محرر الرقمي : روح اله قاسمي
سرشناسه:کاظمی، ماجد، 1337 -
عنوان و نام پديدآور:الکفایهﻣﻦ اﻻﺻﻮل/ ماجد الکاظمی.
مشخصات نشر:قم : دارالهدی، 1440ق.= 1397 .
مشخصات ظاهری:4ج.
شابک:2500000 ریال: دوره 978-964-497-012-2 : ؛ ج.1 978-964-497-010-8 : ؛ ج.2: 978-964-497-021-4
وضعیت فهرست نویسی:فیپا
يادداشت:عربی.
یادداشت:کتابنامه.
موضوع:اصول فقه شیعه
* Islamic law, Shiites -- Interpretation and construction
رده بندی کنگره:BP159/8/ک2ک7 1397
رده بندی دیویی:297/312
شماره کتابشناسی ملی:5332417
اطلاعات رکورد کتابشناسی:فیپا
الکفاية من الاصول
الجزء الثالث
آية الله الشيخ ماجد الکاظمي
ص: 1
انتشارات دارالهدی
الکفاية من الاصول (الجزء الثالث)
المؤلف: آیة اللّه الشيخ ماجد الکاظمی (الدباغ)
المطبعة : شریعت / النسخة :
ردمک الجزء 3 : 0-029-497-964-978
ردمک الدورة : 2-012-497-964-978
سنة الطبعة الاولی : 1397 (1440 ه.ق.) ]
سعر الدورة : 400000 تومان
مرکز التوزیع : قم ، شارع چهارمردان ، فرع 6 ، رقم 156
ص: 2
قال الشيخ الأعظم: اعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي، فإمّا أن يحصل له القطع أو الظنّ أو الشكّ، فإن حصل له الشكّ فالمرجع هي القواعد الشرعية، الثابتة للشاكّ في مقام العمل، و تسمّى بالأُصول العملية.
و قد نوقش كلامه بوجوه:
الاول: انه قد أخذ المكلف موضوعاً لطروء الحالات الثلاث و هذا التّعبير قد يوحي إلى تنجّز التّكليف، بينما ليس الكلام في خصوص من تنجّز عليه التّكليف، و إنّما الكلام في من وضع عليه القلم سواء وصل الحال إلى مستوى التّنجّز أم لا, و لذا استبدله المحقق الخراساني بالبالغ العاقل, مضافا الی أنّ هذه الحالات الثلاث من خصائص المجتهد دون مطلق المكلّف کما اختاره المحقّق النائيني رحمه الله و جملة من المحقّقين(1).
الثاني: انه أطلق لفظ الحكم و هو يشمل الإنشائي و الفعلي، مع أنه لا وجه لتخصيص متعلق القطع بالحكم الواقعي، بل لا بد من تعميمه للواقعي و الظاهري، لأنّ الأحكام المترتّبة على القطع و الظن و الشكّ إنّما تترتّب على ما إذا تعلّق القطع و غيره، بالحكم الفعلي دون الإنشائي فالحكم الظاهري الثابت في موارد الأمارات و الأصول الشرعية
ص: 1
يندرج في الحكم المقطوع به, مضافا الی ان القطع بغير الحكم بالفعلي - سواء كان اقتضائياً أم إنشائياً- لا يترتب عليه أثر فضلا عن الظن به أو الشك فيه.
هذا و المراد من الحكم الإنشائي ما تمّ تشريعه و لم يبيّن أو لم يصل إلى يد الأُمّة بتاتاً لوجود موانع في طريق إبلاغه و بيانه للناس.
و قد يقال: ان المراد من الحكم الإنشائي هو الحكم الفاقد للموضوع، كوجوب الحجّ بالنسبة إلى فاقد الاستطاعة، فيقال وجوب الحج في حقّه إنشائي، و معلوم انّ أحكام القطع و غيره مترتبة أيضاً على هذا النوع من الحكم الإنشائي.
قلت: إنّ في الحكم الإنشائي اصطلاحين: أحدهما ما ذكرنا، و الثاني ما ذكره المورد كما مرّ، و الإشكال مبنيّ على الاصطلاح الأوّل.
الثالث: وجود التداخل في تقسيمه الثلاثي، لأنّ الظنّ إذا قام الدليل على حجّيته، يدخل تحت القطع بالحكم و إن كان ظاهريّاً، و كان الطريق ظنّياً، و إلّا يدخل تحت الشكّ.
فالإشكال الأوّل متوجه إلى أخذ المكلّف موضوعاً، و الثاني إلى إطلاق لفظ الحكم، و الثالث إلى التقسيم الثلاثي، مع أنّه ثنائي.
و لذا عدل المحقق الخراساني عما صنعه الشيخ الأعظم رحمه الله من تقسيم المكلف الملتفت بحسب حالاته إلى ثلاثة أقسام، و جعله قسمين: أحدهما: من يحصل له القطع بالحكم، ثانيهما: من لا يحصل له القطع به.
و توضيح ما أفاده في هذين القسمين: أن البالغ الّذي وضع عليه قلم التكليف إذا التفت إلى حكم شرعي سواء كان واقعياً أم ظاهرياً، فاما أن يحصل له القطع بذلك الحكم أولا، فان حصل له القطع به وجب عليه عقلا متابعة قطعه، و يدخل الحكم المستفاد من الأمارات و الأصول الشرعية في الحكم الّذي يقطع به. و ان لم يحصل له القطع به، فان
ص: 2
ثبت اعتبار الظن عقلا- كما إذا تمت مقدمات الانسداد على الحكومة- تعين العمل بظنه، و ان لم يثبت اعتباره كذلك، فينتهي إلى الأصول العقلية من البراءة و أخويها كما لا يخفى. ثم ان الحصر في هذين القسمين عقلي، لدورانه بين النفي و الإثبات ضرورة أنه بعد تعميم الحكم للواقعي و الظاهري لا يخرج البالغ الملتفت إلى الحكم الشرعي عن القاطع و غيره.
نعم بناء على اختصاص الحكم بالواقعي كما هو ظاهر كلام الشيخ الأعظم رحمه الله- حيث جعله مورداً للقطع و الظن و الشك- تعين كون التقسيم ثلاثياً، و ذلك لأن الحكم الواقعي هو الّذي يصلح لتعلق الشك به. و أما الحكم الظاهري فلا يتعلق به الّا القطع، و لا معنى لتعلق غير القطع به، و حينئذ فالملتفت اما أن يحصل له القطع بالحكم الواقعي أو الظن به أو الشك فيه.
المعروف انّ انحصار الأُصول العملية العامة في الأربعة استقرائي لأنّ سائر الأصول بعضها مختص بالشبهة الموضوعية فتدخل في الفروع الفقهية كقاعدة الصحّة و أمثالها، و بعضها يرجع إلى أحد هذه الأربعة، مثلا أصالة عدم الأكثر ترجع إلى البراءة و أصالة التوقّف إلى الاحتياط و أصالة العدم إلى الاستصحاب، و أمّا أصالة الطهارة فمختصة بباب الطهارة، و أمّا الأصول اللفظية كأصالة عدم القرينة و عدم التخصيص فتدخل في مباحث الظن، فالأصول الجارية في الشبهات الحكمية في جميع أبواب الفقه منحصرة في هذه الأربعة حصرا استقرائيا لامكان كون الأصل أقل من الأربع كأن يكون الأصل عند كلّ شك هو التخيير فقط أو البراءة مع الاحتياط فقط و هكذا، أو أكثر منها كأن يكون الأصل
ص: 3
عند الشك في بقاء الحكم هو الاستصحاب و عند الشك في بقاء الموضوع هو النفي، كما أنّ مجاري هذه الأصول أيضا منحصرة في أربعة حصرا عقليا دائرا بين النفي و الإثبات, غير أنّه ممّا يجب علمه أنّ مجاري هذه الأصول لا تعرف إلّا من طريق أدلّة جريان هذه الأصول، و اعتبارها. و في بعضها اختلاف باختلاف الأقوال فيها.
و قد ذكر الشيخ الأعظم لمجاري الأُصول في فرائده بيانين:
انّ الشكّ إمّا أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، و على الثاني إمّا أن يمكن الاحتياط إمكان الموافقة القطعية أو لا، و على الأوّل إمّا أن يكون الشكّ في التكليف أو في المكلّف به، فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني مجرى التخيير، و الثالث مجرى البراءة، و الرابع مجرى قاعدة الاحتياط(1).
و أورد على هذا التقسيم مضافا لما سيأتي, بأنّه جعل صورة عدم إمكان الاحتياط مجرى التخيير فقط و الحال انها قد تكون مجرى البراءة كما لو شك في أنّ الاستعاذة أوّل الصلاة واجبة أو محرمة أو مستحبة فتجري البراءة، و لعله لاجله عدل الشيخ الی بيانه الثاني و هو:
ص: 4
الشكّ إمّا أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني إمّا أن يكون الشكّ فيه في التكليف أو لا، و الأوّل مجرى البراءة، و الثاني إمّا أن يمكن الاحتياط فيه أو لا، و الأوّل مجرى قاعدة الاحتياط و الثاني مجرى قاعدة التخيير(1).
و اورد علی هذا التقسيم بأُمور:
الاول: حيث انّ الشيخ يشترط في الاستصحاب أن يكون من قبيل الشكّ في الرافع دون المقتضي لذا لم يقتصر في بيان مجرى الاستصحاب على وجود الحالة السابقة بل أضاف لحاظها أيضاً حتى لا تتداخل الأُصول في الشكّ في المقتضي، إذا ما اقتصر على مجرّد الحالة السابقة، إذ عندئذ يكون مجرى للاستصحاب لوجود الحالة السابقة و لغيره لعدم اعتبارها.
قلت: و علی مبنی حجية الاستصحاب مطلقا کما هو المختار فلا حاجة الی قيد لحاظ الحالة السابقة .
الثاني: انّ مجرى التخيير عبارة عمّا إذا لم يمكن الاحتياط، كما إذا دار الأمر بين الوجوب و الحرمة في شي ء واحد، فهو على هذا التقسيم ليس من أقسام الشكّ في التكليف و لا الشكّ في المكلّف به، بل له مجرى خاص و له أصل خاص.
قلت: لا يخفی تمامية و صحة هذا الايراد, و بذلك يعلم انّ دوران الأمر بين المحذورين الذي هو مجرى التخيير، أمر مستقل ليس بداخل في الشكّ في التكليف و لا في الشكّ في المكلّف به، لاختصاصهما بما إذا أمكن الاحتياط دون ما لا يمكن .
ص: 5
و هناك بيان ثالث للشيخ احسن من البيانين الاوليين، حيث جعل فيه ملاك البراءة و الاشتغال عدم نهوض دليل على ثبوت العقاب أو نهوضه من غير نظر إلى كون الشكّ في التكليف أو كون الشكّ في المكلّف به، و ان کان الغالب على الأوّل عدم نهوض الدليل على العقاب و على الثاني نهوضه عليه، و هو: إنّ حكم الشكّ إمّا أن يكون ملحوظاً فيه اليقين السابق عليه و إمّا أن لا يكون، سواء لم يكن يقين سابق عليه أو كان و لم يلحظ، و الأوّل مورد الاستصحاب، و الثاني إمّا أن يكونالاحتياط فيه ممكناً أم لا، و الثاني مورد التخيير، و الأوّل إمّا أن يدل دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول أو لا، و الأوّل مورد الاحتياط و الثاني مورد البراءة(1), و عليه فيكون مجرى كلّ واحد مشخصاً من دون أن يتداخل أحدهما في الأمر بالنحو التالي:
1. مجرى الاستصحاب: أن تكون الحالة السابقة ملحوظة.
2. مجرى التخيير أن لا تكون ملحوظة إمّا لعدمها أو لعدم حجّيتها و لكن كان الاحتياط غير ممكن، سواء كان الشكّ من سنخ الشك في التكليف، كما إذا تردد حكم شي ء معين في وقت محدد بين الوجوب و الحرمة؛ أو كان من قبيل الشكّ في المكلّف به، كما لو علم بوجوب البيتوتة إمّا في هذا البلد أو في بلد آخر، فأصالة التخيير تجري في كلا الموردين بملاك عدم إمكان الاحتياط.
3. مجرى البراءة إذا لم ينهض دليل على العقاب .
4. مجرى الاشتغال بعد إمكان الاحتياط، إذا نهض دليل على العقاب لو خالف.
ص: 6
اقول: انه اشترط في مورد الاشتغال وجود دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول و لم يقل أن يكون الشكّ في المكلّف به، و ذلك لأنّ مجرى الاحتياط أعمّ من الشكّ في المكلّف به، كما في الشكّ في التكليف قبل الفحص حيث يجب الاحتياط و إن لم يكن من قبيل الشكّ في المكلّف به، فيكفي في الاحتياط وجود دليل عقلي أو نقلي، و علی هذا فلا تختص اصالة الاحتياط بالعلم بنوع التكليف مع تردّد المكلّف به، كالعلم بوجوب إحدى الصلاتين. بل تشمل: الشكّ في التكليف قبل الفحص و العلم بجنس التكليف مع إمكان الاحتياط، كما إذا علم بوجوب شي ء أو حرمة شي ء آخر، فالعلم بالإلزام أي الجنس الجامع بين الوجوب و الحرمة متحقّق فيلزم التكليف لإمكان الاحتياط.
و فيه: ان العلم بنوع او جنس التكليف مع إمكان الاحتياط من مصاديق الشک في المکلف به, و اما الشكّ في التكليف قبل الفحص مع وجود دليل خاص - عقلي أو نقلي - علی وجوب الاحتياط فخارج عن مقتضی القاعدة لاجل الدليل الخاص, مضافا الی انه لا دليل علی وجوب الاحتياط في الشكّ في التكليف قبل الفحص بمعنی اتيان ما هو مشکوک الوجوب و ترک ما هو مشکوک الحرمة, بل يجب عليه الفحص مقدمة لامتثال وظيفته لا انه مخير بين ذلک و بين العمل بالاحتياط .
اذا عرفت هذا فها هنا امور:
ص: 7
قال الشيخ الأعظم: «لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجوداً، لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع»(1).
اقول: هاهنا مباحث:
يری الشيخ الانصاري أن القطع يساوي الانکشاف التام و انه کاشف عن الواقع بحيث لا يرى القاطع حجاباً بينه و بين الواقع، بل لا يكون ملتفتاً إلى قطعه، و انما يرى الواقع المنكشف فقط كانعكاس الصورة في المرآة، و هذا الكشف الجزمي لا يكون بالجعل و الإعطاء، لأنه ذاتي له.
و فيه: أن القطع لا يساوي الانکشاف التام دائما بل هو تابع لاسبابه و مقدماته فان کان ناشئا من مقدمات بديهية کالحسيات و الاوليات و البرهانيات و بعبارة اخری من الاسباب التي توجب العلم فالامر کما قاله الشيخ رحمه الله, و ان کان ناشئا من مقدمات لا توجب العلم لکنه حصل القطع لهذا الشخص فالقطع هنا لا يساوي الانکشاف التام بل هو مجرد صفة نفسانية للقاطع لا غير و هو من سنخ الحدسيات و هذا هو الفارق بين الحدس و العلم, مثلا لو حصل العلم للانسان من الخيرة او الرؤيا في المنام و امثال ذلک فالقطع
ص: 8
الحاصل ليس فيه انکشاف فضلا عن کونه تاماً بل هو مجرد حالة نفسانية لا غير, و هذا ما نجده من تعصبات الفرق و المذاهب الضالة حيث انها قاطعة و جازمة بحقانية اعتقادتها و الحال انهم لا عذر لهم بذلک لعدم کون قطعهم ناشئا من الاسباب التي توجب العلم فلا انکشاف لهم بذلک, و لو کان القطع مساويا للانکشاف لزم عدم صحّة الانفكاك بينهما و الحال أنّا نرى أنّ الإنسان غارق في الجهل المركّب و كم من قاطع ليس قطعه إلّا سراب و ضلال .
و صرح بهذا التفصيل السيد المحقق السيستاني حيث قال: «و منها ما ذكرناه في بحث القطع من الفرق بين اليقين الذاتي و اليقين الموضوعي فإن اليقين الذاتي هو الناشئ عن العوامل النفسية و المزاجية و المحيطية و هذا لا قيمة له فيالمنجزية و المعذرية بحسب نظرنا و إن ذهب الأعلام إلى كون حجية القطع ذاتية مطلقا، و اليقين الموضوعي هو النابع عن مقدمات علمية و قرائن موثوقة بالاعتماد على دليل حساب الاحتمالات و تمركزها حول محور معين»(1).
و قد حکم الشيخ في ما تقدم من عبارته بالوجوب، لأنه بعد انكشاف الواقع تمام الانكشاف لا يراه العقل معذوراً في مخالفته لتمامية الحجة عليه، و هذا الانكشاف الذاتي التام هو الموجب لتنجزه.
ص: 9
و فيه: ما تقدم من الاشکال من عدم کون مطلق القطع مساويا للانکشاف التام و عليه فيختص وجوب المتابعة في ما اذا کان القطع موجبا للانکشاف التام, و اما اذا لم يکن موجبا للانکشاف فحکمه حکم الحدس لا دليل علی حجيته فضلا عن وجوب متابعته.
ثم أنّه إن المراد من متابعة القطع، هو حكم العقل بحسن المؤاخذة على مخالفة القطع و قبحها على موافقته، لا متابعة نفس القطع لأنّه أمر مغفول عنه غير ملتفت إليه، لأنّ البحث في القطع الطريقي الذي ليس فيه أيّ التفات إلى القطع، فالموضوع لوجوب الاتباع عند نظر العقل هو نفس الأحكام بما هي هي حيث يستقل العقل بلزوم إطاعة أوامر المولى و نواهيه, و دور القطع انما هو دور الکاشف عنها .
و لعل هذا هو مراد المحقق الخراساني حيث ذهب إلى أنّ وجوب متابعته من لوازمه العقليّة، فقال: «و تأثيره في ذلك لازم، و الوجدان به شاهد و حاكم»(1), و حاصله: ان تأثير القطع في وجوب العمل على طبقه لازم لا ينفك عن القطع, و صريح الوجدان شاهد على أن القطع بالوجوب أو الحرمة مثلا يحرك القاطع نحو الفعل أو الترك، بحيث يرى نفسه مذموماً على مخالفة قطعه، و مأموناً من الذم و العقوبة عند موافقته .
هذا و استظهر السيّد البروجرديّ من كلام الشيخ الأنصاريّ أنّ وجوب متابعة القطع شرعيّ(2).
و فيه: علی فرض صحة استظهاره, ان حکم العقل سابق علی حکم الشرع.
و ذهب المحقّق الاصفهانيّ إلى أنّ وجوب متابعته - بمعنى إذعان العقل باستحقاق العقاب على مخالفة ما تعلّق به القطع- ثابت ببناء العقلاء حفظا للنظام و إبقاء للنوع من
ص: 10
باب أنّ مخالفة الأمر خروج عن زيّ الرقّيّة و العبوديّة و تكون هتكا للمولى و ظلما به. فيكون وجوب متابعة القطع- بمعنى تنجّز التكليف و استحقاق العقاب- من القضايا المشهورة الّتي تطابقت عليها آراء العقلاء، فيكون أمرا جعليّا عقلائيّا(1).
و فيه: انه مبني علی انکار العقل العملي کما هو مبنی الفلاسفة و الاشاعرة و قد تبنی الفلاسفة ان الحسن و القبح العقليين من القضايا المشهورة الّتي تطابقت عليها آراء العقلاء و انها مجرد اعتبارات عقلائية لا واقع لها, و سيأتي بطلان هذا المبنی, و عليه فلا وقع لکلام المحقق الاصفهاني .
قال في الکفاية: و لا يخفى أن ذلك - اي القطع - لا يكون بجعل جاعل لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشي ء و لوازمه بل عرضا بتبع جعله بسيطا, و بذلك انقدح امتناع المنع عن تأثيره أيضا مع أنه يلزم منه اجتماع الضدين اعتقادا مطلقا و حقيقة في صورة الإصابة كما لا يخفى»(2), و حاصل استدلاله علی امتناع تناول يد الجعل لحجية القطع إثباتاً بمعنى جعلها له، و نفياً بمعنى سلب الحجية عنه وجهان:
ص: 11
الأول: أن الجعل التأليفي(1) يتصور في المحمولات المفارقة ليستند ثبوتها لموضوعاتها إلى الجعل كالعالم و العادل المحمولين على زيد مثلا.
و أما المحمولات التي هي من لوازم موضوعاتها و لا تنفك عنها، بل هي ضرورية الثبوت لها، فلا تقبل الجعل أصلا كالزوجية للأربعة، حيث انها مجعولة بجعل نفس الأربعة، و لا يعقل جعلها لها لا تكويناً و لا تشريعاً، لا إثباتاً و لا نفياً، لأن الغرض منه هو إيجاد محمول لموضوع بحيث يستند وجود المحمول له إلى الجعل، و هذا الغرض حاصل بدونه، فيصير لغواً، لعدم تأثيره في وجود المحمول للموضوع لا حدوثاً و لا بقاء و يلزم الخلف أيضا، إذ المفروض كون الحجية من اللوازم التي لا تنفك عن القطع، و من المعلوم أن مورد الجعل التأليفي هو المحمولات القابلة للانفكاك عن موضوعاتها، فيلزم الخلف من جعل
ص: 12
الحجية له, و بامتناع الجعل التأليفي بين الشي ء و لوازمه يظهر امتناع سلب الحجية عن القطع كامتناع إثباتها له، لأنه بعد فرض كون المحمول- أعني الحجية- من لوازم الموضوع- و هو القطع - فكما لا يمكن إثبات الحجية له بالجعل كذلك لا يمكن نفيها عنه، و إلّا لزم أن لا تكون من لوازم ذات القطع، و هذا خلاف الفرض.
الثاني: أن نفي الحجية عنه مستلزم لاجتماع الضدين اعتقاداً- أي بحسب اعتقاد القاطع- لا واقعاً، و ذلك لأنه إذا تعلق قطعه بحرمة شرب ماء الشعير مثلا مع فرض حليته واقعاً، فمقتضى هذا القطع حرمة شربه، و إذا ردع الشارع عن حجيته كان مقتضى ردعه جواز شربه، و من المعلوم أن الحرمة و الجواز متضادان، و كيف يمكن صدورهما من الشارع؟
کما و يلزم اجتماع الضدين حقيقةً في صورة إصابة القطع، كما إذا قطع بحرمة شرب الخمر مع فرض حرمته واقعاً، فإذا نهى الشارع عن متابعة قطعه هذا لزم اجتماع الضدين واقعاً و اعتقاداً, و عليه فالقطع علة تامة للحجية لا مقتض لها.
اقول: ذکروا للحكم مراتب أربع:
الأولى: الاقتضاء, و المراد به شأنية الحكم للوجود بمعنى وجود ملاك يقتضي إنشاء الحكم له، كمعراج المؤمن، فانه يقتضي إنشاء الشارع وجوب الصلاة لاستيفاء ذلك الملاك.
ص: 13
الثانية: الإنشاء, و المراد به جعل الحكم مجرداً عن البعث و الزجر، بأن تجاوز عن مرتبة الاقتضاء و بلغ هذه المرتبة، فالحكم موجود إنشاءً و قانوناً من دون بعث للمولى أو زجر فعلا، قيل کما في الاحکام التي لم يؤمر الرسول صلي الله عليه و آله بتبليغها لعلل لا نعلمها، و كأحكام الدول و قوانينها الكلية التي ينشئها من بيده تأسيس القوانين من دون بعث و لا زجر إلّا بعد حين، كما لا يخفى.
الثالثة: الفعلية, و المراد به بعث المولى و زجره، بأن يقول: «افعل» أو «لا تفعل» مع عدم وصوله إلى المكلف بحجة معتبرة من علم أو علمي، فلا توجب مخالفته حينئذ ذماً و لا عقاباً.
الرابعة: التنجز, و المراد به وصول هذا الحكم- البالغ مرتبة البعث أو الزجر- إلى العبد بالحجة الذاتيّة أو المجعولة، فتكون مخالفته حينئذ موجبة لاستحقاق العقوبة.
إذا عرفت هذه المراتب الأربع، فاعلم: أن وجوب العمل بالقطع عقلا، و قضاء الضرورة و الوجدان باستحقاق العقوبة على مخالفته، و المثوبة على موافقته انما هو فيما إذا تعلق القطع بالمرتبة الثالثة و هي البعث و الزجر ليكون الحكم منجزاً بسبب وصوله إلى العبد بالقطع به، فلو لم يتعلق القطع بهذه المرتبة بل تعلق بما قبلها من الاقتضاء و الإنشاء لم يكن هذا القطع موضوعاً للحجية في نظر العقل،لعدم صدق الإطاعة و العصيان على موافقته و مخالفته. و على هذا، فالقطع لا يكون موضوعاً للأثرين المذكورين - أي وجوب العمل على طبقه و كونه موجباً للتنجز- إلّا إذا تعلق بمرتبته الفعلية.
ص: 14
قال في الکفاية: «أن التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر لم يصر فعليا و ما لم يصر فعليا لم يكد يبلغ مرتبة التنجز و استحقاق العقوبة على المخالفة و إن كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة و ذلك لأن الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بأمر و لا نهي و لا مخالفته عن عمد بعصيان بل كان مما سكت الله عنه كما في الخبر(1)»(2).
و قبل الورود في الموضوع نذكر أُموراً:
1. التجرّي لغةً:
التجرّي من الجرأة بمعنى الإقدام على الشي ء، أو من الجري بمعنى القصد إلى الشي ء, و الانقياد مطاوع قاد، و معناه: الخضوع(3).
و المراد من التجرّي في المقام هو المخالفة الاعتقاديّة، كما أنّ المراد من الانقياد هو الموافقة الاعتقاديّة. و بتعبير أوضح: أنّ المراد من التجرّي في المقام هو مخالفة المكلّف لما اعتقد به من الحكم الإلزاميّ و لم يكن مصادفا للواقع، كما إذا شرب المائع الّذي قطع بخمريّته فخالف أمر مولاه ثمّ تبيّن أنّ ذلك المائع ماء. و المراد من الانقياد هو موافقته لما اعتقد به من الحكم و لم يكن مصادفا للواقع.
ص: 15
و منه يعلم أنّ التجري و الانقياد بالمعنى الاصطلاحي لا يختصان بالقطع بل يعمان الحجج الشرعية أيضاً من الأمارات و الأُصول، فلو خالف البيّنة أو الأصل العملي ثمّ ظهر عدم إصابتها للواقع يسمى تجرياً، و مثله الانقياد فهو لا يختص بالقطع بل يعم الحجج الشرعية أيضاً.
قال الشيخ الانصاري رحمه الله: (ثمّ إنّ التجرّي على) ستة (أقسام يجمعها عدم المبالات بالمعصية أو قلّتها) فخمسة منها مسبّبة عن عدم المبالات و الأخير مسبّب عن قلّتها.
(أحدها: مجرد القصد إلى المعصية. و الثاني: القصد مع الاشتغال بمقدماته. و الثالث: القصد مع التلبس بما يعتقد) علما أو ظنّا معتبرا (كونه معصية) كشرب معتقد الخمرية. (و الرابع: التلبس بما يحتمل كونه معصية رجاء لتحقق المعصية) كشرب أحد الإناءين المشتبهين برجاء الخمرية (و الخامس: التلبّس به لعدم المبالات بمصادفة الحرام) كمن يشرب أحد الإناءين من دون رجاء و لا خوف. (و السادس: التلبّس برجاء أن لا يكون معصية و خوف كونها معصية) كشرب أحدهما برجاء الخليّة (و يشترط في صدق التجرّي في الثلاثة الأخيرة عدم كون الجهل عذرا) و غرضه أنّ هذه الثلاثة مشتركة في كون الفاعل جاهلا بالحرمة و محتملا لها و الجهل قد يكون عذرا و قد لا يكون، فإن لم يكن عذرا (عقليا أو شرعيا) يتحقق التجرّي كما إذا شك في صيرورة الخمر خلا فهذا الجاهل غير معذور لأنّ وظيفته استصحاب الخمرية فيكون الشرب تجرّيا و (كما في الشبهة المحصورة الوجوبية) كالشاك في القبلة فإنّ هذا الجهل ليس عذرا لأنّه يعلم إجمالا بوجوب الصلاة إلى احدى الجهات فتلزمه الصلاة إلى الأربع فلو ترك إحداها
ص: 16
تجرّى (أو التحريمية) كالشاك في أحد الإناءين فإنّ هذا الجهل ليس عذرا لعلمه إجمالا بخمرية أحدهما، فلو شرب أحدهما برجاء الخمرية أو المائية أو بلا رجاء و لا خوف تحقّق التجرّي (و إلّا) أي و إن كان الجهل عذرا (لم يتحقّق) التجرّي لعدم (احتمال المعصية و إن تحقق احتمال المخالفة للحكم الواقعي كما في) الشبهات الخالية عن العلم الاجمالي و استصحاب التكليف و هي (موارد أصالة البراءة) كالشك في حرمة شرب التتن فهذا الجهل عذر عقلا لقبح العقاب بلا علم فارتكابه ليس تجرّيا (و استصحابها) اي البراءة, كالشاك في صيرورة الخل خمرا فإنّه معذور شرعا لأنّ وظيفته استصحاب عدم الحرمة فارتكابه ليس تجريا و إن كان مخالفا للواقع(1).
إذا علمت ذلك، فاعلم أنّ الكلام يقع تارة في حكم نفس ارتكاب ما قطع بحرمته مثلًا و انّه هل هو حرام أو لا؟ و أُخرى في حكم الفعل المتجرّى به الذي تحقّق التجرّي في ضمنه من حيث الحرمة و عدمها، و لأجل ذلك يقع الكلام في مقامين:
إذا ارتكب المكلّف ما يراه معصية أو ما قامت الحجّة على كونه كذلك، فهل ارتكب حراماً أو لا؟ فيه أقوال ثلاثة:
الأوّل: أنّ التجرّي لا يقتضي سوى الكشف عن سوء سريرة الفاعل و خبث باطنه الّذي لا يترتّب عليه إلّا الذمّ كما في سائر الصفات المذمومة. و أمّا العمل المتجرّى به فيبقی
ص: 17
على ما هو عليه من الحكم أو الصفة قبل تعلّق القطع به. و هذا ما ذهب إليه الشيخ الأعظم الأنصاريّ(1).
الثاني: أن القطع يوجب استحقاق العقوبة و لا فرق في استحقاق العقوبة عقلا على مخالفة القطع بين اصابته و خطائه، و أنه لا فرق بين عصيان المولى و التجري لكون المناط فيهما - و هو هتك حرمة المولى و العزم على عصيانه و الخروج عن رسوم عبوديته - واحداً، ضرورة أن مجرد ترك الواقع لا يوجب ذماً و لا عقوبة ما لم يكن عن إرادة العصيان و الطغيان على المولى، و لذا لا عقاب قطعاً على ترك الواقع في الشبهات البدوية المستند إلى ترخيص الشارع, و هذا مختار المحقق الخرساني(2).
الثالث: القول بالقبح الفعلي إلّا إذا اعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة فلا يبعد عدم استحقاق العقاب و مرجعه إلى القول الأوّل غاية الأمر تتدارك الجهة القبيحة، بالجهة المحسِّنة الواقعية. و هو خيرة صاحب الفصول(3).
الرابع: أنّ التجرّي يوجب كون الفعل المتجرّی به قبيحا و معاقبا عليه من جهة انطباق عنوان الطغيان عليه، مع بقاء ذات العمل على ما هو عليه في الواقع. فيقتضي التجرّي قبح الفعل فعلا. و هذا ما ارتضاه المحقّق العراقي(4). و هذا هوالاقوی لان التجري، و العزم
ص: 18
على المعصية و الطغيان من الامور القلبية قائمة بالجنان، و قبحها لا يسري إلى الفعل نعم يکون الفعل كاشفا عنها و عليه فحرمة التجري تکون جوانحية لا جوارحية کما سيأتي .
و استدلّ لقبحه الفعلي و حرمته:
اولا: بالإجماع . و فيه: ما اجاب به الشيخ من انه لا مسرح للإجماع في مثل هذه المسألة ممّا للعقل إليه سبيل لاحتمال اعتماد المجمعين على حكم العقل، فيكون الإجماع مدركيّاً لا يحتجّ إلّا بالمدرك لا بالإجماع.
على أنّ الإجماع مخدوش كما يظهر من التذكرة في من أخّر الصلاة مع ظنّ ضيق الوقت ثمّ بان بقاؤه، فقال العلّامة في التذكرة بعدم العقاب(1).
و اما فتوی العلماء بحرمة سلوك طريق محظور، فانما هي لأجل انّ الخوف هو موضوع الحرمة لا الخطر الواقعي.
و ثانيا: ببناء العقلاء . و فيه: انه لعله بنکتة حکم العقل بقبحه اذا ثبت البناء علی ذلک .
و ثالثا: بالعقل و قرّر الدليل العقلي بوجوه:
الأوّل: ما نقله الشيخ في فرائده، و حاصله: إذا فرضنا انّ اثنين قصدا شرب الخمر، فصادف أحدهما الواقع دون الآخر، فإمّا أن نقول بصحّة عقوبتهما معاً، أو عدم عقوبتهما كذلك، أو عقوبة المخطئ دون المصيب أو بالعكس؛ و الأوّل هو المطلوب، و الثاني و الثالث
ص: 19
خلاف المتفق عليه، و أمّا الرابع فيلزم أن يكون العقاب و الثواب منوطين بأمر خارج عن الاختيار.
و اجاب عنه الشيخ بانا نختار الشقّ الرابع و هو عقاب المصيب دون المخطئ، و لكن القبيح هو إناطة العقاب بأمر خارج عن الاختيار، و أمّا إناطة عدم العقاب بأمر خارج عن الاختيار فليس بقبيح، و الحاصل نعاقب المصيب لأنّه شرب الخمر عن اختيار، كما شربها في حالة الانفراد، و لا نعاقب المخطئ لأنّه لم يشرب و إن كان عن لا اختيار. و بعبارة أُخرى: تحقّق سبب الاستحقاق في المصيب و هو مخالفته عن عمد، و عدمه في الثاني و لو بلا اختيار(1).
الثاني: ما ذكره المحقّق الخراساني من شهادة الوجدان بصحّة مؤاخذته و ذمّه على تجرّيه و هتك حرمة مولاه و خروجه عن رسم العبودية و كونه بصدد الطغيان و العزم على العصيان، كما يشهد الوجدان على صحّة مثوبته على قيامه بما هو قضية عبوديته من العزم على موافقة القطع و البناء على طاعته.
و اجيب: ان ضمّ عناوين أُخر إلى ذلك من الهتك و التمرّد و رفع علم الطغيان كلّها أجنبيّة عن المقام، فانه لا شكّ في استحقاق العقاب لو كان عمله مصداقاً للهتك و رمزاً للطغيان و إظهارا للجرأة، إلى غير ذلك من العناوين القبيحة.
و الحاصل: انّ الإنسان ربما يرتكب ما يقطع بحرمته لا لأجل الطغيان و إظهار الجرأة و هتك الستر، بل لما ورد في دعاء أبي حمزة الثمالي الذي علمه إيّاه الإمام السجاد علیه السلام حيث قال في مقطع من مناجاته معلّماً للداعي: «إلهي لم أعصك حين عصيتُك و أنا بربوبيّتك جاحد، و لا بأمرك مستخف، و لا لعقوبتك متعرض، و لا لوعيدك متهاون، لكن
ص: 20
خطيئة عرضت و سوّلت لي نفسي و غلبني هواي، و أعانني عليها شقوتي، و غرّني سترك المرخى عليّ» .
مضافا إلى ان ذلك يستلزم تعدّد العقاب عند الإصابة لموجبين: أحدهما: العصيان، و الثاني: العنوان المشترك - كالتمرّد و الهتك و ... - فقد اتفقوا على أنّ مجرّد مخالفة أمر المولى بلا عذر بأيّ داع كان مستلزم للعقوبة، فإذا ضمّ إليه العنوان المشترك بينه و بين التجرّي يلزم تعدّد العقاب.
و فيه: ان مخالفة امر المولی المنکشف کونه خلاف الواقع لا ينفک عن التجري و لذا سمي تجريّا و لهذه الجهة يحکم العقل بقبحه و حرمته, و لا يتعدد العقاب مع مصادفته للواقع لاندکاکه بالمعصية و عدم کونه مستقلا عنها کما هو واضح. لکنه مع ذلک لا يکون العقاب علی العمل المتجری به بل علی ذات التجري الذي هو من الافعال القلبية.
و رابعا: يستدل لحرمة التجري بالنص الوارد في حرمته و هو صحيح حفص البختريّ قال قال أبو عبد اللّه علیه السلام «إنّ قوماً أذنبوا ذنوباً كثيرةً فأشفقوا منها و خافوا خوفاً شديداً و جاء آخرون فقالوا ذنوبكم علينا فأنزل اللّه عليهم العذاب ثمّ قالتبارك و تعالى خافوني و اجترأتم»(1), و دلالته علی حرمة التجري واضحة. لکنه کما تقدم لا يکون العقاب فيه علی العمل المتجری به بل علی ذات التجري الذي هو من الافعال القلبية .
ص: 21
الفرق بين التجرّي، و المتجرّى به واضح، فانّ الأوّل فعل جوانحي و قلبي ينتزع من مخالفة المكلّف الحجّة العقلية و الشرعية بخلاف الثاني فانّه عبارة عن نفس العمل الخارجي كشرب الماء الذي تتحقق به مخالفة الحجّة.
و يقع الكلام فيه تارة من حيث القبح ، و أخرى من حيث الحرمة الشرعية.
اقول: ذهب المحقّق الخراساني الى عدم قبح الفعل المتجری به و حاصل ما أفاده: أنّ هاهنا دعويين:
الأولى: أنّ التجرّي يوجب استحقاق المتجرّي للعقاب، و الانقياد يوجب استحقاقه للثواب. و ذلك لأنّ العزم على ما يراه المكلّف مخالفة للمولى جرأة على المولى و هتك لحرمته، فهو يكشف عن خبث الفاعل، فيتّصف المتجرّي بالقبح الفاعليّ.
الثانية: أنّ الفعل المتجرّى به باق على ما هو عليه من الحسن أو القبح، و المبغوضيّة أو المحبوبيّة، و الوجوب أو الحرمة واقعا، و لا يتغيّر الواقع عمّا هو عليه بسبب تعلّق القطع به، بل يبقى على ما هو عليه من الوصف أو الحكم, لولا القطع.
أمّا الدعوى الأولى: فالشاهد عليها هو الوجدان.
و أمّا الدعوى الثانية: فيدلّ عليها وجهان:
1. انّ القطع بالحسن أو القبح لا يكون بالوجوه و الاعتبارات حتی يصير الشي ء بها حسناً و قبيحاً و لا يکون ملاكاً للمحبوبية و المبغوضية شرعاً ليتغير الحكم الواقعي بسبب تعلق
ص: 22
القطع بخلافه، فقتل ابن المولى مبغوض و إن قتله بعنوان انّه عدوه، و قتل عدوّه حسن و إن قتله بعنوان انّه ابنه لحكم الوجدان بعدم تأثير القطع في الحسن أو القبح و الوجوب أو الحرمة، إذ ليس القطع من الوجوه والاعتبارات الموجبة للحسن أو القبح عقلا، و عدم كونه ملاكاً للمحبوبية و المبغوضية شرعاً.
2. أنه لو سلمنا كون عنوان «مقطوع المبغوضية» من العناوين المغيرة للواقع و موجباً للقبح، لكنه في خصوص المقام لا يصلح لتغيير الواقع، و ذلك لأن اتصاف فعل بالحسن أو القبح الفعليين منوط بالاختيار فان الحسن و القبح من الأحكام العقلية المترتبة على العناوين و الأفعال الاختيارية، و هذا الشرط- و هو الاختيار- مفقود هنا، إذ العنوان الّذي يتوهم كونه مقبحاً هو القطع بالحكم كالحرمة أو الوجوب، أو بالصفة كالقطع بخمرية مائع، و من المعلوم أن القاطع لا يقصد ارتكاب الفعل الّا بعنوانه الواقعي، لا بعنوان كونه مقطوعاً به، فإذا قطع بخمرية مائع و شربه فقد قصد شرب الخمر و لم يقصد شرب مقطوع الخمرية، و مع انتفاء هذا القصد الكاشف عن عدم الاختيار لا يتصف هذا الشرب بالقبح، لانتفاء مناط القبح فيه و هو قصد شرب معلوم الخمرية. بل يمكن أن يقال: بانتفاء الالتفات إلى هذا العنوان الطارئ؛ أعني معلوم الخمرية, بعد وضوح كون القطع كالمرآة طريقاً محضاً إلى متعلقه، و مع عدم الالتفات إليه يستحيل القصد إليه، و مع امتناع القصد لا يتّصف هذا العنوان بالقبح مثلا(1).
و يرد عليهما: أنّ العنوان المقبح في كلامهم ليس هو القطع بالقبح بل الجرأة و التمرد و الطغيان أو الهتك و هي لا شكّ في کونها من العناوين المقبحة، و منه يظهر حال الوجه
ص: 23
الثاني فانّه مبني على كون العنوان القبيح هو القطع؛ مضافاً إلى ما في إنكار كون القطع مورداً للالتفات إجمالاً، فانّ الالتفات إجمالاً إلى العلم ممّا لا ينكر.
و المناقشة في ذلك بأن الهتك أيضا خارج عن الاختيار، فلا يحسن إناطة استحقاق العقوبة به، حيث ان شرب الماء الّذي قطع بخمريته لم يقصد، و ما قصد و هو شرب الخمر لم يحصل، فالهتك المقصود غير حاصل، و الحاصل و هو شرب الماء غير مقصود. و بالجملة: فالهتك كقصد العصيان غير اختياري لا يصح أن يكون مناطاً لاستحقاق العقاب.
مدفوعة: بالقطع بأن شرب معلوم الخمرية مع كونه ماء واقعاً ليس من الحركة القسرية و لا الطبعية، بل من الحركة الإرادية و الفعل الاختياري المتصف بالقبح عقلا، لوضوح أنه يصدق على الفعل المتجری به كونه صادراً بالإرادة والاختيار، و مجرد الخطأ في تطبيق الماء على الخمر لا يخرج هذا الشرب عن الأفعال الاختيارية الموجبة لحسن العقوبة عليها نظير ضرب زيد باعتقاد أنه عمرو، فان الخطأ في التطبيق لا يخرج هذا الضرب عن كونه فعلا إرادياً و ان لم يصدق عليه الفعل العمدي الموضوع في باب الجنايات بالنسبة الی زيد, و عليه فيكفي في صدور الفعل الاختياري، كون الجامع بين الخمر و الماء مورداً للالتفات و هو شرب المائع .
اقول: لکنه مع ذلک لا يکون العقاب علی العمل المتجری به بل علی ذات التجري الذي هو من الافعال القلبية و لا يسري قبحه إلى الفعل و ان کان الفعل متعلق التجري و كاشفا عنه و کانا متلازمين الّا ان حرمة احد المتلازمين لا تسري الی الاخر کما هو واضح فاستقبال القبلة في الصلاة واجب ولکن استدبار الجدي ليس بواجب, و عليه فحرمة التجري تکون جوانحية لا جوارحية کما تقدم.
ص: 24
هذا و أورد المحقّق النائينيّ على الوجه الثاني بما حاصله: أنّ المراد بالالتفات هو حضور الشي ء في النفس، و حضور الشي ء في النفس إنّما هو بالقطع الّذي صفة حاضرة بنفسها في النفس، فلا يعقل أن يكون الإنسان عالما بشي ء مع كونه غير ملتفت إلى علمه. و لا ريب أنّ صدور الفعل بهذا العنوان اختياريّ و ملتفت إليه و لو بالالتفات الإجماليّ الارتكازي(1).
ثم انه استدل علی حرمته شرعاً بوجهين:
1. ادعاء شمول الخطابات الأوّلية لحرمته بالعنوان الأوّلي .
بأن يقال: انّ متعلّق الخطابات الأوّلية ليس هو شرب الخمر الواقعي، بل القدر الجامع بين مصادفة القطع للواقع، و مخالفته له، بأن يقال: انّ الحرام تحريك العضلات نحو شرب ما أحرز انّه خمر، فيكون المتجرّي عاصياً حقيقة.
و الدليل عليه: انّ متعلّق التكليف يجب أن يكون مقدوراً و ليست المصادفة و المخالفة الواقعيتين تحت الاختيار حتى يتعلق التكليف بالمصادف دون المخالف،فيجب أن يكون متعلّقه إرادة ما أحرز انّه من مصاديق الموضوع إذ هو الفعل الاختياري، فتكون نسبته إلى المطابق و المخالف على حدّ سواء(2).
ص: 25
و فيه: مضافا الی کونها دعوی بلا دليل؛ مخالفة لظهور الخطابات الشرعية من حرمة شرب الخمر الواقعي .
و أمّا كون الإصابة و عدمها خارجتين عن الاختيار، ففيه: أنّ الأولى داخلة تحته، نعم الخطأ و عدم الإصابة خارج عنه، فلو قصد شخصان قتل إنسان فأطلقا الرصاص فأصاب أحدهما دون الآخر، يعاقب الأوّل لأجل قيامه بالفعل الاختياري من قتل إنسان بري ء, و اما الاخر فلم يحصل القتل منه فکيف يعاقب علی ما لم يفعل, نعم يعاقب علی فعله الجوانحي کما تقدم .
2. حرمته بالعنوان الثانوي
بدعوی ان حرمته لأجل العناوين الثانوية كالجرأة و الطغيان و التمرّد، و الظلم و الهتك.
و فيه: انّ العناوين المقبحة لا تتجاوز عن خمسة: ثلاثة منها قائمة بالجنان، كالجرأة، و العزم على المعصية و الطغيان، و قبحها لا يسري إلى الفعل لكونها من الأمور القلبية و الفعل كاشف عنها و عليه فحرمة التجري تکون جوانحية لا جوارحية ؛ و اما: الظلم و الهتك فهما و إن كانا قائمين بالفعل لكنّهما يختصان بالمعصية لان الظلم متفرع علی نقض الامر الشرعي و هو يختص بالعاصي، و أمّا الهتك فهو فرع التظاهر بالعمل و المفروض في المقام غيره لان البحث عن التجري و هو مجرد مخالفة الحجّة و هو قد يكون في خفاء مع الخوف و الوجل و عليه فلا علاقة للهتک و لا للظلم بالتجري.
ص: 26
قال الشيخ الاعظم رحمه الله: «لو كان التجرّي على المعصية بالقصد إلى المعصية فالمصرّح به في الأخبار الكثيرة العفو عنه (1)، و إن كان يظهر من أخبار أخر العقاب على القصد أيضا، مثل: قوله صلوات اللّه عليه: «نيّة الكافر شرّ منعمله»(2). و قوله: «إنّما يحشر الناس على نيّاتهم»(3). و ما ورد من تعليل خلود أهل النار في النار، و خلود أهل الجنّة في الجنّة؛ بعزم كلّ من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية و الطاعة لو خلّدوا في الدنيا(4). و ما ورد من أنّه: «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول في النار، قيل: يا رسول اللّه، هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: لأنّه أراد قتل صاحبه»(5). و ما ورد في العقاب على فعل بعض المقدّمات بقصد ترتّب الحرام، كغارس الخمر(6) و الماشي لسعاية مؤمن (7). و
ص: 27
فحوى ما دلّ على أنّ الرضا بفعل كفعله مثل ما عن أمير المؤمنين علیه السلام : أنّ «الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، و على الداخل إثمان: إثم الرضا، و إثم الدخول»(1).
و ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِين﴾(2): من أنّ نسبة القتل إلى المخاطبين مع تأخّرهم عن القاتلين بكثير؛ لرضاهم بفعلهم (3).
و يؤيّده: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيم﴾(4)، و قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه﴾(5)، و ماورد من أنّ: «من رضي بفعل فقد لزمه و إن لم يفعل»(6)، و قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً﴾(7)»(8).
اقول: الروايات النافية للعقاب عديدة نذکر قسما منها ثم نبحث عن دلالتها:
ص: 28
1- معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: إنّ المؤمن ليهمّ بالحسنة و لا يعمل بها فتكتب له حسنة و إن هو عملها كتبت له عشر حسنات، و إنّ المؤمن ليهمّ بالسّيئة أن يعملها فلا يعملها فلا تكتب عليه (1) .
2- معتبرة بكير عن أبي عبد اللّه علیه السلام أو أبي جعفر علیه السلام قال: إنّ آدم علیه السلام قال: يا ربّ سلّطت عليّ الشيطان و أجريته منّي مجرى الدّم فاجعل لي شيئا. فقال: يا آدم جعلت لك أنّ من همّ من ذريتك بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة، و من همّ بحسنة فإن لم يعملها كتبت له حسنة و إن هو عملها كتبت له عشرا، قال: يا رب زدني قال: جعلت لك أنّ من عمل منهم سيئة ثم استغفر غفرت له قال: يا رب زدني، قال: جعلت لهم التّوبة أو بسطت لهم التوبة حتى تبلغ النفس هذه، قال: يا ربّ حسبي (2).
3- معتبرة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: إذا همّ العبد بالسيئة لم تكتب عليه، و إذا همّ بحسنة كتبت له (3).
4- خبر مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد علیه السلام قال: لو كانت النّيّات من أهل الفسق يؤخذ بها إذن لأخذ كلّ من نوى الزنى بالزنا، و كل من نوى السرقة بالسرقة، و كل من نوى القتل بالقتل، و لكن اللّه عدل كريم ليس الجور من شأنه، و لكنه يثيب على نيات الخير أهلها و إضمارهم عليها، و لا يؤاخذ أهل الفسق حتى يفعلوا(4).
ص: 29
و فيه , اولا: ان مصب هذه الروايات إنما هو ذات النية غير المنتهية إلى فعل الحرام، فلا تشمل ما نحن فيه من الفعل المتجرّى به, نعم نفس نية الحرام من مصاديق التجري, و هي تنفي العقاب على النية لا على الفعل المتجرّى به. و عليه فالسيئة التي نواها و لم يفعلها لا تكتب عليه، أما الفعل المتجرّى به فهو سيئة أخرى غير داخلة في منطوق الروايات، كما هو واضح.
و ثانيا: انه لا يستفاد منها أكثر من نفي فعليّة العقاب، بل قد يستفاد من جوّ الامتنان ثبوت الاستحقاق، إذ لولا الاستحقاق لما كان هناك مورد للامتنان خصوصا معتبرة بکير التي عبّرت بتعبير «يا آدم جعلت لک» فإنها صريحة في الامتنان.
نعم خبر مسعدة بن صدقة يدل على نفي الاستحقاق حيث جاء فيه التعبير ب «أن اللّه عدل كريم ليس الجور من شأنه» فهي تتكلم عن نفي الجور فلسانها ليس لسان الامتنان، لکنها مضافا لضعف سندها - بمسعدة بن صدقة الّذي لا دليل على وثاقته عدا وروده في أسانيد كامل الزيارات - شاذة و معارضة مع سائر الروايات المعتبرة و المستفيضة فلا عبرة بها .
و قد يقال: ان الإخبار القطعي عن نفي العقاب - رغم الاستحقاق - يغري العبد و يورّطه فيما يوجب استحقاق العقاب، و هذا لا يليق بشأن المعصومين عليهم السلام , إذن فلابد من دلالة هذه الروايات علی نفي الاستحقاق و عليه فاخبارهم عليهم السلام عن عدم العقاب على شي ء کاشف عن عدم استحقاق العقاب عليه .
و فيه: کما افيد إن نفي العقاب على النّيّة المجردة عن الفعل لا يغري العبد و لا يحفزه إلى النّيّة، لأنّ الناوي قاصد للوصول إلى الفعل المنوي لا إلى النّيّة بذاتها، و لا يعقل افتراض أن الناوي يبني حين النّية على الاقتصار على النّية دون الفعل فالإخبار عن عدم
ص: 30
العقاب على النّية ليس أثره تحفيز العبد على نية الشرّ، بل أثره تحفيز من نوى الشرّ على تركه، إذ هو يعلم أنه لو تركه لما عوقب على نيته، و هذا شبيه بالإخبار عن عدم العقاب على الصغائر عند اجتناب الكبائر في قوله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُم﴾(1) حيث لا يغري الناس إلى ارتكاب الصغائر بقدر ما يدفعهم إلى ترك الكبائر إذ إنّ من يرتكب الصغيرة لا يستطيع أن يثق من نفسه بأنّه سوف لن يبتلي بالكبيرة كي يعلم بتنجز عدم العقاب(2).
و اما الايات التي قد يدعى معارضتها للروايات المتقدمة لبعض و جعلها الشيخ من المؤيدات مثل:
1- قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِير﴾(3) حيث أنّها دلّت بالإطلاق في كلمة ﴿ما في أنفسكم﴾ على ما يخالف تلك الرّوايات .
و فيه اولا: انّ سياق الآية مع ما تقدمها أعني: قوله سبحانه: ﴿و لا تكتموا الشّهادة و من يكتمها فإنّه آثمٌ قلبه﴾(4) اجنبي عن نية المعصية بل کونها كبرى كلية لهذه الآية و انه ممّا يجب إظهارها و يحرم كتمانها و ليست نية المعصية من مصاديق هذه المقولة ممّا يجب إظهارها و يحرم كتمانها.
ص: 31
ثانيا: ان دلالتها علی نية المعصية - حتى بالإطلاق- ممنوعة لعدم دلالتها على أكثر من فعليّة الحساب دون فعليّة العقاب.
2- و قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾(1), حيث أنّه سبحانه أوعد بالعذاب على من أحبّ شيوع الفاحشة في الّذين آمنوا و هو أمر قلبي.
و فيه اولا: أنّه لو دلت الاية علی ان نفس حبّ اشاعة الفاحشة عاريا عن العمل من المعاصي و المحرمات – کما هو الظاهر - قلنا بحرمته بالخصوص ، فانّ هناك أعمالًا قلبية محرمة كالرضا بمعصية الغير، و عليه يکون المقصود بهذا العنوان هو الإشارة إلى الذين يشيعون الفاحشة عن حبّ لإشاعتها لا عن مجرّد اللامبالات كما يناسب ذلك قصّة الإفك على زوجة النّبيّ صلي الله عليه و آله أو أمّ ولده و الّتي وردت هذه الآية في سياقها.
ثانيا: و اما لو لم نقل بدلالتها علی ان مجرد الحب من المحرمات و ذلک لأنّ الحب في الآية قد اقترن بالعمل، حيث قيل: أنّها نزلت في حقّ عبد اللّه بن أبيّ الّذي قام بقذف الأبرياء بالفحشاء و المنكر، و المورد يصلح للقرينية، فلا يمكن التمسك بالإطلاق حتى لمن أحبّ شيوع الفاحشة عارياً عن العمل(2).
3- قوله سبحانه: ﴿تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوًّا في الأرض و لا فساداً و العاقبة للمتّقين﴾(3).
ص: 32
و فيه: أنّ الاية وردت في شأن قارون و قد أراد علواً في الأرض و فساداً من وراء أعماله الموبقة, فهي ظاهرة في انّ المراد من عدم إرادة العلو، هو عدم بغيه عملاً، و عدم طلبه خارجاً فأطلقت الإرادة، و أريد منها عدم تحقّق المراد.
و قد تم الجواب علی الايات التي جعلها الشيخ من المؤيدات و هنالک ايتان استدل بهما ايضا کمعارض ايضا و هما:
1- قوله سبحانه: ﴿و لا تقف ما ليس لك به علمٌ إنّ السّمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤلًا﴾(1).
و فيه: أنّ ظاهرها انّ لكلّ من السمع و البصر و الفؤاد وظائف يكون كلّ منها مسؤولاً عنها فهو مسؤول عن الإيمان و الكفر و النفاق و غيرها ممّا دلّ الدليل القطعي على أنّها من وظائفه ، و هذا من المسلمات، انّما الكلام في الصغرى و هي هل الفؤاد مسؤول عن حرمة نيّة المعصية إذا نواها و إن لم يرتكبها؟ فهذا مما لم يدلّ عليه دليل.
2- و قوله تعالی ﴿لا يؤاخذكم اللّه باللّغو في أيمانكم و لكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم و اللّه غفورٌ حليم﴾(2) و هي دالة علی ان الانسان مسؤول عما يکسبه قلبه.
و فيه: انّ المراد من قوله: ﴿بما كسبت قلوبكم﴾ بقرينة مقابلته لقوله: ﴿باللّغو في أيمانكم﴾ هو اليمين التي يحلف بها الإنسان عن عقد القلب و قصد منه، و أين هو من المؤاخذة على كلّ عمل قلبي.
الی هنا کان الکلام عن الروايات النافية للعقاب, و أمّا الروايات الدالة علی العقاب فهي على اقسام:
ص: 33
الاول: ما دل علی ان الناس يحشرون على نياتهم و هو خبر أبي عروة السلمي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: إن اللّه يحشر النّاس على نيّاتهم يوم القيامة(1).
و فيه: انه مضافا الی ضعف سنده مجمل من حيث العقوبة علی مجرد النية لعدم کونه ناظرا لهذه الجهة کما يشهد لذلک حديث آخر يکون بمثابة المفسر له و هو ما عن رسول اللّه صلي الله عليه و آله انه قال: انّما الأعمال بالنيّات، و لكلّ امرئ ما نوى، فمن غزاابتغاء ما عند اللّه فقد وقع أجره على اللّه عزّ و جلّ، و من غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالاً لم يكن له إلّا ما نوى(2), فهو يفسر المراد من حشر الناس على نياتهم بمعنی حشرهم على نيّاتهم الخالصة أو المشوبة بالرياء، فلا علاقة له بالعقوبة علی مجرد النية من دون ان تکون مقرونة بالعمل .
الثاني: ما دل علی حرمة الرضا بالحرام وانه يجمع الناس الرضا و السخط
ففي الصحيح عن الرّضا علیه السلام قال: قلت له: «لأيّ علّةٍ أغرق اللّه عزّ و جلّ الدّنيا كلّها في زمن نوحٍ علیه السلام و فيهم الأطفال و من لا ذنب له فقال ما كان فيهم الأطفال لأنّ اللّه عزّ و جلّ أعقم أصلاب قوم نوحٍ و أرحام نسائهم أربعين عاماً فانقطع نسلهم فغرقوا و لا طفل فيهم ما كان اللّه تعالى ليهلك بعذابه من لا ذنب له و أمّا الباقون من قوم نوح علیه السلام فأغرقوا لتكذيبهم لنبيّ اللّه نوح علیه السلام و سائرهم أغرقوا برضاهم تكذيب المكذّبين و من غاب عن أمرٍ فرضي به كان كمن شاهده و أتاه»(3).
ص: 34
و ما روي عن أمير المؤمنين علیه السلام انّه قال: أيّها النّاس إنّما يجمع الناس الرضا و السخط، و إنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد، فعمّهم اللّه بالعذاب لما عمّوه بالرضى، فقال سبحانه: ﴿فعقروها فأصبحوا نادمين﴾(1)»(2), و ما روي عنه علیه السلام : الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، و على كلّ داخل في باطل إثمان: إثم العمل به، و إثم الرضا به(3).
و فيه: أنّ الرضا بصدور المعصية عن الغير من المعاصي الكبيرة و ليست من التجرّي، کما تقدم في الآية المباركة: ﴿إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذابٌ أليم﴾(4) فإنّ نفس الحب معصية قلبية كالكفر.
لا يقال: إن الرضا و الحبّ أمران غير اختياريين فكيف يعاقب عليهما. فإنه يقال: إنهما اختياريان بالواسطة بلحاظ أن الإنسان قادر على أن يغيّر ما بنفسه و لوبجعلها ضمن ظروف من التفكير أو الإصغاء إلى وعظ الوعّاظ أو مصاحبة الأخيار أو غير ذلك بحيث لا يحصل له الرّضا بعمل قوم فاسقين.
الثالث: روايات نيّة الكافر شرّ من عمله
کما في خبر السكوني عن أبي عبد اللّه علیه السلام أنّه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : نيّة المؤمن خير من عمله، و نيّة الكافر شرٌّ من عمله، و كلّ عامل يعمل على نيّته(5).
ص: 35
و رواية الحسن بن الحسين الأنصاري عن بعض رجاله عن أبي جعفر علیه السلام أنه كان يقول: نيّة المؤمن أفضل من عمله، و ذلك لأنه ينوي من الخير ما لا يدركه، و نيّة الكافر شرّ من عمله و ذلك لأنّ الكافر ينوي الشرّ، و يأمل من الشرّ ما لا يدركه(1).
و رواية الفضيل بن يسار عن أبي جعفر علیه السلام عن آبائه عليهم السلام، أن رسول اللّه صلي الله عليه و آله قال: نيّة المؤمن أبلغ من عمله و كذلك نيّة الفاجر(2).
و فيها: انه لا دلالة لها على العقاب على النّية فيمکن ان يکون المقصود منها مجرد أن الكافر أو الفاجر ينوي ما هو أشدّ مما يعمل يعني انّ نية المؤمن أكثر و أوسع من عمله كما انّ نية الكافر أكثر و أوسع من عمله، فالمؤمن يبغي الخير الكثير و لا ينال إلّا القليل كما انّ الكافر يبغي الشر الكثير و لا ينال إلّا القليل لضيق قدرته. و هذا أمر طبيعي, و يظهر هذا المعنی من مرسل الأنصاري المتقدم
و يمکن ان يکون المراد منها أنّ نيّة المؤمن بعيدة عن الرياء دون عمله، کما يشهد له خبر زيد الشحام، قال: قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : إنّي سمعتك تقول: نيّة المؤمن خير من عمله فكيف تكون النية خيراً من العمل؟ قال: لأنّ العمل ربما كان رياء للمخلوقين و النية خالصةً لربّ العالمين، فيعطي عزّ و جلّ على النية ما لا يعطي على العمل(3). لکن التوجيه مختص بنيّة المؤمن دون نية الكافر .
الرابع: خلود أهل النار لأجل النية
ص: 36
فروى أبو هاشم المدني قال: «قال أبو عبد اللّه علیه السلام : انّما خلّد أهل النار في النار، لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا اللّه أبداً؛ و إنّما خلّد أهلالجنة في الجنة، لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا، أن لو بقوا فيها، ان يطيعوا اللّه أبداً؛ فبالنيات خلّد هؤلاء و هؤلاء، ثمّ تلا قوله تعالى: ﴿قل كلٌّ يعمل على شاكلته﴾(1) قال: على نيّته»(2).
و فيه: مضافا الی ضعفه سندا، ان العقاب و الخلود في النار لم يکن لمجرد النية بل بالعمل المقرون بالنية ﴿ و﴾ انهم ﴿ لَو رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنهُ وَ إِنَّهُم لَكاذِبُون﴾(3) و عليه فلعل المراد أن عقاب العاصي يناسب درجة خبثه و آية شدّة خبث هؤلاء العصاة أنهم كانوا عازمين على المكث على المعاصي أبد الآباد لو بقوا.
الخامس: يكتب في حال المرض ما عمل في حال الصحّة
فروى جابر، عن أبي جعفر قال: «قال لي: يا جابر: يكتب للمؤمن في سقمه من العمل الصحيح ما كان يكتب في صحّته، و يكتب للكافر في سقمه من العمل السيّئ ما كان يكتب في صحّته. ثمّ قال: يا جابر ما أشدّ هذا من حديث»(4).
اقول: الحديث ضعيف جدّاً لما اشتمل على مجاهيل في السند. و لعله ناظر إلى الأعمال الصالحة التي يقوم بها المؤمن كبناء المسجد فما دام المسجد باقياً و مأوى للمصلين يصل ثوابه إلى المؤمن و إن كان طريح الفراش، و مثله في الكافر إذا سنّ سنة سيئة، و القرينة
ص: 37
على هذا التفسير هي كلمة «العمل الصالح و العمل السيّئ» فقد ورد عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلّا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة تجرى له، أو ولد صالح يدعو له(1).
السادس: روايات أن من أسرّ سريرة يصيبه شرّها
کما في معتبر عمر بن يزيد قال: إني لأتعشّى مع أبي عبد اللّه علیه السلام إذ تلا هذه الآية: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة و لو ألقى معاذيره﴾ ثم قال: ما يصنع الإنسان أنيتقرب إلى اللّه عزّ و جلّ بخلاف ما يعلم اللّه؟ إنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله كان يقول: «من أسرّ سريرة رداه اللّه رداها، إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا»(2).
و خبر أبي بصير قال: «قال أبو عبد اللّه علیه السلام ما من عبد يسرّ خيرا إلّا لم تذهب الأيّام حتى يظهر اللّه له خيرا، و ما من عبد يسرّ شرا إلّا لم تذهب الأيّام حتى يظهر اللّه له شرا»(3).
و خبر جراح المدائني عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث ... «ما من عبد أسرّ خيرا فذهبت الأيام أبدا حتى يظهر اللّه له خيرا، و ما من عبد يسرّ شرا فذهبت الأيام حتى يظهر اللّه له شرا»(4).
و فيه: أن هذه الروايات لا تدلّ على كون المقصود بالشرّ الذي سيلقاه العقاب الأخروي، بل بعضها واضحة في أنه سيصير إلى الشر في هذه الحياة. مضافا الی أنه قد تفسّر هذه الأخبار بأن المقصود أن من جعل ما هو عليه من الخير أو الشرّ مستورا عن الناس فسوف
ص: 38
يبرزه اللّه للنّاس، فإن كان شرّا فضحه، و إن كان خيرا ردّاه رداء الخير أمام النّاس و ليس المقصود من الإسرار مجرد النّية.
السابع: روايات العقاب على بعض مقدمات الحرام من قبيل:
کما في معتبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال: إنّ الرجل ليأتي يوم القيامة و معه قدر محجمة من دم، فيقول و اللّه ما قتلت و لا شركت في دم، فيقال: بلى ذكرت عبدي فلانا فترقى ذلك حتى قتل فأصابك من دمه (1).
و ما عن جابر عن أبي جعفر علیه السلام قال: لعن رسول اللّه صلي الله عليه و آله في الخمر عشرة: غارسها و حارسها و عاصرها و شاربها و ساقيها و حاملها و المحمولة إليه و بائعها و مشتريها و آكل ثمنها(2). و سند الحديث ضعيف بعمرو بن شمر.
و ما عن زيد بن علي عن آبائه علیه السلام «قال: لعن رسول اللّه صلي الله عليه و آله الخمر و عاصرها و معتصرها و بائعها و مشتريها و ساقيها و آكل ثمنها و شاربها و حاملها و المحمولة إليه»(3). و لا اشکال في السند الّا من جهة عمرو بن خالد و هو قد وثقهابن فضال، و توجد روايات عديدة بشأن من أعان على الدّم مقاربة لهذا المضمون واردة في الوسائل(4).
و فيه: أن تحريم مقدمة من مقدمات الحرام من قبل الشريعة الإسلامية أمر معقول، و ما تقدم من عدم حرمة مقدمة الحرام فالمراد منه: أن حرمة الشّي ء لا تستلزم بنفسها حرمة
ص: 39
مقدمته، و لا يعني أنّ الشريعة الإسلامية لا تستطيع أن تحرّم مقدمة من المقدمات لمصلحة ما.
و بذلک يظهر الجواب عن خبر زيد بن علي علیه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: «قال رسول اللّه صلي الله عليه و آله : إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنّة فالقاتل و المقتول في النّار، قيل: يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول؟! قال لأنه أراد قتلا»(1) الدال علی عقاب من اراد قتل اخيه المسلم فانه لم يکن مشتملا علی النية المجردة عن المقدمات بل أنه حاول القتل عملا؛ بمثل تجريد السيف عليه، لا مجرد النّية، و هذا ليس عقابا على التجري بل على فعل المعصية، فإنّ مثل هذه المحاولة محرمة في نفسها عقلا.
و لا اشکال في السند الّا من جهة عمرو بن خالد و هو قد وثقه ابن فضال بناء على نقل الكشي.
اقول: و مما تقدم انه لا تنافي بين ما دل علی نفي العقاب علی النية و ما قد يستدل به علی العقاب عليها و عليه فلا تعارض حتی نجمع بينهما .
و اما علی فرض تعارضهما فجمع الشيخ رحمه الله بين الطائفتين بقوله: «و يمكن حمل الأخبار الأول على من ارتدع عن قصده بنفسه، و حمل الأخبار الأخيرة على من بقي على قصده حتّى عجز عن الفعل لا باختياره. أو يحمل الأول على من اكتفى بمجرّد القصد، و الثانية على من اشتغل بعد القصد ببعض المقدّمات؛ كما يشهد له حرمة الإعانة على المحرّم،
ص: 40
حيث عمّمه بعض الأساطين (1), لإعانة نفسه على الحرام؛ و لعلّه لتنقيح المناط، لا بالدلالة اللفظية»(2).
و فيه: ان كلا من هذين الجمعين تبرّعيان بحاجة إلى شاهد, و قد يجعل الشاهد لذلك حديث القاتل و المقتول في النار: (قيل يا رسول اللّه صلي الله عليه و آله هذا القاتل فما بال المقتول؟! قال: لأنه أراد قتلا) بدعوى أن هذا الحديث نص في مورده، و هو فرض عدم الارتداع عن القصد إلى أن يحصل له العجز، فيخرج ذلك بالتخصيص عن أدلة نفي العقاب، و بذلك تصبح أدلة نفي العقاب أخص ببركة قاعدة انقلاب النسبة من أدلة العقاب فتخصص بها، و ينتج التفصيل الأول من التفصيلين اللذين احتملهما الشيخ الأعظم رحمه الله. أو بدعوى أن هذا الحديث نصّ في مورده و هو الاشتغال ببعض المقدمات، فتخصص به أدلة نفي العقاب، ثم ببركة انقلاب النسبة تخصّص أدلة العقاب بأدلة النفي، فينتج التفصيل الثاني من التفصيلين، كما و قد تجعل روايات العقاب على بعض المقدمات أيضا شاهدا لهذا الجمع الثاني، و لعلّه إلى ذلك يشير الشيخ رحمه الله حيث يقول «كما يشهد له حرمة الإعانة على المحرّم حيث عممه بعض الأساطين لإعانة نفسه على الحرام، و لعلّه لتنقيح المناط لا بالدّلالة اللّفظية».
و قد يقال: إن هذه الطريقة تثبت اشتراط العقاب بكلا القيدين، لو اعتمدنا في مقام ذكر الشاهد على رواية (القاتل و المقتول) فيقال: إن هذه الرواية نص في موردها و توجد في موردها خصوصيتان: إحداهما: أنه لم يرتدع عن الحرام إلى أن عجز، و الثانية: أنه اشتغل ببعض المقدمات، أو قل: أبرز قصده بمبرز عملي، فروايات عدم العقاب تخصص بهذا
ص: 41
المقدار، فمن قارنت نيته هاتين الخصوصيتين يعاقب، و بفقدان إحدى الخصوصيّتين ينتفي العقاب ببركة روايات نفي العقاب التي هي أخص- بعد انقلاب النسبة- من روايات العقاب.
و أورد على ذلك الشّهيد الصدر رحمه الله - بغض النظر عن عدم قبول كبرى انقلاب النسبة، و بغض النّظر عن المناقشة الدّلالية لرواية القاتل و المقتول حيث أن الإرادة هنا لا تحمل على النّية بل على محاولة القتل بمثل الهجوم الذي هو محرّم شرعا - بأنّ مورد الحديث يحمل خصوصيّة ثالثة فيجب أخذها أيضا بعين الاعتبار، و هي: اقتران النّية بعمل محرّم في ذاته، و هو محاولة القتل بمثل الهجوم بالسيف(1).
و ذكر الشّهيد الصدر رحمه الله وجها آخر للجمع بين الطائفتين- بعد فرض ورودهما في مورد التجرّي و تعارضهما- و هو: حمل أدلة النفي على نفي فعلية العقاب وأدلة الإثبات على إثبات استحقاق العقاب، و ذلك لأن أدلّة النفي نصّ في نفي الفعلية و ظاهرة في نفي الاستحقاق (لو لم نقل إن كلّها أو جلّها تدلّ على نفي الفعلية فقط) و أدلة الإثبات نصّ في إثبات الاستحقاق و ظاهرة في إثبات الفعليّة (لو لم نقل إن كلّها أو جلها تثبت الاستحقاق فقط) فيرفع اليد عن ظاهر كل منهما بنصّ الآخر. و إنما لا نجمع بين الأمر و النهي بجمع من هذا القبيل بحمل كل منهما على مجرد الجواز لنصوصيّة كل منهما في الجواز في جانبه و ظهوره في الإلزام، لأن تحليل الأمر و النهي إلى الجواز و الإلزام تحليل عقليّ، بخلاف ما نحن فيه(2).
ص: 42
و اجيب: بان روايات العقاب فيها ما هو نص في فعلية العقاب كرواية تعليل خلود الخالد في النار بنية الاستمرار، و فيها ما لا ينسجم مع الوعد الجزمي بالعفو، كرواية القاتل و المقتول في النار، و روايات لعن الغارس و العاصر، و غير ذلك(1).
اشتهر تقسيم القطع من زمان الشيخ الأعظم إلى أقسام خمسة(2), و ذلك لأن القطع ينقسم ابتداءً؛ إلى قسمين: القطع الطريقيّ، و القطع الموضوعيّ.
أمّا القطع الطريقيّ: فهو ما يكون طريقا و كاشفا عن الواقع من دون أن يؤخذ في موضوع الحكم. كعلمنا بوجوب الصلاة و سائر الواجبات.
و أمّا القطع الموضوعيّ: فهو ما يؤخذ في موضوع الحكم الشرعيّ الّذي يكون مخالفا لحكم متعلّق القطع بحيث يترتّب الحكم على وجوده و يكون دخيلا في الحكم، أو يؤخذ بنفسه موضوعا للحكم الشرعيّ.
و القطع الموضوعيّ ينقسم إلى قسمين:
الأوّل: أن يكون القطع تمام الموضوع للحكم، أي يكون الحكم دائرا مدار القطع مطلقا، سواء كان مطابقا للواقع أو مخالفا له.
الثاني: أن يكون القطع جزءا للموضوع و كان الجزء الآخر نفس الواقع المقطوع به، فيكون الحكم دائرا مدار خصوص القطع المطابق للواقع.
ص: 43
و ينقسم كلّ منهما إلى قسمين:
أحدهما: أنّ يؤخذ موضوعا بنحو الكشف و الطريقيّة، بأن يكون حاكيا و كاشفا عن متعلّقه و مرآةً له، فيكون القطع حينئذ طريقا إلى إحراز متعلّقه.
ثانيهما: أن يؤخذ القطع موضوعا بنحو الصفتيّة، بأن يكون صفة حقيقيّة قائمة بالنفس، فيكون القطع حينئذ كسائر الصفات النفسانيّة. فتكون الأقسام خمسة. هذا ما افاده الشيخ, و مثله المحقق الخراساني و تبعهما على ذلك المحقّق العراقيّ على ما في نهاية الأفكار(1).
و استشكل المحقّق النائيني في أخذ القطع الطريقي تمام الموضوع، فقال: «نعم في إمكان أخذه تمام الموضوع على وجه الطريقية إشكال بل الظاهر أنه لا يمكن من جهة أن أخذه تمام الموضوع يستدعي عدم لحاظ الواقع و ذي الصورة بوجه من الوجوه، و أخذه على وجه الطريقية يستدعي لحاظ ذي الطريق و ذي الصورة، و يكون النّظر في الحقيقة إلى الواقع المنكشف بالعلم كما هو الشأن في كل طريق، حيث ان لحاظه طريقاً يكون في الحقيقة لحاظاً لذي الطريق، و لحاظ العلم كذلك ينافي أخذه تمام الموضوع. فالإنصاف أن أخذه تمام الموضوع لا يمكن إلّا بأخذه على وجه الصفتية»(2), و حاصل ما أفاده في وجه الامتناع هو لزوم اجتماع اللحاظين الاستقلالي و الآلي و هو محال، لأن لحاظ القطع استقلالياً يقتضي عدم لحاظ متعلقه، و لحاظه آلياً يقتضي لحاظ متعلقه، و الجمع بين هذين اللحاظين ليس إلّا الجمع بين المتناقضين، و تبعه تلميذه في مصباحه(3).
و اجيب تارة بالنقض:
ص: 44
أولا: بدخل العلم بعدالة امام الجماعة في جواز الائتمام به، فانه أخذ موضوعاً لجوازه كاشفاً و طريقاً لا صفة. أما موضوعيته فلعدم وجوب الإعادة بعد انكشاف الخلاف كما ورد به النص. و أما طريقيته فلقيام الأمارات كالبينة و بعض الأصول كالاستصحاب مقامه، إذ من الواضح عدم قيامها مقام القطع المأخوذ على وجه الصفتية.
و ثانياً: بما التزم به المحقق النائيني نفسه من صحة أخذ القطع جزء الموضوع على وجه الطريقية مع وحدة ملاك الاستحالة في كلتا صورتي أخذه تمامالموضوع و جزءه على نحو الطريقية، حيث ان ملاكها- و هو اجتماع اللحاظين- موجود في كلتيهما.
و أخرى بالحل، توضيحه: أن مورد امتناع اجتماع اللحاظين مصداق العلم و هو العلم الخارجي المتعلق بالأشياء لا مفهومه، فان القاطع بخمرية مائع لا يرى إلّا ذلك المقطوع به مع الغفلة عن قطعه فضلا عن لحاظه استقلالا، نظير الناظر في المرآة لرؤية وجهه، فانه لا يلتفت في هذا النّظر إلى نفس المرآة. هذا في مصداق العلم الّذي لا شأن له إلّا إراءة الواقع و رفع الحجاب عنه.
و أما مفهوم العلم، فهو قابل لاجتماع اللحاظين فيه بأن يجعل مفهومه- و هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الكاشف عنه كشفاً تاماً- موضوعاً لحكم من الأحكام إذ لا مانع من أن يلاحظه الحاكم مع هذا الكشف التام موضوعاً لجواز الشهادة مثلا، فوقع الخلط بين المفهوم و المصداق(1).
هذا و أنكر المحقّق الأصفهانيّ أخذ القطع موضوعا بنحو الصفتيّة مطلقا. و ذلك لأنّ قوام القطع بكاشفيّته التامّة، فأخذه في الموضوع مع إلغاء جهة كشفه غير معقول، فإنّ حفظ
ص: 45
الشي ء مع الغاء ما به هو هو محال، نظير حفظ الإنسان بما هو إنسان مع قطع النظر عن الإنسانيّة(1).
و حيث ان هذا البحث لا جدوی في تفاصيله و لا ثمرة تترتب عليها اعرضنا عن البحث فيها عدا ما يتعلق بقيام الامارات مقام القطع .
إذا كان الحكم مترتباً على الموضوع بما هو هو و كان القطع طريقاً إلى ثبوته أوّلًا، و ترتّب أحكامه ثانياً، تقوم مكانه الطرق و الأمارات بنفس دليل اعتبارهما، و الوجه في ذلك: أنّ مقتضى اعتبار الأمارات أنّها طرق لإحراز الواقع، فيؤثّر في التنجيز في صورة الإصابة و التعذير عند الخطأ، و هذا هو معنى حجّيّة الأمارات. و لا شكّ أنّ القطع أيضا حجّة بمعنى أنّه منجّز في صورة الإصابة و معذّر عند الخطأ. فيترتّب أثر القطع على الأمارات. و ليس معنى قيامها مقام القطع إلّا ترتيب أثره عليها, فإذا قال: البيّنة حجّة؛ يكون معناه ثبوت ما أخبرت عنها من كون المائع خمراً، و المال ملكاً لزيد و يترتّب عليه آثارهما و إلّا يلزملغو جعل الحجّية لها، و المراد من القيام مكانه كونها حجّة مثله لا انّ القطع أصل و الأمارة فرع بل كلاهما طريقان إلى الواقع، غير انّ الأوّل طريق بنفسه و الثاني طريق بإذن الشارع او امضائه في مقام امتثال أوامره و نواهيه.
ص: 46
أقول: يقع الكلام اولا في مقام الثبوت أي إمكان القيام، و ثانيا في مقام الإثبات و دلالة الدليل.
ذهب الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى قيام الأمارات مقام القطع الموضوعيّ الطريقيّ، دون الصفتي بنفس دليل اعتبارها، فلو أخذ في الموضوع بما هو طريق تقوم البيّنة بنفس دليل اعتبارها مكانه، دون ما أخذ فيه بما هو وصف(1), و تبعه على ذلك المحقّق النائيني(2).
و وجه هذا التفصيل هو وجود الجامع بين الأمارات و الطرق، و القطع المأخوذ في الموضوع بما هو طريق دون القسم الآخر، و ذلك لأنّ القطع و إن أخذ في الموضوع بشخصه لكن أخذه بما انّه كاشف و مرآة و من المعلوم انّ هذه الجهة مشتركة بين القطع و الأمارات و الطرق، بخلاف المأخوذ في الموضوع بما هو وصف نفساني، فلا جهة مشتركة بينه و بين الأمارات حتى تقوم مكانه، و بعبارة اخری: أن الأمارة بنفس دليل اعتبارها قد تقوم مقام القطع الموضوعي الّذي أخذ بنحو الطريقية بدعوى إطلاق دليل
ص: 47
تنزيلها منزلة القطع الشامل ذلك الإطلاق لجميع آثار القطع من الطريقية التي أثرها تنجيز الواقع و الموضوعية التي أثرها وجود الموضوع و تحققه، فان إطلاق دليل اعتبار الأمارة ينزل الأمارة منزلة القطع في جميع آثاره و لوازمه المترتبة عليه من كونه طريقاً محضاً و موضوعاً بنحو الطريقية.
و ذهب المحقّق الخراساني إلى عدم القيام مطلقاً و حاصل کلامه: أن مقتضى إطلاق دليل التنزيل و ان كان تنزيل الأمارة منزلة القطع في كل ما للقطع من الموضوعية و الطريقية و غيرهما، إلّا أن الإطلاق ممتنع في المقام، لاستلزامه اجتماع الضدين، و ذلک لأنه لا بد في كل تنزيل من لحاظ المنزل و المنزل عليه معاً، و المنزّل في المقام هو الأمارة و المنزل عليه هو القطع، و حينئذ فتنزيل الأمارة منزلة القطع الموضوعي موقوف على لحاظ القطع استقلالا، لأن مقتضى موضوعية الشي ء هو استقلاله في اللحاظ من دون كونه تبعاً للغير، و تنزيلها منزلة القطع الطريقي موقوف على لحاظه آلة للغير و هو الواقع المنكشف به فلحاظ القطع آلي، و من الواضح أن هذين اللحاظين متضادان، فيمتنع اجتماعهما في إنشاء واحد.
و الحاصل: أن تنزيل الأمارة منزلة القطع الموضوعي الطريقي يستلزم لحاظ المنزل عليه- و هو القطع- بلحاظين متضادين في إنشاء واحد، لحاظ استقلالي نظراً إلى موضوعيته، و لحاظ آلي نظراً إلى طريقيته، و هو محال.
فالنتيجة: أن دليل حجية الأمارة قاصر عن إثبات التنزيلين معاً، فلا بد أن يكون ناظراً إلى أحدهما، فلا وجه للتشبث بإطلاق دليل التنزيل لإثبات قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الطريقي(1).
ص: 48
ثمّ أورد على نفسه بأنّ لازم ذلك أن يكون دليل التنزيل مجملاً غير دال على واحد من التنزيلين، فأجاب بأنّ ظهوره في أنّه بحسب اللحاظ الآلي ممّا لا ريب فيه.
و الحاصل ان المانع من قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي الصفتي عند المحقق الخراساني هو محذور اجتماع اللحاظين، و قد تقدم انه ليس هذا مانعاً في نظر الشيخ الاعظم، بل المانع عنده هو قصور دليل الاعتبار عن دلالته على قيامه مقام القطع الموضوعي الصفتي، لظهوره في حجية الأمارة بلحاظ الطريقية و الكشف، فالمانع عند الشيخ الاعظم إثباتي و هو قصور الدليل، و عند الخراساني ثبوتي، للزوم اجتماع اللحاظين المتضادين .
و اجيب: بأنّ النظر إلى القطع و الأمارة في كلا التنزيلين استقلالي بشهادة انّ المولى ينزّل الأمارة منزلة قطع المكلّف، و يلاحظهما على وجه الاستقلال سواء أ كانت جهة التنزيل هي الحجية، أو المدخلية في الموضوع، غاية الأمر يلاحظالقطع في التنزيل الأوّل بما هو طريق و مرآة، و في التنزيل الثاني بما هو دخيل في الموضوع و انّه مؤثر في ترتّب الحكم و تحقّقه، و ليس هذان اللحاظان غير قابلين للجمع كما إذا نظر عند شراء المرآة إلى كيفية حكايتها و إراءتها و في الوقت نفسه إلى شكلها و ضخامة زجاجها و ما حولها من الرخام.
و بعبارة أخرى: انّ نظر القاطع إلى قطع نفسه طريقي محض و لكنّه ليس هو المنزّل، بل المنزل هو الشارع فهو ينظر إلى قطع المكلّف بنظر استقلالي من غير فرق بين ملاحظته من حيث إنّه مرآة و طريق، أو من حيث إنّه دخيل في الموضوع، فلو كان لدليل التنزيل إطلاق لما منع اللحاظان عن الشمول و الاستيعاب، و تنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقي،
ص: 49
و القطع الموضوعي الطريقي. و بالجملة منشأ الخلط، هو تصور انّ القاطع هو المنزل، مع أنّه غيره(1).
الكلام في مقدار دلالة الدليل متفرع علی أن يكون للشارع دور في باب الأمارات و تنزيلها مكان القطع حتى يبحث في جهة التنزيل و انّه هل هو لأجل الحجّية أو المدخلية في الموضوع، لكن الحقّ انّه ليس للشارع في باب الأمارات، جعل و لا تنزيل سوى إمضاء ما بيد العقلاء، کما سيأتي انّ عامة ما استدل به على حجّية الخبر الواحد راجع إلى بيان الصغرى و انّ فلاناً ثقة أو لا، دون الكبرى و هي حجية الخبر الموثوق به و ذلک لأنّها كانت عندهم محرزة و ثابتة, و عليه فانّ العمل في مورد القطع الطريقي المحض بالأمارة ليس من باب تنزيله مكان القطع، بل لكونه طريقاً كالقطع و حجّةً مثله، لا انّه منزل منزلته و لا يظهر من أدلّة الإمضاء سوى كون الامارة حجّة، لا انها نازلة منزلة القطع.
واما ما قيل: من ان قيامه مكان القطع الموضوعي يتوقف على وجود جهة جامعة قريبة بينهما، فإن أخذ في الموضوع بما هو كاشف تام يرفض كلّ احتمال مخالف، فلا يكفي دليل الإمضاء في قيام الأمارة مكان القطع لانتفاء الحيثية التي لأجلها أخذ في الموضوع في الأمارة و إن أخذ بما انّه أحد الكواشف، فيقوم مكانه، لأنّ نسبة القطع و الأمارة إلى الحيثية المسوغة لأخذه في الموضوع، سواسية.
ص: 50
ففيه: ان ملاک حجية الامارات انما هو انها موجبة للعلم العرفي و عليه فلا فرق بين العلم الحاصل من الامارات الموثوق بها و بين العلم الحاصل من القطع نعم لو اخذ في القطع قيدا اخر غير کونه موجبا للعلم لم تقم الامارة مقامه .
و بذلک يظهر ضعف کلام المحقّق الخوئي من إنّ ترتيب آثار المقطوع على مؤدى الأمارة إنّما هو لتنزيلها منزلة القطع فيكون ترتيب أثر نفس القطع لأجل هذا التنزيل بطريق أولى(1).
ففيه: مضافا لما تقدم من عدم التنزيل؛ أنّ العمل بالأمارة في مورد القطع الطريقي المحض ليس لأجل تنزيل الأمارة مكان القطع، بل لأجل کون الامارة حجّةً شرعيةً، فالتساوي بين المقطوع و المؤدّى لا يكشف عن تنزيل المؤدّى منزلة المقطوع حتى يستكشف منه تنزيل الأمارة منزلة القطع كما لا يخفى.
قال في الکفاية: «و أمّا الاصول فلا معنى لقيامها مقامه بأدلّتها أيضا، غير الاستصحاب، لوضوح أنّ المراد من قيام المقام ترتيب ما له من الآثار و الأحكام من تنجّز التكليف و غيره، و هي ليست إلّا وظائف مقرّرة للجاهل في مقام العمل، شرعا أو عقلا.
لا يقال: إنّ الاحتياط لا بأس بالقول بقيامه مقامه في تنجّز التكليف لو كان .
ص: 51
فإنّه يقال: أمّا الاحتياط العقليّ: فليس إلّا نفس حكم العقل بتنجّز التكليف و صحّة العقوبة على مخالفته، لا شي ء يقوم مقامه في هذا الحكم, و أمّا النقليّ فإلزام الشارع به و إن كان ممّا يوجب التنجّز و صحّة العقوبة على المخالفة كالقطع، إلّا أنّه لا نقول به في الشبهة البدويّة، و لا يكون بنقليّ في المقرونة بالعلم الإجمالي»(1).
قلت توضيحه: انه قسّم الأصل العملي إلى محرز و غير محرز. و المقصود من الأوّل ما يكون المجعول فيه لزوم الأخذ بأحد طرفي الشكّ بناء على أنّه الواقع و إلغاء الطرف الآخر، كالاستصحاب و قاعدة التجاوز و الفراغ في فعل النفس، و أصالة الصحّة في فعل الغير، و قاعدة عدم العبرة بشكّ الإمام مع حفظ المأموم و بالعكس. و المراد من الثاني هو الوظيفة المقررة للجاهل شرعاً و عقلًا، كأصل البراءة و الاحتياط و قاعدتي الطهارة و الحلية.
أمّا القسم الثاني فلا يقوم مكان القطع مطلقاً، و ذلك لأن مفاد هذه الأصول ليس إلّا وظائف للجاهل بالأحكام، فموضوع هذه الأصول هو الجهل بالاحكام، و مع الجهل لا نظر لها إلى الأحكام الواقعية أصلا، و مع عدم النّظر إليها كيف يعقل ترتيب أثر الطريقية إلى الواقع الثابتة للعلم؛ من التنجيز و التعذير على الأصول؟
و لما كان هذا البيان غير جار في أصل الاشتغال اي الاحتياط؛ حيث إنّ شأنه تنجيز التكليف أشار في وجه عدم قيامه مقام القطع إلى دليل آخر. و حاصله: انّه يعتبر في التنزيل أمور ثلاثة:
1. المنزّل، 2. المنزّل عليه، 3. جهة التنزيل. و لكن المنزل في المقام هو نفس جهة التنزيل، و ذلك لأنّ المنزل عبارة عن حكم العقل بتنجز الواقع و لاجله يجب الاحتياط, و المنزل
ص: 52
عليه هو القطع، وجهة التنزيل نفس المنزّل و هو حكم العقل بتنجز الواقع و التكليف لو كان.
فإن قلت: إنّ وحدة المنزّل، وجهة التنزيل إنّما هو في الاحتياط العقلي، فالمنزل هو حكمه بالتنجّز و المنزل عليه هو القطع، وجهة التنزيل هو حكمه بالتنجز.
و أمّا الاحتياط الشرعي فالمنزّل هو حكم الشارع بتنجز الواقع، و المنزل عليه هو القطع، و جهة التنزيل هي حكم العقل بتنجز الواقع.
قلت: إنّ الاحتياط الشرعي في الشبهات البدوية غير واجب، بل هي مجرى البراءة، و في أطراف العلم الإجمالي و إن كان واجباً لكنّه بحكم العقل و بوجه سابق على حكم الشرع بالاحتياط كما قال: «في الإناءين المشتبهين: يهريقهما جميعاً و يتيمّم»(1), هذا كلّه حول الأصل غير المحرز.
و أمّا الأصل المحرز، فاختار في الکفاية انه يقوم مكان القطع الطريقي المحض، دون القطع الموضوعي، سواء كان موضوعياً طريقياً أو وصفياً، و ذلك لأنّ التنزيل إمّا أن يكون بلحاظ اليقين، أو بلحاظ المتيقن؛ فإن كان بلحاظ تنزيل اليقين التعبدي مكان اليقين الحقيقي، كان النظر إلى اليقين في كلا الجانبين، استقلالياً، و إلى المؤدّى و المتيقّن آلياً؛ و إن كان التنزيل بلحاظ تنزيل المؤدّى مكان المتيقن، كان النظر إليهما استقلالياً، و إلى اليقين في كلا الجانبين آلياً، و لا يمكن الجمع بين اللحاظين في آن واحد.
و فيه: ما تقدم من أنّ الجمع بين اللحاظين إنّما يلزم لو كان المنزّل هو القاطع، و أمّا إذا كان المنزّل غير القاطع فلا يكون هناك أيّ جمع بين اللحاظين أبداً.
ص: 53
لکنّه في تعليقته على الرسائل صحّح دلالة الدليل الواحد على كلا التنزيلين بالبيان التالي: أنّه يمكن تصحيح قيام الأمارة أو الاستصحاب مقام القطع الموضوعيّ إذا كان جزء الموضوع من دون لزوم اجتماع اللحاظين. و ذلك بأن يقال: إنّ أدلّة اعتبار الأمارة و الاستصحاب تدلّ بالمطابقة على تنزيل مؤدّاها منزلة الواقع فقط، فلا يكون هناك إلّا لحاظ آليّ؛ و تدلّ بالالتزام على تنزيل العلم بالمؤدّى منزلة القطع بالواقع. فيثبت أحد جزئي الموضوع بنفس دليل الاعتبار و الجزء الآخر بالملازمة. و لا يلزم منه الجمع بين اللحاظ الآليّ و الاستقلاليّ.
و بعبارة أوضح: أنّ الموضوع في قيام الأمارة و الاستصحاب مقام القطع مركّب من أمرين:
أحدهما: تنزيل مؤدّاهما منزلة الواقع.
ثانيهما: تنزيل الأمارة و الاستصحاب منزلة القطع بالواقع.
أمّا الأوّل: فتدلّ عليه أدلّة الأمارات و الاستصحاب بالدلالة المطابقيّة، فإنّ الكشف و الطريقيّة من أظهر آثار القطع، و هذا يوجب ظهور دليل التنزيل في التنزيل بحسب الكشف و الطريقيّة.
و أمّا الثاني: فتدلّ عليه أدلّتها بالدلالة الالتزاميّة، فإنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع ملازم لتنزيل الأمارة و الشكّ منزلة القطع بالواقع عرفا.
ص: 54
و بالجملة: يكون الموضوع ذا جزءين. و يدلّ دليل اعتبار الأمارة و الاستصحاب على أحدهما بالمطابقة و على الآخر بالالتزام، و إذا تعدّدت الدلالة يتعدّد الدالّ و يرفع محذور اجتماع اللحاظين.
مثلاً إذا قال المولى: «إذا علمت بكون مائع خمرا يجب عليك التصدّق»، فإذا قطعنا بخمريّة مائع يترتّب عليه أثران شرعيّان:
الأوّل: أثر المقطوع به، و هو وجوب الاجتناب عن ذلك المائع. و يكون القطع بالنسبة إليه طريقيّا.
الثاني: حكم القطع الّذي اخذ جزء الموضوع، و هو وجوب التصدّق.
فلو قامت بيّنة على خمريّة مائع كان مقتضى دليل اعتبار البيّنة بالمطابقة تنزيل مؤدّاها منزلة الواقع، فيترتّب عليه حكم الواقع- أي وجوب الاجتناب عنه- كماكان مقتضاه بالالتزام تنزيل البيّنة على الواقع منزلة العلم بالواقع، فيجب التصدّق(1).
ثمّ إنّه أورد عليه في الكفاية بأنّه لا يخلو عن التكليف أوّلًا و التعسف ثانياً.
أمّا التكلّف، فلعدم الملازمة العرفيّة بين تنزيل أحد الجزءين و تنزيل الجزء الآخر، و لا ينتقل الإنسان من تنزيل أحدهما إلى أنّه قام بالتنزيل بالنسبة إلى الجزء الآخر قبل ذلك.
و أمّا التعسف فلاستلزامه الدور لأنّ التنزيل فعل شرعي اعتباري و العمل الاعتباري إنّما يصحّ إذا كان له أثر شرعي و المفروض انّ الأثر غير مترتب على واحد من التنزيلين بل على كليهما معاً، فعند ذلك مهما أقدم الشارع على تنزيل واحد من الجزءين دون تنزيل
ص: 55
الجزء الآخر يكون فعله عبثاً و فاقداً للأثر إلّا أن يكون لهذا الجزء الآخر تنزيل قبل ذلك و لكنه خلف لافتراض وحدة التنزيل من غير فرق بين أن يكون المتقدم هو تنزيل مؤدّى الاستصحاب مكان المتيقّن أو تنزيل القطع التعبدي مكان القطع الحقيقي(1).
اقول: قد تقدم أنّ الجمع بين اللحاظين إنّما يلزم لو كان المنزّل هو القاطع، و أمّا إذا كان المنزّل غير القاطع فلا يكون هناك أيّ جمع بين اللحاظين أبداً.
و عليه فلا حاجة لنا إلى ما تخلص به المحقّق الخراساني في تعليقته علی الرسائل حتى يورد عليه انه تکلف او تعسف .
اقول: الصحيح في المقام هو ان قيام الأصل المحرز مكان القطع الموضوعي الطريقي تابع للسان الدليل الدال علی ذلک، فإن كان لسانه هو التعبد ببقاء اليقين فلا شكّ انّه يقوم مكان القطع الموضوعي الطريقي، کما إذا قال الشارع: إذا قطعت بخمرية شي ء فتصدق، ثمّ قال: إذا كنت على يقين بالخمرية فشككت فلا تنقض اليقين بالشكّ، فعند ذلك يكون دليل الاستصحاب حاكماً على الدليل الأوّل و مفسّراً له و دالاً على أنّ المراد من قوله: إذا قطعت بخمريّة شي ء؛ هو الأعم من القطع الحقيقي و التعبدي.
و أمّا إذا كان لسان الدليل هو التعبد بوجود المتيقن في السابق لا التعبد ببقاء اليقين فلا يقوم مقام القطع الموضوعي الطريقي و إنّما يقوم مقام القطع الطريقي المحض، کما هو المفهوم من صحيحة حماد بن عثمان «قال: قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : أشك و أنا ساجد
ص: 56
فلا أدري ركعت أم لا فقال: قد رکعت امضه»(1), حيث دلت على وجود ما مضى لا على وجود اليقين، ففي مثله لا يحكم إلّا بقيامه مقام القطع الطريقي المحض دون ما كان الأثر مترتباً على اليقين بالواقع، إذ ليست العناية في هذا الأصل و ما أشبهه کعدم العبرة بشكّ المأموم عند حفظ الإمام أو بالعكس، على وجود اليقين.
قال في الکفاية: «هل تنجز التكليف بالقطع كما يقتضي موافقته عملا يقتضي موافقته التزاما و التسليم له اعتقادا و انقيادا كما هو اللازم في الأصول الدينية و الأمور الاعتقادية بحيث كان له امتثالان و طاعتان إحداهما بحسب القلب و الجنان و الأخرى بحسب العمل بالأركان فيستحق العقوبة على عدم الموافقة التزاما و لو مع الموافقة عملا أو لا يقتضي فلا يستحق العقوبة عليه بل إنما يستحقها على المخالفة العملية»(2).
اقول: لا شكّ انّ المطلوب في الأصول الدينية و الأمور الاعتقادية، هو التسليم القلبي و الاعتقاد بها جزماً.
إنّما الكلام في امتثال الأحكام الشرعية الفرعية فهل فيها تكليفان؟
أحدهما: الالتزام بأنّه حكم اللّه قلباً و جناناً.
ثانيهما: الامتثال عملاً و خارجاً.
ص: 57
و لكلّ امتثال و عصيان، فلو التزم قلباً و لكن خالف عملاً فقد عصى و يستحق العقوبة، كما أنّه لو وافق عملاً، و خالف جناناً و التزاماً فقد ترك الفريضة القلبية، فيؤخذ به.
أو أنّ هناك تكليفاً واحداً و هو لزوم امتثال الأحكام الفرعية في مقام العمل و إن لم يلتزم بها قلباً و جناناً.
ذهب المحقّق الخراساني إلى الثاني حيث قال مستدلا لذلک: «لشهادة الوجدان الحاكم في باب الإطاعة و العصيان بذلك و استقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمر سيده إلا المثوبة دون العقوبة و لو لم يكن متسلما و ملتزما به و معتقدا و منقادا له و إن كان ذلك يوجب تنقيصه و انحطاط درجته لدى سيده لعدم اتصافه بما يليق أن يتصف العبد به من الاعتقاد بأحكام مولاه و الانقياد لها و هذا غير استحقاق العقوبة على مخالفته لأمره أو نهيه التزاما مع موافقته عملا كما لا يخفى»(1).
قلت: و لابد ان يکون محلّ النزاع في غير الأحكام التعبدية و ذلک لانّ امتثالها يتوقف علی اتيانها بقصد امتثال أمره تعالی، و مثل ذلك لا ينفك عن الالتزام و التسليم بأنّه حكمه سبحانه و عليه فينحصر النزاع بالأحكام التوصلية, و هي لا دليل على وجوبه فيها إذ المطلوب إنّما هو تطبيق العمل عليه، و ليس وراء ذلك مطلوب .
ذکر المحقق الخراساني انّ للمسألة ثمرتين فقهية، و أصولية.
ص: 58
أمّا الأولى فترجع إلى وجوب آخر وراء الالتزام العملي في الأحكام، و قد عرفت أنّه غير واجب و إلّا لزم عقابان عند الترك التزاماً و قلباً و ثوابان عند القيام بهما.
و أمّا الثانية: و هي جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي، و انّ القول بوجوب الموافقة الالتزامية هل يمنع عن القول بجريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي أم لا؟ فذکر أنّ القول بوجوب الموافقة الالتزامية لا يمنع من جريان الأصول في أطرافه، لأنّ الالتزام بالواقع لا ينافي القول بالبراءة أو الحلية في أطراف العلم ظاهراً، لأنّ أحد الحكمين واقعي و الآخر ظاهري، فقال: «و من هنا قد انقدح انّه لا يكون من قبل لزوم الالتزام مانع عن إجراء الأصول ...»(1), يعني و من اقتضاء التكليف المعلوم وجوب الالتزام بنفسه و بعنوانه- بناء على أصل الاقتضاء- دون التخيير بينه و بين ضده قد ظهر: أن وجوب الالتزام ليس مانعاً عن جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي إذا كانت بنفسها- مع قطعالنّظر عن وجوب الموافقة الالتزامية- جارية فيها بأن تمت أدلتها بحيث تشمل أطراف العلم الإجمالي، و لم يمنع عن جريانها مانع آخر، و الوجه فيه ما عرفته من سقوط وجوب الالتزام بامتناع امتثاله.
و الحاصل: أنّه على تقدير لزوم الموافقة الالتزاميّة يجب الالتزام بما هو الثابت عند اللّه واقعا و الاعتقاد بحكم اللّه الواقعيّ على واقعه، و لو لم يعلم مصداق ما هو الثابت عنده تعالى مفصّلا. و هذا الالتزام ممكن أيضا فيما إذا دار الأمر بين المحذورين، كما إذا دار الأمر بين الوجوب و الحرمة، إذ يمكن الالتزام بما هو الثابت عند اللّه واقعا. و الالتزام به كذلك لا ينافي جريان الاصول الحكميّة؛ كأصالة الإباحة فيما دار أمره بين الوجوب أو
ص: 59
الحرمة, أو الموضوعيّة؛ كاستصحاب عدم تعلّق الحلف بوطء المرأة فيما إذا تردّدت بين من وجب وطؤها و بين من وجب ترك وطئها، ضرورة أنّ الملتزم به هو الحكم الثابت عند اللّه واقعا، و ما يثبت بالاصول هو الحكم الظاهريّ، و لا تنافي بينهما.
و اما الشيخ الأعظم فذهب أيضاً إلى أنّ وجوب الموافقة الالتزامية ليس مانعاً عن جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي، لكن لا بالبيان الماضي من عدم التنافي بين الالتزام بالواقع، و إجراء البراءة ظاهراً، بل ببيان آخر حاصله: انه لو افترضنا وجود الدليل بالالتزام بالحكم الواقعي الّا ان دليل الأصل يخرج المورد عن أدلّة الالتزام بالحكم الواقعي. فقال: لأنّ الالتزام بالأحكام الفرعية إنّما يجب مقدمة للعمل و ليست كالأصول الاعتقادية يطلب فيها الالتزام و الاعتقاد من حيث الذات و لو فرض ثبوت الدليل عقلاً أو نقلاً على وجوب الالتزام بحكم اللّه الواقعي لم ينفع، لأنّ الأصول تحكم في مجاريها بانتفاء الحكم الواقعي فهي كالأصول في الشبهة الموضوعية مخرجة لمجاريها عن موضوع ذلك الحكم، أعني: وجوب الأخذ بحكم اللّه(1).
و أورد عليه المحقّق الخراساني بأنّه: لا يدفع بالأصول محذور عدم الالتزام أو الالتزام بخلافه، إلّا بوجه دائر(2), توضيحه: أنّ جريان الأصل في كلّ من الطرفين موقوف على عدم محذور في عدم الالتزام بالحكم الواقعيّ بسبب جريانها، و إلّا لم تجر الأصول، و عدم المحذور موقوف أيضا على جريانهما، و هذا دور.
ص: 60
و بتعبير آخر: جريان الأصل موقوف على عدم ثبوت وجوب الالتزام، فإنّ ثبوت وجوبه مناف لجريان الأصل، و عدم ثبوت وجوبه موقوف على جريان الأصل، و هذا دور.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني حاول أن يرد الدور الذي أورده على الشيخ بما حاصله: أن حكم العقل بلزوم الموافقة الالتزامية ان كان منجزاً غير معلق على شي ء بأن يكون العلم الإجمالي بالتكليف علة تامة لفعليته الحتمية الموجبة لحكم العقل بلزوم الالتزام به كان للدور المذكور حينئذ مجال. و أما إذا كان حكم العقل بلزوم الموافقة الالتزامية معلقاً على عدم مانع كالترخيص في ارتكاب الأطراف و جعل الحكم الظاهري على خلاف الحكم المعلوم بالإجمال ارتفع محذور عدم الالتزام ببركة الأصول بدون غائلة الدور، لأن الأصول ترفع موضوع حكم العقل بلزوم الالتزام أعني الحكم الملتزم به، إذ موضوع حكم العقل معلق على عدم جريان الأصول، و أما جريان الأصول، فلا يتوقف على شي ء أصلا فلا دور.
ثم قال في رده بما حاصله: الّا ان الإشكال في جريان الاصول لعدم المقتضي له في أطراف العلم الإجمالي، و ذلك لما ثبت في محله من اعتبار الأثر العملي في جريان الأصول، لأنها أحكام عملية كسائر الأحكام الفرعية، فبدون الأثر العملي لا مقتضي لجريانها، و من المعلوم عدم ترتب أثر عملي على جريانها في المقام، لأن المكلف في موارد دوران الأمر بين المحذورين اما فاعل و اما تارك، و على كل واحد منهما يحتمل كل من الموافقة و المخالفة، فلا يوجب جريان الأصل أمراً زائداً على ما يكون المكلف عليه تكويناً من الفعل أو الترك، فلا أثر للأصول فيما دار حكمه بين الوجوب و الحرمة. مضافا الی لزوم التناقض بين صدر أدلة الاستصحاب و ذيلها إذا بنى على شمولها لأطراف العلم الإجمالي، لأن مقتضى الصدر و هو قوله علیه السلام : «لا تنقض اليقين بالشك»؛ عدم جواز
ص: 61
نقض اليقين بالطهارة مثلا بالشك في نجاسة كل واحد من أطراف العلم الإجمالي بنجاسة أحدها، و مقتضى الذيل و هو قوله علیه السلام : «و لكن تنقضه بيقين آخر»؛ هو وجوب نقض هذا اليقين بالطهارة بالعلم الإجمالي المذكور، لكونه فرداً ليقين آخر، و من المعلوم أن الإيجاب الجزئي- و هو النقض في الجملة- يناقض السلب الكلي و هو عدم نقض شي ء من أفراد اليقين بالشك، مثلا إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين، فاستصحاب طهارة كل منهما بمقتضى عدم جواز نقض اليقين بها بالشك في نجاسة أحدهما يناقض وجوب البناء على نجاسة واحد منهما بمقتضى العلم الإجمالي بها، و مع تهافت الصدر و الذيل وعدم مرجح لأحدهما يسقطان معاً، فيبقى جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي خالياً عن الدليل(1).
ثم تأمل في الإشكال الاخير قائلاً: بأنّه مبنيّ على أنّ المراد من اليقين في الذيل هو الأعم من الإجمالي و التفصيلي مع أنّه من المحتمل أن يكون المراد هو اليقين التفصيلي، فعندئذ يكون الإناءان محكومين بالطهارة لا بالنجاسة، لعدم حصول الغاية.
و فيه: انه لا دليل علی انصراف الذيل إلى خصوص العلم التفصيلي و عدم شموله للعلم الإجمالي.
هذا و اورد المحقق السيد المروج عليه اشکالا ثبوتيا فقال: ... إلّا أن مقتضى كون الاستصحاب أصلا تنزيلياً - و أن مفاده البناء على كون المشكوك بقاءً هو الواقع المعلوم سابقاً- مناقضته للعلم و لو إجمالا بعدم بقائه و انكشاف خلافه.
ص: 62
و بالجملة: حكم الشارع ببقاء الواقع مع العلم بارتفاعه متناقضان، و هذه المناقضة لا تختص بالعلم المنجز للحكم (اي التفصيلي)، إذ مناطها هو انكشاف عدم بقاء المعلوم السابق، و من الواضح عدم اختصاص هذا الانكشاف بالعلم المنجز.
و عليه، فالمانع عن جريان الأصل التنزيلي في أطراف العلم الإجمالي- و هو التناقض- ثبوتي لا إثباتي حتى يختص المانع بالنص المشتمل على الذيل المذكور, نعم هذا المحذور مفقود في الأصول غير التنزيلية، لعدم حكم الشارع فيها بالبناء على أحد طرفي الشك على أنه هو الواقع، فالمانع عن جريانها في أطراف العلم الإجمالي هو المخالفة العملية(1).
يطلق القطاع و يراد منه من يحصل له القطع كثيراً من الأسباب التي لا يحصل منها اليقين لغالب الناس.
ثمّ إنّ الوسواس في مورد النجاسات من قبيل القطّاع حيث يحصل له القطع بها من أسباب غير عاديّة، کما و ان الوسواس في مورد الخروج عن عهدة التكاليف هو من لا يحصل له اليقين بسهولة.
إذا عرفت ذلك فقال الشيخ الاعظم: «قد اشتهر في ألسنة المعاصرين: أنّ قطع القطّاع لا اعتبار به, و لعلّ الأصل في ذلك ما صرّح به كاشف الغطاء قدّس سرّه- بعد الحكم بأنّ
ص: 63
كثير الشكّ لا اعتبار بشكّه- قال: «و كذا من خرج عن العادة في قطعه أو في ظنّه، فيلغو اعتبارهما في حقّه»(1).
ثم اجابه الشيخ فقال: أمّا عدم اعتبار ظنّ من خرج عن العادة في ظنّه؛ فلأنّ أدلّة اعتبار الظنّ- في مقام يعتبر فيه- مختصّة بالظنّ الحاصل من الأسباب التي يتعارف حصول الظنّ منها لمتعارف الناس لو وجدت تلك الأسباب عندهم على النحو الذي وجد عند هذا الشخص، فالحاصل من غيرها يساوي الشكّ في الحكم.
و أمّا قطع من خرج قطعه عن العادة: فإن اريد بعدم اعتباره عدم اعتباره في الأحكام التي يكون القطع موضوعا لها- كقبول شهادته و فتواه و نحو ذلك- فهو حقّ؛ لأنّ أدلّة اعتبار العلم في هذه المقامات لا تشمل هذا قطعا، لكن ظاهر كلام من ذكره في سياق كثير الشكّ إرادة غير هذا القسم.
و إن اريد عدم اعتباره في مقامات يعتبر القطع فيها من حيث الكاشفيّة و الطريقيّة إلى الواقع: فإن اريد بذلك أنّه حين قطعه كالشاكّ، فلا شكّ في أنّ أحكام الشاكّ و غير العالم لا تجري في حقّه؛ و كيف يحكم على القاطع بالتكليف بالرجوع إلى ما دلّ على عدم الوجوب عند عدم العلم، و القاطع بأنّه صلّى ثلاثا بالبناء على أنّه صلّى أربعا، و نحو ذلك...(2).
اقول: لقد اجاد الشيخ رحمه الله في صدر کلامه انما الاشکال في ذيل کلامه حيث قال: «و إن اريد عدم اعتباره في مقامات يعتبر القطع فيها من حيث الكاشفيّة» فانه رحمه الله - کما تقدم - يری أن القطع يساوي الانکشاف التام و انه کاشف عن الواقع بحيث لا يرى القاطع
ص: 64
حجاباً بينه و بين الواقع، بل لا يكون ملتفتاً إلى قطعه، و انما يرى الواقع المنكشف فقط كانعكاس الصورة في المرآة، و هذا الكشف الجزمي لا يكون بالجعل و الإعطاء، لأنه ذاتي له.
و فيه: ما تقدم أن القطع لا يساوي الانکشاف التام دائما بل هو تابع لاسبابه و مقدماته فان کان ناشئا من مقدمات بديهية کالحسيات و الاوليات و البرهانيات و بعبارة اخری من الاسباب التي توجب العلم فالامر کما قاله الشيخ رحمه الله, و ان کانناشئا من مقدمات لا توجب العلم لکنه حصل القطع لهذا الشخص فالقطع هنا لا يساوي الانکشاف التام بل هو مجرد صفة نفسانية للقاطع لا غير و هو من سنخ الحدسيات و هذا هو الفارق بين الحدس و العلم, مثلا لو حصل العلم للانسان من الخيرة او الرؤيا في المنام و امثال ذلک فالقطع الحاصل ليس فيه انکشاف فضلا عن کونه تاماً بل هو مجرد حالة نفسانية لا غير, و هذا ما نجده من تعصبات الفرق و المذاهب الضالة حيث انها قاطعة و جازمة بحقانية اعتقادتها و الحال انهم لا عذر لهم بذلک لعدم کون قطعهم ناشئا من الاسباب التي توجب العلم فلا انکشاف لهم بذلک, و لو کان القطع مساويا للانکشاف لزم عدم صحّة الانفكاك بينهما و الحال أنّا نرى أنّ الإنسان غارق في الجهل المركّب و كم من قاطع ليس قطعه إلّا سراب و ضلال .
و علی ضوء ذلک فلا يکون قطع القطاع مساويا للانکشاف التام حتی تکون حجيته ذاتية بل هو اسوء حالا من الحدس و قد تقدم انه لا دليل علی حجية الحدس فضلا عن وجوب متابعته.
ص: 65
إنّ العقل أحد الحجج بل هو اول الحجج و قد اتفقت کلمة الشيعة الامامية على حجّيته، و لأجل إيضاح الحال نقدّم أموراً:
الامر الاول: ان المراد من العقل هو ادرکاته البديهية و البرهانية دون الحدسيات و الظنيات و الاعتبارات العقلائية بلا فرق بين العقل النظري ام العملي کما سيتضح.
ثم إنّ الدليل العقليّ أو فقل: ما يحكم به العقل الذي يثبت به الحكم الشرعيّ, ينقسم إلى قسمين: ما يستقلّ به العقل، و ما لا يستقلّ به.
و بتعبير آخر نقول: إنّ الأحكام العقليّة على قسمين: مستقلات، و غير مستقلّات.
قال العلامة المظفر: و هذه التعابير كثيرا ما تجري على ألسنة الأصوليّين و يقصدون بها المعنى الذي سنوضّحه. و إن كان قد يقولون: «إنّ هذا ممّا يستقلّ به العقل» و لا يقصدون هذا المعنى، بل يقصدون به معنى آخر، و هو ما يحكم به العقل بالبداهة و إن كان ليس من المستقلّات العقليّة بالمعنى الآتي. و توضيح ذلک:
إنّ العلم بالحكم الشرعيّ، كسائر العلوم لا بدّ له من علّة؛ لاستحالة وجود الممكن بلا علّة.
و علّة العلم التصديقيّ لا بدّ أن تكون أحدی الحجج المنطقية الثلاثة: القياس، أو الاستقراء، أو التمثيل. و ليس الاستقراء ممّا يثبت به الحكم الشرعيّ لانه لا يورث العلم به و اذا ما اورث العلم فلا يعدّ دليلاً، لأنّ المستقرئ يصل إلى النتيجة في ضمن الاستقراء فلا تبقى حاجة للاستدلال بالاستقراء.
ص: 66
و التمثيل ليس بحجّة عندنا؛ لأنّه هو القياس المصطلح عليه عند الأصوليّين الذي هو ليس من مذهبنا.
فيتعيّن أن تكون العلّة للعلم بالحكم الشرعيّ هي خصوص البرهان اي القياس باصطلاح المناطقة، و إذا كان كذلك فإنّ كلّ قياس لا بدّ أن يتألّف من مقدّمتين، سواء كان استثنائيّا أو اقترانيّا.
و هاتان المقدّمتان قد تكونان معا غير عقليّتين، فالدليل الذي يتألّف منهما يسمّى «دليلا شرعيّا» في قبال الدليل العقليّ. و لا كلام لنا في هذا القسم هنا. و قد تكون كلّ منهما أو إحداهما عقليّة أي ممّا يحكم العقل به من غير اعتماد على حكم شرعيّ، فإنّ الدليل الذي يتألّف منهما يسمّى عقليّا.
و هو على قسمين:
الاول: أن تكون إحدى المقدّمتين غير عقليّة و الأخرى عقليّة، كحكم العقل بوجوب المقدّمة عند وجوب ذيها، فهذه مقدّمة عقليّة صرفة، و ينضمّ إليها حكم الشرع بوجوب ذي المقدّمة. و انّما يسمّى الدليل الذي يتألّف منهما «عقليّا» لأجل تغليب جانب المقدّمة العقليّة. و هذا هو قسم «غير المستقلّات العقليّة».
و انّما سمّي بذلك؛ لأنّه من الواضح أنّ العقل لم يستقلّ وحده في الوصول إلى النتيجة، بل استعان بحكم الشرع في إحدى مقدّمتي القياس.
الثاني: أن تكون المقدّمتان معا عقليّتين، كاستحالة التناقض و کحكم العقل بحسن شي ء أو قبحه، و هي التي تسمّی بالمستقلّات العقليّة(1), و هي تنقسم الی العقل النظري و العقل العملي .
ص: 67
ثم ان هذه الادراکات إما أن تکون في الأمور التي لا تتعلّق إلّا بالنظريّات التي لا تستتبع إلزاماً عملياً ابتداءً کاستحالة اجتماع الضدين و النقيضين, و هي التي تسمّی بالعقل النظري و إما أن تکون في الأمور التي تستتبع إلزاماً عملياً من قبيل حسن العدالة، و قبح الظلم.
و قد انکر الاول فضلا عن الثاني بعضا من فلاسفة الغرب و قد اجبنا علی شبهاتهم في کتابينا الرؤية الفلسفية نقد و تحليل و اصول المعرفة .
نظرية الفلاسفة
کما و قد أنکر الثاني اي إدراکات العقل العملي الفلاسفة و قالوا إنها أحکام اعتباريّة، و ليست ذاتيّة، و الأحکام الاعتبارية هي القابلة للتبدّل و التغيّر و مجعولة من قبل العقلاء حسب المصالح و المفاسد و ذهبوا الی إنكار ما بإزاء مدركات العقل العمليّ في الواقع و أنّ مرجع العقل العمليّ إلى تطابق آراء العقلاء، و انه لا واقع له وراء ذلك, قال ابن سينا في منطق الإشارات: «و منها الآراء المسمّاة بالمحمودة، و ربما خصّصناها باسم الشهرة، إذ لا عمدة لها إلّا الشهرة، و هي آراء لو خلّي الإنسان و عقلَه المجرّد و وهمَه و حِسَّه و لم يؤدّب بقبول قضاياها و الاعتراف بها ... لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو
ص: 68
حسّه، مثل حكمنا بأنّ سلب مال الإنسان قبيح، و أنّ الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه ...»(1). و يرجع محصله إلى إنكار العقل العمليّ رأسا .
و لابد من تحديد المراد من الحسن و القبح اولا حتی لا يشتبه الامر فنقول:
ما المراد من الحسن و القبح؟
قال العلامة المظفر: «إنّ الحسن و القبح لا يستعملان بمعنى واحد، بل لهما ثلاثة معان، فأيّ هذه المعاني هو موضوع النزاع؟ فنقول:
أوّلا: قد يطلق الحسن و القبح و يراد بهما الكمال و النقص. و يقعان وصفا بهذا المعنى للأفعال الاختياريّة و لمتعلّقات الأفعال، فيقال: مثلا, «العلم حسن، و التعلّم حسن»، و بضدّ ذلك يقال: «الجهل قبيح، و إهمال التعلّم قبيح». و يراد بذلك أنّ العلم و التعلّم كمال للنفس و تطوّر في وجودها، و أنّ الجهل و إهمال التعلّم نقصان فيها و تأخّر في وجودها.
و كثير من الأخلاق الإنسانيّة حسنها و قبحها باعتبار هذا المعنى، فالشجاعة و الكرم و الحلم و العدالة و الإنصاف و نحو ذلك إنّما حسنها باعتبار أنّها كمال للنفس و قوّة في وجودها. و كذلك أضدادها قبيحة؛ لأنّها نقصان في وجود النفس و قوّتها. و لا ينافي ذلك أنّه يقال للأولى: «حسنة» و للثانية: «قبيحة» باعتبار معنى آخر من المعنيين الآتيين.
ص: 69
و لا نحتمل ان يکون للأشاعرة و الفلاسفة نزاع في الحسن و القبح بهذا المعنى .
ثانيا: إنّهما قد يطلقان و يراد بهما الملاءمة للنفس و المنافرة لها، و يقعان وصفا بهذا المعنى أيضا للأفعال و متعلّقاتها من أعيان و غيرها.
فيقال في المتعلّقات: «هذا المنظر حسن جميل»، «هذا الصوت حسن مطرب»، «هذا المذوق حلو حسن» ... و هكذا.
و يقال في الأفعال: «نوم القيلولة حسن»، «الأكل عند الجوع حسن» و «الشرب بعد العطش حسن» ... و هكذا.
و كلّ هذه الأحكام لأنّ النفس تلتذّ بهذه الأشياء و تتذوّقها لملاءمتها لها. و بضدّ ذلك يقال في المتعلّقات و الأفعال: «هذا المنظر قبيح»، «ولولة النائحة قبيحة»، «النوم على الشبع قبيح» ... و هكذا. و كلّ ذلك؛ لأنّ النفس تتألّم أو تشمئزّ من ذلك، قال القوشجيّ في شرحه للتجريد عن هذا المعنى: «و قد يعبّر عنهما- أيالحسن و القبح- بالمصلحة و المفسدة فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، و القبيح ما فيه مفسدة، و ما خلا منهما لا يكون شيئا منهما»(1).
و هذا المعنى من الحسن و القبح أيضا لا يعقل النزاع فيه بين القوم .
ص: 70
ثالثا: أنّهما يطلقان و يراد بهما المدح و الذمّ، و يقعان وصفا بهذا المعنى للأفعال الاختياريّة فقط. و معنى ذلك: أنّ الحسن ما استحقّ فاعله عليه المدح و الثواب عند العقل و يدرک ذلک جميع العقلاء، و القبيح ما استحقّ عليه فاعله الذمّ و العقاب کذلک.
و هذا الإدراك العقلي هو معنى حكمه بالحسن و القبح، و هذا المعنى الثالث هو موضوع النزاع»(1), كما اعترفوا بذلك, فالأشاعرة و الفلاسفة أنكروا أن يكون للعقل إدراك ذلك من دون الشرع و التأديب، و قد اطنب في شرح هذه النظرية و توضيحها العلامة المظفر في کتابيه: المنطق و اصول الفقه, لکنه لم يأتِ بدليل عليه بل تناقضت عبارته فيه فعنون بحثا يناقض فيه ما اطنب فيه من کون الحسن و القبح اعتباريين فقال تحت عنوان:
معنى الحسن و القبح الذاتيّين
إنّ الحسن و القبح بالمعنى الثالث ينقسمان إلى ثلاثة أقسام:
1. ما هو علّة للحسن و القبح، و يسمّى الحسن و القبح فيه ب «الذاتيّين»، مثل العدل و الظلم، و العلم و الجهل؛ فإنّ العدل بما هو عدل لا يكون إلّا حسنا أبدا، أي إنّه متى ما صدق عنوان العدل فإنّه لا بدّ أن يمدح عليه فاعله عند العقلاء ويعدّ عندهم محسنا، و
ص: 71
كذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلّا قبيحا، أي إنّه متى ما صدق عنوان الظلم فإنّ فاعله مذموم عندهم و يعدّ مسيئا.
2. ما هو مقتض لهما، و يسمّى الحسن و القبح فيه ب «العرضيّين»، مثل تعظيم الصديق و تحقيره، فإنّ تعظيم الصديق- لو خلّي و نفسه- فهو حسن ممدوح عليه، و تحقيره كذلك قبيح لو خلّي و نفسه؛ و لكن تعظيم الصديق بعنوان أنّه تعظيم الصديق يجوز أن يكون قبيحا مذموما، كما إذا كان سببا لظلم ثالث، بخلاف العدل فإنّه يستحيل أن يكون قبيحا مع بقاء صدق عنوان العدل. كذلك تحقير الصديق بعنوان أنّه تحقير له يجوز أن يكون حسنا ممدوحا عليه، كما إذا كان سببا لنجاته، و لكن يستحيل أن يكون الظلم حسنا مع بقاء صدق عنوان الظلم.
3. ما لا علّية له و لا اقتضاء فيه في نفسه للحسن و القبح أصلا، و إنّما قد يتّصف بالحسن تارة إذا انطبق عليه عنوان حسن، كالعدل، و قد يتّصف بالقبح أخرى إذا انطبق عليه عنوان قبيح، كالظلم. و قد لا ينطبق عليه عنوان أحدهما فلا يكون حسنا و لا قبيحا، كالضرب مثلا، فإنّه حسن للتأديب، و قبيح للتشفّي، و لا حسن و لا قبيح كضرب غير ذي الروح.
و معنى كون الحسن أو القبح ذاتيّا أنّ العنوان المحكوم عليه بأحدهما بما هو في نفسه و في حدّ ذاته يكون محكوما به، لا من جهة اندراجه تحت عنوان آخر. فلا يحتاج إلى واسطة في اتّصافه بأحدهما.
ص: 72
و معنى كونه مقتضيا لأحدهما أنّ العنوان ليس في حدّ ذاته متّصفا به، بل بتوسّط عنوان آخر، و لكنّه- لو خلّي و طبعه- كان داخلا تحت العنوان الحسن أو القبيح، أ لا ترى تعظيم الصديق- لو خلّي و نفسه- يدخل تحت عنوان العدل الذي هو حسن في ذاته، أي بهذا الاعتبار تكون له مصلحة نوعيّة عامّة؛ أمّا لو كان سببا لهلاك نفس محترمة كان قبيحا؛ لأنّه يدخل حينئذ بما هو تعظيم الصديق تحت عنوان الظلم و لا يخرج عن عنوان كونه تعظيما للصديق.
و كذلك يقال في تحقير الصديق، فإنّه- لو خلّي و نفسه- يدخل تحت عنوان الظلم الذي هو قبيح بحسب ذاته، أي بهذا الاعتبار تكون له مفسدة نوعيّة عامّة؛ فلو كان سببا لنجاة نفس محترمة كان حسنا؛ لأنّه يدخل حينئذ تحت عنوان العدل، و لا يخرج عن عنوان كونه تحقيرا للصديق.
و أمّا العناوين التي من القسم الثالث فليست في حدّ ذاتها لو خلّيت و أنفسها داخلة تحت عنوان حسن أو قبيح، فلذلك لا تكون لها علّيّة و لا اقتضاء.
و على هذا يتّضح معنى العلّيّة و الاقتضاء هنا، فإنّ المراد من العلّيّة أنّ العنوان بنفسه هو تمام موضوع حكم العقلاء بالحسن أو القبح. و المراد من الاقتضاء أنّ العنوان- لو خلّي و طبعه- يكون داخلا فيما هو موضوع لحكم العقلاء بالحسن أو القبح. و ليس المراد من العلّيّة و الاقتضاء ما هو معروف من معناهما أنّه بمعنى التأثير و الإيجاد، فإنّه من البديهيّ
ص: 73
أنّه لا علّيّة و لا اقتضاء لعناوين الأفعال في أحكام العقلاء إلّا من باب علّيّة الموضوع لمحموله(1).
الجواب
علی ما قال
اقول: و تناقضه مع اعتبارية الحسن و القبح واضح, فان «ما هو علّة للحسن و القبح، مثل العدل و الظلم، و العلم و الجهل؛ فإنّ العدل بما هو عدل لا يكون إلّا حسنا أبدا، أي إنّه متى ما صدق عنوان العدل فإنّه لا بدّ أن يمدح عليه فاعله عند العقلاء و يعدّ عندهم محسنا، و كذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلّا قبيحا، أي إنّه متى ما صدق عنوان الظلم فإنّ فاعله مذموم عندهم و يعدّ مسيئا», کيف يکون اعتباريا و انه لا واقع له وراء تطابق آراء العقلاء علی حسب تعبيره, و کذلک ما هو مقتض لهما کيف يکون بالاعتبار و التأديب و هل هذا الّا تناقض، بل رجوع الی الفطرة و الوجدان من کونهما عقليين لا اعتباريين.
ثم ان في تقسيمه لاحكام العقل العملي الى ثلاثة اقسام, اشكالا واضحا فما ادعاه - من ان ما کان موضوعا للحکم العقلي بالذات و مثّل له بالعدالة وما کان موضوعا للحکم العقلي بالعرض باعتبار انطباق عنوان العدالة عليه فيکون حسنا وقال ان حسنه
ص: 74
اقتضائي وکذلک القبيح الاقتضائي - غير صحيح و ذلک لان العقل اما ان يحكم بالحسن او لا يحكم و لا قسم ثالث في البين و حينئذٍ فالصحيح هو ان ما جعلوه قسمين من كون حسن العدالة ذاتياً و حسن الصدق اقتضائياً باطل بل كلا هما من واد واحد و ما ذكروه من الفرق بينهما بان العدالة لا تنفك عن حسنها و انه يمكن انفكاكه في الصدق و مثلوا له بما كان الصدق موجباً لقتل انسان ايضا غير فارق فانه باجراء العدالة ايضاً يمكن ان يعرّض الانسان نفسه للقتل و حينئذٍ يقع التزاحم بين واجب العدالة و حفظ النفس و يتقدم الثاني على الاول و كذلك الصدق فهو يتزاحم مع غيره و الثاني يتقدم عليه بملاك تقدم الاهم على غير ه و يبقى القبيح قبيحاً و الحسن حسناً فالحق انهما امر واحد كلاهما ذاتيان لا اقتضائيان و يقابلهما قسم واحد وهو ما كان بالوجوه و الاعتبارات ، مضافا الی ان هنالک موارد حسنة وقبيحة لا ترجع الی العدالة او الظلم مثل شکر المنعم وقبح التجري وامثالهما .
نظرية الاشاعرة
و مثل الفلاسفة في انکار واقعية العقل العملي الاشاعرة فقالوا: لا حكم للعقل في حسن الأفعال و قبحها، و ليس الحسن و القبح عائداً إلى أمر حقيقيٍّ حاصلٍ فعلًا قبل ورود بيان الشارع، بل إنّ ما حسّنه الشارع فهو حسن و ما قبّحه الشارع فهو قبيح. فلو عكس الشارع
ص: 75
القضيّة فحسّن ما قبّحه و قبّح ما حسّنه لم يكن ممتنعاً و انقلب الأمر فصار القبيح حسناً و الحسن قبيحاً، و مثّلوا لذلك بالنسخ من الحرمة إلى الوجوب و من الوجوب إلى الحرمة(1).
نظرية العدلية من الامامية و المعتزلة
و ردّ علی کلا الفريقين المتکلّمون من الامامية و المعتزلة و قالوا: إنّ للأفعال قِيَماً ذاتيّة عند العقل حتی مع قطع النظر عن حكم الشارع، فمنها ما هو حسن في نفسه، و منها ما هو قبيح في نفسه، و منها ما ليس له هذان الوصفان. و الشارع لا يأمر إلّا بما هو حسن و لا ينهى إلّا عمّا هو قبيح، فالصدق في نفسه حَسَن و لحُسنه أمر اللَّه تعالى به، لا أنّه أمر اللَّه تعالى به فصار حسناً، و الكذب في نفسه قبيح و لذلك نهى اللَّه تعالى عنه، لا أنّه نهى عنه فصار قبيحاً.
و معنى الحسن و القبح الذاتيّين هو ان الموضوع فيهما يکون علّة للحسن و القبح, مثل العدل و الظلم و العلم و الجهل، فإنّ العدل بما هو عدل لا يكون إلّا حسناً أبداً، أي أنّه متى ما صدق عنوان «العدل» فإنّه لا بدّ أن يکون حسناً و لا يقبل التبدل و التغير بحکم العقل. و كذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلّا قبيحاً، أي أنّه متى ما صدق عنوان «الظلم» فإنّه لابد ان يکون قبيحاً و لا يقبل التبدل و التغير بحکم العقل.
و عليه فلا فرق بين مدرکات العقل النظري و العملي فکلاهما من باب واحد و أصل واحد، و کلاهما ذاتيان و واقعيان .
ص: 76
الادلة علی واقعية الحسن و القبح
و الدليل علی ذلك الوجدان و ضرورة العقل, و ذلک لإنّه من المعلوم ضرورة حسن الإحسان و قبح الظلم عند كلّ عاقل بلا حاجة الی اعتبار من العقلاء او الشرع، فإنّ ذلك يدركه حتّى منكر الشرائع, و قد حاربت الدول الاوربية کثيرا من القيّم العقلية کالعدالة و الشرف و الغيرة و حاولوا تربية الاجيال علی ما يخالفها ؛ کما في ترويجهم للاباحية و التحلل و الاعتداء علی نواميس الاخرين باسم الحرية و اقرارهم لمنطق الاختناق و الارهاب و ان القوي يأکل الضعيف و کل من يملک القوة فهو صاحب الحق.
و مع ذلک نجد ان الشعوب تنتفض و تثور و تقاتل و تطالب بالعدالة و المساواة و رد الظلم تجاوز حقوق الاخرين فلو کان الحسن و القبح من الامور الاعتبارية و من المشهورات العقلائية فالمفروض ان تنقلب القيم في بلدان اوربا و ما شاکلها حسب التربية في مدارسها الابتدائية و المتوسطة و الثانوية والجامعية و حسب الاعتبارات التي تبنتها تلک البلدان بقوانينها الوضعية.
مضافا الی أنّ الحسن و القبح لو کانا من القضايا التأديبيّة و الاعتبارات العقلائية فالمفروض أن لا يحكم بها كلّ عاقل لو خُلّي و نفسَه و لم يتأدّب بقبولها و الاعتراف بها، كما تقدم من عبارة ابن سينا و الحال ان موارد الحسن و القبح يكفي تصوّر طرفيها في الحكم بها، و لا اختلاف فيها عند العقلاء حتی و لو لم يتأدّبوا بقبولها .
ص: 77
و هذه هي الرؤية القرانيّة قال تعالی في سورة البقرة: ﴿و إذ قَالَ رَبُك للملائِکَةِ إنِّي جَاعِلٌ في الأرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أتَجعَل فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا و يَفسِك الدِمَاءَ و نَحنُ نُسَبحُ بِحَمدِك و نُقَدِّسُ لَك قَالَ إنِّي أعلَمُ مَالا تَعلَمون﴾.
و هذه الاية الشريفة صريحة واضحة بواقعيّة الإدراکات العقلية العملية، و هي بدروها مرشدة و مذکّرة للبشر بأن لا يخرجوا عن جادّة العقل الصريح، و توضيحها:
إن استفهام الملائکة و استدلالهم؛ کان قائماً علی مدرکات العقل العملي من قبح الفساد في الأرض و کذلك قبح الظلم و سفك الدماء و حسن التسبيح و التقديس من المخلوق للخالق، و أنه هوالملاك الواقعي و الذي لا يمکن مخالفته في الواقع. و الملائکة کما هو واضح ؛ ليسوا من البشر حتی تکون لهم اعتبارات تابعة للمصالح و المفاسد. بل هم عقول محضة؛ حسب منطوق بعض الروايات .
و هذا مما يؤيد کون إلادراك العملي؛ من حسن التقديس و التسبيح، و قبح الظلم ، من الإدراکات العقليّة الذاتيّة الواقعيّة.
و کذلك الميزان عند رب العزّة و الجبروت؛ من إن العقل العملي هو عين الواقع. فلم يُجِب الملائکة: بأني لا أعتبر و لا أقبل موازينکم، و لم يخطأ استدلالهم المعتمد علی مدرکات العقل العملي، بل جعلها مما لا نقاش فيها. و کان الجواب الإلهي إنه خفيت عليکم حکمةّ؛ هي التي تکفي في حلّ إشکالکم و جواب مسألتکم، فاعتذروا إليه تعالی.
و من ذلك يتبّين أن الحسن و القبح من القوانين العامّة غير المجعولة و غير القابلة للتبدل و التغيّر، کما هو شأن الأحکام العقليّة، بل هي ذاتيّة للعقل، و واقعية بحيث أنها تحکم
ص: 78
الوجود و الواقع بأسره بلا استثناء و غير مجعولة بل و لا قابلة للجعل، و لا قابلة للتبدل و لا التغيّر و لا النقض، و لا تفصيل و لا تخصيص فيها بل هي عامّة.
الامر الثاني: ان حکم العقل و حکم الشرع واحد فلا ملازمة بين وجوب المقدّمة و وجوب ذيها، بل ان حکم العقل هو عين حکم الشرع, فهنالک واقع و الکاشف عنه اما العقل و اما الشرع و لا تلازم بينهما بل کل منهما عين الاخر کما في دلالة الکتاب علی الحکم الشرعي او دلالة السنة فکلاهما کاشفان عن حکم الله الواقعي و الشاهد علی ذلک الاوامر الارشادية الواردة في ذلک مثل صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام «قال: لمّا خلق اللّه العقل استنطقه ثمّ قال له أقبل فأقبل ثمّ قال له أدبر فأدبر ثمّ قال و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك و لا أكملتك إلّا فيمن أحبّ أما إنّي إيّاك آمر و إيّاك أنهى و إيّاك أعاقب و إيّاك أثيب»(1), و هي واضحة الدلالة.
و مثل حديث هشام بن الحكم قال قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر علیه السلام «يا هشام إنّ اللّه تبارك و تعالى بشّر أهل العقل و الفهم في كتابه فقال ﴿فبشّر عباد الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه أولئك الّذين هداهم اللّه و أولئك هم أولوا الألباب﴾ يا هشام إنّ اللّه تبارك و تعالى أكمل للنّاس الحجج بالعقول و نصر النّبيّين بالبيان و دلّهم على ربوبيّته بالأدلّة - الی ان قال - يا هشام إنّ للّه على النّاس حجّتين حجّةً ظاهرةً و حجّةً باطنةً فأمّا الظّاهرة فالرّسل و الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام و أمّا الباطنة فالعقول...»(2), و هي صريحة الدلالة.
ص: 79
الامر الثالث: إن طبيعة الأحکام العقليّة البديهيّة انها لا اختلاف فيها و لا تحتاج الی دليل و لا برهان فهل يعقل حصول الخلاف فيها، و إذا حصل فما هو الحلّ؟
الجواب واضحٌ فانها اما أن تکون من البديهيات فالمفروض بمجرد تصورها أن تحظی بالقبول، و أما أن تکون غير بديهية؛ فلابد من البرهان عليها بالإعتماد علی البديهيّات و إلّا فهي غير ثابتة أو غير صحيحة. و لکن مع ذلك فقد وجدنا في الأمور البديهيّة حصول الإختلاف بين أکابر العلماء. و ادعی بعضهم ضرورية بعض القضايا و أنکر الآخرون، فما هو المخرج حينئذ؟.
نقول: إنه بالرجوع الی العرف العقلي، يعرف البديهي من غيره و العقلي من الوهمي.
و توضيحه: إنه يمکن الإختلاف بين اثنين في بداهة أمر معيّن، لکن لا يمکن أن يقع هذا الاختلاف بين عموم العقلاء. و لو کان هنالك اختلاف بين العقلاءحول بداهة أمر معيّن؛ يعلم أنه ليس من البديهيات، إذاً فبالرجوع اليهم يُفهم الحقّ و تعرف الحقيقة.
و لعله الی ذلك أشار القرآن الکريم في أکثر من آية في خطابه للبشر في کثير من الآيات ب- ﴿أفلا تعقلون﴾ .
الامر الرابع: لو دلّت ظواهر القرآن الکريم، و السنّة الشريفة؛ علی خلاف ما يحکم به العقل فالحکم للعقل، و يؤوَّل الظهور القرآتي. أما لو کانت دلالة القرآن أو السنّة الشريفة؛ قاطعة و صريحة، و غير قابلة للتأويل، و علی خلاف حکم العقل (فرضاً) فأيهما المتَّبع؟ علماً بأن القرآن الکريم قامت المعجزة علی صدقه و مطابقته للواقع، و هو برهان عقلي. و من هنا تعرف أن القرآن الکريم و السنّة الشريفة؛ هي المتّبعة و يشكّ في الحکم العقلي ، بعد تکذيب القرآن الکريم له. و يعلم أنه مما لم يحکم به العقل.
ص: 80
و الحقيقة ان وجود بعض الأوهام و الخيالات المدعی أنها من حکم العقل؛ صارت سبباً لحصول ما حصل من التضارب بين دلالة القرآن القطعية، و الحکم العقلي الوهمي حقيقةً.
الامر الخامس: المعروف عن الاخباريين القول بعدم جواز الاعتماد على شي ء من الإدراكات العقليّة في إثبات الأحكام الشرعيّة. و قد فسّر هذا القول بأربعة وجوه:
1. إنكار إدراك العقل للحسن و القبح الواقعيّين.
و فيه: انه بعيد عن کلماتهم بل غير محتمل منهم و قد تقدم البحث عنه في رد الاشاعرة و الفلاسفة المنکرين له .
2. انکار إدراك العقل للملازمة بينه و بين حكم الشرع.
و فيه: انه بعيد ايضا عن کلمات اکثرهم نعم انکرها السيد الصدر من الاخباريين(1) و صاحب الفصول من الاصوليين(2), و قد تقدم الجواب عن الملازمة في الامر الثاني .
3. بعد الاعتراف بثبوت إدراك العقل و ثبوت الملازمة؛ إنكار وجوب إطاعة الحكم الشرعيّ الثابت من طريق العقل، و مرجع ذلك إلى إنكار حجّيّة العقل کما نسب اليهم ذلک(3). لکن المحقّق الخراسانيّ استبعد ذلک منهم فقال: «و إن نسب إلى بعض
ص: 81
الأخباريّين: (أنّه لا اعتبار بما إذا كان بمقدّمات عقليّة)، إلّا أنّ مراجعة كلماتهم لا تساعد على هذه النسبة، بل تشهد بكذبها»(1).
4. إنكار إدراك العقل لملاكات الأحكام الشرعيّة.
قلت: لو کان هذا مرادهم فهو وجيه ، و لا خلاف بينهم حينئذ و بين الاصوليين و به تحلّ عقدة النزاع و يقع التصالح بين الطرفين, لکن هذا المعنی خارج عن محط البحث لأنّ الكلام فيما إذا حكم العقل بحكم قطعي على الموضوع بما هو هو كقبح الظلم و الخيانة في الأمانة، أو كقبح ترجيح الأهم على المهم و لا يحتمل أن يكون للحكم مانع في الواقع أو شرط عند الشارع .
و اما لو کان مرادهم من ذلک - کما هو المفهوم من بعض کلماتهم - انّه لا يحصل للعقل قطع بالحكم بل كلّ ما يدركه لا يخرج عن دائرة الظنون, کما هو الظاهر من كلام المحدّث الاسترابادي حيث صرّح بأنّه لا يحصل اليقين من التمسك بغير الوحي، و يدل على ذلك كلامه في مواضع عديدة قال: كلّ مسلك غير التمسك بكلامهم إنّما يعتبر من حيث إفادته الظنّ بحكم اللّه و قد أثبتنا سابقاً انّه لا اعتماد على الظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها. و قال في فهرست فصول كتابه: الأوّل: في إبطال التمسك بالاستنباطات الظنية في نفي أحكامه تعالى شأنه و وجوب التوقف عند فقد القطع بحكم اللّه، أو بحكم ورد عنهم عليهم السلام.
ففيه: انه ما هو الوجه في عدم حصول اليقين؟
ص: 82
فقد يکون الوجه عندهم ما نقل عنهم من جواز خلو الواقعة عن الحكم بأن لا يكون للشارع فيما حكم فيه العقل بالوجوب أو الحرمة، حكم أصلاً لا موافقاً و لا مخالفاً بأن تخلو الواقعة عن الحكم رأساً و على ذلك لا حكم للشرع في الموضوع وفاقاً أو خلافاً(1).و لا يخفی ما فيه فأنّ احتمال خلو الواقعة من الحكم يتنافی مع ما ورد عنهم عليهم السلام من انه: ما من شي ء إلّا و فيه كتاب أو سنة.
و في حديث آخر: أ كلّ شي ء في كتاب اللّه و سنّة نبيه أو تقولون فيه؟ «قال: بل كلّ شي ء في كتاب اللّه و سنّة نبيّه» أو «في الكتاب و السنة»(2).
و كيف يمكن أن لا يكون للشارع حكم و قد قال صلى الله عليه و آله و سلم في خطبة حجّة الوداع: «يا أيّها الناس ما من شي ء يقربكم من الجنّة و يبعدكم من النار، إلّا و قد أمرتكم به، و ما من شي ء يقربكم من النار و يباعدكم من الجنة إلّا و قد نهيتكم عنه»(3).
و ان کان مرادهم ما ورد من الاخبار الدالة علی التمسک باهل البيت عليهم السلام و الرجوع اليهم ففيه: انها اجنبية عن ما يرومه الاخباريون و هي کالتالي:
الأولى: الاخبار الواردة في الرجوع اليهم و انه لا تقبل الاعمال من دون الاخذ منهم کصحيح زرارة «فلو انّ رجلًا صام نهاره، و قام ليله، و تصدّق بجميع ماله، و حجّ جميع دهره، و لم يعرف ولاية ولي اللّه فيواليه و تكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه ثواب و لا كان من أهل الإيمان»(4).
ص: 83
و مثل ما عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: «من دان بغير سماع ألزمه اللّه البتة إلى الفناء»(1) .
و مثل ما عن أبي جعفر علیه السلام : كلما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل(2), إلى غير ذلك من الروايات.
و فيه أوّلًا: انها غير ناظرة الی ما يحکم به العقل لان ما يحکم به العقل عين حکم الشرع کما تقدم ففي صحيح هشام، عن أبي عبد اللّه علیه السلام : يا هشام إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، و حجّة باطنة؛ فالظاهرة الرسل و الأنبياء و الأئمة، و أمّا الباطنة فالعقول»(3).
و ثانيا: انصرافها إلى المعرضين عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام و المستهدين بغيرهم على وجه كان جميع أعمالهم بدلالة سواهم، و أمّا من أناخ مطيّته على عتبةأبوابهم في كلّ أمر كبير و صغير و مع ذلك اعتمد على العقل في مجالات خاصة فالرواية منصرفة عنه جداً.
و بعبارة أخرى: كما للآيات أسباب و شأن نزول، فهكذا الروايات، فهي تعبّر عن سيرة قضاة العامة و فقهائهم كأبي حنيفة و ابن شبرمة و أضرابهم الذين أعرضوا عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام و لم ينيخوا مطيّتهم على أبواب أئمّة أهل البيت عليهم السلام فيخاطبهم الإمام بما في هذه الروايات.
ص: 84
الثانية: الروايات الدالة على عدم حجّية القياس فروى عثمان بن عيسى قال: سألت أبا الحسن موسى علیه السلام عن القياس فقال: ما لكم و للقياس انّ اللّه لا يسأل كيف أحل و كيف حرّم(1).
و فيه: أنّ العمل بالقياس عمل بالدليل الظني المنهيّ عنه، و أين هو من العمل بالحكم القطعي الذي ربما لا يختلف فيه اثنان، كما هو الحال في باب التحسين و التقبيح العقليين، فالاستدلال بهذه الروايات على عدم حجّية العقل في مجالات خاصة استدلال بالمباين على المباين.
الثالثة: الروايات الدالة على عدم حجّية الرأي فروي عن الإمام امير المؤمنين علیه السلام أنّه قال: إنّ المؤمن أخذ دينه عن ربّه و لم يأخذه عن رأيه(2), و روى ابن مسكان، قال: قال أبو عبد اللّه علیه السلام : ما أحد أحبّ إليّ منكم إنّ الناس سلكوا سبلًا شتى، منهم من أخذ بهواه، و منهم من أخذ برأيه، و انّكم أخذتم بأمر له أصل(3).
و فيه: ان هذه الاخبار دالة علی حرمة اعمال الرأي و قد جعله المستدل مرادفاً للاستدلال بحكم العقل و هو کما تری فأنّ المقصود منه هو العمل و التفسير بما لا يعلم، قال أبو جعفر علیه السلام : من أفتى الناس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم(4).
و حاصل الكلام إنّ هذه الاخبار وردت في تفنيد عمل فقهاء العامة و قضاتهم الذين لم يستندوا في علومهم إلى أئمّة أهل البيت عليهم السلام و أخذوا يفتون و يقضون بقول كلّ من
ص: 85
هبّ و دبّ معتمدين على معايير و أصول منهية أو لم يدل عليها دليل، فإنّ أبا حنيفة اسس فقهاً كبيراً، و الحال انّه لم يثبت عنده من الأحاديث النبوية إلّاسبعة عشر حديثاً(1)، فما حال فقه هذا أساسه؟! و لذلك أخذ الإمام الصادق يذمّ أبا حنيفة و ابن شبرمة، يقول الأخير: دخلت أنا و أبو حنيفة على جعفر بن محمد عليهما السلام فقال لأبي حنيفة: اتّق اللّه و لا تقس في الدين برأيك، فانّ أوّل من قاس إبليس(2), و قال أبو جعفر علیه السلام لسلمة بن كهيل و الحكم بن عتيبة: شرّقا و غرّبا فلا تجدان، علماً صحيحاً إلّا شيئاً صحيحاً خرج من عندنا أهل البيت(3).
الرابعة: الروايات الدالة على أنّ المرجع هو الكتاب و السنّة فعن أمير المؤمنين علیه السلام انه قال: من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال، و من أخذ دينه من الكتاب و السنّة زالت الجبال و لم يزل(4). و عنه علیه السلام انه قال: إنّما الناس رجلان: متّبع شرعة، و مبتدع بدعة ليس معه من اللّه برهان سنة و لا ضياء حجّة(5).
و فيه: أنّها بصدد ردّ عمل من يعمل بكلّ ما اشتهر على ألسن الناس و إن لم يكن له دليل مقابل من يرجع إلى الكتاب و السنّة، و لا صلة له بالبحث أبداً.
ص: 86
و البحث يقع في مقامين:
الأوّل: في أنّ العلم الإجماليّ هل يكون منجّزا و مثبتا للتكليف كما كان العلم التفصيليّ كذلك أم لا؟
الثاني: هل يكون الامتثال الإجماليّ مسقطا للتكليف أم لا؟
أمّا المقام الأوّل ففيه أقوال سبعة اقتصر المحقق الخراساني علی اثنين منها و هما:
الاول: العلم الإجمالي مقتض لحرمة المخالفة و وجوب الموافقة القطعيتين و معناه انّه يجوز جعل الترخيص و إن انتهى إلى المخالفة القطعية، و هو مختار المحقّق الخراساني .
الثاني: التفصيل في حجية العلم الإجمالي، و أنها بنحو الاقتضاء بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية و بنحو العلية التامة بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية، قيل: و هذا القول يستفاد من كلمات شيخنا الأعظم في مبحثي العلم الإجمالي و الاشتغال، حيث انه رحمه الله في الشبهة المحصورة بعد أن حكم بحرمة المخالفة القطعية لوجود المقتضى للحرمة و عدم المانع عنها؛ قال بعد جملة كلام له فيما يدل على كونه مقتضياً للزوم الموافقة القطعية ما لفظه:
«نعم لو أذن الشارع في ارتكاب أحدهما مع جعل الآخر بدلاً عن الواقع في الاجتزاء بالاجتناب عنه جاز، فاذن الشارع في أحدهما لا يحسن إلّا بعد الأمر بالاجتناب عن الآخر
ص: 87
بدلاً ظاهرياً عن الحرام الواقعي، فيكون المحرم الظاهري هو أحدهما على التخيير، و كذا المحلل الظاهري و يثبت المطلوب و هو حرمة المخالفة القطعية بفعل المشتبهين» و يستفاد منه اقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية، إذ لو كان علة له لم يصح اذن الشارع في ارتكاب بعض الأطراف، كما يستفاد منه عليته لحرمة المخالفة القطعية، إذ لو لم يكن علة لها جاز الاذن في ارتكاب جميع الأطراف لا بعضها.
و قال في مبحث العلم الإجمالي فيما يدل على كونه علة تامة بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية ما لفظه: «و أما المخالفة العملية فان كانت لخطاب تفصيلي فالظاهر عدم جوازها سواء كانت في الشبهة الموضوعية كارتكاب الإناءين المشتبهين المخالف لقول الشارع: اجتنب عن النجس أو كترك القصر و الإتمام في موارد اشتباه الحكم، لأن ذلك معصية لذلك الخطاب، لأن المفروض وجوب الاجتناب عن النجس الموجود بين الإناءين و وجوب صلاة الظهر و العصر، و كذا لو قال: أكرم زيداً و اشتبه بين شخصين، فان ترك إكرامهما معصية ... إلخ».
و ردّه المحقّق الخراساني بقوله: فضعيف جداً ضرورة انّ احتمال ثبوت المتناقضين كالقطع بثبوتهما في الاستحالة، فلا يكون عدم القطع بذلك معها، موجباً لجواز الإذن في الاقتحام بل لو صحّ معها الإذن في المخالفة الاحتمالية صحّ في القطعية أيضاً(1), توضيحه: أنّ احتمال جعل المتناقضين محال كالقطع بجعل المتناقضين، ففي مجال جعل الترخيص بالنسبة إلى كلا الطرفين قطع بالتناقض، و بالنسبة إلى بعض الأطراف، احتمال له، لاحتمال انّ الطرفالمرخّص فيه حرامٌ في الواقع، فيكون محكوماً بحكمين متضادين و على ضوء ذلك فلا فرق بين الأمرين.
ص: 88
و اجيب: ان ما اورده صحيح لو کان كلام الشيخ ناظرا إلى عالم الثبوت و اما ان کان کلامه ناظرا إلى عالم الإثبات و استظهار الشمول من أدلّة الأصول، و انّها هل تختص بالشبهة البدوية، أو تعمها و أطراف العلم الإجمالي, و عليه فتكون النتيجة حرمة المخالفة القطعية و جواز المخالفة الاحتمالية؛ فلا يرد عليه ما اورده المحقق الخراساني(1).
و فيه: ان هذا الجواب ليس بصحيح و ذلک لان عالم الاثبات متفرع علی عالم الثبوت فلو کان محالا ثبوتا کان محالا اثباتا.
مضافا الی انه خلاف ظاهر کلام الشيخ فانه لا يستفاد من کلام الشيخ کون العلم الاجمالي مقتضيا لا علة للتنجز و ذلک لعدم دلالة قول الشيخ المتقدم: «فإذنُ الشارع في أحدهما لا يحسن إلّا بعد الأمر بالاجتناب عن الآخر بدلاً ظاهرياً عن الحرام الواقعي، فيكون المحرم الظاهري هو أحدهما على التخيير، و كذا المحلل الظاهري» علی ذلک لانه بجعل البدل الظاهري لا تکون مخالفة للعلم الاجمالي بل يکون مرده الی التوسعة في الحکم الالهي, نعم يرد علی جعل البدل انه لا دليل عليه و خلاف ظاهر الادلة فلا يصار اليه .
ثم ان المحقق السيد المروج ذکر الخمسة الباقية من الاقوال, و هي کالتالي:
الثالث: أنه كالشك البدوي، و هو ظاهر أربعين العلامة المجلسي على ما حكاه المحقق القمي عنه في قانون البراءة، حيث قال فيه: «و قيل يحل له الجميع، لما ورد في الاخبار
ص: 89
الصحيحة: إذا اشتبه عليك الحلال و الحرام فأنت على حل حتى تعرف الحرام بعينه، و هذا أقوى عقلا و نقلا» و الظاهر اختيار العلامة المجلسي له.
الرابع: أنه علة تامة للحجية و التنجيز بلا تفصيل بين المخالفة و الموافقة .
(قلت: و هو مختار المحقّق الخراساني في باب الاشتغال، و معناه عدم جواز جعل الترخيص مطلقاً(1)).
الخامس: أنه يجب التخلص عن المشتبه بالقرعة كما نسب إلى السيد ابن طاوس مستدلا بعموم «القرعة لكل أمر مشكل» و خصوص بعض الاخبار مثل ما ورد في تعيين الشاة الموطوءة بالقرعة.
السادس: أنه علة تامة لحرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة الاحتمالية و هذا هو المستفاد من مجموع كلمات المحقق القمي - الی ان قال - و نسب هذا القول: و هو حرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة الاحتمالية؛ إلى جمع من الأساطين كصاحبي المدارك و الذخيرة و الرياض و المناهج و الوحيد البهبهاني (قدس سرهم) فلاحظ.
السابع: أنه علة تامة لحرمة المخالفة القطعية فقط، و ليس علة و لا مقتضياً لوجوب الموافقة القطعية(2), انتهی .
ص: 90
استدل للقول بمسلک العلية أعني من کون العلم الاجمالي علةً تامةً للحجية و التنجيز بلا تفصيل بين المخالفة و الموافقة و هو القول الرابع ، بأمور مسلمة:
الأول: أن المراد بالحكم الّذي يعلم تفصيلا تارة و إجمالا أخرى و يقع البحث في كون العلم الإجمالي به كالتفصيلي منجزاً و عدمه هو الحكم المنشأ بداعي البعث و الزجر الواصل إلى العبد، لأنه الّذي يدور عليه رحى الإطاعة و العصيان، و يصلح للبعث و التحريك، دون الحكم الّذي أنشئ بداع آخر من الامتحان و نحوه، فان العلم به لا يصلح للتحريك، و دون الحكم المنشأ بداعي البعث و لكن لم يصل إلى العبد بحجة من علم أو علمي، ضرورة أن الأحكام بوجوداتها الواقعية ما لم تقم عليها حجة معتبرة لا تصلح لإحداث الداعي إلى الإطاعة.
الثاني: أنه لا فرق بين العلم التفصيليّ و الإجمالي في كشف كل منهما عن الحكم و إيصاله إلى مرتبة صلاحيته للبعث و التحريك، بداهة تعلق كل واحد منهما بنفس الحكم المنشأ بداعي البعث أو الزجر، فان العلم بوجوب الاجتناب عن النجس موجب لبلوغه مرتبة التنجز في نظر العقل من غير فرق في ذلك بين معرفة النجس بعينه و بين تردده بين اثنين أو أكثر، إذ المدار في التحريك على بلوغ التكليف إلى العبد بحيث يصلح للبعث، و هذا موجود في العلم به و ان تردد متعلقه و لم يعرف شخصه، فان تردد المتعلق بين شيئين كتردده بين عنوانين-كما إذا تردد شخص معين وجب إكرامه بين العالم و الجاهل أو بين الهاشمي و غيره مثلا- لا يقدح في العلم بالحكم الّذي يدور عليه التحريك، و لا يوجب صحة الاعتذار عن المخالفة بإجمال المتعلق، فإذا قتل العبد شخصين يعلم إجمالا
ص: 91
بأن أحدهما ابن المولى، فهل يصح اعتذاره بإجمال العلم و عدم كونه تفصيلياً حتى يكون منجزاً.
فتوهم اعتبار تميز المتعلق عن غيره خارجاً و معرفة خصوصياته في تنجيز العلم للتكليف و تقبيح العقل مخالفته الموجبة لاستحقاق العقوبة، حيث ان حكمه بالتنجيز و قبح مخالفة المولى ليس إلّا فيما إذا علم بالمخالفة حين الارتكاب لا بعده كالعلم بحصول المخالفة في الشبهات البدوية، و من المعلوم أن العلم بالمخالفة حين الارتكاب منوط بتميز متعلق التكليف عن غيره، فحال العلم الإجمالي كحال الشك البدوي في عدم تنجز التكليف به فاسد، للفرق الواضح بين العلم الإجمالي و الشك البدوي، لوصول التكليف إلى المكلف في الأول، و لذا يصدق التمرد على المولى بارتكاب بعض الأطراف فيه، دون الثاني، و من المعلوم حكم العقل بقبح التمرد و حسن المؤاخذة عليه، و ليس هذا إلّا لتنجز الحكم و وصوله إلى المكلف بنفس العلم به و لو مع عدم تميز متعلقه، فلا وجه لقياس العلم الإجمالي بالشبهات البدوية، لصدق وصول التكليف في الأول، و لذا لا تجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، دون الثاني، لجريانها فيه، و لذا لا يصدق التمرد على المولى على ارتكاب شي ء من أطراف الشبهات البدوية بعد الفحص.
الثالث: أن ملاك استحقاق العقوبة هو هتك حرمة المولى و الطغيان عليه بالخروج عن رسوم العبودية، حيث ان ذلك كله ظلم عليه، و هذا الملاك مفقود مع الجهل بالحكم، فارتكاب مبغوض المولى في هذا الحال ليس خروجاً عن زي العبودية و رسم الرقية، لاستناده إلى مؤمن و هو قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
ص: 92
و هذا بخلاف العلم بالحكم، فان عدم المبالاة به هتك لحرمة السيد و ظلم عليه سواء أ كان العلم به تفصيلياً أم إجمالياً كما عرفت آنفاً. و لا فرق في حكم العقل بلزوم تحصيل اليقين بالبراءة عما اشتغلت به الذّمّة قطعاً بين كون الاشتغال ثابتاً بالعلم التفصيليّ و الإجمالي.
الرابع: أن الظلم الّذي يكون هتك حرمة المولى من مصاديقه قبيح ذاتاً، لأنه بنفسه و بعنوانه محكوم بالقبح، و ليس مثل الكذب الّذي هو مقتض للقبح لا علة تامة له، و لذا يتخلف عنه إذا طرأ عليه عنوان حسن كإصلاح أو إنجاء نفس محترمة.
و الحاصل: أن القبح لا يتخلف عن الظلم.
إذا عرفت هذه الأمور تعرف: أن العلم الإجمالي يوجب تنجز الحكم، لانكشافه به كانكشافه بالعلم التفصيليّ و يكون بياناً رافعاً لموضوع البراءة، و معه لا مجال لجعل الجهل بمتعلقه عذراً شرعاً أو عقلا، لأن مخالفته تعد بنظر العقل ظلماً على المولى و قبيحةً ذاتاً. نعم لا بأس بجعله عذراً مع التصرف في المعلوم بأن يكون العلم التفصيليّ به دخيلا في بلوغه إلى مرتبة الفعلية، لكنه خلف، لأن الكلام في طريقية العلم له و عدم موضوعيته.
و بالجملة: فالعلم الإجمالي علة تامة للتنجيز كالعلم التفصيليّ، و الانبعاث عن التكليف الإلزامي المعلوم الإجمالي لا يحصل إلّا بفعل طرفي العلم الإجمالي أو أطرافه فيما إذا كان الحكم الوجوب، و الترك كذلك إذا كان هو الحرمة، و إلّا فالاقتصار على أحد الطرفين فعلا أو تركاً يكون انبعاثاً عن الواقع المحتمل، لا عن الحكم اللزومي المعلوم المتعلق بما لا يخرج عن الطرفين بما هو معلوم، بل يعد في نظر العقل ممن لا يبالي بما علمه من الحكم اللزومي، و عدم المبالاة به خروج عن رسوم العبودية و ظلم على المولى، و من المعلوم صدق عدم المبالاة على المخالفة القطعية العملية كصدقه على
ص: 93
ترك الموافقة القطعية، فالاكتفاء بالموافقة الاحتمالية يصدق عليه عدم الاعتناء بالحكم اللزومي المعلوم، إذ الاعتناء به انما هو بفعل ما يوجب القطع بفراغ ذمته عن ذلك الحكم الّذي اشتغلت به يقيناً.
فلا يصغى إلى ما قيل أو يمكن أن يقال من: «أن مقتضى عدم العلم بخصوصية متعلق العلم الإجمالي و تردده بين طرفين مثلا هو تنجز الحكم بمقدار تعلق به العلم، و هو عدم خروج متعلقه عنهما، و ذلك لا يقتضي إلّا حرمة فعلهما فقط فيما إذا كان المعلوم الإجمالي الحرمة، أو تركهما كذلك إذا كان المعلوم الوجوب، و هذا هو المسمى بالمخالفة القطعية. و أما وجوب الموافقة القطعية و كذا حرمة المخالفة الاحتمالية، فلا يقتضيهما تنجز الحكم المزبور بالعلم الإجمالي أصلا.
فدعوى كون العلم الإجمالي علة تامة للتنجز بالنسبة إلى كل من وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة كذلك خالية عن الشاهد».
وجه عدم الإصغاء: ما عرفته من أن الظلم الّذي هو قبيح ذاتاً يصدق على الاكتفاء بأحد طرفي العلم الإجمالي فعلا أو تركاً، لأنه من عدم المبالاة بأمر المولى و نهيه الّذي هو خروج عن وظيفة العبودية، حيث ان الانبعاث عن الأمر و النهي بما هما معلومان منوط بالاعتناء بطرفي العلم لا بأحدهما.
فان قلت: لازم ما ذكرت استحقاق العقوبة مطلقاً و لو كان ما اقتصر عليه من أحد الطرفين مصادفاً للواقع كما إذا علم إجمالا بوجوب إحدى الصلاتين الظهرو الجمعة مثلا و أتى بالجمعة و كانت هي الفريضة واقعاً، مع أن استحقاقها على ترك الظهر حينئذ بلا موجب.
ص: 94
قلت: لا بأس بالالتزام بذلك بعد ما عرفت في مبحث التجري من أن مناط استحقاق العقوبة هو هتك حرمة المولى و الطغيان عليه، لوجود هذا المناط هنا، حيث ان الاقتصار على أحد الطرفين ينطبق عليه عدم المبالاة بأحكام المولى كما مر آنفاً فلاحظ.
فتلخص من جميع ما ذكرنا: أن العلم الإجمالي كالتفصيلي علة تامة للحجية و تنجيز متعلقه من الأحكام مطلقاً سواء كانت من نوع واحد أم نوعين(1), انتهی .
و استدل المحقّق الخراساني على مدعاه من کون العلم الاجمالي مقتضيا للتنجز لا علة تامة بالبيان التالي:
بأنّ العلم الإجماليّ ليس علّة تامّة لتنجّز التكليف، بل إنّما يكون مقتضيا للتنجّز بحيث يؤثّر في التكليف لو لم يمنع مانع عن تأثيره. بخلاف الشكّ البدويّ، فإنّه لا يؤثّر في التنجّز أصلا. و بخلاف العلم التفصيليّ فإنّه يكون علّة تامّة للتنجّز. و عليه يكون العلم الإجماليّ مقتضيا بالنسبة إلى كلّ من وجوب الموافقة و حرمة المخالفة القطعيّتين، فيمكن للشارع جعل الترخيص في أطراف العلم الإجماليّ بالتكليف الإلزاميّ من الوجوب و الحرمة.
و توضيح ما أفاده يبتني على تقديم مقدّمتين:
إحداهما: أنّ الحكم الواقعيّ ينكشف بالعلم التفصيليّ تمام الانكشاف، فيكون تامّ الفعليّة من جميع الجهات و منجّزا بلا قيد. بخلاف العلم الإجماليّ، فإنّ الحكم الواقعيّ لم
ص: 95
ينكشف به تمام الانكشاف، فلا يكون الواقع في موارد العلم الإجماليّ تامّ الفعليّة، بل يكون فعليّا من جهة دون جهة اخرى.
ثانيتهما: أنّه إذا انكشف الواقع تمام الانكشاف فيرتفع مورد الحكم الظاهريّ، بداهة أنّ الواقع- حينئذ- لا يكون موردا للأمارة و لا للأصل. و أمّا إذا لم ينكشف تمام الانكشاف- كما في موارد العلم الإجماليّ- فتكون مرتبة الحكم الظاهريّ محفوظة، لأنّ في موارد العلم الإجماليّ يكون كلّ من أطراف العلم الإجماليّ مشكوك الحكم و مجهوله، فيكون موردا للأمارة و موضوعا للأصل.
إذا عرفت هاتين المقدّمتين، فنقول:
إنّ العلم الإجماليّ مقتض بالنسبة إلى لزوم الموافقة و حرمة المخالفة القطعيّتين، و حينئذ يمكن للشارع جعل ترخيص المكلّف في مخالفة جميع الأطراف ظاهرا، لعدم المنافاة بين الحكم المعلوم بالإجمال و بين الترخيص، لما مرّ من عدم كون المعلوم بالإجمال فعليّا من جميع الجهات، فتكون مرتبة الحكم الظاهريّ محفوظة مع العلم الإجماليّ، فلا منافاة بين الحكم الواقعيّ المعلوم بالإجمال و بين الحكم الظاهريّ.
اقول: انه لو کان الحکم الالهي مطلقا کما هو المفروض؛ فالحق هو القول بالعلية لان الترخيص في اطرافه يناقض اطلاق الحکم و هو قبيح من المولی, و اما عدم صحة المؤاخذة في الشبهة غير المحصورة فانما هو لأجل ارتفاع التكليف المعلوم إجمالا بعدم القدرة على الامتثال، أو بالضرر، أو بالحرج، و ليس نفس عدم الحصر مانعاً عن تأثير العلم الإجمالي في التنجيز حتى يقال: ان تأثيره فيه بنحو الاقتضاء لا العلية التامة, و مثل الشبهة غير المحصورة ما لو عرض بذلك عسر موجب لارتفاع فعلية العلم الاجمالي شرعاً
ص: 96
أو عقلا، كما إذا كان مخلا بالنظام فلا تنجز له حينئذ، لكنه لأجل عروض الخلل بالمعلوم، لا لقصور العلم عن ذلك .
و ان لم يکن الحکم مطلقا فلا مانع من الترخيص في اطراف الحکم الاجمالي کما هو واضح, و عليه فاذا ثبت بالدليل جعل الترخيص في اطراف العلم الاجمالي فذلک الدليل يکشف عن عدم کون متعلق العلم الاجمالي حکما مطلقا.
هذا و مما تقدم يعلم ضعف سائر الاقوال کالقول بانه کالشک البدوي او بکونه علة تامة لحرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة الاحتمالية, او الرجوع الی القرعة فانه ليس الحکم مجهولا حتی يقال بالقرعة او القول بأنه علة تامة لحرمة المخالفة القطعية فقط، و ليس علة و لا مقتضياً لوجوب الموافقة القطعية .
الامتثال الإجمالي تارة يقع في مقابل التمكن من العلم التفصيلي بالامتثال، و أخرى في مقابل التمكن من الحجّة على الامتثال التفصيلي كالاجتهاد و التقليد, فيقع الكلام في أمرين:
إذا تمكن من الامتثال بالعلم التفصيلي القطعي، فهل يجزي الامتثال الإجمالي، كما إذا تمكن من تعيين جهة القبلة بالبوصلة المفيدة للعلم و مع ذلك، يصلّي إلى أربع جهات؟
ص: 97
ثمّ إنّ للمسألة صوراً: فإنّ المورد إمّا أن يكون توصلياً أو تعبدياً، و على كلا التقديرين إمّا أن يستلزم التكرار أو لا.
اقول: أمّا التوصليات فيكفي الامتثال الإجمالي مطلقاً استلزم التكرار كغسل الثوب النجس بماءين يعلم انّ أحدهما مطلق و الآخر مضاف طاهر أو لا، كما إذا ترددت كيفية الغسل بين العصر بين الغسلتين و عدمه، لأنّ الفرض هو إنجاز العمل و المفروض انّه أنجز بأحسن وجه.
و على هذا لو تردّدت صيغة النكاح بين لفظ النكاح أو الزواج، يجوز له إنشاؤه بكلا اللفظين مع إمكان تحصيل العلم بما يقع به النكاح .
و أمّا ما أورد عليه الشيخ الاعظم بأنّه قام الإجماع على بطلان العقد المعلق لأجل منافاته الجزم المعتبر في الإنشاء فغير تام، و ذلک لعدم التعليق في انشاء الصيغة و ان کان مرد الاحتياط الی التعليق في الواقع الّا انه لم يعلق انشاءها, مضافا الی ان مثل هذا التعليق علی ما هو معلق عليه العقد في الواقع لا يضر بتنجز المعاملة کما افاده الشيخ في مکاسبه, لتحققها عرفاً کما لو قال بعتک هذا بدرهم ان کنت مالکا .
و کذلک الجزم في الإنشاء فانه انشأه جازما و لا يضر کون احدی الصيغتين لا واقع لها .
ص: 98
و أمّا التعبديات، فيقع الكلام تارة فيما لا يستلزم الاحتياط تكرار العمل، و أخرى فيما يستلزمه، ثمّ الأوّل على قسمين، لانّ التكليف المحتمل، تارة يكون تكليفاً مستقلاً، و أخرى تكليفاً ضمنياً، و إليك الأقسام الثلاثة:
الاول: ما اذا لم يستلزم الاحتياط التكرار و كان التكليف المحتمل تكليفاً مستقلاً كما في غسل الجمعة المردّد بين كونه واجباً أو مستحباً، فلا ريب في کفاية الامتثال الاجمالي بان يأتي به علی ما هو في الواقع, و جواز ترك الاجتهاد و التقليد، لأنّ اللازم هو إتيان العمل بقصد الامر و هو حاصل, نعم الذي يفوته هو قصد الوجه لکنه ليس بلازم، لأنّه لم يدل دليل عقلي أو شرعي على وجوب قصد الوجه وراء قصد الامر، بل يمكن أن يقال دلّ الدليل على خلافه, و ذلك لأنّا لو قلنا انّ قصد الوجه ممّا يمكن أخذه في متعلّق الأمر فإطلاق الأوامر في الشريعة دالّ على عدم وجوبه.
و إن قلنا بعدم جواز أخذه، فالإطلاق اللفظي و إن كان مفقوداً لكن الإطلاق المقامي كاف في ردّ احتمال وجوبه، و المراد منه: أنّ الأمور التي يغفل عنها جمهور الناس و لا يلتفت إليها إلّا المحقق منهم لو كانت واجبة لكان على الشارع بيانها و لو ببيان مستقل خارجاً عن متعلق الأوامر و النواهي، و المفروض عدم وجود مثل هذا الدليل.
ص: 99
الثاني: ما لا يستلزم الاحتياط التكرار و كان التكليف المحتمل تكليفاً ضمنياً، كما إذا دار أمر السورة بين كونها مستحبة أو واجبة و في مثله لا يفوت قصد القربة، بل يفوته قصد الوجه و تمييز المستحب عن الواجب و لا دليل عليه.
نعم لو دار أمر الجزء بين كونه واجباً أو مستحباً أو مباحاً، فيمكن الإتيان بالجميع بقصد الأمر المتعلّق بالطبيعة، و إن كان الأمر بالجزء مشكوكاً، و ذلك لأنّ وجود المستحبات و المباحات في ضمن الواجب ليس بمعنى مثل وجود المستحب أو المباح في ضمن الواجب كأدعية شهر رمضان في نهاره، بل معناه انّ تحقّق الطبيعة لا يتوقف على تلك الأجزاء، و لكنّه لو أتاه في ضمنها لكانت جزءاً للمأمور به و من مشخصاته، فيتعلق بها الوجوب بنفس تعلّقه بسائر الأجزاء.
الثالث: ما اذا استلزم الاحتياط التكرار سواء كانت الشبهة موضوعية كالصلاة إلى الجهات الأربع، أو حكمية كالجمعة بين صلاة الظهر و الجمعة، و هذا هومحط البحث بين الأعلام، فهل يجوز مع التمكن من العلم التفصيلي بالامتثال، الامتثال الإجمالي أو لا؟
ذهب الشيخ الاعظم الی عدم الجواز فقال: «و في جريان ذلك في العبادات عند دوران الأمر بين الوجوب و غير الاستحباب وجهان أقواهما العدم لأن العبادة لا بد فيها من نية
ص: 100
التقرب المتوقفة على العلم بأمر الشارع تفصيلا أو إجمالا كما في كل من الصلوات الأربع عند اشتباه القبلة(1).
و توضيحه يتوقف على بيان أمور ثلاثة:
الأول: أن العبادة تتوقف على قصد القربة، بحيث لولاها لما حصل الامتثال، و هو الفارق بين الواجب التوصلي و التعبدي، لسقوط أمر الأول بإتيانه كيف ما اتفق بخلاف الثاني.
الثاني: أن قصد القربة عبارة عن قصد الأمر دون غيره مما يوجب القرب إليه جلّ و علا.
الثالث: أن الأمر الّذي يعتبر قصد التقرب به هو الأمر المعلوم، فلا يجدي وجود الأمر واقعا في تحقق القصد المزبور، بل لا بد من العلم به تفصيلا كقصد الأمر المتعلق بالصلاة المعلوم تفصيلا جميع أجزائها و شرائطها .
إذا عرفت هذه الأمور فاعلم: أن الاحتياط هو الإتيان بكل فعل أو ترك يحرز به الواقع، و لمّا كانت عبادية العبادة متقومة بالإتيان بجميع الشرائط و الأجزاء عن داع قربي كما عرفت، فالاحتياط عبارة عن الإتيان بالعمل العبادي بجميع ما له دخل فيه و منه قصد الأمر، فإذا شك في تعلق الأمر بعمل من جهة دوران ذلك العمل بين أن يكون واجبا و غير مستحب لم يكن الإتيان به من الاحتياط في العبادة أصلا، لعدم إحراز تعلق أمر بذلك العمل، و عليه فعنوان الاحتياط في العبادة حينئذ غير ممكن التحقق، إذ لا علم بأمر الشارع، و معه لا يتمشى منه قصد القربة.
ص: 101
ثم ذکر الشيخ ان القائلين بتحقق الاحتياط في العبادات ذكروا وجوها و اجاب عليها و نحن نذکرها عن شرح الرسائل مع شرحها, و هي:
الأوّل: أنّكم اعترفتم بأنّ الاحتياط يترتّب عليه الثواب، و هذا يكشف بالإن عن تعلّق أمر مولى نفسي استحبابي بالاحتياط، و حينئذ يمكن اتيان محتمل العبادة بقصد هذا الأمر فيتحقّق الاحتياط.
و فيه أوّلا: أنّ الثواب مترتّب على الاحتياط، و الاحتياط في العبادات موقوف على وجود الأمر، فاستكشاف وجوده بترتب الثواب دوري، فترتب الثواب يختص بموارد تحقق الاحتياط و هي التوصليات.
و ثانيا: أنّ (ما ذكر من ترتب الثواب على هذا الفعل لا يوجب تعلّق الأمر به) بمعنى أنّ الثواب المذكور ليس ناشئا عن وجود الأمر (بل هو) ممّا استقل به العقل (لأجل كونه «احتياط» انقيادا للشرع و العبد معه في حكم المطيع، بل لا يسمّى ذلك ثوابا) بل تفضّلا و انعاما، لأنّ الثواب هو ما يستحقه العبد في مقابل امتثال التكاليف المعلومة.
و ثالثا: أنّ ذلك يستلزم كون العبادات المحتملة من العبادات اليقينية المستحبة.
الثاني: أنّكم اعترفتم بأنّ الاحتياط حسن و كلّما حسّنه العقل أمر به الشرع، فبقصد هذا الأمر تؤتى العبادة المحتملة، فيتحقّق فيها الاحتياط، نقول: (و دعوى أنّ العقل إذا استقل بحسن هذا الاتيان ثبت بحكم الملازمة الأمر به شرعا، مدفوعة):
ص: 102
أوّلا: بأنّ حكم العقل بالحسن موقوف على تحقق عنوان الاحتياط، و تحققه في العبادات موقوف على وجود الأمر، فاستكشاف وجوده من الحسن دوري، فالحسن يختص بموارد تحقق الاحتياط أي التوصليات.
و ثانيا: (لما تقدم في المطلب الأوّل «الشبهة التحريمية» من أنّ الأمر الشرعي بهذا النحو من الانقياد كأمره بالانقياد الحقيقي و الاطاعة الواقعية في معلوم التكليف ارشادي محض) توضيحه: أنّ الحكم العقلي إن وقع في ناحية علّة الحكم الشرعي، أي إن كان ناشئا عن المصالح و المفاسد الذاتيتين، كحكمه بحسن الاحسان و قبح الظلم، فيلزمه الحكم الشرعي بالأمر بالاحسان و النهي عن الظلم، و إن وقع في ناحية معلول الحكم الشرعي، كحكمه بحسن الاحتياط و وجوب الطاعة، فإنّه بعد ما أمر الشارع بأمور و نهى عن أمور يحكم العقل بوجوب الطاعة في موارد العلم و حسن الاحتياط في موارد الشك، فلا يلزمه حكم الشرع أيضا بذلك و إلّا لتسلسل.
فأوامر الطاعة و الاحتياط في الكتاب و السنّة ارشادية (لا يترتب على موافقته و مخالفته أزيد ممّا يترتب على نفس وجود المأمور به أو عدمه) فإنّ المصلّي ينال منافع الصلاة و تاركها يقع في المضرة سواء كان هناك أوامر الطاعة أم لا، و كذا المستهل ينال منافع الاستهلال و تاركه يقع في الضرر على تقدير وجوبه سواء كان هناك أوامر الاحتياط أم لا (كما هو شأن الأوامر الارشادية فلا اطاعة) و لا مخالفة (لهذا الأمر الارشادي و لا ينفع في جعل الشي ء عبادة) فعبادية الدعاء لا تحصل بالأمر بالاحتياط، و إنّما تحصل بأمره الواقعي على تقدير وجوده و به تقع الطاعة (كما أنّ اطاعة الأوامر المتحققة) من الصلاة و الصيام (لم تصر عبادة بسبب
ص: 103
الأمر الوارد بها «طاعة» في قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَه) بل عباديتها بسبب الأمر بالصلاة و الصيام.
الثالث: قوله (و يحتمل الجريان بناء على أنّ هذا المقدار من الحسن العقلي يكفي في العبادة و منع توقفها على ورود أمر بها) حاصله: أنّكم اعترفتم بحسن الاحتياط، فإذا كان المشكوك من العبادات يكفي اتيانه بقصد حسنه، و بذلك يتحقق الاحتياط في العبادات .
و فيه: بعد تسليم كفاية قصد الحسن أنّ حكم العقل بالحسن موقوف على تحقق الاحتياط، فإذا كان تحققه في العبادات موقوفا على حكم العقل بالحسن لزم الدور فالحسن يختص بالتوصليات.
الرابع: قوله (بل يكفي الاتيان به لاحتمال كونه مطلوبا أو كون تركه مبغوضا) حاصله: أنّ المعتبر في العبادات ليس هو خصوص قصد الأمر حتى ينتفي ذلك في موارد الشك، بل أعم من قصد الأمر و قصد احتماله الأوّل في مورد العلم و الثاني في مورد الشك، و حينئذ لا فرق بين التوصليات و التعبديات في تحقق الاحتياط و جريان الحسن العقلي و ترتب الثواب، و هذا الوجه ينبغي أن يعتمد عليه (و لذا استقرت سيرة العلماء و الصلحاء فتوى و عملا على إعادة العبادات لمجرد الخروج من مخالفة النصوص الغير المعتبرة و الفتاوى النادرة) مثلا إذا وجدوا رواية ضعيفة أو فتوى نادرة على وجوب الاستعاذة في الصلاة يعيدون الصلاة الواقعة بلا استعاذة باحتمال(1).
ص: 104
اقول: ان التعبد بقصد احتمال الامر يحتاج الی دليل و الّا فهو بدعة و ان لم يکن بقصد التشريع کما سيأتي توضيحه, و اما دعوی استقرار السيرةعلی ذلک فلم يعلم اتصالها بزمن الائمة الاطهار عليهم السلام حتی تکون کاشفة عن جواز ذلک .
قال في شرح الرسائل: الأمر الخامس: أوامر الاحتياط و الاتقاء كما قال (و استدل) الشهيد (في الذكرى في خاتمة قضاء الفوائت على شرعية قضاء الصلاة) احتياطا أي (لمجرد احتمال خلل فيها) لدليل (موهوم بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ و اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ و قوله: وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أي يعملون ما يعملون حال كونهم خائفين من (أنّهم إلى ربّهم راجعون) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ الخ، فإنّها تدل على أنّ اتيان العمل خوفا منه تعالى خير مطلوب و الآتي بمشتبه الوجوب إنّما يأتي به خوفا من اللّه تعالى.
(و التحقيق إنّه إن قلنا بكفاية احتمال المطلوبية في صحة العبادة فيما لا يعلم المطلوبية و لو اجمالا فهو و إلّا فما أورده- قدّس سرّه- في الذكرى كأوامر الاحتياط لا يجدي في صحتها) لوجهين:
أحدهما: أنّ أوامر الاحتياط و الاطاعة و الاتقاء و أمثالها كلها للارشاد إلى النجاة عن مخالفة التكاليف و النيل إلى منافعها كما مر، فلا طاعة لها و لا معصية و لا ثواب في امتثالها و لا عقاب، فلا يمكن تصحيح العبادة بها أي لا يمكن اتيان محتمل العبادة بقصد امتثال هذه الأوامر.
ثانيهما: أنّ هذه الأوامر على فرض كونها للطلب المولوي لا تنفع إلّا بعد تحقّق موضوعها و هو الاحتياط و الاتقاء، و هو يتحقّق في موارد الشبهة التحريمية و الوجوبية التوصلية و موارد العلم الاجمالي و نحو ذلك لا في محتمل العبادة و لا يمكن تحقق موضوع الاحتياط و الاتقاء بنفس هذه الأوامر للزوم الدور كما قال،
ص: 105
(لأنّ موضوع التقوى و الاحتياط الذي تتوقّف عليه هذه الأوامر لا يتحقق إلّا بعد اتيان محتمل العبادة على وجه يجتمع فيه جميع ما يعتبر في العبادة حتى نية التقرّب و إلّا لم يكن احتياطا).
بعبارة أخرى: شمول هذه الأوامر على محتمل العبادة موقوف على تحقّق موضوع الاحتياط و الاتقاء فيه و تحقّقه موقوف على اتيان محتمل العبادة بنية القربة بامتثال الأمر (فلا يجوز أن تكون تلك الأوامر منشأ للقربة المنوية فيها) أي و لو كان اتيانه بنية القربة أيضا موقوفا على شمول هذه الأوامر عليه فيلزم الدور و هو فاسد(1).
ثم ان الشيخ احتمل صحتها فقال: (اللّهمّ إلّا أن يقال بعد النقض بورود هذا الايراد «الدور» في الأوامر الواقعية بالعبادات مثل قوله أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ حيث إنّ قصد القربة ممّا يعتبر في موضوع العبادة شطرا «جزء» أو شرطا، و المفروض ثبوت مشروعيتها بهذا الأمر الوارد فيها).
حاصله: أنّ عدم امكان تصحيح العبادة بأوامر الاحتياط من جهة لزوم الدور يجاب عنه بوجهين، أوّلا: بالنقض بالأوامر الواقعية، فإنّ قوله: صل مثلا موضوعه الاركان المخصوصة منضمة بنية القربة، فصدور هذا الأمر من الشارع وقوف على تحقق الموضوع المذكور و تحققه موقوف على صدور الأمر المذكور إذ بدونه لا يشرع نية القربة، و هذا دور، فكذا شمول أوامر الاحتياط على محتمل العبادة موقوف على تحقق موضوع الاحتياط فيه، و تحققه موقوف على شمول هذه الأوامر عليه إذ بدونها لا يمكن الاتيان بنية القربة و هذا دور، فالحيلة ثمة هي الحيلة هاهنا، و ثانيا: بالحل و هو (أنّ المراد من الاحتياط و الاتقاء في هذه الأوامر) ليس معناهما الحقيقي بل (هو مجرد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نية القربة).
ص: 106
حاصله: أنّا نسلم أنّ الموضوع لا بد و أن يتحقق قبل الأمر لا بنفس الأمر إلّا أنّ المراد من الاحتياط ليس هو اتيان محتمل العبادة بنيّة القربة حتى لا يمكن تحققه قبل الأمر، بل اتيان هيكل العبادة تاما خاليا عن قصد القربة، و هذا معقول بدون أمر (فمعنى الاحتياط بالصلاة الاتيان بجميع ما يعتبر فيما عدا قصد القربة، فأوامر الاحتياط يتعلّق بهذا الفعل «هيكلته» فيقصد المكلّف فيه «فعل» التقرّب باطاعة هذا الأمر) فتكون عبادة صحيحة، و كذا يجاب عن الأوامر الحقيقية فيقال:
بأنّ المراد من الصلاة المأمور بها هو الأفعال المخصوصة من دون اعتبار نيّة التقرّب، و بعد تعلّق الأمر به يأتيها المكلّف بنيّة التقرّب فتحصل العبادة، و قس عليها غيرها، و السر في عدم ملاحظة الشارع نيّة القربة في موضوع أمره هو أنّ نيّة القربة ليست من شرائط المأمور به، بل من شرائط حصول امتثال الأمر في العبادات، فيتأخّر رتبتها عن سائر الأجزاء و الشرائط(1).
اقول: ان ما احتمله من تصحيح الاحتياط في العبادة من کونها کالعبادات المعلومة ففيه: انه قياس مع الفارق لثبوت وجوب قصد الامر في العبادات المعلومة للاجماع و غيره بخلافها .
مضافا الی ان الاحتياط بدون نية الامر مناف للاحتياط فهو کالصلاة بلا نية الصلاة .
هذا مضافا الی عمومات حرمة البدعة بل وجود الامر بالنهي عن مثل هذا الاحتياط فصرح الشيخ رحمه الله في بحث البراءة من رسائله في بيان دلالة الاية المبارکة ﴿و ما لکم الّا تاکلوا مما ذکر اسم الله عليه و قد فصل لکم ما حرم عليکم﴾ حيث قال:
ص: 107
«و هذه (الاية) تدل علی انه لا يجوز التزام ترك الفعل و ان لم يحکم بحرمته»(1) فالاية دالة علی حرمة الاحتراز مما هو خارج عن ما ﴿فصل لکم...﴾ باي عنوان کان و لو لم يکن بقصد التشريع بل صرف الالتزام بشيء بلا دليل شرعي تعبد و حرام حسب منطوق الاية المبارکة .
قلت: وهو من مصاديق البدعة و الاحداث في الدين و ذلک لان البدعة لغةً اعم من التشريع فالبدعة تشمل کل احداث في الدين و لو لم يکن الفاعل من قصده التشريع بدليل صريح الاية المبارکة و اطلاق ما دل علی حرمة البدعة.
و الروايات الدالة علی حرمة البدعة کثيرة و معتبرة منها:
ما في الصحيح عن الفضل بن شاذان رفعه عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السلام قالا كل بدعةٍ ضلالةٌ و كلّ ضلالةٍ سبيلها إلى النّار(2).
و في صحيح الحسن بن محبوب مرفوعاً الی أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال: «إن من أبغض الخلق الی الله عز و جل لرجلين: رجل و کله الله الی نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بکلام بدعة، قد لهج بالصوم و الصلاة فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدی من کان قبله ، مضل لمن اقتدی به في حياته و بعد موته، حمال خطايا غيره ، رهن بخطيئته»(3).
ص: 108
و في صحيح عمر بن يزيد عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال: «لا تصحبوا أهل البدع و لا تجالسوهم فتصيروا عند الناس کواحد منهم قال رسول الله : المرء علی دين خليله و قرينه».(1)
و في صحيح داود بن سرحان عن الإمام الصادق علیه السلام قال: «قال رسول الله صلي الله عليه و آله : إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، و أکثروا من سبهم و القول فيهم و الوقيع...».(2)
و في صحيح زرارة قال: سألت أبا عبد اللَّه علیه السلام عن الحلال و الحرام فقال حلال محمَّد حلال أبداً إلى يوم القيامة و حرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره و لا يجي ء غيره و قال قال عليٌّ علیه السلام ما أحدٌ ابتدع بدعةً إلَّا ترك بها سنَّةً(3).
و قال علیه السلام : «ما أحدثت بدعة إلّا ترک بها سنة فاتقوا البدع و ألزموا المهيع إن عوازم الأمور أفضلها و إن محدثاتها شرارها».(4)
ص: 109
و قد طرحه الفقهاء في مبحث التقليد، و انّه هل يجوز للمكلّف أن يحتاط مع إمكان الاجتهاد و التقليد؟
قال السيد الطباطبائي في عروته: يجب على كلّ مكلّف في عباداته و معاملاته أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً(1).
قلت: أنّ العمل بالاحتياط تارة يکون في مقابل الظن المعتبر بالخصوص و يسمى الظنّ الخاص كالخبر الواحد، و اخری في مقابل الظنّ الانسدادي.
أمّا الثاني فلا عبرة به لما سيأتي, و اما الأوّل فقيل: بان الامتثال الظني التفصيلي ليس بأفضل من الامتثال العلمي التفصيلي، و ان الظاهر انّ كلًا من الامتثالين في عرض الآخر.
و فيه: ان الاشکالات المتقدمة في البحث السابق شاملة للمقام فلا نعيد, مضافا الی عدم الفرق بين العلم الوجداني بالحکم و بين قيام الامارة المعتبرة عليه لما سيأتي .
الموضوع لهذا المقصد هو: كلّ شي ء يصلح أن يدّعى ثبوت الحكم الشرعيّ به، ليكون دليلا و حجّة عليه, فإن استطعنا في هذا المقصد أن نثبت بدليل قطعيّ أنّ هذا الطريق مثلا حجّة أخذنا به و رجعنا إليه لإثبات الأحكام الشرعيّة، و إلّا طرحناه و أهملناه، و بعبارة اخری نقول: إنّ الموضوع لهذا المقصد في الحقيقة هو «ذات الدليل» بما هو في نفسه, و
ص: 110
عليه فيعمّ البحث كلّ ما يصلح أن يقال: إنّه حجّة، فيدخل فيه البحث عن حجّيّة خبر الواحد، و الظواهر، و الشهرة، و التسالم, و الإجماع المنقول، و القياس، و الاستحسان، و نحو ذلك، بالإضافة إلى البحث عن أصل الكتاب، و السنّة، و الإجماع، و العقل, فما ثبت أنّه حجّة من هذه الأمور أخذنا به، و ما لم يثبت طرحناه, كما يدخل فيه أيضا البحث عن مسألة التعادل و التراجيح؛ لأنّ البحث فيها في الحقيقة عن تمييز الحجة من اللاحجة علی المختار او تعيين ما هو الحجّة و الدليل من بين المتعارضين علی ما هو المعروف، فتكون المسألة من مسائل مباحث الحجّة.
و قبل الدخول في الموضوع نقول قد وقع الخلاف في إمكان التعبد بالظن و عدمه، فعن ابن قبة ادّعاء امتناع التعبد، و عن غيره إمكان التعبد، غير انّ القائلين بالإمكان اختلفوا في ورود الأمر بالعمل من الشارع و عدمه، فالمرتضى و ابن البراج و الطبرسي على عدم الورود بعد تسليم إمكانه(1), و غيرهم على ثبوت الورود، فيقع الكلام في مقامين:
الأوّل: إمكان التعبد بالظن و عدمه.
الثاني: في ورود الأمر بالتعبد بالظن و عدمه.
ص: 111
و لا يخفی انه ليس المراد من الإمكان في العنوان الإمكان الاحتمالي اي عدم الجزم بامتناع الشي ء بمجرّد سماعه، و هو الذي أشار إليه ابن سينا بقوله: كلّ ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه واضح البرهان(1), و ذلک لانه ثابت حتی مع امتناعه في الواقع عند الجهل به .
و لا المراد الامکان الذاتي، إذ لا يشك أحد في إمكان التعبد بالخبر الواحد ذاتاً و ماهية في نفسه لولا المانع، و إنّما المراد هو الإمكان الوقوعيّ، أي ما لا يلزم من فرض وقوعه محال. و يقابله الامتناع الوقوعيّ، و هو ما يلزم من فرض وقوعه محال, و انّه هل يترتب على التعبد محذور کما يدعيه ابن قبة أو لا کما قاله الآخرون .
و بهذا المعنی من الامکان قال المحقق الخرساني(2) و تبعه كثير من المتأخّرين، منهم: المحقّق العراقي(3) و المحقّق الحائري(4)، و السيّد المحقّق البروجردي(5)، و السيّد المحقّق الخوئي(6).
ص: 112
و خالفهم المحقّق النائيني(1) فذهب إلى أنّ المراد من الإمكان هو الإمكان التشريعيّ، فيكون البحث عن أنّ التعبّد بالأمارات هل يستلزم محذورا في عالمالتشريع من تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة أو استلزامه الحكم بلا ملاك و غيرها من التوالي الفاسدة ؛ أو أنّه لا يستلزمه؟
قلت: و هو کما تری فانه نفس الامکان الوقوعي .
ثم ان الشيخ بعد ما ردّ استدلال المشهور على الإمكان «بأنا نقطع بأنه لا يلزم من التعبد به محال» بقوله: و في هذا التقرير نظر إذ القطع بعدم لزوم المحال في الواقع موقوف على إحاطة العقل بجميع الجهات المحسنة و المقبحة و علمه بانتفائها و هو غير حاصل فيما نحن فيه, قال: فالأولى أن يقرر هكذا إنا لا نجد في عقولنا بعد التأمل ما يوجب الاستحالة و هذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان(2).
و اجابه في الکفاية بقوله: و ليس الإمكان بهذا المعنى بل مطلقا أصلا متبعاً عند العقلاء في مقام احتمال ما يقابله من الامتناع لمنع كون سيرتهم على ترتيب آثار الإمكان عند الشك فيه و منع حجيتها لو سلم ثبوتها لعدم قيام دليل قطعي على اعتبارها, ثم استدل علی امکانه بما حاصله: أنّه لا فائدة في البحث عن إمكان التعبّد و إثباته ببناء العقلاء، إذ مع قيام الدليل على وقوع التعبّد بالأمارة لا نحتاج إلى البحث عن إمكان التعبّد بها، فإنّ
ص: 113
وقوعه أدلّ دليل على الإمكان، و مع عدم الدليل على الوقوع لا فائدة في البحث عن الإمكان(1).
إنّ القائل بامتناع التعبد بالظن استدل بوجهين:
أحدهما: لو جاز العمل بالخبر الواحد في الفروع لجاز العمل به في الأصول، فلو أخبر أحد من اللّه سبحانه لزم قبوله و التالي باطل اجماعا(2).
و فيه, اولا: ان جواز العمل بالخبر في الفروع لا يلازم جواز الاستناد اليه في الأصول.و ثانيا: ان جواز العمل بالخبر في الفروع متفرع علی ثبوت الاصول بالعلم و البرهان, فالکلام فيه بعد ثبوت حقانية الدين الالهي و انه هل جوّز لنا العمل بالخبر في فروعه ام لا .
ثانيهما: انّه يستلزم تحليل الحرام أو تحريم الحلال .
و هذا هو الدليل المهم في كلام ابن قبة، قال المحقّق الخراساني: فما قيل أو يمكن أن يقال في بيان ما يلزم التعبد بغير العلم من المحال أو الباطل و لو لم يكن بمحال أمور:
أحدها: اجتماع المثلين من إيجابين أو تحريمين مثلا فيما أصاب أو ضدين من إيجاب و تحريم و من إرادة و كراهة و مصلحة و مفسدة ملزمتين بلا كسر و انكسار في البين فيما أخطأ أو التصويب و أن لا يكون هناك غير مؤديات الأمارات أحكام.
ص: 114
ثانيها: طلب الضدين فيما إذا أخطأ و أدى إلى وجوب ضد الواجب.
ثالثها: تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة فيما أدى إلى عدم وجوب ما هو واجب أو عدم حرمة ما هو حرام و كونه محكوما بسائر الأحكام(1). هذه هي التوالي الفاسدة الناشئة من التعبد بالأمارة الظنية.
و قد اجاب الشيخ الأعظم رحمه الله عن هذه الإشكالات بما حاصله: «انّ القائل بامتناع التعبد إمّا يقول به في حال الانسداد أو في زمان الانفتاح. أمّا الأوّل فالمنع عن التعبد غير صحيح بعد انحصار الطريق بالظن و إلّا يلزم ترك العمل بالشريعة.
و أمّا الثاني فلأنّ الإشكال إنّما يتوجه إذا لم تتدارك المصلحة الفائتة أو المفسدة الواردة، بمصلحة في نفس التعبد بالظن بمعنى انّه لا مانع أن يكون في سلوك الأمارة و تطبيق العمل عليها مصلحة يجبر بها الفائتة منها أو الواردة من المفسدة، و ذلك لأنّ في بعث الناس إلى تحصيل العلم مفسدة العسر و الحرج و بالتالي خروجهم عن الدين بخلاف الأمر بالعمل بالأمارة و الأصول ففيها تسهيل للمكلّفين في سلوكهم الاجتماعي و الفردي، و المصلحة السلوكية لا تمسّ كرامة الواقع و لا تغيره غير انّه إذا صادفت الأمارة الواقع يكون نفس الواقع و إلّا يكون كاذباً، و لكن نفس العمل بالأمارة لما كان ذات مصلحة سلوكية يتدارك به ما فات من المصالح أو ابتلى به من المفاسد.
ص: 115
ثمّ إنّ المراد بالحكم الواقعي هو الحكم المتعين المتعلّق بالعباد الذي تحكي عنه الأمارة، و يتعلّق به العلم و الظن و أمر السفراء بتبليغه، و إن لم يلزم امتثاله فعلًا في حقّ من قامت عنده أمارة على خلافه إلّا أنّه يكفي في كونه الحكم الواقعي انّه لا يعذر فيه إذا كان عالماً به أو جاهلًا مقصراً، و الرخصة في تركه عقلًا كما في الجاهل القاصر أو شرعاً كمن قامت عنده أمارة معتبرة على خلافه(1).
قلت: و على ضوء ذلك فتندفع جميع المحاذير المتقدمة, أمّا محذور تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة، فلما عرفت من تداركه بالمصلحة السلوكية.
و أمّا التدافع بين الملاكين، مثلاً إذا كان الواقع حراماً و قامت الأمارة على وجوبه، فالمفسدة قائمة بمتعلّق الحكم و المصلحة بنفس السلوك.
و أمّا المحذور الخطابي من اجتماع المثلين أو الضدين فهو منتف بانتفاء الموضوع، لأنّ الأمارة کاشفة عن الواقع، فإن وافقت الواقع فهو، و إلّا فلا تتضمن حكماً شرعياً و ليس للشارع فيه دور سوى الإمضاء، ففي ظرف الموافقة و المخالفة لا حكم ثان حتى يتحقّق فيه مثلان أو ضدّان، و الدليل على أنّ قيام الأمارة لا تحدث حكماً شرعياً وافقت الواقع ام خالفته هو تصريحه بأنّ معنى إيجاب العمل على الأمارة هو وجوب تطبيق العمل عليها لا وجوب إيجاد عمل على طبقها إذ قد لا تتضمن الأمارة إلزاما على المكلف (2).
و أمّا المحذور الراجع إلى المبادي كالإرادة و الكراهة، فمثلًا لو فرضنا انّ الأمارة قامت على وجوب الحرام، فالكراهة متعلّقة بالمتعلّق كالعصير العنبي، و الإرادة متعلّقة بتطبيق
ص: 116
العمل على الأمارة و نفس السلوك، و بهذا الجواب تندفع جميع المحاذير: الملاكية و الخطابية و المبادئية.
و فيه: اما بالنسبة الی زمان الانسداد فسيأتي البحث عنه, و أما في زمان الانفتاح فجوابه متين بناء على حجية الأمارات غير العلمية ببناء العقلاء الذين لا يعملون بغير العلم العادي من الظن و الشك - کما هو الحق - فحينئذ تكون الأمارة مع الإصابة منجزة للواقع و مع الخطأ معذرة, و عليه فلا محذور اصلا .
و أما بناء على التعبد في حجية الأمارات كما هو صريح كلامه رحمه الله في دليل الانسداد من «أن تفريغ الذمة عما اشتغلت به إما بفعل نفس ما أراده الشارع في ضمن الأوامر الواقعية و إما بفعل ما حكم حكما جعليا بأنه نفس المراد و هو مضمون الطرق المجعولة»(1) فلا بد من ترتيب الأثر الشرعي على حجية الأمارات، لأنه كسائر التنزيلات الشرعية، فحجية الأمارة شرعاً عبارة عن ترتيب الأثر الشرعي عليها، و هذا مستلزم لاجتماع الحكمين الواقعي و الظاهري الّذي هو مقتضى حجية الأمارة.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أورد على جواب الشيخ إيرادين:
الايراد الأوّل: لو كانت الأحكام الواقعية أحكاماً انشائية يلزم عدم وجوب امتثالها لو قامت الأمارة عليها، و ذلك لأنّ جوهر الحكم الواقعي لما كان إنشائياً، فقيام الأمارة لا يحدث شيئاً سوى انّه قام على حكم واقعي إنشائي غير لازم الامتثال.
ص: 117
و فيه: أنّ هذا الإشكال مبني على كون الحكم الواقعي عند الشيخ إنشائياً، و هو خلاف صريح كلامه، فانّ صريح كلامه انّه فعلي و له آثاره من کون المکلف لا يعذر إذا كان عالماً به او کان جاهلاً مقصراً به .
الايراد الثاني ما حاصله: إنّ احتمال المتنافيين كالقطع بهما في الامتناع، حيث انه من المحتمل فعلية الحكم الواقعي الّذي يكون في مورد الأصل أو الأمارة، و المفروض فعلية الحكم الظاهري أيضا، فيلزم اجتماع الحكمين الفعليين المتنافيين، و احتمال المتنافيين كالقطع بثبوتهما محال. و لازم هذا الإشكال عدم جواز الرجوع إلى الأمارات و الأصول الّا مع القطع بعدم فعلية الحكم الثابت في موردهما، و دعوى هذا القطع مما لا وجه لها، لاحتمال تمامية مقتضى الحكم و عدم مانع له، إذ لا إحاطة لنا بمقتضيات الأحكام و موانعها، فاحتمال وجود المقتضي و عدم المانع بالنسبة إلى الحكم الواقعي المساوق لفعليته لا دافع له، و معه لا يمكن الرجوع إلى الأمارات و الأصول(1).
قلت: و علی هذا فلا سبيل إلى الالتزام بهذا الجمع أعني حمل الحكم الواقعي على الإنشائي و ذلک لعدم كون الحکم الإنشائي حكماً حقيقة، إذ الحكم الحقيقي هو الحاكي عن الإرادة و الكراهة، و بدونهما لا حكم حقيقة، كما لا يخفى.
ثم ان للشيخ الأنصاري جوابا اخر في أوّل مبحث التعادل و التراجيح و إن كان كلامه في رفع التعارض بين الأصول و ما يحصله المجتهد من الأدلّة الاجتهادية، لكنّه عام لغير
ص: 118
هذا المورد، حيث قال: إنّ موضوع الحكم في الأصول الشي ء بنفس انّه مجهول الحكم فالحكم عليه بحلية العصير مثلاً من حيث إنّه مجهول الحكم، و موضوع الحكم الواقعي، الفعل من حيث هو هو، فإذا لم يطلع عليه المجتهد كان موضوع الحكم في الأصول باقياً على حاله فيعمل على طبقه. الخ(1), و توضيحه: أنّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة كي يلزم اجتماع المتنافيين، بل يكون الحكم الظاهريّ متأخّرا عن الحكم الواقعيّ، فإنّ موضوع الحكم الواقعيّ هو نفس الشي ء بما هو شي ء، و موضوع الحكم الظاهريّ هو الشي ء الذي قد شكّ في حكمه الواقعيّ، فيكون الحكم الظاهريّ متأخّرا عن الحكم الواقعيّ. بمرتبتين:
إحداهما: تأخّره عن موضوع الحكم الواقعيّ.
ثانيتهما: تأخّر موضوعه - و هو الشكّ- عن الحكم الواقعيّ. و إذا تعدّدت مرتبتهما فلا محذور من اجتماع الحكمين الفعليّين .
و أورد عليه في الكفاية: بانّ الحكم الظاهري و إن لم يكن في تمام مراتب الحکم الواقعي إلّا انّ الحکم الواقعي يكون في مرتبة الحکم الظاهري أيضاً و على تقدير المنافاة يلزم اجتماع المتنافيين في هذه المرتبة.
اجاب المحقّق الخراساني عن تلك الإشكالات بثلاثة أجوبة:
ص: 119
ما حاصله: أنّ المجعول في مورد التعبّد بالأمارة هو الحجّيّة التي أثرها التنجيز مع المطابقة و التعذير مع المخالفة، من دون أن يستتبع حكما تكليفيّا، فلا يكون في مورد التعبّد بالأمارة حكم ظاهريّ مجعول، بل ليس المجعول إلّا الحكمالواقعيّ فقط. فليس هنا حكم وراء الواقع حتى يلزم اجتماع حكمين مثلين إذا وافقت الواقع أو ضدين إذا خالفت الواقع و لا طلب الضدين لعدم الضد الثاني حتى يطلبه و لا اجتماع المصلحة و المفسدة و لا الكراهة و الإرادة، لأنّ الجميع من فروع وجود حكم ثان و المفروض انتفاؤه.
و أمّا محذور تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة: فيرتفع بوجود مصلحة في التعبّد بالأمارة غالبةً على مفسدة التفويت أو الإلقاء.
و أمّا التصويب: فلا يلزم، لعدم خلوّ الواقع عن الحكم و عدم استتباع حجّيّة الأمارة للحكم الشرعيّ.
و فيه: أنّه ليس المجعول في باب الأمارات هو الحجّية کما تقدم فانّه ليس للشارع أيّ جعل في باب الأمارات، بل أمضى ما عليه العقلاء من العمل بقول الثقة، بالسكوت أو بإخراج الفاسق و إبقاء العادل بالروايات الإرجاعية و غيرها، فما ورد في الروايات إمّا إرشاد إلى الصغرى أو إمضاء لما في يد العقلاء و حتى التوقيع الوارد عن الناحية المقدسة، أعني قوله: «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانّهم حجّتي و أنا حجّة اللّه» ليس بصدد إنشاء الحجّية، بل اخبار عن كونهم حجج اللّه كما يخبر عن نفسه بأنّه حجّة من اللّه.
ص: 120
هذا و حمل النائيني(1) و الاصفهاني(2) كلام المحقق الخراساني على أنّه يريد به أنّ المجعول نفس المنجّزيّة و المعذّريّة، لا أنّ المجعول هو الحجّيّة التي تترتّب عليها المنجّزيّة أو المعذريّة .
و فيه: أنّ ظاهر عبارته في المقام أنّ المجعول في باب الأمارات هو نفس الحجّيّة الّتي أثرها التنجيز و المعذّريّة.
و أورد عليه أيضا المحقّق العراقيّ بأنّه و إن كان يدفع به محذور اجتماع الضدّين، إلّا أنّه لا يدفع به محذور تفويت المصلحة(3). لکن المحقق الخراساني اجاب عنه: بأنّه لا مانع من تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة إذا كان هناك مصلحة غالبة على مفسدة التفويت أو الإلقاء .
و توضيحه يستدعي تقديم امور:
الأوّل: أنّه بناء على وجود الحكم الظاهريّ في مورد الأمارات قد يدّعى أنّ الحجّيّة المجعولة للأمارات تستتبع حكما تكليفيّا ظاهريّا، و قد يدّعى أنّ المجعول حقيقة في مورد الأمارات هو الحكم التكليفيّ الظاهريّ، و الحجّيّة منتزعة عنه.
الثاني: أنّه لا شكّ في تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد، غاية الأمر قد تكون المصالح أو المفاسد في متعلّقات الأحكام فتتبع الأحكام لها، من دون أن تكون
ص: 121
في نفس الأحكام مصلحة أو مفسدة؛ و قد تكون المصالح أو المفاسد في نفس الأحكام لا في متعلّقاتها. و عليه فالأحكام بعضها ناشئ عن وجود المصلحة أو المفسدة في متعلّقه، و هي: «الأحكام الواقعيّة»؛ و بعضها ناشئ عن وجود المصلحة أو المفسدة في نفسه و هي: «الأحكام الظاهريّة».
الثالث: أنّ المعتبر في كون حكم مثلا لحكم آخر أو كون حكم ضدّا لحكم آخر هو وحدة المنشأ فيهما، بأن يكون منشأ أحدهما نفس منشأ الآخر. فيكون الحكمان مثلين فيما إذا كانا ناشئين عن وجود مصلحة أو مفسدة في متعلّق واحد، بأن يكون منشأ أحدهما وجود المصلحة في المتعلّق الّذي يكون وجودها فيه منشأ أيضا لصدور الحكم الآخر. و يكون الحكمان ضدّين إذا كان منشأ الوجوب مثلا وجود المصلحة في المتعلّق الذي يكون وجود المفسدة فيه منشأ للحكم بحرمته.
و إمّا إذا اختلف منشؤهما- بأن يكون المنشأ في أحدهما وجود المصلحة أو المفسدة في متعلّق الحكم، و في الآخر وجود المصلحة أو المفسدة في نفس الحكم- فلا يكون الحكمان مثلين و لا ضدّين، كي يكون اجتماعهما محالا.
إذا عرفت هذه الامور، فاعلم: أنّه لو قلنا بوجود الحكم الظاهريّ التكليفيّ في مورد الأمارات بأحد الوجهين المتقدّمين في الأمر الأوّل، فاجتماع الحكمين في متعلّق الأمارات و إن كان يلزم، إلّا أنّه لا محذور في اجتماعهما، لأنّهما ليسا بمثلين و لا ضدّين. و ذلك لأنّ المنشأ في أحدهما غير المنشأ في الآخر، فإنّ المنشأ في الحكم الظاهريّ الّذي أدّت إليه الأمارة هو وجود المصلحة أو المفسدة في نفس الحكم، فإنّه يوجب إنشاء الحكم الظاهريّ الموجب للتنجّز و صحّة الاعتذار، و المنشأ في الحكم الواقعيّ هو وجود المصلحة أو المفسدة في متعلّق الحكم، فمركز المصلحة أو المفسدة في أحدهما غير مركزها في الآخر، فلم يتحقّق
ص: 122
الحكمان المثلانأو الحكمان الضدّان، لفقدان ما يعتبر في التماثل أو التضادّ من وحدة المنشأ.
و أمّا نفس الحكمين بما هما إنشاءان مع قطع النظر عن منشئهما فلا تضادّ و لا تماثل بينهما.
و من هنا يظهر: أنّه لا يلزم اجتماع الإرادتين أو الإرادة و الكراهة في المبدأ الأعلى، لأنّ الإرادة و الكراهة تابعة لوجود المصلحة و المفسدة في متعلّق الحكم، فلا إرادة و لا كراهة إلّا في الأحكام الواقعيّة، و هذه الإرادة و الكراهة إنّما تتحقّق في المبادئ العالية، و هي النفس النبويّة أو الولويّة إذا يوحى الحكم الناشئ عن المصلحة أو المفسدة في المتعلّق إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أو يلهم به الولي، و أمّا المبدأ الأعلى فليس فيه إلّا العلم بالمصلحة و المفسدة.
اقول: ما ذکره من تفسير الإرادة و الكراهة في المبدأ الأعلى بمعنى العلم بالمصلحة و المفسدة، و في المبادئ العالية، أعني: النبي و الوصي، بواقعية الإرادة و الكراهة، لا دخل و لا علاقة له بالجواب.
ثم انه يرد على هذا الجواب انّه غير واف بالجواب عن مشكلة تفويت المصلحة، لکنه اجاب عنه بما تقدم في الجواب الاول من أنّه لا مانع من تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة إذا كان هناك مصلحة غالبة على مفسدة التفويت أو الإلقاء.
هذا و لا نطيل الکلام بمناقشة المحقّقين: العراقيّ و الاصفهاني(1).
ص: 123
ثم انه لاحظ عدم كفاية الجواب الثاني في دفع الغائلة في الاصول التعبّديّة، كأصالة الإباحة و الطهارة و الاستصحاب ابدی هذا الوجه و توضيحه: أنّ الوجه الثاني - و هو دفع غائلة اجتماع الحكمين بجعل أحد الحكمين حقيقيّا باعتبار كون منشئه وجود المصلحة في متعلّقه و جعل الآخر ظاهريّا طريقيّا باعتبار كون منشئه وجود المصلحة في نفسه- يشكل في الاصول التعبّديّة، كأصالة الإباحة و الطهارة و الاستصحاب، لأنّها أحكام شرعيّة فعليّة حقيقيّة، فالحكم بحلّيّة كلّ شي ء- الّذي دلّ عليه قوله علیه السلام : «كلّ شي ء لك حلال ...»- إباحة فعليّة و ترخيص حقيقيّ في الاقتحام في الشبهة منالشارع، كالترخيص في المباحات الواقعيّة. و عليه فلا تجتمع الإباحة الشرعيّة و الإذن في الإقدام مع المنع فعلا كما فيما صادف الحرام، و لو كان حكم الإباحة عن مصلحة في نفسه، و إلّا يلزم منه اجتماع الحكمين الفعليّين المتضادّين فيما إذا كان الواقع هو الحرمة، أو اجتماع الحكمين الفعليّين المتماثلين فيما إذا كان الواقع هو الحلّيّة و الإباحة.
و بالجملة: اختلاف المنشأ لا يدفع غائلة الاجتماع في مثل أصالة الإباحة من الاصول التعبّديّة, و عليه فلابد من دفع الغائلة بوجه آخر, و حاصله: أنّ الأحكام الفعليّة على قسمين:
أحدهما: الأحكام الفعليّة المنجّزة. و هي الأحكام الّتي تكون تام الفعليّة من جميع الجهات، فلا تكون فعليّتها معلّقة على شي ء.
ثانيهما: الأحكام الفعليّة التعليقيّة. و هي الأحكام الّتي لا تكون تامّة الفعليّة، فلا تتعلّق الإرادة بمتعلّقها إلّا معلّقة على أمر.
ص: 124
إذا عرفت هذا، فاعلم: أنّ الحكم الّذي أدّت إليه الاصول التعبّديّة حكم فعليّ منجّز, بخلاف الحكم الواقعيّ فإنّه فعليّ معلّق على عدم ثبوت الإذن على خلافه. فإذا كان هناك إذن فعليّ- كما في موارد أصالة الإباحة- لم يكن الحكم الواقعيّ فعليّا من جميع الجهات، فلا يكون الواقع مرادا، إلّا إذا لم يثبت الإذن في الاقتحام في مورده لأجل مصلحة فيه.
و فيه: ما اورده هو علی الشيخ الاعظم فيما تقدم من إنّ احتمال المتنافيين كالقطع بهما في الامتناع، حيث انه من المحتمل فعلية الحكم الواقعي الّذي يكون في مورد الأصل أو الأمارة، و المفروض فعلية الحكم الظاهري أيضا، فيلزم اجتماع الحكمين الفعليين المتنافيين، و احتمال المتنافيين كالقطع بثبوتهما محال. و لازم هذا الإشكال عدم جواز الرجوع إلى الأمارات و الأصول الّا مع القطع بعدم فعلية الحكم الثابت في موردهما، و دعوى هذا القطع مما لا وجه لها، لاحتمال تمامية مقتضى الحكم و عدم مانع له، إذ لا إحاطة لنا بمقتضيات الأحكام و موانعها، فاحتمال وجود المقتضي و عدم المانع بالنسبة إلى الحكم الواقعي المساوق لفعليته لا دافع له، و معه لا يمكن الرجوع إلى الأمارات و الأصول(1), فان هذا الإشكال بعينه وارد عليه أيضا، لاحتمال وجود مقتضى البعث و الزجر و عدم مانع منه، و الفعلية بمعنى البعث و الزجر الكاشفين عن الإرادة و الكراهة لا تجتمع مع فعلية مؤديات الأمارات و الأصول، لتنافي الحكمين الفعليين و ان جعل هو انقداحالإرادة و الكراهة منوطاً بعدم الاذن و الترخيص، فالفعلية المعلقة على عدم الاذن تساوق الإنشائية, و إلّا فهي مع الاذن تكون من الحكم الشأني و هو الاقتضائي باصطلاحه هو،
ص: 125
إذ الفعلية اما بمعنى البعث و الزجر، و اما بمعنى التنجز، و فقدانها بالمعنى الثاني مع الجهل و عدم قيام الحجة عليه واضح، و فقدانها بالمعنى الأول ليس إلّا الإنشاء.
و بالجملة: فلم يظهر فرق بين الفعلية التي ادعاها هو, و هي توقف انقداح الإرادة و الكراهة على عدم الاذن في الارتكاب و بين ما تقدم من كلام الشيخ .
هذا و أورد عليه المحقّق الأصفهاني(1) بما يطول به الکلام .
و اجاب عن الاشکالات المحقق النائيني بما حاصله: «أن الموارد التي توهم وقوع التضاد فيها بين الأحكام الواقعية و الظاهرية على أنحاء ثلاثة: أحدها: موارد الطرق و الأمارات. ثانيها: موارد الأصول المحرزة. ثالثها: موارد الأصول غير المحرزة.
أما الطرق فالمجعول فيها هو الحجية و الوسطية في الإثبات من دون أن تكون منتزعة عن حكم تكليفي حتى يقع إشكال التضاد بينه و بين الحكم الواقعي، فحال الأمارة المخالفة للواقع حكم القطع المخالف له في التنجيز و التعذير في صورتي الإصابة و الخطاء.
و بالجملة: ففي موارد الطرق و الأمارات ليس حكم تكليفي حتى يشكل الجمع بينه و بين الحكم الواقعي.
ص: 126
و أما الأصول المحرزة المعبر عنها بالتنزيلية أيضا فالمجعول فيها ليس مغايراً للواقع، بل هو وجوب الجري العملي على المؤدى على أنه هو الواقع كما يرشد إليه قوله علیه السلام في بعض أخبار قاعدة التجاوز: «بلى قد ركع» و حينئذ فان كانالمؤدى هو الواقع فهو، و إلّا كان الجري واقعاً في غير محله من دون أن يتعلق بالمؤدى حكم على خلاف الواقع.
و أما الأصول غير المحرزة كأصالتي الاحتياط و البراءة فالمجعول فيها يكون في طول الواقع، بمعنى أنه اما متمم لقصور محركيته و موجب لمنجزيته ان كانت مصلحة الواقع مهمة جداً بحيث لا يرضى الشارع بفوتها حتى في ظرف الجهل كما في إيجاب الاحتياط فانه في صورة المصادفة عين الحكم الواقعي، و في صورة عدمها ليس له جعل أصلا.
و اما مؤمّن من تبعة التكليف الواقعي على فرض وجوده ان لم تكن مصلحته بتلك المثابة من الأهمية كما في أصالتي الحل و البراءة، فانهما ترفعان تنجز التكليف في ظرف الشك فيه.
و بالجملة: فليس في الأصول مطلقاً حكم حتى يضاد الحكم الواقعي و يشكل الجمع بينهما».
و اجابه المحقق السيد المروج رحمه الله و نعم ما اجاب به, فقال: انه ان أريد بالحجية المجعولة في الأمارات ما يحتج به المولى على العبد و بالعكس فهو متين، لأنها حينئذ حكم وضعي متأصل غير ناش عن حكم تكليفي و لا مستتبع له. و ان أريد بها تتميم ما للأمارات من الكشف الناقص و جعلها وسطاً لإثبات متعلقاتها كما هي عبارة التقرير ففيه:
ص: 127
أن تتميم الكشف تكويناً بالتشريع غير معقول، فلا بد أن يراد به تنزيل غير العلم منزلة العلم في الآثار الشرعية، و مرجعه إلى ترتيب الأثر الشرعي على الأمارة كترتيب آثار المتيقن على المشكوك فيه في الاستصحاب.
و عليه فإذا أخبر العادل بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلا, فمعنى تتميم كشفه وجوب العمل به، فلو كان الدعاء عند رؤية الهلال واجباً واقعاً لزم اجتماع الحكمين المثلين الواقعي و الظاهري، و لو كان مستحباً لزم اجتماع الضدين، و لزم أيضا بطلان حكومة الأمارات على الاستصحاب، لاتحاد مفادهما و هو لزوم ترتيب الأثر .
فالحق أن يقال: ان الأمارات حجة ببناء العقلاء لا بالتعبد، و من المعلوم أن بناءهم ليس على العمل بالشك أو الظن بل على الاطمئنان المسمى بالعلم العادي الّذي يدور عليه رحى نظامهم، و الشارع لم يردع عن هذا البناء.
و عليه فلا حكم في الأمارات بل هي منجزة للحكم الواقعي مع الإصابة و موجبة للعذر مع الخطاء، هذا في الأمارات.
و أما الأصول مطلقاً فليس فيها أيضا حكم مجعول مغاير للحكم الواقعي حتى يكون هناك حكمان واقعي و ظاهري، بل الحكم منحصر في الواقعي، و المجعول في الأصول اما متمم لقصور محركيته و داعويته في ظرف الشك فيه لأهمية ملاكه الداعية إلى تتميم محركيته بجعل إيجاب الاحتياط، فان كان هناك حكم واقعاً كان إيجاب الاحتياط عينه لا غيره، لوحدة المناط التي هي ملاك وحدة الحكم فيهما و ان تعدد الخطاب، و ان لم يكن انكشف عدم جعل لوجوب الاحتياط حينئذ و أنه كان حكماً صورياً.
ص: 128
و اما مؤمن من تبعة الحكم الواقعي، لعدم الاهتمام بحفظ مصلحته في ظرف الشك كما في الأصول النافية سواء أ كانت بلسان الرفع كحديثي الحجب و الرفع أم بلسان الوضع و الإثبات كقاعدتي الحل و الطهارة. بل دعوى كون الأصول المؤمنة مطلقاً إرشاداً إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان قريبة جداً، إذ مرجع التأمين إلى نفي تنجز الواقع و عدم محركيته حال الشك، لعدم قيام حجة و بيان عليه.
و اما حكمٌ ببقاء تنجز الواقع تعبداً في ظرف الشك كما في الاستصحاب، فان المستفاد من مثل «لا تنقض اليقين بالشك» إبقاء المعلوم سابقاً حال الشك في بقائه، فان كان المعلوم سابقاً باقياً حال الشك فهو الحكم الوحيد، و إلّا فلا حكم للاستصحاب.
و الحاصل: أن مفاد أدلة الاستصحاب ليس إلّا حفظ الواقع المنجز في ظرف الشك في بقائه، فلو ارتفع المعلوم السابق حقيقة فالحكم الاستصحابي صوري، و ليس بحكم، و إجزاؤه محتاج إلى الدليل، إذ الأصل عدمه لعدمه حقيقةً.
و إما حكمٌ بسقوط الواقع كالأصول الجارية في وادي الفراغ، فانها توسع دائرة المفرغ، و مرجعه إلى الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي و التصرف في حكم العقل بتعين الإطاعة العلمية كما هو مقتضى الاشتغال اليقيني.
و بالجملة: شأن هذا القسم من الأصول كقواعد التجاوز و الفراغ و الحيلولة توسعة دائرة المفرغ و المسقط، و ليس فيه حكم في قبال الواقع.
و عليه فالأصول العملية ناظرة إلى الواقع اما بتتميم محركيته، و اما بالتأمين من تبعته، و اما بإسقاطه بالامتثال الاحتمالي، و اما بإثباته في مرحلة الشك في البقاء بعد العلم بحدوثه،
ص: 129
فليس في الأصول العملية حكم في قبال الواقع حتى يلزم اجتماع الحكمين الواقعي و الظاهري.
فتلخص من جميع ما ذكرنا: أن الحكم واحد و هو الواقعي، و الأصول العملية ناظرة إليه بأحد الأنظار المتقدمة في ماهية الأصول المقررة لوظيفة الشاك، فليس فيها حكم في قبال الحكم الواقعي حتى يشكل الجمع بينهما.
و قد ظهر: أنه ان أريد بالبناء العملي الّذي أفاده المحقق النائيني (قده) في الأصول التنزيلية ما بيناه من إبقاء الواقع المعلوم سابقاً حال الشك في بقائه- كما هو الظاهر- فهو متين، و كذا ان أريد ذلك من جعل المماثل و ان كان خلاف الظاهر.
و أما ان أريد به وجوب مستقل مغاير الواقع المتيقن سابقاً، ففيه: أنه يلزم محذور اجتماع الحكمين و يقع الإشكال في الجمع بينهما(1).
هذا و للاعلام کالمحقق العراقي و غيره اجوبة اخری اعرضنا عن ذکرها فما ذکرنه فيه الکفاية .
ص: 130
و لنقدم البحث عن الاصل في العمل بالظن، فهل هو جواز العمل به إلّا ما دلّ الدليل على عدم جواز العمل به كالقياس، أو أنّ الأصل هو عدم الجواز إلّا ما دلّ الدليل على جواز العمل به.
و ليس المراد من الأصل هنا هو الأصل العملي بل المراد ما تقتضيه الأدلّة الاجتهادية، لا الاستصحاب، إذ الأثر الشرعي المترتب على جريانه - و هو حرمة التعبد بالأمارة المشكوكة حجيتها - يترتب على عدم العلم بحجيتها، لا على عدم ورود التعبد بها واقعاً حتى نحتاج في إحرازه إلى استصحاب عدمه، بل لا معنى للاستصحاب في أمثال المقام مما يكون الموضوع فيه محرزاً بالوجدان، لاستلزامه إحراز ما هو محرز بالوجدان بالتعبد، و ذلك لأن موضوع عدم حجية الأمارة هو الشك في حجيتها و هو محرز بالوجدان، فيستحيل إحرازه تعبداً بالاستصحاب .
و قد اتفقت كلمة المحقّقين على أنّ الأصل هو الثاني، و انّ مجرّد الشك في الحجّية يساوق عدم الحجّية و قد قرره الشيخ الأعظم رحمه الله بما حاصله: إنّ حقيقة العمل بالظن هو الاستناد إليه في مقام العمل، و الالتزام بكون مؤدّاه حكم اللّه في حقّه و هذان الأثران لا يترتبان في ظرف الشكّ في الحجّية، لأنّ الاستناد إلى مشكوك الحجّية في مقام العمل، و كذلك إسناد مؤدّاه إلى الشارع تشريع عملي و قولي دلّت على حرمته الأدلّة الأربعة، فإذا حرم الاستناد و الاسناد و علم ارتفاعهما في حالة الشك، يعلم عدم حجّية الظن، إذ لا معنى لوجود الموضوع مع عدم أثره(1).
ص: 131
و توضيحه: أنّ للحجّة أثرين: أحدهما: صحّة الاستناد إليها في مقام العمل. و ثانيهما: صحّة إسناد مؤدّاها إلى الشارع, و هذا الأثران لا يترتّبان على الشي ء مع عدم العلم بحجّيّته، لأنّ الاستناد إلى مشكوك الحجّيّة في مقام العمل و إسناد مؤدّاه إلى الشارع تشريع عمليّ و قوليّ، و هو محرّم بالأدلّة الأربعة.
و اورد عليه المحقق الخراساني اولاً بما حاصله: أنّ إسناد مؤدّى الأمارة إلى المولى و الاستناد إليها في مقام العمل ليسا من الآثار المترتّبة على الحجّيّة، بل بينهما عموم من وجه، فقد تثبت الحجّيّة للشي ء و لا يجوز إسناد مؤدّاه إلى الشارعكالظنّ على الحكومة، و قد لا تثبت الحجّيّة له و يجوز إسناده إلى الشارع لو دلّ دليل على صحّة الإسناد حينئذ.
و فيه: أنّ الكلام في الحجج الشرعية التي اعتبرها الشارع تأسيساً أو إمضاء، لا الحجج العقلية فانّ الظن على الحكومة حجّة عقلية لا شرعية و الحجّة الشرعية لا تفارق صحّة الاستناد و الإسناد .
و اما ما افاد من انه «قد لا تثبت الحجّيّة له و يجوز إسناده إلى الشارع لو دلّ دليل على صحّة الإسناد حينئذ» فکما تری فان الدليل الدال علی جواز الاسناد هو الحجة .
ثم ان المحقّق العراقي اضاف مورداً آخر لما ذکره الخراساني، و هو انّ الشكّ قبل الفحص حجّة مع أنّه لا يجوز الانتساب إليه تعالى.
و فيه: أنّ الحجّة هو العلم الإجمالي بالأحكام على نحو لو تفحص عنه، لعثر عليه و هو الباعث إلى الفحص، لا الشكّ.
و ثانياً بقوله: فلو فرض صحّتهما (اي ترتّب الأثرين من الاستناد و الاسناد) شرعا مع الشكّ في التعبّد به لما كان يجدي في الحجّيّة شيئا ما لم يترتّب عليه ما ذكر من آثارها
ص: 132
(من المنجزية و المعذرية و الانقياد و التجرّي) و معه لما كان يضرّ عدم صحّتهما (اي الاستناد و الاسناد) أصلا .
و فيه: انه مجرد فرض لا واقع له .
اقول: لا يخفی ان حرمة العمل بغير العلم ثابتة بالادلة الاربعة من الايات و الروايات الکثيرة و نکنفي هنا من الايات بقوله سبحانه و تعالی: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون﴾(1) فقد دلت هذه الآية علی ان ما أذن به أمر مقابل للافتراء عليه، فما لم يأذن به لا بدّ أن يكون افتراء بحكم المقابلة بينهما، فلو نسبنا الحكم إلى اللّه تعالى من دون إذن منه فلا محالة يكون افتراء محرّما، مذموما بمقتضى الآية. و لا شكّ في أنّ العمل بالظنّ و الالتزام به على أنّه من اللّه تعالى و مثبت لأحكامه يكون من نوع نسبة الحكم إليه من دون إذن منه، فيدخل في قسم الافتراء المحرّم.
و قوله تعالی ﴿و إذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا و اللّه أمرنا بها قل إنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء أ تقولون على اللّه ما لا تعلمون﴾(2) فذمّ سبحانه من يقول ما لا يعلم كونه من اللّه سواء أ كان مطابقاً للواقع أم لا.
ثم انّ ما ورد من الآيات من النهي عن العمل بغير العلم انما هو إرشاد إلى حكم العقل القاضي بقبح القضاء بغير دليل و يؤيّد ذلك بل يدل عليه انّه سبحانه يستشهد على بطلان
ص: 133
كلامهم، بما تقتضيه فطرتهم و عقولهم الساذجة، و هو قبح الادّعاء بلا سلطان و لا برهان، قال سبحانه: ﴿و قالوا لن يدخل الجنّة إلّا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيّهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾(1) و قوله سبحانه: ﴿لو لا يأتون عليهم بسلطانٍ بيّنٍ﴾(2) و قوله عزّ اسمه: ﴿إن عندكم من سلطانٍ بهذا أ تقولون على اللّه ما لا تعلمون﴾(3).
و من السنة صحيحة هشام بن سالم قال: «قلت لابي عبدالله علیه السلام ما حق الله علی خلقه؟ قال ان يقولوا مايعلمون و يکفّوا عما لا يعلمون فإذا فعلو ذلک فقد ادوا الی الله حقه»(4).
و من الإجماع ما ادعاه الفريد البهبهاني في بعض رسائله من كون عدم الجواز بديهيا عند العوام فضلا عن العلماء(5), لکنه مدرکي کما لا يخفی .
و من العقل تقبيح العقلاء من يتكلف من قبل مولاه بما لا يعلم بوروده عن المولى و لو كان عن جهل مع التقصير.
قال الشيخ الاعظم رحمه الله: قد يتوهم متوهم أن الاحتياط من هذا القبيل. و هو غلط واضح إذ فرق بين الالتزام بشي ء من قبل المولى على أنه منه مع عدم العلم بأنه منه و بين الالتزام
ص: 134
بإتيانه لاحتمال كونه منه أو رجاء كونه منه و شتان ما بينهما لأن العقل يستقل بقبح الأول و حسن الثاني, و الحاصل أن المحرم هو العمل بغير العلم متعبدا به و متدينا به, و أما العمل به من دون تعبد بمقتضاه فإن كان لرجاءإدراك الواقع فهو حسن ما لم يعارضه احتياط آخر أو لم يثبت من دليل آخر وجوب العمل على خلافه كما لو ظن الوجوب و اقتضى الاستصحاب الحرمة فإن الإتيان بالفعل محرم و إن لم يكن على وجه التعبد بوجوبه و التدين به(1).
و فيه: ان من المعلوم ان الذي يحتاط انما يحتاط لاجل التدين و التعبد و المحافظة على الاوامر الواقعية فلا فرق بين الالتزام بشي ء من قبل المولى على أنه منه مع عدم العلم بأنه منه, و بين الالتزام بإتيانه لاحتمال كونه منه أو رجاء كونه منه, فان الالتزام بإتيانه لاحتمال كونه منه أو رجاء كونه منه نوع تعبد و تدين و انکاره مکابرة واضحة.
ثم انه لو سلمنا حكومة العقل بحسن الاتيان بما هو محتمل المطلوبيّة فانما هو فيما اذا لم يكن هنالك مانع منه لكن المانع موجود كما في اطلاق قوله تعالى ﴿و ما لكم الّا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه و قد فصّل لكم ما حرم عليكم﴾(2) فالآية باطلاقها صريحة بحرمة كل تصرف باسم الدين تحت اي عنوان كان و لو كان بعنوان الاحتياط کما صرح بذلک نفس شيخنا الانصاري رحمه الله في بحث البراءة و عليه فاطلاق الاية شاملة له بلا شك و لا شبهة و كذلك يشمله اطلاق قوله تعالى ﴿ آلله اذن لكم ام على الله تفترون﴾.
و بذلک يتضح انه لا معنی للقول بحسن الانقياد بعد عدم تنجز الواقع الاحتمالي.
ص: 135
و اما حسن الاحتياط شرعا فالاخبار المستدل بها عليه کلها اجنبية عنه کما سيأتي البحث عنه في باب البراءة .
و قد وصل البحث الی الأدلّة التي هي حجّة على الأحكام الشرعيّة من قبل الله جل و علا و حيث لم يتعرض الاصوليون في کتبهم المتداولة البحث عن الکتاب العزيز ادرجنا البحث عنه بما حرره العلامة المظفر, فقال:
إنّ القرآن الكريم هو المعجز الخالد لنبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله، و الموجود بأيدي الناس بين الدفّتين هو الكتاب المنزل إلى الرسول بالحقّ، لا ريب فيه، هدى، و رحمة ﴿وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّه﴾(1).
فهو إذن الحجّة القاطعة بيننا و بينه تعالى، التي لا شكّ و لا ريب فيها، و هو المصدر الأوّل لأحكام الشريعة الإسلاميّة بما تضمّنته آياته من بيان ما شرعه اللّه تعالى للبشر.
و أمّا ما سواه من سنّة أو إجماع أو عقل فإليه ينتهي، و من منبعه يستقي.
ص: 136
و لكنّ الذي يجب أن يعلم أنّه قطعيّ الحجّة من ناحية الصدور فقط؛ لتواتره عند المسلمين جيلا بعد جيل. و أمّا من ناحية الدلالة فليس قطعيّا كلّه؛ لأنّ فيه متشابها، و محكما.
ثمّ «المحكم» منه ما هو نصّ أي قطعيّ الدلالة، و منه ما هو ظاهر تتوقّف حجّيّته على القول بحجّيّة الظواهر.
و من الناس من لم يقل بحجّيّة ظاهره خاصّة(1)، و إن كانت الظواهر حجّة.
ثمّ إنّ فيه ناسخا و منسوخا، و عامّا و خاصّا، و مطلقا و مقيّدا، و مجملا و مبيّنا، و كلّ ذلك لا يجعله قطعيّ الدلالة في كثير من آياته.
و من أجل ذلك وجب البحث عن هذه النواحي لتكميل حجّيّته. و أهمّ ما يجب البحث عنه من ناحية أصوليّة في أمور ثلاثة:
1. في حجّيّة ظواهره. و هذا بحث ينبغي أن يلحق بمباحث الظواهر، الآتية.
2. في جواز تخصيصه و تقييده بحجّة أخرى، كخبر الواحد و نحوه. و قد تقدّم البحث عنه.
ص: 137
3. في جواز نسخه. و البحث عن ذلك ليس فيه كثير فائدة في الفقه، كما ستعرف، و مع ذلك ينبغي الإشارة إليه بالاختصار، فنقول:
هذا هو الأمر الذي يهمّنا إثباته من ناحية أصوليّة. و لا شكّ في أنّه قد أجمع علماء الأمّة الإسلاميّة على أنّه لا يصحّ الحكم بنسخ آية من القرآن إلّا بدليل قطعيّ، سواء كان بقرآن أيضا، أو بسنّة، أو بإجماع(1)، كما أنّه ممّا أجمع عليه العلماء أيضا أنّ في القرآن الكريم ناسخا و منسوخا. و كلّ هذا قطعيّ لا شكّ فيه.
و لكنّ الذي هو موضع البحث و النظر تشخيص موارد الناسخ و المنسوخ في القرآن.
و إذا لم يحصل القطع بالنسخ بطل موضع الاستدلال عليه بالأدلّة الظنّيّة، للإجماع المتقدّم.
و أمّا: ما ثبت فيه النسخ منه على سبيل الجزم فهو موارد قليلة جدّا، لا تهمّنا كثيرا من ناحية فقهيّة استدلاليّة؛ لمكان القطع فيها.
ص: 138
و على هذا، فالقاعدة الأصوليّة التي ننتفع بها و نستخلصها هنا هي أنّ الناسخ إن كان قطعيّا أخذنا به و اتّبعناه، و إن كان ظنّيّا فلا حجّة فيه، و لا يصحّ الأخذ به؛ لما تقدّم من الإجماع على عدم جواز الحكم بالنسخ إلّا بدليل قطعيّ.
و لذا أجمع الفقهاء من جميع طوائف المسلمين على أنّ «الأصل عدم النسخ» عند الشكّ في النسخ، و إجماعهم هذا ليس من جهة ذهابهم إلى حجّيّة الاستصحاب، كما ربما يتوهّمه بعضهم(1)، بل حتى من لا يذهب إلى حجّيّة الاستصحاب يقول بأصالة عدم النسخ، و ما ذلك إلّا من جهة هذا الإجماع على اشتراط العلم في ثبوت النسخ. انتهی(2).
لا شک في حجية الظواهر و استدل على حجيتها بمقدمتين:
الاولی: استقرار طريقة العقلاء على اتباع الظهورات.
ص: 139
الثانية: القطع بإمضاء الشارع لهذه السيرة، و الدليل على هذا الإمضاء هو عدم ردعهم عنها باختراع طريقة أخرى في مقام إفادة مرامه، و عدم الردع في مثله يوجب القطع بالإمضاء بعد وضوح عدم مانع عن الردع.
و لا إشكال في المقدمتين, أما الأولى، فلبداهة بناء العقلاء على الأخذ بالظواهر و كشفها عن المرادات الجدية للمتكلم، و لذا لا يقبل اعتذار العبد الّذي يخالف ظاهر كلام مولاه بعدم علمه بكون الظاهر مراداً جدياً له.
و أما الثانية، فلوضوح كون الطريق الموصل لجل الأحكام هو الألفاظ، فلو كانت هذه الطريقة مردوعة عنده لكان اللازم احداث طريقة أخرى، و التالي باطل فالمقدم مثله.
هذا، و لكن وقعت لبعض الناس شكوك في عموم كلّ من المقدّمتين، لا بدّ من التعرّض لها، و كشف الحقيقة فيها.
أمّا المقدّمة الأولى: فقد وقعت عدّة أبحاث فيها:
1- في أنّ تباني العقلاء على حجّيّة الظاهر هل يشترط فيه حصول الظنّ الفعليّ بالمراد؟
2- في أنّ تبانيهم هل يشترط فيه عدم الظنّ بخلاف الظاهر؟
3- في أنّ تبانيهم هل يشترط فيه جريان أصالة عدم القرينة؟
4- في أنّ تبانيهم هل هو مختصّ بمن قصد إفهامه فقط، أو يعمّ غيرهم، فيكون الظاهر حجّة مطلقا؟
ص: 140
و أمّا المقدّمة الثانية: فقد وقع البحث فيها في حجّيّة ظواهر الكتاب العزيز، کما هو المنسوب إلى الأخباريّين(1), و عليه، فينبغي البحث عن كلّ واحد من هذه الأمور، فنقول:
قيل: «لا بدّ في حجّيّة الظاهر من حصول ظنّ فعليّ بمراد المتكلّم، و إلّا فهو ليس بظاهر»(2) يعني أنّ المقوّم لكون الكلام ظاهرا حصول الظنّ الفعليّ للمخاطب بالمراد منه، و إلّا فلا يكون ظاهرا، بل يكون مجملا.
و اجيب: انه من المعلوم أنّ الظهور صفة قائمة باللفظ، و هو كونه بحالة يكون كاشفا عن مراد المتكلّم، و دالّا عليه، و الظنّ بما هو ظنّ أمر قائم بالسامع، لا باللفظ، فكيف يكون مقوّما لكون اللفظ ظاهرا؟! و إنّما أقصى ما يقال أنّه يستلزم الظنّ، فمن هذه الجهة يتوهّم أنّ الظنّ يكون مقوّما لظهوره.
و في الحقيقة أنّ المقوّم لكون الكلام ظاهرا عند أهل المحاورة هو كشفه الذاتيّ عن المراد، أي كون الكلام من شأنه أن يثير الظنّ عند السامع بالمراد منه، و إن لم يحصل ظنّ فعليّ للسامع؛ لأنّ ذلك هو الصفة القائمة بالكلام المقوّمة لكونه ظاهرا عند أهل المحاورة.
ص: 141
و المدرك لحجّيّة الظاهر ليس إلّا بناء العقلاء، فهو المتّبع في أصل الحجّيّة، و خصوصيّاتها.
أ لا ترى أنّه لا يصحّ للسامع أن يحتجّ بعدم حصول الظنّ الفعليّ عنده من الظاهر إذا أراد مخالفته، مهما كان السبب لعدم حصول ظنّه، ما دام أنّ اللفظ بحالة من شأنه أن يثير الظنّ لدى عامّة الناس؟
و هذا ما يسمّى بالظنّ النوعيّ، فيكتفى به في حجّيّة الظاهر، و إلّا لو كان الظنّ الفعليّ معتبرا في حجّيّة الظهور لكان كلّ كلام في آن واحد حجّة بالنسبة إلى شخص، غير حجّة بالنسبة إلى شخص آخر. و هذا ما لا يتوهّمه أحد. و منالبديهيّ أنّه لا يصحّ ادّعاء أنّ الظاهر لكي يكون حجّة لا بدّ أن يستلزم الظنّ الفعليّ عند جميع الناس بغير استثناء، و إلّا فلا يكون حجّة بالنسبة إلى كلّ أحد(1).
قيل: «إن لم يعتبر الظنّ بالوفاق فعلى الأقلّ يعتبر ألّا يحصل ظنّ بالخلاف»(2).
ص: 142
و ردّه صاحب الكفاية بقوله: «و الظاهر أنّ سيرتهم على اتّباعها (أي: الظواهر) من غير تقييد بإفادتها الظنّ فعلا، و لا بعدم الظنّ كذلك على خلافها قطعا؛ ضرورة أنّه لا مجال للاعتذار من مخالفتها بعدم إفادتها الظنّ بالوفاق، و لا بوجود الظنّ بالخلاف»(1).
و يشهد لبناء العقلاء على حجّيتها مطلقاً، بلا قيد و شرط، أن المولى يحتج بظاهر كلامه في ميدان الاحتجاج و التكليف، و لا يقبل من العبد عدم حصول الظن بالوفاق، أو حصول الظن بالخلاف، إلّا إذا استند إلى قرينة منفصلة، أو متصلة صالحة لصرف الظاهر عن ظاهره، و حينئذ يخرج عن محلّ البحث، كما و أنّ للعبد الاحتجاج على المولى بظاهر كلامه، بل لا ينقدح في أذهانهم احتمال إرادة خلاف الظاهر باحتمال انّه غفل عن نصب القرينة، أو غفل السامع عمّا نصبه، فلأجل ذلك لا يرد من سماعها إلى أذهانهم إلّا معنى واحد .
ثم ان صاحب کتاب ارشاد العقول حاول اثبات ان الظواهر ليست من الظنون بل هي من القطعيات فقال ان: السبب الذي يوجب تسمية ذلك الكشف ظنياً يتلخص في الأمور التالية:
1. لعلّ المتكلّم لم يستعمل اللفظ في أيّ معنى.
2. أو استعمل في المعنى المجازي و لم ينصب قرينة.
3. أو كان هازلًا في كلامه.
ص: 143
4. أو مورّياً في خطابه.
5. أو لاغياً فيما يلقيه.
6. أو أطلق العام و أراد الخاص.
7. أو أطلق المطلق و أراد المقيّد.
إلى غير ذلك من المحتملات التي توجب الاضطراب في كشف المراد الاستعمالي عن المراد الجدي على وجه القطع.
و لكن ألفت نظر القارئ إلى أمور ثلاثة لها دور في المقام:
1. انّ علاج هذه الاحتمالات ليس من وظائف الظواهر حتى يوصف كشف الظواهر عن المراد الجدي بالظنية، و ذلك لما عرفت من أنّ المطلوب من الظواهر ليس إلّا شي ء واحد و هو إحضار المعاني في ذهن المخاطب، و أمّا الاحتمالات المذكورة و كيفية دفعها فليس لها صلة بالظواهر حتى يوصف كشفها لأجلها بأنّه ظني.
2. انّ بعض هذه الاحتمالات موجودة في النصوص فيحتمل فيه كون المتكلم لاغياً، أو هازلًا، أو مورّياً أو متّقياً أو غير ذلك من الاحتمالات، مع ذلك نرى أنّهم يعدونها من القطعيات.
3. ثمّ إنّ القوم عالجوا هذه الاحتمالات بادّعاء وجود أصول عقلائية دافعة لها، كأصالة كون المتكلّم في مقام الإفادة، لا الهزل و لا التمرين، بدافع نفسي، لا بدافع خارجي كالخوف و غيره.
و يدل على ما ذكرنا أيضاً انّ الحياة الاجتماعية مبنيّة على المفاهمة بالظواهر، ففي مجال المفاهمة و التفاهم بين الأستاذ و التلميذ و البائع و المشتري و السائس و المسوس، عليه
ص: 144
تدور الجمل حول ما يهمهما و يعتبر المخاطب دلالة كلام المتكلّم دلالة قطعية لا ظنية، إلّا إذا كان هناك إبهام أو إجمال. أو جريان عادة على فصل الخاص و القيد عن الكلام.
و بذلك خرجنا بأن كشف الظواهر عن المراد الاستعمالي، بل المراد الجدي، على ما عرفت أخيراً في مجال المفاهمة، لا في مقام التقنين كشف قطعي و لا يعرّج إلى تلك الشكوك(1).
اقول: الظاهر من العلماء وصف الظواهر بالظنون لاجل اکتنافها بتلک الاحتمالات التي ذکرها و ان لم تکن تلک الاحتمالات دخيلة في کاشفيتها .
اقول: لا شكّ في عموم حجّية ظواهر الكلام لمن قصد إفهامه و من لم يقصد، و الشاهد عليه الاحتجاج بالرسائل السرية بين الشخصين، حيث يستدل بها على حسن نيّة الكاتب أو سوئها، كما يستدلون بالوصايا التي يخاطب فيها الموصي الوصيّ كالابن بالقيام بكذا و كذا، إلى غير ذلك من الظواهر التي أريد منها تفهيم شخص خاص، و لكنّها تتخذ حجّة مطلقاً.
لکن ذهب المحقّق القمّيّ في قوانينه إلى عدم حجّيّة الظهور بالنسبة إلى من لم يقصد إفهامه بالكلام. و مثّل لغير المقصودين بالإفهام بأهل زماننا و أمثالهم الذين لم يشافهوا بالكتاب العزيز، و بالسنّة؛ نظرا إلى أنّ الكتاب العزيز ليست خطاباته موجّهة لغير المشافهين، و ليس هو من قبيل تأليفات المصنّفين التي يقصد بها إفهام كلّ قارئ لها.
ص: 145
و أمّا: السنّة فبالنسبة إلى الأخبار الصادرة عن المعصومين في مقام الجواب عن سؤال السائلين لا يقصد منها إلّا إفهام السائلين، دون من سواهم(1).
ثم ان الشيخ الأعظم ذكر وجهاً لهذا التفصيل و حاصله: إنّ المتكلّم لو كان بصدد إفهام شخص معين، أو إفهام كلّ من رجع إلى كلامه كالكتب المصنفة، يتحتم عليه إلقاء الكلام على وجه لا يقع المخاطب الخاص أو العام في خلاف المراد، بحيث لو فرض وقوعه في خلاف المقصود كان إمّا لغفلة من المتكلّم في إلقاء الكلام على وجه يفي بالمراد، أو لغفلة من المخاطب في الالتفات إلى ما اكتنف به الكلام الملقى إليه، و كلا الاحتمالين مرجوح في نفسه مع اتفاق العقلاء و العلماء على عدم الاعتناء باحتمال الغفلة في جميع أمور العقلاء و أفعالهم و أقوالهم.
و أمّا إذا لم يكن الشخص مقصوداً بالإفهام، فلا ينحصر سبب وقوعه في خلاف المقصود بالأمرين، بل هناك سبب ثالث و هو انّه إذا لم نجد في آية أو رواية ما يكون صارفاً عن ظاهرها، و احتملنا انّ المخاطب قد فهم المراد بقرينة قد اختفت علينا فلا يكون هذا الاحتمال لغفلة من المتكلّم إذ لا يجب على المتكلّم إلّا نصبالقرينة لمن يقصد إفهامه، كما أنّه ليس اختفاء القرينة مسبّباً عن غفلة الآخر، بل دواعي الاختفاء أمر خارج عن اختياره، فعندئذ لا يوجب الظنّ بالمراد(2).
ص: 146
ثم ردّه بقوله: «لكن الإنصاف أنه لا فرق في العمل بالظهور اللفظي و أصالة عدم الصارف عن الظاهر بين من قصد إفهامه و من لم يقصد فإن جميع ما دل من إجماع العلماء و أهل اللسان على حجية الظاهر بالنسبة إلى من قصد إفهامه جار فيمن لم يقصد لأن أهل اللسان إذا نظروا إلى كلام صادر من متكلم إلى مخاطب يحكمون بإرادة ظاهره منه إذا لم يجدوا قرينة صارفة بعد الفحص في مظان وجودها و لا يفرقون في استخراج مرادات المتكلمين بين كونهم مقصودين بالخطاب و عدمه فإذا وقع المكتوب الموجه من شخص إلى شخص بيد ثالث فلا يتأمل في استخراج مرادات المتكلم من الخطاب المتوجه إلى المكتوب إليه فإذا فرضنا اشتراك هذا الثالث مع المكتوب إليه فيما أراد المولى منهم فلا يجوز له الاعتذار في ترك الامتثال بعدم الاطلاع على مراد المولى و هذا واضح لمن راجع الأمثلة العرفية هذا حال أهل اللسان في الكلمات الواردة إليهم.
و أما العلماء فلا خلاف بينهم في الرجوع إلى أصالة الحقيقة في الألفاظ المجردة عن القرائن الموجهة من متكلم إلى مخاطب سواء كان ذلك في الأحكام الجزئية كالوصايا الصادرة عن الموصي المعين إلى شخص معين ثم مست الحاجة إلى العمل بها مع فقد الموصى إليه فإن العلماء لا يتأملون في الإفتاء بوجوب العمل بظاهر ذلك الكلام الموجه إلى الموصى إليه المقصود و كذا في الأقارير أم كان في الأحكام الكلية كالأخبار الصادرة عن الأئمة عليهم السلام مع كون المقصود منها تفهيم مخاطبهم لا غير فإنه لم يتأمل أحد من العلماء في استفادة الأحكام من ظواهرها معتذرا بعدم الدليل على حجية أصالة عدم القرينة بالنسبة إلى غير المخاطب و من قصد إفهامه.
ص: 147
و دعوى كون ذلك منهم للبناء على كون الأخبار الصادرة عنهم عليهم السلام من قبيل تأليف المصنفين واضحة الفساد مع أنها لو صحت لجرت في الكتاب العزيز فإنه أولى بأن يكون من هذا القبيل فترتفع ثمرة التفصيل المذكور لأن المفصل معترف بأن ظاهر الكلام الذي هو من قبيل تأليف المؤلفين حجة بالخصوص لا لدخوله فيمطلق الظن و إنما كلامه في اعتبار ظهور الكلام الموجه إلى مخاطب خاص بالنسبة إلى غيره.
و الحاصل أن القطع حاصل لكل متتبع في طريقة فقهاء المسلمين بأنهم يعملون بظواهر الأخبار من دون ابتناء ذلك على حجية الظن المطلق الثابتة بدليل الانسداد بل يعمل بها من يدعي الانفتاح و ينكر العمل بأخبار الآحاد مدعيا كون معظم الفقه معلوما بالإجماع و الأخبار المتواترة.
و يدل على ذلك أيضا سيرة أصحاب الأئمة عليهم السلام فإنهم كانوا يعملون بظواهر الأخبار الواردة إليهم من الأئمة الماضين عليهم السلامكما كانوا يعملون بظواهر الأقوال التي سمعوها من أئمتهم عليهم السلام لا يفرقون بينهما إلّا بالفحص و عدمه .
و الحاصل أن الفرق في حجية أصالة الحقيقة و عدم القرينة بين المخاطب و غيره مخالف للسيرة القطعية من العلماء و أصحاب الأئمة عليهم السلام(1).
قلت: مضافا - کما افيد - الی أنّه لا يضرّ بحجّيّة الظهور ببناء العقلاء احتمال أن يعتمد المتكلّم على قرينة غير معهودة و لا معروفة إلّا لدى من قصد إفهامه فانه احتمال لا ينفيه العقل؛ لأنّه لا يقبح من الحكيم، و لا يلزم نقض غرضه، إذا نصب قرينة تخفى على غير المقصودين بالإفهام، و مثل هذه القرينة الخفيّة - على تقدير وجودها - لا يتوقّع من غير المقصود بالإفهام أن يعثر عليها بعد الفحص، و ذلك لأنّ الذي يقوّم حجّيّة الظهور هو
ص: 148
نفي احتمال القرينة ببناء العقلاء، لا نفي احتمالها بحكم العقل، و لا ملازمة بينهما أي إنّه إذا كان احتمال القرينة لا ينفيه العقل فلا يلزم منه عدم نفيه ببناء العقلاء النافع في حجّيّة الظهور، بل الأمر أكثر من أن يقال: إنّه لا ملازمة بينهما؛ فإنّ الظهور لا يكون ظهورا إلّا إذا كان هناك احتمال للقرينة، غير منفيّ بحكم العقل، و إلّا لو كان احتمالها منفيّا بحكم العقل كان الكلام نصّا، لا ظاهرا.
و على نحو العموم نقول: لا يكون الكلام ظاهرا ليس بنصّ قطعيّ في المقصود إلّا إذا كان مقترنا باحتمال عقليّ، أو احتمالات عقليّة غير مستحيلة التحقّق، مثل احتمال خطأ المتكلّم، أو غفلته، أو تعمّده للإيهام لحكمة، أو نصبه لقرينة تخفى على الغير، أو لا تخفى.
ثمّ لا يكون الظاهر حجّة إلّا إذا كان البناء العمليّ من العقلاء على إلغاء مثل هذه الاحتمالات، أي عدم الاعتناء بها في مقام العمل بالظاهر.
و عليه، فالنفي الادّعائيّ العمليّ للاحتمالات هو المقوّم لحجّيّة الظهور، لا نفي الاحتمالات عقلا من جهة استحالة تحقّق المحتمل؛ فإنّه إذا كانت الاحتمالات مستحيلة التحقّق لا تكون محتملات، و يكون الكلام حينئذ نصّا لا نحتاج في الأخذ به إلى فرض بناء العقلاء على إلغاء الاحتمالات, و عليه فلا وجه للقول بالتفصيل في حجّيّة الظهور .
ثمّ انه على تقدير تسليم الفرق في حجّيّة الظهور بين المقصودين بالإفهام، و بين غيرهم، فالشأن كلّ الشأن في انطباق ذلك على واقعنا بالنسبة إلى الكتاب العزيز، و السنّة .
أمّا: الكتاب العزيز فإنّه من المعلوم لنا أنّ التكاليف التي يتضمّنها عامّة لجميع المكلّفين، و لا اختصاص لها بالمشافهين. و بمقتضى عمومها يجب ألّا تقترن بقرائن تخفى على غير
ص: 149
المشافهين. بل لا شكّ في أنّ المشافهين ليسوا وحدهم المقصودين بالإفهام بخطابات القرآن الكريم.
و أمّا: السنّة فإنّ الأحاديث الحاكية لها على الأكثر تتضمّن تكاليف عامّة لجميع المكلّفين، أو المقصود بها إفهام الجميع، حتى غير المشافهين، و قلّما يقصد بها إفهام خصوص المشافهين في بعض الاجوبة على أسئلة خاصّة. و إذا قصد ذلك فإنّ التكليف فيها لا بدّ أن يعمّ غير السائل بقاعدة الاشتراك. و مقتضى الأمانة في النقل، و عدم الخيانة من الراوي، المفروض فيه ذلك أن ينبّه على كلّ قرينة دخيلة في الظهور، و مع عدم بيانها منه يحكم بعدمها بحکم البناء العقلائي .
و الحاصل ان ظاهر اللفظ سواء كان ناشئاً من الوضع أم غيره حجة ببناء العقلاء مطلقاً من غير فرق بين من قصد افهامه به و غيره، و لا بين ظاهر الكتاب و السنة و غيرهما، لاستقرار بناء العقلاء على ذلك.
نعم إذا علم من حال المتكلم أنه بصدد بيان مقصوده لخصوص المخاطب أو غيره ممن قصد افهامه بألفاظ خاصة كالرموز بحيث يريد إخفاء مرامه عمن لم يقصد افهامه بها، فلا شك في عدم حجية هذه الظواهر حينئذ بالنسبة إلى غير من قصد افهامه، بل لا ينعقد ظهور لكلامه حتى ينازع في حجيته بالنسبة إلى من لم يقصد افهامه، لكون هذا البناء منه قرينة مانعة عن انعقاد ظهور لكلامه.
ص: 150
نسب إلى جماعة من الأخباريّين القول بعدم حجّيّة ظواهر الكتاب العزيز(1)، و أكّدوا: أنّه لا يجوز العمل بها من دون أن يرد بيان و تفسير لها من طريق آل البيت عليهم السلام(2).
المراد من حجّية ظواهر القرآن هو الاستفادة من عموماته و مطلقاته بعد الفحص عن القرائن العقلية أو اللفظية المتصلة أو الحالية المنقولة بخبر الثقة، خصوصاً الفحص عن مقيداته و مخصصاته في أحاديث العترة الطاهرة، فإذا تمّت هذه الأمور يقع البحث في صحّة الاحتجاج بظواهر القرآن أولا، و إلّا فالاستدلال بظواهر القرآن مع قطع النظر عن جميع القرائن و الروايات أمر مرفوض بنفس الكتاب و السنّة قال سبحانه: ﴿و أنزلنا إليك الذّكر لتبيّن للنّاس ما نزّل إليهم و لعلّهم يتفكّرون﴾(3) و اللّه سبحانه عرّف النبي صلى الله عليه و آله و سلم بأنّه مبيّن للقرآن، و أمر الناس بالتفكّر فيه، و عليه فللرسول سهم في إفهام القرآن , إذا عرفت ذلك، فالأدلّة الدالة علی حجية الظواهر كثيرة جدا.
ص: 151
دلالة القرآن على ذلک في ايات کثيرة جمع منها العلامة السيد عبد الله شبر اکثر من مائة واربعين اية منها: قوله تعالى: ﴿الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ و قال تعالى: ﴿وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَ ما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ﴾ و قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَ الْفُرْقانِ﴾ و قال تعالى: ﴿وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَ الْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ و قال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ و قال تعالى: ﴿ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ و قال تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ و قال تعالى: ﴿هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ و قال تعالى ﴿وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاًكَثِيراً﴾ و قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ و قال تعالى: ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ و قال تعالى: ﴿وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ﴾ قال تعالى: ﴿هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ و قال تعالى: ﴿هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ و قال تعالى: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ و قال تعالى: ﴿وَ لَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ و قال تعالى: ﴿وَ الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِين﴾ .
ص: 152
ثم قال العلامة السيد عبد الله شبر رحمه الله بعد نقله للايات: دلالة هذه الآيات على المطلوب واضحة كالنور على الطور لا يعتريها ريب و لا فتور و لا قصور لأنه سبحانه وصف كتابه الكريم بإحكام آياته و تفصيل بيناته و حسن تفسيره و جودة تقريره و امتن على عباده بكونه بلسان عربيّ مبين، خال عن العوج و الاختلاف، و أمر بتعقله و تدبره و الاهتداء به و الاقتباس من أنواره و كونه موعظة و بلاغا و تذكره شفاء و مبشرا و منذرا، و مدح أقواما يهتدون بسماعه و يتبعون أحكامه و يذم من لم يتدبر مرامه و يخالف أحكامه و يطلب الاهتداء بغيره، أ ترى أنه مع جميع ذلك لغز و معمى لا يفهم من المعنى؟ كلا إن هذا قول من لم يتدبر آياته و لم يفرق بين محكماته و متشابهاته و قد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم﴾ ذمهم تعالى عن اتباع المتشابه دون المحكم و وصف المحكمات بكونها إما لرجوع المتشابهات إليها و خص العلم بالتأويل بالراسخين في العلم(1).
و لا دور في الاحتجاج بهذه الايات لانها تفيد القطع بحجية الظواهر, مضافا الی ان قسما منها من النصوص الصريحة لا الظواهر .
ص: 153
إنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم تحدّى الناس بالقرآن بكلّ سورة من سور القرآن دون فرق بين نصّه و ظاهره، قال سبحانه: ﴿و إن كنتم في ريبٍ ممّا نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله و ادعوا شهداءكم من دون اللّه إن كنتم صادقين﴾(1).
و التحدّي يتوقف على فهم الكتاب و دركه ثمّ مقايسته بالكتب الأخرى ثمّ القضاء بأنّه فوق كلام البشر، و لا يخطو الإنسان هذه المراحل إلّا إذا كان القرآن كلاماً مفهوماً و حجّة على المخاطب، فلو كان فهم القرآن منوطاً بتفسير الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لزم منه الدور، فانّ ثبوت رسالته متوقف على إعجاز القرآن، و هو متوقف على فهمه، و فهمه متوقف على تفسيره، و تفسيره متوقف على حجّية قوله، و هو متوقف على ثبوت رسالته التي هي متوقفة على إعجاز القرآن.
و قد فهم الوليد بصفاء ذهنه و صميم عربيته انّ بلاغة القرآن خارجة عن طوق القدرة البشرية و قال لماّ سمع آيات من سورة فصلت من الرسول الأعظم: لقد سمعت من محمّد كلاماً لا يشبه كلام الإنس و لا كلام الجنّ، و إنّ له لحلاوة، و إنّ عليه لطلاوة، و إنّ أسفله لمغدق، و إنّ أعلاه لمثمر، و هو يعلو و لا يعلى عليه(2).
و الحاصل: انّ تحدّي النبي في صدر عصر الرسالة بنفس القرآن قبل أن تثبت رسالته و حجّية قوله، دليل على أنّ القرآن أمر مفهوم و حجّة على المخاطب في كشف مفاهيمه و حقائقه.
ص: 154
نعم لا يحيط بكلّ حقائق القرآن و شؤونه سوى المعصوم، و لكن الإحاطة به من جميع الجهات شي ء، و درك ما يتوقف عليه التصديق بإعجازه شي ء آخر، و الأوّل يختص بالمعصوم دون الثاني.
قد تضافرت بل تواترت الروايات عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم على لزوم التمسّك بالثقلين و فسرهما بالكتاب و العترة و قال صلى الله عليه و آله وسلم: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، و عترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا» فجعل كلًا من الثقلين حجّة، و انّ كلًا يؤيد الآخر.
هناك قسم عظيم من الروايات تحكي عن أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يحتجون بظواهر الكتاب على أصحابهم، و يعلمون كيفية استفادة الأحكام منها و يفسرونها لا تفسيراً تعبديّاً، بل تفسيراً تعليمياً، بمعنى انّ الإمام لا يتكلّم بما هو إمام، بل بما هو معلّم يرشد إلى كيفية دلالة الآية على المقصود، بمعنى انّ الطرفين قد اتّفقا على كون الكتاب حجّة في حدّ ذاته، و يتحاوران في ما هو المقصود من الآية، فلولا انّ الكتاب حجّة لما كان لهذا النحو من التمسّك وجه، و إليك نماذج:
1- سأل زرارة أبا جعفر علیه السلام و قال: من أين علمت أنّ المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟ فقام الإمام بتفسير الآية على وجه تعليمي إرشادي إلى ما
ص: 155
تدل عليه بلفظها، فقد استدل على كون المسح ببعض الرأس بلفظة «الباء» و على لزوم مسح بعض الرجلين دون غسلهما بوصل الرجلين بالرأس و كونه معطوفاً على الرأس.(1)
2- سأل عبد الأعلى مولى آل سام أبا عبد اللّه علیه السلام عمّن عثر فوقع ظفره فجعل على اصبعه مرارة؟ فقال: «إنّ هذا و أشباهه يعرف من كتاب اللّه: ﴿ما جعل عليكم في الدّين من حرج﴾(2) ثمّ قال: امسح على المرارة», فأحال الإمام حكم المسح على اصبعه المغطّى بالمرارة، إلى الكتاب. و قد أوضح الشيخ الأعظم كيفية الاستفادة من الآية فلاحظ.(3).
3- سأل زرارة و محمد بن مسلم أبا جعفر، عن وجوب القصر على المسافر مع أنّه سبحانه يقول: ﴿و إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة﴾(4) و لم يقل «افعلوا» فأجاب: «إنّ1- وزان الآية، وزان قوله سبحانه: ﴿فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما﴾(5) مع أنّ الطواف
ص: 156
بهما واجب»(1), فأرشد الإمام تلميذيه إلى أنّ الآيتين في مقام دفع توهم الحظر، لا في مقام بيان ما هو الحكم الشرعي فانّه يطلب من السنّة الشريفة. إلى غير ذلك من الروايات التي استدل فيها الإمام برهاناً أو جدلًا، فلاحظ.
قد تضافر عنهم عليهم السلام في مورد تعارض الروايات، لزوم عرضها على القرآن، فما وافق كتاب اللّه يؤخذ به، و ما خالف يضرب به عرض الجدار، فقال أبو عبد اللّه علیه السلام : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ على كلّ حقّ حقيقة و على كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فدعوه»(2) .
کما في صحيح عبد اللّه بن سنان قال: سمعته يقول: «من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب اللّه فلا يجوز له و لا يجوز على الذي اشترط عليه، و المسلمون عند شروطهم ما وافق كتاب اللّه» و في رواية أخرى: «المسلمون عند شروطهم إلّا كلّ شرط خالف كتاب اللّه عزّ و جلّ فلا يجوز»(3) .
ص: 157
إلى غير ذلك من الروايات التي تدل بوضوح على لزوم الرجوع إلی القران الکريم في فهم العقيدة و الشريعة و انّه سبحانه امر بتدبّره و العمل به .
و هي وجوه:
کما يظهر ذلک من خبرين:احدهما: خبر شبيب بن أنس، عن بعض أصحاب أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث أنّ أبا عبد اللّه علیه السلام قال لأبي حنيفة: أنت فقيه العراق؟ قال: نعم، قال: فبم تفتيهم؟ قال: بكتاب اللّه و سنّة نبيّه. قال: يا أبا حنيفة! تعرف كتاب اللّه حقّ معرفته، و تعرف الناسخ و المنسوخ؟ قال: نعم، قال: يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علماً ما جعل اللّه ذلك إلّا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك، و لا هو إلّا عند الخاص من ذريّة نبيّنا محمّد، و ما ورثك اللّه عن كتابه حرفاً(1).
و فيه: انه مرسل و سنده ضعيف، لعدم توثيق شبيب بن أنس, مضافا الی انه في مقام الردّ على المستبدين بالقرآن الذين يفسّرونه و يفتون به من دون مراجعة من نزل القرآن في
ص: 158
بيوتهم حتى يعرفوا ناسخه و منسوخه، عامّه و مخصصه، مطلقه و مقيده، و أين هو من عمل أصحابنا؟! فإنّهم يحتجون به بعد الرجوع إليهم عليهم السلام ثمّ الأخذ به.
ثانيهما: خبر محمد بن سنان، عن زيد الشحام: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر فقال: يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة؟ «فقال: هكذا يزعمون، فقال أبو جعفر علیه السلام : بلغني انّك تفسّر القرآن؟ فقال له قتادة: نعم! فقال له أبو جعفر بعد كلام: إن كنت إنّما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت و أهلكت، و إن كنت قد فسرته عن الرجال فقد هلكت و أهلكت، ويحك يا قتادة! إنّما يعرف القرآن من خوطب به(1).
و فيه: ان سنده ضعيف بمحمد بن سنان، و دلالةً هو کسابقه ناظر إلى الاستبداد بالقرآن من دون الرجوع إلى أئمّة أهل البيت عليهم السلام في معرفة ناسخه و مقيّده و مخصصه، و المراد من المعرفة هو المعرفة التامّة التي تكون حجّة على العارف.
مضافا الی ان المراد ممّا دلّ على اختصاص فهم القرآن و معرفته بأهله، اختصاص فهمه بتمامه بمتشابهاته و محكماته، بداهة أنّ فيه ما لا يختصّ به، كما لا يخفى.
کما وأن اشتمال الكتاب على تلك المطالب الغامضة و المضامين العالية لا يمنع عن حجية ظواهر الآيات المتضمنة للأحكام الشرعية فضلا عن أصل ظهورها فيها، لأن تلك المطالب تكون من بطون الآيات او من قبيل المعاني الكنائية، و لا علاقة لها بالمعاني التي تكون الألفاظ ظاهرة فيها عند أبناء المحاورة.
ص: 159
ادعی السيد الصدر رحمه الله في شرح الوافية ان الظواهر من المتشابهات و قال: «إن المتشابه كما يكون في أصل اللغة كذلك يكون بحسب الاصطلاح مثل أن يقول أحد أنا استعمل العمومات و كثيرا ما أريد الخصوص من غير قرينة و ربما أخاطب أحدا و أريد غيره و نحو ذلك فحينئذ لا يجوز لنا القطع بمراده و لا يحصل لنا الظن به و القرآن من هذا القبيل لأنه نزل على اصطلاح خاص لا أقول على وضع جديد بل أعم من أن يكون ذلك أو يكون فيه مجازات لا يعرفها العرب و مع ذلك قد وجدت فيه كلمات لا يعلم المراد منها كالمقطعات.
ثم قال: قال سبحانه ﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾(1) الآية ذم على اتباع المتشابه و لم يبين لهم المتشابهات ما هي و كم هي بل لم يبين لهم المراد من هذا اللفظ و جعل البيان موكولا إلى خلفائه و النبي صلى اللَّه عليه و آله نهى الناس عن التفسير بالآراء و جعلوا الأصل عدم العمل بالظن إلّا ما أخرجه الدليل(2).
و اجابه الشيخ: بان احتمال كونها من المتشابهات ممنوع أولاً لأن المتشابه لا يصدق على الظواهر لا لغة و لا عرفا بل يصح سلبه عنه فالنهي الوارد عن اتباع المتشابه لا يمنع كما اعترف به في المقدمة الأولى من أن مقتضى القاعدة وجوب العمل بالظواهر.
ص: 160
و بالجملة فالحق ما اعترف به قدس سره من أنا لو خلينا و أنفسنا لعملنا بظواهر الكتاب و لا بد للمانع من إثبات المنع(1).
و عليه فالظواهر من المحكمات، و المحكمات تنقسم إلى نصّ لا يقبل التأويل و يعدّ التأويل تناقضاً في الكلام، و ظاهر يقبله و يعد التأويل عملًا على خلافالظاهر، و أمّا المتشابه فهو ما لم يستقر له الظهور أصلاً و لم يتبين المراد منه، و لأجل ذلك سمي متشابهاً لمتشابه المراد بغيره.
هذا و المعروف انّ المتشابهات هي الآيات المشعرة بتجسيمه سبحانه، أو كونه ذا جهة أو الجبر و سلب الاختيار عن الإنسان و ما يشبه ذلك ممّا ورد خلافها في المحكمات، ففي ظل المحکمات تحلّ الشبهة في المتشابهات کما ورد ذلک عن الامام الرضا علیه السلام انه قال: «من رد متشابه القران الی محکمه هدي الی صراط مستقيم»(2) و هذا مثل قوله سبحانه: ﴿وجوه يومئذ ناضرة الی ربها ناظرة﴾(3)، فانها قد توهم ان الله تعالی يری يوم القيامة فاذا ردت الی المحکمات من انه تعالی ﴿ليس کمثله شيء﴾ و قوله تعالی ﴿لن تراني﴾ علم معناها. و أين هذه الآيات من الظواهر التي استقر ظهورها في المعنى، مثلًا قوله سبحانه: ﴿و أولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهن﴾(4) فانّ ظاهر الآية انّ صاحبات الحمل لا يخرجن من العدة إلّا بعد وضع أولادهن، و الآية و إن وردت في سورة الطلاق و لكن
ص: 161
إطلاقها يعمّ المعتدة بعدّة الوفاة فلو مضى من موت الزوج أربعة أشهر و عشرة أيام فلا تخرج من العدّة إلّا إذا وضعت حملها، فليست الآية متشابهة غير واضحة المراد و إنّما الكلام في وجود الإطلاق و عدمه، أي في سعة الآية و ضيقها.
على أنّ هناك رأياً آخر في تفسير المتشابه، و هو: انّ المتشابه عبارة عن الآيات التي لا يمكن الإحاطة بمعناها إلّا بعد الخروج عن دار التكليف، مثلاً انّ قوله سبحانه: ﴿إنّها شجرةٌ تخرج في أصل الجحيم * طلعها كأنّه رؤس الشّياطين﴾(1) من الآيات المتشابهة التي لا يقف الإنسان على حقيقتها ما دام في دار الدنيا, و عليه فلو كان المتشابه هو هذا فلا صلة له بالآيات الواضحة الدلالة و المداليل كأكثر ما ورد في العبادات و المعاملات.
انّا نعلم انّ عمومات القرآن و مطلقاته خصّصت و قيدت بمخصصات و مقيّدات، و مع العلم الإجمالي بطروّ التصرف في دلالاتها كيف يمكن التمسّك بظواهرها؟
و اجاب عنها الشيخ فقال: «و فيه أولا النقض بظواهر السنة فإنا نقطع بطرو مخالفة الظاهر في أكثرها و ثانيا أن هذا لا يوجب السقوط و إنما يوجب الفحص عما يوجب مخالفة الظاهر. فإن قلت: العلم الإجمالي بوجود مخالفات الظواهر لا يرتفع أثره و هو وجوب التوقف بالفحص و لذا لو تردد اللفظ بين معنيين أو علم إجمالا بمخالفة أحد الظاهرين لظاهر الآخر كما في العامين من وجه و شبههما وجب التوقف فيه و لو بعد الفحص.
ص: 162
قلت: هذه شبهة ربما تورد على من استدل على وجوب الفحص عن المخصص في العمومات بثبوت العلم الإجمالي بوجود المخصصات فإن العلم الإجمالي إما أن يبقى أثره و لو بعد العلم التفصيلي بوجود عدة مخصصات و إما أن لا يبقى فإن بقي فلا يرتفع بالفحص و إلا فلا مقتضى للفحص.
و تندفع هذه الشبهة بأن المعلوم إجمالا هو وجود مخالفات كثيرة في الواقع فيما بأيدينا بحيث تظهر تفصيلا بعد الفحص و أما وجود مخالفات في الواقع زائدا على ذلك فغير معلوم فحينئذ لا يجوز العمل قبل الفحص لاحتمال وجود مخصص يظهر بعد الفحص و لا يمكن نفيه بالأصل لأجل العلم الإجمالي و أما بعد الفحص فاحتمال وجود المخصص في الواقع ينفى بالأصل السالم عن العلم الإجمالي و الحاصل أن المنصف لا يجد فرقا بين ظاهر الكتاب و السنة لا قبل الفحص و لا بعده(1).
و حاصله: انّ المستنبط بعد الفحص إمّا يقطع بأنّ المعلوم بالإجمال هو المعلوم بالتفصيل من المخصّصات و المقيّدات لا غير، و إمّا يحتمل انطباقه على ما حصله، و على كلتا الصورتين لا يبقى علم إجمالي بوجود المخصص وراء ما وقف عليه .
ص: 163
و الأخبار المدّعى ظهورها في المنع عن ذلك: مثل النبويّ صلّى اللّه عليه و آله: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار»(1).
و في رواية اخرى: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ ...»(2). و في نبويّ ثالث: «من فسّر القرآن برأيه فقد افترى على اللّه الكذب»(3).
و عن أبي عبد اللّه علیه السلام : «من فسّر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر، و إن أخطأ خر أبعد من السماء»(4).
و في النبويّ العامّي: «من فسّر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ»(5).
ص: 164
و عن مولانا الرضا علیه السلام ، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين علیه السلام ، قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إنّ اللّه عزّ و جلّ قال في الحديث القدسيّ: ما آمن بي من فسّر كلامي برأيه، و ما عرفني من شبّهني بخلقي، و ما على ديني من استعمل القياس في ديني»(1).
و عن تفسير العياشي، عن أبي عبد اللّه علیه السلام : «قال: من حكم برأيه بين اثنين فقد كفر، و من فسّر برأيه آية من كتاب اللّه فقد كفر»(2).
و عن مجمع البيان: أنّه قد صحّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عن الأئمة القائمين مقامه: أنّ تفسير القرآن لا يجوز إلّا بالأثر الصحيح و النصّ الصريح (3).
ص: 165
و قوله علیه السلام : «ليس شي ء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن؛ إنّ الآية يكون أولها في شي ء و آخرها في شي ء، و هو كلام متّصل ينصرف إلى وجوه»(1). إلى غير ذلك ممّا ادّعى في الوسائل في كتاب القضاء تجاوزها عن حدّ التواتر(2) .
و حاصل هذا الوجه يرجع إلى: أنّ منع الشارع عن ذلك يكشف عن أنّ مقصود المتكلّم ليس تفهيم مطالبه بنفس هذا الكلام، فليس من قبيل المحاورات العرفيّة.
و اجاب عنها الشيخ رحمه الله فقال: أنّها لا تدلّ على المنع عن العمل بالظواهر الواضحة المعنى بعد الفحص عن نسخها و تخصيصها و إرادة خلاف ظاهرها في الأخبار؛ إذ من المعلوم أنّ هذا لا يسمّى تفسيرا؛ فإنّ أحدا من العقلاء إذا رأى في كتاب مولاه أنّه أمره بشي ء بلسانه المتعارف في مخاطبته له - عربيّا أو فارسيّا أو غيرهما - فعمل به و امتثله، لم يعدّ هذا تفسيرا؛ إذ التفسير كشف القناع.
ص: 166
ثمّ لو سلّم كون مطلق حمل اللفظ على معناه تفسيرا، لكن الظاهر أنّ المراد بالرأي هو الاعتبار العقليّ الظنّي الراجع إلى الاستحسان، فلا يشمل حمل ظواهر الكتاب على معانيها اللغويّة و العرفيّة.
و حينئذ: فالمراد بالتفسير بالرأي: إمّا حمل اللفظ على خلاف ظاهره أو أحد احتماليه؛ لرجحان ذلك في نظره القاصر و عقله الفاتر.
و يرشد إليه: المرويّ عن مولانا الصادق علیه السلام ، قال في حديث طويل: «و إنّما هلك الناس في المتشابه؛ لأنّهم لم يقفوا على معناه و لم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلا من عند أنفسهم بآرائهم، و استغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء عليهم السلام»(1).
و إمّا الحمل على ما يظهر له في بادئ الرأي من المعاني العرفيّة و اللغويّة، من دون تأمّل في الأدلّة العقليّة و من دون تتبّع في القرائن النقليّة، مثل الآيات الأخر الدالّة على خلاف هذا المعنى، و الأخبار الواردة في بيان المراد منها و تعيين ناسخها من منسوخها.
و ممّا يقرّب هذا المعنى الثاني و إن كان الأوّل أقرب عرفا: أنّ المنهيّ في تلك الأخبار المخالفون الذين يستغنون بكتاب اللّه تعالى عن أهل البيت عليهم السلام، بل يخطّؤونهم به، و من المعلوم ضرورة من مذهبنا تقديم نصّ الإمام علیه السلام على ظاهر القرآن، كما أنّ المعلوم ضرورة من مذهبهم العكس.
ص: 167
و يرشدك إلى هذا: ما تقدّم في ردّ الإمام علیه السلام على أبي حنيفة حيث إنّه يعمل بكتاب اللّه، و من المعلوم أنّه إنّما كان يعمل بظواهره، لا أنّه كان يؤوّله بالرأي؛ إذ لا عبرة بالرأي عندهم مع الكتاب و السنّة.
و يرشد إلى هذا: قول أبي عبد اللّه علیه السلام في ذمّ المخالفين: «إنّهم ضربوا القرآن بعضه ببعض، و احتجّوا بالمنسوخ و هم يظنّون أنّه الناسخ، و احتجّوا بالخاصّ و هم يظنّون أنّه العامّ، و احتجّوا بأوّل الآية و تركوا السنّة في تأويلها، و لمينظروا إلى ما يفتح الكلام و إلى ما يختمه، و لم يعرفوا موارده و مصادره، إذ لم يأخذوه عن أهله فضلّوا و أضلّوا»(1).
و بالجملة: فالإنصاف يقتضي عدم الحكم بظهور الأخبار المذكورة في النهي عن العمل بظاهر الكتاب بعد الفحص و التتبّع في سائر الأدلّة، خصوصا الآثار الواردة عن المعصومين عليهم السلام؛ كيف و لو دلّت على المنع من العمل على هذا الوجه، دلّت على عدم جواز العمل بأحاديث أهل البيت عليهم السلام(2).
و فيه: بطلان القول بتحريف القران الکريم زيادةً و نفيصةً, و الدليل علی ذلک تواتره بکل الفاظه و حروفه فانه مع اختلاف القراآت الّا ان نسخه من زمن رسول الله صلی الله عليه واله الی يومنا هذا علی قراءة واحدة کما و ان العامة اسقطوا البسملة من جميع سوره
ص: 168
ما عدا الفاتحة و التوبة, و افتوا بعدم کونها من السور و مع ذلک بقي القران محفوظا و لم يستطيعوا حذفها من السور و لقد صدق الله تعالی ﴿انا نزلنا الذکر و انا له لحافظون﴾ فقد تکفل الله تعالی بحفظه فقال سبحانه: ﴿لا تحرک به لسانک لتعجل به انّ علينا جمعه و قرآنه﴾ فکيف تصل اليه يد التحريف؟
و بذلک صرح علماؤنا ونکتفي بعبارة بعض الاعاظم قال الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي، المتوفّى سنة 381: «اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله اللّه على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو ما بين الدفّتين، و هو ما في أيدي الناس، ليس باكثر من ذلك، و مبلغ سوره عند الناس مائة و أربع عشر سورة، و عندنا أن الضحى و أ لم نشرح سورة واحدة، و لإيلاف و أ لم تر كيف سورة واحدة. و من نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب. و ما روي - من ثواب قراءة كلّ سورة من القرآن، و ثواب من ختم القرآن كلّه، و جواز قراءة سورتين في ركعة و النهي عن القران بين سورتين في ركعة فريضة- تصديق لما قلناه في أمر القرآن، و أن مبلغه ما في أيدي الناس. و كذلك ما روي من النهي عنقراءة القرآن كله في ليلة واحدة، و أنه لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام تصديق لما قلناه أيضا.
بل نقول: إنه قد نزل من الوحي الذي ليس من القرآن ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه مقدار سبع عشرة ألف آية، و ذلك مثل ... كلّه وحي ليس بقرآن، و لو كان قرآنا لكان مقرونا به و موصولا إليه غير مفصول عنه كما قال أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام لمّا جمعه، فلما جاء به فقال لهم: هذا كتاب اللّه ربكم كما انزل على نبيكم لم يزد فيه حرف و لم ينقص منه حرف فقالوا: لا حاجة لنا فيه، عندنا مثل الذي عندك، فانصرف و هو
ص: 169
يقول: فنبذوه وراء ظهورهم و اشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون. و قال الصادق علیه السلام : القرآن واحد، نزل من عند واحد، على نبي واحد، و إنما الاختلاف من جهة الرواة ...»(1). و قال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادي المتوفّى سنة 413: «و قد قال جماعة من أهل الإمامة: إنه لم ينقص من كلمة، و لا من آية، و لا من سورة، و لكن حذف ما كان مثبتا في مصحف أمير المؤمنين علیه السلام من تأويله، و تفسير معانيه على حقيقة تنزيله، و ذلك كان ثابتا منزلا و إن لم يكن من جملة كلام اللّه تعالى الذي هو القرآن المعجز.
و عندي أنّ هذا القول أشبه (اي اقوی) من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل، و إليه أميل، و اللّه أسأل توفيقه للصواب»(2).
و قال الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي، الملقّب بعلم الهدى المتوفّى سنة 436: «إنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان، و الحوادث الكبار، و الوقائع العظام، و الكتب المشهورة، و أشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدّت و الدواعي توفّرت على نقله و حراسته، و بلغت إلى حدّ لم يبلغه في ما ذكرناه، لأنّ القرآن معجزة النبوّة، و مأخذ العلوم الشرعية و الأحكام الدينيّة، و علماء المسلمين قد بلغوا في حفظه و حمايته الغاية، حتى عرفوا كل شي ء اختلف فيه من إعرابه و قراءته و حروفه و آياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّرا أو منقوصا مع العناية الصادقة و الضبط الشديد؟!».
و قال: «إنّ العلم بتفصيل القرآن و أبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته، و جرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنّفة ككتابي سيبويه و المزني، فإنّ أهل العناية بهذا
ص: 170
الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها، حتى لو أنّ مدخلا أدخل في كتاب سيبويه بابا في النحو ليس من الكتاب لعرف و ميّز، و علم أنّه ملحق و ليس في أصل الكتاب، و كذلك القول في كتاب المزني، و معلوم أنّ العناية بنقل القرآن و ضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه و دواوين الشعراء».
و قال: «إنّ القرآن كان على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مجموعا مؤلّفا على ما هو عليه الآن ...».
و استدلّ على ذلك بأنّ القرآن كان يدرّس و يحفظ جميعه في ذلك الزمان، حتى عيّن على جماعة من الصحابة في حفظهم له، و أنّه كان يعرض على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يتلى عليه، و أنّ جماعة من الصحابة مثل عبد اللّه بن مسعود و ابيّ بن كعب و غيرهما ختموا القرآن على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عدّة ختمات.
كل ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعا مرتّبا غير مبتور و لا مبثوث.
و ذكر: أنّ من خالف في ذلك من الإمامية و الحشوية لا يعتدّ بخلافهم، فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث، نقلوا أخبارا ضعيفة ظنّوا بصحّتها، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته(1).
ثم انه علی فرض تسليم التحريف فقد أجاب عن ان ذلک لا يمنع حجية ظواهره, المحقّق الخراساني بوجوه:
1. التحريف لا يمنع عن حجّية ظواهره، لأنّ الإسقاط لا يلازم حدوث الخلل في آياته.
2. و لو سلم، فلا نعلم حدوثه في آيات الأحكام التي هي مورد الابتلاء للفقيه.
ص: 171
3. و دعوى العلم الإجمالي بوقوع الخلل إمّا في آيات الأحكام، أو في غيرها، غير ضائر بحجّية آيات الأحكام، لعدم منجزية مثل ذاك العلم لعدم إحداثه التكليف على كلّ تقدير، لأنّ الأثر الشرعي - الحجّية - لا يترتّب على سائر الآيات التي لا تحمل حكماً شرعياً، مع أنّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون محدثاً للتكليف على كلّ تقدير، فالآيات الواردة في مجال القصص و العقائد و المعارف ليست بحجّة بمعنى، لا توصف بالتنجّز و التعذير(1).
قيل: أن اختلاف القراءات إذا كان موجباً لاختلاف الظهور منع عن التمسك بالكتاب، لعدم إحراز ما هو القرآن حتى يستدل بظاهره لإثبات الحكم الشرعي. نعم بناءً على القول بثبوت تواتر القراءات او القول بثبوت جواز الاستدلال بكل واحدة من القراءات و ان لم يثبت تواترها, لا مانع من التمسك بظواهره، و ان لم يثبت شي ء منهما، قال الشيخ الأعظم: «أنه إذا اختلفت القراءة في الكتاب على وجهين مختلفين في المؤدى، كما في قوله تعالى ﴿حتى يطهرن﴾ فلا يخلو اما أن نقول بتواتر القراءات كلها ... إلى أن قال: و اما أن لا نقول كما هو مذهب جماعة. فعلى الأول فهما بمنزلة آيتين تعارضتا ...
إلى أن قال: و على الثاني فان ثبت جواز الاستدلال بكل قراءة كما ثبت بالإجماع جواز القراءة بكل قراءة كان الحكم كما تقدم، و إلّا فلا بدّ من التوقف في محل التعارض ... إلخ».
ص: 172
اقول: القراآت السبع التي قيل بتواترها کما قاله العلّامة و الشهيد, و القراءات العشر التي قيل بشهرتها و غيرهما من القراآت الشاذة انما هي خارجة عن ما هو مثبّت في القران الکريم و المثبّت في القران الکريم انما هو قراءة واحدة و هي التي تسمی بقراءة عاصم بن ابي النجود و هي متواترة بتواتر القران الکريم, لما تقدم من بطلان القول بتحريف القران الکريم, و عليه فما عداها من القراآت لم يثبت تواترها کما حققه المحقق الخوئي رحمه الله في کتابه تفسير البيان و قد استفاض الحديث عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام بأنّ القرآن واحد نزل من عند واحد(1)، و لم يكن للنبي إلّا قراءة واحدة و هي القراءة المثبتة .
نعم القدر المتيقن هو جواز القراءة بالقراءات الاخری, و علی ضوء ذلک فلا تعارض القراءة الثابتة في القران الکريم بل و لا دليل علی جواز الاستدلال بها, و بذلک فلا مکان للقيل المتقدم و لا لما يتفرع عليه .
کان البحث السابق لبيان جهة كبروية و هي حجية ظواهر الألفاظ , و بقي البحث عن الصغرى و هي إحراز الظهور و أن اللفظ الفلاني هل هو ظاهر في المعنى ام لا؟
فنقول: أن الظهور ان أحرز بالقطع فلا شك في حجيته و لزوم اتباعه، و ان لم يحرز به، فاما أن يكون الشك و عدم إحراز الظهور لأجل احتمال وجود القرينة، و اما للشك في
ص: 173
قرينية ما هو موجود، و اما للشك في الوضع، و أن الموضوع له هل هو هذا المعنى أم غيره، و سيأتي الکلام عن هذه الصور الثلاثة .
و قد يکون الشكّ في ظهور هيئات الجمل، كهيئة الجمل الاسمية و الفعلية، أو هيئة الجمل الشرطية، أو الوصفية، و هيئة الأمر و النهي، فالمرجع هو علم المعاني، لكنّ الأصوليين أدخلوا قسماً من هذه البحوث في علم الأصول لمدخليتها في الغرض.
و قد يکون الشكّ في ظهور المفردات، فإن كان الشكّ في هيئتها كاسم الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة و اسم المبالغة، فالمرجع هو علم الصرف حيث يبحث عن وضع أسماء الفاعلين و المفعولين.
و لو تعلّق بمادة المفردات، فقد تقدّم انّ المرجع هو التبادر، و عدم صحّة السلب و الاطراد.
الصورة الاولی: قال في الکفاية: «قد عرفت حجّيّة ظهور الكلام في تعيين المرام، فإن احرز بالقطع و أنّ المفهوم منه جزما- بحسب متفاهم أهل العرف- هو ذا، فلا كلام, و إلّا، فإن كان لأجل احتمال وجود قرينة، فلا خلاف في أنّ الأصل عدمها. لكنّ الظاهر أنّه معه (اي: مع احتمال وجود القرينة) يبنى على المعنى الّذي لولاها (أي: لو لا القرينة) كان اللفظ ظاهرا فيه ابتداء، لا أنّه يبنى عليه بعد البناء على عدمها»(1), أي: لا أنّه يبنى على
ص: 174
عدم القرينة أوّلا ثمّ يبنى على المعنى الظاهر فيه لو لا القرينة. و علی هذا فينتفي احتمال وجود القرينةبإجراء أصالة الظهور رأسا، لا بأصالة عدم القرينة. خلافا للشيخ الأعظم الأنصاريّ، فإنّه ذهب إلى أنّ احتمال وجود القرينة ينفى بإجراء أصالة عدم القرينة- المشروط بالفحص عنها و اليأس عن الظفر بها- أوّلا، ثمّ تجري أصالة الظهور و يؤخذ به(1).
و فيه: أن بناء العقلاء هو الأخذ بظاهر الكلام ما لم يقطع بوجود قرينة على الخلاف، و ليس بناؤهم على إجراء أصالة عدمها في ظرف الشك في وجودها كما يدعيه شيخنا الأعظم رحمه الله .
الصورة الثانية: و هي الشك في قرينية الموجود بان كان عدم إحراز الظهور للشك في قرينية الموجود كالاستثناء الواقع عقيب الجمل المتعددة كقوله: «أكرم الفقهاء و النحاة و الأصوليين الّا شعراءهم» فان الاستثناء صالح للرجوع إلى الأخيرة و إلى الجميع أيضا، و هنا ذكر صاحب الکفاية: أنه بناء على حجية أصالة الحقيقة تعبداً من العقلاء لا من باب الظهور فلا إشكال في البناء على المعنى الحقيقي و عدم رفع اليد عنه إلّا بحجة على خلافه، لعدم اشتراط الظهور في حجية أصالة الحقيقة على هذا البناء، فهي حجة سواء كانت كاشفة عن المراد أم لا.
اقول: الصحيح ان أصالة الحقيقة حجة من باب الظهور لا التعبد لعدم الدليل علی التعبد بها، فحينئذ يعامل مع هذه الصورة معاملة المجمل، لإجمال الكلام بسبب ما احتف به مما
ص: 175
يصلح للقرينية، فلا ظهور حتى تجري فيه أصالة الظهور، و من المعلوم أن حكم المجمل حينئذ الرجوع إلى الأصل العملي في المسألة.
الصورة الثالثة: و هي الشك في الموضوع له, بأن كان عدم إحراز الظهور لأجل الجهل بالمعنى الموضوع له لغة أو المفهوم منه عرفاً، فحكمه عدم حجية الظن فيه، لأنه ظن بالظهور، و لا دليل إلَّا على حجية الظهور المعلوم، فيبقى الظنبالظهور داخلا تحت أصالة عدم حجية الظن, لکن نسب إلى مشهور المعاصرين حجية الظن الحاصل من قول اللغوي(1).
و قبل الخوض في الاستدلال علی الحجية لابد من معرفة ان قول اللغوي هل انه حجة من باب الشهادة، أو من باب الرجوع الی اهل الخبرة؟
حيث ان المعروف انه لو قلنا بأنّ تشخيص المعاني الحقيقية من المجازية من الأمور الحسية، التي لا تحتاج إلى إعمال النظر و الفكر، فتكون حجّية قوله من باب الشهادة فيعتبر فيه ما هو المعتبر فيها من العدالة و التعدّد.
و إن قلنا بأنّها من الأمور التي تتوقف على إعمال النظر و الرأي و الاجتهاد، فتكون حجّيته من باب حجّية قول أهل الخبرة، فلا يعتبر فيه واحد من الأمرين، نعم يعتبر في المخبر الوثاقة و الصداقة .
ذهب المحقّق الخوئي إلى القول الأوّل، و قال: بأنّ تعيين معاني الألفاظ من قبيل الأمور الحسية التي لا دخل للنظر و الرأي فيها، لأنّ اللغوي ينقلها على ما وجده من الاستعمالات
ص: 176
و المحاورات، و ليس له إعمال النظر و الرأي، فيكون داخلًا في باب الشهادة فتعتبر فيه العدالة و التعدّد على قول المشهور(1).
و فيه اولا: ان معاني الألفاظ و ان کانت من قبيل الأمور الحسية التي لا دخل للنظر و الرأي فيها, الّا ان الانسان بعد الالمام بها و الاطلاع عليها و التخصص بمعرفتها يکون من العلماء بها و الرجوع اليه من باب رجوع الجاهل الی العالم لا الی الشاهد حسب سيرة العقلاء و بنائهم, فأنّ الالمام بدقائق اللغة، يخلق في الإنسان قوّة أدبية، يميز بها المعنى الحقيقي للّفظ عن المعنى المجازي، و تشخيص المراد من اللفظ عن غيره على وجه يثق بما استخرجه، و لكنّه رهن التخصص بكتب اللغة و مطالعتها، و اما کونها شهادة فينحصر ذلک في الدعاوي و المحاکم و لم يعهد من العقلاء تسريته الی غيرها من الامور التي يطلب العلم بها .
ثانيا: أنّه رحمه الله قصر النظر على أصحاب المعاجم من المتأخرين الذين اکتفوا بمراجعة المصادر الاولية من المعاجم اللغوية، فليس لهم شأن إلّا ما ذكر فيها، و أمّا أصحاب المعاجم الأوائل، كالعين للخليل، و الجمهرة لابن دريد، و المقاييس لابن فارس، و الصحاح للجوهري، و أساس اللغة للزمخشري، و اللسان لابنمنظور، فعملهم مزيج بالاجتهاد و إعمال النظر، و يشهد لذلك، استشهادهم بالآيات و الأحاديث النبوية و أشعار الشعراء حيث يعيّنون موارد الاستعمال بفضل الإمعان فيها.
مضافا الی إنّ تعيين مواضع استعمال الألفاظ فضلاً عن تعيين معانيها و أوضاعها ليس أمراً بسيطاً بل يحتاج الی دقة و إمعان، و من طالع المقاييس لابن فارس أو أساس اللغة للزمخشري أو اللسان لابن منظور يقف على الجهود التي بذلوها لتبيين مفاهيم الألفاظ و
ص: 177
موارد استعمالها، فالشكّ في أنّ أخبارهم كأخبار أهل الخبرة في غير محله, و بالجملة فاستخراج المعاني بفضل الآيات و الروايات و أشعار الشعراء و كلمات العرب يحتاج إلى لطف في القريحة و دقة في الكلام، أضف إلى ذلك انّ قسماً منهم قد قضى عمره في البادية ليعرف مواضع الاستعمال عن كثب، و انّ المتبادر هل هو مقرون بالقرينة أو لا؟ كلّ ذلك لا ينفك عن الاجتهاد و اعمال النظر, و عليه فالمتعيّن انّه لو قلنا بحجّية قول اللغوي فإنّما نقول به من باب الرجوع الی أهل الخبرة.
استدل للقول بحجية قول اللغوي بعد كون الأصل عدم حجّية قوله, بوجوه:
الوجه الاول: أنه استقرت سيرة العلماء على التمسك بقول اللغوي في مقام الاستدلال، إذ لو سُئلوا عن الوجه الداعي لهم إلى جعل لفظ قالباً لمعنى لأجابوا بأن الداعي إلى ذلك هو الظفر بذلك المعنى في كلام اللغويين، و لو كان هناك لجاج و مخاصمة لسكت الخصم بذلك، و لا يعترض عليهم بأنه لا ينبغي التمسك بقول اللغوي في تشخيص الأوضاع، و السكوت و عدم الإنكار دليل على اتباع قول اللغوي عندهم و عملهم به .
و فيه: ما أورد عليه المحقّق الخراساني من أنّه ليس كاشفاً عن دليل تعبّدي وصل إليهم لم يصل إلينا، لاحتمال انّهم استندوا في عملهم على بناء العقلاء من الرجوع إلى أهل الخبرة، و أهل اللغة منهم، فيكون الإجماع مدركياً.
ص: 178
الوجه الثاني: استقرار سيرة العقلاء بما هم عقلاء على الرجوع إلى قول اللغوي و الاستناد إلى كلامه في تشخيص الموضوع له عن غيره، و الظاهر أن هذه السيرة ممضاة لعدم الردع عنها لأنّ تاريخ الأدب العربي يكشف عن وجود السيرةفي صدر الرسالة، و قد كان ابن عباس مرجعاً في تفسير غريب اللغة و قد سأله نافع بن الأزرق عن لغات القرآن ما يربو على مائة و سبعين مورداً، فأجاب على الجميع مستشهداً بشعر العرب، و قد نقل الجميع السيوطي في إتقانه، و كان يقول: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فانّ الشعر ديوان العرب(1), أضف إلی ذلک انّ غير العرب كانوا يتعلمون معاني الألفاظ و مفاهيمها من أهل اللغة، فحجّية رأي أهل اللسان في بيان معاني الألفاظ، يوجب حجّية قول اللغوي خصوصاً إذا كان من أهل اللسان .
و أورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين:
الاول: انّ المتيقن من الرجوع إلى رأي أهل الخبرة هو كونه مفيداً للوثوق، و لا يحصل وثوق بالأوضاع عن قول اللغوي.
الثاني: انّه ليس من أهل الخبرة، لأنّ المطلوب هو تشخيص المعاني الحقيقية عن المجازية ليحمل اللفظ عند التجرّد عن القرينة عليه، و لكنّ همّ اللغوي ينحصر في بيان موارد الاستعمال لا تعيين الحقيقة و المجاز، و ليس ذكره أوّلًا دليلًا على كونه المعنى الحقيقي.
و يرد علی الأوّل: أن بناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة ليس على الوثوق الشخصي، بل النوعيّ، و هو حاصل من قول اللغوي, فقوله حجّة سواء أفاد الوثوق الشخصي أم لا، نظير الرجوع إلى قول الرجالي في تمييز الثقات عن غيرهم، أو الرجوع إلى المجتهد في تعيين الوظائف الشرعية .
ص: 179
و يرد علی الثاني:
اولا: ما تقدم من ان معاني الألفاظ و ان کانت من قبيل الأمور الحسية التي لا دخل للنظر و الرأي فيها, الّا ان الانسان بعد الالمام بها و الاطلاع عليها و التخصص بمعرفتها يکون من العلماء بها و الرجوع اليه من باب رجوع الجاهل الی العالم لا الی الشاهد حسب سيرة العقلاء و بنائهم فأنّ الالمام بدقائق اللغة، يخلق في الإنسان قوّة أدبية، يميز بها المعنى الحقيقي للّفظ عن المعنى المجازي، و تشخيص المراد من اللفظ عن غيره على وجه يثق بما استخرجه، و لكنّه رهن التخصص بكتب اللغة و مطالعتها .
ثانيا: مضافا الی أنّ معاجم اللغة على قسمين قسم ألّف لبيان المعاني الأوّلية للألفاظ و إراءة كيفية اشتقاق سائر المعاني من المعنى الأصلي، بحيث تكون أكثر المعاني صوراً مختلفة لمعنى أصلي، و قد ألّف في هذا المضمار المقاييس لابن فارس، و أساس اللغة للزمخشري، فالمراجع إلى الكتابين يقف على المعنى الأصلي و المعاني الفرعية المشتقة من المعاني الأصلية، ثمّ المعاني المجازية, و لا شک ان هؤلاء من اهل الخبرة .
ثالثا: أن اللغوي و ان لم يكن خبيراً بالأوضاع و عارفاً بالحقائق و المجازات ، إلّا أن قوله موجب لظهور اللفظ في المعنى الّذي استعمله فيه، و هذا المقدار كاف في إثبات الظهور الّذي هو موضوع الحجة العقلائية .
الوجه الثالث: جريان مقدمات الانسداد الصغير في باب اللغات و إلى ذلك أشار الشيخ الأنصاري بقوله: و الإنصاف انّ موارد الحاجة إلى قول اللغويين أكثر من أن يحصى في تفاصيل المعاني بحيث يفهم دخول الأفراد المشكوكة أو خروجها و إن كان المعنى في
ص: 180
الجملة معلوماً من دون مراجعة اللغوي كما في مثل ألفاظ الوطن و المفازة، و التمر، و الفاكهة و الكنز و المعدن و الغوص و غير ذلك من متعلقات الأحكام ممّا لا تحصى، و إن لم يكن الكثرة بحيث يوجب التوقف فيها محذوراً(1).
و قد أورد عليه المحقّق الخراساني بما حاصله: من أنّ الانسداد الصغير لا يثبت حجّية قول اللغوي، و ذلك لأنّ باب العلم و العلمي للأحكام الشرعية التي يهمّ المجتهد إمّا مفتوح أو مسدود، فعلى الأوّل، لا وجه لحجّية الظن الحاصل من قول اللغوي، و إن حصل منه الظن بالحكم الشرعي، لفرض انفتاح باب العلم بالأحكام، و على الثاني، يكون الظن على الإطلاق حجّة إذا وقع في طريق الاستنباط و منه الظن الحاصل من قول اللغوي، و إن فرض انفتاح باب العلم باللغات بتفاصيلها فيما عدا المورد(2).
و قد يقال: إنّ فرض انفتاح باب العلم و العلمي في جميع الأحكام الشرعية، يلازم حجّية قول اللغوي في الموارد التي يتوقف استنباط الأحكام على فهم التفاصيل و إلّا فيكون فرض الانفتاح في جميع الأحكام فرضاً باطلاً، لأنّ قسماً من الأحكام لا يعلم إلّا من طريق قول اللغوي، فكيف يكون باب العلم و العلمي مفتوحاً في عامة الأحكام الشرعية، مع عدم حجّية قول اللغوي الذي يتوقف عليه استنباط بعض الأحكام؟!
و فيه: انه لا يلزم من عدم القول بحجية قول اللغوي انسداد باب العلم و العلمي بالاحکام فان اکثر کلمات الکتاب و السنة واضحة و لو من خلال العلم ببعضها و القرائن المحفوفة
ص: 181
ببعضها الاخر بل ما يتوقف علی حجية قول اللغوي منها قليل ان لم يکن نادرا . و هذا کله علی القول بحجية الظن الانسدادي و الّا فهو باطل من اصله .
الرابع: عموم حجية خبر الثقة للاحکام و الموضوعات الّا ما خرج بالدليل کالمرافعات .
الخامس: ما عن المحقق السيد المروج من انه يمكن إثبات الوضع بقول اللغوي بعد البناء على وثاقته في نقل موارد الاستعمال، بأن يقال: انه بعد وقوفه على استعمال أهل اللسان لفظاً في معنى بلا قرينة، فلا محالة يكون ذلك المعنى حقيقياً، إذ لو كان مجازياً لنصبوا عليه قرينة، و احتمال نصبهم لها و إهمال اللغوي لذكرها خلاف ما فرض من كونه ثقة في النقل، كما أن احتمال وجود قرينة خفية على اللغوي مندفع بالأصل.
و بالجملة: فنقل اللغوي لموارد الاستعمال يدل على وضع اللفظ فيما استعمل فيه، و هذا غير كون الأصل في الاستعمال الحقيقة، إذ المدار هنا على الظهور المجرد عن القرينة بمعونة الأصل العقلائي، و هناك على الاستعمال في المعنى المعلومقصده، مع الجهل بكونه حقيقة أو مجازاً، و من المعلوم أن مجرد الاستعمال ليس أمارة على الحقيقة(1).
السادس: أن قول اللغوي يفيد الاطمئنان و الوثوق الشخصي .
ص: 182
و فيه: أنه أخص من المدعى، لاختصاصه بموارد اتفاق اللغويين، و أما موارد اختلافهم فلا يحصل الوثوق الشخصي بقولهم فيها, نعم يحصل الوثوق النوعي و قد تقدم البحث عنه.
إنّ الأصل الأوّلي فيما يمكن الاحتجاج به عدم الحجّية إلّا إذا قام الدليل القطعي على حجّيته، و مما قيل بخروجه عن تحت ذلك الأصل هو إجماع العلماء على الحكم الشرعي و هو علی قسمين:
الاول: الاجماع المحصل .
الثاني: الاجماع المنقول، فيقع البحث في مقامين .
و أمّا الاتفاق فإنّما يفهم من ذكر المتعلّق، يقال: أجمع القوم على كذا أي اتفقوا، قال سبحانه: ﴿فأجمعوا أمركم و شركاءكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّةً﴾(1).
و أمّا اصطلاحاً فقد عرّف بتعاريف، و بما انّ ملاك حجّيته عند العامة غير ملاكها عند الشيعة و لذا فقد اختلفت تعاريفه, فاما العامة فعرّفه بعضهم کالحاجبيّبانه: اتّفاق الفقهاء من المسلمين على حكم شرعيّ(2)، و عرفه اخر بانه: اتّفاق أهل الحلّ و العقد من المسلمين على الحكم(3)، و عرفه الغزاليّ بانه: اتّفاق أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله على الحكم(4)، لکن مهما اختلفت هذه التعبيرات فإنّها ترمي إلى معنى جامع بينها، و هو اتّفاق جماعة لاتّفاقهم شأن في إثبات الحكم الشرعيّ. و لذا استثنوا من المسلمين سواد الناس و عوامّهم؛ لأنّه لا شأن لآرائهم في استكشاف الحكم الشرعيّ، و إنّما هم تبع للعلماء و لأهل الحلّ و العقد.
و هذا الإجماع بما له من هذا المعنى قد جعله الأصوليّون من العامّة أحد الأدلّة الأربعة(5)، أو الثلاثة(6) على الحكم الشرعيّ، في مقابل الكتاب و السنّة .
ص: 184
و أمّا الإماميّة فقد جعلوه أيضا أحد الأدلّة على الحكم الشرعيّ، و لكن من ناحية شكليّة و اسميّة فقط؛ مجاراة للنهج الدراسيّ في أصول الفقه عند العامة، أي إنّهم لا يعتبرونه دليلا مستقلاّ في مقابل الكتاب و السنّة، بل إنّما يعتبرونه إذا كان كاشفا عن السنّة، أي عن قول المعصوم؛ فالحجّيّة و العصمة ليستا للإجماع، بل الحجّة في الحقيقة هو قول المعصوم الذي يكشف عنه الإجماع عند ما تكون له أهليّة هذا الكشف.
و لذا توسّع الإماميّة في إطلاق كلمة «الإجماع» على اتّفاق جماعة قليلة لا يسمّى اتّفاقهم في الاصطلاح إجماعا، باعتبار أنّ اتّفاقهم يكشف كشفا قطعيّا عن قول المعصوم، فيكون له حكم الإجماع، بينما لا يعتبرون الإجماع الذي لا يكشف عن قول المعصوم و إن سمّي إجماعا بالاصطلاح. و هذه نقطة خلاف جوهريّة و مهمة في حجية الإجماع .
لکن لنا نتساءل کيف اصبح الإجماع حجّة و دليلا مستقلاّ على الحكم الشرعيّ في مقابل الكتاب و السنّة؟ حيث أنّه من الواضح أنّ إجماع الناس جميعا على شي ء، أو إجماع أمّة من الأمم بما هو إجماع و اتّفاق لا قيمة علميّة له في استكشاف حكم اللّه تعالى؛ لأنّه لا ملازمة بينه و بين حكم اللّه تعالى، فالعلم به لا يستلزم العلم بحكم اللّه تعالى بأيّ وجه من وجوه الملازمة.
و لو أنّ إجماع الناس بما هو إجماع كيفما كان و بأيّ دافع كان؛ هو حجّة و دليل لوجب أن يكون إجماع الأمم الأخرى غير المسلمة أيضا حجّة و دليلا. و لا يقول بذلك واحد ممّن يرى حجّيّة الإجماع.
إذن، كيف اتّخذ الأصوليّون إجماع المسلمين بالخصوص حجّة؟! و ما الدليل لهم على ذلك؟
ص: 185
و للجواب عن هذا السؤال قال الشيخ الاعظم: (انّ الإجماع في مصطلح الخاصة بل العامة الذين هم الأصل له) لأنّهم اخترعوه و جعلوه قسيما للكتاب و السنّة و العقل، و استدلوا على حجيته بقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: لا تجتمع أمّتي على الخطاء، ثم تقبله الإمامية بلحاظ أنّ الأمّة إذا اجتمعت على قول كان أحدهم الإمام علیه السلام (و هو الأصل لهم) لأنّه مبنى دينهم لأنّ عمدة أدلتهم على خلافة أبي بكر دعوى إجماع الأمّة عليها(1) .
اقول: و توضيح ذلک علينا أن نرجع القهقرى إلى أوّل إجماع اتّخذ دليلا في تأريخ المسلمين. إنّه الإجماع المدّعى على بيعة أبي بكر؛ خليفة للمسلمين، فإنّه إذا وقعت البيعة له - و المفروض أنّه لا سند لها - من طريق النصّ القرآنيّ، و السنّة النبويّة؛ اضطرّوا إلى تصحيح شرعيّتها من طريق الإجماع، فقالوا:
أوّلا: إنّ المسلمين من أهل المدينة أو أهل الحلّ و العقد منهم أجمعوا على بيعته(2).
و ثانيا: إنّ الإمامة من الفروع لا من الأصول(3).
و ثالثا: إنّ الإجماع حجّة في مقابل الكتاب و السنّة، أي إنّه دليل ثالث، غير الكتاب و السنّة .
ثمّ منه توسّعوا، فاعتبروه دليلا في جميع المسائل الشرعيّة الفرعيّة. و استدلوا لإثبات حجّيّته بالكتاب، و السنّة، و العقل.
و من الطبيعي ألّا يجعلوا الإجماع من ادلته؛ لأنّه يؤدّي إلى إثبات الشي ء بنفسه، و هو دور باطل.
ص: 186
أمّا الكتاب: فآيات استدلّوا بها و هي لا تنهض دليلا على مقصودهم کما قاله النظام و اصحابه منهم کما سيأتي, و نکتفي بايتين:
الاولی: آية سبيل المؤمنين، و هي قوله تعالى: ﴿وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً﴾(1) فإنّها توجب اتّباع سبيل المؤمنين، فإذا أجمع المؤمنون على حكم فهو سبيلهم، فيجب اتّباعه. و بهذه الآية تمسّك الشافعيّ على ما نقل عنه(2).
و يكفي في ردّ الاستدلال بها ما استظهره الغزاليّ منها؛ إذ قال: «الظاهر أنّ المراد بها أنّ من يقاتل الرسول و يشاقّه و يتّبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته و نصرته و دفع الأعداء عنه نولّه ما تولّى؛ فكأنّه لم يكتف بترك المشاقّة حتى تنضمّ إليه متابعة سبيل المؤمنين في نصرته، و الذبّ عنه، و الانقياد له فيما يأمر و ينهى». ثمّ قال: «و هذا هو الظاهر السابق إلى الفهم»(3).
و ايضا فإنّ سبيل غير المؤمنين عبارة عن عدم الإيمان به و معاندته و محاربته، و سبيل المؤمنين على ضدّ سبيلهم، فهم يؤمنون به و يحبّونه، و ينصرونه في سبيل أهدافه.
فاللّه سبحانه يذمُّ الطائفةَ الأُولى و يمدح الطائفةَ الثانية، و عندئذ أيُّ صلة للآية بحجّية اتفاق المجتهدين في مسألة من المسائل الفرعية؟
الثانية: قال سبحانه: ﴿وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾(4) وجه الاستدلال: أنّ الوسطَ من كلّ شي ء خياره، فيكون تعالى
ص: 187
قد أخبر عن خيرية هذه الأُمّة، فإذا أقدموا على شي ء من المحظورات، لما وُصِفُوا بالخيرية، فيكون قولهم حجّة(1).
و اجيب: أوّلًا: انّ الوسط بمعنى العدل، فالآية تصف الأُمّة الإسلامية بالوسطيّة، إمّا لأنّهم أُمّة متوسطة بين اليهود المفرّطين في حقّ الأنبياء حيث قتلوا أنبياءهم، و النصارى الغلاة في حقّهم حتى اتّخذوا المسيح إلهاً، أو انّهم أُمّة متوسطة بين اليهود المكبَّة على الدنيا، و النصارى المعرضة عنها لأجل الرهبانية المبتدعة، و أيّ صلة لهذا المعنى بحجّية رأي الأُمّة في مسألة فقهية؟
ثانياً: نفترض انّ الأُمّة الإسلامية خيار الأُمم و أفضلها لكنّه لا يدل على أنّهم عدول لا يعصون، و لا يدل على أنّهم معصومون لا يخطئون، و المطلوب في المقام هو إثبات عصمة الأُمّة، كعصمة القرآن و النبي صلى الله عليه و آله و سلم حتى يكون ما أجمعوا عليه دليلًا قطعيّاً، مثلَ ما ينطِقُ به الكتابُ و النبيّ الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم و الآية لا تدل على عصمتهم.
و كون خبر العادل حجّة، غير كون الإجماع حجّة، فإنّ الحجّة في الأوّل بمعنى كونه منجِّزاً إنْ أصاب، و معذِّراً إنْ أخطأ، لا كونه مصيباً للواقع على كلّ حال، و هذا بخلاف كون الإجماع حجّة فإنّ معناه بحكم عصمة الأُمّة انّه مصيب للواقع بل نفسه و الحكم قطعي.
ثالثاً: انّ وصف الأُمّة جميعاً، بالخيار و العدل، مجاز قطعاً، فإنّ بين الأُمّة من بلغ من الصلاح و الرشاد إلى درجة يُستدرّ بهم الغمام، و من بلغ في الشقاء أعلى درجته فخضّب الأرض بدماء الصالحين و المؤمنين، و مع ذلك كيف تكون الأُمّة بلا استثناء خياراً و
ص: 188
عدلًا، و تكون بعامّة أفرادها شهداء على سائر الأُمم، مع أنّ كثيراً منهم لا تقبل شهادتُهم في الدنيا فكيف في الآخرة؟! (1).
و أمّا الآيات الأخرى فقد اعترف الغزاليّ(2) كغيره(3) بعدم ظهورها في حجّيّة الإجماع، فلا نطيل بذكرها، و مناقشة الاستدلال بها.
و أمّا الاخبار: فقد رووا اخبارا تؤدّي هذا المضمون «لا تجتمع أمّتي على الخطأ»(4)، و استنبطوا منه عصمة الأمّة الإسلاميّة من الخطأ و الضلالة(5)، فيكون إجماعها كقول المعصوم حجّة و مصدرا مستقلاّ لمعرفة حكم اللّه تعالى .
و قد اجاب النظام و أصحابه ضمن کلام له «أنه لا حجة في الإجماع و أنه يجوز أن تجتمع الأمة على الخطإ و المعصية و على الفسق بل على الردة و له كتاب موضوع في الإجماع يطعن فيه في أدلة الفقهاء و يقول إنها ألفاظ غير صريحة في كون الإجماع حجة نحو قوله ﴿جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ و قوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ و قوله ﴿وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. و أما الخبر الذي صورته (لا تجتمع أمتي على الخطإ) فخبر واحد»(6).
و اجيب: بان هذه الأحاديث على تقدير التسليم بصحّتها لا تنفع في تصحيح دعواهم؛ لأنّ المفهوم من اجتماع الأمّة كلّ الأمّة، لا بعضها، فلا تثبت بهذه الأحاديث عصمة البعض من الأمّة، بينما أنّ مقصودهم من الإجماع، إجماع خصوص الفقهاء، أو أهل
ص: 189
الحلّ و العقد في عصر من العصور، بل خصوص الفقهاء المعروفين، بل خصوص المعروفين من فقهاء طائفة خاصّة، و هي طائفة أهل العامّة، بل يكتفون باتّفاق جماعة، و يطمئنّون إليهم، كما هو الواقع في بيعة السقيفة.
فأنّى لنا أن نحصل على إجماع جميع الأمّة بجميع طوائفها و أشخاصها في جميع العصور إلّا في ضروريّات الدين، مثل وجوب الصلاة، و الزكاة، و نحوهما. و هذه ضروريّات الدين ليست من نوع الإجماع المبحوث عنه. و لا نحتاج في إثبات الحكم بها إلى القول بحجّيّة الإجماع.
و أمّا دليل العقل الذي عبّر عنه بعضهم بالطريق المعنويّ(1) فغاية ما يقال في توجيهه أنّ الصحابة إذا قضوا بقضيّة، و زعموا أنّهم قاطعون بها فلا يقطعون بها إلّا عن مستند قاطع، و إذا كثروا كثرة تنتهي إلى حدّ التواتر فالعادة تحيل عليهم قصد الكذب، و تحيل عليهم الغلط. فقطعهم في غير محلّ القطع محال في العادة. و التابعون و تابعو التابعين إذا قطعوا بما قطع به الصحابة، فيستحيل في العادة أن يشذّ عن جميعهم الحقّ مع كثرتهم(2).
ففيه: أنّ قطع المجمعين- مهما كانوا- لئن كان يستحيل في العادة قصدهم الكذب في ادّعاء القطع، لکن لا يستحيل في حقّهم الغفلة، أو الاشتباه، أو الغلط، كما لا يستحيل أن يكون إجماعهم بدافع العادة، أو العقيدة، أو أيّ دافع من الدوافع الأخرى, و لأجل ذلك اشترط في التواتر الموجب للعلم ألّا يتطرّق إليه احتمال خطأ المخبرين في فهم الحادثة، و اشتباههم .
و لا عجب في تطرّق احتمال الخطأ في اتّفاق الناس على رأي، بل تطرّق الاحتمال إلى ذلك أكثر من تطرّقه إلى الاتّفاق في النقل؛ لأنّ أسباب الاشتباه و الغلط فيه أكثر.
ص: 190
ثمّ إنّ هذا الطريق العقليّ أو المعنويّ لو تمّ فأيّ شي ء يخصّصه بخصوص الصحابة، أو المسلمين، أو علماء طائفة خاصّة، من دون باقي الناس، و سائر الأمم؟ إلّا إذا ثبت من دليل آخر اختصاص المسلمين، أو بعض منهم بمزيّة خاصّة ليست للأمم الأخرى، و هي العصمة من الخطأ. فإذن، على هذا التقدير لا يكون الدليل على الإجماع إلّا هذا الدليل الذي يثبت العصمة للأمّة المسلمة، أو بعضها، لا الطريق العقلي المدّعى. و هذا رجوع إلى الدليل الأوّل و الثاني، و ليس هو دليلا مستقلاّ عنهما.
و بالختام نقول: إذا كانت هذه المسالك الثلاثة لم تتمّ لنا أدلّة على حجّيّة الإجماع من أصله من جهة أنّه إجماع فلا يظهر للإجماع قيمة من ناحية كونه حجّة، و مصدرا للتشريع الإسلاميّ مهما بالغ الناس في الاعتماد عليه. و إنّما يصحّ الاعتماد عليه إذا كشف لنا عن قول المعصوم، فيكون حينئذ كالخبر المتواتر الذي تثبت به السنّة(1).
هذا و من المضحک ان بعضهم ربط الاجماع بالشوری يقول الشيخ عبد الوهاب خلاّف: منشأ فكرة الإجماع انّ الإسلام أساسه في تدبير شؤون المسلمين، الشورى، و أنْ لايستبد أُولي الأمر منهم بتدبير شؤونهم سواء أ كانت تشريعية، أم سياسية، أم اقتصادية، أم إدارية أم غيرها من الشئون، قال اللّه تعالى مخاطباً رسوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾(2)، و لم يخص سبحانه بالمشاورة أمراً دون أمر ... ليشعرهم أنّ الشورى من عمد دينهم كإقامة الصلاة, و على هذا الأساس كان الرسول صلى الله عليه و آله و سلم يستشير رؤوس صحابته في الأُمور التي لم ينزل وحي من ربِّه، و مما كان يستشيرهم فيه التشريع فيما لم ينزل فيه قرآن إلى أن قال: و من هنا يتبيّن أنّ إجماع الصحابة ما كان إلّا اتّفاق من أمكن اجتماعهم من رؤوسهم و خيارهم على حكم واقعة لم يرد نص بحكمها، و أنّ
ص: 191
الذي دعاهم إلى اتّباع هذا السبيل هو العمل بالشورى التي أوجبها اللّه و سار عليها الرسول، و تنظيم اجتهاد الأفراد فيما لا نصّ فيه، فبدلًا من أنيستقل كلّ فرد من خيارهم بالاجتهاد في هذه الوقائع اجتمعوا و تشاوروا و تبادلوا الآراء، و الخليفة ينفذ الحكم الذي اتّفقوا عليه(1).
و اجيب أوّلًا: بانه قد تضافرت الآيات القرآنية على أنّ التشريع حقّ مختص باللّه تبارك و تعالى، و أنّ كلّ تشريع لم يكن بإذنه فهو افتراء على اللّه و بدعة، و ليس على الناس إلّا الحكم بما أنزل اللّه، و من حكم بغيره فهو كافر و ظالم و فاسق(2), قال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِين﴾(3), و مع هذا التصريح فكيف يكون للبشر الخاطئ غير الواقف على المصالح و المفاسد حقّ التشريع على الإنسان على وجه يكون نافذاً، إلى يوم البعث؟! نفترض أنّ لفيفاً من الصحابة بذلوا جهوداً فوصلوا إلى أنّ المصلحة تكمن في أن يكون حكم الواقعة هو هذا، أ فهل يكون إجماعهم على ذلك الحكم دون أن يكون مستمداً من كتاب أو سنّة حجّة على البشر إلى يوم القيامة، لو لم نقل انّ اتّفاقهم على الحكم عندئذ بدعة و افتراء على اللّه؟! و ثانياً: أنّ عطف الإجماع على المشورة من الغرائب، فإنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم كان يستشير أصحابه في الموضوعات العرفيّة التي ليس للشارع فيها حكم شرعي، و إنّما ترك حكمها إلى الظروف و الملابسات و إلى الناس أنفسهم، حتى نجد انّ أكثر مشاورات النبي صلى الله عليه و آله و سلم كانت تتم في كيفية القتال و الذبّ عن حياض الإسلام.
ص: 192
فهذا هو رسول اللّه يشاور المسلمين في غزوة بدر قبل اصطدامهم بالمشركين، و قال: أشيروا عليّ أيّها الناس، و كأنّه صلى الله عليه و آله و سلم يريد أن يقف على رأي أصحابه في السير إلى الأمام و قتال المشركين، أو الرجوع إلى الوراء، و لم يكن في المقام أيّ حكم مجهول حاول النبي صلى الله عليه و آله و سلم أن يستكشفه عن طريق المشاورة، و كم فرق بين المشاورة في الموضوعات العرفية و المشاورة لكشف حكم شرعي منوط بالوحي؟
و هذه هي مشاورته الثانية في معركة أُحد حيث شاور أصحابه، ليقف على كيفية مجابهة المشركين و أُسلوب الدفاع عن الإسلام فأدلوا بآرائهم، فمن طائفة تصرّ على أن لا يخرج المسلمون من المدينة و يدافعوا عنها متحصنين بها، إلى أُخرىترى ضرورة مجابهة المشركين خارج المدينة(1), إلى غير ذلك من مشاوراته المنقولة في كتب التاريخ كمشاورته في معركة الأحزاب و غيرها.
و من تتبع المشاورات التي أجراها النبي صلى الله عليه و آله و سلم مع أصحابه في التاريخ يقف على حقيقةٍ و هي: انّنا لا نكاد نعثر على وثيقة تاريخية تثبت أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم شاورهم في أُمور الدين و الفتيا، بل كانت تلك المشاورات تتم في أُمور الدنيا و لما فيه صلاح أُمورهم(2).
ص: 193
و قد ذكروا لذلك طرائق، أنهاها المحقّق الشيخ أسد اللّه التستريّ في رسالته في المواسعة و المضايقة إلى اثنتي عشرة طريقة علی ما نقل(1), و نحن نكتفي بذكر الطرق المعروفة، و هي أربعة:
الاولی: طريقة الحسّ اي استكشاف قول المعصوم بدخوله مع المجمعين و يسمّى الإجماع «الإجماع الدخوليّ»، و تسمّى «الطريقة التضمّنيّة». و هي الطريقة التي اختارها السيّد المرتضى(2) و جماعة سلكوا مسلكه(3).
و حاصلها: أن يعلم بدخول الإمام في ضمن المجمعين على سبيل القطع، من دون أن يعرف بشخصه من بينهم.
و هذه الطريقة إنّما تتصوّر إذا استقصى الشخص المحصّل للإجماع بنفسه و تتبّع أقوال العلماء فعرف اتّفاقهم، و وجد من بينها أقوالا متميّزة معلومة لأشخاص مجهولين، حتى حصل له العلم بأنّ الإمام من جملة أولئك المتّفقين؛ أو يتواتر لديهم النقل عن أهل بلد
ص: 194
أو عصر فعلم أنّ الإمام كان من جملتهم، و لم يعلم قوله بعينه من بينهم، فيكون من نوع الإجماع المنقول بالتواتر.
و من الواضح أنّ هذه الطريقة لا تتحقّق غالبا إلّا لمن كان موجودا في عصر الإمام. أمّا: بالنسبة إلى العصور المتأخّرة فبعيدة التحقّق، و قد ذكروا أنّه لا يضرّفي حجّيّة الإجماع- على هذه الطريقة- مخالفة معلوم النسب، و إن كثروا ممّن يعلم أنّه غير الإمام، بخلاف مجهول النسب، على وجه يحتمل أنّه الإمام؛ فإنّه في هذه الصورة لا يتحقّق العلم بدخول الإمام في المجمعين.
الثانية: استكشاف قول المعصوم بقاعدة اللطف و تقريره: أن يستكشف عقلاً رأي الإمام علیه السلام من اتّفاق من عداه من العلماء على حكم، و عدم ردّهم عنه، نظراً إلى قاعدة اللطف التي لأجلها وجب على اللّه نصب الحجّة المتصف بالعلم و العصمة، فانّ من أعظم فوائده، حفظ الحقّ و تمييزه من الباطل كي لا يضيع بخفائه و يرتفع عن أهله أو يشتبه بغيره، و تلقينهم طريقاً يتمكن العلماء و غيرهم من الوصول به إليه و منعهم و تثبيطهم عن الباطل أوّلا، أو ردهم عنه إذا أجمعوا عليه(1).
ص: 195
و هذه الطريقة هي التي اختارها الشيخ الطوسيّ، و من تبعه(1), بل يرى انحصار استكشاف قول الإمام من الإجماع فيها. و ربما يستظهر من كلام السيّد المرتضى كونها معروفة قبل الشيخ أيضا(2).
و ممن ذهب إلى اعتبار الإجماع من هذه الجهة، الشيخ الكراجكي فقال: كثيراً ما يقول المخالفون: إذا كنتم قد وجدتم السبيل إلى علم تحتاجونه من الفتاوى المحفوظة عن الأئمّة المتقدّمين، فقد استغنيتم بذلك عن إمام الزمان، فأجاب إلى فائدة وجوده أيضاً بأنّه يكون من وراء العلماء، و شاهداً لأحوالهم عالماً بأخبارهم، إن غلطوا هداهم، أو نسوا ذكرهم(3).
و لازم هذه الطريقة أيضا عدم كشف الإجماع إذا كان هناك آية، أو سنّة قطعيّة على خلاف المجمعين ؛ إذ يجوز أن يكون الإمام قد اعتمد عليها في تبليغ الحقّ .اقول: الصحيح عدم جريان هذه القاعدة في المقام؛ وفاقا للشيخ الأعظم الأنصاريّ(4) و غيره(5) و ذلک:
اولا: أنّ قاعدة اللطف إنّما تقتضي تبليغ الأحكام بالطرق المتعارفة، و قد بلّغها المعصومين عليهم السلام للرواة المعاصرين لهم، فلو لم تصل إلى اللاحقين لمانع من قبل المكلّفين أنفسهم ليس على الإمام علیه السلام إيصالها إليهم بغير الطرق المتعارفة.
ص: 196
ثانيا: أنّ عدم وقوع اللطف في كثير من المسائل الخلافيّة في الفقه يشهد لعدم وجوب اللطف، و إلّا للزم عدم اللطف الواجب على اللّه سبحانه و تعالی و بعبارة اخری لما ذا لا تقتضي هذه القاعدة أن يظهر الإمام الحقّ، حتى في صورة الخلاف، لا سيّما أنّ بعض المسائل الخلافيّة قد يقع فيها أكثر الناس في مخالفة الواقع؟ بل لو أحصينا المسائل الخلافيّة في الفقه لوجدنا أنّ كثيرا من الناس لا محالة واقعون في مخالفة الواقع، فلما ذا لا يجب على الإمام هنا تبليغ الأحكام، ليقلّ الخلاف، أو ينعدم، و به نجاة المؤمنين من الوقوع في مخالفة الواقع؟
و إذا جاء الاحتمال لا يبقى مجال لاستلزام الإجماع القطع بقول المعصوم من جهة قاعدة اللطف.
ثالثا: لو سلّم وجوب اللطف - و هو إبلاغ ما هو مقرّب إلى الطاعة و ما هو مبعّد عن المعصية - فإنّما هو فيما إذا كانت المسألة المجمع عليها من الأحكام الفعليّة المنجّزة، و أمّا في غيرها من الأحكام الّتي يمنع مانع عن فعليّتها و تنجّزها و الأحكام غير الإلزاميّة فلا دليل على وجوب اللطف عليه تعالى .
رابعا: أنّ السبب الذي يدعو إلى اختفاء الإمام، و احتجاب نفعه, مع ما في اختفاء الإمام و احتجابه. من تفويت لأعظم المصالح النوعيّة للبشر؛ هو نفسه قد يدعو إلى احتجاب حكم اللّه عند إجماع العلماء على حكم مخالف للواقع، لا سيّما إذا كان الإجماع من أهل عصر واحد. و لا يلزم من ذلك إخلال الإمام بالواجب عليه، و هو تبليغ الأحكام؛ لأنّ الاحتجاب ليس من سببه.
و على هذا، فمن أين يحصل لنا القطع بأنّه لا بدّ للإمام من إظهار الحقّ في حال غيبته عند حصول إجماع مخالف للواقع؟
ص: 197
الثالثة: استكشاف قوله علیه السلام بالملازمة العادية اي الحدس بأن يقطع بكون ما اتّفق عليه فقهاء الإماميّة وصل إليهم من رئيسهم و إمامهم يدا بيد، فإنّ اتّفاقهم- مع كثرة اختلافهم في أكثر المسائل- يعلم منه أنّ الاتّفاق كان مستندا إلى رأي إمامهم، لا عن اختراع للرأي من تلقاء أنفسهم اتّباعا للأهواء؛ أو استقلالا بالفهم. كما يكون ذلك في اتّفاق أتباع سائر ذوي الآراء و المذاهب، فإنّه لا نشكّ فيها أنّها مأخوذة من متبوعهم و رئيسهم الذي يرجعون إليه.
و الذي يظهر، أنّه قد ذهب إلى هذه الطريقة أكثر المتأخّرين(1). و لازمها أنّ الاتّفاق ينبغي أن يقع في جميع العصور من عصر الأئمّة عليهم السلام إلى العصر الذي نحن فيه؛ لأنّ اتّفاق أهل عصر واحد- مع مخالفة من تقدّم- يقدح في حصول القطع، بل يقدح فيه مخالفة معلوم النسب ممّن يعتدّ بقوله، فضلا عن مجهول النسب.
اقول: إنّ دعوی حصول القطع بقول المعصوم من الإجماع علی هذا المسلک عهدتها على مدّعيها، فليس من السهل حصول القطع للإنسان في ذلك، إلّا أن يبلغ الاتّفاق درجة يكون الحكم فيه من ضروريّات الدين، أو المذهب، أو قريبا من ذلك عند ما يحرز اتّفاق جميع العلماء في جميع العصور بغير استثناء، فإنّ مثل هذا الاتّفاق يستلزم عادة موافقته لقول الإمام، و إن كان مستند المجمعين خبر الواحد، أو الأصل. و مثله الشهرة المحققة بين قدماء الاصحاب الی زمان ابن ادريس الحلي رحمه الله کما سيأتي البحث عنها في الشهرة .
ص: 198
الرابعة: طريقة التقرير؛ و هي أن يتحقّق الإجماع بمرأى و مسمع من المعصوم، مع إمكان ردعهم ببيان الحقّ لهم، و لو بإلقاء الخلاف بينهم، فإنّ اتّفاق الفقهاء على حكم- و الحال هذه- يكشف عن إقرار المعصوم لهم فيما رأوه، و تقريرهم على ما ذهبوا إليه؛ فيكون ذلك دليلا على أنّ ما اتّفقوا عليه هو حكم اللّه واقعا.
و هذه الطريقة لا تتمّ إلّا مع إحراز جميع شروط التقرير, و مع إحراز جميع الشروط لا شكّ في استكشاف موافقة المعصوم، بل بيان الحكم من شخص واحد بمرأى و مسمع من المعصوم، مع إمكان ردعه و سكوته عنه يكون سكوته تقريراكاشفا عن موافقته. و لكنّ المهمّ أن يثبت لنا أنّ حصول الإجماع في عصر الغيبة علی هذا المسلک فانه لم يثبت و لا مورد واحد يکون شاهدا لها .
و المقصود به الإجماع الذي لم يحصّله الفقيه بنفسه، و إنّما ينقله له من حصّله من الفقهاء، سواء كان النقل له بواسطة، أم بوسائط.
ثمّ النقل تارة يقع على نحو التواتر؛ و هذا حكمه حكم المحصّل من جهة الحجّيّة و قد اتّفقوا على أنّ المنقول بخبر المتواتر كالإجماع المحصّل في الاعتبار، فلا نزاع في حجّيّته.
و أخرى يقع على نحو خبر الواحد. و إذا أطلق قول «الإجماع المنقول» في لسان الأصوليين فالمراد منه هذا الأخير.
و قد وقع الخلاف بينهم في حجّيّته على أقوال.
ص: 199
و لكنّ الذي يظهر أنّهم متّفقون على حجّيّة نقل الإجماع الدخوليّ، و هو الإجماع الذي يعلم فيه من حال الناقل أنّه تتّبع فتاوى من نقل اتّفاقهم حتى المعصوم، فيدخل المعصوم في جملة المجمعين. و ينبغي أن يتّفقوا على ذلك؛ لأنّه لا يشترط في حجّيّة خبر الواحد معرفة المعصوم تفصيلا حين سماع الناقل منه، و هذا الناقل- حسب الفرض- قد نقل عن المعصوم بلا واسطة و إن لم يعرفه بالتفصيل. غير أنّ الإجماع الدخوليّ ممّا يعلم عدم وقوع نقله، لا سيّما في العصور المتأخّرة عن عصر الأئمّة عليهم السلام، بل لم يعهد من الناقلين للإجماع من ينقله على هذا الوجه و يدّعي ذلك.
و عليه، فموضع الخلاف منحصر في حجّيّة الإجماع المنقول بخبر الواحد، غير الإجماع الدخوليّ، و هو على أقوال:
1. إنّه حجّة مطلقا؛ لأنّه خبر واحد کما يظهر من الفصول الغرويّة، و معالم الدين و القوانين(1).
2. إنّه ليس بحجّة مطلقا؛ لأنّه لا يدخل في أفراد خبر الواحد من جهة كونه حجّة کما هو قول اکثر المتاخرين.
3. التفصيل بين نقل إجماع جميع الفقهاء في جميع العصور الذي يعلم فيه من طريق الحدس قول المعصوم، فيكون حجّة، و بين غيره من الإجماعات المنقولة التي يستكشف منها بقاعدة اللطف أو نحوها قول المعصوم، فلا يكون حجّة.
و إلى هذا التفصيل ذهب الشيخ الأعظم الأنصاريّ حيث قال: «إذا عرفت أن مستند خبر المخبر بالإجماع المتضمن للإخبار من الإمام علیه السلام لا يخلو من الأمور الثلاثة المتقدمة و هي السماع عن الإمام مع عدم معرفته بعينه و استكشاف قوله من قاعدة اللطف و حصول
ص: 200
العلم من الحدس و ظهر لك أن الأول هنا غير متحقق عادة لأحد من علمائنا المدعين للإجماع و أن الثاني ليس طريقا للعلم فلا يسمع دعوى من استند إليه فلم يبق مما يصلح أن يكون المستند في الإجماعات المتداولة على السنة ناقليها إلّا الحدس و عرفت أن الحدس قد يستند إلى مبادي محسوسة ملزومة عادة لمطابقة قول الإمام علیه السلام نظير العلم الحاصل من الحواس الظاهرة و نظير الحدس الحاصل لمن أخبر بالعدالة و الشجاعة لمشاهدته آثارهما المحسوسة الموجبة للانتقال إليهما بحكم العادة أو إلى مبادي محسوسة موجبة لعلم المدعي بمطابقة قول الإمام علیه السلام من دون ملازمة عادية و قد يستند إلى اجتهادات و أنظار.
و حيث لا دليل على قبول خبر العادل المستند إلى القسم الأخير من الحدس بل و لا المستند إلى الوجه الثاني و لم يكن هناك ما يعلم به كون الأخبار مستندا إلى القسم الأول من الحدس وجب التوقف في العمل بنقل الإجماع كسائر الأخبار المعلوم استنادها إلى الحدس المردد بين الوجوه المذكورة»(1).
اقول: و لقد اجاد في ما افاد فانه رحمه الله و ان قبل الاجماع المستند الی الحدس في ما اذا استند إلى مبادي محسوسة ملزومة عادة لمطابقة قول الإمام علیه السلام نظير العلم الحاصل من الحواس الظاهرة الّا انه قبله نظريا و ذکر رحمه الله انه لا يعلم تحققه خارجا و لذا توقف في کل الاجماعات المستندة الی الحدس .
و بذلک يظهر ان نقل الإجماع المتضمن لنقل السبب و المسبب معاً عن حس کالمعدوم، و ما ليس کذلک - و هو نقله متضمناً لنقل المسبب فقط و هو رأيالمعصوم علیه السلام - لا
ص: 201
تشمله أدلة حجية الخبر، لاختصاصها بالأخبار الحسية كما سيأتي في البحث عن حجية خبر الواحد .
و قد يقال: انه إذا اشتبه نقل الاجماع المتضمن لنقل المسبب لکن يشک في کونه عن حس أو حدس و لم يحرز كونه بالنسبة إلى المسبب حسياً أو حدسياً، فلا يبعد القول باعتباره، لأن بناء العقلاء قد استقر على العمل بالخبر المشكوك كونه عن حس، كاستقراره على العمل بالخبر المعلوم كونه عن حس، و لذا لو اعتذر شخص عن عدم العمل بالخبر باحتمال كونه عن حدس لم يقبل ذلك منه، و ليس ذلک إلّا لأجل بنائهم على العمل بالمشكوك كونه عن حس كبنائهم على العمل بالمعلوم كونه عن حس, و ذلک لأن مستند حجية الخبر ان كان هو الآيات و الروايات فهي و ان ادعي انصرافها إلى خصوص الخبر الحسي الّا ان ذلک لا يقدح في الاعتماد على بناء العقلاء المقتضي لإلحاق المشكوك كونه عن حس بالمعلوم كذلك، لوضوح أن الآيات و الروايات لا تتكفل حكم الشك، بخلاف بناء العقلاء، فانه يتكفل ذلك، فلا تنافي بين عدم دلالتهما الا على اعتبار الخبر الحسي، و بين بناء العقلاء على إلحاق المشكوك بالمعلوم .
و فيه: أن بناء العقلاء على إلحاق الخبر المشكوك كونه عن حس بالخبر المعلوم كونه كذلك انما يكون في غير صورة وجود الأمارة على الحدس أو اعتقاد الناقل الملازمة بين السبب و المسبب مع عدم ثبوتها عند المنقول إليهم، اما إذا كانت هناك أمارة على الحدس أو على اعتقاد الناقل الملازمة فيما لم يعتقدها فيه المنقول إليهم لم يحرز بناء العقلاء في هاتين الصورتين على معاملة الخبر الحسي مع المشكوك كونه عن حس.
ص: 202
و الحاصل أن البناء المزبور ليس ثابتاً في الإجماعات المنقولة، لوجود أمارة الحدس فيها، و المراد بالأمارة هو الغلبة الموجبة لإلحاق النادر بالغالب، لوضوح ابتناء غالب الإجماعات المنقولة على حدس الناقل، أو اعتقاده الملازمة بين اتفاق الفتاوى و بين رأي المعصوم علیه السلام عقلا كما في قاعدة اللطف.
و بذلک ظهر عدم حجية الاجماع المنقول فلا نطيل .
و ينبغي التنبيه علی امرين:
قد عرفت في ما تقدم عدم صحة الاعتماد علی الإجماعات المنقولة الّا ان الملفت للنظر في كتب المفيد، و المرتضى، و الطوسي، و الحلبي صاحب الغنية، و الحلّي صاحب السرائر و غيرهم قدّس اللّه أسرارهم کثرة دعواهم للإجماع على المسائل المعنونة في کتبهم .
الّا انّ التأمل في كتبهم يقضي بأنّ دعواهم الإجماع لم تكن على أساس تتبع الأقوال في كتب الأصحاب، بل كانوا يعتمدون في استنباط فتوى الكلّ من اتّفاقهم على العمل بالأصل العملي في المسألة مع افتراض عدم الدليل. او عموم دليل في المسألة مع عدم وجدان المخصص. او بالخبر المعتبر في المسألة عند عدم وجدان المعارض. او لاجل ان اتّفاقهم على مسألة أُصولية، يستلزم القولُ بها، الحكمَ في المسألة المفروضة. و غيرها من الأُمور التي صارت سبباً لنسبة الحكم إلى الأصحاب و ادّعائهم الإجماع. قال الشيخ
ص: 203
الاعظم رحمه الله: «أن يستفيد اتّفاق الكلّ على الفتوى من اتّفاقهم على العمل بالأصل عند عدم الدليل، أو بعموم دليل عند عدم وجدان المخصّص، أو بخبر معتبر عند عدم وجدان المعارض، أو اتّفاقهم على مسألة اصوليّة- نقليّة أو عقليّة- يستلزم القول بها الحكم في المسألة المفروضة، و غير ذلك من الامور المتّفق عليها التي يلزم باعتقاد المدّعي من القول بها- مع فرض عدم المعارض- القول بالحكم المعيّن في المسألة.
و من المعلوم: أنّ نسبة هذا الحكم إلى العلماء في مثل ذلك لم تنشأ إلّا من مقدّمتين أثبتهما المدّعي باجتهاده:
إحداهما: كون ذلك الأمر المتّفق عليه مقتضيا و دليلا للحكم لو لا المانع.
و الثانية: انتفاء المانع و المعارض. و من المعلوم أنّ الاستناد إلى الخبر المستند إلى ذلك غير جائز عند أحد من العاملين بخبر الواحد.
ثمّ إنّ الظاهر أنّ الإجماعات المتعارضة من شخص واحد أو من معاصرين أو متقاربي العصر، و رجوع المدّعي عن الفتوى التي ادّعى الإجماع فيها، و دعوى الإجماع في مسائل غير معنونة في كلام من تقدّم على المدّعي، و في مسائل قداشتهر خلافها بعد المدّعي بل في زمانه بل في ما قبله، كلّ ذلك مبنيّ على الاستناد في نسبة القول إلى العلماء على هذا الوجه(1).
ص: 204
ثم ذکر شواهد علی ماذکر و نحن نکتفي بذکر بعض الموارد صرّح المدّعي بنفسه أو غيره في مقام توجيه كلامه فيها بذلك.
1. سئل المفيد عن الدليل على أنّ المطلقة ثلاثاً في مجلس واحد يقع منها واحدة؟ فقال: الدلالة على ذلك كتاب اللّه عزّ و جلّ، و سنّة نبيّه، و استدل من الكتاب بقوله: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتان﴾ أي الطلاق الذي يجوز للزوج الرجوع مرّتان، و المرتان لا تكون مرّة واحدة، و في السنّة بقول) صلى الله عليه و آله و سلم: «و ما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما لم يوافقه فاطرحوه» و أمّا إجماع الأُمّة فهم منطبقون على أنّ ما خالف الكتاب و السنّة فهو باطل(1).
2. قال المرتضى من مذهبنا جواز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات، و نقل المحقق أنّه نسب ذلك إلى مذهبنا، لأنّ من أصلنا العمل بالأصل ما لم يثبت الناقل، و ليس في الشرع ما يمنع الإزالة بغير الماء من المائعات (2)، فقد تمسك بأصل البراءة و ادّعى الإجماع، مع أنّ المورد من موارد التمسّك باستصحاب النجاسة بعد الغسل بالخلّ مثلًا.
3. ذكر الشيخ الطوسي انّه إذا بان فسق الشاهدين بما يوجب القتل بعد القتل أنّه يسقط القود، و تكون الدية في بيت المال، قال: دليلنا، إجماع الفرقة، فانّهم رووا أنّ ما أخطأت القضاة ففي بيت مال المسلمين، فعلّل انعقاد الإجماع بوجود الرواية عند الأصحاب(3).
4. أكثر ابن زهرة من الاستدلال بالإجماع في المسائل التي لا يساعد دعوى الإجماع، و قد ذكر في أُصول الغنية ما يكون مبرِّراً لهذا النوع من دعوى الإجماع (4).
ص: 205
5. قال ابن إدريس في السرائر: كلّ صلاة فريضة فاتت إمّا لنسيان أو غيره من الأسباب فيجب قضاؤها في حال الذكر من غير توان في سائر الأوقات ثمّ قال: و لنا في المضايقة كتاب خلاصة الاستدلال على من منع من صحة المضايقة بالاعتلال، بلغنا فيه إلى أبعد الغايات و أقصى النهايات (1). و قد نقل انّه استدل على القول بالمضايقة بالإجماع، بحجّة أنّ الأصحاب إلّا نفراً يسيراً من الخراسانيين ذكروا أخبارها في كتبهم، كابن بابويه و الأشعريين، و القميين ....
قال الحلي: تجب إخراج الفطرة سواء كنّ نواشز أو لم يكنّ ... للإجماع، و العموم، من غير تفصيل من أحد من أصحابنا(2). و ردّه المحقّق بأنّ أحداً من علماء الإسلام لم يذهب إلى ذلك قال: فانّ الظاهر أنّ الحلي إنّما اعتمد في استكشاف أقوال العلماء على تدوينهم للروايات الدالّة على وجوب فطرة الزوجة، متخيّلًا أنّ الحكم معلّق على الزوجية من حيث هي زوجته، و لم يتفطن أنّ الحكم من حيث العيلولة و وجوب الإنفاق(3).
الخبر المتواتر: عبارة عن إخبار جماعة يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب، و يؤمن من خطئهم, لکن لو اخبر الشيخ الطوسي بالتواتر فلا تثبت بذلک حجيته فضلا عن تواتره, قال الشيخ الاعظم رحمه الله: «أنّ نقل التواتر في خبر لا يثبت حجّيته و لو قلنا بحجّية
ص: 206
خبر الواحد؛ لأنّ التواتر صفة في الخبر تحصل بإخبار جماعة تفيد العلم للسامع، و يختلف عدده باختلاف خصوصيّات المقامات، و ليس كلّ تواتر ثبت لشخص ممّا يستلزم في نفس الأمر عادة تحقّق المخبر به، فإذا أخبر بالتواتر فقد أخبر بإخبار جماعة أفاد له العلم بالواقع، و قبول هذا الخبر لا يجدي شيئا؛ لأنّ المفروض أنّ تحقّق مضمون المتواتر ليس من لوازم إخبار الجماعة الثابت بخبر العادل.
نعم، لو أخبر بإخبار جماعة يستلزم عادة تحقّق المخبر به، بأن يكون حصول العلم بالمخبر به لازم الحصول لإخبار الجماعة- كأن أخبر مثلا بإخبار ألف عادل أو أزيد بموت زيد و حضور جنازته- كان اللازم منقبول خبره الحكم بتحقّق الملزوم و هو إخبار الجماعة، فيثبت اللازم و هو تحقّق موت زيد(1).
إنّ الشهرة لغة تتضمّن معنى ذيوع الشي ء و وضوحه. و منه قولهم: «شهر فلان سيفه»، و «سيف مشهور».
و تنقسم الشهرة إلى روائية، و عمليّة، و فتوائية.
1- الشهرة الروائية: و هي عبارة عن شيوع نقل الخبر من عدّة رواة، على وجه لا يبلغ حدّ التواتر. و لا يشترط في تسميتها بالشهرة أن يشتهر العمل بالخبر عند الفقهاء أيضا، فقد يشتهر و قد لا يشتهر.
ص: 207
2- الشهرة العملية: و هي عبارة عن اشتهار العمل بالرواية و الاستناد إليها في مقام الفتوى، و المعروف انها جابرة لضعف الرواية، كما أنّ الإعراض عنها كاسر لصحّتها، و النسبة بين الشهرتين عموم و خصوص من وجه كما هو واضح.
3- الشهرة الفتوائية: و هي عبارة عن مجرّد اشتهار الفتوى بحكم شرعيّ، و ذلك بأن يكثر المفتون على وجه لا تبلغ الكثرة درجة الإجماع الموجب للقطع بقول المعصوم ، سواء لم تكن في المسألة رواية، أو كانت على خلاف الفتوى، أو على وفقها و لكن لم يكن الإفتاء مستنداً إليها، و المعروف انها لا تكون جابرة لضعف سند الرواية إلّا إذا علم الاستناد، و لا كاسرة إلّا إذا علم الإعراض.
و يقع الكلام في حجّية نفس الشهرة الفتوائية من غير فرق بين الشهرة الفتوائية بين القدماء أو بين المتأخرين, فذهب الشهيد الی أنّ هذه الشهرة حجّة على الحكمالذي وقعت عليه الفتوى من جهة كونها شهرة، فتكون من الظنون الخاصّة، كخبر الواحد(1), و المعروف عند أكثر المتأخّرين انه لا دليل على حجّيتها(2).
ص: 208
و هذا الاختلاف بعد الاتّفاق على أنّ فتوى مجتهد واحد أو أكثر ما لم تبلغ الشهرة لا تكون حجّة على مجتهد آخر، و لا يجوز التعويل عليها. و هذا معنى ما ذهبوا إليه من عدم جواز التقليد، أي بالنسبة إلى من يتمكّن من الاستنباط.
و الحقّ هو حجّيّة الشهرة القدمائية کما سيتبين دون غيرها, هذا و استدل على حجّية مطلق الشهرة بوجوه:
الدليل الأوّل: أولويّتها من خبر العادل
إنّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد تدلّ على حجّيّة الشهرة بمفهوم الموافقة؛ نظرا إلى أنّ الظنّ الحاصل من الشهرة أقوى غالبا من الظنّ الحاصل من خبر الواحد، حتى العادل، فالشهرة أولى بالحجّيّة من خبر العادل(1).
و أجاب عنه المحقّق الخراساني بوجهين:
1. القطع بكون المناط هو إفادته الظن غير حاصل، غاية الأمر الظن بكون المناط هو إفادته الظن فتكون الأَولوية ظنية لا قطعية.
2. القطع بأنّه ليس بمناط، لكونه حجّة سواء أفاد الظن أم لا، و الشاهد عليه حجّيته و إن لم يفد الظن الشخصي.
فإن قلت: الخبر الواحد حجّة لإفادته الظن النوعي و الملاك هو هذا.
ص: 209
قلت: لو كان هذا هو المناط يهدم الاستدلال، لأنّ الشهرة الفتوائية لو كانت حجّة فإنّما هي حجّة من باب الظن الشخصي فيكون المناطان متغايرين.
الدليل الثاني: عموم تعليل آية النبأ
حيث أنّ عموم التعليل في آية النبأ ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ﴾(1) يدلّ على اعتبار مثل الشهرة؛ لأنّ الذي يفهم من التعليل أنّ الإصابة من الجهالة هي المانعة من قبول خبر الفاسق بلا تبيّن، فيدلّ على أنّ كلّ ما يؤمن معه من الإصابة بجهالة فهو حجّة يجب الأخذ به. و الشهرة كذلك.
و فيه: إنّ منطوق الآية هو عدم جواز العمل بكلّ ما يعد سفاهة، لا جواز العمل بكلّ ما لا يعد كما هو واضح، و إلّا يكون التعليل حجّة لكلّ ظنّ لم يكن العمل به سفاهة, فإنّ حرمة العمل بنبإ الفاسق بدون تبيّن لأنّه يستلزم الإصابة بجهالة, لا تدلّ على وجوب الأخذ بكلّ ما يؤمن فيه ذلك و ما لا يستلزم الإصابة بجهالة.
الدليل الثالث: دلالة مقبولة ابن حنظلة و مرفوعة زرارة
اما الاولی: فسأل عمر بن حنظلة أبا عبد اللّه علیه السلام عن اختلاف القضاة؟ فقال: «الحكم ما حكم به أعدلهما، و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر, قال: فقلت: فانّهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه، قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به، المجمعَ عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، و يترك الشاذ النادر الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فانّ المجمع عليه لا ريب فيه. إنّما الأُمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيُتّبع، و أمر
ص: 210
بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يرد علمه إلى اللّه و إلى رسوله ثمّ قال: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال علیه السلام : ينظر إلى ما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامة فيؤخذ به»(1).
و الثانية: مرفوعة زرارة قال: سألت الباقر علیه السلام ، فقلت: جعلت فداك, يأتي عنكم الخبران، أو الحديثان المتعارضان، فبأيّهما آخذ؟ قال علیه السلام «يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذّ النادر». قلت يا سيّدي، إنّهما معا مشهوران مرويّان، مأثوران عنكم. قال علیه السلام : «خذ بقول أعدلهما ...» إلى آخر الخبر(2).
و الاستدلال بهما من وجهين:
الأوّل: أنّ المراد من الموصول في قوله: «بما اشتهر» مطلق المشهور بما هو مشهور، لا خصوص الخبر، فيعمّ المشهور بالفتوى؛ لأنّ الموصول من الأسماء المبهمة التي تحتاج إلى ما يعيّن مدلولها، و المعيّن لمدلول الموصول هي الصلة، و هي قوله: «اشتهر» و هو يشمل كلّ شي ء اشتهر، حتى الفتوى.
الثاني: أنّه على تقدير أن يراد من الموصول خصوص الخبر؛ فإنّ المفهوم من المرفوعة إناطة الحكم بالشهرة، فتدلّ على أنّ الشهرة بما هي شهرة توجب اعتبار المشتهر، فيدور الحكم معها حيثما دارت، فالفتوى المشتهرة أيضا معتبرة، كالخبر المشهور.
قلت: لا يخفی ان المرفوعة مضافا لإرسالها ضعيفة جدا فلا وجود لها في المصادر الروائية و يختص نقله بالغوالي و هو کتاب ضعيف .
ص: 211
نعم المقبولة لا شک في اعتبارها لعمل المشهور بها و ان لم تثبت وثاقة عمر بن حنظلة بناءً علی حجية الخبر الموثوق به, و الظاهر من المحقق الخوئي مقبوليتها حتی علی مبنی حجية خبر الثقة حيث قال: «و لكنه يقال: إن الأصحاب تلقوها بالقبول، و عملوا بها قديماً و حديثاً. و يعلم استنادهم إليها من الإفتاء بمضمون ما ورد فيها من قوله علیه السلام : «و ما يحكم له فانما يأخذه سحتاً و ان كان حقه ثابتاً» حيث أن هذه الجملة لم ترد في سائر اخبار باب القضاء(1).
و اما دلالةً فاجيب الوجه الأوّل: بأنّ الموصول كما يتعيّن المراد منه بالصلة، كذلك يتعيّن بالقرائن الأخرى المحفوفة به. و الذي يعيّنه هنا السؤال المتقدّم عليه؛ إذ السؤال وقع عن نفس الخبر، و الجواب لا بدّ أن يطابق السؤال. و هذا نظير ما لو سألت: أيّ إخوتك أحبّ إليك؟ فأجبت: «من كان أكبر منّي»، فإنّه لا ينبغي أن يتوهّم أحد أنّ الحكم في هذا الجواب يعمّ كلّ من كان أكبر منك، و لو كان من غير إخوتك.
و اجيب الوجه الثاني: کما في الکفاية بأنّه بعد وضوح إرادة الخبر من الموصول يكون الظاهر من الجملة تعليق الحكم على الشهرة في خصوص الخبر، فيكون المناط في الحكم شهرة الخبر بما أنّها شهرة الخبر، لا الشهرة بما هي، و إن كانت منسوبة إلى شي ء آخر.
ص: 212
و يرد علی الوجهين: انّ المراد من «المجمع عليه» ليس ما اتّفق الكلّ على روايته، بل المراد ما اشتهرتْ روايتُه بين الأصحاب - في مقابل الشاذّ الذي ليس كذلك، بدليل قوله علیه السلام : «و يُترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك» - و عمل به الاصحاب مع و الإفتاء بمضمونه، إذ هو الذي يصلح لأن يكون ممّا لا ريب فيه، و إلّا فلو رووها و لم يعملوا بمضمونها، بل أفتوا على خلافها، ففي مثلها كلّ الريب. و بذلک يظهر ضعف ما إفاده المحقّق الخراساني من «أنّ المراد من «ما» الموصولة هو الرواية فلا يعم الإفتاء», فانه و إن كان صحيحاً، لكن المراد هو الرواية التي عملوا بها و أفتوا بمضمونها و انه ليس المراد شهرة الرواية بل العمل بها و قد عبر عنه بالمجمع عليه و وصف بانه مما لا ريب فيه و المراد من «ممّا لا ريب» هو نفي الريب على وجه الإطلاق كقوله سبحانه: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيه﴾(1)، بشهادة أنّ النكرة اذا وقعت في سياق النفي تفيد العموم، و إذا كانت الرواية المشهورة المعمول بها ممّا لا ريب فيها، تكون الرواية الشاذة المعرض عنها، ممّا لا ريب في بطلانها، و ذلك بحكم العقل لا بالدلالة اللفظية، فانّه إذا كان أحد طرفي القضية ممّا لا ريب في صحّته و قطعَ الإنسان بصحّته يكون الطرف الآخر مقطوع البطلان، و إلّا يلزم اجتماع اليقين بالصحّة، مع الشكّ فيها، مثلًا إذا كانت عدالة زيد ممّا لا ريب فيها، يكون مخالفها اي فسقه ممّا لا ريب في بطلانه.
و بذلک يظهر ضعف الوجه الاول من «أنّ الموصول كما يتعيّن المراد منه بالصلة، كذلك يتعيّن بالقرائن الأخرى المحفوفة به و الذي يعيّنه هنا السؤال المتقدّم عليه؛ إذ السؤال وقع
ص: 213
عن نفس الخبر» و ذلک لان القرائن تشهد علی ان شهرة العمل بالخبر هي التي جعلت من الخبر کونه مما لا ريب فيه, لا مجرد کونه خبرا مشهورا .
و من ذلك يعلم أنّ المشهور داخل في القسم الأوّل من التثليث الوارد في المقبولة أي: بيّن رشده، و ان الخبر الشاذ داخل في القسم الثاني أي: بيّن غيّه، لا في القسم الثالث أي: مشكل يرد حكمه إلى اللّه و رسوله.
و بذلک يظهر لنا ان المقبولة دالة علی حجية الشهرة الفتوائية بين اصحاب الائمة عليهم السلام حتی و لو لم تقترن بالخبر لان الموجب لعدم الريب و الوثوق هو عمل الاصحاب سواء اقترن بالخبر ام لا.
و لذا کان أصحاب الأئمّة عليهم السلام يعملون بالشهرة الفتوائية، بل كانوا يقدّمونها على ما سمعوه من الإمام شفهياً، ففي صحيح ابن ابي عمير عن جميل بن دراج - و هما من اصحاب الاجماع - عن سلمة بن محرز قال: «قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : إنّ رجلًا مات و أوصى إلي بتركته و ترك ابنته، قال: فقال لي: أعطها النصف، قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي: اتقاك، إنّما المال لها، قال: فدخلت عليه بعد، فقلت: أصلحك اللّه! إنّ أصحابنا زعموا انّك اتقيتني؟ فقال: لا و اللّه ما اتّقيتك، و لكنّي اتّقيت عليك أن تضمن، فهل علم بذلك أحد؟ قلت: لا، قال: فاعطها ما بقي»(1). و سلمة بن محرز و ان کان مهملا لم يذکر له توثيق الّا انه لا يضر بالمقصود من انّ الشهرة الفتوائية بلغت حداً عند الراوي إلى درجة منعته عن العمل بنفس الكلام الذي سمعه من الإمام فتوقف حتى رجع إلى الإمام ثانياً .
و ربّما كانوا لا يتوقفون عن العمل و يقدّمون المشهورة على المسموع من نفس الإمام شخصيّاً فروى عبد اللّه بن محرز بيّاع القلانس قال: أوصى إلي رجل و ترك خمسمائة
ص: 214
درهم أو ستمائة درهم، و ترك ابنة، و قال: لي عصبة بالشام، فسألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن ذلك، فقال: اعط الابنة النصف، و العصبة النصف الآخر، فلما قدمت الكوفة أخبرت أصحابنا فقالوا: اتقاك، فأعطيت الابنة النصف الآخر، ثمّ حججت فلقيت أبا عبد اللّه علیه السلام فأخبرته بما قال أصحابنا و أخبرته انّي دفعت النصف الآخر إلى الابنة، فقال: «أحسنت، إنّما أفتيتك مخافة العصبة عليك»(1), و هذان الخبران يکشفان عن أنّ سيرة أصحاب الأئمّة عليهم السلام جرت على العمل بما اشتهر بينهم.
اقول: و لا ريب ان الشهرة بين اصحاب الائمة عليهم السلام و المتقدمين من الاصحاب انها توجب العلم و الوثوق و الاطمينان کما يشهد لذلک فخر الشيعة الشيخ المفيد رحمه الله و هو يعرف لنا مكانة الشهرة، حيث قال: إنّ المكذوب منها لا ينتشر بكثرة الأسانيد، انتشار الصحيح المصدوق على الأئمّة عليهم السلام فيه، و ما خرج للتقية لا تكثرروايته عنهم، كما تكثر رواية المعمول به، بل لا بدّ من الرجحان في أحد الطرفين على الآخر من جهة الرواة حسب ما ذكرته.
و لم تجمع العصابة على شي ء كان الحكم فيه تقيّة، و لا شي ء دُلِّس فيه و وُضِع مخروصاً عليهم و كذّب في إضافته إليهم، فإذا وجدنا أحد الحديثين متّفقاً على العمل به دون الآخر، علمنا أنّ الذي اتّفق على العمل به هو الحقّ في ظاهره و باطنه، و أنّ الآخر غير معمول به، امّا للقول فيه على وجه التقية، أو لوقوع الكذب فيه.
و إذا وجدنا حديثاً يرويه عشرة من أصحاب الأئمّة عليهم السلام يخالفه حديث آخر في لفظه و معناه، و لا يصحّ الجمع بينهما على حال، رواه اثنان أو ثلاثة، قضينا بما رواه العشرة و
ص: 215
نحوهم على الحديث الذي رواه الاثنان أو الثلاثة، و حملنا ما رواه القليل على وجه التقيّة أو توهّم ناقله(1).
و قد تقدم انها عبارة عن اشتهار العمل بالرواية و الاستناد إليها في مقام الفتوى، و المعروف انها جابرة لضعف الرواية، كما أنّ الإعراض عنها كاسر لصحّتها، و هو الصحيح لما تقدم في بحث الشهرة الفتوائية من ان الرواية المشهورة المعمول بها ممّا لا ريب فيها، و ان الرواية الشاذة المعرض عنها، ممّا لا ريب في بطلانها, و بذلک يظهر انه لا وجه لايراد المحقّق الخوئي من انه إذا كان الخبر الصحيح أو الموثق مورداً لقيام السيرة و مشمولًا لإطلاق الأدلّة اللفظية فلا وجه لرفع اليد عنه لإعراض المشهور عنه(2), فان فيه مضافا لما تقدم أنّ الدليل الدال على حجّية الخبر الواحد هو السيرة العقلائية، و باقي الادلة إرشاد إليها, و ليس حاصلها حجية خبر الثقة، بل الخبر الموثوق بصدوره، و في مثل المقام الذي تسالم الأكابر على الإفتاء على خلاف الحديث مع كونه بمرأى و مسمع منهم يتوقف العقلاء من العمل به, هذا ما يتعلق بکاسرية الشهرة للخبر الصحيح المعرض عنه من قبل الاصحاب .
و اما جابرية الشهرة العملية لضعف الرواية, فمضافا لما تقدم من حجية الشهرة الفتوائية, أنّ الحجّة في باب الروايات، ليس هو خبر الثقة، بل الخبر الموثوق بصدوره، و حجّية
ص: 216
قول الثقة لأجل كون وثاقته أمارة على صدوره من الإمام، ولا شكّ انّ عمل الأكابر بالرواية في عصر الحضور أو بعده في عصر الغيبة يورث الوثوق بصدورها .
ثم ان المراد هو عمل القدماء بالرواية، المورث للوثوق بصدور الرواية، و لا عبرة بعمل المتأخرين، إذ لا يکون عملهم موجبا للوثوق بالرواية لانقطاعهم عن عصر الائمة عليهم السلام کما و انهم لا يتميزون علينا بشي ء .
و خالف في ذلک المحقّق الخوئي و اورد أيرادين, أحدهما يرجع إلى الكبرى و هي كون العمل جابراً، و الآخر إلى الصغرى و هي استناد المشهور إلى الخبر.
أمّا الأوّل: فقال ما حاصله: إذا كان الخبر الضعيف غير حجّة في نفسه على الفرض، و كذلك فتوى المشهور غير حجّة على الفرض، يكون المقام من قبيل انضمام غير الحجّة إلى غير الحجّة فلا يوجب الحجّة، فانّ انضمام العدم إلى العدم لا ينتج إلّا العدم(1).
و فيه اولا: ما قد عرفت مما تقدم من ان عمل المشهور من اصحابنا المتقدمين يوجب العلم و الوثوق .
ثانيا: أنّ أساس الايراد يبتني علی انّ الموضوع للحجّية هو قول الثقة و علی هذا الاساس فانّ عمل المشهور لا يثبت وثاقة الراوي، الّا ان اصل المبنی ممنوع، لأنّ ما هو الحجّة حسب بناء العقلاء هو الخبر الموثوق بصدوره، و ان حجّية قول الثقة انما هي لأجل أنّ وثاقته أمارة على صدق الخبر و صدوره من الإمام علیه السلام .
ص: 217
و أمّا الثاني: أي إحراز استناد الفقهاء إلى الرواية فقد قال: إنّه أشكل، و ذلك لأنّ القدماء لم يتعرضوا للاستدلال في كتبهم ليعلم استنادهم إلى الخبر الضعيف. و المتعرّض للاستدلال هو الشيخ الطوسي دون من تقدّمه(1), ففيه:
انه فإذا تضافرت فتاوى قدماء الاصحاب في مسألة على عبارة موجودة في الخبر الضعيف يستكشف اعتمادهم في مقام الإفتاء على ذاك الحديث و لا يخفی ان فتاوی قدماء الاصحاب موجودة معروفة و يشهد لذلک کتاب مختلف الشيعة للعلامة الحلي رحمه الله الذي خصه بما اختلفوا فيه الکاشف غالبا عن اتفاقهم في ماحرروه مما هو خارج عما اختلفوا فيه و قد صرح العلامة بمشهورهم و تعرض لبيان الاقوال المخالفة له بل و حتی الکتب التي بظاهرها انها کتب روائية کالکافي و من لا يحضره الفقيه و التهذيب و الاستبصار هي في الحقيقة کتب فتوی و استدلال کما صرح بذلک اصحابها و کما هو واضح لمن راجعها فهذا الشيخ الطوسي يستدل لفتوی المفيد في المقنعة في التهذيب و يقول اني اورد الاخبار المشتهرة و مراده من المشتهرة الروايات التي عليها عمل الاصحاب ثم يعرج الی الروايات الشاذة اي المعروفة بالشذوذ في ذلک الزمان و يبدي احتمالات متعددة لتوجيهها في التهذيب و الاستبصار بما تتفق تلک التوجيهات مع المشهور و کذلک الکليني في الکافي يقتصر علی الروايات المعتمدة عنده کما صرح في ديباجة الکافي و يعرض عن مخالفها اما بالمرة او يشير اليه اشارة و مثله الصدوق في الفقيه و في الحقيقة ان هذه الکتب وثائق تاريخية للتعرف علی مشهور الشيعة في عصر الامامة و ما بعده مما اتصل به, مضافا الی کتب الفتوی المدون ذلک الزمان کكتاب الشرائع لعلي بن بابويه المتوفّى عام 329 هج و كتاب المقنع و الهداية لولده الصدوق المتوفّى عام 381 هج، و
ص: 218
المقنعة للمفيد المتوفّى 413 هج و النهاية و المبسوط و الخلاف و غيرها للشيخ الطوسي و الغنية لابن زهرة و الانتصار و الناصريات و غيهما من کتب السيد المرتضی و الکافي لابي الصلاح و الجواهر لابن البراج و ما نقله العلامة من فتاويّ ابن الجنيد و العماني و السائر لابن ادريس و غيرها من الکتب .
يتردد في استدلالات المحقق الخوئي رحمه الله في موسوعته الفقهية الاستدلال بالتسالم, و المراد منه ما کان دليلا علی المسألة بحيث ينحصر به الدليل, و اما ما کان مدرکيا اي معلولا للايات و الروايات في المسألة فلا اعتبار به کما هو واضح, و اما القسم الاول فقد استدل به المحقق الخوئي في مسائل متعددة نذکر نماذج منها:
الاول: فاستدل به علی نجاسة الکفار بعد رد سائر الاستدلالات علی النجاسة فقال: فالإنصاف أن الآية لا دلالة لها على نجاسة المشركين فضلًا عن دلالتهاعلى نجاسة أهل الكتاب، إلّا أنك عرفت أن نجاسة المشركين مورد التسالم القطعي بين أصحابنا قلنا بدلالة الآية أم لم نقل(1).
الثاني: و استدل به لحرمة استقبال القبلة و استدبارها عند التخلي فقال في کتاب الطهارة: «حرمة استقبال القبلة و استدبارها حال التخلِّي من المسائل المتسالَم عليها عند الأصحاب، حيث لم ينقل فيها الخلاف إلّا عن جماعة من متأخري المتأخرين منهم صاحب المدارك قدس سره حيث ذهب إلى كراهتهما فان اعتمدنا على التسالم القطعي و إجماعهم بأن
ص: 219
كان اتفاق المتقدمين و المتأخرين مدركاً لإثبات حكم شرعي كما هو غير بعيد فلا كلام، و إلّا ...» (1).
الثالث: و استدل به في کتاب الحج فانه بعد ان نقل عن المشهور من ان المحرم لو أحدث في طوافه قبل بلوغ النصف بطل طوافه، و إن كان بعده توضأ و أتى بالباقي قال: لا دليل لمذهب المشهور إلّا مرسل ابن أبي عمير على ما رواه الكليني، و مرسل جميل على ما رواه الشيخ عن أحدهما عليهما السلام «في الرجل يحدث في طواف الفريضة و قد طاف بعضه، قال: يخرج و يتوضأ، فان كان جاز النصف بنى على طوافه، و إن كان أقل من النصف أعاد الطّواف», و المرسلة صريحة في مذهب المشهور و لكنّها ضعيفة بالإرسال، و قد ذكرنا كثيراً أنّه لا عبرة بالمراسيل و إن كان المرسل مثل جميل أو ابن أبي عمير، فأدلّة المشهور كلّها ضعيفة، و لكن مع ذلك ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح و الوجه في ذلك: أن حدوث الحيض أثناء الطّواف و إن كان نادراً جدّاً و لكن مع ذلك كثر السؤال عنه في الروايات، و أمّا صدور الحدث خصوصاً من المريض و الشيخ و الضعيف كثيراً ما يتحقق في الخارج لا سيما عند الزحام، و لا سيما أنّ الطّواف يستوعب زماناً كثيراً و مع ذلك لم ينسب القول بالصحّة إلى أحد من الأصحاب، بل تسالموا على البطلان و أرسلوه إرسال المسلمات، و هذا يوجب الوثوق بصدور الحكم بالبطلان من الأئمة عليهم السلام و لو لم يكن الحكم به صادراً منهم عليهم السلام لخالف بعض العلماء و لو شاذاً، فمن تسالم الأصحاب و عدم وقوع الخلاف من أحد مع أنّ المسألة مما يكثر الابتلاء به نستكشف الحكم بالبطلان، فما هو المعروف هو الصحيح(2).
ص: 220
و يقع البحث عن مفهومه اولا و حجيته ثانيا .
اما مفهومه فالذي يظهر من المقطع الثاني من بيانات المحقق الخوئي هو اتفاق المتقدمين و المتأخرين علی الحکم, و هو بهذا المعنی يساوق الاجماع - المحقق من دون خلاف - في المسألة .
و الذي يظهر من المقطع الثالث من بياناته هو ما يوجب الوثوق بالحکم حيث قال: «بل تسالموا على البطلان و أرسلوه إرسال المسلمات، و هذا يوجب الوثوق بصدور الحكم بالبطلان من الأئمة عليهم السلام» , و هو بهذا المعنی يساوق الشهرة - الموجبة للوثوق - علی الحکم .
لکن الذي يظهر من سياق استدلاله هو ان التسالم فوق الشهرة بل وفوق الاجماع و لهذا لا يناقش في حجيته بل يراها من البديهيات و عليه فلابد من ان يکون المراد من التسالم هو ما يکون الحکم معلوما بالضرورة او ما يقاربها من وضوح الحکم وثبوته, هذا غاية ما يمکن ان يقال في مفهوم التسالم .
و اما حجية التسالم فتابعة للمفاهيم المتقدمة فان فسرناه بالمعنی الاول اي بمثابة الاجماع المحقق کان حکمه حکم الاجماع المحقق و قد تقدم البحث عنه, لکنه قدس سره يشکک في وجود مصاديق مثل هذا الاجماع فلا يری مصدقا له في المسائل الفقهية .
ص: 221
و ان فسرناه بالشهرة الموجبة للوثوق کان حکمه حکمها, و هو رحمه الله لا يقول بحجيتها, و کان اللازم عليه ان يقول بحجية الشهرة العملية کما في المقطع الثالث, او بالشهرة الفتوائية کما هو ظاهر استدلاله في المقطع الثاني, هذا مع غض النظر عن عدم ثبوتها في المقطع الثاني .
و ان فسرناه بما يرادف الضرورة و ما يقاربها فالمسائل المستدل لها بالتسالم ليست من هذا القبيل . و بالتالي فلم نفهم معنی محصلا للتسالم خارجا عما ذکرنا کما عرفت .
ص: 222
السنّة لغةً: الطريقة, و في اصطلاح الفقهاء: قول النبيّ أو فعله أو تقريره(1).
لکن فقهاء الإماميّة توسّعوا في اصطلاح السنّة إلى ما يشمل قول كلّ واحد من المعصومين أو فعله أو تقريره، فالسنّة باصطلاحهم: «قول المعصوم أو فعله أو تقريره»(2), و ذلک لمّا ثبت لديهم من أنّ المعصوم من آل البيت عليهم السلام يجري قوله مجرى قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، من كونه حجّة على العباد واجب الاتّباع، و يدلّ علی ذلک ما يدلّ على إمامتهم(3) فهم ليسوا من قبيل الرواة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و المحدّثين عنه ليكون قولهم حجّة من جهة أنّهم ثقات في الرواية، بل لأنّهم هم المنصوبون من اللّه تعالى على لسان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لتبليغ الأحكام الواقعيّة، فلا يحكون إلّا عن الأحكام الواقعيّة عند اللّه تعالى كما هي، و ذلك من طريق الإلهام، كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله من طريق الوحي، أو من طريق التلقّي من المعصوم قبله، كما عن مولانا أمير المؤمنين
ص: 223
علیه السلام انه قال: «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص عَلَّمَنِي أَلْفَ بَابٍ مِنَ الْعِلْمِ يَفْتَحُ كُلُ بَابٍ أَلْفَ بَابٍ وَ لَمْ يُعَلِّمْ ذَلِكَ أَحَداً غَيْرِي»(1).
و عليه، فليس بيانهم للأحكام من نوع رواية السنّة و حكايتها، و لا من نوع الاجتهاد في الرأي و الاستنباط من مصادر التشريع، بل هم أنفسهم مصدر للتشريع، فقولهم سنّة، لا حكاية السنّة.
و أمّا: ما يجي ء على لسانهم أحيانا من روايات و أحاديث عن نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فهي إمّا لأجل نقل النصّ عنه، كما يتّفق في نقلهم لجوامع كلمه، و إمّا لأجل إقامة الحجّة على الغير، و إمّا لغير ذلك من الدواعي.
و أمّا: إثبات إمامتهم و أنّ قولهم يجري مجرى قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله فهو بحث يتكفّل به علم الكلام(2).
ثم ان الأحاديث الناقلة للسنّة قد تکون متواترة او قطعية او موثوق بها و قد لا تکون کذلک, و على هذا، فليست کل الأحاديث من مصاديق السنّة الواقعية، بل هي قسما منها و القسم الاخر ناقل لها، و حاكيا عنها، و قد تسمّى بالسنّة، توسّعا من أجل كونها مثبتة لها.
إنّ الخبر على قسمين: خبر متواتر، و خبر واحد .
ص: 224
و المتواتر: ما أفاد سكون النفس سكونا يزول معه الشكّ، و يحصل الجزم القاطع من أجل إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب. و يقابله «خبر الواحد» اصطلاحا، و إن كان المخبر أكثر من واحد، و لكن لم يبلغ المخبرون حدّ التواتر .
و الذي ينبغي ذكره هنا أنّ الخبر قد يكون له وسائط كثيرة في النقل، كالأخبار التي تصلنا عن الحوادث القديمة؛ فإنّه يجب- ليكون الخبر متواترا موجبا للعلم- أن تتحقّق شروط التواتر في كلّ طبقة طبقة من وسائط الخبر، و إلّا فلا يكون الخبر متواترا في الوسائط المتأخّرة؛ لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات.
و السرّ في ذلك واضح؛ لأنّ الخبر ذا الوسائط يتضمّن في الحقيقة عدّة أخبار متتابعة؛ إذ إنّ كلّ طبقه تخبر عن خبر الطبقة السابقة عليها، فحينما يقول جماعة: «حدّثنا جماعة عن كذا»، بواسطة واحدة- مثلا-، فإنّ خبر الطبقة الأولى الناقلة لنا يكون في الحقيقة خبرها ليس عن نفس الحادثة، بل عن خبر الطبقة الثانية عن الحادثة. و كذلك إذا تعدّدت الوسائط إلى أكثر من واحدة، فهذه الوسائط هي خبر عن خبر، حتى تنتهي إلى الواسطة الأخيرة التي تنقل عن نفس الحادثة، فلا بدّ أن تكون الجماعة الأولى خبرها متواترا عن خبر متواتر عن متواتر و هكذا؛ إذ كلّ خبر من هذه الأخبار له حكمه في نفسه. و متى اختلّ شرط التواتر في طبقة واحدة خرج الخبر جملة عن كونه متواترا، و صار من أخبار الآحاد.
و هكذا الحال في أخبار الآحاد؛ فإنّ الخبر الصحيح ذا الوسائط إنّما يكون صحيحا إذا توفّرت شروط الصحّة في كلّ واسطة من وسائطه، و إلّا فالنتيجة تتبع أخسّ المقدّمات.
ص: 225
المراد من خبر الواحد هو الخبر الذي لم يبلغ حدّ التواتر من الأخبار, و هو قد يفيد العلم بدرجة ينتفي معه اي احتمال مخالف له - و إن كان المخبر به شخصا واحدا - و ذلك فيما إذا احتفّ خبره بقرائن توجب العلم بتلک الدرجة بصدقه، و لا شكّ في أنّ مثل هذا الخبر حجّة. و هذا لا بحث لنا فيه؛ لأنّه مع حصول العلم الذي ينتفي معه اي احتمال مخالف له تحصل الغاية القصوى؛ إذ ليس وراء العلم غاية في الحجّيّة، و إليه تنتهي حجّيّة كلّ حجّة .
و أمّا إذا احتفّ بالقرائن الموجبة للعلم العرفي بصدقه کأن يکون محفوفا بالقرائن الموجبة للوثوق و الاطمئنان به دون مرتبة العلم الذي ينتفي معه اي احتمال مخالف له, فهذا و ان وقع الخلاف في حجّيّته و اُلحق بما لا يفيد العلم مطلقا, الّا انه ينبغي خروجه عن محل الخلاف لانه من مصاديق العلم لغةً و عرفا و بناء العقلاء عليه و عملهم به لاجل کونه موجبا للعلم عرفا, قال تعالی في قصة يوسف علیه السلام ﴿و ما شهدنا الّا بما علمنا﴾, و هو خارج عن اصطلاح خبر الواحد عند المتقدمين فان مرادهم من خبر الواحد الخبر غير الموثوق به کما سيأتي و ذکر الشيخ الاعظم أنّ مراد السيّد من العلم ما يشمل الظنّ الاطمئنانيّ، كما يشهد به التفسير المحكيّ عنه للعلم، بأنّه: ما اقتضى سكون النفس (1), لکن البحث هنا يکون عن هذا القسم و عما إذا لم يحتفّ بالقرائن الموجبة للعلم مطلقا بصدقه فنقول:
ص: 226
قد وقع الخلاف في حجّيّته، و الخلاف في الحقيقة عند الإماميّة بالخصوص يرجع إلى الخلاف في قيام الدليل القطعيّ على حجّيّة خبر الواحد، و عدم قيامه، فالشأن كلّ الشأن عندهم انما هو في حصول هذا الدليل القطعيّ، و مدى دلالته.
فمن ينكر حجّيّة خبر الواحد، كالسيّد الشريف المرتضى، و من اتّبعه إنّما ينكر وجود هذا الدليل القطعيّ؛ و من يقول بحجّيّته، كالشيخ الطوسيّ يرى وجود الدليل القاطع. و لأجل أن يتّضح ما نقول ننقل نصّ أقوال الطرفين في ذلك:
قال الشيخ الطوسي: «من عمل بخبر الواحد فإنّما يعمل به إذا دلّ (دليل) على وجوب العمل به، إمّا من الكتاب، أو السنّة، أو الإجماع، فلا يكون قد عمل بغير علم»(1).
و صرّح بذلك السيّد المرتضى في «الموصليّات»(2) و نقله عنه ابن إدريس في مقدّمة كتابه السرائر فقال: «لا بدّ في الأحكام الشرعيّة من طريق يوصل إلى العلم» إلى أن قال: «و لذلك أبطلنا في الشريعة العمل بأخبار الآحاد؛ لأنّها لا توجب علما و لا عملا، و أوجبنا أن يكون العمل تابعا للعلم؛ لأنّ خبر الواحد إذا كان عدلا(3)، فغاية ما يقتضيه الظنّ بصدقه، و من ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذبا»(4).
و أصرح منه قوله بعد ذلك: «و العقل يمنع من العبادة بالقياس و العمل بخبر الواحد. و لو تعبّد اللّه تعالى بذلك، لساغ و لدخل في باب الصحّة؛ لأنّ عبادته بذلك لا توجب العلم الذي لا بدّ أن يكون العمل تابعا له».
ص: 227
و على هذا، فيتّضح أنّ المسلّم فيه عند الجميع أنّ الخبر الظني لا يجوز الاعتماد عليه؛ لأنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا(1). و إنّما موضع النزاع هو قيام الدليل القطعيّ على حجّيّته. و على هذا، فقد وقع الخلاف في ذلك على أقوال كثيرة کما ذكرها الشيخ الطوسيّ في العدّة(2), فمنهم: من أنكر حجّيّته مطلقا، و بهذا القول قال المفيد و السيّدالمرتضى(3)، و القاضي(4) و ابن زهرة(5)، و الطبرسي(6) و ابن إدريس(7)، و ادّعوا في ذلك الإجماع .
و أمّا الشيخ الطوسي فقال بحجيته، إجمالًا، و لكن اختلفت كلماته في كتاب العدّة بما ترجع إلى اربعة أقوال:
1. حجّية قول الثقة، و المراد منه هو العادل .
2. حجّية غير المطعون من أصحابنا، فيعم الثقة و الممدوح و المهمل.
3. حجّية قول الفاسق أيضاً إذا كان متحرزاً عن الكذب، قائلًا بأنّ الفسق بالجوارح يمنع عن قبول الشهادة و ليس بمانع عن قبول خبره.
ص: 228
4. حجّية ما يرويه المتهمون المضعَّفون إذا كان هناك ما يعضد روايتهم و يدل على صحّتها و إلّا وجب التوقف(1).
و المعروف بين المتأخرين هو الحجّية, لکنهم اختلفوا أيضا في المعتبر منه، فبعضهم کالنراقي يرى أنّ المعتبر من الأخبار هو كلّ ما في الكتب الأربعة، بعد استثناء ما كان فيها مخالفا للمشهور(2). و بعضهم يرى أنّ المعتبر بعضها، و المناط في الاعتبار عمل الأصحاب، كما يظهر ذلك من المنقول عن المحقّق في «المعارج»(3). و قيل: المناط فيه عدالة الراوي کما اختاره العلّامة الحلّي، وصاحب المعالم (4), أو مطلق وثاقتة کما تقدم عن الشيخ الطوسي(5)، أو مجرّد الظنّ بالصدور من غير اعتبار صفة في الراوي ... كما يظهر من المحقّق القمي(6) إلى غير ذلك من التفصيلات .
و المقصود لنا الآن بيان إثبات حجّيّته بالخصوص في الجملة, في مقابل السلب الكلّيّ، ثمّ النظر في مدى دلالة الأدلّة على ذلك .
استدل النافي للحجّية بالأدلّة الثلاثة:
ص: 229
الأوّل: الآيات الناهية عن اتّباع الظنّ أوّلًا، و عن اقتفاء غير العلم ثانياً. و ذلك في ضمن آيات ثلاثة:
الآية الأُولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى* وَ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾(1), و الآية صريحة في عدم حجّية الظن في القول و العمل, فان الظن لغةً هو الاحتمال الراجح فقال الزبيدي: الظَّنُ: التَّرَدُّدُ الرَّاجِحُ بين طَرَفَي الاعْتِقادِ الغيرِ الجازِمِ... و قالَ الجَوْهرِيُّ: الظَّنُ: مَعْروفٌ، و قد يُوضَعُ مَوْضِعَ العِلْم, و قالَ الرَّاغبُ في قوْلِه تعالى: ﴿وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُون﴾(2) أنَّه اسْتَعْمل فيه الظَّنّ، بمعْنَى العِلْم, و في البَصائِرِ: و قد وَرَدَ الظّنُ في القُرْآن مُجْملًا على أَرْبَعةِ أَوْجهٍ: بمعْنَى اليَقِينِ، و بمعْنَى الشَّكّ، و بمعْنَى التّهْمةِ، و بمعْنَى الحسْبَان، ثم ذَكَرَ الآيات(3).الآية الثانية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَ لا تَجَسَّسُوا وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾(4), وجه الاستدلال: انّ النهي و إن كان عن كثير الظنّ لا عن جميعه، و ذلك بملاك انّ القليل منه على وفق الواقع، و لكن بما انّ الموافق و المخالف غير متميزين فيلزم الاجتناب عن الجميع.
ص: 230
الآية الثالثة: ﴿وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾(1), و العمل بالخبر الظني اقتفاء لما لا يعلم، و الآية تشمل الأُصول و الفروع.
أجاب القائلون بالحجّية عن الاستدلال بها مثل الشيخ و المحقّق الخراساني بوجهين:
1. اختصاصها بالأُصول و لا تعمّ الفروع.
2. على فرض تسليم عمومها، تخصص بالأدلة الآتية الدالّة على حجّية قول الثقة.
و فيه أوّلا: ان الايات لا اختصاص لها باصول الدين و ذلک فانّ الآية الأُولى و إن وردت في الأُصول و العقائد الّا ان قوله تعالی في ذيلها ﴿و إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ عام ظاهر في مذمة اتباع الظن مطلقا ، و کذلک الآية الثانية و لذا استدل بها علی حرمة سوء الظن بالمؤمنين و اما الآية الثالثة فلا يخفی اطلاقها للفروع، بشهادة أنّ الإمام استدل بها على حرمة استماع الغناء عند التخلّي, فعن الحسن قال: كنت أطيل القعود في المخرج لأسمع غناء بعض الجيران قال فدخلت على أبي عبد اللّه علیه السلام «فقال لي يا حسن إنّ السّمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤلًا السّمع و ما وعى و البصر و ما رأى و الفؤاد و ما عقد عليه»(2).
ثانيا: ان الأدلة الدالّة على حجّية خبر الواحد انما تدل علی حجية الخبر الموثوق به و هو من مصاديق العلم لغةً و عرفا, و حتی خبر الثقة فانه يفيد العلم غالبا, و عليه فلا مخصص
ص: 231
للايات الناهية عن اتّباع الظنّ او اقتفاء غير العلم لخروج الاخبار الموثوق بها تخصصا و موضوعا عن غير العلم و الظن, و ذلک لان العلم في لغة العرب بمعنی البصيرة و الوضوح لكن حينما ترجمت الفلسفة اليونانية تحول مدلوله الی الاعتقاد الجازم الذي ينتفي معه اي احتمال مخالف له،و أصبح الأصوليون و الفقهاء يحملون النصوص المتضمنة للفظ العلم على هذا المعنى مع أنه اصطلاح حادث.
و كذلك لفظ الظن فهو في لغة العرب بمعنى الاعتقاد الذي لا يستند لدليل لكنه تحول لمعنى الاعتقاد الراجح عند ترجمة الفلسفة اليونانية.
يقول المحقق السيد السيستاني: « و أما مثال المفردات فهو لفظ العلم و الظن و الشك، فلفظ العلم في اللغة العربية يعني البصيرة و الوضوح لكن في مقام ترجمة الفلسفة تحول مدلوله للاعتقاد الجازم، و أصبح الأصوليون و الفقهاء يحملون النصوص المتضمنة للفظ العلم على هذا المعنى مع أنه اصطلاح حادث.
كذلك لفظ الظن فهو في اللغة العربية و القرآن الكريم(1) بمعنى الاعتقاد الذي لا يستند لدليل لكنه تحول لمعنى الاعتقاد الراجح عند ترجمة الفلسفة اليونانية، و لفظ الشك يعني مقابل اليقين لكن معناه الشائع الآن هو تساوي الاحتمالين.
و الحاصل أن بعض المفردات و المركبات اللغوية اكتسبت مدلولا جديدا عند دخول الفلسفة إلى اللغة العربية، و اعتمد الأصوليون عند استعمال هذه المفردات على مدلولاتها
ص: 232
الفلسفية لا على مدلولاتها اللغوية، و هذا مما يؤدي إلى اختلاط المعاني عند استنطاق النصوص و الروايات»(1).
و بذلک يظهر الجواب عما اورده الرازي في تفسيره علی الاستدلال بهذه الايات بانّها لو دلّت على عدم جواز التمسّك بالظن لدلت على عدم جواز التمسّك بنفسها فالقول بحجّيتها يقتضي نفيها، و هو غير جائز(2), اي أنّ دلالة الآية على الردع، من غير العلم ظنية لا قطعية فيلزم من الأخذ بمدلولها، عدم جواز اتباعها لكون دلالتها بالفرض ظنية.
و فيه: أنّ دلالة الظواهر على المعاني ليست ظنية بل هي من مصاديق العلم لدلالتها علی المعاني بکامل الوضوح و البصيرة و لا يحصل في ذهن العقلاء أيّ تردد و شك .
و اجاب المحقّق النائيني: بانّ نسبة الأدلّة الدالّة على جواز العمل بخبر الواحد ليست نسبة التخصيص بل نسبة الحكومة، فانّ تلك الأدلّة تقتضي إلقاء احتمال الخلاف و جعل الخبر
ص: 233
محرزاً للواقع، فيكون حاله حال العلم في عالم التشريع فلا يمكن أن تعمه الأدلّة الناهية عن العمل بالظن(1).
و فيه: أنّ الدليل الدال علی حجّية الخبر الواحد، هو السيرة العقلائية و هو دليل لبي ليس له لسان، و الحكومة أمر قائم باللسان.
مضافا إلى أنّه ليس في الأدلّة ما يدل على إلغاء احتمال الخلاف و جعل الخبر محرزاً للواقع.
و أمّا قوله علیه السلام : «العمري و ابنه ثقتان، ما أدّيا إليك عنّي، فعنّي يؤديان، فاسمع لهما و أطعهما فانّهما الثقتان المأمونان»(2), فإنّما سيق لبيان وثاقة الأب و الابن، بقرينة ذيله: «الثقتان المأمونان» لا لأجل إلغاء احتمال الخلاف و تنزيل الظن منزلة العلم .
قال الشيخ الاعظم: و أمّا السنّة: فهي أخبار كثيرة تدلّ على المنع من العمل بالخبر الغير المعلوم الصدور إلّا إذا احتفّ بقرينة معتبرة من كتاب أو سنّة معلومة:
مثل: ما رواه في البحار عن بصائر الدرجات، عن محمّد بن عيسى، قال: «أقرأني داود بن فرقد الفارسيّ كتابه إلى أبي الحسن الثالث علیه السلام و جوابه علیه السلام بخطّه، فكتب: نسألك عن العلم المنقول عن آبائك و أجدادك صلوات اللّه عليهم أجمعين قد اختلفوا علينا فيه،
ص: 234
فكيف العمل به على اختلافه؟ فكتب علیه السلام بخطّه و قرأته: ما علمتم أنّه قولنا فالزموه، و ما لم تعلموه فردّوه إلينا»(1). و مثله عن مستطرفات السرائر(2).
و الأخبار الدالّة على عدم جواز العمل بالخبر المأثور إلّا إذا وجد له شاهد من كتاب اللّه أو من السنّة المعلومة، فتدلّ على المنع عن العمل بالخبر المجرّد عن القرينة:
مثل: ما ورد في غير واحد من الأخبار: أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال: «ما جاءكم عنّي لا يوافق القرآن فلم أقله»(3).
و قول أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام: «لا يصدّق علينا إلّا ما يوافق كتاب اللّه و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله»(4).
و قوله علیه السلام : «إذا جاءكم حديث عنّا فوجدتم عليه شاهدا أو شاهدين من كتاب اللّه فخذوا به، و إلّا فقفوا عنده، ثم ردّوه إلينا حتّى نبيّن لكم»(5).
ص: 235
و رواية ابن أبي يعفور قال: «سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن اختلاف الحديث، يرويه من نثق به و من لا نثق به؟ قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فخذوا به، و إلّا فالذي جاءكم به أولى به»(1).
و قوله علیه السلام لمحمّد بن مسلم: «ما جاءك من رواية- من برّ أو فاجر- يوافق كتاب اللّه فخذ به، و ما جاءك من رواية- من برّ أو فاجر- يخالف كتاب اللّه فلا تأخذ به»(2).
و قوله علیه السلام : «ما جاءكم من حديث لا يصدّقه كتاب اللّه فهو باطل»(3).
و قول أبي جعفر علیه السلام : «ما جاءكم عنّا فإن وجدتموه موافقا للقرآن فخذوا به، و إن لم تجدوه موافقا فردّوه، و إن اشتبه الأمر عندكم فقفوا عنده و ردّوه إلينا حتّى نشرح من ذلك ما شرح لنا»(4).
و قول الصادق علیه السلام : «كلّ شي ء مردود إلى كتاب اللّه و السنّة، و كلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف»(5).
و صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه علیه السلام : «لا تقبلوا علينا حديثا إلّا ما وافق الكتاب و السنّة، أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدّمة؛ فإنّ المغيرة بن سعيد لعنه
ص: 236
اللّه دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي، فاتّقوا اللّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا و سنّة نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله»(1).
و الأخبار الواردة في طرح الأخبار المخالفة للكتاب و السنّة و لو مع عدم المعارض متواترة جدّا.
ثم قال رحمه الله: وجه الاستدلال بها: أنّ من الواضحات أنّ الأخبار الواردة عنهم صلوات اللّه عليهم في مخالفة ظواهر الكتاب و السنّة في غاية الكثرة، و المراد من المخالفة للكتاب في تلك الأخبار- الناهية عن الأخذ بمخالف الكتاب و السنّة- ليس هي المخالفة على وجه التباين الكلّي بحيث يتعذّر أو يتعسّر الجمع؛ إذ لا يصدر من الكذّابين عليهم ما يباين الكتاب و السنّة كليّة؛ إذ لا يصدّقهم أحد في ذلك، فما كان يصدر عن الكذّابين من الكذب لم يكن إلّا نظير ما كان يرد من الأئمّة صلوات اللّه عليهم في مخالفة ظواهر
ص: 237
الكتاب و السنّة، فليس المقصود من عرض ما يرد من الحديث على الكتاب و السنّة إلّا عرض ما كان منها غيرمعلوم الصدور عنهم، و أنّه إن وجد له قرينة و شاهد معتمد فهو، و إلّا فليتوقّف فيه؛ لعدم إفادته العلم بنفسه، و عدم اعتضاده بقرينة معتبرة(1).
و قد اجاب الشيخ عنها: «أمّا الطائفة الاولى (اي الدالة على عدم الصدور) فالأقرب حملها على الأخبار الواردة في اصول الدين، مثل مسائل الغلوّ و الجبر و التفويض التي ورد فيها الآيات و الأخبار النبويّة، و هذه الأخبار غير موجودة في كتبنا الجوامع؛ لأنّها اخذت عن الاصول بعد تهذيبها من تلك الأخبار.
و أمّا الثانية (اي الدالة على عدم جواز التصديق) فيمكن حملها على ما ذكر في الاولى. و يمكن حملها على صورة تعارض الخبرين؛ كما يشهد به مورد بعضها. و يمكن حملها على خبر غير الثقة؛ لما سيجي ء من الأدلّة على اعتبار خبر الثقة.
هذا كلّه في الطائفة الدالّة على طرح الأخبار المخالفة للكتاب و السنّة.
و أمّا الطائفة الآمرة بطرح ما لا يوافق الكتاب أو لم يوجد عليه شاهد من الكتاب و السنّة فالجواب عنها- بعد ما عرفت من القطع بصدور الأخبار الغير الموافقة لما يوجد في الكتاب منهم عليهم السلام كما دلّ عليه روايتا الاحتجاج و العيون المتقدّمتان المعتضدتان بغيرهما
ص: 238
من الأخبار(1) أنّها محمولة على ما تقدّم في الطائفة الآمرة بطرح الأخبار المخالفة للكتاب و السنّة.
و أنّ ما دلّ منها على بطلان ما لم يوافق و كونه زخرفا محمول على الأخبار الواردة في اصول الدين ... و ما دلّ على عدم جواز تصديق الخبر الذي لا يوجد عليه شاهد من كتاب اللّه، على خبر غير الثقة أو صورة التعارض؛ كما هو ظاهر غير واحد من الأخبار العلاجيّة.
ثمّ إنّ الأخبار المذكورة - على فرض تسليم دلالتها - و إن كانت كثيرة، إلّا أنّها لا تقاوم الأدلّة الآتية؛ فإنّها موجبة للقطع بحجّيّة خبر الثقة، فلا بدّ من مخالفة الظاهر في هذه الأخبار(2).
اقول: الصحيح في الجواب هو ما تقدم من ان هذه الروايات تنهی عن العمل بغير العلم و ليس المراد من العلم ما ينتفي معه اي احتمال مخالف له بل المراد ما بهالوضوح و البصيرة و عليه فلا ردع فيها لاخبار الثقات الموثوق بها بل و مطلق الخبر الموثوق به فانها خارجة تخصصا و موضوعا .
و اما الروايات الناهية عن العمل بالرواية المخالفة للقرآن و السنة فناظرة اولاً: إلى لزوم تحصيل العلم و الوثوق بالخبر کما في الاخبار الواردة في أصول الدين مثل مسائل الغلو و الجبر و التفويض کما ذکره الشيخ الاعظم فإنّ ظاهرة الغلو بدت في عصر الإمام أمير المؤمنين علیه السلام فنمت إلى أن بلغت الذروة في عصر الصادق و الكاظم و الرضا عليهم السلام فكان هناك أناس يضعون الأحاديث في حقّ الأئمة إمّا تشويهاً لسمعة الأئمة عليهم السلام حتى ينفضّ
ص: 239
الناس من حولهم، بحجّة أنّهم يقولون خلاف القرآن و السنّة النبويّة، أو لغاية الاستئكال بالأحاديث حيث كانوا يملكون قلوب عوام الشيعة و السّذّج منهم، بالغلو في حقّهم، و قد احتفلت كتب الملل و النحل بهذه الفرق كالخطابية، و النّصيرية.
فروى الكشي عن يحيى بن عبد الحميد الجمالي انه قال في كتابه المؤلف في إثبات إمامة أمير المؤمنين علیه السلام : قلت لشريك: إنّ أقواماً يزعمون أنّ جعفر بن محمد ضعيف الحديث، فقال: أخبرك القصة، كان جعفر بن محمد رجلاً صالحاً مسلماً ورعاً، فاكتنفه قوم جهّال يدخلون عليه و يخرجون من عنده و يقولون: حدّثنا جعفر بن محمد، و يحدثون بأحاديث كلّها منكرات كذب موضوعة على جعفر ليستأكلون الناس بذلك، و يأخذون منهم الدراهم، كانوا يأتون من ذلك بكلّ منكر، فسمعت العوام بذلك منهم، فمنهم من هلك و منهم من أنكر(1).
و قد عالج الأئمّة الاطهار عليهم السلام هذه الظاهرة الخبيثة، بأمر الشيعة بعرض الروايات على القرآن فما وافقه من التوحيد و العدل، و مكانة الأئمة عليهم السلام يؤخذ به، و ما خالف فلا يؤخذ به، و روى الكشي ايضا حسناً عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه علیه السلام : « انّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذّاب يكذّب علينا و يسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس»(2).
و ثانيا: انها ناظرة الی تمييز الحجّة عن اللاحجّة کما في صورة اختلاف الخبرين في المضمون، فيطرح المخالف و لو كان خاصّاً بالنسبة إلى عموم القرآن، و يؤخذ بالموافق، و تشهد لذلك الروايات المستفيضة و هي:
ص: 240
1. مقبولة عمر بن حنظلة: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر ممّا وافق حكمه حكم الكتاب و السنة(1).
2. ما رواه ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به و منهم من لا نثق به قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه(2).
3. ما رواه الميثمي انّه سأل الرضا علیه السلام يوماً و قد اجتمع عنده قوم من أصحابه و قد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول اللّه في الشي ء الواحد. فقال علیه السلام : « ... ما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب اللّه»(3).
4. ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قال الصادق علیه السلام : « إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فردوه»(4).
5. مرسلة الاحتجاج عن الحسن بن الجهم، عن الرضا علیه السلام قال: قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة فقال: ما جاءك عنّا فقس على كتاب اللّه عزّ و جلّ و أحاديثنا فإن كان يشبههما فهو منّا(5), و رواه أيضاً عن العبد الصالح علیه السلام (6).
ص: 241
فهذا القسم من الروايات انما ينهی عن العمل بما خالف القرآن کما في صورة التعارض، لا في ما إذا كان الخبر بلا معارض سواء لم يكن مخالفاً للكتاب أصلاً، أو كان مخالفاً بنحو الخصوص و العموم، فيخصص القرآن بخبر الواحد کما تقدم في الجزء الثاني من هذا الکتاب من ان الحق جواز تخصيص الکتاب باخبار الاحاد .
فان المعروف من مذهب الامامية هو بطلان العمل باخبار الاحاد فنقل عن سهل النوبختي انه كتب رسالتين: احداهما في بطلان القياس و العمل بخبر الواحد(1).
و ذکر الشيخ المفيد رحمه الله ان مذهب جمهور الشيعة عدم جواز العمل باخبار الاحاد فقال: «إنه لا يجب العلم و لا العمل بشي ء من أخبار الآحاد و لا يجوز لأحد أن يقطع بخبر الواحد في الدين إلّا أن يقترن به ما يدل على صدق راويه على البيان و هذا مذهب جمهور الشيعة و كثير من المعتزلة و المحكمة و طائفة من المرجئة و هو خلاف لما عليه متفقهة العامة و أصحاب الرأي»(2).
و ادّعی السيّد المرتضى رحمه الله علی ذلک الاجماع في مواضع من كلامه، و جعله في بعضها بمنزلة القياس في كون ترك العمل به معروفا من مذهب الشيعة(3).
ص: 242
و هو الظاهر من الطبرسيّ في مجمع البيان، فقال: لا يجوز العمل بالظنّ عند الإماميّة إلّا في شهادة العدلين و قيم المتلفات و اروش الجنايات (1).
اقول: ان مصب الاجماع في لسان المتقدمين هو عدم حجية الخبر غير الموثوق به لما تقدم من ان مرادهم من اصطلاح خبر الواحد هو هذا المعنی کما نقله الشيخ الاعظم عن الفاضل القزويني في لسان الخواصّ انه قال:
إنّ هذه الكلمة أعني خبر الواحد- على ما يستفاد من تتبّع كلماتهم- تستعمل في ثلاثة معان:
أحدها: الشاذّ النادر الذي لم يعمل به أحد، أو ندر من يعمل به، و يقابله ما عمل به كثيرون.
الثاني: ما يقابل المأخوذ من الثّقات المحفوظ في الاصول المعمولة عند جميع خواصّ الطائفة، فيشمل الأوّل و مقابله.
الثالث: ما يقابل المتواتر القطعيّ الصدور، و هذا يشمل الأوّلين و ما يقابلهما.
ثمّ ذكر ما حاصله: أنّ ما نقل إجماع الشيعة على إنكاره هو الأوّل، و ما انفرد السيّد قدّس سرّه بردّه هو الثاني، و أمّا الثالث، فلم يتحقّق من أحد نفيه على الإطلاق (2)، انتهى. و ارتضاه الشيخ بعد نقله حيث قال: و هو كلام حسن, و عليه فلا اجماع علی عدم جواز العمل بالاخبار الموثوق بها .
هذا و قد صرح الشيخ بان المراد من كلام السيد هو اخبار العامة حيث قال: فإن قيل كيف تدّعون الإجماع على الفرقة المحقة في العمل بخبر الواحد و المعلوم من حالها انّه لا
ص: 243
ترى العمل بخبر الواحد، كما أنّ المعلوم من حالها انّها لا ترىالعمل بالقياس؟ فأجاب: المعلوم من حالها الذي لا ينكر و لا يدفع أنّهم لا يرون العمل بخبر الواحد، الذي يرويه مخالفهم في الاعتقاد و يختصون بطريقه(1).
قلت: لان السيد و المفيد و غيرهما من المتقدمين يعتقدون بان کثيرا من اخبارنا من الروايات الموثوق بها فهي خارجة عن کونها اخبار احاد .
و علی فرض تسليم الاجماع فهو معارض مع ما ادّعاء الشيخ من الإجماع على العمل به، حيث قال في العدّة: و الذي يدل على ذلك إجماع الفرقة المحقّة، فانّي وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم و دوّنوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك و لا يتدافعونه، حتى أنّ واحداً منهم إذا أفتى بشي ء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور و كان راويه ثقة لا ينكر حديثه سكتوا(2).
استدل القائلون بالحجّية، بالأدلة الأربعة.
فمن الكتاب الآيات التالية:
الأولى: آية النبأ
ص: 244
قال سبحانه: ﴿إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾(1).
و ذكر الطبرسي سبب نزولها و قال: نزلت الآية في الوليد بن عقبة، بعثه رسول اللّه صلي الله عليه و آله في جباية صدقات بني المصطلق، فخرجوا يتلقّونه فرحاً به و كانت بينه و بينهم عداوة في الجاهلية فظنّ أنّهم همّوا بقتله، فرجع إلى رسول اللّه صلي الله عليه و آله و قال: إنّهم منعوا صدقاتهم، و كان الأمر بخلافه، فغضب النبي و همّ أن يغزوهم، فنزلت الآية(2).
اقول: هذه الرواية من روايات العامة کما نقلها الواحدي(3), و قد اشتملت علی غضب النبي صلي الله عليه و آله و انه همّ ان يغزوهم و ذلک مناف لحکمته و عصمته معانها معارضة بنقلهم الاخر الذي لم يشتمل علی هذه الفقرة(4), ثم انه لا خلاف بين العامة في انها نزلت في الوليد فقال ابن حجر «لا خلاف بين أهل العلم بالتأويل أن قوله عزّ و جل: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ...
ص: 245
نزلت في الوليد»(1), فان اوجب ذلک الوثوق فهو کما هو الظاهر من الشيخ الطوسي(2), و الّا فلا.
کما و انه لم يعلم بعث الرسول صلي الله عليه و آله له حتی يقال كيف بعثه النبي صلي الله عليه و آله إلى جبايتها، مع أنّه فاسق؟ .
و أمّا الاستدلال بها فتارة يستدل بمفهوم الوصف، و أخرى بمفهوم الشرط .
الاستدلال بمفهوم الوصف بوجهين:
الوجه الاول: ما قرره الشيخ حيث قال: إنّ لخبر الفاسق حيثيتين: إحداهما ذاتية و هي ما يكون وصفاً للخبر و هي كونه خبر الواحد، و الأخرى عرضية، أي ما يكون وصفاً للمخبر، و يوصف به الخبر أيضاً بالعناية، و تعليق التبين على العنوان العرضي دون الذاتي المشترك بين خبر العادل و الفاسق، يعرب عن كونه السبب للتبيّن دون مطلق الخبر، و إلّا كان العدول عنه إلى العرضي غير بليغ(3).
ص: 246
و فيه اولا: عدم دلالة الوصف على المفهوم کما افاده المحقق النائيني(1) و غيره، إذ التعليق على الوصف لا يدل على كونه علة منحصرة، و المفروض توقف المفهوم على الانحصار المزبور.
و ثانيا: ما افاده الشيخ من ان الظاهر أنّ أخذهم للمقدّمة الأخيرة - و هي أنّه إذا لم يجب التثبّت وجب القبول؛ لأنّ الردّ مستلزم لكون العادل أسوأ حالا من الفاسق - مبنيّ على ما يتراءى من ظهور الأمر بالتبيّن في الوجوب النفسيّ، فيكون هنا امور ثلاثة، الفحص عن الصدق و الكذب، و الردّ من دون تبيّن، و القبول كذلك.
لكنّك خبير: بأنّ الأمر بالتبيّن هنا مسوق لبيان الوجوب الشرطيّ، و أنّ التبيّن شرط للعمل بخبر الفاسق دون العادل، فالعمل بخبر العادل غير مشروط بالتبيّن، فيتمّ المطلوب من دون ضمّ مقدّمة خارجيّة، و هي كون العادل أسوأ حالا من الفاسق.
و الدليل على كون الأمر بالتبيّن للوجوب الشرطيّ لا النفسيّ- مضافا إلى أنّه المتبادر عرفا في أمثال المقام، و إلى أنّ الإجماع قائم على عدم ثبوت الوجوب النفسيّ للتبيّن في خبر الفاسق، و إنّما أوجبه من أوجبه عند إرادة العمل به، لا مطلقا- هو: أنّ التعليل في الآية بقوله تعالى: أَنْ تُصِيبُوا ... الخ (2) لا يصلح أن يكون تعليلا للوجوب النفسيّ؛ لأنّ حاصله يرجع إلى أنّه: لئلّا تصيبوا قوما بجهالة بمقتضى العمل بخبر الفاسق فتندموا على فعلكم بعد تبيّن الخلاف، و من المعلوم أنّ هذا لا يصلح إلّا علّة لحرمة العمل بدون التبيّن، فهذا هو المعلول، و مفهومه جواز العمل بخبر العادل من دون تبيّن.
ص: 247
مع أنّ في الأولويّة المذكورة في كلام الجماعة بناء على كون وجوب التبيّن نفسيّا، ما لا يخفى؛ لأنّ الآية على هذا ساكتة عن حكم العمل بخبر الواحد- قبل التبيّن أو بعده- فيجوز اشتراك الفاسق و العادل في عدم جواز العمل قبل التبيّن، كما أنّهما يشتركان قطعا في جواز العمل بعد التبيّن و العلم بالصدق؛ لأنّ العمل- حينئذ- بمقتضى التبيّن لا باعتبار الخبر(1).
الوجه الثاني: إنّ قوله: فاسق، وصف لموصوف محذوف، أي مخبر فاسق، فالمخبر الموصوف بالفسق يجب تبيّن خبره، فيكون مفهومه انتفاؤه عند انتفاء الوصف، بمعنى كون المخبر عادلًا. و هذا سار في كلّ وصف لا ثالث له، كما في قوله:« في سائمة الغنم زكاة «فمعناه الغنم بقيد السائمة فيها زكاة، و يكون مفهومه، الغنم عند عدم كونها سائمة ليس فيها زكاة.
و فيه: ما لا يخفی و ذلک للفرق بين القيود الاحترازية و بين المفهوم فأنّ مفاد الأوّل هو مدخليته في الحكم مقابل القيد غير الاحترازي مثل ﴿في حجوركم﴾ في قوله سبحانه: ﴿و ربائبكم اللّاتي في حجوركم﴾(2) و أمّا كونه دخيلاً منحصراً لا يقوم مقامه شي ء آخر، فلا يدل عليه.
فإن قلت: القائم مقامه هو المعلوفة، فلو كان كذلك، كان ذكر السائمة لغواً، إذ يعرف هذا من أنّ الزكاة لجنس الغنم، و لا مدخلية لأحد الوصفين فيه.
ص: 248
قلت: نعم تلزم اللغوية في ما اذا لم يکن للقيد فائدة الّا المفهوم, و ما نحن فيه الفائدة موجودة من المنع عن العمل بخبر الفاسق, و الحاصل فالآية ليست بصدد جواز العمل بخبر العادل و عدمه، بل هي بصدد المنع عن العمل بخبر الفاسق.
الثاني: التمسک بمفهوم الشرط کما افاده المحقق الخراساني و حاصله: أن الموضوع في الآية الشريفة هو طبيعة النبأ، و قد علق وجوب التبين عنه على كون الجائي به فاسقاً، فإذا انتفى الشرط- و هو مجي ء الفاسق بطبيعة النبأ- لم يجب التبين عنه، فكأنه قيل: «النبأ يجب التبين عنه ان جاء به الفاسق، و النبأ لا يجب التبين عنه ان لم يجئ به الفاسق» و على هذا التقرير لا إشكال في استفادة حجية خبر العادل من الآية المباركة، لصدق المفهوم على خبره، يعني: يصدق على خبره «أنه نبأ لم يجئ به الفاسق»(1).
و ذکر ان هذا التقرير لا يرد عليه ما أورده الشيخ الأعظم رحمه الله من «أن القضية الشرطية في الآية الشريفة سيقت لبيان تحقق الموضوع، فالمفهوم في الآية قضية سالبة بانتفاء الموضوع».
وجه عدم الورود: أن الموضوع هو النبأ بما هو نبأ، و هو باق بعد انتفاء الشرط و هو مجي ء الفاسق، لا أنه النبأ الّذي جاء به الفاسق حتى يكون الشرط- أعني مجي ء الفاسق- جزء
ص: 249
الموضوع و محقّقاً له لينتفي الموضوع بانتفائه، و لا يثبتله مفهوم أو يكون مفهومه قضية سالبة بانتفاء الموضوع. و الحاصل أن الشيخ رحمه الله جعل الموضوع في المنطوق مجي ء الفاسق بالنبإ، فيرد عليه الإشكال الّذي ذكره. و أما هذا التقرير فقد جعل الموضوع فيه النبأ، و هو باق في قضية المفهوم أيضا .
و فيه اولا: ان كون الموضوع طبيعة النبأ مخالف لظاهر الاية بل الظاهر منها هو مجيء الفاسق بالنبأ, و ذلک لان الاية المبارکة بصدد بيان حكم نبأ الفاسق بشهادة قوله: (إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ) أي فاسق يحمل نبأ فالنفي و الإثبات يجب أن يتواردا على موضوع واحد و هو نبأ الفاسق, و عليه فلا دلالة للآية على المفهوم .
و ثانيا: ما افاده شيخ الطائفة رحمه الله من «أن تعليل الآية يمنع من الاستدلال بها، لأن اللَّه تعالى علل خبر الفاسق فقال: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ و ذلك قائم في خبر العدل، لأن خبره إذا كان لا يوجب العلم فالتجويز في خبره حاصل مثل التجويز في خبر الفاسق»(1), و توضيحه: أنّه لو سلّم ثبوت المفهوم في مثل الآية الكريمة في نفسه و بلحاظ الشرط فلا نسلّم ثبوته لهذه الآية الكريمة بعد التعليل بإصابة القوم بجهالة، فان مقتضى التعليل أنّ الشرط يدور مدار العلّة. و عليه يكون الشرط مطلق موارد عدم العلم، لانطباق الجهالة عليها. و لازمه عدم حجّيّة خبر العادل إذا لم يفد العلم، لأنّه مشمول للمنطوق.
و اجيب عن الإشكال المذكور اولا: بانه مبنيّ على أن يكون المراد من «الجهالة» في قوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ﴾ عدم العلم. و لكن الأمر ليس كذلك، بل المراد منها السفاهة و الإتيان بما لا ينبغي صدوره من العاقل، و ليس العمل بخبر العادل سفهيّا و لا
ص: 250
غير عقلائيّ، فإنّ العقلاء يعملون بخبر الثقة فضلا من خبر العادل و لو لم يفد العلم. و عليه فلا يعمّ التعليل ﴿أن تصيبوا قوما بجهالة﴾ العمل بخبر العادل(1).
و فيه: أنّ الآية الكريمة ليست بصدد بيان لزوم عدم الاعتناء بخبر الفاسق مطلقا، لأنّ مناسبة صدرها و ذيلها و تعليلها تجعلها ظاهرة في أنّ الإقدام على طبق النبأيوجب الندامة- كإصابة القوم و مقاتلتهم- لا بدّ من تبيّنه و العلم بمفاده، و لا يجوز الإقدام عليه قبل حصول العلم بالواقع، خصوصا إذا جاء به الفاسق. و عليه يبقی الظاهر على حاله، فإنّ الظاهر من التبيّن طلب الوضوح و تحقيق كذب الخبر و صدقه، و الظاهر من الجهالة - في مقابل التبيّن - هو عدم العلم بالواقع، فليس معناها في الاية السفاهة. و ان استعملت في معنى السفاهة ايضا فقال الراغب في المفردات: إنّ الجهل على ثلاثة أضرب: ثالثها فعل الشي ء بخلاف ما حقّه أن يفعل. و کما في قوله سبحانه: ﴿أنّه من عمل منكم سوءاً بجهالةٍ ثمّ تاب من بعده و أصلح فأنّه غفورٌ رحيمٌ﴾(2), و قال سبحانه: ﴿ثمّ إنّ ربّك للّذين عملوا السّوء بجهالةٍ ثمّ تابوا من بعد ذلك و أصلحوا إنّ ربّك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ﴾(3) و قال سبحانه: ﴿إنّما التّوبة على اللّه للّذين يعملون السّوء بجهالةٍ ثمّ يتوبون من قريبٍ﴾(4), الّا انّها في الآية ليست بهذا المعنى، بل هي فيها بمعنى عدم العلم بالواقع و هو ما يکون ضدّ التبيّن.
ص: 251
وثانيا: ما أجاب به المحقّق النائيني من أنّ المفهوم حاكم على التعليل، لأنّ أقصى ما يدل عليه التعليل عدم جواز العمل بما وراء العلم، و المفهوم يقتضي إلغاء احتمال الخلاف و جعل الخبر العادل محرزاً للواقع و علماً في مقابل التشريع، فلا يعقل أن يقع التعارض بينهما، لأنّ المحكوم لا يعارض الحكم و لو كان ظهوره أقوى(1).
و فيه: أنّ الحكومة قائمة بلسان الدليل، و المفروض في المقام أنّ المفهوم فاقد للّسان، فكيف يكون حاكماً؟! فان الحکومة عبارة عن نظارة أحد الدليلين إلى الدليل الآخر، و تكون نتيجتها رفع حكم الدليل المحكوم بلسان رفع موضوعه، و لو بالتعرض لحالات الحكم المحكوم، كما في قوله تعالی ﴿ما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ﴾(2)، فهو بلسانه متعرض لأحوال الأحكام الواردة في الشريعة، و يدل على أنّ الحكم إذا كان حرجياً فإطلاقه غير مجعول.
مضافا الی أنّ مفاد المفهوم على القول به، هو عدم وجوب التبيّن، و أين هو من إلغاء احتمال الخلاف، و كونه محرزاً للواقع ؟!
علی أنّ ما ذكره يستلزم الدور کما افاده المحقق الاصفهاني، لأنّ انعقاد المفهوم و ظهور القضية في المفهوم، فرع حاكميته على التعليل المزاحم لانعقاد المفهوم، و كونه حاكماً، فرع اشتمال القضية على المفهوم(3).
ص: 252
ثالثا: ما أفاده الشيخ من ان هذا الإيراد مبنيّ على أنّ المراد بالتبيّن هو التبيّن العلميّ كما هو مقتضى اشتقاقه, و انه يمکن ان يقال: أنّ المراد من التبيّن ما يعمّ الظهور العرفيّ الحاصل من الاطمئنان الذي هو مقابل الجهالة (1).
و قد اجاب عنه الشيخ: بأنّ الاستدلال بالمفهوم على حجّية خبر العادل المفيد للاطمئنان غير محتاج إليه؛ إذ المنطوق على هذا التقرير يدلّ على حجّية كلّ ما يفيد الاطمئنان كما لا يخفى (2).
و ردّ ايضا: بأنّ تفسير التبين بالظهور العرفي لا يصدقه القرآن الكريم، فانّه استعمل فيه في الظهور الحقيقي:
1. كقوله سبحانه: ﴿يا أيّها الّذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل اللّه فتبيّنوا و لا تقولوا لمن ألقى إليكم السّلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدّنيا﴾(3) و مورد الآية إراقة الدماء، و لا يكتفى فيه بالوثوق و الاطمئنان، بل لا بدّ من العلم أو البيّنة.
2. و قال سبحانه: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتّى يتبيّن لهم أنّه الحق﴾(4) أي يتبين أنّ القرآن حقّ بأجلى مظاهره.
3. و قوله سبحانه: ﴿حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾(5).
ص: 253
قلت: الاستعمال اعم من کونه مختصا بهذا المعنی, فالتبين ما به البيان و هو يحصل بما فيه الوضوح و البصيرة و الذي يعبر عنه بالوثوق و الاطمئنان لکن هذا المعنی لا ينافي عموم التعليل من کون لازمه عدم حجّيّة خبر العادل إذا لم يفد العلم، لأنّه مشمول للمنطوق, و ذلک لان خبر العادل سوف يکون من مصاديق العلم و التبين, نعم لو لم يفد تلک المرتبة من العلم فعموم التعليل شامل له .
رابعا: انّ التعليل يختص بما إذا كان العمل بالخبر في معرض الندامة، و هو يلازم خبر الفاسق دون خبر العادل، و العادل و إن كان يخطأ، كما في العلم القطعي لكنّهما ليسا في معرض الندامة . و فيه: ان خبر العادل إذا لم يفد العلم موجب للندامة بحکم التعليل و قياسه علی العلم القطعي اذا اخظأ قياس مع الفارق .
و هو ما ذکره الشيخ من «أنّ مفهوم الآية غير معمول به في الموضوعات الخارجيّة التي منها مورد الآية و هو إخبار الوليد بارتداد طائفة، و من المعلوم (ان مورد الآية من الموضوعات، و الموضوعات لا يعمل فيها بخبر العادل و) أنّه لا يكفي فيه خبر العادل الواحد، بل لا أقلّ من اعتبار العدلين، فلا بدّ من طرح المفهوم؛ لعدم جواز إخراج المورد»(1), أي يقبح و يستهجن أن يكون مفهوم الآية معمولا به في الأحكام و غير معمول به في الموضوعات التي منها مورد الآية .
ص: 254
و اجاب عنه الشيخ: بما حاصله أنّ غاية الأمر لزوم تقييد المفهوم بالنسبة إلى الموضوعات بضمّ عادل آخر إليه فلا يلزم إخراج المورد ، و توضيحه: انّ طرف المنطوق قد عمل به في مورده مطلقا و طرف المفهوم أيضا قد عمل به في مورده لكن مقيدا بالتعدد بأن يكون المعنى إن جاءكم فاسق بنبإ في الأحكام أو في الموضوعات في الارتداد أو غيره، فتبيّنوا واحدا كان أو متعددا، و إن جاءكم عادل بنبإ في الأحكام أو الموضوعات في الارتداد أو غيره فلا يجب التبيّن إن كان متعددا في الموضوعات ، و إلّا فيجب التبيّن أيضا.
و فيه: انه قد هدم المفهوم و قال بخروج المورد عن مفهوم الآية, و قرر الاشکال بوجوب التبين بخبر العادل ان لم يکن متعددا في الموضوعات, و ليس جوابا علی الاشکال کما هو واضح .
ادعی صاحب ارشاد العقول أنّ الآية غير ناظرة إلى الخبر بما هو خبر، حتى نبحث عن المنطوق و المفهوم و نناقش ما يزاحم أصل المفهوم أو يعارضه، بل الموضوع في الآية هو النبأ لا الخبر، و هو ليس مطلق الخبر، بل الأمر العظيمالذي يوجب على الإنسان الحزم و الاحتياط و تحصيل التبين و اليقين، و ترك الإقدام مع الجهل، من غير فرق بين خبر الفاسق و العادل، و يخصص الفاسق بالذكر لأجل التصريح بفسق الوليد.
توضيح ذلك: أنّه فرق في لغة العرب بين الخبر و النبإ، و لا يطلق الثاني إلّا على الخبر الخطير، و لا يطلق النبيّ على مطلق المخبر، بل الذي يخبر عن خبر خطير و ينقل أخبار السماء إلى الأرض.
ص: 255
و قد استعمل القرآن لفظ النبأ في خمسة عشر مورداً و أريد من الكل الأمر الخطير، قال سبحانه:
1. (و اتل عليهم نبأ ابني آدم بالحقّ إذ قرّبا قرباناً فتقبّل من أحدهما و لم يتقبّل من الآخر).(1) 2. (و لقد جاءك من نبإ المرسلين).(2) 3. (و جئتك من سبإٍ بنبإٍ يقينٍ).(3) 4. (عمّ يتساءلون* عن النّبإ العظيم)(4)، و توضيحه بالعظم لغاية المبالغة.
و محط البحث في الآية هو الموضوعات الخطيرة، فلا يستخدم فيها إلّا العلم و التبيّن القطعي و لا يكتفى بغيره، من غير فرق بين خبر العادل و الفاسق، و قد مرّ أنّ التبيّن في الآية ليس هو الاطمئنان بل التبيّن العلمي في مقابل الجهل.
فالآية تركّز على أنّه لا يصلح في تلك المواقف الخطيرة سوى التبيّن و العلم، و أمّا في غيرها من سائر الأمور غير المهمة فالآية ساكتة عنها منطوقاً و مفهوماً، و لا يستعمل لفظ النبأ إلّا في الموضوعات و لا يعمّ الأحكام، و يختص بالموضوعات التي لها خطر و شأن، لا مطلقه(5).
ص: 256
و فيه: ان النبأ لغةً هو الخبر و انبأ اي اخبر کما في مختار الصحاح(1), و قال الزبيدي في تاج العروس: النَّبَأُ مُحَرَّكَةً الخَبَرُ و هما مترادفان (2), و مثلهما غيرهما, و قد تفرد الراغب الاصفهاني بان النبأ خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غَلَبَة ظنّ، و لا يقال للخبر في الأصل نَبَأٌ حتى يتضمّن هذه الأشياء الثّلاثة، و حقّ الخبر الذي يقال فيه نَبَأٌ أن يتعرّى عن الكذب، كالتّواتر، و خبر اللّه تعالى،و خبر النبيّ عليه الصلاة و السلام، و لتضمُّن النَّبَإِ معنى الخبر يقال: أَنْبَأْتُهُ بكذا كقولك: أخبرته بكذا(3), و هذا الذي ذکره مخالف لما عليه اهل اللغة و لا شاهد له به و تحليل منه علی سليقته الخاصة حيث يطغو علی شخصيته الادبية التحليل الاعتباري و العقلي لکلمات اللغة .
و اما دعوی صاحب ارشاد العقول من ان النبأ متی ما استعمل في القرآن فقد أريد منه الأمر الخطير، ففيه: ان ادعاء لم يثبت اولا, و ان الاستعمال اعم من الحقيقة ثانيا, و بذلک تعرف بطلان ما رتب علی ذلک من اثار .
ثم انه علی القول بالمفهوم قد يقال اولاً:
ص: 257
بتعارض مفهوم الآية بالآيات الناهية عن العمل بغير العلم، و النسبة عموم من وجه، فالمرجع إلى أصالة عدم الحجّيّة(1).
و فيه ما افاده الشيخ: من أنّ المراد ب «النبأ» في المنطوق ما لا يعلم صدقه و لا كذبه، فالمفهوم أخصّ مطلقا من تلك الآيات، فيتعيّن تخصيصها؛ بناء على ما تقرّر: من أنّ ظهور الجملة الشرطيّة في المفهوم أقوى من ظهور العامّ في العموم.
قلت: و المراد من اقوائية ظهور المفهوم هو المفهوم الخاص بالنسبة الی العام لا مطلقا .
ثانيا: إنّ الآية لا تشمل الأخبار مع الواسطة ؛ لانصراف النبأ إلى الخبر بلا واسطة، فلا يعمّ الروايات المأثورة عن الأئمّة عليهم السّلام؛ لاشتمالها على وسائط, توضيحه: أن حجية الخبر- المعبر عنها بوجوب تصديق العادل- انما هي بلحاظ الأثر الشرعي الثابت للمخبر به، إذ لو لم يكن له أثر شرعي كانت الحجية لغواً، فإذا أخبر بأن زيداً مجتهد مثلا، فوجوب تصديقه لا بد أن يكون بلحاظ أثره الشرعي كجواز التقليد المترتب على اجتهاد زيد، و إلّا كان وجوب تصديقه لغوا، و حينئذ فوجوب تصديقه المستفاد من دليل حجية الخبر حكم، و خبره و المخبر به و هو اجتهاد زيد و أثره الشرعي و هو جواز تقليده موضوع، و من المعلوملزوم تغاير كل حكم مع موضوعه، و عدم إمكان اتحادهما، فإذا لم يكن في مورد أثر شرعي للخبر إلّا نفس وجوب التصديق الثابت بدليل حجية الخبر لم يمكن ترتيب هذا الأثر على وجوب تصديق المخبر، لأنه يلزم اتحاد الحكم و
ص: 258
الموضوع، و قد عرفت لزوم تغايرهما، و المقام من هذا القبيل، يعني: لو أردنا استفادة حجية الخبر من آية النبأ لزم في الخبر الواسطة اتحاد الحكم و الموضوع.
مثلا إذا أخبرنا الشيخ بقوله: «أخبرني المفيد عن الصدوق عن فلان رضي اللّه عنهم» لم يترتب على المخبر به- أعني اخبار المفيد- سوى وجوب التصديق، لأن نفس السنة كقول الإمام علیه السلام أثر لخبر المخبر عنه علیه السلام بلا واسطة كزرارة، و حينئذ فوجوب تصديق خبر الشيخ رحمه الله - بمقتضى آية النبأ- حكم، و نفس خبر الشيخ رحمه الله و المخبر به- أعني خبر المفيد- و أثره الشرعي- و هو وجوب تصديقه- موضوع، إذ المفروض وجوب تصديق خبر المفيد أيضا بمقتضى الآية، و أنه لا أثر لوجوب تصديق الشيخ سوى تصديق المفيد قدس سرهما، فيلزم اتحاد الحكم و الموضوع، لأن وجوب التصديق- مضافاً إلى الشيخ- حكم لخبر الشيخ، و هو- أي وجوب التصديق- بنفسه مضافاً إلى المفيد موضوع لنفسه مضافاً إلى الشيخ، و اتحاد الحكم و الموضوع محال.
و لا يخفى أن هذا الإشكال على الاخبار الوسائط قد قرر بوجوه:
الأول: اتحاد الحكم و الموضوع، كما تقدم تقريبه.
الثاني: إثبات الموضوع بالحكم المستلزم لتقدمه على الموضوع، مع أنه لا بد من تأخر الحكم عن موضوعه. و بعبارة أخرى: لو كان الأثر المترتب على وجوب التصديق نفس وجوب التصديق الآتي من قبل دليل اعتبار خبر العادل لَزِم أن يكون الحكم مولِّداً لموضوع نفسه، ضرورة أن قول الشيخ مثلا: «حدثني المفيد» لا أثر له إلّا وجوب تصديقه الناشئ من دليل اعتبار الخبر، و كذا لا أثر لقول المفيد: «حدثني الصدوق» الا وجوب
ص: 259
تصديقه كذلك. بل يلزم أن يكون الحكم بالنسبة إلى خبر من لم نشاهده من الوسائط مولِّداً لنفس الخبر أيضا، لأن الحكم- أعني وجوب التصديق- هو الّذي يصيِّر الخبر خبراً يعني يحقق خبريته، فيكون مولِّداً له كخبر من قبل الشيخ، فانه- بعد تصديق خبر الشيخ- يتولد «حدثني الصدوق» الّذي هو خبر المفيد قدس اللّه أسرارهم .
الثالث: عدم ترتب حكم شرعي على وجوب تصديق العادل، إذ الأثر الشرعي أعني نفس السنة ليس قول المفيد مثلا، و لا قول من قبله من الوسائط حتى يثبت بتصديقهم، و انما هو قول زرارة مثلا الراوي عن الإمام علیه السلام بلا واسطة.
و اجاب الشيخ عن الاول اي اتحاد الحکم و الموضوع, بقوله: و ضعف هذا الإيراد على ظاهره واضح؛ لأنّ كلّ واسطة من الوسائط إنّما يخبر خبرا بلا واسطة؛ فإنّ الشيخ قدّس سرّه إذا قال: حدّثني المفيد، قال: حدّثني الصدوق، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني الصفّار، قال: كتب إليّ العسكريّ علیه السلام بكذا، فإنّ هناك أخبارا متعدّدة بتعدّد الوسائط، فخبر الشيخ قوله: حدّثني المفيد الخ، و هذا خبر بلا واسطة يجب تصديقه، فإذا حكم بصدقه و ثبت شرعا أنّ المفيد حدّث الشيخ بقوله: حدّثني الصدوق، فهذا الإخبار- أعني قول المفيد الثابت بخبر الشيخ: حدّثني الصدوق- أيضا خبر عادل و هو المفيد، فنحكم بصدقه و أنّ الصدوق حدّثه، فيكون كما لو سمعنا من الصدوق إخباره بقوله: حدّثني أبي، و الصدوق عادل، فيصدّق في خبره، فيكون كما لو سمعنا أباه يحدّث بقوله: حدّثني الصفّار، فنصدّقه؛ لأنّه عادل، فيثبت خبر الصفّار: أنّه كتب إليه العسكري علیه السلام ، و إذا كان الصفّار عادلا وجب تصديقه و الحكم بأنّ العسكريّ علیه السلام كتب إليه ذلك القول، كما لو شاهدنا الإمام علیه السلام يكتبه إليه، فيكون المكتوب حجّة، فيثبت بخبر كلّ لاحق إخبار سابقه؛ و
ص: 260
لهذا يعتبر العدالة في جميع الطبقات؛ لأنّ كلّ واسطة مخبر بخبر مستقل(1). و الحاصل: أن إشكال اتحاد الحكم و الموضوع انما يلزم إذا جعل «صدق العادل» قضية خارجية يترتب الحكم فيها على خصوص أفراد الموضوع الموجودة في الخارج فعلا، و أما إذا جعل قضية حقيقية يترتب الحكم فيها على طبيعة الموضوع- و منها يسري إلى أفرادها الخارجية المحققة أو المقدرة- فلا يلزم الإشكال المذكور.
و اجاب الشيخ ايضا عن الثاني و هو إشكال تقدّم الحكم على الموضوع؛ بقوله, أوّلا: بانتقاضه بورود مثله في نظيره الثابت بالإجماع كالإقرار بالإقرار (کما إذا أقرّ بأنّه أقرّ سابقا بالدين، فقد قام الإجماع على حجية هذا الإقرار أيضا، و الحال أنّ الإقرار الأصل يثبت - بأدلة حجية الإقرار - الفرع و لا أثر للمقر به بالإقرارالفرع سوى الحجية الثابتة بأدلة الإقرار) ، و إخبار العادل بعدالة مخبر، فإنّ الآية تشمل الإخبار بالعدالة بغير إشكال.
و ثانيا: بأنّ عدم قابليّة اللفظ العامّ لأن يدخل فيه الموضوع الذي لا يتحقّق و لا يوجد إلّا بعد ثبوت حكم هذا العامّ لفرد آخر، لا يوجب التوقّف في الحكم إذا علم المناط الملحوظ في الحكم العامّ و أنّ المتكلّم لم يلاحظ موضوعا دون آخر؛ لأنّ هذا الخروج مستند إلى قصور العبارة و عدم قابليّتها لشموله، لا للفرق بينه و بين غيره في نظر المتكلّم حتّى يتأمّل في شمول حكم العامّ له.
بل لا قصور في العبارة بعد ما فهم منها أنّ هذا المحمول وصف لازم لطبيعة الموضوع و لا ينفكّ عن مصاديقها، فهو مثل ما لو أخبر زيد بعض عبيد المولى بأنّه قال: لا تعمل بأخبار زيد، فإنّه لا يجوز له العمل به و لو اتّكالا على دليل عامّ يدلّ على الجواز؛ لأنّ
ص: 261
عدم شموله له ليس إلّا لقصور اللفظ و عدم قابليّته للشمول، لا للتفاوت بينه و بين غيره من أخبار زيد في نظر المولى. و قد تقدّم في الإيراد الثاني من هذه الإيرادات ما يوضح لك (1).
و اما الثالث اي لزوم كون المخبر به ذا أثر شرعي ففيه: أنّه يكفي في صحّة التعبّد أن يكون جزء الموضوع للأثر لا تمام الموضوع، فيصحّ الأمر بتصديق الصدوق و الكليني، لغاية إثبات قول الصفار الذي يحمل قول الإمام و الحكم الشرعي.
هذا و قرر الاستدلال بالاية ببيان آخر و هو ما افاده المحققان العراقي و الخوئي. و توضيحه على ما أفاد السيّد المحقّق الخوئيّ: أنّ الشرط قد يكون أمرا واحدا، و قد يكون مركّبا من أمرين. فعلى الأوّل إن كان الأمر المذكور ممّا يتوقّف عليه الجزاء عقلا فلا مفهوم للقضيّة، و إلّا فتدلّ على المفهوم. و على الثاني فإن كان كلا الجزءين ممّا يتوقّف عليه الجزاء عقلا فلا مفهوم للقضيّة الشرطيّة أصلا، كقولك: «إن رزقك اللّه مولودا و كان ذكرا فاختنه»؛ و إن كان كلاهما ممّا لا يتوقّف عليه الجزاء عقلا فالقضيّة تدلّ على المفهوم بالنسبة إلى كليهما أي تدلّ القضيّة على انتفاء الجزاء عند انتفاء كلّ واحد منهما و لو مع تحقّق الآخر؛ و إن كان أحدهما ممّا يتوقّف عليه الجزاء عقلا و محقّقا للموضوع دون الآخر، كقولك:«إن ركب الأمير و كان ركوبه يوم الجمعة فخذ ركابه»، فتدلّ
ص: 262
القضيّة على المفهوم بالنسبة إلى الجزء الّذي لا يتوقّف عليه الجزاء عقلا- و هو في المثال يوم الجمعة- دون الآخر- و هو ركوب الأمير-.
إذا عرفت هذا، فاعلم: أنّ الشرط في الآية الشريفة مركّب من جزءين: النبأ و مجي ء الفاسق به، و يكون أحدهما- و هو النبأ- محقّقا لموضوع الحكم في الجزاء لتوقّفه عليه عقلا، فلا مفهوم للقضيّة بالنسبة إليه، و لا يكون الجزء الآخر- أي مجي ء الفاسق به- محقّقا لموضوع الحكم في الجزاء، لعدم توقّف الجزاء عليه عقلا، فتدلّ القضيّة على المفهوم بالنسبة إليه، و مفاده انتفاء وجوب التبيّن عند انتفاء كون الآتي به فاسقا، فلا يجب التبيّن في النبأ الّذي جاء به العادل(1).
و فيه: أنّه خلاف ظاهر الآية من کون الشرط امرا واحدا, و يستلزم استعمال الأداة في معنيين، و هو من استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد و هو خلاف الظاهر لا يصح الّا مع القرينة, و المثال المذکور اي «إن ركب الأمير و كان ركوبه يوم الجمعة فخذ ركابه» في الحقيقة يشتمل علی شرط واحد و هو «إن کان رکوب الأمير يوم الجمعة فخذ ركابه» و ان تعدد في العبارة الّا ان تعدده لفظي لا معنوي .
قال اللّه تبارك و تعالى: ﴿وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون﴾(2), و
ص: 263
الاستدلال بالآية يتوقف على الكلام في مقامات ثلاثة: تفسير الآية، و وجه الاستدلال بها، و الاشکالات الواردة على الاستدلال بها .
انّ خطاب ﴿لولا نفر﴾ الوارد في الاية انما هو لمؤمني سائر البلاد، و المراد من النفر، النفر إلى المدينة المنورة للتعلّم و التفقه، وعليه يجب أن ينفر من كلّ قبيلة، طائفة للتفقّه في محضر النبي صلي الله عليه و آله لغاية إنذار قومهم عند الرجوع.
هذا هو الظاهر من الاية المبارکة بخلاف تفسيرها بالنفر الی الجهاد بأنّ يکون المراد عدم نفر الجميع إلى الجهاد بل ينفر طائفة من كلّ فرقة لغاية التفقه فيميادين الحرب، ثمّ إنذار قومهم المتخلفين في المدينة و ما حولها، عند الرجوع إليهم، و المراد من التفقّه ما ذكره الطبرسي «ليتبصّروا و يتيقّنوا بما يُريهم اللّه من الظهور على المشركين و نصرة الدين، و أمّا الإنذار عند الرجوع إليهم باخبارهم بنصر اللّه النبي و المؤمنين لعلّهم يحذرون أن يقاتلوا النبي فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفّار»(1).
و فيه ما لا يخفی فانّ الظاهر من التفقّه هو تعلّم أحكامه، و أمّا رؤية النصر في الحروب فهو ليس تفقهاً في الدين، بل مزيد إيمان باللّه و بما وعد, کما و ان القول بأنّ المراد من (وَ لِيُنْذِرُوا) هو إنذار قومهم الكافرين كي لا يقاتلوا النبي، خلاف الفرض، لأنّ المفروض، انّ الخطاب للمؤمنين من أهل المدينة و من حولها و لم يكن يوم نزول الآية أيّ كافر فيها، لأنّها نزلت في العام التاسع من الهجرة، و قد أسلمت القبائل في الجزيرة
ص: 264
العربية إلّا قليلًا في جانب شمالها قرب الشام، علی انّ النصر لم يكن حليف المسلمين دائماً، بل ربما كانوا يرجعون مع النكسة و الهزيمة، كما هو الحال في غزوة أُحد و حنين، فلا يمكن أن يكون مثل هذا غاية النفر، التي يجب أن لا تنفك عنه.
و يشهد لما ذکرنا من التفسير روايات كثيرة مذكورة في التفاسير الروائية, منها معتبر الفضل بن شاذان عن الرضا علیه السلام عند بيان علل الحج: انّ منها التفقّه و نقل أخبار الأئمة عليهم السلام إلى كلّ صقع و ناحية، كما قال اللّه عزّ و جلّ: ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ...﴾(1).
و منها ما روى عنهم عليهم السلام في تفسير قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «اختلاف أُمّتي رحمة» انّ المراد اختلافهم إلى البلدان، و أنّ الرسول أراد من قوله: اختلاف أُمّتي رحمة، قول اللّه عزّ و جلّ: ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ...﴾(2).
فان قلت: أنّه على خلاف سياق الآية، حيث أنّها وردت في سياق آيات الجهاد، فانّ الآية المتقدمة عليها و المتأخرة عنها راجعتان إلى الجهاد قال سبحانه: ﴿وَ لا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً وَ لا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُون﴾(3), و قال سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَالْكُفَّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين﴾(4), فكيف يمكن أن تكون مشيرة إلى هذا المعنى؟
ص: 265
قلت: السياق يمکن ان يکون مساعدا و قرينة للظهور في ما اذا لم يکن هنالک مانع منه کما في المقام حيث ان ظهور الاية قوي في ما ذکرنا مضافا الی النص المعتبر الوارد في تفسيرها فلا عبرة بالسياق هنا و لا اشکال في ورود حکم خاص في ضمن موضوع الجهاد و کم له من نظير کما في اية التطهير الواردة في سياق الايات التي تتعلق بازواج النبي صلي الله عليه و آله (1) .
و قد قرره الشيخ الأعظم في الفرائد بوجوه ثلاثة:
1. انّ أدوات الاستفهام و التمنّي و الترجّي تستعمل في كلام الواجب و غيره في معنى واحد، و هو إنشاء هذه المفاهيم، و إنّما يختلفان في المبادئ فالمبدأ للترجي في كلامه سبحانه إظهار محبوبية الحذر عن العقوبة، و في غيره، هو الجهل بالوقوع.
2. انّ حسن حذر المنذَر عند إنذار المنذِر، في مورد الآية يدل على وجود المقتضي فيه، و هو قيام الحجّة على أمر يستلزم فعله أو تركه العقوبة، و إلّا فلا يحسن الحذر، لقبح العقاب بلا بيان، و ليس الحجّة إلّا قول المنذِر و خبره الذي تعلّمه و رجع و أدّى رسالته.
ص: 266
و بعبارة أُخرى: من قال برجحان الحذر قال بوجوبه لا باستحبابه، لأنّ الأُمّة في مورد حجّية الخبر الواحد على قولين:
1. خبر الواحد حجّة، و هو عبارة أُخرى عن وجوب الحذر.
2. عدم كونه حجّة، و هو عبارة أُخرى عن عدم وجوبه لا القول باستحبابه، فالقول به إحداث قول ثالث.
و اجاب عنه في الکفاية بما حاصله: أنّه لا ملازمة بين محبوبيّة الحذر و بين وجوبه عقلا، كما لا ملازمة بينها و بين وجوبه شرعا.
أمّا الأوّل: فلأنّ التحذّر عن الشي ء قد يكون لتنجّز التكليف و فعليّته، فيكون تحذّرا عن العقاب، و لا ريب حينئذ في ثبوت الملازمة بين محبوبيّة الحذر و وجوبه عقلا. و قد يكون لرجاء إدراك الواقع و خوفا من فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة، من دون أن يكون التكليف منجّزا، فلا يكون تحذّرا من العقوبة، و لا شكّ حينئذ في عدم ثبوت الملازمة بين محبوبيّة الحذر و وجوبه عقلا.
و أمّا الثاني اي دعوی الملازمة الشرعية فهو: أن عدم الفصل بين حسن الحذر- فيما لم يقم حجة على التكليف- و بين وجوبه شرعاً غير ثابت، فدعوی الملازمة الشرعية بين حسن الحذر و بين وجوبه شرعاً كدعوى الملازمة العقلية بينهما ممنوعة جداً(1).
ص: 267
إنّ الإنذار واجب بحكم كونه غاية للنفر الواجب بحكم «لولا» التحضيضية، فإذا وجب الإنذار، وجب التحذّر أيضاً، و إلّا لغى إيجاب الإنذار، و الفرق بين التقريرين واضح.
فالتقرير الأوّل، يتطرّق إلى إثبات وجوب الحذر، من حسنه الملازم لوجوبه، و المراد من الحذر هناك هو الحذر النفساني، و هذا التقرير يتطرّق إلى وجوبه من أنّه لولا وجوب الحذر لغى الإنذار الواجب. و نظيره في الفقه، قولهم بأنّه يحرم على النساء كتمان ما في أرحامهنّ، الملازم لحجّية قولهن، و إلّا لغى التحريم، قال سبحانه: ﴿وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِن﴾(1).
إنّ الحذر غاية للإنذار و النفر الواجبين، و غاية الواجب واجب، لأنّ وجوبهما لأجل تلك الغاية، فلا يعقل أن تكون المقدمة واجبة دون ذيها، و المراد من الحذر في هذا التقرير هو الحذر العملي أي الأخذ بقول المنذِر، و هو عبارة أُخرى عن كونه حجّة.
و اجاب عن هذه التقارير الشيخ الاعظم: بوجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّه لا يستفاد من الكلام إلّا مطلوبيّة الحذر عقيب الإنذار بما يتفقّهون في الجملة، لكن ليس فيها إطلاق وجوب الحذر، بل يمكن أن يتوقّف وجوبه علىحصول العلم، فالمعنى: لعلّه يحصل لهم العلم فيحذروا، فالآية مسوقة لبيان مطلوبيّة الإنذار بما يتفقّهون،
ص: 268
و مطلوبيّة العمل من المنذرين بما انذروا، و هذا لا ينافي اعتبار العلم في العمل؛ و لهذا صحّ ذلك فيما يطلب فيه العلم.
فليس في هذه الآية تخصيص للأدلّة الناهية عن العمل بما لم يعلم؛ و لذا استشهد الإمام - فيما سمعت من الأخبار المتقدّمة - على وجوب النفر في معرفة الإمام علیه السلام و إنذار النافرين للمتخلّفين، مع أنّ الإمامة لا تثبت إلّا بالعلم.
الثاني: أنّ التفقّه الواجب ليس إلّا معرفة الامور الواقعيّة من الدين، فالإنذار الواجب هو الإنذار بهذه الامور المتفقّه فيها، فالحذر لا يجب إلّا عقيب الإنذار بها، فإذا لم يعرف المنذر- بالفتح- أنّ الإنذار هل وقع بالامور الدينيّة الواقعيّة أو بغيرها خطأ أو تعمّدا من المنذر- بالكسر- لم يجب الحذر حينئذ، فانحصر وجوب الحذر فيما إذا علم المنذر صدق المنذر في إنذاره بالأحكام الواقعيّة، فهو نظير قول القائل: أخبر فلانا بأوامري لعلّه يمتثلها.
فهذه الآية نظير ما ورد من الأمر بنقل الروايات؛ فإنّ المقصود من هذا الكلام ليس إلّا وجوب العمل بالامور الواقعيّة، لا وجوب تصديقه فيما يحكي و لو لم يعلم مطابقته للواقع، و لا يعدّ هذا ضابطا لوجوب العمل بالخبر الظنّيّ الصادر من المخاطب في الأمر الكذائيّ.
و نظيره: جميع ما ورد، من بيان الحقّ للناس و وجوب تبليغه إليهم؛ فإنّ المقصود منه اهتداء الناس إلى الحقّ الواقعيّ، لا إنشاء حكم ظاهريّ لهم بقبول كلّ ما يخبرون به و إن لم يعلم مطابقته للواقع.
ثمّ الفرق بين هذا الإيراد و سابقه: أنّ هذا الإيراد مبنيّ على أنّ الآية ناطقة باختصاص مقصود المتكلّم بالحذر عن الامور الواقعيّة، المستلزم لعدم وجوبه إلّا بعد إحراز كون
ص: 269
الإنذار متعلّقا بالحكم الواقعيّ، و أمّا الإيراد الأوّل فهو مبنيّ على سكوت الآية عن التعرّض لكون الحذر واجبا على الإطلاق أو بشرط حصول العلم.
الثالث: لو سلّمنا دلالة الآية على وجوب الحذر مطلقا عند إنذار المنذر و لو لم يفد العلم، لكن لا تدلّ على وجوب العمل بالخبر من حيث إنّه خبر؛ لأنّ الإنذار هو الإبلاغ مع التخويف، فإنشاء التخويف مأخوذ فيه، و الحذر هو التخوّف الحاصل عقيب هذا التخويف الداعي إلى العمل بمقتضاه فعلا، و من المعلوم أنّ التخويف لا يجب إلّا على الوعّاظ في مقام الإيعاد على الامور التي يعلمالمخاطبون بحكمها من الوجوب و الحرمة، كما يوعد على شرب الخمر و فعل الزنا و ترك الصلاة، أو على المرشدين في مقام إرشاد الجهّال، فالتخوّف لا يجب إلّا على المتّعظ أو المسترشد، و من المعلوم أنّ تصديق الحاكي فيما يحكيه من لفظ الخبر الذي هو محلّ الكلام خارج عن الأمرين(1).
و قد أجاب المحقّق النائيني عن هذا الإيراد الاخير بأنّ الإنذار و إن كان هو الإخبار الشامل على التخويف، إلّا أنّه أعمّ من الصراحة و الضمنية فانّه يصدق الإنذار على الاخبار المتضمن للتخويف ضمناً و إن لم يصرّح به المنذر(2).
و اجيب: بأنّ الآية ظاهرة في من يتصدّى لأمر الإنذار، بعد التفقّه، و لا يصدق ذلك على من لا شأن له سوى نقل الرواية و حكاية الألفاظ، من دون أن يتصدى لمقام الإنذار.
و فيه: انّ الملاک في التخويف هو مضمون الرواية و لا خصوصية للراوي فيه، و عليه فايراد المحقق النائيني وارد .
ص: 270
ثم ان السيد المحقّق الخوئي رحمه الله حاول أن يثبت انّ الآية في مقام البيان و انّها نظيرة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن﴾(1).
و فيه: ان هذا قياس مع الفارق فانّ صدر آية الوضوء يشهد بأنّها في مقام بيان حدود الوضوء و شروطه و جزئياته، فلو شكّ في جزئية شي ء أو شرطيته صحّ التمسك بالإطلاق في نفي المشكوك، و هذا بخلاف المقام فالآية تركّز على أمر خاص و هو أنّ مسألة التعليم و التعلم كسائر المسائل الاجتماعية لا بدّ فيها من تقسيم العمل و أن يقوم بها طائفة من المؤمنين، كما هو الحال في سائر الأُمور الاجتماعية، و أمّا كيفية الإنذار و وجوب الحذر، فهما من الأُمور الجانبية الواردة في الآية، فليست الآية في مقام بيان كيفيتهما و انّه يجب الإنذار على النافر سواء أفاد العلم أم لم يفد، أو يجب الحذر علی المنذَر سواء حصل له العلم أم لا.
و حاصل البحث: انّ الآية فاقدة للإطلاق في كيفية الإنذار و الحذر و لا دلالة فيها على حجّية خبر الواحد, بل هي دالة على وجوب الاجتهاد كفايةً, و وجوب التقليد على العوامّ.
«... فالآية الكريمة بمجموعها تقرّر أمرا عقليّا، و هو وجوب المعرفة و التعلّم، و إذ تعذّرت المعرفة اليقينيّة بنفر كلّ واحد إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ليتفقّه في الدين فلم يجب،
ص: 271
رخّص اللّه تعالى لهم لتحصيل تلك الغاية- أعني التعلّم- بأن تنفر طائفة من كلّ فرقة. و الطائفة المتفقّهة هي التي تتولّى حينئذ تعليم الباقين من قومهم، بل إنّه لم يكن قد رخّصهم فقط بذلك، و إنّما أوجب عليهم أن تنفر طائفة من كلّ قوم، و يستفاد الوجوب من «لو لا» التحضيضيّة، و من الغاية من النفر- و هي التفقّه لإنذار القوم الباقين لأجل أن يحذروا من العقاب-؛ مضافا إلى أنّ أصل التعلّم واجب عقليّ، كما قرّرنا.
كلّ ذلك شواهد ظاهرة على وجوب تفقّه جماعة من كلّ قوم؛ لأجل تعليم قومهم الحلال و الحرام. و يكون ذلك- طبعا- وجوبا كفائيّا.
و إذا استفدنا وجوب تفقّه كلّ طائفة من كلّ قوم، أو تشريع ذلك بالترخيص فيه على الأقلّ لغرض إنذار قومهم إذا رجعوا إليهم، فلا بدّ أن نستفيد من ذلك أنّ نقلهم للأحكام قد جعله اللّه تعالى حجّة على الآخرين، و إلّا لكان تشريع هذا النفر على نحو الوجوب، أو الترخيص لغوا بلا فائدة بعد أن نفى وجوب النفر على الجميع. بل لو لم يكن نقل الأحكام حجّة، لما بقيت طريقة لتعلّم الأحكام تكون معذّرة للمكلّف، و حجّة له، أو عليه.
و الحاصل أنّ رفع وجوب النفر على الجميع و الاكتفاء بنفر قسم منهم ليتفقّهوا في الدين و يعلّموا الآخرين هو بمجموعه دليل واضح على حجّيّة نقل الأحكام في الجملة، و إن لم يستلزم العلم اليقينيّ؛ لأنّ الآية- من ناحية اشتراط الإنذار بما يوجب العلم- مطلقة، فكذلك تكون مطلقة من ناحية قبول الإنذار و التعليم، و إلّا كان هذا التدبير الذي شرّعه اللّه تعالى لغوا، و بلا فائدة، و غير محصّل للغرض الذي من أجله كان النفر و تشريعه.
هكذا ينبغي أن تفهم الآية الكريمة في الاستدلال على المطلوب، و بهذا البيان يندفع كثير ممّا أورد على الاستدلال بها للمطلوب.
ص: 272
و ينبغي ألّا يخفى عليكم أنّه لا يتوقّف الاستدلال بها على أن يكون نفر الطائفة من كلّ قوم واجبا، بل يكفي ثبوت أنّ هذه الطريقة مشرّعة من قبل اللّه تعالى، و إن كان بنحو الترخيص بها؛ لأنّ نفس تشريعها يستلزم تشريع حجّيّة نقل الأحكام من المتفقّه. فلذلك لا تبقى حاجة إلى التطويل في استفادة الوجوب.
كما أنّ الاستدلال بها لا يتوقّف على كون الحذر عند إنذار النافرين المتفقّهين واجبا، و استفادة ذلك من «لعلّ» أو من أصل حسن الحذر، بل الأمر بالعكس؛ فإنّ نفس جعل حجّيّة قول النافرين المتفقّهين المستفاد من الآية يكون دليلا على وجوب الحذر.
نعم، يبقى شي ء، و هو أنّ الواجب أن تنفر من كلّ فرقة طائفة، و الطائفة ثلاثة فأكثر، أو أكثر من ثلاثة. و حينئذ لا تشمل الآية خبر الشخص الواحد أو الاثنين.
و لكن يمكن دفع ذلك بأنّه لا دلالة في الآية على أنّه يجب في الطائفة أن ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم مجتمعين بشرط الاجتماع، فالآية من هذه الناحية مطلقة، و بمقتضى إطلاقها يكون خبر الواحد- لو انفرد بالإخبار- حجّة أيضا. يعني أنّ العموم فيها أفراديّ لا مجموعيّ(1).
اقول: الّا انه مع ذلک لا دلالة فيها علی حجية الخبر الواحد و ذلک لان المنذر باعتبار وثاقته و امانته المفروضة فيه يکون کلامه - غالبا - مفيدا للوثوق و العلم العرفي و عليه فلا تلزم من عدم حجية خبر الواحد اذا لم يورث الوثوق و العلم اللغوية، و کون الانذار بلا فائدة، و غير محصّل للغرض الذي من أجله كان النفر و تشريعه.
ثم أنّ المحقّق النائينيّ تصدّی لتقريب الاستدلال بالآية الكريمة بوجه آخر و زعم أنّه يندفع به جميع ما اورد من الإشكالات السابقة على الاستدلال بها, ثمّ تصدّى لبيان
ص: 273
الإشكالات الواردة على تقريب الشيخ السابق و دفعها، و تابعه في المقام تلميذه السيّد المحقّق الخوئي(1), و مثله المحقّق الأصفهانيّ قرب الاستدلال بالآية الشريفة بوجهين(2). اقول: الّا ان ما تقدم يکفي في الجواب عما افاداه .
قال عزّ من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُون﴾(3), و تقرير الاستدلال: انّهسبحانه يذمُّ أهل الكتاب لكتمانهم البشارات الواردة في كتبهم بظهور النبي القرشي الهاشمي العربي مع أنّهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُم﴾(4), و قال سبحانه: ﴿وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِه﴾(5), فالآية تدل على تحريم كتمان البيّنات و بالتالي تدل على وجوب القبول و إلّا لغت حرمة الكتمان.
و اجاب الشيخ عن الاستدلال بها بقوله: «و يرد عليها ما ذكرنا من الإيرادين الأوّلين في آية النفر، من سكوتها و عدم التعرّض فيها لوجوب القبول و إن لم يحصل العلم عقيب
ص: 274
الاظهار، أو اختصاص وجوب القبول المستفاد منها بالأمر الذي يحرم كتمانه و يجب إظهاره ؛ فإنّ من أمر غيره بإظهار الحقّ للناس ليس مقصوده إلّا عمل الناس بالحقّ، و لا يريد بمثل هذا الخطاب تأسيس حجّيّة قول المظهر تعبّدا و وجوب العمل بقوله و إن لم يطابق الحقّ.
و يشهد لما ذكرنا: أنّ مورد الآية كتمان اليهود لعلامات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بعد ما بيّن اللّه لهم ذلك في التوراة، و معلوم أنّ آيات النبوّة لا يكتفى فيها بالظنّ.
نعم، لو وجب الإظهار على من لا يفيد قوله العلم غالبا أمكن جعل ذلك دليلا على أنّ المقصود العمل بقوله و إن لم يفد العلم؛ لئلّا يكون إلقاء هذا الكلام كاللغو.
و من هنا يمكن الاستدلال بما تقدّم من آية تحريم كتمان ما في الأرحام على النساء على وجوب تصديقهنّ، و بآية وجوب إقامة الشهادة على وجوب قبولها بعد الإقامة, مع إمكان كون وجوب الإظهار لأجل رجاء وضوح الحقّ من تعدّد المظهرين(1).
و حاصله: أنّ إيجاب البيان بلا قبول أصلًا يستلزم كونه لغواً و أمّا إذا كان القبول مشروطاً بالتعدد أو بحصول الاطمئنان أو العلم القطعي فلا تلزم اللغوية نظير تحريم كتمان الشهادة، قال سبحانه: ﴿وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُه﴾(2) و مع أنّ إظهار الشهادة واجب و لكن قبولها مشروط بالتعدّد، و أمّا قياس المورد بحرمة الكتمان على النساء كما ورد في قوله سبحانه: ﴿وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْيَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِن﴾(3) فقياس مع
ص: 275
الفارق، إذ ليس في موردها من تضم شهادته إلى شهادتها، فلا محيص من قبولها، و هذا بخلاف شهادة الشاهد و أخبار الراوي فانّ لها صوراً مختلفة.
هذا مضافا الی انّ الآية بصدد بيان تحريم الكتمان على العلماء، نظير قوله صلى الله عليه و آله و سلم : «إذا ظهرت البدع، فعلى العالم أن يُظهر علمَه» و أمّا ما هو شرط القبول فهو موكول إلى الأدلّة الأُخرى .
قال سبحانه: ﴿وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾(1) و قال عزّ و جل: ﴿وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدِين﴾(2), و قد استدلّ بها صاحب الفصول (3), بناء على أنّ وجوب السؤال يستلزم وجوب قبول الجواب؛ و إلّا لغى وجوب السؤال، و إذا وجب قبول الجواب وجب قبول كلّ ما يصحّ أن يسأل عنه و يقع جوابا له؛ لأنّ خصوصيّة المسبوقيّة بالسؤال لا دخل فيه قطعا، فإذا سئل الراوي الذي هو من أهل العلم عمّا سمعه عن الإمام علیه السلام في خصوص الواقعة، فأجاب بأنّي سمعته يقول كذا، وجب القبول بحكم الآية، فيجب قبول قوله ابتداء: إنّي سمعت الإمام
ص: 276
علیه السلام يقول كذا؛ لأنّ حجّيّة قوله هو الذي أوجب السؤال عنه، لا أنّ وجوب السؤال أوجب قبول قوله، كما لا يخفى.
و اجاب عنه الشيخ بوجوه:
ألاوّل: أنّ الاستدلال إن كان بظاهر الآية، فظاهرها بمقتضى السياق إرادة علماء أهل الكتاب، كما عن ابن عباس و مجاهد(1) و الحسن و قتادة(2)؛ فإنّ المذكور في سورة النحل: ﴿وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْكُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُر﴾ِ، و في سورة الأنبياء: ﴿وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾.
و إن كان مع قطع النظر عن سياقها، ففيه: أنّه ورد في الأخبار المستفيضة: أنّ أهل الذكر هم الأئمّة عليهم السلام، و قد عقد في اصول الكافي بابا لذلك (3)، و أرسله في المجمع عن عليّ علیه السلام (4).
و ردّ بعض مشايخنا(5) هذه الأخبار بضعف السند؛ بناء على اشتراك بعض الرواة في بعضها و ضعف بعضها في الباقي. و فيه نظر؛ لأنّ روايتين منها صحيحتان، و هما روايتا محمّد
ص: 277
بن مسلم و الوشّاء(1)، فلاحظ، و رواية أبي بكر الحضرميّ (2) حسنة أو موثّقة, نعم ثلاث روايات أخر منها(3) لا تخلو من ضعف، و لا تقدح قطعا.
الثاني: أنّ الظاهر من وجوب السؤال عند عدم العلم وجوب تحصيل العلم، لا وجوب السؤال للعمل بالجواب تعبّدا، كما يقال في العرف: سل إن كنت جاهلا.
و يؤيّده: أنّ الآية واردة في اصول الدين و علامات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله التي لا يؤخذ فيها بالتعبّد إجماعا.
الثالث: لو سلّم حمله على إرادة وجوب السؤال للتعبّد بالجواب لا لحصول العلم منه، قلنا: إنّ المراد من أهل العلم ليس مطلق من علم و لو بسماع رواية من الإمام علیه السلام ؛ و إلّا لدلّ على حجّيّة قول كلّ عالم بشي ء و لو من طريق السمع و البصر، مع أنّه يصحّ سلب هذا العنوان عن مطلق من أحسّ شيئا بسمعه أو بصره، و المتبادر من وجوب سؤال أهل العلم- بناء على إرادة التعبّد بجوابهم- هو سؤالهم عمّا هم عالمون به و يعدّون من أهل العلم في مثله، فينحصر مدلول الآية في التقليد؛ و لذا تمسّك به جماعة(4) على وجوب التقليد على العامّي(5).
ص: 278
و اجاب صاحب الکفاية علی الايراد الاخير بقوله: أنّ كثيرا من الرواة يصدق عليهم أنّهم أهل الذكر و الاطّلاع على رأي الإمام، كزرارة و محمّد بن مسلم و مثلهما، و يصدق على السؤال عنهم أنّه السؤال عن أهل الذكر و العلم و لو كان السائل من أضرابهم؛ فإذا وجب قبول روايتهم في مقام الجواب- بمقتضى هذه الآية- وجب قبول روايتهم و رواية غيرهم من العدول مطلقا، لعدم الفصل جزما في وجوب القبول بين المبتدأ و المسبوق بالسؤال، و لا بين أضراب زرارة و غيرهم ممّن لا يكون من أهل الذكر، و إنّما يروي ما سمعه أو رآه، فافهم(1).
و فيه: ان ظاهر كل عنوان أخذ في حيز الخطاب هو الموضوعية، فلو كان في مورده عنوان آخر لا يكون لذلك دخل في الحكم أصلا، فالتعدي عن العنوان المأخوذ موضوعاً إلى عنوان آخر غير ظاهر. و بعبارة اخری: ان مقوم الحجية هو كون المسؤول من أهل الذّكر، فبانتفائه ينتفي الحكم و ان اجتمع معه عنوان آخر ككونه راوياً للحديث .
و قد يقال: بدلالتها من حيث انها تقتضي إرادة السؤال من كل من هو عالم بموضوع السؤال سواء كان المسؤول مجتهداً أم راوياً أم غيرهما من أرباب الحرف و الصناعات.
و فيه: ان الغرض من السؤال هو تحصيل العلم و لو بنحو الوثوق و الاطمينان, لا التعبد بالجواب .
ص: 279
﴿وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيم﴾(1).
و وجه الاستدلال بها: هو ان اللّه عزّ و جلّ مدح رسوله صلّى اللّه عليه و آله بتصديقه للمؤمنين، بل قرنه بالتصديق باللّه جلّ ذكره، فإذا كان التصديق حسنا يكون واجبا, و يشهد لصحة هذا الاستدلال استشهاد الامام بالاية کما ورد في صحيح حريز من أنّه كان لاسماعيل بن أبي عبد اللّه علیه السلام دنانير، و أراد رجل منقريش أن يخرج إلى اليمن، فقال له أبو عبد اللّه علیه السلام : «يا بنيّ أما بلغك أنّه يشرب الخمر؟ قال: سمعت الناس يقولون، فقال: يا بنيّ، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، يقول: يصدّق اللّه و يصدّق للمؤمنين؛ فإذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم» (2).
و اجاب عنه الشيخ بوجهين:
ألاوّل: أنّ المراد بالاذن سريع التصديق و الاعتقاد بكلّ ما يسمع، لا من يعمل تعبّدا بما يسمع من دون حصول الاعتقاد بصدقه، فمدحه صلّى اللّه عليه و آله بذلك؛ لحسن ظنّه بالمؤمنين و عدم اتّهامهم.
الثاني: أنّ المراد من التصديق في الآية ليس جعل المخبر به واقعا و ترتيب جميع آثاره عليه؛ إذ لو كان المراد به ذلك لم يكن اذن خير لجميع الناس؛ إذ لو أخبره أحد بزنا أحد، أو شربه، أو قذفه، أو ارتداده، فقتله النبيّ أو جلده، لم يكن في سماعه ذلك الخبر خير
ص: 280
للمخبر عنه، بل كان محض الشرّ له، خصوصا مع عدم صدور الفعل منه في الواقع. نعم، يكون خيرا للمخبر من حيث متابعة قوله و إن كان منافقا مؤذيا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله؛ على ما يقتضيه الخطاب في «لكم»؛ فثبوت الخير لكلّ من المخبر و المخبر عنه لا يكون إلّا إذا صدّق المخبر، بمعنى إظهار القبول عنه و عدم تكذيبه و طرح قوله رأسا، مع العمل في نفسه بما يقتضيه الاحتياط التامّ بالنسبة إلى المخبر عنه، فإن كان المخبر به ممّا يتعلّق بسوء حاله لا يؤذيه في الظاهر، لكن يكون على حذر منه في الباطن، كما كان هو مقتضى المصلحة في حكاية اسماعيل المتقدّمة.
و يؤيّد هذا المعنى: ما عن تفسير العياشيّ، عن الصادق علیه السلام : من أنّه يصدّق المؤمنين؛ لأنّه صلّى اللّه عليه و آله كان رؤوفا رحيما بالمؤمنين (1)؛ فإنّ تعليل التصديق بالرأفة و الرحمة على كافّة المؤمنين ينافي إرادة قبول قول أحدهم على الآخر بحيث يرتّب عليه آثاره و إن أنكر المخبر عنه وقوعه؛ إذ مع الإنكار لا بدّ من تكذيب أحدهما، و هو مناف لكونه «اذن خير» و رؤوفا رحيما بالجميع، فتعيّن إرادة التصديق بالمعنى الذي ذكرنا.
و يؤيّده أيضا: ما عن القمّي رحمه الله في سبب نزول الآية: «أنّه نمّ منافق على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فأخبره اللّه بذلك، فأحضره النبيّ صلّى اللّه عليه و آله وسأله، فحلف: أنّه لم يكن شي ء ممّا ينمّ عليه، فقبل منه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فأخذ هذا الرجل بعد ذلك يطعن على النبيّ صلى اللّه عليه و آله و يقول: إنّه يقبل كلّ ما يسمع، أخبره اللّه أنّي أنمّ عليه و أنقل أخباره فقبل، و أخبرته أنّي لم أفعل فقبل، فردّه اللّه تعالى بقوله لنبيّه صلّى
ص: 281
اللّه عليه و آله: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ»(1), و من المعلوم: أنّ تصديقه صلّى اللّه عليه و آله للمنافق لم يكن بترتيب آثار الصدق عليه مطلقا.
و هذا التفسير صريح في أنّ المراد من «المؤمنين»: المقرّون بالإيمان من غير اعتقاد، فيكون الإيمان لهم على حسب إيمانهم.
و يشهد بتغاير معنى الإيمان في الموضعين- مضافا إلى تكرار لفظه-: تعديته في الأوّل بالباء و في الثاني باللام، فافهم(2).
و توضيح ايراده الثاني: أن المطلوب في حجية خبر الواحد هو ترتيب جميع الآثار الشرعية- المترتبة على المخبر به واقعاً- على اخبار الثقة أو العادل سواء كانت ضرراً على المخبر أم نفعاً له، و حينئذ فإذا أريد من التصديق غير هذا المعنى فلا علاقة له بحجية الخبر. و في المقام حيث ان الآية الشريفة تدل على أنه صلى اللّه عليه و آله أذن خير لجميع المؤمنين، لدلالة الجمع المحلى باللام على العموم، فلا يمكن إرادة جميع الآثار من التصديق، إذ لو أريد منه ذلك لما كان هو صلى الله عليه و آله أذن خير لجميع الناس بل أذن خير لخصوص المخبر، مثلا إذا أخبره شخص بأن بكراً شرب الخمر، فان التصديق المطلوب في حجية الخبر هو ترتيب آثار الصدق على اخباره، بأن يجري على بكر حد شرب الخمر، و من المعلوم أنه ليس خيراً لبكر، بل هو خير للمخبر فقط، لتصديقه. و يؤيد إرادة هذا المعنى بل يدل عليه مرسل تفسير العياشي المتقدم حيث ان الرأفة بجميع المؤمنين تنافي قبول قول أحدهم على الآخر بمعنى ترتيب الآثار على قوله
ص: 282
و ان أنكر المخبر عنه وقوع ما نسب إليه، فمع الإنكار لا بد من تكذيب أحدهما، فلا يكون أذن خير للجميع.
و الحاصل ان المراد من التصديق بالنسبة إلى المؤمنين هو التصديق الصوري لا التصديق بمعنى ترتيب جميع آثار الصدق عليه كما هو كذلك بالنسبة إلى اللّه تعالى، و يشهد لتغاير معنى الإيمان في الموضعين: تعديته في الأول بالباء، وفي الثاني باللام, و بالجملة: فبعد ملاحظة هذه القرائن لا يبقى مجال لتوهم إرادة التصديق المطلوب في باب حجية الخبر- و هو ترتيب جميع آثار الصدق- على المخبر به تعبداً من قوله تعالى: «و يؤمن للمؤمنين» فلا تدل هذه الآية أيضا على حجية خبر الواحد.
و اما ظهور صحيح حريز في وجوب التصديق الحقيقي بمعنى ترتيب آثار الواقع, فاجاب عنه الشيخ بان للتصديق معنيين: أحدهما: ما تقتضيه أدلّة تنزيل فعل المسلم على الصحيح و الأحسن؛ فإنّ الإخبار من حيث إنّه فعل من أفعال المكلّفين، صحيحه ما كان مباحا، و فاسده ما كان نقيضه، كالكذب و الغيبة و نحوهما، فحمل الإخبار على الصادق حمل على أحسنه.
و ثانيهما: هو حمل إخباره من حيث إنّه لفظ دالّ على معنى يحتمل مطابقته للواقع و عدمها، على كونه مطابقا للواقع و ترتيب آثار الواقع عليه, وهذا المعنى الثاني هو الذي يراد من العمل بخبر العادل.
و أمّا المعنى الأوّل، فهو الذي تقتضيه أدلّة حمل فعل المسلم على الصحيح و الأحسن، و هو ظاهر الأخبار الواردة في: أنّ من حقّ المؤمن على المؤمن أن يصدّقه و لا يتّهمه، خصوصا مثل قوله علیه السلام : «يا محمّد، كذّب سمعك و بصرك عن أخيك، فإن شهد عندك
ص: 283
خمسون قسامة: أنّه قال قولا، و قال: لم أقله، فصدّقه و كذّبهم ... الخبر»(1), فإنّ تكذيب القسامة مع كونهم أيضا مؤمنين، لا يراد منه إلّا عدم ترتيب آثار الواقع على كلامهم، لا ما يقابل تصديق المشهود عليه؛ فإنّه ترجيح بلا مرجّح، بل ترجيح المرجوح(2).
و فيه: ان هذا الحمل مخالف لظهور الصحيح بل صريحه من وجوب التصديق الحقيقي بمعنى ترتيب آثار الواقع و ذلک لأنّ الإمام ذكر الآية و فسرها ثم فرع عليها قوله فصدقهم في مقام توبيخ إسماعيل على إبقاء الدنانير عند شارب الخمر و عدم أخذها منه بعد شهادة المؤمنين و هذا معنى ترتيب الأثر, و عليه فالاية دالة علی حجية خبر المؤمنين, الّا ان الانصاف ان خبرهم حيث انه يوجب العلم غالبا فلا دلالة لها علی حجية خبرهم تعبدا بل من باب حصول الوثوق و العلم .
و حاصل هذه الآيات انها لا دلالة لها علی حجية خبر الواحد تعبدا، و اما على تقدير تسليم دلالة كلّ واحدة منها على حجّيّة الخبر، فقال الشيخ بما حاصله: أنّ بعض الآيات تدل على حجية مطلق الخبر و منطوق آية النبأ يدل على وجوب التبيّن في خبر الفاسق فمفهومه جواز العمل بخبر من أحرز عدالته، فتقيد الآيات المطلقة بمنطوق آية النبأ فيستفاد من المجموع حجية خبر العادل المحرز عدالته بالوجدان أو باخبار عادل آخر محرز العدالة. بل يمكن انصراف المفهوم أي حجية خبر العادل الواقعي - بحكم الغلبة
ص: 284
و شهادة التعليل بمخافة الوقوع في الندم - إلى صورة إفادة خبر العادل الظن الاطمئناني بالصدق كما هو الغالب مع القطع بالعدالة و بعبارة اخری: أنّه يمكن تقييد الآيات بقيد آخر أيضا بأن يقال: المعتبر هو خبر العادل الاطمئناني لوجهين: أحدهما: أنّ خبر العادل يحصل منه الاطمئنان غالبا. ثانيهما: انّه تعالى علل وجوب التبيّن في خبر الفاسق بخوف الندم، و معلوم أنّ غير خبر العادل الاطمئناني فيه خوف الندم فخبر العادل هو المعتبر فقط فيکون حاصل مدلول الآيات اعتبار خبر العادل الواقعي بشرط إفادة الظن الاطمئناني و هو المعبّر عنه بالوثوق و بالجملة تعتبر العدالة مع الاطمئنان. نعم، لو لم نقل بدلالة آية النبأ على حجية خبر العادل من جهة عدم المفهوم لها لأنّ مفهوم الوصف لا اعتبار به و مفهوم الشرط فيها سالبة بانتفاء الموضوع كما مرّ, اقتصر في الحجية التي هي خلاف الأصل على منصرف سائر الآيات و هو الخبر المفيد للوثوق و إن لم يكن المخبر عادلا (1).
و مما استدل به علی حجية الخبر الواحد الاخبار الکثيرة، و قد جمع الشيخ الحرّ العاملي ما ورد في هذا المجال في كتاب القضاء خصوصاً في الثامن و التاسع و العاشر و الحادي عشر من أبواب صفات القاضي، و هي على طوائف خمسة:
الطائفة الأولى: الأخبار العلاجيّة المتكفّلة لبيان حكم الروايات المتعارضة من الأخذ بالأعدل و الأصدق و المشهور و التخيير عند التساوي، فإنّها دليل على أنّ حجّيّة خبر
ص: 285
الواحد عند عدم ابتلائه بالمعارض مفروغ عنها، و أنّه يجب الأخذبأحد الخبرين المتعارضين بمجرّد كونه صادرا من الأعدل أو الأوثق أو كونه مشهورا، أو الأخذ بأحدهما عند التساوي، و لو لم يعلم بصدوره.
منها: مقبولة عمر بن حنظلة. قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجلين من أصحابنا، بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما ... فإن كان كلّ واحد اختار رجلا من أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، و اختلفا فيما حكما، و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ فقال علیه السلام : «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر». فقلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا، لا يفضل واحد منهما على صاحبه. فقال علیه السلام : «ينظر إلى ما كان من رواياتهما عنّا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» ... [قلت]: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال علیه السلام : «ينظر، فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامّة». قلت: جعلت فداك، أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة، و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة، و الآخر مخالفا لهم، بأيّ الخبرين يؤخذ؟ فقال علیه السلام : «ما خالف العامّة ففيه الرشاد». فقلت: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعا؟ قال علیه السلام : «ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم و قضاتهم فيترك، و يؤخذ بالآخر». قلت: فإن
ص: 286
وافق حكّامهم الخبرين جميعا؟ قال علیه السلام : «إذا كان ذلك فارجئه حتّى تلقي إمامك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات»(1).
الطائفة الثانية: ما دلّ على إرجاع آحاد الرواة إلى آحاد أصحاب الأئمّة عليهم السلام كإرجاع أبي الحسن علیه السلام إلى العمري و ابنه بقوله: «العمري و ابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان»، و إرجاع الإمام الصادق علیه السلام إلى زرارة بقوله- مشيرا إليه-: «إذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس»، و ارجاع الإمام الرضا علیه السلام إلى زكريّا بنآدم بقوله: «عليك بزكريّا بن آدم القميّ المأمون على الدين و الدنيا»، و إرجاعه إلى يونس بن عبد الرحمن بقوله: «نعم» بعد قول الراوي: أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة نأخذ معالم ديننا عنه؟(2).
الطائفة الثالثة: ما دلّ على وجوب الرجوع إلى الروايات و الثقات و العلماء.
ص: 287
منها: ما رواه أحمد بن إبراهيم المراغي، قال: ورد على القاسم بن العلاء، و ذكر توقيعا شريفا يقول فيه: «فإنّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عن ثقاتنا ...»(1).
و منها: ما ورد في التوقيع الشريف بخطّ مولانا صاحب الزمان عجّل اللّه تعالى فرجه: «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا إلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه»(2).
الطائفة الرابعة: ما ورد في الأمر بحفظ الروايات و استماعها و ضبطها و إبلاغها.
منها: ما عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و كان مضمونه: «من حفظ على امّتي أربعين حديثا بعثه اللّه فقيها عالما يوم القيامة»(3).
و منها: ما عن المفضّل بن عمر، قال: قال لي أبو عبد اللّه علیه السلام : «اكتب و بثّ علمك في بني عمّك، فإنّه يأتي زمان هرج لا يأنسون إلّا بكتبهم»(4).
ص: 288
الطائفة الخامسة: ما ورد في ذمّ الكذّابين و وضّاع الحديث فعن النبي صلى الله عليه و آله و سلم : أيها الناس قد كثرت عليّ الكذابة فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار(1) و عن الصادق علیه السلام : لعن اللّه المغيرة بن سعيد انّه كان يكذب على أبي فأذاقه اللّه حر الحديد(2) و عنه علیه السلام ايضا: إنّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس(3) و غيرها من الاخبار.
و وجه الاستدلال بها هو انّ من لاحظ تلك الروايات الکثيرة يستكشف أنّ حجّية الخبر الواحد عندهم كان أمراً مسلماً على وجه لولاها لم يكن لصدور هذه الروايات وجه.
فإذا كانت الحجّة تختص بالخبر المتواتر، فما معنى الإرجاع إلى رواة الأحاديث، أو الإرجاع إلى آحادهم بأسمائهم؟ كما أنّ السؤال عن علاج المتعارضين من الخبرين، آية تسليم كون كلّ منهما حجّة لو لا المعارض.
و مثله الحثّ على كتابة الحديث، و نقله و بثّه، كما أنّ عرضَ الكتب آية كونه حجّة، و قد عرضوها للتأكد من صحتها.
و لو كان بناء المسلمين على الاقتصار على المتواترات لم يكن لوضع الحديث وجه، لأنّ الغاية هي قبول الناس و المفروض انّ بناءهم كان على عدم قبول الآحاد، فالمجموع يكشف عن جريان السيرة على قبول الآحاد بشرائطها الخاصة.
ص: 289
نعم و لكن لا تجد فيها رواية هي بصدد جعل الحجية للخبر الواحد، بل تدور الروايات بين الفحص عن الصغرى و انّ الراوي ثقة أو لا، أو انّ كتابه مصون من الدس أو لا، أو الإرشاد إلى السيرة المألوفة بين العقلاء .
و لا يخفی ان صحّة الاحتجاج بها يتوقف علی كون ما يحتج به خبراً متواتراً ليكون دليلًا قطعياً على حجّية الخبر الواحد المفيد للظن، و لا يكفي الآحاد منها سواء كانت مستفيضة أو غيرها الّا اذا حصل العلم منها. و لذا قد يشكل الاستدلال بها على حجّيّة أخبار الآحاد بأنّها أخبار آحاد، و إنّها غير متّفقة على لفظ و لا على معنى حتی تكون متواترة لفظا أو معنى و حينئذ لا يمكن الاستدلال بها على حجّيّة أخبار الآحاد، و إلّا لزم الدور.
و اجاب علی هذا الاشکال صاحب الکفاية بإنّها متواترة إجمالا، ضرورة أنّه يعلم إجمالا بصدور بعضها منهم عليهم السلام و أنّ المتيقّن من هذه الأخبار هو خصوص الخبر الصحيح الّذي كان المخبر به ثقة عدلا(1)، و تابعه في ذلك المحقّقان الحائريّ و الخوئيّ(2), و أنكر المحقّق النائيني التواتر الإجماليّ، بل حصر التواتر في التواتر اللفظيّ و التواتر المعنويّ(3).
و فيه: انه ليس من المهم ان يسمی تواترا ام لا, بعد حصول العلم الاجمالي بصدور احدها الذي هو الحجة, هذا بل يمكن ان يقال بان مرجع التواتر الاجمالي الی التواتر المعنوي
ص: 290
بل ادّعی المحقّقان النائينيّ و العراقيّ التواتر المعنويّ في الأخبار المذكورة الدالّة على حجّيّة خبر الثقة(1).
و حاصل هذه الاخبار ان الاعتماد علی خبر العدل الثقة مما لا شک فيه لکن لا من جهة انه مجعول بالخصوص بل من جهة کونه موجبا للوثوق و العلم العرفي, و بذلک يظهر انّه ليس للشارع في باب حجّية الخبر الواحد أي جعل و لا تصرف، فما اشتهر في ألسن المشايخ من جعل الحجّية أو الطريقية، أو تتميم الكشف، ليس له أيّ دليل في الروايات بل المتبادر منها، هو إمضاء ما جرى عليه العقلاء فيحياتهم العملية من الاعتماد على قول الثقة المأمون فالحجّية إمضائية لا تأسيسية و المتيقن منها الخبر الموجب للوثوق لا غير کما عليه سيرة العقلاء .
و قد استدلّوا على حجّية الخبر الواحد بالإجماع القولي تارة، و الإجماع العملي أُخرى.
1. الاحتجاج بالإجماع القولي کما ادعاه شيخ الطائفة الطوسي رحمه الله حيث قال: «و الّذي يدلّ على ذلك إجماع الفرقة المحقّة، فإنّي وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم و دوّنوها في اصولهم، لا يتناكرون ذلك و لا يتدافعونه، حتّى أنّ واحدا منهم إذا أفتى بشي ء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور و كان راويه ثقة لا ينكر حديثه، سكتوا و سلّموا الأمر في ذلك و قبلوا قوله، و هذه عادتهم و سجيّتهم من عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و من بعده من
ص: 291
الأئمّة عليهم السّلام، و من زمن الصادق جعفر بن محمّد علیه السلام الّذي انتشر العلم عنه و كثرت الرواية من جهته. فلو لا أنّ العمل بهذه الأخبار كان جائزا لما أجمعوا على ذلك، و لأنكروه، لأنّ إجماعهم فيه معصوم لا يجوز فيه الغلط و السهو»(1), و تبعه على ذلك السيّد رضي الدين بن طاوس- على ما نقله الشيخ عنه(2)، و العلّامة(3)، و المحدّث المجلسي(4).
و ردّ باختلاف الفتاوى في الخصوصيات الدخيلة في حجية خبر الواحد، إذ العنوان في بعضها خبر الثقة الموجب للوثوق كما نسب إلى مشهور القدماء، و في بعضها الآخر خبر العدل الإمامي على الاختلاف في اعتبار تعدد المزكي كما ذهب إليه صاحب المعالم، و كفاية تزكية واحد كما ذهب إليه العلامة في التهذيب، و في بعضها الآخر شي ء آخر ككونه مقبولا عند الأصحاب كما عن المعتبر، ومع هذا الاختلاف و عدم وصول شي ء من هذه العناوين إلى حد الإجماع كيف يمكن دعوى الإجماع و القطع برضا المعصوم علیه السلام باعتبار خبر الواحد.
و فيه: ان الاجماع المدعی انما هو علی حجية الخبر الموثوق به عند المتقدمين و هو سابق علی هذه الاقوال الحادثة کما هو واضح لمن راجع و تتبع.
2. الاحتجاج بالإجماع العملي
ص: 292
و قد يحتج بدعوى اتّفاق العلماء عملًا بل كافة المسلمين على العمل بالخبر الواحد في أُمورهم الشرعية، کما يظهر من أخذ فتاوى المجتهدين من الناقلين لها.
و أورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين:
الاول: منع الإجماع العملي على العمل بخبر الواحد مطلقاً و ان لم يوجب العلم- كما هو المطلوب - و انما المسلم هو عملهم بالأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة كالكتب الأربعة المتقدمة و نحوها، إلّا أن مسالكهم في العمل بها متشتتة، فبعضهم يعمل بها لكونها متواترة عنده، و الآخر يعمل بها لكونها في نظره محفوفة بالقرائن الموجبة للعلم بالصدور، و الثالث يعمل بها لكونها عنده أخبار ثقات، و الرابع لأجل شهادة مؤلفيها بصحة ما أوردوه من الروايات فيها. و اليه اشار بقوله: «بأنّه لو سلّم اتّفاقهم على ذلك» .
و الثاني: بانه لم يحرز أنّهم اتّفقوا بما هم مسلمون و متديّنون بهذا الدين أو بما هم عقلاء و لو لم يلتزموا بدين، كما هم لا يزالون يعملون بها في غير الامور الدينيّة من الامور العاديّة(1)، قلت: فيرجع هذا الاستدلال إلى الاستدلال الآتي، أعني: الاستدلال بسيرة العقلاء.
3. الاحتجاج بالسيرة العقلائية
إنّك إذا تصفّحت حال العقلاء في حياتهم الدنيوية، تقف على أنّهم مطبقون على العمل بقول الثقة في جميع الأزمان و الأدوار و في تمام الأقطار و الأمصار، و يتضح ذلك بملاحظة أمرين:
ص: 293
الأوّل: أنّ تحصيل العلم القطعي عن طريق الخبر المتواتر أو المحفوف بالقرائن أمر صعب، خصوصاً بالنسبة إلى من يسكن البوادي و القرى مع قلة المواصلات و الوسائل الإعلامية.
الثاني: انّ القلب يسكن إلى قول الثقة و يطمئن به و يخرج عن التزلزل، و لأجل ذلك يُعدّ عند العرف علماً لا ظناً، خصوصاً إذا كان عدلًا، ذا ملكة رادعة عن الاقتحام في الكذب.
و لو كانت السيرة غير مرضية عند الشارع، كان عليه الردع كما ردع عن العمل بقول الفاسق و العمل بالقياس .
مع أنّك إذا سبرت حياة الأُمم في العصور السابقة، تقف على أنّ سيرتهم جرت على العمل بالخبر الموثوق به عندهم، خصوصاً بين أهل القرى و البوادي التي لا تتوفر فيها الأخبار المتواترة و لا المحفوفة بالقرائن، و أنّ عمل المسلمين بخبر الثقة الموجب للوثوق لم يكن إلّا استلهاماً من السيرة العقلائية التي ارتكزت في نفوسهم.
و لأجل ذلك نرى أنّه وردت الأخبار المتظافرة في ردّ القياس، و رد الرجوع إلى قضاة الجور، و على ضوء هذا، فهذه السيرة العقلائية حجّة ما لم يردع عنها.
لا شكّ انّ الاحتجاج بالسيرة فرع عدم الردع عنها شأن كلّ سيرة يستدل بها على حكم شرعي و ربما يتصور انّ الآيات الناهية عن العمل بالظن و الروايات المانعة عن اتّباع غير
ص: 294
العلم رادعة عنها و ناهيك قوله تعالى: ﴿وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾(1)، و قوله تعالى: ﴿وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾(2).
و اجاب علی هذا الاشکال المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة:
1. انّها وردت إرشاداً إلى عدم كفاية الظن في أُصول الدين. و فيه: انه لا شاهد فيها علی اختصاصها باصول الدين بل هي عامة .
2. كونها رادعة، مستلزمة للدور و ذلك لانّ الرادعية تتوقف على عدم كون السيرة مخصصة أو مقيدة للآيات الناهية، و إلّا فلا تكون رادعة، و عدم كونها مخصصة أو غير مقيدة فرع كونها بعمومها أو إطلاقها رادعة للسيرة فيلزم توقف كونها رادعة، على نفسها.
و فيه: ان الرادعية و المخصصية من الأمور المتضادة، و قد ثبت في ما تقدم أنه لا مقدمية بين عدم أحد الضدين و وجود الآخر، فقوله: بتوقف التخصيص على عدم الردع و توقف الردع على عدم التخصيص» لا يخلو عن المسامحة, نعم وجود كل منهما يلازم عدم الآخر، و هذا غير التوقف و المقدمية.
3. أن النهي بعد تسليم إطلاقه للفروع منصرف إلى خصوص الظن الّذي لم يقم على اعتباره حجة، أو هو مجمل، و المتيقن منه هو ما لم يقم على اعتباره دليل، و على التقديرين فلا يشمل النهي بناء العقلاء الّذي هو حجة عندهم . و فيه: ان دعوی الانصراف و الاجمال بلا قرينة و لا شاهد .
ص: 295
اقول: و الصحيح في الجواب هو ان الايات الناهية لا تصلح للردع عنه، لخروجه عن موضوع الآيات تخصصاً، لعدم بناء العقلاء على العمل بالظن، فلا يعملون بخبر الثقة إلّا إذا أفاد الاطمئنان الّذي هو علم عادي، فخبر الثقة المفيد للوثوق على هذا خارج موضوعاً عن الآيات الناهية، و لا يرى العقلاء من يعمل بخبر الثقة عاملا بالظن و مخاطباً بمثل قوله تعالى: ﴿و لا تقف ما ليس لك به علم﴾ .
هل عمل العقلاء بخبر الثقة، بما هو ثقة و إن لم يفد الوثوق بصدور الرواية، أو العمل به لأجل انّه يفيد الوثوق بصدور الرواية عن المعصوم؟ الصحيح هو الثاني، لأنّ معنى الأوّل كون العمل بخبر الثقة من باب التعبد، و العقلاء لا تعبد لهم بذلک، بل العمل به لأجل كونه طريقاً إلى الوثوق بصدور الرواية، و لأجل ذلك لو لم يُفِدْ ذلك لما عملوا به. و عليه يكون الموضوع للحجّية هو الخبر الموثوق بصدوره فيعم الأقسام الأربعة اذا اورثت الوثوق، وهي:
1. الصحيح: و هو ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات.
2. الموثق: و هو ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل الثقة مع دخول غير الإمامي في سنده كالواقفي و الفطحي.
3. الحسن: و هو ما اتصل سنده إلى المعصوم بإمامي ممدوح بلا معارضة ذم مقبول من غير تنصيص على عدالته في جميع مراتبه السند أو بعضه مع كون الباقي ثقات, هذا مع الوثوق بصدوره.
ص: 296
4. الضعيف: و هو ما لا تجتمع فيه أحد الثلاثة و هو على أقسام:
أ. أن يكون مهملاً: أي يكون في السند من هو معنون في الرجال، و لكن لم يذكر في حقّه شي ء من المدح أو الذم، فأُهمل من جانب التوثيق و التضعيف.
ب. أن يكون مجهولًا، أي غير معروف بين الرجاليين، و حكموا عليه بالجهالة.
ج. ما حكم عليه بالضعف في العقيدة أو بالخلط و الدس و الوضع.
و الخبر الضعيف إذا اقترن بما يورث الوثوق بصدوره کما اذا عمل به المشهور او اعتمده بعض اصحاب الاجماع فيحكم عليه بالحجّية.
هذا هو المختار في باب حجّية الخبر الواحد، و هو خِيرة الشيخ الأعظم في الفرائد، قال: و الإنصاف انّ الدال منها لم يدل إلّا على وجوب العمل بما يفيد الوثوق و الاطمئنان بمؤدّاه، و هو الذي فسر به الصحيح في مصطلح القدماء, و المعيار فيه: أن يكون احتمال مخالفته للواقع بعيدا، بحيث لا يعتني به العقلاء و لا يكون عندهم موجبا للتحيّر و التردّد(1).
بحث العلامة المظفر في اصوله حول مدی دلالة فعل المعصوم و تقريره ونحن ننقل ما افاده فقال: لا شكّ في أنّ فعل المعصوم- بحكم كونه معصوما- يدلّ على إباحة الفعل على الأقلّ، كما أنّ تركه لفعل يدلّ على عدم وجوبه على الأقلّ. و لا شكّ في أنّ هذه الدلالة بهذا الحدّ أمر قطعيّ ليس موضعا للشبهة بعد ثبوت عصمته.
ص: 297
ثمّ نقول بعد هذا: إنّه قد يكون لفعل المعصوم من الدلالة ما هو أوسع من ذلك، و ذلك فيما إذا صدر منه الفعل محفوفا بالقرينة، كأن يحرز أنّه في مقام بيان حكم من الأحكام، أو عبادة من العبادات، كالوضوء، و الصّلاة، و نحوها؛ فإنّه حينئذ يكون لفعله ظهور في وجه الفعل من كونه واجبا، أو مستحبّا، أو غير ذلك، حسبما تقتضيه القرينة.
و لا شبهة في أنّ هذا الظهور حجّة، كظواهر الألفاظ بمناط واحد، و كم استدلّ الفقهاء على حكم أفعال الوضوء، و الصلاة، و الحجّ، و غيرها، و كيفيّاتها بحكاية فعل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، أو الإمام في هذه الأمور.
كلّ هذا لا كلام و لا خلاف لأحد فيه. و إنّما وقع الكلام للقوم في موضعين:
1- في دلالة فعل المعصوم، المجرّد عن القرائن على أكثر من إباحة الفعل. فقد قال بعضهم: «إنّه يدلّ بمجرّده على وجوب الفعل بالنسبة إلينا» کما منسوب إلى جماعة من المعتزلة و ابن سريج، و أبي سعيد الاصطخري، و ابن خيران، و ابن أبي هريرة من العامّة, و نسبه الشيخ الطوسيّ إلى مالك و أصحابه، و طائفة من الشافعيّة(1). و ذهب المحقّق القميّ، و صاحب الفصول الی انه يدلّ على استحبابه(2). و قيل: «لا دلالة له على شي ء منهما، أي إنّه لا يدلّ على أكثر من إباحة الفعل في حقّنا» و هذا منسوب إلى مالك من العامّة(3).
و الحقّ هو الأخير؛ لعدم ما يصلح أن يجعل له مثل هذه الدلالة.
ص: 298
و قد يظنّ ظانّ أنّ قوله تعالى ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِر﴾(1) يدلّ على وجوب التأسّي و الاقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في أفعاله. و وجوب الاقتداء بفعله يلزم منه وجوب كلّ فعل يفعله في حقّنا و إن كان بالنسبة إليه لم يكن واجبا، إلّا ما دلّ الدليل الخاصّ على عدم وجوبه في حقّنا.
و قال صاحب الفصول: «إنّه إن لم تدلّ الآية على وجوب الاقتداء فعلى الأقلّ تدلّ على حسن الاقتداء، به و استحبابه»(2).
و قد أجاب العلّامة الحلّيّ قدّس سرّه عن هذا الوهم، فأحسن- كما نقل عنه-، إذ قال: «إنّ الأسوة: عبارة عن الإتيان بفعل الغير؛ لأنّه فعله على الوجه الذي فعله، فإن كان واجبا تعبّدنا بإيقاعه واجبا، و إن كان مندوبا تعبّدنا بإيقاعه مندوبا، و إن كان مباحا تعبّدنا باعتقاد إباحته»(3).
و غرضه قدّس سرّه من التعبّد باعتقاد إباحته فيما إذا كان مباحا، ليس مجرّد الاعتقاد، حتى يرد عليه- كما في الفصول(4)- بأنّ ذلك أسوة في الاعتقاد لا الفعل، بل يريد- كما هو الظاهر من صدر كلامه- أنّ معنى الأسوة في المباح هو أن نتخيّر في الفعل و الترك- أي لا نلتزم بالفعل و لا بالترك-، إذ الأسوة في كلّ شي ء بحسب ما له من الحكم، فلا تتحقّق الأسوة في المباح بالنسبة إلى الإتيان بفعل الغير إلّا بالاعتقاد بالإباحة.
ص: 299
ثمّ نزيد على ما ذكره العلّامة، فنقول: إنّ الآية الكريمة لا دلالة لها على أكثر من رجحان الأسوة و حسنها، فلا نسلّم دلالتها على وجوب التأسّي؛ مضافا إلى أنّ الآية نزلت في واقعة الأحزاب، فهي واردة مورد الحثّ على التأسّي به في الصبر على القتال، و تحمّل مصائب الجهاد في سبيل اللّه، فلا عموم لها بلزوم التأسّي، أو حسنه في كلّ فعل، حتى الأفعال العاديّة. و ليس معنى هذا أنّنا نقول بأنّ المورد يقيّد المطلق أو يخصّص العامّ، بل إنّما نقول: إنّه يكون عقبة في إتمام مقدّمات الحكمة للتمسّك بالإطلاق، فهو يضرّ بالإطلاق من دون أن يكون له ظهور في التقييد، كما نبّهنا على ذلك في أكثر من مناسبة. و الخلاصة أنّ دعوى دلالة هذه الآية الكريمة على وجوب فعل ما يفعله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مطلقا، أو استحبابه مطلقا، بالنسبة إلينا بعيدة كلّ البعد عن التحقيق.
و كذلك دعوى دلالة الآيات الآمرة بإطاعة الرسول(1) أو باتّباعه(2) على وجوب كلّ ما يفعله في حقّنا(3)، فإنّها أوهن من أن نذكرها لردّها(4).
ص: 300
في حجّيّة فعل المعصوم بالنسبة إلينا؛ فإنّه قد وقع كلام للأصوليّين في أنّ فعله إذا ظهر وجهه أنّه على نحو الإباحة، أو الوجوب، أو الاستحباب- مثلا- هل هو حجّة بالنسبة إلينا؟ أي إنّه هل يدلّ على اشتراكنا معه و تعدّيه إلينا، فيكون مباحا لنا، كما كان مباحا له، أو واجبا علينا، كما كان واجبا عليه ... و هكذا؟
و منشأ الخلاف أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله اختصّ بأحكام لا تتعدّى إلى غيره، و لا يشترك [فيها] معه باقي المسلمين، مثل: وجوب التهجّد في الليل، و جواز العقد على أكثر من أربع زوجات.
و كذلك له من الأحكام ما يختصّ بمنصب الولاية العامّة، فلا تكون لغير النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أو الإمام باعتبار أنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم(1).
فإن علم أنّ الفعل الذي وقع من المعصوم من مختصّاته فلا شكّ في أنّه لا مجال لتوهّم تعدّيه إلى غيره، و إن علم عدم اختصاصه به بأيّ نحو من أنحاء الاختصاص، فلا شكّ في أنّه يعمّ جميع المسلمين، فيكون فعله حجّة علينا.
هذا كلّه ليس موضع الكلام، و إنّما موضع الشبهة في الفعل الذي لم يظهر حاله في كونه من مختصّاته، أو ليس من مختصّاته، و لا قرينة تعيّن أحدهما، فهل هذا بمجرّده كاف للحكم بأنّه من مختصّاته، أو للحكم بعمومه للجميع، أو أنّه غير كاف، فلا ظهور له أصلا
ص: 301
في كلّ من النحوين؟ أقوال(1), و الأقرب هو الوجه الثاني, و هو الذي ذهب إليه الأكثر. منهم المحقّق القمّي من الإماميّة و الآمديّ من العامّة(2).
و الوجه في ذلك أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بشر مثلنا، له ما لنا، و عليه ما علينا، و هو مكلّف من اللّه تعالى بما كلّف به الناس، إلّا ما قام الدليل الخاصّ على اختصاصه ببعض الأحكام، إمّا من جهة شخصه بذاته، و إمّا من جهة منصب الولاية، فما لم يخرجه الدليل فهو كسائر الناس في التكليف؛ هذا مقتضى عموم أدلّة اشتراكه معنا في التكليف؛ فإذا صدر منه فعل و لم يعلم اختصاصه بهفالظاهر في فعله أنّ حكمه فيه حكم سائر الناس؛ فيكون فعله حجّة علينا، و حجّة لنا، لا سيّما مع ما دلّ على عموم حسن التأسّي به(3).
و لا نقول ذلك من جهة قاعدة الحمل على الأعمّ الأغلب، لعدم حجّيّة هذه القاعدة, و إنّما ذلك من باب التمسّك بالعامّ في الدوران في التخصيص بين الأقلّ و الأكثر.
المقصود من تقرير المعصوم أن يفعل شخص بمشهد المعصوم و حضوره فعلا، فيسكت المعصوم عنه، مع توجّهه إليه، و علمه بفعله، و كان المعصوم بحالة يسعه تنبيه الفاعل لو كان مخطئا. و السعة تكون من جهة عدم ضيق الوقت عن البيان، و من جهة عدم المانع منه، كالخوف، و التقيّة، و اليأس من تأثير الإرشاد، و التنبيه، و نحو ذلك؛ فإنّ سكوت
ص: 302
المعصوم عن ردع الفاعل، أو عن بيان شي ء حول الموضوع لتصحيحه يسمّى تقريرا للفعل، أو إقرارا عليه، أو إمضاء له، ما شئت فعبّر.
و هذا التقرير- إذا تحقّق بشروطه المتقدّمة- فلا شكّ في أنّه يكون ظاهرا في كون الفعل جائزا فيما إذا كان محتمل الحرمة، كما أنّه يكون ظاهرا في كون الفعل مشروعا صحيحا فيما إذا كان عبادة أو معاملة؛ لأنّه لو كان في الواقع محرّما أو كان فيه خلل لكان على المعصوم نهيه عنه و ردعه إذا كان الفاعل عالما عارفا بما يفعل، و ذلك من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و لكان عليه بيان الحكم و وجه الفعل؛ إذا كان الفاعل جاهلا بالحكم، و ذلك من باب وجوب تعليم الجاهل.
و يلحق بتقرير الفعل تقرير بيان الحكم، كما لو بيّن شخص بمحضر المعصوم حكما، أو كيفيّة عبادة، أو معاملة، و كان بوسع المعصوم البيان فإنّ سكوت الإمام يكون ظاهرا في كونه إقرارا على قوله، و تصحيحا و إمضاء له. و هذا كلّه واضح، ليس فيه موضع للخلاف(1).
استدل لحجية الظن المطلق بادلة اربعة و قد اجاب عليها المحققون کالشيخ الاعظم رحمه الله و حيث انه لا طائل تحتها نعرض عنها و نکتفي بدليل الانسداد المعروف منها, و هو مؤلَّف من مقدّمات ادعي استقلال العقل بعد تحقّقها بكفاية الإطاعة الظنية، حكومةً أو كشفاً، و هي خمس و جعلها الشيخ أربع بحذف المقدمة الأُولى، و هي:
ص: 303
الأُولى: العلم الإجمالي بوجود تكاليف كثيرة فعلية .
الثانية: انسداد باب العلم و العلمي .
الثالثة: لا يجوز لنا إهمالها .
الرابعة: لا يجوز أو لا يجب الاحتياط و عدم وجوبه اما لقوله سبحانه: ﴿وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾(1) أو للإجماع كما لا يجوز الرجوع إلى الأُصول من استصحاب و براءة، لعدم جواز الرجوع إلى الأُصول عند العلم الإجمالي کما و لا يجوز التقليد لحرمته على المجتهد.
الخامسة: لا بدّ في مقام الإطاعة إمّا من الاكتفاء بالإطاعة الوهمية أو الشكية أو الظنية، فعلى الأوّلين يلزم ترجيح المرجوح على الراجح فيتعين الثالث، أعني: الاكتفاء بالإطاعة الظنية.
هذا ملخص دليل الانسداد، و تسميته بالدليل العقلي مع كون بعض مقدماته شرعية، أعني: عدم وجوب الاحتياط, لقيام الإجماع عليه، أو لدلالة قوله تعالى: ﴿وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾(2), لأجل انّ الدليل بصورة قياس استثنائي مركب من قضية منفصلة حقيقية ذات أطراف كثيرة، و هي: إمّا أن يكون علم إجمالي بالتكاليف، أو لا يكون، و على الأوّل إمّا أن ينسد باب العلم و العلمي إلى كثير منها أو لا. و على الأوّل إمّا أن يجوز الإهمال أو لا، و على الثاني فالمرجع إمّا الاحتياط أو الأُصول العملية الاخری أو القرعة أو الإطاعة الوهمية و الشكية أو الظنية. و الكلّ باطل غير الأخير، فتعين الأخير.
ص: 304
اقول: اما المقدمة الأُولى و هي العلم إجمالاً بثبوت تكاليف كثيرة فعلية في الشريعة فقد أسقطها الشيخ من مقدمات دليل الانسداد، و ذلک لأنّها اما بديهية إذ أريد منه العلم بثبوت الشريعة و عدم نسخ أحكامها، أو راجعة إلى المقدمة الثالثة إذا أريد منها العلم الإجمالي بثبوت التكاليف في خصوص الوقائع المشتبهة التي لم يتبين حكمها .
و اما المقدمة الثانية و هي انسداد باب العلم و العلمي في معظم الفقه فبها قوام دليل الانسداد، لكنها غير ثابتة و ذلک لانفتاح باب العلم و العلمي لما عرفت من الدليل القطعي على حجّية الخبر الموثوق بصدوره سواء حصل الوثوق بالصدور من وثاقة الراوي أو قرائن أُخر و هو بحمد اللّه متوفر و واف بمعظم الفقه على وجه لا يلزم الرجوع في غير مورد الخبر إلى الأُصول العملية محذور کالخروج من الدين، أو مخالفة العلم الإجمالي، لعدم العلم بالتكاليف في غير موارد الاخبار, نعم انسداد باب العلم الذي ينتفي معه الاحتمال مائة بالمائة, بالنسبة إلى معظم الفقه صحيح لقلّة الخبر المتواتر أو المحفوف بالقرينة القطعية .
و کذا لو قلنا بحجّية خصوص الصحيح الأعلائي الذي يكون جميع من ورد في السند إمامياً معدلًا بعدلين من أهل الخبرة، كان لما ادّعاه مجال، و لكن الاقتصار عليه خلاف ما دلّت عليه الأدلّة.
أو قلنا بمقالة المحقّق القمي من أنّ الظهورات حجّة لمن قصد إفهامه من الكلام، فيدخل العمل بها لغير المشافهين تحت العمل بالظن المطلق، و قد عرفت عدم صحّة ما ذكره رحمه الله .
ص: 305
و اما المقدمة الثالثة و هي عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة على كثرتها و ترك التعرض لامتثالها بإجراء البراءة في جميعها فاستدل لها الشيخ الأنصاري بوجوه ثلاثة:
الوجه الاول: الإجماع القطعي على أن ليس المرجع على تقدير انسداد باب العلم و عدم ثبوت الدليل على حجّية أخبار الآحاد بالخصوص، هو البراءة و إجراء أصالة العدم في كلّ حكم، بل لا بدّ من امتثال الأحكام المجهولة بوجه ما، و هذا الحكم و إن لم يصرح أحد به من القدماء بل المتأخرين في هذا المقام، إلّا أنّه معلوم للمتتبع في طريقة الأصحاب بل علماء الإسلام طراً.
و فيه أولا: أن المسألة لم تكن معنونة عند القدماء حتى يتضح حال الإجماع لديهم, فلا يمکن دعواه.و ثانيا: قوله: «أنّه معلوم للمتتبع في طريقة الأصحاب بل علماء الإسلام طراً» استقراء ناقص و انه مجرد احتمال .
الوجه الثاني: انّ الرجوع في جميع تلك الوقائع المشتبهة حكمها إلى نفي الحكم، مستلزم للمخالفة القطعية المعبر عنها في لسان جمع من الاعلام بالخروج عن الدين بمعنى انّ المقتصر على التدين بالمعلومات التارك للأحكام المجهولة، جاعلاً لها كالمعدومة يكاد يعد خارجاً عن الدين لقلّة المعلومات و كثرة المجهولات. و هذا الوجه مبني على عدم جواز المخالفة القطعية الكثيرة و هو محذور مستقل فانّ أساسه هو لزوم الخروج من الدين و لا يتحقق إلّا بالمخالفة القطعية الكثيرة.
و فيه: انه لا يمکن دعوی لزوم الخروج من الدين الّا بعد العلم بالتکليف من جهة الدين و لم يعلم حکم الشارع لمثل هذه الحالة حتی يقال بذلک, و لا يخفی ان هذا الاستدلال دوري .
ص: 306
الوجه الثالث: لا يجوز الرجوع إلى البراءة من جهة العلم الإجمالي بوجود الواجبات و المحرمات لانّ أدلّة البراءة مختصة بغير هذه الصورة, و هذا الوجه مبني على عدم جواز مطلق المخالفة القطعية و إن لم تكن كثيرة.
و بعبارة أُخرى: هذا الوجه أساسه هو العلم الإجمالي المنجز و معه لا تجوز المخالفة مطلقاً قلّت أو كثرت .
و فيه: ان لازم منجزية العلم الاجمالي وجوب الاحتياط, لا حجية الظن فلا علاقة له بدليل الانسداد .
و اما المقدمة الرابعة: و هي عدم جواز او عدم وجوب الاحتياط و عدم جواز الرجوع إلى الأُصول من استصحاب و براءة، لعدم جواز الرجوع إلى الأُصول عند العلم الإجمالي کما و لا يجوز التقليد لحرمته على المجتهد .
اقول: يلزم البحث في محاور ثلاثة:
1. الرجوع إلى الاحتياط
أمّا الرجوع إلى الاحتياط، فيشهد لبطلانه - کما افاده الشيخ - الإجماع العملي المعلوم من سيرة العلماء في الفقه على عدم وجوبه في المقام، فانّ المرجع في الشريعة على تقدير انسداد باب العلم، ليس هو الاحتياط في الدين، و الالتزام بفعل كلّ ما يحتمل وجوبه و لو موهوماً و ترك ما يحتمل حرمته كذلك.
و اجيب ايضا: بلزومه للعسر و الحرج لكثرة ما يحتمل خصوصاً في أبواب الطهارة و الصلاة، مع عدم إمكان الاحتياط في بعض الموارد، كما لو دار المالبين صغيرين يحتاج كلّ إلى صرفه عليه أو كما في المرافعات و على ذلك فلا مناص من العمل بالظن.
ص: 307
و اورد عليه الشيخ إشكالاً فقال: إنّ الأدلة النافية للعسر إنّما تنفي وجوده في الشريعة بحسب أصل الشرع أوّلاً و بالذات فلا تنافي وقوعه بسبب عارض لا يسند إلى الشارع إلى أن قال: و لا ريب في انّ وجوب الاحتياط بإتيان كلّ ما يحتمل الوجوب و ترك كلّ ما يحتمل الحرمة إنّما هو من جهة اختفاء أحكام الشريعة و ليس مستنداً إلى نفس الحكم.
ثمّ أجاب عنه: بأنّ الحرج وصف للحكم و المرفوع هو الحكم الحرجي و لا فرق فيه بين ما يكون بسبب يسند عرفاً إلى الشارع و هو الذي أريد بقولهم: کلما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر، و بين ما يكون مسنداً إلى غيره، فانّ وجوب صوم الدهر على ناذره إذا بان فيه مشقة لا يحتمل عادة، ممنوع، و كذا أمثالها من المشي إلى بيت اللّه جلّ ذكره و إحياء الليالي و غيرهما.
توضيحه: أنّ دليل نفي الحرج ينفي كلّ حكم حرجي سواء كان حرجياً حدوثاً، كما في إيجاب المسح على البشرة على من وضع المرارة عليها؛ أو بقاءً، كما في المقام فانّ امتثال الأحكام في هذه الظروف التي يتوقف امتثال واجب على الإتيان بعشرة أُمور، و ترك المحرم على ترك أُمور كثيرة ناش من حفظ الحكم في المقام فيكون مدلولها نفي الحكم الذي ينشأ من قبله الحرج و لو باعتبار بقائه في حال الاشتباه (1).
و أمّا المحقّق الخراساني فقد وافق المستدل إذا استلزم الاحتياط اختلال النظام لا ما إذا استلزم الحرج، إذ لا حكومة لأدلته على إيجاب الاحتياط في المقام.
و توضيح كلامه مبني على بيان أمرين:
1. انّ المرفوع هو نفس الحرج، لا الحكم، و الحرج و الضرر من أوصاف أفعال المكلّفين التي هي متعلقات الأحكام، فلا يستدل بأدلّتهما إلّا إذا كان نفس الفعل و متعلّق التكليف
ص: 308
حرجياً. و لذلك يصحّ الاستدلال على عدم وجوب مسح البشرة لمن عثر و سقط ظفره، لأنّ نفس الفعل و متعلّق الحكم حرجي و لا يصحّ الاستدلال بها على عدم لزوم العقد الغبنيّ، لأنّ الفعل، أعني: نفس البيع ليس بحرجي و إنّما الحرج ناش من إيجاب العقد، و هو غير مرفوع.
2. انّ الغرض من رفع الفعل الحرجي إنّما هو رفع حكمه الشرعي، كما هو الحال في: لا شك لكثير الشك، و لا ربا بين الوالد و الولد، و هذا الشرط أعني: كون المتعلّق حرجياً و إن كان حاصلاً في المقام، لأنّ متعلّقه عبارة عن الإتيان بالمشتبهات الكثيرة، لكن حكمه، أعني: إيجاب الاحتياط ليس شرعياً، بل هو حكم عقلي من باب حكمه بتحصيل الموافقة القطعية عند الاشتغال اليقيني, فعدم شمول أدلّة الحرج لأجل انتفاء الشرط الأخير، أي عدم كون حكم المرفوع حكماً شرعياً.
و فيه: ان دليل قاعدة نفي الحرج و هو قوله سبحانه: ﴿وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ ظاهر في نفي الحكم الحرجي بقرينة قوله: ﴿وَ ما جَعَلَ﴾ فانّ الجعل التشريعي يتعلّق بالحكم لا بالموضوع، و المقصود كما هو الظاهر من معتبرة عبد الأعلى مولى آل سام أعني قوله: «إنّ هذا و أشباهه يعرف من كتاب اللّه» هو الاخبار عن عدم جعل وجوب المسح على البشرة برفع ما عليها .
2- الرجوع إلى الأصل
و اما الرجوع إلى الأصل کما في الرجوع الی البراءة عند الشك في التكليف، و إلى الاحتياط عند الشک في المكلّف به إذا أمكن، و إلى التخيير إذا لم يمكن، و إلى الاستصحاب إذا كان للحكم حالة سابقة؛ فقال الشيخ فيه: فالعمل بالأُصول النافية
ص: 309
للتكليف في مواردها مستلزم للمخالفة القطعية الكثيرة، و بالأُصول المثبتة للتكليف من الاحتياط و الاستصحاب مستلزم للحرج، و هذا لكثرة المشتبهات في المقامين(1).
و فيه: انه لا مانع من الرجوع الی الأُصول النافية للتكليف في مواردها و ان استلزمت المخالفة القطعية الكثيرة و ذلک لعدم تنجز مثل هذا العلم الاجمالي لعدم الدليل علی تنجزه, و اما الرجوع الی الاحتياط فقد تقدم الجواب عنه و اما الرجوع الی الاستصحاب فلا مانع منه اذا ما تحققت ارکانه.
و الی ذلک - اي عدم المانع من جريان الأصول النافية لا شرعا كالإجماع و لا عقلا كالعلم الإجمالي - ذهب المحقق الخراساني في الکفاية، فقال: «و أمّا الرجوع إلى الاصول: فبالنسبة إلى الاصول المثبتة- من احتياط أو استصحاب مثبت للتكليف- فلا مانع عن إجرائها عقلا مع حكم العقل و عموم النقل. هذا، و لو قيل بعدم جريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجماليّ، لاستلزام شمولدليله لها التناقض في مدلوله، بداهة تناقض حرمة النقض في كلّ منها- بمقتضى «لا ينقض»- لوجوبه في البعض، كما هو قضيّة «و لكن ينقضه بيقين آخر» و ذلك لأنّه إنّما يلزم فيما إذا كان الشكّ في أطرافه فعليّا؛ و أمّا إذا لم يكن كذلك، بل لم يكن الشكّ فعلا إلّا في بعض أطرافه، و كان بعض أطرافه الآخر غير ملتفت إليه فعلا أصلا- كما هو حال المجتهد في مقام استنباط الأحكام، كما لا يخفى- فلا يكاد يلزم ذلك، فإنّ قضيّة «لا تنقض» ليست حينئذ إلّا حرمة النقض
ص: 310
في خصوص الطرف المشكوك، و ليس فيه علم بالانتقاض، كي يلزم التناقض في مدلول دليله من شموله له، فافهم(1).
و فيه: ان دعوى الانحلال تنافي ما أفاده في دفع محذور المناقضة من الغفلة عن العلم الإجمالي حين استنباط الأحكام، إذ الانحلال فرع الالتفات إلى العلم كما لا يخفى.
هذا و بذلک ظهر عدم بطلان الرجوع إلى الأصول النافية، و قد كانت تمامية المقدمة الرابعة متوقفة على بطلانه .
و أمّا الرجوع إلى فتوى العالم: فقال في الکفاية: فلا يكاد يجوز، ضرورة أنّه لا يجوز إلّا للجاهل، لا للفاضل الّذي يرى خطأ من يدّعي انفتاح باب العلم أو العلميّ، فهل يكون رجوعه إليه بنظره إلّا من قبيل رجوع الفاضل إلى الجاهل؟(2).
و اما المقدمة الخامسة و هي حجية الظن المطلق - بعد تمامية المقدمات الاربعة - و ذلک لانه لا بدّ في مقام الإطاعة إمّا من الاكتفاء بالإطاعة الوهمية أو الشكية أو الظنية، فعلى الأوّلين يلزم ترجيح المرجوح على الراجح فيتعين الثالث، أعني: الاكتفاء بالإطاعة الظنية, فقد عرفت عدم تمامية مقدماتها فلا تصل النوبة اليها, و بذلک ظهر عدم تمامية دليل الانسداد و عليه فلا حاجة للبحث عما يترتب عليه من القول بالکشف او الحکومة .
ص: 311
المقصود من السيرة كما هو واضح, استمرار عادة الناس و تبانيهم العمليّ على فعل شي ء، أو تركه.
و المقصود بالناس إمّا جميع العقلاء و العرف العامّ من كلّ ملّة و نحلة، فيعمّ المسلمين و غيرهم؛ و تسمّى السيرة حينئذ «السيرة العقلائيّة». و التعبير الشائع عند الأصوليّين المتأخّرين تسميتها ب: «بناء العقلاء». و إمّا ان يکون المقصود جميع المسلمين بما هم مسلمون، أو خصوص أهل نحلة خاصّة منهم، كالإماميّة مثلا؛ و تسمّى السيرة حينئذ «سيرة المتشرّعة»، أو «السيرة الشرعيّة»، أو «السيرة الإسلاميّة».
فيقع البحث في مقامين:
اقول: السيرة العقلائية لا تكون دليلًا على الحكم الشرعي، سواء كان حكماً واقعياً أم حكماً ظاهرياً، إلّا إذا ثبت عدم ردع المعصوم علیه السلام عنها لكي يستكشف من ذلك امضاؤه لها، و من الواضح أن عدم ردعه عنها يقتضي أن تكون تلك السيرة قد انعقدت على مرأى و مسمع من المعصوم علیه السلام لكي يكون سكوته و عدم ردعه عنها دليلاً على امضائها، و هذا يعني اشتراط معاصرتها للمعصومين عليهم السلام و ذلک لأن حجيتها على الحكم الشرعي ليس بلحاظ ذاتها؛ إذ عمل العقلاء بما هو عمل عقلاء لا يمكن أن يكون بنفسه و بذاته دليلًا على حكم الشارع، بل بلحاظ استكشاف الإمضاء الشرعي من التقرير و عدم الردع،
ص: 312
و هذا لا يتم إلّا إذا كانت السيرة معاصرة للمعصوم علیه السلام لكي يدل سكوته و عدم ردعه عنها على امضائها.
و بذلک يتضح أن الاستدلال بالسيرة يتوقف على إثبات أمرين:
الأوّل: معاصرة السيرة للمعصوم علیه السلام .
الثاني: عدم ردعه عنها، الكاشف عن الإمضاء الذي هو المناط في دليليتها و حجيتها.
و يترتب على ذلك، أن السيرة العقلائية المتأخرة عن عصر المعصومين عليهم السلام كالسيرة العقلائية في زمان الغيبة عموماً، لا يمكن الاستدلال بها على الحكم الشرعي؛ لعدم دلالة عدم الردع عنها على الإمضاء؛ إذ لا يجب على الإمام الغائب الردع عنها کما تقدم ذلک في بحث الاجماع، و مع عدم وجوب الردع عنها لا يكون عدم الردع عنها دليلاً على إمضائها كما هو واضح، و مع عدم وجود طريق يستكشف من خلاله إمضاء الشارع لتلك السيرة، فلن تكون تلك السيرة دليلاً على الحكم الشرعي.
تنقسم السيرة بلحاظ ما يُراد إثباته بها إلى قسمين:
الأوّل: السيرة العقلائية التي يُراد بها إثبات حكم شرعي كلّي سواء كان ذلك الحكم حكماً شرعياً واقعياً، كالسيرة العقلائية القائمة على العمل بالحيازة و اعتبارها سبباً للملكية التي يستدل بها على الحكم الشرعي الواقعي، أم كان حكماً شرعياً ظاهرياً، كالسيرة العقلائية القائمة على العمل ببعض الامارات، و التي يستدل بها على الحكم الشرعي الظاهري، من قبيل السيرة العقلائية القائمة على العمل بالظهور أو بخبر الثقة و جعله حجّة.
ص: 313
الثاني: السيرة العقلائية التي يُراد بها إثبات صغرى لحكم شرعي كلّي كالسيرة التي يراد بها إثبات شرط من الشروط التي قد دلّ الدليل على وجوب الوفاء بها في رتبة سابقة، كما لو دلّ الدليل على أنّ: «المؤمنون عند شروطهم»، و قامت السيرة العقلائية على اشتراط عدم الغبن في المعاملة بنحو يفهم منه الاشتراط الضمني في كل معاملة و إن لم يصرّح المتعاقدان بذلك في متن العقد، فإن مثل هذه السيرة سوف تحقق صغرى ذلك الحكم الشرعي الكلّي؛ لأنّها قد حققت الشرط و هو عدم الغبن في المعاملة، فيكون مشمولًا لدليل: «المؤمنون عند شروطهم» فنقول: «يجب الوفاء بالشرط» و هذه هي الكبرى، و هو ما دلّ عليه الدليل الشرعي «المؤمنون عند شروطهم», «و قد اشترط المتعاقدان عدم الغبن في المعاملة»، و هذه هي الصغرى التي ثبتت بالسيرة العقلائية بحسب الفرض.
فينتج: إنّ المتعاقدين ملتزمان بأن لا تكون المعاملة غبنيّة، و يترتب على ذلك ثبوت خيار الغبن في المعاملة التي يظهر فيها الغبن من دون حاجة إلى اشتراط ذلك صريحاً في متن العقد.
الفرق بين هذين النحوين من السيرة:
ثمّ أن السيرة التي يُراد بها إثبات حكم شرعي كلّي، تختلف عن السيرة التي يُراد بها إثبات صغرى لحكم شرعي قد ثبت بدليله في رتبة سابقة في أمرين:
الأوّل: أن السيرة التي يُراد بها إثبات حكم شرعي كلّي لا بدّ من معاصرتها للمعصوم علیه السلام ليكون سكوته و عدم ردعه عنها دليلاً على إمضائها، و بالتالي كونها دليلاً على ذلك الحكم الشرعي کما تقدّم.
ص: 314
أمّا السيرة التي يُراد بها إثبات صغرى لحكم شرعي، فحيث إن الحكم الشرعي ثابت بدليله الخاص، فلا تحتاج مثل هذه السيرة للإمضاء من قبل الشارع؛ لأنّه لا يُراد بها أن تكون دليلًا على الحكم الشرعي، لأنّ الحكم الشرعي ثابت بحسبالفرض، و إنّما تحقق صغرى لذلك الدليل، و هذا يعني ليس من اللازم معاصرتها لزمن المعصوم علیه السلام لأنّ شرط المعاصرة إنّما هو لأجل اكتشاف الإمضاء من السكوت و عدم الردع، فإذا لم يشترط الإمضاء، فلا محالة لم تشترط المعاصرة، فكما أن اشتراط المتعاقدين لعدم الغبن صريحاً يوجب ثبوت خيار الغبن لتحقق الشرط الذي يجب الوفاء به بمقتضى «المؤمنون عند شروطهم»، فكذلك قيام السيرة على اشتراط عدم الغبن يحقق الشرط المذكور فيثبت خيار الغبن في المعاملة، و من الواضح أن مثل هذه السيرة لا تحتاج إلى الإمضاء من قبل الشارع حتى يثبت مضمونها، و إذا كان كذلك، فلا تحتاج إلى أن تكون معاصرة للمعصوم علیه السلام .
الثاني: إنّ السيرة التي يستكشف بها دليل شرعي على حكم كلّي، تكون نتيجتها و هو الحكم الشرعي ملزمة للجميع حتى لمَنْ شذّ من العقلاء عن تلك السيرة، فمثلاً لو افترضنا قيام السيرة العقلائية على أن الحيازة سبب للملكية، و سكت الشارع عنها و اكتشفنا بذلك إمضائه لها و ثبت مضمونها عند الشارع أيضاً و هو أن الحيازة سبب للملكية، فإن هذا الحكم الشرعي يثبت في حق الجميع، و ليس لأحد من الناس أن يعترض على ذلك بدعوى أني لم أر أن الحيازة سبب للملكية؛ و الوجه في ذلك أن السيرة العقلائية ما هي إلّا طريق لاكتشاف حكم الشارع عن طريق امضائها، و ليس لها أي دور سوى ذلك، و مع ثبوت الحكم الشرعي الكلّي، يكون ذلك الحكم ثابتاً في حق الجميع، فكما لا يمكن
ص: 315
لأحد أن يشذ عن حكم الشارع فيما لو ثبت بآية أو رواية، فكذلك في المقام؛ إذ لا فرق بينهما إلّا من ناحية الدليل.
و كذلك لو قامت السيرة العقلائية على أن طيب نفس المالك يكفي في جواز التصرّف في ماله حتى لو لم يأذن صريحاً بذلك، و استكشفنا من هذه السيرة حكم الشارع بذلك أيضاً عن طريق الإمضاء لتلك السيرة، و افترضنا أيضاً أن أحد العقلاء قد شذّ عن عموم الناس في تلك السيرة، بمعنى أنّه لا يرى بما هو عاقل كفاية طيب النفس للتصرّف في مال الغير، فإن النتيجة الشرعية المستكشفة بهذه السيرة و هي حكم الشارع بجواز التصرّف في مال الغير اعتماداً على رضاه القلبي و طيب نفسه، تكون ملزمة حتى على ذلك الشخص الذي شذّ عن تلك السيرة؛ لأنّه حكم شرعي كلّي و هو ملزم به على حدّ إلزامه به لو ثبت ذلك الحكم الشرعي بدليل آخر كآية أو رواية.
و أمّا السيرة التي لا يُراد بها إثبات حكم شرعي كلّي بل يُراد بها إثبات صغرى لحكم شرعي قد ثبت بدليله الخاص، فلا تكون نتيجتها ملزمة له؛ لأنّ معنى شذوذه عن تلك السيرة، مرجعه إلى عدم تحقق تلك الصغرى في حقه، و مع عدم تحقق صغرى الحكم الشرعي، لا يثبت الحكم الشرعي في حقّه لعدم موضوعه بحسب الفرض، فلو افترضنا أنّ المتعاقدين قد شذّا عن عامة الناس، و بنيا على عدم اشتراط عدم الغبن في المعاملة، بل قبولها و الالتزام بها حتى لو كانت تلك المعاملة غبنيّة، فهنا لا شكّ في عدم ثبوت خيار الغبن لأي واحد منهما، لأنّ اشتراط عدم الغبن لم يتحقق لا صريحاً كما هو واضح، إذ لم يشترط كل منهما أو أحدهما ذلك في متن العقد بحسب الفرض، و لا ضمناً، لفرض شذوذهم عن تلك السيرة، و عدم تبانيهم على اشتراط عدم الغبن في المعاملة، و مع عدم الاشتراط، فلا يبقى مجال لدليل «المؤمنون عند شروطهم»، لعدم تحقق موضوعه بحسب
ص: 316
الفرض، فلا يكون شاملاً لهما في تلك الحالة، و بالتالي تكون المعاملة ملزمة للطرفين حتى مع ظهور كونها غبنيّة، و يكون حالهما حال من اشترط في المعاملة عدم ثبوت خيار الغبن.
إنّ السيرة عند المتشرّعة من المسلمين على فعل شي ء أو تركه هي في الحقيقة من نوع الإجماع العمليّ من العلماء، و غيرهم.
و السيرة على نحوين:
الاول: ان يعلم أنّها كانت جارية في عصور المعصومين عليهم السّلام، حتى يكون المعصوم أحد العاملين بها، أو يكون مقرّرا لها، و لا شكّ في أنّها حجّة قطعيّة على موافقة الشارع، فتكون بنفسها دليلا على الحكم، كالإجماع القوليّ الموجب للحدس القطعيّ برأي المعصوم. و بهذا تختلف عن «سيرة العقلاء» فإنّها إنّما تكون حجّة إذا ثبت من دليل آخر إمضاء الشارع لها، و لو من طريق عدم ثبوت الردع من قبله کما تقدم .
الثاني: ان لا يعلم وجودها في عصور المعصومين عليهم السّلام أو يعلم حدوثها بعد عصورهم, فإن كانت على هذا النحو فلا نجد مجالا للاعتماد عليها في استكشاف موافقة المعصوم على نحو القطع و اليقين، کما هو واضح .
قال العلامة المظفر: و السرّ في عدم الاعتماد على هذا النحو من السيرة هو ما نعرف من أسلوب نشأة العادات عند البشر، و تأثير العادات على عواطف الناس:أنّ بعض الناس المتنفّذين، أو المغامرين قد يعمل شيئا؛ استجابة لعادة غير إسلاميّة، أو لهوى في نفسه،
ص: 317
أو لتأثيرات خارجيّة، نحو تقليد الأغيار، أو لبواعث انفعالات نفسيّة، مثل حبّ التفوّق على الخصوم، أو إظهار عظمة شخصه، أو دينه، أو نحو ذلك.
و يأتي آخر فيقلّد الأوّل في عمله، و يستمرّ العمل، فيشيع بين الناس من دون أن يحصل من يردعهم عن ذلك؛ لغفلة؛ أو لتسامح؛ أو لخوف؛ أو لغلبة العاملين فلا يصغون إلى من ينصحهم؛ أو لغير ذلك.
و إذا مضت على العمل عهود طويلة يتلقّاه الجيل بعد الجيل، فيصبح سيرة المسلمين، و ينسى تأريخ تلك العادة. و إذا استقرّت السيرة يكون الخروج عليها خروجا على العادات المستحكمة التي من شأنها أن تتكوّن لها قدسيّة و احترام لدى الجمهور، فيعدّون مخالفتها من المنكرات القبيحة، و حينئذ يتراءى أنّها عادة شرعيّة و سيرة إسلاميّة، و أنّ المخالف لها مخالف لقانون الإسلام، و خارج على الشرع.
و يشبه أن يكون من هذا الباب سيرة تقبيل اليد، و القيام احتراما للقادم، و الاحتفاء بيوم النوروز، و زخرفة المساجد و المقابر ... و ما إلى ذلك من عادات اجتماعيّة حادثة.
و كلّ من يغترّ بهذه السيرات و أمثالها فإنّه لم يتوصّل إلى ما توصّل إليه الشيخ الأنصاريّ الأعظم قدّس سرّه(1) من إدراك سرّ نشأة العادات عند الناس على طول الزمن، و أنّ لكلّ جيل من العادات في السلوك، و الاجتماع، و المعاملات، و المظاهر، و الملابس ما قد
ص: 318
يختلف كلّ الاختلاف عن عادات الجيل الآخر. هذا بالنسبة إلى شعب واحد، و قطر واحد؛ فضلا عن الشعوب، و الأقطار بعضها مع بعض. و التبدّل في العادات غالبا يحدث بالتدريج في زمن طويل قد لا يحسّ به من جرى على أيديهم التبديل.
و لأجل هذا لا نثق في السيرات الموجودة في عصورنا بأنّها كانت موجودة في العصور الإسلاميّة الأولى. و مع الشكّ في ذلك فأجدر بها ألّا تكون حجّة؛ لأنّ الشكّ في حجّيّة الشي ء كاف في وهن حجّيّته؛ إذ لا حجّة إلّا بعلم(1).
إنّ السيرة عند ما تكون حجّة فأقصى ما تقتضيه أن تدلّ على مشروعيّة الفعل و عدم حرمته في صورة السيرة على الفعل، أو تدلّ على مشروعيّة الترك و عدم وجوب الفعل في صورة السيرة على الترك.
أمّا: استفادة الوجوب من سيرة الفعل، و الحرمة من سيرة الترك فأمر لا تقتضيه نفس السيرة؛ بل كذلك الاستحباب، و الكراهة؛ لأنّ العمل في حدّ ذاته مجمل، لا دلالة على أكثر من مشروعيّة الفعل، أو الترك.
نعم، المداومة و الاستمرار على العمل من قبل جميع المتشرّعين قد يستظهر منها استحبابه فيما اذا احرز اتصالها بزمن المعصومين عليهم السلام کما تقدم و الا فلا حجية فيها.
نعم، هناك بعض الأمور يكون لازم مشروعيّتها وجوبها، و إلّا لم تكن مشروعة. و ذلك مثل الأمارة، كخبر الواحد، و الظواهر؛ فإنّ السيرة على العمل بالأمارة لمّا دلّت على
ص: 319
مشروعيّة العمل بها، فإنّ لازمها أن يكون واجبا؛ لأنّه لا يشرع العمل بها، و لا يصلح إلّا إذا كانت حجّة منصوبة من قبل الشارع لتبليغ الأحكام و استكشافها. و إذا كانت حجّة وجب العمل بها قطعا لوجوب تحصيل الأحكام و تعلّمها؛ فينتج من ذلك أنّه لا يمكن فرض مشروعيّة العمل بالأمارة، مع فرض عدم وجوبه.
أقول: العرف عبارة عن كلّ ما اعتاده الناس و ساروا عليه، من فعل شاع بينهم، أو قول تعارفوا عليه، و لا شكّ انّ للعرف دورين مهمين:
الاول: کونه المرجع في تبيين المفاهيم کما إذا وقع البيع و الإجارة و ما شابههما موضوعاً للحكم الشرعي ثمّ شكّ في مدخلية شي ء أو مانعيته في صدق الموضوع شرعاً، فالصدق العرفي دليل على أنّه هو الموضوع عند الشرع.
إذ لو كان المعتبر غير البيع بمعناه العرفي لما صحّ من الشارع إهماله مع تبادر غيره و كمال اهتمامه ببيان الجزئيات من المندوبات و المكروهات إذ يكون تركه إغراء بالجهل و هو لا يجوز.
يقول الشيخ الأنصاري في نهاية تعريف البيع: إذا قلنا بأنّ أسماء المعاملات موضوعة للصحيح عند الشارع، فإذا شككنا في صحّة بيع أو إجارة أو رهن يصحّ لنا أن نستكشف ما هو الصحيح عند الشارع ممّا هو الصحيح عند العرف، بأن يكون الصحيح عند العرف طريقاً إلى ما هو الصحيح عند الشارع إلّا ما خرج بالدليل.
کما و انه لو افترضنا الإجمال في مفهوم الغبن أو العيب في المبيع فيحال في صدقهما إلى العرف.
ص: 320
قال المحقّق الأردبيلي: قد تقرر في الشرع انّ ما لم يثبت له الوضع الشرعي يحال إلى العرف جرياً على العادة المعهودة من ردّ الناس إلى عرفهم(1).
و کذلک لو افترضنا الإجمال في حدّ الغناء، فالمرجع هو العرف، فكلّ ما يسمّى بالغناء عرفاً فهو حرام و إن لم يشتمل على الترجيع و لا على الطرب.
يقول صاحب مفتاح الكرامة: المستفاد من قواعدهم حمل الألفاظ الواردة في الأخبار على عرفهم، فما علم حاله في عرفهم جرى الحكم بذلك عليه، و ما لم يعلم يرجع فيه إلى العرف العام كما بين في الأُصول(2).
الثاني: کونه مرجعا في تشخيص المصاديق, و توضيحه:
انه قد اتخذ الشرع مفاهيم كثيرة و جعلها مواضيع للأحكام، و لكن ربما يعرض الإجمال على مصاديقها و يتردد بين كون الشي ء مصداقاً له أو لا.
و هذا كالوطن و الصعيد و المفازة و المعدن و الحرز في السرقة و الأرض الموات إلى غير ذلك من الموضوعات التي ربما يشك الفقيه في مصاديقها، فيكون العرف هو المرجع في تطبيقها على موردها.
يقول المحقّق الأردبيلي في حفظ المال المودع: و كذا الحفظ بما جرى الحفظ به عادة، فإنّ الأُمور المطلقة غير المعيّنة في الشرع يرجع فيها إلى العادة و العرف، فمع عدم تعيين كيفية الحفظ يجب أن يحفظها على ما يقتضي العرف حفظه، مثل الوديعة، بأن يحفظ
ص: 321
الدراهم في الصندوق و كذا الثياب و الدابة في الاصطبل ونحو ذلك، ثمّ إنّ في بعض هذه الأمثلة تأملاً، إذ الدراهم لا تحفظ دائماً في الصندوق، و لا الثياب و هو ظاهر(1).
القياس في اللّغة: هو التسوية، يقال قاس هذا بهذا أي سوّى بينهما، قال علي علیه السلام : «لا يقاس بآل محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) من هذه الأُمّة أحد»(2) أي لا يُسوّى بهم أحد.
و في الاصطلاح: استنباط حكم واقعة لم يرد فيها نصٌّ، عن حكم واقعة ورد فيها نصٌّ، لتساويهما في علّة الحكم المستنبطة.
و ارکانه أربعة: الأصل: و هو المقيس عليه. والفرع: و هو المقيس. و الحكم: و هو ما يحكم به على الثاني بعد الحكم به على الأوّل. و العلّة: و هو الوصف الجامع، الذي يجمع بين المقيس و المقيس عليه، و يكون هو السبب للقياس, مثلاً إذا قال الشارع: «الخمر حرام لكونه مسكراً»، فإذا شككنا في حكم سائر السوائل المسكرة كالنبيذ و الفقاع يحكم عليهما بالحرمة، لاشتراكهما مع الخمر في الجهة الجامعة.
لکن العلة فيه لم تکن من تنصيص من الشارع عليها، و إنّما قام الفقيه باستخراج علّة الحكم بفكره و جهده، و لذا يطلق عليه «مستنبط العلّة» .
ص: 322
و قد ابطل علماء الإماميّة تبعا لآل البيت عليهم السلام العمل به(1), و کما هو معلوم بالضرورة من مذهب اهل البيت عليهم السلام حيث أنّهم لا يجوّزون العمل به، و قد ورد عنهم عليهم السلام «إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول»(2) و «إنّ السنّة إذا قيست محق الدين»(3)، بل شنّوا حربا شعواء لا هوادة فيها على أهل الرأي و قياسهم, و مناظرات الإمام الصادق علیه السلام معهم معروفة، لا سيّما مع أبي حنيفة، و قد رواها حتى أهل السنّة، إذ قال له- فيما رواه ابن حزم-: «اتّق اللّه و لا تقس؛ فإنّا نقف غدا بين يدي اللّه، فنقول: قال اللّه، و قال رسوله، و تقول أنت و أصحابك: سمعنا و رأينا»(4), و قد عقد الحرّ العاملي في وسائله باباً خاصاً، أسماه باب عدم جواز القضاء و الحكم بالمقاييس و نقل فيه ما يربو على عشرين حديثاً في النهي عن العمل بالقياس.
و ممن ابطل العمل به من الفرق الأخرى أهل الظاهر- المعروفين بالظاهريّة أصحاب داود بن علي بن خلف، إمام أهل الظاهر- و كذلك الحنابلة لم يكونوا يقيمون له وزنا(5).
ص: 323
قياس منصوص العلة: و هو ما إذا نصَّ الشارع على علّة الحكم و ملاكه على وجه علم أنّها علّة الحكم الّتي يدور الحكم مدارها لا حكمته التي ربّما يتخلّف الحكم عنها, فالعمل بالقياس في منصوص العلّة راجع في الحقيقة إلى العمل بالسنّة، لا بالقياس، لأنّ الشارع شرّع ضابطة كلّية عند التعليل، فنسير على ضوئها في جميع الموارد التي تمتلك تلك العلّة، كما في قول الإمام الرضا علیه السلام في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع: ماء البئر واسع لا يفسده شي ء، إلّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح، و يطيب طعمه، لأنّ له مادة(1), فإنّ قوله: «لأنّ له مادة» تعليل لقوله: «لا يفسده شي ء» فيكون حجّة في غير ماء البئر، لانّه يشمل بعمومه ماء البئر، و ماء الحمام، و العيون و حنفية الخزّان و غيرها، فلا ينجس الماء إذا كانت له مادّة، و عندئذ يكون العمل بظاهر السنّة لا بالقياس، فليس هناك أصل و لا فرع و لا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة، و الفروع بأجمعها داخلة تحتها.
ص: 324
قياس الأولوية: هو عبارة عن كون الفرع کضرب الوالدين أولى بالحكم من الأصل اي التأفيف عند العرف في دلالة قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ﴾(1) على تحريم الضرب، و لا شكَّ في وجوب الأخذ بهذا الحكم، لأنّه مدلول عرفيّ، يقف عليه كل من سمع الآية.
إذا اقترن الموضوع في لسان الدليل بأوصاف، و خصوصيات، لا يراها العرف المخاطب دخيلة في الموضوع، و يتلقّاها من قبيل التمثيل على وجه القطع و اليقين، فهذا ما يسمّى بتنقيح المناط أو الغاء الخصوصية كما إذا ورد في السؤال: رجل شك في المسجد بين الثلاث و الأربع، فأُجيب بأنّه يبني على الأكثر، فإنّ العرف لا يرى للرجولية و مكان الشك کالمسجد تأثيراً في الحكم، و لذلك يرى الحكم ثابتاً لمطلق الشاك، من غير فرق بين الرجل و المرأة، و المسجد و غيره.
و هذا (اي قياس المرأة بالرجل و غير المسجد بالمسجد) ليس بقياس في الحقيقة بل حكم الكل مستفاد من النصّ، بمساعدة فهم العرف على عدم مدخلية القيدين.
ص: 325
قبل الخوض في البحث لا بدّ من بيان أمور:
الاول: قد كان البحث في المقاصد الستة الماضية مركّزاً على تبيين الأدلة التي يستنبط منها الحكم الشرعي، كما أنّ البحث في هذا المقصد، مركّز على بيان ما ينتهي إليه المجتهد عند اليأس عن الدليل، و يعبّر عنه بالأُصول العملية أو القاعدة الأصوليّة، أو الدليل الفقاهتيّ, و الشک في الحکم الواقعي - الكلي و الجزئي - مأخوذ في موضوع هذه الأصول, و المقصود بالشكّ ما هو أعمّ من الشكّ الحقيقيّ- و هو تساوي الطرفين- و من الظنّ غير المعتبر، نظرا إلى أنّ حكمه حكم الشكّ، بل باعتبار آخر يدخل الظنّ غير المعتبر في الشكّ حقيقة، من ناحية أنّه لا يرفع حيرة المكلّف باتّباعه، فيبقى العامل به شاكّا في فراغ ذمّته .
و قد اتّضح لدى الأصوليّين أنّ الاصول الجارية في جميع أبواب الفقه من غير اختصاص بباب دون باب هي: أصالة البراءة. و أصالة الاشتغال . و أصالة التخيير. و أصالة الاستصحاب.
و الحصر في هذه الأصول الأربعة حصر استقرائي؛ لأنّها هي التي وجدوا أنّها تجري في جميع أبواب الفقه، و لذا يمكن فرض أصول أخرى غيرها و لو في أبواب خاصّة من الفقه. و بالفعل هناك جملة من الأصول في الموارد الخاصّة يرجع إليها الشاكّ في الحكم، مثل أصالة الطهارة الجارية في مورد الشكّ في الطهارة في الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة.
ص: 326
و إنّما تعدّدت هذه الأصول الأربعة لتعدّد مجاريها أي مواردها التي تختلف باختلاف حالات الشكّ؛ إذ لكلّ أصل منها حالة من الشكّ هي مجراه على وجه لا يجري فيها غيره من باقي الأصول.
الثاني: أنّ الشكّ في الشي ء ينقسم باعتبار الحكم المأخوذ فيه على نحوين:
1. أن يكون مأخوذا موضوعا للحكم الواقعيّ، كالشكّ في عدد ركعات الصلاة؛ فإنّه قد يوجب في بعض الحالات تبدّل الحكم الواقعيّ إلى الركعات المنفصلة, و هذا النحو من الشک يدخل في مسائل الفقه کما سيتضح .
2. أن يكون مأخوذا موضوعا للحكم الظاهريّ. و هذا النحو هو المقصود بالبحث في المقام لانّ الموضوع للأُصول العملية، هو الشكّ في الحكم الواقعي، الكلي و الجزئي لا مطلق الشكّ، و عليه فيخرج الشكّ في عدد الركعات الذي هو موضوع للبناء على الأكثر، فالحكم المبني عليه ليس حكماً ظاهرياً، بل هو حكم واقعي .
الثالث: أنّ الشكّ في الشي ء ينقسم باعتبار متعلّقه- أي الشي ء المشكوك فيه- على نحوين:
1. أن يكون المتعلّق موضوعا خارجيّا، كالشكّ في طهارة ماء معيّن، أو في أنّ هذا المائع المعيّن خلّ أو خمر. و تسمّى الشبهة حينئذ «موضوعيّة».
2. أن يكون المتعلّق حكما كلّيّا، كالشكّ في حرمة التدخين، أو أنّه من المفطرات للصوم، أو نجاسة العصير العنبيّ إذا غلا قبل ذهاب ثلثيه. و تسمّى الشبهة حينئذ «حكميّة».
و الشبهة الحكميّة هي المقصودة بالبحث في هذا المقصد، و اما الشبهات الموضوعيّة فالبحث عنها استطراديّ قد تقتضيه طبيعة البحث، باعتبار أنّ هذه الأصول في طبيعتها تعمّ الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة في جريانها، و إلّا فالبحث عن حكم الشكّ في الشبهة الموضوعيّة من مسائل الفقه.
ص: 327
الرابع: أنّ الرجوع إلى الأصول العمليّة إنّما يصحّ بعد الفحص و اليأس من الظفر بالأمارة على الحكم الشرعيّ في مورد الشبهة. و منه يعلم أنّه مع الأمل و وجود المجال للفحص لا وجه لإجراء الأصول و الاكتفاء بها في مقام العمل، بل اللازم أن يفحص حتى ييأس؛ لأنّ ذلك هو مقتضى وجوب المعرفة و التعلّم، فلا معذّر عن التكليف الواقعيّ لو وقع في مخالفته بالعمل بالأصل .
إنّ للشيخ الأنصاري في بيان مجاري الأُصول تعابير مختلفة في مبحثي القطع، و البراءة, و قد تقدم الکلام فيها في اول هذا الجزء فلا نعيد.
قال في الکفاية: «لو شكّ في وجوب شي ء أو حرمته و لم تنهض حجّة عليه، جاز شرعا و عقلا ترك الأوّل و فعل الثاني، و كان مأمونا من عقوبة مخالفته، كان عدم نهوض الحجّة لأجل فقدان النصّ، أو إجماله و احتماله الكراهة أو الاستحباب، أو تعارضه فيما لم يثبت بينهما ترجيح، بناء على التوقّف في مسألة تعارض النصّين فيما لم يكن ترجيح في البين؛ و أمّا بناء على التخيير- كما هو المشهور- فلا مجال لأصالة البراءة و غيرها، لمكان وجود الحجّة المعتبرة و هو أحد النصّين فيها، كما لا يخفى»(1).
ص: 328
اقول: أخرج المحقّق الخراساني في عبارته المتقدمة, صورة تعارض النص عن مجرى البراءة، و ذلك لقيام الحجّة على لزوم تقديم ذات الترجيح على غيره، و التخيير عند عدمه فلا مجال لأصالة البراءة و غيرها لمكان النصّين فيهما.
و فيه: أنّ ما ذكره إنّما يصح إذا كان التعارض بين الدليلين الظنيّين، أمّا إذا كان بين القطعيين، أو بين الظنيين و لكن كانت النسبة بينهما عموماً و خصوصاً من وجه، فلا يرجع فيه إلى المرجحات.
أمّا الأوّل كقوله سبحانه: ﴿وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ﴾(1), و قوله: ﴿وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً﴾(2)، حيث دلّت الآية الأُولى على مقدارالتربّص و هو تربّص الحول، و الأُخرى على أربعة أشهر و عشراً، و بما أنّه لا موضوع للترجيح، فيدخل الزائد على المقدار المتيقن فيما لا حجّة فيه، فيرجع إلى أصل البراءة.
و أمّا الثاني: ففيما إذا كانت النسبة بين الخبرين عموماً و خصوصاً من وجه، كما في قوله: أكرم العلماء، و لا تكرم الفسّاق، حيث يتعارضان في مجمع العنوانين، فلا يرجع في مثله إلى الأخبار العلاجية و لا إلى أخبار التخيير، بل يدخل فيما ليس فيه حجّة، فإن كان هناك عام فوقهما يرجع إليه و إلّا فإلى الأصل.
ص: 329
استدل القائلون بالبراءة عند عدم قيام الحجّة على التكليف بالادلة الاتية, اما الکتاب فبآيات أربعة:
دل قسم من الآيات على أنّ التعذيب فرع تقدّم البيان کما في قوله سبحانه: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾(1), و قوله تعالى: ﴿وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَ أَهْلُها ظالِمُون﴾(2).
و تقريب الاستدلال بها ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري: من أنّ بعث الرسول كناية عن بيان الأحكام للعباد و إيصالها إليهم بذكر الملزوم و إرادة اللازم. فالتعبير بالبعث ليس لأجل خصوصيّة فيه، نظير قول القائل: «لا اصلّي حتّى يؤذّن المؤذّن»، حيث كان مقصوده الكناية عن دخول الوقت. و عليه يكون مفاد الآية: «ما كنّا معذّبين حتّى نبيّن الأحكام للعباد ببعث الرسول إليهم لتبليغها و إيصالها»، فتدلّ الآية على نفي العذاب بمخالفة التكليف غير الواصل إليهم(3).
ص: 330
و اورد على الاستدلال بالآية الشريفة بوجهين:
الوجه الأوّل: ما أفاده صاحب الفصول، و تبعه المحقق الخراساني بما حاصله: أنّ محلّ النزاع بين الأخباريّين و الاصوليّين هو استحقاق العذاب على ارتكابالمشتبه و عدمه، لا فعليّة العقاب و عدمها؛ فذهب الأخباريّ إلى استحقاق العذاب و التزم بالاحتياط، و ذهب الاصوليّ إلى عدمه و التزم بالبراءة. و الآية الكريمة إنّما تتكفّل نفي فعليّة العذاب قبل إتمام الحجّة ببعث الرسل، و أمّا نفي الاستحقاق- و هو مبنى البراءة، كما كان الاستحقاق مبنى الاحتياط- فلا تدل عليه الآية.
نعم، لو كان نفي الفعليّة لازما مساويا لنفي الاستحقاق يمكن الاستدلال بالآية و القول بأنّ نفي الفعليّة دليل على نفي الاستحقاق، فتدلّ على البراءة. و لكن نفي فعليّة العذاب ليس لازما مساويا لنفي الاستحقاق، بل يكون لازما أعمّ من نفي الاستحقاق و من ثبوته, كيف؟ و يمكن أن يكون منشأ نفي فعليّة العذاب- مع ثبوت استحقاقهم له- هو المنّة على العباد و اللطف بهم, و بالجملة: فالآية لا تدلّ على نفي استحقاقهم للعذاب، فلا تدلّ على البراءة.
إن قلت: إنّ الآية و إن كانت ظاهرة في نفي الفعليّة، لا نفي الاستحقاق، إلّا أنّه يكفى في الاستدلال بها على البراءة، إذ الخصم- و هو الأخباريّ- يعترف بالملازمة بين الفعليّة و الاستحقاق، فينتفي أحدهما عند انتفاء الآخر، فإذا دلّت الآية على نفي الفعليّة دلّت على نفي الاستحقاق بمقتضى الملازمة الّتي يعترف بها الخصم، فيصحّ الاستدلال بها على البراءة(1). و هذا الإشكال أفاده الشيخ الأنصاريّ في رسائله .
ص: 331
قلت: و أجاب المحقق الخراساني عن هذا الإشكال بما حاصله: أنّه لو سلّم اعتراف الخصم بالملازمة بينهما لما صحّ الاستدلال بالآية أيضا، لأنّ الاستدلال بها- حينئذ- يصير جدليّا، فتثبت الدعوى باعتقاد الخصم المعترف بالملازمة, و أمّا نحن القائلون بنفي الملازمة فلا ينفعنا الاستدلال بها لإثبات البراءة.
مضافا الی أنّه لا نسلّم اعتراف الأخباريّين بالملازمة بينهما، ضرورة أنّ أدلّة وجوب الاحتياط في المشتبهات ليست بأقوى من أدلّة المحرّمات المعلومة، و الأخباريّ القائل باستحقاق العذاب في المعصية المعلومة لا يدّعي الملازمة بين الاستحقاق و الفعليّة فيها، لإمكان تعقّبها التوبة و الشفاعة، فكيف يدّعي الملازمة بينهما في شبهة المعصية؟!
و أورد على هذا الوجه السيّد الخوئي بما حاصله: أنّ الآية تدلّ على أنّ التعذيب قبل البيان ينافي مقامه الأرفع، و هذا يدلّ على عدم كون العبد مستحقّا للعذاب، و إلّا فمع فرض استحقاقه لا وجه لكونه منافيا لمقامه تعالى، بل عدم كون التعذيبلائقا بجنابه تعالى إنّما هو لعدم استحقاق العبد له. فالآية و إن دلّت بالمطابقة على نفي فعليّة العذاب، إلّا أنّها دلّت على نفي الاستحقاق بالالتزام(1).
و فيه: انه لا تلازم بين نفي فعليّة العذاب و بين نفي الاستحقاق فلا دلالة للاية علی نفي الاستحقاق بالالتزام, نعم الاية دالة علی البراءة من جهة دلالتها علی ان الله جل و علا لا يفعل ذلک سواء استحق العباد العقاب ام لم يستحقوا و ذلک اولا: لانّ صيغة (وَ ما كُنَّا) أو (ما كانَ) تستعمل في إحدى معنيين إمّا نفي الشأن و الصلاحية لقوله تعالى: ﴿وَ ما
ص: 332
كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيم﴾(1), أو نفي الإمكان كقوله تعالى: ﴿وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا﴾(2).
و ثانيا: انّ بعث الرسول صلى الله عليه و آله و سلم كناية عن إتمام الحجّة على الناس، و بما انّ الرسول واسطة للبيان و الإبلاغ أُنيط التعذيب بالرسول، و إلّا يصحّ العقاب ببعث غيره أيضاً لوحدة المناط و حصول الغاية المنشودة؛ و على ضوء ذلك، فلو لم يبعث الرسول بتاتاً، أو بعث و لم يتوفق لبيان الأحكام أبداً، أو توفق لبيان البعض دون البعض الآخر، أو توفق للجميع لكن حالت الحواجز بينه و بين بعض الناس، لقبح التكليف، و ذلك لاشتراك جميع الصور في عدم تمامية الحجّة.
و المكلّف الشاك في الشبهات الحکمية وجوبية کانت ام تحريمية من مصاديق القسم الأخير، فإذا لم يصل إليه البيان لا بالعنوان الأوّلي و لا بالعنوان الثانوي كإيجاب الاحتياط ينطبق عليه قوله سبحانه ﴿وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ أي حتی نبيّن الحكم و الوظيفة.
و لأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يعلّق إهلاك القرية على وجود المنذر و يقول: ﴿وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُون﴾(3).
مضافا الی انه انّ الهدف من الاستدلال بالآية ليس إثبات عدم الاستحقاق ليكون موافقاً لما يحكم به العقل من قبح العقاب بلا بيان، بل الهدف تحصيل المؤمِّن لمرتكب الشبهة
ص: 333
سواء أ كان مستحقاً للعقاب لكنّه صار معفوّاً أو لم يكن، و ظاهر الآية كفيل بإثبات مثل هذا.
و الحاصل: انّ البحث في المقام ليس كلامياً دائراً مدار الاستحقاق و عدمه، بل أُصولي يدور حول المؤمّن للعذاب و المسوّغ للارتكاب و عدمهما، و الآية وافية بإثباتهما.
و بذلك يعلم ضعف ما أفاده المحقّق النائيني من أنّ الاستدلال بالآية المباركة على البراءة لا يجتمع مع القول بأنّ مفادها نفي فعلية التعذيب لا استحقاقه، لأنّ النزاع في البراءة إنّما هو في استحقاق العقاب على ارتكاب الشبهة و عدم استحقاقه لا في فعلية العقاب(1), و ذلک مضافا لما تقدم: إنّ ما يهمّ الفقيه هو تحصيل المسوّغ لارتكاب مشتبه الحرمة، و تحصيل المؤمّن من العذاب، و يصلح لإثباته، و هو ما دلّ على نفي الفعليّة و إن لم يدل على نفي الاستحقاق .
نعم دلالة الآية على البراءة فرع عدم ورود الحذر بالنسبة إلى مشتبه الحكم لا بالعنوان الأوّلي الذي هو مسلم بيننا و بين الخصم، و لا بالعنوان الثانوي الذي لا يسلِّمه الخصم و يقول: بورود الحذر عن المشتبه بعنوان إيجاب الاحتياط، فدلالة الآية معلّقة على إبطال دليل الأخباري کما سيأتي .
و بما انّ المشايخ كالشيخ الأنصاري و المحقّق الخراساني و الميرزا النائيني لم يدرسوا تفسير الآية على وجه يليق بشأنها، أوردوا على الاستدلال بها ما تقدم .
الوجه الثاني: ما إفادة الشيخ الأعظم الأنصاريّ و تبعه المحقّق النائينيّ. و حاصله: أنّ الآية إنّما تتكفّل بيان حال الامم السابقة بالنسبة إلى خصوص العذاب الدنيويّ، فلا علاقة لها بما نحن فيه. و بعبارة اخرى: إنّ المراد من الآية- بقرينة التعبير بلفظ الماضي في قوله
ص: 334
تعالى: وَ ما كُنَّا - هو الإخبار بعدم وقوع العذاب الدنيويّ في الامم السابقة إلّا بعد بعث الرسل إليهم، فهي أجنبيّة عما نحن بصدده من نفي العذاب الاخرويّ عند عدم تماميّة البيان.
و اجيب عن هذا الوجه بوجوه:
الأوّل: أنّ ما ذكره مبنيّ على كون الماضي (ما كنّا) ظاهرا في الماضي عن وقت الخطاب و التكلّم. و لكنّه خلاف ظاهر الآية، بل هي ظاهرة في كون الماضي بلحاظ زمان بعثة الرسول و إتمام الحجّة، و مثله لا يختصّ بالعذاب الدنيويّ؛ كما أنّ الآية ظاهرة في بيان ما هو سنّة اللّه في باب العذاب من رعايةالعدل و عدم العذاب قبل إتمام الحجّة بإيصال الأحكام، و هذا لا يختصّ بقوم دون قوم و لا بعذاب دون العذاب.
هذا ما أفاده المحقّق العراقيّ. و لكن أورد على الاستدلال بالآية بأنّها لا تصلح للمقاومة مع أدلّة الأخباريّين من الروايات الآمرة بالوقوف عند الشبهة تورّعا من الاقتحام في الهلكة و تجنّبا عن الوقوع فيها لورود الحذر عن المشتبه بعنوان إيجاب الاحتياط، فدلالة الآية معلّقة على إبطال دليل الأخباري(1).
الثاني: أنّ مساق الآية ظاهر في أنّه سنّة اللّه في عباده أجمعين، فلا وجه لدعوى اختصاصها بالامم السابقة. كما لا وجه لدعوى اختصاصها بالعذاب الدنيويّ، لأنّه إذا كان العذاب الدنيويّ منفيّا قبل إتمام الحجّة فالعذاب الاخرويّ منفيّ بالأولويّة، لأنّه أعظم و أدوم، و توقّف الأخفّ على إتمام الحجّة يقتضي توقّف الأشدّ عليه بالأولويّة. هذا ما أفاده المحقّق الاصفهاني(2).
ص: 335
الثالث: ما أفاده المحقّق الخوئيّ من حديث الأولويّة- تبعا للمحقّق الأصفهانيّ- و أنّ قوله تعالى: «و ما كُنَّا» و إن كان فعلا ماضيا، إلّا أنّه منسلخة عن الزمان. و يشهد على ذلك استقراء موارد استعمالها، كقوله تعالى: ﴿وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُم﴾(1) ، و قوله تعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِين﴾(2), و قوله تعالى: ﴿وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِم﴾(3), إلى غير ذلك. فيكون المراد من الآية أنّ التعذيب قبل البيان لا يليق بجنابه تعالى، فلا يبقى فرق حينئذ بين العذاب الدنيويّ و الاخروي(4).
الوجه الثالث: انّ مفادها الإخبار بنفي التعذيب قبل إتمام الحجّة كما هو الحال في الأُمم السابقة، فلا دلالة لها على حكم مشتبه الحكم حيث هو مشتبه الحكم، فهي أجنبية عمّا نحن فيه(5).
و اجيب: أنّ الآية بصدد بيان تعليق أي عذاب بالبيان، فإذا كان هذا مفادها، فلا يفرق بين حكم الشي ء بما هو هو أو حكمه بما هو مشتبه الحكم، فكما أنّ التعذيب على الخمر فرع البيان فهكذا التعذيب على مشتبه الحكم مثله كشرب الدخان.
الوجه الرابع: النقض بالمستقلات العقلية كقبح الظلم و الخيانة بالأمانة حيث يصحّ العذاب و إن لم يكن هناك بلاغ سماوي.
ص: 336
و فيه: أنّ الآية ناظرة فيما يحتاج إلى البيان، على وجه لولاه لما وقف عليه الإنسان و لما كان واضحاً له. مضافا الی انّه مبيّن بالرسول الباطني - اي العقل - و إن لم يكن مبيّناً بالرسول الظاهري.
قال سبحانه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾(1).
و الاستدلال بها بأحد التقريبين:
الأوّل: أنّ المراد من «الموصول» في قوله تعالى: «ما آتاها» هو التكليف، كما أنّ المراد من قوله آتاها هو الإيصال و الإعلام. فيكون معنى الآية: لا يكلّف اللّه نفسا إلّا بتكليف أعلمه اللّه و أوصله إلى المكلّف. و معلوم أنّ في حال الجهل لا يكون التكليف و اصلا، فلا تكليف به.
الثاني: أنّ المراد من «الموصول» أعمّ من الفعل و الحكم، فيكون المراد بالإيتاء هو الإعلام بالنسبة إلى الحكم و الإقدار بالنسبة إلى الفعل، فإنّ إيتاء كلّ شي ء بحسبه. و معلوم أنّ في حال الجهل لا يكون التكليف معلوما و لا مقدورا، فلا تكليف.
و أورد الشيخ الأعظم الأنصاريّ علی كلا التقريبين:
أمّا الأوّل: فلأنّ في مدلول الآية محتملات ثلاثة:
ص: 337
أحدها: أن يكون المراد بالموصول فيها خصوص المال- بقرينة قوله تعالى قبل ذلك: ﴿وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّه﴾, فيكون المعنى: لا يكلّف اللّه نفسا إلّا دفع ما اعطي من المال.
ثانيها: أن يكون المراد من «الموصول» نفس فعل الشي ء أو تركه- بقرينة إيقاع التكليف عليه- فيكون إعطاؤه كناية عن الإقدار عليه، و تدلّ الآية على نفي التكليف بغير المقدور.ثالثها: أن يكون المراد من «الموصول» خصوص التكليف الشرعيّ؛ فيكون الإيتاء بمعنى الإعلام و الإيصال، و تدلّ الآية على البراءة.
و الآية الشريفة لا ظهور لها في الوجه الثالث كي تدلّ على المطلوب، بل يكون الوجه الثاني أظهر، لأنّ الإنفاق من الميسور داخل فيما آتاه اللّه تعالى.
و أمّا الثاني: فلأنّ تعلّق الفعل في الآية و هو «يكلّف» بالحكم يختلف عن نحو تعلّقه بالفعل، فإنّ تعلّقه بالحكم نحو تعلّق الفعل بالمفعول المطلق، و تعلّقه بفعل الشي ء أو تركه نحو تعلّقه بالمفعول به، و لا جامع بين المفعول به و المفعول المطلق، فإرادتهما معا يستلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، و هو ممتنع(1).
و المحقّق النائينيّ- بعد ما دفع الإشكال على التقريب الثاني من استعمال اللفظ في أكثر من معنى بأنّ المراد من «الموصول» خصوص المفعول به، و يكون ذلك شاملا للتكليف و موضوعه، فإنّ إيتاء كلّ شي ء بحسبه، و أنّ المفعول المطلق النوعيّ و العدديّ يصحّ جعله مفعولا به بنحو من العناية، فلا يلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد- أورد على التقريب الأوّل بأنّه لو سلّم ظهور الآية في إرادة التكليف من «الموصول» و إرادة الإعلام من «الإيتاء» فأقصى ما تدلّ عليه الآية هو أنّ المؤاخذة و العقوبة لا تحسن إلّا بعد
ص: 338
بعث الرسل و إنزال الكتب و تبليغ الأحكام و التكليف إلى العباد، و هذا لا ربط له لما نحن فيه من الشكّ في التكليف بعد البعث و الإنزال و التبليغ(1).
و قد حاول المحقّق العراقيّ تصحيح إرادة الجامع للفعل و الحكم من الموصول بوجهين:
أحدهما: أنّ محذور استعمال اللفظ في الأكثر إنّما يلزم فيما إذا فرض إرادة الخصوصيّات المزبورة من شخص الموصول، و إلّا فبناء على استعمال الموصول في معناه الكلّي العامّ و إرادة الخصوصيّات من دوالّ أخر خارجيّة، فلا محذور. و كذا في تعلّق الفعل بالموصول، فإنّه يكون بنحو واحد، و تعدّده بالتحليل إلى نحوين- نحو التعلّق بالمفعول به و نحو التعلّق بالمفعول المطلق- لا يقتضي تعدّده بالنسبة إلى الجامع الّذي هو مفاد الموصول.
و عليه يكون معنى الآية: «لا يوقع اللّه تعالى عباده في كلفة حكم أو فعل إلّا الحكم أو الفعل الّذي آتاه المكلّف». فتدلّ الآية على البراءة.
ثانيهما: أنّ المراد من التكليف في الآية الشريفة معناه اللغويّ, أي الكلفة و المشقّة، لا الحكم كي يلزم منه كون نسبته إلى الحكم نسبة المفعول المطلق، و إلّا يلزم منه اختصاص الأحكام الواقعيّة بالعالمين بها، حيث أنّ مفاد الآية حينئذ؛ نفي التكليف واقعا في حقّ الجاهل. و عليه يكون معنى الآية: «لا يوقع اللّه تعالى عباده في كلفة إلّا من قبل حكم أو فعل أعلمه إيّاهم و أوصله إليهم بخطابه».
ثمّ ناقش في الاستدلال بالآية بكلا التقريبين من جهات ثلاث:
الاولى: أنّ القدر المتيقّن في المراد من الموصول- بقرينة السياق- هو المال، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها على البراءة.
ص: 339
الثانية: أنّ أقصى ما تدلّ عليه الآية هو نفي الكلفة و المشقّة من قبل التكليف المجهول غير الواصل إلى المكلّف، لا نفي الكلفة مطلقا و لو من قبل إيجاب الاحتياط، فمفاد الآية مساوق لقاعدة قبح العقاب بلا بيان. و هذا لا يضرّ الأخباريّ القائل بالاحتياط، إذ هو يدّعي إثبات الكلفة على المكلّف من جهة جعل إيجاب الاحتياط بمقتضى الأخبار الدالّة على وجوبه عند الشكّ.
الثالثة: أنّ مفاد الآية مفاد قوله علیه السلام : «إنّ اللّه سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا», فالإيتاء- بما أنّه منسوب إليه تعالى- عبارة عن إعلامه بالتكليف بالسبب العادي المتعارف، و هو إعلامه من طريق الوحي إلى أنبيائه و أمرهم بتبليغ أحكامه. فعدم إعلامه في مورد كاشف عن عدم الوحي إلى أنبيائه في ذلك المورد أو عن عدم أمرهم بتبليغه. و عليه تكون الآية دالّة على نفي الكلفة عمّا لم يوصل علمه إلى العباد، لمكان عدم الوحي و سكوت الشارع عن بيانه، لا على نفي الكلفة عمّا لم يصل إليهم من جهة خفائه بسبب ظلم الظالمين، فلا ترتبط بما نحن فيه(1).
اقول: الظاهر من الاية المبارکة هو انه تعالی لا يکلف نفسا الّا ما آتاها من مال و علم و قدرة و و , فمتعلق الاتيان محذوف و حيث أن الاية في مقام البيان کان لها اطلاق للکل و عليه فهي قضية كلية و قاعدة عامة مقررة من الله تعالى و هي عدم تكليف عباده بشي ء إلّا بعد إيتائه لهم ذلك الشي ء, و لا ترد عليهالاشکالات المتقدمة فليس في هذا المعنی استعمال للفظ في اکثر من معنی, و يشهد لذلک إنّ الإمام علیه السلام استشهد بالآية في باب المعرفة، کما في صحيح يونس بن عبد الرحمن عن حماد بن عثمان و هما من اصحاب
ص: 340
الاجماع عن عبد الأعلى، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: قلت له: هل كلّفوا (اي الناس) المعرفة؟ قال: لا، على اللّه البيان، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها﴾(1) و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها﴾(2) »(3). و بذلک يظهر دلالة الاية المبارکة علی البراءة .
قال سبحانه: ﴿وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمٌ﴾(4).
وجه الاستدلال: أنّ التعذيب من آثار الضلالة، و الضلالة معلّقة على البيان في الآية، فيكون التعذيب معلّقاً عليه، فيُنتج أنّه سبحانه لا يُعاقب إلّا بعد بيان ما يجب العمل أو الاعتقاد به, و يشهد لذلک استشهاد الامام علیه السلام بها کما في صحيح أبان الأحمر عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله تعالى (ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ) قال: حتى يعرفهم ما يرضيه و ما يسخطه (5).
فإن قلت: ما هو المراد من إضلاله سبحانه، فإنّ الإضلال أمر قبيح فكيف نسب إلى اللّه سبحانه؟!
ص: 341
قلت: و اجيب عن هذا الاشکال بإنّ الإضلال يقابل الهداية و هي على قسمين، فيكون الإضلال أيضاً مثلها, توضيحه: انّ للّه سبحانه هدايتين: هداية عامة تعمُّ جميع الناس من غير فرق بين إنسان دون إنسان حتى الجبابرة و الفراعنة، و هي تتحقق ببعث الرسل و إنزال الكتب و دعوة العلماء إلى بيان الحقائق مضافاً إلى العقل الذي هو رسول باطني، و إلى الفطرة التي تسوق الإنسان إلى فعل الخير.
و أمّا الهداية الخاصة، فهي تختصُّ بمن استفاد من الهداية الأُولى، فعندئذ تشمله الألطاف الإلهية الخفيّة التي نعبّر عنها بالهداية الثانوية أو الإيصال إلى المطلوب.
قال سبحانه: (وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ).(1) و قال تعالى: (وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا).(2) و أمّا إذا لم يستفد من الهداية الأُولى، فلا يكون مستحقّاً للاستفادة من الهداية الثانية، فيضل بسبب سوء عمله، فإضلاله سبحانه، كناية عن الضلال الذي اكتسبه بعمله بالإعراض عن الاستضاءة بالهداية الأُولى.
قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾(3) فإضلاله سبحانه كإزاغته نتيجة زيغه و انحرافه و كبره و تولّيه عن الحق.
و بذلك يظهر مفاد كثير من الآيات التي تنسب الضلالة إلى اللّه سبحانه، فالمراد منه هو الضلال الذي اكتسبه بعمله بالإعراض عن الاستضاءة بالهداية لأجل تقصيره، فيصدق انّه أضله سبحانه و إن كان عن تقصير، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ
ص: 342
كَذَّابٌ﴾(1) أي يضلّه لأنّه مسرف كذّاب، و في آية أُخرى: ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾(2) فإضلاله نفس عدم هدايته لعدم قابليته للهداية الثانوية لأجل إسرافه و كذبه و ارتيابه.
قال سبحانه: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ لَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَ لكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(3).
قال الشيخ الانصاري: «و في دلالتها تأمل ظاهر»(4), قلت: لأنّ الظاهر من البيّنة حسب السياق معجزات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و غلبة المسلمين مع قلّتهم على الكافرين في غزوة بدر و المعنى ليكون كفر الكافر من أهل بدر عن بيّنة لئلّا يكون له على اللّه حجة و يكون إيمان المؤمن منهم عن بيّنة ليستقر في دينه فلا تدل على نفي المؤاخذة على الحكم المجهول، نعم فيها اشعار بذلك.
ص: 343
روى الصدوق في التوحيد و الخصال عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه علیه السلام «قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : رفع عن أُمّتي تسعة أشياء: الخطأ، و النسيان، و ما أُكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة »(1).
و رواه محمد بن أحمد النهدي مرفوعاً عن أبي عبد اللّه علیه السلام : «وضع عن أُمّتي تسع خصال: الخطأ، و النسيان، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و ما
ص: 344
استكرهوا عليه، و الطيرة، و الوسوسة في التفكّر في الخلق، و الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد »(1), و الحديث بالطريق الثاني ضعيف سندا.
و اما رواة الحديث الأوّل فليس فيهم من يتأمل في وثاقتهم الّا أحمد بن محمد بن يحيى فانه لم يوثّق ظاهراً، لکن يکفي في وثاقته اعتماد السيرافي شيخ النجاشي و جمع من اصحابنا عليه, كما يظهر مما حكاه النجاشي عنه في ترجمة الحسين بن سعيد الأهوازي، حيث قال: «أخبرني بهذه الكتب غير واحد من أصحابنا من طرق مختلفة كثيرة فمنها ما كتب إليّ به أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بننوح السيرافي رحمه اللَّه في جواب كتابي إليه، و الّذي سألت تعريفه من الطرق إلى كتب الحسين بن سعيد الأهوازي رضي اللَّه عنه .... إلى أن قال: فأمّا ما عليه أصحابنا و المعوّل عليه ما رواه عنهما أحمد بن محمد بن عيسى .... إلى أن قال: و أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن يحيى العطار القمي، قال: حدثنا أبي و عبد اللَّه بن جعفر الحميري و سعد بن عبد اللَّه جميعا عن أحمد بن محمد بن عيسى ...»(2).
و لا ريب في رجوع عبارة: «و أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن يحيى العطار القمي» الی کلام السيرافي لا النجاشي فان احمد العطار شيخ الصدوق فلا يمکن ان يکون شيخا للنجاشي کما و لا ريب في ظهور هذا الكلام في اعتماد الأصحاب و السيرافي على ما رواه أحمد بن محمد بن يحيى العطار من كتب الحسين و الحسن ابني سعيد الأهوازي
ص: 345
خصوصا مع ملاحظة ما ورد في شأن السيرافي من التجليل فقال النجاشي في حقه: «كان ثقة في حديثه متقِنا لما يرويه فقيها بصيرا بالحديث و الرواية، و هو أستاذنا و شيخنا و من استفدنا منه، و له كتب كثيرة»(1), بعد تعبير السيرافي «فأمّا ما عليه أصحابنا و المعوّل عليه» و مراده المعول عليه من الطرق الظاهر في کون التعويل علی نفس الطرق لا القرائن الخارجة عنها.
و بذلک يظهر ضعف المناقشة في دلالته على وثاقة الرّجل من أن اعتماد القدماء على رواية شخص لا يدل على توثيقهم إياه، و ذلك لبناء ذلك على أصالة العدالة التي لا نبني عليها هذا اولا. و ثانيا: أن ذلك انما يتم لو كان الطريق منحصرا برواية أحمد بن محمد ابن يحيى، لكنه ليس كذلك، بل ان تلك الكتب المعول عليها قد ثبتت بطريق آخر صحيح و هو الطريق الأول الّذي ينتهي إلى أحمد بن محمد بن عيسى، فلعل ذكر طريق آخر انما هو لأجل التأييد».
و فيه: اما الاول فلأن الظاهر من القدماء عدم اعتمادهم على أصالة العدالة کما هو واضح لمن راجع الکتب الرجالية، و عليه فما لم يحرز ذلك لا يتيسر طرح شهادتهم بمجرد احتماله مع كون ظاهر شهادتهم عن حس، و لا أقل من الشك، و المرجع بناء العقلاء على العمل بخبر الثقة المفيد للوثوق فيما لم يعلم أنه نشأ من الحدس و إعمال النّظر .
و أما الثاني، فلان السيرافي عدّ الطريق الثاني إلى كتب الحسين بن سعيد على وزان الطريق الأول، و هذا ظاهر في أن المعول عليه في رواية تلك الكتب هو كل واحد من
ص: 346
الطريقين بالاستقلال، و ليس في كلامه ما يستشم منه أن الطريق الثاني ذكر تأييدا لا استنادا, و عليه فلا قصور في دلالة كلام السيرافي على اعتبار أحمد و اعتماد الأصحاب على رواياته و ركونهم إليها، و هذا المقدار كاف لنا في قبولها.
هذا مضافا الی ان للشيخ طريقا الی کل روايات حريز بن عبد الله السجستاني حيث قال: «ثقة كوفي سكن سجستان. له كتب منها: كتاب الصلاة كتاب الزكاة كتاب الصيام كتاب النوادر تعد كلها في الأصول. أخبرنا برواياته...»(1), ثم ذکر طرقا اليها و فيها الصحيح فبتعويض السند يصح الخبر .
مضافا الی أنّ اشتهار الحديث بين الأصحاب و تعويلهم عليه يغني عن التكلّم في سنده فلا شک في صحة الخبر فهو من الاخبار الموثوق بها .
قال في الکفاية: «حيث عد «ما لا يعلمون» من التسعة المرفوعة فيه فالإلزام المجهول مما لا يعلمون فهو مرفوع فعلا و إن كان ثابتا واقعا فلا مؤاخذة عليه قطعا»(2), و توضيحه: ان الإلزام المجهول مما لا يعلمون، فهو مرفوع و عليه فالرفع تعلق بنفس الإلزام المجهول الواقعي في مرحلة الظاهر فالإيجاب أو التحريم الواقعيّ المجهول مرفوع عن المكلّف في مرحلة الجهل ظاهرا مع الالتزام بثبوته الواقعيّ. و قد جعل المحقق الخراساني الرفع
ص: 347
متعلّقا بنفس الحكمالواقعيّ في مرحلة الجهل و الشكّ رفعا ظاهريّا، مع أنّه التزم بثبوت الحکم الواقعيّ. ثمّ أفاد أنّ مقتضى رفع الواقع في ظرف الجهل هو رفع إيجاب الاحتياط. خلافا للشيخ الأعظم الأنصاريّ حيث انه جعل المرفوع إيجاب الاحتياط فقال: «و الحاصل أنّ المرتفع في ما لا يعلمون و أشباهه ممّا لا يشملها أدلّة التكليف هو إيجاب التحفّظ على وجه لا يقع في مخالفة الحرام الواقعيّ»(1).
و أورد عليه بأنه خلاف ظاهر الحديث، حيث ان ظاهره اسناد الرفع إلى نفس ما لا يعلم و هو الحكم الواقعي لا وجوب الاحتياط، و مع إمكان التحفظ على الظاهر لا وجه لارتكاب خلافه و جعل المرفوع غير الحكم الواقعي. نعم رفع الحكم الواقعي يستلزم نفي وجوب الاحتياط.
اقول: الاستدلال بهذا الحديث الشريف على البراءة مبني على إرادة الحكم من الموصول في «ما لا يعلمون» سواء كان منشأ الشك في الحكم فقد الحجة أم الأمور الخارجية فيشمل الشبهات الحكمية و الموضوعية معا، أو إرادة ما يعم كلتا الشبهتين، بأن يقال: رفع الموضوع الكلي فيما لا يعلمون أعم من رفعه بعنوانه الأولي الذاتي كشرب التتن، و من رفعه بعنوانه الثانوي الناشئ عن احتمال انطباقه على الموجود الخارجي كالخمر المحتمل انطباقه على المائع المردد بين الخمر و الخل، فان المرفوع حينئذ هو شرب الخمر المحتمل الانطباق على هذا المائع، لا الخمر بعنوانه الأولي.
و بالجملة: فالموضوع الكلي المجهول مرفوع شرعا سواء أ كان بعنوانه الأولي أم الثانوي، و يسمى الأول بالشبهة الحكمية و الثاني بالشبهة الموضوعية و مع إمكان إرادة كلتا الشبهتين من «رفع ما لا يعلمون» بلا تكلف- لا سيما مع كونه امتنانيا يناسبه التعميم، و
ص: 348
خصوصا بالتقريب الأول و هو إرادة الحكم من الموصول- لا وجه لاختصاصه بالشبهة الموضوعية، بدعوى ظهور وصف الموضوع في كونه بحال نفسه لا بحال متعلقه و هو الحكم، فلو كان الموصول الفعل الخارجي المجهول نفسه لا حكمه كالمائع الخارجي المجهول عنوانه كان الحديث مختصا بالشبهة الموضوعية و أجنبيا عن الشبهات الحكمية. و ربما يستشهد لهذه الدعوى بوجوه:
الاول: وحدة السياق، حيث ان المراد بالموصول في غير «ما لا يعلمون» هو الفعل الإكراهي و الاضطراري و نحوهما، إذ لا معنى لتعلق الإكراه والاضطرار بنفس الحكم، فالمراد بالموصول في «ما لا يعلمون» أيضا هو الفعل لا الحكم فيختص بالشبهات الموضوعية.
و فيه أوّلا: کما افيد؛ من أن وحدة السياق محفوظة، لأن المراد بالموصول في الجميع هو الشي ء المبهم الّذي ينطبق فيما عدا ما لا يعلمون على الأفعال، و فيه على الحكم، يعني: أن المرفوع هو الحكم سواء أ كان الشك فيه ناشئا من فقد الدليل أم من الأمور الخارجية، فالرفع في جميع الفقرات أسند إلى الشي ء غاية الأمر أنه ينطبق في غير «ما لا يعلمون» من الاضطرار و الإكراه و غيرهما على الأفعال، و في «ما لا يعلمون» على الحكم، فوحدة السياق محفوظة.
و ثانيا: أن وحدة السياق لا تزاحم الحمل على الحقيقة، و لا تقدم عليه، فإذا أسند فعل إلى أمور مجازا كما إذا قيل: «جرى الميزاب و النهر و المطر» فلا توجب وحدة السياق - في اسناد الجريان إلى الميزاب و النهر مجازا - مجازية اسناد الجريان إلى المطر أيضا، بل مجرد إمكان الحمل على الحقيقة يمنع عن قرينية الظهور السياقي، و من المعلوم أن اسناد الرفع إلى الأفعال الاضطرارية و الإكراهية و غيرهما مجازي، لكونه إلى غير ما هو
ص: 349
له، و إسناده إلى الحكم فيما لا يعلمون حقيقي، لكونه إلى ما هو له، فلا بد من المصير إليه و عدم الاعتناء بوحدة السياق.
و دعوى وحدة الإسناد إلى التسعة، و عدم إمكان اتصاف اسناد واحد بالحقيقي و المجازي، فلا بد من إرادة الفعل فيما لا يعلمون كإرادته من سائر الفقرات حتى يتصف هذا الإسناد الواحد في الكل بوصف واحد و هو المجازية.
مندفعة: بأن التسعة عنوان مشير إلى تلك الفقرات، فيتعدد الرفع بتعددها، فلا يلزم اتصاف اسناد واحد بالحقيقي و المجازي.
و الحاصل أن ظهور الرفع في «ما لا يعلمون» في رفع الحكم مطلقا- سواء أ كان كليا كما في الشبهة الحكمية أم جزئيا كما في الشبهة الموضوعية- مما لا ينبغي إنكاره، و اسناد الرفع فيه حقيقي، لكونه إلى ما هو له كما لا يخفى.
الثاني: أن ورود الحديث مورد الامتنان يقتضي أن يكون المرفوع مما فيه ثقل على المكلف، و من الظاهر أن الثقيل هو الفعل أو الترك، إذ الحكم فعل المولى و لا ثقل فيه على المكلف، فلا بد أن يكون المرفوع فيما لا يعلمون كسائر الفقرات هو الفعل لا الحكم.
و فيه: أن الثقل في إلزام المكلف بالفعل أو الترك، إذ بدونه لا ثقل عليه، فالموجب للثقل و الضيق هو حكم الشارع، فيصح اسناد الرفع إليه, و بعبارة اخری الأحكاممن مصاديق التكليف، و هو من الكلفة، فلو لم يكن فيها ثقل فكيف يطلق عليها التكليف؟
الثالث: أن الوضع و الرفع متقابلان و متواردان على مورد واحد، و من الظاهر أن الوضع يتعلق بالفعل، حيث ان التكليف وضع الفعل أو الترك على عهدة المكلف في وعاء التشريع، فالرفع أيضا يتعلق برفع الفعل عن عهدته لا الحكم. و عليه فالمرفوع فيما لا
ص: 350
يعلمون هو الفعل کما في سائر الأدلّة، و الدليل على أنّ الموضوع هو الفعل في سائر الادلة قوله سبحانه: ﴿وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾(1)، فالموضوع هو فعل الرزق و فعل الكسوة، و قوله سبحانه: ﴿وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين﴾(2)، فالموضوع هو الفدية، و قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام﴾، أو قوله: ﴿وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت﴾(3)، فالموضوع هو الصيام و الحجّ.
و فيه ؛ أولًا: أنّ الرفع كما يتعلّق بالفعل كذلك يتعلّق بالتكليف أيضاً، كما في قوله صلى الله عليه و آله و سلم : «رفع القلم عن ثلاثة»(4)، فانّ المراد رفع قلم التكليف، و المراد انّه لم يكتب عليه شي ء من التكاليف، و لذلك عدّ الفقهاء العقل و البلوغ من شرائط التكليف. و ثانيا: أن المرفوع حقيقة ما يكون وضعه و رفعه بيد الشارع، و ذلك ليس إلّا الحكم الّذي هو من أفعاله الاختيارية، فكل من الوضع و الرفع يتعلق بنفس التكليف الّذي هو مجعول الشارع، و لو أسند الرفع أو الوضع في الكلام إلى الفعل فلا بد من إرجاعه إلى الحكم، و لذا يقال: انه إثبات الحكم بلسان إثبات الموضوع، أو نفيه بلسان نفي الموضوع، و أنه من النفي المركب، و لو كان اسناد الرفع إلى الفعل إسنادا إلى ما هو له لم يكن للإرجاع المزبور وجه، و كان النفي بسيطا لا مركبا، فتقابل الوضع و الرفع انما هو بالنسبة إلى الحكم، فيتواردان عليه. و كون الفعل أو الترك في العهدة انما ينتزع عن تشريع الحكم. لا أن الفعل أو الترك بنفسه مجعول على عهدة المكلف.
ص: 351
و بالجملة: فهذا الوجه يؤيد بل يدل على أن المرفوع في «ما لا يعلمون» هو الحكم، و لا يدل بوجه على إرادة الفعل من «ما لا يعلمون».
و لا فرق فيما ذكرنا من أن المرفوع نفس الحكم بين كون ظرف الرفع هو الإسلام في قبال الأديان السابقة، و بين كونه ذمة الأُمّة الإسلامية في قبال الأُمم السابقة، و ذلك لأجنبية الظرف عن المظروف، فلو كان الظرف ذمة المكلف لم يقتض ذلك كون متعلق الوضع و الرفع فعل العبد كما قيل(1).
الرابع: أنه لا إشكال في شمول الحديث للشبهات الموضوعية، فأريد الفعل من الموصول في «ما لا يعلمون» قطعا، فلو أريد به الحكم أيضا لزم استعماله في معنيين و هو غير جائز. و فيه: ما تقدم من أن المراد بالموصول هو نفس الحكم سواء أ كان الشك فيه ناشئا من عدم الدليل أم من الأمور الخارجية، فيراد من الموصول كلتا الشبهتين الحكمية و الموضوعية من دون لزوم محذور استعمال اللفظ في أكثر من معنى, و الحاصل أن الحديث الشريف يدل على البراءة، و أن الاستدلال به عليها متين.
ثم انه قد يستشکل في المصحح لنسبة الرفع إلى المكرَه و المضطرّ و الخاطئ، و الناسي و الجاهل فان الموارد التي وردت في الحديث من الأمور الخارجية التكوينية الثابتة وجداناً، و التي لا يمكن رفعها من قبل الشارع بما هو شارع، فالنسيان مثلاً لو حصل للمكلف لا يمكن رفعه من قبل الشارع بما هو شارع، و كذلك أغلب الأمور الأخرى
ص: 352
الواردة في الحديث، فلا يصح اسناد الرفع إليها في الحديث المذكور إلّا بنوع من العناية, لإن إسناد الرفع حقيقة إلى نفس الأمور المذكورة بوجوداتها الخارجية يستلزم الكذب؛ لأن الخطأ و النسيان و غيرهما حاصل و موجود حتى بعد صدور هذا الحديث، و عليه فلا يمكن إسناد الرفع إلى هذه الوجودات الخارجية حقيقة .
و في الجواب علی هذا الاشکال ذكرت ثلاثة احتمالات:
الاول: ان نقدّر لفظا كلفظ المؤاخذة و نقول المقصود: رفعت المؤاخذة حالة الخطأ و رفعت المؤاخذة حالة النسيان و هكذا في البقية. و فيه: ما سيأتي .
الثاني: أن نقول إنّ المقصود رفع هذه الامور التسعة و لكن لا وجودها الخارجي ليقال أنّ تحقّقها في الخارج كثير فكيف يرفع بل المقصود رفع وجودها في عالم التشريع، فكأنّ الحديث يريد أن يقول انّ الخطأ مرفوع في عالم التشريع بمعنىأنّ الخطأ لم يقع في عالم التشريع موضوعا أو متعلّقا(1) لحكم، فمن شرب الخمر خطأ فشربه الخطائي لم يقع موضوعا للحرمة.
و مرجع هذا المعنی إلى رفع الحكم فالحديث كأنّه يريد أن يقول إن شرب الخمر ما دام قد صدر خطأ فهو ليس بحرام، و لكن لم تنف الحرمة صريحا و مباشرة بل بشكل غير مباشر، فإنّ أحد الأساليب المتداولة عند العرب لنفي الحكم هو نفي موضوعه نظير ما
ص: 353
ورد من انه: «لا رهبانية في الإسلام» أي أنّ الرهبانية لم تقع موضوعا للاستحباب الشرعي في الإسلام. هذا هو المقصود للحديث بالنظرة الاولى و لكن المقصود بالنظرة الثانية نفي الاستحباب و أنّه لا استحباب للرهبنة في الإسلام الّا أن هذا لم يذكر بهذا اللسان الصريح بل نفي وقوع الرهبنة موضوعا للحكم الاستحبابي في عالم التشريع و لازم ذلك نفي الاستحباب.
و بعبارة اخری انّ الرفع و إن تعلّق برفع نفس الأُمور، لكن الكذب إنّما يلزم إذا كان اخباراً عن عالم التكوين، و أمّا إذا كان إخباراً عن عالم التشريع بمعنى رفع هذه الأُمور بلحاظ عدم آثارها فلا يلزم الكذب نظير قوله: لا ضرر و لا ضرار، و لا بيع إلّا في ملك، و لا طلاق إلّا على طهر، و لا يمين للولد مع والده، و لا يمين للمملوك مع مولاه، و للمرأة مع زوجها، و لا رضاع بعد فطام، و لا نذر في معصية اللّه، و لا يمين للمكره.
فهذه الأُمور المرفوعة و ان کانت موجودة خارجا الّا ان الرفع لما كان إخباراً عن صفحة التشريع، و كانت هذه الأُمور مسلوبة الأثر فيها، صحّ الإخبار عن عدمها، باعتبار عدم آثارها. و هذا هو الاقوی .
الثالث: أن يكون المقصود نفي هذه الامور التسعة لا بلحاظ عالم التشريع كما في الاحتمال الثاني؛ بل نفيها بلحاظ وجودها الخارجي، و للفرار من لزوم محذور الكذب يقال المقصود نفي وجودها الخارجي نفيا تنزيليا، فكأنّ الحديث يريد أن يقول إن شرب الخمر مثلا إذا تحقّق خطأ فوجوده الخارجي هو بمنزلة العدم و كأنّه لم يوجد و يترتّب على ذلك نفي الحرمة و نفي الحد. و بناء على هذا الاحتمال يصير حديث الرفع أشبه بحديث «لا ربا بين الوالد و ولده» فكما أنّ حديث لاربا ينزل وجود الربا بين الوالد و ولده بمنزلة العدم كذلك حديث الرفع ينزل الفعل الصادر خطأ أو نسيانا منزلة العدم.
ص: 354
و هذا هو الذي يظهر من المحقّق النائيني حيث صحح نسبة الرفع إلى الأُمور التسعة بأنّ الرفع تشريعي لا بالملاك المتقدم «من أنّ رفعها بملاك رفع آثارها» بل بملاك آخر فقال: «و أمّا إذا كان الرفع رفعا تشريعيا فالكلام يصح بلا تقدير، فانّ الرفع التشريعي كالنفي التشريعي ليس إخباراً عن أمر واقع، بل إنشاء لحكم يكون وجوده التشريعي بنفس الرفع و النفي، كقوله صلى الله عليه و آله و سلم : «لا ضرر و لا ضرار»، و كقوله: «لا شكّ لكثير الشكّ» و نحو ذلك ممّا يكون متلوُّ النفي أمراً ثابتاً في الخارج و بالجملة: ما ورد في الأخبار ممّا سيق في هذا المساق سواء كان بلسان الرفع أو الدفع أو النفي إنّما يكون في مقام تشريع الأحكام و إنشائها، لا في مقام الإخبار عن رفع المذكورات أو نفيها حتى يحتاج إلى التقدير، و سيأتي معنى الرفع التشريعي و نتيجته, و الغرض في المقام مجرد بيان أنّ دلالة الاقتضاء لا تقتضي تقديرا في الكلام حتى يبحث عما هو المقدّر»(1).
و فيه: ما افاده تلميذه المقرر الکاظمي في هامش ما تقدم من انه لا مجال لهذا الكلام، إذ مرجع الرفع التشريعي إلى رفع الأمور الواقعية في عالم التشريع، و مرجع هذا الرفع إلى رفع أثره، و هذا عين قابلية الأمور التكوينية للرفع التشريعي، فلا معنى لقوله توضيحا لمرامه «لا أقول» إلى آخره، خصوصا لا يفهم فرق بين الرفع التشريعي و بين رفع المذكورات تشريعا، فتدبر.
ص: 355
قلت: مضافا الی أنّ ما ذكره خلاف الظاهر المتبادر من أمثالها، فان ظاهرها هو کون الجملة خبرية و المصحح لنسبة الرفع كونها ناظرة إلى عالم التشريع و الغاية من رفعها، هو الإخبار عن رفع آثارها .
لا شک أنّ الرفع يتعلّق بالشي ء الموجود المتحقّق، و ليس هو إلّا نفس هذه الأُمور فهي مرفوعة ادّعاء، لكن الرفع الادّعائي رهنُ وجود رفع أمر حقيقةً ليكون مسوِّغاً للرفع الادّعائي المجازي، و هذا ما نعبر عنه بما هو المرفوع ثبوتاً, وعليه فيقع الكلام تارةً في تعيين ما هو المرفوع إثباتاً، و أُخرى ما هو المرفوع ثبوتاً الذي هو المصحح للرفع الإثباتي؟
فنقول: قد اختلفت كلماتهم في تعيينه, فقيل: إنّ المرفوع ثبوتاً هو المؤاخذة؛ و قيل: إنّ المرفوع هو الأثر المناسب كالضرر في الطيرة و الكفر في الوسوسة، و المؤاخذة في الباقي؛ و قيل: إنّ المرفوع جميع الآثار.
إنّ رفع هذه الأُمور كناية عن رفع المؤاخذة، فمن ترك الواجب أو ارتكب الحرام عن جهل و نسيان لم يؤاخذ، و أورد عليه بوجوه:
1. المؤاخذة أمر تكويني، لا يناسب وضعُها و لا رفعُها مقام التشريع، فانّ ما يعود إلى الشارع في ذلك المقام رفع الحكم الشرعي و وضعه، لا رفع الأمر التكويني أو وضعه.
ص: 356
و اجيب: بأنّ المؤاخذة لما كانت من توابع الحكم استحقاقاً، أو جعلاً صحّ للشارع حتى في مقام التشريع وضعها و رفعها.
و بعبارة أُخرى: كان للشارع حفظ إطلاق الحكم، و فعليته في حقّ الجاهل الشاك بإيجاب الاحتياط عليه، المستلزم للعقوبة لدى المخالفة، فالدليل على رفع الحكم الواقعي بمعنى عدم فعليته، دليل على عدم إيجاب الاحتياط المستلزم لعدم العقوبة، فالعقوبة و عدمها ممّا يترتبان على الحكم الواقعي بتوسط إيجاب الاحتياط و عدمه، و هذا المقدار من الترتب يصحح رفعه و وضعه من جانب الشارع.
2. انّ المؤاخذة من آثار الحكم المنجّز، و المفروض عدم تنجّزه فكيف يصح الإخبار عن رفعها؟
و اجيب: أنّه يكفي في استحقاق العقاب قابلية المورد لجعل الحكم الفعليّ منجزاً و إن لم يكن منجّزاً، و ذلك لصحّة تكليف الجاهل بالحكم، الملتفت إليه، بالاحتياط، و المكره، بتحمل الضرر، و المضطرّ بقبول المشقة، فقابلية الحكم الفعلي للتنجّز، كاشف عن وجود المقتضي للعقاب، و هو كاف في صدق الرفع.
3. انّه على خلاف إطلاق الحديث, کما هو الظاهر و هو الصحيح کما سيأتي .
إنّ المتبادر من الوضع و الرفع في محيط التشريع هو ما يعدُّ أثراً مناسباً للشي ء فمع وجود الخصيصة الظاهرة للشي ء يُحسن الاخبار عن وضعها، و مع عدمهايحسن الاخبار عن عدمها، و لأجل ذلك صحّ للشاعر أن يقول: أسد عليّ و في الحروب نعامة, كما صحّ
ص: 357
للإمام أمير المؤمنين علیه السلام أن يصف المتقاعدين عن الجهاد بقوله: يا أشباه الرجال و لا رجال(1).
و اجيب: بأنّ ما ذكره إنّما يصحّ إذا كان الأثر المناسب للشي ء، أمراً واحداً يدور عليه رحى الوضع و الرفع، كما هو الحال في الأسد، و أمّا إذا كانت للشي ء آثار متعددة و كلّها بالنسبة إلى الشي ء على حدّ سواء فلا معنى لجعل واحد منها ملاكاً للرفع، دون بعض كما في المقام.
إنّ وصف الشي ء بكونه مرفوعاً في صفحة التشريع، إنّما يصحّ إذا كان الشي ء فاقداً للأثر مطلقاً فيصحّ للقائل بأنّه مرفوع، و إلّا فلو كان البعض مرفوعاً دون بعض لا يصحّ ادّعاء كونه مرفوعاً، من غير فرق بين الآثار التكليفية كحرمة شرب الخمر و وجوب جلده، أو الوضعية كالجزئية و الشرطية عند الجهل بحكم الجزء و الشرط أو نسيانهما و كالصحّة في العقد المكره.
و يشهد لذلك امور:
الاول: إطلاق الحديث .
الثاني: كون الحديث واردا مورد المنّة، و مقتضاها رفع تمام الآثار .
ثالثاً: مقتضى صحيحة صفوان بن يحيى و أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي جميعاً، عن أبي الحسن علیه السلام «في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة
ص: 358
ما يملك أ يلزمه ذلك؟ فقال: لا، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : وضع عن أُمّتي: ما أكرهوا عليه، و ما لم يطيقوا، و ما أخطؤوا» (1), و قد تمسك الإمام بالحديث على بطلان الطلاق و عدم ترتّب الصحّة التي هي حكم وضعي، فيكشف عن أنّ المرفوع أعمّ من المؤاخذة و الحكم التكليفي و الوضعي.
فإن قلت: إنّ الحلف بالطلاق و قرينيه باطل اختياراً فضلًا عن الاضطرار، لأنّه قد تقرر في محلّه، انّ الطلاق و أضرابه لا يتحقق إلّا بصيغة خاصة، و لا يقع بقولنا: أنت خلية أو برية أو بالحلف به، و على ذلك فلا حاجة في الحكم بالبطلان إلى حديث الرفع، و هذا يكشف عن أنّ التمسك به كان من باب الجدل و إقناعالخصم بما هو معتقد به، و لا يستفاد منه، أنّ أصل التمسك به صحيح على مذهب الحقّ.
قلت: الظاهر من الصحيحة هو كون حديث الرفع صالحاً لرفع كلّ أثر تكليفي أو وضعي و لم يکن الاستدلال جدليا لان المخاطب في الصحيحة صفوان و البزنطي, و هما من فقهاء الشيعة و من اصحاب الاجماع، نعم كان لبطلان الطلاق علة اخری غير کونه اکراهيا و هذا لا يضر بصحة الاستدلال به .
ص: 359
قد عرفت مما تقدم ان الحديث حديث امتنان بقرينة قوله: «عن أُمّتي» و عليه فهو يختص الرفع بما يكون في رفعه منَّة عليهم، لا ضرراً و حرجاً عليهم، و إلّا فلا يعمه. و على هذا فيجوز للقاضي إكراه المدين المتمكن من أداء الدين، و لا يحرم، و بالتالي يتملّك الدائن ما أخذه، كما يجوز إكراه المحتكر في عام المجاعة على البيع فيجوز تكليفاً و يصحّ بيعه الطعام ثانياً، كما لا يرتفع بالإكراه ضمان العين التالفة عن جهل و نسيان، إذ ليس في رفعه امتنان عليهم، و لا يرتفع صحّة بيع المضطر إذ ليس في رفعه أيّ امتنان على الأُمّة، بل الامتنان في صحّة المعاملة.
و لكن القدر المتيقن من الحديث هو إذا كان ترتيب الأثر على خلاف الامتنان، و عدمه على وفاقه. و على ضوء هذا ففيما إذا ا اضطر لمعالجة ولده إلى بيع داره، فالوضع أي ترتيب الأثر على بيعه يكون على وفاق الامتنان و رفعه على خلافه، إذ على الرفع يكون بيع الدار باطلاً و التصرّف في الثمن حراماً فلا يتمكن من الوصول إلى مقصوده و هو معالجة ولده.
و مثله ما لو أكره على بيع داره، فالوضع أي الحكم بصحة البيع و تملّك المكرِه المبيع على خلاف الامتنان و رفعه و كونه باطلاً لعدم طيب نفسه على وفاقه.
ص: 360
اعلم أنّ الآثار الشرعية على قسمين: قسم يترتب على نفس الفعل بما هو هو من دون تعنونه بعنوان خاص كالأحكام الواردة في الآيات التالية:
1. ﴿وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا﴾(1).
2. ﴿وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾(2).
3. ﴿وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾(3).
4. ﴿وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا﴾(4).
5. ﴿الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَة﴾(5) فالحكم المجعول في هذه الموارد على فعل المكلف بما هو هو عالماً كان أو جاهلًا، مختاراً كان أو مكرهاً، مضطراً أو غير مضطر.
و قسم يترتب الحكم على الفعل بما هو معنون بعنوان خاص، كترتب الدية على القتل الخطأي، كما في قوله سبحانه: ﴿وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِه﴾(6) و كالإتيان بسجدتي السهو إذا تكلم ناسياً، كقوله علیه السلام «عن الرجل يتكلّم
ص: 361
ناسياً في الصلاة؟ فأجاب: يسجد سجدتين»(1), فالحكمان مترتبان على الفعل الصادر عن خطأ و نسيان.
إذا علمت ذلك، فاعلم أنّ المرفوع هو القسم الأوّل من الآثار لا الثاني، و ذلك لوجهين:
الأوّل: انّ المتبادر من أخذ العناوين التالية: الإكراه و الاضطرار و النسيان في حديث الرفع، هو أخذها طريقاً إلى متعلّقاتها، فأطلق رفعها و أُريد رفع متعلّقاتها، أعني: الأفعال المكره و المضطر إليها و المنسية و رفعها كناية عن رفع آثار متعلّقاتها التي رتبت في الأدلّة على مطلق الفعل من غير تقييد بعنوان خاص، مثلاً حكم في الآيات السابقة على الزنا و السرقة بالحرمة، و بالقتل بجواز الاقتصاص، و بالعهد بلزوم الوفاء من غير تقييد بعنوان مثل العمد و الاختيار و الذكْر، و مقتضى إطلاق الدليل ثبوتها في جميع الحالات، فإذا ضمّ إليها حديثالرفع، يكون مقتضى الجمع بين الدليلين هو رفع تلك الآثار إذا كان الفاعل مكرهاً أو مضطرّاً، أو ناسياً أو جاهلاً.
و على هذا، فلو ترتب أثر شرعي على خصوص الفعل الصادر عن خطأ أو نسيان، فلا يكون مرفوعاً بحديث الرفع، لأنّ الخطأ و أمثاله فيه أخذ موضوعاً لا طريقاً إلى المتعلّق.
و اما الحسد و الطيرة و الوسوسة، فالظاهر انّ عناوينها لها موضوعية، فالمرفوع آثار نفسها, فالحسد يقتضي جعل الحرمة، و الشارع منّة على الأُمة منع عن تأثيره في مقتضاه، لكن المرفوع حرمة نفس الحسد لا آثاره العملية التي دلت النصوص على حرمة ترتيبها.
و كذا المرفوع في الطيرة انما هو حرمة التزام العرف بالتطير و التشاؤم و عدم الإقدام في أمورهم، فالحرمة التي جعلها العقلاء مانعة عن تمشية أمورهم و موجبة لصدّ مقاصدهم
ص: 362
مرفوعة- أي غير ممضاة- شرعا، فليس لهم الاعتناء بالتطير في تعطيل أشغالهم و تعويق أعمالهم.
و كذا المرفوع في التفكر، فانه فيه هو الحرمة أيضا، يعني: أن حرمة الوسوسة في أمر الخلقة مرفوعة .
الثاني: إذا كان حديث الرفع حاكماً على مثل القسم الثاني يلزم التناقض بين الأدلّة الدالة على ثبوت هذه الأحكام في هذه الأحوال، و حديث الرفع النافي لها فيها و لا محيص عن صرفه عن مثل هذه الأحكام.
المشهور أن حديث الرفع حاكم على أدلة الأحكام الأولية، لأنه متعرض لكيفية الدخل و التشريع، بخلافها، لأنها لا تتعرض إلّا لأصل الدخل(1).
ص: 363
توضيحه: أن أدلة الاجزاء و الشرائط و الموانع مثلا تدل على أصل الجزئية و الشرطية و المانعية، و لا تدل على كيفية دخلها، و حديث الرفع يتعرض لكيفية الدخل، و أن جزئيتها أو شرطيتها أو مانعيتها مختصة بغير حال النسيان، فضابط الحكومة و هو تعرض أحد الدليلين لما لا يتكفله الآخر ينطبق على حديث الرفع.
و عليه فلا تلاحظ النسبة بينهما و هي العموم من وجه، بتقريب: أن دليل جزئية السورة مثلا يختص بالسورة و يعم بالإطلاق حالات المكلف من الجهل و النسيان و الاضطرار، و حديث رفع النسيان مختص بالنسيان و يعم جزئية السورة و غيرها حتى يقال انهما في نسيان السورة مثلا متعارضان .
توضيح ذلک: ان ثبت الحكم للفعل مطلقا و بلا قيد كان مثل حديث الرفع مقيدا له، لكفاية موضوعية مثل النسيان للحكم اقتضاء في صحة ورود نفي الحكم عليه بلسان نفي الموضوع، فينفي جزئية السورة مثلا للصلاة حال النسيان و تختص بحال الالتفات. و ان ثبت له بعنوان النسيان و نحوه من العناوين الثانوية كان مثل الحديث معارضا له، إذ المفروض ثبوت الحكم له بعنوان النسيان، فمثل حديث الرفع يعارضه، لأنه ينفيه بهذا العنوان أيضا، فلا محالة يقع التعارض بينهما, لکن حيث ان تلك الأدلة المثبتة لأحكام لعناوين ثانوية كالنسيان و الاضطرار و نحوهما أخص من حديث الرفع تقدمت على مثل حديث الرفع، فان مثل ما دلّ على وجوب سجود السهو للتكلم ناسيا أخص من حديث الرفع، فيتقدم عليه، و إلّا يلزم لغوية الأحكام المجعولة لعنوان النسيان و نحوه.
ص: 364
إذا كان المرفوع جدّاً هو عموم الآثار، كما مرّ؛ تكون النتيجة، عدم اختصاص الحديث بالأُمور الوجودية، بل يعمّ الأُمور العدمية. مثلًا لو نذر أن لا يدَّخِنَ، لكن دخّن عن إكراه أو نسيان، فالفعل مرفوع برفع آثاره. و لو نذر، أن يشرب من ماء زمزم فنسي أو أُكره على الترك، فلا يعدّ حنثاً و لا تجب الكفارة.
الّا ان المحقّق النائيني ذهب إلى اختصاص الحديث بالأُمور الوجودية حيث قال: «و إن أكره المكلّف على الترك أو اضطر إليه أو نسي الفعل ففي شمول حديث الرفع لذلك إشكال مثلاً لو نذر أن يشرب ماء دجلة فأُكره على العدم أو اضطر إليه أو نسي أن يشرب، فمقتضى القاعدة وجوب الكفارة لو لم تكن أدلّة وجوبالكفارة مختصة بصورة تعمد الحنث و مخالفة النذر عن إرادة و اختيار، لأنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود، لأنّ تنزيل المعدوم منزلة الموجود إنّما يكون وضعاً لا رفعاً و المفروض انّ المكلّف قد ترك الفعل عن إكراه و نسيان، فلم يصدر منه أمر وجودي قابل للرفع، و لا يمكن أن يكون عدم الشرب في المثال مرفوعاً و جعله كالشرب حتى يقال انّه لم تتحقق مخالفة النذر فلا حنث و لا كفارة»(1).
و فيه: کما افيد؛ ان مصبّ الرفع هو حكم ما تعلق به النسيان و الاضطرار و الإكراه سواء أ كان أمرا وجوديا أم عدميا، و المراد بالمرفوع جميع الآثار الشرعية المترتبة على المنسي و المضطر إليه و المكره عليه، فجزئية السورة مثلا مرفوعة بتركها نسيانا، و مانعية ما لا يؤكل مرفوعة عند لبسه نسيانا.
ص: 365
توضيح ذلک: انه يكفي في صحة الرفع و إضافته إلى التروك ترتب الأثر الشرعي على الأفعال كما قرر في الاستصحاب من صحة جريانه بلحاظ أثر النقيض كاستصحاب عدم البلوغ، و عدم بلوغ المال حد الاستطاعة، و عدم الدين فان المترتب على هذه الاستصحاب ليس إلّا عدم الحكم، و جريانها فيها انما هو لأجل أحكام وجود تلك المستصحبات، و بهذه العناية يصح رفع جزئية و شرطية ما عدا الخمسة من أجزاء الصلاة و شرائطها بحديث «لا تعاد» أيضا عند تركها نسيانا، فان ترك السورة ليس موضوعا لحكم حتى يرتفع بسبب تركها نسيانا. و دعوى تنزيل الموجود منزلة المعدوم أجنبية عن مدلول حديث الرفع كأجنبيته عن مدلول حديث «لا تعاد» فان غاية ما يدل عليه الحديثان رفع الحكم عن الشي ء بسبب النسيان و نحوه سواء كان المنسي فعلا أم تركا، و ليس فيهما من التنزيل عين و لا أثر. نعم لا تبعد دعوى التنزيل في مثل «لا تنقض اليقين بالشك» لاحتمال إرادة تنزيل المشكوك منزلة المتيقن أو الشك منزلة اليقين(1).
ثم ان المحقّق الخراساني استشكل على التمسك بالحديث بأُمور(2):
1. الجزئية أمر انتزاعي و ليس حكماً شرعياً و لا موضوعاً لحكم شرعي، فكيف يتعلّق به الرفع التشريعي؟
و اجيب: انه يكفي في جواز الرفع كونها منتزعاً من أمر مجعول، و هو وجوب السورة، و هذا المقدار كاف في صحّة الرفع.
2. انّ رفع الجزئية، يلازم رفع وجوب السورة، و أمّا كون الواجب هو الباقي و تعلّق الأمر به فهو لا يستفاد من حديث الرفع.
ص: 366
و فيه: ما تقدم من أنّ نسبة حديث الرفع إلى أدلّة الأجزاء و الشرائط، هو نسبة الاستثناء، فكما أنّ استثناء شي ء من العموم، يلازم اختصاص الحكم الباقي، فهكذا استثناء جزئية السورة في حال النسيان، يلازم انحصار الأمر بالباقي، و بذلك يكون حديث الرفع من أدلّة الأجزاء.
و بعبارة أُخرى: تحديد دائرة المأمور به، ليس على عاتق حديث الرفع بل على عاتق أدلّة الأجزاء، فإذا اختص وجوب السورة بغير حال النسيان، يكون الواجب في حقّ الناسي هو الصلاة بغير السورة، و ينطبق عنوان المأمور به على الباقي انطباقاً قهرياً، و يكون سقوط الأمر و الأجزاء مثله.
قال في منتهی الدراية: قد ظهر مما ذكرنا إمكان تصحيح العبادة الفاقدة لجزء أو شرط نسيانا أو إكراها أو اضطرارا بحديث الرفع كإمكان تصحيحها به فيما إذا اقترنت بمانع كذلك كالتكلم و التكتف في الصلاة، و غموض ما في ما تقريرات المحقق النائيني رحمه الله «من منع التمسك بحديث الرفع لتصحيح العبادة الفاقدة لجزء أو شرط تارة بعدم شمول الحديث للأمور العدمية، لعدم محل لورود الرفع على الجزء و الشرط المنسيين، لخلوّ صفحة الوجود عنهما، فيمتنع تعلق الرفع بهما، لأن رفع المعدوم عبارة أخرى عن الوضع و الجعل، فرفع الجزء المتروك نسيانا هو وضعه، و أثر وجود السورة هو الإجزاء و الصحة و هذا وضع لا رفع.
و أخرى بأن المرفوع إذا كان أثر وجود الجزء المنسي و هو الإجزاء، ففيه أولا: أنه أثر عقلي لا شرعي حتى يرفع بالحديث.
ص: 367
و ثانيا: أنه ينتج عدم الاجزاء، و هو مع كونه ضد المقصود خلاف الامتنان.
و ثالثة: بأنه ان أريد جريان الحديث في المركب الفاقد للجزء أو الشرط المنسي، حيث انه أمر وجودي قابل لتوجه الرفع إليه .
ففيه أوّلا: أنه ليس هو المنسي ليتوجه إليه الرفع. و ثانيا: أنه لا يجدي رفعه، لأن رفع المركب الفاقد لا يثبت كونه هو المركب الواجد الّذي قصد إثباته بالحديث، لأنه وضع لا رفع.
و ان أريد جريانه في أثر الفاقد و هو الفساد، ففيه: أنه أثر عقلي مترتب على عدم انطباق الواجد عليه، فلا تناله يد الرفع التشريعي.
و رابعة: بأنه لو كان المستند في صحة الصلاة الفاقدة لجزء أو شرط حديث الرفع كان اللازم صحة الصلاة بنسيان الجزء أو الشرط مطلقا و ان كان ركنا، لإطلاق الحديث و عدم تعرضه للتفصيل بين الأركان و غيرها.
ثم أيد ذلك بأنه لم يعهد من الفقهاء التمسك بحديث الرفع لصحة الصلاة و غيرها من سائر المركبات» انتهى ما في التقريرات ملخصا.
و قد عرفت مما ذكرناه ضعف هذه الوجوه، لأن حديث الرفع سيق لبيان رفع آثار الشي ء حين نسيانه مثلا، فلو كان جزءا و نسي رفع أثره و هو جزئيته، فالسورة ترفع جزئيتها للصلاة حين نسيانها، فتمام المأمور به حينئذ هو ما عدا السورة من سائر الأجزاء على ما هو مقتضى أدلتها بعد ضمّ حديث الرفع إليها، فيصح أن يقال: السورة المنسية مرفوعة جزئيتها للصلاة، فوزان حديث الرفع وزان حديث «لا تعاد» في نفي دخل ما عدا الخمسة من الأجزاء و الشرائط في الصلاة حال النسيان، فكما لا تنزيل في حديث لا تعاد فكذلك لا تنزيل في حديث الرفع، و من المعلوم أن الجزئية - و لو بمنشإ انتزاعها - قابلة للرفع
ص: 368
التشريعي حين عروض النسيان لمتعلقها كالسورة، و كذا الشرطية، فانها تقبل الرفع حين ترك موضوعها اضطرارا أو إكراها كالوقوف في عرفات في غير يوم عرفة تقية، فشرط صحة الوقوف و هو وقوعه يوم عرفة قد ترك تقية و رفع لأجلها شرطيته، فالوقوف في غير يوم عرفة يقع مأمورا به بعد سقوط شرطه المزبور بحديث الرفع و نحوه من الأدلة المذكورة في محلها، فما ذكرناه في مباحث الحج مع العامة تقية في الجزء الثاني من هذا الشرح من الإشكال في جريان حديث الرفع في ترك الجزء أو الشرط ليس على ما ينبغي.
و بالجملة: فلا فرق في رفع النسيان و أخواته للآثار الشرعية بين عروضها للأمر الوجوديّ و العدمي، و المرفوع هو الأحكام الشرعية المترتبة على الأشياء لعروض أحد هذه العناوين الثانوية عليها فعلا أو تركا، فليس المرفوع في شي ء منها الإجزاء حتى يقال: انه حكم عقلي أوّلا، و أن رفعه خلاف الامتنان ثانيا.
و كذا ليس مجرى الحديث المركب الفاقد للجزء أو الشرط حتى يرد عليه أوّلا بعدم كونه هو المنسي. و ثانيا بعدم إجرائه، لكونه وضعا لا رفعا. و ثالثا بأن أثر الفاقد و هو الفساد عقلي و ليس بشرعي حتى يصح رفعه.و من جميع ما ذكرنا ظهر اندفاع الإشكال الرابع أيضا، ضرورة أن حديث الرفع من الإطلاقات القابلة للتقييد كحديث «لا تعاد» الّذي قيد إطلاق عقده المستثنى منه بتكبيرة الإحرام و القيام المتصل بالركوع، فإطلاق حديث الرفع الشامل للأركان يقيد أيضا بما دل على التفصيل بين الأركان و غيرها من حديث «لا تعاد» و نحوه.
و أما ما أفاده رحمه الله من أنه لم يعهد من الفقهاء التمسك بحديث الرفع لصحة الصلاة و غيرها، ففيه: أن جماعة من الفقهاء تمسكوا به في مواضع كالسيد رحمه الله في الناصريات، قال في كتاب الصلاة المسألة: 94 في حكم التكلم في الصلاة: «الّذي يذهب إليه أصحابنا
ص: 369
أن من تكلم متعمدا بطلت صلاته، و من تكلم ناسيا فلا إعادة عليه و انما يلزمه سجدة السهو ... دليلنا على أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة بعد الإجماع المتقدم ما روي عنه صلى اللَّه عليه و آله رفع عن أمتي النسيان و ما استكرهوا عليه، و لم يرد رفع الفعل، لأن ذلك لا يرفع، و انما أراد رفع الحكم، و ذلك عام في جميع الأحكام إلّا ما قام عليه دليل» فان قوله: «و ذلك عام» يدل على عدم خصوصية للتكلم ناسيا، و لا للفعل فلو ترك شي ء نسيانا لم يقدح في صحة الصلاة.
و قريب منه كلام السيد أبي المكارم في الغنية، حيث قال في كتاب الصلاة قبل الزكاة بأسطر فيما يوجب فواته الجبران بسجدة السهو من نسيان سجدة واحدة و التشهد ما لفظه: «و لمن تكلم بما لا يجوز مثله في الصلاة ناسيا، كل ذلك بدليل الإجماع المشار إليه و طريقة الاحتياط، و يعارض من قال من المخالفين بأن كلام الساهي يبطل الصلاة بما روي من طرقهم من قوله صلى اللَّه عليه و آله: رفع عن أمتي الخطاء و النسيان و ما استكرهوا عليه، لأن المراد رفع الحكم لا رفع الفعل نفسه، و ذلك عام في جميع الأحكام إلّا ما خصه الدليل».
و نسب شيخنا الأعظم الأنصاري رحمه الله في طهارته(1) إلى المحقق في المعتبر تمسكه بحديث الرفع لصحة صلاة ناسي النجاسة، حيث قال الشيخ: «و لو فرض التكافؤ رجع إلى عموم قوله: لا تعاد الصلاة الّا من خمسة ... إلى أن قال: بل و قوله صلّى اللَّه عليه و آله رفع عن أمتي الخطاء و النسيان، بناء على شموله لنفي الإعادة كما يظهر من المحقق في المعتبر
ص: 370
في مسألة ناسي النجاسة» لكن المذكورهناك هكذا «عُفي لأُمتي عن الخطاء و النسيان»(1) نعم تمسك به كما هنا في مسألة التكلم في الصلاة ناسيا(2).
و كيف كان فالشيخ أيضا تمسك في عبارته المتقدمة بحديث الرفع لصحة صلاة ناسي النجاسة، بل نُقل أنه رحمه الله تمسك به لصحة الصلاة في مواضع أخر، و قد حكي أن العلامة و المحقق الأردبيلي (قدهما) تمسكا به أيضا في مواضع.
و بالجملة: فلا إشكال في استدلال غير واحد من الأصحاب بحديث الرفع لصحة الصلاة(3).
أن الرفع فيما عدا «ما لا يعلمون» من الأمور التسعة واقعي و فيه ظاهري، إذ لو كان فيه واقعيا لزم التصويب، لإناطة الحكم حينئذ بالعلم به، و هو محال كما ثبت في محله، فلو جرت البراءة فيما لا يعلم ثم انكشف الخلاف. كان الاجتزاء به مبنيا على إجزاء الحكم الظاهري الّذي هو أجنبي عن باب تبدل الموضوع كالحضر و السفر حتى يكون الاجزاء فيه مقتضى القاعدة، و حيث انه قد ثبت في محله عدم اجزاء الحكم الظاهري، فمقتضى القاعدة لزوم إعادة الصلاة فيما إذا صلى بلا سورة مثلا استنادا في نفي جزئيتها إلى أصالة البراءة، ثم انكشف الخلاف بنهوض دليل على جزئيتها، إلّا إذا قام دليل على الاجزاء كحديث «لا تعاد» بناء على جريانه في الجهل بالحكم کما هو المختار. و هذا بخلاف ما
ص: 371
إذا كان ترك جزء أو شرط لأجل الاضطرار أو النسيان أو الإكراه، فان مقتضى واقعية الرفع فيها الاجزاء، لكون التقييد فيما عدا «ما لا يعلمون» واقعيا، فالمأتي به حينئذ هو تمام المأمور به، فالاجزاء فيها على طبق القاعدة، إذ لا يستند كون الفاقد تمام المأمور به إلى حديث الرفع حتى يقال: ان شأنه الرفع دون الوضع, و ذلك لأن المستند فيه هو نفس أدلة الأجزاء بعد نفي جزئية المرفوع بحديث الرفع، كما لا ينافي ارتباطية المركب كون الباقي تمام المأمور به، ضرورة أن الارتباطية قيد للاجزاء، و من المعلوم أن المرفوع خرج عن الجزئية، فلا موضوع لاعتبار الارتباطية بالنسبة إليه. و أما اعتبارها في غير المرفوع من سائر الاجزاء فهو باق على حاله.
و أما التكاليف الاستقلالية كالشك في حرمة شرب التتن أو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو حرمة تصوير ذوات الأرواح أو حرمة وطء الحائض بعد النقاء و قبل الاغتسال و نحو ذلك، فمقتضى «رفع ما لا يعلمون» جواز ذلك كله ظاهرا، كما أنه مقتضى غيره من الإكراه و الاضطرار أيضا، غاية الأمر أن الرفع فيما لا يعلمون ظاهري و في غيره واقعي كما تقدم، فإذا أكره على شرب الخمر أو الزنا أو السرقة أو الإفطار في شهر رمضان و نحو ذلك، أو اضطر إلى شي ء من ذلك جاز له فعلها، و ليس بحرام واقعا، بخلاف الارتكاب فيما لا يعلمون، فلو تبين بعد الارتكاب حرمته كان معذورا في فعل الحرام الواقعي.
و بالجملة: فحديث الرفع يقدم على أدلة الواجبات و المحرمات حكومة أو تخصيصا على الخلاف المتقدم.
ص: 372
و اما دعوى عدم مسوغية الإكراه لترك الواجب و فعل الحرام إلّا إذا بلغ حد الحرج كما عن المحقق العراقي فقال ما حاصله: «ذهب إلى عدم جريان فقرة «ما اكرهوا» في التكاليف من الواجبات و المحرّمات، بدعوى أنّ الإكراه على الشي ء يصدق بمجرّد عدم الرضا و عدم طيب النفس بإيجاده. و من الواضح عدم كفاية ذلك في تسويغ ترك الواجبات ما لم ينته إلى المشقّة الموجبة للعسر و الحرج، فضلا عن الاقتحام في ارتكاب المحرّمات التي لا يسوغها إلّا الاضطرار، و من هنا لم يلتزم أحد بجواز ترك الواجب بمطلق الإكراه عليه و لو لم يبلغ إلى حدّ الحرج. نعم، لو بلغ الإكراه إلى حدّ الحرج جاز ذلك، و لكنّه حينئذ من جهة الحرج لا الإكراه»(1), ففيها:
أولا: أنه تقييد لإطلاق حديث الرفع بلا دليل.
و ثانيا: أنّ عنوان «ما اكرهوا» يجري في التكاليف من الواجبات و المحرّمات، و له شواهد كثيرة في الروايات و الفتاوى:
منها: إظهار كلمة الكفر، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمان﴾(2) ففي مجمع البيان: «قيل نزل قوله: ﴿الا من أكره و قلبه مطمئن بالايمان﴾ في جماعة أكرهوا و هم عمار و ياسر أبوه و أمه سمية و صهيب و بلال و خباب عذِّبوا، و قتل أبو عمار و أمه و أعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا منه ثم أخبرسبحانه بذلك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله
ص: 373
و سلم فقال قوم: كفر عمار، فقال صلى اللَّه عليه و آله و سلم: كلّا انّ عمارا ملي ء إيمانا من قرنه إلى قدمه و اختلط الإيمان بلحمه و دمه»(1).
و منها: إكراه المرأة على الزنا، فانه رافع للحد الملازم للحرمة التكليفية كما رواه أبو عبيدة عن أبي جعفر علیه السلام ، قال: «ان عليا علیه السلام أتي بامرأة مع رجل فجر بها، فقالت استكرهني و اللَّه يا أمير المؤمنين، فدرأ عنها الحد» الحديث (2)، و قريب منه غيره.
و منها: إكراه الزوجة على الجماع في نهار شهر رمضان أو في حال الإحرام و غير ذلك من موارد الإكراه على المحرمات، فالإكراه يرفع الحكم التكليفي و الوضعي الملازم له أو المترتب عليه.
و بالجملة: فالإكراه يجري في الأحكام التكليفية و الوضعيّة معا إلّا ما خرج بالدليل، كالجنابة و إتلاف مال الغير و الصيد في حال الإحرام، فان الإكراه في هذه الأمور لا يرفع الأحكام الوضعيّة المترتبة عليها، حيث ان حديث الرفع من العمومات القابلة للتخصيص، فأدلة أمثال هذه الأمور تخصص عموم حديث الرفع.
و أما الإكراه في المعاملات، فان كان على ترك إيجاد أصلها أو ما يقوّمها عرفا كالإكراه على البيع بلا ثمن فلا أثر لهذا الترك حتى يرتفع بالإكراه، فلا يجري فيه حديث الرفع، لعدم تحقق عنوان المعاملة حتى يرتفع أثرها بالإكراه، فعدم الأثر حينئذ انما هو لعدم الموضوع. و ان كان الإكراه على إيجاد مانع من موانع صحتها شرعا كالإكراه على بيع أحد المتجانسين بالآخر بالتفاضل، فمقتضى ارتفاع المانع الشرعي بحديث الرفع صحة المعاملة، لكنها تنافي الامتنان الّذي هو شرط جريانه، فلا يجري فيه، و لا يحكم بصحة
ص: 374
المعاملة إلّا إذا كان مضطرا، فحينئذ تصح لأجل الاضطرار، حيث ان عدم صحتها يوجب شدة اضطراره، و يكون خلاف الامتنان.
و مثله ما إذا كان الإكراه على ترك جزء أو شرط، فان الحديث لا يجري في نفي الجزئية أو الشرطية حتى يحكم بصحة المعاملة، لأن جريانه خلاف الامتنان إلّا مع الاضطرار، فعدم جريانه حينئذ انما هو لأجل عدم الامتنان، لا لعدم الأثرلترك الجزء أو الشرط كما قيل(1)، و ذلك لأن الحديث ينفي إطلاق الجزئية أو الشرطية لجميع الحالات التي منها تركهما بالإكراه، و مع نفيهما لا بد من الحكم بصحة المعاملة، لأن الفاقد حينئذ تمام السبب المؤثر على ما يقتضيه دليل السببية بعد إسقاط الجزئية أو الشرطية بحديث الرفع. إلّا أن منافاة صحة المعاملة للامتنان مانعة عن جريان الحديث فيها، فلا تسقط الجزئية أو الشرطية بالإكراه حتى يصلح فاقد الجزء أو الشرط للسببية و التأثير، و عليه فلا وجه لصحة المعاملة حينئذ.
و اما الإكراه في الأسباب كالإكراه على قتل الغنم بغير الكيفية الموجبة لذكاتها كالذبح بغير التسمية أو إلى غير القبلة أو فري بعض الأوداج، أو إكراه من طلق زوجته ثلاثا على تزويجها قبل أن ينكحها المحلل، و نحو ذلك، فلا بد فيه من ملاحظة كيفية دخل ما اعتبر في سببيتها، فان اعتبر فيها مطلقا و في جميع الحالات، فلا يؤثر فيها الإكراه أصلا، و إلّا فالإكراه يرفع أثر ما أكره عليه مع موافقة رفعه للامتنان. ففي الإكراه على ترك استقبال الذبيحة أو ترك التسمية يجري الحديث ظاهرا، و به يرتفع شرطيتهما و يحكم بحلية الذبيحة، و في غيرهما يتبع دلالة أدلة الشرائط، و من المعلوم اختلاف الأدلة في ذلك فان المتسالم عليه بين الأصحاب عدم ارتفاع شرطية الطهارة الحدثية و الخبثية بالإكراه
ص: 375
على أسبابها(1)، فلو أكره على الجنابة أو ما يوجب الوضوء أو نجاسة بدنه لا ترتفع شرطية الغسل و الوضوء و التطهير للصلاة, قلت: و لا يخفی ان هذا التسالم انما هو لاجل اطلاق الادلة .
أن المرفوع لمّا كان حكما شرعيا مترتبا على فعل المكلف بما هو فعله، حيث ان متعلقات الأحكام الشرعية هي أفعال المكلفين بما هي أفعالهم، فلا يصح أن يرفع بحديث الرفع الّا الحكم المترتب على الفعل بما هو صادر عن المكلف، فلو لم يلاحظ في الأثر الشرعي ترتبه على فعل المكلف بهذه الحيثية، بل لوحظ ترتبه عليه بمطلق وجوده و ان صدر عن غير مكلف بل غير إنسان لم يصح نفيه بحديث الرفع في حال أصلا، نظير ملاقاة جسم طاهر لنجس أو متنجس مع الرطوبة، فان الملاقاة مطلقا سواء كان موجدها مكلفا أم صبيا، بل حيوانا أو ريحاتوجب النجاسة، و كذا خروج المني من البدن، و التقاء الختانين، و فوت الفرائض التي لها قضاء، فان الجنابة تترتب على الأولين من دون لحاظ كون الخروج و الالتقاء فعل المكلف، فلو خرج المني حال النوم، أو حصل التقاء الختانين إكراها أو بفعل ثالث لم يصح أن يتمسك لعدم سببيتهما للحدث الأكبر بحديث الرفع، إذ لم يلاحظ في سببيتهما له فعل المكلف. و كذا لم يلاحظ في وجوب قضاء الصلاة و الصوم إلّا الفوت و ان لم يستند إلى فعل المكلف، فلو فات أداؤهما إكراها أو نسيانا أو
ص: 376
حال النوم بدون سبق النية في الصوم وجب قضاؤهما، و لا يصح التشبث بحديث الرفع لنفي وجوبه.
و مما ذكرنا يظهر: أنه لا حاجة إلى التمسك بالإجماع لخروج حكم تنجس الملاقي للنجس أو المتنجس عن حديث الرفع كما نسب إلى المحقق النائيني رحمه الله(1)؛ لما عرفت من أن خروج ذلك و نظائره عنه موضوعي لا حكمي حتى نحتاج في خروجها عنه إلى التشبث بالإجماع.
أن البراءة العقلية لما كان ملاكها نفي العقاب اختصت بالتكاليف الإلزامية، لاختصاص العقاب بها، فلا تجري في غير الإلزاميات.
و أما البراءة الشرعية، فان كان الحكم المشكوك غير الإلزامي من التكاليف الاستقلالية كاستحباب صوم يوم خاص أو صلوات مخصوصة في أوقات معينة كالصلوات الواردة بطرق ضعيفة في ليالي الشهور الثلاثة المعظمة بكيفيات خاصة فلا تجري فيه، إذ الغرض من رفع الحكم في مرحلة الظاهر عدم العقاب علی مشکوک الوجوب او الحرمة، و هذا غير حاصل في التكاليف الاستقلالية غير الالزامية، إذ لا عقاب في ترکها.
و اما الاجزاء الضمنية في المستحبات فالصيح جريان البراءة فيها لان اشتراط المرکب بالجزء المشکوک مجهول، فتجري البراءة في شرطيته، إذ لو كان شرطا لما جاز الإتيان بالمركب فاقدا له بداعي الأمر.
ص: 377
هل ان مفاد حديث الرفع نفس مفاد البراءة العقلية من قبح العقاب بلا بيان کما هو مفاد الآيات السابقة، فلو تم دليل الأخباري على لزوم الاحتياط يكون وارداًعلى أدلّة البراءة، أو انّ مفاده رفع الواقع المجهول سواء أ كان حكماً أم موضوعاً و معنى ذلك أنّ المكلّف في سعة من جانبه و ليس له أيّ حرج من جانبه، فلو دل دليل على لزوم الاحتياط و انّ المكلّف مأخوذ من جانب الحكم المجهول يقع التعارض بينهما.
قلت: و على ضوء هذا يلزم إمعان النظر في مفاد كلّ دليل يقام على البراءة، فهل يتحد مفاده مع مفاد البراءة العقلية أو لا؟ و الظاهر من حديث الرفع هو الثاني و عليه فيقع التعارض بينه و بين دليل الاخباري لو تم دلالة, و سيأتي عدم تماميته فلا يعارض حديث الرفع و ان ادلة البراءة هي المحکمة .
الظاهر أن المرفوع بحديث الرفع و نحوه من أدلة الأحكام الامتنانية في غير الحكم المجهول الّذي تجري فيه البراءة هو مجرد الإلزام مع بقاء اصل الحکم بحاله، إذ الامتنان يرفع ما يوجب المشقة، و من المعلوم أن ذلك ليس إلّا الإلزام، فلا موجب لارتفاع غيره بعد وضوح عدم ضيق و مشقة فيه، بل ارتفاعه خلاف المنة, و بعبارة اخری ان حديث الرفع انما يوجب الترخيص مع بقاء اصل الحکم.
و اما ما عن المشهور «من كون المرفوع الحكم مع ملاكه، لوجهين: أحدهما عدم الدليل على بقاء الملاك بعد ارتفاع الحكم، و الآخر: عرضية البدل الاضطراري و مبدله في مثل
ص: 378
الوضوء الحرجي، حيث ان الوضوء محكوم حينئذ بالصحّة مع كونه بدلا اضطراريا، و مقتضى طولية الأبدال الاضطرارية ترتب مشروعيتها على ارتفاع أحكام مبدلاتها، فالحرج يوجب سقوط وجوب الوضوء الحرجي و ثبوت وجوب بدله و هو التيمم، فصحة الوضوء الحرجي توجب عرضية وجوبي التيمم و الوضوء، و هذا خلاف مقتضى طولية بدلية الأبدال الاضطرارية»(1), ففيه:
اولا: أن الامتنان قرينة على كون المرفوع ما يوجب الضيق، و قد عرفت أن الموجب له هو نفس الإلزام دون اصل الحکم، بل ارتفاع اصل الحکم خلاف الامتنان، لأنه يوجب حرمانه عما فيه صلاحه, نعم لا ينفع بقاء الملاک مع ارتفاع الحکم کما قد يتوهم .
و يؤيد ذلک ان المنسوب الی المشهور هو صحة الوضوء الحرجي(2)، و عليه فلو كان المرفوع بدليل رفع الحرج اصل الحکم لم يكن حينئذ لصحة الوضوء الحرجي و نحوه وجه، إذ المفروض ارتفاع الأمر مع وضوح اعتباره في صحة العبادة.
ثانيا: ان الانتقال الی البدل اعم من ارتفاع اصل الحکم کما في من وجد طاقةً في الصيام قال تعالی ﴿و علی الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون﴾(3), فانه يسقط عنه الصيام لاجل مشقته, و يصح منه اذا صام و تحمل مشقته کما هو مقتضی قوله تعالی﴿وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُم﴾, و في صحيحة الحلبي «عن المريض اذا لم يستطع القيام و السجود قال يوميء برأسه ايماءً و
ص: 379
ان يضع جبهته علی الارض احب اليّ»(1), فان ذيله يدل علی افضلية السجود و لو لم يكن واجباً لما فيه من شدة, و عليه فلا شاهد لما قاله .
روى الصدوق موثقا عن زكريا بن يحيى، عن أبي عبد اللّه علیه السلام : «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم»(2), و زكريا بن يحيى هو الواسطي، قال النجاشي: إنّه ثقة. و الحديث موثق لوقوع ابن فضال الفطحي في السند .
اقول: لا يخفى أنّ صحة الاستدلال به يتوقّف على بيان المراد من مفردات الحديث. و هي ثلاثة:
الاول: کلمة «ما»، فإنّ المحتمل في المراد بها في قوله: «ما حجب» وجوه:
ص: 380
أوّلها: أن يكون المراد بها كلّ حكم أو موضوع ذي حكم، لعموم الموصول. و هذا ظاهر كلام المحقق الخراساني و ذهب إليه المحقّق الخوئيّ(1).
ثانيها: أن يكون المراد بها- بقرينة إسناد الحجب إلى اللّه تعالى- خصوص الحكم الشرعيّ، فإنّ استناد الحجب إليه يختصّ بالأحكام الّتي كان رفع الجهل عنها من مقتضيات تكليفه تعالى, و هذا ما احتمله المحقّق العراقيّ(2).
ثالثها: أن يكون المراد بها خصوص الحكم الوجوبيّ، فيختصّ الحديث بالشبهة الوجوبيّة، بقرينة قوله: «موضوع عنهم»، فإنّ الواجب هو الفعل الثابت القابل للرفع، و أمّا الحرام فالمكلّف مزجور عنه، لا أنّه ثابت عليه. و هذا ما ذهب إليه الشيخ الحرّ العامليّ(3).
رابعها: أن يكون المراد بالموصول بعض الموضوعات الخارجيّة الّتي اقتضت الحکمة الالهية عدم علم العباد بها، كوقت ظهور الإمام الثاني عشر عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف و قيام الساعة و القيامة و ليلة القدر و غيرها. و الدليل عليه أنّه سبحانه لم يحجب شيئا من الأحكام الشرعيّة على العباد، بل بيّنها جميعا، كما هو مقتضى إكمال الدين و إتمام النعمة.
الثاني: في معنی «حجب اللّه علمه»، إنّ الحجب في اللغة هو الستر أو المنع. و المراد منه في الحديث أحد الوجهين الاتيين:
الوجه الأوّل: أن يكون المراد أنّ اللّه لم يبيّن الحكم أو الموضوع للعباد، و لم يأمر الرسول صلّى اللّه عليه و آله أو الأئمّة عليهم السلام بتبليغه إليهم، لبعض المصالح. و هذاما استظهره الشيخ
ص: 381
الأنصاريّ بقرينة إسناد الحجب إلى اللّه تعالى(1), و اختاره المحقّق النائيني(2)، بل هو ظاهر كلام المحقّق الأصفهاني(3).
الوجه الثاني: أن يكون المراد أنّ اللّه بلّغ الحكم أو الموضوع إلى الناس و بيّن لهم، و لكنّه خفي عليهم و لم يصل إليهم لبعض الأسباب، كظلم الظالمين و وقوع المهالك العامّة و سدّ باب الإمامة و الولاية و غيرها. و هذا ما اختاره المحقق الخوئي(4).
الثالث: في المراد من «العباد»، و فيه وجهان:
الوجه الأوّل: أن يكون المراد مجموع المكلّفين بما هو مجموع، فيكون المجموع موضوعا واحدا، فلا يرتفع التكاليف عن العباد إلّا إذا كانت مستورة على جميعهم، فإن كان حكم مستورا عن بعض لا عن الكلّ فلا يكون مرفوعا حتّى بالنسبة إلى الجاهلين.
الوجه الثاني: أن يكون المراد به طبيعيّ العباد، بحيث إذا كان الحكم مستورا عن بعض يرفع عنهم و لو كان معلوما لغيره من سائر المكلّفين، و إذا كان مستورا عن الجميع يرفع عن الجميع.
إذا عرفت هذه المقدّمة، فاعلم أنّ بعض الوجوه المحتملة في المفردات يوجب أن يكون الحديث أجنبيّا عن أدلّة البراءة، و بعضها يوجب كونه أخصّ من المدّعی، و بعضها يوجب كونه تامّ الدلالة على المدّعی و هو: انه دلّ على أن الحكم الواقعي المجهول قد وضعه الشارع عن العباد و رفعه عنهم فعلا، فيكون المراد بحجبه عدم وصوله، سواء كان
ص: 382
بعدم بيانه أم بإخفاء الظالمين له، و من الواضح أن المرفوع ليس نفس الحكم الواقعي المجهول، لاستلزامه التصويب، فلا بد أن يكون الموضوع عن العباد إيجاب الاحتياط، و بهذا التقريب يتم دلالة الحديث على البراءة بحيث يصلح للمعارضة مع أدلة الاخباريين على الاحتياط المقتضية لاشتغال الذّمّة بالتكاليف الواقعية المجهولة. بل هذا أظهر في الدلالة على البراءةمن حديث الرفع، إذ المراد بالموصول هنا لا محالة واحد و هو الحكم، بخلاف الموصول في «ما لا يعلمون» كما تقدم.
هذا تقريب الاستدلال به على البراءة في الشبهات الحكمية. و أما تعميمه للشبهات الموضوعية فيتم بما أفاده المحقق الخراساني في حاشية الرسائل بقوله: «يمكن شموله للشبهة الموضوعية أيضا بأن المراد من الموصول هو خصوص الحكم المحجوب علمه مطلقا و لو كان منشأ الحجب اشتباه الأمور الخارجية، و لا يحتاج مع ذلك إلى تقدير، فان الحكم مطلقا بنفسه قابل للرفع و الوضع»(1).
و اجيب: بانه لا إشكال في ذلك، انما الإشكال في صحة اسناد الحجب إليه تعالى في الشبهات الموضوعية مع كون «حَجَب» بصيغة المعلوم، ضرورة أنه سبحانه و تعالى ليس حاجبا للحكم فيها، بل الحاجب له هي الأمور الخارجية. نعم يتجه التعميم بناء على كونه بصيغة المجهول، لكنه ليس بصحيح لوجود الفاعل في الرواية. و عليه فيختص الحديث حينئذ بالشبهات الحكمية .
لکن الاقوی ان يقال: انه سبحانه و تعالى لم يحجب شيئا من الأحكام الشرعية عن العباد، و بيّن جميعها للحجج الطاهرين صلوات اللَّه عليهم أجمعين حتى أرش الخدش كما في النصوص، فالمحجوب علمه عن العباد أجنبي عن الأحكام الفرعية و مغاير لها كوقت
ص: 383
ظهور الإمام الثاني عشر عجل اللَّه تعالى فرجه الشريف فان علمه محجوب عن العباد، و وجوب الفحص عن ذلك موضوع عنهم. و عليه فحديث الحجب أجنبي عن أدلة البراءة، فالاستدلال به على البراءة مطلقا حتى في الشبهات الحكمية مشكل جدا، و هذا الإشكال لا يجري في سائر أدلة البراءة، لعدم اسناد الحجب فيها إليه جل شأنه، بل المدار فيها هو عدم العلم بالحكم سواء كان الجهل به لمفسدة في إظهار الحجج عليهم السلام له أم لإخفاء العصاة اللئام له.
استدل الشيخ الأنصاري و المحقّق الخراساني بقوله علیه السلام : الناس في سعة ما لا يعلمون».
اقول: لم أجد الحديث بهذا النص في جوامع الحديث, نعم رواه ابن أبي جمهور في عوالي اللئالي هكذا: و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «إنّ الناس في سعة مالم يعلموا»(1), لکن الکتاب ضعيف ليس بمعتبر و مؤلفه ضعيف و رواياته ضعيفة کما تقدم.
لکن رواه السكونيّ عن أبي عبد اللّه علیه السلام أنَّ أمير المؤمنين علیه السلام سُئِل عن سفرة وُجِدت في الطَّريق مطروحةً كثير لحمها و خبزها و بيضها و جُبُنُّها و فيها سِكِّينٌ فقال أمير المؤمنين علیه السلام يُقَوَّمُ ما فيها ثُمَّ يُؤكل لأنَّه يَفسُد و ليس له بقاءٌ فإن جاء طالبها غرموا له الثَّمن قيل يا أمير المؤمنين لا يُدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي فقال علیه السلام : هم في سعة
ص: 384
حتّى يعلموا»(1), و لا اشکال في سنده الّا من جهة النوفلي فانه لم يوثق الّا ان کتاب السکوني مورد اعتماد الاصحاب فالخبر موثوق به.
ثم ان العلماء ذکروا وجه الاستدلال علی ما في رواية العوالي فقالوا: انّ « ما» في قوله «ما لا يعلمون» تحتمل أحد وجهين:
1. انّها موصولة: «و لا يعلمون» صلة و الضمير العائد إلى الموصول محذوف، و المعنى: الناس في سعة من جانب شي ء لا يعلمونه، فالحرمة المجهولة في التدخين شي ء بما انّها غير معلومة للناس فهم من ناحيتها في سعة، أي ليس عليهم حرج و ضيق، من إيجاب الاحتياط و التحفّظ، أو ثبوت العقاب و العذاب على فرض كونه حراماً، و يكون مضمونه موافقاً لحديث الرفع، و لو تمّ دليل الأخباري يكون معارضاً معه، لأنّه يدل على عدم السعة و انّه لو كان حراماً ليُؤخذ به الإنسان و لذلك يوجب الاحتياط.
2. مصدرية ظرفية(2) مثل قوله تعالى: ﴿وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾(3) أي مدة حياتي، و تکون لفظة سعة منونا, و المعنى الناس في سعة ما داموا لا يعلمون, و عليه فالحديث يدلّ على البراءة على كلا الوجهين، لأنّه يدلّ على أنّ الناس في سعة من جهة
ص: 385
التكليف الواقعيّ الّذي لا يعلمونه، أو أنّهم في سعة ما داموا لا يعلمون التكليف الواقعيّ. فيعارض أدلّة الاحتياط، لأنّها تقتضي الضيق حال الجهل.
و فيه: ما عرفت من عدم وجود «ما» في رواية السکوني بل اقتصرت علی «هم في سعة حتّى يعلموا», و موردها الشبهة الموضوعية للشک في کون لحمها من سفرة مسلم فيحکم عليه بالتذکية أو سفرة مجوسي فلا يحکم بتذکيته و عليه فهي اجنبية عن المقام.
روی مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه علیه السلام «قال: سمعته يقول: كلّ شي ء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خُدِع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك و هي أُختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة»(1), و سنده ضعيف بمسعدة بن صدقة العبدي؛ فقد وصفه الشيخ في رجاله بأنّه عامي (2)، و عدّه الكشي من البترية(3)، و لم يوثق و عليه فالروية ضعيفة سندا .
و اما دلالةً فالصحيح ان الرواية مختصة بالشبهات الموضوعية، و ذلك لوجهين:
ص: 386
الاول: لفظة «بعينه»(1) فانّها تأكيد للضمير في قوله: «انّه حرام»، و المعنى حتى تعرف انّه بشخصه حرام، و يتميّز عن غيره؛ و لا يتصور ذلك إلّا في الشبهة الموضوعية، فإذا اختلط الخمر بالخل و عرف الخمر، فهناك حرام غير مشخص، فإذا عرفه يقال: عرف الحرام بعينه؛ و أمّا الشبهة الحكمية، فليس عند الشك، حرام لا بعينه، حتى إذا زال الشكّ يكون الحرام معلوماً بعينه, و يؤيد انّها بمعنى بشخصه صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر علیه السلام «قال: سألته عن الرجل منّا يشتري من السلطان من إبل الصدقة، و غنم الصدقة و هو يعلم انّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم؟ قال: فقال: ما الإبل إلّا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك، لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه»(2).
الثاني: الأمثلة التي وردت فيها بعد ضرب القاعدة كلّها من قبيل الشبهة الموضوعية، فتصلح لأن تكون قرينة للمراد، أو مانعة عن انعقاد الإطلاق.
و باختصاصه بالشبهة الموضوعيّة صرّح المحقّق الاصفهانيّ بالقرينة المتقدمة من أنّ الإمام علیه السلام طبّق القضيّة الكلّيّة «كلّ شي ء هو لك حلال ...» على الشبهة الموضوعيّة بقوله علیه السلام : «و ذلك مثل ...»(3). و تبعه المحقّق الخوئيّ فأفاد ما أفاده(4).
هذا و الظاهر من كلام المحقّق العراقيّ في هامش فوائد الاصول أنّه سلّم القرينة الّتي ذكرها المحقّق الاصفهانيّ، لكن لا على اختصاصها بالشبهات الموضوعيّة، بل على عدم
ص: 387
دلالة الحديث على البراءة، فقال: «نعم، العمدة في هذه الرواية الأمثلة الواقعة في ذيلها. و الّذي يسهل الخطب أنّ هذه الأمثلة لا تناسب قاعدة الحلّيّة، حتّى على اختصاصها بالشبهات الموضوعيّة، فلا بدّ من التفصّي عنها على كلا التقديرين، كما لا يخفى»(1).
قلت: الاشکال الذي اورده المحقق العراقي ذکره الشيخ في الرسائل و حاصله: أنّ مقتضى القاعدة عدم جريان أصالة الحل في الامثلة المذکورة لوجود أصلسببي حاكم عليها لأنّ الشك في حل الثوب مسبب عن الشك في صحة تصرف البائع، و في العبد مسبب عن الشك في عبديته، و في المرأة مسبب عن الشك في محرميتها فأصالة بقاء الثوب في ملك الغير و أصالة عدم تملّك العبد أو أصالة الحرية في الانسان و أصالة عدم تأثير العقد في حلها حاكمة على أصالة الحل.
نعم فيها قواعد أخر حاكمة على الأصول المذكورة الحاكمة على أصالة الحل و هي اليد في الثوب و العبد فإنّها حاكمة على الأصول، و أصالة عدم تحقق مانع النكاح فإنّها أصل سببي حاكم على أصالة عدم تأثير العقد في الحل, فإنّ الثوب و العبد إن لوحظا باعتبار اليد عليهما حكم بحل التصرّف فيهما لأجل اليد فإنّ ظاهر يد البائع كونه صحيح التصرّف, و إن لوحظا مع قطع النظر عن اليد كان الأصل فيهما حرمة التصرّف لأصالة بقاء الثوب على ملك الغير و أصالة الحرية في الانسان المشكوك في رقّيته، و كذا الزوجة إن لوحظ فيها أصل عدم تحقق النسب أو الرضاع فالحلية مستندة إليه و إن قطع النظر عن هذا الأصل، فالأصل عدم تأثير العقد في الحلية فيحرم وطأها.
و بالجملة فهذه الأمثلة الثلاثة بملاحظة الأصل الأوّلي الحاكم على أصالة الحل محكومة بالحرمة و الحكم بحلّيتها إنّما هو من حيث الأصل الموضوعي الثانوي أي اليد و أصالة
ص: 388
عدم تحقق مانع النكاح فالحل غير مستند إلى أصالة الاباحة في شي ء منها(1), فلابد من رفع هذا الاشکال على كلا التقديرين من اختصاص الخبر بالشبهات الموضوعية او شموله للشبهات الحکمية, و عليه فمتن الخبر لا يخلو من غموض و اشکال .
ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: «قال أبو عبد اللّه علیه السلام : كلّ شي ء فيه حلال و حرام، فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه»(2), و الاستدلال بها على الشبهة الحكمية مبني على أمرين:
ص: 389
الاول: المراد من الشي ء في قوله: «كلّ شي ء»، هو الأمر الكلي، كالتدخين أو لحم الأرنب.
الثاني: المراد من قوله: فيه حلال و حرام »بمعنى فيه احتمال الحلال و الحرام.
و عندئذ يقال: إنّ التدخين و لحم الأرنب فيهما احتمال الحلية و الحرمة، فهما حلالان حتى تعرف الحرام منه بعينه.
اقول: قد اختلف الأعلام من المعاصرين في دلالة الحديث على البراءة و عدمها. فمنهم من ذهب إلى اختصاصه بالشبهة الموضوعيّة، كالمحقّق النائينيّ و المحقّق الاصفهانيّ(1), و السيّد الخوئيّ(2)؛ و منهم من قال بدلالته علی البراءة کالمحقق الخراساني .
و قد رد الشيخ علی الاستدلال بالحديث بما حاصله: انّ اللام في قوله: «حتى تعرف الحرام» للعهد الذكري إشارة إلى الحرام المتقدّم، مع أنّه إذا عرفت حرمة شرب التتن، فقد عرفت حرمة مستقلة لا الحرمة المتقدمة المحمولة على الخمر، و لو قلنا بعموم الحديث للشبهة الحكمية يكون معنى الحديث هكذا: انّ من الشرب حلالًا كالماء، و حراماً كالخمر، فشرب التتن لك حتى تعرف الحرمة المتقدمة.
و ان ظاهر الرواية انّ التقسيم سبب للشك في حرمة شرب التتن، مع أنّه ليس كذلك فليس حلية شرب الماء، و حرمة شرب الخمر سبباً للشكّ في حرمة التتن.
و الظاهر انّ المراد من الشي ء، هو الكلي المنتشر في الخارج المتكثر فيه، بمعنى انّ قسماً منه حلال و قسماً آخر حرام، و قسماً منه مشتبه كالجبن. فالمشكوك محكوم بالحلية،
ص: 390
حتى تعرف انّه في قسم الحرام الذي جعل فيه الميتة، فيكون منطبقاً على الشبهة غير المحصورة(1).
أمّا المحقّق النائينيّ: فأفاد ما حاصله: أنّ الحديث لا يدلّ على البراءة في الشبهة الحكميّة، إذ فيه قرينتان تقتضيان اختصاصه بالشبهة الموضوعيّة:
إحداهما: كلمة «فيه» - أو «منه» على اختلاف النسخ- في قوله: «فيه حلال و حرام»، فإنّها ظاهرة في الانقسام الفعليّ، بمعنى كون الشي ء بالفعل منقسما إلى الحلال و الحرام، بأن يكون قسم منه حلالا و قسم منه حراما و اشتبه الحلال منه بالحرام و لم يعلم أنّ المشكوك فيه من القسم الحلال أو من الحرام، كاللحم المشكوك كونه من الميتة أو المذكّى، فإنّ اللحم بالفعل منقسم إلى ما يكون حلّا و ما يكون حراما. و ذلك لا يتصوّر إلّا في الشبهات الموضوعيّة كما مثّلنا. و أمّا الشبهات الحكميّة فلا تكون القسمة فيها فعليّة، بل إنّما تكون القسمة فيها فرضيّة، بمعنى احتمال الحرمة و الحلّيّة، فإنّ شرب التتن المشكوك حلّيّته و حرمته ليس له قسمان: قسم حلال و قسم حرام، بل هو إمّا أن يكون حراما و إمّا أن يكون حلالا، فلا يصحّ أن يقال: إنّ شرب التتن فيه حلال و حرام. فكلمة «فيه» ظاهرة في اختصاص الحديث بالشبهات الموضوعيّة.
و ثانيتهما: كلمة «بعينه»، حيث قال: «حتّى تعرف أنّه حرام بعينه»، فإنّ معرفة الشي ء بعينه إنّما يكون في الموضوعات الخارجيّة، إذ لا يتصوّر العلم بالحرام لا بعينه في الشبهات الحكميّة، ضرورة أنّه لا معنى لأن يقال: «حتّى تعرف الحكم بعينه»(2).
ص: 391
و أمّا المحقّق العراقيّ: فوافق المحقق الخراساني علی ما في «نهاية الأفكار» و «مقالات الاصول»، فإنّه تعرّض فيهما للقرينة الاولى من القرينتين اللتين ذكرهما المحقّق النائينيّ و دفع قرينيّتها بدعوى إمكان تصوّر الانقسام الفعليّ في الشبهات الحكميّة أيضا، كما في كلّيّ اللحم، فإنّا إذا علمنا بحلّيّة لحم نوع من الحيوان- كالغنم- فيحكم بحليّته، و إذا علمنا بحرمة لحم نوع آخر من الحيوان- كالأرنب- فيحكم بحرمته، و إذا شككنا في لحم نوع ثالث من الحيوان- كالحمير-فيحكم بحلّيّته ما لم يعلم أنّه حرام بمقتضى هذا الحديث، إذ يصدق عليه أنّ فيه حلالا و حراما(1).
و دفع أيضا قرينيّة القرينة الثانية الّتي ذكرهما المحقّق النائينيّ، فقال في هامش فوائد الاصول: «معنى معرفة الحرام بعينه تشخيص الحرام من الحلال، لا تشخيصه خارجا، فلا قصور في شمول الحديث- لولا الأمثلة في ذيلها- للشبهات الحكميّة. هذا مع إمكان حمل «بعينه» على بيان التأكيد لموضوع الحرمة و أنّه حقيقة معروضها، لا أنّه من توابع المعروض، فيرتفع حينئذ الإشكال رأسا»(2).
قلت, و فيه: ان الحديث لا ظهور له بالمعنی الذي ذکر في کلا الجوابين بل هو منصرف عنه, و عليه فتسلم القرينتان اللتين ذکرهما المحقق النائيني عن الاشکال, و بذلک يتضح اختصاص دلالة الحديث بالشبهات الموضوعية .
ص: 392
روى الصدوق مرسلًا عن الصادق علیه السلام قال: و قال الصادق: «كلّ شي ء مطلق حتى يرد فيه نهي»(1), و الاستدلال يتوقف على تماميته سنداً و دلالة, أمّا الأوّل، فهو مرسل و هو لا يصلح للاحتجاج به, الّا علی مبنی من يفرّق بين قولي الصدوق: «روى عن الصادق علیه السلام » و قوله: «و قال الصادق علیه السلام »، حيث إنّ النسبة إليه في الثاني تحكي عن جزم الصدوق بصدور الرواية عن المعصوم. فقال بحر العلوم: إنّ مراسيل الصدوق في الفقيه كمراسيل ابن أبي عمير في الحجية و الاعتبار(2).
أقول: و قد تقدم الجواب عن هذه الدعوی في بحث حجية خبر الواحد فلا نعيد.
اقول: أنّ في معنى الحديث احتمالين:
الأوّل: أن يكون المراد من ورود النهي- الّذي جعل غاية للإطلاق و الإباحة- هو وصول النهي إلى المكلّف و علمه به، لا مجرّد صدوره من الشارع و إن لم يصلإلى المكلّف. و عليه يكون معنى الحديث: أنّ كلّ شي ء مشتبه الحكم مباح ظاهرا ما لم يصل إلى المكلّف نهي عن ذلك الشي ء بخصوصه، و لو صدر النهي عنه واقعا, و علی هذا الاحتمال يتّجه الاستدلال به على البراءة .
ص: 393
الثاني: أن يكون المراد من ورود النهي صدور الحكم من المولى و جعله و لو لم يصل إلى المكلّف و لم يعلم به. و عليه يكون معنى الحديث: أنّ كلّ شي ء لم يصدر فيه نهي واقعا و لم تجعل فيه الحرمة حقيقة فهو مباح. فإذا صدر النهي عنه واقعا فليس حلالا و إن لم يعلم به المكلّف, و علی هذا الاحتمال لا يصح الاستدلال به .
و حيث أنّ الورود كما يصدق على وصول النهي إلى المكلّف كذلك يصدق على صدوره عن الشارع، فلا موجب للجزم بظهوره في خصوص الاحتمال الأوّل، فلا يتّجه الاستدلال به على البراءة.
و السرّ في عدم صحّة الاستدلال به إلّا على الاحتمال الأوّل أنّه بناء على الاحتمال الثاني يكون مفاد الحديث إباحة الشي ء المشتبه ما لم يصدر فيه نهي واقعا، بمعنى أنّ الحكم بإباحته مشروط بالعلم بعدم تحقّق صدور النهي عنه واقعا. فما يشكّ في صدور النهي عنه من المولى و عدمه يكون من الشبهات الموضوعيّة، و حينئذ لا يصحّ التمسّك بهذا الحديث لإثبات إباحته، لأنّه من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، و هو غير جائز.
و فيه: أنّ الإطلاق في قوله علیه السلام : «حتّى يرد نهي» باق إلى ورود النهي؛ و لا يمکن ان يکون المراد من الورود هو الصدور عن الشارع، لانقطاع الوحي في زمان صدور الرواية. و لعله لاجل هذا صرح الشيخ الأعظم الأنصاري أنّ دلالة هذا الحديث على المطلوب أوضح من الكلّ(1),و إلى دلالته على البراءة في خصوص الشبهات التحريميّة ذهب المحقّق الخوئيّ(2).
ص: 394
و بذلک يظهر ضعف ما عن المحقّق العراقيّ من عدم دلالته على المطلوب، حيث لم يستبعد أن يكون المراد بالورود مجرّد صدور النهي عن الشارع، لا وصوله إلى المكلّف(1).هذا و ذهب المحقّق النائينيّ إلى عدم دلالته على المطلوب بلحاظ أنّ الاستدلال به يتوقّف على أن يكون المراد من الشي ء في قوله علیه السلام : «كلّ شي ء» هو الشي ء المجهول، و لكنّ الظاهر من لفظ «شي ء» هو الشي ء بعنوانه الأوّلي، فيكون دليلا على كون الأصل في الأشياء في الشريعة هو الإباحة حتّى يثبت المنع، لا على أنّ كلّ شي ء مجهول الحكم مباح ظاهرا حتّى يصل النهي عنه إلينا(2).
و فيه: انه خلاف الظاهر کما افيد من أنّ الإمام بصدد الإفتاء و رفع حاجة المكلّفين في حياتهم، و لا يتم ذلك إلّا بتفسير الإطلاق بالإباحة الظاهرية، و ذلك لأنّ تفسيره بالإباحة الواقعية للأشياء قبل الشرائع أو قبل مجي ء الرسول الأعظم صلي الله عليه و آله يوجب كون الإمام بصدد بيان مسألة كلامية، لا مسألة فقهية مفيدة لحال المتكلّم إلّا بضمّ الأصل و بقاء الإباحة قبل الشرع، و هو كما ترى.
هذا و حاول المحقّق الاصفهانيّ إثبات دلالته على المدّعى بأحد وجهين(3), لکنا في غنی عنه ففيما تقدم الکفاية فلا حاجة الی التطويل .
ص: 395
ففي صحيح عن عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي إبراهيم علیه السلام : «قال سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدّتها بجهالة، أ هي ممن لا تحل له أبداً؟ فقال: لا أمّا إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها، و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك فقلت: بأي الجهالتين يعذر، بجهالته انّ ذلك محرم عليه أم بجهالته انّها في عدّة؟ فقال: إحدى الجهالتين أهون من الأُخرى: الجهالة بأنّ اللّه حرّم ذلك عليه، و ذلك بأنّه لا يقدر على الاحتياط معها, فقلت: و هو من الأُخرى معذور؟ قال: نعم إذا انقضت عدتها، فهو معذور في أن يتزوجها, فقلت: فإن كان أحدهما متعمداً و الآخر بجهل؟ فقال: الذي تعمد لا يحل له أن يرجع إلى صاحبه أبداً»(1), قلت: قد اشتملت الصحيحة علی اربعة أسئلة، و محل الشاهد منها هو السؤال الثاني حيث عدّ الجاهل بحرمة تزويج المعتدة معذوراً و له أن يتزوج بعد ما عرف بطلان عقده، و الرواية محمولة على مجرّد العقد بلا دخول و إلّا فتحرم مطلقاً جاهلًا كان أو عالماً.
و رد الاستدلال بها الشيخ بقوله: «أنّ الجهل بكونها في العدّة إن كان مع العلم بالعدّة في الجملة و الشكّ في انقضائها: فان كان الشك في أصل الانقضاء مع العلم بمقدارها فهو شبهة في الموضوع خارج عمّا نحن فيه، مع أنّ مقتضى الاستصحاب المركوز في الأذهان عدم الجواز.
و منه يعلم: أنّه لو كان الشكّ في مقدار العدّة فهي شبهة حكميّة قصّر في السؤال عنها، و هو ليس معذورا فيها اتفاقا؛ و لأصالة بقاء العدّة و أحكامها، بل في رواية اخرى أنّه: «إذا
ص: 396
علمت أنّ عليها العدّة لزمتها الحجّة»(1)، فالمراد من المعذوريّة عدم حرمتها عليه مؤبّدا، لا من حيث المؤاخذة.
و يشهد له أيضا: قوله علیه السلام - بعد قوله: «نعم، أنّه إذا انقضت عدّتها فهو معذور»-: «جاز له أن يتزوّجها».
و كذا مع الجهل بأصل العدّة؛ لوجوب الفحص، و أصالة عدم تأثير العقد، خصوصا مع وضوح الحكم بين المسلمين الكاشف عن تقصير الجاهل.
هذا إن كان الجاهل ملتفتا شاكّا، و إن كان غافلا أو معتقدا للجواز فهو خارج عن مسألة البراءة؛ لعدم قدرته على الاحتياط, و عليه يحمل تعليل معذوريّة الجاهل بالتحريم بقوله علیه السلام : «لأنّه لا يقدر ... الخ»(2).
ثم ان الشيخ اشکل علی الصحيحة بقوله: «و إن كان تخصيص الجاهل بالحرمة بهذا التعليل يدلّ على قدرة الجاهل بالعدّة على الاحتياط؛ فلا يجوز حمله على الغافل، إلّا أنّه إشكال يرد على الرواية على كلّ تقدير، و محصّله لزوم التفكيك بين الجهالتين، فتدبّر فيه و في دفعه»(3).
و فيه: انه الظاهر من الصحيحة هو التفکيک بين الجهالتين فهي ظاهرة في کون الجهالة بالحکم مع الغفلة عنه بخلاف الجهالة في العدة فانها قد تکون لا مع الغفلة و لذا فهي قابلة للاحتياط و المراد من الاحتياط هو التفحص و السؤال بخلاف الجهالة مع الغفلة فهي غير قابلة للتفحص و السؤال لعدم التفاته .
ص: 397
قال في الکفاية: «و أمّا الإجماع فقد نقل على البراءة(1), إلّا أنّه موهون و لو قيل باعتبار الإجماع المنقول في الجملة، فإنّ تحصيله في مثل هذه المسألة- ممّا للعقل إليه سبيل و من واضح النقل عليه دليل- بعيد جدّا»(2), قلت: و علی فرض تحصيله لا يمكن الركون إليه، لأنّه إجماع مدركيّ، فلا يكون دليلا مستقلّاً .
قال في الکفاية: «و أمّا العقل فإنّه قد استقلّ بقبح العقوبة و المؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول بعد الفحص و اليأس عن الظفر بما كان حجّة عليه، فإنّهما بدونها عقاب بلا بيان و مؤاخذة بلا برهان، و هما قبيحان بشهادة الوجدان»(3), و هذا هو المشهور بين الاصوليّين, بل عليه غالب العلماء و العقلاء ؛ لكن قال الشيخ في العدة: و اختلفوا في الأشياء الّتي ينتفع بها هل هي على الحظر، أو الإباحة، أو على الوقف؟ و ذهب كثير من البغداديّين، و طائفة من أصحابنا الإماميّة إلى أنّها على الحظر، و وافقهم على ذلك جماعة من الفقهاء(4), و ذهب أكثر المتكلّمين من البصريّين، و هي المحكيّ عن أبي الحسن و
ص: 398
كثير من الفقهاء إلى أنّها على الإباحة(1)، و هو الّذي يختاره سيّدنا المرتضى (2) رحمه الله و ذهب كثير من النّاس إلى أنّها على الوقف (3)، و يجوّز كلّ واحد من الأمرين فيه، و ينتظر ورود السّمع بواحد منهما، و هذا المذهب كان ينصره شيخنا أبو عبد اللَّه رحمه الله(4), و هوالّذي يقوى في نفسي. و الّذي يدلّ على ذلك: أنّه قد ثبت في العقول أنّ الإقدام على ما لا يؤمن المكلّف كونه قبيحا، مثل إقدامه على ما يعلم قبحه(5).
و فيه: انّ مسألة «الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة» و مسألة «البراءة و الاشتغال» مسألتان مختلفتان, لاختلاف موضوعهما فان الموضوع في المسألة الأُولى، هو الأشياء بما هي هي، و انه هل الأصل فيه الحرمة و التصرف يحتاج إلى الإذن أو بالعكس, بدليل انّهم يقسمون الأفعال إلى ما يستقل العقل بقبحه، أو بحسنه، و إلى ما يتوقف العقل في تحسينها أو تقبيحها، فيختلفون في القسم الثالث - اي ما يتوقف العقل فيها - إلى أقوال ثلاثة: الحظر، و الإباحة، و الوقف, فعلى الأوّل تنحصر وظيفة الأنبياء في بيان المحلّلات،
ص: 399
و على الثاني على بيان المحرّمات، فعند عدم النص على واحد من الطرفين يحكم عليه بالحرمة الواقعية على الأوّل و بالحلية الواقعية على الثاني، و يتوقف عن الحكم على الثالث.
و يشهد لما ذكرنا «من أنّ مصبّ البحث هو حكم الأشياء بعناوينها الأوّلية»: استدلال القائل بالحظر بقوله: «إنّ هذه الأشياء لها مالك و لا يجوز لنا التصرف في ملك الغير إلّا بإذنه»(1).
و أمّا المسألة الثانية فالبحث فيها انما هو عن حكم الأشياء عند الشكّ في الأحكام الواقعية المترتبة عليها بما هي هي، فالحكم في المسألة الاولی واقعي مترتّب على الشي ء بما هو هو، بخلاف الثانية، فانّ الحكم فيها ظاهري لأخذ الشكّ في موضوعه.
و عليه فللقائل بالحظر في المسألة الأُولى له أن يقول بالبراءة في المسألة الثانية، كما أنّ للقائل بالإباحة في الاولی له أن يقول بالاحتياط في الثانية لاختلاف موضوعهما، إذ لكل دليله, و عليه فلم يعلم مخالفة الشيخين لجريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان في مسألة البراءة .
قد عرفت ان القول بقبح العقاب بلا بيان هو المشهور بين الاصوليّين, بل عليه غالب العلماء و العقلاء و انه لا يحتاج الی برهان لانه مما يشهد له الوجدان, لکن حاول البعض
ص: 400
الاستدلال عليه, و ننقل في هذا المجال استدلالين للمحقق النائيني و آخر للمحقق الأصفهاني.
الدليل الأوّل: ما ذكره الميرزا النائيني من أنّ المقتضي للتحرك هو العلم, فالإنسان إذا كان يعلم بوجود الأسد إلى جانبه يتحرّك فارا، أمّا إذا لم يعلم به فلا يفرّ، فالمحرّك إذن هو العلم. و عليه فإذا كان المكلّف عالما بحرمة شرب التتن فالمقتضي لتحرّكه نحو الامتثال موجود أمّا إذا لم يعلم بالحرمة فلا مقتضي لتحرّكه نحو الامتثال، و مع عدم المقتضي للتحرّك نحو الامتثال يكون عقابه على مخالفة الحرمة التي لا يعلم بها عقابا على ما لا مقتضي للتحرك عنه و هو قبيح(1).
و اجاب عنه الشهيد الصدر رحمه الله: أن كون المقتضي للتحرّك خصوص العلم أول الكلام و عين المتنازع فيه إذ كون المقتضي للتحرّك هو خصوص العلم فرع أن نقول أنّ اللّه سبحانه له علينا حقّ الطاعة في خصوص التكاليف التي نقطع بثبوتها و ليس له حقّ الطاعة في التكاليف التي نحتمل ثبوتها؛ إذ لو كان له حقّ الطاعة حتّى في التكاليف المحتملة فمعنى ذلك انّ احتمال ثبوت التكليف مقتض للتحرك أيضا و ليس المقتضي للتحرّك خصوص التكليف المعلوم. إذن بحثنا لا بدّ و أن ينتهي و ينصبّ على تحديد دائرة حقّ الطاعة، أي تحديد أنّ اللّه سبحانه هل له حقّ الطاعة علينا في خصوص التكاليف المعلومة أو في التكاليف المحتملة أيضا، و عقلنا يحكم بأنّ اللّه سبحانه له علينا حقّ الطاعة حتّى في التكاليف المحتملة و لا يختص بخصوص التكاليف المعلومة، و إذا لم يكن حق الطاعة مختصا بالتكاليف المعلومة بل شاملا للتكاليف المحتملة أيضا فالمقتضي للتحرك
ص: 401
نحو الامتثال عند احتمال ثبوت التكليف واقعا يكون ثابتا و بالتالي لا يكون العقاب قبيحا(1).
و فيه: انه لا تلازم بين حق طاعة المولی و بين تنجز التکاليف المحتملة, و ذلک لعدم الدليل عقلاً علی وجوب الطاعة المحتملة فدعوی تنجز التکاليف المحتملة بلا شاهد و لا دليل. فحق الطاعة لا علاقة لها باحتمال الطاعة .
الدليل الثاني: ما ذكره الميرزا أيضا من أنّ الأعراف العقلائية متبانية على قبح عقاب من خالف قانونا من القوانين و هو لا يعلم به، فالغريب عن بلد إذا دخل بعض شوارعه التي منعت الحكومة من الدخول فيه و هو لا يعلم بالمنع يقبح عقابه(2).
و اجاب عنه الشهيد الصدر رحمه الله: بما حاصله أنّ المولوية الثابتة للمولى اي حقّ الطاعة على قسمين:
1- فتارة تكون مجعولة من قبل الغير كالمولوية الثابتة لرئيس العشيرة فإنّ مولويته و حقّ إطاعته ثابتة له بسبب جعل أفراد عشيرته ذلك الحقّ له عليهم و كمولوية الأب بالنسبة إلى ولده أو الزوج بالنسبة إلى زوجته فإنّها ثابتة بسبب جعل الشرع المقدّس لذلك.
2- و اخرى تكون ذاتية و حقيقية بمعنى أنّها لم تجعل من قبل الغير كمولوية اللّه سبحانه بالنسبة إلى جميع أفراد البشر فإنّها ثابتة بسبب كونه تعالى منعما و خالقا و مدبّرا لأمر العباد.
و إذا عرفنا أنّ المولوية تنقسم إلى القسمين المذكورين فنقول انّ المولوية إذا كانت مجعولة و ثابتة بسبب جعل الغير لها فمقدار سعة دائرتها و ضيقها يتحدّد بحدود سعة
ص: 402
الجعل و ضيقه، فأفراد العشيرة إذا جعلوا للرئيس حقّ طاعته في مطلق القضايا كانت مولويته عامة لجميع ذلك و إذا جعلوها خاصّة ببعضها كانت خاصّة، و أمّا إذا كانت المولوية ذاتية فلا بدّ من الرجوع إلى العقل الذي حكم بثبوت المولوية الذاتية له سبحانه و هو يحكم بسعة حقّ طاعته و شموله للتكاليف المحتملة(1).
و فيه: ما تقدم من انه لا تلازم بين حق طاعة المولی و بين تنجز التکاليف المحتملة, و ذلک لعدم الدليل عقلاً علی وجوب الطاعة المحتملة فدعوی تنجز التکاليف المحتملة بلا شاهد و لا دليل. فحق الطاعة لا علاقة لها باحتمال الطاعة.
الدليل الثالث: ما استدل به المحقّق الاصفهانيّ من أنّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لأجل كونه من صغريات الظلم المحكوم بقبحه. بيان ذلك: أنّ مخالفة التكليف الحقيقيّ الّذي قامت عليه الحجّة من أفراد الظلم، لأنّه خروج من زيّ الرقّيّة و رسم العبوديّة، و هو ظلم من العبد إلى مولاه، فيستحقّ منه الذمّ و العقاب. بخلاف ما إذا خالف التكليف الواقعيّ الّذي لم تقم عليه الحجّة، فإنّه ليس من أفراد الظلم، إذ ليس زيّ الرقّيّة أن لا يخالف العبد مولاه في الواقع، فليس مخالفة ما لم تقم الحجّة خروجا من زيّ الرقّيّة حتّى يكون ظلما من العبد إلى مولاه، بل هو ظلم من المولى إلى عبده، و هو قبيح من كلّ أحد بالإضافة إلى كلّ أحد و لو منالمولى إلى عبده(2), هذا و له استدلال اخر يقرب من استدلال المحقق النائيني الاول اعرضنا عن بيانه.
و اجاب عنه الشهيد الصدر رحمه الله: بانه يمكن الجواب عنه بأنّا لا نسلّم انحصار حكم العقل العملي في قضية «الظلم قبيح» بل هناك قضية اخرى يحكم بها قبل القضية المذكورة.
ص: 403
توضيح ذلك: إنّا نسأل عن معنى الظلم و ما ذا يراد منه حينما يقال: «الظلم قبيح»؟ انّه يعني سلب حقّ الغير، و لازم هذا أنّ العقل العملي قبل حكمه بقبح الظلم يحكم بأنّ اللّه سبحانه له علينا حقّ الطاعة؛ إذ لو لم يحكم بذلك فلا يتحقّق من العبد ظلم له سبحانه.
إذن هناك قضية يحكم بها العقل العملي قبل قضية «الظلم قبيح» و هي قضية أنّ اللّه سبحانه له حقّ الطاعة علينا، و معه فلا بدّ و أن نوجّه البحث إلى القضية المذكورة لنرى انّه سبحانه هل له علينا حقّ الطاعة حتّى في التكليف المحتمل او في خصوص التكليف المعلوم، في هذه النقطة بالذات لا بدّ و أن يتمركز البحث. و لا نحتمل في هذه النقطة حكم عاقل بضيق حقّه سبحانه و اختصاصه بخصوص التكاليف المقطوعة بل هو شامل جزما للتكاليف المحتملة، و مع سعة الحقّ المذكور يلزم تبعا لذلك حكم العقل بلزوم الاحتياط كلّما احتمل ثبوت تكليف في الواقع، فعند الشكّ في حرمة التدخين مثلا يلزم الاحتياط بتركه؛ إذ بفعله يكون المكلّف ظالما للمولى حيث إنّ له حقّ الطاعة حسب الفرض في التكليف المحتمل أيضا(1).
و فيه: ما تقدم من انه لا تلازم بين حق طاعة المولی و بين تنجز التکاليف المحتملة, و ذلک لعدم الدليل عقلاً علی وجوب الطاعة المحتملة فدعوی تنجز التکاليف المحتملة بلا شاهد و لا دليل. فحق الطاعة لا علاقة لها باحتمال الطاعة.
ص: 404
ادعی الشهيد الصدر رحمه الله انّ احتمال التكليف منجز أيضا و لا يختص التنجيز بحالة العلم بالتكليف لأنّ اللّه سبحانه له حقّ الطاعة علينا حتّى في التكليف المحتمل و لا يختص بالمعلوم.
و قال: ان الدليل على سعة الحقّ المذكور أنّه سبحانه منعم علينا بنعم لا تعدّ و لا تحصى، و العقل كما يدرك أصل وجوب شكره سبحانه باعتبار المنعمية كذلك يدرك أنّ مقتضى الشكر وجوب إطاعته لا في خصوص التكاليف المقطوعة بل المحتملة أيضا. و كما أنّ أصل وجوب شكره سبحانه و إطاعته هو من القضايا الأوّلية التي يدركها العقل بلا حاجة إلى إقامة برهان عليها كذلك سعة الحقّ المذكور هي من القضايا الأوّلية التي يدركها العقل بلا حاجة إلى برهنة عليها(1).
ص: 405
و لا يخفی ان حكم العقل بمنجزية الاحتمال تعليقي اي انّ حكم العقل بلزوم الاحتياط ليس إلّا للتحفظ على أحكام الشارع و مراعاة حقّه فإذا فرض تنازله عن حقّه فلا يبقى حاكما بلزوم الاحتياط، فشرب التتن و إن حكم العقل بلزوم تركه من جهة انّه محتمل الحرمة و الاحتمال منجز إلّا أنّ الشرع ما دام قد حكم بالبراءة بمثل قوله: «رفع عن امّتي ما لا يعلمون» فهو يرفع يده عن حكمه بالمنجزية.
و الجواب اولا: انه لا تلازم بين حق طاعة المولی و بين تنجز التکاليف المحتملة, و ذلک لعدم الدليل عقلاً علی وجوب الطاعة المحتملة فدعوی تنجز التکاليف المحتملة بلا شاهد و لا دليل. فحق الطاعة لا علاقة لها باحتمال الطاعة. و المفروض بالحکم العقلي البديهي ان لا يختلف فيه العقلاء و ذلک:
فإن طبيعة الأحکام العقليّة، البديهيّة انها لا اختلاف فيها و لا تحتاج الی دليل و لا برهان و لا يعقل حصول الخلاف فيها، لان القضية العقلية ان کانت من البديهيات فالمفروض أن تحظی بالقبول بمجرد تصورها ، و إن لم تکن من البديهيات؛ فلابد من البرهان عليها بالإعتماد علی البديهيّات و إلّا فهي غير ثابتةأو غير صحيحة. و لکن مع ذلك فقد وجدنا في الأمور البديهيّة حصول الإختلاف بين أکابر العلماء. و ادعی بعضهم ضرورية بعض القضايا و أنکر الآخرون، فما هو المخرج حينئذ؟ نقول: إنه بالرجوع الی العرف العقلي، يعرف البديهي من غيره و العقلي من الوهمي.
و توضيحه: إنه يمکن الإختلاف بين اثنين في بداهة أمر معيّن، لکن لا يمکن أن يقع هذا الاختلاف بين عموم العقلاء, نعم لا تضر مخالفة واحد منهم لشبهة. و لو کان هنالك
ص: 406
اختلاف بين العقلاء حول بداهة أمر معيّن؛ يعلم أنه ليس من البديهيات، إذاً فبالرجوع اليهم يُفهم الحقّ و تعرف الحقيقة. و لعله الی ذلك أشار القرآن الکريم في أکثر من آية في خطابه للبشر في کثير من الآيات ب-قوله: ﴿أفلا تعقلون﴾ .
و الحاصل ان حکم العقل بمنجزية الاحتمال مما لم يدرکه العقل فکيف يدعی انه من الاحکام الاولية البديهية؟ و ان الاعتماد في التعذيب و المؤاخذة على مثل هذا إنّما يصحّ إذا كان من الأحكام العقلية الواضحة. و من المعلوم خلافها، إذ لو كان حكماً واضحاً لما أنكره العلماء من غير فرق بين الأُصولي و الأخباري. و اما حکم العقل بقبح العقاب بلا بيان فيشهد له قبول عموم العقلاء له و لم يشذ منهم احد عدا من حصلت له شبهة لم يستطع حلها فلاجلها إلتجأ الی انکار حکم العقل و قلنا ان ذلک لا يضر بحکم العقل به .
و ثانياً: انّ الظاهر من الذكر الحكيم كون المسألة من الأُمور البديهية حيث انّه سبحانه أبطل ببعث الرسل، حجّة الكفار و العصاة حيث قال: ﴿وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى﴾(1) فتبيّن بذلك انّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان من الأحكام الواضحة لدى العقل و العقلاء.
ثم ان هاهنا اشکالا معروفا ذكره الشيخ و المحقّق الخراساني من أنّه يكفي في مقام البيان، حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل الموجود في مورد الشبهة التحريمية الحكمية.
ص: 407
و اجيب: أنّ المراد من الضرر في القاعدة أحد الأُمور الثلاثة: اما العقاب, او الضرر الدنيوي, او المصالح و المفاسد الاجتماعية.
أمّا الأوّل: فهو بين قطعي الإحراز، كما في مورد العلم الإجمالي بحرمة أحد الأمرين أو وجوبه فينطبق الكبرى على الصغرى، و لذلك أطبق العلماء على وجوب الموافقة القطعية، و قطعي الانتفاء كما في المقام، فانّ الضرر بمعنى العقاب قطعي الانتفاء بحكم قبح العقاب بلا بيان و مع العلم بعدمه، لا يصحّ الاحتجاج بالكبرى اي وجوب دفع الضرر .
و بذلك يعلم أنّه لا تعارض بين الكبريين و انّ لكلّ موضعاً خاصاً، فمورد قبح العقاب هو الشبهة البدوية كما أنّ موضع وجوب دفع الضرر إنّما هو صورة العلم بالتكليف إجمالاً أو تفصيلاً.
و بذلک يظهر ضعف ما اشتهر من ورود قاعدة قبح العقاب بلا بيان على قاعدة وجوب دفع الضرر، فإنّ الورود فرع التعارض و لا معارضة بينهما، لعدم تصادق موردهما فان مورد قاعدة القبح، هو ما إذا لم يكن من المولى بيان كما أنّ مورد القاعدة الثانية، هو ما إذا تم البيان، و إن كان المتعلّق مجهولاً بين الأمرين. هذا كلّه إذا أُريد من الضرر العقوبة المقرّرة للعصاة في الآخرة.
و أما الثاني: أي الضرر الدنيوي فالإجابة عنه واضحة، لأنّ الأحكام الشرعية لا تدور مدار الضرر، أو النفع الشخصيين حتى يكون احتمال الحرمة، ملازماً لاحتمال الضرر الشخصي على الجسم و الروح، بل الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد و هي لا يعلمها بکل ابعادها الّا الله جل و علا کما في استفهام الملائکة من الله جل و علا ﴿اتجعل فيها من يفسد في الارض و يسفک الدماء﴾ و قد اجابهم الله تعالی ﴿اني اعلم ما لا تعلمون﴾, و بذلک يتضح الجواب عن الضرر بمعنی المصالح و المفاسد .
ص: 408
و أمّا الثالث: أي الضرر بمعنى المصالح و المفاسد، فقد أجاب عنه الشيخ عند البحث في الدليل الأوّل على حجّية مطلق الظن و حاصله: انّ حكم الشارع بالبراءة يكشف إمّا عن عدم الأهمية، أو لوجود المصلحة الغالبة على المفسدة الحاصلة(1).
استدلّ الأخباريّ على وجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية التحريمية بالأدلّة الثلاثة: الكتاب و السنّة و العقل دون الإجماع لعدم كونه من الحجج عنده .
أمّا الكتاب فبعدّة من الآيات، تجمعها العناوين التالية:
إنّ الحكم بجواز الارتكاب قول بغير علم لافتراض أنّ الواقع غير معلوم، و معه كيف يُحْكَم على الموضوع بجواز ارتكابه، مع أنّه سبحانه قال: ﴿وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾(2)؟
ص: 409
دلّت الآيات على لزوم التقوى بقدر الوسع و الطاقة و الاستطاعة قال سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾(1). و قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا وَ أَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾(2) وجه الدلالة: انّ الاجتناب عن محتمل الحرمة من التقوى، و كلّ ما كان كذلك واجب بحكم الأمر بها فينتج: الاجتناب عن محتمل الحرمة واجب.
نهى سبحانه عن إيقاع النفس في التهلكة قال سبحانه: ﴿وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ (3), و في ارتكاب الشبهة مظنة الوقوع في التهلكة و هي واجبة الاجتناب.
و اجاب علی الاستدلال بهذه الطوائف الثلاثة في الکفاية: بأنّ القول بالإباحة شرعا و بالأمن من العقوبة عقلا ليس قولا بغير علم، لما دلّ على الإباحة من النقل و على البراءة
ص: 410
من حكم العقل، و معهما لا مهلكة في اقتحام الشبهة أصلا، و لا فيه مخالفة التقوى، كما لا يخفى(1).
استدلّ الأخباري من السنّة بطوائف، و هي علی طوائف:
تضافرت الروايات على حرمة القول و الإفتاء بغير علم، مثل صحيحة هشام ابن سالم، قال: قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : «ما حقّ اللّه على خلقه؟ قال: أن يقولوا ما يعلمون، و يكفّوا عمّا لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك، فقد أدّوا إلى اللّه حقّه»(2), و يظهر جوابها مما تقدم من الجواب عن الاستدلال بالآيات الناهية عن الإفتاء بغير العلم فلا نعيد.
ص: 411
دلّت الروايات المتظافرة على وجوب الردّ إلى اللّه و رسوله في مشاكل الأُمور، ففي مقبولة عمر بن حنظلة، عن أبي عبد اللّه علیه السلام : «أمر بيّن رشده فيتبع و أمر بيّن غيه فيجتنب، و أمر مشكل يرد علمه إلى اللّه و إلى رسوله»(1).
و الجواب علی هذه الطائفة هو ان مرجع هذه الروايات(2) إلى النهي عن الاستقلال بالفتوى بالمعايير التي ما أنزل اللّه بها من سلطان من القياس و الاستحسان و المصالح المرسلة، دون الرجوع إلى أئمّة أهل البيت عليهم السلام و يوضحه قول الرضا علیه السلام حسب رواية الميثمي في اختلاف الحديث عنهم عليهم السلام: «و ما لم تجدوه في شي ء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك، و لا تقولوا فيه بآرائكم، و عليكم الكفّ و التثبت و الوقوف، و أنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا»(3) فلا علاقة لها بالمقام .
و هي طوائف, و قد أجاب الشيخ الاعظم و المحقّق الخراساني عنها على وجه الإجمال فقال الشيخ في جواب سؤال وجّهه إلى نفسه ما هذا لفظه: إيجاب الاحتياط إن كان
ص: 412
مقدمة للتحرّز عن العقاب الواقعي فهو مستلزم لترتب العقاب على التكليف المجهول و هو قبيح، و إن كان حكماً ظاهريّاً نفسياً، فالهلكة الأُخروية مترتبة على مخالفته لا على مخالفة الواقع، و صريح الأخبار إرادة العقوبة على الواقع على تقدير الحرمة(1).
و أورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ وجوب الاحتياط لا مقدّمي و لا نفسي بل طريقي يصحّ أن يحتج المولى بالواقع على العبد عند المخالفة كما هو الحال في مهام الأُمور التي يجب الاحتياط فيها كالدماء و الأعراض و الأموال، فما هو الفرق بين هذه الموارد، و الاحتياط في الموارد الأُخرى؟
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أجاب عنها بما حاصله:
1. انّ ما دلّ على حلّية المشتبه صريح في معناه و دليل الاحتياط ظاهر في الوجوب فيتصرف فيه بالنص.
2. انّ ما دلّ على حلّية المشتبه أخص ممّا دلّ على وجوب الاحتياط فيقدّم الأخص على الأعم.
3. انّه للإرشاد و لا يعلم وجوبه أو استحبابه إلّا بتنجز الحكم الواقعي عليه، و هو مع العلم الإجمالي منجز فيكون الاحتياط في أطرافه واجباً، بخلاف الشبهة البدوية فبما انّ الحكم غير منجز يكون الاحتياط حكماً استحبابيّاً.
4. انّ روايات الاحتياط تحكي عن ثبوت العقوبة المنجزة قبل إيجاب الاحتياط، مع أنّ العقوبة على الحكم الواقعي غير المنكشف يكون عقاباً بلا بيان، فتحمل على مورد العلم الإجمالي.
ص: 413
اقول: الاخبار المستدل بها علی وجوب الاحتياط کلها اجنبية عن وجوب الاحتياط او استحبابه, و ذلک لان المراد بالاحتياط الوارد في الاخبار هو معناه اللغوي لا الاصطلاحي الحادث من اتيان مشکوک الوجوب او ترک مشکوک الحرمة, و ذلک لأن معنی الاحتياط لغةً التحفظ و الوقاية و هو الوقوف و التثبت و السؤال و التفحص و عدم الافتاء و عدم العمل بالنسبة الی مشکوک الوجوب بالاتيان به مثلا لا انه بالمعنی الاصطلاحي الحادث وهو اتيان محتمل الوجوب و ترکمحتمل الحرمة فقال الراغب الاصفهاني في کتابه المفردات: و الاحتياط استعمال ما فيه الحياطة او الحفظ(1), و قال الزمخشري في کتاب اساس البلاغة حاطک الله حياطة و لازلت فی حياطة الله و وقايته(2), و مثل ذلک قال غيرهما : حاطه يحوطه حوطاً وحياطةً اذا حفظه و صانه و ذب عنه و توفر علی مصالحهم ... و حياطة الاسلام حفظه و حمايته.
و قد جاء هذا المعنی في اخبار الاحتياط بشکل واضح ففي صحيحة ابن الحجاج قال «سألت ابا الحسن علیه السلام عن رجلين اصابا صيدا و هما محرمان، الجزاء بينهما او علی کل واحد منهما جزاء؟ قال: لا بل عليهما ان يجزي کل واحد منهما الصيد قلت:ان بعض اصحابنا سألني عن ذلک فلم أدر ما عليه فقال: اذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليکم بالاحتياط حتی تسألوا عنه فتعلموا»(3), فانها واضحة الدلالة في وجوب الاحتياط بعدم الفتوی و التوقف حتی يسأل عن المسألة فيجاب عليها عن علم و بصيرة و لا علاقة لها
ص: 414
بالاحتياط بالمعنی الاصطلاحي باتيان ما احتمل وجوبه او ترک ما احتمل حرمته و هکذا کل اخبار الاحتياط, و اليک تفصيل الکلام في الروايات الآمرة بالتوقف و الاحتياط و هي على طوائف:
الطائفة الاولی: الأخبار الآمرة بالتوقف و هي على طائفتين:
إحداهما: الاخبار الدالة على مطلوبية التوقف مطابقة، لاشتمالها على مادة الوقوف، و هذه الطائفة بين ما علّل فيه الأمر بالتوقف عند الشبهة بأن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في التهلكة و بين ما لم يعلل فيه به، أما المعللة فهي عدة روايات:
1- قوله علیه السلام في ذيل مقبولة عمر بن حنظلة بعد تكافؤ المرجحات في بعضها بأن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المهلكة في الخبرين المتعارضين: «فأرجه حتى تلقى إمامك، فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات»(1).
2- قوله علیه السلام في موثقة مسعدة بن زياد عن جعفر عن آبائه «أن النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم قال: لا تجامعوا في النكاح على الشبهة، وقفوا عند الشبهة، يقول: إذا بلغك أنك قد رضعت من لبنها و أنها لك محرم، و ما أشبه ذلك، فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة»(2).
و قد ادعی الاخباريون ظهور هذه المقبولة و الموثقة و ما بمضمونهما في وجوب الاحتياط و التوقف في كل شبهة، سواء أريد بالوقوف التوقف في الفتوى و العمل - كما قد يدعی إطلاق المقبولة عليه - أم أريد به خصوص التوقف في العمل كما هو ظاهر الموثقة.
ص: 415
وجه ظهورهما في الوجوب: أنه علیه السلام علّل النهي - عن نكاح المرأة المرددة بين كونها أجنبية و أختا رضاعية - بأن الوقوف عند الشبهة خير من الوقوع في الهلكة، فلو لم يكن الوقوف في مورد الموثقة واجبا لم يصح تعليل النهي - في قوله علیه السلام : «لا تجامعوا في النكاح عند الشبهة» الظاهر في الحرمة - به، لعدم التناسب حينئذ بين العلة و هي الوقوف غير الواجب حسب الفرض و بين المعلل و هو حرمة الجمع في النكاح، و لا بد من ان يکونا من سنخ واحد، فكأنه علیه السلام قال: «يحرم الجمع في النكاح عند الشبهة، و حيث يحرم الجمع فيجب التوقف فيه، لأن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة» و يستفاد من هذا التعليل وجوب التوقف في كل شبهة و ان لم تكن في مورد النكاح، لاجل عدم حسن تعليل الحكم بما يكون جزئيا مختصا بمورد خاص, هذا غاية تقريب الاستدلال بهذه الأخبار على وجوب الاحتياط.
و فيه: انه لا دلالة لهذين الخبرين علی وجوب الاحتياط بل و لا علی حسنه اصلا, اما الاول منهما فهو صريح في وجوب التوقف عن الفتوی لا غير لا وجوب التوقف في العمل الی ان يلقی الامام علیه السلام بدليل ان الرواية في مقام بيان وظيفة الحاکم و قد دله الامام علی التوقف في الحکم .
و اما الرواية الثانية فهي تختص بالشبهات الموضوعية المهمة کالنکاح فلا عمومية لها لکل الشبهات علی ان شمولها لغير الشبهة في النکاح محل تأمل و منع.
ثانيهما: الأخبار الآمرة بالتوقف مطابقة مجردة عن التعليل المذكور و هي كثيرة:
1- ما رواه جابر عن أبي جعفر علیه السلام في وصية له لأصحابه قال: «إذا اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده، و ردوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا»(1).
ص: 416
2- رواية عبد اللَّه بن جندب عن الرضا علیه السلام : «ان هؤلاء القوم سنح لهم شيطان اغترهم بالشبهة، و لبّس عليهم أمر دينهم... إلى أن قال: و لم يكن ذلك لهم و لا عليهم بل كان الفرض عليهم و الواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحير، و ردّ ما جهلوه من ذلك إلى عالمه و مستنبطه...»(1).
3- ما رواه الميثمي عن الرضا علیه السلام في اختلاف الأحاديث قال: «و ما لم تجدوه في شي ء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك، و لا تقولوا فيه بآرائكم، و عليكم بالكف و التثبت و الوقوف و أنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا»(2).
و دلالة هذه الطائفة على وجوب التوقف في الحکم لا غير عند الشبهة واضحة، و لا دلالة لها على وجوب الاحتياط في العمل.
الطائفة الثانية: الأخبار الدالة على وجوب التوقف التزاما، و هي - كما قيل - الاخبار غير المشتملة على مادة الوقوف كالآمرة بالسكوت و الكف و التثبت و نحوها، و هي كثيرة:
1- موثقة حمزة بن طيار: «أنه عرض على أبي عبد اللَّه علیه السلام بعض خطب أبيه علیه السلام ، حتى إذا بلغ موضعا منها قال له: كفّ و اسكت، ثم قال أبو عبد اللَّه علیه السلام : انه لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون الا الكفّ عنه و التثبت و الرّد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد و يجلوا عنكم فيه العمى و يعرفوكم فيه الحق، قال اللَّه تعالى: فاسألوا أهل الذّكر ان كنتم لا تعلمون»(3).
ص: 417
2- حسنة هشام بن سالم - بل صحيحته على الأقوى - قال: «قلت لأبي عبد اللَّه علیه السلام : ما حق اللَّه على خلقه، قال: أن يقولوا ما يعلمون و يكفوا عما لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدوا إلى اللَّه حقه»(1).
3- مرسلة موسى بن بكر بن دأب، قال: قال أبو جعفر لزيد بن علي: «انّ اللَّه أحل حلالا و حرم حراما... إلى أن قال: فان كنت على بينة من ربك و يقين من أمرك، و تبيان من شأنك، فشأنك، و الّا فلا ترومنّ أمرا أنت منه في شك و شبهة»(2).
4- رواية سليم بن قيس الهلالي: «ان عليّ بن الحسين علیه السلام قال لأبان أبي عياش: يا أخا عبد قيس: ان وضح لك أمر فاقبله، و الّا فاسكت تسلم و ردّ علمه إلى اللَّه، فانك في أوسع مما بين السماء و الأرض»(3), و هذه الاخبار کسابقتها دالة علی وجوب التوقف في الفتوی لا غير.
الطائفة الثالثة: الاخبار التي اشتملت على مادة الاحتياط بهيئات مختلفة مثل «احتط» و «فعليكم بالاحتياط» و «خذ بالحائطة لدينك» و نحوها، و هي عدة روايات:
1- صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سألت أبا الحسن علیه السلام عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان، الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما جزاء؟ قال: لا، بل عليهما أن يجزي كل واحد منهما الصيد، قلت: ان بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه، فقال: إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا», قال في الحدائق: في تقريب الاستدلال بها على الاحتياط: «و هذه الرواية قد دلت على وجوب
ص: 418
الاحتياط في بعض جزئيات الحكم الشرعي مع الجهل به و عدم إمكان السؤال، و ذلك لأن ظاهر الرواية أن السائل عالم بأصل وجوب الجزاء، و انما الشك في موضعه بكونه عليهما معا جزاء واحدا، أو على كل منهما جزاء بانفراده».
و فيه: انها واضحة الدلالة في کون المراد من الاحتياط «فعليکم بالاحتياط» هو السؤال و الفحص عن الحکم الشرعي لا العمل و اعمال الرأي بلا علم .
2- ما رواه المفيد الثاني - ابن الشيخ قدس الله سرهما - في أماليه مسندا عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري عن الرضا علیه السلام : «أن أمير المؤمنين علیه السلام قال لكميل بن زياد: أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت»(1).
و فيه: انها واضحة الدلالة في الحفاظ علی الدين لا الفتوی و العمل بلا علم .
3- ما رواه الشهيد الثاني عن عنوان البصري عن أبي عبد اللَّه جعفر بن محمد عليهما السلام يقول فيه: «سل العلماء ما جهلت و إيّاك أن تسألهم تعنتا و تجربة، و إياك أن تعمل برأيك شيئا، و خذ بالاحتياط في جميع أمورك ما تجد إليه سبيلا، و اهرب من الفتيا هربك من الأسد، و لا تجعل رقبتك عتبة للناس»(2) و نحوها غيرها.
اقول: و هذه کالسابقتين في الدلالة علی التحفظ في الفتوی کما تقدم توضيحه.
الطائفة الرابعة: و هي رواية التثليث کما في ذيل مقبولة عمر بن حنظلة فقد عدّها الشيخ الأنصاري من أهمّ أدلّة الأخباريين, و حاصل الاستدلال: إنّ الراوي سأل الإمام عن اختلاف القضاة «فأجاب: ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به، المجمعَ عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمهما، و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند
ص: 419
أصحابك، فانّ المجمعَ عليه لا ريب فيه. و إنّما الأُمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيُتبع، و أمر بيّن غيُّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ حكمه إلى اللّه، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : حلال بيّن، و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرمات، و هلك من حيث لا يعلم»(1).
وجه الاستدلال: إنّ الحديث اشتمل علی فقرات ثلاثة و هي: ان يترك الشاذ الذي ليس بمشهور, و ان الأمر مشكل يرد حكمه إلى اللّه. و شبهات بين ذلك. و بما انّ طرح الشاذ و ردّ المشكل إلى اللّه واجبان، فلابد و ان يكون الاجتناب عن المشتبه أيضاً مثلهما. و لو كان الاجتناب عن المشتبه مستحباً لا واجباً دون الخبر الشاذ و الأمر المشكل يكون الاستشهاد بكلام الرسول أمراً غير صحيح لعدم انطباقه عليهما.
و فيه: ان الاخذ بالشبهات هو الحکم و الفتوی فيها بلا علم کما هو مسلک علماء العامة, الذين يفتون بالمعايير الاختراعية التي ما أنزل اللّه بها من سلطان، کالمقاييس و الاستحسانات، و علی ضوء هذا فلا دلالة فيها علی مطلوبية الاحتياط مطلقا و منه الاجتناب عن المشتبه, بل هي بالنسبة الی الوظيفة العملية ساکتة فيرجع فيها الی الدليل الدال علی تعيينها و هي ادلة البراءة, و يشهد لذلک انالمشتبه هو المشکل و حکمه ان يرد الی الله جل و علا لا ان يفتی به من دون دليل و نحن نتوقف عن الفتوی في جميع الشبهات لکن ذلک لا يعني عدم جريان البراءة في الشبهات الحکمية او الموضوعية .
ص: 420
ثم انه علی فرض دلالتها علی وجوب الاحتياط لاجل تحصيل الواقع بترک مشتبه الحرمة و اتيان مشتبه الوجوب فلم يقل احد بذلک في الشبهات الوجوبية و لا الموضوعية و مخالفة الاخباريين انما هي في الشبهات التحريمية .
هذا مع انها معارضة بما دل علی وجوب الکف بمعنی عدم العمل و عدم الافتاء عما لا يعلم مثل قوله تعالی ﴿ و لا تقفُ ما ليس لک به علم﴾ الدالة علی حرمة متابعة ما ليس للانسان به علم, و صحيحه هشام بن سالم «قال قلت لابي عبدالله علیه السلام ما حق الله علی خلقه؟ قال ان يقولوا مايعلمون و يکفوا عما لا يعلمون فإذا فعلو ذلک فقد ادوا الی الله حقه»(1), و عليه فتفسير روايات الاحتياط بهذا المعنی مخالف للقرآن الکريم من حرمة العمل بغير العلم و يباين ما ورد في السنة ايضا من الکف عما لا يعلمون و الکف اعم من القول و العمل يعني ان لا يقولوا و لا يعملوا من غير علم و ان ذلک من حقوق الله عزوجل علی العباد, و الحاصل ان العمل بغير العلم يتنافی مع حق الله عز وجل علی العباد من وجوب الکف عنه .
و اما ما رواه عبد اللَّه بن وضاح؛ و قد عبر عنها الشيخ الأعظم رحمه الله بالموثقة على الأقوى «أنه كتب إلى العبد الصالح علیه السلام يسأله عن وقت المغرب و الإفطار، فكتب إليه: أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائطة لدينك»(2), فالمراد منها واضح فانه قبل العلم بدخول وقت المغرب لا يجوز له الافطار و العقل يحکم بوجوب الامتثال و هو لا يتحقق الّا بالصبر حتی يعلم بدخول الوقت, و التعبير بالحائطة يراد به التحفظ علی امتثال
ص: 421
الواجب اي الصوم و لا علاقة لذلک بالاحتياط الاصطلاحي من اتيان مشکوک الوجوب او ترک الحرمة.
و اما ما نقله الشيخ الاعظم مرسلا عن الائمة عليهم السلام «ليس بناكب عن الصراط من سلك سبيل الاحتياط»(1) فليست برواية و انما جاءت هذه العبارة في نهاية صورةإجازة الشيخ محمود بن محمد بن علي بن حمزة الأهمالي للسيد الأمير معين الدين محمد بن شاه أبو تراب المنتهية الی الشهيد الاول(2).
فقرر بتقارير ثلاثة:
قال في الکفاية: «و أمّا العقل: فلاستقلاله بلزوم فعل ما احتمل وجوبه و ترك ما احتمل حرمته- حيث علم إجمالا بوجود واجبات و محرّمات كثيرة فيما اشتبه وجوبه أو حرمته ممّا لم يكن هناك حجّة على حكمه- تفريغا للذمّة بعد اشتغالها؛ و لا خلاف في لزوم الاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ إلّا من بعض الأصحاب»(3).
ص: 422
قلت: و لا يخفى أنّ ما أفاده المحقق الخراساني في تقرير هذا الدليل العقليّ يختلف عما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ, حيث انه جعل متعلّق العلم الإجماليّ في المقام مطلق التكاليف الإلزاميّة في الوقائع المشتبهة، فأدرج الشبهات الوجوبيّة و التحريميّة في محلّ النزاع.
و أمّا الشيخ الأعظم: فجعل متعلّق العلم الإجماليّ في المقام خصوص التكاليف الإلزاميّة التحريميّة في الشبهات التحريميّة، فأخرج الشبهات الوجوبيّة عن محلّ النزاع. و تبعه على ذلك المحقّقان: النائينيّ و العراقيّ(1), و لعلّ السرّ فيما أفاده الشيخ الأعظم و من تبعه أنّ الأخباريّين لم يتمسّكوا بالعلم الإجماليّ في الشبهات الوجوبيّة و لم يلتزموا بوجوب الاحتياط فيها، فلا نزاع معهم إلّا في الشبهات التحريميّة الناشئة من فقد النص، فلا جدوى في إدراج الشبهات الوجوبيّة في محلّ النزاع.
قال في الکفاية: «و الجواب: أنّ العقل و إن استقلّ بذلك، إلّا أنّه إذا لم ينحلّ العلم الإجماليّ إلى علم تفصيليّ و شكّ بدويّ، و قد انحلّ هاهنا، فإنّه كما علم بوجود تكاليف إجمالا كذلك علم إجمالا بثبوت طرق و اصول معتبرة مثبتة لتكاليفبمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد، و حينئذ لا علم بتكاليف أخر غير التكاليف الفعليّة في موارد المثبتة من الطرق و الاصول العمليّة»(2).
و توضيح الجواب: أنّ لنا علمين إجماليّين:
ص: 423
الأوّل: العلم الإجماليّ الكبير، و هو ما تكون أطرافه جميع المشتبهات و موارد الأخبار و الأمارات المعتبرة و غير المعتبرة. فنعلم إجمالا بوجود تكاليف شرعيّة فيها، إذ لا معنى للشرع الخالي عن التكليف، و لا نحتمل مخالفة جميع الأمارات للواقع.
الثاني: العلم الإجماليّ الصغير، و هو ما يكون أطرافه خصوص موارد قيام الأمارات المعتبرة، فإنّا نعلم إجمالا بمطابقة جملة من الأمارات المعتبرة للواقع. و معلوم أنّ العقل يحكم بلزوم الاحتياط في أطراف الشبهات إذا لم ينحلّ العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير إلى علم تفصيليّ و شكّ بدويّ، و إلّا فلا يحكم به. و قد انحلّ العلم الإجماليّ الكبير هاهنا. و الوجه في انحلاله انّا نعلم بالعلم الإجماليّ الصغير بمطابقة جملة من مؤدّيات الأمارات المعتبرة للواقع، و نعلم أيضا أن لا يكون المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الصغير أقلّ عددا من المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الكبير، بحيث لو أفرزنا من أطراف العلم الإجماليّ الكبير بمقدار المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الصغير لم يبق لنا علم إجماليّ في بقيّة الأطراف. مثلا: إذا علمنا إجمالا بوجود مائة حكم- مثلا- في جميع المشتبهات و موارد الأخبار و الأمارات المعتبرة و غير المعتبرة، و علمنا بوجود هذا العدد- أو أزيد- أيضا في الأمارات المعتبرة، لم يبق لنا علم إجماليّ بثبوت تكاليف في غير موارد الأمارات المعتبرة، لإمكان انطباق المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الكبير- و هو مائة حكم- على المعلوم بالإجمال في الصغير- و هو أيضا مائة حكم- فحينئذ نعلم تفصيلا بثبوت تلك المائة من التكاليف في الأمارات المعتبرة الّتي نعلم اجمالا بصدور كثير منها، و نشكّ في ثبوتها في غيرها شكّا بدويّا، فلا يجب الاحتياط إلّا في أطراف العلم الاجماليّ الصغير- و هو موارد الأخبار و الأمارات المعتبرة-
ص: 424
، و أمّا أطراف العلم الاجماليّ الكبير- من الشبهات و موارد الأمارات غير المعتبرة- فلا يجب الاحتياط فيها.
اما الوهم: فإنّ العلم الإجماليّ بثبوت تكاليف فعليّة في موارد الطرق و الاصول العمليّة المعتبرة متأخّر عن العلم الإجماليّ بثبوتها في مطلق المشتبهات و موارد الأمارات و الاصول العمليّة، ضرورة أنّ العلم الإجماليّ الكبير يحصل من أوّل البلوغ و الالتفات إلى الشريعة، و العلم الإجماليّ الصغير يحصل بعد التتبّع في موارد الطرق و الاصول، فالعلم الإجماليّ الصغير متأخّر عن العلم الإجماليّ الكبير، و العلم الإجماليّ المتأخّر لا يؤثّر في انحلال العلم الإجماليّ المتقدّم، بل انّما يؤثّر في انحلاله و يمنع من تأثيره فيما إذا كان متقدّما عليه أو مقارنا له.
و اما الدفع: فإنّ المعتبر في الانحلال هو مطابقة المعلوم بالعلم الإجماليّ الصغير مع المعلوم بالعلم الإجماليّ الكبير، لا مقارنة العلم الإجماليّ الصغير مع العلم الإجماليّ الكبير أو سبقه عليه، فإذا تعلّق العلم الإجماليّ الكبير- مثلا- بإصابة قطرة دم بأحد الإنائين، ثمّ تعلّق العلم الإجماليّ الصغير بوقوع تلك القطرة في الإناء الأبيض تحقّق انحلال العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير، سواء كان متأخّرا عنه أو مقارنا له أو سابقا عليه.
و كذلك في المقام، لأنّا نعلم إجمالا بثبوت تلك المائة في موارد الأمارات و الاصول المعتبرة، فيحتمل انطباق المعلوم بالعلم الإجماليّ الكبير على المعلوم بالعلم الإجماليّ الصغير، فيتّحد المعلومان و ينحلّ العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير مطلقا، سواء تقدّم الصغير على الكبير أو قارنه أو تأخّر عنه.
ص: 425
و الوجه في ذلک: انّ من شرائط تنجز العلم الإجمالي كونه محدِثاً للتكليف على كلّ تقدير و هذا الشرط غير موجود في الموردين لسبق وجوب الاجتناب عن الإناء المعيّن قبل طروء العلم الإجمالي، فلا يكون العلم الإجمالي عندئذ مؤثراً و يكون الإناء الثاني مشكوك الاجتناب.
و المقام من قبيل هذه الصورة لأنّ العلم بقيام أمارات و طرق، على الأحكام الشرعية و إن كان متأخراً لكن معلومه، و هو تنجز مواردها متقدم على العلم الإجمالي و مثله يمنع عن انعقاد العلم الإجمالي منجّزاً حيث إنّ التكليف كان في مواردها منجّزاً قبل حدوث العلم الإجمالي و إن كان غير عالم به، و في مثله لا ينعقد العلم الإجمالي منجزاً و مؤثراً، لأنّه وجب الاجتناب قبله عن أحد الطرفين معيناً، فيكون الطرف الآخر مشكوك الاجتناب.
أنّ ما تقدم مبني علی دعوی الانحلال الحقيقيّ في المقام، بمعنى أنّ التتبّع في موارد الطرق و الاصول يوجب العلم الإجماليّ بوجود تكاليف واقعيّة فعليّة تؤدّيها الأمارات و الاصول، و هي بمقدار يحتمل انطباقها على الأحكام الواقعيّة المعلومة بالعلم الإجماليّ الكبير، فينحلّ العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير، بل يكشف بالعلم الإجماليّ الصغير عدم تعلّق العلم الإجماليّ الكبير بالتكاليف الواقعيّة من أوّل الأمر. لکنک خبير بأنّ
ص: 426
دعوى هذا الانحلال إنّما يصحّ على القول بحجّيّة الأمارات على نحو السببيّة(1)، حيث أنّ مؤدّاها حينئذ تكاليف حقيقيّة فعليّة، فيحتمل انطباق الأحكام الواقعيّة المعلومة بالعلم الإجماليّ الكبير على تلك المؤدّيات. و أمّا على القول بحجّيّتها على نحو الطريقيّة(2) فلا يتمّ ما ذكر، لعدم كون مؤدّاها تكاليف حقيقيّة فعليّة كي يدّعى احتمال انطباق الأحكام الواقعيّة المعلومة ثبوتها بالعلم الإجماليّ الكبير عليها.
و اجاب عنه المحقق الخراساني, و توضيحه موقوف على تقديم مقدّمة و هي, أنّه يمكن انحلال العلم الإجماليّ بأحد وجهين:
الأوّل: الانحلال الحقيقيّ. و هذا على قسمين: (أحدهما): أن ينحلّ العلم الإجماليّ بواسطة العلم التفصيليّ بالمعلوم بالإجمال، كما إذا علم إجمالا بوقوع قطرة دم في أحد هذين الإنائين، ثمّ علم تفصيلا بأنّ قطرة الدم وقعت في الإناء الأبيض مثلا. (ثانيهما): أن ينحلّ العلم الإجماليّ بواسطة انكشاف عدم تعلّق العلم الإجماليّ بالتكليف الفعليّ من أوّل الأمر، كما إذا تعلّق العلم الإجماليّ بوقوع قطرة بول في الإناء الأسود أو الإناء الأبيض، ثمّ علم أنّ الإناء الأسود خارج عن مورد الابتلاء، و هذا يكشف عن عدم تعلّق التكليف بالإناء الأسود من أوّل الأمر، فيزول العلم الإجماليّ.
ص: 427
الثاني: الانحلال الحكميّ. و هو ارتفاع أثر العلم الإجماليّ- من التنجيز و اشتغال الذمة - و إن كان العلم الإجماليّ باقيا على حاله.
ثم قال ما حاصله: انّه لو سلّمنا عدم تحقّق الانحلال الحقيقيّ، لبقاء العلم الإجماليّ بعد قيام الأمارة أيضا على حاله، لكنّا ندّعي تحقّق الانحلال الحكميّ، بمعنى أنّ قيام الأمارة غير العلميّة على وجود التكليف في بعض الأطراف يستلزم انصراف التكليف المنجّز بالعلم الإجماليّ إلى خصوص الأطراف الّتي قامت الأمارة على وجود التكليف فيها، ضرورة أنّ مقتضى طريقيّة الأمارات هو ترتيب ما للعلم- من التنجيز و التعذير- عليها، فقيام الحجّة و الأمارة على ما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال في بعض الأطراف يستلزم صرف التكليف المنجّز بالعلم الإجماليّ إلى ما إذا كان التكليف الواقعيّ في ذلك الطرف و العذر عمّا إذا كان في الطرف الآخر، فتجري البراءة في الطرف الآخر.
و فيه اولا: ان الميزان في الانحلال ليس هو العلم بالواقع بل تنجز الحكم في أحد الطرفين، و علی هذا فالانحلال حقيقي لتنجز الحكم في أحد الطرفين، دون الآخر فيكون الانحلال حقيقياً.
ثانيا: لو سلمنا الاشکال المتقدم لکنه لا يرد علی ما هو المختار عندنا من کون الامارات موجبة للعلم بالمعنی اللغوي و العرفي و ليست حجيتها تأسيسة بل هي امضائية من قبل المولی لا غير, و عليه فيحصل الانحلال الحقيقي لکون مؤدياتها علما بالواقع, و ذلک لانّ مرجعَ العلم الإجمالي إلى قضية منفصلة يتقوم بلفظة «إمّا» أو لفظة «أو»، فلا يكون الحكم في واحد من الطرفين قطعياً، و ما دام الحكم كذلك يكون العلم الإجمالي باقياً بحاله، و أمّا إذا انقلب بفضل العلم الثاني، إلى قضية قطعيّة و إلى قضية مشكوكة يكون العلم الإجمالي منقلباً إلى علم تفصيلي و شك بدوي و ذلك فيما إذا لم يعلم بانطباق
ص: 428
المعلوم بالتفصيل على المعلوم بالإجمال و إلّا تنحل إلى قضيتين قطعيّتين فيقال: هذا طاهر، و هذا نجس.
و في المقام علمان إجماليان، أحدهما - واسع الأطراف - يعم مورد قيام الأمارات و الطرق و غيره، و ثانيهما - ضيق - الاطراف لا يعم إلّا مواردهما. فمع قطع النظر عن العلم الثاني، كان التردّد قائما، و أمّا مع لحاظه و إخراج مورده عن تحت العلم الإجمالي الأوّل، ينقلب التردّد إلى قضية قطعّية و هو الحكم بحرمة ما قام الدليل على حرمته، و قضية مشكوكة و هي الموارد التي لم يقم الدليل على حرمتها، و هذا هو المراد من انحلال العلم الإجمالي .
هذا و اورد المحقّق الخوئيّ على ما ذكره المحقق الخراساني من المثال: بالفرق بين المقام و بين المثال المذكور، إذ المعلوم بالإجمال في المثال أمر معيّن خاصّ، فقيام الأمارة على تعيينه في طرف ينفي كونه في الطرف الآخر. بخلاف المقام، فإنّ المعلوم بالإجمال فيه أحكام لا تعيّن لها بوجه، و ليس لها عنوان و علامة، فقيام الأمارة على ثبوت التكليف في بعض الموارد لا ينفي ثبوته في غيرها.
ثمّ أجاب هو عن الاستدلال بوجهين:
أحدهما: النقض بالشبهات الوجوبيّة و الموضوعيّة، فإنّ هذا العلم لو كان مانعا عن الرجوع إلى البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة كان مانعا عن الرجوع إليها فيها أيضا، مع أنّ الأخباريّين لا يقولون بوجوب الاحتياط فيها.
ص: 429
ثانيهما: أنّ العلم الإجماليّ بالتكاليف الواقعيّة ينحلّ واقعا بقيام الأمارات على تكاليف الزاميّة بمقدار المعلوم بالإجمال(1).
و ربما استدل بما قيل (2): من انّ الأصل في الأشياء قبل الشرع هو الحظر أو التوقف، و ما دلّ على أنّ الأصل فيها بعد مجي ء الشرع هو الإباحة معارض بما دلّ على أنّ الأصل الاحتياط أو التوقف، فإذا تعارضا يرجع إلى الأصل المذكور.
و أورد عليه المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة:
«الاول: أنه لا وجه للاستدلال بما هو محل الخلاف و الإشكال و إلّا لصح الاستدلال على البراءة بما قيل من كون تلك الأفعال على الإباحة.
الثاني: أنه ثبتت الإباحة شرعا لما عرفت من عدم صلاحية ما دل على التوقف أو الاحتياط للمعارضة لما دل عليها.
الثالث: أنه لا يستلزم القول بالوقف في تلك المسألة للقول بالاحتياط في هذه المسألة لاحتمال أن يقال معه بالبراءة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان»(3).
ص: 430
قال في الکفاية: «و ما قيل: من أن الإقدام على ما لا يؤمن المفسدة فيه كالإقدام على ما يعلم فيه المفسدة(1), ممنوع و لو قيل بوجوب دفع الضرر المحتمل فإن المفسدة المحتملة في المشتبه ليس بضرر غالبا ضرورة أن المصالح و المفاسد التي هي مناطات الأحكام ليست براجعة إلى المنافع و المضار بل ربما يكون المصلحة فيما فيه الضرر و المفسدة فيما فيه المنفعة و احتمال أن يكون في المشتبه ضرر ضعيف غالبا لا يعتنى به قطعا مع أن الضرر ليس دائما مما يجب التحرز عنه عقلا بل يجب ارتكابه أحيانا فيما كان المترتب عليه أهم في نظره مما في الاحتراز عن ضرره مع القطع به فضلا عن احتماله»(2), و حاصله الفرق بين محتمل المفسدة، و بين مقطوعها، و الواجب دفعه هو الثاني دون الأوّل. و انّ الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد النوعية، دون النفع و الضرر الشخصيين، و لو استقل العقل بدفع الضرر المحتمل، لا يستقل بدفع المفسدة المحتملة، لأنّ الأوّل على فرض وجوده شخصي و الثاني نوعي.
بقيت هنا تنبيهات و هي:
ص: 431
قال في الکفاية: «إنما تجري أصالة البراءة شرعا و عقلا فيما لم يكن هناك أصل موضوعي مطلقا و لو كان موافقا لها فإنه معه لا مجال لها أصلا لوروده عليها»(1).
لا يخفى: أنّ صاحب اذلکفاية تبعا للشيخ الأعظم الأنصاريّ عبّر عن هذا الأصل بالأصل الموضوعيّ(2),
لکن ليس مرادهما من الأصل الموضوعيّ خصوص الأصل الجاري في الموضوع، بل المراد منه كلّ أصل مقدّم على البراءة، سواء كان جاريا في الموضوع، كما لو علم بخمريّة مائع ثمّ شكّ في انقلابه خلّا، فإنّ استصحاب الخمريّة يرفع موضوع أصالة البراءة عن حرمة شربه، أو كان جاريا في الحكم، كما إذا شكّ في جواز وطء الحائض بعد انقطاع الدم و قبل الاغتسال، فإنّ جريان استصحاب الحرمة السابقة يمنع عن التمسّك بأصالة البراءة, کما وأنّ عدم جريان أصالة البراءة فيما إذا جرى الأصل المقدّم لا يختصّ بما إذا كان مفاد الأصل المقدّم منافيا لما يقتضيه أصل البراءة كما إذا اقتضى الاستصحاب خمريّة مائع شكّ في انقلابه خلّا فيكون شربه حراما، و اقتضى أصل البراءة جواز شربه، بل يعمّ ما إذا كان مفاده موافقا لأصل البراءة، كما إذا اقتضى الاستصحاب حلّيّة مائع شكّ في انقلابه خمرا فيكون شربه حلالا، و اقتضى أصل البراءة حلّيّته أيضا.
و أمّا الوجه في وروده على البراءة فأنّ موضوع البراءة العقليّة هو عدم البيان، كما أنّ موضوع البراءة الشرعيّة هو الشكّ و عدم العلم، و عليه فكلّ ما يكون بيانا و رافعا للشكّ يرفع موضوعهما و يمنع عن التمسّك بأصالة البراءة, خلافا للشيخ الأعظم الأنصاريّ، فانّه
ص: 432
جعل الوجه في تقدّم الأصل الموضوعيّ- بالمعنى المتقدم - على البراءة هو الحكومة(1), و سيأتي البحث عن ذلک في بحث التعادل و التراجيح.
و من ثمرات هذا البحث عدم جريان أصالة البراءة في حيوان شكّ في حلّيّته مع الشكّ في قبوله للتذکية لأنّ أصالة عدم التذكية تمنع عن جريان أصالة البراءة فيه. و حيث ان المسألة صورها کثيرة نکتفي بخمس صور منها:
أن يشكّ في حلّيّة الحيوان أو طهارته لأجل الشكّ في أصل قابليّته للتذكية، كما في الحيوان المتولّد من الشاة و الخنزير - فرضا - من دون أن يصدق عليه اسم أحدهما، فيشكّ في حلّيّته و طهارته لأجل الشكّ في قابليّته للتذكية؛ و كما في الحيوان المتولّد من الأرنب و الكلب - فرضا - من دون أن يصدق عليه اسم أحدهما، فيشكّ في طهارته لأجل الشكّ في قابليّته للتذكية و لا شک في جريان أصالة عدم التذكية في هذه الصورة، فيحكم بنجاسته و حرمة لحمه.
و قد أشكل على هذا القول بوجهين:
ص: 433
الإشكال الأوّل: انّ الغرض من استصحاب عدم التذكية هو إثبات انّ المذبوح ميتة، و من المعلوم انّ إثبات عنوان الميتة بأصالة عدم التذكية من قبيل نفي أحدالضدين و إثبات الضدّ الآخر و هو من الأُصول المثبتة كإثبات كون الجسم متحركاً بنفي كونه ساكناً.
و إن شئت قلت: الميتة أمر وجودي و هو ما مات حتف أنفه، و إثبات ذلك الأمر الوجودي بأصالة عدم التذكية لا يجوز إلّا على القول بحجّية الأصل المثبت.
و أُجيب بوجهين:
الاول: ما أجاب به الشيخ ««إنّ الميتة عبارة عن غير المذكّى، إذ ليست الميتة خصوص ما مات حتف أنفه، بل كلّ زهاق روح انتفى فيه شرط من شروط التذكية، فهي ميتة شرعا»(1).
و اجيب: أنّ الميتة أمر وجودي بمعنى ما مات حتف أنفه، و لا يعم المذبوح الفاقد للشرائط الشرعية بدليل انّها جعلت في الكتاب في مقابل ما أهلّ لغير اللّه به قال سبحانه: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه﴾(2), و قال أيضاً: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه﴾(3), و الإهلال رفع الصوت بالشي ء و المراد ذكر اسم الأصنام.
و يشهد لما ذكر ما ذكره الأعشى في قصيدته التي أنشأها و جاء بها مكة المكرمة لكن حالت قريش بينه و بين إسلامه، و قال:
ص: 434
و إياك و الميتات لا تقربنّها *** و لا تأخذن سهماً حديداً لتفصدا(1)
و لم تكن الميتة في العهد الجاهلي سوى ما مات حتف أنفه، و لم يكن من الميتة الشرعية عندهم أثر.
2. ما أجاب المحقّق الخراساني بما حاصله: من ان ثبوت الإجماع على لحوق أحكام الميتة لغير المذكّى من الحيوانات كاف في جريان أصالة عدم التذكية و الحكم بنجاسة الحيوان و حرمته. فلا يحتاج إلى تعميم الميتة لغير المذكّى كما التزم به الشيخ الأنصاريّ(2).اقول: الظاهر أن موضوع الحرمة و النجاسة شرعا هو عدم المذكى و ان لم يكن ذلك معنى لغويا و لا عرفيا للميتة كما هو ظاهر الآية الشريفة، حيث ان الميتة جعلت فيها في قبال الموقوذة و المتردية و غيرهما، فلا بد أن تكون الميتة غيرها و هو ما مات حتف أنفه، إلّا أن المراد بها في غير الآية هو عدم المذكى و ان لم يصدق عليه الميتة بمعناها اللغوي، فكل ما لم يذك فهو ميتة. و يشهد بذلك جملة من النصوص، كمضمرة سماعة: «إذا رميت و سمّيت فانتفع بجلده، و أما الميتة فلا»(3), فان الميتة جعلت في مقابل المذكى المستفاد من قوله عليه السلام: «إذا رميت و سميت» فيراد بالميتة حينئذ عدم المذكى. و صحيح ابن الحجاج عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «ما أخذت الحبالة فقطعت منه شيئا فهو ميت و ما أدركت من سائر جسده حيا فذكّه ثم كل منه»(4) فان إطلاق الميت
ص: 435
على الشي ء المقطوع مع عدم خروج الروح عنه بالموت حتف الأنف اما حقيقي كما يظهر من المصباح، حيث فسر الميتة ب «ما لم تلحقه الذكاة سواء مات بحتف أنفه أو قتل و ذبح بغير الوجه الشرعي» و کذلک في الصحاح و القاموس «أنها ما لم تلحقها الذكاة», و اما تنزيلي، و على التقديرين يدل هذا الإطلاق على كون ما زهق روحه بغير التذكية ميتا أو بحكمه، و كذا غير ما ذكر من النصوص الدالة على ثبوت ما للميتة- من الأحكام الأربعة و هي النجاسة و عدم صحة الصلاة فيها و حرمة الانتفاع بها و لو في الجملة و عدم جواز الأكل- لغير المذكى تذكية شرعية، هذا, مضافا إلى ما ادعي من التسالم و الاتفاق على كون الموضوع للأحكام الأربعة المتقدمة عدم المذكى لا خصوص الميتة و ان تغايرا مفهوما، فلا جدوى في إثبات اتحادهما مفهوما و تغايرهما كذلك.
و من هنا يظهر ضعف ما عن الفاضل التوني رحمه الله «من سقوط أصالة عدم التذكية لمعارضتها بأصالة عدم الموت حتف الأنف و الرجوع إلى قاعدتي الحل و الطهارة» و ذلك لأن موضوع الحرمة و النجاسة ليس عنوان الميتة حتى يقال: انها أمر وجودي، فيجري فيها أصالة العدم، بل موضوعهما كما عرفت هو عدم المذكى فلا يجري الأصل في الميتة حتى يعارض أصالة عدم التذكية، بل الأصل الجاري بلا مانع هو أصل عدم التذكية، و هو ينقح موضوع النجاسة و الحرمة، فلا وجه للحكم بالحلية و الطهارة من هذه الناحية.
ص: 436
ثمّ إنّ المحقّق النائيني فصّل في جريان أصالة عدم التذكية بين نظريتين(1):
الأُولى: أن تكون التذكية أمراً وجودياً بسيطاً مسبَّباً عن الذبح بشرائطه نظير الطهارة المسببة عن الوضوء أو الغسل، و الملكية الحاصلة من العقد و الإيجاب.
فعلى هذه النظرية تجري أصالة عدم التذكية عند الشكّ، لأنّه أمر بسيط مسبوق بالعدم و الأصل بقاؤه على ما هو عليه.
الثانية: أن تكون التذكية أمراً مركباً من أُمور ستة، سادسها قابلية الحيوان للطهارة و الحلية، فعلى ذلك لا تجري أصالة عدم التذكية، لأنّ الشكّ لو كان من ناحية الأُمور الخمسة فقد تحققت قطعاً، و إن كان من جهة القابلية فليست لها حالة سابقة وجوداً و عدماً، إلّا باعتبار استصحاب العدم الأزلي.
و فيه ما لا يخفی: فإنّ الظاهر جريان الأصل مطلقاً سواء كانت التذكية أمراً بسيطاً أو أمراً مركباً من أُمور ستة، أو كانت هي الفري مشروطاً بالأُمور الباقية، و ذلك لأنّ الموضوع للطهارة و الحلية ليست هي الأُمور الكثيرة بكثرتها و تفرقها، بل الموضوع هو أمر واحد حاصل من اجتماع الأُمور الستة، أو الفري المشروط بالأُمور الخمسة و الأمر الواحد بما هو واحد كان مسبوقاً بالعدم فيستصحب عدمه، و ما ذكره من التفصيل مبني على عدم اعتبار الوحدة في جانب الموضوع، مع أنّ الوحدة في الموضوع لا مناص عنها، لأنّ الحکم متوقف علی تحققه .
ص: 437
أن يشكّ في حلّيّته لأجل الشكّ في مقدار قابليّته لها بعد العلم بأصلها، فيشكّ في أنّ تذكيته هل تؤثّر في طهارته فقط أو تؤثّر في طهارته و حلّيّته، كما إذا علمنا أنّ هذا الحيوان قابل للتذكية لكن لا نعلم أنّه من قبيل الأرنب أو من قبيل الغنم.
و في هذه الصورة ذهب المحقق الخراساني الی انه لا مجال لأصالة عدم التذكية في هذه الصورة، للعلم بتحقّقها حسب الفرض و القطع بتأثيرها في طهارته، و انّما الشكّ في تأثيرها في حليّة لحمه، فيرجع الشكّ إلى أنّ هذا الحيوان المذكّى حلال أو حرام؟ و يحكم حينئذ بحلّيّة لحمه استنادا إلى أصالة الحلّ.
و فيه: أنّ الصحيح عدم جريان أصالة التذكية في هذه الصورة و ذلک لاختلاف القضيتين المتيقنة و المشكوكة فان التذکية الموجبة للحلية غير الموجبة للطهارة و المتيقنة هي الثانية و المشکوکة هي الاولی، و عندئذ تصل النوبة إلى الأُصول الحكمية فلا تجري أصالة الحلية، لأنّ الأصل في اللحوم الحرمة، و تجري أصالة الطهارة لأنّ الأصل في الأشياء الطهارة الذاتية فتتبعها الطهارة الشرعية.
هذا و قد يقرر اختلاف القضيتين - بغير النحو الذي ذکرنا - بوجوه ثلاثة(1):
1- انّ موضوع القضية الأُولى هو الحي، و موضوع القضية الثانية الميت، و لا يصحّ أن تعد الحياة و الموت من حالات الموضوع، و لا وحدة بين الحيوان و الجماد.
2- انّ الاستصحاب في المقام من قبيل استصحاب القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، كاستصحاب الإنسانية فيما إذا كان في الدار زيد، ثمّ علمنا بخروجه و احتملنا
ص: 438
قيام فرد آخر مكانه عند الخروج و مثله المقام فإنّ عدم التذكية كان قائماً بالحي، و قد ارتفع و احتملنا حلول فرد آخر مكانه عند زهوق الروح لأجل احتمال اختلال بعض الشروط القابلية فيستصحب الكلي.
و حجّية مثل هذا النوع من الاستصحاب محلّ تأمل، لأنّ الكلي المتحقّق في ضمن الفرد الأوّل غير الكلي المتحقّق في ضمن الفرد الثاني.
3- انّ القضية المتيقنة من قبيل القضية الموجبة، لكن سالبة المحمول و هي عبارة عن جعل القضية السالبة المحصلة، نعتاً للموضوع، كما إذا قيل زيد هو ليس بقائم و في المقام: «الحيوان الذي لم تزهق روحه بالكيفيّة المخصوصة» كان محكوماً بعدم التذكية، لكن القضية المشكوكة، عبارة عن القضية المعدولة، أعني: الحيوان الذي، زهق روحه بغير الشرائط المطلوبة، و استصحاب القضية الأُولى و إثبات القضية الثانية من الأُصول المثبتة.
و إن شئت قلت: إنّ ما له حالة سابقة عبارة عن الحيوان الذي لم تزهق روحه بالكيفيّة و هو قطعي الارتفاع للعلم بزهوق روحه، و ما هو مشكوك الارتفاع، أعني: الحيوان الذي زهقت روحه، بغير الكيفية الشرعية، فاقد للحالة السابقة، لأنّ الشكّ في حدوثه و تحقّقه. هذه صور مختلفة لإشكال واحد و هو عدم وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة.
ما إذا كان الشكّ في الحلّيّة أو الطهارة ناشئا من الشكّ في مانعيّة شي ء عن تأثير التذكية في الطهارة أو هي مع الحلّيّة، كما إذا علمنا بقابليّة حيوان للتذكية و شككنا في بقاء قابليّته لها من جهة الشكّ في أنّ الجلل في الحيوان هل يمنع عن تأثير التذكية فيه فترتفع قابليّته
ص: 439
لها أم لا؟ و في هذه الصورة تستصحب قابليّة الحيوان للتذکية و هذا الاصل موضوعي, و عليه فيصحّ التمسّك بالإطلاق في نفي الشرطية و المانعية، لأنّ الحلية تعلّقت بالمذكّى في الآية و الرواية، قال سبحانه: ﴿وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُم﴾(1), و قوله: «إلّا ما يكون ذكياً ذكّاه الذابح»(2)، و ليست التذكية في اللغة إلّا الفري مع قابلية الحيوان، و المفروض صدق الأمرين و تحقّقهما، فإذا شكّ في شرطية زائد أو مانعيته فالأصل عدمهما فيحكم بطهارة الحيوان و حلّيّة لحمه. و علی هذا فلا تصل النوبة لاصالة الحل.
ثم ان مقتضى الأصل في المقام هو البراءة لكون المقام من قبيل دوران الأمر بين الأقل و الأكثر فترفع شرطية الأمر المشكوك أو مانعيته بالأصل.
فإن قلت: لما ذا لا يجري الأصل في ناحية التذكية، فيتمسك بأصالة عدم التذكية؟
قلت: لا شكّ في تحقّق التذكية إنّما الكلام في اشتراطها بوجود شي ء أو عدمه الذي هو عبارة أُخرى عن مانعية الشي ء الموجود.
و إن شئت قلت: إنّ الشكّ في تحقّق التذكية الشرعية و عدمها مسبب عن شرطية شي ء أو مانعيته، فإذا جرى الأصل في جانب الأصل السببي، ارتفع الشكّ عن جانب الأصل المسببي كما لا يخفى.
ص: 440
أن يشكّ في تذكية الحيوان و كان منشأ الشكّ فيها هو الشكّ في وجود ما يعتبر في التذكية کتوجيه الحيوان إلى القبلة و نحوه و هذه الصورة کالسابقة يجري فيها الأصل الموضوعيّ اي أصالة عدم التذكية، فيحكم بنجاسة الحيوان و حرمة لحمه, هذا بناء علی عدم جريان اصالة الصحة, و الّا فالحکم بالصحة کما لا يخفی .
أن يشكّ في تذكية الحيوان و كان منشأ الشكّ فيها هو الشكّ في ارتفاع القابليّة من جهة احتمال طروء عنوان على الحيوان مانع عن قبوله التذكية، كاحتمال كون الشاة موطوءة إنسان أو ارتضاعها من لبن خنزير. و هذه الصورة کالسابقة يجري فيها الأصل الموضوعيّ اي استصحاب بقاء قابليّته للتذكية و يحكم بطهارة الحيوان و حلّيّة لحمه .
المعروف بين المعاصرين حسن الاحتياط في التوصليات مطلقا و التعبديات بنية الرجاء مع امکانه, فهاهنا امور:
الاول: مع لا شک في إمكان الاحتياط و صحته في العمل العبادي المردد بين الوجوب و الاستحباب لکون الامر فيه معلوما و إن كانت الخصوصية مجهولة, فيأتي بالعمل بنية الامر الواقعي .
ص: 441
الثاني: قيل بحسن الاحتياط في الأُمور التوصلية مطلقا، كدفن الميت المردّد بين كونه مسلماً أو كافراً, و استدل لذلک بالعقل الحاکم بحسن ادراک الواقع, و النقل للاخبار الواردة الدالة علی حسنه و مطلوبيتة .
قلت: اما الاستدلال بالعقل ففيه:
اولا: ان الاستدلال المذکور لحسنه دوريّ و ذلک لأن حسن الاحتياط و مطلوبيته تتوقف علی مطلوبية الواقع المحتملة «بعد فرض عدم تنجز ما في الواقع لان الکلام في الشبهات البدوية لا في موارد العلم الاجمالي» و مطلوبية الواقع المحتمل متوقفة علی مطلوبية الاحتياط و حسنه .
توضيح ذلك: انه ما المراد من الحكم العقلي في المقام؟ لا شك انه ما يحكم به العقل العملي لا النظري و حينئذٍ فالمراد هو امّا ان يكون الاحتياط علة تامة للحسن او مقتضياً له او بالوجوه و الاعتبارات و لا شك عدم صدق الاول و لا الثاني و ذلك لان من الاحتياط ما لا يكون حسناً بل قبيحاً و حينئذٍ فاذا كان بالوجوه والاعتبارات فهو تابع للعناوين الاخرى فاذا ما صدق عليه عنوان حسن مطلوب فسوف يكون حسناً و الّا فلا و عليه نقول ما هو الموجب لكونه حسناً ؟ لا شك انه لا يمكن ان يكون علة لحسنه الّا لكونه مدركاً للواقع و محصلاً لامر المولى فحسنه من هذا الجهة و لكنا نريد من حسن الاحتياط ان نمتثل امر المولی بعد استكشاف امر المولى و رضائه فلو كنا مسبقاً نعلم برضاه فلا داعي للاستدلالعلی حسن تحصيل امره بدليل حسن الاحتياط فاصبح الاستدلال عين المدعى و هو دور باطل(1) يعني ان مطلوبية الاحتياط تتوقف علی مطلوبية الامر الواقعي الذي هو
ص: 442
غير منجز «حسب الفرض لان الکلام خارج عن موارد العلم الاجمالي» ولا نعلم بوجوده بل هو مجرد احتمال نحتمله وحينئذ نسأل ما هو الدليل علی مطلوبية هذ الامر المحتمل؟ قالوا لان الاحتياط حسن فحسن الاحتياط ومطلوبيته تتوقف علی مطلوبية الامر المحتمل ومطلوبيته تتوقف علی حسن الاحتياط ومطلوبيته وهذا هو الدور.
ثانياً: لم يظهر من العقل حسن الاتيان بشيءٍ مجهول بصرف كونه محتمل المطلوبيّة فضلاً عن ان يحكم بالالزام .
ثالثا: لو سلمنا حكومة العقل بحسن الاتيان بما هو محتمل المطلوبيّة فانما هو فيما اذا لم يكن هنالك مانع منه لكن المانع موجود كما في اطلاق قوله تعالى ﴿و ما لكم الّا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه و قد فصّل لكم ما حرم عليكم﴾(1) فالآية باطلاقها صريحة بحرمة
ص: 443
كل تصرف باسم الدين تحت اي عنوان كان و لو كان بعنوان الاحتياط کما صرح بذلک شيخنا الانصاري رحمه الله في بحث البراءة و من المعلوم ان الذي يحتاط انما يحتاط لاجل التدين و التعبد و المحافظة على الاوامر الواقعيةفاطلاق الاية شاملة له بلا شك و لا شبهة و كذلك يشمله اطلاق قوله تعالى ﴿ آلله اذن لكم ام على الله تفترون﴾ .
و بذلک يتضح انه لا معنی للقول بحسن الانقياد بعد عدم تنجز الواقع الاحتمالي.
و اما حسن الاحتياط شرعا فالاخبار المستدل بها عليه کلها اجنبية عنه کما تقدم, فان المراد بالاحتياط الوارد في الاخبار هو معناه اللغوي لا الاصطلاحي فان معنی الاحتياط لغة التحفظ والوقاية وهو الوقوف و التثبت والسؤال والتفحص وعدم الافتاء و عدم العمل بالنسبة الی مشکوک الوجوب بالاتيان به مثلا لا انه بالمعنی الاصطلاحي الحادث وهو اتيان محتمل الوجوب و ترک محتمل الحرمة فقال الراغب الاصفهاني في کتابه المفردات: و الاحتياط استعمال ما فيه الحياطة او الحفظ(1), و قال الزمخشري في کتاب اساس البلاغة حاطک الله حياطة و لازلت في حياطة الله و وقايته(2), و مثل ذلک قال غيرهما : حاطه يحوطه حوطاً وحياطةً اذا حفظه و صانه و ذب عنه و توفر علی مصالحهم ... و حياطة الاسلام حفظه و حمايته.
و قد جاء هذا المعنی في اخبار الاحتياط بشکل واضح ففي صحيحة ابن الحجاج قال «سألت ابا الحسن علیه السلام عن رجلين اصابا صيدا و هما محرمان، الجزاء بينهما او علی کل واحد منهما جزاء؟ قال: لا بل عليهما ان يجزي کل واحد منهما الصيد قلت:ان بعض اصحابنا سألني عن ذلک فلم أدر ما عليه فقال: اذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليکم
ص: 444
بالاحتياط حتی تسألوا عنه فتعلموا»(1) فانها واضحة الدلالة في وجوب الاحتياط بعدم الفتوی و التوقف حتی يسأل عن المسألة فيجاب عليها عن علم و بصيرة ولا علاقة لها بالاحتياط بالمعنی الاصطلاحي باتيان ما احتمل وجوبه او ترک ما احتمل حرمته و هکذا کل اخبار الاحتياط .
هذا مضافا الی ان ايجاب ما ليس بواجب واقعا بعنوان الاحتياط او تحريم ما ليس بحرام واقعا بعنوان الاحتياط مما يخالف الاحتياط و ينافيه .
هذا مع انها معارضة بما دل علی وجوب الکف بمعنی عدم العمل و عدم الافتاء عما لا يعلم مثل قوله تعالی ﴿ و لا تقفُ ما ليس لک به علم﴾ الدالة علی حرمة متابعة ما ليس للانسان به علم, و صحيحه هشام بن سالم «قال قلت لابي عبد الله علیه السلام ما حق الله علی خلقه؟ قال ان يقولوا مايعلمون و يکفوا عما لا يعلمون فإذا فعلو ذلک فقد ادوا الی الله حقه»(2), و عليه فتفسير روايات الاحتياط بهذا المعنی مخالف للقرآن الکريم من حرمة العمل بغير العلم و يباين ما ورد في السنة ايضا من الکف عما لا يعلمون و الکف اعم من القول و العمل يعني ان لا يقولوا و لا يعملوا من غير علم و ان ذلک من حقوق الله عزوجل علی العباد, و الحاصل ان العمل بغير العلم يتنافی مع حق الله عز وجل علی العباد من وجوب الکف عنه .
ص: 445
الامر الثالث: و اما حسن الاحتياط في التعبديات فقد عرفت عدم امکانه مما تقدم في التوصليات کما هو رأي الشيخ الانصاري رحمه الله حيث قال: «و في جريان ذلك- يعني حسن الاحتياط- في العبادات عند دوران الأمر بين الوجوب و غير الاستحباب وجهان أقواهما العدم لأن العبادة لا بد فيها من نية التقرب المتوقفة على العلم بأمر الشارع تفصيلا أو إجمالا كما في كل من الصلوات الأربع عند اشتباه القبلة و ما ذكرنا من ترتب الثواب على هذا الفعل لا يوجب تعلق الأمر به بل هو لأجل كونه انقيادا للشارع و العبد معه في حكم المطيع بل لا يسمى ذلك ثوابا»(1). قلت: و قد ذكروا في وجه تصحيحه وجوهاً و هي کالتالي:
الاول: كشف الأمر عن حسن الاحتياط
فانه يكفي في تصحيح العمل، حسن الاحتياط عقلًا و هو يكشف عن تعلّق الأمر به شرعاً، فيقصد المكلّف ذاك الأمر المستكشف.
و أورد عليه بأمرين:
1. ما أورده الشيخ حيث قال ان هذه الدعوى: مدفوعة بما تقدم في المطلب الأول من أن الأمر الشرعي بهذا النحو من الانقياد كأمره بالانقياد الحقيقي و الإطاعة الواقعية في معلوم التكليف إرشادي محض لا يترتب على موافقته و مخالفته أزيد مما يترتب على نفس وجود المأمور به أو عدمه كما هو شأن الأوامر الإرشادية فلا إطاعة لهذا الأمر الإرشادي
ص: 446
و لا ينفع في جعل الشي ء عبادة كما أن إطاعةالأوامر المتحققة لم تصر عبادة بسبب الأمر الوارد بها في قوله تعالى ﴿أطيعوا الله و رسوله﴾».
2. ما ذكره المحقّق الخراساني من استلزام هذا التصحيح الدور، و ذلك لأنّ حسن الاحتياط متوقف على نفس الاحتياط توقفَ العارض على معروضه و إمكان الاحتياط في المورد موقوف على وجود الأمر، المتوقف على الحسن، لأنّ المفروض استكشاف الأمر بالحسن(1).
الثاني: استكشاف الأمر عن ترتّب الثواب
ما استدل به المحقّق الخراساني من استكشاف الأمر عن ترتّب الثواب على الاحتياط، الكاشف عن وجود الأمر حيث قال: « لو أتى به كذلك أو التماسا للثواب الموعود كما قيد به في بعضها الآخر لأوتي الأجر و الثواب على نفس العمل لا بما هو احتياط و انقياد ف يكشف عن كونه بنفسه مطلوبا و إطاعة»(2).
و يرد عليه اولا: ما اورد علی الوجه الأوّل من عدم كونه أمراً مولوياً فلا إطاعة له حتى يقصد إطاعته.
و ثانيا: أنّ ترتّب الثواب أوّل الكلام فانّه فرع ثبوته و المفروض وجود الشكّ في ثبوته.
الثالث: الاحتياط مجرّد الفعل عدا نيّة القربة
ص: 447
و فيه: أنّ البحث هو الاحتياط في محتمل العبادة، فلو أتى بالعمل مجرّداً عنها، فلا يكون احتياطاً كاملًا بل احتياطاً نسبياً غير مقيد، لأنّه لو كان عبادة لا يفيد إلّا إذا صدر عن المكلّف عن نيّة القربة.
الرابع: كفاية الإتيان باحتمال الأمر
ثم ان الشيخ رحمه الله ابدی احتمال جريان الاحتياط فيها فقال: «و يحتمل الجريان بناء على أن هذا المقدار من الحسن العقلي يكفي في العبادة و منع توقفها على ورود أمر بها بل يكفي الإتيان به لاحتمال كونه مطلوبا أو كون تركه مبغوضا و لذااستقرت سيرة العلماء و الصلحاء فتوى و عملا على إعادة العبادات لمجرد الخروج عن مخالفة النصوص الغير المعتبرة و الفتاوى النادرة، و استدل في الذكرى في خاتمة قضاء الفوائت على شرعية قضاء الصلاة لمجرد احتمال خلل فيها موهوم بقوله تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم و اتقوا الله حق تقاته﴾ و قوله ﴿و الذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم وجلة إنهم إلى ربهم راجعون﴾»(1).
اقول: اما منع توقف العبادة علی ورود الامر وکفاية مجرد الاحتمال فمعناه اننا نأتي بالعمل ونتعبد به قبل احراز مشروعيته وهو حرام قطعا و الشيخ رحمه الله هو بنفسه متردد ايضا في مشروعيته حيث قال: «و التحقيق أنه إن قلنا بكفاية احتمال المطلوبية في صحة العبادة فيما لا يعلم المطلوبية و لو إجمالا فهو و إلّا فما أورده رحمه الله في الذكرى كأوامر الاحتياط لا يجدي في صحتها لأن موضوع التقوى و الاحتياط الذي يتوقف عليه هذه الأوامر لا يتحقق إلّا بعد إتيان محتمل العبادة على وجه يجتمع فيه جميع ما يعتبر في
ص: 448
العبادة حتى نية التقرب و إلّا لم يكن احتياطا فلا يجوز أن يكون تلك الأوامر منشأ للقربة المنوية فيها»(1).
ثم قال رحمه الله: «اللهم إلّا أن يقال بعد النقض بورود هذا الإيراد في الأوامر الواقعية بالعبادات مثل قوله أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة حيث إن قصد القربة مما يعتبر في موضوع العبادة شطرا أو شرطا و المفروض ثبوت مشروعيتها بهذا الأمر الوارد فيها أن المراد من الاحتياط و الاتقاء في هذه الأوامر هو مجرد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نية القربة فمعنى الاحتياط بالصلاة الإتيان بجميع ما يعتبر فيها عدا قصد القربة فأوامر الاحتياط تتعلق بهذا الفعل و حينئذ فيقصد المكلف فيه التقرب بإطاعة هذا الأمر و من هنا يتجه الفتوى باستحباب هذا الفعل و إن لم يعلم المقلد كون هذا الفعل مما شك في كونها عبادة و لم يأت به بداعي احتمال المطلوبية.
و لو أريد بالاحتياط في هذه الأوامر معناه الحقيقي و هو إتيان الفعل لداعي احتمال المطلوبية لم يجز للمجتهد أن يفتي باستحبابه إلّا مع التقييد بإتيانه بداعي الاحتمال حتى يصدق عليه عنوان الاحتياط مع استقرار سيرة أهل الفتوى على خلافه فيعلم أن المقصود إتيان الفعل بجميع ما يعتبر فيه عدا نية الداعي»(2).
اقول: اما ما ذکره من النقض فغير وارد لانها اصبحت مشروعة بتلک الاوامر بخلاف اوامر الاحتياط فانها ارشادية الی ما فيه الامر و هو لا وجود له ، و بذلک يظهر بطلان قوله من کون المراد من الامر الاحتياطي اتيان نفس العمل عدا نية القربة فبعد عدم کفاية الامر
ص: 449
الاحتياطي لمشروعيته ما هو الدليل علی مشروعية العمل؟ واما ما ذکره من السيرة فلا علم لنا باتصالها بزمان المعصومين عليهم السلام .
و اما ما قيل: من انه لا يعتبر في صحّة العبادة قصد الأمر، بل يكفي الإتيان بها للّه سبحانه، فلو كان ما ذكرنا كافياً في العبادات القطعية و مغنياً عن قصد الأمر القطعي فليكن كافياً في العبادات المحتملة. ففيه: ان التعبد بالعمل بالاتيان به لله جل و علا يتوقف علی ثبوت اصل التعبد به, و العمل الذي لم يثبت جواز التعبد به لا يجوز الاتيان به لله بحکم قوله تعالی ﴿آلله اذن لکم ام علی الله تفترون﴾ کما و انه مشمول لاطلاقات البدعة فهو عمل محرم, و قياسه علی العبادات القطعية قياس مع الفارق لمعلومية مشروعية التعبد بها دونه .
اقول: اشتهر بين المتأخرين(1) من علمائنا يعني من زمان الشهيد الاول رحمه الله و من بعده القول بالتسامح بادلة السنن بمعنی عدم اعتبار ما يذکر من الشروط للعمل باخبار الآحاد من الوثاقة او العدالة و الضبط فقد قال في الذکری: «ان اخبار الفضائل يتسامح فيها عند اهل
ص: 450
العلم»(1) خلافا للعلامة في المنتهی و السيد محمد العاملي في المدارک حيث قال الثاني منهما: «و مايقال من ان ادلة السنن يتسامح فيها، بما لا يتسامح في غيرها منظور فيه لأن الاستحباب حکم شرعي يتوقف علی دليل شرعي».
هذا و لم يُطرح هذا البحث بين المتقدمين من اصحابنا و لم يعنون في کتبهم غير ان سيرتهم کانت قائمة علی رفض الاخبار الضعيفة و عدم الاعتماد عليها في الفتوی فقد کانوا ينقلون کثيرا من الاخبار في کتب الرواية الّا انهم لم يفتوا بها في کتب الفقه بل قد يردّون کثيرا من اخبار المستحبات.
ثمّ إنّه ربما يستدل على القاعدة بالإجماع و حكم العقل و لا يخفی ما فيهما, اما الإجماع فقد عرفت تاخره اولا و على فرض ثبوته فهو مدركيّ مستند إلى الروايات الاتية، و أمّا العقل فلا حکم له بالحسن کما تقدم، کما لا يستقل باستحباب نفس العمل و لا بخصوص الثواب الوارد في الرواية .
و عليه فينحصر الاستدلال بالاخبار فلابد من ذكرها و التكلّم في حدود دلالتها. اقول: و الاخبار لا تتجاوز اربعة روايات حيث ان خبري هشام خبر واحد و خبري محمد بن مروان ايضا خبر واحد و خبر و خبر عن العامة و العجب من الشيخ الاعظم رحمه الله حيث ادعی تواترها معنیً(2), و غير هذه الاخبار الثالثة نقل بالمعنی لهذه الاخبار و الصحيح منها خبري هشام لا غير, و هما:
ص: 451
1- صحيح هشام بن سالم عن الصادق علیه السلام انه قال: «من بلغه عن النبي صلي الله عليه و آله شيء من الثواب فعمله کان اجر ذلک له و ان کان رسول صلي الله عليه و آله لم يقله»(1).
2- و مثله صحيحه الاخر عن الصادق علیه السلام : «من سمع شيئا من الثواب علی شيء فصنعه کان له اجره و ان کان لم يکن کما بلغه»(2).
و الظاهر انهما رواية واحدة و ان تفاوتت الفاظهما يسيراً, کما و انه روی الاولی بواسطة صفوان, و الثانية بلا واسطة، و اما غيرهما من الأخبار فهي ضعيفة السند او لا صلة لها بالمقام, و هي:
1- خبر محمد بن مروان، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «من بلغه عن النبي شي ء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي كان له ذلك الثواب و إن كان النبيلم يقله»(3), و الرواية ضعيفة لعدم توثيق محمد بن مروان(4), و رواه الكليني ايضا بسند ضعيف عنه(5).
ص: 452
2- ما رواه الصدوق في عيون الأخبار عن حمدان بن سليمان «في تفسير قول اللّه عزّ و جلّ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلام﴾(1)، فجاء فيه يشرح صدره للتسليم للّه و الثقة به و السكون إلى ما وعده من ثوابه حتى يطمئن إليه»(2).
3- مرسلة علي بن محمد القاساني ففيها: «من وعده اللّه على عمل فهو منجزه، و من أوعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار»(3).
و الروايتان الاخيرتان لا صلة لهما بالمقام, اما رواية حمدان فانّ السكون إلى ما وعد اللّه متوقف علی ثبوته بالدليل الصحيح, كما و أنّ المراد من الثاني هو التفريق بين الوعد و الوعيد، فانّ الأوّل لازم الوفاء دون الثاني فهو ناظر إلى مسألة كلامية فالمعتزلة على لزوم الوفاء بالوعيد مثل الوعد، و الإمامية على خلافهم.
4- ما روه ابن فهد في عدّة الداعي عن غير طرقنا مرفوعاً إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: «قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: من بلغه من اللّه فضيلة فأخذ بها إيماناً باللّه، و رجاء ثوابه أعطاه اللّه ذلك و إن لم يكن كذلك»(4).
ثم انه قد اختلفت كلمة علماؤنا المعاصرين في مفادها علی اقوال ثلاثة:
ص: 453
الاول: ان يکون مفادها حجية الخبرالضعيف و بعبارة اخری انها دالة علی ان الخبر الضعيف حجة اصولية و بذلک يكون الفعل مستحباً بالذات, و الی هذه النظرية ذهب مير فتاح المراغي صاحب العناوين، و استدل على ذلك بأنّ أغلبالمندوبات و المكروهات ليس لها دليل قويّ مع أنّ الفقهاء يُفتون بالندب و الكراهة، فيعتمدون على الخبر الضعيف و فتوى الفقيه الواحد و الشهرة المجردة(1).
و فيه: أنّ هذا المعنی مخالف لظاهر الروايات و ذلک لان لسان الحجّية هو إلغاء احتمال الخلاف و البناء على أنّ مؤدّى الطريق هو الواقع كما في قوله: «ما أدّيا عنّي فعني يؤدّيان» لا احتمال عدم ثبوت المؤدى في الواقع كما يحكي عنه قوله: «و إن كان رسول اللّه لم يقله» فهذا اللسان لا يناسب إعطاء الحجّية و لا يصلح لها.
الثاني: ان يکون مفادها استحباب نفس العمل الذی بلغ عليه الثواب بمعنی دلالته علی الاستحباب الشرعي و اليه ذهب صاحب الکفاية مستدلا عليه بما حاصله: «انّ الثواب في صحيحة هشام رتب على نفس العمل حيث قال: كان أجر ذلك، فالمشار إليه بلفظة «ذلك»، هو نفس العمل، و بما انّ الاستحباب لا ينفكّ عن المصلحة، فيكشف عن حدوث مصلحة فيه عند طروء عنوان البلوغ أو السماع فيصير مستحباً و يترتّب عليه آثاره و يصير نظير قوله: من سرّح لحيته فله كذا»(2).
و اجيب, اولا: ليس المراد من أجر العمل في الرواية هو الأجر الواقعي المكتوب على العمل بما هو هو، و ذلك لأنّه كما يحتمل صدقه، يحتمل كذبه، فليس الأجر الواقعي أمراً محرزاً، بل المراد الأجر الوارد في الخبر الأعمّ من أن يكون موافقاً للواقع أو لا، و هذا
ص: 454
النوع من الأجر لم يثبت للعمل بما هو هو، بل ثبت للعمل في الظرف الذي يأتي به المكلف بنيّة درك الثواب الموعود، و من المعلوم انّ ثبوت هذا النوع من الأجر لا يكشف عن استحباب العمل بما هو هو و إنّما يكشف إذا ترتّب عليه الثواب في عامّة الظروف لا في ظرف خاص، و هو خلاف ظاهر الرواية، و أقصى ما يستفاد منه هو عدم حرمان العامل من الأجر تفضّلًا منه سبحانه.
و ثانيا: ما استظهره إنّما يصحّ لو كان الدليل منحصراً برواية هشام، و لكن هناك روايتان عن طريق محمد بن مروان صريحتان في الثواب لغاية طلب قول النبي، أو التماس ذلك الثواب و معه لا يمكن الاعتماد بالظهور البدائي في صحيحة هشام.
و بذلك يتضح الفرق بين المقام و ما ورد من قوله: من سرح لحيته فله عشر حسنات، أو من صام نصف شعبان فله كذا. فانّ الثواب في الموردين ترتّب على نفس العمل، بخلاف المقام فانّه مترتب على الطاعة الحكمية أي احتمال الأمر، و في مثله لا يكشف الثواب عن وجود الأجر القطعي.
و فيه: ان هذا الجواب يبتني علی ظهور الروايات في الثواب الانقيادي و ثبوته, و سيأتي عدم ظهورها في ذلک و انها اجنبية عن هذا المعنی .
الثالث: ان يکون مفادها حصول الثواب علی العمل من باب الانقياد و الذي يعبّرعنه بالثواب الانقيادي و اليه ذهب الشيخ الأنصاري فانه ذکر انّ هذه الأخبار لا تدل إلّا على ثبوت الأجر للعامل، و لا تدل على استحباب العمل، و بالتالي لا يمكن تصحيح العمل العبادي المردّد بين الاستحباب و غير الوجوب بهذه الأخبار, و ذکر في توضيح ذلک فقال: «إنّ الظاهر من هذه الأخبار كون العمل متفرعاً على البلوغ، و كونه الداعي على العمل، و يؤيّده تقييده في غير واحد من تلك الأخبار بطلب قول النبي و التماس الثواب
ص: 455
الموعود، و من المعلوم انّ العقل مستقل باستحقاق هذا العامل، المدحَ و الثواب و حينئذٍ إن كان الثابت في تلك الأخبار، هو أصل الثواب كانت مؤكدة لحكم العقل بالاستحقاق إلى أن قال: و إن كان الثابت بهذه الأخبار خصوص الثواب البالغ كما هو ظاهر بعضها فهو و إن كان مغايراً لحكم العقل باستحقاق أصل الثواب على هذا العمل، إلّا أنّ مدلول هذه الأخبار أخبار عن تفضل اللّه سبحانه على العامل بالثواب المسموع، و على كلّ تقدير فلا تدل على صيرورة العمل مستحباً»(1), و الی هذ المعنی ذهب المحقق الخوئي ايضا .
و فيه: ما تقدم من عدم حکم العقل بذلک الثواب الانقيادي, و ما سيأتي من عدم ظهور الاخبار في ذلک لعدم الاطلاق فيها .
هذا و اجاب المحقق الخراساني عن هذا الاستظهار بما حاصله: «أن فاء التفريع و ان اقتضى صدور العمل بداعي التماس الثواب بحيث لولاه لما وجد في الخارج، لكن الداعي جهة تعليلية للعمل و خارج عن حقيقته، و ليس الدعي جهة تقييدية حتى يكون قصد رجاء الثواب جزءا من موضوع حكم الشارع بإعطاء الثواب على العمل، فلا يوجب الداعي المزبور وجها و عنوانا للعمل، و انما الموجب له هو الجهة التقييدية المفقودة في المقام، فالثواب في أخبار «من بلغ»مترتب على نفس العمل فيثبت حينئذ استحباب نفس الفعل الّذي دل خبر ضعيف على أنه ذو ثواب»(2).
و فيه: ان هذا الجواب يبتني علی کون الرواية ظاهرة في المعنی الثاني و سيأتي عدم ظهورها فيه .
ص: 456
و هذه النظرية مبنية على كون الجملة الخبرية بمعنى الإنشاء و معنى قوله «فعمله أو فعله» هو: الأمر بالفعل و العمل كما هو الشأن في غالب الجمل الخبرية الواردة في بيان الأحكام، و على هذا يصحّ أن يقال أنّ أخبار من بلغ مسوقة لبيان انّ البلوغ يحدث مصلحة في العمل بها يكون مستحباً فيكون البلوغ كسائر العناوين الطارئة على الأفعال الموجبة لحسنها أو قبحها و المقتضية لتفسير أحكامها، كالضرر و العسر و النذر و الإكراه و غير ذلك من العناوين الثانوية، فيصير حاصل معنى قوله عليه السلام : «أو بلغه شي ء من الثواب فعمله» بعد حمل الجملة الخبرية على الإنشائية، هو انّه يستحب العمل عند بلوغ الثواب عليه، كما يجب العمل عند نذره، ثمّ استقرب هذا الوجه قائلًا: إنّ ما عليه المشهور حيث إنّ بناءهم في الفقه على التسامح في أدلّة السنن»(1), و الفرق بين هذه النظرية و الثانية هو أنّ العمل على الثانية يصير مستحباً ذاتياً، بخلافه على هذا النظرية يكون مستحباً عرضيّاً لعروض عنوان البلوغ، و قد أوضحه بإنّ الوجه الثاني مبني على أن يكون مفاد أخبار من بلغ حجّية قول المبلغ، و أنّ ما أخبر به هو الواقع، فيترتب عليه كلّ ما يترتب على الخبر الواحد للشرائط، و يكون العمل بما هو هو مستحباً، و أمّا على هذه النظرية فانّ مفاده مجرّد إعطاء قاعدة كلية و هي: استحباب العمل إذا بلغ عليه شي ء من الثواب، فيكون مفاد أخبار من بلغ قاعدة فقهية كقاعدة لا ضرر و لا حرج»(2).
ص: 457
و فيه: انّ حمل الجمل الاخبارية على الإنشاء خلاف الظاهر, و اذا ما صح فإنّما يصحّ في الواجبات و المستحبات المؤكدة حيث تكون شدّة العلاقة بالمطلوب سبباً عن الإخبار عن وجوده في الخارج فيخبر عنه، مكان الانشاء، و أمّا المقام فليس كلّ مستحب بهذه المكانة من الأهمية حتى يصحّ الاخبار عنه.
اقول: إن هذه الاقوال الاربعة کلها تبتني علی ثبوت الاطلاق في قوله صلي الله عليه و آله «من بلغه شيء» انه من بلغه من اي طريق کان سواءً وصل بالطرق و الامارات المعتبرة ام لا و سواء کان من طريق الثقات ام غيرهم من الفساق و الکذابين و الضعفاء و المجهولين و الحال ان هذه الاخبار ليست في مقام بيان العمل باخبار المستحبات من اي طريق بلغت و وصلت حتی يکون لها اطلاق بهذا المعنی بل انها فی مقام بيان انه لو نقل الثواب علی عمل مستحب مفروغ الاستحباب و معلومه و لم يکن الثواب مطابقا للواقع لاشتباه وقع في البين فان الله جل وعلا سوف يعطي ذلک الثواب و ليس المراد منها انه من بلغه شيء من الثواب من اي طريق کان ولو من فاسق او کافر او کذاب او مجهول او ضعيف و يشهد لذلک قرائن داخلية من نفس هذه الاخبار فقد جاء في صحيحة هشام «وان لم يکن کما بلغه» يعني و ان لم يکن الحديث کما بلغه کما جاء التصريح بذلک في رواية محمد بن مروان(1), و هذه العبارة دالة علی ان اصل ورود الخبر امر مفروغ عنه لا أن مشروعيته متوقفة علی وجود نفس الخبر الضعيف کما و قد جاء في بعضها مثل صحيح هشام عن
ص: 458
صفوان «انه من بلغه شيء من الثواب علی شيء من الخير»(1), و هذه العبارة اصرح من سابقتها في کون مشروعية الشيء ثابتة و خيريته معلومة و مثلها رواية الحلواني من العامة عن جابر ففيها: «من بلغه من الله فضيلة...» و الحاصل ان هذه الاخبار ليست بصدد تأسيس حجية اصولية او حجية فقهية او غيرهما بل انها تقول انه لو ورد خبر بالطرق المعهودة و الامارات المعتبرة علی عمل ثابت المشروعية لا مشکوکها و قد نقل الثواب عليه بشکل لا يطابق الواقع فان الله جل و علا سوف يعطيه الثواب و ان لم يقله الرسول الاکرم صلي الله عليه و آله و لم يفهم المتقدمون من اصحابنا غير هذا المعنی و لذا تراهم يردون کثيرا من الاخبار الضعيفة في باب المستحبات کما و انّهم اعرضوا کاملا عن الاخبار المنقولة عن الرسول صلي الله عليه و آله من طرق العامة في المستحبات فلو کان الامر - کما قال المتأخرون و من بعدهم - صحيحا فاللازم ان تنعکس تلک الاخبار في فتواهم هذا اولاً.
و ثانياً انها علی فرض کونها مطلقة فهي مخالفة للقرآن الکريم حيث دل علی لزوم طرح خبر الفاسق و جعل احتمال صدقه کالعدم .
لايقال: هذه الاخبار لا تدل علی جواز الرکون الی خبر الفاسق و تصديقه و انما تدل علی استحباب ما روی الفاسق استحبابه .
فانه يقال: ان هذا و ان لم يکن تصديقا له الّا ان معنی طرح خبر الفاسق جعل احتمال صدقه کالعدم و هذه المعاني الاربعة لهذه الاخبار تدل علی الاعتناء باحتمال صدقه و عدم جعله کالعدم و لهذا لوقع نظير هذا في خبر الفاسق الدال علی الوجوب لکانت ادلة طرح خبر الفاسق معارضة له قطعا و في الحقيقة ان هذا عمل بخبر الفاسق و ليست النسبة بينهما بالعموم و الخصوص المطلق حتی يقال بتخصيص هذه الاخبار بأحد المعاني
ص: 459
الاربعة للقرآن بل النسبة بينهما عموم من وجه لان خبر الفاسق يعم المستحبات و غيرها و هذه الاخبار تعم خبر الفاسق و غيره کما هو واضح .
و اجاب الشيخ الاعظم رحمه الله عن هذاالاشکال بقوله: ان دليل طرح خبرالفاسق ان کان هو الاجماع فهو في المقام غيرثابت وان کان آية النبأ فهي مختصة بشهادة تعليلها بالوجوب و التحريم فلابد في التعدي عنهما من دليل مفقود في المقام(1).
اقول: لا شک في ثبوت الاجماع العملي علی طرح خبر الفاسق من زمان المعصومين عليهم السلام الی زماننا هذا عدا الحشوية من العامة و الاخباريين من الخاصة و لا عبرة بهما کما لايخفی .
و اما اختصاص آية النبأ بالوجوب و التحريم بشهادة ما في ذيلها من التعليل فعجيب فان الآية الشريفة في مقام الارشاد الی عدم العبرة بخبرالفاسق مطلقا قبل التبين و انه قد يجر الی الندامة وأي اختصاص لذلک بالوجوب و التحريم مضافاً الی ان الامر بالتبين لم يقيد بالتعليل فعلی فرض اختصاص التعليل بالوجوب و التحريم فإن الامر بالتبين مطلق و لا يختص بالواجبات و المحرمات و حاصل معنی الاية انه يلزم عليکم التبين مطلقاً لان عدم التبين قد يجر إلی الندامة في بعض الموارد لا انه يجر الی الندامة مطلقاً و يشهد لذلک مورد نزول الاية المبارکة من اخبار الوليد بارتداد... فإن اخباره اولاً لم يکن في الاحکام بل في الموضوعات و ثانياً يمکن ان يکون صادقا في الواقع فلا ندامة و يمکن ان يکون کاذباً ففيه الندامة فترتب العلة امر احتمالي فالتعليل يختص بالموضوعات و لاعلاقة له بالاحکام و عليه فالامر بالتبين علی اطلاقه من جهة الاحکام و الموضوعات و التعليل مختص بالموضوعات.
ص: 460
فان قلت: ان المراد بالنباء الامر المهم مثل اخبار الوليد بارتداد ...
قلت: علی فرض اختصاص النبأ بالامر المهم فلا شک ان الاخبار بترتب ثواب عظيم علی عمل من الامور المهمة و الخطيرة سواء کانت دنيوية ام اخروية .
و الحاصل ان حمل هذه الاخبار علی احد هذه المعاني الاربعة المتقدمة مخالف للکتاب العزيز الدال علی عدم العبرة بخبر الفاسق مطلقا قبل التبين فتشملها ما دل علی طرح ما خالف الکتاب و انه باطل.
و الحاصل انه لابد من ان نقول باختصاص اخبار من بلغ بالاخبار الواردة من الطرق الصحيحة و الامارات المعتبرة و لادلالة فيها علی حجية الخبر الضعيف او استحباب مدلوله او ما يقال بدلالتها علی الثواب الانقيادي.
هذا مع انها معارضة ايضا بما دل علی وجوب الکف بمعنی عدم العمل و عدم الافتاء عما لا يعلم مثل صحيحه هشام بن سالم قال قلت لابي عبدالله علیه السلام ماحق الله علی خلقه؟ قال ان يقولوا مايعلمون و يکفوا عما لا يعلمون فإذا فعلو ذلک فقد ادوا الی الله حقه(1) .
وجه المعارضة: انه بناءً علی القول بالثواب الانقيادي يکون معنی اخبار من بلغ هو: ان العمل بغير العلم في باب المستحبات يوجب الثواب و هذا المعنی لا يکون تخصيصاً لادلة الحرمة بغير العلم و لا حاکماً عليها لان لسانه ليس لسان الحکومة کما لا يخفی فلا يقول إن العمل بغير العلم في المستحبات ليس عملاً بغير العلم بل يقول انه عمل بغير علم بشهادة ما فيه: «و ان لم يقله رسول الله صلي الله عليه و آله » و مع ذلک فهو يوجب الثواب و هذا المعنی يباين ما ثبت في القرآن الکريم من حرمة العمل بغير العلم قال تعالی﴿و لا تقفُ ما ليس
ص: 461
لک به علم﴾ ويباين ما ورد في السنة ايضا من الکف عما لا يعلمون ؛ و هو اعم من القول و العمل يعني ان لا يقولوا و لا يعملوا من غير علم و ان ذلک من حقوق الله عزوجل علی العباد , فالحاصل ان العمل بغير العلم يتنافی مع حق الله عز وجل علی العباد من وجوب الکف عنه, کما و ان تفسير اخبار من بلغ بالمعنی الثالث من انها ارشادالی حکم العقل من حسن الاحتياط عقلا تفسير مرفوض جدا و ذلک لعدم وجود حکم للعقل حتی تکون اخبار من بلغ مرشده اليه .
قد عرفت أنّ الشبهة الحكمية التحريمية مجرى للبراءة و البحث هنا في جريانها في الموضوعية منها، كما إذا شكّ في كون مائع خمراً، فهل تجري فيها مطلقا أو لا تجري فيها كذلك أو تجري في بعض الموارد و لا تجري في بعض آخر؟
فذهب الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى جريانها فيها مطلقا، فقال: «المسألة الرابعة دوران الحكم بين الحرمة و غير الوجوب مع كون الشكّ في الواقعة الجزئيّة لأجل الاشتباه في بعض الامور الخارجيّة، كما إذا شكّ في حرمة شرب مائع و إباحته للتردّد في أنّه خلّ أو خمر، و في حرمة لحم للتردّد بين كونه من الشاة أو من الأرنب. و الظاهر عدم الخلاف في أنّ مقتضى الأصل فيه الإباحة».
ثمّ تعرّض لتوهّم و أجاب عنه: و حاصل التوهّم: أنّ البراءة لا تجري في الشبهة التحريميّة الموضوعيّة، لأنّ الشكّ فيها ليس شكّا في التكليف كي تجري فيها قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو يرجع إلى حديث الرفع، ضرورة أنّ وظيفة الشارع- بما هو شارع- جعل الحكم بنحو الكلّيّ، بأن يقول: «الخمر حرام، و الخلّ حلال». و من المعلوم أنّه جعل الحكم بهذا
ص: 462
النحو و بيّنه و وصل إلى المكلّف، و انّما الشكّ في التطبيق و أنّ هذا المائع الخارجيّ هل يكون ممّا ينطبق عليه متعلّق الحرمة- أي: الخمر- أم لا؟ و إزالة هذا الشكّ ليس من وظيفة الشارع الأقدس، بل إزالته على عهدة المكلّف نفسه.
و حينئذ فاشتغال ذمّة المكلّف بالاجتناب عن الخمر يقينيّ، و الاشتغال اليقينيّ يقتضي البراءة اليقينيّة، و هي تحصل بالاحتياط و الاجتناب عن المائع المردّد من باب المقدّمة العلميّة.
و اجاب عنه بما حاصله: أنّ مجرّد العلم بجعل الحكم بنحو الكلّي مثل: «الخمر حرام» غير كاف في تنجّز التكليف على المكلّف، بل الملاك في التنجّز الّذي يمنع من جريان قاعدة القبح بلا بيان ؛ هو العلم بحرمة الأفراد تفصيلا- كالعلم بأنّ هذا المائع الخارجيّ خمر حقيقة- أو إجمالا- كأن يعلم بأنّ أحد هذين الإنائين خمر-، و أمّا الفرد المشتبه بالشبهة البدويّة- كما نحن فيه- فلا علم بحكمه، لا تفصيلا و لا إجمالا، فلا يكون التكليف بالنسبة إليه منجّزا.
و عليه فلو ارتكبه المكلّف و صادف كونه خمرا واقعا فهو معذور، لجريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان»(1).
و لم يرتض المحقق الخراساني إطلاق كلام الشيخ و أفاد: أنه لا بد في جريان البراءة في الشبهات الموضوعية من التفصيل بين ما إذا تعلّق النهي بترك الطبيعة رأسا في أيّ زمان أو مكان، بحيث لو وجد فرد واحد منها في ذلك الزمان أو المكان لما حصل الامتثال أصلا، و بين ما إذا تعلّق النهي بوجودات الطبيعة، بحيث كان كلّ فرد من أفراد الموضوع محكوما بحكم واحد مستقلّ.
ص: 463
بيان ذلك: أن متعلق النهي تارة يكون نفس الطبيعة بلا نظر إلى ما لها من الحصص، فتكون القضية الشرعية حينئذ معدولة، لكون حرف السلب جزءا من محمولها، فيكون قولنا: «لا تشرب الخمر» بمنزلة قولنا: «كن لا شارب الخمر». و أخرى يكون الملحوظ الحصص و وجودات الطبيعة بحيث يكون كل وجود من وجوداتها متعلقا لحكم على حدة، لوجود تمام ملاك الحكم فيه، فتكون القضية الشرعية حينئذ قضية حقيقية ينحل الحكم المأخوذ فيها إلى أحكام عديدة حسب تعدد الموضوعات و أفراد الطبيعة، فيكون قوله: «لا تشرب الخمر» بمنزلة قوله: لا تشرب هذا الخمر و لا تشرب ذلك الخمر و هكذا، نظير العام الاستغراقي الّذي يكون كل فرد من أفراده بحياله موضوعا للحكم كوجوب إكرام كل فرد من أفراد العلماء المستفاد من قوله: «أكرم العلماء».
إذا عرفت هذين النحوين من تعلق النهي بالماهية، فاعلم: أنه إذا كان تعلق النهي بها من قبيل النحو الأوّل، فلازمه عدم جواز ارتكاب مشكوك الفردية اعتمادا على أصالة البراءة، لأن مجراها هو الشك في التكليف، دون الشك في المحصّل الراجع إلى الشك في الفراغ، و المقام يكون من الثاني، دون الأول، إذ المفروض أن الشك ليس في نفس التكليف حتى يجري فيه البراءة، بل الشك في الفراغ، لتعلق النهي بالطبيعة دون الأفراد، فترك الأفراد لازم عقلا من باب المقدمة العلمية، لتوقف اليقين بالفراغ عن ترك الطبيعة المنهي عنها على اجتناب ما احتمل كونه فردا كترك ما علم بفرديته لها.
و إذا كان تعلق النهي بالماهية من قبيل النحو الثاني، فلازمه جواز ارتكاب ما شك في فرديته للطبيعة المنهي عنها اعتمادا على أصالة البراءة، لأن الشك حينئذ في ثبوت التكليف، إذ المفروض كون كل فرد من أفراد طبيعة الخمر مثلا محكومابحكم على حدة، فالشك في فردية شي ء للخمر يستتبع الشك قهرا في الحرمة، فتجري فيها البراءة،
ص: 464
فيجوز ارتكابه، كما يجوز ارتكاب المشتبه بناء على تعلق التكليف بنفس الطبيعة لا الأفراد فيما إذا كان مسبوقا بترك تلك الطبيعة، فان ارتكاب المشتبه يوجب الشك في انتقاض الترك بالفعل، فيستصحب ذلك الترك حين ارتكاب المشتبه.
و قد تحصل مما ذكرنا: أن الفرد المشتبه بالشبهة الموضوعية على ثلاثة أقسام:
الأول: المشكوك كونه فردا للطبيعة التي تعلق النهي بها بلحاظ أفرادها لكون الشكّ في كون الفرد مصداقا للموضوع شكّا في ثبوت التكليف، إذ المفروض كون كلّ فرد محكوما بحكم مستقلّ، فالشكّ في فرديّة شي ء يستتبع الشكّ في ثبوت الحكم له، فتجري البراءة و يجوز ارتكابه.
الثاني: المشكوك كونه فردا للطبيعة التي تعلق النهي بها بما هي مع كونها مسبوقة بالترك لأنّه إذا كان ذلك الشي ء المأتي به المشكوك الفرديّة مسبوقا بعدم الفرديّة، فشكّ في أنّه صار فردا لطبيعة الفعل كي يكون الإتيان به موجبا لانتقاض ترك الطبيعة بالفعل أو كان باقيا على حالته السابقة فلا يكون فردا لها و لا الإتيان به موجبا لانتقاض ترك الطبيعة بالفعل، فحينئذ يستصحب عدم فرديّته بالفعل، و يحكم ببقاء الترك مع الإتيان بذلك الفرد .
الثالث: المشكوك كونه فردا للطبيعة التي تعلق النهي بها بما هي مع عدم كونها مسبوقة بالترك. و في الأوّلين يجوز ارتكاب مشكوك الفردية، و في الأخير لا يجوز لكون الشكّ فيه شک في محصّل الفعل الّذي تعلّق النهي بتركه رأسا معلوم، فاشتغال الذمّة بالترك رأسا يقينيّ، و هو يقتضي الفراغ اليقينيّ، و هو لا يحصل إلّا بترك كلّ فرد يحتمل انطباق الفعل عليه، فما أفاده الشيخ رحمه الله من جواز ارتكاب الأفراد المشتبهة مطلقا استنادا إلى البراءة ممنوع.
ص: 465
اقول: الظاهر ان کلام الشيخ ناظر الی الصورة الاولی دون الاخيرتين فلا اختلاف بينه و بين المحقق الخراساني .
و قبل الخوض في المسألة لا بد من بيان امور:
الأوّل: أنّه يعتبر في اصالة التخيير أن يدور أمر الفعل بين الوجوب و الحرمة فقط، فإذا احتمل اتّصافه بغيرهما من الأحكام غير الإلزاميّة يرجع إلى البراءة، لكونه شكّا في التكليف الإلزاميّ.
الثاني: أنّه يعتبر أن لا يكون أحد الحكمين موردا للاستصحاب، و إلّا وجب العمل بالاستصحاب.
الثالث: انّ مجرى التخيير عبارة عمّا إذا لم يمكن الاحتياط، كما إذا دار الأمر بين الوجوب و الحرمة في شي ء واحد، فهو على هذا ليس من أقسام الشكّ في التكليف و لا الشكّ في المكلّف به، بل له مجرى خاص و له أصل خاص, و بذلك يعلم انّ دوران الأمر بين المحذورين الذي هو مجرى التخيير، أمر مستقل ليس بداخل في الشكّ في التكليف و لا في الشكّ في المكلّف به، لاختصاصهما بما إذا أمكن الاحتياط دون ما لا يمكن, فالميزان في جريان أصالة التخيير هو امتناع الموافقة القطعية سواء كانت المخالفة القطعية أيضاً ممتنعة كما في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة و كانت الواقعة واحدة، كشرب مائع مردّد بين الحلف على فعله أو تركه في ليلة معينة؛ أو كانت ممكنة، كتردده بينهما مع تعدد الواقعة كلّ ليلة جمعة إلى شهر .
إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ الكلام يقع في مقامات ثلاثة:
ص: 466
1: دوران الأمر بين المحذورين مع الشكّ في نوع التكليف التوصلي.
2: دوران الأمر بين المحذورين مع الشكّ في نوع التكليف التعبدي.
3: دوران الأمر بين المحذورين مع الشكّ في المكلّف به.
إذا دار أمر التكليف بين المحذورين، كما إذا علم إجمالًا بوجوب قتل إنسان، أو حرمته. و منشأ التردد كونه مجهول الهوية، فهو دائر بين كونه مؤمناً أو محارباً. فعلى الأوّل يحرم قتله، و على الثاني يجب، لأنّ أمر الحد دائر بين الحرمة و الوجوب و لكن الحكم الواقعي الأعم من الوجوب و الحرمة على فرض ثبوته، توصّلي, و لا شكّ انّ المخالفة و الموافقة القطعيتين غير ممكنة, لكن يقع الكلام في كون المقام محكوماً بحكم ظاهريّ أم لا؟ وجوه كثيرة انهاها العلّامة المشكينيّ في حاشيته علی الکفاية الی عشرة، إلّا أنّ المحقق الخراساني تعرّض لخمسة وجوه و هي:
1. جريان الأُصول النافية كالبراءة العقلية و النقلية دون المثبتة كأصالة الإباحة.
2. وجوب الأخذ بأحدهما تعييناً و هو الحرمة.
3. وجوب الأخذ بأحدهما تخييراً.
4. ليس المورد محكوماً بحكم ظاهريّ من النافي و المثبت و يكفي كون الإنسان مخيراً تكويناً و هو خيرة المحقّق النائيني.
5. الحكم بالتخيير عقلًا، مع جريان الأُصول المثبتة كالإباحة دون النافية على خلاف القول الأوّل, و هو مختار المحقّق الخراساني حيث قال: (إذا دار الأمر بين وجوب شي ء و حرمته، لعدم نهوض حجّة على أحدهما تفصيلا بعد نهوضها عليه إجمالا، ففيه وجوه:
ص: 467
الحكم بالبراءة عقلا و نقلا، لعموم النقل و حكم العقل بقبح المؤاخذة على خصوص الوجوب أو الحرمة للجهل به؛ و وجوب الأخذ بأحدهما تعيينا أو تخييرا؛ و التخيير بين الترك و الفعل عقلا مع التوقّف عن الحكم به رأسا، أو مع الحكم عليه بالإباحة شرعا أوجهها الأخير، لعدم الترجيح بين الفعل و الترك، و شمول مثل «كلّ شي ء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام» له، و لا مانع عنه عقلا و لا نقلا)(1).
الوجه الأوّل: جريان البراءة عقلا و شرعا.
أمّا البراءة العقليّة: فلأنّ كلّا من الحرمة و الوجوب مجهول، فيصدق عدم البيان بالنسبة إليهما، و العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان.
أمّا البراءة النقليّة: فلعموم حديث الرفع و نحوه ممّا دلّ على رفع الحكم عند الجهل به.
و رد علی هذا القول اکثر الأعلام لکن کل منهم ببيان يختلف عن بيان الاخر فقال المحقّق الخراساني: بأنّه لا مجال لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فانّه لا قصور فيه هاهنا، و إنّما يكون عدم تنجز التكليف لعدم التمكن من الموافقة القطعية كمخالفتها.
و اما المحقّق النائينيّ: فنفى البراءة العقليّة و الشرعيّة من جهة أنّه لا موضوع لهما, أمّا البراءة العقليّة: فلأنّ مدركها «قبح العقاب بلا بيان»، و في دوران الأمر بين المحذورين يقطع بعدم العقاب، لأنّ وجود العلم الإجماليّ لا يقتضي التنجيز و التأثير، فالقطع بالمؤمّن حاصل بنفسه بلا حاجة إلى حكم العقل.
و أمّا البراءة الشرعيّة: فلأنّ مدركها قوله صلّى اللّه عليه و آله: «رفع ما لا يعلمون»، و الرفع فرع إمكان الوضع. و في موارد دوران الأمر بين المحذورينلا يمكن وضع الوجوب و
ص: 468
الحرمة كليهما، لا على سبيل التعيين و لا على سبيل التخيير، و مع عدم إمكان الوضع لا يعقل تعلّق الرفع، فأدلّة البراءة لا تعمّ المقام(1).
و أمّا المحقّق العراقيّ: فأفاد في وجه عدم جريان البراءة الشرعيّة و العقليّة بما حاصله: أنّ جريان أدلّة البراءة يختصّ بما إذا لم يكن هناك ما يقتضي الترخيص في الفعل و الترك بمناط آخر- كالاضطرار- غير مناط عدم البيان، فإذا فرض حصول الترخيص بحكم العقل بمناط الاضطرار لا ينتهي الأمر إلى الترخيص الظاهريّ بمناط عدم البيان. و في المقام يحصل الترخيص بحكم العقل بمناط الاضطرار إلى أحد الأمرين من الفعل و الترك، فلا يبقى مجال لجريان البراءة العقليّة و الشرعيّة، لحصول الترخيص- حينئذ- في الرتبة السابقة على جريانها بحكم العقل بالتخيير بين الفعل و الترك(2).
و أمّا المحقّق الأصفهانيّ: فنفى البراءة العقليّة، بدعوى أنّ مدركها قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و البيان- و هو وصول التكليف إلى المكلّف تفصيلا أو إجمالا- حاصل في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة، ضرورة أنّ المكلّف يعلم إجمالا بتوجّه التكليف الإلزاميّ إليه، فلا تجري قاعدة القبح بلا بيان.
نعم، أنّ التكليف المتوجّه إليه غير منجّز، لأنّ فعليّة التكليف منوط بأمرين: (أحدهما) وصوله إلى المكلّف، و هو محقّق في المقام. (ثانيهما) قدرة المكلّف على متعلّقه، و هو مفقود في المقام. فالمانع من فعليّة التكليف في المقام هو عدم التمكّن من الامتثال المعتبر عقلا في استحقاق العقاب على تركه.
ص: 469
و نفى البراءة الشرعيّة بدعوى أنّ ظاهر أدلّة البراءة كونها في مقام معذّريّة الجهل و ارتفاعها بالعلم، فما كان تنجّزه و عدمه من ناحية العلم و الجهل كان مشمولا للغاية و المغيّى، و ما كان من ناحية التمكّن من الامتثال و عدمه فلا ربط له بأدلّة البراءة. و ما نحن فيه من قبيل الثاني، لعدم القصور في العلم، فإنّ تعلّق التكليف الإلزاميّ معلوم، و إنّما القصور من جهة فقد التمكّن من امتثال التكليف الإلزاميّ(1).
اقول: و يرد علی استدلالهم علی نفي البراءة العقلية أنّ نوع التكليف من الوجوب و الحرمة لعدم كونه معلوما غير معاقب عليه، كيف! و لو تعلّق التكليف الإلزاميّبأمرين: كوجوب الدعاء عند رؤية الهلال و حرمة التدخين؛ يكون منجّزا, فعليه يكون عدم العقاب بالنسبة إلى نوع التكليف لقاعدة قبح العقاب بلا بيان. کما و انه بخصوص كلّ منهما لا يكون مضطرّا، فلو فرض كونه واجبا بحسب الواقع و تركه المكلّف مع قدرته على فعله بالضرورة لم يكن عدم العقاب للاضطرار و عدم القدرة، بل لقبح العقاب بلا بيان, و عليه فلا مانع من جريان البراءة العقلية .
و منه يظهر ما في استدلالهم من نفي البراءة الشرعيّة حيث أنّ الوجوب و الحرمة بخصوصهما غير معلومين فيكونان مرفوعين بحکم حديث الرفع, و أمّا المجموع من حيث المجموع- أي أصل التكليف الإلزاميّ- فلا يكون مفاد دليل الرفع، ضرورة أنّ المجموع من حيث المجموع غير قابل للوضع، و ما لا يمكن وضعه لا يمكن رفعه. بخلاف نوع التكليف- أي نفس الوجوب و الحرمة- فهو قابل للوضع، و لا مانع من جريان دليل البراءة بالنسبة إليه.
ص: 470
ثم أنّ الممتنع هو وضع كلّ في عرض الآخر، و أمّا وضع كلّ واحد مستقلاً وحده، بلا نظر إلى وضع الآخر و عدمه، فأمر ممكن لا مانع من وضعه كما لا مانع من رفعه، فيكون أثر الأصل العقلي أو الشرعي رفع لزوم التعبد بأحد الحكمين في الظاهر، فلا قصور في شمول الدليل .
کما و أنّ ما كان عدم تنجّزه من ناحية الاضطرار و عدم التمكّن من الامتثال هو أصل التكليف الإلزاميّ، فإنّه أمر انتزاعيّ، و ليس بمجعول شرعيّ، فلا يكون موضوعا كي يرفع بدليل الرفع. و عليه فلا مانع من جريان البراءة الشرعية .
الوجه الثاني: الأخذ بأحدهما تعييناً
و المراد من الأخذ هو الأخذ بجانب الحرمةبدليل أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة.
و فيه: انّ الضابطة ليست بتامة، بل ربما يكون جلب المنفعة أولى من دفع المفسدة، كانجاء النفس المحترمة إذا استلزمت التصرف في مال الغير.
مضافا الی انّ ذلک لو تمّ فانه هو فيما إذا علم المكلّف بوجود الملاك في كلا الموردين لا في مثل المقام الذي لم يثبت إلّا ملاك واحد في أحد الطرفين.
و تصور لزوم الأخذ بأحدهما لأجل الموافقة الالتزامية، مدفوع بعدم وجوبها اولا و ثانياً: أنّ المراد منها هو لزوم الاعتقاد بما جاء به النبي صلي الله عليه و آله إجمالاً أو تفصيلاً إذا علم لا الأخذ بمحتمل التكليف بجد ، فانّه تشريع محرم .
الوجه الثالث: الأخذ بأحدهما تخييراً
و حاصل هذا القول: إنّ الحكم الظاهري عبارة عن الحكم بالتخيير الشرعي بين الفعل و الترك و الفرق بين القول الثاني و الثالث واضح بعد اشتراكها في لزوم التعبد بحكم من
ص: 471
الحكمين، غير انّ الأوّل يُلْزم التعبد بأحدهما معيّناً كالقول بأنّ الفعل حرام مثلًا، و هذا يلزم التعبد بالتخييري الشرعي، و ليس له دليل صالح سوى قياس وجود الاحتمالين بالخبرين المتعارضين، فانّ المجتهد مخيّر بينهما إمّا من أوّل الأمر، أو بعد عدم الترجيح المنصوص في أحدهما.
و فيه ما لا يخفی: فإنّه قياس مع الفارق و ذلک لأنّ الحكم بالتخيير فيما إذا كانت هناك حجّتان متعارضتان لا يكون سبباً للحكم به فيما إذا كان هناك احتمالان، فلعلّ لوجود الحجة مصلحةً في الحكم بالتخيير, لا وجود لها في مقام الاحتمال .
الوجه الرابع: التخيير بين الفعل و الترك عقلا الثابت للعبد تكوينا من دون الحكم بشي ء من التخيير أو الإباحة أو البراءة، لا ظاهرا و لا واقعا.
و هذا الوجه نسبه المحقّق الأصفهانيّ إلى الشيخ الأعظم الأنصاريّ، بل هو صريح عبارته في بعض نسخ فرائد الاصول(1), و اختاره المحقّقان؛ النائينيّ و العراقيّ أيضا(2), و استدلّا عليه بوجهين:
أحدهما: أنّه لا فائدة في جعل حكم ظاهريّ في المقام، لعدم خلوّ المكلّف من الفعل أو الترك، فلا يترتّب على جعله أثر شرعيّ، بل يكون جعله لغوا.
و ثانيهما: سقوط العلم الإجماليّ عن التأثير في التنجيز، لعدم قدرة المكلّف على مراعاة العلم الإجماليّ بالاحتياط.
و يرد علی الاول منهما ان عدم خلو المکلف محقق لحکم العقل بالتخيير و ما حکم به العقل عين ما حکم به الشرع عندنا کما تقدم .
ص: 472
الوجه الخامس: الحكم بالتخيير بين الترك و الفعل عقلا مع الحكم عليه بالإباحة الشرعيّة و هو مختار المحقق الخراساني و استدل له بما تقدم من قوله: (لعدم الترجيح بين الفعل و الترك، و شمول مثل «كلّ شي ء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام» له، و لا مانع عنه - اي لا مانع من شمول قاعدة الحلّ للمقام - عقلا و لا نقلا)(1), و توضيحه مرامه ان ها هنا دعويين: التخيير عقلا، و الإباحة الظاهريّة شرعا؛ اما التخيير فلعدم الترجيح لأنّ في اختيار كلّ من الفعل و الترك احتمالالموافقة و المخالفة، و حيث لا مرجّح لأحدهما على الآخر فترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجّح، و هو قبيح.
و اما الإباحة الظاهريّة شرعا فلأنّ مدلول مثل حديث الحلّ هو حلّيّة المشكوك حرمته ظاهرا، سواء دار أمر الشي ء بين حرمته و إباحته، أو بين حرمته و وجوبه، أو بين حرمته و استحبابه، فإنّ الشي ء يكون مشكوك الحرمة في جميع هذه الموارد، فإذا دار الأمر بين حرمة الشي ء و وجوبه يصدق عليه أنّه مشكوك الحرمة، فيشمله مثل حديث الحلّ و يحكم بإباحته ظاهرا.
و أورد عليه المحقّق النائينيّ بوجوه:
الأوّل: أنّ أدلّة الإباحة الشرعيّة مختصّة بالشبهات الموضوعيّة، فلا تجري فيما إذا دار الأمر بين المحذورين في الشبهات الحكميّة.
الثاني: عدم شمول دليلها لصورة دوران الأمر بين المحذورين، فإنّه يختصّ بما إذا كان طرف الحرمة الإباحة و الحلّ، لا الوجوب، كما هو الظاهر من قوله عليه السّلام: «كلّ شي ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال».
ص: 473
الثالث: أنّه لا يمكن جعل الإباحة الظاهريّة مع العلم بجنس الإلزام، فإنّ أصالة الإباحة بمدلولها المطابقيّ تنافي المعلوم بالإجمال، لأنّ مفادها الرخصة في الفعل و الترك، و هو ينافي العلم بالإلزام(1).
ثم ان المحقّق الخوئيّ رحمه الله و إن اختار جريان البراءة في المقام، إلّا أنّه لمّا اعتقد بوجود الفرق بين أصالة الحلّ و أصالة الإباحة، فلا يكون الإيراد على أحدهما عنده إيرادا على الآخر، فتبع استاذه و أورد على دلالة حديث الحلّ بالوجهين الأوّلين(2).
قلت: و هو الصحيح فان اصالة البراءة لا علاقة لها باصالة الاباحة لاختلافهما, و ذلك لأنّ كلّ واحد من البراءتين، لا تخالف العلم الإجمالي بالإلزام و إنّما المخالف نتيجتهما و هي ليست من مداليل دليل الأصل، و أمّا أصالة الإباحة فهو بمضمونها المطابقيّة تضاد الإلزام على وجه الإطلاق فالأصل يدعي عدم الخروج عن حدّ الاستواء مع انّا نعلم أنّه خرج عنه و حكم عليه بالإلزام, و عليه فلا علاقةللايرادين باصالة البرءة, و اما الايراد الثالث: فيرد عليه أنّ التنافي بين الإباحة الظاهريّة و الإلزام الواقعيّ ليس إلّا كتنافي الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة، و الجمع بينهما هو الجمع بينهما .
و حاصل البحث هو جريان البراءتين العقلية و الشرعية دون أصالة الإباحة, و فائدة جريان الأُصول و جعل الحكم الظاهري مع أنّ المكلّف لا يخلو من فعل أو ترك هو انّ الرجوع إلى الأصل لغاية احتمال لزوم التعبد بأحدهما المعيّن أو أحدهما المخيّر و لا رافع لهذا الاحتمال إلّا الأصل .
ص: 474
قد تبيّن ممّا ذكرنا أنّه إذا دار الأمر بين المحذورين فالإنسان مخيّر بين الفعل و الترك، مع جريان البراءة من الحكمين ظاهراً، فلو كانت الواقعة واحدة فلا موضوع للبحث عن كون التخيير بدوياً أو استمرارياً، إنّما الكلام في ما إذا تعدّدت الواقعة، كما إذا تردد شرب مائع في ليالي الجمعة إلى شهر بين كونه محلوف الفعل أو الترك، فعلى القول بأنّه بدوي، ليس له في الواقعة الثانية اختيار غير ما اختاره في الواقعة الأُولى، بخلاف ما لو كان استمراريّاً. فذهب المحقّق النائيني إلى الثاني و استدل بما هذا حاصله: إنّ أمره في كلّ ليلة الجمعة دائر بين المحذورين، فكون الواقعة ممّا تتكرر لا يوجب خروج المورد عن دوران الأمر بين المحذورين، و لا يلاحظ انضمام الليالي بعضاً إلى بعض، لأنّ الليالي بقيد الانضمام لم يتعلق الحلف و التكليف بها، فلا بدّ من ملاحظتها مستقلة، ففي كلّ ليلة يدور الأمر بين المحذورين و يلزمه التخيير الاستمراري(1).
و فيه: ان هذه المسألة مبنية علی مسألة تولد العلم التفصيلي من العلم الاجمالي و قد حررها الشيخ في اول فرائدة فقال: «أنّه إذا تولد من العلم الإجمالي العلم التفصيلي بالحكم الشرعي في مورد، وجب اتّباعه و حرمت مخالفته؛ لما تقدّم من اعتبار العلم التفصيلي من غير تقييد بحصوله من منشأ خاصّ، فلا فرق بين من علم تفصيلا ببطلان
ص: 475
صلاته بالحدث، أو بواحد مردّد بين الحدث و الاستدبار،أو بين ترك ركن و فعل مبطل»(1), و عليه فالتخيير الاستمراري اذا لزم منه المخالفة القطعية لا يجوز و الّا جاز .
إذا قلنا بالتخيير فهل يستقل العقل به مطلقاً، سواء كان أحدهما أقوى احتمالًا، كما إذا كان الوجوب أقوى احتمالًا من الحرمة، أو أقوى محتملًا، كما إذا كان متعلق الوجوب أقوى أهمية على فرض كونه مطابقاً للواقع من متعلّق الحرمة كما إذا دار أمر شخص بين كونه محقون الدم أو مهدوره أو لا؟ ذهب المحقّق الخراساني إلى الثاني، و استدل عليه بوجهين:
الأوّل: انّ المقام من صغريات دوران الأمر بين التعيين و التخيير، و الأصل فيه هو التعيين، لأنّ استقلال العقل بالتخيير إنّما هو فيما لا يحتمل الترجيح في أحدهما على التعيين و مع إجماله لا يبعد دعوى استقلاله بتعينه.
و فيه: أنّه الدليل الدال علی التخيير انما هو جريان البراءتين و هما کما تجريان في أصل التكليف، تجريان في خصوصيته .
الثاني: قياس المقام بالمتزاحمين، فكما لا يستقل العقل بالتخيير إذا احتمل في أحد المتزاحمين الأهمية كاحتمال كونه إماماً فهكذا في المقام.
ص: 476
و فيه: ما تقدم من الاجابة علی الدليل الاول, مضافا لما أورد عليه المحقق الخوئي: من الفرق بين المقامين، بأنّ الأهمية المحتملة في المقام تقديريّة إذ لم يثبت أحد الحكمين بخصوصه، إنّما المعلوم ثبوت الإلزام في الجملة، غاية الأمر أنّه لو كان الإلزام في ضمن أحدهما المعيّن احتمل أهميته، و هذا بخلاف باب التزاحم المعلوم فيه ثبوت الحكم في كلا الطرفين، و إنّما كان عدم وجوب امتثالهما معاً للعجز و عدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما(1).
في دوران الأمر بين المحذورين إذا كان أحد الحكمين أو كلاهما تعبديين كصلاة المرأة في أيام الاستظهار، فلو كانت حائضاً حرمت العبادة، حرمة توصلية و أمّاإذا كانت طاهراً وجبت الصلاة وجوباً تعبدياً، فقد ذهب الشيخ إلى أنّ محل الأقوال السابقة ما لو كان كلّ من الوجوب و الحرمة توصليين بحيث يسقط بمجرّد الموافقة، و أمّا لو كانا تعبديين محتاجين إلى قصد امتثال التكليف و كان أحدهما المعيّن كذلك، لم يكن إشكال في عدم جواز طرحهما و الرجوع إلى الإباحة لأنّه مستلزم للمخالفة القطعية.
توضيحه: انه كان الكلام فيما تقدم منصبّاً فيما لو كانت الموافقة القطعية كالمخالفة القطعية ممتنعة، و أمّا المقام فالموافقة القطعية و إن كانت ممتنعة، لكن المخالفة القطعية ممكنة، فلو صلّت بلا نيّة القربة فقد أتت بالمبغوض، إذ لو كانت طاهرة فصلاتها باطلة، و لو كانت حائضاً فقد ارتكبت الحرام بناء على أنّ صورة العبادة محرمة عليها أيضاً.
ص: 477
أقول: ما ذكره إنّما يمنع عن جريان الأُصول، و لكن لا يمنع من جريان أصالة التخيير الثابتة بحکم العقل و عليه فهو مخير بين الأمرين إمّا الإتيان بالصلاة مع قصد القربة أو تركها أصلاً، و الميزان في جريانها هو امتناع الموافقة القطعية سواء أمكنت المخالفة القطعية أم لا.
إنّ أصالة التخيير لا تختص بصورة الشكّ في التكليف، بل تعمه و الشكّ في المكلّف به کما تقدم، لأنّ الملاك هو دوران الأمر بين المحذورين و عدم إمكان الموافقة القطعية، سواء أمكنت المخالفة القطعية كما مرّ في المقام الثاني أو لم يمكن، و بذلك تقف على أنّ أصل التخيير كما يجري في الشكّ في التكليف، كما إذا كان نوع التكليف مجهولًا، كذلك يجري في الشكّ في المكلّف به، كما فيما إذا كان نوع التكليف معلوماً لكن كانت الموافقة القطعية غير ممكنة، و إليك بعض الموارد:
1. إذا علم أنّ أحد الفعلين واجب و الآخر حرام في زمان معيّن و اشتبه أحدهما بالآخر، فهو مخيّر بين فعل أحدهما و ترك الآخر، لأنّ الموافقة القطعية غير ممكنة، نعم ليس له ترك كليهما أو فعل كليهما، إذ تلزم فيه المخالفة القطعية.
2. إذا علم بتعلّق الحلف بإيجاد فعل في زمان، و ترك ذاك في زمان آخر، و اشتبه زمان كلّ منهما، كما إذا حلف بالإفطار في يوم، و الصيام في يوم آخر، فاشتبه اليومان فهو مخيّر بين الإفطار في يوم، و الصيام في يوم آخر، لكن ليس له المخالفة القطعية كأن يصومهما أو يفطر فيهما.
ص: 478
3. نعم لا تجري أصالة التخيير فيما إذا دار أمر شي ء بين كونه شرطاً للصحة أو مانعاً كالجهر، و ذلك لأنّ الموافقة القطعية بإقامة صلاة واحدة و إن كانت غير ممكنة لكنّها ممكنة بإقامة صلاتين في إحداهما, و ذلک لأنّ الملاك في جريان أصالة التخيير هو امتناع الموافقة القطعية و هو ليس بموجود في هذا المورد.
ص: 479
المقصد السادس في الحجج الشرعية في تقسيم حالات المكلّف أو المجتهد ... 1
حصر مجاري الأُصول في أربعة حصر عقلي ... 3
البيان الأوّل: ... 4
البيان الثاني: ... 5
البيان الثالث: ... 6
الأمر الأوّل: في أحكام القطع و فيه مباحث ... 8
الاول: هل ان طريقية القطع أمر ذاتي له؟ ... 8
الثاني: هل تجب متابعة القطع؟ ... 9
الثالث: في عدم مجعولية حجية القطع ... 11
الرابع: مراتب الحكم ... 13
الأمر الثاني: في التجرّي ... 15
أقسام التجرّي ... 16
المقام الأوّل: في حكم نفس التجرّي ... 17
ادلة القول بالقبح الفعلي و الحرمة ... 19
المقام الثاني: في حكم المتجرّى به ... 22
ص: 480
في قبح الفعل المتجرّى به وعدمه ... 22
في حرمة الفعل المتجرّى به ... 25
حكم التجرّي في الآيات و الروايات ... 27
الجمع بين الطائفتين ... 40
الأمر الثالث: في تقسيم القطع إلى طريقي و موضوعي ... 43
قيام الأمارات مكان القطع الطريقي ... 46
قيام الأمارات مكان القطع الموضوعي ... 47
المقام الأوّل: في إمكان تنزيل الطريق منزلة القسمين ... 47
المقام الثاني: في مفاد دليل التنزيل ... 50
في قيام الأصول العملية مقام القطع ... 51
صحّة الجمع بين التنزيلين بنحو الملازمة العرفية ... 54
مختارنا في المقام ... 56
الأمر الرابع: في وجوب الموافقة الالتزامية ... 57
ثمرة المسألة ... 58
الأمر الخامس: قطع القطاع ... 63
الأمر السادس: حجّية العقل ... 66
تقسيم العقل الی النظري و العملي ... 68
ص: 481
رؤية القران الکريم حول العقل العملي ... 78
مناقشة الأخباريين ... 81
الأمر السابع: العلم الإجمالي تنجيزاً و امتثالًا ... 87
المقام الاول في تنجز العلم الاجمالي ... 87
الاقوال الاخر في منجزية العلم الاجمالي ... 89
ادلة القول بمسلک العلية ... 91
ادلة القول بمسلک الاقتضاء ... 95
المقام الثاني: هل الامتثال الإجمالي كالامتثال التفصيلي؟ ... 97
الأمر الأوّل: الامتثال الإجمالي في مقابل العلم التفصيلي ... 97
حکم الامتثال الاجمالي في التوصليات ... 98
حکم الامتثال الاجمالي في التعبديات ... 99
ما اذا لم يستلزم الاحتياط التكرار في الواجبات المستقلة ... 99
ما اذا لو يستلزم الاحتياط التكرار في الواجبات الضمنية ... 100
ما اذا استلزم الاحتياط التكرار ... 100
ادلة القائلين بکفاية الاحتياط في العبادات ... 102
الأمر الثاني: في كفاية الامتثال الإجمالي في مقابل الظن التفصيلي المعتبر ... 110
في الحجج الشرعية ... 110
ص: 482
تمهيد ... 111
المقام الأوّل: إمكان التعبد بالظن و عدمه ... 112
دليل القائل بامتناع التعبّد بالظن ... 114
جواب الشيخ الاعظم ... 115
جواب اخر للشيخ ... 118
جواب المحقق الخراساني ... 119
الجواب الأوّل: ... 120
الجواب الثاني: ... 121
الجواب الثالث: ... 124
جواب المحقق النائيني ... 126
المقام الثاني: في وقوع التعبّد بالظن ... 131
ادلة حرمة العمل بغير العلم ... 133
هل الاحتياط من مصاديق العمل بغير العلم؟ ... 134
الحجج الشرعية ... 136
الكتاب العزيز ... 136
وقوع نسخ القرآن و أصالة عدم النسخ ... 138
حجّية الظواهر ... 139
ص: 483
اشتراط الظنّ الفعليّ بالوفاق ... 141
عدم اعتبار عدم الظنّ بالخلاف ... 142
هل الظواهر من الظنون ام لا؟ ... 143
حجّيّة الظهور بالنسبة إلى غير المقصودين بالإفهام ... 145
جواب الشيخ الاعظم ... 147
حجّيّة ظواهر الكتاب ... 151
محلّ النزاع: ... 151
الاول: دلالة القرآن على ذلک ... 152
وجه الاستدلال بهذه الايات المبارکة ... 153
الثاني: تحدّي النبي بالقرآن ... 154
الثالث: حديث الثقلين ... 155
الرابع: الروايات التعليمية ... 155
الخامس: عرض الروايات المتعارضة على القرآن ... 157
السادس: عرض الشروط على كتاب اللّه ... 157
أدلّة الأخباريين فيما نسب اليهم من عدم حجّية ظواهر الكتاب ... 158
الاول: اختصاص فهم القرآن بأهله ... 158
الثاني: الظواهر من المتشابهات ... 160
ص: 484
الثالث: العلم الاجمالي بالتخصيص و التقييد ... 162
الرابع: الاخبار الناهية عن تفسير القران بالرأي ... 164
الجواب عن الاستدلال بها ... 166
الخامس: دعوى العلم الإجمالي بوقوع التحريف من الكتاب ... 168
حول اختلاف القراءات ... 172
قول اللغوي ... 173
حول اصالة عدم القرينة ... 174
ادلة القول بحجية قول اللغوي ... 178
الإجماع ... 183
المقام الأوّل: حجية الإجماع المحصل ... 183
وجه حجية الاجماع عند العامة ... 185
و جه حجّية الإجماع عند الإمامية ... 194
مسلک الدخول ... 194
مسلک قاعدة اللطف ... 195
مسلک الحدس ... 198
مسلک التقرير ... 199
الإجماع المنقول ... 199
ص: 485
الأوّل: تقييم الإجماعات الواردة في كتب القدماء ... 203
الثاني: حكم المتواتر المنقول ... 206
الشهرة و اقسامها ... 207
الشهرة الفتوائية ... 208
أدلة حجّيّة الشهرة ... 209
الجواب علی الاستدلال بالمقبولة و المرفوعة ... 212
الرد علی الجواب ... 213
الشهرة العمليّة ... 216
ايراد المحقق الخوئي ... 217
التسالم ... 219
مفهوم التسالم ... 221
في حجية التسالم ... 221
السنّة ... 223
الخبر المتواتر ... 224
حجية الخبر الواحد ... 226
أدلّة نفاة الحجّية ... 229
الاول: الآيات ... 230
ص: 486
إجابة القائلين بالحجّية عن الاستدلال بالآيات ... 231
ايراد الرازي ... 233
جواب المحقّق النائيني ... 233
الثاني: السنّة ... 234
جواب الشيخ الاعظم ... 238
الثالث: الإجماع ... 242
أدلّة القائلين بالحجّية ... 244
تقرير الاستدلال بآية النبأ ... 246
الاول: الاستدلال بمفهوم الوصف ... 246
الثاني: التمسک بمفهوم الشرط ... 249
خروج المورد عن المفهوم ... 254
اختصاصه بالموضوعات الخطيرة ... 255
التعارض بين المفهوم و الآيات الناهية ... 257
أنّ الآية لا تشمل الأخبار مع الواسطة ... 258
تقرير اخر ... 262
الآية الثانية: آية النفر ... 263
المقام الاول: في تفسير الآية ... 264
ص: 487
المقام الثاني: الاستدلال بالآية ... 266
التقرير الأوّل: محبوبية الحذر يلازم وجوبه ... 266
التقرير الثاني: لزوم اللغوية لو لا وجوب الحذر ... 268
التقرير الثالث: غاية الواجب واجب ... 268
تقرير العلامة المظفر ... 271
الآية الثالثة: آية الکتمان ... 274
الآية الرابعة: آية السؤال ... 276
الآية الخامسة: آية الإذن ... 280
مدلول الآيات المستدلّ بها على حجيّة الخبر الواحد ... 284
الاحتجاج على حجّية الخبر الواحد بالسنّة ... 285
الاحتجاج على حجّية الخبر الواحد بالاجماع ... 291
السيرة و الآيات الناهية عن الظن ... 294
ما هو الموضوع للحجّية خبر الثقة، أم الخبر الموثوق بصدوره؟ ... 296
دلالة فعل المعصوم ... 297
حجّيّة فعل المعصوم ... 301
دلالة تقرير المعصوم ... 302
في حجّية مطلق الظن ... 303
ص: 488
تحقيق الحال في دليل الانسداد ... 305
حجيةالسيرة ... 312
المقام الاول: في حجّيّة بناء العقلاء ... 312
تقسيم السيرة بلحاظ ما يراد إثباته ... 313
المقام الثاني: في حجّيّة سيرة المتشرّعة ... 317
مدى دلالة السيرة ... 319
مدی حجية العرف ... 320
القياس ... 322
بطلان العمل بالقياس ... 323
قياس منصوص العلّة ... 324
قياس الأولوية ... 325
تنقيح المناط أو إلغاء الخصوصيّة ... 325
المقصد السابع: في الأُصول العملية ... 326
تمهيد ... 326
بيان مجاري الاصول ... 328
الاصل الاول: البراءة ... 328
ادلة البراءة ... 330
ص: 489
الآية الأُولى: التعذيب فرع البيان ... 330
الآية الثانية: التكليف فرع الإيتاء ... 337
الآية الثالثة: الإضلال فرع البيان ... 341
الآية الرابعة: الهلاك و الحياة بعد إقامة البيّنة ... 343
الاستدلال بالسنّة ... 344
... 1. حديث الرفع ... 344
وجه الاستدلال ... 347
في تصحيح نسبة الرفع إلى التسعة مع وجودها ... 352
رأي المحقّق النائيني ... 355
ما هو المرفوع ثبوتاً ... 356
الاول: المرفوع المؤاخذة ... 356
الثاني: المرفوع هو الأثر المناسب ... 357
الثالث: المرفوع هو عموم الآثار ... 358
بقيت هنا امور: ... 360
الاول: اختصاص الحديث بالرفع الامتناني ... 360
الثاني: المرفوع آثار المعنون لا آثار العناوين ... 361
الثالث: حکومة حديث الرفع علی الادلة الاولية ... 363
ص: 490
الرابع: عدم اختصاصه بالأُمور الوجودية ... 365
تذييل ... 367
الخامس: الرفع فيما عدا ما لا يعلمون واقعي و فيه ظاهري ... 371
دعوی المحقق العراقي ... 373
السادس: اختصاص الرفع بالحكم المترتب على فعل المكلف ... 376
السابع: اختصاص البراءة بالتکاليف الالزامية ... 377
الثامن: نسبة حديث الرفع الی دليل الاحتياط ... 378
الثامن: المرفوع هو مجرد الإلزام مع بقاء اصل الحکم ... 378
2- حديث الحجب ... 380
3- حديث السعة ... 384
4. حديث الحل برواية مسعدة بن صدقة ... 386
5. حديث الحل برواية عبد اللّه بن سنان ... 389
6. مرسلة الصدوق ... 393
7. حديث الجهالة ... 396
الدليل الثالث: الإجماع ... 398
الدليل الرابع: العقل ... 398
مسلک قبح العقاب بلا بيان ... 400
ص: 491
مسلك حقّ الطاعة ... 405
طبيعة الأحکام العقليّة ... 406
قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل ... 407
أدلّة الأخباري على وجوب الاحتياط في الشبهات التحريمية ... 409
الاستدلال بالکتاب ... 409
الأوّل: الحكم بالبراءة قول بغير علم ... 409
الثاني: الآيات الآمرة بالتقوى ... 410
الثالث: النهي عن الوقوع في التهلكة ... 410
الاستدلال بالسنّة ... 411
الأُولى: حرمة الإفتاء بغير علم ... 411
الثانية: وجوب الردّ إلى اللّه و رسوله ... 412
الثالثة: وجوب التوقف و الاحتياط ... 412
الثالث: الاستدلال بالعقل ... 422
التقرير الأول العلم الإجمالي ... 422
وهم و دفع ... 425
اشکال اخر ... 426
ايراد المحقق الخوئي ... 429
ص: 492
التقرير الثاني: أصالة الحظر ... 430
التقرير الثالث: وجوب دفع الضرر المحتمل ... 431
التنبيه الأوّل: حكومة الأصل الموضوعي على البراءة ... 432
ثمرة البحث ... 433
الصورة الاولى: ... 433
تفصيل المحقق النائيني ... 437
الصورة الثانية: ... 438
الصورة الثالثة: ... 439
الصورة الرابعة: ... 441
الصورة الخامسة: ... 441
التنبيه الثاني: في حسن الاحتياط ... 441
اشکال الشيخ الاعظم ره في جريان الاح-تياط في العبادات ... 446
التنبيه الثالث: في قاعدة التسامح بادلة السنن ... 450
اقوال العلماء في تفسيرها ... 453
نظرية المحقّق النائيني ... 457
التحقيق في مفاد الاخبار ... 458
التنبيه الرابع: في جريان البراءة في الشبهات الموضوعية التحريمية ... 462
ص: 493
الأصل الثاني: التخيير ... 466
المقام الأوّل: إذا كان نوع التكليف مجهولًا مع كون الحكم توصلياً ... 467
هل التخيير ابتدائي أو استمراري ... 475
في تقديم محتمل الأهمية ... 476
المقام الثاني: في دوران الأمر بين المحذورين في التعبديات ... 477
المقام الثالث: أصالة التخيير في الشكّ في المكلّف به ... 478
الفهرس ... 480
الاثار العلمية للمؤلف ... 495
ص: 494
1- الدرر الفقهية في شرح اللمعة الدمشقية و هو کتاب مبسوط حول مدارک الاحکام الشرعية في 15 مجلدا .
2- الرؤية الفلسفية نقد و تحليل, و قد ترجم الی الفارسية باسم نقد اراء فلسفي .
3- اسئلة حول التوحيد الالهي .
4- اصول المعرفة . و ترجم الی الفارسية باسم اصول شناخت .
5- الرؤية الاسلامية؛ و فيه ما يقارب خمسمائة رواية في نقد الفکر الفلسفي الرائج.
6- بحث فقهي حول النيروز و قد ترجم الی الفارسية .
7- بحث حول جواز طلب الشفاعة و بطلان التفويض, و ترجم الی الفارسية.
8- من الروايات المکذوبة ؛ و ترجم الی الفارسية باسم روايات ساختگي.
9- الکفاية من الاصول هذا الکتاب الحاضر و هو يشتمل علی دورة اصولية کاملة في اربع مجلدات.
10- رجال ابن الغضائري تحقيق و تقديم.
11- تقديم وتعليق علی کتاب التوحيد الفائق للعلامة البهبهاني, و ترجم الی الفارسية.
12- مقالتان في مباني المحقق البهبهاني الاصولية و الکلامية.
13- ترجمة کتاب السنخية ام العينية و الاتحاد ام التباين و کتاب آيات العقائد, و شرح خطبة 152 لامير المؤمنين علیه السلام و ترجمة کتب اخری .
14- قصة الدجال المدعي کونه اليماني .
15- التوحيد الالهي في نهج البلاغة .
ص: 495
16- موقف العلماء و اصحاب الائمة عليهم السلام تجاه الفلسفة و العرفان .
ص: 496