الکفاية من الاصول المجلد 4

هویة الكتاب

محرر الرقمي : روح اله قاسمي

سرشناسه:کاظمی، ماجد، 1337 -

عنوان و نام پديدآور:الکفایهﻣﻦ اﻻﺻﻮل/ ماجد الکاظمی.

مشخصات نشر:قم : دارالهدی، 1440ق.= 1397 .

مشخصات ظاهری:4ج.

شابک:2500000 ریال: دوره 978-964-497-012-2 : ؛ ج.1 978-964-497-010-8 : ؛ ج.2: 978-964-497-021-4

وضعیت فهرست نویسی:فیپا

يادداشت:عربی.

یادداشت:کتابنامه.

موضوع:اصول فقه شیعه

* Islamic law, Shiites -- Interpretation and construction

رده بندی کنگره:BP159/8/ک2ک7 1397

رده بندی دیویی:297/312

شماره کتابشناسی ملی:5332417

اطلاعات رکورد کتابشناسی:فیپا

انتشارات دارالهدی

الکفاية من الاصول (الجزء الرابع)

المؤلف: آیة اللّه الشيخ ماجد الکاظمی (الدباغ)

المطبعة : شریعت / النسخة :

ردمک الجزء 4 : 0-029-497-964-978

ردمک الدورة : 2-012-497-964-978

سنة الطبعة الاولی : 1397 (1440.ه.ق.)

سعر الدورة : 400000 تومان

مرکز التوزیع : قم ، شارع چهارمردان ، فرع 6 ، رقم 156

ص: 1

اشارة

الکفاية من الاصول

الجزء الرابع

آية الله الشيخ ماجد الکاظمي

ص: 1

الأصل الثالث: الاشتغال

و قبل الخوض في البحث لا بد من بيان امور:

الامر الأوّل: أنّ مجرى الاشتغال انما هو بعد إمكان الاحتياط، في ما إذا نهض دليل على العقاب لو خالف کما تقدم في اول الجزء الثالث فلا نعيد.

الامر الثاني: أنّ العلم بالتكليف و الإلزام قد يكون علما تفصيليّا و قد يكون علما إجماليّا. و على الثاني قد يكون علما بنوع التكليف و الإلزام و قد يكون علما بجنسه. و على الثاني قد يكون متعلّقا بفعل واحد و قد يكون متعلّقا بفعلين متعدّدين.

و أمّا العلم التفصيليّ بالتكليف فواضح.

و أمّا العلم الإجماليّ بنوع التكليف: فكما إذا علم بالوجوب و تردّد بين أن يكون متعلّقه الصلاة تماما أو الصلاة قصرا، أو علم بالحرمة و تردّد بين أن يكون متعلّقها هذا المائع أو ذاك المائع، أو علم بالوجوب و تردّد بين أن يكون متعلّقه الصلاة مع السورة أو الصلاة من دون السورة.

و أمّا العلم الإجماليّ بجنس التكليف المتعلّق بفعل واحد: فكما إذا احرز صدور خطاب إلزاميّ من المولى و دار بين كونه وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و بين كونه حرمة الدعاء حينئذ.

و أمّا العلم الإجماليّ بجنس التكليف المتعلّق بفعلين: فكما إذا علم بصدور خطاب إلزاميّ من المولى و دار أمره بين وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و حرمة شرب التتن.

فالأقسام أربعة:

1- العلم التفصيليّ.

2- العلم الإجماليّ بنوع التكليف.

ص: 2

3- العلم الإجماليّ بجنس التكليف المتعلّق بأمر واحد.

4- العلم الإجماليّ بجنس التكليف المتعلّق بأمرين أو امور.

و لا شكّ في خروج القسم الأوّل و الثالث من محلّ البحث.

أمّا القسم الأوّل، فواضح. و أمّا القسم الثالث فلأنّه من الشكّ في التكليف و يرجع فيه إلى البراءة. و لا شكّ أيضا في دخول القسم الثاني في محلّ النزاع.

و إنّما الكلام في القسم الرابع. فهل يعدّ من الشكّ في التكليف كي يخرج من محلّ النزاع، أو يعدّ من الشكّ في المكلّف به كي يدخل في محلّ النزاع؟

ذهب الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى أنّ العلم بالجنس من الشكّ في التكليف، لا المكلّف به، فإنّه قال: «الموضع الثاني في الشكّ في المكلّف به مع العلم بنوع التكليف، بأن يعلم الحرمة أو الوجوب و يشتبه الحرام أو الواجب»(1).

و بدخول العلم بجنس التكليف في الشكّ في المكلّف به إذا كان متعلّقا بأمرين صرح المحقق الخراساني(2).

الامر الثالث: انّ المطالب المبحوث عنها في الشكّ في المكلّف به، كالشكّ في التكليف ثلاثة، و الفرق، انّ الاشتباه كان هناك في الحكم و هنا في المكلّف به و هي عبارة:

1. اشتباه الحرام بغير الواجب بمسائله الأربع.

2. اشتباه الواجب بغير الحرام بمسائله الأربع.

3. اشتباه الواجب بالحرام بمسائله الأربع.

ص: 3


1- فرائد الاصول 2: 195.
2- درر الفوائد: 231.

و الثالث کما تقدم مجرى التخيير، فينحصر البحث في الشبهة التحريمية و الشبهة الوجوبية.

الكلام في الشبهة التحريمية من الشكّ في المكلّف به

إذا اشتبه الحرام بغير الواجب و مسائلها أربع، لأنّ منشأ الشكّ إمّا فقدان النصّ، أو إجماله، أو تعارضه، أو اشتباه الأُمور الخارجية، و لما لم يكن للمسائل الثلاث الأُولى، تطبيقات كثيرة في الفقه، انصبّ البحث في هذا المطلب على الشبهة الموضوعية، كما إذا دار أمر المائع النجس بين إناءين مشتبهين، و هو ينقسم إلى محصورة، و غير محصورة .

حكم الشبهة التحريمية المحصورة

اختلفت أنظارهم في حكم الشبهة التحريمية المحصورة إلى أقوال تقدمت في الجزء الثالث من هذا الکتاب أهمها ثلاثة:

1. حرمة المخالفة القطعية، و وجوب الموافقة القطعية، و هذا هو المشهور بين الأُصوليين.

2. التفصيل بين المخالفة القطعية و الموافقة القطعية، فتحرم الأُولى دون الثانية، و هو المنسوب إلى المحقّق القمي رحمه الله(1).

3. جواز المخالفة القطعية، فضلاً عن الاحتمالية، و هو ظاهر أربعين العلامة المجلسي على ما حكاه المحقق القمي عنه في قانون البراءة، حيث قال: «و قيل يحل له الجميع، لما ورد في الاخبار الصحيحة: إذا اشتبه عليك الحلال و الحرام فأنت على حل حتى تعرف الحرام بعينه، و هذا أقوى عقلا و نقلا»(2).

ص: 4


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 4، هامش ص: 161 .
2- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 4، هامش ص: 161.

و منشأ الأقوال المتقدمة هو اختلاف أنظارهم في مدى تأثير العلم الإجمالي بالنسبة إلى الأمرين, فمن قائل بأنّه علّة تامّة بالنسبة إلى المخالفة القطعية و الاحتمالية، و لذلك اختار القول الأوّل .

إلى آخر قائل بأنّه علّة تامّة بالنسبة إلى المخالفة القطعية فلا تجوز، و مقتض بالنسبة إلى المخالفة الاحتمالية فلا تجوز الأُولى دون الثانية، و للشارع جعل حكم ظاهري مؤد إلى المخالفة الاحتمالية.

إلى ثالث بأنّه مقتض بالنسبة إلى كلتا المخالفتين، فيجوز للشارع جعل حكم ظاهري مؤدّ إلى كلتيهما, و على هذه المباني تدور هذه الأقوال .

و قد تقدم في الجزء الثالث من هذا الکتاب البحث حول منجزية العلم الاجمالي و انتهينا بهذه النتيجة ان العلم الاجمالي علة تامة لوجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة القطعية(1).

بيان الشهيد الصدر في منجزية العلم الاجمالي

و نزيد هنا بيانا اخر افاده الشهيد الصدر رحمه الله حاصله:

اما منجزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية فلاجل أنّ الجامع قد تم عليه البيان، و بذلك يخرج عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو بلا علم، من دون فرق في ذلك بين أن يكون مرجع العلم الإجمالي إلى العلم بالجامع و الشك في الأطراف كما عليه المحقق النائيني، أو إلى كونه علماً بالواقع كما عليه المحقق العراقي.

و اما منجزية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة، و التي تعني: لزوم الإتيان بكل أطراف العلم الإجمالي في الشبهات الحكمية الوجوبية، كالعلم الإجمالي بوجوب إما

ص: 5


1- الکفاية من الاصول ج3 ص93.

صلاة الظهر و إما صلاة الجمعة، و لزوم الاجتناب عن كل أطراف العلم الإجمالي في الشبهات الحكمية التحريمية، كالعلم الإجمالي بحرمة شرب إما المائع الذي في الإناء (أ) و إما المائع الذي في الإناء (ب)، و قد وقع الخلاف في ذلك على قولين:

الأول: القول بأنه لا يقتضي بحد ذاته تنجيزه لوجوب الموافقة القطعية مباشرة, و هو ما ذهب إليه كل من المحقق النائيني و السيد الخوئي.

الثاني: القول بأنه يستدعي بنفسه و بذاته وجوب الموافقة القطعية كاستدعائه لحرمة المخالفة القطعية, و هو ما ذهب إليه المحقق العراقي و غيره.

و الذي يظهر من كلمات بعض هؤلاء المحققين، هو أن منشأ الخلاف في ذلك هو كيفية النظر إلى العلم الإجمالي و تفسيره و بيان هويته و حقيقته؛ من حيث كونه متعلقاً بالجامع أو كونه متعلقاً بالواقع.

و كأن الخلاف في هذه المسألة صار سبباً للخلاف في المسألة المطروحة محل البحث، و بناء على ذلك، و لكي تتضح حقيقة الحال في هذه المسألة، فلا بدّ من البحث أولًا عن هوية العلم الإجمالي، و استعراض أهم المباني و الأقوال في ذلك، و تحقيق الحال فيها. ثم يقع الكلام في مقدار ما يقتضيه العلم الإجمالي من التنجيز وفقاً لتلك المباني. و عليه، فسوف يقع الكلام في نقطتين:

النقطة الأولى: تحديد المباني و الاتجاهات في تفسير العلم الإجمالي بعد أن ربطت مسألة تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة و عدمه بمسألة كيفية تفسير العلم الإجمالي، و كونه علماً بالجامع أم علماً بالواقع حسب ما ورد في كلمات بعض المحققين كان من المناسب تمهيد الكلام عن تلك المسألة بالبحث عن هويّة العلم الإجمالي، و

ص: 6

استعراض أهم الاتجاهات و المباني في بيان هويته و تفسيره؛ حيث إنّ هناك عدة اتجاهات في تفسير حقيقة العلم الإجمالي، و يمكن تلخيصها في ثلاثة مبان.

المبنى الأول: العلم الإجمالي علم بالجامع و شك في الأطراف

هذا هو المبنى الذي اختاره كل من المحقق النائيني(1) و المحقق الاصفهاني، و القائل بأن العلم الإجمالي علم تفصيلي بالجامع مقترن بشكوك تفصيليّة بعدد أطراف ذلك العلم، فالعلم الإجمالي بوجوب إما صلاة الظهر و إما صلاة الجمعة يشتمل على علم تفصيلى بوجوب صلاة ما مقترن بشكوك تفصيلية بعدد أطرافه،

و هما: الشك بوجوب صلاة الظهر و الشك بوجوب صلاة الجمعة على نحو لا يخلو الواقع من وجوب أحدهما، و الملاحظ لهذا المبنى يجد أنه يشتمل على جانبين:

أحدهما: الجانب الإيجابي. و الذي هو عبارة عن اشتمال العلم الإجمالي على العلم التفصيلي بالجامع بين التكليفين، و من الواضح أن اشتمال العلم الإجمالي على هذا الجانب ليس بحاجة إلى برهان لكونه واضحاً بالبداهة.

و الآخر: الجانب السلبي. و الذي هو عبارة عن أن ذلك العلم المتعلق بالجامع يقف على الجامع و لم يسر أو يتعد منه إلى أي طرف من أطرافه. و استفادة ذلك من كلماتهم واضح

ص: 7


1- قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 3، ص 398: إن العلم الإجمالي عبارة عن خلط علم بجهل، و تنحل القضية المعلومة بالاجمال إلى قضية معلومة بالتفصيل على سبيل منع الخلو في ضمن جميع الاطراف، و قضيتين مشكوكتين في كل طرف بالخصوص. فلو علم بوجوب أحد الشيئين أو الاشياء، فهنا قضية معلومة تفصيلًا، و هي وجوب أحدهما على سبيل منع الخلو، و قضيتان مشكوكتان، إحداهما: وجوب هذا الطرف بالخصوص، و الأخرى: وجوب الطرف الآخر كذلك. و لو كانت الاطراف متعددة فالقضايا المشكوكة تزيد بمقدار عدد الاطراف.

جداً؛ إذ لو كان العلم يسري من الجامع إلى أحد أطرافه بالخصوص، لما صح أن يقال بأن ذلك العلم مقترن بشكوك تفصيلية بعدد أطراف ذلك العلم، و هذا واضح.

و لا إشكال في اشتمال العلم الإجمالي على ما يعرف بالجانب الإيجابي المذكور، و لكن الكلام كل الكلام في برهان ما يعرف بالجانب السلبي، و قد قيل في برهان ذلك بأنه لو لم نلتزم بوقوف العلم على الجامع و عدم سرايته إلى أي من الأطراف، فمعنى ذلك: إننا نفترض وجود علم آخر يزيد على العلم بالجامع، و ذلك العلم الآخر هو غير العلم بالجامع قطعاً، و إلا، لما زاد عنه، و ذلك العلم الآخر لا يخلو حاله من جهة تحديد متعلقه من أحد احتمالات ثلاثة.

الأول: أن يكون بلا متعلق.

الثاني: أن يكون متعلقاً بالفرد بحدّه الشخصي المعيّن في الواقع، كأن يكون متعلقاً بصلاة الظهر بعينها.

الثالث: أن يكون متعلقاً بالفرد و لكن لا بحده الشخصي المعين في الواقع، بل بحده الشخصي المردد في الواقع بين الحدين أو الحدود فضلًا عن كونه مردداً لدى العالم بالإجمال من دون تعيين كونه بهذا الحد أو بذاك، أي: تعلقه بالفرد المردد.

و كل واحد من هذه الاحتمالات باطل.

أما بطلان الأول، فلعدم معقوليّة افتراض وجود علم من دون أن يكون له متعلق؛ و ذلك لأن العلم من الصفات الحقيقية ذات الإضافة، فلا بدّ من افتراض ما يضاف إليه ذلك العلم و هو المعبر عنه بمتعلق العلم لأن العلم انكشاف و لا يعقل فرض انكشاف بلا منكشف.

و أما بطلان الثاني فلأنه خلف الفرض؛ إذ لو كان العلم قد تعلق بالفرد بحده الشخصي المعيّن كصلاة الظهر مثلًا، لكان من العلم التفصيلي بوجوب صلاة الظهر، و الحال أن

ص: 8

العلم الإجمالي لا يعلم فيه بهذا الطرف بعينه أو بذلك الطرف بعينه، و إلا كان علماً تفصيلياً.

و أمّا بطلان الاحتمال الثالث، و هو تعلق العلم بالفرد المردد؛ فلأنه إن أريد من الفرد المردد مفهوم الفرد المردد كعنوان (أحدهما)، فهو ليس إلّا جامع انتزاعي، و من الواضح أن العلم به لا يعني تعدي العلم عن الجامع، بل هو تعبير آخر عن الجامع.

و إن أريد به واقع الفرد المردّد، فهو ما لا يعقل ثبوته؛ لأن كل ما هو ثابت فهو متعيّن بحد ذاته في أفق ثبوته، و لا وجود للمردّد في لوح الثبوت و الواقع، بل الترديد إنما هو في أفق نفس العالم بالإجمال لا غير.

و بعد بطلان كل هذه الاحتمالات، يثبت أنّ العلم الإجمالي هو علم تفصيلي بالجامع مع شكوك تفصيليّة متعلقة بعدد ما لذلك العلم الإجمالي من أطراف.

المبنى الثاني: العلم الإجمالي علم بالفرد المردّد

و هذا المبنى قد اختاره صاحب الكفاية كما يظهر من بعض كلماته في بحث الواجب التخييري من الكفاية، و بناء على هذا المبنى فالعلم- في موارد العلم الإجمالي- لا يقف على الجامع، بل يسري من الجامع إلى الفرد بحدّه الشخصي، و لكنه ليس حداً شخصياً معيناً؛ لوضوح أنه لو كان كذلك لأصبح الفرد معلوماً،و لانقلبت حالة المكلف من كونه عالماً بالإجمال إلى كونه عالماً بالتفصيل، بل هو حد مردد بين الحدين أو الحدود بحسب عدد أطراف ذلك العلم الإجمالي.

و الذي ورد عن صاحب الكفاية في بحث الواجب التخييري، أنه بعد أن ذكر أن أحد الأقوال فيه و في تفسيره كون الواجب في مورد الوجوب التخييري هو الواحد المردّد، أشار في تعليقته على الكفاية إلى الجواب عمّا يمكن أن يرد على هذا الوجه من اعتراض،

ص: 9

مفاده: أن الوجوب صفة من الصفات، فيقال مثلًا: «إن الصلاة واجبة»، أي: إنها موصوفة بكونها واجبة، و هذا يقتضي أن يكون الموصوف أمراً معيناً في الواقع لكي تتعلق به هذه الصفة أو تلك، فكيف يعقل أن يتعلق الوجوب بالواحد المردّد مع أن المردد لا وجود له في الواقع.

فذكر في هذا المقام أنّه لا مانع من تعلق الوجوب بالمردد؛ فإنّ الواحد المردد قد يتعلق به الوصف الحقيقي ذو الإضافة كالعلم الإجمالي، فكيف بالوصف الاعتباري كالوجوب؟

و هذا تصريح واضح من صاحب الكفاية بأنه يرى أن العلم في موارد العلم الإجمالي يتعلق بالفرد المردّد.

مناقشة المبنى الثاني:

و يمكن الاعتراض على هذا المبنى الثاني بأن المشكلة في تعلق الوجوب أو العلم بالواحد المردّد من حيث الإمكان و عدمه، لو كانت ناشئة من تعقل تعلق الوصف بالواحد المردّد أو عدم تعقله بعد فرض ثبوت المردد بما هو مردد في الواقع، لأمكن أن يجاب على ذلك بالقول بأنه لا مانع من أن يتعلق الوصف كالوجوب- مثلًا- بالواحد المردّد، و لكن المشكلة أعمق من ذلك، و هي استحالة ثبوت المردّد و وجوده بما هو مردّد، فكيف يعقل تعلق العلم به و الحال إن العلم من الصفات الحقيقية ذات الإضافة، فهي بحاجة إلى شي ء له ثبوت لكي تتعلق به. و الوجه في استحالة تعلق العلم بالمردّد هو أن العلم له متعلقان:

الأول: متعلق بالذات، و الذي هو عبارة عن الصورة الذهنية المقوّمة لذلك العلم في أفق الانكشاف.

ص: 10

الثاني: متعلق بالعرض، و هو الخارج الذي تحكي عنه تلك الصورة الذهنية و تطابقه.

و الفرق بين هذين المتعلقين، هو أن المتعلق بالذات (و هو الصورة الذهنية) لا يمكن أن ينفك عن العلم حتى في موارد الخطأ و عدم مطابقة العلم للواقع الخارجي، و الوجه في ذلك: ما ذكرناه من أن هذه الصورة الذهنيّة مقومة للعلم؛إذ لا علم بدونها، و لأجل ذلك قلنا أنها لا يمكن أن تنفك عن العلم؛ لأن معنى انفكاكه عنه زوال العلم و انعدامه، لأن الشي ء المتقوّم بآخر يكون عدماً عند عدم وجود ما يتقوّم به ذلك الشي ء.

و أمّا بالنسبة للمتعلق بالعرض (و هو الواقع الخارجي)، فمن المعقول جداً انفكاكه عن العلم، و ذلك في موارد الخطأ و عدم مطابقة ذلك العلم للواقع الخارجي، و هذا يعني: افتراض وجود علم مع عدم ثبوت المتعلق بالعرض، و هو معنى الانفكاك.

و إذا تبيّن هذا، و اتضح التمييز بين المتعلق بالذات و المتعلق بالعرض، فنحن نتساءل عمّا هو المتعلق بالذات للعلم في موارد العلم الإجمالي؟

و للإجابة على هذا التساؤل، و في مقام تحديد المتعلق بالذات للعلم في موارد العلم الإجمالي، نحن أمام احتمالين:

الأول: أن يكون المتعلق بالذات صورة حاكية عن الجامع بحدّه الجامعي.

الثاني: أن يكون المتعلق بالذات صورة للفرد بحدّها الشخصي، و لكنها مردّدة بحد ذاتها بين صورتين لحدين شخصيين.

فإن كان الأول، فهذا رجوع إلى المبنى السابق القائل بأن العلم في موارد العلم الإجمالي يتعلق بالجامع. و إن كان الثاني، فهذا مستحيل؛ و ذلك لأن الصورة الذهنية عبارة عن وجود ذهني، و كل وجود متعين في أفق ثبوته، غاية الأمر، تارة يكون أفق ثبوته هو

ص: 11

الخارج فيسمى بالوجود الخارجي، و أخرى يكون أفق ثبوته هو الذهن فيسمى بالوجود الذهني.

و من الواضح أن الماهيّة تتعيّن تبعاً لتعيّن الوجود؛ لأنها حد الوجود، فالذي يحد وجود الانسان هو كونه انساناً و حيواناً ناطقاً، و الذي يحد وجود الشجر هو كونه شجراً، و الذي يحد وجود الحجر هو كونه حجراً، و هكذا، فماهية الانسان تتعيّن تبعاً لتعيّن نفس وجود الإنسان في الخارج.

و عليه، فإذا فرض- فيما نحن فيه- أن الوجود الذهني لتلك الصورة متعين في أفق ثبوته و هو الذهن، فهذا يعني تعيّن ماهيتها لا محالة ضمن إحدى الصورتين الشخصيتين، و يستحيل التردّد في ذلك.

و من خلال جميع ما سبق، يتضح عدم صحة المبنى القائل بأن العلم في موارد العلم الإجمالي يتعلق بالفرد المردّد(1).

المبنى الثالث: أن العلم الإجمالي يتعلق بالواقع

و هذا هو الذي ذهب إليه المحقق العراقي، حيث يرى أن العلم في موارد العلم الإجمالي يتعلق بالواقع، فلو كان الواقع- مثلًا- وجوب صلاة الظهر في مورد العلم الإجمالي بوجوب إما صلاة الظهر و إما صلاة الجمعة في ظهر يوم الجمعة، كان العلم متعلقاً بوجوب صلاة الظهر، بمعنى: أن الصورة الذهنية المقوّمة للعلم المتعلقة له بالذات لا تحكي عن مقدار الجامع من الخارج فقط، بل تحكي عن الفرد الواقعي بحدّه الشخصي، و هو بحسب المثال المتقدم كون الصلاة المعلومة هي صلاة الظهر، وعليه، تكون الصورة

ص: 12


1- قال المحقق الأصفهاني: «إن المردد بما هو مردد لا ثبوت له ذاتاً و وجوداً ماهيةً و هويةً فلا يعقل تقوّم العلم الإجمالي به». راجع: نهاية الدراية، ج 4، ص 236.

شخصية و ما يطابقها من الخارج شخصي أيضاً، غاية الأمر، أن حكاية هذه الصورة عن الخارج إجماليّة، و ذلك من قبيل: أن ترى شبحاً لشخصٍ معيّن من بعيد- كزيد مثلًا- و لكنك لا تستطيع أن تتبيّن هويته، فإن مثل هذه الرؤية هي رؤية للفرد، أي: لشخص زيد، و ليست رؤية للجامع. غاية الأمر، أن هذه الرؤية غامضة و مشوشة.

و يكون حال العلم الإجمالي من هذه الناحية حال العلم التفصيلي، فكما أن العلم في موارد العلم التفصيلي يتعلق بالواقع فكذلك الحال بالنسبة للعلم الإجمالي (1).

فلو فرض أن شخصين وقع بصرهما على شخص ثالث، و كان أحدهما أقرب إليه من الآخر، فاستطاع القريب أن يعرفه و يشخصه و هو زيد- مثلا- و لكن الآخر لبعده عنه لم يتمكن من تشخيصه، و تردد عنده بين كونه زيداً أو خالداً، فإن الشخص الثاني

ص: 13


1- قال المحقق العراقي في نهاية الأفكار، ج 2، ص 299: و بما ذكرنا ظهر وجه امتياز العلم الاجمالي عن العلم التفصيلي، و انه إنما كان من جهة المعلوم و المنكشف لا من جهة العلم و الكاشف، فكان اتصاف العلم بالتفصيل من جهة أن متعلقه عنوان تفصيلي للشي ء حاك عن شراشر وجوده، و لذلك لا يجتمع مع الشك لأوله إلى اجتماع الضدين، بخلاف العلم الإجمالي، فإن اتصافه بالإجمال إنما كان باعتبار متعلقه، لكونه عبارة عن الصورة الإجمالية المعبر عنها بعنوان أحد الأمرين و بالجامع بين الطرفين، و ذلك أيضا لا بمعنى أن الجامع بنفسه و حيال ذاته متعلق للعلم الإجمالي و لو بنحو الحكاية عن منشئه كما في الطبيعي المأخوذ في حين التكاليف، بل بما انه مرآة إجمالي إلى الخصوصية الواقعية المرددة في نظر القاطع بين خصوصيات الأطراف، بنحو تكون نسبته إليها نسبة الإجمال و التفصيل، بحيث لو كشف الغطاء لكان المعلوم بالإجمال عين المعلوم بالتفصيل و منطبقاً عليه بتمامه لا بجزء تحليلي منه كما في الطبيعي بالنسبة إلى فرده».

كالشخص الأول قد تعلق علمه بشخص زيد، غاية الأمر، أنّ رؤية زيد بالنسبة إليه كانت غامضة و مشوشة.

و على هذا، يكون الفرق بين هذا المبنى و المبنى الذي سبقه- مع اشتراكهما في كون العلم متعلقاً بالفرد- هو أنه بناء على هذا المبنى يكون العلم متعلقاً بالفرد و بحده الشخصي المعين في الواقع، و المردّد بالنسبة إلى العالم بالإجمال. و بناءً على المبنى السابق يكون العلم متعلقاً بالفرد بحده الشخصي المردّد بين الحدين في الواقع، فضلًا عن كونه مردداً بالنسبة إلى العالم بالإجمال.

برهان المبنى الثالث:

تقدم سابقاً أن العلم له متعلق بالذات و هو الصورة الذهنية، و له متعلق بالعرض و هو الخارج الذي تحكي عنه تلك الصورة. و حينئذٍ نقول: إن المتعلق بالذات للعلم في موارد العلم الإجمالي لا يخلو من أحد احتمالات ثلاثة:

الأول: أن يكون عبارة عن الجامع بحده الجامعي و يكون حاكياً عن ذلك الجامع بحده.

الثاني: أن يكون عبارة عن الفرد المردد و يكون حاكياً عن الفرد بحده الشخصي المردّد.

الثالث: أن يكون عبارة عن الواقع و يكون حاكياً عن الفرد بحدّه الشخصي المعيّن.

و الاحتمال الأول باطل؛ إذ لا وجود للجامع بحده الجامعي في الخارج، لأن وجود الجامع لا بدّ و أن يكون ضمن وجود أحد أفراده، لأنه ليس له وجود مستقل بقطع النظر عن وجود أفراده. و هذا يعني: أنه لا بدّ من وجوده ضمن حد شخصي معيّن. الأمر الذي يعني: أنه لا بدّ من إضافة شي ء آخر غير الجامع إلى دائرة المعلوم. و هذا الشي ء الآخر إن كان جامعاً و كلياً عاد نفس الكلام المتقدم حتى ينتهي الأمر إلى تعلق العلم بحد شخصي.

ص: 14

و عليه، يدور الأمر بين الاحتمال الثاني و الثالث. و حيث تقدم أن الترديد في الصورة مستحيل لأنها وجود ذهني متعين و ثابت في أفق الذهن، فهذا يعني: بطلان الاحتمال الثاني، و الذي يعني: أنّ العلم متقوّم بصورة شخصية معيّنة مطابقة للفرد الواقعي بحدّه الشخصي. غاية الأمر، حكاية تلك الصورة عن ذلك الفرد الواقعي إجمالية.

و بعد بطلان الاحتمال الثاني يثبت الاحتمال الثالث، و هو: تعلق العلم بالواقع.

هذه هي أهم المباني التي ذكرت في مقام تفسير العلم الإجمالي و بيان هويته و تحديد متعلقه.

بعد أن اتضحت الاتجاهات و المباني المختلفة في تفسير حقيقة العلم الإجمالي و تحديد متعلق العلم في موارد العلم الإجمالي، و حيث أن مسألة استتباع العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية إثباتاً و نفياً ترتبط بتلك المباني كما يظهر ذلك من كلمات بعض المحققين، يقع الكلام الآن في بيان وجه الربط بين المسألتين أولًا، و ثم تحقيق الحال في دعوى الربط ثانياً.

و سوف يقع الكلام في هذه المسألة بناء على المبنيين الأول و الثالث من المباني المتقدمة دون المبنى الثاني، لأنه قد تقدم بطلانه و عدم معقوليته.

أولًا: تخريج وجوب الموافقة القطعية وفقاً للمبنى الأول

أدعي أنه بناءً على القول بأن العلم في موارد العلم الإجمالي يتعلق بالجامع دون أن يتعدى إلى أي طرف من أطرف ذلك العلم الإجمالي، فهذا يقتضي القول بعدم استتباع العلم الإجمالي بما هو علم إجمالي لوجوب الموافقة القطعية و إن كان مستدعياً لحرمة المخالفة القطعية كما تقدم. و الوجه في ذلك، هو: أن الذي يخرج عن موضوع قاعدة

ص: 15

قبح العقاب بلا بيان ليس سوى الجامع؛ لأنه معلوم، و أما غيره فليس معلوماً، فيبقى داخلًا تحت موضوع القاعدة.

و حيث أن الجامع بما هو جامع و بقطع النظر عن كونه متلبساً بخصوصية هذا الفرد أو ذلك لا يقتضي الجمع بين الأطراف؛ و ذلك لأن الذي تنجز بسبب العلم هو الجامع لا غير، فالمطلوب ليس إلّا إيجاد الجامع و تحقيقه خارجاً، و حيث أن الجامع لا يوجد في الخارج إلّا ضمن وجود الفرد، فهذا يعني: أن إيجاد الجامع في الخارج يتم عن طريق إيجاد الفرد، و هو يقتضي تحققه بأحد أفراده لا بجميع أفراده؛ لأن كل فرد من أفراد الجامع مشتمل على الجامع في ضمنه، و إلّا لما كان فرداً له، و ما دام الأمر كذلك، فيكون المكلف مخيراً في تطبيقه على هذا الفرد أو ذاك؛ لأن خصوصية هذا الفرد أو ذاك غير داخلة في العهدة.

و هذا يعني: أنّ العلم الإجمالي بما هو علم إجمالي لا يستتبع بذاته وجوب الموافقة القطعية و لزوم الإتيان بجميع الأطراف.

ثانياً: تخريج وجوب الموافقة القطعيّة وفقا للمبنى الثالث

و أما الالتزام بهذا المبنى القائل بأن العلم يتعلق بالواقع، فإنه يقتضي الالتزام باستتباع العلم الإجمالي بما هو علم إجمالي لوجوب الموافقة القطعية و لزوم الإتيان بجميع الأطراف؛ و ذلك لأنه سوف يخرج ما هو معلوم عن دائرة قبح العقاب بلا بيان، و حيث أن المعلوم وفقاً لهذا المبنى هو الواقع بحدّه الشخصي، فسوف يخرج هذا الواقع بحدّه عن موضوع القاعدة، فيتنجز الواقع على المكلف، و يدخل في عهدته بسبب العلم.

ص: 16

و حيث أن العقل يحكم بلزوم الخروج عن عهدة التكليف وفقاً لقاعدة الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، فلا بد من الاتيان بالواقع الذي اشتغلت به العهدة تفريغاً لها؛ لأن الفراغ اليقيني للخروج عن عهدة التكليف في المقام لا يحصل إلّا بالإتيان بالواقع الذي اشتغلت به العهدة، و بما أن الواقع الذي اشتغلت به العهدة مردد بين عدة أطراف- فلا بد إذن- لكي يحصل الفراغ اليقيني- من الإتيان بجميع الأطراف؛ لأن كل طرف يحتمل أن يكون هو الواقع دون غيره، و الاكتفاء بهذا الطرف أو ذاك لا يعني سوى الموافقة الاحتماليّة، مما يعني الشك و عدم اليقين في الخروج عن عهدة التكليف.

و حيث أن المطلوب بمقتضى حكم العقل هو لزوم اليقين بفراغ العهدة و عدم الاكتفاء باحتمال فراغها و هو ما لا يتم إلّا بالإتيان بجميع الأطراف، فهذا يعني: حكم العقل بلزوم الإتيان بجميع الأطراف، و هو معنى وجوب الموافقة القطعيّة عقلًا فضلًا عن حرمة المخالفة القطعية(1).

اقول: تبيّن من خلال ما تقدم، أنّ الفرق بين القول بتعلق العلم الإجمالي بالجامع و القول بتعلقه بالواقع، يظهر في مجال تحديد مقتضى القاعدة العملية الأولية في الشك المقرون بالعلم الإجمالي بعنوانه، و بلحاظ حكم العقل، و بقطع النظر عن الأدلة الشرعية؛ فإنه على الأول يكون مقتضى القاعدة هو حرمة المخالفة القطعية دون وجوب الموافقة القطعية، بينما على الثاني يكون مقتضى القاعدة هو حرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة القطعية معاً. و قد تبين ان الصحيح هو المبنی الثاني کما تقدم برهانه .

الّا ان الشهيد الصدر رحمه الله ناقش في النتيجة الحاصلة و ادعی عدم الفرق بين المبنيين فقال: «لكن الصحيح هو انّ المبنى الثالث لا يختلف في النتيجة المقصودةفي المقام عن

ص: 17


1- دروس في علم الأصول، ج 2، ص: 354.

المبنى الأول، لأنّ الصورة العلمية الاجمالية- على الثالث- و إن كانت مطابقة للواقع بحدّه و لكن المفروض على هذا المبنى اندماج عنصري الوضوح و الاجمال في تلك الصورة معا، و بذلك تميّزت عن الصورة التفصيلية، و ما ينكشف و يتضح للعالم انما هو المقدار الموازي لعنصر الوضوح في الصورة، و هذا لا يزيد على الجامع, و من الواضح انّ البراءة العقلية انما يرتفع موضوعها بمقدار ما يوازي جانب الوضوح لا الاجمال، لأنّ الاجمال ليس بيانا, و عليه فالمنجّز مقدار الجامع لا أكثر على جميع المباني المتقدمة، و عليه فالعلم الاجمالي لا يقتضي بذاته وجوب الموافقة القطعية»(1).

و فيه: ما لا يخفی فانه رحمه الله ارجع العلم بالواقع الی العلم بالجامع من خلال اندماج عنصري الوضوح و الاجمال في تلك الصورة معا, و الحال أن المعلوم وفقاً لهذا المبنى هو الواقع بحدّه الشخصي لا الجامع، فلا بد من الاتيان بالواقع الذي اشتغلت به العهدة تفريغاً لها؛ و بما أن الواقع الذي اشتغلت به العهدة مردد بين عدة أطراف- فلابد من الإتيان بجميع الأطراف؛ لأن كل طرف يحتمل أن يكون هو الواقع دون غيره، و الاكتفاء بهذا الطرف أو ذاك لا يعني سوى الموافقة الاحتماليّة، مما يعني الشك في الخروج عن عهدة التكليف.

و الحاصل ان العلم بالواقع يخرج عن كونه موضوعاً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و إلّا، فلا معنى للقول بأن العلم الإجمالي يتعلق بالواقع؛ فإنّ متعلق العلم هو معلوم ذلك العلم، و عليه فالالتزام بكونه داخلاً في موضوع القاعدة المذكورة مع الالتزام بالمبنى المذكور يشتمل على التناقض؛ لأنه يعني الالتزام بكون الواقع معلوماً و غير معلوم في نفس الوقت. الأمر الذي يعني: أنّ الالتزام بتعلق العلم بالواقع يقتضي الالتزام بتنجيز العلم للواقع بحده

ص: 18


1- دروس في علم الأصول، ج 2، ص: 357.

الشخصي لا تنجيز الجامع بحده الجامعي؛ لأنّ معلوم ذلك العلم هو الواقع بحده الشخصي لا الجامع بحده الجامعي، و العلم إنما ينجز معلومه لا غير.

تفصيل المحقق الخراساني في المقام

لکنّ المحقّق الخراساني قسم هنا متعلّق العلم إلى قسمين، لا يجوز في أحدهما جعل الترخيص عقلاً بخلاف الآخر، فقال: «لا يخفى أن التكليف المعلوم بينهما مطلقا و لو كانا فعل أمر و ترك آخر إن كان فعليا من جميع الجهات بأن يكونواجدا لما هو العلة التامة للبعث أو الزجر الفعلي مع ما هو عليه من الإجمال و التردد و الاحتمال فلا محيص عن تنجزه و صحة العقوبة على مخالفته و حينئذ لا محالة يكون ما دل بعمومه على الرفع أو الوضع أو السعة أو الإباحة مما يعم أطراف العلم مخصصا عقلا لأجل مناقضتها معه, و إن لم يكن فعليا كذلك و لو كان بحيث لو علم تفصيلا لوجب امتثاله و صح العقاب على مخالفته لم يكن هناك مانع عقلا و لا شرعا عن شمول أدلة البراءة الشرعية للأطراف»(1), و حاصله على ما قرّبه المحقّق الاصفهانيّ: أنّ التكليف المعلوم بالإجمال على قسمين:

القسم الأوّل: أن يكون تامّ الفعليّة من جميع الجهات، بأن يكون واجدا لما هو العلّة التامّة للبعث أو الزجر الفعليّ، و لو كان التكليف مردّدا بين أطراف، و هو فيما إذا كان استيفاء الغرض الداعي إلى الحكم متعلّقا لإرادة المولى على كلّ تقدير، بحيث لا يرضى بفواته أصلا، سواء علم به المكلّف تفصيلا- لوصول الخطاب إليه و لو تصادفا- أو علم إجمالا. فحينئذ لا يمنع عن فعليّة التكليف إلّا الجهل به، و هو يرتفع بمجرّد العلم به، فإنّ العلم يكشف عن الواقع و يرتفع العذر الجهليّ، فيستحقّ العقوبة على مخالفته. و لا فرق حينئذ

ص: 19


1- كفاية الأصول، ص: 358 .

بين العلم الإجماليّ و التفصيليّ، لعدم الفرق في انكشاف الواقع و ارتفاع العذر الجهليّ بهما، غاية الأمر أنّ حكم العقل بإتيان جميع الأطراف احتياط فيما إذا علم به إجمالا، و حكم بإتيان المأمور به فيما إذا علم به تفصيلا.

و حينئذ لو فرض أنّ ما دلّ بعمومه على الترخيص و نفي التكليف- كحديث الرفع- يشمل أطراف العلم الإجماليّ فلا بدّ من تخصيصها بما نحن فيه، لحكم العقل بمناقضته مع كون الحكم فعليّا من جميع الجهات، ضرورة أنّه يقتضي لزوم موافقته على كلّ تقدير، و الترخيص يقتضي عدم لزومها، و هذا هو التناقض المستحيل.

القسم الثاني: أن لا يكون تامّ الفعليّة من جميع الجهات، بأن لا يكون الغرض الداعي إلى الحكم بمثابة تتعلّق إرادة المولى باستيفائه على كلّ حال، بل يكون متعلّقا لإرادة المولى إذا وصل الخطاب إليه تفصيلا و لو من باب الاتّفاق. و حينئذ يعتبر في تنجّزه العلم التفصيليّ بالحكم. و أمّا الحكم المعلوم بالعلم الإجماليّو إن كان بمرتبة من الفعليّة إلّا أنّ المعلوم به ليس متعلّقا لإرادة المولى، فلا يكون متنجّزا و لا يستحقّ العقوبة على مخالفته(1).

و فيه: أنّ الصورة الأُولى خارجة عن محطّ البحث، بشهادة أنّ الاحتمال فيه أيضاً منجّز فضلاً عن العلمين التفصيلي أو الإجمالي، و ينحصر الكلام في الصورة الثانية, فانّه إذا دلّ دليل قطعي على أصل الحكم، دون حكم صوره، و إنّما دلّ على حكمها إطلاق الدليل الشامل للمعلوم تفصيلاً و المعلوم إجمالاً و المشكوك وجوداً، مثل قوله: اجتنب عن الخمر فانّ أصل الحكم ثابت بالدليل القطعي، لكن حرمته في عامة الصور إنّما يثبت بإطلاق الدليل، فلا شكّ في إمكان تقييد الدليل، بصورة العلم التفصيلي، و إخراج صورة

ص: 20


1- نهاية الدراية 2: 575- 576 .

العلم الإجمالي بالموضوع عن تحته، كإخراج صورة الشكّ عنه في وجود الموضوع، فهذا أمر ممكن فيجوز تقييد إطلاقه بإخراج صورة المعلوم بالإجمال، فتكون النتيجة اختصاص حرمة الخمر بصورة العلم التفصيلي.

و يمكن استظهار كون الأحكام من قبيل القسم الثاني، من كونها محدّدة بعدم طروء عناوين ثانوية، كالضرر، و العسر، و الحرج، و الاضطرار، و الإكراه و التقية، و عدم الابتلاء بالأهم، إلى غير ذلك من العناوين الثانوية، التي تكون مانعة عن اطلاق الأحكام و عمومها .

نعم انّ هنا أُموراً ربّما يتخيل منها جعل الترخيص في هذا القسم مع فرض بقاء الاحکام علی اطلاقها و عدم تقييدها و قد تقدم البحث عنها مفصلا في الجزء الثالث من هذا الکتاب و انتهينا بهذه النتيجة و هي: انه لو کان الحکم الالهي مطلقا کما هو المفروض؛ فالحق هو القول بالعلية لان الترخيص في اطرافه يناقض اطلاق الحکم و هو قبيح من المولی, و اما عدم صحة المؤاخذة في الشبهة غير المحصورة فانما هو لأجل ارتفاع التكليف المعلوم إجمالا بعدم القدرة على الامتثال، أو بالضرر، أو بالحرج، و ليس نفس عدم الحصر مانعاً عن تأثير العلم الإجمالي في التنجيز حتى يقال: ان تأثيره فيه بنحو الاقتضاء لا العلية التامة, و مثل الشبهة غير المحصورة ما لو عرض بذلك عسر موجب لارتفاع فعلية العلمالاجمالي شرعاً أو عقلا، كما إذا كان مخلا بالنظام فلا تنجز له حينئذ، لكنه لأجل عروض الخلل بالمعلوم، لا لقصور العلم عن ذلك .

ص: 21

و ان لم يکن الحکم مطلقا فلا مانع من الترخيص في اطراف الحکم الاجمالي کما هو واضح, و عليه فاذا ثبت بالدليل جعل الترخيص في اطراف العلم الاجمالي فذلک الدليل يکشف عن عدم کون متعلق العلم الاجمالي حکما مطلقا(1).

اشکالات جعل البدل

ثم ان المحکي عن شيخنا الأعظم عدم جواز الترخيص في بعض الأطراف إلّا مع جعل وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر بدلا ظاهريا عن الحرام الواقعي، لأن رفع اليد عن الواقع و لو على بعض التقادير بعد العلم به من دون جعل بدل قبيح عند العقل، فلو ورد ما يدل على الاذن في بعض الأطراف تخييرا فلا بد أن يستكشف منه جعل البدل(2).

و اورد عليه المحقق السيد المروج: انه ان أريد بجعل البدل تنجيز الحكم المعلوم بالإجمال في الطرف الآخر، ففيه: أنه لا حاجة إليه، بل جعله لغو، بل ممتنع، لتنجيزه بالعلم الإجمالي و عدم ارتفاعه بجعل الترخيص في الطرف الآخر، فجعل البدل لأجل التنجيز يوجب تنجز المنجز، و هو محال، لكونه تحصيلا للحاصل.

و ان أريد بجعل البدل تنزيل الطرف غير المرخص فيه منزلة الواقع المعلوم إجمالا في الآثار الشرعية، ففيه: أن لازمه ترتب أحكام المعلوم بالإجمال عليه كما هو شأن سائر التنزيلات الشرعية نظير «الطواف بالبيت صلاة» فإذا كان المعلوم بالإجمال خمرا مثلا و شرب الطرف المجعول بدلا عنه لزم ترتيب أحكام الخمر من الحرمة و الحد و عدم جواز شهادته و الائتمام به و غير ذلك من أحكام شرب الخمر عليه. و هذا كما ترى مما

ص: 22


1- الکفاية من الاصول ج3 ص104.
2- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 6، ص: 29.

لم يلتزم به أحد، و لذا صرح شيخنا الأعظم في رابع تنبيهات الشبهة المحصورة بعد جملة من الكلام بعدم ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على ذلك الحرام عليه، حيث قال: «فارتكاب أحدالمشتبهين لا يوجب حد الخمر على المرتكب بل يجري أصالة عدم موجب الحد و وجوبه»(1).

ايراد المحقق العراقي علی جعل البدل

کما و ان المحقق العراقي أورد على جعل البدل إشكالين:

أحدهما: لزوم الدور، و تقريبه: أن شمول دليل الأصل النافي للتكليف في هذا الطرف متوقف على كون الطرف الآخر بدلا عن الحرام الواقعي المعلوم، لاشتغال الذّمّة به قطعا، و جعل البدلية منوط بإطلاق دليل الأصل و شموله لمورد العلم الإجمالي، و هذا هو الدور(2).

ثانيهما: أن الأصول المرخصة إذا فرض جريانها في بعض الأطراف بلا معارض لا تثبت كون المعلوم إجمالا هو المشتبه الآخر، إذ ليست الأصول العملية النافية كالأمارات النافية للتكليف في طرف في الدلالة الالتزامية على تعين المعلوم إجمالا في الطرف الآخر، و كونه مصداقا جعليا له في مقام تفريغ الذّمّة، لأن غاية ما تقتضيه الأصول النافية انما هي الترخيص في ارتكاب ما تجري فيه من دون دلالتها التزاما على كون المعلوم إجمالا هو الطرف الآخر، و ان كان لازم البناء على الحلية في طرف مع العلم الإجمالي

ص: 23


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 6، ص:30.
2- نهاية الأفكار، ج 3، ص 314 .

بحرمة أحدهما كون الحرام في الطرف الآخر، لكن اعتبار هذا اللازم مبني على حجية الأصل المثبت، و قد عرفت إجمالا عدم دلالة الأصل على ذلك(1).

ثم انه ربما يستظهر من بعض الاخبار العموم و الشمول لأطراف العلم الإجمالي و هما حديثان:

الاول: «كلّ شي ء لك حلال حتى تعلم انّه حرام بعينه»(2), وجه الاستدلال: انّ في قوله: بعينه احتمالين:

الاحتمال الاول: انّه تأكيد للفعل و قوله: بعينه بمعنى جزماً لا تخميناً، فيكون معناه أي حتى تعلم جزماً، لا ظناً انّه حرام . و الغاية بهذا المعنى حاصلة في مورد العلم الإجماليّ. الاحتمال الثاني: انّه تأكيد للضمير المنصوب في انّه و قوله: بعينه بمعنى بشخصه فيكون المعنى أي حتى تعلم انّه بشخصه، حرام في مقابل المردد .

و الظاهر منهما هو الثاني، و يؤيده ما ورد في اشتراء إبل الصدقة المخلوطة مع الحرام، کما في صحيحة أبي عبيدة، عن أبي جعفر علیه السلام قال: «سألته عن الرجل منّا يشتري من السلطان إبل الصدقة و غنم الصدقة و هو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم، قال: فقال: ما الإبل إلّا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه»(3), و مثله غيره(4), و عليه تصلح الرواية للاستدلال في المقام.

ص: 24


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 6، ص: 31.
2- الوسائل: 60/ 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.
3- الوسائل: الجزء 12، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5.
4- الوسائل: الجزء 12، الباب 5 من أبواب الربا، الحديث 3.

و فيه؛ أوّلًا: أنّه ليس حديثاً مستقلًاً و إنّما هو جزء من رواية مسعدة بن صدقة، و هي مضافا لضعفها سندا, کل الأمثلة الواردة فيها من قبيل الشبهة البدوية، و الإمام علیه السلام طبَّقَ الضابطة عليها فقط و منه يفهم اختصاصها بها.

و ثانياً: ما تقدم من الاشکال في متنها حيث أنّ الحلية في الأمثلة الواردة فيها ليست مستندة إلى الضابطة، بل إلى قواعد أُخرى، قال: و هذا مثل الثوب يكون عليك و قد اشتريته و هو سرقة. و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خُدِعَ فبيع قهراً، أو امرأة تحتك و هي أُختك أو رضيعتك(1), فالحلية في الثوب و العبد المشترى مستندة إلى قاعدة اليد، و في المعقودة، إلى أصالة الصحّة في العقد، أو استصحاب عدم تحقّق النسب و الرضاع بينهما؛ و هذا مما يوجب ضعف الاستدلال بالرواية .

الثاني: صحيح عبد اللّه بن سنان قال: «قال أبو عبد اللّه علیه السلام : كلّ شي ء فيه حلال و حرام، فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه»(2), فقد يقال انالصحيح و بقرينة

ص: 25


1- الوسائل: الجزء 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.
2- الوسائل: 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح1؛ و مثلها رواية عبد اللّه بن سنان عن عبد اللّه بن سليمان قال: سألت أبا جعفر عن الجبن فقال لي: لقد سألتني عن طعام يعجبني، ثمّ أعطى الغلام درهماً فقال: يا غلام ابتع لنا جبناً »، ثمّ دعا بالغذاء فتغذّينا معه إلى أن قال: سأخبرك عن الجبن و غيره، كلّ ما كان فيه حلال و حرام، فهو حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه» لکنها لم تشتمل على لفظة «منه» مضافا الی ضعفها بعبد اللّه بن سليمان . و رواية معاوية بن عمار عن رجل من أصحابنا «قال: كنت عند أبي جعفر علیه السلام ، فسأله رجل عن الجبن فقال أبو جعفر علیه السلام : إنّه لطعام يعجبني، و سأُخبرك عن الجبن و غيره، كلّ شي ء فيه الحلال و الحرام، فهو لك حلال حتى تعرف الحرام فتدعه بعينه» الوسائل: الجزء 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، ح7. و هي و ان کانت مرسلة الّا ان صفوان في سندها و هو من اصحاب الاجماع.

سائر الروايات المنقولة في الهامش تدل علی أنّ صناعة الجبن من الميتة أوجد مشكلة في عصر الإمامين الباقر و الصادق علیهم السلام ، و قد حاولا إزالة الشكوك عن أذهان شيعتهم بجواز الانتفاع ما لم يعرف الحرام بعينه, و عليه فيكون مورد الضابطة، الشبهة المحصورة، و يؤيد ذلك خبر أبي الجارود قال: «سألت أبا جعفر علیه السلام عن الجبن، فقلت له: أخبرني من رأى أنّه يجعل فيه الميتة، فقال: أ من أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الأرضين؟! إذا علمت أنّه ميتة فلا تأكله، و إن لم تعلم فاشتر و بع و كل، و اللّه إنّي لاعترض السوق فأشتري بها اللحم و السمن و الجبن، و اللّه ما أظن كلّهم يُسمُّون هذه البربر و هذه السودان»(1), و يكون المراد من «شي ء» في قوله: «كل شي ء» هو الشي ء المنتشر في الخارج، المتكثّر أفراده و مصاديقه، فمثله حلال إلى أن يعرف الحرام منه بشخصه. و بذلک يتم اثبات الترخيص في أطراف العلم الإجمالي من الشبهة التحريمية. و فيه: ان ظاهر هذه الروايات و موردها هو الشبهة غير المحصورة و لا شاهد علی شمولها للشبهة المحصورة .

ثم إنّ العلم الإجمالي في التدريجيات كالعلم الإجمالي في الدفعيات، فلا فرق عند العقل بين العلم بربوية أحد البيعين الحاضرين أو بربوية البيع الحاضر أو البيع الآخر في المستقبل. و لا تضرّ استقبالية الفعل مع كون الحكم فعليّاً لا إنشائياً.

هذا كلّه حول الشبهة المحصورة من التحريمية. و أمّا حكم الشبهة التحريمية غير المحصورة فيأتي الكلام عنه في ضمن التنبيهات.

ص: 26


1- الوسائل: الجزء 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 5.

تنبيهات

التنبيه الأوّل: في الاضطرار إلى أحد الأطراف

إذا طرأ الاضطرار إلى ارتكاب أحد أطراف العلم الإجماليّ فتارة يكون الاضطرار إلى طرف معيّن، و اخرى يكون الاضطرار إلى غير معيّن. و على كلا التقديرين تارة يحصل الاضطرار قبل العلم الإجماليّ، و اخرى يحصل بعد العلم الإجماليّ، و ثالثة يحصل مقارنا للعلم الإجماليّ. و على جميع التقادير تارة يكون الاضطرار بعد تعلّق التكليف، و اخرى يكون قبله، فللمسألة صور:

الاولى: أن يحصل الاضطرار إلى طرف معيّن قبل التكليف و قبل العلم الإجماليّ به، كما لو اضطرّ إلى شرب أحد الماءين مثلا، ثمّ علم بوقوع النجاسة في أحدهما بعد الاضطرار.

الثانية: أن يحدث الاضطرار إلى طرف معيّن بعد تعلّق التكليف بأحدها و قبل العلم الإجماليّ به، كما إذا كان أحد الماءين نجسا في الواقع، و لكنّه لم يكن عالما به، فاضطرّ إلى شرب أحدهما ثمّ علم بأنّ أحدهما كان نجسا قبل الاضطرار.

الثالثة: أن يحدث الاضطرار إلى طرف معيّن بعد التكليف و بعد العلم به، كما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد المائعين، فاضطرّ إلى شرب أحدهما لرفع العطش.

الرابعة: أن يحصل الاضطرار إلى واحد معيّن مقارنا للعلم الإجماليّ، كما لو أصاب النجس أحد الإنائين في الساعة الاولى، و حصل له العلم بذلك في الساعة الثانية مقارنا للاضطرار إلى شرب أحدهما المعيّن.

الخامسة و السادسة و السابعة: أن يحدث الاضطرار إلى غير المعيّن قبل العلم الإجماليّ أو بعده أو مقارنا له .

و اما اقوال العلماء فهي:

ص: 27

القول الاول: إنّ الاضطرار مانع عن تنجز العلم الإجمالي في جميع الصور ، سواء طرأ قبل العلم أو معه أو بعده، و كان المضطر إليه واحداً معيناً أو واحداً لا بعينه؛ و هذا مختار المحقّق الخراساني في الكفاية(1).

و استدلّ على مدّعاه في الکفاية بأنّ تنجّز التكليف يدور مدار المنجّز حدوثا و بقاء، و المفروض أنّ المنجّز هو العلم الإجماليّ بالتكليف الفعليّ، و هو ينتفي بطروء الاضطرار، لأنّ الاضطرار كما يكون مانعاً عن العلم بفعليّة التكليف لو كان إلى واحد معيّن، كذلك يكون مانعاً لو كان إلى غير معيّن، ضرورة أنّه مطلقاً موجب لجواز ارتكاب أحد الأطراف لو تركه تعييناً أو تخييراً، و هو ينافي العلم بحرمة المعلوم أو وجوبه بينها.

ثمّ أورد على نفسه إشكالًا، و حاصله:

انّ ما ذكرت إنّما يصحّ إذا كان الاضطرار سابقاً على حدوث العلم أو مقارناً، فإنّه يمنع عن تعلّق العلم بتكليف فعلي بأحد الطرفين، و أمّا إذا كان لاحقاً للعلم المتقدّم فلا، لأنّ مقتضى وجود العلم الإجمالي السابق المتعلّق بتكليف فعلي، هو الاجتناب عن الباقي، لأنّ المفروض عند تعلّق العلم الإجمالي بتكليف فعلي للامتثال، عدم الاضطرار إلى ارتكاب أحد من الطرفين، و هو كاف في لزوم الاجتناب عن الطرف غير المضطر إليه، فالاجتناب من الطرف الآخر من آثار العلم السابق على الاضطرار.

و أجاب عنه: بأنّ الاضطرار من حدود التكليف، و التكليف من أوّل الأمر محدّد بعدم عروض الحرج و الضرر، فعروضه كاشف عن عدم وجود تكليف فعليّ لازم للامتثال، و

ص: 28


1- نعم، كلماته في حكم الصورة الثالثة مضطربة، فذهب في الکفاية و فوائد الاصول إلى عدم تنجز العلم الإجماليّ في هذه الصورة أيضا. و عدل عنه في هامش الكتاب و التزم ببقاء التنجز في الطرف غير المضطرّ إليه. کفاية الأصول ، ص360 ؛ و فوائد الاصول: ص95.

انّ ذاك العلم لم ينعقد منجّزاً، و إن زعم صاحبه أنّه منجزٌ لاحتمال أن يكون مورد التكليف هو المضطر إليه، فيما إذا اضطر إلى المعيّن، أو يكون هو المختار إذا اضطر إلى واحد لا بعينه.

و فيه: إن هذا انما يتم فيما كان الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه فيکون عروضه كاشفا عن عدم وجود تكليف فعليّ لازم للامتثال، و انّ ذاك العلم لم ينعقد منجّزاً.

و أما لو كان إلى أحدهما المعين، فلا يكون بمانع عن تأثير العلم للتنجز، لعدم منعه عن العلم بفعلية التكليف المعلوم إجمالا المردد بين أن يكون التكليف المحدود في ذلك الطرف أو المطلق في الطرف الآخر، ضرورة عدم ما يوجب عدم فعلية مثل هذا المعلوم أصلا، و عروض الاضطرار انما يمنع عن فعلية التكليف لو كان في طرف معروضه بعد عروضه، لا عن فعلية المعلوم بالإجمال المردد بين التكليف المحدود في طرف المعروض و المطلق في الآخر بعد العروض. و هذا بخلاف ما إذا عرض الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، فانه يمنع عن فعلية التكليف في البين مطلقا .

ثمّ انه أورد إشكالًا آخر: بأنّه أيّ فرق بين عروض الاضطرار بعد العلم بالتكليف إلى أحد الأطراف معيّناً أو غير معين، و بين إراقة أحد الأطراف بعد تعلّق العلم الإجمالي؟ إذ يجب الاجتناب عن الطرف الباقي، و ما هذا إلّا لأنّ الاجتناب عنه من آثار العلم الإجمالي السابق، و إن لم يكن موجوداً بالفعل.

ثمّ إنّه أجاب عنه بما حاصله: بالفرق بين الاضطرار و الفقدان، حيث ان الأول من قيود التكليف شرعا بحيث يكون كل حكم إلزاميّ مقيدا حقيقة بعدم الاضطرار، فمع طروئه يرتفع الحكم واقعا، إذ الاضطرار يزاحم الملاك الداعي إلى الحكم، فان ملاك حرمة أكل مال الغير يؤثر في تشريع الحرمة ان لم يزاحم بمصلحة أهم كحفظ النّفس، و لذا

ص: 29

يجوز أكله في المخمصة بدون رضا مالكه، فاشتراط التكليف بعدم الاضطرار إلى متعلقه انما هو من اشتراط الملاك بعدم المزاحم له و هذا بخلاف الفقدان، فان الحكم لم يقيد في الأدلة الشرعية بعدمه، بل عدم الموضوع يوجب انتفاء الحكم عقلا، بخلاف الاضطرار، فان الحكم مقيد بعدمه شرعا، و لذا لا يجب الاحتياط مع طروئه.

و بالجملة: فمع الفقدان يشك في بقاء التكليف عقلا، فيجب الاحتياط فيما بقي من الأطراف، لكون الشك في بقاء الحكم المطلق بعد العلم باشتغال الذّمّة به، و لكن في الاضطرار يكون الشك في ثبوت التكليف. و عليه فقياس الاضطرار اللاحق للعلم الإجمالي بفقدان بعض الأطراف بعد العلم مع الفارق .

القول الثاني: الفرق بين الاضطرار إلى واحد لا بعينه، فلا يجب الاجتناب عن الطرف الآخر، و واحد معيّن فيجب الاجتناب عن الطرف الآخر، و هو مختاره في هامش الكفاية. لتعلّق العلم الإجماليّ بالتكليف المردّد بين المحدود و المطلق، لأنّ التكليف في أحد الطرفين- و هو المضطرّ إليه- محدود بطروء الاضطرار، و هو في الطرف الآخر- على تقدير ثبوته- مطلق و مستمرّ، فيكون المقام من قبيل تعلّق العلم الإجماليّ بالتكليف المردّد بين القصير و الطويل، نظير ما إذا علم بوجوب الجلوس في هذا المسجد ساعة أو في ذلك المسجد ساعتين. و حينئذ يكون الاضطرار إلى طرف معيّن موجبا لانتهاء التكليف في ذلك الطرف بانتهاء أمده لأجل الاضطرار، و هذا لا يوجب انتهائه في الطرف الآخر.

و فيه: انه لا فرق بين الاضطرار إلى واحد لا بعينه او واحد بعينه في سقوط التکليف و ذلک لأنّ الضابطة في تنجّز العلم الإجمالي هو أن يكون محدثاً للتكليف على كلّ تقدير، حتى يحصل العلم بالتكليف القطعي، و إلّا فلو كان موجباً له على فرض دون فرض، فلا

ص: 30

يكون هناك علم به، مثلًا إذا دار سقوط قطرة من الدم بينالماء الكر و القليل، فلا يجب الاجتناب عن الآخر لعدم العلم بإحداث التكليف، و على ضوء ذلك، فلا يجب الاجتناب إذا اضطر إلى ارتكاب المعيّن من الإناءين، و ذلك لأنّه لو كان الاضطرار إلى واحد معيّن من الإناءين فالعلم الاجمالي يحدث التكليف على وجه إذا كان الحرام في غير الإناء المضطر إليه و لا يحدث على وجه إذا كان الحرام في الإناء المعيّن کما إذا كان الاضطرار إلى واحد منهما، فلا يحدث تکليف على كلّ تقدير لعدم إمكان معالجة الاضطرار بغير المشتبه بالحرام فيسقط المشتبه عن وجوب الاجتناب .

و بعبارة أُخرى: إنّ الميزان في تنجّز العلم الإجمالي أن يتعلّق العلم الإجمالي بشي ء لو تعلّق به العلم التفصيلي لتنجّز عليه التكليف الموجود في البين على كلّ تقدير، و هذا غير صادق عند الاضطرار إلى واحد معيّن او غير معين, نعم لو كان الاضطرار الی المعين بعد العلم فالظاهر وجوب الاجتناب عن الآخر کما سيأتي .

القول الثالث: القول بالاجتناب إذا اضطر إلى واحد منها لا بعينه مطلقاً، سواء كان الاضطرار قبل العلم بالتكليف أو معه أو بعده، و أمّا الاضطرار إلى المعيّن ففيه التفصيل بين طروئه قبل العلم أو معه فلا يجب الاجتناب عن الآخر، و طروئه بعده فيجب الاجتناب، و هو مختار الشيخ الأعظم ، و تبعه النائينيّ و العراقيّ و الحائريّ و الخوئيّ(1), هذا و اتّفقوا أيضا على عدم التنجز في الصورة الرابعة.

فهنا دعويان:

الأُولى: لزوم الاجتناب عن الطرف الآخر مطلقاً عند الاضطرار إلى واحد لا بعينه.

ص: 31


1- فراجع فرائد الاصول 2: 425، فوائد الاصول 4: 94- 102، مقالات الاصول 2: 244- 245، درر الفوائد 2: 119, مصباح الاصول 2: 363 .

الثانية: التفصيل عند الاضطرار إلى واحد بعينه، بين عروض الاضطرار قبل العلم بالتكليف أو معه، و بين عروضه بعده، فلا يجب في الأوّلين دون الثالث.

أمّا الدعوى الأُولى فحاصلها: أنّ الميزان في تنجّز العلم الإجمالي، هو أن يتعلّق بشي ء لو تعلّق به العلم التفصيلي لتنجّز عليه التكليف، و لا يكون الاضطرار مانعاً عن تنجّزه، و هذا متحقّق في الاضطرار إلى الواحد لا بعينه، فهو لا يزاحمتنجّز العلم التفصيلي، إذ في وسعه رفع الاضطرار بغيره، لأنّ المفروض أنّ كلّ واحد كاف في منع الاضطرار.

و أمّا الدعوى الثانية: فهي انّه إذا اضطر إلى ارتكاب بعض المحتملات معيّناً، فالظاهر عدم وجوب الاجتناب عن الباقي إذا كان الاضطرار قبل العلم أو معه، لرجوعه إلى عدم تنجّز التكليف بالاجتناب عن الحرام الواقعي لاحتمال كون المحرّم هو المضطر إليه.

نعم لو كان الاضطرار بعد العلم فالظاهر وجوب الاجتناب عن الآخر لأنّ الإذن في ترك بعض المقدمات العلمية بعد ملاحظة وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي يرجع إلى اكتفاء الشارع في امتثال ذلك التكليف بالاجتناب عن بعض الشبهات.

اقول: اما الدعوی الثانية فتامة کما تقدم و ذلك لأنّه لا يحدث مثل هذا العلم التكليف على كلّ تقدير، إذ لو كان النجس في الجانب المعيّن لما وجب عليه الاجتناب، و معه لا يحصل هناك علم بالتكليف مائة بالمائة.

كما أنّه لو انقلب العلم الإجمالي إلى التفصيلي لا يكون منجزاً مطلقاً، إذ لو كان في الإناء المعيّن فمع العلم التفصيلي بأنّه نجس يجوز ارتكابه للاضطرار.

نعم يستثنى من هذه الصورة ما إذا تقدّم العلم الإجمالي على الاضطرار و كان الاضطرار طارئاً و حادثاً فلو عالج الاضطرار بارتكاب الإناء المعيّن يجب عليه الاجتناب عن الإناء الآخر، و ذلك لأنّ التكليف بالاجتناب عن النجس بعد طروء الاضطرار و إن كان

ص: 32

مشكوكاً لكن العلم الإجمالي لما انعقد مؤثراً، و حكم العقل قبل الاضطرار بوجوب الاجتناب عن الطرفين تحصيلًا لليقين، فإذا طرأ الاضطرار لا يمکن رفع اليد عن التنجيز السابق إلّا بقدر الضرورة، فوجوب الاجتناب ليس من آثار وجود العلم الإجمالي الفعلي بالتكليف بعد الاضطرار، بل من آثار وجود العلم الإجمالي السابق للتكليف، و لذلك لو أهرق أحد الإناءين وجب الاجتناب عن الإناء الآخر کما تقدم .

و اما الدعوی الاولی فليست بتامة لأن الاضطرار إلى واحد منهما لا يحدث تکليفاً على كلّ تقدير لعدم إمكان معالجة الاضطرار بغير المشتبه بالحرام فيسقط المشتبه المردد بينهما عن وجوب الاجتناب و ذلک لأنّ رفع الاضطرار بالإناء الطاهر واقعاً يتوقف على العلم بالنجس الواقعي بعينه، و أمّا إذا كان مجهولًا فلا يمكن الجمع بين قوله: اجتنب عن النجس و قوله: رفع ما اضطروا إليه لاحتمالانطباق ما يختاره على النجس الواقعي، و حينئذٍ لا يكون لنا علم بالتكليف على كلّ تقدير إذا كان الاضطرار متقدّماً على العلم.

و بعبارة أُخرى: إنّ الميزان في تنجّز العلم الإجمالي أن يتعلّق العلم الإجمالي بشي ء لو تعلّق به العلم التفصيلي لتنجّز عليه التكليف الموجود في البين على كلّ تقدير، و هذا غير صادق عند الاضطرار إلى واحد معيّن او غير معين .

و حاصل ما تقدم هو عدم لزوم الاجتناب عن الطرف الآخر مطلقاً عند الاضطرار إلى واحد لا بعينه و التفصيل عند الاضطرار إلى واحد بعينه، بين عروض الاضطرار قبل العلم بالتكليف أو معه، و بين عروضه بعده، فلا يجب في الأوّلين دون الثالث.

ص: 33

التنبيه الثاني: في خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء

أقول: لا ريب في اعتبار القدرة العقليّة على جميع أطراف العلم الإجماليّ في منجّزيّته و استحقاق العقوبة على مخالفته. و انّما الكلام في أنّه هل يعتبر في توجّه الخطاب إلى المكلّف و تنجّزه إمكان الابتلاء عادة بجميع الأطراف أم لا يعتبر؟

1- فذهب بعضهم إلى اعتباره في خصوص النهي و الشبهات التحريميّة دون الأمر و الشبهات الوجوبيّة، كالشيخ الأعظم و المحقّق النائينيّ فقالوا: بعدم صحّة النهي التفصيلي فيما إذا كان المنهي عنه خارجاً عن الابتلاء عادة، فالإناء النجس إذا كان في البلاد النائية و كانت الدواعي مصروفة عنه يقبح النهي عن ارتكابه. فإذا كان هذا حال العلم التفصيلي فالعلم الإجمالي مثله بطريق أولى، فلو علم بنجاسة أحد الإناءين، و كان أحدهما خارجاً عن محلّ ابتلائه يكون الخطاب بالاجتناب عمّا هو خارج عن محلّ الابتلاء إذا كان نجساً واقعاً قبيحاً، و يعود الإناء الآخر مشكوك الحكم من حيث الحرمة فيرجع إلى أصل البراءة(1).

قلت: و سيأتي الجواب عنه .

2- و ذهب المحقق الخراساني و المحقّق العراقيّ إلى اعتباره في النهي و الأمر. و استدل الاول على اعتبار الابتلاء بجميع الأطراف بأمرين:

الأوّل؛ و حاصله: أنّ توجيه الخطاب إلى غير مورد الابتلاء لغو، إذ غرض الشارع من النهي إيجاد الداعي إلى الترك، كما أنّ غرضه من الأمر إيجاد الداعي إلى الفعل، و هو

ص: 34


1- فراجع فرائد الاصول 2: 233، فوائد الاصول 4: 51 .

لا يتحقّق فيما إذا كان الفعل خارجا عن محلّ الابتلاء، فتوجيه الخطاب إليه لغو. و لغويّة الخطاب و إن كان أمرا ممكنا ذاتا إلّا أنّه مستحيل على الحكيم عقلا، لمنافاته للحكمة.

الثاني؛ و حاصله: أنّ الغرض من النهي ليس إلّا ترك المنهي عنه، و هو في غير مورد الابتلاء حاصل بنفس عدم الابتلاء، فطلب تركه بالنهي عنه طلب الحاصل، و هو ممتنع ذاتا(1).

و استدل الثاني: على اعتبار الابتلاء بأنّ توجيه النهي أو الأمر بما خارج عن الابتلاء مستهجن، لأنّ البعد عن العمل بمثابة يرى العرف مثل هذا الشخص أجنبيّا عنه، بحيث لا يحسنون توجيه الخطاب نحوه(2).

قلت: و سيأتي الجواب عنهما .

3- و ذهب المحقّق الاصفهانيّ و المحقق الخوئيّ إلى عدم اعتباره أصلا, فقال الاول بماحاصله: أنّ حقيقة التكليف جعل ما يمكن أن يكون داعيا و يصلح لأن يكون باعثا، بحيث لو انقاد العبد للمولى لانقدح الداعي في نفسه بدعوة البعث أو الزجر، فيفعل أو يتحرّك بسبب جعل الداعي. و هذه الصفة محفوظة، سواء كان للمكلّف داع إلى الفعل كما في التوصّلي الّذي يأتي به بداعي هواه، أو كان له داع إلى تركه كما في العاصي،

ص: 35


1- كفاية الأصول، ص361 .
2- نهاية الأفكار 3: 338 .

أو لم يكن له داع إلى الفعل من قبل نفسه كما في ما نحن فيه. و عليه فمجرّد كونه خارجا عن مورد الابتلاء لا يرجع إلى محصّل»(1).

و قال الثاني بما حاصله: «أنّ الغرض من الأوامر و النواهي الشرعيّة غير الغرض من الأوامر و النواهي العرفيّة، فإنّ الغرض من الاوامر العرفيّة ليس إلّا تحقّق الفعل أو تركه خارجا، و حينئذ كان الأمر بشي ء حاصل بنفسه؛ لغوا وطلبا للحاصل. بخلاف الأوامر و النواهي الشرعيّة، فإنّ الغرض منها ليس مجرّد تحقّق الفعل خارجا، بل الغرض صدور الفعل استنادا إلى أمر المولى و كون الترك مستندا إلى نهيه ليحصل لهم بذلك الكمال النفسانيّ. و حينئذ لا قبح في الأمر بشي ء حاصل بنفسه عادة، و لا في النهي عن شي ء متروك بنفسه، فلا يعتبر في تنجيز العلم الإجماليّ عدم كون بعض الأطراف خارجا من محلّ الابتلاء»(2).

و اجيب الاول: بأنّ الإمكان العقلي لا يدفع الاستهجان العرفي فلو افترضنا صحّة صدور المعصية من العبد، و لكن دلّت القرائن على أنّه لا يقع في متناول يده، فالخطاب بالاجتناب و إن لم يكن قبيحاً عقلًا لكنّه مستهجن عرفاً.

و فيه: انه مستهجن عرفا لو کان الخطاب مختصا به, و اما لو کان الخطاب عاما يشمله و غيره فلا دليل علی کونه مستهجنا عند العرف و ان انحل الخطاب الی آحاد المکلفين .

و اجيب الثاني: «بان هذا لو تم، فانما يتم في خصوص الواجبات دون المحرمات، إذ الفعل المحرم إذا كان خارجا عن محل الابتلاء بنحو لا تحدثه نفسه بارتكابه لم يصلح النهي لزجر المكلف عنه و صرفه عن ارتكابه، إلّا بعد تصدي المكلف لإيجاد الرغبة

ص: 36


1- نهاية الدراية: 253/ 2.
2- مصباح الأُصول: 395/ 2.

النفسيّة في فعله، كي ينصرف عنه ببركة النهي الشرعي، فلو كان الغرض من النهي ما ذكر، للزم في مثل هذه الحال على المكلف إيجاد الرغبة إلى فعل المحرم و تهيئة مقدماته، ثم ينصرف عنه بزاجرية النهي. و هذا لا يمكن أن يتفوه به، فان إيجاد مقدمات الحرام بما هي مقدمات له مرجوح، بل ثبت تحريم بعضها نفسيا كمقدمات عمل الخمر. هذا مع عدم تماميته في الواجبات التوصلية كما عرفت»(1).

قلت: و حاصل الجواب ان استدلال المحقق الخوئي اخص من المدعی الّا ان استدلال المحقق الاصفهاني تام و لا اشکال فيه .

و هنالک جواب آخر يبتني علی القول بالخطابات القانونية و محصّله: أنّ قبح التكليف بالخارج عن الابتلاء انّما هو في الخطاب الشخصيّ إلى آحاد المكلّفين. و أمّا الخطابات الكلّيّة المتوجّهة إلى عامّة المكلّفين فلا يقدح فيها عجز بعضهم عن الامتثال، بل انّما يقدح فيما إذا كان العموم غير متمكّن عادة، فالخطاب فعليّ و لو كان بعضهم عاجزين من جهة كون بعض الموارد خارجا عن محلّ الابتلاء، غاية الأمر يكون العاجز معذورا في تركه مع الاضطرار الفعليّ(2).

و فيه اولا: ما تقدم في الجزء الاول من هذا الکتاب من الاشکال في هذا المبنی.

ص: 37


1- منتقى الأصول، ج 5، ص: 131. وکلامه في التوصليات هو: «ان الغرض الملزم في الواجبات التوصلية ليس إلا ما يترتب على الفعل ذاته من مصلحة، و المفروض ان ذلك يتحقق و لو لم يكن أمر» ص130.
2- أنوار الهداية 2: 214- 219.

و ثانيا: انه ما المراد من توجيه الخطاب إلى العنوان؟ فان أُريد منه العنوان الذهني بما هو هو فهو واضح البطلان، و إن أُريد العنوان الذهني بما هو مرآة إلى الأفراد الخارجية، فعندئذ يكون المخاطب هو المصاديق لا العنوان، و هذا عين القول بالانحلال، و عندئذ يتعدد التكليف بتعدد المكلّفين و إن كان إنشاءً واحداً, و حتی لو کان العنوان المأخوذ موضوعا انتزاعياً صادقاً على الافراد، منطبقاً عليها، ففي مثله يكون الحكم ايضا منحلا الی الافراد .

و اما ما قيل من کونه مجعولًا على العنوان باقياً عليه، غير منحدر عنه إلى الأفراد الخارجية، لكنّه على وجهٍ, كلّ من وقف عليه يتخذه حجّة على نفسه، و في مثله لا يصحّ الانحلال، لعدم كون العنوان، مشيراً مغفولًا عنه(1). فلا تخفی مغالطته لان کونه «على وجهٍ, كلّ من وقف عليه يتخذه حجّة على نفسه» عين الانحلال الی الافراد و لا معنی له غير ذلک .

ثمّ انه قيل: أنّه يلزم من القول بالانحلال امران لا يلتزم الفقيه بهما و هما:

1- يلزم على القول بالانحلال عدم صحّة خطاب العصاة و الكفار، فإنّ خطاب من لا ينبعث قبيح، أو غير ممكن، لأنّ الإرادة الجزئية لا تنقدح في لوح النفس إلّا بعد حصول مبادئ، و منها احتمال الانبعاث، و المفروض عدمه.

و فيه: ان تکليف من لا ينبعث لا قبح فيه و دعواه بلا دليل, بل الدليل دال علی امکانه فقد کلف الله تعالی و هو الحکيم ابليس بالسجود فابی و استکبر .

2- يلزم اختصاص الأحكام الوضعية بمحل الابتلاء، فالخمر نجس لمن يبتلي به دون غيره، و هو على خلاف ضرورة الفقه من غير فرق بين القول بكونها تابعة للأحكام التكليفية و منتزعة عنها، كما هو واضح لأنّ المتبوع إذا كان مختصّاًبالمبتلي فالتابع مثله

ص: 38


1- ارشاد العقول ج3 ص 494.

أو كونها مستقلة بالجعل فانّه إنّما هو بلحاظ الآثار، و مع الخروج عن محل الابتلاء لا يترتب عليها آثار، فلا بدّ من الالتزام بأنّ النجاسة و الحلّية و الأُمور النسبية بلحاظ المكلّفين.

و فيه: ان الحق عدم اختصاص الأحكام الوضعية بمحل الابتلاء کما تقدم .

استدلال آخر

ثمّ إنّ الشيخ استدلّ على اعتبار الابتلاء بصحيح علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى بن جعفر علیه السلام قال: «سألته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قِطَعاً صغاراً فأصاب إناءه هل يصحّ له الوضوء منه؟ قال: إن لم يكن شيئاً يستبين في الماء فلا بأس، و إن كان شيئاً بيّناً فلا تتوضأ منه»(1), و ظاهر الرواية أنّ الدم أصاب الماء الموجود في الإناء، و الإمام فصّل بين المستبان و غيره فأمر بعدم التوضؤ في الأوّل دون الثاني، و حينئذ تكون الرواية دليلاً على عدم انفعال الماء القليل بالدم الذي لا يُدرك بطرف العين، و عمل بها الشيخ فأفتى بالعفو عمّا لا يدركه الطرف من الدم, لکن لما كان مضمون الرواية مخالفاً لما ذهب إليه المشهور من انفعال الماء القليل مطلقاً بإصابة الدم مُدرَكاً كان أم لا، حملها الشيخ الأنصاري على أنّ إصابة الإناء لا يستلزم إصابة الماء، فهو عالم بإصابة الدم على الإناء إمّا نفسه أو باطنه الحاوي للماء، ثمّ جعله دليلاً على مدّعاه في المقام حيث إنّ عدم تنجيز العلم الإجمالي في المقام لأجل خروج بعض الأطراف أعني: الإناء عن محلّ الابتلاء، و إن كان الطرف الآخر محلًا له.

و فيه: أنّ هذا التفسير مخالف لظاهر الرواية، فإنّ إصابة الإناء كناية عن إصابة الماء الموجود فيه کما هو مختار الشيخ الطوسي.

ص: 39


1- الوسائل: الجزء 1، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

إذا شكّ في الابتلاء و عدمه

إذا شكّ في مورد هل يكون داخلا في محلّ الابتلاء أو يكون خارجا عنه؟ فهل يرجع إلى إطلاقات أدلّة التكليف و يحكم بشموله للمشكوك أو يرجع إلى أصل البراءة أو يرجع إلى أصل الاحتياط؟ذهب الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى الأوّل(1).

و تبعه المحقّق النائينيّ بدعوى أنّ إطلاق ما دلّ على حرمة شرب الخمر- مثلا- يشمل كلتا صورتي الابتلاء به و عدمه، و القدر الثابت من التقييد و الخارج عن الإطلاق عقلا هو ما إذا كان الخمر خارجا عن مورد الابتلاء، بحيث يلزم استهجان النهي عنه بنظر العرف، فإذا شكّ في استهجان النهي و عدمه في مورد الشكّ في إمكان الابتلاء به و عدمه فالمرجع هو إطلاق الدليل(2).

و ذهب المحقّق الخراساني إلى الثاني و استدلّ عليه بأنّ فعليّة التكليف منوطة بالابتلاء بالمتعلّق، فإذا شكّ في الابتلاء به يشكّ في التكليف الفعليّ، و هو مجرى أصالة البراءة. و حاصل ما أفاده: أنّ التمسّك بالإطلاق يتفرّع على صحّة الإطلاق في نفسه ثبوتا، و مع الشكّ في إمكان الإطلاق ثبوتا لا أثر للإطلاق إثباتا. و هو في المقام مشكوك فيه، فإذا شكّ في دخول مورد في محلّ الابتلاء يرجع إلى الشكّ في إمكان الإطلاق بالنسبة إليه، و مع الشكّ في إمكانه ثبوتا لا ينفع الرجوع إلى الإطلاق في مقام الإثبات.

و أورد عليه المحقّق الخوئي: بأنّ بناء العقلاء على حجّية الظواهر ما لم تثبت القرينة العقلية أو النقلية على إرادة خلافها، و مجرّد احتمال الاستحالة لا يعدُّ قرينة على ذلك

ص: 40


1- فرائد الاصول 2: 238 .
2- فوائد الاصول 4: 55- 58 .

فانّه من ترك العمل بظاهر خطاب المولى لاحتمال استحالة التكليف، و مثله لا يعدّ معذوراً عند العقلاء.

ثمّ مثل مثالًا: إذا أمر المولى بالعمل بخبر العادل و احتملنا استحالة العمل به لاستلزامه تحليل الحرام و تحريم الحلال، لا يكون مثل ذلك عذراً في مخالفة ظاهر كلام المولى، و المقام من هذا القبيل، فلا مانع من التمسّك بالإطلاق عند الشكّ في اعتبار الدخول في محلّ الابتلاء في صحّة التكليف(1).

اقول: و ما اجاب به المحقق الخوئي هو الصحيح و بذلک يظهر الجواب عما ذهب اليه المحقّق العراقيّ من العمل بالاحتياط، بدعوى رجوع الشكّ المزبور إلى الشكّ في القدرة المحكوم عقلا بوجوب الاحتياط، فإنّه بعد تماميّة مقتضيات التكليف من طرف المولى و عدم دخل قدرة المكلّف بكلا قسميها- من الفعليّة والعاديّة- في ملاكات الأحكام يستقلّ العقل بلزوم رعاية الملاك بالاحتياط(2). فانه مع صحة التمسک بالاطلاق لا تصل النوبة الی الاحتياط .

التنبيه الثالث: في الشبهة غير المحصورة

قال في الکفاية: «أنّه قد عرفت أنّه مع فعليّة التكليف المعلوم لا تفاوت بين أن تكون أطرافه محصورة و أن تكون غير محصورة»(3) فتجب الموافقة القطعيّة برعاية الاحتياط كما تحرم المخالفة القطعيّة, ذهب الی ذلک لانّ كون الأطراف محصورة أو غير محصورة لا تؤثر في نظره بل الملاك عنده فعلية التكليف و عدمها، فعلى الأوّل يتنجّز

ص: 41


1- مصباح الأُصول: 398.
2- نهاية الأفكار 3: 342.
3- کفاية الاصول ج3 ص 109.

الحكم الواقعي من غير فرق بين المحصورة و غيرها, و ذلک لأن ما قيل من كون كثرة الأطراف بنفسها مانعة عن فعلية التكليف و عن تنجيز العلم الإجمالي فيها مما لا أصل له و لا دليل عليه .

نعم كثرة الأطراف ربما تلازم عنواناً يرفع فعلية التكليف كالضرر و الحرج، كما إذا كان اجتناب الكل أو ارتكابه مضرا بنفسه أو بماله، أو موجبا لوقوعه في العسر و الحرج، أو كان بعض الأطراف خارجا عن محل الابتلاء، و إلّا فكثرة الأطراف بنفسها لا ترفع فعلية المعلوم و لا تنفي وجوب الاحتياط عنها. كما أن من الممكن طروء أحد هذه الموانع في الشبهة المحصورة و ارتفاع وجوب الاحتياط، فيها لأجلها أيضا، فلا خصوصية في عدم انحصار الأطراف لعدم وجوب الاحتياط، بل المدار في عدم وجوبه وجود أحد هذه الموانع، فلا بد من ملاحظة الشي ء الّذي يوجب ارتفاع الفعلية، و إلّا فمع العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي الحتمي تجب موافقته القطعية و تحرم مخالفته كذلك سواء كثرت أطرافه أم قلت.

و على كلّ تقدير فليس الميزان عند المحقق الخراساني كثرة الأطراف أو قلّتها، بل فعلية التكليف و عدمها، لأجل طروء العناوين الثلاثة و لو شكّ في عروض واحد منها، فالمتبع هو إطلاق الدليل لو کان و الّا فالبراءة .

و فيه: ما سيأتي من الدليل علی ارتفاع فعلية التکليف مع کثرة الاطراف, هذا و في المقام أقوال و هي:

الاول: ما عن الشيخ الأعظم الأنصاريّ من التفصيل بين الموافقة القطعيّة فلا تجب و بين المخالفة القطعيّة فتحرم(1).

ص: 42


1- فرائد الاصول 2: 257 و 265.

الثاني: التفصيل بين الشبهات التحريميّة و الشبهات الوجوبيّة، بأنّ الحكم في الشبهة التحريميّة غير المحصورة هو جواز المخالفة القطعيّة و عدم وجوب الموافقة القطعيّة، و هو في الشبهة الوجوبيّة لزوم الاحتياط في الجملة و وجوب الموافقة الاحتماليّة. و هذا مختار المحقّق النائينيّ(1).

الثالث: عدم وجوب الموافقة القطعيّة و حرمة المخالفة القطعيّة. و هذا يظهر من المحقّق العراقيّ(2).

الرابع: التفصيل بين ما إذا تمكّن المكلّف من المخالفة القطعيّة دون الموافقة القطعيّة و بين ما إذا تمكّن من الموافقة القطعيّة دون المخالفة القطعيّة. فعلى الأوّل تحرم المخالفة القطعيّة و تجوز الموافقة القطعيّة. و على الثاني تجب الموافقة القطعيّة و إن لم تكن المخالفة القطعيّة حراما، لعجز المكلّف عنها. و هذا مختار السيّد المحقّق الخوئيّ(3).

الخامس: عدم وجوب الاحتياط مطلقا، فلا تجب الموافقة القطعيّة، بل تجوز المخالفة القطعيّة ايضا .

اقول: قبل الورود في حکم الشبهة غير المحصورة لا بد من البحث عما هو المعيار لكون الشبهة غير محصورة، و ما هو حدّها؟

ما هو المعيار لكون الشبهة غير محصورة؟

قد ذكروا لتمييز المحصورة عن غيرها معايير مختلفة:

ص: 43


1- فوائد الاصول 4: 118- 119.
2- نهاية الأفكار 3: 331 .
3- مصباح الاصول 2: 375- 376 .

الأوّل: ما نقله الشيخ عن المحقّق و الشهيد الثانيين و الميسي و صاحب المدارك(1) من أنّها عبارة عمّا يعسر عدّه لا ما امتنع عدّه، لأنّ كلّ ما يوجد من الأعداد قابل للعد.و أُورد عليه: بأنّ الألف معدود من الشبهات غير المحصورة مع أنّ عدّه غير متعسّر.

الثاني: أنّ الميزان هو الصدق العرفيّ(2).

و فيه: ان مرجعه إلى الأوّل، لأنّ المراد من الأوّل ما يعسر عدّه عرفاً و ما لا يعسر عدّه كذلك فيرد عليه ما يرد علی الاول .

مضافا الی أن الرجوع إلى العرف في تشخيص المفاهيم انما يكون في الألفاظ الواقعة في الأدلة الشرعية لترتيب ما لها من الأحكام عليها، و من المعلوم أن لفظ «غير المحصور» لم يقع في شي ء من تلك الأدلة حتى يرجع في تشخيص مفهومه إلى العرف، بل هو اصطلاح مستحدث من الأصوليين.

الثالث: ما ذهب اليه الشيخ الاعظم من أنّ غير المحصور ما كانت كثرة الاحتمالات فيه بحدّ يكون احتمال التكليف في كلّ واحد من الأطراف موهوما لا يعتني به العقلاء، بل يرون الاعتناء به نوعا من الوسوسة(3).

و اختاره المحقّق العراقي حيث قال: إنّ المناط في كون الشبهة غير محصورة هو أن تكون كثرة الأطراف بحدّ يوجب ضعف الاحتمال في كلّ واحد من الأطراف بحيث يكون موهوماً بدرجة لا يعتني العقلاء بذلك الاحتمال، بل ربّما يحصل الاطمئنان بالعدم(4).

ص: 44


1- فرائد الاصول 2: 433 ؛ مدارك الأحكام 3: 353.
2- روض الجنان: 224.
3- فرائد الاصول 2: 433 و 438.
4- نهاية الأفكار: 330/ 3.

ثمّ أورد على نفسه إشكالًا، حاصله: انّ الموجبة الجزئية نقيض السالبة الكلية، فكيف يجتمع العلم بوجود الحرام و المبغوض في الأطراف، مع الظنّ بالعدم في كلّ طرف بنحو السلب الكلي؟

و أجاب بما حاصله: انّ الأفراد إذا لوحظت دفعة واحدة، فليس فيها إلّا العلم بالحرام, لا الظن فضلاً عن الاطمئنان بعدمه، فهذه الصورة هي معقد العلم لا معقد الظن بالعدم.

و أمّا إذا لوحظت الأفراد واحدة بعد واحدة، ففي كلّ واحد ظن أو اطمئنان بعدمه، و الموجبة الجزئية لا تجتمع مع السالبة الكلية، أعني: ما إذا لوحظت الأفراد دفعة واحدة، لكنّها تجتمع مع السالبة الجزئية، أعني: ما إذا لوحظ كلّ فرد بلحاظ مستقل منقطع عن لحاظ آخر.

ثم قال: فإذا فرض حجية هذا الاطمئنان لدى العقلاء لبنائهم على عدم الاعتناء باحتمال الخلاف البالغ في الضعف إلى هذه المثابة و لو لكونه من العلوم العادية لهم فلا يجب رعاية العلم الإجمالي بالاحتياط في الجميع و لو مع التمكن العادي من ذلك (1).

و اورد المحقّق الخوئي نقلا عن شيخه النائيني على تعريف الشيخ بوجهين:

الأوّل: أنّه احالة إلى أمر مجهول، فإنّ للوهم مراتب كثيرة، فأيّة مرتبة منه تكون ميزاناً لكون الشبهة غير محصورة.

الثاني: انّ موهومية التكليف لا تمنع عن تنجّز التكليف، و لذا يتنجّز التكليف المردّد بين طرفين و لو كان احتماله في أحدهما ظنياً و في الآخر موهوماً(2).

ص: 45


1- نهاية الأفكار: 330/ 3.
2- مصباح الأُصول: 373/ 3.

قلت يرد على الأوّل: ان المعيار هو كون التكليف موهوماً في كلّ واحد من الأطراف بلا فرق بين مراتب الوهم، فما دام وجود الحرام في كلّ واحد إذا لوحظ وحده موهوماً فلا يعتني به العقلاء و لا يترتب على العلم بالتكليف في المجموع أثر.

و يرد على الثاني: أنّ السبب لعدم تنجز التكليف ليس مجرّد الموهومية بل الموهومية المستندة إلى كثرة الأطراف، التي تُسبّب عدم اعتناء العقلاء بالنسبة إلى ذلك الاحتمال، فالحجّة في الواقع هو بناء العقلاء في هذا القسم على موهومية التكليف، لا مطلق الموهومية و إن كان مسبباً عن أمر آخر كما في مثاله الذي ذکر .

الرابع: أنّ غير المحصور ما كانت كثرة الأطراف بحدّ يستلزم عدم تمكّن المكلّف عادة من المخالفة القطعيّة بارتكاب جميع الأطراف و إن كان كلّ طرف في نفسه مقدورا عادة(1). و هو الظاهر من السيد البروجردي حيث جعل الملاک في غير المحصور ما تعسرت موافقته القطعيّة(2).

و لا يخفی ان مراده من عدم التمكن عدمه المستند إلى كثرة الأطراف, و إلّا ربما تكون الشبهة محصورة و لا يتمكن المكلّف عادة من المخالفة، كما فيالخارج عن محلّ الابتلاء. قلت: و هذا التعريف في الحقيقة هو من لوازم تعريف الشيخ و ليس شيئا اخر .

و قد تبيّن انّ الحقّ هو تعريف الشيخ الأعظم رحمه الله , و بقي الکلام في الدليل على عدم تنجّز التكليف في الشبهة غير المحصورة .

الادلة على سقوط العلم الإجمالي في غير المحصورة

استدل الشيخ على سقوطه في فرائده بوجوه:

ص: 46


1- أجود التقريرات 3: 471 و 472، فوائد الاصول 4: 117.
2- حاشية كفاية الاصول (للبروجرديّ) 2: 287- 289.

الأوّل: الإجماعات المنقولة المستفيضة، و قد حكاه عن المحقّق الثاني في جامع المقاصد، و روض الجنان للشهيد الثاني، و المحقّق البهبهاني في فوائده(1).

و فيه: مضافا إلى عدم تعرض القدماء له لكونه من المسائل المستحدثة، فلا مجال لدعوى الإجماع في مثله؛ أنه على فرض تحققه لا يكون إجماعا تعبديا، للعلم بمدركيته أو احتمالها, اذ لعله أن يكون اتّفاقهم مستنداً إلى الروايات التي وردت في مختلف الأبواب .

الثاني: ما استدل به جماعة من لزوم المشقة في الاجتناب، و حمله الشيخ على لزومه في أغلب أفراد هذا النوع من الشبهة لأغلب أفراد المكلّفين، فيشمله أدلّة نفي العسر و الحرج، حتى بالنسبة إلى غير الأغلب.

و تنظر فيه الشيخ فقال: و في هذا الاستدلال نظر لأنّ أدلّة نفي العسر و الحرج من الآيات و الروايات لا تدلّ إلّا على أنّ ما كان فيه ضيق على مكلّف فهو مرتفع عنه، و أمّا ارتفاع ما كان ضيقا على الأكثر عمّن هو عليه في غاية السهولة، فليس فيه امتنان على أحد، بل فيه تفويت مصلحة التكليف من غير تداركها بالتسهيل(2).

و فيه ايضا: أنّ العسر و الحرج موجب لسقوط العلم الإجمالي في المحصورة أيضاً، فلا وجه لعنوان غير المحصورة بخصوصها .

الثالث: انّ الغالب عدم ابتلاء المكلّف إلّا ببعض معين من محتملات الشبهة غير المحصورة و يكون الباقي خارجاً عن محلّ الابتلاء.

ص: 47


1- فرائد الأصول، ج 2، ص: 257.
2- فرائد الأصول، ج 2، ص: 258.

و فيه: أنّ الخروج من الابتلاء لا يوجب سقوط العلم الإجمالي علی المختار کما تقدم, و اما علی المبنی الاخر فيوجب سقوط العلم الإجمالي مطلقاً في المحصورة و غيرها، فلا اختصاص له بالمقام .

الرابع: ما أفاده المحقّق النائيني حسب الضابطة التي قرّرها لتميز غير المحصورة عنها، و حاصله: انّه إذا كانت المخالفة القطعية غير محرمة، لعدم التمكن العادي من استعمالها، فإذا لم تحرم المخالفة كما هو المفروض لم يقع التعارض بين الأُصول، و مع عدم التعارض لا تجب الموافقة القطعية و تجوز المخالفة الاحتمالية(1).

و فيه اولا: أنه لا ملازمة بين وجوب الموافقة و حرمة المخالفة القطعيتين، فقد تجب الأولى مع الإمكان، و لا تحرم الثانية لعدم التمكن منها، كما إذا علم بحرمة الجلوس في أحد مكانين في وقت معين، فانه مع عدم التمكن من المخالفة القطعية بالجلوس في كليهما في ذلك الوقت تجب الموافقة القطعية بترك الجلوس فيهما.

و ثانيا: أنّ عدم حرمة المخالفة القطعية لو كان مستنداً مباشرة إلى ترخيص الشارع، فهو يلازم عدم وجوب الموافقة القطعية، أو جواز المخالفة الاحتمالية، و أمّا إذا كان مستنداً إلى عجز المكلّف فلا يلازم عدم حرمتها، عدمَ وجوبها، و جواز مخالفتها احتمالاً.

أ لا ترى أنّه لو كان له عدّة زوجات منقطعات يعلم حرمة مسّ واحدة منهن لأجل الحيض، فمع أنّه غير قادر على مسّهن في ليلة واحدة و مع ذلك لا تجوز المخالفة الاحتمالية بمسّ واحدة منهنّ, و بذلک يظهر عدم جريان الأُصول الشرعية في الأطراف إذا كان السبب الحقيقي هو العجز عن المخالفة .

ص: 48


1- الفوائد: 119/ 4.

و ثالثا: أن جعل مناط تعارض الأصول مطلقا في جميع الأطراف لزوم المخالفة القطعية العملية مخالف لمبناه من مانعية المخالفة العملية عن جريان خصوص الأصول غير التنزيلية في أطراف العلم الإجمالي كأصالتي البراءة و الطهارة, و أما التنزيلية کالاستصحاب، فالمانع من جريانها فيها هو نفس العلم لا المخالفة العملية(1).

الخامس: بناء العقلاء على عدم الاعتناء بالاحتمال الموهوم المستند الی كثرة الأطراف كما تقدم، و لم يردع عنه المولی و هو اية امضائه .

السادس: أصالة البراءة؛ بناء على أنّ المانع من إجرائها ليس إلّا العلم الإجماليّ بوجود الحرام، لكنّه إنّما يوجب الاجتناب عن محتملاته من باب المقدّمة العلميّة، التي لا تجب إلّا لأجل وجوب دفع الضرر و هو العقاب المحتمل في فعل كلّ واحد من المحتملات، و هذا لا يجري في المحتملات الغير المحصورة؛ ضرورة أنّ كثرة الاحتمال توجب عدم الاعتناء بالضرر المعلوم وجوده بين المحتملات, و إن شئت قلت: إنّ ارتكاب المحتمل في الشبهة الغير المحصورة لا يكون عند العقلاء إلّا كارتكاب الشبهة الغير المقرونة بالعلم الإجماليّ(2).

و فيه: ان هذا الوجه دوري لانه يبتني علی عدم تنجز العلم الاجمالي و الغرض اثباته .

السابع: الروايات الواردة في أبواب مختلفة و هي: ما ورد حول الجبن, و ما ورد حول شراء الطعام و الأنعام من العامل الظالم, و روايات قبول جائزة الظالم, و روايات المال الحلال المختلط بالربا.

ص: 49


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 6، ص: 129.
2- فرائد الأصول، ج 2، ص: 263.

روايات الجبن:

الاولی: صحيحة معاوية بن عمّار عن رجل من أصحابنا، قال: كنت عند أبي جعفر فسأله رجل عن الجبن، فقال أبو جعفر علیه السلام : إنّه لطعام يُعجبني و سأُخبرك عن الجبن و غيره، كلّ شي ء فيه الحلال و الحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام فتدعه بعينه(1), و هي و ان کانت مرسلة الّا ان صفوان في سندها و هو من اصحاب الاجماع فالرواية موثوق بها.

الثانية: رواية عبد اللّه بن سليمان، قال: سألت أبا جعفر علیه السلام عن الجبن؟ فقال لي: سألتني عن طعام يُعجبني ثمّ أعطى الغلام درهماً، فقال: يا غلام ابتع لنا جبناً ، ثمّ دعا بالغداء فتغدّينا معه فأتى بالجبن فأكل و أكلنا، فلمّا فرغنا من الغداء قلت: ما تقول في الجبن؟ قال: أو لم ترني آكله قلت: بلى، و لكن أُحبّ أن أسمعه منك فقال: سأُخبرك عن الجبن و غيره، كلّ ما كان فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه(2), و الرواية ضعيفة السند بعبد اللّه بن سليمانفإنّه لم يوثَّق، الّا ان الحسن بن محبوب في سنده و هو من اصحاب الاجماع فالرواية موثوق بها.

ثمّ إنّ قوله: فيه حلال و حرام ليس بمعنى احتمال الحلال و الحرام، حتى ينطبق على الشبهة البدوية بل فعلية القسمين، فينطبق على المحصورة و غير المحصورة، و المورد قرينة على الثانية، مضافاً إلى أنّ الترخيص في المحصورة يحتاج إلى التنصيص القاطع للاحتمال لأنّ الترخيص فيه بنظر العرف، ترخيص في المعصية، فلا يصار إليه إلّا بالدليل القاطع.

ص: 50


1- الوسائل: الجزء 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 7.
2- الوسائل: الجزء 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 1.

الثالثة: رواية محمد بن سنان، عن أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر علیه السلام عن الجبن، فقلت له: أخبرني من رأى انّه يجعلُ فيه الميتة، فقال: أ من أجل مكان واحد، يجعل فيه الميتة حرم في جميع الأرضين، إذا علمت أنّه ميتة فلا تأكله، و إن لم تعلم فاشتر و بع و كُلْ، و اللّه إنّي لاعترض السوق فأشتري بها اللحم و السمن و الجبن، و اللّه ما أظن كلّهم يسمّون هذه البربر و هذه السودان(1), و السند و ان کان ضعيفا بمحمد بن سنان، الّا أنّه موثوق به لاعتماد الاصحاب عليه و عملهم به, لکن أورد الشيخ الأعظم على دلالته بوجهين:

الوجه الأوّل: أنّه ظاهر في الشبهة البدويّة ببيان انّ المراد: انّ جعل الميتة في الجبن في مكان واحد لا يوجب الاجتناب عن جبن غيره من الأماكن، لا أنّه لا يوجب الاجتناب عن كلّ جبن يحتمل أن يكون من ذلك المكان.

و فيه: أنّ مجموع الروايات الواردة في الجبن حاكية عن ابتلاء الناس بظاهرة جعل الميتة في الجبن و انه كان مردّداً بين كونه من الميتة و عدمه، ففي ذلك المورد حكم الإمام بالجواز، و مثله لا ينطبق إلّا على الشبهة غير المحصورة.

الوجه الثاني: انّ الحلية لاجل أخذه من سوق المسلم بناء على أنّ السوق أمارة شرعية لحلّ الجبن المأخوذ منه و لو من يد مجهول الإسلام(2).

و فيه: ان لو كانت الحلية مستندة إلى سوق المسلم و أمارة لها، فلا معنی لقوله علیه السلام : و اللّه ما أظن كلّهم يُسمّون هذه البربر و هذه السودان ؟ فانّه على طرف النقيض من كون

ص: 51


1- الوسائل: الجزء 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 5 .
2- الفرائد: 259.

مثل هذا السوق أمارة للحلّية، فانّه بصدد تضعيف كونه أمارة، فلا وجه للحلية إلّا كون الشبهة غير محصورة.

الرابعة: رواية بكر بن حبيب، قال: سئل أبو عبد اللّه عن الجبن و انّه توضع فيه الأنفحة من الميتة، قال: لا يصلح(1) ثمّ أرسل بدرهم، فقال: اشتر بدرهم من رجل مسلم و لا تسأله عن شي ء(2), و هي و ان کانت ضعيفة ببکر بن حبيب لانه لم يوثق الّا ان صفوان في سنده و هو من اصحاب الاجماع .

و سبب الحلّية هو كون المورد من قبيل الشبهة غير المحصورة، و اما أمره علیه السلام بالشراء من مسلم فمجمل(3), و لعله للاستحباب و کيف کان فلا يضر بدلالة الرواية علی المطلوب، بعد قوله علیه السلام : «و لا تسأله عن شي ء» الدال علی وجود الشبهة و لو اشتراه من مسلم .

الخامسة: صحيحة حماد بن عيسى، قال: «سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام يقول: كان أبي يبعث بالدراهم إلى السوق فيشترى بها جبناً و يسمّي و يأكل و لا يسأل عنه»(4), و دلالتها واضحة, و غيرها من الاخبار المتظافرة الصريحة في الحلية مع العلم عرفا بوجود الحرام .

ص: 52


1- لکن نقل في هامش وسائل الشيعة، ج 25، ص: 119ط ال البيت ^ ان في نسخة المصدر اي المحاسن يصلح بدل لا يصلح .
2- الوسائل: الجزء 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 2، 3، 4.
3- للقطع بجواز الشراء من سوق المسلمين مطلقا حتی لو لم يعلم باسلام البايع .
4- الوسائل: الجزء 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 8، 6.

جواز شراء الطعام و الأنعام من العامل الظالم

فقد وردت روايات متعددة تدل على جواز شراء الطعام و الأنعام من العامل الظالم، و المبيع إمّا زكاة و صدقة أخذه من الفلّاحين، و إمّا خراج الأراضي المفتوحة عنوة، المسمّى باسم المقاسمة و من المعلوم انّ أموالهم كانت غير نقية من الحرام، و مع ذلك سوّغ الإمام المعاملة مع الظالم و من جملتها:

1. صحيح أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر قال: «سألته عن الرجل منّا يشتري من السلطان من إبل الصدقة و غنم الصدقة و هو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم، قال: فقال: ما الإبل إلّا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه»(1), و احتمال انّ التسويغ من باب الولاية يردّه ذيل الصحيح حيث ضرب الامام علیه السلام القاعدة و هو جواز الشراء ما لم يعلم بعينه, و انه مثل الحنطة و الشعير .

2. مرسل محمد بن أبي حمزة، عن رجل، قال: قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام أشتري الطعام فيجيئني من يتظلّم و يقول ظلمني، فقال: اشتره»(2).

3. صحيح معاوية بن وهب البجلي قال: «قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : أشتري من العامل الشي ء و أنا أعلم أنّه يظلم؟ فقال: اشتر منه»(3), و غيرها من الاخبار, و لفظ العامل قرينة على أنّ المبيع كان زكاة، أو خراجاً و مقاسمة، و قد جوز الامام علیه السلام الشراء منه إلّا إذا علم الحرام مشخصاً، و من المعلوم ان اطلاقه شامل للشبهة غير المحصورة .

ص: 53


1- الوسائل: الجزء 12، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1، 3، 5 .
2- الوسائل: الجزء 12، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1، 3، 5.
3- الوسائل: الجزء 12، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4؛ و الباب 53 من نفس الأبواب الحديث 2 و 3.

ما يدل على أخذ جوائز العامل للظالم

و هناك روايات تدل على جواز أخذ جوائز العامل للظالم و أكل طعامه، منها:

1. صحيحة أبي ولّاد، قال: «قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : ما ترى في رجل يلي أعمال السلطان ليس له مكسب إلّا من أعمالهم و أنا أمرّ به فأنزل عليه فيُضيّفني و يُحسن إليّ و ربّما أمر لي بالدرهم و الكسوة و قد ضاق صدري من ذلك، فقال لي: كل و خذ منه فلك المهنّا وعليه الوزر»(1).

2. صحيحة أبي المغراء قال: «سأل رجل أبا عبد اللّه علیه السلام و أنا عنده فقال: أصلحك اللّه أمرّ بالعامل فيجيزني بالدرهم آخذها؟ قال: نعم ، قلت: و أحجُّ بها؟ قال: نعم»(2).

و فيه: ان الظاهر منهما ان کل اموال العامل من الحرام فان اجرة العامل للظالم و کسبه حرام و لا علاقة لتجويز الاکل بالشبهة غير المحصورة و عليه فتختص هذه الطائفة بموردها .

التصرف في المال المختلط بالربا

وردت روايات في باب الربا من أنّ من ورث مالًا فيه ربا، لا يحرم عليه إلّا إذا عرفه بعينه نذکر منها روايتين:

ص: 54


1- الوسائل: الجزء 12، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 و 2، و لاحظ الحديث 3 و 5.
2- الوسائل: الجزء 12، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 و 2، و لاحظ الحديث 3 و 5 .

الأُولى: صحيحة أبي المغراء قال: «قال أبو عبد اللّه علیه السلام : ... لو أنّ رجلًا ورث من أبيه مالًا و قد عرف أنّ في ذلك المال رباً، و لكن قد اختلط في التجارة بغيره حلال كان حلالًا طيّباً فليأكله، و إن عرف منه شيئاً أنّه رباً فليأخذ رأس ماله و ليردّ الرّبا»(1).

الثانية: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: «أتى رجل أبي علیه السلام فقال: إنّي ورثت مالًا و قد علمت أنّ صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي، و قد عرف أنّ فيه رباً و استيقن ذلك و ليس يطيب لي حلاله، لحال علمي فيه، و قد سألت فقهاء أهل العراق و أهل الحجاز فقالوا: لا يحل أكله، فقال أبو جعفر علیه السلام : إن كنت تعلم بأنّ فيه مالاً معروفاً ربا و تعرف أهله فخذ رأس مالك و ردّ ما سوى ذلك، و إن كان مختلطاً فكله هنيئاً، فإنّ المال مالك و اجتنب ما كان يصنع صاحبه، فإنّ رسول اللّه: قد وضعَ ما مضى من الربا و حَرّمَ عليهم ما بقي، فمن جهل وسع له جهله حتى يعرفه، فإذا عرف تحريمه، حرم عليه»(2), و الروايتان ظاهرتان في الشبهة المحصورة، فإذا جاز التصرف فيها ففي غيرها أولى. لکن لا شمول لها لغير مورد الربا و عليه فتختص هذه الطائفة بموردها, لکن الادلة المتقدمة فيها الکفاية.

بقيت هنا أُمور:

الاول: هل يجوز ارتكاب جميع المشتبهات في غير المحصور؟

قال الشيخ الاعظم: أنّه هل يجوز ارتكاب جميع المشتبهات في غير المحصورة بحيث يلزم العلم التفصيليّ، أم يجب إبقاء مقدار الحرام؟ ثم قال: و التحقيق: عدم جواز ارتكاب الكلّ؛ لاستلزامه طرح الدليل الواقعيّ الدالّ على وجوب الاجتناب عن المحرّم الواقعيّ،

ص: 55


1- الوسائل: الجزء 12، الباب 5 من أبواب الربا، الحديث 2.
2- الوسائل: الجزء 12، الباب 5 من أبواب الربا، الحديث 3.

كالخمر في قوله: «اجتنب عن الخمر»؛ لأنّ هذا التكليف لا يسقط من المكلّف مع علمه بوجود الخمر بين المشتبهات، غاية ما ثبت في غير المحصور: الاكتفاء في امتثاله بترك بعض المحتملات، فيكون البعض المتروك بدلا ظاهريّا عن الحرام الواقعيّ؛ و إلّا فإخراج الخمر الموجود يقينا بين المشتبهات عن عموم قوله: «اجتنب عن كلّ خمر»، اعتراف بعدم حرمته واقعا، و هو معلوم البطلان.

هذا إذا قصد الجميع من أوّل الأمر لأنفسها. و لو قصد نفس الحرام من ارتكاب الجميع فارتكب الكلّ مقدّمة له، فالظاهر استحقاق العقاب؛ للحرمة من أوّل الارتكاب بناء على حرمة التجرّي(1).

و فيه: انه خلاف ما اختاره رحمه الله من كون التكليف موهوماً بكثرة الأطراف، فانه علی هذا المبنی لابد من القول بالجواز مطلقاً لأنّ كلّ واحد من الأطراف موهوم التكليف فلا يجب الاجتناب عنه، و إن كان ينجر الأمر عند الانتهاء إلى مخالفة التكليف غير انّ الترخيص في كلّ واحد يكون دليلاً على رفع الشارع اليد عن التكليف الواقعي و صيرورته إنشائيّاً في تلك المرحلة.

و ما قد يقال: من انّ الجائز من أوّل الأمر، هو ارتكاب مقدار من الأطراف يكون الاحتمال فيه موهوماً و أمّا الأزيد فلا ، غير تام إذ ليس الموضوع للجواز، الكميّة الخاصة التي يكون التكليف فيه موهوماً ليتوقف الجواز إذا انتهى إلى مقدار لا يكون كذلك، بل الموضوع للجواز هو كلّ واحد واحد، لأجل كون التكليف فيه موهوماً، و هذا صادق عند ارتكاب كلّ واحد منها إلى اخرها .

ص: 56


1- فرائد الأصول، ج 2، ص: 267.

كما أنّه لو كان الدليل هو الروايات المتقدمة، فالظاهر جواز الارتكاب حتى يعلم الحرام بعينه کما هو المختار .

إنّما الكلام على مبنى المحقّق النائيني، و الظاهر جواز ارتكاب الجميع أيضاً، لأنّه جعل عدم المتمكن العادي موضوعاً لعدم حرمة المخالفة القطعية، و سقوط العلم عن التأثير فعند ذلك يجوز ارتكاب الجميع، لأنّ التمكّن الشخصي لا ينافي عدم التمكّن العادي، و المسقط للعلم عن الحجية هو الثاني سواء كان هناك تمكّن شخصي أو لا. لأنّه إنّما قال بعدم حرمة المخالفة القطعية لأجل عدم التمكن العادي من المخالفة و فرع عليه جواز المخالفة الاحتمالية. و الحاصل انه يجوز ارتكاب جميع المشتبهات في غير المحصورة .

الثاني: حکم الکثير في الکثير

إنه بناء على عدم تنجيز العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة هل يلحق بها شبهة الكثير في الكثير، فلا يجب الاجتناب عنها، أم يلحق بالمحصورة فيجب الاجتناب عنها؟ فإذا اشتبه مائة غنم مغصوبة في ألف مثلا، فهل يتنجز حرمة التصرف في تمام الأطراف، لأن نسبة الواحد إلى العشرة توجب كون الشبهةمحصورة، أم لا تتنجز، لأن كثرة الأطراف و هي الألف توجب كونها غير محصورة؟

الظاهر اختلاف الحكم باختلاف المباني في عدم تنجيز العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة، فعلى مبنی الشيخ الأعظم رحمه الله تلحق بالشبهة المحصورة، لأن احتمال التكليف في كل واحد من الأطراف لمّا كان من قبيل تردد الواحد في العشرة لم يكن موهوما عند العقلاء، بل كان مما يعتنون به.

و أمّا على مبنى المحقّق النائيني و هو عدم حرمة المخالفة القطعية لأجل عدم التمكن من المخالفة القطعية، فالظاهر عدم تنجيز العلم الإجمالي لكون المقام ممّا لا يتمكن المكلّف

ص: 57

من المخالفة القطعية عادة، فهو جعل عدم التمكن العادي دليلاً على جواز المخالفة القطعية، فلو كانت المخالفة القطعية غير ممكنة عادة كما هو المفروض، فيجوز الارتكاب, لكن علله هو في أجود التقريرات بقوله: «نعم في مثل الفرض- أي كون المائة في الألف- لا يكون الشبهة كالعدم، إذ المفروض عدم استهلاك المعلوم بالإجمال فيه حتى يكون تالفا بنظر العقلاء، فيجري فيه حكم الشبهة البدوية»(1).

و اجيب أولا: أن التعبير بالاستهلاك في المقام غير مناسب، لأنه انعدام المستهلك في المستهلك فيه عرفا الموجب لانتفاء موضوع الحكم، بل المقام من باب الاشتباه بين الأفراد المحصورة.

و ثانيا: أن لازمه انتفاء الحكم رأسا في الشبهة غير المحصورة بانتفاء موضوعه بالاستهلاك. و عليه فاللازم تعليل عدم تنجز الحكم فيها بعدم الموضوع المستلزم لعدم الحكم رأسا، لا تعليل عدم وجوب الموافقة القطعية بعدم حرمة المخالفة القطعية لعدم التمكن منها، فتدبر(2).

و اما على مبنی من ادعى الإجماع على عدم تنجيز العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة فيجب الاجتناب في الشبهة التي شك في كونها غير محصورة، لأن مورد الإجماع و هو غير المحصورة غير محرز، فلم يثبت المانع عن تنجيز العلم الإجمالي.و كذا الحال على مبنی من استدل بدليل نفي الحرج على عدم تنجيز العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة، و ذلك لعدم إحراز المانع عن تنجيزه و هو الحرج في المقام أعني شبهة الكثير في الكثير.

ص: 58


1- أجود التقريرات، ج 2، ص 278.
2- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 6، ص: 132.

و أما الاخبار کروايات الجبن فالظاهر عدم شمولها لهذه الصورة فيجب فيها الاحتياط.

قلت: و هو الصحيح لخروج الفرض عن کونه غير محصور کما لا يخفی .

الثالث: في كون الساقط هو العلم أو هو مع الشكّ

أنه بناء على عدم تنجيز العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة كما هو المشهور هل يفرض العلم كالعدم؟ فيكون كل واحد من الأطراف محكوما بحكم الشك البدوي، فيجري فيه الأصل العملي الّذي يقتضيه ضابطه، أم يجعل الشك في كل واحد منها بمنزلة العدم كما يظهر من العروة، حيث قال في اشتباه المضاف في غير المحصور: «و يجعل المضاف المشتبه بحكم العدم فلا يجري عليه حكم الشبهة البدوية أيضا»(1), و مقتضى ذلك ارتفاع الحدث بالغسل أو الوضوء بالمشتبه بالمضاف في العدد غير المحصور، إذ المفروض جعل الشك في المضاف كعدمه، و كون المشتبه به محكوما بالإطلاق، فيرتفع به الحدث و الخبث.

و الوجه فيه هو عدم اعتناء العقلاء باحتمال إضافة كل واحد من الأطراف، و بناؤهم على عدمها، لكثرة أطراف الشبهة، فإذا كان احتمال الإضافة كعدمه عومل مع محتمل المضاف معاملة المطلق، فان ثبت بناء العقلاء على ذلك و اعتباره شرعا و لو بعدم الردع كان ذلك أمارة على إطلاق محتمل الإضافة، و معه لا يجري استصحاب الحدث و الخبث إذا استعمل في رفعهما, کما هو مبنى الشيخ حيث يسقط العلم و الشكّ معاً، لأنّ إلغاء العلم و جعله كالمعدوم إلغاء لأثره الناتج منه، أعني: الشك، فليس هنا شك تعبّداً حتى يكون موضوعاً للاشتغال.

ص: 59


1- العروة الوثقى، المسألة 2 من مسائل فصل الماء المشكوك .

و بعبارة أُخرى: انّ الحكم بموهومية التكليف عند العقلاء يلازم وجود أمارة على كون الماء مطلقاً لا مضافاً و معه لا موضوع للاشتغال .

و اجيب: انه لم يثبت بناء العقلاء علی ذلک, و عليه فمقتضى استصحاب الحدث و الخبث عدم ارتفاعهما باستعمال مشكوك الإضافة و الإطلاق، بل لو لم يجرالاستصحاب، فقاعدة الاشتغال تقضي بلزوم إحراز الطهارة مطلقا المنوط بإحراز إطلاق الماء المستعمل في رفع الحدث و الخبث.

و الحاصل: أنه لا بد من علاج الشك، و مجرد عدم تنجيز العلم الإجمالي ليس علاجا له مع بقائه وجدانا, و عليه فيعامل مع كل واحد من الأطراف معاملة الشبهة البدوية, سواء قلنا بضعف احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على كل واحد منها كما عليه شيخنا الأعظم (قده) في عدم تنجيز العلم في الشبهة غير المحصورة، أم بما أفاده المحقق النائيني (قده) من كون ملاك عدم التنجيز فيها عدم حرمة المخالفة القطعية و عدم وجوب الموافقة كذلك. إذ غرضهما عدم تنجيز العلم و فرض وجوده كعدمه، و هو لا يرفع الشك عن كل واحد من الأطراف وجدانا، و لا الحكم الثابت له في نفسه مع الغض عن العلم الإجمالي، فيجري فيه الأصل المجعول له من البراءة أو الاشتغال(1).

قلت: و هذا هو الذي قرره المحقّق الخوئي من مبنی استاذه فجعل الساقط هو العلم دون الشكّ، و قال: إنّ الملاك في عدم التنجيز عدم حرمة المخالفة القطعية، لعدم القدرة عليها، و انّ وجوب الموافقة القطعية متفرّع عليها، فالعلم بالتكليف المردّد بين أطراف غير محصورة يكون كعدمه.

ص: 60


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 6، ص: 134.

و أمّا الشكّ في كلّ واحد من الأطراف فهو باق على حاله، و هو بنفسه مورد لقاعدة الاشتغال، إذ يعتبر في صحّة الوضوء إحراز كون ما يتوضّأ به ماء مطلقاً، فنفس احتمال كونه مضافاً كاف في الحكم بعدم صحّة الوضوء به، و لو لم يكن علم إجمالي بوجود مائع مضاف، فلا بدّ حينئذ من تكرار الوضوء بمقدار يعلم منه وقوع الوضوء بماء مطلق(1).

و فيه: أنّ الموضوع ليس مطلق الشكّ بل الشكّ الذي لم يحكم عليه بحكم، و هذا نظير: لا شكّ لكثير الشكّ ، أو لا شكّ للمأموم مع حفظ الإمام ، فمثل هذا الشكّ المحكوم بحكم، خارج عن أدلّة الشكوك، و مثله المقام فإنّ الشارع بما أنّه لم يُحرِّم المخالفة القطعية و حكم بجريان الأُصول في كلّ آنية، صارت النتيجة كون الماء مطلقاً، و معه لا شكّ تعبداً حتى يحكم بالاشتغال.

الرابع: لزوم كون العلم الإجمالي محدثاً للتكليف على كلّ تقدير

يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون مبدأ لحكم فعلي يطلبه الشارع على كلّ حال، فهذا الحكم الفعلي الحاصل من العلم الإجمالي فرع أن يكون العلم محدثاً للتكليف على كلّ تقدير، و إلّا فلو أحدث التكليف إذا كان المعلوم في هذا الطرف و لم يكن محدثاً له إذا كان المعلوم في الطرف الآخر لا يكون هناك علم فعلي بالحكم أوّلًا، و لا تتعارض الأُصول في الطرفين ثانياً، إذ لا يجري فيما لم يحدث تكليفاً و يبقى جارياً فيما نحتمل إحداث التكليف فيه.

و على ذلك فلو علم بنجاسة أحد الثوبين بالدم و في الوقت نفسه علم بنجاسة الثوب المعيّن منهما بالمني، فليس لمثل هذا العلم تأثير على كلّ تقدير، لأنّ النجاسة لو كانت

ص: 61


1- مصباح الأُصول: 378/ 2. لكن المحقّق الكاظمي نقل في تقريره لدروس أُستاذه - فوائد الاصول ج4ص123 - أنّه كان يميل إلى سقوط حكم الشكّ.

في غير الثوب المتلوث بالمني يحدث تكليفاً و يمنع عن استعماله في الصلاة. و أمّا لو كانت في الثوب المتلوث بالمني فالعلم بنجاسته لا يحدث تكليفاً لأنّه ممنوع الاستعمال علی کل حال .

و إن شئت قلت: ينحلّ العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بلزوم الاجتناب عن الثوب المتلوث بالمني قطعاً؛ و إلى شكّ بدوي في ناحية الثوب الآخر.

الخامس: كفاية اندراج الطرفين تحت عنوانين

لا يعتبر في تنجيز العلم الإجمالي اندراج الطرفين تحت عنوان واحد كالنجاسة، بل يكفي اندراجهما تحت أحد عنوانين محدثين للتكليف، كما إذا علمنا بخروج بلل مردّد بين البول و المني فانه يكفي في التنجيز في بعض فروع المسألة کما لو كان متطهراً من الحدث الأصغر و الأكبر فعلم بوجود ناقض للطهارة على كلّ تقدير، فمثلًا لو كان البلل بولاً في الواقع فقد نقض طهارته على وجه يوجب التوضّؤ، و لو كان منيّاً تنتقض طهارته أيضاً على وجه يوجب الغسل.

و بالتالي حصل حكم فعلي مردّد بين التوضّؤ و الغسل، فيجب الامتثال على وجه تحصل الموافقة القطعية.

نعم لو كان محدثاً بالحدث الأصغر فخرج مثل ذلك البلل، فهو يحدث التكليف على فرض، أعني: إذا كان منيّاً دون ما إذا كان بولًا، لأنّ المفروض أنّه محدث بالحدث الأصغر، و على ذلك لا ينتج العلم الإجمالي حكماً فعلياً قطعياً يجب امتثاله بل ذلك العلم مؤثر على وجه و غير مؤثر على وجه آخر، ففي مثله ينحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي و هو وجوب الوضوء على كلّ حال و شكّ بدوي و هو وجوب الغسل.

ص: 62

و إن شئت قلت: ينحل إلى علم تفصيلي بوجوب رفع الحدث الأصغر، و إلى شكّ في وجود الحدث الأكبر. و مع الشكّ تجري البراءة في الناحية الثانية.

لا يقال انّ الأثر مترتب أيضاً على فرض كون الخارج بولًا، للزوم غسل المخرج، لأنّا نقول إنّ العلم بوجوب الغَسْل نتيجة علم تفصيلي بنجاسة المخرج لخروج النجس منه سواء أ كان منياً أم بولاً، لا على خصوص كون الخارج بولاً.

التنبيه الرابع: حكم ملاقي بعض أطراف المعلوم بالإجمال

کما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين المفروض أحدهما أبيض مثلا و الآخر أصفر، ثم علم بملاقاة ثوب للأبيض مثلا وجب الاجتناب عقلا عن خصوص الطرفين و ذلک لأنّ المفروض فعليّة التكليف المعلوم بالإجمال بالنسبة إليهما, دون الثوب الملاقي لأحدهما، لعدم كون الاجتناب عنه مقدمة علمية لامتثال خطاب «اجتنب عن النجس» المعلوم إجمالا المردد بين الإناءين. و احتمال نجاسة الملاقي و ان كان موجودا، إلّا أنه على تقدير نجاسته يتوقف وجوب الاجتناب عنه على خطاب آخر غير الخطاب المعلوم بالإجمال، و لمّا كانت النجاسة مشكوكة لأنه لاقى محتمل النجاسة و لم يلاق النجس المعلوم، فتوجه خطاب آخر أعني «اجتنب عن الملاقي للنجس» إلى المكلف غير معلوم، و مقتضى الأصل الموضوعي أعني استصحاب عدم الملاقاة للنجس أو الأصل الحكمي كاستصحاب الطهارة أو قاعدتها هو عدم وجوب الاجتناب عنه، لسلامة أصله من التعارض و الحكومة، فان الشك في نجاسته و ان كان ناشئا من الشك في نجاسة الملاقي و مسببا عنه، و مقتضى حكومة الأصل السببي على المسببي عدم جريان الأصل فيه، إلّا أن سقوط أصل الملاقى بالمعارضة مع أصل طرفه أوجب سلامة الأصل و جريانه في ملاقيه بلا مانع من التعارض و الحكومة.

ص: 63

لا يقال: انه يحدث بالملاقاة علم إجمالي آخر طرفاه الملاقي- بالكسر- و هو الثوب في المثال المذكور و عدل الملاقى- بالفتح- و هو الإناء الأصفر، و هو يوجب الاجتناب عن الملاقي أعني الثوب أيضا، و لا يجري الأصل النافي فيه للتعارض، كما لا يجري في الأصليين.

فانه يقال: ان هذا العلم الإجمالي و ان كان يحدث حينئذ قطعا، لكنه غير مؤثر في توجيه الخطاب بالملاقي، لتنجز أحد طرفيه- أعني به عدل الملاقى- بمنجز سابق و هو العلم الإجمالي الأوّل الدائر بين الأصليين، فلا أثر للعلم الإجمالي الثاني في تنجزه من جديد، لعدم تنجز المنجز ثانيا، و ذلک لأنّ الموجب لتنجّزالاجتناب هو العلم التفصيليّ أو الإجماليّ بنجاسة الشي ء. و لا شكّ في أنّ العلم الإجماليّ انّما يتعلّق بنجاسة أحد ما في الأبيض أو الأصفر.

و الملاقي لأحدهما فرد من النجس إذا كان الملاقى نجسا واقعا، و ليس بفرد له إذا كان الملاقى طاهرا واقعا. و بما أنّ الملاقاة بعد العلم الإجماليّ بأنّ النجس بين الاصليين فلا يشمل العلم الإجماليّ هذا الفرد الّذي حدوثه غير معلوم، بل لا يكون في البين إلّا مجرّد احتمال, و حينئذ فالعلم إجمالا بنجاسة أحد المائعين واقعا انّما يوجب تنجّز الاجتناب عن المعلوم و هما الاصليان، لا تنجّز الاجتناب عن فرد آخر لم يعلم حدوثه, و هو الملاقي .

الاقوال في المسألة

اقول: و هذا الذي تقدم هو احد الاقوال في حكم الملاقي و هو إجراء البراءة و الحكم بطهارة الملاقي, و ثانيهما: كونه محكوماً بحكم الملاقى في لزوم الاجتناب و الاشتغال, و الثالث: تفصيل المحقّق الخراساني في الكفاية.

ص: 64

مناقشة القول الثاني

و بما تقدم ظهر بطلان القول الثاني في المسألة و هو: وجوب الاجتناب عن ملاقي بعض أطراف الشبهة بدعوى أن الملاقي من شؤون الملاقى, و لذا استدل السيد أبو المكارم في الغنية على تنجس الماء القليل بملاقاة النجاسة بما دل على وجوب هجر النجاسات في قوله تعالى: ﴿و الرجز فاهجر﴾(1), فقال ابن زهرة قوله: ﴿وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ و قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾(2) يقتضي تحريم استعمال الماء المخالط للنجاسة مطلقاً(3), فاستدل على تحريم استعمال الماء المخالط للنجاسة، بما دلّ على لزوم هجرها، فالآية تدل على هجر نفس العين النجسة، لكنّه جعلها دليلاً على هجر مخالطها أيضاً.

و استدل لذلک أيضا بما في خبر عمرو بن شمر من الاستدلال على حرمة الطعام الّذي مات فيه فأرة بأن اللّه سبحانه حرم الميتة، فإذا حكم الشارع بوجوب هجر كل واحد من المشتبهين فقد حكم بوجوب هجر كل ما لاقاه .

و حاصل الاستدلال هو دعوى الملازمة بين المتلاقيين في الحكم. و قد أفيد في وجهه أمران: أحدهما ظهور الآية الشريفة في الملازمة بين وجوب هجر عين النجس و الاجتناب عنه و بين وجوب هجر ما يلاقيه، و لولا هذا الظهور لم يتجه استدلال السيد أبي المكارم رحمه الله على انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة و وجوب الاجتناب عنه, بالآية الشريفة، وجه الظهور: لزوم هجر النجس بتمام شؤونه و توابعه، و من توابعه ملاقيه، فيجب هجره أيضا.

ص: 65


1- المدثر: 51.
2- المائدة: 3.
3- الغنية: 46/ 1، الطبعة المحقّقة.

ثانيهما: رواية جابر الجعفي عن أبي جعفر علیه السلام ، قال: «أتاه رجل فقال: وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت، فما ترى في أكله؟ قال: فقال أبو جعفر علیه السلام : لا تأكله، فقال له الرّجل: الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها، فقال علیه السلام : انك لم تستخف بالفأرة و انما استخففت بدينك، ان اللّه حرم الميتة من كل شي ء»(1).

و تقريب دلالتها على المدعى أعني به كون نجاسة الملاقي للميتة عين نجاسة الميتة و حرمته عين حرمتها من وجهين:

الاول: أن الإمام علیه السلام علل حرمة أكل السمن الملاقي للميتة بقوله: «ان اللّه حرم الميتة من كل شي ء» فلولا تمامية الكبرى و تسلمها و هي استلزام تحريم الشي ء و وجوب الاجتناب عنه لتحريم ملاقيه و وجوب الاجتناب عنه أيضا لم يكن لهذا التعليل وجه، ضرورة أن أكل الطعام الملاقي للميتة ليس استخفافا بتحريم الميتة، بل هو استخفاف بحرمة أكل ملاقي الميتة الثابت بدليل آخر، فالتعليل بحرمة الميتة لا يتجه إلّا بكون حرمة ملاقي الميتة هو حرمة نفس الميتة .

و يمكن تقريب الاستدلال بوجهين:

الثاني: انّه فسر أكل الطعام الذي وقعت فيه فأرة استخفافاً بالدين و فسّره بتحريم الميتة، فلو كانت نجاسة الملاقي للميتة فرداً آخر وراء التعبد بنجاسة الميتة، لم يكن أكل السمن أو الزيت استخفافاً بالدين المفسّر بتحريم الميتة بل كان استخفافاً بالدين المفسّر بوجوب الاجتناب عن الملاقي.

و يرد علی الأول: أن «الرجز» بالضم و الكسر بمعنى واحد، و هو القذر و الرجس و النجس، قال في تاج العروس: «الرُّجْز، بالكَسْر و الضَّمّ: القَذَرُ مثل الرّجْس. و الرُّجْز: عِبَادَةُ

ص: 66


1- الوسائل، ج 1، الباب 5 من أبواب الماء المضاف و المستعمل، الحديث: 2 ص 149

الأَوْثانِ، و به فُسّر قَولُه تعالى: ﴿وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾, و قيل: هو العَمَل الذي يُؤدِّي إِلى العَذَاب، و أَصْل الرّجز في اللُّغَة الاضْطِرَاب وتَتابُع الحَرَكات. و قال أَبو إِسحاق في تَفْسِير قَوْلِه تَعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْز﴾ قال هو العَذَابُ المُقَلْقِل لِشدَّته و له قَلْقَلَةٌ شَدِيدَة مُتَتَابِعة: و قيل: الرُّجْزُ في قَوْله تعالى: ﴿وَ الرُّجْزَ فَاهْجُر﴾ الشِّرْكُ مَا كَانَ، تَأْويلُه أَنّ منْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ فهو على رَيْبٍ من أَمرْه و اضْطِرابٍ من اعْتِقَاده»(1).

و قد جاء ايضا بمعنى وسوسة الشيطان في قوله تعالى: ﴿و نزعنا عنهم رجز الشيطان﴾ و بمعنى العذاب في قوله: ﴿فلما كشفنا عنهم الرجز﴾, و أيّا ما كان معناه في الآية المستدل بها فهو غير ظاهر في حكم الملاقي للنجس، إذ الأمر بالهجر تعلق بعين الرجز لا بما هو أعم من العين و الملاقي.

و اورد علی الثاني: ان الرواية ضعيفة سندا و دلالةً.

أما ضعفها سندا فبعمرو بن شمر، حيث ان النجاشي ضعفه بقوله: «ضعيف جدا».

و أما دلالةً: فبأن ظاهرها الملازمة بين حرمة الشي ء سواء كان نجسا أم طاهرا و بين حرمة ملاقيه، لأن الميتة المحرمة لا تختص بالنجسة و هي ميتة الحيوان الّذي له نفس سائلة، و ليس هذا هو المدعى الّذي استدل عليه بهذه الرواية، بل المدعى هو الملازمة بين نجاسة الشي ء و نجاسة ملاقيه، فالاستدلال بها على المطلوب منوط باختصاص الحرام بما إذا كان نجسا، و أما إذا كان طاهرا كميتة الحيوان الّذي ليس له دم سائل فلا يكون ملاقيه حراما و واجب الاجتناب، و هذا خارج عن طريق الاستدلال بالرواية. و عليه، فبعد قصور الدليل عن إثبات نجاسة الملاقي بناء على القول بالسراية تعين الالتزام بمذهب المشهور

ص: 67


1- تاج العروس من جواهر القاموس، ج 8 ، ص: 67 .

من كون نجاسة الملاقي و وجوب الاجتناب عنه لأجل التعبد الخاصّ، لا لتبعيته للملاقى(1).

و فيه: ان دلالة الرواية عامة لکن اختصت دلالتها بالميتات النجسة تخصيصا لدلالة ما دل علی طهارة غيرها و ملاقيه. نعم الرواية لضعفها سندا لا يمکن الاعتماد عليها .

الاستدلال بالعلم الاجمالي

إنّ محط الکلام انما هو فيما إذا حصلت الملاقاة بعد العلم الإجمالي بنجاسة أحد الشيئين، فعندئذ تحصل بعد الملاقاة علوم ثلاثة:

1. العلم بنجاسة الملاقى أو الطرف الآخر.

2. العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر.

3. العلم بنجاسة الملاقي و الملاقى أو ذاك الطرف، و ذلك لاتحاد حكمها، فيجب الاجتناب عن الجميع لاجل الاجتناب عن النجس في البين.

و فيه: إنّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي، كونه محدِثاً للتكليف على كلّ تقدير، حتى يحصل منه علم بتكليف فعليّ، و إلّا فلو أحدث على فرض دون فرض، لا يحصل منه العلم به قطعاً، و لذلك لا يكون العلم الإجمالي منجِّزاً في الفروع التالية:

1. لو علم إجمالاً بوقوع النجاسة في أحد الإناءين اللّذين كان أحدهما محكوماً بالنجاسة و وجوب الاجتناب بدليل شرعي، و بما أنّ العلم الإجمالي لا يُحدِث تكليفاً في الإناء المحكوم بالنجاسة، لأنّه محكوم بها و إن لم يكن هناك علم إجمالي، فلا يجري فيه الأصل، للعلم بنجاسته و وجوب الاجتناب عنه، و يجري في الإناء الآخر بلا معارض.

ص: 68


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 6، ص: 146.

2. لو علم إجمالاً انّه فاتته إحدى الصلاتين: صلاة العصر مع انقضاء وقتها، و صلاة العشاء مع بقاء وقتها، و بما انّ العلم الإجمالي بفوت إحداهما لا يُحدث تكليفاً في جانب صلاة العشاء، لأنّ شکه في الوقت، و هو و إن لم يكن هناك علم إجمالي كاف في لزوم الإتيان بها، فلا يجري فيها الأصل، و إنّما تجري أصالة البراءة أو قاعدة التجاوز في جانب صلاة العصر بلا معارض.

3. لو علم إجمالاً بنجاسة أحد المائعين، ثمّ علم إجمالاً بوقوع نجاسة إما في أحدهما أو في الإناء الثالث، و بما انّ العلم الإجمالي لا يؤثر في جانب الإناءين، لأنّ المفروض وجوب الاجتناب عنهما و لو لم يكن هناك علم إجمالي، فلا يجري الأصل في جانبهما، و يجري الأصل في جانب الإناء الثالث بلا معارض.

هذه الأمثلة و ما شاکلها داخلة تحت الضابطة السابقة من أنّه يشترط في تنجّز العلم الإجمالي كونه محدِثاً للتكليف على كلّ تقدير و إلّا فلا يحصل علم فعلي لازم الامتثال على كلّ تقدير، كما لا يجري الأصل في جانب الموضوع المحكوم سابقاً و يجري في جانب الطرف الآخر المشكوك.

و على ضوء هذا، يعلم جواب الاستدلال، لأنّ مورد البحث فيما إذا تقدّم العلم الإجمالي على الملاقاة، و في مثله يكون العلم الإجمالي الأوّل منجِّزاً، و الثاني غير منجِّز، و الثالث ليس علماً جديداً بل تلفيقاً من الأوّلين اللّذين اتضح حكمهما.

أمّا منجِّزية العلم الأوّل فواضح، و أمّا عدم منجِّزية العلم الثاني فلأنّ العلم الإجمالي الدائر بين وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر، أو الملاقى، ليس محدِثاًللتكليف على كلّ تقدير لافتراض انّ الطرف الآخر كان واجب الاجتناب ببركة العلم الأوّل، و إن لم يكن هناك علم إجمالي ثان، فلا يكون الثاني مؤثراً فيه، كما لا تجري فيه أصالة الطهارة لكونه

ص: 69

محكوماً بوجوب الاجتناب بالعلم الأوّل، و يكون الشك في الملاقي من قبيل الشكّ في الشبهة البدوية و يجري فيه الأصل.

و أمّا العلم الثالث فهو ليس علماً جديداً، بل هو تلفيق من العلمين اللّذين تبيّن حكمهما.

استدلال الشيخ الأعظم و المحقق النائيني

استدل المحقّق النائينيّ تبعا للشيخ الأعظم الأنصاريّ؛ علی طهارة الملاقي بأنّ الأصل الجاري في الملاقي متأخّر رتبة عن الأصل الجاري في الملاقى، إذ الشكّ في نجاسة الملاقي ناش عن الشكّ في نجاسة ما لاقاه و لا تصل النوبة إلى جريان الأصل في الملاقي الّا بعد سقوط الأصل فيما لاقاه، و بعد سقوطه يجري الأصل في الملاقي بلا معارض(1).

و قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: إنّ أصالة الطهارة و الحلّ في الملاقي بالكسر سليم عن معارضة أصالة الطهارة في المشتبه الآخر، و حلّيته، بخلاف أصالة الطهارة و الحلّ في الملاقى بالفتح فانّ جريان الأصلين فيه يعارض جريانهما في المشتبه الآخر، و السرّ في ذلك انّ الشكّ في الملاقي بالكسر ناش عن الشبهة المتقوّمة بالمشتبهين، فالأصل فيهما أصل في الشكّ السببي، و الأصل فيه أصل في الشكّ المسببي، و قد تقرّر في محلّه انّ الأصل السببي حاكم على الأصل المسببي، و مع جريان الأصل في الملاقى لا تصل النوبة إلى جريان الأصل في الملاقي بالكسر و المفروض انّ الأصل في الملاقى سقط لأجل التعارض مع أصل الطرف الآخر، فتصل النوبة إلى جريان الأصل في الملاقي بلا معارض(2).

ص: 70


1- فوائد الاصول 4: 82 - 88 ، أجود التقريرات 3: 446 و 450- 453.
2- فرائد الاصول 2: 245.

و فيه: أنّه مبنيّ على أنّ الرتب العقلية موضوعة للأحكام الشرعية، فعندئذ يقدم الأصل المتقدّم رتبة على الأصل المتأخر كذلك، فإذا سقط الأصل في الرتبة المتقدمة بالتعارض، تصل النوبة إلى الأصل في الرتبة المتأخرة بلا معارض, و هو أمر غير صحيح، و ذلك لأنّ المخاطب بقوله: كلّ شي ء طاهر حتى تعلم أنّه قذر هو العرف لا غير، و على ذلك فالخطابات ناظرة إلى المصاديق الخارجيةللشك، و المفروض انّ كلّ واحد من الطرف الآخر و الملاقى و الملاقي، مشكوك الطهارة معاً، فيجري فيهما الأصل في عرض واحد، لأنّ المكلّف عند ما يشكّ في طهارة الملاقي بالكسر يشكّ في طهارة العدلين الآخرين، فلا وجه لجريان الأصل فيهما قبل جريانه في الملاقى.

الجواب عن الشبهة الحيدرية

و بذلك يعلم عدم صحّة الشبهة الحيدرية التي حاولت إثبات وجوب الاجتناب عن الملاقي، بما حاصله: انّ كلاً من الطرف و الملاقى و الملاقي بالكسر صالح لجريان أصلين في كلّ واحد منها: 1. أصالة الطهارة 2. أصالة الحلية.

و منشأ الشكّ في الحلّية، هو الشكّ في طهارته، فلو ثبتت طهارته، ثبتت حليته، كما لو ثبتت نجاسته، ثبتت حرمته. و على ذلك فأصالة الطهارة في الطرف و الملاقى بالفتح في رتبة واحدة. و لكن أصالة الطهارة في الملاقي في مرتبة ثانية.كما أنّ أصالة الحلية في الطرف الآخر هي أيضاً في رتبة متأخرة. و عندئذ فأصالة الطهارة في الملاقي بالكسر و إن كانت لا تعارض أصالة الطهارة في الملاقى لما عرفت من أنّ الأصل يجري في الملاقى في رتبة متقدمة على الأصل الجاري في الملاقي، لكن أصالة الحل في جانب الطرف الآخر مع أصالة الطهارة في الملاقي في درجة واحدة فتتعارضان و تتساقطان، و

ص: 71

تكون النتيجة انّ الطرف الآخر يكون محكوماً بالحرمة، كما يكون الملاقي محكوماً بالنجاسة.

وجه عدم الصحّة: انّ التعارض مبني على حفظ الرُّتَبِ في جريان الأُصول و انّ أصالة الطهارة تجري في الملاقى و طرفه قبل جريانها في الملاقي، ثمّ في مرتبة متأخّرة تجري فيه أصالة الطهارة التي تعارضها أصالة الحلية في الطرف الآخر بما أنّها أيضاً في درجة ثانية، لأنّها مسببة من أصالة الطهارة فيه.

و قد عرفت أنّ الموضوع لقوله: كلّ شي ء طاهر، كلّ مشكوك في زمان واحد و المفروض انّ الملاقى مشكوك الطهارة و الحلية في عرض الشكّ في الطرفين.

مناقشة القول الثالث

و هو القول بالتفصيل الذي اختاره المحقّق الخراساني و حاصله: إنّ هنا صوراً ثلاثة:الصورة الأُولى: ما يجب فيه الاجتناب عن الطرف و الملاقى دون الملاقي، و ذلك فيما إذا كان العلم الإجمالي متقدماً على الملاقاة و العلم بها، و قد تقدم البحث في هذه الصورة فلا نعيد .

الصورة الثانية: ما يجب فيه الاجتناب عن الملاقي و الطرف الآخر دون الملاقى, و قد ذکر لها موردين:

المورد الأوّل: لو علم إجمالاً بنجاسة الملاقي (1) و نجاسة شي ء آخر ثمّ حدث العلم بالملاقاة و العلم بنجاسة الملاقى و ذاك الشي ء أيضاً، فانّ حال الملاقى في هذه الصورة

ص: 72


1- الملاقاة متقدمة وجوداً و متأخرة علماً و لذلك قال: حدث العلم بالملاقاة، فالحادث هو العلم لا المعلوم .

بعينها حال الملاقي في الصورة السابقة في عدم كونه طرفاً للعلم الإجمالي و انّه فرد آخر على تقدير نجاسته واقعاً غير معلوم النجاسة أصلاً لا إجمالاً و لا تفصيلاً.

مثلاً علم بنجاسة يده أو نجاسة الجانب الأيسر من السجادة ثمّ علم بملاقاة اليد للجانب الأيمن منها على وجه يكون العلم متأخراً و المعلوم الملاقاة متقدماً ثمّ علم بنجاسة أحد الجانبين منها، فالعلم الإجمالي الثاني الدائر بين نجاسة أحد الجانبين غير منجّز و لا مؤثر، و ذلك لأنّ الجانب الأيسر قد وجب الاجتناب عنه بحكم العلم الإجمالي الأوّل، فلا يجري فيه الأصل و يجري في طرفه أي الجانب الأيمن بلا معارض.

فتكون النتيجة وجوب الاجتناب عن اليد و الجانب الأيسر، بحكم العلم الإجمالي الأوّل و عدم وجوب الاجتناب عن الجانب الأيمن لعدم منجّزية العلم الثاني.

و اجيب: ان هذا صحيح لو کان العلم الإجمالي الأوّل ثابتاً غير زائل عند حدوث العلم الثاني، مثلًا إذا علم نجاسة يده أو الجانب الأيسر من السجادة ثمّ علم بالملاقاة على وجه يكون العلم و المعلوم الملاقاة متأخرين عن العلم الإجمالي الأوّل ثمّ علم بنجاسة أحد الجانبين منها من دون أن تكون نجاسة اليد مستندة إلى الملاقاة، ففي مثل هذه الصورة يصحّ ما ذكره من وجوب الاجتناب عن الملاقي دون الملاقى، لأنّ العلم الإجمالي نجّز وجوب الاجتناب عن الجانب الأيسر مع اليد، فلا يكون العلم الإجمالي الثاني الدائر بين نجاسة أحد الجانبين محدثاً للتكليف في الأيسر لكونه محكوماً بوجوب الاجتناب من قبل، و لأجل ذلك لا يجري فيه الأصل، و بالتالي يجري في الجانب الأيمن بلا معارض.و اما لو كان للملاقاة تأثير فلا يصح ما قال؛ و ذلک لانّه لو كان الملاقي نجساً فإنّما هي لأجل ملاقاته للجانب الأيمن من السجادة، ففي مثل هذه الصورة ينهار العلم الإجمالي الأوّل و يظهر خطؤه، لأنّ نجاسة الملاقي على فرضها ناجمة من نجاسة الملاقى و انحصار

ص: 73

سبب نجاسة الملاقى بالملاقاة و عندئذ ينقلب العلم الإجمالي الأوّل الدائر بين نجاسة اليد و الجانب الأيمن إلى علم إجمالي آخر و هو نجاسة أحد الجانبين من السجادة، فلو كانت اليد نجسة فإنّما هو لملاقاتها فيزول العلم الإجمالي الأوّل، و يبقى العلم الإجمالي الثاني و تكون النتيجة وجوب الاجتناب عن الجانبين على خلاف ما ذكره المحقّق الخراساني.

و أمّا الملاقي فبما انّ العلم بالملاقاة كان متحقّقاً قبل العلم الإجمالي الثاني الذي هو العلم الحقيقي فينضم الملاقي إلى الملاقى و يكونان معاً طرفاً للعلم الإجمالي و الطرف الآخر هو الجانب الأيسر و يشبه هذا المورد الصورة الثالثة الاتية, و تكون النتيجة وجوب الاجتناب عن الملاقي و الملاقى و الطرف الآخر(1).

المورد الثاني: لو علم بالملاقاة ثمّ حدث العلم الإجمالي و لكن كان الملاقى خارجاً عن محلّ الابتلاء في حال حدوث العلم الإجمالي و قد وقع محلاً للابتلاء بعد حدوث العلم، مثلاً، لو لاقت يده إحدى السجادتين ثمّ علم إجمالاً بنجاسة هذه السجادة أو السجادة الأُخرى و لكن كانت السجادة الأُولى حين حدوث العلم الإجمالي خارجة عن محل الابتلاء بأن سرقها سارق و أخرجها من البلد، ثمّ عثر عليها و صارت محلاً للابتلاء.

و بما انّ الملاقى عند حدوث العلم كان خارجاً عن محلّ الابتلاء لم يكن العلم الإجمالي محدثاً للتكليف بالنسبة إليها، و حينئذ يقوم الملاقي بحكم وحدة حكمهما في الواقع مكانه و يكون طرفاً للعلم الإجمالي و تُصبح النتيجة وجوب الاجتناب عن اليد و السجادة الثانية و يكون العلم الإجمالي منجِّزاً.

ص: 74


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 3، ص: 539 ؛ النقل بتصرف .

و لكن عودة السجادة الأُولى إلى محل الابتلاء لا يجعلها طرفاً للعلم الإجمالي لخروجها عند حدوث العلم الإجمالي.

ايراد المحققين العراقيّ و الخوئي

اقول: هذا الکلام منه مبني علی ان خروج الشيء عن محل الابتلاء يسقط التکليف و قد تقدم منعه .و اما علی القول به فقد أورد عليه المحقق الخوئيّ تبعا للمحقّق العراقيّ بما حاصله: أنّ خروج الشي ء عن محلّ الابتلاء لا يكون مانعا عن جريان الأصل فيه إذا كان له أثر فعليّ، و ما نحن فيه كذلك، فإنّ الملاقى و إن كان خارجا من محلّ الابتلاء، إلّا أنّه يترتّب على جريان أصالة الطهارة فيه الحكم بطهارة ملاقيه. و إذا جرت أصالة الطهارة فيه فيعارض جريانها في الطرف الآخر- أي ما في الإناء الأصفر في المثال السابق-، و بعد سقوطهما يجب الاجتناب عن الملاقى و الطرف الآخر، و تصل النوبة إلى أصالة الطهارة الجارية في الملاقي (الإناء الأبيض)، فتجري فيه لسقوط معارضها- و هو أصالة الطهارة الجارية في الطرف الآخر (الإناء الأصفر)-، فلا يجب الاجتناب عن الملاقي(1).

الصورة الثالثة: ما يجب فيه الاجتناب عن جميع الأطراف: الملاقى و الملاقي و الطرف الآخر. و ذلك إذا علم بالملاقاة، ثمّ حدث العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى أو الطرف الآخر فعندئذ يحدث العلم الإجمالي متعلّقاً بالجميع و تكون الثلاثة معاً طرفاً للعلم. قلت: و الامر في هذه الصورة کما قال کما لا يخفی .

ص: 75


1- راجع نهاية الأفكار 3: 363 - 364، مصباح الاصول 2: 423.

بقيت هنا أُمور:

الاول: في شرطية العزم على الإتيان بالجميع في صدق الامتثال

ذهب الشيخ في الشبهات البدوية إلى أنّه يكفي في تحقّق الامتثال مجرد قصد الأمر المحتمل و لكنّه اشترط في الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي لزوم قصد امتثال الأمر المعلوم بالإجمال على كلّ تقدير، و لازمه أن يكون المكلّف حال الإتيان بأحد المحتملين، قاصداً للإتيان بالآخر، و لولا ذلك لا يتحقّق قصد امتثال الأمر المعلوم بالإجمال على كلّ تقدير، قال: إنّ النيّة في كلّ من الصلوات المتعدّدة بالنحو التالي: ينوي في كلّ منهما فعلها احتياطاً لإحراز الواجب الواقعي المردّد بينها و بين صاحبها تقرباً إلى اللّه على أن يكون القرب علّة للإحراز الذي جعل غاية للفعل، و يترتّب على هذا انّه لا بدّ من أن يكون حين فعل أحدهما عازماً على فعل الآخر إذ النيّة المذكورة لا تتحقق بدون ذلك، لأنّ من قصد الاقتصارعلى أحد الفعلين ليس قاصداً لامتثال الواجب الواقعي، على كلّ تقدير بل هو قاصد لامتثاله على تقدير مصادفة هذا المحتمل له لا مطلقاً(1).

و فيه: ان العبادة متوقفة علی قصد الامر کما تقدم و ما لم يحرز الامر لا يمکن التعبد کما تقدم ذلک من نفس الشيخ و عليه فيتعذر العمل بالاحتياط في العباديات الّا مع قيام الدليل الخاص و الذي يمکن تعميمه لباقي الموارد بعد الغاء خصوصية المورد عرفا کما في صحيح عليّ بن أسباط عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد اللَّه علیه السلام قال: «من نسي

ص: 76


1- وسائل الشيعة، ج 8 ، ص: 276ح1.

صلاةً من صلاة يومه واحدةً و لم يدرِ أيُّ صلاةٍ هي صلَّى ركعتين و ثلاثاً و أربعاً»(1), و قريب منه مرفوع الحسين بن سعيد(2), و به عمل المشهور فبه افتی المرتضی(3) و ابن البراج(4) و الشيخ(5) و ابن ادريس مدعيا عليه الاجماع و المحقق(6) و سلار(7) و المفيد(8) و الصدوق(9) و ابن الجنيد(10), خلافا لابي الصلاح الحلبي(11) و ابن زهرة(12) و علاء الدين صاحب اشارة السبق(13), الّا انه بعد عمل المشهور بصحيح علي بن اسباط لا عبرة بخلافهم .

و المفهوم من الصحيح و لو بالاطلاق المقامي هو ان يأتي بالصلاة بنية الجزم .

ص: 77


1- الفرائد: 270 و 271، طبعة رحمة اللّه.
2- [3]المحاسن کتاب العلل ح/68 .
3- جمل العلم و العمل ؛ ضمن رسائله ج/3 ص39 و طبعة النعمان النجف ص74
4- المهذب ج/1 ص126
5- النهاية ص127 و المبسوط ج/1 ص127 و الخلاف ج/1 ص309 مسألة 58
6- المعتبر ص237
7- [8]المراسم ص91.
8- المقنعة ص148.
9- الفقيه ج/1 ص231 و المقنع ص32.
10- المختلف ج/2 ص452.
11- الکافي في الفقه ص150.
12- الغنية ص500 .
13- اشارة السبق لعلاء الدين علي بن ابي الفضل ص123.

الثاني: هل يتقدّم الامتثال القطعي على التعليقي؟

إذا كان الواجب المشتبه، أمرين مترتبين شرعاً كالظهر و العصر المردّد بين القصر و الإتمام أو المردّد بين الجهات الأربع، فهل يعتبر في صحّة الدخول في محتملات الواجب اللاحق، الفراغ اليقيني من الأوّل بإتيان جميع محتملاته كما صرح به في الموجز و شرحه، و المسالك، و الروض و المقاصد العلية أو يكفي فعل بعض محتملات الأول بحيث يقطع بحصول الترتيب بعد الإتيان بمجموع محتملات المشتبهين كما عن نهاية الأحكام و المدارك فيأتي بظهر و عصر قصراً، ثمّ يأتي بهما تماماً، و قد ذكر الشيخ لكلّ من الاحتمالين وجهاً(1), و قوّى القول الثاني بقوله: إنّ أصالة عدم الأمر بالنسبة إلى الإتيان بمحتملات العصر إنّما تقتضي عدم مشروعية الدخول في المأمور به و محتملاته التي يحتمله على تقدير عدم الأمر واقعاً كما إذا صلّى العصر إلى غير الجهة التي صلّى الظهر, و أمّا ما لا يحتمله إلّا على تقديره وجود الأمر، كما إذا صلّى العصر إلى الجهة التي صلّى إليها الظهر، فلا يقتضي الأصل المنع عنه(2), و لكن ذهب المحقّق النائيني إلى عدم الجواز قائلاً: إنّ الامتثال التفصيلي مقدّم على الامتثال الإجمالي، فإنّ إحراز القبلة على وجه التفصيل و إن كان غير ممكن إلّا أنّ إحراز فراغ ذمّته عن صلاة الظهر عند الشروع في العصر و انّ العصر واقع بعده أمر ممكن فيجب تحصيله(3).

و فيه: انه لا دليل علی اشتراط ما قال بعد تحقق الامتثال عقلا کما لا يخفی.

ص: 78


1- الفرائد: 270 و 271، طبعة رحمة اللّه.
2- الفرائد: 272.
3- فوائد الأُصول: 139/ 4 140 بتلخيص.

الثالث: إذا كان المعلوم بالإجمال جزء الموضوع

إذا كان المعلوم بالإجمال جزء الموضوع للحكم الشرعي فلا يترتب الحكم عليه، كما إذا شرب أحد المائعين المردّدين بين الخمر و الماء، فلا يحكم على الشارب بالحدّ، لأنّ الموضوع للحدّ هو شرب الخمر، و المعلوم بالإجمال هو نفس الخمر فلا يترتب أثره على شرب أحد الطرفين، و مثله ما إذا علم وجداناً بكون أحد الجسدين ميِّتَ إنسان و الآخر جسد حيوان مذكّى مأكول اللحم، فلا يجوز بيعهماو لا واحد منهما، لعدم ترتّب منفعة محللة مع العلم الإجمالي، و لكن لو مسّ واحداً من الجسدين لا يجب عليه غسل المس، لأنّ المحرز هو مسُّ أحد الجسدين المردّد بين ما يجب على من مسّه الغسل، و عدمه، و الأثر مترتّب على مس ميت الإنسان، و المعلوم بالإجمال هو وجود الميت بين الجسدين.

في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر

و قبل الخوض في المقصود نقدم أُمرين:

الاول: انّ الأقل و الأكثر ينقسمان إلى الاستقلاليين و الارتباطيين، و الفرق بينهما بأنّ الأقل الاستقلالي يغاير الأكثر الاستقلالي على فرض وجوبه حكماً و وجوباً، و طاعة و امتثالًا، كالفائتة المرددة بين الواحد و الكثير، و الدّين المردّد بين الدرهم و الدرهمين، بخلاف الأقلّ الارتباطي فانّه على فرض وجوب الأكثر، متّحد معه حكماً و وجوباً، و طاعة و امتثالًا، و لا استقلال له, كالشكّ في وجوب الصلاة مع السورة و عدمها.

و بما ذكرنا يعلم أنّ ما هو المقصود من الشبهة التحريمية أعني: الشبهة الموضوعية ليس له إلّا قسم واحد، و هو الأقل و الأكثر الاستقلاليين، و لا يتصوّر له إلّا قسم واحد، بخلاف

ص: 79

الشبهة الوجوبية فبما انّ البحث فيها لا ينحصر بالموضوعية بل يعمّ المسائل الثلاثة فقدان النص و اجماله و تعارضه، و ينقسم إلى الأقلّ و الأكثر الاستقلاليين أو الارتباطيين.

الثاني: انّ المشكوك من الشبهة الوجوبية، تارة يكون الجزء الخارجي كالسورة و القنوت، و جلسة الاستراحة بعد السجدتين، و أُخرى الخصوصية الموجودة في العبادة، المنتزعة من الأمر الخارجي كالطهارة الحاصلة عن الغسلات و المسحات بنية التقرب، و ثالثة الخصوصية المتحدة مع المأمور به كما إذا دار أمر الواجب بين مطلق الرقبة أو الرقبة المؤمنة، أو دار أمر الواجب بين واحد معين من الخصال، أو المردّد بين الأُمور الثلاثة.

حکم دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين

ثم إنّ الشك في الجزء يکون على قسمين: فتارة يكون للجزء المشكوك وجوبه، وجود خارجي مستقلّ تحتمل مدخليته في الواجب، و تارة لا يکون للجزء المشكوك وجوبه، وجود مستقل .

المقام الاول: في الشكّ في الأجزاء الخارجية

اذا عرفت هذا فاعلم انّه اختلف العلماء في الأقل و الأكثر الارتباطيين من الاجزاء الخارجية علی اقوال ثلاثة:

القول الاول: جريان البراءة العقلية و الشرعية

استدل القائلون بجريان البراءتين في الجزء المشكوك بوجوه:

الأوّل: الأقل امّا واجب نفسيّ أو غيريّ

کما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ حيث قال: «و بالجملة: فالعلم الإجماليّ غير مؤثّر في وجوب الاحتياط، لكون أحد طرفيه معلوم الإلزام تفصيلا و الآخر مشكوك الإلزام

ص: 80

رأسا»(1). و توضيحه: أنّ الأقلّ واجب يقينا بالوجوب الجامع بين الوجوب النفسيّ و الوجوب الغيريّ، إذ لو كان الواجب في الواقع هو الأقلّ فيكون الأقلّ واجبا نفسيّا، و لو كان الواجب في الواقع هو الأكثر فيكون الأقلّ واجبا غيريّا، فالتكليف بالنسبة إلى الأقلّ منجّز على كلّ تقدير. بخلاف الأكثر، فإنّ أمره دائر بين أن يكون واجبا فيما إذا كان مشكوك الجزئيّة جزءا للمامور به واقعا و بين أن لا يكون واجبا فيما إذا لم يكن جزءا للمامور به واقعا، فيكون الشكّ بالنسبة إلى الأكثر بدويّا، فلا يكون التكليف بالنسبة إليه منجّزا، بل هو مجرى قاعدة العقاب بلا بيان.

و فيه: أنّه مبني على وجوب مقدّمة الواجب، و علی القول بوجوبها مبني علی وجوب المقدمات الداخلية, و کلاهما محل اختلاف, و عليه فمن لم يقل بهما فلا يصح عنده الانحلال .

و اجيب: بانّ غايته هو العلم بالوجوب الجامع بين النفسي و المقدّمي، فهو وجوب انتزاعي يدركه العقل، و مثل هذا لا يكون سبباً للانحلال، لأنّ المراد من الانحلال هو العلم بوجوب الأقل شرعاً وجوباً مجعولاً لا وجوباً منتزعاً.

و فيه: انه لا يشترط في الانحلال العلم بوجوب الأقل شرعاً وجوباً مجعولاً, لعدم الدليل علی ذلک, و تحقق الانحلال حقيقةً.

الثاني: الأقل امّا واجب استقلالي أو ضمني

و له تصويران:

ص: 81


1- فرائد الاصول 2: 322 .

التصوير الاول: ما أفاده المحقق الاصفهاني و حاصله: «أنّ الأجزاء في الواجب لا تكون واجبة بالوجوب الغيري المقدّميّ، بل هناك وجوب نفسيّ واحد منبعث عن إرادة نفسيّة واحدة منبّعثة عن غرض واحد قائم بالأجزاء بالأسر الّتي هي عين الكلّ، فهذا الوجوب النفسيّ الشخصيّ المعلوم أصله منبسط على تسعة أجزاء- مثلا- بتعلّق واحد، و انبساطه بغير ذلك التعلّق على الجزء العاشر المشكوك غير معلوم، فإذن يكون التكليف بالمقدار المعلوم انبساط الوجوب النفسيّ عليه فعليّا منجّزا، و بالمقدار الآخر المجهول انبساطه عليه لا مقتضي لفعليّته و تنجّزه.

و بما أنّ التكليف المتعلّق بالأقلّ هو الوجوب النفسيّ الّذي يترتّب الثواب و العقاب على مخالفته و موافقته، فلا تتوقّف فعليّته و تنجّزه على تكليف آخر غير معلوم الحال.

نعم، لا يعلم أنّ ذات الأقلّ بحسب الفعليّة تمام المنبسط عليه واقعا أو بعضه. لكن عدم العلم به لا يخرج الأمر المتعلّق به عن النفسيّة و الفعليّة(1).

التصوير الثاني: ما افاده المحقّق العراقيّ و حاصله: أنّ وصف الأقلّيّة أو الأكثريّة للواجب انّما يكون باعتبار حدّ التكليف من حيث وقوفه على الأقلّ أو شموله و انبساطه على الجزء المشكوك، فالاختلاف بين الأقلّ و الأكثر ليس ناشئا من اختلاف الوجوب المتعلّق بالأقلّ مع الوجوب المتعلّق بالأكثر، بل الوجوب المتعلّق بالأقلّ لا يتغيّر، سواء انبسط الوجوب على الأكثر في الواقع أو لم ينبسط عليه؛ و انّما الاختلاف ناشئ من أنّ حدّ التكليف غير معلوم.

ص: 82


1- نهاية الدراية 2: 627- 628.

و عليه فالشكّ بين الأقلّ و الأكثر يرجع إلى الشكّ في أنّ شخص التكليف المنبسط على الأجزاء هل يكون محدودا بحدّ يشمل الجزء المشكوك أو يكون بحدّ لا يشمله؟ و هذا نظير الخط القصير و الخط الطويل، فإنّه إذا رسم الخط القصير ثمّ اضيف إليه ما يوجب ازدياد طوله لم يختلف واقع الخط القصير عمّا كان عليهقبل الزيادة. فالشكّ في المقام يرجع إلى الشكّ في ثبوت الزيادة على المقدار الأقلّ و عدمه. و ظهر أنّ وجوب الأقلّ معلوم بالتفصيل، سواء انبسط على الزائد أو لم ينبسط، فلا شكّ في وجوب الأقلّ، و انّما الشكّ في انبساط الوجوب على الجزء الزائد المشكوك، و هو شكّ بدويّ، و المرجع فيه البراءة(1).

القول الثاني: القول بالاحتياط و عدم جريان البرائتين

و هذا الرأي منسوب إلى المحقق السبزواري على ما حكاه عنه الشيخ بقوله: «بل الإنصاف أنه لم أعثر في كلمات من تقدم على المحقق السبزواري على من يلتزم بوجوب الاحتياط في الأجزاء و الشرائط» و هو مختار المحقق الخراساني في حاشية الكفاية، حيث عدل عما في المتن إلى عدم جريان البراءة النقليّة(2), و هو يقتضي لزوم تحصيل العلم بفراغ الذمّة، و لا يحصل العلم بالفراغ إلّا بالإتيان بالأكثر، فلا مناص من الاحتياط.

استدل القائلون بالاشتغال عقلاً بامور منها:

ص: 83


1- نهاية الأفكار 3: 381، هامش فوائد الاصول 4: 152- 153.
2- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 6، ص: 193.

التقريب الأوّل لمنع البراءة العقلية

ما أفاده المحقّق الخراساني من استلزام جريان البراءة العقلية أمرين:

اولاهما: انه يلزم من فرض تنجز الأقل، عدم تنجزه, و ثانيهما: يلزم من فرض الانحلال عدمه, و كلاهما خلف.

أمّا الأوّل، فبيانه: أنّ انحلال العلم الإجماليّ بالتكليف موقوف على تنجّز التكليف في بعض الأطراف على كلّ تقدير، سواء كان التكليف في الواقع متعلّقا به أو بأطراف أخر، فحينئذ يتبدّل العلم الاجماليّ به إلى علم تفصيليّ بالتكليف في ذلك الطرف و شكّ بدويّ في الآخر.

و عليه فانحلال العلم الإجماليّ في المقام و إثبات عدم تنجّز التكليف بالنسبة إلى الأكثر موقوف على تنجّز التكليف في الأقلّ على كلّ تقدير، سواء كان الوجوب في الواقع متعلّقا بالأقلّ أو بالأكثر، فلو كان تنجّز التكليف في الأقلّ كذلك- أي على كلّ تقدير- مستلزما لعدم تنجّزه في الأكثر كان خلفا، و هو محال.

و أمّا لزوم عدم الانحلال من الانحلال، فلأنّ الانحلال يستلزم عدم تنجّز التكليف المتعلّق بالأكثر على فرض وجوبه، و هو يستلزم عدم العلم بوجوب الأقلّ مطلقاً، و هو يستلزم عدم الانحلال، فيلزم من فرض وجوده عدمه و هو محال(1) .

و قد اورد علی ما افاده المحقق الخراساني المحقّقون وجوهاً:

منها: ما أفاده المحقّق النائينيّ و حاصله: أنّ منشأ الإشكالين انّما هو توهّم كون وجوب الأقلّ مقدّميّا على تقدير أن يكون متعلّق التكليف هو الأكثر، ضرورة أنّه لا مناص عن

ص: 84


1- كفاية الأصول ط ال البيت ^، ص: 364 .

الإشكالين حينئذ، لأنّ وجوب المقدّمة و تنجّزه تابع لوجوب ذيها، فلا يعقل تنجّزه بالنسبة إلى الأقلّ مع عدم تنجّزه بالنسبة إلى الأكثر أي ذي المقدّمة. و لكن وجوب الأقلّ لا يكون إلّا نفسيّا على كلّ تقدير، سواء كان متعلّق التكليف هو الأقلّ أو كان هو الأكثر، فإنّ الأجزاء انّما تجب بعين وجوب الكلّ، فلا يتوقّف وجوب الأقلّ على تنجّز الأكثر، فإنّ الأمر بالمركّب منجّز، و ينجّز الأمر بالأقلّ بعين تنجّز الأمر بالمركّب(1).

و منها: ما أفاده المحقّق العراقيّ. و حاصله: أنّ ما أفاد المحقق الخراساني مبنيّ على أخذ جهة الارتباط و الانضمام بالزائد قيدا للأقلّ في مرحلة كونه معروضا للوجوب الضمنيّ، فإنّه حينئذ يستحيل تصوّر مجي ء الأقلّ في العهدة مستقلّاً و انفكاكه عن تنجّز الأكثر. و لكن هذا المبنى فاسد، لأنّ جهة الارتباط و الانضمام غير مأخوذة في موضوع الوجوب، فإنّ موضوع الوجوب انّما هو نفس الأفراد بلا ارتباط لبعضها بالآخر حين طروء الوجوب، بل انّما جاءت جهة الارتباط من قبل وحدة الوجوب المتعلّق بالأجزاء بأسرها، و حينئذ لا قصور في مجي ء الأقلّ في العهدة و تنجّز الوجوب بالنسبة إليه مستقلّاً بسبب العلم بوجوبه و لو ضمنيّا(2).

قلت: و بعبارة اوضح أنّ الخلف بكلا الوجهين ينشأ من كون وجوب الأقلّ مقدميّاً أو ضمنياً ناشئاً من وجوب الأكثر، و حينئذ يلزم من القول بتنجّز الأقل مطلقاً عدم تنجّزه, كذلك شأن كلّ علم تفصيلي حاصل من العلم الإجمالي، إذا صار الأوّل سبباً لانهدام الثاني، و أمّا إذا كان وجوب الأقل نابعاً من الوجوب المتعلّقبالعنوان، المحرز بالوجدان، فلا يلزم الخلف لأنّه من قبيل علم تفصيلي نابع من علم تفصيلي آخر، ثابت غير متزلزل،

ص: 85


1- فوائد الاصول 4: 156- 157.
2- نهاية الأفكار 3: 386- 387 .

و الشكّ إنّما هو في مقدار ما ينحلّ إليه العنوان الواجب، فهل ينحلّ إلى الأقل فقط أو الأكثر أيضاً.

و إن شئت قلت: إذا كان وجوب الأجزاء بعين وجوب الكل و كان امتثال كلّ جزء امتثالاً تدريجياً له، فوجوب الأقل على كلّ تقدير لا يتوقف على إحراز وجوب الأكثر و حفظ العلم الإجمالي، بل يتوقف على العلم بوجوب العنوان أو المركب و المفروض انّ العلم بوجوبهما أمر محرز ثابت، لقوله سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْل﴾(1), و على ضوء ذلك فهو يأتي بالأجزاء المعلومة بنية الأمر بالكلّ من أوّلها إلى آخرها فلا إشكال، سواء أ كان الواجب هو الأقلّ أم كان هو الأكثر، لأنّ العنوان على وجه ينطبق على كليهما.

فظهر انّ العلم بوجوب الأقل مطلقاً يتوقف على العلم بوجوب العنوان المحرز، لا على وجوبه إمّا نفسياً أو غيرياً، أو نفسياً أو ضمنياً حتى لزم المحذور.

و منه يعلم اندفاع المحذور الثاني إذ لو كان الانحلال مبنياً على وجوب الأقل مطلقاً إمّا نفسياً أو غيرياً لزم المحذور، لأنّ الانحلال يستلزم عدم وجوب الأكثر، المستلزم لعدم وجوب الأقل مطلقاً، المستلزم لعدم الانحلال، لا ما إذا كان الانحلال نابعاً من العلم بوجوبه النفسي سواء أ كان الأكثر واجباً أم لا، و ذلك لأنّ الانحلال يلازم عدم وجوب الأكثر، لكن عدم وجوبه لا يلازم عدم وجوب الأقل حتى يلزم عدم الانحلال، لما عرفت من أنّ وجوب الأقل ليس نابعاً من العلم الإجمالي حتى يتوقف بقاؤه على حفظ العلم الإجمالي، بل وجوبه يتوقف على وجود العلم بوجوب العنوان، الصادق على الأقل و الأكثر، فوجوب الأقل يتوقف على صدق العنوان، و وجوبه لا يتوقف على شي ء، لأنّه

ص: 86


1- الإسراء: 78.

محرز بالوجدان، لكن لا يحتج به على وجوب الجزء المشكوك بل يحتج على المتيقن منه.

التقريب الثاني لمنع البراءة العقلية

قال في الکفاية: «مع أن الغرض الداعي إلى الأمر لا يكاد يحرز إلا بالأكثر بناء على ما ذهب إليه المشهور من العدلية من تبعية الأوامر و النواهي للمصالح و المفاسد في المأمور به و المنهي عنه و كون الواجبات الشرعية ألطافا في الواجبات العقلية و قد مر اعتبار موافقة الغرض و حصوله عقلا في إطاعة الأمرو سقوطه فلا بد من إحرازه في إحرازها كما لا يخفى»(1), فانه إذا علم المكلف بأمر المولى المتعلق إما بالأقل و اما بالأكثر فقد علم بالغرض الملزم الوحدانيّ المترتب عليه، لاستلزام العلم بالمعلول للعلم بالعلة، فيجب عقلا تحصيل العلم باستيفاء ذلك الغرض، و الاقتصار على فعل الأقل لا يوجب العلم باستيفائه، للشك في كونه محصّلا له، فلا يجوز الاكتفاء به عقلا، بل لا بد في إحراز الغرض اللازم الاستيفاء من الإتيان بالأكثر، لكونه محصّلا له قطعا, و بالجملة: فالمقام من صغريات الشك في المحصّل.

و قد تعرض الشيخ الأعظم رحمه الله للاستدلال بالغرض، و لكنه أجاب عنه بوجهين و هما: الأول: أن الالتزام بوجود الغرض مبني على مذهب مشهور العدلية من تبعية الأوامر و النواهي للمصالح و المفاسد في متعلقاتهما و هي أفعال المكلفين، و من المعلوم أن مسألة البراءة و الاحتياط ليست مبنية على ذلك، بل تجري على مذهب بعض العدلية أيضا

ص: 87


1- كفاية الأصول ط ال البيت ^، ص: 364 .

المكتفي بوجود المصلحة في نفس الأمر الّذي هو فعل المولى، و على مذهب الأشعري من عدم التبعية أصلا و لو في نفس الأمر، فيمكن المصير إلى أحد هذين المذهبين، و من المعلوم عدم وجود غرض حينئذ حتى يجب إحرازه في إحراز سقوط الأمر المنوط بإتيان الأكثر.

الثاني: أن الغرض بعد تسليم كونه في فعل العبد كما هو مقتضى مذهب المشهور من العدلية و ان كان موردا لقاعدة الاشتغال، لما اشتهر من عدم جريان البراءة في الشك في المحصل، إلّا أنه يكون فيما يمكن تحصيل العلم بوجود الغرض، و أما فيما لا يمكن للعبد إحرازه فلا كالمقام، ضرورة أن حصول المصلحة في العبادات و ان كان منوطا بقصد الإطاعة، لكنه يحتمل عدم حصولها بمجرد ذلك، لاحتمال دخل قصد وجه أجزاء العبادة من الوجوب و الندب في تحققها أيضا، و من المعلوم أن هذا القصد موقوف على معرفة وجه الأجزاء من الوجوب و الندب و مع الجهل به لا يتمشى قصد الوجه، فلا يحصل العلم بالغرض.

و بالجملة: فمرجع هذا الوجه إلى عدم القدرة على تحصيل العلم بوجود الغرض في العبادات، فلا يجب إحرازه، فمن ناحية الغرض لا يبقى وجه لوجوب الاحتياط بإتيان الأكثر، و حينئذ فلا يبقى في البين إلّا التخلص عن تبعة التكليف المنجزبالعلم الإجمالي، و البيان المسوغ للمؤاخذة على المخالفة منحصر بالأقل دون الأكثر، و لو كان الاکثر هو الواجب فالمؤاخذة عليه تكون بلا حجة و بيان، و هو قبيح بالوجدان، فلا ملزم بإتيان الأكثر.

و يرد عليه:

ص: 88

اولاً: ان الجوابين يبتنيان علی تسليم اصل الاشکال من وجوب تحصيل الغرض, و الحال ان الاحکام الشرعية مطلقة و غير مقيدة بتحصيل الغرض و ان کانت تابعة للمصالح و المفاسد تشريعا, و لا دليل علی تقيدها بالغرض, وعليه فالشک بين الاقل و الاکثر ليس من الشک في المحصل, و لذا تجري البراءة في الاکثر بلا محذور .

ثانيا: انه إذا كان الغرض، متعلقاً للأمر فشك العبد في الأجزاء المحصلة لهذا الغرض هل هي تسعة أو عشرة فلا شكّ في وجوب الاحتياط، لأنّ المأمور به أمر بسيط، غير دائر أمره بين الأقل و الأكثر، و ما يدور أمره بينهما غير مأمور به.

و أمّا إذا لم يکن الغرض متعلقاً للأمر بل تعلّق الأمر بمركب ذي أجزاء أمر المولى به لأجل غرض له، و شكّ في أنّ الغرض المحصِّل له هو الأجزاء التسعة أو العشرة، ففي مثل ذلك لا يجب الاحتياط، لأنّ الواجب على العبد في مجال الإطاعة، الإتيان بما تعلّق به الأمر كاملًا، سواء أ كان محصلًا للغرض أم لا، و ذلك انّه لو لم تكن الأجزاء المعلومة محصلة لغرضه كان عليه البيان إمّا بالعنوان الأوّلي، كأن يبيّن الجزء المشكوك و يكون البيان واصلًا، أو بالعنوان الثاني، كأن يقول: إذا شككت في جزئية شي ء للمأمور به فعليك بالاحتياط. و على ضوء ذلك فالزائد على الأقل لم تقم الحجّة عليه لا تكليفاً و لا غرضاً.

التقريب الثالث لمنع البراءة العقلية

ما افاده المحقّق النائيني بما حاصله: الشكّ في تعلّق التكليف بالخصوصية الزائدة المشكوكة من الجزء أو الشرط، و إن كان عقلاً لا يقتضي التنجيز، و استحقاق العقاب على مخالفته من حيث هو، للجهل بتعلّق التكليف به، فالعقاب على ترك الخصوصية يكون بلا بيان، إلّا أنّ هناك جهة أُخرى تقتضي التنجّز و استحقاق العقاب على ترك الخصوصية، على تقدير تعلّق التكليف بها، و هي احتمال الارتباطيّة و قيديّة الزائد للأقل،

ص: 89

فإنّ هذا الاحتمال بضميمة العلم الإجمالي يقتضي التنجيز و استحقاق العقاب عقلاً، فانّه لا رافع لهذا الاحتمال، و ليس من وظيفةالعقل وضع القيدية أو رفعها، بل ذلك من وظيفة الشارع، و لا حكم للعقل من هذه الجهة فيبقى حكمه بلزوم الخروج من عهدة التكليف المعلوم، و القطع بامتثاله على حاله فلا بدّ من ضمّ الخصوصية(1).

و اجابه المحقق الخوئي: بان ما هو طرف العلم الإجمالي في المقام هو حدّ التكليف لا نفسه، و هذا الاحتمال خارج عن مصبّ حكم العقل بوجوب الامتثال، إذ ليس مصبّه إلّا ذات التكليف المعلوم تفصيلا المشكوك حدّا(2).

قلت: و اما ما ذكره من أنّه ليست وظيفة العقل وضع القيدية أو رفعها بل ذلك من وظيفة الشارع. فانه و ان کان صحيحا الّا انه ليس الهدف من إجراء البراءة العقلية وضع القيدية أو رفعها، بل الغرض منها نفي العقاب المحتمل من ترك القيد المحتمل سواء أ كان ذلك القيد، هو وجوب الجزء، أو ارتباط الأقل بالأكثر. و بعبارة اخری الغرض هو تحصيل الأمن من العقاب من ترك الأكثر، لا رفع القيد و إنّما هو من شؤون البراءة الشرعية كما سيأتي, و عليه فلا تنجز للاکثر عقلا .

ص: 90


1- فوائد الأُصول: 161/ 4.
2- هامش فوائد الأُصول: 161-160/ 4.

التقريب الرابع لمنع البراءة العقلية

إنّ الأمر المتعلّق بالأقل دائر بين كونه صالحاً للتقرّب إذا كان نفسياً و غير صالح له إذا كان مقدمياً توصلياً

و أمّا الأكثر فأمره صالح للتقرّب، لأنّه إمّا هو الواجب، أو كونه مشتملًا عليه و يقصد التقرّب بما هو المقرّب في الواقع.

و فيه: کما تقدم أنّ الأمر المتعلّق بالأقل نفسي لكونه مصداقاً للصلاة إنّما الشكّ في انحلال العنوان الجامع للكثرات، إلى الجزء المشكوك و غيره، و على كلّ تقدير فسواء ثبت الانحلال أم لم يثبت فهو يأتي الاجزاء بالأمر المتعلّق بالعنوان،لا بالأمر المتعلّق بالأجزاء قليلة كانت أم كثيرة، فالأمر المقصود على كلتا الصورتين، أمر نفسي، و الشكّ في مقدار انحلال المتعلّق، لا يجعل الأمر متعدّداً.

التقريب الخامس لمنع البراءة العقلية

إنّ نفي العقاب من جانب ترك الأكثر، لا يُثبت تعلّق الأمر بالأقل و الغاية إثبات تعلّقه به.

أقول: هذا الإشكال مشترك بين البراءتين: العقلية و الشرعية، فنحيل الجواب إلى البحث الاتي.

القول الثالث: التفصيل بين العقلية و الشرعية

بجريان الثانية دون الأولى، و عليه فلا بد من الاحتياط عقلا، و هذا هو مختار المحقق الخراساني في متن الکفاية و اليه ذهب عدة من الأُصوليين فقالوا بجريان البراءة الشرعية، و أن منعوا من جريان البراءة العقلية .

ص: 91

أدلّة القائلين بجريان البراءة الشرعية

و استدل المحقّق الخراساني بما حاصله: إنّ جزئية السورة مجهولة و محجوبة، فترفع بحديثي الرفع و الحجب.

ثم اورد اشکالا بما حاصله: أنّ حديث الرفع انّما يشمل ما تناله يد الجعل و الرفع التشريعيّين، فلا يشمل ما إذا لم يكن المجهول مجعولا شرعيّا أو ممّا يترتّب عليه أثر شرعيّ. و معلوم أنّ جزئيّة الجزء ليست بمجعولة و لا ممّا يترتّب عليها أثر شرعيّ، فلا يشملها حديث الرفع.

فإن قلت: إنّ الجزئيّة و إن لم تكن بنفسها أمرا مجعولا شرعيّا، إلّا أنّها ممّا يترتّب عليه الأثر الشرعيّ، فإنّ أثرها الشرعيّ وجوب إعادة العبادة بعد الالتفات، كما أنّ أثر عدم جزئيّته في هذا الحال عدم وجوب إعادتها بعد الالتفات، و عليه فيشملها حديث الرفع و تجري البراءة في الجزئيّة بلحاظ أثرها.

قلت: إنّ وجوب الإعادة ليس من آثار ثبوت الجزئيّة حال الترک، بل هو من آثار بقاء الأمر الأوّل فإنّ اشتغال الذمّة بالأمر الأوّل يقينيّ، و بعد الالتفات يشكّ في تحقّق الامتثال بإتيان الأقلّ الخالي عن الجزء و عدمه، و يحكم العقل بأنّ الاشتغال اليقينيّ يقتضي الفراغ اليقينيّ و هو يحصل بإعادة العبادة.

مضافا إلى أنّ وجوب الإعادة ليس بأثر شرعيّ، بل هو أثر عقليّ من باب وجوب إطاعة الأمر الأوّل الباقي على حاله، فلا يرتفع بمثل حديث الرفع.

ثم اجاب عنه بما حاصله: أنّ الجزئيّة و إن لم تكن مجعولة بنفسها و لا ممّا يترتّب عليها أثر شرعيّ، إلّا أنّها منتزعة عن الأمر الأوّل، و الامور الانتزاعيّة مجعولة بتبع جعل منشأ انتزاعها، كما أنّها مرفوعة بارتفاع منشأ انتزاعها، فالجزئيّة قابلة للجعل بتبع جعل الأمر

ص: 92

الأوّل، و هذا كاف في صحّة رفعها بارتفاع الأمر الأوّل الّذي هو منشأ انتزاعها، فيشملها حديث الرفع.

فإن قلت: إنّ حديث الرفع، حديث رفع لا وضع، فما الدليل على تعلّق الأمر بالعبادة الخالية عن الجزء؟

ثم اجاب عن الاشکال بقوله: إنّ نسبة حديث الرفع إلى الأدلّة الدالة على بيان الأجزاء إليها، نسبة الاستثناء و عندئذ يكون المجموع دالًّا على جزئيتها إلّا مع الجهل بها(1).

توضيح الجواب: أنّ مستند الأمر بالأقلّ ليس هو حديث الرفع الدالّ على جريان البراءة الشرعيّة، كي يقال: «إثبات الأمر بالأقلّ بجريان أصالة البراءة في نفي الأكثر من قبيل إثبات أحد الضدّين بنفي الآخر، و هو من أظهر مصاديق الاصول المثبتة الّتي لم يثبت حجيّتها». بل مستنده الجمع بين الأدلّة الدالّة على بيان جزئيّة الأجزاء و بين حديث الرفع الدالّ على عدم جزئيّتها حال الجهل بها.

و ان شئت قلت: انّ الواقع لا يكون خالياً من أحد أمرين إمّا أن لا تكون السورة جزء الواجب، أو تكون؛ فعلى الأوّل، فالأمر متعلّق بالخالي واقعاً و إن لم يكن المكلَّف واقفاً عليه.

و على الثاني: يكون حديث الرفع بمنزلة الاستثناء كأنّه يقول: أقم الصلاة بجميع أجزائها إلّا السورة في حالة الجهل، فالأمر تعلّق بحكم الاستثناء بالطبيعة الخالية عن الجزء, اي أنّ تعلّق الأمر بالعنوان عين تعلقه بالأقل، إنّما الكلام في انحلاله إلى الجزء المشكوك و عدمه فتعلّقه بالأقل محرز.

ص: 93


1- كفاية الأصول، ص: 366.

و أورد عليه المحقّق العراقيّ: بأنّ حديث الرفع لا يصلح لأن يكون ناظرا إلى نفي فعليّة التكليف عن الجزء المشكوك واقعا، إذ مفاد الحديث هو مجرّد الرفع الظاهريّ الثابت في المرتبة المتأخّرة عن الجهل بالواقع، و مثله لا يصلح لتقييدإطلاق الجزئيّة الواقعيّة المحفوظة حتّى بمرتبة فعليّتها في المرتبة السابقة عن تعلّق الجهل بها(1).

قلت: الامر کما افاده المحقق العراقي لما تقدم في الجزء الثالث من هذا الکتاب من أن الرفع فيما عدا «ما لا يعلمون» من الأمور التسعة واقعي و فيه ظاهري، إذ لو كان فيه واقعيا لزم التصويب، لإناطة الحكم حينئذ بالعلم به، و هو محال كما ثبت في محله، فلو جرت البراءة فيما لا يعلم ثم انكشف الخلاف. كان الاجتزاء به مبنيا على إجزاء الحكم الظاهري الّذي هو أجنبي عن باب تبدل الموضوع كالحضر و السفر حتى يكون الاجزاء فيه مقتضى القاعدة، و حيث انه قد ثبت في محله عدم اجزاء الحكم الظاهري، فمقتضى القاعدة لزوم إعادة الصلاة فيما إذا صلى بلا سورة مثلا استنادا في نفي جزئيتها إلى أصالة البراءة، ثم انكشف الخلاف بنهوض دليل على جزئيتها، إلّا إذا قام دليل على الاجزاء كحديث «لا تعاد» بناء على جريانه في الجهل بالحكم کما هو المختار.

ثمّ إنّ المحقّق النائينيّ قرّب جواز الرجوع إلى البراءة الشرعيّة بوجه آخر. و أورد عليه أيضا المحقّق العراقي(2),

لکن ما اوردناه فيه الکفاية فلا حاجة للتطويل.

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم طرح الشكّ في جزئية الشي ء ضمن مسائل أربعة, لأنّ الشكّ في الجزئية اما ان يكون ناشئاً من عدم النصّ، او من إجمال النصّ، او من تعارض النّصين، او من اشتباه الأُمور الخارجية و التي تسمّى بالشبهة الموضوعية، و حيث أنّ الدليل واحد

ص: 94


1- نهاية الأفكار 3: 390- 391 .
2- راجع فوائد الاصول و هامشه 4: 162- 163.

في الجميع اقتصرنا علی هذا المقدار تبعاً لصاحب الكفاية، و لم نعقد لكلّ مسألة عنواناً مستقلاً.

المقام الثاني: في الشكّ في الأجزاء التحليلية

يقع البحث في هذا المقام عمّا إذا لم يكن للجزء المشكوك وجوبه، وجود مستقل، و إن كان في بعض المواضع له منشأ انتزاع مستقل، و لكن الجميع داخل تحت عنوان الجزء التحليلي أي ما يحتمل دخله في الواجب و ليس له وجود مستقل .

قال في الکفاية: أنه ظهر مما مر حال دوران الأمر بين المشروط بشي ء و مطلقه و بين الخاص كالإنسان و عامه كالحيوان و أنه لا مجال هاهنا للبراءة عقلا بلكان الأمر فيهما أظهر فإن الانحلال المتوهم في الأقل و الأكثر لا يكاد يتوهم هاهنا بداهة أن الأجزاء التحليلية لا يكاد يتصف باللزوم من باب المقدمة عقلا فالصلاة مثلا في ضمن الصلاة المشروطة أو الخاصة موجودة بعين وجودها و في ضمن صلاة أخرى فاقدة لشرطها و خصوصيتها تكون متباينة للمأمور بها كما لا يخفى, نعم لا بأس بجريان البراءة النقلية في خصوص دوران الأمر بين المشروط و غيره دون دوران الأمر بين الخاص و غيره لدلالة مثل حديث الرفع على عدم شرطية ما شك في شرطيته و ليس كذلك خصوصية الخاص فإنها إنما تكون منتزعة عن نفس الخاص فيكون الدوران بينه و [بين] غيره من قبيل الدوران بين المتباينين(1). و توضيح کلامه ان للجزء التحليلي قسمين:

ص: 95


1- كفاية الأصول، ص: 368 .

الأوّل: دوران الامر بين المطلق و المشروط و المطلق و المقيد. اي ما يكون الجزء التحليلي منتزعاً من أمر خارجي كالتستر من إلقاء الستر على الرأس، و الطهور من الغسلات و المسحات، فالشرط أمر تحليلي باسم التقيّد، و إن كان المنشأ أو القيد ذا وجود مستقل كما إذا دار الأمر بين أن يكون متعلّق التكليف هو الصلاة متستّرا أو مطلق الصلاة .

او ما يكون الجزء التحليلي قائماً بالموضوع من دون أن يكون مقوّماً له نظير الإيمان بالنسبة إلى الرقبة کما اذا دار الأمر بين أن يكون المكلّف به هو عتق مطلق الرقبة أو عتق الرقبة المؤمنة .

الثاني: ما اذا دار الامر بين الخاص و عامه كما إذا دار الأمر بين تعلّق التكليف بالتيمّم بالتراب أو تعلّقه بمطلق الأرض الشامل للرمل و الحجر و غيرهما، أو دار الأمر بين تعلّق التكليف بإطعام الحيوان من دون خصوصيّة أو تعلّقه بإطعام الحيوان المتميّز بفصل الناطقيّة.

اذا عرفت هذا فاعلم إنّه منع من جريان البراءة العقلية في کلا القسمين, و قال بجريان البراءة النقليّة في المورد الأوّل دون المورد الثاني.

اما الوجه في عدم جريان البراءة العقليّة في القسمين فلعدم وجود القدر المتيقّن في البين لينحلّ العلم الإجماليّ و تجري أصالة البراءة, بخلاف موارد دوران الأمر بين الأقل و الأكثر، حيث تجري فيها البراءة، لانحلال العلم الإجماليّ بكون الأقلّ متيقّنا على كلّ تقدير.

ص: 96

بيان ذلك: أنّ الأجزاء في موارد دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر أجزاء خارجيّة يمكن أن تتّصف بالوجوب على كلّ تقدير، فتتّصف بالوجوب النفسيّ إذا لم يكن الجزء المشكوك واجبا، فإنّ الأقلّ حينئذ مقدّمة للأكثر؛ و حينئذ يمكن دعوى انحلال العلم الإجماليّ إلى علم تفصيليّ بوجوب الأقلّ و شكّ بدويّ في وجوب الأكثر. بخلاف الأجزاء في المقام، فإنّها أجزاء تحليليّة لا مميّز لها في الخارج، و لا وجود لها مستقلّا، فلا تتّصف بالوجوب النفسيّ، كما أنّ بعضها ليس مقدّمة لبعض آخر كي تتّصف بالوجوب الغيريّ، ضرورة أنّ ذاتي المطلق و العامّ ليستا مقدّمتين للمقيّد و الخاصّ كي تكونا واجبتين على كلّ تقدير، بل يعدّ واجد الجزء التحليليّ- كالصلاة متستّرا- و فاقده- أي: الصلاة عريانا- من المتباينين، لا من الأقلّ و الأكثر.

اقول: ما أفاده المحقق الخراساني کان تعريضا بالشيخ الأعظم حيث ذهب إلى جريان البراءة في كلا الموردين(1), و هو الصحيح و ذلک لأن ملاك جريان البراءة العقلية عبارة عن حاجة المورد إلى البيان الزائد، فكلّ مشكوك كان الوقوف عليه رهن بيانه فهو مجرى للبراءة العقلية. و يقال: إنّ وجوب هذا الشي ء لم يرد فيه بيان و كلّ ما كان كذلك و كان واجباً في الواقع لكن تركه المكلّف يكون العقاب عليه عقاباً بلا بيان، ضرورة أن الشك في شرطية شي ء للمركب سواء أ كان منشأ انتزاعها موجودا مغايرا للمشروط كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، أم متحدا معه في الوجود كالعدالة بالنسبة إلى الشاهد مثلا يرجع إلى الشك في جعل الشارع، بداهة أن الشرطية مما تنالها يد التشريع، فتجري فيها البراءة، فإذا أمر الشارع بعتق رقبة و شككنا في اعتبار خصوصية الإيمان فيها و لم يكن لدليله إطلاق جرت فيه البراءة.

ص: 97


1- فرائد الاصول 2: 357.

و كذا إذا أمر المولى بإطعام حيوان و شككنا في أنه اعتبر ناطقيته أولا، فلا مانع من جريان البراءة في اعتبار الناطقية فيه، لأن اعتبارها مما تناله يد التشريع،فيصح أن يقال: إطعام الحيوان معلوم الوجوب، و تقيده بالناطقية مشكوك فيه، فتجري فيه البراءة.

و كذا يصح أن يقال: ان عتق الرقبة معلوم الوجوب، و تقيدها بالايمان مشكوك فيه فينفی بالبراءة. و لا يعتبر في الانحلال و جريان أصل البراءة الّا المعلوم التفصيليّ و الشك البدوي، و أما اعتبار كون الشي ء المعلوم وجوبه تفصيلا موجودا كأجزاء المركب الخارجي كالصلاة فلا دليل عليه لا عقلا و لا نقلا، و انما المعتبر فيه هو كونه قابلا لتعلق الحكم الشرعي به، و ذلك حاصل، لإمكان إيجاب عتق مطلق الرقبة و إطعام مطلق الحيوان بدون تقييد الرقبة بالايمان، و تقييد الحيوان بفصل خاص من فصوله و ان توقف وجوده على أحد فصوله، إلّا أنه يمكن لحاظه موضوعا بدون اعتبار فصل خاص من فصوله، فيكون المطلوب حينئذ مطلق وجود الحيوان من دون دخل فصل خاص في موضوعيته.

في جريان البراءة النقلية

و اما جريان البراءة النقليّة في الأوّل دون الثاني عند المحقق الخراساني فللفرق بين المشروط و مطلقه و بين الخاصّ و عامّه، و هذا ما يوجب الحكم بجريان البراءة النقليّة في الأوّل و عدمه في الثاني, و ذلک لأنّ الشرطيّة خصوصيّة تنتزع من أمر الشارع، فتكون قابلة للوضع و الرفع بتبع منشأ انتزاعها أي: أمر الشارع، فلا مانع من نفيها بحديث الرفع عند الشكّ فيه.

بخلاف خصوصيّة الخاصّ، كخصوصيّة الناطقيّة للحيوان، فإنّها منتزعة عن ذات المأمور به، لا من أمر خارج عنه كي تكون قابلة للرفع، و حينئذ يدور الأمر بين وجوب الخاصّ

ص: 98

و وجوب العامّ، فيكونان من قبيل المتباينين، و الاشتغال اليقينيّ يقتضي الإتيان بالخاصّ .

و بعبارة اخری أنّ الشرط و القيد من الأُمور الزائدة على الطبيعة المأمور بها، فيدخل المورد تحت الأقل و الأكثر دون خصوصيّة الخاص، فانّها أمر منتزع من نفس الخاص على وجه لولاه لما كان للعام تحقّق فلا يدور الأمر بين الأقل و الأكثر، بل بين المتباينين، لأنّ الخاص نفس العام تحقّقاً، و ليس شيئاً زائداً عليه, لانّ العام في كلّ مورد يتحقّق بفصله، و لا تحقق للعام بدون الخاص، و على ذلك فكما أنّ الأكثر يتحقق في ضمن خاص أعني الغنم، و هكذا الأقل أعني الحيوان لا يتحقّق مجرّداً عن الفصل، بل لا بدّ في تحقّقه من فصل، و يتحصلالعام في ضمن الإبل و البقر و المعز، و النسبة بينها و بين الغنم هو التباين فيدخل المورد تحت دوران الأمر بين المتباينين.

و فيه: مضافا لما تقدم من انه و ان توقف وجود الحيوان على أحد فصوله، إلّا أنه يمكن لحاظه موضوعا بدون اعتبار فصل خاص من فصوله، فيكون المطلوب حينئذ مطلق وجود الحيوان من دون دخل فصل خاص في موضوعيته, و بعبارة اخری ان المستدل خلط المسائل العقلية بالأُمور الاعتبارية، فانّ ما ذكره صحيح من جهة عقلية حيث لا تحصل للجنس بلا فصل، بخلاف المقام اي مقام الطلب مما هو في دائرة الامور الاعتبارية و ذلك لأنّ مدار كون المورد من قبيل الأقل و الأكثر فيها، هو كون ما وقع تحت دائرة الطلب، هو مطلق الحيوان، أو الحيوان الخاص، أعني: الغنم، فبما أنّ الخصوصية مجهولة تقع مجرى للبراءة، و يكون مرفوعاً حسب حديثي الرفع و الحجب.

ص: 99

و إن شئت قلت: إنّ المعيار وجود الكلفة الزائدة في أحد الطرفين دون الآخر، و لا شكّ في الالتزام بكون المذبوح غنماً كلفة زائدة ليست في الطرف الآخر، لأنّه في الخيار بذبح أيّ حيوان.

في دوران الأمر بين التعيين و التخيير

و عليه فتجري البراءة في دوران الأمر بين التعيين و التخيير، ففي مثال إطعام الحيوان إذا شك في اعتبار خصوصية الإنسان كان من صغريات التعيين و التخيير، لأنه يجب إطعام الإنسان إما تخييرا ان كان الواجب إطعام مطلق الحيوان، و اما تعيينا ان كان الواجب إطعام خصوص الإنسان، فيصح أن يقال: ان المعلوم وجوبه تفصيلا هو إطعام الحيوان، و كونه خصوص الإنسان مشكوك فيه، و لم يقم بيان على اعتباره فيجري فيه البراءة العقلية، و كذا النقليّة، للجهل باعتبار الخصوصية الموجب لجريان البراءة الشرعية فيه.

نعم إذا علم إجمالا بتقيد الجنس كالحيوان بنوع خاص، و تردد بين نوعين أو أنواع دخل في المتباينين، لتباين الحصص الجنسية بالفصول المحصلة لها، فان الإنسان مباين لسائر أنواع الحيوان من الفرس و البقر و غيرهما، فلا بد من الاحتياط، و لا مجال لجريان البراءة فيها، فانها متعارضة في الأنواع، و المفروض أن الواجب إطعام نوع خاص لا مطلق الحيوان حتى يقال: ان وجوب إطعامه معلوم تفصيلا و خصوصية النوع مشكوكة، حيث ان دخل نوع خاصمعلوم إجمالا، فلا تجري فيه البراءة كسائر أقسام المتباينين، بل يجب فيه الاحتياط.

و بالجملة: فلا فرق في جريان البراءة عقلا و نقلا بين أقسام الأقل و الأكثر من الأجزاء الخارجية و التحليلية، إذا المناط في جريانها عدم البيان، و قابلية المورد للجعل الشرعي، و المفروض وجودهما في جميع أقسام الأقل و الأكثر.

ص: 100

القول بالتفصيل

هذا و فصّل المحقّق النائينيّ حيث ذهب إلى جريان البراءة العقليّة و النقليّة في دوران الأمر بين المشروط و مطلقه، بدعوى أنّ كلّا من الشرط و الجزء ممّا تناله يد الوضع و الرفع التشريعيّين، و لو بوضع منشأ انتزاعهما و رفعه, کما و ذهب إلى عدم جريان البراءة في دوران الأمر بين الخاصّ و عامّه. و استدلّ عليه تارة برجوعه إلى دوران الأمر بين التعيين و التخيير، لأنّه لا معنى للقول بأنّ تعلّق التكليف بالجنس متيقّن، فإنّ الجنس لا تحصّل له في الخارج إلّا في ضمن الفصل، فلا يعقل تعلّق التكليف به إلّا إذا كان متميّزا بفصل، فتقيّده بالفصل متيقّن، و إنّما الشكّ في تقيّده بفصل معيّن- كالناطقيّة- كي يكون المكلّف به هو الحيوان الخاصّ، أو بفصل من فصوله كي يكون المكلّف به هو الحيوان العامّ، فيدور الأمر بين التعيين و التخيير، و العقل يحكم بالتعيين، فلا مجال للبراءة. و تارة اخرى بأنّ الترديد بين الجنس و النوع و إن كان بالتحليل العقليّ من الأقلّ و الأكثر، إلّا أنّه بنظر العرف يكون من الترديد بين المتباينين(1).

و مثله المحقّق العراقيّ: فإنّه أيضا فصّل بين دوران الأمر بين المشروط و مطلقه و بين دورانه بين الخاصّ و عامّه، فذهب إلى جريان البراءة- عقلا و نقلا- في الأوّل و عدم جريانها في الثاني.

و استدلّ على الأوّل بأنّ مرجع الشكّ في شرطيّة شي ء للمأمور به إلى الشكّ في أنّ موضوع التكليف النفسيّ هل هو ذات الشي ء أو الشي ء مقيّدا بشي ء آخر، و حينئذ تجري البراءة.

و استدلّ على الثاني بعدم تحقّق ملاك الأقلّ و الأكثر فيه، فإنّ الملاك هو كون الأقلّ على نحو يكون سوى حدّه الأقلّيّة محفوظا في ضمن الأكثر، و هو مفقود في المقام، لأنّ

ص: 101


1- فوائد الاصول4: 208.

الطبيعيّ المطلق بما هو جامع الحصص لا يكون محفوظا فيضمن زيد مثلا، بل انّما المحفوظ في ضمنه هو الحصّة الخاصّة من الطبيعيّ، فلا يندرج في الأقلّ و الأكثر و يرجع إلى الاشتغال(1). و مثلهما في القول بالتفصيل المحقّق الأصفهاني(2) .

اقول: لا وجه لهذا التفصيل و ذلک لما تقدم من أن ملاك جريان البراءة العقلية عبارة عن حاجة المورد إلى البيان الزائد، فكلّ مشكوك كان الوقوف عليه رهن بيانه فهو مجرى للبراءة العقلية, و عليه فملاك جريان البراءة موجود في جميع الموارد المتقدّمة، فإنّ جميع الأمثلة في الانحلال العقليّ تنحلّ إلى المعلوم و المشكوك فيه، فالصلاة المشروطة بالطهارة عين الصلاة في الخارج، كما أنّ الرقبة المؤمنة عين مطلقها فيه، و الإنسان عين الحيوان؛ و إنّما الفرق في التحليل العقليّ، و هو أيضا في جميعها على السواء، فكما تنحلّ الصلاة المشروطة بالصلاة و الاشتراط؛ و كذا ينحل الی مطلق الحيوان و الناطق اذا دار الأمر بين تعلّق التكليف بإطعام الحيوان من دون خصوصيّة أو تعلّقه بإطعام الحيوان المتميّز بفصل الناطقيّة؛ ففي جريان البراءة و عدم تماميّة الحجّة بالنسبة إلى الزائد لا فرق بين جميع الموارد .

الشكّ في المحصل

قال الشيخ الاعظم: «المسألة الرابعة: فيما إذا شك في جزئية شي ء للمأمور به من جهة الشبهة في الموضوع الخارجي كما إذا أمر بمفهوم مبين مردد مصداقه بين الأقل و الأكثر

ص: 102


1- نهاية الأفكار 3: 396- 397 .
2- نهاية الدراية 2: 654- 657 .

و منه ما إذا وجب صوم شهر هلالي و هو ما بين الهلالين فشك في أنه ثلاثون أو ناقص و مثل ما أمر بالطهور(1) لأجل الصلاة أعني الفعل الرافع للحدث أو المبيح للصلاة فشك في جزئية شي ء للوضوء أو الفعل الرافعين. و اللازم في المقام الاحتياط لأن المفروض تنجز التكليف بمفهوم مبين معلومتفصيلا و إنما الشك في تحققه بالأقل فمقتضى أصالة عدم تحققه و بقاء الاشتغال عدم الاكتفاء به و لزوم الإتيان بالأكثر.

و لا يجري هنا ما تقدم من الدليل العقلي و النقلي الدال على البراءة لأن البيان الذي لا بد منه في التكليف قد وصل من الشارع فلا يقبح المؤاخذة على ترك ما بينه تفصيلا فإذا شك في تحققه في الخارج فالأصل عدمه و العقل أيضا يحكم بوجوب القطع بإحراز ما علم وجوبه تفصيلا أعني المفهوم المعين المبين المأمور به أ لا ترى أنه لو شك في وجود باقي الأجزاء المعلومة كأن لم يعلم أنه أتى بها أم لا كان مقتضى العقل و الاستصحاب وجوب الإتيان بها.

و الفارق بين ما نحن فيه و بين الشبهة الحكمية من المسائل المتقدمة التي حكمنا فيها بالبراءة هو أن نفس متعلق التكليف مردد بين اختصاصه بالمعلوم وجوبه تفصيلا و بين تعلقه بالمشكوك و هذا الترديد لا حكم له بمقتضى العقل لأن مرجعه إلى المؤاخذة على ترك المشكوك و هي قبيحة بحكم العقل.

ص: 103


1- التمثيل بالطهور هنا مبني علی کون الطهارة المأمور بها مسببة عن الغسل و الوضوء و التيمم, لا علی مبنی من يری الطهارات الثلاثة نفس الطهور .

فالعقل و النقل الدالان على البراءة مبينان لمتعلق التكليف من أول الأمر في مرحلة الظاهر.

و أما ما نحن فيه فمتعلق التكليف فيه مبين معين معلوم تفصيلا لا تصرف للعقل و النقل فيه و إنما يشك في تحققه في الخارج بإتيان الأجزاء المعلومة و العقل و النقل المذكوران لا يثبتان تحققه في الخارج بل الأصل عدم تحققه و العقل أيضا مستقل بوجوب الاحتياط مع الشك في التحقق»(1). قلت: و لقد اجاد فيما افاد.

الشبهة الموضوعية في الأقل و الأكثر الارتباطيين

قال الشيخ الاعظم: «المسألة الرابعة: ما إذا اشتبه الواجب بغير الحرام من جهة اشتباه الموضوع كما في صورة اشتباه الفائتة أو القبلة أو الماء المطلق و الأقوى هنا أيضا وجوب الاحتياط كما في الشبهة المحصورة لعين ما مر فيها من تعلق الخطاب بالفائتة واقعا مثلا و إن لم يعلم تفصيلا, و مقتضاه ترتب العقاب علىتركها و لو مع الجهل و قضية حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل وجوب المقدمة العلمية و الاحتياط بفعل جميع المحتملات.

و قد خالف في ذلك الفاضل القمي رحمه الله فمنع وجوب الزائد على واحدة من المحتملات مستندا في ظاهر كلامه إلى ما زعمه جامعا لجميع صور الشك في المكلف به من قبح التكليف بالمجمل و تأخير البيان عن وقت الحاجة.(قلت: فزعم أنّ العقل يمنع عن تنجّز

ص: 104


1- فرائد الاصول، ج 2، ط النشر الاسلامي؛ ص: 478 .

التكليف بالعلم الاجمالي حتى في الشبهة الموضوعية و إنّما وجب اتيان أحدهما، لأنّ المتيقّن من الإجماع هو حرمة ترك المجموع) .

و أنت خبير بأن الاشتباه في الموضوع ليس من التكليف بالمجمل في شي ء لأن المكلف به مفهوم معين طرأ الاشتباه في مصداقه لبعض العوارض الخارجية كالنسيان و نحوه و الخطاب الصادر لقضاء الفائتة عام في المعلومة تفصيلا و المجهولة و لا مخصص له بالمعلومة لا من العقل و لا من النقل فيجب قضاؤها و يعاقب على تركها مع الجهل كما يعاقب مع العلم.

و يؤيد ما ذكرنا ما ورد من وجوب قضاء ثلاث صلوات على من فاتته فريضة معللا ذلك ببراءة الذمة على كل تقدير فإن ظاهر التعليل يفيد عموم مراعاة ذلك في كل مقام اشتبه عليه الواجب و لذا تعدى المشهور عن مورد النص و هو تردد الفائتة بين رباعية و ثلاثية و ثنائية إلى الفريضة الفائتة من المسافر المرددة بين ثنائية و ثلاثية فاكتفوا فيها بصلاتين»(1). قلت: و لقد اجاد فيما افاد.

تنبيهات:

التنبيه الأوّل: في النقيصة السهوية

محلّ البحث هو: أنّه إذا ثبت جزئيّة شي ء أو شرطيّته و دار الأمر بين كون الجزئيّة مطلقة ليبطل العمل بفقدانه و لو في حال النسيان و بين كونها مختصّة بحال الذكر ليختصّ

ص: 105


1- فرائد الاصول، ج 2، ط النشر الاسلامي؛ ص: 453.

البطلان بصورة تركه عمدا، فهل القاعدة تقتضي الإطلاق ما لم يثبت التقييد بدليل خاصّ أو تقتضي الاختصاص بحال الذكر ما لم يثبت الإطلاق بدليل خاصّ؟

و منشأ النزاع أنّه هل يمكن تعلّق التكليف و توجيه الخطاب بالناقص إلى الناسي، فيصر الواجب ما عدا الجزء أو الشرط المنسيّ، و لا يجب إعادته بعد التذكّر، أو لا يمكن توجيه التكليف إليه كذلك، بل التكليف ساقط عنه و إذا التفت وجب عليه إعادة المأمور به؟

ذهب الشيخ الأعظم إلى استحالة تعلّق التكليف بالناسي بعنوان الناسي. و استدلّ عليه بأنّ الناسي لا يمكن أن يلتفت إلى نسيانه في حال النسيان، بل بمجرّد الالتفات إلى نسيانه يزول النسيان و ينقلب إلى الذاكر. و بما أنّ التكليف إليه لا يمكن أن يكون باعثا و محرّكا للعبد نحو العمل إلّا مع الالتفات إليه و إلى موضوعه، و ما لم يمكن الانبعاث لا يمكن البعث بالضرورة، فلا يمكن توجيه التكليف إليه فعلا(1).

و لكن ذهب المحقق الخراساني إلى إمكان توجيه التكليف بالناقص إلى الناسي لا بعنوان الناسي، بل بأحد طريقين:

الأوّل: بأن يتعلّق التكليف بما عدا الجزء المنسيّ، سواء كان المكلّف ذاكرا أو ناسيا، ثمّ يتعلّق تكليف آخر لخصوص الذاكر بالجزء الّذي يذكره، فيختصّ الناسي بالتكليف بما عدا الجزء المنسيّ بعنوان أنّه مكلّف لا بعنوان أنّه ناس.

الثاني: بأن يوجّه الخطاب بالناقص إلى الناسي لا بعنوان الناسي، بل بعنوان آخر ملازم للنسيان واقعا، كقليل الحافظة أو بلغمي المزاج و غيرهما، فيكون الخطاب باعثا و محرّكا حال النسيان.

ص: 106


1- فرائد الاصول 2: 363.

و الحاصل: أنّه يمكن اختصاص الجزئيّة أو الشرطيّة بحال الذكر و تخصيصها بحال النسيان، فيقال: «لا يعتبر الجزء و الشرط في المأمور به إلّا في حال النسيان»(1).

و يرد علی الوجهين: أنهما مجرد احتمالين في مقام الثبوت، و ليس على اعتبارهما في مقام الإثبات دليل، بل مقتضى حكومة حديث «لا تعاد» على إطلاق أدلة الأجزاء و الشرائط للذاكر و الناسي هو إطلاق الأدلة لهما في الأركان، و اختصاص جزئية غيرها بحال الالتفات، فالذاكر و الناسي يشتركان في الأمر بالأركان، و يفترقان في غيرها من الأجزاء التي يلتفت إليها و لا يلتفت إليها.

مضافا الی انه ليس في البين إلّا خطاب واحد متعلق بالمجموع أي بكل جزء بشرط الانضمام. و عليه فلا دليل علی تخصيص الجزئية أو الشرطية بحال الالتفات .

لا يقال: انه يمكن توجيه الخطاب إلى كلي الناسي على نحو القضية الحقيقية كإيجاب الحج على كلي المستطيع كذلك و ان لم يصح توجيهه إلى الناسي الخارجي، لانقلابه إلى الذاكر، فما أفاده الشيخ من الاستحالة يختص بمخاطبة الناسي الخارجي الشخصي دون الكلي.

فانه يقال: ان كل خطاب لا يمكن الانبعاث عنه أصلا و لو في زمان من الأزمنة لغو، و من المعلوم أن المقام كذلك، ضرورة أن أفراد طبيعة الناسي يمتنع أن يطبّقوا هذه الطبيعة عليهم، و يرون أنفسهم مأمورين بالأمر الموجه إلى عنوان الناسي، بداهة أن إحراز انطباقه عليهم يوجب الانقلاب إلى الذاكر بحيث يمتنع انبعاثهم عن الأمر الموجه إلى كلي الناسي، و ليس كإيجاب الحج على كلي المستطيع لانبعاث أفراد المستطيع خارجا عن إيجاب الحج على هذا الكلي.

ص: 107


1- كفاية الأصول، ط ال البيت ^ص: 368.

فقياس المقام بمثل إيجاب الحج على المستطيع في غير محله، و من البديهي امتناع صدور اللغو عن الحكيم.

و الحاصل: أن خطاب الناسي بعنوانه كليا و جزئيا غير سديد، و محذور الاستحالة لا يندفع بجعله موضوعا للخطاب و لو على نحو القضية الحقيقية .

و بذلک يظهر صحة انعقاد الإطلاق في دليل الجزء مطلقا سواء كان بلسان التكليف مثل «اركع في الصلاة» أم الوضع مثل «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» كما اختاره المحققان النائيني و العراقي، و ضعف ما عن المحقق الأصفهاني من عدم الاطلاق و يظهر ايضا ضعف التفصيل بين أنحاء الدلالة كما يحكى عن الوحيد البهبهاني بانعقاد الإطلاق في الوضع دون ما إذا كان بلسان الأمر(1).

جواب المحقق السيد المروج

مضافا لما اجيب ايضا من أن دليل الجزئية و الشرطية ان كان بلسان الوضع، فظهوره في انتفاء الماهية بانتفائه و فساد العمل الفاقد له مما لا ينكر، لدلالته على دخل الجزء أو الشرط في حقيقة المركب المأمور به مطلقا، فيشمل جميع حالات المكلف من النسيان و الذّكر و غيرهما.

و ان كان بلسان التكليف فقد يقال: باختصاص الجزئية و الشرطية المنتزعتين منه بحال الالتفات، لتقيد منشأ انتزاعهما و هو الطلب بالقدرة المفقودة حال النسيان، فلا بعث بالنسبة إلى الناسي، لتبعية الأمر الانتزاعي لمنشإ انتزاعه سعة و ضيقا. و هذا بخلاف ما إذا كان الدليل بلسان الوضع، إذ لا بعث و لا طلب فيه حتى يتقيد عقلا بالملتفت، بل هو بيان لأمر واقعي و هو الدخل في حقيقة المركب و ماهيته. إلّا أن الحق خلافه، لتوقف الفرق

ص: 108


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 6، ص: 283.

المزبور على إفادة دليل الجزئية- فيما كان بلسان الأمر- وجوب الجزء نفسيا حتى يتقيد بحال الالتفات، لامتناع انبعاث غير الملتفت و انزجاره عقلا، لقبح مطالبة الناسي كالعاجز. لكنه ليس كذلك، ضرورة أن الأوامر و النواهي المتعلقة بأجزاء المركبات و شرائطها و موانعها منسلخة عن الطلب المولوي، لظهورها في الإرشاد إلى دخل المتعلق في ماهية المركب المأمور به و حدوده جزءا أو شرطا أو مانعا، و الأمر و النهي و ان كانا ظاهرين أولا في المولوية، إلّا أنه انقلب ظهورهما الأولي إلى ظهور ثانوي و هو الإرشاد إلى الجزئية و الشرطية و المانعية كالواردة منها في الأدلة البيانية، فان استحقاق العقوبة مترتب عقلا على مخالفة التكليف النفسيّ المولوي كعصيان الأمر بالصلاة، و لو كان الأمر بالركوع و نحوه من الأجزاء و الشرائط و الموانع نفسيا لزم تعدد العقوبة، و لا يلتزم به أحد.

و يؤيده أن متعلقات تلك الأوامر قد وردت في الأدلة البيانية مثل صحيحة حماد الواردة في الصلاة، حيث بيّن علیه السلام حقيقتها بلا أمر بالجزء و الشرط، فلا يكون شأن أوامر الأجزاء الا الإرشاد إلى ما فصلته الأدلة البيانية لا غير.

و عليه يثبت إطلاق دخل الجزء و الشرط في المأمور به كما إذا كان بلسان نفي الطبيعة بانتفائه مثل «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب.

لا يقال: ان الالتزام بإرشادية أوامر الأجزاء و الشرائط ينافي القول بانتزاعية الأحكام الوضعيّة كالجزئية و الشرطية من التكليف و عدم مجعوليتها بالاستقلال، و ذلك لإرشادية تلك الأوامر لا مولويتها حتى تكون منشأ للانتزاع، فلا بد اما من رفع اليد عن انتزاعية الوضع و الالتزام بتأصله في الجعل كالتكليف، و اما من إبقاء أوامر الأجزاء و نحوها على

ص: 109

ظهورها الأولي في الطلب النفسيّ لينتزع منها الجزئية، و لازمه حينئذ اختصاص الجزئية بحال الالتفات و الذّكر.

فانه يقال: لا تهافت بين الأمرين، فان منشأ انتزاع جزئية الركوع مثلا ليس خطاب «اركع في الصلاة» المحمول على الإرشاد إلى ما هو الدخيل في الغرض و عدم وفاء الناقص منه بالمصلحة، حتى يتوجه الإشكال، و انما هو الطلبالمولوي المتعلق بنفس المركب مثل «أقيموا الصلاة» المنبسط على كل واحد من الأجزاء و الشرائط، و تنتزع الجزئية في مقام الإثبات من انبساط ذلك الأمر النفسيّ عليهما و تنسب إلى الشارع لكونه أمرا بالمركب من أمور مرتبطة.

فان قلت: على هذا يلزم اختصاص الجزئية بحال الالتفات أيضا، لاستحالة دعوة الغافل و الناسي، فالأمر النفسيّ بالجزء المنبسط عليه من الأمر بالمركب لما كان متقيدا بالقدرة، فما ينتزع منه لا بد أن يكون أيضا كذلك، فلا وجه لدعوى الجزئية المطلقة، و الدليل المتكفل لحكم الجزء المفروض كونه إرشادا لا بد من كونه إرشادا إلى هذه الجزئية المنتزعة من الأمر الضمني، لا إرشادا إلى الجزئية المطلقة و الدخل في تمام الحالات.

قلت: لا يلزم اختصاص الجزئية بحال الالتفات، للفرق بين ما يدل على جزئية شي ء للمأمور به بما هو مأمور به، و بين ما يدل على الجزئية للمركب. و الأول مدلول الجزئية المنتزعة من الأمر النفسيّ الضمني بالجزء المأخوذ من الأمر بالكل و تتقيد بالالتفات، و الثاني مدلول مثل «اركع في الصلاة» المفروض كونه إرشادا محضا إلى ما هو الجزء للمركب و الوافي بغرضه و ملاكه، و من المعلوم عدم تفاوت الأحوال فيما يكون جزءا لما تقوم به المصلحة الداعية إلى الأمر، فهذه تدل على الجزئية المطلقة.

ص: 110

و بهذا تصح دعوى إطلاق الجزئية لحال النسيان و غيره، و عدم الاجتزاء بالفاقد للمنسي، فالاكتفاء بما عدا المنسي انما هو بدليل آخر، و إلّا فالإطلاق المزبور يقتضي عدم الاجتزاء به(1).

هذا و قد تصدى المحقق العراقي لإثبات إطلاقها مع الغض عما تقدم بوجهين آخرين(2), و مثله المحقق الأصفهاني(3) ايضا, لکن ما ذکرناه فيه الکفاية مع ما فيهما من المناقشة, فلا حاجة الی التطويل.

مقتضى الأُصل العملي

و اما مقتضى الأُصل العملي فيما إذا لم يكن في المقام دليل اجتهادي، اي إذا لم يكن لدليل المركب و لا لدليل الجزء إطلاق فأتى بالواجب ما عدا المنسي، ثمّ ذكر بعد الفراغ من العمل، فهو البراءة و ذلک لعدم الدليل الاجتهادي، في كلاالطرفين إذ الواقع لا يخلو عن أحد أمرين: إمّا أن تكون الجزئيّة مطلقة فتلزم إعادتها، أو مختصة بحال الذكر، فيكفي ما أتى به، فيكون مرجع التردد بين الأمرين إلى الشكّ في ثبوت جزئية الجزء أو شرطية الشرط في حال النسيان و عدمه، و معه يكون المرجع هو البراءة.

التنبيه الثاني: في حكم الزيادة عمداً أو سهواً

قال في الکفاية: «أنه ظهر مما مر حال زيادة الجزء إذا شك في اعتبار عدمها شرطا أو شطرا في الواجب مع عدم اعتباره في جزئيته و إلّا لم يكن من زيادته بل من نقصانه و

ص: 111


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 6، ص: 283- 285.
2- نهاية الأفكار، ج 3، ص 424.
3- نهاية الدراية، ج 2، ص 281، و بمضمونه كلامه في تعذر الجزء، ص 295.

ذلك لاندارجه في الشك في دخل شي ء فيه جزءا أو شرطا فيصح لو أتى به مع الزيادة عمدا تشريعا أو جهلا قصورا أو تقصيرا أو سهوا و إن استقل العقل لو لا النقل بلزوم الاحتياط لقاعدة الاشتغال»(1).

و توضيحه: ان البحث هنا يکون في بيان حكم زيادة الجزء عمدا أو سهوا، من حيث المانعية، إذ مرجع دخل عدم الشي ء في المركب إلى مانعية الزيادة، و کان البحث في التنبيه السابق في دخل الوجود جزءا أو شرطا, و لا بد أولا من بيان مورد الشك في مانعية الزيادة، ثم بيان حكمه.

أما الأول: فقد فصّل في تصوير الزيادة ثبوتاً، بين أخذ الجزء في الواجب لا بشرط، و بين أخذهما بشرط لا، فعلى الأوّل تكون الزيادة من قبيل زيادة الجزء، و على الثاني فهو يكون من قبيل نقص الجزء أو الشرط لعدم الإتيان به بوصفه، أعني بشرط كونه وحده كالركوع في كل ركعة إذ المأخوذ منه جزءا هو الركوع بشرط الوحدة .

و بعبارة اخری أن الجزء ان أخذ بشرط شي ء كالسجدة المشروطة بالتعدد أو بشرط لا كالركوع في كل ركعة فهاتان الصورتان خارجتان عن موضوع النزاع، للقطع بعدم مانعية الزائد على الواحد في الأول و بمانعية الزائد عليه في الثاني. و ان أخذ لا بشرط كالسورة مثلا و أتى بها مرتين و شك في أن الوجود الثاني منها مانع أو لا، دخل في محل النزاع، لكونه شكا في شرطية عدمها.

في حقيقة الزيادة

اقول: لکن لا يخفی أنّ الموضوع في تحقق الزيادة و في الروايات عرفي فان قوله: «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» ناظر إلى الاستعمالات العرفية حتى لو أُخذ الجزء بنحو

ص: 112


1- كفاية الأصول، ط ال البيت ^ ص: 368.

بشرط لا، و يرشدك إلى هذا أنّ الركعة الثالثة زيادة في صلاة الفجر، و الركعة الرابعة زيادة في صلاة المغرب، و مثله الركوع و السجود الثاني، مع أنّ الجميع أخذ بشرط لا.

نعم لا تتصور الزيادة فيما إذا كان الجزء طبيعي الجزء، بلا تحديد في جانب القلّة و الكثرة، كما ذهب إليه بعضهم في أذكار الركوع و السجود، فکل ما أُتي به فهو من مصاديق الجزء.

ثم انه هل يشترط في صدق الزيادة كون المزيد من سنخ المزيد فيه کما هو في عالم التكوين حيث ان الزيادة رهن كونه مسانخاً للمزيد فيه، أم لا؟ الظاهر عدم صدق الزيادة عرفا إذا لم يكن مسانخاً كحركة اليد في الصلاة، و التكتّف.

وقد يقال بالفرق بين الإتيان، بقصد الجزئية فتصدق الزيادة أو لا معه، فلا تصدق؟

و فيه: ان العرف لا يفرق بين الإتيان بها بقصد الجزئية او ما إذا لم يقصد، فلا تصدق الزيادة عرفا .

ثم انه هل يشترط في صدق الزيادة الإتيان بالجزء المسانخ بقصد الجزئية أم لا يشترط، أو يفصل بين الأقوال و الأفعال؟

و الأخير مختار المحقّق النائيني، كما أنّ الأوّل مختار المحقّق الخوئي، فقال المحقّق النائيني: ما كان من سنخ الأقوال كالقراءة و التسبيح فيعتبر في صدق الزيادة قصد الجزئية و إلّا كان من الذكر و القرآن غير المبطل، و أمّا ما كان من سنخ الأفعال كالقيام و الركوع فلا يعتبر في صدقها قصد الجزئية فانّ السجود الثالث زيادة في العدد، المعتبر من السجود في الصلاة في كلّ ركعة و إن لم يقصد بالسجود الثالث، الجزئية(1).

ص: 113


1- فوائد الأُصول: 241/ 4.

و فيه: أنّ عدم الصدق في الشق الأوّل عند عدم قصد الجزئية لورود الدليل على أنّ ذكر اللّه حسن في كلّ حال، أو قراءة القرآن جائز في تمام الأحوال، و إلّا لصدقت الزيادة سواء قصد الجزئية أو لا.

و قال المحقّق الخوئي في لزوم قصد الجزئية: إنّ المركّب الاعتباري كالصلاة مثلًا مركّب من أُمور متباينة مختلفة وجوداً و ماهية، و الوحدة بينهما متقومةبالقصد و الاعتبار، فلو أتى بشي ء بقصد ذلك المركب كان جزءاً له و إلّا فلا، و ما ورد من أنّ الإتيان بسجدة التلاوة في أثناء الصلاة زيادة فيها، تعبّد شرعي و إن لم يكن من الزيادة حقيقة.

قلت: انّ المركب الاعتباري و إن كان مؤتلفاً من أُمور مختلفة وجوداً و ماهية و لكن تكبيرة الافتتاح يعدّ دخولاً في عمل واحد مستمر عرفاً إلى أن يأتي بما جعله الشارع خروجاً عنه، و الهيئة الاتصالية المستمرة هي التي تبلع تلك المواد المختلفة، و تضفي عليها صورة وحدانية، و عند ذلك لو كان الزائد من غير جنس المزيد لا يعد زيادة في الفريضة لعدم التسانخ بين المزيد و المزيد عليه كحركة اليد أو وضع اليد اليمنى على اليسرى بل يعدّ أمراً أجنبياً، و أمّا إذا كان المزيد من جنس المزيد فيه، فالعرف لا يتوقف في وصفه بكونه زيادة في الفريضة و إن ادّعى المصلّي أنّه ما أتى به، بعنوان انّه جزء من الصلاة، بل يرى المماثلة العرفية كافية.

و يشهد لذلك معتبر زرارة عن أحدهما علیهم السلام «قال: لا تقرأ في المكتوبة بشي ء من العزائم، فإنّ السجود زيادة في المكتوبة»(1), و حمل ذلك على التعبد و المجازخلاف ظهورها, و عليه فالصحيح انه لا يشترط في صدق الزيادة قصدها .

ص: 114


1- الوسائل: الجزء 4، الباب 40 من أبواب القواعد، الحديث 1 و غيره.

في حکم الزيادة

و أما الثاني: فحيث ان المحقق الخراساني في المقام ناظر إلى ما أفاده الشيخ الأعظم, فلابد من ذکر کلام الشيخ اولاً ليتضح الامر فنقول:

أنّ الشيخ - بعد ما أشار إلى اعتبار قصد الجزئيّة في صدق الزيادة و أنّ الإتيان بصورة الجزء بلا قصد الجزئيّة لا يحقّق الزيادة - ذكر أنّ الزيادة العمديّة تتصوّر على وجوه ثلاثة:

الأوّل: أن يأتي بالجزء الزائد بقصد كونه جزءا مستقلّاً، كما لو اعتقد شرعا أو تشريعا أنّ الواجب في كلّ ركعة ركوعان.

الثاني: أن يأتي به بقصد كون المجموع من المزيد و المزيد عليه جزءا واحدا، كما لو اعتقد أنّ الواجب في الصلاة جنس الركوع الصادق على الواحد و المتعدّد.

الثالث: أن يأتي بالزائد بدلا عن المزيد عليه.

ثمّ حكم بفساد العبادة في الصورة الاولى مطلقا، و عدم فسادها في الصورتين الأخيرتين, و استدلّ على الفساد في الصورة الاولى بأنّ ما قصده لم يقع و ما وقع لم يقصد(1).

هذا ما ذهب اليه الشيخ و اما المحقق الخراساني فلم يذهب إلى الفساد في الصورة الاولى بقول مطلق، بل فصّل في المقام بأنّ الواجب لو كان توصّليّا فالعمل صحيح في جميع الصور المذكورة و ذلک للبراءة النقليّة القاضية بعدم مانعية الزيادة، سواء أتى بالزيادة عمدا تشريعا أم شرعا جهلا قصوريا أو تقصيريا أم سهوا. ففي جميع هذه الصور يصح الواجب .

ص: 115


1- فرائد الاصول 2: 370- 371 .

و أمّا لو كان عبادة فلا يخلو: إمّا أن يأتي المكلّف بالمركّب المشتمل على الجزء الزائد بداعي الأمر المتعلّق بهذا المركّب، بنحو لو كان الأمر متعلّقا بالمركّب الخالي عن الجزء الزائد لم يكن في مقام امتثاله، فحينئذ يكون العمل باطلا، إذ المكلّف لم يقصد الأمر الواقعيّ على ما هو عليه، بل قصد أمرا لا ثبوت له في الواقع.

و إمّا أن يأتي بالمركّب بداعى الأمر الواقعيّ المتعلّق به، فيقصد إتيان العمل العباديّ على ما هو عليه في الواقع، غاية الأمر يعتقد أنّ الأمر الواقعيّ هو الأمر المتعلّق بالمركّب المشتمل على الزائد من جهة الخطأ أو التشريع في مقام التطبيق. فحينئذ يكون العمل صحيحا، لأنّه أتى بالواجب الواقعيّ على ما هو عليه، و قصد الزيادة من جهة الخطأ في التطبيق، و هو لا يضرّ في قصد الامتثال و التقرّب(1).

قلت: و ما فصله هو الصحيح لان مرجع الشكّ حينئذ إلى أخذ العدم قيداً للمركب أو لجزئية الجزء، أو أخذ الزائد مانعاً أو قاطعاً و الأصل في الجميع هو العدم.

فإن قلت: إذا دار الأمر بين أخذ الجزء لا بشرط و أخذه بشرط لا ، فقد دار الواجب بين المتباينين، لأنّهما قسمان من أقسام اللابشرط المقسمي و الحكم فيهما هو الاحتياط، أي ترك الزيادة، و الإعادة معها.

قلت: الميزان في كون المورد مجرى للبراءة أو لا، كون أحد الطرفين أقلّ مؤونة من الطرف الآخر، و وجود السعة فيه دون الآخر، و الحكم في المقام كذلك، لأنّ في أخذ العدم قيداً للمركب أو لجزئية الجزء ضيقاً ليس في جانب الآخر أي أخذ الجزء لا بشرط. نظير ذلك، دوران الأمر بين كون الخصال ترتيبيّاً أو تخييراً إذلا شكّ انّ في الثاني سعة

ص: 116


1- كفاية الأصول، ط ال البيت ^ ص: 368.

دون الأوّل (1) و على ذلك يصحّ العمل مع الزيادة العمدية أو السهوية لعدم الدليل على أنّ عدمها مأخوذ في الصلاة في جانب الجزء أو المركب.

و ربما يتمسك مكان البراءة بالاستصحاب لإثبات الصحّة قد قُرر بوجوه مختلفة منها استصحاب الهيئة الاتصالية: و قد تمسّك به الشهيد الثاني حيث قال: «و منها: ما لو شك في عروض مبطل للطهارة، أو الصلاة، أو الصوم، أو الاعتكاف، أو غيرها من العبادات، فالأصل عدمه، و استصحاب الصحة التي افتتحت عليها العبادة»(2), و صحّحه المحقّق العراقيّ و ذهب إلى جريانه حيث قال: «و اما ان قلنا بجريان استصحاب الصحة عند ما يحتمل المانعية و استصحاب بقاء الهيئة الاتصالية بطرو ما يحتمل القاطعية كما هو المختار على ما تقدم بيانه»(3), و منها استصحاب عدم المانع او القاطع .

اقول: و تحقيق الحال فيها يأتي في تنبيهات الاستصحاب الّا ان الذي يلزم ذکره هنا هو عدم الحاجة إلى الاستصحاب في إثبات صحّة الصلاة، و ذلك لأنّ البراءة تكفي من دون حاجة إلى الاستصحاب، و البراءة متقدمة عليه إذا كان الأصلان متوافقي المضمون، و ذلك لأنّ صرف الشكّ في كون الشي ء قاطعاً كاف في الحكم بعدم كونه قاطعاً، و حينئذ يستغنى عن الاستصحاب الذي هو مركّب من شيئين صرف الشكّ و لحاظ الحالة السابقة، و من المعلوم تقدّم البسيط على المركّب.

ص: 117


1- و هذا غير ما تقدم في الأوامر من أنّه إذا دار كون الواجب تعينياً أو تخييرياً، فالأصل كونه تعينياً، فلا علاقة له بذلک .
2- تمهيد القواعد، ص: 273.
3- نهاية الأفكار 3: 467 .

فإن قلت: انّ الاستصحاب مقدّم على أصل البراءة لكونه أصلاً محرزاً، فكيف تقدّم البراءة عليه في هذا المقام؟

قلت: هذا إذا كانا متخالفي المضمون و كان الاستصحاب على خلاف مضمون البراءة دون المقام الذي كلا الأصلين يتّحدان في النتيجة.

حكم الزيادة حسب القواعد الثانوية

هذا كلّه حول القواعد الأوّلية، و اما من حيث القواعد الثانوية، فقد ورد حول الزيادة روايات بين كونها عامة أو خاصة و الذي يهمنا هو القسم الأوّل, و اما العامة فهي قاعدتان:

الأوّلی: قاعدة من زاد في صلاته فعليه الاعادة

فقد ورد في صحيح أبي بصير قال: «قال أبو عبد اللّه علیه السلام : من زاد في صلاته فعليه الإعادة»(1).

و هذا الصحيح ادعي شموله لمطلق الزيادة كالسورة و التشهد، و على ذلك يكون معناه کالتالي: من زاد في صلاته شيئاً فعليه الإعادة .

و فيه: ان الظاهر من صحيح ابي بصير انه ناظر و منصرف الی من زاد رکعة في الصلاة کما هو صريح صحيح زرارة و بكير بن أعين، عن أبي جعفر علیه السلام قال: «إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها و استقبل صلاته استقبالًا، إذا كان استيقن يقيناً»(2), و يشهد لذلک ان الکليني أورد هذين الخبرين فيمن سها في الأربع و الخمس و لم يدر زاد أو نقص أو استيقن انه زاد؛ فإن أبيت قلنا انه لا إطلاق لها فإن من شرط

ص: 118


1- الوسائل: الجزء 5، الباب 19 من أبواب الخلل، الحديث 2.
2- الوسائل: الجزء 5، الباب 19 من أبواب الخلل، الحديث 1.

الاطلاق کون المتکلم في مقام البيان و لم يحرز ذلک کما و انه يلزم من الاطلاق الشامل للعمد والنسيان ان صلاته تبطل ولو کانت الزيادة غير رکنية سهوا و لا يقول بذلک احد.

فان قلت: بدليل صحيحة زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام قال: «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود، ثمّ قال: القراءة سنّة، و التشهد سنّة فلا تنقض السنّة الفريضة»(1) تخرج الزيادة غير الرکنية سهوا.

قلت: حديث لا تعاد موضوعه النقيصة لا الزيادة وعلی فرض الاطلاق فالنسبة بينهما العموم من وجه و يتساقطان حينئذ. والحاصل ان الزيادة المبطلة لابد لها من دليل بالخصوص, و ليس من دليل .

و الی ما ذکرنا ذهب العلّامة الحائري فخصّ مفاد الحديث بما إذا كان الزائد مصداقاً للصلاة كالركعة و الركعتين، و استدل على ذلك بما حاصله: إنّ الظاهر أنّ متعلّق الزيادة في المقام من قبيل الزيادة في العمر في قولك: زاد اللّه عمرك،فيكون القدر الذي جعلت الصلاة ظرفاً له، هو الصلاة، فينحصر المورد بما إذا كان الزائد مقداراً يطلق عليه الصلاة مستقلًا كالركعة و الركعتين، مضافاً إلى أنّه القدر المتيقن في بطلان الصلاة بالزيادة أضف إليه أنّ رواية زرارة و بكير تشمل على لفظ الركعة(2).

و فيه: أنّ الصلاق علی العمر قياس مع الفارق لانه أمر بسيط لا تتصور فيه الزيادة إلّا من جنسه، فلو زيد عليه يكون الزائد شيئاً يصدق عليه أنّه عمر، و هذا بخلاف الصلاة المركبة من أُمور شتى مختلفة وجوداً و ماهية فيكفي في صدقها كون الزائد مسانخاً لجزء من أجزائها .

ص: 119


1- الوسائل: الجزء 3، الباب 1 من أبواب القبلة، الحديث 1.
2- الصلاة: المقصد الثالث: 210 ط 1353 هج ق.

و اما استدلاله بالقدر المتيقن فصحيح فانه مانع من الاطلاق اذا کان موجبا للانصراف کما هو ظاهر استدلاله حيث استشهد له بصحيح زرارة.

الثانية: قاعدة لا تعاد الصلاة

و يقع الكلام فيها من جهات:

الجهة الأُولى: في سند القاعدة

فروى الصدوق في الفقيه، و الشيخ باسنادهما عن زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام أنّه قال: «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود ، ثمّ قال: القراءة سنّة، و التشهد سنّة، فلا تنقض السنّة الفريضة»(1).

و سند الصدوق في مشيخة الفقيه إلى زرارة صحيح، بخلاف سند الشيخ في مشيخة التهذيب إليه فليس بصحيح، و هذا المقدار يكفي في الاعتماد عليها، مضافاً إلى اشتهارها بين الأصحاب .

الجهة الثانية: في سعة موضوعها و ضيقه

ينقسم المكلف حسب الحالات إلى عامد و شاك و جاهل مركب و ناس و تختص القاعدة بالجاهل و الناسي و ذلک لانه لا ريب في خروج العامد عن حريم القاعدة، إذ معنى شمولها له جعل الترخيص للعامد أن يتلاعب بالصلاة بالزيادة و النقيصة في غير الخمسة، و هذا باطل بالضرورة، و من المعلوم أنّ مفاد الجزئية هو البطلان بترك الجزء عامداً.

و أمّا الشاك، الذي يعبّر عنه بالجاهل الملتفت: فتارة يشك في جزئية شي ء أو مانعية الزيادة و قاطعيته قبل الشروع في الصلاة، و أُخرى بعدها. أمّا الأوّل:فالرواية منصرفة عنه، لأنّ

ص: 120


1- الفقيه: 255/ 1؛ التهذيب: 152/ 2.

موضوعها من دخل في العبادة عن يقين و قطع بالصحة ثمّ عرض له الشك بعد الفراغ عن العمل من جهة احتمال الإخلال بالصلاة من جانب النقيصة و الزيادة، فيقال له أعد، أو لا تعيد، فلا يصدق على الشاك قبل الإتيان بالعمل.

و أمّا الشاك بعد الصلاة، فوظيفته التعلّم و رفع الشكّ، و إلّا فيرجع إلى القواعد المقررة للشاك لا التحفظ بالشك مطلقاً و العمل بالقاعدة.

و على كلّ تقدير فالجاهل الملتفت خارج عن مصب الرواية قبل الدخول أو بعده.

و اما الجاهل بالموضوع أو الحكم، و كذا الناسي فالقاعدة تشملهما بكلا قسميهما دون فرق بين تعلّقهما بالموضوع أو بالحكم، فالأوّل كما لو جهل أنّ ثوبه نجس، و الثاني كما لو جهل بحكم عدم جواز الصلاة فيها، و مثله النسيان بكلا قسميه، فالظاهر أنّ القاعدة تشمل كلا القسمين سواء كان المتعلّق موضوعاً أو حكماً خلافا للعلّامة الحائري فمنع عن شمول القاعدة في الجهل بالحكم و نسيانه, مستندا في ذلک الى أمرين:

الاول: انّ ظاهر قوله: لا تعاد هو الصحّة الواقعية، و كون الناقص مصداقاً واقعياً لامتثال أمر الصلاة.

الثاني: انّ القول بشمول القاعدة لما إذا اعتقد عدم وجوب شي ء أو عدم شرطية شي ء، أو كان ناسياً لحكم شي ء من الجزئية و الشرطية يستلزم التصويب الممتنع(1), لما ظهر من المقدمة الأُولى أنّ ظاهر الصحيح الحكم بصحة العمل واقعاً، و مقتضاه عدم كون المتروك جزءاً أو شرطاً، و لا يعقل أن يقيد الجزئية و الشرطية بالعلم بهما، بحيث لو صار

ص: 121


1- مراده من التصويب الممتنع هو التصويب الأشعري، كما أنّ مراده من التصويب المجمع على بطلانه هو التصويب المعتزليّ.

عالماً بعدمهما بالجهل المركب لما كان الجزء جزءاً و لا الشرط شرطاً. نعم يمكن على نحو التصويب الذي ادّعى الإجماع على خلافه»(1).

و فيه أوّلًا: أنّ ظاهر الحديث هو الاكتفاء بالفرائض - اي ما کان وجوبه ثابتا في القران - عند ترك السنن - اي ما کان وجوبه ثابتا بالسنة - عن عذر، لا الصحة الواقعية، بشهادة قوله في ذيل الحديث: و لا تنقض السنّة الفريضة أي لا يجعل الفريضة كأن لم تكن فيكون معذوراً في ترك السنن.

ثانياً: لا يلزم من سعة الحديث للجاهل بالحكم و ناسيه، التصويب الممتنع و لا التصويب الذي ادّعي الإجماع على خلافه، و ذلك لأنّ التصويب الممتنع عبارة عن خلو الواقعة عن الحكم المشترك بين العالم و الجاهل، و الذاكر و الناسي، و هو غير لازم إذا قلنا بعموم عدم الإعادة في الجهل بالحكم و نسيانه، لأنّ الحكم الإنشائي مشترك بينهما، و إنّما يختص الفعلي بالعالم و الذاكر .

فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ القاعدة تعم الجاهل و الناسي بكلا قسميه، و انّه إذا انكشف الخلاف برفع الجهل و عود الذكر، يحكم على الصلاة بالقبول من دون إعادة إلّا في الأُمور الخمسة.

الجهة الثالثة: في سعة دلالتها من حيث المتعلّق

انّ الرواية ظاهرة في بيان الخلل الواقع في الصلاة من جهة النقيصة اي ان من اخل في صلاته فلم يأت بکل اجزائها و شرائطها فلا يعيد صلاته الّا من هذه الخمس و على ضوء هذا فلا تكون القاعدة عامةً للزيادة و علی فرض التنزل فلا اقل من الانصراف عرفا الی النقيصة .

ص: 122


1- المحقّق الحائري، الصلاة: 316، باب الخلل، الطبعة الثانية.

هذا و استدل علی عدم شمول القاعدة للزيادة بوجه اخر و هو: انّ المستثنى لا يشمل سوى النقيصة أي ترك الأركان الخمسة و أمّا زيادتها فليست داخلة في المستثنى.

وجه ذلك: أنّه لو قلنا إنّ زيادة الركوع مبطلة، فهذا لأجل أخذ عدمها في جزئية الجزء أو في ضمن المركب، فلو زاد ركوعاً أو سجوداً فهو زيادة في الظاهر، لكن مرجعها إلى النقيصة أي الإخلال بوصف الركوع و السجود، أعني كونها بشرط لا . فظهر من هذا البيان أنّ القول ببطلان الصلاة لأجل زيادة الأركان يرجع في الواقع إلى الإخلال بالنقيصة أي إخلال وصف الجزء. هذا من جانب و من جانب آخر انّ الإخلال بالنقيصة منحصر في موارد خمسة، أعني ترك نفس الأركان من رأس كترك الطهور و عدم إقامة الصلاة في الوقت ...

فلو قلنا بأنّ زيادة الركوع موجبة للإعادة و قد عرفت أنّ مرجع الزيادة إلى النقيصة يكون الإخلال بالنقيصة غير منحصر بالخمسة بل يتجاوز عنها إلى سادس و هو الإخلال بوصف الركوع بشرط لا و سابع و هو الإخلال بوصف السجود بشرط لا مع أنّ الرواية تنص على أنّ الإخلال بالنقيصة منحصر في خمسة.

و اجيب: أنّ مرجع زيادة الجزء المأخوذ بشرط لا، و إن كان إلى النقيصة و فقدان الوصف أي بشرط لا ، لكنّه خلط بين حكم العرف و العقل، و العرف يعدّالركوع المكرّر زيادة في الجزء لا نقيصة في الوصف و إن كان الأمر في نظر العقل كذلك.

و على ضوء ذلك فلو قلنا بعمومية المستثنى للزيادة و النقيصة، يدخل الركوع المكرّر في المستثنى لأجل كونه زيادة لا نقيصة حتى يتجاوز عدد الموجب للإعادة في النقيصة عن الخمسة، و نكون عندئذ في غنى من إضافة أمر سادس في جانب النقيصة.

ص: 123

و استدل المحقّق النائيني باختصاص الذيل بالنقيصة بأنّ بعض ما جاء فيه مختص بها و لا يتصوّر فيه الزيادة كالوقت و القبلة و الطهور.

و اجيب: أنّ عدم تحقّق الزيادة في البعض لا يوجب اختصاص الحديث بالنقيصة بعد قابلية الركوع و السجود للزيادة و النقيصة(1).

الجهة الرابعة: دعوی اختصاص القاعدة بصورة السهو

يستفاد من كلام الشيخ الأنصاري اختصاص القاعدة بصورة السهو(2)؛ و يستدل علی ذلک بأن حديث لا تعاد و ان کان مطلقاً من حيث اللفظ الّا انه لم يعلم کونه في مقام بيان حکم الجاهل ايضاً و قد اورده الصدوق في الفقيه في باب السهو فهذه قرينة علی اختصاصه بالناسي والساهي و الّا فالقدر المتيقن منه هو الساهي و الناسي لعدم احراز کونه في مقام البيان و الّا لو قلنا باطلاقه لشمل العامد و لا دليل علی خروجه او استثنائه و هو باطل قطعاً .

و فيه: ان ذيل الحديث يشهد للعموم و ذلک لانه يقول ان العلة في عدم الاعادة هي ان السنة لا تنقض الفريضة و هذه العلة عامة تشمل الکل حتی الجاهل نعم لا تشمل القاعدة العامد و المقصر کما تقدم .

هذا مضافا لما تقدم من معذورية الجاهل القاصر و منه الغافل غير الملتفت للسؤال بقاعدة «کلما غلب الله علی فهو اولی بالعذر» و قلنا بشمول هذه القاعدة للاحکام الشرعية بکلا قسميها الوضعية و التکليفية کما هو مورد استدلال الامام بها علی سقوط التکليف بالصلاة و قضائها و الصوم و قضائه بالنسبة بالمغمی عليه .

ص: 124


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 3، ص: 608-607 .
2- الفرائد: 293.

التنبيه الثالث: في تعذر الجزء أو الشرط

قال في الکفاية: «أنه لو علم بجزئية شي ء أو شرطيته في الجملة و دار بين أن يكون جزءا أو شرطا مطلقا و لو في حال العجز عنه و بين أن يكون جزءا أو شرطا في خصوص حال التمكن منه فيسقط الأمر بالعجز عنه على الأول لعدم القدرة حينئذ على المأمور به لا على الثاني فيبقى متعلقا بالباقي و لم يكن هناك ما يعين أحد الأمرين من إطلاق دليل اعتباره جزءا أو شرطا أو إطلاق دليل المأمور به مع إجمال دليل اعتباره أو إهماله لاستقل العقل بالبراءة عن الباقي فإن العقاب على تركه بلا بيان و المؤاخذة عليه بلا برهان.

لا يقال: نعم و لكن قضية مثل حديث الرفع عدم الجزئية أو الشرطية إلا في حال التمكن منه.

فإنه يقال: إنه لا مجال هاهنا لمثله بداهة أنه ورد في مقام الامتنان فيختص بما يوجب نفي التكليف لا إثباته»(1).

قلت: و محصل ما أفاده هو: أن دليل الجزء أو الشرط ان كان مطلقا بحيث يشمل جميع الحالات فلا كلام فيه، لأن مقتضى إطلاقه ركنية الجزء و الشرط و الدخل المطلق، و من المعلوم أن تعذرهما حينئذ يوجب سقوط الأمر عن سائر الأجزاء، لانتفاء الكل و المشروط بانتفاء الجزء و الشرط، إلّا إذا قام دليل ثانوي كقاعدة الميسور مثلا على وجوب الباقي.

و أما ان كان لدليل المأمور به إطلاق دون دليل الجزء أو الشرط، فمقتضاه وجوب الإتيان بما عدا المتعذر من سائر الأجزاء الميسورة، فان إطلاق دليل المركب يقتضي مطلوبيته

ص: 125


1- كفاية الأصول، ص: 370 .

مطلقا و ان تعذر بعضه، من دون حاجة إلى قاعدة الميسور أو غيرها لإثبات وجوب الباقي.

و ان كان دليل الجزء أو الشرط لبيا أو لفظيا مجملا كإجمال دليل المأمور به أيضا، فحينئذ يدور أمره بين أن يكون جزءا أو شرطا مطلقا حتى في حال العجز عنه كي يسقط بتعذره أمر سائر الأجزاء، أو في خصوص حال التمكن منه حتى لا يسقط بتعذره أمر الكل، فالمرجع هو الأصل العملي فتجري البراءة العقلية عنوجوب الباقي إذا تعذر بعض أجزاء الواجب أو شرائطه، لأن العقاب على ترك الباقي بلا بيان.

و اما البراءة الشرعية فلا تجري في نفي الجزئية أو الشرطية في حال التعذر، و ذلک لأن من شرائط جريانها حصول الامتنان، و هو مفقود في تعذر الجزء أو الشرط، لأن لازم اعتبارهما في خصوص حال التمكن وجوب سائر الأجزاء عند تعذرهما، و هذا ينافي الامتنان المعتبر في جريان البراءة، فلا يقاس التعذر بحال نسيان الجزء أو الشرط الّذي تجري فيه البراءة، و ذلك لأن في جريانها هناك كمال الامتنان، لاقتضائها نفي الإعادة بعد الالتفات و التذكر، ففرق بين النسيان و التعذر، لوجود الامتنان في جريان البراءة في الأول دون الثاني.

و فيه: ان الحكم بعدم وجوب الباقي مستند إلى فقد الدليل على الوجوب، لا إلى حديث الرفع حتى يقال: بأنّه رافع للتكليف لا مثبت اي أنّ مقتضاه عدم الجزئية و الشرطية إلّا في حال التمكّن، و ذلک لانه مستند إلى فقد المقتضي، و هو عدم وجود الإطلاق في دليل المركب .

ص: 126

الاستدلال بالاستصحاب علی وجوب الباقي

ثمّ إنّه ربما يستظهر وجوب الباقي بالاستصحاب الحاكم على أصل البراءة و يقرّر بوجوه:

الاول: استصحاب الوجوب الجامع بين الضمني و الاستقلالي

لا شكّ انّ هنا وجوبين: أحدهما: الوجوب الاستقلالي بالكل و قد ارتفع، و الآخر: الوجوب الضمني لكلّ جزء و هو أيضاً قد ارتفع بارتفاع الأوّل، و مع ذلك كلّه فنحن نحتمل أن يتعلّق وجوب استقلالي ثان بالأجزاء الباقية، فنفس هذا الاحتمال يكفي في احتمال بقاء الوجوب الجامع بين الوجوبين: الاستقلالي و الضمني، فانّهما و إن ارتفعا قطعاً، لكن الجامع بينهما محتمل البقاء، لاحتمال حدوث وجوب استقلالي ثان متعلّق بالأجزاء الباقية فيُستصحب.

و فيه: عدم تحقق احد ارکان الاستصحاب اي ان اليقين السابق غير المشکوک اللاحق لانه متعلق بالواجد للجزء المتعذر بخلاف المشکوک .

و اجيب ايضا: بأنّ خطاب لا تنقض متوجه إلى العرف العام الدقيق و لا يشمل إلّا الأفراد التي يلتفت إليها ذلك المخاطب بما انّه عرف عام، و من المعلوم أنّهذا الفرد من المستصحب فرد عقلي لا يتوجه إليه إلّا الأوحدي، فشمول أدلّة الاستصحاب لهذا النوع من المصداق مورد تأمّل.

و بأنّه يشترط في المستصحب أن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي، و الجامع بين الوجوبين ليس مجعولًا شرعياً و إنّما هو حكم منتزع عن الحكمين، و المنتزع فعل العقل و ليس مجعولًا للشرع.

الثاني: استصحاب الوجوب الاستقلالي بنحو مفاد كان التامة

ص: 127

بيانه أن يقال قبل تعذر الأجزاء كان هناك وجوب استقلالي و نشك في بقائه فيستصحب البقاء.

و فيه: عدم وحدة الموضوع فالوجوب السابق کان في ضمن الاجزاء غير المتعذرة و الذي يراد اثباته هو وجوب الاجزاء الباقية.

و اجيب: أنّ المطلوب هو وجوب الأجزاء الباقية لا بقاء أصل الوجوب و استصحاب الأخير لإثبات وجوب الأجزاء الباقية، من الأُصول المثبتة، و ذلك لأنّ العقل يحكم بأنّ الوجوب الباقي عرض، و العرض لا يقوم إلّا بالموضوع، و ليس هو إلّا الأجزاء الباقية، فهو الموضوع للوجوب.

الثالث: استصحاب الوجوب الاستقلالي بنحو مفاد كان الناقصة

بيانه: انّ الأجزاء الباقية كانت واجبة بالوجوب النفسي غاية الأمر مقيّداً بالجزء المتعذر، فإذا كان الجزء المتعذر مقوّماً للموضوع، و موجباً لانعدامه فلا يجري الاستصحاب، و أمّا إذا كان معدوداً من حالات الموضوع و عوارضه عند العرف، فيجري الاستصحاب بحكم بقاء الموضوع عرفاً.

و بعبارة أُخرى: نشك في أنّ هذا الجزء المتعذّر لو كان دخيلًا في الحكم حدوثاً و بقاءً لا يجري الاستصحاب و لو كان دخيلًا حدوثاً لا بقاءً يجري الاستصحاب، و نفس هذا الشكّ مصحّح لجريان الاستصحاب بعد بقاء الموضوع و نسبة الواجد للجزء المتعذر، بالنسبة إلى الفاقد له كنسبة موضوع طرأ عليه التغيير في بعض أحواله.

و فيه: ما في سابقه من عدم وحدة الموضوع فالوجوب السابق كان على عشرة أجزاء، و المقصود الآن إبقاء ذلك الوجوب على التسعة، و من المعلوم انّ إسراء حكم من عنوان

ص: 128

إلى عنوان آخر هو نفس القياس المنكر في مذهبنا، و أيّ عرف يتسامح و يقول إنّ العشرة هو نفس التسعة.

فإن قلت: على هذا ينسد باب جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية الكلية و يختص بالموضوعات الخارجية، مثلًا الماء المتغيّر إذا زال تغيّره بنفسه يحكمعليه ببقاء النجاسة مع أنّه من قبيل إسراء حكم من موضوع الماء المتغير إلى موضوع آخر الماء الذي زال تغيره, فلو ثبت ما ذكرنا من الإشكال لانسدَّ باب الاستصحاب في الأحكام الكلية.

قلت: ليس الهدف من الاستصحاب في المثال المذكور إسراء حكم من عنوان الماء المتغيّر إلى عنوان آخر الماء غير المتغيّر حتى يكون من باب القياس، فانّ ذلك أشبه بالقياس و لا نقول به.

بل الهدف تسرية الحكم بعد انطباقه على الخارج من موضوع واجد لبعض الخصوصيات إلى موضوع فاقد لها، بشرط أن تكون الخصوصية عند العرف بالنسبة إلى الموضوع الخارجي معدودة من الحالات لا من المقوّمات، و ذلك بالبيان التالي: إنّ الحكم الشرعي، أعني: الماء المتغير نجس، غير قابل للاستصحاب إلى موضوع آخر، أعني: الماء إذا زال تغيره، لأنّ الموضوعين متغايران و المفاهيم مثار الكثرة، و لكن بعد ما انطبق الدليل الكلي على ماء خارجي يكون الموضوع للاستصحاب هو المصداق الخارجي و هو هذا الماء لا العنوان الكلي، و عندئذ يتخذ الفقيه المصداق الخارجي موضوعاً للحكم، فلو كان التبدّل معدوداً من عوارض الموضوع و حالاته يشير إلى ذلك الموضوع لا إلى العنوان الكلي و يقول: كان هذا محكوماً بالنجاسة و الأصل بقاؤه.

4. استصحاب الحكم المتعلّق بالعنوان

ص: 129

هناك بيان آخر يختلف مع ما مرّ، و ذلك لأنّ التقرير السابق كان مبنياً على تعلّق الحكم بالأجزاء مباشرة، و عندئذ يتوجّه إشكال مغايرة القضية المشكوكة مع المتيقّنة. و انّ العشرة، تغاير التسعة، و أمّا لو قلنا كما مرّ في المركب المنسي بعض أجزائه بأنّ الأمر يتعلّق بالعنوان الذي هو وجود إجمالي للأجزاء، و هي وجود تفصيلي له، و له مع وحدة مفهومه عرض عريض، يصدق على الواجد و الفاقد، بقرينة صدقه على صلاة الحاضر و المسافر، و القادر و العاجز، فإذا تعذّر بعض الأجزاء و شككنا في كيفية دخله في الموضوع، فهل هو مطلوب مطلقاً، أو عند التمكن يصحّ لنا، استصحاب الوجوب المتعلّق به إلى أن يعلم ارتفاعه، لوحدة القضيتين، لصدق العنوان على الفاقد و الواجد و هذا المقدار من الوحدة يكفي في جريان الاستصحاب. و على ضوء ذلك يكون المحكّم هو الاستصحاب لا البراءة.

و فيه: عدم تحقق احد ارکان الاستصحاب اي ان اليقين السابق غير المشکوک اللاحق لانه متعلق بالواجد للجزء المتعذر بخلاف المشکوک .

حكم القواعد الثانوية

بقي الکلام في الأدلّة الثانوية الواردة في خصوص هذا الموضوع و هي:

الحديث النبوي: فإذا أمرتكم بشي ء فأتوا منه ما استطعتم

و هو ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال: خطبنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فقال: أيّها الناس قد فرض عليكم الحجّ فحجّوا، فقال رجل: أ كلّ عام يا رسول اللّه؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً قال: لو قلت نعم لوجب و لما استطعتم، ثمّ قال: ذروني ما

ص: 130

تركتكم، فإنّما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشي ء فأتوا منه ما استطعتم، و إذا نهيتكم عن شي ء فدعوه (1).

و رواه النسائي في كتاب الحجّ باب وجوبه بالنحو التالي: فإذا أمرتكم بشي ء فخذوا به ما استطعتم، و إذا نهيتكم عن شي ء فاجتنبوه(2), و رواه البيهقي في سننه (3) بلفظ قريب ممّا نقله مسلم.

و هذا الخبر کما هو واضح عامي ضعيف ينتهي سنده إلى أبي هريرة الذي لا يركن إلى رواياته، و لم يروه علماؤنا القدامی و لا المتأخرون, نعم رواه ابن أبي جمهور الأحسائي في كتابه غوالي اللآلي اخذاً من العامة, و هو ضعيف جدا کما تقدم, فقال: روي أنّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: إنّ اللّه قد كتب عليكم الحجّ قال فقام الأقرع بن الحابس فقال: في كلّ عام يا رسول اللّه؟ فسكت، ثمّ قال: لو قلت نعم لوجب، ثمّ لا تسعون و لا تطيعون، و لكنّه حجّة واحدة(4).

و أمّا دلالةً فالظاهر أنّه غير صالح للاستدلال به للمقام بوجهين:

1. مورده الحجّ على ما عرفت، فيكون دليلاً على لزوم الإتيان في ذوي الأفراد، لا في ذوي الأجزاء خصوصاً انّ النسائي رواه: فخذوا به مكان فأتوا منه ، و الأوّل صريح في ذوي الأفراد، هذا لو فسرنا الرواية بملاحظة الصدر أمّا مع الغض عنه فقد ذكر المحقّق النراقيّ لمعنى كلمة «من» في قوله صلّى اللّه عليه و آله: «فأتوا منه ...» احتمالات أربعة:

ص: 131


1- التاج الجامع للأُصول: 100/ 2، كتاب الحج.
2- سنن النسائي: 111/ 5، و معها تعليقات السيوطي.
3- سنن البيهقي: 326/ 4.
4- غوالي اللآلي: 169/ 1. اقول: لا يخفی ان متن الخبر مخالف للقران الکريم و السنة المطهرة من وجوب التفقه و السؤال فهو من الروايات المحتمل مکذوبيتها, فقال تعالی: ﴿فلولا نفر من کل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون﴾ و قال عز و جل ﴿فاسالوا اهل الذکر ان کنتم لا تعلمون﴾ و ورد في السنة المطهرة المؤاخذة علی ترک التعلم (هلا تعلمت..) و هذه الرواية تقول انه هلک الذين من قبلکم لاجل تعلمهم و کثرة سؤالهم . و لا يخفی ان السياسة التي اتخذها ابو بکر و عمر تتبنی ذلک من ترک السؤال بالنسبة الی معالم الدين و احکامه بل و محاربة السنة التي جاء بها الرسول الاکرم صلی الله عليه و اله فقد منع عمر من نقل الحديث واستمر منعه الی القرن الثاني من الهجرة .

الأوّل: أن تكون كلمة «من» للتبعيض، و يكون «منه» مفعولا لقوله صلّى اللّه عليه و آله: «فأتوا». و يكون المعنى: فأتوا بعضه، البعض الّذي استطعتم.

الثاني: أن تكون كلمة «من» للتبعيض، و يكون المفعول قوله صلّى اللّه عليه و آله: «ما استطعتم». فيكون المعنى: فأتوا ما استطعتم حال كونه بعضه.

الثالث: أن تكون كلمة «من» مرادفة للباء. فيكون المعنى: فأتوا به ما دامت استطاعتكم.

الرابع: أن تكون كلمة «من» بيانيّة، بأن تكون بيانا للمأتي أو للموصول. و عليه يكون المعنى: فأتوا ما استطعتم منه بعضا أو كلّاً.

ثمّ أفاد أنّ دلالة الحديث على المقام مبتنية على الاحتمالين الأوّلين أو الشقّ الثاني من الأخير، و هو غير معلوم(1).

لکنّ الشيخ الأعظم ادعی دلالتها على المدّعى، و دفع الاحتمال الثالث و الشقّ الأوّل من الاحتمال الأخير، و بنى على ظهور لفظ «من» في التبعيض (2), و قد أفاد المحقّق الاصفهاني تقريبا لكلام الشيخ الأنصاريّ بما حاصله: «أنّه لا معنى لكون «من» بيانيّة، لأنّ مدخولها و هو الضمير ؛ لا يصلح لأن يكون بيانا للشي ء، فإنّ الضمير مبهم. و أمّا كونها بمعنى الباء فالّذي يوهمه أنّ الإتيان لا يتعدّى بنفسه و انّما يتعدّى بالباء؛ و لكن الأمر ليس كذلك،

ص: 132


1- عوائد الأيام: 262- 265.
2- فرائد الاصول 2: 390.

إذ الإتيان قد يتعدّىبنفسه، كقوله تعالى: ﴿وَ لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً﴾(1)، و قد يتعدّى بالباء، كقوله تعالى: ﴿يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَة﴾(2)»(3).

قلت: و يکفي في جوابه ما اجاب به في الکفاية بما حاصله: «و ظهورها في التبعيض و ان كان مما لا يكاد يخفى، إلّا أن التبعيض ان كان بلحاظ الجامع بين الأجزاء و الأفراد بأن يراد بالشي ء ما هو أعم من الكل ذي الأجزاء كالصلاة و الحج و الكلي ذي الأفراد كالعالم، أو بلحاظ خصوص الأجزاء, كان الخبر دليلا على المقصود و هو وجوب بعض أجزاء المركب مع تعذر بعضها الآخر. و ان كان بلحاظ الأفراد أو مجملا لم يصح الاستدلال بالخبر المزبور»(4).

هذا و للاعلام اراء اخری في فهم الرواية ؛ أمّا المحقّق النائينيّ: فذهب إلى اختصاص الرواية بالكلّيّ الّذي له أفراد طوليّة، و لا تشمل الكلّ المركّب من الأجزاء، و ذلك بقرينة مورد الرواية.

ثمّ أفاد أنّ إرادة الأعمّ من الكلّ و الكلّي من قوله صلّى اللّه عليه و آله: «أمرتكم بشي ء ...» توجب استعمال لفظة «من» في الأكثر، لعدم الجامع بين الأجزاء و الأفراد، و لحاظ الأجزاء يباين لحاظ الأفراد، فلا يصحّ استعمال كلمة «من» في الأعمّ، و إن صحّ استعمال كلمة «شي ء» فيه(5).

ص: 133


1- الأحزاب/ 18.
2- النساء/ 19.
3- نهاية الدراية 2: 702.
4- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 6، ص: 339 .
5- فوائد الاصول 4: 245- 255.

و أجابه المحقّق العراقيّ و ذکر: أنّ مورد الرواية و إن كان الكلّيّ ذا أفراد، إلّا أنّ مجرّد ذلك لا يقتضي تخصيصها بذلك، فإنّ العبرة في مقام استفادة الحكم انّما هي عموم اللفظ لا خصوصيّة المورد، فمع عموم كلمة «الشي ء» لا يقتضي مجرّد تطبيقه على مورد خاصّ تخصيص عمومه به.

ثمّ- بعد ما أجاب عن إشكال المحقّق النائينيّ على الاستدلال من لزوم استعمال اللفظ في الأكثر بأن لا مانع من إرادة الكلّي و الكلّ من الشي ء المأمور به، حيث يمكن إرادة التبعيض من الكلّي بلحاظ حصصه الموجودة في ضمن أفراده- أورد على الاستدلال بالرواية بأنّ العموم المستفاد من كلمة «شي ء» و شموله لكلّ منالكلّ و الكلّيّ انّما هو من جهة الإطلاق و مقدّمات الحكمة، و حيث أنّ من مقدّماتها انتفاء القدر المتيقّن في مقام التخاطب فلا مجال للأخذ بإطلاقه، لوجود القدر المتيقّن في المقام، و هو ما يقتضيه المورد من الكلّيّ الّذي ذي أفراد، فلا يصحّ الاستدلال بها على إثبات وجود ما عدا الجزء المتعذّر منه(1).

و أمّا السيّد المحقّق الخوئيّ: فهو بعد ما ذكر لمعنى الرواية محتملات ثلاثة اختار ثالثها، و هو كون كلمة «من» زائدة أو كونها للتعدية بمعنى الباء و كون كلمة «ما» مصدريّة زمانيّة, و عليه فلا مجال للاستدلال بالرواية على المقام(2).

ص: 134


1- نهاية الأفكار 3: 456 .
2- مصباح الاصول 2: 478- 480 .

و أما السيّد المحقّق البروجرديّ فذهب الی أنّ الظاهر منها عدم كون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في مقام التشريع و التأسيس، بل يحتمل كونه في مقام الإرشاد و الموعظة، فلا تدلّ على إثبات وجوب ما عدا الجزء المتعذّر منه(1).

قلت: أنّ صريح الرواية بعد ملاحظة صدرها، و بملاحظة قوله صلّى اللّه عليه و آله: «ويحك ما يؤمنك أن أقول: نعم؟! و لو قلت: نعم، لوجب» أي: في كلّ سنة, هو إرادة الأفراد، لا الأجزاء، و لا الأعمّ منهما, و ان ابيت عن هذا المعنی فهي مجملة, و عليه فلا دلالة لها علی المطلوب .

خبرا غوالي اللآلي

و هما ما رواهما صاحب غوالي اللآلي فقال:

و قال علیه السلام : «لا يترك الميسور بالمعسور»(2), و قال علیه السلام : «ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كلُّه»(3), و هما مع ارسالهما و ضعف صاحب الکتاب لا وجود لهما في كتب القدماء، و عليه فلا يمکن الاعتماد عليهما في إثبات الحكم الشرعي, هذا من جهة السند .

هذا و ادعی العلامة الميرزا فتاح رحمه الله في عناوينه استناد الأصحاب إلى هذه القاعدة و عملهم بها في فروع كثيرة تزيد على خمسين موردا فقال: «و من جملة القواعد المتلقاة من الشرع الكثيرة الدوران المتشتتة الفروع قاعدة الميسور و لزوم الإتيانبالمستطاع، و يتمسك بها في لزوم تخفيف النجاسة كمّا و كيفا كالغسل مرة و ان لم يطهر، و في غسلات الولوغ، و منزوحات البئر، و تباعد البالوعة، و قيام غير التراب مقامه في التطهير،

ص: 135


1- راجع حاشيته على كفاية الاصول 2: 310 .
2- عوالي اللآلي 4: 58 ، الحديث 205 .
3- عوالي اللآلي 4: 58 ، الحديث 207 .

و وضوء الأقطع، و الجبيرة في أعداد غسلات الوضوء، و المضمضة، و غسل اليد، و المباشرة في جميع ما تعتبر فيه، و حكاية ما أمكن من الأذان، و الإتيان بسائر الدعوات المندوبة، و أعداد مسحات الاستبراء و خرطاته، و جلوس الحائض في مصلاها، و مندوبات الاحتضار و الموت، و الغسل بالقراح مع تعذر الخليط من سدر أو كافور، و من وراء الثياب، و قيام غير الساتر مقامه، و الواحد مقام الثلاثة في الكفن، و كفاية التكبيرات في صلاة الميت، و الممكن من التربيع للجنازة، و طلب الماء و ان لم يكن غلوة أو غلوتين، و المسح مقام الغسل، و ظهر اليد موضع بطنها ... إلى أن قال: و فوات القيد من زمان أو مكان، أو وصف أو حالة ذاتي أو عرضي قابل للتبدل أم لا، و نظائر ذلك مما لا يخفى على المتتبع»(1).

و اجيب: بأن المتتبع في الأخبار يجد أن أكثر تلك الفروع منصوصة، و ليس مستند الحكم فيها هذه القاعدة، و لو لا مخافة التطويل لسردت عليك مقدارا منها. و بعضها أجنبي عن تعذر الجزء أو الشرط، لكون المورد من الاستقلاليين، و بعضها مستند إلى قاعدة الاحتياط، و لو بقي بعض الفروع التي يستند فيها إلى القاعدة لم يكن كافيا لتحقق صغرى الجبر بالعمل.

مع أن دعوى استناد المشهور إلى هذه القاعدة اجتهاد منه رحمه الله، و هو ممنوع كما عرفت، لعدم كفاية مجرد الموافقة بين الفتوى و الرواية الضعيفة في تحقق الجبر، لأنها أعم من الاستناد كما هو ظاهر. و عليه فإثبات اعتبار القاعدة بهذا الطريق غير تام(2).

ص: 136


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 6، هامش ص: 367
2- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 6، هامش ص: 367

و أمّا دلالة: فدلالة الأوّل على لزوم الإتيان بالأجزاء الباقية مبنية على أنّ الميسور من أجزاء المركب لا يسقط بالمعسور من أجزائه, و قد اشکل عليها المحقق الخراساني حيث قال: «و من ذلك ظهر الإشكال في دلالة الثاني أيضا، حيث لم يظهر في عدم سقوط الميسور من الأجزاء بمعسورها، لاحتمال إرادة عدم سقوط الميسور من أفراد العامّ بالمعسور منها»(1).

اقول: لکن الأعلام الثلاثة خالفوه فذهب المحقّق الاصفهانيّ إلى ظهور الرواية في خصوص عدم سقوط الميسور من الأجزاء، لأنّ السقوط متفرّع على الثبوت، و لو كان المراد الميسور من الأفراد فلا وجه لتوهّم سقوط الحكم عن فرد بسبب سقوطه عن فرد آخر ليحكم عليه بعدم السقوط، فلا يناسب توهّم السقوط إلّا في الميسور من الأجزاء(2).

و ذهب المحقّق النائينيّ أيضا إلى ظهورها في خصوص الميسور من الأجزاء و تماميّة دلالتها على ما نحن فيه(3).

و ذهب المحقّق العراقيّ إلى ظهورها في عدم سقوط الميسور من كلّ شي ء بسقوط معسوره، و هو أعمّ من الأجزاء الميسورة من الكلّ و الأفراد الميسورة من الكلّي(4).

قلت: و ما افاداه المحققان النائيني و الاصفهاني هو الظاهر.

ثم ان المحقّقين النائينيّ و العراقيّ ذهبا الی عدم سقوط الميسور بما له من الحكم- وجوبا كان أو ندبا- بسبب سقوطه عن المعسور، و استدلّا عليه بأنّ مثل هذه العبارة ظاهرة في

ص: 137


1- کفاية الاصول؛ ط ال البيت ^ ص370 .
2- نهاية الدراية 2: 703.
3- فوائد الاصول 4: 255.
4- نهاية الأفكار 3: 457.

عدم سقوط ما ثبت سابقا و في بقائه في العهدة لاحقا بعين ثبوته سابقا، و هو يرجع إلى إبقاء الحكم السابق، وجوبا كان أو استحبابا، نظير قوله علیه السلام : «لا تنقض اليقين بالشكّ»(1).

قلت: و ما افاداه هو الظاهر.

و اما الخبر الثاني: اي ما لا يدرک کله... فالاستدلال به علی وجوب الباقي يتوقّف على أمرين:

الأوّل: أن لا يكون المراد من الكلّ في قوله علیه السلام : «كلّه» الكلّ الأفراديّ، بل ان المراد به خصوص الكلّ المجموعيّ- المركّب ذي الأجزاء- أو الأعمّ منه و من الكلّ الأفراديّ.

الثاني: أن لا يکون المراد من الموصول في قوله علیه السلام : «ما لا يدرك ...» مطلق الفعل المأمور به واجبا كان أو مستحبّا، بل المراد منه خصوص الواجب.

و الی الأمر الأوّل ذهب الشيخ الأعظم و تبعه المحقق الخراساني, و وجه ظهور الكلّ في المجموعيّ: أنّ المراد من الموصول في قوله علیه السلام : «ما لا يدرك ...» هو الفعل الواحد، لا الأفعال المتعدّدة كي يقال بظهوره في أنّ الأفعال المتعدّدة لا يسقط بعضها مع تعذّر البعض الآخر، فيكون مختصّا بمورد تعلّق الحكم بأفراد العامّ، و لا معنى للكلّ في الفعل الواحد إلّا مجموعه المركّب من الأجزاء(2).

و أمّا الأمر الثاني: فذهب المحقق الخراساني إلى عدم ظهور الموصول في خصوص الواجب، بل ذهب إلى ظهوره في مطلق الفعل المأمور به، سواء كان واجبا أو مستحبّا. و حينئذ فلا يدلّ الحديث إلّا على رجحان الإتيان بباقي الأجزاء، ضرورة أنّ الإتيان بأجزاء المستحبّ مستحبّ.

ص: 138


1- فوائد الاصول 4: 255، نهاية الأفكار 3: 457- 458.
2- فرائد الاصول 2: 394.

و ذهب الشيخ الأعظم إلى ظهوره في خصوص الواجب بدعوى أنّ قوله علیه السلام : «لا يترك» ظاهر في الوجوب، و ظهوره في الوجوب قرينة على أنّ المراد من الموصول خصوص الواجب(1).

و أورد عليه المحقق الخراساني بما حاصله: أنّ ظهور مثل قوله: «لا يترك»- و هو جملة خبريّة- في الوجوب ممّا لا ينكر، إلّا أنّ ظهوره فيه ليس قرينة على أنّ المراد من الموصول خصوص الواجب، بل يمكن أن يقال: إنّ الموصول بنفسه عامّ يشمل الواجب و المستحبّ، و عمومه قرينة على التصرّف في ظهور «لا يترك» بحمله على الكراهة أو مطلق المرجوحيّة، فلا يدلّ الحديث على وجوب الباقي من الأجزاء(2).

قلت: ما افاده اخيرا من «ان عمومه قرينة على التصرّف في ظهور «لا يترك» بحمله على الكراهة أو مطلق المرجوحيّة», لا شاهد له بعد اعترافه بظهور لا يترک في الوجوب غاية الامر عمومه للمستحب يکون قرينة علی انه في المستحبات يکره ترکه .

التنبيه الرابع: في دوران الأمر بين الجزئيّة و المانعيّة و نحوهما

إذا دار الأمر بين جزئية شي ء أو شرطيته، و بين مانعيته أو قاطعيته، بمعنى انّا علمنا اعتبار شي ء في المأمور به، و دار الأمر بين كون وجوده مؤثراً في الصحّة، أو كون وجوده مانعاً عنها .

و الفارق بين القاطع و المانع ان القاطع تکون مبطليته اذا ما وقع بين الاجزاء و اما المانع فتختص مبطليته بما إذا وقع في نفس الأجزاء، و يعبر عن بعض الموانع بالقاطع، لكونه قاطعا للهيئة الاتصالية المعتبرة في الصلاة.

ص: 139


1- فرائد الاصول 2: 394.
2- كفاية الأصول ص372 .

و هذا كالجهر بالقراءة في صلاة الظهر يوم الجمعة لمن لم يصلّ الجمعة فدار أمر الجهر في الحمد بين كونه شرطاً للصحّة أو مانعاً عنها، و نظيره تدارك الحمد لمن نسيها بعد ما أتمّ السورة أو دخل فيها، حيث إنّ التدارك يدور أمره بين كونه شرطاً في الصحّة أو مانعاً عنها، فهل المقام يكون من قبيل دوران الأمر بين المحذورين حتى يكون الحكم فيه التخيير كما ذهب إليه شيخنا الأعظم بتقريب: أنه على تقدير جزئيته أو شرطيته يجب الإتيان به، و على فرض المانعية أو القاطعية يحرم الإتيان به، فيدور أمره بين الوجوب و الحرمة، و هذا هو الدوران بين المحذورين؟

أو من قبيل دوران الأمر بين المتباينين كدوران الواجب بين الظهر أو الجمعة، فيجري فيه الاحتياط، حيث انه لا جامع بين المشروط بشي ء و المشروط بشرط لا، فلا يمكن الإتيان بهما معا، مثلا إذا كان الجهر بالقراءة واجبا كانت الأجزاء مشروطة بوجوده، و إذا كان الإخفات واجبا و الإجهار مبطلا كان الأجزاء مشروطة بعدم الجهر، و لا جامع بين الوجود و العدم، فلا يمكن الإتيان بالطبيعة المأمور بها في واقعة واحدة إلّا بأحدهما، و يمكن الاحتياط بإتيانها مع كليهما في واقعتين, كما عليه المحقّق الخراساني؟

و استدل الشيخ علی مدعاه بوجهين:

الوجه الأوّل: انّ العلم الإجمالي غير منجّز في المقام، لأنّ آية منجِّزيته لزوم المخالفة القطعية عند جريان الأصل، و المقام خارج عن تحت تلك القاعدة لعدم لزومها مع جريان أصل البراءة من جميع المحتملات، لأنّ الإنسان في صلاة واحدة لا يخلو من فعل و ترك و المخالفة القطعية غير ممكنة(1).

ص: 140


1- فرائد الاصول ج2 : 400- 401.

و فيه: ما تقدم من أنّ الميزان في تنجّز العلم الإجمالي إمكان الاحتياط لا لزوم المخالفة القطعيّة، و هو أمر ممكن بتكرار الصلاة، و قد تقدم ذلک في بيان مجاري الأُصول فراجع.

الوجه الثاني: انّ المسألة مبنية على ما هو المختار في الأقل و الأكثر، فلو قلنا بالبراءة هناك، تجري البراءة في المقام، و إن قلنا بالاحتياط هناك فيكون المقام مثله و تعيّن الجمع بالاحتياط. حيث قال: التحقيق أنّه لو قلنا بعدم وجوب الاحتياط في الشكّ في الشرطية و الجزئية و عدم حرمة المخالفة القطعية للواقع إذا لم تكن عملية، فالأقوى التخيير هنا و إلّا تعيّن الجمع بتكرار العبادة(1).

و فيه: وجود الفرق بين المقامين إذ ليس هناك علم بأخذ شي ء في المأمور به، و إنّما الموجود هو الشك، و هذا بخلاف المقام لوجود العلم بأخذ شي ء فيه، إمّا بما أنّ وجوده مؤثر، أو بما أنّ وجوده مانع.

هذا و ذهب المحقّق الخوئيّ إلى التفصيل بين موارد ثلاثة:

الأوّل: ما إذا كان الواجب واحدا شخصيّا لم تكن له أفراد طوليّة و لا عرضيّة، كما إذا ضاق الوقت و لم يتمكّن المكلّف إلّا من الإتيان بصلاة واحدة، و دار الأمر بين الإتيان بها عاريا أو في الثوب المتنجّس. و الحكم حينئذ هو التخيير مطلقا.

الثاني: ما إذا كان الواجب وقائع متعدّدة و إن لم يكن له أفراد طوليّة و لا عرضيّة، كما إذا دار الأمر بين كون شي ء شرطا في الصوم أو مانعا عنه. و الحكم حينئذ هو التخيير الابتدائيّ.

ص: 141


1- فرائد الاصول ج2 : 400- 401.

الثالث: ما إذا كان الواجب واحدا ذا أفراد طوليّة، كما في المثال المذكور في المورد الأوّل مع سعة الوقت. و الحكم فيه وجوب الاحتياط و الإتيان بالواجب مع هذا الشي ء تارة و بدونه اخرى(1). قلت: و هذا هو المختار .

خاتمة

و فيها امور:

الاول: في شرائط جريان الأُصول

اما الاحتياط فقال في الکفاية: «فلا يعتبر في حسنه شي ء أصلا بل يحسن على كل حال إلّا إذا كان موجبا لاختلال النظام»(2).

قلت: هذا مبني علی کون الاحتياط حسن عقلا و شرعا و قد تقدم عدم ثبوت ذلک لا عقلا و لا شرعا الّا في التوصليات مما لا يلزم منه حصول بدعة و قد تقدم تفصيل ذلک فلا نعيد .

في شروط جريان البراءة

اقول: فقد اتّفقت كلمة العلماء على لزوم الفحص في جريان البراءة العقلية و النقلية، أمّا البراءة العقلية فقد استدل على لزوم الفحص بوجوه نذكر منها وجهاً واحدا و هو: عدم استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان إلّا بعد الفحص و اليأس من الظفر بالحجّة.

ص: 142


1- مصباح الاصول 2: 485- 487.
2- كفاية الأصول، ص: 374.

قلت: و وجه عدم حكم العقل بالبراءة قبل الفحص و اليأس اما منجزية احتمال التكليف عند العقلاء، و كونه بيانا بحيث لو لم يتفحص حسن العقاب عليه و ان لم يكن في الواقع حجة، لكفاية نفس الاحتمال في حسن المؤاخذة.

و اما لكون البيان هو الحجة الواقعية، و مع الشك في وجودها لا يحكم العقل بالبراءة حتى يحرز عدمها بالفحص، و أثره حسن المؤاخذة مع وجود الحجة واقعا و لو مع عدم العثور عليها بالفحص.

و اما لأن البيان هو الحجة التي يعثر عليها العبد بالفحص، إذ لا تصل الأحكام الشرعية إلى المكلفين بمجي ء شخص النبي أو الولي صلوات اللّه عليهما إلى دورهم لتبليغ الأحكام، بل وصولها إليهم منحصر بالفحص عنها في مظانها و هي الجوامع الحديثية التي حفظت بيان الشارع اي أوامره و نواهيه, و عليه فلا يكون الجهل عذراً إلّا إذا رجع إليها و لم يعثر على البيان، قال سبحانه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾(1), فقبل الفحص عن الحجّة، فالمولى هوصاحب الحجّة على عبيده، و بعد الفحص و عدم العثور عليه ينقلب الأمر و يحتج العبد على مولاه.

و عليه فالعقل لا يحرز موضوع حكمه إلّا بالفحص، و قبله شاك في الموضوع، و من المعلوم أنه لا يحكم مع هذا الشك، كسائر الموارد. و أثره أن ترتب العقاب عليه منوط بأمرين: أحدهما: وجود الحجة واقعا، و الآخر إمكان العثور عليها بعد الفحص.

و هذا هو الحق دون الأولين، إذ في أولهما: أن منجزية الاحتمال انما هي لرعاية الواقع، فهو كسائر الطرق ان أصابت أنجزت الواقع، و ان أخطأت أعذرت المكلف، و لو كان عليه مؤاخذة فهي على التجري لا على الواقع.

ص: 143


1- النساء: 165.

و في ثانيهما: أنه يقبح المؤاخذة بعد الفحص، لأنها تنافي العدل، و قبل الفحص تحسن المؤاخذة، للتجري.

فالمتحصل: أن البراءة العقلية لا تجري في الشبهات الحكمية سواء أ كانت وجوبية أم تحريمية إلّا بعد الفحص عن الدليل و اليأس عن الظفر به، لأن موضوعها و هو عدم الدليل على الحكم لا يحرز إلّا بالفحص عنه الموجب للاطمئنان بعدمه.

و أمّا البراءة النقليّة فقال في الکفاية: «فقضيّة إطلاق أدلّتها، و إن كانت هي عدم اعتبار الفحص في جريانها، كما هو حالها في الشبهات الموضوعيّة، إلّا أنّه استدلّ على اعتباره بالإجماع، و بالعقل»(1) و تقريب حکم العقل هو: أنّه يعلم إجمالا بثبوت تكاليف إلزاميّة بين موارد الشبهات أراد الشارع تبليغها إلى المكلّفين بالطرق المتعارفة العادية، و يعلم أنّه لا يصل المكلّف عادة إلى تلك التكاليف الإلزاميّة إلّا بعد الفحص عنها، و العقل بمقتضى هذا العلم يحكم بلزوم الفحص عن التكاليف و يمنع عن إجراء البراءة قبل الفحص.

و فيه: انا نمنع إطلاق أدلة البراءة الشرعية و ذلک لان المراد بالحجة كما تقدم في البراءة العقلية هو الحجة التي يمكن العثور عليها بالفحص، فعدم البيان المأخوذ موضوعا للبراءة العقلية هو بعينه موضوع البراءة النقليّة، فالفحص فيها محقق لموضوعها، فلا نحتاج إلى إتعاب النّفس في إقامة الدليل على وجوب الفحص في البراءة النقليّة، كما لا يمكن تحصيل المؤمن بإجراء أصالة عدم الحجة و العمل بأدلة البراءة بدون الفحص، حيث ان موضوعها ليس مجرد عدم الحجة واقعا حتى يحرز بالأصل، بل عدم الحجة التي يمكن العثور عليها بالفحص علىتقدير وجودها، و هذا العدم لا يحرز بالأصل، بل لا بد من الفحص الموجب لليأس عن الظفر به، و للاطمئنان العقلائي و العلم العادي بالعدم.

ص: 144


1- کفاية الاصول ج3 ص146.

هذا مضافا إلى أن حديث الرفع بشهادة سائر الفقرات مسوق لبيان معذّرية الجهل بالواقع كمعذّرية الإكراه و الاضطرار و نحوهما، و من المعلوم أن الجهل الناشئ من عدم الفحص عن خطاب المولى لا يعدّ عذرا عند العقلاء، حتى ينعقد إطلاق فيه كي يتوسل إلى تقييده بما بعد الفحص ببعض الوجوه.

کما و ان حديث الحجب أظهر دلالة على هذا المعنى من سائر أخبار البراءة، إذ لا يصح اسناد الحجب إليه تعالى مع تقصير المكلف في الفحص بالمقدار الّذي تطمئن النّفس معه بعدم الحجة على الحكم.

الثاني: في حکم الشبهات الموضوعية

هذا كلّه في الشبهات الحكمية، و أما الشبهة الموضوعية فقال السيد المحقق المروج: انه بناء على المختار من عدم إطلاق أدلة البراءة الشرعية كالعقلية يتعين الفحص، لفرض أن الترخيص في مخالفة الواقع موقوف على اليأس من استعلام الوظيفة بوجه من الوجوه و هذا ما اختاره المحقق الخراساني في حاشية الرسائل(1).

و فيه: ان عدم إطلاق أدلة البراءة الشرعية كالعقلية لا يعين وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية و ذلک:

اولا: لأنّ الاحتجاج فرع ثبوت الصغرى و الكبرى، و الثانية و إن كانت متحقّقة أي نعلم انّ كلّ خمر حرام و لكن الصغرى غير محرزة فلا يحتج بالكبرى المجرّدة عن الصغرى .

ص: 145


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 6، هامش ص: 397 .

فان قلت: أنّ الاحتجاج و إن كان فرع إحراز الصغرى، لكنّه لو كان إحرازه أمراً سهلًا غير موجب للعسر و الحرج يصحّ الاحتجاج بالصغرى التي لو تفحص عنها لعثر عليها, و لذلك أفتى الأصحاب بلزوم الفحص في بعض الشبهات الموضوعية حتى أنّ الشيخ استثنى الموارد الثلاثة: الدماء و الأعراض و الأموال، كما أنّ الفقهاء أفتوا بوجوب الفحص في الموارد التالية:

1. إذا شكّ في مقدار المسافة هل هي مسافة شرعية أو لا؟

2. إذا شكّ في بلوغ الأموال الزكوية إلى حدّ النصاب.

3. إذا شكّ في زيادة الربح على المئونة حتى يخمس.

4. إذا شكّ في حصول الاستطاعة إلى الحجّ.

5. إذا شكّ في مقدار الدين مع العلم بضبطه في السجل إلى غير ذلك من الموارد التي يقف عليها المتتبع في الفقه، فالأولى لزوم الفحص في التمسّك بالبراءة العقلية في الشبهات الحكمية و الموضوعية معاً إلى حدّ لا ينتهي إلى العسر و الحرج أو المشقة و ربما يظهر من بعض الروايات انّ الأمر في باب الطهارة و النجاسة سهل(1).

قلت: مضافا الی ان المشهور هو عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية, ان هذه المسألة لم تعنون عند المتقدمين و لا عند المتأخرين و انما هي من المسائل الحادثة بين المعاصرين و بتعبير اخر هي من نتائج علم الاصول في الفترة المعاصرة و عليه فلا يمکن نسبتها لکل العلماء, مضافا الی انهم لا يلتزمون بالاحتياط مطلقا و في کل الموارد بل في هذه الموارد المعدودة, و لعلها لخصوصية فيها او لان الظن بالشرط يقوم مقام العلم کما حکي عن البعض, و الّا فالبراءة هي المحکمة.

ص: 146


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 3، ص: 639

و اما قوله من أنّ الاحتجاج و إن كان فرع إحراز الصغرى، لكنّه لو كان إحرازه أمراً سهلاً غير موجب للعسر و الحرج يصحّ الاحتجاج بالصغرى التي لو تفحص عنها لعثر عليها.

ففيه: ان التفصيل بين ما يسهل الفحص عنه و بين غيره خلاف المشهور و لا دليل عليه, و اما استثناء الشيخ للدماء فلاهميتها عقلا و شرعا فمن يشک في الشيء الذي علی الشجرة من بعيد هل هو انسان ام طير فهل يحق له قتله بحجة اصالة البراءة؟ وکذلک فيما يهم من الاعراض و الاموال علی تردد فيهما, و اما ما ذکره من الموارد الخمسة فقد تقدم الجواب عنها انفا .

ثانيا: لو سلمنا ذلک فانما هو مقتضی القاعدة و عليه فاذا قام الدليل علی عدم لزوم الفحص فلا يجب و قد دلت جملة من النصوص علی إجراء الأصل الشرعي في الشبهة الموضوعية قبل الفحص نذکر قسما منها:

1- صحيحة زرارة «قلت: فهل علي إن شككت أنه أصابه شي ء أن أنظر فيه ؛ قال: لا و لكنك إنما تريد أن تذهب بالشك الذي وقع من نفسك» و هي و ان کان موردها الشک باصابة النجاسة للثوب لکن العرف لا يری خصوصية لها فهي عامة شاملة لکل الشبهات الموضوعية تحريمية کانت ام وجوبية .

2- ذيل رواية مسعدة: «و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير هذا أو تقوم به البينة» بملاحظة ورودها في الشبهة الموضوعية و حصر رافع الحلية في العلم الحاصل اتفاقا و قيام البينة, لکنها ضعيفة سندا و في دلالتها مناقشة کما تقدم .

ص: 147

3- قوله علیه السلام في معتبرة السكوني في السؤال عن حكم السفرة المطروحة: «هم في سعة حتى يعلموا» و السؤال انما هو للحاجة إلى معرفة الوظيفة الفعلية مع عدم أمارة في موردها على التذكية و الحلية من سوق المسلم و يده، و انما سأل عن حكمها لاحتمال كونها سفرة مجوسي، فالشبهة موضوعية محضة، و جوابه علیه السلام ظاهر في نفي اعتبار الفحص. و لو كان التفتيش و السؤال عن حالها معتبرا لتعرض له علیه السلام في الجواب خصوصا مع كون المورد مما تجري فيه أصالة عدم التذكية.

4- قوله علیه السلام في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام : «كل شي ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» و ظهورها في عدم لزوم الفحص و السؤال عن حكم الموضوع المشتبه مما لا ينكر.

5- ما ورد في عدم التفتيش و السؤال عن حال المرأة التي زوجت نفسها، مع كون المحتمل مهما عند الشارع، و هو من موارد انقلاب الأصل فيها إلى الاحتياط، و هي رواية عمر بن حنظلة قال: «قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام اني تزوجت امرأة فسألت عنها، فقيل فيها، فقال: و أنت لم سألت أيضا؟ ليس عليكم التفتيش»(1) فان الجملة الأخيرة صريحة في مرجوحية السؤال و التفتيش عن حال المرأة من حيث كونها خليّة أو ذات بعل مع إمكان الفحص عن الواقع و استكشافه. و هي و ان کانت ضعيفة بابن حنظلة لاهماله الّا ان الکليني اعتمدها(2).

و المتحصل: أن المرجع في جميع الشبهات الموضوعية هو أصالة البراءة إلّا مع إحراز اهتمام الشارع بالمورد كما في الدماء او لدليل خاص .

ص: 148


1- الوسائل، ج 14، ص 227، باب 25 من أبواب عقد النكاح الحديث: 1.
2- الكافي (ط - الإسلامية)، ج 5، ص: 569ح55 .

الثالث: في وجوب الفحص في التخيير و الاستصحاب

لا شك أنّ التخيير أصل عقلي للمتحيّر الذي لا حيلة له، و من له حيلة لرفع التحيّر فلا يستقل العقل فيه بالتخيير.

و أمّا الاستصحاب فهو أصل مجعول في حقّ الشاك و أدلّته منصرفة إلى الشكّ المستقر لا الزائل بالمراجعة و الفحص، وعليه استقرت سيرة العلماء.

مضافاً إلى ما ذكر من الأدلّة على لزوم السؤال و التعلّم فانّها تعمّ موارد الأصلين, و هي روايات کثيرة نقتصر على ذکر بعضها:

1. روى الفضلاء من أصحاب الإمام الصادق عن أبي عبد اللّه علیه السلام ، أنّه قال لحمران بن أعين في شي ء سأله: إنّما يهلك الناس لأنّهم لا يسألون (1).

2. روى ابن أبي عمير عن محمد بن سكين و غيره، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: قيل له: إنّ فلاناً أصابته جنابة و هو مجدور فغسّلوه فمات، فقال: قتلوه، ألّا سألوا ألّا يمّموه، شفاء العي السؤال (2).

3. ما ورد في تفسير قوله سبحانه: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ﴾(3) عن مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفر بن محمد علیهم السلام يقول: إنّ اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي كنت عالماً؟ فإن قال: نعم، قال له: أ فلا عملت بما علمت، و إن قال: كنت جاهلًا، قال: أ فلا تعلّمت حتى تعمل فيخصمه، فتلك الحجّة البالغة(4).

ص: 149


1- الكافي: 40/ 1، الحديث 2.
2- الكافي: 68/ 3، الحديث 5.
3- الأنعام: 149.
4- البرهان في تفسير القرآن: 560/ 1، الحديث 2.

الرابع: في مقدار الفحص

و هل يجب الفحص إلى أن يحصل اليقين بعدم الدليل لانه هو الحجة أم يكفي الوثوق و الاطمئنان لانه علم عر فا وحجة عقلائيا أو يكفي الظن؟ لا سبيل إلى الأخير لعدم حجيته، و لا تعين للأوّل لان الثاني مثله في الحجية مضافا لاستلزمه للعسر و الحرج غالبا، و عليه فيتعيّن الثاني.

ثمّ إنّ الفحص صار في الأزمنة الأخيرة أمراً سهلًا بعد جمع الروايات و تبويبها على وجه يسهل للمستنبط الوقوف على الدليل الاجتهادي بعد الرجوع إلى مظانّه في الكتب الحديثية، و إذا ضمّ إلى هذا تتبع المجتهدين بعد تأليف الكتب الاستدلاليةو اعترافهم بعدم العثور على الدليل لحصل اليقين بعدمه في مظانه فضلا عن الوثوق و الاطمئنان.

الخامس: في عقوبة تارك الفحص

إذا ترك الجاهل الفحص فهل يعاقب مطلقاً أو لا يعاقب، أو يفصل بين مخالفة الواقع المنجّز و عدمه؟ قلت: بعد وجوب الفحص عليه لا شک في انه معاقب علی الواقع الفائت اذا کان ترک الفحص مؤدِّياً إلى مخالفة الواقع, و الّا کان معاقبا علی تجريه .

السادس: في المقدمات المفوِّتة

ثمّ إنّ هنا إشكالاً معروفاً و هو: انّ التكاليف المشروطة و الموقتة إنّما تتنجز بعد تحقّق الشرط و حصول الوقت، و لا تكون المقدمة العلمية أعني الفحص واجباً إلّا بعد حصول الشرط، فلو افترضنا أنّ المكلّف لم يتعلم قبل الوقت لعدم وجوب المقدمة، و لم يتمكن منه بعد وجوبه فيلزم عدم صحّة العقاب مع أنّه خلاف ما اتّفقوا عليه، نظير ذلك أحكام

ص: 150

الشكوك حيث لم يقم دليل على تعلّم أحكامها قبل الوقت لعدم وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها، و أمّا بعد دخوله و وجوب ذيها فربما لا يتمكن خصوصاً إذا دخل الصلاة.

و اجيب عن الاشکال بوجوه:

الوجه الأوّل: انا نختار انّ التعلم لو قلنا بوجوب المقدمة واجب قبل حصول الشرط، و ذلك لأنّ كون وجوب المقدمة تابعاً لوجوب ذيها ليس بمعنى ترشح وجوبها عن وجوبه، أو ترشح تعلّق الإرادة بها عن إرادته، بل لكلّ من الوجوبين و الإرادتين مباد و مقدمات بها يتكون وجوبهما و إرادتهما، و على ذلك فلو وجدت المبادئ في مورد المقدمة قبل الوقت يحكم بوجوبها سواء وجب ذوها أم لا، و المقام من هذا القبيل، فانّ المولى لما وقف على توقف امتثال الواجب المشروط على الفحص قبل حصول الشرط، و أنّ ترك التعلم يوجب سلب القدرة عنه حال تحقّق الشرط، تنقدح في نفسه إرادتها و إيجابها، و إن لم تكن تلك المبادئ موجودة في ذيها. و لا يراد من الملازمة تحقّق الإرادتين أو الوجوبين في زمان واحد مثل الزوجية و الأربعة، بل المقصود عدم جواز التفكيك بينهما في مجال الطلب و الإرادة فلو تقدم طلب أحدهما على طلب الآخر لا تنثلم به الملازمة.و فيه: انه دعوی بلا دليل بل الدليل دال علی ان المقدمة وجوبها غيري توصلي لاجل ذي المقدمة فکيف تجب من دون ان يجب ذو المقدمة؟

الوجه الثاني: حكم العقل بوجوب التعلم و إن لم يتعلق به الوجوب شرعاً لاستقلال العقل بذلك فانه في باب المقدمات المفوّتة يحكم بلزوم حفظ القدرة على ذي المقدمة، فلو ترك أو تساهل في التعلم و انتهى إلى ترك الواجب يعدُّ مقصراً في مجال المولوية و العبودية، و لأجل ذلك أفتى الفقهاء بوجوب تعلّم أحكام الشكوك المتعارفة التي تعم بها البلوى.

ص: 151

و بالجملة المقدمات المفوِّتة لغرض المولى يحكم العقل بوجوب تحصيلها و إن لم تكن واجبة شرعاً، لأنّ حفظ غرض المولى ليس بأقل من حفظ غرض العبد فكما هو يقدم على المقدمات المفوتة في محلها فكذلك في أغراض المولى.

و لذلك يجب على الجنب، الغسل قبل الفجر لأجل عدم إمكان درك الفجر بالطهارة إلّا بالإتيان به قبل وجوب ذيه، كما أنّه يجب السير إلى الحج قبل الموسم لأجل عدم إمكان امتثال أمر المولى إلّا بالسير قبله، ففي جميع تلك الموارد يحكم العقل بلزوم تحصيل المقدمة المفوتة.

اقول: اما حکم العقل بذلک فلا ريب فيه لکن لا لما قال من أنّ في ترك الإتيان تفويت للملاك و الغرض اللازم, لما تقدم من انه لا علم لنا بالملاکات خارج الاوامر الشرعية فاذا لم يکن امر فلا ملاک, و لکن لاجل ما علم من الشرع من ان الانسان مسؤول بالنسبة الی التکاليف الاتية فان للمسألة صورتين:

احدهما: ما يکون من قبيل وجوب الاحتفاظ بالماء قبل الوقت لواجده إذا علم عدم تمكّنه منه بعد دخول الوقت .

وثانيهما: ما يکون من قبيل وجوب الغسل للمجنب قبل الفجر في الصيام الواجب و وجوب تحصيل المقدّمات الوجودية للحج قبل وقته و تعلّم الأحكام للبالغ قبل مجي ء وقت وجوب العمل، إذا ترتب على تركه فوت الواجب .

اما الصورة الثانية فقد اخذ فيها وجوب الاقدام قبل حصول شرط الوجوب و الّا لو لم يکن واجبا لزم التکليف بالمحال و ذلک لان المفروض ان المولی قد اوجب الصيام بشرط الطهارة من حدث الجنابة في اول آناته و حکم ببطلانه لو لم يکن طاهرا من

ص: 152

الحدث فان لم يکن واجبا و جاز ترکه لاجل عدم وجوب ذي المقدمة لزم من ذلک المحال , هذا ما يتعلق بالصورة الثانية.

و بذلک يظهر حکم الصورة الاولی بدلالة صحيحة محمد بن مسلم «عن رجل اجنب في السفر و لم يجد الّا الثلج او الماء الجامد فقال علیه السلام :هو بمنزلة الضرورة يتيمم, و لا اری ان يعود الی هذه الارض التي توبق دينه»(1), و هذه الفقرة تدلنا علی كون الانسان مسؤول عن المقدمات المفوتة للواجب الشرعي و لو قبل الوقت فيمكن الاستدلال بها علی حرمة كل مقدمة مفوته بل و موجبة للاضطرار و التعبير ب«لا اری» لعله من جهة ان هذا الامر مما يدركه العقل، و هذا ايضا من موارد الاحتياط المنصوص فقد نصت الرواية علی المحافظة علی امر الدين بان لا يذهب الی المكان الذي يُذهِب بالدين فقوله علیه السلام «توبق دينه» قرينة علی حرمة هذا العمل فالانسان مسؤول علی دينه عقلا و شرعا .

و بذلک يظهر ضعف ما قاله المحقّق الخراساني في التفريق بين إراقة الماء قبل الوقت مع العلم بعدم إمكان تحصيله بعده، و بين إجناب الرجل نفسه اختياراً بمواقعة أهله قبل الوقت، مع علمه بعدم تمكّنه من الطهارة المائية بعده، بعدم جواز الأوّل و جواز الثاني, بما هذا حاصله: أنّ الواجبات الشرعية مختلفة من ناحية المقدّمة، فقد تكون القدرة المعتبرة قدرة مطلقة، فعندئذ يجب تحصيلها أو حفظها، و قد يكون الواجب قدرة خاصّة و هي القدرة على الصلاة مع الطهارة المائية إذا لم يقدم على مواقعة أهله. فالتجويز من الفقهاء كاشف عن كون المعتبر هو القدرة الخاصّة لا العامة(2).

ص: 153


1- الكافي ط الاسلامية ؛ ج/3 ص/67 ح/1
2- كفاية الأُصول: 167/ 1.

و فيه: ان تجويز الفقهاء للاجناب لا لاجل انه «كاشف عن كون المعتبر هو القدرة الخاصّة لا العامة» فانه ادعاء بلا دليل بل لاجل لزوم العسر و الحرج لو قلنا بحرمة الاجناب لانه من قبيل العطشان نقول له يحرم عليک اتلاف الماء بالشرب و لا ريب في کون هذا من موارد العسر و الحرج, و قد تقدم تفصيل الکلام في هذه المسألة في الجزء الاول فراجع .

السابع: في صحّة عمل تارك الفحص

يقع البحث تارة فيما إذا لم ينكشف الخلاف، و اخری بما إذا انكشف الخلاف، و المقصود في المقام هو ما إذا انكشف الواقع، لأنّ حكم الموضوع قبل الانكشاف واضح، و هو أنّه لا يصحّ له أن يقتصر بما عمل, بحكم العقل، لعدم المُؤمِّن من العقاب، و هذا هو مراد من حکم على عمله بالبطلان.

و اما إذا انكشف الخلاف ففيه صور أربعة:

الصورة الأُولى: إذا انكشف أنّ العمل كان مخالفاً لفتوى من يجب الرجوع إليه حين العمل و فتوى من يجب عليه الرجوع فعلاً، فيحكم بالبطلان لعدم الدليل على الصحّة، فيجب تحصيل المؤمِّن من العقاب، و لا يحصل إلّا بتطبيق العمل على الحجّة الفعلية.

الصورة الثانية: إذا كان العمل موافقاً لفتوى من كان عليه الرجوع حين العمل، و فتوى من يجب عليه الرجوع فعلاً و ذلك لموت الأوّل و تعيّن الرجوع إلى المجتهد الحي فيحكم بالصحة، كما في المعاملات مطلقاً، و في العبادات إذا تمشّت منه القربة، لأنّ الصحّة في الأُولى رهن المطابقة، و في الثانية كذلك بشرط حصول قصد القربة.

الصورة الثالثة: أن يكون العمل موافقاً لفتوى من كان الرجوع إليه واجباً حين العمل، و مخالفاً لفتوى من يجب عليه الرجوع فعلاً، ففيه وجهان:

ص: 154

الأوّل: الصحّة، لكونه موافقاً لرأي من كان الرجوع إليه واجباً، لأنّها تدور على موافقة العمل للواقع و الكاشف عنها رأي المجتهد آنذاك.

الثاني: البطلان، و ذلك لأنّ الحكم بالصحة فرع الاستناد إلى الحجّة الشرعية حين العمل حتى يدخل في معقد الإجماع على صحّة عمل العامي المستند لرأي المفتي فلا يضرّه تبدل رأيه أو موته و رجوعه إلى من يخالفه في الرأي، لوجود الإجماع على الإجزاء و المفروض أنّه لم يستند إليه، حتى يدخل في معقد الإجماع، و انحصر الطريق إلى كشف الموافقة و المخالفة في رأي المجتهد الحيّ، أعني: من يجب عليه الرجوع، و المفروض أنّ العمل حسب نظره باطل، فلا بدّ من تطبيق العمل على وفق رأيه.

و بذلك يعلم حكم ما إذا فاتت فريضة الإنسان و أراد القضاء، فانّه يجب عليه تطبيق العمل على رأي من يجب الرجوع إليه حين القضاء، لا على رأي من كان عليه الرجوع حين الفوت، و ذلك لأنّ الفائت و إن كان هو الواجب الواقعي إلّا أنّ الطريق إليه هو رأي المجتهد الحي، لا رأي من مضى و تُوفِّي فانّه ليس بحجّة. و هذا هو الاقوی .

الصورة الرابعة: عكس الثالثة، فيحكم على العمل بالصحة لقيام الطريق على كون العمل مطابقاً للواقع.

الثامن: في ما ورد من عدم الاعادة علی الجاهل

هذا و اتّفق الأصحاب على صحّة عمل الجاهل في موضعين إذا خالف الواقع و عدم جواز الإعادة مع الحكم بالعقاب.

1. الإتمام موضع القصر دون العكس.

2. الجهر في موضع المخافتة و بالعكس.

ص: 155

فوقع الكلام في كيفية الجمع بين الصحّة و استحقاق العقاب، فانّ الحكم بالصحّة، آية القبول و لا معنى معه للعقاب.

و قد حاول المحقّقون من عصر الشيخ الكبير كاشف الغطاء، إلى عصرنا، أن يجمعوا بين الصحّة و العقاب بوجوه:

احدها: ما ذكره الشيخ الأنصاري فانه أجاب عن الإشكال بانه هنا احتمالات ثلاثة:

الاول: منع تعلّق التكليف فعلاً بالواقع المتروك، و أنّ المأتي به هو المأمور به.

الثاني: منع تعلّقه بالمأتي به، و انّ الواجب هو الواقع المتروك.

الثالث: منع التنافي بينهما، بالأمر بالواقع المتروك أوّلاً، و المأتي به ثانياً عند عصيان الأمر الأوّل، و هذا هو المسمّى بالترتب.

و ردّ الأوّل: بأنّه خلاف ظاهر المشهور، حيث إنّهم يقولون ببقاء التكليف المجهول بالنسبة إلى الجاهل.

و ردّ الثاني: بأنّ الظاهر من الأدلّة أنّ المأتي به هو المأمور به، حيث ورد في من جهر محل المخافتة أو بالعكس، و قد تمّت صلاته (إشارة إلى الصحيح الذي رواه الصدوق عن أبي جعفر علیه السلام «في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه، و أخفى فيما لا ينبغي الإخفات، فقال: أيّ شي ء ذلك فعل تعمداً فقد نقض صلاته وعليه الإعادة، و إن فعل ذلك ناسياً أو ساهياً أو لا يدري فلا شي ء عليه، و قد تمت صلاته»)(1).

و اما الثالث فمبني على صحّة الترتّب أوّلًا، و ليس المقام من موارده ثانياً(2). و توضيح الترتب هو کون المأتي به- كالصلاة جهرا في موضع الإخفات- يتعلّق به الأمر بشرط

ص: 156


1- الوسائل: 4، الباب 26 من أبواب القراءة، الحديث 1.
2- الفرائد: 408.

العزم على عصيان الأمر بالصلاة إخفاتا بنحو الشرط المتأخّر, و وجه عدم كونه من موارد الترتب هو أنّ الترتب انما هو فيما إذا كان هناكأمران أحدهما أهم و الآخر مهم، و كان الاشتغال بالمهم عصياناً للأوّل و ليس المقام كذلك.

اقول: ان استظهاره من ظاهر الدليل من کون الأوّل مأموراً به، ففيه: انه لا ظهور لقوله: «تمّت صلاته» الّا في الصحّة و القبول، لا في كونه مأموراً به, و عليه فلا دليل علی عدم المعصية .

التاسع: من شرائط جريان البراءة

ذكر الفاضل التوني لأصل البراءة شرطين آخرين:

الشرط الأوّل: أن لا يكون إعمال الأصل موجباً لثبوت حكم شرعي آخر من جهة أُخرى مثل أن يقال: في أحد الإناءين المشتبهين، الأصل عدم وجوب الاجتناب عنه، فانّه يوجب الحكم بوجوب الاجتناب عن الآخر، أو فيما علم بحدوث الكرية و ملاقاة الماء بالنجاسة و شكّ في تقدّم أحدهما على الآخر، فانّ إعمال الأُصول في عدم تقدّم الكرية على الملاقاة يوجب الاجتناب عن الملاقي, و مثل ما إذا شكّ في ثبوت الدين على الذمّة، و إجراء أصالة البراءة من الدين موجب للحكم بوجوب الحجّ، لحصول الاستطاعة حينئذ. و مثل ما إذا شكّ في حرمة التدخين، فتجري البراءة و يوجب جواز بيع التتن(1).

و فيه: انّ الأصل الجاري في هذه المثالين الاولين هو الاستصحاب لا البراءة و مع غض النظر عن هذا، فانّ الأُصول لا تجري في أطراف العلم الإجمالي إمّا لعدم شمول أدلّة الأُصول لأطرافه، أو شمولها و لكنها تسقط لأجل التعارض علی الخلاف المتقدم . و اما

ص: 157


1- الفرائد: 311.

المثالين الاخيرين فلو منعنا جريان البراءة فيهما سقط هذا الاصل بالمرة و هو کما تری, و لذا أورد عليه المحقّق الخراساني بما حاصله: أنّ الإباحة الظاهرية، أو رفع التكليف، إذا كان موضوعاً أو ملازماً لثبوت حكم آخر فلا محيص عن ترتّبه عليه بعد إحرازه كما لو نذر أن يعطي للفقير المال الحلال ظاهراً فوجد مالاً تحت يده يحتمل أنّه لغيره نعم لو كان مترتباً على نفي التكليف واقعاً له، لا يترتب عليه، و ذلك لعدم الموضوع لا للاشتراط، كما إذا نذر أن يعطي للفقير الحلال الواقعي، فلا يجب إذا ثبتت حليته بالأصل(1).

و بعبارة اخری: أنّ موضوع الحكم الشرعيّ لا يخلو إمّا أن يكون أمرا ظاهريّا، كعدم استحقاق العقوبة و رفع التكليف، كما إذا فرض أنّ موضوع جواز البيع هو كون الشي ء حلالا و لو ظاهرا، فحينئذ إذا شكّ في حرمة شرب التتن جرت فيه البراءة الشرعيّة، فيحكم بحلّيّته الظاهريّة و يترتّب عليه جواز البيع، لتحقّق موضوعه و هو حلّيّته و لو ظاهرا.

و إمّا أن يكون أمرا واقعيّا، كما إذا ترتّب الحكم الشرعيّ على عدم الحكم واقعا لا ظاهرا، كما إذا فرض أنّ موضوع وجوب الحجّ هو الاستطاعة واقعا، فهو انّما يترتّب على عدم ثبوت دين على عهدة المكلّف واقعا، فإذا شكّ في ثبوت الدين و عدمه تجري أصالة البراءة عن الدين، و لكن لا يترتّب عليه وجوب الحجّ، لأنّ أصالة البراءة عن الدين انّما تثبت عدم الدين ظاهرا، و المفروض أنّ موضوع وجوب الحجّ هو عدم ثبوت الدين واقعا، فلم يتحقّق موضوعه و لم يترتّب عليه. فعليه لا محصّل للشرط الأوّل، إذ تجري البراءة بعد الفحص في الشبهات البدويّة لا محالة، غاية الأمر لا محيص عن ترتّب الحكم على تقدير، و لا موضوع لذلك الحكم على تقدير آخر.

ص: 158


1- كفاية الأصول، ص: 379.

الشرط الثاني: لأصل البراءة أن لا يضرّ بإجرائها شخصا آخر فقال في الوافية: «مثلا: إذا فتح إنسان قفصا للطائر فطار، أو حبس شاة فمات ولدها، أو أمسك رجلا فهربت دابّته، فإنّه لا يصحّ حينئذ التمسّك ببراءة الذمّة، بل ينبغي للمفتي التوقّف عن الإفتاء حينئذ، و لصاحب الواقعة الصلح إذا لم يكن منصوصا بنصّ خاصّ أو عامّ، لاحتمال اندراج مثل هذه الصورة في قوله: «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام»، و فيما يدلّ على حكم من أتلف مالا لغيره ...» (1), فانّ إعمال البراءة فيها موجب لتضرر المالك فيندرج تحت قاعدة الإتلاف أو قوله: لا ضرر و لا ضرار .

و فيه: انّه لا موضوع للأصل مع وجود الدليل الاجتهادي، لورود قاعدة من أتلف مال الغير فهو له ضامن و کذلک قاعدة لا ضرر و لا ضرار على أصل البراءة .

الأصل الرابع: الاستصحاب

قد تقدّم أنّ حصر الأصول العملية الكلية في الأربعة حصر استقرائي؛ و قد تقدّم الكلام في الأُصول الثلاثة: البراءة، و الاشتغال، و التخيير؛ و بقي الكلام في الاستصحاب، و مجراه هو وجود الحالة السابقة و اما لحاظها و اعتبارها فمحل اختلاف فمن قال بحجية الاستصحاب مطلقا فلا وجه لهذا القيد عنده کما هو المختار, و من خص حجيته بالشک في الرافع کالشيخ الاعظم رحمه الله فانّه ربّما تكون هناك حالة سابقة و لا تكون ملحوظة و

ص: 159


1- الوافية: 193- 194.

معتبرة كما في الشكّ في المقتضي ، أو الشک في الحكم الشرعي الكلي عند النراقي و من تبعه كالمحقّق الخوئي فانهما لا يريان حجيته في الشک في الحکم الکلي .

و قبل الخوض في البحث لابد من ذكر أُمور:

الأمر الأوّل: في تعريف الاستصحاب

اقول: يختلف تعريف الاستصحاب بحسب اختلاف المباني في حجيته، فانّ في كيفية حجيته وجوه ثلاثة:

الاول: انّه أمارة عقلائية لكشف حال الشي ء في الآن اللاحق، و اليقين السابق أمارة ظنية لبقائه في ظرف الشك. و ليس المراد من الشكّ هو تساوي الطرفين حتى ينافي الظن بالبقاء، بل المراد احتمال الخلاف الجامع مع الظن، و بعبارة أُخرى المراد الشك الأُصولي لا الشكّ المنطقي.

الثاني: انّه أصل عملي اعتبر لحفظ الواقع، فكما أنّ للمولى ان يحتفظ بمطلوبه بإيجاب الاحتياط في أطراف الشبهة المحصورة تحريمية كانت أو إيجابية، فهكذا يحتفظ به في إيجاب العمل على وفق الحالة السابقة، لأنّ الغالب على ما كان، هو البقاء.

3. انّه أصل عملي تعبدي محض كأصالتي الطهارة و الحلية و ليس ناظراً إلى الواقع.

فعلى الوجه الأوّل، يدخل الاستصحاب في عِداد الأمارات العقلائية التي تفيد الاطمئنان بمفاده، و ليست الأمارة إلّا كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق، فحينئذ يصح تعريفُ المحقّق القميو هو: كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق، مشكوك البقاء في الآن اللاحق(1).

ص: 160


1- قوانين الاصول: 53/ 2.

و أمّا على الرأيين الأخيرين أعني: كونه أصلاً شرعياً لاجل المحافظة علی الواقع، أو تعبدياً محضاً فأحسن التعاريف ما ذكره المحقّق الخراساني و هو: الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه(1).

ثم ان الحاصل من مفاد «لا تنقض» هو انه أمارة عقلائية کما هو المختار .

و اما علی باقي المباني فهو «إنشاء حكم ظاهري مماثل كما عليه الشيخ الأعظم و المحقق الخراساني, أو كونه «اعتبار بقاء اليقين السابق في اللاحق من حيث المحرزية» كما هو مبنی المحقق النائيني. أو كونه «وجوب المعاملة مع اليقين أو المتيقن السابق معاملة بقائه من حيث الجري العملي على طبقه» كما هو ظاهر المحقق العراقي»(2).

الأمر الثاني: الاستصحاب مسألة أُصولية لا قاعدة فقهية

اقول: لا شک إنّ الاستصحاب من المسائل الأُصولية إذا قلنا بأنّه من الأمارات العقلائية، فلأنّ مآل البحث فيه إلى حجّية الظن و عدمها.

و أمّا إذا قلنا بأنّه من الأُصول الشرعية لحفظ الواقع، أو للتعبّد فقد ذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية مسألة أُصولية، و الجاري في الموضوعية كعدالة زيد و نجاسة ثوبه قاعدة فقهية كأصالة الطهارة و قاعدة الفراغ.

و وجهه: هو اختصاص تطبيق المسألة الأُصولية على صغرياتها بالمجتهد دون القاعدة الفقهية، فانّ تطبيقها يعمّ المجتهد و المقلّد. و الاستصحاب في الشبهات الحكمية رهن شروط كالفحص عن الدليل الاجتهادي و غيره، و لا يقوم به إلّا المجتهد، دون الشبهات

ص: 161


1- كفاية الأُصول: 273/ 2.
2- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، ص: 528

الموضوعية، و اختاره المحقّق النائيني و قال: إنّ نتيجة المسألة الأُصولية إنّما تنفع المجتهد و لا حظّ للمقلِّد فيها، و إنّ النتيجة في القاعدة الفقهية تنفع المقلِّد(1).

قلت: ما ذكره من التفصيل و إن كان صحيحاً، لكن الفرق بين المسألة الأُصولية و القاعدة الفقهية أمر آخر تقدم بيانه في الجزء الاول، و ما ذكراه منتقض بكثير من القواعد الفقهية التي لا يقوم بتطبيقها إلّا المجتهد، نظير: قاعدة ما يُضمن و ما لا يُضمن، و قاعدة الإلزام، و غيرهما من القواعد التي لا يستفيد منها إلّا المجتهد .

الأمر الثالث: أركان الاستصحاب

يشترط في الاستصحاب من حيث اليقين و الشكّ أُمور ثلاثة:

1. اجتماع اليقين و الشكّ سواء اجتمعا في النفس معاً، أو كان اليقين متقدماً و الشكّ متأخراً، أو بالعكس.

فإن قلت: كيف يجتمع اليقين و الشكّ في زمان واحد، مع أنّ الشكّ ينقض اليقين تكويناً، فلا يقين مع الشكّ؟

قلت: هذا إذا كان متعلّق اليقين و الشكّ واحداً بالذات، و الزمان، و أمّا إذا كان متعلّقهما واحداً بالذات، مختلفاً زماناً فلا مانع من اجتماعهما، كما إذا أذعن بعدالة زيد يوم الجمعة، و شكّ في عدالته يوم السبت، فالمسوغ لاجتماعهما هو اختلاف المتعلّقين زماناً، و إن كانا متحدين ذاتاً.

2. سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك، و هو مورد الروايات لا العكس، كما يأتي في الاستصحاب القهقري.

ص: 162


1- فوائد الأُصول: 309/ 4.

3. وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة ذاتاً، كأن تكون العدالة بما هي هي متعلّقاً لليقين و الشكّ معاً، و إلّا فلو كان المتعلّق مختلفاً كان خارجاً عن الاستصحاب و داخلًا تحت قاعدة المقتضي و المانع، و بذلك علم أنّه يشترط في الاستصحاب أُمور ثلاثة:

1. اجتماع اليقين و الشكّ أو فعليتهما, و بذلک خرجت قاعدة اليقين.

2. سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك, و بذلک خرج الاستصحاب القهقري.

3. وحدة متعلّق الشك و اليقين و بذلک خرجت قاعدة المقتضي و المانع. و كلّ واحد من هذه القيود الثلاثة يميز الاستصحاب عن هذه القواعد الثلاثة و هي کالتالي.

الأمر الرابع: في بيان القواعد الثلاثة

ألاولی: قاعدة اليقين أو الشكّ الساري

إنّ قاعدة اليقين أو الشكّ الساري تختلف مع الاستصحاب في أمرين:

الأمر الأوّل: انّ متعلّق اليقين و الشكّ يتّحدان ذاتاً و يختلفان زماناً في الاستصحاب، بخلاف قاعدة اليقين فيتحدان ذاتاً و زماناً. مثلًا إذا كان متيقّناً بعدالة زيد يوم الجمعة و شكّ في بقائها يوم السبت، فهذا ينطبق على الاستصحاب؛ و أمّا إذا شكّ في نفس عدالته يوم الجمعة على وجه سرى الشك إلى اليقين فتنطبق عليه قاعدة اليقين.

الأمر الثاني: لمّا كان الحدوث في الاستصحاب أمراً متيقّناً، و البقاء مشكوكاً، يكون الشكّ و اليقين فعليّين لعدم التزاحم بينهما، و هذا بخلاف قاعدة اليقين حيث إنّ المتعلّقين كانا متّحدين ذاتاً و زماناً يزول اليقين بعد عروض الشك. و يقع الكلام في صحّة الأعمال التي أُتي بها في ظرف اليقين بعد طروء الشك. و إلى هذا يرجع كلامهم: الشكّ في الاستصحاب شكّ في البقاء بعد الفراغ من ثبوته حدوثاً، و في قاعدة اليقين شكّ في الحدوث دون نظر إلى البقاء على فرض الحدوث.

ص: 163

و بذلك يعلم أنّ اليقين و الشكّ من الحالات النفسية التي لا تجتمع في النفس أبداً و لكن المسوِّغ اجتماعهما في المقام هو اختلاف متعلّقي اليقين و الشكّ من حيث الزمان في الاستصحاب، و اختلاف ظرفي اليقين و الشكّ في قاعدة اليقين، فالذي يزيل المشكلة هو وجود المغايرة إمّا في المتعلّق أو في ظرف حدوث اليقين و الشكّ.

و يترتب على ذلك أنّ اللازم في الاستصحاب تقدم متعلّق اليقين على متعلّق الشك، و أمّا اليقين و الشكّ فيمكن أن يحصلا معاً، أو لا يحصلا إلّا بالترتب سواء قُدِّم اليقين أو قُدّم الشك، فالمعيار التغاير بين المتيقّن و المشكوك من حيث الزمان، و تقدّم الأوّل على الثاني، و أمّا قاعدة اليقين فبما أنّ حلّ المشكلة كان رهن اختلاف اليقين و الشكّ زماناً فلا مناص من تقدّم زمان اليقين على زمان الشكّ و حصولها مترتبين.

الثانية: قاعدة المقتضي و المانع

إذا تعلّق اليقين بشي ء و الشكّ بشي ء آخر يغايره ذاتاً و زماناً، كما إذا أيقن بصب الماء على اليد، و شكّ في وجود المانع عن وصول الماء إلى البشرة، فهذا هو مورد القاعدة المعروفة بقاعدة المقتضي و المانع، فالمقتضي هو صبّ الماء الذي يقتضي غسلَ البشرة، و المانع هو احتمال وجود عائق عن وصول الماء إلى البشرة، كاللون، ففي المقام اختلف متعلقا اليقين و الشكّ لا زماناً بل جوهراً.

و بذلک يتضح الفرق بين الاستصحاب و القاعدتين المذكورتين في ناحية المتعلّق.

فما يتّحد متعلّقا اليقين و الشكّ ذاتاً و زماناً، فهو مجرى لقاعدة اليقين.

و ما يتّحد متعلّقا اليقين و الشكّ ذاتاً لا زماناً، فهو مجرى لقاعدة الاستصحاب.

ص: 164

و ما يختلف متعلّقا اليقين و الشكّ ذاتاً، فهو مجرى لقاعدة المقتضي و المانع, فعلى فرض حجّية قاعدة المقتضي و المانع إذا شككنا في وجود العائق عن وصول الماء، نقول: المقتضي موجود و المانع مرفوع بالأصل.

ادلة القاعدة و جوابها

هذا و قد استدل العلامة البهبهاني لهذه القاعدة بقوله: «و أما اعتبارها فهو عقلي ثابت بحكم العقل يعني أنه جهة واقعية مدركة به و يظهر ذلك من بناء العقلاء على العمل بها في كل باب فإن بناءهم على أمر و ركونهم إليه ليس إلّا بما هم عقلاء فبناؤهم على العمل بها يكشف عن تصديق العقل و إدراكه إياها و ثبوتها عنده و لو على وجه الارتكاز و لا ينافي ذلك عجز بعضهم أو أغلبهم عن تقرير وجهه و كشفه كما هو الحال في أكثر الارتكازيات الثابتة عندهم بالضرورة بل الركون إليه و الاعتماد عليه من الضروريات التي جبلت عليه طبائع الحيوانات...»(1), و حاصل ما افاده هو: ان العلم بثبوت المقتضي في نظر العقلاء بمنزلة العلم بوجود الشيء , و اما المانع المحتمل فلا اعتداد به عند العقلاء ما دام العلم بثبوت المقتضي - بالکسر .

اقول: ما افاده من حکم العقل و بناء العقلاء علی القاعدة فبلا شاهد و لا دليل, بل الامر عند العقلاء عدم اثبات المقتضی - بالفتح - بمجرد ثبوت المقتضي - بالکسر .

ص: 165


1- - الفوائد العلية - القواعد الكلية؛ ج 1، ص: 13.

و قد يستدل لها بادلة الاستصحاب من قوله عليه السلام «لا تنقض اليقين بالشک» بتقريب انه اذا تيقنت بثبوت شيء عن طريق العلم بمقتضيه و سببه فلا تعتنِ باحتمال عدمه لاجل احتمال المانع .

و فيه: ما لا يخفی فانه ليس المراد من الشک هو الشک في المانع بل الشک باليقين السابق اما من جهة حدوثه او من جهة بقائه کما سيأتي بيانه, و بذلک يظهر ضعف شمول أدلّتها لقاعدة المقتضي و المانع، فان المتبادر من الأدلّة هو وحدة المتعلّقين ذاتاً، على خلاف مورد قاعدة المقتضي و المانع .

هذا و ذکر المحقّق الخراساني في تعليقته على الفرائد: ان أقصى دلالة الدليل في تطبيق روايات الاستصحاب على قاعدة المقتضي و المانع، هو جعل غاية عدم الوضوء في الصحيحة الأُولى، الاستيقان بالنوم الّذي يكون رافعاً له(1).

و فيه أوّلًا: أنّه من خصوصيات المورد، و هو لا يلازم كونها بصدد جعل القاعدة.

و ثانياً: أنّ نفي إيجاب الوضوء مع الشكّ في النوم إنّما هو لتحقيق الشكّ في الوضوء و ارتفاعه الّذي يكون صغرى لقوله: لا تنقض.

و ثالثاً: أنّ الظاهر وحدة متعلّق اليقين و الشكّ: لا تنقض اليقين بشي ء بالشك فيه لا بالشك في رافعه.

ص: 166


1- درر الفوائد في شرح الفرائد: 195، ط عام 1318 ه.

الثالثة: الاستصحاب القهقري

الاستصحاب القهقري هو نفس الاستصحاب الرائج، غير أنّ الفرق بينهما تقدّم زمان المتيقن على زمان المشكوك في الاستصحاب المتعارف، و أمّا إذا انعكس الامر فصار زمان المتيقن متأخراً زماناً، و المشكوك متقدماً زماناً، فهذا هو مورد الاستصحاب القهقري، كما إذا علمنا أنّ الصلاة و الصوم كانا حقيقة في لسان الصادقين في الماهيات العبادية، و شككنا في كونهما كذلك في عصر الوصي أو النبي، فهل يصحّ لنا إطالة عمر اليقين و جره تعبّداً إلى الزمان السابق حتى يثبتبذلك كونهما حقيقتين في الماهيات العبادية في عصرهما أيضاً، على وجه لو وردا في كلامهما يحمل على هذه المعاني الشرعية لكونهما حقيقة في لسانهما في المعنى الذي صار حقيقته فيه في عصر الصادقين علیهم السلام ؟

و بما أنّ أدلّة الاستصحاب ظاهرةً فيما إذا كان المقتضي متقدماً زماناً و المشكوك متأخراً زماناً على عكس الاستصحاب القهقري فلا تشمله أدلّته.

نعم ربّما يتمسك في إثبات وحدة المعنى في العصرين بوجه آخر غير الاستصحاب القهقري و هو أصالة عدم النقل و هو من سنخ الاستصحابات الدارجة، فتثبت بها وحدة المعنى في العصرين، و إلّا يلزم النقل و هو منفيّ بالأصل.

و سيوافيك الكلام في حجّية الأُصول اللفظية و لوازمها عند البحث في الأصل المثبت.

الأمر الخامس: في تقسيمات الاستصحاب

ينقسم الاستصحاب، حسب المستصحب تارة، و الدليل الدال على حكمه أُخرى، و منشأ الشك ثالثة، و إليك بيان الجميع على وجه الإيجاز.

أمّا التقسيم باعتبار المستصحب: فإنّه تارة يكون أمراً وجودياً، و أُخرى أمراً عدمياً.

ص: 167

و على التقدير الأوّل قد يكون حكماً شرعياً، و أُخرى موضوعاً لحكم شرعي.

ثمّ الحكم الشرعي قد يكون كلياً، و قد يكون جزئياً، و على كلا التقديرين قد يكون من الأحكام التكليفية، و أُخرى من الوضعية، و أمثلة الكل واضحة.

و أمّا التقسيم باعتبار الدليل الدال عليه: فتارة يكون دليله نقلياً كالكتاب و السنّة، و أُخرى لبيّاً كالإجماع و العقل.

و أمّا التقسيم من جهة الشكّ المأخوذ فيه: فالشكّ تارة يكون في مقدار استعداد المستصحب للبقاء، و يسمى بالشكّ في المقتضي كالحيوان المردّد بين طويل العمر و قصيره، و كنجاسة الماء المتغيّر إذا زال تغيّره بنفسه، فمرجع الشكّ إلى استعداد المستصحب للبقاء، و نظيره استصحاب الليل و النهار، فالشكّ في بقاء النهار يرجع إلى الشكّ في قابلية بقائهما في الفترة المشكوكة.

و أُخرى يكون استعداده للبقاء أمراً محرزاً لكن يحتمل طروء رافع يرفع المقتضي، كالطهارة فهي قابلة للبقاء ما لم يعرض هناك عارض و رافع كالنوم و البول. أو كعقد النكاح فالعلقة المنشأة قابلة للبقاء ما لم يطرأ رافع. فإذا شككنافي أنّ قولنا: أنت خلية رافع لحكم المقتضي أو لا، يكون الشكّ من قبيل الشكّ في الرافع.

ثمّ إنّ الشكّ في الرافع على أقسام، لأنّ الشكّ تارة يتعلّق بأصل وجود الرافع كالحدث بعد الوضوء، و أُخرى برافعية الأمر الموجود، و هو على أقسام لأنّ منشأ الشكّ في رافعية الأمر الموجود أحد الأُمور التالية:

1. تردّد المستصحب بين ما يكون الموجود رافعاً له، و ما لا يكون رافعاً له، كشغل الذمّة المستصحب يوم الجمعة بعد الإتيان بصلاة الظهر، فانّ الشكّ في رافعية الأمر الموجود

ص: 168

صلاة الظهر لأجل عدم تعيّن المستصحب و تردّده بين كون الواجب هو الظهر أو الجمعة، فعلى الأوّل ارتفع الاشتغال بالذمّة دون الثاني.

2. الجهل بحكم الموجود، كالمذي الخارج عن الإنسان، فهل هو رافع شرعاً للطهارة مثل البول، أو لا؟

3. الجهل بمصداقيته لرافع معلوم المفهوم كالبول، كالبلل المردّد بين البول و الوذي.

4. أو الجهل بمصداقيته لرافع مجهول المفهوم كالتيمّم على الحجر، المجهول كونه مصداقاً للصعيد المجهول المفهوم.

هذه التقسيمات الرئيسيّة ذكرناها, و قد وقع الخلاف في حجّية الاستصحاب في هذه الموارد.

في حجّية الاستصحاب

ثمّ إنّه لا يخفى اختلاف آراء الأصحاب في حجّيّة الاستصحاب مطلقا کما ذهب إليه جمع من الخاصة کالمحقق الخراساني(1), و اکثر العامّة، كالحنابلة و المالكيّة و أكثر الشافعيّة و الظاهريّة(2) ، و عدم حجّيّته كذلك کما عن أكثر الحنفيّة و جماعة من المتكلّمين كأبي الحسين البصريّ(3)، و التفصيل بين الموضوعات و الأحكام کما استظهره المحقّق القمّيّ عن كلمات المحقّق السبزواريّ(4)، أو بين ما كان الشكّ في الرفع و ما كان في

ص: 169


1- کفاية الاصول ص
2- إرشاد الفحول: 237 .
3- الإحكام (للآمدي) 4: 172.
4- راجع قوانين الاصول 2: 63، و ذخيرة المعاد: 115- 116.

المقتضي و هو الذي ذهب إليه الشيخ الأعظم الأنصاريّ(1)،إلى غير ذلك من التفاصيل الكثيرة على أقوال شتّى لا يهمّنا نقلها و نقل ما ذكر من الاستدلال عليها, و إنّما المهمّ الاستدلال على ما هو المختار منها و هو الحجّيّة مطلقا على نحو يظهر بطلان سائرها.

هذا و قد استدلّ عليه بوجوه:

الأوّل: بناء العقلاء

استقرار بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة، و حيث لم يردع عنه الشارع كان ماضياً .

و فيه: ان الاستدلال مبني على ثبوت أمرين:

1. استكشاف بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة تعبّداً، أو لأجل الدواعي الأُخر .

2. عدم الردع من جانب الشارع.

أمّا الأوّل: فغير ثابت، إذ لا يبعد أن يكون عملهم عليه لأجل وجود الاطمئنان، أو لغفلتهم عن الشك إن كان موجوداً في مکنون النفس, و عليه فيختص جواز العمل بحصول الاطمئنان لا مطلقاً، كما هو المطلوب.

و على فرض غفلتهم فلا يجوز العمل به عند الشكّ مع الالتفات، لأنّ بناء العقلاء على الجري على الحالة السابقة، إنّما هو في صورة الغفلة عن الشكّ، و المجتهد المستصحِب ملتفت إلى شكّه.

نعم لو فرض كونه أصلاً تعبدياً عندهم و انّهم يعملون به لحفظ النظام، كان دليلاً على حجّية الاستصحاب، و لكنّه مجرد فرض .

ص: 170


1- فرائد الاصول 3: 51 .

اقول: الصحيح ان يقال ان الاستصحاب امارة عقلائية عن العقلاء توجب الاطمئنان النوعي و لم يردع عنها الشرع المقدس و الاخبار الاتية بصدد الامضاء و الارشاد الی هذه السيرة .

و أمّا الثاني: فقد أورد عليه المحقّق الخراساني بأنّه يكفي في الردع ما دلّ في الكتاب و السنّة على النهي عن اتّباع غير العلم، أو ما دلّ على البراءة و الاحتياط في مورد الشبهات.

و أورد عليه المحقّق النائيني: بأنّ ما ذكره هنا ينافي ما تقدّم منه في باب حجّية الخبر الواحد حيث قال هناك: بأنّ ما دلّ من الكتاب و السنّة على النهي عن اتباع غير العلم لا يكون رادعاً لبناء العقلاء على العمل بخبر الواحد لاستلزامه الدور، و لكنّه سلّم في المقام بأنّها صالحة لردع بناء العقلاء على العمل بالاستصحابمع أنّ بناء العقلاء على الأخذ بالحالة السابقة لو لم يكن أقوى من بنائهم على العمل بالخبر الواحد فلا أقلّ من التساوي بين المقامين.

و اجيب: بوجود الفارق بين قول الثقة و الأخذ بالحالة السابقة، فإنّ الأوّل عند العرف مساوق للعلم بمعنى الاطمئنان، و هذا بخلاف الأخذ بالحالة السابقة، إذ لا يفيد إلّا الظن دون الاطمئنان.

و على ضوء ذلك فلا ينتقل العرف من قوله سبحانه: ﴿وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾(1), إلى قول الثقة المفيد للعلم العرفي، بخلاف الاستصحاب فبما أنّه مفيد للظن الضعيف ينتقل إليه من هذه الآية و نظائرها إلى أنّها بصدد الرد على العمل بهذا الظن(2).

ص: 171


1- الإسراء: 36.
2- ارشاد العقول ج4 ص

و فيه: انه لا فرق بين الامرين حيث ان بناء العقلاء على الأخذ بالحالة السابقة مما يدور عليه نظام الحياة في غالب الأُمور و عملهم به کعملهم باخبار الثقات و عليه فبناء العقلاء خارج عن مدلول الآيات تخصصاً و موضوعاً .

الثاني: الاستقراء

قال الشيخ: إنّا تتبّعنا موارد الشكّ في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع فلم نجد مورداً إلّا و قد حكم فيه الشارع بالبقاء، إلّا مع أمارة توجب الظن بالخلاف. و هي لا تتجاوز عن موارد ثلاثة:

أ: الحكم بنجاسة البلل الخارج قبل الاستبراء، فانّ الحكم بها ليس لعدم اعتبار الحالة السابقة، و إلّا لوجب الحكم بالطهارة لقاعدة الطهارة، بل لغلبة بقاء جزء حتى البول أو المني في المخرج فرجّح الظاهر على الأصل، و هو أصالة الطهارة.

ب: غسالة الحمام عند بعض، فانّ مقتضى الاستصحاب أو قاعدة الطهارة، طهارة الماء، إلّا أنّ الظاهر هو انفعال هذه المياه القليلة بالنجاسة، فقدّم الظاهر على الأصل.

ج: ظهور فعل المسلم في الصحّة، حيث يقدّم على أصالة الفساد التي هي مفاد الاستصحاب(1).

و فيه: انه اسقراء ناقص لا يفيد العلم فلا قيمة له.

ص: 172


1- فرائد الاصول ج2 ص

الثالث: الاستصحاب مفيد للظن

إنّ الثبوت السابق مفيد للظن به في اللاحق، و إليه استند شارح المختصر الحاجبي، فقال: معنى استصحاب الحال: انّ الحكم الفلاني قد كان و لم يظن عدمه، و كلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء(1).

و فيه: نمنع إفادته للظن في كلّ مورد اولا، و بعدم الدليل على حجّية هذا الظن ثانياً.

الرابع: الإجماع المنقول

استدل صاحب المبادئ على حجية الاستصحاب بالإجماع، فقال: الاستصحاب حجّة لإجماع الفقهاء على أنّه متى حصل حكم وقع الشكّ في أنّه طرأ ما يزيله أو لا وجب الحكم ببقائه على ما كان أوّلًا، و لو لا القول بأنّ الاستصحاب حجّة لكان ترجيحاً لأحد طرفي الممكن من غير مرجّح(2).

و فيه: أنّه لم يثبت إجماع العلماء على الحجية، و على فرض ثبوته فلاجل اعتمادهم على أحد هذه الوجوه المذكورة من سيرة العقلاء، أو الاخبار و عليه فهو مدرکي .

الخامس: الأخبار المستفيضة

تظافرت الأخبار على عدم جواز نقض اليقين بالشك، و تعد من أوضح الوجوه في المقام، و قد استمرّ الاستدلال بها من عصر الشيخ الجليل حسين بن عبد الصمد «918 - 984 هجرية» والد الشيخ بهاء الدين العاملي إلى يومنا هذا، و هي کالتالي:

ص: 173


1-
2- مبادئ الوصول في علم الأُصول: 56، ط طهران .

1 صحيحة زرارة الأُولى

منها: صحيحة زرارة و لا يضرها الإضمار(1) لجلالة زرارة وکونه من اصحاب الاجماع, «قال قلت له الرجل ينام و هو على وضوء أ يوجب الخفقة و الخفقتانعليه الوضوء قال يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن فإذا نامت العين و الأذن فقد وجب الوضوء قلت فإن حرك في جنبه شي ء و هو لا يعلم قال لا حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجي ء من ذلك أمر بين و إلّا فإنه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين أبدا بالشك و لكن ينقضه بيقين آخر»(2).

و تقرير الاستدلال حسبما قرره الشيخ الاعطم رحمه الله: «أن جواب الشرط في قوله علیه السلام و إلّا فإنه على يقين محذوف قامت العلة مقامه لدلالة ما عليه و جعله نفس الجزاء يحتاج إلى تكلف و إقامة العلة مقام الجزاء لا تحصى كثرة في القرآن و غيره مثل قوله تعالى ﴿و إن تجهر بالقول فإنه يعلم السر و أخفى ﴾﴿و إن تكفروا فإن الله غني عنكم﴾﴿ و من كفر فإن ربي غني كريم﴾﴿ و من كفر فإن الله غني عن العالمين﴾﴿ و إن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين﴾﴿ و إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾﴿ و إن يكذبوك فقد كذبت﴾ إلى غير ذلك.

ص: 174


1- لکن المحدّث الاسترآبادي رواها (في الفوائد المدنية: 142، مبحث التمسّك بالاستصحاب)؛ و صاحب الحدائق (في الحدائق: 143/ 1، المقدمة الحادية عشرة) عن الإمام الباقر علیه السلام .
2- الوسائل: الجزء 1، الباب 1 من أبواب الوضوء، الحديث 1، و الخطاب في قوله:» و لا تنقض« من قبيل الالتفات، حيث عدل من الغيبة إلى الخطاب .

فمعنى الرواية إن لم يستيقن أنه قد نام فلا يجب عليه الوضوء لأنه على يقين من وضوء في السابق و بعد إهمال تقييد اليقين بالوضوء و جعل العلة نفس اليقين يكون قوله علیه السلام و لا ينقض اليقين بمنزلة كبرى كلية للصغرى المزبورة هذا.

و لكن مبنى الاستدلال على كون اللام في اليقين للجنس إذ لو كان للعهد لكانت الكبرى المنضمة إلى الصغرى و لا ينقض اليقين بالوضوء بالشك فيفيد قاعدة كلية في باب الوضوء و أنه لا ينقض إلا باليقين بالحدث و اللام و إن كان ظاهرا في الجنس إلّا أن سبق يقين الوضوء ربما يوهن الظهور المذكور بحيث لو فرض إرادة خصوص يقين الوضوء لم يكن بعيدا عن اللفظ من احتمال أن لا يكون قوله علیه السلام فإنه على يقين علة قائمة مقام الجزاء بل يكون الجزاء مستفادا من قوله و لا تنقض و قوله فإنه على يقين توطئة له و المعنى أنه إن لم يستيقن النوم فهو مستيقن لوضوئه السابق و يثبت على مقتضى يقينه و لا ينقضه فيخرج قوله لا تنقض عن كونه بمنزلة الكبرى فيصير عموم اليقين و إرادة الجنس منه أوهن.

لكن الإنصاف أن الكلام مع ذلك لا يخلو عن ظهور خصوصا بضميمة الأخبار الأخر الآتية المتضمنة لعدم نقض اليقين بالشك»(1).

هذا و أورد عليه المحقّق النائيني: إنّ فرض الجزاء مقدّراً كقوله: فلا يجب الوضوء يستلزم التكرار لسبق نظيره في قوله: لا حتى يستيقن ، أي لا يجب الوضوء حتى يستيقن.

و فيه: أنّ نكتة التكرار هو التركيز على عدم الوجوب، مضافاً إلى أنّه إنّما يستهجن لو كان الجزاء مذكوراً لا محذوفاً مقدّراً.

ص: 175


1- فرائد الاصول ج 2 ص269.

ثم ان الجزاء عند الأُدباء و ان کان هو قوله: «فانّه على يقين» لكنّهم يدرسون الظاهر و إلّا فالجزاء محذوف.

دلالة الرواية على حرمة النقض في جميع الأبواب

إذا قلنا بكون الجزاء محذوفاً تكون الجملة الواقعة بعده تعليلاً مركباً من صغرى و كبرى، أعني: 1. انّه على يقين من وضوئه، 2. و لا تنقض اليقين أبداً بالشك. فدلالة التعليل على حرمة نقض اليقين في باب الوضوء لا غبار عليه، إنّما الكلام في دلالته على حرمته مطلقاً في جميع الأبواب.

فربما يحتمل اختصاص التعليل بباب الوضوء حيث إنّ اليقين في الصغرى تعلّق بالوضوء حيث قال: و إلّا فانّه على يقين من وضوئه ، و عندئذ يكون الحدّ الوسط في الكبرى هو أيضاً اليقين بالوضوء، أي و لا تنقض اليقين بالوضوء أبداً بالشكّ، فلا يعمّ الحديث عامة الأبواب. و بعبارة أُخرى: تكون اللام في الكبرى للعهد لا للجنس.

و أجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ قوله: من وضوئه ، في الصغرى ليس من متعلّقات اليقين حتى يكون اليقين مقيداً به، بل هو ظرف مستقر متعلّق بلفظ مقدّر، أي هو من طرف وضوئه على يقين فيكون الحدّ الأوسط في الصغرى كالكبرى هو نفس اليقين(1).

قلت: و الامر کما قال فان احتمال کون الام للعهد موهون جدا و خلاف الظاهر فلا معنی لضرب القاعدة في باب الوضوء فان حکم الشک في باب الوضوء واحد و لا يحتاج الی ضرب القاعدة کما و لا معنی لقوله ابدا فانه يناسب عدم اختصاصه بباب, مضافا الی انّ التعليل بأمر ارتكازي غير مختص بباب دون باب، و مفاده: انّ اليقين أمر مبرم مستحكم لا ينقض بالأمر الرخو, و مضافا الی ورود الكبرى في غير باب الوضوء أيضاً، كما سيأتي

ص: 176


1- کفاية الاصول ص

و عليه فالفهم العرفييقضی بإلغاء التقيّد بالوضوء و بذلك يظهر ان إرادة الجنس من اليقين واضح لا غبار عليه.

2. صحيحة زرارة الثانية

«قال: قلت له أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي ء من المني فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء فحضرت الصلاة و نسيت أن بثوبي شيئا و صليت ثم إني ذكرت بعد ذلك قال علیه السلام تعيد الصلاة و تغسله قلت فإن لم أكن رأيت موضعه و علمت أنه أصابه فطلبته و لم أقدر عليه فلما صليت وجدته قال علیه السلام تغسله و تعيد قلت فإن ظننت أنه أصابه و لم أتيقن ذلك فنظرت و لم أر شيئا فصليت فيه فرأيت ما فيه قال تغسله و لا تعيد الصلاة قلت لم ذلك قال لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت و ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا قلت فإني قد علمت أنه قد أصابه و لم أدر أين هو فأغسله قال تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك .

قلت: فهل علي إن شككت أنه أصابه شي ء أن أنظر فيه قال لا و لكنك إنما تريد أن تذهب بالشك الذي وقع من نفسك .

قلت: إن رأيته في ثوبي و أنا في الصلاة قال تنقض الصلاة و تعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته و إن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة و غسلته ثم بنيت على الصلاة لأنك لا تدري لعله شي ء أوقع عليك فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك الحديث»(1).

و التقريب كما تقدم في الصحيحة الأولى و إرادة الجنس من اليقين أظهر هنا.

ص: 177


1- التهذيب: 446/ 1 ح 1335، باب تطهير البدن و الثياب من النجاسات؛ الوسائل: 1053/ 2 و 1061 و 1605، ح 1 و 2، الباب 41 و 44 و 37 من أبواب النجاسات.

و أما فقه الحديث فبيانه أن مورد الاستدلال هو أن مورد السؤال فيه أن يرى بعد الصلاة نجاسة يعلم أنها هي التي خفيت عليه قبل الصلاة و حينئذ فالمراد اليقين بالطهارة قبل ظن الإصابة و الشك حين إرادة الدخول في الصلاة .

هذا الّا ان الرواية متناقضة الصدر والذيل حيث اشتمل صدرها بالبناء علی الاستصحاب بخلاف ذيها حيث اشتمل علی بطلان الصلاة, و لم يظهر لها توجيه صحيح و قد اعرض الاصحاب عن العمل بذيلها و لم يعتمدها الکليني و الصدوق في جوامعهما و لذا فالرواية لا وثوق بها فلا حاجة للبحث عنها.

3. صحيحة زرارة الثالثة

قال زرارة: «قلتُ له: مَنْ لم يدرِ في أربع هو أم في ثنتين، و قد أحرز الثنتين؟ قال: يركع بركعتين، و أربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب و يتشهد و لا شي ء عليه؛ و إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع، و قد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها أُخرى و لا شي ء عليه، و لا ينقض اليقين بالشك، و لا يُدخل الشكَّ على اليقين، و لا يُخْلِطْ أحدهما بالآخر، و لكنّه يَنقُض الشكّ باليقين و يُتمُّ على اليقين، فيَبني عليه، و لا يَعتدُّ بالشكّ في حال من الحالات»(1).

وجه الاستدلال:

انّ المراد من «اليقين» في قوله علیه السلام : «و لا ينقض اليقين بالشكّ» هو يقين المصلّي بعدم الإتيان بالركعة الرابعة، فإنّه قبل عرض الشكّ كان متيقّنا بعدم الإتيان بها، و بعد إحراز إتيان الركعة الثالثة شكّ في وجود الرابعة، فلا ينقض اليقين بالشكّ و يبني على عدم

ص: 178


1- الوسائل: الجزء 5، الباب 13 من أبواب الخلل الحديث 4؛ و الباب 10 منها، ح 3.

الإتيان بالرابعة، فيقوم و يضيف إليها ركعة اخرى, فالاستدلال مبني على بيان متعلّق اليقين في قوله: «و لا ينقض اليقين بالشك في الفقرة الثانية» و قد استظهر غير واحد أنّ المتعلّق عبارة عن عدم الإتيان بالأكثر، أو اليقين بالأقلّ، الملازم لليقين بعدم إتيان الأكثر، فعندئذ ينطبق على الاستصحاب، و تكون الكبرى المذكورة دليلاً لقوله المتقدّم عليه، أعني: قام و أضاف إليها أُخرى و لا شي ء عليه و كأنّ قائلًا يقول لما ذا؟ فقال: لأنّه لا ينقضُ اليقين بعدم الإتيان بالشكّ فيه, کما أن المراد بقوله علیه السلام قام فأضاف إليها أخرى القيام للركعة الرابعة بعد ما يسلم في الركعة الثالثة کما هو ظاهر الفقرة الأولى من قوله يركع ركعتين بفاتحة الكتاب فإن ظاهره بقرينة تعيين الفاتحة إرادة ركعتين منفصلتين أعني صلاة الاحتياط فتعين أن يكون المراد به القيام بعد التسليم في الركعة المرددة إلى ركعة مستقلة كما هو مذهب الإمامية.

و قد أُشكل على الاستدلال بوجوه أربعة:

الأوّل: الحمل على الاستصحاب لا يوافق المذهب

قال الشيخ الاعظم: «لو سلم ظهور الصحيحة في البناء على الأقل المطابق للاستصحاب كان هناك صوارف عن هذا الظاهر مثل تعين حملها حينئذ علىالتقية و هو مخالف للأصل»(1), حيث أنّ مقتضى الاستصحاب عندئذ الإتيان بالمشكوك موصولاً، مع أنّ المذهب المتفق عليه هو الإتيان به مفصولاً، فتكون الرواية معرضاً عنها .

اقول: الحمل علی التقية لا يتأتی في روايات زرارة لفقاهته وکونه من اصحاب الاجماع الذين کانوا مراجعا للشيعة في ذلک الزمان و هو لا ينقل الاخبار التي تشتمل علی التقية و عليه: فالمراد من عدم نقض اليقين بالشك عدم جواز البناء على وقوع المشكوك بمجرد

ص: 179


1- فرائد الاصول ج3 ص62-63 .

الشك كما هو مقتضى الاستصحاب فيكون مفاده عدم جواز الاقتصار على الركعة المرددة بين الثالثة و الرابعة, و قوله لا يدخل الشك في اليقين يراد به أن الركعة المشكوك فيها المبني على عدم وقوعها لا يضمها إلى اليقين أعني القدر المتيقن من الصلاة بل يأتي بها مستقلة على ما هو المذهب, و بذلک اجاب المحقق العراقي عن الاشکال حيث قال: أنّ مقتضى الاستصحاب ليس إلّا لزوم الإتيان بركعة اخرى، و أمّا كونها موصولة أو غير موصولة فلا يستفاد من الاستصحاب و لا من إطلاق دليله، بل المتّبع في ذلك هو الدليل الدالّ على الحكم الواقعيّ، و هو في نفسه يقتضي اتّصال أجزاء الصلاة و ركعاتها، فيقتضي كونها موصولة، إلّا أنّ النصوص الواردة في باب الشكوك تدلّ على لزوم الفصل بالتشهّد و التسليم. و مرجع ذلك في الحقيقة إلى تخصيص دليل الحكم الواقعيّ المجهول، لا إلى تخصيص الاستصحاب أو تقييد إطلاقه في المورد. و عليه فيطبّق الاستصحاب على المورد بلا محذور(1), کما و انه اجاب بجواب اخر قريب مما تقدم منه انفا حيث قال: «أنّ المتيقّن في المقام ليس عدم الإتيان بالركعة الرابعة، كي يتأتّى الحديث السابق، بل المتيقّن هو الاشتغال بالتكليف بالصلاة، فشكّ في ارتفاعه بإتيان الركعة المردّدة بين كونها الثالثة و الرابعة، فقال علیه السلام : «قام فأضاف إليها اخرى، و لا ينقض اليقين بالشكّ»(2).

و غرضه عدم نقض اليقين بالاشتغال بالشكّ فيه. و إذا بنى على اشتغال ذمّته بالصلاة يلزم عليه إتيان ركعة اخرى، غاية الأمر أنّ الصحيحة ساكتة عن كونها متّصلة أو منفصلة، فيرجع إلى الأدلّة الخاصّة و يستفاد منها لزوم إتيانها منفصلة.

ص: 180


1- نهاية الأفكار 4: 59 و 62 .
2- نهاية الأفكار 4: 59 و 62 .

و قد أُجيب عن هذا الإشكال بوجوه اخری:

1. ما أجاب به المحقّق الخراساني: انّ أصل الإتيان بالمشكوك هو مقتضى الاستصحاب، غاية الأمر إتيانه موصولاً، لا ينافي الاستصحاب بل ينافي إطلاق النقض، و قد قام الدليل على أنّ المشكوك لأنّه أن يؤتى بها مفصولاً(1).

2. ما أجاب به المحقّق النائيني، و حاصله: انّ الاتصال مقتضى إطلاق الاستصحاب و ليس مقتضى مدلوله قال: إنّ الموجب لتوهّم عدم انطباق الرواية على الاستصحاب ليس إلّا تخيّل أنّ الاستصحاب في مورد الرواية يقتضي الإتيان بالركعة الموصولة، و ذلك ينافي ما عليه المذهب، و لكن هذا خطأ، فانّ اتصال الركعة المشكوكة ببقية الركعات إنّما يقتضيه إطلاق الاستصحاب، لا انّ مدلول الاستصحاب ذلك، بل مدلول الاستصحاب إنّما هو البناء العملي على عدم الإتيان بالركعة المشكوكة، و أمّا الوظيفة بعد ذلك هو الإتيان بها موصولة فهو ممّا لا يقتضيه عدم نقض اليقين بالشك(2).

قيل: و الفرق بين الجوابين واضح؛ فانّ الاستصحاب على الأوّل لا يمس كرامة المذهب، و إنّما ينافيه لفظ النقض، بخلاف الثاني فانّه يمس كرامته، لكن المنافي إطلاقه، لا أصل مدلوله.

قلت: لا فرق بين الجوابين فان منافاة النقض عين منافاة الاستصحاب, و تکون المنافاة من جهة الاطلاق کما قالا و ذلک لأنّ لتنزيل الشاك منزلة المتيقن أثرين: 1. الحكم بعدم الإتيان بالمشكوك أصلاً. 2. الحكم بالإتيان به موصولاً, فنأخذ بالأثر الأوّل و نرفع اليد

ص: 181


1- كفاية الأصول ( مع تعليقة الزارعي السبزواري )، ج 3، ص: 194.
2- فوائد الأُصول: 362/ 4 .

عن الأثر الثاني بحكم ضرورة المذهب. و هذا الجواب مبني علی ثبوت الاطلاق و قد عرفت عدمه .

3. ما أجاب به الشيخ الأنصاري، و حاصله: انّه ربما يتوهم ورود الرواية تقيّة، لأنّ مقتضى الاستصحاب هو الإتيان بالمشكوك موصولاً، و لكن التقية في تطبيق الكبرى على المورد لا في نفس الكبرى، و كم لها من نظير في الفقه.

منها قوله علیه السلام لمنصور الدوانيقي: «ذلك إلى الإمام إن صمتَ صُمنا و إن أفطرتَ أفطرنا»(1), فالحكم بوصفه الكلي صحيح، و ليس فيه التقية، و إنّما التقية في تطبيقه على الحاكم السائد آنذاك.

و منها: قوله علیه السلام في صحيحة البزنطي «في الرجل يُستَكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك، أ يلزمه ذلك؟ فقال: لا، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : وُضِعَ عن أُمّتي ما أُكرهوا عليه، و ما لم يُطيقوا، و ما أخطؤوا»(2), فانّ الحلف بالطلاق، و ما عطف عليه باطل في كلتا الحالتين اختياراً و اضطراراً، و الإمام استدل على البطلان بحديث الرفع، إذ لم يكن في وسعه، القول ببطلان الحِلْف مطلقاً فتطرق إلى بيان الحكم عن طريق قاعدة مسلمة، و تطبيقها على المورد تقية.

و فيه: انه مجرد احتمال لا شاهد له بل ينفيه الجواب الاول .

الثاني: الحمل على الاستصحاب يستلزم التفكيك

إنّ لازم حمل قوله: لا تنقض على الاستصحاب لزوم التفكيك في الفقرات الست أو السبع حيث انّه يحمل اليقين و الشك في قوله علیه السلام لا ينقض اليقين بالشك و قوله: و لكن

ص: 182


1- الوسائل: الجزء 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.
2- الوسائل: الجزء 16، الباب 12 من أبواب الايمان، الحديث 12.

ينقض الشكّ باليقين على نفس معانيهما، أعني: الحالة النفسانية، و لكنّهما في سائر الفقرات تُحمل على الركعات المتيقّنة و المشكوكة، أعني:

و لا يدخل الشكّ في اليقين، و لا يُخلِطُ أحدهما بالآخر، و يُتمّ على اليقين، فيبني عليه أي الركعة المتيقّنة و لا يعتد بالشك بالركعة المشكوكة و هذا النوع من التفكيك، يوجب القدح في ظهور الرواية.

و فيه: انه لا مانع من ذلک مع القرينة حيث ان الإمام علیه السلام لما کان بصدد بيان أمرين: «البناء على عدم الإتيان بالركعة المشكوكة, و الإتيان بها مفصولة لا موصولة», أوجب ذلك استعمال اللفظين اليقين و الشك تارة في الحالة النفسانية، و أُخرى في الركعات المتيقّنة و المشكوكة.

الثالث: الصحيحة مختصة بباب المشكوك

إنّ الصحيحة لو تمّت دلالتها على حجّية الاستصحاب، تختص بباب شكوك الصلاة و أين مفادها من إثبات قاعدة كلية في عامّة الأبواب؟

و ربما يقال بتوجّه الإشكال إذا قرئت الأفعال بصيغة المعلوم الظاهرة في كون الموضوع هو اليقين المتعلّق بالركعة، لا فيما إذا قرئت بصيغة المجهول الظاهرة في أنّ الموضوع هو ذات تعلّق اليقين و الشكّ و أنّ ذكر المتعلّق لأجل بيان حكم المورد.

و فيه: أنّ المتبادر من الرواية أنّ الحكم ثابت لنفس اليقين، لا للمتيقّن، و ذلك لأنّ اليقين لاستحكامه و إبرامه، لا ينقض بمثل الشكّ الذي هو شي ء رخو غير صلب, بل هو صريحها حيث قال علیه السلام : «و لا يعتد بالشكّ في حال من الحالات» مضافاً إلى ورود الكبرى المذكورة في غير واحد من الروايات التي هي صريحة في بيان الاستصحاب.

الرابع: الاستصحاب مثبت

ص: 183

و حاصل الاشکال: أنّ استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة لا يُثبت كون ما يأتي به ركعة رابعة حتى يترتب عليها أثرها الشرعي، أعني: وجوبَ التشهد و التسليم، إذ يشترط في وجوب الإتيان بهما إحراز وقوعهما في تلك الركعة.

و الحاصل: انّ بين المستصحب، و هو عدم الإتيان بالرابعة، و أثرها الشرعي، أعني لزوم الإتيان بالتشهد و التسليم، واسطة، و هي كون ما يأتيه بحكم الاستصحاب هو الركعة الرابعة.

و فيه: ان هذا الاشکال وارد لو کان الاتيان بالرکعة الرابعة متصلا لا ما اذا دل الدليل علی الاتيان بها منفصلا و عليه فالاتيان بلوازم الرکعة الرابعة لاجل الدليل الخاص فلا تصل النوبة الی الاستصحاب .

احتمال الرواية لمعنی اخر

ذكر الشيخ الأنصاري احتمال آخر للرواية حاصله: أنّ المراد من اليقين هو اليقين بالبراءة الذي هو رهن العمل في باب الشكوك بالطريقة المروية عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، لا على الطريقة التي عليها ألعامّة، و يشهد بذلك أمران:

1. موثقة إسحاق بن عمّار: قال: قال لي أبو الحسن الأوّل علیه السلام : «إذا شككت فابن على اليقين قال: قلت: هذا أصل؟ قال: نعم»(1).

2. موثقة عمّار بن موسى الساباطي عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: «أ لا أعلّمك شيئاً إذا فعلتَه ثمّ ذكرتَ أنّك أتممت أو انقضت لم يكن عليك شي ء؟ قلت: بلى: قال: إذا سهوتَ فابن على الأكثر، فإذا فرغتَ و سلّمت، فقم فصلّ ما ظننت أنّك نقصت، فإن كنتَ قد أتممتَ لم يكن عليك في هذه شي ء، و إن ذكرتَ أنّك كنتَ نقضتَ كان ما صلّيتَ تمام ما

ص: 184


1- من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص: 351 ح1025.

نقصت»(1) إلى غير ذلك من الروايات الحاثّة على أنّ البناء على الأكثر و الإتيان بالمشكوك مفصولاً هو المحصِّل لليقين بالبراءة، و علىذلك فالمراد من عدم نقض اليقين، و البناء على اليقين، هو الأخذ باليقين و الاحتياط بالبناء على الأكثر، دون الأقل(2).

و فيه أولًا: ان رواية اسحاق ليست موثقة بل هي مرسلة فقال الصدوق و روي عن اسحاق.

ثانيا: لا دليل لحملها على باب الشكوك في الركعات، بل هي قاعدة عامة تعمّ جميع أبواب الفقه، و مفادها: كلّما شكّ المكلّف في شي ء فعليه البناء على اليقين، غاية الأمر خرج عنها باب الشكوك حيث يبنى فيها على الأكثر، و اما ذكر صاحب الوسائل لها في باب الشكوك(3) فلا يُضفي عليها الظهورَ فيها.

و أمّا موثقة عمار - مع غض النظر عن الاشکال في رواياته - فلا وجه للاستشهاد بها في تفسير الصحيحة لعدم الصلة بينهما.

و ثالثاً: وجود تلك الكبرى في غير واحد من الروايات الظاهرة في الاستصحاب يمنع عن حملها على غيرها أي على اليقين بالبراءة.

4. حديث الأربعمائة

حديث الأربعمائة من الأحاديث المعروفة الذي علّم به أمير المؤمنين علیه السلام أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه، و قد نقله الصدوق في الخصال في أبواب المائة فما فوقه، و قال: حدّثني أبي رضي الله عنه قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، قال: حدّثني محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه

ص: 185


1- الوسائل: الجزء 5، الباب 8 من أبواب الخلل، الحديث 3.
2- فرائد الاصول، ج 2، ص: 567 .
3- الوسائل: الجزء 5، الباب 8 من أبواب الخلل، الحديث 2.

الحسن بن راشد، عن أبي بصير و محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه علیه السلام ، و جاء في هذا الحديث قوله: «احسبوا كلامَكم مِنْ أعمالكم، ليقلَّ كلامكم إلّا في خير. أنفقوا ممّا رزقكُم اللّه عزّ و جل فانّ المنفِق بمنزلة المجاهد في سبيل اللّه، فمن أيقن بالخلف جادّ، و سخت (1) نفسه بالنفقة. من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه فانّ الشكّ لا ينقض اليقين»(2).

و لا اشکال في سند الحديث الّا من جهة محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني فقد تكلّم ابن الوليد أُستاذ الصدوق فاستثناه من رجال نوادر الحكمة، لمحمد بن أحمد بن يحيى الأشعري، و لكن ردّ عليه من جاء بعده، فنقل النجاشي عن شيخه أبي العباس بن نوح أنّه قال: و لقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه و تبعه أبو جعفر بن بابويه رحمه الله في ذلك إلّا في محمد بن عيسى بن عبيد، فلا أدري ما رابه فيه، لأنّه كان على ظاهر العدالة و الثقة(3). قلت: لکن اشکال ابن الوليد ليس في وثاقته بل في موثوقية ما يتفرد به عن يونس کما صرح بذلک هو.

و من جهة القاسم بن يحيى، فقد تكلّم ابن الغضائري حيث قال: «القاسم بن يحيى بن الحسن بن راشد مولى المنصور، روى عن جدّه و هو ضعيف». و تبعه في ذلك العلّامة فذكره في الخلاصة، و ابن داود في رجاله, الّا انها صحيحة السند برواية النجاشي فرواها

ص: 186


1- من السخاء بمعنى الجود.
2- الخصال: 619 ؛ و في رواية اخرى عنه: «من كان على يقين، فأصابه شكّ، فليمض على يقينه، فإنّ اليقين لا يدفع بالشكّ». الإرشاد (للمفيد) 1: 302.
3- رجال النجاشي: 242/ 2 برقم 940 ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى.

عن ابن نوح احمد بن علي و هو ثقة مضافا الی ان مشايخ النجاشي کلهم ثقات عن الحسين.. بن سفيان و هو ايضا ثقة عن حميد بن زياد و هو ثقة عن حمدان القلانسي و هو ثقة کما قال الکشي و لا يضره کلام النجاشي - في کونه مضطرب الحديث و لا کلام ابن الغضائري في کونه يروي عن الضعفاء - في خصوص هذه الرواية لانه رواها عن السندي عن العلاء عن ابن مسلم وکلهم ثقات و ليسوا من الضعفاء کما و انها لا اضطراب بها بل موثوق بها و ذلک لاعتماد الصدوق في الفقيه و الکليني في الکافي عليها مع صحة مضامينها, و على كلّ حال فالحديث تعلو هامته آثار الصدق، فمن لغير علي علیه السلام مثل هذا الحديث .

وجه الاستدلال:

و أمّا دلالة الحديث فقال الشيخ الاعظم في دلالته: «لا يخفى أن الشك و اليقين لا يجتمعان حتى ينقض أحدهما الآخر بل لا بد من اختلافهما إما في زمان نفس الوصفين كأن يقطع يوم الجمعة بعدالة زيد في زمان ثم يشك يوم السبت في عدالته في ذلك الزمان و إما في زمان متعلقهما و إن اتحد زمانهما كأن يقطع يوم السبت بعدالة زيد يوم الجمعة و يشك في زمان هذا القطع بعدالته في يوم السبت و هذا هو الاستصحاب و ليس منوطا بتعدد زمان الشك و اليقين كما عرفت في المثال فضلا عن تأخر الأول عن الثاني.و حيث إن صريح الرواية اختلاف زمان الوصفين و ظاهرها اتحاد زمان متعلقيهما تعين حملها على القاعدة الأولى و حاصلها عدم العبرة بطروء الشك في شي ء بعد اليقين بذلك الشي ء.

و يؤيده أن النقض حينئذ محمول على حقيقته لأنه رفع اليد عن نفس الآثار التي رتبها سابقا على المتيقن بخلاف الاستصحاب فإن المراد بنقض اليقين فيه رفع اليد عن ترتب

ص: 187

الآثار في غير زمان اليقين و هذا ليس نقضا لليقين السابق إلّا إذا أخذ متعلقه مجردا عن التقييد بالزمان الأول, و بالجملة فمن تأمل في الرواية و أغمض عن ذكر بعض أدلة الاستصحاب جزم بما ذكرناه في معنى الرواية»(1).

و حاصل کلامه أن الحديث ناظر إلى قاعدة اليقين، بدليل وجوه ثلاثة:

1: تقدّم اليقين على الشكّ فإنّ الرواية ظاهرة في تقدّم اليقين على الشكّ، بشهادة لفظ كان ، و هو يناسب قاعدة اليقين، إذ فيها يتقدّم اليقين على الشكّ زماناً، بخلاف الاستصحاب فلا يشترط فيه التقدّم، بل يصحّ العكس، و ربما يحصلان معاً.

2: وحدة متعلّق اليقين و الشكّ فإنّ الرواية ظاهرة في وحدة متعلّق اليقين و الشكّ من جميع الجهات ذاتاً و زماناً، و هذا ينطبق على القاعدة دون الاستصحاب لاختلافها زماناً.

3: زوال اليقين فإنّ قوله: ثمّ شكّ ظاهر في زوال اليقين و هو ينطبق على قاعدة اليقين لزوال اليقين فيه دون الاستصحاب .

و ردّ الأوّل: بأنّ اليقين يتقدّم على الشكّ غالباً في الاستصحاب، و دائماً في قاعدة اليقين، فلعلّ القيد في الرواية قيد غالبي لا احترازي، إذ قلّما يتقدّم الشكّ على اليقين أو يحصلان معاً.

فإن قلت: الأصل في القيد أن يكون احترازياً فيخرج الاستصحاب عن الرواية.

قلت: ما ذكر صحيح، لولا وجود المشابهة بين هذه الرواية و الروايات السابقة الصريحة في الاستصحاب.

و فيه: ان مجرد المشابهة مع الروايات المتقدمة - مع تسليم دلالتها في الاستصحاب لا في الاعم منه - و من القاعدة لا يصرف ظهورها عما هي ظاهرة فيه.

ص: 188


1- - فرائد الاصول ج2 ص270.

و ردّ الثاني: بأنّ الرواية ظاهرة في وحدة متعلّق اليقين و الشكّ، و هو متحقّق في الاستصحاب و القاعدة معاً، لأنّ متعلّقهما واحد ذاتاً و جوهراً, نعم إنّما يختلفان زماناً، و ليس في الرواية ما يدل على وحدتهما زماناً أيضاً.

اقول: ان ما قوله: «و ليس في الرواية ما يدل على وحدتهما زماناً أيضاً» ففيه: انها لا دلالة فيها علی اختلافهما زمانا ايضا, و عليه فهي صالحة للانطباق علی القاعدة کما انها صالحة للانطباق علی الاستصحاب و حيث انها مطلقة فهي شاملة لهما معا الّا ان يمنع من ذلک مانع .

و ردّ الثالث: بانه مجرّد ادّعاء لا يدعمه الدليل، إذ ليس معنى قوله: ثمّ شك : هو زوال اليقين من رأس بل يحتمل أن يكون زواله بقاءً لا حدوثاً. و الحاصل: انّ اليقين زائل في قاعدة اليقين حدوثاً، و في الاستصحاب بقاءً، و ليس قوله: ثمّ شكّ ناظر إلى الزوال حدوثاً، بل يحتمل زواله بقاء.

و فيه: ان مرد هذا الجواب الی ان الحديث صالح للانطباق عليهما معا و لا ينفي القاعدة کما و لا ظهور له في الاستصحاب فقط.

اقول: و عليه فقد خرجنا بهذه النتيجة ان ظهورها فيما قال الشيخ في القاعدة بدليل القرينة الاولی مما لا مفر منه الّا انا نقول ان دلالتها في الاعم من القاعدة و الاستصحاب اظهر و لا دليل علی اختصاصها بالقاعدة, بل هذا الحديث يکون قرينة علی ان الصحاح المتقدمة ايضا مدلولها لا يختص بالاستصحاب بل في الاعم منه و من القاعدة .

ثم ان الشيخ رحمه الله ابدی احتمال انطباقها علی الاستصحاب دون القاعدة حيث قال: «اللهم إلّا أن يقال بعد ظهور كون الزمان الماضي في الرواية ظرفا لليقين إن الظاهر تجريد متعلق اليقين عن التقييد بالزمان فإن قول القائل كنت متيقنا أمس بعدالة زيد ظاهر في إرادة

ص: 189

أصل العدالة لا العدالة المتقيدة بالزمان الماضي و إن كان ظرفه في الواقع ظرف اليقين لكن لم يلاحظه على وجه التقييد فيكون الشك فيما بعد هذا الزمان بنفس ذلك المتيقن مجردا عن ذلك التقييد ظاهرا في تحقق أصل العدالة في زمان الشك فينطبق على الاستصحاب فافهم»(1).

اقول: لا يخفی ان هذا الاحتمال مجرد احتمال و خلاف الظاهر فلا يصار اليه الّا بدليل و لا دليل.

و قد يقال بأنّ الرواية ناظرة إلى الاستصحاب من خلال التمسّك بذيل الرواية فليمض على يقينه حيث إنّه ظاهر في فعلية اليقين و تحقّقه في ظرف الشكّ، و هذا ينطبق على الاستصحاب دون قاعدة اليقين.

و فيه: أنّ المضيّ على اليقين كما يقال أن يكون بملاك وجوده بعد الشك، كذلك يمكن أن يكون المضي بملاك وجوده قبل الشك, و الحاصل: أنّ المضي على اليقين يشير إلى وجود يقين إمّا بعد الشك، كما في الاستصحاب؛ أو قبل الشك، كما في قاعدة اليقين فلا اختصاص له باحدهما و عليه فاطلاقه شامل لهما معا .

ثم قال الشيخ رحمه الله انه «لو سلم أن هذه القاعدة بإطلاقها مخالفة للإجماع أمكن تقييدها بعدم نقض اليقين السابق بالنسبة إلى الأعمال التي رتبها حال اليقين به كالاقتداء في مثال العدالة بذلك الشخص و العمل بفتواه أو شهادته أو تقييد الحكم بصورة عدم التذكر لمستند القطع السابق و إخراج صورة تذكره و التفطن لفساده و عدم قابليته لإفادة القطع»(2).

ص: 190


1- - فرائد الاصول ج2 ص271.
2- - فرائد الاصول ج2ص271

اقول: لا اجماع في البين بل لم تعنون المسألة الّا اخيرا فالحق ان الرواية بصدد بيان حجّية كلتا القاعدتين، بمعنى إذا شكّ فليمض على يقينه سواء شكّ في الحدوث فيرتب عليه أثر الحدوث، أو شكّ في البقاء فيرتب عليه أثر البقاء.

فان قلت: انّه بعيد عن الأذهان العرفية، و لعلّ ظهورها في إحدى القاعدتين أعني: الاستصحاب، أظهر(1).

قلت: بل هذا المعنی هو الاقرب الی الاذهان العرفية فالعرف لا يفرق بين کون الشک ساريا ام طاريا, و الحاصل لا شک في ظهور الرواية بالامرين معا و لا وجه لرد دلالتها بالاستحسانات و امثالها .

5. مكاتبة القاساني

روى الشيخ في التهذيب باسناده إلى محمد بن الحسن الصفّار، عن علي بن محمد القاساني، قال: «كتبت إليه و أنا بالمدينة أسأله عن اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان هل يصام أم لا؟ فكتب: اليقين لا يدخل فيه الشك، صم للرؤية و أفطر للرؤية»(2).

و الاستدلال بها يتوقف على صحّة سندها و وضوح دلالتها.

أمّا الأوّل: فلا اشکال فيه الّا من جهة علي بن محمد القاساني: فعرّفه النجاشي بقوله: «علي بن محمد بن شيرة القاساني كان فقيهاً، مكثراً في الحديث، فاضلاً، غمز عليه أحمد بن محمد بن عيسى و ذكر أنّه سمع منه مذاهب منكرة. و ليس في كتبه ما يدل على ذلك،

ص: 191


1- ارشاد العقول ج4 ص
2- الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 13.

له كتاب التأديب و هو كتاب الصلاة و هو يوافق كتاب ابن خانبه و فيه زيادات في الحجّ، و كتاب الجامع في الفقه كبير»(1).

و عده الشيخ في رجاله من أصحاب الهادي علیه السلام ، و قال: «علي بن محمد القاساني ضعيف، اصبهاني». و لعلّ السبب في تضعيفه غمز ابن عيسى من جهة انه سمع منه مذاهب منکرة, و علی اي حال فالرجل لم تثبت وثاقته .

أمّا الدلالة: فللرواية تفسيران:

ألاول: ما اختاره الشيخ فقال: «إنّ الرواية أوضح ما في الباب، فانّ (تفريع) تحديد كلّ من الصوم و الإفطار على رؤية هلال رمضان و شوال لا يستقيم إلّا بإرادة عدم جعل اليقين السابق مدخولًا بالشكّ أي مزاحماً به»(2) و على ما ذكره يكون المراد من اليقين هو اليقين بشهر شعبان، أو اليقين بشهر رمضان، فهذان اليقينان لا ينقضان بالشكّ في شهر رمضان في الأوّل أو شهر شوال في الثاني.

و لعلّ تفسير الدخول بالنقض لأجل أنّ دخول شي ء من شي ء يوجب انتقاض وحدته و تفرّق أجزائه فيكنی به عنه.

الثاني: ما اختاره المحقّق الخراساني من أنّ المراد من اليقين، هو: اليقين بدخول شهر رمضان و خروجه، لا اليقين بشهر شعبان، و أين هذا من الاستصحاب؟ لأنّ دلالتها على الاستصحاب موقوفة على أن يكون المراد من «اليقين» في قوله علیه السلام : «اليقين لا يدخل فيه الشكّ» اليقين بعدم دخول رمضان و عدم دخول شوّال، كي يكون مفاده عدم نقض

ص: 192


1- رجال النجاشي: 79/ 2 برقم 667.
2- الفرائد: 334.

اليقين السابق بالشكّ اللاحق. و لكن لا يبعد أن يكون المراد به اليقين بدخول رمضان- المنوط به وجوب الصوم- أو اليقين بخروجه و دخول شوّال؛ المنوط به وجوب الإفطار(1).

ثم ايّد ذلک بورود هذا المضمون في جملة من الأخبار الواردة في يوم الشكّ، كقول أبي جعفر علیه السلام : «إذا رأيتم الهلال فصوموا، و إذا رأيتموه فافطروا، و ليسبالرأى و لا بالتظنيّ، و لكن بالرؤية»، و قوله علیه السلام : «صم للرؤية و افطر للرؤية. و ايّاك و الشكّ و الظنّ»(2), و ما رواه سماعة: صيام شهر رمضان بالرؤية و ليس بالظن(3), و مارواه إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه علیه السلام عن كتاب علي علیه السلام : صم لرؤيته و أفطر لرؤيته، و إيّاك و الشكّ و الظن ... فإن خفي عليكم فأتموا الشهر الأوّل بثلاثين(4), و على ذلك، قوله: اليقين لا يدخله الشك ناظر إلى اليقين بشهر رمضان لا اليقين بشهر شعبان حتى ينطبق على الاستصحاب. و فيه اولا: أنّه تفسير مخالف لظهورها .

ثانيا: لا وجه لجعل هذه الروايات قرينة على تفسير هذه الرواية، إذ ليست مجملة حتى نستعين بها في رفع إجمالها، و ذِكر صاحب الوسائل الجميعَ في باب واحد لا يضفي عليه الظهور، و لو أراد الإمام من قوله: اليقين لا يدخل فيه الشك ما استظهره المحقّق الخراساني: من لزوم تحصيل اليقين حتى يصام، و انّ الشكّ لا يكفي، يلزم أن تكون العبارة غير وافية بمقصدها، بخلاف ما لو حمل على الاستصحاب فيكون مفاده: اليقين السابق لا يدخله الشك، فعليك البقاء عليه.

ص: 193


1- كفاية الأصول ( مع تعليقة الزارعي السبزواري )، ج 3، ص: 198.
2- الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 2.
3- الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 6.
4- الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11.

وهم و دفع:

و ربما يورد على الاستصحاب في المقام بأنّه مثبت، لأنّ وجوب الإمساك، أو الإفطار مترتبان على كون ذلك اليوم من شهر رمضان أو كونه من شوال، على مفاد كان الناقصة، فيترتب على نفي ذاك الموضوع بالنفي الناقص، عدم ذينك الأثرين.

لكن النفي الناقص ليس له حالةً سابقة، إذ لم يكن اليوم متحقّقاً في طرف و موصوفاً بأنّه من غير رمضان حتى يستصحب، و النفي التام و إن كانت له حالة سابقة، لكنّه لا يجدي في وصف اليوم بأنّه ليس من رمضان، أو من شوال.

أقول: المثبت هو الاستصحاب العدمي، و أمّا الوجودي فليس بمثبت أي استصحاب بقاء شعبان، فيترتب عليه الإفطار به أو استصحاب بقاء رمضان فيترتب عليه الإمساك. و أمّا جريان الاستصحاب في الزمان و الزمانيات مع أنّها متصرمة غير قارة الذات، فسيأتي بيانه في التنبيهات.

الاستدلال بالروايات الخاصة

قال الشيخ رحمه الله: و ربما يؤيد ذلك بالأخبار الواردة في الموارد الخاصة مثل رواية عبد اللّه بن سنان، قال: سأل أبي أبا عبد اللّه علیه السلام و أنا حاضر: إنّي أُعيرُ الذمّيّ ثوبي، و أنا أعلم أنّه يشرب الخمر، و يأكل لحم الخنزير، فيردّه عليّ فأغسله قبل أن أُصلّي فيه؟ فقال أبو عبد اللّه علیه السلام : صلّ فيه و لا تَغسله من أجل ذلك، فانّك أعرته إيّاه و هو طاهر، و لم

ص: 194

تستيقن أنّه نجّسه، فلا بأس أن تصل فيه حتى تستيقن أنّه نجّسه»(1)، قلت: و الرواة كلّهم ثقات، و الرواية صحيحة سنداً.

قال الشيخ رحمه الله: «و فيها دلالة واضحة على أن وجه البناء على الطهارة و عدم وجوب غسله هو سبق طهارته و عدم العلم بارتفاعها و لو كان المستند قاعدة الطهارة لم يكن معنى لتعليل الحكم بسبق الطهارة إذ الحكم في القاعدة مستند إلى نفس عدم العلم بالطهارة و النجاسة نعم الرواية مختصة باستصحاب الطهارة دون غيرها و لا يبعد عدم القول بالفصل بينها و بين غيرها مما يشك في ارتفاعها بالرافع».

قلت: الّا ان الفهم العرفي لا يری خصوصية للمورد فدلالتها عامّة.

روايات اخر

وهنالک روايتان ربّما حاول البعض أن يستدلّ بهما على الاستصحاب و هما:

1. موثّقة عمّار

فروى الشيخ في التهذيب باسناده، عن عمّار قال: «كلّ شي ء نظيف حتى تعلم أنّه قذر، فإذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم فليس عليك»(2), و سندها موثق حسب المشهور الّا ان الشيخ نقل في التهذيب تضعيف عمار و هو کذلک فما اکثر شذوذ رواياته فلا وثوق بها, وقد اوضحنا ذلک في کتابنا الدرر الفقهية .

ص: 195


1- الوسائل: الجزء 2، الباب 74 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
2- الوسائل: الجزء 2، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

2. معتبرة حمّاد بن عثمان

روى الشيخ في التهذيب باسناده، عن سعد بن عبد اللّه، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن أبي داود المنشد، عن جعفر بن محمد، عن يونس، عن حمّادبن عثمان، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: «الماء كلّه طاهر حتى تعلم أنّه قذر»(1), و أبو داود المُنْشِد هو سليمان بن سفيان المسترق الذي توفّي عام 431 ه كما أرَّخه النجاشي وثّقه الكشي. و أمّا جعفر بن محمد، فلعل المراد منه جعفر بن محمد الأشعري كما في حاشية التهذيب (2), و السند لا غبار عليه، غير جعفر بن محمد، و هو من رجال نوادر الحكمة و لم يُستثن، و هو آية الوثاقة.

و احتُمل أن يكون حماد بن عثمان مصحّف حمّاد بن عيسى، لقلّة رواية الأوّل عن الإمام الصادق علیه السلام بخلاف الثاني, و لا ضرر في ذلک فکلاهما ثقتان و من اصحاب الاجماع .

و هاتان الروايتان حاول البعض أن يستدلّ بهما على الاستصحاب، و قد فسّرتا بالوجوه التالية:

1. ان يکون المراد هو إفادة قاعدتي الطهارة و الحلية الظاهرتين، و يعبّر عنهما بقاعدة الطهارة و قاعدة الحلّيّة. و هذا ما ذهب إليه المشهور و تبعه كثير من المعاصرين، كالمحقّق النائينيّ و المحقّق العراقيّ و المحقق الخوئيّ(3) و غيرهم .

ص: 196


1- الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث 5.
2- تهذيب الأحكام: 228/ 1.
3- فوائد الاصول 4: 367، نهاية الأفكار 4: 71- 72، و موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) 48: 89 .

2. انّ الصدر بصدد إفادتهما، و الذيل بصدد إفادة الاستصحاب، اختاره صاحب الفصول(1).

3. أن يكون المراد هو الطهارة الواقعيّة و الاستصحاب، بأن يكون المغيّا إشارة إلى الطهارة الواقعيّة و أنّ كلّ شي ء بعنوانه الأوّلي طاهر، و يكون قوله علیه السلام : «حتّى تعلم» إشارة إلى الاستصحاب و استمرار الحكم الواقعيّ ظاهرا إلى زمان العلم بالنجاسة. و هذا مختار المحقق الخراساني في الکفاية(2).

4. أن يكون المراد هو الطهارة الواقعيّة و الظاهريّة و الاستصحاب. و هذا مختار المحقق الخراساني في درر الفوائد(3).

5. أنّ يکون المراد هو جعل الطهارة الواقعيّة للأشياء ما لم يعلم النجاسة. و هذا مذهب المحدث البحراني(4).

6. أن يكون المراد هو جعل الاستصحاب فقط، بأن يكون المعنی: أنّ كلّ شي ء طهارته مستمرّة إلى زمان العلم بنجاسته. و هذا ما يدّعيه الشيخ الأنصاريّ في خصوص رواية حمّاد(5). و إليك التفاصيل:

النظرية الأُولى: جعل الطهارة الظاهرية و ...

إنّ الحديثين بصدد جعل الطهارة و الحلية الظاهريتين, و بعبارة أُخرى: جعل الطهارة و الحلية على المشكوكة طهارته أو حليته، و على هذا يكون المراد من الشي ء في الحديثين:

ص: 197


1- الفصول الغرويّة: 373.
2- كفاية الأصول؛ ج 3، ص: 199.
3- درر الفوائد: 312.
4- الحدائق الناضرة 1: 136.
5- فرائد الاصول 3: 77.

الشي ء المشكوك، و لا مناص لاستفادة ذلك إلّا بجعل الغاية قيداً للموضوع فقط، و كأنّه قال: كلّ شي ء حتى تعلم أنّه قذر، نظيف؛ أو كلّ شي ء حتى تعلم أنّه حرام، حلال، و هذا هو المعنى المتبادر من الحديثين، و يؤيده ذيل الحديث حيث أكّد على الاجتناب عند العلم دون غيره، و قال: فإذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم ليس عليك فيكون مفادهما جعل الطهارة أو الحلية الظاهريتين اللّتين يعبّر عنهما بقاعدتي الطهارة و الحلّية.

النظرية الثانية: جعل الطهارة الظاهرية و استصحابها

اختارها صاحب الفصول، و حاصلها: إنّ الصدر بصدد بيان قاعدتي الطهارة و الحلية، و الذيل بصدد بيان استصحابها، قال: إنّ الرواية تدل على أصلين:

أحدهما: انّ الحكم الأوّلي للأشياء ظاهراً هي الطهارة إلّا مع العلم بالنجاسة، و هذا لا تعلّق له بالاستصحاب.

الثاني: انّ هذا الحكم مستمر إلى زمن العلم بالنجاسة، و هذا من موارد الاستصحاب و جزئياته(1).

و اجابه الشيخ بقوله: : ليت شعري ما المشار إليه بقوله: «هذا الحكم مستمرّ إلى زمن العلم بالنجاسة»؟ فإن كان هو الحكم المستفاد من الأصل الأوّلي، فليس استمراره ظاهرا و لا واقعا مغيّا بزمان العلم بالنجاسة، بل هو مستمرّ إلى زمننسخ هذا الحكم في الشريعة (بمعنى أنّ ثبوت الطهارة إلى زمن العلم بالنجاسة ليس مستمرا إلى زمن العلم بالنجاسة، بل إلى يوم القيامة، أو زمن النسخ إن فرض) ، مع أنّ قوله: «حتّى تعلم» إذا جعل من توابع الحكم الأوّل الذي هو الموضوع للحكم الثاني، فمن أين يصير الثاني مغيّا به؟! إذ لا يعقل

ص: 198


1- الفصول ص373.

كون شي ء في استعمال واحد غاية لحكم و لحكم آخر يكون الحكم الأوّل المغيّا موضوعا له.

و إن كان هو الحكم الواقعيّ المعلوم - يعني أنّ الطهارة إذا ثبتت واقعا في زمان، فهو مستمرّ في الظاهر إلى زمن العلم بالنجاسة - فيكون الكلام مسوقا لبيان الاستمرار الظاهريّ فيما علم ثبوت الطهارة له واقعا في زمان، فأين هذا من بيان قاعدة الطهارة من حيث هي للشي ء المشكوك من حيث هو مشكوك؟!(1).

و توضيحه: أنّ الحديث لو كان بصدد بيان قاعدتي الطهارة و الحلية تكون الغاية قيداً للموضوع، و يكون معناه، كلّ شي ء حتى تعلم أنّه قذر طاهر.

و لو كان بصدد بيان الاستصحاب يكون قيداً للمحمول أي طاهر حتى تعلم أنّه قذر و كيف يمكن أن تكون كلمة واحدة قيداً للموضوع، و قيداً للمحمول فانّ مقتضى الأوّل تقدّم الغاية على الحكم طاهر و مقتضى الثاني تأخّرها عنه .

و بعبارة أُخرى: انّ الحكم باستمرار الطهارة أو الحلية المستفادتين من القاعدتين يتوقف على تماميتهما من حيث المغيّى و الغاية، فلو جعلت الغاية متمّمة للقاعدة لما صحّ جعلها غاية للاستصحاب، و لو جعلت غاية للاستصحاب تكون القاعدة بلا غاية، و بالتالي يكون الاستصحاب أيضاً بلا موضوع.

قلت: مضافا الی أنّ قاعدتي الطهارة و الحلية كافيتان لإثبات الحكم الظاهري في الآنات المتلاحقة إلى أن يعلم خلافه و لا يحتاج إلى الاستصحاب أبداً، و ذلك لأنّ كلّ شي ء يكفي صرف الشك في الحكم عليه بالطهارة و الحلية لغنيّ عن لحاظ السابقة و جرّها إلى

ص: 199


1- فرائد الأصول، ط مجمع الفکر؛ ج 3، ص: 75.

الحالة اللاحقة، و هذه ضابطة كلية في الفقه، لأنّ قاعدتي الطهارة و الحلية أقل مؤونة، و الاستصحاب أكثر مؤونة لاحتياجه وراء الشك، إلى لحاظ الحالة السابقة و جرّها.

النظرية الثالثة

و هي نظرية المحقّق الخراساني في الكفاية، و حاصلها: أنّ الصدر لبيان جعل الطهارة و الحلية الواقعيتين لذات الأشياء، و الذيل لبيان الاستصحاب، اي بأن يكون المغيّا إشارة إلى الطهارة الواقعيّة و أنّ كلّ شي ء بعنوانه الأوّلي طاهر، ويكون قوله علیه السلام : «حتّى تعلم» إشارة إلى الاستصحاب و استمرار الحكم الواقعيّ ظاهرا إلى زمان العلم بالنجاسة.

و فيه اولا: ما اورده المحققان النائيني و الاصفهاني من أنّ الموضوع في قوله علیه السلام : «كلّ شي ء لك طاهر» أو «حلال» إمّا أن يكون الشي ء بما هو هو، و إمّا أن يكون الشي ء بوصف كونه مشكوك الحلّيّة أو مشكوك الطهارة. فعلى الأوّل يلزمه أن يكون المحمول - أي طاهر أو حلال- حكما واقعيّا، فإنّ موضوعات الأحكام الواقعيّة انّما هي ذوات الأشياء بما هي هي و مرسلة. و على الثاني يلزمه أن يكون المحمول حكما ظاهريّا، لأنّ موضوعات الأحكام الظاهريّة انّما هي ذوات الأشياء مقيّدة بكونها مشكوكة حكما. و لا يمكن أن يكون المراد منه الأعمّ من المرسل و المشكوك، ضرورة استحالة لحاظ الشي ء مقيّدا و غير مقيّد(1).

قلت: و بعبارة اخری: أنّ معنى جعل الحكم الظاهريّ هو الحكم بالبناء العمليّ عليه حتّى يعلم خلافه. و معنى جعل الحكم الواقعيّ هو إنشاء ذاته، لا البناء العمليّ عليه. و الجمع بين هذين الجعلين ممّا لا يمكن.

ص: 200


1- فوائد الاصول 4: 368، نهاية الدراية 3: 109.

ثانيا: ما اورده المحقق النائيني من أنّ الحكم الظاهريّ متأخّر عن الحكم الواقعيّ رتبة، كما أنّ الشي ء المشكوك متأخّر عن الشي ء المرسل رتبة، فيكون موضوع الحكم الظاهريّ و حكمه في طول موضوع الحكم الواقعيّ و حكمه، و لا يعقل جعلهما بانشاء واحد و لحاظهما بلحاظ واحد(1).

النظرية الرابعة

و حاصل هذه النظرية: إمكان استفادة القواعد الثلاث من الحديثين، بيانه:

أنّ الصدر بصدد بيان أمرين:

1. الطهارة الواقعية للأشياء بعناوينها الأوّلية.

2. الطهارة الظاهرية لها عند طروء ما ينجسه أو يحرّمه.

و أمّا الذيل فهو بصدد بيان استمرار الطهارة الواقعية إلى العلم بطروء ما ينجسه.

و قد استدل عليه بوجهين علی ما نقله عنه المحقق السيد المروج فقال:

أحدهما ما لفظه: «أن قوله علیه السلام : كل شي ء طاهر مع قطع النّظر عن الغاية يدل على طهارة الأشياء بعناوينها الواقعية كالماء و التراب و غيرهما، فيكون دليلًااجتهادياً على طهارة الأشياء، و بإطلاقه بحسب حالات الشي ء التي منها حالة كونه بحيث يشتبه طهارته و نجاسته بالشبهة الحكمية أو الموضوعية تدل على قاعدة الطهارة فيما اشتبه طهارته كذلك».

ثانيهما: ما أفاده بقوله: «و ان أبيت إلّا عن عدم شمول إطلاقه لمثل هذه الحالة .. إلخ» و بيانه أنه بناءً على إنكار إطلاق المدخول- و هو شي ء- لمثل حالة الشك في حكمه لأجل أن الشك في حكم الشي ء ليس من حالاته المتبادلة كالعدالة و الفسق بالنسبة إلى العالِم

ص: 201


1- فوائد الاصول 4: 368.

الموضوع لوجوب الإكرام، لقيام الشك بنفس المكلف و ان كان له إضافة إلى الشي ء، لكونه كالعلم و الظن من حالات المكلف، إلّا أن مجرد هذه الإضافة لا توجب وصفاً للشي ء حتى يشمله إطلاقه (يمكن) إثبات الطهارتين بالمغيا بنفس عمومه الأفرادي لِما اشتبهت طهارته بشبهة لازمة لا تنفك عنه كبعض الشبهات الحكمية كالحيوان المتولد من حيوانين نجس و طاهر مع عدم تبعيته لهما في الاسم، و من المعلوم أن «كل شي ء» عنوان مشير إلى كل واحدة من الطبائع و الذوات، و حيث كان هذا الفرد المشتبه الملازم للشبهة من أفراد «كل شي ء» فهو طاهر بالعموم، و بضميمة عدم الفصل بين هذا المشتبه و سائر المشتبهات التي عرض عليها الشك بعد أن كانت معلومة الحكم يثبت طهارة كل مشتبه بالشبهة الموضوعية و الحكمية، فان الدليل على الملزوم دليل على لازمه، فنفس العموم يتكفل طهارة كل شي ء بما هو هو و بما هو مشكوك الحكم.

لا يقال: ان التمسك بعموم «كل شي ء» في الشبهة الموضوعية من التشبث بالدليل في الشبهة المصداقية الممتنع، فانه بناءً على إفادته الطهارة الواقعية و العلم بتخصيصه بالأعيان النجسة لا يكون الرجوع إليه في مثل الحيوان المردد بين الكلب و الغنم لإثبات طهارته ظاهراً إلّا تمسكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية.

فانه يقال: انه كذلك لو كان مدلول المغيا طهارة الأشياء واقعاً فحسب، و أما بناءً على ما عرفت من طهارتها ظاهراً أيضا بأحد المسلكين المتقدمين يندفع الإشكال، فان الحيوان المردد شي ءٌ اشتبه حكمه، و قد ثبت طهارته ظاهراً.

و أما إشكال استعمال اللفظ في معنيين المتقدم في إيراد الشيخ الأعظم (قده) على صاحب الفصول فغير متجه على هذا التقريب، لأن إرادة الطهارة الواقعية تارة و الظاهرية

ص: 202

أخرى إنما نشأت من اختلاف أفراد الموضوع، لا من جهة الاختلاففي معنى المحكوم به، فان الطهارة بمعنى النظافة و النزاهة، و هي أمر وحداني لا تعدد فيه.(1)»(2).

اقول: أما التقرير الأول فأورد عليه اولاً بما أفاده بعض الأعيان، و محصله: أن موضوع الحكم الواقعي ذات الطبيعة أو الفعل المتعلق بها فهو مرسل، و موضوع الحكم الظاهري مقيد بالشك، و الجمع بينهما في إنشاء واحد جمع بين المتناقضين، لاستحالة لحاظ الشي ء مقيداً و غير مقيد(3), و بعبارة اخری: أنّ استفادة الطهارة الواقعية و الظاهرية من قوله: «طاهر» مشکل، لأنّ الموضوع في الأوّل، هو الشي ء بما هو هو، و في الثاني هو الموضوع بما هو مشكوك الحكم، فيلزم أن يكون الشي ء عارياً من القيد، و جامعاً معه موضوعاً للحكم في آن واحد.

و اجيب ثانياً: أنّ جعل الطهارتين: الواقعية على الأشياء بما هي هي، و الطهارة الظاهرية في ظرف الشك في طروء ما ينجّسه، يغني عن جعل الاستصحاب، أي استصحاب الطهارة الواقعية، لما عرفت من أنّ نفس الشكّ كاف في الحكم بالطهارة من دون حاجة إلى جرّ الحكم الواقعي في ظرف الشكّ.

و ثالثاً: انّ معنى الإطلاق، كون ما وقع تحت دائرة الطلب، تمام الموضوع للحكم، و انّ الشي ء بما هو هو من دون مدخلية أي قيد، محكوم بالطهارة، و أمّا تفسير الإطلاق بأنّ الشي ء بما هو هو موضوع للطهارة الواقعية و انّها بعنوان مشتبه الحكم و الموضوع، موضوع للطهارة الظاهرية، غير تام, لأنّ الإطلاق رفض القيود لا الجمع بين القيود، و

ص: 203


1- حاشية الرسائل، ص 185 و 186.
2- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، هامش ص: 231- 233.
3- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، هامش ص: 233.

ثبوت الحكم في تلك الأحوال، ليس دليلاً على أنّه محكوم بالطهارة بهذا العنوان، و إلّا لزم تكثّر الأحكام حسب تكثر الأحوال، و هي كثيرة لا تحصى.

و أما التقرير الثاني فأورد عليه المحقق الأصفهاني: بأن «كل شي ء» و ان تكفّل حكم المشتبه بالشبهة اللازمة له، إلّا أن إثبات حكم سائر المشتبهات حكماً أو موضوعاً بعدم الفصل غير سديد، لأن التمسك بعدم الفصل فرع كون الموضوع المشتبه، فيتعدى من حكم بعض مصاديقه إلى بعضها الآخر، و لكن المفروض أن شمول «كل شي ء» لمثل ماء الكبريت الملازم للشبهة في حكمه الواقعي إنما هو بعنوان الحكاية عن ذاته، لوضوح إرادة نفس الأعيان الخارجية من «شي ء»و من المعلوم عدم ملازمة تمام الذوات للشبهة- خصوصاً الشبهات الموضوعية التي عُلم حكمها الكلي- حتى يتعدى من المشتبه اللازم للشبهة إلى غيره، و عليه فتعميم المغيا للحكم الواقعي و الظاهري بدعوى عدم الفصل غير وجيهة (1).

النظرية الخامسة:

و هي ما أفاده صاحب الحدائق من دلالة موثقة عمار و نحوها على طهارة الأشياء واقعاً، و إناطة النجاسة بالعلم بها، فقال: «ان ظاهر الخبر المذكور أنه لا تثبت النجاسة للأشياء و لا تتصف بها إلّا بالنظر إلى علم المكلف، لقوله علیه السلام : فإذا علمت فقد قذر بمعنى أنه ليس التنجيس عبارة عما لاقته عين النجاسة واقعاً خاصة، بل ما كان كذلك و علم به المكلف، و كذلك ثبوت النجاسة لشي ء إنما هو عبارة عن حكم الشارع بأنه نجس و علم المكلف بذلك، و هو خلاف ما عليه جمهور أصحابنا رضوان اللّه عليهم»(2).

ص: 204


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، هامش ص: 233.
2- الحدائق الناضرة، ج 1، المقدمة الحادية عشرة، ص 136.

و فيه: ان ظاهرها ترتب حقيقة النجاسة الظاهرة في فعليتها- لا في اقتضائها- على الموضوعات بذواتها لا بما هي معلومة. بل نفس المقابلة بين القذر و الطاهر ظاهرة في إرادة الفعلي كما هو شأن كل عنوان مأخوذ في لسان الدليل، و المراد بالقذر المعلوم أي المؤثر في ترتيب أحكامه عليه، و يؤيده قوله علیه السلام : «و ما لم تعلم فليس عليك» فانه مع كون القذر فعلياً قد سُلبت أحكامه عنه.

النظرية السادسة:

أن يكون المراد هو جعل الاستصحاب فقط، بأن يكون المعنی: أنّ كلّ شي ء طهارته مستمرّة إلى زمان العلم بنجاسته. و هذا ما يدّعيه الشيخ الأنصاريّ في خصوص رواية حمّاد(1).

و فيه: انه تفسير مخالف للظاهر حيث ان ظاهر الخبر «کل شيء طاهر» هو ثبوت الطهارة له لا استمرارها .

تمّ الكلام في أدلّة الاستصحاب، بقي الكلام في مفادها من حيث دلالتها على حجّية الاستصحاب مطلقاً، أو في بعض الصور.

تفاصيل في حجّية الاستصحاب

قد ذكر الشيخ أحد عشر قولاً في حجّية الاستصحاب، و أطنب الكلام في بيان أدلّة الأقوال، و نحن نذكر ما هو المهم من التفاصيل:

ص: 205


1- فرائد الاصول 3: 77.

الأوّل: التفصيل بين الشكّ في الرافع و الشكّ في المقتضي و القول بحجّية الاستصحاب في الأوّل دون الثاني، و هو خيرة الشيخ الأعظم.

الثاني: ذلك التفصيل، لكنّه حجّة في قسم خاص من الشكّ في الرافع، و هو الشكّ في وجود الرافع لا في رافعية الأمر الموجود، فلو شكّ المتطهر في أصل النوم أو البول يجري الاستصحاب، دون ما إذا شكّ في رافعيّة الأمر الموجود، كالبلل المردّد بين البول و المذي.

الثالث: الاستصحاب حجّة، إلّا إذا كان منشأ الشك هو إجمال الغاية، فليس الاستصحاب حجّة، كما إذا دار مفهوم المغرب أو الليل في قوله: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ)(1) بين استتار القرص أو مع ذهاب الحمرة المشرقية، فلا يجوز استصحاب النهار عند الشكّ في رافعية الاستتار.

الرابع: التفصيل بين الأحكام التكليفية و الوضعية، و كونه حجّة في إحداهما دون الأُخرى.

الخامس: التفصيل بين الحكم الشرعي المستنبط من دليل شرعي فيستصحب دون المستنبط من حكم عقلي, کما اختار ذلک الشيخ الانصاري .

السادس: التفصيل بين الأحكام الشرعية الكلية فلا يجري الاستصحاب فيها و بين الحكم الجزئي، و الموضوع الخارجي كوجوب النفقة على زيد، أو بقاء حياة زيد فيجري الاستصحاب. و هذا هو خيرة المحقّق النراقي و تبعه المحقّق الخوئي، و بذلك صار الاستصحاب عندهما قاعدة فقهية تعالج الشبهات الموضوعية نظير قاعدة الطهارة و الفراغ.

ص: 206


1- البقرة: 187.

و نحن نذكر منها في المقام التفاصيل الأربعة الأُولى و نحيل البحث في التفصيل الخامس و السادس إلى التنبيهات.

الأوّل: التفصيل بين الشكّ في المقتضي و الرافع

ذهب بعض الأعلام إلى التفصيل بين مورد الشكّ في البقاء لأجل الشكّ في المقتضي و بين الشكّ فيه لأجل الشكّ في الرافع، فلا يكون الاستصحاب حجّة فيالأوّل، و يكون حجّة في الثاني. ذهب إليه المحقّق الخوانساريّ(1)؛ و اختاره الشيخ الأعظم(2)؛ و تبعهما المحقّق النائينيّ(3).

و استدل لمدعاه بما حاصله: أنّ حقيقة النقض عبارة عن رفع الهيئة الاتّصاليّة، كما في نقض الحبل و نقض العزل، و حيث لم يستعمل النقض في النصّ في هذا المعنى فلا بدّ من حمله على أقرب المجازات. فيدور الأمر بين حمله على رفع الأمر الثابت الّذي له اقتضاء الاستمرار، و بين حمله على مطلق رفع اليد عن الشي ء بعد الأخذ به و إن لم يكن في متعلّقه استعداد الاستمرار. و الأوّل هو المتعيّن، لأنّه أقرب المجازات إلى المعنى الحقيقيّ. وجه الأقربيّة ما تقرّر في محلّه من أنّ الجملة إذا اشتملت على فعل تعلّق بشي ء و كان الأخذ بمدلول كليهما متعذّرا، فيقدّم ظهور الفعل على ظهور متعلّقه، نظير قول القائل: «لا تضرب أحدا»، فإنّ ظهور الضرب في العموم يقتضي حمله على الأحياء و غير الأحياء، و المقرّر في محلّه أنّ الفعل الخاصّ يكون مخصّصا لعموم متعلّقه، فيكون ظهور الفعل في الخاصّ منشأ لتخصيص «أحد» بالأحياء. و في المقام أيضا حيث كان إرادة رفع

ص: 207


1- مشارق الشموس: 76.
2- فرائد الاصول 3: 78.
3- فوائد الاصول 4: 333.

اليد عمّا من شأنه البقاء أقرب إلى المعنى الحقيقيّ للنقض فيتصرّف في عموم متعلّقه- أي اليقين- و يخصّص بما فيه استعداد البقاء(1).

واورد عليه المحقق الخراساني بالبحث تارة في مدلول مادة «النقض» و أخرى في هيئة «لا تنقض».

امّا ما أفاده حول المادة فحاصله: أن النقض الّذي هو ضد الإبرام و الإحكام انما أسند إلى نفس اليقين الّذي هو أمر مبرم و شي ء مستحكم، لكونه أقوى مراتب الإدراك، لما فيه من الجزم المانع عن احتمال النقيض، فهو مما يعتقد ببقائه و استمراره، بخلاف الظن، فانه لا يظن باستمراره بل يظن بزواله.

و بالجملة: فلا محوِج إلى جعل «النقض» مسنداً إلى «المتيقن» حتى يقال بعدم صحة اسناده إليه إلّا إذا كان المتيقن مما فيه اقتضاء البقاء و الدوام، لكونه أقرب المجازات إلى المعنى الحقيقي، بل المسند إليه هو نفس اليقين الّذي فيه معنىالإبرام و الاستحكام، لما عن شرح الإشارات من أن «اليقين هو التصديق بطرف مع الحكم بامتناع الطرف الآخر، و يعتبر فيه أمور ثلاثة الجزم و المطابقة و الثبات» و عليه فلا نظر إلى المتيقن حتى يعتبر فيه اقتضاء الدوام.

و يشهد لكون المصحح للإسناد هو اليقين نفسه لا متعلقه المقتضي للبقاء أمور:

أولها: ظهور القضية في ذلك، لإسناد النقض فيها إلى نفس اليقين.

ثانيها: أنه لو كان مصحِّح اسناد النقض إلى اليقين قابلية المتيقن للبقاء لا إبرام اليقين لَصحّ اسناده إلى الحجر الّذي يقتضي ثقلُه بقاءَه في مكانه، بأن يقال: «نقضت الحجر من مكانه»

ص: 208


1- فرائد الاصول 4: 333- 334.

أي رفعته، مع عدم صحته و ركاكته بلا إشكال. و عليه فمصحِّح الإسناد ثبات اليقين و استحكامه لا غيره.

ثالثها: صحة اسناد النقض إلى اليقين مطلقاً و ان تعلق بأمرٍ لم يحرز اقتضاؤه للبقاء، و لذا يصح أن يقال: «لا تنقض اليقين باشتعال السراج» بالشک فيه, حتى إذا لم يحرز اقتضاؤه للبقاء، كما إذا لم يعلم أن النفط الموجود في السراج كان ليتراً واحداً أم نصف ليتر، فعلى الأول يكون السراج مشتعلًا فعلًا، و الشك في اشتعاله حينئذ ينشأ من احتمال رافع له كهبوب الرياح و غيرها، و على الثاني لا يكون مشتعلًا، لفناء الوقود.

و عليه فلا موجب لجعل المنقوض هو المتيقن الّذي فيه اقتضاء البقاء و الدوام بدعوى كونه أقرب إلى المعنى الحقيقي أعني الأمر المبرم الحسي، فيتعين إرادته إذا دار الأمر بينه و بين إرادة مطلق رفع اليد عن شي ء و لو لعدم المقتضي له, و ذلك لما عرفت من صحة اسناد النقض إلى نفس اليقين، بل هو المتعين، لأنه ظاهر القضية كما عرفت، و إذا كان الإسناد بلحاظ نفس اليقين لا المتيقن صحت دعوى عموم اعتبار الاستصحاب للشك في كل من المقتضي و الرافع. هذا ما يتعلق بالمادة.

و أما اقتضاء هيئة «لا تنقض» لتخصيص عموم «اليقين» بموارد الشك في الرافع بإرادة المتيقن من اليقين کما ادعاه الشيخ, فدلالتها ممنوعة و ذلک لأن قوله علیه السلام : «لا تنقض اليقين» و ما هو بمنزلته يحتمل فيه وجوه أربعة:

أحدها: نقض نفس اليقين كما هو ظاهر القضية. ثانيها: نقض آثار اليقين و أحكامه الشرعية. ثالثها: نقض نفس المتيقن. رابعها: نقض آثار المتيقن و أحكامه.

ص: 209

و على التقادير لا يمكن أن يراد بالنقض معناه الحقيقي الّذي هو فعل اختياري.

أما بالنسبة إلى نفس اليقين فلوضوح انتقاضه قهراً بعروض الشك، فلا وجود لليقين حتى يصح تعلق النهي بنقضه، و من المعلوم اعتبار كون الفعل المتعلق به الأمر أو النهي مقدوراً للعبد، و عدم صحة تعلق التكليف بغير المقدور.

و أما بالنسبة إلى أحكام اليقين، فلأن الحكم تابع لموضوعه وجوداً و عدماً، فمع انتفاء الموضوع ينتفي الحكم أيضا، و إلّا يلزم الخلف و المناقضة كما قرر في محله، فإذا فرض كون اليقين موضوعاً لأحكام شرعية فلا محالة تنتفي بانتفائه كارتفاع وجوب التصدق إذا نذر ذلك ما دام متيقناً بحياة زيد، و زال يقينه.

مضافاً إلى: أن حدوث الأحكام و بقاءها بيد الشارع، فلا معنى لإبقاء العبد أحكام الشرع إلّا بحسب العمل، فوجوب البقاء على الحالة السابقة حكم شرعي أمره بيد الشارع، و لكن العمل به و امتثاله من الأفعال الاختيارية للمكلف.

و أما بالنسبة إلى المتيقن كالوضوء و الحياة و غيرهما، فلأن بقاء المتيقن في الخارج تابع لعلته المبقية، فان كانت هي باقية فهو باقٍ، و إلّا فلا، فإبقاء المتيقن ليس فعلًا اختيارياً قابلًا لتعلق التكليف به، فإذا كان المتيقن هو الوضوء فبقاؤه منوط بعدم طروء الناقض واقعاً، لا بإبقاء المكلف له.

و أما بالنسبة إلى آثار المتيقن كجواز الدخول في الصلاة و غيرها مما يشترط فيه الطهارة، فلما تقدم في آثار المتيقن من عدم كون الأحكام الشرعية تحت قدرة المكلف و اختياره.

ص: 210

و بالجملة: فالنقض الحقيقي غير مرادٍ هنا قطعاً سواء أريد باليقين نفسه كما هو ظاهر القضية، أم المتيقن من باب المجاز في الكلمة، أم آثار المتيقن بالإضمار و تقدير «آثاره» بأن يكون قوله علیه السلام : «لا تنقض اليقين» بمنزلة قوله «لا تنقض آثار المتيقن» فيكون هنا مجازان أحدهما في الكلمة، لأنه استعمل اليقين في المتيقن، و الآخر في الحذف و هو تقدير «الآثار» المضاف إلى اليقين الّذي أريد به المتيقن.

و إذا ثبت عدم كون النقض حقيقياً على كل تقدير، فلا محالة يراد به النقض من حيث العمل، لأنه مما يمكن تعلق النقض به، إذ مرجع عدم النقض حينئذ إلى عدم رفع اليد عن العمل السابق الواقع على طبق اليقين، فكأنه قيل: «أبق عملَك المطابق لليقين» و هذا المعنى قابل لتعلق الخطاب به، لأنه في حال اليقين بالوضوء كان يصلّي و يطوف و يمس كتابة المصحف مثلًا، و في حال الشك يبقي هذه الأعمال. و لا فرق في إرادة إبقاء العمل من «لا تنقض» بين إرادة المتيقن من «اليقين» و إرادة آثار اليقين، و إرادة آثار المتيقن منه.

و قد ظهر من هذا البيان: أن الإبقاء من حيث العمل لا فرق فيه بين تعلق اليقين بما فيه اقتضاء البقاء و تعلقه بما ليس فيه ذلك، لوضوح صدق الإبقاء عملًا في كلتا الصورتين على حدٍّ سواء في نظر العرف. و عليه فمن حيث الهيئة أيضا لا سبيل لاستفادة اختصاص حجية الاستصحاب بالشك في الرافع.

و قد اتضح أيضا عدم الوجه في التصرف في «لا تنقض» بإرادة المتيقن من اليقين، أو الإضمار بإرادة آثار اليقين كما ذكره الشيخ بناء منه على كون النقض محمولًا على معناه

ص: 211

الحقيقي لو بني على أحد هذين التصرفين. و ذلك لما عرفت من عدم كون النقض حقيقياً على كل تقدير، فلا يجدي التصرف المزبور في صحة حمل النقض على معناه الحقيقي(1).

و اورد عليهما المحقّق الأصفهانيّ فقال: «الظاهر أنّ النقض نقيض الإبرام، و تقابلهما ليس بنحو التضادّ، و لا بنحو السلب و الإيجاب، بل بنحو العدم و الملكة، فهو الإبرام عمّا من شأنه أن يكون مبرما».

ثمّ أفاد أنّ الإبرام ليس بمعنى الهيئة الاتّصاليّة - كما زعمه الشيخ - , و لا بمعنى الإتقان و الاستحكام - كما زعمه المحقق الخراساني - ، بل بمعنى هيئة التماسك و الاستمساك. و النقض أيضا لا يكون بمعنى رفع الهيئة الاتّصاليّة، و لا بمعنى عدم الإتقان، بل بمعنى رفع هيئة التماسك(2).

و فيه: ان النقض لغةً ضد الابرام و الاستحکام كما قال في القاموس: «النقض في البناء و الحبل و العهد ضدّ الإبرام»(3).

اقول: و يرد علی تفصيل الشيخ ايضا انّه مبني على أنّ التعبير ينحصر في حجّية الاستصحاب بعبارة لا تنقض اليقين، و لكنّه غير تام، فقد عبّر عنها بجمل خالية عن لفظ «النقض» کما في هذه الموارد التالية:

1- ففي ذيل الصحيحة الثالثة لزرارة: «و يتمّ على اليقين، فيبني على اليقين، و لا يعتدّ بالشكّ من الحالات» .

ص: 212


1- كفاية الأصول ، ج 3، ص: 182.
2- نهاية الدراية 3: 53- 54 .
3- القاموس المحيط 2: 347 .

2- و في حديث الأربعمائة: «من كان على يقين ثمّ شكّ، فليمض على يقينه، فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين» و الموضوع هو المضيّ على اليقين، لا نقض اليقين.

3- و في رواية القاساني: «اليقين لا يدخل في الشكّ، صم للرؤية و أفطر للرؤية» و مورد الاستصحاب في هذا الحديث من قبيل الشكّ في المقتضي للشكّ في اقتضاء شهر شعبان في بقائه إلى يوم الشكّ.

4- و في رواية عبد اللّه بن سنان: «أنت أعرته إيّاه و هو طاهر و لم تستيقن أنّه نجّسه، فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن».

نعم قد قورنت هذه التعابير في أكثر هذه الروايات بقوله: لا تنقض؛ إمّا في صدر الروايات، أو في ذيلها، لكنّه لا يكون دليلًا على تقييد المطلق، لأنّه ليست قرينة واضحة لصرف المطلقات عن إطلاقها و إرجاعها إلى المقيدات. و بذلك ظهر أنّه ليس لاختصاص حجّية الاستصحاب بالشكّ في الرافع دليل.

ثم انه قد أيّد تفصيل الشيخ، المحقّق الهمداني في تعليقته على فرائد الشيخ، فقال: إنّ إضافة النقض إلى اليقين في الاستصحاب ليس باعتبار وجوده السابق، بل باعتبار تحقّقه في زمان الشكّ بنحو من المسامحة و الاعتبار، إذ لا ترفع اليد عن اليقين السابق و إن قلنا بعدم حجّية الاستصحاب، بل غاية الأمر ترفع اليد عن حكمه في زمان الشكّ - إذا قلنا بعدم حجّيته - فلا بدّ في تصحيح إضافة النقض إليه بالنسبة إلى زمان الشكّ من اعتبار وجود تقديري لليقين بحيث يصدق عليه بهذه الملاحظة: أنّ الأخذ بالحالة السابقة عمل باليقين، و رفع اليد عنه، نقض له. و من المعلوم أنّ تقدير اليقين مع قيام مقتضيه هيّن عرفاً، بل لوجوده التقديري حينئذ وجود حقيقي يطلق عليه لفظ اليقين، أ لا ترى أنّ العرف

ص: 213

يقولون: ما عملتبيقيني، أمّا تقدير اليقين في موارد الشكّ في المقتضي فبعيد لا يساعد عليه استعمال العرف أصلاً(1).

و فيه أوّلًا: أنّ ما ذكره من أنّ التعبد بلحاظ اليقين الفعلي الاعتباري مجرد استحسان، و ينافي ما في صحيحة زرارة الأُولى، فانّ التعبد فيها بملاك اليقين السابق الحقيقي، قال: «فانّه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين بالشكّ أبداً»، و اللام في قوله: اليقين في الكبرى إشارة إلى اليقين الماضي في الصغرى.

و ثانياً: أنّ التأكيد على تعدّد اليقين: «حقيقي باق في ظرفه، و اعتباريّ أُمر بحفظه» يهدم احد ارکان الاستصحاب من لزوم وحدة القضية المتيقّنة مع المشكوكة بإلغاء قيد الزمان و النظر إلى المتيقّن بما هو هو من غير تقسيمه إلى السابق و اللاحق، کما و ان الإصرار على تعدّد اليقين بجعل القضيتين متباينتين يمنع عن جريان الاستصحاب و صدق مفهوم النقض.

الثاني: التفصيل بين الشكّ في الرافع و الرافعية

ذهب المحقّق السبزواري إلى أنّ الاستصحاب حجّة فيما إذا تعلّق الشكّ بأصل الواقع كما إذا شكّ في أنّه نام أم لا، لا فيما إذا تعلّق بوصف الأمر الموجود، كالشكّ في أنّ البلل الموجود بول حتى يكون رافعاً له، أو مذي حتى لا يكون كذلك، و مثله إذا شكّ في أنّ الرعاف ناقض للوضوء أم لا.

و حاصل دليله: انّ النهي عن نقض اليقين بالشكّ إنّما يعقل في الشكّ في الرافع دون غيره، لأنّه لو نقض الحكم في الثاني بوجود الأمر الذي شكّ في كونه رافعاً لم يكن النقض

ص: 214


1- الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية: 151.

بالشكّ، بل إنّما يحصل باليقين بوجود ما شكّ من كونه رافعاً، أو باليقين بوجود ما يشكّ في استمرار الحكم معه لا بالشك(1).

و اجيب: بانه ليس الاستصحاب محدَّداً، بحدِّ مطلق اليقين بوجود الشي ء، بل اليقين الذي يزيل الشكّ في البقاء، و يبدّله إلى اليقين بعدم البقاء، و هذا الشرط غير موجود، و لم يتبدّل اليقين السابق، المتعلِّق بالطهارة إلى اليقين بالحدث، بل صار حدوث اليقين الثاني مبدأ الشكّ في بقاء الحالة السابقة.

و منشأ الاشتباه: الخلط بين كون الغاية مطلق حدوث اليقين، أو اليقين المزيل للشكّ في البقاء، و ما هو الحادث هو الأوّل، و ما هو الغاية لعدم جريان الاستصحاب هو الثاني(2).

الثالث: عدم الحجّية إذا كان منشأ الشكّ إجمال الغاية

ذهب المحقّق الخوانساري إلى كون الاستصحاب حجّة مطلقاً إلّا في قسم واحد، و هو: ما إذا كان منشأ الشكّ إجمال مفهوم لفظ جُعل غاية للحكم.

و على هذا هو يفصل في الشكّ في الرافعية بين كون منشأ الشكّ، خلط الأُمور الخارجية كما إذا دار أمر البلل بين البول و المذي، فالاستصحاب حجّة، و ما إذا كان منشؤه إجمال مفهوم لفظ جعل غاية للحكم، كما إذا وجبت الصلاة إلى المغرب أداءً و لكن تردّد مفهومه بين كونه هو استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية ففي مثله لا يجوز استصحاب بقاء النهار و لا يترتب عليه الأثر الشرعي و هو كون إقامة الصلاة فيه أداءً، أو وجوب الإمساك(3).

ص: 215


1- الفرائد: 362 عند بيان القول العاشر.
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 4، ص: 79.
3- الفرائد: 362 عند بيان القول .

و استدل له بأنّ الاستصحاب عند العقلاء و الذي أمضاه الشارع بنفس المعنى الموجود عندهم عبارة عن جرّ الحالة السابقة و امتداد عمر اليقين، عند الشكّ إذا كان منشؤه الإبهام السائد على الخارج، كما إذا شكّ في بقاء حياة زيد، أو طهارة زيد، فمنشؤه في الجميع، هو كون الخارج مستوراً على المستصحِب، و الغاية من الاستصحاب رفع الإبهام عن الخارج.

و أمّا إذا كان الخارج أمراً معلوماً له، كما في مثال النهار، فإنّ الإنسان يرى بعينه استتار القرص و بقاء الحمرة المشرقية، و ليس هنا أي شك يرتبط بالخارج و إنّما طرأ الشك عليه في بقاء النهار لأجل الجهل بما وضع له لفظ المغرب، فهل الموضوع له استتار القرص، أو هو مع زوال الحمرة؟ فالإبهام في ناحية الموضوع له صار سبباً للشكّ في بقاء النهار لا الإبهام السائد على الخارج، ففي مثله لا يكون الاستصحاب حجّة، عند العقلاء و تكون الروايات منصرفة عنها.

نظير ذلك إذا علمنا بأنّ زيداً كان عالماً و لكن طرأ عليه النسيان فشكّ في كونه مصداقاً له أو لا، و الشكّ في كونه عالماً أو ليس بعالم ليس نابعاً من إبهام الخارج، بل نابع من الجهل بالموضوع له، و أنّ المشتق موضوع للمتلبس، أو للأعم منهو من انقضى عنه المبدأ، و مثل هذا النوع من الشكّ غير الناجم من الإبهام السائد على الخارج، خارج عن مدلول أدلّة الاستصحاب.

و فيه: ان دعوی انصراف ادلة الاستصحاب عن هذه الصورة بلا شاهد و دليل, و لا فرق بينها و بين سائر الشکوک و عليه فلاستصحاب حجة فيها و غيرها.

ص: 216

الرابع: بين الأحكام التكليفية و الوضعية

و قبل الخوض بالبحث لابد من معرفة المراد من الاحکام التکليفية و الوضعية فقال المحقّق النائينيّ: «المراد من الأحكام التكليفيّة هي المجعولات الشرعيّة الّتي تتعلّق بأفعال العباد أوّلا و بالذات بلا واسطة، و هي تنحصر بالخمسة، أربعة منها تقتضي البعث و الزجر، و هي الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة، و واحدة منها تقتضي التخيير، و هي الإباحة.

و أمّا الأحكام الوضعيّة: فهي المجعولات الشرعيّة الّتي لا تتضمّن البعث و الزجر، و لا تتعلّق بالأفعال ابتداء أوّلا و بالذات، و إن كان لها نحو تعلّق بها و لو باعتبار ما يستتبعها من الأحكام التكليفيّة، سواء تعلّق الجعل الشرعيّ بها ابتداء- تأسيسا أو إمضاء- أو تعلّق الجعل الشرعيّ بمنشإ انتزاعها»(1).

ثم أنّ في تفسير الحكم الشرعيّ وجهين(2):

الأوّل: أنّ الحكم الشرعيّ عبارة عن الخطاب المتعلّق بأفعال العباد الصادر من الشارع من حيث الاقتضاء و التخيير.

الثاني: أنّ الحكم الشرعيّ عبارة عن مطلق ما يصحّ أخذه من الشارع و انشاؤه له بما هو شارع.

فعلى الأوّل لا يصحّ تقسيم الحكم الشرعيّ إلى التكليفيّ و الوضعيّ، لعدم تعلّق مثل السببيّة و الزوجيّة و الملكيّة بفعل المكلّف بلا واسطة، و عليه ليست الوضعيّات أحكاما شرعيّة، إذ ليس فيها جهة بعث و زجر، و لا جهة تخيير.

ص: 217


1- فوائد الاصول 4: 384.
2- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، ص: 249.

و على الثاني يصحّ تقسيم الحكم الشرعيّ إليهما، و يصحّ أيضا إطلاق الحكم على الوضعيّات، فإنّها ممّا تناله يد الجعل التشريعيّ، ضرورة أنّه يمكن اعتبار الملكيّة للحائز، كما يمكن اعتبار لابدّيّة فعل له.

تفصيل الفاضل التوني

اذا عرفت فقد نسب الی الفاضل التوني التفصيل بين الاحکام التکليفية فلا يجري الاستصحاب فيها و بين الاحکام الوضعية فيجري الاستصحاب فيها و قد حکی الشيخ کلامه حيث قال: «فنقول الأحكام الشرعية تنقسم إلى ستة أقسام الأول و الثاني الأحكام الاقتضائية المطلوب فيها الفعل و هي الواجب و المندوب و الثالث و الرابع الأحكام الاقتضائية المطلوب فيها الترك و هي الحرام و المكروه و الخامس الأحكام التخييرية الدالة على الإباحة و السادس الأحكام الوضعية كالحكم على الشي ء بأنه سبب لأمر أو شرط له أو مانع له و المضايقة بمنع أن الخطاب الوضعي داخل في الحكم الشرعي مما لا يضر فيما نحن بصدده.

إذا عرفت هذا فإذا ورد أمر بطلب شي ء فلا يخلو إما أن يكون موقتا أم لا. و على الأول يكون وجوب ذلك الشي ء أو ندبه في كل جزء من أجزاء الوقت ثابتا بذلك الأمر فالتمسك في ثبوت ذلك الحكم في الزمان الثاني بالنص لا بالثبوت في الزمان الأول حتى يكون استصحابا و هو ظاهر.

و على الثاني أيضا كذلك إن قلنا بإفادة الأمر التكرار و إلّا فذمة المكلف مشغولة حتى يأتي به في أي زمان كان و نسبة أجزاء الزمان إليه نسبة واحدة في كونه أداء في كل جزء منها سواء قلنا بأن الأمر للفور أم لا.

ص: 218

و التوهم بأن الأمر إذا كان للفور يكون من قبيل الموقت المضيق اشتباه غير خفي على المتأمل فهذا أيضا ليس من الاستصحاب في شي ء. و لا يمكن أن يقال إثبات الحكم في القسم الأول فيما بعد وقته من الاستصحاب فإن هذا لم يقل به أحد و لا يجوز إجماعا و كذا الكلام في النهي بل هو الأولى بعدم توهم الاستصحاب فيه لأن مطلقه يفيد التكرار و التخييري أيضا كذلك, فالأحكام التكليفية الخمسة المجردة عن الأحكام الوضعية لا يتصور فيها الاستدلال بالاستصحاب.

و أما الأحكام الوضعية فإذا جعل الشارع شيئا سببا لحكم من الأحكام الخمسة كالدلوك لوجوب الظهر و الكسوف لوجوب صلاته و الزلزلة لصلاتها و الإيجاب و القبول لإباحة التصرفات و الاستمتاعات في الملك و النكاح و فيه لتحريم أم الزوجة و الحيض و النفاس لتحريم الصوم و الصلاة إلى غير ذلك فينبغي أن ينظر إلى كيفية سببية السبب هل هي على الإطلاق كما في الإيجاب و القبول فإن سببيته على نحو خاص و هو الدوام إلى أن يتحقق المزيل و كذا الزلزلة أو في وقت معين كالدلوك و نحوه مما لم يكن السبب وقتا و كالكسوف و الحيض و نحوهما مما يكون السبب وقتا للحكم فإن السببية في هذه الأشياء على نحو آخرفإنها أسباب للحكم في أوقات معينة و جميع ذلك ليس من الاستصحاب في شي ء فإن ثبوت الحكم في شي ء من أجزاء الزمان الثابت فيه الحكم ليس تابعا للثبوت في جزء آخر بل نسبة السبب في محل اقتضاء الحكم في كل جزء نسبة واحدة و كذلك الكلام في الشرط و المانع, فظهر مما ذكرناه أن الاستصحاب المختلف فيه لا يكون إلا في الأحكام الوضعية أعني الأسباب و الشرائط و الموانع للأحكام الخمسة من حيث إنها كذلك و وقوعه في الأحكام الخمسة إنما هو بتبعيتها, كما يقال في الماء الكر المتغير بالنجاسة إذا زال تغيره من قبل نفسه، فانه يجب الاجتناب

ص: 219

عنه في الصلاة، لوجوبه قبل زوال تغيره، فان مرجعه إلى أن النجاسة كانت ثابتة قبل زوال تغيره فكذلك يكون بعده ... »(1).

و بما نقلناه عن هذا الفاضل ظهر أن نسبة التفصيل في حجية الاستصحاب بين الحكم التكليفي و الوضعي إليه ليست كما ينبغي، لأنه فصّل بين الحكم الوضعي بمعناه المعروف- المقابل للحكم التكليفي- كالسببية و الشرطية و المانعية، فاختار عدم جريان الاستصحاب فيه، و بين متعلقات هذه الأمور أعني ذات السبب و الشرط و المانع فقال بجريانه فيها بقرينة تصريحه بإجراء الاستصحاب في نجاسة الماء المتغير، و هي سبب حكم شرعي أعني وجوب الاجتناب. و إطلاق الحكم الوضعي على نفس السبب و ان كان مسامحياً كإطلاق الحكم التكليفي على الواجب و الحرام مع أنهما متعلقان للحكم و هو الوجوب و الحرمة، إلّا أن هذه المسامحة لا تقتضي أن ينسب إليه ما هو المعروف. و حاصل کلامه في نفي الاستصحاب في الحکم التکليفي هو انه لا يتصور في الأحكام التكليفية الخمسة المجردة عن الأحكام الوضعية الاستدلال بالاستصحاب لان التمسك في ثبوت ذلك الحكم في الزمان الثاني بالنص لا بالثبوت في الزمان الأول حتى يكون استصحابا, و سيأتي الکلام عنه عند البحث عن عموم حجية الاستصحاب للاحکام التکليفية الکلية.

اقول: و لأجل هذا التفصيل تصدى المحقق الخراساني للبحث عن جهات مرتبطة بالحكم الوضعي ككونه مجعولًا بالاستقلال مطلقاً أو بتبع التكليف كذلك، أو بالتفصيل كما اختاره، و اليک البحث عنها:

ص: 220


1- فرائد الاصول، ج 2، ص: 598 -599 .

هل الحكم الوضعي يناله الجعل؟

لا شكّ انّ الحكم التكليفي ممّا تناله يد الجعل، كالأمر بالصلاة و الزكاة و النهي عن الكذب و الغيبة، ففي الأوّلين إنشاء البعث إلى الفعل و في الأخيرين إنشاء الزجر عنه. إنّما الكلام في الأحكام الوضعية، فهل هي منتزعة من الأحكام التكليفية فلا تنالها يد الجعل إلّا تبعاً، أو انّها أيضاً مجعولة مستقلة مثل التكليفية، أو انّ قسماً منها لا تناله يد الجعل التشريعي لا تبعاً و لا أصالة و قسماً منها منتزعة تنالها يد الجعل تبعاً و قسماً منها مجعولة بالأصالة؟

و الأوّل مختار الشيخ، و الثاني لشارح الوافية، و الثالث للمحقّق الخراساني .

نظرية الشيخ الانصاري

أمّا الأوّل: فقد أفاد الشيخ في توضيحه: بأنّ الخطاب الوضعي مرجعه إلى الخطاب الشرعي و انّ كون الشي ء سبباً لواجب، هو الحكم بوجوب ذلك الواجب عند حصول ذلك الشي ء، فمعنى قولنا: «إتلاف الصبي سبب لضمانه»أنّه يجب عليه غرامة المثل أو القيمة إذا اجتمع فيه شرائط التكليف من البلوغ و العقل و اليسار و غيرها.

و إذا خاطب الشارع البالغ العاقل الموسر بقوله: «اغرم ما أتلفته في حال صغرك»، انتزع من هذا الخطاب معنى يعبّر عنه بسببية الإتلاف للضمان، و يقال انّه ضامن بمعنى انّه يجب عليه الغرامة عند اجتماع شرائط التكليف.

ص: 221

و كذا الكلام في غير السبب فانّ شرطية الطهارة للصلاة، ليست مجعولة بجعل مغاير لإنشاء وجوب الصلاة الواقعية حال الطهارة، و كذا مانعية النجاسة ليست إلّا منتزعة من المنع عن الصلاة في النجس، و كذا الجزئية منتزعة من الأمر بالمركب(1).

و فيه: ان صريح بعض الايات ان الحکم التکليفي متفرع علی جعل الحکم الوضعي فقال تعالی﴿يا داوود انا جعلناک خليفة في الارض فاحکم بين الناس بالحق﴾(2), فالمجعول اولا هو مقام الخلافة و القضاوة و هما من الاحکام الوضعية, و فرع عليه الحکم التکليفي من وجوب الحکم بالحق .

و اما ما ذكره في هذه الموارد، أعني: السببية و الشرطية و المانعية فصحيح، و لكنّه استقراء ناقص، و لا يكون دليلاً على أنّ الحكم الوضعي في عامّة الموارد منتزع من التكليفي، كيف؟ و ربما يكون الحكم الوضعي مجعولًا بالأصالة في قولك: زوّجت موكّلتي؛ أو قوله: أنت حرّ. فالأوّل ناظر إلى إنشاء الزوجية، و الثاني لإنشاء الحرية.

النظرية الثانية:

و أمّا القول الثاني: فإن أراد انّهما متلازمان معاً و انّ انشاء أحدهما يلازم إنشاء الآخر، كما هو الظاهر من كلامه المنقول في الفرائد(3), ففيه: انّ القول بتعدد الجعل مع أنّ جعل أحدهما يغني عن الآخر، أمر لغو، فهنا جعل واحد هو الأصيل و الآخر أمر منتزع، فالمجعول إمّا سببية الدلوك لوجوب الصلاة، فوجوب الصلاة أمر منتزع، أو وجوب الصلاة لدى الدلوك، فالسببية أمر منتزع.

ص: 222


1- الفرائد: 351.
2- ص: 26.
3- الفرائد: 349 350.

و إن أراد انّ هنا جعلًا واحداً، و هو متعلّق بالحكم الوضعي مطلقاً، و التكليفي منتزع، فهو ليس بصحيح على إطلاقه، إذ ربّما يكون الكلام ظاهراً في جعل الحكم التكليفي دون الوضعي، كما في قوله تعالی: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْل﴾، فالآية ظاهرة في جعل الوجوب للصلاة لدى دلوك الشمس.

و إن أراد انّ الجعل ربما يتعلّق بالوضع و يكون التكليف تابعاً له، فهو صحيح كما تقدم في إنشاء الخلافة و الزوجية و الحريّة.

النظرية الثالثة:

و أمّا القول الثالث: فقد قسّم المحقق الخراساني الحکم الوضعي إلى أقسام ثلاثة:

القسم الأول: ما لا تناله يد الجعل التشريعي لا تبعاً للتكليفي و لا استقلالًا, و انّ الحكم الوضعي، لا منتزع من الحكم التكليفي و لا مجعول بالاستقلال، كالسببية و الشرطية و المانعية و الرافعية لما هو سبب التكليف و شرطه أو مانعه و رافعه، و استدل له بوجهين:

الأوّل: ان السببية و ما عطف إليها، غير مجعولة لا تبعاً و لا أصالة و ذلک لاجل أنّ السبب، و الشرط و المانع، و الرافع، كالدلوك، و الطهارة، و الحيض، و الإغماء في أثناء الصلاة، متقدمة على التكليف أي وجوب الصلاة أمّا الثلاث الأُول فلأنّها من أجزاء العلة متقدّمة على المعلول وجوب الصلاة.

و أمّا الرافع فلأنّه علّة لعدم وجوب الصلاة، و متقدّم عليه بحكم العلية، و عدم وجوب الصلاة في رتبة وجوب الصلاة، لأنّ المتناقضين في رتبة واحدة، فينتج أنّ الرافع متقدّم على وجوب الصلاة.

و بذلك علم أنّ الأُمور الأربعة متقدمة على التكليف، بمعنى وجوب الصلاة غير أنّ الثلاثة الأُولى مؤثرة في حدوث التكليف، و الرابع مؤثر في ارتفاع التكليف، و إلى ذلك يشير

ص: 223

بقوله حدوثاً و ارتفاعاً, و عليه فلا يمكن أن تكون السببيّة و نحوها منتزعة عن التكليف حيث إنّه لا يكاد يعقل انتزاع هذه العناوين لها من التكليف المتأخر عنها ذاتاً، فإذا كانت منتزعة عنه لزم تأخّرها عنه، و هو خلف. فلا يعقل جعلها تبعا .

و بعبارة اخری: أن الأمر الانتزاعي متأخر عن منشأ الانتزاع، إذ لولا وجود المنشأ لا معنى لانتزاع شي ء منه، مع أن مقتضى سببية شي ء للتكليف هو تقدمه عليه، لكون السبب في مرتبة العلة، و التكليف في مرتبة المعلول, و عليه فالالتزام بانتزاع السببية عن التكليف يستلزم كون المتأخر عن التكليف متقدماً عليه و المتقدم عليه متأخراً عنه، و هذا معنى اجتماع المتقابلين المستحيل.

هذا في السببية، و كذا الحال في الشرطية و المانعية، فان شرط التكليف و مانعه في رتبة متقدمة على المشروط و الممنوع، فالالتزام بانتزاعيتهما يقتضي تأخرهما، و هو تأخر ما هو المتقدم، و ذلك باطل.

الثاني: أنّ سببيّة الشي ء- كالدلوك- للتكليف لا بدّ و أن تكون ناشئة عن خصوصيّة في ذات السبب تقتضي ترتّب التكليف عليه، لما يعتبر بين العلّة و المعلول من السنخيّة، فيعتبر أن يكون في العلّة- و هي السبب- بأجزائها ربط خاصّ تكون بسببه مؤثّرة في المعلول- أي التكليف- دون غيره، و لا يكون غيرها مؤثّرا فيه، بداهة أنّه لو لم تعتبر السنخيّة لزم أن يؤثّر كلّ شي ء في كلّ شي ء، و هو ضروريّ البطلان. و معلوم أنّ تلك الخصوصيّة من الخصوصيّات التكوينيّة الّتي لا تناط بجعل السببيّة، بل الشي ء بنفسه إمّا أن يكون واجدا لها، و إمّا أن يكون فاقدا لها، فجعل السببيّة لا تأثير له في وجود الخصوصيّة و لا في عدمها. و عليه فتكون السببيّة منتزعة عن أمر تكوينيّ و لم يتعلّق بها الجعل استقلالا(1).

ص: 224


1- كفاية الأصول ( مع تعليقة الزارعي السبزواري )، ج 3، ص: 205.

و فيه اولا: ان قياس المحقّق الخراساني العلل الاعتبارية علی العلل التكوينية قياس مع الفارق, لان أسباب و شرائط التكليف لا علاقة لها بعالم التکوين و انماهي أُمور اعتبارية فلا تقتضي لزوم توفّر رابطة تكوينية بين السبب و المسبب سوى لحاظ الشارع أو المقنِّن أحدهما بعد الآخر في عالم الاعتبار و اللحاظ، فمثل ذلك قابل للجعل استقلالاً، كما هو قابل للجعل تبعاً و انتزاعاً.

أمّا استقلالاً: كما إذا قال: جعلتُ الدلوك سبباً لوجوب الصلاة، أو جعلتُ الإيجاب و القبول سبباً للملكية، أو قول القائل: «أنت طالق» سبباً لحل عقدة النكاح.

كما أنّه يجوز انتزاعُ تلك الأُمور من الحكم التكليفي بالصلاة عند الدلوك، فإذا قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ينتزع منه سببيّة الدلوك بوجوب الصلاة، فتكون مجعولة جعلًا تبعياً.

و ثانيا: صحيح أن السببية بعد جعل السبب متحقّقة بالضرورة فلا تحتاج إلى جعل آخر، حيث إنّ جعل الموضوع يلازم جعل المحمول الذاتي، كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة, لکن المقام ليس کذلک فليست السببية أمراً ذاتياً بالنسبة إلى السبب أي الدلوك حتى لا تتعلّق بها يد الجعل، لإمكان التفكيك بين الدلوك و السببية، و على ذلك فلا مانع من تعلّق الجعل التشريعي بالسببية، بعد إيجاد الدلوك تكويناً.

هذا و قد استشكل المحقّق الأصفهانيّ في كلا الوجهين:

أمّا الوجه الأوّل: فلأنّ ما يكون التكليف متأخّرا عنه هو ذات السبب، لا عنوان السببيّة الّتي تنتزع من ترتّب التكليف على ذات السبب، فلا يلزم الخلف من انتزاع عنوان السببيّة من ترتّب التكليف عليها، إذ ما هو المتأخّر عن التكليف- و هو ذات السبب- غير المتأخّر عنه التكليف- و هو عنوان السببيّة-.

ص: 225

و أمّا الوجه الثاني: فلأنّ للتكليف مقامين: (أحدهما) مقام المصلحة. و (ثانيهما) مقام الجعل. و لا شكّ أنّ دخالة السبب- و هو دلوك الشمس مثلا- في تأثير المصلحة المقتضية لجعل المولى التكليف أمر تكوينيّ، لا جعليّ، إذ تأثير المصلحة من الامور الواقعيّة الماهويّة، لا تكوينيّة، و لا تشريعيّة. و أمّا إذا لوحظ مقام الجعل فللشارع أن يعلّق الطلب على شي ء، فصار ذلك الشي ء سببا للتكليف، بحيث لا يكون الإنشاء مصداقا للبعث إلّا إذا اقترن بذلك الشي ء، فتكون صيرورة الشي ء سببا للتكليف ممّا بيد الشارع، فله أن يعتبر وجوده في موضوع الحكم فتنتزع عنه عنوان السببيّة، و أن يعتبر عدمه فيه فتنتزع عنه عنوان المانعيّة(1).

و استشكل المحقّق النائينيّ فيما أفاده المحقق الخراساني بما حاصله: أنّ استدلال المحقق الخراساني في كلا الوجهين مبنيّ على الخلط بين الجعل و المجعول، لأنّما لا يقبل الجعل- و هو شرائط الجعل من المصالح و المفاسد- خارج عن محلّ الكلام، و ما هو محلّ الكلام- و هو السببيّة و الشرطيّة و المانعيّة بالنسبة إلى التكليف المجعول- يقبل الجعل بتبع التكليف(2), و تبعه في ذلک المحقّق الخوئيّ أيضا(3).

و لكن أورد عليه المحقّق الأصفهانيّ بأنّ الجعل و المجعول واحد بالذات، و انّما يختلفان بالاعتبار فلا بدّ من إرجاعه إلى ما ذكرناه: من الفرق بين الشرائط الواقعية، الدخيلة في

ص: 226


1- نهاية الدراية 3: 125- 126.
2- فوائد الاصول 4: 396- 397 .
3- موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) 48: 96.

المصلحة المؤثرة في الجعل واقعاً، و بين الشرائط المأخوذة في مقام الإنشاء، و ترتيب الحكم على موضوعه(1).

اقول: الظاهر ان مقصود المحقق النائيني نفس مقصود المحقق الاصفهاني فان مقصوده من مقام الجعل هو مقام المصلحة و هو غير مقام المجعول حسب تعبيره و غير مقام الجعل حسب تعبير المحقق الاصفهاني. لکن کون مقام المصلحة ذاتي اي «ان ما لا يقبل الجعل هو العلية بمعنى دخل شي ء في التأثير واقعا، فانها ماهوية لا جعلية تكوينا و لا تشريعا»(2), کلام باطل مبني علی معتقدات الفلاسفة من ذاتية الاشياء بمعنی انه لا تصل إليها يد الجعل, فملکية الملك و انسانية الانسان و شجرية الشجر و نارية النار کلها ذاتية و ليست مجعولة من قبل الخالق جل و علا و انما المجعول هو ذات الشيء فقط و لا دخل للارادة الالهية في جعل الشيء ملکاً و انساناً و... و هذا الکلام منهم مبني علی قاعدة السنخية و قاعدة الواحد لايصدر منه الّا واحد و قد اثبتنا بطلانهما في کتبنا الکلامية(3), و هو انکار صريح للقدرة الالهية المطلقة الثابتة له تعالی بالبرهان العقلي. و مخالف للرؤية الاسلامية فعن الصادق علیه السلام : «لا يكوّن الشيء لا منشيء الّا الله و لا ينقل الشيء من جوهريته الى جوهر اخر الاّ الله و لا ينقل الشيء من الوجود الى العدم الاّ الله»(4).

ص: 227


1- نهاية الدراية 3: 125- 126.
2- نهاية الدراية 3- 53 .
3- راجع کتاب اصول المعرفة ص55. وکتاب الرؤية الفلسفية نقد و تحليل .
4- من منشورات جماعة المدرسين في قم المقدسة .

القسم الثاني: ما تناله يد الجعل تبعاً لا استقلالًا کالجزئية و الشرطية و المانعية و القاطعية، لما هو جزء المكلّف به و شرطه و مانعه و قاطعه، فاختار أنّه لا يتطرق إليها الجعل التشريعي بالأصالة، فلا يصحّ جعلها ابتداء و إنّما تجعل تبعاً للأحكام التكليفية و ذکر في وجه ذلك: انّ اتصاف شي ء بجزئية المأمور به أو شرطيته أو غيرهما لا يكاد يكون إلّا بالأمر بجملة أُمور مقيدة بأمر وجودي أو عدمي، و لا يتصف شي ء بذلك أي كونه جزءاً أو شرطاً للمأمور به إلّا بتبع ملاحظة الأمر بما يشتمل عليه مقيداً بأمر آخر، و ما لم يتعلّق به الأمر كذلك لما صحّ وصفه بالجزئية أو الشرطية و إن أنشأ الشارع له الجزئية أو الشرطية ابتداءً, و جعل الماهية و أجزائها ليس إلّا تصوير ما فيه المصلحة المهمة الموجبة للأمر بها، فتصورها بأجزائها و قيودها لا يوجب اتصاف شي ء منها بجزئية المأمور به أو شرطيته قبل الأمر بها، فالجزئية للمأمور به أو الشرطية له إنّما تنتزع لجزئه أو شرطه بملاحظة الأمر به بلا حاجة إلى جعلها له، و بدون الأمر به لا اتصاف بها أصلاً و إن اتصف بالجزئية أو الشرطية للمتصوّر أو لذي المصلحة(1).

و حاصل ما أفاده: أنّ أمر هذه الأُمور دائر بين كون الجعل فيها محالًا، أو تحصيلًا للحاصل، فلو استقل بالجعل قبل الأمر بالمأمور به، فهو محال، لعدم اتصاف الأجزاء بالمأمور به قبل الأمر و لو قام بالجعل بعد الأمر بالكل، فهو أمر لغو و تحصيل للحاصل لاتصافها بها بعد الأمر بالكل.

اقول: و قد وافقه أكثر الأعلام في المقام الّا المحقّق العراقيّ فخالفه في الشرطيّة و إن وافقه في الجزئيّة، ففرّق بينهما بأنّ الجزئيّة تنتزع من التكليف دون الشرطيّة .

ص: 228


1- كفاية الأصول ( مع تعليقة الزارعي)، ج 3، ص: 207.

أمّا الجزئيّة: فلأنّها تنتزع عن جهة الوحدة، و هي في المأمور به ليست إلّا الأمر به و كونه متعلّقا له، فإذا تعلّق الأمر بذوات أجزائه ينتزع عنه عنوان الجزئيّة لها.

و أمّا الشرطيّة: فلأنّها تنتزع عن تقيّد العمل بالشرط و إضافته له، و معلوم أنّ جهة التقيّد و الإضافة سابقة عن تعلّق الأمر، فلا تتوقّف على الأمر، بل هي معروضة للأمر، إذ الأمر بالمقيّد فرع أخذ التقيّد في متعلّق الأمر، و هذا يقتضي سبق التقيّد على الأمر. نعم، كون الشي ء شرطا للمأمور به يتوقّف على الأمر، لا أنّ أصل شرطيّته متوقّفة على الأمر، مثلا: إذا تعلّق الأمر بالصلاة المشروطة بالطهارة تكون شرطيّة الطهارة منتزعة عن تقيّد الصلاة بالطهارة، و هو سابق على الأمر بها، كما أنّ مقدّميّة المقدّمة سابقة على التكليف؛ نعم، كون الطهارة شرطا للواجب منتزع عن الأمر به، لا أصل شرطيّتها، كما أنّ كون إكرام العالم الواجب الاحترام إكراما لا يرتبط بالأمر، بل هو إكرام في نفسه، لكن كونه إكراما لمن يجب احترامه ينتزع عن الأمر باحترامه(1).

و يرد عليهما: أنّ جعل الجزئية الفعلية لجزء من أجزاء المأمور، فرع تعلّق الأمر بالمركّب المأمور به، و بعد تعلّق الأمر بالكلّ الذي يدخل فيه هذا الجزء، يكون جعل الجزئية له أمراً لغواً و تحصيلاً للحاصل، و أمّا جعل الجزئية الشأنية للمركب المأمور به شأناً لا فعلاً فهو بمكان من الإمكان كأن يقول الحمد جزء للصلاة التي سوف آمر بها, و هکذا الشرطية و المانعية و القاطعية .

القسم الثالث: ما يناله الجعل استقلالاً کالحجّية و القضاوة، و الولاية و النيابة و الحريّة و الرقيّة و الزوجيّة و الملكيّة، و قال: إنّ من الممكن انتزاع هذه الأُمور من الأحكام التكليفية التي تكون في مواردها كما يمكن جعلها بإنشاء أنفسها، إلّا أنّه لا شكّ في صحّة انتزاعها

ص: 229


1- نهاية الأفكار 4: 91- 94.

من مجرّد جعله تعالى أو مَنْ بيده الأمر من قبله جل و علا بإنشائها بحيث يترتب عليها آثارها، و ذلك لوجوه ثلاثة:

1. صحّة انتزاع الملكية و الزوجيّة و الطلاق و الحرّية بمجرد العقد و الإيقاع ممّن بيده الاختيار من دون ملاحظة التكاليف و الآثار، و لو كانت منتزعة عنها لما كاد يصح اعتبارها إلّا بملاحظتها.

2. لو كانت هذه العناوين منتزعة من الأحكام التكليفية في موردها لزم أن لا يقع ما قُصِد و وقع ما لم يقصد، فانّ العاقد لا يقصد إلّا جعل الزوجية، لا شيئاً آخر.

3. لا ينبغي أن يشكّ في عدم حجية انتزاعها من مجرّد التكليف في موردها فلا ينتزع الملكية عن إباحة التصرفات، و الزوجية من جواز الوطء لأنّ النسبة بينإباحة التصرّف و الملكية، و هكذا بين جواز المس و الزوجيّة عموم من وجه، و هكذا سائر الاعتبارات من أبواب العقود و الإيقاعات(1).

قلت: و الامر کما افاد, هذا و استدل المحقّق النائينيّ على كون النحو الثالث مجعولا بالاستقلال فقال: «ليس من الأحكام الوضعيّة ما يختصّ بحكم تكليفيّ لا يشاركه غيره فيه، فكيف يكون منشأ لانتزاعه بخصوصه؟ و دعوى أنّ الحكم الوضعيّ ينتزع من جملة من الأحكام التكليفيّة الّتي بجملتها تختصّ به كما ترى! مع أنّ هذا أيضا في بعض المقامات لا يمكن، فإنّ الحجّيّة و الطريقيّة من الأحكام الوضعيّة الّتي ليس في موردها حكم تكليفيّ قابل لانتزاع الحجّيّة منه»(2).

ص: 230


1- كفاية الأصول ( مع تعليقة الزارعي)، ج 3، ص: 208.
2- فوائد الاصول 4: 387.

و استدل المحقّق العراقيّ علی ذلک بما حاصله: أنّ ظواهر الأدلّة تنافي دعوى الانتزاع، لأنّه قد أخذت فيها هذه الامور الوضعيّة الإضافيّة موضوعا للأحكام التكليفيّة، مثل ما دلّ على حرمة التصرّف في مال الغير بدون إذنه، و ما دلّ على سلطنة الناس على أموالهم. و معلوم أنّ منشأ إضافة المال إلى الشخص أو الغير لا يكاد يكون نفس ذلك التكليف المتعلّق بالموضوع المزبور، و إلّا لزم الدور، و هو محال، بل يكون منشؤها صرف جعلها قبل تعلّق التكليف بها، فلا تكون منتزعة من الحكم(1). و بذلک ظهر صحة جريان الاستصحاب في كل من الاقسام الثلاثة من الاحکام الوضعية .

تنبيهات الاستصحاب

التنبيه الاول: استصحاب الکلي

و قبل الخوض بالبحث نقدم امورا:

الاول: ما هو المراد من الكلّي في المقام؟

المراد من الكلّي في المقام، هو ذات الطبيعي، و الذي يعبّر عنه بالكلّي الطبيعي الذي تعرضه الكلية و يسمّى العارض و المعروض كلياً عقلياً، وعليه يكون المراد من استصحابه هو استصحاب الجامع بين الفردين من الحكم إذا كان الاستصحاب حكمياً، أو الجامع بين الموضوعين إذا كان الاستصحاب موضوعياً.

ثم ان «جريان الاستصحاب في الكلي لا يتوقف على القول بوجود الكلي الطبيعي في الخارج ، فان البحث عن وجود الكلي الطبيعي وعدمه بحث فلسفي، و الأحكام الشرعية مبتنية على المفاهيم العرفية, و لا إشكال في وجود الكلي في الخارج بنظر العرف.

ص: 231


1- نهاية الأفكار 4: 103.

ثم إنه لافرق في جريان الاستصحاب في الكلي بين أن يكون الكلي من الكليات المتأصلة أو من الكليات الاعتبارية ومنها الأحكام الشرعية التكليفية و الوضعيّة على ماذكرناه من أنها من الأمور الاعتبارية، فلا مانع من استصحاب الكلي الجامع بين الوجوب والندب مثلاً، أو من الكليات الانتزاعية كالعالم مثلا بناء على ماذكرنا في بحث المشتق، من أن مفاهيم المشتقات من الأمور الانتزاعية، فان الموجود في الخارج هو ذات زيد مثلا و علمه، و أما عنوان العالم فهو منتزع من اتصاف الذات بالمبدإ وانتسابه إليه ، و لا وجود له غير الوجودين»(1).

الثاني: في بيان أقسام استصحاب الكلي

ذكر الشيخ الأعظم و المحقّق الخراساني ان للکلي أقساماً ثلاثة، و زاد المحقّق الخوئي عليها قسماً رابعاً، و هي کالتالي:

الأوّل: إذا علم بتحقّق الكلّي - الإنسان - في ضمن فرد، كزيد و شكّ في بقائه، فكما يجوز استصحاب الفرد، كذلك يجوز استصحاب الجامع بينه و بين فرد آخر و هو الإنسانية، لأنّ العلم بوجود زيد في البيت، يستعقب علمين. علماً بوجود فرد من الإنسان فيه، و علماً بوجود الإنسان بلا لحاظ الخصوصية، فعند الشكّ يجوز استصحاب الفرد كما يجوز استصحاب الكلّي.

الثاني: إذا علم بتحقّق الكلّي في ضمن فرد مردّد بين متيقّن الزوال و متيقّن البقاء، كما إذا علم بوجود إنسان في الدار مردّد بين زيد الذي هو قطعي الزوال و عمرو الذي هو متيقّن البقاء.

ص: 232


1- مصباح الأصول،ج 3،صفحه 103

و مثاله الفقهي: مثل ما إذا علم بخروج رطوبة مردّدة بين البول و المني فتوضأ و لم يغتسل، فلو كان الفرد الحادث، الحدثَ الأصغر فقد ارتفع قطعاً، و لو كان الحدث الأكثر فهو باق قطعاً فيُستصحَب بقاءُ الحدث.

و مثله ما إذا اغتسل و لم يتوضأ، فلو كان الحدث هو الأكبر، فقد ارتفع، و لو كان هو الأصغر فهو باق، لأنّ الغسل إنّما يُزيلَ الحدثَ الأصغر إذا كان الحدثُ الأكبر أمراً قطعياً، لا ما إذا كان مشكوكاً.

و ربّما يكون المستصحب مردّداً بين متيقّن الارتفاع، و محتمل البقاء، ففي المثال المزبور إذا توضأ و مع ذلك احتمل الاغتسال أيضاً، فالحدث الأصغر قطعي الارتفاع، و لكن الأكبر محتمله، فيستصحب الكلي و الجامع بين الحدثين.

الثالث: إذا علم بتحقّق الكلّي في ضمن فرد معين قطعي الزوال و لكن يحتمل أن يكون في البيت، فرد آخر أيضاً مقارناً، مع وجود الأوّل، أو مقارناً مع زواله.

و مثاله الفقهي: مثل ما إذا نام و احتمل احتلامه في النوم فتوضّأ بالفرد المتحقّق في ضمنه الكلّي قطعي الارتفاع لكن نحتمل بقاء الكلي في ضمن فرد آخر مقارن معه و هو الجنابة فيستصحب مطلق الحدث.

الرابع: إذا علم بوجود فرد معين و علمنا بارتفاع هذا الفرد، و لكن علمنا بوجود معنون بعنوان يحتمل انطباقه على هذا الفرد المرتفع، و على الفرد الآخر الباقي، كما لو علم بوجود زيد في الدار و علم بوجود قرشي فيها، يحتمل أن يكون هذا القرشي هو نفسَ زيد، و يحتمل أن يكون غيره.

و الفرق بين القسم الثالث و الرابع هو وحدة العلم في الثالث حيث يعلم بوجود زيد في الدار و لكن يحتمل أن يكون معه فرد آخر؛ بخلاف المقام، فإنّ هنا علمين مستقلين: علم

ص: 233

بوجود زيد في الدار، و علم بوجود القرشي فيها، لكن يحتمل اتحادهما مصداقاً، فلو خرج زيد منها، شك في بقاء الإنسان فيستصحب الكلّي.

أضف إليه أنّ البقاء في القسم الثالث رهن تعدّد الفردين قطعاً، لكن البقاء في القسم الرابع رهن احتمال تعدّد الفردين.

و مثاله الفقهي: إذا علم بالجنابة ليلة الخميس و اغتسل منه، ثمّ رأى المني في ثوبه يوم الجمعة يحتمل أن يكون أثراً للجنابة المرتفعة، كما يحتمل أن يكون أثراً للجنابة الجديدة، فيستصحب الحدث الجامع حيث يعلم بحدوث الجنابة حين خروج المني المرئي.

الثالث: ترتب الأثر على الجامع

انّ الأثر تارة يترتب على الفرد بما له من الخصوصية، كحرمة المكث في المسجد و العبور عن المسجدين، فانّه مترتب على عنواني الجنابة و الحيض.

و أُخرى على مطلق الحدث، كحرمة مس القرآن و الدخول في الصلاة، فاستصحاب الكلّي إنّما ينفع إذا كان الأثر مترتباً على الجامع دون الفرد.

قال المحقق الخوئي: «ففيما كان الأثر للجامع لا معنى لاستصحاب الخصوصية، وفيما كان الأثر للخصوصية لايصح استصحاب الكلي، بل جريان الاستصحاب تابع للأثر، فإذا كان الشخص جنباً ثم شك في ارتفاعها و هو يريد الدخول فيالصلاة أو مس كتابة القرآن، لا يصح له استصحاب الجنابة، لعدم ترتب الأثر على خصوصيتها، بل يجري استصحاب الحدث الجامع بين الأكبر والأصغر. و إن أراد الدخول في المسجد، فلا معنى لاستصحاب الحدث لعدم ترتب حرمته على الحدث الجامع بين الأكبر والأصغر، بل لابد من استصحاب خصوص الجنابة، فبالنسبة إلى الأثر الأول يجري الاستصحاب

ص: 234

في الكلي، و بالنسبة إلى الأثر الثاني يجري الاستصحاب في الجزئي، فتحصل مما ذكرنا أنا لسنا مخيرين في إجراء الاستصحاب في الكلي و الجزئي على مايظهر من عبارة الكفاية، بل جريان الاستصحاب تابع للأثر على ما ذكرنا»(1).

الجواب علی استصحاب الکلي

اقول: اما القسم الاول من الکلي فلا ثمرة له, فانه لا شك في أنّ استصحاب الكلي لا يُغني عن استصحاب الفرد، فلو قال «للّه عليّ ان اتصدق بدرهم إذا كان في البيت انسان» و قال أيضاً: «للّه عليّ ان اتصدق بدينار إذا كان فيه زيد» فاستصحاب بقاء الإنسان لا يثبت شرعاً، وجود زيد فيه لعدم التلازم و کونه مثبتا علی فرض التلازم، فلا يجب عليه إلّا الدرهم، و أمّا الدينار فإنّما يجب إذا كان بقاء زيد، مجرى للاستصحاب.

و اما استصحاب الفرد فيکفي عن استصحاب الكلي، و ترتيب أثر الكلّي عند استصحاب الفرد، كإيجاب التصدّق بالدرهم و الدينار باستصحاب بقاء زيد في الدار، و عليه فيكون استصحاب الكلي لغواً لقيام استصحاب الفرد مكانه کما صرح بذلک المحقّق الخراساني حيث قال: فإن كان الشكّ في بقاء ذات العام من جهة الشك في بقاء الخاص الذي كان في ضمنه و ارتفاعه كان استصحابُه، كان استصحابه كاستصحابه بلا كلام (2).

و لا ينافيه قوله في تعليقته من: «أنّ الفرد و إن كان عين الكلّي بالدقة، إلّا أنّه غيره عرفاً، إلّا أن يقال انّ العرف ربّما يتسامح و يرى أثر الكلي، أثر الفرد»(3), و ذلک لان الکلام عن

ص: 235


1- مصباح الأصول،ج 3،صفحه 104.
2- كفاية الأصول ( مع تعليقة الزارعي السبزواري )، ج 3، ص: 216
3- درر الفوائد في شرح الفرائد؛ النقل بتصرف .

کفايته و ان کانا اثنين مضافا عن أنّ الفرد عينُ الطبيعي عرفاً و عقلًا، فليس الإنسان عنده شيئاً، و المصداق شيئاً آخر، بل الفرد الخارجي، مصداق العنوانين عند العرف أيضاً.

حکم سائر الاقسام

و اما سائر الاقسام فالظاهر من ادلة الاستصحاب انها مختصة باستصحاب الافراد و لا تعم استصحاب الکليات لا اقل من انصرافها الی ذلک و کل الامثلة التي تذکر لتقريب استصحاب الکلي هي من موارد العلم الاجمالي و تابعة لاحکامه .

مثلا لو علمنا بنجاسة مرددة بين البول الذي يجب غسله بالقليل مرتين و بين الدم الذي يکفي غسله مرة واحدة لا يمکن فيه استصحاب الفرد لعدم العلم به و لا الکلي لان قوله علیه السلام «لاتنقض اليقين بالشک..» لايشمل العلم بالجامع لعدم ظهوره فيه؛ لا اقل انه منصرف عنه هذا اولا .

و ثانيا: هذا العلم الاجمالي ينحل بعد غسله مرة واحدة فلا علم لنا بالنجاسة حتی تستصحب لانا کنا نعلم بنجاسة يجب غسلها مرة واحدة يقينا و لا نعلم بوجوب غسلها اکثر من ذلک بل تجري البراءة في ذلک .

و لو استبدلنا المثال بمثال اخر مثل خروج رطوبة من متطهر مرددة بين البول و المني يعلم بحصول حدث مردد بين الاکبر و الاصغر فهنا تجري قاعدة الاشتغال من وجوب الجمع بين الغسل و الوضوء و لا علاقة لها باستصحاب الحدث بعد الغسل او الوضوء .

بيان ذلک: انّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون محدِثاً للتكليف على كلّ تقدير، و هذا الشرط موجود في المقام، لأنّه لمّا كان متطهراً فلو كان البلل بولًا لأثّر في إيجاب الوضوء، و لو كان منيّاً لأثّر في إيجاب الغسل، و لأجل ترتب الأثر على كلّ واحد من طرفي العلم صار الأصلان في كلا الجانبين، متعارضين فأصالة عدم حدوث الحدث

ص: 236

الأصغر معارض بأصالة عدم حدوث الحدث الأكبر، فيتساقطان، و يكون المرجع بعد سقوطهما هو قاعدة الاشتغال و حکم العقل بالجمع بين الطهورين: الوضوء و الغسل، لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية، و لا يحصل إلّا بالجمع و مع وجود حکم العقل لا تصل النوبة الی استصحاب کلي الحدث .

مثال ثالث: لو كان محدثاً بالحدث الأصغر و خرج منه بلل مردّد بين البول و المني فهل لاستصحاب الکلي مجال؟

أقول: إنّ العلم الإجمالي بخروج أحد البللين في المقام غير مؤثِّر على كلّ تقدير، لأنّه لو كان البلل هو البول لم يؤثّر قطعاً لافتراض كونه محدِثاً بالحدث الأصغر، فلا يجري فيه الأصل لعدم ترتب الأثر على وجوده، حتى ينفى بالأصل و لو كانالحادث هو المنيّ لأثر، فيجري الأصل في ناحية الحدث الأكبر بلا معارض لترتب الأثر على وجوده فينفى بالأصل. هذا كلّه حول الأصل و عدم جريانه.

و لا يجري استصحاب الجامع بين الحدثين لأنّ العلم لم يتعلّق بالحدث المؤثِّر حتى يصحّ استصحابه لما عرفت من أنّ الحدث لو كان صغيراً فلا يؤثِّر لكونه محدِثاً به من ذي قبل.

نعم لو كان حدثاً كبيراً لأثّر، و لكنّه مشكوك مرفوع بالأصل، ففي هذا المورد يقتصر على الوضوء و لا يجب الجمع.

مثال رابع: لو كانت الحالة السابقة مجهولة و خرج منه بلل مردّد بين البول و المني فتوضأ، فهذه الصورة من قبيل الشبهة المصداقية للعلم الإجمالي، لأنّه لو كان متطهراً كان العلم الإجمالي منجِّزاً فيجب عليه الجمع بين الوضوء و الغسل.

و لو كان محدِثاً بالحدث الأصغر، كان منجِّزاً على تقدير، دون تقدير، و استصحاب الجامع استصحاب لحدث غير مؤثر فيكفي الوضوء.

ص: 237

و لو كان محدثاً بالحدث الأكبر، لم يكن العلم الإجمالي منجِّزاً أصلًا لتعلّقه بحدث غير مؤثر مطلقاً، سواء أ كان بولًا أم منيّاً.

و بما أنّه مردّد بين إحدى الصور السابقة فلا محيص من الجمع بين الطهارتين، إذ لا تحصل البراءة اليقينية إلّا به لان شغل الذمة اليقيني يقتضي فراغها يقينا.

مثال خامس: إذا تردّدت نجاسة شي ء بين الذاتية و العرضيّة، كالصوف المردّد بين كونه صوف خنزير، أو صوف غنم متنجس، فلو غسله ارتفعت نجاسته العرضية قطعا و اما احتمال نجاسته الذاتية فلا علم لنا بها سابقا حتی يقال بتردّد الأمر بين كونها قطعيّ الارتفاع و قطعي البقاء، فيرجع إلى استصحاب الجامع بين النجاستين للعلم بالجامع في زمان واحد.

و هکذا کل الامثلة المذکورة لاستصحاب الکلي، ففي مثال الفيل و البق من استصحاب القسم الثاني من الکلي فان المستصحب اما الاثر المترتب علی الخصوصية او الجامع و الاول غير مراد و الثاني ينحل الی العلم التفصلي لو کان مرددا بين الاقل و الاکثر فلا استصحاب.

الشبهة العبائية

إذا علم بنجاسة أحد طرفي العباءة ثمّ غسل طرفه الأعلى، و مسح بيده كلا الطرفين فيلزم على القول بجريان استصحاب النجاسة على الوجه الكلي، الحكم بنجاسة الملاقي قطعاً، مع أنّه لاقى مشكوك النجاسة و مقطوع الطهارة.

و أيضاً يلزم زيادة الفرع على الأصل، حيث إنّ ملاقي أحد الطرفين في الشبهة المحصورة، طاهر كما تقدم، و لكن مقتضى استصحاب الجامع نجاسة الملاقي، و هو كما ترى.

ص: 238

و هذه هي الشبهة العبائية التي طرحها السيد إسماعيل الصدر و في الحقيقة هي ليست بشبهة بل إشكال لا مفر عنه وارد على استصحاب الجامع في القسم الثاني.

و قد أُجيب عن هذه الشبهة بوجوه نذكر اثنين منها:

الأوّل: نلتزم بنجاسة الملاقي، لأنّ القول بطهارته فيما إذا لم يمكن هناك أصل حاكم على نجاسته كما في المقام حيث إنّ استصحاب الجامع يقتضي نجاسة ملاقيه.

نعم يلزم منه التفكيك بين الحكم بنجاسة الملاقي و نجاسة الملاقى و هو ليس بمحذور لإمكان التفكيك بين المتلازمين في مؤدّيات الأُصول فيحكم بنجاسة الملاقي دون الملاقى(1).

و فيه: انه کيف يحکم بنجاسة الملاقي مع ان الاصل فيه استصحاب الطهارة لأنّه لاقى مشكوك النجاسة و مقطوع الطهارة.

جواب الشهيد الصدر

الثاني: ما أجاب به السيد الشهيد الصدر رحمه الله من انّ استصحاب الجامع و إن كانت أركانه تامّة لكن لا يترتب على مؤدّاه نجاسة اليد الملاقية مع الطرفين إلّا بالملازمة العقلية، لأنّ نجاسة الجامع لو فرض محالًا وقوعها على الجامع و عدم سريانها إلى هذا الطرف أو ذاك، لا تسري إلى الملاقي، لأنّ نجاسة الملاقي موضوعها نجاسة هذا الطرف أو ذاك الطرف لا الجامع بما هو جامع - فما هو محكوم بالنجاسة، أعني الجامع ليس موضوعاً لنجاسة الملاقي، و أمّا ما هو موضوع لنجاسة الملاقي فليس محكوماً بالنجاسة إلّا بالملازمة العقلية - فإثبات نجاسة أحد الطرفين بخصوصه بنجاسة الجامع يكون بالملازمة العقلية.

ص: 239


1- مصباح الأُصول: 112/ 3.

و حاصله: انّ استصحاب الجامع و بقاءه يلازم عقلاً نجاسة الملاقى، لأنّ المفروض تطهير الطرف الأسفل، فلو كان الجامع باقياً فلا بدّ أن يكون باقياً في الجانب الأعلى - الملاقى - و بعد ثبوت نجاسته بالملازمة، يصحّ الحكم بنجاسة الملاقي - أي اليد - لما عرفت من أنّ نجاسة الملاقي من آثار نجاسة الملاقى.

و فيه: أنّ الجامع هنا هو احد الفردين و بتطهير احدهما ينتفي الجامع بينهما فلا جامع حتی يلازم استصحابه عقلا نجاسة الملاقی لانه بعد غَسل الطرف الأسفل لا يصحّ ترديد النجاسة بين الطرفين بل يكون الطرف الأسفل طاهراً قطعاً، و الطرف الآخر مشكوك النجاسة فلا يقين سابق حتی يستصحب, و هذا نظير العلم بنجاسة أحد الإناءين في زمان واحد مع إراقة واحد منهما فلا يصحّ لنا استصحاب النجاسة، لأنّ العلم بالجامع في السابق كان على نحو يصحّ لنا القول بأنّ النجس إمّا في هذا الإناء أو في ذاك و بعد الإراقة لا يصحّ لنا هذا التعبير.

نعم يجب الاجتناب عن الإناء الآخر، و ذلك لا لاستصحاب الجامع، بل لأجل أنّ الاجتناب أثر العلم الإجمالي السابق و لا علاقة له بالمقام من استصحاب الکلي . و بذلک يظهر بطلان استصحاب الکلي و لا حاجة للتطويل في ذکر خصوص القسم الثالث و الرابع .

التنبيه الثاني: جريان الاستصحاب في الأُمور الاستقبالية

لا شكّ في جريان الاستصحاب إذا تعلّق الشكّ بالأمر الحالي كما إذا شكّ المتطهّر في بقاء طهارته إنّما الكلام في جريانه إذا كان متعلّقه أمراً استقبالياً، كما إذا كان أوّل الوقت فاقداً للساتر أو واجداً له و كان نجساً و شكّ في بقاء العذر إلى آخر الوقت فيستصحب بقاءه إلى آخره و يترتّب عليه جواز البدار كما إذا علم بقاءه على نفس الحالة. و الی

ص: 240

جريان الاستصحاب في الأمر الاستقبالي كجريانه في الأمر الحالي ذهب السيد المحقّق الخوئي, و قد أفتى على وفق الاستصحاب في الأُمور الاستقبالية، نذكر منها ما يلي:

1. إذا كان جنباً في شهر رمضان في الليل لا يجوز له أن ينام قبل الاغتسال إذا علم أنّه لا يستيقظ قبل الفجر للاغتسال، فلو شكّ في الاستيقاظ فقال: الصحيح حرمته، لأنّ النوم المحتمل فيه عدم الاستيقاظ، محكوم بالاستمرار إلى الفجر، بمقتضى الاستصحاب، فهذا نوم مستمر إلى الصباح متعمّداً و قد صدر باختياره فهو عامداً إليه(1).

و مثله إذا عجز عن خصال الكفّارة، و لكن يحتمل تجدّد القدرة. فهل يجوز أن ينتقل إلى البدل، أعني: صيام ثمانية عشر يوماً، أو التصدّق بما يطيق؟ فقيل نعم استناداً إلى استصحاب العجز بناءً على جريانه في الأُمور الاستقبالية كما هو الصحيح.

و فيه: أنّ أدلّة الاستصحاب من الاخبار لا اطلاق لها للامور المستقبلية و کذلک بناء العقلاء فليس بمعهود عندهم الحكم بالبقاء من زمان الحكم إلى مستقبل الوقت .

التنبيه الثالث: في اشتراط فعلية اليقين و الشكّ

قال في الکفاية: «انه يعتبر في الاستصحاب فعلية الشك و اليقين فلا استصحاب مع الغفلة لعدم الشك فعلا و لو فرض أنه يشك لو التفت ضرورة أن الاستصحاب وظيفة الشاك و لا شك مع الغفلة أصلا»(2).

قلت ؛ و ذلک اولا: لأن كل حكم تابع لوجود موضوعه حدوثا و بقاء حتى قيل: «ان فعلية الحكم- أي وجوده- بوجود موضوعه» فلا حكم بدونه.

ص: 241


1- مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم: 207.
2- كفاية الأصول، ط ال البيت ^ص: 404 .

وثانيا: أن الشك و اليقين و كذا الظن من الحالات الوجدانية و الصفات النفسانيّة التي لا يعقل تحققها للغافل، بداهة أن الإنسان في حال الغفلة لا يصدق عليه العالم و لا الظان و لا الشاك، بل يصدق عليه نقيضها، و إلّا يلزم ارتفاع النقيضين أو اجتماعهما، و من المعلوم أن فعلية هذه الصفات عين وجودها، و عدم فعليتها عين عدمها.

وثالثا: أن موضوع الأصول العملية و منها الاستصحاب- التي هي أحكام ظاهرية و وظائف للشاك و المتحير في الأحكام الواقعية- هو الشك الّذي قد عرفت أنه و الظن من صفات الإنسان الملتفت، و من هنا يظهر أن موضوع الحكم الواقعي يخالف موضوع الحكم الظاهري، لعدم تقيد الأول بالالتفات، بخلاف الثاني، فان قوامه بالالتفات الشكي، و بدون الشك لا وجود للحكم الظاهري حقيقة.

نعم قد تكون الوظيفة المقررة في حال الجهل بالحكم أو الموضوع- أو في حال الغفلة- بالغة مرتبة الفعلية و ان لم تصل إلى المكلف و لم تنجز عليه، و ذلك لكون الغرض من جعلها تعيين وظيفة الجاهل بالواقع و تبديل تكليفه بتكليف آخر، و لم تؤخذ حيثية تنجيز الواقع و الإعذار عنه في إنشائها، و ذلك مثل ما دل على صحة الصلاة بلا سورة حال الغفلة عنها، فان الآتي بالصلاة الفاقدة للسورة غفلة قد أطاع ما هو المجعول في حقه واقعا حتى إذا لم يعلم بتشريع هذه الوظيفة الثانوية، فيكون مستحقا للثواب، لامتثاله للتكليف الفعلي و هو الصلاة الفاقدة للسورة التي هي وظيفة الغافل. و كذا في الإخفات في موضع الجهر و بالعكس، و الإتمام في موضع القصر.

و عليه فلا تناط فعلية هذا القسم من الوظائف المقررة للجاهل بوصولها، لعدم كون الغرض من جعلها تنجيز الواقع، بل هي وظائف لحاله الفعلي أعني حال الغفلة. و هذا بخلاف الأصول العملية، إذ المقصود من تشريعها إما إيصال الواقع كما في الاحتياط

ص: 242

الشرعي و الاستصحاب المثبت للتكليف، و إما الاعذار عنه كما في البراءة الشرعية و الاستصحاب النافي للتكليف.

و بذلک اتضح وجه اعتبار فعلية الشك و اليقين في الاستصحاب كوضوح اعتبار فعلية الشك في سائر الأصول العملية، بل ينبغي عدّه من القضايا التي قياساتها معها.

فالنتيجة: أنه مع الغفلة لا تحيّر في الحكم الواقعي، لعدم الشك المتقوم بالالتفات، فلا يجري فيه الاستصحاب الرافع للتحير، فوجود الشك الفعلي- و كذا اليقين- مما لا بد منه في جريان الاستصحاب، و لا عبرة بالتقديري منهما، إذ ليس التقدير إلّا فرض الوجود للعدم. و قد عرفت أن العبرة بوجودهما الفعلي كسائر موضوعات الأحكام، و التقدير لا يخرج المقدّر عن العدم الّذي ليس موضوعا للحكم.

تطبيقات

ثمّ إنّه يترتب على ما ذكرنا فروع فقهيّة ؛ منها:

الفرع الأوّل: أنّه لو كان أحد محدثاً فغفل و صلّى ثمّ شك في أنّه تطهّر قبل الصلاة أم لا، فيجري استصحاب الحدث بالنسبة إلى الأعمال الآتية، و أمّا بالنسبة إلى الصلاة التي أتى بها فلا يجري استصحاب الحدث، لأنّه كان غافلًا قبل الصلاة و لم يكن له الشك الفعلي حتى تكون صلاته واقعة مع الحدث الاستصحابي، و بعد الصلاة و إن كان الشك موجوداً، فقد يقال بأنّ قاعدة الفراغ حاكمة على الاستصحاب أو مخصصة له، فيحكم بعدم وجوب الاعادة عليه.

الفرع الثاني: أنّه لو التفت قبل الصلاة ثمّ غفل و صلى، فتكون صلاته باطلة، لتحقق الشك الفعلي قبل الصلاة، فقد وقعت مع الحدث الاستصحابي.

قال المحقق الخوئي: «و في كلا الفرعين نظر:

ص: 243

أمّا الفرع الأوّل: فلأنّ قاعدة الفراغ لا تخلو من أمرين: فامّا أن تكون من الاصول التعبدية الشرعية، و إمّا أن تكون من الأمارات العقلائية كما هو الظاهر، لأن ترك الجزء أو الشرط عمداً لا يتصور بالنسبة إلى من هو في مقام الامتثال، فان تُركا لا يستند تركهما إلّا إلى الغفلة و النسيان، و هو خلاف الأصل، فان مقتضىطبيعة الانسان هو الذكر في حال العمل، لا السهو و النسيان كما في الامور العادية، فالفراغ عن العمل أمارة كاشفة نوعاً عن عدم وقوع الغفلة و السهو.

و يؤيد هذا المعنى: قوله علیه السلام : «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»(1), و كذا قوله علیه السلام : في صحيحة محمّد بن مسلم الواردة في الشك في عدد ركعات الصلاة بعد الفراغ: «و كان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك»(2).

فعلى القول بكون قاعدة الفراغ أمارة نوعية على عدم وقوع الغفلة و السهو، لا مجال للأخذ بها مع العلم بالغفلة كما هو المفروض في المقام، فعدم جريان الاستصحاب في حال الغفلة مسلّم، لعدم الشك الفعلي، إلّا أنّه لا مانع من جريانه بعد الصلاة حتى بالنسبة إلى الصلاة التي أتى بها، لاختصاص قاعدة الفراغ بصورة عدم العلم بالغفلة، فلا تجري في المقام حتى تكون حاكمةً على الاستصحاب أو مخصصة له.

و لما ذكرنا من اختصاص قاعدة الفراغ بموارد عدم العلم بالغفلة، لا تجري فيما لو شك في صحة العمل بعد الفراغ عنه مع العلم بكيفية وقوع العمل و الشك في انطباقه على الواقع، كما إذا شك بعد الوضوء في أنّه توضأ بالماء أو بمائع آخر مع علمه بأنّه توضأ بهذا المائع الموجود، لكنّه لا يدري أنّه ماء أو مائع آخر، فلا مجال للحكم بصحة الوضوء

ص: 244


1- الوسائل 1: 471/ أبواب الوضوء ب 42 ح 7 .
2- الوسائل 8: 246/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3 .

لقاعدة الفراغ، لعدم كون احتمال البطلان مستنداً إلى الغفلة بل إلى عدم المصادفة الاتفاقية للواقع.

و أمّا على القول بكون قاعدة الفراغ من الاصول التعبدية الشرعية و عدم اختصاصها بموارد احتمال الغفلة لاطلاق بعض النصوص الدالة على أنّ «ما مضى فأمضه كما هو»(1) فتكون قاعدة الفراغ حاكمةً على الاستصحاب و لو قلنا بعدم اعتبار الشك الفعلي في الاستصحاب، إذ لا اختصاص لحكومة القاعدة على الاستصحاب الجاري بعد الصلاة، بل تكون حاكمةً على الاستصحاب الجاري قبلها أيضاً.

و أمّا الفرع الثاني: ففيه أنّ بطلان الصلاة في الفرض مسلّم، إلّا أنّه ليس مستنداً إلى جريان الاستصحاب قبل الصلاة، بل إلى عدم جريان قاعدة الفراغ في نفسها، لاختصاصها بما إذا حدث الشك بعد الفراغ، و هذا الشك الموجود بعد الفراغ كانقبل الصلاة، فانّ هذا الشك متحد عرفاً مع الشك الذي كان قبل الصلاة، و إن كان غيره بالدقة العقلية، و مع قطع النظر عما ذكرناه فالاستصحاب الجاري قبل الصلاة لا يقتضي البطلان، لأنّه بعد الالتفات و تحقق الشك عرضت له الغفلة ثانياً على الفرض، و بمجرد عروض الغفلة لا يجري الاستصحاب، لأنّه كما يعتبر في الاستصحاب اليقين و الشك حدوثاً، كذا يعتبران بقاءً، فما دام شاكاً يكون محدثاً بالحدث الاستصحابي، و بمجرد طروء الغفلة يسقط الاستصحاب، فلا يكون محدثاً بالحدث الاستصحابي، و المفروض أنّه بعد الشك غفل و دخل في الصلاة.

نعم، لو عرض له شك آخر بعد الصلاة يمكن القول بصحة صلاته لقاعدة الفراغ، كما لو شك في المثال المذكور بعد الصلاة في أنّه هل تطهر بعد الشك في الطهارة قبل الصلاة

ص: 245


1- الوسائل 8: 237 و 238/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3 .

أم لا، بأن كان محدثاً و التفت فشك في الطهارة قبل الصلاة، ثمّ غفل و صلّى، و بعد الفراغ شك في أنّه هل تطهر بعد الشك في الطهارة قبل الصلاة أم لا، فيحكم بصحة صلاته لقاعدة الفراغ، لكون الشك الحادث بعد الصلاة غير الشك قبلها، فيكون هذا الشك الحادث بعد الفراغ مورداً لقاعدة الفراغ، و لا يكون الحدث الاستصحابي قبل الصلاة أولى من الحدث اليقيني قبلها، فلو كان محدثاً قبل الصلاة يقيناً فغفل و صلى و شك بعد الصلاة في أنّه توضأ بعد الحدث المتيقن أم لا، يحكم بصحة صلاته لقاعدة الفراغ، و الحكم بصحة الصلاة في المقام أولى، لعدم كونه متيقناً بالحدث، بل محكوم به للاستصحاب قبل الصلاة(1).

الفرع الثالث: إذا كان المكلّف عالماً بالطهارة، ثمّ شكّ في بقائها، ثمّ غفل و صلّى، ثمّ شكّ في بقاء الطهارة حال الصلاة. فيجري فيه استصحاب الطهارة لكفاية التوجّه إلى الشكّ المذهول عنه بعد الصلاة و استصحاب الطهارة يلازم صحّة الصلاة. نعم ؛ لا تجري قاعدة الفراغ و إن كانت تتحد في النتيجة مع قاعدة الاستصحاب للوجهين السابقين في الفرع الثاني، أعني:

1. انّ ملاكها هو الشكّ الحادث بعد العمل لا الشكّ الموجود قبل العمل.

2. انّ مجراها هو احتمال ترك الجزء أو الشرط مستنداً إلى احتمال الغفلة لا في مثل المقام الذي كانت الغفلة محرزة فيه.

التنبيه الرابع: جريان الاستصحاب في مؤدّى الأمارات

قد عرفت أنّ اليقين بالحدوث و الشكّ في البقاء من أركان الاستصحاب ففيما إذا كان المتيقّن محرزاً بالوجدان، فالركن الأوّل موجود بالوجدان، و أمّا إذا كان محرزاً بدليل

ص: 246


1- مصباح الأصول، ج 2، ص: 110-112.

غير قطعي كالأمارة و البيّنة فشكّ في بقاء حكم أو موضوع، قاما عليه، فهل يجري فيه الاستصحاب؟ قيل: لا، لعدم إحراز الثبوت فلا يقين لأنّه لا يكون مؤدّى الأمارات غير العلميّة يقينيّ الحدوث، بل الأمارات انّما تورث الظنّ بمؤدّاها، و إذا انتفى اليقين السابق ينتفي الشكّ في بقاء المتيقّن السابق، فلا مجال لجريان الاستصحاب في مؤدّاها، لفقدان كلا ركني الاستصحاب. مثلا: إذا قامت البيّنة على نجاسة ماء في الأمس، ثمّ شكّ في بقاء نجاسته في اليوم، فلا مجال لجريان الاستصحاب، لأنّ البيّنة انّما تورّث الظنّ بنجاسة الماء في الأمس، فلم يحصل اليقين بحدوث نجاسته، و إذا انتفى اليقين بحدوث النجاسة ينتفي الشكّ في بقاء النجاسة المتيقّنة، فينهدم كلا ركني الاستصحاب.

و قد أُجيب عن الإشكال بوجوه:

الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني بما حاصله من أنّ دليل الاستصحاب يتكفّل جعل الملازمة الظاهريّة بين حدوث الشي ء و بقائه، من دون النظر إلى تيقّن حدوثه، فالحدوث- بما هو حدوث- موضوع للحكم بالبقاء تعبّدا. و أمّا اليقين بالحدوث فانّما لوحظ طريقا لإحراز حدوث الموضوع. و إذا تكفّل دليل الاستصحاب جعل الملازمة بينهما فلو قامت الأمارة على حدوث الحكم ثمّ شكّ في بقائه كانت هذه الأمارة حجّة على الحدوث و البقاء معا، فإنّ الدليل على أحد المتلازمين دليل على الملازم الآخر. فلا يعتبر اليقين الفعليّ بالحدوث، بل يكفي الثبوت التقديريّ و الشكّ فيه على تقدير الثبوت, و بذلك يُذبُّ عمّا في استصحاب الأحكام التي قامت الأمارة المعتبرة على مجرد ثبوتها و قد شكّ في بقائها على تقدير ثبوتها حيث أشكل عليه بأنّه لا يقين بالحكم الواقعي و لا يكون هناك حكم آخر فعلي, وجه الذب: انّ الحكم الواقعي الذي هو مؤدّى الطريق،

ص: 247

حينئذ محكوم بالبقاء فتكون الحجّة على ثبوته، حجّة على بقائه تعبّداً للملازمة بينه و بين ثبوته(1).

ثمّ أورد على نفسه: انه قد أخذ اليقين بالشي ء في التعبّد ببقائه في الأخبار، و لا يقين في فرض تقدير الثبوت.

و أجاب: بأنّ الظاهر انّه أخذ كشفاً عنه و مرآةً لثبوته ليكون التعبّد في بقائه، و التعبّد في فرض ثبوته إنّما يكون في بقائه.

و اجيب: انه إذا كان اليقين بالثبوت من أركان الاستصحاب و كان المراد منه، هو اليقين المنطقي فمعنى ذلك، هو جريان الاستصحاب، مع عدم بعض أركانه.

و ما ذكره من أنّ اعتبار اليقين بالحدوث، لأجل إمكان التعبد في البقاء فيكفي الشكّ على تقدير الثبوت، هو بمعنى نفي ركنية اليقين في جريان الاستصحاب.

فإن قلت: إذا كان اليقين مأخوذاً على نحو الطريقية إلى المتعلّق ليتمكن من الحكم بالبقاء وعليه يكفي فرض ثبوته مع الشكّ في البقاء.

قلت: إنّ اليقين و إن كان مأخوذاً على نحو الطريقية إلى المتعلّق، لكنّه في مقام الاحتجاج أخذ على نحو الموضوعية فيحتجّ على المولى باليقين السابق، و انّه أمر صلب لا ينقصه الشك. و مثله يتوقف على اليقين الفعلي، لا التقديري.

الثاني: ما اجاب به المحقّق النائينيّ عن الإشكال بما حاصله: أنّ المراد من اليقين المعتبر في الاستصحاب ليس هو اليقين الوجدانيّ، بل كلّ ما يكون محرزا للمستصحب بأحد وجوه الإحراز من اليقين الوجدانيّ أو ما هو بمنزلته كالطرق و الاصول المحرزة، بناء على قيامهما مقام القطع الطريقيّ. فلو قام طريق أو أمارة على ثبوت حكم أو موضوع ذي

ص: 248


1- كفاية الأصول، ط ال البيت ^ ص: 405 .

حكم ثمّ شكّ في بقاء الحكم أو الموضوع الّذي أدّت إليه الأمارة و الطريق فلا مانع من استصحاب بقاء مؤدّى الأمارة و الطريق، لأنّ المستصحب قد احرز بقيام الأمارة عليه(1).

و بعبارة اخری: انّ الشارع جعل الأمارة منزلة العلم، فكما أنّ العلم محرز للواقع فكذا الأمارة محرزة للواقع، تعبّداً، فصار للعلم فردان: وجداني و تعبدي، فيكون المكلّف بعد قيام الأمارة محرِزاً للواقع و عالماً به، و بما أنّ اليقين في أدلّة الاستصحاب لم يؤخذ بما هو وصف قائم في النفس بل أخذ طريقاً صحّ قيام الأمارة مقام اليقين

الثالث: ما اجاب به المحقّق العراقيّ بأنّ أدلّة الطرق و الأمارات ناظرة إلى تتميم الكشف و إثبات الإحراز التعبّديّ للواقع؛ و حينئذ فأدلّة الطرق و الأمارات بعناية تكفّلها لإثبات العلم و الإحراز يوسّع دائرة اليقين المنقوض و الناقض في الاستصحاب بما يعمّ الوجدانيّ و التعبّديّ. و بذلك يكون المستصحب عند قيام الأمارة أو الطريق عليه محرزا باليقين التعبّديّ، و مع الشكّ في بقائه في الزمانالمتأخّر يجري فيه الاستصحاب، لتماميّة أركانه من إحراز السابق و الشكّ اللاحق. فلا يحتاج إلى جعل اليقين في أخبار الاستصحاب كناية عن مطلق الإحراز كما صنعه المحقّق النائينيّ، كي يلزم تقدّم الأمارة عليه بمناط الورود لا الحكومة(2).

الرابع ما اجاب به المحقّق الخوئيّ و حاصله: أنّ معنى جعل حجّيّة الأمارات هو جعل الأمارات من أفراد العلم في عالم الاعتبار، فيكون لليقين فردان: اليقين الوجدانيّ و اليقين

ص: 249


1- فوائد الاصول 4: 403- 404.
2- نهاية الأفكار 4: 105- 109.

الجعليّ الاعتباريّ، فكما لو علمنا- علما وجدانيّا- بحكم من الأحكام ثمّ شككنا في بقائه نرجع إلى الاستصحاب كذلك إذا قامت الأمارة على حكم ثمّ شككنا في بقائه(1).

و يرد عليهم: أنّ ما ذكروه مبني على مبناهم من وجود الجعل في الامارات و أنّ المجعول فيها هو الواسطية في الإثبات و الطريقية او تتميم الکشف او جعل الامارة من افراد العلم، و أمّا على القول بأنّ حجّية الأمارات إمضائية لا تأسيسيّة، أي إمضاء ما عليه العقلاء بما انّها مفيدة للاطمئنان، و مصيب للواقع غالباً فيكون الجواب ان الامارة هي علم فينتفي الاشکال من اصله.

الخامس: إنّ للعلم مراتب منها ما يکون مساويا لليقين المنطقي، و هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، و منها ما هو مساويا للوثوق و الاطمينان کالامارات العقلائية و الحجج الشرعية ، و اليقين الوارد في أخبار الاستصحاب هو اليقين بالمعنى الاعم من اليقين المنطقي و العقلائي .

و يشهد لذلک أنّ اليقين الوارد في صحاح زرارة ليس هو اليقين بالمعنى المنطقي، بل بما يشمل الحجّة الشرعية، فأنّ المستند لطهارة بدن زرارة و ثوبه، و الماء الذي توضأ به، هو أصالة الطهارة، أو إخبار زوجته، أو غير ذلك من الأمارات الجارية في الموضوعات فلم يكن له يقين بالمعنى المنطقي، و على ذلك فمعنى لا تنقض اليقين بالشك، أي لا تنقض الحجّة باللاحجة.

هذا كلّه حول الأمارات، و أمّا مفاد الأُصول فلا حاجة في إحراز حكمها إلى الحالة اللاحقة بالاستصحاب، بل دليل الأصل كاف لإثبات حكمه، لأنّ الموضوع هو الشكّ و هو كاف في الحكم بالطهارة و الحلية في الآن الثاني، و لذلك تكون أصالة الطهارة و

ص: 250


1- مصباح الاصول 3: 99.

الحلية متقدمتين على استصحابهما، لانه يكفي الشک فيجريانهما من دون حاجة إلى لحاظ الحالة السابقة، بخلاف الاستصحاب، فالموضوع فيه هو الشكّ الملحوظ فيه الحالة السابقة.

التنبيه الخامس: استصحاب الزمان و الزمانيات و الأُمور المقيّدة بالزمان

هذا التنبيه منعقد لبيان الاستصحاب في الأُمور التدريجية، و هي علی أقسام ثلاثة:

1. استصحاب نفس الزمان إذا كان معنوناً بعنوان وجوديّ ككونه ليلاً أو نهاراً.

2. استصحاب الأمر غير القار بالذات كالحركة و جريان الماء و سيلان الدم، و بقاء التكلّم و المشي، فإنّ ذات الأفعال في هذه الأمثلة أُمور متدرجة بالذات، متقضية بالطبع.

3. استصحاب الأمر القار بالذات، المقيّد بالزمان كالجلوس في المسجد إلى الظهر، فيقع الكلام في مواضع ثلاثة:

حقيقة الزمان

و قبل الخوض في البحث لابد من الاشارة الی حقيقة الزمان.

ادعی الفلاسفة أن «الزمان موجود و ماهيتّه إنه مقدار متّصل غير قار عارض للحرکة»(1), فهو مقدار الحركة، و انّ كلّ حركة فهي بسيلانها و جريانها تُولّد زماناً، فكلّ سيلان و جريان، بما انّه يتضمن خروج ما بالقوة إلى الفعل كحركة اليد، و انتقال القطار من نقطة إلى نقطة، و غيرهما يسمّى حركة، و بما انّه يستغرق مقداراً حتى ينتقل من المبدأ إلى المنتهى فهو زمان، و عليه فليس الزمان إلّا مقدار الحركة الذي ينتزع من نفسها، لا من أمر آخر.

ص: 251


1- 96- نهاية الحکمة: 214.

و بما انّ لكلّ حركة زماناً، و كانت حركة الشمس أو الأرض من أعم الحركات و أوسعها اتّخذت العامة مقدار حركتهما مقياساً و زماناً لسائر الأفعال و إلّا فالزمان وليد عامة الحركة من غير فرق بين متحرك و متحرك، و لكلّ حركة زمان خاص بها، يتولّد منها و يتدرج مع تدرّجها .

و فيه: أن ماهية الزمان أعم مما ذُکر، فالمذکور إنما هو حدّ لصنف من أصناف الزمان و هو العارض للحرکة العارضة للمادّة. فالزمان هنا من توابع أحکام المادّيات، و الفلسفة حسب الفرض تبحث عن الموجود بما هو موجود, فاللازم في الفلسفة البحث عن الزمان لا من زاوية الماديات، بل من زاوية الوجود الذي يضمّها و غيرها. و الملاحظ علی الفلسفة الخلط بين قوانين المادّة و قوانينالواقع، فيجعلون من قوانين المادّة قوانين للواقع، و الفرق بينهما واضح؛ فقوانين المادّة مجعولة بخلاف قوانين الواقع، ليست مجعولة بل لا تصل إليها يد الجعل. و عليه فيمکن أن يتصوّر للزمان فردان آخران و هما:

أولاً: ما يمضي عليه زمان و هو باق بذاته بلا حرکة. و هذا و إن لم يکن له فرد في الخارج حسب علمنا، إلّا أنه فرد من أفراد الزمان، و هو هنا عبارة عن مقدار لبث الشيء، و معروضه هنا اللبث لا الحرکة.

فإن قلتَ: کل جسم متحرّک في جوهره؛ کما هو مقتضی الحرکة الجوهرية.

قلتُ: و حيث أن ثبوت الحرکة متوقفة علی ثبوت الزمان بالمعنی الأول، فالإستدلال دوري.

ثانياً: الزمان بمعنی الوعاء الدهري الذي لا أول و لا نهاية له، و هو بهذا المعنی لا يخرج عن کونه مقداراً، بل هو يبقی بمعنی المقدار. أما لا حدّ لمقداره من جهة الاولية، و لا

ص: 252

من جهة الاخرية؛ کما هو لغة کذلک، فهذا المعنی ينحصر في الذات الإلهية المقدّسة، و قد عبَّروا هم عنه بالسرمد: «و هو کل استمرار و وجود من غير قياس الی وقت فوقت».

و الهدف من هذا التقسيم: هو إثبات البعد المقداري أياً کان اسمه, فقد کان الله جلّ و علا و لم يکن معه شيء،کما و إنه يمکن تقدير ما قبل خلق العالم بالمقدار الزماني؛ کما ورد التعبير بذلک في بعض الروايات.

فالزمان من زاوية الوجود يختلف عن الزمان من زاوية عالم المادّة و الطبيعة و ما هو مذکور من تعريف الزمان؛ إنما هم مختص بعالم المادّة دون غيرها.

فإن قلتَ: إن المجرّدات لا تُقاس بالزمان بل هي فوقه.

قلتُ: اولاً لا وجود للمجردات سواه تعالی کما تقدم مضافاً الی انه ادّعاء بلا دليل و لا برهان، فانتفاء الزمان «بالمعنی العارض للحرکة» لا يدل علی انتفاء الزمان؛ بالمعنی الإستمراري المتقدّم .

اقول: و حيث ان الله تعالی ازلي ابدي فلا تقاس ذاته تعالی بالزمان, الّا انه بملاحظة المخلوقات نقول: قبل ان يخلق کذا کان و لم يکن معه شئ و هکذا يصبح للزمان معنی معقولاًبالمعنی الاستمراري(1).

الموضع الأوّل: استصحاب نفس الزمان المعنون بعنوان وجودي

إذا كان الزمان المعنون بعنوان وجودي، موضوعاً للحكم كالنهار و الليل فشككنا في بقائه، فهل يصحّ استصحاب نفس الزمان من خلال استصحاب عنوانه كبقاء النهار، و تترتب عليه إقامة الصلاة أداءً و حرمة الإفطار، و هكذا من جانب الليل؟

ص: 253


1- و قد فصلنا الکلام في ذلک في کتابينا: اصول المعرفة و الرؤية الفلسفية نقد و تحليل فراجع .

اقول: استشكل في جريان الاستصحاب في الامور التدريجيّة:

اولاً: بعدم تصوّر البقاء في مثل الزمان و الزمانيّات المتصرّمة الّتي توجد و تنصرم شيئا فشيئا، لأنّ بقاء الشي ء عبارة عن استمرار وجوده في الآن اللاحق بعين وجوده في الآن السابق، و هو غير متصوّر في الامور التدريجيّة الّتي لا يتحقّق منها جزء إلّا بعد ما انعدم منها جزء آخر.

و أجاب عنه المحقق الخراساني بوجهين:

الوجه الاول: و حاصله, أنّ الآنات و الأزمنة المتعاقبة و إن كانت في الحقيقة وجودات متعدّدة متصرّمة، إلّا أنّها لمّا كانت على نهج الاتّصال و لم يتخلّل بينها سكون كان الجميع بنظر العرف موجودا واحدا باقيا، و يعدّ الموجود اللاحق منها بقاء لما حدث أوّلا، فيصدق عليه الشكّ في بقاء ما حدث، فتتّحد القضيّة المتيقّنة مع القضيّة المشكوكة عرفا، و إن لم تكونا بحسب الحقيقة و الدقّة العقليّة كذلك، فيجري الاستصحاب، لأنّ مدار الوحدة في متعلّق الوصفين هو نظر العرف و صدق النقض و البقاء كذلك.

قلت: و يشهد لهذا الجواب ان المراد من البقاء هو البقاء لدى العرف الذي هو المخاطب بهذه الخطابات لا البقاء العقلي، و لو كان الميزان هو الثاني، لما صدق إلّا في مورد نادر، و على ذلك، فالليل و النهار موجود شخصي، لهما حالات كأوّله و وسطه و نهايته، كالإنسان الذي تطرأ عليه حالات مثل الصبا و الشباب و الكبر، فكما أنّ لكلّ فرد من أفراد الإنسان بقاءً و إن كبر و شابَ أو شاخ، فهكذا للنهار و الليل بقاء، و إن وصلا إلى القمة.

و الذي يصحّح صدق البقاء، هو اتصال الأجزاء و تلاصقها الذي يجعل الأجزاء المتلاحقة، كشي ء واحد، و يشك الإنسان في طوله و قصره، و القائل بعدم البقاء يصب

ص: 254

النظر إلى كلّ جزء من الزمان مستقلاً عن الجزء الآخر، و يغفل عن أنّ ملاك صدق البقاء هو تلاصق الأجزاء و تلاحمها على وجه يعد جميع البعد الزماني كالبعد المكاني شيئاً واحداً.

الوجه الثاني: و حاصله, أنّ الانصرام و التدرّج في الوجود في الحركة في الأين و غيره إنّما هو في الحركة القطعيّة، و هي: «كون الشي ء في كلّ آن في حدّ أو مكان»(1), المنتزعة

ص: 255


1- قال المحقّق المروج: الحركة تنقسم إلى قسمين قطعية و توسطية, أما القطعية فهي كون الشي ء في كل آن في مكان إذا كانت الحركة في المكان كحركة السائر بين نقطتين، فان مكانه في كل آن غير مكانه في الآن السابق. أو كون الشي ء في حدّ غير الحد السابق إذا كانت الحركة في غير المكان، كما إذا كانت في الكم، كحركة الجسم النامي كالشجر و الطفل إذا أخذا في النموّ أو الذبول, أو في الكيف كصيرورة الماء البارد حارّا أو الورق الأخضر من الشجر أصفر، و نحو ذلك. أو في الوضع كصيرورة القائم قاعدا أو العكس، فان حدود المتحرك في النموّ و الذبول و غيرهما تختلف، فانه في كل آن يكون بحد خاص غير حد الآن السابق، فهو يخلع حدا و يلبس حدا آخر. و عليه فالحركة القطعية في أي مقولة كانت هي الصورة المرتسمة في الخيال المنتزعة عن الأكوان المتعاقبة الموافية للحدود الواقعة بين المبدأ و المنتهى، فهذه الأكوان أجزاء لهذه الحركة، و هي متفرقة في الخارج و مجتمعة في الخيال. و أما التوسطية فهي كون الشي ء بين المبدأ و المنتهى كالسائر بين بلدين كالسائر بين النجف الأشرف و كربلاء المقدسة، و كالنهار الّذي هو عبارة عن كون الشمس بين المشرق و المغرب، و كالليل الّذي هو عبارة عن كون الشمس بين المغرب و المشرق، و هكذا. منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، ص: 396

من الأكوان المتعاقبة، فهي باعتبار منشأ انتزاعها- و هو الأكوان المتعاقبة المتفرّقة في الخارج- تدريجيّة. و أمّا الحركة التوسّطيّة فهي من الامور القارّة و يصدق عليها البقاء حقيقة، فلا قصور في جريان الاستصحاب فيها(1).

و أورد على هذا الوجه المحقّق العراقيّ: بمنع صدق القارّ المستمرّ على الحركة التوسطيّة، كي يتصوّر فيها البقاء الحقيقيّ، لأنّ البقاء الحقيقيّ للشي ء عبارة عن استمرار وجوده في ثاني زمان حدوثه بماله من المراتب و الحدود المشخّصة له في آن حدوثه، و مثله غير متصوّر في الحركة التوسّطيّة، بداهة أنّها ليست بحقيقتها إلّا عين التجدّد و الانقضاء و الخروج من القوّة إلى الفعل، فهي بهذاالاعتبار عين الوجودات المتعاقبة و الحصولات المتدرّجة الموافية للحدود المعيّنة، لأنّ كلّ واحد منها كون واقع بين المبدأ و المنتهى و فرد للحركة التوسطيّة و مرتبة من مراتب وجودها خارجا(2).

و فيه: ان هذه الحركة تختلف عن الأولى بأن الأكوان المتصلة المتعاقبة تكون جزئيات لها، لأن كل واحد من الأكوان الموافية للحدود واقع بين المبدأ و المنتهى، و الكون بين الحدين واحد شخصي لا تعدد فيه. و التدرج و الانصرام في الوجود المانع عن جريان الاستصحاب إنما هو في الحركة القطعية التي يلاحظ فيها كون الشي ء في كل آن في حد غير حدّيه السابق و اللاحق، دون الحركة التوسطية، فانه من الأمور القارة، و لذا يصح أن يقال عند طلوع الشمس: «وجد النهار» و عند غروبها: «انعدم»، و كذا «وجد الليل عند غروبها و انعدم عند طلوعها», و

ص: 256


1- كفاية الأصول، ج 3، ص: 224.
2- نهاية الأفكار 4: 146- 147.

عليه فلا إشكال في جريان الاستصحاب في مثل الليل و النهار و غيرهما من الأمور التدريجية إذا كان الشك في بقائها ناشئا من الشك في حركتها التوسطية و وصولها إلى منتهاها، فإذا شك في وصول الشمس مثلا إلى النقطة التي تغرب فيها جرى الاستصحاب في عدم وصولها إليها، و يقال: النهار باق بمقتضى الاستصحاب. و كذا يستصحب عدم وصول المسافر من النجف الأشرف إلى كربلاء إذا شك في وصوله إلى كربلاء، و يعدّ أنه بعد في الطريق و لم يصل إلى كربلاء المقدسة .

و ثانيا: بعدم بقاء الموضوع, و من شرائط جريان الاستصحاب بقاء الموضوع، إذ لولاه لعاد الاستصحاب قياساً و يكون من قبيل إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر، و بما انّ الزمان أمر غير قارّ الذات، متصرّم الحقيقة، فالجزء الموصوف بالنهار المتيقّن غير الجزء المشكوك كونه نهاراً.

و فيه: أنّه تعبير اخر عن الإشكال الأوّل، و حاصل الجواب: انّ الموصوف بالنهارية، ليس الجزء المنفك عن الجزء الأول بل هو الوجود الشخصي عرفا الذي يتحقّق بطلوع الفجر, فنشكّ في بقاء ذلك الموجود الشخصي، و على ضوء ذلك يكون الموضوع باقياً.

و ثالثا: بکون الاستصحاب مثبتا, حيث إنّ استصحاب بقاء الليل و النهار يتصوّر على وجهين:

الأوّل: استصحابه على نحو القضية التامة بأن يقال: كان الليل موجوداً، و الأصل بقاء الليل.

الثاني: استصحابه على نحو القضية الناقصة، بأن يقال: هذا الجزء كان ليلًا، و الأصل بقاؤه.

فالأوّل منهما و إن كان له حالة سابقة، لكنّه يلازم عقلاً كون الجزء المشكوك نهاراً فيکون مثبتا، و يترتب عليه أثره الشرعي و هو حرمة الأكل في اليوم و جواز إقامة الصلاة

ص: 257

أداء لو قلنا بحجية الاصل المثبت لاجل خفاء الواسطة او مطلقا کما هو المختار, و سيأتي البحث عنه .

و أمّا الثاني فهو و إن كان غيرَ مثبِت و لكنّه فاقد للحالة السابقة، إذ لم يكن هذا الجزء موجوداً في السابق و موصوفاً بكونه من اللّيل أو من النهار حتى يُستصحب.

و ربما يتمسك باستصحابات أُخرى مثل:

1. استصحاب عدم الغروب أو عدم الطلوع.

و فيه: أنّه کسابقه مثبت، فلا يُثبت كون الجزء المشكوك نهاراً أو ليلًا إلّا بالملازمة العقلية.

2. استصحاب وجوب الإمساك أو جواز الأكل الذي هو استصحاب حكمي، و لا مانع منه.

الموضع الثاني: جريان الاستصحاب في الأُمور التدريجية غير الزمان

إنّ التدريج في هذه الامور له صور:

الصورة الأُولى: إذا أحرز المتيقّن و شكّ في الرافع

إذا أُحرز انّه كان قاصداً للسفر إلى أربعة فراسخ و لكن يحتمل عروضَ مانع من برد أو حرّ، و مثله ما إذا أحرز كون القناة قابلة لنبع الماء سنين و لكن يُشكّ في سيلانها و نبعها، لأجل احتمال حدوث مانع يمنع عن جريانه، كسقوط الصخرة على المجرى، أو امتلاء الطريق بالطين، أو غير ذلك من الموانع، و مثله ما إذا علمنا وجود واع في نفس المتكلّم يدفعه إلى أن يتكلّم ساعة لكن يحتمل انصرافه عنه لأجل طروء رادع يصرفه عن الاستمرار في الكلام فذهب المحقّق الخراساني الی عدم جريان الاستصحاب و ذلک:

ص: 258

لأنّ الشكّ ليس في بقاء جريان شخص ما كان، بل في حدوث جريان جزء آخر شكّ في جريانه من جهة الشكّ في حدوثه(1).

و ردّ: بان الملاک في جريان الاستصحاب هو وجود الوحدة العرفية و صدق الشكّ في البقاء, و قد نظر المستشكل إلى الموجود التدريجي من منظار العقل فهو عنده شكّ في الحدوث، و لم ينظر اليه بالمنظار العرفي من انه أمر واحد شخصي شكّ في طول وجوده و قصره.

الصورة الثانية: إذا شكّ في استمراره لأجل الشكّ في بقاء المقتضي كأن يکون شكّه في بقاء الماء في المنبع أو الدم في الرحم من جهة الشكّ في أصل ما يقتضيه الماء و الدم الموجودان فيهما من أوّل الأمر، فيشكّ في أنّه بقي من الموجود فيهما شي ء غير ما سال منهما إلى الآن أو لم يبق، و جريان الاستصحاب فيه مبني علی الخلاف باختصاص الاستصحاب بالرافع ام انه اعم منه و من الشک في المقتضي .

الصورة الثالثة: في احتمال نيابة داع آخر مكانه کما إذا شكّ في الاستمرار بعد العلم بانتفاء الداعي الأوّل و احتمال نيابة داع آخر مكانه، مثل ما إذا علمنا أنّه نوى السفر إلى فرسخين و لكن يحتمل عروض داع آخر، لأنّ يستمر في سفره إلى أربعة فراسخ، و في هذه الصورة منع المحقّق النائينيّ عن جريان الاستصحاب فيها مستدلا بأنّها ترجع إلى الوجه الثاني من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي، لأنّ الوحدة في الامور التدريجيّة انّما تكون بوحدة الداعي، فيتعدّد الأمر التدريجيّ- كسيلان الماء و جريانه- بتعدّد الداعي، و حيث أنّ الداعي الأوّل- في المقام- انتفى يقينا و تكون الحركة الحادثة بداع

ص: 259


1- كفاية الأصول، ج 3، ص: 225.

آخر- على تقدير وجوده- فتصير الحركة متعدّدة و لا يصحّ جريان الاستصحاب حينئذ، لاختلاف القضيّة المتيقّنة و المشكوكة(1).

اقول: و لا شک في عدم الجريان، لأنّ وحدة السير بوحدة الداعي فلو تعدّد، يتعدّد السير، فإذا شك في حدوث داع ثان يوجب استمراره في السير، فهو في الحقيقة شكّ في حدوث سير آخر و الأصل عدمه. لکن أورد عليه المحقّق العراقيّ بأنّه لو سلّم ما أفاد في مثل المتكلّم فلا مجال لتسليمه في مثل جريان الماء و الدم إلّا بتغيّر خصوصيّتهما المتقوّمة عرفا، و إلّا فمثل اختلاف المبدأ في هذه الامور كمثل اختلاف عمود الخيمة بالنسبة إلى بقاء هيئة الخيمة بحالها، كما لو شكّ في بقاء هيئة الخيمة من جهة احتمال تكوّن عمود آخر مقام العمود السابق المنتفيقطعا، فإنّه لا قصور في استصحاب بقاء هيئة الخيمة بحالها(2). قلت: و هو کما تری .

الموضع الثالث: الفعل القارّ المقيّد بالزمان

قال في الکفاية: «و أمّا الفعل المقيّد بالزمان: فتارة يكون الشكّ في حكمه من جهة الشكّ في بقاء قيده (و هو الزمان الخاص)؛ و طورا مع القطع بانقطاعه و انتفائه من جهة اخرى (غير جهة الشكّ في بقاء القيد، و هو الزمان)، كما إذا احتمل أن يكون التقييد به إنّما هو بلحاظ تمام المطلوب لا أصله»(3) اي يكون الشكّ في حكمه تارة من جهة الشكّ في بقاء قيده فالشبهة موضوعية؛ و اخری من جهة الشكّ في كيفيّة التقييد بالزمان، فيشكّ في أنّه هل يكون تقييد الحكم بالزمان الخاصّ بنحو وحدة المطلوب كي ينتفي الحكم رأسا

ص: 260


1- فوائد الاصول 4: 441.
2- راجع هامش فوائد الاصول 4: 441- 442.
3- كفاية الأصول ، ج 3، ص: 226.

بانتفاء ذاك الزمان، أو يكون بنحو تعدّد المطلوب كي ينتفى المطلوب الأقصى التامّ بانتفاء الزمان لا أصل المطلوب؟ فتكون الشبهة حكميّة.

اما الصورة الاولی: و هي ما اذا کان الشك في بقاء الزمان فذکر المحقق الخراساني انه يجوز إجراء الاستصحاب في نفس الزمان المأخوذ قيدا كالنهار، فيثبت به المقيد و يترتب عليه حكمه، فإذا وجب الإمساك في النهار و شك في بقاء النهار و انقضائه جاز استصحابه، فيجب الإمساك و يحرم ارتكاب المفطرات في الزمان الّذي ثبتت نهاريته بالاستصحاب، كما يجوز استصحاب الفعل المقيد بالزمان، فيقال: ان الإمساك قبل هذا الآن كان في النهار و الآن كما كان، فيجب فتامل»(1).

و فيه: ما تقدم في الموضع الاول من ان الاستصحاب في الشبهة الموضوعية لا يجري إذا أخذ الزمان قيدا في الموضوع، لأن استصحابه بمقتضى مفاد كان التامة مثبت الّا علی القول بحجيته، و بمقتضى مفاد كان الناقصة لا يجري، لعدم اليقين السابق به.

و اما جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية الناشئة من إجمال الدليل كدوران مفهوم النهار بين ما ينتهي إلى استتار القرص و بين ما ينتهي إلى ذهاب الحمرةفمحل إشكال، بل منع، لأن المفهوم المردد ليس أثرا شرعيا و لا موضوعا لأثر شرعي، لامتناع انطباقه بما هو مردد على الخارج الموجب لعدم إمكان جعله موضوعا لشي ء من الأحكام حتى يصح جريان الاستصحاب فيه. و عليه فلا يمكن إجراؤه في نفس القيد و هو الزمان مع كون الشبهة مفهومية سواء أ كان الزمان ظرفا أم قيدا.

ص: 261


1- كفاية الأصول ، ج 3، ص: 227.

و اما استصحاب الفعل المقيد بالزمان کما أفاده تبعا للشيخ الأعظم الأنصاريّ(1), فأورد عليه المحقّق النائينيّ في دورة من دورات بحثه بقوله: فإنّه ... و إن أريد من استصحاب الحكم إثبات وقوع الفعل المأمور به في وقته، فهذا ممّا لا يثبته استصحاب بقاء وقت الوجوب، فضلا عن استصحاب بقاء نفس الوجوب، فالاستصحاب الحكمي لا أثر له(2).

و لكن في دورة اخرى منها وجّه ذلک بما حاصله: أنّ استصحاب الزمان لا يتكفّل إثبات وقوع الإمساك في النهار إلّا على الأصل المثبت، فإنّ وقوع الإمساك في النهار من آثار بقاء الزمان عقلا، لا شرعا. بخلاف استصحاب الحكم أي وجوب الإمساك الواقع في النهار، فإنّ معنى استصحاب الحكم هو التعبّد ببقاء الوجوب فعلا، و هو يرجع إلى التعبّد به بجميع خصوصيّاته الّتي كان عليها، و المفروض أنّ الوجوب السابق كان متعلّقا بما إذا أتى به كان واقعا في النهار، فيستصحب ذلك الوجوب على النحو الّذي كان سابقا، و به يثبت وجوب الإمساك الواقع في النهار(3), و تبعه تلميذه المحقّق الخوئيّ(4).

هذا و قد اجاب المحقّقان العراقيّ و الأصفهانيّ عن الاشکال المتقدم(5), بما لا يخلو عن مناقشة اعرضنا عن ذکرهما .

الصورة الثانية: و هي ما اذا كان الشك في الحكم من جهة أخرى غير الشك في بقاء القيد، بأن يشك فيه مع القطع بانتفاء القيد. و قد عرفت تعدد منشأ الشك في بقاء الحكم مع القطع

ص: 262


1- فرائد الاصول 3: 205.
2- فوائد الاصول 4: 438.
3- أجود التقريرات 3: 401.
4- موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) 48: 149- 150.
5- نهاية الأفكار 4: 149- 150؛ نهاية الدراية 3: 186.

بانقضاء الوقت من كون الزمان قيدا بنحو تعدد المطلوب أووحدته مع احتمال حدوث مصلحة ملزمة في الفعل أوجبت وجوبه بعد ذلك الزمان، فقد ذكر المحقق الخراساني صورتين:

الاولی: كون الزمان ظرفا، لا قيدا مقوّما لموضوع الحكم و دخيلا في ملاكه، و الحكم فيه جريان الاستصحاب في نفس الحكم، فإذا وجب الجلوس مثلا في يوم الجمعة و لم يؤخذ يوم الجمعة قيدا بل ظرفا و شك في وجوب الجلوس يوم السبت جرى استصحابه، لعدم تعدد الموضوع.

الثانية: كون الزمان قيدا مقوما لموضوع الحكم، كتقيد الصوم بشهر رمضان في قوله تبارك و تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ و الأصل الجاري فيه بعد انقضاء الزمان هو استصحاب عدم الحكم، لأن التقييد بالزمان يوجب تعدد الموضوع، و كون الصوم في غير شهر رمضان مغايرا لصوم شهره، و مع تعدد الموضوع يكون الشك في حدوث التكليف، و هو مجرى استصحاب عدم التكليف إذ المتيقن من انتقاض عدم وجوب الصوم هو الزمان الخاصّ، و يشك في انتقاضه في غير ذلك الزمان، فيستصحب عدم الوجوب، و لا يجري استصحاب الوجوب، إذ المفروض تعدد الموضوع و كون الصوم المقيد بشهر رمضان مغايرا لصوم غيره، و مع تعدد الموضوع لا يكون الشك في البقاء حتى يجري فيه استصحاب الوجوب.

فإن قلت: إنّ الزمان لا محالة يكون من قيود الموضوع و إن أُخذ ظرفاً لثبوت الحكم في دليله ضرورة دخل مثل الزمان فيما هو المناط لثبوته فلا مجال للاستصحاب لتبدّل الموضوع.

ص: 263

قلت: العبرة في تعيين الموضوع هو العرف لا العقل، و الفعل في كلا الزمانين واحد، قطع بثبوت الحكم له في الزمان الأوّل و شكّ في بقائه في الزمان الثاني.

التنبيه السادس: في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية

اعلم أنّ منشأ الشك في بقاء الحكم الشرعي، تارة يكون اشتباه الأُمور الخارجية، و هو المعبَّر عنه بالشبهة الموضوعية، و أُخرى فقدان النص أو إجماله أو تعارضه، و هذا ما يعبَّر عنه بالشبهة الحكمية.

أمّا الأوّل: فلا شكّ في جريانه عند قاطبة الأخباريّين و الأُصوليّين، فمثلاً إذا شُك في بقاء النهار يُستصحب بقاؤه، و مثله إذا شُكّ في بقاء الليل.

إنّما الكلام إذا كان الشكّ في الشبهة الحكمية، فهناك أقوال خمسة:

الأوّل: التعارض بين الاستصحابين، أي استصحاب العدم و استصحاب الوجود. و هذا هو خيرة المحقّق النراقي و المحقّق الخوئي.

الثاني: التفصيل بين كون القيد المرتفع ظرفاً فيجري استصحاب الوجود. أو قيداً فيجري استصحاب العدم. و هذا هو خيرة الشيخ الأنصاري و المحقّق الخراساني.

الثالث: عدم جريان الاستصحاب العدمي، و جريان خصوص الاستصحاب الوجودي. و هو خيرة المحقّق النائيني .

الرابع: جريان الاستصحاب الوجودي و العدمي بلا منافاة بينهما. و هو خيرة العلامة الحائريّ.

الخامس: عدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية الكلّية أصلاً، و اختصاصه بالحكم الجزئي و الشبهة الموضوعية. و هو خيرة الأخباريين.

ص: 264

القول الأوّل: جريان الاستصحابين و تعارضهما

ذهب المحقّق النراقي إلى جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلّي، لكن تكون النتيجة هي تعارض الاستصحابين، و قال: إذا علم أنّ الشارع أمر بالجلوس يوم الجمعة، و علم انّه واجب إلى الزوال، و لم يعلم وجوبه فيما بعده، فاستصحاب وجوبه بعده، معارض بعدم وجوبه مطلقاً قبل التكليف، فخرج الجلوس قبل الزوال و بقي ما بعده تحت عدم الوجوب الأزلي(1).

و حاصل الاستدلال: وجود التعارض بين جرّ وجوب الجلوس إلى ما بعد الزوال، و استصحاب عدم جعل الوجوب بتاتاً، لا قبل الزوال و لا بعده، خرج عنه، الجلوسُ إلى الزوال بالدليل الشرعي، فيُستصحب عدم الوجوب المطلق من بعد الزوال إلى الغروب.

و فيه: انه بعد جعل الحجية للاستصحاب و المفروض ان دليله مطلق لا يبقی مورد لاستصحاب عدم الجعل للعلم بالجعل, و توضيح ذلک: ان هاهنا اموراً ثلاثة , و هي:

1- استصحاب النجاسة المجعولة.

2- استصحاب عدم الجعل الثابت قبل التشريع و حقيقته عدم الحکم.

3- استصحاب عدم الجعل بعد التشريع و هو انه حين جعل الحکم بالنجاسة للماء المتغير لا ندري هل انه جعل بنحو يشمل ما اذا زال تغيره ام لا؟

و حينئذ نأخذ بالمتيقن و هو ما لو لم يزل تغيره و يکون الماء الذي زال تغيره محکوما بالطهارة فنستصحب هذا الحکم عند الشک فيتعارض مع الاستصحاب الاول و هو استصحاب النجاسة المجعولة, و اما استصحاب عدم الجعل الثابت قبل التشريع فلا يتعارض مع استصحاب النجاسة لانه ليس حکما و انما هو عدم الحکم و استصحاب

ص: 265


1- الفرائد: 376 ط رحمة الله.

النجاسة حکم رافع له, و اما الاستصحاب الثالث الذي قلنا انه يعارض استصحاب النجاسة فهو في الحقيقة غير جار لانه ليس له حالة سابقة و انما الجعل اما به حصل او بعدله, و المتيقن السابق علی هذا الجعل هو عدم الجعل قبل التشريع و هو ليس حکما بل عدم الحکم و هو موضوع اخر لا علاقة له, و بذلک يظهر وجه المغالطة و انه لا يعارض استصحاب المجعول.

القول الثاني: التفصيل بين كون الزمان ظرفاً و قيداً

ذهب الشيخ الاعظم و المحقّق الخراساني إلى جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلّي من دون أن يكون هنا تعارض، و ذلك لأنّ الزمان في دليل المستصحب لا يخلو إمّا أن يكون قيداً للموضوع و مفرِّداً له، و بين كونه ظرفاً للفعل (1), فإن كان قيداً للموضوع، بمعنى أنّ الجلوس المقيد إلى الزوال واجب، فلا يجري استصحاب الحكم الوجودي، لتبدّل الموضوع، و عدم صدق النقض لو لم نقل بجريانه، بل يكون أشبه بالقياس، بل يجري استصحاب عدم الوجوب لأنّ انتقاض عدم الوجود المقيّد لا يستلزم انتقاض المطلق، و الأصل عدم الانتقاض كما إذا ثبت وجوب صوم يوم الجمعة و لم يثبت غيره.

و إن أُخذ الزمان ظرفاً للفعل، بتصوّر أنّ الجلوس فعل لا يتحقّق إلّا في الزمان، فلا يجري إلّا الاستصحاب الوجودي، لأنّ العدم المطلق انتقض بالوجود المطلق و قد حكم عليه بالاستمرار بمقتضى أدلة الاستصحاب(2).

ص: 266


1- و ما في الكفاية: ظرفاً للحكم لا يخلو من تسامح.
2- الفرائد: 377، ط رحمة الله.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أورد على نفسه إشكالاً، و هو: انّه لما كان كل من النظرين - كون الزمان قيداً أو ظرفاً - أمراً محتملاً، يجري كلا الاستصحابين، لأنّ كلًا منهما محتمل البقاء.

و أجاب عنه بأنّه إنّما يصحّ إذا كان في أخبار الباب ما بمفهومه يعمّ كلا الاستصحابين، و إلّا فلا يكون هنا إلّا استصحاب واحد لما عرفت من أنّ استصحاب الأمر الوجودي فرع لحاظ الزمان ظرفاً، و استصحاب الأمر العدمي فرع لحاظه قيداً و لا يمكن الجمع بين اللحاظين في دليل واحد.

القول الثالث: جريان خصوص الاستصحاب الوجودي

و اورد المحقّق النائيني علی ما افاده الشيخ و المحقق الخراساني بأنّ المورد صالح للاستصحاب الوجودي دون العدمي، حتى و لو كان الزمان قيداً، و حاصل ما أفاد هو ما يلي:

إنّ العدم الأزلي هو العدم المطلق الذي يكون كلّ حادث مسبوقاً به، و انتقاض هذا العدم بالنسبة إلى كلّ حادث إنّما يكون بحدوث الحادث و شاغليّته لصفحة الوجود، فلو ارتفع الحادث بعد وجوده، فهذا العدم غير العدم الأزلي، بل هو عدم آخر حادث بعد وجود الشي ء.

و ذلك لأنّ العدم المقيّد بقيد خاص من الزمان أو الزماني إنّما يكون متقوّماً بوجود القيد، كما أنّ الوجود المقيّد بقيد خاص إنّما يكون متقوّماً بوجود ذلك القيد، و لا يعقل أن يتقدّم العدم أو الوجود المضاف إلى زمان خاص عليه (1)، بل يكون العدم بعد الزوال كالوجود المقيّد به، و يكون قوامه و تحقّقه بعد الزوال، و لا يكون له تحقّق قبل الزوال

ص: 267


1- في النسخة المطبوعة أخيراً «عنه» و الظاهر «عليه» أي على الزمان.

فلا يمكن استصحاب العدم بعد الزوال إلّا إذا آن وقت الزوال، و من المعلوم ليست لهذا العدم المقيد حالة سابقة آن وقت الزوال.

فتكون النتيجة، أنّ العدم المطلق و إن كان ذا حالة سابقة، لكنّه انتقض بوجوب الجلوس إلى الزوال، و أمّا العدم المضاف إلى الزوال الذي لا يتحقّق إلّا بتحقّق الزوال فليس له حالة سابقة إلّا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع(1).

و اجيب: بأنّ حدوث كلّ فرد مسبوق بعدم نفسه، فكما أنّ وجوب الجلوس إلى الزوال كان مسبوقاً بعدم نفسه، فهكذا وجوب الجلوس بعد الزوال مسبوق بعدم نفسه، بشهادة أنّه حادث، و كلّ حادث مسبوق بالعدم، و على ذلك يكون عدمه نفس العدم الأزلي.

و ما ذكره من أنّ هذا العدم إنّما يتحقّق عند الزوال، فهو خلط بين العدم المضاف إلى الزوال, و العدم المقيّد بالزوال، فالأوّل مضاف إلى المعدوم و هو عدم أزلي سابق، و الثاني أي ما يكون العدم مقيّداً بالزوال فهو عدم مقارن مع الزوال و ليس أزلياً.

فالأوّل منه متحقّق قبل الزوال مع إضافة العدم إليه، بخلاف الثاني فانّه يتوقف على حلول الزوال.

و يرد عليه ما افاده السيد المحقق المروج من انه: «لا مجال لاستصحاب عدم الحكم مطلقا و إن كان الزمان قيدا، و ذلك لأن العدم الأزلي الّذي كان في حال الصغر قد انتقض قطعا حين البلوغ، لصيرورة كل واقعة ذات حكم في الشريعة، فالإباحة بعد البلوغ شرعية، و قبله عقلية، و هما متغايرتان. و عليه فعدم وجوب الجلوس بعد الزوال مغاير لعدم وجوبه قبل البلوغ، و ليس هو ذلك العدم حتى يكون الشك في انتقاضه بوجوب الجلوس بعد الزوال كي يستصحب.

ص: 268


1- فوائد الأُصول: 445/ 4 446.

و هذا المقدار من المائز بين العدمين كاف في التغاير المانع عن الاستصحاب المتقوم بالشك في بقاء عين ما كان، و من المعلوم عدم الفرق في مانعية ذلك عن الاستصحاب بين ظرفية الزمان و قيديته. و العدم الآخر الّذي يمكن استصحابه لا يقين به حتى يشك فيه و يستصحب، إذ لا بد أن يكون ذلك هو عدم وجوب الجلوس في الآن الأول بعد الزوال حتى يشك فيه بعده، و من المعلوم عدم العلم بذلك العدم.

فالنتيجة: أنه لا مجال لاستصحاب العدم مطلقا و ان كان الزمان قيدا، فما أفاده الشيخ الأعظم (قده) دفعا لتعارض استصحابي الوجود و العدم- کما في كلام العلامة النراقي - من «جريان استصحاب العدم دون الوجود في صورة قيدية الزمان، و جريان استصحاب الوجود دون العدم في صورة ظرفية الزمان، و عدم جريان كلا الاستصحابين في مورد حتى يتعارضا» لا يخلو من الغموض.

نعم لا مانع من استصحاب الوجود في صورة الظرفية، لاجتماع أركانه من اليقين و الشك الفعليين، و وحدة القضيتين. و أما في صورة قيدية الزمان فالمرجع فيها أصالة البراءة، لكون الشك فيها في التكليف، و لا مجال لجريان الاستصحاب فيها أصلا، لا العدمي و لا الوجوديّ»(1).

اقول: و الامر کما افاد و عليه فالصحيح ما افاده المحقق النائيني من أنّ المورد صالح للاستصحاب الوجودي فقط دون العدمي، حتى و لو كان الزمان قيداً.

استدلال المحقق الخوئي في ردّ تفصيل الشيخ

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي أنكر احتمال أن يكون الزمان المأخوذ في لسان الدليل ظرفاً، و قال: بأنّه قيد دائماً، و على هذا يكون المورد صالحاً للاستصحاب العدمي دون الوجودي،

ص: 269


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، ص: 424.

و قال ما هذا حاصله: إنّ الإهمال في مقام الثبوت غير معقول، فالأمر بالشي ء إمّا أن يكون مطلقاً، أو يكون مقيداً بزمان خاص، و لا نتصور الواسطة، و معنى كونه مقيَّداً بزمان خاص عدم وجوبه بعده، فأخذ الزمان ظرفاً للمأمور به بحيث لا ينتفي المأمور به بانتفائه في مقابل أخذه قيداً للمأمور به مما لا يرجع إلى معنى معقول، فانّ الزمان بنفسه ظرف لا يحتاج إلى الجعل التشريعي، فاذا اخذ زمان خاص في المأمور به فلا محالة يكون قيداً له، فلا معنى للفرق بين كون الزمان قيداً أو ظرفاً، فانّ أخذه ظرفاً ليس إلّا عبارة اخرى عن كونه قيداً، فاذا شككنا في بقاء هذا الزمان و ارتفاعه من جهة الشبهة المفهومية أو لتعارض الأدلة، لا يمكن جريان الاستصحاب لا الاستصحاب الحكمي و لا الموضوعي.

أمّا الاستصحاب الحكمي، فلكونه مشروطاً باحراز بقاء الموضوع و هو مشكوك فيه على الفرض، فانّ الوجوب تعلق بالامساك الواقع في النهار، فمع الشك في بقاء النهار كيف يمكن استصحاب الوجوب، فانّ موضوع القضية المتيقنة هو الامساك في النهار، و موضوع القضية المشكوكة هو الامساك في جزء من الزمان يشك في كونه من النهار، فيكون التمسك بقوله علیه السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» لاثبات وجوب الامساك فيه تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية.

و أمّا الاستصحاب الموضوعي بمعنى الحكم ببقاء النهار، فلأنّه ليس لنا يقين و شك تعلقا بشي ء واحد حتى نجري الاستصحاب فيه، بل لنا يقينان: يقين باستتار القرص و يقين بعدم ذهاب الحمرة المشرقية، فأيّ موضوع يشك في بقائه بعد العلم بحدوثه حتى يكون مجرىً للاستصحاب. فاذن لا شك لنا إلّا في مفهوم اللفظ، و من الظاهر أنّه لا معنى لجريان الاستصحاب فيه(1).

ص: 270


1- موسوعة الامام الخوئي ؛ مصباح الأُصول ، ج 2، ص: 157 -158.

و فيه اولا: ان الاستدلال لقيدية الزمان بالظهور اللفظي - حيث ان كل ما يقع في حيز خطاب من الخطابات الشرعية ظاهر في القيدية و الدخل في موضوع الحكم- يوجب انسداد باب الاستصحاب في جلّ الأحكام بل كلها(1), و هو کما تری خلاف ضرورة الفقه .

و ثانيا: ليس كل ما يقع في حيز خطاب من الخطابات الشرعية ظاهر في القيدية و الدخل في موضوع الحكم و ذلک لأنّ معنى كون الزمان أو مطلق القيود ظرفاً ليس بمعنى عدم مدخليته حدوثاً و بقاءً، و إلّا يكون أخذه في لسان الدليل لغواً، بل المراد مدخليته حدوثاً لا بقاءً مقابلَ مدخليته حدوثاً و بقاءً. فعلى الأوّل يكون الزمان ظرفاً و على الثاني قيداً, نظير استصحاب نجاسة الماء المتغيّر الذي زال تغيّره بنفسه، فانّ النجاسة ليست محمولة على مطلق الماء، و لا على الماء ما دام متغيّراً حتى تلزم طهارته إذا زال تغيره بنفسه، بل على الماء الذي صار متغيّراً في آن من الآنات فهو محكوم بالنجاسة إلى أن تثبت طهارته.

و بعبارة اخری: «إنّ القيود بعامتها سواء أ كانت زماناً أم غيره من قبيل الواسطة في الثبوت، التي تكفي في استمرار الحكم وجود القيد آناً ما - كالتغيّر - لا الواسطة في العروض التي يدور استمرار الحكم على وجود الواسطة حدوثاً و بقاءً كجريان الماء على الميزاب المصحّح لنسبة جريانه إلى الميزاب ما دام الجريان حاصلاً بالفعل»(2).

دفاع المحقق الخوئي عن نظرية النراقي

ثمّ إنّ المحقق الخوئي وجه نظرية المحقّق النراقي ببيان آخر، و حاصله: أنّ للأحكام مرحلتين:

ص: 271


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، ص: 426.
2- ارشاد العقول ج4 ص .

1. مرحلة الإنشاء و الجعل.

2. مرحلة الفعلية و التحقّق.

أمّا الأُولى: هو عبارة عن إنشاء الحكم على العنوان إذا لم يكن هناك مصداق له، كإنشاء وجوب الحج على المستطيع مع عدم مصداق له.

و أمّا الثانية: فهي عبارة عن تحقّق الموضوع، أي وجود المستطيع مع عامة شرائطه. هذا و بإمكاننا أن نعبّر عن الأُولى بمرحلة الجعل، و عن الثانية، بمرحلة المجعول.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ الشكّ في المجعول في الشبهات الحكمية على قسمين:

أ: ما كان الزمان مفرِّداً للموضوع، و كان الحكم انحلاليّاً، كحرمة وطأ المرأة الحائض حسب أفرادها، و كوطئها قبل النقاء أو بعده قبل الاغتسال، ففي مثله لا يجري استصحاب الحرمة، لأنّ الفرد المحقّق بعد النقاء و قبل الاغتسال لم تعلم حرمته من أوّل الأمر، فيكون الاستصحاب في المقام من قبيل إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر.

ب: ما إذا لم يكن الزمان مفرِّداً للموضوع، أو لم يكن الحكم انحلالياً، كنجاسة الماء القليل المتمَّم كرّاً، فانّ الماء شي ء غير متعدد حسب امتداد الزمان في نظر العرف، و نجاسته حكم مستمر لكنّه مبتلى بالمعارض، فلنا يقين متعلّق بالمجعول، و يقين متعلّق بالجعل، فبالنظر إلى المجعول يجري استصحاب النجاسة، و بالنظر إلى الجعل يجري استصحاب عدمها، إذ المتيقن جعلها للماء النجس غير المتمَّم كراً، و أمّا جعلها مطلقاً حتى للقليل المتمَّم فهو مشكوك فيه، فيستصحب عدمه، فتقع المعارضة بين بقاء المجعول و عدم الجعل، و مثله استصحاب الملكية و الزوجية إذا رجع البائع و شككنا في بقاء الملكية به، أو طلَّق الزوج بلفظ نشك في كونه صيغة طلاق، مثل قوله: أنتِ خلية. فباعتبار

ص: 272

المجعول يجري استصحاب الملكية و الزوجية، و باعتبار الجعل يجري استصحاب عدمهما، و يكون المقام من قبيل الأقل و الأكثر و يجري الأصل في الأكثر(1).

و ردّ: أوّلًا: أنّ تفسير الحكم الإنشائي و الفعلي بما ذكر خلاف ما هو المصطلح الدارج من عصر الشيخ إلى يومنا هذا، فالحكم الإنشائي هو الحكم المجعول الذي لم يصل إلى حد الإعلام للناس و الفعلي هو الحكم المجعول الذي بلّغه النبي صلى الله عليه و آله و سلم على نحو لو تفحَّص المكلف مظان الحكم لوصل إليه.

فالحكم الشرعي الذي بلّغه الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و لم يعثر عليه المكلّف، فعلي غير منجز، فإذا وقف عليه أو على طريقه صار الحكم منجزاً.

و ثانياً: أنّ لازم ما ذكره القول بعدم جريان استصحاب عدم النسخ، مثلًا اتّفق الفريقان على مشروعية المتعة قبل عام الفتح، أو عام خيبر، فادّعت العامّة منسوخيتها، و الشيعة على استمرارها أخذاً بأصالة عدم النسخ، مع أنّ لازم ما ذكره عدم جريانه لأنّ الأصل عدم جعل الجواز عليها بعد عام الفتح، مع أنّاستصحاب عدم النسخ مما اتّفق عليه الأخباري و الأُصولي كما نقله الشيخ الأعظم في فرائده عن الأمين الاسترابادي(2).

و ثالثاً: أنّ الجمع بين استصحابي الجعل و المجعول جمع بين المتنافيين، فانّ استصحاب المجعول مبنيّ على أخذ الجلوس بما هو هو موضوعاً للحكم حتى يصح استصحابه إلى ما بعد الزوال. و لكن استصحاب عدم الجعل مبني على تقسيم الجلوس إلى قبل الزوال و ما بعده حتى يقال بأنّ القدر المتيقّن هو الأوّل دون الثاني، و هو نفس أخذ الزمان قيداً و جعله موضوعاً مستقلًا. فلم يكن الأصلان جاريين في ظرف واحد.

ص: 273


1- مصباح الأُصول: 37/ 3 39.
2- الفرائد: 347.

القول الرابع: لا تعارض بين الاستصحابين

و هو مختار العلّامة الحائري، حيث قال: لا مانع من جريان الاستصحابين، و كون الجلوس بعد الزوال محكوماً بحكمين مختلفين، فهو بما انّه جلوس و أنّه من مصاديق مطلق الجلوس و أفراده، محكوم بالوجوب، و بما انّ جلوسه مقيّد، محكوم بعدمه، و هذا بمكان من الإمكان، بل لا مانع من حصول القطع بذينك الحكمين فلا غرو في أن نقطع بوجوب الجلوس بعد الزوال بما هو جلوس، و بعدمه بما انّه جلوس مقيد(1).

و حاصله: انّه لا تعارض بين الاستصحابين، إذ لا مانع من أن يكون الجلوس بما هو هو كما هو مقتضى الاستصحاب الوجودي واجباً و بما هو جلوس مقيدٌ بالزوال إلى المغرب غير واجب، و لأجل اختلاف الموضوعين يختلف الحكمان.

و فيه: ما تقدم في ردّ تفصيل الشيخ و المحقق الخراساني مما افاده السيد المحقق المروج فلا نعيد .

القول الخامس: عدم الحجية في الحكم الشرعي الكلّي

ذهب الاخباريون الی المنع من حجية الاستصحاب في الشبهة الحكمية مطلقاً، و معه لا تصل النوبة إلى التعارض، و استدلّ على ذلك بوجهين:

الأوّل: اختصاص مورد روايات الاستصحاب بالشبهات الموضوعية كما هو الحال في صحاح زرارة الثلاث و غيرها. فانّ السؤال و الجواب منصبَّان علىالشبهة الموضوعية، و معه كيف يمكن التمسّك بها لتصحيح استصحاب الحكم الكلّي؟

ص: 274


1- درر الفوائد: 159/ 2.

و الجواب: انّ المورد غير مخصّص كما هو واضح، و المسوّغ للاستصحاب هو التعليل الوارد من ان اليقين لا ينقضه الشك, و العلة تعمم و عليه فلا فرق بين تعلّقه بالموضوع أو بالحكم .

الثاني: انّ استصحاب الحكم الكلّي أشبه بالقياس، لأنّ الموضوع في المتيقّن غير الموضوع في المشكوك، فالموضوع في الأوّل: المرأة الحائضة التي لم تزل ترى الدم. أو الماء القليل قبل الإتمام بكرّ. و لكن الموضوع في الثاني هو: المرأة التي حصل لها النقاء من الحيض. أو الماء القليل المتمم كرّاً. فكيف يصح إسراء العنوان الأوّل إلى العنوان الثاني مع أنّ الماهيات و العناوين مثار الكثرة و الوجود مثار الوحدة؟

قال المحدث الاسترابادي: إنّ صور الاستصحاب المختلف فيها راجعة إلى أنّه إذا ثبت حكم بخطاب شرعي في موضوع في حال من حالاته، نجريه في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة و حدوث نقيضها فيه فما سمّوه استصحاباً راجع في الحقيقة إلى إجراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر(1).

و فيه: ان الموضوع في القضية المتيقنة و القضية المشکوکة واحد حقيقة و عرفا مثلا: نشک في وجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة لاجل احتمال تقيّدها بحضور المعصوم علیه السلام فالموضوع في زمان الحضور و الغيبة واحد فکيف يدعی تغايرهما؟ و سيأتي تفصيل الکلام في في الخاتمة .

ص: 275


1- الفرائد: 347، نقلًا عن الفوائد المدنية.

التنبيه السابع: في الاستصحاب التعليقي

اقول: إنّ الشكّ في بقاء الحكم الشرعيّ يتصوّر على وجوه:

الأوّل: أن يكون المشكوك حكما جزئيّا، و يكون الشكّ في بقائه ناشئا من احتمال عرض تغيّر في حالات موضوعه الخارجيّ، كما إذا علمنا بطهارة ثوب و شككنا في بقاء طهارته من جهة احتمال ملاقاته البول مثلا. و هذا الوجه ممّا لا إشكال في جريان الاستصحاب فيه.

الثاني: أن يكون المشكوك حكما كلّيّا، و يكون الشكّ في بقائه ناشئا من احتمال النسخ، كما إذا شككنا في بقاء حرمة الخمر لاحتمال النسخ. و هذا الوجه أيضا لا إشكال في جريان الاستصحاب فيه.

الثالث: أن يكون المشكوك حكما كلّيّا متعلّقا بموضوع على تقدير وجود شرط أو فقد مانع، و يكون الشكّ في بقائه من جهة عروض تغيّر بعض حالات الموضوع، و ضابطه: هو كون المستصحب فيه حكما ثابتا لموضوع منوطا بوجود شرط مفقود كالغليان الّذي هو شرط حرمة العصير العنبي، أو منوطا بفقد مانع موجود كما إذا أوصى شخص بمال لزيد على تقدير ترك شرب التدخين، فان كان زيد فقيها و صار تاجرا مثلا قبل موت الموصي، فان الشك في ملكية زيد لتبدل حاله- و هو الاشتغال بالعلم- بالتجارة يكون من هذا القبيل، فيقال: «زيد مالك للمال الموصى به بعد موت الموصي الّذي هو أحد جزأي أي موضوع الملكية على تقدير ترك التدخين، و الآن كما كان» هذا إذا لم يعلم

ص: 276

و لو من الخارج أن للفقاهة دخلا موضوعيا، و إلّا دار الحكم مدارها و خرج عن مورد البحث.

و هذا الوجه هو محلّ الخلاف بين الأعلام، و يطلق على استصحابه «الاستصحاب التعليقيّ» و «الاستصحاب التقديريّ» و «الاستصحاب المشروط».

و قد ذهب العلّامة الطباطبائيّ (بحر العلوم) على ما حكي عنه, إلى جريانه مطلقا(1). و تبعه كثير من المحقّقين، منهم: الشيخ الأعظم الأنصاريّ و المحقّق الآشتيانيّ و المحقق الخراساني و المحقّق العراقيّ(2).

و ذهب صاحب الرياض و ولده السيّد المجاهد و المحقّق النائينيّ و المحقق الخوئيّ إلى عدم جريانه مطلقا(3).

تحرير محل النزاع

و لا يخفى: أنّ المحقّق النائينيّ ذهب إلى عدم جريانه بعد ما فسّر الاستصحاب التعليقيّ بوجه آخر. و حاصله: أنّ محلّ النزاع في الاستصحاب التعليقيّ ما إذا تعلّق الحكم الكلّيّ

ص: 277


1- بحر الفوائد 3: 120.
2- راجع فرائد الاصول 3: 222- 223، بحر الفوائد 3: 120، نهاية الأفكار 4: 162.
3- راجع المناهل: 252، فوائد الاصول 4: 466، مصباح الاصول 3: 137- 138.

بموضوع مركّب من جزءين عند فرض وجود أحد جزئيه، و شكّ في بقائه من جهة تبدّل بعض حالاته قبل فرض وجود الجزء الآخر.

ثمّ استدلّ على عدم جريان الاستصحاب بأنّ فعليّة الحكم المترتّب على الموضوع المركّب متوقّفة على وجود موضوعه بتمام أجزائه، لأنّ نسبة الحكم إلى موضوعه نسبة المعلول إلى علّته، و لا يعقل تحقّق المعلول- و هو الحكم- إلّا بعد تحقّق علّته بمالها من الأجزاء، فوجود أحد جزأي الموضوع بمنزلة العدم، لعدم ترتّب الحكم عليه، فلم يتحقّق حكم حتّى نشكّ في بقائه، فلا مجال لجريان الاستصحاب(1).

الّا انّ التحقيق: أنّ مورد النزاع ليس ما إذا كان الحكم متعلّقا بموضوع مركّب كما زعمه هو و تلميذه المحقّق الخوئيّ(2), بل الظاهر من كلماتهم أنّ محلّ النزاع هو الاستصحاب التعليقيّ بالمعنى الّذي ذكرناه(3), و سيأتي الجواب عن ما ذکره عند بيان استدلال المخالفين للاستصحاب التعليقي.

و استدل الشيخ على اعتبار الاستصحاب التعليقي بوجهين:

ص: 278


1- فوائد الاصول 4: 463- 467.
2- مصباح الاصول 3: 137.
3- راجع فرائد الاصول 3: 222- 223، أوثق الوسائل: 472 و 501، بحر الفوائد: 119- 120، درر الفوائد: 346.

أحدهما: اجتماع أركانه في نفس الحكم كالحرمة المعلقة على الغليان في المثال المتقدم، ضرورة أن للحرمة المعلقة حظّا من الوجود في قبال عدمها المطلق قبل إنشائها.

ثانيهما: إجراء الاستصحاب التنجيزي في الملازمة بين الحرمة و الغليان، لفعلية التلازم بينهما، لعدم إناطة صدق الشرطية بصدق طرفيها، هذا.

اقول: ان إثبات اعتبار الاستصحاب في الأحكام المعلقة منوط بالبحث في مقامين: أحدهما في وجود المقتضي له و هو عموم أو إطلاق أدلة الاستصحاب، و الآخر في عدم المانع أعني معارضة الاستصحاب التعليقي في كل مورد بالاستصحاب التنجيزي على خلاف الحكم التعليقي.

اما الأول: فلا فرق في حجية الاستصحاب بين كون المستصحب حكما فعليا- أي غير مشروط بشرط غير حاصل- و بين كونه مشروطا بشرط لم يحصل بعد، خلافا لمن زعم الفرق بينهما. و الوجه في ذلک هو اجتماع أركانه فيه من اليقين السابق و الشك اللاحق و وجود الأثر الشرعي، فيشمله عموم أو إطلاق أدلة الاستصحاب. مثلا: أن حرمة ماء العنب و إن كانت مشروطة بالغليان، لكنها من المجعولات الشرعية كمجعولية أحكامه المطلقة كملكيته و جواز بيعه، و تلك الحرمة المشروطة معلومة، و مع عروض حالة على العنب- كصيرورته زبيبا- تصير مشكوكة، لاحتمال قيام الحرمة بخصوص العنب، فيجتمع اليقين

ص: 279

بالحرمة المشروطة التي هي حكم شرعي و الشك في بقائها الناشئ من عروض وصف الزبيبية عليه، فيشمله دليل الاستصحاب الموجب لحرمة الزبيب أيضا إذا غلى(1).

ص: 280


1- قيل: التمثيل بالمثال المعروف للاستصحاب التعليقي و هو قولهم: «العنب حرام إذا غلى» في غير محله, و ذلک لانه لم يقع العنب موضوعاً للحكم في لسان النص، بل الوارد هو العصير العنبي إذا غلى، بأن يكون المغليّ ماء العنب، لا الماء الخارجي، و إذا صار زبيباً و جفّ ماؤه، فالمغلي هو الماء الخارجي الذي يختلط مع أجزاء الزبيب و مثله خارج عن محط النص. ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «كلّ عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه» (الوسائل: الجزء 17، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 1), و في صحيحة حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: «لا يحرم العصير حتى يغلي» (الوسائل: الجزء 17، الباب 3 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث1), فلم يقع العنب موضوعاً للحكم حتى يستصحب حكمه و إن صار زبيباً. و فيه: ما قاله في الجواهر ج6 ص30: «نعم يظهر منه في اللمعة ... و غيرها انفكاك الإسكار عن الغليان بنفسه و نحوه، و لذا جعلوا مدار الحرمة على الأول دون الثاني، إلا أنك قد عرفت ظهور الأخبار في حرمته بالثاني، و لعله لتحقق الإسكار الخفي فيه و لو بالكثير»[1], و الامر کما قال فان الظاهر من الاخبار ان الغليان لا ينفک عن الاسکار سواء کان عنبا ام زبيبا ام تمرا ففي موثق حنان بن سدير: «سمعت رجلا يقول لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما تقول في النبيذ؟ فإنّ أبا مريم يشربه، و يزعم أنّك أمرته بشربه، فقال: صدق أبو مريم، سألني عن النبيذ فأخبرته أنّه حلال و لم يسألني عن المسكر- إلى أن قال- هذا النبيذ الذي أذنت لأبي مريم في شربه أيّ شي ء هو؟ فقال: أمّا أبي علیه السلام فإنّه كان يأمر الخادم فيجي ء بقدح و يجعل فيه زبيبا و يغسله غسلا نقيّا، ثمّ يجعله في إناء ثمّ يصبّ عليه ثلاثة مثله أو أربعة ماء ثمّ يجعله باللّيل و يشربه بالنّهار و يجعله بالغداة و يشربه بالعشيّ و كان يأمر الخادم بغسل الإناء في كلّ ثلاثة أيّام كيلا يغتلم فإن كنتم تريدون النبيذ فهذا النبيذ»[1] (الکافي ج6 ص415 ح1 ؛ اغتلم: هاج و اضطرب، و الاغتلام مجاوزة الحد. القاموس), و غيرها من الاخبار؛ و قد بحثنا عن ذلک في کتاب الدرر الفقهية ج1 ص151فراجع .

و اما الثاني: فاحتج المخالف بوجوه:

الاول: لا وجود للمعلَّق قبل وجود ما عُلِّق عليه فنقل الشيخ عن صاحب المناهل أنّه ردّ الاستصحاب التعليقي لأنّه يشترط في حجّية الاستصحاب ثبوتُ أمر أو حكم وضعيّ أو تكليفيّ في زمان من الأزمنة قطعاً ثمّ حصول الشك في ارتفاعه بسبب من الأسباب، و لا يكفي مجرد قابلية الثبوت باعتبار من الاعتبارات، فالاستصحاب التقديري باطل(1).

و ردّ بما هذا حاصله: ما ذا يريد من عدم وجوب المستصحب - الحرمة المعلّقة - فإن أراد انّه ليس بموجود فعلًا فهو حق، و لا يشترط في الاستصحاب أن يكون موجوداً بالفعل، بل يكفي أن يكون له نوع ثبوت و تحقّق حتّى يصح معه التعبدبالبقاء، و إن أراد انّه ليس بموجود أصلاً لا فعلاً و لا تعليقاً، فهو غير صحيح، إذ المفروض انّ الحرمة المعلَّقة وقعت تحت الإنشاء و تعلّق بها اليقين، ثمّ الشكّ ببقائها. و قد قرر في محله انّ واقع الأحكام المشروطة هو إنشاء حكم على فرض وجود الشرط، فالشارع ينظر إلى صفحة الوجود و يرى أنّ العصير العنبي على قسمين: قسم غير مغليّ، و قسم منه مغليّ فيُنشأ الحرمة عليه على ذلك الفرض، و معه كيف يمكن أن يقال: انّه لا و جود للمعلّق .

ص: 281


1- الفرائد: 380.

نظرية المحقق النائيني

ثم إنّ المحقّق النائيني کما تقدم أنكر الاستصحاب التعليقي و قال بعدم الوجود للحرمة التعليقية حتى يُستصحب في زمان الشك، و أساس إنكاره هو إرجاعه عامّة الشروط إلى الموضوع، فالاستطاعة و الغليان و إن أخذا في لسان الدليل شرطين للوجوب و الحرمة، لكن القيدين يرجعان إلى الموضوع، فكأنّه قال: المستطيع يجب عليه الحج، و العصير المغليّ يحرم، و قد كانت مقولته: «كل شرط موضوع», و قال بعد تسليم أنّ الشرط يرجع إلى الموضوع، انّ نسبة الموضوع إلى الحكم، نسبة العلّة إلى المعلول، و لا يعقل أن يتقدّم الحكم على موضوعه، و الموضوع للنجاسة و الحرمة في مثال العنب إنّما يكون مركباً من جزءين: العنب و الغليان، فقبل فرض الغليان لا يمكن فرض وجود الحكم، و مع عدم فرض وجود الحكم لا معنى لاستصحاب بقائه، لأنّه يعتبر في المستصحب نوع تقرر له، فوجود أحد جزئي الموضوع المركب كعدمه لا يترتب عليه الحكم الشرعي ما لم ينضمّ إليه الجزء الآخر.

ثمّ قال: و ما ربما يقال(1): «انّ العنب قبل غليانه و إن لم يكن معروضاً للحرمة و النجاسة الفعلية لعدم تحقّق الموضوع إلّا أنّه معروض للحرمة و النجاسة التقديرية، لأنّه يصدق على العنب عند وجوده قبل غليانه، انّه حرام و نجس على تقدير الغليان، فالحرمة و النجاسة التقديرية ثابتتان للعنب قبل غليانه، فيشك في بقاء النجاسة و الحرمة التقديرية عند صيرورة العنب زبيباً».

ص: 282


1- هذا الکلام للمحقّق الخراساني و قد ردّه بقوله مدفوع.

مدفوع: بأنّ الحرمة و النجاسة التقديرية من العنب غير المغلي عبارة أُخرى عن أنّ العنب لو انضمّ إليه الغليان لترتبت عليه الحرمة و النجاسة، و هو مضافاً إلى أنّها أمر عقلي مقطوعة البقاء لا معنى لاستصحابه(1).

و يرد عليه:

أوّلًا: انه لا وجه لإرجاع عامة القيود إلى الموضوع سواء فُسر الموضوع بالمكلّف، أو بالمتعلّق، حيث إنّه ارجعه في المقام إلى المتعلَّق و قال: العنب المغلي، و في غير هذا المورد ارجعه إلى المكلف، و قال: العاقل البالغ المستطيع، يجب عليه الحج. و ذلک لانّ مدخلية الشروط مختلفة، فإنها على أقسام ثلاثة:

1. ما هو قيد للحكم كدلوك الشمس في وجوب الظهرين.

2. ما هو قيد للمتعلَّق، كما في قولك: في سائمة الغنم زكاة.

3. ما هو قيد المكلَّف كما في الشرائط العامة من العقل و البلوغ و القدرة.

و ثانياً: أنّ ما ذكره ردّاً علی المحقّق الخراساني من أنّه لا معنى لكلامه «إلّا أنّ العنب لو انضم إليه الغليان لترتب عليه الحرمة و هو أمر عقلي أوّلًا، و مقطوع البقاء ثانياً» فغير صحيح و ذلک:

اولاً: أنّه خلط بين المُنشأ و المنتزع، و المنشأ هو الحكم الشرعي الشرطي، أي حرمة العنب عند الغليان، و هو أمر حقيقي، و أمّا ما ذكره من أنّ معناه أنّ العنب لو انضم إليه الغليان لترتب عليه الحرمة فهو أمر انتزاعي من الحكم الشرعي.

ص: 283


1- فوائد الأُصول: 469- 467/ 4.

و ثانياً: أنّ مقطوع البقاء هو الحكم الكلّي اي - العنب إذا غلى يحرم - و أمّا عند التطبيق على الخارج و طروء بعض الحالات على القضية فالقضية مشكوكة، كما إذا جفّ العنب المعين و صار زبيباً، فحينئذ يشك في بقاء الحكم الشرعي، فيستصحب.

هذا و اجاب بعض الاعلام عن الاشکال بجواب آخر، و هو: أنّ المستصحب ليس هو الحكم التكليفي، أعني: الحرمة، حتى يقال بأنّه لا وجود للمعلّق، و إنّما المستصحب هو الحكم الوضعيّ، أي الملازمة بين الغليان و الحرمة، فنقول كانت الملازمة بين العنب و الغليان موجودة فنشك في بقائها عند تبدّل العنب بالزبيب و هي محقّقة و ليست بمعدومة.

و أورد عليه المحقّق النائيني: بأنّ الملازمة و السببية لا تنالها يد الجعل الشرعي فلا يجري الاستصحاب فيها، لأنّه يشترط في المستصحب أن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي و ليست الملازمة منهما.

و فيه: ما تقدم من أنّه يشترط في المستصحب أن يكون أمره بيد الشارع وضعاً و رفعاً، و المقام كذلك، لأنّ الملازمة منتزعة من حكم الشارع بالحرمة عند الغليان، و هذا المقدار كاف في كون المستصحب من الأُمور الشرعيةكاستصحاب الجزئية و الشرطية و المانعية من الأحكام المتعلّقة بالشرط و الجزء و المانع.

الثاني: الاستصحاب التعليقي معارض للتنجيزي, و حاصل الاشکال: انّ استصحاب الحرمة المعلّقة بعد صيرورة العنب زبيباً، يعارضه استصحاب الطهارة و الحلّية الثابتتين للعنب قبل الغليان حيث كان العنب قبله حلالاً، فصار زبيباً و غلى، فنشك في بقاء الحلية السابقة و الأصل بقاؤه.

و قد أُجيب عنه بوجهين:

ص: 284

الأوّل: ما أجاب به الشيخ و حاصله: انّ استصحاب الحرمة على تقدير الغليان حاكم على استصحاب الإباحة قبل الغليان(1), لكون الأصل الأوّل سببياً و الثاني مسببياً.

توضيحه: أنّ الشكّ في بقاء الحلّية السابقة و عدمها نابع عن الشكّ في كيفية جعل الحرمة للعنب المغليّ و انّ الشارع هل رتبها على العنب المغلي بجميع مراتبه التي منها صيرورته زبيباً، أو رتبها على بعض مراتبه و هو كونه عنباً غير جافّ؟ فإذا ثبت بالاستصحاب التعليقي بقاء الحرمة و انّها مترتبة على العنب بعامة مراتب وجوده، لا يبقى شكّ في ارتفاع الحلية السابقة.

و قد يقال: انه من الاصول المثبتة اذ لم يدل دليل شرعي على أنّ كلّ ما حكم عليه بالحرمة فهو غير محكوم بالحلية، الّا بالملازمة العقلية .

و فيه: مضافا لما تقدم من ان حکم العقل عين حکم الشرع, ان الشيء المحکوم بالحرمة فهو حرام شرعا و لا نحتاج الی اثبات عدم حليته حتی يقال انه اصل مثبت .

الثاني: ما أجاب به المحقّق الخراساني و حاصله: أنّه لا تعارض بين الاستصحابين و ذلک لأنّ الحلّيّة الثابتة لماء العنب ليست حلّيّة مطلقة، بل هي مغيّاة بعدم الغليان، فإنّ الغليان ذو جهتين: الاولی: كونه شرطا لحرمة ماء العنب. و الثانية: كون عدمه غاية للحلّيّة الثابتة له. فإذا تبدّلت حالة العنب و طرأت عليه حالة الزبيبيّة يستصحب الحلّيّة المغيّاة به، كما يستصحب الحرمة المعلّقة عليه، و لا تعارض بين الاستصحابين، لعدم التنافي بين الحكمين، فإنّ مقتضى استصحاب الحلّيّة المغيّاة بعدم الغليان هو انتفاء الحلّيّة بعد حصول الغليان، كما أنّ مقتضى استصحاب الحرمة المعلّقة عليه هو ثبوت الحرمة بعد حصوله.

ص: 285


1- الفرائد: 380.

و بعبارة اخری: إنّ الحلية مغيّاة بعدم الغليان، و الحرمة مشروطة به أيضاً، فما كان كذلك لا يضر ثبوت الأمرين بالقطع فضلًا عن الاستصحاب لعدم التضاد بينهما فيكونان بعد صيرورته زبيباً، كما كانا معاً بالقطع بلا منافاة غير انّ المتكفل لإثبات الحلية المغياة، و الحرمة المعلقة ما دام كونه عنباً هو الدليل الاجتهادي، و المتكفل لإثباتهما كذلك عند ما صار زبيباً هو الاستصحاب.

فإن قلت: إنّ حلية العنب كانت مغياة بعدم الغليان لا حلية الزبيب و لم يثبت كونها مغيّاة به حتى يحكم بارتفاعها بحصول الغاية.

قلت: لا شكّ انّ حلية الزبيب ليست أمراً جديداً طرأ عليه بل هي استمرار للحلية السابقة العارضة على العنب و عليه تكون الحلية في كلتا المرحلتين مغيّاة، و احتمال كونها مغياة حدوثاً - ما دام عنباً - لا بقاء - إذا صار زبيباً -, يدفعه الاستصحاب إذ الأصل بقاؤه على ما كان عليه من الحكم المغيّى(1).

الثالث: تبدل الموضوع فقال الشيخ: و ربّما يناقش الاستصحاب التعليقي بانتفاء الموضوع و هو العنب.

اقول: لا يخفی ان هذا الإشكال من أهم الإشكالات، وعليه بنى المحدث الاسترابادي، إنكار الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلي و قال: إنّه من قبيل إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر و هو أشبه بالقياس، و ذلك لأنّ العنب و الزبيب مفهومان متغايران و كيف يمكن أن يقال إنّ الثاني عين الأوّل مفهوماً؟

ص: 286


1- كفاية الأصول، ج 3، ص: 234.

و أجاب عنه الشيخ بقوله: إنّه لا دخل له في الفرق بين الآثار الثابتة للعنب بالفعل و الثابتة له على تقدير دون آخر(1), اي: أنّ هذا لو كان مانعا عن الاستصحاب منع عن استصحاب الحكم المنجز أيضا كالملكية على فرض الشك، و لا يوجب الفرق بين الحكم المنجز و المعلّق, و حيث انه ليس بمانع هناک فليس بمانع هاهنا .

و بعبارة اخری: انّه يشترط في جريان الاستصحاب وحدة الموضوع عرفاً لا عقلاً، و الزبيب نفس العنب حقيقة و ماهية غير أنّه جفّ .

و ردّ: إنّما يصحّ هذا في استصحاب الحكم الجزئي، للعنب المشخص، فيقال: هذا كان كذا و الأصل بقاؤه فيكون الموضوع هو هذا، و أمّا إذا كان المستصحب الحكم الشرعي، فالموضوع في القضية المتيقّنة هو مفهوم العنب، و في القضية المشكوكة هو مفهوم الزبيب فكيف يصحّ لأحد أن يدّعي وحدة المفهومين عرفاً مع أنّ المفاهيم و الماهيات مثار الكثرة؟

و فيه, کما أفاده المحقق الخراساني: ان للعرف نظرين، أحدهما: بما هو من أهل المحاورة، و بهذا النّظر يرجع إليه في تحديد الموضوع الدليلي، و ثانيهما: بما ارتكز في ذهنه من المناسبة بين الحكم و موضوعه و إن كان على خلاف ظاهر الكلام، و هذا النّظر الثاني هو مناط الاتحاد في الاستصحاب دون النّظر الأول، فإذا ورد «الماء المتغير نجس» فظاهر الدليل الشرعي بحسب النّظر البدوي العرفي هو كون الموضوع للنجاسة الماء بوصف كونه متغيرا، لكن المرتكز في ذهن العرف من المناسبات هو كون معروض النجاسة ذات الماء، و أن التغير واسطة في الثبوت، كما أن ملاقاة الماء القليل للنجاسة

ص: 287


1- الفرائد: 654/ 2، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين.

واسطة ثبوتية في انفعاله، و بعد زوال التغير بنفسه و الشك في بقاء نجاسته لا مانع من استصحابها، لبقاء موضوعها و هو نفس الماء، و الشك نشأ من احتمال كون التغير علة حدوثا فقط أو حدوثا و بقاء.

و المتبع فيه هو نظرهم بحسب ما ارتكز في أذهانهم من الملازمة و المناسبة بين الأحكام و الموضوعات بلا توسيط مساعدة الدليل، بل و لو مع دلالته على خلافه، مثلا يكون الموضوع في خطاب- الكلب نجس- حسبما يساعده ظاهر الخطاب حسب فهم العرف منه هو الكلب في حال حياته، لأنه اسم لحيوان خاص، و بحسب نظرهم هو جسمه و لو في حال مماته»(1).

التنبيه الثامن: استصحاب عدم النسخ

قال في الکفاية: «لا فرق أيضا بين أن يكون المتيقّن من أحكام هذه الشريعة أو الشريعة السابقة إذا شكّ في بقائه و ارتفاعه بنسخه في هذه الشريعة» (2).

و قبل الخوض في البحث ينبغي تحرير محل النزاع أي مورد جريان استصحاب عدم النسخ و عدمه، فنقول: ان حقيقة النسخ عندنا لمّا كانت تقييد الحكم زمانا و كان دليل النسخ كاشفا عن انتهاء أمده، فلا يرجع إلى استصحاب عدم النسخ إلّابعد فرض أمرين، أحدهما: فقدان الإطلاق الأزماني لدليل الحكم، ثانيهما: ثبوت الحكم في الشريعة السابقة بنحو القضية الحقيقية لعامة المكلفين لا لخصوص تلك الملة.

أما الأمر الأول فلأنه لو كان لدليل الحكم إطلاق أزماني كان هو المرجع عند الشك في النسخ لا الاستصحاب، لحكومته على الاستصحاب.

ص: 288


1- كفاية الأصول، ص: 428.
2- كفاية الأصول، ص: 412.

و بيانه: أن حكم الشريعة السابقة إما أن يكون دليله وافيا بإثباته لعامة المكلفين في جميع الأزمنة للتصريح بإطلاقه الأزماني، أو ما هو كالصريح فيه، و في مثله لا يحتمل النسخ، و هذا نظير وجوب أصل الصلاة و الصوم و نحوهما من الفرائض.

و إما أن يكون دليله وافيا بإثباته للعموم إلى الأبد بإطلاقه المستند إلى مقدمات الحكمة، و في مثله يحتمل النسخ بالشريعة اللاحقة، إلّا أن الدافع لاحتمال النسخ هو الإطلاق لا الاستصحاب، و نسخه منوط بورود الناسخ الّذي هو مقيد لإطلاق الخطاب زمانا.

و إما أن يكون متكفلا لثبوت الحكم في تلك الشريعة بنحو الإجمال كبعض الآيات الواردة لبيان أصل تشريع الأحكام بلا نظر إلى خصوصياتها، كقوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ حيث إنها ليست في مقام بيان تمام ما له الدخل في الصوم، فلو ثبت أصل الحكم في شريعة سابقة و شك في نسخه في الشريعة اللاحقة فحيث إنه لا إطلاق له حتى بمعونة المقدمات كان مورد النزاع في المقام من حيث جريان الاستصحاب فيه و عدمه.

و أما الثاني- أعني اعتبار أن يكون الحكم ثابتا بنحو القضية الحقيقية- فلأنه مع ثبوته للمكلفين بنحو القضية الخارجية لا يجري فيه الاستصحاب إذا شك في بقائه لأشخاص آخرين، لاختلاف الموضوع حينئذ، و كونه من تسرية حكم موضوع إلى موضوع آخر، و من المعلوم أنه أجنبي عن الاستصحاب، فلا تعمه أدلته. مثلا إذا ورد حكم في التوراة بعنوان «يا أيها اليهود» و نحوه، فليس للمسلم استصحاب ذلك الحكم، لتعدد الموضوع، إلّا إذا أحرز كون اليهود عنوانا مشيرا إلى كل مكلف.

اذا عرفت هذا فاعلم ان جريان الاستصحاب هو مذهب كثير من المحقّقين، منهم: الشيخ الأنصاريّ و المحقّق العراقيّ و الوحيد البهبهانيّ، بل عدّه المحدّثالاستراباديّ من

ص: 289

الضروريّات(1). و ذهب بعض آخر إلى عدم جريان الاستصحاب في المقام، منهم: صاحب الفصول و المحقّق القمّي و المحقّق النائينيّ و المحقق الخوئيّ(2).

ادلة المثبتين

و استدلوا لجريانه بوجود المقتضي و ذلک لعموم أدلّة الاستصحاب و فقد المانع عدا ما يتوهم و هما إشكالان؛ الأول منهما مشترك بين الاستصحاب في أحكام هذه الشريعة المقدسة، و بين الاستصحاب في أحكام الشرائع السابقة، فلو تم لكان مانعاً عن جريان الاستصحاب في المقامين. و الثاني مختص باستصحاب أحكام الشرائع السابقة.

اما الاول فهو ما ذكره صاحب الفصول في استصحاب أحكام الشرائع السابقة، فقال: «إنّ الحكم الثابت في حقّ جماعة لا يمكن إثباته في حقّ آخرين لتغاير الموضوع، فانّ ما ثبت في حقّهم مثلُه لا نفسُه، و لذا يتمسّك في تسرية الأحكام الثابتة للحاضرين أو الموجودين إلى الغائبين و المعدومين بالإجماع و الأخبار الدالّة على الشركة لا بالاستصحاب»(3).

و أجاب عنه الشيخ الأعظم بوجهين:

الأوّل: انّا نفرض الشخص الواحد مدركاً للشريعتين، فإذا حرم في حقّه شي ء سابقاً و شكّ في بقاء الحرمة في الشريعة اللاحقة، فلا مانع من الاستصحاب أصلًا و ذلک لان الموضوع

ص: 290


1- راجع فرائد الاصول 3: 225، الفوائد الحائريّة: 413، نهاية الأفكار 4: 174- 175، الفوائد المدنيّة: 143.
2- راجع الفصول الغرويّة: 315، قوانين الاصول 1: 495، فوائد الاصول 4: 480، دراسات في علم الاصول 4: 147- 151.
3- الفرائد: 381.

واحد و يتم الحكم في الباقي بقيام الضرورة على اشتراك أهل الزمان الواحد في الشريعة الواحدة.

و فيه کما افاده المحقق الخراساني من: أنّ الأحكام الواقعيّة مشتركة بين عامة المكلّفين، و أمّا الحكم الظاهري الثابت في حقّ شخص فإنّما يحكم بالاشتراك في حقّ من يكون مثل الفرد السابق في الصفات و الخصوصيات أي يكون على يقين بالحكم فيشك، فمن أدرك عصري الحضور و الغيبة يحكم عليه بالوجوب، ويشاركه كلّ من حاز على هذا الوصف دون غيره كالمدرك لعصر الغيبة فقط. و ما هذا إلّا لأنّ الأوّل ذو يقين و شك، بخلاف الثاني فهو شاك فقط.

الثاني: ما ذكره هو رحمه الله أيضاً من انّ المستصحب هو الحكم الكلّي الثابت للجماعة على وجه لا مدخل لأشخاصهم فيه، إذ لو فرض وجود اللاحقين في السابق عمّهم الحكم قطعاً غاية الأمر احتمال مدخلية بعض أوصافهم المعتبرة في موضوع الحكم، و مثل هذا لو أثّر في الاستصحاب، لقدح في أكثر الاستصحابات، فتسرية الحكم من الموجودين إلى المعدومين تصحُّ بالاستصحاب باعتبار انّ المستصحب هو الحكم الكلي الثابت للجماعة على وجه لا مدخل لأشخاصهم فيه.

و أورد عليه المحقّق الخوئي حيث قال: «الثاني: ما ذكره الشيخ رحمه الله و ارتضاه غير واحد من المتأخرين أيضا، و هو أن توهم دخل خصوصية هؤلاء الأشخاص مبني على أن تكون الأحكام مجعولة على نحو القضايا الخارجية، و ليس الأمر كذلك، فان التحقيق أنها مجعولة على نحو القضايا الحقيقية، فلا دخل لخصوصية الأفراد في ثبوت الحكم لها، بل الحكم ثابت للطبيعة أين ما سرت من الأفراد الموجودة بالفعل و ما يوجد بعد ذلك، فلو كان هذا الشخص موجوداً في زمان الشريعة السابقة، لكان الحكم ثابتاً في حقه

ص: 291

بلا إشكال، فليس القصور في ثبوت الحكم من ناحية المقتضي، إنما الكلام في احتمال الرافع و هو النسخ، فيرجع إلى أصالة عدم النسخ، و لا مانع منه من جهة اعتبار وحدة الموضوع في القضيتين، إذ الوحدة حاصلة بعد كون الموضوع هي الطبيعة لا الأفراد. هذا.

و فيه: أن النسخ في الأحكام الشرعية إنما هو بمعنى الدفع و بيان أمد الحكم، لأن النسخ بمعنى رفع الحكم الثابت مستلزم للبداء المستحيل في حقه سبحانه و تعالى.

و قد ذكرنا غير مرة أن الإهمال بحسب الواقع و مقام الثبوت غير معقول، فاما أن يجعل المولى حكمه بلا تقييد بزمان و يعتبره إلى الأبد، و إما أن يجعله ممتداً إلى وقت معين.

و عليه فالشك في النسخ شك في سعة المجعول و ضيقه من جهة احتمال اختصاصه بالموجودين في زمان الحضور. و كذا الكلام في أحكام الشرائع السابقة، فان الشك في نسخها شك في ثبوت التكليف بالنسبة إلى المعدومين لا شك في بقائه بعد العلم بثبوته، فان احتمال البداء مستحيل في حقه تعالى، فلا مجال حينئذ لجريان الاستصحاب.

و توهم أن جعل الأحكام على نحو القضايا الحقيقية ينافي اختصاصها بالموجودين، مدفوع بأن جعل الأحكام على نحو القضايا الحقيقية معناه عدم دخلخصوصية الافراد في ثبوت الحكم، لا عدم اختصاص الحكم بحصة دون حصة، فإذا شككنا في أن المحرم هو الخمر مطلقاً، أو خصوص الخمر المأخوذ من العنب، كان الشك في حرمة الخمر المأخوذ من غير العنب شكا في ثبوت التكليف. و لا مجال لجريان الاستصحاب معه. و المقام من هذا القبيل، فانا نشك في أن التكليف مجعول لجميع المكلفين أو هو مختص بمدركي زمان الحضور، فيكون احتمال التكليف بالنسبة إلى غير المدركين شكا في ثبوت التكليف لا في بقائه، فلا مجال لجريان الاستصحاب حينئذ إلّا على نحو

ص: 292

الاستصحاب التعليقي، بأن يقال: لو كان هذا المكلف موجوداً في ذلك الزمان لكان هذا الحكم ثابتاً في حقه، و الآن كما كان. لكنك قد عرفت عدم حجية الاستصحاب التعليقي. فالتحقيق: أن هذا الإشكال لا دافع له، و أن استصحاب عدم النسخ مما لا أساس له، فان كان لدليل الحكم عموم أو إطلاق يستفاد منه استمرار الحكم، فهو المتبع، و إلّا فان دلّ دليلٌ من الخارج على استمرار الحكم كقوله علیه السلام : «حلال محمد صلى اللَّه عليه و آله حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة» فيؤخذ به، و إلّا فلا يمكن إثبات الاستمرار باستصحاب عدم النسخ. فما ذكره المحدث الأسترآبادي - من أن استصحاب عدم النسخ من الضروريات - إن كان مراده الاستصحاب المصطلح، فهو غير تام، و ان كان مراده نتيجة الاستصحاب و لو من جهة الأدلة الدالة على الاستمرار، فهو خارج عن محل الكلام(1).

و فيه: أنّ ما ذکره من ان «الشك في النسخ شك في سعة المجعول و ضيقه من جهة احتمال اختصاصه بالموجودين في زمان الحضور» مجرد فرض لا واقع له, و لا معنی لذکر احتمالات لا واقع لها, و المراد من استصحاب عدم النسخ هو استمرار الحکم المتيقن عند الشک في بقائه, و اما قوله: ان کان استمراره من جهة الأدلة الدالة على الاستمرار، فهو خارج عن محل الكلام, ففيه: ان استمراره من جهة الدليل الدال علی الاستصحاب, هذا مضافا الی صحة الاستصحاب التعليقي عندنا.

استصحاب أحكام الشرائع السابقة

إلى هنا تمّ بيان الإشكال المشترك بين استصحاب أحكام شريعتنا و أحكام الشرائع السابقة .

ص: 293


1- مصباح الأصول، ج 3، صفحه 148

و اما الاشکال الثاني المختص بهذا المقام فهو: «عدم الشكّ في البقاء», فإنّ الشريعة الإسلامية لمّا كانت ناسخة لجميع الشرائع السابقة فلا يجوز الحكم بالبقاء بعد العلم بالنسخ(1).

و اجاب الشيخ عنه بانه: إن أُريد من النسخ، نسخ كلّ حكم إلهي في الشريعة السابقة، فهو ممنوع، لبقاء قسم من تلك الأحكام في شريعتنا.

و إن أُريد نسخ بعض الأحكام، فهذا لا يمنع إلّا استصحاب ما علم كونه منسوخاً لا ما كان مشكوك النسخ، فيبقى غير المعلوم على حاله و لو بحكم الاستصحاب(2).

اقول: ما ذکره الشيخ الاعظم هو الذي تقتضيه القاعدة, الّا انه ورد الدليل الخاص علی الالتزام بالدين الجديد و ترک الالتزام بالدين السابق کما في موثقة سماعة بن مهران قال: «قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام قول اللّه عزّ و جلّ ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرّسل﴾(3) فقال نوحٌ و إبراهيم و موسى و عيسى و محمّدٌ صلي الله عليه و آله قلت كيف صاروا أولي العزم قال لأنّ نوحاً بعث بكتابٍ و شريعةٍ و كلّ من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح و شريعته و منهاجه حتّى جاء إبراهيم علیه السلام بالصّحف و بعزيمة ترك كتاب نوحٍ لا كفراً به فكلّ نبيٍّ جاء بعد إبراهيم علیه السلام أخذ بشريعة إبراهيم و منهاجه و بالصّحف حتّى جاء موسى بالتّوراة و شريعته و منهاجه و بعزيمة ترك الصّحف و كلّ نبيٍّ جاء بعد موسى علیه السلام أخذ بالتّوراة و شريعته و منهاجه حتّى جاء المسيح علیه السلام بالإنجيل و بعزيمة ترك شريعة موسى و منهاجه فكلّ نبيٍّ جاء بعد المسيح أخذ بشريعته و

ص: 294


1- فرائد الاصول، ج 2، ص: 656.
2- فرائد الاصول، ج 2، ص: 656.
3- الاحقاف , اية: 35.

منهاجه حتّى جاء محمّدٌ صلي الله عليه و آله فجاء بالقرآن و بشريعته و منهاجه فحلاله حلالٌ إلى يوم القيامة و حرامه حرامٌ إلى يوم القيامة فهؤلاء أولوا العزم من الرّسل ^»(1).

و هذه الموثقة دلت علی ان المراد من العزم من «اولي العزم» هو العزيمة علی ترك الدين السابق, و عليه فلا يمکن التدين بالشرايع السابقة ما لم تقره الشريعة اللاحقة.

الاشکال الثالث: العلم الإجمالي مانع من جريان الاستصحاب

قلت: كان الجواب عن الاشكال الثاني مبنياً على أنّ الأحكام بين متيقّن النسخ و مشكوكه، فيجري الاستصحاب في الثاني دون الأوّل.

فأورد عليه المستشكل بأنّ في القسم الثاني ما علم كونه منسوخاً بالإجمال، و معه كيف يجري استصحاب النسخ في كلّ واحد واحد منه مع ذلك العلم الإجمالي؟

و فيه: عدم العلم الاجمالي بالنسخ لانحلاله بعد معلومية اکثر الأحكام بالتفصيل من طريق القرآن و السنة سواء أ وافق الشريعة السابقة أم خالفها, و لأجل ذلك لا نحتاج إلى أصالة عدم النسخ فيها فيبقى في المقام شيئا يسيرا لا نعلم بوجود النسخ فيها لا إجمالاً و لا تفصيلاً، و تكون مجرى لأصالة عدم النسخ، و ذلك لأنّ العدد الكبير غني عن أصالة عدم النسخ للعلم بالتفصيل بحكم اللّه فيها و إن لم نعلم كونها موافقة أو مخالفة للشريعة الإسلامية.

الاشکال الرابع: بناء الاستصحاب على الحسن الذاتي

ص: 295


1- الكافي (ط - الإسلامية)، ج 2، ص: 17.

قال الشيخ: ما ذكره في القوانين من أن جريان الاستصحاب مبني على القول بكون حسن الأشياء ذاتيا و هو ممنوع بل التحقيق أنه بالوجوه و الاعتبار(1).

و اجاب عنه الشيخ: أنه إن أريد بالذاتي المعنى الذي ينافيه النسخ و هو الذي أبطلوه بوقوع النسخ فهذا المعنى ليس مبنى الاستصحاب بل هو مانع عنه للقطع بعدم النسخ حينئذ فلا يحتمل الارتفاع و إن أريد غيره فلا فرق بين القول به و القول بالوجوه و الاعتبارات فإن القول بالوجوه لو كان مانعا عن الاستصحاب لم يجر الاستصحاب في هذه الشريعة(2).

مضافا الی أنّ الاستصحاب مبني على وجود الملاك السابق في الآن اللاحق سواء أ كان الملاك هو الحسن الذاتي أم الوجوه و الاعتبار.

تطبيقات

ذكر الشيخ الأعظم في المقام جملة من الفروع تبتني علی القول بحجية الشرايع السابقة نذكرقسما منها:

1. زواج غير المعينة بمهر غير معين

ذهب المشهور إلى لزوم تعيين المرأة عند التزويج أوّلاً، و تحديد مهرها بما يخرجه عن الجهالة ثانياً، و انّ المهر ملك للبنت لا للأب ثالثاً، و لكن المستفاد مما دار بين شعيب و موسى بعد ما ورد ماء مدين غيرها، قال سبحانه حاكياً عن لسان شعيب: ﴿قالَ إِنِّي أُرِيدُ

ص: 296


1- فرائد الاصول، ج 2، ص: 657.
2- فرائد الاصول، ج 2، ص: 657.

أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ ما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ* قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾(1), فقد زوّج إحدى بنتيه بلا تعيين أوّلًا، و جعل المهر غير محدَّد بل مردّداً بين ثماني أو عشر حجج، و انتفع شعيب بمهر بنته و هو عمل موسى و رعيه غنمَ شعيب، بل يستفاد من ذلك أمر رابع و هو جواز كون العمل مهراً.

و فيه: أنّه لا دلالة للآية على الحكم الأوّل ، و ذلك لاحتمال أن يكون الترديد في مراسم الخطوبة و التعيين في مراسم عقد الزواج، فلا يكون الترديد دليلاً على جوازه في العقد, هذا کله بناء على كونه في مقام إنشاء الزوجية، لا الإخبار عن رغبته في أصل الزواج.

و اما الحکم الثاني من الترديد في مقدار المهر إلى آخر الأجل فلا دلالة في الاية علی لزوم ما زاد علی الاقل بل تراضيا علی عدم لزومه فيکون تبرعيا .

و أمّا الثالث من انتفاع الأب بمهر البنت فمضافاً إلى إذن الفحوى کان الاب وکيلا عنها، و أمّا الحكم الرابع فلا بأس به .

2. الجهل بالعوض في الجعالة و ضمان ما لم يجب

ذهب مشهور المتأخرين إلى لزوم تعيين العوض في الجعالة كذهابهم إلى بطلان ضمان ما لم يجب، لکن قد يستفاد من بعض الآيات جواز كلا الأمرين في الشرائع السابقة. قال سبحانه حاكياً عن لسان أحد عمال يوسف علیه السلام : ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ

ص: 297


1- القصص: 27 28.

فقالوا ماذا تفقدون قالوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُبَعِيرٍ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾(1). فاستدل بالآية علی مشروعية ضمان ما لم يجب، و جهالة الجعل، فان قوله: (وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) كعقد جعالة يشير إلى أنّ العوض حمل بعير و هو مجهول المقدار. کما و ان قوله: (وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ) يشير إلى ضمان شخص ثالث عن هذا الحمل، و لذلك تغيّرت صيغة الكلام الوارد في قوله: (نَفْقِدُ) إلى قوله: (أَنَا بِهِ زَعِيمٌ)، و هذا دليل على أنّ الضامن شخص اخر غير الجاعل.

و فيه: ان حمل البعير ليس مجهولا بل هو معلوم و لو بقرائن الاحوال, و اما ضمان ما لم يجب فدلالة الاية عليه واضحة, و التفصيل بين ما إذا لم يكن هناك مقتض للضمان فلا يجوز، و ما يكون هناك مقتض و سبب و إن لم يكن هناك علّة تامة فيجوز کما نسب للمشهور يحتاج الی دليل و معه نقيد اطلاق الاية فتختص الاية بما اذا کان هناک مقتض کما هو مورد الاية المبارکة فإنّ عقد الجعالة صار مقتضياً لاشتغال ذمة الجاعل بالأُجرة فيصح أن يضمنه شخص ثالث .

3. جواز الضرب بالضغث مكان الضرب بالسوط

روى المفسرون أنّ أيّوب علیه السلام حلف على امرأته لأجل إبطائها» لئن عوفي ليضربنّها مائة جلدة «فلما عوفي علیه السلام ، خوطب بقوله: ﴿خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾(2), و الضغث مل ء الكف من الحشيش و الشماريخ و ما أشبه ذلك، فاستدل بالآية على أنّه يجوز لمن حلف أن يضرب مائة سوط، أن يبدلها إلى ضغث من الحشيش و الشماريخ.

ص: 298


1- يوسف: 70 و 72.
2- ص: 44.

و فيه: أنّ الاية لا اطلاق لها و ليست في مقام البيان بل تتکلم عن امر لا نعلم خصوصياته و هو إجراء الحد علی زوجة أيّوب علیه السلام ، فلعلها کانت طاعنة في السنّ و لربما أدى إجراء الحد إلى موتها. فلذلك بدله سبحانه بالضغث .

و أمّا عدم سقوط الحدّ فدلالة الاية عليه لا تخلو من اجمال, نعم ورد في نصوصنا عدم سقوط الحد استنادا الی الاية علی من عليه الحد و کان مريضا مستسقی و بلغ الی حدّ بدت عروقه, کما في صحيح أبي العبّاس، عنه علیه السلام : «أتي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم برجل دميم قصير قد سقى بطنه و قد درّت عروق بطنه قدفجر بامرأة، فقالت المرأة: ما علمت به إلّا و قد دخل عليّ، فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم: أنيت؟ قال: نعم و لم يكن أحصن فصعد صلّى اللّه عليه و آله و سلم بصره و خفضه، ثمّ دعا بعذق فعدّه مائة ثمّ ضربه بشماريخه»(1).

و خبر يحيى بن عبّاد المكّيّ قال: قال لي سفيان الثّوريّ: «إنّي أرى لك من أبي عبد اللّه علیه السلام منزلة فسله عن رجل زنى و هو مريض إن أقيم عليه الحدّ مات ما تقول فيه، فسألته فقال: هذه المسألة من تلقاء نفسك أو قال لك إنسان أن تسألني عنها؟ فقلت: سفيان الثّوريّ سألني أن أسألك، فقال علیه السلام : إن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أتي برجل حبيس مستسقي البطن قد بدت عروق فخذيه و قد زنى بامرأة مريضة فأمر صلّى اللّه عليه و آله بعذق فيه

ص: 299


1- الكافي (ط - الإسلامية) ج7 ص244 ح4

مائة شمراخ فضرب به الرّجل ضربة و ضربت به المرأة ضربة ثمّ خلّي سبيلهما، ثمّ قرء هذه الآية «و خذ بيدك ضغثاً فاضرب به و لٰا تحنث»(1).

و موثق سماعة، عنه علیه السلام ، عن آبائه عليهم السّلام، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم «أنّه أتي برجل كبير البطن قد أصاب محرما، فدعا صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعرجون فيه مائة شمراخ فضربه مرّة واحدة فكان الحدّ»(2).

4. جواز إجراء القصاص على من له عين واحدة

اختلف الفقهاء في أنّ الجاني إذا كان ذا عين واحدة و قد جنى على من له عينان، و فقأ إحدى عينيه، فهل يجوز القصاص أم لا؟ فمن قائل بجوازه، إلى قائل آخر بالانتقال إلى الدية، إلى ثالث قائل بجواز القصاص مع دفع نصف الدية.

فاحتج على القول الأوّل بقوله سبحانه: ﴿وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾(3)، فإطلاق الآية يدل على جواز القصاص و إن انتهى إلى فقد بصر المجني عليه و صحيح محمّد بن قيس

ص: 300


1- الكافي (ط - الإسلامية) ج7 ص243 ح1؛ في سنده ابن محبوب و هو من اصحاب الاجماع و رواه الفقيه في 21 من باب ما يجب به التعزير عن عبّاد المكّي لا يحيى بن عبّاد مع اختلاف لفظيّ، و مثله التّهذيب في 108 من حدود زناه، و ما في الكافي هو الصّحيح فلم يذكر عبّاد المكّيّ في رجال و لا في خبر غير ما مرّ بخلاف يحيى بن عبّاد المكّيّ.
2- التهذيب تحقيق الخرسان ج10 ص32 ح107
3- المائدة: 45.

«قلت لأبي جعفر علیه السلام : أعور فقأ عين صحيح؟ قال: تفقأ عينه قال: قلت: يبقی أعمی؟ قال: الحقّ أعماه»(1) و غيره.

تبصرة:

هذا و لا يخفی أنّه لو تمّت دلالة هذه الآيات فلا حاجة إلى الاستصحاب، و ذلک لانّ نقل هذه التشريعات بلا رد عليها يتضمن إمضاءً و تصويباً لها، لان القرآن حجّة علينا کما تشهد لذلک صحيحة زرارة عن أحدهما ( علیه السلام ) أنها محكمة(2).

5. قوله تعالى حكاية عن أحوال يحيى على نبينا و علیه السلام ﴿وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِين﴾ فإن ظاهره يدل على مدح يحيى بكونه حصورا, و «الحَصُورُ: مَنْ لا يَأْتِي النِّسَاءَ و هُوَ قَادِرٌ عَلَى ذِلك، و إِنَّمَا يَتْركُهُن عِفَّةٌ و زُهْداً»(3), فيمكن أن يرجح في شريعتنا التعفف على التزويج.

و اجاب الشيخ عن الاستدلال بها بقوله: «أن الآية لا تدل إلّا على حسن هذه الصفة لما فيه من المصالح و التخلص عما يترتب عليه و لا دليل فيه على رجحان هذه الصفة على صفة أخرى أعني المباشرة لبعض المصالح الأخروية فإن مدح زيد بكونه صائم النهار متهجدا لا يدل على رجحان هاتين الصفتين على الإفطار في النهار و ترك التهجد في الليل للاشتغال بما هو أهم منها(4).

ص: 301


1- الكافي (ط - الإسلامية)، ج 7، ص: 319ح3 .
2- التهذيب طبعة النجف الأشرف ج 10 ص 183 رقم 15/ 718.
3- تاج العروس من جواهر القاموس، ج 6، ص: 282.
4- فرائد الاصول، ج 2، ص: 658.

اقول: و الظاهر من الاية المبارکة ان هذه الصفة في نفسها راجحة لکن قد يترجح عليها التزوج لجهات اخری کما ورد في خبر كليب بن معاوية الأسديّ عن أبي عبد اللَّه علیه السلام قال: «قال رسول اللَّه صلي الله عليه و آله من تزوَّج أحرز نصف دينه»(1).

و قد يقال: انه ليس التعفف و لا التزوج علة تامة للحسن بل حسنهما إنّما هو بالوجوه و الاعتبارات فيتفاوت باختلاف الأشخاص و الأحوال.

و فيه: انه خلاف ظاهر الاية من مطلوبية هذه الصفة في نفسها کما تقدم انفا.

التنبيه التاسع: الأصل المثبت

قال الشيخ الاعظم: «أنّه اشتهر على ألسنة أهل العصر نفي الأُصول المثبتة»(2), اي ان انه اذا كان للمستصحب لازم عقليّ أو عاديّ و كان لذلك اللازم أثر شرعيّ فلا يترتّب ذلك الأثر الشرعيّ على مجرّد استصحاب ملزومه .

أمّا اللازم العقليّ: فمثاله ما إذا لاقى الثوب المتنجّس للماء الّذي شكّ في بقائه على الكرّيّة، فيستصحب بقاء كرّيّته إلى زمان الملاقاة، و يلزمه عقلا ملاقاة الثوب للماء في حال الكرّيّة، و يترتّب على هذا اللازم العقليّ للمستصحب أثر شرعيّ هو طهارة الثوب، و حينئذ يقع البحث في هذا التنبيه عن جواز ترتيب الأثر الشرعيّ- أي طهارة الثوب- المترتّب على اللازم العقليّ- أي ملاقاة الثوب للماء في حال الكرّيّة- بمجرّد استصحاب ملزوم ذلك اللازم العقليّ- أي بقاء كرّيّة الماء إلى زمان الملاقاة- و عدمه.

ص: 302


1- الكافي (ط - الإسلامية)، ج 5، ص: 329.
2- فرائد الاصول، ج 2، ص: 659 .

و أمّا اللازم العاديّ: فمثاله ولادة الطفل الّذي هو لازم لحياة الامّ، فإذا جرى استصحاب حياتها يلزمه عادة ولادة الطفل و يترتّب على هذا اللازم العاديّ للمستصحب أثر شرعيّ هو وجوب إرسال نفقته، ، و حينئذ يقع البحث عن جواز ترتيب الأثر الشرعيّ- أي وجوب إرسال نفقة الطفل على الأب- المترتّب على اللازم العاديّ- ولادة الطفل- بمجرّد استصحاب ملزومه- أي بقاء حياتها- و عدمه.

ثم انه لو كان نفس اللازم أو الملازم مصبّاً للاستصحاب كما إذا كان ملتحياً و شككنا في بقائه في هذه الحالة، صحّ استصحاب كونه كذلك، لترتيب الأثر الشرعي كالتصدق على الفقير إذا نذر.

و لا يخفى أن مورد البحث ما إذا كانت الملازمة بين المستصحب و لوازمه في البقاء فقط، لأنه لو كانت الملازمة بينهما حدوثا و بقاءً، كان اللازم بنفسه متعلق اليقين و الشك، فيجري الاستصحاب في نفسه بلا احتياج إلى الالتزام بالأصل المثبت. و أما إذا كانت الملازمة في البقاء فقط، فاللازم بنفسه لا يكون مجرى للاستصحاب، لعدم كونه متيقناً سابقاً، و هذا هو محل الكلام في اعتبار الأصلالمثبت و عدمه. و ذلك: كما إذا شككنا في وجود الحاجب، و عدمه عند الغسل، فبناء على الأصل المثبت يجري استصحاب عدم وجود الحاجب، و يترتب عليه وصول الماء إلى البشرة، فيحكم بصحة الغسل - مع أن وصول الماء إلى البشرة لم يكن متيقناً سابقاً - و بناء على عدم القول به، لا بد من إثبات وصول الماء إلى البشرة من طريق آخر غير الاستصحاب، و إلّا لم يحكم بصحة الغسل.

ادلة عدم حجّية الأُصول المثبتة

إنّ القول بحجّية الأصل المثبت و عدمها متفرّع على تحديد مفاد أخبار الاستصحاب.

ص: 303

و بعبارة أُخرى: البحث في المقام إثباتي مبنيّ على تحديد دلالة الروايات بعد الفراغ عن إمكانه ثبوتاً، إذ لا مانع للشارع أن يعبِّدنا باستصحاب الحياة على كلا الأمرين، نبات اللحية و وجوب الصدقة، لکنّ الظاهر من الشيخ انّ البحث ثبوتي و انّ التعبّد به أمر غير معقول کما سيأتي استدلاله, و على كلّ تقدير فقد استدل على عدم الحجيّة بوجوه:

الوجه الأوّل: ما استدل به الشيخ و قال: «إنّ معنى عدم نقض اليقين و المضيّ عليه هو ترتيب آثار اليقين السابق الثابتة بواسطته للمتيقن. و وجوب ترتيب تلك الآثار من جانب الشارع لا يُعقل إلّا في الآثار الشرعية المجعولة من الشارع لذلك الشي ء لأنّها القابلة للجعل، دون غيرها من الآثار العقلية و العادية، فالمعقول من حكم الشارع بحياة زيد، ترتيب آثار الحياة في زمان الشك، هو حكمه بحرمة تزويج زوجته و التصرّف في ماله، لا حكمه بنموّه و نبات لحيته، لأنّ هذه غير قابلة لجعل الشارع»(1).

و فيه: أنّه لا مانع من تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن بما له من أثر شرعي مترتب عليه بلا واسطة. او تنزيله منزلة المتيقّن في مطلق الأثر و طبيعته، سواء ترتب عليه بلا واسطة أو مع واسطة الأثر العادي أو العقلي، و لا ريب في امکانه عقلا .

الوجه الثاني: ما استدل به المحقّق الخراساني من أنّ القدر المتيقن هو التعبّد بما كان على يقين منه فشك بلحاظ ما لنفسه بلا واسطة من الآثار الشرعية، حيث قال: إنّ الأخبار إنّما تدل على التعبد بما كان على يقين منه فشكّ بلحاظ ما لنفسه من آثاره و أحكامه، و لا دلالة لها بوجه على تنزيله بلوازمه التي لا تكون كذلك،و لا على تنزيله بلحاظ ما له من الأثر الشرعي مطلقاً و لو بالواسطة، فانّ المتيقّن هو لحاظ آثار نفسه، و أمّا آثار لوازمه،

ص: 304


1- فرائد الاصول، ج 2، ص: 659 .

فلا دلالة هناك على لحاظها أصلًا(1), و حاصل کلامه انها ليست بحجة لعدم إطلاق أحاديث الاستصحاب.

و فيه: أنّ القدر المتيقّن لا يمنع من الاطلاق کما تقدم تحقيقه في الجزء الثاني من هذا الکتاب(2), و علی فرض کونه مانعا من انعقاد الاطلاق فانما يزاحم الإطلاق إذا كان موجوداً في مقام التخاطب، فيكون كالقرينة المتصلة مانعة عن انعقاد الإطلاق و يصحّ للمتكلّم أن يعتمد عليه في عدم سعة موضوع الحكم، لا القدر المتيقن الخارج عن مقام التخاطب، إذ لو كان ذلك لبطل التمسك بالإطلاق إذ ما من مطلق إلّا و فيه قدر متيقن. و عليه فإثبات وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب مشكل جداً، و ذلک لأنّ تقسيم الأثر إلى المترتب على المستصحب و المترتب على لازمه العقلي تقسيم حادث ظهر عصر الوحيد البهبهاني أو بعده بقليل، و أين هذا من عصر صدور الروايات التي لم يكن فيه أثر لهذا التقسيم؟

الوجه الثالث: دعوی انصراف أخبار الباب إلى الآثار الشرعية المترتبة على المستصحب بلا واسطة، لأنّ الإبقاء العملي ينصرف إلى ترتيب ما يقتضي ذلك بلا واسطة.

و فيه: أنّه لم يثبت الانصراف، لأنّ سبب الانصراف إمّا كثرة الوجود، أو كثرة الاستعمال، و الثاني منتف إذ لم يستعمل قوله: لا تنقض اليقين ... في لسان الإمام كثيراً في الأثر المترتب على نفس المستصحب، كما أنّ الأوّل - مضافا لعدم حجيته - غير ثابت.

الوجه الرابع: انّ دور الاستصحاب في مورد الأحكام غير دوره في الموضوعات، إذ يكفي في استصحاب الأُولى كون المستصحب نفسَ الحكم الشرعي، و أمّا الثانية، فلا يصحّ

ص: 305


1- كفاية الأُصول: 326/ 2، 327، 329.
2- ص440.

التعبد ببقاء الموضوع إلّا إذا ترتب عليه أثر شرعي مستفاد من دليل اجتهادي، على وجه يكون المستصحب صغرى له و يكون دور الاستصحاب بالنسبة إليه، دور إحراز الصغرى للكبرى الكلية، و على ضوء هذا، لا يصحّ التعبد ببقاء موضوع إلّا أن يكون معه دليل شرعي يتخذ المستصحب موضوعاً لنفسه و يترتب عليه الأثر، و لو فقد هذا الشرط لكان استصحاب الموضوع لغواً.

فلو صحّ استصحاب طهارة الماء الموجود في الإناء فإنّما هو لأجل وجود كبريات شرعية تتخذ طهارة الماء المحرزة صغرى لنفسها و يُستنتج منها حكم شرعي فيقال: هذا ماء طاهر؛ و كلّ ماء طاهر يجوز شربه، بيعه، شراؤه، و به يطهر النجس، إلى غير ذلك فتستنتج من ضمّ الكبريات إلى الصغرى المحرزة بالاستصحاب انه يجوز شربه، و بيعه، و شراؤه، و يطهَّر النجس به.

و في مورد المثال الحياة تترتب الآثار الشرعية دون العقلية و العادية، و ذلك لوجود الكبرى الشرعية في الأُولى، دون الثانية و الثالثة، فلو أحرزت حياة زيد بالاستصحاب و حكم عليه بكونه حيّاً تترتب عليه، حرمة تقسيم أمواله، و تزويج زوجته، و يرث أباه لو مات، و ذلك للضابطة الكلية الواردة في الشريعة في ذلك المجال من: انّ الإنسان الحيّ، يملك ماله، و لا تقسم أمواله بين ذريته و لا تزوج زوجته و يرث أباه أو أُمّه.

و هذا بخلاف الآثار العقلية و العادية إذ ليس هناك ضابطة شرعية حتى يكون المستصحب المحرز موضوعاً لها، إذ لم يدل دليل على أنّه إذا كان الإنسان ابن عشرين سنة، فقلبه ينبض أو لحيته نابتة.

و فيه: ان الفرق تحکم, فما الدليل علی عدم ترتب الآثار الشرعية علی الوسائط العقلية و العادية اذا کان هناک اثر شرعي مترتب عليهما فلا فرق بالفهم العرفي بين ذي الواسطة و

ص: 306

غيره, و ضابطته الشرعية هي کونه واسطة في ترتب الاثر الشرعي . و الحاصل هو حجية الاصول المثبتة مطلقا.

الفرق بين الأمارات و الأُصول

قد تبين مما تقدم حجية الاصول المثبتة مطلقا, فتثبت حجية مثبتات الامارات بطريق اولی, لکن حيث ان مشهور المتأخرين فرقوا بين مثبتات الامارات و الاصول فقالوا بأنّ مثبتات الأمارات حجّة دون الأُصول، و لذا وقع الكلام في وجه الفرق بينهما, و نکتفي بذکر وجهين:

الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني: و أمّا حجّية مثبتات الأمارة فلأنّها تحكي عن الواقع و تشير إليه، و عليه فهي تحكي عن أطرافه من ملزومه و لوازمه و ملازماته، و لذلك كان مقتضى إطلاق دليل اعتبارها، لزوم تصديقها في حكايتها و حجّية مثبتاتها، و هذا بخلاف الاستصحاب إذ لا دلالة له إلّا على التعبّد بثبوت المشكوك بلحاظ أثره(1), و توضيحه: أنّ الأمارة لها حكاية باعتبارالدلالة المطابقية، كما أنّ لها حكاية حسب الدلالة التضمنية و الالتزامية، و لازم حجّية الأمارة الأخذ بجميع الدلالات.

و أجاب عنه المحقّقان العراقيّ و الأصفهانيّ؛ أمّا المحقّق العراقيّ: فأجاب عن الإيراد بوجهين:

أحدهما: أنّه لا يعتبر القصد في الحكاية التصديقيّة عن لازم الشي ء و ملازمه، بل انّما يعتبر القصد في الحكاية عن المؤدّى، كما يشهد له بناء العرف و العقلاء في محاوراتهم.

ثانيهما: أنّ المعتبر في الحكاية القصديّة عن لوازم المؤدّى هو القصد الإجماليّ لا التفصيليّ، و هو حاصل في باب الإخبار، فإنّ من يخبر عن شي ء يلتفت إلى لوازمه و

ص: 307


1- كفاية الأُصول: 326/ 2، 327، 329.

يحكي عنه بنحو الإجمال، و لو لم يلتفت إلى خصوصيّاتها تفصيلا، فيتحقّق القصد الإجماليّ، و هو كاف في صدق الحكاية عنه، كما يشهد لذلك موارد الإقرار بشي ء، حيث يعدّ إقرارا بلوازمه و إن لم يلتفت المقرّ إلى خصوصيّات اللوازم تفصيلا(1).

و أمّا المحقّق الأصفهانيّ: فأجاب عن الإيراد بقوله: «إنّ الأمارة تارة على الموضوعات، كالبيّنة على شي ء، فاللازم حينئذ كون ما يخبر به الشاهدان- من عمد و قصد- ملتفتا إليه نوعا؛ و اخرى كالخبر عن الإمام علیه السلام ، فإنّ شأن المخبر بما هو مخبر حكاية الكلام الصادر عن الإمام علیه السلام بماله من المعنى الملتفت إليه بجميع خصوصيّاته للإمام علیه السلام ، لا للمخبر، إذ ربّ حامل فقه و ليس بفقيه، و ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فمجرّد عدم التفات المخبر بلوازم الكلام المخبر عنه لا يوجب عدم حجّيّة المداليل الالتزاميّة للكلام الصادر عن الإمام علیه السلام ، فإنّ كلّها ملتفت إليها للمتكلّم بها»(2).

الوجه الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني معتمدا علی ما اختاره في معنى حجّية الخبر الواحد من أنّها بمعنى جعل وصف المحرزية و الكاشفية له، قال: إنّ الأمارة إنّما تكون محرزة للمؤدّى و كاشفة عنه كشفاً ناقصاً، و الشارع بأدلّة اعتبارها قد أكمل جهة نقصها فصارت الأمارة ببركة اعتبارها كاشفة و محرزة كالعلم، و بعد انكشاف المؤدّى يترتب عليه جميع ما للمؤدّى من الخواص و الآثارعلى قواعد سلسلة العلل و المعلولات و اللوازم و الملزومات كما هو الحال إذا أحرز الملازم بالعلم الوجداني(3).

و ردّه المحقق الخوئي بقوله:

ص: 308


1- نهاية الأفكار 4: 184.
2- نهاية الدراية 3: 230.
3- فوائد الأُصول: 487/ 4 488.

و فيه أولا: عدم صحة المبنى، فان المجعول في باب الاستصحاب أيضا هو الطريقية، و اعتبار غير العالم عالماً بالتعبد، فانه الظاهر من الأمر بإبقاء اليقين و عدم نقضه بالشك، فلا فرق بين الأمارة و الاستصحاب من هذه الجهة، بل التحقيق أن الاستصحاب أيضا من الأمارات، و لا ينافي ذلك تقديم الأمارات عليه، لأن كونه من الأمارات لا يقتضي كونه في عرض سائر الأمارات، فان الأمارات الاخر أيضا بعضها مقدم على بعض، فان البينة مقدمة على اليد، و حكم الحاكم مقدّم على البينة، و الإقرار مقدم على حكم الحاكم. و سيأتي وجه تقديم الأمارات على الاستصحاب .

و ثانياً: أنا ننقل الكلام إلى الأمارات، فانه لا دليل على حجية مثبتاتها. و ما ذكره - من أن العلم الوجداني بشي ء يقتضي ترتب جميع حتى ما كان منها بتوسط اللوازم العقلية أو العادية، فكذا العلم التعبدي - غير تام، لأن العلم الوجداني إنما يقتضي ذلك، لأنه من العلم بالملزوم يتولد العلم باللازم بعد الالتفات إلى الملازمة، فترتب آثار اللازم ليس من جهة العلم بالملزوم، بل من جهة العلم بنفس اللازم المتولد من العلم بالملزوم. و لذا يقولون: إن العلم بالنتيجة يتولد من العلم بالصغرى و العلم بالكبرى، فان العلم بالصغرى هو العلم بالملزوم، و العلم بالكبرى هو العلم بالملازمة، فيتولد من هذين العلمين العلم الوجداني باللازم و هو العلم بالنتيجة، بخلاف العلم التعبدي المجعول، فانه لا يتولد منه العلم الوجداني باللازم - و هو واضح - و لا العلم التعبدي به، لأن العلم التعبدي تابع لدليل التعبد، و هو مختص بالملزوم دون لازمه، لما عرفت من أن المخبر إنما أخبر عنه لا عن لازمه(1).

ص: 309


1- مصباح الأصول، ج 3، صفحه152.

اقول: ما افاده المحقق الخوئي اولا متين لأنّ ما ذكره المحقق النائيني مبني على وجود لسان في مقام الحجية و ليس في باب الأمارات دليل يتكفّل جعل الحجّية، و قد تقدم أنّ الموجود هو إمضاء ما بيد العقلاء إمضاءً عملياً أو قولياً، و أين هومن جعل المحرزية و الطريقية؟! فانّ جعلهما بعد تسليم قبولهما الجعل إنّما يتصوّر فيما إذا كان الجاعل مؤسساً في الجعل لا تابعاً ممضياً لما في يد العقلاء.

مضافا الی أنّ المحرزية و الكاشفية و الطريقية انما هي من الأُمور التكوينية التي لا تقبل الإنشاء و الجعل و إنّما القابل له هو الأُمور الاعتبارية كالملكية و الزوجية و السببية، و على ذلك فما أُدعي انّه المجعول أمر غير قابل للجعل.

دعوی المحقق الخوئي عدم حجية مثبتات الامارات

و اما جوابه الثاني فليس بصحيح و ذلک لان ما بأيدينا من الأمارات كلّها أمارات عقلائية أمضاها الشارع و من المعلوم أنّ عملهم بها ليس أمراً تعبدياً لأجل رفع التحيّر، بل لأجل كونها طرقاً إلى الواقع، فإذا كان كذلك فكما يثبت بالأمارة نفس الشي ء، يثبت لازمه و ملزومه و ملازمه، و لا معنى للتبعيض في الطريقية, فأنّ العلم بالشي ء يلازم العلم بالأُمور الثلاثة، و هكذا الوثوق به يوجب الوثوق بها . و بذلک يظهر ضعف ما ادعاه المحقق الخوئي من عدم الفرق بين الامارات و الاصول من حيث مثبتاتهما حيث قال: المشهور بينهم أن الفرق بين الأصول و الأمارات؛ أن الجهل بالواقع و الشك فيه مأخوذ في موضوع الأصول دون الأمارات، بل الموضوع المأخوذ في لسان أدلة حجيتها هو نفس الذات بلا تقييد بالجهل و الشك، كما في قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبينوا﴾ فان الموضوع للحجية بمفاد المفهوم هو إتيان غير الفاسق بالنبإ من دون اعتبار الجهل فيه، و كذا قوله

ص: 310

علیه السلام : «لا عذر لأحد في التشكيك فيما يرويه ثقاتنا» فان موضوع الحجية فيه هو رواية الثقة بلا تقييد بأمر آخر. هذا هو المشهور بينهم.

و للمناقشة فيه مجال واسع، لأن الأدلة الدالة على حجية الأمارات و ان كانت مطلقة بحسب اللفظ، إلا أنها مقيدة بالجهل بالواقع بحسب اللب. و ذلك، لما ذكرناه غير مرة من أن الإهمال بحسب مقام الثبوت غير معقول، فلا محالة تكون حجية الأمارات إما مطلقة بالنسبة إلى العالم و الجاهل، أو مقيدة بالعالم، أو مختصة بالجاهل.

و لا مجال للالتزام بالأول و الثاني، فانه لا يعقل كون العمل بالأمارة واجباً على العالم بالواقع، و كيف يعقل أن يجب على العالم بوجوب شي ء أن يعمل بالأمارة الدالة على عدم الوجوب مثلا، فبقي الوجه الأخير، و هو كون العمل بالأمارة مختصاً بالجاهل، و هو المطلوب. فدليل الحجية في مقام الإثبات و إن لم يكن مقيداً بالجهل، إلّا أن الحجية مقيدة به بحسب اللب و مقام الثبوت. مضافا إلى أنهفي مقام الإثبات أيضا مقيد به في لسان بعض الأدلة، كقوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون﴾ فقد استدل به على حجية الخبر تارة، و على حجية فتوى المفتي أخرى. و كلاهما من الأمارات و قيد بعدم العلم بالواقع. فلا فرق بين الأمارات و الأصول من هذه الجهة. فما ذكروه - من أن الجهل بالواقع مورد للعمل بالأمارة و موضوع للعمل بالأصل - مما لا أساس له(1).

و فيه: مضافا لما تقدم انه لا معنی لتقيد الامارات لباً فان حجيتها ليست تأسيسية حتی تقيد بالجاهل بالواقع بل حجيتها امضائية و طريقيتها الی الواقع عقلائية و هي عند العقلاء موجبة للوثوق و العلم بالشيء عرفا، فإذا كان كذلك فكما يثبت بالأمارة نفس الشي ء،

ص: 311


1- مصباح الأصول، ج 3، صفحه152.

يثبت لازمه و ملزومه و ملازمه، و لا معنى للتبعيض في الطريقية, فأنّ العلم بالشي ء يلازم العلم بالأُمور الثلاثة، و هكذا الوثوق به يوجب الوثوق بها .

تتمة

ادعى صاحب الفصول تبعا للشيخ الكبير عدم حجية الاصل المثبت، لتعارض الأصل في الثابت و المثبت، كما إذا استصحب عدم وجود الحائل على البشرة فتوضأ و صلى، فان مقتضاه صحة وضوئه و صلاته لأن لازم عدم الحائل هو وصول الماء إلى البشرة. و في قباله استصحاب عدم الغسل المتيقن قبل الوضوء، و مقتضاه بطلان الوضوء، و يسقط الاستصحابان بالتعارض، فلا جدوى في حجية الأصل المثبت(1).

و أجاب الشيخ الأعظم عنه بأن الاستصحاب إما أن يكون حجة بالأخبار أو من باب الظن النوعيّ، فعلى الأول يكون الأصل المثبت حاكما على أصالة عدم الثابت، إذ مع فرض حجية استصحاب عدم الحائل في لازمه العادي و العقلي يكون نفس التعبد بعدم الحائل تعبدا بوصول الماء إلى البشرة، و لا مجال حينئذ لأصالة عدم تحقق الغسل، لانتفاء الشك فيه بمجرد التعبد بالملزوم.

و على الثاني فلازم فرض التعارض حصول وصفين وجدانيين متنافيين، و هو محال، ضرورة أن الظن بالملزوم مستلزم للظن بلازمه واقعا و اعتقادا، و لو فرض اجتماع أركان الاستصحاب في جانب الثابت كان معناه الظن بعدم وصولالماء إلى البشرة، و من المعلوم استحالة اجتماع ظن المكلف بوصول الماء إليها الناشئ من استصحاب عدم الحائل مع الظن بعدم وصوله إليها الّذي يقتضيه أصالة عدم وصوله. و عليه فلا وجه للمعارضة المدعاة أصلا.

ص: 312


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، هامش ص: 529.

اشکال المحقق الآشتياني

نعم قد يتصور تعارض الأصلين بناء على استناد حجية الأصل المثبت إلى أن أثر الأثر أثر، و هذا ما أفاده المحقق الميرزا الآشتياني (1) (قده) و وافقه المحقق الخوئي (2), و محصله: أنه- بناء على اقتضاء التعبد بالملزوم لترتب جميع آثاره الشرعية حتى الآثار مع الواسطة- تصير آثار الواسطة آثارا لنفس الملزوم، و ان لم يثبت نفس اللازم بهذا التعبد، لعدم تعلق اليقين و الشك به، و حينئذ فالأصل في الملزوم كأصالة عدم الحاجب يقتضي الحكم بصحة الوضوء و الصلاة، و الأصل في نفس الواسطة أي اللازم كأصالة عدم تحقق الغسل يقتضي عدم ترتب الآثار الشرعية على صبّ الماء على أعضاء الوضوء، فيقع التعارض بينه و بين الاستصحاب الجاري في الملزوم.

و توضيحه کما افاده المحقق الخوئي حيث قال: «الثالث: أن نقول به ( اي حجية الاصل المثبت) من جهة أن التعبد بالملزوم - المدلول عليه بأدلة الاستصحاب - عبارة عن ترتب جميع آثاره الشرعية حتى الآثار مع الواسطة، فان هذه الآثار أيضا آثار للملزوم، لأن أثر الأثر أثر. و على هذا المبنى يقع التعارض بين الاستصحابين، لأن اللازم على هذا المبنى ليس بنفسه مورداً للتعبد بالاستصحاب الجاري في الملزوم، و حيث كان مسبوقاً بالعدم، فيجري استصحاب العدم فيه، و مقتضاه عدم ترتب آثاره الشرعية، فيقع التعارض بينه و بين الاستصحاب الجاري في الملزوم في خصوص هذه الآثار.

و بعبارة أخرى على هذا المبنى لنا يقينان: يقين بوجود الملزوم سابقاً، و يقين بعدم اللازم سابقاً، فبمقتضى اليقين بوجود الملزوم يجري الاستصحاب فيه، و مقتضاه ترتيب جميع

ص: 313


1- بحر الفوائد، 3- 133
2- مصباح الأصول، 3- 157

آثاره الشرعية حتى آثاره التي تكون مع الواسطة، و بمقتضى اليقين بعدم اللازم يجري استصحاب العدم فيه، و مقتضاه عدم ترتيب آثاره الشرعية التي كانت آثاراً للملزوم مع الواسطة، فيقع التعارض بين الاستصحابين في خصوص هذه الآثار.

فتحصل مما ذكرناه أنه لا يمكن القول باعتبار الأصل المثبت من جهة عدم المقتضي، لعدم دلالة أدلة الاستصحاب على لزوم ترتيب الآثار مع الواسطة العقلية أو العادية، و من جهة وجود المانع و الابتلاء بالمعارض على تقدير تسليم وجود المقتضي له(1).

و ناقش فيه المحقق الآشتياني بوجهين:

أحدهما: «أن مناط تقديم الحاكم على المحكوم موجود هنا، لتعدد رتبة الأصلين، حيث ان الشك في الأثر الشرعي مسبب أوّلا و بالذات عن الشك في الملزوم، لتقدمه بحسب الرتبة، فإذا حكم الشارع بثبوت الملزوم لجريان الأصل فيه ثبت كون الأصل في الواسطة مما لا يترتب عليه أثر، و الأصل الّذي لا يترتب عليه أثر خارج عن أدلة الاستصحاب تخصصا، فتأمل».

و فيه کما افاده المحقق المروج: أن ضابط حكومة الأصل السببي على المسببي لا ينطبق على المقام، لأن المترتب على الأصل السببي أعنى استصحاب عدم الحاجب هو انغسال العضو، و ليس ذلك حكما شرعيا، و من المعلوم أنه لا بد أن يكون المسبب حكما شرعيا، و لعله أشار إليه بالأمر بالتأمل(2).

و ثانيهما: أن الواسطة و إن لم تكن مجعولة، إلّا أنها مما يتعلق به التنزيل بالواسطة فلا معنى لجريان الأصل فيها.

ص: 314


1- مصباح الأصول، ج 3، صفحه 156.
2- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، هامش ص: 531 .

و فيه کما افاده المحقق المروج: أنه إن أريد تعلق التنزيل بالواسطة كتعلقه بذيها بأن ينزل الشك في الحاجب بمنزلة عدمه و الشك في وصول الماء إلى البشرة بمنزلة عدمه بمعنى البناء على وصوله كان ذلك التزاما بالتعارض، ضرورة أن اليقين سابقا بعدم وصول الماء مع الشك الفعلي في وصوله يوجب جريان استصحاب عدم الوصول، و هو يعارض تنزيل عدم الوصول منزلة وصوله. و ان أريد ترتب أثر الواسطة و هو صحة الوضوء من حيث كون أثر الأثر أثرا للمستصحب و هو عدم الحاجب من دون تعلق تنزيل بالواسطة- و إن كان خلاف صريح كلامه: «إلّا أنها مما يتعلق به التنزيل بالواسطة»- فمرجعه إلى الوجه الأول و هو حكومة الأصل السببي على المسببي المانعة عن جريان الأصل المسببي، لارتفاع موضوعه بالأصل السببي، و يرد عليه ما ورد على ذلك الوجهمن عدم انطباق ضابط حكومة الأصل السببي على المسببي على المورد، لعدم كون المسبب أثرا شرعيا.

فالحق أن يقال: انه لا دليل على كون أثر الأثر أثرا للمستصحب و إن أطلق ذلك عليه عرفا، لكنه إطلاق مسامحي تطبيقي لا يعبأ به. فالاستصحاب لا يجري في الملزوم لإشكال المثبتية حتى يعارضه استصحاب عدم اللازم، بل يجري الأصل في اللازم كعدم انغسال العضو في المثال المزبور بلا معارض، إلّا إذا طرأ الشك في وجود الحاجب بعد الوضوء و احتمل التفاته إليه حين الوضوء، فان استصحاب عدم انغسال العضو لا يجري حينئذ، لجريان الأصل الحاكم و هو قاعدة الفراغ في الوضوء(1).

التنبيه العاشر: فيما خرج عن الأصل المثبت موضوعاً

بناءً علی عدم حجّية الأُصول المثبتة فقد استثني موردان:

ص: 315


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، هامش ص: 531 .

الأوّل: خفاء الواسطة؛ فاستثنى الشيخُ الأعظم من عدم حجّية الأُصول المثبتة خفاءَ الواسطة و هو ما إذا كان الأثر الشرعيّ من الآثار ذي الواسطة الخفيّة بحيث يعدّه العرف أثرا لنفس المستصحب، و مثاله: استصحاب بقاء رطوبة الثوب الملاقي للأرض المتنجّسة، فإنّ نجاسة الثوب ليست أثرا بلا واسطة لرطوبة الثوب الملاقي للأرض، بل هي من آثار سراية النجاسة من المتنجّس إلى ملاقيه بواسطة الرطوبة، فالسراية واسطة عقليّة بين المستصحب- أي الرطوبة- و بين النجاسة الّتي هي أثر السراية، فيترتّب مع ذلك نجاسته باستصحاب بقاء رطوبة الثوب الملاقي للأرض المتنجّسة، لكون الواسطة من اللوازم الخفيّة، بحيث يرى العرف نجاسة الثوب من آثار نفس المستصحب، لا من آثار السراية.

و استدلّ على استثناء هذا المورد بأنّ المتفاهم العرفيّ من أخبار حجّيّة الاستصحاب أنّ مفادها يشمل حقيقة أثر الواسطة الخفيّة كما يشمل أثر نفس المستصحب(1).

و اورد عليه المحقّق النائينيّ بما حاصله: أنّه لا عبرة بنظر العرف و المسامحات العرفيّة في المقام، فإنّ نظر العرف انّما يكون متّبعا في تعيين مفهوم اللفظ عندالشكّ فيه أو في ضيقه و سعته مع العلم بأصله في الجملة، كما يكون متّبعا في تشخيص مقوّمات الموضوع بحسب ما هو المرتكز في ذهنه من مناسبة الحكم و الموضوع.

و لا يجوز الرجوع إلى العرف و الأخذ بمسامحتهم في التطبيق بعد تعيين المفهوم. و عليه فإن كان المراد من خفاء الواسطة أنّ العرف يستظهر من الأدلّة أنّ الحكم الشرعيّ ثابت لذي الواسطة و تكون الواسطة من علل ثبوت الحكم لذيها فهو يرجع إلى ثبوت الحكم

ص: 316


1- فرائد الاصول 3: 244- 246 .

لذي الواسطة حقيقة. و إن كان المراد منه أنّ الحكم الشرعيّ ثابت للواسطة حقيقة لكن لخفائها يرون العرف أنّه حكم ذيها من باب التسامح في التطبيق فهو ممّا لا عبرة(1).

الثاني: وجود الملازمة العرفية؛ فقد استثنى المحقّق الخراساني وراء خفاء الواسطة مورداً آخر أيضاً و قال: كما ما لا يبعد ترتيب ما كان بوساطة ما لا يمكن التفكيك عرفاً بينه و بين المستصحب كما لا تفكيك بينهما واقعاً لأجل وضوح لزومه أو ملازمته معه بمثابة عدّ أثره أثراً لهما فانّ عدم ترتيب مثل هذا الأثر عليه يكون نقضاً ليقينه بالشك أيضاً حسب ما يفهم من النهي عن نقضه عرفاً(2).

و أورد عليه المحقّق الاصفهانيّ بما حاصله: أنّ دعوى حجّيّة الأصل المثبت في الموردين صحيحة من حيث الكبرى، فإنّه لو ثبتت الملازمة في التعبّد في مورد فلا إشكال في الأخذ بها، إلّا أنّ الإشكال في صغرى ما أفاده، لعدم ثبوت هذه الملازمة في مورد من الموارد. أمّا مورد العلّة و المعلول و مورد المتضائفين فهما خارجان عن محلّ الكلام، لأنّ اليقين بحدوث العلّة التامّة يستلزم اليقين بالمعلول، فيكون كلّ من العلّة و المعلول مجرى الاستصحاب مستقلّا؛ و هكذا المتضائفان، لأنّهما متكافئان، فاليقين بالابوّة يستلزم اليقين بالبنوّة، فيكون كلاهما مجرى الاستصحاب(3).

ص: 317


1- فوائد الاصول 4: 494، أجود التقريرات 2: 419.
2- كفاية الأُصول: 327/ 2.
3- نهاية الدراية 3: 225- 226.

هذا و تبعهما المحقّق الخوئيّ، فأورد على استثناء الموارد الثلاثة بما أورد المحقّقان النائينيّ و الأصفهانيّ(1).

التنبيه الحادي عشر: في كفاية ترتب الأثر بقاءً

يشترط في الاستصحاب أن يكون المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً ذا أثر شرعيّ، و هل يشترط أن يكون كذلك حدوثاً و بقاءً، أو يكفي بقاءً؟

و الأوّل: نظير استصحاب عدم التكليف، فانّه ليس مجعولًا شرعياً من الأزل إلّا انّه حكم مجعول فيما لا يزال، لما عرفت من أنّ عدم التكليف بقاء مجعول شرعاً.

و الثاني: نظير استصحاب حياة الولد الصغير، فانّه ربّما لا يترتب عليه الأثر المخصوص، أعني: وراثته من أبيه في حياة أبيه إلّا شأناً، فإذا تُوفي الأب تستصحب حياة الولد، ليرثه فعلًا.

اقول: الظاهر هو الثاني کما افاده في الکفاية و تبعه علی ذلک المحققون، و ذلک لصدق نقض اليقين بالشكّ على رفع اليد عنه و العمل كما إذا قطع بارتفاعه يقينا، و وضوح عدم دخل أثر الحالة السابقة ثبوتا فيه و في تنزيلها بقاء.

و بعبارة اخری: أن المعيار في صحة الاستصحاب على ما يستفاد من أخباره هو صدق نقض اليقين بالشك على رفع اليد عن الحالة السابقة، و من المعلوم عدم دخل لتلك الحالة في هذا المعيار أصلا، فان رفع اليد عن عدم حرمة التدخين مثلا بالشك في بقائه و البناء على حرمته مما يصدق عليه نقض اليقين بالشك قطعا مع عدم كون عدم حرمته أزلا أثرا شرعيا و لا موضوعا له، لكنه شرعي بقاءً بمعنى كون إبقاء العدم و نقضه بالوجود بيد الشارع، كما أنه يصدق إبقاء الحالة السابقة على العمل بها و البناء عليها.

ص: 318


1- موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) 48: 190- 193.

فالمتحصل: أن المعتبر في الاستصحاب أن يكون المستصحب في ظرف البقاء الّذي هو مورد التعبد أثرا شرعيا أو ذا أثر شرعي، لأنه حال الشك الّذي لا بد فيه من جعل الوظيفة للشاك المتحير في الحكم.

التنبيه الثاني عشر: اصالة تأخّر الحادث

لا ريب و لا شک في جريان الاستصحاب فيما كان الشكّ في أصل تحقّق حكم أو موضوع كما لا إشكال في جريانه فيما إذا كان الشكّ في ارتفاع حكم أو موضوع بعد العلم بتحقّقه.

و أمّا إذا كان الشكّ في تقدّمه و تأخّره بعد القطع بتحقّقه و حدوثه في زمان فهنا موضعان:

الأوّل: فيما إذا قيس تقدّم الشي ء الموجود أو تأخّره إلى أجزاء الزمان، كما إذا مات زيد قطعاً و شك في تحقّقه يوم الخميس أو يوم الجمعة.

الثاني: إذا قيس وجود الحادث بالنسبة إلى حادث آخر، كما إذا علم بموت المتوارثين و شك في المتقدّم و المتأخر منهما، و له أقسام ستوافيك.

الموضع الأوّل: في القياس إلى أجزاء الزمان

فإن لوحظ الحادث بالإضافة إلى أجزاء الزمان کما إذا علم يوم الجمعة بأنّ زوجته خرجت عن النشوز، و لكن لم يعلم أنّ خروجها عن النشور حدث في يوم الخميس أو حدث في يوم الجمعة، فهل يجري استصحاب عدم خروجها عن النشوز إلى يوم الجمعة فلا تشتغل ذمّته بنفقة يوم الخميس، أو لا يجري؟

لا إشكال في استصحاب عدم تحقّقه في الزمان الأوّل و ترتيب آثاره فيستصحب عدم خروجها عن النشوز في يوم الخميس، و يترتّب عليه عدم اشتغال ذمّته بنفقة يوم الخميس, لا آثار تأخّره عنه، لكونه بالنسبة إليها مثبتا, مثل: ما إذا علم بأنّ زيدا- و هو

ص: 319

أحد الورثة- أسلم، و لكن شكّ في أنّه أسلم يوم الخميس- و هو قبل زمان القسمة- أو أنّه أسلم يوم الجمعة- أي بعد زمان القسمة-، فيستصحب عدم إسلامه في يوم الخميس و يترتّب عليه آثاره، كالحكم بنجاسته يوم الخميس و الحكم ببطلان عقده مع المسلمة في ذلك اليوم. و لا يترتّب على استصحاب عدم إسلامه يوم الخميس آثار تأخّر اسلامه عن يوم الخميس، لأنّ هذا التأخّر لازم عقليّ لعدم حدوث إسلامه يوم الخميس، فلا يترتّب عليه إلّا على القول بالأصل المثبت.

الموضع الثاني: في القياس إلى حادث آخر

ثم إن الحادثين المعلوم حدوثهما و المشكوك تقدم أحدهما على الآخر تارة يكون تاريخ حدوث كليهما مجهولا، و أخرى يكون تاريخ أحدهما معلوما و الآخرمجهولا، فيقع الکلام في مقامين: الأول في مجهولي التاريخ، و الثاني في كون أحدهما معلوم التاريخ و الآخر مجهوله.

المقام الأول: في مجهولي التاريخ

أما المقام الأول فأقسامه أربعة: لأن الأثر الشرعي إما يترتب على الوجود المحمولي أو الوجود النعتيّ، أو العدم المحمولي أو العدم النعتيّ، و الفارق بين هذه الأقسام الأربعة هو: ان الوجود المحمولي هو نفس الوجود المحمول الأوّلي على الماهية، و هو مفاد «كان» التامة، حيث يكون فاعلها موضوعا للقضية، و مفاد «كان» أعني الوجود محمولا، فمعنى «كان زيد» أنه موجود، فزيد مبتدأ و «كائن» و ما بمعناه من أسماء العموم خبره. و في قبال هذا الوجود المحمولي العدم المحمولي الّذي هو مفاد «ليس» التامة، و ان لم تستعمل «ليس» في اللغة العربية إلّا ناقصة، لقول ابن مالك: «و النقص في فتى و ليس زال

ص: 320

دائما قفي» و على كل فحمل المعدوم على الماهية هو المراد من العدم المحمولي مثل «زيد معدوم».

و الوجود الربطي هو مفاد «كان» الناقصة الواردة على المبتدأ و الخبر و الموجبة للربط بينهما كقولنا «كان زيد قائما» حيث ان القيام المحمول على زيد أمر زائد على نفس وجوده، و الدال على هذا الربط هو الفعل الناقص. و في قبال هذا الوجود الربطي العدم الربطي الّذي هو مفاد «ليس» الناقصة، كقولنا: «زيد ليس بقائم» حيث ان مدلوله سلب ربط الاتصاف بالقيام عن زيد(1).

إذا عرفت هذا فلنشرع ببيان الأقسام الأربعة و نقول:

ص: 321


1- لا يخفى أن التعبير عن الوجود بمفاد كان الناقصة بالوجود النعتيّ و عن العدم بمفاد ليس الناقصة بالعدم النعتيّ لا يخلو من مسامحة، لأن الوجود النعتيّ إنما يطلق على وجود العرض الّذي هو موجود لنفسه في غيره بغيره، إلّا أن وجوده المحمولي نعت للغير. و حيث إن النسب و الارتباطات معان حرفية و لا استقلال لها في الوجود كما تقدم في المعاني الحرفية- و المفروض أن مدلول الأفعال الناقصة إما إيجاد الربط و إما سلبه- فالأصح التعبير عن مفاد كان الناقصة بالوجود الربطي و عن مفاد ليس الناقصة بالعدم الربطي، فتعبيرنا عنهما بالنعتي جرى على اصطلاح بعض الأعلام.

القسم الأول هو ترتب الأثر على الوجود المحمولي، و له صور:

الصورة الأولى:

أن يكون الأثر الشرعي مترتبا على وجود أحد الحادثين بنحو خاص من التقدم أو التأخر أو التقارن دون الحادث الآخر.

أما الأول فهو: كتقدم رجوع المرتهن عن الاذن على البيع، و تقدم العيب على العقد، فان رجوع المرتهن عن إذنه قبل البيع يوجب بطلان البيع، كما أن تقدم العيب على العقد يوجب الخيار، و نحو ذلك من النّظائر، فان أحد الحادثين و هو رجوع المرتهن و عيب المبيع في هذين المثالين لا يترتب عليه الأثر إلّا على وجوده بنحو خاص و هو التقدم على حادث آخر و هو البيع، إذ لا أثر لرجوع المرتهن عن الاذن بعد البيع، و كذا لا أثر لحدوث العيب في المبيع بعد البيع.

و أما الثاني أعني التأخر فهو: كملاقاة الثوب المتنجس للماء، فان أثر هذه الملاقاة و هي الطهارة مترتب على الملاقاة بنحو خاص و هو تأخرها عن كرية الماء، فلا أثر للملاقاة قبل حصول الكرية، و لا مع التقارن بناء على ما يستفاد من ظاهر قوله علیه السلام : «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجسه شي ء» حيث إنه يستفاد من رجوع الضمير إلى الكر أن الماء المفروض كونه كرّا لا ينفعل بالملاقاة، فيعتبر في عدم تنجسه بالملاقاة سبق الكرية، فصورة التقارن داخلة في المفهوم الدال على الانفعال، و هذا الاستظهار مما أفاده أيضا الشيخ الأعظم في طهارته.

و أما الثالث أعني التقارن فهو: كمحاذاة الرّجل و المرأة في الصلاة مع وحدة زمان شروعهما في الصلاة، فان المانعية بناء على القول بها مترتبة على الحادثين و هما صلاتا الرّجل و المرأة مع تقارنهما شروعا و عدم حائل بينهما، و لا فصل عشرة أذرع كذلك. و

ص: 322

كتقارن عقدي الأختين زمانا لرجل فان بطلانهما مترتب على تقارنهما، إذ مع اختلافهما زمانا يحكم بصحة المتقدم منهما و بطلان المتأخر.

و كتقارن عقدي المرأة و بنتها لرجل. و غير ذلك من أمثلة الحادثين اللذين يترتب الأثر و هو البطلان أو غيره على تقارنهما، فان الأثر في أمثلة النكاح المزبورة مع تقارن الحادثين و هما العقدان فيها هو البطلان، إذ مع تقدم أحدهما على الآخر يحكم بصحة المتقدم منهما و بطلان المتأخر.

و حكم هذه الأقسام الثلاثة جريان الاستصحاب في الحادث الّذي يكون وجوده المحمولي موضوع الأثر، فيستصحب عدم ذلك الوجود الخاصّ أو عدم تلكالخصوصية، و يكون هذا الاستصحاب رافعا لموضوع الأثر, لان الاستصحاب يجري في عدم الحادث بلا معارض، إذ لا أثر للحادث الآخر حتى يجري فيه الاستصحاب و يعارض ذلك الاستصحاب الجاري في الموضوع ذي الأثر الشرعي، كما إذا كان أحد المتوارثين كافرا، فان استصحاب عدم موت مسلمهما إلى زمان موت الآخر الكافر جار، و يترتب عليه الأثر و هو إرث المسلم منه، و لا يجري استصحاب عدم موت الكافر إلى زمان موت المسلم لعدم أثر شرعي له حتى في ظرف العلم بتأخر موته عن موت المسلم حيث ان الكافر لا يرث المسلم.

و بالجملة: فالأصل يجري في أحد طرفي المعلوم بالإجمال إن لم يترتب الأثر إلّا على أحدهما.

الصورة الثانية:

و هي: ما إذا كان النحو الخاصّ في كل من الحادثين موضوع الأثر بأن يكون لتقدم كل منهما أو تأخره أو تقارنه أثر، كما إذا علمنا بموت الولد و الوالد، و المفروض انّ سبق

ص: 323

موت كلّ واحد على الآخر موضوع للأثر، فلو سبق موت الولد يرثه الوالد، و لو كان العكس يرثه الولد، و قد ذهب المحقّق الخراساني إلى جريان الأصلين، و التساقط لأجل التعارض، فيقال عدم سبق موت الأب على موت الابن و بالعكس. و فيه ما سيأتي في الصورة الثالثة .

الصورة الثالثة:

و هي: ما إذا كان الأثر يترتب على أحد الحادثين لكن دون أن يقتصر على حالة واحدة، بل يترتب على كلتا الحالتين منه. مثلًا إذا نذر أحد انّه لو سبق زيد على عمرو فعليه أن يعطيه ديناراً إلى الفقير و ان تأخر عن عمرو فعليه أن يعطي درهماً إليه.

و قد ذهب المحقّق الخراساني إلى تعارض الأصلين و تساقطهما، فأصالة عدم سبق زيد على عمرو معارضة بأصالة عدم تأخره عنه فيتساقطان .

و يرد عليه في هاتين الصورتين ما افاده المحقّق الخوئيّ: انه إذا كان الأثر لسبق كل منهما على الآخر فيتمسك أيضاً بأصالة عدم السبق في كل منهما، و لا معارضة بين الأصلين لاحتمال التقارن. نعم، لو كان الأثر لسبق كل منهما على الآخر و كان لنا علم إجمالي بسبق أحدهما على الآخر، لا تجري أصالة عدمالسبق في أحدهما، للمعارضة بأصالة عدم السبق في الآخر، فجريان الأصل فيهما موجب للمخالفة القطعية، و في أحدهما ترجيح بلا مرجح.

و أمّا لو كان الأثر لسبق أحدهما على الآخر و كان لتأخره عن الآخر أيضاً أثر، فلا مانع من جريان الاستصحاب في عدم السبق و التأخر، و لا معارضة بينهما لاحتمال التقارن.

ص: 324

نعم، في مورد العلم الاجمالي بسبق أحدهما على الآخر لا مجال للرجوع إلى أصالة عدم السبق، للمعارضة بأصالة عدم التأخر(1).

القسم الثاني: و هو ما إن كان الاثر مترتبا على ...

القسم الثاني: و هو ما إن كان الاثر مترتبا على ما إذا كان متصفا بالتقدم أو بالتأخر او بالتقارن الّذي كان مفاد كان الناقصة, اي كان الأثر مترتبا على اتصافهما بالتقدم أو التأخر أو التقارن، لا على نفس تلك الصفات التي هي عبارة عن خصوصية الوجود المتصف بها الّذي هو مفاد كان التامة.

و بعبارة أخرى: قد يكون التقدم و نحوه عنوانا مشيرا للوجود كالخيط المحيط بشي ء، و يقال: ان الواقع تحت الخيط حكمه كذا، من دون نظر إلى دخل الخيط في شي ء من الحكم و الموضوع، بل النّظر فيه مقصور على الحكاية عن الموضوع.

و قد يكون التقدم و نحوه نعتا للموضوع بحيث يكون لاتصاف الموضوع به دخل في الحكم، و يدور الحكم مداره وجودا و عدما.

و الأول يكون من قبيل الوجود المحمولي الّذي هو مفاد كان التامة، و الثاني من قبيل الوجود النعتيّ الّذي هو مفاد كان الناقصة.

و قد ذکر المحقق الخراساني أنه لا يجري الاستصحاب في هذا القسم و الوجه في عدم جريان الاستصحاب في هذا القسم الثاني - بجميع صوره من اعتبار التقدم و التأخر و التقارن و عدم ترتب الأثر على أحد الحادثين أو كليهما - ليس لأجل تعارض الأصلين فيما إذا ترتب الأثر على كل من الحادثين و لا المثبتية، بل لاختلال أول ركني الاستصحاب و هو اليقين السابق، حيث إن اتصاف موت زيد بكونه مقدّما على موت

ص: 325


1- موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) 48: 215 .

عمرو المفروض توارثهما غير متيقن سابقا حتى يستصحب، و ذلك لأن الموضوع و هو «موت زيد المتصف بكونه متقدما على موت عمرو» لم يكن متيقنا في زمان سابق حتى يتعبد ببقائه في ظرف الشك،حيث إنه في حال حياة زيد لم يكن موت حتى يتصف بالتقدم على موت عمرو أو بالتأخر عنه(1).

و اورد عليه المحقّق الخوئي بأنّه لا يعتبر في استصحاب عدم الاتّصاف بالسبق وجوده في زمان لم يتّصف به، بل يكفي عدم اتّصافه به حين لم يكن موجودا، فيجري الاستصحاب في المقام أيضا إلّا مع العلم الإجماليّ كما تقدم في بعض الصور السابقة(2).

و فيه: ان عدم اتصاف الموت بالتقدم- حال الحياة- إنما هو من السالبة بانتفاء الموضوع, و استصحابه لما بعد الموت موضوع آخر فلا يجري الاستصحاب .

القسم الثالث: إذا ترتب الأثر على عدم أحدهما في ...

القسم الثالث: إذا ترتب الأثر على عدم أحدهما في زمان حدوث الآخر بمفاد ليس الناقصة, مثل: ملاقاة الثوب المتنجّس للماء، حيث لا يعلم أنّه لاقى الماء قبل كرّيّته فبقى على نجاسته، أو لاقاه بعد كرّيّته فصار طاهرا, فلا تجري فيه أصالة عدم كرية الماء إلى زمان الملاقاة لإثبات كون الماء موصوفاً بالعدم المذكور، لأنّه يتوقف على اليقين بكونه موصوفاً بالعدم في وقت ثمّ يُشك في بقائه على ما كان من الوصف المذكور، إذ الماء من الأوّل غير معلوم الاتصاف، لأنّ الوصف الكريّة إن كان وجد متأخراً عن زمان حدوث الآخر الملاقاة كان الماء موصوفاً بالعدم المذكور و إن كان متقدّماً أو مقارناً له

ص: 326


1- کفاية الاصول
2- موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) 48: 216.

فهو غير موصوف، و حيث لم يعلم أنّه متأخر أو متقدّم فقد شكّ في اتصافه بذلك في جميع الأزمنة.

و أمّا استصحاب عدم الماء بصورة السالبة بانتفاء الموضوع، بأن يقال: لم يكن ماء و لا كرّية، فقد انقلب العدم في الماء إلى الوجود و نشك في انقلابه في جانب الكرّية فنستصحب عدم الماء الكرّ، فهو لا يثبت موضوع الأثر، أي الماء غير الكرّ.

القسم الرابع: و هو ما إذا كان الأثر مترتّبا علی ...

القسم الرابع: و هو ما إذا كان الأثر مترتّبا على عدم أحدهما في زمان الآخر على نحو مفاد ليس التامّة. مثل: ما إذا علمنا بموت الوالد و إسلام الولد، و لمنعلم تقدّم أحدهما على الآخر، و المفروض إناطة إرث الولد بالإسلام قبل موت الوالد، فيكون الحكم بالإرث مترتّبا على عدم موت الوالد في زمان حدوث إسلام الولد.

و قد منع المحقّق الخراساني من جريان الأصل فيه و علله بعدم اتصال زمان الشكّ بزمان اليقين, و توضيح كلامه: أنّه لا بدّ من فرض أزمنة ثلاثة:

الأوّل: زمان اليقين بعدم حدوث كلّ من الحادثين. مثلا: نفرض أنّ الوالد كان حيّا في يوم الخميس، و ابنه كان كافرا فيه، فعدم موت الوالد المورّث و عدم إسلام الولد الوارث كلاهما متيقّن يوم الخميس.

الثاني: زمان حدوث أحدهما. مثلا: نفرض أنّ يوم الجمعة إمّا مات المورّث، و إمّا أسلم الوارث.

الثالث: زمان حدوث الآخر. مثلا: نفرض أنّ يوم السبت زمان حدوث ما لم يحدث في يوم الجمعة، و هو إمّا موت المورّث فيما إذا كان إسلام الوارث في يوم الجمعة، و إمّا إسلام الوارث فيما إذا كان موت المورّث في يوم الجمعة.

ص: 327

فكلّ منهما يحتمل حدوثه في الآن الثاني و الآن الثالث. و زمان الشكّ في أحدهما هو زمان وجود الآخر، و هو مردّد بين الآن الثاني و الآن الثالث. فإن كان الآن الثاني كان زمان الشكّ متّصلا بزمان اليقين، و إن كان الآن الثالث كان زمان الشكّ منفصلا عن زمان اليقين .

توضيح ذلک: أنه لو كان حدوث الطهارة في الساعة الثانية كان زمان اليقين بها متصلا بزمان الشك في بقائها و هي الساعة الثالثة، و لو كان حدوثها في الساعة الأولى لم يكن زمان اليقين بحدوثها متصلا بالساعة الثالثة التي هي زمان الشك في بقائها، لتخلل الساعة الثانية التي هي ظرف حصول الحدث بين الساعة الأولى و الثانية، فدوران زمان اليقين بحصول الطهارة بين الساعة الأولى و الثانية أوجب الشك في اتصاله بزمان الشك في بقائها، و مع عدم إحراز الاتصال لا يجري الاستصحاب لا أنه يجري و يسقط بالتعارض.

و بهذا التقريب ظهر الفرق في المانع عن جريان الاستصحاب بين المقام و الحادثين، ضرورة كون المانع في الحادثين عدم إحراز اتصال زمان الشك في كل منهما بزمان اليقين، لأن المتيقن كان مثلا عدم كل من الإسلام و الموت يوم السبت، و تردد حدوث كل منهما بين يومي الأحد و الاثنين، فزمان المتيقن معلوم و زمان الشك في البقاء غير معلوم. و لكن في الحالتين المتعاقبتين يكون المانععدم إحراز اتصال زمان المتيقن بزمان المشكوك، لأن ظرف الشك هو الساعة الثالثة مثلا، و يدور أمر المتيقن بين حدوثه في الساعة الأولى و الثانية.

و على كل حال فمناط الإشكال هو عدم إحراز اتصال زماني اليقين و الشك، و عدم إحرازه ملازم للشك في صدق الإبقاء الّذي هو موضوع التعبد الاستصحابي(1).

ص: 328


1- کفاية الاصول

و لا يخفى: أنّ كلامه في المقام لا يخلو من إغلاق. و لأجل ذلك فسّره كلّ واحد من الأعلام الثلاثة بتفسير غير ما فسّره به الآخر، ثمّ أوردوا عليه بمقتضى ما فسّروه به.

أمّا المحقّق النائينيّ: ففسّر عبارته بما ذكرناه, قلت: و عليه فلو کان مراده هذا المعنی ففيه: أن المعتبر في الاستصحاب اجتماع نفس اليقين و الشك زمانا، و اختلاف المتيقن و المشكوك كذلك كالعدالة المتيقنة يوم الجمعة المشكوكة يوم السبت، على خلاف قاعدة اليقين، لتعدد زماني الشك و اليقين فيها و اتحاد زمان المتيقن و المشكوك, و لا دليل على لزوم اتصال زمان الشكّ بزمان اليقين، و لذا فلو أيقن إنسان بطهارة ثوبه ثمّ أغشي عليه، فلما أفاق شك في بقاء طهارة ثوبه، و احتمل أنّه صار نجساً عند ما أغشي عليه، فظرف الشكّ غير متصل بظرف اليقين مع أنّه لا شكّ في استصحابه .

و على هذا فالمعتبر في الاستصحاب اجتماع الوصفين زمانا لا اتصالهما حتى يكون تخلل الفاصل بينهما قادحا في جريانه.

و اما ظاهر قوله علیه السلام في حديث الاربعمائة: «من كان على يقين فشك فليمض على يقينه» من اعتبار سبق حصول اليقين على الشك، و اتصال الشك به لمكان الفاء، فمع عدم إحراز اتصال نفس الشك باليقين لا يجري الاستصحاب لاختلال شرطه. ففيه:

اولا: ما تقدم تحقيقه من ان هذا التعبير يراد به الاعم من قاعدة اليقين و الاستصحاب فلا دلالة فيه علی لزوم اتصال الشک باليقين, مضافا لاطلاقه و عدم الشاهد علی ذلک .

و ثانيا: أن هذا التعبير ناظر إلى ما هو الغالب في الخارج من حصول اليقين بشي ء ثم الشك فيه، لا أن سبق اليقين و اتصال الشك به زمانا معتبر في الاستصحاب، لجريانه لو حصل الوصفان في زمان واحد، لإمكانه بعد اختلافمتعلقيهما بالحدوث و البقاء. و الحاصل جريان الاستصحاب و سقوطه بالتعارض .

ص: 329

تقرير المحقّق النائيني

هذا و أورد المحقق النائيني عليه بعد تفسيره بما ذکرناه, بما حاصله: أنّه لا مجال للتردّد في حصول الاتّصال و عدمه، لأنّ الشكّ و اليقين من الصفات الوجدانيّة الّتي لا تقبل التردّد، فلا بدّ إمّا من إحراز اتّصالهما أو إحراز انفصالهما، فلا معنى لحصول الشبهة المصداقيّة بالنسبة إلى الشكّ و اليقين. نعم، لو كان مفاد «لا تنقض» هو المنع عن انتقاض المتيقّن بالمشكوك- لا اليقين بالشكّ- فللتردّد في حصول الاتّصال و عدمه مجال، لكونهما من الصفات الواقعيّة الّتي تقبل الشكّ(1).

لکنه، أفاد في الدورة الاخرى أنّ الاستصحاب لا يجرى في هذه الصورة، لعدم اليقين بعدم الوجود المقيّد في الزمان السابق(2).

و تبعه تلميذه المحقّق الخوئيّ، ففسّر كلام المحقق الخراساني بما فسّر، ثمّ أورد عليه بأنّه لا يعتبر في الاستصحاب سبق اليقين على الشكّ، لصحّة جريان الاستصحاب مع حدوثهما معا، و إنّما المعتبر تقدّم زمان المتيقّن على زمان المشكوك فيه، بأن يكون المتيقّن هو الحدوث و المشكوك فيه هو البقاء(3).

تقرير المحقّق الاصفهاني

و أمّا المحقّق الأصفهاني: ففسّر عبارة المحقق الخراساني- على ما هو الظاهر من إيراده عليه- بأنّ المراد من اليقين و الشكّ في كلام المحقق الخراساني هو المتيقّن و المشكوك،

ص: 330


1- أجود التقريرات 2: 428- 429.
2- فوائد الاصول 4: 519- 521 .
3- مصباح الاصول 3: 182.

فمراده اعتبار اتّصال المشكوك بالمتيقّن زمانا، إذ بدون الاتّصال لا يصدق النقص المنهي عنه، فإنّ النقض إنّما يصدق فيما إذا كان متعلّق الشكّ و اليقين قطع النظر عن اختلافهما زمانا أمرا واحدا، و مع انفصال زمان المشكوك عن زمان المتيقّن لا يكونان كذلك، فإذا شكّ في الاتّصال شكّ في صدق النقص، فتكون الشبهة مصداقيّة و يمتنع التمسّك بعموم «لا تنقض» فيها.

ثمّ أورد عليه بأنّ المعتبر هنا إنّما هو اتّصال زمان المشكوك بما هو مشكوك بزمان المتيقّن بما هو متيقّن، لا اتّصال زمان ذات المشكوك بزمان ذات المتيقّن، لأنّ تحقّق ركني الاستصحاب لا يتوقّف على ثبوت المتيقّن و المشكوك واقعا، بل إنّما يتوقّف على كون المتيقّن حاصلا في افق اليقين و كون المشكوك حاصلا في افق الشكّ. و عليه فيكون المعتبر هو اتّصال زمان المشكوك بما هو مشكوك بالمتيقّن بما هو متيقّن، و هو محرز في المقام، لأنّ المشكوك هو عدم موت المورّث في زمان إسلام الوارث، و هو حاصل في الزمان الثاني- أي يوم الجمعة-، فالآن الثاني زمان الشكّ أيضا، فلا ينفصل زمان الشكّ عن زمان اليقين(1).

قلت: و علی فرض ان مراد المحقق الخراساني ما ذکره المحقق الاصفهاني فقد عرفت الجواب عليه من عدم انفصال زمان الشک عن زمان اليقين, مضافا الی انّه لو تم ذلك يلزم سدّ باب الاستصحاب بتاتاً، إذ ما من استصحاب إلّا و يحتمل معه انقلاب المتيقّن فيه إلى ضده في زمان الشكّ، و لولا هذا الاحتمال لما حصل الشكّ .

ص: 331


1- نهاية الدراية 3: 245- 246.

تقرير المحقّق العراقيّ

و أمّا المحقّق العراقيّ: فأفاد في تفسير كلام المحقق الخراساني بما حاصله: أنّ في فرض العلم بحدوث الحادثين- أحدهما موت المورّث، و الآخر إسلام الوارث- و الشكّ في المتقدّم و المتأخّر لا بدّ من فرض أزمنة ثلاثة:

أحدها: يوم الخميس، و هو يوم اليقين بعدمهما.

ثانيها: يوم الجمعة، و هو يوم العلم بحدوث أحدهما فيه إجمالا.

ثالثها: يوم السبت، و هو زمان اليقين بتحقّق الحادثين مع العلم الإجماليّ بكونه ظرفا لحدوث أحدهما، إمّا موت المورّث و إمّا إسلام الوارث. فكان هناك علمان إجماليّان:

أحدهما: العلم الإجماليّ بحصول موت المورّث في الزمان الثاني- أي يوم الجمعة أو الثالث- أي يوم السبت- على البدل.

ثانيهما: العلم الإجماليّ بحصول إسلام الوارث في أحد الزمانين على البدل.

و عليه فلا مجال لاستصحاب عدم إسلام الوارث المعلوم يوم الخميس إلى زمان موت مورّثه، لاحتمال أن يكون زمان موته يوم السبت و يكون زمان إسلام الولد يوم الجمعة، فينتقض يقينه السابق بعدم إسلامه باليقين اللاحق بإسلامه، فلا يحرز اتّصال زمان اليقين بعدم إسلامه- و هو يوم الخميس- بزمان الشكّ فيه، و هو يوم السبت. و هكذا لا مجال لاستصحاب عدم موت المورّث إلى زمان إسلام الوارث، لاحتمال كون زمان إسلامه يوم السبت و كون زمان موته يوم الجمعة، فيحتمل انتقاض اليقين السابق بعدم الموت في يوم الخميس باليقين اللاحق بالموت يوم الجمعة. و حينئذ لا يحرز اتّصال زمان اليقين بعدم الموت بزمان الشكّ في الموت، بل يحتمل انفصالهما باليقين الإجماليّ الناقض.

ص: 332

و بالجملة: فيحتمل أن يكون المورد من موارد ذيل الرواية: «و لكن انقضه باليقين الآخر»، فلا يصحّ الرجوع إلى عموم «لا تنقض» لكون الشبهة مصداقيّة.

ثمّ أورد عليه بأنّ العلم الإجماليّ بارتفاع المستصحب في أحد الزمانين- الثاني و الثالث- لا يصلح للفصل بين اليقين بالمستصحب و الشكّ في بقائه في زمان يحتمل وجود الحادث الآخر، لاستحالة انطباق المعلوم بالإجمال بما هو معلوم بالإجمال على الزمان الثاني الّذي هو أحد طرفي العلم، ضرورة أنّ العلم الإجماليّ- كجميع الصفات الوجدانيّة- إنّما يتعلّق بالصورة الذهنيّة للشي ء، و لا يسري إلى الصورة الخارجيّة، بل الصورة الخارجيّة في نفسها مشكوكة، فلا يعقل احتمال الفصل باليقين الإجماليّ بين زمان اليقين بعدم المستصحب و الزمان الّذي يراد جرّ المستصحب إليه(1).

ثم أنّه وافق المحقق الخراساني في عدم جريان الاستصحاب في هذه الصورة، و لكن استدلّ عليه بوجه آخر حيث قال: التحقيق خلافه و انه لا مجرى للاستصحاب في واحد منهما و لو بلا معارض (و ذلك) لا لما أفاده المحقق الخراسانيّ من شبهة الانفصال باليقين بالانتقاض (بل لما أشرنا) إليه آنفاً من عدم إجرائه في التطبيق على موضوع الأثر في فرض إمكان جر المستصحب، و عدم إمكان جره في فرض إحراز التطبيق ... و حينئذ فمع تردد الزمان الّذي هو ظرف وجود الآخر بين الزمانين، زمان الشك في وجود بديله الّذي هو الزمان الثاني، و زمان يقينه الّذي هو الزمان الثالث، يكون الشك في مقارنة البقاء التعبديللمستصحب مع زمان وجود الآخر على حاله، فلو أريد من الإبقاء إبقاؤه إلى الزمان الثاني، فلا يجزم حينئذ بتطبيق كبرى الأثر على المورد، إلّا بفرض جر المستصحب

ص: 333


1- نهاية الأفكار 4: 210- 211.

في جميع محتملات أزمنة وجود الآخر التي منها الزمان الثالث، و هو أيضا غير ممكن، لأن الزمان الثالث زمان انتقاض اليقين بكل منهما بيقين آخر، فكيف يمكن جر المستصحب إلى الزمان الّذي هو زمان انتقاض يقينه بيقين آخر؟ (و مجرد) كونه زمان الشك في حدوثه أو حدوث غيره لا يجدي في إمكان الجر إلى هذا الزمان بعد كونه زمان انتقاض يقينه كما هو واضح.

و حيث اتضح ذلك نقول: ان المقام من هذا القبيل، ففي المثال المزبور يكون منشأ الشك في حياة الوارث أو إسلامه إلى زمان موت مورثه كلا الأمرين أعني الشك في أصل بقاء حياة الوارث أو عدم إسلامه في الزمان الثاني الّذي فرضناه يوم الجمعة، و الشك في حيثية مقارنة بقاء المستصحب و لو تعبداً فيه لزمان موت المورث بلحاظ تردد حدوثه بين الزمانين (و لقد) عرفت عدم جريان الاستصحاب في مثله على وجه يجدي في ترتيب الأثر المترتب على البقاء المقارن لزمان وجود الغير، لأن ما يمكن جره بالاستصحاب انما هو جر عدم إسلام الوارث أو حياته إلى الزمان المتأخر عن زمان يقينه أعني الزمان الثاني، و مثله لا يثمر في تطبيق كبرى الأثر على المورد، لعدم إحراز كون البقاء التعبدي مقارناً مع زمان وجود الغير، و عدم تكفل دليل الاستصحاب الّا لإلغاء الشك من جهة خصوص الامتداد دون غيره، و ما يثمر في التطبيق انما هو جر المستصحب إلى الزمان الثالث الّذي فرضناه يوم السبت و هو غير ممكن لأن زمان الثالث زمان انتقاض اليقين بكل واحد منهما بيقين آخر، فكيف يمكن جر المستصحب إلى مثل هذا الزمان الّذي هو زمان انتقاض يقينه(1).

ص: 334


1- نهاية الأفكار 4: 207- 209.

و فيه: انه تقييد لادلة الاستصحاب بلا شاهد و لا مقيد و لا دليل على لزوم اتصال زمان الشكّ بزمان اليقين، کما تقدم, فالحق جريانه و تعارضه.

الموضع الثاني: فيما إذا علم تاريخ أحدهما

إذا كان أحد الحادثين معلوم التأريخ و الآخر مجهول التأريخ, كما إذا علمنا في يوم الخميس بعدم موت المورّث و عدم إسلام الوارث، و علمنا أيضا بأنّ المورّثمات يوم السبت، و لكن لم نعلم بأنّ الوارث أسلم يوم الجمعة كي يكون إسلامه قبل موت المورّث، أو أسلم في يوم الأحد كي يكون إسلامه بعده, ففي المقام صور أربع:

الصورة الاولی:

أن يكون الأثر الشرعيّ مترتّبا على الوجود الخاصّ المحموليّ الّذي هو مفاد كان التامّة، بأن يترتّب الأثر على وجود أحدهما إذا كان مقدّما على الآخر، أو إذا كان متأخّرا عنه، أو إذا كان مقارنا معه, كما إذا كان إرث الوارث من الميت المسلم مترتبا على إسلامه بوجوده الخاصّ، و هو تقدمه على موت المورث، حيث إن إرثه مترتب على إسلامه في زمان حياة المورّث لا على إسلامه في زمان موت المورث، فذهب المحقّق الخراساني إلى جريان الاستصحاب فيما إذا كان لأحد الوجودين أثر دون الوجود الآخر, و حاصل استدلاله کما افاده في منتهی الدراية: اذ لا مانع من استصحاب عدمه إلى زمان موت المورث، إذ المفروض عدم أثر للحادث الآخر حتى يجري فيه الاستصحاب و يعارضه, و لا مانع من جريان استصحاب عدمه الخاصّ و إن كان تاريخ حدوثه معلوما. إذ لا منافاة بين العلم بوجوده المطلق و عدم العلم بوجوده الخاصّ المسبوق بالعدم الّذي هو مورد الاستصحاب كما في مثال إسلام الوارث، فان المعلوم مثلا هو إسلام الوارث يوم الجمعة، و أما وجود الإسلام قبل القسمة فغير معلوم، و لا مانع من استصحاب عدمه، و به يرتفع

ص: 335

موضوع الأثر، لفرض موضوعية الوجود الخاصّ من الإسلام للأثر، و باستصحاب عدمه الأزلي ينتفي موضوع الأثر.

و حيث كان المقتضي لجريان الأصل موجودا فلا بد أن يكون المانع منه هو المعارضة المتوقفة على كون الأثر للطرفين، أو لوصفين في طرف واحد(1) .

و فيه: أنّ جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ لا يخلو من إشكال، و هو: انّه إذا كان موت الولد معلوماً من حيث الزمان فلا إبهام في الخارج، و ليس للاستصحاب دور إلّا في رفع الإبهام، و مع عدمه لا مورد للاستصحاب.

لا يقال: انّ موت الولد و إن كان معلوماً من حيث الزمان و لكنّه بالإضافة إلى زمان الآخر أعني: موت الوالد مجهول، فيكفي في صحّة التعبّد ترتب الأثر عليه.

فانه يقال: انّ العرف يستخدم الاستصحاب لكشف الواقع و هو في المقام واضح لا سترة فيه و كونه مجهولًا بالنسبة إلى حادث آخر، لا يجعله مجهولًا.

الصورة الثانية:

أن يكون الأثر الشرعيّ مترتّبا على وجود أحد الحادثين متّصفا بتقدّمه على الآخر أو متّصفا بتأخّره عن الآخر أو متّصفا بتقارنه معه. و يعبّر عنها بترتّب الأثر على الوجود النعتيّ الّذي هو مفاد كان الناقصة, كترتب الإرث على موت الوالد السابق على موت الولد، و حكم المحقق الخراساني في هذه الصورة بعدم جريان الاستصحاب فيها لا في مجهول التاريخ و لا في معلومه، لاختلال أول ركني الاستصحاب و هو اليقين السابق في كليهما، ضرورة أنه ليس اتصافهما أو أحدهما بتلك الصفات متيقنا سابقا، بداهة أن العلم بحدوث

ص: 336


1- منتهی الدراية ج7 ص635 .

معلوم التاريخ إنما هو بالنسبة إلى الزمان كيوم الجمعة، و أما بالإضافة إلى تقدمه على الحادث الآخر فهو مشكوك فيه و لا يقين بذلك، و المفروض أنه هو الملحوظ هنا کما إذا علم بموت الأب يوم الجمعة و لم يعلم زمان موت الابن و أنه كان يوم الخميس أو يوم السبت، و المفروض أن موت كل منهما متصفا بتقدمه على موت الآخر مما يترتب عليه الأثر الشرعي، و موت كل منهما بهذا الوصف ليس له حالة سابقة فلا يجري فيه الاستصحاب، فعدم جريان الاستصحاب فيهما إنما هو لفقدان ركنه، لا لوجود المانع و هو التعارض .

الصورة الثالثة:

أن يكون الأثر الشرعيّ مترتّبا على عدم أحد الحادثين متّصفا بتقدّمه على الآخر أو متّصفا بتأخّره عنه أو متّصفا بتقارنه معه. و يعبّر عنها بترتّب الأثر على العدم النعتيّ الّذي هو مفاد كان الناقصة, كالماء غير الكرّ إلى زمان الملاقاة، فإذا كان هناك ماء قليل تعاقبت عليه حالتان: الكرّيّة و الملاقاة بالنجس، و كان زمن الملاقاة يوم الجمعة، و في هذه الصورة حكم المحقق الخراساني بعدم جريان الاستصحاب في جانب الكرّيّة، و ذلك لعدم الحالة السابقة - لکرية الماء إلى وقت الملاقاة - كي يجري الاستصحاب فيها.

الصورة الرابعة:

أن يكون الأثر الشرعي مترتّبا على عدم أحد الحادثين في زمان الآخر واقعا. و يعبّر عنها بترتّب الأثر على العدم المحموليّ الّذي هو مفاد ليس التامّة.

و فيها حكم المحقق الخراساني بجريان الاستصحاب في مجهول التأريخ و عدم جريانه في معلوم التأريخ، أما جريانه في مجهول التاريخ فلتحقق ركني الاستصحاب من اليقين

ص: 337

السابق و الشك اللاحق فيه مع وجود شرطه و هو اتصال زمان الشك بزمان اليقين، مثلا إذا كانت قسمة التركة يوم الأربعاء معدومة يقينا، و شك في تحققها يوم الخميس أو يوم الجمعة، و علم بوجود الإسلام يوم الجمعة و بعدمه قبله، فحينئذ يتصل زمان الشك في القسمة و هو يوم الخميس بزمان اليقين بعدمها أعني يوم الأربعاء، فلا مانع من استصحاب عدمها إلى يوم الجمعة. و هذا مختار الشيخ الاعظم أيضا، حيث انه ذهب إلى جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ(1).

و اما عدم جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ، فلانتفاء ثاني ركني الاستصحاب و هو الشك في البقاء في عمود الزمان فيه، و ذلك لأن الإسلام في المثال قبل يوم الجمعة معلوم العدم، و في يوم الجمعة معلوم الحدوث، و مع العلم بكل من زماني عدمه و وجوده لا يتصور فيه الشك حتى يجري فيه الاستصحاب .

قلت: و قد تقدم الکلام عن لزوم اتصال الشک باليقين و ان الاقوی عدمه, و علی اي حال فيجري الاستصحاب في مجهول التاريخ بلا اشکال .

التنبيه الثالث عشر: في استصحاب حكم المخصص

أنّ البحث في هذا التنبيه ليس من جهة التعارض بين العموم و الاستصحاب، فإنّ الاستصحاب أصل عمليّ و لا مجال للرجوع إليه مع وجود الدليل من عموم و إطلاق، فعدم جريان الاستصحاب مع وجود دلالة مثل العامّ متّفق عليه.

ص: 338


1- منتهی الدراية ج7 ص638 .

و إنّما البحث في تعيين موارد الرجوع إلى العموم و تمييزها عن موارد التمسّك بالاستصحاب، فيبحث عمّا إذا ورد ما يكون عامّا من حيث الزمان، ثمّ خرج عنهبعض أفراده في بعض الأزمنة، فشكّ بعد انقضاء ذلك الزمان الخاصّ في حكم الفرد الخاصّ، فهل يكون هذا الفرد بعد ذاك الزمان من موارد الرجوع إلى العامّ أو يكون من موارد الاستصحاب؟ مثلا: ورد قوله تعالى: ﴿أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾(1)، الدالّ على وجوب الخمس في كلّ فائدة ؛ بناء على أنّ المراد من الغنيمة مطلق الفائدة، كما هو الحقّ، ثمّ ورد قوله علیه السلام : «الخمس بعد المؤونة». فإذا صارت الفائدة مؤونة للشخص و لعياله تخرج من عموم وجوب الخمس. إنّما الكلام فيما إذا خرجت عن كونها مؤونة لعدم حاجة الشخص إليها، فهل تكون من موارد الرجوع إلى عموم العامّ فيجب تخميسها، أو تكون من موارد استصحاب حكم المخصّص؟

هذا هو عنوان البحث، و هو يختص بما إذا كان التخصيص زمانيّاً لا فرديّاً بمعنى عدم إخراج الفرد من تحت العام مطلقاً، بل كان باقياً تحته في فترة و خرج عنه في فترة خاصة, و شكّ في استمرار حكم المخصص أو عموم حكم العام، كما أنّ محلّ الكلام عبارة عمّا إذا لم يكن للمخصص إطلاق، أو عموم أزماني، و إلّا فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب.

الفرق بين كون الزمان قيداً أو ظرفاً

لکن الشيخ فصل بين کون الزمان قيداً للموضوع و بين کونه ظرفاً، و المراد من الأوّل ما إذا كان الفرد في كلّ زمان فرداً خاصاً مغايراً له في الزمان الآخر، فيكون حينئذ للفرد الواحد اطاعات و عصيانات حسب اختلاف زمانه.

ص: 339


1- الأنفال/ 41 .

كما أنّ المراد من الثاني ما إذا كان الزمان غير دخيل في موضوعية الموضوع، و إنّما ذكر لأجل انّ الفعل لا ينفصل عن الزمان، و إلّا فالفرد في الزمان الأوّل نفس الفرد في الزمان الثاني، و كلاهما موضوع واحد، فلا يكون لكلّ فرد إلّا طاعة أو عصيان واحد. و علی ضوء ذلک فإذا كان الزمان في دليل العام قيداً للموضوع يُتمسك بالعام و لا يتمسّك بالاستصحاب، و ذلك لأنّ خروجه عن تحت العام في الفترة الثانية تخصيص ثان و الأصل عدم التخصيص، حتى لو لم يكن المرجع هو العام لا يصلح الاستصحاب للدليلية لعدم وحدة القضية المتيقّنة مع القضية المشكوكة، لكون الزمان مفرداً للموضوع.

و أمّا إذا كان الزمان في جانب العام ظرفاً على نحو يكون خروج الفرد في قطعة أو قطعات من الزمان تخصيصاً واحداً فيتمسك باستصحاب حكم المخصصلوحدة القضية المتيقّنة و المشكوكة، و لا يتمسك بالعام لعدم استلزام الاعراض عنه تخصيصاً زائداً(1).

رأي المحقق الخراساني

و فصل المحقّق الخراساني تفصيلا اخر و هو: أنّ كلا من العامّ و الخاصّ بملاحظة الزمان المأخوذ فيه ينقسم إلى القسمين المذكورين، فتكون الصور على ما ذكره أربعة:

الأولى: أن يكون الزمان في كلّ من العامّ و الخاصّ مأخوذا على نحو الظرفيّة.

الثانية: أن يكون الزمان فيهما مأخوذا على نحو القيديّة.

الثالثة: أن يكون الزمان في العامّ مأخوذا على نحو الظرفيّة و في الخاصّ على نحو القيديّة.

الرابعة: عکس الثالثة .

ص: 340


1- فرائد الاصول 3: 274.

الصورة الأُولى: أخذ الزمان ظرفاً في العام و الخاص

إذا كان الزمان مأخوذاً في كلا الجانبين لبيان استمرار الحكم فشك في بقاء حكم المخصِّص بعد مضيِّ الزمان القطعي، فلا يرجع إلى العام لخروجه عنه و عدم استلزام الإعراض عنه تخصيصاً زائداً، و يرجع إلى استصحاب حكم المخصص لوحدة القضيتين حتى لو لم يكن المرجع هو ذاك لا يرجع إلى عموم العام، لخروجه عنه و عوده إليه يتوقف على الدليل.

الصورة الثانية: أخذ الزمان قيداً في العام و الخاص

إذا كان الزمان قيداً في كلّ من العام و الخاص، مكثِّراً للحكم، و مفرِّداً للموضوع حسب تعدّد الآنات، فالمرجع هو عموم العام، و ذلك لأنّ الفرد في الآن الثاني فرد مستقل كان العام شاملًا له و لم يعلم خروجه فيتمسك بعموم العام، و لا يرجع إلى استصحاب حكم المخصص، لعدم وحدة القضيتين.

الصورة الثالثة: أخذ الزمان ظرفاً في العام دون الخاص

إذا كان الزمان مأخوذاً لبيان استمرار الحكم في ناحية العام، و لكن قيداً في جانب المخصص حيث يكثِّر الحكم و يفرّد الموضوع فيه، فلا يصحّ التمسّك لا بالعام و لا بالخاص.

أمّا العام: فلخروجه عنه و عدم استلزام الاعراض عن العام، تخصيصاً جديداً.

و أمّا الخاص: فلتعدّد القضيتين، المتيقّنة و المشكوكة، لافتراض انّ الزمان قيد يميِّز الفرد في الآن الأوّل عن الفرد في الآن الثاني.

ص: 341

الصورة الرابعة: أخذ الزمان قيداً في العام دون الخاص

إذا أخذ الزمان في جانب العام قيداً للموضوع و مفرِّداً له و مكثِّراً له على نحو يكون لكل فرد حسب الآنات طاعة و عصيان و لكن يكون الزمان في جانب المخصِّص لبيان استمرار الحكم، فيرجع إلى العام، لأنّ الاعراض عنه يستلزم تخصيصاً زائداً على التخصيص المتيقّن و لا يرجع إلى استصحاب حكم المخصص، لعدم اجتماع شرائط العمل بالأصل، فانّه حجّة إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي، و الخاص دليل اجتهادي رافع لموضوع حجّية الأصل.

و على هذا فالمحقّق الخراساني و إن وافق الشيخ في تقسيمه للعامّ إلى قسمين، لكنه خالفه في إطلاق الحكم بكون القسم الأوّل موردا لأصالة العموم دون الاستصحاب و كون القسم الثاني موردا للاستصحاب دون أصالة العموم.

و حاصل ما أفاده: أنّه لا بدّ من ملاحظة الزمان المأخوذ في دليل الخاصّ أيضا؛ فإذا اخذ الزمان في العامّ و الخاصّ على نحو الظرفيّة و لبيان استمرار الحكم فلا مانع من التمسّك بالاستصحاب، إلّا فيما إذا كان التخصيص من أوّل أزمنة العموم؛ و إذا اخذ الزمان في العامّ على نحو الظرفيّة و في الخاصّ على نحو القيديّة فلا يمكن التمسّك بالاستصحاب، كما لا مجال للتمسّك بالعموم أيضا، بل يرجع إلى أصل آخر من البراءة أو الاشتغال حسب ما يقتضيه المقام؛ و إذا اخذ الزمان في العامّ على نحو القيديّة و في الخاصّ على نحو الظرفيّة فالمتعيّن الرجوع إلى العامّ إن لم يكن له معارض، و إلّا يتمسّك بالاستصحاب؛ و إذا اخذ الزمان فيهما على نحو القيديّة فلا بدّ من التمسّك بالعامّ.

ص: 342

آرآء سائر الاعلام

و لا يخفى: أنّ كثيرا من الأعلام خالفوهما في المقام. فذهب المحقّق النائينيّ إلى تفصيل آخر، فقال: «كلّ مورد كان مصبّ العموم الزمانيّ متعلّق الحكم فلا مجال لجريان الاستصحاب فيه عند الشكّ في التخصيص الزمانيّ أو في مقداره، بل لا بدّ فيه من الرجوع إلى عموم العامّ لو كان، و إلّا فإلى البراءة و الاشتغال. و في كلّ مورد كان مصبّ العموم الزمانيّ نفس الحكم فلا مجال للتمسّك فيه بالعامّ الزمانيّ عند الشكّ في التخصيص أو في مقداره، بل لا بدّ فيه من الرجوع إلى الاستصحاب لو تمّت أركانه و إلّا فإلى البراءة أو الاشتغال»(1).

و اجيب: بأنّ ما ذكره من التفريق بين الصورتين تقسيم عقلي، لا يلتفت إليه العرف، فهو يتلقّى الزمان قيداً، للمتعلّق و واقعاً تحت دائرة الحكم، لا محمولًا على الحكم و واقعاً فوق دائرة الحكم، فلو كان قوله سبحانه ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ متضمناً لعموم زماني فهو من قيود المتعلّق أي الوفاء، لا انّه محمول على الوجوب حتى يكون معنى الآية: الوفاء بالعقد واجب و حكمي بالوجوب ثابت في كلّ زمان.

و ذهب المحقّق العراقيّ إلى تفصيل آخر، حاصله: أنّ الزمان إذا اخذ في العامّ على نحو القيديّة و المفرّديّة يكون المرجع هو العموم الزمانيّ مطلقا، من غير فرق بين أن يكون الزمان في دليل الخاصّ مأخوذا على نحو القيديّة و بين أن يكون مأخوذا على نحو الظرفيّة، و لا بين كون الخروج من وسط الأزمنة أو من أوّلها. و إذا اخذ في العامّ على نحو الاستمرار و الدوام و كان العامّ ناظرا إلى إثبات حكم سنخيّ لذات موضوع المستمرّ في أجزاء الزمان على نحو قابل للتكثّر تحليلا فيكون المرجع عند الشكّ هو عموم هذا

ص: 343


1- فوائد الاصول 4: 543.

العامّ دون الاستصحاب. و أمّا إذا كان العامّ ناظرا إلى حيث وحدة الحكم و شخصيّته بنحو غير قابل للتكثّر و لو تحليلا فلا محيص عن الرجوع إلى استصحاب حكم المخصّص(1). و فيه: ما سيأتي .

المرجع هو العام مطلقاً

ذهب المحقّقان البروجرديّ و الخوئيّ بأنّ المرجع هو أصالة العموم مطلقاً إذا كان الدليل ظاهراً في استمرار الحكم الواحد، و عمومه لجميع الأزمنة فيجب التمسك به في غير ما علم خروجه قطعاً(2)، و هو الظاهر من كلام المحقّق الاصفهاني(3), و نحن نکتفي ببيان المحقق الخوئي في رده علی المحقق الخراساني فقال: «أقول: أمّا ما ذكره من أنّ مجرد كون العموم مجموعياً لا يكفي في جريان الاستصحاب، بل يحتاج إلى كون الزمان ظرفاً لا قيداً، فمتين.

و أمّا ما ذكره من إمكان الرجوع إلى العموم المجموعي مع كون التخصيص في الأوّل، فهو صحيح فيما إذا كان العموم و الاستمرار مستفاداً من الدليل الخارجي، بأن يدل دليل على إثبات الحكم في الجملة، و دليل آخر على استمراره، فحينئذ يمكن الفرق بين كون التخصيص في الأوّل و كونه في الوسط، بامكان الرجوع إلى العام في الأوّل، لكون التخصيص دالًا على أنّ الاستمرار ثابت للحكم المذكور بعد هذا الزمان، بخلاف ما إذا

ص: 344


1- نهاية الأفكار 4: 231- 234.
2- راجع الحاشية على الكفاية (للبروجرديّ) 2: 439 .
3- نهاية الدراية 3: 261- 265.

كان التخصيص في الوسط، فانّ الاستمرار قد انقطع، و إثبات الحكم بعده يحتاج إلى دليل.

أمّا إذا كان الاستمرار مستفاداً من نفس الدليل الدال على ثبوت أصل الحكم كما في المقام، فانّ اللزوم و الاستمرار كليهما مستفاد من قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»(1) فلا فرق بين كون التخصيص في الأوّل أو في الوسط، لأنّ الدليل يدل على حكم مستمر، فاذا انقطع يحتاج إثباته بعد التخصيص إلى دليل على مذاقه.

ثمّ إنّه لا يمكن المساعدة على ما تسالم عليه الشيخ و صاحب الكفاية من أنّه إذا كان العموم من قبيل العموم المجموعي لا يمكن الرجوع إليه، و يتعين الرجوع إلى الاستصحاب- إمّا مطلقاً كما عليه الشيخ، أو فيما إذا كان الزمان في الدليل المخصص ظرفاً كما عليه صاحب الكفاية - و ذلك لما نقحناه في بحث العام والخاص من عدم الفرق في جواز الرجوع إلى العام بين كونه استغراقياً أو مجموعياً، فكما لا فرق بينهما في الأفراد العرضية و يرجع إلى العموم في غير ما علم خروجه بمخصص متصل أو منفصل، سواء كان بنحو العموم الاستغراقي، كما إذا قال المولى: أكرم العلماء، و كان مراده إكرام كل واحد من العلماء على نحو الاستقلال، ثمّ خرج منه زيد يقيناً، و شك في خروج فرد آخر فنرجع إلى العموم، و نحكم بعدم خروجه، لأنّ التخصيص بالنسبة إلى فردٍ لا يمنع شمول العام للأفراد الاخر، أو كان بنحو العموم المجموعي كما إذا قال المولى: أكرم هذه العشرة، و كان مراده إكرام مجموع العشرة من حيث المجموع، ثمّ

ص: 345


1- المائدة 5: 1.

علمنا بخروج زيد من هذه العشرة، و شككنا في خروج جزء آخر، فنرجع إلى العموم و نحكم بعدم الخروج، إذ التخصيص باعتبار جزءٍ لا يمنع شمول العام للأجزاء الأخر.

فكذا لا فرق بين العموم الاستغراقي و العموم المجموعي بالنسبة إلى الأفراد الطولية في جواز الرجوع إلى العام مع الشك في التخصيص، غاية الأمر أنّه يثبت بالرجوع إلى العموم الاستغراقي حكم استقلالي، و بالعموم المجموعي حكم ضمني للجزء المشكوك فيه، فلا فرق بين العموم الاستغراقي و المجموعي من هذه الجهة.

لا يقال: إنّه في العموم المجموعي يكون الحكم واحداً و قد انقطع، و إثباته ثانياً يحتاج إلى دليل.

فانّه يقال: إنّ الحكم الواحد قد انقطع بالنسبة إلى جزء واحد، و خروج باقي الأجزاء يحتاج إلى دليل، كما يقال في العموم الاستغراقي: إنّ خروج فرد واحد إنّما هو للمخصص، و خروج باقي الأفراد يحتاج إلى دليل»(1).

و توضيح ذلک هو أنّ العام يتصوّر على أقسام:

1. أن يكون الزمان قيداً للموضوع بحيث يكون الفرد في كلّ زمان مصداقاً مستقلًا.

2. أن لا يكون الزمان مأخوذاً في العام لا بنحو الظرفية و لا بنحو القيدية.

3. أن يكون الزمان قيداً للفرد على نحو العام المجموعي بحيث يكون الفرد في مجموع الأزمنة فرداً واحداً.

4. أن يكون الزمان مأخوذاً في جانب العام على نحو الظرفية.

ص: 346


1- موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) 48: 260- 266.

أقول: أمّا الأوّل فلا شكّ انّ المرجع هو العام، لاستلزام الاعراض عن العام، التخصيصَ الزائد.

كما انّ القسم الثاني: و هو خلو الدليل عن أخذ الزمان فيه لا ظرفاً و لا قيداً خارج عن محط البحث، إذ حينئذ لا يتصوّر التخصيص الزماني الذي هو محط البحث، و يكون التخصيص أفرادياً لا أزمانياً.

و أمّا القسم الثالث: فحكم فيه المحقق الخوئي انه لا يضر بعمومه خروج فرد منه .

و فيه: انه لا يخلو من تناقض لان خروج فرد منه في قطعة من الزمان يکون سبباً لانهدام أصل الحكم المتعلّق بذلك الفرد، لأنّ ذلك مقتضى كون الزمان مأخوذاً في جانب الفرد على نحو العام المجموعي, و بعبارة اخری يكون خروجه في فترة خاصة موجباً لانتفاء الحكم عن الفرد بتاتاً في بقية الأزمنة، و هو خلف الفرض. نعم لو شککنا في التخصيص کان عموم العام هو المحکم کما قال .

و أمّا القسم الرابع: و هو أن يكون الزمان ظرفاً, کما إذا كان الشي ء مطلوباً في زمان كالوفاء بالعقد على نحو يكون له طاعة واحدة و عصيان واحد، كما هو مقتضى كون الزمان ظرفاً فلو لم يجب الوفاء بالعقد في فترة خاصة و زمان خاص - کما هو المشهور في زمان ظهور الغبن - فانه لا يجب الوفاء بالعقد في ذلک الزمان فقط و يجب الوفاء به بعد ذلك الزمان بنفس الوجوب الاول، لا بوجوب مستقل مغاير للوجوب الاول.

فتلخص ممّا ذكرنا أنّ المرجع هو العام سواء كان الزمان قيداً أو ظرفاً، و كفى كون الفرد داخلًا فيه من أوّل الأمر و خارجاً عنه في ظرف خاص.

فإن قلت: إنّ الفرد قد خرج في فترة من الزمان، فعوده إلى تحت العام يحتاج إلى دليل، فما هو جوابكم أمام هذا الدليل؟

ص: 347

قلت: إنّ هذه مغالطة، و ذلك لأنّ التخصيص أزماني لا أفرادي، و الفرد لم يخرج من تحت العام بل هو باق تحت العام و إنّما رُفع عنه حكمه في فترة يسيرة من الزمان، فيتمسك بعموم العام في غير تلك الفترة و لا يجوز التمسك بالأصل مع وجود الدليل الاجتهادي.

التنبيه الرابع عشر: ما المراد من الشكّ في الاستصحاب؟

قد يطلق الشك و يراد به تساوي النقيضين عند الإنسان، و هذا هو الشكّ في مصطلح المنطقيّين، و عليه الراغب في مفرداته الذي يغلب عليه التحليل العقلي في تفسيره لمفردات اللغة کما قاله بعض المتتبعين, و على هذا تقسم الحالات الطارئة على الإنسان بأربعة أقسام، أعني: اليقين، و الظن، و الشكّ، والوهم.

و قد يطلق و يراد به، خلاف اليقين و عليه الجوهري في صحاحه، و حينئذ يعم الأقسام الثلاثة الأخيرة غير اليقين، و قد استعمل الشكّ في الكتاب العزيز بالمعنى الثاني، أي مطلق التردد، في موارد فقال سبحانه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِك﴾(1),

و قال تعالى: ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْض﴾(2)، إلى غير ذلك من الآيات التي أُريد من الشك مطلق التردد الجامع مع الظن والوهم و تساوي الطرفين.

إذا عرفت ذلك فلا ريب في کون الشكّ الوارد في أخبار الاستصحاب يراد به مطلق التردد و خلاف اليقين فيعمّ جميع الأحوال إلّا إذا كان هناك يقين على الخلاف, و يدلّ

ص: 348


1- يونس: 94.
2- إبراهيم: 10.

عليه مضافا إلى أنّه كذلك لغة كما في أكثر كتب اللغة(1), الاخبار المستفيضة و بها استدل الشيخ في الفرائد(2), فذکر انّ المراد هو الوجه الثاني، و استدل علی ذلک بوجوه ثلاثة, أحدها: الرجوع إلى روايات الباب(3), و أنّ فقرات الصحاح دالّة على الوجه الثاني, و الروايات كالتالي:

1. قوله علیه السلام : قال: «حرك في جنبه شي ء و هو لا يعلم ...»، فانّ ظاهره فرض السؤال بما كان معه أمارة النوم.

2. قوله علیه السلام : «لا حتى يستيقن» حيث جعل غاية وجوب الوضوء، الاستيقان بالنوم و مجي ء أمر بيّن منه.

3. قوله علیه السلام : «و لكن تنقضه بيقين آخر» فانّ الظاهر سوقه في مقام بيان حصر ناقض اليقين في اليقين.

4. قوله علیه السلام : في الصحيحة الثانية لزرارة: «فلعلّه شي ء أوقع عليك و ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ» فانّ كلمة «لعل» ظاهرة في مجرد الاحتمال مع وروده في مقام إبداء ذلك، كما في المقام فيكون الحكم متفرعاً عليه.

5. قوله علیه السلام في مكاتبة القاساني حيث فرّع قوله: «صم للرؤية و أفطر للرؤية» على قوله «اليقين لا يدخل فيه الشك» و المراد عدم كفاية الظن بدخول رمضان أو شوال.

ص: 349


1- فراجع الصحاح 4: 1594، القاموس المحيط 3: 309، تاج العروس 7: 150، لسان العرب 10: 451، مجمع البحرين 2: 536 .
2- فرائد الاصول 3: 285- 286.
3- راجع وسائل الشيعة 5: 329، الباب 16 من أبواب لخلل الواقع في الصلاة، الأحاديث 2، 4، 5؛ و الصفحة: 337، الباب 23 منها، الحديث 9.

خاتمة: في شرائط جريان الاستصحاب أو العمل به

ذُكر للاستصحاب شروط وصفها بعضهم بشروط العمل به، و جعلها الشيخ شروطاً لجريانه، و الفرق بينهما واضح، حيث إنّها على القول الثاني شرائط تحقّقه و لولاها لا يكون هناك موضوع للاستصحاب، بخلافه على الأوّل فالاستصحاب بدونها متحقق غير انّه لا يعمل به.

و الصحيح أنّ أكثرها من شروط جريانه كوحدة الموضوع، و اتحاد متعلّقي اليقين و الشكّ، و بقاء اليقين في طرف الشكّ، و بعضها كعدم أصل معارض من قبيل شروط العمل، کما سيتضح ذلک .

الشرط الأوّل: وحدة القضيّتين

و يعُبِّر عن هذا الشرط ببقاء الموضوع، و المراد منه وحدة القضية المشكوكة مع المتيقّنة, و الدليل علی هذا الشرط هو إنّ صدق الشك في البقاء، و كون رفع اليد نقضاً لليقين السابق فرع وحدة القضيتين، فلو كان هناك تغاير في الموضوع كما إذا تعلّق اليقين بعدالة زيد و شك في عدالة عمرو، أو في المحمول كما إذا تعلّق اليقين بعدالة زيد و الشكّ باجتهاده فلا يعد مثل هذا الشكّ، شكاً في البقاء، و لا رفع اليد، نقضاً لليقين السابق، فانّ صدق الأمرين اللّذين يعدان ركنين للاستصحاب رهن وحدة القضيتين موضوعاً و محمولًا و نسبة، كما لا يخفى .

و اما استدلال الشيخ الأعظم علی ذلک بما حاصله: أنّ الحكم عارض على الموضوع، فإذا جرى الاستصحاب في بقاء الحكم العارض على الموضوع الّذي لم يعلم بقاؤه لاحقا لزم إمّا بقاء العرض- أي الحكم- بلا موضوع، و هو محال، لأنّ الموضوع من علل تشخّص العرض و قوامه في الخارج، فبقاؤه بلا موضوع ممتنع؛ و إمّا انتقاله إلى موضوع

ص: 350

آخر، و هذا أيضا محال، لأنّ الحكم ببقاءالعرض حينئذ ليس إبقاؤه لنفس ذلك العرض، بل هو حكم بحدوث عارض مثله في موضوع آخر(1), فاورد عليه بوجوه:

منها: ايراد المحقق الخراساني من أنّ بقاء العرض على قسمين: تكوينىّ و تعبّديّ. و لا شكّ في أنّ البقاء الحقيقيّ التكوينيّ للعرض لا ينفكّ عن بقاء معروضه حقيقة، و إلّا يستلزم أحد المحذورين المذكورين من بقاء العارض بلا موضوع و انتقال العرض من موضوع إلى موضوع آخر.

و أمّا في البقاء التشريعيّ التعبّديّ فيمكن انفكاكه عن موضوع و انتقاله إلى موضوع آخر، فإنّ البقاء التعبّدي- و هو مفاد الاستصحاب- ليس إلّا ترتيب آثار وجود المستصحب بأمر الشارع، فلا استحالة في التعبّد بانتقال عرض من موضوع إلى موضوع آخر، ضرورة أنّه لا استحالة في أمر المولى بأنّك إن كنت على يقين من عدالة زيد فتعبّد بعدالة أبيه بترتيب آثارها.

و بالجملة: أنّ البرهان العقليّ المذكور إنّما يثبت استحالة انتقال العرض حقيقة من موضوع إلى موضوع آخر، و لا يثبتها تعبّدا(2).

و منها: أنّ الدليل المذكور أخصّ من المدّعى، لأنّ المستصحب لا يكون من الأعراض القائمة بالموضوعات الخارجيّة دائما، بل قد يكون من الجواهر، و قد يكون من الامور الاعتباريّة، و قد يكون من الامور العدميّة.

و منها: أنّ أدلّة الاستصحاب وافية باعتبار اتّحاد القضيّتين موضوعا و محمولا، فيكون الاستدلال بهذا البرهان العقليّ تبعيدا للمسافة.

ص: 351


1- فرائد الاصول 3: 290- 291.
2- كفاية الأصول ( مع تعليقة الزارعي السبزواري )، ج 3، ص: 274

ما هو الميزان لوحدة القضيتين؟

أن الميزان في إحراز وحدة القضيتين أحد أمور ثلاثة:

الأول: العقل، بأن يقال: ان مقتضاه اتحاد القضيتين من جميع الجهات و الاعتبارات التي يحتمل دخلها في الحكم سواء أ كانت من الأمور الوجودية أم العدمية، فلو اختل بعضها كان اختلاله موجبا للشك في بقاء الموضوع و مانعا عن إحراز وحدة القضيتين.

و عليه فلا يجري الاستصحاب في الشبهات الحكمية إلّا في الشك في الرافع ذاتا أو صفة. لكن يجري في الشبهات الموضوعية، لأن الموضوع في استصحابوجود الموضوعات و هو الماهية القابلة لكل من الوجود و العدم باق و غير زائل.

و فيه کما افاده المحقق السيد المروج: أنه لا دليل على لزوم متابعة العقل هنا مع كون الخطابات ملقاة إلى العرف، و اقتضاء إلقائها إليهم مرجعيتهم في تشخيص مفاهيمها من ألفاظها، فلو لم يكن فهمهم في هذا الباب حجة لكان اللازم التنبيه على ذلك و الإرجاع إلى العقل، و لم ينبه عليه، فلا بد من متابعة العرف في تشخيص موضوع الاستصحاب من أخباره كغيرها من الخطابات الشرعية.

نعم بناء على اعتبار الاستصحاب من باب الظن لا بد من إحراز الموضوع بالدقة العقلية، إذ بدون إحرازه بجميع ما له دخل في الحكم لا يحصل الظن و لو نوعا بالحكم، لامتناع حصوله مع الشك في الموضوع الّذي هو كالعلة للحكم، حيث ان لازمه حصول الظن بالمعلول مع الشك في العلة كما لا يخفى(1).

الثاني: الرجوع إلى دليل الحكم الشرعي، فالموضوع حينئذ هو ما حمل عليه الحكم في دليله، و عليه فالموضوع في الحكم بالنجاسة في الماء المتغير بها هو ذات الماء إن كان

ص: 352


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، هامش ص: 749.

لسان الدليل هكذا «الماء ينجس إذا تغير» و الماء بوصف التغير إن كان لسان الدليل «الماء المتغير ينجس» و مقتضى هذا الوجه الجمود على ظاهر العنوان المأخوذ في الدليل، ففي الفرض الأوّل إذا زال التغير بنفسه و كان للدليل إطلاق يشمل حالات الموضوع يتمسك به و لا يرجع معه إلى الاستصحاب، و إلّا فهو المرجع. و في الفرض الثاني يحكم بانتفاء الموضوع، و لا يجري فيه الاستصحاب، بل يرجع فيه إلى قاعدة الطهارة. و لازم هذا الوجه عدم جريان الاستصحاب فيما إذا كان الدليل لبيا أو مجملا لفظيا من حيث الموضوع، إذ لا سبيل إلى إحراز الموضوع حينئذ.

و اورد عليه بوجهين: الأوّل: أنّ الاعتماد على لسان الدليل الوارد في مجال الأحكام و الأخلاق أمر من الصعوبة بمكان، و ذلك لأنّ الرواة لم يلتزموا بنقل ما سمعوه من الإمام بحذافيره و كيفيته، بل كان اهتمامهم منصباً على أداء المفاهيم التي تلقّوها من الإمام سواء أ وافقت لفظ الإمام كماً و كيفاً أو لا، و لذلك لما سأل محمد بن مسلم أبا عبد الله علیه السلام عن نقل الحديث بالمعنى، فقال: إن كنت تريد معانيه فلا بأس(1). نعم كان الرواة ملتزمين بنقل الخطب و الأدعية بنصوصها، لأنّروعتها تكمن في ألفاظها الناصعة و تراكيبها الخلّابة، و هذا بخلاف ما له صلة بالأحكام و الأخلاق، و لأجل ذلك لا يمكن الاعتماد كلياً على لسان الدليل.

و فيه: ان کون الرواة غير ملتزمين بنقل ما سمعوه من الإمام بحذافيره و كيفيته، بل كان اهتمامهم منصباً على أداء المفاهيم, ليس بمعنی نقلهم متفاوت بالمعنی مع ما سمعوه بل مقتضی وثاقتهم و اصالة الظهور و عدم الغفلة و الخطأ هو کون ما نقلوه مطابق لما سمعوه

ص: 353


1- بحار الأنوار: 164/ 2.

و عليه فما ورد من موضوع في لسان الدليل هو المحکم, هذا اولا, وثانيا: ان کونه صعب المنال لا يکون دليلا علی عدم کونه ملاکا .

الثاني: أنّ هذا الاحتمال إنّما يتميّز عن الاحتمال الثالث إذا كان المراد الجمود على ظاهر اللفظ من دون ملاحظة المناسبات بين الموضوع و الحكم الموجودة في أذهان العرف، و أمّا مع هذه الملاحظة فهو يرجع إلى الاحتمال الثالث الاتي من کون العرف هو الملاک .

و فيه: ان مناسبات الحکم الموضوع کالقرينة المتصلة علی المراد و معها يکون لسان الدليل تابعا لها, و أن كل ما له دخل في تحديد الموضوع من مرتكزات العرف لا بد من لحاظه، لتوقف دليلية الخطاب و حجيته عليه حتى يصح الاستناد إليه و الاستدلال به على لحاظه، و معه لا يتصور موضوع عرفي في مقابل الموضوع الدليلي حتى يقع الترديد بينهما، بل الموضوع واحد و هو الدليلي .

الثالث: الرجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع، ففي كل مورد حكم فيه العرف بوحدة القضيتين و أن هذا كان كذا يجري فيه الاستصحاب مطلقا سواء علم بكون المشار إليه بالدقة العقلية أو بالنظر إلى دليل الحكم موضوعا أم لا، إلّا مع قيام الدليل على خلاف ما يقتضيه الاستصحاب كما في بعض الموارد، كالإنسان بعد الموت، فان الموضوع للطهارة و النجاسة بنظر العرف واحد و هو البدن، و لذا يقولون بأن طهارته ارتفعت بالموت، و إن كان موضوع الطهارة بالدقة العقلية غير موضوع النجاسة، لمغايرة الحي عقلا الّذي هو موضوع الطهارة للميت الّذي هو موضوع النجاسة.

و كذا بالنظر إلى الموضوع الدليلي، فان موضوع الطهارة هو الإنسان الّذي لا يصدق على الميت، لكونه جمادا. و أما العرف فهم يجعلون الموضوع أعم من الحي و الميت، و

ص: 354

مقتضى الاستصحاب حينئذ هو طهارة الإنسان بعد الموت، لكن الدليل قام على نجاسته بالموت.

اقول: أما عدم اعتبار الموضوع العقلي في المقام الراجع إلى استظهار المعاني من ألفاظ الخطابات الشرعية فواضح.

و أما عدم اعتبار الموضوع الدليلي في مقابل الموضوع العرفي و جعل المدار في تشخيص وحدة القضيتين على الثاني دون الأول کما ذهب اليه قسم من الاعلام فغير ظاهر بعد بنائهم على اعتبار وحدة الموضوع في القضيتين، حيث إن تحقق هذه الوحدة مع مغايرة الموضوع الدليلي للموضوع العرفي ممتنع، إذ العنب الموضوع للحرمة حال الغليان في لسان الدليل غير ما هو أعم منه و من الزبيب و لا يتحدان.

قال المحقق السيد المروج: و الوجوه المذكورة لدفع هذه الشبهة و إثبات وحدة القضيتين مع الالتزام بتغاير الموضوع الدليلي مع العرفي لا تخلو من الإشكال(1).

قلت: و يکفي في ردها ان المحکم هو اصالة الظهور و أن النقض و الإبقاء حقيقة منوطان بوحدة الموضوع في القضيتين، فلا بد أن يضافا إلى موضوع الدليل، لأنه موضوع القضية المتيقنة، فيلاحظ النقض و الإبقاء بالنسبة إلى ذلك الموضوع لا إلى غيره, و لا وجه للمسامحة العرفية في ذلک کما قيل من أن العرف يتسامح في جعل الموضوع أعم من الواجد للوصف المأخوذ في موضوع الحكم في لسان الدليل و الفاقد له، و بعد هذه المسامحة يكون صدق النقض و الإبقاء حقيقيا(2), اذ لا ملزم بالالتزام بهذه المسامحة بعد إمكان حمل الموضوع علی ما في لسان الدليل. مضافا الی أن هذه المسامحة لا توجب

ص: 355


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، هامش ص: 751.
2- بحر الفوائد، 3- 174 و 175.

وحدة القضيتين کما في مثال: «العنب إذا غلى يحرم» و «الزبيب إذا غلى يحرم» بل توجب عدم الاعتناء بالموضوع الدليلي و هو «العنب إذا غلى يحرم» و كون الموضوع خصوص العرفي الارتكازي الّذي هو أعم من الموضوع الدليلي .

الشرط الثاني: وحدة متعلّق الشك و اليقين

يفترق الاستصحاب عن قاعدة المقتضي و المانع بوحدة متعلّق اليقين و الشكّ في الاستصحاب، بخلاف قاعدة المقتضي و المانع و على كلّ تقدير سواء أقلنا بحجية تلك القاعدة أم لا، فلا صلة لها بالاستصحاب لوحدة المتعلّقين فيه وتغايرهما في القاعدة، و قد تقدم الکلام في ذلک في اول بحث الاستصحاب فلا نعيد .

الشرط الثالث: بقاء اليقين في ظرف الشك

قد تقدم في اول بحث الاستصحاب أنّ الاستصحاب يعتبر فيه أمران:

الأوّل: أن يكون الشكّ في البقاء دون الحدوث، كما إذا تعلّق اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة، و تعلّق الشك بعدالته يوم السبت، فالشك في جميع الأحوال متعلّق بالبقاء دون الحدوث.

الثاني: أن يكون اليقين بالحدوث محفوظاً في ظرف الشك في البقاء فهو في وقت واحد يكون مذعناً بعدالة زيد يوم الجمعة، شاكاً في عدالته يوم السبت.

و بذلك يظهر الفرق بينه و بين القاعدة، حيث إنّ اليقين فيه يتعلّق بالبقاء، و في القاعدة بنفس الحدوث، كما أنّ اليقين يكون محفوظاً فيه حالة الشك، بخلافه فيها فانّه يكون زائلًا في ذلك الظرف مثاله: إذا أذعن بعدالة زيد يوم الجمعة، ثمّ سرى الشكّ إلى نفس اليقين فتردد في عدالته في نفس ذلك اليوم، و انّه هل كان علمه مطابقاً للواقع أو كان

ص: 356

جهلًا مركباً، فشكّ في أصل العدالة، و بالتالي، زال اليقين بها في ظرف الشك لامتناع اجتماعها مع وحدة متعلّقهما عقلًا.

إذا عرفت هذا فلابد من البحث عن قاعدة اليقين اي عن إمكان الجمع بينها و بين الاستصحاب ثبوتاً و اثباتا فنقول:

قاعدة اليقين

تاريخ المسألة:

و قبل الدخول في البحث لا بأس بذکر تاريخ المسألة, قال الشيخ الاعظم رحمه الله: «ان أول من صرح بذلك الفاضل السبزواري في الذخيرة في مسألة من شك في بعض أفعال الوضوء حيث قال و التحقيق أنه إن فرغ من الوضوء متيقنا للإكمال ثم عرض له الشك فالظاهر عدم وجوب إعادة شي ء «لصحيحة زرارة: و لا تنقض اليقين أبدا بالشك».

ثم قال رحمه الله: و لعله قدس سره تفطن له من كلام الحلي في السرائر حيث استدل على المسألة المذكورة بأنه لا يخرج عن حال الطهارة إلّا على يقين من كمالها و ليس ينقض الشك اليقين انتهى».

اقول: لكن هذا التعبير من الحلي لا يلزم أن يكون استفاده من أخبار عدم نقض اليقين بالشك.

و قال رحمه الله ايضا: و يقرب من هذا التعبير عبارة جماعة من القدماء لكن التعبير لا يلزم دعوى شمول الأخبار للقاعدتين على ما توهمه غير واحد من المعاصرين و إن اختلفوا بين مدع لانصرافها إلى خصوص الاستصحاب و بين منكر له عامل بعمومه.

ص: 357

معنی القاعدة

ذکر العلماء انه يعتبر في تحقق الاستصحاب أن يكون في حال الشك متيقنا بوجود المستصحب في السابق حتى يكون شكه في البقاء فلو كان الشك في تحقق نفس ما تيقنه سابقا كأن تيقن عدالة زيد في زمان كيوم الجمعة مثلا ثم شك في نفس هذا المتيقن و هو عدالته يوم الجمعة بأن زال مدرك اعتقاده السابق فشك في مطابقته للواقع أو كونه جهلا مركبا لم يكن هذا من مورد الاستصحاب لغة و لا اصطلاحا أما الأول فلأن الاستصحاب في اللغة أخذ الشي ء مصاحبا فلا بد من إحراز ذلك حتى يأخذه مصاحبا فإذا شك في حدوثه من أصله فلا استصحاب و أما اصطلاحا فلأنهم اتفقوا على أخذ الشك في البقاء أو ما يؤدي هذا المعنى في معنى الاستصحاب فهذا هو الفارق بين الاستصحاب و القاعدة التي يعبر عنها بالشک الساري .

سقوط احتمال اختصاص اخبار الاستصحاب بالقاعدة

ثم ليعلم أن احتمال اختصاص الأخبار بقاعدة اليقين ساقط، لكون مورد جملة منها هو الاستصحاب و الشك الطارئ ، كصحيحتي زرارة الأولى والثانية المذکورتين في ادلة الاستصحاب و عدة من الروايات الأُخر, و لا يمكن الالتزام بخروج المورد، فيدور الأمر بين اختصاص الأخبار بالاستصحاب او شمولها له و لقاعدة اليقين أيضا, الّا ان المدعی:

اولاً: ان هذه الروايات عامة شاملة للاستصحاب و القاعدة و لا اختصاص لها بالاستصحاب, و سيأتي البحث مفصلا عنها مع دفع کل الاشکالات الواردة علی ذلک .

و ثانياً: ان منها ان لم يکن عاما شاملا للامرين فهو مختص بالقاعدة و لا ترد عليه تلک الاشکالات المشار اليها سابقا و هو ما رواه الصدوق رحمه الله في الخصال بسنده عن محمد

ص: 358

بن مسلم عن أبي عبد الله علیه السلام «قال قال أمير المؤمنين صلواتالله عليه: «من كان على يقين فشك فليمض على يقينه فإن الشك لا ينقض اليقين»(1).

و سندها و ان کان ضعيفا بالقاسم بن يحيی برواية الخصال الّا انها صحيحة السند برواية النجاشي(2) فرواها عن ابن نوح احمد بن علي و هو ثقة مضافا الی ان مشايخ النجاشي کلهم ثقات عن الحسين بن علي بن سفيان و هو ايضا ثقة عن حميد بن زياد و هو ثقة عن حمدان القلانسي و هو ثقة کما قال الکشي و لا يضره کلام النجاشي في کونه مضطرب الحديث و لا کلام ابن الغضائري في کونه يروي عن الضعفاء في خصوص هذه الرواية عن السندي عن العلاء عن محمد بن مسلم وکلهم ثقات کما و انها موثوق بها و ذلک لاعتماد الصدوق في الفقيه و الکليني في الکافي عليها مع صحة مضامينها .

قال الشيخ الاعظم رحمه الله في دلالتها: «لا يخفى أن الشك و اليقين لا يجتمعان حتى ينقض أحدهما الآخر بل لا بد من اختلافهما إما في زمان نفس الوصفين كأن يقطع يوم الجمعة بعدالة زيد في زمان ثم يشك يوم السبت في عدالته في ذلك الزمان و إما في زمان متعلقهما و إن اتحد زمانهما كأن يقطع يوم السبت بعدالة زيد يوم الجمعة و يشك في زمان هذا القطع بعدالته في يوم السبت و هذا هو الاستصحاب و ليس منوطا بتعدد زمان الشك و اليقين كما عرفت في المثال فضلا عن تأخر الأول عن الثاني.

و حيث إن صريح الرواية اختلاف زمان الوصفين و ظاهرها اتحاد زمان متعلقيهما تعين حملها على القاعدة الأولى و حاصلها عدم العبرة بطروء الشك في شي ء بعد اليقين بذلك الشي ء.

ص: 359


1- الخصال، ج 2، ص: 619
2- رجال النجاشي/باب الميم/323

و يؤيده أن النقض حينئذ محمول على حقيقته لأنه رفع اليد عن نفس الآثار التي رتبها سابقا على المتيقن بخلاف الاستصحاب فإن المراد بنقض اليقين فيه رفع اليد عن ترتب الآثار في غير زمان اليقين و هذا ليس نقضا لليقين السابق إلّا إذا أخذ متعلقه مجردا عن التقييد بالزمان الأول.

و بالجملة فمن تأمل في الرواية و أغمض عن ذكر بعض أدلة الاستصحاب جزم بما ذكرناه في معنى الرواية»(1).

اقول: ظهورها في القاعدة کما قال الشيخ لا مفر منه الّا انا نقول ان دلالتها في الاعم من القاعدة و الاستصحاب اظهر .

و قد يقال بظهور الرواية في قاعدة اليقين لوحدة متعلق اليقين و الشكّ. و الوحدة من تمام الجهات حتّى جهة الزمان إنّما تكون في قاعدة اليقين دون الاستصحاب .

و اورد عليه السيد الصدررحمه الله: بأنّ هذه الوحدة لو كانت مستفادة من التصريح، كأن يقول: (من تيقّن و شكّ في شي ء واحد) مثلًا، فلعلّه أمكن استظهار الوحدة من جميع الجهات حتّى من جهة الزمان، و لكن ليس الأمر هكذا، و إنّما فهمت الوحدة في المقام بقرينة حذف المتعلّق، و تلك القرينة نسبتها إلى الوحدة من جميع الجهات و الوحدة من غير جهة الزمان على حدٍّ سواء.

لکنه رحمه الله قال بعد ذلک: و من هنا قد يعكس المطلب و يقال: إنّ قيد وحدة الزمان ننفيه بالإطلاق، و يكون ذلك في صالح الاستصحاب(2).

ص: 360


1- فرائد الاصول ج2 ص270
2- مباحث الأصول، ج 5، ص: 154

و فيه: إنّه بالإطلاق يلغی كلا القيدين و عليه تکون الرواية دالّة على الاستصحاب و القاعدة معاً.

و بذلک يظهر ضعف ما اختاره المحقّق العراقي رحمه الله من اجمال الحديث(1)؛ لأنّه لا يدرى هل قصدت الوحدة من جميع الجهات حتى الزمان، أو من سائر الجهات غير الزمان، فتردّد الحديث بين قاعدة اليقين و الاستصحاب.

و اما کون ظهور الرواية في الاعم من القاعدة و الاستصحاب بعيدا عن الاذهان کما جاء في ارشاد العقول حيث قال: ربما يقال: بأنّ الرواية بصدد بيان حجّية كلتا القاعدتين، بمعنى إذا شكّ فليمض على يقينه سواء شكّ في الحدوث فيرتب عليه أثر الحدوث، أو شكّ في البقاء فيرتب عليه أثر البقاء. و لكنّه بعيد عنالأذهان العرفية، و لعلّ ظهورها في إحدى القاعدتين، أعني: الاستصحاب، أظهر(2).

ففيه: ان الظهورات حجة مطلقا و لا يسقطها عن الحجية کونها بعيدة عن الاذهان.

هذا و قد افترض علماؤنا المعاصرون مسلمية بطلان دلالة الرواية علی قاعدة اليقين او علی الاعم منها و من الاستصحاب و لذا فقد کانوا بصدد رد دلالتها فقط و لو بابداء الاحتمالات المخالفة لظهورها و نکتفي بما ورد في تقريرات السيد الشهيد الصدر رحمه الله حيث قال:

ص: 361


1- المقالات: ج 2، ص 353 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلامي. و لكنّه اختار في نهاية الأفكار: القسم الأوّل من الجزء الرابع، ص 65 ظهور الرواية في الاستصحاب.
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 4، ص: 54

و هذا الظهور استخدمه الشيخ الأعظم قدس سره(1) و غيره في صالح قاعدة اليقين - الی ان قال - : و قد يجاب على هذا الظهور المدّعى في المقام بأمور:

الأمر الأوّل: هو إنّ هذا التعبير جار مجرى الغالب من قبيل ﴿وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ حيث إنّ اليقين في الاستصحاب غالباً مقدّم على الشكّ.

و هذا الجواب إنّما يتمّ بناءً على استفادة تأخّر الشكّ من ولادة اليقين من الرواية. و أمّا بناءً على استفادة كون الشكّ حادثاً بعد موت اليقين فلا يأتي هذا الجواب، باعتبار أنّه في موارد الاستصحاب لا بدّ من اجتماع اليقين و الشكّ في زمان واحد(2).

الأمر الثاني: ما في تقرير المحقّق العراقي قدس سره من أنّ الترتّب في المقام لعلّه لم يقصد به الترتّب الزماني، بل قصد به الترتّب الرتبي من قبيل: حرّكت يدي فتحرّك المفتاح(3).

و فيه: أنّه إن اريد فرض الترتّب الرتبي بين اليقين و الشكّ فمن الواضح أنّهما حالتان نفسيّتان في عرض واحد، و لا ترتّب بينهما، و إن اريد حمل الفاء فيقوله: (فليمض على يقينه) على الترتّب الرتبي، أي: أنّ الحكم بالمضيّ متأخّر رتبةً عن اليقين، فمن الواضح أنّ الإشكال لم يكن هنا، و إنّما الإشكال في أنّه يستفاد من قوله: (من كان على يقين فشكّ) تأخّر الشكّ عن اليقين.

ص: 362


1- الرسائل: ص 333 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة رحمة الله.
2- مباحث الأصول، ج 5، ص: 150
3- نهاية الأفكار: القسم الأوّل من الجزء الرابع، ص 63- 64.

الأمر الثالث: ما ذكره المحقّق الخراساني رحمه الله من أنّ اليقين و الشكّ بما لهما من المرآتيّة و الفناء في متعلّقيهما يكتسبان صفة متعلّقيهما، و بهذا الاعتبار نسب إليهما ما لمتعلّقيهما من تقدّم و تأخّر(1).

و فيه: أنّ فناء العنوان في المعنون إنّما يكون بمعنى اتّحادهما بالحمل الأوّلي و إن اختلفا بالحمل الشائع، فحينما يحكم على النار بالحرارة يحكم في الحقيقة على الصورة الذهنية بها باعتبار فنائها في النار الخارجية، بمعنى كونها بالحمل الأوّلي ناراً و إن كانت بالحمل الشائع صورة ذهنية للنار، لا ناراً خارجية. و هذا المطلب صادق في باب اليقين و العلم و نحوه بالنسبة للمصاديق، فمن يعلم بمجي ء زيد مثلًا صحّ القول بالنسبة لهذا المصداق من العلم أنّ صورته العلمية بالحمل الأوّلي هي مجي ء زيد و إن كانت بالحمل الثانوي صورة ذهنية، و لا يصدق ذلك بالنسبة للمفاهيم، فمفهوم اليقين أو الشكّ الموجود في كلام الإمام علیه السلام لا يكون فانياً في المتيقّن أو المشكوك لعدم اتّحادهما معهما بالحمل الأوّلي.

و إذا فرض أنّ مقصود المحقّق الخراساني رحمه الله هو أنّ اليقين و الشك في كلامه علیه السلام لمّا كانا مفهومين للمصداق الفاني في معنونه و مرآتين له صحّ أن ينسب إليهما عرفاً ما للمتيقّن و المشكوك، قلنا: إنّ هذا أيضاً غير صحيح؛ فإنّ الإنسان العرفي لو تيقّن في يوم السبت بعدالة زيد في يوم الجمعة و شكّ مقارناً ليقينه في عدالته يوم السبت لا يقول: كان لي يقين فشككت، و لو قيل له: (كان لك يقين فشككت) يقول: لا، بل حصل لي

ص: 363


1- الكفاية: ج 2، ص 296 بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقة المشكيني.

الآن اليقين و الشكّ. انتهی کلام السيد الصدررحمه الله و قد علق عليه الاستاذ السيد کاظم الحائري في الهامش فقال: توضيح الكلام في مقالة المحقّق الخراساني و جوابه:

إنّ مقالة المحقّق الخراساني قد تبقى على ظاهرها البسيط، و هو أنّ اليقين مرآة الى المتيقّن، باعتبار أنّ صاحب اليقين يرى به المتيقّن، إذن فيكتسب لون المتيقّن.و هذا جوابه: أنّ صفة المرآتية إنّما توجد في واقع اليقين الذي هو في نفس صاحبه لا في مفهوم اليقين الذي جاء في كلام الإمام علیه السلام . و قد تعمّق بإبراز نكتة لولاها لما تمّت هذه المرآتية، و هي مؤلّفة من مقدّمتين: الاولى: أنّ اليقين عين المتيقّن بالذات، كما أنّ الحبّ عين المحبوب بالذات، و البغض عين المبغوض بالذات. و الثانية: أنّ المتيقّن بالذات فان في المتيقّن بالعرض، باعتباره يرى بمنظار الحمل الأوّلي عينه كما هو الحال أيضاً في المحبوب بالذات و المحبوب بالعرض، أو المبغوض بالذات و المبغوض بالعرض. و بالإمكان أن تفرض نفس هذه النكتة سبباً لاكتساب اليقين لون المتيقّن. فإن فرض كذلك كان الجواب: أنّ المقدّمة الاولى إنّما تصدق في واقع اليقين الذي هو في نفس صاحبه، لا في مفهوم اليقين الذي جاء في كلام الإمام علیه السلام . قد يفرض أنّ مقصود المحقّق الخراساني رحمه الله هو: أنّ مفهوم اليقين فان في واقعه فناءَ العنوان في المعنون، و واقع اليقين مرآة للمتيقّن أو أنّه عين المتيقّن بالذات الفاني في المتيقّن بالعرض، إذن فمفهوم اليقين يكتسب بهذه الواسطة لون المتيقّن. و هذا جوابه: أنّنا نرى أنّ الإنسان العرفي لو تيقّن اليوم بعدالة زيد في يوم سابق، و شكّ مقارناً ليقينه أو قبل يقينه في عدالته في هذا

ص: 364

اليوم لا يقول: كان لي يقين فشككت. و هذا الجواب يبطل رأساً كلّ هذه التقريبات الثلاثة(1).

قلت: و بعد دفعه للاشکالات المتقدمة قال السيد الصدر رحمه الله: الأمر الرابع: أنّنا حتّى لو أخذنا بأشدّ وجهي الإشكال يكون بإمكاننا دفعه.

توضيح ذلك: انّ الإشكال الذي بعّد الرواية عن الاستصحاب كان يمكن بيانه بأحد وجهين:

1- استظهار كون الشكّ بعد ولادة اليقين، و هذا لا يكون في تمام موارد الاستصحاب، و لكنّه يكون في تمام موارد قاعدة اليقين.

2- استظهار كون الشكّ بعد وفاة اليقين، و هذا لا يكون في شي ء من موارد الاستصحاب، و يكون في موارد قاعدة اليقين، و لعلّ كون الشكّ بعد وفاة اليقين هو الأظهر من الرواية، لا لأنّه مهما فرض في العبارة الترتيب بين شيئين كانظاهراً في كون الثاني بعد فوت الأوّل؛ بل لأنّه مهما فرض الترتيب بين شيئين هما متضادّان بحسب النظر العرفي كاليقين و الشكّ كان ظاهر ذلك كون الثاني بعد موت الأوّل.

و لكن بالإمكان دفع الإشكال في المقام حتّى على تقريبه الثاني، و ذلك بأن يقال: إنّ هذا الظهور لا يعيّن كون المراد بهذا الحديث قاعدة اليقين، بل ينسجم أيضاً مع كون المراد به الاستصحاب مع إعمال شي ء يتعارف إعماله، و هو غضّ النظر عن خصوصية الزمان

ص: 365


1- مباحث الأصول، ج 5، ص: 150- 148

في المتيقّن و المشكوك، فيحسب حساب اليقين و الشكّ بالنسبة لذات المتيقّن و المشكوك، و بهذا النظر يقال عرفاً: إنّه قد مات اليقين؛ و لذا نرى أنّ شخصاً علم بعدالة زيد ثمّ احتمل زوالها يقول - بلا أن يُحَسّ بأيّ مؤونة - : كنتُ على يقين من عدالة زيد و الآن قد زال يقيني. و إلغاء خصوصيّة الزمان و تجريد المتيقّن و المشكوك عنه هو أحد الوجوه التي يصحّح بها صدق النقض في روايات الاستصحاب، حيث يقال: كيف فرض العمل بالشكّ نقضاً لليقين مع أنّ اليقين بحسب الواقع تعلّق بشي ء و هو الحدوث، و الشكّ تعلّق بشي ء آخر و هو البقاء؟ فيجاب على ذلك بوجوه، منها: أنّه قد غضّ النظر عن الزمان و خصوصية الحدوث و البقاء، و لوحظ اليقين و الشكّ متعلّقين بذات الطبيعة(1).

اقول: الجواب الذي ابداه السيد الصدر رحمه الله قد ذکره الشيخ رحمه الله احتمالا فقال: «اللهم إلّا أن يقال بعد ظهور كون الزمان الماضي في الرواية ظرفا لليقين إن الظاهر تجريد متعلق اليقين عن التقييد بالزمان فإن قول القائل كنت متيقنا أمس بعدالة زيد ظاهر في إرادة أصل العدالة لا العدالة المتقيدة بالزمان الماضي و إن كان ظرفه في الواقع ظرف اليقين لكن لم يلاحظه على وجه التقييد فيكون الشك فيما بعد هذا الزمان بنفس ذلك المتيقن مجردا عن ذلك التقييد ظاهرا في تحقق أصل العدالة في زمان الشك فينطبق على الاستصحاب فافهم»(2).

و فيه: ما لا يخفی من ان هذا الاحتمال خلاف الظاهر لا يصار اليه الّا بدليل و لا دليل هذا اولا .

ص: 366


1- مباحث الأصول، ج 5، ص: 152
2- فرائد الاصول ج2 ص271

و ثانيا: يرد عليه ما ذکره السيد الصدر رحمه الله ايضا من أنّ هذا لا ينطبق على تمام موارد الاستصحاب، و يختصّ بما إذا كان الشكّ بعد اليقين لا قبله، أو معاصراً له، بل هذا الإشكال يجري في كلّ روايات الاستصحاب لو فسّرنا إسناد النقض بهذا التفسير، أي: بتفسير غضّ النظر عن زمان المتيقّن و المشكوك، فإنّه عندئذ يقال لدى كون الشك معاصراً لليقين او متقدماً عليه: إنّه لو لم يجرّد المتعلّق عن الزمان لم يصدق النقض، فلا تشمله الروايات، و لو جرّد عنه لم يكن اليقين بهذا النظر التجريدي موجوداً في وقت من الأوقات أصلًا؛ إذ مع الشكّ لا يقين بهذا النظر حسب الفرض، و قبله لم يكن متيقّناً بشي ء(1) .

و اجاب عنه بانه: عندئذ لا بدّ من دفع هذا الإشكال بمسألة التعميم بالارتكاز العرفي.

ثم قال: إن قلت: كيف يعمّم بالارتكاز العرفي مع أنّ احتمال دخل صدق النقض في جريان الاستصحاب موجود، و لا يصدق النقض إذا كان الشكّ قبل اليقين أو معه؛ لما بُيّن من أنّه مع التجريد لا يوجد يقين، و بدون التجريد لا يوجد نقض.

قلت: إنّ ما ذكر من أنّه لا بدّ من التجريد حتّى يصدق النقض إنّما هو بيان لنكتة مربوطة بعالم العبارة و التعبير، فيقال: إنّ التعبير بالنقض لا يستلطف عرفاً مثلًا إلّا إذا فرض التجريد عن الزمان، حتّى يُرى تعلّق الشكّ بعين ما تعلّق به اليقين، و ذلك لا يفيد إلّا إذا كان الشكّ

ص: 367


1- مباحث الأصول، ج 5، ص: 152

بعد اليقين. و أمّا حاقّ المطلب و واقعه الذي باعتباره يدّعى ارتكاز التعميم، فلا فرق فيه في نظر العرف بين فرض الشكّ بعد اليقين أو وجوده من قبل أو معاصراً معه. انتهی(1).

و فيه: ان ما ذکره في جواب الاشکال الثاني - من کون التعميم بالارتكاز العرفي- مناف لظهور الرواية و لا دليل علی حجية مثل هذا الارتکاز ما لم يصل الی حد الظهور.

مختار المحققين النائيني و الخوئي

ذهب المحقّقان النائينيرحمه الله و الخوئي رحمه الله من أنّ قوله: «فليمضِ على يقينه» ظاهر في كون اليقين معاصراً لزمان وجوب المضيّ، و ثابتاً فيه، و هذا لا يكون إلّا في الاستصحاب، فهذا الظهور في صالح الاستصحاب.

و ذکرا في تقريب هذا الظهور: أنّ العناوين الاشتقاقية وقع الخلاف في صدقها عند انقضاء المبدأ و عدمه، فيقال: إنّ الصحيح عدم صدقها إلّا بنحو من المسامحة و المجاز. و أمّا المصدر فمن الواضح بشاعة استعماله مع الانقضاء، فكيف يمكن فرض إطلاق اليقين في قوله: «فليمضِ على يقينه» مع فرض انقضاء المبدأ كما هو الحال في قاعدة اليقين(2).

ص: 368


1- مباحث الأصول، ج 5، ص: 152 .
2- أجود التقريرات: ج 2، ص 372. و فوائد الاصول: ج 4، ص 365 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم. و راجع المصباح: ج 3، ص 66.

و اورد عليهما السيد الصدررحمه الله فقال: إنّ من يحمل هذه الرواية على قاعدة اليقين لا يقصد بذلك أنّه استعمل اليقين في حالة كانت متّصفة باليقينيّة و قد زالت عنها هذه الصفة، و لا توجد عندنا حالة من هذا القبيل أصلًا، و لا ينظر من يحمل الرواية على القاعدة إلى ذلك أبداً، و إنّما مقصوده هو أنّ اليقين اطلق على تلك الحالة السابقة التي انتهت و زالت، و اوجب المضيّ على تلك الحالة التي اسمها اليقين.

ثم قال رحمه الله: نعم، يمكن تقريب هذا الظهور بدعوى: أنّ الكلام المشتمل على حكم و موضوع كقوله: (أكرم العالم) ظاهر في تعاصر زمان العمل بالحكم مع الموضوع، فقوله: «فليمضِ على يقينه» ظاهر في تعاصر زمان المضيّ مع اليقين.

و يرد عليه: أنّه إن قصد لزوم تعاصر زمان الحكم مع زمان اتّصاف ذات الموضوع بعنوانه بنحو مفاد كان الناقصة، فهذا مسلّم، و هو ثابت في المقام، فإنّ تلك الحالة السابقة متّصفة حتّى الآن بكونها يقيناً بنحو مفاد كان الناقصة. و إن قصد لزوم تعاصر زمان الحكم لزمان وجود الموضوع بنحو مفاد كان التامّة،فهذا الظهور غير مقبول. نعم، قد لا يتعقّل تحقّق متعلّق الحكم إلّا مع وجود الموضوع كما في (إكرام العالم)، فلا بدّ من التعاصر لا محالة. و أمّا حينما لا يكون هكذا كما في المقام الذي يتصوّر المضيّ على اليقين حتّى بعد موت اليقين، فليس من اللازم ثبوت هذا التعاصر(1).

ص: 369


1- مباحث الأصول، ج 5، ص: 152

اشکال اخر من الشيخ علی قاعدة اليقين

هذا و قال الشيخ رحمه الله انه «لو سلم أن هذه القاعدة بإطلاقها مخالفة للإجماع أمكن تقييدها بعدم نقض اليقين السابق بالنسبة إلى الأعمال التي رتبها حال اليقين به كالاقتداء في مثال العدالة بذلك الشخص و العمل بفتواه أو شهادته أو تقييد الحكم بصورة عدم التذكر لمستند القطع السابق و إخراج صورة تذكره و التفطن لفساده و عدم قابليته لإفادة القطع»(1).

اقول: لا اجماع في البين بل لم تعنون المسألة الّا اخيرا فالحق ان الرواية علی اطلاقها شاملة لکل موارد القاعدة وکذلک الاستصحاب, و لو تنزلنا عن ذلک فلا ريب باختصاصها بالقاعدة لا الاستصحاب, هذا ما يتعلق بالامر الثاني .

و اما الامر الاول و هو شمول سائر ادلة الاستصحاب للقاعدة فبتقريب: إن معنى المضي على اليقين عدم التوقف من أجل الشك العارض و فرض الشك كعدمه و هذا يختلف باختلاف متعلق الشك فالمضي مع الشك في الحدوث بمعنى الحكم بالحدوث و مع الشك في البقاء بمعنى الحكم به.

و لا مانع في البين کما سيتبين ذلک, و اول من اشکل هو الشيخ رحمه الله و هي کالتالي:

اشکالات الشيخ الاعظم ره علی القاعدة

اقول: ان استفادة حجّية كلا الأمرين من الاستصحاب و القاعدة فرع إمكان الجمع بينهما ثبوتاً، و قد ذهب الشيخ و غيره إلى امتناع الجمع بينهما لحاظاً، و ذكروا في امتناع ذلک وجوهاً :

ص: 370


1- - فرائد الاصول ج2ص271

الاشکال الاول:

و قد جعل الشيخ رحمه الله شمول الاخبار للقاعدة مجرد توهم و أن أدلة الاستصحاب لا تشملها و أن مدلولها يختص بالشك في البقاء و لا عموم لها للشك بعد اليقين و لا انه ملغى مطلقا سواء تعلق بنفس ما تيقنه سابقا أم ببقائه فقال في الجواب عليه:

(و توضيح دفعه - يعني هذا التوهم - أن المناط في القاعدتين مختلف بحيث لا يجمعهما مناط واحد فإن مناط الاستصحاب هو اتحاد متعلق الشك و اليقين مع قطع النظر عن الزمان لتعلق الشك ببقاء ما تيقن سابقا و لازمه كون القضية المتيقنة أعني عدالة زيد يوم الجمعة متيقنة حين الشك أيضا من غير جهة الزمان و مناط هذه القاعدة اتحاد متعلقيهما من جهة الزمان و معناه كونه في الزمان اللاحق شاكا فيما تيقنه سابقا بوصف وجوده في السابق.

فإلغاء الشك في القاعدة الأولى عبارة عن الحكم ببقاء المتيقن سابقا من غير تعرض لحال حدوثه حيث إنه متيقن و في القاعدة الثانية هو الحكم بحدوث ما تيقن حدوثه من غير تعرض لحكم بقائه فقد يكون بقاؤه معلوما أو معلوم العدم أو مشكوكا.

و اختلاف مؤدى القاعدتين و إن لم يمنع من إرادتهما من كلام واحد بأن يقول الشارع إذا حصل شك بعد يقين فلا عبرة به سواء تعلق ببقائه أو بحدوثه و أحكم بالبقاء في الأول و بالحدوث في الثاني إلّا أنه مانع عن إرادتهما في هذا المقام من قوله علیه السلام فليمض على يقينه فإن المضي على اليقين السابق المفروض تحققه في القاعدتين أعني عدالة زيد يوم الجمعة بمعنى الحكم بعدالته في ذلك اليوم من غير تعرض لعدالته فيما بعد كما هو مفاد القاعدة الثانية يغاير المضي عليه بمعنى عدالته بعد يوم الجمعة من غير تعرض لحال يوم الجمعة كما هو مفاد قاعدة الاستصحاب فلا يصح إرادة المعنيين منه).

ص: 371

الجواب علی الاشکال الاول

اقول: أنّه إنّما يلزم ما ذکر من الاشکال لو استعمل لفظ المضيّ في كلا المعنيين أي المضي حدوثاً و المضي بقاء، دون ما إذا استعمل في الجامع و هو عدم التوقف لأجل الشكّ و فرضه كالعدم، غير انّه يختلف باختلاف متعلّقه، فلو تعلّق الشكّ بالبقاء يكون معناه الحكم بالبقاء، و لو تعلّق بالحدوث يكون معناه الحكم به.

الاشکال الثاني:

و حاصله: انّ شمول الحديث للاستصحاب و القاعدة متفرّع على تعدّد اليقين حتى يشمله شمولَ القضية الحقيقية لافرادها المختلفة، و لكن اليقين واحد، لوحدة متعلّقه و هو العدالة، و ليس هنا يقينان مختلفان حتى يعمّ الحديثُ عموم القضية، لافرادها.

نعم يختلف اليقين في الاستصحاب عن اليقين في القاعدة بالعوارض المتأخرة عنه و هو أخذ الزمان قيداً في القاعدة و ظرفاً في الاستصحاب، و ليس اليقين بتحقق مطلق العدالة يوم الجمعة و اليقين بعدالته المقيّدة بيوم الجمعة فردين من اليقين، داخلين تحت عموم الخبر، ضرورة انّ الطوارئ المتأخرة عن اليقين لا توجب تعدّد اليقين مع وحدة المتعلّق(1).

الجواب علی الاشکال الثاني

و فيه: انّ تعدّد اليقين كما يمكن بتعدّد المتعلّق، كما إذا أيقن بعدالة زيد، و فسق عمرو، كذلك يمكن تعدّده فيه باختلاف المحلِّ القائم به و إن كان المتعلّق واحداً كما إذا تعلّق يقين زيد على عدالة شخص مقيّدة بيوم الجمعة، ثمّ شكّ في حدوثها، و تعلّق يقين عمرو

ص: 372


1- فرائد الاصول ج2 ص700 .

على عدالته المطلقة يوم الجمعة و شكّ في بقائها، فلا شكّ انّ هنا فردين من اليقين فيعمّهما قوله «من كان على يقين» لعموم القضايا الحقيقية لافرادها.

ثم قال رحمه الله: «هذا كله لو أريد من القاعدة الثانية إثبات نفس المتيقن عند الشك و هي عدالة زيد في يوم الجمعة مثلا أما لو أريد منها إثبات عدالته من يوم الجمعة مستمرة إلى زمان الشك و ما بعده إلى اليقين بطرو الفسق فيلزم استعمال الكلام في معنيين أيضا لأن الشك في عدالة زيد يوم الجمعة غير الشك في استمرارها إلى الزمان اللاحق و قد تقدم نظير ذلك في قوله علیه السلام : كل شي ء طاهر حتى تعلم أنه قذر».

و فيه: ان اختلاف المناط في القاعدتين لا يمنع من کون الدليل عاما لهما فقوله علیه السلام : «لا تنقض ...» عام لکل منهما و لا يلزم منه استعمال اللفظ في معنيين و ذلک لان الظاهر منه هو ان اليقين السابق کل الملاک في الغاء الشک سواء کان شکا في الحدوث ام کان شکا في البقاء و ان الشک ملغی اياً کان فالظاهر منالصحيح هو مطلق اليقين السابق حجة لمطلق الشک الحادث بعده و تقييده بالشک بالبقاء دون الحدوث بلا قرينة و يحتاج الی دليل.

الاشکال الثالث:

ثم قال رحمه الله: «لو سلمنا دلالة الروايات على ما يشمل القاعدتين لزم حصول التعارض في مدلول الرواية المسقط له عن الاستدلال به على القاعدة الثانية لأنه إذا شك في ما تيقن سابقا أعني عدالة زيد في يوم الجمعة فهذا الشك معارض لفردين من اليقين أحدهما اليقين بعدالته المقيدة بيوم الجمعة الثاني اليقين بعدم عدالته المطلقة قبل يوم الجمعة فتدل بمقتضى القاعدة الثانية على عدم نقض اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة باحتمال انتفائها في

ص: 373

ذلك الزمان و بمقتضى قاعدة الاستصحاب على عدم نقض اليقين بعدم عدالته قبل الجمعة باحتمال حدوثها في الجمعة فكل من طرفي الشك معارض لفرد من اليقين.

و دعوى أن اليقين السابق على الجمعة قد انتقض باليقين في الجمعة و القاعدة الثانية تثبت وجوب اعتبار هذا اليقين الناقض لليقين السابق مدفوعة بأن الشك الطارئ في عدالة زيد يوم الجمعة و عدمها عين الشك في انتقاض ذلك اليقين السابق و احتمال انتقاضه و عدمه معارضان لليقين بالعدالة و عدمها فلا يجوز لنا الحكم بالانتقاض و لا بعدمه»(1).

الجواب علی الاشکال الاخير للشيخ الاعظم ره

اقول: قد اجاب الشيخ عن هذا الاشکال بقوله: «و دعوی...» الّا انه ادعی «ان الشک الطاري عين الشک في انتقاض ذلک اليقين السابق و ان احتمال ... » .

اقول : لکن ذلک اول الکلام فصحيح انه عين الشک الطارئ الّا ان هذا الشک قد ارتفع بعد الحکم بحجية مطلق اليقين السابق.

اشکالات المحقق النائيني حول القاعدة

ذكر المحقق النائيني رحمه الله لاختصاص الاخبار بالاستصحاب و عدم شمولها للقاعدة وجوهاً:

الوجه الأول: أن التعبد الاستصحابي ناظرإلى البقاء في ظرف الشك فيه بعد كون الحدوث محرزاً ،بخلاف القاعدة ،فان التعبد فيها إنماهو بالحدوث بعدكونه غير محرز، و فرض الإحراز و فرض عدمه لايمكن جمعهما في دليل واحد.

ص: 374


1- - فرائد الاصول ج2 ص699

الوجه الثاني: أن اليقين في القاعدة ليس مغايراً لليقين في الاستصحاب، إذ تغايرأفراد اليقين إنماهو بتغاير متعلقاته، كعدالة زيد وقيام عمرو. ومتعلق اليقين في القاعدة و الاستصحاب شي ء واحد كعدالة زيد يوم الجمعة مثلا، فإذا تيقنا بعدالة زيديوم الجمعة و تعقبه الشك في البقاء المعبر عنه بالشك الطارئ، يكون مورداً للاستصحاب. و إذا تعقبه الشك في مطابقته للواقع المعبرعنه بالشك الساري يكون مورداً للقاعدة، فهذا اليقين الواحد محكوم بحرمة النقض حال وجوده في باب الاستصحاب، و محكوم بحرمة النقض حال عدمه في القاعدة. و لا يمكن إنشاء حكم واحد على وجود الشي ء وعدمه في دليل واحد. وحيث أن قوله علیه السلام : «لاتنقض اليقين بالشك» ناظر إلى جهة طريقية اليقين، كما أنها ذاتية له، فلا يشمل موارد القاعدة، لأن طريقية اليقين فبها قد زالت بتبدله اليقين الفعلي و موارد القاعدة باعتبار وجود اليقين السابق - مدفوعة، بأن الوضع للأعم على تقدير التسليم إنما هو في المشتقات الاصطلاحية كاسم الفاعل و المفعول و أمثالهما، لا في الجوامد وما هو شبيه بها. والمذكور في الأخبار لفظ اليقين وهو من الجوامد، أوشبيه بها في عدم كونه موضوعاً للقدر المشترك بين وجود صفة اليقين وعدم وجودها.

نعم لوكان المذكور في الأخبار لفظ المتيقن، لأمكن دعوى شموله للمتيقن باليقين السابق باعتبار كون المشتق موضوعاً للأعم من المتلبس والمنقضي عنه المبدأ.

(إن قلت): لا مانع من شمول الأخبار لموارد القاعدة باعتبار وجود اليقين سابقاً، فيكون المعنى لاتنقض اليقين الّذي كان موجوداً بالشك.

(قلت): هذا المعنى خلاف الظاهر، فان ظاهر قوله علیه السلام : «لاتنقض اليقين بالشك» هو حرمة نقض اليقين الفعلي بالشك.

ص: 375

الوجه الثالث: أن المتيقن غيرمقيد بالزمان في باب الاستصحاب ومقيد به في القاعدة، فلايمكن الجمع بينهما في دليل واحد.

توضيح ذلك: أن اجتماع اليقين و الشك في شي ء واحد - على نحو يكون زمانهما واحداً مع وحدة زمان متعلقهما - مستحيل بالضرورة، فلابدّ في اجتماعهما في شي ء واحد من الاختلاف في الزمان: إما من حيث المتعلق كما في موارد الاستصحاب، فان متعلق اليقين هو عدالة زيد يوم الجمعة مثلا، ومتعلق الشك هو عدالته يوم السبت سواء كان حدوث اليقين والشك في زمان واحد، أو في زمانين. و إما من حيث نفس اليقين والشك كما في موارد القاعدة، فان متعلق اليقين و الشك فيها هو عدالة زيد يوم الجمعة مثلاً، مع كون الشك متأخراً عناليقين زمانا، فيكون الزمان في موارد القاعدة قيداً للمتيقن، و في موارد الاستصحاب ظرفا لا قيداً، فكيف يمكن اعتبار كون الزمان قيداً وغير قيد في دليل واحد ؟ هذه هي الوجوه التي ذكرها العلامة النائيني رحمه الله لاختصاص الاخبار بالاستصحاب و عدم شمولها للقاعدة.

جواب المحقق الخوئي عن الاشکالات

و قد اجاب المحقق الخوئي رحمه الله عن هذه الاشکالات حيث قال: و للنظر في كل واحد منها مجال واسع.

(أماالوجه الأول) ففيه: أن الموضوع هو اليقين المتعقب بالشك - وحكمه حرمة نقضه به - وكون الحدوث محرزا وغير محرز مما لادخل له في الحكم المذكور، بل هما من خصوصيات الموارد، إذ الشك المسبوق باليقين قد يكون متعلقاً ببقاء ما تعلق به اليقين، فيكون حدوثه محرزاً باليقين في ظرف الشك، وقد يكون متعلقاً بعين ما تعلق به اليقين، فيكون حدوثه غير محرز، لكون الشك متعلقاً بحدوثه.

ص: 376

و الاختلاف الناشئ من خصوصيات الموارد لا يمنع عن التمسك بإطلاق القضية الدالة على حرمة نقض اليقين بالشك، كما أن اختلاف خصوصيات موارد الاستصحاب لايمنع عن شمول إطلاق أدلته لها، فيكون مفاد قوله علیه السلام : «لاتنقض...» هو إلغاء للشك تعبداً،فان كان متعلقاً بالبقاء فمفاده التعبد بالبقاء، و ان كان متعلقاً بالحدوث فمفاده التعبد بالحدوث.

و (أماالوجه الثاني) ففيه: أن اليقين في موارد القاعدة أيضا كان موجوداً، فلا مانع من شمول الأخبار لها حال وجود اليقين، فالمتيقن بوجود شي ء مكلف بعد منقض يقينه بالشك، سواء كان الشك متعلقا بالبقاء أوبالحدوث، و ما ذكره - من أن طريقية لليقين قد زالت في موارد القاعدة بتبدله بالشك - مدفوع بأن الطريقية الوجدانية مفقودة في مورد الاستصحاب أيضا ، لكون الشك متعلقاً بالبقاء – و مجرد اليقين بالحدوث لايكون طريقاً وجدانياً إلى البقاء، كما هو ظاهر. وأما التعبدية فيمكن جعلها من قبل الشارع في المقامين ، فلا فرق بين القاعدة و الاستصحاب من هذه الجهة أيضا.

و (أما الوجه الثالث) فيرد عليه: ما ذكرناه في الوجه الأول، فان كون الزمان قيداً أو ظرفا إنما هو من خصوصيات المورد .

(فتارة) يكون الشك متعلقاً بالحدوث لاحتمال كون اليقين السابق مخالفا للواقع، فيكون متعلق الشك واليقين واحداً حتى من حيث الزمان ، وهو معنى كون الزمان قيداً.

و (أخرى) يكون متعلقاً ببقاء ماتعلق به اليقين، وهومعنى كون الزمان ظرفا، ولم يؤخذفي قوله علیه السلام : «لاتنقض...» كون الزمان قيداً أوظرفا كي يقال: لايمكن اعتبار الزمان قيداً وغير قيد في دليل واحد ، بل الموضوع فيه هو اليقين المتعقب بالشك والحكم حرمة

ص: 377

نقضه به. وإطلاقه يشمل ماكان الزمان فيه قيداً أوظرفا (أي ماكان الشك متعلقاًبالحدوث أو بالبقاء).

فتلخص مما ذكرناه في المقام: أنه لا مانع من شمول جعل واحد لقاعدة اليقين و الاستصحاب في مقام الثبوت.

اشکالان للمحقق الخوئي ره علی القاعدة

نعم لا يمكن شمول أخبار الباب للقاعدة في مقام الإثبات، لأمرين:

(أحدهما): راجع إلى عدم المقتضي. (ثانيهما): راجع إلى وجودالمانع.

(أماالأول) فلأن ظاهر قوله علیه السلام : «لاتنقض اليقين بالشك»عدم جواز نقض اليقين الفعلي بالشك الفعلي، إذ ظاهر القضايا إثبات الأحكام للموضوعات الفعلية بلا فرق بين كونها متكفلة لبيان الأحكام الواقعية أو الظاهرية، فان ظاهر قولنا: الخمرحرام إثبات الحرمة للخمر الفعلي لا لما كان خمراً في وقت وان لم يكن خمراً بالفعل، وكذا ظاهر قوله علیه السلام : «رفع عن أمتي مالايعلمون»رفع ما هو مجهول بالفعل لارفع ما كان مجهولا في وقت، فظاهر قوله علیه السلام : «لاتنقض اليقين بالشك» حرمة نقض اليقين الفعلي بالشك. ولفظ النقض المستفاد من قوله علیه السلام : «لاتنقض اليقين» ظاهر في وحدة متعلق اليقين والشك من جميع الجهات حتى من حيث الزمان، وإلا لايصدق النقض. والتحفظ على هذين الظهورين مستحيل، لعدم إمكان اجتماع اليقين والشك الفعليين في شي ء واحد من جميع الجهات حتى من حيث الزمان.

فلابدّمن رفع اليد عن أحدهما. و من المعلوم أن رفع اليد عن الظهور الأول يوجب اختصاص الأخبار بموارد القاعدة ، لعدم اليقين فيها، كما أن رفع اليد عن الظهور الثاني يوجب اختصاصها بالاستصحاب، لاختلاف متعلق اليقين و الشك من حيث الزمان في

ص: 378

موارد الاستصحاب. وحيث أن الإمام علیه السلام طبقها على موارد اختلاف متعلق اليقين والشك من حيث الزمان، فانه علیه السلام حكم بعدم جواز نقضاليقين بالشك في جواب سؤال الراوي بقوله: «فان حرك في جنبه شي ء وهو لايعلم» ومن المعلوم أن متعلق اليقين هو الطهارة قبل حركة شي ء في جنبه، ومتعلق الشك هو الطهارة بعدها. فعلم أن الظهور الثاني ليس بمراد قطعاً، فبقي الظهور الأول بحاله، فلايشمل موارد قاعدة اليقين، لعدم وجود اليقين الفعلي فيها.

(وأماالثاني): أي عدم شمول الأخبار للقاعدة لوجود المانع فلأن القاعدة معارضة بالاستصحاب دائماً ،إذ الشك في موارد القاعدة مسبوق بيقينين يكون باعتبار أحدهما مورداً للاستصحاب، وباعتبار الآخر مورداً للقاعدة، فيقع التعارض بينهما، فإذا تيقنا بعدالة زيد يوم الجمعة مثلا، وشككنا يوم السبت في عدالته يوم الجمعة لاحتمال كون اليقين السابق جهلا مركباً: فباعتبار هذا اليقين تجري القاعدة، ومقتضاها الحكم بعدالة زيد يوم الجمعة، وحيث أنه لنا يقين بعدم عدالته سابقاً وشك فبها يوم الجمعة، يجري الاستصحاب. ومقتضاه الحكم بعدم عدالته يوم الجمعة. فلا محالة يقع التعارض بينهما، فلا يمكن اجتماعهما في دليل واحد، إذ جعل الحجية - للمتعارضين بجعل واحد - غير معقول.

نعم لو دل دليل آخر - غير أدلة الاستصحاب - على حجية القاعدة، لم يكن مانع من الأخذ به. وتوهم: أن التعبد بالمتعارضين مما لايمكن ولو بدليلين. مدفوع بأنه مع تعدد الدليل نخصص دليل الاستصحاب بدليل القاعدة، بخلاف ما إذا كان الدليل واحداً، فان شموله للمتعارضين مما لا معنى له. نعم يمكن فرض جريان القاعدة في مورد لايكون فيه معارضاً بالاستصحاب، ولكنه نادر لايمكن حمل الأخبار عليه.

ص: 379

الجواب علی اشکالي المحقق الخوئي رحمه الله

اقول: ما ذکره رحمه الله من الوجهين ليس بصحيح:

اما الاول فلان الموضوع في اخبار الاستصحاب هو اليقين السابق وهو فعلي کما هو صريح خبر الخصال «من کان علی يقين فليمض علی يقينه» لا اليقين الفعلي و کذلک باقي الاخبار.

و اما الثاني فلانه لو کان الموضوع هو اليقين السابق فلا عبرة بما قبله من يقين کما هو واضح و قد ذکر الشيخ الاعظم هذا الاشکال واجبنا عنه.

اشکال العلّامة الحائري

هذا و ذكر العلّامة الحائري قدس سره اشکالا علی القاعدة, حاصله: انّ الزمان إمّا يلاحظ قيداً للمتيقّن، أو يلاحظ ظرفاً له، و إمّا أن يُهمل رأساً، فعلى الأوّلينطبق على القاعدة، لأنّ الشكّ في الحدوث، و البقاء لا يكون ملحوظاً، و على الأخيرين ينطبق على الاستصحاب، لأنّ الزمان ملغى فيه و إلّا لم يصدق النقض و لا اتحدت القضيتان(1).

و اجيب: أنّ الاستدلال مبني على أمرين:

الأوّل: انّ اليقين بمعنى المتيقّن، فيدور كون الزمان قيداً أو ظرفاً و لا يمكن الجمع بينهما.

الثاني: انّ التفاوت بين القاعدة و الاستصحاب بكون الزمان في الأُولى قيداً و في الآخر ظرفاً أو مهملًا، و كلا الأمرين غير تامين.

أمّا الأوّل: فلأنّ اليقين بمعنى نفسه و النقض منسوب إليه و بذلك صحّحنا عموم الروايات للشك في المقتضي، و عند ذلك يصح الزمان ظرفاً مطلقاً، لعدم المعنى لكونه قيداً لليقين.

ص: 380


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 4، ص: 276.

و أمّا الثاني: فهو مبني على كون الزمان قيداً في القاعدة، و ظرفاً أو غير ملحوظ في الاستصحاب، لكنّه غير صحيح، لأنّ الفرق بينهما يرجع إلى تعلّق الشك في القاعدة بالحدوث مع قطع النظر عن البقاء و في الاستصحاب على البقاء، مع تسليم الحدوث، و تعلّقه بالحدوث ليس بمعنى تقيّده به، بل بمعنى كونه الملحوظ دون غيره، و عدم لحاظ الغير غير كون الملحوظ مقيّداً بعدم لحاظ الغير، فانّك إذا رأيت زيداً اليوم فقد رأيته اليوم لا أمس، لأنّ الرؤية مقيّدة بعدم الرؤية في الأمس(1).

و بذلک يظهر عموم ادلة الاستصحاب للاستصحاب و القاعدة.

ادلة اخری للقاعدة

بقي الكلام في وجود دليل للقاعدة غير هذه الأخبار فنقول:

إن المطلوب من تلك القاعدة إما أن يكون إثبات حدوث المشكوك فيه و بقاؤه مستمرا إلى اليقين بارتفاعه و إما أن يكون مجرد حدوثه في الزمان السابق بدون إثباته بعده بأن يراد إثبات عدالة زيد في يوم الجمعة فقط و إما أن يراد مجرد إمضاء الآثار التي ترتبت عليها سابقا و صحة الأعمال الماضية المتفرعة عليه فإذا تيقن الطهارة سابقا و صلى بها ثم شك في طهارته في ذلك الزمان فصلاته ماضية.

اما الاول :فقد يتوهم الاستدلال لإثبات هذا المطلب بما دل على عدم الاعتناء بالشك في الشي ء بعد تجاوز محله لكنه فاسد لأنه على تقدير الدلالة لا يدل على استمرار المشكوك لأن الشك في الاستمرار ليس شكا بعد تجاوز المحل.

و أضعف منه الاستدلال له بأصالة الصحة في اعتقاد المسلم مع أنه كالأول في عدم إثباته الاستمرار و كيف كان فلا مدرك لهذه القاعدة بهذا المعنى.

ص: 381


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 4، ص: 277.

و ربما فصل بعض الأساطين بين ما إذا علم مدرك الاعتقاد بعد زواله و أنه غير قابل للاستناد إليه و بين ما إذا لم يذكره كما إذا علم أنه اعتقد في زمان بطهارة ثوبه أو نجاسته ثم غاب المستند و غفل زمانا فشك في طهارته و نجاسته فيبني على معتقده هنا لا في الصورة الأولى و هو و إن كان أجود من الإطلاق لكن إتمامه بالدليل مشكل.

واما الثاني فيمکن الاستدلال له ببعض أخبار الاستصحاب مثل معتبرة الخصال بناء علی عدم دلالتها علی الاستصحاب وإختصاص دلالتها بالقاعدة وما تقدم من أخبار عدم الاعتناء بالشك بعد تجاوز المحل لكنها لو تمت فإنما تنفع في الآثار المترتبة عليه سابقا فلا يثبت بها إلا صحة ما ترتبت عليها و أما إثبات نفس ما اعتقده سابقا حتى يترتب عليه بعد ذلك الآثار المترتبة على عدالة زيد يوم الجمعة و طهارة ثوبه في الوقت السابق فلا فضلا عن إثبات مقارناته الغير الشرعية مثل كونها على تقدير الحدوث باقية.

و إما الثالث فله وجه بناء على تمامية قاعدة الشك بعد الفراغ و تجاوز المحل فإذا صلى بالطهارة المعتقدة ثم شك في صحة اعتقاده و كونه متطهرا في ذلك الزمان بنى على صحة الصلاة لكنه ليس من جهة اعتبار الاعتقاد السابق و لذا لو فرض في السابق غافلا غير معتقد لشي ء من الطهارة و الحدث بنى على الصحة أيضا من جهة أن الشك في الصلاة بعد الفراغ منها لا اعتبار به على المشهور بين الأصحاب خلافا لجماعة من متأخري المتأخرين كصاحب المدارك و كاشف اللثام حيث منعا البناء على صحة الطواف إذا شك بعد الفراغ في كونه مع الطهارة و الظاهر كما يظهر من الأخير أنهم يمنعون القاعدة المذكورة في غير أجزاء العمل .

ص: 382

الشرط الرابع: عدم أمارة في مورده

اتّفقت كلمة الأُصوليّين المتأخرين على تقدّم الأمارة غير العلمية کالبينة على الاستصحاب من غير فرق بين كون الشبهة حكمية أو موضوعية، و لكنّهم اختلفوا في وجه التقدّم، فهناهنا أقوال:

القول الاول: أن يكون تقدّمها عليه من باب الورود, و في تقريب ورود الأمارة على الاستصحاب وجوه:

الأوّل: أنّ موضوع أدلّة الاستصحاب هو «نقض اليقين بالشكّ»، و إذا قام الدليل المعتبر على أمر كان الأخذ به- سواء وافق الحالة السابقة أو خالفها- نقضا لليقين باليقين، لا نقض اليقين بالشكّ، فيرتفع موضوع الاستصحاب- و هو نقض اليقين بالشك- حقيقة ببركة دليل اعتبار الأمارة. و هذا ما أفاده المحقّق الخراساني(1).

و اجيب: أنّ العمل بمؤدّى الإمارة المخالف للمتيقّن السابق إنّما يكون نقضا لليقين باليقين بناء على حجّيّة دليل الأمارة في مورد الاستصحاب، و هو أوّل الكلام، بل يمكن الأخذ بدليل الاستصحاب في مورد الاستصحاب، فالأخذ بدليل الأمارة في مورده محتاج إلى مرجّح، و هو مفقود في المقام.

الثاني: ما يستفاد من كلمات المحقق الخراساني في الاستدلال بالأخبار و في التنبيه الثاني من أن موضوع الاستصحاب هو نقض الحجة باللاحجة، و الأمارة المعتبرة حجة رافعة

ص: 383


1- درر الفوائد: 390.

لهذا الموضوع، و بيانه: أنه قد تقدم في الاستدلال بصحاح زرارة و غيرها كون قوله علیه السلام : «فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك» إرشادا إلى قضية ارتكازية عقلائية و هي أنه لا ينبغي نقض اليقين لكونه أمرا مبرما بالشك لكونه موهونا، و من المعلوم أن التعليل بهذه الكبرى لا يختص باليقين و الشك، بل هو شأن كل حجة في قبال ما ليس بحجة، فالمذموم عند العقلاء رفع اليد عن الدليل بغير الدليل.

و حيث ان المفروض حجية الأمارة غير العلمية كخبر العدل و البينة كان نقض اليقين السابق بسبب الحجة مما ينبغي بنظرهم(1).

و توضيحه: انّ المراد من اليقين في قوله «و لکن انقضه بيقين اخر» هو الحجة الشرعية لا اليقين المنطقي، و من المعلوم أنّ رفع اليد عن الاستصحاب مع وجود الامارة ليس من قبيل نقض اليقين بالشكّ، بل من قبيل نقض اليقين بالحجة، فإذا ثبت حجّية الأمارة، فقد حصلت الغاية، و بذلك ارتفع موضوعه.

قلت: و يشهد لذلک أن العقلا لا يعتدّون بالاستصحاب مع الأمارة و إنّما يعملون به في مورد الحيرة، و عدم الحيلة بتحصيل الواقع، فإذا كان هناك طريق إليه، يكون الاستصحاب مرتفعاً بارتفاع موضوعه, و هذا هو السر في تقدم الامارات غير العلمية عليه.

الثالث: ما افاده المحقق النائيني من أنّ المراد من اليقين في أخبار الاستصحاب هو مطلق الإحراز الشامل للإحراز الوجدانيّ و الإحراز التعبّدي، و إنّما اخذ خصوص العلم في

ص: 384


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، ص: 762.

ظاهر الدليل لكونه أحد مصاديق الإحراز. فيكون مفاد الأخبار أنّ الإحراز لا ينقض بالشكّ، بل لا بدّ في نقضه من إحراز آخر.

و لا شكّ أنّه إذا قامت الأمارة على خلاف مؤدّى الأصل يكون مؤدّى الأمارة محرزا ببركة التعبّد بالأمارة و تتميم كشفها بجعل الشارع، و إذا حصل الإحراز فيخرج المورد عن موضوع دليل الاستصحاب حقيقة و لا يشمله قوله علیه السلام : «لا تنقض اليقين بالشكّ» الّذي كان معناه «لا تنقض الإحراز بالشكّ»، بل يندرج حقيقة في قوله علیه السلام «بل تنقضه بيقين آخر»، و هذا هو معنى الورود(1) . و فيه: انه يبتني علی مبناه و قد تقدم ما فيه .

القول الثاني: أن يكون تقدّمها عليه من باب الحكومة، هذا ما اختاره الشيخ الأعظم الأنصاريّ و تبعه أكثر الأعلام من المتأخّرين(2) .

و فيه: أنّ الحكومة عبارة عن تصرّف أحد الدليلين في موضوع الدليل الآخر بالتضييق أو التوسعة، و يتحقّق ذلك تارة بنفي الحكم بلسان نفي الموضوع كما في قوله: «لا ربا بين الولد و الوالد» و الغاية هي رفع الحرمة لكن بادّعاء عدم الموضوع.

و أُخرى بإثبات الموضوع على وجه لو لا الحاكم لما يعمّه المحكوم، كما في مثال: «الطواف على البيت صلاة»(3)، فهو ناظر إلى سعة ما يدل على اشتراط الصلاة بالطهارة،

ص: 385


1- فوائد الاصول 4: 599- 60 .
2- فرائد الاصول 3: 314؛ فوائد الاصول 3: 596 ، نهاية الأفكار 4 (القسم الثاني): 18- 19، نهاية الدراية 3: 284- 288، مصباح الاصول 3: 250.
3- لا يخفی ان العبارة الواردة في الخبر هي: «ان في الطواف بالبيت صلاة» و عليه فالغرض من العبارة المذکورة في المتن هو مجرد التمثيل و التوضيح.

للطواف، أعني قوله سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾(1) هذا إذا كان الدليل الحاكم متصرفاً في جانب الموضوع، و ربما يكون متصرفاً في عقد الحمل، و هو أيضاً على صورتين: التضييق، و التوسعة. و التفصيل سيوافيك في أوّل مباحث التعادل و الترجيح.

و على جميع التقادير فحقيقة الحكومة قائمة بلسانه، و هو أن يكون ناظراً إلى دليل المحكوم على وجه لولا الدليل المحكوم لكان جعل الحاكم أمراً لغواً.

و من المعلوم أنّ هذا الشرط غير موجود في دليل البيّنة بالنسبة إلى الاستصحاب، فلا دليل حجّيتها ناظر إلى دليل حجّية الاستصحاب، و لا هو من قبيل نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، و ليس جعل الحجّية لها لغواً، لولا دليل الاستصحاب.

القول الثالث: أن يكون من باب التخصيص، أي تخصيص دليل حجّية الاستصحاب بدليل حجّية الأمارة. قلت: و يکفي في رده ما تقدم .

القول الرابع: أن يكون من باب التوفيق و الجمع العرفيّ کحمل الظاهر على النصّ أو الأظهر، و حمل أحدهما على الحكم الاقتضائي و الآخر على الفعلي. و تقريبه في المقام أن يقال: ان البناء على الحالة السابقة المتيقنة ثابت لولا اعتبارالأمارة شرعا القائمة على خلافها، فالحكم الاستصحابي اقتضائي، و الحكم الثابت بالأمارة فعلي .

و فيه: انه لا تنافي بين الاستصحاب و سائر الامارات فلا تصل النوبة الی الجمع بينهما .

ص: 386


1- المائدة: 6.

الاستصحاب امارة وليس اصلا

ذهب المحقّق الخوئي الی انّ الاستصحاب أمارة، حيث لا أمارة، و قال: «الوجه فيه انّه كاشف عن الواقع، و مثبت له في ظرف الشكّ و انّ المجعول فيه هو الطريقية و تتميم الكشف، لأنّ الظاهر من قوله علیه السلام : «و لا ينقض اليقين أبداً بالشك» و قوله علیه السلام : «و لا يعتدّ بالشك في حال من الحالات»، هو إلغاء احتمال الخلاف و فرض المؤدّى ثابتاً واقعاً كما هو كذلك في الأمارات، و هذا بخلاف الأُصول، فانّها ليست كاشفة عن الواقع أصلًا، فانّ المجعول فيها إمّا تنزيل أحد طرفي الشك منزلة الواقع، و البناء و العمل على ثبوته كما في الأُصول المحرزة، و إمّا مجرّد تطبيق العمل على مؤدّى الأصل و الجري على طبقه ظاهراً عند الشك»(1).

و اجيب: أنّ مؤدّى الأمارة كما أفاده هو إلغاء احتمال الخلاف و انّ المخاطب ليس بشاك تعبّداً و فرض المؤدّى ثابتاً، و لكن الظاهر من لسان دليل الاستصحاب، حفظ الشكّ و انّه شاكّ، لكنّه لا يعتدّ به، فكم فرق بين إلغاء الشكّ و فرض المؤدّى واقعاً و ادّعاء انّك لست بشاك، و بين عدم الاعتداد بالشك مع حفظه، نظير الشكوك التي لا يعتد بها، كالشكّ بعد تجاوز المحلّ مع حفظ كونه شاكاً، و على ذلك فلسانه لسان الأصل لا الأمارة.

و فيه: ان هذا الايراد يبتني علی ان حجية الاستصحاب من باب التعبد و الاخبار, لكن کما تقدم ان ما جاء في الاخبار انما هو امضاء للسيرة العقلائية و لا فرق بين موارد الاستصحاب مثل اصالة عدم النقل التي جعلوها من باب بناء العقلاء و بذلک اعترف المحقق الخراساني في كفايته فذكر انه قضيّة ارتكازية و نقول له انه امارة عقلائية و لا

ص: 387


1- مباني الاستنباط: 293.

علاقة له بالظن بالبقاء و علی ذلک سيرة جميع العقلاء و به استدل هشام بن الحكم - و هو اکبر متکلمي الشيعة آنذاک - في مايتعلق باصول الدين اي في التعبد بحياة الامام الکاظم علیه السلام فروی يونس، قال: «كنت مع هشام بن الحكم في مسجده بالعشيّ حيث أتاه سالمٌ صاحب بيت الحكمة، فقال له إنّ يحيى بن خالدٍ يقول: قد أفسدت على الرّافضة دينهم لأنّهم يزعمون أنّ الدّين لا يقوم إلّا بإمامٍ حيٍّ و هم لا يدرون أنّ إمامهم اليوم حيٌّ أو ميّتٌ! فقال هشامٌ عند ذلك: إنّما علينا أن ندين بحياة الإمام أنّه حيٌّ حاضراً كان عندنا أو متوارياً عنّا حتّى يأتينا موته فما لم يأتنا موته فنحن مقيمون على حياته، و مثّل مثالًا فقال: الرّجل إذا جامع أهله و سافر إلى مكّة أو توارى عنه ببعض الحيطان فعلينا أن نقيم على حياته حتّى يأتينا خلاف ذلك(1), و قد اقره يونس بن عبد الرحمن و هو من اصحاب الاجماع, و عليه فالصحيح انه امارة و ليس أصلاً.

خاتمة في حکم تعارض الاستصحابين

ان التعارض بين الاستصحابين إن كان لعدم إمكان العمل بهما بدون علم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما كاستصحاب وجوب أمرين حدث بينهما التضاد في زمان الاستصحاب فهو من باب تزاحم الواجبين فيتخيّر بينهما إن لم يكن أحد المستصحبين أهمّ، و إلّا فيتعيّن الأخذ بالأهمّ. کما سيأتي في باب التزاحم .

ص: 388


1- رجال الكشي - إختيار معرفة الرجال، النص، ص: 267.

و إن كان مع العلم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما، فتارة يكون المستصحب في أحدهما من الآثار الشرعيّة لمستصحب الآخر، فيكون الشكّ فيه مسبّبا عن الشكّ فيه، كالشكّ في نجاسة الثوب المغسول بماء مشكوك الطهارة و قد كان طاهرا، و اخرى لا يكون كذلك؛ و عليه فالشك في أحد الاستصحابين إما أن يكون مسببا عن الشك في الآخر من غير عكس و إما أن يكون الشك فيهما مسببا عن ثالث.

قال الشيخ: و أما كون الشك في كل منهما مسببا عن الشك في الآخر فغير معقول, و ما توهم له من التمثيل بالعامين من وجه و أن الشك في أصالة العموم في كل منهما مسبب عن الشك في أصالة العموم في الآخر مندفع بأن الشك في الأصلينمسبب عن العلم الإجمالي بتخصيص أحدهما»(1), فالاستصحابان المتعارضان على قسمين:

الأول: ما إذا كان الشك في مستصحب أحدهما مسببا عن الشك في الآخر

ثم انّ الميزان في الأصل السببي هو: أن يكون الشكّ في أحدهما مسبّباً من الشكّ في الآخر، بحيث لو أُزيل الشك في ناحية السبب لزال الشكّ في ناحية المسبب شرعاً. و مقتضى ذلك أن يكون الترتب بينهما شرعياً، كما إذا رتّب الشارع إزالة الشك في ناحية الثوب، على طهارة الماء، و قال: «كلّ ثوب غُسل بماء طاهر فهو طاهر» فخرج ما إذا كان الترتب عقلياً، كاستصحاب الإنسان الكلّي، فهو يلازم وجود الفرد، لأنّ بقاء الكلّي في ضمن بقاء الفرد، لكنّ الترتّب عقلي لا شرعي حيث يحكم العقل بأنّ الكلّ لا يتحقق إلّا في ضمن أفراد.

ص: 389


1- فرائد الاصول، ج 2، ص: 736.

و لا شک في تقديم الشك السببي و إجراء الاستصحاب فيه و رفع اليد عن الحالة السابقة للمستصحب الآخر يقول الشهيد الصدر: «لا ينبغي الإشكال في أنّ الفهم العرفي يقتضي تقديم الأصل السببي على المسبّبي، و لذا ترى الفقهاء من قبل مئات السنين جيلاً بعد جيل يقدّمون الأصل السببي على المسبّبي بطبعهم الأوّلي قبل ولادة مدرسة الحكومة و الورود و اصطلاحات جعل العلم و الطريقية. نعم، كانوا قد يخطئون فيعكسون مثلًا، أو يوقعون التعارض بينهما، لكنّ هذا من قبيل الأخطاء الاخرى التي تصدر منهم أحياناً عند التطبيق، و كان الطبع الأوّلي لهم تقديم الأصل السببي على المسبّبي. إذن فأصل تقدّم الأصل السببي على المسبّبي ينبغي أن يكون مفروغاً عنه، و يبقى الكلام في تكييفه الفنّي»(1).

اقول: و قد استدل الشيخ الأنصاري على تقديمه بوجوه اربعة, اقواها دليله الرابع فان غيره لا يخلو من مناقشة, و اليک بيانه مع تعليقات الشيخ الاعتمادي: (انّ المستفاد من الأخبار عدم الاعتبار باليقين السابق في مورد الشك المسبب، بيان ذلك: أنّ الإمام علیه السلام علل وجوب البناء على الوضوء السابق في صحيحة زرارةبمجرد كونه متيقّنا سابقا غير متيقّن الارتفاع في اللاحق) بمعنى أنّه علیه السلام حكم في جواب السؤال عن الخفقة و الخفقتين ببقاء الوضوء و لم يحكم ببقاء الاشتغال بالصلاة، و علّله بالاستصحاب لا بأمر آخر، و الحال أنّ الاستصحاب يتصوّر في الاشتغال أيضا فما ذلك إلّا من جهة تقديم الأصل السببي، فإنّ الشك في بقاء الاشتغال بعد هذه الصلاة مسبب عن الشك في بقاء الوضوء.

ص: 390


1- مباحث الأصول، ج 5، ص: 557 .

(و بعبارة أخرى: علل بقاء الطهارة المستلزم لجواز الدخول في الصلاة) أي علّله (بمجرد الاستصحاب) لا بأمر آخر (و من المعلوم أنّ) الاستصحاب يتصوّر في جانب المسبب أيضا بمعنى أنّ (مقتضى استصحاب الاشتغال بالصلاة عدم براءة الذمة بهذه الصلاة) التي تقع بالوضوء المشكوك البقاء (حتى) أي و الشاهد على تصوّر الاستصحاب في جانب الاشتغال هو (أنّ بعضهم جعل استصحاب الطهارة، و هذا الاستصحاب من الاستصحابين المتعارضين. فلولا عدم جريان هذا الاستصحاب) المسببي (و انحصار الاستصحاب في المقام) بالاستصحاب السببي أي (باستصحاب الطهارة لم يصح تعليل المضي على الطهارة بنفس) أي بمجرد (الاستصحاب لأنّ تعليل تقديم أحد الشيئين على الآخر بأمر مشترك بينهما قبيح) فلو كان اعتبار الاستصحاب مشتركا بين السببي و المسببي كان تقديم جانب السبب بعلّة الاستصحاب قبيحا (بل أقبح من الترجيح بلا مرجح) لأنّ قبح الثاني من جهة عدم المقتضي للترجيح و قبح الأوّل من جهة الترجيح بما يقتضي عدم الترجيح، أعني: العلّة المشتركة (و بالجملة فأرى المسألة غير محتاجة إلى اتعاب النظر و لذا لا يتأمل العامي بعد افتائه باستصحاب الطهارة في الماء المشكوك) أي بعد توجهه باعتبار الاستصحاب في جانب السبب كطهارة الماء مثلا لا يتأمل (في رفع الحدث و الخبث به و بيعه و شرائه و ترتيب الآثار المسبوقة بالعدم عليه) كزوال نجاسة الثوب المغسول به(1).

ص: 391


1- شرح الرسائل، ج 3، ص: 381.

دعوی الانصراف في ادلة الاستصحاب

و استدل الشهيد الصدر علی تقدم السببي علی المسببي بانصراف الادلة حيث قال: و التحقيق في تكييف تقدّم الأصل السببي على المسبّبي هو: أنّ الاستصحاب كما مضى, أمر ارتكازي عند العقلاء بدرجة من درجات الارتكاز، كما يشيرإلى ذلك تعبير الإمام علیه السلام بقول: «لا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً» سواء فرض ذلك لأجل كاشفية احتمال البقاء أكثر من احتمال الانتقاض، أو لأجل الوهم الموجود في الإنسان الدّاعي إلى الميل إلى فرض بقاء الحالة السابقة. و هذه الارتكازية تتحكّم في فهم لسان الدليل، و هذا الارتكاز بأيّ درجة كان، قويّاً كان أو ضعيفاً من الواضح جدّاً أنّه في مورد الاستصحاب السببي و المسبّبي المتعارضين إنّما يوجد في جانب الاستصحاب السببي، و لا يحسّ بأيّ مقتض في ذلك للاستصحاب المسبّبي يزاحم المقتضي الأوّل، فمثلًا لو كانت حياة زيد سبباً لمجيئه إلى المكان الفلاني كان المرتكز عقلائياً عند الشكّ في حياته هو استصحاب حياته دون استصحاب عدم مجيئه إليه. و هذا يوجب انصراف دليل الاستصحاب عن الاستصحاب المسبّبي في مثل المقام(1). قلت: و الامر کما افاد رحمه الله .

الثاني: إذا كان الشكّ مسبباً من أمر ثالث

إذا كان الشكّ في كلّ من الموضوعين ناشئاً من أمر ثالث كما هو الحال في الإناءين المشتبهين فانّ الشكّ في طهارة كلّ، مسبب عن العلم الإجمالي بورود النجاسة على واحد منهما، و هو على قسمين:

ص: 392


1- مباحث الأصول، ج 5، ص: 558 .

أحدهما: ما يلزم من جريان الاستصحاب في الطرفين محذور المخالفة العمليّة القطعيّة، كما إذا علمنا بطهارة إناءين، ثمّ علمنا بطروء النجاسة على أحدهما إجمالا، فحينئذ يكون إجراء استصحاب الطهارة في الإناءين موجبا للمخالفة العمليّة القطعيّة. و هو الترخيص في المعصية و قد مضى في بحث العلم الإجمالي أنّهما لا يجريان .

ثانيهما: ما لا يلزم من جريان الاستصحاب في الطرفين محذور المخالفة العمليّة القطعيّة، و إن لزمت المخالفة الالتزاميّة، كما إذا علمنا بنجاسة إناءين تفصيلا، ثمّ علمنا بطهارة أحدهما إجمالا، فحينئذ لا تلزم من إجراء استصحاب النجاسة في كليهما و الاجتناب عنهما مخالفة عمليّة قطعية فمجرّد كونهما أصلين على خلاف العلم الإجمالي لا يوجب التساقط.

لکنّ الکلام هنا في أنّه لو كان الأصلان تنزيليين من قبيل الاستصحابين مثلًا فهل كونهما تنزيليين يوجب سقوطهما في أطراف العلم الإجمالي و لو لم تلزم منمجموعهما مخالفة عملية قطعية، كما في مستصحبي النجاسة مع العلم بطهارة أحدهما، أم لا؟

فقد ذكر الشيخ الأعظم في الاستصحاب: أنّ الاستصحابين يتساقطان لمحذور إثباتي، و هو: أنّ مقتضى عموم «لا تنقض» حرمة نقض اليقين بالشك مطلقا و إن كان مقرونا بالعلم الإجمالي، و مقتضى «انقضه بيقين آخر» وجوب نقضه بيقين آخر و لو كان إجماليا، فيقع التعارض بين الصدر و الذيل، فإذا علم إجمالا بنجاسة أحد إناءين كانا طاهرين فقد علم بانتقاض الطهارة في أحدهما، و لا وجه لجريان استصحاب الطهارة في كليهما، للمناقضة مع اليقين بنجاسة أحدهما إجمالا مناقضة السلب الكلي للإيجاب الجزئي، و لا في

ص: 393

أحدهما المعين، لكونه بلا مرجح، و لا في غير المعين، لأنه ليس للعام فرد آخر غير الفردين المتشخصين في الخارج (1).

و قد أورد عليه المتأخّرون عنه اولاً: بأنّنا لو سلّمنا تعارض الصدر و الذيل، فلماذا لا نرجع إلى الروايات الاخرى غير المذيّلة بهذا الذيل بعد إجمال هذا النصّ، فإنّ ما لا يكون مذيّلًا بهذا الذيل لا إجمال فيه فيؤخذ به.

و فيه: أنّ المطلق يُقيّد، و المجموع يشير إلى مفهوم واحد. و هو القضيتان المذكورتان.

و ثانيا: بأنّنا لا نسلّم هنا التعارض و الإجمال، فإن ظاهره كون اليقين الثاني متعلّقاً بنفس ما تعلّق به اليقين الأوّل لا بالجامع بينه و بين غيره. بيان ذلک: أن قوله علیه السلام : «و لكن تنقضه بيقين آخر» ليس حكما تعبديا بجواز النقض باليقين مطلقا و لو إجماليا حتى يناقض مدلول «لا تنقض» و هو حرمة نقض اليقين بالشك و لو كان مقرونا بالعلم الإجمالي، بل هو حكم عقلي ذكر تأييدا و تأكيدا للنهي، و إرشادا إلى أن اليقين لمّا كان أمرا وثيقا فلا بد من استمرار الجري على مقتضاه و عدم رفع اليد عنه إلى أن يحصل ما هو مثله في الوثاقة و الإبرام، و يتعلق بعين ما تعلق به اليقين السابق، و ليس ذلك إلّا العلم التفصيليّ، إذ العلم الإجمالي مشوب بالشك أوّلا، و غير متعلق بعين متعلق ذلك اليقين ثانيا، لتعلق العلم التفصيليّ بواحد معين أو بصورة تفصيلية معينة، و تعلق العلم الإجمالي بعنوان«أحدهما» أو بالصورة الإجمالية المرددة بين أمرين، فيتعدد متعلق العلمين. و حيث ان ارتفاع أثر اليقين السابق يكون بالحجة الذاتيّة و هي العلم، فالنقض به ليس حكما تعبديا، فحمل الذيل على الإرشاد في محله، فوجود الذيل حينئذ كعدمه. و عليه فلا مانع من

ص: 394


1- فرائد الاصول 3: 407.

الاستدلال بالصدر على جريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي، إذ لا موضوع للمناقضة بين الصدر و الذيل.

و فيه: انه مجرد ادعاء بل هو ظاهر في الاعم من التفصيلي و الاجمالي کما هو مقتضی اطلاقه .

و ثالثا: ما اورده المحقق الخراساني في تعليقة الرسائل و هو: إن ظهور الصدر في شموله لليقين و الشك في أطراف العلم الإجمالي أقوى من ظهور قوله: «و لكن تنقضه» في شموله لليقين بانتقاض الحالة السابقة إجمالا في أحد الأطراف، و ذلك لوقوع «اليقين» في حيّز النهي الواقع في مقام بيان الكبرى، بخلافه في الذيل، فانه لا موجب لدلالته على العموم لا وضعا كما هو واضح، و لا إطلاقا، لعدم سوق القضية في مقام البيان من هذه الجهة. و عليه فالمقتضي بمعنى العموم اللفظي للاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي موجود، و ليس العلم بارتفاع الحالة السابقة في بعض الأطراف بنفسه مانعا من شمول العموم لها. نعم يمنع عن جريانه فيها مخالفة التكليف الفعلي المعلوم، و بدون مخالفته له عملا لا مانع من جريانه(1).

و فيه: ما تقدم من الجواب عن الاشکال الثاني, و دعوی عدم الاطلاق لعدم سوق القضية في مقام البيان من هذه الجهة, ممنوعة بل هي في مقام البيان .

و بذلک يظهر ضعف ما ذهب اليه المحقق الخراساني من جريانهما، لوجود المقتضي إثباتا و فقد المانع عقلا لأنّ جريان الاستصحاب في الأطراف لا يوجب إلّا المخالفة

ص: 395


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 7، ص: 800 .

الالتزامية، و هي ليست بمحذور لا شرعاً و لا عقلاً، لكنّهما يتساقطان عند استلزام المخالفة العملية بالتعارض(1). و تبعه السيّد الخوئيّ و المحقّق الايروانيّ(2).

و هنا قول ثالث ذهب اليه المحقق النائيني و هو: التفصيل بين الأصل المحرز، فلا يجري في أطراف العلم دون سائر الأُصول و المراد من الأصل، المحرزهو ما يكون المجعول فيها هو البناء العملي على ثبوت الواقع في أحد طرفي الشك كالاستصحاب، و قاعدة الفراغ و التجاوز و أصالة الصحة، و المراد من غيرها ما يكون المجعول فيها هو مجرّد تطبيق العمل على أحد طرفي الشكّ من دون أن يكون البناء متكفّلًا لثبوت الواقع في أحد الطرفين كالبراءة و الاحتياط و أصالة الحل و الطهارة.

و وجه التفصيل انّ التعبد ببقاء الواقع في كلّ واحد من أطراف العلم ينافي العلم الوجداني بعدم بقاء الواقع في أحدهما، و هذا بخلاف الآخر، فانّ المجعول هو مجرّد تطبيق العمل على أحد طرفي الشكّ بلا مانع من التعبد بها في أطراف العلم الإجمالي إذا لم تلزم مخالفة عملية(3).

و فيه: أنّه لم يثبت عندنا كون الأصل محرزاً أو غير محرز، و ليس في أدلّة الاستصحاب ما يشير إلى أنّ العمل من باب البناء العملي على أنّه الواقع، بل الثابت و المفهوم من دليل الاستصحاب هو کونه امارة کسائر الامارات .

و حاصل البحث ما عليه شيخنا الاعظم الانصاري رحمه الله من عدم جريان الاستصحابات المتعارضة مع لزوم المخالفة العملية .

ص: 396


1- كفاية الأُصول: 357/ 2 358.
2- راجع الهداية في الاصول 4: 220، نهاية النهاية 2: 232.
3- فوائد الاصول: ج 4، ص 14.

المقصد الثامن في تعارض الأدلة الشرعيّة

و قبل الدخول في صلب الموضوع لابد من تقديم أُمور:

ص: 397

الامر الأوّل: التعارض لغة و اصطلاحاً

التعارض لغةً من العرض و هو الاظهار و الإراءة, و التعارض: مصدر من باب «التفاعل» الذي يقتضي فاعلين، و لا يقع إلّا من جانبين، فيقال: تعارض الدليلان. و لا تقول: «تعارض الدليل», و معنى المعارضة أنّ كلّا من الدليلين - إذا تمّت مقوّمات حجّيّته- يبطل الآخر، و يكذّبه. و التكاذب، إمّا أن يكون في جميع مدلولاتهما، و نواحي الدلالة فيهما، و إمّا في بعض النواحي على وجه لا يصحّ فرض بقاء حجّيّة كلّ منهما مع فرض بقاء حجّيّة الآخر، و لا يصحّ العمل بهما معا.

فمرجع التعارض في الحقيقة إلى التكاذب بين الدليلين في ناحية ما، أي إنّ كلّا منهما يكذّب الآخر، و لا يجتمعان على الصدق.

هذا هو المعنى الاصطلاحي للتعارض. و هو مأخوذ من «عارضه»، أي جانبه و عدل عنه. قال الشيخ الأنصاريّ: «و هو لغة: من العرض بمعنى الإظهار، و غلّب في الاصطلاح على تنافي الدليلين، و تمانعهما باعتبار مدلولهما»(1).

و اما اصطلاحا فقد اختلفت كلمات الأصحاب في بيان ضابط التعارض: فعن المشهور أنّ التعارض عبارة عن تنافي المدلولين على وجه التناقض و التضاد(2), و هو الظاهر من

ص: 398


1- فرائد الأصول 2: 750.
2- راجع فوائد الاصول 4: 700، درر الفوائد؛ للمحقّق الحائريّ, 2: 262، مصباح الاصول 3: 346، المحاضرات 3: 223, نهاية الأفكار 4: 124.

الشيخ الأعظم الأنصاريّ حيث عرّفه بتنافي الدليلين باعتبار تنافي مدلوليهما. فالتنافي أوّلا و بالذات بين المدلولين، و ينسب إلى الدليلين ثانيا و بالعرض(1).

و عرفه المحقق الخراساني بأنّه عبارة عن تنافي الدليلين أو الأدلّة بلحاظ مقام الإثبات و الدلالة، لا بلحاظ مدلولها(2).

اقول: و الصحيح هو تعريف المحقق الخراساني و ذلک لأن تعريف المشهور يعمّ موارد الجمع الدلالي و التوفيق العرفي، مع أنه لا ريب في عدم إجراء أحكام التعارض- من التوقف و الترجيح و التخيير- عليها.

و هذا بخلاف تعريف التعارض بتنافي الدليلين. و توضيحه: أن تنافي الدليلين قد يكون بدويّا زائلا بالتأمل بحيث لا يتحير العرف في الجمع بينهما و العمل بهما، و قد يكون مستقرّا لا يرى العرف سبيلا إلى الجمع بينهما. و الظاهر أن موضوع الأخبار العلاجية و الأبحاث الآتية هو التعارض المستقر الّذي يوجب استمرار تحيُّر العرف في الجمع بين المتعارضين كما إذا كان أحدهما يأمر بشي ء و الآخر ينهى عنه. و على هذا فالتعريف المناسب لهذا الموضوع المأخوذ في أخبار العلاج هو أن يقال: «التعارض تنافي الدليلين» لا تعريفه بتنافي المدلولين, لأن تعريف المشهور يشمل كلّ دليلين متنافيين مدلولا و إن لم يكن بينهما منافاة دلالة و إثباتا- أي في مقام الحجية- كما إذا كان بينهما حكومة أو

ص: 399


1- فرائد الاصول 4: 11.
2- كفاية الأصول ( مع تعليقة الزارعي السبزواري )، ج 3، ص: 291.

جمع عرفي علىأنحائه، فلا بد من إجراء أحكام التعارض عليهما من التخيير أو الترجيح، مع أنه ليس كذلك، لخروجهما عن باب التعارض.

الامر الثاني: في شروط التعارض

لا يتحقّق التعارض إلّا بشروط سبعة هي مقوّمات التعارض، نذكرها لتتّضح حقيقة التعارض، و مواقعه:

الاول: ألّا يكون أحد الدليلين، أو كلّ منهما قطعيّا؛ لأنّه لو كان أحدهما قطعيّا فإنّه يعلم منه كذب الآخر، و المعلوم كذبه لا يعارض غيره. و أمّا: القطع بالمتنافيين ففي نفسه أمر مستحيل لا يقع.

الثاني: ألّا يكون الظنّ الفعليّ معتبرا في حجّيّتهما معا؛ لاستحالة حصول الظنّ الفعليّ بالمتكاذبين، كاستحالة القطع بهما. نعم، يجوز أن يعتبر في أحدهما المعيّن الظنّ الفعليّ، دون الآخر.

الثالث: أن يتنافى مدلولاهما- و لو عرضا و في بعض النواحي- ليحصل التكاذب بينهما، سواء كان التنافي في مدلولهما المطابقيّ، أو التضمّنيّ، أو الالتزاميّ.

و الجامع في ذلك أن يؤدّيا إلى ما لا يمكن تشريعه، و يمتنع جعله في نفس الأمر، و لو كان هذا الامتناع لأمر خارج عن نفس مدلولهما، كما في تعارض دليل وجوب صلاة الجمعة مع دليل وجوب صلاة الظهر يوم الجمعة؛ فإنّ الدليلين في نفسهما لا تكاذب بينهما؛ إذ لا يمتنع اجتماع وجوب صلاتين في وقت واحد، و لكن لمّا علم من دليل

ص: 400

خارج أنّه لا تجب إلّا صلاة واحدة في الوقت الواحد فإنّهما يتكاذبان حينئذ بضميمة هذا الدليل الثالث الخارج عنهما.

الرابع: أن يكون كلّ من الدليلين واجدا لشرائط الحجّيّة، بمعنى أنّ كلّا منهما- لو خلّي و نفسه، و لم يحصل ما يعارضه- لكان حجّة يجب العمل بموجبه، و إن كان أحدهما- لا على التعيين- بمجرّد التعارض يسقط عن الحجّيّة بالفعل.

و السرّ في ذلك واضح؛ فإنّه لو كان أحدهما غير واجد لشرائط الحجّيّة في نفسه لا يصلح أن يكون مكذّبا لما هو حجّة، و إن كان منافيا له في مدلوله فلا يكون معارضا له، لما تقدم من أنّ التعارض وصف للدالّين بما هما دالّان في مقام الإثبات، و إذ لا إثبات فيما هو غير حجّة فلا يكذّب ما فيه الإثبات؛ إذن، لا تعارض بين الحجّة و اللاحجّة، كما لا تعارض بين اللاحجّتين.

و من هنا يتّضح أنّه لو كان هناك خبر- مثلا- غير واجد لشرائط الحجّيّة، و اشتبه بما هو واجد لها، فإنّ الخبرين لا يدخلان في باب التعارض، فلا تجري عليهما أحكامه و قواعده، و إن كان من جهة العلم بكذب أحدهما حالهما حال المتعارضين. نعم، في مثل هذين الخبرين تجري قواعد العلم الإجماليّ.

الخامس: ألّا يكون أحد الدليلين حاكما على الآخر, و ألّا يكون أحدهما واردا على الآخر, کما سيأتي أنّ الحكومة و الورود يرفعان التعارض و التكاذب بين الدليلين .

السادس: ألّا يكون الدليلان متزاحمين؛ فإنّ للتعارض قواعد غير قواعد التزاحم کما سيأتي، و الفرق بين المتعارضين و المتزاحمين بعد كون التنافي قدراً مشتركاً بينهما هو

ص: 401

من جهة الامتناع، فإنّ امتناع اجتماعهما في التعارض من جهة التشريع، فيتكاذب الدليلان، و في التزاحم من جهة الامتثال، فلا يتكاذبان.

و هذا هو الفرق الحقيقيّ بين باب التعارض و باب التزاحم في أيّ مورد يفرض؛ حتی في مورد العامّين من وجه، التعارض فإن التعارض إنّما يحصل حيث تكون لكلّ منهما دلالة التزاميّة على نفي حكم الآخر في مورد الاجتماع بينهما، فيتكاذبان من هذه الجهة. و أمّا: إذا لم يكن للعامّين من وجه مثل هذه الدلالة الالتزاميّة فلا تعارض بينهما، إذ لا تكاذب بينهما في مقام الجعل و التشريع.

و حينئذ- أي حينما يفقدان تلك الدلالة الالتزاميّة- لو امتنع على المكلّف أن يجمع بينهما في الامتثال لأيّ سبب من الأسباب، فإنّ الأمر في مقام الامتثال يدور بينهما، بأن يمتثل إمّا هذا أو ذاك. و هنا يقع التزاحم بين الحكمين، و طبعا إنّما يفرض ذلك فيما إذا كان الحكمان إلزاميّين.

و عليه، فالضابط في التفرقة بين البابين هو أنّ الدليلين يكونان متعارضين إذا تكاذبا في مقام التشريع، و يكونان متزاحمين إذا امتنع الجمع بينهما في مقام الامتثال مع عدم التكاذب في مقام التشريع.

و في تعارض الأدلّة قواعد للترجيح سيأتي الکلام عنها .

و أمّا: التزاحم فله قواعد أخرى تتّصل بالحكم نفسه، و لا علاقة لها بمرجحات باب التعارض.

ص: 402

الامر الثالث: تعادل و تراجيح المتزاحمين

لا شكّ في أنّه إذا تعادل المتزاحمان في جميع جهات الترجيح الآتية فإنّ الحكم فيهما هو التخيير. و هذا أمر محلّ اتّفاق و إن وقع الخلاف في تعادل المتعارضين أنّه يقتضي التساقط، أو التخيير على ما سيأتي.

و في الحقيقة أنّ هذا التخيير إنّما يحكم به العقل العمليّ, بيان ذلك: أنّه بعد فرض عدم إمكان الجمع في الامتثال بين الحكمين المتزاحمين، و عدم جواز تركهما معا، و لا مرجّح لأحدهما على الآخر، حسب الفرض، و يستحيل الترجيح بلا مرجّح، فلا مناص من أن يترك الأمر إلى اختيار المكلّف نفسه؛ إذ يستحيل بقاء التكليف الفعليّ في كلّ منهما، و لا موجب لسقوط التكليف فيهما معا .

و من هذا الحكم العقليّ يستكشف حكم الشرع على طبق هذا الحكم العقليّ، بناءً علی الملازمة بينهما, و اما بناءً علی المختار فحکم العقل عين حکم الشرع کما تقدم .

مثاله، إذا دار الأمر بين إنقاذ غريقين متساويين من جميع الجهات، لا ترجيح لأحدهما على الآخر شرعا من جهة وجوب الإنقاذ، فإنّه لا مناص للمكلّف من أن يفعل أحدهما و يترك الآخر، فهو على التخيير عقلا بينهما، المستكشف منه رضى الشارع بذلك و موافقته على التخيير.

إذا عرفت ذلك، فلابد من أن نعرف ما هي المرجّحات في باب التزاحم؟ و من الواضح أنّه لا بدّ أن تنتهي كلّها إلى أهمّيّة أحد الحكمين عند الشارع، فالأهمّ عنده هو الأرجح

ص: 403

في التقديم. و لمّا كانت الأهميّة تختلف جهتها و منشؤها فلا بدّ من بيان تلك الجهات، و هي تستكشف بأمور:

1. أن يكون أحد الواجبين لا بدل له، مع كون الواجب الآخر المزاحم له ذا بدل، سواء كان البدل اختياريّا، كخصال الكفّارة، أو اضطراريّا، كالتيمّم بالنسبة إلى الوضوء، و كالجلوس بالنسبة إلى القيام في الصلاة.

و لا شكّ في أنّ ما لا بدل له أهمّ ممّا له البدل قطعا عند المزاحمة، و إن كان البدل اضطراريّا؛ لأنّ الشارع قد رخّص في ترك ذي البدل إلى بدله الاضطراريّ عند الضرورة، و لم يرخّص في ترك ما لا بدل له، و لا شكّ في أنّ تقديم ما لا بدل له جمع بين التكليفين في الامتثال، دون صورة تقديم ذي البدل، فإنّ فيه تفويتا للأوّل بلا تدارك.

2. أن يكون أحد الواجبين مضيّقا، أو فوريّا، مع كون الواجب الآخر المزاحم له موسّعا؛ فإنّ المضيّق، أو الفوريّ أهمّ من الموسّع قطعا، كدوران الأمر بين إزالة النجاسة عن المسجد و إقامة الصّلاة في سعة وقتها, لأنّ الموسّع له بدل طوليّ اختياريّ، دون المضيّق و الفوريّ، فتقديم المضيّق أو الفوريّ جمع بين التكليفين في الامتثال، دون تقديم الموسّع، فإنّ فيه تفويتا للتكليف بالمضيّق أو الفوريّ بلا تدارك.

و مثله ما لو دار الأمر بين المضيّق و الفوريّ، كدوران الأمر بين الصلاة في آخر وقتها و إزالة النجاسة عن المسجد، فإنّ الصلاة مقدّمة؛ إذ لا تدارك لها.

ص: 404

3. أن يكون أحد الواجبين وجوبه مشروطا بالقدرة الشرعيّة دون الآخر. و المراد من القدرة الشرعيّة هي القدرة المأخوذة في لسان الدليل شرطا للوجوب، كالحجّ المشروط وجوبه بالاستطاعة، و نحوه.

و مع فرض المزاحمة بينه و بين واجب آخر وجوبه غير مشروط بالقدرة، لا يحصل العلم بتحقّق ما هو شرط في الوجوب؛ لاحتمال أنّ مزاحمته للواجبالآخر تكون سالبة للقدرة المعتبرة في الوجوب، و مع عدم اليقين بحصول شروط الوجوب لا يحصل اليقين بأصل التكليف، فلا يزاحم ما كان وجوبه منجّزا معلوما.

و لو قال قائل: إنّ كلّ واجب مشروط وجوبه بالقدرة عقلا؛ إذن فالواجب الآخر أيضا مشروط بالقدرة؛ فأيّ فرق بينهما؟

فالجواب: نحن نسلّم باشتراط كلّ واجب بالقدرة عقلا، لكنّه لمّا لم تؤخذ القدرة في الواجب الآخر في لسان الدليل، فهو من ناحية الدلالة اللفظيّة مطلق، و إنّما العقل هو الذي يحكم بلزوم القدرة. و يكفي في حصول شرط القدرة العقليّة نفس تمكّن المكلّف من فعله، و لو مع فرض المزاحمة؛ إذ لا شكّ في أنّ المكلّف في فرض المزاحمة قادر و متمكّن من فعل هذا الواجب المفروض، و ذلك بترك الواجب المزاحم له المشروط بالقدرة الشرعيّة.

و الخلاصة أنّ الواجب الآخر وجوبه منجّز فعليّ؛ لحصول شرطه، و هو القدرة العقليّة، بخلاف مزاحمه المشروط؛ لما ذكرنا من احتمال أنّ ما أخذ في الدليل قدرة خاصّة لا تشمل هذه القدرة الحاصلة عند المزاحمة، فلا يحرز تنجّزه، و لا تعلم فعليّته.

ص: 405

و عليه، فيرتفع التزاحم بين الوجوبين من رأس، و يخلو الجوّ للواجب المطلق و إن كان مشروطا بالقدرة العقليّة.

و من هذا الباب ما إذا كان هناك واجب مطلق و آخر مشروط لم يحصل شرطه فيقدّم المطلق على المشروط و هو واضح، كما إذا أجنب المعتكف حيث إنّ مكْثَ الجنب في المسجد حرام، و خروج المعتكف في اليوم الثالث حرام مشروط بعدم الحاجة، و لكن الشرط غير حاصل، فيقدّم الخروج على البقاء، إلّا ان الكلام في تطبيق الضابطة على مورد خاص ذكره السيد اليزدي في العروة الوثقى، و قال: إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور الحسين علیه السلام في كلّ عرفة ثمّ حصلت لم يجب عليه الحجّ، بل و كذا لو نذر إن جاء مسافره ان يعطي للفقير كذا مقداراً، فحصل له ما يكفيه لأحدهما الأمرين بعد حصول المعلّق عليه، بل و كذا إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يصرف مقدار مائة ليرة مثلًا في الزيارة أو التعزية أو نحو ذلك، فانّ هذا كلّه مانع عن تعلّق وجوب الحجّ به، و كذا إذا كان عليهواجب مطلق فوري.(1) أقول: كان على السيّد أن يقدّم الحجّ على الزيارة أخذاً بالضابطة التي أشار إليها في ذيل كلامه و هو تقديم الواجب المطلق على الواجب المشروط، لأنّ وجوب الحجّ مطلق لكن وجوب النذر مشروط بوجود الرجحان في متعلّقه حين العمل، و هو غير موجود، توضيحه:

انّه لو صحّ النذر لكان تعجيزاً شرعياً للمستطيع، و العجز الشرعي كالعجز العقلي فيكون مأموراً بالوفاء بالنذر و معذوراً في ترك الحجّ لعجزه شرعاً عن امتثال أمر الحجّ و المفروض انّ المتعلّق راجح في حدِّ نفسه.

ص: 406


1- العروة الوثقى، كتاب الحج، فصل الاستطاعة، المسألة 31.

هذا غاية ما يمكن أن يوجّه به كلام السيد، و لكنّه غير تام، و ذلك لأنّ مصبَّ الإطلاق هو متعلّق النذر، أعني: زيارة الحسين علیه السلام يوم عرفة، فعندئذ يسأل عمّا هو المتعلّق للنذر فهل المتعلّق قبل تعلّق النذر هي الزيارة المطلقة سواء أ صار مستطيعاً أم لا؟ أو الزيارة في غير حالة الاستطاعة للحج؟ فعلى الثاني يكون الأمر منحصراً بالحجّ و لا يكون هناك أمر بالزيارة، و على الأوّل فالمتعلق بسعته على نحو يشمل حالة الاستطاعة غير راجح لاستلزامه ترك الواجب، نظير ما إذا نذر إنسان أن يقرأ القرآن من الفجر إلى طلوع الشمس، حيث إنّه لا ينعقد النذر، لأنّ المتعلّق مستلزم لترك الواجب فالنذر غير منعقد.

و بعبارة أوضح: انّ متعلّق النذر يجب أن يكون ذا رجحان عند الامتثال و المفروض انّ المورد ليس كذلك، لأنّ المستحب بما هو مفوِّت للواجب لا يكون راجحاً.

و ربما يقاس المقام بالدين إذا استطاع و هو مديون، فكما أنّ خطابه بأداء الدين المعجَّل يوجب عجزه شرعاً، فهكذا المقام فإنّ انعقاد النذر يجعله عاجزاً شرعاً عن الحجّ و إن لم يكن عاجزاً تكويناً.

و فيه: بأنّه قياس مع الفارق، لأنّ أداء الدين من الواجبات الأصلية التي أوجبها اللّه سبحانه، فإذا انشغلت ذمّة الإنسان به و خوطب بالأداء من جانبه سبحانه يصير فاقداً للاستطاعة، و يكون عجزاً تشريعياً، و أمّا زيارة الحسين علیه السلام فهي مستحبة في نفسها، و إنّما تجب بالعرض أي بتعلّق النذر به و ليس له إيجابه على نفسه إلّا إذا كان راجحاً عند الإتيان به و المفروض عدمه.

4. أن يكون أحد الواجبين مقدّما بحسب زمان امتثاله على الآخر، كما لو دار الأمر بين القيام للركعة المتقدّمة، و بين القيام لركعة بعدها، في فرض كون المكلّف عاجزا عن القيام للركعتين معا؛ متمكّنا من إحداهما فقط، فإنّه- في هذا الفرض- يكون المتقدّم

ص: 407

مستقرّ الوجوب في محلّه؛ لحصول القدرة الفعليّة بالنسبة إليه. فإذا فعله انتفت القدرة الفعليّة بالنسبة إلى المتأخّر، فلا يبقى له مجال.

و لا فرق في هذا الفرض بين ما إذا كانا معا مشروطين بالقدرة الشرعيّة، أو مطلقين معا، أمّا: لو اختلفا فإنّ المطلق مقدّم على المشروط بالقدرة الشرعيّة، و إن كان زمان فعله متأخّرا.

5. أن يكون أحد الواجبين أولى عند الشارع في التقديم من غير تلك الجهات المتقدّمة.

و الأولويّة تعرف إمّا من الأدلّة، و إمّا من مناسبة الحكم للموضوع، و إمّا من معرفة ملاكات الأحكام بتوسّط الأدلّة السمعيّة. و من أجل ذلك، فإنّ الأولويّة تختلف باختلاف ما يستفاد من هذه الأمور، و لا ضابط عامّ يمكن الرجوع إليه عند الشكّ، فمن تلك الأولويّة ما إذا كان في الحكم الحفاظ على بيضة الإسلام؛ فإنّه أولى بالتقديم من كلّ شي ء في مقام المزاحمة.

و منها: ما كان يتعلّق بحقوق الناس؛ فإنّه أولى من غيره من التكاليف الشرعيّة المحضة، أي التي لا علاقة لها بحقوق غير المكلّف بها.

و منها: ما كان من قبيل الدماء و الفروج؛ فإنّه يحافظ عليه أكثر من غيره؛ لحکم العقل باهميتها. فلو دار الأمر بين حفظ نفس المؤمن و حفظ ماله فإنّ حفظ نفسه مقدّم على حفظ ماله قطعا.

ص: 408

و منها: ما كان ركنا في العبادة، فإنّه مقدّم على ما ليس له هذه الصفة عند المزاحمة، كما لو وقع التزاحم في الصلاة بين أداء القراءة و أداء الركوع، فإنّ الركوع مقدّم على القراءة، و إن كان زمان امتثاله متأخّرا عن القراءة.

و على مثل هذه فقس، و أمثالها كثيرة لا تحصى، كما لو دار الأمر بين الصلح بين المؤمنين بالكذب و بين الصدق و فيه الفتنة بينهم، فإنّ الصلح مقدّم على الصدق .

ثم أنّه قيل: انه لو احتمل أهميّة أحد المتزاحمين فإنّ الاحتياط يقتضي تقديم محتمل الأهمّيّة، و هذا الحكم العقليّ بالاحتياط يجري في كلّ مورد يدور فيه الأمر بين التعيين و التخيير في الواجبات. و عليه، فلا يجب إحراز أهمّيّة أحد المتزاحمين، بل يكفي الاحتمال.

قلت: حکم العقل بوجوب تقدم محتمل الاهمية غير ثابت و اما وجوبه من باب الاحتياط فدوري بعد عدم العلم بالواقع فان مطلوبية الاحتياط لاجل مطلوبية الواقع و مطلوبية الواقع لاجل مطلوبية الاحتياط کما استدلوا .

الأمر الرابع: في تفسير الحکومة و الورود

إنّ التعارض بين الدليلين في مقام الدلالة تارة يكون غير مستقر بحيث يقوم العرف بعد التأمل بإرجاع بعضه إلى بعض و رفع المعارضة، و أُخرى يكون مستقراً لا يرتفع و لو بإمعان النظر فالأوّل هو مصب الجمع الدلالي الذي هو خارج عن تعارض الأدلّة اصطلاحاً.

ص: 409

ثمّ إنّ من الأُمور التي توجب رفع التعارض عرفاً هي: التخصص، و الورود، و الحكومة، و التخصيص، و إليك بيانها:

التخصّص

هو خروج موضوع أحد الدليلين عن موضوع الدليل الآخر حقيقة بعناية التكوين، بمعنى انّه لم يكن داخلاً حتى يحتاج إلى الإخراج، أو لم يكن موضوعاً حتى يحتاج إلى الرفع، بخلاف الأقسام الآتية، ففيه الإخراج و الرفع .

الحكومة

و هي: أن يقدّم أحد الدليلين على الآخر تقديم سيطرة و قهر من ناحية أدائيّة، و لذا سمّيت ب «الحكومة». فيكون تقديم الدليل الحاكم على المحكوم ليس من ناحية السند، و لا من ناحية الحجّيّة، بل هما على ما هما عليه من الحجّية بعد التقديم-أي إنّهما بحسب لسانهما و أدائهما لا يتكاذبان في مدلولهما، فلا يتعارضان-. و إنّما التقديم- كما قلنا- من ناحية أدائيّة بحسب لسانهما، و لكن لا من جهة التخصيص و لا من جهة الورود الآتي معناه.

فأيّ تقديم للدليل على الآخر بهذه القيود فهو يسمّى «حكومة».

و هذا في الحقيقة هو الضابط لها، فلذلك وجب توضيح الفرق بينها و بين التخصيص من جهة، ثمّ بينها و بين الورود من جهة أخرى، ليتّضح معناها.

ص: 410

التخصيص

أمّا: الفرق بينها و بين التخصيص، فنقول: إنّ التخصيص ليكون تخصيصا لا بدّ أن يفرض فيه الدليل الخاصّ منافيا في مدلوله للعامّ. و لأجل هذا يكونان متعارضين متكاذبين بحسب لسانهما بالنسبة إلى موضوع الخاصّ، غير أنّه لمّا كان الخاصّ أظهر من العامّ فيجب أن يقدّم عليه؛ لبناء العقلاء على العمل بالخاصّ، فيستكشف منه أنّ المتكلّم الحكيم لم يرد العموم من العامّ و إن كان ظاهر اللفظ العموم و الشمول؛ لحكم العقل بقبح ذلك من الحكيم، مع فرض العمل بالخاصّ عند أهل المحاورة من العقلاء.

و عليه فالتخصيص عبارة عن إخراج بعض أفراد العام عن الحكم المحمول عليه مع حفظ الموضوع، و بعبارة اخری: التخصيص عبارة عن الحكم بسلب حكم العامّ عن الخاصّ و إخراج الخاصّ عن عموم العامّ، مع فرض بقاء عموم لفظ العامّ شاملا للخاصّ بحسب لسانه و ظهوره الذاتيّ.

أمّا: الحكومة فهي كالتخصيص في النتيجة في بعض مواردها، من جهة خروج مدلول أحد الدليلين عن عموم مدلول الآخر، و لكنّ الفرق في كيفيّة الإخراج، فإنّه في التخصيص إخراج حقيقيّ، مع بقاء الظهور الذاتيّ للعموم في شموله، و في الحكومة إخراج تنزيليّ على وجه لا يبقى ظهور ذاتيّ للعموم في الشمول، بمعنى أنّ الدليل الحاكم يكون لسانه تحديد موضوع الدليل المحكوم، أو محموله؛ تنزيلا و ادّعاء، فلذلك يكون الحاكم متصرّفا في عقد الوضع أو عقد الحمل في الدليل المحكوم.

ص: 411

کما لو قال الآمر عقيب أمره بإكرام العلماء: «لا تكرم الفاسق منهم»، فإنّ القول الثاني يكون مخصّصا للأوّل؛ لأنّه ليس مفاده إلّا عدم وجوب إكرام الفاسق، مع بقاء صفة العالم له. أمّا: لو قال- عقيب أمره-: «الفاسق ليس بعالم» فإنّه يكون حاكما على الأوّل؛ لأنّ مفاده إخراج الفاسق عن صفة العالم تنزيلا، بتنزيل الفاسق منزلة الجهل، أو علم الفاسق بمنزلة عدم العلم. و هذا تصرّف في عقد الوضع، فلا يبقى عموم لفظ «العلماء» شاملا للفاسق بحسب هذا الادّعاء و التنزيل. و بالطبع لا يعطى له حينئذ حكم العلماء من وجوب الإكرام، و نحوه.

و مثاله في الشرعيّات قوله علیه السلام : «لا شكّ لكثير الشكّ»، و نحوه، مثل نفي شكّ المأموم مع حفظ الإمام، و بالعكس؛ فإنّ هذا و نحوه يكون حاكما على أدلّة حكم الشكّ؛ لأنّ لسانه إخراج شكّ كثير الشكّ و شكّ المأموم أو الإمام عن حضيرة صفة الشكّ تنزيلا، فمن حقّه حينئذ ألّا يعطى له أحكام الشكّ من نحو إبطال الصلاة، أو البناء على الأكثر، أو الأقلّ، أو غير ذلك.

و إنّما قلنا: «الحكومة في بعض مواردها كالتخصيص»؛ فلأنّ بعض موارد الحكومة الأخرى عكس التخصيص؛ لأنّ الحكومة على قسمين: قسم يكون التصرّف فيها بتضييق الموضوع، كالأمثلة المتقدّمة، و قسم بتوسعته، مثل ما لو قال عقيب الأمر بإكرام العلماء: «المتّقي عالم»؛ فإنّ هذا يكون حاكما على الأوّل، و ليس فيه إخراج، بل هو تصرّف في الموضوع بتوسعة معنى العالم ادّعاء إلى ما يشمل المتّقي؛ تنزيلا للتقوى منزلة العلم، فيعطى للمتّقي حكم العلماء من وجوب الإكرام، و نحوه.

و مثاله في الشرعيّات «لحمة الرضاع كلحمة النسب» الموسّع لموضوع أحكام النسب.

ص: 412

الورود

و أمّا: الفرق بين الحكومة و بين الورود، فنقول: كما قلنا من أنّ الحكومة كالتخصيص في النتيجة، كذلك الورود كالتخصّص في النتيجة؛ لأنّ كلّا من الورود و التخصّص خروج الشي ء بالدليل عن موضوع دليل آخر، خروجا حقيقيّا.

و لكنّ الفرق أنّ الخروج في التخصّص - کما تقدم - خروج بالتكوين بلا عناية التعبّد من الشارع، كخروج الجاهل عن موضوع دليل «أكرم العلماء»، فيقال: «إنّ الجاهل خارج عن عموم العلماء تخصّصا».

و أمّا: في الورود - الذي هو رفع أحد الدليلين، موضوع الدليل الآخر حقيقةً لكن بعناية التشريع على نحو لولا عنايته لما كان للوارد هذا الشأن - فإنّ الخروج من الموضوع بنفس التعبّد من الشارع بلا خروج تكوينيّ، فيكون الدليل الدالّ على التعبّد واردا على الدليل المثبت لحكم موضوعه.

مثاله دليل الأمارة الوارد على أدلّة الأصول العقليّة، كالبراءة، و قاعدة الاشتغال، و قاعدة التخيير؛ فإنّ البراءة العقليّة لمّا كان موضوعها عدم البيان الذي يحكم فيه العقل بقبح العقاب معه فالدليل الدالّ على حجّيّة الأمارة يعتبر الأمارة بيانا تعبّدا، و بهذا التعبّد يرتفع موضوع البراءة العقليّة، و هو عدم البيان. و هكذا الحال في قاعدتي الاشتغال و التخيير، فإنّ موضوع الأولى عدم المؤمّن من العقاب، و الأمارة بمقتضى دليل حجّيّتها مؤمّنة منه، و موضوع الثانيّة الحيرة في الدوران بين المحذورين، و الأمارة بمقتضى دليل حجّيّتها مرجّحة لأحد الطرفين، فترتفع الحيرة.

ص: 413

و منه يظهر الحال بالنسبة إلى الأُصول الشرعية سواء كانت غير محرزة كأصل البراءة الشرعية، و مثلها أصالتا الحلّية و الطهارة، أم محرزة كالاستصحاب و أصالة الصحة في فعل النفس أو الغير.

أمّا غير المحرز منها، فلأنّ المراد من العلم في قوله «رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون»، أو قوله: «كلّ شي ء حلال حتى تعلم أنّه حرام»، أو قوله: «كلّ شي ء طاهر حتى تعلم أنّه قذر»، هو الحجّة سواء كانت وجدانية، أم شرعية اعتبرها الشارع حجّة، فإذا قامت الأمارة على حرمته أو نجاسته فقد انقلب عدم الحجة إلى وجودها، بقيام الحجّة الشرعية على الحكم.

و منه يظهر حال الأُصول المحرزة، کالاستصحاب حيث أنّ المراد من اليقين في أدلّته ليس هو اليقين الوجداني، ضرورة انّ زرارة لم يقف على طهارة ثوبه أو طهارته من الحدث بواسطة الأدلة القطعية، بل وقف عليها من طريق الحجج الشرعيّة كإخبار ذي اليد، أو من إجراء أصالة الطهارة في الماء الذي توضأ به،بل المراد هو الحجّة الشرعية، فإذاً يكون المراد من اليقين الثاني، هو الحجّة فإذا قامت الأمارة، فقد حصلت الغاية الواردة في أدلّة الاستصحاب.

و أمّا غير الاستصحاب، فاليد أمارة الملكية لو لم تكن هناك بيّنة أقوى كما في صحيحة العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: «سألته عن مملوك ادّعى انّه حرّ و لم يأت ببيّنة على ذلك، أشتريه؟ قال: نعم. و مثلها ما في الصحيح عن حمزة بن حمران(1).

ص: 414


1- الوسائل: الجزء 12، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 21.

و أمّا أصالة الصحّة في عمل نفسه فالموضوع لها هو الشكّ كما في صحيح زرارة: رجل شك في الأذان و قد دخل في الإقامة؟(1), و صحيح إسماعيل بن جابر عن أبي جعفر علیه السلام : «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض»(2).

مضافا الی أنّ الأمارة رافعة للشكّ بعد إضفاء الشارع الحجيّة لها, مضافاً إلى ما عليه العقلاء، من كون الاطمئنان الحاصل من قول الثقة علم عرفا ، بحيث لا يقيمون معه لاحتمال الخلاف قدراً و لا قيمة, و عليه فلا تعارض بين الاستصحاب و الامارات .

فاتّضح ممّا ذكرنا كون الأمارات بفضل الأدلّة القائمة على حجّيتها، واردة على الأُصول مطلقاً عقلية أو شرعية محرزة و غير محرزة. و الفرق بين المحرز و غيره بعد اشتراكهما في أنّ الغاية رفع التحيّر وجود نوع من الطريقية في المحرز دون غيره.

و بهذا البيان يتّضح الفرق بين الورود و بين الحكومة، فإنّ ورود أحد الدليلين باعتبار كون أحدهما رافعا لموضوع الآخر حقيقة، لكن بعناية التعبّد، فيكون الأوّل واردا على الثاني .

و بعبارة اخری: يكون خروج المورود عن تحت موضوع دليل آخر ناشئا عن تصرّف من ناحية الحاكم، بحيث لولا هذا التصرّف لكان دليل المورود شاملا له، كخروج الشبهة عند قيام الأمارة، أو الأصل الشرعي عليها عن موضوع حكم العقل بالبراءة، و الاشتغال،

ص: 415


1- الوسائل: الجزء 5، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 1.
2- الوسائل: الجزء 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4.

و التخيير؛ فإنّ خروجها عنه إنّما يكون ببركة التعبّدبالأمارات، و الأصول- و هذا تصرّف من ناحية الحاكم-، و لو لا التعبّد بها كانت الشبهة داخلة في موضوع الأصول العمليّة.

أمّا: الحكومة فإنّها لا توجب خروج مدلول الحاكم عن موضوع مدلول المحكوم وجدانا، و على وجه الحقيقة، بل الخروج فيها إنّما يكون حكميّا، و تنزيليّا، و بعناية ثبوت المتعبّد به اعتبارا .

و بعبارة اخری: دليل الحاكم يتصرّف فيما يتكفّله دليل المحكوم من الحكم الشرعي بعناية التصرّف في الموضوع، فينفي وجود الموضوع، أو يثبته، بأن يتصرّف، إمّا في موضوع دليل المحكوم بإدخال ما يكون خارجا عنه، أو بإخراج ما يكون داخلا فيه، كقوله: «زيد عالم» أو «زيد ليس بعالم» عقيب قوله: «أكرم العالم»، و إمّا في محمول دليل المحكوم بتضييق دائرة الحكم، و تخصيصه ببعض حالاته، كقوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ و قوله صلّى اللّه عليه و آله: «لا ضرر و لا ضرار».

الأمر الخامس: ما هو السبب لوجود الروايات المتعارضة؟

إنّ السابر في أبواب الروايات الفقهية يقف على وجود الروايات المتعارضة في کثير من الأبواب و هذا يثير سؤالاً، و هو كيف تطرق التعارض إلى روايات النبي صلی الله عليه و اله و الأئمّة الاطهار ^؟ و لم يکن هذا السؤال جديدا بل هو مطروح من زمن امير المؤمنين علیه السلام کما في خبر سليم بن قيس الهلاليّ قال: «قلت لأمير المؤمنين علیه السلام إنّي سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذرٍّ شيئاً من تفسير القرآن و أحاديث عن نبيّ اللّه - صلي الله عليه و آله - غير ما في أيدي النّاس ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم و رأيت في أيدي

ص: 416

النّاس أشياء كثيرةً من تفسير القرآن و من الأحاديث عن نبيّ اللّه - صلي الله عليه و آله - أنتم تخالفونهم فيها و تزعمون أنّ ذلك كلّه باطلٌ أ فترى النّاس يكذبون على رسول اللّه صلي الله عليه و آله متعمّدين و يفسّرون القرآن بآرائهم قال فأقبل عليّ فقال قد سألت فافهم الجواب إنّ في أيدي النّاس حقّاً و باطلًا و صدقاً و كذباً و ناسخاً و منسوخاً و عامّاً و خاصّاً و محكماً و متشابهاً و حفظاً و وهماً و قد كذب على رسول اللّه صلي الله عليه و آله على عهده حتّى قام خطيباً فقال أيّها النّاس قد كثرت عليّ الكذّابة فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النّار ثمّ كذب عليه من بعده و إنّما أتاكم الحديث من أربعةٍ ليس لهم خامسٌ رجلٍ منافقٍيظهر الإيمان متصنّعٍ بالإسلام لا يتأثّم و لا يتحرّج أن يكذب على رسول اللّه صلي الله عليه و آله متعمّداً فلو علم النّاس أنّه منافقٌ كذّابٌ لم يقبلوا منه و لم يصدّقوه و لكنّهم قالوا هذا قد صحب رسول اللّه - صلي الله عليه و آله - و رآه و سمع منه و أخذوا عنه و هم لا يعرفون حاله- و قد أخبره اللّه عن المنافقين بما أخبره و وصفهم بما وصفهم فقال عزّ و جل و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و إن يقولوا تسمع لقولهم ثمّ بقوا بعده فتقرّبوا إلى أئمّة الضّلالة و الدّعاة إلى النّار بالزّور و الكذب و البهتان فولّوهم الأعمال و حملوهم على رقاب النّاس و أكلوا بهم الدّنيا و إنّما النّاس مع الملوك و الدّنيا إلّا من عصم اللّه فهذا أحد الأربعة و رجلٍ سمع من رسول اللّه شيئاً لم يحمله على وجهه و وهم فيه و لم يتعمّد كذباً فهو في يده يقول به و يعمل به و يرويه فيقول أنا سمعته من رسول اللّه صلي الله عليه و آله فلو علم المسلمون أنّه وهمٌ لم يقبلوه و لو علم هو أنّه وهمٌ لرفضه و رجلٍ ثالثٍ سمع من رسول اللّه صلي الله عليه و آله شيئاً أمر به ثمّ نهى عنه و هو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شي ءٍ ثمّ أمر به و هو لا يعلم فحفظ منسوخه و لم يحفظ النّاسخ و لو علم أنّه منسوخٌ لرفضه و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخٌ لرفضوه- و آخر رابعٍ لم يكذب على رسول اللّه - صلي الله عليه و آله - مبغضٍ للكذب خوفاً من اللّه و تعظيماً لرسول

ص: 417

اللّه - صلي الله عليه و آله - لم ينسه بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع- لم يزد فيه و لم ينقص منه و علم النّاسخ من المنسوخ فعمل بالنّاسخ و رفض المنسوخ فإنّ أمر النّبيّ - صلي الله عليه و آله - مثل القرآن ناسخٌ و منسوخٌ و خاصٌّ و عامٌّ و محكمٌ و متشابهٌ قد كان يكون من رسول اللّه صلي الله عليه و آله الكلام له وجهان كلامٌ عامٌّ و كلامٌ خاصٌّ مثل القرآن و قال اللّه عزّ و جلّ في كتابه- ما آتاكم الرّسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا فيشتبه على من لم يعرف و لم يدر ما عنى اللّه به و رسوله صلي الله عليه و آله و ليس كلّ أصحاب رسول اللّه - صلي الله عليه و آله - كان يسأله عن الشّي ء فيفهم و كان منهم من يسأله و لا يستفهمه حتّى إن كانوا ليحبّون أن يجي ء الأعرابيّ و الطّارئ فيسأل رسول اللّه - صلي الله عليه و آله - حتّى يسمعوا و قد كنت أدخل على رسول اللّه - صلي الله عليه و آله - كلّ يومٍ دخلةً و كلّ ليلةٍ دخلةً فيخليني فيها أدور معه حيث دار و قد علم أصحاب رسول اللّه - صلي الله عليه و آله - أنّه لم يصنع ذلك بأحدٍ من النّاس غيري فربّما كان في بيتي يأتيني- رسول اللّه - صلي الله عليه و آله - أكثر ذلك في بيتي و كنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني و أقام عنّي نساءه فلا يبقى عنده غيري و إذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عنّي فاطمة و لا أحدٌ من بنيّ و كنت إذا سألته أجابني و إذا سكتّ عنه و فنيت مسائلي ابتدأني فما نزلت على رسول اللّه - صلي الله عليه و آله - آيةٌ من القرآن إلّا أقرأنيها و أملاها عليّ فكتبتها بخطّي و علّمني تأويلها وتفسيرها و ناسخها و منسوخها و محكمها و متشابهها و خاصّها و عامّها و دعا اللّه أن يعطيني فهمها و حفظها فما نسيت آيةً من كتاب اللّه و لا علماً أملاه عليّ و كتبته منذ دعا اللّه لي بما دعا و ما ترك شيئاً علّمه اللّه من حلالٍ و لا حرامٍ و لا أمرٍ و لا نهيٍ كان أو يكون و لا كتابٍ منزلٍ على أحدٍ قبله من طاعةٍ أو معصيةٍ إلّا علّمنيه و حفظته فلم أنس حرفاً واحداً ثمّ وضع يده على صدري و دعا اللّه لي أن يملأ قلبي علماً و فهماً و حكماً و نوراً فقلت يا نبيّ اللّه بأبي أنت و أمّي منذ دعوت اللّه لي بما

ص: 418

دعوت لم أنس شيئاً و لم يفتني شي ءٌ لم أكتبه أ فتتخوّف عليّ النّسيان فيما بعد فقال لا لست أتخوّف عليك النّسيان و الجهل»(1). فهذه مجموعة من العوامل و هنالک عوامل خری أوجدت هذا التعارض، و هي:

1. حدوث التقطيع في الروايات

روى العامّة عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «إنّ اللّه خلق آدم على صورته»، فصار ذلك مستمسكاً للمشبِّهة قائلين بأنّ الضمير في «صورته» يرجع إلى اللّه سبحانه مع أنّ الإمام الرضا علیه السلام كشف النقاب عن وجه الرواية و قال: «قاتلهم اللّه حذفوا أوّل الحديث، انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم رأى رجلين يتسابّان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبّح اللّه وجهَك و وجهَ من يُشْبِهُك، فقال صلى الله عليه و آله و سلم : يا عبد اللّه لا تقُل هذا لأخيك فانّ اللّه عزّ و جلّ خلق آدم على صورته»(2), و قد تطرّق هذا الأمر إلى الأحاديث الفقهية.

روت العامة عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم «انّه قال: لرجل أتاه فقدّم أباه، فقال له صلى الله عليه و آله و سلم : أنت و مالك لأبيك» .

و قد استدلّ بهذه الرواية على ولاية الأب على مال الولد و نفسه، و إنّما يصحّ الاستدلال لو صدرت الرواية بهذا النحو، و لكن الوارد من طرقنا يشرح مقصود الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من هذا الكلام و يعرب عن كونه صلى الله عليه و آله و سلم بصدد بيان حكم أخلاقي لا شرعي حتى يستفاد منه الولاية على الأموال بل النفوس، يقول الإمام الصادق علیه السلام بعد نقله: «إنّما جاء بأبيه إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقال: يا رسول

ص: 419


1- الكافي (ط - الإسلامية)، ج 1، ص: 62 ح1 باب اختلاف الحديث.
2- توحيد الصدوق: الباب 12، الحديث 10 و 11.

اللّه صلى الله عليه و آله و سلم هذا أبي و قد ظلمني ميراثي من أُمّي، فأخبره الأب، أنّه قد أنفقه عليه و على نفسه، و قال: أنت و مالك لأبيك، و لم يكن عند الرجل شي ء أ وَ كان رسول اللّه يحبسالأب للابن؟!»(1), و الدقة في ألفاظ الرواية و قوله: «أ وَ كان رسول اللّه يحبس الأب للابن؟!» تعرب عن كون الكلام وارداً لبيان أصل أخلاقي يجدر على الابن رعايته. و تكشف عن عدم ولايته على مال الابن و إنّما لم يحبسه لعدم الفائدة فيه لكونه معدِماً أوّلًا و ترفّع مقام الأب عن الحبس بصرف مال الولد ثانياً.

2. أخذ عرف الراوي بنظر الاعتبار

انّ أكثر المتلقّين عن أئمّة أهل البيت ^ كانوا عرباً و لكن كان لهم أعراف مختلفة، مثلاً الرطل الذي هو عند الجميع حاك عن الوزن و المقدار يختلف مقداره عند المكي و العراقي، فالرطل المكي ضِعْف الرطل العراقي، و بذلك اختلفت الأخبار في بيان الكرّ ففي بعض منها الكرّ ستمائة رطل، و في بعض آخر الكرّ من الماء الذي لا ينجسه شي ء ألف و مائتا رطل، و هما في بادئ النظر مختلفان لكن بالنظر إلى العرف الذي تكلّم به الإمام ينحلّ به الاختلاف فانّ المخاطب في الخبر الأوّل هو محمد بن مسلم الثقفي الطائفي، و الطائف قريبة من مكة، و لكن المخاطب في الثاني هو محمد بن أبي عمير البغدادي و بذلك يتحد مضمون الروايات فانّ الكرّ حسب العرف الأوّل هو 600 رطل و حسب العرف الثاني 1200 رطل و في الوقت نفسه هما أمر واحد قد عُبّر عنه بتعبيرين(2).

3. ملاحظة مصلحة الراوي حين الإفتاء

ص: 420


1- الوسائل: 196/ 12 197، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8.
2- الوسائل: الجزء 1، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3، 1.

إنّ الأخذ بمصلحة الراوي ممّا أوجب اختلاف الروايات، ففي الفقه الإمامي المتواتر عن الإمام الصادق علیه السلام هو انّ الرجل إذا مات و ترك ابنة واحدة فقط فالتركة جميعاً لها: نصفها بالفرض و النصف الآخر بالرد، على خلاف ما عليه الفقه العامّي فانّ النصف عندهم للبنت و النصف الآخر للعَصَبَة.

فترى أنّ الإمام الصادق علیه السلام في الرواية التالية يُفتي بفتوى العامّة رعاية لمصلحة الراوي، فروى سلمة بن محرز، قال: قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : إنّ رجلًا مات و أوصى إليَّ بتركته و ترك ابنته، قال: فقال لي: أعطها النصف، قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي: اتّقاك إنّما المال لها، قال: فدخلت عليه بعدُ، فقلت: أصلحك اللّه إنّ أصحابنا زعموا أنّك اتّقيتني؟ فقال: لا و اللّه ما اتّقيتك و لكنّي اتقيت عليك أن تَضْمَنَ, فهل علم بذلك أحد؟ قلت: لا، فقال: فأعطها ما بقي»(1).

4. الدسّ و التزوير في الروايات

كان بين أصحاب الأئمّة رجال غالوا في مقامات الأنبياء و الأئمة ^ و بذلك وُصِفُوا بالغلاة و قد ورد في ذمهم انهم شرّ الناس، فمنهم: المغيرة بن سعيد، و أبو زينب الأسدي المعروف بأبي الخطاب تارة و أبي الذبيان أُخرى، و إليه تُنسب الفرقة الخطّابية، فقد دسَّ هؤلاء روايات منكرة في كتب أصحاب أبي جعفر الباقر علیه السلام و أبي عبد اللّه الصادق علیه السلام .

فروى هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه علیه السلام انّه كان يقول: كان المغيرة بن سعيد يتعمَّد الكذب على أبي و يأخذ كتب أصحابه، و كان أصحابه المستترون بأصحاب أبي، يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسّ فيها الكفر و الزندقة

ص: 421


1- الوسائل: 442/ 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأبوين، الحديث 3.

و يُسندها إلى أبي ثمّ يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثُّوها في الشيعة، فكلّما كان في كتب أصحاب أبي من الغلوّ فذاك ممّا دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم(1). و يشهد لذلک ايضا ما رواه الكشي عن يونس بن عبد الرحمان، قال: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر علیه السلام و وجدت أصحاب أبي عبد اللّه علیه السلام متوافرين، فسمعت منهم و أخذت كتبهم فعرضتها من بعدُ على أبي الحسن الرضا علیه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد اللّه علیه السلام و قال لي: إنّ أبا الخطاب كذّب على أبي عبد اللّه علیه السلام ، لعن اللّه أبا الخطاب، و كذلك أصحاب أبي الخطاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد اللّه علیه السلام ، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فانّا إن تحدثنا، حدَّثنا بموافقة القرآن و موافقة السنّة(2).

ثمّ إنّ الدس و التزوير لم ينحصر بهذين الرجلين، بل جاء بعدهما جماعة لهم دور في التزوير كفارس بن حاتم القزويني، و الحسن بن محمد بن بابا، و محمد بن نُصَير النميري، و أبي طاهر محمد بن علي بن بلال، و أحمد بن هلال، و الحسين بن منصور الحلّاج، و ابن أبي عذافر، و أبي دلف، و جمع كثير ممّن يتسمّى بالشيعة فإليهم تُسند المقالات الشنيعة من الغلو و التفويض و الإباحات و التناسخ، و قد خرجت في لعنهم التوقيعات عنهم عليهم السلام . و أورد الكشي أخبارهم.

5. النقل بالمعنى

إنّ من أسباب الاختلاف عدم عناية الراوي بنقل كلام الإمام بنصِّه و الاكتفاء بمعناه، فعند ذلك تطرق الاختلاف بين الأحاديث، إذ ربما كان نصّ الإمام علیه السلام مشتملًا على قرينة

ص: 422


1- رجال الكشي: 196 برقم 103.
2- رجال الكشي: 195 برقم 103.

على المراد، حذفها الراوي باعتقاد انّها غير دخيلة في المعنى، و ها هو منصور بن حازم يقول: قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام رجل تزوج امرأة و سمَّى لها صداقاً، ثمّ مات عنها و لم يدخل بها؟ قال: لها المهر كاملًا، و لها الميراث. قلت: فإنّهم رووا عنك انّ لها نصف المهر؟ قال: لا يحفظون عنّي، إنّما ذلك للمطلّقة(1).

نعم كان لفيف من الأصحاب ملتزمين بنقل التعبير بنصّه حيث كانوا يكتبون الحديث في مجلس السماع كما جاء في بعض روايات زرارة(2).

6. عدم إتقان اللغة العربية

إنّ من أسباب الاختلاف عدم إتقان اللغة العربية من قبل بعض الرواة غير العرب كعمّار بن موسى الساباطي، فهو فطحي ثقة، لكنّه من الموالي غير العرب، و لذلك نجد اضطراباً ملحوظاً في أغلب ما رواه، و لذلك قال الشيخ في الاستبصار: انّه لا يعمل بمتفردات عمّار(3).

مضافا الی أنّ عدة من الرواة لم يكن همّهم نقلَ الحديث و دراستَه و مذاكرتَه، و إنّما سألوا عن أشياء و أُجيبوا فنقلوه إلى الآخرين، و هذا كصفوان الجمّال الذي کان جمالا و لم مثل زرارة و اضرابه, فهذا الصنف من الرواة يختلف حالهم مع من كان مولعاً بتعلّم الحديث و نقله و ضبطه، كزرارة و محمد بن مسلم.

ص: 423


1- الوسائل: 77/ 15، الباب 58 من أبواب المهور، الحديث 24.
2- الوسائل: 110/ 3، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 33.
3- الاستبصار: 372/ 1. قال: لا يعمل على ما يختص بروايته و قد جمع ما تفرّد به المحقّق التستري في قاموس الرجال: 19/ 8 30 و قال: و أكثر ألفاظ أخباره معقّدة، مختلة النظام، و منها في مكان الإمام و المأموم.

قال زرارة: قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : جعلني اللّه فداك أسألك في الحج منذ أربعين عاماً فتُفتيني؟ فأجابه الإمام بما يزيل عنه هذه الحيرة.

فقال علیه السلام : «يا زرارة، بيت حُجَّ إليه قبل آدم بألفي عام تريد أن تُفنى مسائله في أربعين عاماً»(1), و كم فرق بين راو اناخ مطيّته عند عتبة أئمّة أهل البيت ^ أربعين سنة لأخذ الحديث، و راو يسأل الأئمّة ^ طول عمره مرّة أو مرتين. و من الواضح بمكان انّ روايات الراوي الأوّل أتقن بكثير من الراوي الثاني.

7. خلط روايات الائمة الاطهار ^ بروايات العامة

فعن الفضل بن شاذان، قال: سأل أبي رضي اللّه عنه, محمّد بن أبي عمير، فقال له: إنّك قد لقيت مشايخ العامّة فكيف لم تسمع منهم؟ فقال: قد سمعت منهم، غير أنّي رأيت كثيرا من أصحابنا قد سمعوا علم العامّة و علم الخاصّة، فاختلط عليهم حتى كانوا يروون حديث العامّة عن الخاصّة و حديث الخاصّة عن العامّة، فكرهت أن يختلط عليّ، فتركت ذلك و أقبلت على هذا(2).

8 . التقية

إنّ من أحد الأسباب لطروء الاختلاف في الأخبار المروية عنهم هو إفتاء أئمّة أهل البيت ^ على خلاف مذهبهم تقيّة من السلطان أوّلًا، و القضاة الذين كان بيدهم الأُمور ثانياً، و حفظ نفوس شيعتهم ثالثاً.

أمّا الأوّل و الثاني فواضحان، إنّما الكلام في الثالث و هو انّ الإفتاء على خلاف مذهبهم كان سبباً لحفظ الشيعة، فبيانه: إنّهم ^ لو كانوا مفتين على وفق مذهبهم دائماً كان

ص: 424


1- الوسائل: الجزء 8 ، الباب 1 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث 12.
2- قاموس الرجال، ج 9، ص: 41.

ذلك سبباً لانتشار مذهبهم بين الشيعة و عملهم على فتياهم، و لأضحى ذلك سمة مميّزة لهم و بالتالي مُثيراً لحفيظة الآخرين عليهم، تعقبها مضاعفات أُخرى خطيرة.

فروى الشيخ في التهذيب صحيحا عن سالم بن أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: سأله إنسان و أنا حاضر، فقال: ربما دخلت المسجد و بعض أصحابنا يصلُّون العصر، و بعضهم يصلُّون الظهر؟ فقال: أنا أمرتهم بهذا لو صلُّوا على وقت واحد عُرفوا فأُخذوا برقابهم(1), و لأجل هذه الدواعي المختلفة كان أئمّة الشيعة تتقي بين الحين و الآخر، و بذلك اختلفت الأخبار المأثورة عنهم، بما انّ بعضها إفتاء وفق الواقع، و الآخر إفتاء وفق مذهب الآخرين.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ إفتاء الأئمّة عليهم السلام على وفق التقية كان أمراً ذائعاً، و يدلّ على ذلك أُمور نذكر منها ما يلي:

الأوّل: انّ بعض الشيعة كانوا يكاتبون أئمتهم و يطلبون منهم الإفتاء وفق الواقع لا وفق التقية, فروى الصدوق عن يحيى بن أبي عمران أنّه قال: كتبت إلى أبيجعفر الثاني علیه السلام في السنجاب و الفنك و الخز، و قلت: جعلت فداك، أحب أن لا تجيبني بالتقية في ذلك؟ فكتب بخطه إليَّ: صلّ فيها(2).

الثاني: انّ أصحاب الأئمّة الذين كانوا بطانة لعلومهم و مذاهبهم، كانوا يميّزون الحكم الصادر عن تقيّة و الصادر لا عن تقيّة، فإذا روى شخص عن الأئمة حديثاً و كان على

ص: 425


1- الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب المواقيت، الحديث 3.
2- الوسائل: 3، الباب 3 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 6.

وجه التقية، يخاطبونه بقولهم أعطاك من جراب النورة. و أمّا إذا كان لا على نحو التقيّة يقولون: أعطاك من عين صافية(1).

ثمّ إنّ الإفتاء على وفق التقية كان يتناسب مع حجم الأخطار المحدقة، فإذا كان الخطر دائماً بالنسبة إلى شخص، يفتيه الإمام على وفق التقية من دون أن يحدّد ظرف العمل به، و إذا كان الخطر موقتاً و مقطعيّاً يفتيه على وجه مؤقت ثمّ يرشده إلى من يهديه إلى الحكم الواقعي. فروى علي بن سعد البصري، قال: قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : إنّي نازل في قوم بني عديّ و مؤذِّنهم و إمامهم و جميع أهل المسجد عثمانيّة يبرءون منكم و من شيعتكم، و أنا نازل فيهم فما ترى في الصلاة خلف الإمام؟ فقال علیه السلام : صلِّ خلفه و احتسب بما تسمع، و لو قدمت البصرة لقد سألك الفضيل بن يسار و أخبرته بما أفتيتك فتأخذ بقول الفضيل و تدع قولي، قال عليّ: فقدمت البصرة فأخبرت فضيلًا بما قال: فقال: هو أعلم بما قال، و لكنّي قد سمعته و سمعت أباه يقولان: لا تعتدّ بالصلاة خلف الناصبيّ و اقرأ لنفسك كأنّك وحدك(2).

هذه مجموعة من الأسباب الموجبة لطروء الاختلاف في الأخبار المروية عن الأئمّة ^ و لعل هناك أسباباً أُخرى لم نقف عليها.

اقسام التعارض

إذا عرفت هذه الامور فاعلم أنّ الكلام يقع في فصلين:

الأوّل: التعارض البدوي غير المستقر.

الثاني: التعارض المستقر.

ص: 426


1- الوسائل: 508/ 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأعمام و الأخوال، الحديث 2.
2- الوسائل: 389/ 5، الباب 10 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4.

و المراد من الأمر الأوّل هو التعارض الذي يتبادر إلى الذهن قبل الإمعان في القرائن الحافَّة بالخبرين و لكنّه بعد الإمعان يظهر عدم وجود الاختلاف بينها و ذلك بتحكيم الأظهر على الظاهر.

كما أنّ المراد من الثاني هو التنافي المستمر الذي لا يزول مع الإمعان في الخبرين أو الأُمور الخارجة عنهما بل يبقى التنافي بحاله.

فمن القسم الأوّل تقديم الخاص على العام، و المقيد على المطلق، و الوارد على المورود، و الحاكم على المحكوم و منه: تقدم العناوين الثانوية على العناوين الأوّلية لحکومتها، و لذلك لا نعد هذه الأُمور من المتعارضين اللذين يرجع فيهما إلى المرجحات.

و أمّا القسم الثاني فهو ما يكون التنافي مستمراً دائماً من دون أن تكون بينها الأظهرية.

الفصل الأوّل في التعارض البدوي غير المستقر

و فيه مباحث:

المبحث الأوّل: في قاعدة الجمع مهما أمكن أولى من الطرح

قد اشتهر على الألسن قولهم: الجمع مهما أمكن أولى من الطرح و الأساس لهذه القاعدة هو ابن أبي جمهور الأحسائي حيث قال: «أن كل حديثين ظاهرهما التعارض يجب عليك أولا البحث عن معناهما و كيفيات دلالات ألفاظهما فإن أمكنك التوفيق بينهما بالحمل على جهات التأويل و الدلالات فاحرص عليه و اجتهد في تحصيله فإن العمل بالدليلين مهما أمكن خير من ترك أحدهما و تعطيله بإجماع العلماء»(1), و قد بحث الشيخ الاعظم

ص: 427


1- عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، ج 4، ص: 136.

عنها بحثا مفصلا(1), و قد تقدم ضعف کتاب العوالي و صاحبه و رواياته مضافا الی انه هنا قد اسند القضية الی اجماع العلماء و هو کما تری .

و کيف کان فان کان المراد هو الجمع الدلالتي فلا کلام فيه و سيأتي البحث عنه, و ان کان المراد الجمع بالحمل على جهات التأويل و الدلالات لأن العمل بالدليلين مهما أمكن خير من ترك أحدهما و تعطيله حسب تعبيره, فلا دليل عليه و لا شاهد له بل هو مجرد استحسان و هو ليس من مذهبنا, و بعبارة اخری: ان کان المراد من الجمع بالحمل على جهات التأويل و الدلالات هو الجمع التبرّعيّ و الذي يرجع إلى التأويل الكيفيّ فهذا مما لا يساعد عليه عرف أهل المحاورة، ولا شاهد عليه من دليل ثالث فلا حجية فيه و لذا اجد من المناسب الاعراض عنه .

المبحث الثاني: الجمع العرفيّ

الجمع العرفي او الجمع المقبول کما سمّاه الشيخ الأعظم رحمه الله(2) اي: المقبول عند العرف. و يسمّى بالجمع الدلاليّ ايضا, لانه به يخرج الدليلان عن التعارض. و الوجه في ذلك أنّه إنّما نحكم بالتساقط، أو التخيير، أو الرجوع إلى المرجحات، حيث تكون هناك حيرة في الأخذ بهما معا. و في موارد الجمع العرفيّ لا حيرة، و لا تردّد.

و بعبارة أخرى: إنّه لمّا كان التعبّد بالمتنافيين مستحيلا فلا بدّ من العلاج، إمّا بطرحهما، أو بالتخيير بينهما، أو بالرجوع إلى المرجّحات، و أمّا: لو كان الدليلان متلائمين غير متنافيين بمقتضى الجمع العرفيّ المقبول فإنّ التعبّد بهما معا يكون تعبّدا بالمتلائمين، فلا استحالة فيه، و لا محذور حتى نحتاج إلى العلاج.

ص: 428


1- فرائد الاصول ج4 ص19.
2- فرائد الأصول 2: 804 .

المبحث الثالث: في شرائط الجمع الدلالي

يشترط في الجمع الدلالي عدة أُمور:

1. إحراز أصل الصدور، فلو كان هناك علم إجمالي بكذب أحد الخبرين، فلا تصل النوبة إلى الجمع، لأنّ المراد من الجمع، هو الجمع بين الحجّتين، فإذا عُلم كذب أحدهما و عدم صدوره عن الحجّة فلا يكون هناك جمع بين الحجّتين، بل يعدّ جمعاً بين الحجة و اللاحجّة و هو أمر باطل، و لذلك يجب أن لا يكون هناك علم بعدم الصدور. نعم لا يضرّ احتمال عدمه إذا دلّ الدليل على حجّيته كما في قول الثقة.

2. إحراز جهة الصدور و انّ المتكلّم ألقى خطابه بدافع بيان الحقيقة لا تقيةً لدفع الشرّ و الضرر و يكفي في إحرازه، كون الأصل عند العقلاء هو هذا، بخلاف ما إذا علم أنّ واحداً منهما صدر تقيّة فلا تصل النوبة إلى الجمع، لما عرفت من أنّ الغاية هو الجمع بين الحجّتين، و ما صدر تقيّة ليس بحجّة بعد العلم بصدوره كذلك.

3. كون الكلامين لمتكلم واحد امّا حقيقة أو اعتباراً، كما هو الحال في كلمات أئمّة أهل البيت عليهم السلام حيث إنّهم لا يصدرون إلّا عن مَشْرَع واحد، فكلام الإمام الباقر علیه السلام نفس كلام الإمام الصادق علیه السلام ، لأنّ الجميع ينقلون عن آبائهم عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم عن جبرئيل عن اللّه سبحانه.

4. صحة التعبّد بكلّ واحد من الدليلين بعد الجمع، و إلّا فلو اقتضى الجمع لغوية أحد الدليلين كما إذا انجرّ التخصيص إلى الاستهجان او الخروج المستوعب لما عدّ محلاً للجمع.

5. وجود قرينة بين الدليلين أو في الخارج عنهما على التصرّف في أحدهما دون الآخر، و إلّا لا يكون الجمع مقبولًا، بل جمعاً تبرعياً لا قيمة له في سوق الاعتبار.

ص: 429

المبحث الرابع: في تقديم الخاص علی العام و النص على الظاهر

و للجمع العرفيّ موارد:

منها: ما إذا كان أحد الدليلين أخصّ من الآخر، فإنّ الخاصّ مقدّم على العامّ، و يوجب التصرّف فيه؛ لأنّه بمنزلة القرينة عليه.

و قد جرى البحث في أنّ الخاصّ مطلقا بما هو خاصّ مقدّم على العامّ، أو إنّما يقدّم عليه لكونه أقوى ظهورا، فلو كان العامّ أقوى ظهورا كان العامّ هو المقدّم؟ المعروف أنّ الخاصّ لاجل أقوائية ظهوره يقدّم علی العام من باب تقديم الأظهر على الظاهر أو النصّ على الظاهر, و لا وجه لکونه خاصا .

و السرّ في ذلك أنّ الكلام مطلقا- عامّا کان ام غيره- لا يستقرّ له الظهور و لا ينعقد إلّا بعد الانتهاء منه و الانقطاع عرفا على وجه لا يبقى بحسب العرف مجال لإلحاقه بضميمة تصلح لأن تكون قرينة تصرفه عن ظهوره الابتدائيّ الأوّليّ، و إلّا فالكلام ما دام متّصلا عرفا فإنّ ظهوره مراعى، فإن انقطع من دون ورود قرينة على خلافه استقرّ ظهوره الأوّل، و انعقد الكلام عليه، و إن لحقته القرينة الصارفة تبدّل ظهوره الأوّل إلى ظهور آخر حسب دلالة القرينة، و انعقد حينئذ على الظهور الثاني. و لذا لو كانت القرينة مجملة أو إن وجد في الكلام ما يحتمل أن يكون قرينة أوجب ذلك عدم انعقاد الظهور الأوّل، و لا ظهور آخر، فيعود الكلام برمّته مجملا، و اما اذا انقطع الكلام بدون ورود ما يصلح للقرينة على التخصيص، فيستقرّ ظهوره الابتدائيّ في العموم، غير أنّه إذا ورد المخصّص المنفصل يزاحم ظهور العامّ، فيقدّم عليه من باب أنّه قرينة عليه، كاشفة عن المراد الجديّ.و هنا نكتة جديرة بالإشارة و هي انّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم دعا الناس في مكة المكرمة إلى التوحيد و نبذ الشرك ما يربو على ثلاثة عشر عاماً و لم تسنح له الفرصة

ص: 430

لبيان الأحكام و التشريعات الهائلة في شريعته، و لما هاجر إلى المدينة شغلته الحروب و الغزوات و مجادلة أهل الكتاب و مواجهة المنافقين إلى غير ذلك من الشواغل التي حالت دون بيان أحكام الشريعة بتفاصيلها. فبيّن ما بيّن و ترك التفاصيل و الجزئيات على عاتق العترة الطاهرة ^ الذين هم عدل الكتاب بتنصيص منه - ص- حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي» فقامت العترة واحداً بعد واحد ببيان التفاصيل و المقيّدات و المخصّصات للتشريعات السابقة. فصار هذا سبباً لتقديم الخاص على العام و المقيّد على المطلق، و على ذلك جرت سيرة العلماء و ديدنهم في أبواب الفقه.

و منها: ما إذا كان أحد العامّين من وجه بمرتبة لو اقتصر فيه على ما عدا مورد الاجتماع يلزم التخصيص المستهجن؛ إذ يكون الباقي من القلّة لا يحسن أن يراد من العموم، فإنّ مثل هذا العامّ يقال عنه: «إنّه يأبى عن التخصيص». فيكون ذلك قرينة على تخصيص العامّ الثاني.

و منها: ما إذا كان أحد العامّين من وجه واردا مورد التحديدات، كالأوزان، و المقادير، و المسافات، فإنّ مثل هذا يكون موجبا لقوّة الظهور على وجه يلحق بالنصّ، إذ يكون ذلك العامّ أيضا ممّا يقال فيه: «إنّه يأبى عن التخصيص».

و منها: تقديم الأظهر على الظاهر, ثمّ إنّ الأظهرية ربما تكون واضحة لدى الكل، و ذلك كما هو الحال في تقديم الخاص على العام، و المقيّد على المطلق، و الحاكم على المحكوم، و الوارد على المورود، و ربما تكون الأظهرية خفيّة و مورداً للنقاش، و ذلك كالموارد التالية:

1. إذا دار الأمر بين تخصيص العام و تقييد المطلق.

2. إذا دار الأمر بين التصرّف في الإطلاق البدلي أو الشمولي.

ص: 431

3. إذا دار الأمر بين التخصيص و النسخ.

4. إذا كان لأحد الدليلين قدر متيقّن دون الآخر.

5. إذا كان التخصيص في أحد الدليلين مستهجناً.

6. إذا دار الأمر بين التقييد و حمل الأمر على الاستحباب.

فالبحث في هذه الموارد صغروي، أي لتمييز الأظهر عن الظاهر، و إلّا فالكبرى مسلّمة و هو لزوم تقديم الأظهر على الظاهر، و إليك تفصيل الكلام:

دوران الأمر بين تخصيص العام و تقييد المطلق

إذا قال المولى: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم الفاسق، فدار أمر العالم الفاسق بين دخوله تحت الحكم الأوّل أو الثاني، فعلى تقديم العام على المطلق يلزم التقييد في جانب الثاني، فيكون المراد لا تكرم الفاسق غير العالم، و على العكس يلزم التخصيص في العموم، فهل يقدّم تقييد المطلق على تخصيص العام أو لا؟ اختار الشيخ الأعظم تقديم العام على المطلق و لزوم التصرّف في الثاني دون الأوّل(1)، و ذكر في تقديم العموم على الإطلاق وجهين:

أحدهما: يبتني على مقالة سلطان العلماء في حقيقة الإطلاق و الموضوع له أسماء الأجناس، و ثانيهما يبتني على مقالة المشهور, و توضيحه: يتوقّف على تقديم مقدّمة:

و هي: أنّ في حقيقة الإطلاق و الموضوع له أسماء الأجناس, قولين:

ص: 432


1- فرائد الاصول 4: 97- 98.

الاول: أنّ أسماء الأجناس هي موضوعة لمعانيها بما هي شائعة و مرسلة على وجه يكون الإرسال- أي الإطلاق- مأخوذا في المعنى الموضوع له اللفظ كما نسب إلى المشهور من القدماء قبل سلطان العلماء(1).

الثاني: أنّها موضوعة لنفس المعاني بما هي، و الإطلاق يستفاد من دالّ آخر، و هو نفس تجرّد اللفظ من القيد إذا كانت مقدّمات الحكمة متوفّرة فيه؟ و قد صرّح بالقول الثاني سلطان العلماء رحمه الله في حاشيته على معالم الأصول(2)، و تبعه جميع من تأخّر عنه(3).فعلى القول الأوّل يكون استعمال اللفظ في المقيّد مجازا، و على القول الثاني يكون حقيقة.

إذا عرفت هذا، فاعلم: أنّ الشيخ الأعظم وجّه تقديم العموم على الإطلاق بوجهين:

أمّا الوجه الأوّل فيبتني على مقالة سلطان العلماء و حاصله: أنّ ظهور العامّ في العموم قدّم على ظهور المطلق في الإطلاق، لكون ظهور العامّ في العموم تنجيزيّ، لأنّه مستند إلى الوضع الّذي لم يعلّق على شي ء، بل يكون نفس لفظ العامّ تمام المقتضي في ظهوره في العموم. بخلاف ظهور المطلق في الإطلاق، فإنّه معلّق على عدم البيان، فيكون عدم البيان جزء المقتضي، لظهوره في الإطلاق، و العامّ صالح للبيانيّة، فلا يتمّ مقتضيه، فلا يؤخذ

ص: 433


1- نسب إليهم في فوائد الأصول 2: 564 و 566، و نهاية الأفكار، 2: 560 .
2- طبعت هذه الحاشية ضمن المعالم المطبوع سنة 1378، المكتبة العلميّة الإسلاميّة: 155.
3- راجع مطارح الأنظار: 218؛ كفاية الأصول: 287، فوائد الأصول 2: 566؛ نهاية الأفكار 2: 563 ؛ المحاضرات 5: 363 .

بالإطلاق و يقدّم العامّ، لعدم تماميّة مقتضي الإطلاق مع وجود العامّ و تماميّة مقتضي العامّ مع وجود المطلق.

و ممّا ذكر يظهر أنّ الوجه في تقديم العامّ على الإطلاق و تقييده به هو وجود تمام المقتضي في العامّ مع وجود المطلق؛ و أمّا تقديم الإطلاق على العموم و تخصيصه به فإمّا يكون اقتراحا محضا و بلا وجه. و إمّا يكون على نحو دائر، إذ تقديم المطلق على العامّ و العمل به موقوف على طرح العامّ، لعدم تماميّة مقتضی الإطلاق مع وجود العامّ، و طرح العامّ موقوف على العمل بالمطلق، و هذا دور.

و أمّا الوجه الثاني فيبتني على مقالة المشهور قبل سلطان العلماء, و حاصله: أنّ التقييد في المحاورات العرفيّة أكثر من التخصيص، و هذا يوجب أظهريّة العامّ في العموم من ظهور المطلق في الإطلاق.

و اورد علی الوجه الاول المحقق الخراساني: بأنّ عدم البيان الذي هو جزء المقتضي في مقدمات الحكمة إنّما هو عدم البيان في مقام التخاطب لا إلى الأبد، و المقتضي بهذا المعنى محرز فيكون مرجع الشكّ في كلّ منهما بعد إحراز المقتضي إلى وجود المانع أي مانعيّة كلّ للآخر و لا مرجّح(1), و حاصله: إنّالبيان- و هو العامّ- إنّما يمنع عن انعقاد الظهور للمطلق إذا ورد في مقام التخاطب و متّصلا بالمطلق، لا فيما إذا ورد منفصلا عنه. و المفروض هنا أنّ العامّ ورد منفصلا عن المطلق، و هو لا يمنع عن انعقاد الظهور للمطلق.

ص: 434


1- كفاية الأُصول: 404/ 2.

و حينئذ يكون ظهور المطلق في الإطلاق تامّا. فيقع التعارض بين الظهورين، فلا بدّ في ترجيح أحدهما على الآخر من ملاحظة خصوصيّات كلّ منهما بحسب المورد.

و يرد عليه ما افاده المحقق الخوئي حيث قال: و الصحيح ما ذكره الشيخ رحمه الله إذ بعد كون العام صالحاً للقرينية على التقييد، كما اعترف به صاحب الكفاية في بحث الواجب المشروط(1), لا فرق بين كونه متصلاً بالكلام أو منفصلاً عنه، غاية الأمر أنّه مع ورود العام منفصلاً يكون الاطلاق حجة ما لم يرد العام لتحقق المعلّق عليه، و هو عدم البيان إلى زمان ورود العام، و بعده ينقلب الحكم من حين ورود العام لا من أوّل الأمر، لا نقول: إنّ حين وصول العام يحكم بأنّ الاطلاق غير مراد من هذا الحين، بل يحكم بأنّ الظهور لم يكن مراداً من الأوّل، لكنّه كان حجة إلى حين وصول العام، نظير الاصول العملية بالنسبة إلى الأمارات، فانّ الأصل متّبع ما لم تقم أمارة على خلافه، و بعد قيامها يرفع اليد عن الأصل من حين قيام الأمارة- و إن كان مفادها ثبوت الحكم من الأوّل- و المقام كذلك، غاية الأمر أنّ العام المتصل مانع عن انعقاد الظهور في المطلق، و العام المنفصل كاشف عن عدم تعلق الارادة الجدية بالاطلاق من لفظ المطلق، و هذا المقدار لا يوجب الفرق في الحكم من وجوب تقديم العام على المطلق(2).

ص: 435


1- كفاية الاصول: 106.
2- كفاية الأُصول: 404/ 2.

و اورد المحقق الخراساني علی الوجه الثاني: بان أغلبيّة التقييد مع كثرة التخصيص- بمثابة قد قيل: «ما من عامّ إلّا و قد خصّ»- غير مفيد؛ فلا بدّ في كلّ قضيّة من ملاحظة خصوصيّاتها الموجبة لأظهريّة أحدهما من الآخر(1).

قلت: و الامر کما افاد الّا اننا لا نقول بهذا المبنی بل الصحيح مبنی سلطان العلماء .

دوران الأمر بين التصرّف في الإطلاق الشمولي أو البدلي

کما إذا قال المولى: لا تكرم الفاسق، فهو بإطلاقه الشمولي ينفي إكرام كلّ فرد من أفراد الفاسق من غير فرق بين الجاهل و العالم.

و إذا قال: أكرم عالماً، فهو بإطلاقه البدلي يُلزم إكرام واحد من أفراد العلماء على البدل، من دون فرق بين كون ذلك الفرد عادلًا أو فاسقاً. فيتعارضان في الفاسق العالم. و قد ذهب المحقّق النائيني إلى تقديم الإطلاق الشمولي على البدلي(2), و ذكر المحقق الخوئي له وجوهاً مع ردها فقال:

الأوّل: أنّ الحكم في الاطلاق الشمولي يتعدد بتعدد الأفراد، لثبوت الحكم لجميع الأفراد على الفرض المعبّر عنه بتعلق الحكم بالطبيعة السارية، فينحل الحكم إلى الأحكام المتعددة على حسب تعدد الأفراد، بخلاف الاطلاق البدلي، فانّ الحكم فيه واحد متعلق بالطبيعة المعبّر عنه بتعلق الحكم بصرف الوجود، غاية الأمر أنّه يصح للمكلف في مقام الامتثال تطبيق الطبيعة في ضمن أيّ فرد شاء و هو معنى الاطلاق البدلي، فتقديم الاطلاق

ص: 436


1- [3]مصباح الأصول، ج 2، ص: 454.
2- أجود التقريرات 1: 236.

البدلي يوجب رفع اليد عن الحكم في الاطلاق الشمولي بالنسبة إلى بعض الأفراد، بخلاف تقديم الاطلاق الشمولي، فانّه لا يوجب رفع اليد عن الحكم في الاطلاق البدلي، إذ لا تعدد فيه، بل يوجب تضييق دائرته.

مثلًا إذا قال المولى: أكرم عالماً و لا تكرم الفاسق، يكون الحكم في الاطلاق البدلي واحداً، و هو وجوب إكرام فرد من العالم، و في الاطلاق الشمولي متعدداً و هو حرمة إكرام كل فرد من أفراد الفاسق على فرض تمامية مقدمات الحكمة، فلو قدّمنا الاطلاق البدلي في مادة الاجتماع- و هو العالم الفاسق- لرفعنا اليد عن الحكم في الاطلاق الشمولي بالنسبة إلى هذا الفرد و هو العالم الفاسق، بخلاف ما إذا قدّمنا الاطلاق الشمولي، فانّه لا يوجب رفع اليد عن الحكم المذكور في الاطلاق البدلي بالنسبة إلى بعض الأفراد، لأنّه ليس فيه إلّا حكم واحد، غاية الأمر أنّه يوجب تضييق دائرته، فيجب على المكلف في مقام الامتثال تطبيق الطبيعة بالعالم غير الفاسق، هذا.

و فيه أوّلًا: أنّه مجرد استحسان، و قد ذكرنا أنّ الميزان في التقديم كون أحد الدليلين قرينةً على التصرف في الآخر بحسب فهم العرف، كالدليل الحاكم بالنسبة إلى الدليل المحكوم، و المقام ليس كذلك، إذ الاطلاقان في مرتبة واحدة من الظهور، لتوقف كليهما على جريان مقدمات الحكمة، فمجرد كون تقديم أحدهما موجباً لرفع اليد عن الحكم دون الآخر لا يوجب كون الآخر قرينةً على التصرف فيه.

و ثانياً: أنّ الاطلاق البدلي لا ينفك عن الاطلاق الشمولي أبداً، فان قوله: أكرم عالماً، حكم بوجوب إكرام فرد من العالم على البدل، و هو يستلزم ترخيص العبد بتطبيق هذه الطبيعة في ضمن أيّ فرد شاء، و لا خفاء في أنّ الحكم الترخيصي أيضاً من وظائف المولى، فانّ له أن يمنع عن التطبيق في ضمن فرد خاص تحريماً أو تنزيهاً، أو يجعل

ص: 437

التطبيق في ضمن فرد مستحباً، أو يرخّص المكلف في التطبيق في ضمن أيّ فرد شاء، كما هو ظاهر الاطلاق، فالحكم بوجوب إكرام فرد من العالم على البدل يدل على الترخيص بتطبيق طبيعة العالم في ضمن أيّ فرد شاء، و هذا الحكم الترخيصي متعلق بالمطلق على نحو الشمول كما هو ظاهر، فكما أنّ تقديم الاطلاق البدلي يوجب رفع اليد عن الحكم في الاطلاق الشمولي بالنسبة إلى بعض الأفراد، كذلك تقديم الاطلاق الشمولي أيضاً يوجب رفع اليد عن الحكم بالنسبة إلى بعض الأفراد، غاية الأمر أنّه يوجب رفع اليد عن الحكم الترخيصي لا الحكم الالزامي.

اقول: و اورد علی هذا الوجه ايضا, أوّلًا: أنّ المستدل خلط الإطلاق الشمولي بالعام، فإنّ العام يدلّ بالدلالة اللفظية على الشمول فيسري الحكم إلى جميع الأفراد، كما إذا قال: أكرم العلماء، حيث يتّخذ عنوان العام مرآة إلى المصاديق فيسري إلى المعنون بحجّة انّ العنوان مرآة إلى الخارج، فيكون كلّ واحد من أفراد العام ذا حكم خاص، فلو ورد عليه قيد يستلزم رفع اليد عن الحكم عن بعض الأفراد.

و أمّا الإطلاق الشمولي، فالشمول ليس مدلول اللفظ، لما قلنا في محلّه انّ الإطلاق عبارة عن كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع، فمعنى الإطلاق في قولنا:» لا تكرم الفاسق «هو انّ تمام الموضوع للتحريم هو عنوان الفاسق، و أمّا انّ الحكم سار إلى كلّ واحد من أفراده فليس اللفظ دالًا عليه، و إنّما يدل عليه العقل حيث إنّ رفع الطبيعة إنّما هي برفع جميع أفرادها، فيكون رفع جميع الأفراد مدلولًا عقلياً للجملة لا مدلولًا لفظياً، كما هو الحال أيضاً في العام البدلي، فإذاقال: أكرم عالماً فمعنى الإطلاق كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع، و أمّا الاقتصار بفرد ما الذي نعبّر عنه بالإطلاق البدلي فإنّما هو بحكم العقل الحاكم بأنّ الطبيعة توجد بإيجاد فرد ما، و على ذلك فالشمول و

ص: 438

البدل خارجان عن المضمون، و مدلولان للعقل. فلا وجه لتقديم أحدهما على الآخر، إذ ليس أحدهما مستنداً إلى اللفظ و الآخر مستنداً إلى العقل.

و ثانياً: أنّ سلب الحكم عن بعض الأفراد موجود في كلا التصرّفين، غير انّ الحكم في الإطلاق الشمولي على نحو الجمع كأنّه يقول: لا تكرم هذا الفاسق و ذاك الفاسق و ...، و لكن الحكم في الإطلاق البدلي على نحو الترديد فكأنّه يقول: أكرم هذا العالم أو ذاك العالم أو ذلك العالم.

فكما أنّ في تقديم الثاني على الإطلاق الشمولي رفع الحكم عن صنف من أفراد العام، فهكذا في تقديم الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي سحب الحكم عن بعض الأفراد المحكومة بالحكم على وجه التخيير، فالمدلول قبل التقييد هو أكرم ذلك العالم الفاسق أو ذلك العالم العادل، و بعد التقييد بالإطلاق الشمولي ينتفي الحكم الموضوع على العالم الفاسق.

الوجه الثاني: أنّ الاطلاق البدلي يحتاج إلى مقدمة زائدة عما تجري في الاطلاق الشمولي من مقدمات الحكمة، و هي إحراز كون الأفراد متساوية الأقدام في تحصيل غرض المولى، و الوجه في ذلك: أنّ الأفراد في الاطلاق الشمولي لا يلزم أن تكون متساوية الأقدام في الغرض، بل قد تكون مختلفة كما إذا قال: لا تقتل أحداً، فانّ ترك قتل النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) ليس مساوياً لترك قتل غيره في غرض المولى. و كذا إذا قال: لا تزن، فانّ الزنا مع المحارم ليس مساوياً للزنا بغيرها، و الزنا مع ذات البعل ليس مساوياً للزنا بغير ذات البعل، و هكذا في سائر الاطلاقات الشمولية، بخلاف الاطلاق البدلي فانّ الأفراد فيه لا بدّ من أن تكون متساوية الأقدام في غرض المولى، و إلّا يقبح توجيه الحكم نحو الطبيعة على البدل، بل لا بدّ من الحكم بالفرد الأقوى في الوفاء بالغرض، فالاطلاق

ص: 439

البدلي يحتاج إلى إحراز التسوية بين الأفراد، و هي مقدمة زائدة على مقدمات الحكمة الجارية في الاطلاق الشمولي. و الاطلاق الشمولي يوجب انتفاء هذه المقدمة، فانّه يثبت عدم التسوية بين العالم الفاسق و العالم غير الفاسق، فيسقط الاطلاق البدلي عن الحجية في مورد التعارض مع الاطلاق الشمولي.

و فيه: أنّ الاطلاق البدلي لا يحتاج في إحراز المساواة إلى مقدمة خارجية، إذ نفس الاطلاق كافٍ لاثبات المساواة و أنّ جميع الأفراد وافٍ بغرض المولى، لأنّهلو كان بعض الأفراد وافياً بغرضه دون بعض آخر كان عليه البيان، فانّ الاطلاق نقض لغرضه، فكما أن نفس الاطلاق في المطلق الشمولي يدل على شمول الحكم لجميع الأفراد مع تمامية مقدمات الحكمة، فكذا نفس الاطلاق في المطلق البدلي مع تمامية المقدمات المذكورة يدل على كون كل واحد من الأفراد وافياً بغرض المولى.

الوجه الثالث: ما يرجع إلى الوجه الثاني باختلاف بينهما في مجرد العبارة، و هو أن تمامية الاطلاق في المطلق البدلي متوقفة على عدم المانع، إذ مع ثبوت المانع عن تطبيق الطبيعة في ضمن فرد من الأفراد، لا يصح التمسك بالاطلاق في الاكتفاء بتطبيق الطبيعة في ضمن هذا الفرد، و الاطلاق الشمولي صالح للمانعية عن الاطلاق البدلي، و التمسك في دفع مانعيته بالاطلاق البدلي مستلزم للدور، فان تمامية الاطلاق متوقفة على عدم المانع، فلو توقف عدم مانعية الاطلاق الشمولي على الاطلاق البدلي، لزم الدور.

و يظهر الجواب عنه مما ذكرنا في الجواب عن سابقه، فان تمامية الاطلاق و انعقاد الظهور للمطلق البدلي مع تمامية مقدمات الحكمة غير متوقفة على عدم المانع، غاية الأمر أنّ الاطلاق الشمولي مانع عن العمل بالاطلاق البدلي، كما أنّ الاطلاق البدلي مانع عن العمل

ص: 440

بالاطلاق الشمولي، لعدم إمكان العمل بكليهما فيكون بينهما التمانع، و هذا شأن كل دليلين متعارضين.

و بالجملة: توقف جواز العمل بالاطلاق البدلي على عدم المانع صحيح، إلّا أنّه غير مختص به، فانّ العمل بالاطلاق الشمولي أيضاً متوقف على عدم المانع، إذ العمل بكل دليل موقوف على عدم المانع، و كما أنّ الاطلاق الشمولي مانع عن العمل بالاطلاق البدلي، كذلك الاطلاق البدلي مانع عن العمل بالاطلاق الشمولي، و هو معنى التعارض(1).

دوران الأمر بين التخصيص و النسخ

قال في تحرير الاصول: الحق ان هذا البحث لا طائل تحته لان ما بايدينا في کتب الاخبار من العمومات و مخصصاتها منقولة عن الائمة الاطهار ^ و النسخ في زمانهم و بتوسطهم غير محتمل و لا مسموع من احد من الائمة ^ انه قام بنسخ حکم من الاحکام و ان الشريعة الغراء قد تمت و کملت في زمن الرسولالاکرم صلی الله عليه و اله قال تعالی ﴿اليوم اکملت لکم دينکم و اتممت عليکم نعمتي و رضيت لکم الاسلام دينا﴾(2).

و کان شأن الائمة ^ اتمام الحجة و تتميم البيان مما قد خفي علی الناس اما لقصور الناقلين من اصحاب النبي صلی الله عليه و اله عن الفهم الصحيح ام انهم لم يتفق ابتلاؤهم بالحکم کي يسألوا حکمه عن النبي صلی الله عليه و اله فيبقی مستورا عليهم او لوقوع التحريف في الاحکام بتحريف المبدعين او دس الدساسين و وضع الکذابين و شاع في زمانه صلی الله عليه و اله حتی نقل عنه صلی الله عليه و اله انه قال «قد کثرت الکذابة

ص: 441


1- مصباح الأصول، ج 2، ص: 455.
2- المائدة:3 .

عليّ الّا فمن کذب عليّ فليتبوء مقعده من النار»(1) او لاجل المنع من کتابة الحديث و طول المدة و ذهول ذاکرة الاصحاب بل موت کثير منهم - الی ان قال - و علی کل حال لم يعهد وقوع النسخ في عصرهم ^ و لم يسمع من احد من اصحابهم ان يروي عنهم ذلک فهذا الاحتمال منتف قطعا(2).

اقول: و الی إمتناع النسخ بعد رحيل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ذهب المحقّق النائيني(3), و تبعه المحقق الخوئي(4) و هو الصحيح و عليه فلا نحتمل ورود النسخ في کلامهم ^ حتی يحصل الترديد بينه و بين التخصيص, مضافا الی عدم وجود مورد واحد واقعي - لا مجرد فرض - يذکر کثمرة لهذا البحث و لاجل هذا نعرض عن تفاصيله .

إذا كان لأحد الدليلين قدر متيقّن

إذا كان لأحد الدليلين قدر متيقّن دون الآخر، كما إذا قال: أكرم العلماء ثمّ قال: لا تكرم الفسّاق و علمنا من حال المتكلم أنّه يبغض العالم الفاسق، فهل يكون هذا قرينة على تقديم عموم النهي على عموم الآخر؟ لكن الحقّ أنّه لو بلغ القدر المتيقّن مرحلة أوجب الانصراف فهو و إلّا فلا يوجب أقوائية أحد الظهورين على الآخر.

ص: 442


1- الوسائل ج12 ص249 باب 139
2- تحرير الاصول السيد المحقق الجزائري ج3 ص407.
3- فوائد الأُصول: 734/ 4.
4- مصباح الأُصول: 385/ 3.

إذا كان التخصيص في أحد المتعارضين مستهجناً

إذا كان بين الدليلين من النسب الأربع، عموم من وجه، و لكن لو أخرجنا المجمع من تحت أحدهما لا ينطبق إلّا على عدد قليل على نحو يكون التعبير عنه بلفظ العموم مستهجناً، مثلًا إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم الفسّاق، فالمجمع بين العنوانين مورد التعارض، لكن لو أخرجناه من تحت الدليل الأوّل يلزم أن ينتهي التخصيص فيه إلى أقل العدد كالاثنين و الثلاثة، و عند ذلك يعكس الأمر لا بملاك الأقوائية في الظهور بل لصيانة كلام المتكلّم عن اللغو.

دوران الأمر بين التقييد و حمل الأمر على الاستحباب

إذا ورد خطاب «إذا أفطرت فأعتق رقبة», ثمّ ورد أيضاً خطاب «إن أفطرت فاعتق رقبة مؤمنة» فالأمر دائر بين حمل المطلق على المقيد أو حمل المقيد على الاستحباب، قيل: و الترجيح مع الأمر الأوّل، لأنّ كثيراً من المخصِّصات و المقيِّدات صدر في عصر الصادقين علیهم السلام مع تقدّم العمومات و المطلقات في الكتاب و السنّة النبوية، و اما قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة فليس أمراً ذاتياً بل بالوجوه و الاعتبار فربما يكون التأخير لأجل انطباق بعض العناوين، حسناً و على فرض كونه كذلك تُتدارك المصلحة الفائتة أو المفسدة الموجودة بالمصلحة الموجودة في تأخير البيان.

و فيه: انه مجرد استحسان و ليس دليلا, و الصحيح ان يقال ان الاصل في الامر هو الوجوب فبمقتضی الجمع العرفي يحمل المطلق علی المقيد .

و أمّا حمل المقيد على الاستحباب لأجل شيوع استعماله فيه في الروايات فغير مفيد، لأنّ استعمال الأمر في الاستحباب في الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام

ص: 443

كانت مقترنة بالقرينة الحالية أو المقالية لا مطلقاً و ان ادّعاه صاحب المعالم و على ذلك لا يصحّ لنا حمل المقيد على الاستحباب بلا دليل و لا قرينة.

المبحث الخامس: التعارض في أكثر من دليلين

كان الكلام في التعارض بين اثنين و ربما يكون التعارض ثلاثيّ الأطراف, و في كلتا الصورتين لا بدّ من ملاحظة الأدلّة، فإن كان الجمع العرفيّ ممكنا فهو، و إلّا فلا بدّ من إعمال قانون التعارض من الترجيح أو التخيير بينه و بين غيره.

إنّما الكلام في تشخيص الأظهر، و هو فيما إذا كان التعارض بين دليلين فالامر فيه سهل، ضرورة أنّه كلّ واحد منهما يلاحظ مع الآخر و بعد ملاحظة النسبة بينهما يتعيّن الأظهر.

و أمّا تشخيصه فيما إذا كان التعارض بين أكثر من دليلين فلا يخلو من صعوبة و خفاء. و ذلك لأنّ النسبة بين الأدلّة مثلا, قد تنقلب إلى نسبة اخرى بعد عمليّة العلاج بين بعضها، فيبحث حينئذ عن أنّه هل يلاحظ النسبة الأوّليّة الثابتة بينها بلحاظ ظهوراتها الأوّليّة، فيلاحظ الجمع و العلاج بين كلّ منهما و غيره دفعة واحدة، أو تلاحظ النسبة الحادثة الثابتة بينها بعد ملاحظة الاثنين منها و علاج التعارض بينهما؟

مثلا: إذا ورد «أكرم الفقراء»، ثمّ ورد «لا تكرم فسّاقهم»، و ورد أيضا «لا يكره إكرام الفقراء الكوفيّين» فتكون النسبة بين الأوّل و كلّ واحد من الأخيرين عموما مطلقا. و أمّا إذا خصّص الأوّل بأحد الأخيرين تنقلب النسبة بينه و بين الآخر إلى العموم من وجه، فإنّ النسبة بين «أكرم الفقراء» و بين «لا تكرم فسّاقهم» هو العموم المطلق، لأنّ كلّ فاسق من الفقراء فقير، و ليس كلّ فقير فاسقا، كما أنّ النسبة بينه و بين «الفقراء الكوفيّين» هو العموم المطلق، كما هو واضح؛ و أمّا بعد ملاحظة «أكرم الفقراء» مع «لا تكرم فسّاقهم» و بعد العلاج بينهما تحصل قضيّة هي: «أكرم الفقراء العدول»، و تكون نسبة هذه القضيّة مع

ص: 444

قضيّة «يكره إكرام الفقراء الكوفيّين» هو العموم من وجه، لاجتماعهما في الفقير الكوفيّ العادل، و افتراقهما في الفقير غير الكوفيّ و الفقير الكوفيّ الفاسق. فحينئذ يقع البحث عن أنّه هل يصحّ انقلاب النسبة- بمعنى أنّه يلزم رعاية الترتيب في العلاج بين المتعارضات و لحاظ النسبة الحادثة- أو لا يصحّ انقلاب النسبة؟

فعلى الأوّل يلزم أن يلاحظ العامّ مع الخاصّ الأوّل «لا تكرم فسّاقهم»، ثمّ تلاحظ النسبة بين ما ينتج من علاجها و بين الخاصّ الآخر، ففي مادّة الاجتماع- أي الفقير الكوفيّ غير الفاسق- يقدّم الراجح منهما، فإن كان الراجح ما ينتج من علاج العامّ مع الخاصّ الأوّل- أي وجوب إكرام الفقراء العدول- فيقدّم و يحكم بوجوب إكرام الفقير الكوفيّ العادل، و إن كان الراجح هو الخاصّ الثاني فيقدّم و يحكم بكراهة إكرام الفقير الكوفيّ العادل.

و على الثاني يلاحظ كلّ من الخاصّين مع العامّ دفعة واحدة، و يخصّص العامّ بكلّ منهما مع الغض عن الآخر، فيخرج الخاصّان عن العامّ و يحكم بعدم إكرام فسّاق الفقراء و الكوفيّين منهم، كما يحكم بإكرام الفقراء العدول من غير الكوفيّين.

و بالجملة: هل تلاحظ نسبة واحد منها مع الآخر، و بعد علاج التعارض بينهما تلاحظ النسبة بين محصول العلاج مع الآخر، أو تلاحظ نسبة كلّ واحد مع الآخر قطع النظر عن الثالث أو الرابع؟ ذهب المحقّق النراقيّ إلى الأوّل(1).

و ذهب الشيخ و المحقق الخراساني إلى عدم انقلاب النسبة مطلقا(2)، و ذلک لأنّ النسبة بين المتعارضين أو المتعارضات إنّما هي بملاحظة ظهوريهما أو ظهوراتهما، و المخصّص المنفصل لا يصادم أصل ظهور العامّ في العموم، و إنّما يصادم حجّيّته بالنسبة إلى مورد

ص: 445


1- عوائد الأيّام: 349- 353.
2- فرائد الاصول 4: 103- 104؛ کفاية الأصول؛ ط ال البيت ^ ص452 .

الخاصّ، فلا يرتفع ظهور العامّ في العموم بالمخصّص المنفصل، بل يبقى على ظهوره و يخصّص بكلّ من الخصوصات من دون انقلاب؛ فإذا قال: «أكرم العلماء»، ثمّ قال: «لا تكرم فسّاقهم»، ثمّ قال: «و لا تكرم النحويّين» فظهور العامّ في العموم محفوظ على حاله و لا ينثلم بقوله: «لا تكرم فسّاقهم»، و إن انثلم به حجّيّته بالنسبة إلى فسّاقهم؛ و إذا كان ظهوره محفوظا على حاله- و لو بعد تخصيصه بذلك المخصّص- فتبقى النسبة بينه و بين قوله: «و لا تكرم النحويّين» على ما كانت سابقا، و هي العموم المطلق، فيخصّص به ثانيا، و يحكم بوجوب إكرام العالم العادل غير النحويّ.

هذا و وافق المحقق الخراساني في أصل دعوى إنكار انقلاب النسبة المحقّقان الاصفهانيّ و العراقي(1).

اقول: الصحيح ان الموارد مختلفة و عليه فلا يصح رد انقلاب النسبة مطلقا و لا قبولها مطلقا کما حققه المحقق الخوئي(2) ردا علی شيخنا الاعظم و المحقق الخراساني, و ذکر تفصيل البحث بصوره المتعددة و قال: تحقيق هذا البحث يقتضي ذكر مقدمتين:

المقدمة الأولى: أن لكل لفظ دلالات ثلاث, ثم ذکرها و هي الدلالة الوضعية من كون اللفظ موجباً لانتقال الذهن إلى المعنى, و الدلالة الثانية من كون المعنى مراداً للمتكلم بالإرادة الاستعمالية, و الدلالة الثالثة من كون المعنى مراداً للمتكلمبالإرادة الجدية, و هي موضوع الحجية ببناء العقلاء المعبر عنها بأصالة الجد تارة, و أصالة الجهة أخرى, و هذه الدلالة متوقفة- مضافا إلى عدم نصب قرينة متصلة- على عدم قيام قرينة منفصلة

ص: 446


1- راجع نهاية الدراية 3: 408- 412، نهاية الأفكار 4 (القسم الثاني) 2: 161- 167، مقالات الاصول 2: 482، هامش فوائد الاصول 3: 176.
2- مصباح الأصول، ج 2، ص: 386.

على الخلاف أيضا، فان القرينة المنفصلة و إن لم تكن مانعة عن تعلق الإرادة الاستعمالية، كالقرينة المتصلة، إلا أنها كاشفة عن عدم تعلق الإرادة الجدية ...

المقدمة الثانية: أن التعارض بين دليلين لا يتحقق إلّا باعتبار كون كل منهما حجة و دليلا في نفسه لولا المعارضة، إذ لا معنى لوقوع التعارض بين ما هو حجة و ما ليس بحجة. و بضم هذه المقدمة إلى المقدمة الأولى يستنتج صحة القول بانقلاب النسبة. فانه إذا قام دليل عام ثم ورد دليل مخصص لذلك العام، و قام دليل آخر معارض للعام، فلا بدّ من ملاحظة النسبة بين العام و معارضه، بعد إخراج ما يشمله المخصص، لأن العام لا يكون حجة بالنسبة إلى ما خرج منه بالمخصص، فالتصديق بانقلاب النسبة لا يحتاج إلى أزيد من تصوره. و حيث أن بحث انقلاب النسبة كثير الابتلاء في الفقه، لأن التعارض في كثير من أبواب الفقه بين أكثر من دليلين، فلا بدّ لنا من التعرض لصور انقلاب النسبة، و تمييزها عن الصور التي لا تنقلب النسبة فيها, فنقول: التعارض بين أكثر من دليلين على أنواع:

(النوع الأول)- ما إذا قام دليل عام، و مخصصان منفصلان و هذا النوع يتصور بصور ثلاث: لأن النسبة بين المخصصين إما أن تكون هي التباين، أو العموم من وجه، أو العموم المطلق. مثال الصورة الأولى: قوله تعالى: (... و حرم الرّبا.). بملاحظة ما يدل على أنه لا ربا بين الوالد و الولد، و ما يدل على أنه لا ربا بين الزوج و زوجته، و كذا بين السيد و مملوكه. و مثال الصورة الثانية: ما إذا قال المولى: أكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم العالم الفاسق، و قال أيضا: لا تكرم العالم الشاعر. و مثال الصورة الثالثة: ما إذا قال المولى: أكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم العالم العاصي للَّه سبحانه، و قال أيضاً: لا تكرم العالم المرتكب للكبائر.

ص: 447

(أما الصورة الأولى) فلا إشكال في وجوب تخصيص العام بكلا المخصصين فيها، بلا فرق بين القول بانقلاب النسبة و القول بعدمه، إذ لا يفترق الحال بين لحاظ العام مع كلا المخصصين في عرض واحد، و بين لحاظه مع أحدهما بعد لحاظه مع الآخر، لأن نسبة العام إلى كل من المخصصين هي العموم المطلق على كل تقدير، فيجب تخصيص العام بكلا المخصصين، و الحكم بعدم حرمة الرّبا بين الوالد و ولده، و بين الزوج و زوجته، و بين السيد و مملوكه. هذا فيما إذا لم يستلزم تخصيص العام بكليهما التخصيص المستهجن، أو بقاء العام بلامورد. و أما إذا استلزم ذلك: كما إذا قام دليل على استحباب إكرام العلماء، و قام دليل على وجوب إكرام العالم العادل، و قام دليل آخر على حرمة إكرام العالم الفاسق، فانه إن خصصنا دليل الاستحباب بكل من دليلي الوجوب و الحرمة، يبقى دليل الاستحباب بلا مورد- على القول بعدم الواسطة بين العدالة و الفسق- بأن تكون العدالة عبارة عن ترك الكبائر. و يلزم حمله على الفرد النادر على القول بثبوت الواسطة بينهما، بأن تكون العدالة عبارة عن الملكة. فمن لم يرتكب الكبائر، و لم تحصل له الملكة- كما قد يتفق للإنسان في أول بلوغه- فهو لا يكون عادلا و لا فاسقاً، فلا يمكن الالتزام بتخصيص العام بكل من المخصصين في مثل ذلك، بل يقع التعارض بين العام و المخصصين، للعلم بكذب أحد هذه الأدلة الثلاثة، فلا بدّ من الرجوع إلى المرجحات السندية ...

و (أما الصورة الثانية) و هي ما إذا كانت النسبة بين الخاصّين العموم من وجه: كما إذا قال المولى: أكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم العالم الفاسق، و قال أيضا: لا تكرم العالم الشاعر، فالحكم في هذه الصورة هو ما ذكرناه في الصورة السابقة: من تخصيص العام بكلا المخصصين إذا لم يستلزم التخصيص المستهجن، و بقاء العام بلا مورد، كما في

ص: 448

المثال المذكور، فانه بعد إخراج العالم الفاسق و العالم الشاعر من عموم دليل وجوب إكرام العلماء، تبقى تحت العام أفراد كثيرة، و أما إذا استلزم أحد المحذورين المذكورين، فيقع التعارض لا محالة، فتتصور بالصور السابقة، و يعرف حكمها مما تقدم بلا حاجة إلى الإعادة.

و ربما يتوهم في المقام انقلاب النسبة، و عدم جواز تخصيص العام بكلا المخصصين- و لو لم يكن فيه محذور- فيما إذا تقدم أحد الخاصّين زماناً على الآخر، كما إذا صدر العام من أمير المؤمنين علیه السلام و أحد الخاصّين من الباقر علیه السلام و الخاصّ الآخر من الصادق علیه السلام فانه يخصص العام بالخاص الصادر من الباقر علیه السلام (أولا) إذ به يكشف عدم تعلق الإرادة الجدية من لفظ العام بالمقدار المشمول له، فلا يكون العام حجة بالنسبة إليه، ثم تلاحظ النسبة بين العام و الخاصّ الصادر من الصادق علیه السلام و هي العموم من وجه حينئذ، ففي المثال المذكور- بعد خروج العالم الفاسق من قوله: أكرم العلماء- يكون المراد منه العلماء العدول، و النسبة- بينهم و بين العالم الشاعر- هي العموم من وجه، لاجتماعهما في العالم العادل الشاعر، و افتراقهما في العالم العادل غير الشاعر، و العالم الشاعر غير العادل. و هذا هو الفارق بين هذه الصورة و الصورة الأولى، فان النسبة- بين العام وأحد الخاصّين بعد تخصيص العام بالخاص الآخر- هي النسبة بينهما قبله في الصورة الأولى، فلا تنقلب النسبة أصلا، بخلاف الصورة الثانية كما عرفت.

و هذا التوهم مدفوع بما ذكرناه سابقاً: من أن الأئمة ^ كلهم بمنزلة متكلم واحد، فانهم يخبرون من الأحكام المجعولة في الشريعة المقدسة في عصر النبي صلى اللَّه عليه و آله و لهذا يخصص العام الصادر من أحدهم بالخاص الصادر من الآخر منهم ^ فانه لولا أن كلهم بمنزلة متكلم واحد لا وجه لتخصيص العام في كلام أحد بالخاص الصادر

ص: 449

من شخص آخر، فإذاً يكون الخاصّ الصادر من الصادق علیه السلام مقارناً مع العام الصادر من أمير المؤمنين علیه السلام بحسب مقام الثبوت، و إن كان متأخراً عنه بحسب مقام الإثبات. و كذا الخاصّ الصادر من الباقر علیه السلام فكما أن الخاصّ المقدم زماناً يكشف عن عدم تعلق الإرادة الجدية من لفظ العام بالمقدار المشمول له، كذلك الخاصّ المتأخر أيضا يكشف عن عدم تعلق الإرادة الجدية من لفظ العام بالمقدار الّذي يكون مشمولا له. و كلاهما في مرتبة واحدة. و يتضح ما ذكرناه بالمراجعة إلى الأوامر العرفية، فانه لو صدر من المولى عام و خاصان في زمان واحد مع كون النسبة بين الخاصّين عموماً من وجه، فأرسل الخاصّين إلى العبد في زمان واحد بتوسط شخصين، فوصل أحدهما إلى العبد قبل وصول الآخر، لا يكون وصول أحدهما قبل الآخر موجباً لانقلاب النسبة بين العام و الخاصّ المتأخر، مع صدورهما من المولى في رتبة واحدة، بل لا بد من تخصيص العام بكليهما، كما هو واضح.

و (أما الصورة الثالثة) و هي إذا ما كانت النسبة بين الخاصّين العموم المطلق، فهل يجب تخصيص العام بالأخص (أولا) ثم ملاحظة النسبة بين العام و الخاصّ، فتنقلب النسبة من العموم المطلق إلى العموم من وجه، أو يخصص العام بكلا الخاصّين؟

الظاهر هو الثاني، إذ بعد فرض كون نسبة الخاصّين إلى العام على حد سواء، لا وجه لتخصيص العام بأحدهما (أولا) ثم ملاحظة النسبة بين العام و الخاصّ الآخر. و لا منافاة بين الخاصّ و الأخص، حتى يتقيد الأول بالثاني، فإذا ورد في رواية أنه يجب إكرام العلماء. و في رواية أخرى أنه لا يجوز إكرام العالم العاصي، و في رواية ثالثة أنه لا يجوز إكرام العالم المرتكب للكبائر يخصص العام بكلا المخصصين، و يحكم بحرمة إكرام خصوص العالم المرتكب للكبائر، و حرمة إكرام العالم العاصي بقول مطلق. و لا منافاة

ص: 450

بين حرمة إكرام خصوص العالم المرتكب للكبائر، و حرمة إكرام مطلق العالم العاصي حتى يقيد العالمالعاصي بالمرتكب للكبائر، فان توهم المنافاة بينهما مبني على المفهوم، و قد ذكرنا في محله عدم حجية مفهوم الوصف و اللقب. و توهم لغوية تخصيص العام بالأخص في عرض تخصيص العام بالخاص- فان تخصيص قوله يجب إكرام العلماء بقوله: لا يجوز إكرام العالم العاصي يغني عن تخصيصه بقوله: لا يجوز إكرام العالم المرتكب للكبائر- مدفوع بأنه يمكن أن يكون تخصيص العام بالأخص، مع تخصيصه بالخاص لغرض من الأغراض كما إذا كان السؤال عن الأخص أو كان محل الحاجة أو لأجل الأهمية أو لكونه الغالب، أو غير ذلك من الأغراض الموجبة لذكر الأخص فقط. و قد ورد في الروايات ما يدل على عدم جواز الصلاة خلف شارب الخمر، و ورد أيضا ما يدل على عدم جواز الصلاة خلف الفاسق، فقوله علیه السلام : «لا تصل خلف الفاسق» لا يوجب لغوية قوله علیه السلام : «لا تصل خلف شارب الخمر» و لا منافاة بينهما. غاية الأمر أنه يكون تخصيص شارب الخمر بالذكر في قوله: «لا تصل خلف شارب الخمر» لغرض من الأغراض. فكذا في المقام. هذا كله فيما إذا كان كلا الخاصّين منفصلا عن العام.

و أما إذا كان الأخص منهما متصلا بالعامّ: كما إذا ورد في رواية أنه يجب إكرام العلماء إلّا العالم المرتكب للكبائر، و في رواية أخرى أنه يحرم إكرام العالم العاصي، فتكون النسبة- بين العام المخصص بالمتصل و الخاصّ المنفصل- العموم من وجه فان اتصال الأخص بالعامّ كاشف عن عدم تعلق الإرادة الاستعمالية بالنسبة إلى ما يشمله الأخص، فلا ينعقد للعام ظهور بالنسبة إليه من أول الأمر، فتكون النسبة- بين العام و الخاصّ المنفصل- العموم من وجه، لاجتماعهما في العالم العاصي غير المرتكب للكبائر، و افتراقهما في العالم العادل و العالم المرتكب للكبائر، فتقع المعارضة بينهما في مادة

ص: 451

الاجتماع، و يعامل معهما معاملة المتعارضين. و هذا هو الفارق بين المخصص المتصل و المخصص المنفصل.

النوع الثاني: من التعارض بين أكثر من دليلين- ما إذا وقع التعارض بين عامين من وجه مع ورود مخصص ما. و هذا النوع أيضاً يتصور على صور ثلاث:

الصورة الأولى: ما إذا وقع التعارض بين عامين من وجه و ورد مخصص على مورد الاجتماع. و لا محالة يكون المخصص المذكور أخص مطلقاً بالنسبة إلى كلا المتعارضين، فيقدم عليهما، و به يرتفع التعارض، مثلا إذا دل دليل على وجوب إكرام العلماء، و دل دليل آخر على حرمة إكرام الفساق، و دل دليل ثالث على كراهة إكرام العالم الفاسق، فيقع التعارض بين الأولين في مادة الاجتماع،و هو العالم الفاسق، و الثالث أخص منهما، فيقدم عليهما. و بتقدمه يرتفع التعارض، و تصير النتيجة وجوب إكرام العالم العادل، و كراهة إكرام العالم الفاسق، و حرمة إكرام الفاسق الجاهل.

الصورة الثانية: ما إذا وقع التعارض بين عامين من وجه، و ورد مخصص على أحدهما (أي على مورد الافتراق من أحدهما) فيقدم الخاصّ على العام، فتنقلب النسبة بين العامين من وجه إلى العموم المطلق لا محالة. و هذا أحد موارد انقلاب النسبة، فيقدم العام- الّذي خرج منه مادة الافتراق- على العام الآخر، إذ بعد خروج مادة الافتراق من العام الأول يكون أخص مطلقاً من العام الثاني، مثلا إذا دل دليل على استحباب إكرام العلماء، و دل دليل آخر على حرمة إكرام الفساق، و دل دليل ثالث على وجوب إكرام العالم العادل، يقع التعارض بين الأول و الثاني في مورد الاجتماع، و هو العالم الفاسق، و بعد تخصيص دليل الاستحباب بدليل الوجوب و إخراج العالم العادل عنه، ينحصر مورده بالعالم الفاسق، فيكون أخص مطلقاً من دليل الحرمة، فيقدم عليه لا محالة، فتكون النتيجة

ص: 452

وجوب إكرام العالم العادل، و استحباب إكرام العالم الفاسق، و حرمة إكرام الفاسق الجاهل.

هذا ان كان التخصيص وارداً على مادة الافتراق بتمامها كما مثلناه. و أما ان كان التخصيص وارداً على بعضها: كما إذا دل الدليل الثالث في المثال السابق على وجوب إكرام العالم العادل الهاشمي. فيبقى التعارض بحاله و لا بد من علاجه.

لأن النسبة التي كانت بين المتعارضين- و هي العموم من وجه- لم تنقلب عما كانت عليه. بل هي باقية بحالها بعد تخصيص أحدهما أيضا.

اقول: و لم يذکر المحقق الخوئي وجه انقلاب النسبة في هذه الصورة الا ان الشيخ علّل وجه هذا التقديم بقوله: و لولا الترتيب في العلاج لزم إلغاء النص الخاص أو طرح الظاهر المنافي له و كلاهما باطل(1), قلت: و الصحيح في التعليل هو: أنّه لا تعارض بين الخاص الأوّل و العام، و ليس العام بعد ورود الخاص حجّة في العام فيقدم الخاص عليه ثمّ تؤخذ النسبة بين الباقي بعد العلاج و الخاص الثاني.

نرجع الی کلام المحقق الخوئي رحمه الله في بيانه لباقي الصور حيث قال:

الصورة الثالثة: ما إذا وقع التعارض بين عامين من وجه، و ورد المخصص على مادة الافتراق في كل منهما، كما إذا دل دليل على استحباب إكرام العلماء، و دل دليل آخر على كراهة إكرام الفساق. و دل دليل ثالث على وجوب إكرام العالم العادل و دل دليل رابع على حرمة إكرام الفاسق الجاهل، فيقع التعارض بين دليل الاستحباب و دليل الكراهة في مادة الاجتماع- و هي العالم الفاسق- و بعد تخصيص دليل الاستحباب بدليل

ص: 453


1- ( 1). الفرائد: 461.

الوجوب لكونه أخص منه يكون مورد دليل الاستحباب منحصراً في العالم الفاسق. و كذا الحال في دليل الكراهة، إذ بعد تخصيصه بدليل الحرمة ينحصر مورده أيضاً في العالم الفاسق، فتكون النسبة بينهما بعد تخصيصهما هو التباين، لدلالة أحدهما على استحباب إكرام خصوص العالم الفاسق، و الآخر على كراهته، فلا بدّ من الرجوع إلى المرجحات أو الحكم بالتخيير...

النوع الثالث: من التعارض بين أكثر من دليلين- ما إذا وقع التعارض بين الدليلين بالتباين، و ورد مخصص ما. و هذا أيضاً يتصور على صور ثلاث:

الصورة الأولى: ما إذا ورد المخصص على أحدهما فيخصص به، و تنقلب النسبة من التباين إلى العموم المطلق، فيقدم الخاصّ على العام و يرتفع التعارض. مثلا إذا دل دليل على وجوب إكرام العلماء، و دل دليل آخر على عدم وجوب إكرام العلماء، و دل دليل ثالث على وجوب إكرام العالم العادل، تكون النسبة بين الأولين التباين، و بعد تخصيص الثاني بالثالث بإخراج العالم العادل منه تنقلب النسبة بين الأول و الثاني من التباين إلى العموم المطلق، و يكون الثاني أخص مطلقاً بالنسبة إلى الأول ...

الصورة الثانية: ما إذا وقع التعارض بين الدليلين بالتباين، و ورد المخصص على كل واحد منهما مع عدم التنافي بين المخصصين في أنفسهما أصلا، فتنقلب النسبة من التباين إلى العموم من وجه، و يتعارضان في مادة الاجتماع، و يرجع إلى الترجيح أو التخيير. مثلا إذا دل دليل على كفاية الغسل مرة واحدة في ارتفاع النجاسة، و عدم اعتبار التعدد في حصول الطهارة، و دل دليل آخر على عدم كفايتها و اعتبار التعدد، و دل دليل ثالث على اعتبار التعدد في الغسل بالماء القليل، و هو المخصص لما يدل على عدم اعتبار التعدد مطلقاً، و دل دليل رابع على عدم اعتبار التعدد في الغسل بالماء الجاري، و هو المخصص

ص: 454

لما يدل على اعتبار التعدد مطلقاً، فيقع التعارض بين الأولين بالتباين. و بعد تخصيص كل واحد منهما تنقلب النسبة إلى العموم من وجه، و يتعارضان في مادة الاجتماع-و هو الغسل بالكر- فان مقتضى ما يدل على اعتبار التعدد إلّا في الغسل بالماء الجاري هو اعتباره في الغسل بالكر. و مقتضى ما يدل على عدم اعتبار التعدد إلّا في الغسل بالقليل هو عدم اعتباره في الغسل بالكر، فيعامل معهما معاملة المتعارضين من الترجيح أو التخيير.

الصورة الثالثة: ما إذا وقع التعارض بين دليلين بالتباين، و ورد المخصص على كل منهما مع التنافي بين المخصصين أيضا بالعموم من وجه، كما إذا دل دليل على وجوب إكرام العلماء، و دل دليل آخر على عدم وجوب إكرامهم، و دل دليل ثالث على وجوب إكرام العالم العادل، و دل دليل رابع على عدم وجوب إكرام العالم النحوي. و لا أثر للقول بانقلاب النسبة و القول بعدمه في هذه الصورة، إذ على القول بانقلاب النسبة، كانت النسبة- بين دليل وجوب إكرام العلماء و دليل عدم وجوب إكرامهم بعد خروج العالم النحوي من الأول و خروج العالم العادل من الثاني- العموم من وجه، حيث يجتمعان في العالم العادل النحوي، و يفترقان في العالم العادل غير النحوي و في العالم الفاسق النحوي، فيحكم بوجوب إكرام العالم العادل غير النحوي، و بعدم وجوب إكرام العالم الفاسق النحوي، و يرجع إلى الأصول العملية أو الترجيح أو التخيير في إكرام العالم العادل النحوي.

و أما على القول بإنكار الانقلاب يسقط العامان عن الاعتبار رأساً، و يؤخذ بالخاصين، و حيث أن بينهما العموم من وجه يعمل بهما في مورد افتراقهما، و يرجع إلى الأصول

ص: 455

العملية أو الترجيح أو التخيير في مورد الاجتماع- و هو العالم العادل النحوي- فتكون النتيجة عين نتيجة القول بانقلاب النسبة(1).

الفصل الثاني في التعارض المستقر

و فيه مباحث:

المبحث الأوّل ما هو مقتضى القاعدة الأوّلية في المتعارضين؟

فقد وقع الخلاف في أنّ القاعدة الاولية في تعادل المتعارضين هل هي التساقط أو التخيير؟ و الحقّ أنّ القاعدة الأوّليّة هي التساقط، و علی ذلک جملة من الاعلام(2)، و إن دلّ الدليل من الأخبار على التخيير كما سيأتي.

و نحن نتكلّم في القاعدة بناء على المختار من أنّ الأمارات حجيّتها نحو الطريقيّة. و لا حاجة للبحث عنها بناء على السببيّة فانها ليست من مذهبنا کما تقدم, فنقول:

إنّ الدليل الذي يوهم لزوم التخيير هو أنّ التعارض لا يقع بين الدليلين، إلّا إذا كان كلّ منهما واجدا لشرائط الحجّيّة, و التعارض أكثر ما يوجب سقوط أحدهما غير المعيّن عن الحجّيّة الفعليّة؛ لمكان التكاذب بينهما، فيبقى الثاني غير المعيّن على ما هو عليه من الحجّيّة الفعليّة واقعا، و لمّا لم يمكن تعيينه- و المفروض أنّ الحجّة الفعليّة منجّزة للتكليف يجب العمل بها- فلا بدّ من التخيير بينهما.

ص: 456


1- مصباح الأصول، ج 2، ص: 386 - 402.
2- فرائد الأصول: 760 و 762؛ كفاية الأصول: 499؛ فوائد الأصول 4: 726 و 755؛ نهاية الأفكار 4 «القسم الثاني»: 174.

و اجيب: أنّ التخيير المقصود إمّا أن يراد به التخيير من جهة الحجّيّة، أو من جهة الواقع: فإن كان الأوّل فلا معنى لوجوب التخيير بين المتعارضين؛ لأنّ دليل الحجّيّة الشامل لكلّ منهما في حدّ نفسه إنّما مفاده حجّيّة أفراده على نحو التعيين، لا حجّيّة هذا أو ذاك من أفراده لا على التعيين، حتى يصحّ أن يفرض أنّ أحدهما غير المعيّن حجّة يجب الأخذ به فعلا، فيجب التخيير في تطبيق دليل الحجّيّة على ما يشاء منهما.

و بعبارة أخرى: إنّ دليل الحجّيّة الشامل لكلّ منهما في حدّ نفسه إنّما يدلّ على وجود المقتضي للحجّيّة في كلّ منهما لولا المانع، لا فعليّة الحجّيّة. و لمّا كان التعارض يقتضي تكاذبهما، فلا محالة يسقط أحدهما غير المعيّن عن الفعليّة، أي يكون كلّ منهما مانعا عن فعليّة حجّيّة الآخر. و إذا كان الأمر كذلك فكلّ منهما لم تتم فيه مقوّمات الحجّيّة الفعليّة ليكون منجّزا للواقع يجب العمل به، فلا يكون أحدهما غير المعيّن يجب الأخذ به فعلا حتى يجب التخيير، بل حينئذ يتساقطان، أي إنّ كلّا منهما يكون ساقطا عن الحجّيّة الفعليّة و خارجا عن دليل الحجّيّة.

و إن كان الثاني، فنقول:

أوّلا: لا يصحّ أن يفرض التخيير من جهة الواقع إلّا إذا علم بإصابة أحدهما للواقع، و لكن ليس ذلك أمرا لازما في الحجّتين المتعارضتين؛ إذ يجوز فيهما أنتكونا معا كاذبتين. و إنّما اللازم فيهما من جهة التعارض هو العلم بكذب إحداهما، لا العلم بمطابقة إحداهما للواقع. و على هذا، فليس الواقع محرزا في إحداهما، حتى يجب التخيير بينهما من أجله.

و ثانيا: على تقدير حصول العلم بإصابة أحدهما غير المعيّن للواقع، فإنّه أيضا لا وجه للتخيير بينهما؛ إذ لا وجه للتخيير بين الواقع و غيره، و هذا واضح.

ص: 457

و غاية ما يقال، أنّه إذا حصل العلم بمطابقة أحدهما للواقع فإنّ الحكم الواقعيّ يتنجّز بالعلم الإجماليّ، و حينئذ يجب إجراء قواعد العلم الإجماليّ فيه. و لكن لا يرتبط حينئذ بمسألتنا- و هي مسألة أنّ القاعدة في المتعارضين هو التساقط أو التخيير - لأنّ قواعد العلم الإجماليّ تجري حينئذ حتى مع العلم بعدم حجّيّة الدليلين معا. و قد يقتضي العلم الإجماليّ في بعض الموارد التخيير، و قد يقتضي الاحتياط في البعض الآخر على اختلاف الموارد(1).

إذا عرفت ذلك، فالمتحصّل هو: أنّ القاعدة الأوّليّة بين المتعارضين هي التساقط، مع عدم حصول مزيّة في أحدهما تقتضي الترجيح.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي حاول أن يثبت وجود الدليل على التخيير بين الخبرين، و ذلك باستكشاف التخيير بتقييد أحد الإطلاقين بترك الآخر بأن يقال انّ الأخذ بكلا الخبرين لمّا كان مستلزماً للتعبّد بالمتناقضين، يكفي في رفعه تقييد الإطلاق بقيد عدمي، و هو حجّية كلّ، بشرط عدم الأخذ بالآخر، و مثله الحكم في الخبر الآخر، فتكون النتيجة هو التخيير، و لا نحتاج في استكشاف التخيير إلى دليل آخر سوى وجود الإطلاق لصورة التعارض و الاكتفاء في تقييد الإطلاق بقيد عدمي(2).

و فيه: أنّ استكشاف التخيير إنّما يصحّ في المتزاحمين المشتملين على المصلحة القطعية كالغريقين، و بما انّ عجز المكلّف صار سبباً لسقوط التكليف، فعند ذلك يصحّ أن يقال: انّ رفع التزاحم يتحقّق بتقييد امتثال كلّ من الحكمين بترك الآخر، و لا يتوقف على طرح كلا الدليلين.

ص: 458


1- أصول الفقه ( مع تعليقة الزارعي )، ص: 558 .
2- مصباح الأُصول: 363/ 3.

و أمّا المقام فالمفروض انّ الخبر حجّة من باب الطريقية لا من باب السببية، و عندئذ فأحد الخبرين كاذب قطعاً و الخبر الآخر محتمل الكذب، فليس هناك علم بالملاك فيهما حتى لا يجوز طرحهما و يزول الإشكال بتقييد إطلاقهما.

فإن قلت: المفروض انّ كلّ واحد من الخبرين حجّة ظاهرية شملهما دليل الحجّية، فالمحذور يرتفع بتقييد إطلاق الحجّية لا برفع اليد عنها.

قلت: فرّق بين العلم بوجود حكمين واقعيين كاشفين عن وجود الملاك في كلّ واحد منهما، و بين العلم بحكمين ظاهريين غير كاشفين عنه فأحدهما غير كاشف قطعاً، و الآخر محتمل الكشف، و في مثله، لا يستقل العقل بحفظ الخبرين مهما أمكن بخلاف الغريقين. و لو سلّمنا لكن ادّعاء وجود الإطلاق في أدلّة حجّية خبر الواحد، افتراض محض حيث إنّها قاصرة عن الشمول لصورة التعارض.

المبحث الثاني: في حجّية المتعارضين في نفي الثالث

لو كان الدليلان المتعارضان يقتضيان معا نفي حكم ثالث فهل مقتضى تساقطهما عدم حجّيّتهما في نفي الثالث؟ ثم إنّ محل الكلام فيما إذا لم يعلم صدق أحدهما، و إلّا فيكون العلم بصدق أحدهما دليلًا على نفي الثالث قطعاً .

ذهب المحقّق النائينيّ و المحقّق العراقي الی أنّه لا يقتضي ذلك(1)؛ و احتج الاول: بأنّ المتعارضين يشاركان في نفي الثالث بالدلالة الالتزامية و التعارض إنّما هو في الدلالة المطابقية، فلا وجه لسقوط الأُولى منهما عن الحجّية، و توهّم انّ الدلالة الالتزامية تابعة للمطابقية فاسد، لأنّ الأُولى فرع الثانية في الوجود لا في الحجّية(2).

ص: 459


1- نهاية الأفكار 4 «القسم الثاني»: 175- 176.
2- فوائد الأصول 4: 755.

و فيه: انه مبني على الخلط بين الدلالة التصوّرية التي لا يتوقف حصولها على إرادة المتكلم و الدلالة التصديقية التي تتوقف على إرادة المتكلم. ففي الأُولى تتوقف الدلالة الالتزامية على وجود الدلالة المطابقية، لا على حجّيتها، فلو سمع الإنسان لفظ حاتم من طائر كالببغاء، ينتقل إلى الجود و السخاء بخلاف الثانية فانّها متوقفة على ثبوت الإرادة في ناحية المعنى المطابقي، فانّ مفاد الدلالة الالتزامية فيها عبارة عن إرادة المتكلم المعنى اللازم لأجل وجود الملازمة بين الإرادتين، فإذا سقط المعنى المطابقي عن الحجّية و لم تثبت إرادة المتكلم الملزوم، فكيف تنسب إليه، إرادة المعنى اللازم؟

و ذهب المحقّق الخراسانيّ إلى ان استناد نفي الثالث لا يکون الّا إلى أحدهما بلا تعيين، لا إليهما معا محتجّاً على مختاره بما حاصله: أنّ الساقط عند التعارض واحد منهما و هو ما كان كاذباً، و أمّا الآخر، أعني: محتمل الصدق، فهو باقعلى حجّيته، لكن لمّا لم يكن متعيّناً، لا يحتجّ به على المدلول المطابقي، لتوقف الاحتجاج به على التعيّن، و لكن يحتج به على إبهامه على المدلول الالتزامي، لعدم توقّف الاحتجاج به على التعيين(1).

و فيه: أنّ الحجّية في الأمارات من الأُمور الاعتبارية العقلائية التي يتوقف اعتبارها لأحد الخبرين غير المعيّن على ترتب الأثر، و حينئذ نسأل القائل، عما هو الحجّة عند التعارض؟

فهل الحجّة هو الواحد غير المعيّن ذهناً؟ فهو غير صالح لجعل الحجّية عليه أو الواحد غير المعيّن خارجاً، فهو غير متحقق خارجاً، أو الواحد المعيّن عند اللّه فليس ما عنده محتملًا لأحد الأمرين، فما عنده إمّا صادق قطعاً و إمّا كاذب كذلك.

فإن قلت: كيف يحتج بالحجّة الإجمالية في باب العلم الإجمالي كما في الإناءين المشتبهين؟

ص: 460


1- كفاية الأصول؛ ط ال البيت ^ 499.

قلت: إنّ الحجّة في المقيس عليه، متعيّنة بصورة كلية و هو قوله: اجتنب عن الدم و إنّما الإجمال في مصداق المتعلّق، و أين هو ممّا نحن فيه حيث إنّ الحجّة بأصلها غير متعيّنة؟

و بذلك يتبيّن وجه ما هو المختار من عدم نهوض الخبرين و لا واحد منهما على نفي الثالث .

المبحث الثالث: مقتضى القاعدة الثانوية في المتعارضين

قد عرفت أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية في المتعارضين هو التساقط، و يقع الكلام في المقام في مقتضى القاعدة الثانوية، و انّه هل ورد دليل يخالف مقتضى القاعدة الأوّلية أم لا؟

فعلى الأوّل يؤخذ بمقتضى الدليل الوارد، و قد ذهب الأصحاب إلى عدم سقوط الخبرين من رأس اعتماداً على روايات وردت عنهم ^ تشهد على عدم سقوطهما من رأس، و لا بدّ من النظر فيها لاستظهار معناها دقيقا و هي على طوائف ثلاثة:

الطائفة الأُولى: الروايات الدالة على التخيير

1. مرسلة الاحتجاج عن الحسن بن جهم (1), عن الرضا علیه السلام ، قال: قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ فقال: ما جاءك عنّا فقس على كتاب اللّه عزّ و جلّ و أحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منّا، و إن لم يكن يشبهها فليس منّا. قلت: يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة

ص: 461


1- الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين الشيباني، ثقة، ترجمه النجاشي و الشيخ في رجالهما.

بحديثين مختلفين، و لا نعلم أيّهما الحقّ؟ قال:» فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت(1) و روى صدرها العياشي مرسلا ايضا عن الحسن بن الجهم، عن العبد الصالح(2).

فإن قلت: هذه الرواية تدل على التخيير بعد فقد الترجيح و المطلوب هو إثبات التخيير مطلقاً.

قلت: المطلوب هو ثبوت التخيير على وجه الإجمال و لا مانع من تخصيص ما دلّ عليه بالروايات الدالّة على الترجيح بالمرجِّحات.

2. مرسلة الاحتجاج ايضا عن الحارث بن المغيرة(3)، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: إذا سمعت من أصحابك الحديث و كلّهم ثقة، فموسّع عليك حتى ترى القائم علیه السلام فترد عليه(4).

قيل: و الحديث ناظر إلى الخبرين المتعارضين بشهادة انّ قول الإمام علیه السلام «فموسع عليك ...» حيث إنّه ورد في الحديث المتقدم الذي مورده هو تعارض الخبرين، كما أنّه ورد أيضاً في حديث علي بن مهزيار الآتي و مورده أيضاً الخبران المتعارضان. أضف إلى ذلك أنّ الغاية «حتى ترى القائم» تناسب حجّية الخبرين المتعارضين، و أمّا الخبر الواحد فهو حجّة إلى يوم القيامة.

و أمّا قوله: «فكلّهم ثقة» فاشتراط وثاقة الجميع، لأجل تعدّد الروايات، و إلّا فلو كانت الرواية واحدة لا يشترط فيه سوى وثاقة راويها، لا وثاقة جميع الأصحاب.

ص: 462


1- الوسائل: 87/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40.
2- الوسائل: 89/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 48.
3- الحارث بن المغيرة النصري، قال النجاشي: ثقة، ثقة، و له أكثر من أربعين رواية.
4- الوسائل: 87/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 41.

و فيه: ان ظاهرها التوقف و عدم الالزام بشيء من المتعارضين حتی يلقی الامام الحجة علیه السلام فمفادها کمفاد صحيحة سماعة ففيها: قال: سألته عن رجل اختلف عليهرجلان من أهل دينه في أمرٍ كلاهما يرويه أحدهما يأمر بِأخذه و الآخر ينهاهُ عنه كيف يصنع فقال يُرْجِئُه حتَّى يلقى من يخبره فهو في سعةٍ حتَّى يلقاه»(1).

3. صحيحة علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لعبد اللّه بن محمد إلى أبي الحسن علیه السلام : اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد اللّه علیه السلام في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم صلّها في المحمل، و روى بعضهم لا تصلّها إلّا على الأرض؟ فوقّع علیه السلام : موسّع عليك بأيّة عملت(2).

و لكن موردها هو النافلة، لأنّ ركعتي الفجر كناية عن نافلة الفجر، فالتخيير في المستحبات بين الخبرين لا يكون دليلًا على التخيير في غيرها، و مع ذلك يحتمل أن يكون المراد نفس صلاة الفجر.

و احتمل المحقّق الخوئي أنّ التخيير في الرواية تخيير واقعي و ليس تخييراً ظاهرياً بمعنى جواز العمل بالخبرين، و ذلك لأنّه لو كان الحكم الواقعي غيره كان عليه البيان لا الحكم بالتخيير بين الحديثين.

و فيه: أنّ ما ذكره مخالف لظاهر قوله: «موسّع عليك بأيّة عملت» حيث إنّه ظاهر في الجواب عن المسألة الأُصولية، و أمّا لما ذا لم يُجب بالحكم الواقعي و اكتفى بالحكم الظاهري، و هو جواز العمل بالروايتين فليس وجهه بمعلوم.

ص: 463


1- الكافي (ط - الإسلامية)، ج 1، ص: 66 ؛ الحديث السابع.
2- الوسائل: 88/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 44.

4. ما رواه الطبرسي في الاحتجاج مرسلًا في جواب مكاتبة محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري (1) إلى صاحب الزمان عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف.

أدام اللّه عزّك يسألني بعض الفقهاء عن المصلّي إذا قام من التشهد الأوّل إلى الركعة الثالثة هل يجب عليه أن يكبّر، فانّ بعض أصحابنا، قال: لا يجب عليه التكبير و يجزيه أن يقول بحول اللّه و قوّته أقوم و أقعد؟

الجواب: إنّ فيه حديثين: أمّا أحدهما فانّه إذا انتقل من حالة إلى أُخرى فعليه التكبير، و أمّا الآخر فانّه روي: أنّه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية، و كبّر، ثمّ جلس ثمّ قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير، و كذلك التشهد الأوّل يجري هذا المجرى، و بأيّهما أخذت من باب التسليم كان صواباً(2).

و دلالة الحديث على التخيير بين الخبرين المتعارضين فرع كون السؤال عن المسألة الأُصولية و الإجابة على وفقها، و أمّا لو كان السؤال عن حكم الواقعة و كان الجواب لبيان حكم الواقعة فلا يكون دليلًا على ما نحن فيه.

و لا يخفی ان القرائن تشهد على المعنی الأوّل و ذلك:

أوّلًا: لأنّه لو كان السؤال عن حكم الواقعة و كان الجواب لبيان حكمها كان على الإمام تخصيص الرواية الأُولى بالثانية، لأنّ نسبة الثانية إلى الأوّل نسبة المخصص إلى العام، و هذا يدل على أنّ الإمام لم يكن بصدد بيان الحكم الواقعي للمسألة.

ص: 464


1- محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري، عرّفه النجاشي بقوله: أبو جعفر القمي كان ثقة وجهاً، كاتب صاحب الأمر عليه السلام .
2- الوسائل: 87/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 39.

و ثانياً: لو كان الإمام بصدد بيان الحكم الواقعي، لما كان هناك أي ملزم لبيان انّه وردت هناك روايتان إحداهما كذا و الأُخرى كذا، بل كان عليه أن يفتي بالحكم الواقعي.

و ثالثاً: أنّ التعبير «بأيّهما أخذت من باب التسليم كان صواباً» قد ورد في الخبرين المختلفين كما عرفت في رواية الحسن بن الجهم و علي بن مهزيار، فيكون قرينة على أنّ الغرض هو بيان حكم المسألة الأُصولية.

نعم يرد على الاستدلال بالرواية بأنّ موردها هو المستحبّات و التخيير فيها بين الخبرين لا يكون دليلًا عليه في غيرها.

5. ما رواه الصدوق في عيون الأخبار عن أحمد بن الحسن الميثمي (1)، انّه سأل الرضا علیه السلام يوماً، إلى أن قال: فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فأعرضوهما على كتاب اللّه، فما كان في كتاب اللّه موجوداً حلالًا أو حراماً، فاتّبعوا ما وافق الكتاب، و ما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ، فما كان في السنّة موجوداً منهياً عنه نهي حرام، و مأموراً به عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أمر إلزام، فاتّبعوا ما وافق نهي رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و أمره، و ما كان في السنّة نهي إعافة أو كراهة، ثمّ كان الخبر الأخير خلافه، فذلك رخصة فيما عافه رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و كرهه، و لم يحرِّمه، فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعاً، و بأيّهما شئتوسعك الاختيار من باب التسليم و الاتّباع و الردّ إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم(2).

ص: 465


1- أحمد بن الحسن الميثمي، قال النجاشي: أحمد بن الحسن بن إسماعيل، كان واقفاً. و قال الطوسي: كوفي، ثقة.
2- الوسائل: 81/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21.

و فيه: أنّ التخيير في المقام بين ترك المكروه و فعله و المستحب تركه، فيكون التخيير فيه تخييراً واقعياً راجعاً إلى حكم الواقعة، و يشهد على ذلك قوله: «و ما كان في السنّة نهي إعافة أو كراهة ثمّ كان الخبر الآخر خلافه فذلك رخصة فيما عافه رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و كرهه و لم يحرمه فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعاً». و عليه فالرواية خارجة عن محطّ البحث.

6. مرسلة الكليني فقال: فاعلم يا أخي أرشدك اللّه أنّه لا يسع أحدا تمييز شي ء، ممّا اختلف الرّواية فيه عن العلماء عليهم السّلام برأيه، إلّا على ما أطلقه العالم بقوله علیه السلام : «اعرضوها على كتاب اللّه فما وافى كتاب اللّه عزّ و جلّ فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فردّوه» و قوله علیه السلام : «دعوا ما وافق القوم فإنّ الرشد في خلافهم» و قوله علیه السلام «خذوا بالمجمع عليه، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» و نحن لا نعرف من جميع ذلك إلّا أقلّه و لا نجد شيئا أحوط و لا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم علیه السلام و قبول ما وسّع من الأمر فيه بقوله علیه السلام : «بأيّما أخذتم من باب التسليم وسعكم»(1).

و قد افتی الکليني هنا بهذه الرواية و اعتمدها, لکنه في باب اختلاف الحديث بعد ما نقل صحيحة سماعة الدالة علی ارجاء الامر و التوقف في الحديثين المتعارضين قال: و في رواية أُخرى: بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك(2).

و الظاهر انّ الاولی منهما رواية مستقلة حيث ان التعبير الوارد فيها غير التعبير الوارد في رواية الحسن بن الجهم کما و انها غير رواية الحارث کما تقدم، و الثانية اشارة الی الاولی.

ص: 466


1- الكافي (ط - الإسلامية)، ج 1، ص: 9.
2- الكافي (ط - الإسلامية)، ج 1، ص: 66 ؛ في ذيل الحديث السابع.

7. ما في الفقه الرضوي: و النفساء تدع الصلاة أكثره مثل أيّام حيضها إلى أن قال: و قد روي ثمانية عشر يوماً، و روي ثلاثة و عشرين يوماً، و بأيّ هذه الأحاديث أخذ من باب التسليم جاز(1), و الکتاب ضعيف لا يمکن الاعتماد عليه .

8. ما رواه صاحب عوالي اللآلي عن العلّامة، عن زرارة، قال: سألت الباقر علیه السلام فقلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيّهما آخذ ...فقلت: إنّهما معاً موافقان للعامة أو مخالفان فكيف أصنع؟ فقال: إذاً فخذ ما فيه الحائطة لدينك، و اترك ما خالف الاحتياط.

فقلت: إنّهما معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان له، فكيف أصنع؟ فقال: إذن فتخيّر أحدهما، و تأخذ به و تدع الآخر(2).

لکن کما تقدم ضعف کتاب العوالي و رواياته و مؤلفه مضافا الی کونها من المراسيل التي لا يقام لها وزن حيث رواه صاحب المستدرك المتوفّى عام 1320 هجرية عن عوالي اللآلي الذي ألّفه ابن أبي جمهور المتوفّى حوالي 900 هجرية عن زرارة المتوفّى عام 150 هجرية .

مضافاً إلى أنّ التعبير عن الخبرين المختلفين بالمتعارضين اصطلاح جديد بين الفقهاء و لم يكن له ذكر في أحاديث أئمّة أهل البيت عليهم السلام و إنّما الوارد في كلماتهم ^ المختلفين .

و حاصل ما تقدم هو: انّ ما يدل على التخيير انما هو خبر الحسن بن الجهم و مرسل الکليني الذي اعتمده و افتی به .

ص: 467


1- المستدرك: 306/ 17، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 12.
2- المستدرك: 303/ 17، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.

الطائفة الثانية: الروايات الدالة على التوقّف

هناك طائفة من الروايات تدلّ على أنّ الأصل في الخبرين المتعارضين هو التوقّف إلى أن يلقی الإمام علیه السلام او يحصل له العلم، و هي:

1. صحيحة سماعة، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه، و الآخر ينهاه عنه، كيف يصنع؟ قال: يُرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه(1). و هي دالة علی التوقف الی ان يحصل له العلم .

2. مرسلة الاحتجاج عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قلت: يرد علينا حديثان، واحد يأمرنا بالأخذ به و الآخر ينهانا عنه، قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله، قلت: لا بدّ أن نعمل بواحد منهما، قال: خذ بما فيه خلاف العامة(2), و يحتمل وحدة الحديثين لوحدة الراوي عن الإمام و إن اشتمل الحديث الثاني على زيادة. و هي دالة علی التوقف الی ان يلقی الامام علیه السلام .

3. مقبولة عمر بن حنظلة فيها بعد ما يفترض الراوي مساواة الخبرين في المرجّحات، أجاب علیه السلام : إذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى إمامك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات(3). و هي دالة علی التوقف الی ان يلقی الامام علیه السلام .

ص: 468


1- الوسائل: 77/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.
2- الوسائل: 88/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 42.
3- الوسائل: 76/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

4. ما رواه صاحب السرائر عن كتاب مسائل الرجال انّ محمد بن علي ابن عيسى (1) كتب إلى الإمام الهادي علیه السلام يسأله عن العلم المنقول إلينا عن آبائك و أجدادك و قد اختلف علينا فيه، فكيف العمل به على اختلافه، أو الردّ إليك فيما اختلف فيه؟ فكتب علیه السلام : ما علمتم أنّه قولنا فألزموه، و ما لم تعلموا فردّوه إلينا(2) . و هي دالة علی التوقف الی ان يلقی الامام علیه السلام .

و روى صاحب المستدرك عن محمد بن علي بن عيسى القمي ما يقرب من هذا(3).

5. ما رواه صاحب عوالي اللآلي في مرسلة عن العلّامة، عن زرارة عند ما يفترض الراوي مساواة الروايتين في المرجحات، فقال الإمام: إذن فتخير أحدهما فتأخذ به و تدع الآخر. قال: و في رواية أنّه علیه السلام قال: إذن فأرجه حتى تلقى إمامك فتسأله(4). و هي دالة علی التوقف ايضا الی ان يلقی الامام علیه السلام , و عليه فهذه الروايات تعارض ما تقدم من اخبار التخيير .

ص: 469


1- محمد بن علي بن عيسى القمي، كان وجهاً بقم و أميراً عليها من قبل السلطان، و كذلك كان أبوه يعرف بالطلحي، له مسائل لأبي محمد العسكري.
2- الوسائل: 86/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 36.
3- المستدرك: 305/ 17، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10. و فيه محمد بن عيسى مكان محمد بن علي بن عيسى، و لعلّهما شخصان، أو سقط «علي» من قلم الناسخ.
4- المستدرك: 303/ 17، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2, ثم انه ورد الأمر بالتوقّف في حديث جابر عن أبي جعفر علیه السلام لكن مورده هو تشابه الحديث بين المعنيين لا الخبرين المتعارضين، الوسائل: 86/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 37.

الجمع بين الطائفتين

اقول: کما تقدم ان ما دل علی التخيير لا يتجاوز روايتين مرسلتين و لا وثوق بهما و عليه فلا يمکن ان تکون معارضة للطائفة الدالة علی التوقف لکن حاولغير واحد من المحقّقين بالجمع بين الطائفتين بوجوه کلها تبرعية و لا شاهد لها ، و نکتفي بذکر ما أفاده الشيخ الأعظم من حمل روايات التوقف على صورة التمكّن من لقاء الإمام، بشهادة قرائن على ذلك و هي:

1. قوله عليه السلام في صحيحة سماعة: يُرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه.

2. قوله عليه السلام في مرسل سماعة: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله.

3. ما في مقبولة عمر بن حنظلة: فارجئه حتى تلقى إمامك.

4. و في كتاب مسائل الرجال: فردّوه إلينا.

5. و في رواية غوالي اللآلي: فارجئه حتى تلقى إمامك فتسأله.

و هذه التعابير تحكي عن أنّ ظرف الأمر بالوقوف هو تمكّن الراوي من الرجوع إلى من يُوقفه على جليّة الحال. و هذا بخلاف أخبار التخيير، فهي واردة إمّا في الأعم من المتمكن و غيره، أو في خصوص صورة العجز العرفي.

وفيه: انه لا شاهد على هذا الجمع و انه تبرعي لا قيمة له فان اخبار التوقف مطلقة و لا تقيد فيها بتمکن الراوي من لقاء الامام عليه السلام .

و اجيب ايضا بانه إن أُريد من التمكّن في أخبار التوقّف هو التمكّن الفعلي بأن يكون الإمام حاضراً في البلد، فهو مخالف لسياق الأخبار، حيث إنّ الظاهر من بعضها انّه لم يكن للراوي طريق إلى حكم الواقعة يحسم مادة الخلاف، و لذا أمر الإمام عليه السلام

ص: 470

سماعة بالتوقّف في حال لم يكن متمكّناً من لقاء الإمام، بشهادة أنّه لمّا قال سماعة إنّه لا بدّ من العمل بأحدهما، فأجاب الإمام بالأخذ بما خالف العامة, و لو كان متمكناً أمره بالسؤال لا العمل بما خالف العامة.

و إن أُريد من التمكّن الأعم من الحال و الاستقبال في مقابل عدم التمكّن مطلقاً يلزم حمل أخبار التخيير على الفرد النادر، و أمّا حمل أخبار التخيير على زمان الغيبة فبعيد، لصدورها في عصر الحضور، كما هو الحال في حديث الحسن بن الجهم .

و حصيلة البحث ان الصحيح هو التوقف عن الاخذ باحد المتعارضين اذا فقد المرجح و ان المکلف في سعة منهما الی ان يلقی الامام عليه السلام و حينئذ تنکشف الحقيقة. و علی هذا المبنی فلا حاجة للبحث عما يترتب علی القول بالتخيير من لزوم الأخذ بأحد الخبرين ام لا, و من ان مصبّ التخيير هو المسألة الأُصولية أو الفقهية, و من ان التخيير بدوي أو استمراري.

الطائفة الثالثة: الآمرة بالأخذ بذي الترجيح

اقول: يقع الكلام في هذا الطائفة في جهات:

الجهة الاولی: في أقسام المرجّحات

إنّ المرجحات الواردة في الروايات على أقسام، و بما انّ مقبولة عمر بن حنظلة هي بيت القصيد في هذا الباب نذكر المرجحات وفق الترتيب الوارد في الرواية المذكورة، و نعرض عمّا ورد في مرفوعة العلّامة عن زرارة المروية في کتاب عوالي اللآلي فانها ضعيفة جدا، بل هي ليست برواية، و إنّما هي منتزعة من عدّة روايات:

1. الترجيح بصفات الراوي.

2. الترجيح بالشهرة العملية.

ص: 471

3. الترجيح بالكتاب و السنّة.

4. الترجيح بمخالفة العامة.

5. الترجيح بالأحدثية هذه هي المرجحات الواردة في المقام، و إليك البحث فيها على وجه التفصيل:

الاول: الترجيح بصفات الراوي

قد ورد الترجيح بصفات الراوي في عدة من الروايات، إلّا أنّ الكلام في كونها مرجّحة للخبر في مقام الإفتاء أو مرجّحة لحكم القاضي عند الاختلاف, و على كلّ تقدير فقد ورد الترجيح بها في الروايات التالية:

1: مقبولة عمر بن حنظلة و هي ما رواه الكليني بسند صحيح عن عمر بن حنظلة، قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة أ يحلّ ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً و إن كان حقاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، و قد أمر اللّه أن يُكفر به، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِه﴾.

قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكمحاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه، فإنّما استخف بحكم اللّه، و علينا ردّ، و الرّادّ علينا، الرادُّ على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه.

قلت: فإن كان كلّ رجل اختار رجلًا من أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، و اختلفا فيما حكما، و كلاهما اختلفا في حديثكم؟

ص: 472

قال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يُلتفت إلى ما يحكم به الآخر»(1). و يقع البحث في سنده و متنه.

أمّا السند، فلانتهائه إلى عمر بن حنظلة الذي لم يرد في حقّه مدح و لا توثيق، و قد حاول بعض المتأخرين إثبات وثاقته بروايتين تاليتين:

الأُولى: ما رواه محمد بن يعقوب بسند صحيح عن يونس، عن يزيد بن خليفة قال: «قلت لأبي عبد اللّه: إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال أبو عبد اللّه عليه السلام : إذاً لا يكذب علينا»(2).

و فيه: عدم دلالة الخبر علی وثاقته فانه لم يقل لم يکذب... بل قال اذاً مضافا الی عدم توثيق يزيد بن خليفة, فقال النجاشي: له كتاب، يرويه جماعة. و قال الطوسي: إنّه واقفي، نعم لو قلنا بوثاقة مشايخ الثقات لأجل رواية صفوان بن يحيى عنه(3) فهو ثقة, الّا انه لم تثبت صحة هذا المبنی عندنا.

الثانية: ما رواه الكليني بسند صحيح عن علي بن الحكم، عن عمر بن حنظلة، عن أبي عبد اللّه عليه السلام «قال: يا عمر لا تُحملوا على شيعتنا و ارفقوا بهم، فإنّ الناس لا

ص: 473


1- الكافي: 67/ 1، باب اختلاف الحديث من كتاب فضل العلم، الحديث 10، و سيوافيك ذيل الحديث في أقسام المرجحات.
2- الكافي: 3، باب وقت الظهر و العصر من كتاب الصلاة، الحديث 1. و ما في معجم رجال الحديث: 27/ 13 يونس بن يزيد بن خليفة مصحّف تبدّلت لفظة «عن» إلى «بن».
3- الكافي: 76/ 2.

يحتملون ما تحملون»(1), و لا دلالة فيه علی الوثاقة مضافا الی ان إثبات الوثاقة به دوري، لأنّ الراوي هو نفس بن حنظلة.

و الحاصل هو عدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة فالمقبولة محل اشکال سندا, لکنها موثوقة بها لعمل المشهور بها و اعتماد الاصحاب عليها و قد اعتمدها اصحاب الاجماع الذين اجمعت العصابة علی تصحيح ما يصح عنهم کصفوان بن يحيى و ابن مسكان عنه .

و أمّا متنها و دلالتها: فلا شكّ انّ الإمام عليه السلام رجّح حكم الأعدل و الأفقه و الأصدق و الأورع في الحديث على من ليس كذلك.

و فيه: کما افاده المحقّق الخراساني(2), أن مورد الترجيح هو تقديم حكم أحد القاضيين على الآخر، و هو لا يدل على تقديم رواية أحد الراويين على الآخر، و ذلك للفرق بين باب القضاء و الإفتاء، فإنّ الأوّل شُرّع لرفع المنازعة و فضّ الخصومة، و هو لا يقبل التأخير، إذ فيه مظانة النزاع و النقاش في حين انّ الإفتاء ليس كذلك.

2: خبر داود بن الحصين، عن أبي عبد اللّه عليه السلام «في رجلين اتّفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين، فاختلف العدلان بينهما، عن قول أيّهما يمضي الحكم؟ قال: ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما، فينفذ حكمه و لا يلتفت إلى الآخر»(3).

ص: 474


1- روضة الكافي: 8 ، الحديث برقم 334؛ و لاحظ أيضاً الوسائل الجزء 4، الباب 5 من أبواب القنوت، الحديث 5 ففيه: قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: القنوت يوم الجمعة: فقال: أنت رسولي إليهم في هذا إلى غير ذلك من الروايات التي نقلها في قاموس الرجال: 167/ 8 .
2- كفاية الأُصول: 392/ 2.
3- الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20.

و فيه: ان هذه الرواية کسابقتها من أنّ مورد الترجيح فيها هو حكم أحد القاضيين على الآخر، و لا يكون دليلاً على المقام.

3: رواية موسى بن أكيل و هي ما رواه الشيخ الطوسي بسند صحيح عن ذُبيان بن حُكَيم، عن موسى بن أُكيل، عن أبي عبد اللّه عليه السلام «قال: سُئل عن رجل يكون بينه و بين أخ له منازعة في حقّ، فيتفقان على رجلين يكونان بينهما، فحكما، فاختلفا فيما حكما، قال: و كيف يختلفان؟ قال: حكم كلّ واحد منهما للّذي اختاره الخصمان، فقال:» ينظر إلى أعدلهما و أفقههما في دين اللّه، فيمضي حكمه»(1), الّا ان الحديث مضافا الی ضعف سنده بذبيان, أجنبي عن المقام، لأنّ الضمائر ترجع إلى الحكمين اللّذين اختار كلّ واحد من المتحاكمين، و بما انّ القضاء أمر لا يخلو تأخيره من مضارّ ناسب أن تكون الأورعية من المزايا، بخلاف الإفتاء.

نعم اختلاف الحكمين و إن نشأ عن الاختلاف في الحديث المروي عنهما علیهم السلام ، لكنّه سبب الاختلاف في القضاء و ليس هو مورداً للترجيح.

و الحاصل ان الترجيح بصفات الراوي لا يمت إلى ترجيح الرواية بصلة.

الثاني: الترجيح بالشهرة العملية

قد ورد الترجيح بالشهرة العملية في رواية واحدة، و هي نفس مقبولة عمر بن حنظلة الآنفة الذكر، و قد سبق نقل صدرها في المرجح الأوّل، و إليك نقل مقطع آخر من الرواية يمت إلى هذا المرجح بصلة.

«قلت: فإنّهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضَّل واحد منهما على الآخر, قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الّذي حكما به، المجمعَ عليه من أصحابنا

ص: 475


1- الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 45.

فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشّاذّ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، و إنّما الأُمور ثلاثة: أمرٌ بيّن رشده فيُتّبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ علمه إلى اللّه و إلى رسوله، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم(1).

و يرد على الاستدلال بالحديث انّ الشهرة العملية تُميِّز الحجة عن اللاحجة، بخلاف المرجح فانّه يرجح إحدى الحجّتين على الحجة الأُخرى کما تقدم ذلک مفصلا في الجزء الثالث من هذا الکتاب في بحث حجية الشهرة الفتوائية، و حاصل الکلام يعلم من تحليل ذلك المقطع من الرواية في ضمن أُمور:

1. المراد من «المجمع عليه» ليس ما اتّفق الكل على روايته، بل المراد ما هو المشهور بين الأصحاب في مقابل ما ليس بمشهور، و الدليل على ذلك قول الإمام عليه السلام : «و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك» .

2. المراد من اشتهار الرواية بين الأصحاب هو اشتهارها مع الإفتاء بمضمونها، إذ هو الذي يمكن أن يكون مصداقاً لما لا ريب فيه، و إلّا فلو نقلوا الرواية بلا إفتاء وفقَ مضمونها ففيه كلّ الريب و الشك.

3. المراد من قوله: «لا ريب » هو نفي الريب على وجه الإطلاق، لأنّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم، فالرواية المشهورة نقلًا و عملًا ليس فيها أي ريب و شك.

و أمّا ما يقابلها، أعني: الشاذ، فبما انّه نقيضه يكون محكوماً بحكم خلافه، فلو كان المشهور ممّا لا ريب فيه يكون الشاذ ممّا لا ريب في بطلانه، و ذلك بحكم العقل لا

ص: 476


1- الكافي: 1، باب اختلاف الحديث من كتاب فضل العلم، الحديث 10.

بالدلالة اللفظية، فانّه إذا كان أحد طرفي القضية ممّا لا ريب في صحّته و قطعَ الإنسان بصحّته يكون الطرف الآخر مقطوع البطلان، و إلّا يلزم اجتماع اليقين بالصحّة، مع الشكّ فيها، مثلًا إذا كانت عدالة زيد ممّا لا ريب فيها، يكون مخالفها اي فسقه ممّا لا ريب في بطلانه.

4. و من ذلك يعلم أنّ المشهور داخل في القسم الأوّل من التثليث الوارد في المقبولة أي: بيّن رشده، و ان الخبر الشاذ داخل في القسم الثاني أي: بيّن غيّه، لا في القسم الثالث أي: مشكل يرد حكمه إلى اللّه و رسوله، و ذلك لما تبيّن انّ المشهور لا ريب في صحته و المخالف لا ريب في بطلانه.

و يظهر من ذلك انّ الشهرة العملية إذا كانت سبباً لطرد الريب عن نفسها و إلصاقه بمخالفها تكون أمارة على تمييز الحجة عن اللاحجة، و بيّن الرشد عن بيّن الغيّ. و مثل ذلك لا يعد مرجحاً أصلًا.

الثالث: الترجيح بالكتاب و السنّة

لا شكّ انّ الرواية الموافقة للكتاب و السنّة قد تخلو من رواية معارضة و قد لا تخلو منها، و ها نحن نذكر في هذا المقام الروايات التي ترجع إلى المتعارضين:

1. مقبولة عمر بن حنظلة، و جاء في مقطع منها «قلتُ: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكمَ الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامة»(1).

فإن قلت: قد تقدّم انّ مورد الترجيح في المقبولة، هو تقديم حكم أحد القاضيين على الآخر، لا ترجيح إحدى الروايتين على الأُخرى.

ص: 477


1- الكافي: 68/ 1، باب اختلاف الحديث من كتاب فضل العلم، الحديث 10.

قلت: إنّ الإمعان في المقبولة يثبت بأنّ صدر الحديث و إن كان بصدد بيان مرجّحات القضاء و انّه يقدّم القاضي الأعدل، و الأفقه، و الأصدق و الأورع على غيره، لكن لمّا فرض السائل تساويهما في الصفات و انّه لا يُفضّل واحد منهما على الآخر، أرجعه الإمام إلى أنّه يؤخذ بقول من يكون مستنده ذا مزية من كونه مشهوراً أو موافقاً للكتاب و السنّة، فانتهى الكلام إلى بيان مرجّحات نفس الخبرين المتعارضين أنفسهما، فقال السائل: «فإن كان الخبران عنكممشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة ...» فكون الصدر بصدد بيان مرجّحات القضاء، لا يمنع عن كون سائر الفقرات لبيان مرجّحات الخبر في الأثناء.

2. ما رواه الميثمي، عن الرضا عليه السلام أنّه قال: «فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فأعرضوهما على كتاب اللّه، فما كان في كتاب اللّه موجوداً حلالًا أو حراماً، فاتّبعوا ما وافق الكتاب، و ما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فما كان في السنّة موجوداً منهيّاً عنه نهي حرام، و مأموراً به عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أمر إلزام، فاتّبعوا ما وافق نهي رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و أمره»(1).

3. ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن الصادق عليه السلام أنّه قال: «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فأعرضوهما على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فردّوه»(2).

ص: 478


1- الوسائل: 81/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21.
2- الوسائل: 84/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29.

4. ما رواه الحسن بن الجهم، عن الرضا عليه السلام قال: «قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ فقال: ما جاءك عنّا فقس على كتاب اللّه عزّ و جلّ و أحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منّا، و إن لم يكن يشبههما فليس منّا»(1).

5. ما رواه الحسن بن الجهم، عن العبد الصالح عليه السلام أنّه قال: «إذا جاءك الحديثان المختلفان، فقسهما على كتاب اللّه و أحاديثنا، فإن أشبهها فهو حقّ و إن لم يشبهها فهو باطل»(2).

اقول: ان الترجيح بالکتاب و السنة ايضا من باب تمييز الحجة من اللاحجة کما افاده المحقّق الخراساني حيث قال ما هذا حاصله: إنّ في كون موافقة الكتاب من المرجّحات نظراً، وجهه: قوة احتمال أن يكون الخبر المخالف للكتاب في نفسه غير حجّة بشهادة ما ورد في أنّه زخرف و باطل و ليس بشي ء، أو انّه لم نقله إلى أن قال: إنّ الصدور أو الظهور في الخبر المخالف للكتاب يكون موهوناً بحيث لا تعمه أدلّة اعتبار السند و لا الظهور، فتكون هذه الأخبار في مقام تمييز الحجّة عن اللاحجة لا ترجيح الحجّة على الحجّة(3).توضيح ذلک: أنّ الأخبار الواردة حول الخبر المخالف للكتاب على صنفين:

ص: 479


1- الوسائل: 87/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40.
2- الوسائل: 89/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 48.
3- كفاية الأُصول: 393/ 2 395.

الاول: ما يصف الخبر المخالف و إن لم يكن له معارض بكونه زخرفاً.(1) و انّه ممّا لم أقله.(2) أو لا يصدق علينا إلّا ما وافق كتاب اللّه.(3) إلى غير ذلك.

الثاني: ما يصف الخبر المخالف مع وجود المعارض له .

و الحقّ انّه لا فرق بين کلا الصنفين من كون المخالفة من قبيل تمييز الحجّة عن اللاحجة لا ترجيح أحد الخبرين على الآخر، و ذلك بشهادة قوله عليه السلام «فردّوه» أو «فليس منّا» أو «فهو باطل» فإنّ هذه التعابير - الواردة في الصنف الثاني - تشهد علی ان المخالف، ممّا لم يصدر عن الأئمة ^, مضافا إلى ذلك انّ العناوين الواردة في الصنف الاول - الخبر المخالف، المجرّد عن المعارض – تدل علی التمييز هنا أيضاً و ذلک لأنّ وصفه بالزخرف و ما شابهه، انما هو لأجل كونه مخالفاً، و هذا الملاك موجود في المخالف الذي له معارض، فقوام هذه الأوصاف هو مجرّد المخالفة و لا دور للمعارض و عدمه فيها كما لا يخفى.

فإن قلت: ما هي الثمرة العملية بين كونه مميّزاً أو مرجّحاً إذ على كلّ تقدير يجب الأخذ بذات المزية؟

قلت: تظهر الثمرة في أنّه لو كان مميّزاً لا يعادله شي ء، فيقدم الموافق على المخالف و إن كان في جانب الآخر مرجحات كثيرة، بخلاف ما إذا كان مرجّحاً، فعندئذ يلاحظ الخبران من حيث كثرة المرجّح و قلّته في جانب المخالف، فربما يقدّم المخالف إذا كانت فيه مرجّحات كثيرة.

ص: 480


1- الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 12، 15، 47.
2- الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 12، 15، 47.
3- الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 12، 15، 47.

ثم انه ما المراد من المخالفة للكتاب و السنّة، هل المراد المخالفة على وجه التباين الكلّي، أو المخالفة على نحو العموم و الخصوص المطلق؟

الظاهر هو الثاني، لصدور الخبر المخالف على النحو الثاني عنهم ^ في مختلف الأبواب، فانّ دور الخبر الواحد غالباً هو تقييد المطلقات أو تخصيص العمومات. و الخبر المخالف على نحو التباين الكلي قليل في الأحكام جداً, نعم في مجال العقائد و المعارف غير عزيز، كما هو الحال في امر القضاء و القدر و مقامات الأنبياء و الأولياء من روايات الغلوّ.

الرابع: الترجيح بمخالفة العامّة

تظافرت الروايات على أنّه إذا اختلفت الأخبار، يُقدَّم ما خالف العامة، و ما ذلك إلّا لأنّ الظروف القاسية دفعت بالأئمة إلى الإفتاء وفقَ مذاهبهم صيانة لدمائهم و صيانة نفوس شيعتهم، و لذلك جعل ما يشبه قولهم ممّا فيه التقية(1) و إليك نقل ما ورد في هذا المجال:

1. ما رواه عمر بن حنظلة، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في مقبولته: «جعلت فداك أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة و وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة و الآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرَّشاد.

فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً؟

قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكّامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر»(2).

و قد مرّ آنفاً انّ صدر الحديث و إن كان راجعاً إلى ترجيح حكم أحد القاضيين على حكم الآخر، لكن بعد ما فرض الراوي مساواة القاضيين من حيث الصفات أرجع الإمام

ص: 481


1- الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 46.
2- الكافي: 68/ 1، باب اختلاف الحديث من كتاب فضل العلم، الحديث 10.

السائلَ إلى ملاحظة مصدر فتاواهما و إنّه يقدّم قضاء من حكم بخبر مجمع عليه بين الأصحاب، على من قضى بمصدر شاذ من باب تمييز الحجة من اللاحجة کما تقدم وکذلک الاخذ بمخالفة العامة انما هو من باب التمييز کما هو صريح المقبولة حيث قال عليه السلام «ما خالف العامة ففيه الرَّشاد» و معناه انّ ما وافقهم ففيه الضلال، و يقرب منه قوله عليه السلام: «فما وافق أخبارهم فذروه» أو «فدعوه» و ظاهر هذه التعابير هو تمييز الحجة عن اللاحجّة, فلا علاقة لذلک بمرجحات الرواية.

2. ما رواه سعيد بن هبة اللّه الراوندي بسنده إلى عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه، عن الصادق عليه السلام في الخبرين المختلفين أنّه قال: فأعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، و ما خالف أخبارهم فخذوه(1).

3. رواية الحسين بن السري، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السلام : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم(2).

4. روى الحسن بن الجهم، قال: قلت للعبد الصالح عليه السلام : فيروى عن أبي عبد اللّه عليه السلام شي ء و يروى عنه خلافه، فبأيّهما نأخذ؟ فقال: خذ بما خالف القوم و ما وافق القوم فاجتنبه(3).

ص: 482


1- الوسائل: 84/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29.
2- الوسائل: 85/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 30.
3- الوسائل: 85/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 31.

5. ما رواه محمد بن عبد اللّه، قال: قلت للرضا عليه السلام : كيف نصنع بالخبرين المختلفين؟ فقال: إذا ورد عليكم خبران مختلفان، فانظروا إلى ما يخالف منهما العامة فخذوه، و انظروا إلى ما يوافق أخبارهم فدعوه(1).

هذا ما ورد في الترجيح بمخالفة العامة، و قد عرفت ان الترجيح بها انما هو من باب تمييز الحجة من اللاحجة بقرينة قول عليه السلام «ما خالف العامة ففيه الرَّشاد» و معناه انّ ما وافقهم ففيه الضلال، و يقرب منه قوله عليه السلام: «فما وافق أخبارهم فذروه» أو «فدعوه» و ظاهر هذه التعابير هو تمييز الحجة عن اللاحجّة, فلا علاقة لذلک بمرجحات الرواية, کالترجيح بالشهرة العملية أو موافقة الكتاب و السنّة، فقد عرفت أنّها من قبيل تمييز الحجة عن اللاحجة، و انّ لسان الروايات صريحة في ذلك.

و أمّا الترجيح بصفات الراوي فقلنا انه يرجع إلى ترجيح حكم أحد القاضيين على الآخر.

الخامس: الترجيح بالأحدثية

هناك روايات عديدة تدل على لزوم الأخذ بالأحدث من الحكمين، و إليك بعض ما يدل عليه:

1. روى المعلّى بن خنيس، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : إذا جاء حديث عن أوّلكم و حديث عن آخركم بأيّهما نأخذ؟ فقال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحيّ، فإن بلغكم عن الحيّ فخذوا بقوله(2).

ص: 483


1- الوسائل: 85/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 34.
2- الوسائل: 78/ 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8 و انظر أيضاً الحديث 9 و 17 من نفس الباب.

اقول: هذا القسم لا صلة له بباب المرجّحات، لأنّ الأخذ بالأحدث ليس لأجل كونه بياناً للحكم الواقعي و الآخر على خلافه بل يمكن أن يكون على العكس، و إنّما وجب الأخذ بالأحدث، لأجل انّ إمام كلّ عصر أعرف بمصالح شيعته، و هذا هو مراد ابن بابويه في الفقيه في باب «الرجل يوصي إلى رجلين» فقال: لو صحّالخبران جميعاً، لكان الواجب الأخذ بقول الأخير كما أمر به الصادق عليه السلام ، و ذلك لانّ الأخبار لها وجوه و معان، و كلّ إمام أعلم بزمانه و أحكامه من غيره من الناس(1).

مع أنّ كلًا من الخبرين بالنسبة إلى بيان الحكم الواقعي و عدمه سواء، و على هذا يختص الترجيح بهذه المزيّة بعصرهم ^ دون عصر الغيبة، لأنّه بالنسبة إلى الخبرين متساو.

نعم الأخذ بالأحدث إذا كان في كلام النبي صلى الله عليه و آله و سلم ربما يكون لأجل كونه ناسخاً للأول، و أمّا في كلام الإمامين أو الإمام الواحد فلا يتصور فيه ذلك.

الجهة الثانية: في لزوم الأخذ بالمرجِّح و عدمه

قد عرفت مما تقدم عدم ثبوت اي مرجح من المرجحات و کل ما ادعي کونه من المرجحات فانما هو من المميزات او لا علاقة له بالمقام و علی ضوء ذلک فلا حاجة للبحث عن لزوم الاخذ بالمرجح و عدمه لکن بناء علی ثبوت المرجحات فهل يلزم الاخذ بها؟

المشهور هو لزوم الأخذ بذات المزية من الخبرين. وعليه الشيخ الأنصاري، غير انّ المحقّق الخراساني حمل الروايات على الاستحباب.

و الحق هو لزوم الاخذ بالمرجح و ذلک لأنّ لسان الروايات هو لزوم الأخذ لا استحبابه، لأنّ المتبادر من قوله عليه السلام «فانّ المجمع عليه لا ريب فيه» و «خذ بما اشتهر بين

ص: 484


1- الفقيه: 203/ 4 ذيل حديث5472.

اصحابک و دع الشاذ النادر» و کذلک «ما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة فيؤخذ به و يترك ما خالف» و «ما خالف العامّة ففيه الرشاد» او «ما وافق القوم فاجتنبه» إلى غير ذلك من العناوين الصريحة في لزوم الأخذ بالمرجّح و ترك الآخر هو اللزوم لا الاستحباب.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني استدل على عدم لزوم الأخذ بذي المزية بوجوه أربعة، و هي:

الأوّل: إنّ أجمع خبر للمزايا المنصوصة هو المقبولة و المرفوعة مع اختلافهما و ضعف سند المرفوعة جداً، و الاحتجاج بالمقبولة مشكل، لقوة احتمالاختصاص الترجيح بها في مورد الحكومة لرفع المنازعة و فصل الخصومة كما هو موردها و لا وجه معه للتعدي منه إلى غيره(1).

و فيه: أنّ ما ذكره صحيح بالنسبة إلى الترجيح بالصفات و أمّا بالنسبة إلى غيرها فلا، و ذلك لأنّه قد انتهى كلام الإمام أخيراً إلى بيان مرجِّحات الرواية التي بها أيضاً يقدّم أحد الحكمين على الآخر، و ذلك بأن يكون مستند حكمه مجمعاً عليه أو موافقاً للكتاب و السنّة أو مخالفاً للعامة، فتكون النتيجة هو انّ ما أشار إليه من المرجِّحات مرجِّحاً للخبر بما هو هو سواء استخدمه القاضي أو المفتي.

الثاني: لا مجال لتقييد إطلاقات أخبار التخيير في مثل زماننا ممّا لا يتمكن من لقاء الإمام عليه السلام بهما، و ذلك بوجهين:

1: قصور المرفوعة سنداً و قصور المقبولة دلالةً, لاختصاصها بزمان التمكّن من لقائه عليه السلام ، و الشاهد عليه عدم حكم الإمام بالتخيير بعد فقدان المرجّح، بل أمره بالإرجاء حتى يلقى إمامه.

ص: 485


1- الكفاية: 392/ 2.

2: لو قلنا بلزوم التقييد يلزم حمل أخبار التخيير على مورد نادر إذ قلّما يتفق أن لا يكون هناك مرجِّح(1).

و اورد على الأوّل: أنّ مقتضى قاعدة الاشتراك في التكليف عدم الفرق في الحكم بين الزمانين، مضافاً إلى أنّه إذا كان الترجيح واجباً في زمن الحضور مع إمكان لقاء الإمام يكون الترجيح في زمان الغيبة و عدم التمكّن من الإمام أمراً أولى.

و اورد على الثاني: أنّه إنّما يلزم إذا قلنا بالتعدّي من المنصوص، إلى غير المنصوص و بما انّ غير المنصوص من المرجحات متوفِّر بكثرة، فلو كان العمل بذات المزية واجباً يلزم حمل أخبار التخيير على الفرد النادر، و أمّا إذا قلنا باختصاص الترجيح بمورد النص و هو لا يتجاوز عن أربعة مرجِّحات فلا يلزم حملها على الفرد النادر.

الثالث: انّ الأخذ بموافق الكتاب أو مخالف القوم يحتمل أن يكون من باب تمييز الحجة عن اللاحجة.

و فيه: أنّ ما ذكره و إن كان صحيحاً و لكنّه يكون دليلًا على لزوم الأخذ بذي المزية، سواء أ كان مرجّحاً لأحد الخبرين أو مميّزاً للحجة منهما.

الرابع: ما أشار إليه بقوله: إنّه لو لا الحمل على الاستحباب للزم التقييد في أخبار المرجِّحات، و هي آبية عنه، إذ كيف يمكن تقييد مثل: ما خالف قول ربنا لم أقله، أو زخرف، أو باطل(2).

و فيه: أنّ هذا الاشکال وارد علی القول بكونها مرجِّحات للرواية، و أمّا لو قلنا بكونها مميزات للحجة فالتقييد غير لازم و لا معقول .

ص: 486


1- كفاية الأُصول: 393/ 2.
2- كفاية الأُصول: 395/ 2.

الجهة الثالثة: في التعدّي عن المنصوص إلى غيره

لو افترضنا انّ ما ذكر من المزايا مرجِّحات للرواية لا مميزات کما هو المختار، فهل يقتصر عليها في مقام الترجيح أو يتعدى عنه إلى غيره كموافقة الأصل أو موافقة الإجماع المنقول و غيرهما؟ ذهب الشيخ الأعظم إلى لزوم التعدّي خلافاً للمحقّق الخراساني، و استدلّ الشيخ الأنصاري على التعدّي بوجوه أربعة:

الوجه الأوّل: انّ الترجيح بالأصدقية في المقبولة و الأوثقية في المرفوعة ليس إلّا لأجل كونهما موجبتين للأقربية و يجب الأخذ بكلّ ما يوجب أقربية أحدهما من الآخر، و على ضوء هذا ينتقل إلى الترجيح بكلّ صفة في الراوي و الرواية توجب أقربية أحد الخبرين، ككون الراوي مُجيداً للغة العربية دون الآخر، أو كون إحدى الروايتين منقولة بالمعنى دون الأُخرى.

و فيه: أنّ الترجيح بهذين الوصفين لا يوجد إلّا في المرفوعة و المقبولة، و المرفوعة ضعيفة جدا کما تقدم، و أمّا المقبولة فموردها ترجيح رأي أحد القاضيين على الآخر فلا علاقة لها بالترجيح بين الروايات المتعارضة .

الوجه الثاني: ليس المراد من المجمع عليه الذي وصفه الإمام بأنّه لا ريب فيه, الروايةَ المتواترة بل المراد الخبر الواحد المعروف بين الرواة، وعليه يكون المراد من قوله: لا ريب فيه, هو عدم الريب بالإضافة إلى الرواية الشاذة التي لم تكن معروفة عند الأصحاب، فتكون المشهورة أقرب من الشاذة إلى الصدور، إذ يحتمل فيه ما لا يحتمل في المجمع عليه، و لازم ذلك هو التعدّي إلى كلّ مزية توجب نفي الريب في واحدة دون الأُخرى، و يؤيد انّ المراد من الريب هو الريب النسبي لا الريب المطلق أمران:

ص: 487

1. فرض الراوي خبرين مشهورين، إذ لا يصحّ فرض خبرين مشهورين ممّا لا ريب فيهما على وجه الإطلاق.

2. إنّه لو كان المراد هو نفي الريب على وجه الإطلاق لم يكن وجه لتقديم الترجيح بصفات الراوي على الشهرة، فانّ الإرجاع إلى الأمارة الظنية إنّما يصحّ إذا فقدت الأمارة القطعية.

و يرد علی الاول: الظاهر انّ المنفي هو الريب على وجه الإطلاق كما هو مقتضى لا النافية للجنس لا الريب النسبي, و أن المراد من ان المشهور لا ريب فيه هو الخبر الذي تطمئن به النفس و تسكن إليه، لنقل الأصحاب و عملهم به دون الآخر الذي أعرض عنه الأصحاب نقلًا و عملًا أو عملًا فقط، فالأوّل لا ريب فيه عرفاً، و الثاني فيه كلّ الريب, و اما کون الخبرين مشهورين فانما هذا فرض ورد في لسان الراوي و المراد انه ما إذا عملت طائفة من العلماء بخبر و طائفة أُخرى بخبر آخر و قد اجابه الامام بسقوط الشهرة عن کونها مميزة حسب المعنی المختار, و مرجحة حسب المبنی الاخر و أرشده الامام عليه السلام الی مميز او مرجح اخر و هو الاخذ بمخالفة العامة .

و يرد علی الثاني: بأنّ الاستدلال مبني على أنّ صفات الراوي من المرجحات الظنية فکيف تتقدم علی الشهرة التي هي قطعية, لکن تقدم ان صفات الراوي ليست من مرجحات باب تعارض الاخبار و ان کانت من المرجحات في حکومة الحاکم و عليه فلا تقدم لصفات الراوي علی الشهرة .

الوجه الثالث: التعليل الوارد في الأخذ بما يخالف العامة بأنّ الرشد في خلافهما، و من الواضح انّه ليس المراد انّ كلّ ما يكون مخالفاً للعامة فهو الحقّ القراح، و كلّ ما يكون موافقاً لهم فهو الباطل المحض ضرورة بطلان ذلك، لوجود الاشتراك في كثير من

ص: 488

الأحكام، بل المراد وجود احتمال التقية في الموافق دون المخالف، ففي المخالف أمارة الحقّ و الرشد بخلاف الموافق، و لازم ذلك الأخذ بكلّ مزية فيه أمارة الحقّ و الرشد.

قلت: الامر کما افاد و عليه فإذا بلغت المزية غير المنصوصة هذا الحد اي کونها امارة الحق و الرشد وجب الأخذ به .

الوجه الرابع: قوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» دلّ على أنّه إذا دار الأمر بين أمرين في أحدهما ريب ليس في الآخر ذلك الريب يجب الأخذ به، و ليس المراد نفي الريب المطلق.

اقول: أنّ الرواية مرسلة رواها الشهيد في الذكرى عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم, كما رواه الكراجكي في كنزه، قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فانّكلن تجد فقد شي ء تركته للّه عزّ و جلّ»(1), و هي و ان کانت مرسلة الّا ان معناها مما يقتضيه العقل فلا شک في انه لو دار الامر بين ما هو قطعي او موثوق به و بين غيره فالعقل يحکم بترک ما فيه الريب و الشک و لا اختصاص له بامر معين.

هذا كلّه حول دليل القائل بالتعدّي، و أمّا دليل القائل بعدمه فهو مقتضى إطلاقات التخيير إلّا ما خرج بالدليل، لکن قد عرفت الاشکال في اخبار التخيير في ما تقدم .

الخاتمة: في التعارض على نحو العموم و الخصوص من وجه

لقد عرفت في ما تقدم انه إذا كانت النسبة بين الخبرين هي التباين، وجب العمل بالرواية ذات المزية.

و اما إذا كان التعارض بين الخبرين على نحو العموم من وجه، كما إذا دلّ الدليل على نجاسة عذرة ما لا يؤكل لحمه، و دلّ دليل آخر على طهارة عذرة كلّ طائر، فيفترق

ص: 489


1- الوسائل: 124/ 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 47.

الدليلان في موردين أحدهما: عذرة الوحوش، فإنّها داخلة تحت إطلاق الدليل الأوّل، و ثانيهما: عذرة الطائر الذي يؤكل لحمه، فإنّها داخلة تحت إطلاق الدليل الثاني، و إنّما يتعارضان في الطائر غير المأكول لحمه كما فيما إذا كان له مخالب، فهل المرجع هو التساقط و الرجوع إلى دليل آخر من اجتهادي كالعموم و الإطلاق، و أصل عمليّ إذا لم يكن دليل اجتهادي؛ أو المرجع هو الأخبار العلاجية من الترجيح أوّلًا و التخيير ثانياً؟

اما علی المختار من عدم ثبوت المرجحات و انما هي مميزات الحجة من اللاحجة فالصحيح هو القول الاول باعتبار حجيتهما معا و انما الاشکال في اطلاقيهما .

و بعبارة اخری: أنّ تقديم الخبر المجمع عليه أو كونه موافقاً للكتاب و السنّة من باب تقديم الحجة على اللاحجة لا من باب الترجيح، و هذا إنّما ينطبق على المخالفة بنحو التباين لا على نحو العامين من وجه، إذ ليس كلّ من الدليلين في موردي الاختلاف أمراً باطلًا، و لا يصح التفكيك بين مورد الاتفاق بوصفه حجّة و مورد الاختلاف بوصفه لا حجة کما هو واضح .

هذا و استدل للقول الاول ايضا بأنّ المتبادر من الأخبار العلاجية هو دوران الأمر بين الأخذ بالشي ء بتمامه، و ترك الآخر كذلك، أو بالعكس كما هو الظاهر من قوله: «أحدهما يأمر و الآخر ينهى» و الأمر في العامّين من وجه ليس كذلك،إذ لا يدور الأمر بين الأخذ بواحد منهما و ترك الآخر أو بالعكس، بل يؤخذ بكلّ في موردي الافتراق، و إنّما الاختلاف في مورد الاجتماع، فالعُقاب بما انّه حيوان غير مأكول يحكم عليه بالنجاسة. و بما انّه طائر يحكم عليه بالطهارة.

و منه يعلم حكم أخبار العرض على الكتاب و السنّة و فتاوى العامّة، فانّ الظاهر هو الأخذ بتمام ما وافق كتاب اللّه و ترك تمام ما خالفه، و مثله ما وافق العامّة أو خالفها، فإنّ المتبادر

ص: 490

هو أخذ تمام ما خالف العامة و ترك كلّ ما وافقهم، و الأمر في العموم من وجه ليس كذلك، لأنّه يؤخذ بكلا الدليلين، و لا يترك الآخر بتاتاً.

و بذلک يظهر ضعف ما ذهب اليه الشيخ من صحة القول الثاني قائلًا: إنّ التعارض يصدق عرفاً و انّ العامين من وجه داخل في الأخبار العلاجية، إذ تخصيصهما بخصوص المتعارضين اللّذَين لا يمكن الجمع بينهما إلّا بإخراج كليهما عن ظاهريهما خلاف الظاهر(1).

ص: 491


1- فرائد الأُصول: 453.

الفهرس

الأصل الثالث: الاشتغال ... 3

الكلام في الشبهة التحريمية من الشكّ في المكلّف به ... 5

حكم الشبهة التحريمية المحصورة ... 5

بيان الشهيد الصدر في منجزية العلم الاجمالي ... 6

تفصيل المحقق الخراساني في المقام ... 20

اشکالات جعل البدل ... 23

ايراد المحقق العراقي علی جعل البدل ... 25

تنبيهات ... 28

التنبيه الأوّل: في الاضطرار إلى أحد الأطراف ... 28

التنبيه الثاني: في خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء ... 36

استدلال آخر ... 41

إذا شكّ في الابتلاء و عدمه ... 42

التنبيه الثالث: في الشبهة غير المحصورة ... 44

ما هو المعيار لكون الشبهة غير محصورة؟ ... 46

الادلة على سقوط العلم الإجمالي في غير المحصورة ... 49

روايات الجبن: ... 53

ص: 492

جواز شراء الطعام و الأنعام من العامل الظالم ... 56

ما يدل على أخذ جوائز العامل للظالم ... 57

التصرف في المال المختلط بالربا ... 58

الاول: هل يجوز ارتكاب جميع المشتبهات في غير المحصور؟ ... 59

الثاني: حکم الکثير في الکثير ... 60

الثالث: في كون الساقط هو العلم أو هو مع الشكّ ... 62

الرابع: لزوم كون العلم الإجمالي محدثاً للتكليف على كلّ تقدير ... 65

الخامس: كفاية اندراج الطرفين تحت عنوانين ... 65

التنبيه الرابع: حكم ملاقي بعض أطراف المعلوم بالإجمال ... 66

الاقوال في المسألة ... 68

مناقشة القول الثاني ... 68

الاستدلال بالعلم الاجمالي ... 72

استدلال الشيخ الأعظم و المحقق النائيني ... 74

الجواب عن الشبهة الحيدرية ... 75

مناقشة القول الثالث ... 76

ايراد المحققين العراقيّ و الخوئي ... 79

بقيت هنا أُمور: ... 80

ص: 493

الاول: في شرطية العزم على الإتيان بالجميع في صدق الامتثال ... 80

الثاني: هل يتقدّم الامتثال القطعي على التعليقي؟ ... 82

الثالث: إذا كان المعلوم بالإجمال جزء الموضوع ... 83

في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر ... 83

حکم دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين ... 84

المقام الاول: في الشكّ في الأجزاء الخارجية ... 84

القول الاول: جريان البراءة العقلية و الشرعية ... 85

القول الثاني: القول بالاحتياط و عدم جريان البرائتين ... 88

التقريب الأوّل لمنع البراءة العقلية ... 88

التقريب الثاني لمنع البراءة العقلية ... 91

التقريب الثالث لمنع البراءة العقلية ... 94

التقريب الرابع لمنع البراءة العقلية ... 95

التقريب الخامس لمنع البراءة العقلية ... 96

القول الثالث: التفصيل بين العقلية و الشرعية ... 96

أدلّة القائلين بجريان البراءة الشرعية ... 96

المقام الثاني: في الشكّ في الأجزاء التحليلية ... 100

في جريان البراءة النقلية ... 103

ص: 494

في دوران الأمر بين التعيين و التخيير ... 105

القول بالتفصيل ... 105

الشكّ في المحصل ... 107

الشبهة الموضوعية في الأقل و الأكثر الارتباطيين ... 109

تنبيهات: ... 110

التنبيه الأوّل: في النقيصة السهوية ... 110

جواب المحقق السيد المروج ... 113

مقتضى الأُصل العملي ... 116

التنبيه الثاني: في حكم الزيادة عمداً أو سهواً ... 116

في حقيقة الزيادة ... 118

في حکم الزيادة ... 120

حكم الزيادة حسب القواعد الثانوية ... 123

الأوّلی: قاعدة من زاد في صلاته فعليه الاعادة ... 123

الثانية: قاعدة لا تعاد الصلاة ... 125

التنبيه الثالث: في تعذر الجزء أو الشرط ... 130

الاستدلال بالاستصحاب علی وجوب الباقي ... 132

حكم القواعد الثانوية ... 136

ص: 495

الحديث النبوي: فإذا أمرتكم بشي ء فأتوا منه ما استطعتم ... 136

خبرا غوالي اللآلي ... 140

التنبيه الرابع: في دوران الأمر بين الجزئيّة و المانعيّة و نحوهما ... 145

خاتمة ... 147

و فيها امور: ... 147

الاول: في شرائط جريان الأُصول ... 147

في شروط جريان البراءة ... 148

الثاني: في حکم الشبهات الموضوعية ... 151

الثالث: في وجوب الفحص في التخيير و الاستصحاب ... 154

الرابع: في مقدار الفحص ... 155

الخامس: في عقوبة تارك الفحص ... 156

السادس: في المقدمات المفوِّتة ... 156

السابع: في صحّة عمل تارك الفحص ... 160

الثامن: في ما ورد من عدم الاعادة علی الجاهل ... 161

التاسع: من شرائط جريان البراءة ... 163

الأصل الرابع: الاستصحاب ... 165

و قبل الخوض في البحث لابد من ذكر أُمور: ... 166

ص: 496

الأمر الأوّل: في تعريف الاستصحاب ... 166

الأمر الثاني: الاستصحاب مسألة أُصولية لا قاعدة فقهية ... 167

الأمر الثالث: أركان الاستصحاب ... 168

الأمر الرابع: في بيان القواعد الثلاثة ... 169

ألاولی: قاعدة اليقين أو الشكّ الساري ... 169

الثانية: قاعدة المقتضي و المانع ... 170

الثالثة: الاستصحاب القهقري ... 171

الأمر الخامس: في تقسيمات الاستصحاب ... 172

في حجّية الاستصحاب ... 174

الأوّل: بناء العقلاء ... 175

الثاني: الاستقراء ... 177

الثالث: الاستصحاب مفيد للظن ... 177

الرابع: الإجماع المنقول ... 178

الخامس: الأخبار المستفيضة ... 178

1 صحيحة زرارة الأُولى ... 178

دلالة الرواية على حرمة النقض في جميع الأبواب ... 180

2. صحيحة زرارة الثانية ... 181

ص: 497

3. صحيحة زرارة الثالثة ... 183

وجه الاستدلال: ... 183

احتمال الرواية لمعنی اخر ... 189

4. حديث الأربعمائة ... 190

وجه الاستدلال: ... 192

5. مكاتبة القاساني ... 196

وهم و دفع: ... 199

الاستدلال بالروايات الخاصة ... 199

روايات اخر ... 200

1. موثّقة عمّار ... 200

2. معتبرة حمّاد بن عثمان ... 201

النظرية الأُولى: جعل الطهارة الظاهرية و .. ... 203

النظرية الثانية: جعل الطهارة الظاهرية و استصحابها ... 203

النظرية الثالثة ... 205

النظرية الرابعة ... 206

النظرية الخامسة: ... 210

النظرية السادسة: ... 211

ص: 498

تفاصيل في حجّية الاستصحاب ... 211

الأوّل: التفصيل بين الشكّ في المقتضي و الرافع ... 212

الثاني: التفصيل بين الشكّ في الرافع و الرافعية ... 220

الثالث: عدم الحجّية إذا كان منشأ الشكّ إجمال الغاية ... 221

الرابع: بين الأحكام التكليفية و الوضعية ... 223

تفصيل الفاضل التوني ... 224

هل الحكم الوضعي يناله الجعل؟ ... 227

نظرية الشيخ الانصاري ... 227

النظرية الثانية: ... 228

النظرية الثالثة: ... 229

تنبيهات الاستصحاب ... 237

التنبيه الاول: استصحاب الکلي ... 237

الجواب علی استصحاب الکلي ... 241

حکم سائر الاقسام ... 242

الشبهة العبائية ... 245

جواب الشهيد الصدر ... 246

التنبيه الثاني: جريان الاستصحاب في الأُمور الاستقبالية ... 247

ص: 499

التنبيه الثالث: في اشتراط فعلية اليقين و الشكّ ... 248

تطبيقات ... 250

التنبيه الرابع: جريان الاستصحاب في مؤدّى الأمارات ... 253

التنبيه الخامس: استصحاب الزمان و الزمانيات و الأُمور المقيّدة بالزمان ... 258

حقيقة الزمان ... 258

الموضع الأوّل: استصحاب نفس الزمان المعنون بعنوان وجودي ... 261

الموضع الثاني: جريان الاستصحاب في الأُمور التدريجية غير الزمان ... 265

الموضع الثالث: الفعل القارّ المقيّد بالزمان ... 267

التنبيه السادس: في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية ... 271

القول الأوّل: جريان الاستصحابين و تعارضهما ... 272

القول الثاني: التفصيل بين كون الزمان ظرفاً و قيداً ... 273

القول الثالث: جريان خصوص الاستصحاب الوجودي ... 274

استدلال المحقق الخوئي في ردّ تفصيل الشيخ ... 277

دفاع المحقق الخوئي عن نظرية النراقي ... 279

القول الرابع: لا تعارض بين الاستصحابين ... 281

القول الخامس: عدم الحجية في الحكم الشرعي الكلّي ... 282

التنبيه السابع: في الاستصحاب التعليقي ... 283

ص: 500

تحرير محل النزاع ... 285

نظرية المحقق النائيني ... 289

التنبيه الثامن: استصحاب عدم النسخ ... 296

ادلة المثبتين ... 298

استصحاب أحكام الشرائع السابقة ... 301

تطبيقات ... 304

التنبيه التاسع: الأصل المثبت ... 310

ادلة عدم حجّية الأُصول المثبتة ... 311

الفرق بين الأمارات و الأُصول ... 315

دعوی المحقق الخوئي عدم حجية مثبتات الامارات ... 318

تتمة ... 320

اشکال المحقق الآشتياني ... 321

التنبيه العاشر: فيما خرج عن الأصل المثبت موضوعاً ... 324

التنبيه الحادي عشر: في كفاية ترتب الأثر بقاءً ... 326

التنبيه الثاني عشر: اصالة تأخّر الحادث ... 327

الموضع الأوّل: في القياس إلى أجزاء الزمان ... 328

الموضع الثاني: في القياس إلى حادث آخر ... 329

ص: 501

المقام الأول: في مجهولي التاريخ ... 329

القسم الأول هو ترتب الأثر على الوجود المحمولي، و له صور: ... 330

الصورة الأولى: ... 330

الصورة الثانية: ... 332

الصورة الثالثة: ... 332

القسم الثاني: و هو ما إن كان الاثر مترتبا على .. ... 333

القسم الثالث: إذا ترتب الأثر على عدم أحدهما في .. ... 335

القسم الرابع: و هو ما إذا كان الأثر مترتّبا علی .. ... 336

تقرير المحقّق النائيني ... 339

تقرير المحقّق الاصفهاني ... 339

تقرير المحقّق العراقيّ ... 341

الموضع الثاني: فيما إذا علم تاريخ أحدهما ... 344

الصورة الاولی: ... 344

الصورة الثانية: ... 345

الصورة الثالثة: ... 346

الصورة الرابعة: ... 346

التنبيه الثالث عشر: في استصحاب حكم المخصص ... 348

ص: 502

الفرق بين كون الزمان قيداً أو ظرفاً ... 349

رأي المحقق الخراساني ... 350

الصورة الأُولى: أخذ الزمان ظرفاً في العام و الخاص ... 350

الصورة الثانية: أخذ الزمان قيداً في العام و الخاص ... 350

الصورة الثالثة: أخذ الزمان ظرفاً في العام دون الخاص ... 351

الصورة الرابعة: أخذ الزمان قيداً في العام دون الخاص ... 351

آرآء سائر الاعلام ... 352

المرجع هو العام مطلقاً ... 353

التنبيه الرابع عشر: ما المراد من الشكّ في الاستصحاب؟ ... 357

خاتمة: في شرائط جريان الاستصحاب أو العمل به ... 359

الشرط الأوّل: وحدة القضيّتين ... 360

ما هو الميزان لوحدة القضيتين؟ ... 361

الشرط الثاني: وحدة متعلّق الشك و اليقين ... 366

الشرط الثالث: بقاء اليقين في ظرف الشك ... 366

قاعدة اليقين ... 367

معنی القاعدة ... 367

سقوط احتمال اختصاص اخبار الاستصحاب بالقاعدة ... 368

مختار المحققين النائيني و الخوئي ... 378

ص: 503

اشکال اخر من الشيخ علی قاعدة اليقين ... 380

اشکالات الشيخ الاعظم ره علی القاعدة ... 381

الاشکال الاول: ... 381

الجواب علی الاشکال الاول ... 382

الاشکال الثاني: ... 382

الجواب علی الاشکال الثاني ... 383

الاشکال الثالث: ... 384

الجواب علی الاشکال الاخير للشيخ الاعظم ره ... 385

اشکالات المحقق النائيني حول القاعدة ... 385

جواب المحقق الخوئي عن الاشکالات ... 387

اشکالان للمحقق الخوئي ره علی القاعدة ... 388

الجواب علی اشکالي المحقق الخوئي ره ... 390

اشکال العلّامة الحائري ... 390

ادلة اخری للقاعدة ... 392

الشرط الرابع: عدم أمارة في مورده ... 393

الاستصحاب امارة وليس اصلا ... 397

خاتمة في حکم تعارض الاستصحابين ... 399

الأول: ما إذا كان الشك في مستصحب أحدهما مسببا عن الشك في الآخر ... 400

دعوی الانصراف في ادلة الاستصحاب ... 402

الثاني: إذا كان الشكّ مسبباً من أمر ثالث ... 403

ص: 504

المقصد الثامن في تعارض الأدلة الشرعيّة ... 408

الامر الأوّل: التعارض لغة و اصطلاحاً ... 408

الامر الثاني: في شروط التعارض ... 410

الامر الثالث: تعادل و تراجيح المتزاحمين ... 413

الأمر الرابع: في تفسير الحکومة و الورود ... 420

التخصّص ... 421

الحكومة ... 421

التخصيص. ... 422

الورود ... 424

الأمر الخامس: ما هو السبب لوجود الروايات المتعارضة؟ ... 427

اقسام التعارض. ... 438

الفصل الأوّل في التعارض البدوي غير المستقر ... 439

المبحث الأوّل: في قاعدة الجمع مهما أمكن أولى من الطرح ... 439

المبحث الثاني: الجمع العرفيّ ... 440

المبحث الثالث: في شرائط الجمع الدلالي ... 440

المبحث الرابع: في تقديم الخاص علی العام و النص على الظاهر ... 441

دوران الأمر بين تخصيص العام و تقييد المطلق ... 444

ص: 505

دوران الأمر بين التصرّف في الإطلاق الشمولي أو البدلي ... 448

دوران الأمر بين التخصيص و النسخ ... 453

إذا كان لأحد الدليلين قدر متيقّن ... 454

إذا كان التخصيص في أحد المتعارضين مستهجناً ... 454

دوران الأمر بين التقييد و حمل الأمر على الاستحباب ... 455

المبحث الخامس: التعارض في أكثر من دليلين ... 456

الفصل الثاني في التعارض المستقر ... 468

المبحث الأوّل ما هو مقتضى القاعدة الأوّلية في المتعارضين؟ ... 468

المبحث الثاني: في حجّية المتعارضين في نفي الثالث ... 471

المبحث الثالث: مقتضى القاعدة الثانوية في المتعارضين ... 473

الطائفة الأُولى: الروايات الدالة على التخيير ... 474

الطائفة الثانية: الروايات الدالة على التوقّف ... 480

الجمع بين الطائفتين ... 482

الطائفة الثالثة: الآمرة بالأخذ بذي الترجيح ... 484

الجهة الاولی: في أقسام المرجّحات ... 484

الاول: الترجيح بصفات الراوي ... 485

الثاني: الترجيح بالشهرة العملية ... 488

ص: 506

الثالث: الترجيح بالكتاب و السنّة ... 490

الرابع: الترجيح بمخالفة العامّة ... 494

الخامس: الترجيح بالأحدثية ... 496

الجهة الثانية: في لزوم الأخذ بالمرجِّح و عدمه ... 497

الجهة الثالثة: في التعدّي عن المنصوص إلى غيره ... 500

الخاتمة: في التعارض على نحو العموم و الخصوص من وجه ... 502

الفهرس ... 505

ص: 507

تعريف مرکز

بسم الله الرحمن الرحیم
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
(التوبه : 41)
منذ عدة سنوات حتى الآن ، يقوم مركز القائمية لأبحاث الكمبيوتر بإنتاج برامج الهاتف المحمول والمكتبات الرقمية وتقديمها مجانًا. يحظى هذا المركز بشعبية كبيرة ويدعمه الهدايا والنذور والأوقاف وتخصيص النصيب المبارك للإمام علیه السلام. لمزيد من الخدمة ، يمكنك أيضًا الانضمام إلى الأشخاص الخيريين في المركز أينما كنت.
هل تعلم أن ليس كل مال يستحق أن ينفق على طريق أهل البيت عليهم السلام؟
ولن ينال كل شخص هذا النجاح؟
تهانينا لكم.
رقم البطاقة :
6104-3388-0008-7732
رقم حساب بنك ميلات:
9586839652
رقم حساب شيبا:
IR390120020000009586839652
المسمى: (معهد الغيمية لبحوث الحاسوب).
قم بإيداع مبالغ الهدية الخاصة بك.

عنوان المکتب المرکزي :
أصفهان، شارع عبد الرزاق، سوق حاج محمد جعفر آباده ای، زقاق الشهید محمد حسن التوکلی، الرقم 129، الطبقة الأولی.

عنوان الموقع : : www.ghbook.ir
البرید الالکتروني : Info@ghbook.ir
هاتف المکتب المرکزي 03134490125
هاتف المکتب في طهران 88318722 ـ 021
قسم البیع 09132000109شؤون المستخدمین 09132000109.