كلام الإمام الصادق (علیه السّلام): «وَالْعِلْمُ ذَاتُهُ والقُدْرَةُ وَالسَّمْع وَالْبَصَرُ ذاته».

نقل وتحقيق في كلام الفلاسفة في تقسيم أوصاف الحق عز وجل

إعلم أن الفلاسفة الإلهيين الحكماء، قد قسّموا صفات الحق سبحانه على أقسام ثلاثة :

الأول: الصفات الحقيقية . وصنّفوها إلى صنفين :

(أ) الصفات الحقيقية المحضة مثل الحياة والثبات والبقاء والأزلية وأمثال ذلك .

(ب) الصفات الحقيقيه ذات الإضافة، مثل العلم والقدرة والإرادة. وهذه الصفات قد أضيفت إلى شيء آخر وهو المعلوم والمقدور والمراد فلا يكون علم أو قدرة أو إرادة

إلاَّ إذا كان هناك متعلق. وهذان الصنفان من الصفات الحقيقية، يعتبران عين الذات.

الثاني : الصفات الإضافية المحضة، مثل المبدئية والرازقية والراحمية، والعالمية، والقادرية وأمثالها .

الثالث : الصفات السلبية المحضة مثل القدوسية والفردية والسبّوحيّة وأمثالها. العلماء هذين النوعين - الثاني والثالث - من الصفات الزائدة على الذات المقدس. ويعتبر كما وأنهم يرجعون جميع الصفات السلبية إلى سلب واحد هو سلب الإمكان. وجميع الصفات الإضافية إلى إضافة واحدة هي الموجدية، ويرون بأن مبدأ الإضافات يعود إلى الإضافة الإشراقية والإفاضة النورية - صدور المعلول من العلة(1)-.

ولا تكون هذه الأقسام: من العينية في الصفات الحقيقية، والزيادة في الصفات الإضافية والسلبية، حسب البيان الذي شرحوه وعلى ضوء البراهين التي أقاموها، بصحيحة عندي. كما لا تتطابق مع الأدلة القويمة الفلسفية، والاعتبار العرفاني الصحيح. وذلك إننا إذا حدثنا في صفات الله سبحانه، على أساس مفاهيم الأسماء والصفات، وملاحظة المفاهيم المتكثرة ، للزم أن لا نجعل صفة من الصفات - حتى الصفات الحقيقية - عين ذاته المقدس. وإذا جعلنا الذات عين مفاهيم الأوصاف الإضافية أو السلبية، للزم أن يكون الحق سبحانه، إضافة محضة وحيثية سلبية. وكذلك إذا جعلنا الذات عين مفاهيم الصفات الحقيقية، للزم أن يكون الحق عز وجل نفس المفاهيم الاعتبارية والمعاني العقلية. تعالى عن ذلك.

وإن لاحظنا حقائق الأوصاف - لا مفاهيمها - والمصداق المتحقق للأسماء والصفات لكانت الأسماء والصفات الإضافية والحقيقية بأسرها عين الذات المقدس، لأن الفرق بين العالمية والعالم، والقادرية والقادر، اعتباري ومفهومي. وإن الأوصاف الإضافية كافة، تعود إلى الرحيمية والرحمانية الذاتيتين، حتى الرازقية والخالقية وغيرهما .


1) الأسفار الأربعة، ج 6 ، السفر الثالث، الموقف الثاني، في بحث الصفات، ص118.

وأما إرجاع جميع الصفات السلبية إلى صفة واحدة هي سلب الإمكان، والصفات الإضافية إلى إضافة واحدة هي الموجدية، وعدم إرجاع الأوصاف الحقيقية إلى شيء، فكذلك لأنه إذا بحثنا الموضوع على ضوء المفاهيم، لما عادت صفة تلك الصفات من إلى أخرى، لا في الصفات السلبية ولا الصفات الإضافية ولا الصفات الحقيقية. ولو درسنا الموضوع على أساس الحقائق لا المفاهيم، لرجعت جميع الأوصاف على ما هي من الأقسام والأنواع إلى صفة واجبة واحدة.

في تحقيق عينية الصفات مع الذات المقدس

و ملخص الكلام أن التحقيق في أوصاف الحق سبحانه في ظل الفلسفة النظرية، يفضي إلى القول بأن الأوصاف الحقيقية والإضافية، على ضوء المفاهيم، متغايرة ومختلفة ولا تكون إحداها عين الأخرى. وعلى ضوء الحقيقة والواقع فإن جميع الأوصاف تعود جميعاً إلى الذات المقدس وتكون عينه. ولكن توجد للأوصاف مرتبتان .

إحداهما : مرتبة الذات والأوصاف الذاتية، حيث نستطيع أن ننتزع من هذه المرتبة العلم والعالمية والقدرة والقادرية.

ثانيتهما : مقام الأوصاف الفعلية، الذي يكون أيضاً من انتزاع مفهوم العلم والعالمية والقدرة والقادرية.

وأما الأوصاف السلبية مثل القدوس والسبوح والأسماء التنزيهية فإنها من لوازم الذات المقدس، ويكون الذات المقدس مصداقاً بالعرض لتلك الأوصاف السلبية، لأن الحق المتعالي كمال مطلق ويصدق عليه سبحانه الكمال المطلق بالذات - لا بالعرض - لأنه سبحانه أساس الحقيقة وأصلها، ومن لوازمه سلب النقائص، فيكون الكمال مصداقاً عرضياً لسلب النقائص .

ويرى أهل المعرفة وأصحاب القلوب أن مقام التجلي بالفيض الأقدس مبدأ للأسماء الذاتية. وأن مقام التجلي بالفيض المقدس، مبدأ للأوصاف الفعلية(1)،


1) مصباح الأنس، ص130 - 131 . نقد النصوص، الفصل الثاني، ص38 - 39 .

ويعتقدون بأن هذا المقام - التجلي بالفيض المقدس - لا يكون (غيراً) - غير الذات - كما لا يكون ( عيناً) - عين الذات -.

والبحث في هذا الموضوع يفضي إلى البحث عن الأسماء والصفات على مسلك الفلاسفة، ويخرج عما هو مقصود في هذا الكتاب .

لقد أرجع بعض العلماء صفات الحق المتعالي إلى الأمور العدمية، وفسّروا العلم بعدم الجهل، والقدرة بعدم العجز. ورأيت من العرفاء شخصاً يصرّ على هذا المعنى وهو المرحوم العارف الجليل (قاضي سعيد القمي)(1)حيث يتبع حسب الظاهر أستاذه (رجب علي)(2)بالبيان المذكور في كتاب (شرح التوحيد)(3). ونحن في سالف الزمان قد أجبنا على أدلته وعلى الأخبار التي يتمسك بظاهرها إجابة حاسمة .

فصل: في بيان أن العلم قبل الإيجاد

و من الأبحاث الشريفة التي أشار إليها هذا الحديث الشريف هو علم الله سبحانه بمخلوقاته في الأزل قبل إيجادها. لقد حصل خلاف عظيم في أصل هذا العلم وكيفيته من أنه يكون على نحو الإجمال أو التفصيل؟ وهل إن هذا العلم يكون زائداً على الذات أو


1) محمد بن سعيد بن محمد مفيد القمي المعروف بالقاضي سعيد من كبار علماء الشيعة العارف العالم بالحديث والفلسفة والفنون الأدبية تلمذ على المولى محسن الفيض الكاشاني والمولى عبد الرزاق اللاهيجي والمولى رجبعلي التبريزي. تولّى القضاء لفترة من الزمن في مدينة قم المقدسة ولهذا اشتهر بالقاضي. توفي في قم المقدسة عام (1103 هـ.ق). له الأربعون حديثاً، أسرار الصلاة، حاشية أثولوجيا، تعليقة على الإشارات، حقيقة الصلاة، شرح توحيد الصدوق، البوارق الملكوتية، مفتاح الجنّة .

2) المولى رجبعلي التبريزي توفي عام (1080 هـ.ق). من تلامذة الفيلسوف مير فندرسكي وكان مسلكه في الفلسفة مشائياً ومدرساً لكتب ابن سينا. من تلامذته القاضي سعيد القمي ومحمد التنكابني. له : مفتاح الجنة. رسالة فارسية في إثبات الواجب .

3) شرح التوحيد، ج 3، ص 54 .

عينه؟ وهل هو قبل الإيجاد أو معه؟ وتفصيل ذلك موجود في كتب الفلاسفة(1). ونحن نقتصر على التحقيق في هذا الموضوع ونتجنب عرض الأقوال الأخرى ومناقشتها .

إعلم أنه قد ثبت لذى أصحاب البرهان - الفلاسفة - وأرباب العرفان - العرفاء - بأن هذا الحديث الشريف قد أوماً إلى أن العلم بالمعلوم قد كان في الأزل قبل الإيجاد، وأن هذا العلم عين الذات المقدس، وأن علمه سبحانه تفصيلي وليس بإجمالي حيث قال «وَالسَّمْعُ ذَاتَهُ وَلا مَسْمُوعَ ، وَالْبَصَرُ ذَالَهُ وَلا مُبْصَرَ» ومن الواضح أن البصر والسمع شهود للمبصر والمسموع بصورة تفصيلية. وأشير أيضاً في هذا الحديث إلى علمه التفصيلي سبحانه عندما يقول (علیه السّلام): «فَإِذَا أَحْدَثَ الأَشْيَاء وَكَانَ الْمَعْلُومُ وَقَعَ الْعِلْمُ مِنْهُ عَلَى الْمَعْلُومِ - إلخ» لأنه سبحانه لم يجدد علمه بعد الإيجاد، وإنما وقع العلم منه على المعلوم بعد حدوثه. ونحن سنذكر معنى وقوع العلم على المعلوم.

وأما بيان هذا الموضوع الإيماني الشريف على مسلك المحققين من الفلاسفة فهو أنه بعد أن تبين في الفصل السابق، أن الحق سبحانه وجود صرف وكمال صرف وأن الوجود الصرف مع بساطته ووحدته التامة ، جامع لجميع الكمالات، ومستجمع لكمال جميع الموجودات، وأن ما يكون خارجاً عن إحاطته الوجودية فهو عدم ونقص وقصور ولا شيئية، وأن نسبة المراتب الأخرى الوجودية إلى ذاته المقدس نسبة النقص إلى الكمال. بعد هذا نقول بأن العلم بالكمال المطلق علم بمطلق الكمال من دون نقص وقصور، ومثل هذا العلم، عين الكشف التفصيلي الكلي البسيط، من دون أن يخرج من إحاطة علمه ، ذرة من الموجودات، أزلاً وأبداً ومن دون أن تتطّرق إليه سبحانه الكثرة والتركيب.(2).

وأما على مسلك العرفاء، فهو أن الحق سبحانه وتعالى مستجمع لجميع الأسماء والصفات، في مقام الواحديّة، ومقام جمع الأسماء، وأن الأعيان الثابتة لجميع


1) الأسفار الأربعة، ج 6 ، السفر الثالث، الموقف الثالث بحث علم الحق سبحانه. شرح الإشارات. النمط السابع، فصل 15 - 20 .

2) الأسفار الأربعة، ج 6 ، السفر الثالث، الموقف الثالث، الفصل 12 .

الموجودات، من لوازم الأسماء الإلهية في مقام جمع الأسماء في الأزل، قبل الإيجاد. وأن التجلي المطلق للذات سبحانه من مقام الأحدية وغيب الهوية، هو كشف لجميع الأسماء والصفات ولوازمها من الأعيان الثابتة لكافة الموجودات، بتجلي واحد، وكشف بسيط مطلق. إذن يتم من خلال الكشف العلمي بواسطة تجلي الفيض الأقدس، كشف الذات والأسماء والصفات والأعيان، من دون حصول كثرة وتركيب(1).

وهذان المسلكان في منتهى الاتقان والسداد والرفعة. ولكنه من جهة صعوبتهما، وتوقفهما على استيعاب مبادىء فلسفية كثيرة وفهم مصطلحات أهل الله، وأصحاب القلوب - العرفاء - ومن جهة أنه لولا معرفة تلك المقدمات والأنس التام والكامل بها وممارستها وحسن الظن الكامل بالعلماء بالله لما استفيد شيء من هذه الأبحاث، بل ازداد التحير، وتضاعف التعقيد. فالأولى اللجوء في توضيح الموضوع إلى بيان سهل قريب إلى أفهام الناس .

فنقول : - إن علّية واجب الوجود تعالى شأنه، ومبدئيته، تختلف عن علّية الفاعل الطبيعي، حيث أن العلة الطبيعية تركّب المواد الموجودة، وتجزاها، مثل النجار الذي يغير القطعة الخشبية، فيزيد قطعة وينقص أخرى. ومثل البنّاء الذي يجمع ويركب المواد الموجودة، ولكنّ الحق المتعالي فاعل إلهي يخلق الأشياء بإرادته من دون حاجة إلى مواد أولية مسبقة، وأن علمه وإرادته علة ظهور الأشياء ووجودها، فدار التحقق محاطة بعلمه، وتخرج من غيب الهوية، عندما يريد الله سبحانه إظهارها وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلأَّ هُوَ(2).

يقال إن مثل عالم الأعيان الخارجية بالنسبة إلى ذاته المقدس جل جلاله، مثل الذهن بالنسبة إلى نفس الإنسان، حيث تخلق النفس في الذهن بإرادتها ما تريد، وتظهر ما هو مكنون في غيب الهوية .


1) المصدر السابق.

2) سورة الأنعام، الآية : 59 .

فجميع العوالم الموجودة محاطة بعلمه، وتظهر منه، وتعود إليه (إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)(1).

وبعبارة أوضح : إن العلم بسبب الشيء وعلّته التامة، يستلزم العلم بذلك الشيء، فإن علم المنجم بالخسوف والكسوف في ساعة محدّدة من يوم معلوم، يكون نتيجة علمه بالأسباب، حيث يرصد حركة الشمس والقمر، وحيلولة القمر بين الأرض والشمس، فيحصل له العلم بالكسوف والخسوف، وإذا كان رصده دقيقاً لما تخلّف الكسوف والخسوف عن علمه .

ولما كانت حلقات الأسباب والمسببات من هذا العالم تنتهي إلى الذات المقدس المبدأ لكل المبادىء، وكان الحق سبحانه عالماً بذاته، وأن علمه بذاته الذي هو سبب لجميع الموجودات، علم بالمسبب أيضاً، ولمّا كانت كذلك، كان الله سبحانه عالماً بكل الأشياء، وكان علمه بنفسه سبباً لظهور وخلق جميع الأشياء .

هذه هي الوجوه المذكورة في المقام لإثبات علمه سبحانه بالأشياء قبل خلقها وإيجادها، ويستطيع كل واحد حسب نشأته أن يختار وجهاً منها، رغم أن بعض الوجوه أسد وأوفى بكل المقصود.

فصل: في معنى سمع الحق سبحانه وبصره

من المباحث في باب أسماء الحق سبحانه وصفاته، الدائرة بين الفلاسفة العظام هو إثبات السمع والبصر للحق المتعالي، حيث أرجع جمهور الفلاسفة والمتكلمين السمع والبصر إلى العلم، ولكن الشيخ الجليل السهروردي الإشراقي، أرجع العلم إلى البصر والسمع(2)على ضوء بيان يسبب ذكره الخروج عن الاختصار المنشود في الكتاب . ونحن


1) سورة البقرة، الآية : 156 .

2) شرح حكمة الإشراق، في علم الحق سبحانه وتعالى ص 358 - 366. الأسفار الأربعة، ج6، السفر الثالث، الموقف السادس .

نتولى بيان المسلك الصحيح والمذهب القيم كي يتضح من خلاله الحق، في مطلق الأسماء والصفات .

إعلم أن كثيراً من الفلاسفة والكبار نتيجة الإهمال والغفلة عن بعض الحيثيات اختلفوا فيما بينهم، وأرجع كل منهم بعض الأسماء والصفات إلى البعض الآخر، حيث أن المعروف والمسلّم به عندهم تفسير إرادة الحق تعالى بعلمه سبحانه بالمصلحة والنظام الأتّم. وإرجاع بعضهم السمع والبصر إلى العلم، وبعضهم الآخر، أرجع العلم إلى السمع والبصر .

ولكنّ هذه الآراء والتوجهات مخالفة لما يستدعيه التحقيق، وناجمة عن إهمال الحيثيات. لأنه إذا كان المقصود من إرجاع الإرادة، إلى العلم بالمصلحة، أو إرجاع العلم إلى السمع أو السمع إلى العلم، هو أن لا إرادة للحق سبحانه ولا سمع له ولا بصر وأن له سبحانه العلم وأن إرادته وسمعه وبصره قد سمّيت بالعلم، فهذا باطل وتقوّل فظيع على الحق سبحانه ، لأنه يستلزم أن يكون الحق المتعالي مبدأ للوجود من دون أن تكون له إرادة واختيار .

مضافاً إلى ذلك : أن المقياس في باب اتصاف الحق سبحانه بالأوصاف الكمالية هو أن تلك الصفة لا بد وأن تثبت للموجود بما أنه موجود حتى تكون الصفة كمالية، أي تكون الصفة، نفس حقيقة الوجود، ومن كمالات أصل ذات الوجود . ولا ريب أن الإرادة من الصفات الكمالية، للحقيقة المطلقة الوجودية. ومن هنا كلما تنزل الوجود نحو المنازل السافلة، كلما ضعفت الإرادة فيه، حتى يصل إلى درجة تُسلب منه الإرادة، ويراه الناس عديم الإرادة، كما هو حال الأمور الطبيعية مثل المعادن والنباتات. في حين أن الوجود كلما سَما نحو الكمالات وتصاعد نحو الأفق الأعلى كلما ظهرت الإرادة فيه أكثر وأقوى، كما نلمس ذلك في تسلسل الموجودات الطبيعية حيث أنه عندما نتجاوز مقام الهيولى والجسم والعنصر والمعدن والنبات نظهر الإرادة والعلم وكلّما صعدنا أكثر كملت هذه الجوهرة أكثر، حتى ، حتى أن الإنسان الكامل يملك إرادة كاملة يستطيع أن يحوّل العنصر إلى عنصر آخر فإن عالم الطبيعة خاضع لإرادته، فنكشف بأن الإرادة من الصفات الكمالية

للوجود ، وللموجود بما أنه موجود، ونثبت هذه الحقيقة للذات المقدّس الحق من دون رجوع إلى حقيقة أخرى.

وهكذا نجد بعد الدراسات العميقة الجديرة بالإذعان والتصديق، أن السماع والبصر من كمالات الموجود المطلق، فإن حقيقة السمع والبصر لا تقوم بالأدوات الجسمية ولا تكون من العلوم المادية المرتبطة بالآلات والأدوات، وإنما تحتاج النفس إلى الآلات عندما تكون في عالم الطبيعة وترتبط بالبدن، حتّى يتمَّ ظهور السمع والبصر . كما أنها في مقام العلم تحتاج أيضاً إلى أداة تدعى بأم الدماغ، لكي يتحقق العلم ويظهر في عالم الملك والطبيعة، وهذا الاحتياج والنقص ينجم عن عالم الطبيعة والملك وليس من قصور ونقص في العلم والمسع والبصر .

ثم إن السمع والبصر لو تجّردا، واستغنيا عن المادة، لاستطاعا البلوغ إلى مستوى رؤية حقائق عالم الغيب، وسماع كلام الملكوتيين من الملائكة والروحانيين في الملا الأعلى. كما أن موسى كليم الله في مناجاته، كان يسمع كلام الحق وأن خاتم المرسلين المكرّم كان يتحدث مع الملائكة، ويرى الصورة الملكوتية لجبرائيل، من دون أن تسمع أذن أحد ذلك الحديث - حديث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مع جبرائيل - وتبصر عين ذلك المشهد رغم حضور بعض الناس لدى نزول الوحي على الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ولكنهم لم يبصروا المشهد .

وملخّص القول: إن السمع والبصر من العلوم الزائدة على أصل العلم، وأنهما يغايران حقيقة العلم ويعتبران من الكمالات المطلقة للوجود، ومصدراً لكمالاته .

وإن كان مقصودهم من إرجاع الإرادة والسمع والبصر إلى العلم، أو العلم إلى الإرادة والسمع والبصر ، هو أن حيثية العلم والإرادة في الحق سبحانه حيثية واحدة وأنه لا حيثيات مختلفة للبصر والسمع والعلم في الحق المتعالي، فهو كلام صحيح وموافق للبرهان، ولكنه لا وجه لاختصاص هذا الكلام بهذه الأوصاف لأن جميع الأوصاف المتغايرة الكثيرة لذات الحق سبحانه، بل يكون مؤكداً وداعماً لها، لأننا بينّا بأن الوجود كلما كان أقرب إلى أفق الوحدة وأبعد من دائرة الكثرة كلما كان أجمع وأشمل تجاه الأسماء والصفات، إلى أن تبلغ مقام صرف الوجود، والحقيقة البسيطة الواجبة - جَلَّتْ

عَظَمَتْهُ وَعَظُمَتْ قُدْرَتُهُ - الذي هو في منتهى الوحدة، والبساطة، ومستجمع لجميع الكمالات، وجامع لجميع الأسماء والصفات، حيث تصدق جميع مفاهيم الكمال ومعاني الجلال والجمال على نحو الحقيقة - لا المجاز - عليه سبحانه، ويكون صدقها على الذات المقدس الحق، أولى وأجدر بكل معاني ومراتب الأحقية والأولوية من صدقها على غيره سبحانه .

و خلاصة البيان: أن الوحدة كلما كانت في الوجود أقوى وأتّم، كلما كان صدق مفاهيم الكمال عليه أوفى، وعدد الأسماء والصفات فيه أوفر. وعلى العكس، كلما كان الموجود إلى الكثرات أقرب، كان صدق مفاهيم الكمال عليه أقل وكان ما تصدق عليه من مفاهيم الكمال أوهى. وأقرب إلى المجاز - دون الحقيقة - وكلّ ذلك من أجل أن الوحدة تساوي الوجود، وتعتبر من كمالات الموجود بما هو موجود، ومعنى مساواة الوحدة للوجود، هو أن الوجود مع الوحدة وإن اختلفا مفهوماً، ولكن حقيقة الوجود نفس حقيقة الوحدة في الخارج، كما أنه أينما كانت الكثرات كان هناك النقص والعدم والشرّ والضعف والفتور .

ولهذا كلما تهاوى الوجود في منحدر المراتب النازلة كانت الكثرات أكثر من جميع مراتب الوجود. وعليه يتنزه مقام الربوبية وساحته المقدسة جل وعلا التي تكون صرف الوجود والذي هو صرف الوحدة والبساطة، من الكثرة والتركيب. وقد أشرنا سابقاً بأن الوجود، مبدأ حقيقة الكمال، وينبوع الجلال والجمال. فصرف الوجود هو صرف الوحدة وصرف الكمال، وصرف الوحدة هو صرف الكمال أيضاً. وكلّما كانت الوحدة في أسمى مراتبها في الموجود، كانت مفاهيم الأسماء والصفات والكمالات بأسرها صادقة عليه، وكان صدق مفهوم كل واحد منها عليه أولى وأحسن. وعلى العكس كل موجود يدنو من الكثرات أكثر، يكون نقصه أكثر، وصدق مفاهيم الكمال والأسماء والصفات له أقل، وملاك الصدق وكيفيته أو هن .

فالحق المتعالي يستجمع جميع الكمالات والأسماء والصفات، من دون رجوع إحداها إلى الأخرى، بل يصدق حقيقة كل من الكمالات والأسماء والصفات على الذات المقدس فكل من سمعه سبحانه وبصره وإرادته وعلمه . يشتمل على مداليله ومعانيه على

نحو الحقيقة، ويصدق على الذات عز وجل كل منها حقيقة من دون أن تستلزم كثرة في ذاته سبحانه بوجه من الجوه. فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالأمْثَالُ الْعُلْيا والكبرياء والآلاء.

فصل: في بيان كيفية تعلق علمه سبحانه بالمعلوم

إعلم أنه على ضوء ما أشرنا إليه من قبل، تنكشف على الحق المتعالي من خلال علمه البسيط الذاتي والكشف الواحد الأزلي، جميع الموجودات بما أنها موجودات وجهات وجودية كمالية بما أنها كمالية، ويتّم له سبحانه العلم. وهذا الكشف رغم كونه بسيطاً وواحداً تاماً، يكون تفصيلياً على نحو لا تخرج عن حيطة علمه سبحانه ذرّة من سماوات الأرواح، وأراضي الأشباح أزلاً وأبداً. وهذا العلم والكشف يكون منذ الأزل، ويكون عين ذاته المقدس. والمعلوم المتعين والمحدود، الذي يعود تعينه وتحديده إلى العدم والنقص، يتحقق بالعرض عندما يتعلق به الإيجاد، ويصير معلوماً بالعرض، فيكون التعلّق بالعرض بعد الإيجاد. وأشار عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث إلى هذا المعنى عندما قال: «فَلَمّا أَحْدَثَ الأَشْيَاءَ وَكَانَ الْمَعْلُومُ وَقَعَ الْعِلْمُ مِنْهُ عَلَى المَعلوم».

كما يحتمل أن تكون هذه الجمل إشارة إلى العلم الفعلي الذي يحصل نتيجة التجلي للفيض المقدس. ويكون المقصود من المعلوم، المعلوم بالذات، الذي هو هويّات وجودية قد تعلق بها الفيض المقدس، وتجل، ظهوري، نوري .

فعلى الاحتمال الأول يكون معنى هذه الجملة (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ بِفَيْضِهِ الْمُقَدَّسِ وَظَهَرَ الْكَوْنُ بِالْعَرَضِ وَقَعَ الْعِلْمُ عَلَى الْمَعْلُومِ ، أَي ظَهَرَ الْفَيْضُ فِي مِرآةِ الْمُسْتَفِيضُ بِالْعَرَضِ).

وعلى الاحتمال الثاني يكون المعنى (فَلَمَّا تَجَلّى بِفَيْضِهِ الْمُقَدَّسِ وَظَهَرَ وُجُودُ الْكَوْنِ بالذَّاتِ، أَيْ بِلا حَيْثَةِ تَفْسِدِيةُ وَقَعَ الْفَيْضُ عَلَى الْمُسْتَقِيض بِالذَّاتِ).

وعلى كلا الاحتمالين، لا يكون هذا التجلي الذي يحصل بالفيض المقدس من جرّاء الحوادث الزمانية والظروف المتغيرة، فإن إيجاد الحق سبحانه مقدس ومنزّه من كل ما فيه شائبة الحدوث والتغيير بل التعين والتحديد. فكما أن العلم الذاتي بسيط من جميع الجهات، ومحيط بتمام الحيثيات، فكذلك العلم الفعلي الذي هو اية حقيقية للحق

المتعالي، وظهور لعلمه الذاتي ومرآة له، يكون بسيطاً تاماً، وواحداً بالمطلق، ومحيطاً بجميع دائرة الكون والتحقّق، من دون أن يحدث فيه تعيّن وتجدّد، وتركيب، غاية الأمر أن هذا العلم الفعلي متقوّم بالذات بذاته المقدس سبحانه، وأنه تعلّق محض . ولهذا يكون فانياً في كبرياء الحق عز وجل وحضوراً في محضر ذي الجلال. ومن هذا المنطلق يعتبرونه علم الحق سبحانه. كما أن إيجاد النفس الناطقة للحقائق العقلية في عالم العقل والمُثل الخيالية في لوح الخيال ، علم فعلي للنفس وفان فيها .

قال الحكماء : إن نسبة عالم نفس الأمر إلى الحق سبحانه، تضاهي نسبة الصور العلمية إلى النفس. ومن أجل هذه الإحاطة والسعة والبساطة والنفوذ للحق سبحانه، ذهبوا إلى أن الحق المتعالي يعلم الجزئيات بالعلم الكلي أي أن جزئية المعلوم ومحدوديته ومحاطيته، لا تبعث على محدودية في العلم. فعلمه سبحانه : محيط وقديم وأزلي وغير متغيّر وأما المعلوم فهو محاط ومحدود وحادث ومتغير .

والذي لم يعرف أسلوب كلام الحكماء، يحسب أنهم قد نفوا علمه عز وجل بالجزئيات، حيث فسروا الكلية والجزئية، بالمعنى الرائج لدى المناطقة واللغويين ولم يعلموا أن هناك معنى آخر للكلي والجزئي في مصطلح أهل العرفان وقد يتبعهم أحياناً الفلاسفة في ذلك المصطلح ، بل استعار الحكماء هذا المعنى من أهل المعرفة - العرفاء - في باب علم واجب الوجود جلّ اسمه وتعالى شأنه .

فصل: في بيان المقياس في الصفات الثبوتية والسلبية

إن المقياس في الصفات الثبوتية للذات المقدس الواجب جل اسمه، والصفات السلبية، هو أن كل صفة أن كل صفة من الأوصاف الكمالية، والنعوت الجمالية التي تعود حقيقة الوجود وذاته الصرف، من دون أن تتعيّن بتعيّن، وتتواجد في عالم دون آخر، تعود لهوية الوجود وذاته النورية، يُعتبر من الصفات اللازمة الثبوت والواجبة التحقق، للذات المقدس تعالى شأنه، لأن هذه الصفات لو لم تثبت للذات المقدس للزم إما أن لا يكون الذات المتعالي، وجوداً صرفاً ومحضاً، أو لا يكون الوجود الصرف محض كمال

وجمال. وهذان الأمران باطلان لدى العرفاء والحكماء. كما تقرر في محله.

وإن كل صفة ونعت لا تثبت للموجود ، إلاّ بعد تنزّله إلى منزلة من منازل التعينات، وتَقارُنِه بشكل من أشكال التقييد، وتعانقه بمرتبة من مراتب القصور وتلازمه مع حد من حدود الوهن والفتور، ومجمل القول إن كل صفة لا تُعدّ من حقيقة الوجود، بل كانت راجعة إلى الماهية، لكانت من الصفات المسلوبة التي يمتنع تحققها في الذات الكامل المطلق، لأن الذات الكامل المطلق والوجود الصرف كما يكون مصداقاً للكمال الصرف، يكون مصداقاً لسلب النقائص والحدود والأعدام والماهيات .

هذا الكلام وما اشتهر لدى المحققين من أن جميع الصفات السلبية، تعود إلى سلب واحد وهو سلب الإمكان(1)، لا يكون سديداً وصائباً لدى الكاتب فكما أن ذاته المقدس سبحانه يكون مصداقاً ذاتياً حقيقياً لكل واحد من الصفات الكمالية، من دون أن يرجع بعضها إلى البعض الآخر - كما بيناه سابقاً - فكذلك يكون الذات المقدس مصداقاً بالعرض لكل واحد من الصفات السلبية أيضاً.

ولا نستطيع أن نقول بأن الأعدام والنقائص حيثية واحدة وأنه (لا مَيزَ في الاعدام)، لأننا إذا درسنا هذا الموضوع على أساس الواقع ونفس الأمر، فكما أن العدم المطلق حيثية واحدة رغم كونه كل الأعدام، فكذلك الوجود المطلق أيضاً حيثية واحدة وكل الكمالات، فلا نستطيع إثبات صفة للحق سبحانه، في مرحلة اعتبار الأحدية، وغيب الغيوب، لا الصفات الحقيقية الثبوتية، ولا الصفات السلبية الجلالية .

وإذا درسناه على أساس مقام الواحدية وجمع الأسماء والصفات، فكما أن الصفات الثبوتية الكمالية متكثرة ومتعدّدة، كانت الصفات السلبية متكثرة أيضاً لأن في مقابل كل صفة كمالية، صفة ناقصة مسلوبة . فالذات المقدس سبحانه كما يكون مصداقاً للعالم بالذات، يكون مصداقاً لعدم كونه جاهلاً بالعرض. وكما يكون قادراً يكون ليس بعاجز، وكما تقرر في علم الأسماء، أن للأسماء والصفات الثبوتية اعتبار المحيطية والمحاطية


1) الأسفار الأربعة، ج 6 ، السفر الثالث ، الموقف الثاني في صفات الحق سبحانه، ص118 .

والرئاسة والمرؤوسية فكذلك تكون للأسماء والصفات السلبية هذه الاعتبارات بالتبع أيضاً .

ومجمل الحديث أنه بعدما اتضح المقياس في الصفات الثبوتية والسلبية، نستطيع أن نفهم بأن الحركة التي تتقوم بالقوة والهيولى، وأن الحدوث والتجدد المتغلغل في ذات القوة، لا تتسرب إلى ذاته المقدس جل جلاله .

والتكلم بمعناه الدارج العرفي الذي يكون محلاً لسؤال الراوي في الحديث الشريف فهو صفة محدثة متجددة يتنزه الحق المتعال ويتبرأ عنها. وهذا لا يتهافت مع إثبات الكلام والتكلم الذاتي للحق سبحانه في مقام الذات على نحو ينسجم مع تنزهه سبحانه عن التجدد وبراءته من الحدوث.

وخلاصة هذا البحث الشريف أن حقيقة التكلم ، لا تتوقف على خروج الأحرف من المخارج الخاصة في الحنجرة والفم. وما هو الشائع لدى أبناء اللغة وعرف الجمهور من الناس من أن التكلم يتقيد وينصرف إلى خروج الأحرف الأبجدية من مخارجها، فهو ناتج عن العادة وأنس ذهن الناس بمثل هذا التفسير. وقد ساعد أوهام الناس وأفكارهم على ذلك . وأما أصل معنى التكلم فلا يتقيد بالأحرف أبداً.

إن حقيقة العلم عبارة عن ظهور الشيء لدى العالم، من غير أن يتقيد بالإدراك بواسطة الأدوات البادية الظاهرة مثل الدماغ أو الآلات المعنوية مثل الحسّ المشترك والخيال. فإذا فرضنا أن شخصاً قد حصل على العلم بشيء بواسطة يده أو رجله أو رأى شيئاً أو سمع صوت شيء، لصدق عليه العلم والسمع والبصر. وهكذا إذا رأى في عالم الرؤيا شيئاً أو سمع صوت شيء أو تكلّم أو أحسّ، لصدق عليه أنه رأى وسمع وتكلّم وأحس حقيقة، من دون شائبة المجاز مع أن الرؤية والسمع والتكلم والإحساس قد تم من دون الاستعانة بالأدوات الحسية الخاصة التي تستعمل في هذه الموارد حالة اليقظة . فالمقياس في صدق الرؤية والتكلم والسمع والإحساس هو نفس الإدراك الخاص.

وحقيقة التكلم هو إظهار المكنون في الخاطر وإبراز ما في الضمير من دون أن تكون لآلة خاصة دور في ذلك . ولو فرضنا أن إطلاق التكلم والسمع والبصر على حصول

العلم من دون الاستعانة بآلاتها، كان مجازاً في اللغة ولدى العرف، ولكّن حقيقة معاني هذه الأمور - نفس الحقائق - لم تكن مقيدة بالأدوات الخاصة ويكون السمع والبصر والتكلم و . . و صادقاً عليها عقلاً. ولا يكون البحث في باب الأسماء والصفات بحثاً لغوياً، بل المقصود هو إثبات نفس الحقائق حتى إذا لم تسعف اللغة والعرف بذلك .

إذا نقول إن حقيقة الكلام هي إظهار ما في الضمير ، عبر الأدوات المادية الحسيّة أو من دونها، وسواء كان الكلام من مقولة الصوت واللفظ والنفس المتصاعد من الداخل والرئة أو لا. وعليه يكون الكلام من الأوصاف الكمالية للوجود، لأن الظهور والإظهار من حقيقة الوجود ويعودان إلى حقيقة الوجود. وكلّما كان الوجود أكمل وأقوى كلما كان الظهور والإظهار أكثر ، إلى أن يصل الأمر إلى الأفق الأعلى والمقام الواجب الأسنى، الذي هو نور الأنوار ونور على نور، وظهور على ظهور. وبواسطة الفيض المقدس وكلمة (كُنْ الْوُجُودِيَّة) يتم إظهار ما في الغيب من مقام الواحدية. ومن خلال الفيض الأقدس والتجلي الذاتي الأحدي يتم إظهار الغيب المطلق، ومقام اللامقام من الأحدية، وفي هذا التجلي الأحدي ، يكون المتكلم : هو الذات المقدس الأحدي، والكلام: هو الفيض الأقدس والتجلي الذاتي، والسامع : الأسماء والصفات. وبنفس هذا التجلي تتم طاعة تعينات الأسماء والصفات وتتحقق علمياً. وفي التجلي الواحدي بالفيض المقدس يكون المتكلم، الذات المقدس الواحد المستجمع لجميع الأسماء والصفات، والكلام، نفس التجلي، والسامع والمطيع هما تحقيق الأعيان العلمية، الملازمة للأسماء والصفات واللذان يتحققان بواسطة أمر «كن» تحققاً خارجياً عينياً (فَإِذَا قَالَ لِكُلِّ عَيْنِ أَرَادَ إِيجَادَهَا : كن، فَيُطِيعُ الأمر الإلهي فيكونُ وَيَتَحَقَّق).

ولم نستعرض الشواهد النقلية في هذا الموضوع ولم نتطرق إليها . والحمد لله أولاً وآخراً.

الحديث السابع والثلاثون: «معرفة اللَّه باللَّه و الرسول بالرسالة»

اشارة

بالسنَّد المتَّصل إلى محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن محمّد، عمَّن ذكره، عن أحمد بن عيسى، عن محمَد بن حمران، عن الفضل بن السَّكن، عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السّلام): «إعْرِفُوا اللَّهَ بِاللهِ، وَالرَّسُولَ بالرَّسَالَةِ، وَأوْلِي الأمْر بالأمر بالْمَعْرُوفِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد1، كتاب التوحيد، باب أنه لا يعرف إلا به، ح1 .

الشرح:

هناك فرق واضح بين العرفان، والعلم، بين التعرف على شيء وبين العلم به . يقال إن العلم في اللغة يختص بالكليات، والمعرفة خاصة بالجزئيات والتشخّص. ويقال إن العارف بالله هو الذي يتعرف على الحق سبحانه بالمشاهدة الحضورية، وإن العالم بالله هو الذي ينتهي إلى الحق سبحانه من خلال البراهين الفلسفية .

وذهب البعض إلى أن الفارق بين العلم والعرفان من وجهين: الأول من ناحية متعلق كل منهما كما ذكرنا - متعلق العلم كلي ومتعلق المعرفة جزئي - والثاني أنه أخذ في المعرفة نسيان الشيء المعلوم سابقاً. في حين أن العلم هو ما يدركه الإنسان ابتداءاً. وأما الشيء الذي كان معلوماً فغفل عنه ونسيه ثم أدركه ثانياً، يقال له أنه قد عرفه، وإنما يقال للعارف عارفاً، لأنه يتذكر الأكوان السالفة، والنشآت السابقة على كونه الملكي ونشأته الطبيعية .

وادّعى بعض أهل السلوك - العرفاء - أن سبب التسمية هو تذكر عالم الذّر، ويقول بأنه لو أزيح حجاب الطبيعة الباعث على الغفلة والنسيان عن أعين السالك، لتذكر العوالم السابقة .

وقال بعض العرفاء: (إن حقيقة المعراج المعنوي والروحاني، هي تذكر الأيام السالفة. فنحن إذا قفلنا راجعين إلى الوراء للإطلال على أيام الطفولة والمراهقة والشباب و . . . لوجدنا ان كل شخص يسترجع فترة من حياته ويتذكر بعض الأيام، فهناك من يتذكر أيام عامه السابع من حياته وما بعدها وهناك من يتذكر أيام السنة الخامسة من عمره، وبعض يذهب إلى أبعد من ذلك ويدّعي تذكر أيام حوله الثالث، ومن النادر من يسترجع إلى ذاكرته أبعد من أعوامه الثلاثة الأولى .

لقد نقل عن الشيخ الرئيس ابن سينا، أنه كان يدّعي تذكّر أول لحظة ولادته، وكان يقول يمكن للإنسان أن يتذكر أبعد من ذلك فيتذكر فترة تواجده جنيناً في رحم الأم أو فترة وجوده في صلب الأب، وهكذا يرجع إلى الوراء ويتذكر جميع الأحوال التي مرّ بها في عالم المُلك، حتى يصل متقهقراً إلى أكوان عالم الملكوت الأعلى والجبروت، إلى عالم الجبروت الأعلى وهكذا يقفل ويتقهقر حتى يتذكر نشأة العلم الربوبي ومثل هذا التذكر، هو حقيقة المعراج ومنتهى العروج الروحاني) انتهى بيانه .

وهذا الموضوع حتى إذا كان صحيحاً في نفسه، ولكنَّ تفسير حقيقة المعراج الروحاني بالرجوع القهقرائي لدى أهل العرفان وأرباب القلوب والأفئدة غير سديد لأن حقيقة المعراج الروحاني، هي حركة معنوية انعطافية، تتم بها دائرة الوجود وينتهي إلى عالم الغيب جميع ما في سلسلة الشهود. ويحدث ذلك في القاموس الصعودي، والحركة الإنعطافية. في حين تعتبر هذه الحركة التقهقرية التي ذكرت لتفسير المعراج الروحاني، على خلاف سنة الله الجارية في الكائنات، وخاصّة في الأنبياء، وعلى الأخص في النبي الخاتم (صلی الله علیه و آله و سلم) وعليهم أجمعين. وإنما يشبه هذا السلوك، حال المجذوبية المتوفرة في صنف من الملائكة المهيّمة المتحيّرة في ذات ذي الجلال، الذين غفلوا نهائياً عن الكثرات، ولم ينتبهوا إلى أن هناك مخلوقاً باسم الإنسان والعالم.

يقول الشيخ العارف الكامل الشاه آبادي - روحي فداه - (إن الحالة الروحية للنبي آدم (علیه السّلام) كانت تجذبه نحو عالم الغيب والمقام المقدّس، وتُبعده عن عالم مُلكه وعالمه الطبيعي، ومثل هذه الحركة الجذبية كانت تبعث على سلب الآدمية عن آدم (علیه السّلام)، فسلَّط الحق المتعالي، الشيطان عليه لكي ينتبه إلى شجرة الطبيعة وينعطف عن الجذبة الملكوتية، وينصرف إلى عالم الملك والطبيعة) .

قوله (علیه السّلام): «وَالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ» الظاهر أنهما معطوفان على قوله «الأمر بِالْمَعْرُوفِ» أي: إعْرِفُوهُمْ بِالأمْرِ بِالْمَعْرُفِ وَبِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ، ويحتمل أن يكون معطوفاً على قوله «المعروف» أي : إفْرِفُوهُم بِالأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَبِالْأَمْرِ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ.

فصل: في بيان المقصود من قوله: إعْرِفُوا اللَّهَ بِاللهِ

إعلم أن كل واحد من العلماء رضوان الله تعالى عليهم قد تناول هذه الجملة إعرفوا اللهَ بِاللَّهِ وَشَرَحَها على ضوء مسلكه العلمي أو مذهبه الفلسفي. ونحن لأجل التبرك بكلام الأجلاء نذكر بصورة مختصرة بعض تلك الآراء وهي :

الأول : قال ثقة الإسلام الكليني رضوان الله تعالى عليه « ومعنى قوله (علیه السّلام) اعرفوا الله بالله يعني أن الله خلق الأشخاص والأنوار والجواهر والأعيان - فالأعيان الأبدان والجواهر الأرواح - وهو جلّ وعز لا يشبه جسماً ولا روحاً وليس لأحد في خلق الروح الحسّاس الدّراك أمر ولا سبب وهو المتفرد بخلق الأرواح والأجسام فإذا نفى الشبهين : شبه الأبدان وشبه الأرواح فقد عرف الله بالله وإذا شبهه بالروح أو البدن أو النور فلم يعرف الله بالله»(1).

ومن الغريب أن صدر المتألهين قدس سرّه اعتبر هذا الكلام من تتمة الحديث فأخذ بشرحه وتفسيره على أساس مذهبه في الفلسفة(2).

الثاني : قال الشيخ الصدوق رضوان الله عليه بعد إيراد الخبر، ما حاصله : «عرفنا الله بالله لأنا إن عرفناه بعقولنا فهو عز وجل واهبها وإن عرفناه عز وجل بأنبيائه ورسله وحججه (صلی الله علیه و آله و سلم) فهو عز وجل باعثهم ومرسلهم ومتخذهم حججاً وإن عرفناه بأنفسنا فهو عز وجل محدثها فيه عرفناه»(3).

الثالث : ما أشار إليه صدر المتألهين. حيث قال : إن هناك سبيلان لمعرفة الحق المتعالي (أحدهما : المشاهدة وصريح العرفان. ثانيهما: التنزيه والتقديس ، وحيث أن السبيل الأول لا يتيسّر إلأ للأنبياء والكُمّل اختار عليه الصلاة والسلام بيان الطريق الثاني في الحديث) انتهى(4).


1) أصول الكافي، المجلد 1، باب أنه لا يعرف إلا به، ح1 .

2) شرح أصول الكافي، ص 233 - 234 .

3) مراة العقول المجلد 1، ص 298 . التوحيد، الباب 41، ص 290.

4) شرح أصول الكافي، ص 233 - 234 .

ويتوقف هذا التفسير على اعتبار كلام الشيخ الكليني جزءاً من الحديث الشريف، واعتبار حديث الإمام الصادق (علیه السّلام)، كلام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام).

الرابع : قال المحقق فيض الكاشاني عليه الرحمة : «إن لكل شيء ماهية هو بها هو ، وهي وجهه الذي إلى ذاته، كذلك لكل شيء حقيقة محيطة به، بها قوام ذاته وبها ظهور آثاره وصفاته، وبها حوله عما يَرِدُ به ويضره وقوّته على ما ينفعه ويسرّه وهي وجهه الذي إلى الله سبحانه، وإليهما أشير بقوله عز وجل: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ(1)وبقوله سبحانه: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ(2)وبقوله تعالى: وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(3)وبقوله سبحانه: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ(4)وبقوله : كُلَّ شَيْءٍ مَالِكَ إِلا وَجْهَهُ(5)فإن تلك الحقيقة هي التي تبقى بعد فناء الأشياء فقوله (علیه السّلام) اعرفوا الله بالله معناه انظروا في الأشياء إلى وجوهها التي إلى الله سبحانه بعد أن أثبتم أن لها رباً صانعاً فاطلبوا معرفته بأمارة فيها من حيث تدبيره لها وقيوميته عليها وتسخيره لها أو إحاطته بها وقهره إياها حتى تعرفوا الله بهذه الصفات القائمة به ولا تنظروا إلى وجوهها التي إلى نفسها أعني من حيث أنها أشياء لها ماهيات لا يمكن أن توجد بذواتها، بل مفتقرة إلى موجد يوجدها فإنكم إذا نظرتم إليها من هذه الجهة تكونوا قد عرفتم الله بالأشياء، فلن تعرفوه إذن حق المعرفة، فإن معرفة مجرد كون الشيء مفتقراً إليه في وجود الأشياء ليست بمعرفة في الحقيقة.

على أن ذلك غير محتاج إليه لما عرفت أنها فطرية بخلاف النظر الأول فإنكم تنظرون في الأشياء أولاً إلى الله عز وجل وآثاره من حيث هي آثاره، ثم إلى الأشياء وافتقارها في أنفسها»(6).


1) سورة فصلت، الآية : 54 .

2) سورة الحديد، الآية : 4 .

3) سورة ق ، الآية : 16 .

4) سورة الواقعة، الآية : 85 .

5) سورة القصص، الآية : 88 .

6) كتاب الوافي ، ص 75 منشورات مكتبة المرعشي، قم.

الخامس : الاحتمال الذي قد خطر على بال الكاتب وهو يبتني على مقدمة مذكورة في علم الأسماء والصفات، وهي أن للذات المقدس الحق عز جلاله اعتبارات، وأن لكل اعتبار اصطلاحاً خاصاً به. هي:

منها : اعتبار الذات من حيث هو، أي الذات المجهول بصورة مطلقة، من دون أن يكون له اسم أو رسم ومن دون إمكان بلوغ آمال العرفاء وذوي القلوب والأولياء، إليه . وقد يعبّر عنه حيناً لدى أرباب المعرفة بعنقاء المُغرِب . قال الحافظ الشيرازي العارف الشاعر :

أيها الصياد انتبه بأن العنقاء لا يسقط في الفخ *** بل الهواء هو الذي يكون في الشبك

وحيناً آخر بالعماء أو العمى، رُوي أنه قيل للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «أَيْنَ كَانَ رَبُّكَ قَبْلَ أَنْ يَخْلَقَ الْخَلْقَ؟ قَالَ : فِي عَمَاءٍ»(1). وحيناً ثالثاً بغيب الغيوب والغيب المطلق وغير ذلك، فإن كل هذه التعبيرات والمصطلحات، تكون قاصرة عن أداء المعنى. وأن العنقاء والعماء والتعبيرات الأخرى المذكورة لدى العرفاء الموافقة لنوع من الأدلة والبراهين، غير مرتبطة بهذا المقام .

ومنها : اعتبار الذات حسب مقام التعين الغيبي، وعدم الظهور، المطلق، المسمّى بمقام الأحدية. والتعبيرات المذكورة في الاعتبار السابق تتلاءم مع هذا المقام . ويتحوّل في هذا المقام اعتبار الأسماء الذاتية، حسب اصطلاح العلماء، إلى الأسماء مثل : الباطن المطلق، والأول المطلق، والعلي والعظيم، كما يستفاد من حديث (الكافي) أن أول اسم اتخذه الحق لنفسه هو العلي العظيم(2).


1) عوالي اللثالي، ج 1 ، ص 54 . مسند أحمد بن حنبل، ج 4 ، ص 12.

2) عن ابن سنان قال سألت أبا الحسن الرضا (علیه السّلام): هل كان الله عزّ وجلّ عارفاً بنفسه قبل أن يخلق الخلق؟ قال: نعم، قلت: يراها ويسمعها ؟ قال : ما كان محتاجاً إلى تلك لأنه لم يكن يسألها ولا يطلب منها هو نفسه ونفسه هو، قدرته نافذة قليس يحتاج أن يسمي نفسه ولكنه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها لأنه إذا لم يدع باسمه لم يعرف، فأول ما اختار لنفسه (العلي العظيم) لأنه أعلى الأشياء كلّها فمعناه الله واسمه العلي العظيم هو أول أسمائه علا على كل شيء. (أصول الكافي، ج 1، كتاب التوحيد، باب حدوث الأسماء، ح2).

ومنها : اعتبار الذات حسب مقام الواحدية، ومقام جمع الأسماء والصفات، الذي عبر عنه بمقام الواحدية ومقام الأحدية لجمع الأسماء وجمع الجمع وغير ذلك. ويقال لهذا المقام باعتبار مقام أحدية الجمع، مقام الاسم الأعظم والاسم الجامع «الله» .

ومنها : اعتبار الذات حسب مرتبة التجلّي بالفيض المقدس، ومقام ظهور الأسماء والصفات في مرائي الأعيان، كما أن مقام الواحدية يكون بسبب تجلي الفيض الأقدس. ويقال لهذا المقام الذي هو مقام ظهور الأسماء، مقام الظهور الإطلاقي ومقام الألوهية و مقام الله أيضاً حسب الاعتبارات المقررة في الأسماء والصفات. وقد شرحناها في كتاب (مصباح الهداية)(1).

ولا بد من معرفة أن هذه الاعتبارات المذكورة على ألسنة أهل المعرفة وأصحاب القلوب، إخبار عن در تجليات الحق سبحانه على قلوبهم الصافية، وتكون تلك التجليات حسب مراتب ومقامات سلوك الأولياء وحسب منازل سير السائرين إلى الله ومراحله، مبتدئة من مقام ظهور الأسماء والصفات الذي هو مقام الألوهية والمسمى بـ«الله» والتي تكون آية اللّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلَ نُورِهِ كَمِشْكُوةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوْقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ أَنتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهَ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(2)إشارة إلى ذلك، ومنتهية بمقام الغيب الأحدي، ومرتبة الأسماء الذاتية والاسم المستأثر الذي يكون نهاية السير والمقصد . ويمكن أن يكون قوله تعالى أو أذني(3)إشارة إلى هذا المقام .

وبعد هذه المقدمة نقول : إن الإنسان عندما يلجأ إلى الفكر والبرهان في طلب الحق سبحانه وسيره إلى الله، يكون سيره عقلياً علمياً، ولا يكون من نوع سير أهل المعرفة وأرباب العرفان، لأنه قد سقط في الحجاب الأكبر والأعظم، من دون فرق بين أن ينظر


1) مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، ص33 - 38.

2) سورة النور، الآية : 35.

3) سورة النجم، الآية : 9 .

إلى الأشياء من ماهياتها، والتي تعتبر الحجب الظلمانية، ويبحث عن الحق المتعالي من خلالها أو ينظر إلى الأشياء من خلال وجوداتها التي تكون حجباً نورانية وهي التي يشير إليها المرحوم الفيض الكاشاني في الاحتمال الرابع المتقدم.

إن الشرط الأول في السير إلى الله، هو الخروج من البيت المظلم للنفس والذات والأنانية. فكما أن الإنسان في السفر الخارجي العيني المحسوس، لا يكون مسافراً ما دام هو في مكانه وبيته رغم تخيّله السفر وتحدثه عن كونه مسافراً، بل لا بد من ترك المكان ومغادرة البيت حتى يقال إنه مسافر، وكما أن السفر الشرعي لا يتحقق إلا بعد مغادرة البلد واختفاء آثاره، فكذلك لا يتحقق هذا السفر العرفاني إلى الله ، والهجرة الشهودية إلا بعد التخلي عن البيت المظلم للنفس واختفاء آثارها ومعالمها، لأنه ما دامت آثار التعينات مشهودة وأصوات الكثرات مسموعة، لا يكون الإنسان مسافراً، بل إنه تخيل السفر وادعى السير والسلوك قال الله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ(1).

فبعد أن يغادر السالك إلى الله - بخطوات ترويض النفس والتقوى الكاملة - بيت النفس، ولم يصطحب معه في هذا الخروج العلقة الدنيوية، والتعينات، ويتحقق له السفر إلى الله سبحانه، يتجلى له الحق المتعالي قبل كل شيء، على قلبه المقدس بالألوهية و مقام ظهور الأسماء والصفات. ويكون هذا التجلي أيضاً مرتباً ومنظماً، حيث ينطلق من الأسماء المحاطة مروراً بالأسماء المحيطة حسب شدّة السير وضعفه وحسب قوة قلب السالك وضعفه على التفصيل الذي لا يستوعبه هذا الكتاب المختصر، حتى ينتهي إلى رفض كل تعينات عالم الوجود سواء كانت تعينات تعود إلى نفسه أو تعينات راجعة إلى غيره والتي تعتبر - أي هذه التعينات الغيرية - في المنازل والمراحل التالية من التعينات العائدة إلى نفسه أيضاً وبعد الرفض المطلق، يتم التجلي بالألوهية، ومقام الله الذي هو مقام أحدية جمع ظهور الأسماء، وتظهر «إعرقوا الله بالله» في مرتبتها الأولية النازلة .

ولدى وصول العارف إلى هذا المقام والمنزلة، يفنى في هذا التجلي، فإذا وسعته


1) سورة النساء، الآية : 100 .

العناية الأزلية، لحصل للعارف الفاني في هذا التجلّي، استيناس، ولزالت عنه وحشة الطريق ونَصَب السفر، واستفاق، فلم يقتنع بهذا المقام، ويستمر بخطوات ملؤها الشوق والعشق، ويكون الحق المتعالي في سفر العشق هذا مبدأ السفر والباعث على السفر ونهاية السفر، وتتم خطواته في أنوار التجلّي، فيسمع هاتفاً يقول له(1)«تَقَدَّم» ويستمر في التقدم إلى أن تتجلى في قلبه بصورة مرتبة ومنظمة، الأسماء والصفات في مقام الواحدية ، حتى يبلغ مقام الأحديّة، ومقام الإسم الأعظم الذي هو إسم الله، فيتحقق في هذا المقام «إعْرِقُوا اللهَ بِاللهِ» في مرتبة عالية. ويوجد أيضاً بعد هذا المقام، مقام آخر لا مجال لذكره فعلاً.

ومع هذا الذي ذكرنا، أضفى مقام عرفان الرسول على الرسالة وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان، ترتيباً عرفانياً بديعاً يحتاج إلى شرح مقام الرسالة والولاية . وهو لا يتناسب مع مستوى هذا الكتاب. وقد تولى كتاب (مصباح الهداية) الذي ذكرته سلفاً تفصيل ذلك .

دفع وهم في بيان عدم حمل الأحاديث الماثورة على المعاني الدارجة

لا يظن بأن مقصودنا من شرح الحديث الشريف على ضوء مسلك أهل العرفان، هو حصر معنى الحديث في ذلك، حتى يكون من قبيل الرجم بالغيب والتفسير بالرأي، بل هو من أجل دفع توهم حصر معاني الأحاديث المنقولة في باب معارف أصول الدين، وحصرها في المعاني الرائجة العرفية .

وإن الملم بأحاديث الأئمة (علیهم السّلام) يعرف بأن تفسير الأخبار المأثورة عنهم (علیهم السّلام) في العقائد ومعارف أصول الدين على أساس الفهم العرفي الشائع لا يكون سديداً وصحيحاً، بل إنها تحتوي على أدق المعاني الفلسفية، وقمة معارف أهل المعرفة. ومن يرجع إلى كتاب (أصول الكافي) وكتاب (التوحيد) للشيخ الصدوق عليه الرحمة، يذعن لما قلناء.


1) الخطاب لنبينا محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) في معراجه .

ولا يتنافى هذا التفسير الدقيق العرفاني مع صياغة أئمة أهل المعرفة العلماء بالله، لكلامهم الشريف في أسلوب جامع، تقطف كل طائفة حسب مسلكها قدراً من الثمار، ولا يحقّ لأحد أن يقصر الحديث في المعنى الذي ارتاه. مثلاً : نستطيع أن نشرح الحديث الشريف المذكور، شرحاً عرفياً رائجاً يتطابق مع ظهور الألفاظ وفهم الناس بأن نقول : إن معنى «إِعْرِفُوا اللَّهَ بِاللَّهِ» هو إعرفوا الله بآثار صنعه وإتقان عمله اللذين يكونان من آثار الألوهية. كما أنه يجب معرفة النبي بالرسالة وآثاره المتقنة لدعوته، ومعرفة أولي الأمر بكيفية أعمالهم من قبيل الأمر بالمعروف والعدالة. حيث نتعرف من خلال الآثار على أصحابها. وهذا لا يتنافى مع وجود معنى أدق للحديث، يكون بمثابة البطن له . ووجود معنى آخر أيضاً أدق من المعنى الثاني يكون بمنزلة بطن البطن .

وعلى أي حال إن مقارنة كلام الأولياء (علیهم السّلام) بكلام أمثالنا غير صحيحة. كما أن قياس أشخاصهم (علیهم السّلام) على أشخاص من أمثالنا مجحف وباطل . ولا أستطيع أن أشرح هذا الموضوع الغامض بصورة مفصلة مع بيان فلسفته وسبيه .

ومن غرائب الأمور: أن بعضاً يطعن في هذه المعاني الدقيقة العرفانية والفلسفية ويعترض عليها قائلاً : إن أحاديث أئمة الهدى (علیهم السّلام) توجيه الناس، فلا بد وأن تتوافق مع الفهم العرفي، ويجب أن لا تصدر عنهم المفاهيم الفلسفية أو العرفانية التي لا ينالها الفهم العرفي لعامة الناس .

إن هذا افتراء مستنكر وتهمة بذيئة نجمت عن قلة التدبر في أخبار أهل البيت (علیهم السّلام) ومعارف الأنبياء وعدم التجوال فيها .

فواعجباً لو أن الأنبياء والأولياء (علیهم السّلام) لم يقصدوا تعليم الناس، دقائق التوحيد، ومعارف الأنبياء فمن كان بإمكانه أن ينهض بمثل هذا التعليم؟ .

هل أن التوحيد والمعارف الأخرى العقائدية، لا تستبطن الدقائق العلمية؟ وهل أن الناس جميعاً في استيعابهم للمعارف على مستوى واحد؟ .

هل أن معارف الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، مع معارفنا في درجة الناس أو أنها تختلف عن معارفنا؟ .

وهل أن تعليم تلك المعارف والعلوم المختزنة لدى أهل البيت (علیهم السّلام) غير ضروري بل غير محبّذ؟ أو أنه لا يكون واحداً مما تقدم وأن الأئمة (علیهم السّلام) لم يهتموا لهذه المعارف؟ .

وهل من المعقول أن من لا يتوانى في بيان الآداب المستحبة للنوم والأكل وبيت الخلاء و . . . قد غفل عن بيان المعارف الإلهية التي هي منتهى أمل الأولياء؟ .

والأغرب من ذلك أن بعض هؤلاء المعترضين الرافضين لهذه المعاني الدقيقة قد تناولوا الأخبار الفقهية المأثورة عن أهل البيت (علیهم السّلام) ودققوا فيها بدرجة يعجز عن فهمها العقل فضلاً عن العرف وينسبون المعنى العميق الذي استخلصوه إلى الارتكاز العرفي رغم أنه من المسلم به أن فهم الأخبار الفقهية موكول إلى العرف. ومن ينكر ما ذكرته، فعليه مراجعة المباحث التي وردت في قاعدة على اليد ما أخذت حتى تؤدي)(1)وأمثالها من القواعد الفقهية الكلية وخاصة المرتبطة منها بالمعاملات، حتى يفهم مستوى التعمق والتدقيق في كلمات الأئمة (علیهم السّلام) في الأحكام وفروع الدين.

وعلى أي حال إن البحث قد خرج من أيدينا، والقلم قد تمرّد علينا، والكاتب يُشهد الله عز وجل على أنه لا يقصد من هذا الكلام إلا تعريف إخوانه في الله بالمعارف الإلهية . وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنَ الزَّلَلِ وَالْفَشَلِ وَالْكَسَلِ، وَالْحَمْدُ لله أولاً وَآخِراً .


1) تناول الفقهاء هذه القاعدة بالبحث والدرس. ولمزيد من العلم والمعرفة يرجع إلى : عوائد الأيام للمولى أحمد النراقي، عائدة 33 ولكتاب القواعد الفقهية للسيد ميرزا حسن البجنوردي ، ج 4 ، ص 47 - 99.

الحديث الثامن والثلاثون: «ان اللّه خلق آدم على صورته»

اشارة

بالسَّند المتَّصل إلى الشيخ الجليل عماد الإسلام محمَد ابن يعقوب الكُلَيْني - رضوان الله عليه - عن عدَةِ من أصحابنا، عن أحمد بن محمَد ابن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن بحر، عن أبي أيّوب الخَزاز، عن محمد بن مسلم قال: «سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (علیه السّلام) عَمَّا يَرْوُونَ أنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ (علیه السّلام) عَلَى صُورَتِهِ، فَقَالَ: هِيَ صُورَةٌ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ [و] اصْطَفَاهَا اللهُ وَاخْتَارَهَا عَلَى سَائِرِ الصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ فَأَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ كَمَا أَضَافَ الْكَعْبَةَ إِلى نَفْسِهِ وَالرُّوحَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: «بَيْتِي» وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي(1).


1) أصول الكافي، المجلد الأول ، كتاب التوحيد، باب الروح ، ح 4 .

الشرح:

إنّ صدر هذا الحديث من الأحاديث المشهورة في أيام الأئمة (علیهم السّلام) إلى يومنا هذا . وإنّ الفريقين السنة والشيعة يستشهدون به في كتبهما. وقد أيّد الإمام الباقر سلام الله عليه صدور هذا الحديث وصدّقه وتولى بيان المقصد منه :

وهناك حديث آخر رواه الصدوق في كتاب (عيون أخبار الرضا (علیه السّلام)) بسنده إلى ثامن الحجج (علیهم السّلام) عن الحسين بن خالد قال : «قُلْتُ لِلرِّضَا (علیه السّلام): يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ يَرْوُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) قَالَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ فَقَالَ : قَاتَلَهُمُ اللَّهُ لَقَدْ حَدَقُوا أَوَّلَ الْحَدِيثِ إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) مَرَّ بِرَجُلَيْنِ يَتَسَابَانِ فَسَمِعَ أَحَدَهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ قَبحَ اللهُ وَجْهَكَ وَوَجْهَ مَنْ يُشْبِهُكَ فَقَالَ (علیه السّلام): يَا عَبْدَ اللهِ لا تَقُل هذا لأخِيكَ فَإنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»(1).

ولأجل هذا قال المرحوم المجلسي (أو لم يتعرض لنفيه تقية)(2)واحتمل أيضاً الله أن الإمام (علیه السّلام)(أجاب هكذا على تقدير تسليم الخبر)(3)ولكن هذا الاحتمال بعيد جداً.

ويحتمل أن يكون الحديث المروي عن الإمام الرضا (علیه السّلام)، قد أرجع إلى الحديث الأول ويكون المقصود من «آدم» في نهاية الخبر «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» هو نوع الإنسان، ويعود الضمير في قوله «عَلى صُورَتِهِ» إلى الحق المتعالي، ولمّا علم الإمام


1) بحار الأنوار، المجلد الرابع ، الباب ، من كتاب التوحيد ح 1 ، ص 11 .

2) مرآة العقول ج 2 ، ح 4 ، ص 84 .

3) المصدر السابق.

الرضا (علیه السّلام) بأن الراوي ليس في مستوى الاستيعاب والفهم لمدلول الحديث الشريف اقتصر صلوات الله عليه على ذكر صدر الحديث، حتى يتخيل الراوي بأن المقصود من آدم، هو أبو البشر ، وأن ضمير على صورته يرجع إليه . تأمل.

ولعل الحديثين قد صدرا عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كما في حديث الإمام الرضا (علیه السّلام). ولكن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قد حدَّث تارة من دون ذكر أول الحديث وهو ما رواه الإمام الباقر (علیه السّلام) بصورة مختصرة. وحدث (صلی الله علیه و آله و سلم) مرة أخرى مع تلك البداية وذلك المدخل. وحيث أن الإمام الرضا (علیه السّلام) قد عرف بأن الراوي لا يستوعب معنى الحديث، أشار علينا إلى الحديث الشريف المبدو بذلك المدخل . والشاهد عليه أن بعض الروايات تشتمل على جملة (صُورَةِ الرَّحْمَنِ)(1)بدلاً عن (صُورَتِهِ) وهذا لا وهذا لا ينسجم مع الحديث المروي في كتاب (عيون الرضا) الظاهر في أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أتى على ذكر - على صورته - مع الضمير مرتين .

وإذا فرضنا بأن الحديث الشريف المذكور لم يصدر عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولكنَّ معناه موجود في الأحاديث الشريفة الأخرى كما نشرح ذلك إن شاء الله .

فلنرجع إلى شرح ألفاظ الحديث الشريف :

قوله (علیه السّلام): «آدم» يقول الجوهري في (صحاحه) : (أصله) أأدم على وزن أفعل، بدّلت الهمزة الثانية إلى الألف وتحوّل الألف إلى الواو لدى تحريكها . وجمعها (أوادم) . ويحتمل أن يكون وجه تسمية أبي البشر بـ(آدم) هو أنه (علیه السّلام) كان أسمر اللون ففي اللغة الآدَمُ مِنَ النَّاسِ: الأَسْمَرُ. وفي بعض الرويات أن سبب التسمية بآدم هو أنه من أديم الأرض(2)أي من على وجه الأرض.

قوله (علیه السّلام) «عَلى صُورَتِهِ». إن الصورة في اللغة، بمعنى المثل والهيئة. ونستطيع أن نقول بأن للصورة معنى عاماً مشتركاً بين الأمور، وذلك المعنى المشترك هو شيئية


1) تفسير القرآن الكريم لصدر المتألهين ، ج 2، ص 235 . الفتوحات المكّية ، ج 1، ص 78 .

2) عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال : «إنما سمي آدم (آدم) لأنه خُلق من أديم الأرض» (علل الشرائع، ج1، ص 26) .

الشيء وفعليته، غاية الأمر أن لكل شيء فعلية خاصة به. ومن هذا المنطلق يقال للشيء بذي الصورة وللفعلية بالصورة. وما قيل في الفلسفة في معنى الصورة الذي تعمّه وتشمله فعلية الشيء وشيئيته، لا يتنافى مع المعنى اللغوي، ولا يكون من قبيل تقارن وضعين للفظ واحد على معنى واحد في نوعين من العلم كي يكون اللفظ مصطلحاً في كل واحد من المعنيين .

قال الشيخ أبو علي ابن سينا رئيس فلاسفة الإسلام في إلهيات كتابه (الشفا): «ويقال صورة لكل هيئة وفعل يكون في قابل وحداني أو بالتركيب، حتى تكون الحركات والأعراض صوراً. ويقال صورة لما تتقدم به المادة بالفعل فلا تكون حينئذ الجواهر العقلية والأعراض صوراً. ويقال صورة لما تكمل به المادة وإن لم تكن متقدمة بها بالفعل، مثل الصورة وما يتحرك بها إليها بالطبع. ويقال صورة خاصة لما يحدث في المواد بالصناعة من الأشكال وغيرها. ويقال صورة لنوع الشيء ولجنسه ولفصله ولجميع ذلك، وتكون كلية الكلي صورة للأجزاء أيضاً»(1).

ويستفاد بعد التأمل في كل موارد استعمال الصورة، أن المعني في جميع تلك الموارد، هو الفعلية التي ذكرناها فيكون استعمال الصورة في هذه الموارد على أساس الاشتراك المعنوي . ويقال للحق المتعالي صورة الصور .

قوله (علیه السّلام): «إصطفاها» تكون «الصفوة» بمعنى الخالص من الشوائب، والصافي من الكدر و«الاصطفاء» هو أخذ الخالص والصافي هو يلازم الخالص، ولكن رأي الجوهري وغيره أن «الاصطفاء» بمعنى الاختيار، كما فسّروا في اللغة «الاختيار» بـ«الاصطفاء» هذا أيضاً من التفسير باللازم، لأن الاختيار أيضاً بمعنى أخذ ما هو خير وحسن، فيكون لازماً لواقع الاصطفاء في الخارج، وليس بمدلول مطابقي للاختيار .

قوله (علیه السّلام): «الكعبة» إن الكعبة اسم لبيت الله. وإنما سُمي البيت بالكعبة لما قاله بعض بأنه يضاهي الجسم المكعب أو لكونه مربعاً(2). والمكعب لدى الرياضيين هو


1) الشفاء، المجلد الثاني من الإلهيات، ص 282، منشورات مكتبة المرعشي، قم.

2) مجمع البيان، تفسير الآية 97 من سورة المائدة .

الجسم المحفوف بسطوح ستة تكون الزوايا فيها قائمة.

قوله (علیه السّلام): «والروح». إن الروح لدى الأطباء عبارة عن البخار اللطيف الناجم عن حرارة دم الحيوان في القلب. ويقال إن للقلب تجويفين : الأول في الجانب الأيمن حيث يتدفق الدم من الكبد باتجاه هذا التجويف ومن جراء حرارة القلب يتبخر الدم، ويتسرب البخار إلى التجويف الثاني الكائن في الجانب الأيسر من القلب، فيتلطّف من وراء حركات القلب، فيتكون الروح الحيواني منه، وتسري في الشرايين نتيجة ضخ القلب بالبسط والقبض، حسب البيان المذكور في محلّه. فإذن مصدر الروح الحيواني هو القلب، ومجراها الشرايين.

وقد تطلق الروح على الدم المتجمع في الكبد. والذي يمشي في الأوردة، ويسمى بالروح الطبيعية . كما أنه قد تستعمل الروح في مصطلح الحكماء، في الروح النفسية التي تنبعث من الدماغ، وتجري في الأعصاب، وتكون مظهراً ومرتبة نازلة من الروح المجرد، التي هي السرّ السبحاني، وروح الله المشار إليها بقوله تعالى: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي . وبعد هذا نستعرض ونبين بأن هذه الروح تنفخ بالنفخة الإلهية، وتصطفى لدى الحق جل وعلا وتصير مختارة لديه سبحانه ·

فصل: في بيان أن الإنسان مظهر تامّ لِلَّهِ وأنّه الاسم الأعظم للحق جل وعلا

إعلم : يقول أرباب المعرفة وأصحاب القلوب، بأن لكل اسم من الأسماء الإلهية لدى الحضرة الواحدية، صورة، تابعة للتجلي بالفيض الأقدس لدى الحضرة العلمية، وذلك بواسطة الحب الذاتي وطلب مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا هو(1)، ويعبّر لدى أهل الله عن تلك الصورة بـ«العين الثابتة» وتحصل أولاً، من جراء هذا التجلي بالفيض الأقدس، التعيّنات الاسمائية، ويتحقق ثانياً، بسبب هذه التعينات الاسمائية، صور الأسماء التي هي الأعيان الثابتة، والاسم الأول الذي يبرز ويظهر مرأته، بتجلي


1) إشارة إلى الآية المباركة وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو (سورة الأنعام، الآية : 59).

الأحدية، والفيض الأقدس، لدى حضرة العلمية الواحدية، هو الاسم الأعظم الجامع الإلهي، والمقام المسمى بـ«الله» الذي يكون من الناحية الغيبية عين التجلي بالفيض الأقدس. وفي التجلي الظهوري يكون كمال الجلاء والاستجلاء عين مقام جمع الواحدية باعتبار، وعين الكثرة الاسمية باعتبار آخر . وإنّ تعين الاسم الجامع وصورته، عبارة عن العين الثابتة للإنسان الكامل، وعين الحقيقة المحمدية للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم). كما أن مظهر التجلي الحقيقي للفيض الأقدس هو الفيض المقدس، وأن مظهر التجلي لمقام الواحدية، هو مقام الألوهية، وأن مظهر التجلي لحقيقة الإنسان الكامل الثابتة، هي الروح الأعظم، وأن كافة الموجودات الإسمية والعلمية والعينية - الخارجية - تكون مظاهر كلية وجزئية لهذه الحقائق والرقائق على أساس ترتيب بديع لا يسعه هذا الكتاب المختصر وإنما ذكرناه في كتاب (مصباح الهداية)(1).

ويستفاد مما ذكرناه بأن الإنسان الكامل مظهر الاسم الجامع، ومرآة تجلي الاسم الأعظم، كما أشير إلى هذا المعنى في الكتاب والسنة كثيراً . قال الله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا(2)وقد تمّ هذا التعليم الإلهي على يدي الجمال والجلال تجاه باطن آدم بواسطة التخمير الغيبي الجمعي لدى الحضرة الواحدية، كما أنه تم التعليم الإلهي تجاه صورة آدم وظاهره، في عالم الشهادة بمظهره الطبيعي المادي، بواسطة ظهور يدي الجلال والجمال . قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(3).

وتكون الأمانة لدى العرفاء الولاية المطلقة التي لا يليق بها غير الإنسان، وهذه الولاية المطلقة، هي مقام الفيض المقدس. وقد أشير إليه في القرآن الكريم بقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هَالِك إِلا وَجْهَهُ(4)وفي كتاب (الكافي) بسنده إلى (أسود بن سعيد قال: كنت عند أبي جعفر (علیه السّلام) فأنشأ يقول ابتداءً مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَسْأَلَهُ: «نَحْنُ حُجَّةُ اللَّهِ،


1) مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، ص 28 - 42 و 54 - 56 .

2) سورة البقرة، الآية : 31 .

3) سورة الأحزاب، الآية : 72 .

4) سورة القصص، الآية : 88.

وَنَحْنُ بَابُ اللهِ، وَنَحْنُ لِسَانُ اللَّهِ وَنَحْنُ وَجْهُ اللَّهِ وَنَحْنُ عَيْنُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَنَحْنُ وَلَاةً أَمْرِ اللهِ فِي عِبَادِهِ»(1)وفي دعاء الندبة «أَيْنَ وَجْهُ اللَّهِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ؟ أَيْنَ السَّبَبُ الْمُنْصِلُ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ»(2). وفي زيارة الجامعة الكبيرة «وَالْمَثَلُ الأعلى»(3). وهذا المثل الأعلى وذلك الوجه الإلهي، هو الوارد في الحديث الشريف «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ» ومعناه أن الإنسان هو المثل الأعلى للحق سبحانه، وآيته الكبرى، ومظهره الأتم، وأنه مرآة لتجلي الأسماء والصفات وأنه وجه الله وعين الله ويد الله وجنب الله، «هُوَ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَبْطِسُ بِاللَّهِ وَاللَّهُ يُبْصِرُ وَيَسْمَعُ وَيَبْطِسُ بِهِ»(4). ووجه الله هذا هو النور المذكور في قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ(5)وقال الإمام الباقر (علیه السّلام) كما في كتاب (الكافي) بسنده إلى أبي خالد الكابلي «قال سألت أبا جعفر (علیه السّلام) عن قول الله عز وجل فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا فَقَالَ يَا أَبَا خَالِدٍ النُّورُ وَاللَّهِ نُورُ الْأَيْمَةِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ وَاللَّهِ نُورُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ، وَهُمْ وَاللَّهِ نُورُ اللَّهِ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ»(6)وفي كتاب الكافي الشريف بسنده إلى الإمام الباقر روحي لتراب مقدمه الفداء في تفسيره (علیه السّلام) للآية الشريفة عَمَّ يَتَسَائِلُونَ * عَنِ النَّبَلِ الْعَظِيمِ(7)قائلاً : هِيَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ يَقُولُ : مَا لِلَّهِ تَعَالَى آيَةٌ هِيَ أكْبَرُ مِنّي، وَلا لِلَّهِ مِنْ نَبا أَعظمُ مِنِّي»(8).

وملخص الحديث : أن الإنسان الكامل الذي يكون آدم أبو البشر فرداً منه ، أكبر آية ومظهر لأسماء وصفات الحق سبحانه، وأنه مثل الحق المتعالي وآيته . ولا بد من تنزيه الله سبحانه وتقديسه عن المثل بمعنى الشبه ولا يلزم تنزيه ذاته المقدس عن المثل الذي هو


1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النوادر ، ح7 .

2) مفاتيح الجنان، دعاء الندبة .

3) مفاتيح الجنان، زيارة الجامعة الكبيرة . من لا يحضره الفقيه، ج 2، باب زيارة الجامعة ، ص 370 .

4) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر ، باب من اذى المسلمين ، ح7 .

5) سورة النور، الآية : 35 .

6) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب أن الأئمة نور الله ، ح 1 .

7) سورة النبأ، الآيتان: 1 - 2 .

8) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب أن الآيات التي ذكرها الله في كتابه ، ح3 .

بمعنى الآية والعلامة . وَلَهُ الْمَثَلُ الأعلى(1).

إن كافة ذرّات الكون، آيات ومرآة تجلي ذاك الجمال الجميل عزّ وجلّ كل حسب حجمه ومنزلته الوجودية. ولكن لا يكون شيء آيةً للاسم الأعظم الجامع أي «الله» عدا الكون الجامع، والبرزخية الكبرى المقدسة جَلَّتْ عَظَمَتْهُ بِعَظَمَةِ بَارِيهِ . فَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الإِنْسَانَ الْكَامِلَ وَالآدَمَ الأَوَّلَ عَلَى صُورَتِهِ الْجَامِعَةِ وَجَعَلَهُ مِرَاةَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ . قَالَ الشَّيْحُ الْكَبِيرُ : فَظَهَرَ جَمِيعُ مَا فِي الصُّورَةِ الإِلَهِيَّةِ مِنَ الْأَسْمَاءِ فِي هَذِهِ النَّشْأَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ فَحَازَتْ رُتْبَةَ الإِحَاطَةِ وَالْجَمْعِ بِهَذَا الْوُجُودِ وَبِهِ قَامَتِ الْحُجَّةُ لِلَّهِ عَلَى الْمَلائِكَةِ .

وتبين من بحثنا هذا السالف الذكر، السبب في اصطفاء واختيار الحق المتعالي للصورة الجامعة الإنسانية من كل الصور المختلفة للكائنات بأسرها. كما تبيّن السرّ في تفضيل الحق سبحانه لآدم (علیه السّلام) على الملائكة، وتكريمه دون كافة المخلوقات وفلسفة نسبة روحه إليه في الآية الكريمة وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي(2). وحيث أن هذا الكتاب قد التزم على نفسه الاختصار& غضضنا الطرف عن بيان حقيقة النفخة الإلهية، وكيفيتها في آدم، وسبب اختصاصها به دون الموجودات الأخرى. والحمد لله أولاً وآخراً.


1) سورة الروم، الآية : 27.

2) سورة الحجر، الآية : 29 .

الحديث التاسع والثلاثون: «الخير والشر»

اشارة

بالسند المتَّصل إلى ركن الإسلام محمَد بن يعقوب الكُلَيْني - رضوان الله عليه - عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمَد بن خالد، عن ابن محبوب وعلي بن الحكم، عن معاوية بن وهب قال: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (علیه السّلام) يَقُولُ: «إِنَّ مِمَّا أَوْحَى الله إلى مُوسى (علیه السّلام) وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي التَّوْرَاةِ: أَنِّي أَنَا اللهُ لا إلهَ إِلا أَنَا، خَلَقْتُ الْخَلْقَ وَخَلَقْتُ الْخَيْرَ وَأَجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْ مَنْ أَحِبُّ، فَطُوبَى لِمَنْ أَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَأَنَا اللهُ لا إلهَ إلا أَنَا خَلَقْتُ الْخَلْقَ وَخَلَقْتُ الشَّرِّ وَأَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْ مَنْ أُرِيدُهُ، فَوَيْلٌ لِمَنْ أَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْهِ»(1).


1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب الخير والشر، ح1 .

الشرح:

قوله : إله : يكون «ألهَ» - بفتح الهمزة واللام - إلهَةٌ على وزن عَبد عبادة . ويكون إله بكسر الهمزة على وزن فعال بمعنى المفعول أي المعبود مثل الإمام بمعنى من يؤتم به . وأن «إله» أساس اشتقاق «الله» حيث أدخلت الألف واللام وحذفت الهمزة تخفيفاً(1). وقال بعض إن الألف واللام أدخلتا عوضاً عن الهمزة التي حذفت(2). ولكل من القولين دليل لغوي لا حاجة لذكره. وتطلق «الإلهية والألوهية» غالباً في لسان أهل الله - العرفاء - على مقام التجلي بالفعل، وعلى مقام الفيض المقدس. ويطلق عندهم «الله» : اسم الجلالة، غالباً على مقام الذات المستجمع للصفات. وقد يستعملون على العكس من ذلك - فتطلق الألوهية والإلهية على مقام الذات والله على مقام التجلي بالفعل ومقام الفيض المقدس -.

ويحتمل أن يكون «الإله» في هذا الحديث الشريف بمعناه اللغوي العرفي أي (أنا المعبود ولا معبود غيري) وعليه يكون قصر العبودية في الله سبحانه إما على أساس أن غيره لا يستحق العبادة حتى وإن أخطأ الناس ورأوا غيره معبوداً. وإما على مذهب أهل القلوب وأرباب المعرفة من أن العبادة في أي صورة ومظهر كانت، تكون للكامل المطلق، وأن الإنسان حسب فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا(3)يطلب الجميل


1) بحار الأنوار، ج 4 ، الباب الثالث من أبواب أسمائه تعالى وحقائقها وصفاتها ومعانيها، ص 187 .

2) مجمع البيان، تفسير بسم الله الرحمن الرحيم من سورة الحمد.

3) سورة الروم، الآية : 30.

المطلق، وإن كان الإنسان العابد محجوباً عن هذه الفطرة، وزاعماً أنه قد ارتبط بالمتعين والمحدود - من غير الإله سبحانه -.

ولعل المقصود من الإله حسب ما ورد في ذيل الحديث الشريف من نسبة الخير والشر إليه سبحانه، هو مقام الألوهية الذي يكون إشارة إلى مقام توحيد الأفعال، والذي عبر عنه الحكماء العظام بقولهم : (لا مُؤَشِّرَ فِي الْوُجُودِ إلا الّله) كما سنشير إليه بعد قليل إن شاء الله تعالى .

قوله : «الخير» قال محقق المحدثين المجلسي (رحمه الله علیه) في ذيل هذا الحديث الشريف : (والخير والشر يطلقان على الطاعة والمعصية وعلى أسبابهما ودواعيهما وعلى المخلوقات النافعة كالحبوب والثمار والحيوانات المأكولة والضارة كالسموم والحيات والعقارب وعلى النعم والبلايا. وذهب الأشاعرة إلى أن ذلك من فعله تعالى . والمعتزلة والإمامية خالفوهم في أفعال العباد وأولوا ما ورد في أنه تعالى خالق الخير والشر بالمعنيين الأخيرين - ثم قال - وأما الحكماء فأكثرهم يقولون (لا مُؤثرَ فِي الْوُجُودِ إلا الله)، وإرادة العبد مُعِدَّة لإيجاده تعالى الفعل على يده فهي موافقة لمذاهبهم ومذاهب الأشاعرة ويمكن حمله على التقية)(1)انتهى كلامه رفع مقامه .

في تحقيق الخير والشر

إن الخير والشر في موارد استعماليهما يكونان بمعنى الكمال والنقص في الذات أو الصفات وفي الوجود وكمالاته، وأن جميع ما هو خير بحسب ذاته، فهو عائد إلى حقيقة الوجود وإذا أطلق على غيره، فهو من أجل الوجود كما أن الشرَّ بالذات، هو عدم الوجود أو عدم كمال الوجود، وإطلاقه على غير ذلك مثل الموجودات المؤذية والحيوانات الضارّة، فإنما هو إطلاق بالعرض والمجاز لا بالذات والحقيقة. ولو تصوّرنا هذا الموضوع مع مبادئه ومنطلقاته، للزم أن يكون تصديقه ضرورياً، رغم وجود البرهان السديد أيضاً على ذلك.


1) مرآة العقول، المجلد 2، ص172 . كتاب التوحيد، باب الخير والشر، ح1 .

وما قاله المحقق المجلسي رضوان الله تعالى عليه في موضوع «خلق أفعال العباد» من أن الإمامية والمعتزلة قد خالفوا الأشاعرة، وأنهم قد قاموا بتأويل الآيات والأحاديث التي تنسب الخير والشر إلى الحق سبحانه . ففيه بعض الملاحظات : إذ أن مخالفة الإمامية والمعتزلة، للأشاعرة القائلين بالجبر، الذاهبين إلى مسلك مخالف للعقل والبرهان والوجدان، هذه المخالفة تكون صحيحة ولكن لا وجه لتأويل الآيات والأخبار، على مذهب المعتزلة القائلين بالتفويض الذي يكون أسوأ وأشنع من مذهب الأشاعرة.

وكذلك لا يحتاج الشيعة رضوان الله تعالى عليهم، الذين استناروا بنور هداية أهل البيت العظام، واختاروا بسبب بركة أهل بيت الوحي والعصمة مسلك الحق الموافق للآيات الكريمة، والبراهين المتقنة والمطابقة مع مذهب العرفاء الشامخين ومسلك أصحاب القلوب، هؤلاء لا يحتاجون إلى تأويل هذه الأخبار والآيات الكثيرة، وخاصّة التأويل الذي عرضه المحدث المذكور (رحمه الله علیه) والذي يعتبر مرفوضاً وغير ممكن. بل إن الإمامية وأئمتهم (علیهم السّلام)، لا يعزلون إرادة الحق سبحانه عن أي فعل من أفعال العباد، ولا يرون تفويض أي أمر من الأشياء إلى العباد.

وأما ما ذكره في نهاية كلامه : (أكثر الحكماء يقولون بأنه لا مؤثر في الوجود إلا الله ، وهذا يتطابق مع مذهبهم ومذهب الأشاعرة).

فإن هذه الكلمة «لا مُؤَشِّرَ فِي الْوُجُودِ إِلا اللَّهُ» صحيحة لدى أكثر الحكماء، بل لدى جميع الحكماء وأهل المعرفة بل يقولون إن من لم يذعن لهذه القضية من الفلاسفة، لم ينفذ نور الحكمة في قلبه، ولم يشعر عمق قلبه بالمعرفة ولكن ليس معناها أن إرادة العبد من الأمور المُعِدَّة لإيجاد الحق سبحانه، الفعل في العبد، كما هو واضح لدى أهل العلم والفلسفة .

وقوله (ويوافق مع مذهب الأشاعرة) غير صحيح فإن من الغرابة بمكان عطف مذهب الأشاعرة على مذهب الحكماء، لوجود البعد الشاسع بين مذهب الحكماء ومذهب الأشاعرة، ولا تجد حكيماً محققاً لم يطعن في مذهب الأشاعرة ولم يخالفه.

وأما ما ذكره (يمكن حمل هذه الأخبار على التقية) فتتوجه نحوه الملاحظات التالية :

أولاً : لا مجال لمثل هذا التوجيه، لأن ظواهر الأخبار تتوافق مع مذهب الحق والبرهان القويم .

ثانياً : إن هذه الأخبار تتطابق مع آيات كثيرة من القرآن الكريم، ولا معنى لتوجيه الآيات والأخبار الموافقة لها على التقية .

ثالثاً : لا توجد أخبار تتعارض مع هذه الأخبار، حتى نحملها على التقية التي تكون من الموجودات في باب التعارض، إذ يمكن الجمع بينها وبين ما يدل على أن الإنسان فاعل للخير والشر.

رابعاً: إن هذه الأخبار تنسجم حسب زعمه مع مذهب الأشاعرة الذي لم يعتنقه الغالب من الناس فلا مسوّغ لحمل الأخبار على التقية .

خامساً : إن المرجحات لدى تعارض الخبرين لا تجري على الموضوع الذي نحن فيه من المسائل العقائدية كما هو واضح .

قوله : (طوبى) . قال الجوهري (إن طوبى على وزن فعلى وأنه مشتق من الطّيب، فبمناسبة الضمة السابقة على الطاء انقلبت الياء إلى الواو). وفي مجمع البحرين: (طوبى لهم أي طيب العيش ، وقيل : طوبى: الخير وأقصى الأمنية. وقيل طوبى اسم للجنة بلغة أهل الهند. وقيل طوبى شجرة في الجنة. ويقال طوبى لك وطوباك على نحو الإضافة إلى ضمير المخاطب. وفي الخبر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «طوبى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ أَصْلَهَا فِي دَارِي وَفَرْعُهَا فِي دَارِ عَلِيٌّ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لِي دَارِي وَدَارُ عَلي فِي الْجَنَّةِ بِمَكَانِ وَاحِدٍ»(1).

قوله : (ويل) . قال الجوهري (إن ويح كلمة رحمة كما أن ويل كلمة عذاب) وقال اليزيدي هما بمعنى واحد تقول ويح لزيد وويل لزيد ترفعهما على الابتداء وتنصبهما


1) مجمع البحرين، مادة طيب مجمع البيان، تفسير آية 29 من سورة الرعد .

بإضمار فعل مثل ألزمه الله الويل(1). ويقال ويل واد في جهنم لو أرسلت فيه الجبال لذابت من حرّه(2). وقيل إنه اسم بئر في جهنم(3).

فصل: في بيان أن كلاً من الخير والشر يتعلّق به الإيجاد والخلق وبيان كيفية ذلك وفيه إشارة إلى كيفية وقوع الشرّ في القضاء الإلهي

إعلم أنه قد ثبت بكل وضوح في الفلسفة المتعالية، أن نظام الكون في أسمى مرتبة من الكمال والخير، وأقصى درجة من الحسن والجمال. وبُرهن على ذلك بنوع من البرهان اللمي على نحو إجمالي تارة، وعلى نحو تبسيطي وتفصيلي أخرى. والوقوف على تفاصيل ذلك بصورة دقيقة، مختص بالخالق تقدست أسماؤه أو بمن يوحي له الله سبحانه ويخبره عن ذلك. ولكن ما يستدعيه الكتاب في هذا الموضوع هو ما أومأنا إليه سابقاً : من أن ما هو من سنخ الكمال والجمال والخير ، لا يكون خارجاً عن نطاق حقيقة الوجود لأنه المتحقق، دون غيره. ومن الواضح أن ما يقابل حقيقة الوجود، هو العدم أو الماهية، وكل منهما حسب ذاته وفي نفسه لا شيء، وبطلان محض، أو اعتبار محض، ولا يكون لهما ثبوت إلا إذا تنورا بنور الوجود، وعندما يلقي الوجود ود بظّله على رؤوسهما، ويمسح بيد رحمته الواسعة على وجههما، يصبح لكل منهما ظهور وخصائص وآثار. فإذن تكون كافة الكمالات نتيجة جمال الجميل المطلق، وتجلي النور المقدس للكمال المطلق. وأما الكائنات الأخرى فهلاك في نفسه، وفقر محض وبطلان مطلق . فجميع الكمالات تصدر من الوجود وتعود إلى الوجود(4).


1) مجمع البحرين، مادة ويح .

2) مجمع البحرين، مادة ويل.

3) القاموس المحيط في تفسير كلمة (ويل) يروي حديثاً عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه واد في جهنم يهوى فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره. (تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 93. التفسير الكبير، ج3، ص 140).

4) الأسفار الأربعة، ج 1، بحث أصالة الوجود، وج 2، ص292.

وتقرر أيضاً في محلّه أن الصادر من الذات المقدس هو أصل حاقّ الوجود، وصرفه من دون أن يكون محدوداً بحدود عدمية أو ماهوية، لأن العدم أو الماهية لا يكونان صادرين من شيء، وأن التحديد المفروض على الفيض، يكون ناشئاً من المفيض المحدود. ومن تدبر في شرح أهل المعرفة حول كيفية الإفاضة والفيض، لأذعن بأنه لا يمكن بتاتاً تصور التقييد والتحديد في الفيض النازل من الباري عز وجل. فكما أن ذاته القدسيّة منزّهة من كل نقص وإمكان وتقييد، فكذلك يجب تنزيه فيضه المقدس وتقديسه كافة الحدود الإمكانية، والأمور المنبثقة من الماهيات والتحديدات الراجعة إلى من الحدود والنقائص. إذن فيضه الذي هو ظل للجميل المطلق، يكون جميلاً مطلقاً، وجمالاً تاماً، وكمالاً تاماً، فَهُوَ جَمِيلٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَلا يَتَعَلَّقَ الْجَمَلُ وَالإيجادُ إلا بِالْوُجُودِ(1).

وقد برهن أيضاً في محلّه، أن الشرور والاخترام - الموت المبكر - والهلاك جميع والأمراض والحوادث الغريبة المهلكة والحيوانات المؤذية وغير ذلك من المصائب والآلام الموجودة في هذا العالم المادي الطبيعي، وفي هذه الهاوية الضيقة المظلمة، ينشأ من التضادّ والاصطدام الحاصل بين الموجودات، هذا التضاد، الذي لم يكن نتيجة الجهة الوجودية للموجودات بل يحصل من جرّاء النقص في هذه النشأة وضيق المحلّ والمقرّ للموجودات، ويعود ذلك إلى الحدود والنقائص الخارجة عن إطار نور الجعل بل تكون في الحقيقة دون الجعل .

إن الوجود هو الحقيقة وهو كل شيء وهو البريء والمقدّس من كل الشرور والعيوب والنواقص وإن النقائص والشرور والأشياء الضارة والمؤذية التي تعود إلى جهة النقص والضرر، وإن كانت غير مجعولة بالذات، ولكنها مجعولة بالعرض حسب الأدلة والبراهين. لأنه لو لم يتحقق أصل العالم المادي ولم يتعلق الجعل للجهة الوجودية من عالم الطبيعة لما كان هناك نقص وشرّ كما أنه لم يكن نفع وخير وكمال، لأن هذه النقائص والأعدام لم تكن من الأعدام المطلقة، بل هي من نوع الأعدام المضافة التي تتحقق


1) الأسفار الأربعة، ج 2، ص292 ، فصل 25 إلى 29 .

بالعرض تبعاً لملكاتها، والقضية التي تتألف من الأعدام المضافة تعتبر من القضايا المعدولة أو القضايا الموجبة السالبة المحمول وليست من السالبة المحصلة(1).

وملخّص الكلام : أنّ ما هو مخلوق ومجعول بالذات الله سبحانه هو الخير والكمال، وإن تخلل الشرور والمضار وغيرها في القضاء الإلهي، يكون بالتبع والانجرار وقد أشارت الآية الكريمة التالية في القرآن الكريم مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ(2)إلى المقام الأول - الوجود مصدر الخير والكمال - وأشارت - قُلْ كُلَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ(3)إلى المقام الثاني - مجعول بالذات والشرور والنقائص مجعولة بالعرض - ووردت في الآيات الشريفة وأحاديث أهل بيت العصمة (علیهم السّلام) إشارات كثيرة إلى هذين الاعتبارين، ومن تلك الأخبار هذا الحديث الشريف الذي يحتوي على هذه الجملة «خَلَقْتُ الْخَلْقَ وَخَلَقْتُ الشَّرَ» .

فصل: في بيان كيفية إجراء الحق سبحانه الخير والشر على أيادي عباده

يتبين لأصحاب العلم والتحقيق بعد التأمل في الأبحاث السابقة، كيفية إجراء الحق سبحانه، الخير والشر على أيدي مخلوقه، من دون أن يستلزم الجبر وآثاره الباطلة. والتحقيق في ذلك على مستوى يّتضح الموضوع وتندفع الملاحظات، يستدعي ذكر مقدمات كثيرة، وعرض المذاهب الفلسفية بصورة مسهبة، في حين أن هذا الكتاب لا ذلك، فأعتذر عن الخوض فيه بصورة مفصلة، ولكنني سأشير بصورة مجملة تنسجم يسع مع بحثنا هذا فنقول :

إعلم أنه لا يمكن أن يكون موجود من الكائنات مستقلاً في عمل من الأعمال، إلاّ بعد أن ينهض الموجد والفاعل، بسدّ كافة أبواب العدم التي قد تنفتح على المعلول. مثلاً


1) الأسفار الأربعة، ج 7، السفر الثالث، الموقف الثامن، الفصل الثاني .

2) سورة النساء، الآية : 79 .

3) سورة النساء، الآية : 78.

إذا كان لوجود معلول وتحققه مائة شرط مثلاً ، وقامت العلة بتوفير تسع وتسعين شرطاً أي بإغلاق تسع وتسعين باباً من العدم المنفتحة على المعلول المفروض - إذ في عدم تحقق كل شرط عدم للمعلول - ولم يبق إلا باب واحد لما أمكن أن تكون العلة مستقلة في إيجاد المعلول، فالاستقلال في العليّة يتوقّف على قيام العلّة بسدّ أبواب العدم الممكن فتحها على المعلول سداً نهائياً، حتى يصل المعلول إلى حد الوجوب لكي يصير موجوداً - الشيء ما لم يجب لم يوجد -.

ومن المعلوم بالضرورة والبرهان، أن القوى الفعّالة الظاهرية والباطنية من جميع الممكنات في هذا العالم من أهل عالم الجبروت العظمى والملكوت العليا حتى سكان عالم المُلك والمادة، قاصرون وعاجزون عن القيام بمثل هذا العمل، لأن العدم الأول الذي يمكن أن ينفتح على المعلول، هو عدم المعلول عند عدم علته الفاعلة والمؤثرة، ولا تجد في سلسلة الممكنات، موجوداً يستطيع أن يغلق هذا الباب بنفسه، لأن ذلك يوجب انقلاب ما هو ممكن بالذات إلى ما هو واجب بالذات، وخروج الممكن عن حدود بقعة الإمكان، وهو محال بالبداهة والضرورة، لدى العقل. فاتضح بأن الاستقلال في الإيجاد يتطلب الاستقلال في الوجود، وهذا الشيء لا يتحقق في عالم الممكنات .

ويتبين بأنه لا يمكن التفويض في الإيجاد، في أي شأن من الشؤون الوجودية، ولأي موجود، من الكائنات، وأن عدم الإمكان هذا، لا يختص بالمكلفين وأفعالهم، كما يفهم ذلك من الكلمات الجارية على ألسنة المتكلمين، ولكن ملاحظة أقوالهم في الأبواب المختلفة، تفيد أن عدم الإمكان هذا يعم المكلّف وأفعاله وغيرهما .

وحيث أن أصحاب علم الكلام قد اهتموا بأفعال المكلفين وجعلوها محور بحثهم، نجد بأن دراساتهم تدور حول أفعال المكلفين .

والخلاصة أننا لا نقترب من أقوال المتكلمين وأبحاثهم، وإنما نبحث عن قول الحق في الموضوع، وقد ثبت واتضح عدم إمكان التفويض في أي أمر من الأمور ولأي موجود من الكائنات .

في إبطال الجبر

ويعلم بطلان مذهب الجبر أيضاً، بعد أن نشير إليه وهو: (أنه لا دور لأي واسطة وجودية في خلق الكائنات والموجودات، وإنما يتوهم الإنسان ذلك . مثلاً : إن النار لا تؤثر أبداً في الحرارة ولا توجدها، وإنما جرت سنة الله على تحقيق الحرارة إثر تحقق النار، من دون أن يكون للنار دور في ذلك . ولو كانت سنّة الله جارية على تحقّق البرودة عقيب تحقق النار، لما اختلفت الأمور عما هو عليه الآن . والخلاصة أن الحق سبحانه من دون أي واسطة، يباشر جميع أفعال الملكفين، ويخلق آثار الكائنات)(1): ويزعمون أنهم ارتأوا هذا المذهب كي ينزهوا الحق المتعالي ويقدّسوه، حتى لا تكون يد الله مغلولة غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا(2)ولكن يستلزم هذا الضرب من التنزيه والتقديس، النقص والتشبيه، كما ثبت ذلك بالأدلة والبراهين، ولدى مذهب أهل العرفان. ويستلزم التفويض المذكور التعطيل، كما أشير إليه في الفصل المتقدم حيث قلنا : بأن الحق سبحانه كمال مطلق، ووجود صرف، ولا يتصور الحدّ والنقص في ذاته وصفاته، وأن متعلق إيجاده عز وجل وجعله، الموجود المطلق، والفيض المقدس، الإطلاقي، ولا يمكن صدور الموجود المحدود الناقص من الذات المقدس، ونشوؤه من النقص في الإيجاد، بل هو نتيجة النقص في المعلول والمستفاض، وهذا لا يتنافى(3)، وهذا لا يتنافى مع الفاعل بالإرادة كما يزعم المتكلمون منافاته. وقد ثبت ذلك في محله، فما يمكن أن يكون مرتبطاً من الموجود والمعلول، بالذات المقدس الحق المتعالي مباشرة هو الموجود المطلق وصريح الوجود وهو إما الفيض المقدس بناءاً على مسلك العرفاء، أو العقل المجرد أو النور الشريف الأول بناءاً على مذهب الحكماء والفلاسفة، وأما الوجودات الأخرى فتوجد مع الوسائط لا بالمباشرة .


1) کشف المراد، ص 239 - 240 . في علم الكلام، ج 2، ص 62 - 78 - 79 .

2) سورة المائدة، الآية : 64 .

3) الأسفار الأربعة، ج 2، السفر الثاني، المرحلة السادسة، بحث العلة والمعلول، الفصل 2، 13، 14، 25، 26 ، 28 ، 29 وج6 ، السفر الثالث، الموقف الرابع، الفصل الثالث، ص 320 .

وبعبارة أخرى : لا شك في أن الموجودات تختلف فيما بينها من جهة تقبل الوجود، فبعض الموجودات، تقبل الوجود ابتداءاً واستقلالاً مثل الجواهر، وبعض الموجودات لا تقبل الوجود إلا بعد موجودية شيء آخر، وتبعاً لموجود آخر، مثل الاعراض والأشياء التي يكون وجودها ضعيفاً، مثل تكلم زيد، حيث لا يتحقق ولا يوجد إلا تبعاً لزيد. ومثل الأعراض والأوصاف التي تأبى الوجود من دون وجود الجواهر والموصوف، وترفض التحقق لوحدها. ويكون هذا الرفض نتيجة النقص الذاتي، والنقص الوجودي لهذا الموجود وليس من آثار نقص الفاعل وموجدية الحق تعالى شأنه . فتبين أن الجبر ونفي الوسائط الوجودية غير ممكن في سلسلة الكائنات الموجودة بل هناك وسائط في الإيجاد .

و من البراهين القوية السديدة في موضوع بطلان الجبر هو أن الماهيات في نفسها عديمة التأثير والتأثر، وغير مجعولة بالذات، في حين أن حقيقة الوجود بذاته منشأ للتأثير و أن سلب التأثير عنه بصورة مطلقة يستلزم الانقلاب الذاتي أي سلب ما هو من ذاته التأثير. عن ذاته كي يتحول إلى عدم التأثير . فإيجاد مراتب من الوجود غير مؤثرة ومسلوبة التأثير كلياً، غير ممكن، وموجب لنفي الشيء عن ذاته بل تكون مؤثرة وموجودة حسب الوسائط والمراتب .

فتبين بصورة مجملة أن مذهب التفويض والجبر نتيجة البراهين القاطعة، والمقاييس العقلية يكونان باطلين وممتنعين، وأن مذهب الأمر بين الأمرين لدى أهل المعرفة والفلسفة العالية هو الثابت والصحيح .

غير أن العلماء رضوان الله عليهم قد اختلفوا في معنى الأمر بين الأمرين اختلافاً عظيماً، والقول السديد المتقن، الذي يكون أبعد من المناقشات وأقرب إلى التوحيد، هو رأي العرفاء الشامخين وأصحاب القلوب. ولكن مسلك العرفاء في كل موضوع من المعارف الإلهية من قبيل (السهل الممتنع) حيث لا يمكن فهمه على أساس البحث والبرهان، ولا استيعابه من دون التقوى الكاملة والسداد الإلهي، ولهذا نتركه لأهله الذين هم أولياء الحق سبحانه، ونسلك منهج الأصحاب في البحث وهو :

أننا نرفض كلاً من التفويض الذي هو عبارة عن استقلال الموجودات في التأثير، والجبر الذي هو عدم تأثير الموجودات نهائياً ونؤمن بالمنزلة بين المنزلتين التي هي إثبات التأثير ونفي الاستقلال في التأثير، ونقول :

إن منزلة الإيجاد مثل الوجود وأوصافه، فكما أن الكائنات موجودة وليست بمستقلة في الوجود، وأن الأوصاف ثابتة لها وغير مستقلة فيها، وأن الآثار والأفعال ثابتة فيها وصادرة عنها ولكنها غير مستقلة في الوجود، فكذلك الفاعل والموجد، يفعل ويوجد ولكنه غير مستقل في الفاعلية والإيجاد.

ولا بد من معرفة أنه قد اتضح بعد التدبر في البيان المذكور في الفصل المتقدم بأن كلا من الخير والشر يصحُّ أن ينتسب إلى كل من الحق والخلق، ولهذا قال (علیه السّلام) في الحديث الشريف: «وَخَلَقْتُ الْخَيْرَ وَأَجْرَبْتُهُ عَلى يَدَيْ مَنْ أحِبُّ فَطُوبَى لِمَنْ أَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَأَنَا اللهُ لا إلهَ إلا أنا خَلَقْتُ الْخَلْقَ وَخَلَقْتُ الشَّرِّ وَأَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْ مَنْ أُرِيدُهُ» ومع ذلك تكون نسبة الخير إلى الحق سبحانه ، بالذات، وإلى العباد والكائنات، بالعرض، في نسبة الشرور إلى الموجودات الأخرى بالذات، وإلى الحق سبحانه بالعرض، حين وقد أشار إلى هذا المعنى الحديث القدسي القائل: «يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا أُولَىٰ مِنْكَ بِحَسَنَاتِكَ وَأَنْتَ أَولَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي»(1)وقد أشرنا إلى هذا المعنى قبل ذلك، ونغض الطرف عنه هنا فعلاً. والحمد لله أولاً وآخراً.


1) الجواهر السنية، ص 279 .

الحديث الموفي للأربعين: «تفسير سورة التوحيد» و الايات الأولى من سورة الحدَيد

اشارة

بالسَند المتَّصل إلى الشيخ الأقدم والركن الأعظم محمِد ابن يعقوب الكُلَيْني - رضوان الله عليه - عن محمِد بن يحيى، عن أحمد ابن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عاصم ابن حميد قال: سُئِلَ علي بن الحسين (علیه السّلام) عن التوحيد، فقال: «إن اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ مُتَعَمِّقُونَ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ وَالآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْحَدِيدِ إِلَى قَوْلِهِ: وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ فَمَنْ رَامَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ»(1).


1) أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب النسبة ، ح3 .

الشرح:

قال صدر المتألهين قدس سره : «إن الراوي عاصم بن حميد لم يرو مباشرة عن الإمام السجاد (علیه السّلام) لأنه لم يعاصره فلا يكون الحديث مسنداً بل مرفوعاً» انتهى كلامه(1).

إن تكرار لفظ «قال» في الحديث الشريف إما لأجل تقطيع وقع في الحديث الشريف. وإما لحصول غلط من النسّاخ والكتاب وإما أن الفاعل للفعل كان مذكوراً في الكلام، ولكنه سقط لدى الكتابة وإما أن الفاعل قد حذف، لأن حذف ما يعلم جايز، وإما أن فاعل الأول ضمير يعود إلى نضر بن سويد وهذا الاحتمال بعيد جداً.

قوله: «التوحيد» إن التوحيد على وزن تفعيل، وهو إما لأجل التشديد في الوحدة ومعناه الاهتمام البالغ والأكيد بالوحدة والبساطة . أو من أجل انتساب المفعول - من وقع عليه الفعل - إلى الفعل مثل التكفير والتفسيق. وذهب بعض الفضلاء إلى أن باب التفعيل لم يستعمل لانتساب المفعول إلى الفعل، وأن استعمال التفسيق والتكفير بهذا المعنى يكون أيضاً خطأ وإنما هو بمعنى الدعوة إلى الفسق والكفر. وأما الإكفار فهو لانتساب المفعول إلى الفعل فلا بد من استعمال الإكفار بدلاً عن التكفير. ولم يستعمل صاحب كتاب «القاموس» مادة الكفر في التكفير بمعنى الانتساب إلى الكفر .

يقول الكاتب : إنني لم أقف في كتاب «القاموس» على استعمال التكفير في الانتساب إلى الكفر، بل لم يستعمل علاّمة اللغويين الجوهري أيضاً، التكفير في الانتساب إلى الفعل، وإنما جعل الإكفار، للانتساب كما يقول هذا الفاضل الكريم.


1) شرح أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب النيّة، ح3، ص 246 .

ولكن المشهور في الكتب الأدبية هو أن من معاني باب التفعيل الانتساب إلى الفعل ومثّلوا لذلك بالتفسيق . وعلى أي حال يكون التوحيد بمعنى الانتساب إلى الوحدة .

قوله : «مُتَعَمِّقُونَ»: العَمق والعُمق - بفتح العين وضمّها - قعر البئر، ولهذا الاعتبار يعتبر الرياضيون، العُمق بعداً ثالثاً للجسم ومعناه المسافة بين سطحي الفوق والتحت، كما يقصدون من البعد الأول، الطول ومن البعد الثاني العرض. وعلى أساس هذا الاعتبار، يصفون الإنسان الذي له رأي ثاقب، بالمتعمّق، وينعتون النظر الثاقب بالنظر العميق ويقولون للرأي السطحي بأنه غير عميق، فكأنّ للأبحاث العلمية أيضاً عمق وقعر، حيث أن الشخص المتعمق الدقيق النظر ، يغور في العمق، ويستخرج الحقائق من الأعماق، بينما يبقى الإنسان العادي على السطح من دون أن يتغلغل في العمق .

قوله: «فَمَنْ رَامَ»: إن رامَ يَرومُ يكون بمعنى الطلب، والمرام يستعمل بمعنى المطلب .

قوله : «وَرَاءَ ذَلِكَ» : يكون وَراء بمعنى الخلف وقد تستعمل في الأمام، فتكون هذه الكلمة من الأضداد. ولكنها استعملت في هذه المجالات بالمعنى الأول .

فصل: إشارة مختصرة إلى تفسير سورة التوحيد المباركة

إعلم أن تفسير هذه السورة المباركة - سورة التوحيد - والآيات الأولى من سورة الحديد، أكبر من طاقة استيعاب أمثالنا، وأعظم من قدراتنا الفكرية والعقلية. والتطرق إلى ذلك يكون خارجاً عن وطيفتنا. وعليه فهل الإنصاف يسمح لأمثالي الولوج في تفسير ما أنزله الحق المتعالي على أشخاص متعمقين وعلماء محققين؟ .

ففي «تفسير البرهان» عن الإمام باقر العلوم (علیه السّلام) بعد عرضه صلوات الله عليه نبذة من أسرار حروف الصمد المباركة أنه قال : «لَوْ وَجَدْتُ لِعِلْمِي الَّذِي آتَانِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَمَلَةٌ لَنَشَرْتُ التَّوْحِيدَ وَالإِسْلامَ وَالإِيمَانَ وَالدِّينَ وَالشَّرَائِعَ مِنَ الصَّمَدِ»(1).


1) تفسير البرهان ، المجلد4 ، ص526 .

يقول الفيلسوف الكبير صدر المتألهين في خصوص الآيات الأولى من سورة الحديد :

(إعلم أن كل آية من الآيات الست التي أشير إليها في هذا الحديث، تشتمل على علم غزير في التوحيد والألوهية وتتضمن معارف كثيرة من العلوم الصمدية والربوبية، فلو ساعد الزمان وأعان الدهر عارفاً ربانياً، أو حكيماً إلهياً الذي استوحى علمه من مشكاة النبوّة المحمدية على الصادع بها وآله أفضل السلام والتحية، واستقى فلسفته من أحاديث أهل العصمة والطهارة، سلام الله عليهم، لكان من حق ذلك العارف أو الحكيم ومن حق تلك الآيات، أن يضع لتفسير كل آية مجلّداً واسعاً بل مجلّدات كثيرة)(1).

وملخص القول : أن أمثال الكاتب ليس من فرسان هذا الميدان، ولكن العقل يحكم بأن الميسور، لا يسقط بالمعسور، فلا بد من عرض نبذة يسيرة ومختصرة مما تلقيته من العلماء العظام، وكتب أرباب المعرفة ومصابيح أنوار الهداية أهل بيت العصمة (علیهم السّلام) ومن الله الهداية :

في إشارة إلى «بسم الله»

ليُعلم أن «بسم الله» من كل سورة، تتعلق على مذهب أهل العرفان بنفس السورة المبدوءة بها، ولا تكون متعلقة بـ«أَسْتَعِينُ» أو أمثاله . لأن اسم «الله» يكون تمام المشيئة حسب مقام الظهور، ويكون مقام الفيض الأقدس، حسب تجلي الأحد ومقام جمع أسماء الأحد، حسب مقام الواحد. ويكون جميع العالم، حسب اعتبار أحدية الجمع الذي هو الكون الجامع. وهو مراتب الوجود في السلسلة الطولية : الصعودية والنزولية، وأنه كل واحد من الهويات العينية في السلسلة العرضية. وبناءاً على ذلك يختلف معنى «الله» اختلاف الاعتبارات في الاسم، لأن «الله» يكون المسمى لتلك الأسماء فعند اختلاف الاعتبارات، يختلف المفهوم من «الله» وعليه، يختلف معنى بسم الله في كل سورة لاختلاف متعلقه من سورة لأخرى من السور القرآنية التي هي متعلقة في اللفظ


1) شرح أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب النية، ح3، ص 248

ومظهره في المعنى . بل يختلف معناه، على ضوء اختلاف الأفعال والأعمال التي تصدر من الإنسان والتي ابتدىء ببسم الله، لأنه يتعلق ويرتبط بذلك العمل الخاص والفعل المعين الذي أبتدأ ببسم الله . والعارف بالمظاهر، وظهور الأسماء الإلهية، يرى ويشاهد بان جميع الأفعال والأعمال والأعيان والأعراض ظاهرة ومتحققة بالاسم الشريف الأعظم، وبمقام المشيئة المطلقة. وعند إنجازه وإيجاده لفعل وعمل يتذكر بقلبه العارف، هذا المعنى، ويسري به متنازلاً حتى مرتبة مُلكه وطبيعته ثم يقول بسم الله أي بسبب مقام المشيئة المطلقة، لصاحب مقام الرحمانية الذي هو بسط الوجود، ومقام الرحيمية الذي هو بسط مقام كمال الوجود. أو بسبب مقام المشيئة المطلقة لصاحب مقام الرحمانية الذي هو مقام التجلي بالظهور وبسط الوجود، ومقام الرحيمية الذي هو مقام التجلي بالباطن وقبض الوجود، أكُلُ وَأَشْرَبُ وَأَكْتُبُ، وَأَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا . . .

فالسالك إلى الله والعارف بالله يرى من جهة، ظهور المشيئة المطلقة في جميع الأفعال والموجودات وفناء تلك المشيئة فيها، ويرى من خلال هذا المنظار هيمنة سلطان الوحدة، ويكون لديه معنى بسم الله في جميع السور القرآنية والأعمال والأفعال بمعنى واحد. ومن جهة أخرى عندما يلتفت إلى عالم الفرق - الكثرة والاختلاف - وفرق الفرق ، يرى لكل واحد من «بسم الله» في أول كل سورة وبدء كل عمل، معنى يغاير المعنى الآخر.

وفي هذا المقام الذي نحن بصدد تفسير سورة التوحيد المباركة، نستطيع أن نجعل «بسم الله»، متعلقة بـ«قل» هذه الكلمة الشريفة، وعليه يكون المقصود من «بسم الله» عند كسوة التجريد، وغلبة التوحيد، مقام المشيئة المطلقة. وعند كسوة التكثير يكون مقام المقصود الانتباه إلى كثرات التعينات. وفي مقام الجمع بين المقامين الذي هو مقام البرزخية الكبرى، يكون المقصود المشيئة في مقام الوحدة والكثرة، ومقام الظهور والبطون ومقام الرحمانية والرحيمية على المعنى الثاني - المتقدم قبل أسطر .. وحيث أن الآية الشريفة قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ تجمع بين الأحدية الغيبية، والألوهية الأسمائية، كان المقصود من «اسم الله» المقام الثالث وهو مقام البرزخية الكبرى التي هي مظهر اسم الله ، الذي هو مقام المشيئة المطلقة وصاحب التعين وظهور الرحمانية في عين الرحيمية،

وصاحب البسط في نفس الوقت الذي هو صاحب القبض .

«هو» : وهذه الكلمة الشريفة، إشارة إلى مقام الهوية المطلقة من حيث هي هي من دون أن تتعين بتعين الصفات أو تتجلى بتجلي الأسماء، حتى الأسماء الذاتية التي تعتبر في مقام الأحدية، ولا يمكن أن تكون هذه الإشارة من غير صاحب ذلك القلب التقي النقي الأحدي الأحمدي ومن غير صاحب هذا المقام العظيم. وإن لم يكن النبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) مأموراً بإظهار نسب الحق المتعالي، لما تفوّه بهذه الكلمة الشريفة في الأزل والأبد. ولكن جرى في قضاء الله سبحانه أن ينطق النبي الخاتم (صلی الله علیه و آله و سلم)، بهذه الإشارة - هو - .

ولما لم يستمر (صلی الله علیه و آله و سلم) في الجذبة المطلقة، وحاز على مقام البرزخية قال صلوات الله عليه وآله : «اللَّهُ أَحَدٌ».

و «الله» هو الاسم، الجامع الأعظم، للرب المطلق، للخاتم. وإن ما ترى العين البرزخية، من كثرة الأسماء في مقام ظهور الواحدية، هي نفس التجلي الغيبي الخفي في مقام الأحدية، فلا غلبة، في قلب مثل هذا السالك لمقام الأحدية على مقام الواحدية، ولا غلبة لمقام الواحدية على مقام الأحدية .

ولعل السبب في تقديم «الله» على «أحد» أن الأسماء الذاتية - الله - متقدمة اعتباراً على الأسماء الصفاتية - أحد - إنما هو لأجل الإشارة إلى مقام التجلي في قلب السالك، حيث أن التجليات الذاتية على قلوب الأولياء تبتدىء أولاً بتجلي الأسماء الصفاتية الموجودة لدى حضرة الواحد - الأسماء الصفاتية الواحدية ، ثم يتم التجلي بالأسماء الذاتية الأحدية .

والسرّ في انتقاء اسم «الله» من مجموع أسمائه سبحانه - مع أن قلب السالك حسب كيفية السلوك، وكيفية التجلي، يتجلى أولاً بكافة الأسماء على ضوء مناسبات قلب السالك، هذه الأسماء التي تكون مظاهر لاسم الله سبحانه ثم يتجلى القلب في نهاية السلوك في الأسماء الصفاتية باسم الله - والسرّ في اصطفاء هذا الاسم المبارك يمكن أن يعود إلى أحد أمرين :

إما إشارة إلى أن التجلي بأي اسم من أسماء الله، هو تجلّ باسم «الله» من باب

اتحاد الظاهر والمظهر، خصوصاً لدى الحضرة الإلهية .

وإما إشارة إلى نهاية سلوك الواحدي ، حيث أنه لو لم تتحقق لما ابتدأ بالسلوك الأحدي.

وملخص الكلام: أنه بناءً على البيان المذكور يكون ضمير (هو) إشارة إلى مقام انقطعت عنه آمال العارفين وإيماءاتهم، ويتقدّس عن كل اسم ورسم ويتنزّه عن كل تجلَّ وظهور. و«أحد» إشارة إلى تجلي الأسماء الباطنية الغيبية، و«الله» إشارة إلى تجلي الأسماء الظاهرية. وبهذه الأمور الثلاثة : - هو - الله - أحد - تتحصل الاعتبارات الأولية لحضرة الربوبية. وإن الأسماء الأربعة الأخرى - الصمد - لم يلد - لم يولد - لم يكن له كفوءاً - التي يكون «الصمد» جامعاً لها، من الأسماء السلبية التنزيهية حسب ما ورد في بعض الروايات(1)، التي تعتبر تبعاً للأسماء الثبوتية الجمالية، كما أشير إليه في نهاية حديث من الأحاديث المأثورة عن أهل البيت (علیهم السّلام)(2).

هذا كله على القول بأن «بسم الله» متعلق بالكلمة الشريفة «قل» .

ونستطيع أن نجعل «بسم الله» متعلقاً بكل واحد من كلمات هذه السورة المباركة وعليه يختلف تفسير هذه السورة وتفسير بسم الله من متعلق إلى آخر. وحيث أن عرض ذلك يسبب التفصيل والتطويل، غضضنا الطرف عنه .

يقول شيخنا العارف الكامل الشاه آبادي روحي فداه : (إِنَّ «هو» برهان على الأسماء والكمالات الستة المذكورة عقيب هذه الكلمة المباركة - هو - في سورة التوحيد الشريفة . لأن الذات المقدس حيث أنه يكون مطلقاً مثل «هُوَ» الذي يعتبر إشارة إلى صرف الوجود يكون مستجمعاً لجميع كمالات الأسماء. فيكون «الله». وحيث أن صرف الوجود، ببساطة حقيقته يكون جامعاً لكل الأوصاف والأسماء، من دون أن تثلم هذه الكثرات


1) قال الإمام الباقر (علیه السّلام): «الله أحد الله الصمد ثم فسّره فقال لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوءاً أحد». (توحيد الصدوق، الباب 4 ، 3 . تفسير البرهان ، ج 4 ، ص 525).

2) قال الإمام الباقر (علیه السّلام): «إن الصمد هو السيد المصمود إليه هو معنى صحيح موافق لقول الله عزّ وجلّ ليس كمثله شيء». (أصول الكافي، ج 1، كتاب التوحيد ، باب تأويل الصمد، ج 2، ص 124).

الأسمائية لوحدة الذات المقدس، كان أحداً. وحيث أنه لا ماهية لصرف الوجود كان صمداً. وحيث أن صرف الوجود لا ينتقص. ولا يحصل من الغير ولا يتكرر (لم يكن والداً ولا مولوداً وليس له كفوءاً) انتهى .

ولا بد من معرفة أنه قد ورد في الأحاديث الشريفة معاني وأسرار كثيرة لـ«الصمد» لو أردنا عرضها وبيانها، لخرجنا عن الإطار المخصص للكتاب، ولافتقرنا إلى وضع رسالة أخرى في ذلك. ولكننا نشير إلى أمر واحد هو: أن «الصمد» لو كان إشارة إلى نفس الماهية، حسب بعض الاعتبارات ومعاني «الله» في «الله الصمد» لكان - الصمد - من اعتبارات مقام الواحدية ومقام أحدية جمع الأسماء. وإن كان إشارة إلى صفة إضافية - كما يستفاد من بعض الروايات - لكان الصمد - إشارة إلى أحدية جمع الأسماء لدى التجلي بالفيض المقدس، ولكان معناه موافقاً مع قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ .

فصل: في إشارة مختصرة إلى تفسير الآيات الستة الشريفة المبدوءة بها في سورة الحديد

أما الآية الشريفة الأولى : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فتدل على تسبيح جميع الكائنات حتى النباتات والجمادات الله سبحانه . وأما من يجعل التسبيح خاصاً بذوي العقول من الموجودات، فيكون ذلك نتيجة احتجاب عقله . ولو فرضنا بأن هذه الآية المباركة تقبل التوجيه والتأويل لتسبيح الكائنات، فإن هناك آيات شريفة أخرى لا تقبل التأويل والتفسير مثل قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ والدَّوَاتُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ(1). وإن تأويل التسبيح إلى التسبيح التكويني أو الفطري، يكون من التأويل البعيد الموهون، حيث تأباه الأحاديث والآيات الشريفة، وترفضه البراهين السديدة الفلسفية، وينكره المسلك العرفاني الجميل .


1) سورة الحج، الآية : 18.

والعجيب من الفيلسوف الكبير، والعالم الجليل صدر المتألهين قدس سره الذي لا يرى التسبيح في هذه الآيات، تسبيحاً نطقياً، حيث فسّر نطق بعض الجمادات مثل الأحجار الصغيرة، بإنشاء النفس المقدسة للولي، الأصوات والألفاظ حسب وضع الجماد والنبات. ورأى بأن قول بعض أهل المعرفة من أن لجميع الكائنات نطقاً، مخالف للبرهان، وملازم للتعطيل ودوام القسر(1).

رغم أن هذا الكلام يغاير المبادىء والأصول التي ارتاها، وانطلق منها. مع العلم بأن صريح الحق ولب لباب العرفان ينسجم مع دعوى السابق من دون أن يستلزم مفسدة . ولولا خشية التطويل والتفصيل لشرحنا ذلك بكل مقدماته وملابساته. ولكننا نرتضي الإشارة الإجمالية إليها ونقتنع بها .

لقد أشرنا في الماضي إلى هذا المعنى بأن حقيقة الوجود عين الشعور والعلم والإرادة والقدرة والحياة، وكافة الشؤون الحياتية، فإذا لم يكن لشيء علم ولا حياة نهائياً فليس له وجود. ومن ذاق طعم حقيقة أصالة الوجود واشتراكه المعنوي، على مسلك العرفاء مثل العلم والإرادة والتكلم و. . . وإذا بلغ مقام المشاهدة بواسطة ترويض النفس والحالات المعنوية، لشاهد بأم عينه وسمع دوي تسبيح الموجودات وتقديسها. ومن المؤسف أن سكر المادة والطبيعة قد أوهن العين والسمع والحواس الأخرى، ومنعنا من الوقوف على الحقائق الوجودية والهويات العينية . فكما أن بيننا وبين الحق عز وجل حجباً من الظلام وحجباً من النور تمنعنا من مشاهدة ألطاف الحق سبحانه، فكذلك بيننا وبين الكائنات الأخرى بل بيننا وبين أنفسنا عن إدراك حياتها وعلمها وكافة شؤوناتها. والأسوأ من كل الحجب هو حجاب إنكار حياة الموجودات وعلمها وشؤونها الأخرى انطلاقاً من الأفكار المحجوبة التي تمنع الإنسان من كل شيء، وخير وسيلة لأمثالنا المحجوبين هو التسليم والتصديق لآيات الله الكريمة وأحاديث أوليائه، وسدّ باب تفسير القرآن بالرأي، وتطبيقه على الواقع الخارجي عبر هذه العقول الضعيفة .

إذا فرضنا إمكان تأويل آيات التسبيح، على أساس التسبيح التكويني أو الفطري


1) شرح أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب النسبة ، ح3، ص 248 .

فكيف نستطيع أن نفعل مع هذه الآية المباركة قَالَتْ نَملَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ؟(1)أو الآية المباركة فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَا بِنَبَإٍ يَقِينِ أنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةٌ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْسٌ عَظِیم(2)أو الأخبار المأثورة عن أهل بيت الطهارة والعصمة الموجودة في أيواب مختلفة والصريحة في وعي الحيوانات والكائنات الأخرى، والتي تمتنع عن التأويل؟.

و ملخص الكلام: أنه لا بد من اعتبار حياة الكائنات وتسبيحها عن وعي وإدراك، وذلك من البديهيات والضروريات في الفلسفة العالية، ومن مسلمات أصحاب الشرائع والعرفان. ولكن لكيفية تسبيح كل موجود، وللأذكار الخاصة بكل واحد من الكائنات ، وأن للإنسان الذكر الجامع ولكافة الموجودات أذكار تتناسب نشأتها وتكوينها، ولكيفية تسبيح كل موجود، لكل ذلك أبحاث ودراسات: إجمالها أن هناك مقياساً علمياً وعرفانياً يرتبط بعلم الأسماء وتفصيلها يرتبط بالعلوم التي تشهد بالعيان وتكشف على الإنسان، وهي مختصة بالأولياء الكاملين .

وقد بينا في الفصل السابق بأن «بسم الله» من كل سورة، تتعلق بنفس تلك السورة المبدوءة به، وعليه يكون «بسم الله» من هذه السورة سورة الحديد، متعلقاً بـ«سَبحَ لِلَّهِ». ويستفاد من الآية المباركة المذهب الحق في مسألة الجبر والتفويض، لأن فيها نسبتان : نسبة إلى اسم الله الذي هو مقام المشيئة الفعلية، ونسبة إلى الأشياء الموجودة في السماوات والأرض، بصورة لطيفة تعدّ منتهى كشف أرباب الشهود والمعرفة. وتقديم النسبة إلى مشيئة الله لأجل إفهام قيومية الحق، وتقديم حيثية «يلي الله» على حيثية «يلي الخلق».

ولولا مخافة الإطالة والإسهاب في الحديث لذكرت حقيقة التسبيح وملازمته للتحميد، وأن صدور كل تسبيح وتحميد من كل مسبح وحامد، يكون لأجل الحق عز وجل، وأن التسبيح والتحميد يكونان باسم الله ولاسم الله ، وإن إسمي : العزيز الحكيم،


1) سورة النمل الآية : 18 .

2) سورة النمل ، الآية : 23 .

مختصان بالله، ولشرحت العلاقة القائمة بينهما وبين الله، والفرق الموجود بين الله في التسمية والله المذكور في الآية الشريفة سَبَّحَ لِلّهِ، والمقصود من السماوات وما فيها والأرض وما فيها على ضوء مذاهب أهل العرفان والفلسفة، ولبينت الفرق بين «هُوَ» في هذه الآية الشريفة و«هُوَ» في الآية المباركة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حسب الذوق العذب العرفاني ولكنني آليت على نفسي الاختصار والإجمال في هذا الكتاب.

وأما الآية الثانية الشريفة : لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهَوْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهي إشارة إلى مالكية الحق جل جلاله لملكوت السماوات والأرض. ومن المعلوم أنه يتم الإحياء والإماتة والظهور والرجوع والبسط والقبض، تبعاً لهذه المالكية، والإحاطة في السلطة، ونفوذ القدرة والتصرف. وهذه النظرة تستوجب استهلاك واضمحلال جميع التصرفات وأنواع التدبير، في تصرف الحق وتدبيره، الذي يكون منتهى التوحيد الفعلي. ولهذا نسب إلى نفسه: مالكية الذات المقدس، الإحياء والإماتة الأمرين اللذين يعدّان من المظاهر العظيمة للتصرف الملكوتي أو هما القبض والبسط - ونسبة الإحياء والإماتة إلى المالكية لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ رغم أن الإحياء من شؤون الرحمانية والإماتة من الشؤون المالكية، يمكن أن تكون للتنبيه إلى أمر عرفاني جليل، وهو استجماع كل اسم لجميع الأسماء على وجه الأحدية، والجهة الغيبية التي لا مجال لذكرها فعلاً .

ويمكن أن يكون صدر الآية وذيلها، إشارة إلى الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة في مقام التجلي الفعلي بالفيض المقدس، كما هو واضح عند أهله .

ويعود ضمير «له» على ما يبدو إلى «الله» كما يحتمل إرجاعه إلى «العزيز الحكيم» وعليه يختلف معنى الآية الشريفة على ضوء هذين الاحتمالين، ويتضح ذلك بالتمعن فيها لدى أهل الفلسفة والتحقيق.

وأما بيان كيفية مالكية الحق سبحانه، وسبب صياغة الحياة والممات في صيغة المضارع (يُحْيِي وَيُمِيتُ) الدالة على التجدد والاستمرار، وبيان مرجع ضمیر «هُوَ» و اختلاف معاني الضمير عند اختلاف مرجعه، وأن المحيي والمميت والقادر من أسماء

الذات أو الأوصاف أو الأفعال، فمتروك إلى محله وموضعه المناسب. كما أن لبيان كل من كيفية الإحياء والإماتة، وحقيقة صور إسرافيل نفختي الإحياء والإماتة ودور الملك إسرافيل والملك عزرائيل وموقعهما وكيفية إحيائهما وإماتتهما إن لكل ذلك بيانات عرفانية وبراهين فلسفية طويلة ومفصلة، لا يسع المقام ذكرها .

وأما الآية الثالثة المباركة هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(1)فقد علم العارف بالمعارف الحقة لأصحاب المعرفة واليقين، والسالك لطريق أصحاب القلوب والسالكين، أن منتهى سلوك السالكين، وغاية آمال العارفين، هو فهم هذه الآية الشريفة المحكمة. وقَسَماً بذاته العزيز، لا توجد كلمة للتعبير عن حقيقة التوحيد الذاتي، أسمى وأفضل من هذا التعبير. وينبغي على كل أصحاب المعارف، السجود أمام هذا العرفان التام النبوي المحمدي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأمام هذا الكشف الجامع الأحمدي وهذه الآية المحكمة الإلهية، والسقوط على التراب لها إذلالاً . وقَسَماً بحقيقة العرفان والعشق، إن العارف المجذوب، والعاشق لجمال المحبوب، عندما يسمع هذه الآية الشريفة تستولي عليه هزة ملكوتية، وانبساط إلهي ، يقصر عن استيعابه أي موجود من الكائنات، ويعجز عن شرحه البيان. فسبحان الله ما أعظم شأنه وأجلَّ سلطانَه وَاكرَمَ قَدْرَهُ وَامعَ عِزَّهُ وَأَعَزَّ جَنابَه .

إن الذين يأخذون على أحاديث العرفاء الشامخين، وكلمات العلماء بالله، أولياء الرحمن - من أنهم تجاوزوا حدودهم - فمن اللياقة أن يتمعنّوا في كلمات العرفاء الربانيين، والسالكين المجذوبين، ليتبينوا هل أن واحداً منهم استطاع أن يقدم، أكثر مما تضمنت هذه الآية التامة الشريفة، وهذا القرآن الكريم؟ أو أنهم عرضوا متاعاً جديداً في سوق المعارف ؟ إليكم هذه الكريمة الإلهية القرآن المجيد والكتب المشحونة من عرفان العرفاء للمقارنة بين المعارف المدوّنة فيهما حتى يتبين بأنهم يستوحون من القرآن الكريم.

في حين أن هذه السورة المباركة، سورة الحديد وخاصة هذه الآيات المباركة الأولى منها تحتوي على معارف تقصر عنها أيادي آمال العارفين . وفي عقيدة هذا الكاتب


1) سورة الحديد، الآية : 3.

تستبطن هذه الآية الشريفة على خصوصية تفوق الآيات الأخرى وهي: بيان أن الحق سبحانه هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ولكن البلاغة قاصرة عن شرحها والقلم عاجز عن الخوض فيها . فلنتجاوز ولنترك إدراك واستيعاب ذلك، لقلوب الأولياء

والمحبين .

وأما الآية الشريفة الرابعة : هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(1). فهي إشارة إلى خلق السماوات والأرض في ستة أيام واستوائه سبحانه على العرش .

لقد تحيّرت في تفسير هذه الآية المباركة عقول أرباب العقل حيث اتخذ كل حسب مسلكه في العلم وهواه في العرفان تفسيراً لهذه الآية المباركة. فذهب العلماء الظاهريون إلى أن المقصود من الخلق في ستة أيام هو أنه لو قدرنا فترة خلق السماوات والأرض وإنشائها لتطابق ستة أيام. وذهب الفيلسوف العظيم الشأن صدر المتألهين قدس سره إلى تطبيق تلك الأيام الستة على أيام الربوبية حيث يعد كل يوم منها، ألف سنة من سنينا، واعتبر رضوان الله تعالى عليه منذ نزل آدم حتى بزوغ الشمس النبوي المحمدي (صلی الله علیه و آله و سلم) ستة آلاف سنة متطابقة مع ستة أيام. وجعل ابتداء طلوع شمسه صلوات الله عليه يوم الجمعة ويوم الجمع الذي هو اليوم السابع وأول يوم القيامة، وبدء استواء الرحمن على العرش. وقد تولى صدر المتألهين بيان ذلك بصورة مختصرة في شرحه على كتاب (أصول الكافي) وبصورة مفصلة في كتاب تفسيره لهذه السورة المباركة .

وذهب بعض أهل المعرفة(2)إلى أن الأيام الستة عبارة عن مراتب سير نور شمس الوجود في مرائي ومظاهر قوس الصعود والنزول .

وأما على ضوء مسلك العرفاء - الذين يرون للوجود مراتب نازلة، حتى آخر مرتبة


1) سورة الحديد، الآية : 4 .

2) شرح أصول الكافي، ص 249 - 250 . تفسير صدر المتألهين، ج6 ، تفسير سورة الحديد، ص 160 - 164.

منها، وهي مرتبة احتجاب شمس الوجود في حجب التعينات، وهي حقيقة ليلة القدر وابتداء يوم القيامة من المرتبة الأولى منه إلى مرتبة رجوع المُلك إلى الملكوت، وخرق حجب التعينات حتى نهاية مراتب الظهور والرجوع الذي هو الظهور التام للقيامة الكبرى فإن هذه الأيام الستة التي تّم فيها خلق السماوات والأرض وانتهى الأمر به إلى عرش الله وعرش الرحمن الذي هو غاية غايات الاستيلاء والاستواء والقهارية للحق المتعالي، هذه الأيام الستة هي المراتب الستة الصعودية في العالم الكبير . عرش استواء الحق، الظاهر بالقهارية التامة والملكية، وهي مرتبة المشيئة والفيض المقدس الرحماني الذي هو الظهور التام بعد انسلاخ التعينات والفراغ من خلق السماوات والأرضين. وما دامت السماوات والأرضون موجودة، لم يتم خلقها عند أهل المعرفة حسب قوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنِ(1)وحسب عدم حصول التكرر في التجلي .

وتكون المراتب الستّة في الإنسان الكبير والعالم الأكبر مع المرتبة السابعة اللطيفة التي هي عرش الرحمن والذي هو مرتبة القلب الحقيقي. ولولا خشية التفصيل لذكرت بصورة مسهبة ومستفيضة بأن الأفضل من كل الوجوه هو هذا الوجه المذكور. ومن المعلوم أن علم الكتاب الإلهي موجود لدى الحق المتعالي وخاص بمن خوطب به، ولكننا نتحدث على أساس المناسبات والاحتمالات بعد تعذر حمل الآية على ظاهرها .

وهنا احتمال آخر لا يتنافى مع ما ذكره العرفاء، وهو ينسجم مع نظرية العلوم الحديثة في علم الهيئة التي فندت ودحضت آراء بطليموس في علم الهيئة، وهو أن وراء منظومتنا الشمسية، منظومات شمسية أخرى كثيرة، لا يحصي عددها إلا الله كما ورد بيان ذلك في الكتب الحديثة من علم الأفلاك. فيكون المقصود من السماوات والأرض هذه المنظومة الشمسية وكواكبها وأفلاكها، ويكون المقصود من ستة أيام المحددة في الآية الكريمة، الأيام الستة على ضوء منظومة شمسية أخرى. وهذا الاحتمال أقرب إلى الظاهر والفهم من كافة الاحتمالات الأخرى من دون أن يتضارب مع الاحتمالات العرفانية، لأنه

يعتبر بطناً من بطون القرآن .


1) سورة الرحمن، الآية : 29.

وأشير في نهاية الآية المباركة بقوله : يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ إلى علم الحق المتعالي بكل جزئي من مراتب الوجود في سلسلة عالم الغيب والشهود في قوس النزول والصعود. وأشير بقوله: وَهُوَ مَعَكُمْ إلى المعية القيومية للحق سبحانه . ولا يعرف أحد كيفية علم الحق سبحانه بالجزئيات، الذي يكون على أساس الإحاطة الوجودية، والسعة القيومية، وكذلك لا يعرف أحد إدراك حقيقة هذه القيومية للحق سبحانه، إلا الخواص من أوليائه تعالى .

وأما الآية المباركة الخامسة لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ(1)فهي إشارة إلى مالكية الحق، وعود كل نظام دائرة الوجود إليه عزّ وجلّ، كما تكون إشارة إلى أن نظام الوجود راجع ومرتبط باسم المالك. كما ذكر في سورة الحمد المباركة مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.

ويحتاج تفسير كل واحد من ذلك وتفصيل الكلام فيه إلى مجال آخر .

وأما الآية الشريفة السادسة : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بذاتِ الصُّدُورِ(2). فهي إشارة إلى اختلاف الليل والنهار وأن القدر الذي ينقص من أحدهما يضاف إلى الآخر، وأن كل ما يضاف على أحدهما ينقص من الآخر، وأن في هذا الاختلاف منافع كثيرة، يوجب ذكرها الخروج عن وظيفتنا. وللآية الشريفة معنى عرفاني آخر امتنعنا عن ذكره .

خاتمة

إن ما ورد في ذيل الحديث الشريف من قوله (علیه السّلام): «مَنْ رَامَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ» إشارة إلى أن هذا المستوى من المعارف، المذكورة في هذه الآيات الشريفة وسورة التوحيد المباركة، أو منتهى العلوم البشرية، وغايتها القصوى. فلو ظن أحد بأن فوق هذا المستوى من المعارف، معارف أخرى لسقط في الخطأ . كما وأن الأقل من هذا المستوى


1) سورة الحديد، الآية : 5 .

2) سورة الحديد، الآية : 6 .

الأعلى من المعارف التي توفر في هذه الآيات المباركة، يعد أيضاً من الهلاك والموت ومن الجهل بمقام الربوبية .

ومن الواضح أن هذا الحديث الشريف يحثّ الإنسان على التأمل والتفكر في هذه الآيات المباركات. ولكن لكل علم أهل ولكل ميدان فارس، ولا يحسبن إنسان بأنه يستطيع بفكره وتأمله وعلى أساس الظهور العرفي، استيعاب آيات التوحيد : سواء كانت في سورة التوحيد المباركة، أو في هذه الآيات المباركة أو في آيات قرآنية أخرى أو استيعاب الأخبار الشريفة والخطب والأدعية ومناجاة الأئمة (علیهم السّلام) المعبأة والمشحونة بالمعارف إن هو إلا وهم فارغ، ووسوسة شيطانية. وإن الشيطان الصاد لطريق الإنسانية قد نصب كميناً للإنسان، حتى يمنعه عن المعارف، ويوصد عليه أبواب الحكمة والمعرفة ويتركه في وادي الضلالة والحيرة، بمثل هذه الأوهام الواهية التي يلقي بها على الإنسان من أنه يستطيع أن يفهم القرآن بنفسه ويتعرف على المعارف الإلهية بمراجعة آيات الله الكريمة والأحاديث الشريفة، من دون حاجة إلى فلسفة وترويض ومجاهدة.

والله شهيد على ما أقول «وَكَفَى بِهِ شَهِيداً»(1)إنني لا أروم من هذا الكلام التشجيع على دراسة الفلسفة التقليدية أو العرفان التقليدي، بل المقصود، هو دفع إخواني المؤمنين وخاصة أهل العلم، نحو معارف أهل البيت (علیهم السّلام)، وحثهم على قراءة القرآن وعدم الابتعاد عنه، فإن الهدف الأهم والأسمى لبعثة الرسل وإنزال الكتب هو معرفة الله، التي تتوفر في ظلها سعادة الدنيا والآخرة. ولكن المؤسف أن الإنسان ما دام يعيش في هذا العالم ، فهو واقع في الحجب المختلفة، التي تمنعه من رؤية طريق سعادته. وكلما دعاه الأولياء والأنبياء والعلماء ونصحوه لم يفق من نومه، ولم يصغ إلى هذه النداءات والإرشادات . وعندما يستيقظ ، يجد السعادة قد أفلتت من يديه ولا يملك إلا الحسرة والندامة .

دعاء وختام

إلهي : أنت الذي ملأت قلوب الأولياء بنور المحبة، وأخرست السنة عشاق


1) إقتباس عن الآية الكريمة 79 من سورة النساء .

الجمال من التحدث عن أنفسهم والآخرين. وأبعدت أيادي الأنانيين المنحطين عن أذيال كبريائك . إلهي أيقظنا من سكر غرور الدنيا& من النوم العميق الذي غمرنا من جراء الانغماس في عالم المادة والطبيعة، ومزّق لنا بإشارة واحدة الحجب الغليظة والستائر السميكة من الإعجاب والذاتية، وخذ بأيدينا إلى مجلس الطاهرين لدى ساحتك، ومحفل المخلصين المقدسين، وأبعد عنا شراسة الطبيعة، وسوء الخلق، وغلظ اللسان، والنفاق والانحراف وأقرن حركاتنا وسكناتنا وأفعالنا وأعمالنا وأولنا وآخرنا وظاهرنا وباطننا بالإخلاص والصفاء.

إلهي إن نعمك قد ابتدأت علينا (لا يشترط عطاء الحق بقابلية المعطى له)(1)

علاج ذلك القلب هو عطاء الباذل

الذي ليس لعطائه شرط .

وعطاياك غير متناهية وباب رحمتك مشرعة ومائدة نعمك اللامتناهية مبسوطة، هب لنا حالاً مضطرباً، وقلباً ملتهباً، وعيناً تذرف الدموع، ورأساً لا يعرف القرار، وصدراً ينفث بالهموم والآلام ، واختم حياتنا بالإخلاص إليك والحب إلى خواص ساحتك وهم مقدمة كتاب الوجود وخاتمة نظام الغيب والشهود محمد وأهل بيته الطاهرين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين .

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً .

قد تم هذا الكتاب على يد الفاني المؤلف الفقير في عصر يوم الجمعة الرابع من شهر محرم الحرام عام ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة القمرية(2).

وَعَلَى اللَّهِ التَّكْلانُ فِي الافْتِتَاحَ وَالاخْتِتَامِ.


1) قال المولوي المثنوي:

2) الموافق 24 ، 2 ، 1939م.

بعض المصطلحات العلمية المذكوره

وعندما وجدنا مصطلحات فقهية وفلسفية وعرفانية روائية في هذا الكتاب رأينا من اللازم شرحها لكي يسهل الوصول إلى المعنى رغم أن معرفة هذه المصطلحات لا تتم إلا بالتلمذة على أيدي أساتذة هذه العلوم ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله وإن الميسور لا يسقط بالمعسور فإليك شرح هذه المصطلحات :

القوى الظاهرية : الحواس الخمسة المادية المبثوثة في أطراف جسم الإنسان وهي : الشامة، الذائقة، الباصرة، السامعة، اللامسة .

القوى الباطنية : هي الحس المشترك، الخيال، الحافظة، الواهمة، العاقلة أو المفكرة .

الإحتياط : عندما يريد المكلف أن يكون بعيداً عن مخالفة الأحكام الإلهية، يلتجىء إلى سلوك جميع الاحتمالات في الواحب المردد المبهم أو إلى ترك أطراف المحتمل في المشتبه المحرم، ويسمى هذا الموقف بالاحتياط وذلك لتنجز العلم الإجمالي ولقول الإمام الرضا (علیه السّلام): «أخوك دينك فاحتط لدينك».

أصالة الحلية : تستند أصالة الحلية على مصادر منها قوله (علیه السّلام): (كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه) وتفيد حلية كل شيء مشكوك الحلية والحرمة. ولكن الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم اختلفوا في أن أصالة الحلية تعم الشبهات الحكمية والموضوعية أو مخصوصة بالشبهات الموضوعية . (راجع كتب الفقه والأصول).

أصالة الطهارة: هي من الأصول الفقهية المتسالم عليها لدى الفقهاء حيث يقولون بطهارة كل مشكوك الطهارة والنجاسة استناداً إلى قوله (علیه السّلام): «كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه قذره».

أقاليم الملكية السبعة : إنها مصطلح عرفاني تسامحي مجازي وتعبير عن الأمور السبعة التالية : «الأذن والعين واللسان والبطن والفرج واليد والرجل».

الإحاطة القيومية : إن جميع الكائنات معلومة لديه سبحانه ومخلوقة له وقائمة به، ويكون عز وجل هو الواقف على كل صغيرة وكبيرة والمحيط بكل شاردة وواردة فيعبر العرفاء عن ذلك بـ«الإحاطة القيومية».

الآية المحكمة : هي العلوم العقلية والعقائد الحقة والمعارف الإلهية وذلك أن كلمة آية تستعمل بمعنى العلامة وهي تتناسب مع العلوم العقلية الاعتقادية .

الإنسان الكامل : إذا بلغ في العلم والعمل أقصى المراحل الممكنة للكمال بأن بلغت النفس في مقام العلم إلى العقل المستفاد ثم اتصلت بالعقل الفعال واجتاز الإنسان في مقام العمل بعد التخلية والتجلية والتحلية مراحل الأسفار الأربعة إلى الله، أصبح إنساناً كاملاً، وخليفة الله على الأرض ومظهر الأسماء والصفات ومثل الحق المتعالى وآيته. والوجود الجامع من دون تفوق مظهرية إسم على آخر والسائر على الصراط المستقيم .

الإنسان الشرعي: الإنسان الذي يلتزم بالتعاليم الإسلامية، ويكون سلوكه حسب ما يتطلبه الشرع الحنيف .

الأفق الأعلى : يقصد من هذا المصطلح العرفاني منتهى مراحل كمال الروح وغاية سيرها وحركتها، وهو المقام الواجب الأسنى الذي هو نور النور ونور على نور .

الإسم : هو اسم «الله» الجامع لجميع الصفات الكمالية .

القوة الواهمة : هي القوة الفعّالة الرئيسية التي تسخر جميع القوى الظاهرية والباطنية في الحيوان خاصة وفي الإنسان بعض الأحيان .

جنود الرحمان: القوى الظاهرية والباطنية الخاضعة لأحكام الله سبحانه والعقل السليم المنقاد الله عزَّ وجلَّ.

جنود الشيطان ؛ إن القوى الظاهرية الحسية والقوى الباطنية عندما تخضع للشيطان وتخالف الشرع تصبح جنود الشيطان وقواه .

النشأة؛ تطلق النشأة على كل مرحلة من المراحل التكاملية التي يمر بها الشيء النامي المتكامل. كما تطلق على كل عالم ومرتبة فيقال نشأة عالم الدنيا ونشأة عالم الآخرة ونشأة عالم البرزخ ونشأة عالم الغيب ونشأة عالم الشهادة .

الملك : إن المُلك هو الشيء المادي العنصري المحسوس ويقال عالم الملك لعالم الشهادة الذي هو العالم الطبيعي المشهود الجسماني المسمّى بظلمات المُلك. وقد يراد من عالم الملك عالم الوجود. راجع أيضاً عالم الشهادة.

الشفاعة: إن الشفاعة من مصاديق السببية فهي توسيط السبب المتوسط القريب بين السبب الأول البيعد ومسببه . فكأنَّ الشفيع ينضم إلى الوسيلة الناقصة التي مع المستشفع فیصیر به زوجاً بعد ما كان فرداً فيقوى على نيل ما يريد ويكون سبباً للوصول إلى المبتغى المنشود ولولاه لما بلغ الهدف المقصود لنقص الوسيلة وضعفها وقصورها .

المشارطة : يشترط الإنسان على نفسه أن لا يقترف ذنباً ولا يخالف ربه في يوم واحد أو شهر واحد أو سنة واحدة أو أكثر .

المراقبة ؛ الانتباه طيلة فترة المشارطة للسلوك والعمل حتى يتم على ضوء الشرط القائم بين الإنسان ونفسه أمام الله سبحانه .

المحاسبة : مراجعة الإنسان في نهاية كل يوم أو فترة الإشتراط لمعرفة أن الإنسان كان وفياً للشرط حتى يشكر الله على هذه النعمة أو كان ناقضاً له حتى يستغفر الله تعالى على هذه المخالفة .

العقل؛ قد يراد من العقل الحقائق المستقلة التي خلقها الله متسلسلاً ومتدرجاً قبل كل شيء ومن خلالها تمّ خلق العالم المادي حسب آراء فلاسفة الإشراق أو المشّاء. وقد يراد منه عقل الإنسان الذي هو قوة مدركة للكليات .

الصورة: هي الحقيقة التي بها يكون الشيء الموجود موجوداً. فالتفاحة مثلاً لها حقيقة بها تكون تفاحة. وللإنسان حقيقة بها يكون إنساناً وللعالم المادي الطبيعي حقيقة بها يكون عالماً عنصرياً مادياً ولعالم الموجودات الغيبية والكائنات البسيطة حقيقة بها يكون بسيطاً ومجرداً وغيبياً، فيعبرون عن تلك الحقيقة بالصورة وعن حقيقة عالم المجردات بالصورة الملكوتية.

الصورة الملكوتية : راجع تفسير الصورة .

الصحيح : مصطلح روائي يقال لسند الحديث الشريف إذا كان جميع الرواة في السند إماميون ويتصفون بالعدالة .

الهوية المطلقة : الوجود المطلق وهو الواجب الوجود .

برهان الصديقين : إن استكشاف العلة من ذات العلة يسمى لدى الفلاسفة الإلهيين الصديقين وهو برهان الأنبياء والأولياء كما ورد في دعاء أبي حمزة الثمالى «بك عرفتك وأنت دللتني عليك ولولا أنت لم أدر ما أنت) ودعاء الصباح (يا من دل على ذاته بذاته) .

السرمد : الدائم الذي لا أول له ولا آخر كما في الله سبحانه وتعالى. ويقابله الأزلي الذي لا أول له . والأبدي الذي لا آخر له .

الممكن: الموجود الذي يكون وجوده من غيره كما هو شأن كل ما عدى الله سبحانه وتعالى. لأن الممكن لا يقتضي حسب ذاته الوجود أو العدم. في حين أن وجود الواجب من ذاته وبذاته .

الواجب : هو الموجود الذي يستند في وجوده إلى ذاته. أما الممكن فوجوده يكون من غيره ولا يرتبط بذاته .

الفتح القريب : إنه مصطلح عرفاني يقال لما هو ظهور بالكمالات الروحية والقلبية بعد اجتياز منازل النفس وإليه يشير قوله : نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ.

الفتح المبين: وهو أيضاً من المصطلحات العرفانية التي تقال للظهور بمقام الولاية والتجلي بأنوار الأسماء الإلهية ويبعث هذا التجلي على إفناء صفات الروح والقلب وإثبات الكمالات الخفية السرية . وإليه يشير قوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مبيناً . الفتح المطلق : وهو من المصطلح العرفاني ومعناه التجلي بالذات الأحدي والفناء فيه باضمحلال رسوم الخلق وتعينانه .

الموثق: والموثوق والثقة. إنها مصطلحات روائية شائعة في علم الحديث حيث يقال للإمامي غير العادل الذي لا يكذب بأنه موثوق وكذلك لغير الإمامي الصادق اللسان واللهجة .

المرسلة: مصطلح رائج في علم الحديث معناه عدم اتصال رجال السند ووجود سقط في السند .

المرفوعة : إنها مصطلحات علم الحديث وأنها عبارة عن نقل الحديث الشريف من دون ذكر السند .

عالم الحيوان: الحيوان نقيض الموت. وعالم الحيوان هو عالم الآخرة الذي لا موت فيه .

عالم الغيب: يراد من عالم الغيب ما يقابل عالم الشهادة المحسوسة المادية وهو أعم من الصور الذهنية والمعقولات المدركة. ومن عالم العقول المفارقة والنفوس المجردة. ومن عالم البرزخ وعالم الآخرة ومن عالم الأسماء والصفات والصقع الربوبي.

البرزخ : الواسطة بين شيئين فيقال البرزخ للعالم المتوسط بين عالم الأجسام المادية الكثيفة العنصرية وعالم الأرواح المجردة الغيبية .

الخيال : من القوى الباطنية في الإنسان الخيال ويقال له المصورة أيضاً ودوره هو حفظ الصور الموجودة في باطن الإنسان .

عالم الشهادة: إن عالم الشهادة هو عالم الأجسام والمادة والحوادث والتغيرات . ويسمى الملك وعالم الناسوت . وإنه لدى صدر المتألهين كالقشر بالنسبة إلى أيضاً بعالم عالم الملكوت حيث يقول : إعلم أن الشهادة كالقشر بالإضافة إلى عالم الملكوت وكالقالب بالقياس إلى عالم الروح .

التواتر : إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب وهو اصطلاح أهل الحديث .

الإجماع: في الفقه اتفاق جمع من الفقهاء العظام يعلم بأن المعصوم (علیه السّلام) يكون أحدهم. وقد قيل بأن الإجماع المنقول ليس بحجة والمحصل منه ليس بحاصل كما ينقل من علم أصول الفقه. وأما الإجماع في الفلسفة فهو الإرادة المؤكدة التي تبعث على حركة الأعضاء .

الطهارة الواقعية: وهي الطهارة الحاصلة في الواقع والحقيقة. وأما الطهارة الظاهرية فهي المحكومة بالطهارة شرعاً حسب الاستصحاب للحالة السابقة أو إجراء

أصالة الطهارة رغم كون الواقع مخالفاً للظاهر بعض الأحيان والعبادات مرتبطة ومشروطة بالطهارة الظاهرية دون الواقعية إلا إذا تبين الخلاف بعد إتيان العمل العبادي بصورة تقنية.

القواعد الفقهية : إنها مجموعة قواعد فقهية مستكشفة ومقتنصة من الأحاديث الصحيحة المأثورة عن أهل البيت (علیهم السّلام) تكون محل اتفاق وتسليم جل العلماء لولا كلهم مثل قاعدة على اليد ما أخذت حتى تؤدي. وقاعدة الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم. وقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام . . .

جنة الذات : ذهب علماؤنا الكبار إلى أن للجنة مراتب و درجات ترتبط بمراتب إيمان الإنسان وشموخه. وأبرزها «جنة الذات واللقاء» وهي الدرجة السامية الرفيعة التي تكون لمن بلغ مقام الفناء في الله والجذبات الغيبية الذاتية .

ثم تكون «جنة الأسماء والصفات» وهي جنّة من قويت إرادته واشتدت عزيمته على تهذيب النفس وتحليها بالأسماء والصفات الإلهية ثم «جنة الأعمال» التي يتحدث عنها القرآن الكريم بقوله سبحانه (فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين) والتي تكون لمن تطابقت أعمال الإنسان وأفعاله وحركاته وسكناته مع الشريعة الإسلامية .

هيّم وهيمان : الحالة التي تستولي على الإنسان نتيجة العشق المفرط والجذبة التي تسلب عن الإنسان الوعي والانتباه وتبعث على الحيرة والنسيان حتى عن الذات .

الجبروت : يطلق عالم الجبروت على عالم العقول المجردة وقال صدر المتألهين : إن عالم الجبروت هو عالم العقول الكلية كما يطلق لدى بعض الفلاسفة على عالم البرزخ ولدى أبو طالب المكي على الأسماء والصفات .

الفناء : إنه مصطلح عرفاني ويراد منه حيناً زوال شعور السالك من جراء استيلاء الحق سبحانه على باطنه. وحيناً آخر زوال الأوصاف المذمومة من الإنسان وظهور أوصاف ممدوحة وحسنة فيه. كما أن للفناء مراتب ثلاثة :

أ - فناء المريد في المراد وهو تحول صفات المريد إلى صفات المراد وتأثره التام بشيخه ومراده .

ب - الفناء في الرسول وهو التجلي بصفات النبي والرسول .

ط - الفناء في الله وهو تبديل صفات الإنسان إلى صفات الله يقول الغزالي «والمرتبة

الرابعة من التوحيد أن لا يرى في الوجود إلا واحداً وهو مشاهدة الصديقين ويسميه الصوفية الفناء في التوحيد لأنه من حيث لا يرى إلا واحداً لا يرى نفسه أيضاً».

الملكوت: هو عالم المجردات. ويقال الملكوت الأعلى لعالم العقول والنفوس المجردة والملكوت الأسفل لعالم المثال وهو عالم النور ويسمى بأنوار الملكوت .

الضعيف : كل سند حديث يشتمل على راو واحد أو أكثر يتصف بانحراف في سلوكه أو شخصيته. يكون ذلك الحديث ضعيفاً .

الفيض المقدس: إن الفيض الإلهي ينقسم إلى الفيض الأقدس والفيض المقدس وبالأول تحصل الأعيان الثابتة واستعداداتها في العلم. وبالثاني تحصل تلك الأعيان في الخارج. وقد عبر عن الفيض المقدس بالنفس الرحماني .

الفيض الأقدس : راجع الفيض المقدس.

الأزل : ما لا أول له ويقابله الأبد الذي لا آخر له .

الصور الغيبية الملكوتية : إشارة إلى الموجودات المجردة الملكوتية .

اللقاء : يعبر الصوفيون عن ظهور المعشوق لدى العاشق باللقاء فعندما يقولون لقاء الله يريدون منه تجلي الحق عزّ وجلَّ سبحانه للعبد .

المثل الأفلاطونية : المثل هو الأمر المشابه للشيء . وقد قال أفلاطون إن لكل نوع من الأفراد الخارجية العينية مثال ومشابه ثابت لا يتغير رغم أن الأفراد متغيرة وزائلة وعلم الإنسان يتعلق بذلك الفرد الثابت الكلي ولهذا علمنا يبقى والمصاديق تفنى .

التجلّي : إن العرفاء والفلاسفة الإسلاميين يسمون انكشاف حقائق أنوار الغيب على القلوب الصافية الطاهرة النقية بالتجلي وهذا التجلي على قسمين :

التجلّي الذاتي : وهو انكشاف الحقائق الغيبية من وراء الحجب .

التجلّي الصفاتي : وهو تجلي الصفات والأسماء والحجب النورية.

وقال صدر المتألهين: أن يلحق تجلياً واحداً على الأشياء وظهوراً واحداً على الممكنات وهذا الظهور على الأشياء هو بعينه ظهور الثاني على نفسه في مرتبة الأفعال فإنه

سبحانه لغاية تماميته وفرط كمال فضل ذاته من ذاته . . . وهذا الظهور الثاني لذاته على نفسه لا يمكن أن يكون مثل ظهوره الأول .

البرزخ : هو الحال والمتوسط بين شيئين ويطلق عالم البرزخ على عالم المثال لأنه الحد الفاصل بين الأجسام الكثيفة وعالم الأرواح المجردة .

الصورة الغيبية الملكوتية: راجع الملكوت .

الوجود المطلق: يراد من الوجود المطلق الله سبحانه وتعالى الذي لا يحدّ بحدّ. ويقابله الوجود المقيد مثل وجود الجماد والنبات والمعادن والعقول والنفوس و . . .

الماهية : اشتقت الماهية من الماهوية حيث تكون الياء للنسبة والتا للمصدر فقلبت الواو ياء وادغمت في الياء فصارت الماهية، ومعناها حقيقة الشيء وما به يكون الشيء شیئا.

الجذبة : يقصد منها تارة تقرب العبد إلى الله سبحانه من دون تعب ومعاناة بل إن الله عزَّ وجلَّ قد وفر له كافة متطلبات مثل هذا التقرب. وأخرى تقريب الله سبحانه لعبده نحو غاياته الأزلية من دون صعوبة ومشكلة .

الولي : إنه مصطلح عرفاني ومعناه هو الإنسان الفاني في الحق جل جلاله ويستمر

في هذه المشاهدة من دون أن يعرف شيئاً عن نفسه أو عن غيره.

ويقال إنّ أولياء الله على أقسام :

أ - الأقطاب .

ب - الأفراد .

ج - الأوتاد .

د - البدلاء .

هـ - النجباء والنقباء .

النفس الرحماني : راجع الفيض المقدس.

الأبدال : قالوا إن للأرض أقاليم سبعة . ولكل اقليم شخص من عباد الله الصالحين حيث يقوم بدور المحافظة على ذلك الإقليم ويعبر عن هؤلاء الأشخاص بالأبدال. وقيل

إن الأبدال هم الذين تجردوا عن القيود المادية، وأزالوا الحجب المادية عن أنفسهم واستطاعوا أن يتشكلوا بالأشكال المختلفة .

الأبد : ما لا آخر له .

أبد الآباد : الإمتداد الوجودي الذي لا حد له .

الأبرار: مصطلح أخلاقي عرفاني والبر هو الذي يعكف على إصلاح البلاد والعباد .

الإتحاد: يعبر العرفاء عن مقام الكثرة في الوحدة بمقام الاتحاد .

الإتصال الوجودي: وهو بلوغ المحبوب إلى صفات الحبيب واتصافه بصفاته .

الأجناس العالية : جعل أرسطو جميع الموجودات مندرجة تحت مقولات عشرة أحدها جوهر والتسعة الباقية عرض واعتبر كل واحد من هذه المقولات العشرة جنساً عالياً فتكون المقولات العشرة أجناساً عالية ويقال لها الأجناس الفوقانية والأجناس العشرة .

الأحد: هو كل شيء لا يكون له مثيل من جنسه وهو أخص من الواحد لأن الواحد قد يطلق على الأحد الذي لا ثاني له من الأفراد وعلى المتعدد الذي توجد فيه جهة الوحدة حتى إذا كانت اعتباراً. ومن هذا المنطلق يقال مقام الأحدية لذات الباري تعالى باعتبار تجرده من كافة التعينات والصفات والمفاهيم ومقام الواحدية باعتبار الأسماء والصفات والفرق والتفصيل . الأحوال : مفرده حال وهو لدى الفلاسفة الكيفية النفسانية التي تطرأ على الإنسان ولم تترسخ بعد فيه . في حين أنَّ الملكة هي الهيئة النفسية الراسخة لدى الإنسان. ولدى العرفاء إن الحال عبارة عما يرد على القلب من دون إرادة ولا اكتساب مثل الحزن، الطرب ، الشوق .

أرباب الذوق : هم الإشراقيون الذين يعتقدون الوصول إلى حقائق الأشياء من خلال الشهود.

الاستغراق: توجه الفرد والغرق في بحر التوحيد حيث أنَّ العارف عند الذكر لا يلتفت إلى نفسه بل ينتبه إلى ذكره فقط .

الأعيان الثابتة : قد تطلق الأعيان على الموجودات الخارجية الأعم من الجواهر

والأعراض ولدى العرفاء على الحقائق الممكنة في علم الحق المتعالي.

الأفق الأعلى: غاية مقام الروح ومنتهاه .

الأفق المبين : يعبّر عن منتهى مراتب كمال القلب بالأفق المبين .

الأنوار المجردة : ذهب شيخ الإشراق إلى أن الأشياء تنقسم إلى النور والظلمة كما أن المشائيين يعتقدون بالوجود والماهية والمجردات والأجسام ويقصد شيخ الإشراق من الظلمة الأجسام والماهيات. كما يقصد بالأنوار المحضة المجردة ما يساوي العقول المجردة لدى المشائيين .

ويقسم شيخ الإشراق النور إلى نور في نفسه لنفسه وهو النور المجرد وإلى نور من نفسه لغيره وهو النور العارض.

ثم إن الأنوار المجردة تتفاوت فيما بينها من المراتب النورية رغم أن جميعها أنوار إلهية مجردة وهي العقول الطولية لدى المشائيين وأعظمها وأشرفها نور الأنوار.

أول ما خلق: يعبر المشاؤون عن أول ما خلق الله بالعقل الأول ويرونه بسيطاً لا ماهية له لأن المبدأ الأول لا ماهية له. ويعبر الإشراقيون عنه بالنور الأول والنور الأقرب .

الأوليات : هي التصديقات والتصورات البديهية الضرورية التي يذعن الإنسان بها عندما يتصورها حيث يكون تصورها مساوياً للتصديق بها مثل استحالة اجتماع النقيضين واستحالة اجتماع الضدين وأن كل معلول يحتاج إلى العلة وهكذا .

أهل الذوق : إنه مصطلح عرفاني حيث يستوعبون حقائق العالم بالذوق لا من خلال البحث والجدال والاستدلال .

أهل السلوك : وهم السالكون لطريق الحقيقة والباحثون عن المقصد الأعلى. وهم ينقسمون إلى قسمين : المبتغون للمقصد الأعلى سبحانه وتعالى والمنشدون للدرجات السامية في الجنة .

أهل المراقبة : يرى العرفاء أن من يراقب سلوكه وأعماله ويخشى الله سبحانه ويراه حاضراً وشاهداً عليه يسمى بأنه من أهل المراقبة .

الباطل : يقال الباطل لأمور عديدة :

أ - مالا يكون صحيحاً .

ب - ما لا يكون محل اهتمام واعتناء .

ج - ما يكون لغواً وباطلاً .

برهان الإن: وهو ما يستدل به من المعلول على العلة ويسمى بالبرهان الاكتشافي .

برهان اللم : وهو الاستدلال على المعلول من خلال العلة على عكس برهان الإن.

البقاء بالله : إنه من المراتب العالية في السير إلى الله تعالى وهو يتحقق عندما ينقطع الإنسان عن كل ما سوى الله ويفني في الله سبحانه .

وفي البقاء بالله مراتب كثيرة مذكورة في محلّها .

البلاء : إن البلاء لدى العرفاء هو اختبار الأصدقاء وامتحانهم بالأنواع المختلفة من المصائب والآلام وكلما كانت المعاناة أكثر كلما كان القرب من الله سبحانه أشد .

تجسم الأعمال: إن علماء الإسلام فسّروا الثواب والعقاب وامتحانهم بالأنواع المختلفة تجسم الأعمال. قال صدر المتألهين في مقام توضيح معنى تجسّم الأعمال أنه لا شك في أن لكل عمل أثراً في النفس يوجب الملكات والفضائل والرذائل وأن لكل واحد من الملكات الفاضلة أو الرذيلة ظهوراً وهذا الظهور يختلف في موطن عن موطن آخر . وكما أن الأعمال الخارجية تؤثر في النفس وتظهر آثارها فيها فكذلك الكيفيات النفسية الفاضلة أو الرذيلة تؤثر في الخارج وتظهر آثارها فيه . ومن جملة المواطن (الآخرة) حيث تظهر آثار الكيفيات النفسية هناك فيكون مظهر الغضب في الآخرة النار المحرقة ومظهر العلم النافع النهر السلسبيل ومظهر أكل مال اليتيم ظلماً نار في بطونهم و . . .

التحلّي : إنه مصطلح عرفاني يستعمل فيما إذا تحلّى العبد بصفات الصديقين في أقواله وأعماله وأفعاله. وهو المسمى بالتحلية .

التخلّى : وهو إعراض العبد عن كل ما يبعده عن الحق سبحانه وتعالى ويسمى هذا بمقام التخلية .

التركيب : التأليف بين الأجزاء فإن كانت خارجية كان التركيب خارجياً وإن كانت اعتبارية كان التركيب اعتبارياً .

التضاد: أمران وجوديان بينهما غاية الخلاف على نحو يستحيل اجتماعهما في محل واحد .

التضايف : أمران وجوديان يستلزم تصور أحدهما تصور الآخر مثل الأبوة والبنوة.

التقابل : أمران وجوديان لا يجتمعان في محل واحد. وهو إما تقابل تضايف أو إيجاب وسلب أو تضاد أو عدم و وملكة .

التناسخ : التناسخ في الأحكام عبارة عن زوال حكم وتشريع حكم آخر محله . وفي التكوين تعلق النفس الناطقة للإنسان من بدن بعد موته ببدن آخر. وقد أبطله علماؤنا الأعلام ومنهم صدر المتألهين حيث قال : (فالتناسخ بمعنى انتقال النفس من بدن عنصري أو طبيعي إلى بدن آخر منفصل عن الأول محال سواء كان في النزول انسانياً كان وهو النسخ أو حيوانياً وهو المسخ أو نباتياً وهو الفسخ أو جمادياً وهو الرسخ أو في الصعود وهو بالعكس من الذي ذكرناه).

التوحيد: هو الإيمان والاعتقاد بالخالق الواحد وبطلان الإثنينيّة والتعددية وهذا التوحيد قد يكون ذاتياً وهو الإيمان بوحدانية الذات وقد يكون صفاتياً وهو صفاته سبحانه عين ذاته وقد يكون فعلياً وهو أنه لا مؤثر في الوجود إلا الله .

الجبر : إن الجبر لدى الفلاسفة والمتكلمين ما يقابل الاختيار. وإن مسألة الجبر والاختيار من المسائل الشائكة المعقدة لدى الفلاسفة عبر التاريخ حيث ذهب جمع إلى أن الإنسان مجبور في أعماله وسلوكه وذهب آخرون إلى أنه مختار وحر وطليق بكل معنى الكلمة وذهب ثالث وهو مذهب أهل البيت (علیهم السّلام) إلى أنه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين .

الجلال : إن الجلال من صفات قهر الله سبحانه وغضبه والتي تسمى أيضاً بالصفات السلبية. مثل الجسم والحدود.

الجمال : إنه من صفات الرحمة الإلهية وتسمى بالصفات الثبوتية أيضاً مثل العلم والقدرة .

الجمع : للعرفاء مصطلح الفرق وهو حجاب الخلق للعبد عن الحق سبحانه حيث يرى الإنسان الخلق بعيداً عن الله سبحانه، وهو مقام الفرق وأما مقام الجمع فهو مشاهدة

الحق من دون انتباه إلى الخلق حيث لا يكون الخلق حجاباً للعارف. وهذه هي مرتبة الفناء .

جمع الجمع : إنه مقام مشاهدة الحق عزَّ وجلَّ في جميع الموجودات والمخلوقات وهو مقام البقاء بالله .

الجنس: إن الجزء الذاتي المشترك بين الأنواع المختلفة الحقائق يسمى لدى المناطقة بالجنس وهو قد يكون جنساً عالياً وقد يكون جنساً سافلاً وقد يكون جنساً متوسطاً.

الجوهر : هو الوجود المستقل الذي لا يفتقر إلى محل ولا أنه تابع لشيء آخر في حين أن العرض تابع ومحتاج إلى شيء آخر وهو على أقسام خمسة، لأن الجوهر إما جسم أو مفارق وروحاني والأول إما حال وهو الصورة وإما محل وهو المادة وإما مركب من الحال والمحل وهو الجسم والثاني إما يحتاج في فعله إلى التعلق بالجسم فهو نفس وإما لا يحتاج إلى شيء أبداً في فعله فهو العقول المجردة.

الحدوث : الوجود بعد العدم ويقابله القدم.

الحال : الكيفيات غير الراسخة لدى الإنسان تسمى بالحال وما كانت راسخة منها فهي ملكات .

الحجاب : يقصد العرفاء من الحجاب العوائق التي تتوسط بين العاشق والمعشوق .

الحس المشترك : القوة النفسانية المودعة لدى الإنسان التي ترد عليها صدر المحسوسات الظاهرية بأسرها.

الحضرة الأحدية: يعبر العرفاء عن المتعين الأول في المراتب الإلهية بالحضرة الأحدية ثم تكون مرتبة الألوهية والواحدية.

حكمة الإشراق : هي فلسفة الإشراق القائمة على الكشف والإشراق الذي هو ظهور الأنوار العقلية ولمعانها وفيضانها بالإشراقات على الأنفس عند تجردها .

الحكمة العملية : يسمى العلم بأحوال الأشياء والموجودات التي تقع تحت قدرة

الإنسان بالحكمة العملية وقسموها إلى ثلاثة أقسام : تهذيب الأخلاق، تدبير المنزل، سياسة المدن .

الحكمة النظرية : وهي العلم بأحوال أشياء لا تقع تحت حيطة الإنسان وقدرته وتنقسم إلى أقسام ثلاثة أيضاً هي العلم الأعلى أو علم ما بعد الطبيعة والعلم الأوسط وهو العلوم الرياضية والعلم الأدنى وهو العلوم الطبيعية .

الحلول : إن نفوذ شيء في شيء آخر ودخوله فيه عبارة عن الحلول. ولدى الفلاسفة هو حلول الشيء في الشيء بأن يكون وجود الحال في نفسه عين وجود المحل .

الحيرة: التردد والتحير حيث يعيش الإنسان حالة من التفكر والتأمل في أسرار الربوبية، ويحترق بنار التحير .

الدهر: له معان كثيرة، منها : الفترة الطويلة، الدوام والأبدية، آلاف السنين .

الدهري: إنه الرافض للخالق الكريم الملحد به القائل بأن الموجودات قد وجدت على أساس الدهر والطبيعة .

الذوق : قوة رتبت في العصب المفروش على جرم اللسان يدرك الطعوم من الأجسام المماسة المخالطة للرطوبة العذبة اللعابية .

رب الأرباب : هو ذات الحق سبحانه الذي منه الحول والحركة وإليه المنتهى.

الروح: ذهب الفلاسفة إلى أن هناك في جانب الجسم والبدن أمور ثلاثة : القلب، الروح البخارية أو النفس، الروح المجرد. أما القلب : فهو الجسم اللطيف الموجود على الجانب الأيسر من داخل الصدر وهو مركب للروح البخارية التي هي الروح الحيوانية الباعثة على الحياة والحس والحركة التي توجد لدى جميع الحيوانات. وتكون الروح البخارية هذه مركباً للروح المجردة وعليه تكون الروح البخارية برزخاً بين القلب والنفس الناطقة المجردة .

الترويض : هو بمعنى تهذيب الأخلاق، لأن السالك لا بد له من تحمّل المشاق النفسانية والابتعاد عن الرغبات والأهواء حتى يتم تهذيب الأخلاق له .

قال بعض العارفين : كلما روض الإنسان نفسه أكثر ، كلما كان ارتباطه بالله أشدّ .

سبع المثاني : سورة الفاتحة .

السرمد : ما لا أول ولا آخر له.

الصحو : العود إلى الانتباه واليقظة بعد أن كان في غيبوبة.

الصعق : هو لدى العرفاء الفناء في الحق في مقام التجلي الذاتي .

الطمس : فناء الصفات في صفات الحق تعالى .

العارف: هو الإنسان الذي بلغ مرتبة شهود الذات والأسماء والصفات بواسطة المكاشفة لا العلم والمعرفة .

العالم العلوي : العالم المجرد الغيبي المقابل للمادة والماديات .

العشق: الحب المفرط نحو شيء أو انسان أو غير ذلك. وهو من العشقة وهي اللبلاب التي تلتوي على الشجرة وتبعث على ذبولها وتساقط أوراقها والقضاء على حياتها نهائياً.

ذهب صدر المتألهين إلى أن العشق ينقسم إلى أقسام ثلاثة :

العشق العالي الأكبر: وهو العشق إلى لقاء الحق المتعالي الكامل المطلق قال الفلاسفة إن هذا النوع من العشق موجود لدى جميع الموجودات لأن جميع الكائنات تهوى الكمال والكمال المطلق هو الله تعالى ولولا مثل هذا العشق في فطرة كل متحرك لما تحرك .

العشق الأوسط : هو حب حب العلماء والحكماء في التفكر في صنع الله تعالى

العشق الأصغر : وهو العشق الظاهري المادي.

العقل : في اللغة بمعنى الفهم وفي الفلسفة استعمل تارة بمعنى الجوهر المستقل ذاتاً وفعلاً الذي يُعبر عنه بالعقل المفارق. وأخرى بمعنى المدرك للكليات .

العقل الأول : إن أول ما صدر عن الحق المتعال لدى المشائين يسمى بالعقل الأول ولدى الإشراقيين بالنور الأول.

العقل بالهيولى : وهو أن القوة العاقلة تعيش حالة القوة المحضة تجاه الإدراك .

العقل بالملكة : وهو ما إذا أدركت القوة العاقلة الأوليات والبديهيات .

العقل بالفعل : إذا أدركت القوة العاقلة القضايا النظرية التي تحتاج إلى دليل وبرهان فحينئذ تسمى بالعقل بالفعل .

العقل بالمستفاد: إن القوة العاقلة التي تجيب على كل سؤال وتحلّ كل معضلة من دون ترو ولا تفكر فهي قد بلغت مرتبة العقل بالمستفاد .

العقل العملي : العقل العملي والعقل العاملة هو الذي يدرك الحسن والقبح.

العقل النظري : هو العقل الذي يدرك ويسمى أيضاً بالعقل العالمة .

العقول العشرة : يؤمن الفلاسفة انطلاقاً من لزوم السنخية بين العلة والمعلول بالعقول العشرة على مذهب المشائين وبأكثر منها على مذهب الإشراقيين ويعتقدون بأن الله سبحانه قد خلق أول ما خلق العقل الأول أو النور الأول ومنه باعتبار علمه بواجب الوجود صدر العقل الثاني وباعتبار إمكانه المواد الأول وهكذا حتى بلغت العقول إلى العشرة أو أكثر وحصلت السنخية بين العقل العاشر وعالم المادة .

العلة التامة : إنها العلة التي يوجد المعلول عند وجود العلة بنفسها .

العلة الصورية : ما تكون شيئية الشيء به فللبيت صورة بها يكون البيت بيتاً وهكذا .

العلة الغائية: وهي التي تحرك الفاعل وتدفعه نحو الفعل والتي تتقدم في الذهن على جميع العلل .

العلة الفاعلية : إن المفيد للوجود والمفيض للصورة التركيبية يسمى بالعلة الفاعلية .

العلة المادية : وهي المواد والمادة التي تكون محلاً للصورة.

العلة الناقصة : إنها العلة التي لا يجب المعلول عند وجود العلّة .

العلم الحصولي : هو حصول، وارتسام ماهية شيء لدى الذهن .

العلم الحضوري: هو حضور نفس الشيء ووجوده لدى الذهن مثل تصور الإنسان لنفسه.

العلم اللدني: العلم الذي يفاض من قبل الله سبحانه مباشرة من دون واسطة في

الفيض كما قال الله سبحانه (وآتيناه من لدنا علماً) .

العلوم الحقيقية : إن العلوم التي تحصل للإنسان عن طريق الكشف والمشاهدة تسمى بالعلوم الحقيقية .

عنقا : يقول العرفاء أن طائراً قدسياً يسمى بعنقا يعيش على جبل قاف.

الغيب : ما يقابل عالم الشهود وهو مقام الجمع لدى العرفاء .

الفرق : إنه اصطلاح عرفاني يقابل الجمع . (راجع الجمع).

الفصل : مصطلح منطقي يقال لما يكون مميزاً جوهرياً للأشياء ومقسماً للأجناس .

الفيض الأقدس : راجع الفيض المقدس.

القيام الحلولي : مثل قيام العرض بمعروضه .

القيام الصدوري : مثل قيام المعلول بعلته .

الكتاب الجامع : إن المقصود من الكتاب الجامع نفس الإنسان من جهة أنها جامعة لجميع مراتب الكمالات التي دونها وأنها العالم الصغير المشابه للعالم الكبير .

الكشف : هو زوال الحجاب والوقوف على ما وراء الحجاب من حقائق الأشياء .

اللاهوت : إنه مقام الواحدية ومقام الجامع باعتبار جامعيته للأسماء والصفات.

المادة : يسمى لدى الفلاسفة الجوهر الجسماني الذي يكون تحققه ووجوده بالصورة ويكون قابلا للتغيير والتبديل .

مادة المواد : هي ما تكون فعليته بالقوة وهي موجودة في جميع الأشياء المادية .

المحق : هو فناء الوجود في ذات الحق سبحانه .

المحو : هو فناء الأفعال في أفعاله عز وجل .

المعقولات الأولية : المفاهيم الكلية التي لها مصاديق خارجية مثل الإنسان والشجر والحجر .

المعقولات الثانية : وهي المفاهيم الكلية التي لها مصاديق في الذهن مثل الكلية والجزئية العارضتان على الكلي والجزئي .

المفارق : الوجود البسيط الغيبي المجرد الذي يقابل المادة .

الملأ الأعلى : عالم الغيب .

عالم المُلك : إن عالم الملك - بضم الميم - هو عالم العناصر والماديات من صغيرها إلى أكبرها .

الناسوت : هو عالم الأجسام والجسمانيات

الوجود الحقيقي : قد يطلق الوجود الحقيقي على وجود الواجب المتعال وقد يطلق على الوجود الحقيقي العيني الخارجي .

الوجود الرابطي : إن ما كان وجوده في نفسه عين وجوده لغيره يسمى بالوجود الرابطي كما يطلق على ما هو رابط محضر مثل الروابط والنسب المتحققة بين الموضوع والمحمول .

الولي : يسمى قيام العبد بالحق سبحانه في مقام الفناء عن نفسه بالولي . وهو على قسمين الولاية العامة وهو قيام المؤمنين بالله تعالى واشتراكهم جميعاً في ذلك . والولاية الخاصة وهو المخصوص بأرباب السلوك ويكون ذلك بفناء العبد في الحق وبقائه به .

المشائيون : أصحاب المذهب الفلسفي القائل بأن اكتشاف المجهول والبلوغ إلى الحقائق العلمية ينحصر في الاستدلال والبرهان دون ترويض النفس والإشراق كما يذهب إليه أصحاب الإشراق.

العزم: لدى الصوفية والعرفاء هو تحقق القصد لإنجاز العبادات وترويض النفس ولدى الفلاسفة هو الإرادة الشديدة والجزم الأكيد .

جهنم: محل العذاب والعقاب للإنسان، ولها مراتب ودرجات ثلاثة :

جهنم الأعمال : وهو ما يستحقه الإنسان من العذاب نتيجة انحرافه عن التعاليم الدينية ولكن ملكاته النفسية الخلقية ذات فضيلة وحسنة .

جهنم الأخلاق والملكات : وهي الدرجة التي تكون أشدّ إيلاماً من جهنم الأعمال، لأنها تتكون نتيجة ملكات رذيلة وأخلاق فاسدة متجذرة في الإنسان .

جهنم الذات: وهو مقام من ألحد بالله تعالى أو أشرك به وهو أسوأ الدرجات عذاباً وإيلاماً.

الصناعات الخمس : الصناعة اصطلاحاً ملكة نفسانية وقدرة مكتسبة يقتدر بها على استعمال أمور لغرض من الأغراض صادراً ذلك الاستعمال عن بصيرة بحسب الإمكان، وهذه الأمور هي: البرهان، الجدل، الخطابة، الشعر، المغالطة.

الغضب : الغضب هو الشوق نحو دفع المضارّ وما يتنافى مع الطبع ومبعثه هو حفظ بقاء النوع والمحافظة على الذات .

الشهوة: هي الرغبة الشديدة نحو ما يتلائم مع النفس وتلتذ به .

التزاحم : إن التزاحم لدى أصول الفقه تهافت المأمور به والمنهي عنه لدى الإمتثال والتنفيذ فيتقدم الأهم على المهم أو ما ليس له بدل على ما له بدل أو ما هو مضيق على ما هو موسع ونحو ذلك من المقاييس المذكورة في أصول الفقه .

القلب : لدى علماء الطبيعة عضو صنوبري الشكل ومخروطي الصورة ولدى الفلاسفة حقيقة عينية خارجية روحانية تتعلق بالروح البخارية المتصاعدة من القلب . ولدى العرفاء إن روح الإنسان تتقلب بين وجهين وجه يلي الحق ووجه يلي النفس وهذا الوجه المسمى بالقلب . ثم إن المعرفة في القلب ذات مراتب هي : -.

المرتبة العلمية: وهي إيمان الإنسان بشيء أثر الأدلة القوية القائمة على ذلك ويسمى أيضاً بعلم اليقين . مثله من يعتقد بالنار بواسطة الدليل والبرهان بالشيء.

المرتبة الإيمانية : وهي أعلى من سابقتها اذعاناً وتصديقاً إذ تكون نتيجة المشاهدة من بعيد ويسمى بحق اليقين وذلك كمثل الإنسان الذي يرى النار من بعيد .

المرتبة الشهودية : وهي المرتبة المسماة بمرتبة عين اليقين وهي التي يعيش الإنسان مع الشيء المبحوث عنه مثل من يحترق بلهيب النار ويؤمن بها من جراء الاحتراق .

التجلي الأول : هو التجلي الذاتي المسمى بالحضرة الأحدية .

التجلي الثاني : عبارة عن ظهوره سبحانه في عالم الأعيان الممكنة التي هي من شؤونه عز وجل .

التجلي الثالث: هو التجلي الشهودي الذي يحصل لدى الفتح (راجع الأقسام الثلاثة للفتح).

التجلي الجلالي : وهو المسمى بتجلّي القاهرية والمالكية حيث يوجب هذا التجلي القهر والغضب والابتعاد عن الله تعالى .

التجلي الجمالي : وهو التجلي بالرحمانية والرحيمية حيث يوجب الرعاية واللطف والرحمة. ومن المعلوم أن كل ما هو تجلي جمالي يستلزم التجلي الجلالي لأن التجلي الجمالي هو تجلي الحق على حقيقته لذاته عز اسمه وهذا معناه احتجاب الحق سبحانه بحجاب العز والكبرياء عن غيره وهذا هو التجلي بالجلال. كما أن كل تجلي بالجلال يستلزم التجلي بالجمال .

المشاهدة : إن المشاهدة هي عبارة عن حضور الحق جلّ وعلا ولا تحصل هذه المشاهدة إلا عند من يرى نفسه قائماً بالشهود به لا بنفسه ولا يتم ذلك إلا بفناء الشاهد في المشهود.

المكاشفة : إنها أقل من المشاهدة بقليل رغم تقارب المعنيين حيث تكون المكاشفة من قبل علم اليقين والمشاهدة هي حق اليقين .

الواحد : الواحد يقابل الكثرة وينقسم حسب متعلقه إلى الأقسام التالية :

أ - الواحد بالاتصال وهو ما يكون قابلاً للتقسيم إلى مقادير متساوية .

ب - الواحد بالتركيب وهو ما كان متكثراً في الحقيقة ولكن التأليف والتركيب جعله واحداً .

ج - الواحد بالنوع وهو ما إذا كان النوع واحداً لأفراد كثيرة .

د - الواحد بالموضوع مثل أن يكون موضوع واحد لأكثر من محمول.

هـ - الواحد بالشخص: وهو ما كان واحداً مفهوماً ومصداقاً.

و - الواحد بالجنس: وهو اندراج أنواع مختلفة تحت جنس واحد .

ز - الواحد بالفصل: مثل اختلاف المصاديق بالأعراض رغم اندراج جميع المصاديق تحت فصل واحد .

ح - الواحد بالذات وهو ما كان واحداً بالموضوع أو بالشخص أو بالجنس أو بالنوع .

ط - الواحد بالعرض : وهو اشتراك أكثر من واحد في عرض واحد .

ي - الواحد بالطبع : وهو اشتراك أكثر من فرد واحد في طبيعة واحدة مثل اشتراك عدة أفراد كروية .

الأسماء : عالم الأسماء هو عالم الحقائق التي تلازم واجب الوجود فالمقصود من الأسماء ليس هو لفظ العالم والقادر بل المسمى بالعالم والقادر وأما الألفاظ هذه فهي أسماء الأسماء. وكذلك بالنسبة إلى صفات الله تعالى فهي ليست عبارة عن الأعراض الزائدة على الذات لأن هناك صفات تكون عين ذاته تعالى .

التوحيد الذاتي : هو أن ذاته واحد .

التوحيد الصفاتي : هو أن صفاته عين ذاته.

التوحيد الفعلي : هو أن ترى بأنه لا مؤثر في الوجود إلا الله .

الهيولى : هو المادة الأولى للعالم. ففي كتاب إخوان الصفا هيولى الأولى جوهرة بسيطة روحانية قابلة من الصور والأشكال بالزمان شيئاً بعد شيء فإذا صدرت قبلت الهيولى الطول والعرض والعمق فكانت بذلك جسماً مطلقاً هو الهيولى الثانية .

القوة: ما كان مبدأ التغيير في شيء آخر حيث هو آخر .

الجعل البسيط : وهو المسمى بالجعل الابداعي وهو مفاد كان التامة وجعل الشيء .

الجعل المركب : هو جعل الشيء متصفاً بصفة أو أثر مثل جعل الإنسان ضاحكاً.

الكثرة في الوحدة : قال الفلاسفة بأن الوجود رغم كونه واحداً يكون جامعاً لجميع مراتب الكمال والكثرات. وأن الموجودات رغم كونها متكثرة ولكنها فانية من حقيقة واحدة لأنها ظل للوجود البسيط الواحد بالوحدة الحقيقية .

الخاتم: الإنسان الذي انهى المقامات والمراحل وبلغ النهاية يكون في مقام الخاتم .

النفوس الثيولانية : وهي النفوس البشرية التي تكون في مرتبة بالقوة.

اللطائف السبعة : هي الجسم النفس، القلب الروح ، السّر الخفي، السر الأخفى .

مقام الأمر بين الأمرين : قال الإمام الصادق (علیه السّلام): لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين.

الأسماء السبعة : هي الحياة، العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام.

غيب الغيوب: الغيب المكنون والغيب المصون الذي هو مقام أحدية الجمع .

غيب الهوية : هو الغيب المطلق الذي هو ذات الحق سبحانه .

الآفاق : الكائنات الخارجية المحسوسة المسماة بكتاب التكوين .

الأنفس: الموجودات الغيبية المجردة سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم.

الطمس : فناء صفات العبد في صفات الحق المتعالي .

المحق : هو المحو أي فناء الوجود في ذات الحق سبحانه، بل يكون فوق المحو لأن المحو يترك أثراً بعد الفناء في حين أن المحق لا يترك أثراً أبداً وإن المحق بطىء الزوال ولكن المحو ليس كذلك .

الصحو: اليقظة والانتباه بعد المحو .

الصعق : الفناء في الحق في مقام التجلي الذاتي. (راجع التجلي).

القوس الصعودي : سلّم الارتقاء من الأدنى إلى الأسمى .

القوس النزولي : سلّم النزول والهبوط من الأرفع إلى الأدنى.

مقام اللا مقام : اللا مقام هو الله سبحانه حيث يوجد في كل مكان .

العمى : إصطلح العرفاء على أن العمى مرتبة حقيقة الحقائق إذ أن الوجود إذا لوحظ على نحو الشرط لا من الإمكان والنقص كان ذلك مقام الأحدية وجمع الجمع وحقيقة الحقائق، هذه المرتبة التي تتلاشى فيها جميع الأسماء والصفات.

الحقيقة المحمدية : يقصد العرفاء من مصطلح الحقيقة المحمدية الذات الأحدي سبحانه باعتبار التعين الأول والمظهر للإسم الجامع.

حقيقة الحقائق : هو ذات واجب الوجود سبحانه.

الحقيقة الجامعة: الإنسان الكامل .

أسماء الأعلام

•

أحمد بن محمد بن مسكويه .

•

محمد بن يعقوب الكليني .

•

أحمد بن فهد صاحب كتاب عدة الداعي .

•

الشيخ مرتضى الانصاري .

•

الشيخ محمد باقر المجلسي

•

الشيخ محمد علي الشاه آبادي .

•

الشيخ محسن فيض الكاشاني .

•

الشيخ رجب علي .

•

علي بن سينا .

•

السيد علي بن موسى بن طاووس .

•

الشيخ عبد الكريم الحائري .

•

الشيخ مهدي بن أبي ذر النراقي صاحب كتاب جامع السعادات .

•

الشيخ أحمد بن مهدي النراقي صاحب كتاب معراج السعادة .

•

كمال الدين عبد الرزاق الكاشاني .

•

الخواجة عبد الله الانصاري .

•

الشيخ محمد بن حسين بن عبد الصمد البهائي العاملي .

•

الشيخ زين الدين الشهيد الثاني .

•

محمد بن علي بن بابويه الصدوق .

•

محمد بن إبراهيم الشيرازي صاحب الأسفار .

•

محيي الدين محمد بن علي المعروف بابن العربي .

•

محمد بن محمد بن الحسن الطوسي المعروف بخواجه نصير الدين الطوسي .

•

شهاب الدين محمد السهروردي .

•

فريد الدين محمد بن إبراهيم العطار النيشابوري .

•

القاضي سعيد بن محمد القمي.

•

محمد باقر المعروف بـ میر داماد .

أسماء الكتب

•

أصول الكافي .

•

الإرشادات والتنبيهات .

•

بحار الأنوار .

•

علم اليقين للفيض الكاشاني .

•

وسائل الشيعة .

•

خصال الصدوق .

•

نهج البلاغة .

•

فروع الكافي .

•

إتحاف سادة المتقين .

•

إحياء العلوم.

•

صحیح مسلم .

•

غوالي اللئالي.

•

المنهج القوي .

•

نهاية ابن الأثير .

•

الجامع الصغير .

•

قبسات میرداماد .

•

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق .

•

القرآن الكريم.

•

الاحتجاج للطبرسي .

•

مستدرك وسائل الشيعة .

•

تفسير مجمع البيان .

•

مفاتيح الجنان .

•

منازل السائرين - خواجة الأنصاري .

•

الاسفار - صدر المتألهين .

•

من لا يحضره الفقيه .

•

سفينة البحار .

•

روضة الكافي .

•

التجريد للمحقق الطوسي .

•

مرآة العقول .

عدة الداعي .

•

كشف الريبة .

•

المحجة البيضاء .

•

عقاب الأعمال .

•

علل الشرائع .

•

الخصال .

•

إخوان الصفا .

•

المجالس .

•

الأخيار .

•

عيون أخبار الرضا (علیه السّلام).

•

تفسير نور الثقلين.

•

تفسير علي بن إبراهيم .

•

معاني الأخبار .

•

سنن الدارمي .

•

حكمة الإشراق.

•

تفسير البرهان .

•

ثواب الأعمال .

•

فلاح السائل .

•

سلسلة الرعية الكبرى .

•

أمالي الشيخ الصدوق .

•

تفسير الصافي .

•

الوافي.

أمالي الطوسي .

•

التوحيد للصدوق .

•

الشفاء .

مؤلفات الإمام

1 - الجهاد مع النفس .

2 - سر الصلاة .

3 - آداب الصلاة .

4 - الأربعون حديثاً .

5 - كشف الأسرار

6 - الحكومة الإسلامية أو ولاية الفقيه.

7 - رسالة لقاء الله .

8 - مصباح الهداية .

9 - شرح على دعاء السحر .

10 - بلسم الروح .

11 - المنعطف .

12 - تفسير سورة الحمد.

13 - تفسير سورة العلق .

14 - تحرير الوسيلة .

15 - عروة الوثقى مع التعليقة .

16 - المكاسب المحرمة .

17 - البيع .

18 - طهارة الدماء الثلاثة .

19 - الخلل في الصلاة.

20 - زبدة الأحكام .

21 - رسالة في تعيين الفجر في الليالي المقمرة .

22 - توضيح المسائل .

23 - استفتاءات المجاهدين .

25 - الرسائل .

26 - تهذيب الأصول (تقرير).

27 - الطلب والإرادة .

28 - تعليقات على شرح فصوص الحكم.

29 - تعليقات على مصباح الانس.

30 - حاشية النور .

31 - صحيفة النور .

32 - رسالة الإمام إلى كورباتشوف .

33 - صحيفة الانقلاب.

34 - صرخة البراءة .

35 - رسالة المقاومة .

36 - المؤتمر العبادي السياسي للحج .

37 - رسالة الإمام إلى العلماء .

38 - جواب الإمام على رسالة الشيخ الأنصاري .

39 - نيل الأوطار في بيان قاعدة لا ضرر .

40 - رسالة في موضوع علم الأصول .

41 - رسالة تشتمل على فوائد .

42 - تعليقة على رسالة حديث رأس الجالوت .

43 - حاشية على شرح دعاء السحر .

44 - حاشية على الأسفار .

45 - حاشية على كفاية الأصول .

المحتويات

مقدمة الطبعة الرابعة ... 5

مقدمة المترجم ... 7

مقدمة المؤلف ... 19

الحديث الأول : «جهاد النفس» ... 21

مشايخ الإمام الخميني في الحديث ... 23

الشرح ... 30

المقام الأول : فصل : إشارة إلى المقام الأول للنفس ... 31

فصل : في التفكر ... 32

فصل : في العزم ... 34

فصل: في السعي للحصول على العزم ... 35

فصل: في المشارطة والمراقبة والمحاسبة ... 35

فصل: في التذكر ... 37

المقام الثاني : فصل : صراع جنود الرحمن مع جنود الشيطان الباطنية النفسية ... 39

فصل : إشارة إلى بعض القوى الباطنية ... 41

فصل: في بيان لجم الأنبياء لطبيعة الإنسان ... 44

فصل: في بيان السيطرة على الخيال ... 45

فصل: في المقارنة ... 46

فصل: في معالجة المفاسد الأخلاقية ... 53

الحديث الثاني: «الرياء» ... 57

الشرح ... 59

المقام الأول : لهذا النوع من الرياء درجتان ... 59

المقام الثاني : وفيه أيضاً مرتبتان ... 59

المقام الثالث : له أيضاً درجتان ... 60

المقام الأول : الرياء : فصل: الرياء في أصول العقائد والمعارف الإلهية ... 60

فصل: في بيان أنّ العلم يغاير الإيمان ... 61

فصل : في وخامة أمر الرياء ... 63

فصل : تنبيه علمي لاستئصال جذور الرياء ... 64

فصل : في الدعوة إلى الإخلاص ... 67

المقام الثاني : الرياء، وفيه ،فصلان الفصل الأول : الرياء في العمل ... 69

الفصل الثاني : خلق الله الإنسان لنفسه سبحانه ... 71

المقام الثالث الرياء، وفيه فصول فصل تلاعب الشيطان مع الناس من خلال المناسك والعبادات ... 73

فصل : في دقة أمر الرياء ... 74

فصل: في الدعوة إلى الإخلاص ... 78

فصل: في بيان حديث علوي ... 82

الحديث الثالث: «العجب» ... 87

الشرح ... 89

فصل في مراتب العجب ... 90

المرتبة الأولى ... 91

المرتبة الثانية ... 91

المرتبة الثالثة ... 92

المرتبة الرابعة ... 92

فصل : إن أهل الفساد قد يعجبون بفسادهم ... 93

فصل: في بيان أن حبل الشيطان دقيقة ... 94

فصل: في مفاسد العجب ... 96

فصل: في بيان أن حب النفس أساس العجب ... 100

الحديث الرابع: «الكبر» ... 107

الشرح ... 109

فصل: في بيان درجات الكبر ... 110

فصل: في الأسباب الأساسية للتكبّر ... 112

فصل : في مفاسد الكبر ... 116

فصل: في بيان بعض عوامل التكبر ... 121

فصل : في بيان معالجة الكبر ... 126

فصل : قد يكون الحسد سبباً للتكبر ... 134

الحديث الخامس: «الحسد» ... 137

الشرح ... 139

فصل: في ذكر بعض أسباب الحسد ... 140

فصل : في بعض مفاسد الحسد ... 141

فصل: في بيان جذور المفاسد الخلقية ... 146

فصل: في بيان المعالجة العملية للحسد ... 148

فصل: في ذكر حديث الدفع ... 149

الحديث السادس: «من أصبح وأمسى والدنيا أو الآخرة أكبر همّه» ... 151

فصل : في بيان كلام مولانا المجلسي - رحمه الله - في حقيقة الدنيا المذمومة ... 153

فصل: في بيان سبب ازدياد حبّ الدنيا ... 156

فصل: في بيان تأثير الحظوظ الدنيوية في القلب ومفاسده ... 158

فصل : الإنسان بفطرته يحب الكمال التام المطلق ... 163

الحديث السابع: «الغضب» ... 167

الشرح ... 169

فصل: في بيان فوائد القوة الغضبية ... 170

فصل: في بيان ذم الإفراط في الغضب ... 171

فصل: في بيان علاج الغضب المشتعل ... 176

فصل: في بيان أن معالجة الغضب باقتلاع جذوره ... 178

الحديث الثامن: «العصبية» ... 181

الشرح ... 183

فصل: في بيان مفاسد العصبية ... 184

الأربعون حديثاً

فصل: في بيان الصورة الملكوتية للعصبية ... 186

فصل : في عصبيان أهل العلم ... 189

الحديث التاسع : «النفاق» ... 193

الشرح ... 195

فصل: في بيان مراتب النفاق ... 195

فصل : في معالجة النفاق ... 198

فصل : في بيان بعض أقسام النفاق ... 200

الحديث العاشر : «اتباع الهوى وطول الأمل» ... 205

الشرح ... 207

المقام الأول : في ذم اتباع هوى النفس وفيه فصول ... 207

فصل : في بيان أن الإنسان عند ولادته يكون حيواناً بالفعل ... 207

فصل: في ذم اتباع الهوى ... 210

فصل: في تعدد هوى النفس ... 213

المقام الثاني : في ذم طول الأمل وفيه فصلان ... 214

فصل: في بيان أن طول الأمل ينسي الآخرة ... 214

فصل: موعظة حول طول الأمل ... 215

الحديث الحادي عشر : «الفطرة» ... 219

الشرح ... 221

فصل : في معنى الفطرة ... 221

فصل: في تحدد أحكام الفطرة ... 222

فصل : الدين من الفطرة ... 223

المقام الأول : في بيان أن أصل وجود المبدإ المتعالي جل وعلا من الأمور الفطرية ... 224

المقام الثاني : في بيان أن توحيد الحق المتعالي وصفاته الأخرى فطرية ... 228

المقام الثالث : في بيان أن المعاد فطري ... 229

الحديث الثاني عشر : «التفكّر» ... 231

الشرح ... 233

فصل: في بيان فضيلة التفكر ... 235

تتميم : في بيان التفكر الممنوع والمرغوب في ذات الحق ... 236

فصل : التفكر في الممنوع ... 241

فصل : التفكر في أحوال النفس ... 244

فصل: في فضيلة صلاة الليل ... 248

فصل: في بيان التقوى ... 252

فصل: في بيان تقوى العامة (عموم الناس) ... 253

الحديث الثالث عشر : «التوكل» ... 257

الشرح ... 259

فصل: في بيان معنى التوكل ودرجاته ... 259

فصل: في بيان الفرق بين «التوكل» و«الرضا» ... 263

فصل: في بيان الفرق بين «التفويض» و «التوكل» و«الثقة» ... 264

الحديث الرابع عشر : «الخوف والرجاء» ... 267

الشرح ... 269

فصل: في بيان نظرتي الإنسان العارف ... 269

فصل : قصور الإنسان الممكن من أداء عبادة الحق ... 271

فصل: في الفرق بين الرجاء والغرور ... 275

فصل : في سبب تعادل الخوف والرجاء ... 277

الحديث الخامس عشر : «البلاء» ... 281

الشرح ... 283

فصل: في بيان معنى الامتحان وآثاره وكيفية نسبته إلى الحق المقدس المتعالي ... 284

فصل: في بيان فلسفة شدة إبتلاء الأنبياء والأوصياء والمؤمنين ... 287

فصل : الأنبياء مبرؤون من العيوب الجسدية ... 292

فصل: في بيان أن الدنيا ليست محلاً لثواب الحق المتعالي وعقابه ... 294

فصل: إن شدة المعاناة الروحية توازي شدّة الإدراك ... 296

الحديث السادس عشر : «الصبر» ... 297

الشرح ... 299

فصل: في بيان أن أسر الشهوة مصدر لكل أسر ... 300

فصل: معنى الصبر وأنه نتيجة التحرر من قيود النفس ... 306

فصل : في نتائج الصبر ... 308

فصل: في درجات الصبر ... 312

فصل : في بيان درجات صبر المعرفة ... 313

الحديث السابع عشر : «التوبة» ... 315

الشرح : في بيان حقيقة التوبة ... 317

فصل : نقطة هامة ... 318

نقطة هامة ... 320

فصل: في أركان التوبة ... 321

فصل : في شروط التوبة ... 323

فصل: في نتيجة الاستغفار ... 329

فصل: في تفسير التوبة النصوح ... 330

تكميل : في بيان أن جميع الموجودات ذات علم وحياة ... 331

الحديث الثامن عشر : «الذكر» ... 333

الشرح ... 335

في الإحاطة القيومية الله تعالى ... 335

فصل : خصائص ذكر الله تعالى ... 337

فصل: في الفرق بين مقام التفكر والتذكر ... 339

فصل: في بيان أن الذكر التام هو الذكر البالغ إلى كل أطراف المملكة - جسم الإنسان - ... 341

فصل : في ذكر بعض الأحاديث في فضل ذكر الله ... 343

التاسع عشر : الغيبة ... 345

الشرح ... 347

فصل: في تعريف الغيبة ... 345

فصل : الغيبة ومساوئها ... 350

فصل : المفاسد الاجتماعية للغيبة ... 356

فصل: في علاج هذه الموبقة ... 358

فصل : الأولى ترك الغيبة في الموارد الجائزة ... 360

فصل : في بيان أن الاستماع إلى الغيبة محرم ... 362

تميم كلام الشهيد الثاني - رحمه الله - ... 364

الحديث العشرون: «النية» ... 367

الشرح ... 369

فصل : في الإشارة إلى توجيه نسبة الابتلاء إلى الحق تعالى ... 371

فصل: في بيان أن الخشية والنية الصادقة تبعثان على صواب الأعمال ... 372

فصل : في تعريف الإخلاص ... 376

فصل: في بيان الإخلاص بعد العمل ... 378

الحديث الحادي والعشرون: «الشكر» ... 383

الشرح ... 385

فصل: في توجيه عرفاني للآية الشريفة ... 389

فصل : في حقيقة الشكر ... 392

فصل: في كيفية الشكر ... 394

تكملة : في فضيلة الشكر على ضوء الأخبار المأثورة ... 397

تتميم ... 398

فصل: في تفسير كلمة «طه» وبيان كيفية دعوة رسول الله الناس إلى الله ... 399

الحديث الثاني والعشرون : «الإنسان وكراهته للموت» ... 403

الشرح ... 405

فصل : الجنة والنار عالمان مستقلان، تساق إليهما أعمال الإنسان ... 409

فصل : الشيطان والنفس تغرران بالإنسان إلى الهلاك بكل الوسائل ... 411

الحديث الثالث والعشرون: «المراء والجدل» ... 413

الشرح ... 415

فصل : كيفية حصول العلم الصحيح ... 419

فصل: مفاسد المراء والجدال ... 422

فصل : في المراتب الظاهرية والباطنية للمراء وآثارها ... 425

فصل: علامات أهل الفقه والفلسفة ... 428

الحديث الرابع والعشرون: «العلم» ... 431

الشرح ... 433

فصل : أقسام العلوم النافعة ... 434

فصل : تفسير كل من الآية المحكمة ، الفريضة العادلة، السنة القائمة ... 439

فصل : علامات العلوم النافعة ... 441

فصل : أقسام العلوم الدنيوية والأخروية ... 444

فصل : أقسام العلوم حسب ما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ... 446

الحديث الخامس والعشرون : «الشك والوسوسة» ... 449

الشرح ... 451

فصل : الوسوسة من الأعمال الشيطانية ... 453

فصل : معالجة الوسوسة عن طريق العلم والعمل ... 458

الحديث السادس والعشرون : «طالب العلم» ... 461

فصل: في بيان أن من سلك طريق العلم جعله الحق المتعالي من السالكين لطريقة الجنة ... 463

فصل : في بيان أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم حتى يطأ عليها ... 466

فصل : في بيان أنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض ... 469

فصل : في بيان أن فضل العالم على العباد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر وهي ليالي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ... 471

فصل: في بيان أن العلماء ورثة الأنبياء عليهم السلام ... 474

الحديث السابع والعشرون : «حضور القلب» ... 475

الشرح ... 477

فصل : كيفية حصول التفرغ للعبادة ... 477

فصل: مراتب حضور القلب ... 484

فصل : بيان بعض أسرار العبادة وتجسم الأعمال ... 489

فصل : في بيان أن التفرغ في العبادة يوجب الغنى في القلب ... 495

الحديث الثامن والعشرون : «لقاء الله» ... 501

الشرح ... 503

فصل : في لقاء الله وكيفيته ... 504

فصل: في بيان انكشاف بعض الأحوال الغيبية على الإنسان لدى موته ... 510

فصل : في بيان معنى حب الحق المتعالي وبغضه ... 515

الحديث التاسع والعشرون: «وصية النبي لعلي بخصال» ... 517

الشرح ... 519

مقدمة ... 520

فصل : في مفاسد الكذب ... 521

فصل: في حقيقة الورع ومراتبه ... 524

تتميم : في بيان مفاسد الخيانة وحقيقة الأمانة ... 527

في الإشارة إلى بعض أمانات الحق سبحانه ... 531

فصل: في بيان الخوف من الحق المتعالي ... 533

في بيان اختلاف الناس في مراعاة حضور الحق عز وجل ... 534

في فضل البكاء ... 536

في بيان وتوجيه المكافأة العظيمة على الأعمال البسيطة ... 537

فصل : في بيان عدد النوافل ... 539

في بيان استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر ... 541

في بيان فضيلة الصدقة ... 543

في بيان أمر دقيق آخر ... 546

في بيان سرّ من أسرار الصدقة ... 547

تتمة ... 548

ختام ... 549

فصل: في فضيلة صلاة الليل ... 550

في بيان الصلاة الوسطى ... 551

فصل: في فضل تلاوة القرآن ... 554

في بيان أن العبادة تؤثر في الشباب ... 556

في آداب تلاوة القرآن ... 557

الإخلاص في القراءة ... 558

في معنى الترتيل ... 560

فصل : في بيان رفع اليدين في الصلاة وتقليبهما ... 561

في بيان سر رفع اليدين لدى التكبير في الصلاة ... 563

في التنبيه إلى مكيدة من مكائد الشيطان ... 565

فصل : في فضل السواك ... 566

فصل: في بيان مبادىء محاسن الأخلاق ومساوئها المذكورة في نهاية وصية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ... 567

الحديث الثلاثون: «أقسام القلوب» ... 573

الشرح ... 575

مقدمة في الترغيب من إصلاح النفس ... 576

فصل: في بيان مصدر أقسام القلوب ومراتبها ... 577

في بيان وجه حصر أقسام القلوب في الأربعة المذكورة في الرواية ... 579

فصل: في بيان حالات القلوب ... 580

في بيان أن قلب المؤمن أزهر ... 580

في بيان أن المؤمن على الصراط المستقيم ... 581

في بيان مكائد الشيطان ... 582

تتميم : في بيان قلب المنافق، واختلافه مع قلب المؤمن ... 585

ختام: في بيان أن الغفلة عن الحق المتعالي تبعث على إنتكاسة القلب ... 586

الحديث الحادي والثلاثون : «إن الله عز وجل لا يوصف» ... 589

الشرح ... 591

فصل: في بيان المقصود من عدم توصيف الحق المتعالي ... 592

في بيان أن العلم بحقيقة الأسماء والصفات غير ميسور ... 595

فصل: في بيان أن العلم بحقيقة روحانية الأنبياء والأولياء لا يمكن أن يتم بالفكر والبرهان ... 596

فصل: في بيان معنى قوله عليه السلام كيف يوصف عبد احتجب الله عز وجل بسبع ... 598

فصل : في بيان معنى تفويض الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد هذا الحديث الشريف والأحاديث الكثيرة الأخرى ... 600

في إشارة إجمالية إلى معنى التفويض ... 602

فصل: في الإشارة إلى مقام الأئمة عليهم السلام ... 604

في بيان حقيقة العصمة ... 605

فصل: في بيان أن الإيمان لا يوصف ... 606

الحديث الثاني والثلاثون: «الرزق» ... 609

الشرح ... 611

فصل : شرح قوله عليه السلام «ولا يلومهم على ما لم يؤته الله» ... 611

فصل : في علامات صحة اليقين ... 614

في بيان أن الناس ينقسمون إلى قسمين ... 615

فصل: في نقل كلام المعتزلة والأشاعرة والإشارة إلى المذهب الصحيح في الرزق ... 616

فصل : الراحة في اليقين والقلق في الشك ... 618

الحديث الثالث والثلاثون: (ولاية أهل البيت «عليهم السلام» ... 621

الشرح ... 623

فصل : في الجمع بين الأخبار التي تحثّ على العبادة وترك المعصية وبعض الأخبار التي تخالفها ظاهراً ... 623

فصل: في بيان ولاية أهل البيت شرط لقبول الأعمال ... 632

الحديث الرابع والثلاثون : «المؤمن» ... 635

الشرح ... 637

تنبيه ... 640

فصل: في بيان التوجيهات المذكورة في نسبة التردد والتحير إلى الحق المتعالي ... 340

توجيه عرفاني ... 642

تتميم : في بيان توجيه آخر عن حديث التردد ... 645

فصل: في بيان أنّ الحق المتعالي يصلح أحوال المؤمنين بالفقر والغناء وغيرهما ... 646

فصل: في بيان أن الفرائض والنوافل تقرّب الإنسان من الله وبيان آثار ذلك حسب رأي أهل السلوك والعرفان ... 647

فصل : في نقل كلام الشيخ الأجل البهائي رضي الله عنه ... 652

في نقل كلام المحقق الطوسي ... 652

في نقل كلام المرحوم المجلسي ... 653

تتمة ... 654

الحديث الخامس والثلاثون الحسنات من الله والسيئات من الإنسان ... 657

الشرح ... 659

فصل: في بيان أن لأسماء الحق سبحانه مقامين ... 659

فصل: في الإشارة إلى مسألتي الجبر والتفويض ... 661

فصل: في بيان أن الحق تعالى لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون ... 663

الحديث السادس والثلاثون: «الصفات الذاتية الله سبحانه» ... 667

الشرح ... 669

فصل: في بيان عينية صفات الحق سبحانه مع الذات المتعالي ... 669

نقل وتحقيق في كلام الفلاسفة في تقسيم أوصاف الحق عز وجل ... 671

في تحقيق عينية الصفات مع الذات المقدس ... 673

فصل: في بيان أن العلم قبل الإيجاد ... 674

فصل: في معنى سمع الحق سبحانه وتعالى ... 677

فصل: في بيان كيفية تعلق علمه سبحانه بالمعلوم ... 681

فصل : في بيان المقياس في الصفات الثبوتية والسلبية ... 682

الحديث السابع والثلاثون: «معرفة الله بالله والرسول بالرسالة» ... 687

الشرح ... 689

فصل: في بيان المقصود من قوله : إعرفوا الله بالله ... 691

دفع وهم في بيان عدم حمل الأحاديث المأثورة على المعاني الدارجة ... 696

الحديث الثامن والثلاثون: «إن الله خلق آدم على صورته» ... 699

الشرح ... 701

فصل: في بيان أن الإنسان مظهر تام الله وأنه الاسم الأعظم للحق جلّ وعلا ... 704

الحديث التاسع والثلاثون: «الخير والشر» ... 709

الشرح ... 711

في تحقيق الخير والشر ... 712

فصل: في بيان أنّ كلاً من الخير والشر يتعلّق به الإيجاد والخلق وبيان كيفية ذلك وفيه إشارة إلى كيفية وقوع الشر في القضاء الإلهي ... 715

فصل: في بيان كيفية إجراء الحق سبحانه الخير والشر على أيادي عباده ... 717

في إبطال الجبر ... 719

الحديث الموفي للأربعين : «تفسير سورة التوحيد والآيات الأولى من سورة الحديد» ... 723

الشرح ... 728

فصل: في إشارة مختصرة إلى تفسير سورة التوحيد المباركة ... 726

في إشارة إلى «بسم الله» ... 727

فصل: في إشارة مختصرة إلى تفسير الآيات الستة الشريفة المبدوءة بها في سورة الحديد ... 731

خاتمة ... 738

دعاء وختام ... 739

بعض المصطلحات العلمية المذكورة ... 741

أسماء الأعلام ... 763

أسماء الكتب ... 765

مؤلفات الإمام ... 769

المحتويات ... 771