الکفاية من الاصول المجلد 2

هویة الكتاب

محرر الرقمي : روح اله قاسمي

سرشناسه:کاظمی، ماجد، 1337 -

عنوان و نام پديدآور:الکفایهﻣﻦ اﻻﺻﻮل/ ماجد الکاظمی.

مشخصات نشر:قم : دارالهدی، 1440ق.= 1397 .

مشخصات ظاهری:4ج.

شابک:2500000 ریال: دوره 978-964-497-012-2 : ؛ ج.1 978-964-497-010-8 : ؛ ج.2: 978-964-497-021-4

وضعیت فهرست نویسی:فیپا

يادداشت:عربی.

یادداشت:کتابنامه.

موضوع:اصول فقه شیعه

* Islamic law, Shiites -- Interpretation and construction

رده بندی کنگره:BP159/8/ک2ک7 1397

رده بندی دیویی:297/312

شماره کتابشناسی ملی:5332417

اطلاعات رکورد کتابشناسی:فیپا

انتشارات دارالهدی

الکفاية من الاصول (الجزء الثانی)

المؤلف: آیة اللّه الشيخ ماجد الکاظمی (الدباغ(

المطبعة : شریعت / النسخة :

ردمک الجزء 2 : 4-021-497-964-978

ردمک الدوره : 2-012-497-964-978

سنة الطبعة الاولی : 7 139 (1440ه .ق)

سعر الدورة : 250000 تومان

ص: 1

اشارة

الکفاية من الاصول

الجزء الثاني

اية الله الشيخ ماجد الکاظمي

ص: 2

المقصد الثاني في النواهي

و فيه فصول:

الفصل الأوّل في مادّة النهي و صيغته

قال في الکفاية: الظاهر أن النهي بمادته و صيغته في الدلالة على الطلب مثل الأمر بمادته و صيغته غير أن متعلق الطلب في أحدهما الوجود و في الآخر العدم فيعتبر فيه ما استظهرنا اعتباره فيه بلا تفاوت أصلا»(1).

مفاد هيئة النهي

و حاصله: ان النهي بمادته «نهى، ينهى» و غيرهما مما يشتق من هذه المادة، و بصيغته «لا تفعل» يشارك الأمر مادةً و صيغةً في الدلالة على الطلب، فكلاهما يدلان على نفس الطلب عند صاحب الکفاية و يفارق النهي الأمر في كون متعلقه العدم، و متعلق الأمر الوجود، فقوله: «لا تشرب الخمر» أو «أنهاك عن شربها» بمنزلة: «أطلب منك عدم شرب الخمر»، و قوله: «صل» بمنزلة قوله: «أطلب منك وجود الصلاة».

ص: 3


1- كفاية الأصول، ص: 149.

و فيه: ان الامر لا يدل علی الطلب بل علی النسبة الطلبية, و کذلک النهي يدل علی النسبة الامساکية لان ملاک الامر و النهي واحد فالدليل هو الدليل.

و توضيحه: هو أن مقتضى تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في متعلقاتها و تقابل الأمر و النهي هو: كون الأمر بالفعل ناشئاً عن المصلحة فيه(1)، و النهي عنه ناشئاً عن المفسدة فيه، فإذا كان شرب الخمر مثلا ذا مفسدة، كانت تلك المفسدة داعية إلى النهي عنه- أي الزجر عنه- في مقابل الأمر الّذي يبعث على الإتيان بالفعل المشتمل على المصلحة الداعية إلى الأمر بفعله، فليس في النهيطلب حتى يبحث عن كون متعلقه الترك أو الكف. نعم إذا كان في الترك مصلحة توجه إليه الأمر و تعلق به الطلب، و هذا غير النهي عن الفعل.

و بالجملة: الأمر بعث على الفعل و النهي زجر عنه، و ليس الكف أمراً وجودياً كما اشتهر، بل هو ترك الشي ء اختياراً مع الميل إلى فعله، فهو أمر عدمي يعبر عنه بالكف، لا وجودي قائم بالنفس حتى يصح تعلق الطلب الّذي هو أمر وجودي به.

ثم ان لازم هذه المماثلة بين الامر و النهي أنه يعتبر في النهي جميع ما اعتبر في الأمر من العلو، و دلالة الهيئة على مجرد الطلب الإلزامي، و خروج المرة و التكرار و الفور و التراخي عن مدلولها.

ص: 4


1- و قد يکون الملاک فيه - مضافا لما فيه من المصلحة - هو انه بتركه تحصل مفسدة عظمى كما في ترك الصلاة و الزکاة و الجهاد فانّ ترکه يوجب الذّلّ و الهوان و سيطرة العدو على النفوس و الأموال.

ما هو متعلّق النهي؟

و الحاصل: أن النهي عن شرب الخمر زجر عن فعله، لا طلب لتركه أو الكف عنه, و بما تقدم يظهر ضعف ما ذهب اليه المحقّق الخراساني من أنّ المتعلّق في الأوّل هو الوجود و في الثاني هو العدم فقال: «نعم يختص النهي بخلاف و هو أن متعلق الطلب فيه هل هو الكف أو مجرد الترك و أن لا يفعل؟ و الظاهر هو الثاني»(1).

و مضافا لما سبق أنّ الصيغة مركّبة من هيئة و مادة، و المادة لا تدلّ إلّا على نفس الطبيعة، فأين الدال على الوجود و العدم؟

نعم البعث أو الزجر، لغاية الإيجاد، أو الاستمرار على الترك و كون شي ء غاية شي ء، غيرُ كونه مأخوذاً فيه و بذلك يسقط البحث عن كون المتعلّق هو الترك أو كف النفس، و ما حولهما من النقض و الإبرام.

عدم دلالتها على الدوام

قال في الکفاية: «لا دلالة لصيغته على الدوام و التكرار كما لا دلالة لصيغة الأمر و إن كان قضيتهما عقلا تختلف و لو مع وحدة متعلقهما بأن يكون طبيعة واحدةبذاتها و قيدها تعلق بها الأمر مرة و النهي أخرى ضرورة أن وجودها يكون بوجود فرد واحد و عدمها لا يكاد يكون إلّا بعدم الجميع كما لا يخفى»(2).

ص: 5


1- كفاية الأصول، ص: 149.
2- كفاية الأصول، ص: 149.

و توضيحه: أن اختلاف مقتضى الأمر- و هو طلب إيجاد الطبيعة- مع مقتضى النهي- و هو طلب ترك الطبيعة- انما هو لأجل اختلاف حكم العقل في المقامين، فانه لما كان وجود الطبيعة الّذي هو المطلوب في الأمر يتحقق بأول وجوداتها، لانطباق الطبيعة عليه قهراً، و حصول الغرض الداعي إلى الأمر بها الموجب لسقوط الأمر، بخلاف عدم الطبيعة الّذي هو المطلوب في النهي، حيث ان عدمها يتوقف عقلا على عدم جميع أفرادها الطولية و العرضية، كان مقتضى حكم العقل في الأمر هو سقوط الطلب بأول وجودات الطبيعة، و عدم سقوطه في النهي إلّا بترك جميع أفراد الطبيعة المنهي عنها، من غير فرق في هذا التوقف بين إطلاق الطبيعة كقوله: «لا تشرب الخمر» و بين تقيدها بقيد كقوله: «لا تشرب ماء الرمان في زمان مرضك»، فدلالة النهي على الاستمرار و الدوام انما هي بحكم العقل، لا الوضع كدلالة الأمر عليه.

و لا يخفی ان النهي انما يدل علی النسبة الامساکية فلا علاقة له بالاعدام حتی يقال: «انّ الإيجاد و الإعدام عقلا على نسق واحد، لما حُقِّق في محلّه من أنّ الطبيعة تتكثّر حسب تكثّر الأفراد فزيد إنسان تام، و بكر إنسان آخر، و كلّ حائز تمام الإنسانية، و نسبة الطبيعة إلى الافراد نسبة الآباء إلى الأبناء لا الأب الواحد بالنسبة إليهم، فإذا كانت الطبيعة متعددة الوجود حسب تعدد الأفراد، تكون متعددة العدم كذلك»(1).

حکم مخالفة النهي

إذا ورد نهي و لم يعلم تقيده بالمرة او بالدوام فخالفه العبد، فهل يدل على لزوم تركه ثانياً أم لا؟

ص: 6


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 164.

الظاهر عدم الدلالة لسقوط النهي بالعصيان، و لزوم امتثاله ثانياً يتوقف على الدليل.

الفصل الثاني في اجتماع الأمر و النهي في شي ء واحد باعتبار عنوانين

و قبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأول: في بيان المراد بالواحد الذي تعلق به الأمر و النهي

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المراد هو الأعم من الواحد الشخصي و النوعي و الجنسي و قال: «المراد بالواحد مطلق ما كان ذا وجهين و مندرجا تحت عنوانين بأحدهما كان موردا للأمر و بالآخر للنهي و إن كان كليا مقولا على كثيرين كالصلاة في المغصوب و إنما ذكر لإخراج ما إذا تعدد متعلق الأمر و النهي و لم يجتمعا وجودا و لو جمعهما واحد مفهوما كالسجود لله تعالى و السجود للصنم مثلا لا لإخراج الواحد الجنسي أو النوعي كالحركة و السكون الكليين المعنونين بالصلاتية و الغصبية»(1).

لکن لازم ذلك إرادة معنيين من لفظ الواحد، فتارة أُريد به مطلق الواحد، ليشمل الواحد الشخصي و النوعي و الجنسي، و أُخرى أُريد به الواحد الشخصي فقط ليخرج السجود للّه و السجود للصنم، حيث لا يجتمعان وجوداً في مصداق واحد.

ص: 7


1- كفاية الأصول، ص: 150.

و الصحيح ان المراد من الواحد: الواحد في الوجود و المقصود منه الفعل الواحد باعتبار أنّ له وجودا واحدا يكون ملتقى و مجمعا للعنوانين, في مقابل المتعدّد بحسب الوجود، كالنظر إلى الأجنبيّة و الصلاة، فإنّ وجود أحدهما غير وجود الآخر، فإنّ الاجتماع في مثل هذا يسمّى الاجتماع المورديّ و لا علاقة له بالمقام.

و الفعل الواحد بما له من الوجود الواحد إذا كان ملتقى للعنوانين، فإنّ التقاء العناوين فيه لا يخلو من حالتين: إحداهما: أن يكون الالتقاء بسبب ماهيّته الشخصيّة. و ثانيتهما: أن يكون الالتقاء بسبب ماهيّته الكلّية، كأن يكون الكلّي نفسه مجمعا للعنوانين، كالكون الكلّي الذي ينطبق عليه أنّه صلاة و غصب.

و عليه، فالمقصود من الواحد في المقام الواحد في الوجود، فلا معنى لتخصيص النزاع بالواحد الشخصيّ کما ذهب الی ذلک المحقّق القميّ و صاحب الفصول، فإنّهما خصّصا النزاع بالواحد الشخصيّ(1).

و يرجع النزاع إلى أنّ اجتماع العنوانين في واحد و تصادقهما عليه، هل يمنع من الأخذ بالإطلاقين في الأمر و النهي معاً فيكون الحقّ مع الامتناعي، فعندئذ لا محيص من الأخذ بأحد الإطلاقين، إمّا الأمر بالصلاة، أو النهي عن الغصب ففي مورد الصلاة في الدار المغصوبة، إمّا أمر و لا نهي، أو نهي و لا أمر أو لا يمنع فيكون الحقّ مع الاجتماعي.

ص: 8


1- . راجع قوانين الأصول ج1 ص140؛ و الفصول الغرويّة: 124.

الثاني الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي في العبادة

قد يتوهم عدم الفرق بين هذه المسألة و بين مسألة النهي في العبادة، بتقريب: أن الأمر و النهي مجتمعان في كل واحدة من المسألتين من دون فرق بينهما، و لذا فقد تصدی غير واحد من المحققين لبيان الفرق بينهما علی أقوال:

تغاير جهة البحث فيهما

الاول: ذهب صاحب الکفاية الی تغاير جهة البحث فيهما، فقال بما حاصله: ان جهته في مسألة الاجتماع هي: أن تعدد الجهة هل يوجب تعدد المتعلق حتى يخرج عن الواحد الّذي يمتنع اجتماع الحكمين المتضادين فيه، و عن سراية كل من الأمر و النهي من متعلقه إلى متعلق الآخر أم لا يوجبه؟ بل هو واحد، فيسري كل من الأمر و النهي إلى متعلق الآخر، فيتحد مجمعهما، و يكون المجمع حينئذ لوحدته محكوماً بأحد الحكمين دون كليهما، لتضادهما، و امتناع اجتماع المتضادين.

بخلاف مسألة النهي في العباد، فان الجهة المبحوث عنها فيها هي دلالة النهي على الفساد و عدمها بعد الفراغ عن كون متعلق النهي عين ما تعلق به الأمر، فالغرض في المسألة الآتية هو أن النهي المتعلق بفرد من أفراد المأمور به هل يرفع الأمر حتى لا يصح أم لا؟(1).

ص: 9


1- كفاية الأصول، ص: 150

و فيه: أنّ ما ذكره مبني على كون البحث في المسألة صغروياً و إنّ تعدّد العنوان هل يوجب تعدّد المعنون، حتّى يكون متعلّق الأمر غيره في النهي أم لا؟ فيكون مرجع البحث إلى أنّه هل هنا اجتماع أم لا؟

و لكنّ الصحيح أنّ البحث في المقام كبروي و انّ البحث إنّما هو في جواز الأمر بشي ء و النهي عن شي ء آخر، متصادقين على مصداق واحد و عدمه، و مرجع البحث إلى جواز الاجتماع و عدمه بعد تسليم أصل الاجتماع في مصداق واحد لا البحث في أصل الاجتماع و عدمه, و عليه فتكون مسألة تعدّد المعنون بتعدّد العنوان و عدم تعدّده حيثيّة تعليليّة في مسألتنا لا أنّها هي نفس محلّ النزاع في الباب، فإنّ البحث هنا ليس إلّا عن نفس الجواز و عدمه، كما عبّر بذلك كلّ من بحث عن هذه المسألة من القديم.

هل النزاع صغروي أو كبرويّ؟

و بذلک يظهر ان النزاع في المسألة کبروي كما هو اللائح من الكتب الأُصولية حيث يبحثون عن جواز الاجتماع و عدمه, لا صغروي كما ذهب إليه صاحب الكفاية.

و يقرب من کلام صاحب الكفاية کلام المحقّق النائيني حيث إنّه بنى الجواز و عدمه في المسألة على أنّ تركيب المادة و الصورة، أو تركيب المقولات بعضها مع بعض، تركيب انضمامي أو اتّحادي، فعلى الأوّل يكون متعلّق الأمر غير متعلّق النهي فلا يلزم الاجتماع، و على الثاني تلزم وحدة متعلّقهما فيلزم الاجتماع.

و بالجملة من بنى الجواز و عدمه على قضية «تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون، أو لا», أو انّ تركيب المقولات بعضها مع بعض تركيب انضمامي أو اتّحادي، فقد جعل النزاع صغروياً، فالمجوز ينفي الاجتماع، و المانع يثبته.

ص: 10

اقول: لا محيص عن القول بكون النزاع كبرويّاً و انّ مصب النزاع عبارة عن الأمر التالي: هل يجوز الأمر بشي ء، و النهي عن شي ء آخر، مع تصادقهما على مورد واحد، أو لا؟ فالقائل بالجواز يقول: إنّ متعلّق الأمر هو حيثية الصلاتية، و متعلّق النهي هو الحيثية الغصبية، فالمتعلّقان مختلفان، و تصادقهما على مورد لا يكون مانعاً عن حفظ الأمر و النهي المتعلّقين بشيئين مختلفين فيجوز اجتماع الأمر و النهي في المقام.

و القائل بالامتناع يقول: إنّ متعلّق الأمر و النهي و إن كان مختلفاً حقيقة، لكن حفظ إطلاق الدليلين، يستلزم وحدة متعلّق الأمر و النهي في النهاية، و ذلك لأنّمقتضى إطلاق «اقم الصلاة» هو وجوب إقامة الصلاة في عامّة الأماكن حتّى المكان المغصوب، كما أنّ مقتضى إطلاق قوله: «لا تغصب» هو تحريمه مطلقاً حتّى في الحالة الصلاتية، فلو صلّى في مكان مغصوب يلزم أن يكون العنوان الكلي (الصلاة في الدار المغصوبة) متعلّقاً للأمر و النهي بحكم حفظ الإطلاقين، فيرجع الاجتماع المأموري إلى الاجتماع الأمري لاتّحاد الآمر و الناهي، و المأمور و المنهي، و المأمور به و المنهي عنه فلا يجوز هذا النوع من الأمر و النهي.

التمييز بالموضوع

الثاني: ذهب صاحب الفصول إلى أنّ المسألتين تتميّزان بالموضوع, من اعتبار تغاير متعلقي الأمر و النهي حقيقة في مسألة الاجتماع، و اعتبار اتحادهما حقيقة، و اختلافهما بالإطلاق و التقييد في مسألة النهي في العبادة.

ص: 11

و حاصله: هو انّ النزاع في ما نحن فيه إنّما هو فيما إذا تعلّق الأمر و النهي بطبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة، سواء أ كان بينهما عموم و خصوص من وجه كما إذا قال: صلّ و لا تغصب، أو عموم و خصوص مطلق كما إذا قال: أكرم الناطق، و لا تكرم الشاعر، و على كلّ تقدير، فالموضوعان متغايران مفهوماً، و أمّا النزاع في مسألة دلالة النهي على الفساد و عدمه، ففيما إذا كان الموضوعان متّحدين حقيقة مختلفين بالإطلاق و التقييد، كما إذا قال: صلّ، و لا تصلّ في الحمام(1).

و أورد عليه المحقّق الخراساني بما حاصله: انّه لو كانت الجهة المبحوث عنها متعددة فلا بدّ من عقد مسألتين و إن كان موضوعهما واحداً، و إن كانت الجهة المبحوث عنها واحدة فلا بدّ من عقد مسألة واحدة و إن كان الموضوع متعدّداً، فلا دور لوحدة الموضوع و تعدّده(2).

التمييز بالموضوع و المحمول

الثالث: إنّ المسألتين تتميّزان موضوعاً و محمولًا، أمّا الأوّل فقد عرفته في كلام صاحب الفصول، و أما الثاني فلأنّ المحمول في المقام جواز الاجتماع و عدمه، و في مسألة النهي عن العبادة، هو دلالة النهي على الفساد و عدمه، و مع الاختلاف الجوهري بين المسألتين في جانب الموضوع و المحمول، لا وجه اشتراك بينهما حتّى يُسأل عن جهة افتراقهما.

ص: 12


1- الکفاية ص151 نقلا عن الفصول/ 140، فصل في دلالة النهي على فساد المنهي عنه.
2- كفاية الأصول، ص: 151.

نعم لو قلنا في المقام بالامتناع و انّه لا بدّ من حفظ أحد الحكمين فقدّمنا النهي على الأمر، يكون المورد من صغريات المسألة الآتية في دلالة النهي على الفساد وضعاً أو لا.

التمييز بكون البحث عقلياً

الرابع: ما أشار إليه صاحب الکفاية بقوله: «و من هنا انقدح أيضا فساد الفرق بأن النزاع ... إلخ»(1) و حاصله: أن النزاع هنا في جواز الاجتماع عقلا، و في مسألة النهي في العبادة في الدلالة اللفظية

و فيه: مضافاً إلى أنّ البحث هناك لا يختصّ باللفظ، بل يعمّ ما إذا كان الدالّ عليه، هو الدليل اللّبي كالعقل و الإجماع، انّ مثل هذا الاختلاف لا يصير سبباً لتعدّدها، لأنّ اختلاف طريق إثباتها لا يجعل المسألة الواحدة، مسألتين.

اقوال اخر

الخامس: أن البحث هنا لغوي، و في النهي في العبادة في مطلق الدلالة, و هذان الوجهان الاخيران محكيان عن المدقق الشيرواني(2).

السادس: ما عن المحقق القمي من اعتبار كون النسبة بين المتعلقين في مسألة الاجتماع عموماً من وجه، و في النهي عن العبادة عموماً مطلقاً.

ص: 13


1- كفاية الأصول، ص: 151
2- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 15

السابع: أن البحث في مسألتنا يكون في الحكم التكليفي، و في غيرها في الحكم الوضعي.

الثامن: أن الكلام هنا في التنافي العقلي، و هناك في التنافي العرفي(1).

اقول: و يعلم بطلانها مما تقدم, کما و قد عرفت ان ثالث الاقوال هو الاقوی.

الثالث: المسألة أُصولية

اقول: اختلفوا في كونها من المسائل الأصوليّة أو غيرها. فذهب المحقّق القميّ إلى أنّها من المسائل الكلاميّة. و ذهب الشيخ الأنصاريّ إلى أنّها من المبادئ الأحكاميّة. و ذهب المحقّق النائيني إلى أنّها من المبادئ التصديقيّة لعلم الأصول(2), و ذهب أكثر المعاصرين إلى أنّها من المسائل الأصوليّة غير المستقلّة لوجود ملاكها فيها و هو صحّة وقوع نتيجتها كبرى للاستنباط، فانّها على القول بجواز الاجتماع يُستنبط منها صحّة الصلاة، كما أنّها كذلك على القول بالامتناع مع تقديم جانب الأمر، و أمّا على القول بالامتناع و تقديم جانب النهي فيترتّب عليه الفساد.

الرابع: في كون المسألة عقلية لا لفظية

قال في الکفاية: أنه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أن المسألة عقلية و لا اختصاص للنزاع في جواز الاجتماع و الامتناع فيها بما إذا كان الإيجاب و التحريم باللفظ كما ربما يوهمه

ص: 14


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 15
2- راجع القوانين 1: 140؛ مطارح الأنظار: 126؛ فوائد الأصول 2: 398؛ نهاية الأفكار 2: 407؛ المحاضرات 4: 180.

التعبير بالأمر و النهي الظاهرين في الطلب بالقول إلا أنه لكون الدلالة عليهما غالبا بهما كما هو أوضح من أن يخفى و ذهاب البعض (1) إلى الجواز عقلا و الامتناع عرفا ليس بمعنى دلالة اللفظ بل بدعوى أن الواحد بالنظر الدقيق العقلي اثنين و أنه بالنظر المسامحي العرفي واحد ذو وجهين و إلّا فلا يكون معنى محصلا للامتناع العرفي غاية الأمر دعوى دلالة اللفظ على عدم الوقوع بعد اختيار جواز الاجتماع(2).

الخامس: شمول النزاع في مسألة الاجتماع لأنواع الإيجاب و التحريم

قال في الکفاية: «لا يخفى أن ملاك النزاع في جواز الاجتماع و الامتناع يعم جميع أقسام الإيجاب و التحريم كما هو قضية إطلاق لفظ الأمر و النهي»(3), و وجهه عمومية الملاك و هو لزوم اجتماع الضدين على القول بالامتناع، لأن مطلق الوجوب سواء أ كان نفسياً أم غيرياً أم عينياً أم كفائياً أم تعيينياً أم تخييرياً يضاد مطلق الحرمة سواء كانت تعيينية أم تخييرية أم نفسية أم غيرية.

خلافا لصاحب الفصول حيث ادعی الانصراف إلى النفسيين التعيينيين العينيين في مادتهما و اجابه صاحب الکفاية بان دعوی الانصراف غير خالية عن الاعتساف و إن سلم في صيغتهما مع أنه فيها ممنوع(4), و وجه کونه اعتسافا انه لا منشأ لدعوى الانصراف إلّا غلبة

ص: 15


1- الأردبيلي في شرح الإرشاد 2/ 110.
2- كفاية الأصول، ص: 152
3- كفاية الأصول، ص: 152
4- كفاية الأصول، ص: 152

الوجود أو كثرة الاستعمال، و لا يصلح شي ء منهما للتقييد، كما ثبت في محله, مع أن الانصراف في صيغتي الامر و النهي أيضا ممنوع ان أريد به التبادر الوضعي الّذي يجدي في تقييد الإطلاقات, و ان کان يمكن دعوى انصراف العينية و أختيها و انسباقها من الإطلاق بمقدمات الحكمة، لا من التبادر الوضعي الّذي منعناه. و تقريب هذه الدعوى: أن غير العينية و التعيينية و النفسيّة يحتاج إلى مؤونة زائدة، فعدم البيان كاشف عن عدم إرادة غيرها، كما مر مفصلا في بحث الأوامر.

هذا و مثال ما نحن فيه ما إذا أمر المولى بالصلاة و الصوم تخييراً، و نهى عن التصرّف في الدار و مجالسة الأشرار كذلك، فالامتثال في جانب الأمر يحصل بإتيان واحدة منهما لكن المخالفة في جانب النهي تتوقف على مخالفتهما معاً، و على ذلك لو صلّى في نفس الدار مع مجالسة الأشرار، يقع الكلام في صحّة الصلاة و الحال هذه و عدمها.

نعم لو صلّى فيها مع عدم مجالستهم، أو صلّى في غيرها مع مجالستهم، أو صام فيها بلا مجالسة، أو صام مع المجالسة لكن في غيرها، فقد أتى بالواجب دون الحرام، لما عرفت من أنّ الحرام هو الجمع لا الواحد منهما.

و کما إذا أمر بالوضوء أو الغسل أو التيمم للصلاة و نهى عن التصرّف في دار معيّنة، فتوضأ أو اغتسل أو تيمّم فيها يقع الكلام فيه كما في غيرها و الأمر بها غيري و لكن النهي نفسي.

السادس: في لزوم أخذ عنوان المندوحة في النزاع و عدمه

ص: 16

فذهب صاحب الکفاية الی عدم اعتباره في صحّة النزاع فقال: «أنه ربما يؤخذ في محل النزاع قيد المندوحة في مقام الامتثال بل ربما قيل بأن الإطلاق إنما هو للاتكال على الوضوح إذ بدونها يلزم التكليف بالمحال.

و لكن التحقيق مع ذلك عدم اعتبارها في ما هو المهم في محل النزاع من لزوم المحال و هو اجتماع الحكمين المتضادين و عدم الجدوى في كون موردهما موجها بوجهين في رفع غائلة اجتماع الضدين أو عدم لزومه و أن تعدد الوجه يجدي في رفعها و لا يتفاوت في ذلك أصلا وجود المندوحة و عدمها و لزوم التكليف بالمحال بدونها محذور آخر لا دخل له بهذا النزاع»(1), و توضيحه:

هو أن الكلام في عدم جواز اجتماع الأمر و النهي يقع في مقامين:

الأول: لحاظه في مرحلة الجعل، بأن يقال: هل يمتنع تعلق حكمين متضادين في نفسهما- مع قطع النّظر عن مقام الامتثال- بشي ء واحد ذي وجهين، لعدم كون تعدد الوجه موجباً لتعدد المتعلق، كامتناع تعلق الوجوب و الحرمة بشي ء واحد ذي وجه واحد، أم يمكن ذلك، لكون تعدد الوجه موجباً لتعدد المتعلق، و مغايرة متعلق الوجوب لمتعلق الحرمة.

الثاني: لحاظه في مرحلة الامتثال، بأن يقال: هل يصح التكليف بأمر غير مقدور للمكلف، أم لا؟ لعجزه، و عدم قدرته على امتثاله، كالأمر بالضدين المتزاحمين الواجدين للملاك، فان القصور حينئذ من ناحية المكلف، لعدم قدرته على الامتثال و الجمع بينهما.

و المهم و الغرض الأصلي من البحث في مسألة الاجتماع هو المقام الأول، لأن محط النزاع هو كون تعدد الوجه مجدياً في تعدد المتعلق حتى يجوز اجتماع حكمين متضادين، و يرتفع به غائلة اجتماع الضدين، أو عدم كونه مجدياً في ذلك، و أنه كوحدة

ص: 17


1- كفاية الأصول، ص: 153

الجهة في لزوم اجتماع الضدين, و بالجملة: فمركز البحثمقام الجعل دون الامتثال، و المندوحة أجنبية عن ذلك، نعم هي معتبرة في مقام الإطاعة، إذ بدون المندوحة لا يقدر على الامتثال.

خلافا لصاحب الفصول حيث اعتبر قيد المندوحة فيه فقال: «و إن اختلفت الجهتان و كان للمكلف مندوحة في الامتثال فهو موضع النزاع و من ترك القيد الأخير فقد اتكل على الوضوح لظهور اعتباره»(1).

قلت: الصحيح ما ذهب اليه صاحب الکفاية على القول بكون النزاع صغروياً، إذ لا دور لوجود المندوحة في أساس القولين، و هو انّ تعدد العنوان هل يوجب تعدد المعنون أم لا؟ كما في تعبير المحقّق الخراساني، أو تركيب المقولات تركيب اتحادي أو انضمامي، كما في تعبير المحقّق النائيني.

و بعبارة أُخرى: هل الحركة الصلاتية غير الحركة الغصبية لأجل انّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون أو لأجل تركيب المقولات، انضمامياً لا اتحادياً، أم لا؟ فبناء على أنّ تعدد العنوان لا يوجب تعدّد المعنون، أو تركيب المقولات، تركيب اتحاديّ، و الجزم بأحد الطرفين لا يتوقف على وجود المندوحة و عدمه في المورد، فسواء أ كان المكان منحصراً بالمغصوب أو متعدداً، فالعقل إمّا يحكم بالوحدة أو التعدد.

نعم فعلية النهي تتوقّف على وجود المندوحة حتى لا يلزم الأمر بالمحال، سواء أ كان هناك أمر أو لا، إذ لا يصلح النهي جداً عن المغصوب حتى يتمكّن الإنسان من تركه فالمحبوس في مكان مغصوب، مأمور بالصلاة، و ليس منهيّاً عن الغصب فعلاً و إن كان منهيّاً عنه إنشاء.

ص: 18


1- الفصول الغروية في الأصول الفقهية، ص: 124

و هنالک قول ثالث: يفصل بين كون النزاع صغروياً فلا يشترط وجود المندوحة فيه, و كبروياً فيعتبر.

أمّا ان النزاع لو کان صغروياً فلا يشترط وجود المندوحة فيه فلما تقدم في كلام المحقّق الخراساني من أنّ ملاك النزاع، و صحته لا يتوقّف على وجود المندوحة.

و هذا بخلاف ما إذا كان البحث كبرويّاً فانّ تجويز اجتماع حكمين فعليين في مورد واحد، باعتبار انطباق عنوانين عليه فرع وجود المندوحة و التمكّن من إقامة الصلاة في غير المكان المغصوب، و إلّا فلو كان مضطرّاً فلا محيص من سقوط أحد الحكمين، إمّا وجوب الصلاة أو حرمة الغصب، فالتحفّظ على فعلية الحكمين يستدعي وجود المندوحة و السعة.

و اجيب: أنّ لزوم وجود المندوحة ليس من آثار اجتماع الحكمين الفعليين في مورد واحد، بل من آثار نفس النهي، سواء أ كان هناك اجتماع أم لا، إذ التكليف مطلقاً مجرّداً أو مقروناً بآخر يطلب لنفسه الاستطاعة و القدرة كسائر الشرائط العامّة، و مع عدمها، يصبح التكليف تكليفاً بالمحال(1).

هذا و للمحقّق القمي تفصيل بين كون الابتلاء بسوء الاختيار فلا يعتبر، و ما إذا حصل بدونه فيعتبر(2), نرجأ الكلام فيه الی التنبيه الأوّل من تنبيهات المسألة.

السابع: في صحّة النزاع على كلا الرأيين في متعلّق الأحكام

هل النزاع في جواز اجتماع الأمر و النهي في شي ء واحد يأتي على كلا القولين من تعلّق الأحكام بالطبائع، او تعلّقها بالأفراد؟

ص: 19


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 183
2- قوانين الأصول: 153 الطبعة القديمة .

, قال في الکفاية: «أنه ربما يتوهم تارة أن النزاع في الجواز و الامتناع يبتني على القول بتعلق الأحكام بالطبائع و أما الامتناع على القول بتعلقها بالأفراد فلا يكاد يخفى ضرورة لزوم تعلق الحكمين بواحد شخصي و لو كان ذا وجهين على هذا القول.

و أخرى أن القول بالجواز مبني على القول بالطبائع لتعدد متعلق الأمر و النهي ذاتا عليه و إن اتحد وجودا و القول بالامتناع على القول بالأفراد لاتحاد متعلقهما شخصا خارجا و كونه فردا واحدا.

و أنت خبير بفساد كلا التوهمين فإن تعدد الوجه إن كان يجدي بحيث لا يضر معه الاتحاد بحسب الوجود و الإيجاد لكان يجدي و لو على القول بالأفراد فإن الموجود الخارجي الموجه بوجهين يكون فردا لكل من الطبيعتين فيكون مجمعا لفردين موجودين بوجود واحد فكما لا يضر وحدة الوجود بتعدد الطبيعتين لا يضر بكون المجمع اثنين بما هو مصداق و فرد لكل من الطبيعتين و إلا لما كان يجدي أصلا حتى على القول بالطبائع كما لا يخفى لوحدة الطبيعتين وجودا و اتحادهما خارجا فكما أن وحدة الصلاتية و الغصبية في الصلاة في الدار المغصوبة وجودا غير ضائر بتعددهما و كونهما طبيعتين كذلك وحدة ما وقع في الخارج من خصوصيات الصلاة فيها وجودا غير ضائر بكونه فردا للصلاة فيكونمأمورا به و فردا للغصب فيكون منهيا عنه فهو على وحدته وجودا يكون اثنين لكونه مصداقا للطبيعتين(1), و حاصله ان ها هنا وجوهاً ثلاثةً:

الاول: و قد أشار إليه بقوله: «تارة ان النزاع ... إلخ» و حاصله: أن الخلاف في الجواز و عدمه مبني على تعلق الأحكام بالطبائع، فالقائل بالجواز يرى تعدد المتعلق ماهية و ان اتحد وجوداً، لكونه عبارة عن طبيعتين متغايرتين ماهية، فلا مانع من اجتماع الحكمين.

ص: 20


1- كفاية الأصول، ص: 154

و القائل بالامتناع يرى اتحادهما وجوداً و ماهية، و الواحد لا يتحمل حكمين متضادين. و أما بناء على تعلق الأحكام بالافراد، فلا محيص عن القول بالامتناع، و لا وجه للجواز على هذا القول أصلا. فنزاع الجواز و عدمه مبني على تعلق الأحكام بالطبائع، دون الافراد.

الثاني: و هو الّذي أشار إليه بقوله: «و أخرى ان القول بالجواز ... إلخ» و حاصله: أن جواز الاجتماع مبني على تعلق الأحكام بالطبائع، لتعدد متعلق الأمر و النهي ذاتاً و ان اتحدا وجوداً. و عدم جواز الاجتماع مبني على تعلق الأحكام بالافراد، لكون المتعلق حينئذ شخصاً و جزئياً حقيقياً، و من المعلوم امتناع تحمله لحكمين متضادين، فلا محيص حينئذ عن القول بالامتناع.

اقول: و اليه ذهب المحقّق النائيني فقال: «و كيف كان فانا إذا بنينا على تعلق الأمر بالمشخصات سواء كان الأمر بها استقلالياً أم تبعياً و كانت نسبة كل من المأمور به و المنهي عنه إلى الآخر نسبة المشخصات فلا محالة يكون كل منهما محكوماً بحكم الآخر فيلزم منه اجتماع الحكمين المتضادين في موضوع واحد فلا بد من رفع اليد عن أحدهما باعمال قواعد التعارض في دليليهما و اما إذا بنينا على خروج المشخصات عن حيز الطلب فلا يسرى الأمر إلى متعلق النهي و لا النهي إلى متعلق الأمر فيكون القول بالجواز و الامتناع مبنياً على القول بتعلق الأوامر بالطبائع أو الافراد بالضرورة»(1).

و الفرق بين الوجه الاول و الثاني: أنه على الأول يمكن القول بالامتناع مع القول بتعلق الأحكام بالطبائع أيضا، و على الثاني لا يمكن ذلك، بل لا بد على القول بالطبائع من الذهاب إلى الجواز، فالقول بالامتناع على الوجه الثاني مبني على تعلق الأحكام بالافراد.

ص: 21


1- ( 1). أجود التقريرات: 345/1

و على الوجه الأول غير مبني عليه، بل يمكن ذلك حتى على تعلقها بالطبائع أيضا كما تقدم.

الثالث: جريان النزاع على كلا الرأيين، فلا القول بتعلّقها بالطبائع يلازم القول بالجواز، و لا القول بتعلّقها بالأفراد يلازم القول بالامتناع و ذلک لأن تعدد الوجه في مسألة الاجتماع ان كان مجدياً في تعدد المتعلق بحيث لا يضر معه الاتحاد الوجوديّ، فذلك مجدٍ حتى على القول بتعلق الأحكام بالافراد، لكون الموجود الخارجي الموجه بوجهين مجمعاً لفردين موجودين بوجود واحد يتعلق بأحدهما الأمر، و بالآخر النهي. و ان لم يكن تعدد الوجه مجدياً في تعدد المتعلق، فلا بد من البناء على الامتناع حتى على القول بتعلق الأحكام بالطبائع، لاتحاد الطبيعتين المتعلقتين للأمر و النهي وجوداً، فالاتحاد الوجوديّ ان كان مانعاً عن تعدد المتعلق كان مانعاً مطلقاً من غير فرق بين تعلق الأحكام بالطبائع و الافراد، و ان لم يكن مانعاً عنه لم يكن مانعاً كذلك. و بذلک يظهر فساد الوجهين المتقدمين و انه يجري النزاع على كل من القولين.

و اما ما قيل في ردّ الوجهين الأوّلين, بأنّهما مبنيّان على تفسير الفرد في متعلّق الأحكام، بالفرد المنطقي و هو الجزئي الخارجي، و عندئذ يصحّ القولان بأنّ النزاع في الجواز و الامتناع مبنيّ على القول بتعلّقها بالطبائع، و أمّا على القول بتعلّقها بالفرد، فالقول بالامتناع متعيّن، أو انّ الجواز مبنيّ على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، و الامتناع مبنيّ على القول بتعلّقها بالأفراد. و أنّ الفرد بهذا المعنى، لا يعقل أن يكون متعلّقاً للحكم، لأنّه قبل الوجود لا يوصف بالفرديّة، و بعده فهو ظرف سقوط الحكم بالطاعة أو بالمعصية، بل المراد من الفرد في متعلّق الأحكام هو الفرد الأُصولي، و المراد، هو الطبيعة مع ملازماتها و مقارناتها، و المراد من الملازمات هو ما لا يفارقها كالتأيّن بأين، و التحيّن بالزّمان و غير

ص: 22

ذلك، كما أنّ المراد من المقارنات ما يصاحبها تارة و يفارقها أُخرى، كالغصب بالنسبة إلى الصلاة، و يعبّر عن ملازمات الطبيعة و مقارناتها، بالمشخّصات الفرديّة(1).

ففيه: ان الظاهر من الوجهين هو ان المراد من الفرد المعنی المشهور الذي عبر عنه بالفرد الاصولي و اما الفرد المنطقي حسب تعبيره فليس بظاهر منهما, بل صرح المورد ان مراد المحقق النائيني من الفرد هو الفرد الاصولي(2).

الثامن: الفرق بين التعارض و التزاحم

إنّ كلمتي التزاحم و التعارض من الكلمات الدائرة على ألسنة الأُصوليين، حيث يستعملون التزاحم في باب اجتماع الأمر و النهي, و التعارض في باب التعادل و الترجيح، فإذاً يقع الكلام فيما هو الفرق بينهما.

و الذي يزيد غموضاً في المقام هو أنّ الأُصوليّين فيما إذا كان بين الدليلين عموم و خصوص من وجه تارة يطرحونه في هذا المقام نظير صلّ و لا تغصب، و أُخرى يعقدون له مبحثاً في باب التعادل و الترجيح نظير: أكرم العالم و لا تكرم الفاسق. حيث يتعارض الدليلان في العالم الفاسق، و عندئذ يقع الكلام فيما هو الفرق بين المقامين و كيف تكون مسألة واحدة من مسائل هذا الباب و من مسائل الباب الآخر و بينهما بون واسع؟

و لذا فقد تصدی المحقّق الخراساني لبيان مناط الفرق بين المقامين حيث قال: «أنه لا يكاد يكون من باب الاجتماع إلّا إذا كان في كل واحد من متعلقي الإيجاب و التحريم مناط حكمه مطلقا حتى في مورد التصادق و الاجتماع كي يحكم على الجواز بكونه

ص: 23


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 185
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 186

فعلا محكوما بالحكمين و على الامتناع بكونه محكوما بأقوى المناطين أو بحكم آخر غير الحكمين فيما لم يكن هناك أحدهما أقوى كما يأتي تفصيله (1).

و أما إذا لم يكن للمتعلقين مناط كذلك فلا يكون من هذا الباب و لا يكون مورد الاجتماع محكوما إلّا بحكم واحد منهما إذا كان له مناطه أو حكم آخر غيرهما فيما لم يكن لواحد منهما قيل بالجواز و الامتناع هذا بحسب مقام الثبوت.

و أما بحسب مقام الدلالة و الإثبات فالروايتان الدالتان على الحكمين متعارضتان إذا أحرز أن المناط من قبيل الثاني فلا بد من حمل المعارضة حينئذ بينهما في الترجيح و التخيير و إلا فلا تعارض في البين بل كان من باب التزاحم بين المقتضيين فربما كان الترجيح مع ما هو أضعف دليلا لكونه أقوى مناطا فلا مجال حينئذ لملاحظة مرجحات الروايات أصلا بل لا بد من مرجحات المقتضيات المتزاحمات»(2).

و حاصل ما ذكره: انّه لو كان في كلّ من موردي الدليلين مناط الحكم و ملاكه فهو من باب التزاحم، و أمّا إذا كان المناط موجوداً في و احد منهما، أو احتملنا انّ كلاً منهما فاقد للملاك، فهو من باب التعارض، و قد جعل الكلام في مقامين:

الأوّل: مقام الثبوت، و المراد منه ملاحظة الموضوع مع قطع النظر عن تعلّق الحكم به.

الثاني: مقام الإثبات، و المراد منه ملاحظة الموضوع بعد تعلّق الحكم به.

أمّا المقام الأوّل: فقد ذكر فيه صوراً ثلاثةً:

الأُولى: إذا كان الملاك موجوداً في مورد التّصادق منهما، و قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي، يكون المورد محكوماً بحكمين فعليّين، فالصلاة في الدار المغصوبة و الغصب بما

ص: 24


1- راجع التنبيه من تنبيهات اجتماع الأمر و النهي، ص 174.
2- كفاية الأصول، ص: 154

انّهما واجدان للملاك فالقائل بجواز الاجتماع يقول إنّه يكون محكوماً بحكمين بلا توقف.

الثانية: تلك الصورة أي يكون مورد التصادق واجداً للملاكين و لكن لا نقول بجواز الاجتماع بل بامتناعه، فعندئذ يكون مورد التّصادق من باب التزاحم و يؤخذ بمرجّحات بابه فيكون مورد التّصادق محكوماً بأقوى المناطين، و لو لم يكن هناك مناط أقوى يرجع إلى حكم آخر غير الحكمين.

الثالثة: ما إذا لم يكن في مورد التّصادق ملاك، فيخرج من هذا الباب و يدخل في باب التّعارض، فعندئذ يؤخذ بالحكم الذي له مناط دون ما ليس له مناط.

و أمّا ما هو طريق كشف وجود المناط في حكم دون حكم؟

فقال في الکفاية: أنه قد عرفت أن المعتبر في هذا الباب أن يكون كل واحد من الطبيعة المأمور بها و المنهي عنها مشتملة على مناط الحكم مطلقا حتى في حال الاجتماع فلو كان هناك ما دل على ذلك من إجماع أو غيره فلا إشكال و لو لم يكن إلّا إطلاق دليلي الحكمين ففيه تفصيل و هو:

أن الإطلاق لو كان في بيان الحكم الاقتضائي لكان دليلا على ثبوت المقتضي و المناط في مورد الاجتماع فيكون من هذا الباب و لو كان بصدد الحكم الفعلي فلا إشكال في استكشاف ثبوت المقتضي في الحكمين على القول بالجواز إلّا إذا علم إجمالا بكذب أحد الدليلين فيعامل معهما معاملة المتعارضين و أما على القول بالامتناع فالإطلاقان متنافيان من غير دلالة على ثبوت المقتضي للحكمين في مورد الاجتماع أصلا فإن انتفاء أحد المتنافيين كما يمكن أن يكون

ص: 25

لأجل المانع مع ثبوت المقتضي له يمكن أن يكون لأجل انتفائه إلّا أن يقال إن قضية التوفيقبينهما هو حمل كل منهما على الحكم الاقتضائي لو لم يكن أحدهما أظهر و إلّا فخصوص الظاهر منهما(1).

اقول: إنّ المحقّق الخراساني قدَّم حكم الصورة الثالثة أوّلًا، و حذف بيان حكم الصورة الأُولى، و اقتصر على بيان حكم الصورة الثانية، و نحن نشرح الجميع لكن على ضوء الكفاية بتقديم ما قدّمه فنقول:

الصورة الثالثة: عبارة عمّا إذا كان مورد الدليلين خالياً من الملاكين، فيرجع إلى دليل آخر، و أمّا إذا كان واحد منها خالياً عنه، فعندئذ يؤخذ بما فيه المناط، و طريق التعرّف عليه هو الرجوع إلى المرجّحات الواردة في باب التعادل و الترجيح، فيؤخذ بما هو المشهور أوّلًا، ثمّ الموافق للكتاب ثانياً، و مخالف العامّة ثالثاً، علی ما هو المعروف و هذا النوع من البحث يرجع إلى باب التّعادل و الترجيح.

و أمّا الصورة الأُولى: التي أحجم المحقّق الخراساني عن بيانها فنقول: إذا كان مورد التصادق واجداً لكلا الملاكين و قلنا بجواز الاجتماع و انّ كلّ حكم ثابت على متعلّقه من غير تجاوز عن موضوعه إلى موضوع آخر فلا كلام فيه، و هذا هو الذي يتبنّاه القائل بجواز الاجتماع و يرى الساحة خالية عن التزاحم فضلاً عن التعارض، و بما انّ المحقّق الخراساني لم يقل بجواز الاجتماع أسقط بيان حكم هذه الصورة.

الصورة الثانية: ما إذا كان مورد التصادق واجداً للملاكين و لكن قلنا بامتناع الاجتماع، فالقائل لا محيص له إلّا الأخذ بأقوى المناطين فانّه إذا كان هناك تزاحم بين المقتضيين يؤخذ بالأقوى مناطاً من غير فرق بين هذا الباب و سائر الأبواب حتّى إذا كان أقوى المناط مروياً بسند غير قوي يقدم على ما هو أضعف مناطاً و إن روي بسند قوي، فلو

ص: 26


1- كفاية الأصول، ص: 155

ورد إنقاذ النبي بخبر الواحد و إنقاذ الولي بخبر أقوى منه، فبما انّ إنقاذ النبي أقوى مناطاً يؤخذ به و إن كان السند غير قوي.

هذا و جعل الشيخ الأنصاري رحمه الله هذه الصورة من صغريات التعارض(1), قلت: و لا يخفی ضعفه لان الفرض ان کلا منهما واجد للملاک فلا تعارض بينهما و انما لا يمکن الجمع بينهما علی القول بالامتناع.

جواب المحقّق البروجردي

و ردّ عليه السيد المحقّق البروجردي، فقال: «محطّ النزاع في باب الاجتماع هو الإمكان و الامتناع بنحو الكبرى الكلّيّة، بلا نظرٍ إلى الوقوع و اللّاوقوع، فتقييد محلّ النزاع بما إذا كان في كلّ واحدٍ من متعلَّقي الإيجاب و التحريم مناط الحكم مطلقاً حتّى في مورد التصادق و الاجتماع كما صنعه المحقّق الخراساني رحمه الله ممّا لا أساس له، و فيه خلط بين الإمكان و الامتناع كبرويّاً، و بين ثمرة النزاع في الفقه و محلّ الوقوع، فالقائل بالجواز يقول: إنّ اجتماع الأمر و النهي في واحدٍ ذي جهتين ممكنٌ، وقع أو لم يقع، و القائل بالامتناع ينكره.

نعم، تظهر الثمرة في الشرعيّات في مورد يكون ملاك الحكم متحقّقاً في صور الاجتماع، و هو أمر آخر وراء محلّ النزاع»(2), و عليه فما ذكره من أنّه لا يكاد يكون من باب الاجتماع إلّا إذا كان في كلّ واحد من متعلّق الإيجاب و التحريم مناط حكمه مطلقاً حتّى في مورد التصادق و الاجتماع, لا مدخلية له في حقيقة البحث و إن كان له مدخلية

ص: 27


1- مطارح الأنظار: 124.
2- لمحات الأصول: 217.

في ترتب الأثر فانّ البحث في المقام يدور على أنّ تعدد العنوان موجب لتعدّد المعنون أو لا، و هذا لا يتوقف على وجود المناط لكلا الدليلين في مورد التصادق و عدمه.

نعم ترتّب الثمرة و القول بصحّة الصلاة على القول بجواز الاجتماع تابع لوجود المناط في الموردين، كما أنّ الحكم بصحّتها على القول بالامتناع و تقديم الأمر على النهي رهن وجود الملاك فيها ايضا.

و يرد علی المحقق الخراساني ايضا: انّ الفرق بين التزاحم و التعارض ليس وجود المناط لكلا الدليلين في مورد التزاحم و عدمه لهما في مورد التعارض، بل الملاك هو انّه إذا كان التكاذب بين الدليلين في مقام الجعل و التشريع فهو من باب التعارض كما إذا ورد: ثمن العذرة سحت، و ورد: لا بأس ببيع العذرة، فلا يمكن جعل حكمين متضادين لموضوع واحد و هو ثمن العذرة.

و أمّا إذا كان بين الدليلين في مقام التشريع كمال الملاءمة و لكن طرأ التزاحم في مقام الامتثال و هذا كقول القائل: انقذ النبي و أنقذ الإمام، فلا نرى أي تكاذب بين الدليلين، و لو كان هناك شي ء من التدافع فإنّما هو لضيق قدرة المكلّف و بُعْد الغريقين مكاناً، و إلّا فلو كان الغريقان متقاربين أو كانت قدرة المكلّف أوسع فلا تزاحم.و اما الفرق بين قوله: «صلّ و لا تغصب» و قوله: «أكرم العالم و لا تكرم الفاسق» واضح لان العرف يری المورد الثاني من التعارض دون الأوّل، و ذلك لأنّ كلاً من الدليلين في الأوّل غير ناظر إلى صورة الاجتماع، بل الأمر تعلّق بطبيعة الصلاة و النهي تعلّق بطبيعة الغصب، فلا يعد الدليلان عند العرف متعارضين، لعدم الإشارة فيها إلى صورة التصادق و لو إجمالاً بخلاف الدليلين الآخرين، أي أكرم كل فاسق و أكرم كلّ عالم، أو قوله:

ص: 28

أكرم العالم و أكرم الفاسق، فإنّ في كلّ من لفظتي: كل, و اللام, إشارة إلى المصاديق الخارجية التي منها اجتماع الفسق و العلم في مورد واحد.

استدراک

ثمّ إنّ المحقق الخراساني أشار بالجملة الاتية إلى صورة رابعة بان كانا حاكيين عن الحكم الفعلي و لم يمكن الجمع العرفي حيث قال: نعم لو كان كل منهما متكفلا للحكم الفعلي لوقع بينهما التعارض فلا بد من ملاحظة مرجحات باب المعارضة لو لم يوفق بينهما بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي بملاحظة مرجحات باب المزاحمة فتفطن(1)، فانهما إذا كانا حاكيين عن الحكم الفعلي و لم يمكن الجمع العرفي بينهما فلا شک في وقوع التعارض بينهما و اما ان امکن الجمع العرفي بينهما بحمل أحدهما علی الحکم الفعلي و الاخر على الحكم الاقتضائي بان يكون أحدهما صالحا على التصرف في الآخر، لقرينة لفظية، أو عقلية كمناسبة الحكم للموضوع فلا تصل النوبة الی التعارض.

قلت: لکنه مجرد فرض لأن أدلة الأحكام الشرعية لا تدل إلّا على ثبوت الأحكام لموضوعاتها، و فعليتها منوطة بوجود موضوعاتها خارجاً، كما هو شأن القضايا الحقيقة التي منها القضايا الشرعية، فان مثل قوله تعالى: ﴿وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ لا يدل على فعلية وجوب الحج على المستطيع أصلا، لإناطتها بوجود المستطيع خارجاً، و من المعلوم عدم دلالته على فعلية الموضوع، و لا فعلية الحكم، فتكفل الدليل للحكم الفعلي مجرد فرض لا وجود له خارجاً الّا في القضايا الخارجية.

ص: 29


1- كفاية الأصول، ط - ال البيتعليهم السلام ص: 155

نظرية المحقّق النائيني

هذا و فرق المحقّق النائيني بين البابين - التزاحم و التعارض - بكون التّركيب فيها انضماميّا او اتحاديا فقال: «و بالجملة إرجاع المائز بين البابين إلى المقتضيات و الملاكات ممّا لا يستقيم، بل المائز بين البابين هو ما ذكرنا من انّ اجتماع المتعلّقين في باب الاجتماع يكون على وجه الانضمام، و في باب التعارض يكون على وجه الاتحاد. و قد عرفت بما لا مزيد عليه انّ مسألة اجتماع الأمر و النّهي لا تندرج في صغرى التّعارض، لكون التّركيب فيها انضماميّا, و بعد ذلك انّه لو قلنا: بالتركيب الاتحادي و امتناع اجتماع الأمر و النّهي، فلا محالة تندرج المسألة في صغرى التّعارض، للزوم تعلّق الأمر حينئذ بعين ما تعلّق به النّهي، و استلزامه لاجتماع الضّدين في واحد شخصيّ عددا و هويّة، و عليه لا بدّ من إعمال قواعد التّعارض(1).

قلت: مضافا الی ورود نفس الاشکالات الواردة علی المحقق الخراساني عليه, ان ما اختاره من كون التّركيب فيها انضماميّا لا اتحاديا مجانب للصواب و ذلک لان اجتماع الامر بالصلاة و النهي عن الغصب ليس من قبيل الصلاة و النظر الی الاجنبية الذي يکون فيه الترکيب انضماميا و يکون اجتماعهما مورديا خارجاً عن موضوع مسألتنا و عليه فالمسألة بکل صورها يکون الترکيب فيها اتحاديا تجتمع فيها طبيعتا الصلاة و الغصب .

ص: 30


1- فوائد الأصول: 428/ 2.

التاسع: في ثمرات القولين

قال في الکفاية: أنه لا إشكال في سقوط الأمر و حصول الامتثال بإتيان المجمع بداعي الأمر على الجواز مطلقا و لو في العبادات و إن كان معصية للنهي أيضا و كذا الحال على الامتناع مع ترجيح جانب الأمر إلّا أنه لا معصية عليه و أما عليه و ترجيح جانب النهي فيسقط به الأمر به مطلقا في غير العبادات لحصول الغرض الموجب له و أما فيها فلا مع الالتفات إلى الحرمة أو بدونه تقصيرا فإنه و إن كان متمكنا مع عدم الالتفات من قصد القربة و قد قصدها إلا أنه مع التقصير لا يصلح لأن يتقرب به أصلا فلا يقع مقربا و بدونه لا يكاد يحصل به الغرض الموجب للأمر به عبادة كما لا يخفى و أما إذا لم يلتفت إليها قصورا و قد قصدالقربة بإتيانه فالأمر يسقط لقصد التقرب بما يصلح أن يتقرب به لاشتماله على المصلحة مع صدوره حسنا لأجل الجهل بحرمته قصورا فيحصل به الغرض من الأمر فيسقط به قطعا و إن لم يكن امتثالا له بناء على تبعية الأحكام لما هو الأقوى من جهات المصالح و المفاسد واقعا لا لما هو المؤثر منها فعلا للحسن أو القبح لكونهما تابعين لما علم منهما كما حقق في محله(1).

و حاصل کلامه ان في المقام صوراً خمساً:

ص: 31


1- كفاية الأصول، ص: 157

الصورة الأُولى:

إذا قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي فلا شكّ في صحّة العمل التوصلي، و هكذا العمل العبادي، لأنّه يأتي بالمجمع بداعي الأمر و إن كان عمله معصية أيضاً، لأنّ الاعتبار إنّما هو بالأمر غير الساقط، و هذه الثمرة هي الثمرة المعروفة للمسألة اعتمد عليها الأُصوليون من سالف الأيام و كانت النتيجة صحة العبادة على القول بالاجتماع و بطلانها على القول بالامتناع.

غير أنّ كلاً من العلمين: المحقّق البروجردي، و المحقّق النائيني قدّس اللّه سرّهما أشكلا على صحّة الصلاة، بل مطلق العبادة على القول بجواز الاجتماع، لكن كل ببيان خاص.

بيان المحقّق البروجردي

أمّا الأوّل فقال: بأنّ العمل غير قابل للتقرب، و متعلّق كلّ من الأمر و النهي و إن كان متغايراً لكنّهما موجودين بوجود واحد، فهو موجود غير محبوب، بل مبغوض فكيف يتقرب إلى المولى بأمر مبغوض؟! و بعبارة أُخرى: انّ المكلّف بعمله هذا متمرد على المولى و خارج عن رسم العبودية و زيّ الرقيّة، فكيف يتقرب إلى ساحته سبحانه، بما يعدُّ مبعِّداً و لا يكون مقرِّباً؟(1). و فيه اولا: أنّ المراد من نية التقرب قصد امتثال الامر الالهي و لا معنی لنية القربة غيره و لا دليل علی الازيد من ذلک کما تدم بيانه في مبحث التعبدي و التوصلي.

ص: 32


1- لمحات الأصول، النص، ص: 224

و ثانيا: أن ما أفيد خلاف الفرض، و هو تقديم جانب الأمر على النهي لأقوائية مصلحته من مفسدة النهي، إذ لا معنى للتقديم الّا مغلوبية المفسدة بالمصلحة، و عدم مانعيتها عن استيفاء مصلحة الأمر بالفرد المشتمل على المفسدة، و عن تمشي قصد القربة و حصول التقرب به، من دون مانع عنه، لا من الفعل و لا من الفاعل.

فما أفاده المحقق الخراساني من حصول الامتثال بإتيان المجمع بداعي الأمر على القول بالجواز، و الامتناع مع تقديم جانب الأمر في غاية المتانة.

و لا وجه لدعوى: تعين ترجيح جانب النهي دائماً و ان كانت المفسدة الموجودة فيه أضعف بالنسبة إلى مصلحة الأمر، لأنه خلاف فرض الأقوائية، و إنكار لها، كما لا يخفى.

فالمتحصل: حصول الامتثال، و تحقق القربة بإتيان المجمع حتى مع العلم بالغصب.

بيان المحقّق النائيني

و أمّا الثاني فحاصل ما أفاده: انّ الصلاة في الدار المغصوبة ليست مصداقاً للمكلّف به، كما أنّها ليست واجدةً للملاك.

أمّا الأوّل فلأنّ منشأ اعتبار القدرة نفس التكليف لا حكم العقل، لأنّ الأمر هو جعل داع للمكلّف نحو المكلف به و لا يصح جعله داعياً إلّا إلى ما وقع في إطار قدرة المكلّف، فيكون متعلّق التكليف هو الحصة المقدورة عقلاً، غير الممنوعة شرعاً، فتخرج الحصة المحرمة تحت الأمر، و على ضوء ذلك فالصلاة لما كانت ملازمة للمحرم فلا تكون مصداقاً للأمر و لا تكون مأموراً بها، و لا يمكن الحكم بالصحة لأجل الأمر.

و أمّا عدم تصحيحها بالملاك، فلأنّه إنّما يصحّ التقرب به إذا لم يكن ملازماً بالقبح الفاعلي و إلّا فلا يكون صالحاً للتقرب، و الصلاة و الغصب و إن كانا غير متحدين إلّا

ص: 33

انّهما موجودان بإيجاد واحد، فلا محالة يكون موجِدهما مرتكباً للقبيح بنفس الإيجاد و يستحيل أن يكون الفعل الصادر منه مقرّباً(1).

و فيه أوّلًا: أنّ المعروف بين المتكلّمين هو انّ الحاكم باشتراط التكليف بالأُمور العامّة من العقل و القدرة و العلم، هو العقل دون ذات التكليف، و لا يمنع العقلمنه بعد تعلق الأمر بمطلق الطبيعة، لا الطبيعة المقدورة، غير الممنوعة، حتی يكون الفرد المحظور مصداقاً لها، غير خارج عنها.

و اما ما ذكره من أنّ منشأ اعتبار القدرة نفس التكليف، و ذلك لأنّ الأمر جعل داع للمكلّف نحو العمل، و لا يصحّ جعله داعياً إلّا إلى ما وقع في إطار قدرة المكلّف، فانما هو عبارة أُخرى عن حكم العقل بذلك، و قد تقدم ان العقل ليس بمانع.

و ثانياً: انّ ما ذكره من كون المجمع فاقداً للملاك بحجّة أنّ موجد الصلاة و الغصب مرتكب للقبح بنفس هذا الإيجاد، و يستحيل أن يكون العمل الصادر منه مقرِّباً مبنيّ على سراية القبح الفاعلي إلى الفعل، فلم يثبت و لا نقول به ، لأنّ الصلاة في الدار المغصوبة نفسها في البيت، و كون الفاعل مرتكباً للقبيح مقارناً للصلاة كما هو المفروض لا يجعل الصلاة فعلًا قبيحاً.

الصورة الثانية:

القول بالامتناع و تقديم جانب الأمر و ظاهر العبارة صحّة العمل عبادياً كان أم توصلياً, و ذلك لأنّ القائل بالامتناع يحمل أحد الحكمين على الاقتضائي و الآخر على الفعلي.

ص: 34


1- المحاضرات: 216/ 4.

اقول: لكن القول به مطلقاً مشكل، و ذلک لأنّ الأخذ بالأمر لأجل كونه أقوى ملاكاً عن الحرام مختص بالصورتين التاليتين:

1. إذا لم يتمكن من الصلاة إلّا في المكان المغصوب.

2. إذا تمكن من الصلاة في المكان المباح لكن دار الأمر بين فوت الواجب لأجل ضيق الوقت و ارتكاب الحرام فيقدم الأمر.

و أمّا إذا كان الوقت وسيعاً، و كان هناك مندوحة، فيؤخذ بالنهي دون الأمر لإمكان الجمع بين الامتثالين.

الصورة الثالثة:

إذا قلنا بالامتناع مع تقديم النهي لكونه أقوى ملاكاً مع الالتفات و العلم بالحرمة و ما ذكره هو المتعيّن و وجهه واضح.

الصورة الرابعة:

إذا قلنا بالامتناع مع تقديم جانب النهي لكن المكلّف غير ملتفت إلى الحرمة تقصيراً أو نسياناً، فانّه و إن كان متمكناً مع عدم الالتفات من قصد القربة و قدقصدها إلّا أنّه مع التقصير لا يصلح لأن يتقرّب به أصلًا، فلا يقع مقرباً و بدونه لا يكاد يحصل به الغرض الموجب للأمر به عادة.

و حاصله: انّه يتمكن من قصد القربة، لكن العمل غير صالح لأن يتقرب به، و نزيد بياناً بأنّ الصحة رهن أحد أمرين: الأمر و المفروض كونه اقتضائياً، و الملاك و هو بعد غير معلوم، لأنّ الكاشف عنه هو الأمر و المفروض كونه إنشائياً، و لأجل ذلك قال الفقهاء

ص: 35

بأنّ المقصر و الناسي خارجان عن قاعدة: لا تعاد,كما هما خارجان أيضاً عن حديث الرفع.

الصورة الخامسة:

نفس الصورة السابقة مع الجهل بالحرمة قصوراً, إذا قلنا بالامتناع و قدمنا النهي و لكن كان المصلي جاهلاً بالحرمة حكماً أو موضوعاً عن قصور، و لا يخفى أن في صحة المجمع العبادي التي أفتى بها القائلون باستحالة اجتماع الأمر و النهي، و تقديم النهي, و حاصل الإشكال: أنهم كيف حكموا بصحته مع بنائهم على الامتناع و تقديم النهي، و أن الجهل لا يقتضي عود الأمر حتى تصح به العبادة، بل يقتضي عدم التنجز، و عدم ترتب العقاب على ارتكاب المتعلق، فلو أتى بالصلاة أو الطواف في المغصوب جهلا بالحكم أو الموضوع لا يترتب عليه استحقاق العقوبة، لعدم تنجز النهي بالجهل به، أو بموضوعه. و أما صحته و سقوط الأمر فلا، لأن مناط الصحة- و هو الأمر- مفقود، بل لا بد من الحكم بالفساد و عدم سقوط الأمر بإيجاد المجمع، كما حكموا به في غير الجهل العذري، فلا فرق بين الجهل العذري و غيره الّا في استحقاق العقوبة في الثاني دون الأول.

و قدتصدی المحقق الخراساني للاجابة علی هذا الإشكال و تصحيح الفتوى بصحة المجمع العبادي في الجهل العذري بوجهين:

ص: 36

الوجه الأول:

أن صحة العبادة لا تتوقف على الأمر، بل يكفي فيها المصلحة الموجودة في المجمع، و عدم ارتفاعها بالمفسدة، و انما لا يصح في صورة العلم بالنهي، أو الجهل التقصيري به مع وجود هذه المصلحة فيه، لأن الفعل مع العلم بالنهي أو الجهل به تقصيراً يقع مبعداً و مبغوضاً و مستحقاً عليه العقاب، لتنجز النهي، و المبغوض يمتنع أن يكون محبوباً و مقرباً, و قد أشار إلى هذا الوجه بقوله:«فالامر يسقط، لقصد التقرب بما يصلح»، و بعد إثبات وجود الملاك، و صحة التقرب به تعرض لوجه سقوط الأمر بقوله: «بناء على تبعية الأحكام لما هو الأقوى من جهات المصالح» لأنه بناء على تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد الواقعية يكون النهي فعلياً، لعدم دخل العلم بالمفسدة في تشريعه، لكنه لعدم تنجزه لا يؤثر في المبغوضية، فلا مانع من التعبد بالملاك حينئذ و ان لم يصدق الامتثال بناء على كونه موافقة الأمر.

نعم بناء على تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد المعلومة يكون المجمع مأموراً به فعلا، فيصح قصد القربة بالأمر، دون الملاك، إذ المفروض تبعية الحكم للملاك المعلوم و هو مصلحة الأمر.

و فيه: أن صحة العبادة تتوقف على الأمر، و لا يكفي فيها الملاک الموجود في المجمع کما تقدم, و اما الأحكام فالصحيح انها تابعة للمصالح و المفاسد الواقعية لا المعلومة, و عليه فيكون النهي فعلياً، و اما دعوی عدم تنجزه فلا يؤثر في المبغوضية و عليه فلا مانع من التعبد بالملاك، ففيه ما تقدم من عدم صلاحية وجود الملاک للتعبد به.

مضافا الی أن المصلحة المغلوبة المستهلكة في جنب المفسدة لا أثر لها في وقوع الفعل عبادة، و لا تجعل الفعل قابلا للتقرب، فان الفعل الغالبة مفسدته على مصلحته غلبة مؤثرة

ص: 37

في النهي التحريمي كالفعل المشتمل على المفسدة فقط في عدم صلاحية التقرب به، فان المصلحة المندكة في جنب المفسدة وجودها و عدمها سيان، فالفعل الفاسد محضاً أو الغالب فساده غير صالح للتقرب و لا يجدي قصد التقرب به شيئاً و ان لم يفرض کونه مبعداً، و لم يکن مستحقَاً عليه العقاب لاجل الجهل بفساده و حرمته جهلا يعذر فيه.

الوجه الثاني:

تصوير الأمر الفعلي بالمجمع حتى على القول بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد الواقعية، و البناء على الامتناع و تغليب النهي، بتقريب:

أن العقل حيث لا يرى تفاوتاً بين أفراد الطبيعة في الوفاء بالغرض القائم بالطبيعة المأمور بها، و أن فرده المبتلى بالمزاحم كالصلاة في المغصوب وافٍ بالغرض كسائر أفراد الطبيعة يحكم بإمكان حصول الامتثال إذا أتى بالفرد المزاحم بداعي امتثال الأمر بالطبيعة، كما تقدم نظيره في ضد الواجب كالصلاة بالنسبة إلى الإزالة. و إلى هذا الوجه أشار (قده) بقوله: « مع أنه يمكن أن يقال بحصولالامتثال مع ذلك فإن العقل لا يرى تفاوتا بينه و بين سائر الأفراد في الوفاء بغرض الطبيعة المأمور بها و إن لم تعمه بما هي مأمور بها لكنه لوجود المانع لا لعدم المقتضي»(1).

و فيه: ما تقدم من أن صحة العبادة تتوقف على الأمر فمع سقوط الامر و لو لاجل المانع لا تصح العبادة، مضافا الی عدم صحة قصد امتثال الأمر بالطبيعة مع مبغوضية الفرد و سقوط أمره.

إذا عرفت هذه المقدمات يقع الكلام في أدلّة الجواز و الامتناع .

ص: 38


1- كفاية الأصول، ص: 157

ادلة القائلين بامتناع اجتماع الأمر و النهي

استدلّ القائل بالامتناع بوجوه أتقنها و أوجزها ما أفاده المحقّق الخراساني بترتيب مقدّمات أربع، و ملخّصها:

فأوّلها: أنّ الأحكام بأسرها متضادّة في مقام فعليّتها و بلوغها مرتبة البعث و الزجر، فاجتماع الأمر و النهي يكون من قبيل التكليف المحال، لا بالمحال.

و ثانيها: أنّه لا شبهة في أنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف و ما هو صادرٌ منه خارجاً و ما هو جاعله، لا ما هو اسمه و لفظه، و هو واضح، و لا ما هو عنوانه و مفهومه الذهني؛ ضرورة أنّ البعث لا يكون نحوه، و الزجر لا يكون عنه، و إنّما يؤخذ العنوان في متعلّق الأحكام آلة للحاظ متعلّقاتها، لا بما هو و بنفسه استقلالاً.

و ثالثها: أنّ تعدّد الوجه و العنوان لا يوجب تعدّد المعنون، و لا تنثلم به وحدته؛ لجواز انطباق المفاهيم الكثيرة على الواحد البسيط المحض، كمفاهيم الأسماء الحسنى الصادقة على الواحد البسيط الحقّ جلّت آلاؤه.

و رابعها: أنّ الواحد وجوداً واحدٌ ماهيّة و ذاتاً، فالمفهومان المتصادقان على شي ء واحد لا يكون كلّ منهما ماهيّة حقيقة، فالمجمع و إن تصادق عليه متعلَّقا الأمر و النهي، إلّا أنّه كما يكون واحداً وجوداً يكون واحداً ماهيّة و ذاتاً، و يتصادق المفهومان على الفرد في الخارج تصادق الطبيعي على فرده؛ من غير فرقٍ في ذلك- أي في كون الواحد وجوداً، واحداً ماهيّةً- بين أصالة الوجود أو الماهيّة.

و منه ظهر عدم ابتناء الجواز و الامتناع على القولين، كما ظهر عدم الابتناء على تعدّد وجود الجنس و الفصل في الخارج و عدمه؛ ضرورة عدم كون العنوانين من قبيلهما.

ص: 39

و بعد بيان هذه المقدّمات الأربع خرج بالنتيجة التالية، و هي امتناع اجتماع الأمر و النهي في شي ء واحد بعنوانين, فقال ما حاصله: عرفت أنّ المجمع حيث كان واحداً وجوداً و ذاتاً، كان تعلّق الأمر و النهي به محالًا و لو كان التعلّق بعنوانين؛ لما عرفت: من أنّ التعلّق حقيقة إنّما يكون بما هو فعل المكلّف خارجاً، لا بالعناوين الطارئة و المفاهيم، فالفعل الخارجي يكون مجمع الأمر و النهي، و لمكان تضادّهما يجتمع الضدّان في واحد شخصيّ، و هو ضروريّ البطلان (1).

جواب المحقق البروجردي

و قد ردّه المحقق البروجردي فقال: «و لقد تصدّى القوم لجوابه بما يرجع كلّها أو جلّها إلى تكثير متعلَّق الأمر و النهي، مع اعترافهم بتضادّ الأحكام (2), و عندي فيه إشكال، يبتني توضيحه على بيان مقدّمة:

و هي أنّ تضادّ الأحكام و إن كان ممّا تسالمت عليه كلمة الأصحاب قديماً و حديثاً(3)، و اشتهر بينهم غاية الاشتهار، لكنّه ممّا لا أساس له؛ فإنّ الضدّين أمران وجوديّان يتواردان على محلٍّ واحد بينهما غاية الخلاف، و ليس الوجوب و الحرمة و سائر الأحكام من الامور الوجوديّة الحالّة في متعلّقاتها، و إن يصدق عليها أنّها واجبة أو محرّمة مثلاً، فإنّه لا يلزم في صدق كلّ مفهومٍ على شي ء أن يكون منشأ الانتزاع أمراً موجوداً أو عرضاً حالّاً في موضوعه و متعلّقه.

ص: 40


1- كفاية الأصول، ص: 160
2- درر الفوائد، المحقّق الحائري: 180، وقاية الأذهان: 345.
3- انظر عدّة الاصول 1: 261، و معالم الدين: 101/ السطر 1، و مطارح الأنظار: 126/ السطر 25.

و إن شئت توضيح ذلك فاعلم: أنّ الأمر أو النهي إذا صدر من المولى متوجّهاً إلى المكلَّف و متعلِّقاً بالمكلَّف به، يكون له إضافة إلى المولى إضافة صدوريّة؛ لقيامه به صدوراً، و إضافة إلى المكلَّف و إلى المكلَّف به، و يكون تحقّق هاتين الإضافتين بنفس تحقّق منشأ انتزاعهما، و هو الأمر و النهي القائمان بالمولى قياماً صدوريّاً، و لا نفسيّة لهما، و ليس لهما قيام و عروض على المكلّف، و لاعلى المكلّف به. و لهذا ترى أنّ مفهوم المأمور به و الواجب و المنهيّ عنه و المحرّم، تصدق على متعلّقات الأحكام بعد بعث المولى و زجره، و قبل إيجاد المكلَّف إيّاها، فالصلاة واجبة و مأمور بها قبل إتيانها، و الغِيبة حرام و مزجور عنها قبل ارتكابها، بل الخارج ظرف سقوط التكليف، فكيف يمكن أن يكون ظرف ثبوته؟! فهل يكون ثبوته فيه- بعد تحقّق المتعلّق- إلّا من قبيل تحصيل الحاصل في الواجبات؟!

و بالجملة: إنّ وِزانَ الأمر و النهي- القائمَيْن بنفس المولى، المضافَيْن إلى المتعلّق بلا عروض شي ءٍ خارجيّ موجود فيه- وِزانُ العلم و الإرادة و القدرة القائمات بنفس الإنسان، المضافات إلى متعلّقاتها قبل تحقّقها، فكما أنّ العلم قد يتعلّق بأمرٍ متأخّر قبل تحقّقه، و ينتزع منه مفهوم المعلوم بواسطة نفس إضافة العلم إليه، و كذا الإرادة و القدرة، فكذلك الأمر و النهي من هذه الحيثية.

فتحصل من جميع ما ذكرنا: أنّ الوجوب و الحرمة و كذا سائر الأحكام ليست ممّا يتحقّق بينها تضادّ؛ لعدم تحقّقها في الخارج، و عدم عروضها للمتعلّقات، و إنّما هي إضافات متحقّقة بنفس الأمر و النهي، القائمَيْن بنفس المولى قياماً صدوريّاً، و هي تابعة لمناشئها، فإن كانت مناشؤها ممكنة الاجتماع، تكون هي ممكنة الاجتماع، و ان كانت ممتنعة

ص: 41

الاجتماع فكذلك، بل هي في الوجود و الوحدة و الكثرة و جواز الاجتماع و عدمه تابعة لها، فلا بدّ من عطف النظر إلى المناشئ.

فنقول: لا يكون مطلق اجتماع الأمر و النهي في نفس المولى ممتنعاً؛ ضرورة اجتماعهما في نفسه بالنسبة إلى متعلّقات متشتّتة كثيرة، بل ما يكون ممتنعاً- و يكون من قبيل اجتماع الضدّين- اجتماعُ الأمر و النهي من مولىً واحد، متوجّهاً إلى عبدٍ واحد بجهةٍ واحدة في زمنٍ واحد.

و أمّا تعلّق الأمر بحيثيّةٍ، و كذا تعلّق الإرادة بها، و تعلّق النهي و الكراهة بحيثيّةٍ اخرى، فغير ممتنعٍ، و لو أوجدهما المكلّف بسوء اختياره في مصداقٍ واحد و موجودٍ فارد؛ ضرورة أنّ معنى تعلّق البعث بحيثيّة أن تكون تلك الحيثية تمام المتعلّق للأمر و البعث، و عدم دخالة حيثيّة اخرى فيه، كما أنّ معنى تعلّق الزجر و النهي بحيثيّة أيضاً كذلك، فلا يُعقل أن يتجاوز الأمر ما تعلّق به و قامت المصلحة الملزمة فيه إلى حيثيّة اخرى أيّة حيثيّة كانت؛ اتّحدت معه في الخارج أو لا، فما هو متعلّق العلم بالصلاح هو متعلّق الاشتياق و الإرادة و البعث؛ لا يمكن أن يتخلّف أحدها عنه و يصير شي ء آخر دخيلًا فيه بنحوٍ من الدخالة، و كذا في جانب النهي.

و وِزان الإرادة التشريعيّة وِزان الإرادة التكوينيّة في ذلك طابق النعل بالنعل و القِذّة بالقِذّة، فكما أنّ ما تعلّق العلم بالمصلحة فيه، يصير متعلَّقاً للاشتياق و تَوَقان النفس و الإرادة التكوينيّة للإيجاد، و لا يمكن أن يتعلّق الشوق و الإرادة بما يقارنه و يتّحد معه في الوجود، فإكرام الصديق الذي هو متعلَّق الشوق و الإرادة هو تمام الموضوع و المتعلَّق لهما، و لا يكون شي ء من مقارناته و المتّحدات معه في الوجود- من كونه في زمان كذا، أو مكان كذا، و متعلَّقاً لإضافات كذائيّة، و أوضاع كذائيّة- متعلَّقاً لهما؛ فإنّها كلّها

ص: 42

خارجة عن الموضوع الذي قامت المصلحة به، و يكون تعلّق الشوق و الإرادة بها بلا ملاكٍ يوجبه، فكذلك الإرادة التشريعيّة؛ لاشتراكهما في جميع المقدّمات، و افتراقهما في أنّ إحداهما متعلِّقة بإيجاد الغير للمتعلَّق، و الاخرى بإيجاد نفسه إيّاه.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ الصلاة مثلاً متعلَّقة للإرادة و البعث، و هي بذاتها تمام الموضوع لهما، و لا يمكن أن يتعلّقا بغيرها؛ ممّا هو خارجٌ عن عنوان الصلاة و إن اتّحد معها في الخارج، و التصرّف في مال الغير بغير إذنه متعلَّق للكراهة و الزجر، و هو أيضاً تمام الموضوع لهما من غير دخالة شي ء فيه من مقارناته و المتّحدات معه، و لا يعقل سراية الإرادة المتعلِّقة بالصلاة إلى التصرّف الكذائي؛ لفقدان الملاك و منافاته لتمام الموضوعيّة، فالبعث إلى الصلاة بعثٌ إليها فقط لا إلى غيرها؛ اتّحد معها في الخارج أو لم يتّحد، و الزجر عن التصرّف في مال الغير زجرٌ عنه فقط دون غيره، و هما لا يجتمعان في ظرف من الظروف و وعاءٍ من الأوعية.

و لو كان هذا النحو من التعلّق و الاجتماع ممتنعاً؛ لإدّائه إلى اجتماع الضدّين، لكان اجتماع العلم و الجهل المتعلِّقين بجهتين- يتّفق اجتماعهما في موجودٍ واحد- محالاً؛ لعين ما ذكر.

مثلاً: لو علمنا بمجي ء زيد غداً، و علمنا أنّه عالمٌ، و شككنا في عدالته، اجتمع العلم و الجهل في موجود واحد؛ فإنّ المجي ء الشخصي يصدق عليه أنّه معلومٌ و مجهولٌ، معلومٌ كونه مجي ء عالمٍ، و مجهولٌ كونه مجي ء عادلٍ.

و كذا مَنْ صلّى في دار مجهولةٍ غصبيّتُها، يصدق على الحركات الخاصّة أنّها معلومة و مجهولة؛ معلومة من حيثية صلاتيّتها، و مجهولة من حيثيّة غصبيّتها، و لو كان هذا النحو من التعلّق نحو عروض شي ء موجود على شي ء موجود، للزم اجتماع الضدّين في واحدٍ

ص: 43

شخصيّ، أو الالتزام بعدم حصول هذا النحو منالعلم و الجهل في موجودٍ شخصيّ، أو الالتزام بعدم التضادّ بين العلم و الجهل مطلقاً: و الأوّل: ضروري البطلان.

و الثاني: خلاف الوجدان.

و الثالث: خلاف الضرورة؛ بداهة امتناع تعلّق العلم و الجهل بشي ءٍ واحد من جهةٍ واحدة.

فإذا بطلت التوالي بأسرها بطل المقدّم و هو كون هذا التعلّق نحو عروض الأعراض الموجودة الحالّة في محالّها.

و مورد النقض هو عين ما نحن فيه، و الحلّ بما عرفت: و هو أنّ العلم و الجهل إنّما يكون قيامهما بنفس العالم و الجاهل، و لهما نحو تعلّقٍ بالمعلوم و المجهول، و يكون تحقّق تلك الإضافة إلى المعلوم و المجهول- أي المشكوك فيه- بعين تحقّق العلم و الشكّ، و ليس لهما وجود على حِدَة يكون عارضاً على المعلوم و المشكوك فيه، فهما في تحقّقهما و امتناع اجتماعهما و جوازه تابعان لمنشإ انتزاعهما، و هما العلم و الشكّ القائمان بنفس العالم و الجاهل، فإذا عطفنا النظر إلى المنشأ نرى أنّ الممتنع هو اجتماع العلم و الشكّ في شي ءٍ واحد من جهةٍ واحدة. و أمّا تعلّق العلم بجهةٍ و الشكّ بجهة اخرى، فغير ممتنعٍ، و إن اتّفق اجتماعهما في موجودٍ شخصيّ، و انطباقهما على واحدٍ خارجيّ، كالحركة الخارجيّة الشخصيّة المتّصفة بالمعلوميّة و المشكوكيّة بجهتين.

ثمّ إنّا لا نحتاج إلى إقامة البرهان على الجواز حتّى يقال: لعلّ الاجتماع يكون ممتنعاً بجهة اخرى غير ما ذكر و لم نتنبّه عليها، فلا بدّ لإثباته من إقامة البرهان؛ و ذلك لأنّ رفع اليد عن إطلاق الأدلّة و عمومها لا يجوز إلّا بدليلٍ شرعيّ أو عقليٍّ مفقود في المقام، و مجرّد احتمال جهةٍ واقعيّة تكون موجبة للامتناع لا يصحّح رفع اليد عن الأدلّة- كما هو

ص: 44

واضح- فلا بدّ للمانع من إقامة الدليل، لا للمجوِّز(1), هذا تمام جواب المحقق البروجردي حول المقدمة الاولی.

و اما المقدمة الثانية من کون العنوان يؤخذ في متعلّق الأحكام آلة للحاظ متعلّقاتها، لا بما هو و بنفسه استقلالاً. ففيه: إنّ في متعلّق الأحكام احتمالات خمسةً:

الاول: ان الأحكام متعلّقة بالمفاهيم الذهنية المقيدة بكونها في الذهن. و قد رد هذا الاحتمال هو بقوله: «و لا ما هو عنوانه و مفهومه الذهني؛ ضرورة أنّ البعث لايكون نحوه، و الزجر لا يكون عنه», مضافا الی أنّ المفاهيم بقيد كونها في الذهن غير قابلة للامتثال.

الثاني: ان الأحكام متعلّقة بالأفعال الخارجية و الموجودات العينية، و هذا ما يعبَّر عنه بالوجود بمعنى اسم المصدر.

و فيه: انّه إن أُريد من تعلّق الحكم بالخارج، الفرد الخارجي من الصلاة بعد وجودها فهو طلب للحاصل، و إن أُريد الفرد الخارجي قبل وجودها فليس له أيّة واقعية حتّى يتعلّق به الطلب، و ما له الواقعية هي العناوين الكلية التي لا يرضى القائل في المقام بتعلّق الأحكام بها.

الثالث: ان الأحكام متعلّقة بإيجاد الطبائع في الخارج، و الذي يقال له الوجود بالمعنى المصدري.

ففيه: انّ دلالته على إيجاد الطبيعة فرع وجود دال عليه، و الدال منحصر في الهيئة و المادة، و الأولى وضعت للبعث نحو الطبيعة، و الثانية وضعت لنفس الطبيعة و عليه فالقول بتعلّق الأحكام بإيجاد الطبيعة عبارة أُخرى عن تعلّقها بالعناوين الكلية - و هو الاحتمال الرابع

ص: 45


1- لمحات الأصول، النص، ص: 220

- من دون فرق بين أن يكون العنوان هو الصلاة أو الغصب أو يكون العنوان إيجاد الصلاة و إيجاد الغصب فيكون متعلّق كلّ غير الآخر.

الرابع: ان الأحكام متعلّقة بالطبائع المعراة من كلّ عارض و لاحق، المنسلخة عن كلّ شي ء لكن لغاية الإيجاد، فالإيجاد غاية للبعث و ليس متعلّقاً له، و هو الصحيح لانّ القوة المقننة تنظر إلى واقع الحياة عن طريق العناوين و المفاهيم الكلية و تبعث إليها لغاية الإيجاد أو الترك فيكون متعلّق كلّ من الأمر و النهي مفهوماً فاقداً لكلّ شي ء إلّا نفسه، فعندئذ ترتفع المطاردة في مقام التشريع، لأنّ متعلّق الأمر غير متعلّق النهي.

كما ترتفع المطاردة في مقام الامتثال، لأنّه بوجوده الواحد مصداق للامتثال و العصيان لكن كلًا بحيثية خاصة.

الخامس: ان الأحكام متعلّقة بالعناوين بما هي مرآة للخارج و طريق إليه، و ليس مراد القائل بتعلق الأحكام بالخارج، بتعلّقها به من دون توسيط عنوان مشير إليه و هذا الاحتمال يرجع إلى الاحتمال الرابع، و ذلک لإنه ان أُريد من المرآتية، المرآتية بالفعل، فالمفاهيم الذهنية لا تكون مرآة للخارج بالفعل لعدم وجود المرئي؛ و إن أُريد المرآتية الشأنية، فهو يرجع إلى الاحتمال الرابع، و هو انّ المأمور بههو الطبيعة المنسلخة عن كلّ تعين و عارض سوى نفسها, و الأمر بها لغاية الإيجاد أو لغاية الترك.

و اما المقدمة الثالثة أي إيجاب تعدّد العنوان تعددَ المعنون على القول به فهو مختص بالأُمور التكوينية و لا يعم الاعتبارية كالصلاة و الانتزاعية كالغصب.

كما أنّ المقدمة الرابعة خارجة عن محط البحث، لأنّ البحث في أنّ للوجود الواحد ماهيةً واحدةً لا غير يختص بالماهيات المتأصلة، و أين هذا من الماهيات الاعتبارية و الانتزاعية؟

ص: 46

ادلة المجوزين

لكن المجوِّزين استدلّوا على الجواز بأُمور:

الأول: دليل قدماء الأُصوليّين

إذا أمر المولى عبده بخياطة ثوب و نهاه عن الكون في مكان خاص، فخاطه العبد في ذلك المكان عدّ مطيعاً لأمر الخياطة، و لذا لا يأمره بتجديد الخياطة، و عدّ عاصياً للكون في ذاك المكان الخاص(1).

*و اجيب: أنّ المثال خارج عن محط البحث لأنّ الخياطة لا تختلط بالغصب، لأنّ الأولى عبارة عن إدخال الإبرة في الثوب، كما أنّ الثاني عبارة عن الكون في المكان الخاص فلا يعد إدخال الإبرة في الثوب غصباً، إذ ليس فيه تصرف في المغصوب، و ليس التصرّف في الهواء تصرّفاً في المغصوب، لأنّه ليس ملكاً لصاحب المكان(2).

الثاني: دليل المحقّق القمّي

استدل المحقّق القمي بوجه مفصل نذكره ضمن مقاطع.

ص: 47


1- شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب/ 92، 93.
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 212

قال: إنّ متعلّق الأمر طبيعة الصلاة، و متعلّق النهي طبيعة الغصب، و قد أوجدهما المكلّف بسوء اختياره في شي ء واحد و لا يرد في ذلك قبح على الآمر، لتغاير متعلق المتضادين فلا يلزم التكليف بالمتضادين.

فإن قلت: الكلي لا وجود له إلّا بالأفراد، فالمراد بالتكليف بالكلي هو إيجاد الفرد و إن كان على الظاهر متعلّقاً بالكلّي.

قلت: إنّ الفرد مقدّمة لتحقّق الكلّي في الخارج، فلا غائلة في التكليف به مع التمكّن من سائر المقدمات.

فإن قلت: إنّ الأمر بالمقدّمة اللازم من الأمر بالكلّي يكفينا، فإنّ الأمر بالصلاة أمر بالكون الكلي، و الأمر به أمر بالكون الخاص مقدّمة، فهذا الكون بعينه منهي عنه أيضاً بالنهي المقدّمي.

قلت: نمنع وجوب مقدّمة الواجب، و على فرض الوجوب، فالواجب هو فرد ما من الكون، لا الكون الخاص الجزئي، و إنّما اختار المكلّف مطلقاً الكون في ضمن هذا الفرد المحرّم.

نعم لو كانت المقدّمة منحصرة في الحرام، كما إذا لم يتمكن إلّا من الصلاة في الدار المغصوبة، فنحن نقول بامتناع الاجتماع، فلا بدّ إمّا من الوجوب أو الحرمة(1), هذا ملخّص كلامه، و حاصله:

1. لا مانع من اجتماع الحكمين لاختلاف المتعلّقين، و اجتماع الحكمين المتضادين في الفرد لا يضر، لأنّ الفرد مقدمة لهما.

ص: 48


1- القوانين: 141/ 1 142.

2. لو قلنا بوجوب مقدّمة الواجب و حرمة مقدّمة الحرام، فالكون حرام لا انّه واجب لاختصاص الوجوب بالمباح، و يسقط وجوب المقدّمة بالمحرّم، لكون وجوبها توصلياً.

3. لو فرض انحصار المقدّمة بالحرام، فلا بدّ من القول بامتناع الاجتماع، فلا بدّ من تقديم الوجوب أو التحريم.

و ربما ينسب إليه التفصيل بين كون الانحصار بسوء الاختيار و عدمه، و انّه لا مانع من فعلية وجوب ذيها لكونه بسوء الاختيار، دون ما لم يكن كذلك و سيأتي البحث عنه في التنبيه الأوّل من تنبيهات المسألة.

و اجاب عنه في الكفاية: بأنّ الفرد الخارجي نفس الطبيعي في عالم العين و إن كان غيره في عالم التصوّر، و مع العينية كيف تتصوّر المقدّمية المستلزمة للاثنينية. و هي منتفية قطعاً, و لو سلم مقدمية الفرد لوجود الكلي، فهي انما تجدي في جواز اجتماع الأمر و النهي إذا كان الفرد مقدمة للطبيعتين المأمور بها و المنهي عنها حتى يتعلق به الأمر و النهي معاً بلحاظ فرديته لهما، لكن الأمر ليسكذلك، لأن المجمع في مسألة اجتماع الأمر و النهي ليس فرداً لماهيتين حتى يصح تعلق الأمر و النهي به، بل هو فرد لماهية واحدة، فيمتنع تعلقهما به، لاستلزامه اجتماع الضدين و هما الأمر و النهي.

و بالجملة:- فبعد وضوح كون المجمع واحداً- يمتنع اجتماع الأمر و النهي فيه و ان سلمنا مقدمية الفرد للكلي.

اقول: اما جوابه من کون الفرد الخارجي نفس الطبيعي فصحيح الّا ان النتيجة لا کما يقول هو, بل سيکون هذا الفرد مصداقا لطبيعي الصلاة و طبيعي الغصب و لا مانع منه عقلا, و اما انکاره لکون الفرد مصداقا للطبيعتين فانه ان تم فانما يصح في التکوينيات لا الاعتباريات کما تقدم, و بذلک يظهر ضعف توجيه ذلک بما جاء في منتهی الدراية: من

ص: 49

ان المراد بالماهية في المقام مطلق العناوين الكلية و ان لم تكن من العناوين الذاتيّة، كما يشهد به تمثيلهم بالصلاة و الغصب(1), و عليه فالاصل هو جواز الاجتماع حتی يدل دليل علی المنع منه.

قلت: و اما ما نسب إلی المحقق القمي من فعلية وجوب ذيها مع تسليم حرمة المقدّمة فغير تام، لأنّه يستلزم التكليف بالمحال و هو غير جائز، سواء أ كان بسوء الاختيار أو لا, و أمّا القاعدة المعروفة من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فليس بمعنى صحّة الخطاب بل بمعنى وجود ملاك التکليف.

و بعبارة أُخرى: لا ينافيه ملاكاً و عقاباً لا خطاباً و حكماً، فلو ألقى نفسه من شاهق فحال السقوط حرام ملاكاً لانه کان قادرا ابتدءً, لا خطاباً لامتناع الامتثال عندئذ.

الثالث: دليل المحقّق النائيني

و حاصله: «ان التركيب بين الصلاة و الغصب في المجمع انضمامي لا اتحادي، حيث ان الصلاة من مقولة الوضع و الكيف و غيرهما، و الغصب من مقولة الأين، و المقولات متباينات يمتنع اتحادها، فمتعلق الأمر مباين لمتعلق النهي، فيستحيل أن تكون الحركة الواحدة معروضة للصلاتية و الغصبية، لاستلزامه تفصل الجنس الواحد بفصلين في عرض واحد، فلا محالة يكون التركيب بين الصلاة و الغصب انضمامياً، لتغايرهما. نعم يكون كل من المأمور به و المنهيعنه من مشخصات الآخر، و قد ثبت في محله خروج المشخصات عن حيز الطلب.

ص: 50


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، الهامش؛ ج 3، ص: 101.

فالنتيجة جواز اجتماع الأمر و النهي في المجمع كالصلاة في المغصوب، و تحقق الامتثال بالإتيان به»(1).

اقول: اما قوله: «الغصب من مقولة الأين» ففيه: أن الغصب هو الاستيلاء على ما للغير من مال أو حق بدون اذنه، الصادق على كل تصرف في مال الغير بغير اذنه و ان لم يكن من مقولة الأين كأكل مال الغير و شربه و لبسه.

و اما ما اختاره من كون التّركيب فيها انضماميّا لا اتحاديا فغير تام و ذلک لان اجتماع الامر بالصلاة و النهي عن الغصب ليس من قبيل الصلاة و النظر الی الاجنبية الذي يکون فيه الترکيب انضماميا و يکون اجتماعهما مورديا, بل مسألتنا بکل صورها يکون الترکيب فيها اتحاديا تجتمع فيها طبيعتا الصلاة و الغصب و عليه فتخرج الصلاة في المغصوب عن المركب الانضمامي إلى الاتحادي.

و اجيب ايضا اولا: بأنّ التأكيد على أنّ تركيب العنوانين تركيب انضمامي لا اتحادي يعرب عن اتّفاقه مع المحقّق الخراساني على أنّ الأحكام تتعلّق بالأفعال الخارجية، و لما كانت نتيجة ذلك هو الامتناع لا جواز الاجتماع فانبرى إلى تصحيح الاجتماع بأن تركيب المقولتين انضمامي و كلّ مقولة بمعزل عن المقولة الأُخرى، فتكون إحداهما متعلّقة بالأمر و الأُخرى متعلّقة بالنهي.

و لكنّك عرفت أنّ الأحكام لا تتعلّق بالأفعال الخارجية لأنّها بعد الوجود ظرف السقوط، و قبل الوجود ليس لها تحقّق في الخارج حتّى يتعلّق بها الحكم.

و ثانيا: انّ حديث التركيب الانضمامي و الاتحادي من خصائص الوجودات الخارجية كالمادة و الصورة، فمن قائل بأنّ المادة في مدارج حركتها تصير نفس الصورة من دون

ص: 51


1- فوائد الاصول، ج 2، ص: 424

أن يكون بينهما اثنينية، و التركيب بينهما اتحادي, و من قائل آخر بأنّ المادة في مدارج حركتها تتشخص بالصورة و بينهما اثنينية و التركيب بينهما انضمامي.

و على كلّ حال فهذا البحث مختص بالموجودات الخارجية دون العناوين الاعتبارية كالصلاة أو الانتزاعية كالغصب.

أمّا الصلاة فهي عنوان اعتباري يعبر بها عن عدة مقولات متنوعة و مجتمعة فالصلاة تشتمل على الأذكار، و هي بما انّها مشتملة على الجهر و الإخفات منمقولة الكيف، و على القيام و الركوع و السجود فهي من مقولة الوضع، و على الهوي فإن قلنا بأنّ الواجب هي الهيئة الركوعية و السجودية و انّ الهوي مقدمة فهي من مقولة الوضع، و إن قلنا: إنّ الواجب هو الفعل الصادر من المكلّف، فيكون الهُويّ حركة في الوضع إلى أن تنتهي بترك الأوضاع المتلاحقة إلى حدّ الركوع و السجود.

و على ضوء ذلك تكون الصلاة أمراً اعتبارياً باعتبار إطلاقها على ما يشتمل على أزيد من مقولة و أمّا الغصب فهو أمر انتزاعي بشهادة انّه ينتزع من أمرين مختلفين في الماهية.

1. قد ينتزع من التصرف في مال الغير، كلبس ثوب الغير.

2. قد ينتزع من الاستيلاء على مال الغير بلا تصرف فيه، كما إذا منع المالك من التصرف في ماله فيكون الغصب عنواناً انتزاعياً، تارة ينتزع من التصرف في مال الغير، و أُخرى من الاستيلاء على مال الغير و إن لم يتصرف فيه، فمثل ذلك لا يكون داخلًا تحت مقولة و إنّما يكون أمراً انتزاعياً، فحديث التركيب الاتحادي و الانضمامي في المقام أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، و على ذلك فالغصب ليس من الماهيات المتأصلة ليستحيل اتحاده مع الصلاة خارجاً و انّه من المفاهيم الانتزاعية القابلة للانطباق على ماهيات متعددة، وعليه فلا مانع من انطباقه على الصلاة.

ص: 52

و ثالثا: انّ القول بتعدّد الحركة و انّ الحركة الصلاتية غير الحركة الغصبية يخالف الحس و الوجدان، إذ لا يصدر عن المصلي إلّا حركة واحدة و على فرض صدور حركتين فالحركة الثانية أيضاً بما انّها تصرف في مال الغير توصف بالغصب أيضاً(1).

الوجه الرابع

ما ذكره بعضهم من أنّ الاجتماع لو كان آمريّاً و من قبل المولى، لكان ذلك مستحيلًا، لكنّه ليس في المقام كذلك بداهة أنّه مأموري و من قبل نفس المكلّف بسوء اختياره، فلا يكون هناك مانع عن الاجتماع.

فان قلت: انّ القائل بالامتناع يقول بأنّ الحكم بصحّة الاجتماع يؤول إلى الاجتماع الآمري، لأنّ المفروض أنّ كلا من الخطابين لإطلاق متعلّقه يعمّ ما لو وجد كلفي ضمن الآخر فيعود المحذور، إذ لو كان لمقولة: «صلّ» إطلاق، يعمّ ما إذا كانت متحدة مع الغصب، للزم أن يكون المجمع واجباً و حراماً و هذا لا يمكن الالتزام به, و بعبارة اخری: إنّ وزان الإرادة التشريعية كوزان الإرادة التكوينية، أو إنّ وزان الإرادة الأمرية كوزان الإرادة الفاعليّة. فكما لا ينقدح في ذهن الفاعل، إرادتان متضادّتان، بأن يريد إيجاد الشي ء في وقت، و تركه و عدمه في نفس ذلك الوقت، فهكذا لا ينقدح في ذهن الآمر إرادتان متضادّتان فيطلب الشي ء «الصلاة مع الغصب معا» في وقت، و تركه في نفس ذلك الوقت.

قلت: إنّ قياس الإرادة التشريعية بالإرادة الفاعلية قياس مع الفارق، فانّ الإرادة الفاعلية علّة تامّة لتحقّق المراد فلا يمكن اجتماع علّتين تامّتين فضلًا عن كونهما متضادّتين على

ص: 53


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 218

شي ء واحد، و هذا بخلاف التشريعية فانّها ليست علّة تامّة لتحقّق المراد، سواء أقلنا بأنّها تتعلّق بفعل الغير كما هو المعروف، أو تتعلّق بالبعث و الطلب كما هو المختار. و على كلّ تقدير فبما انّها ليست علّة تامّة لتحقق المراد، بل أشبه بالداعي، فلا إشكال في تعلّق إرادتين تشريعيتين بمراد واحد بعنوانين و لا يلزم من جعل الداعيين، التكليفُ بما لا يطاق، بل فائدة تعلّقهما انّه لو جمع بين المأمور به و المنهي عنه، يكون مطيعاً من جهة و عاصياً من جهة أُخرى

فان قلت: حتی لو افترضنا انّ الاجتماع مأموريّ، فالإشكال غير مندفع أيضاً، لأنّ التكليف بالمحال أمر قبيح من غير فرق بين سوء الاختيار و عدمه.

قلت: سيأتي دفع هذا الاشکال في الوجه الاتي في دفع المحذور الثالث من المحاذير الواردة علی القول بجواز الاجتماع .

الوجه الخامس للمحقّق البروجردي

و حاصله: إنّ الأحكام لا تتعلّق إلّا بالطبائع دون المصاديق الخارجية، و عندئذ لا مانع من تعلّق الأمر بحيثيته، و النهي بحيثية أُخرى و عند ما تصادفت الحيثيتان على شي ء واحد، لا مانع من أن يكون ذاك الشي ء مصداقاً للمأمور به بحيثيته و مصداقاً للمنهي عنه بحيثية أُخرى، فالتضاد بين الأحكام على فرض صحته، يرتفع باختلاف المتعلّقات، و هذا هو حاصل النظرية و إجمالها، و أمّا التفصيل فيقع الكلام في مقامين:

الأوّل: إيضاح النظرية بذكر ما تبتني عليه.

الثاني: دفع المحاذير المتوهمة على القول بالاجتماع في المراحل الثلاث: مرحلة التشريع، مرحلة المبادئ، مرحلة الامتثال، و إليك الكلام في الأوّل.

ص: 54

المقام الأوّل: في إيضاح النظرية بذكر ما تبتني عليه

إنّ النظرية تبتني على مقدّمات:

الأُولى: انّ أساس التشريع هو تعلّقه بالعناوين و الطبائع دون المصاديق، فالمشرِّع ينظر إلى واقع الحياة عن طريق متعلّقات الأحكام التي ليست إلّا عنواناً كلياً، قابلًا للانطباق على مصاديق كثيرة، فيأمر بها، لغاية الإيجاد، كما يزجر عنها لغاية الانتهاء و الترك، و بما انّ هذه المقدّمة قد سبق ذكرها فلا نطيل الكلام فيها.

الثانية: إنّ الإرادة لا تتعلّق إلّا بما هو دخيل في الغرض، ثبوتاً و تتبعها دلالة الأمر إثباتاً.

أمّا الثبوت، فلأنّ تعلّق الإرادة بما لا مدخلية له في غرضه، أمر جزاف لا يحوم حوله الحكيم، فلو كان لما هو الدخيل في الغرض، لوازم وجودية، أو أُمور مقارنة معه أحياناً فلا تتعلق بهما الإرادة، و على ضوء ذلك، فالأمر يتعلّق بالحيثية الصلاتيّة دون الغصبية و إن قارنت معها أحياناً، إذ لا مدخلية للثانية في حصول غرض المولى، كما أنّه لو كان المحصِّل لغرضه شي ء له أجزاء أربعة، فلا تتعلق إرادته إلّا بذات الأربعة بما هي هي و إن كانت تلازم الزوجية فاللوازم و المقارنات خارجتان عن مصب الإرادة في الإرادة الفاعلية التكوينية، و مثلها الإرادة الأمرية التشريعية حرفاً بحرف.

و أمّا الإثبات فلأنّ المفروض انّ المادة موضوعة لنفس الطبيعة بما هي هي، فلا تدل إلّا عليها، و أمّا اللوازم و المقارنات، فخارجتان عن حريم دلالة المادة اللفظية و إن كانت ربما تدلّ عليها بالدلالة الالتزامية التي هي دلالة عقلية فلا يتعلق بهما الأمر اللّهمّ إلّا بدال آخر و المفروض عدمه، و لذلك قلنا في محله انّ العام لا يكون مرآة للخاص، لأنّه موضوع للجامع بين الأفراد، لا له مع الخصوصيات.

ص: 55

الثالثة: انّ الإطلاق رفض القيود لا الجمع بين القيود، و بعبارة أُخرى الإطلاق عبارة عن كون ما وقع تحت دائرة الطلب، تمام الموضوع للحكم لا بعضه و جزئه، فيكون الحكم، حاضراً بحضور موضوعه، و هذا ما نسمّيه بالإطلاق الذاتي.

و أمّا الإطلاق اللحاظي، أعني: تسرية الحكم إلى عامة حالات الموضوع، بلحاظ الحالات واحدة بعد الأُخرى حين الأمر حتّى يكون معنى قوله: إن ظاهرت أعتق رقبة, هو عتقها سواء أ كانت مؤمنة أم كافرة، عادلة أو فاسقة، عالمة أو جاهلة، فممّا لا أساس له، لما عرفت أنّ الإطلاق هو تسريح الموضوع عن القيد، لا أخذه مع جميع القيود و بعبارة أُخرى هو: رفض القيود و تركها و عدم العناية بها، لاجمعها و ذكرها في الموضوع و لو بصورة القضية المنفصلة، لعدم مدخلية القيود في الحكم حتّى تلاحظ و تؤخذ في الموضوع و على ضوء ذلك، فمعنى الأمر بالصلاة على وجه الإطلاق هو كون الحيثية الصلاتية تمام الموضوع للحكم، و ليس معناه هو الأمر بها سواء أ كانت مع الغصب أو لا، بحيث يعد الغصب، مأخوذاً في موضوع الأمر و لو على نحو القضية المنفصلة.

إذا عرفت هذه المقدمات: ظهر لك جواز الاجتماع، لأنّ تمام المتعلّق للأمر، هو الصلاة، و تمامه للنهي هو الغصب، و هما مختلفان مفهوماً و ماهية، و ليس معنى الأمر بها هو الأمر باللوازم الوجودية أو الأُمور المقارنة لعدم مدخليتهما في الغرض المطلوب، بالإرادة ثبوتاً، و بالأمر إثباتاً، فمعنى كون الصلاة مطلوبة مطلقاً، ليس كونها مطلوبة مع الغصب، حتّى يكون الثاني، جزء المتعلّق، بل المراد عدم أخذ أية خصوصية في المتعلّق، و تصادقهما على مورد واحد لا يضر، إذ لا إشكال في إمكان الشي ء الواحد مصداقاً لعنوانين لكن بحيثيتين مختلفتين.

ص: 56

نعم غاية ما يمكن أن يقال: انّه يمتنع أن يكون اللازم محكوماً بحكم مضاد مع حكم الملزوم، فإذا وجب إيجاد الأربعة، لا يجوز تحريم إيجاد الزوجية، و أمّا المقارن المنفك عنه أحياناً، فلا يمتنع أن يكون محكوماً بحكم مضاد، إذ في وسع المكلّف التفكيك بينهما كما هو الحال في المقام حيث إنّ الصلاة واجبة و الغصب المقارن معها أحياناً حرام(1).

المقام الثاني: دفع المحاذير

إنّ المحاذير المقصودة في المقام تدور على محاور ثلاثة: الجعل و التشريع. و مبادئ الأحكام و مقدّماتها. و مقام الامتثال و الطاعة.

الاول: عدم المحذور في مقام الجعل

أمّا عدم المحذور في مقام الجعل و التشريع فلعدم التكاذب بين الحكمين، إذ لا مزاحمة بين إيجاب الصلاة و تحريم الغصب لاختلاف المتعلّقين بالذات، و تصادقهما في مورد، لا يضرّ بصحّة التشريع و حفظ الإطلاقين في مورده، لأنّ الواجب هو الحيثية الصلاتية، و المحرم هو الحيثية الغصبية، و لا مانع من أنيكون شي ء واحد مصداقاً للواجب و الحرام بحيثيتين مختلفتين و بما انّا بسطنا الكلام فيه فلا نطيل.

ص: 57


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 220

الثاني: عدم المحذور في مبادئ الأحكام

إنّ الحبّ و البغض من مبادئ الأحكام فيأمر بإتيان المحبوب و ينهى عن ممارسة المبغوض، كما أنّ المصلحة و المفسدة من مباديها، فيطلب ذات المصلحة، و ينهى عن ذات المفسدة و لو قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي في شي ء واحد و لو بعنوانين، ربّما يتوهم أنّه يلزم أن يكون الشي ء محبوباً و مبغوضاً، و ذات مصلحة و مفسدة، و هي عين القول باجتماع الضدين.

يلاحظ عليه: بأنّ الإشكال مبني على كون الحبّ و البغض أو المصلحة و المفسدة من الكيفيات الجسمانية القائمة بالشي ء الخارجي كالسواد و البياض، فيمتنع وصف الشي ء بهما و لو بعنوانين، لكن الأمر ليس كذلك.

أمّا الحبّ و البغض، و يقرب منهما الإرادة و الكراهة فالجميع من الكيفيات النفسانية ذات الإضافة، فلها إضافة إلى النفس لقيامها بها، و إضافة بالذات إلى الصورة العلمية من المحبوب و المبغوض، و المراد و المكروه، و إضافة بالعرض إلى مصاديقها و أعيانها الخارجية، و على ضوء ذلك فلا مانع من اجتماع الجميع في شي ء واحد، لأنّه إذا اجتمعت حيثيتان في شي ء واحد، تشتاق النفس إليه لحيثية و تزجر عنه لأجل حيثية أُخرى، فتكريم اليتيم في الدار المغصوبة محبوب من جهة، إذ فيه ترويح لحال اليتيم؛ و مبغوض لكونه تصرفاً في مال الغير، و نقضاً للقانون، و يقرب منهما، كون الشي ء الواحد مراداً و مكروهاً لجهتين.

و أمّا المصلحة و المفسدة فليستا من الأُمور القائمة بذات الشي ء، بل المصالح و المفاسد الفردية، يرجع إلى حياة الشخص الفردية، فلا غرو في أن يكون الشي ء في حياة الإنسان ذا مصلحة باعتبار، و ذا مفسدة باعتبار آخر، إذ ربما يكون الدواء الخاص مفيداً و مضرّاً

ص: 58

باعتبارين، و منه يظهر حال المصالح و المفاسد الاجتماعية، و الإشكال نابع من تنزيل المصلحة و المفسدة، منزلة الكيفيات الجسمانية القائمة بذات الشي ء، و قد عرفت أنّهما من الأُمور الإضافية و النسبية و لا مانع من كون الشي ء ذا مصلحة و مفسدة باعتبارات مختلفة(1).

الثالث: عدم المحذور في مقام الامتثال

هذه المرحلة من المراحل الثلاث، هي بيت القصيد للامتناعي، و هو يعتمد في إبطال الاجتماع على هذا المحذور، أكثر من المحاذير الأُخر، و حاصله انّه لو قلنا بجواز الاجتماع يلزم أن يكون الشي ء الواحد مبعوثاً إليه و منهياً عنه، أمّا على القول بتعلّق الأحكام بالمصاديق الخارجية فواضح، إذ يلزم من تصحيح الاجتماع أن يكون الشي ء الواحد مبعوثاً إليه و منهياً عنه، و كون متعلّق الأمر غير متعلّق النهي لا ينفع في المقام بعد تحقّق العنوانين في شي ء واحد، فعندئذ تكون نتيجة تجويز الاجتماع هو التكليف بالمحال، حيث يكلف بالإتيان و الترك في آن واحد و إن كان لأجل عنوانين، لأنّ تعدّد العنوان، لا يجعل الشي ء الواحد، شيئين.

و أمّا على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، فكذلك لأنّ المولى و إن لم يلاحظ عند الأمر بالصلاة، اقترانها مع الغصب الذي أسميناه بالإطلاق اللحاظي، لكن حضور الحكم عند حضور الموضوع في كلّ الأمكنة و الأزمنة أمر لا يُنكر، و هذا هو المسمّى بالإطلاق الذاتي للدليل، فعندئذ يسأل القائل بالاجتماع، إذا حاول المكلف إيجاد الصلاة في الدار المغصوبة فهل الحضور يختص بأحد الحكمين و هو نفس القول بالامتناع، أو يعمّ

ص: 59


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 225

الحضور لكلا الحكمين؟ و نتيجة حضور الحكمين و حفظ الإطلاقين في المورد هو اجتماع البعث و الزجر بالنسبة إلى شي ء واحد، و ليس هذا إلّا التكليف بالمحال فالمكلّف بحكم إطلاق الأمر بالصلاة مبعوث إلى الفعل، و بحكم إطلاق النهي عن الغصب مزجور عنه، فهل هذا إلّا الأمر بالمحال.

قلت: هذا الإشكال كما قلنا هو بيت القصيد في المقام، فلو أتيح للاجتماعي حلُّه فقد حاز القِدْح المُعلّى فنقول:

لو كان المنهي عنه بالنسبة إلى المأمور به من قبيل اللوازم غير المنفكة كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة، كان لما توهّم وجه حتّى على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع إذ لا يعقل أن يكون اللازم محكوماً بحكم يضاد حكم الملزوم بأن يجب إيجاد الأربعة و يحرم إيجاد الزوجية، و أمّا إذا كان المنهي عنه بالنسبة إلى المأمور به قبيل المقارن الذي في وسع المكلّف تفكيكه من المأمور به فلا يلزم من إيجاب الشي ء، و تحريم المقارن، التكليف بالمحال، لأنّ الحركة في الدار المغصوبة و إن كانت واجبة من حيث كونها مصداقاً للصلاة، و محرمة من حيث كونها مصداقاً للغصب و المولى في وقت واحد بحكم حفظ كلا الإطلاقين يأمر بها و ينهى عنها، إلّا أنّ إيجاد الصلاة في الدار المغصوبة ليس واجباً تعيينياً، بل هيإحدى المصاديق الواجبة التي يتخيّر المكلّف بينها عقلًا و لما كان هذا المصداق مقروناً بالمحذور، فعلى المكلّف العدول إلى الفرد الخالي عنه، و بهذا ينحل إشكال التكليف بالمحال، من دون حاجة إلى تقييد أحد الإطلاقين بالآخر.

و الحاصل: انّ المولى لو أمر بالصلاة في الدار المغصوبة على وجه التعيين يكون التأكيد على حفظ الإطلاقين موجباً للتكليف بالمحال، و لكنّه لمّا أمر بها على النحو الكلي مخيّراً

ص: 60

المكلّفة بين مصاديقه، و كانت المصاديق بين مجرّد عن المحذور، و مقرون به، فعلى العبد، أن يختار الأوّل دون الثاني.

1. فإن قلت: ما فائدة حفظ الإطلاقين في صورة التقارن بالمانع؟

قلت: أقل ما يترتّب عليه انّه لو صلّى فيها، كان مطيعاً من جهة و عاصياً من جهة أُخرى.

2. فإن قلت: قد سبق في بعض المقدّمات أنّه لا يعتبر قيد المندوحة فيما هو المهم في المقام أعني: أنّ تعدّد العنوان، هل يوجب تعدّد المعنون أو لا؟

قلت: نعم لا تأثير لقيد المندوحة في المسألة أعني: كون تعدّد العنوان موجباً لتعدّد المعنون أو لا.

و بعبارة أُخرى: قيد المندوحة غير مؤثر في مسألة «كون التركيب اتحاديّاً أو انضمامياً»، و أمّا في رفع غائلة التكليف بالمحال فقيد المندوحة معتبر قطعاً.

3. فإن قلت: قد سبق انّ سوء الاختيار لا يكون مجوّزاً للتكليف بالمحال، و إنّ من ألقى نفسه من شاهق، و هو في أثناء السقوط، لا يكون مكلفاً بصيانة النفس، لعدم التمكّن منه و إن كان بسوء الاختيار، و قد مرّ انّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، عقاباً و ملاكاً، لا خطاباً و حكماً.

قلت: ما ذكرته صحيح لكنّ المقام ليس من صغريات تلك القاعدة حتّى لا يصح خطابه، بل هو في كلّ آن من الآنات قادر على ترك الغصب، و الإتيان بها في مكان مباح، فهو أشبه بمن ألقى نفسه من شاهق، لكنّه مزوّد بجهاز صناعي لو أعمله لهبط إلى الأرض بهدوء، فعندئذ لا يسقط النهي لا ملاكاً و لا عقاباً، و لا خطاباً و لا حكما.

4. فإن قلت: قد سبق في باب الترتّب أنّه لا يجوز خطاب المكلّف بأمرين متزاحمين من دون تقييد أحدهما بترك الآخر، كأن يقول: انقذ هذا الغريق، و انقذ ذاك الغريق، مع عدم

ص: 61

استطاعته إلّا بإنقاذ أحد الغريقين، و ما ذاك إلّا لكونه تكليفاً بالمحال، و إن كان في وسع المكلّف تعذير نفسه بالاشتغال بإنقاذ أحدهما، و إن ترتّب عليه غرق الآخر، فمجرّد التعذير، لا يسوِّغ التكليف بالمحال، و المقامأشبه بذلك حيث إنّه مخاطب بخطابين غير قابلين للامتثال معاً، لكن باب التعذير واسع، بأن يصلي في مكان مباح، فكما أنّ فتح باب العذر غير مسوِّغ لخطابين مطلقين، فهكذا المقام.

قلت: الفرق بين المقامين واضح فلا يصحّ قياس أحدهما بالآخر، و ذلك لأنّ التكليف هناك متقدّم على التعذير، فلا ينقدح في ذهن المولى إيجاب إنقاذ غريقين مع علمه بعدم قدرة المكلّف إلّا بإنقاذ أحدهما، و إن كان للعبد تعجيز نفسه و تعذيرها بخلاف المقام فانّ المسوغ مقارن مع التكليف حيث إنّ الأمر بالصلاة في الدار المغصوبة ليس على النحو التعييني من أوّل الأمر(1).

هذ تمام استدلال المحقق السيد البروجردي علی جواز الاجتماع.

الوجه السادس: استكشاف جواز الاجتماع من عدم ورود النص

استكشاف جواز الاجتماع من عدم ورود النص على عدم جواز الصلاة في المكان و اللباس المغصوبين، مع عموم الابتلاء به في زمان الدولتين: الأموية و العباسية، خصوصاً على القول بحرمة الغنائم التي كانوا يغنمونها عن طريق جهاد العدو ابتداءً الذي هو حق طلق للإمام العادل أو المعصوم.

و الذي يوضح ذلك أنّ الشيخ الكليني نقل عن الفضل بن شاذان الذي هو من أصحاب العسكريين مؤلّف كتاب الرد علی الفلاسفة و الايضاح و غيرهما من الکتب القيمة و قد

ص: 62


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 224

توفّي عام 260 هجرية انّه قال: و إنّما قياس الخروج و الإخراج كرجل دخل دار قوم بغير إذنهم فصلّى فيها فهو عاص في دخوله الدار و صلاته جائزة(1), و هذا يعرب عن كون المشهور لدى أصحاب الأئمّة هو الجواز، و إلّا لصدر النصّ عنهم عليهم السلام على المنع.

الوجه السابع: الاستدلال بالعبادات المكروهة

أدلّ دليل على إمكان الشي ء وقوعه، و قد تعلّق النهي في الشريعة الإسلامية بالعبادات، فلو كان التّضاد بين الأحكام مانعاً عن الاجتماع لما تعلّق النهي بصوم يوم عاشوراء، أو بالنوافل المبتدأة في أوقات خاصّة فكلّ واحد منها بنفسه مأمور به و في الوقت نفسه منهي عنه.

جواب المحقّق الخراساني الاجمالي

و قد أجاب المحقّق الخراساني عن الاستدلال بهذه الموارد إجمالاً بوجوه ثلاثة:

فقال: «و الجواب عنه أما إجمالا فبأنه لا بد من التصرف و التأويل فيما وقع في الشريعة مما ظاهره الاجتماع بعد قيام الدليل على الامتناع ضرورة أن الظهور لا يصادم البرهان مع أن قضية ظهور تلك الموارد اجتماع الحكمين فيها بعنوان واحد و لا يقول الخصم بجوازه كذلك بل بالامتناع ما لم يكن بعنوانين و بوجهين فهو أيضا لا بد [له] من التفصي عن إشكال الاجتماع فيها لا سيما إذا لم يكن هناك مندوحة كما في العبادات المكروهة التي

ص: 63


1- الكافي: 94/ 6.

لا بدل لها فلا يبقى له مجال للاستدلال بوقوع الاجتماع فيها على جوازه أصلا كما لا يخفى»(1).

و فيه: اما قوله: انّ الظهور لا يصادم البرهان فلو قام البرهان على الامتناع فلا بدّ من تأويل ما يدلّ على الجواز فصحيح علی مبناه و لا نقول به.

و اما قوله: انّ الاجتماعي و الامتناعي أمام بعض الأقسام الاتية كالقسم الأوّل أو جميعها سواء، حيث إنّ الأمر و النهي تعلّقا بعنوان واحد و هو صوم يوم عاشوراء، و من المعلوم أنّه غير جائز حتّى عند الاجتماعي.

ففيه: ان المفهوم من الروايات الواردة في صوم عاشوراء(2): انّ يوم عاشوراء يوم حزن و مصيبة لأهل البيت و شيعتهم، و يوم فرح و سرور لأعدائهم، و قد صام ذلك اليوم آل زياد و آل مروان شكراً و فرحاً و تبركاً، فمن صامه يقع في زمرة من يصومه شكراً للمصيبة الواردة على أهل البيت و شكراً على سلامة أعدائهم, فعند ما سأل الراوي عن صوم يوم عاشوراء، قال ذلك يوم قتل فيه الحسين، فإن كنت شامتاً فصم ثمّ قال: إنّ آل أُمية نذروا نذراً إنْ قتل الحسين أن يتخذوا ذلك اليوم عيداً لهم، يصومون فيه شكراً و يُفرِّحون أولادَهم، فصارت في آل أبي سفيان سنّة إلى اليوم، فلذلك يصومونه و يدخلون على أهاليهم و عيالاتهم الفرح ذلك اليوم، ثمّ قال: الصوم لا يكون للمصيبة و لا يكون إلّا شكراً للسلامة، و انّ الحسين (علیه السلام) أُصيب يوم عاشوراء فإن كنت فيمن أُصيب به فلا تصم، و إن كنت شامتاً ممّن سرّه سلامة بني أُمية فصم شكراً للّه تعالى(3), و عليه

ص: 64


1- كفاية الأصول، ص: 161
2- وسائل الشيعة، ج 10، ص: 461 باب 21 من أبواب الصوم المندوب.
3- الوسائل: ج10 ، الباب 21 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 7.

فالمبغوض هو التشبّه ببني أُمية و الانسلاك في عدادهم و لو في الظاهر، فقد كانوا متبرّكين بهذا اليوم كما في الزيارة: «اللّهمّ إنّ هذا يوم تبرّكت به بنو أُمية و ابن آكلة الأكباد»، و كان صوم ذلك اليوم من مظاهر التشبّه على نحو لولاه لما توجّه إليه نهي، و عندئذ يصبح الصوم مأموراً به، لا منهياً عنه، و إنّما المنهيّ عنه هو التشبّه و الانسلاك في عدادهم في الظاهر، فأين اجتماع الأمر و النهي في شي ء واحد؟

و بذلک افتی الشيخان فقال المفيد رحمه الله «و سئل الصادق علیه السلام عن صوم يوم عاشوراء فقال من صامه كان حظه حظ ابن مرجانة و آل زياد قيل ما حظهم قال النار», ثم قال: و من صام يوم عاشوراء على ما يعتقد فيه الناصبة من الفضل في صيامه لبركته و سعادته فقد أثم و من صامه للحزن بمصاب رسول الله صلی الله عليه و اله و الجزع لما حل بعترته عليهم السلام فقد أصاب و أجر (1), و مثله جمع الشيخ بين الاخبار(2).

فإن قلت: النهي عن الصوم، كناية عن النهي عن التشبّه يتوقّف على وجود الملازمة بين النهيين كما قال المحقّق الخراساني.

قلت: الملازمة هنا واضحة، بعد شيوع عمل الأمويين و المروانيين في هذا اليوم و انّهم كانوا يصومون ذلك اليوم للتبرّك و الفرح.

و اما قوله: لا سيما إذا لم يكن هناك مندوحة كما في العبادات المكروهة التي لا بدل لها فانه إذا كانت له مندوحة أي بدل كالصلاة في الحمام، حيث ان العبد يقدر على إيجادها في المسجد أو الدار, أمكن القول بعدم توجه الأمر بالصلاة في هذا المورد المكروه أعني

ص: 65


1- المقنعة، ص: 377
2- تهذيب الأحكام (تحقيق الخرسان)، ج 4، ص: 303

الحمام بخصوصه، فلا يلزم الاجتماع. بخلاف ما إذا لم يكن له مندوحة كصوم يوم عاشوراء، فان الأمر الاستحبابي متوجه إليه يقيناً، لأن صوم كل يوم مستحب في نفسه، لا لبدليته عن غيره، فيلزم الاجتماع قطعاً، فلا بد للقائل بالجواز خصوصاً هنا من التفصي عن محذور الاجتماع كالقائل بالامتناع. ففيه: ان قيد المندوحة علی القول به مختص بالمحرمات و الواجبات و لا يشمل المکروهات فکل مکروه جائز و لا اضطرار في فعله.

جواب المحقق الخراساني التفصيلي

تقسيم العبادات المكروهة على أقسام ثلاثة

ثمّ إنّه بعد ما فرغ عن الأجوبة الثلاثة حاول أن يجيب عن الاستدلال على نحو التفصيل، فقال: إنّ العبادات المكروهة على أقسام ثلاثة:

أحدها: ما تعلّق به النهي بعنوانه و ذاته، و لا بدل له كصوم يوم عاشوراء أو النوافل المبتدئة في بعض الأوقات.

ثانيها: ما تعلّق به النهي كذلك و يكون له بدل كالنهي عن الصلاة في الحمام.

ثالثها: ما تعلّق به النهي لا بذاته، بل بما هو مجامع معه وجوداً أو ملازم له (1)، خارجاً كالصلاة في مواضع التهمة بناء على أنّ النهي عنها لأجل اتّحادها مع الكون في مواضعها.

ص: 66


1- الترديد لأجل احتمال جزئية الكون للصلاة كاحتمال خروجه عنها.

اجابة المحقق الخراساني عن القسم الاول

أجاب المحقق الخراساني عن العبادة التي تعلّق بها النهي و ليس لها بدل بأجوبة ثلاثة فقال:

الأوّل: انّ حقيقة النهي عن الصوم يرجع إلى طلب تركه لأجل انطباق عنوان ذي مصلحة على الترك فيكون الترك ذا مصلحة، كالفعل، فحينئذ يكونان من قبيل المستحبّين المتزاحمين، و الأصل فيهما هو التخيير لو كانا متساويين، و إلّا فيتعيّن الأهم و إن كان الآخر يقع صحيحاً حيث إنّه كان راجحاً و موافقاً للغرض كما هو الحال في سائر المستحبّات المتزاحمة، بل الواجبات، و أرجحية الترك من الفعل لا توجب حزازة و منقصة فيه أصلًا كما يوجبها ما إذا كان مفسدته غالبة على مصلحته، و لذا لا يقع صحيحاً على الامتناع فانّ الحزازة و المنقصة فيه مانعة عن صلاحية المتقرَّب به بخلاف المقام فانّه على ما هو عليه من الرجحان و موافقة الغرض كما إذا لم يكن تركه راجحاً بلا حدوث حزازة فيه أصلًا(1).

* و اجيب أوّلًا: بأنّه إذا كان الفعل و الترك متساويين في المصلحة فيصبح الفعل مباحاً لا انّه يكون كلّ منهما مستحبّاً، و يشهد على ذلك انّه لم يقل أحد من الفقهاءبأنّ النوافل المبتدئة في أوقات خاصّة مستحبّة فعلًا و تركاً، أو الإفطار في يوم عاشوراء مستحب فعلًا و تركاً.

ص: 67


1- كفاية الأصول، ط ال البيتعليهم السلام ص: 162

و ثانياً: انّ تأويل قوله: لا تصم يوم عاشوراء، الذي هو بمعنى الزجر عن الفعل، إلى طلب الترك، بحيث يصبح الترك كالفعل، أمراً مستحبّاً، أمر غير صحيح، فأين الزجر عن الفعل الذي هو مفاد النهي من طلب الترك المقصود منه استحباب الترك(1).

الجواب الثاني: و حاصله انه نفس الجواب الاول غير أنّ العنوان الراجح ليس منطبقاً على الترك، بل ملازماً معه كملازمة ترك الصوم مع التمكّن من إقامة العزاء على الحسين علیه السلام .

فإذا فرض أنّ الترك ملازم لعنوان وجودي ذي مصلحة أقوى من مصلحة الفعل لا محالة يكون الترك أرجح منه، و لا فرق بين العنوان المنطبق و الملازم إلّا أنّ الطلب في الأوّل يتعلّق بالترك حقيقة، لاتّحاد العنوان مع الترك، بخلاف الثاني فانّ الطلب يتعلّق بالعنوان الراجح الملازم حقيقة، و بالترك بالعرض و المجاز، إذ الملازم خارج عن حقيقة الترك، فلا يتجاوز الطلب عن العنوان إلى الملازم(2).

*و اجيب: بأنّ إرجاع لا تصم يوم عاشوراء إلى طلب الترك و جعل الثاني كناية عن الدعوة إلى إقامة العزاء للحسين، تأويل في تأويل، مضافاً إلى أنّه يشترط في صحّة الكناية وجود الملازمة العقلية أو العرفية بين ذكر الملزوم و إرادة اللازم، و هي مفقودة في المقام، إذ ربّما صائم يقيم العزاء، و ربّما مفطر لا يقيمه، فكيف يكون النهي عن الصوم المتأوّل إلى طلب الترك، كناية عن إقامة العزاء؟(3).

ص: 68


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 233
2- كفاية الأصول، ط ال البيتعليهم السلام ص: 162
3- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 234

الجواب الثالث: و حاصله حمل النهي على الإرشاد إلى أنّ الترك أرجح من الفعل أو ملازم لما هو أرجح و أكثر ثواباً، فيكون النهي متعلّقاً بالصوم حقيقة، لا بالعرض و المجاز كما في الوجه الثاني، و الكراهة في المقام ليس بمعنى المنقصة في الفعل، بل بمعنى كونه أقلّ ثواباً, ففي الكراهة اصطلاحان، أحدهما وجودالمنقصة، و الثاني كون العبادة، أقلّ ثواباً، و هذا هو المراد من قولهم: عبادة مكروهة(1).

و فيه: ان كون النهي إرشاداً إلى أنّ الفعل أقلّ ثواباً من الترك يتوقف علی القول بالامتناع و الّا علی القول بالجواز فکون النهي ارشاديا يحتاج الی القرينة و هي مفقودة.

إجابة المحقّق الخراساني عن القسم الثاني و الثالث

فقال: و أما القسم الثاني فالنهي فيه يمكن أن يكون لأجل ما ذكر في القسم الأول طابق النعل بالنعل كما يمكن أن يكون بسبب حصول منقصة في الطبيعة المأمور بها لأجل تشخصها في هذا القسم بمشخص غير ملائم لها كما في الصلاة في الحمام فإن تشخصها بتشخص وقوعها فيه لا يناسب كونها معراجا و إن لم يكن نفس الكون في الحمام بمكروه و لا حزازة فيه أصلا بل كان راجحا كما لا يخفى...الی ان قال: و أما القسم الثالث فيمكن أن يكون النهي فيه عن العبادة المتحدة مع ذاك العنوان أو الملازمة له بالعرض و المجاز و كان المنهي عنه به حقيقة ذاك العنوان و يمكن أن يكون على الحقيقة إرشادا إلى غيرها من سائر الأفراد مما لا يكون متحدا معه أو ملازما له إذ المفروض التمكن من استيفاء مزية العبادة بلا ابتلاء بحزازة ذاك العنوان أصلا هذا على القول بجواز الاجتماع.

ص: 69


1- كفاية الأصول، ط ال البيتعليهم السلام ص: 162

و أما على الامتناع فكذلك في صورة الملازمة و أما في صورة الاتحاد و ترجيح جانب الأمر كما هو المفروض حيث إنه صحة العبادة فيكون حال النهي فيه حاله في القسم الثاني فيحمل على ما حمل عليه فيه طابق النعل بالنعل حيث إنه بالدقة يرجع إليه (1).

و الجواب: هو نفس الجواب الذي اوردناه علی القسم الاول.

و ينبغي التنبيه على أمور:

في مناط الاضطرار الرافع للحرمة

قال في الکفاية: «أن الاضطرار إلى ارتكاب الحرام و إن كان يوجب ارتفاع حرمته و العقوبة عليه مع بقاء ملاك وجوبه لو كان مؤثرا له كما إذا لم يكن بحرام بلا كلام إلّا أنه إذا لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار بأن يختار ما يؤدي إليه لا محالة فإن الخطاب بالزجر عنه حينئذ و إن كان ساقطا إلّا أنه حيث يصدر عنه مبغوضا عليه و عصيانا لذاك الخطاب و مستحقا عليه العقاب لا يصلح لأن يتعلق به الإيجاب و هذا في الجملة مما لا شبهة فيه و لا ارتياب»(2).

قلت: و هذا هو الذي مضى الكلام فيه تحت جواز اجتماع الأمر و النهي في شي ء واحد بعنوانين. و هو معلوم الحکم فان الاضطرار لا عن اختيار رافع للحرمة التكليفية دخولًا و بقاءً و خروجاً کما هو مقتضی الأدلّة.

ص: 70


1- كفاية الأصول، ط - ال البيت عليهم السلام ص: 164
2- كفاية الأصول، ص: 167

1. قال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها﴾(1) و الآية دالة على أنّ الأحكام مقيّدة بالقدرة و الوسع، و کل ما هو خارج عن القدرة فلا تکليف فيه.

2. حديث الرفع، روى الصدوق في خصاله عن شيخه أحمد بن محمد بن يحيى رضي الله عنه عن يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه و آله و سلم - : رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، و النسيان، و ما أُكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه ...(2), و الرواية مضافا الی کونها موثوقا بها صحيحة سندا و رواتها كلّهم ثقات، و لا اشکال فيها الا من جهة أحمد بن محمد بن يحيى العطار الذي هو من مشايخ الصدوق و هو ثقة بلا إشكال، و عدم ورود التوثيق في حقّه في الكتب الرجالية لأجل وضوح وثاقته أوّلًا، و القرائن تشهد على وثاقته ثانياً، لأنّ الشيخ الصدوق يروي عنه و يترضّى عليه، و إكثار الثقات النقل عنه ثالثاً، فإنّ الثقة و إن كان يروي عن غير الثقة أحياناً و لكن كثرة النقل عن الضعيف كان من أسباب الجرح عند القدماء، و لذلك أخرج الرئيس أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري محدّثين من قم أعني بهما: أحمد بن محمد بن خالد و سهل بن زياد الآدمي و ما هذا إلّا لكثرة نقلهما عن الضعاف من دون أي غمزفيهما, مضافا الی تعويض السند ثالثا, کما سيأتي في بحث البراءة ان شاء الله تعالی.

هذا كلّه حول الحكم التكليفي و اما الحكم الوضعي، أي صحّة عبادته في الحالات الثلاث دخولاً و بقاءً و خروجاً, فلو قلنا بجواز الاجتماع فالحكم بالصحة موافق للقواعد، كما أنّه لو قلنا بالامتناع و قدّمنا الأمر على النهي فالحکم كذلك, إنّما الكلام في القول

ص: 71


1- البقرة: 286.
2- الخصال: 2، باب التسعة، الحديث 8.

بالعكس، أي قلنا بالامتناع و قدّمنا النهي على الأمر، فالتحقيق بطلان عبادة ذلك المضطر بغير سوء الاختيار لعدم الامر حسب الفرض و عدم کفاية الملاک في صحة العبادة.

استدلال المحقق السيد البروجردي

و استدل المحقق السيد البروجردي علی بطلان العبادة بإنّ المانع عن تحقّق الوجوب ليس هو الحرمة الفعلية، حتّى يصير ارتفاعها سبباً لتحقّقه، بل المانع عن تحقّقه و تأثير ملاكه فيه، هو أقوائية ملاك الحرمة - أعني: المفسدة الداعية إلى جعلها - من ملاك الوجوب أعني المصلحة الباعثة نحو الإيجاب, فما دامت المفسدة باقية على قوتها لا مجال لتأثير ملاك الوجوب و إن كان هنا مانع عن فعلية الحرمة أيضاً(1).

قلت: و الامر کما قال لان الفرض تقدم النهي علی الامر لا مجرد سقوط الامر فلا يرد عليه ما قيل من ان وجود المفسدة الأقوى من مصلحة الواجب - كالصلاة - عند الاضطرار أوّل الكلام(2).

حكم الاضطرار بسوء الاختيار

هذا هو الموضع الثاني الذي عقد المحقق الخراساني لبيانه هذا التنبيه, و يقع الكلام فيه في موارد ثلاثة:

ص: 72


1- نهاية الأصول: 244، الطبعة الأولى.
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 248

المورد الاول: حكم الدخول. و لا شكّ في حرمته لأنّه تصرّف في مال الغير بلا عذر فيكون محرماً.

المورد الثاني: حكم الخروج تكليفاً.

المورد الثالث: حكم العبادة حين الخروج وضعاً.

حكم الخروج تكليفاً

اما المورد الثاني: اي حكم الخروج تكليفاً کما إذا توسط أرضاً مغصوبة بسوء الاختيار كأن دخل حديقة الغير للتنزّه و غيره، ثمّ حاول أن يخرج و يترك الغصب، فما هو حكم الخروج من حيث الحكم التكليفي؟ فيه أقوال:

1. انّه واجب و حرام بالفعل، و هو خيرة أبي هاشم الجبائي المعتزلي المتوفّى عام 321 هجرية(1), و اختاره الفاضل القمي (2) ناسبا له إلى أكثر المتأخرين و ظاهر الفقهاء.

2. انّه مأمور به شرعاً و ليس وراء الأمر أي حكم شرعي، و هو خيرة الشيخ الاعظم الأنصاري(3).

3. انّه مأمور به شرعاً لكن مع جريان حكم المعصية عليه حيث إنّه منهي عنه بالنهي السابق الساقط من ناحية الاضطرار، و هو مختار صاحب الفصول.

ص: 73


1- كفاية الأصول، ص: 168
2- قوانين الأصول 1/ 153؛ منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 147
3- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 147

4. انّ الخروج منهي عنه بالنهي الفعلي و ليس بواجب شرعاً، کما ذهب اليه المحقق السيد البروجردي.

5. انّه مأمور به و منهي عنه لكن بالترتّب فكأنّه قال: لا تغصب، و هو يشمل الدخول و البقاء و الخروج، ثمّ قال: فإن عصيت فاخرج.

6. انّه واجب عقلاً لدفع أشد المحذورين بارتكاب أخف القبيحين و ليس محكوماً بحكم شرعي بالفعل.

نعم هو منهي عنه بالنهي السابق الساقط بالاضطرار، و هذا خيرة المحقّق الخراساني فقال: «الحق أنه منهي عنه بالنهي السابق الساقط بحدوث الاضطرار إليه و عصيان له بسوء الاختيار و لا يكاد يكون مأمورا به كما إذا لم يكن هناك توقف عليه أو بلا انحصار به و ذلك ضرورة أنه حيث كان قادرا على ترك الحرام رأسا لا يكون عقلا معذورا في مخالفته فيما اضطر إلى ارتكابه بسوءاختياره و يكون معاقبا عليه كما إذا كان ذلك بلا توقف عليه أو مع عدم الانحصار به و لا يكاد يجدي توقف انحصار التخلص عن الحرام به لكونه بسوء الاختيار»(1).

قلت: و قد تضمن کلامه امورا اربعة و هي:

1. ان الخروج واجب بالوجوب العقلي.

2. منهي عنه بالنهي السابق الساقط.

3. انّ أثر النهي و هو العقاب باق.

4. ليس واجباً بالوجوب الشرعي.

ص: 74


1- كفاية الأصول، ص: 168

أمّا الأوّل، فلاستقلال العقل بوجوب الخروج و التخلّص، لأنّه الطريق الوحيد للتخلّص من أشدِّ المحذورين بارتكاب أقلّهما، فلو دار الأمر بين قليل العصيان و كثيره فالعقل يستقل بتقديم الأقل.

و أمّا الثاني، أي كون النهي السابق ساقطاً فلأجل عدم إمكان امتثاله بعد التوسط، فقوله: لا تغصب، و إن كان قبل الدخول يعمّ الدخول و البقاء و الخروج، لأنّ الجميع من مصاديق الغصب، لكنّه بعد الدخول و لو بسوء الاختيار لا يتمكن المكلّف من امتثال قوله لا تغصب المتمثّل في البقاء و الخروج.

فان قلت: انه يكفي في صحّة الخطاب ترتّب الأثر عليه و إن كان الأثر نفس العقاب، و يكفي في القدرة، القدرة على الامتثال في ظرف من الظروف، و الشرطان حاصلان و المكلّف كان قادراً على ترك التصرّف الخروجي قبل الدخول، و هو يكفي في بقاء الخطاب حتى في صورة العجز عن الامتثال كما إذا توسّطها، و فائدة الخطاب مع عجزه هي صحّة عقابه و مؤاخذته(1).

قلت: فرق بين الخطاب النابع عن الإرادة الجدّية في حال الاضطرار الذي هو منتف عقلا و شرعا للعجز الفعلي و امتناع تعلّق الإرادة بفعل العاجز, و بين قيام الحجة على المضطر في ظرف الاضطرار، و الذي هو ثابت بلا كلام، لأنّ القدرة قبل الدخول أتمّت الحجّة على العبد في جميع أحواله من الدخول و البقاء و الخروج، و القدرة في ظرف خاص إنّما تكفي في إتمام الحجّة حين المخالفة لا في توجّه الخطاب.

و أمّا الثالث، اي جريان حكم المعصية عليه و كونه معاقباً فقد علم ممّا ذكرنا حيث إنّ القدرة في ظرف من الظروف أعني: قبل الدخول تصحح العقوبة على التصرّف الخروجي

ص: 75


1- التعليقة على الكفاية: 143.

و إن لم يكن في ظرف العمل قادراً، و قد عرفت فيما سبق أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ملاكاً و عقوبة.

نعم ينافي الاختيار حكماً و خطاباً و لذاك قلنا بسقوط الخطاب السابق و بقاء الملاك، أعني: العقاب و هو الرابع.

و اما الرابع, أي ليس محكوماً بحكم شرعي من الوجوب، فاستدل له بأنّه لو كان واجباً فإمّا أن يكون وجوبه نفسيّاً أو مقدّمياً.

أمّا النفسي فلم يرد في الشرع ما يدلّ على وجوب الخروج من المغصوب و إنّما ورد المنع عن التصرّف في المغصوب.

و أمّا الغيري فهو فرع القول بأنّ حرمة الشي ء تلازم وجوب ضدّه العام، أعني: تركه، كحرمة الغصب الملازم لوجوب تركه، فإذا وجب الترك تجب مقدّمته، أعني: الخروج حيث إنّه مقدمة لترك الغصب، أو يقال کما عن الشيخ بأنّ حرمة البقاء الذي هو من مصاديق الغصب، يستلزم وجوب تركه و الخروج مقدّمة له, و من المعلوم أنّ المقدّمات ممنوعة لعدم دلالة حرمة الشي ء على وجوب تركه حتّى تجب مقدّمته(1).

اقول: ما افاده صحيح ما عدا الاخير من عدم کون الخروج واجبا غيريا بدليل «عدم دلالة حرمة الشي ء على وجوب تركه حتّى تجب مقدّمته», ففيه: انه ما المقصود من عدم دلالة حرمة الشي ء على وجوب تركه؟ عدم الدلالة علی وجوب ترکه عقلا ام شرعا؟ اما الاول فلا يمکن التفوه فيه بل هو قائل به کما تقدم من استقلال العقل بوجوب الخروج و التخلّص من الحرام. و اما الثاني فعلی المختار من ان حکم العقل هو نفس حکم الشرع فالامر واضح, نعم علی مبنی الملازمة بين حکم العقل و الشرع فحکم الشرع بحرمة

ص: 76


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 250

الغصب لا يدل علی وجوب ترک الغصب شرعا - و ان کان الترک واجبا عقلا – و عليه فلا تجب مقدمته شرعا.

و المتحصل علی المختار ان الخروج واجب عقلا و شرعا .

و اما الجواب عن سائر الاقول:

القول الاول: انّه مأمور به و منهيّ عنه

اما القول الاول فقد استدلّ له بأنّ الأمر بالتخلّص، و النهي عن الغصب دليلان يجب إعمالهما، و لا موجب للتقييد عقلاً، لعدم استحالة كون الخروج واجباً و حراماً باعتبارين مختلفين (التخلّص و الغصب), إذ منشأ الاستحالة: إمّا لزوم اجتماع الضدين، و هو غير لازم مع تعدّد الجهة, و إمّا لزوم التكليف بما لا يطاق، و هو ليس بمحال إذا كان مسبباً عن سوء الاختيار.

و أورد عليه المحقّق الخراساني بقوله: «أن الاجتماع هاهنا - لو سلم أنه لا يكون بمحال لتعدد العنوان و كونه مجديا في رفع غائلة التضاد - كان محالا لأجل كونه طلب المحال حيث لا مندوحة هنا و ذلك لضرورة عدم صحة تعلق الطلب و البعث حقيقة بما هو واجب أو ممتنع و لو كان الوجوب أو الامتناع بسوء الاختيار و ما قيل: أن الامتناع أو الإيجاب بالاختيار لا ينافي الاختيار, إنما هو في قبال استدلال الأشاعرة للقول بأن الأفعال غير اختيارية بقضية أن الشي ء ما لم يجب لم يوجد, فانقدح بذلك «فساد الاستدلال لهذا القول بأن الأمر بالتخلص و النهي عن الغصب دليلان يجب إعمالهما و لا موجب للتقييد عقلا لعدم استحالة كون الخروج واجبا و حراما باعتبارين مختلفين إذ منشأ الاستحالة إما

ص: 77

لزوم اجتماع الضدين و هو غير لازم مع تعدد الجهة و إما لزوم التكليف بما لا يطاق و هو ليس بمحال إذا كان مسببا عن سوء الاختيار» و ذلك لما عرفت من ثبوت الموجب للتقييد عقلا و لو كانا بعنوانين و أن اجتماع الضدين لازم و لو مع تعدد الجهة مع عدم تعددها هاهنا و التكليف بما لا يطاق محال على كل حال نعم لو كان بسوء الاختيار لا يسقط العقاب بسقوط التكليف بالتحريم أو الإيجاب»(1).

و توضيح استدلاله للتقييد عقلا هو: استحالة اجتماع الضدين و لو مع تعدد العنوان، فلا بد من تقييد الأمر أو النهي بالأهم منهما، فالخروج اما مأمور به فقط، و اما منهي عنه كذلك. قلت: و هذا مبني علی مختاره من الامتناع.

ثم قال: مع أن تعدد الجهة هنا مفقود، لأن المقدمية جهة تعليلية فهي خارجة عن ذي المقدمة، لا تقييدية حتى تكون دخيلة فيه و توجب تعدده و ذلك لأنّ عنوان التخلّص ليس عنواناً تقييدياً حتّى يتعلّق الأمر به و النهي بالغصب و إنّما هو عنوان انتزاعي، ينتزع من خروج الغاصب عن أرض الغير، و هو علّة غائية و ليس بموضوع للحكم، كأنّ الشارع يقول أخرج لأجل التخلّص من الغصب فيلزم اجتماع الأمر و النهي في موضوع واحد و هو الخروج.

قلت: و هذا الجواب قد تقدم الاشکال فيه في بحث مقدمة الواجب فراجع(2).

ثم قال: أن التكليف بما لا يطاق محال و قبيح و ان كان بسوء الاختيار فالخطاب ساقط و ان كان العقاب ثابتاً، و الامتناع بالاختيار ينافي الاختيار خطاباً و لا ينافيه عقاباً، فهذا المضطر معاقب لا مخاطب, لوضوح قبح خطاب العاجز و إن كان السبب للعجز هو نفسه.

ص: 78


1- كفاية الأصول، ص: 173
2- الكفاية من الاصول ج1 ص350

و انّ قاعدة «الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار» أجنبية عن المقام، و هو: تعلق التكليف بالممكن الّذي وجب أو امتنع بالعرض، و غير مرتبطة به، حيث ان موردها اختيارية الأفعال الصادرة عن العباد في مقابل الأشاعرة القائلين بالجبر، استناداً إلى «أن الشي ء ما لم يجب لم يوجد» اي أن الفعل مع الإرادة واجب و بدونها ممتنع، فيلزم الجبر و انتفاء الاختيار.

و قد أجاب المنكرون للجبر بعد إثبات الاختيار و نفي الجبر: بأن الإيجاب و الامتناع الناشئين من الاختيار لا ينافيان الاختيار، بل يؤكدانه، ضرورة كون الفعل أو الترك حينئذ مستنداً إلى الاختيار، لأن إيجاد علته أو عدم إيجادها انما يكون بإرادته و اختياره، و لا يخرج الفعل بسبب وجوبه أو امتناعه بعد ذلك عن الاختيار.

قلت: و جوابه الاخير يکفي في رد هذا القول .

القول الثاني: الخروج واجب شرعاً

ذهب الشيخ الأنصاري و المحقّق النائيني إلى أنّ الخروج واجب شرعاً و ليس وراء الوجوب حكم سواه، و استدلّ عليه بوجوه ثلاثة نقلها المحقّق الخراساني بصورة السؤال و الجواب.

الوجه الاول ما قال: إن قلت: كيف لا يجديه و مقدمة الواجب واجبة(1), اي: كيف لا يجدي توقف انحصار التخلص عن الحرام في وجوب الخروج مقدمة مع كون وجوب

ص: 79


1- كفاية الأصول، ط ال البيت عليهم السلام ص: 170

المقدمة عقلياً غير قابل للتخصيص، و مقدّمة الواجب، واجبة، فلا يكون منهياً عنه لامتناع الاجتماع.

و أجاب عنه المحقّق الخراساني بما حاصله: أن وجوب المقدمة المحرمة مع انحصارها انما يكون بشرطين:

أحدهما: أن يكون الواجب أهم من ترك المقدمة كإنقاذ غريق مؤمن، حيث انه أهم من حرمة الدخول في المكان المغصوب، و كالخروج عنه تخلصاً عن الغصب، فان الواجب- و هو التخلص عنه- أهم من ترك الحرام و هو الخروج.

ثانيهما: أن لا يكون الاضطرار إلى المقدمة المحرمة- كالخروج- ناشئا عن سوء الاختيار، و إلّا فلا تتغير عما هي عليه من الحرمة و المبغوضية.

و بالجملة: مجرد أهمية الواجب من ترك المقدمة المحرمة لا توجب اتصاف المقدمة بالوجوب، بل فيما إذا لم يكن الاضطرار إلى المقدمة المحرمة بسوء الاختيار، و معه تبقى المقدمة على حرمتها.

و فيه: ان المفروض سقوط النهي السابق بالمعصية و بالاضطرار الحالي کما هو مختاره و عليه فکيف لا تتغير عما هي عليه من الحرمة و المبغوضية؟ مضافا لما تقدم من کون الحکم العقلي حکما شرعيا.

و اما قوله: و إلّا لكانت الحرمة معلقة على إرادة المكلف و اختياره لغيره و عدم حرمته مع اختياره له(1), اي لو قلنا بوجوب المقدمة (الخروج) في هذه الحالة يلزم أن تكون حرمة الخروج و وجوبه، معلّقين على إرادة المكلّف، فلو لم يدخل، يبقى الخروج على حرمته،

ص: 80


1- كفاية الأصول، ط ال البيت عليهم السلام ص: 170

لكونه من مصاديق الغصب؛ و إن دخل، صار واجباً بحكم كونه مقدّمة للواجب. ففيه: انه لو لم يدخل فسالبة بانتفاء الموضوع فلا يصدق عليه الخروج حتی يقال بحرمته و لو دخل فقد اوقع نفسه بالحرام و يجب عليه الخروج بحکم کونه مقدمة للواجب لا بحکم انه اراد الدخول.

الوجه الثاني: انّ التصرّف في أرض الغير حرام دخولًا و بقاءً، و أمّا التصرّف الخروجي فليس بحرام، أمّا قبل الدخول فلعدم التمكّن منه، و أمّا بعده فلكونه مضطرّاً إليه لانّه سبب للتخلص، فحاله حال من يشرب الخمر للتخلص عن الوقوع في التهلكة.

و أجاب عنه المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة:

1. بالنقض بالبقاء فانّه غير مقدور قبل الدخول، مع أنّه حرام، و بالنقض بالأفعال التوليدية كالإحراق المترتّبة على الأفعال المباشرية كالإلقاء فإنّ تركها بتركها و إيجادها بإيجادها.

2. بالحل فانّ التصرّف الخروجي مقدور، غاية الأمر انّه مقدور بالواسطة، فتركه بترك الدخول، و المقدور بالواسطة مقدور أيضاً، و كون ترك الخروج بترك الدخول من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع لا يضرّ في صدق المقدورية.

3. انّ قياس الخروج بشرب الخمر لأجل التخلّص من الهلكة قياس مع الفارق، لأنّ اضطراره إلى شرب الخمر لم يكن بسوء الاختيار، كما إذا لسعه العقرب فاضطرّ إلى شرب الخمر بتجويز الطبيب، بخلاف المقام(1).

اقول: اما النقض بالبقاء و بالافعال التوليدية فهي من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع, و اما انّ التصرّف الخروجي مقدور بترک الدخول, ففيه: انه قد عصی حتی بالنسبة الی ما بقي من الخروج و قد تحقق ذلک العصيان قبل الاضطرار و سقط التکليف عنه بالنسبة الی

ص: 81


1- كفاية الأصول، ط ال البيت عليهم السلام ص: 170

الخروج بعد الاضطرار اليه و عليه فقد تبدل الموضوع في حقه, و هذا هو وجه تشبيهه بشرب الخمر فانه اصبح مضطرا بعد الدخول المحرم و لم يکن مضطرا قبل الدخول فقد تبدل الموضوع في حقه.

فان قلت: لا ينفع اختلاف زمان التعلّق، مع اتّحاد زمان الفعل المتعلّق به، و إنّما المفيد، اختلاف زمان الفعل و لو مع اتحاد زمانهما، فلو نهى يوم الأربعاء عن صوم يوم الجمعة، و أمر يوم الخميس بصوم ذلك اليوم، لزم التكليف بالمحال، و إن كان زمان التعلّق مختلفاً، بخلاف ما لو أمر و نهى و لو في آن واحد بصوم يوم الخميس و نهى عن صوم يوم الجمعة، و المقام من قبيل القسم الأوّل، لأنّ الدخول منهي عنه بالنهي السابق على الدخول و مأمور به بالأمر اللاحق بعد الدخول فزمان التعلّق و إن كان مختلفاً، لكن زمان الفعل و الامتثال واحد.

قلت: ما قاله صحيح لو کان الامر و النهي في عرض واحد, لکنهما ليسا في عرض واحد بل بعد سقوط النهي يکون الامر کما في الحاضر المأمور بالاتمام يکون مأمورا بالقصر بعد السفر فلم يکن الامر بالاتمام و القصر في عرض واحد.

الوجه الثالث: كيف يكون مثل الخروج ممنوعاً عنه شرعاً و معاقباً عليه عقلاً، مع بقاء ما يتوقّف عليه - ترك البقاء أو التخلّص من الغصب - على وجوبه،لوضوح سقوط وجوب ذي المقدّمة مع امتناع المقدّمة المنحصرة و لو كان بسوء الاختيار، و العقل قد استقل بذلک فانّ الممنوع شرعاً كالممنوع عادة أو عقلاً(1)؟

و أجاب عنه المحقّق الخراساني بوجهين:

ص: 82


1- كفاية الأصول، ط ال البيت عليهم السلام ص: 171

الاول: إنّما يكون الممتنع شرعاً كالممتنع عقلاً إذا لم يكن هناك إرشاد من العقل إلى لزوم الأخذ بأقل المحذورين و الخروج ليتخلّص عن أشدّهما، و مع حكم العقل بالخروج، لا يكون الممتنع شرعاً كالممتنع عقلاً.

و فيه: من التناقض ما لا يخفی علی احد, فکيف يجب ذو المقدّمة شرعاً اي وجوب التخلّص و تحرم مقدّمته، فانّ إيجاب ذيها، يلازم إيجاب مقدّمته، أو لا أقل من عدم تحريم مقدّمته، فإيجاب ذيها مع تحريم مقدّمته ممّا لا يجتمعان.

الثاني: لو سلم فالساقط إنما هو الخطاب فعلا بالبعث و الإيجاب لا لزوم إتيانه عقلا خروجا عن عهدة ما تنجز عليه سابقا ضرورة أنه لو لم يأت به لوقع في المحذور الأشد و نقض الغرض الأهم حيث إنه الآن كما كان عليه من الملاك و المحبوبية بلا حدوث قصور أو طرو فتور فيه أصلا و إنما كان سقوط الخطاب لأجل المانع و إلزام العقل به لذلك إرشادا كاف لا حاجة معه إلى بقاء الخطاب بالبعث إليه و الإيجاب له فعلا(1).

و فيه: انه صحيح علی مبنی عدم الملازمة بين حکم العقل و الشرع و اما علی المختار من ان حکم العقل هو حکم الشرع ايضا فلا يصح ما قال, نعم علی مبنی الملازمة بين حکم العقل و الشرع فحکم الشرع بحرمة الغصب لا يدل علی وجوب ترک الغصب شرعا - و ان کان الترک واجبا عقلا – و عليه فلا تجب مقدمته شرعا.

و اما ما ذكره المحقق الخراساني من امتناع كون الخروج محرّماً بالنهي السابق الساقط و واجباً بعد الدخول لاستلزامه طلب المحال. ففيه: انّه إنّما يلزم طلب المحال لو كان النهي باقياً في ظرف امتثال الأمر بالخروج، و أمّا إذا كان ساقطاً في نفس ذلك الظرف فلا يلزم اجتماع الأمر و النهي في شي ء واحد.

ص: 83


1- كفاية الأصول، ط ال البيت عليهم السلام ص: 172

و ما ذكره من أنّ الميزان في الصحة و الامتناع اختلاف زمان الفعل و الامتثال و وحدتهما و إن كان صحيحاً، لكن وحدة المتعلّق إنّما تكون سبباً للامتناع إذاكان كلا الحكمين باقياً إلى زمان الامتثال، دون ما إذا كان أحدهما ساقطاً بالعصيان كما في المقام أو بالنسخ كما في غيره.

و المقام نظير ما لو أمر يوم الأربعاء بصوم يوم الجمعة، و نهى عنه يوم الخميس، و مع ذلك نَسخ أحد الحكمين قُبيل ظرف الامتثال.

و جريان حكم المعصية، ليس بمعنى بقاء الخطاب و الحكم، بل بمعنى انّه كان قبل الدخول قادراً على امتثال لا تغصب دخولا و بقاء و خروجا، و لما عصى باختياره، يعاقب على الخروج لأجل أنّه بالدخول، أعجز نفسه عن امتثال الخطاب في مورد هذا المصداق، و هذا غير بقاء الخطاب و الحكم في حال الخروج.

فإن قلت: انّ الخروج إن كان مشتملاً على المفسدة امتنع تعلّق الأمر به، و إن كان مشتملًا على المصلحة امتنع تعلّق النهي به.

قلت: الامر کذلک فانه قبل الدخول کان فيه المفسدة فتعلق به النهي و بعد الدخول و سقوط النهي فتبدل الموضوع و تعلقت المصلحة بالخروج فتعلق به الامر.

القول الثالث: مأمور به، و منهي بالنهي الساقط

ذهب المحقّق صاحب الفصول إلى قول ثالث مركّب من جزءين:

1. الخروج مأمور به و واجب شرعاً.

2. انّه منهيّ عنه بالنهي السابق الساقط.

ص: 84

قلت: و هو المختار و قد تقدم الاستدلال له في الرد علی ما قاله المحقق الخراساني من عدم الوجوب الشرعي.

الرابع: الخروج منهي عنه بالنهي الفعلي فقط

ذهب السيد المحقّق البروجردي إلى أنّ الخروج حرام و ليس بواجب، أمّا أنّه حرام فلأنّ التصرّف في مال الغير، بغير إذنه أو مع نهيه، حرام و خروج عن طاعة المولى، من دون فرق بين التصرّف الدخولي و الخروجي في نظر العقل فإنّه يرى جميع التصرفات في كونها معصية و خروجاً عن رسم العبودية متساوية.

و أمّا أنّه ليس بواجب، فلأنّ وجوبه إمّا بالخصوص فلا دليل عليه، و إمّا لكونه مقدّمة لترك الغصب الواجب، فهو أيضاً مثله، إذ لم يرد دليل على وجوب ترك الغصب و ما ورد من أنّ الغصب مردود، فإنّما تأكيد لحرمة الغصب(1).

*و اجيب: بأنّ حرمة الخروج إمّا لأجل تعلّق النهي به بالخصوص، أو لأجل انّه تصرّف في مال الغير؛ أمّا الأوّل فهو دفع الفاسد بالأفسد، لأنّ النهي عن الخروج بما هو هو يستلزم البقاء في المغصوب إلى آخر العمر و هو أشدّ محذوراً، و أمّا الثاني فهو يستلزم التكليف بالمحال، لعدم قدرته على امتثال ذلك النهي إلّا أن يلتجئ إلى البقاء، و هو أيضاً حرام.

فإن قلت: إنّ الامتناع بالاختيار، لا ينافي الاختيار.

قلت: قد سبق انّ القاعدة صحيحة، و لكن المراد أنّه لا ينافي ملاكاً و عقاباً، لا خطاباً و حكماً، فهو معاقب إذ كان في وسعه امتثال هذا النهي الشامل للخروج أيضاً بترك

ص: 85


1- ( 1). لمحات: 244.

الدخول، لأنّه عصى و دخل فيعاقب على الخروج للنهي السابق الساقط لا أنّه مخاطب بالفعل بالنهي عن الخروج(1).

القول الخامس: انّه منهي عنه و مأمور به بالترتّب

نقل السيد المحقّق البروجردي هذا الوجه في درسه الشريف، و هو انّه منهي عنه و مأمور به بالترتّب، فكأنّه قال: لا تغصب و هو يشمل الأقسام الثلاثة، ثمّ قال: فإن عصيت بالدخول فأخرج.

و فيه: انه قياس مع الفارق لوجود الفرق بين الترتّب و المقام، و ذلك: انّ في الترتّب أمرين يتعلّق أحدهما بالأهم و الآخر بالمهم مقيّداً بعصيان الأوّل و لو تركهما يعاقب على كلا العصيانين.

و أمّا المقام فليس هنا إلّا تكليف واحد و هو النهي عن التصرّف في ملك الغير، بدون إذنه، و أمّا الأمر بالخروج فانما هو بعد سقوط النهي السابق و بعد تبدل الموضوع کما تقدم توضيحه.

القول السادس: ليس محكوماً بحكم فعلًا مع جريان المعصية

و هذا القول هو مختار المحقّق الخراساني و قد مرّ تفصيلاً و الجواب عن بعض شقوقه فلا نعيد.

ص: 86


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 254

حكم العبادة حين الخروج

المورد الثالث من موارد حکم الاضطرار بسوء الاختيار: ما إذا صلّى حال الخروج صلاة جامعة لسائر الشرائط, قال في الکفاية: ثم لا يخفى أنه لا إشكال في صحة الصلاة مطلقا في الدار المغصوبة على القول بالاجتماع و أما على القول بالامتناع فكذلك مع الاضطرار إلى الغصب لا بسوء الاختيار أو معه و لكنها وقعت في حال الخروج على القول بكونه مأمورا به بدون إجراء حكم المعصية عليه أو مع غلبة ملاك الأمر على النهي مع ضيق الوقت أما مع السعة فالصحة و عدمها مبنيان على عدم اقتضاء الأمر بالشي ء للنهي عن الضد و اقتضائه فإن الصلاة في الدار المغصوبة و إن كانت مصلحتها غالبة على ما فيها من المفسدة إلّا أنه لا شبهة في أن الصلاة في غيرها تضادها بناء على أنه لا يبقى مجال مع إحداهما للأخرى مع كونها أهم منها لخلوها من المنقصة الناشئة من قبل اتحادها مع الغصب لكنه عرفت عدم الاقتضاء بما لا مزيد عليه فالصلاة في الغصب اختيارا في سعة الوقت صحيحة و إن لم تكن مأمورا بها(1).

قلت: و قد اشتمل کلامه علی صور اربعة و هي:

الاولی: إذا قلنا بجواز الاجتماع فالصلاة في الأرض المتوسطة مطلقاً دخولاً و بقاءً و خروجاً صحيحة، سواء كان بسوء الاختيار أم لا.

الثانية: إذا كان الوقوع فيها لا بسوء الاختيار فالصلاة فيها صحيحة، سواء أقلنا بجواز الاجتماع أم لا، أمّا على الأوّل فواضح، و أمّا على الثاني فلأجل سقوط النهي لأجل الاضطرار.

ص: 87


1- كفاية الأصول، ص: 173

الثالثة: إذا قلنا بالامتناع و كان الاضطرار بسوء الاختيار، و قلنا بمقالة الشيخ من أنّ الخروج واجب، و ليس بحرام، و لا يجري عليه حكم المعصية، فالصلاة صحيحة لوجود الأمر و عدم النهي.

و إلى هذه الصورة أشار بقوله: و معه أي مع القول بالامتناع, و لكنها وقعت في حال الخروج على القول بكونه مأمورا به بدون إجراء حكم المعصية عليه کما هو مختار الشيخ الاعظم رحمه الله (1).

الرابعة: إذا قلنا بالامتناع و قدّمنا الأمر فمقتضى القاعدة الصحة، و إلى هذه الصورة أشار بقوله: «أو مع غلبة ملاك الأمر على النهي مع ضيق الوقت و أمّا مع السعة فالصحة و عدمها مبنيان على عدم اقتضاء الأمر بالشي ء للنهي عن الضد و اقتضائه».

و الوجه في التفصيل بين ضيق الوقت و سعته هو: أن الحكم بالصحّة في ضيق الوقت انما هو لأجل انحصار الصلاة في الوقت المضيق بالفرد المتحقق في المغصوب مع فرض تمامية ملاكها، فليس لها فرد آخر حتى يجري فيه ما في الفرد الواقع في سعة الوقت من التضاد، و كونه من صغريات الأمر بالشي ء المقتضي للنهي عن ضده, بخلاف الحكم بفساد الصلاة في سعة الوقت، حيث ان لطبيعة الصلاة فرداً آخر يضاد الفرد الواقع في المغصوب، فيندرج في مسألة اقتضاء الأمر بالشي ء للنهي عن الضد و عدمه، فالفرد الواقع منها في المغصوب يصير منهياً عنه بالنهي الغيري فيبطل, فتكون الصلاة في الأرض المغصوبة منهياً عنها، و محكومة بالبطلان لوجود النهي.

*و اجيب: أنّ المراد من تقديم الأهم على المهم في باب التزاحم، هو تقديم الأقوى ملاكاً، على الأضعف ملاكاً، كما إذا دار الأمر بين إنقاذ النبي و الرعية، فالعقل حكم

ص: 88


1- مطارح الأنظار/ 153

بتقديم الأوّل، و أمّا المقام فالمفروض أنّ الفردين في سعة الوقت متساويان في الملاك، غير أنّ أحدهما يشتمل على المفسدة دون الآخر، و الخلو عن المفسدة، غير كون الخالي أهم من المشتمل عليها.

بل يمكن أن يقال: انّ المفروض هو تقديم ملاك الأمر على ملاك النهي و كون مصلحة الأوّل غالبة على مفسدة الآخر، و لأجله لا تؤثر المفسدة لوجود المصلحة الغالبة، و عندئذ تكون الصلاة في الدار المغصوبة، مثل الصلاة في غيرها فلا مفسدة مؤثرة، حتّى يجعل الفرد المشتمل عليها، أضعف و الخالي عن المفسدة أقوى.

و يمكن أن يقال انّ تفصيل المشهور راجع إلى صورة خامسة لم يذكرها المحقّق الخراساني، و هي إذا قلنا بالامتناع و كون الخروج منهيّاً عنه بالنهي السابقالساقط، أو الحاضر و قلنا بتقديم ملاك النهي، فالصلاة باطلة في سعة الوقت و ضيقه، لتقديم النهي على الأمر. و هذه الصورة لم يذكرها في الكفاية، فإذا قدّم النهي تكون المفسدة غالبة على المصلحة و من المعلوم انّها في سعة الوقت و أمّا في ضيقه، فيقدّم الأمر، لأجل قوله: لا تسقط الصلاة بحال, فيقدّم على حرمة التصرّف في مال الغير لقوّة لسان دليل الأمر و هذا بخلاف سعة الوقت، إذ لا دليل ثالث حتّى يكون مؤثراً في تقديم الأمر على النهي فتكون التصرّفات المتّحدة مع الصلاة أمراً مبغوضاً و منهيّاً عنه فلا أمر كما هو المفروض من القول بالامتناع و تقديم النهي(1).

ص: 89


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 266

حكم الخروج إذا تاب بعد الدخول

لو تاب العبد بعد الدخول و حاول أن يخرج من أقرب الطرق للتخلّص عن المعصية لا للتنزّه كالدخول، فقد ذهب السيد البروجردي إلى عدم كونه منهياً عنه و صادراً عن معصية، و ذلك لأنّه إذا تاب عن تصرّفاته السابقة تكون تصرفاته اللاحقة الاضطرارية بعد التوبة، تصرفات غير مسبوقة بالمعصية المؤثرة، فيصير حاله بالنسبة إلى التصرّفات الخروجية لأجل التخلّص كمن اضطرّ إلى الدخول، فاختار الخروج بعد رفع الاضطرار للتخلّص من البقاء المحرم.

و الحاصل: أنّ الخروج بما انّه من توابع الدخول فلو عدّ الدخول عصياناً و ظلماً و تمرّداً على المولى تكون توابعه محكومة بحكمه، و أمّا إذا تقلّب حكمه بحكم انّ التائب من ذنبه كمن لا ذنب له فتكون توابعه أيضاً محكومة بحكمه(1).

و فيه: ما تقدم من انه بعد ان صار مضطرا فقد تبدل حکمه بتبدل الموضوع حتی و لو لم يتب.

حکم ما إذا اضطرّ إلى ارتكاب الحرام لكن لا بسوء الاختيار

إذا اضطرّ إلى ارتكاب الحرام لكن لا بسوء الاختيار كما إذا كان محبوساً في الدار المغصوبة فإذا قلنا بالامتناع و دار الأمر بين تقديم أحد الحكمين، فهل يقدّمالنهي أو الأمر؟ و قد ذكروا لتقديم النهي وجوهاً ثلاثة ذكرها المحقّق الخراساني وهي:

ص: 90


1- لمحات الأصول: 246؛ نهاية الأصول: 249.

وجوه تقديم النهي علی الامر

الاول: أن النهي أقوى دلالة من الامر

قال في الکفاية: «منها: أنه أقوى دلالة لاستلزامه انتفاء جميع الأفراد بخلاف الأمر»(1), و توضيحه: إنّ دليل النهي أقوى دلالة من دليل الأمر، حيث ان دلالة الأمر على الإطلاق البدلي و الاجتزاء بأي فرد من أفراد الطبيعة المأمور بها تكون بمقدمات الحكمة، و دلالة النهي على الإطلاق الشمولي تكون بدلالة نفس النهي عليه التزاماً، فدلالته على الإطلاق الشمولي- لكونها لفظية- أقوى من دلالة الأمر على الإطلاق البدلي، لكونها بمقدمات الحكمة، فيقدم النهي عليه في المجمع، و يحكم بفساد الصلاة في المغصوب و عليه فيتعيّن التصرف في جانب الأمر بإخراج الصلاة في الدار المغصوبة من تحته و إبقاء الصلاة في غيرها تحته من دون تصرّف في جانب النهي.

و اورد عليه بما حاصله: أن دلالة كل من الأمر و النهي على العموم الشمولي و البدلي تكون بمقدمات الحكمة، فهما متساويان في الدلالة على العموم، و ذلك لأن العموم المستفاد من النهي انما يكون من جهة إطلاق متعلقه الثابت بمقدمات الحكمة، إذ لو كان المتعلق مقيداً بقيد من زمان أو زماني كان على المتكلم بيانه، فلما كانت دلالة كل من الأمر و النهي على العموم بمعونة مقدمات الحكمة بلا فرق بينهما الّا من جهة شمولية

ص: 91


1- كفاية الأصول، ص: 176

العموم في النهي، و بدليته في الأمر، و هذا لا يوجب أقوائية النهي من الأمر فلا وجه لتقديم النهي عليه.

و أورد على هذا الإيراد بما حاصله: أن دلالة النهي على العموم انما تكون من نفس النهي، إذ لو كانت من مقدمات الحكمة لزم أن يكون استعمال «لا تغصب» في خصوص فرد من أفراده على نحو الحقيقة، لما تقرر في محله: من أن إطلاق المطلق و إرادة فرد من أفراده يكون على نحو الحقيقة مع أن إطلاق «لا تغصب»على فرد خاص من أفراده يكون مجازاً لان استعمال «لا تغصب» في بعض الافراد حقيقة واضح الفساد، لأن الظاهر المتبادر من اللفظ عرفاً هو الإطلاق و عدم الخصوصية، فلا بد أن يكون الاستعمال فيها مجازاً. و عليه فتكون دلالة النهي على العموم من جهة أن وقوع الطبيعة في حيز النفي أو النهي يقتضي عقلا سريان الحكم إلى جميع الافراد، لأن لازم وقوع الطبيعة في حيز النفي أو النهي الدال على مبغوضية وجودها هو سريان الحكم إلى جميع أفراد الطبيعة، لتوقف ترك الطبيعة على ترك جميع أفرادها، فالنهي بالالتزام العقلي يدل على الاستيعاب. و على هذا، فأقوائية دلالة النهي على العموم الاستغراقي من دلالة النهي على العموم البدلي في محلها.

ثمّ إنّ المحقق الخراساني نصر المستشكل الأوّل و ردّ الإشكال عليه بما حاصله: أن النفي و النهي و ان كانا دالين على العموم بلا كلام، إلّا أن استفادة العموم منوطة بكل من حكم العقل و مقدمات الحكمة، توضيحه: أن أداة العموم لا تدل على استيعاب جميع أفراد الطبيعة المطلقة إلّا إذا أريد بها الإطلاق، و لما لم يكن نفس متلوّ أداة العموم دالا على هذا الإطلاق، فلا بد في إثباته من التشبث بمقدمات الحكمة، مثلا إذا ورد «لا تغصب»

ص: 92

لا يمكن الحكم بحرمة جميع أفراد طبيعة الغصب إلّا بعد إثبات الإطلاق لهذه الطبيعة، و من المعلوم أن المتكفل له هو مقدمات الحكمة، فبها نحكم بأن المراد به الطبيعة المطلقة، إذ لو كان المراد به الطبيعة المقيدة بزمان كيوم الجمعة أو زمانيّ كالفقر و الغنى و السفر و الحضر و غيرها من الحالات و الطوارئ كان على المتكلم بيانه.

و الحاصل: أن الحكم بحرمة جميع أفراد الغصب منوط بإطلاق متلوّ أداة العموم، و قد عرفت توقفه على مقدمات الحكمة، و بعد جريانها فيه يكون المنفي أو المنهي عنه الطبيعة غير المقيدة، و من المعلوم أن العقل يحكم حينئذ بلزوم استيعاب جميع أفراد طبيعة في كل زمان و حال، فاستفادة العموم لجميع الافراد منوطة أولا بإطلاق متلو أداة العموم، و ثانياً بحكم العقل المتقدم، فلو لم تكنالطبيعة مطلقة بأن كانت مهملة أو مقيدة لا يدل النفي و النهي على استيعاب جميع أفرادها، بل بعضها الّذي أريد منها، كما لا يخفى هذا ما أفاده في الكفاية(1).

ص: 93


1- كفاية الأصول، ص: 176؛ ثمّ إنّ المحقق الخراساني احتمل: أنّ المخاطب في استفادة الشمول لفي غنى عن إجراء مقدّمات الحكمة، و ذلك لأنّ مكانة النهي و النفي في لغة العرب كلفظة كلّ في كلّ رجل، فكما أنّ استفادة الشمول في الثاني غير موقوف على إجراء مقدّمات الحكمة في متعلّقه (رجل) بل السامع ينتقل إلى السريان و الشمول لأجل لفظة كلّ، فهكذا المقام، حيث إنّ دلالة النفي و النهي على الشمول و الاستيعاب تغني المخاطب عن اجراء مقدمات الحكمة.كفاية الأصول: ص177 ، و قد ايده السيد المحقق البروجردي. لمحات الأصول: 307. و لا يخفی ضعفه، إذ لا فرق بين النفي و النهي و لفظة كلّ, في أنّ استفادة السعة و الضيق تابع لسعة المتعلّق و ضيقه، مضافا الی انّه كان في وسع المكلّف تقييد المتعلّق في جانب النفي و النهي، و مع التقييد تضيق دائرة الشمول، و الدالّ على عدم القيد هو الإطلاق بإجراء مقدّمات الحكمة، و عليه فلا صحة لهذا الاحتمال.

ثم أنّ المحقّق الخراساني و ان قوّی ما أفاده أخيراً من الإشكال، على الإشكال، لكنّه لم يقبل دليله من أنّه لو كان الشمول مستفاداً من الإطلاق لكان استعمال مثل: لا تغصب في بعض الأفراد حقيقة ..., بل اعترف بكونه حقيقة على جميع المباني، اما اذا قلنا بأنّ الشمول مستند إلى مقدّمات الحكمة فواضح، لعدم جريانها مع وجود القرينة و اما على القول بأنّ دلالته على الشمول بالالتزام أو بالوضع، فلأجل تعدّد الدال و المدلول بمعنى انّ الخصوصية مستفادة من القرينة لا من استعمال قوله: لا تغصب في بعض الأفراد كما سيأتي البحث عنه(1).

اقول: و الحاصل ان کلا من الاطلاقين - الشمولي و البدلي - يصلح للتصرّف في الآخر، فلا مرجّح للتقديم, و انّما تقدّم الدلالة الشمولية على البدلية إذا كانت الأُولى وضعية و الثانية إطلاقية، فإذا قال المولى: لا تكرم الفسّاق، و قال: أكرم عالماً، فبما أنّ دلالة الأوّل على الشمول بالدلالة اللفظية، أعني: الجمع المحلّى باللام، و دلالة الثاني على كفاية فرد من أفراد الطبيعة، بالدلالة العقلية، فلا مناص من تقديم الدلالة الوضعية على الدلالة العقلية عند التّعارض في العالم الفاسق، لأقوائية الوضعية و عدم توقّف تمامية دلالتها على شي ء، بخلاف الدلالة العقلية، فانّها فرع عدم ما يصلح للقرينيّة، و الوضعية صالحة لها.

الثاني: دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة

ص: 94


1- في العام و الخاص, فصل: انّ العام بعد التخصص حقيقة و ليس بمجاز.

قال في الکفاية: «و منها أن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة, و قد أورد عليه في القوانين «بأنه مطلقا ممنوع لأن في ترك الواجب أيضا مفسدة إذا تعين»(1), و لا يخفى ما فيه فإن الواجب و لو كان معينا ليس إلّا لأجل أن في فعله مصلحة يلزم استيفاؤها من دون أن يكون في تركه مفسدة كما أن الحرام ليس إلّا لأجل المفسدة في فعله بلا مصلحة في تركه»(2).

و فيه: أنّ المراد من المصالح و المفاسد ملاکات الاحکام و العلل الحقيقة لها و هي اولاً غير منکشفة لنا و علی هذا المعنی حمل ما ورد من «ان دين الله عز و جل لا يصاب بالعقول الناقصة و الاراء الباطلة و المقاييس الفاسدة»(3), و قد تکون المصلحة أعم من المصالح الفردية و الاجتماعية، و عليه فربّما يكون في ترك الواجب مفسدة عظمى مضافا لما فيه من المصلحة کما في الصلاة فانها عمود الدين و في ترکها مفسدة عظيمة قال تعالی ﴿فخلف من بعدهم خلف اضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا﴾(4), و كما في الجهاد فانّه مع ما فيه من المصلحة فان ترکه يوجب الذُّلّ و الهوان و سيطرة العدو على النفوس و الأموال، و أيّ مفسدة أعظم من ذلك؟! فعن أمير المؤمنين علیه السلام انه قال: «فو اللّه ما غُزِي قوم في عُقر دارهم قط إلّا و قد ذلّوا»(5)، و مثله ترك الزكاة فانّ في تركها إيجاد الفوضى و اتّساع دائرة الفتنة و فقدان الأمن المالي, فعن أمير المؤمنين علیه السلام

ص: 95


1- قوانين الأصول 1/ 153، في قانون اجتماع الأمر و النهي.
2- كفاية الأصول، ص: 177
3- كمال الدين و تمام النعمة، ج 1، ص: 324
4- سورة مريم اية 59
5- نهج البلاغة: الخطبة 27.

انه قال: «ما جاع فقير إلّا بما متِّع به غني»(1) إلى هنا تبيّن أنّ الصغرى ليست بتامّة، و انّ المفسدة موجودة في كلا الطرفين: فعل الحرام و ترك الواجب، فالحقّ مع المحقّق القمي رحمه الله .

ثم ناقش المحقق الخراساني کبری الاستدلال بوجوه ستة:

الاول ما قال: «و لكن يرد عليه أن الأولوية مطلقا ممنوعة بل ربما يكون العكس أولى كما يشهد به مقايسة فعل بعض المحرمات مع ترك بعض الواجبات خصوصا مثل الصلاة و ما يتلو تلوها»(2).

الثاني ما قال: «و لو سلم فهو أجنبي عن المقام فإنه فيما إذا دار بين الواجب و الحرام و لو سلم فإنما يجدي فيما لو حصل به القطع...»(3), و توضيحه: انّ القاعدة أجنبية عن المقام، فانّه فيما إذا دار الأمر بين الواجب و الحرام كما إذا دار الأمر بين ركوب الطائرة المغصوبة، و الحجّ، ففي مثله يرجع إلى القاعدة، لا في المقام الذي ليس هنا إلّا أحد الحكمين إمّا الوجوب أو الحرمة، فلا موضوع للقاعدة. و بالجملة: فمورد هذه القاعدة ترجيح المأمور، و المقام ترجيح الأمر، إذ لا دوران عنده بعد الكسر و الانكسار، فلا وجود عنده الا لإحداهما من المصلحة أو المفسدة، فلا دوران بينهما حتى يحكم العقل بأولوية دفع المفسدة من جلب المنفعة.

ص: 96


1- نهج البلاغة، قصار الحكم، برقم 328.
2- كفاية الأصول، ص: 177
3- كفاية الأصول، ص: 177

و أوضحه هو ايضا في هامش الکفاية بقوله: إنّ الترجيح بهذه القاعدة إنّما يناسب ترجيح المكلّف و اختياره للفعل أو الترك بما هو أوفق بغرضه لا المقام و هو مقام جعل الأحكام فانّ المرجع هناك ليست إلّا حسنها أو قبحها العقليان لا موافقة الأغراض و مخالفتها(1), قلت: فانّ الملاكات على قسمين:

أ. ملاك التشريع و مناط جعل الحكم و هو ينحصر بالحسن و القبح فيحكم بوجوب الأوّل و حرمة الثاني.

ب. المصالح و المفاسد التي ترجع إلى المكلفين. و لكلّ من الملاكين مقام خاص، فلو كان الشك راجعاً إلى نفس الحكم الشرعي و ما هو المجعول كما هو الحال في المقام حيث إنّ الشكّ مركز على أنّ المجعول في الصلاة في الدار المغصوبة هو الوجوب أو الحرمة ففي مثله لا يرجع إلى قاعدة دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة.نعم لو كان الحكم الشرعي معلوماً و دار الأمر بين ترك الواجب و فعل الحرام ففي مثل ذلك يتمسّك بالقاعدة كما إذا دار الأمر بين الحجّ و ركوب الطائرة المغصوبة، فعندئذ يقال: ترك المفسدة أولى من جلب المنفعة.

الثالث ما حاصله: أن هذه القاعدة بعد تسليمها انما تجدي فيما إذا حصل القطع بالأولوية. و ذلك ممنوع، لأن غاية ما يحصل هو الظن بها، و ذلك لا يجدي، لأن الأصل عدم اعتباره.

الرابع ما حاصله: أنه لو سلم أن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة يجدي و لو لم يحصل اليقين فإنّما تجري هذه القاعدة فيما يكون العلم الواقعي فعلياً على كلّ تقدير و

ص: 97


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 214

لا يكون هناك مجال لأصالة البراءة أو الاشتغال كما في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة التعينيين كالمرأة المرددة بين من يجب وطؤها و يحرم و طؤها لأجل الحلف، فان كلا من الوجوب و الحرمة تعييني، و لا تجري أصالة البراءة، للعلم بالإلزام المردد بين الوجوب و الحرمة. و لا تجري اصالة الاشتغال، لتعذر الموافقة القطعية بالفعل، فلا أثر للاشتغال العقلي، بل العقل حاكم بالتخيير بين الفعل و الترك, و هذا بخلاف المقام، لإمكان جريان أصل البراءة في حرمة المجمع، و إحراز صحته ببركة الأصل.

الخامس: و لو قيل بقاعدة الاشتغال في الشكّ في الأجزاء و الشرائط فلا يلزم القول بالاشتغال في المقام فانّه لا مانع عقلًا إلّا فعلية الحرمة المرفوعة بأصالة البراءة عنها عقلًا و نقلًا.

توضيحه: انّه لو قيل إنّ الأصل عند الشكّ في الأجزاء و الشرائط ككون السورة جزءاً من الصلاة أو لا هو الاشتغال و بطلان الصلاة بدونها، لما كان دليلًا على القول بالاشتغال و بطلان الصلاة في المقام، و ذلك لوجود المقتضي للصحة في المقام و هو الأمر و ليس المانع إلّا الحرمة المرفوعة بأصل البراءة، بخلاف الشكّ في كمّية الأجزاء و الشرائط فلا علم بالصحة لاحتمال وجوب الشي ء المشكوكة جزئيته.

و حاصل الفرق بين المقام: هو وجود العلم بتمامية المأمور به من حيث الأجزاء و الشرائط في المقام و إنّما الشكّ في مانعية الغصب، و هي مرفوعة بالأصل، فالمقتضي موجود، و المانع مرفوع.

و هذا بخلاف الشكّ في الجزئية و الشرطية فليس هناك علم بتمامية المأمور به من حيث الأجزاء و الشرائط، بل يحتمل كون السورة جزءاً، فيكون المأتي به ناقصاً من حيث كونه جامعاً للأجزاء و الشرائط، و توهم أنّ أصل البراءة رافع للجزئية على فرض ثبوتها مدفوع

ص: 98

بأنّ الرفع الظاهري لا ينافي الجزئية الواقعية على فرض ثبوتها في الواقع فتكون الصلاة ناقصة.

فإن قلت: إنّ الشكّ في المانعية و الجزئية من باب واحد، فأصل البراءة رافع للمانعية و الجزئية في الظاهر دون الواقع، فلو كان المشكوك مانعاً واقعاً، يكون المأتي به ناقصاً من حيث اقترانه بالمانع.

قلت: المفروض انّ المانع هو المبغوضية المحرزة لا المبغوضية الواقعية، كما أشار إليه بقوله: «فانّه لا مانع عقلًا إلّا فعلية الحرمة المرفوعة بأصالة البراءة عقلًا أو نقلًا» ، فإذا لم تكن محرزة يكون عدم المبغوضية قطعياً، بخلاف جزئية الجزء أو شرطية الشرط، فالجزء بما هو جزء و الشرط بما هو شرط مأخوذان في المتعلّق، فأصالة البراءة لا تؤثر في انقلاب الواقع على فرض وجوده.

السادس قوله: نعم لو قيل بأن المفسدة الواقعية الغالبة مؤثرة في المبغوضية و لو لم يكن الغلبة بمحرزة فأصالة البراءة غير جارية بل كانت أصالة الاشتغال بالواجب لو كان عبادة محكمة و لو قيل بأصالة البراءة في الأجزاء و الشرائط لعدم تأتي قصد القربة مع الشك في المبغوضية فتأمل(1), و حاصله: انّ التفكيك بين المقام و الشك في الجزئية و الشرطية، مبنيّ على أنّ المفسدة الغالبة المحرزة مانعة من الصلاة، فعدم إحرازها يكفي في الحكم بصحّة الصلاة، و عدم اقترانها بالمانع واقعاً، و أمّا إذا قلنا بأنّ المفسدة بوجودها الواقعية الغالبة مانعة و إن لم يعلم بها المكلّف، فعندئذ، تكون النتيجة معكوسة، فلا يجدي الأصل في المقام و إن قلنا به في الشك في الجزئية و الشرطية.

ص: 99


1- كفاية الأصول، ط ال البيت عليهم السلام ص: 178

و ذلك لأنّها لو كانت المفسدة الواقعية مطلقاً مانعة فبما أنّها محتملة في المقام، فلا يتمشّى قصد القربة، إذ كيف يمكن التقرّب القطعي بشي ء يحتمل أن يكون مبغوضاً للمولى؟! فتكون أصالة الاشتغال محكّمة.

الثالث: الاستقراء

قال في الکفاية: و منها الاستقراء فإنه يقتضي ترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب كحرمة الصلاة في أيام الاستظهار و عدم جواز الوضوء من الإناءين المشتبهين(1), و توضيحه: أنّ الاستقراء يشهد على أنّ الشارع قدّم جانب الحرمة على جانب الوجوب فيما إذا دار الأمر بين المحذورين کما في هذين الموردين:

1. أيّام الاستظهار بعد تمام العادة و قبل العشرة حيث أمر الشارع بترك العبادة مع أنّ الأمر يدور بين الوجوب و الحرمة.

2. إذا كان الإنسان محدثاً، و ابتلى بإناءين مشتبهين فقد أُمِر بإهراقهما و العدول إلى التيمم، مع دوران الأمر بين وجوب الوضوء مقدّمة للصلاة و حرمة التوضّؤ بالماء النجس.

و اجابه في الکفاية: بأنه لا دليل على اعتبار الاستقراء ما لم يفد القطع, و لو سلم فهو لا يكاد يثبت بهذا المقدار, و لو سلم فليس حرمة الصلاة في تلك الأيام و لا عدم جواز الوضوء منهما مربوطا بالمقام...(2), ثم اجاب عن أنّ ترجيح جانب الحرمة في هذين الموردين بانه لوجود دليل اجتهادي أو أصل عملي يقتضي ذلك الجانب.

ص: 100


1- كفاية الأصول، ص: 178
2- كفاية الأصول، ص: 179

أمّا المورد الأوّل: فلأنّ الاستظهار أيّ ترجيح جانب الحرمة لأجل الدليل الحاكم على أنّ الدم المشكوك، دم حيض، و الدليل إمّا الاستصحاب، أو قاعدة الإمكان و انّ كلّ دم أمكن أن يكون حيضاً فهو حيض.

و أمّا المورد الثاني أي عدم جواز الوضوء من الإنائين المشتبهين فلوجهين:

الوجه الاول: تقديم النهي فيه تعبّدي يختصّ بمورده لانّ فرض المورد من قبيل دوران الأمر بين المحذورين إنّما يتم إذا قصد بالتوضّؤ بالماء الذي لم تحرز طهارته امتثالَ الأمر الواقعي فيوصف التوضّؤ بالحرمة التشريعية، فيدور أمر الوضوء بين الحرمة لأجل التشريع، و الوجوب لكونه مقدّمة للصلاة.

و أمّا إذا توضأ بكلّ من الماءين رجاء و من باب الاحتياط فلا يحرم، و بالتالي يخرج المورد عن باب دوران الأمر بين المحذورين، فتقديم النهي في هذه الصورة لأجل النصّ تعبديٌّ يختص بمورده(1).

اقول: هذا الجواب يبتني علی کفاية نية الرجاء في تحقق العبادة و صحة الاحتياط في العبادة, و کلاهما مردودان کما سيأتي تحقيقه في باب البراءة ان شاء الله تعالی, و عليه فلا يصح هذا الجواب.

الوجه الثاني: تقديم النهي لأجل عدم الابتلاء بالنجاسة و حاصله: انّه لو توضّأ بالماءين المشتبهين ربّما تحصل له الطهارة من الحدث، في بعض الصور(2)، لكنّه يبتلي بالنجاسة الخبثية القطعية، و المقرر في محلّه انّه إذا دار الأمر بين الطهارة الحدثية و النجاسة في البدن أو الثوب، تُقدّم الطهارةُ من الخبث على الطهارة من الحدث، مثلاً إذا كان محدثاً

ص: 101


1- كفاية الأصول، ص: 179
2- و هي ما أشار إليه بقوله مما سيأتي: و لو طهّر بالثانية مواضع الملاقاة بالأولى .

و كان بدنه أو ثوبه الساتر أيضاً نجساً و كان الماء الموجود لا يكفي إلّا لواحد منهما، يُقدّم تطهير البدن و الثوب على الوضوء و الغسل، و ما هذا إلّا لأنّ للطهارة من الحدث بدلاً و هو التيمم دون الأُخرى أي الطهارة من الخبث، و قد قُرِّر في باب التزاحم أنّه إذا دار الأمر بين أمرين لأحدهما بدل دون الآخر يقدّم الثاني على الأوّل.

و مثله المقام فانّ الوضوء بماءين مشتبهين و إن كان ربّما يحصّل الطهارة من الحدث و لكنه يورث نجاسة البدن للقطع بنجاسة الأعضاء عند صبّ الماء الثاني إمّا بالماء الأوّل أو بالثاني كما سيوافيك تفصيله فعند الدوران تقدّم الطهارة من الخبث، على الطهارة من الحدث، فيترك الوضوء و يتيمّم، فتقديم جانب النهي لأجل هذا الدليل المقرّر في محلّه لا من باب أنّه إذا دار الأمر بين الأمر و النهي يقدّم النهي مطلقاً مع غض النظر عن الدليل كما هو المدّعى. انتهی جواب المحقّق الخراساني(1).

احکام التوضّؤ بماءين مشتبهين

ثمّ إنّ المحقق الخراساني ذکر للتوضّؤ بالماءين المشتبهين صوراً ثلاثة و هي:

الأُولى: ما أشار إليه بقوله: «أو من جهة الابتلاء بنجاسة البدن ظاهراً بحكم الاستصحاب للقطع بحصول النجاسة حال ملاقاة المتوضّأ من الإناء الثاني، إمّا بملاقاته، أو بملاقاة الأُولى و عدم استعمال مطهر بعده»(2).

ص: 102


1- كفاية الأصول، ص: 179
2- كفاية الأصول، ص: 179

توضيحها: إذا توضّأ بكلا الماءين من دون أن يتخلّل بين الوضوءين تطهير الأعضاء بالماء الثاني، فعند صب الماء الثاني على الوجه يقطع بنجاسة الوجه واقعاً و بقاءها ظاهراً و ذلك لأنه حين ملاقاة المتوضئ من الآنية الثانية يعلم بنجاسة أعضائه، اما بملاقاتها للماء الأول، و اما بملاقاتها للماء الثاني، و بعد حصول ما يعتبر في التطهير من انفصال الغسالة و التعدد فيما يحتاج اليه يشك في بقاء النجاسة، و مقتضى الاستصحاب بقاؤها، و من المعلوم مانعية النجاسة المستصحبة للصلاة، فلعل الأمر بالتيمم في النص يكون لأجل الابتلاء بهذه النجاسة الخبثية، فالامر بالتيمم يكون على طبق القاعدة.

الثانية: ما أشار إليه بقوله: «و لو طهّر بالثانية مواضع الملاقاة بالأولى»(1).

توضيحها: انّ قوله: «لو» في كلامه وصلية لا شرطية و حاصل کلامه اشتراك الصورتين في العلم بالنجاسة الواقعية، ثمّ الشكّ في بقائها، و الفرق بينهما هو انّه في الصورة الأُولى لا يطهر الأعضاء بخلاف هذه الصورة فانّه يطهرها، و بالتالي يحصل العلم بالطهارة من الحدث في خصوص هذه الصورة، و ذلك كما إذا توضّأ أوّلًا بأحدهما ثمّ غسل مواضع الوضوء بالماء الثاني، ثمّ توضّأ بالماء الباقي في الإناء، فعندئذ يحصل العلم بالنجاسة الظاهرية بحكم الاستصحاب، و ذلك لأنّه عند تطهير الأعضاء بالماء الثاني وصب الماء عليها قبل انفصال الغسالة الذي هو شرط التطهير بالماء القليل، يحصل له العلم التفصيلي بالنجاسة، إمّا لأجل استعمال الماء الثاني، أو الأوّل، و استعمال الماء الثاني و إن كان مطهراً لكن المفروض عدم حصول شرط التطهير، أعني: انفصال الغسالة أو التعدد، و بعد الانفصال يطرأ الشك في بقاء النجاسة، لأنّه كما يحتمل أن يكون النجس هو الماء الثاني، يحتمل أن يكون النجس هو الأوّل الذي ترتفع نجاسته باستعمال الماء الثاني و انفصال

ص: 103


1- كفاية الأصول، ص: 179

الغسالة، و حيث إنّ الحالة غير معلومة يحكم ببقاء ما علم عند الصب و قبل انفصال الغسالة، فيكون العضو محكوماً بالنجاسة الظاهرية لأجل الاستصحاب. نعم يحصل العلم بالطهارة من الحدث، مقرونة بالنجاسة الظاهرية.

الثالثة: ما أشار إليه بقوله: نعم لو طَهُرتْ على تقدير نجاستها بمجرّد الملاقاة بلا حاجة إلى التعدد، و انفصال الغسالة، كما لو كان كلّ منهما كرّاً و لكن كان أحدهمانجساً، فلا يعلم تفصيلًا بنجاستها في وقت معين و إن علم بنجاستها حين ملاقاة الأُولى أو الثانية إجمالًا و لا مجال لاستصحابها بل كانت قاعدة الطهارة محكّمة(1).

توضيحها: انّه إذا كان الماءان كرّين و لا يتوقف التطهير بهما على التعدّد أو انفصال الغسالة، فلا يحصل العلم التفصيلي بالنجاسة حين الملاقاة بالماء الثاني، بل يعلم إجمالاً بأنّه صار نجساً إمّا بالملاقاة الأُولى أو بالثانية فلا مجال لاستصحابها.

و ظاهر العبارة أنّ عدم جريان الاستصحاب لأجل عدم العلم تفصيلًا بنجاسة العضو في وقت معيّن، بخلاف الصورة الأُولى و الثانية، حيث يعلم عند الصب و قبل انفصال الغسالة، بنجاسة العضو، فلو كان الاستصحاب غير جار في المقام تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة، لأنّه مشكوك الطهارة و النجاسة، فلو كان النجس هو الماء الثاني فهو نجس قطعاً، و لو كان الماء الأوّل فهو طاهر كذلك، و عند الجهل بحال الماءين، يكون الملاقى مشكوك الطهارة و النجاسة فيحكم عليه بالطهارة حسب القاعدة.

و فيه: ان هذه الصور تبتني علی ان المتنجس ينجس و الّا لو قلنا بعدم کون المنجس منجسا فينحصر الامر بکونه تعبديا.

ص: 104


1- كفاية الأصول، ص: 179

و حتی علی مبنی علی ان المتنجس ينجس فالظاهر انّه يحكم في الجميع بضد الحالة السابقة قبل توارد الماءين عليه و بالتالي يحكم في المقام بنجاسة الأعضاء في عامّة الصور، و ذلك لأنّه يشترط في تأثير العلم الإجمالي أن يكون محدثاً للتكليف على كلّ تقدير، بأن يكون الماء الطاهر، مطهراً سواء تقدّم استعماله أو تأخّر، و الماء النجس منجِّساً كذلك، و عندئذ يؤثر العلم الإجمالي، لكن هذا الشرط موجود في استعمال الماء النجس دون استعمال الماء الطاهر واقعاً، أمّا الأوّل فواضح فهو ينجس العضو سواء استعمله قبل الماء الطاهر أو بعده، بخلاف الماء الطاهر فلو استعمله قبل الماء النجس، لا يؤثر في العضو، لأنّ المفروض طهارة العضو، و لو استعمل بعد الماء النجس فهو و إن كان يؤثر في طهارة العضو لكن يكون محدثاً للتكليف على فرض دون فرض لا على جميع الفروض، فالعلم بطروء الطهارة على العضو دائر بين كونه مؤثّراً و غير مؤثر، محدثاً للطهارة، و غير محدث، فليس هنا علم بالطهارة المؤثرة المزيلة للنجاسة، لاحتمال كونالطاهر هو الماء الأوّل، بخلاف النجاسة فهناك علم تفصيلي بطروء النجاسة المؤثرة المزيلة للطهارة، المشكوك بقاؤها فتستصحب.

و لذلك قلنا: إنّه يؤخذ بضد الحالة السابقة، و منه يعلم حال عكس المسألة، أعني: إذا كان العضو نجساً و استعمل الماءان، فيحكم بطهارة العضو بنفس البيان في المقام السابق، فانّ الماء النجس غير مؤثر في كلتا الصورتين بل يؤثر استعماله إذا كان بعد استعمال الماء الطاهر، و أمّا لو كان قبله فلا يؤثر في نجاسة العضو، لأنّ المفروض كونه نجساً، بخلاف الماء الطاهر فهو رافع للنجاسة و مؤثر في رفع النجاسة، سواء استعمله قبل الماء النجس، أو بعده.

ص: 105

الفصل الثالث في کاشفية النهي عن الفساد

(1)

و لابد من تقديم امور:

الاول: في الفرق بين هذه المسألة و مبحث الاجتماع

اقول: قد تقدم البحث عن ذلک مفصلا في المسألة السابقة و قلنا انّ المسألتين تتميّزان موضوعاً و محمولًا، أمّا الأوّل فلما تقدم من كلام صاحب الفصول، و أما الثاني فلأنّ المحمول في المقام جواز الاجتماع و عدمه، و في مسألة النهي عن العبادة، هو دلالة النهي على الفساد و عدمه، و مع الاختلاف الجوهري بين المسألتين في جانب الموضوع و المحمول، لا وجه اشتراك بينهما حتّى يُسأل عن جهة افتراقهما.

ص: 106


1- اقول: قد اختلفت كلماتهم في عنوان الفصل فتارة يعبّرون عنه بقولهم: هل النهي عن الشي ء يقتضي فساده أو لا؟ و أخرى: هل النهي يدلّ على الفساد أو لا؟ و الأوّل غير صحيح، لعدم کون النهي مؤثراً في الفساد، و إنّما هو دالّ عليه أو كاشف عنه، و الثاني منصرف إلى الدلالة اللفظية، و لا يشمل استكشاف الفساد، من الملازمة العقلية، و عليه فالأولى أن يعبر بکاشفية النهي عن الفساد.

و الذي يعرب عن تمايز المسألتين بجوهرهما هو لزوم وجود الأمر في المسألة السابقة، دون هذه المسألة، بل يكفي وجود النهي سواء أ كان معه أمر كما في العبادات أو لا كما في المعاملات.

نعم لو قلنا في المسألة السابقة بالامتناع، و قدّمنا النهي على الأمر، تكون نتيجة البحث في المسألة السابقة، صغرى لهذه المسألة، و أمّا لو قلنا بجوازهما، أو قلنا بالامتناع لكن بتقديم الأمر على النهي، فلا صلة بين المسألتين أبداً.

الثاني: هل المسألة عقلية ام لفظية

کان البحث في المسألة السابقة عقليا محضا، كما يعلم من براهين المجوّزين و المانعين، و أمّا المقام، فذهب المحقّق النائيني (1) تبعاً للشيخ الأنصاري(2) إلى أنّ البحث في المقام أيضاً عقلي، كما أنّ المفهوم من کلام المحقّق الخراساني أنّ البحث لفظي، فقال: «لا يخفى انّ عدّ هذه المسألة من مباحث الألفاظ إنّما هو لأجل انّه في الأقوال قول بدلالته على الفساد في المعاملات مع إنكار الملازمة بينه و بين الحرمة»(3).

ص: 107


1- فوائد الأصول: 455/ 1.
2- مطارح الأنظار: 161.
3- كفاية الأصول ط ال البيت عليهم السلام ص180

اقول: و وجه الاختلاف انما هو لاجل كيفية الاستدلال عليه, فإن قلنا بدلالة لفظ النهي على الفساد، کان البحث لفظياً، و إن قلنا بوجود الملازمة العقلية بين الحرمة و الفساد، کان البحث عقلياً.

الّا انه مع ذلک لا يکون البحث في کل مسائلها لفظياً کما اذا دلّ الإجماع على التحريم دون وجود أيِّ لفظ فالفساد ثابت و متحقّق دون أن تكون هنا دلالة لفظيّة و عليه فيکون البحث في هذه الموارد عقليا.

الثالث: المسألة أُصولية

لا يخفی أنّ ملاک المسألة الأُصولية، أنّ تقع نتيجتها كبرى الاستنباط، و هنا لو قلنا بدلالة النهي على الفساد، أو قلنا بالملازمة بين النهي و الفساد تكون العبادات و المعاملات المنهية فاسدة لا يترتّب عليها الأثر المقصود، فإذا قال: لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه, أو قال: لا تبع ما ليس عندك, و قلنا بدلالة النهي على الفساد، أو قلنا بالملازمة العقلية، تكون النتيجة فساد الصلاة و البيع، فلا تكون الصلاة مسقطة للقضاء و الإعادة كما لا يكون البيع سبباً لخروج المبيع عن ملك البائع و دخوله في ملك المشتري و الثمن على العكس.

الرابع: في شمول ملاك البحث للنهي التنزيهي و التبعي

ص: 108

لا يخفی إنّ للنهي أقساماً کالتحريمي و التنزيهي و النفسي و الغيري و الاصلي و التبعي, و قد اختلفت أنظار الأُصوليين في تعيين محط النزاع، فذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الجميع داخل في محطّ النزاع، فقال: «ظاهر لفظ النهي و إن كان هو النهي التحريمي إلّا أن ملاك البحث يعم التنزيهي و معه لا وجه لتخصيص العنوان»(1), و مراده من الملاک هو منافاة المرجوحية لصحة العبادة، و ذلك لاقتضاء العبادة للمحبوبية، و الكراهة للمبغوضية، حيث ان الحب و البغض متضادان فلا تجتمع الصحة في العبادة مع الكراهة و بذلک رد علی الشيخ الانصاري حيث ذهب إلى اختصاص النزاع بالنهي التحريمي(2).

ثم قال: «و اختصاص عموم ملاكه بالعبادات لا يوجب التخصيص به كما لا يخفى»(3), و حاصله: أن اختصاص عموم الملاك بالعبادات لا يصلح لأن يكون قرينة على تخصيص النهي في العنوان بالتحريمي بتوهم أن المرجوحية المستكشفة عن النهي تحريمياً كان أو تنزيهياً انما تنافي صحة العبادة، لأنهاتستدعي المحبوبية المنافية للمرجوحية، دون المعاملة، إذ لا ملازمة قطعاً بين النهي التنزيهي فيها و بين الفساد، فلا تنافي مرجوحيتها صحتها، و حيث لا يشمل عموم الملاك المعاملات، فيما أن النهي التحريمي مطرد في العبادات و المعاملات، فيكون عدم اطراد عموم الملاك في المعاملات قرينة على إرادة التحريمي من النهي المذكور في العنوان, فالنتيجة: أن المراد بالنهي خصوص التحريمي. و اجاب عن الاشکال بما حاصله: أن اختصاص عموم الملاك بالعبادات لا يصلح لأن

ص: 109


1- كفاية الأصول، ص: 181
2- مطارح الأنظار/ 157.
3- كفاية الأصول، ص: 181

يكون قرينة على تخصيص النهي في العنوان بالتحريمي، و ذلك لكفاية عمومية الملاك في صحة إرادة الأعم من التحريمي.

جواب المحقّق النائيني

و ردّه المحقّق النائيني قائلاً: بأنّ النهي التنزيهي عن فرد لا ينافي الرخصة الضمنية المستفادة من إطلاق الأمر فلا يكون بينهما معارضة ليقيّد به إطلاق الأمر، نعم لو تعلّق النهي التنزيهي بذات ما يكون عبادة لكان لدعوى اقتضائه الفساد مجال من جهة انّ ما يكون مرجوحاً ذاتاً لا يصلح أن يتقرّب به، إلّا أنّ النواهي التنزيهية الواردة في الشريعة المتعلّقة بالعبادات لم تتعلّق بذات العبادة على وجه يتّحد متعلّق الأمر و النهي(1).

و اجيب: أنّ ما ذكره من عدم اقتضاء النهي التنزيهي فساد العبادة و إن كان حقاً، لكنه لا يوجب خروجه عن محلّ النزاع، إذ يمكن أن يتوهم أنّ النهي كاشف عن عدم المطلوبية أو الحزازة، و هما لا يجتمعان مع التقرّب.

و الحاصل: انّ كون الفساد على خلاف التحقيق أمر، و كونه غير داخل في محط النزاع شي ء آخر، و الكلام في الدخول و عدمه إنّما هو قبل التحقيق و بيان الحال لا بعده، و ما ذكره راجع إلى ما بعد التحقيق(2).

و فيه: ان الغرض الاصلي و المهم هو ما بعد التحقيق و هو الذي ينظر اليه العلمان الانصاري و النائيني.

ص: 110


1- الفوائد الأصولية: 455/ 1
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 293

هذا و ذهب المحقق الخراساني الی دخول الغيري في محل النزاع ايضا فقال: كما لا وجه لتخصيصه بالنفسي فيعم الغيري إذا كان أصليا و أما إذا كان تبعيافهو و إن كان خارجا عن محل البحث لما عرفت أنه في دلالة النهي و التبعي منه من مقولة المعنى إلّا أنه داخل فيما هو ملاكه فإن دلالته على الفساد على القول به فيما لم يكن للإرشاد إليه إنما يكون لدلالته على الحرمة من غير دخل لاستحقاق العقوبة على مخالفته في ذلك كما توهمه القمي قدس سره و يؤيد ذلك أنه جعل ثمرة النزاع في أن الأمر بالشي ء يقتضي النهي عن ضده فساده إذا كان عبادة فتدبر جيدا(1).

و حاصله ان الغيري كالنهي عن الصلاة عند ابتلاء المصلي بوجوب إزالة النجاسة عن المسجد, على قسمين: غيري أصلي، و غيري تبعي.

فلو قلنا بأنّ الملاك في تقسيم الأمر إلى الأصلي و التبعي إنّما هو مقام الإثبات و الدلالة، بمعنى أنّه إذا كان الوجوب مفهوماً بخطاب مستقل و مدلولاً بالدلالة المطابقية، فالواجب أصلي، و إن كان مفهوماً بتبع خطاب آخر و مدلولاً بالدلالة الالتزامية فالواجب تبعي، فلو قلنا بهذا التفسير للأصلي و التبعي، فالغيري مطلقاً داخل في عنوان النزاع لشمول قوله: هل النهي يدلّ على الفساد للنهي المفهوم بالدلالة المطابقية أو الالتزامية.

و أمّا لو قلنا بأنّ ملاك التقسيم إلی الغيري و التبعي هو الثبوت لا الإثبات، فلو كان الشي ء متعلّقاً للإرادة على وجه الاستقلال عند الالتفات إليه بما هو عليه فهو أصلي، و إن كان متعلّقاً بها تبعاً لإرادة غيره من دون التفات إليه فهو تبعي، فلو قلنا بهذا التفسير فالغيري التبعي بما انّه ليس مدلولاً للدلالة يكون داخلاً في محط البحث ملاكاً لا عنواناً.

ص: 111


1- كفاية الأصول، ص: 181

اقول: و لا يخفی انه لا ثمرة مترتبة علی تقسيم الواجب الی اصلي و تبعي فلا طائل للبحث عنه.

حکم النهي الإرشادي و التشريعي و التخييري

بقي الکلام عن النهي الإرشادي, و النهي التشريعي, و النهي التخييري في مقابل التعييني.أمّا النهي الارشادي فواضح الحكم فلا يكون داخلاً في محلّ النزاع, بلا فرق بين ان يكون إرشاداً للفساد، كقوله: لا تبع ما لا يملك؛ او يكون إرشاداً إلى المانعية، كقوله: لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه, و من غير فرق بين أن تفسّر المانعية بأخذ قيد عدمي في المأمور به، أو بضدية الشي ء المنهي عنه مع الصلاة و انّهما لا يجتمعان، او إرشاد الی القاطعية کقوله لا تتکلم في صلاتک او ارشاد الی الشرطية کقوله لا تصل بلا طهارة.

و أمّا النهي التشريعي فمفاده النهي عن الاحداث و البدعة في الدين کصلاة التراويح، فهل هو داخل في محلّ النزاع أو لا؟ اختار المحقّق القوجاني (1) الثاني قائلاً بأنّ مفاد النهي التشريعي هو البطلان فلا يتصوّر فيه النزاع.

و فيه: أنّ الذي يدلّ عليه النهي التشريعي هو حرمة الإتيان بالعمل الناشئ منه و عدم الامر به، فان کان العمل عباديا فلا ريب في فساده لعدم الامر به, و الّا فليس الفساد من مداليل هذا النهي ليقع البحث عن دلالته على الفساد أو ملازمته معه عقلاً أو عدمها.

ص: 112


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 294 و القوجاني من تلاميذ المحقّق الخراساني و مقرر بحثه و هو أستاذ المحقّق المشكيني رحمه الله توفّى سنة 1333 هج.

و أمّا النهي التخييري كما إذا قال: لا تصلّ في دار زيد أو لا تجالس عمرو فصلى فيها مع مجالسته لعمر، فالظاهر دخوله في محلّ النزاع.

الخامس: في تعيين المراد من العبادة و المعاملة في المسألة

قال المحقق الخراساني: «ما يتعلق به النهي إما أن يكون عبادة أو غيرها و المراد بالعبادة هاهنا ما يكون بنفسه و بعنوانه عبادة له تعالى موجبا بذاته للتقرب حضرته لو لا حرمته كالسجود و الخضوع و الخشوع له و تسبيحه و تقديسه أو ما لو تعلق الأمر به كان أمره أمرا عباديا لا يكاد يسقط إلّا إذا أتى به بنحو قربي كسائر أمثاله نحو صوم العيدين و الصلاة في أيام العادة»(1).

و اورد على التعريف الأوّل: بأنّه لو كان السجود عبادة ذاتية، لما جاز أمر الملائكة بالسجود لآدم كما قال سبحانه: ﴿وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَم﴾(2) فآدم كان مسجوداً له، لا قبلة، و لا مسجوداً عليه، كالتربة الحسينية إذ معنى ذلك انّه سبحانه أمر بعبادة غيره الذي هو يساوي الأمر بالشرك المنزّه عنه سبحانه، يقول: ﴿وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ).(3)

ص: 113


1- كفاية الأصول، ص: 182
2- البقرة: 34.
3- الأعراف: 28.

و الفحشاء القبيح، أو ما اشتد قبحه و المقصود به هنا هو الشرك فالأولى أن يعرف بما ذكره ثانياً أعني: ما لو تعلّق به الأمر لا يكاد يسقط إلّا إذا أتى به بنحو قربي (1).

و فيه: ان ما ذکره و ان کان صحيحا لکن لا يخلو بيانه من اشکال و ذلک لان السجود و ما شاکله من مصاديق التعظيم و الاحترام بحسب الطبع و العرف لا يصير عبادة الّا بقصد التعبد, و عليه فلو امر الله به لا يکون عبادة لآدم و لا يکون شرکا بل اطاعة و عبادة لله جل و علا, و بذلک يظهر ضعف قوله بانه «لو كان السجود عبادة ذاتية، لما جاز أمر الملائكة بالسجود لآدم» فصرف السجود لاحد مع قطع النظر عن حرمته للدليل الخاص لا يکون عبادة لو لم يقصد به العبادة, و توضيحه: ان السجود و الرکوع بقصد التعبد يکون عبادة و اما لو کانا بقصد الرياضة او اللعب و ما شاکلهما فلا يکونان من الامور العبادية و لا يقول احد بذلک و الحاصل ان السجود و امثاله من الافعال القصدية فلا تکون بذاتها عبادة مجردة عن القصد .

و اما بعد امر الله به فلا يکون عبادة لآدم و لا يکون شرکا بل يکون اطاعة لله جل و علا و ان کان سجودا لآدم لانه يقصد به امتثال امر الله جل و علا.

و يرد علی التعريف الثاني: أن الفساد حينئذ يستند إلى عدم الأمر، لا إلى النهي الّذي يبحث في هذه المسألة عن تأثيره في الفساد، إذ المفروض أن العبادة تقديرية لا أمر فيها فعلا، و عدم الأمر كاف في الفساد، فلا تصل النوبة إلى تأثير النهي في الفساد.

فالأولى حفظاً لظاهر العنوان- أعني العبادة الفعلية- و لاستناد الفساد إلى النهي أن يقال: المراد بالعبادة هو ما لو لا النهي لكان عبادة، بحيث لو تعلق النهي لتعلقبما هو عبادة فعلا

ص: 114


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 296

بمعنى شمول عموم أدلة العبادات مثل ﴿أَقِيمُوا الصَّلاة﴾ لها، فإذا تعلق بها نهي كان موجباً لفسادها، فلو أريد بالعبادة هذا المعنى- أي العبادة لو لا النهي- سلم من الإشكال.

هذا و قد عُرّفت العبادة بوجوه ثلاثة و هي: ما أمر لأجل التعبّد به اختاره الشيخ رحمه الله (1), و ما تتوقف صحّتُه على نيّة القربة کما مال اليه المحقق القمي رحمه الله (2), و ما لا يعلم انحصارُ المصلحة فيها في شي ء و هذا التعريف للمحقق القمي أيضا(3).

اقول: الظاهر رجوع هذه المعاني الثلاثة الی المعنی الثاني و عليه فيرد عليها ما اوردناه من الاشکال علی التعريف الثاني و قد أورد هذا الاشکال المحقّق الخراساني علی هذه المعاني الثلاثة بقوله: «ضرورة أنها بواحد منها لا يكاد يمكن أن يتعلق بها النهي»(4).

و أمّا المعاملة، فالمراد منها هو كلّ ما يكون قابلاً لوصفه بالصحة و الفساد، فيعمّ العقود و الإيقاعات و غيرهما، كالرضاع و الاحياء من الموضوعات التي تارة يترتّب عليه الأثر المترتّب عنه، و أُخرى لا يترتب لاختلال بعض الشرائط المعتبرة.

فخرج الأمران التاليان:

1. ما لا يترتّب عليه الأثر شرعاً مطلقاً، كالغلبة في القمار.

2. ما لا ينفك أثره عنه كالإتلاف بلا إذن، لعدم طروء الفساد عليه.

ص: 115


1- مطارح الأنظار/ 158. في الأمر الثالث.
2- قوانين الأصول 1/ 154، في المقدمة الاولى.
3- المصدر السابق.
4- كفاية الأصول، ص: 182

السادس: في معنى الصحّة و الفساد

اقول: تطلق الصحّة اصطلاحا على الجامع للأجزاء و الشرائط و غير الجامع لهما، فيكون بينهما من التقابل هو تقابل العدم و الملكة و هذا المعنی هو المراد هنا, و قد تطلق على الجامع للصفة المعتبرة في العبادة في مقابل الآخر إذا لم تكن كذلك. ككون القراءة صحيحة أو ملحونة، فيكون بينهما من التقابل، هو تقابل التضاد لکنه غير مقصود بالبحث هنا, و کيف کان فهما وصفان اضافيان قال المحقّق الخراساني: «ان الصحة و الفساد وصفان إضافيان يختلفان بحسب الآثار و الأنظار فربما يكون شي ء واحد صحيحا بحسب أثر أو نظر و فاسدا بحسب آخر و من هنا صح أن يقال إن الصحة في العبادة و المعاملة لا تختلف بل فيهما بمعنى واحد و هو التمامية و إنما الاختلاف في ما هو المرغوب منهما من الآثار التي بالقياس عليها تتصف بالتمامية و عدمها و هكذا الاختلاف بين الفقيه و المتكلم في صحة العبادة إنما يكون لأجل الاختلاف فيما هو المهم لكل منهما من الأثر بعد الاتفاق ظاهرا على أنها بمعنى التمامية كما هي معناها لغة و عرفا... و حيث إن الأمر في الشريعة يكون على أقسام من الواقعي الأولي و الثانوي و الظاهري و الأنظار تختلف في أن الأخيرين يفيدان الإجزاء أو لا يفيدان كان الإتيان بعبادة موافقة لأمر و مخالفة لآخر أو مسقطا للقضاء و الإعادة بنظر و غير مسقط لهما بنظر آخر فالعبادة الموافقة للأمر الظاهري تكون صحيحة عند المتكلم و الفقيه بناء على أن الأمر في تفسير الصحة بموافقة الأمر أعم من الظاهري مع اقتضائه للإجزاء و عدم اتصافها بها عند الفقيه بموافقته بناء على عدم الإجزاء و كونه مراعى بموافقة الأمر الواقعي و عند المتكلم بناء على كون

ص: 116

الأمر في تفسيرها خصوص الواقعي»(1), و حاصله انه لا اختلاف في مفهوم الصحّة لا في العبادات و لا في المعاملات, و لا بين الفقيه و المتكلّم, و لا في مجال امتثال الأمر الواقعي الثانوي.

السابع: هل الصحّة و الفساد مجعولان؟

هل الصحة و الفساد حكمان شرعيان أم عقليان أم اعتباريان؟ وجوه و احتمالات، و يقع الكلام تارة في العبادات، و أُخرى في المعاملات.

اما العبادات فالذي يظهر من المحقّق الخراساني التفصيل التالي: انه لو فسِّرت الصحّة و الفساد وِفقَ مسلك المتكلّمين بمطابقة المأتي به للشريعة, فالصحّة و الفساد وصفان اعتباريان ينتزعان من المطابقة و عدمها.

و لو فُسِّرت الصحّة و الفساد وفق مسلك الفقهاء بما كان مسقطاً للإعادة و القضاء, فالصحة و الفساد حكمان عقليان حيث يستقل العقل بسقوط الإعادة و القضاء جزماً أو يستقل بعدمها و عليه فليست الصحة من الأحكام المجعولة مستقلة و لا من المجعولة تبعاً كما ليست أمراً اعتبارياً و انتزاعياً, هذا كلّه حول امتثال الأمر الواقعي(2).

اقول: اما ما أفاده من أنّ الصحّة على مسلك الفقهاء، من الأحكام العقلية، إذ هو الحاكم بسقوط الإعادة و القضاء إذا أتى بالمأمور على ما هو عليه، و عدمه إذا لم يأت كذلك فالامر کما قال.

ص: 117


1- كفاية الأصول، ص: 182
2- كفاية الأصول، ص: 183

و اما الصحّة و الفساد على مسلك المتكلّمين و التي هي بمعنى التمامية و الفساد بمعنى النقصان فهما وصفان حقيقيان، لا اعتباريان، و لا انتزاعيان، فان موافقة الأمر أو الشريعة من لوازم التمامية التي هي من الأوصاف الحقيقية، فالصحة و الفساد عند الكل وصفان حقيقيان فهما من الأُمور الواقعية كسائر الواقعيات التي يدركها العقل، لانّ حصول الامتثال بتطابق المأتي به للشريعة، من الأُمور الواقعية كتطابق الخطين و تساويهما، فالصحة ليست أمراً انتزاعياً و لا اعتبارياً و لا مجعولًا بنفسه و لا مجعولًا بتبع أمر آخر، و لا من الأحكام العقلية المستقلة كحسن الإحسان و قبح الظلم أو الملازمة بين الوجوبين، بل هي امر واقعي يدركه العقل.

ثم ان المحقق الخراساني ذکر صورة اخری غير ما تقدم فقال: «و في غيره فالسقوط ربما يكون مجعولا و كان الحكم به تخفيفا و منة على العباد مع ثبوت المقتضي لثبوتهما كما عرفت في مسألة الإجزاء كما ربما يحكم بثبوتهما فيكون الصحة و الفساد فيه حكمين مجعولين لا وصفين انتزاعيين»(1), و حاصله: أن السقوط قد يكون بحكم العقل كما في الأمر الواقعي، و ذلك فيما إذا كان غير المأمور به الواقعي وافياً بتمام مصلحة الواقع، فان الصحة من اللوازم العقلية،كما لا يخفى. و قد يکون المأمور به الاضطراري و الظاهري غير واف بتمام مصلحة الواقع أو معظمها الّا ان الشارع يحكم بصحته، فتكون الصحة حكماً مجعولا شرعياً، و قد لا يحكم بها، فتكون الصحة حينئذ من اللوازم العقلية، كصحة المأمور به الواقعي الأولي.

ص: 118


1- كفاية الأصول، ص: 183

قلت: ان حکم الشارع بالصحة فيما كان المأتي به غير واف بمصلحة الواقع يمكن ان يکون باعتبار منشأ انتزاعها حيث إنّ العمل لا يوصف بالصحة، إلّا برفع اليد عن جزئية الجزء و شرطية الشرط، كما لا يوصف بالفساد إلّا بإثباتهما، فالمجعول رفع الشرط أو الجزء أو إثباتهما، فيتبعهما جعل الصحة و الفساد.

الصحة في المعاملات

و أما الصحة في المعاملات فقال في الکفاية: «هي تكون مجعولة حيث كان ترتب الأثر على معاملة أنه هو بجعل الشارع و ترتيبه عليها و لو إمضاء ضرورة أنه لو لا جعله لما كان يترتب عليه لأصالة الفساد.

نعم صحة كل معاملة شخصية و فسادها ليس إلا لأجل انطباقها مع ما هو المجعول سببا و عدمه كما هو الحال في التكليفية من الأحكام ضرورة أن اتصاف المأتي به بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما ليس إلّا لانطباقه مع ما هو الواجب أو الحرام(1), و حاصله أن الصحة في المعاملات حكم وضعي شرعي، فالملكية و الزوجية و الحرية و غيرها لا تترتب على المعاملة إلّا بجعل الشارع و لو إمضاءً، حيث ان غالب المعاملات أمور عرفية أمضاها الشارع، فليست الصحة فيها حكما عقلياً و لا أمراً انتزاعياً. و حال صحة كل فرد من أفراد كلي المعاملة حال صحة كل فرد من أفراد العبادات في عدم كونها حكماً مستقلا مجعولا، بل هي لأجل انطباق الكلي على أفراده، فالمجعول بالاستقلال هو صحة كلي

ص: 119


1- كفاية الأصول، ص: 183

المعاملة كالعبادة، و صحة الافراد الخارجية انما هي لأجل انطباق الكلي العبادي أو المعاملي عليها.

قلت: و معنى ذلك أنّ الموصوف بالصحّة و الفساد هي العناوين الكلّية من الصلاة و البيع، و اتّصاف الفرد الخارجي منهما إنّما هو بانطباق المفهوم الكلّي عليه، وفيه: أنّ الصلاة الكلية لا توصف بالصحة و الفساد ما لم تتحقّق في الخارج، فانّ الأجزاء و الشرائط بما هي هي لا توصف بالصحّة و الفساد، و إنّما توصف بأحدهما إذا انطبق عليها عنوان الصلاة في الخارج، فإن كانت جامعة لهما فتوصف بالصحة، و إلّا فتوصف بالفساد. و قد خلط المحقّق الخراساني بين متعلّق جعل الحلية و الجواز و هي العناوين الكلية, و بين متعلّق الصحّة و هو المصداق الخارجي المنطبقة عليه تلك العناوين, فالمجعول شرعاً و لو إمضاء في قوله تعالی: ﴿وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْع﴾(1)، و قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «الصلح جائز بين المسلمين»(2), هو الحلّية و الجواز، لا الصحة، فلو قلنا بأنّه لا دور للشارع في مجال المعاملات، فالمراد انّه أمضى الحلّية و الجواز الرائجين بين العقلاء قبل الإسلام, و أمّا الصحّة فإنّما يوصف بها العنوان إذا تحقّق في الخارج، و انطبق عليه ما أمضاه الشارع بالحلّية أو الجواز.

الثامن: ما هو الأصل المعوّل عليه عند الشكّ؟

ص: 120


1- البقرة: 275.
2- من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 32 باب الصلح.

الاصل في المسألة الاصولية

قال في الکفاية: «لا يخفى أنه لا أصل في المسألة يعول عليه لو شك في دلالة النهي على الفساد نعم كان الأصل في المسألة الفرعية الفساد لو لم يكن هناك إطلاق أو عموم يقتضي الصحة في المعاملة, و أما العبادة فكذلك لعدم الأمر بها مع النهي عنها كما لا يخفى»(1).

و حاصله: أنه لا أصل في البين يثبت الدلالة أو عدمها، لأن النهي حين حدوثه اما كان دالا على الفساد و اما لم يكن دالا عليه، و حيث لم يعلم شي ء منهما، فليس له حالة سابقة معلومة لتستصحب، و توضيحه: انه لو كان مصب النزاع عقلياً، أي في وجود الملازمة بين النهي و الفساد عقلاً و عدمها، فلا أصل هنا يعوّل عليه، إذ ليست للملازمة و لا لعدمها حالة سابقة، و على فرض وجودها لاشكّ في الحالة اللاحقة، إذ لو ثبتت الملازمة لكانت باقية قطعاً، و لو ثبت عدمها فكذلك.

أضف إلى ذلك أنّ الملازمة و عدمها غير قابلة للاستصحاب، لأنّه يشترط فيه كون المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي، و الملازمة تفتقد هذا الشرط, هذا إذا كان مصبُّ النزاع في المسألة الأُصولية عقليّاً.

و أمّا إذا كان لفظياً، أي في دلالة لفظ النهي على الفساد أو عدمه، فالأصل و إن كان موجوداً، أعني: أصالة عدم وضع النهي للفساد لکن لا مجال لها لمعارضتها لأصالة عدم وضعه لما لا يستلزمه.

ص: 121


1- كفاية الأصول، ص: 184

مضافا الی انّها بالنسبة إلى إثبات أنّ النهي الموجود غير موضوع له من استصحاب العدم الازلي و هو غير حجة علی المختار، لانّ استصحاب النفي التام لا يثبت النفي الناقص، كاستصحاب عدم قرشية هذه المرأة عند ما لم تكن موجودة و إثبات عدم قرشيتها بعد ما وجدت، لأنّ القضية المتيقّنة صادقة بانتفاء الموضوع، و القضية المشكوكة لا تصدق إلّا بعد وجود الموضوع و انتفاء محموله، و مثله المقام حيث إنّ عدم دلالة النهي على الفساد لأجل عدم وجود الواضع و الوضع، فكان عدم دلالتها أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، و المقصود إثبات عدم الدلالة بعد وجود الواضع و ثبوت الوضع و صدور النهي من المولى، فالقضية المتيقّنة سالبة بانتفاء الموضوع، و القضية المشكوكة إن صدقت صادقة بعد وجود الموضوع و الاتصاف بعدم المحمول. فثبت أنّه لا أصل مفيد إذا كان النزاع في المسألة الأُصولية.

الاصل في المسألة الفقهية

و اما جريان الاصل في المسألة الفقهية، ففي المعاملات يجري أصالة الفساد - أي عدم ترتب المسبب أعني الأثر المقصود من المعاملة، لوجود الحالة السابقة له، بخلاف الأسباب بأن شك في صحّة البيع وقت النداء، إذ لا حالة سابقة لها، و لذا لا يجري فيها الأصل، لأنّ مقتضى صحّة البيع مثلاً انتقال المبيع من ملك البائع إلى ملك المشتري و الثمن على العكس، فالأصل عدم حصول النقل و الانتقال، و بقاء كل من المالين على ملك مالكه، إلّا إذا كان هناك إطلاق أو عموم يدل على صحتها، فلا يجري الأصل حينئذ، لحكومتهما على أصالة عدم ترتب الأثر.

ص: 122

و في العبادات فالأصل هو الفساد، لأنّ تعلّق النهي مانع عن تعلّق الأمر لامتناع اجتماع الأمر و النهي في شي ء واحد، فصوم يوم الفطر إذا كان منهيّاً عنه يمتنع أن يتعلّق به الأمر, و المراد من أصالة الفساد هو قاعدة الاشتغال، حيث ان الشك في فراغ الذّمّة- بعد القطع باشتغالها بالتكليف- يوجب لزوم تحصيل اليقين بالفراغ، كما لا يخفى. هذا حاصل ما افاده المحقّق الخراساني.

كلام المحقّق الأصفهاني

و أورد عليه المحقّق الاصفهاني بما حاصله: انّه لو كان ملاك الصحّة، هو الأمر، فالعبادة باطلة قطعاً بلا شكّ لعدم الأمر؛ و لو كان ملاك الصحة هو وجود الملاك فهو صحيح قطعاً لكونه واجداً للملاك، و لو طرأ الشكّ في الصحة لأجل إمكان التقرّب مع المبغوضية و عدمه فلا أصل يعيّن أحد الطرفين(1).

و فيه: انّ وجود الملاک لا يکفي في الصحّة, و القول بأنّ الملاک قطعي الثبوت غير تام ايضا، کما إذا كان الشكّ معلولاً لأجل النهي عن الجزء كقوله لا تقرأ العزائم في الصلاة، أو الوصف كالنهي عن الصلاة متكتفاً، فالقول بأنّ الملاك قطعي غير صحيح، لاحتمال أن تكون الصلاة مقيّدة بغير العزائم و التكتّف، و عندئذ يكون الملاك أيضاً مشكوكاً, و حتی لو كان الشكّ في الصحّة لأجل ابتلاء العبادة بالمزاحم كابتلاء الصلاة بإزالة النجاسة عن المسجد، فلا علمنا لنا بوجود الملاك ايضا نعم علی القول بالترتب فالامر الترتبي موجود فضلا عن الملاک.

ص: 123


1- نهاية الدراية: 310/ 1.

و اما قوله: «لو طرأ الشكّ في الصحة لأجل إمكان التقرّب مع المبغوضية و عدمه فلا أصل» فليس بصحيح لوجود الأصل و هو انّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، فليس للمكلّف الاكتفاء بالصلاة مع سور العزائم أو التكتّف لاحتمال مانعيتها، فيجب عليه الإعادة أخذاً بقاعدة الاشتغال.

كلام المحقّق النائيني

فصّل المحقّق النائيني بين ما إذا كان الشكّ في صحتها و فسادها لأجل شبهة موضوعية، كما إذا شكّ في أنّه ركع أو سجد في الركعة الأُولى أو لا؟ فمقتضى القاعدة الأُولى فسادها مع قطع النظر عن القاعدة الثانية (قاعدة الفراغ و التجاوز), و أمّا إذا كان لأجل شبهة حكمية، فالحكم بالصحّة و الفساد عند الشكّيبتني على الخلاف في جريان البراءة أو الاشتغال عند الشكّ في الجزئية أو الشرطية أو المانعية.

و إن شئت قلت: الشكّ في اقتضاء النهي للفساد يستتبع الشكّ في مانعية المنهي عنه عن العبادة و عدمها و يندرج في مسألة الأقل و الأكثر(1).

و فيه: بأنّ كلا القسمين خارجان عن المقام، أمّا إذا كانت الشبهة موضوعية فلا نهي هناك حتّى يدخل في الموضوع، فمن شكّ أنّه ركع أو سجد لا نهي هنا قطعاً حتّى يبحث في دلالته، و أمّا إذا كانت الشبهة حكمية فالشكّ في الصحة و إن كان ناشئاً من الشكّ في مانعية التكتّف أو لبس خاتم الذهب مثلا، فهو راجع الی مبحث الشكّ في المانعية الذي يبحث عنه في باب الاشتغال, و عليه فهو خارج عن البحث في المقام، لانّ البحث هنا

ص: 124


1- أجود التقريرات: 394/ 1.

في دلالة النهي على الفساد و عدمها، و إرجاع البحث إلى الشكّ في المانعية و إدخاله في مبحث الأقل و الأكثر الارتباطيين خروج عن موضوع البحث.

كلام للمحقّق الحائري

فرّق العلّامة الحائري رحمه الله بين كون النزاع لفظياً و كونه عقلياً، إذ على الأوّل يرجع الشكّ إلى تقييد دليل العبادة بغير الخصوصية كالتختّم بالذهب و التكتّف، و معه إمّا تجري البراءة أو الاشتغال على الخلاف، بخلاف ما إذا كان عقلياً، و إنّما الشكّ في القرب المعتبر في العبادات هل يحصل بإيجاد العمل في ضمن فرد محرّم، أو لا و الأصل الاشتغال حتّى يحصل القطع(1).

اقول: لا کلام في ما ذكره في الشق الثاني انما الإشكال على الشقّ الأوّل حيث أرجع البحث في المقام إلى الشكّ في تقييد العبادة بغير الخصوصية کالتكتّف مثلًا, و قد عرفت أنّ هذا خروج عن موضوع البحث، و ان البحث يدور مدار على كون النهي مانعاً عن الصحّة أم لا، لا كون النهي سبباً للشكّ في تقييد المأمور به بعدم المنهي عنه.

و المتحصل انّ الأصل في العبادات المنهي عنها هو الفساد، إذ الشكّ في الصحّة يلازم الشكّ في حصول البراءة اليقينية، و معه تجب الإعادة و القضاء.

ص: 125


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 308

التاسع: في أقسام تعلّق النهي بالعبادة

قال في الکفاية: «أن متعلق النهي إما أن يكون نفس العبادة أو جزءها أو شرطها الخارج عنها أو وصفها الملازم لها كالجهر و الإخفات للقراءة أو وصفها الغير الملازم كالغصبية لأكوان الصلاة المنفكة عنها»(1).

حکم تعلّق النهي بالجزء

ثم قال: «لا ريب في دخول القسم الأول في محل النزاع و كذا القسم الثاني بلحاظ أن جزء العبادة عبادة إلّا أن بطلان الجزء لا يوجب بطلانها إلّا مع الاقتصار عليه لا مع الإتيان بغيره مما لا نهي عنه إلّا أن يستلزم محذورا آخر»(2).

و توضيحه: انه إذا تعلّق النهي بالجزء كالنهي عن قراءة سور العزائم في الصلاة، کما في معتبر زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: «لا تقرأ في المكتوبة بشي ء من العزائم»(3), فيری صاحب الکفاية أن جزء العبادة كتمامها عبادة، إذ ليس الكل الّا نفس الاجزاء، فكل جزء من المركب العبادي عبادة، و النهي عنه نهي عن العبادة، الّا ان النهي عنه لا يقتضي إلّا فساد ذلك الجزء، و لا يقتضي فساد أصل العبادة إلّا إذا اقتصر على ذلك الجزء الفاسد، فان الاقتصار عليه يوجب بطلان أصل العبادة لأجل النقيصة العمدية، لا لأجل اقتضاء

ص: 126


1- كفاية الأصول، ص: 184
2- كفاية الأصول، ص: 185
3- الوسائل: 4، الباب 40 من أبواب القراءة في الصلاة، ح1؛ قلت: الحديث و ان ذکر مثالا للبحث الّا ان ذيل الحديث و هو: «فانّ السجود زيادة في المكتوبة» قرينة علی ان النهي للارشاد الی ان زيادة السجود في صلاة الفريضة موجب لبطلانها, و عليه فالنهي خارج عن موضوع بحثنا.

النهي عن الجزء فساد الكل، كما هو مقتضی النهي عن نفس الكل, و کذا إذا استلزم الإتيان بجزء آخر، محذوراً كالقران بين السورتين و قد نهي عنه، فروى الصدوق عن أبي جعفر علیه السلام أنّه قال: «لا قران بين السورتين في ركعة»(1).

ايراد المحقق النائيني

و اورد المحقّق النائيني على المحقّق الخراساني وجوهاً ثلاثةً, و حاصل الوجوه: انّ النهي عن الجزء، مبطل للجزء و الكلّ، أي العبادة، و إليك الوجوه:

الأوّل: انّ النهي عن الجزء يوجب تقييد العبادة بما عدا ذلك الجزء، و تكون نسبة العبادة إلى ذلك الجزء المنهي عنه «بشرط لا» لا محالة، و اعتبار العبادة «بشرط لا» بالنسبة إلى شي ء، يقتضي فساد العبادة المشتملة على ذلك الشي ء لعدم كون الواجد من أفراد المأمور به، بل المأمور به غيره، فالآتي بالمنهي عنه غير آت بالمأمور به.

الثاني: انّه يعد زيادة في الفريضة فتبطل الصلاة بسبب الزيادة العمدية المعتبر عدمها في صحتها، و لا يعتبر في تحقّق الزيادة قصد الجزئية إذا كان المأتي به من جنس إجزاء العمل، نعم يعتبر قصد الجزئية في صدقها إذا كان المأتي به من غير جنسه.

الثالث: انّه تعمّه أدلّة مبطلية مطلق التكلّم من غير تقييد بكلام الآدمي، و القدر الخارج عن هذا الإطلاق هو التكلّم بالقرآن و الذكر الجائزين، و يبقى الذكر و القرآن المنهي عنهما داخلين تحت الإطلاق(2).

ص: 127


1- الوسائل: 4، الباب 8 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث 12.
2- أجود التقريرات: 397/ 1؛ فوائد الأصول: 465/ 1

و الوجوه الثلاثة تهدف إلى أنّ بطلان الجزء موجب لبطلان الكلّ أي نفس العبادة، فتارة من جهة فقدان وصف الصلاة، أي اللابشرط، و أُخرى من جهة الزيادة، و ثالثة من جهة كونه تكلّماً غير جائز.

و يرد على الأوّل: أنّ حرمة جزء العبادة ليست إلّا بمعنى حرمته في نفسه، و حرمته كذلك تقتضي بطلانه و عدم حصول الامتثال به، و أمّا تقييد العبادة بعدمه، و كون نسبتها إليه، على نحو» لا بشرط «فهو ممّا لا تدلّ عليه حرمة الجزء.

و إن شئت قلت: قولنا: «جزء العبادة» تعبير مسامحي، فانّ الروايات الناهية عن قراءة سور العزائم في المكتوبة سلبت عنها وصف الجزئية، و صارت قراءتها فيها، كالنظر إلى الأجنبيّة في حال الصلاة، فكما أنّ الثاني، لا يبطل العبادة فهكذا قراءة العزائم، و كون السورة المنهيّة من جنس سائر الأجزاء دون النظر لا يكون فارقاً، بعد سلب عنوان الجزئية عنها بقوله» لا تقرأ في المكتوبة بشي ء من العزائم ».

و بطلان ما من شأنه ان يکون جزءاً في نفسه، يلازم بطلان العبادة إذا اقتصر عليه، و أمّا إذا قرأ سورة أُخرى، كانت الصلاة واجدة للجزء لو لا المحذور الآخر، أعني: القران بين السورتين المنهي عنه كما مرّ.

و يرد على الثاني: المفروض انّ المصلّي عالم بالحكم، و انّ الشارع سلب عن العزائم عنوان الجزئية فيمتنع أن يقرأها بقصد الجزئية، و إنّما يقرأها بعنوان انّه قرآن، فعندئذ كيف يكون سبباً للزيادة مع عدم قصد الجزئية؟ و التفريق بين ما كان من سنخ العبادة و غيرها باشتراط قصدها في الثاني دون الأوّل لا دليل عليه، و ذلك للفرق الواضح بين كون شي ء جزءاً تكوينياً و كونه جزءاً اعتباريّاً، فلو زاد في المركب الخارجي شيئاً عن سهو، صدق انّه زاد فيه سواء قصد الجزئية أم لا، و بين كونه جزءاً اعتبارياً للمركب الاعتباري

ص: 128

الذي هو في الحقيقة أُمور مختلفة، متفرقة، من مقولات متشتّة، يجمعها عنوان اعتباري آخر كالصلاة، ففي مثلها، تكون جزئية الشي ء رهن القصد و الاعتبار فلا يصدق انّه زاد في صلاته إلّا إذا أتى بالجزء بما انّه جزء منه، و المفروض خلافه. نعم لو أتى بالجزء بما انّه جزء للصلاة و انّه لا فرق بين العزائم و غيرها صدقت زيادة الجزء.

فإن قلت: إنّ الإمام علیه السلام عدّ السجود لأجل قراءة العزائم زيادة في المكتوبة كما في معتبر زرارة المتقدم، مع أنّه لم يقصد كونه جزءاً من الصلاة، و هذا دالّ على التفصيل بين ما يكون من جنس المزيد عليه و ما ليس كذلك.

قلت: قد تقدم ان النهي في معتبر زرارة للارشاد الی ان زيادة السجود في صلاة الفريضة موجب لبطلانها بقرينة قوله: «فانّ السجود زيادة في المكتوبة», و عليه فالنهي خارج عن موضوع بحثنا.

و اورد على الثالث، انّ المحرّم هو التكلّم بكلام الآدميين لا مطلق التكلّم حتّى يخصص بالقرآن و الذكر الجائزين و يبقى القرآن و الذكر المحرّمين تحته، ويدلّ على ذلك لسان الروايات, فروى أبو بصير عن الصادق علیه السلام: ان تكلمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد الصلاة(1)«(2).

ص: 129


1- الوسائل: 4، الباب 25 من أبواب القواطع، ح: 1 و 2 و 4 ؛ و مثله صحيح الفضيل بن يسارٍ قال: قلت لأبي جعفرٍ علیه السلام أكون في الصّلاة فأجد غمزاً في بطني أو أذًى أو ضرباناً فقال انصرف ثمّ توضّأ و ابنِ على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصّلاة بالكلام متعمّدا. تهذيب الأحكام (تحقيق الخرسان) ج 2 ص 332.
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 313

و فيه: ان قوله علیه السلام «ان تکلمت..» و ان کان منصرفا الی كلام الآدميين الّا ان المفهوم منه عرفا الکلام الخارج عن الصلاة کما هو سياق الخبر «او صرفت وجهک عن القبلة» فيشمل القرآن و الذكر المحرّمين, و عليه فالايراد وارد .

حکم تعلّق النهي بالشرط

إذا تعلّق النهي بالشرط كالتستر بالحرير فهل يوجب فساد العبادة أم لا؟

ذهب المحقّق الخراساني إلى التفصيل بين أن يكون الشرط عبادة، كالطهارات الثلاث فانّ فسادها يوجب فساد المشروط، و ما لا يكون عبادة كالتستر فانّ النهي يجتمع مع الصحة لعدم لزوم قصد القربة حتّى لا تجتمع مع الحرمة فقال في الکفاية: «و أما القسم الثالث فلا يكون حرمة الشرط و النهي عنه موجبا لفساد العبادة إلّا في ما كان عبادة كي تكون حرمته موجبة لفساده المستلزم لفساد المشروط به, و بالجملة لا يكاد يكون النهي عن الشرط موجبا لفساد العبادة المشروطة به لو لم يكن موجبا لفساده كما إذا كانت عبادة»(1).

و حاصله: أن الشرط على قسمين: أحدهما: أن يكون عبادة كالوضوء.

و الآخر: أن يكون توصلياً، كتطهير البدن و الثوب عن النجاسة.

أما القسم الأول كالنهي عن الوضوء بالماء المغصوب، فالنهي عنه يوجب بطلان الشرط المستلزم لبطلان المشروط، فلو صلى بهذا الوضوء بطلت صلاته لانتفاء شرطها و هو الوضوء.

ص: 130


1- كفاية الأصول، ص: 185

و أما القسم الثاني كالنهي عن إزالة النجاسة عن الثوب و البدن بالماء المغصوب فالنهي عنه لا يوجب الفساد، فلو طهر بدنه أو ثوبه بالماء المغصوب لا تبطل صلاته، إذ الشرط خارج عن المشروط، و ليس عبادة حتى يسري بطلانه إلى المشروط.

و اجيب: بأنّ الشرط غير العبادي إذا كان متقدّماً على المشروط صح ما ذكره كغسل الثوب النجس بالماء المغصوب، و الصلاة فيه بعد جفافه و أمّا إذا كان الشرط مقارناً مع الصلاة كالتستر، فانّ النهي عنه كاشف عن مبغوضيته و عدم إمكان التقرّب بالصلاة المتّحدة مع الشرط المبغوض, فان ذات القيد أي الثوب و إن كان خارجاً عن الصلاة، لكن التقيّد داخل فيها، فالأمر يتعلّق بالصلاة التي تكون العورة فيها مستورة، فإذا كان الشرط أي التستّر محرماً، يمتنع تعلّق الأمر الصلاتي به(1) .

و فيه: ان ما ذکره صاحب الايراد يرجع الی ان تقيّد الصلاة بالتستر باللباس المحلل شرط تعبدي لا توصلي, و عليه فالايراد غير وارد.

فإن قلت: ما الفرق بين الجزء و الشرط حيث إنّ بطلان الجزء بما هو هو لا يوجب بطلان الكل، بخلاف الشرط فانّ محرميّة الشرط أي التستّر, توجب بطلان العبادة؟

قلت: الفرق واضح فانّه ليس للجزء المنهي أيُّ دور في قوام الصلاة و انّما هو فعل زائد في الصلاة موصوف بالحرمة، بمعنى أنّه لا يسري بطلانه إلى الكلّ إذا استدركه بإتيان فرد منه غير ممنوع، بخلاف الشرط فانّ له دوراً في الصلاة، لأنّه من توابع الصلاة و مكمّلاً لها حيث لا تصحّ الصلاة بلا تستر.

ص: 131


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 313

حکم تعلّق النهي بالوصف اللازم

إذا تعلّق النهي بالوصف اللازم كالجهر بالقراءة في الصلوات النهارية، فهل يدلّ على فساد القراءة أم لا؟

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ النهي عن الوصف اللازم مساوق للنهي عن القراءة لامتناع كون القراءة التي يجهر بها مأموراً بها مع كون الجهر بها منهيّاً عنه فعلاً فقال: «و أما القسم الرابع فالنهي عن الوصف اللازم مساوق للنهي عن موصوفه فيكون النهي عن الجهر في القراءة مثلا مساوقا للنهي عنها لاستحالةكون القراءة التي يجهر بها مأمورا بها مع كون الجهر بها منهيا عنه فعلا كما لا يخفى»(1), و حاصله: أن النهي عن الوصف المتحد كالجهر بالقراءة نهي عن العبادة، لاتحاده معها، و عدم المغايرة بينهما وجوداً، فالنهي عن الوصف لا ينفك عن النهي عن الموصوف الّذي هو عبادة بالفرض، فالنهي في هذا القسم يندرج في النهي عن جزء العبادة فيلحقه حكمه، فالمنهي عنه حقيقة هو الموصوف و ذلک لأن الاتحاد الوجوديّ بين القراءة و الجهر يوجب امتناع كونها مأموراً بها مع تعلق النهي بالجهر بها فعلا، لاستلزام ذلك اجتماع الحكمين المتضادين في واحد وجوداً، لانّ التحريم يتعلّق بما هو مصداق الجهر خارجاً، و المفروض انّه متّحد وجوداً مع القراءة لان وجوب القراءة يتعلّق بما هو المصداق خارجاً حسب مبناه ، و عليه فلو تعلّق الأمر بها، لزم أن يتعلّق بنفس ما تعلّق به النهي لاتحادهما في الخارج و هو محال، و لازم ذلك خروج القراءة عن تحت الأمر فيكون ما أتى به غير مأمور به، و ما هو المأمور به، غير مأتي به, و هذا هو الوجه في فساد القراءة عند المحقّق الخراساني لا ما ذكره بعض الشرّاح

ص: 132


1- كفاية الأصول، ص: 185

من أنّه لا يمكن عند العقل أن يكون أحد المتلازمين واجباً و الآخر حراماً, و ذلک لان تفسير الوصف اللازم بما لا ينفك عن الملزوم، كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة، تفسير خاطئ و ذلک:

اولا: انّ الجهر ليس من اللوازم غير المنفكّة، لإمكان القراءة بالمخافتة.

و ثانيا: لو كان الوصف ممّا لا ينفك، يمتنع تعلّق الوجوب بالملزوم و الحرمة باللازم لاستلزامه طلب الضدّين و لذلك قيل بأنّ اللّازم و إن كان لا يجب أن يكون محكوماً بحكم الملزوم لكن يجب أن لا يكون محكوماً بحكم يضادّ حكم الملزوم كما في المقام.

بل المراد من اللازم ما لا يمكن سلبه مع بقاء موصوفه، و في المقام تنعدم القراءة الشخصية مع انعدام وصفها، نعم يمكن إيجاد قراءة أُخرى في ضمن صنف آخر.

و إن شئت قلت: أن لا يكون للموصوف وجود مغاير للوصف حيث إنّ الجهر من كيفيّات القراءة و خصوصياتها.

و فيه: ان الظاهر عدم اقتضاء النهي الفساد، لما تقدم من أنّ متعلّق الأحكام من الوجوب و الحرمة هي العناوين من حيث يراد تحقيقها، و المصاديق ليست متعلّقة للأحكام، و إنّما هي مصاديق لما هو الواجب، و القراءة و الجهر من المفاهيمالمختلفة فلا يسري الحكم المتعلّق بالجهر إلى القراءة, و عليه فلم تحصل القراءة الواجبة بالقراءة الجهرية فلو اتی بالقراءة الواجبة - الاخفاتية - صحت صلاته و الّا بطلت لانه لم يأتِ بالواجب, هذا ما تقتضيه القاعدة لو لم يکن دليل خاص.

و اما القول بامتناع التقرّب بهذه القراءة المنهي عنها، أو استلزام النهي كون القراءة فاقدة لوصفها الشرعي، أعني: المخافتة، فصحيح لو اکتفی بهذه القراءة.

ص: 133

حکم تعلّق النهي بالوصف المفارق

قال في الکفاية: «و هذا بخلاف ما إذا كان مفارقا كما في القسم الخامس فإن النهي عنه لا يسري إلى الموصوف إلّا فيما إذا اتحد معه وجودا بناء على امتناع الاجتماع و أما بناء على الجواز فلا يسري إليه كما عرفت في المسألة السابقة هذا حال النهي المتعلق بالجزء أو الشرط أو الوصف»(1), فانه إذا تعلّق النهي بالوصف المفارق، كالغصب بالنسبة إلى الصلاة حيث إنّ الصلاة عبارة عن الأذكار و الأفعال، و الغصب، هو الاستيلاء على مال الغير عدواناً، و هما في الخارج حقيقتان مختلفتان، فعدم استلزام النهي فساد الموصوف واضح لا يحتاج إلى البيان، و أمّا فسادها لأجل عدم حصول بعض ما يشترط في الصلاة فهو خارج عن محط البحث.

حکم النهي عن العبادة لأجل أحد الأمور المتقدمة

قال في الکفاية: «و أما النهي عن العبادة لأجل أحد هذه الأمور فحاله حال النهي عن أحدها إن كان من قبيل الوصف بحال المتعلق و بعبارة أخرى كان النهي عنها بالعرض و إن كان النهي عنها على نحو الحقيقة و الوصف بحاله و إن كان بواسطة أحدها إلّا أنه من قبيل الواسطة في الثبوت لا العروض كان حاله حال النهي في القسم الأول فلا تغفل»(2).

ص: 134


1- كفاية الأصول، ص: 185
2- كفاية الأصول، ص: 185

و حاصله أن النهي عن العبادة لأجل الجزء أو الشرط أو الوصف يتصور على وجهين: أحدهما: أن تكون هذه الأمور واسطة في العروض، كقولك جرى الميزاب، فإنّ جريان الماء واسطة لنسبته إلى الميزاب، فلا يكون ذو الواسطة (الميزاب)موصوفاً حقيقة بالجريان و إنّما ينسب إليه مجازاً و بالعرض، بإعطاء حكم الحالّ للمحلّ فيكون متعلق النهي حقيقة نفس هذه الأمور، و يكون النهي عن العبادة بالعناية و المجاز، كالنهي عن قراءة العزائم في الصلاة، و عن الجهر بالقراءة في الظهرين، و عن الغصب في الصلاة و الطواف و السعي و التقصير، فان النهي تعلق حقيقة عن الغصب في الصلاة، و عن غصب الثوب في حال الطواف و السعي، و عن غصب المقراض للتقصير.

ثانيهما: أن تكون هذه الأمور واسطة في الثبوت كوساطة النار لعروض الحرارة على الماء، يكون ذو الواسطة (الماء) موصوفاً بالحرارة حقيقة، لا مجازاً، فيكون النهي المتولّد من هذه النواهي نهياً حقيقياً متعلّقاً حقيقةً بنفس العبادة لأجل تلك الأمور، فالمنهي عنه نفس العبادة.

فان كان النهي من قبيل الأول، بأن تعلق حقيقة بنفس هذه الأمور، فقد تقدم حكمه. و انه لا يكون ذو الواسطة (الميزاب) موصوفاً حقيقة بالجريان و إنّما ينسب إليه مجازاً و بالعرض، بإعطاء حكم الحالّ للمحلّ، فيكون النهي الناجم من هذه النواهي، المتعلّق بنفس العبادة، نهياً مجازيّاً لا حقيقياً، فلا يزيد حكمه على حكم الواسطة.

و ان كان من قبيل الثاني كان حكمه ما تقدم من تعلق النهي بنفس العبادة حقيقة فيكون النهي المتولّد من هذه النواهي نهياً حقيقياً متعلّقاً بالعبادة مباشرة فيدخل في قسم النهي عن ذات العبادة الذي سياتي بيانه.

و اما استظهار أحد النحوين فمنوط بخصوصيات الموارد.

ص: 135

إذا عرفت ذلك فلنعد إلى ما هو المقصود من عقد هذا الفصل، أعني:

1. تعلّق النهي بنفس العبادة.

2. تعلّق النهي بنفس المعاملة.

فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: حکم تعلّق النهي بالعبادة

إذا تعلّق النهي بالعبادة، فهو إمّا مولوي، و إمّا إرشادي. و المولوي إمّا ذاتي أو تشريعي، فتصير الأقسام ثلاثة، و إليك بيان أحكامها:

الأول: النهي التحريمي المولوي الذاتي

قال في الکفاية: «إن النهي المتعلق بالعبادة بنفسها و لو كانت جزء عبادة بما هو عبادة كما عرفت مقتض لفسادها لدلالته على حرمتها ذاتا و لا يكاد يمكن اجتماع الصحة بمعنى موافقة الأمر أو الشريعة مع الحرمة و كذا بمعنى سقوط الإعادة فإنه مترتب على إتيانها بقصد القربة و كانت مما يصلح لأن يتقرب به و مع الحرمة لا تكاد تصلح لذلك و يتأتى قصدها من الملتفت إلى حرمتها كما لا يخفى»(1), و توضيحه: أن النهي المتعلق بالعبادة سواء كان المنهي عنه عبادة مستقلة كصلاة الحائض فيما ورد من قوله صلى الله

ص: 136


1- كفاية الأصول، ص: 186

عليه و آله و سلم: «دعي الصلاة أيّام حيضک»(1), و صوم يوم الفطر فيما ورد من قوله علیه السلام: «نهى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) عن صيام ستة أيام يوم الفطر، و يوم النحر ...»(2), أم جزء لها كقوله: «لا تقرأ العزائم في الصلاة» أم شرطاً لها كقوله: «لا تتوضأ بالماء المغصوب» يقتضي الفساد، فان العبادة بوصف كونها عبادة, لا فرق في فسادها بالنهي المتعلق بها بين هذه الأقسام الثلاثة، لوجود ملاك الفساد- و هو دلالة النهي بطبعه مجرداً عن القرينة على الحرمة الذاتيّة الملازمة للفساد- في العبادات، و ذلک لامتناع اجتماع الصحة عند المتكلم و الفقيه مع النهي الدال على الحرمة الذاتيّة. أما عند المتكلم فلأنه مع الحرمة لا أمر حتى يتحقق موافقة الأمر أو الشريعة، ضرورة أن الإتيان بالحرام الذاتي معصية، و معها كيف يكون المنهي عنه موافقاً للأمر أو الشريعة ، فلا محالة يكون النهي رافعاً للأمر، فيفسد المنهي عنه سواء كان نفس العبادة أم جزئها أم شرطها، غاية الأمر أن سراية فساد الجزء أو الشرط إلى نفس العبادة منوطة بالاكتفاء به، و عدم تداركه على ما سبق.

و أما عند الفقيه، فلإناطة الصحة عنده بأمرين:

أحدهما: إتيان العمل بقصد القربة، إذ بدونه لا تصح العبادة حتى تسقط الإعادة. ثانيهما: كونه صالحاً لأن يقرب العبد إلى مولاه، فان لم يكن كذلك- كما إذا كانحراماً - فلا يکون مسقطا للإعادة و ان فرض تمشي قصد القربة منه کما اذا لم يکن ملتفتا إلى حرمته. ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أورد على نفسه إشكالاً, حاصله: أن النهي لا يدل على الفساد إلّا إذا دل على الحرمة الذاتيّة، و المفروض عدم دلالته على ذلك، لامتناع اتصاف العبادة

ص: 137


1- مسند أحمد: 42/ 6 و 262.
2- الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب الصوم المحرم، الحديث 4.

بالحرمة الذاتيّة، لأنه ان أتى بالعمل بدون قصد القربة كصلاة الحائض لتمرين الصبي فلا يتصف بالحرمة، لأن المحرم هو العبادة التي تتقوم بقصد القربة، و بدون قصدها لا يكون العمل عبادة حتى تفسد بحرمتها الناشئة عن النهي.

و ان أتى بالعمل مع قصد القربة كان مشرِّعاً، إذ لا أمر به مع حرمته، فلا يقدر على نية القربة الّا بتشريع أمر ليقصد التقرب به، و حينئذ يحرم العمل للتشريع، و مع هذه الحرمة التشريعية يمتنع اتصافه بالحرمة الذاتيّة، لاجتماع المثلين و هو مستحيل و بالنتيجة يصبح النهي تشريعيّاً لا ذاتياً و الكلام في النهي الذاتي.

فالمتحصل: أن النهي عن العبادة لما لم يدل على الحرمة الذاتيّة، لامتناع اتصاف العبادة بها، فلم يدل على الفساد أيضا، فكيف يمكن الالتزام بدلالته على فساد العبادة كما التزموا بها.

و فيه اولا: انه مع اتصاف الفعل بالحرمة التشريعية لا يمتنع اتصافه بالحرمة الذاتيّة، لاستحالة اجتماع المثلين فان استحالة اجتماع المثلين انما هي في عالم التکوين لا التشريع.

ثانيا: و اما قوله «أن النهي عن العبادة لما لم يدل على الحرمة الذاتيّة لم يدل على الفساد أيضا» ففيه: انه سالبة بانتفاء الموضوع لا انه لا يدل علی الفساد.

ثالثا: إنّ النهي في هذه الموارد و ما شابهها ليس نهياً ذاتيّاً كالنهي عن الخمر و القمار كما يدّعيه المحقّق الخراساني، و لا نهياً تشريعيّاً كما يدّعيه المستشكل، بل النهي في هذه الموارد إرشادي إلى فساد العبادة و عدم تحقّقها و الذي يدلّ على ذلك هو فهم العرف في امثال هذه الموارد.

ص: 138

مثلًا إذا كان العنوان موضوعاً لحكم و لم يكن العنوان مطلوباً بالذات و إنّما أمر به لأجل مصالح تترتّب عليه، غير أنّ المأمور جاهل بتركيب العنوان و أجزائه و شرائطه و موانعه، فعندئذ كلّما يصدر من الآمر أمر أو نهي فكلّها تحمل على الإرشاد إلى أجزاء الموضوع و شرائطه و موانعه، فإذا قيل: «دع الصلاة أيّام حيضک» فهو إرشاد إلى أنّ الحيض مانع عن صحّة الصلاة فلا يحصل ما هو المطلوب.

جواب المحقّق الخراساني

ثمّ ان المحقّق الخراساني اجاب عن الإشكال بوجوه أربعة نذکر ملخصها:

الوجه الاول: نختار الشق الأوّل و انّه يأتي بالعمل بدون قصد القربة فلا يکون عبادة بالفعل لکنه من شأنه ان يکون عبادة، أعني: لو تعلّق الأمر بالفعل لکان عبادة و إن لم يتعلّق به الأمر الفعلي كصوم يوم العيدين فانّه لو تعلّق به الأمر لکان عبادة فالإتيان به و الحال هذه حرام ذاتي، فسقط قول المعترض من أنّه بدون قصد القربة ليس بحرام.

و فيه: انه مصادرة علی المطلوب فباي دليل يکون حراما ذاتيا؟ مضافا الی ان المراد من عنوان البحث، أعني قولهم: «هل النهي عن العبادة يدلّ على الفساد أم لا» هو العبادة الفعلية لا الشأنية.

الوجه الثاني: نختار الشق الثاني أي كون متعلّق النهي العبادة الفعلية و لكنّها ليست رهن أمر فعلي، بل ربّما تكون عبادة ذاتية كما في نهي الحائض عن السجود للّه فتكون عبادة محرّمة ذاتاً بلا حاجة إلى الأمر.

و فيه: أنّه مبنيٌّ على وجود العبادة الذاتية كالسجود للّه، و قد تقدم ضعفها.

ص: 139

الوجه الثالث: نمنع ما قاله من أنّه: إذا قصد الأمر التشريعي يصير حراماً تشريعيّاً و يمتنع تعلّق النهي الذاتي به لاستلزامه اجتماع المثلين، و ذلك لاختلاف متعلّق الحرمتين، لأنّ النهي الذاتي تعلّق بذات الفعل و الحرمة التشريعية تتعلّق بعقد القلب بأنّه ممّا أمر به الشارع مع أنّه لم يأمر به.

و اجيب: أنّ تصوير النهيين: الذاتي و التشريعي و القول باختلاف متعلّقها صحيح على القول بإمكان التشريع وراء البدعة، و أمّا على ما حقّقناه من امتناع التشريع بالمعنى الرائج عند العلماء و هو عقد القلب بوجوب شي ء يعلم بعدم وجوبه شرعاً، فهو غير متصوّر. إذ كيف يتأتّى عقد القلب بما يعلم خلافه؟! نعم الذي يتصوّر هو البدعة، و هو القيام العملي بنشر البدع بين الناس و القول بأنّها من الشارع، و هو غير التشريع(1).

و فيه اولا: ان قوله «من عدم امکان تصور التشريع بالمعنى الرائج عند العلماء و هو عقد القلب بوجوب شي ء يعلم بعدم وجوبه شرعاً لانه يعلم خلافه» خلاف الواقع فان اهل التعصب و العناد يفعلونه بکامل الفخر و الاعتزاز و هم ليسواباقل ممن قال الله تعالی بحقهم ﴿و جحدوها و استيقنتها انفسهم﴾ و عليه فالتشريع متصور و ان لم يرجع الی البدعة.

ثانيا: ان التشريع من مصاديق البدعة لانها ادخال في الدين ما ليس فيه و هو من ابرز مصاديقها نعم البدعة اعم من التشريع لانها تشمل کل احداث في الدين و لو لم يقصد فيه التشريع کما ابتدع الثاني التکتف تعظيما لله جل و علا لانه رأی بعض الاعاجم هکذا يعظمون ملوکهم فامر بهذه البدعة. و عليه فالتشريع و البدعة هنا شيء واحد و لازمه عدم صحة کلام المحقق الخراساني من «اختلاف متعلّق الحرمتين، لأنّ النهي الذاتي تعلّق

ص: 140


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 320

بذات الفعل و الحرمة التشريعية تتعلّق بعقد القلب بأنّه ممّا أمر به الشارع مع أنّه لم يأمر به» و ذلک لان الحرمة التشريعية متعلقة بذات الفعل ايضا.

الوجه الرابع: نفترض أنّ النهي ليس ذاتياً بل نهي تشريعي فيكون دالاً على الفساد و لا أقلّ يدلّ على أنّها ليست بمأمور بها و ان عمّها إطلاق دليل الأمر أو عمومه ... فيخصص به (النهي) أو يقيد(1).

و فيه: انه عدول عن القول بالحرمة الذاتية و تسليم للقول بالحرمة التشريعية.

الثاني: النهي المولوي التشريعي

إذا أوجب الإنسان على نفسه شيئاً لم يوجبه الشرع أو حرّم عليها ما لم يُحرّمه فأتى به أو تركه بنيّة أمره و نهيه، يكون الفعل و الترك حراماً تشريعياً لا ذاتياً، فالفعل و الترك ربّما لا يكون واجباً و لا حراماً بالذات، لكن ادّعاء تعلّق الأمر أو النهي به شرعاً، يصيِّره حراماً تشريعياً، و يحكم عليه بالفساد، سواء أقلنا بأنّ الصحة رهن الأمر، فالمفروض انّه لا أمر له و إلّا لم يكن حراماً تشريعاً أو رهن الملاك و المفروض عدم العلم به، لأنّ الكاشف عنه هو الأمر و المفروض عدمه.

لکن صاحب الکفاية استثنی مما تقدم موردا فقال: «نعم لو لم يكن النهي عنها إلّا عرضا كما إذا نهي عنها فيما كانت ضد الواجب مثلا لا يكون مقتضيا للفساد بناء على عدم اقتضاء الأمر بالشي ء للنهي عن الضد إلا كذلك أي عرضا ف يخصص به أو يقيد»(2), و حاصله: أن ما ذكرناه من دلالة النهي على الفساد لدلالته على الحرمة التشريعية انما هو

ص: 141


1- كفاية الأصول ط ال البيت عليهم السلام ص: 186
2- كفاية الأصول، ص: 186

فيما إذا لم يكن النهي عرضياً، كالنهي عن ضدالواجب كالصلاة المضادة للإزالة بناء على كون النهي عن ضد الواجب عرضياً، حيث ان المنهي عنه حقيقة هو ترك الإزالة مثلا، فالنهي عن الصلاة و نحوها مما يلازم ترك الإزالة يكون عرضياً، لا حقيقياً و النهي العرضي لا يقتضي الفساد، إذ ليس هنا إلّا واجب واحد، و هو الإزالة، و نسبة النهي إلى ضده، أعني: الصلاة، نسبة مجازية.

الثالث: النهي الإرشادي

کما في النواهي المبيّنة، لإجزاء الواجبات و شرائطها و موانعها، فانها نواهي إرشادية إلى بيان الأجزاء و الشرائط و الموانع، و ربما يكون المرشد إليه هو الكراهة كما في النهي عن الصلاة في الحمام، و في البيت و هو جار للمسجد، فانّ المتبادر بعد الإجماع على الصحة هو الإرشاد إلى الكراهة.

و ربّما يكون النهي المتعلّق بالعنوان، إرشاداً إلى كونه فاسداً كما في النهي عن صوم العيدين و غيرهما کما قد تقدم .

تبصرة

لا يخفى أن النهي عن جزء العبادة أو شرطها أو وصفها اللازم كالجهر و الإخفات كالنهي عن نفس العبادة يتصور ثبوتاً على وجوه:

أحدها: كون النهي مولوياً محضاً.

ثانيها: كونه وارداً في مقام توهم وجوب شي ء في العبادة.

ثالثها: كونه وارداً في مقام دفع توهم مشروعية الإتيان بشي ء في العبادة.

ص: 142

رابعها: كونه وارداً في مقام دفع توهم جزئية شي ء في العبادة.

خامسها: كونه وارداً في مقام الإرشاد إلى مانعية المنهي عنه للصلاة، بمعنى كونه منافياً لصحتها. هذه هي الوجوه المتصورة في مقام الثبوت.

و أما مقام الإثبات، فان شك في إرادة أحد هذه الوجوه من النهي، فالضابط في حمل النهي على خلاف ظاهره الأولي- و هو المولوية- أنه ان كان النهي وارداً لبيان دفع توهم وجوب شي ء في العبادة، أو جزئيته لها، أو مشروعيته فيها، فوروده في هذا المقام يوجب ظهوره في نفي الأمر المتوهم.

و ان لم يكن النهي عن الشي ء وارداً في شي ء من هذه المقامات، و كان ناظراً إلى حال المأمور به، كقوله: «لا تأكل» أو «لا تلبس ما لا يؤكل في الصلاة»كان هذا أيضا موجباً لظهوره في الإرشاد إلى المانعية التي هي خلاف ظاهره الأولي و هو المولوية.

فالمتحصل: أن النهي- مع الغض عن القرينة- و ان كان ظاهراً في المولوية إلّا أن وروده في المقامات المزبورة يوجب انقلاب ظهوره في المولوية إلى ظهوره في الإرشاد إلى المانعية، أو عدم الجزئية، أو عدم المشروعية، أو غيرها.

المقام الثاني: حکم تعلق النهي في المعاملات

قال في الکفاية: «و نخبة القول أن النهي الدال على حرمتها لا يقتضي الفساد لعدم الملازمة فيها لغة و لا عرفا بين حرمتها و فسادها أصلا كانت الحرمة متعلقة بنفس المعاملة بما هو فعل بالمباشرة أو بمضمونها بما هو فعل بالتسبيب أو بالتسبب بها إليه و إن لم يكن السبب و لا المسبب بما هو فعل من الأفعال بحرام و إنما يقتضي الفساد فيما إذا كان دالا

ص: 143

على حرمة ما لا يكاد يحرم مع صحتها مثل النهي عن أكل الثمن أو المثمن في بيع أو بيع شي ء»(1), و حاصله: ان هاهنا أقساماً خمسة لا دلالة للنهي فيها على الفساد إلّا في القسم الرابع و الخامس، و هي:

القسم الاول: إذا تعلّق النهي بنفس المعاملة بما هو فعل مباشري، لا بما هو فعل يترتب عليه الملكية مثلا، فلا ينافي هذا النهي ترتب المسبب أعني النقل و الانتقال كالعقد وقت النداء, فلا يلازم الفساد.

و اما ما قيل: ان معنى حرمة السبب يعني ان نفس الإيجاب و القبول بما هما لفظان محرمين، و هذا غير ثابت في المثال، لان المحرم في وقت صلاة الجمعة هو الاشتغال بالأمور الدنيوية المزاحمة للصلاة، و التجارات التي أهمها البيع من تلك الأمور، فلا خصوصية للبيع، بل ذكره انما هو من باب المثال. و على هذا يكون النهي في البيع وقت النداء من باب تعلق النهي بضد الواجب الّذي لا ملاك له الّا مصلحة الواجب، فليس الأمر بالشي ء و النهي عن ضده حكمين مستقلينناشئين عن ملاكين, و عليه فالنهي عن البيع وقت النداء يؤكد الأمر بصلاة الجمعة، فلا نهي حقيقة حتى يحرم به التلفظ بالإيجاب و القبول(2).

ص: 144


1- كفاية الأصول، ص: 187
2- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 286.

ففيه: ان ما استنتجه «من ان ملاک النهي عن البيع هو نفس ملاك له مصلحة الواجب و عليه فلا نهي عن البيع» ليس بصحيح و لم يقل به احد بل النهي هنا يدل علی حرمة البيع حقيقةً نعم العلة في النهي ناشیء من مصلحة الواجب لا انه لا نهي في البين.

القسم الثاني: إذا تعلّق النهي بمضمون المعاملة بما هو فعل بالتسبيب كالنهي عن بيع المصحف من الكافر فالمنهي عنه هو مالكيته المتحققة بالبيع, يعني ان النهي تعلق بالمسبب و هو الملكية، فالمنهي عنه هو جعل إضافة الملكية للكافر عليهما، و النهي انما تعلق بالمعاملة من حيث كونها موجبة لترتب مسبب مبغوض في نفسه كسلطنة الكافر على المصحف و العبد المسلم لا من حيث كونها فعلا مباشريا.

و هذا القسم لا دلالة فيه على الفساد، و اٌستدِل له بأنّ غاية ما يدلّ عليه النهي هو كونه مبغوضاً، و أمّا كونه فاسداً فلا.

و ذهب المحقّق النائيني إلى دلالته على الفساد بالبيان التالي: يشترط في صحّة المعاملة أُمور: منها أن لا يكون محجوراً عن التصرّف فيها من جهة تعلّق حقّ الغير بها أو لغير ذلك من أسباب الحجر لتكون له السلطنة الفعلية على التصرّف فيها.

إذا عرفت ذلك فاعلم إذا تعلّق النهي بالمسبب و بنفس الملكية المنشأة كالنهي عن بيع المصحف، كان النهي معجزاً مولوياً للمكلّف و رافعاً للسلطنة عليه، فلا يكون المكلّف مسلّطاً على المعاملة في حكم الشارع و يترتب على ذلك فسادها. و استشهد على ما رامه بأنّ الفقهاء حكموا بفساد البيع في الموارد التالية لأجل فقدان هذا الشرط أي ما يكون محجوراً عليه عن التصرّف فيها.

1. الإجارة على إنجاز الواجبات المجّانية، لأنّ العمل لوجوبه عليه، خارج عن سلطانه و مملوك للّه.

ص: 145

2. بيع منذور الصدقة فانّ النذر يجعل المكلّف محجوراً عن التصرّف المنافي.

3. شرط حجر المشتري عن بيع خاص كما إذا باع الدار، و شرط على المشتري عدم بيعه من زيد، فيبطل لو باعه، لحجر المكلّف حسب ما التزم في هذا النوع من التصرّف فيترتّب عليه الفساد(1).

و فيه: أنّ شرط صحّة المعاملة عبارة عن عدم كون البائع محجوراً عليه شرعاً كالسفيه، و عدم كون مورد المعاملة متعلّقاً لحقّ الغير كالعين المرهونة التي تعلّق بها حقّ المرتهن، و كأموال المفلّس التي تعلّق بها حقّ الديّان.

و أمّا اشتراط كون التصرّف حلالاً و غير حرام، فلم يقم عليه دليل، فإذا كان التصرّف مبغوضاً، لا لأجل تعلّق حق الغير به، و لا لأجل كون المتصرّف محجوراً، بل لنهي الشارع عن التصرّف كالنهي عن بيع المصحف فلا دليل على كونه شرطاً في الصحّة، نعم هو حرام لكن ليس كلّ حرام باطلاً, و لا دلالة في النهي علی محجورية المنهي بالنسبة الی العمل المنهي عنه و بذلک يظهر ضعف الاستدلال بالموارد التي استشهد بها على مدّعاه کما في فساد الإجارة على الواجبات المجانية لاجل أنّ العمل واجب عليه، خارج عن سلطانه و مملوك للّه, فانه مع غض النظر عن صحة هذا الاستدلال او سقمه, لا علاقة له بالمقام.

و اما بيع المنذور، فهو بيع صحيح ولکنه حرام و ذلک لانّ النذر تعلّق بالفعل، فلو لم يفعل فقد حنث نذره و لكن المنذور باق على ملكه له أن يبيع و يهب، و هذا ما يعبّر عنه بنذر الفعل. و لو تعلّق النذر بالنتيجة أي التزم أن يكون قطيع الغنم صدقة إذا قضيت

ص: 146


1- أجود التقريرات: 404/ 1.

حاجته، فبعد القضاء تكون العين خارجة عن ملك الناذر و لا يجوز له البيع لعدم كونه مالكاً و هذا ما يعبّر عنه بنذر النتيجة.

و الحاصل: انّه إذا كان النذر نذر فعل فالمعاملة صحيحة و ليس عليه إلّا كفّارة الحنث، و إن كان نذر نتيجة فالبيع باطل لعدم كونه مالكاً للعين عند البيع لدخولها في ملك المنذور له. و کلا الامرين لا علاقة لهما بالمقام .

و أمّا الثالث: أعني إذا شرط في البيع، عدم بيعها من زيد فالصحيح انّه لو باعه منه صحّ البيع و للبائع الأوّل خيار تخلّف الشرط.

والحاصل إنّ ما رتّب عليه من المسائل الثلاث لا تصلح للاستشهاد كما عرفت.

القسم الثالث: إذا تعلّق النهي بالتسبيب بها إليه و إن لم يكن السبب و لا المسبب بما هو فعل من الأفعال بحرام، کما في تعلق النهي عن بيع العنب و الخشب لمن يعمل العنب خمراً و الخشب صنماً، فان النهي لم يتعلق بالسبب و هو العقد، و لابالمسبب و هو التمليك، بل تعلق بأمر خارج عنهما و هو الإعانة على الإثم، فالنهي تعلق بالتسبب بهذه المعاملة للإعانة على الإثم، فليس شي ء من السبب- و هو العقد- و لا المسبب- و هو إضافة الملكية- منهياً عنه و حراماً, و لا تلازم بين الحرمة التکليفية و فساد المعاملة.

القسم الرابع: أن يتعلّق النهي بما لا يكاد يحرم مع صحّة المعاملة مثل النهي عن أكل الثمن و المثمن في بيع المنابذة، أو بيع شي ء كالخمر. قلت: و وجه الفساد هو ان هذا النهي لا يجتمع مع صحة المعاملة، ضرورة أن صحتها تقتضي حلية تصرف كل من المتعاقدين فيما انتقل إليه، فالنهي التحريمي عن التصرف في الثمن أو المثمن يكشف عن فساد المعاملة، و إلّا يلزم عدم جواز التصرف في مال نفسه.

ص: 147

القسم الخامس: ما يكون ظاهراً في الإرشاد إلى الفساد و خصّ الدلالة على الفساد بالمعاملات بالمعنى الأخص و هي العقود و الإيقاعات، لا بمعناها الأعم و هو ما لا يعتبر فيه قصد القربة، بل لو أمر به كان أمره توصلياً كالأمر بتطهير الثوب و البدن، فان النهي عن المعاملة بالمعنى الأعم يحمل على ما تقتضيه القرينة الخارجية ان كانت، و إلّا فيحمل على معناه الحقيقي و هو الحرمة، لكنها لا تدل على الفساد، لعدم الملازمة بين الحرمة و الفساد لا لغة و لا عرفاً.

و وجه نفي البعد عن ظهور النهي عن المعاملة في الإرشاد إلى فسادها- لا في الحرمة التكليفية التي هي ظهوره الأولي- هو: أن الغرض الأصلي في المعاملات بيان صحتها و فسادها، و لذا يكون الأمر بها إرشاداً إلى صحتها من دون دلالته على وجوبها أو استحبابها، فلا يدل مثل ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ إلّا على صحة العقود، لا على وجوبها أو استحبابها، فالنهي عن المعاملة نظير نهي الطبيب في الإرشاد إلى ما يضر المريض، و أمره في الإرشاد إلى ما ينفعه من دفع مرضه و عود صحته و نظير النواهي الشرعية لإفادة المانعية في العبادات، كالنهي عن التكتف و الضحك و الكلام و الاستدبار و قول آمين في الصلاة.

و بالجملة: فالنهي عن المعاملة نظير الأمر الواقع عقيب الحظر، فكما أن الأمر حينئذ لا يدل على الوجوب، بل على رفع المنع، فكذلك النهي عنها لا يدل إلّا على رفع الصحة التي تقتضيها أدلة الإمضاء مثل ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾.

الاستدلال على اقتضاء الحرمة للفساد بالأخبار

ص: 148

ربّما يستدلّ ببعض الاخبار على الملازمة الشرعية بين النهي المولوي التحريمي و الفساد مثل صحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال: «سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيّده، فقال: ذاك إلى سيّده إن شاء أجازه و إن شاء فرّق بينهما قلت: أصلحك اللّه إنّ الحكم بن عتيبة و إبراهيم النخعي و أصحابَهما، يقولون: إنّ أصل النكاح فاسد و لا تُحِلُّ إجازة السيّد له، فقال أبو جعفر (علیه السلام): إنّه لم يعص اللّه، و إنّما عصى سيّده، فإذا أجاز فهو له جائز»(1).

و وجه الاستدلال به: أن تعليل عدم فساد نكاح العبد الفاقد لإذن سيده بأنه لم يعص اللَّه, يقتضي فساد كل ما يكون عصياناً له تبارك و تعالى، و المراد من العصيان هو العصيان التكليفي فالحرمة التكليفية تقتضي الفساد، فعدم فساد النكاح هنا انما هو لأجل عدم كونه معصية له عزّ و جل, و عليه فكلّ ما تعلّق به النهي التحريمي فهو يدلّ على فساد متعلّقه إذا أتى به.

و اجيب: و نسب هذا الجواب في التقريرات إلى جماعة منهم الوحيد البهبهاني و المحقق القمي «قدهما» و حاصله: أن المعصية - و هي مخالفة الحرمة التي هي المقصودة في المقام- أجنبية عن المعصية المرادة من هذه الروايات، توضيحه: أنه ليس المراد بالمعصية في الجملتين الموجبة و السالبة، و هما قوله علیه السلام: «انه لم يعص اللَّه و انما عصى سيده» مخالفة الحرمة التكليفية حتى يدل على الفساد، و يصح الاستدلال به، إذ لو كان المراد بها الحرمة التكليفية لم يستقم معنى الحديث، إذ لا إشكال في كون مخالفة السيد عصياناً له تبارك و تعالى، ضرورة وجوب إطاعة المولى على العبد، فهو حكم إلهي، فمخالفته مخالفة للَّه سبحانه و عصيان له، مع أن الإمام علیه السلام قال: «لم يعص اللَّه» فنفي المعصية عن

ص: 149


1- الوسائل: 14، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 1.

مخالفته لسيده قرينة على ما ذكرنا من عدم كون المراد بالمعصية مخالفة الحرمة التكليفية، و على أن العبد لم يرتكب حراماً، ذلك لأن ما صدر منه لم يكن مما لم يمضه الشارع و لم يشرعه كتزويج المحارم، أو التزويج في العدة، بل كان مما أمضاه و أجازه. فالمراد بالمعصية المنفية في هذا الحديث إيجاد النكاح بدون اذن سيده، فإذا أجازه السيد تم المقتضي و يترتب عليه الأثر أعني الزوجية.

و الحاصل: أن النكاح مشروع ذاتاً أي ليس مما لم يشرعه اللَّه تعالى، غاية الأمر أن تحققه مشروط بإذن السيد، فلا يتصور هنا حرمة تكليفية حتى يدعى دلالتها على الفساد. نعم لو نهاه السيد عن التزويج و تزوج صح الاستدلال على الفساد، لكون مخالفة نهي السيد عصياناً له تعالى شأنه أيضا(1).

و يشهد لذلک أنّ الإمام أبا جعفر علیه السلام فسّر العصيان في رواية أُخرى بالنكاح في عدّة و أشباهه الذي يكون نكاحها على خلاف الشريعة و قوانينها، ففي معتبر زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال: «سألته عن رجل تزوّج عبدُه امرأةً بغير إذنه فدخل بها ثمّ اطّلع على ذلك مولاه، قال: ذاك لمولاه إن شاء فرّق بينهما و إن شاء أجاز نكاحهما ... فقلت لأبي جعفر (علیه السلام): فإن أصل النكاح كان عاصياً، فقال أبو جعفر (علیه السلام): إنّما أتى شيئاً حلالاً و ليس بعاص للّه و إنّما عصى سيده و لم يعص اللّه إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللّه عليه من نكاح في عدة و أشباهه»(2), فقد فسر الإمام العصيان المنفي في المقام بما حرّم اللّه عليه من النكاح في العدة، فتكون النتيجة أنّ الإمام ينفي العصيان الوضعي في المورد من غير تعرّض للعصيان التكليفي، و من المعلوم أنّ العصيان الوضعي يلازم الفساد، لأنّ كون

ص: 150


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 291
2- ( 1). الوسائل: 14، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 2.

العمل غير موافق للضابطة عبارة أُخرى عن عدم إمضاء الشارع له، و هو لا ينفك عن الفساد، بخلاف العصيان التكليفي الذي نحن بصدد بيان حكمه فلا يلازم الفساد.

تذنيب: في ملازمة النهي للصحّة

ادعی ابو حنيفة و تلميذاه أبا يوسف و محمد بن الحسن الشيباني انّ النهي يدل على الصحّة مكان دلالته على الفساد، و لم ينقل عنهم وجهه, لكن المحقّق القمي نقل في المقام بيانين:

الأوّل: المنهي عنه هو الصوم الشرعي لا اللغوي

ليس المراد دلالة النهي على الصحة بالدلالة المطابقية أو التضمنية، إذ ليست الصحة نفس مفاد النهي لا عيناً و لا جزءاً، بل المراد انّه يستلزم الصحة، فقول الشارع لا تصم يوم النحر, و للحائض لا تصل, يتضمن إطلاق الصوم على صومها و الصلاة على صلاتها، و الأصل في الإطلاق الحقيقة، فلو لم يكن مورد النهي صحيحاً لم يصدق تعلّق النهي على أمر شرعي فيكون المنهي عنه مثل الإمساك و الدعاء و نحو ذلك و هو باطل إذ نحن نجزم بأنّ المنهي عنه أمرشرعي(1), و حاصل هذا الاستدلال: انّ المنهي عنه إمّا الصوم أو الصلاة بمفهومهما الشرعي أو بمفهومهما اللغوي، و الثاني غير منهيّ عنه، و الأوّل يلازم الصحة، فإذا تعلّق النهي بالصوم الشرعي فقد تعلّق بالصوم الصحيح، لأنّ كلّ صوم شرعي صحيح، و هذا ما قلنا من أنّ النهي يدلّ على الصحة.

الثاني: الحرمة الذاتية لا تتعلّق بالفاسد

ص: 151


1- القوانين: 163/ 1.

و حاصله: أن كل حكم تكليفي لا يتعلق إلّا بما هو مقدور للمكلف بحيث يكون كل من الفعل و الترك تحت قدرته. و عليه، فالنهي كالأمر لا بد أن يتعلق بما هو مقدور للمنهي، و لا يكون متعلق النهي مقدوراً إلّا إذا كان بجميع أجزائه و شرائطه التي هي مورد النهي مقدوراً كما في الأمر، فلو فرض أن المكلف خالف و أتى بالمنهي عنه كذلك- أي بجميع أجزائه و شرائطه- لترتب عليه الأثر بالضرورة و هذا هو معنى كونه صحيحاً، و حينئذ فالنهي عن الشي ء يدل على صحته لا محالة.

و فيهما: ما تقدم من کون هذه النواهي ارشادية الی فساد المنهي عنه و عليه فالامر علی العکس فلا يمکن استفادة الصحة منها.

إجابة المحقّق الخراساني في مورد العبادات

و اجاب المحقّق الخراساني عن هذا الاستدلال بقوله: أمّا العبادات فما كان منها عبادة ذاتية كالسجود و الركوع و الخشوع و الخضوع له تبارك و تعالى فمع النهي عنه يكون مقدوراً، كما إذا كان مأموراً به و ما كان منها عبادة لاعتبار قصد القربة فيه لو كان مأموراً به، فلا يكاد يقدر عليه إلّا إذا قيل باجتماع الأمر و النهي في شي ء و لو بعنوان واحد و هو محال، و قد عرفت أنّ النهي في هذا القسم إنّما يكون نهياً عن العبادة بمعنى انّه لو كان مأموراً به كان الأمر به أمر عبادة لا يسقط إلّا بقصد القربة(1).

و حاصل بيانه: انّ العبادة على قسمين امّا الذاتي فلا تتغيّر و لا تتبدّل أوصافها فهي عبادة بالذات قبل النهي و بعد النهي و لا يؤثر النهي في حالها.

ص: 152


1- كفاية الأصول، ص: 189

و أمّا العبادات المجعولة التي قوام عباديتها بتعلّق الأمر بها، فهي تنقسم إلى عبادة فعلية و عبادة شأنية.

و المراد من الأُولى ما يكون متعلّقاً للأمر بالفعل, كما أنّ المراد من الثانية ما لو تعلّق به الأمر لكان أمره عبادية و لما سقط إلّا بالقصد، فالقسم الأوّل لا يقع متعلّقاً للنهي، لأنّ العبادة و الصحّة الفعلية عبارة عمّا تعلّق به الأمر، و ما هو كذلك يمتنع أن يقع متعلّقاً للنهي و المفروض انّه تعلّق به النهي.

و القسم الثاني، أي العبادة الشأنية يقع متعلّقاً للنهي و يكشف عن صحّة المتعلّق لكن صحّة شأنية، و هو غير مطلوب المستدلّ فانّه يريد أن يستدلّ بتعلّق النهي على الصحّة الفعلية دون الشأنية، و لكن النهي لا يكشف إلّا عن الصحّة الشأنية، أي ما لو تعلّق به الأمر يكون أمره عبادياً و فعله صحيحاً.

فما هو المطلوب أي الصحّة الفعلية لا يعطيه النهي و ما يعطيه النهي، أي العبادة الشأنية ليس هو المطلوب.

قلت: و في اول کلامه ما لا يخفی من الاشکال کما تقدم.

إجابة المحقّق الخراساني في مورد المعاملات

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أجاب عن الاستدلال في مجال المعاملة بالنحو التالي قال: و التحقيق في المعاملات انّه كذلك إذا كان في السبب أو التسبيب لاعتبار القدرة في متعلّق النهي كالأمر و لا يكاد يقدر عليهما إلّا فيما كانت المعاملة مؤثرة صحيحة، و أمّا إذا كان عن السبب فلا, لكونه مقدوراً و إن لم يكن صحيحاً(1), و حاصله انّ النهي عن السبب لا

ص: 153


1- كفاية الأصول، ص: 189

يكشف عن الصحّة،حيث ان المنهي عنه هو العقد المفوت لصلاة الجمعة لا العقد المؤثر في الملكية, فلا يدل على الصحة، إذ المبغوض هو إيجاد ذات السبب، لكونه من أفعاله المباشرية لا لكونه مؤثراً في الملكية و سبباً لها، و من المعلوم أن المنهي عنه- و هو إيجاد ذات السبب مع الغض عن سببيته و تأثيره في المسبب- مقدور له من دون توقف للقدرة على صحته، نعم يكشف النهي عن الصحّة فيما إذا تعلّق النهي بمضمون المعاملة، أي تملّك الكافر المصحفَ و العبدَ أو تعلّق النهي بالتسبب، فانّ النهي كاشف عن كون المعاملة المنهية مؤثرة في حصول السبب و هو آية الصحة.

تطبيقات

1- إذا تعلّق النهي بالإيجاب دون القبول فهل تسري الحرمة إلى القبول؟ كما إذا كان الموجب محرماً دون القابل؟ الظاهر عدم الحرمة لعدم الملاك إلّا من جهة الإعانة على الإثم.

2- قال في الجواهر: ذهب جماعة إلى اختلاف حكم المتعاقدين في البيع وقت النداء إذا كان أحدهما مخاطباً بالجمعة دون الآخر، فخصّوا المنع بمن خوطب بالسعي و حكموا بجواز البيع من طرف الآخر، نعم رجّح جماعة آخرون عموم المنع من حيث الإعانة بالإثم(1).

3- إذا كانت المعاملة باطلة من جانب واحد كما إذا كانت غررية من جانب الموجب دون القابل، فهل يسري الحكم الوضعي إلى الطرف الآخر؟ الظاهر هو البطلان لأنّها غررية و المعاملة الغررية باطلة و لا تقبل التبعض، فالملكية المنشأة إمّا موجودة أو لا.

ص: 154


1- الجواهر: 241/ 29.

فعلى الأوّل يلزم صحة المعاملة في كلا الجانبين، و هو خلاف الفرض، و الثاني هو المطلوب.

المقصد الثالث المفاهيم

تمهيد

في معنى كلمة «المفهوم»، و في النزاع في حجيّته، و في أقسامه. فهذه ثلاثة مباحث:

الاول: في تعريف المفهوم

اقول: يطلق «المفهوم» على معنيين:

الاول: المعنى المدلول للّفظ الذي يفهم منه، فيساوي كلمة «المدلول»، سواء كان مدلولا لمفرد أو جملة، و سواء كان مدلولا حقيقيّا أم مجازيّا.

الثاني: ما يقابل المنطوق، و هو أخصّ من الأوّل, و هو المقصود بالبحث هنا. و هو اصطلاح أصوليّ يختصّ بالمدلولات الالتزاميّة للجمل التركيبيّة، سواء كانت إنشائيّة أو إخباريّة.

أمّا المنطوق: فالمقصود منه ما يدلّ عليه اللفظ في حدّ ذاته على وجه يكون اللفظ المنطوق حاملا لذلك المعنى، و قالبا له، فيسمّى المعنى «منطوقا» تسمية للمدلول باسم الدالّ.

ص: 155

و عليه، فالمفهوم الذي يقابله ما لم يكن اللفظ حاملا له دالّا عليه، و لكن يدلّ عليه باعتباره لازما لمفاد الجملة بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ او الاعم(1)؛ و لأجل هذا يختصّ المفهوم بالمدلول الالتزاميّ, و حاصله: انه حكم إنشائي أو إخباري لازم للمعنى المراد من اللفظ, و الی هذا التعريف ذهب المحقق الخراساني فقال: «و هو عبارة عن حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي أريد من اللفظ بتلك الخصوصية و لو بقرينة الحكمة و كان يلزمه لذلك وافقه في الإيجاب و السلب أو خالفه, فمفهوم إن جاءك زيد فأكرمه مثلا لو قيل به قضية شرطية سالبة بشرطها و جزائها لازمة للقضية الشرطية التي تكون معنى القضية اللفظية و تكون لها خصوصية بتلك الخصوصية كانت مستلزمة لها»(2).

مثاله قولهم: «إذا بلغ الماء كرّا لا ينجّسه شي ء». فالمنطوق فيه هو مضمون الجملة و هو عدم تنجّس الماء البالغ كرّا بشي ء من النجاسات. و المفهوم- على تقدير أن يكون لمثل هذه الجملة مفهوم- أنّه إذا لم يبلغ كرّا يتنجّس.

و اما تعريف ابن الحاجب من ان المفهوم ما دلّ عليه اللفظ في غير محل النطق و المنطوق ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق(3), وقال العضدي في شرح مختصره: انّ المراد من الموصول (ما) هو الحكم، فهو إن كان محمولًا على موضوع مذكور فهو منطوق، و إن كان محمولًا على موضوع غير مذكور فهو مفهوم. ثمّ قال: إنّ قوله: «في محلّ النطق»

ص: 156


1- خلافا للمحقق النائيني فانه خص اللازم البين بالمعنی الاخص بالمفهوم و اما اللازم البين بالمعنی الاعم فجعله خارجا عن المفهوم و المنطوق کما سيأتي .
2- كفاية الأصول، ص: 193
3- منتهى الوصول و الأمل المعروف بمختصر الحاجبي (المتوفّى 642 هج) ص147.

إشارة إلى المنطوق بما انّ الموضوع مذكور فيه، كما أنّ قوله: «لا في محل النطق» إشارة إلى المفهوم لعدم ذكر الموضوع في محله(1).

ففيه: أنّ الفارق بين المنطوق و المفهوم ليس هو ذكر الموضوع في الأوّل، و عدمه في الثاني، بل الموضوع مذكور في كلتا القضيتين، و إنّما الاختلاف في وجود القيد في المنطوق و عدمه في المفهوم و بالتالي اختلاف القضيتين في الكيف أي الإيجاب و السلب، فإذا قلنا: إن سلّم زيد أكرمه، فالموضوع هو زيد لكنّه في صورة التسليم يحكم عليه بالإكرام، و في صورة عدمه بعدمه فالاختلاف في الحكم رهن الاختلاف في الشرط، فعند وجوده يترتّب عليه الجزاء، و عند عدمه يرتفع.

و بذلک يظهر ان هذه الخصوصية ليست من مداليل مواد القضية من الموضوع أو المحمول لعدم دلالة «جاءك و أكرمه» في قولنا: «ان جاءك زيد فأكرمه» على تلك الخصوصية كما هو واضح جداً، بل الدال على تلك الخصوصية هي الهيئة الشرطية. و كذا في المفهوم الموافق، فان الخصوصية المستتبعة للمفهوم الموافق ليست في مدلول «لا تقل»، و لا في مدلول «أُف» بل في مدلول المركب بما هو مركب.

ثم لا يخفى أن الدلالة و الكشف و الحكاية قائمة بالدال و هو هنا اللفظ، فان كان المحكي به نفس معناه اتصف المحكي بالمنطوقية، و ان كان لازم معناه اتصف ذلك اللازم بالمفهومية. و على هذا، فالمنطوقية و المفهومية من صفات المدلول، و الدلالة من صفات اللفظ الدال، فهي تتصف بالصراحة و الظهور، و لكن لا تتصف بالمنطوقية و المفهومية.

ص: 157


1- راجع شرح العضدي على مختصر المنتهى لابن الحاجب/ 306.

ثم لا يخفی حصر المداليل في المنطوق و المفهوم و لا ثالث لها، و ذلک لان المنطوق ما نطق به المتكلّم باعتبار كون اللفظ مرآة للمعنى، و ينحصر في الدلالة المطابقية و التضمنية باعتبار انّ النطق بالكل، نطق بالجزء، كما أنّ المراد من المفهوم هو الدلالة الالتزامية، أي لازم المعنى، من غير فرق بين لازم المفرد، أو لازم الكلام, فالأوّلان يشكّلان المداليل المنطوقية، و الأخير يشكّل المدلول المفهومي.

و مما تقدم اتضح ان الدلالات الالتزامية وضعية لفظية لا عقلية کما قد يتوهم کون مسألة المفهوم مسألة عقليّة لا لفظيّة .

موقع المداليل السياقية

فإن قلت: ما تقول في المداليل السياقية أ هي مداليل منطوقية، أو مفهومية، أو لا هذه و لا تلك بل هي أُمور برأسها، و يجمع الكل انّها دلالات سياقية، فعندئذ تنثلم كلية القضية المذكورة، أعني: المداليل إمّا منطوقية أو مفهومية؟

قلت: ذهب المحقّق البروجردي إلى أنّها دلالات منطوقية فأنّ المنطوق منقسم إلى الصريح و غير الصريح، و الثاني ما دلّ عليه اللفظ بدلالة الاقتضاء و التنبيه و الإشارة، لأنّ ما يدلّ عليه إن كان غير مقصود للمتكلّم فهو المدلول عليه بدلالة الإشارة كدلالة الآيتين - البقرة: 233، الأحقاف: 15 - على أقلّ الحمل.

و إن كان مقصوداً بأن كان صدق الكلام أو صحته يتوقّف عليه فهو المدلول بدلالة الاقتضاء، نحو رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ و النسيان و نحو: ﴿وَ سْئَلِ الْقَرْيَة﴾(1) فانّهما يدلّان على مقدّر مصحّح للكلام.

ص: 158


1- يوسف: 82

و إن اقترن بالحكم ما فهم منه العلية فهو المدلول عليه بدلالة الإيماء و التنبيه، كما لو قال السائل: واقعت في نهار رمضان، فأجيب: كفّر ، فإنّ اقتران الجواب بسؤال السائل يفهم منه، عليّة الوقاع للكفّارة(1).

خلافا للمحقّق النائيني حيث خصّ المفهوم باللازم البيّن بالمعنى الأخص، و جعل الدلالات الثلاث من اللازم البيّن بالمعنى الأعمّ و أسماها دلالة سياقية، و ظاهره انّها ليست منطوقية و لا مفهومية(2).

قلت: کل ما يرجع الی لازم المعنی فهو من المفهوم بلا فرق بين کونه لازما بينا بالمعنی الاخص او الاعم و کل ما يفهم من حاق الکلام لا باللازم فهو من المنطوق و عليه فالدلالات الثلاث هي من الدلالات الالتزامية حيث إنّها من لوازم المعنى، سواء كان مقصوداً أم لا.

الثاني: النزاع في حجّيّة المفهوم

لا شكّ أنّ الكلام إذا كان له مفهوم يدلّ عليه فهو ظاهر فيه، فيكون حجّة من المتكلّم على السامع، و من السامع على المتكلّم، كسائر الظواهر الأخرى.

إذن، ما معنى النّزاع في حجيّة المفهوم حينما يقولون مثلا: هل مفهوم الشرط حجّة أو لا؟

ص: 159


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 347
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 347

و على تقديره، لا يدخل هذا النزاع في مباحث الألفاظ التي كان الغرض منها تشخيص الظهور في الكلام و تنقيح صغريات حجيّة الظهور، بل ينبغي أن يدخل في مباحث الحجّة، كالبحث عن حجّيّة الظهور و حجّيّة الكتاب و نحو ذلك.

و الجواب أنّ النزاع هنا في الحقيقة إنّما هو في وجود الدلالة على المفهوم،- أي في أصل ظهور الجملة فيه و عدم ظهورها-. و بعبارة أوضح: النزاع هنا في حصول المفهوم للجملة لا في حجّيّته بعد فرض حصوله.

فمعنى النزاع في مفهوم الشرط- مثلا- أنّ الجملة الشرطيّة مع قطع النظر عن القرائن الخاصّة هل تدلّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط؟ و هل هي ظاهرة في ذلك؟ لا أنّه بعد دلالتها على هذا المفهوم و ظهورها فيه يتنازع في حجّيته، فإنّ هذا لا معنى له، و إن أوهم ذلك ظاهر بعض تعبيراتهم، كما يقولون مثلا: «مفهوم الشرط حجّة أم لا؟». و لكن غرضهم ما ذكرنا.

كما أنّه لا نزاع في دلالة بعض الجمل على مفهوم لها إذا كانت لها قرينة خاصّة على ذلك المفهوم، فإنّ هذا ليس موضع كلامهم؛ بل موضوع الكلام و محلّ النزاع في دلالة نوع تلك الجملة، كنوع الجملة الشرطيّة على المفهوم مع تجرّدها عن القرائن الخاصّة.

و عليه فالنزاع في باب المفاهيم صغروي و مرجعه إلى دلالة القضية الشرطية الوصفية بالوضع أو الإطلاق على كون الشرط أو الوصف علّة منحصرة للحكم، و عدم دلالتها، فلو ثبت الانحصار، و دلّ على المفهوم، يكون حجّة بلا كلام، بخلاف ما إذا لم يثبت، فالنزاع في دلالة القضية على الانحصار، و بالتالي في وجود المفهوم للقضية و عدمه، الذي هو نزاع صغروي. و إلّا فلو ثبت انّ للقضية مفهوماً فهو حجّة بلا كلام. و هذا هو مسلك علمائنا المتأخّرين.

ص: 160

و اما علی مسلك القدماء فذهب السيّد البروجردي إلى أنّ مسلکهم في استفادة العموم من القضايا، يختلف مع مسلك المتأخرين، فإنّ دلالة الخصوصية المذكورة في الكلام من الشرط أو الوصف أو الغاية أو اللقب أو نحوها ليست دلالة لفظيّة، بل هي من باب بناء العقلاء على حمل الفعل الصادر عن الغير، على كونه صادراً لغاية، و كون الغاية المنظورة منه، غايته النوعية العادية، و الغاية المنظورة عند العقلاء من نفس الكلام، حكايته لمعناه، و من خصوصياته، دخالتها في المطلوب، فإذا قال المولى: إن جاءك زيد فأكرمه، حَكَمَ العقلاءُ بمدخلية مجي ءزيد في وجوب إكرامه قائلًا بأنّه لو لا دخله فيه لما ذكره المتكلّم، و كذا سائر القيود، و على ذلك فاستفادة المفهوم ليست مبنيّة على دلالة الجملة على الانتفاء عند الانتفاء، بل مبني على أنّ الأصل في فعل الإنسان أن لا يكون لاغياً، بل يكون كلّ فعل منه، و منه الإتيان بالقيد صادراً لغايته الطبيعية و هو دخله في الحكم(1).

و على هذا يکون النزاع كبرويا، لأنّ البحث حينئذ يکون في حجية بناء العقلاء، لأنّه قد استقر بناؤهم على حمل الخصوصيات الموجودة في الكلام على كونها صادرة عنه بداعي غايتها النوعية، و انّ الغاية النوعية هي دخلها في المطلوب، و هذا البناء من العقلاء موجود فيقع الكلام في حجّيته.

الثالث: في أقسام المفهوم

ينقسم المفهوم إلى مفهوم الموافقة و مفهوم المخالفة:

ص: 161


1- نهاية الأُصول: 265.

1. مفهوم الموافقة ما كان الحكم في المفهوم موافقا في السنخ للحكم الموجود في المنطوق، فإن كان الحكم في المنطوق الوجوب- مثلا- كان في المفهوم الوجوب أيضا، و هكذا، كدلالة الأولويّة في مثل قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ ﴾(1) على النهي عن الضرب و السب للأبوين، و نحو ذلك ممّا هو أشدّ إهانة و إذاءا من التأفيف المحرّم بحكم الآية, و يسمّى هذا المفهوم ب«فحوى الخطاب»(2) ايضا.

و لا نزاع في حجّيّة مفهوم الموافقة، بمعنى دلالة الأولويّة على تعدّي الحكم إلى ما هو أولى في علّة الحكم، و سيأتي تفصيل الكلام فيه.

2. مفهوم المخالفة ما كان الحكم فيه مخالفا في السنخ للحكم الموجود في المنطوق، و يسمّى هذا المفهوم ب«دليل الخطاب»(3).

و عليه فالفرق بين المفهوم المخالف و الموافق هو انّ الحكم في القضيتين لو كان مخالفاً بالنفي و الإثبات، فالمفهوم مخالف، و لو كان موافقاً فالمفهوم موافق، فإذا قال سبحانه: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ) فهو يدلّ على حرمة الضرب و الشتم، فالحكممنطوقاً و مفهوماً هو الحرمة، و القضية سالبة بخلاف ما إذا قال: إن سلّم زيد أكرمه، فالمنطوق قضية موجبة، و المفهوم قضية سالبة.

و موارده ستّة و هي: 1. مفهوم الشرط.2. مفهوم الوصف. 3. مفهوم الغاية. 4. مفهوم الحصر. 5. مفهوم العدد.6. مفهوم اللقب.

إذا عرفت هذه الأُمور فلندخل في اصل الموضوع، و الكلام فيه ضمن فصول:

ص: 162


1- الإسراء (17) الآية: 23.
2- معارج الأصول، المحقق الحلي رحمه الله ص: 250
3- معارج الأصول، المحقق الحلي رحمه الله ص: 210

الفصل الأوّل في مفهوم الشرط

تحرير محلّ النزاع

اقول: أنّ الجملة الشرطيّة على نحوين:

1. فتارةً تكون مسوقة لبيان موضوع الحكم، أي إنّ المقدّم هو نفس موضوع الحكم، حيث يكون الحكم في التالي منوطا بالشرط في المقدّم على وجه لا يعقل فرض الحكم بدونه، نحو قولهم: «إن رزقت ولدا فاختنه»؛ فإنّه في المثال لا يعقل فرض ختان الولد إلّا بعد فرض وجوده. و منه قوله تعالى: ﴿وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾(1) فإنّه لا يعقل فرض الإكراه على البغاء إلّا بعد فرض إرادة التحصّن من قبل الفتيات.

و قد اتّفق الأصوليّون على أنّه لا مفهوم لهذا النحو من الجملة الشرطيّة؛ لأنّ انتفاء الشرط معناه انتفاء موضوع الحكم، فلا معنى للحكم بانتفاء التالي على تقدير انتفاء المقدّم إلّا على نحو السالبة بانتفاء الموضوع. و لا حكم حينئذ بالانتفاء، بل هو انتفاء الحكم.

فلا مفهوم للشرطيّة في المثالين، فلا يقال: «إن لم ترزق ولدا فلا تختنه» و لا يقال: «إن لم يردن تحصّنا فأكرهوهنّ على البغاء».

2. و تارةً لا تكون مسوقة لبيان الموضوع، کما اذا کان الحكم في التالي منوطا بالشرط على وجه يمكن فرض الحكم بدونه، نحو قولهم: «إن أحسن صديقك فأحسن إليه»، فإنّ فرض الإحسان إلى الصديق لا يتوقّف عقلا على فرض صدور الإحسان منه، فإنّه يمكن الإحسان إليه، أحسن أو لم يحسن.

ص: 163


1- النور (24) الآية: 33.

و هذا النحو الثاني من الشرطيّة هو محلّ النزاع في مسألتنا، و مرجعه إلى النزاع في دلالة الشرطيّة على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، بمعنى أنّه هل يستكشفمن التعليق على الشرط انتفاء نوع الحكم و سنخه المعلّق- كالوجوب مثلا- على تقدير انتفاء الشرط؟

و إنّما قلنا: «سنخ الحكم»؛ لأنّ شخص كلّ حكم في القضيّة الشرطيّة أو غيرها ينتفي بانتفاء موضوعه، أو أحد قيود الموضوع، سواء كان للقضيّة مفهوم، أو لم يكن. بيان ذلك: أنّ انتفاء الحكم الشخصيّ عند انتفاء القيد ضروريّ لا يقبل النزاع، فإذا قيل: «إذا جاء زيد فأكرمه» فعند عدم المجى ء لا يتحقّق وجوب الإكرام المسبّب عن المجي ء، قطعا؛ إنّما الكلام في انتفاء وجوب الإكرام رأسا عند انتفاء المجي ء، بمعنى أنّ زيدا عند انتفاء المجي ء محكوم بعدم وجوب إكرامه مطلقا، أي حتى الوجوب الذي يفرض عند تحقّق شي ء آخر.

توضيحه: أنه لو لم يكن المعلق طبيعة الحكم، بل كان شخصه، فلا يكون انتفاؤه بانتفاء موضوعه من المفهوم أصلا، بل يكون انتفاؤه عقلياً كانتفاء العرض بانتفاء موضوعه. نظير القضية المسوقة لفرض وجود الموضوع مثل «ان رزقت ولداً فاختنه»، فان مثل هذه القضية لا مفهوم لها، و ليست مورداً للنفي و الإثبات عند المثبتين للمفهوم و لا المنكرين له، فلا بد أن يكون مورد النزاع هو الحكم الّذي يمكن وجوده مع انتفاء ما علق عليه من الشرط و غيره، كوجوب الإكرام الّذي يمكن وجوده حين انتفاء المجي ء أيضا، فلا محيص حينئذ عن كون الحكم المعلق في المنطوق على الشرط أو غيره كلياً ذا أفراد حتى يمكن بقاؤه بعد انتفاء ما علق عليه، و يصح البحث عن كون انتفاء الشرط موجباً لانتفاء الحكم أم لا، فلو كان الحكم شخصياً، فلا معنى لهذا النزاع فيه، إذ لا يعقل بقاء الحكم الشخصي بعد انتفاء موضوعه حتى ينازع في بقائه و انتفائه بانتفاء ما علق عليه.

ص: 164

و بالجملة: ليس المعيار في المفهوم كون المنفي شخص الحكم، بل المعيار فيه كون المنفي سنخ الحكم، بحيث إذا قام دليل على ثبوت الحكم في صورة انتفاء الشرط أو الوصف كان معارضاً للمفهوم، فإذا دل دليل على وجوب الإكرام عند انتفاء المجي ء كان معارضاً للمفهوم، و هو عدم وجوب الإكرام عند انتفاء المجي ء.

فقد ظهر من هذا البيان: أنه يعتبر في المفهوم إمكان بقاء الحكم عند ارتفاع ما علق عليه من الشرط أو الوصف، فلو لم يمكن بقاؤه كذلك، فهو خارج عن المفهوم، كما في مثل «ان رزقت ولداً فاختنه» مما ينتفي الحكم بانتفاء موضوعه عقلا، و كما في مثل الوقف أو الوصية أو النذر على الفقهاء ان كانوا متهجدين فإذا انتفى التهجد عنهم انتفت الوقفية و غيرها أيضا، لكن لا من ناحية المفهوم،بل من جهة عدم قابلية مال لإنشاء الوقف له ثانياً، فبعد حكم الشارع بعدم جعل الوقفية لمال مرتين يكون الحكم بها شخصياً، و قد عرفت أن انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه عقلي، و ليس من باب المفهوم أصلا.

نعم يكون الفرق بين مثل «ان رزقت ولداً فاختنه» و بين مثل «وقفت داري على أولادي ان كانوا فقراء» في أن تشخص الموضوع في الأول حقيقي لا يحتاج إلى جعل و إنشاء، بخلاف الثاني، فان عدم قابلية مال لإنشاء الوقفية له مرتين انما هو بحكم الشارع.

و من هذا البيان يظهر ما في كلام الشهيد الثاني في تمهيد القواعد حيث زعم انّ انتفاء الحكم في هذه الموارد من باب المفهوم فقال: لا إشكال في دلالة الشرط و الرهن في مثل الوقف و الوصايا و النذور و الأيمان، كما إذا قال: وقفت هذا على أولادي الفقراء، أو إن كانوا فقراء، و نحو ذلك(1).

ص: 165


1- تمهيد القواعد، القاعدة 25، ص 110.

نظرية المحقق البروجردي

لکنّ المحقّق البروجردي أنكر وجوب سنخ الحكم و نوعه، وراء شخص الحكم و انّه لا يعقل لسنخ الحكم وراء شخصه مفهوم معقول، فقال: ... فقد علّل لانتفاء شخص الحكم بانتفاء قيده بوجهين: (أحدهما) ما نسب الى بعض مقرّري بحث الشيخ الأنصاري رحمه اللّه من عدم دلالة الكلام على الحكم بعد انتفاء القيد، بل الحكم ينتفي بمجرد انتهاء الكلام. (ثانيهما) ما عن الكفاية من أنّ الانتفاء عند انتفاء موضوعه و لو ببعض قيوده.

و يرد على الأول أنّ لازم هذا الكلام كون الحكم تابعا حدوثا و بقاء للكلام، و ليس كذلك، بل هو أمر واقعي يكشف عنه بهذا الكلام، فوجوده ثابت قارّ غير تابع لوجود الكلام، و لذا يرى المخاطب نفسه مكلفا بهذا الفعل حتى بعد تمام الكلام.

و يرد على الثاني أنه غير مناسب لما اختاره في المفهوم تبعا لجماعة من المتأخرين من كون الشرط علّة للحكم، فإنه حينئذ ليس جزءً للموضوع، لأنّ كون شي ء جزءً لشي ء يقتضي معيّتهما وجودا، و كونه علّة له يقتضي تقدمه على المعلول، فلا تجتمع الجزئية مع العلّية تصوّرا, و كيف كان، فلا نتعقّل الفرقهاهنا بين كون الحكم شخصا أو سنخا، بل لا معنى لسنخيته، فإنّ وجوب إكرام زيد عند مجيئه حكم شخصي ينتفي بانتفاء قيده...(1).

اقول: اما الوجه الاول فعهدته علی مدعيه و کذلک الوجه الثاني فنحن لا نقول بکون الشرط جزءً من الموضوع بل هو علة له.

ص: 166


1- تقريرات في أصول الفقه، ص: 150

و قال في نهاية الاصول بما حاصله: إنّا لا نتعقّل وجهاً معقولًا لسنخ الحكم لوضوح أنّ المعلّق في قولك: إن جاءك زيد فأكرمه هو الوجوب المحمول على إكرامه و التعليق يدلّ على انتفاء نفس المعلّق عند انتفاء المعلّق عليه فما فرضته سنخاً إن كان متّحداً مع هذا المعلّق، موضوعاً و محمولًا فهو شخصه لا سنخه إذ لا تكرّر في وجوب إكرام زيد بما هو هو و إن كان مختلفاً معه في الموضوع كإكرام عمرو أو محمولًا كاستحباب إكرام زيد فلا معنى للنزاع في أنّ قوله: إن جاءك زيد فأكرمه يدلُّ على انتفائه أو لا يدل(1).

و اجيب: بأنّا نختار الشقّ الأوّل و لكن اتّحاده معه، ليس من قبيل اتّحاد المتساويين بل من قبيل اتّحاد الكلّي مع فرده، و العام مع مصداقه، فينحلّ الجزاءُ المعلّق على الموضوع المقيّد بالشرط إلى شخص الحكم و الوجوب الجزئي المترتّب على الموضوع الخاص و المرتفع بارتفاع قيد الموضوع، و إلى طبيعة الوجوب الذي هو أحد مصاديقه و لا يرتفع ذلك إلّا بإثبات الانحصار و لولاه لما كان هناك دليل على ارتفاعه إذ من الممكن ثبوته بدليل و قيام شرط آخر مكانه.

و بالجملة هناك وجوبان: وجوب جزئي مترتّب على موضوع متقيّد و وجوب كلّي مترتّب على الموضوع غير مقيّد بشي ء و ارتفاع الأوّل من تبعات ارتفاع القيد و ارتفاع الثاني من بركة كون العلّة منحصرة(2).

اثبات حجية مفهوم الشرط

ص: 167


1- نهاية الأُصول: 273/ 1.
2- المحصول في علم الاصول، ج 2، ص: 363

هل الجملة الشرطية، تدلّ على الثبوت لدى الثبوت و الانتفاء عند الانتفاء، أم لا؟ و القائل بالدلالة، إمّا يدّعيها عن طريق الوضع و ان هيئة الجملة الشرطية وضعت لذلك، أو يدّعيها عن طريق الإطلاق و مقدّمات الحكمة، باعتبار انّالاقتصار على بيان شرط واحد، مع كونه في مقام البيان، شاهد على أنّه السبب المنحصر، أو يدّعيها عن طريق الانصراف.

و في مفهوم الجملة الشرطيّة قولان: أقواهما أنّها تدلّ على الانتفاء عند الانتفاء, و الوجه في ذلک هو: انّ دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم تتوقّف على أمور ثلاثة مترتّبة:

1. دلالتها على الارتباط و الملازمة بين المقدّم و التالي.

2. دلالتها- زيادة على الارتباط و الملازمة- على أنّ التالي معلّق على المقدّم، و مترتّب عليه، و تابع له، فيكون المقدّم سببا للتالي. و المقصود من السبب هنا هو كلّ ما يترتّب عليه الشي ء و إن كان شرطا و نحوه، فيكون أعمّ من السبب المصطلح في علم الکلام.

3. دلالتها- زيادة على ما تقدّم- على انحصار السببيّة في المقدّم، بمعنى أنّه لا سبب بديل له يترتّب عليه التالي.

و توقّف المفهوم للجملة الشرطيّة على هذه الأمور الثلاثة واضح؛ لأنّه لو كانت الجملة اتّفاقيّة أو كان التالي غير مترتّب على المقدّم أو كان مترتّبا و لكن لا على نحو الانحصار فيه فإنّه في جميع ذلك لا يلزم من انتفاء المقدّم انتفاء التالي.

فلابد من إثبات ظهور الجملة الشرطية في هذه الأمور الثلاثة وضعا أو إطلاقا او انصرافا حتی تكون حجّة في المفهوم, و عليه فنقول:

ص: 168

دلالة الجملة الشرطية علی السببية

أمّا دلالتها على الارتباط و وجود العلقة اللزوميّة بين الطرفين، فالظاهر أنّه بالوضع بحكم التبادر؛ و لكن لا بوضع خصوص أدوات الشرط(1) حتّى ينكر وضعها لذلك، بل بوضع الهيئة التركيبيّة للجملة الشرطيّة بمجموعها(2). و عليه فاستعمالها في الاتّفاقيّة يكون بالعناية و ادّعاء التلازم و الارتباط بين المقدّم و التالي إذا اتّفقت لهما المقارنة في الوجود.

دلالة الجملة الشرطية علی الترتب

و أمّا دلالتها على أنّ التالي مترتّب على المقدّم بأيّ نحو من أنحاء الترتّب فهو بالوضع أيضا، و لكن لا بمعنى أنّها موضوعة بوضعين: وضع للتلازم، و وضعآخر للترتّب، بل بمعنى أنّها موضوعة بوضع واحد؛ للارتباط الخاصّ و هو ترتّب التالي على المقدّم.

و الدليل على ذلك هو تبادر ترتّب التالي على المقدّم منها، فإنّها تدلّ على أنّ المقدّم وضع فيها موضع الفرض و التقدير، و على تقدير حصوله فالتالي حاصل عنده تبعا- أي يتلوه في الحصول- أو فقل: إنّ المتبادر منها لابديّة الجزاء عند فرض حصول الشرط.

و هذا لا يمكن أن ينكره إلّا مكابر أو غافل، فإنّ هذا هو معنى التعليق الذي هو مفاد الجملة الشرطيّة التي لا مفاد لها غيره. و من هنا سمّوا الجزء الأوّل منها «شرطا و مقدّما»، و سمّوا الجزء الثاني «جزاء و تاليا».

ص: 169


1- كما في هداية المسترشدين: 282، و مطارح الأنظار: 170.
2- كما في الفصول الغرويّة: 147.

فإذا كانت جملة إنشائيّة- أي إنّ التالي متضمّن لإنشاء حكم تكليفيّ أو وضعيّ- فإنّها تدلّ على تعليق الحكم على الشرط، فتدلّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط المعلّق عليه الحكم.

و إذا كانت جملة خبريّة- أي إنّ التالي متضمّن لحكاية خبر- فإنّها تدلّ على تعليق حكايته على المقدّم، سواء كان المحكيّ عنه خارجا و في الواقع مترتّبا على المقدّم، فتتطابق الحكاية مع المحكيّ عنه، كقولنا: «إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود»، أو مترتّبا عليه بأن كان العكس كقولنا: «إن كان النهار موجودا فالشمس طالعة»، أو كان لا ترتّب بينهما، كالمتضايفين في مثل قولنا: «إن كان خالد ابنا لزيد فزيد أبوه».

اقول: و ظهور القضية في هذين الامرين ممّا لا ريب فيه، إنّما الكلام في ثبوت الأمر الثالث و اليک الکلام فيه:

دلالة الجملة الشرطية علی الانحصار

و أمّا دلالتها على أنّ الشرط منحصر، فاستدل لذلک المحقق الخراساني بوجوه خمسة, و ناقش في الجميع, و هي کالتالي:

ص: 170

الوجه الأوّل: التبادر

قال في الکفاية: «و دعوى تبادر اللزوم و الترتب بنحو الترتب على العلة المنحصرة مع كثرة استعمالها في الترتب على نحو الترتب على الغير المنحصرة منها بل في مطلق اللزوم بعيدة عهدتها على مدعيها كيف و لا يرى في استعمالها فيهما عناية و رعاية علاقة بل إنما تكون إرادته كإرادة الترتب على العلة المنحصرة بلا عناية كما يظهر على من أمعن النظر و أجال البصر في موارد الاستعمالات و في عدم الإلزام و الأخذ بالمفهوم في مقام المخاصمات و الاحتجاجات و صحة الجواب بأنه لم يكن لكلامه مفهوم و عدم صحته لو كان له ظهور فيه معلوم»(1), و حاصل مناقشته امران:

1. انّ التبادر آية الوضع، أي وضع الجملة الشرطية على كون الشرط علّة منحصرة، و يترتّب على ذلك انّه لو استعملت في غير العلة المنحصرة صار مجازاً و هو كما ترى، إذ لا يرى في استعمالها في غير المنحصرة عناية و رعاية علاقة، بل إنّما تكون إرادته كإرادة الترتّب على العلة المنحصرة بلا عناية، فلا ترى أي عناية في قوله: «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي ء», مع أنّ الكرّيّة ليست علّة منحصرة للعاصمية، بل ينوب عنها كون الماء جارياً، أو ورود المطر عليه عند ورود النجاسة على الماء.

2. عدم صحّة التمسك بمفهوم كلام المتهم في المحاكمات و المخاصمات و أنّ له أن يعتذر بخلو كلامه عن المفهوم، مع أنّه لو كان موضوعاً له، لم يصحّ الاعتذار.

ص: 171


1- كفاية الأصول، ط ال البيتعليهم السلام ص: 194

و يرد علی الاول: انه لا منافاة بين التبادر المزبور و بين كثرة الاستعمال في غير الترتب على نحو الترتب على العلة المنحصرة، نظير كثرة استعمال صيغة الأمر في الندب مع كونها حقيقة في الوجوب، فان كثرة الاستعمال في المعنى المجازي لا توجب رفع اليد عن المعنى الحقيقي، و عن حمل اللفظ عليه مع التجرد عن القرينة, نعم يرد عليه انه غير ناشئ من حاق اللفظ فلا دلالة فيه علی الوضع, بل من الاطلاق کما سيأتي.

و يرد علی الثاني: انه مصادرة علی المطلوب .

الوجه الثاني: الانصراف

و حاصل هذا الوجه: انّ المطلق ينصرف إلى أكمل أفراده، فإذا كان السبب دالًا على الترتّب العلّي فهو ينصرف إلى أكمل الأفراد، و هي العلّة المنحصرة.

و أورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين: أحدهما صغروي و الآخر كبروي.

أوّلًا: بمنع كون العلّة المنحصرة، أكمل في العلّية من غيرها إذ عدم قيام شي ء آخر مقامه، أو قيامه، لا يؤثر في شؤون العلية و واقعها.

و ثانياً: لو افترضنا انّ المنحصرة أكمل أفراد العلّة فلا وجه لانصراف المطلق إليه، لأنّ الانصراف معلول أحد أمرين:

كثرة الاستعمال، أو كثرة الوجود. و كلاهما منتفيان في العلّة المنحصرة.

التمسّك بالإطلاق

و قد قرره المحقّق الخراساني بتقارير ثلاثة:

ص: 172

الوجه الثالث: الانحصار مقتضى إطلاق أداة الشرط

و هو التقرير الاول للاطلاق, و هو: إنّ أداة الشرط أو هيئة الجملة الشرطية موضوعة لمطلق اللزوم الترتّبي إلّا أنّ له فردين:

1. اللزوم الترتّبي بنحو الانحصار.

2. اللزوم الترتّبي لا بنحو الانحصار.

و من المعلوم أنّ المتكلّم بالقضية الشرطية لم يستعمل صرف الشرط أو هيئة الجملة الشرطية في الجامع، أعني: اللزوم الترتبي بما هو هو، بل أراد منه أحد الفردين، فمقتضى مقدمات الحكمة حملها على الفرد الذي لا يحتاج إلى بيان زائد، أعني: العلّة المنحصرة لا على الفرد الآخر، أي العلّة غير المنحصرة و لو أراد الثاني لقيّده.

ثمّ إنّ المستدل قاس المقام بما إذا دار الأمر بين الواجب النفسي و الغيري، فانّ الضابطة هي حمل الصيغة على الأمر النفسي دون الغيري، و ذلك لأنّ النفسي هو الواجب على الإطلاق بلا قيد و لكن الثاني هو الواجب لغيره، أو إذا وجب الغير فمقتضى مقدّمات الحكمة حمله على ما يكون المطلق وافياً ببيانه كالنفسي دون الفرد الآخر الذي يحتاج وراء المطلق إلى وجود قيد آخر.

و قد أورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين:

الأوّل: انّ الإطلاق و التقييد من شؤون المعاني الاسمية التي تقع في أُفق النفس، فيلاحظها تارة مطلقة و أُخرى مقيدة.

و أمّا المعاني الحرفية كمعنى «إن الشرطية» أو هيئة الجملة الشرطية فكلّها معان حرفية آلية فلا توصف بالإطلاق و لا التقييد، إذ لا يمكن لحاظها على وجه الاستقلال حتّى توصف بأحدهما.

ص: 173

الثاني: وجود الفارق بين المقيس و المقيس عليه، و حاصله: أن قياس المقام- أعني العلة المنحصرة- بالوجوب النفسيّ الّذي يتعين بالإطلاق في غير محله، لكونه مع الفارق، و ذلك لأن الوجوب النفسيّ وجوب بقول مطلق سواء وجب هناك شي ء آخر أم لا، فيكون لفظ الوجوب منطبقاً عليه، و قالباً له، فلا مانع من تعيينه بالإطلاق. و هذا بخلاف الوجوب الغيري، فانه مشروط بوجوب الغير، فيحتاج إلى مؤونة زائدة، مثل قوله: «إذا وجبت الصلاة فتوضأ».

فالنتيجة: أنه لا مانع من إثبات الوجوب النفسيّ بإطلاق صيغة الأمر، لأن غيره- أعني الوجوب الغيري- محتاج إلى بيان وجوب شي ء آخر. بخلاف النفسيّ، فان النفسيّة ليست قيداً وجودياً حتى يحتاج إلى البيان، بل هي أمر عدمي أعني عدم وجوبه لشي ء آخر.

و هذا بخلاف العلة المنحصرة فليست كالوجوب النفسيّ، حيث انها خصوصية في مقابل الخصوصيات الأخر- أي أنها فرد مساوٍ لسائر أفرادها- و نسبة الإطلاق إلى جميع الخصوصيات واحدة من دون مرجح لخصوص العلة المنحصرة، فلا يمكن إثباتها بالإطلاق، فالفارق بينها و بين الوجوب النفسيّ ظاهر.

و اجيب أوّلًا: أنّ ما ذكره هنا في وصف المعاني الحرفية يغاير مختاره في مقدّمات الكتاب عند البحث عن المعاني الاسمية و الحرفية، فقد ذهب هناك إلى وحدة المعنى الاسمي و الحرفي جوهراً و ان الاستقلالية و الآلية من طوارئ الاستعمال و عوارضه، فعندئذ تصبح المعاني الحرفية كالاسمية مصباً للإطلاق، إذ ليس الآلية جزءاً، كما أنّ الاستقلالية ليست جزءاً بل ذات المعنى عارية عن الآلية و الاستقلالية.

ثانياً: سلمنا انّ الآلية جزء للمعنى الحرفي و لكن كون الشي ء مفهوماً آلياً ليس بمعنى كونه مغفولًا عنه من رأس حتّى يمتنع التقييد، بل انّ كثيراً من القيود في الكلام يرجع

ص: 174

إلى المعاني الحرفية، فقولك: ضربت زيداً في الدار، فالظرف قيد للنسبة، أي كونه في الدار(1).

قلت ويرد عليه ثالثاً: انّ التفريق بين المقيس و المقيس عليه غير تام لأنّه بعد تبادر ترتّب التالي على المقدّم من الجملة الشرطية، اي انّها تدلّ على أنّ المقدّم وضع فيها موضع الفرض و التقدير، و على تقدير حصوله فالتالي حاصل عنده تبعا أي يتلوه في الحصول, و عليه فلو كان هناك شرط آخر للجزاء بديل لذلك الشرط، و كذا لو كان معه شي ء آخر يكونان معا شرطا للحكم، لاحتاج ذلك إلى بيان زائد إمّا بالعطف ب «أو» في الصورة الأولى، أو العطف بالواو في الصورة الثانية؛ لأنّ الترتّب على الشرط ظاهر في أنّه بعنوانه الخاصّ مستقلّا هو الشرط المعلّق عليه الجزاء، فإذا أطلق تعليق الجزاء على الشرط فإنّه يستكشف منه أنّ الشرط مستقلّ لا قيد آخر معه، و أنّه منحصر لا بديل، و لا عدل له، و إلّا لوجب على الحكيم بيانه و هو- حسب الفرض- في مقام البيان. فلا فرق بين ظهور الجملة الشرطية باطلاقها في العلة المنحصرة و بين ظهور صيغة «افعل» بإطلاقها في الوجوب العينيّ و التعيينيّ و النفسي.

و قوله «ان العلة المنحصرة ليست كالوجوب النفسيّ، حيث انها خصوصية في مقابل الخصوصيات الأخر و نسبة الإطلاق إلى جميع الخصوصيات واحدة من دون مرجح لخصوص العلة المنحصرة» اجتهاد قبال الظهور .

ص: 175


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص358

الوجه الرابع: الانحصار مقتضى إطلاق فعل الشرط

و هو التقرير الثاني للاطلاق, قال في الکفاية: «ثم إنه ربما يتمسك للدلالة على المفهوم بإطلاق الشرط بتقريب أنه لو لم يكن بمنحصر يلزم تقييده ضرورة أنه لو قارنه أو سبقه الآخر لما أثر وحده و قضية إطلاقه أنه يؤثر كذلك مطلقا»(1), و وجه الاستدلال هنا هو التمسک بالإطلاق الأحوالي للشرط- و هو المقدم-، فمصب الإطلاق هنا هو المجي ء مثلا في قولنا: «ان جاءك زيد فأكرمه»، كما أن مصبه في الوجه السابق كان في مفاد إن الشرطية, أو هيئة الجملة الشرطية .

و هذا الوجه أيضا من القرائن العامة الدالة على ثبوت المفهوم، و تقريبه: أن المقدم ان كان علة منحصرة صح أن يقال: كلما تحقق المقدم ترتب عليه التالي،و ان لم يكن علة منحصرة لم يصح ذلك، إذ الشرط المؤثر في وجود التالي حينئذ هو الجامع بينه و بين الأمر الآخر مع فرض المقارنة بينهما. و أما مع سبقه- أي المقدم- فيستند الأثر إليه، و يلغو الشرط الآخر، ففي المثال المتقدم ان لم يكن شرط الإكرام منحصراً في المجي ء، بل كان له شرط آخر كالسلام بأن قال: «ان جاءك زيد و سلم عليك فأكرمه» كان الجامع بين الشرطين هو المؤثر في وجود التالي أعني الإكرام، لا المجي ء فقط. مع أن إطلاق الشرط- أعني المجي ء- من حيث الحالات يقتضي أن يكون في حال انفراده و عدم انضمامه إلى غيره مؤثراً، و لذا قال في التقريرات: «أن ظاهر الجملة الشرطية يفيد وجود الجزاء عند وجود الشرط على وجه الاستقلال سواء فرض وجود شي ء آخر معه أو لم

ص: 176


1- كفاية الأصول، ط ال البيتعليهم السلام ص: 196

يفرض»(1), فانّه لو لم يكن منحصراً لزم تقييد تأثيره بما إذا لم يقارنه أو لم يسبقه شرط آخر ضرورة انّه لو قارنه أو سبقه شرط آخر لما أثّر وحدة كما في عاصمية الكر فانّه إنّما يؤثر إذا لم يكن ماء جارياً عن مبدأ و إلّا فلا يكون مؤثراً مع أنّ قضية إطلاقه أنّه مؤثر مطلقاً، قارنه شي ء أم لم يقارنه، سبقه شي ء أم لم يسبقه.

ثم اجاب عنه بما حاصله: أن إطلاق الشرط لو تم لدل على المفهوم قطعاً، لكن الكلام في تماميته، لأن إحراز كون المتكلم في مقام بيان انحصار الشرط و ترتب الجزاء عليه فقط مشكل جداً، إذ الظاهر أنه في مقام بيان كون الجزاء مترتباً على الشرط من دون بيان كيفية الترتب، و أنه بنحو الترتب على العلة المنحصرة أم لا، فبيان كيفيته مما لا سبيل إلى إحرازه.

الوجه الخامس: التمسّك بإطلاق الشرط

و هو التقرير الثالث للاطلاق, و حاصله: انّ مقتضى إطلاق الشرط، انحصارُه, و هذا أيضا من القرائن العامة التي استدل بها على ثبوت المفهوم للجملة الشرطية(2)، و توضيحه: أن ذات الشرط كالمجي ء في مثال «ان جاءك زيد فأكرمه» بمقتضى ظهور «ان» الشرطية يكون شرطاً، فالجزاء مستند إلى ذاته، و مترتب عليه، و مقيد به، ضرورة أن أداة الشرط تقيد الجزاء بالشرط، فلا يكون ثابتاً بدونه. و الإطلاق- أي عدم بيان عدل للشرط كالمجي ء في المثال- يقتضي كونه منحصراً بحيث يدل على الانتفاء عند الانتفاء، و الإطلاق هنا عدلي ينفي العدل الّذي يقتضيه العطف ب «أو»، و الإطلاق السابق كان

ص: 177


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 324
2- كفاية الأصول، ط ال البيتعليهم السلام ص: 196

انضمامياً نافياً للانضمام الّذي يقتضيه العطف بالواو. و يعبر عن السابق بالإطلاق الواوي- أي لو كان شي ء دخيلا في تأثير الشرط في الجزاء لكان معطوفاً على الشرط بالواو- مثل «ان جاءك زيد و حفظ درسه فأكرمه»، و عن هذا بالإطلاق الأوي- أي لو كان شي ء آخر أيضا علة لتحقق الجزاء لكان معطوفاً بأو- نحو «ان جاءك زيد أو سلم عليك فأكرمه». و هذا الإطلاق المبحوث عنه نظير إطلاق صيغة الأمر في كونه معيناً للوجوب التعييني، فان الوجوب التخييري و ان كان من أقسام الوجوب إلّا أنه محتاج إلى بيان زائد على أصل الوجوب كأن يقول: «صم أو أطعم»، فهذا الإطلاق كإطلاق صيغة الأمر مثبت للتعيين و الانحصار، و نافٍ للعدل، و مترتب على الإطلاق السابق المثبت لكون الشرط علة تامة، حيث كان مقتضاه عدم دخل شي ء في علية الشرط و تأثيره في الجزاء و أنه لو كان شي ء آخر دخيلا في عليته و ترتب الجزاء عليه لعطفه المتكلم بالواو كالمثال المتقدم. كما أن الإطلاق هنا يثبت عدم وجود عدل للشرط مؤثر وحده في تحقق الجزاء، و لو كان لعطفه المتكلم ب «أو» كالمثال المتقدم أيضا, و بالجملة: الإطلاق العدلي الّذي هو المقصود من هذا الدليل- على ما يقتضيه مقايسته مع إطلاق صيغة الأمر المثبت للتعيينية النافي لجعل العِدل للوجوب- مترتب على الإطلاق.

و اورد عليه المحقّق الخراساني ، بما حاصله: إنّ قياس العلة المنحصرة بالوجوب التعييني قياس مع الفارق, و توضيحه: أن الوجوب التعييني مغاير للوجوب التخييري ثبوتاً و إثباتاً.

أما مغايرتهما ثبوتاً، فلان مصلحة الوجوب التعييني غير مصلحة الوجوب التخييري، حيث ان المصلحة في التعييني قائمة بنفس الواجب، و في التخييري قائمة بالجامع بين الأمرين مثل: «صم أو أعتق»، أو قائمة بكل منهما مع عدم إمكان الجمع بين المصلحتين، لسقوط الوجوب بإتيان أحد الشيئين اللذين تقوم بهما المصلحتان.

ص: 178

و أما مغايرتهما إثباتاً، فلاحتياج التخييري إلى بيان العدل بمثل كلمة «أو» كأن يقال: «صم أو أعتق»، بخلاف التعييني، فانه لا يحتاج إلى بيان زائد على بيان أصل الوجوب بمثل «صل»، و لما كان الإطلاق أمراً عدمياً، فمقتضاه عدم جعل العِدل، و ليس الوجوب التعييني إلّا ذلك.

و هذا بخلاف العلة المنحصرة و غيرها، فانه لا تفاوت بينهما في التأثير في المعلول، لأن صفة الشرطية منتزعة عن خصوصية ذاتية محضة، و الذاتيات لاتقبل التخيير، لأنها لا تتخلف، فالشرطية قائمة بالشرط الواحد و المتعدد على وزان واحد، لا أنها قائمة بالمتعدد تخييراً و بالواحد تعييناً حتى يكون الإطلاق مقتضياً للثاني، كإطلاق صيغة الأمر المقتضي لتعين الوجوب. و بذلک اتضح فساد قياس العلة المنحصرة و غيرها بالوجوب التعييني و التخييري.

اقول: و يرد علی جوابه ما اجبنا به اشکاله علی الوجه الاول من تقرير الاطلاق بقولنا ثالثا فلا نعيد.

إلى هنا تمّت الوجوه الخمسة التي ذكرها المحقّق الخراساني و اليک باقي الوجوه التي ذکرها العلماء:

الوجه السادس: ما عن السيد المحقّق البروجردي

و حاصله: إنّ مقتضى الترتّب العلّي على المقدّم، أن يكون المقدّم بعنوانه الخاص علّة، و هو محفوظ عند ما كانت العلّة منحصرة و لو لم يكن كذلك لزم استناد الثاني إلى الجامع بينهما لامتناع استناد الواحد إلى الكثير، و هو خلاف ظاهر الترتّب على المقدّم بعنوانه(1),

ص: 179


1- نهاية الدراية: 322.

قال السيد البروجردي: عرضت ذلك التقريب على المحقّق الخراساني، فأجاب عنه بالنحو التالي:

إنّ المفهوم رهن الظهور العرفي، و الظهور العرفي لا يثبت بهذه المسائل الفلسفية البعيدة عن الأذهان العرفية، و أنّى للعرف دراسة هذا الموضوع «انّه لو كان للجزاء علل مختلفة يجب أن يستند إلى الجامع و حيث إنّه خلاف ظاهر القضية فهو مستند إلى شخص الشرط و تصير نتيجته انّه علة منحصرة»(1).

و فيه اولا: بطلان قاعدة الواحد لا يصدر الّا من واحد عقلا, کما حققناه في کتابنا الرؤية الفلسفية نقد و تحليل و سيأتي الکلام عنها في التنبيه الاول من هذا البحث .

ثانيا: انها لا تجري في الاعتباريات و أنّ مصب القاعدة على فرض صحتها هو الأُمور التكوينية لا الاعتبارية فانها تابعة لاعتبار المعتبر.

الوجه السابع: ما ذكره المحقّق النائيني

و حاصله: إنّ الشرط المذكور في القضية الشرطية إمّا أن يكون في حدّ ذاته ممّا يتوقف عليه عقلًا، وجود ما هو متعلّق الحكم في الجزاء، و إمّا أن لا يكون كذلك، و على الأوّل لا يكون للقضية مفهوم لا محالة، كما في قولنا: إن رزقت ولداً فاختنه، و بما انّ كلّ قضية حملية تنحل إلى قضية شرطية يكون مقدّمها وجود الموضوع، و تاليها ثبوت المحمول له و يكون التعليق عقلياً لا يكون هناك مفهوم.

و أمّا القسم الآخر في أنّ الحكم الثابت في الجزاء ليس بمتوقّف على وجود الشرط عقلًا، فلا يخلو إمّا أن يكون مطلقاً بالإضافة إلى وجود الشرط، أو يكون مقيّداً به، و بما انّه

ص: 180


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 365

رتب في ظاهر القضية على وجود الشرط، يمتنع الإطلاق فيكون مقيّداً بوجود الشرط و بما انّ المتكلّم في مقام البيان قد أتى بقيد واحد و لم يقيده بشي ء آخر، سواء أ كان التقييد بذكر عدل له في الكلام أم كان بمثل العطف بالواو ليكون قيد الحكم في الحقيقة مركباً من أمرين، كما في قولنا: إذا جاءك زيد و أكرمك فأكرمه، يستكشف من ذلك، انحصار القيد بخصوص ما ذكر في القضية الشرطية، و بالجملة فكما أنّ إطلاق الشرط و عدم تقييده بمثل العطف بالواو، يدلّ على عدم كون الشرط مركباً، كذلك إطلاقه و عدم تقييده بشي ء مثل العطف، يدلّ على انحصار الشرط بما هو مذكور في القضية(1).

قلت: أنّه ليس تقريباً جديداً، بل هو نفس التقريب الثالث للمحقّق الخراساني للإطلاق و قد تقدم البحث عنه فلا نطيل .

الوجه الثامن الاستدلال بالاخبار

و يشهد لذلك الاخبار و النصوص الدالة علی حجية مفهوم الشرط و هي کالتالي:

1- صحيحة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الشاة تذبح فلا تتحرّك و يهراق منها دم كثير عبيط؟ فقال علیه السلام: «لا تأكل إنّ عليّا علیه السلام كان يقول: إذا ركضت الرّجل أو طرفت العين فكل»(2)، فإنّ استدلال الإمام بقول عليّ علیه السلام لا يكون إلّا إذا كان له مفهوم، و هو إذا لم تركض الرّجل أو لم تطرف العين فلا تأكل.

2- صحيحة أبي أيوب قال: «قلت لأبي عبد الله علیه السلام: إنا نريد أن نتعجل السير و كانت ليلة النفر حين سألته فأي ساعة ننفر: فقال لي: أما اليوم الثاني فلا تنفرحتى تزول الشمس

ص: 181


1- أجود التقريرات: 418/ 1.
2- تهذيب الأحكام (تحقيق الخرسان)، ج 9، ص: 57ح240

و كانت ليلة النفر و أما اليوم الثالث فإذا ابيضت الشمس فانفر على بركة الله فإن الله جل ثناؤه يقول: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْه﴾ فلو سكت لم يبق أحد إلّا تعجل و لكنه قال: ﴿وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْه﴾.

3- خبر عبيد بن زرارة قال: «قلت لأبي عبد الله علیه السلام قوله عز و جل: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) قال: ما أبينها، من شهد فليصمه و من سافر فلا يصمه».

4- صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله علیه السلام «و سئل عن الماء تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي ء».

5- صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله علیه السلام «قال: قلت له: الغدير فيه ماء مجتمع تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب قال: إذا كان قدر كر لم ينجسه شي ء الخبر».

و وجه الاستدلال بهذه الأخبار و تقريبه فيها هو اكتفاء الأئمة عليهم السلام بالشرط في الجواب مع وقوع السؤال عما يتوقف فهمه على المفهوم و المنطوق, و عليه قدماء الاصحاب ايضا فروي عن هشام بن الحكم أنه تناظر هو و بعض المخالفين في الحكمين بصفين عمرو بن العاص و أبي موسى الأشعري فقال المخالف: إن الحكمين بقبولهما الحكم كانا مريدين الإصلاح بين الطائفتين فقال هشام: بل كانا غير مريدين للإصلاح بينهما، فقال المخالف: من أين قلت هذا؟ قال هشام: من قول الله في الحكمين: ﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ علمنا أنهما لم يريدا الإصلاح.

و الحاصل انّ ظهور الجملة الشرطيّة في المفهوم ممّا لا ينبغي أن يتطرّق إليه الشكّ، إلّا مع قرينة صارفة، أو تكون واردة لبيان الموضوع.

ص: 182

استدلال المنكرين للمفهوم

قال في الکفاية: «ثم إنه ربما استدل المنكرون للمفهوم بوجوه:

منها: ما عزي إلى السيد من أن تأثير الشرط إنما هو تعليق الحكم به و ليس بممتنع أن يخلفه و ينوب منابه شرط آخر يجري مجراه و لا يخرج عن كونه شرطا فإن قوله تعالى ﴿وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُم﴾ (1) يمنع من قبول الشاهدالواحد حتى ينضم إليه شاهد آخر فانضمام الثاني إلى الأول شرط في القبول ثم علمنا أن ضم امرأتين إلى الشاهد الأول شرط في القبول ثم علمنا أن ضم اليمين يقوم مقامه أيضا فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن تحصى مثل الحرارة فإن انتفاء الشمس لا يلزم انتفاء الحرارة لاحتمال قيام النار مقامها و الأمثلة لذلك كثيرة شرعا و عقلا(2)«(3), و حاصله أنّ المستفاد من الأداة ليس إلّا شرطيّة التالي و الشرطيّة غير ملازمة لعدم البدل و ما يقوم مقامه؛ إذ الشرائط التي لها بدل لا تعدّ و لا تحصى، مثلا شهادة العدلين شرط للقبول، و قيام امرأتين يقوم مقام العدل الواحد، و كذا اليمين و أربع نساء يقوم مقام العدلين و هكذا.

ص: 183


1- البقرة/ 282.
2- الذريعة: 1/ 406، في جوابه عن ثالث وجوه أدلة القول بثبوت المفهوم.
3- كفاية الأصول، ط ال البيت عليهم السلام ص: 197

و اجيب: أنّ المقدّمة الاولى غير مفروغ عنها و ذلك لأنّ مدّعي المفهوم لا يستند إلى ملازمة الشرطيّة لعدم البدل حتّى يرد عليه ما ذكر، بل إلى ظهور القضيّة في الانحصار كما عرفت(1).

و منها: الاستدلال بآية ﴿لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾؛ إذ لازم القول بالمفهوم عدم حرمة الإكراه في صورة عدم إرادة التعفّف.

و فيه: ما تقدم من أنّ محلّ الكلام في القضيّة الشرطيّة هو ما إذا كان للقضيّة موضوع و محمول و شرط، و كان الموضوع ثابتا في صورتي وجود الشرط و عدمه و لم يكن لوجود الشرط و عدمه دخل في وجود الموضوع، بل كان وجوده محفوظا في كلتا الحالتين، ففي قولك: إن جاء زيد فأكرمه، الموضوع زيد، و المحمول وجوب الإكرام، و الشرط هو المجي ء، فالقائل بالمفهوم يقول بأنّ الحكم المحمول على زيد في صورة وجود المجي ء وجوب الإكرام و في صورة عدمه عدم وجوبه.

و أمّا ما إذا كان الشرط محقّقا لوجود الموضوع بحيث لزم من انتفائه انتفاء الموضوع فعدم الحكم حينئذ عند عدمه ليس من باب المفهوم، بل لأجل ارتفاعالموضوع، و قد عرفت أنّ ارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه عقلي خارج عن محلّ الكلام، فلو قال: إن رزقت ولدا فاختنه أو إن ركب الأمير فخذ ركابه، فعدم وجوب الختان و أخذ الركاب عند عدم الشرط إنّما هو لأجل انتفاء الموضوع و هو الولد في الأوّل و الركاب في الثاني، و الآية الشريفة من هذا القبيل، إذ في صورة عدم إرادتهن التحفّظ و التعفّف لا يبقى

ص: 184


1- أصول الفقه ( الاراكي، محمدعلي )، ج 1، ص: 260

موضوع للإكراه، فعدم حرمة الإكراه حينئذ سالبة بانتفاء الموضوع، فيصحّ أن يقال: إنّ الإكراه في هذه الصورة ليس بحرام و تجب الممانعة.

و منها: «أنه لو دل لكان بإحدى الدلالات و الملازمة كبطلان التالي ظاهرة و قد أجيب عنه بمنع بطلان التالي و أن الالتزام ثابت و قد عرفت بما لا مزيد عليه ما قيل أو يمكن أن يقال في إثباته أو منعه فلا تغفل(1).

دفع و وهم

حكی الشيخ الأنصاري في تقريراته عن بعضهم، الاستشكال في المقام - بل في مطلق القضايا الشرطيّة - من اعتبار كون المنفي سنخ الحكم مع أن المعلق على الشرط في المنطوق جزئي نظراً إلى أنّ الشرط المذكور إنّما وقع شرطاً بالنسبة إلى الإنشاء الخاص، الحاصل بذلك الكلام دون غيره فأقصى ما تفيده الشرطية انتفاء ذلك و أين ذلك، من دلالته على نوع الوجوب؟!(2).

و اجاب عنه في التقريرات: بأنّ الكلام المشتمل على المفهوم إمّا أن يكون خبريّا، كقولك: «يجب على زيد كذا إن كان كذا» و إمّا أن يكون إنشائيّا، كقولك: «إن جاءك زيد فأكرمه» و ارتفاع مطلق الوجوب في طرف المفهوم في الأوّل ظاهر، حيث إنّ المخبر عن ثبوته في المنطوق ليس شخصا خاصّا من الوجوب، ضرورة كون الوجوب كلّيا. فلا يتوجّه هنا إشكال حتّى يدفع بما ذكره أو بغيره. و أمّا ارتفاع مطلق الوجوب فيما إذا كان

ص: 185


1- كفاية الأصول، ط ال البيت عليهم السلام ص: 198
2- مطارح الأنظار؛ ط الجديد ج2 ح39

الكلام إنشائيّا فهو من فوائد العلّية و السببيّة المستفادة من الجملة الشرطيّة، حيث إنّ ارتفاع شخص الطلب و الوجوب ليس مستندا إلى ارتفاع العلّة و السبب المأخوذ في الجملة الشرطيّة، فإنّ ذلك يرتفع ولو لم يؤخذ المذكور في حيال أداة الشرط علّة له، كما هو ظاهر في اللقب و الوصف.

فقضيّة العلّية و السببيّة ارتفاع نوع الوجوب الذي أنشأه الآمر و صار بواسطة إنشائه شخصا من الوجوب. و أمّا وقوع الشرط شرطا للإنشاء الخاصّ فهو بملاحظة نوع الوجوب المتعلّق به الإنشاء و إن لم يكن ذلك على ذلك الوجه مدلولا للّفظ، إذ يكفي فيه ارتفاع شخصه من حيث إنّه عنوان لارتفاع نوعه، نظرا إلى العلّية المذكورة(1), و حاصله: أن الوجوب المعلق على الشرط ان كان بالأخبار، كقولك: «يجب إكرام زيد ان جاءك» فلا يرد عليه إشكال، لكون الوجوب فيه كلياً، حيث ان المادة قد استعملت في معناها الكلي. و ان كان بالإنشاء كقوله: «ان جاءك زيد فأكرمه» فالوجوب و ان كان جزئياً، لكونه معنى الهيئة الّذي هو حرفي، لأنها موضوعة لإنشاء النسبة الطلبية بين المادة- كالإكرام- و المخاطب، و النسبة قائمة بالطرفين، فهي معنى حرفي، إلّا أن أداة الشرط مثل كلمة «ان» تدل على انحصار علة سنخ الحكم و طبيعته بالشرط المذكور في المنطوق، و ان كان الحكم المذكور فيه فرداً من أفراد طبيعة الحكم، كما إذا كان بلسان الإنشاء.

و الوجه في قرينية أداة الشرط على انحصار علية الشرط لسنخ الحكم لا لشخصه هو: أنه لو كان الحكم جزئياً لا كلياً، كان انتفاؤه بانتفاء الشرط عقلياً و أجنبياً عن باب المفهوم، و إلّا كان للقضية اللقبية أيضا مفهوم، لانتفاء شخص الحكم فيها بانتفاء موضوعه، و هو باطل بالضرورة، لما مر من أن انتفاء شخص الحكم في كل قضية بانتفاء موضوعه عقلي

ص: 186


1- مطارح الأنظار؛ ط الجديد ج2 ح39

و أجنبي عن المفهوم. و عليه، فأداة الشرط تدل على انحصار علة سنخ الحكم- لا شخصه- بالشرط.

فالنتيجة: دلالة القضية الشرطية على المفهوم مطلقاً سواء كان الحكم المذكور في المنطوق بلسان الاخبار أم الإنشاء.

جواب صاحب الکفاية

و أجاب عن الاشکال في الکفاية بما حاصله: أنّ الخصوصية غير مأخوذة في المستعمل فيه و ذلك لوجهين:

1. الخصوصية الإنشائية كالخصوصية الاخبارية غير مأخوذة في المعنى، مثلًا كلمة بعت وقعت لنسبة البيع إلى المتكلم، و أمّا كونه موجداً للبيع أو حاكياً عنه في الخارج فهو يستفاد من القرائن و يعد من طوارئ الاستعمال.

2. انّ اللحاظ الآلي في الحروف و الاستقلالية في الأسماء ليس جزءاً للمعنى الموضوع له و المستعمل فيه، و إنّما تعرضه الآلية عند الاستعمال كما يعرضه الاستقلال عنده(1).

قيل: أنّه لو كان الإشكال هو ما يتبادر من ظاهر المطارح من أنّ الجزاء مقيّد بالشرط حيث إنّ الظاهر انّ الشرط، شرط للحكم الحاصل بإنشائه دون غيره فبانتفاء الشرط ينتفي شخص الحكم دون سنخه، فيصح الذب عنه بما اختاره المحقّق الخراساني من أنّ الخصوصيات غير مأخوذة لا في الإخبار و لا في الإنشاء، لا في الأسماء و لا في الحروف, و أمّا لو قرر الإشكال حسب ما قرره السيد المحقّق البروجردي في درسه الشريف، و يستفاد من بعض مواضع المطارح أيضاً، و هو انّ شأن صيغة الأمر في جانب الجزاء هو

ص: 187


1- كفاية الأصول، ط ال البيت عليهم السلام ص: 199

إيجاد البعث و الوجوب، فإذاً المنشأ أمر جزئي، لا نوعي فليس هنا دال على سنخ الوجوب، فعندئذ لا يصلح ما في الكفاية ردّاً له(1).

قلت و فيه: ما تقدم من بطلان کلا المبنيين فلا يصلحان للجواب .

تنبيهات:

التنبيه الاول إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء

إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء کما إذا وردت جملتان شرطيّتان أو أكثر، و قد تعدّد الشرط فيهما و كان الجزاء واحدا. و هذا يقع على نحوين:

1. أن يكون الجزاء غير قابل للتكرار، نحو التقصير في السفر فيما ورد «إذا خفي الأذان فقصّر»، و «إذا خفيت الجدران فقصّر», و لهذا النحو عقد هذا التنبيه.

2. أن يكون الجزاء قابلا للتكرار، كما في نحو «إذا أجنبت فاغتسل»، «إذا مسست ميّتا فاغتسل». و سيأتي البحث عنه في التنبيه الثاني .

أمّا النحو الأوّل: فيقع فيه التعارض بين الدليلين، بناء على مفهوم الشرط - و الّا اذا قلنا بخلوّ الجملة الشرطية عن المفهوم فلا تعارض بين الدليلين و يؤخذ بظهورهما في انّ كلّ واحد سبب تام، و ليس سبباً ناقصاً فيكفي خفاء واحد منهما في وجوب التقصير- و لكن التعارض إنّما هو بين مفهوم كلّ منهما مع منطوق الآخر، كما هو واضح, کما إذا ورد: إذا خفي الأذان فقصّر، و ورد أيضاً إذا خفيت الجدران فقصّر، و ذلك لأنّ مفهوم قوله:

ص: 188


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 375

إذا خفي الأذان فقصّر: انّه إذا لم يخف الأذان لا تقصّر الصلاة، سواء أخفيت الجدران أم لا، فهذا المفهوم يعارض منطوق القضية الثانية التي تحكم بوجوب القصر عند خفاء الجدران.

و مثل القضية الأُولى القضية الثانية فانّ مفهومها انّه إذا لم تخف الجدران فلا تقصّر، سواء أ خفي الأذان أم لا، فيعارض مفهومُها منطوق القضية الأُولى التي مفادها انّه إذا خفي الأذان، فقصّر، فلا بدّ من علاج التعارض بين القضيتين.

وجوه لرفع التعارض بين مفهوم إحدى القضيتين مع منطوق الأخرى

و قد ذكر المحقّق الخراساني في رفع التعارض وجوهاً خمسة، و المقبول منها وجهان:

تخصيص مفهوم كلّ بمنطوق الآخر

الوجه الأوّل: أن نقيّد كلّا من الشرطيّتين من ناحية ظهورهما في الاستقلال بالسببيّة، ذلك الظهور الناشئ من الإطلاق- كما سبق- الذي يقابله التقييد بالعطف بالواو، فيكون الشرط في الحقيقة هو المركّب من الشرطين، و كلّ منهما يكون جزء السبب، و الجملتان تكونان حينئذ كجملة واحدة مقدّمها المركّب من الشرطين، بأن يكون مؤدّاهما هكذا «إذا خفي الأذان و الجدران معا فقصّر».

و ربّما يكون لهاتين الجملتين معا حينئذ مفهوم واحد، و هو انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرطين معا، أو أحدهما، كما لو كانا جملة واحدة.

ص: 189

تقييد منطوق كلّ بالآخر

الوجه الثاني: أن نقيّدهما من ناحية ظهورهما في الانحصار، ذلك الظهور الناشئ من الإطلاق المقابل للتقييد ب «أو», و حينئذ يكون الشرط أحدهما على البدليّة أو الجامع بينهما على أن يكون كلّ منهما مصداقا له، و ذلك حينما يمكن فرض الجامع بينهما و لو كان عرفيّا.

و حاصل الوجهين: إنّ ظاهر القضية الشرطية على القول بالمفهوم انّ للشرط وصفين:

1. انّه سبب تام لا ناقص.

2. انّه سبب منحصر ليس له بديل.

فالتصرف في مفهوم كلّ بمنطوق الآخر بمعنى سلب الانحصار عن كلّ مع حفظ سببية كلّ، للقصر، كما أنّ التصرف في منطوق كلّ هو التصرف في تمامية السبب، و انّ كلّ واحد ليس سبباً تاماً، بل سبب ناقص لا يتمّ إلّا بضمّ جزء آخر إليه.

و هذان الوجهان معقولان، و مقتضی القاعدة انّ الترجيح بأي واحد منهما انما هو رهن القرينة الخارجية.

دوران الأمر بين الوجهين

و إذ يدور الأمر بين الوجهين في التصرّف، فأيّهما أولى؟ هل الأولى تقييد ظهور الشرطيّتين في الاستقلال أو تقييد ظهورهما في الانحصار؟ قولان في المسألة.

و الظاهر هو التصرّف الثاني؛ لأنّ منشأ التعارض بينهما هو ظهورهما في الانحصار الذي يلزم منه الظهور في المفهوم، فيتعارض منطوق كلّ منهما مع مفهوم الأخرى كما تقدّم،

ص: 190

فلا بدّ من رفع اليد عن ظهور كلّ منهما في الانحصار بالإضافة إلى المقدار الذي دلّ عليه منطوق الشرطيّة الأخرى؛ لأنّ ظهور المنطوق أقوى؛ أمّا ظهور كلّ من الشرطيّتين في الاستقلال فلا معارض له حتّى ترفع اليد عنه.

و إذا ترجّح القول الثاني- و هو التصرّف في ظهور الشرطيّتين في الانحصار- يكون كلّ من الشرطين مستقلّا في التأثير، فإذا انفرد أحدهما كان له التأثير في ثبوت الحكم. و إن حصلا معا، فإن كان حصولهما بالتعاقب كان التأثير للسابق، و إن تقارنا كان الأثر لهما معا و يكونان كالسبب الواحد؛ لامتناع تكرار الجزاء حسب الفرض.

رأي المحقّق النائيني

و ذهب المحقّق النائيني إلى عدم الترجيح و بالتالي صيرورة القضيتين مجملتين، فتصل النوبة إلى الأُصول العملية، قال: إنّ كلا من القضيتين ظاهر في العلّة المنحصرة و لكن تعدّدها ينافي ذلك، فلا بدّ إمّا من رفع اليد عن كونه علّة تامة و جعله جزء العلة فيكون المجموع من الشرطين علة تامة منحصرة ينتفي الجزاء عند انتفائهما معاً، فتكون القضيتان قضية واحدة، مثلًا يكون قوله: إذا خفي الأذان فقصّر و إذا خفي الجدران فقصّر بمنزلة قوله: إذا خفي الأذان و الجدران فقصّر.

و إمّا من رفع اليد عن كونه علّة منحصرة مع بقائه على كونه علّة تامّة فيكون الشرط أحدهما تخييراً و تكون القضيتان بمنزلة قوله: إذا خفي الأذان أو خفي الجدران فقصّر، و يكفي حينئذ أحدهما في ترتب الجزاء، و حينئذٍ لا بدّ من رفع اليد عن أحد الظهورين: إمّا ظهور الشرط في كونه علة تامة و إمّا ظهوره في كونه علّة منحصرة.

ص: 191

و حيث لم يكن أحد الظهورين أقوى من ظهور الآخر و لا أحدهما حاكماً على الآخر لمكان انّ كلا من الظهورين إنّما يكون بالإطلاق و مقدّمات الحكمة كان اللازم الجري على ما يقتضيه العلم الإجمالي من ورود التقييد على أحد الإطلاقين(1).

و فيه: ما تقدم من إنّ دلالة القضية الشرطية على السببية التامة أظهر من دلالتها على السببية المنحصرة، و الدلالة الأُولى مورد اتفاق إذا كان المتكلّم في مقام البيان، بخلاف الدلالة الثانية فقد عرفت إنكار جمع المحقّقين لها، و التصرف في مفهوم كلّ من القضيتين بمنطوق الآخر تصرف في الدلالة الثانية, أي: دلالتها على انحصار العلّية و السببية في واحد من الشرطين .

بخلاف التصرف في منطوق كلّ بالآخر فانّه تصرف في سببية كلّ للجزاء و دلالة القضية الشرطية للسببية التامة أقوى و أظهر من دلالتها على الانحصار، و مع دوران الأمر بين أحد التقييدين يتصرف في الأضعف دون الأقوى.

أضف إلى ذلك انّا نعلم علماً وجدانياً بزوال الانحصار إمّا بزواله وحده أو في ضمن زوال الاستقلال، فعند ذلك ينحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي، و هو زوال الانحصار و شك بدوي و هو الشك في زوال الاستقلال.

و ربما يؤيّد ما ذكرنا من أنّ اللازم رفع اليد عن الانحصار دون السببيّة بأنّ مصب التعارض و إن كان هو المفهوم من جانب و المنطوق من جانب آخر إلّا أنّه يستحيل التصرف في المفهوم نفسه، لأنّه مدلول تبعي و لازم عقلي للمنطوق، فلا بدّ من رفع اليد عن ملزوم المفهوم بمقدار يرتفع به التعارض، و لا يكون ذلك إلّا بتقييد المنطوق و رفع اليد عن

ص: 192


1- فوائد الأُصول للكاظمي: 487/ 1

انحصاره، دون كونه علة تامة، لعدم الحاجة إلى التصرف في تمامية كل واحد من الشرطين بعد إلغاء الانحصار(1).

يلاحظ عليه: أنّ المفهوم إذا صار حجة يكون كالمنطوق في قابلية كلّ للتقييد فكيف يقول باستحالة التصرف في المفهوم بحجّة انّه مدلول تبعي و لازم عقلي للمنطوق.

نعم صار المنطوق واسطة في الثبوت في ظهور هذه الحجة، و عندئذ لا مانع بعد ظهورها أن يكون طرفاً للمعارضة بينه و بين المنطوق الآخر.

و کيف کان فالقول بأنّ كلّ واحد سبب مستقل هو الظاهر فلا يصار الی القول بأنّهما معاً سبب مستقل.

بقي الكلام في الوجوه الثلاثة و هي:

الوجه الثالث: رفع اليد عن المفهوم منهما

و حاصل هذا الوجه هو سلب المفهوم عن القضيتين و انّهما لا تدلّان وراء المنطوق على شي ء آخر حتّى يخصص منطوق كلّ بمفهوم الآخر.

و فيه: انه ما المراد من سلب المفهوم فهل المراد انکار المفهوم للشرط ام المراد تعارض المفهومين مع المنطوقين و تساقطهما؟ و الاول خلاف الفرض, و الثاني يرجع الی الوجه الاول و قد عرفت ضعفه .

ص: 193


1- أجود التقريرات: 424/ 1 425، قسم التعليقة.

الوجه الرابع: جعل الشرط هو القدر المشترك

و حاصل هذا الوجه، هو جعل الشرط القدر الجامع المشترك بين الخفاءين، فليس الميزان خفاء الأذان بما هو هو و لا خفاء الجدران كذلك، بل الميزان في وجوب القصر، هو البعد عن الوطن أو محل الإقامة بمقدار خاص يلازمه خفاء الأذان و الجدران، فخفاؤهما أمارتان للموضوع أي الابتعاد بمقدار خاص و طريقان إليه، و ليس لهما موضوعيّة, و استدلّ على ذلك بوجهين:

1. انّ وحدة المعلول أي وجوب القصر كاشف عن وحدة العلّة لامتناع صدور الواحد عن الكثير بما هو كثير من دون جامع بينهما، فهذه القاعدة تجرّ الباحث إلى القول بأنّ هنا علّة واحدة و هي البعد عن الوطن أو محل الإقامة للمعلول الواحد أي وجوب القصر.

و فيه اولا: انها لا تجري في الاعتباريات فانها تابعة لاعتبار المعتبر, و أنّ مصب القاعدة على فرض صحتها هو الأُمور التكوينية لا الاعتبارية، و أين هذه الضابطة من الوجوب الاعتباري النوعي اي وجوب القصر, الذي يتكثر بتكثر أفراده؟!

بطلان قاعدة الواحد

ثانيا: بطلان قاعدة الواحد لا يصدر الّا من واحد عقلا کما حققناه في کتابنا الرؤية الفلسفية نقد و تحليل و قلنا: ان الذي يظهر من تاريخ الفلسفة و اعتقادات الملل؛ إن الأصل في هذه القاعدة هو تبرير القول بإلهين، يعني: إلهي الخير و الشر و إنه يستحيل صدور الضد من الاله الذي هو محض الخير و المراد من الضّد هو الشّر. و اصطلاح الضد هنا بالمعنی الاعم من النقيض و الضد المنطقي فهو شامل لهما.

ص: 194

و قد أجاب عن هذه الشبهة السيد الکبير عبد الله شبر رحمه الله : «بأنه اللازم من ذلك ان يکون لکل ضد إله مستقل وإنه يلزم تعدد الآلهة بتعدد الأضداد؛ کالبياض و السواد، و الحرارة و البرودة(1)...».

و اجاب عن هذه القاعده بعض المحققين: بأن الفلاسفة هم أنفسهم لا يلتزمون بالقاعدة فإن مقتضی القاعدة أن لا يصدر إلّا شيء واحد في حين إنهم يقولون إن الصادر الأول من الله سبحانه و تعالی مشتمل علی جهتين. فإن کانت الجهة الثانية مستندة في وجودها الی الله جل و علا فيلزم تعدد الجهة في ذاته و هم لا يقولون بذلك و إن لم تکن مستندة اليه فلازم ذلک استناد الموجود الی المعدوم اي يکون حصوله بلا علة له, و هو محال .

و قد اجاب عن ذلك بعض الفلاسفة: بأن هاتين الجهتين انتزاعيتان.

و ردّ: بان الأمر الإنتزاعي معدوم؛ فيلزم استناد الموجود الی المعدوم، حيث أنهم قائلون بصدور عقل و فلك من الصادر الأول و لازمه استناد الموجود الی المعدوم اي انه لا علة له, و هو محال .

و أما ما استدل به من أن الشيء لا يکون علة لضده, فجوابه: إن ذلك لا ينطبق علی الله جل و علا لأنه تعالی لا ضد له بمعنی الممانع کما ثبت بالبرهان. فهو واحد لا يتثنی و لا حد له, بل هو فوق الحد لان التناهي بمعنی الامتداد و عدمه من صفات الموجودات المادية, و لا مثيل و لا شبيه و عليه فجميع الأضداد الصادرة منه ليست ضداً له فالضدان أمران وجوديان لايجتمعان . و الله تعالی بعد عدم إمکان التعدد فيه يستحيل أن يکون له ممانعاً في وجوده فالأضداد في عالم المخلوقات لا علاقة لها بعالم الخالقية فلايمکن قياس عالم الآثار علی عالم المؤثر فقد قام البرهان أن الأثر غير المؤثر و أن الحاد غير

ص: 195


1- حق اليقين ج/1ص18 النقل بالمعنی .

المحدود فالمؤثر هنا لا يتطرق اليه التحديد و لا مقهورية في ذاته و بعد عدم وجود مقهورية في ذاته فهو غير الأثر الذي هو مقهور و مغلوب علی أمره و محدود في ذاته و وجوده فان وجوده مجعول قابل للعدم فلا سنخية بين الاثار وبين ذات الله تعالی حيث لا تکون مجعولة و لا قابلة للوجود و العدم فالآثار فيما بينها متضادة لانها من سنخ واحد أما بالنسبة الی مؤثرها فلا تضاد بينها و بينه لانه تعالی ليس من سنخها بل هي کلها تحت سلطانه يوجدها و يعدمها. هذا مضافاً الی انه:

أولاً: لايوجد دليل عقلي بديهي او برهاني علی صحة هذه القاعدة الواحد لايصدر منه الّا واحد, و يکفينا عدم الدليل في بطلانها، وما ذکر من الاستدلال عليها فأنه ليس ببرهان عقلي، بل الدليل فيه عين المدعی، فقالوا: «لا يمکن أن يصدر الکثير بما هو کثير من الواحد بما هو واحد» و هو کما تری عين محتوی الواحد لا يصدر منه الّا واحد.

و تارة يستدل لها بإنه لو لم نقل بان الواحد لا يصدر منه الّا واحد, لجاز أن يکون کل شيء علة لکل شيء. قلت: و هذا الاستدلال باطل من جهات:

الأولی: إنه يبتني علی ثبوت السنخية و هي باطلة من وجوه:

أولاً: إن کلمة الوجود، لا تدل علی حقيقة الوجود، و لا يمکن أن تشخص لنا کنه الوجود، و ليست هي مرادفة للذات المقدسة الالهية و ما هي إلّا عبارة عن التحقق و الثبوت، و لا معنی لأن يکون التحقق علة للتحقق کما لايخفی و عليه فما يقوله الفلاسفة من کون الله جل وعلا وجوداً لايصدر منه الّا الوجود مصادرة علی المطلوب بمعنی انه قد فرض سابقاً بان طبيعة و حقيقة واحدة مشترکة بين الخالقوالمخلوق تسمی بالوجود و الحال ان هذا اول الکلام و ذلک لان کلمه الوجود لا تشخص لنا کنه و حقيقة الوجود بل ما هي الّا عباره عن التحقق والثبوت لاغير.

ص: 196

ثانياً: لا يوجد أي دليل عقلي علی ضرورة المسانخة بين العلة و المعلول إلّا ما يظهر من السنخية بين العلل و المعاليل الطبيعة، و لا شك أنه لا يمکن قياسها علی العلل و المعاليل الواقعية. فما يثبت کقانون في الطبيعة لا يکون دليلاً علی ثبوته کقانون يحکم الوجود و الواقع, فلنفرض أن هنالك مسانخة بين النار و الحرارة فليس معنی ذلك أن ثبوت هذا القانون الطبيعي غير مجعول, و انه ضروري الوجود و الثبوت حتی في الواقع، و لايمکن تبدله و تغيره و قد اوضحنا ذلک في کتابنا الرؤية الفلسفية نقد و تحليل.

ثالثا: القول بالسنخية يستلزم اجتماع النقيضين فالذي يقول بالسنخية بين العلة والمعلول لابد و أن يعتقد باجتماع النقيضين أو يقول بعدم وجود الممكن اصلا كما فعل كثير من الفلاسفة وقالوا ان ممكن الوجود لا وجود له و ذلك لان السنخية لو كانت موجودة بين المرتبة غير المتناهية و المرتبة الضعيفة فمعنى ذلك هو الاشتراك في حقيقة واحدة و هذه الحقيقة الواحدة بالنسبة الى مرتبتها الضعيفة ليست بواجبة الوجود بل هي ممكنة الوجود, و بالنسبة الی مرتبتها العالية هي واجبة الوجود و لازم ذلك هو اجتماع وجوب الوجود مع عدم وجوب الوجود و هذا هو اجتماع النقيضين وهو باطل.

الثانية: إنه لا يوجد في الواقع علل متعددة و إنما هنالك علة واحدة و هي الذات المقدسة الالهية و ما سواها فإنما يستمد الوجود منها و لا يملك من أمره شيئاً ما لم تهب له الذات المقدسة من وجود و قدرة.

و من هنا تعرف وجه المغالطة في الإستدلال: «إنه لجاز أن يکون کل شيء علة لکل شيء». فلا توجد في الواقع مصاديق کل شيء حتی يصدر منها کل شيء و إنما الواقع إله واحد و قدرة واحدة و ما سواها إنما يستمد القدرة منه تعالی. فهي إذن ساقطة من الحساب.

ص: 197

الثالثة: بعد قيام البرهان القاطع علی ثبوت الذات الأحدية الواحدة المنفردة في الألوهية و بعد ثبوت الکثرة في الواقع - و الفلاسفة يعترفون بثبوت الکثرة في الخارج و من أجلها افترضوا عقولاً متعددة - و إن هذه الکثرات لم تستند في وجودها و ما تملك من قدرة وسعة في الوجود إلّا إليه تعالی , و هم يعترفون بذلك لکن بتوسط العقول .

إذن نعلم علم اليقين أن هذه الکثرة صادرة منه تعالی لا من غيره لأن غيره لا يملك من أمره شيئاً ما لم يملّکه باريه, فکيف يملّکون معاليله من قدرة علی خلق الجهات المتعددة و هم لايملکون إلّا ما وهبهم و ملکهم الله جل و علا؟. و العقل ينادي إن الوجود من العدم - اي بلا علة - مستحيل.

الوجه الخامس: رفع اليد عن مفهوم إحدى القضيتين

و حاصل هذا الوجه: انّه يرفع اليد عن خصوص إحدى القضيتين و يؤخذ بمفهوم القضية الأُخرى، و هذا هو المنقول عن ابن إدريس الحلي فزعم انّه يُلغى مفهوم قوله: «إذا خفي الأذان فقصّر» و يؤخذ بمفهوم القضية الأُخرى، فعندئذ يرتفع التعارض(1).

و فيه: أنّه ترجيح بلا مرجح، مضافا الی انّ التعارض باق على حاله أيضاً، و ذلك لأنّ القول بعدم اشتمال القضية الأُولى على المفهوم و إن كان يعالج التعارض في جانب مفهوم تلك القضية، و لكنّه باق على حاله في الجانب الآخر، فإذا كان مفهوم قوله:» إذا خفيت الجدران فقصّر «هو انّه إذا لم تخف الجدران فلا تقصر، و عندئذ يقع التعارض بين هذا المفهوم و منطوق القضية الأُولى، فعلى المفهوم لا يجوز القصر، و على منطوق القضية الأُولى يجب القصر و بذلك ظهر انّ الطريق منحصر في الأوّلين، أي إمّا تقييد

ص: 198


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 384

مفهوم كل بمنطوق الآخر، أو تقييد منطوق كلّ بالآخر، فمقتضى الصناعة هو الأوّل كما عرفت، غير أنّ الفتاوى على الثاني.

التنبيه الثاني في تداخل الأسباب و عدمه

ثم ان الجزاء اذا كان قابلا للتكرار فهو على صورتين:

الاولی: أن يثبت بالدليل أنّ كلّا من الشرطين جزء السبب. و لا كلام حينئذ في أنّ الجزاء واحد يحصل عند حصول الشرطين معا.

الثانية: أن يثبت من دليل مستقلّ، أو من ظاهر دليل الشرط أنّ كلّا من الشرطين سبب مستقلّ، سواء كان للقضيّة الشرطيّة مفهوم أم لم يكن، و يقع البحث تارة في أنّ كلّ سبب هل يقتضي مسبباً مستقلًا أم لا؟ فإذا قال: إذا بلت فتوضأ، و إذا نمت فتوضأ، فهل يقتضي كلّ من البول و النوم مسبباً مستقلًا، أي إيجاباً متعدّداً أو لا؟و على فرض اقتضائه وجوباً متعدداً، يقع الكلام في كفاية الوضوء الواحد لامتثال الوجوبين أم لا، و يعبر عن الأوّل و هو اقتضاء كلّ سبب وجوباً مستقلًا و عدمه: بعدم التداخل في الأسباب و تداخله.

كما يعبر عن الثاني اي كفاية وضوء واحد عن امتثال وجوبين و عدمه: بالتداخل في المسببات و عدمه و يأتي البحث عنه في التنبيه الثالث.

و البحث في کلا المقامين عقلي لان البحث عن تداخل الأسباب انما هو في مقام التأثير و عدمه، و على فرض عدم التداخل، فالبحث عن تداخل المسببات في مقام الامتثال و عدمه .

ص: 199

ثم انّ النزاع كما يجري في القضايا الشرطية، يجري في القضايا الخبرية، كما إذا قال: الحائض تغتسل، و الجنب يغتسل، نعم يمكن إرجاع القضايا الخبرية إلى الشرطية بأن يقال: إذا حاضت تغتسل كما يمكن العكس.

اما مسالة تداخل الاسباب و عدمه فقد وقع الخلاف- فيما إذا اتّفق وقوع الشرطين معا في وقت واحد أو متعاقبين- في أنّ القاعدة أيّ شي ء تقتضي؟ هل تقتضي تداخل الأسباب فيكون لها جزاء واحد كما في مثال تداخل موجبات الوضوء من خروج البول أو الغائط و النوم و نحوهما، أم تقتضي عدم التداخل فيتكرّر الجزاء بتكرّر الشروط، كما في مثال تعدّد وجوب الصلاة بتعدّد أسبابه من دخول وقت اليوميّة و حصول الآيات؟

أقول: لا شبهة في أنّه إذا ورد دليل خاصّ على التداخل أو عدمه وجب الأخذ بذلك الدليل.

و أمّا مع عدم ورود الدليل الخاصّ فهو محلّ الخلاف و فيه اقوال و هي ثلاثة:

1. عدم التداخل مطلقاً، و هو المحکي عن المشهور و إليه ذهب الشيخ الأعظم و المحقّق الخراساني و هو مذهب أساطين العلماء الأعلام قدّس اللّه أسرارهم(1)، إلّا ما خرج بالدليل.

2. التداخل مطلقاً، و هو خيرة المحقّق الخونساري و السيد البروجردي.

3. التفصيل بين اختلاف الشرطين ماهية أو اتحادهما كذلك و تعدّدهما مصداقاً، فالأوّل كما مرّ كالنوم و البول، و الجنابة و مس الميت و الزيادة و النقيصة في الصلاة فانّ زيادة الركوع، غير زيادة السجود، و كذلك نقيصتهما؛ و أمّا الثانيفمعلوم, فذهب ابن إدريس

ص: 200


1- راجع مطارح الأنظار: 175؛ كفاية الأصول: 239- 242؛ نهاية الأفكار 2: 489؛ فوائد الأصول 2: 493؛ المحاضرات 5: 118.

إلى عدم التداخل في الأوّل، و التداخل في الثاني، و لذلك أفتى بعدم تكرر الكفّارة، لو تكرر وطء الحائض.

الاول: القول بعدم التداخل في الأسباب

استدلّ القائل بعدم التداخل في الأسباب بظهور القضية الشرطية في حدوث الجزاء اي الوجوب, عند حدوث الشرط، سواء أقلنا إنّه هو السبب أم كاشف عن السبب الواقعي و لازم ذلك تعدّد الوجوبين.

بيان ذلك أنّ لكلّ شرطيّة ظهورين:

1. ظهور الشرط فيها في الاستقلال بالسببيّة. و هذا الظهور يقتضي أن يتعدّد الجزاء في الشرطيّتين موضوعتي البحث، فلا تتداخل الأسباب.

2. ظهور الجزاء فيها في أنّ متعلّق الحكم فيه صرف الوجود. و لمّا كان صرف الشي ء لا يمكن أن يكون محكوما بحكمين، فيقتضي ذلك أن يكون لجميع الأسباب جزاء واحد و حكم واحد عند فرض اجتماعها، فتتداخل الأسباب.

و على هذا، فيقع التنافي بين هذين الظهورين، فإذا قدّمنا الظهور الأوّل لا بدّ أن نقول بعدم التداخل، و إذا قدّمنا الظهور الثاني لا بدّ أن نقول بالتداخل، فأيّهما أولى بالتقديم؟

و الأقوی هو تقديم ظهور الشرط على ظهور الجزاء، و ذكروا لتقديم ظهور القضية الشرطية في الحدوث عند الحدوث، الذي هو الأساس لعدم التداخل وجوهاً و هي:

ص: 201

الوجه الاول:

و اليه ذهب المحقّق الخراساني تبعاً للمشهور حيث قال: لا دوران بين ظهور الجملة في حدوث الجزاء، و ظهور الإطلاق، ضرورة انّ ظهور الإطلاق، يكون معلّقاً على عدم البيان، و ظهورها - اي القضية الشرطية - صالح لأن يكون بياناً فلا ظهور للجزاء مع ظهورها فلا يلزم على القول بعدم التداخل تصرف أصلًا، بخلاف القول بالتداخل(1).

و اجيب: أنّ دلالة القضية الشرطية على الحدوث عند الحدوث و إن كانت لفظية لكن دلالتها على أنّ الشرط في عامة الأحوال كذلك، سواء سبقه الشرط الآخر أم قارنه أو تأخّر عنه، إنّما هو بالإطلاق و سكوت المتكلّم مع كونه في مقام البيان، فالمقام من قبيل تعارض الإطلاقين، لا من قبيل تعارض الدلالة اللفظية مع الدلالة الإطلاقية، فكما أنّ إطلاق الشرط يصلح لأن يكون قرينة على تقييد متعلّق الجزاء، أي الوجوب، و انّ المحكوم بالوجوب في الشرط الثاني غير الأوّل، كذلك إطلاق الجزاء يصلح لأن يكون قرينة على أنّ الحدوث عند الحدوث فيما إذا تفرّد الشرط، لا ما إذا سبقه الآخر أو قارنه، فعندئذ يكون الوجوب مؤكّداً لا مؤسّساً لحكم جديد.

و بعبارة أُخرى: انّ دلالة القضية الشرطيّة على أنّ كلّ سبب تامّ للجزاء و تعلّق الوجوب، و إن كان بالوضع، لكن كونه كذلك في عامة الحالات سواء كان قبله أو معه شي ء أو لا، إنّما هو بالإطلاق ببيان انّه لو كان المؤثر هو الشرط، بشرط أن لا يسبقه شي ء أو يقارنه شي ء، لكان عليه البيان و رفع الجهل، و حيث لم يبين يؤخذ بالإطلاق و يقال: الشرط مؤثر في عامة الأحوال.

ص: 202


1- كفاية الأُصول: 318/ 1.

و هذا النوع من الإطلاق موجود في جانب الجزاء ببيان انّ الموضوع هو الطبيعة، فلو كان الموضوع الطبيعة الموجودة في ضمن فرد آخر، لكان عليه البيان و حيث لم يبين نستكشف انّ الموضوع هو الطبيعة، و يستحيل تعلّق إرادتين مستقلتين بها.

فكما أنّ إطلاق القضية الشرطية صالح للتصرّف في جانب الجزاء بإضافة قيد عليه مثل «فرد آخر» عليه، فهكذا إطلاق الجزاء صالح للتصرّف في جانب القضية الشرطية بأحد الوجهين الماضيين: الثبوت عند الحدوث، أو الوجوب المؤكّد(1).

و فيه: انّ الجزاء لمّا كان معلّقا على الشرط فهو تابع له ثبوتا و إثباتا، فإن كان واحدا كان الجزاء واحدا و إن كان متعدّدا كان متعدّدا. و إذا كان المقدّم متعدّدا- حسب فرض ظهور الشرطيّتين- كان الجزاء تابعا له؛ و عليه، لا يستقيم للجزاء ظهور في وحدة المطلوب؛ فيخرج المقام عن باب التعارض بين الظهورين، بل يكون الظهور في التعدّد رافعا للظهور في الوحدة؛ لأنّ الظهور في الوحدة لايكون إلّا بعد فرض سقوط الظهور في التعدّد، أو بعد فرض عدمه، أمّا مع وجوده فلا ينعقد الظهور في الوحدة.

و الی ما ذكرنا يرجع قول المحقّق الأصفهاني في بيان وجه عدم التداخل من انّ العرف إذا أُلقيت إليه القضيتان، فكأنّه يرى مقام الإثبات مقروناً بمقام الثبوت و يحكم بمقتضى تعدّد السبب بتعدّد الجزاء من غير التفات إلى أنّ مقتضى إطلاق المتعلّق خلافه، و هذا المقدار من الظهور كاف في المقام(2), و عليه فمقتضی القاعدة في المقام هو عدم التداخل.

ص: 203


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 393
2- نهاية الدراية: 326.

اقول: و هذا واضح بناء على ما يظهر من الشيخ الانصاري رحمه الله من كون ظهور الإطلاق معلقاً على عدم البيان مطلقاً و لو كان منفصلا. و أما بناء على أنه انما يكون معلقاً على عدم البيان في مقام التخاطب لا مطلقاً فالدوران حقيقة بين الظهورين حينئذ و ان كان، إلّا أنه لا دوران بينهما حكماً، لأن العرف لا يكاد يشك- بعد الاطلاع على تعدد القضية الشرطية- في أن قضيته تعدد الجزاء، و أنه في كل قضية وجوب فرد غير ما وجب في الأخرى، كما إذا اتصلت القضايا و كانت في كلام واحد

الوجه الثاني:

ما أفاده المحقّق الاصفهاني, من انّ نسبة الصدر إلى الذيل نسبة ذات الاقتضاء إلى فاقد الاقتضاء حيث إنّ متعلّق الجزاء نفس الماهية المهملة، و الوحدة و التعدّد، خارجان عنها، بخلاف أداة الشرط فانّها ظاهرة في السببية المطلقة و لا تعارض بين المقتضي و الاقتضاء(1).

و اجيب: أنّ ما ذكره من خروج الوحدة و التعدّد من مدلول الجزاء و إن كان صحيحاً لكن دلالة القضية الشرطية على السببية المطلقة ليس إلّا كونه سبباً لحدوث الجزاء عند حدوث الشرط و هذا المقدار من الدلالة لا يكفي، لأنّ كونه سبباً مطلقاً في جميع الأحوال ليس مدلول الدلالة اللفظية، بل مدلول الدلالةالإطلاقية حيث إنّ المتكلّم لم يخص السببية بحال دون حال و عند ذاك تصبح السببية في عامة الأحوال مدلول الإطلاق، فكيف يقدّم على إطلاق الجزاء؟(2).

ص: 204


1- نهاية الدراية: 326.
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 395

و فيه: انه بعد الاعتراف «بخروج الوحدة و التعدّد من مدلول الجزاء» يکون التعارض بينهما من قبيل تعارض الظاهر و المهمل, و عليه فالظاهر هو المحکم.

الوجه الثالث:

ما أفاده المحقّق النائيني و حاصله: «إنّ ظهور القضية الشرطية في كونها انحلالية أظهر من اتحاد الجزاء في القضيتين، و ذلك لأنّه لا شبهة في أنّ القضية الشرطية، كالقضية الحقيقية، فكما أنّ قوله: «المستطيع يحجّ» عامّ لمن استطاع في كلّ وقت، فكذلك قوله: «إذا استطعت فحجّ» عام لمن استطاع في وقت و لازم الانحلال ان يترتّب على كلّ شرط جزاء غير ما رتب على الآخر، فيكون هذا قرينة للجزاء و يصير بمنزلة أن يقال: إذا بُلت فتوضأ و إذا نِمْت ثانياً فتوضأ وضوءاً آخر(1). و قد وصفه المحقق الخوئي رحمه الله في محاضراته بأنّه في غاية الصحة و الجودة و انّه يتمّ ببيان أمرين:

أوّلهما: انّ القضية الشرطية ظاهرة في الانحلال و تعدد الطلب، لأنّها ترجع إلى القضية الحقيقية، و لا إشكال انّ الحكم في القضية الحقيقية ينحلّ بانحلال موضوعه إلى أحكام متعددة.

ثانيهما: انّ مقتضى تعدّد القضية الشرطية في نفسها، تعدّد الطلب أيضاً، فإذا فرض تعلّق طلبين بماهية واحدة كان مقتضى كلّ، إيجادَ تلك الماهية، فيكون المطلوب في الحقيقة هو إيجادها مرّتين فإذا فرض ظهور القضية الشرطية في الانحلالية و تعدّد الطلب، كان

ص: 205


1- فوائد الأُصول: 494/ 1.

ظهور القضية في تعدّد الحكم لكونه لفظياً مقدماً على ظهور الجزاء في وحدة الطلب لو سلمنا ظهوره فيها، و يكون مقتضى القاعدة عدم التداخل (1).

و ردّ: بأنّه لو أُريد من الانحلال كون الحكم المتعلّق بالعنوان حجّة على كلّ منهم، أو حجّة على ثبوت الحكم، للموضوع كالقوم مهما وجد، فهو صحيح، لكن دلالته على ثبوت الحكم له، في عامة الأحوال، متقدماً، أو متأخراً أو لاحقاً إنّما هوبالإطلاق و سكوت المولى عن القيد، فعندئذ يكون ذلك الإطلاق نظير الإطلاق الموجود في الذيل(2).

الثاني: القول بالتداخل

ثمّ إنّ القائل بالتداخل يتصرف في ظهور الشرط في الحدوث عند الحدوث، بأحد الوجهين:

1. منع دلالة القضية الشرطية على الحدوث عند الحدوث، بل على الثبوت عند الحدوث، أي ثبوت الوجوب، أعمّ من كونه نفس الوجوب السابق أو الوجوب الجديد.

و هذا تصرف في ناحية الشرط، و منع دلالته على الحدوث عند الحدوث.

2. أو الالتزام بحدوث الأثر عند وجود كلّ شرط إلّا أنّ الأثر وجوب الوضوء في المثال عند الشرط الأوّل، و تأكّده عند الآخر.

و هذا تصرف في ناحية الجزاء و انّ الهيئة الجزائية لا تدلّ على الوجوب التأسيسي، بل إذا سبقه شرط آخر، يدل على الوجوب التأكيدي .

ص: 206


1- المحاضرات: 118/ 5.
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 396

و هذان الوجهان ممّا اعتمد عليه القائل بالتداخل و بهما تخلّص عن التعارض اللازم من الأخذ بالإطلاقين.

و اجيب بوجهين آخرين:

1. الالتزام بأنّ متعلّق الجزاء و إن كان واحداً صورة، إلّا أنّه حقائق متعدّدة حسب تعدّد الشرط، كصلاة الفجر و نافلته فهما واحدتان صورة و مختلفتان حقيقة. و على ضوء ذلك نقول الوضوء لأجل النوم غير الوضوء لأجل البول, و هذا تصرّف في الجزاء.

2. انّه يقيّد إطلاق الجزاء بقوله: مرة أُخرى, و كأنّه يقول: إذا نِمت فتوضّأ, و إذا بُلت فتوضّأ مرّة أُخرى، و يكون الموضوع للوجوب الأوّل هو الطبيعة و للوجوب الثاني، هو الفرد الثاني، و يرتفع محذور اجتماع المثلين و هما الوجوبانالمتعلقان بطبيعة الوضوء، لو قلنا بامتناعه في المقام(1)، و هذا أيضاً تصرّف في الجزاء.

رأي المحقّق البروجردي

ثمّ إنّ السيد المحقّق البروجردي ذهب إلى ترجيح ظهور الجزاء في الوحدة على ظهور الشرط في تعدّد الوجوب قائلًا: إذا قال المولى: إذا بلت فتوضأ، و قال: إذا نمت فتوضأ، فإمّا أن يكون متعلّق الوجوب نفس الحيثية المطلقة، أعني: طبيعة الوضوء، أو شي ء وراء

ص: 207


1- الصحيح عدم استحالة اجتماعهما في المقام لأن الوجوب من الأمور الاعتبارية التي لا محذور في اجتماعه مع مثله، و ليس من الأمور الوجودية المشتركة في حقيقة واحدة حتى يكون من باب اجتماع المثلين.

ذلك. فعلى الأوّل لا يصحّ تعلّق وجوبين على أمر واحد، و على الثاني فلا بدّ أن يقال: إذا نمت فتوضّأ و إذا بلت فتوضأ وضوءاً آخر، و هذا لا يصحّ من وجهين:

1. ربما يكون البول متقدّماً، فعندئذ لا يصحّ أن يقال: إذا بلت فتوضأ وضوءاً آخر.

2. انّ هذا النوع من التقييد إنّما يصحّ إذا كان أحد الخطابين ناظراً إلى الآخر، لا فيما إذا لم يكن كذلك كما في المقام(1).

و اُورِد على الأوّل: أنّ القيد لا ينحصر بلفظة «آخر» بل يمكن أن يُقيّد الطبيعة بقيد آخر، كأن يقال: إذا بلت فتوضّأ لأجل البول، و إذا نمت فتوضّأ وضوءاً لأجل النوم.

و اُورِد على الثاني: بانّ المتفرقات في كلام إمام واحد بل الأئمة عليهم السلام كحكم كلام واحد(2).

و حاصل البحث هو تقدّم ظهور القضية الشرطية الدالة على تعدّد الوجوب على ظهور الجزاء في وحدة المتعلّق، و تكون النتيجة هو عدم تداخل الأسباب و انّ لكلّ سبب تأثيراً.

الثالث: التفصيل بين وحدة الأسباب جنساً و عدمها

و هذا التفصيل لابن إدريس و هو التفصيل بين ما كان السبب من جنس واحد كتكرر وطء الحائض، أو من أجناس متعددة كزيادة العمل و الذكر في الصلاة، فاختار في الأوّل التداخل دون الثاني.

ص: 208


1- نهاية الأُصول: 278 279؛ لمحات الأُصول: 293.
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 398

و قد ذكر ذلك التفصيل في ضمن مسألة - و من سها فلم يدر أربعاً صلّى أم خمساً و تساوت ظنونه في ذلك فعليه سجدتا السهو - و قال ما هذا لفظه: فإن سها المصلّي في صلاته بما يوجب سجدتي السهو مرّات كثيرة، في صلاة واحدة، أ يجب عليه بكلّ مرّة سجدتا السهو، أو سجدتا السهو عن الجميع؟ قلنا: إن كانت المرّات من جنس واحد، فمرّة واحدة تجب سجدتا السهو، مثلًا تكلّم ساهياً في الركعة الأُولى، و كذلك في باقي الركعات، فانّه لا يجب عليه تكرار السجدات، بل يجب عليه سجدتا السهو فحسب؛ لأنّه لا دليل عليه، و قولهم عليهم السلام: من تكلّم في صلاته ساهياً يجب عليه سجدتا السهو(1)، و ما قالوا دفعة واحدة أو دفعات.

فأمّا إذا اختلف الجنس، فالأولى عندي بل الواجب، الإتيان عن كلّ جنس بسجدتي السهو؛ لأنّه لا دليل على تداخل الأجناس، بل الواجب إعطاء كلّ جنس ما تناوله اللفظ؛ لأنّ هذا قد تكلّم مثلًا، و قام في حال قعود، و أخلّ بإحدى السجدتين، و شكّ بين الأربع و الخمس، و أخلّ بالتشهد الأوّل، و لم يذكره إلّا بعد الركوع في الثالثة، و قالوا عليهم السلام: من فعل كذا، يجب عليه سجدتا السهو، و من فعل كذا في صلاته ساهياً يجب عليه سجدتا السهو، و هذا قد فعل الفعلين فيجب عليه امتثال الأمر، و لا دليل على تداخلهما، لأنّ الفرضين لا يتداخلان بلا خلاف من محقّق(2). و حاصل كلامه: أنّه إذا كانت الأسباب الشرعية من نوع واحد يمكن التمسّك بإطلاق الجزاء و هو وجوب سجدتا السهو من دون تقييد بالمرّات، و أمّا إذا كانت الأسباب الشرعية من جنسين فليس هناك ما يمكن التمسّك بإطلاقه، بل يجب امتثال كلّ على حدة، لأنّ الفرضين لا يتداخلان.

ص: 209


1- الوسائل ج 5، الباب 4 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.
2- السرائر: 258/ 1، باب أحكام السهو و الشكّ في الصلاة.

و فيه: أن ظاهر الجملة الشرطية حدوث الوجوب عقيب كل شرط، فتعدد النوم مثلا يوجب تعدد وجوب الوضوء، لصدق قوله: «إذا نمت فتوضأ» على كل فردمن أفراد النوم. و بالجملة: إطلاق الشرط- كالنوم- يقتضي كون كل وجود من وجوداته شرطاً للجزاء، فيتعدد الوضوء بتعدد أفراد النوم، لا أنه يتداخل. و ذلک لصدق القضية الشرطية على كل مرة.

هذا فيما إذا كان موضوع الحكم في الجزاء قابلا للتعدد, كالوضوء الواجب، حيث يمكن تعدده بتعدد سببه، اختلف جنسه كالبول و النوم، أم اتحد كفردين من البول أو النوم.

و أما ما لا يكون موضوع الحكم في الجزاء قابلا للتعدد كالقتل، فلا بد حينئذ من الالتزام بتداخل الأسباب فيه، بمعنى: أن السببين مع تقارنهما سبب واحد، لأن لهما تأثيراً واحداً، و مع سبق أحدهما على الآخر يؤثر السابق فقط. هذا إذا لم يكن المسبب قابلا للتأكد كالملكية و الطهارة و النجاسة فانه إذا حدث سببان للملكية و تقدم أحدهما على الآخر، فالمؤثر هو المتقدم فقط. و إذا كان المسبب قابلا للتأكد، كما إذا وجب قتل شخص للقصاص و الارتداد فيتأكد الحكم و هو وجوب القتل حينئذ، و يكون من التداخل في المسبب بمعنى حصول وجوب متأكد من سببين.

التفصيل بين كون الأسباب معرفات أو مؤثّرات

اقول: قد بنى فخر المحقّقين المسألة على أنّ الأسباب الشرعية هل هي معرفات و كواشف، أو مؤثرات؟ فقال: و التحقيق انّ هذا الخلاف يرجع إلى أنّ الأسباب الشرعية،

ص: 210

هل هي مؤثرات أو علامات(1), و قال أيضاً في باب غسل الجنابة: و الأسباب الشرعية علامات فلا يستحيل تعدّدها(2), و على الأوّل الأصل التداخل بخلافه على الثاني، و حكاه الشيخ الأنصاريّ عن المحقّق النراقي في عوائده(3).

و حاصل كلام فخر المحقّقين انّه لا بد من الالتزام بالتداخل بناء على المعرفية، لإمكان أمارية أمور متعددة على مؤثر واحد، و حكايتها عنه، و مع احتمال وحدةالسبب و المؤثر واقعاً لا وجه للحكم بتعدد المسبب. و بناء على المؤثرية لا بد من الالتزام بعدم التداخل، لاقتضاء كل مؤثر أثراً مستقلا, فلو كان كلّ من البول و النوم موضوعاً للحكم، و علّة و سبباً له فيطلب كلّ، حكماً و معلولًا وجوباً غير ما يطلبه الآخر، لامتناع توارد العلّتين المستقلّتين على معلول واحد, و أمّا لو كان كلّ منها معرفاً لما هو الموضوع واقعاً، فلا مانع من تعدد المعرّف لموضوع واحد، و ذلك كمبطلات الوضوء .

و فيه: كما أفاده المحقّق الخراساني، أنّ مجرد معرفية الأسباب الشرعية لا تقتضي المصير إلى التداخل، لإمكان معرفية الأسباب الشرعية المتعددة لأسباب حقيقية متعددة، و يكفي في إرادة احتمال تعدد السبب الحقيقي من الأسباب الشرعية المتعددة ظهور الشرطية في تعدد المسبب بتعدد السبب، فان هذا الظهور يدل على تعدد السبب الحقيقي, فالنتيجة: أن مجرد كون الأسباب الشرعية معرفات لا يوجب القول بالتداخل(4) .

ص: 211


1- إيضاح الفوائد: 245/ 1.
2- إيضاح الفوائد: 48/ 1.
3- مطارح الأنظار: 180.
4- كفاية الأصول، ط ال البيت عليهم السلام ص: 205

التنبيه الثالث في تداخل المسببات و عدمه

و أمّا البحث عن تداخل المسببات و عدمه فهو يرجع إلى دعوى صدق الامتثال بالإتيان بفرد واحد عند تعدّد التكليف و الاشتغال، و عدم صدقه.

و بعبارة أُخرى: هل يكفي الإتيان بفرد واحد مع تعدّد التكليف فلازمه تداخل المسببات، أو لا يكفي فلازمه عدم تداخلها؟

و من هنا يظهر انّ البحث في تداخل المسببات و عدمه، فرع القول بعدم تداخل الأسباب، و تعدد الوجوب و التكليف، و إلّا فعلى القول بتداخل الأسباب، و انّه ليس في المقام إلّا وجوب واحد فلا موضوع للبحث عن تداخل المسببات و عدمه، لوضوح انّ التكليف الواحد، لا يقتضي إلّا امتثالًا واحداً، و يكون الإتيان بفرد من أفراد الطبيعة، مسقطاً قطعاً، فالبحث هنا مبنيّ على ظهور القضية الشرطية في استقلال تأثير كلّ شرط، و انّ أثر كلّ شرط غير أثر الآخر.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الكلام يقع تارة في مقام الثبوت، أي إمكان تداخل المسببات و عدم إمكانه، و أُخرى في مقام الإثبات، و ما هو مقتضى الأدلّة.

1. إمكان التداخل ثبوتاً و عدمه

ذهب الشيخ الأعظم إلى امتناع التداخل و قال: قد قرّرنا فيما تقدّم انّ متعلّق التكاليف هو الفرد المغاير للفرد الواجب بالسبب الأوّل و لا يعقل تداخل فردين من ماهية واحدة، بل

ص: 212

و لا يعقل ورود دليل على التداخل أيضاً على ذلك التقدير إلّا أن يكون ناسخاً لحكم السببية(1).

اقول: ما ذكره الشيخ إنّما يتمّ اذا کانت النسبة بين الموضوعين، هو التباين مثل ما إذا قال: اذا نجحت فأكرم إنسانا أبيض، و اذا رزقت ولدا فأكرم إنسانا أسود، فعندئذ يمتنع تداخل المسببين، بل لا بد من إكرام انسانين بلونين مختلفين لعدم إمكان التداخل إذ لا موضوع للتداخل حينئذ.

و أمّا إذا کانت النسبة بينهما هي العموم و الخصوص المطلق او من وجه كما في مثال: اذا نجحت فأكرم هاشمياً، و اذا رزقت ولدا فأضف عالماً، فأكرم العالم الهاشمي بالضيافة فلابد من التداخل, ضرورة انّه بضيافته بداعي الأمرين تبرء ذمته من كليهما، لأنه يصدق حينئذ انه امتثلهما معاً.

2. ما هو مقتضى الأدلة إثباتاً؟

إذا ثبت إمكان التداخل ثبوتاً، يقع الكلام فيما هو مقتضى الأدلّة الاجتهادية إثباتاً، فقد استدل القائل بعدم التداخل و لزوم تعدّد الامتثال بوجهين:

حجّة القول بعدم التداخل

ص: 213


1- مطارح الأنظار: 181.

الأوّل: ما استدلّ به الشيخ الاعظم

ما استدلّ به الشيخ الاعظم حيث قال: «فاعلم أنّه ذكر بعض أجلّاء السادة الأعلام (1)وجوها للقول المشهور، أقواها ما احتجّ به الفاضل في محكيّ المختلف (2)، و تبعه عليه السيّد في شرح الوافية(3): أنّه إذا تعاقب السببان أو اقترنا، فإمّا أنيقتضيا مسبّبين مستقلّين أو مسبّبا واحدا أو لا يقتضيا شيئا أو يقتضي أحدهما شيئا دون الآخر. و الثلاثة الأخيرة باطلة، فتعيّن الأوّل، و هو المطلوب.

أمّا الملازمة: فلانحصار الصور في المذكورات.

و أمّا بطلان التوالي: أمّا الأوّل؛ فلما عرفت سابقا من أنّ النزاع المذكور إنّما هو مبنيّ على خلافه. و أمّا الثاني؛ فلأنّ ذلك خلاف ما فرضناه من سببيّة كلّ واحد منهما على ما يقتضيه الدليل. و أمّا الثالث؛ فلأنّ استناده إلى المعيّن يوجب الترجيح بلا مرجّح مع أنّه خلاف المفروض من دليل السببية، و إلى غير المعيّن يوجب الخلف المذكور.

و اعلم أنّ محصّل الوجه المذكور ينحلّ إلى مقدّمات ثلاث:

إحداها: دعوى تأثير السبب الثاني.

الثانية: أنّ أثره غير أثر الأوّل.

الثالثة: أنّ تعدّد الأثر يوجب تعدّد الفعل.

ص: 214


1- و هو السيّد الطباطبائي بحر العلوم في فوائده المطبوعة بالطبعة الحجريّة: 126.
2- لم نعثر عليه.
3- لم نعثر عليه.

فالقائل بالتداخل لا بدّ له من منع إحدى المقدّمات المفروضة على سبيل منع الخلوّ(1).

و فيه: ان القائل بالتداخل له أن يمنع كلّية المقدّمة الثالثة و يفصِّل بين كون النسبة بين المتعلّقين هي التباين أو العموم و الخصوص من وجه أو المطلق، فعلى الأوّل تعدّد الأثر يقتضي تعدّد الفعل كما مثلنا، بخلاف الثاني فيكفي في امتثال الأمرين، امتثال واحد.

الثاني: ما استدلّ به المحقّق النائيني

ما استدلّ به المحقّق النائيني و هو انّ الأصل عدم سقوط الواجبات المتعدّدة بفعل واحد، و لو كان ذلك بقصد امتثال الجميع في غير ما دلّ الدليل على سقوطها به، كما هو الحال في سقوط أغسال متعدّدة بغسل الجنابة، أو بغسل واحد نوى به سقوط الجميع و كما في ارتفاع أفراد الحدث الأصغر بوضوء واحد.

و بالجملة الأصل العملي يقتضي عدم سقوط الواجبات المتعدّدة ما لم يدلّ على سقوطها دليل بالخصوص.

نعم يستثنى من ذلك مورد واحد، و هو ما إذا كانت النسبة بين الواجبين عموماً و خصوصاً من وجه كما في قضية أكرم عالماً و أكرم هاشمياً، فإنّ إكرام العالم الهاشمي يكون مسقطاً لكلا الخطابين، و لا يعتبر في تحقّق الامتثال إلّا الإتيان بما ينطبق عليه متعلّق الأمر(2).

ص: 215


1- مطارح الأنظار، ج 2، ص: 58
2- أجود التقريرات: 432/ 1.

و اجيب أوّلًا: أنّ البحث في المقام من التداخل و عدمه حول مقتضى الأدلّة الاجتهادية و ليس الكلام في مقتضى الأُصول العملية، فالاستدلال بالأصل مع إمكان الاستدلال بالدليل الاجتهادي، غير تام.

و ثانياً: أنّه لم يعلم الفرق بين المقام و مسألة العموم و الخصوص من وجه الذي استثناه من الضابطة، إذ لو كان المعتبر عند العقل في تحقّق الامتثال، الإتيان بما ينطبق عليه متعلّق الأمر خارجاً، فيجب القول بالتداخل في المقام، لأنّه ينطبق على الوضوء الواحد عنوان التوضّؤ المأخوذ في كلا الجزاءين، إذ المفروض أنّ الجزاء عبارة عن قوله: يجب عليك الوضوء الناشئ من جانب البول أو النوم . فالتداخل عندئذ يكون مقتضى القاعدة من دون حاجة إلى دليل خارجيّ كما هو ظاهر كلامه(1).

و فيه: ان جوابه الثاني غير تام و ذلک لانّ مقتضی الدليل ان كلّ وجوب يقتضي امتثالا خاصّا به، فلا يغني عنه امتثال الآخر و إن اشتركت الواجبات في الاسم و الحقيقة, و لا يصدق الامتثال لکليهما. بخلاف ما إذا كان بين الواجبين نسبة العموم و الخصوص من وجه، و كان دليل كلّ منهما مطلقا بالإضافة إلى مورد الاجتماع فانه يصدق الإتيان بما ينطبق عليه متعلّق الأمر.

حجّة القول بالتداخل

و بذلک يظهر ضعف ما احتجّ به القائل بالتداخل بأنّه إذا كان ما به الامتثال مصداقاً لكلا العنوانين، كالإكرام و الضيافة، يتلقّاه العرف امتثالًا بكلا الأمرين، نظير ما إذا أمر الطبيب رجلًا سميناً بأكل الفاكهة مكان الطعام حتّى يخفّ وزنه ثمّ أمره بأكل فاكهة خاصة

ص: 216


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 409

لتداوي مرض خاص فيه، فإذا أكل تلك الفاكهة بدل الطعام أيضاً، فقد امتثل كلا الأمرين الإرشاديين، و نظيره الأمران المولويان.

و الحاصل ان مقتضی القاعدة هو عدم التداخل و أنّ سقوط الواجبات المتعدّدة بفعل واحد- و إن أتي به بنيّة امتثال الجميع- يحتاج إلى دليل خاصّ، كما ورد في الأغسال بالاكتفاء بغسل الجنابة عن باقي الأغسال(1)، و ورد أيضا جواز الاكتفاء بغسل واحد عن أغسال متعدّدة(2).

الأصل العمليّ في المسألتين

إنّ مقتضى الأصل العملي عند الشكّ في تداخل الأسباب هو التداخل؛ لأنّ تأثير السببين في تكليف واحد متيقّن، و إنّما الشكّ في تكليف ثان زائد. و الأصل في مثله البراءة.

و بعكسه في مسألة تداخل المسبّبات؛ فإنّ الأصل يقتضي فيه عدم التداخل؛ لأنّه بعد ثبوت التكاليف المتعدّدة بتعدّد الأسباب يشكّ في سقوط التكاليف الثابتة لو فعل فعلا واحدا. و مقتضى القاعدة- في مثله- الاشتغال، بمعنى أنّ الاشتغال اليقينيّ يستدعي الفراغ اليقينيّ، فلا يكتفى بفعل واحد في مقام الامتثال.

تطبيقات

نذكر في المقام بعض الفروع المترتبة على هذه المسألة و هي كالتالي:

ص: 217


1- راجع الوسائل 1: 525- 528، الباب 43 من أبواب الجنابة.
2- راجع الوسائل 1: 525- 528، الباب 43 من أبواب الجنابة.

1. إذا وجبت عليه الزكاة فهل يجوز دفعها إلى واجب النفقة إذا كان فقيراً من جهة الإنفاق؟ قال في الجواهر: لا يجوز لكونه ليس إيتاءً للزكاة، لأصالة عدم تداخل الأسباب(1).

2. إذا اجتمع للمستحق سببان أو ما زاد، يستحقّ بها الزكاة، كالفقر، و الكتابة و الغرم جاز أن يعطى بحسب كل سبب نصيباً، لاندراجه حينئذ في الصنفين مثلًا فيستحقّ بكلّ منها(2).

3. إذا اجتمع سببان للخيار كالمجلس و العيب و خيار الحيوان، فلا يتداخل السببان و فائدته بقاء أحدهما مع سقوط الآخر.

4. لو تكرر منه وطء الحائض في وقت واحد كالثلث الأوّل، أو في وقتين، كما إذا كان الثاني في الثلث الثاني يقع الكلام في تكرر الكفّارة و عدمه(3).

5. إذا وقعت نجاسات مختلفة في البئر لكلّ تقدير خاص بناء علی وجوبه الشرطي، فهل يجب نزح كلّ ما قدر أو لا؟ مبنيّ على التداخل و عدمه(4).

6. إذا تغير أحد أوصاف ماء البئر و مع ذلك وقع فيه من النجاسات ما له مقدّر، فهل يكفي نزح الجميع أو يجب معه نزح ما هو المقدّر؟ مبني على مسألة التداخل و عدمه.

ص: 218


1- الجواهر: 401/ 15.
2- الجواهر: 447/ 15.
3- الجواهر: 236/ 3.
4- الجواهر: 260/ 1.

السالبة الكلية و مفهومها

قد عرفت أنّ المفهوم عبارة عن انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط فيعتبر في مفهوم القضية الشرطية أمران:

1. اختلاف القضيتين في الإيجاب و السلب.

2. وحدة القضيتين موضوعاً و محمولًا و قيداً.

مثلًا إذا قال القائل: إن جاء زيد يوم الجمعة راكباً فأكرمه. يصير مفهومه إن لم يجئ زيد يوم الجمعة راكباً فلا تكرمه. فتجد انّ القضيتين تشتركان في الموضوع و المحمول و عامة القيود، و تختلفان في السلب و الإيجاب.

هذه هي الضابطة في أخذ المفهوم, و عليه يقع الکلام في مفهوم السالبة الكلية في مثل قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شي ء»(1), فهل مفهومه هو الموجبة الجزئية بمعنى إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ ينجّسه شي ء، أي بعض النجاسات على سبيل الإهمال، فلا يكون المفهوم عندئذ دليلاً على انفعال الماء القليل بكلّ نجس.

و على ذلك جرى الشيخ محمد تقي - المتوفّى 1248 هج - صاحب الحاشية على المعالم(2), أو أنّ مفهومه هو الموجبة الكلية بمعنى انّه إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ ينجسه كلّ شي ء، أي عامّة النجاسات، فيكون المفهوم دليلاً على انفعال الماءالقليل بكلّ نجس، و علی هذا المعنی جری الشيخ الأنصاري على ما في تقريراته(3).

ص: 219


1- الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب طهارة الماء، الحديث 1 و 2 و 6.
2- هداية المسترشدين: 291.
3- مطارح الأنظار: 174.

استدلّ صاحب الحاشية بأنّ نقيض السالبة الكلية هو الموجبة الجزئية، لأنّ نقيض كلّ شي ء رفعه، و السالبة الكلّية ترتفع بالموجبة الجزئية، فمفهوم هذه الرواية لا يدلّ على تنجّس الماء القليل بكلّ واحد من النجاسات؛ لأنّ مفاد مفهومها كما ذكرنا هو ارتفاع العاصمية بارتفاع الكرّية، و أمّا أنّ جميع النجاسات تؤثّر في انفعاله و نجاسته إذا لاقى أحدها فلا. و ليس للمفهوم دور إلّا أنّه نقيض المنطوق، فإذا كان المنطوق سالباً كلّياً يكون مفهومه، أي نقيضه موجباً جزئياً، و تبعه المحقّق البروجردي على ما في تقريراته (1).

و اجيب: أنّ المنطوق قضية حقيقية تنحلّ إلى قضايا متعدّدة، ففي الحقيقة المنطوق عبارة عن أنّ الماء الذي بلغ مقدار الكرّ لا يتنجّس بملاقاة العذرة و البول و الدم و غير ذلك من النجاسات.

فعلّق في الرواية عدم انفعال الماء بأحد المذكورات على الكرّية، فمفهومه رفع هذا الحكم بارتفاع الكرّية، و رفع عدم الانفعال بأحد المذكورات عبارة اخرى عن الانفعال بأحدها عند ارتفاع الكرّية و هو المطلوب.

و بعبارة اخری أنّ لفظة شي ء أخذت مرآة إلى العناوين العشرة التي هي موضوعات للحكم عليها بالنجاسة، فقولنا: «لم ينجسه شي ء» بمنزلة قولنا: «لم ينجسه الدم و لا البول و لا الكلب و لا الخنزير و لا الميتة و لا ...» فعند ذلك يكون مفهومها موجبة كلية، أي إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ ينجسه الدم و البول و الكلب و الخنزير و الميتة ... الخ. و ذلک لأنّه يجب الاحتفاظ بعامة القيود الواردة في المنطوق، و بما انّ الكليّة من إحدى القيود في المنطوق فيجب أن يحتفظ بها في المفهوم.

ص: 220


1- لمحات الأُصول: 296.

و على هذا المبنى تكون الكلية قيداً محفوظاً في جانبي المنطوق و المفهوم و يصبح المفهوم موجبة كلية(1).

و ردّ: بأنّ الضابط أي الاحتفاظ بكلّ القيود الموجودة في المنطوق, مختص بالقيود المذكورة في الكلام، كالقيود المذكورة في المثال السابق يوم الجمعة راكباً، دونالقيود المستفادة من سياق الكلام كالاستغراق المستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي، أعني: لم ينجسه شي ء، ففي مثله لا يؤخذ القيد في جانب المفهوم، فإذا قال: إن جاءك زيد لا تكرم أحداً، يصير مفهومه إذا لم يجئ زيد فأكرم أحداً، لا أكرم كلّ أحد، و ذلك لأنّ العموم كان مستفاداً من سياق الكلام (وقوع النكرة في سياق النفي) و المفروض انقلابه إلى سياق آخر (إلى الإيجاب) فكيف يمكن التحفّظ بهذا القيد في جانب المفهوم؟

و بعبارة أُخرى: انّ القيود على قسمين:

قيد مذكور في الكلام فلا بدّ من أخذه في جانب المفهوم طابق النعل بالنعل.

و قيد مفهوم من سياق الكلام، أي وقوع النكرة في سياق النفي و النهي، فهذا النوع من القيد رهن حفظ السياق و المفروض انّ السياق يتغير في المفهوم، و معه كيف يمكن الاحتفاظ بهذا القيد؟! و إن شئت قلت: إنّ ما ذكره إنّما يتم إذا كان القيد، المفهوم منه العموم، مجموعياً كان أو استغراقياً قابلًا للانتقال إلى المفهوم حتّى يكون الاستغراق الموجود في المنطوق مأخوذاً في المفهوم، كما إذا قال: إن جاء زيد أكرم كلّ واحد ممّن معه، فيكون مفهومه استغراقياً أيضاً، و أمّا إذا كان العموم مستفاداً من سياق النفي، فيكون قائماً بالسياق فإذا تبدل سياق النفي إلى الإيجاب ينتفي ما يدلّ على العموم فلا

ص: 221


1- منتهى الأصول، ج 1، ص: 616

يمكن أخذه في المفهوم حتّى يكون إيجاباً استغراقياً و يكون مفهومه موجبة كلية، بل يتعيّن أن يكون موجبة جزئية(1).

قلت: هذا هو الصحيح و الرواية لا يکون مفهومها موجبة کلية حسب ما تقتضيه القاعدة, الّا انها حيث انها في مقام البيان و لم تفصل بين ما يوجب التنجيس و بين ما لا يوجبه فهي دالة باطلاقها علی عموم المفهوم .

الفصل الثاني في مفهوم الوصف

موضوع البحث

المقصود بالوصف هنا ما يعمّ النعت و غيره، فيشمل الحال و التمييز و نحوهما ممّا يصلح أن يكون قيدا لموضوع التكليف و ذلک لكونها وصفا معنويا, و عليه فالمراد بالوصف مطلق القيد الوارد في الكلام الأعم من الوصف الأُصولي أي المشتق أو الوصف النحوي التابع لموصوفه، و لذلك يعمّ القيود الزمانية و المكانية.

و هل يختصّ بما إذا كان معتمدا على موصوف کما ذهب إليه المحقّق النائينيّ(2)، فلا يشمل ما إذا كان الوصف نفسه موضوعا للحكم، نحو: ﴿وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾(3), باعتبار إنّ مثل هذا يدخل في باب مفهوم اللقب(4), ام لا يختص کما عن

ص: 222


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 415
2- فوائد الأصول 2: 501، و أجود التقريرات 2: 275.
3- المائدة (5) الآية: 38.
4- راجع مطارح الأنظار: 184، و الفصول الغرويّة: 151.

الشيخ الأنصاريّ و صاحب الفصول، فإنّ الظاهر من عباراتهم أنّ موضوع البحث لا يختصّ بما إذا اعتمد الوصف على الموصوف، بل يعمّ ما إذا كان الحكم محمولا على الوصف.

الاقوی هو الاول و استدلّ له بوجهين:

1. لو كان غيره داخلًا في محلّ النزاع لدخلت الجوامد فيه أيضاً بداهة انّه لا فرق بين الجامد و غير المعتمد من الوصف، إلّا في أنّ المبدأ في الجامد جعلي و في غير المعتمد غير جعلي. و هذا لا يكون فارقاً بينهما في الدلالة على المفهوم و عدمها(1).

2. انّ ذكر الموضوع بصورة الوصف غير المعتمد كالعالم لا يحتاج إلى نكتة غير إثبات الحكم له، لا إثباته له و انتفاؤه عن غيره(2).

و اورد على الأوّل: بوجود الفرق بين قولنا: اسق شجرة، و قولنا: اسق عالماً، فانّ الأوّل لا ينحل إلى ذات و وصف، بخلاف الثاني فانّه ينحل إلى ذات و علم، فارتفاع الوصف و المبدأ الجعلي في الأوّل مساوق لارتفاع الذات، فانّ رفع الشجرية رفع لتمام الموضوع، و هذا بخلاف الثاني حيث تبقى الذات مع ارتفاع الوصف كالإنسان غير العالم(3).

و فيه: ان هذا انحلال الوصف إلى ذات و علم، حيث تبقى الذات مع ارتفاع الوصف انما هو بالتحليل العقلي لا بالظهور العرفي فأنّ الدلالة على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف لا بدّ فيها من فرض موضوع ثابت للحكم يقيّد بالوصف مرّة، و يتجرّد عنه أخرى، حتّى يمكن فرض نفي الحكم عنه و مع انتفاء الوصف غيرالمعتمد علی الموصوف ينتفي

ص: 223


1- أجود التقريرات: 433/ 1.
2- فوائد الأُصول: 501/ 1.
3- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 419

الموضوع بالمرة عرفا ففي مثال: «اسق عالماً» مع انتفاء العالم ينتفي موضوع الحکم و لا تبقی دلالة للجملة عرفا علی ذاته .

و اورد على الثاني: بأنّ التعبير عن الموضوع بالوصف العنواني مع إمكان التعبير عنه بغيره يشعر بمدخلية الوصف في ثبوت الحكم عند ثبوته و ارتفاعه عند ارتفاعه، فإذا قال: إن جاءكم فاسق بنبإ مكان: إذا جاءكم إنسان بخبر يفيد، انّ للفسق مدخلية في عدم القبول، و عندئذ يكون الإنسان تمام الموضوع، و الفسق قيداً زائداً أتي به لنكتة(1).

و فيه: انا لا نضايق في ان التعبير عن الموضوع بالوصف العنواني يشعر بمدخلية الوصف في ثبوت الحكم عند ثبوته و ارتفاعه عند ارتفاعه, لکن لا الی درجة الظهور العرفي الذي هو الحجة, کما و ان شخص الحکم لا شک في ارتفاعه عند ارتفاعه و اما سنخ الحکم فمسکوت عنه .

هذا و يعتبر- أيضا- في المبحوث عنه هنا أن يكون أخصّ من الموصوف مطلقا أو من وجه؛ لأنّه لو كان مساويا، أو أعمّ مطلقا لا يوجب تضييقا و تقييدا في الموصوف، حتّى يصحّ فرض انتفاء الحكم عن الموصوف عند انتفاء الوصف.

أقسام الوصف

إنّ النسبة بين الوصف و الموصوف لا تخلو عن وجوه أربعة:

1. أن تكون النسبة بينهما هو التساوي، كقولنا: الإنسان المتعجّب أكرمه.

2. أن يكون الوصف أعمّ مطلقاً من الموضوع، كالإنسان الماشي.

3. أن يكون الوصف أخصّ مطلقاً من الموضوع، كقولنا: الإنسان الكريم.

ص: 224


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 419

4. أن تكون النسبة بينهما أعمّ من وجه، كما في قولنا: في الغنم السائمة زكاة .

ثمّ إنّ القسمين الأوّلين خارجان عن محط البحث، لأنّ الميزان في حجّية مفهوم الوصف، هو بقاء الموضوع و ارتفاع الوصف، ففيما إذا كانت النسبة بينها هو التساوي أو كان الوصف هو الأعم، ينتفي الموضوع بانتفاء الوصف أمّا لأجل التساوي او لأجل كون الوصف أعمّ و انتفاؤه يستلزم انتفاء الأخصّ، فلا يبقى بحث في انتفاء الحكم عن الموضوع عند انتفاء الوصف.

و لكن القسم الثالث داخل في محلّ النزاع قطعاً، فلو قال: أكرم إنساناً كريماً، فعلى القول بالمفهوم يكون مفهومه انّه لا تكرم إنساناً لئيماً.و أمّا القسم الرابع فله صورتان:

أ. أن يكون الافتراق من جانب الوصف مع بقاء الموضوع، كما إذا قال: في سائمة الغنم زكاة، فيكون مفهومه في معلوفة الغنم ليست زكاة.

ب. أن يكون الافتراق من جانب الموضوع بأن يرتفع الغنم و يحلّ مكانه الإبل، و عندئذ يقع الكلام في أنّه هل يحتج بمفهوم قولنا: في الغنم السائمة زكاة, على عدم الزكاة في الإبل المعلوفة أو لا؟

و لا دلالة له على المفهوم قطعا، فلا يدلّ المثال على عدم الزكاة في غير الغنم السائمة أو غير السائمة كالإبل مثلا ؛ لأنّ الموضوع- و هو الموصوف الذي هو الغنم في المثال- يجب أن يكون محفوظا في المفهوم، و لا يكون متعرّضا لموضوع آخر، و لا نفيا و لا إثباتا. فما عن بعض الشافعيّة(1), من القول بدلالة قوله: «في الغنم السائمة زكاة», على عدم الزكاة في الإبل المعلوفة لا وجه له قطعا، لأنّه يشترط في صحّة الاحتجاج وحدة

ص: 225


1- نقل عنهم في اللمع: 46، و المنخول: 222.

الموضوع في جانبي المنطوق و المفهوم، و الاختلاف في وجود الوصف و عدمه، و أمّا إذا كان الموضوع مرتفعاً كالإبل، فسائمتها و معلوفتها خارجتان عن موضوع الكلام.

قال في القوانين: إنّ دليل الخطاب نقيض المنطوق، فلمّا تناول المنطوق سائمة الغنم كان نقيضه مقتضياً لمعلوفة الغنم دون غيرها(1).

هل مفهوم الوصف حجة؟

لا شكّ في دلالة التقييد بالوصف على المفهوم عند وجود القرينة الخاصّة، و لا شكّ في عدم الدلالة عند وجود القرينة على ذلك، مثل ما إذا ورد الوصف مورد الغالب الذي يفهم منه عدم إناطة الحكم به وجودا و عدما، نحو قوله تعالى: ﴿وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم﴾(2)؛ فإنّه لا مفهوم لمثل هذه القضيّة مطلقا؛ إذ يفهم منه أنّ وصف الربائب بأنّها في حجوركم لأنّها غالبا تكون كذلك، قيل: و الغرض منه الإشعار بعلّة الحكم؛ إذ أنّ اللّائي تربّى في الحجور تكون كالبنات.

و إنّما الخلاف عند تجرّد القضيّة عن القرائن الخاصّة، فإنّهم اختلفوا في أنّ مجرّد التقييد بالوصف هل يدلّ على المفهوم- أي انتفاء حكم الموصوف عند انتفاء الوصف- أم لا يدلّ؟

ص: 226


1- القوانين: 186/ 1.
2- النساء (4) الآية: 23.

نظير الاختلاف المتقدّم في التقييد بالشرط. و في المسألة قولان: المشهور القول الثاني، يعني عدم المفهوم(1).

ادلة القول بالحجية

ذكر العلماءتبعاً للمحقّق القمي و غيره وجوهاً لإثبات حجّية مفهوم الوصف و هي کالتالي:

الاول: التبادر

فان المتبادر من الهيئة الوصفية، الانتفاءُ عند الانتفاء و هو آية الوضع.

و ردّ: أنّ المتبادر هو رفع الحكم الشخصي عند رفع الوصف، و أمّا انتفاء أصل الحكم و سنخه بأن لا يخلفه شي ء آخر فهو ممنوع.

الثاني: لزوم اللغوية

لو لم يكن للوصف مفهوم لم تبق فيه فائدة و يلزم اللغو في كلام الحكيم, و لعدّه العقلاء مستهجناً، مثل قولك: الإنسان الغربي لا يعلم الغيب مع أنّ مطلق الإنسان لا يعلمه.

ص: 227


1- نسبه الشيخ الأنصاريّ إلى المشهور. راجع مطارح الأنظار: 182. و القول الأوّل نسب إلى ظاهر كلام الشيخ- من الإماميّة- و الشافعي و مالك و أكثر أصحابهما- من العامّة-. راجع الفصول الغرويّة: 151؛ و المستصفى 2: 191.

و فيه: أنّ الفائدة غير منحصرة برجوعه إلى الحكم. و كفى فائدة فيه تحديد موضوع الحكم و تقييده به, و إنّما يلزم اللغو لو لم يكن له دخل في الحكم أبداً، و أمّا إذا كان له دخل و لو بنحو العلّة التامّة و إن كان يخلفه وصف آخر أحياناً فلا تلزم اللغوية و تخصيص ذاك الوصف بالذكر دون غيره لكونه مورد السؤال أو الابتلاء للمخاطب أو التأكيد، نحو قولك: «إياك و ظلم الطفل اليتيم» مع أنّ الظلم قبيح على اليتيم و غيره، لكن لمّا كان المخاطب مبتلى به خاطبه بقوله: إياك و ظلم اليتيم.

و ربّما يكون الوجه هو دفع توهم عدم الحرمة في مورد الوصف، كقوله تعالى: ﴿وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ ﴾(1), مع أنّ قتل الأولاد حرام، سواء أ كان لغاية الإطلاق أو لا.

و أمّا مثال المستدلّ فوجه الاستهجان فيه، عدم مدخلية الغربي في الحكم، لا بنحو العلّة الناقصة، و لا التامّة و لا المنحصرة، بخلاف سائر الأمثلة.

الثالث: الأصل في القيود أنها احترازية

احتجّ القائل بالمفهوم بإنّ الأصل في القيود أن تكون احترازيّة.

و الجواب: أنّ هذا مسلّم، و لكن معنى الاحتراز هو تضييق دائرة الموضوع، و إخراج ما عدا القيد عن شمول شخص الحكم له. و نحن نقول به، و ليس هذا من المفهوم في شي ء؛ لأنّ إثبات الحكم لموضوع لا ينفي ثبوت سنخ الحكم لما عداه، كما في مفهوم اللقب, و الحاصل أنّ كون القيد احترازيّا لا يلزم إرجاعه قيدا للحكم.

و توضيحه: ان المستدل خلط بين القيد الاحترازي و القيد المفهومي، و القيد الاحترازي عبارة عن مدخلية القيد في الحكم في مقابل القيد الغالبي، و أمّا كونه دخيلًا على وجه

ص: 228


1- الأنعام: 151.

الانحصار و لا يقوم مقامه شي ء فهو ممّا لا يفهم من كون القيد احترازياً، و لأجل إيضاح حال القيود في الكلام نقول: إنّ القيود الواردة في الكلام على أقسام ستة:

1. القيد الزائد، كقولك: الإنسان الضاحك ناطق، فانّ الإنسان ناطق، سواء كان ضاحكاً أو لا. و مثله المثال السابق: الإنسان الأبيض لا يعلم الغيب.

2. القيد التوضيحي و هو القيد الذي يدلّ عليه الكلام و إن لم يذكر، كقوله سبحانه: ﴿و لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُم عَلَى البِغاءِ إِن أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾(1)، فقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ قيد توضيحي، إذ لا يصدق الإكراه إلّا معه و يغني عن ذكره قولُه: ﴿وَ لا تُكْرِهُوا﴾ و مع ذلك جي ء به لنكتة خاصة، كما هو الحال في كلّ قيد توضيحي في كلام البلغاء.

3. القيد الغالبي: و هو القيد الوارد مورد الغالب، و مع ذلك لا مدخلية له في الحكم، كقوله سبحانه: ﴿وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْبِهِنَ ﴾(2)، فكونهن في حجور الأزواج قيد غالبي، لأنّ المرأة التي توفّي عنها زوجها إذا تزوجت مرّة أُخرى تأتي مع أطفالها إلى بيت زوجها الثاني، فلذلك تكون الربائب غالباً في حجر الزوج الثاني، و لكن الربيبة محرمة سواء أ كانت في حجره أم لا.

4. القيد المحقّق للموضوع، مثل قولك: إن رزقت ولداً فاختنه.

5. القيد الاحترازي، و هو القيد الذي له مدخلية في الحكم و لا يحكم على الموضوع بحكم إلّا معه كالدخول في الآية المتقدّمة فانّ الدخول بالأُمّ شرط لحرمة الربيبة فلو لم يدخل بها و طلقها فلا دلالة في القيد علی جواز التزوج بالربيبة او عدمه, و بعبارة اخری ينتفي شخص الحکم بانتفائه و اما سنخه فمسکوت عنه.

ص: 229


1- النور: 33.
2- النساء: 23.

6. القيد المفهومي: أو القيد ذات المفهوم، و هو ما يدلّ على ثبوت الحكم عند وجوده و عدمه عند انتفائه، و هذا النوع من القيد يُثبت أكثر ممّا يثبته القيد الاحترازي، فانّ الثاني يثبت الحكم في مورد القيد و يسكت عن وجوده و عدمه في غير مورده، و لكن القيد المفهومي يثبت الحكم في مورده و ينفيه عن غيره.

إذا وقفت على أقسام القيد و آثاره المختلفة، فاعلم أنّ أقصى ما يدلّ عليه القيد هو كونه قيداً احترازياً بالمعنى الذي مرّ عليك، و أمّا الزائد عليه أي الانتفاء لدى الانتفاء فلا دليل عليه.

الرابع: الاستدلال بالجمل الدالة علی المفهوم

الاستدلال بالجمل التي ثبتت دلالتها على المفهوم، مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله: «مطل الغنيّ ظلم»(1).

و فيه: أنّ ذلك على تقديره لا ينفع؛ لأنّا لا نمنع من دلالة التقييد بالوصف على المفهوم أحيانا لوجود قرينة، و إنّما موضوع البحث في اقتضاء طبع الوصف- لو خلّي و نفسه- للمفهوم. و في خصوص المثال نجد القرينة على إناطة الحكم بالغنى من جهة مناسبة الحكم و الموضوع، فيفهم أنّ السبب في الحكم كون المدينغنيّا، فيكون مطله ظلما، بخلاف المدين الفقير؛ لعجزه عن أداء الدين، فلا يكون مطله ظلما .

ص: 230


1- من لا يحضره الفقيه ج4 ص380

الخامس: فهم أبي عبيدة و هو من أهل اللسان

إنّ أبا عبيدة البصري فهم من قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «ليّ الواجد يحل عرضه و عقوبته»(1)، انّ ليّ غير الواجد لا يحل عرضه، و فهم أهل اللسان حجّة.

و فيه: أنّ القول بالمفهوم في الحديث لا يخلو من إشكال، لأنّ الليّ فرع الوجدان، فإذا لم يكن واجداً فلا يطلق عليه الليّ، مثل قولك: إن رزقت ولداً فاختنه، و مثله التعبير عن اللي بالمطل، ففي مجمع البحرين: المطل و الليّ و التسويف، التعلّل في أداء الحقّ و تأخيره من وقت إلى وقت، و على هذا فليس للحديث مفهوم حتّى يبحث عن حجّيته و عدمه.

السادس: ظهور الجملة في مدخلية الوصف بما هو هو لا بجامعه

قد استند المحقّق الأصفهاني إلى الدليل التالي: و هو انّ ظاهر القضية الوصفية يقتضي كون الحكم مستنداً إلى نفس العنوان الوصفي دون غيره، أعني: الجامع، فلو فرض كونه

ص: 231


1- الوسائل ج 13، كتاب التجارة، باب (8) من أبواب الدين و القرض، حديث: 4، نقلا عن المجالس، و لفظه: (لي الواجد بالدين يحل عرضه و عقوبته ما لم يكن دينه فيما يكرهه اللّه عزّ و جلّ). و في مسند أحمد بن حنبل ج 4/ 388، حديث الشريد بن سويد الثقفي. و سنن ابن ماجة، ج 2/ 18، كتاب الصدقات، باب الحبس في الدين و الملازمة، حديث: 2427. و سنن أبي داود، ج 3، كتاب الاقضية، باب الحبس في الدين و غيره، حديث: 3627، كما في المتن.

علّة منحصرة، لزم الأخذ بالظهور، و إلّا لزم استناد الحكم إلى الجامع بين ذلك الوصف و الوصف الآخر، و هو خلاف الظاهر.(1).

و فيه: أنّ الوجوب معلول لكلّ سبب بشخصه بلا حاجة إلى إرجاع السببين إلى الجامع، لأنّ الأُمور الاعتبارية لا تخضع لقاعدة الواحد لا يصدر الا من الواحد مع بطلان القاعدة من اصلها کما تقدم.

السابع: استدلال الامام الصادق علیه السلام بمفهوم الوصف

استدلال الامام الصادق علیه السلام بمفهوم الوصف من قول الله تعالى: ﴿وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُم﴾.

ففي معتبرة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث أنه قال: و أما خلاف الكلب مما تصيد الفهود و الصقور و أشباه ذلك فلا تأكل من صيده إلّا ما أدركت ذكاته لأن الله عز و جل قال: (مُكَلِّبِينَ) فما كان خلاف الكلب فليس صيده بالذي يؤكل إلّا أن تدرك ذكاته»(2).

ص: 232


1- نهاية الدراية: 330/ 1.
2- الكافي (ط - الإسلامية) ج6 ص 205ح14

و الظاهر أن موسی بن بکر ثقة و ذلك لأن صفوان قد شهد بأن كتاب موسى بن بكر مما لا يختلف فيه أصحابنا(1).

و صحيحة ابي عبيدة الحذاء عن ابي عبد اللّه علیه السلام: «... قلت: فالفهد قال: ان أدركت ذكاته فكل. قلت: أ ليس الفهد بمنزلة الكلب؟ قال: لا، ليس شي ء يؤكل منه مكلب(2) الّا الكلب»(3), و تقريب الدلالة: ان الحکم بالحلية علق في الاية المبارکة علی وصف «مکلبين» و به استدل الامام عليه السلام علی انتفاء الحکم عن باقي الحيوانات بانتفاء الوصف, و الّا فلا وجه للاستدلال.

قلت: ان فائدة الوصف ان انحصرت بالمفهوم فلا شک في ثبوته کما في الاية المبارکة و الّا لو لم تنحصر به الفائدة فلا وجه للمفهوم و عليه فلا نقول بمفهوم الوصف کقاعدة و نقول به لو انحصرت الفائدة به.

ص: 233


1- معجم رجال الحديث ؛ المحقق الخوئي ج : 19 ص : 28؛ و فيه: و قد روى محمد بن يعقوب، عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، قال دفع إلي صفوان كتابا لموسى بن بكر فقال لي هذا سماعي من موسى بن بكر و قرأته عليه فإذا فيه موسى بن بكر، عن علي بن سعيد عن زرارة. قال صفوان: هذا مما ليس فيه اختلاف عند أصحابنا، (الحديث)، الكافي: الجزء 7، كتاب الميراث 2، باب ميراث الولد مع الزوج 19، الحديث 3 و سند الرواية قوي . قلت: و المشار اليه في کلام صفوان هو کتاب موسی بن بکر الکاشف عن وثاقته .
2- أي مدرب على الاصطياد.
3- وسائل الشيعة 16: 259 الباب 6 من أبواب الصيد الحديث 1.

تفصيل المحقّق النائيني

ثمّ إنّ المحقّق النائيني فصّل بين رجوع القيد إلى الحكم و رجوعه إلى متعلّقه و موضوعه، فاختار الدلالة على المفهوم في الصورة الأُولى دون الصورة الثانية، فقال: انّ التقييد إذا رجع إلى نفس الحكم كان لازم ذلك هو ارتفاعه بارتفاعه، إذ لو كان الحكم ثابتاً عند عدم القيد أيضاً لما كان الحكم مقيّداً به بالضرورة، ففرض تقييد الحكم بشي ء يستلزم فرض انتفائه بانتفائه، و أمّا إذا كان القيد راجعاً إلى الموضوع فغاية ما يترتّب على التقييد هو ثبوت الحكم على المقيّد، و من الضروري انّ ثبوت شي ء بشي ء لا يستلزم نفيه عن غيره، و إلّا لكان كلّ قضية مشتملة على ثبوت حكم على شي ء دالًا على المفهوم، و ذلك واضح البطلان.(1)

ثم انه اضاف بعض تلامذته: إنّ الظاهر في الوصف- لو خلّي و طبعه من دون قرينة- أنّه من قبيل الثاني- أي إنّه قيد للموضوع لا للحكم-، فيكون الحكم من جهته مطلقا غير مقيّد، فلا مفهوم للوصف(2).

و فيه اولا: انه تتفاوت الجمل و القضايا فمنها ما يکون القيد راجعا الی الحکم لا الموضوع کما في اية «مکلبين» المتقدمة, خصوصا و ان المراد من الوصف ما هو الاعم من الوصف النحوي کالحال و التمييز کما تقدم.

ثانيا: انه حتی لو کان الوصف راجعا الی الموضوع فقد تقدم انه له مفهوم ان لم تکن له فائدة غير المفهوم کما في: «في الغنم السائمة زکاة» فلا فائدة للقيد الّا ثبوت المفهوم .

ص: 234


1- أجود التقريرات: 435/ 1.
2- أصول الفقه ؛ محمد رضا المظفر (مع تعليقة الزارعي)، ص: 135

و الحاصل ان انحصرت الفائدة بالمفهوم فلا شک في ثبوته, و الّا لو لم تنحصر به الفائدة فلا وجه للمفهوم و عليه فلا نقول بمفهوم الوصف کقاعدة و نقول به لو انحصرت به الفائدة .

أدلّة النافي للمفهوم

استدلّ نفاة المفهوم للجملة الوصفية بوجهين:

الأوّل: ما نقله المحقّق القمي من قولهم: إنّه لو دل لدلّ بإحدى الدلالات الثلاث و كلّها منتفية.

أمّا عدم الدلالة بالمطابقة أو التضمّن فظاهر و إلّا لكان منطوقاً، و أمّا الالتزام فلعدم اللزوم الذهني لا عقلًا و لا عرفاً.

اقول: و قد توقّف المحقّق القمي في المسألة و استظهر انّ الوصف لا يخلو من إشعار و ذلك لأنّ التعليق بالوصف مشعر بالعلّيّة، و أمّا الانحصار فلا، و قد أوضحه السيّد المرتضى في ذريعته بأنّ نيابة علّة مكان علّة أُخرى شائع في الشريعة الإسلامية حيث إنّ الشاهد الواحد و المرأتين يقومان مقام الشاهدين، كما أنّ الشاهد الواحد مع اليمين يقوم مقام الشاهدين و أمثاله يصدنا عن القول بالملازمة الذهنية.

الثاني: الاستدلال بقوله سبحانه: ﴿وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ﴾(1).

و فيه: ما تقدم من أنّ القائلين بحجّية مفهوم الشرط و الوصف خصّوا وجود المفهوم بما إذا لم يكن القيد وارداً على طبق الغالب، ففي مثله يسقط الاستدلال بالآية و أمثالها.

ص: 235


1- النساء: 23.

و مثله قوله سبحانه: ﴿وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾(1), فالتقصير في الآية قيّد بالخوف من فتنة الكفّار، و قد كان الضرب في الأرض يوم نزول الآية مقروناً بالخوف غالباً، و لذلك كان القيد غالبياً.

الفصل الثالث في مفهوم الغاية

إذا ورد التقييد بالغاية نحو ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْل﴾(2) و نحو: «كلّ شي ء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام بعينه»(3)، فقد وقع الخلاف بين الاصوليّين فيه من جهتين:

الجهة الأولى: في دخول الغاية

الجهة الأولى: في دخول الغاية في المنطوق أي في حكم المغيّى, و هذا البحث انما هو في سعة الدلالة المنطوقية, فانهم قد اختلفوا في أنّ الغاية و هي الواقعة بعد أداة الغاية نحو «إلى» و «حتّى», هل هي داخلة في المغيّى حكما، أو خارجة عنه و إنّما ينتهي إليها المغيّى موضوعا و حكما؟ على أقوال:

ص: 236


1- النساء: 101.
2- البقرة (2) الآية: 187.
3- الكافي 5: 313؛ وسائل الشيعة 12: 60، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

و قبل أن نذكر الأقوال نقول انّ بيان الغاية يتحقّق غالباً بأحد اللفظين: لفظة «إلى» و لفظة «حتّى» و لما كانت اللفظة الثانية تستعمل في معان مختلفة فاللازم تعيين ما يستعمل في بيان الغاية عن غيره, فنقول انّ كلمة حتّى تستعمل على ثلاثة أوجه:

1. حرف جر: مثل قوله سبحانه: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾.

2. حرف عطف: و هي بمنزلة الواو مثل قوله: أكلتُ السمكة حتّى رأسها.

3. حرف ابتداء: و هي حرف تبتدأ بها الجمل مثل قول الفرزدق:

فوا عجبا حتّى كليب يسبني *** كأنّأباها نهشل أو مجاشع (1)

إذا علمت هذا فاعلم أنّ حتّى الغائية هي «حتّى» الجارّة لا العاطفة و لا الابتدائية؛ لأنّ العاطفة يجب دخول ما بعدها في حكم ما قبلها؛ لأنّ هذا هو معنى العطف، فإذا قلت: «مات الناس حتّى الأنبياء» فإنّ معناه أنّ الأنبياء ماتوا أيضا. بل «حتّى» العاطفة تفيد أنّ الغاية هو الفرد الفائق على سائر أفراد المغيّى في القوّة أو الضعف، فكيف يتصوّر أن لا يكون المعطوف بها داخلا في الحكم، بل قد يكون هو الأسبق في الحكم، نحو: «مات كلّ أب حتّى آدم».

و بذلك تعرف ضعف بعض الأقوال الاتية.

ثمّ إنّ البحث عن دخول الغاية في حكم المغيّى و عدمه، إنّما يتصوّر إذا كان هناك قدر مشترك أمكن تصويره داخلًا في حكم المغيّى تارة و في حكم ما بعد الغاية أُخرى كالمرفق، و أمّا إذا لم يكن كذلك فلا موضوع للبحث، كما إذا قال: اضربه إلى خمس

ص: 237


1- كليب رهط جرير الذي هجاه الفرزدق بشعره هذا. و نهشل و مجاشع أبناء دارم رهط الفرزدق. فالشاعر يفتخر بآبائه.

ضربات، فالضربة السادسة، من أفراد بعد الغاية، و الضربة الخامسة داخلة في أجزاء المغيّى حسب التبادر، فليس هنا شي ء آخر يبحث عن دخوله في حكم المغيّى و عدمه.

و بعبارة أُخرى: انّ محلّ البحث ما إذا كانت الغاية ذات أجزاء، كسورة الإسراء في المثال، أو الكوفة في قولنا: سر من البصرة إلى الكوفة، دون ما لم يكن كذلك، كما في الضربة الخامسة في المثال المذكور، أو كقولك: اقرأ سورة يس إلى آخرها.

إذا عرفت ذلك فالأقوال في المقام کالتالي:

الاول: التفصيل بين كونها من جنس المغيّى فتدخل فيه، نظير قوله سبحانه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِق﴾(1)، بخلاف قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْل﴾ فلا تدخل فيه, و هذا القول نسبه ابن الحاجب إلى الأندلسي(2), و قال المحقّق القمي: الظاهر انّ دليلهم في ذلك عدم التمايز فيجب إدخاله من باب المقدمة كما في إدخال المرفق في الغَسل، بخلاف ما لو اختلفا في الماهية و تميّزا في الخارج(3).

و فيه: ان الامثلة المذکورة محفوفة بالقرينة فلا تصلح شاهدا.

الثاني: التفصيل بين كون الغاية واقعة بعد «إلى» فلا تدخل فيه، و بين كونها واقعة بعد «حتّى» فتدخل، نحو: «كل السمكة حتّى رأسها», و هذا هو الظاهر من كلام ابن الحاجب في الكافية(4)، و ذهب إلى هذا التفصيل أيضا المحقّق العراقي استنادا الی الظاهر منهما(5).

ص: 238


1- المائدة: 6.
2- راجع شرح الكافية 2: 326.
3- القوانين المحكمة في الأصول، ج 1، ص: 415
4- راجع شرح الكافية 2: 326.
5- مقالات الأصول 1: 415.

و فيه: ان هذا التفصيل مبناه الخلط بين حتّى العاطفة و الخافضة، فانّ البحث في الثانية دون الأُولى، و ما مثله من قوله: «كل السمكة حتّى رأسها», فاللفظ فيه عاطفة لا جارة.الثالث: الخروج مطلقاً، و هو خيرة المحقّق الخراساني, و استدلّ نجم الأئمة على هذا القول بأنّ حدود الشي ء خارجة عن الشي ء و ما يتراءى من الدخول في بعض الموارد كالمرافق في الوضوء فلقرينة خارجية(1)، و تبعه المحقّق الخراساني في البرهنة.

و فيه: أنّ الظهور لا يثبت بالدليل العقلي، و المرجع في هذه المباحث هو التبادر، و أمّا القول «بأنّ حدّ الشي ء خارج عنه» فإثبات للظهور بأمر عقلي فلا يعتد به.

الرابع: التفصيل بين كون الغاية قيداً للفعل كمثال: «سر من البصرة إلى الكوفة» فيدخل، و بين كونها غاية للحكم كقوله عليه السّلام: «كلّ شي ء لك حلال ...» فلا يدخل, ذهب إليه المحقّق الحائري(2)، لأنّ الظاهر دخول جزء من السير المتخصص بالكوفة، كما أنّ الظاهر منه دخول السير المتخصص بالبصرة أيضاً في المطلوب، دون الثاني فانّ المفروض أنّها موجبة لرفع الحكم فلا يمكن بعثه إلى الفعل المتخصص بها .

و فيه: ان الغاية اذا کانت قيدا للحکم فلا خلاف في خروجها, ففي المثال المتقدم لا معنى لدخول معرفة الحرام في حكم الحلال, و عليه فالتفصيل بين كون الغاية قيداً للفعل أو للحكم خارج عن مصبّ البحث، بل البحث مركّز على ما إذا كانت الغاية قيداً للفعل.

ص: 239


1- مطارح الأنظار، ج 2، ص: 96
2- درر الفوائد 1: 174.

الخامس: عدم الدلالة على الدخول و الخروج و إنّما يُتبع في الحكم القرائن الدالة على واحد منهما(1) لأنّه لا ظهور لنفس التقييد بالغاية في دخولها في المغيّى، و لا في عدمه، و عليه فيتّبع ذلك الموارد و القرائن الخاصّة الحافّة بالكلام.

و اجيب: أنّ القائل به لما وقف على كلا الاستعمالين و لم يرجّح أحدهما على الآخر توقّف في الحكم و قال بأنّه إنّما تتبع القرائن.

السادس: الدخول مطلقاً, ذهب اليه الشيخ الأنصاري(2) و استدلّ له بأنّ الغاية بمعنى النهاية و هي الأمر المنتزع من الجزء الأخير للشي ء المفروض امتداده، كما أنّالابتداء ينتزع من الجزء الأوّل للشي ء، فإن كانت الغاية نهاية الشي ء فتكون داخلة في الشي ء و تشاركه في الحكم(3).

و اجيب: بان الظهور لا يثبت بالدليل العقلي، و المرجع في هذه المباحث هو التبادر، و أمّا القول «بانّ نهاية الشي ء داخلة فيه» فإثبات للظهور بأمر عقلي فلا يعتد به.

و فيه: ان مراد الشيخ رحمه الله هو ان «الی و حتی» دالتان علی النهاية, و النهاية تکون عرفا بهذا المعنی و عليه فهما ظاهرتان بهذا المعنی عرفا و لغةً و ليس من باب إثبات للظهور بأمر عقلي, و هذا هو الظاهر منهما الّا ما قامت القرينة علی خلافه فلا شک في وجوب غسل المرافق و لو لم تغسل لم يصدق عرفا الغسل الی المرافق بل الی ما دون المرافق, و کذلک مسح الرجلين الی الکعبين و لم يقل احد بعدم دخولهما.

ص: 240


1- لاحظ المغني، باب الحروف، حرف حتّى.
2- درر الفوائد 1: 174.
3- مطارح الأنظار، ج 2، ص: 97

نعم کان علی الشيخ ان يجيب عما استشهد به لعدم دخولها من قوله تعالی: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْل﴾ من عدم دخول الليل و قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾(1) من خروج الفجر. و بقول القائل إذا قال: قرأت القرآن من أوّله إلى سورة الإسراء، من انه صادق في إخباره إذا لم يقرأ شيئاً من سورة الإسراء. لکن فيه: ان الظاهر من الايتين لابدية دخول الليل و الفجر في سقوط وجوب الصوم و استمرار العناية في ليلة القدر, و اما الاخير فمبني علی العناية و التسامح في الدخول فيها بالوصول لها.

مقتضی الاصل العملي

ثمّ لو قلنا بأحد الأقوال المتقدمة فهو، و إلّا فيصير الكلام مجملاً فيرجع إلى الأُصول العملية و المورد مجرى البراءة لكونه من قبيل الشكّ في الأقل و الأكثر الارتباطيين و عليه فيکفي غسل اليد دون المرفق. و لا يمکن التمسّك باستصحاب بقاء الوجوب, لعدم اليقين السابق بالوجوب بالنسبة الی الزائد کما هو واضح.

الجهة الثانية: في المفهوم

الجهة الثانية: في مفهوم الغاية. و هي موضوع البحث هنا، فهل الغاية تدلّ على ارتفاع الحكم عمّا بعد الغاية بناء على دخول الغاية في المغيّى؟ أو عنها و عن ما بعدها بناء على خروجها؟ و هذا النوع من البحث، بحث في وجود الدلالة المفهومية و عدمها.

ص: 241


1- القدر: 5.

مثلًا إذا أمر المولى عبده بقوله: سر من البصرة إلى الكوفة, فهل يدلّ على ارتفاع وجوب السير عن الكوفة و ما بعدها بناء على خروج الغاية - الكوفة - عن حكم المغيّى - وجوب السير - أو عن ما بعد الكوفة فقط بناء على دخولها فيه أم لا يدلّ؟ هنا أقوال ثلاثة:

1. ذهب المشهور - على ما في مطارح الأنظار(1)- و أكثر المحقّقين- على ما في القوانين و الفصول(2)- إلى دلالة القضية المغيّاة على المفهوم و انها أوضح من دلالة القضية الشرطية عليه.

2. و ذهب السيد المرتضى في الذريعة(3) و الشيخ في العدّة(4) إلى عدم الدلالة.

3. و فصّل المحقّق الخراساني بين كون الغاية قيداً للحكم و كونها قيداً للموضوع فتدل القضية على الارتفاع في الأوّل دون الثاني(5)، و اختاره و المحقّق العراقي (6) و المحقّق النائينيّ و تلميذه المحقّق الخوئي(7), و إليك توضيحه:

إذا ورد قوله: كلّ شي ء حلال حتّى تعرف أنّه حرام, أو ورد: كلّ شي ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر, فالغاية - حتّى تعرف حتّى تعلم - حسب القواعد العربية قيد، للحكم، أي كونه

ص: 242


1- مطارح الأنظار: 186
2- قوانين الأصول 1: 186؛ الفصول الغرويّة: 153
3- الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 407
4- العدّة 2: 478
5- كفاية الأصول: 246.
6- نهاية الأفكار: 497/ 1.
7- فوائد الأصول 2: 504، و المحاضرات 5: 137- 140.

حلالًا أو طاهراً، فيدلّ على ارتفاع الحكم عند حصول الغاية - العلم و العرفان - فلا حلّية و لا طهارة بعد انكشاف الواقع و ذلك لوجهين:

اولاهما: التبادر. و ثانيهما: انّ مقتضى تقييد الحكم بالغاية، هو ارتفاعه عند حصول الغاية و إلّا لما كان ما جعل غاية له، بغاية. هذا إذا كانت الغاية، غاية للحكم.

و أمّا إذا كانت الغاية غاية للموضوع و محدّدة له، كما إذا قال: سر من البصرة إلى الكوفة، حيث إنّ الابتداء و الانتهاء من خصوصيات السير، و كأنّه قال: السير المقيّد من البصرة إلى الكوفة واجب، و عندئذ فحال الغاية حال الوصف في عدم الدلالة، حيث إنّ إثبات الحكم لموضوع محدد، لا يدلّ على انتفاء ذلك عن موضوع آخر.

و بعبارة أُخرى: انّ السير المحدّد بالابتداء من البصرة، و الانتهاء إلى الكوفة تعلّق به الطلب و لا دلالة له إلّا على ثبوت الحكم على المحدّد، و أمّا نفيه عن غيره فلا دلالة له بوجهين:

1. عدم ثبوت الوضع لذلك.

2. عدم قرينة ملازمة للقضية دلّت على اختصاص الحكم بالمغيّى و عدم ثبوته في غيره. و فيه: انه حتی لو کانت الغاية راجعة الی الموضوع يکون لها مفهوم ان لم تکن لها فائدة غير المفهوم کما في قوله تعالی: ﴿و ايديکم الی المرافق﴾ فانه لا فائدة للقيد الّا ثبوت المفهوم, و يشهد لذلک انه لو کانت الغاية ساکتة عما بعدها لما وجد التنافي و التهافت بين ان يقال: «اغسلوا ايديکم الی المرافق» و «اغسلوا ايديکم الی المناکب» مع ان وجود المنافاة بينهما من الواضحات.

نعم اذا کان للقيد فائدة کما إذا قال: «اكنس المسجد من الباب إلى المحراب»، فانّ المتبادر من الكلام كون الغاية قيداً للموضوع - المسجد - ، لا للوجوب، و لا للكنس الذي يعبّر عنه بالمتعلّق و الغرض منها تحديده, و کما في قوله سبحانه: ﴿وَ امْسَحُوا

ص: 243

بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن﴾ فانّ المتبادر أنّ الغاية قيد للأرجل، لا للوجوب و لا للغسل, ففي هذه الموارد لا يكون لها مفهوم کما هو واضح. و يکون التقييد بها ساكت عن وجود الحكم و عدمه.

و الحاصل ان انحصرت الفائدة بالمفهوم فلا شک في ثبوته, و الّا لو لم تنحصر به الفائدة فلا وجه للمفهوم و عليه فلا نقول بمفهوم الغاية کقاعدة اذا کانت الغاية قيدا للموضوع و نقول به لو انحصرت به الفائدة .

تذييل

اقول: و علی مبنی التفصيل فما علم من التقييد بالغاية أنّه راجع إلى الحكم فلا إشكال في ظهوره في المفهوم؛ مثل قوله عليه السّلام: «كلّ شي ء طاهر حتّى تعلم أنّه نجس»(1) و كذلك مثال «كلّ شي ء حلال ...».

هل هناک ضابطة لتمييز ما يرجع إلى الحكم ؟

ثم انه إن لم يعلم ذلك من القرائن، فقد حاول المحقّق الخوئي رحمه الله أن يضع ضابطة لتمييز ما يرجع إلى الحكم، عمّا يرجع إلى غيره، حيث قال: أنّ الحكم في القضية إن كان

ص: 244


1- هذا مفاد الرواية. و إليك نصّها «كلّ شي ء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر» أو «كلّ شي ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر». راجع الوسائل 2: 1054، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4؛ مستدرك الوسائل 2: 583، الباب 4 من أبواب النجاسات و الأواني، الحديث 4.

مستفاداً من الهيئة فالظاهر من الغاية هو كونها قيداً للمتعلق لا للموضوع(1)، والوجه فيه ليس ما ذكره جماعة منهم شيخنا الاستاذ (قدس سره)(2) من أنّ مفاد الهيئة معنىً حرفي، والمعنى الحرفي غير قابل للتقييد، و ذلك لما حققناه في بحث الواجب المشروط(3) من أ نّه لا مانع من رجوع القيد إلى مفاد الهيئة، بل الوجه فيه هو أنّ القضية في أمثال الموارد في نفسها ظاهرة في رجوع القيد إلى المتعلق و المعنى الاسمي دون الحكم و مفاد الهيئة، وإن كان الحكم مستفاداً من مادة الكلام فقد عرفت ظهور القيد في رجوعه إلى الحكم إن لم يكن المتعلق مذكوراً و إلّا فلا ظهور له في شي ء منهما، فدلالة الغاية على المفهوم ترتكز على ظهور القضية في رجوعها إلى الحكم و لو بمعونة قرينة(4).

و لا يخفی ما فيه: اما قوله «أنّ الحكم في القضية إن كان مستفاداً من الهيئة فالظاهر من الغاية هو كونها قيداً للمتعلق لا للموضوع», ففيه: انه خلاف الظهورفي مثل قوله تعالی ﴿و کلوا و اشربوا حتی يتبين لکم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر﴾(5) فانه ظاهر في تحديد الجواز عرفا, و کذا قوله تعالی ﴿وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾(6) فانّ لفظة «حتّى» في الآية جارة تحدد الحکم لا غير, و کذا قوله تعالی ﴿فقاتلوا التي تبغي

ص: 245


1- ففي مثال: اغسلوا ايديکم الی المرافق, الغسل متعلق الوجوب , و اليد موضوع الحکم و الغاية قيد للموضوع .
2- أجود التقريرات 1: 193- 195.
3- راجع المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 153.
4- محاضرات في أصول الفقه، ج 4، ص: 285.
5- البقرة: 187.
6- البقرة: 193.

حتی تفيء الی امر الله﴾(1) فانه ظاهر في تقييد الوجوب لا القتال, و علی فرض عدم الظهور فلا اقل من الاجمال لتکافؤ الاحتمالين و بذلک يبطل ما ذکره من الضابط.

و اما قوله: « وإن كان الحكم مستفاداً من مادة الكلام...الخ» فردّ بالفرق عرفا بين الغاية و اللقب و الوصف جدا و لذا لو قال اکرم زيدا ثم قال اکرم عمروا لا يری العرف بينهما منافاة اصلا ويقال اثبات الشيء لا ينفي ما عداه و کذا لو قال اکرم المؤمن العالم ثم قال اکرم المؤمن الهاشمي بل يقال بانه لا غرو في وجود الاسباب المتعددة لشيء واحد و يکون کلا منها موضوعا للحکم, و هذا بخلاف ما اذا قال ﴿ثم اتموا الصيام الی الليل﴾(2) و ورد في دليل اخر اتموا الصيام الی نصف الليل او قال ﴿فاغسلوا وجوهکم وايديکم الی المرافق﴾(3) و ورد في دليل اخر «اغسلوا ايديکم الی المناکب» فانه لا تردد لنا في احساسنا بالمنافاة و بالتصادم بين الدليلين, و ليس ذلک الا للدلالة علی المفهوم و هذا ملموس و محسوس في جميع الموارد و کذا لو قال سر من البصرة الی الکوفة ثم قال سر من البصرة الی ما بعد الکوفة ککربلاء المقدسة فان احساس المنافاة موجود قطعا... و يزيد ذلک بل يدل عليه ما ورد في موثقة سماعة قال: «سألته عن رجلين قاما فنظرا الی الفجر فقال احدهما: هو ذا و قال الاخر: ما اری شيئا؟ قال عليه السلام: فليأکل الذي لم يتبين له الفجر و قد حرم علی الذي زعم انه رأی الفجر ان الله عز وجل يقول کلوا واشربوا

ص: 246


1- الحجرات: 9.
2- البقرة 187
3- المائدة 6.

حتی يتبين لکم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر»(1), فقد استدل الامام بمفهوم الغاية و حکم بحرمة الاکل و الشرب علی من يتبين له الفجر و ذلک لان مفاد کلوا و اشربوا هو جوازهما لا وجوبهما و ارتفاع الجواز مساوق للحرمة فلو لم يکن دالا علی المفهوم لزم منه ان يکون ساکتا عما بعد التبين فکانت استفادة الحرمة منه في غير محله.

و الاية من موارد رجوع الغاية الی المتعلق اعني الاکل و الشرب في نظر المحقق الخوئي لانه صرح بانه لو کان الدال علی الحکم الهيئة کانت الغاية ظاهرة في الرجوع الی المتعلق و خلا عن المفهوم(2).

و الحاصل الغاية ان کانت قيدا للحکم دلت علی المفهوم و ان کانت قيدا للموضوع او المتعلق فان انحصرت فائدة القيد بالمفهوم فلا شک في ثبوته, و الّا لو لم تنحصر به الفائدة فلا وجه للمفهوم و عليه فلا نقول بمفهوم الغاية کقاعدة اذا کانت الغاية قيدا للموضوع او للمتعلق, و نقول به لو انحصرت به الفائدة .

الفصل الرابع في مفهوم الحصر

المشهور انّ الأُمور التالية تفيد الحصر:

ص: 247


1- الوسائل ج10 ب48 من ابواب ما يمسک عنه الصائم ص119 ح1.
2- تحرير الاصول السيد الموسوي الجزايري ج3 ص298.

1. إلّا الاستثنائية، 2. إنّما، 3. بل الاضرابية، 4. تقديم ما حقّه التأخير، 5. تعريف المسند إليه باللام. فهاهنا مباحث خمسة:

الاول: في الاستثناء

هل الاستثناء من النفي إثبات، و من الإثبات نفي، أو لا هذا و لا ذاك؟

أقول: إنّ لفظة «إلّا» تستعمل على وجوه ثلاثة: الاستثناء و بمعنی غير, والعطف, قال الجوهري: هو حرف استثناء، يستثنى به على خمسة أوجه: بعد الإيجاب، وبعد النفي، و المفرغ، و المقدم، و المنقطع. فتكون في المنقطع بمعنى" لكن" لأن المستثنى من غير جنس المستثنى منه. و قد يوصف بإلّا، فإن وصفت بها جعلتها و ما بعدها في موضع غير، و أتبعت الاسم بعدها ما قبله في الإعراب، فقلت:" جاءني القوم إلّا زيدا" كقوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾(1)، و قال عمرو بن معديكرب:

و كل أخ مفارقه أخوه *** لعمر أبيك إلَّا الفرقدان

كأنه قال:" غير الفرقدين". ثم قال: و أصل" إلَّا" الاستثناء و الصفة عارضة، و أصل" غير" صفة و الاستثناء عارض، و قد تكون" إلَّا" بمنزلة الواو في العطف(2).

و العطف کما في قوله تعالی: ﴿لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ* إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً﴾(3).

ص: 248


1- الأنبياء: 22.
2- الصحاح، ج 6، ص: 2544.
3- النمل: 1110.

إذا عرفت ذلك فاعلم انّ المفيد للحصر هو إلّا الاستثنائية و عليه فنقول:

لا خلاف في أنّ الاستثناء من النفي إثبات و من الإثبات نفي، و لم يخالف في ذلک إلّا أبو حنيفة, و قد أوضح الشيخ الأنصاري مقصود أبي حنيفة بقوله: إنّ غاية ما يُستفاد من الاستثناء انّ المستثنى غير داخل في الحكم الذي نطق به المتكلّم به، و أمّا حكمه واقعاً فيحتمل أن يكون محكوماً بحكم المستثنى منه أيضاً، أو يكون محكوماً بخلافه، و بالجملة انّ المتكلّم يريد بالاستثناء أن لا يخبر عنه بالحكم المذكور(1)، و عدم اخباره عنه بذاك الحكم لا يثبت عدم كونه محكوماً به بل يحتمل الأمرين(2), و احتجّ بمثل قوله صلى الله عليه و آله و سلم: لا صلاة إلّا بطهور, فانّه لو كان الاستثناء من النفي إثباتاً يلزم أن تكون الصلاة نفس الطهور و إن لم تكن سائر الشرائط موجودة.

و فيه: مضافا الی انّه خلاف المتبادر منها في عامة الموارد, فقد اجابه المحقق الخراساني بوجهين حاصلهما:

الاول: أن المستثنى منه في مثل «لا صلاة إلّا بطهور» هو التام الجامع للاجزاء و الشرائط الّا الطهور، فانه اما ليس بصلاة أصلا بناء على وضع ألفاظ العبادات للصحيح، و اما ليس بصلاة تامة- بناء على وضعها للأعم-، فالمفهوم حينئذ هو الواجد لجميع الاجزاء حتى الطهور. و على هذا، فالمنطوق هو نفي الصلاتية عما هو واجد لجميع ما يعتبر في الصلاة الّا الطهور، و المفهوم إثبات الصلاتية لواجد جميع الاجزاء و الشرائط حتى الطهور، فالحكم بعدم الصلاتية مختص بالمستثنى منه و هو الواجد لجميع الاجزاء و الشرائط الّا

ص: 249


1- و بعبارة أُخرى: ليس محكوماً بشخص الحكم لكن من المحتمل أن يكون محكوماً بسنخه كما يحتمل أن لا يكون كذلك.
2- مطارح الأنظار: 187.

الطهور، و منفي في المستثنى و هو الجامع للاجزاء و الشرائط حتى الطهور، فدلالة مثل «لا صلاة إلّا بطهور» على اختصاص الحكم بالمستثنى منه و انتفائه عن المستثنى ظاهرة.

الثاني: أنه إذا ثبت بسبب القرينة عدم دلالة الاستثناء على اختصاص الحكم بالمستثنى منه، و انتفائه عن المستثنى، لما كان ذلك قادحاً في وضع أداة الاستثناء للدلالة على الاختصاص المزبور، لما تقرر في محله من أنه لا يقدح الاستعمال في المعنى المجازي مع القرينة في ظهور اللفظ في معناه الحقيقي بدون القرينة(1).

ثم ان دلالتها ليس من باب المفهوم كما هو المدعی، بدعوی: أن أداة الاستثناء تدل على خصوصية في المستثنى منه مستتبعة للحكم في جانب المستثنى، الّا انه في غاية البعد، بل الظاهر أن الدلالة على الحصر انما تكون بالمنطوق، لا بالمفهوم، فان الدال على حكم المستثنى بلا واسطة هي الجملة الاستثنائية، و الدال على حكم المستثنى منه هو الجملة المستثنى منها، فالدلالتان منطوقيتان، و من هاتين الدلالتين ينتزع الحصر، لتخالفهما في الإيجاب و السلب(2)، و ذلك لأنّ هيئة الجملة الاستثنائية موضوعة لإفادة معنيين: 1. ثبوت الحكم للمستثنى منه. 2. و نفيه عن المستثنى, و دلالة الهيئة الاستثنائية على حكم كلّ من المستثنى منه و المستثنى دلالة لفظية تضمنية, و بذلك يظهر ضعف ما في الکفاية کما و يسقط احتمال كون إلّا بمعنى استثني .

و اما دلالتها علی الحصر فاستدلّ الشيخ الانصاري رحمه الله على ذلک بأمرين:

ص: 250


1- كفاية الأصول، ط ال البيت عليهم السلام ص: 210
2- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 425؛ الهامش .

الاول: التبادر كما يحكم به الوجدان السليم و ادّعى جماعة الإجماع على ذلك، و منهم العضدي (1)؛(2).

قلت: و الحصر هو المتبادر من موارد استعمالاته في الكتاب و السنّة.

أمّا الكتاب فقوله سبحانه: ﴿وَ الْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾(3), إذ لو لم تدل على الحصر لما تمّ الاحتجاج على الطوائف الخارجة عن الطوائف الأربعة الواردة في نفس السورة، إذ هي بصدد التنديد بسائر الطوائف، فلو لم تدل على الحصر و احتمل خروج بعض الطوائف عن الحكم عليهم بالخسران، لما تمّ التنديد، لأنّ كلّ طائفة غير الأربع يتصوّر انّها الخارجة عن حكم الآية.

و أمّا السنّة فقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة، و الركوع و السجود»(4) و قد استدل بها الفقهاء علی عدم بطلان الصلاة في غير الخمس.

الثاني: قبول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إسلام من قال «لا إله إلّا اللّه» من أعدل الشواهد على ذلك. و القول بأنّ ذلك للقرينة أو أنّها تدلّ على التوحيد شرعا بمكان من السخافة(5).

ص: 251


1- انظر شرح مختصر الاصول 1: 264- 265.
2- مطارح الأنظار، ج 2، ص: 106
3- العصر: 31.
4- الوسائل: 4، الباب 10 من أبواب الركوع، الحديث 5.
5- مطارح الأنظار، ج 2، ص: 106

قلت: فلو لم يكن مفيداً في حصر الالوهية في اللّه، لما حصلت الشهادة بالتوحيد، و تصوّر انّ دلالته على التوحيد لأجل القرينة كما في الكفاية لا دليل عليه. کما و أنّ المنساق من ذلك ليس إلّا إثبات الإلهيّة للّه تعالى فعلا. و أمّا نفي إمكان غيره فللتلازم المرتکز بين انتفاء غيره و محاليته, فان هذا هو المرتکز في الاذهان من معنی الاله و لذا کانوا يطلبون من الانبياء المعجزة و عليه فالملازمة بين الامرين من الملازمات البينة الواضحة للکل بادنی تأمل .

فرع:

لو شككنا في مورد أنّ كلمة «إلّا» استثنائيّة أو وصفيّة، مثل ما لو قال المقرّ: «ليس في ذمّتي لزيد عشرة دراهم إلّا درهم»؛ إذ يجوز في المثال أن تكون «إلّا» وصفيّة، و يجوز أن تكون استثنائيّة، فقد قيل: إنّ الأصل في كلمة «إلّا» أن تكون للاستثناء؛ فيثبت في ذمّته في المثال درهم واحد. أمّا لو كانت وصفيّة فإنّه لا يثبت في ذمّته شي ء، لأنّه يكون قد نفى العشرة الدراهم كلّها الموصوفة تلك الدراهم بأنّها ليست بدرهم(1). قلت: لا اصل في المقام نعم هنالک انصراف و ظهور للکلمة في الاستثناء و عليه فيصح ما قال.

الثاني: انما

و من جملة ادوات الحصر «انما» کما نص عليه علماء اللغة, و استدلّ على إفادتها للحصر بوجوه:

ص: 252


1- أصول الفقه للمظفر (مع تعليقة الزارعي)، ص: 141

1. انّ لفظة «إنّما» تتضمن معنى «ما» و «إلّا» بشهادة قول المفسّرين ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه﴾(1) أي ما حرم ربّكم إلّا الميتة و ما تلاها.

2. قول النحاة: إنّ لفظة «إنّما» لإثبات ما يذكر بعدها و نفي ما سواه.

3. صحّة انفصال الضمير معها، كقولك: إنّما يقوم أنا, و لا وجه لظهور الضمير إلّا إفادة الحصر.

و استدل المحقّق الخراساني على إفادته الحصر بوجهين اخرين:

4. تبادر الحصر منها في استعمالاتها.

5. تصريح أهل اللغة بذلك كالأزهري و غيره(2).

و أورد على الأوّل من الأخيرين: بمنع التبادر المزبور بما حاصله: أن موارد استعمال «انما» في العرف السابق مختلفة، حيث انها قد استعملت فيه في الحصر و غيره، و لم يظهر غلبة استعمالها في الحصر حتى تصح دعوى تبادر الحصر منها كي يكون دليلا على الوضع، و لم تستعمل أيضا في عرفنا اليوم ليرجع إليه في تشخيص معناها من الحصر و عدمه، و كذا لم يعلم بما يرادفها في عرفناالحاضر حتى يرجع إليه في تشخيص معناه، إذ لم يعلم أن قولهم بالفارسية: «اينست و جز اين نيست» مرادف لهذه الكلمة أولا. و عليه فلا سبيل إلى دعوى التبادر أصلا(3).

و فيه: ان إنكار استعمالها في عرفنا الحاضر، و انکار تبادر الحصر منها فيه بلا وجه وجيه.

ص: 253


1- البقرة: 173.
2- مطارح الأنظار: ج2 ص110؛ درر الأُصول: 197.
3- مطارح الأنظار، ج 2، ص: 110

و اورد على الثاني منها بأنّ قول اللغوي ليست بحجّة إلّا من باب الظن المطلق(1).

و فيه: ان حجية قول اللغوي محل خلاف و ان الحق حجيته کما ذهب اليه هو اخيرا مضافا الی أنّه إذا تظافر النقل من اللغويين و النحويين و علماء المعاني على أنّه يفيد الحصر، أفاد ذلك وثوقاً و هو علم عرفي و حجّة شرعية.

هذا و ذهب الرازي في تفسير قوله سبحانه: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُون﴾(2) إلى أنّ لفظة «إنّما» لا تفيد الحصر ليبطل بذلك دلالة الآية على ولاية الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، و استدلّ على مختاره بالآية التالية: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾(3), وجه استدلاله: انّ حال الدنيا ليس منحصراً بما جاء في هذا المثل، بل يمكن بيان حال الدنيا بتمثيلات أُخرى.

1. ﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَ لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُم﴾(4).

ص: 254


1- مطارح الأنظار، ج 2، ص: 110
2- المائدة: 55.
3- يونس: 24.
4- محمد: 36.

2. ﴿وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُور﴾(1) إلى غير ذلك من الأمثال الواردة في الكتاب و السنّة و الأدب العربي بُغْية بيان حال الدنيا و هذا آية عدم الحصر(2).

و فيه: انه انما قال ذلک تعصبا و عنادا بدليل انه لم يناقش في دلالة «انما» علی الحصر في غير هذا المورد کقوله تعالی: ﴿قل إنما أنا بشرٌ مثلُکم يوحی إليّ﴾(3) و قوله تعالی: ﴿انّما الله الهٌ واحدٌ سبحانه ان يکون له ولد﴾(4) و قوله تعالی ﴿قل إنما ادعوا ربي و لا اشرک به احدا﴾(5) فراجع مواردها في الکتاب العزيز تجد موافقته علی دلالة إنّما علی الحصر في تلک الآيات لکنه في آية الولاية تعصب فانکر دلالتها علی الحصر .

و اجيب أوّلًا: إنّ كلمة «إنّما» في هذه الآية أيضاً وردت بمعنى الحصر، فالدنيا في نظر الإنسان المؤمن ليست في حقيقتها سوى اللهو و اللعب و أمثال ذلك، و قد يتصور الإنسان المتورط في حبائل الدنيا اموراً اخرى في هذه الدنيا و لكن لو نظر بعين الحقيقة لرأى أنّ جميع أشكال الحكومات و المقامات الدنيوية و القصور الفخمة و أمثالها من مظاهر الدنيا ليست سوى لهو و لعب حيث يلهو بها أبناء الدنيا(6).

اقول: و توضيح ذلک - کما افيد - أنّ «إنما» في هذه الآيات للحصر قطعاً، لکن الحصر علی أقسام کما بيّن في علم المعاني و البيان، و من أقسامه حصر القلب و معناه إثبات ما

ص: 255


1- الحديد: 20.
2- مفاتيح الغيب: 30/ 12 بتصرف و إيضاح.
3- الکهف اية 110.
4- النساء اية 171.
5- الجن اية 20.
6- آيات الولاية في القرآن، المکارم الشيرازي, ص: 5 .

ذکر و نفي ما اعتقدوا به من کون الحياة الدنيا حياة کاملة جديّة و هي المقصد الأصلي و لا مقصد وراها، فنفته الآية و دلّت علی خلاف ذلک و انّ الحياة الدنيا لعب و لهو و تزوير و خيال.

ثم انه من قصر الموصوف علی الصفة لا قصر الصفة علی الموصوف کما زعم فرده بقوله: « ولا شک انّ اللعب و اللهو قد يحصلان في غيرها اي في غيرالحياة الدنيا»(1) اذ ليس المراد انّ اللهو و اللعب منحصر في الدنيا بل المراد انّ شأن الدنيا منحصر في اللهو و اللعب بحصر القلب و ما صدر منه من الخبط و الغلط ها هنا غريب جدا (2).

ثانياً: و على فرض أنّ كلمة «إنما» هنا لم ترد في معناها الحقيقي فهذا لا يدلّ على أنّ الموارد الاخرى في استعمال هذه الكلمة تحمل على غير معناها الحقيقي.

و النتيجة هي أنّ كلمة «إنّما» الواردة في الآية الشريفة تدلّ على الحصر بلا شك(3) .

الثالث: بل الاضرابية

ذكر النحاة و الأُدباء للفظة بل معان متعددة فقال في الصحاح: بَلْ، مخفّفٌ: حرفٌ يعطف بها الحرف الثاني على الأول فيلزمه مثل إعرابه، و هو للإضراب عن الأول للثاني، كقولك: ما جاءني زيدٌ بَلْ عمروٌ، و ما رأيت زيداً بَلْ عَمْراً، و جاءني أخوك بَلْ أبوك، تعطف بها بعد النفي و الإثبات جميعاً, و ربما وضَعوه موضع رُبَّ...(4), و حاصله انها حرف عطف

ص: 256


1- تفسير الرازي ج12 ص30 .
2- تحرير الاصول السيد الموسوي الجزائري ج3 ص303 .
3- آيات الولاية في القرآن، المکارم الشيرازي, ص: 5 .
4- الصحاح، ج 4، ص: 1641

وضعت للإضراب و الانتقال من معنى إلى معنى، أو من غرض إلى غرض، قال سبحانه:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى* بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾(1).

و اما إفادتها للحصر فقد اختلفت الأقوال فيه كالتالي:

1. لا تفيد الحصر مطلقاً، و نسب إلى الحاجبي.

2. تفيد الحصر مطلقاً، و نسب إلى الزمخشري.

3. انّ لفظة «بل» وضعت لنقل الحكم من المتبوع إلى التابع فقط مطلقاً كما عن بعضهم أو في الإثبات فقط كما عليه المشهور(2).

4. التفصيل بين مورد دون مورد، و هو خيرة المحقّق الخراساني, و هو الاقوی لعدم الدليل علی ما تقدم بخلافه, و حاصله: انّ الاضراب على أقسام ثلاثة:

الأوّل: للدلالة على أنّ المضرب عنه وقع عن غفلة أو على نحو الغلط، و لا دلالة لها حينئذ على الحصر، و هو واضح.

و الثاني: للدلالة على تأكيد المضرب عنه و تقريره و يكون ذكر المضرب عنه كالتوطئة و التمهيد لذكر المضرب إليه نحو: «زيد عالم بل شاعر»، فلا دلالة له على الحصر أيضاً و منه قوله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى* بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾(3) و قوله تعالى: ﴿وَ لَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ* بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَ لَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُون﴾(4).

ص: 257


1- الأعلى: 1614.
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 458
3- الأعلى: 1614.
4- المؤمنون: 62 63.

الثالث: للدلالة على الردع و إبطال ما ثبت أوّلا، کقوله تعالی ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَق﴾ و هنا تدلّ على الحصر، فيكون لها مفهوم، و هذه الآية الكريمة تدلّ على انتفاء مجيئه بغير الحقّ, و کقوله سبحانه: ﴿وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُون﴾(1) و المعنى بل هم عباد و نحوه قوله سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُون﴾(2) و هو يفيد الحصر لظهوره فيه.

الرابع: تقديم ما حقّه التأخير

من أدوات الحصر تقديم ما حقّه التأخير و قد اتّفق النحاة على أنّ تقديم ما حقّه التأخير كالمفعول يفيد الحصر، كقوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾(3), نعم لا يصحّ أن يقال انّه يفيد الحصر دائماً، إذ ربما يكون للتقديم علل مختلفة كالأهمية و غيرها.و إذا استفيد منها الحصر فلا ينبغي الشكّ في ظهورها في المفهوم؛ لأنّه لازم للحصر لزوما بيّنا, لإنّ كلّ ما يدلّ على الحصر فهو دالّ على المفهوم بالملازمة البيّنة.

الخامس: إفادة المسند إليه المعرف باللام للحصر

ص: 258


1- الأنبياء: 26.
2- المؤمنون: 70.
3- الحمد: 5.

قال في الکفاية: «و مما يفيد الحصر على ما قيل تعريف المسند إليه باللام و التحقيق أنه لا يفيده إلا فيما اقتضاه المقام لأن الأصل في اللام أن تكون لتعريف الجنس كما أن الأصل في الحمل في القضايا المتعارفة هو الحمل المتعارف الذي ملاكه مجرد الاتحاد في الوجود فإنه الشائع فيها لا الحمل الذاتي الذي ملاكه الاتحاد بحسب المفهوم كما لا يخفى و حمل شي ء على جنس و ماهية كذلك لا يقتضي اختصاص تلك الماهية به و حصرها عليه نعم لو قامت قرينة على أن اللام للاستغراق أو أن مدخوله أخذ بنحو الإرسال و الإطلاق أو على أن الحمل عليه كان ذاتيا لأفيد حصر مدخوله على محموله و اختصاصه به»(1).

وتوضيحه: إنّ لام التعريف على أقسام ثلاثة:

الاول: لام الجنس: و يقع الكلام تارة فيما إذا كان الحمل شائعاً صناعياً و أُخرى حملًا أوّلياً.

أمّا الحمل الشايع فله أقسام خمسة:

أ. إذا كانت النسبة بين المسند إليه و المسند التساوي نحو الإنسان ضاحك.

ب. إذا كان المسند إليه أخصَّ مطلق من المحمول، نحو: الإنسان ماش.

ج. إذا كان المسند إليه أعمّ مطلق من المسند نحو: الأمير زيد.

د. إذا كانت النسبة بينهما عموماً و خصوصاً من وجه كما في قول القائل: الحمامة بيضاء.

فالقسمان الأوّلان يفيدان الحصر لا لجهة اللام، بل لأجل كون النسبة هي التساوي أو كون المسند إليه أخصّ مطلق.

ص: 259


1- كفاية الأصول، ص: 212

فلو استفيد الحصر فإنّما يستفاد من لحاظ النسبة، و أمّا وجود اللام فليس له دور في المقام، و أمّا الآخران فلا يدلّان على الحصر لافتراض انّ المسند إليه أعمّمن المسند، أو كون النسبة بينهما عموم و خصوص من وجه فلا يعقل للحصر مفهوم.

و حاصل الكلام: انّ الذي يؤثر في الحصر و عدمه هو لحاظ واقع المسند إليه مع المسند من حيث النسبة، و لذلك يفيد الحصر في الأوّلين دون الآخرين.

إذا أُريد من مدخول لام الجنس الإطلاق و الإرسال فهو يفيد الحصر، كما في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ فانّ حصر جنس الحمد للّه، لأجل انّ كلّ ما يصدق عليه الحمد فهو للّه حتّى الحمد الموجه إلى غيره، لانّه سبحانه مبدأ المحامد و أصلها، فكلّ ما للغير من جمال و كمال فهو منه سبحانه.

و اما إذا كان الحمل أوّلياً:

فإذا كانت النسبة بين المسند إليه المحلّى باللام و المسند هو التساوي في المفهوم لا الوجود. و بعبارة أُخرى: إذا كان الحمل أوّلياً فهو يفيد الحصر بلا إشكال، نظير قولك: الإنسان حيوان ناطق غير أنّ الحصر مدلول وحدة الموضوع و المحمول مفهوماً و ليس للام هاهنا أيّ دور.

الثاني: لام العهد

إنّ لام العهد بمنزلة «هذا» و الغرض الإشارة إلى ما سبق ذكره، كما في قوله تعالى: ﴿كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا* فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا﴾(1) و لا يدلّ على الحصر كما هو واضح.

الثالث: لام الاستغراق

ص: 260


1- المزمل: 1615.

و المراد من لام الاستغراق ما يدلّ على شمول المدخول لكلّ ما يصدق عليه، نحو قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾(1) و هو يفيد الحصر قطعاً، أي حصر الإنسان في الخسر على نحو لا يشذّ عنه فرد من أفراد المدخول، إلّا إذا قام الدليل على الخروج.

بعض أدوات الحصر

من أدوات الحصر توسط الضمير بين المسند إليه و المسند، كقولك: زيد هو القائم.كما أنّ من أدواته أيضاً تعريف المسند نحو زيد الأمير.

ثمّ اعلم أنّ ما ذكرناه في المقام ضابطة غالبية و ليست ضابطة عامة، و لذا يلزم على الباحث الإمعان في القرائن التي يكتنف بها الكلام.

الفصل الخامس مفهوم اللقب

المقصود باللقب في مصطلح الاصوليين: كلّ اسم- سواء كان مشتقّا أم جامدا- وقع موضوعا للحكم، كالفقير في قولهم: «أطعم الفقير»، و كالسّارق و السّارقة في قوله تعالى: ﴿وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾(2).

و معنى مفهوم اللقب هو نفي سنخ الحكم عمّا لا يتناوله عموم الاسم.

ص: 261


1- العصر: 2.
2- المائدة (5) الآية: 38.

و المعروف بين الأُصوليين - إلّا من خرج كالدقاق و الصيرفي و أصحاب أحمد بن حنبل(1) - عدم المفهوم للقيود الواردة في الكلام لانّ نفس موضوع الحكم بعنوانه لا يشعر بتعليق الحكم عليه، فضلا عن أن يكون له ظهور في الانحصار.

نعم، غاية ما يفهم من اللقب عدم تناول شخص الحكم لغير ما يشمله عموم الاسم، و هذا لا كلام فيه، أمّا عدم ثبوت نوع الحكم لموضوع آخر فلا دلالة له عليه أصلا, فاذا قال: المسيح رسول اللّه فلا يعدّ دليلًا على أنّ محمّداً صلي الله عليه و آله ليس رسول اللّه، و إذا قال: أكرم زيداً في الدار, فالتشريع محدد بالإكرام في الدار و لا يدلّ على عدم وجوبه في غير الدار، لأنّ إثبات الشي ء لا ينفي ما عداه.

و أمّا عدم إجزاء الإكرام في غير الدار عن الإكرام في الدار فليس لأجل كون القضية الأُولى ذات مفهوم، بل لأجل عدم امتثال المأمور به.

الفصل السادس مفهوم العدد

لا شكّ في أنّ تحديد الموضوع بعدد خاصّ لا يدلّ على انتفاء الحكم فيما عداه، فإذا قيل: «صم ثلاثة أيّام من كلّ شهر»؛ فإنّه لا يدلّ على عدم استحباب صوم غير الثلاثة الأيّام، فلا يعارض الدليل على استحباب صوم أيّام أخر.

و ذلک لانّ العدد المأخوذ في الموضوع أو في جانب المحمول يتصوّر على أقسام أربعة:

1. أن يؤخذ العدد في جانبي الزيادة و النقيصة على نحو لا بشرط, فلا تعد النقيصة مخلة و لا الزيادة كذلك. كقوله سبحانه مخاطباً النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ

ص: 262


1- راجع مطارح الأنظار: 191، و قوانين الأصول 1: 191.

أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِين﴾(1) فانّ ذكر عدد سبعين لبيان المبالغة لا للتحديد، فلا تكون النقيصة و لا الزيادة موجبة للغفران، لأنّ الجميع لبيان عدم صلاحيتهم للمغفرة سواء أ زاد على السبعين أم نقص منه.

2. ان يؤخذ بشرط لا, في كلا الجانبين كأعداد رکعات الفرائض.

3. ان يؤخذ بشرط لا, في جانب النقيصة دون الزيادة، كما هو الحال في مسألة الكر فانّه عبارة عن ثلاثة أشبار، طولًا و عرضاً و عمقاً و لا يكفي الناقص كما لا يضر الزائد.

4. على عكس الصورة الثالثة بأن يؤخذ بشرط لا, في جانب الزيادة دون النقيصة كما في أيام العادة فيحكم عليها بالحيض إلى العشر بشرط أن لا تتجاوز، و كما هو الحال في الفصل بين المصلين فيجوز الفصل بالخطوة دون الزائد.

فإذا كان العدد حسب الثبوت على أقسام أربعة، فكيف يمكن لنا القول بالمفهوم فيه، کقاعدة عامة هذا اذا کان له مفهوم .

و الحاصل: انّه لو كان العدد دائماً لغاية التحديد في كلا الجانبين كأعداد رکعات الفرائض كان علينا الأخذ بدلالة الدليل على عدم كفاية الأقل و إخلال الزائد و أمّا إذا كان الواقع على الوجوه الأربعة المتقدمة فلا يمكن استظهار ذلک, فالحقّ أنّ التحديد بالعدد لا مفهوم له.

هذا و إذا لم يعلم کون التحديد من جانب الزيادة او النقيصة فالظاهر كونه في مقام التحديد زيادةً و نقيصةً فيکون له مفهوم و لذا لو دل دليل اخر علی اعتبار عدد اخر ازيد منه او انقص وقع بينهما التعارض.

ص: 263


1- التوبة: 80 .

قيل: لکن في باب المستحبات يحمل العدد علی اختلاف مراتب الفضيلة کالامر بقراءة الف مرة سورة التوحيد في صلاة ليلة عيد الفطر(1).

قلت: هذا الحمل خلاف الظاهر و يحتاج الی الدليل و هو مفقود و عليه فلا يجوز الاکتفاء بالاقل لمن اراد ان يصليها .

تطبيقات

و نذکر هنا بعض ما ورد في القرآن الكريم من الأعداد من آيات الأحكام في مقام التحديد من كلا الجانبين أو من جانب واحد، مثل قوله تعالی:

1. ﴿الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَة﴾(2). فظاهر الآية التحديد في كلا الجانبين.

2. قوله سبحانه: ﴿وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُم﴾(3)، فالآية بصدد تحديد جانب النقيصة لا جانب الزيادة.

3. ﴿وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً﴾(4)، فالآية بصدد تحديد جانب النقيصة لا الزيادة.

ص: 264


1- تحرير الاصول ج3 ص305
2- النور: 2.
3- البقرة: 282.
4- النور: 4.

4. ﴿وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين﴾(1)، و الآية ظاهرة في تحديد جانب النقيصة.

خاتمة: في دلالة الاقتضاء و التنبيه و الإشارة

قال العلامة المظفر: يجري كثيرا على لسان الفقهاء و الأصوليّين ذكر دلالة الاقتضاء و التنبيه و الإشارة، و لم تشرح هذه الدلالات في أكثر الكتب الأصوليّة المتعارفة(2).

قلت: و نحن نقتفي اثره و نبحث عنها بشي ء من التفصيل مع الاستفادة مما کتبه مع التعليق عليه فنقول:

البحث عنها يقع من جهتين: الأولى: في مواقع هذه الدلالات الثلاث و أنّها من أيّ أقسام الدلالات. و الثانية: في حجّيتها.

الجهة الأولى: مواقع الدلالات الثلاث:

قد تقدّم أنّ المفهوم هو مدلول الجملة التركيبيّة اللازمة للمنطوق لزوما بيّنا بالمعنى الأخصّ. و يقابله المنطوق الذي هو مدلول ذات اللفظ بالدلالة المطابقيّة.

و لكن يبقى هناك من المدلولات ما لا يدخل في المفهوم و لا في المنطوق اصطلاحا، كما إذا دلّ الكلام على مفاد جملة لازمة للمنطوق، إلّا أنّ اللزوم

ص: 265


1- النور: 6.
2- أصول الفقه (مع تعليقة الزارعي)، ص: 145

ليس على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ؛ فإنّ هذه كلّها لا تسمّى مفهوما و لا منطوقا، إذن ما ذا تسمّى هذه الدلالة في هذه المقامات؟

قال العلامة المظفر: الأنسب أن نسمّي مثل هذه الدلالة على وجه العموم الدلالة السياقيّة(1)، تبعا للمحقّق النائيني حيث خصّ المفهوم باللازم البيّن بالمعنى الأخص، و جعل الدلالات الثلاث من اللازم البيّن بالمعنى الأعمّ و أسماها دلالة سياقية، و ظاهره انّها ليست منطوقية و لا مفهومية(2).

و ذهب المحقّق البروجردي إلى أنّها دلالات منطوقية فأنّ المنطوق منقسم إلى الصريح و غير الصريح، و الثاني ما دلّ عليه اللفظ بدلالة الاقتضاء و التنبيه و الإشارة، لأنّ ما يدلّ عليه إن كان غير مقصود للمتكلّم فهو المدلول عليه بدلالة الإشارة كدلالة الآيتين - البقرة: 233، الأحقاف: 15 - على أقلّ الحمل.

و إن كان مقصوداً بأن كان صدق الكلام أو صحته يتوقّف عليه فهو المدلول بدلالة الاقتضاء، نحو رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ و النسيان و نحو: ﴿وَ سْئَلِ الْقَرْيَة﴾(3) فانّهما يدلّان على مقدّر مصحّح للكلام.

و إن اقترن بالحكم ما فهم منه العلية فهو المدلول عليه بدلالة الإيماء و التنبيه، كما لو قال السائل: واقعت في نهار رمضان، فأجيب: كفّر ، فإنّ اقتران الجواب بسؤال السائل يفهم منه، عليّة الوقاع للكفّارة(4). قلت: و هو الارجح کما تقدم .

ص: 266


1- أصول الفقه (مع تعليقة الزارعي)، ص: 145
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 347
3- يوسف: 82
4- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 347

و کيف کان فالمقصود بها أنّ سياق الكلام يدلّ على المعنى المفرد أو المركّب أو اللفظ المقدّر. و قسّموها إلى الدلالات الثلاث المذكورة: الاقتضاء، و التنبيه، و الإشارة، فلنبحث عنها واحدة واحدة.

الاولی: دلالة الاقتضاء

و هي أن تكون الدلالة مقصودة للمتكلّم بحسب العرف، و يتوقّف صدق الكلام أو صحّته عقلا، أو شرعا، أو لغة، أو عادة عليها.

مثالها قوله صلّى اللّه عليه و آله: «لا ضرر و لا ضرار»(1)، فإنّ صدق الكلام يتوقّف على تقدير الأحكام و الآثار الشرعيّة لتكون هي المنفيّة حقيقة؛ لوجود الضرر و الضرار قطعا عند المسلمين، فيكون النفي للضرر باعتبار نفي آثاره الشرعيّة و أحكامه. و مثله «رفع عن أمّتي ما لا يعلمون و ما اضطرّوا إليه ...» (2).

و مثال آخر، قوله عليه السّلام: «لا صلاة لمن جاره المسجد إلّا في المسجد»(3)؛ فإنّ صدق الكلام و صحّته تتوقّف على تقدير كلمة «كاملة» محذوفة ليكون المنفيّ كمال الصلاة، لا أصل الصلاة.

ص: 267


1- راجع الوسائل 17: 341، الباب 12 من أبواب إحياء الموات، الحديث 3؛ و الباب 7 منها، الحديث 2؛ مستدرك الوسائل 17: 118، الباب 9 من كتاب إحياء الموات، الحديث 1 و 2.
2- الوسائل 16: 173، الباب 26 من كتاب الأيمان، الحديث 3- 6؛ الكافي 2: 463؛ الفقيه 1: 48 .
3- الوسائل 3: 478، الباب 2 من أبواب أحكام المسجد.

و مثال ثالث قوله تعالى: ﴿وَ اسْألِ الْقَرْيَةَ﴾(1)، فإنّ صحّته عقلا تتوقّف على تقدير لفظ «أهل»، فيكون من باب حذف المضاف، أو على تقدير معنى «أهل»، فيكون من باب المجاز في الإسناد.

و مثال رابع قولهم: «أعتق عبدك عنّي على ألف»، فإنّ صحّة هذا الكلام شرعا تتوقّف على طلب تمليكه أوّلا له بألف؛ لأنّه لا عتق إلّا في ملك، فيكون التقدير «ملّكني العبد بألف ثمّ أعتقه عنّي».

و جميع الدلالات الالتزاميّة على المعاني المفردة، و جميع المجازات في الكلمة أو في الإسناد ترجع إلى «دلالة الاقتضاء».

فإن قال قائل: إنّ دلالة اللفظ على معناه المجازيّ من الدلالة المطابقيّة، فكيف جعلتم المجاز من نوع دلالة الاقتضاء؟!

نقول له: هذا صحيح، و مقصودنا من كون الدلالة على المعنى المجازيّ من نوع دلالة الاقتضاء هو دلالة نفس القرينة المحفوف بها الكلام على إرادة المعنى المجازيّ من اللفظ، لا دلالة نفس اللفظ عليه بتوسّط القرينة.

و الخلاصة أنّ المناط في دلالة الاقتضاء شيئان: الأوّل: أن تكون الدلالة مقصودة.

و الثاني: أن يكون الكلام لا يصدق أو لا يصحّ بدونها. و لا يفرق فيها بين أن يكون لفظا مضمرا أو معنى مرادا، حقيقيّا أو مجازيّا.

الثانية: دلالة التنبيه

ص: 268


1- يوسف (12) الآية: 82 .

و تسمّى «دلالة الإيماء» أيضا، و هي كالأولى في اشتراط القصد عرفا، و لكن من غير أن يتوقّف صدق الكلام أو صحّته عليها، و إنّما سياق الكلام ما يقطع معه بإرادة ذلك اللازم أو يستبعد عدم إرادته. و بهذا تفترق عن دلالة الاقتضاء؛ لأنّها- كما تقدّم- يتوقّف صدق الكلام أو صحّته عليها.

و لدلالة التنبيه موارد كثيرة نذكر أهمّها:

1. ما إذا أراد المتكلّم بيان أمر فنبّه عليه بذكر ما يلازمه عقلا أو عرفا، كما إذا قال القائل: «دقّت الساعة العاشرة» مثلا، حيث تكون الساعة العاشرة موعدا له مع المخاطب لينبّهه على حلول الموعد المتّفق عليه. أو قال: «طلعت الشمس» مخاطبا من قد استيقظ من نومه حينئذ، لبيان فوات وقت أداء صلاة الغداة. أو قال: «إنّي عطشان» للدلالة على طلب الماء.

و من هذا الباب ذكر الخبر لبيان لازم الفائدة، مثل ما لو أخبر المخاطب بقوله: «إنّك صائم» لبيان أنّه عالم بصومه.

و من هذا الباب أيضا الكنايات إذا كان المراد الحقيقيّ مقصودا بالإفادة من اللفظ، ثمّ كنّى به عن شي ء آخر.

2. ما إذا اقترن الكلام بشي ء يفيد كونه علّة للحكم، أو شرطا، أو مانعا، أو جزءا، أو عدم هذه الأمور، فيكون ذكر الحكم تنبيها على كون ذلك الشي ء علّة، أو شرطا، أو مانعا، أو جزءا، أو عدم كونه كذلك.

مثاله قول المفتي: «أعد الصّلاة» لمن سأله عن الشكّ في أعداد الثنائيّة؛ فإنّه يستفاد منه أنّ الشكّ المذكور علّة لبطلان الصّلاة؛ و للحكم بوجوب الإعادة.

مثال آخر قوله: «كفّر» لمن قال له: «واقعت أهلي في نهار شهر رمضان»؛ فإنّه يفيد أنّ الوقاع في الصوم الواجب موجب للكفّارة.

ص: 269

و مثال ثالث قوله: «بطل البيع» لمن قال له: «بعت السمك في النهر»، فيفهم منه اشتراط القدرة على التسليم في البيع.

و مثال رابع قوله: «لا تعيد» لمن سأل عن الصلاة في الحمّام، فيفهم منه عدم مانعيّة الكون في الحمّام للصلاة ... و هكذا.

3. ما إذا اقترن الكلام بشي ء يفيد تعيين بعض متعلّقات الفعل، كما إذا قال القائل: «وصلت إلى النهر و شربت»، فيفهم من هذه المقارنة أنّ المشروب هو الماء، و أنّه من النهر.

و مثل ما إذا قال: «قمت و خطبت» أي خطبت قائما ... و هكذا.

الثالثة: دلالة الإشارة

و يشترط فيها- على عكس الدلالتين السابقتين- ألّا تكون الدلالة مقصودة بالقصد الاستعمالي بحسب العرف، و لكن مدلولها لازم لمدلول الكلام لزوما غير بيّن، أو لزوما بيّنا بالمعنى الأعمّ، سواء استنبط المدلول من كلام واحد أم من كلامين.

مثال ذلك دلالة الآيتين على أقلّ الحمل، و هما آية ﴿وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾(1) و آية ﴿وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْن﴾(2)؛ فإنّه بطرح الحولين من ثلاثين شهرا يكون الباقي ستّة أشهر، فيعرف أنّه أقلّ الحمل.

ص: 270


1- الأحقاف (46) الآية: 15.
2- البقرة (2) الآية 233.

الجهة الثانية: حجّيّة هذه الدلالات

أمّا دلالة الاقتضاء و التنبيه: فلا شكّ في حجيّتهما إذا كانت هناك دلالة و ظهور؛ لأنّه من باب حجيّة الظواهر، و لا كلام في ذلك.

و أمّا دلالة «الإشارة»: فقال العلامة المظفر: ان حجيّتها من باب حجّية الظواهر محلّ نظر و شكّ؛ لأنّ تسميتها بالدلالة من باب المسامحة؛ إذا المفروض أنّها غير مقصودة و الدلالة تابعة للإرادة، و حقّها أن تسمّى «إشارة» و «إشعارا» فقط بغير لفظ الدلالة، فليست هي من الظواهر في شي ء حتى تكون حجّة من هذه الجهة.

نعم، هي حجّة من باب الملازمة العقليّة حيث تكون ملازمة، فيستكشف منها لازمها، سواء كان حكما أم غير حكم، كالأخذ بلوازم إقرار المقرّ و إن لم يكن قاصدا لها، أو كان منكرا للملازمة(1).

قلت: صحيح ان الدلالة التصديقية تابعة للارادة الّا ان الکلام المشتمل علی اللوازم العقلية لابد و ان تکون لوازمه مرادة و الّا لما کانت حجة, فدلالة الايتين علی اقل الحمل لابد و ان يکون مرادا و الّا مجرد کونه لازما من دون ان يکون مرادا لا يکسوه الحجية و عليه فحجيتها تکون من باب الدلالة و ان کانت دلالتها بالامعان و التأمل.

ص: 271


1- استفدنا في البحث عن هذه الدلالات الثلاثة مما کتبه العلامة المظفر في کتابه أصول الفقه (المطبوع مع تعليقة الزارعي)، ص: 148.

المقصد الرابع في العام و الخاص

و فيه فصول:

و قبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الامر الاول: تعريف العام

عرّف علماء الأُصول العامَ بتعاريف لا تخلو من اشکال و مسامحة, مثل «شمول الحكم لجميع أفراد مدخوله» فانه شامل للمطلق ايضا فليس بمانع, و مثل «ما يکون معناه شاملا لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه» و فيه: أنّ فاعل قوله: ينطبق عليه هو لفظ العام كالعلماء في قوله: أكرم العلماء، و من المعلوم أنّ المقياس في العام شموله لكلّ ما ينطبق عليه مفرده، لا شموله لكلّ ما ينطبق عليه لفظ العام، فكم فرق بينهما؟ فانّ العام كالعلماء لا ينطبق إلّا على ثلاثة، ثلاثة، و أمّا مفرده فينطبق على واحد واحد. و لذا عدل المحقّق البروجردي رحمه الله الی تعريفثالث و هو: «شمول مفهومه لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه مفهوم الواحد» فلفظة العلماء عام لشمولها لجميع ما يصلح أن ينطبق مفرده عليه(1).

و الفرق بينه و بين المطلق هو انّ دلالة العام بالوضع اللغوي فهي لفظية, و لكن دلالة المطلق (و هو اللفظ الدال علی الطبيعة بنحو تکون تمام الموضوع للحکم مع رفض جميع القيود عنه) بالعقل و بفضل مقدّمات الحكمة کما سيأتي فهي عقلية, کما و ان الخصوصيات الفردية في العام ملحوظة و في المطلق مرفوضة .

ص: 272


1- لمحات الأُصول: 302.

الامر الثاني: أقسام العام

ينقسم العام إلى استغراقي و مجموعي و بدليّ، قال في الکفاية: «الظاهر أن ما ذكر له من الأقسام من الاستغراقي و المجموعي و البدلي إنما هو باختلاف كيفية تعلق الأحكام به و إلّا فالعموم في الجميع بمعنى واحد...» (1).

و توضيح ما قال: أن انقسام العام إلى الأقسام الثلاثة انما يكون باعتبار الحكم، لا بلحاظ نفس العام، و ذلك لأن العام في جميع الأقسام بمعنى واحد، و هو شمول المفهوم لجميع ما يصلح لأن ينطبق عليه، و من المعلوم أن هذا المعنى موجود في الثلاثة بوزان واحد من دون تفاوت في نفسه. نعم يتفاوت ذلك باعتبار الحكم المتعلق به، إذ قد يلاحظ كل فرد موضوعاً مستقلا للحكم كقوله: «أكرم كل عالم» إذا لوحظ كل فرد من هذا العام موضوعاً مستقلا لوجوب الإكرام، بحيث لا يرتبط فرد من أفراده بالآخر، فإذا أكرم بعض العلماء و لم يكرم الآخر فقد أطاع و عصى، لأن كل فرد من أفراده تحت حكم مستقل ثبوتاً و سقوطاً، و هذا القسم يسمى بالعامّ الاستغراقي.

و قد يلاحظ مجموع الافراد موضوعاً لحكم واحد، بحيث يكون كل واحد من الافراد جزءاً من الموضوع، و تحت حكم ضمني يناط امتثاله بالإتيان بجميع الافراد، فلو أتى بها الّا واحداً لم يتحقق الامتثال، لكون الأحكام الضمنية متلازمة الثبوت و السقوط، و هذا القسم يسمى بالعامّ المجموعي، و هذان القسمان مشتركان في ثبوت الحكم لجميع الافراد.

ص: 273


1- کفاية الاصول ص216

و قد يلاحظ واحد من الافراد على البدل موضوعاً للحكم، كما لو قال: «أكرم عالماً» فانه يحصل الامتثال بإكرام واحد من العلماء، فالملحوظ هنا صرف الوجود من طبيعة العالم. بخلاف القسمين الأولين، فان الملحوظ فيهما جميع الافراد. و هذا القسم الثالث يسمى بالعامّ البدلي. و لازم العام الاستغراقي حصول الإطاعة بفعل واحد و العصيان بترك الآخر. و لازم العام المجموعي حصول الإطاعة بفعل الجميع، و العصيان بترك واحد. و لازم العام البدلي حصول الإطاعة بفعل واحد من الافراد، و العصيان بترك الجميع.

و ردّه المحققان السيد الخوئي(1), و السيد المروج و نکتفي بعبارة الثاني: الظاهر أن انقسام العام إلى هذه الأقسام الثلاثة انما هو قبل عروض الحكم عليه، إذ الكلي ان لم يلاحظ مرآةً لافراده فهو العام المنطقي، و ان لوحظ مرآةً لها، فان كان الملحوظ كل واحد منها بنحو الاستقلال كما هو كذلك واقعاً، إذ فردية كل واحد من الافراد للكلي ليست منوطة بفرد آخر، فهو عام أصولي استغراقي، فالملحوظ هو المتكثرات بما هي متكثرات و مستقلات.

و ان كان الملحوظ تلك المتكثرات لا بما هي متكثرات، بل بما أنها واحدة اعتباراً بحيث تكون الوحدة ملحوظة معها، فهو عام مجموعي.

و ان كان الملحوظ واحداً من الافراد على البدل بحيث ينتقل النّظر من فرد إلى آخر، و يكون الملحوظ هذا أو ذاك إلى آخر الافراد، فهو عام بدلي. و من المعلوم أن لحاظ المفهوم مرآةً للافراد بأحد هذه الأنحاء لا يتوقف على لحاظ موضوعيته للحكم، كيف و الموضوع متقدم رتبة على الحكم، فيمكن بعد جعل الكلي مرآةً لافراده بأحد الأنحاء

ص: 274


1- المحاضرات ج5 ص161

المزبورة أن يؤخذ موضوعاً للحكم، و يمكن أن لا يؤخذ كذلك، فليس انقسام العام إلى الأقسام المزبورة مترتباً على كيفية تعلق الأحكام به، كما لا يخفى(1).

قلت: و يشهد لذلك انّ الواضع وضع لكلّ من الأقسام لفظاً خاصاً، فلفظة «كلّ» موضوعة للعام الاستغراقي، كما أنّ لفظة «مجموع» موضوعة للعام المجموعي و لفظة «أي» موضوعة للعام البدلي.

قال الله تعالی ﴿الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّه﴾(2) فلفظة كلّ في ﴿كُلَّ واحِدٍ﴾ موضوعة للعام الاستغراقي.

و يقول سبحانه ﴿أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ﴾(3) و قال سبحانه حاكياً عن سليمان ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِين﴾(4), فلفظة أيّ في الآيتين موضوعة للعام البدليّ.

رأي المحقق النائيني

قال المحقّق النائيني: إنّ في عدّ العام البدلي من أقسام العموم مسامحة واضحة، بداهة أنّ البدلية تنافي العموم. فانّ متعلّق الحكم في العموم البدلي ليس إلّا فرد واحد، أعني به:

ص: 275


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، هامش ص: 456 .
2- النور: 2.
3- الإسراء: 110.
4- النمل: 38.

الفرد المنتشر، و هو ليس بعام. نعم البدلية عامة فالعموم إنّما هو في البدلية لا في الحكم المتعلّق بالفرد على البدل(1).

و فيه: أنّ ملاك العموم و هو سعة الحكم و شموله لكلّ فرد على نحو التبادل، موجود حيث إنّ الحكم يعمّ و يسع كلّ فرد على وجه البدلية مقابل اختصاصه بفرد واحد.

الامر الثالث: دوران الأمر بين أحد الأقسام الثلاثة

إذا دار أمر العام بين أحد هذه الأقسام، فهل هي أصل يعتمد عليه في تعيين أحد الأقسام ام لا؟

ذهب المحقّق النائيني الی الاول فقال: إنّ الأصل اللفظي الإطلاقي يقتضي الاستغراقية، لأنّ العموم المجموعي يحتاج إلى غاية زائدة و هي لحاظ جميع الافراد على وجه الاجتماع و جعلها موضوعاً واحداً(2).

توضيحه: ان العموم الاستغراقي لا يحتاج إلى أزيد من جعل المفهوم مرآةً للحاظ الافراد، حيث انها متكثرات بالذات، و مستقلات في نفس الأمر، و مقتضی ذلك هو الاستيعاب. و هذا بخلاف المجموعي، لاحتياجه إلى اعتبار زائد و هو لحاظ قيد الوحدة في الافراد المتكثرة بالذات. و بخلاف البدلي، لاحتياجه إلى اعتبار التردد بينها، و من المعلوم أنه كسابقه يحتاج إلى مزيد لحاظ و بيان .

ص: 276


1- أجود التقريرات: 443/ 1.
2- فوائد الأُصول: 515/ 1.

و فيه: ان هذا الکلام ممکن تصورا لکنّه لا موضوع له اثباتا فلا وجود للأصل اللفظي في العام، و ذلك لما تقدم من أنّ في لغة العرب لكلٍّ لفظاً خاصاً، فكلّ للعام الاستغراقي و «أي» للبدلي و «مجموع» للمجموعي، و عليه فالأمر يدور بين المتباينين فلا أصل هنا يعيّن واحداً من هذه الألفاظ, فحال العام هنا حال العلم الإجمالي بصدور واحد من هذه الألفاظ المردد بين الاستغراقي و المجموعي و البدلي، فيكون سبباً لدوران الموضوع بين الأُمور المتباينة كدوران الفائت بين الظهر و المغرب و الفجر، فكما لا موضوع للأصل اللفظي فيه فهكذا المقام.

نعم يتصوّر الدوران فيما إذا كان الدليل لبياً كالإجماع و السيرة على وجوب شي ء كصيام ثلاثة أيّام فيقع الكلام في وجوبها متوالية حتّى يكون كالعام المجموعي أو أعمّ منه و من غير المتوالي ليكون كالعام الاستغراقي، فالمرجع حينئذ هو البراءة، و ذلك لأنّ الشكّ في كلفة زائدة و هو التوالي و الأصل عدمه.

إذا عرفت هذا فلندخل في صلب الموضوع، و يأتي الكلام فيه ضمن فصول:

الفصل الأوّل في صيغ العموم

ص: 277

قال الميرزا ابو القاسم القمي رحمه الله : اختلفوا في كون ما يدّعى كونها موضوعا للعموم من الألفاظ موضوعا له (1) أو مشتركا بينه و بين الخصوص (2) أو حقيقة في الخصوص (3) على أقوال:

فقيل: بالتوقّف... ثم قال: الأشهر الأظهر كونها حقيقة في العموم(4).

ثم استدل له فقال: « لنا: التبادر، فإنّ أهل العرف يفهمون من قولنا: ما ضربت أحدا، و من دخل داري فله درهم، و متى جاء زيد فأكرمه، و نحو ذلك العموم. فلو قال السيّد لعبده، لا تضرب أحدا، ثم ضرب العبد واحدا لاستحقّ بذلك عقاب المولى.

و للاتّفاق على دلالة كلمة التوحيد عليه، و للاتّفاق على لزوم الحنث على من حلف أن لا يضرب أحدا بضرب واحد. و انّ من ادّعى ضرب رجل لو أردت تكذيبه قلت: ما ضربت أحدا، فلولا انّه سلب كلّي لما ناقض الجزئية، فإنّ سلب الجزئي لا يناقض الإيجاب الجزئي...الخ»(5) ثم ذکر حجّة القائلين بأنّها حقيقة في الخصوص, و هي وجهان:

ص: 278


1- و هو المحكي عن المحقّق في« المعارج»: ص 82 ، و الشيخ في« العدة»: ص 279، و العلّامة في« التهذيب»: ص 127، و عزاه بعضهم الى الأكثر هنا كما في« الوافية»: ص 111.
2- و هو للسيد كما في« الذريعة»: ص 201.
3- كما نقل في« المعالم»: ص 258.
4- القوانين المحكمة في الأصول، ج 1، ص: 436
5- القوانين المحكمة في الأصول، ج 1، ص: 436

«الأوّل: أنّ الخصوص متيقّن المراد من هذه الألفاظ حيث استعملت سواء أريد منها الخصوص فقط أو في ضمن العموم، بخلاف العموم فإنّه مشكوك الإرادة.

و اجاب عنه: أنّ هذا إثبات اللّغة بالترجيح العقلي و هو باطل لأنّ طريقه منحصر في النقل... و أمّا العقل المحض فلا مدخليّة له في إثبات اللّغات.

الثاني: أنّه اشتهر في الألسن حتّى صار مثلا أنّه ما من عامّ إلّا و قد خصّ منه، و هو وارد على سبيل المبالغة و إلحاق القليل بالعدم، و الظاهر يقتضي كونه حقيقة في الأغلب مجازا في الأقل تقليلا للمجاز.

و أجيب (1): بأنّ احتياج خروج البعض عنها الى التخصيص بمخصّص ظاهر في أنّها للعموم، و يوهن التمسّك بمثل هذه الشهرة.

أقول: فيه نظر, أمّا في الأوّل، فلأنّ احتياج الخروج الى مخصّص عند المستدلّ ليس لظهور العامّ في العموم، بل لأنّ اللّفظ عنده موضوع لبعض ما صدق عليه مفهوم الصيغة من غير تعيين، و لمّا كان ذلك البعض محتملا لكل واحد منالأبعاض فالتخصيص إنّما يحتاج إليه لبيان المراد من لفظ العامّ، لأنّ العامّ ظاهر في الجميع حتى يحتاج إرادة البعض الى المخصّص. و لعلّ هذا التوهّم نشاء من لفظ و قد خصّ منه، و تعبير المستدلّ بذلك إنّما هو ذهاب على ممشى الخصم و تكلّم باصطلاحه، و إلّا فحاصل مراد المستدلّ انّ غالب استعمال الألفاظ التي يدّعي عمومها في بعض ما يصلح له اللّفظ، و الغلبة علامة الحقيقة، فالتحقيق في الجواب منع كون غلبة الاستعمال دليلا للحقيقة.

سلّمنا، لكنّه يصير دليلا إذا لم يثبت الدليل على كونها حقيقة في الأقلّ و قد بيّنا الأدلّة.

ص: 279


1- المجيب هو صاحب« المعالم»: ص 261.

و أمّا في الثاني، فلأنّ متمسّك المستدلّ ليس هو نفس الاشتهار، بل لأنّ ذلك المطلوب حقيقة له و المثل مطابق للواقع، حتى أنّ ذلك المثل أيضا مخصّص في نفس الأمر بأنّ اللّه بكلّ شي ء عليم، و إنّما قال وارد على سبيل المبالغة، لأنّه لو كان المراد ظاهره لكان كاذبا للزوم التخصيص في نفس المثل.

و احتجّ القائل بالاشتراك (1): بالاستعمال فيهما، و ظاهر الاستعمال الحقيقة. و فيه: أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة و المجاز كما مرّ مرارا(2), انتهی کلامه رحمه الله و لقد اجاد فيما افاد, و يرد علی دليل القائل بالوضع للخصوص الثاني: أنّه مبني على أنّ التخصيص مستلزم كون العام مجازاً مستعملًا في غير ما وضع له، و سيأتي انّ الحقّ خلافه، و انّ العام مطلقاً مستعمل في معناه، سواء كان المخصص متصلاً أو منفصلاً و مراد بالإرادة الاستعمالية التي هي مناط الحقيقة و المجاز, و ان التخصيص تصرف بالمراد الجدي دون الاستعمالي.

مضافا الی ان کثرة التخصيص ليست الی حدٍ توجب سقوط العام عن ظهوره في العمومفان الوجدان قاضٍ بتبادر العموم من صيغه مع ما فيه من کثرة التخصيص .

ثمّ إنّ للخصوص أيضاً ألفاظاً، كلفظة «بعض» أو «قسم» أو «فئة» أو «طائفة»، أو ما يقوم مقام هذه الألفاظ.

صيغ العموم

ص: 280


1- راجع الذريعة: ص 202.
2- القوانين المحكمة في الأصول، ج 1، ص: 443-445

ثمّ إنّهم ذكروا للعام صيغاً و هي کالتالي:

الاول: وقوع النكرة في سياق النفي أو النهي

قال في الکفاية: «ربما عد من الألفاظ الدالة على العموم النكرة في سياق النفي أو النهي و دلالتها عليه لا ينبغي أن تنكر عقلا لضرورة أنه لا يكاد يكون طبيعة معدومة إلّا إذا لم يكن فرد منها بموجود و إلّا كانت موجودة»(1).

و توضيحه: ان دلالتها على العموم لاجل أن انعدام الطبيعة يتوقف عقلا على ترك جميع أفرادها، بداهة أنه مع وجود فرد واحد من أفرادها توجد الطبيعة، و هذا خلاف ما هو المطلوب من انعدامها، فدلالة النكرة الواقعة في حيز النفي أو النهي على العموم انما تكون بحكم العقل، فإنّ کلمة «فاسق» - مع قطع النظر عن اللام و التنوين - لها وضع، و هي مع التنوين تدلّ على الوحدة، و مع اللام تدلّ تارة على الجنس و أُخرى على العهد، فإذا جُرّد اللفظ عن كليهما دلّ على الماهية لا بشرط شي ء.

و قد نقل المحقّق القمي عن السكاكي انّه نقل إجماع أهل العربية على أنّ المصادر الخالية من اللام و التنوين موضوعة للماهية لا بشرط شي ء(2).

و لا يختصّ هذا بالمصادر، بل يعمّ الأسماء فالمجرّد من اللام و التنوين يدلّ على الطبيعة، فإذا وقعت تحت النفي أو النهي يدلّ على نفي الطبيعة و هو يتحقّق في ضمن نفي تمام الأفراد.

ص: 281


1- الکفاية ط ال البيت عليهم السلام ص217 .
2- القوانين: 202/ 1.

و يؤيد دلالته على العموم أنّه لا يجوز أن يقال: لا رجل في الدار بل رجلان، أو: و ما من رجل في الدار بل رجلان، بخلاف ليس و ما و لا و لات المشبهات بها حيث يصحّ: ليس في الدار رجل بل رجلان، و ما في الدار رجل بل رجلان، حيث إنّ التنوين إشارة إلى الوحدة العددية المعينة و يكون النفي راجعاً إلى الوحدة.

و رده المحقق الاصفهاني: «بان الوجود ان اضيف الی الطبيعة المهملة التي نتيجتها جزئية فکما يتحقق وجودها بوجود واحد کذلک عدمها يتحقق بعدم ذلک الفرد و ان اضيف الوجود الی الطبيعة بنحو الکثرة فلکل وجود عدم هو بديله ... و علی اي حال مقتضی مراعاة التقابل وحدة ما اضيف اليه الوجود و العدم و لا يعقل ان يلاحظ بنحو يکون وجودها بوجود فرد واحد و عدمها بانعدام جميعالافراد مع انحفاظ تلک الوحدة»(1), و حاصله: انّ القول بأنّ الطبيعة توجد بوجود فرد ما و تنعدم بانعدام جميع الأفراد غير تام على الأُصول الکلامية، لأنّ الطبيعة لا واحدة و لا كثيرة، بل مع الواحد واحدة و مع الكثير كثيرة، فكما لها وجودات حسب الافراد، فهكذا لها اعدام بحسبها.

و فيه: ان الملاک في المقام نظر العرف, لان المحاورات قائمة عليه لا علی الدقة العقلية, و العرف يفهم من «لا رجل في الدار» العدم الکلي, و بذلک يظهر ان استفادة العموم في المورد مستند إلى الدلالة اللفظية العرفية بشهادة التبادر، فانه لا شكّ في أنّ هيئة لا رجل تدلّ على نفي عامة الأفراد و لو بقرينة انّ نفي الطبيعة بنفي عامة أفرادها عرفا.

و اما ما قيل: من ان الوجود اذا اضيف الی الطبيعة بنحو السعة اي الوحدة في الکثرة فعليه يری العرف الطبيعة في مقام اضافة العدم اليها بنحو السعة علی نهج الوحدة في الکثرة

ص: 282


1- نهاية الدراية ج2 ص289 .

فيری صدق لا رجل في الدار بالعدم الکلي السعي(1), ففيه: بطلان هذا المبنی يعني الوحدة في عين الکثرة لانه يستلزم اجتماع النقيضين, مضافا الی ان القائل به يری الکثرة وهمية لا حقيقة لها و لازمه القول بوحدة الموجود و بطلانه من اولی البديهيات و قد فصلنا الجواب في بطلانه في کتبنا الکلامية .

هل استفادة العموم رهن مقدّمات الحكمة؟

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني ذهب إلى أنّ استفادة العموم رهن أخذ الطبيعة مرسلة لا مبهمة، قابلة للتقييد و إلّا فسلبها لا يقتضي إلّا استيعاب السلب لما أُريد منها يقيناً لا استيعاب ما يصلح انطباقها عليه من أفرادها، و هذا لا ينافي كون دلالتها عليه عقلية، فانّها بالإضافة إلى أفراد ما يراد منها لا الافراد التي تصلح لانطباقها عليها(2), و توضيحه: انه اذا اخذت الطبيعة مطلقة يكون نفيها منوطاً بانتفاء جميع أفرادها، كقوله: «لا تكرم فاسقاً» فان امتثال حرمة إكرام طبيعة الفاسق المطلقة موقوف على عدم إكرام كل شخص من مصاديق طبيعة الفاسق، فلو كانت الطبيعةالمنفية أو المنهي عنها مقيدة لم يقتضِ دخول النفي عليها عموم النفي لافراد الطبيعة المطلقة، بل عموم أفراد ذلك المقدار المقيد فقط، كما إذا قال: «لا تكرم الفاسق المتجاهر» فانه لا يقتضي نفي وجوب الإكرام عن جميع أفراد طبيعة الفاسق بل عن أفراد الفاسق المتجاهر فقط.

ص: 283


1- نهاية الدراية ج2 ص289 .
2- تحرير الاصول ج3 ص315 .

و كذا إذا كانت الطبيعة مهملة، فان نفيها كنفسها مهمل، فيصلح لأن يكون عاماً لجميع أفراد الطبيعة المطلقة أو المقيدة، و لا يتعين لنفي إحداهما إلّا بالقرينة.

و بعبارة اخری: أنه ليس لنا لفظ يدل على العموم مع الغض عن مقدمات الحكمة، حيث ان لفظ «كل» و أمثالها مما عدت من ألفاظ العموم تابعة لمدخولها، فان أخذ مطلقاً، فلفظ الكل مثلا يدل على جميع أفراد المطلق. و ان أخذ مقيداً، فهو يدل على تمام أفراد المقيد، فالمدخول لا يدل وضعاً الّا على نفس الطبيعة المهملة التي لا تأبى عن الإطلاق و التقييد فإطلاق المدخول لا بد و أن يستند إلى مقدمات الحكمة، حتى يدل لفظ «كل» الداخل عليه على جميع أفراد المطلق. و عليه، فلا يدل «كل عالم» على جميع أفراد العالم الّا بعد إحراز كون العالم مطلقاً، و بدون إحرازه لا يدل على جميع الافراد، لإمكان إرادة العالم العادل من مدخول «كل» بل يدل على تمام أفراد العالم المقيد بالعدالة.

و أما النكرة في سياق النفي و ما في حكمها، فلا يقتضي وضع اللفظ الّا نفي الطبيعة المهملة التي تجتمع مع كل من المطلقة و المقيدة، و لا يحرز كون الطبيعة المدخولة للنفي هي المطلقة- لا المقيدة- إلّا بمقدمات الحكمة، إذ بدونها يحتمل ورود النفي على كل من المطلق و المقيد.

و فيه: أن الظاهر من ورود النفي أو اللفظ المفيد للعموم - مثل کل - على مفهوم هو كون ذلك المفهوم بنفسه مورداً لأحدهما، لا أن المفهوم جعل مشيراً إلى ما هو المورد. و عليه، فقوله: «أكرم كل عالم» يقتضي استيعاب تمام الافراد، كما يقتضي ورود النفي عليه نفي تمام الافراد.

ص: 284

و مجرد إمكان كون المفهوم معرفاً لفرد خاص منه، كإرادة فرد خاص من مفهوم رجل في قوله: «لا رجل في الدار» و ورود النفي عليه لا يوجب رفع اليد عن الظاهر، و هو كون المفهوم بنفسه مورداً للنفي.

و دعوى - بناء على هذا الظهور, انه لا حاجة إلى مقدمات الحكمة في الحكم الإيجابي أيضا، و ذلك لأن ظاهر القضية المتضمنة لتعلق الإيجاب بالطبيعة تعلق الحكم بنفس الطبيعة السارية في كل فرد، و هذا هو العموم، فلا حاجة في فهمه من القضية الإيجابية أيضا إلى مقدمات الحكمة - غير مسموعة, لأن الطبيعةالمهملة تصدق على فرد خاص حقيقة، و دلالتها على سريان الحكم إلى تمام الافراد مما لا يقتضيه وضع اللفظ، بل هي منوطة بمقدمات الحكمة، فقوله: «أكرم عالماً» لا يدل على وجوب إكرام جميع أفراد طبيعة العالم بالوضع، فدلالته على ذلك محتاجة إلى مقدمات الحكمة. و هذا بخلاف النفي المتعلق بالطبيعة المهملة، ضرورة أن نفيها يتوقف عقلا على انعدام جميع أفرادها، إذ لو فرض صدق نفي الطبيعة مع وجود فرد منها لزم اجتماع النقيضين، و هما وجود الطبيعة و عدمها. و الحاصل انّ المحقّق الخراساني خلط بين استفادة العموم و دفع احتمال مدخلية قيد آخر في الموضوع؛ فالأوّل يكفي فيه نفي الطبيعة بمعناها اللغوي من دون حاجة إلى إرسال و غيره، و أمّا الثاني أي احتمال دخالة قيد في الموضوع فدفعه رهن مقدّمات الحكمة.

ص: 285

الثاني: لفظة كل و جميع و ما يعادلهما

المتبادر من لفظ كلّ أو ما يعادلها هو الاستيعاب و العموم، غير أنّ سعة الدلالة تتبع سعة المدخول و ضيقه، فهو على كلّ تقدير بصدد إفادة العموم، سواء قال: أكرم كلّ عالم أو قال: أكرم كلّ عالم عادل.

فإطلاق الموضوع و تقييده لا يضرّ بدلالة كلّ الموضوع للشمول و الاستيعاب.

و قد تقدم انفا أنّا لا نحتاج في استفادة الشمول و العموم إلى إجراء مقدّمات الحكمة، لأنّ لفظة كلّ موضوعة للشمول و معه لا حاجة لشي ء آخر.

الثالث: الجمع المحلّى باللام

و من جملة أدوات العموم الجمع المحلی باللام و قد اتّفق الأُصوليون على إفادتها للعموم (1)، كقوله سبحانه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ (2)، و قوله سبحانه: ﴿وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾(3)، و قوله: كافة تأكيد للعموم المستفاد من الجمع المحلّى، و قوله سبحانه: ﴿وَ بَشِّرِ الصَّابِرِين﴾(4), و الدليل على إفادته العموم، هو تبادر العموم كما هو الحالفي تلك الآيات، و المحاورات، كقول القائل: إن كنت جاهلاً سل العلماء، و إن كنت مريضاً راجع الأطباء، و إن كنت غنياً واس الفقراء.

ص: 286


1- القوانين: 197/ 1.
2- المائدة: 1.
3- التوبة: 36.
4- البقرة: 155.

لکن المحقّق الخراساني انکر إفادته العموم بذاته في باب العام و الخاص، حيث قال: لكن دلالته على العموم وضعا محل منع بل إنما يفيده فيما إذا اقتضته الحكمة أو قرينة أخرى و ذلك لعدم اقتضائه وضع اللام و لا مدخوله و لا وضع آخر للمركب منهما كما لا يخفى(1), و قال به في باب المطلق و المقيد حيث قال: « فلا بد أن يكون دلالته عليه مستندة إلى وضعه كذلك لذلك»(2).

و أجابه المحقق الخوئي بقوله: ان لفظة «كل» أو ما شاكلها التي هي موضوعة لإفادة العموم تدل بنفسها على إطلاق مدخولها و عدم أخذ خصوصية فيه و لا يتوقف ذلك على إجراء المقدمات ففي مثل قولنا «أكرم كل رجل» تدل لفظة «كل» على سراية الحكم إلى جميع من ينطبق عليه الرّجل من دون فرق بين الغني و الفقير، و العالم و الجاهل، و الأبيض و الأسود، و ما شاكل ذلك فتكون هذه اللفظة بيان على عدم أخذ خصوصية و قيد في مدخولها.

و بكلمة أخرى: قد ذكرنا في غير مورد ان الإطلاق و التقييد خارجان عن حريم المعنى، فانه عبارة عن الماهية المهملة من دون لحاظ خصوصية من الخصوصيات فيه منها خصوصية الإطلاق و التقييد، فإرادة كل منهما تحتاج، إلى عناية زائدة، و عليه فلفظة كل في مثل قولنا (أكرم كل رجل) تدل على سراية الحكم إلى جميع ما يمكن أن ينطبق عليه مدخولها بماله من المعنى وضعاً، و من الواضح ان هذه الدلالة بنفسها قرينة على عدم أخذ خصوصية فيه، لا ان دلالتها على العموم و الشمول مستندة إلى عدم قيام قرينة

ص: 287


1- كفاية الأصول، ص: 217 .
2- كفاية الأصول، ص: 245.

على تقييده بقيد ما و الّا لكفى جريان مقدمات الحكمة في إثبات العموم من دون حاجة إلى أداته و عليه فبطبيعة الحال يكون الإتيان بها لغواً محضاً حيث ان العموم حينئذ مستفاد من قرينة الحكمة سواء أ كانت الأداة أم لم تكن و عندئذ لا محالة يكون وجودها كعدمها و هذا خلاف الارتكاز العرفي، ضرورة ان العرف يفرق بين قولنا (أكرم كل عالم) و قولنا (أكرم العالم) و يرى ان دلالة الأول على العموم لا تحتاج إلى أية مؤونةزائدة ما عدا دلالة اللفظ عليه و هذا بخلاف الثاني، فان دلالته على العموم تحتاج إلى مؤونة زائدة و هي إجراء مقدمات الحكمة(1).

وهم و دفع

هذا و قد توهّم بعضهم أنّ معنى استغراق الجمع المحلّى و كلّ جمع مثل «أكرم جميع العلماء» هو استغراق بلحاظ مراتب الجمع، لا بلحاظ الأفراد فردا فردا، فيشمل كلّ جماعة جماعة، و يكون بمنزلة قول القائل: «أكرم جماعة جماعة»، فيكون موضوع الحكم كلّ جماعة على حدة لا كلّ فرد؛ فإكرام شخص واحد لا يكون امتثالا للأمر. و ذلك نظير عموم التثنية؛ فإنّ الاستغراق فيها بملاحظة مصاديق التثنية، فيشمل كلّ اثنين اثنين، فإذا قال: «أكرم كلّ عالمين» فموضوع الحكم كلّ اثنين من العلماء، لا كلّ فرد(2).

و اجيب: ان منشأ هذا التوهّم أنّ معنى الجمع، الجماعة، كما أنّ معنى التثنية، الاثنان، فإذا دخلت أداة العموم عليه دلّت على العموم بلحاظ كلّ جماعة جماعة، كما إذا دخلت

ص: 288


1- محاضرات في أصول الفقه، ج 5، ص: 158
2- منهم صاحب القوانين في أوّل كلامه. راجع القوانين 1: 215.

على المفرد دلّت على العموم بلحاظ كلّ فرد فرد، و على التثنية دلّت عليه بلحاظ كلّ اثنين اثنين؛ لأنّ أداة العموم تفيد عموم مدخولها.

و لكن هذا توهّم فاسد؛ للفرق بين التثنية و الجمع؛ لأنّ التثنية تدلّ على الاثنين المحدود من جانب القلّة و الكثرة، بخلاف الجمع؛ فإنّه يدلّ على ما هو محدود من جانب القلّة فقط؛ لأنّ أقلّ الجمع ثلاثة، و أمّا من جانب الكثرة فغير محدود أبدا. فكلّ ما تفرض لذلك اللفظ المجموع من أفراد مهما كثرت فهي مرتبة واحدة من الجمع و جماعة واحدة، حتى لو أريد جميع الأفراد بأسرها، فإنّها كلّها مرتبة واحدة من الجمع، لا مجموعة مراتب له. فيكون معنى استغراق الجمع عدم الوقوف على حدّ خاصّ من حدود الجمع و مرتبة دانية منه، بل المقصود أعلى مراتبه. فيذهب استغراقه إلى آخر الآحاد لا إلى آخر المراتب؛ إذ ليس هناك بلحاظ جميع الأفراد إلّا مرتبة واحدة، لا مراتب متعدّدة، و ليس إلّا حدّ واحد هو الحدّ الأعلى، لا حدود متكثّرة، فهو من هذه الجهة- كاستغراق المفرد- معناه عدم الوقوف على حد خاصّ، فيذهب إلى آخر الآحاد.

نعم، الفرق بينهما إنّما هو في عدم الاستغراق؛ فإنّ عدم استغراق المفرد يوجب الاقتصار على واحد، و عدم استغراق الجمع يوجب الاقتصار على أقلّ الجمع، و هو ثلاثة(1).

الرابع: المفرد المحلّى باللام

عدّ الشيخ رحمه الله في العدة من ألفاظ العموم المفرد المحلی باللام(2), و قال الشهيد: المفرد المحلّى باللام و المضاف، للعموم عند جماعة من الاصوليين، و المعروف من مذهب

ص: 289


1- أصول الفقه للمظفر (المطبوع مع تعليقة الزارعي)، ص: 153
2- العدة: 1/ 276.

البيانيين و نقله الآمدي عن الأكثرين، و نقله الفخر الرازي عن الفقهاء و المبرّد(1), خلافا للمحقق و العلامة فقالا بالعدم و استدلّ للعموم بوجوه نقلها الميرزا القمي رحمه الله مع الاجابة عليها فقال: و احتجّ القائلون بافادته للعموم بما حكاه بعضهم (2) عن الأخفش: أهلك الناس الدّرهم البيض و الدّينار الصّفر.

و أجيب عنه: بأنّه لا يدلّ على العموم، لأنّ مدلول العامّ كلّ فرد، و مدلول الجمع مجموع الأفراد.

و فيه ما فيه، لما عرفت من أنّ عموم الجمع أيضا أفراديّ.

و بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾(3).

و فيه: أنّ ما يدلّ على كون اللّفظ للعموم اطّراد الاستثناء في جميع ما يحتمل اللّفظ للعموم و غيره على السّوية، لا مطلق جواز الاستثناء، و الاستثناء هنا قرينة على استعمال اللّفظ في الاستغراق مجازا، و من ذلك يظهر التحقيق في الجواب عن الأوّل أيضا، فإنّ التوصيف بالعام قرينة على إرادة الاستغراق، و نحن لا ننكر مطلق الاستعمال(4).

و اجاب في المعالم عن الاشکال بوجه اخر فقال: «أنّ الظاهر أنّه لا مجال لإنكار إفادة المفرد المعرّف باللّام العموم في بعض الموارد حقيقة، كيف و دلالة أداة التعريف على الاستغراق حقيقة، و كونه أحد معانيها ممّا لا يظهر فيه خلاف بينهم. فالكلام حينئذ إنّما

ص: 290


1- التمهيد ص 166
2- كصاحب« المعالم» و« المحصول» و« التهذيب» و أكثر الاصوليين لکنهم ترکوا نسبته للاخفش .
3- العصر: 3.
4- القوانين المحكمة في الأصول، ج 1، ص: 487

هو في دلالته على العموم مطلقا بحيث لو استعمل في غيره لكان مجازا على حدّ جميع صيغ العموم التي هذا شأنها، و الدليل لا يثبت إلّا إفادته العموم في الجملة، و هو غير المتنازع فيه»(1).

اقول: لا شک في ان المفرد المحلی باللام يدل علی العموم في الجملة کما اعترف به صاحب المعالم بل و حتی المنکرين لذلک قالوا به لکنهم ادعوا انه لاجل القرينة کما تقدم قول المحقق القمي, و مثله غيره(2), الّا ان من الملاحظ ان المفرد المحلی باللام علی قسمين: 1- اسم الجنس. 2- و غيره . و الذي يدل علی العموم هو الاول لا الثاني للتبادر بل هو الذي تقتضيه القاعدة فقوله تعالی ﴿الحمد لله﴾ يدل علی ان جنس الحمد يعني کل ما يصدق عليه هذا اللفظ لله جل و علا و هذا المعنی لا يختلف فيه اثنان و لا قرينة في البين و کذلک قوله تعالی ﴿احل الله البيع﴾ و لا يحتاج العموم فيه الی مقدمات الحکمة بخلاف غير الجنس کما في مثال «اکرم العالم» فانه لا يدل علی العموم الّا بواسطة مقدمات الحکمة .

و أمّا الاستدلال بانه لو دل علی العموم لاطرد و الحال أنّه لا يطرد فلا يصحّ في العرف ان يقال: جاءني الرّجل إلّا البصري، و أكرم الرّجل إلّا السّفهاء, و لا يقال: أكلت الخبز و شربت الماء، و جاءني الرّجل كلّهم، فضعيف لعدم فهم العرف من هذه الامثلة الجنس فلا يفهم من جاءني الرّجل جنسه و لأنّ عدم إمكان أكل جميع الأخباز و شرب جميع المياه قرينة على عدم العموم، و عدم جواز التأكيد بما يؤكد به العامّ لعلّه مراعاة للمناسبة

ص: 291


1- معالم الأصول (مع حواشي سلطان العلماء )، ص: 147
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 493

اللّفظية. و اما أكرم الرّجل إلّا السّفهاء او الّا السفيه, فيشهد لصحته قوله تعالی ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾(1).

هذا و ذهب المحقق القمي الی انه دال علی الجنس و بالملازمة دال علی العموم فقال: «و الأظهر عندي كونه حقيقة في الجنس للتبادر في الخالي عن قرينة العهد و الاستغراق - الی ان قال - ثمّ اعلم، أنّا و إن ذهبنا الى أنّ اللّفظ لا يدلّ علىالعموم لكنّه لازم ما اخترناه من كونه حقيقة في تعريف الجنس، إذ الحكم إذا تعلّق بالطبيعة من حيث هي و المفروض أنّها لا تنفكّ عن شي ء من أفرادها، فيثبت الحكم لكلّ أفرادها»(2). قلت: و هذه الملازمة عرفية ايضا و عليه فيصح ما قلناه من دلالته علی العموم .

الخامس: الجنس المضاف

و بذلک يظهر دلالة الجنس المضاف علی العموم کما في مثال: «قول الله حق» لنفس الدليل المتقدم من التبادر و اقتضاء القاعدة لذلک فلا نطيل .

الفصل الثاني هل العام حجة فيما بقي بعد التخصيص؟

هل العام المخصص حجّة في الباقي، سواء أ كان متّصلاً كما إذا قال: أكرم العلماء العدول، أم منفصلاً كما إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال بعد فترة قبل العمل بالعام: لا تكرم فسّاق العلماء، فإذا شكّ في خروج غير الفسّاق من العلماء، كخروج النحاة و الصرفيين

ص: 292


1- العصر: 32.
2- القوانين المحكمة في الأصول، ج 1، ص: 486-488

العدول، فهل يكون العام حجّة في حقّهم فيجب إكرامهم إلى أن يعلم الخلاف؟ أو يتوقّف فيها و يكون المرجع، الأُصول العملية إذا لم يكن دليل اجتهادي غير العام؟

فيه خلاف و المشهور کما في مطارح الانظار هو الحجية(1), و فصل في الکفاية بين المتصل و المنفصل بحجّيته في الأوّل دون الثاني فقال: «لا شبهة في أن العام المخصص بالمتصل أو المنفصل حجة فيما بقي فيما علم عدم دخوله في المخصص مطلقا و لو كان متصلا و ما احتمل دخوله فيه أيضا إذا كان منفصلا كما هو المشهور بين الأصحاب بل لا ينسب الخلاف إلّا إلى بعض (2) أهل الخلاف»(3), و حاصل ما أفاده: أن المخصص اما متصل و اما منفصل، و على التقديرين اما أن يعلم بعدم دخول الباقي في المخصص، كالعلم بعدم دخول العالم العادل في الفساق في قولهم: «أكرم العلماء الّا الفساق»، و اما أن لا يعلم بذلك،بل يحتمل دخوله فيه، كما في مرتكب الصغيرة، لاحتمال شمول مفهوم الفاسق له، فالصور أربع:

اما الاولی و الثانية و هما: اتصال المخصص مع العلم بخروج الباقي عنه, و انفصاله كذلك. ففي هاتين الصورتين لا مانع من التمسك بالعامّ مطلقاً.

أما في المتصل، فلعدم ظهور الكلام في غير الباقي. و أما في المنفصل، فلعدم مانع عن حجيته في الباقي، ضرورة أن ظهور العام في العموم قد انعقد و صار حجة فيه، فلا ترفع

ص: 293


1- انظر مطارح الأنظار/ 192.
2- كأبي ثور ؛ و عيسى بن أبان ؛ راجع الإحكام في أصول الأحكام، ج2/ 43.
3- كفاية الأصول، ص: 218.

اليد عن حجيته فيه إلّا بحجة أقوى، و هي ظهور المخصص المنفصل بمقدار ما يزاحمه فيه.

و بالجملة، ففي المخصص المعلوم عدم دخول الباقي فيه سواء كان متصلا أم منفصلا يكون العام حجة فيما بقي. و هاتان الصورتان من موارد الشبهة الحكمية.

و اما الصورتان الثالثة و الرابعة، و هما: احتمال دخول الباقي في المخصص المنفصل، و احتمال دخوله في المتصل، كما إذا علمنا أنّ زيداً عالم و لكن نشك في أنّه فاسق أو لا، فهل يجوز التمسّك فيه بالعام أم لا؟ و هذا ما يعبّر عنه بالشبهة المصداقية للمخصص، و قد حكم صاحب الکفاية بحجية العام في الثالثة- أي المنفصل- دون الرابعة أي المتصل، و ذلک لعدم انعقاد ظهور للعام الّا فيما عدا الخاصّ، كالعالم غير النحوي في قوله: «أكرم العلماء الّا النحويين»، فموضوع الحكم العالم غير النحوي، فمع الشك في كون عالم نحوياً لا يجوز التمسك بالعامّ لوجوب إكرامه، إذ لم يعلم فرديته له، و إلّا لزم التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية, و سيأتي البحث عن هاتين الصورتين قريبا.

ثم انه ليس المراد بالمتصل هنا ما يراد به - في مثل قولهم: ان للمتكلم أن يلحق بكلامه ما شاء ما دام متشاغلا به - من الاتصال و الانفصال الحسّيين، بل المراد بهما وحدة الجملة و تعددها. و عليه، فقول القائل: «لا تكرم الفساق» من مثل «أكرم العلماء، لا تكرم الفساق» منفصل، لتعدد الجملتين و ان اتصلت الثانية بالأولى حساً، كما أن وصف العدول و نحوه مما يكون من الملابسات كالحال و البدل و الشرط من قولنا: «أكرم العلماء العدول» أو «عادلين» أو «الفقهاء» أو «ان كانوا عدولا» متصل و ان انفصل عن الجزء الأول حساً. و

ص: 294

على هذا،فضابط الاتصال و الانفصال استقلال الجزء و عدم استقلاله، فان لم يستقل بأن كان الكلام جملة واحدة، و كان أحد أجزائها قيداً أو شرطاً لها، فهو متصل .

و ان كان منفصلا حساً و ان استقل، بأن كان بنفسه جملة على حدة مثل «لا تكرم الفساق» في المثال المتقدم فهو منفصل و ان كان متصلا حساً.

دليل القائل بعدم حجّية العام في الباقي

استدلّ القائل بعدم الحجّية بأنّ العام المخصص مستعمل في غير ما وضع له، و بما انّ للمعنى المجازي مراتب مختلفة حسب مراتب الخصوصيات، يكون تعيين الباقي اي عامة الأفراد سوى المخصّص, ترجيحاً بلا مرجّح.

الجواب علی الاستدلال

و قد أُجيب عن الاستدلال بوجوه:

1. انّ الباقي أقرب المجازات، فإذا تعدّدت الحقيقة فأقرب المجازات أولى(1).

و ردّه في الکفاية: بأنّه لا اعتبار بالأقربية من حيث العدد و الكثرة، و انما المدار علی الاقربية من حيث أُنس الذهن به فإذا قيل: رأيت أسداً في الحمام، و امتنعت الحقيقة و دار أمر اللفظ بين حمله على الرجل الشجاع أو الرجل الأبخر - و هو الرجل الذي في

ص: 295


1- قوانين الاصول:266

فمه رائحة كريهة كما هو الحال كذلك في الأسد - يحمل على الأوّل، لكثرة أُنس الذهن به في المحاورات دون الثاني(1) .

و فيه: ان مجرد الاقربية لا تکفي في الحمل بل الحمل تابع الی القرينة الواضحة عرفا, و الّا صار الکلام مجملا, هذا کله بناءً علی کون استعمال العام المخصص في ما بقي مجازا, و هو ممنوع کما سيأتي .

2. ما ذكره الشيخ الأنصاري

بعد تسليم مبنى المستدل، من ان التخصيص يوجب المجازية و حاصله: انّ دلالة العام في كلّ فرد من أفراده، غير منوطة بدلالته على فرد آخر من أفراده، و لو كانت دلالة مجازية، إذ هي بواسطة عدم شموله للافراد المخصوصة لا بواسطةدخول غيرها في مدلوله، فالمقتضى للحمل على الباقي موجود و المانع مفقود، لأنّ المانع في مثل العام إنّما هو يوجب صرف اللفظ عن مدلوله و المفروض انتفاؤه بالنسبة إلى الباقي لاختصاص المخصص بغيره فلو شكّ فالأصل عدمه(2).

و أورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين:

أ. حمله على الباقي ترجيح بلا مرجّح

إذا كانت دلالة العام على كلّ فرد، ضمن دلالته على العموم و الشمول، فإذا لم يستعمل فيه و استعمل في غيره و كان الغير ذا مراتب مختلفة، و إرادة كلّ مرتبة أمراً ممكناً محتملًا، فحمله على مرتبة خاصة (الباقي كلّه) يكون ترجيحاً بلا مرجّح.

ب. فقد المقتضي للحمل

ص: 296


1- كفاية الأصول، ص: 219.
2- مطارح الانظار ج2 ص132.

إنّ ظهور العام المخصص في الباقي رهن أحد أمرين أمّا الوضع أو القرينة، و المفروض انتفاء الأوّل لافتراض انّه ليس بموضوع للباقي، كما أنّ الثانية أيضاً كذلك و دلالته على كلّ فرد على حدة في ضمن دلالته على العموم لا يوجب بقاء الدلالة مع انتفاء الثانية، فانّ الدلالة التبعية فرع بقاء الدلالة الأصلية، فإذا انتفت الثانية، انتفت الأُولى و على هذا فلا مقتضي للحمل على الباقي فقوله: لو شكّ فالأصل عدمه, صحيح لكنّه إذا كان هنا مقتض للدلالة، و قد عرفت عدمه(1).

و دافع المحقّقان الاصفهاني(2) و النائيني عن مقالة الشيخ و نکتفي بعبارة الثاني حيث قال: إنّ هناك دلالات عرضية فإذا سقطت إحداها عن الحجّية بقيت غيرها من الدلالات على حجّيتها ضرورة أنّه إذا لم تكن دلالة العام على ثبوت الحكم لفرد، دخيلة في دلالته على ثبوته لفرد آخر، لم يكن خروج فرد ما عن الحكم، منافياً لبقاء دلالته على حكم الفرد الآخر، فخروج بعض الأفراد إذا استلزم المجاز، لا يوجب ارتفاعَ دلالته على ثبوت الحكم لبقية الأفراد التي لا يعمّها المخصِّص(3).

و فيه: انّه إذا سقطت دلالة العام عن معناه الحقيقي لأجل كونه مستعملاً في غير معنى الكلّ حسب الفرض، تبطل الدلالة التضمنية التابعة لها ايضا .

و لا معنی لان يقال - ان المعنی المطابقي الذي هو الاصل في الدلالة هل هو وحداني ارتباطي بحسب الاجزاء و الابعاض, او انحلالي استقلالي؟ فعلی الاول يکون الحق مع الخراساني و علی الثاني يکون الحق مع الشيخ - و ذلک لما عرفت من سقوط دلالة العام

ص: 297


1- كفاية الأصول، ص: 220.
2- نهاية الدراية ج2 ص452.
3- أجود التقريرات: 452/ 1.

عن معناه الحقيقي لأجل كونه مستعملاً في غير معنى الكلّ حسب الفرض فلا معنی لهذا التقسيم.

3. إجابة المحقّق الخراساني عن الاستدلال

انّ المحقّق الخراساني استعان في رد الدليل بما أسّسه من إنكار المجازية في العام المخصص، لا في متصله و لا في منفصله کما سيأتي في الفصل الاتي .

الفصل الثالث: تخصيص العام لا يوجب المجازية

اقول: الأقوال في المسألة ربما تناهز الثمانية(1), و المعروف منها ثلاثة:

1. انه حقيقة مطلقاً.

2. انه مجاز مطلقاً.

3. التفصيل بين المخصّص المتّصل و المنفصل فهو حقيقة في الأوّل و مجاز في الثاني.

و الحقّ هو الأوّل و هو الذي نصره المحقّق الخراساني ببيانين: أحدهما خاص بالمخصص المتصل، و الآخر بالمخصص المنفصل، فقال: «أما في التخصيص بالمتصل فلما عرفت من أنه لا تخصيص أصلا و أن أدوات العموم قد استعملت فيه و إن كان دائرته سعة و ضيقا تختلف باختلاف ذوي الأدوات فلفظة كل في مثل كل رجل و كل رجل عالم قد استعملت في العموم و إن كان أفراد أحدهما بالإضافة إلى الآخر بل في نفسها في غاية القلة.

و أما في المنفصل فلأن إرادة الخصوص واقعا لا تستلزم استعماله فيه و كون الخاص قرينة عليه بل من الممكن قطعا استعماله معه في العموم قاعدة و كون الخاص مانعا عن

ص: 298


1- الفصول: 198 - 199، الطبعة الحجرية.

حجية ظهوره تحكيما للنص أو الأظهر على الظاهر لا مصادما لأصل ظهوره و معه لا مجال للمصير إلى أنه قد استعمل فيه مجازا كي يلزم الإجمال»(1), و حاصله: أن التخصيص لا يستلزم المجازية في العام أصلا، من غير فرق في ذلك بين كون المخصص متصلا و منفصلا.

أما في المتصل، فلأنه لا تخصيص حقيقة، و أن إطلاق التخصيص عليه مسامحة، و أن أدوات العموم لا تستعمل الّا في العموم، غاية الأمر أن دائرته ضيقة، فان قولنا: «أكرم كل رجل عالم» ليس مثل قولنا: «أكرم كل رجل في سعة الدائرة، و كثرة الافراد، و من المعلوم عدم التفاوت في مثل لفظ «كل» من حيث استعماله في العموم بين كثرة أفراد مدخوله و قلتها.

و أما عدم لزوم المجاز في التخصيص بالمخصص المنفصل، فلان الإرادة على قسمين: استعمالية و جدية، و العبرة في الحقيقة و المجاز انما هي بالإرادة الاستعمالية التي هي إفناء اللفظ في المعنى، دون الإرادة الجدية الباعثة على تشريع الأحكام. و عليه، فلا مانع من استعمال اللفظ في معناه الموضوع له من دون إرادته الجدية، بل لنكتة اقتضت هذا الاستعمال، و يمكن أن تكون تلك النكتة جعل العموم ضابطاً ليرجع إليه في مقام الشك في خروج بعض أفراده بالمخصص، و حينئذ فإذا استعمل العام في العموم، ففيما كان الخاصّ مانعاً عن حجية ظهور العام فيه سقط العام عن الحجية بالنسبة إلى هذا المقدار و فيما لم يكن مانعاً عن حجية ظهور العام فيه كان حجة، و العام في كلا الموردين مستعمل في معناه الموضوع له، فهو فيما عدا مقدار دلالة الخاصّ حجة، إذ المفروض انعقاد

ص: 299


1- کفاية الاصول ص218.

الظهور و حجيته الّا في مقدار دلالة الخاصّ، لأنه يصادم حجية ظهور العام، لا نفس الظهور.

ثم اشكل علی نفسه بأن استعمال العام في معناه الموضوع له و إرادة الخاصّ منه بدالٍّ آخر و ان كان رافعاً للإجمال، و موجباً لجواز التمسك بالعامّ في غير مورد التخصيص، لكنه مجرد احتمال، و لا دليل عليه في مقام الإثبات، و من المعلوم أن مجرد الاحتمال ثبوتاً لا يكفي في رفع الإجمال مع احتمال استعمال العام في مرتبة خاصة، و قرينية الخاصّ عليه.

ثم اجاب عن الإشكال: بأن مجرد احتمال استعمال العام في الخاصّ لا يوجب إجمال العام، بعد ما تقدم من انعقاد الظهور له في العموم بلا إشكال فيما إذا كان الخاصّ منفصلا، و احتمال استعمال العام في الخاصّ موهون في قبال الظهور، كوهن احتمال خلاف الظاهر في سائر الظهورات، إذ كل ظاهر مقرون باحتمال خلافه فيلزم عدم حجية شي ء من الظواهر، و هو باطل بالضرورة. و عليه، فالخاص المنفصل يصادم حجية الظاهر، لا أصل الظهور، فيقدم على ظهور العام في أفراد الخاصّ بالأقوائية، و يكون العام حجة في غير أفراد الخاصّ، لعدم مانع عن اعتباره فيه.

ايراد المحقق النائيني

و اورد المحقق النائيني علی المحقق الخراساني اولا: ان الإرادة الاستعمالية ان أريد بها إرادة إيجاد المعنى البسيط العقلاني باللفظ بحيث كان اللفظ و الإرادة مغفولين عنهما حين الاستعمال فهذه بعينها هي الإرادة الجدية التي بها يتقوم استعمال اللفظ في معنى ما و ان أريد بها الإرادة الهزلية المقابلة للإرادة الجدية و الداعية إلى إرادة إيجاد المعنى

ص: 300

باللفظ فهي و ان كانت لا تنافي استعمال اللفظ في معناه الموضوع له لوضوح ان الاستعمال الحقيقي لا يدور مدار كون الداعي إلى الاستعمال هو خصوص الإرادة الجدية إلّا انه لا يعقل الالتزام بكون الداعي إلى استعمال العمومات الواردة في الكتاب و السنة في معانيها هي الإرادة الهزلية(1).

و اجيب: بان العام مستعمل دائما بنحو من الارادة الجدية المتعلقة به مع ضمائمه المنفصلة عنه, و کون العام مستعملا في العموم بالارادة الاستعمالية الخالية عن الجد غير صحيح و مخالف للواقع و لم نجده في کلمات صاحب الکفاية, و بالجملة الظاهر من الارادة الاستعمالية ارادة حکاية المعنی باللفظ و هي التي يتقوم بها الاستعمال و تکون الحقيقة و المجاز دائرةً مدارها, و اما الارادة الجدية المفقودة فالمراد منها ارادة تفهيم الحکم الشرعي الواقعي المجعول علی حسب المصالح الاولية و هو الغرض الاقصی من انشاء الادلة و بيانها, و اما الارادة الاستعمالية فهي ايضا جدية في مقابل الهزل لکن الغرض منها جعل القانون(2).

و ثانيا: ان ورود العام في بعض الموارد لبيان حكم الشك ضربا للقاعدة كما في الاستصحاب و قاعدة الطهارة و نحوهما و ان كان مما لا ينكر إلّا ان التخصيص في مثل تلك العمومات في غاية القلة لأن تقدم شي ء عليها في الغالب انما يكون بنحو الورود أو الحكومة و اما العمومات الواردة لبيان الأحكام الواقعية الثابتة للأشياء بعناوينها الأولية من دون نظر إلى حال الشك و عدمه فعمل أهل العرف بها حال الشك لا يكشف عن كونها واردة في مقام ضرب القانون و القاعدة ضرورة ان عملهم بها عند الشك في ورود

ص: 301


1- أجود التقريرات، ج 1، ص: 447 .
2- تحرير الاصول؛ الموسوي الجزائري ج3 ص328 .

التخصيص عليها انما هو من باب العمل بالظهور الكاشف عن كون الظاهر مرادا واقعا و عن ان المتكلم ألقى كلامهبيانا لما اراده في الواقع و عليه فيستحيل كون تلك العمومات واردة لضرب القانون و القاعدة في ظرف الشك كما هو واضح(1).

و ردّه المحقق الخوئي فقال: الظاهر انه ليس المراد من كون العام مستعملا في معناه قانوناً و قاعدة هو كون الحكم المجعول على العام مجعولا عليه في ظرف الشك ليرد عليه ما أفاده شيخنا الأستاذ قدس سره في المقام بل المراد به هو ان الداعي إلى استعمال العام في معناه الموضوع له على النحو الّذي تقدم بيانه انما هو كون العام بياناً للمراد ما لم يكن هناك قرينة على التخصيص فيرجع هذا الوجه أيضاً إلى الوجه الأول فيتحد جميع هذه الوجوه في المعنى و الاختلاف بينها انما يكون في التعبير(2).

قلت: و قد علق علی الوجه الاول(3), بقوله: ان لكل لفظ دلالتين إحداهما دلالته على ان المتكلم به أراد به تفهيم معناه و ثانيهما دلالته على ان تلك الإرادة إرادة جدية و غير ناشئة من الدواعي الأخر كالامتحان و السخرية و نحوهما اما الدلالة الأولى فقد عرفت في مبحث الوضع انها مستندة إلى الوضع ... و اما الدلالة الثانية أعني بها دلالة اللفظ على ان إرادة تفهيم معناه إرادة جدية فهي غير مستندة إلى الوضع ليكون اللفظ المستعمل في معناه لا بداعي الجد مجازا بل هي مستندة إلى بناء العقلاء على حمل كل ما يصدر من

ص: 302


1- أجود التقريرات، ج 1، ص: 448
2- أجود التقريرات، ج 1، هامش ص: 448
3- أجود التقريرات، ج 1، هامش ص: 446 و قد حذفنا ما يراه من مسلک التعهد في الوضع و لا يضر بالمقصود في المقام.

الفاعل بالاختيار من قول أو فعل على انه صدر بداعي الجد لا بغيره من الدواعي إذا عرفت ذلك فنقول ان العام متى ما استعمل في الخارج بلا نصب قرينة على عدم إرادة معناه الحقيقي فهو يدل بالدلالة الوضعيّة على ان المتكلم به أراد تفهيم المخاطب لتمام معناه كما انه ببناء العقلاء يدل على ان إرادته تفهيم المعنى إرادة جدية و ناشئة عن كون الحكم المجعول على العام ثابتا له واقعاً لكن الدلالة الثانية المعبر عنها بالحجية كما يتوقف على عدم وجود ما يكون قرينة على اختصاص الحكم ببعض الافراد في كلام المتكلم كذلك تتوقف على عدم الإتيان بقرينة الاختصاص بعد ذلك ضرورة ان وجود القرينة المنفصلة يكون مانعاً من كشف ظهور العام عن كون الحكمالمجعول له ثابتا له بنحو العموم في الواقع فالقرينة المنفصلة انما تزاحم حجية ظهور العام الثابتة ببناء العقلاء و لا تزاحم أصل ظهوره الثابت بالوضع و من الواضح ان رفع اليد عن حجية الظهور لدليل لا يقتضى رفع اليد عن نفس الظهور ضرورة انه لا ملازمة بين إرادة تفهيم المخاطب إرادة العموم ... و كون إرادة التفهيم ناشئة عن ثبوت الحكم لجميع أفراد العام في الواقع فإذا فرضنا ان المولى لا يريد في الواقع الا إكرام خصوص العالم الّذي لا يكون فاسقاً و كانت في بيان التقييد بالمتصل مفسدة أو كانت في تأخير بيانه مصلحة فلا محالة تكون مصلحة التسهيل في البيان مقتضية لا لقاء الكلام على نحو العموم الدال على إرادة تفهيم العام بحسب الوضع ثم الإتيان بالمخصص المنفصل الدال على اختصاص الحكم في الواقع بغير أفراد الخاصّ الكاشف عن ان الداعي إلى إرادة تفهيم العام لم يكن هي الإرادة الجدية الناشئة عن ثبوت الحكم لجميع أفراد العام في الواقع و بالجملة استعمال اللفظ في معناه أعني به إرادة المتكلم تفهيم المخاطب لمعنى اللفظ الموضوع له امر و كون هذه الإرادة جدية و ناشئة عن ثبوت الحكم لجميع أفراد المستعمل فيه امر آخر و

ص: 303

المخصص المنفصل انما يكون كاشفاً عن عدم ثبوت الحكم لجميع أفراد العام في الواقع لا عن كون استعمال العام استعمالا مجازياً و قد عرفت ان الميزان في كون اللفظ حقيقة انما هو استعماله في معناه و لو لم يكن ذلك الاستعمال ناشئاً عن الإرادة الجدية و بما ذكرناه يظهر ما في كلام شيخنا الأستاذ قدس سره في المقام فتدبر جيداً.

الفصل الرابع: في حجّية العام في مورد إجمال المخصص مفهوماً

إذا كان المخصّص مجملاً في مورد، فهل يكون ذلك مانعاً عن حجّية العام في نفس ذلك المورد أيضاً أم لا؟ و بعبارة أُخرى إذا كان إجمال المخصص مانعاً عن التمسّك به في مورد، فهل يكون ذلك مانعاً عن حجّية العام فيه أيضاً أم لا؟ و أمّا حجّية العام في غير ذلك المورد أو حجّية الخاص في مصداقه القطعي فلا كلام فيها، و ليست مطروحة في المقام.

مثلاً إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال بعد فترة: لا تكرم فسّاق العلماء، و تردد مفهوم الفسق بين خصوص مرتكب الكبيرة فقط، أو الأعمّ منها و من الصغيرة، فإجمال المخصص مانع عن كونه حجّة في مورد مرتكب الصغيرة، و هل إجماله يمنععن حجّية العام في مورده، حتّى تصل النوبة إلى الأُصول العملية، أو لا يكون مانعاً عنه، فيحتجّ في مورد مرتكب الصغيرة بالعام و يحكم بوجوب إكرامه.

و في كلمات القوم عنوانان آخران:

1. في سراية إجمال المخصص إلى العام و عدمها.

2. التمسّك بالعام في الشبهات المفهومية للمخصص.

ص: 304

و عليه فصور المسألة أربعة، لأنّ المخصص إمّا متّصل أو منفصل، و إجمال المخصص تارة يستند إلى دورانه بين الأقلّ و الأكثر، أو بين المتباينين، قال في الکفاية: إذا كان الخاص بحسب المفهوم مجملاً بأن كان دائراً بين الأقل و الأكثر و كان منفصلاً فلا يسري إجماله إلى العام لا حقيقة و لا حكماً، بل كان العام متبعاً فيما لا يُتبع فيه الخاص، لوضوح انّه حجّة فيه بلا مزاحم أصلًا ضرورة انّ الخاص إنّما يزاحمه فيما هو حجّة على خلافه تحكيماً للنصّ أو الأظهر على الظاهر لا فيما لا يكون كذلك, و إن لم يكن كذلك بأن كان دائرا بين المتباينين مطلقا أو بين الأقل و الأكثر فيما كان متصلا فيسري إجماله إليه حكما في المنفصل المردد بين المتباينين و حقيقة في غيره.

أما الأول فلأن العام على ما حققناه كان ظاهرا في عمومه إلّا أنه لا يتبع ظهوره في واحد من المتباينين اللذين علم تخصيصه بأحدهما.

و أما الثاني فلعدم انعقاد ظهور من رأس للعام لاحتفاف الكلام بما يوجب احتماله لكل واحد من الأقل و الأكثر أو لكل واحد من المتباينين لكنه حجة في الأقل لأنه المتيقن في البين. فانقدح بذلك الفرق بين المتصل و المنفصل و كذا في المجمل بين المتباينين و الأكثر و الأقل»(1).

و توضيحه: أن العام في المخصص المنفصل عند الدوران بين الاقل و الاکثر قد انعقد له ظهور في العموم، إذ المفروض انفصال الخاصّ عنه الّذي لا يمنع ظهور العام في العموم،

ص: 305


1- كفاية الأُصول: 220

بل يزاحمه في الحجية فقط، و من المعلوم أن الخاصّ حجة فيخصوص الفرد المعلوم دخوله تحته، كمرتكب الكبيرة في المثال، و ليس حجة فيما يحتمل كونه فرداً له- كمرتكب الصغيرة- للشك في فرديته للخاص، و من المعلوم عدم صحة التمسك بدليل في مورد مع الشك في موضوعيته لذلك الدليل. ففي المقام لما كانت فردية مرتكب الصغيرة للخاص- أعني الفاسق- مشكوكة، فلا يصح التشبث بدليل الخاصّ كقوله: «لا تكرم فساق العلماء» لإثبات حرمته، فلا مزاحم حينئذ لحجية العام في هذا الفرد المحتمل دخوله تحت الخاصّ، و الحكم بوجوب إكرامه. و عليه، فمزاحمة الخاصّ لحجية العام مختصة بما علم فرديته للخاص- كمرتكب الكبيرة- فيقدم الخاصّ عليه تقديماً للنص أو الأظهر على الظاهر، كما هو المتداول عند أبناء المحاورة. و أما الفرد المحتمل، فمزاحمة الخاصّ للعام فيه من مزاحمة اللاحجة بالحجة.

و ان لم يكن الخاصّ دائراً بين الأقل و الأكثر بأن كان إجماله لتردد مفهومه بين المتباينين، فلا يجوز التمسك بالعامّ سواء كان متصلا بالعامّ كأن يقول: «أكرم العلماء الا زيداً» مع كونه مشتركاً لفظياً بين شخصين، أم منفصلا عنه كأن يقول: «لا تكرم زيداً العالم» عقيب قوله: «أكرم العلماء» من غير فرق في عدم جواز التمسك بالعامّ في الخاصّ المجمل المردد بين المتباينين بين اتصال الخاصّ بالعامّ و بين انفصاله عنه.

و الوجه في عدم جواز التمسك بالعامّ: أما في المتصل، فلعدم انعقاد ظهور للعام في العموم فيه، كما تقدم في المخصص المتصل المجمل المردد بين الأقل و الأكثر، حيث ان احتفاف الكلام بالمجمل يوجب إجماله. و أما في المنفصل فلان العام و ان انعقد له

ص: 306

ظهور في العموم، لكن هذا الظهور ليس بحجة، لعدم إرادته بعد العلم الإجمالي بالتخصيص بأحد المتباينين.

و اما الخاصّ المجمل المفهومي المردد بين الأقل و الأكثر مع اتصاله بالعامّ، فلا يتمسک بالعام لعدم انعقاد الظهور للعام أصلاً, لاحتفاف الكلام بما يوجب احتماله لكلّ واحد من الأقل و الأكثر فيسري إجمال المخصِّص إلى العام فلا يحتجّ به في مورد الشكّ کمرتكب الصغيرة.

وهم و دفع

و اجيب: بأنّ المخصّص المنفصل و ان کان لا يهدم ظهور العام و لا يعارضه و انه حجّة إلى أن يثبت خلافه، لکنه صحيح فيما إذا شكّ في أصل التخصيص أو في التخصيص الزائد، كما إذا شكّ في تخصيصه وراء الفسّاق، بالنحاة أيضاً.

و أمّا إذا شكّ في سعة المخصّص القطعي و ضيقه، فالظهور المنعقد للعام لا يحتجّ به كما هو الحال كذلك في جانب المخصص المجمل الدائر بين الأقلّ و الأكثر(1), ثم قال و توضيحه: أنّ الاحتجاج بالظهور لأجل كشفه عن الإرادة الجدّية، و إلّا فالظهور بما هو ظهور، ليس بحجّة، و عندئذ فلو شكّ في أصل التخصيص، كما إذا شكّ في ورود تخصيص ثان على العام، كعدم إكرام النحاة، فيحتجّ بعموم العام و ظهوره في الشمول كشفه عن وجود الإرادة الجدية في مورد النحاة.

ص: 307


1- ارشاد العقول ج2 ص509 .

و أمّا إذا كان التخصيص قطعياً و كان الشكّ في سعته و ضيقه كما في المقام حيث شكّ في شمول «الفسّاق» لمرتكب الصغيرة و عدمه، ففي مثله لا يحتجّ بالظهور المنعقد للعام في العموم، لأنّه إنّما يحتجّ به إذا كان كاشفاً عن الإرادة الجدية، و قد علم خلافه بعد ورود المخصص حيث إنّ المخصص كشف عن تعلّق الإرادة الجدية، بغير الفسّاق، و الظهور كشف عن تعلّقها بمطلق العلماء و مع هذه المخالفة لا يحتج بالظهور المنهار.

ثم قال: و قد أشار إلى بعض ما ذكرناه شيخ مشايخنا العلّامة الحائري و إن عدل عنه في هامش كتابه، قال: إذا صارت عادة المتكلم جارية على ذكر المخصص منفصلاً عن كلامه، فحال المنفصل في كلامه، حال المتصل في كلام غيره، فيحتاج في العمل بالعام إلى أحد أمرين: القطع ببقائه تحت العام. و الأصل. أمّا الأوّل فغير موجود، و أمّا الثاني فجريانه مخصوص بمورد لم يوجد فيه ما يصلح لأن يكون مخصصاً(1) .

ثمّ قال: إنّه قدس سره عدل عمّا ذكر في الهامش، و حاصله: انّه لو صحّ ما ذكر لما جاز تمسّك أصحاب الأئمّة بكلام إمام زمانهم، لأنّه كالتمسّك بصدر كلام متكلم قبل مجي ء ذيله، مع أنّ ديدنهم جرى على التمسّك.

و ردّه: بأنّه لم يثبت انّهم كانوا يتمسّكون بعموم العام، مع احتمال مجي ء مخصص في كلام الإمام اللاحق، فانّ أكثر الروايات المتضمنة للأحكام صدر عن الصادقين، و لم يثبت انّ نظائر زرارة و محمد بن مسلم و أضرابهما من أصحاب الإمامين كانوا يتمسّكون مع احتمال صدور مخصص في كلام الأئمّة الباقين، و لأجل ذلك كان الأصل حاكماً(2).

ص: 308


1- درر الفوائد: 215/ 1، ط جماعة المدرسين.
2- ارشاد العقول ج2 ص511- 512 .

اقول: اما قوله «انّ الظهور إنّما يحتجّ به إذا كان كاشفاً عن الإرادة الجدية، و قد علم خلافه بعد ورود المخصص», ففيه: ما تقدم من ان الظهور محکم و لا علم لنا بالمخصص لاجماله الّا بالقدر المتيقن, و اما قوله ردا علی العلامة الحائري «و لأجل ذلك كان الأصل حاكماً», فغريب جدا فکيف يکون الاصل العملي حاکما علی اصالة العموم التي استقر عليها بناء العقلاء عند الشک, و اما التشکيک بالسيرة العقلائية في مورد اجمال المخصص فلا وجه له, و حاصل البحث صحة ما ذهب اليه المحقق الخراساني .

تقرير الاشکال المتقدم ببيان اخر

و مثل هذا الاشکال المتقدم ما جاء في منتقی الاصول من: انه إذا صدر حكم من المولى على موضوع عام ثم علم العبد بثبوت حكم مناف لحكم العام على بعض افراده بعنوان مجمل لا يعرف معناه أصلا أو لا يعرف حدود معناه سعة و ضيقا بان لم يكن عارفا باللغة و لم يكن من أهل اللسان، فانه لا إشكال في حصول العلم لديه بتضيق المراد الواقعي من العام و انه غير واقع هذا العنوان المجمل، لعلمه بعدم إمكان اجتماع الحكمين في موضوع واحد فهو لا يعلم إلّا بتضيقه بغير العنوان المجمل على واقعه، و أثر ذلك هو التوقف عن إثبات حكم العام لما يشك في كونه من افراد الخاصّ المعلوم صدوره.

و إذا تصورنا هذا الأمر في مورد العلم بالصدور و ثبت اثره أمكن تطبيقه في مورد الشك في الصدور. و دعوى صحة شمول أدلة الحجية للتعبد بصدور الخاصّ بواقعه الّذي هو له و ان لم نعرفه، فان واقع الخاصّ معين في نفسه و انما هو مجمل في مقام الانكشاف، فيلتزم بتقييد المراد الواقعي للعام بغير واقعالخاصّ كيف ما كان، و اثره عدم التمسك بالعامّ في مورد الشك لعدم الدليل على كونه مرادا واقعا، و هو أثر عملي يصحح التعبد.

ص: 309

و هذا التقريب متين جدا، و لكنه يبتني على ان العلم الإجمالي المردد بين الأقل و الأكثر الارتباطيين هل ينحل حقيقة إلى علم تفصيلي و شك بدوي أو لا ينحل؟ فان قلنا بانحلاله حقيقة، لن ينفع هذا التقريب في إثبات إجمال العام في مورد الشك، لأنه و ان علم إجمالا بثبوت الحكم على واقع الخاصّ على ما هو عليه لكنه منحل بالعلم التفصيليّ بثبوته المتيقن و الباقي مشكوك بدوا، فلا دليل على خروجه عن العام فيشمله بلا كلام.

و ان قلنا بعدم انحلاله حقيقة- بعد بيان ان التردد المفهومي بين الأقل و الأكثر من باب الأقل و الأكثر الارتباطيين لا الاستقلاليين، فانه لا كلام في الانحلال فيهما- تم هذا التقريب لقيام الدليل على خروج واقع الخاصّ عن العام فيكون مجملا حكما في مورد الشك.

و لا تنفع دعوى انحلال العلم الإجمالي حكما، لأن الأثر فيما نحن فيه أثر واقعي يترتب على واقع العلم الإجمالي لا على منجزيته. فالتفت.

و بالجملة: فهذا التقريب يتم بلا دافع بناء على إنكار الانحلال الحقيقي للعلم الإجمالي المتعلق بالأقل و الأكثر، و يترتب عليه إجمال العام في مورد الشك بلا ريب و لا إشكال(1).

و اجيب: بان ثبوت الحجية للحکم المتعلق بالعنوان الواقعي علی ما هو عليه من الاجمال و الابهام امر غريب جدا لان مبنی حجية الالفاظ في معانيها ليس الّا اصالة الظهور و هو فرع احراز ظهور الکلام في معناه و بدون احراز الظهور لا ملاک للحجية و المفروض ان

ص: 310


1- منتقى الأصول، ج 3، ص: 318 .

الظهور في المقام مفقود الّا في الاقل لانه القدر المتيقن دون ما عداه و لا معنی لان يکون المجمل حجة في اجماله(1).

الفصل الخامس: المخصّص اللفظي المجمل مصداقاً

قال في الکفاية: «و أما إذا كان مجملا بحسب المصداق بأن اشتبه فرد و تردد بين أن يكون فردا له أو باقيا تحت العام فلا كلام في عدم جواز التمسك بالعام لو كان متصلا به ضرورة عدم انعقاد ظهور للكلام إلّا في الخصوص كما عرفت.

و أما إذا كان منفصلا عنه ففي جواز التمسك به خلاف و التحقيق عدم جوازه إذ غاية ما يمكن أن يقال في وجه جوازه أن الخاص إنما يزاحم العام فيما كان فعلا حجة و لا يكون حجة فيما اشتبه أنه من أفراده فخطاب لا تكرم فساق العلماء لا يكون دليلا على حرمة إكرام من شك في فسقه من العلماء فلا يزاحم مثل أكرم العلماء و لا يعارضه فإنه يكون من قبيل مزاحمة الحجة بغير الحجة و هو في غاية الفساد فإن الخاص و إن لم يكن دليلا في الفرد المشتبه فعلا إلّا أنه يوجب اختصاص حجية العام في غير عنوانه من الأفراد فيكون أكرم العلماء دليلا و حجة في العالم الغير الفاسق فالمصداق المشتبه و إن

ص: 311


1- تحرير الاصول ج3 ص335 .

كان مصداقا للعام بلا كلام إلّا أنه لم يعلم أنه من مصاديقه بما هو حجة لاختصاص حجيته بغير الفاسق»(1).

و توضيحه: انه إذا كان المخصص مجملاً من حيث المصداق لا من حيث المفهوم، كما إذا قال: أكرم العلماء ثمّ قال: لا تكرم فسّاق العلماء، و كان المخصص معلوماً مفهوماً و إنّما تعلّق الشكّ بالمصداق و انّ زيداً العالم مثلاً هل هو فاسق أو لا؟ و هذا هو المسمّى بالشبهة المصداقية للمخصص و موردها ما إذا كان عنوان العام محرزاً و عنوان الخاص مشكوكاً كما عرفت، و أمّا إذا كان نفس عنوان العام مشكوكاً و أنّ زيداً مثلاً عالم أو لا، فهذا ما يسمّى بالشبهة المصداقية للعام، و هذا خارج عن محط البحث، و من المعلوم أنّ العام ليس بحجّة فيه.

و ربما ينسب إلى المشهور من العلماء الأقدمين القول بجواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة(2)، و لذا أفتوا - في ما اذا شک في کون اليد على مال أنّها يد عادية أو يد أمانة، فيشكّ في شمول العامّ لها، و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله:«على اليد ما أخذت حتى تؤدّي»(3)، لأنّها يد عادية، أو خروجها منه لأنّها يد أمانة لما دلّ على عدم ضمان يد الأمانة المخصّص لذلك العموم- بالضمان, و وافقهم من المتأخرين المحقّق النهاوندي المتوفّى

ص: 312


1- کفاية الاصول ط ال البيت عليهم السلام ص221
2- نسبه إليهم المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار 2: 518.
3- عوالي اللآلي 1: 224.

1317 هجرية في كتاب تشريح الأُصول, و المعروف بين المتأخرين هو عدم الجواز کما تقدم من المحقق الخراساني و هو الصحيح.

و أمّا فتوى المشهور بالضمان في اليد المشكوكة أنّها يد عادية أو يد أمانة ففيه:

اولا: ان المتقدمين من الاصحاب لم تعنون المسألة في کتبهم فضلا عن کونها مشهورة بينهم, و اما متأخروا الاصحاب فلا عبرة بشهرتهم.

ثانيا: لا يعلم أنّها لأجل القول بجواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، بل لاجل أن مقتضى القاعدة في اليد المشكوكة هو الضمان، و ذلك لأن موضوع الضمان مركب من الاستيلاء على مال الغير بدون اذنه، و أحد الجزءين- و هو الاستيلاء- محرز بالوجدان، و الآخر بالأصل، حيث ان الاذن من الحوادث المسبوقة بالعدم، فيستصحب عدمه، و به يتم كلا جزئي الموضوع، و يترتب عليه حكمه، و ليست الفتوى بالضمان مستندة إلى التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية أصلا، فما عن مشهور المتاخرين من الحكم بالضمان في اليد المشكوكة في غاية المتانة، و لا يرد عليه إشكال أصلا.

لا يقال: ان موضوع الضمان هو التصرف غير المأذون فيه، و هو من الموضوعات المقيدة التي لا يمكن إحرازها بالأصل الّا على القول بالأصول المثبتة، فلا يثبت باستصحاب عدم الاذن اتصاف التصرف بكونه غير مأذون فيه، فلا بد أن يكون مستند الضمان في اليد المشكوك فيها هوالتمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية.

فانه يقال: لا ينبغي الارتياب في كون المقام من الموضوعات المركبة دون المقيدة، لان الاستيلاء عرض قائم بمن استولى على المال، و الاذن عرض قائم بالمالك، و من المعلوم عدم إمكان اتصاف عرض بعرض جوهر آخر، كامتناع اتصاف أحد الجوهرين بالآخر.

ص: 313

و عليه فلا يتقيد احدهما بالاخر بل ينضم احدهماللاخر, فالاستيلاء على مال الغير بدون اذنه، الذي هو أحد جزأيّ موضوع الضمان محرز بالوجدان، و ينضم الی الجزء الآخر المحرز بالأصل، حيث ان الاذن من الحوادث المسبوقة بالعدم، فيستصحب عدمه، و به يتم كلا جزأي الموضوع .

فالنتيجة: أن الضمان في اليد المشكوك فيها يكون على طبق القاعدة، فان المتحصل بعد تخصيص عموم على اليد: أن اليد المأذون فيها لا توجب الضمان، و اليد غير المأذون فيها توجبه، و عدم الاذن يثبت بالأصل، فيثبت الضمان.

و بما قدمناه يظهر الجواب علی ما ادعي من مسائل ادعي اتّفاق كلمة الفقهاء فيها على العمل بالعام و إن كانت الشبهة مصداقية.

أدلة المجوزين

و لنذكر أدلة المجوزين، حيث استدلّوا بوجوه:

الأوّل: مزاحمة الحجّة بغير الحجّة

ص: 314

أنّ انطباق عنوان العامّ على المصداق المردّد معلوم، فيكون العامّ حجّة فيه ما لم يعارض بحجّة أقوى، و أمّا انطباق عنوان الخاصّ عليه فغير معلوم، فلا يكون الخاصّ حجّة فيه، فلا يزاحم حجيّة العامّ(1).

و بتقرير اخر: انه مع انفصال الخاصّ ينعقد للعام ظهور في العموم، و لا مانع عن حجيته إلّا بالنسبة إلى ما يكون الخاصّ حجة فعلية فيه، و هو الافراد التي يعلم انطباق الخاصّ عليها- كمرتكب الكبائر- فيما إذا كان الخاصّ حرمة إكرام فساق العلماء، ففي الافراد التي لا يعلم انطباق مفهوم الخاصّ- كالفاسق- عليها كمرتكبي الصغائر لا يكون الخاصّ حجة فيها حتى يزاحم حجية العام فيها، لعدم إحراز موضوعه، و جواز التمسك بدليل منوط بإحراز موضوعه، و عليه فيجوزالتمسك بالعامّ في مرتكبي الصغائر، لكونها من أفراده التي لم يثبت خروجها عن حكمه(2).

و ردّه المحقّق الخراساني کما تقدم و حاصله: أنه لا ظهور للعام في العموم حتى يصح التشبث به في الفرد المشتبه، بل لا ظهور له الّا في الخصوص، و حيث ان فردية المشتبه للخاص مشكوكة، فلا يجوز التشبث بالخاص أيضا لإثبات حكمه لهذا الفرد المشتبه، و حينئذ فالمرجع هي الأصول العملية.

هذا و يظهر من المحقّق العراقي، انّ التخصيص، لا يُضفي على العام أي عنوان، و انّ إخراج بعض الأفراد، بعنوان خاص كالفسّاق أشبه بإخراجهم عن تحته بالموت، حيث

ص: 315


1- هكذا استدلّ لهذا القول المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار 2: 518.
2- الكفاية: 221، و لاحظ تشريح الأُصول للمحقّق النهاوندي: 261 - 262.

قال: إنّ شأن المخصّص إخراج الفرد مع إبقاء العام على تمام الموضوعية، و إنّما يُقلِّل افراد العام دون انقلاب فيه نظير موت بعض الأفراد(1).

و فيه: أنّه لا يمکن للجمع بين کون العام تمام الموضوع للحکم و بين انتفاء الحکم عن بعض افراده لا ثبوتا و لا اثباتا لان التخصيص يکشف عن عدم کون العام تمام الموضوع بل جزؤه و الجزء الاخر مستفاد من التخصيص .

الثاني: التمسّك بالعموم الأحوالي

قال في نهاية الدراية: و ربما يتوهّم التمسّك بالعامّ في المشتبه؛ بتوهّم إطلاقه الأحوالي لمشكوك العدالة و الفسق، و لا منافاة بين كون الفاسق الواقعي حكمه مخالفا لحكم المشكوك أو موافق له ، فإنّ الأوّل حكم واقعي، و الثاني حكم ظاهري، فلا منافاة بينهما.

ثم اجاب عنه فقال: أن الإطلاق ليس جمعا بين القيود؛ ليكون أثره ترتّب الحكم على المشكوك- بما هو مشكوك- ليكون حكما ظاهريا اخذ في موضوعه الشكّ، بل الإطلاق لتوسعة الحكم بالنسبة إلى جميع أفراد الموضوع من دون دخل حال من الأحوال، و ملاحظة ذات المشكوك غير ملاحظته بما هو مشكوك، و التعيّن اللابشرطي القسمي مغاير للتعيّن بشرط شي ء كما هو واضح(2).

و بعبارة اخری: ليس الإطلاق هو تسرية الحكم إلى عامة حالات الموضوع و أخذها فيه، بأن يقال: إنّ العالم واجب الإكرام، سواء كان معلوم الفسق، أو مشكوك، أو مقطوع العدم حتّى يرجع الإطلاق إلى ضم القيود، مع أنّه رفض القيود، بل الإطلاق عبارة عن كون ما

ص: 316


1- مقالات الأُصول: 444/ 1 - 445.
2- نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج 2، ص: 455

وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع و هو في المقام هو لفظ «العالم» فقط لاجعل الفرد واجب الإكرام في الأحوال الثلاثة.

ثم انه إنّما يصحّ التمسّك بالاطلاق الأحوالي، إذا كان الشكّ مأخوذاً في لسان الدليل، بأن يقال: انّ العالم واجب الإكرام حتّى و لو شكّ في كونه فاسقاً أو غير فاسق، مع أنّه ليس كذلك و إلّا يلزم أن يكون مبيّناً لحكمين: واقعي و ظاهري، أمّا الأوّل فالحكم على العالم بما هو هو، و الحكم عليه، بما انّه مشكوك الفسق و العدالة، و هذا ممّا لا يحتمله قوله: أكرم العلماء.

الثالث: استصحاب حكم العام

هذا الوجه ذكره الشيخ من قبل المجوزين و قال: و يمكن أن يحتجّ للخصم بالاستصحاب فيما لو عمل بالعام في المشكوك بواسطة القطع باندراجه ثمّ طرأ الشكّ فيه(1).

و فيه: أنّ الكلام في التمسك بالعام لا بالاستصحاب, و أنّه لا يعمّ الشكوك البدوية و يختصّ بما إذا كان للحكم حالة سابقة.

الرابع: التمسّك بقاعدة المقتضي و المانع

و هذا الوجه أيضاً ذكره الشيخ في المطارح من قبل المجوزين، قال: الظاهر عن عنوان العام و المخصص أن يكون الأوّل مقتضياً، و الثاني مانعاً عن الحكم ففي موارد الاشتباه يؤول الأمر إلى الشك في وجود المانع بعد إحراز المقتضي و الأصل عدمه فلا بدّ من الحكم بوجود المقتضي(2), و حاصله أن العام مقتضٍ للحجية في جميع ما يشمله من الافراد، و المخصص المنفصل مانع عن حجيته فيما ثبت فرديته للخاص. و أما في الافراد

ص: 317


1- مطارح الأنظار: 197.
2- مطارح الأنظار: 197.

التي شك في خروجها عن العام كزيد العالم المشكوك فسقه مع عدم العلم بحالته السابقة، فالعام حجة فيها، لبناء العقلاء على الأخذ بالمقتضي مع الشك في وجود المانع. و عليه، فيجب إكرام زيد في المثال تمسكاً بعموم «أكرم العلماء».

و فيه: انه علی فرض حجيتها, أن المقام أجنبي عن قاعدة المقتضي و المانع، و ذلك لأن موردها صورة العلم بوجود المقتضي و الشك في وجود المانع، و أما الشك في وجود المقتضي أو القطع بعدمه، فهو أجنبي عن القاعدة المزبورة. و في المقام لم يحرز اقتضاء العام للحجية في الشبهات المصداقية لأن الدلالة التصديقية التي هي حجة عند العقلاء انما تكشف عما هو مقصود المتكلم، لا ما هو أجنبي عنه، و من المعلوم أن مقصوده من إقامة الدليل تشريع الأحكام الكلية لموضوعاتها، كجعل الحرمة للخمر. و أما تعلق غرضه بتطبيق تلك الموضوعات على مصاديقها الخارجية غير معلوم لو لم يكن معلوم العدم، لخروجه عن وظيفته بما هو شارع، فلا تكون الدلالة التصديقية كاشفة عنها و حجة عليها حتى يكون العام مقتضياً للحجية في الشبهات المصداقية.

و بعبارة أخرى: المصداق المشتبه و ان كان فرداً للعام بما هو عام، لكن مصداقيته له بما هو حجة غير معلومة، لقصر حجيته على غير الفاسق الواقعي بعد تخصيصه بغير الفساق من العلماء، فحكم العام- كوجوب الإكرام- بعد التخصيص ثابت للعلماء غير الفساق، فالعالم الفاسق محرم الإكرام، و العالم غير الفاسق واجب الإكرام، و هما كبريان متضمنتان لحكمين كليين، و من البديهي عدم تكفل الكبريات لتشخيص صغرياتها، و ليس شأن الشارع الا تشريع الأحكام لموضوعاتها الكلية، و أما بيان المصاديق، فهو خارج عن وظيفته، فتعلق غرضه ببيانها يحتاج إلى مزيد بيان و إقامة برهان.

ص: 318

مضافا إلى انّه ربّما لا يكون لسان المخصّص، لسان المانع، كما إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: و ليكن العلماء عدولًا، و الشكّ في عدالة واحد منهم، ليس شكّاً في المانع بعد إحراز المقتضي، بل هو شكّ في جزء المقتضي.

المخصّص اللبّي و الشكّ في الشبهة المصداقية

المقصود من المخصّص اللبّي ما يقابل اللفظيّ، كالإجماع و دليل العقل اللذين هما دليلان و ليسا من نوع الألفاظ. فقد نسب إلى الشيخ الأنصاريّ رحمه اللهجواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة مطلقا إذا كان المخصّص لبيّا(1). و تبعه جماعة من المتأخّرين عنه(2).

و ذهب المحقّق الخراساني إلى التفصيل بين ما إذا كان المخصّص اللبّيّ ممّا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم في بيان مراده بأن كان عقليّا ضروريّا؛ فإنّه يكون كالمتّصل، فلا ينعقد للعامّ ظهور في العموم، فلا مجال للتمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، و بين ما إذا لم يكن كذلك، كما إذا لم يكن التخصيص ضروريّا على وجه يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم،

ص: 319


1- نسبه إليه في فوائد الأصول 2: 536، و المحاضرات 5: 196. و لكن قال المحقّق البروجرديّ: «فقد ظهر لك أنّ الشيخ رحمه الله لم يفرق بين اللفظيّ و اللبيّ بما هما كذلك» نهاية الأصول: 289. و فيه ان عبارة المطارح لا تساعد عليه، فإنّ الشيخ الأنصاريّ قال: «إنّ التخصيص تارة يوجب تعدّد الموضوعين، و أخرى لا يوجب ذلك، فعلى الأوّل لا وجه لتحكيم العامّ و أغلب ما يكون ذلك إنّما هو في التخصيصات اللفظيّة، و على الثاني يجب تحكيم العامّ و أغلب ما يكون إنّما هو في التخصيصات اللبّيّة» انتهى ملخّصا. مطارح الأنظار: 194.
2- أصول الفقه ( مع تعليقة الزارعي )، ص: 165.

فإنّه لا مانع من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة؛ لبقاء العامّ على ظهوره، و هو حجّة بلا مزاحم, قال في الکفاية: و أمّا إذا كان لبيّاً بأن كان ممّا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم إذا كان بصدد البيان في مقام التخاطب فهو كالمتصل حيث لا يكاد ينعقد معه ظهور للعام إلّا في الخصوص، و إن لم يكن كذلك فالظاهر بقاء العام في المصداق المشتبه على حجّيته كظهوره فيه.

و السرّ فيه انّ الكلام الملقى من السيد حجةً، ليس إلّا ما اشتمل على العام الكاشف بظهوره عن إرادته للعموم فلا بد من اتّباعه ما لم يقطع بخلافه، مثلًا إذا قال المولى: أكرم جيراني و قطع بأنّه لا يريد إكرام من كان عدواً له منهم و شكّ في عداء بعض الجيران كانت أصالة العموم باقية على الحجّية بالنسبة إلى من لم يُعلم بخروجه عن عموم الكلام للعلم (1) بعداوته لعدم حجّة أُخرى بدون ذلك على خلافه بخلاف ما إذا كان المخصّص لفظياً، فانّ قضية تقديمه عليه، هو كون الملقى إليه كان من رأس لا يعم الخاص، كما كان كذلك حقيقة فيما كان الخاصمتصلاً, و القطع بعدم إرادة إكرام العدو لا يوجب انقطاع حجّيته إلّا فيما قطع انّه عدوه لا فيما شكّ فيه.

كما يظهر هذا من صحّة مؤاخذة المولى لو لم يكرم أحداً من جيرانه لاحتمال عداوته، و حسن عقوبته على مخالفته، و عدم صحّة الاعتذار عنه بمجرّد احتمال العداوة كما لا يخفى.

ص: 320


1- متعلّق بقوله بخروجه.

بل يمكن التمسّك بعموم العام و إثبات انّ المشكوك ليس فرداً لما علم خروجه، فلو شكّ في جواز لعن شخص من بني أُميّة لاحتمال كونه مؤمناً يتمسّك بعموم:» لعن اللّه بني أُميّة قاطبة «، فيحكم عليه بأنّه ليس بمؤمن(1). و حاصل كلامه يرجع إلى أُمور ثلاثة:

1. وجود التفاوت بين المخصّص اللفظي بكلا قسميه و المخصّص اللبي، و هو انّ المولى ألقى حجّتين في الأوّل و صارت قضيةُ تحكيم الخاص على العام، انّ العام لم يشمل الخاص - الفاسق - من رأس، بخلاف المقام فانّ الحجّة الملقاة ليست إلّا أمراً واحداً، و القطع بعدم إكرام العدو لا يوجب رفع اليد عن عموم الدليل إلّا فيما قطع بخروجه.

2. وجود السيرة العقلائية على صحّة المؤاخذة لو لم يكرم أحداً من جيرانه لاحتمال عداوته.

3. يمكن أن يتمسّك بعموم العام و يحكم للفرد المشكوك أنّه ليس من أقسام الفرد المقطوع خروجه، كما في مثال: لعن اللّه بني أُميّة قاطبة، و دلّ النقل على عدم جواز لعن المؤمن منهم، فلو شكّ في أي فرد من بني أُمية يمكن التمسك بعموم العام و إثبات انّه ليس مؤمناً.

و اجيب: بان هذا وجيه بناء على كون الخارج عن حيز العام معلوم العداوة، بحيث يكون العلم دخيلا في موضوع الخاصّ، فكأنه قيل: «أكرم جيراني الا من علمت عداوته لي» و من المعلوم أن العام حينئذ يقتضي وجوب إكرام كل فرد من أفراد الجيران سواء كان معلوم الصداقة أم مشكوك العداوة، إذ لا مانع عن حجية العام حينئذ في جميع أفراده الّا معلوم العداوة، بل يخرج مشكوك العداوة موضوعاً عن المشتبه بالشبهة المصداقية للخاص، للعلم بكونه من مصاديق العام و عدم مصداقيته للخاص و هو معلوم العداوة، فلا

ص: 321


1- كفاية الأصول: 259- 260.

ينبغي الارتياب حينئذ في لزوم التمسك بالعامّ، لأنه لم يخصص الّا بمعلوم العداوة، و غيره داخل في حيزه، و لميدل دليل على خروج غيره عنه حتى يزاحمه في الحجية، إذ لم يقيد مصب العموم الا بمعلوم العداوة.

و أما بناء على كون الخارج عن حيز العام العدو الواقعي الموجب لتقيد العام به، بحيث يصير موضوع وجوب الإكرام مركباً من الجار و غير العدو، فلا وجه للتمسك بالعامّ في حكم الفرد الّذي لا يعلم عداوته و لا صداقته، لأنه بعد تقيد مصبه و تركب موضوع حكمه لا يتكفل لحال الفرد المشتبه، كتقييد سائر الإطلاقات، فإذا قيدت الرقبة بالايمان، و اشتبه فرد منها بين المؤمنة و الكافرة فلا يجوز التمسك ب «أعتق رقبة» لوجوب عتقها كما لا يخفى.

و مما ذكرنا يظهر ما في إطلاق كلامه: «كما يظهر صدق هذا من صحة مؤاخذة المولى لو لم يكرم واحداً من جيرانه لاحتمال عداوته له» من الإشكال، لأنه متجه فيما إذا كان الخاصّ معلوم العداوة، ضرورة أن أصالة العموم في العام محكمة، فليس للعبد الاعتذار عن عدم الإكرام باحتمال العداوة، إذ المفروض كون محتمل العداوة من أفراد العام، فلو لم يكرمه بهذا الاحتمال لم يكن معذوراً، حيث انه خالف الحجة و هي أصالة العموم بلا مسوغ.

و أما إذا كان الخاصّ العدو الواقعي، فليس ترك إكرام محتمله مخالفة للحجة حتى تحسن مؤاخذته، لعدم ظهور للعام فيما يحتمل فرديته له حتى يكون حجة فيه.

كما ظهر أيضا ما في تفصيله - بين اللبي المتصل و المنفصل، و جعل العام في الثاني ظاهراً و حجة في الفرد المشتبه - من الغموض، حيث ان اللبي الضروري إذا كان كالمخصص اللفظي المتصل في المنع عن انعقاد الظهور للعام في العموم، فلا بد أن يكون

ص: 322

اللبي غير الضروري كالمخصص اللفظي المنفصل أيضا في المنع عن حجية الظهور مع وجوده، و قد مر منه عدم جواز التمسك بالعامّ المخصص بالمخصص اللفظي المنفصل في المصداق المشتبه.

و بالجملة: فالتخصيص ان كان موجباً لتعنون العام، فلا فرق فيه بين اللفظي و اللبي بقسميه، و ان لم يكن موجباً له، فلا بد من الالتزام به في الجميع.

فالتفكيك بين المخصص اللفظي و اللبي بجواز التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية في الثاني، و عدم جوازه في الأول في غاية الغموض، إذ لا فرق بين قول المولى: «لا تكرم أعدائي» و بين حكم العقل به، بعد فرض حجية كليهما،و عدم الفرق بينهما في الاعتبار. فكما يقدم الخاصّ اللفظي، لأقوائيته على العام، فكذلك اللبي بقسميه(1).

قلت: مضافا الی عدم احراز ما ادّعاه من السيرة العقلائية خصوصاً إذا كان تكريم العدو محرّماً و أمراً مبغوضاً، فكيف يجزى العبد بإكرامه مع دوران الأمر بين المحذورين؟!

و اما التمسک بعموم العام أعني قوله: «لعن اللّه بني أُميّة قاطبة»، عدم كون الفرد المشكوك مؤمناً، فقد تأمّل به البعض لانه مبني على حجّية مثبتات الأُصول اللفظية حتى تثبت بأصالة العموم كون الفرد المشكوك كافراً غير مؤمن، و الصحيح انها حجة لان مثبتات الأُصول اللفظية من سنخ الدلالة الالتزمية و لا شک في حجيتها.

التفصيل بين المخصّص الموجب للتنويع وغيره

هذا و فصّل شيخنا الأعظم رحمه الله بين المخصص الّذي له عنوان، و بين المخصص الّذي لا عنوان له بعدم جواز التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية في الأول، و جوازه في الثاني،

ص: 323


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 528

و أن الأكثر تحقق القسم الأول في المخصصات اللفظية، و القسم الثاني في المخصصات اللبية، فقال: «إنّ التخصيص تارة يوجب تعدّد الموضوعين، و أخرى لا يوجب ذلك، فعلى الأوّل لا وجه لتحكيم العامّ و أغلب ما يكون ذلك إنّما هو في التخصيصات اللفظيّة، و على الثاني يجب تحكيم العامّ و أغلب ما يكون إنّما هو في التخصيصات اللبّيّة»(1).

و فيه, أولا: أن المخصَص الّذي ليس له عنوان جامع لا يتصور له شبهة مصداقية، إذ المنطبق على المصاديق هو الكلي و المفروض عدمه، فيخرج عن بحث التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية، و يندرج في الشك في قلة التخصيص و كثرته.

و ثانياً: أن المخصِص لبياً كان أم لفظياً لا بد أن يكون ذا عنوان جامع، لأن التخصيص في الشريعة الإسلامية إنّما هو على نحو الإخراج العنواني دون الإخراج الأفرادي, و التخصيص الأفرادي منحصر بخصائص النبي صلى اللَّه عليه و آله.

بيان العلامة المظفر

و استدل العلامة المظفر لقول الشيخ رحمه الله : بأن كلّ عامّ ظاهر في العموم لا بدّ أن يتضمّن ظهورين:

1: ظهوره في عدم منافاة أيّة صفة من الصفات أو أيّ عنوان من العناوين لحكمه.

2: ظهوره في عدم وجود المنافي أيضا، أي إنّه ظاهر في عدم المنافاة و عدم المنافي معه، فإنّ معنى ظهور عموم «أكرم جيراني» مثلا, أنّه ليس هناك صفة أو عنوان ينافي الحكم بوجوب إكرام الجيران، نحو صفة العداوة أو الفسق أو نحو ذلك، كما معناه أيضا أنّه

ص: 324


1- مطارح الأنظار: 194.

ليس يوجد في الجيران من فيه صفة أو عنوان ينافي الحكم بوجوب إكرامه. و هذا واضح لا غبار فيه.

فإذا جاء بعد انعقاد هذا الظهور في العموم مخصّص منفصل لفظيّ، كما لو قال في المثال المتقدّم: «لا تكرم الأعداء من جيراني»، فإن هذا المخصّص لا شكّ في أنّه يكون ظاهرا في أمرين:

1: إنّ صفة العداوة منافية لوجوب الإكرام.

2: إن في الجيران من هو على صفة العداوة فعلا أو يتوقّع منه أن يكون عدوّا، و إلّا لو لم يوجد العدوّ و لا يتوقّع فيهم لكان هذا التخصيص لغوا و عبثا لا يصدر من الحكيم.

و على ذلك فيكون المخصّص اللفظيّ مزاحما للعامّ في الظهورين معا، فيسقط عن الحجّيّة فيهما معا. فإذا شككنا في فرد من الجيران أنّه عدوّ أم لا، فلا مجال فيه للتمسّك بالعامّ في إلحاقه بحكمه؛ لسقوط العامّ عن حجّيّته في شموله له؛ إذ يكون هذا الفرد مردّدا بين دخوله فيما أصبح العامّ حجّة فيه و بين دخوله فيما كان الخاصّ حجّة فيه.

أمّا لو كان هناك مخصّص لبيّ، كما لو حكم العقل مثلا, بأنّ العداوة تنافي وجوب الإكرام، فإنّ هذا الحكم من العقل لا يتوقّف على أن يكون هناك أعداء بالفعل أو متوقّعون، بل العقل يحكم بهذا الحكم، سواء كان هناك أعداء أم لم يكونوا أبدا؛ إذ لا مجال للقول بأنّه لو لم يكن هناك أعداء، لكان حكم العقل لغوا و عبثا، كما هو واضح بأدنى تأمّل و التفات.

و عليه، فالحكم العقليّ هذا لا يزاحم الظهور الثاني العامّ- أعني ظهوره في عدم المنافي- فظهور الثاني هذا يبقى بلا مزاحم. فإذا شككنا في فرد من الجيران أنّه عدوّ أم لا، فلا مانع من التمسك بالعامّ في إدخاله في حكمه؛ لأنّه لا يكون هذا الفرد مردّدا بين دخوله في

ص: 325

هذه الحجّة أو هذه الحجّة؛ إذ المخصّص اللبّيّ حسبالفرض لا يقتضي وجود المنافي و ليس حجّة فيه، أمّا العامّ فهو حجّة فيه بلا مزاحم.

فظهر من هذا البيان أنّ الفرق عظيم بين المخصّص اللبّيّ و المخصّص اللفظيّ من هذه الناحية؛ لأنّه في المخصّص اللبّيّ يبقى العامّ حجّة في ظهوره الثاني من دون أن يكون المخصّص متعرّضا له، و لا يسقط العامّ عن الحجّيّة في ظهوره إلّا بمقدار المزاحمة لا أكثر. و هذا بخلاف المخصّص اللفظيّ، فإنّه ظاهر في الأمرين معا كما قدّمناه، فيكون مزاحما للعامّ فيهما معا.

و لا فرق في المخصّص اللبّيّ بين أنّ يكون ضروريّا أو يكون غير ضروريّ(1)، و لا بين أن يكون كاشفا عن تقييد موضوع العامّ أو كاشفا عن ملاك الحكم(2)، فإنّه في جميع هذه الصور لا يقتضي وجود المنافي, و بهذا التحرير للمسألة يتجلّى مرام الشيخ الأعظم رحمه الله و أنّه الأولى بالاعتماد(3).

و فيه: ان کون حكم العقل لا يتوقّف على أن يكون هناك أعداء بالفعل أو متوقّعون، بل العقل يحكم بهذا الحكم، سواء كان هناك أعداء أم لم يكونوا أبدا؛ لا يکون دليلا علی ان الحكم العقليّ هذا لا يزاحم الظهور الثاني العامّ- أعني ظهوره في عدم المنافي- حتی يبقی الظهور الثاني بلا مزاحم, فانها دعوی بلا دليل فلا فرق في المخصص عرفا بين کونه لفظيا ام لبيا. و بذلک يظهر ضعف تفصيل اخر للمحقق النائيني و هو:

ص: 326


1- خلافا للمحقّق الخراسانيّ في الكفاية: 259.
2- فوائد الأصول 2: 536- 538.
3- أصول الفقه ( مع تعليقة الزارعي )، ص: 167.

رأي المحقّق النائينيّ

أن المخصّص اللبّيّ، سواء كان عقليّا ضروريّا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم في مقام التخاطب أو لم يكن كذلك، بأن كان عقليّا نظريّا أو إجماعا؛ فإنّه كالمخصّص اللفظيّ كاشف عن تقييد المراد الواقعيّ في العامّ من عدم كون موضوع الحكم الواقعي باقيا على إطلاقه الذي يظهر فيه العامّ، فلا مجال للتمسّك بالعامّ في الفرد المشكوك بلا فرق بين اللبّيّ و اللفظيّ؛ لأنّ المانع من التمسّك بالعامّ مشترك بينهما و هو انكشاف تقييد موضوع الحكم واقعا. و لا يفرق في هذه الجهة بين أن يكون الكاشف لفظيّا أو لبيّا.

و استثنى من ذلك ما اذا كان المخصّص اللبّيّ لم يستكشف منه تقييد موضوع الحكم واقعا، بأن كان العقل إنّما أدرك ما هو ملاك حكم الشارع واقعا، أو قام الإجماع على كونه ملاكا لحكم الشارع، كما إذا أدرك العقل أو قام الإجماع على أنّ ملاك لعن بني اميّة هو كفرهم، فإنّ ذلك لا يوجب تقييد موضوع الحكم، لأنّ الملاك لا يصلح لتقييده، بل من العموم يستكشف وجود الملاك في جميعهم. فإذا شكّ في وجود الملاك في فرد، يكون عموم الحكم كاشفا عن وجوده فيه.

نعم، لو علم بعدم وجود الملاك في فرد، يكون الفرد نفسه خارجا كما لو أخرجه المولى بالنّص عليه، لا أنّه يكون كالمقيّد لموضوع العامّ.

و أمّا سكوت المولى عن بيانه، فهو إمّا لمصلحة أو لغفلة إذا كان من الموالي العاديّين.

نعم، لو تردّد الأمر بين أن يكون المخصّص كاشفا عن الملاك أو مقيّدا لعنوان العامّ؛ فإنّ التفصيل الذي ذكره صاحب الكفاية يكون وجيها.

و الحاصل أنّ المخصّص إن أحرزنا أنّه كاشف عن تقييد موضوع العامّ فلا يجوز التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقيّة أبدا، و إن أحرزنا أنّه كاشف عن ملاك الحكم فقط من

ص: 327

دون تقييد فلا مانع من التمسّك بالعموم، بل يكون كاشفا عن وجود الملاك في المشكوك. و إن تردّد أمره و لم يحرز كونه قيدا أو ملاكا فان كان حكم العقل ضروريّا يمكن الاتّكال عليه في التفهيم فيلحق بالقسم الأوّل، و إن كان نظريّا أو اجماعا لا يصحّ الاتّكال عليه فيلحق بالقسم الثاني، فيتمسّك بالعموم، لجواز أن يكون الفرد المشكوك قد أحرز المولى وجود الملاك فيه، مع احتمال أنّ ما أدركه العقل أو قام عليه الإجماع من قبيل الملاكات(1).

و فيه: مضافا لما تقدم أنّ موضوع الحكم لا يمكن أن يكون أعمّ من الملاك، فإذا كان الملاك أخصّ من مطلق بني أُمية يجب أن يكون الموضوع أيضاً كذلك.

و أمّا ما ذكره من أنّ الملاك لا يمكن أخذه في الموضوع، و ذلك لأنّ حكم اللعن بنفسه لا يصلح أن يعمّ المؤمن حتّى يصحّ تخصيصه به، فمدفوع بأنّه خلط بين سعة الحكم حسب الإرادة الاستعمالية و سعة الحكم بالإرادة الجديّة، فاللعن حسب الإرادة الجديّة و إن كان لا يصلح أن يعمّ المؤمن و لكنّه حسب الإرادة الاستعمالية قابل لأن يعمّ عامة بني أُميّة حتّى المؤمن، و ذلك لوجود المقتضي في كلهم إلّامن هداه اللّه، فعلى ذلك فلا فرق بين كون غير المؤمن ملاكاً للحكم أو مأخوذاً في الموضوع.

و اما ما ذكره اخيرا، أعني: ما يتردد بين الملاك و قيد الموضوع فمخدوش أيضاً، لأنّ حاصله أنّه يلحق بالقسم الثاني باحتمالين:

1. احتمال أن يكون الفرد المشكوك قد أحرز المولى وجود الملاك فيه.

2. احتمال انّ ما أدركه العقل أو قام عليه الإجماع من قبيل الملاك.

ص: 328


1- فوائد الأصول 2: 536- 538 .

و هذان الاحتمالان من الظنون التي لم يقم على حجّيتها دليل، أ فيصحّ أن يتمسّك بالعام اعتماداً على هذين الاحتمالين؟!

الفصل السادس: إحراز المشتبه بالأصل الموضوعي

قد عرفت أنّ العام إلّا ما سبق ليس حجّة في الشبهة المصداقية للمخصّص. فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل، فلو كان للمصداق المشتبه حالة سابقة يؤخذ بها، فإذا قال: أكرم العلماء و لا تكرم فسّاق العلماء، و شكّ في عدالة زيد العالم و كان مسبوق العدالة أو مسبوق الفسق فيحكم عليه بأحدهما فعلى الأوّل يدخل تحت العام و على الثاني تحت المخصص.

إنّما الكلام إذا لم يكن له حالة سابقة، فهل هنا أصل موضوعي يُنقِّح حال المشتبه و يدخله تحت العام أم لا؟ فذهب المحقّق الخراساني إلى وجود الأصل المحرز في صورتين: 1. إذا كان المخصّص منفصلاً. 2. إذا كان المخصّص متّصلًا بصورة الاستثناء, و أما في غيرهما كما إذا كان متّصلاً و كان وصفاً فلا يحرز الموضوع بالأصل.

نظرية المحقّق الخراساني

فقال في الکفاية: «لا يخفى أن الباقي تحت العام بعد تخصيصه بالمنفصل أو كالاستثناء من المتصل لما كان غير معنون بعنوان خاص بل بكل عنوان لم يكن ذاك بعنوان الخاص كان إحراز المشتبه منه بالأصل الموضوعي في غالب الموارد إلّا ما شذ ممكنا فبذلك يحكم عليه بحكم العام و إن لم يجز التمسك به بلا كلام ضرورة أنه قلما لا يوجد عنوان يجري فيه أصل ينقح به أنه مما بقي تحته مثلا إذا شك أن امرأة تكون قرشية او غيرها

ص: 329

فهي و إن كانت وجدت إما قرشية أو غيرها فلا أصل يحرز أنها قرشية أو غيرها إلّا أن أصالة عدم تحقق الانتساب بينها و بين قريش تجدي في تنقيح أنها ممن لا تحيض إلّا إلى خمسين لأن المرأةالتي لا يكون بينها و بين قريش انتساب أيضا باقية تحت ما دل على أن المرأة إنما ترى الحمرة إلى خمسين و الخارج عن تحته هي القرشية فتأمل تعرف(1), و حاصل کلامه يبتني على أمرين:

الأوّل: انّ التخصيص المتصل بصورة الوصف ينوِّع العام و يجعل الموضوع مركّباً من جزءين، و من المعلوم أنّه لا يمكن إثبات القيد الوجودي بالأمر العدمي فلا يمکن اجراء استصحاب عدم کونها من قريش - اي الأصل الجاري في العدم النعتيّ- لعدم الحالة السابقة له.

الثاني: انّه إذا كان المخصّص متّصلاً بصورة الاستثناء أو منفصلاً فلا يضفي للعام تنويعاً و لا يوجب تركّب الموضوع، بل العام باق على عمومه، غاية الأمر يجب أن يحرز عدم عنوان المخصص فيجري و يثبت عدم تعنونه به، فعندئذ يكفي استصحاب عدم قرشية المرأة، بعدم تحقّق الانتساب بينها و بين قريش - الّذي هو عدم محمولي- فيكون باقياً تحت العام محكوماً بحكمه.

مناقشة نظرية المحقّق الخراساني

و فيه: أن العدم المحمولي في كل ماهية جوهرية أو عرضية ينتقض بوجود فرد منها بحيث لا يصح حمل العدم على تلك الماهية مع وجوده بالضرورة إلّا إذا قيدت بقيد كالإنسان الشجاع، فانه لا يصح أن يقال: ان الإنسان معدوم لوجود أفراده، و أما إذا لم

ص: 330


1- كفاية الأصول، ص: 223

يكن فرد من الإنسان الشجاع موجوداً، فيصح أن يحمل عليه العدم، لكنه ليس عدماً محمولياً، بل نعتياً. فعلى هذا لا يصح حمل العدم المحمولي على طبيعة الانتساب إلى قريش بعد انتقاض عدمه بوجود نساء من قريش، فلا يجري أصالة عدم تحقق الانتساب المحمولي بينها و بين قريش، إذ لا يصح أن يقال: الانتساب إلى قريش معدوم، إلّا أن يقيد ذلك بهذه المرأة بأن يقال: ان انتساب هذه إلى قريش غير معلوم، و لا يصح الاستصحاب حينئذ لعدم الحالة السابقة له.

و اما ما أفاده من جريان الأصل في العدم المحمولي في المقام فهو مبني على عدم تعنون العام بعنوان عدمي، كالمثال، فان المرأة التي ترى الحمرة إلى خمسين لم تقيد بقيد عدمي و هو عدم قرشيتها، و الخاصّ انما أخرج المرأة القرشية، فالباقي تحت العام بعد التخصيص المرأة المعلوم عدم قرشيتها، و التي لم يثبت انتسابها إلى قريش، فأصالة عدم الانتساب إليه تثبت فردية هذه المرأة للعام،فتصير محكومة بحكمه، فعلى هذا المبنى لا يقيد العام بقيد عدمي إذا كان الخاصّ أمراً وجودياً، كقوله: «إلّا أن تكون امرأة من قريش»، و لا يقيد بقيد وجودي إذا كان الخاصّ أمراً عدمياً، كقوله: «أكرم العلماء غير الفساق». و الحاصل: أن التخصيص مطلقاً من المتصل و المنفصل و اللفظي و اللبي لا يوجب تعنون العام.

لکن فيه, اولا: ان هذا المبنی غير سديد عند جل المحققين، و أن الصحيح هو تعنونه بعنوان وجودي أو عدمي حسب اختلاف الخاصّ إيجاباً و سلباً. و الوجه في ذلك: أن أوصاف العام قائمة به قبل ورود الحكم عليه، حيث انه قبل الحكم عليه ينقسم إلى تلك الأوصاف، بحيث يصح أن يقال: «العلماء اما هاشميون و اما غيرهم و اما فقهاء و اما غيرهم» فإذا ورد على العام حكم، فان كان لتلك الأوصاف دخل في ذلك الحكم كان

ص: 331

لها دخل في الموضوع لا محالة، بحيث يصير الموضوع مركباً من العام و وصفه كالعلماء العدول.

و ان لم يكن لتلك الأوصاف دخل في الحكم، بأن يكون تمام الموضوع نفس طبيعة العالم كان الموضوع بسيطاً غير ملحوظ معه شي ء من الأوصاف القائمة به.

فالنتيجة: أن دخل الوصف في الحكم يوجب خروج الموصوف عن كونه تمام الموضوع إلى جزء الموضوع، فالعالم إذا لوحظ مع العدالة موضوعاً لوجوب الإكرام، فلا محالة يصير «العالم العادل» موضوعاً له، و تنقلب بساطة الموضوع إلى التركب، و لا نعني من تعنون العام الّا هذا, و التفريق بين الوصف و الاستثناء کما قال: «بأنّ الأوّل ينوِّع دون الثاني تفريق» بلا وجه، لأنّ العرف لا يفرّق بين قولنا: أكرم العلماء غير الفسّاق، و قولنا: أكرم العلماء إلّا الفسّاق، و التفريق بينهما بكون المخصص وصفاً في الأوّل و منوِّعاً للموضوع إلى فاسق و غير فاسق دون الثاني فانّ دوره الإخراج لا التنويع، بعيد عن الأذهان العرفية.

و ثانيا: انّ استصحاب العدم الأزلي ليس مصداقاً عرفياً للاستصحاب، و ظواهر الكلام حجّة في المصاديق العرفية لا المصاديق العقلية الدقيقة كما في المقام علی فرض صحتها.

التفصيل بين القيد المقسِّم و المقارن

فصل المحقّق النائيني بين القيد المقسِّم و القيد المقارن، فنفى حجّية الأصل الأزلي في الأوّل و أثبت حجّيته في الثاني، و بذلك صار مفصِّلاً في حجّية الأصل الأزلي لا مثبتاً مطلقاً كالمحقّق الخراساني و لا نافياً كغيره.

ص: 332

و مراده من القيد المقسِّم و المقارن هو انه إذا كان القيد قائماً بالموضوع، مقسِّماً له بالذات أو حسب الوصف إلى قسمين، كتقسيم القرشية و النبطية، و المرأةَ إلى قسمين، فيقال: قرشية و غير قرشية، نبطية و غير نبطية، فهذا ما نسمّيه بالقيد المقسِّم، و يشترط فيه قيامه بالموضوع على نحو يجعل الموضوع قسمين.

و أمّا إذا كان القيد جوهراً قائماً بنفسه، كوجود زيد، أو عرضاً قائماً بموضوع آخر لا بموضوع العام فهذا ما نسمّيه بالقيد المقارن، و ذلك كما إذا قال: أكرم العالم عند وجود زيد، أو قال: أكرم العالم عند مجي ء زيد، فوجود زيد جوهر قائم بنفسه لا بالعارض، كما أنّ مجيئه قائم بزيد لا بموضوع الحكم (العالم) و لأجل ذلك يعدّ الكلّ من المقارنات الاتفاقية أو الدائمية.

و حاصل ما أفاده من الوجه في التفريق بين المقسِّم و المقارن هو: انّه إذا كان القيد وصفاً للموضوع، قائماً به قياماً ذاتياً كالقرشية، أو عرضياً كالفسق، يكون الموضوع موصوفاً بالقيد، وجوداً و عدماً كقولنا المرأة غير القرشية ترى الدم إلى ستين، و المرأة غير القرشية ترى الدم إلى خمسين.

و من المعلوم أنّ الموصوف لم يتعلّق به اليقين، فانّ المرأة إمّا تتولد قرشية أو غير قرشية، فليس هنا قضية متيقّنة و قضية مشكوكة، بل هي مشكوكة من أوّل الأمر.

و استصحاب العدم المحمولي، أي عدم القرشية من دون مضاف إلى مرأة معيّنة، لا يثبت أنّ هذه المرأة غير قرشية.

و هذا بخلاف ما إذا كان القيد جوهراً مستقلًا قائماً بنفسه أو عرضاً لكن غير قائم بموضوع القضية، فانّ الجزء الثاني بحكم انّه جوهر أو قائم بغير موضوع القضية لا يقع وصفاً

ص: 333

للموضوع، و ليس له شأن سوى اجتماعهما في عمود الزمان، فمجرّد إحراز اجتماعهما في فترة من الزمان يكفي في ترتّب الأثر، سواء أ كان الإحراز بالوجدان أم بالأصل(1).

و فيه: انّ ما ادعاه - من جواز أخذ شيئين مختلفين في القيود المقارنة موضوعاً لحكم واحد و إن لم يكن بينهما علاقة و ارتباط - لا يساعده الدليل, و ذلك لأنّ وحدة الحكم كاشفة عن وحدة الموضوع، و وحدة الموضوع تابعة لوجود رابط بين الجزأين حتّى يجعله موضوعاً و مركّباً واحداً حتی يصلح للوقوع موضوعاً لحكم واحد، و إلّا فالشيئان المختلفان الفاقدان للوحدة و الربط كيف يمكن أن يقعا موضوعاً لحكم واحد؟!

هذا و ما اختاره من جريان الأصل في القيود المقارنة دون المقسّمة مبني على إنكار لزوم الوحدة في الموضوع و لو وحدة عرفية فعندئذ يمكن إحراز أحد الجزأين بالوجدان و الآخر بالأصل، و لكنّك عرفت أنّ الحكم و الإرادة الواحدة يتطلبان شيئاً واحداً و وحدة عرفية في الموضوع.

نظرية المحقّق الخوئي

ثم إنّ المحقّق الخوئي لمّا لم يرتض تفصيل أُستاذه بين القيد المقسِّم و القيد المقارن ذهب إلى حجّية استصحاب العدم الأزلي وفاقاً للمحقّق الخراساني لكن ببيان آخر, فقال: إنّ الحكم الثابت للموضوع المقيّد بما هو مفاد كان الناقصة (إلّا القرشية) إنّما يكون ارتفاعه (في جانب المستثنى منه) بعدم اتصاف الذات بذلك القيد على نحو مفاد السالبة المحصلة من دون أن يتوقّف ذلك باتّصاف الذات بعدم ذلك القيد على نحو مفاد ليس الناقصة، فمفاد قضية «المرأة تحيض إلى خمسين إلّا القرشية» و إن كان هو اعتبار وصف

ص: 334


1- أجود التقريرات، ج 1، ص: 462

القرشية على وجه النعتية في موضوع الحكم بتحيض القرشية بعد الخمسين إلّا أنّه لا يستدعي أخذ عدم القرشية في موضوع عدم الحكم بتحيض المرأة بعد الخمسين على وجه النعتية، أعني به مفاد ليس الناقصة و إنّما يستدعي أخذ عدم القرشية في ذلك الموضوع على نحو السالبة المحصلة، و كلّ مرأة لا تكون متصفة بالقرشية باقية تحت العام و إنّما الخارج خصوص المتصفة بالقرشية لا انّ الباقي بعد التخصيص هو المرأة المتصفة بعدم القرشية، فإذا شكّ في كون المرأة قرشية لم يكن مانع من التمسّك باستصحاب عدم القرشية الثابت لها قبل ولادة تلك المرأة في الخارج(1).

و اجيب :

أوّلاً: أنّ ما أفاده في جانب المستثنى في غاية المتانة، إنّما الكلام فيما أفاده في جانب المستثنى منه، فقد سبق انّ الباقي تحت العام يتصوّر على أنحاء ثلاثة:

1. الموجبة المعدولة: المرأة غير القرشية تحيض إلى خمسين.

2. الموجبة السالبة المحمول: المرأة التي هي ليست بقرشية تحيض إلى خمسين.

3. السالبة المحصلة: إذا لم تكن المرأة قرشية تحيض إلى خمسين.

و الأوّلان رهن وجود الموضوع، إذ الوصف الوجودي (غير القرشية) أو (هي التي ليست بقرشية) لا ينفك عن وجود الموصوف بخلاف الثالث فانّه يصدق حتّى مع عدم الموضوع و لكن الكلام في تشخيص انّ الباقي تحت العام ما هو؟! فإن كان الموضوع من قبيل الأوّلين فلا يجري الاستصحاب لعدم الحالة السابقة، و إن كان من قبيل الثالث يجري الاستصحاب لوجودها إلّا أنّ المحمول أعني قوله: «ترى أو تحيض» قرينة على أنّ الباقي تحت العام هو القسمان الأوّلان ضرورة انّ الحكم الإيجابي «ترى أو تحيض»

ص: 335


1- تعاليق أجود التقريرات: 468/ 1 469. و لاحظ المحاضرات: 332/ 5 336.

رهن وجود الموضوع، قال التفتازاني في منطق التهذيب: فلا بدّ في الموجبة من وجود الموضوع إمّا محقّقاً و هي الخارجية، أو مقدراً فهي الحقيقية، أو ذهنياً فهي الذهنية(1).

و بالجملة نحن نستكشف من الحكم على أنّ الموضوع هو القسم الأوّل و الثاني اللذان لا يصدقان إلّا على المرأة الخارجية(2).

اقول: لا يخفی ان المثالين المذکورين للقسم الثاني و القسم الثالث اي: «الموجبة السالبة المحمول: المرأة التي هي ليست بقرشية تحيض إلى خمسين. و السالبة المحصلة: إذا لم تكن المرأة قرشية تحيض إلى خمسين» ليسا بصحيحين, فان الثاني منهما من معدولة الموضوع و ليست بالسالبة المحمول فانها عبارة اخری عن «المرأة غير القرشية تحيض...» و عليه فهي ترجع الی القسم الاول, و الثالث منهما ليس من السالبة بل من الموجبة المحصلة فهي عبارة اخری عن «المرأة - ان لم تکن قرشية - تحيض إلى خمسين» و هي حکمها حکم الصورة الاولی و يتوقف الحکم فيهما علی وجود الموضوع .

و ثانياً: نجيب عنه بما افاده المحقق البروجردي حيث قال: «الظاهر عدم صحة استصحاب العدم الأزلي بكلا قسميه (اي النعتي و المحمولي)، و انصراف «لا تنقض» عن مثل هذا الاستصحاب فإن الّذي يراد استصحابه في المقام ليس نفسعدم الانتساب، بل عدم انتساب هذه المرأة، و الهذية إنما تعتبر عند وجود المشار إليه، و لا هذية للمرأة المعدومة فلا عرفية لهذا الاستصحاب، و تكون الأدلة منصرفة عنه. و إن شئت قلت: إن عدم المحمول في حال وجود الموضوع يعتبر بنظر العرف مغايرا للعدم الّذي يفرض في حال عدم الموضوع، فإن الموضوع للأول أمر يمكن أن يشار إليه بهذا، دون الثاني، ففي

ص: 336


1- الحاشية على تهذيب المنطق: 58 ، ط مؤسسة النشر الإسلامي .
2- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 546 .

الحقيقة ليس لنا متيقن مشكوك البقاء حتى يستصحب، فتبين مما ذكرنا: أن استصحاب العدم الأزلي من الأمور المخترعة في المدرسة، و لا أساس له عند العرف و العقلاء، فافهم»(1), و حاصله: ان المراد من العدم - حتی علی فرض کون الموضوع مرکبا و کون العدم محموليا - ليس هو العدم المطلق اي عدم الاتصاف بالقرشية, بل المراد عدم اتصاف المرأة بالقرشية و هذا العدم لا مصداق له قبل وجود المرأة في الخارج بالنظر العرفي فلا حالة سابقة له حتی يستصحب .

ما هو المرجع إذا لم يكن الأصل العدمي حجّة؟

قد عرفت أنّ العام لا يحتجّ به في الشبهة المصداقية للمخصص، لأنّ الموضوع مركّب من عنوان العام و عدم عنوان المخصص و الجزء الأوّل و إن كان محرزاً لكن الثاني ليس بمحرز.

كما أنّ أصل العدم الأزلي لا يحتجّ به على بقاء المشتبه تحت العام لما تقدم و عليه فيبقی الكلام في تعيين المرجع بعد قصور اليد عن العام و الأصل العدمي، فنقول:

إنّ المرجع هو الأُصول العملية: الاستصحاب و التخيير و الاشتغال و البراءة و هي تختلف حسب اختلاف الموارد، و إليك الأمثلة.

أمّا الأوّل أعني الاستصحاب: فلو أقام إنسان في بلد متردداً في الإقامة و شكّ في أنّ هذا اليوم يوم الثلاثين أو يوم التاسع و العشرين، فعلى الأوّل يتمّ بعد انقضاء ذلك اليوم و على الثاني يقصر يوم الشكّ و بعده ثمّ يتم، فالمرجع هو استصحاب وجوب القصر إلى أن يحصل اليقين بأنّه أقام في ذلك البلد ثلاثين يوماً.

ص: 337


1- نهاية الأصول، ص: 338 .

و أمّا الثاني أعني التخيير: فكما إذا قال المولى: يجب إكرام العلماء ثمّ قال: يحرم إكرام فسّاق العلماء، فالفرد المشتبه بما انّه يحتمل بقاؤه تحت العام يجب إكرامهكما يحتمل خروجه عن تحته و دخوله تحت المخصص فيحرم، فيدور الأمر بين المحذورين فيتخير.

و أمّا الثالث أعني الاشتغال: كالمرأة المرددة بين القرشية و غيرها، فإذا رأت الدم بعد الخمسين فيتردد أمر الدم بين كونه دم استحاضة أو دم حيض فتجمع بين الوظيفتين.

أمّا الرابع أعني البراءة: فكما إذا قال: يجب إكرام العلماء ثمّ قال: لا يجب إكرام فسّاق العلماء، فالفرد المشتبه مردد بين وجوب الإكرام و عدمه فتجري البراءة.

الفصل السابع: التمسك بالعام في غير الشك في التخصيص

قال في الکفاية تبعا لما في تقريرات الشيخ: «ربما يظهر عن بعضهم التمسك بالعمومات فيما إذا شك في فرد لا من جهة احتمال التخصيص بل من جهة أخرى كما إذا شك في صحة الوضوء أو الغسل بمائع مضاف فيستكشف صحته بعموم مثل أوفوا بالنذور فيما إذا وقع متعلقا للنذر بأن يقال وجب الإتيان بهذا الوضوء وفاء للنذر للعموم و كل ما يجب الوفاء به لا محالة يكون صحيحا للقطع بأنه لو لا صحته لما وجب الوفاء به و ربما يؤيد ذلك بما ورد من صحة الإحرام و الصيام قبل الميقات (1) و في السفر(2) إذا تعلق بهما النذر(3).

ص: 338


1- التهذيب 5/ 53، الاحاديث 8 الى 10 من باب 6 المواقيت؛ الاستبصار 2/ 161 الاحايث 8 الى 10 من باب 93 من أحرم قبل الميقات .
2- التهذيب 4/ 235 الحديث 63 و 64 ؛ باب 57 حكم المسافر و المريض في الصيام.
3- كفاية الأصول، ص: 223 .

ثم اجاب عن هذا الاشکال فقال: «و التحقيق أن يقال إنه لا مجال لتوهم الاستدلال بالعمومات المتكفلة لأحكام العناوين الثانوية فيما شك من غير جهة تخصيصها إذا أخذ في موضوعاتها أحد الأحكام المتعلقة بالأفعال بعناوينها الأولية كما هو الحال في وجوب إطاعة الوالد و الوفاء بالنذر و شبهه في الأمور المباحة أو الراجحة ضرورة أنه معه لا يكاد يتوهم عاقل إذا شك في رجحان شي ء أو حليتهجواز التمسك بعموم دليل وجوب الإطاعة أو الوفاء في رجحانه أو حليته»(1), و توضيح ما قال أن الحكم الشرعي الثابت لموضوعه لا يخلو عن ثلاثة أقسام:

الأول: أن يكون ثابتاً للشي ء بعنوانه الأولي الذاتي، كالإباحة الثابتة لعنوان الماء و الحنطة و التمر و اللحم و نحوها من العناوين الذاتيّة.

الثاني: أن يكون ثابتاً للشي ء بعنوانه الثانوي، بأن يكون ثابتاً له لتعنونه بعنوان خارج عن ذاته، لكن بشرط ثبوت حكم خاص لهذا الشي ء بعنوانه الأولي كالصوم، فان الوجوب قد ثبت له بعنوان ثانوي- كالنذر- خارج عن ذاته، لكن هذا الوجوب انما يثبت له بعنوانه الثانوي إذا كان بعنوانه الأولي أي بما هو صوم راجحاً، و كصلاة الليل، أو التصدق على الفقراء، و نحوهما من الأفعال الراجحة بعناوينها الأولية، حيث انها تجب بعد طرو العناوين الثانوية- كالنذر- عليها. و كالوجوب الثابت للفعل بعنوان ثانوي، كإطاعة الوالد بشرط كون الفعل الّذي أمر به الوالد مباحاً بعنوانه الأولي.

ص: 339


1- كفاية الأصول، ص: 223 .

الثالث: أن يكون الحكم ثابتاً له بعنوانه الثانوي مطلقاً، أي بدون أن يكون ثبوت الحكم لهذا الشي ء بعنوانه الثانوي مشروطاً بثبوت حكم خاص له بعنوانه الأولي، كالحرمة الثابتة للغنم بعنوان كونها موطوءة، فان ثبوتها لها بهذا العنوان غير مشروط بثبوت الإباحة مثلا لها بعنوانها الذاتي الأولي، يعني لم تؤخذ الإباحة للغنم بعنوانها الأولي شرطاً في ترتب الحرمة عليها بعنوانها الثانوي- و هو كونها موطوءة- بل الحرمة تترتب عليها إذا صارت موطوءة و ان فرض عدم ثبوت أي حكم شرعي لها بعنوانها الأولي، أي قبل صيرورتها موطوءة.

و عليه فلا مجال للتمسك بالعموم في القسم الثاني ، لرجوع الشك فيه إلى الشك في ثبوت عنوان العام، لا في حكمه، حتى يصح التمسك بعمومه لإثبات الحكم للفرد المشكوك فيه، كالشك في عالمية زيد، فان من الواضح عدم جواز التمسك بعموم «أكرم العلماء» لإثبات عالميته. ففي المقام يكون رجحان المنذور في نفسه دخيلا في موضوع وجوب الوفاء بالنذر، بحيث يصير نذر الراجح موضوعاً له، فإذا شك في كون المنذور راجحاً في نفسه امتنع التمسك بدليل وجوب الوفاءبالنذر، لأن الشك يكون في الموضوع و هو كون هذا النذر نذر لراجح، و يمتنع إحراز الموضوع به. و عليه فإذا شك في صحة الوضوء بالمضاف الّذي تعلق به النذر امتنع إثباتها بدليل وجوب الوفاء بالنذر، لكون الشك في الموضوع- و هو أن نذره نذر لراجح أولا- فان من المعلوم أن دليل الحكم لا يثبت موضوعه. و كذا الحال في وجوب في وجوب اطاعة الوالد فان إطاعة الوالد لا تجب مطلقاً، بل هي مشروطة بكون ما أمر به الوالد بعنوانه الأولي مباحاً أو غير حرام، فإذا شك في إباحته امتنع التمسك بدليل وجوب إطاعة الوالد لإحراز إباحته، لأن الشك انما هو في موضوع الدليل لا حكمه.

ص: 340

و هذا بخلاف القسم الثالث فانه يجوز التمسک بالعام کما قال: «نعم لا بأس بالتمسك به في جوازه بعد إحراز التمكن منه و القدرة عليه فيما لم يؤخذ في موضوعاتها حكم أصلا فإذا شك في جوازه صح التمسك بعموم دليلها في الحكم بجوازها(1), و حاصله: أنه لا مانع من التمسك بعموم الدليل في إثبات جواز الشي ء بعد إحراز القدرة عليه في القسم الثالث، و هو ما إذا كان الحكم ثابتاً للشي ء بعنوانه الثانوي مطلقاً أي من دون اشتراطه بثبوت حكم خاص له بعنوانه الأولي، كحرمة الفعل الضرري، حيث انها ثابتة للضرر الّذي هو عنوان ثانوي من دون اعتبار حكم خاص للفعل بعنوانه الأولي، فإذا فرضنا عدم دليل على دخل الرجحان في المنذور، أو الإباحة في موضوع وجوب إطاعة الوالد، و شككنا في اعتبارهما فيهما، فلا مانع من التمسك بعموم دليلي وجوب الوفاء بالنذر و إطاعة الوالد لوجوبهما، لكون الشك حينئذ شكاً في التخصيص، فلا مانع من التشبث بعمومهما لنفي اعتبار الرجحان و الإباحة في موضوعي النذر و الإطاعة.

و الحاصل إنّ العناوين الثانوية التي لم يؤخذ في متعلقها حكم من الأحكام المتعلّقة بأفعال المكلّفين کالضرر و الحرج و الإكراه تفارق القسم السابق الذي أخذ في متعلّقه الرجحان أو الإباحة، و لأجل ذلك لو شكّ في جواز الصوم لأجل الضرر يقدّم على حكم العنوان الأوّلي بلا تردد، بخلاف القسم السابق فلا يقدّم إلّا إذا أحرز فيه الرجحان و الإباحة.

و اما الاستدلال علی ذلک او تأييده - بما ورد من صحّة الصيام في السفر و الإحرام قبل الميقات إذا نذر كذلك, أمّا الأوّل کما في صحيح علي بن مهزيار«قال: كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كلّ يوم سبت ... فكتب عليه السلام في الجواب: و

ص: 341


1- كفاية الأصول، ص: 224 .

ليس عليك صومه في سفر و لا مرض إلّا أن تكون نويت ذلك»(1), و أمّا الثاني: فلصحيح الحلبي «قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل جعل للّه عليه شكراً أن يحرم من الكوفة؟ قال: فليحرم من الكوفة و ليفِ للّه بما قال»(2), و موثقي البطائني و ابي بصير- فلا ينهض الا لتصحيح الموردين تعبدا و لا يمکن التعدي عنهما لسائر الموارد لوجوب الوقوف في ما خالف القاعدة علی مورد النص, مضافا الی ان المورد الثاني منهما مما اعرض عنه الاصحاب کما اوضحناه في کتابنا الدرر الفقهية فلا حجية فيه(3).

ثم ان المحقق الخراساني قيّد التمسّك بالقسم الثالث من العناوين الثانوية بشرط آخر، و هو: انّ التمسك بالحرج و الضرر و الإكراه لإثبات جواز الفرد المشكوك مشروط بكون الملاك فيها أقوى من ملاك الحكم الأوّلي، حيث إنّ الخمر و الصيام و الوضوء، محكومة بالعنوان الأوّلي بالحرمة أو الوجوب، و بالعنوان الثانوي بالجواز، فلا يقدّم العنوان الثانوي إلّا إذا كان الملاك في جانب العنوان الثانوي أقوى، و إلّا لم يؤثر أحد العنوانين فيرجع إلى الأُصول كالإباحة, قال في الکفاية: «و إذا كانت محكومة بعناوينها الأولية بغير حكمها بعناوينها الثانوية وقع المزاحمة بين المقتضيين و يؤثر الأقوى منهما لو كان في البين و إلّا لم يؤثر أحدهما و إلّا لزم الترجيح بلا مرجح فليحكم عليه حينئذ بحكم آخر كالإباحة إذا كان أحدهما مقتضيا للوجوب و الآخر للحرمة مثلا»(4).

ص: 342


1- الوسائل: 7 ، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.
2- الوسائل: 8 ، الباب 13 من أبواب المواقيت، الحديث 1، 2، 3.
3- الدرر الفقهية ج5 ص184.
4- كفاية الأصول، ص: 224 .

و فيه: ان ما أفاده في المقام مغاير لما سيأتي منه في البحث عن قاعدة: لا ضرر و لا ضرار, من تقدّم العناوين الثانوية على العناوين الأوّلية مطلقاً و انّ التقديم مقتضى التوفيق العرفي بينهما علی مختاره, ومقتضی الحکومة علی مختار غيره, و هو الصحيح کما سيأتي .

الفصل الثامن: إحراز حال الفرد المشتبه بالأصل اللفظي

و يعبر عن هذا البحث بدوران الامر بين التخصيص و التخصّص, و هل يمكن إثبات الثاني بالتمسّك بأصالة العموم أم لا؟ و للمسألة صورتان:

الصورة الأُولى: إذا ورد قوله: أكرم العلماء، و علم من الخارج حرمة إكرام زيد، و دار الأمر بين كونه جاهلاً فيكون الخروج تخصّصاً، أو عالماً فيكون الخروج تخصيصاً، فهل يصحّ التمسّك بأصالة العموم و إثبات انّ الخروج تخصّصي و انّ زيداً جاهل لا عالم، فلو وقع الجاهل في لسان الدليل موضوعاً للأثر الشرعي يترتب عليه ذلك الأثر بفضل أصالة العموم؟

ذهب الشيخ الأعظم في تقريراته إلى جواز التمسك قائلاً «بأنّ مقتضى العام: كلّ عالم يجب إكرامه، و ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كلّ من لا يجب إكرامه ليس بعالم و هو المطلوب, و على ذلك جرى ديدنهم في الاستدلالات الفقهية، كاستدلالهم على طهارة الغسالة على أنها لا تنجس المحل فان كانت نجساً غير منجس يلزم تخصيص قولنا: كل نجس منجس»(1), فان أصالة عدم تخصيص عموم هذه القاعدة تثبت عدم فردية الغسالة للمتنجس، فتكون طاهرة.

ص: 343


1- مطارح الأنظار: 200.

و بالجملة، فبأصالة عدم التخصيص يحرز عدم فردية المشتبه للعام، و كون خروجه عنه بالتخصص، فيترتب عليه أحكام الضد، كالجاهل في المثال.

و أما بناء على تخصيص العام، و إخراج المشتبه منه حكماً مع بقائه فيه موضوعاً، فيمكن أن يحكم عليه بسائر أحكام العام، كما إذا فرضنا أن للعلماء أحكاما غير وجوب الإكرام، فإذا أخرجنا زيداً عنه بقولنا: «لا تكرم زيداً» فقد خرج عن وجوب الإكرام فقط، و أما سائر أحكام العام فهي ثابتة له.

و فيه: ما أشکل عليه المحقّق الخراساني بقوله: «لاحتمال اختصاص حجيتها بما إذا شك في كون فرد العام محكوما بحكمه كما هو قضية عمومه و المثبت من الأصول اللفظية و إن كان حجة إلّا أنه لا بد من الاقتصار على ما يساعد عليه الدليل و لا دليل هاهنا إلّا السيرة و بناء العقلاء و لم يعلم استقرار بنائهم على ذلك فلا تغفل(1), توضيحه: انّ القدر المتيقّن من الأصل الرائج بين العقلاء هو الاحتجاج بها عند الشكّ في المراد كما إذا ورد العام و شكّ في خروج فرد منه و عدمه، فتجري أصالة العموم و تثبت تعلّق الإرادة الجدية به بعد تعلّق الإرادة الاستعمالية به قطعاً.

و أمّا إذا علم المراد، و انّ زيداً على كلّ تقدير غير واجب الإكرام لكن شكّ في أمر آخر، و هو هل انّه جاهل فيكون خروجه تخصّصاً، أو عالم فيكون خروجه تخصيصيّاً؟ ففي مثله لا يحتجّ بأصالة العموم، و ذلك لانّها أصل اعتبر لاحتجاج المولى على العبد، و الصالح له، هو ما إذا كان الشكّ في المراد، لا في كيفية الإرادة من أنّها تخصيصية أو تخصّصية، إذ لا صلة لهذا بمقام الاحتجاج.

الصورة الثانية للمسألة:

ص: 344


1- كفاية الأُصول: ص226.

إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم زيداً، و دار الأمر بين كون المراد، هو زيد العالم أو زيد الجاهل، فالظاهر صحّة التمسك بأصالة العموم و انّه لم يخصص، فيترتب عليه انّ الخارج هو زيد الجاهل، و أمّا زيد العالم فيجب إكرامه.

و ما ذلك إلّا لأنّ الشكّ في هذه الصورة في المراد، فهل هو زيد العالم أو زيد الجاهل فهما شخصان؟

و قد ذهب الشيخ الأعظم إلى حجّية الأصل المذكور في كلّ من الصورتين مع وضوح الفرق بينهما، لأنّ الشكّ في الصورة الأُولى في كيفية الإرادة لا المراد، و أمّا الصورة الثانية فالشك و مركزه هو المراد و انّ أيّاً من الرجلين خرج عن تحت العام، إذ لو كان الخروج من باب التخصيص يحرم أو لا يجب إكرام زيد العالم، بخلاف ما لو كان الخروج تخصّصياً فيجب إكرامه.

الفصل التاسع: لزوم الفحص عن المخصّص

تحرير محل النزاع:

المقصود في المقام وجوب الفحص عن المخصص و عدم وجوبه، بعد الفراغ عن حجية ظهوره في العموم من باب الظن النوعيّ للمشافهين و غيرهم ما لم يعلم بتخصيصه تفصيلا، و لم يكن من أطراف ما علم بتخصيصه إجمالا، حتى يكون الموجب للفحص عن المخصص, و ليس المقصود الشک في حجية ظهوره في العموم کما هو مقتضی استدلال بعض النافين لجواز التمسك بالعامّ قبل الفحص عن المخصص من عدم حصول

ص: 345

الظن بالمراد الّا بعد الفحص، و قد حكاه صاحب الوافية عن بعض كما قيل(1). و استدلال بعضهم الاخر بأنه لا دليل علىحجية أصالة العموم بالنسبة إلى غير المشافه و غير المقصود بالإفهام، و هذا منسوب إلى المحقق القمي(2). و بعضهم بالعلم الإجمالي بورود مخصصات بين الأمارات الشرعية(3)، و مع هذا العلم لا يمكن التشبث بالعموم، لسقوط أصالة العموم حينئذ الّا بعد انحلال العلم الإجمالي بالظفر بمخصصات بمقدار المعلوم بالإجمال.

اقول: الّا انه من اللازم البحث عنه من کلا الجهتين, فنقول: قد جرت سيرة الفقهاء على عدم جواز التمسك بالعام قبل الفحص عن المخصّص و اليأس عن الظفر به، مثلاً: لا يجوز التمسّك بقوله سبحانه: ﴿وَ حَرَّمَ الرِّبا﴾(4) إلّا بعد الفحص عن مخصّصه، كجواز الربا بين الزوج و الزوجة و الوالد و الولد، أو لا يجوز التمسّك بقوله سبحانه: ﴿وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً﴾(5) قبل الفحص عن مخصصه، كلزوم الإتمام لكثير السفر، أو لمن حرم سفره، أو أقام عشرة أيام في مكان، و غير ذلك.

و أوّل من طرح المسألة هو ابن سريج في أوائل القرن الرابع و خالفه تلميذه أبو بكر الصيرفي حيث استشكل على الأُستاذ بأنّه لو وجب الفحص عن المخصّص في التمسّك

ص: 346


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 569
2- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 569
3- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 569
4- البقرة: 275.
5- النساء: 101.

بالعام وجب الفحص عن قرينة المجاز عند الحمل على الحقيقة(1)، و سيأتي الجواب عما قال, فإذا كان الفحص عن المخصص أمراً متفقاً عليه، يقع الكلام فيما هو الوجه لاتّفاق العلماء على هذا الأصل، و قد ذكروا هنا وجوهاً ثلاثة:

الأوّل: وقوع العام في معرض التخصيص

قال المحقق الخراساني: « التحقيق عدم جواز التمسك به قبل الفحص فيما إذا كان في معرض التخصيص كما هو الحال في عمومات الكتاب و السنة و ذلك لأجلأنه لو لا القطع باستقرار سيرة العقلاء على عدم العمل به قبله فلا أقل من الشك كيف و قد ادعي الإجماع على عدم جوازه فضلا عن نفي الخلاف عنه و هو كاف في عدم الجواز كما لا يخفى.

و أما إذا لم يكن العام كذلك كما هو الحال في غالب العمومات الواقعة في ألسنة أهل المحاورات فلا شبهة في أن السيرة على العمل به بلا فحص عن مخصص»(2), و حاصله: أن العام تارة يكون في معرض التخصيص، و أخرى لا يكون كذلك. فعلى الأول لا وجه للتمسك بأصالة العموم فيه قبل الفحص عن المخصص، إذ لم يثبت بناء العقلاء الّذي هو دليل حجية هذه الأصالة على جريانها قبل الفحص فيما إذا كان العام في معرض التخصيص، و لا أقل من الشك في جريانها، فيشك حينئذ في اعتبارها، و هو كاف في عدم حجيتها, و من الاول عمومات الکتاب و السنة حيث ان الغالب تخصيص عموماتها،

ص: 347


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، هامش ص: 568
2- كفاية الأُصول: ص226.

و اعتماد الشارع في بيان مراده على القرائن المنفصلة، و مع هذه الغلبة و الاعتماد لا يبقى وثوق بإرادة العموم و عدم تخصيصه، بحيث يوجب ذلك تزلزل حجية أصالة العموم قبل الفحص لأن دليل حجيتها بناء العقلاء، و هو من الأدلة اللبية التي لا بد من الأخذ بما هو المتيقن منها، ففي المقام لا تجري أصالة العموم قبل الفحص.

و اما الثاني فلا ينبغي الإشكال في جواز التمسك بالعامّ قبل الفحص لاستقرار سيرة العقلاء عليه، إذ المفروض كون الغالب تعلق إرادات المتكلمين بنفس العمومات من دون تخصيص لها.

قلت: و کذلک المخصّص المتصل فلا يجب الفحص عنه، لأنّ سقوطه عن الكلام عمداً ينافي وثاقة الراوي، و سهواً يخالف الأصل العقلائي المجمع عليه من أصالة عدم السهو في النقل.

و حصيلة الكلام: انّ الواجب على المولى هو بيان التكاليف على النحو الذي لو تفحص عنه العبد لوجدها و لا يجب على المولى إيصال التكاليف إلى العبد مباشرة من دون حاجة إلى الفحص و البحث.

اقول: و الامر کما قاله صاحب الکفاية لکن من الجهة الاولی يعني بعد الفراغ عن حجية العام, و اما الجهة الثانية فسيأتي البحث عنها.

الثاني: الظن الشخصي بالتكليف رهن الفحص

إنّ الظن الشخصي بالمراد الجدي لا يحصل قبل الفحص عن المخصّص، فلا بدّ من الفحص حتّى يحصل الظن الشخصي بالمراد، و يمتثل.

ص: 348

و فيه, أوّلًا: بأنّ كون العام في مظان التخصيص كاف في لزوم الفحص من دون حاجة إلى إثبات أنّ الظنّ الشخصي رهن الفحص، و من المعلوم أنّ الأوّل أقلّ مؤونة من الثاني.

و ثانياً: أنّ مناط حجّية الظواهر ليس هو الظنّ الشخصي، بل مناطه عند المشهور الظن النوعي عند مشهور الأُصوليّين؛ أو الوثوق بالمراد کما هو المختار, و على كلا التقديرين لا محيص من الفحص.

أمّا الأوّل فانّ حصول الظن النوعي رهن الفحص عن المخصص إذا كان ديدن المولى على فصل المخصص عن العام.

و أمّا الثاني فانّ الوثوق لا يحرز الّا بالفحص عن المخصص.

الثالث: وجود العلم الإجمالي بالمخصّص

إنّ العلم الإجمالي بالمخصّص يمنع عن جريان الأصل اللفظي، كما أنّه يمنع عن جريان الأصل العملي، فكما لا تجري أصالة الطهارة في الإنائين المشتبهين فهكذا لا تجري أصالة العموم في عمومات الكتاب و السنّة، و الجامع وجود العلم الإجمالي بالتكليف المخالف لمقتضى الأصل.

اقول: و هذا الدليل لا علاقة له بالجهة الاولی بل حتی لو فرضنا ان العام حجة فالعلم الاجمالي مانع من العمل به, و هو الحق فانّ الواجب على المولى هو بيان التكاليف على النحو الذي لو تفحص عنه العبد لوجدها و لا يجب على المولى إيصال التكاليف إلى العبد مباشرة من دون حاجة إلى الفحص و البحث, و عليه فيحکم العقل بالفحص عن المخصص لمجرد احتماله و لا يفرق فيه هنا بين کون العام في معرض التخصيص او لا يکون في معرضه.

ص: 349

و قد يقال بوجوب الفحص لبناء العقلاء علی ذلک کما لو راجع احد الناس من المدعين لحق لصاحب الدفتر و کان صاحب الدفتر من دأبه تثبيت جميع ديونه في دفتره فهو ملزم بالفحص عما فيه و لا مجال لجريان البراءة عن اشتغال الذمة بدون الفحص . و فيه: ان بناء العقلاء علی الفحص في المقام لنکتة عقلية و هي حکم العقل بذلک .

و اورد علی اصل الاستدلال بالعلم الاجمالي باشکالات ثلاثة مرجعها الی انحلال العلم الاجمالي و عدم وجوب الفحص, الّا انه قد عرفت انه يجب الفحص حتی مع انحلال العلم الاجمالي لحکم العقل بذلک و عليه فلا ثمرة في هذه الاشکالات, لکنّا نذکرها مع جوابها و هي:

الاول: بانه لو كان المناط هو وجود العلم الإجمالي بالمخصص لزم إيقاف الفحص إذا ظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال، مثلًا نفترض أنّه لو علم بأنّ في الشريعة الإسلامية حوالي خمسين مخصصاً فأخذ بالفحص في أحاديث الكافي فظفر بهذا المقدار، تفصيلًا، فلازم ذلك الحال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بوجود مخصصات قطعية في كتاب الكافي و شك بدويّ في غيره و نتيجة الانحلال عدم وجوب الفحص عندئذ في كتابي: الفقيه و التهذيب، مع أنّ سيرة العلماء هو الفحص في الجميع.

و ردّ: بأنّه إذا ظفر بالمقدار المعلوم إجمالًا بمجرد مطالعة الكافي يُكشف له بطلان العلم الأوّل، أعني: كون المخصص حوالي خمسين رواية، بل يحصل له العلم بسعة دائرة العلم الإجمالي بوجود مخصّصات أُخرى في كتابي: الفقيه و التهذيب، فيكون الميزان هو وجود العلم الإجمالي أيضاً و انحلاله.

و اجاب عن الاشکال المحقّق النائيني بوجه آخر فقال:

ص: 350

إنّ المعلوم بالإجمال تارة يكون مرسلًا غير معلّم بعلامة، و أُخرى معلّماً بعلامة و انحلال العلم الإجمالي بالعثور على المقدار المتيقّن إنّما يكون في القسم الأوّل، لأنّ منشأ العلم فيه هو ضم قضية مشكوكة إلى قضية متيقّنة، كما إذا علم بأنّه مديون لزيد و تردد الدين بين أن يكون خمسة دنانير أو عشرة، و أمّا القسم الثاني فلا ينحلّ به، بل حاله حال دوران الأمر بين المتباينين، و لا انحلال في مثله لعدم الرجوع إلى العلم بالأقل، و الشكّ في الأكثر من أوّل الأمر، بل يتعلّق العلم بجميع الأطراف بحيث لو كان الأكثر واجباً لكان ممّا تعلّق به العلم و تنجز بسببه و ليس الأكثر مشكوكاً فيه من أوّل الأمر(1).

و اجيب: بأنّه لو كان العنوان المتعلّق بالعلم الذي يعبّر عنه المحقّق النائيني بالعلامة، ذا أثر شرعي لكان لما ذكره وجه، كما إذا تعلّق العلم الإجمالي بوجود خمسة شياه موطوءة في قطيع غنم، فقامت البيّنة على حرمة أكل خمسة شياه معينة، فهذا النحو من العلم التفصيلي لا ينحل به العلم الإجمالي، بل يجب الاجتناب عن الجميع أيضاً، و ذلك لأنّ المعلوم بالإجمال كان معنوناً بعنوان الموطوءة، و لكنّ البيّنة قامت على مجرّد حرمة أكلها، و هي أعمّ من كونها موطوءة. و أمّا إذا كان العنوان فاقداً للأثر كما في المقام فلا يجب رعايته. فلا فرق بين القضيتين إحداهما مرسلة و الأُخرى معنونة.

1. إذا علم بأنّه أتلف دنانير لزيد مردّدة بين الخمسة و العشرة، فبما انّ الخمسة معلومة تفصيلًا و الزائد عليها مشكوكة، ينحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي و شكّ بدوي.

2. أتلف الدنانير الموجودة في كيس زيد، و هي مردّدة بين الخمسة و العشرة، فإنّ المعلوم بالإجمال معنون بما في الكيس، لكن ذلك لا يمنع عن الانحلال، لعدم ترتّب الأثر على قوله في الكيس.

ص: 351


1- فوائد الأُصول: 545/ 1.

و نظيره تعلّق العلم الإجمالي في المقام بما في الكتب التي بأيدينا، إذ ليس للقيد بما في الكتب أثر شرعي، و إنّما الأثر الشرعي نفس المخصصات و الكتب ظرف لها(1).

الثاني: انه لو كان الفحص لأجل وجود العلم الإجمالي لزم عدم جواز التمسك بالعام حتّى بعد الفحص لعدم انحلال العلم الإجمالي حتّى بعد المراجعة إلى الكتب التي بأيدينا، سواء كانت معتبرة أم لا، لأنّ العلم بالمخصّصات لا ينحصر فيما بأيدينا من الكتب، بل يعمّ الكتب المؤلفة في عصور الأئمّة التي ضاعت و لم تصل إلينا، كجامع البزنطي المتوفّى عام 221، و نوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى المتوفّى حوالي 290، و غيرهما و معه كيف ينحلّ؟!

و فيه: بما سيوافيك عند البحث في دليل الانسداد انّ ادّعاء العلم الإجمالي بوجود أخبار متضمّنة لأحكام عامّة أو خاصّة في الكتب التالفة مجرد احتمال لا يدعمه دليل، بل المحمدون الثلاثة نقلوا ما في الجوامع الأوّلية إلى كتبهم بنظم و نسق خاص.

الثالث: انّ لازم ذلك الفحص عن كلّ الكتب الموجودة بأيدينا، سواء كانت من المعتبرة أو غير المعتبرة، و سواء كان الكتاب فقهاً أو حديثاً أو أخلاقاً، و من المعلوم أنّ وقت المجتهد لا يسع لهذا المقدار من الفحص.

و فيه: بأنّ دائرة العلم الإجمالي ضيّقة من أوّل الأمر، إذ لا علم لنا بوجود روايات صحيحة متضمنة لأحكام عامة أو خاصة في غير الكتب المعتبرة، بل وجود الروايات فيها مشكوك من أوّل الأمر و ليس طرفاً للعلم الإجمالي.

ص: 352


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 571

هل الفحص عن المخصّص فحص عن المزاحم أو المتمم للحجّية؟

ثم انّ البحث عن المخصص هل هو بحث عمّا يزاحم الحجية، بمعنى انّ العام حجّة تامة لا نقص فيها و انّما نبحث عمّا يزاحم حجّيتها، أو هو فحص عن متمم الحجية بمعنى انّ العام الواقع في مظان التخصيص ليس بحجّة عند العقلاء حتّى يفحص عن مخصصه فيكون عدم المخصص مكمّلاً لحجّية العام.

ذهب المحقّق الخراساني إلى القول الاول و انّ الفحص في المقام فحص عن المزاحم بخلافه في جريان الأُصول العملية. و حاصل کلامه: أن الفحص هنا يكون عن المانع، حيث ان ظهور العام في العموم مقتض للحجية، فان لم يكن مانع- و هو المخصص- كان الظهور المزبور حجة فعلية، فالفحص هنا فحص عما هو مانع عن الحجية, و هناك يكون الفحص في الأصول العقلية محققاً لموضوعها، و هو عدم البيان المأخوذ موضوعاً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، ضرورة أن إحراز عدم البيان موقوف على الفحص، فبدونه لا يحرز موضوع هذه القاعدة حتى يستقل العقل بقبح المؤاخذة على الواقع، فلو فرض أن شرب التتن حرام واقعاً، و قبل الفحص عن الدليل الاجتهادي أجرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و شرب التتن، فانه لا إشكال في استحقاقه العقوبة على المخالفة، فالفحص في الأصل العقلي محقق لموضوعه و هو عدم البيان. و كذا في الأصول العملية الشرعية كأصالة البراءة، فان إطلاق مثل «رفع ما لا يعلمون» قيد إجماعاً بالفحص، بحيث يكون الفحص قيداً لجواز الرجوع إلى الأصل.

ص: 353

فالنتيجة: أن الفحص في الأصول اللفظية ليس دخيلا في المقتضي للحجية حيث ان مقتضيها محرز، و الفحص انما يكون عن مانع الحجية. بخلاف الفحص في الأصول العملية، فانه دخيل في المقتضي للحجية. أما في الأصل العقلي، فلما عرفت من أن الفحص محقق لموضوعه. و أما في الأصل الشرعي فلان الفحص دخيل في قيد موضوعه، إذ ليس عدم العلم بنحو الإطلاق موضوعاً للبراءة الشرعية، و انما موضوعها عدم العلم بعد الفحص، بل الفحص في كل من الأصلالعقلي و الشرعي محقق للموضوع، و هو عدم الحجة و البيان على الحكم الشرعي.

هذا و ذهبا المحقّققان الاصفهانيّ و الخوئيّ إلى أنّ الفحص عن المخصّص في العمومات الّتي تكون في معرض التخصيص فحص عن متمّم الحجّة و عن محقّق الموضوع و نکتفي بعبارة الثاني حيث قال: ان مثل هذه العمومات التي قد علمنا من الخارج انها في معرض التخصيص و ان دأب المتكلم بها انما هو على بيان مراداته الواقعية منها بالقرائن المنفصلة المتأخرة عنها زماناً أو المتقدمة عليها كذلك لا يكون حجة قبل الفحص، لعدم إحراز بناء العقلاء على العمل بها قبله، و بدونه فلا يمكن التمسك بها، حيث ان عمدة الدليل على حجيتها انما هو بناء العقلاء على التمسك بها. و بما اننا لم نحرز البناء منهم بالتمسك بتلك الطائفة من العمومات قبل الفحص عن وجود القرائن على خلافها فلا يمكن الحكم بحجيتها بدونه، فإذاً بطبيعة الحال كان الفحص عن وجود تلك القرائن بالإضافة إلى هذه العمومات متمماً للموضوع و المقتضي للعمل بها و بدونه لا يتم (1).

ص: 354


1- راجع نهاية الدراية 1: 649 ، المحاضرات 5: 272.

و فيه: انه لا يمكن الحكم بحجيتها بدون الفحص, لاجل المانع لا لعدم المقتضي, فما قاله المحقق الخراساني هو الصحيح .

مقدار الفحص

و أمّا مقدار الفحص اللازم فذهب ابن الحاجب إلى ما به يظنّ بعدم المخصّص. و نسب إلى القاضي الباقلانيّ أنّ المقدار اللازم ما به يقطع بعدم المخصّص(1).

و ذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ المقدار اللازم ما به يحصل الاطمئنان و سكون النفس بعدم وجود المخصّص. و تبعه السيّد المحقّق الخوئيّ(2).

و قال المحقق الخراساني: انه تابع لدليل وجوبه، فان كان دليله العلم الإجمالي، فالمقدار الواجب من الفحص ما ينحل به العلم الإجمالي و هو الظفر بمخصصات بمقدار المعلوم بالإجمال حتى يخرج العام من أطراف العلم الإجمالي المانع عن جريان أصالة العموم. و ان كان دليل وجوب الفحص عدم حصول الظن بالمراد قبل الفحص عن المخصص، فالمقدار اللازم منه ما يوجب الظن بعدم التخصيص حتى يحصل الظن بإرادة المتكلم للعام. و ان كان الدليل على وجوبه عدم الدليل على حجية الخطابات لغير المشافهين، فاللازم حينئذ الفحص حتى يقوم الإجماع على الحجية. و ان كان الدليل وقوع العام في

ص: 355


1- راجع منتهى الوصول و الأمل: 144.
2- راجع فوائد الاصول 2: 547- 548، و المحاضرات 5: 250.

مظان التخصيص فيجب الفحص حتّى يخرج العام عن ذلك المظان بالرجوع إلى الكتب الأربعة، أو الوسائل المتضمنة لها و لسبعين كتاباً آخر.

هذا و اعترض المحقّق الخوئي على الاخير و قال: «أنّه لا يرجع إلى معنى محصل، لأنّه بالفحص لا يخرج عن المعرضية، لأنّ الشي ء لا ينقلب عمّا هو عليه»(1).

و فيه: أنّ المراد من المعرضية احتمال وجود مخصص وارد عليه موجود في الكتب الروائية فإذا سبر و لم يجد المخصص ينتفي ذلك الاحتمال و بالتالي يخرج عن المعرضية, و عليه فکلام المحقق الخراساني هو المعتمد .

الفصل العاشر: في الخطابات الشفاهية

هل الخطابات الشفاهية تختص بالحاضرين في محل التخاطب، أو تعمّ غيرهم من الغائبين و المعدومين؟

و المراد بها الكلام المقرون بأداة الخطاب، مثل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام﴾(2), و كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ و نحوهما، فلا تشمل مثل قوله تعالى: ﴿وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ مما لا يكون مقروناً بأداة الخطاب, لكونه قضية حقيقية شاملا لجميع المكلفين من الحاضرينو الغائبين، بل المعدومين، لأن

ص: 356


1- المحاضرات: 272/ 5.
2- البقرة: 183.

شأن القضية الحقيقية فرض وجود الموضوع، و جعل الحكم له من غير فرق في ذلك بين وجود الموضوع فعلا و عدمه.

تحرير محل النزاع:

جعل المحقّق الخراساني مصب النزاع أحد وجوه ثلاثة:

الأول: أن يقال: هل يصح تعلق التكليف الّذي تضمنته الخطابات بالمعدوم كما يصح تعلقه بالموجود أم لا؟

الثاني: أنه هل يصح خطاب المعدومين بالأدوات الموضوعة له، كالنداء و ضمير الخطاب، كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام﴾ و ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم﴾ أو بنفس توجيه الكلام إليهم، أو إلقائه إلى المخاطب بلا اقترانه بأداة الخطاب، كقولك: «قدم الحجاج» في جواب من سألك عن قدومهم.

الثالث: أن الألفاظ العامة مثل «الذين» و «الناس» و نحوهما الواقعة عقيب «يا أيها» هل تعم الغائبين بل المعدومين بالوضع، بحيث لا يحتاج ثبوت التكليف لهم إلى دليل خارجي، كالإجماع على الاشتراك في التكاليف، أم لا تعمهم؟ بقرينة أدوات الخطاب.

و النزاع على الوجهين الأولين عقلي، لأن المرجع في إمكان تعلق التكليف بالمعدوم و امتناعه- كما هو مقتضی الوجه الأول- و كذا إمكان مخاطبة المعدوم و امتناعه.

و على الثالث لغوي، لأن المرجع في عموم معاني الألفاظ و عدمه التي هي المعاني الحقيقية التي لها علائم من التبادر، و عدم صحة السلب، و غيرهما هي اللغة(1), و على كلّ تقدير فلابد من البحث عن هذه الجهات الثلاث.

ص: 357


1- كفاية الأُصول:227.

الجهة الأُولى: في صحّة تكليف المعدوم و عدمها

فنقول: إنّ المحقّق الخراساني صوّرها بوجوه ثلاثة:

الاولی: أن يتوجّه إليه البعث و الزجر الفعليان بأن يكون هناك بعث و زجر، و هذا ما لا يتمشى من الإنسان العاقل، و فيها قال المحقق الخراساني: أنه لا شبهة في عدم صحة تكليف المعدومين عقلا ان أريد بالتكليف البعث أو الزجر الفعلي،فان كلا من البعث أو الزجر سواء كان خارجياً كالدفع إلى الشي ء و المنع عنه، أم اعتبارياً ممتنع. أما الأول، فواضح، لأن الدفع و المنع الخارجيين بدون المدفوع و الممنوع الخارجيين غير معقول. و أما الثاني، فلان البعث و الزجر انما يكونان لإحداث الداعي إلى الفعل أو الترك، و من المعلوم عدم إمكان حصول هذا الداعي للمعدوم. فالنتيجة: أن تكليف المعدوم مطلقاً ممتنع(1).

نعم ذهب بعض الحنابلة إلى جواز تكليف المعدوم، و استدلّوا على جوازه بالآيتين المباركتين:

1. ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾(2) حيث إنّه يكلّف المعدوم بقبول الوجود و التكون.

ص: 358


1- كفاية الأُصول:227.
2- يس: 82 .

2. ﴿وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِين﴾(1) حيث إنّه سبحانه كلّفهم بالشهادة على ربوبيته فأجابوا بقولهم: بلى.

و فيه, أمّا الآية الأُولى: فلأنّها بصدد بيان انّ إرادة اللّه سبحانه نافذة في كلّ شي ء ممكن، و انّها إذا تعلّقت بتحقّق شي ء و وجوده، يتحقّق فوراً بلا تريث و تربّص لا انّ هناك خطاباً لفظياً بلفظة «كن» و مخاطباً واقعياً حتّى يكون دليلاً للحنابلة، هذا و قد فسّر الإمام علي عليه السلام الآية المباركة بقوله: «يقول لمن أراد كونه، كن، فيكون، لا بصوت يُقْرع و لا بنداء يُسمع، و إنّما كلامه فعل منه أنشأه و مثّله و لم يكن من قبل ذلك كائناً»(2).

و أمّا الآية الثانية: فلم يکن فيها خطاب لمعدوم بل ان الله تعالی اخرجهم حقيقة من ظهر ادم عليه السلام و اشهدهم کما ورد ذلک في الروايات ففي صحيح ابن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: ﴿وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ﴾ قلت: معاينة كان هذا؟ قال: نعم، فثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه، و لولا ذلك لم يدر أحد من خالقه و رازقه، فمنهم من أقر بلسانه في الذر و لم يؤمن بقلبه، فقال الله:﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾(3), نعم لا علم لنا بکيفية ذلک لکنه لا يضر بالمقصود .

ص: 359


1- الأعراف: 172.
2- نهج البلاغة، الخطبة 179.
3- تفسير نور الثقلين ج 2 ص 53 سورة الأعراف(7): الآيات 80 الى 103.

و اما ما قيل من المراد بالاية: إنّ كلّ إنسان إذا صار بشراً سوياً يشهد بفطرته على توحيده، و بصنعه على حكمته سبحانه, ففيه:

اولا: انه خلاف ظهور الاية بل صريحها .

و ثانيا: لا شاهد له فهو تفسير بالرأي .

و ثالثا: مخالف لما ورد من الاخبار في تفسيرها کالصحيح المتقدم.

و عليه فقد تبين انّ تكليف المعدوم بالبعث و الزجر الفعليين ممّا لا يصدر من الإنسان المريد.

الثانية: جعل التكليف الإنشائي للموجودين و الغائبين و المعدومين، قال المحقّق الخراساني: «نعم هو بمعنى مجرّد إنشاء الطلب بلا بعث و لا زجر لا استحالة فيه أصلاً، فانّ الإنشاء خفيف المؤونة، فالحكيم تبارك و تعالى ينشأ على وفق الحكمة و المصلحة، طلب شيئ قانوناً من الموجود و المعدوم حين الخطاب ليصير فعلياً بعد ما وجد الشرائط و فقد الموانع بلا حاجة إلى إنشاء آخر»(1), و توضيحه: أنه ان أريد بالتكليف مجرد إنشاء الطلب من دون فعلية بعث أو زجر، فلا استحالة في تعلقه بالمعدومين، لكونه صورياً، كالتكاليف الامتحانية التي ليس فيها طلب حقيقي يوجب احداث الداعي للمكلف إلى الفعل أو الترك و اما وجه عدم استحالته فلأن الإنشاء المجرد عن الطلب الحقيقي لا يستلزم الطلب الفعلي حتى لا يصح تعلقه بالمعدوم، بل تتوقف صحة الإنشاء على غرض عقلائي يخرجه عن اللغوية، و لو كان ذلك الغرض تقليل الإنشاءات أو غير ذلک، فينشئ الحكم بإنشاء واحد على الجميع بنحو القضية الحقيقية, قلت: و لا يرد علی هذا البيان شيء.

ص: 360


1- كفاية الأُصول: 227.

الثالثة: إنشاء الحكم مقيداً بوجود المكلّف و كونه جامعاً للشرائط، و إليه أشار المحقّق الخراساني بقوله: «و أمّا إذا أنشأ مقيداً بوجود المكلّف و وجدانه للشرائطفإمكانه بمكان من الإمكان»(1), أي انه إذا أنشئ الطلب مقيداً بوجود المکلف و بكونه جامعاً للشرائط، فلا إشكال في إمكانه، كما إذا قيل: «إذا وجد مستطيع وجب عليه الحج» فانه لا ريب في صحة هذا الإنشاء, و عليه فلا مانع من القول بشمول الحكم لعامّة مصاديق العنوان طول الزمان على وجه القضية الحقيقية، كما إذا قال سبحانه: ﴿وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت﴾ فالتكليف متعلّق بالعنوان و هو الناس، و لكنّه على وجه يتكثّر أفراده و مصاديقه طول الزمان، فللموضوع استمرار لوجود مصداق بعد مصداق و يتبعه الحكم في استمراره.

نعم كلّ ذلك كما قلنا رهن بقاء الحكم في وعاء من الأوعية و لو في عالم الاعتبار كما هو مفهوم الخاتمية، و معنى ذلك أنّ لأحكامه سبحانه وجوداً و بقاءً عبر الزمان متعلّق بالعناوين المتكثرة مصداقاً و وجوداً.

و بهذا يعلم حال الوقف للبطون اللاحقة، فإنّ الوقف على عنوان الأولاد و للعنوان قابلية للتكثّر من حيث الافراد طول الزمان و للحكم بقاء في عالم الاعتبار فكلّما توفرت الأفراد استتبعته الأحكام.

و الحاصل: إنّه لا مانع من عمومية التكاليف الواردة في الخطابات للحاضر و الغائب و المعدوم، بشرط جعل التكليف على نحو القضايا الحقيقية، أي يكون للعنوان قابلية الانطباق على الافراد طول الزمان.

ص: 361


1- كفاية الأُصول: 227.

الجهة الثانية: في إمكان خطاب المعدوم

قد كان البحث في الجهة السابقة منصبّاً على تكليف المعدوم و في هذه الجهة إلى إمكان توجيه خطاب إليه لغاية التفهيم و التفهم، و قد صرّح المحقّق الخراساني بامتناعه قائلاً: «بأنّه لا ريب في عدم صحّة خطاب المعدوم، بل الغائب حقيقة و عدم إمكانه ضرورة عدم تحقّق توجيه الكلام نحو الغير حقيقة، إلّا إذا كان موجوداً بحيث يتوجّه إلى الكلام و يلتفت إليه»(1), و حاصله: أنه كما لا ريب في عدم صحة تكليف المعدومين عقلا إلّا إذا كان التكليف بمعنى مجرد إنشاء الطلب كما تقدم، كذلك لا ريب في عدم صحة مخاطبة المعدوم، بل الغائب، لأخذ تفهيم المخاطب- بالفتح- في مفهوم الخطاب كما عن مجمع البحرين و غيره، قال في المجمع:«الخطاب هو توجه الكلام نحو الغير للإفهام» فصحة الخطاب الحقيقي منوطة بوجود المخاطب، و قابليته لتوجه الخطاب إليه.

و فيه: انّ من قال بالامتناع انما هو بالنظر إلى الخطاب بوجوده الحدوثي و غضّ النظر عن أنّ للخطاب نوع بقاء عند العقلاء في الصدور و الألسن أوّلًا، و الرسائل و الكتب ثانياً، و الأشرطة و الأقراص المضغوطة ثالثاً، و لأجل ذلك نرى أنّ الرؤساء يوجهون خطابهم للأجيال الحاضرة و الغائبة، و لا يخطر على بالهم أنّ الخطاب الحقيقي لا يمكن توجيهه إلى الغائب و المعدوم، و ما ذلك إلّا لأنّهم يرون أنّ لخطاباتهم بقاءً في القلوب و الصدور، و الألواح و الكتب و أخيراً في أجهزة تسجيل الصوت.

ص: 362


1- كفاية الأُصول: 228.

و على ذلك فلو كان العنوان المأخوذ في الخطابات من العناوين المنطبقة على الأفراد عبر الزمان و كان للخطاب بقاء و ثبات، فلا مانع من توجيه الخطاب الحقيقي إلى الغائب و المعدوم بهذا الطريق.

و لأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يخاطب قاطبة البشر في نسل بني آدم إلى من يأتي إلى يوم القيامة بالآيات التالية:

1. (يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).(1)

2. (يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ).(2)

3. (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ).(3)

4. (يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَ أَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ)(4), و الحاصل: انّ الخطاب الحقيقي يدور على وجود الخطاب بنحو من الأنحاء و وصوله إلى المخاطب و كون المخاطب موجوداً، و الشرطان موجودان في عامة الخطابات الشفاهية.

فظهر ممّا ذكرنا إمكان خطاب المعدوم و الغائب كما ثبت صحّة تكليفهما، كلّ ذلك على نحو القضايا الحقيقية أوّلًا، و بقاء الخطاب ثانياً.

ص: 363


1- الأعراف: 26.
2- الأعراف: 27.
3- الأعراف: 31.
4- الأعراف: 35.

الجهة الثالثة: عمومية ما وقع بعد أداة الخطاب

ثمّ إنّه يقع الكلام في عموم الألفاظ الواقعة عقيب أداة النداء و الخطاب للغائبين و المعدومين و عدم عمومها لهما بقرينة تلك الأداة و قد فصّل المحقّق الخراساني في المقام - و بناه علی ما اختار في الجهة الثانية من عدم صحة خطاب المعدوم - و ذکر أن أدوات النداء و غيرها مما وضع للخطاب لو كانت موضوعة للخطاب الحقيقي و فرض استعمالها في الخطاب الحقيقي، فلا بد حينئذ من تخصيص العموم الواقع في تلو تلك الأداة بالحاضرين ليختص الخطاب بهم، و لا يشمل المعدومين حتى لا يلزم المجاز و هو شمول الخطاب للمعدومين كالموجودين.

و لو کانت موضوعة للخطاب الإيقاعي الإنشائي، فلازم ذلك العموم من متلوِّ أدوات الخطاب لغير الحاضرين و استعمال تلك الأدوات في غير الخطاب الحقيقي، إذ لو استعملت في الخطاب الحقيقي لزم أن يكون إرادة غير الحاضرين منها بنحو المجاز أيضا.

و بالجملة: فمع لحاظ وضع الأدوات في الخطاب الحقيقي المختص بالحاضرين، و عموم الألفاظ الواقعة عقيبها لغير الحاضرين، لا بد من ارتكاب أحد التجوزين إما باستعمال الأدوات في غير الخطاب الحقيقي، لتطابق معنى الألفاظ العامة الواقعة بعدها، و إما باستعمال الألفاظ الواقعة بعدها في غير العموم أي في خصوص الحاضرين، لتطابق معنى الأدوات أعني الخطاب الحقيقي، و كلا التجوزين خلاف الأصل .

ثمّ إنّه استقرب الوجه الثاني فقال: «الظاهر أن مثل أدوات النداء لم يكن موضوعاً لذلك، بل للخطاب الإيقاعي الإنشائي، فالمتكلم ربما يوقع الخطاب بها تحسراً و تأسفاً و حزناً مثل «يا كوكباً ما كان أقصر عمره»، أو شوقاً و نحو ذلك، كما يوقعه مخاطباً لمن يناديه

ص: 364

حقيقة، فلا يوجب استعماله في معناه الحقيقي حينئذ» و حاصله: أن هذين المحذورين مبنيان على وضع الأداة للخطاب الحقيقي القائم بطرفين، كالطلب القائم بهما. و أما بناء على وضعها للخطاب الإنشائي، فلا يلزم من إرادة غير الحاضرين منها، و من الألفاظ العامة الواقعة بعدها شي ء من التجوزين أصلا، أما من ناحية الأدوات، فلاستعمالها في معناها الحقيقي حينئذ. و أما من ناحية الألفاظ الواقعة بعدها، فلشمولها لغير الحاضرين كشمولها لهم، و هو واضح.

و بالجملة، فبناءً على وضع الأدوات للخطاب الإنشائي يمكن استعمالها في الحاضرين و الغائبين و المعدومين على نسق واحد بلا لزوم أي مجاز، غاية الأمر أن الاختلاف بين موارد استعمالها يكون حينئذ في دواعي الإنشاء، فقد يكون الإنشاء بداعي النداء، كقوله للحاضر عنده: «يا زيد احفظ كذا» و قد يكون بداعي التأسف، كقوله: «يا كوكباً ما كان أقصر عمره» و قد يكون بداعي الشوق، كقوله:

يا آل بيت رسول اللَّه حبكم *** فرض من اللَّه في القرآن أنزله

و فيه, اولا: انّ جعل خطابات القرآن خطابات إنشائية مخالف لظاهر القران الکريم حيث يقول فيه سبحانه: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِه﴾(1)، إلى غير ذلك من الآيات التي تعرّف الغاية من خطاباته، و هذا النوع من الغاية لا ينفك عن كون خطاباته حقيقية.

و ثانيا: انا لو افترضنا انّ أداة النداء وضعت للخطاب الحقيقي الّا ان ذلک لا يكون سبباً لاختصاص ما وقع بعده من العنوان، للحاضرين، لما تقدم من أنّ للخطاب الحقيقي بقاءً في نظر العرف، و معه يعمّ الخطاب و ما وقع بعده للغائبين و المعدومين جميعاً.

ص: 365


1- سورة ص: اية 29.

و ثالثا: إنّ الخطابات القرآنية عامة کالخطابات الواردة في الكتب و الرسائل العلمية، فإنّ المؤلف مع أنّه يخاطب، لا يخاطب شخصاً معيناً، بل يخاطب كلّ من قرأ كتابه، فهكذا القرآن لا يخاطب شخصاً خاصاً، بل يخاطب كلّ من سمعه، و لذلك يأمر نبيه أن يقول: ﴿وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغ﴾(1) و يقول سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاس﴾(2) و يقول سبحانه: ﴿وَ لَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَل﴾(3) إلى غير ذلك من الآيات التي تصفُ القرآن بانّه منذر لكلّ من بلغ إليه و هداية للناس عامة.

و يؤيد ذلك نزول الوحي و كان ينزل على قلب سيد المرسلين و لم يكن الخطاب مسموعاً لأحد من الأُمّة.

و مع إمكان تفسير الخطابات عن هذا الطريق لا حاجة إلى التمسك بأنّ خطابات القرآن خطابات إيقاعية أو إنشائية أو من قبيل القضايا الحقيقية، أو أنّ خطاباته مختصة بالموجودين ثمّ تعميمه بدليل آخر.

هذا و نقل صاحب الفصول عن بعض الحنابلة وجها اخر بان القول بوضع أداة الخطاب للحقيقي لا يلازم اختصاص خطاباته بالمشافهين، و ذلك لإحاطته بالموجود في الحال و الاستقبال(4). قلت: و هو کما تری فأنّه قد خلط بين علمه تعالی بالأُمور و بين اوامره و تشريعاته و لا علاقة لاحدهما بالثاني.

ص: 366


1- الأنعام: 19.
2- البقرة: 185.
3- الكهف: 54 .
4- الفصول: 183.

هذا و ذهب المحقّق النائينيّ إلى التفصيل بين القضايا الخارجيّة فتختصّ بالمشافهين، لأنّ عموم الخطاب فيها للغائبين- فضلا عن المعدومين- يحتاج إلى عناية زائدة، و بين القضايا الحقيقيّة فتعمّ المعدومين فضلا عن الغائبين، لأنّ توجيه الخطاب إليهم لا يحتاج إلى أزيد من تنزيلهم منزلة الموجودين الّذي هو المقوّم لكون القضيّة حقيقيّة(1).

و أورد عليه السيّد المحقّق الخوئيّ- تبعا للمحقّق الاصفهانيّ- بأنّه لا يكفي في شمول الخطاب للمعدوم و الغائب تنزيلهم منزلة الموجود، بل لا بدّ من تنزيلهم منزلة الحاضر في مجلس التخاطب، و هو أمر زائد على مقتضى القضيّة الحقيقيّة، فينفيه الأصل مع عدم الدليل عليه(2).

ثمرة البحث

ذكر للبحث ثمرتان:

الثمرة الأُولى: حجّية خطابات الكتاب لغير المشافهين و عدمها

نقل هذه الثمرة الشيخ فقال: أنّه على الشمول لا بدّ من الأخذ بما هو ظاهر من الخطاب، لامتناع الخطاب بما هو ظاهر و إرادة خلافه من دون دلالة؛ و على العدم فلا بدّ من

ص: 367


1- فوائد الاصول 2: 550 .
2- راجع نهاية الدراية 1: 652- 653، و المحاضرات 5: 277.

تحصيل متفاهم المتشافهين و التحرّي في استحصاله، فإن حصل العلم به فهو، و إلّا عملنا بالاجتهاد في تحصيل ما هو الأقرب إليه(1).

و أورد عليه صاحب الفصول بأنّه على العدم لا وجه للفرق بين المخاطب و غيره في حجّيّة الظواهر، فإنّ ذلك أمر متّضح الفساد منحرف عن منهج السداد، للإجماع على حجّيّة ظواهر الألفاظ في حقّ السامعين مطلقا، و لو لا ذلك لم يعتبر ظواهر الأقارير و الوصايا و العقود و الشهادات، و نحو ذلك(2).

و اجاب عنه الشيخ الاعظم فقال: و يمكن ذبه بأنّه ليس المقصود بيان الفرق في ذلك بين المشافه و غيره في الأخذ بالظواهر، بل المقصود إثبات الفرق بينهما من حيث احتمال وجود القرينة عندهم و اختفائها لدينا أو ثبوت النقل و إن كان يمكن تحصيل متفاهمهم بإعمال الاصول اللفظيّة في اللفظ أيضا. و محصّل الفرق: أنّ المشافه إنّما يأخذ بالظاهر من حيث هو ظاهر، و غيره إنّما يأخذ به من حيث إنّه الظاهر عند المشافه و إن كان طريق ثبوته هو الظاهر أيضا، فليس ذلك تفصيلا في حجّية الظواهر؛ مع أنّ في احتجاجه لعدم الفرق بظواهر الأقارير و الوصايا و الشهادات نظرا ذكرناه في محلّه (3).

و فيه: أنّ الثمرة مبنية على صغرى و كبرى, و هما:

1. الملازمة بين اختصاص الخطاب بالحاضرين، و كونهم مقصودين بالخطاب، و هذه هي الصغرى.

2. اختصاص حجّية الظواهر بمن قصد إفهامه و لا يعمّ غيره و هذه الكبرى.

ص: 368


1- مطارح الأنظار، ج 2، ص: 194
2- الفصول: 184.
3- مطارح الأنظار، ج 2، ص: 195.

و کلتاهما ممنوعتان و قد اجاب عنهما المحقق الخراساني, أمّا الأُولى، فلأنّه لا ملازمة بين كون اختصاص الخطاب بهم، و كونهم، مقصودين لا غيرهم، إذ ربما يكون المقصود بالإفهام أوسع من المخاطب، و لذلك يأمر سبحانه نبيّه بأن يقول: ﴿وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغ﴾(1), مضافا الی قيام الدليل علی کونهم مقصودين بالافهام فقال تعالی ﴿هذا بلاغ للناس﴾(2) و قال تعالی ﴿و شفاء لما في الصدور و هدی و رحمة للمؤمنين﴾(3).

و أمّا الثانية: اي اختصاص حجية الظواهر بمن قصد إفهامه، ففيه ان الظواهر حجة مطلقاً حتى بالنسبة إلى من لم يقصد افهامه کما سيأتي البحث عنها، و عليه فلا تكون هذه ثمرة و ذلک لشمول الخطابات للمعدومين، إذ المفروض حجية الظواهر لهم و ان لم يكونوا مقصودين بالإفهام و لم تشملهم الخطابات, و لذلك لو كتب شخص رسالة أخويّة إلى شخص، لا يريد إلّا إفهام صديقه بما فيها، فالرسالة تكون حجّة على الغير أيضاً في عامة المحاكم، و لا يسمع قول الكاتب بأنّ ظواهر كلامه حجّة على من قصد إفهامه لا غير, و الحاصل: أنه مع البناء على عدم اختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه لا تكون هذه ثمرة لحجية الظواهر بالنسبة إلى المعدومين.

ص: 369


1- الأنعام اية: 19.
2- ابراهيم اية: 52 .
3- يونس اية: 57 .

الثمرة الثانية: صحّة التمسّك بالإطلاقات على التعميم

قال في القوانين: «و ربّما يذكر هنا ثمرة أخرى (1)، و هي أنّ شرط اشتراك الغائبين للحاضرين في الشرائع و الأحكام مع قطع النظر عن الورود بخطاب الجمع، هو أن يكونا من صنف واحد، فوجوب صلاة الجمعة مثلا على الحاضرين مع كونهم يصلّون خلف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أو نائبه الخاصّ، لا يوجب وجوبه على الغائبين الفاقدين لذلك، لاختلافهم في الصّنف من حيث إنّهم مدركون للسّلطان العادل أو نائبه، بخلاف الغائبين. فعلى القول بشمول الخطاب للغائبين، يمكن الاستدلال بإطلاق الآية على نفي اشتراط حضور الإمام عليه السّلام أو نائبه، بخلاف ما لو اختصّ بالحاضرين، لأنّهم واجدون للسّلطان العادل أو نائبه، فلا يمكن التعدّي عنهم الى الغائبين الفاقدين لاختلافهم في الصّنف»(2), و توضيحها: أنه بناء على شمول الخطابات للمعدومين, يصح التمسك بإطلاقاتها لإثبات الأحكام للمعدومين بعد وجودهم و بلوغهم، إذ المفروض أن الخطاب المتكفل لثبوت الحكم للعنوان المنطبق على المعدومين مثل ﴿يا أَيُّهَا النَّاس﴾ و ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و نحو ذلك يدل بنفسه على ثبوت الحكم لهم و ان لم يكونوا متحدين مع المشافهين في الصنف، فيمكن إثبات وجوب صلاة الجمعة مثلا للمعدومين بقوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّه﴾مع اختلافهم صنفاً مع الموجودين، لكونهم حينذاك متنعمين بشرف حضور المعصوم عليه السلام،

ص: 370


1- و هو المفهوم من كلام الوحيد البهبهاني في« الفوائد» ص 154، و راجع ما ذكره في« الفصول»: ص 184 في هذا المقام.
2- القوانين المحكمة في الأصول، ج 1، ص: 522

دون المعدومين الذين هم فاقدون لهذه النعمة، لكن لما كان نفس الخطاب شاملا لهم، فهم كالموجودين مكلفون بصلاة الجمعة.

و بناء على عدم شمول الخطابات للمعدومين لا يجوز لهم التمسك بها لإثبات ما تضمنته من الأحكام، إذ الدليل على ثبوت الأحكام حينئذ لهم هو الإجماع، و هو دليل لبي، فلا بد من الأخذ بالمتيقن منه، و هو اتحادهم مع الموجودين في الصنف .

جواب المحقق الخراساني

و قد ردّ المحقق الخراساني هذه الثمرة بما حاصله: أنّها مخدوشة من وجهين:

الوجه الاول: أنّه بناء على الاختصاص يكون الملاك في ثبوت الأحكام الصادرة- خطابا للحاضرين- للغائبين و المعدومين هو اتّحادهم مع الحاضرين في الصنف. و التحقيق أنّهم متّحدون معهم في الصنف، حيث لا خصوصيّة للحاضرين بالنسبة إلى غيرهم توجب اختصاص الحكم بهم. و أمّا بعض الخصوصيّات الّذي كان البالغ في زماننا فاقدا له ممّا كان المشافهون واجدين له- كحضور النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليه السّلام- فهو و إن كان محتمل الدخل في الحكم، إلّا أنّ إطلاق الخطاب و عدم تقييده بتلك الخصوصيّة يقتضي عدم دخلها في الحكم و عمومه لكلّ من المشافهين و المعدومين. فإذن يصحّ التمسّك بإطلاق الخطاب لإثبات الاتّحاد الّذي هو الملاك في ثبوت الأحكام لغير المشافهين، من دون احتياج إلى التمسّك بقاعدة الاشتراك، كما يصحّ التمسّك بإطلاق الخطاب على القول بالعموم. فلا فرق بين القولين.

ص: 371

وهم و دفع

ثمّ إنّه إشار إلى توهم و هو: أنه لا يصحّ التمسّك بإطلاق الخطاب لإثبات الاتّحاد بعد البناء على اختصاص الخطاب بالحاضرين. و ذلك لأنّ من مقدّمات الإطلاق عدم وجود ما يصلح للقرينيّة، و اتّصاف الحاضرين ببعض الخصوصيّات- كحضور المعصوم عليه السّلام- يصلح لأن يكون قرينة على التقييد، فلا يتمّ الإطلاق كي يمكن إثبات الاتّحاد بالتمسّك به.

ثم اجاب عنه بانّ ما يحتمل دخله في الحكم ممّا كان المشافهون واجدين له علی قسمين:

الأوّل: ما يمكن أن يتطرّق إليه الفقدان، و هي الأوصاف المفارقة، كالفقر و الغنى و الحضور عند المعصوم عليه السّلام. و لا شكّ أنّه لو كانت هذه الأوصاف دخيلة في الحكم كان على المتكلّم بيانه بنصب قرينة دالّة على التقييد، و إلّا لأخلّ بغرضه، نظرا إلى انفكاك الوصف عن الموضوع. فلا يجوز له إطلاق الخطاب و إرادة المقيّد بها، بل ترك التقييد دليل على عدم اعتبارها، و يكون الإطلاق محكّم.

الثاني: ما لا يمكن أن يتطرّق إليه الفقدان، و هو الأوصاف اللازمة للذات. و هذه الأوصاف لو كانت دخيلة في الحكم يجوز للمتكلّم إطلاق الخطاب و إرادة المقيّد بها، إذ على تقدير عدم بيانه لا يكون إخلالا بالغرض نظرا إلى عدم انفكاك الوصف عن الموضوع.

فإن قلت: بما أنّ الاختلاف بين المشافهين و غيرهم كثير- مثل كون المشافهين في المدينة، و كونهم في المسجد، و كونهم من الأنصار أو المهاجرين و غير ذلك- لا يمكن التمسّك بإطلاق الخطاب لإثبات الاتّحاد في الصنف.

ص: 372

قلت: إنّ المراد من الاتّحاد ليس إلّا الاتّحاد في الأوصاف الّتي تعتبر قيدا للحكم، و هي ليست كثيرة، و إلّا لما ثبت بقاعدة الاشتراك حكم من الأحكام لغير الحاضرين، لكثرة اختلافهم في الخصوصيّات.

الوجه الثاني: أنّ الثمرة المذكورة إنّما تتمّ فيما إذا كان دليل قاعدة الاشتراك- و هو الإجماع- دليلا مستقلاً على إثبات الحكم للمعدومين بناء على اختصاص الخطاب بالمشافهين. و لكنّه ليس كذلك لأن دليل الاشتراك- الاجماع - يجدي في إثبات الحكم للمعدومين بالنسبة إلى العناوين التي يعلم بعدم دخلها في الحكم، ككون المشافهين جالسين أو كونهم من أهل المدينة أو لابسي العمامة مثلا، دون العناوين التي لو سلبت عن المشافهين لشك في ثبوت الحكم لهم أيضا، ككونهم مدركين لحضور المعصوم عليه السلام فان دليل الاشتراك حينئذ لا يجري، إذ لو لم يكن المشافهون واجدين له لشك في وجوب الجمعة عليهم أيضا، فلا بد من التمسك بالإطلاق لنفي الشك(1).

الفصل الحادي عشر تعقب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده

إذا كان هناك عام و له حكم خاص، يتعقّبه ضمير له حكم آخر يرجع إلى بعض أفراده، فهل يوجب ذلك تخصيص العام أم لا؟ خلاف بين الأعلام(2).

ص: 373


1- كفاية الأصول، ص: 231
2- راجع العدّة في اصوله الفقه 1: 384، الإحكام (للآمديّ) 2: 336، الفصول الغرويّة: 211، مطارح الأنظار: 207، فوائد الاصول 2: 552- 663، نهاية الأفكار 2: 545- 546، المحاضرات 5: 285- 288.

و مثاله قوله سبحانه: ﴿وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً﴾(1), ففي الآية عام، أعني قوله: ﴿وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، و هو بظاهره يشمل عامة المطلقات رجعية أو بائنة.

و في ذيل الآية جملة: ﴿وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ تتضمن حكماً ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ و ضميراً و هو: ﴿بُعُولَتُهُنَّ ﴾ يرجع إلى بعض أقسام العام، و عليه فهل تعقّب العامّ بضمير يرجع إلى بعض أفراده يوجب تخصيصه به أو لا؟ و بعبارة اخری ان الامر يدور بين تصرّفات ثلاثة:

أحدها: أن يكون رجوع الضمير إلى بعض أفراد المرجع قرينة على التصرف في المرجع باستعماله في الرجعية من المطلقات فيكون التربص أيضاً مختصاً بهذا القسم.

ثانيها: حفظ أصالة العموم في المرجع و ارتكاب الاستخدام في الضمير بإرجاعه إلى بعض مصاديق المرجع.

ثالثها: حفظ أصالة العموم في ناحيتي المرجع و الضمير و التصرف في الاسناد، بأن ينسب الحكم المختص بالبعض إلى الكلّ من باب المجازية.

قلت: أمّا الاحتمال الثالث فغير صحيح، لأنّ المجاز في الاسناد رهن وجود المصحح كالمبالغة حيث ينسب الحكم الصادر من بعض إلى الكلّ مبالغة، كما في قول القائل: قتل بنو فلان زيداً، و إنّما قتله بعضهم، و مثله قوله سبحانه مخاطباً اليهود: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْصادِقِين﴾(2) مع أنّ القتل لم

ص: 374


1- البقرة: 228.
2- آل عمران: 183.

يصدر إلّا عن بعضهم فنسب إلى الكلّ مبالغة بملاك رضاهم بعملهم، و هذا بخلاف الآية إذ ليس فيها وجه للمبالغة.

و عليه فيدور الامر بين الاحتمال الاول و الاحتمال الثاني, و رجح المحقق الخراساني الثاني اي أصالة العموم في صدر الآية و سلامتها عن معارضة أصالة عدم الاستخدام لها. توضيحه: أن دليل حجية الظواهر- و هو بناء العقلاء- انما هو في الشک في ما أريد على وجه الحقيقة أو المجاز، مثلا إذا لم يعلم المراد من لفظ الأسد، و أنه معناه الحقيقي- و هو الحيوان المفترس- أو المجازي أعني الرّجل الشجاع، فهنا استقر بناء العقلاء على جريان أصالة الحقيقة فيه، و أن المراد منه معناه الحقيقي و هو الحيوان المفترس. و أما إذا علم المراد و أنه الرّجل الشجاع، لكن لم يعلم أنه معنى حقيقي أو مجازي، فلا تجري أصالة الحقيقة هنا لإحراز أن اللفظ مستعمل في معناه على وجه الحقيقة، و أن الرّجل الشجاع معناه الحقيقي, و عليه فلا تجري اصالة الظهور في الضمير مطلقا, هذا و الغرض من اجراء اصالة الظهور في الضمير هو تعيين مرجعه بنحو لا يستلزم منه استخدام في الضمير او تجوز في الاسناد و هو خارج عن شأن اصالة الظهور.

نعم لو كان الأصل في الاستعمال الحقيقة أحرز به كون المراد هو المعنى الحقيقي. لكن ثبت في محله أن الاستعمال أعم من الحقيقة، فلا أصل لهذا الأصل. و في المقام لما كانت إرادة الرجعيات من ضمير «بُعُولَتُهُنَّ» معلومة، و كان الشك في كيفية إرادتها، و أن إرادتها منه على نحو الحقيقة، بأن أريد من مرجعه خصوص الرجعيات، أو على نحو المجاز، بأن أريد من مرجعه جميع المطلقات، و التجوز حينئذ في ناحية الضمير، فلا

ص: 375

تجري أصالة عدم الاستخدام في الضمير، بل تجري أصالة الظهور أي العموم في العام، فيحكم بوجوب التربص على جميع المطلقات(1).

قلت: و يشهد لذلک أنّ اصالة عدم الاستخدام لا تجري في مثل المقام حسب الفرض، لأنّ موردها هو الشك في المراد، و المراد هنا معلوم، و معنى انّه ليسبحجة، يعني انّ العقلاء لا يعوّلون على هذا الظهور في مقام التفهيم، و مع عدم تعويل العقلاء على هذا الظهور، لا يكون حينئذ موجبا لإجمال ظهور العام في نفسه، بدعوى انّ العام لو كان مراد المتكلم البعض منه، فحينئذ، لم يتطابق مقام إثباته مع مقام ثبوته.

فإن قلت: إنّ ظهور الضمير يدل على ذلك، قلت: انّ هذا الظهور المدّعى لا يعوّل عليه في مقام الإفهام إثباتا، لانّ الظهور ينبغي أن يكون بنحو يعوّل عليه العقلاء، فلا يصلح هذا الضمير للقرينيّة و لذا ليس للمتكلم أن يعتذر و يقول: إنني أردت البعض بقرينة الضمير.

ثم ان المحقق الخراساني قيّد جريان أصالة الظهور في طرف العام فيما إذا عقد للكلام ظهور في العموم، كما إذا اشتمل الكلام على حكمين مثل المقام، فان وجوب التربص ثابت للمطلقات و الحكم بأحقية الرد ثابت لبعولتهن، ضرورة أنه حينئذ ينعقد الظهور للعام أعني المطلقات في العموم. و عليه فجريان أصالة العموم مبني على عدم احتفاف العام بما يمنع ظهوره في العموم، كما إذا كان في الكلام ضمير راجع إلى العام صالح لأن يمنع انعقاد العموم له، فان أصالة العموم حينئذ لا تجري فيه.

ص: 376


1- كفاية الأُصول: 233.

و الحاصل: أنه إذا كان العام مكتنفاً بضمير، و كان احتفافه به مما يعد عرفاً صالحاً للقرينية على عدم إرادة العموم منه، لم ينعقد له ظهور في العموم، فأصالة العموم لا تجري فيه حينئذ و يكون مجملاً و يرجع إلى الأُصول العملية(1).

و ردّه المحقق النائيني: بان ملاك باب اكتناف الكلام بما يصلح للقرينية هو ان يكون في الكلام لفظ مجمل بحيث لو كان المتكلم متكلا عليه في بيان مراده لم يكن مخلا بالغرض، و هو غير متوفر فيما نحن فيه، إذ الجملة المشتملة على الضمير تتكفل حكما غير الحكم الّذي تتكفله الجملة المشتملة على العام، فلا يصح للمتكلم الاتكال على جملة الضمير في مقام البيان (2).

اشکال الشهيد الصدر

و اشکل الشهيد الصدر رحمه الله : بانّ بناء العقلاء لم ينعقد على حجية ظهور في الكلام ابتلى بظهور آخر متصل في نفس الكلام و مكذّب له، فمثل هذا الظهور لا يكون حجة، و إن لم يكن الظهور الآخر في نفسه حجة، لعدم الملازمة بينهما، فضلا عن انّ دليل حجية ظهور العام في العموم، لا يشمل ما إذا كان مزاحما مع ما يوجب إجماله، و إن لم يكن حجة, و هذا يرجع بحسب الحقيقة، إلى تضييق في دائرة دليل الحجية، و على هذا الأساس، يكون موجبا للإجمال(3).

و فيه: انه لا ظهور للضمير بل هو ساکت فلا يکذب ظهور العام و قد تقدم انه لا يصلح للقرينية .

ص: 377


1- كفاية الأُصول: 233.
2- المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 495- الطبعة الأولى.
3- بحوث في علم الأصول، ج 7، ص: 362

وهم ودفع

فان قلت: ان رجوع الضمير إلى بعض أفراد العام غير صحيح، لأنّ الضمائر وضعت لنفس الإشارة الخارجية فلا بدّ لها من مشار إليه، و هو ليس إلّا المرجع المذكور في الآية، فيجب تطابقهما فلا يمكن أن تكون الإشارة على وجه أخص و المشار إليه على وجه أعمّ.

قلت: فيه ما تقدم من أنّ التخصيص لا يوجب المجازية لا في المتصل و لا في المنفصل و عليه فلا محذور في البين أبداً من الاحتفاظ بأصالة العموم في كلا الموردين، إذ لا مانع من أن يكون العام مستعملاً في معناه و يكون الضمير أيضاً راجعاً إلى نفس العام لكن بالإرادة الاستعمالية. فإذا علم من الخارج عدم مطابقة الإرادة الاستعمالية مع الجدية في ناحية الضمير تُخصّص الإرادة الجدية في مورد الضمير من دون أي محذور. و لا يلزم من ذلك تخصيص المرجع أبداً، و ذلك لأنّه لو كان مستعملاً في الخاص لكان للتوهم المذكور مجال، و أمّا إذا كان مستعملاً في العموم كالمرجع بالإرادة الاستعمالية و لكن قام الدليل على عدم شمول الحكم لعامة أفراد المرجع، فمثل هذا لا يكون دليلًا على التصرف في العام، بل العام قائم على ظهوره حتّى يثبت الخصوص.

و الحاصل: انّه لو كان الضمير مستعملاً بالإرادة الاستعمالية في بعض المرجع لكان للتوهم المذكور مجال، و أمّا إذا استعمل في نفس المعنى الذي استعمل فيه لفظ العام و إن علم بدليل خارجي مخالفة الجد مع المراد استعمالاً فلا يصير سبباً لتخصص العام، لا استعمالاً و لا جداً.

ص: 378

الفصل الثاني عشر: في تخصيص العام بالمفهوم

اقول: لمفهوم الموافقة إطلاقات و هي کالتالي:

الاول: إلغاء الخصوصية و إسراء الحكم لفاقدها، كقول زرارة: «أصاب ثوبي دم رعاف»(1), و قول القائل: «رجل شكّ بين الثلاث و الأربع», فالموضوع في نظر العرف في الأوّل هو الدم لا دم رعاف و لا دم زرارة، و في الثاني هو الشكّ لا شكّ الرجل.

الثاني: المعنى الكنائي الذي سيق لأجله الكلام مع عدم ثبوت الحكم للمنطوق، نظير قوله سبحانه: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً﴾(2), بناء على عدم حرمة التأفيف و انّ الحرام هو مفهومه الموافق، أي الضرب و الشتم.

الثالث: تلك الصورة و لكن المنطوق محكوم بحكم المفهوم أيضاً، كالآية المتقدّمة بناء على حرمة التأفيف.

الرابع: الأولوية القطعية، فإذا قال: لا تأكل ذبيحة الكتابي فيدلّ بالأولوية القطعية على حرمة ذبيحة المشرك.

الخامس: الحكم المستفاد من العلّة المنصوصة، كما إذا قال: الخمر حرام لأنّه مسكر، فيفهم منه حرمة كلّ مسكر.

و بما انّ المفهوم غير مذكور و إنّما يفهم بإحدى الطرق الخمسة، أطلق المفهوم على الجميع، و بما انّ حكمه موافق مع الحكم الوارد في المنطوق وُصِفَ بالموافقة.

إذا عرفت هذا فيقع الكلام في مقامين:

ص: 379


1- الوسائل: 2، الباب 41 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
2- الإسراء: 23.

المقام الأوّل: تخصيص العام بالمفهوم الموافق

إذا كان في مورد عام و مفهوم موافق، فهل يقدّم العام على المفهوم و يلغى الثاني، أو يقدّم المفهوم على العام و يخصص الثاني؟ مقتضى القواعد هو التخصيص لا الإلغاء، لأنّ كلاً منها دليل شرعي يجب إعماله حسب ما أمكن عرفاً؛ ففي الأوّل إلغاء للحجة الشرعية من رأس، و في الثاني إعمال لهما، و يقدّم الثاني علىالأوّل, مثل حرمة تزويج ذات البعل التي هي المفهوم الموافق بالأولوية لقوله عليه السلام: «و الّذي يتزوج المرأة في عدتها و هو يعلم لا تحل له أبداً»(1)، إذ لا إشكال في أولوية حرمة تزويج ذات البعل من نكاح المعتدة، و هذا المفهوم يخصص عموم قوله تعالى: ﴿وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُم﴾ بعد ذكر حرمة نكاح عدة من النساء كالأُم، و البنت و الأُخت، و العمة، و الخالة و غيرهن.

و بالجملة: يخصص عموم ﴿وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُم﴾ بالمفهوم الموافق المزبور، فكأنه قيل: «و أحل لكم ما وراء المذكورات الّا ذات البعل».

و هذا کما لو كان مكان المفهوم دلالة منطوقية فانها تکون مقدّمة على العام و مخصّصة له فكذلک الدلالة المفهومية إذ لاتنقص الثانية عن الأُولى و ليست إحداهما أقوى من الأُخرى، بل ربما يكون المفهوم أقوى اذ قد لا يُساق الكلام إلّا لإفهامه .

نعم يشترط في المفهوم ان يکون أخص مطلقاً لا عموماً من وجه و هو شرط زائد، لأنّه ليس من شرائط كون المفهوم مخصصاً، بل هو من شرائط كلّ مخصص، سواء أ كان لفظياً أو مفهومياً.

ص: 380


1- الوسائل ج 14، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1.

و اما دعوی المحقّق الخراساني الاتّفاق علی تخصيص العام بالمفهوم الموافق(1), فلا عبرة بها لعدم کون الاتفاق من الاجماع الکاشف عن نظر المعصوم .

ثم انه جاء في کلمات المحقق النائيني اضافة صورة اخری في المقام تکون النسبة بينها و بين العام عموم من وجه لنکتة خاصة توجب تقديمها علی العام المقابل و حاصل کلامه انه ما لو ورد «لا تکرم الفساق», و ورد في قباله «اکرم فساق خدام العلماء» و مفهومه بالاولوية وجوب اکرام العلماء حيث تکون النسبة بين «وجوب اکرام العلماء» و «لا تکرم الفساق» هي العموم من وجه و الاول من قبيل المفهوم و الثاني من قبيل المنطوق(2).

و لا شک هنا في تقديم اکرم العلماء علی لا تکرم الفساق, و ذلک لان النسبة بين مفهوم المخصص و هو «اکرم فساق خدام العلماء» و «لا تکرم الفساق» هي العموم و الخصوص المطلق و لا ريب في تقدمه عليه و تقدم مفهومه اي وجوب اکرام العلماء للاولية القطعية.

المقام الثاني: التخصيص بمفهوم المخالفة

إذا كان هناك عام و مفهوم مخالف كمفهوم صحيحة محمد بن مسلم «إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شي ء» و هو «إذا لم يبلغ الماء قدر كر ينجسه شي ء» فهل يجوز تخصيص العام أعني به «الماء كله طاهر» بمفهوم المخالفة أم لا؟

فيه أقوال: جواز التخصيص مطلقاً, و عدم جوازه مطلقا, و التفصيل بين استفادة المفهوم من لفظة «إنّما»، فيقدم على العام و بين غيره, و رابعها: ما أفاده المحقّق الخراساني من

ص: 381


1- کفاية الاصول: 233.
2- أجود التقريرات، ج 1، ص: 500

التفصيل، و حاصله: أن المقام كسائر موارد التعارض من حيث لزوم الأخذ بالأظهر من المتعارضين ان كان أحدهما أظهر، و إلّا فالتساقط و الرجوع إلى الأصل العملي في مادة المعارضة. و أن المفهومية ليست من موجبات الوهن و ضعف الدلالة(1).

توضيح ذلك: أنه إذا ورد عام و ما له مفهوم يصلح لتخصيص العام، و كان كل منهما صالحاً لأن يكون قرينة على التصرف في الآخر، كما إذا كانا في كلام واحد، أو في كلامين يعدان بنظر العرف بمنزلة كلام واحد، فتارة يكون منشأ الدلالة و الظهور في كل منهما الوضع، و أخرى الإطلاق الناشئ عن مقدمات الحكمة، و ثالثة باختلافهما، بأن يكون أحدهما بالوضع، و الآخر بالإطلاق. ففي الصورتين الأوليين لا مفهوم و لا عموم، أما في الثانية، فلعدم تمامية مقدمات الحكمة في شي ء منهما، لتوقف تماميتها في كل واحد منهما على عدم الآخر، فلا يبقى منشأ للظهور في كل منهما.

و أما في الأولى، فلتزاحم الظهورين، و عدم اعتبار كليهما إلّا إذا كان أحدهما أظهر من الآخر، كما إذا فرض كثرة استعمال أحدهما في معناه الحقيقي، و الآخر في معناه المجازي، و لذا يكون الأول أظهر في معناه الحقيقي من الثاني، فيقدم الأظهر على غيره ان كان العام و ما له المفهوم في كلام واحد، كقوله تعالى: ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَة﴾ بناءً علی ان مفهومه عدم وجوب التبين في خبر العادل، و تلقيه بالقبول. و مقتضى عموم شناعة إصابة القوم بجهالة كون إصابتهم كذلك أمراً مرغوباً عنه و لو من ناحية خبر العادل، و لعدم استقرار الظهور بعد انعقاده في غير الأظهر ان كانا- أي العام و ما لهالمفهوم- في كلامين كهذا المفهوم بالنسبة إلى عموم الآيات الناهية عن العمل بالظن.

ص: 382


1- کفاية الاصول: 233.

و لم يتعرض المحقق الخراساني للصورة الثالثة أعني ما إذا كان ظهور العام بالوضع و ظهور المفهوم بالإطلاق بمقدمات الحكمة أو بالعكس و لا إشكال في تقدم ما ظهوره بالوضع على ما ظهوره بمقدمات الحكمة، لأن الظهور إذا كان بالوضع كان صالحاً لأن يكون بياناً مانعاً عن الظهور بالإطلاق الناشئ من مقدمات الحكمة التي منها عدم البيان، فيقدم عليه.

الخامس: ما عن المحقّق النائيني من التفصيل بين كون النسبة بين العام و المفهوم هي العموم و الخصوص المطلق فيخصص به العام، و ما إذا كانت النسبة هي العموم من وجه فلا يخصص به العام(1).

السادس: ما نقله المحقق النائيني عن بعض من التفصيل بين ما إذا كان العموم متصلا بما له المفهوم و ما إذا كان منفصلا عنه فيلتزم بتقديم العموم و بكونه مانعا من انعقاد ظهور الكلام في المفهوم في فرض اتصال العموم بماله المفهوم و بتقديم المفهوم على العموم في فرض انفصالهما لانعقاد ظهور الكلام في المفهوم في هذا الفرض و كونه أخص مما له العموم على الفرض(2), هذه هي الأقوال في المسألة.

اقول: الصحيح من الاقوال هو الاول و هو: جواز التخصيص مطلقاً کما سيتضح من خلال رد سائر الاقوال, و أمّا القول الثالث و هو التفصيل بين استفادة المفهوم من لفظة «إنّما»، فيقدم على العام و بين غيره ، فلا وجه له لعدم الفرق بين المفهوم المستفاد من لفظة «إنّما» و بين سائر المفاهيم من حيث الحجّية .

ص: 383


1- أجود التقريرات، ج 1، ص: 504
2- أجود التقريرات، ج 1، ص: 502

و أمّا القول الرابع أعني: تفصيل المحقّق الخراساني فهو أيضاً خارج عن نطاق البحث، و ذلك لأنّه قال: إذا كان العموم و المفهوم مستفادين من الإطلاق فالظهور غير منعقد، و إذا كانا مستفادين من الظهور الوضعي فالظهور غير مستقر، و هذا إن دلّ على شي ء فإنّما يدلّ على عدم الإذعان بوجود العام أو المفهوم حيث إنّ مقدمات الحكمة في كلّ تنهار بالآخر و مع عدمها لا يكون هناك إذعان بالعام و بالمفهوم، و مثله إذا كان كلّ من العموم و المفهوم مستفاداً من الدلالة الوضعية، فالظهور و إن كان منعقداً لكنّه يكون غير مستقر، لأنّ كلاً قابل للتصرف فيالآخر، و هذا إن دل على شي ء فإنّما يدلّ على كون الشكّ في وجود الصغرى، و هو خارج عن نطاق النزاع، و يكون البحث مركّزاً على صورة واحدة و هي أقوائية أحدهما و أضعفية الآخر کأن يكون الأقوى وضعياً و الأضعف إطلاقياً.

و أمّا القول الخامس و هو التفصيل الذي اختاره المحقّق النائيني من شرطية كون المفهوم أخصّ مطلق من العام، فهذا ليس شرطاً في مخصصية المفهوم، بل هو شرط في مخصصية الخاص سواء أ كان مفهوماً أو منطوقاً.

و اما القول السادس: ففيه انه يرجع الی انکار الظهور في المفهوم اذا کان متصلا و هو اجنبي عن المقام لانه في کون ايهما مقدما بعد فرض الظهور, و اما کونه ظاهرا ام لا فقد اجاب عنه المحقق النائيني بقوله: ان اتصال العموم بالكلام يستحيل ان يكون مانعاً من انعقاد ظهوره في المفهوم - الی ان قال - بيان ذلك: ان احتياج ظهور الكلام في المفهوم إلى جريان مقدمات الحكمة انما هو لإثبات انحصار قيد الحكم بما ذكر في المنطوق و عدم دخل شي ء آخر في ذلك الحكم لا منضماً إلى القيد المذكور في الكلام و لا بدلا عنه و اما كون القيد المذكور فيه راجعا إلى الحكم لا إلى موضوعه الّذي هو المناط في ظهور الكلام في المفهوم كما عرفت في بحث المفاهيم فالإطلاق أجنبي عنه و انما يثبت

ص: 384

ذلك بظهور وضعي و من الواضح ان إطلاق متعلق العموم لا يصلح ان يكون مانعاً من الظهور الوضعي ليرفع اليد به عن المفهوم و يلتزم برجوع القيد إلى ناحية الموضوع فبعد الفراغ عن ظهور القضية في حد نفسها في المفهوم لا يبقى إشكال في تقدمه على العموم و كونه مبيّنا لدائرة متعلقه(1).

و اما القول الثاني اي عدم جوازه مطلقا فيبتني علی انّ كون الدلالة مفهومية أضعف من الدلالة المنطوقية توجب الأقوائية, و قد تقدم في البحث السابق عدم الفرق بينهما، بل ربما يكون المفهوم أقوى من الآخر، و لذلك لا مانع من تخصيص العام بالمفهوم إذا حاز سائر الشرائط، و عليه فالقول الأوّل هو الصحيح.

نظرية المحقّق البروجردي في المقام

ثمّ إنّ السيد المحقّق البروجردي قال: يتقدّم المفهوم على العام لأجل انّ التعارض يرجع إلى اختلاف المطلق و المقيد، فإنّ قوله في العام: «خلق اللّه الماء طهوراًلا ينجسه شي ء إلّا ما غيّر لونه و طعمه أو رائحته» يعطي أنّ تمام الموضوع لعدم الانفعال هو الماء، و لكن قوله: «الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شي ء» يعطي أنّ الماء بعض الموضوع و أمّا تمام الموضوع للاعتصام فهو الماء بقيد الكرية، فيقدّم ما له المفهوم على العام تقدّم المقيد على المطلق(2).

و فيه: أنّ ما ذكره لا علاقة له بالمطلق والمقيد على المطلق، بل هما من تقدّم المفهوم على العام بما هو هو من غير دخل لعنوان آخر کالاطلاق و التقييد.

ص: 385


1- أجود التقريرات، ج 1، ص: 502
2- نهاية الأُصول: 324.

و ربما لا يجري ما ذكره في بعض الموارد، أي لا يكون هناك حديث عن الإطلاق و التقييد. كما إذا قال: أكرم العلماء ثمّ قال: أكرم فسّاقهم إذا أحسنوا إليك، فعلى فرض عدم إحسانهم يكون المفهوم عدم وجوب إكرام فسّاقهم فيتعارضان في العالم الفاسق، فلو قدّم العام يجب إكرامه، و لو قدّم المفهوم لا يجب، و ليس هناك حديث عن الإطلاق و التقييد.

الفصل الثالث عشر: الاستثناء المتعقِّب للجمل

إذا كانت هناك جمل متعاطفة و تعقّبها استثناء فهل يرجع الاستثناء إلى الجميع أو إلى الأخيرة، أو لا ظهور له في أحدهما و إن كان الرجوع إلى الأخيرة متيقناً؟

و مثاله قوله سبحانه في حقّ القاذف: ﴿وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾(1) فوقع الكلام في أنّ الاستثناء في قوله سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِك﴾ هل يرجع إلى الحكم الأخير أعني:

ص: 386


1- النور: 54 ؛ هذا و المراد من «المحصنات» في الآية هو العفائف، فانّ تلك اللفظة تطلق تارة و يراد بها إحصان العفة، فيعم كلّ مرأة عفيفة، سواء أ كانت مجردة أم متزوّجة، و قد تطلق و يراد بها إحصان التزوّج حيث إنّ المتزوّجة تُحْصِن نفسها، و المراد كما عرفت هو الأوّل، و ذلك لأنّ الميزان في حرمة القذف هو كون المرأة متعفّفة لا متزوّجة، و إن كان مورد نزول الآية هو المتزوّجة.

﴿أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُون﴾ أو يرجع إلى الجميع، يعني الأحكام الثلاثة: من الحكم بالجلد و عدم قبول الشهادة و الحكم بالفسق؟

تحرير محل النزاع

ثم انه لا يخفى عدم اختصاص البحث بالاستثناء، بل يجري في سائر التوابع من النعت و الحال و غيرهما.

کما و ان المخصص المنفصل يسقط الجميع عن الحجية، فانه و ان انعقد لكل منها ظهور في العموم مع الانفصال و انقطاع البيان، لكنه للعلم الإجمالي بتخصيص بعضها أو كلها لا تجري أصالة العموم في شي ء منها، فإذا ورد «أكرم العلماء، أكرم الصلحاء، أكرم الشعراء» ثم ورد «لا تكرم الفاسق» فان كان للخاص ظهور في العموم أو الإطلاق، فلا إشكال في كونه معارضاً لكل منها معارضة العموم من وجه.

و ان لم يكن له ظهور كذلك صار مجملا، و لإجماله لا يصلح لأن يكون مخصصاً، بعد انعقاد ظهور لكل من الجمل المذكورة في العموم، لانفصال الخاصّ عن جميعها، و عدم ارتباطه بها، لعدم كونه من التوابع و الملابسات، و تساوي نسبته إلى الجميع، فتسقط حينئذ أصالة العموم عن الحجية، للعلم الإجمالي المزبور, و عليه فمحل النزاع هو الكلام الواحد الّذي يمكن أن يرجع فيه الخاصّ إلى الكل أو الأخيرة بحسب القواعد العربية، بأن يكون من التوابع و يصلح للقرينية و ليس هذا إلّا مع العطف، و كون الخاصّ من الملابسات.

ص: 387

اذا عرفت هذا فيقع الكلام في مقامين: أحدهما في مقام الثبوت،. و المراد منه إمكان الرجوع إلى الجميع، و الآخر في مقام الإثبات و المراد منه استظهار ظهور الجملة في أيّ واحد منهما.

المقام الأوّل: في مقام الثبوت و إمكان الرجوع إلى الجميع

هل رجوع الاستثناء إلى عامّة الجمل المتقدّمة أمر ممكن أو لا؟ ذهب المحقّق الخراساني الی أنّ إمكان الرجوع إلى الجميع أمر مسلّم فقال ما حاصله: أن تعدد المستثنى و المستثنى منه و وحدتهما لا يوجبان اختلافاً في ناحية أدوات الاستثناء بحسب المعنى و هو الإخراج، سواء كان الموضوع له في الحروف عاماً أم خاصاً، ضرورة أن أداة الاستثناء تستعمل دائماً في معناها- أعني الإخراج- و لا يتفاوت هذا المعنى بين تعدد المخرج و المخرج عنه و وحدتهما، فلو كانالموضوع له في الأدوات خاصاً لما كان تعدد المستثنى و المستثنى منه مضراً بالإخراج الشخصي، حيث ان نسبة الإخراج شخصية، لكنها باعتبار تعدد أطرافها تنحل إلى نسب ضمنية، إذ جزئية النسبة لا تنافي انحلالها. و عليه، فلا مانع من صحة رجوع الاستثناء إلى الكل و لو قيل بوضع الأدوات لجزئيات النسبة الإخراجية(1).

و ذهب المحقّق البروجردي إلى امتناع الرجوع إلى الجميع لأنّ معاني الحروف معان فانية و مندكَّة في المستعمل فيه، فإذا رجع إلى الأخيرة فيندك فيها و معه كيف يرجع إلى غيرها فقال: إنّ الحروف آلة للحاظ المعاني الاسمية و فانية فيها، و لا يمكن فناء واحد في أُمور كثيرة، و لا يقاس ذلك بالاستثناء المتعدّد - جاء القوم إلّا زيداً و عمراً و بكراً - فانّ حروف العطف فيها رابطة فيُخرَجُ الأوّل بإلّا, و يرتبط الثاني به بحرف العطف،

ص: 388


1- كفاية الأُصول: 234 .

بخلاف الاستثناء الواحد من الجمل الكثيرة - أكرم العلماء، و أهن الفساق، و سلّم على الطلّاب - فانّه من قبيل استعمال اللفظ الواحد في معاني متعددة(1).

و فيه, أوّلاً: انه ورد النص بامکانه فکيف يکون محالا؟ فروى القاسم بن سليمان قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن الرجل يقذف الرجل فيُجلَد حداً ثمّ يتوب و لا يعلم منه إلّا خير، أ تجوز شهادته؟ قال نعم. ما يقال عندكم؟ قلت: يقولون توبته فيما بينه و بين اللّه و لا تقبل شهادته أبداً. فقال: بئس ما قالوا، كان أبي يقول: إذا تاب و لم يُعلم منه إلّا خير جازت شهادته»(2), فقد دلت علی أنّ القاذف إذا تاب تقبل شهادته، و معنى ذلك انّ الاستثناء يرجع إلى الجملة الثانية أيضاً, و الرواية و ان کانت ضعيفة بالقاسم لانه مهمل الّا انها موثوق بها لان الراوي عنه هو حماد و هو من اصحاب الاجماع و علی فرض کونها ضعيفة فهي حجّة من أهل اللسان على إمكان رجوع الاستثناء إلى الجمل المتوسطة، فلو كان أمراً محالاً لما أخبر به الراوي و من بعده من الرواة الراوين عنه باعتبار کونهم من أهل اللسان.

و ثانيا: انّ دلالة الحروف في إفادة الوحدة و الكثرة تابعةً لمتعلّق الاستثناء، فإن كان متعلّق الاستثناء واحداً يتحد، و إن كان كثيراً يتكثّر. و المفروض انّ متعلّقهكثير، حيث ان المستثنى منه متعدّد، و المستثنى قابل للانطباق، على مصاديق كلّ الجمل المتقدّمة.

و ثالثا: انّ الاستثناء و إن كان مستعملاً في الاستثناء المندك لكن رجوعه إلى أكثر من واحد لا يستلزم كون المعنى الربطي الواحد حقائق ربطية متكثرة، إذ هو في المثال المعروف أكرم العلماء و الطلاب و التجار إلّا الفساق استعملت في الاستثناء المندك في

ص: 389


1- لمحات الأُصول: 314.
2- الوسائل: 18، الباب 36 من أبواب الشهادات، الحديث 3.

الفسّاق، غير أنّ الذي يُصحّح رجوعه إلى أكثر من واحد ليس عروض الكثرة على المعنى الربطي الواحد، بل لأجل وجود كثرة و سعة في متعلّقه، أي نفس مفهوم الفسّاق حيث يشمل الفاسق من الطوائف الثلاث، فلو كان المستثنى قابلاً للانطباق على أكثر من واحد بالذات، لسرت الكثرة مجازاً و بالعرض إلى نفس الاستثناء و لا يلزم من ذلک استعمال اللفظ الواحد في معاني متعددة.

المقام الثاني: في بيان ما هو ظاهر فيه

إذا أمكن رجوع الاستثناء إلى الأخير او الجميع فيقع الكلام في استظهار ما هو الظاهر من الأمرين؟

اقول: اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:

الاول: ظهور الكلام في رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة الأخيرة، و انه و إن كان رجوعه إلى غير الأخيرة ممكنا لكنّه يحتاج إلى قرينة عليه ذهب اليه و العلّامة(1)، و صاحب الفصول(2). و فيه: ان الظاهر رجوعه الی الکل عرفا کما سيأتي .

الثاني: ظهوره في رجوعه إلى جميع الجمل؛ و تخصيصه بالأخيرة فقط هو الذي يحتاج إلى الدليل, و هو مختار الشيخ الطوسي رحمه الله (3), و هو الحق لانه هو الظاهر و کفی به دليلا, و استدل له الشيخ بقوله: أنّ الكلام إذا عطف بعضه على بعض بالواو الموضوعة للجمع

ص: 390


1- مبادئ الوصول: 136.
2- الفصول: 204؛ و نسبه الشيخ الطوسيّ إلى السيّد المرتضى، فراجع العدّة 1: 321 ؛ و ذهب إليه أبو حنيفة کما نقله الشيخ عنه و کما في الإحكام (للآمدي) 2: 438 .
3- العدّة 1: 221. و إليه ذهب الشافعيّ من العامّة کما نقله الشيخ عنه في العدة 220.

صار كأنّه مذكور بلفظ واحد، أ لا ترى أنّه لا فرق بين أن يقول القائل: «رأيت زيدا و عمرا و خالدا» و بين أن يقول: «رأيتهم»بلفظ يشملهم، فإذا صحّ ذلك فالاستثناء لو ذكر عقيب الجملة المتناولة لجميعهم كان متعلّقا بهم، فكذلك إذا ذكر عقيب الجمل المعطوف بعضها على بعض، لأنّها في حكم الجملة الواحدة.

ثم قال: و يدلّ أيضا على ما ذهبنا إليه: أنّ الاستثناء بمشيّة اللّه إذا تعقّب جملا كثيرة وجب رجوعه إلى جميعها، فكذلك يجب أن يكون حكم الاستثناء الآخر مثله، و العلّة الجامعة بينهما ما قدّمناها من افتقار كلّ واحد منهما إلى ما يتعلّق به، و كونه غير مستقلّ بنفسه(1).

ثم قال: و استدلّ من خالف على صحّة ما ذهب إليه بأن قال:

أنّ الاستثناء إنّما وجب تعليقه بما تقدّم لأنّه لا يستقلّ بنفسه، و لو استقلّ بنفسه لما وجب ذلك فيه، فإذا علّقناه بما يليه فقد أفاد و استقلّ بنفسه، فلا معنى لردّه إلى جميع ما تقدّم(2).

و الجواب عن ذلك: أنّ هذا أوّلا ينتقض بالشّرط و الاستثناء بمشيئة اللّه، لأنّهما إنّما علّقا بما تقدّم، لأنّهما لا يستقلّان بأنفسهما، و مع هذا لا يجب تعليقهما بما يليهما فحسب دون ما تقدّم، فكذلك القول في الاستثناء.

ثمّ إذا وجب تعليقه بما تقدّم لكونه غير مستقل بنفسه، فلم صار(3) بأن يعلّق بما يليه بأولى من أن يعلّق بما قبله؟ و إذا لم يكن هناك ما يخصّصه بما يليه وجب تعليقه بجميع ما تقدّم لفقد الاختصاص.

ص: 391


1- العدّة 1: 221.
2- حاصله: أنّ التعليق بالغير خلاف الأصل، فليقتصر فيه على قدر الضرورة.
3- حاصله: منع كون التعليق بالغير خلاف الأصل.

و استدلّوا أيضا بأن قالوا: قد ثبت أنّ الاستثناء من الاستثناء لا يرجع إلّا إلى ما يليه، و لا يرجع إلى الجملة الأولى، فكذلك القول في الجمل الكثيرة يجب أن يكون حكمه ذلك الحكم في رجوعه إلى ما يليه.

ثم قال: و الجواب عن ذلك من وجوه:

أحدها: إنّا إنّما أوجبنا في الجمل الكثيرة أن يرجع إلى جميعها لما كانت معطوفة بعضها على بعض بواو العطف الّتي يوجب الاشتراك و يصيّر الجمل الكثيرة في حكم الجملة الواحدة على ما بيّناه، و ليس هذا موجودا في الاستثناء من الاستثناء، لأنّه ليس هناك ما يوجب اشتراك الجملة الثّانية للجملة الأولى، فلا يجب أن يرجع إلى الجملة الأولى.

و الثّاني: إنّه إنّما لم يحسن ذلك لأنّه لا يفيد شيئا، لأنّ القائل إذا قال: «لزيد عندي عشرة إلّا ثلاثة» فقد أقرّ له بالسّبعة، فإذا قال بعد ذلك: «إلّا واحدا» فإن رددناه إلى الجملتين معا لكان يجب أن ينقص من الثّلاثة واحدا فيصير المستثنى منه ثمانية، و كان يجب أن ينقص من الجملة الأولى أيضا واحدا فيرجع إلى السّبعة فلا يفيد إلّا ما أفاد الاستثناء الأوّل، و لا يكون لدخول الاستثناء الثّاني فائدة.

قولنا: إنّه لا بدّ أن يكون استثناء من الجملة الّتي يليها فيصير إقرارا بالثّمانية و يكون ذلك مفيدا.

و ليس لأحد أن يقول: هلّا رددتموه إلى الجملة الأولى فحسب و جعلتم كأنّه أقرّ بستّة.

و ذلك أنّ هذا لم يعتبره أحد، لأنّ أحدا لم يقل: إنّه يرجع إلى ما تقدّم، و لا يرجع إلى ما يليه و مع إمكان أن يرجع إليه، لأنّ النّاس بين قائلين: قائل يقول: إنّه يرجع إلى ما يليه و هو مقصور عليه، و قائل يقول: يرجع إليهما، و ليس هاهنا من يقول: إنّه يرجع إلى ما تقدّم، و لا يرجع إلى ما يليه، و ذلك باطل بالاتّفاق.

ص: 392

و لأنّ ذلك لو كان مردودا إليها لوجب دخول واو العطف فيه فيقول: «له عندي عشرة إلّا ثلاثة و إلّا واحدا» حتّى يكون إقرارا بالسّتة(1).

الثالث: عدم ظهوره في واحد منهما، و إن كان رجوعه إلى الأخيرة متيقّنا على كلّ حال. أمّا ما عدا الأخيرة فتبقى مجملة لوجود ما يصلح للقرينيّة، فلا ينعقد لها ظهور في العموم، فلا تجري أصالة العموم فيها و اليه ذهب إليه السيّد المرتضى(2) و اختاره المحقّق الخراسانيّ (3)، و المحقّق العراقيّ (4). قلت: و يرده ما تقدم من کلام الشيخ.

الرابع: التفصيل بين ما إذا كان الموضوع واحدا للجمل المتعاقبة لم يتكرّر ذكره، و قد ذكر في صدر الكلام مثل قولك: «أحسن إلى الناس، و احترمهم، و اقض حوائجهم إلّا الفاسقين»، و بين ما إذا كان الموضوع متكرّرا ذكره لكلّ جملة، كالآية الكريمة المتقدّمة، و إن كان الموضوع في المعنى واحدا في الجميع. فإنكان من قبيل الأوّل فهو ظاهر في رجوعه إلى الجميع؛ لأنّ الاستثناء إنّما هو من الموضوع باعتبار الحكم، و الموضوع لم يذكر إلّا في صدر الكلام فقط، فلا بدّ من رجوع الاستثناء إليه، فيرجع إلى الجميع؛ و إن كان من قبيل الثاني فهو ظاهر في الرجوع إلى الأخيرة؛ لأنّ الموضوع قد ذكر فيها مستقلاّ، فقد أخذ الاستثناء محلّه، و يحتاج تخصيص الجمل السابقة إلى دليل آخر مفقود بالفرض، فيتمسّك بأصالة عمومها(5), و هذا التفصيل مختار المحقّق النائينيّ.

ص: 393


1- العدّة 1: 221. و إليه ذهب الشافعيّ من العامّة کما نقله الشيخ عنه في العدة 220.
2- الذريعة 1: 249 .
3- الكفاية: 234 .
4- نهاية الأفكار 2: 541- 543 .
5- فوائد الأصول 2: 555 .

و فيه: انه يشهد لبطلان هذا القول نفس الآية المباركة التي تكرّر فيها الموضوع و التي جعلها شاهدا علی تفصيله فانها ظاهرة اولا برجوع الاستثناء الی الجميع مضافا الی ما ورد من النص المعتبر في تفسيرها من رجوع الاستثناء الی الجملة الثانية کما تقدم .

الفصل الرابع عشر: تخصيص الكتاب بالخبر الواحد

هل يجوز تخصيص الكتاب العزيز بالخبر الواحد أو لا؟ نظير الأمثلة التالية:

1. ﴿وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُم﴾(1) حيث تخصّص حلية وراء ذلكم بما ورد من أنّ المرأة لا تزوّج على عمتها و خالتها إلّا بإذنهما.

2. ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾(2) حيث خصّصت بأنّه لا ميراث للقاتل(3).

3. ﴿وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا﴾(4) حيث خصصت بما دلّ على جواز الربا بين الوالد و الولد، و الزوج و الزوجة.

اقول: قد اختلفت كلمتهم فيه - بعد ما اتّفقت علی جواز تخصيص العامّ الكتابي بنفس المخصّص الكتابي، كما لا ريب في جواز تخصيصه بالخبر المتواتر، وعلی تخصيص

ص: 394


1- النساء: 24.
2- النساء: 11.
3- الوسائل: 17، باب 7 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.
4- البقرة: 275.

الكتاب بالخبر الواحد المحفوف بالقرينة المفيدة للعلم - فذهب إلى المنع متقدمو أصحابنا، کالسيد المرتضى و الشيخ الطوسي و غيرهما, فقال السيد المرتضى: و الذي نذهب إليه أنّ أخبار الآحاد لا يجوز تخصيص العموم بها على كلّ حال، و قد كان جائزاً أن يتعبّدنا اللّه تعالى بذلك فيكون واجباً غير أنّه ما تُعبدنا به(1).

و قال الشيخ الطوسي: و الذي أذهب إليه انّه لا يجوز تخصيص العموم بها على كلّ حال، سواء خصّ بدليل متّصل أو منفصل أو لم يخص(2).

و حتی المحقّق الحلي و الذي هو فاتحة المتاخرين منع منه فقال: يجوز تخصيص العموم المقطوع به بخبر الواحد، و أنكر ذلك الشيخ أبو جعفر، ثمّ ذكر دليل المجيز بأنّهما دليلان تعارضا فيجب العمل بالخاص منهما لبطلان ما عداه من الأقسام, و أجاب عنه بأنّه لا نسلّم انّ خبر الواحد دليل على الإطلاق، لأنّ الدلالة على العمل به الإجماع على استعماله فيما لا يوجد عليه دلالة، فإذا وجدت الدلالة القرآنية سقط وجوب العمل به(3) .

ص: 395


1- الذريعة إلى أُصول الشريعة: 280/ 1.
2- العدّة 1: 344 .
3- المعارج: 46.

و المشهور بين المتأخرين و من بعدهم هو الجواز حتّى استدلّ المحقّق البروجردي بوجود السيرة المستمرة في جميع الأعصار عليه، و انّه لولاه لما قام للمسلمين فقه ضرورة ندرة خبر لم يكن على خلافه عموم الكتاب.

و حاصل الاقوال في المسألة هي: المنع، كما عرفته من المتقدمين, و الجواز، كما عرفته من المتاخرين, و التفصيل بين عام خُصّص بدليل قطعي، فيخصص بالخبر الواحد أيضاً، و غيره, و التوقّف في المسألة(1).

اقول: و قبل الخوض في البحث لابد من تشخيص المراد من خبر الواحد فنقول: يطلق الخبر الواحد باصطلاح المتأخرين علی مطلق الخبر الظني فکل خبر غير متواتر فهو من اخبار الاحاد, و اما عند المتقدمين کالسيد و الشيخ الطوسي و غيرهما فيراد به الخبر الشاذ و غير الموثوق به و قد اجمعوا علی عدم جواز العمل به فضلا عن تخصيص الکتاب به, و عليه فلا خلاف بين المتقدمين و المتأخرين و ذلک لان من يجوز تخصيص الکتاب بالخبر الواحد من المتأخرين انما يجوزه بمعتبر الاخبار لا بمطلقها و المتقدمون لا يردون العمل بالاخبار الموثوق بها و تخصيصها للکتاب العزيز, و عليه فلا اختلاف بين الفريقين و بذلک يتبين ان الحق هو الجواز و استدلّ له المحقّق الخراساني اولا: بما هو الواضح من سيرة الأصحاب على العمل بأخبار الآحاد في قبال عمومات الكتاب إلى زمن الأئمة عليهم السلام و احتمال أن يكون ذلك بواسطة القرينة واضح البطلان (إذ لو كان عملهم بأخبار الآحاد

ص: 396


1- لاحظ للوقوف على الآراء كتاب الفصول: 214.

لأجل القرينة لبان ذلك، لكثرة موارد العمل بها في قبال عمومات الكتاب و الحال عدم ظهور ذلک)»(1) .

و اورد عليه: أنّ ما ادّعاه من السيرة على تخصيص الكتاب بخبر الواحد غير ثابت، لمخالفة الأقطاب الثلاثة - المرتضی و الطوسي و المحقق - مضافاً إلى أنّ هناك من القدماء من يمنع حجّية الواحد مطلقاً، مخصّصاً كان للكتاب أو لا، و القدر المتيقن من السيرة، هو أخبار الآحاد المحفوفة بالقرائن، و قد كانت في العصور الأُولى محفوفة.

و لأجل توفّر القرائن في عصر القدماء، قسّموا الحديث إلى قسمين معتبر و غير معتبر، فما أيّدته القرائن الداخلية كوثاقة الراوي، أو الخارجية كوجوده في أصل معتبر ثابت انتسابه إلى جماعة كزرارة و محمد بن مسلم و الفضيل بن يسار،فهو صحيح أي معتبر يجوز الاستناد إليه، و الفاقد لكلتا المزيتين غير صحيح بمعنى انّه لا يمكن الركون إليه(2).

و فيه: ان الامر کما قال من ان الاخبار کانت محفوفة بالقرائن الداخلية او الخارجية فيحصل الوثوق بها عندهم لکنها لا تخرج بذلک عن کونها احاداً حسب اصطلاح المتاخرين, و عليه فهم کانوا يعملون بغير المقطوع الصدور من الاخبار و بذلک قامت السيرة القطعية على العمل بأخبار الآحاد في قبال عمومات الكتاب إلى زمن الأئمة عليهم السلام .

ص: 397


1- كفاية الأصول، ص: 236.
2- لاحظ: كليات في علم الرجال: 59 .

أدلة المانعين

احتجّ المانع بوجوه:

1. أن العام الكتابي قطعي الصدور، و خبر الواحد ظني الصدور و الدلالة، فلا يصلح لتخصيص القطعي.

و أجاب عنه المحقّق الخراساني بوجهين نقضي و حلي .

و حاصل الاول: أنه لو كانت قطعية صدور العام الكتابي مانعة عن تصرف الخبر الظني الصدور في دلالة العام الكتابي التي هي ظنية لزم عدم جواز تخصيص الخبر المتواتر الّذي هو كالعام الكتابي قطعي الصدور بخبر الواحد الّذي هو ظني الصدور أيضا، مع أن جوازه مجمع عليه و مسلم عند من ينكر تخصيص العام الكتابي بخبر الواحد. و هذا يدل على أن قطعية الصدور لا تصلح لمنع التخصيص بظني الصدور.

و حاصل الثاني: أن الدوران و التعارض يقع في الحقيقة بين أصالة العموم في العام الكتابي و بين دليل حجية الخبر، لا دلالته، لأن الخاصّ أقوى دلالة من العام، فلا شبهة في تقديمه عليه دلالة، فالكلام في حجية الخاصّ، إذ بدونها لا وجه لتقديمه على العام و لو كان نصاً، إذ لا بد أولا من إثبات صدوره حتى تكون دلالته معتبرة، حيث ان ظاهر كلام المعصوم حجة لا كلام غيره.

و الحاصل: أن طرفي المعارضة: أصالة العموم في العام الكتابي، و دليل حجية الخبر، فان ثبتت حجيته فلا ينبغي الإشكال في تقديمه على العام، لكونه أقوى دلالة منه، و ان لم تثبت حجيته، فمقتضى أصالة العموم في العام الكتابي سقوطالخاصّ عن الاعتبار. فالنتيجة: أنه لا مانع عن جواز تخصيص العام الكتابي بخبر الواحد بعد إثبات حجيته

ص: 398

بأدلتها من الكتاب و السنة و بناء العقلاء، لأن جريان أصالة العموم منوط بعدم دليل على خلافها، و أدلة حجية خبر الواحد تكون على خلافها، فتقدم عليها.

و الحاصل: أن أصالة العموم حجة مع عدم بيان على خلافها، و خبر الواحد- بعد حجيته بأدلتها- يكون بياناً على خلاف أصالة العموم، و مخصصاً للعام.

2. ما عن المحقق رحمه الله في المعارج من أن دليل حجية الخبر هو الإجماع و هو لبي، و المتيقن منه هو الخبر غير المخالف للكتاب فلا يشمل المخالف. و عليه فالمخالف يبقى تحت عدم حجية الأمارات غير العلمية.

و فيه: أن دليل حجية خبر الواحد ليس منحصراً بالإجماع، لما عرفت من استقرار سيرة الأصحاب على العمل بخبر الواحد المخالف للعام الكتابي، و مع هذه السيرة لا وجه لدعوى انحصار مستند حجيته بالإجماع كما هو واضح.

3. لو جاز التخصيص بالخبر الواحد، لجاز نسخ الكتاب به لكونهما مشتركين في أصل التخصيص و يختلفان في أنّ النسخ تخصيص في الأزمان، و الآخر تخصيص في الأفراد.

و اجاب عنه في التقريرات بوجهين:

الأول, ما حاصله: أن القاعدة و ان كانت مقتضية لعدم الفرق بين التخصيص و النسخ، إلّا أن الإجماع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد أوجب الفرق بينهما، و لولاه لقلنا بعدم الفرق بينهما، و بالجواز في كليهما .

الثاني، و حاصله: أن قياس النسخ بالتخصيص قياس مع الفارق، حيث ان الدواعي لضبط نواسخ القرآن كثيرة بحيث تصدى لضبطها جل الأصحاب، فلذلك قل الخلاف في تعيين موارد النسخ، فموارد النسخ ثابتة بالتواتر الموجب لعدم الخلاف، أو قلته فيها، و بهذا

ص: 399

التواتر يصير خبر الواحد موهوناً في إثبات النسخ، إذ لو كان لنقل بالتواتر. بخلاف التخصيص، فان دواعي ضبطه لما لم تكن كثيرة، فيحصل الوثوق بصدور الخبر الّذي يمكن تخصيص الكتاب به(1).

قلت: و يشهد لکونه قياسا مع الفارق اجماع و اتّفاق المسلمين على عدم جواز نسخ الكتاب بالخبر الواحد، بخلاف التخصيص فانّه أمر ذائع شائع فكم فرق بين قولنا: لا ميراث للقاتل المخصص لقوله تعالی ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾(2) فهو مخرج للقاتل عن تحت العموم، و بين نسخ حلية المتعة، الواردة في قوله سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾(3) بخبر الواحد الذي يدّعيه العامّة فهو بمنزلة رفع الحكم من رأس.

4. أن الاخبار الدالة على طرح الخبر المخالف للكتاب على كثرتها و اختلاف تعبيراتها من كون المخالف «باطلا» و «زخرفاً» و «لم نقله» و غير ذلك تدل على طرح كل خبر مخالف للكتاب و ان كانت مخالفته بالعموم و الخصوص، على ما يقتضيه إطلاق المخالفة، و تلك الاخبار تخصص عموم أدلة حجية خبر الواحد، و تخرج الخبر المخالف للكتاب عن دائرة أدلة الحجية، و مع خروجه عن حيز الحجية كيف يصلح لتخصيص العام الكتابي، فان المخصص لا بد أن يكون حجة، إذ لا معنى لتخصيص الحجة بغير الحجة. فالنتيجة: عدم جواز تخصيص العام الكتابي بخبر الواحد غير العلمي.

ص: 400


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 646
2- النساء: 11.
3- النساء: 24.

و أجاب المحقق الخراساني عن الدليل المزبور بوجوه:

الأول، و حاصله: أنه لو سلم صدق المخالفة- التي هي موضوع الاخبار الدالة على طرح ما خالف الكتاب- على المخالفة بالعموم و الخصوص، و لم نقل باختصاصها بالمخالفة التباينية، فلا بد من تخصيص المخالفة للكتاب بالعموم و الخصوص، و ذلك للعلم بصدور أخبار كثيرة مخالفة للكتاب بالعموم و الخصوص و جريان السيرة على العمل بها في مقابل عمومات الكتاب، و لا يكون ذلك الا لتخصيص المخالفة التي هي موضوع الاخبار الآمرة بطرح الخبر المخالف للكتاب بالمخالفة التباينية، و إخراج المخالفة بالعموم و الخصوص المطلق عن المخالفة، إذ لو لم نقل بهذا التخصيص يلزم طرح كثير من الاخبار التي علم بصدورها عن المعصومين عليهم السلام.

فالمتحصل: أن الخبر المخالف للكتاب بغير المخالفة التباينية ليس مشمولا للاخبار الدالة على طرح الخبر المخالف.

الثاني، و حاصله: أن المخالفة العرفية التي هي موضوع الاخبار الآمرة بطرح ما خالف الكتاب لا تشمل المخالفة بالعموم و الخصوص، حيث ان المخالفة العرفية ما يوجب توقف العرف و تحيرهم في استظهار المراد من الكلامين المتخالفين، و من المعلوم أن مخالفة الإطلاق و التقييد و العموم و الخصوص ليست كذلك، إذ لا شبهة في أن العرف يجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد، و العام على الخاصّ، و لا يتحير في الاستظهار و استكشاف المراد أصلا. و الفرق بين هذا الجواب و بين الاول واضح، إذ الأول ناظر إلى الخروج الحكمي، يعني: نسلم أن المخالفة للكتاب بالعموم و الخصوص مخالفة له، لكنها

ص: 401

خارجة عن حكم المخالفة للكتاب، و هو وجوب الطرح. و الثاني ناظر إلى الخروج الموضوعي، يعني: أن المخالفة بالعموم و الخصوص ليست مخالفة أصلا.

الثالث, و حاصله: أنه يحتمل أن يراد بالمخالفة في تلك الاخبار المخالفة للحكم الواقعي الّذي كتبه اللَّه تعالى على عباده، بأن يكون الواجب طرحه هو الخبر المخالف للحكم الواقعي، لا المخالف لظاهر الكتاب، فخبر الواحد المخالف لظاهر الكتاب يحتمل أن يكون موافقاً للحكم الواقعي. و مع هذا الاحتمال لا يحرز كونه مخالفاً للحكم الواقعي حتى تشمله الاخبار الآمرة بطرح ما خالف الكتاب، فلا يصح التمسك بها لطرحه، لكونه من التمسك بالدليل في الشبهة المصداقية، و هو غير جائز عند المحققين.

فالمتحصل: عدم صحة التشبث بتلك الاخبار لطرح الخبر المخالف للكتاب مخالفة العموم و الخصوص، و جواز تخصيص العام الكتابي بخبر الواحد، فالاخبار الآمرة بطرح الخبر المخالف لا تمنع عن تخصيص خبر الواحد المخالف بالعموم و الخصوص لعموم الكتاب.

اقول: ما قاله ثالثا ففيه: مضافاً إلى بُعده في نفسه، لعدم انسباقه إلى الذهن و عدم قرينة عليه, أنه إحالة على المجهول الّذي لا يمكن لنا معرفته إلّا بدلالة المعصوم عليه السلام، ضرورة أنه لا سبيل إلى إحراز الواقع حتى تحرم مخالفته، مع أن موافقة الكتاب جعلت معياراً لصدق الخبر بعد عرضه على الكتاب، و المسلمعرضه على ظاهر الكتاب إذ العرض على واقع الكتاب غير ممكن لنا بعد وضوح عدم السبيل إلى معرفته.

ص: 402

و اما جوابه الاول فقد يورد عليه: بان حمل هذه الروايات على الخبر المباين يوجب حملها على الفرد النادر، لعدم وجود الخبر المباين في الروايات، فيكون الكلام بعيداً عن البلاغة.

و فيه: إنّ علماءنا الأبرار بذلوا جهوداً جبارة في تهذيب أحاديث الشيعة عن الموضوعات، فلا تجد المباين في الجوامع الحديثية إلّا نادراً، و إلّا فقبل دورة التهذيب كانت الروايات المتباينة غير عزيزة.

الفصل الخامس عشر: في دوران الأمر بين التخصيص و النسخ

اعلم أنّ العامّ و الخاصّ المنفصل يختلف حالهما من جهة العلم بتأريخهما معا، أو بتأريخ أحدهما، أو الجهل بهما معا. فقد يقال في بعض الأحوال بتعيين أن يكون الخاصّ ناسخا للعام، أو منسوخا له، أو مخصّصا إيّاه. و قد يقع الشكّ في بعض الصور، و لتفصيل الحال نقول: إنّ الخاصّ و العامّ من ناحية تأريخ صدورهما لا يخلوان من خمس حالات:

فإمّا أن يكونا معلومي التأريخ، أو مجهولي التأريخ، أو أحدهما مجهولا و الآخر معلوما، هذه ثلاث صور. ثمّ المعلوم تأريخهما: إمّا أن يعلم تقارنهما عرفا، أو يعلم تقدّم العامّ، أو يعلم تأخّر العامّ؛ فتكون الصور خمسةً.

لکن قال في تحرير الاصول: الحق ان هذا البحث لا طائل تحته لان ما بايدينا في کتب الاخبار من العمومات و مخصصاتها منقولة عن الائمة الاطهار عليهم السلام و النسخ في زمانهم و بتوسطهم غير محتمل و لا مسموع من احد من الائمة عليهم السلام انه قام بنسخ حکم من الاحکام و ان الشريعة الغراء قد تمت و کملت في زمن الرسول الاکرم صلی الله عليه و

ص: 403

اله قال تعالی ﴿اليوم اکملت لکم دينکم و اتممت عليکم نعمتي و رضيت لکم الاسلام دينا﴾(1).

و کان شأن الائمة عليهم السلام اتمام الحجة و تتميم البيان مما قد خفي علی الناس اما لقصور الناقلين من اصحاب النبي صلی الله عليه و اله عن الفهم الصحيح ام انهم لم يتفق ابتلاؤهم بالحکم کي يسألوا حکمه عن النبي صلی الله عليه و الهفيبقی مستورا عليهم او لوقوع التحريف في الاحکام بتحريف المبدعين او دس الدساسين و وضع الکذابين و شاع في زمانه صلی الله عليه و اله حتی نقل عنه صلی الله عليه و اله انه قال «قد کثرت الکذابة عليّ الّا فمن کذب عليّ فليتبوء مقعده من النار»(2) او لاجل المنع من کتابة الحديث و طول المدة و ذهول ذاکرة الاصحاب بل موت کثير منهم – الی ان قال - و علی کل حال لم يعهد وقوع النسخ في عصرهم عليهم السلام و لم يسمع من احد من اصحابهم ان يروي عنهم ذلک فهذا الاحتمال منتف قطعا(3).

اقول: و الی إمتناع النسخ بعد رحيل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ذهب المحقّق النائيني(4),

و تبعه المحقق الخوئي(5) و هو الصحيح و عليه فلا نحتمل ورود النسخ في کلامهم عليهم السلام حتی يحصل الترديد بينه و بين التخصيص, مضافا الی عدم وجود مورد

ص: 404


1- المائدة:3 .
2- الوسائل ج12 ص249 باب 139
3- تحرير الاصول السيد المحقق الجزائري ج3 ص407.
4- فوائد الأُصول: 734/ 4.
5- مصباح الأُصول: 385/ 3.

واحد واقعي - لا مجرد فرض- يذکر کثمرة لهذا البحث و لاجل هذا نعرض عن تفاصيله.

و کذلک النسخ و البداء فلا علاقة لهما بعلم الاصول و نکتفي في البحث عنهما بما في الکفاية .

في النسخ و البداء

قال في الکفاية: «أنّ النسخ و إن كان رفع الحكم الثابت إثباتا، إلّا أنّه في الحقيقة دفع الحكم ثبوتا، و إنّما اقتضت الحكمة إظهار دوام الحكم و استمراره أو أصل إنشائه و إقراره، مع أنّه بحسب الواقع ليس له قرار أو ليس له دوام و استمرار؛ و ذلك لأنّ النبيّ الصادع للشرع(1) ربما يلهم أو يوحى إليه أن يظهر الحكم أو استمراره مع اطّلاعه على حقيقة الحال و أنّه ينسخ في الاستقبال، أو مع عدماطّلاعه على ذلك، لعدم إحاطته بتمام ما جرى في علمه تبارك و تعالى(2). و من هذا القبيل لعلّه يكون أمر إبراهيم عليه السّلام بذبح إسماعيل عليه السّلام.

و حيث عرفت: أنّ النسخ بحسب الحقيقة يكون دفعا و إن كان بحسب الظاهر رفعا، فلا بأس به مطلقا، و لو كان قبل حضور وقت العمل، لعدم لزوم البداء المحال في حقّه تبارك

ص: 405


1- أي: النبيّ المظهر و المبيّن للشرع .
2- كما في القرآن الكريم: {وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ ما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ الأعراف/ 188.

و تعالى بالمعنى المستلزم لتغيّر إرادته تعالى مع اتّحادالفعل ذاتا وجهة(1)، و لا لزوم(2) امتناع النسخ أو الحكم المنسوخ، فإنّ الفعل(3) إن كان مشتملا على مصلحة موجبة للأمر به امتنع

ص: 406


1- هذا إشارة إلى أحد الوجوه الّتي استدلّ بها على امتناع النسخ. و حاصله: أنّ النسخ يستلزم البداء الباطل المستحيل في حقّه تعالى، لأنّ إثبات حكم في زمان و رفعه في زمان آخر يستلزم تعلّق إرادة الواجب تعالى بفعل في زمان و تعلّق إرادته تعالى بتركه في زمان آخر من دون أيّ تغيّر في الفعل، لا في أجزائه و لا أركانه و لا الجهة الّتي لها دخل في المصلحة الداعية للأمر به، و هذا هو البداء الباطل و المحال في حقّه تعالى، لأنّه مستلزم لجهله. ثمّ أجاب عنه صاحب الکفاية بما حاصله: أنّ الاستدلال بما ذكر إنّما يتمّ على القول بأنّ النسخ رفع الحكم. و أمّا بناء على القول بأنّه دفع الحكم فلا يتمّ، لعدم لزوم البداء المحال في حقّه تعالى، ضرورة أنّه حينئذ تعلّقت إرادته الجدّيّة من أوّل الأمر بتركه بعد مدّة، فلم تتغيّر إرادته.
2- هذا إشارة إلى الوجه الثاني من الوجوه الّتي استدلّ بها على استحالة النسخ و حاصله: أنّ ما أثبته اللّه تعالى من الأحكام تابع للمصالح أو المفاسد الّتي في متعلّقها. و ما له مصلحة في ذاته لا ينقلب عمّا هو عليه فيكون ذا مفسدة، و كذلك العكس، و إلّا لزم انقلاب الحسن قبيحا و انقلاب القبيح حسنا، و هو محال. و من هنا يظهر استحالة النسخ، لأنّ الفعل إن كان ذا مصلحة موجبة للأمر به امتنع النهي عنه إلّا إذا صار ذا مفسدة، و ما له مصلحة في ذاته لا يصير ذا مفسدة، للزوم انقلاب الحسن قبيحا؛ كما أنّ الفعل إذا كان ذا مفسدة موجبة للنهى عنه امتنع الأمر به إلّا إذا صار ذا مصلحة، و صيرورته كذلك محال، للزوم انقلاب القبيح حسنا. و أجاب عنه في الکفاية بما توضيحه: أنّ هذا الاستدلال أيضا إنّما يتمّ على القول بأنّ النسخ رفع الحكم. و أمّا بناء على أنّه دفع الحكم فلا يتمّ، لأنّ الأمر بالفعل لم يكن من جهة كونه مشتملا على مصلحة كي يمتنع دفعه، بل إنّما كان الأمر به أو إظهار دوامه عن حكمة و مصلحة إلهيّة غير المصلحة الّتي يكون الأمر بالشي ء تابعا لها، كمصلحة امتحان العبيد.
3- تعليل للزوم امتناع النسخ أو امتناع الحكم المنسوخ.

النهي عنه، و إلّا امتنع الأمر به. و ذلك(1) لأنّ الفعل أو دوامه لم يكن متعلّقا لإرادته، فلا يستلزم نسخ أمره بالنهي تغيير إرادته؛ و لم يكن الأمر بالفعل(2) من جهة كونه مشتملا على مصلحة، و إنّما كان إنشاء الأمر به أو إظهار دوامه عن حكمة و مصلحة.

و أمّا البداء في التكوينيّات بغير ذاك المعنى: فهو ممّا دلّ عليه الروايات المتواترات(3)، كما لا يخفى. و مجمله: أنّ اللّه تبارك و تعالى إذا تعلّقت مشيئته تعالى بإظهار ثبوت ما يمحوه، لحكمة داعية إلى إظهاره، ألهم أو أوحى إلى نبيّه أو وليّه أن يخبر به مع علمه, بأنّه يمحوه، أو مع عدم علمه(4) به، لما اشير إليه من عدم الإحاطة بتمام ما جرى في علمه، و إنّما يخبر به لأنّه حال الوحي أو الإلهام اطّلع على ثبوته و لم يطّلع على كونه معلّقا على أمر غير واقع أو عدم الموانع؛ قال اللّه تبارك و تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ ﴾(5) الآية (6) .

المقصد الخامس في المطلق و المقيّد و المجمل و المبيّن

ص: 407


1- أي: عدم لزوم البداء المحال في حقّه.
2- بيان لعدم لزوم امتناع النسخ أو امتناع الحكم المنسوخ.
3- راجع الكافي 1: 146- 149.
4- الضميران في علمه: يرجعان إلى النبيّ أو الوليّ.
5- الرعد 39.
6- كفاية الأصول ( مع تعليقة الزارعي السبزواري )، ج 2، ص: 194 .

و فيه فصول:

مقدمة: في معنى المطلق و المقيّد

عرّفوا المطلق ب «أنّه ما دلّ على معنى شائع في جنسه»(1), و يقابله المقيّد. و لما كان هذا التعريف غير جامع، لخروج اسم الجنس عن تحته لانّ أسماء الأجناس عند القوم وضعت للماهية من حيث هي هي غير المقيّدة بشي ء حتّى الشمول و الشيوع، عدل الشهيد الثاني إلى تعريفه: « المطلق هو اللفظ الدالّ على الماهية من حيث هي لا بقيد وحدة و لا تعدد، و المقيّد بخلافه»(2) حتّى يدخل أسماء الأجناس في تعريف المطلق.

و فيه: أنّه و إن أدخل اسم الجنس في تعريف المطلق لكنّه أخرج النكرة عن تحت المطلق مع أنّها من مصاديقه، كما إذا قال: أكرم رجلًا أو طالباً إلى غير ذلك، فانّ المفهوم من النكرة غير المفهوم من اسم الجنس فالتنوين آية الوحدة.

اقول: و الظاهر أنّه ليس للأصوليّين اصطلاح خاصّ في لفظي المطلق و المقيّد، بل هما مستعملان بما لهما من المعنى في اللغة، فإنّ المطلق مأخوذ من«الإطلاق»، و هو الإرسال و الشيوع، و يقابله التقييد, و عليه فالأولى أن يقال: انه لو كان اللفظ في مقام الموضوعية للحكم مرسلًا عن القيد فهو مطلق و إن كان مزدوجاً مع شي ء آخر فهو مقيد.

و بعبارة أُخرى: إذا كان ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع فهو مطلق أي مرسل عن القيد، و أمّا إذا كان جزء الموضوع و كان معه جزء آخر فهو مقيد بالقيد.

و تترتب على هذا التعريف هذه الامور:

ص: 408


1- نسب هذا التعريف المحقّق القمي إلى أكثر الأصوليّين؛ قوانين الأصول 1: 321.
2- تمهيد القواعد لزين الدين العاملي: 222/ 1.

الأول: انّ المقوم للإطلاق هو كون الشي ء تمام الموضوع من غير فرق بين كونه اسم جنس أو نكرة أو علماً، فالشيوع و عدم الشيوع بالنسبة إلى الإطلاق كالحجر في جنب الإنسان، بل يكفي كون الشي ء قابلاً للتقييد، فالقابل للتقييد إذا جرد عن القيد فهو مطلق.

الثاني: انّ الإطلاق ليس من المداليل اللفظية خلافاً للتعاريف السابقة، بل هو من المداليل العقلية حيث إنّ المتكلّم إذا كان في مقام بيان الموضوع و كان حكيماً غير ناقض لغرضه فأخذ لفظاً موضوعاً لحكمه و جرده عن القيد فالعقل يحكم بأنّه تمام الموضوع، و إلّا لما ترك المتكلّم الحكيم القيد اللازم في كلامه.

و أمّا جعل مبحث الإطلاق و التقييد من المباحث اللفظية فلأجل انّ مصب الإطلاق هو اللفظ و إلّا فاستنباط الإطلاق بمعنى كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع إنّما هو بالعقل.

الثالث: انّ مصب الإطلاق أعمّ من أن يكون اسم جنس أو نكرة أو معرّفاً باللام و لذا ينعقد الإطلاق حتی في الأعلام الشخصية، فان العلم الشخصيّ و المعرّف بلام العهد لا يسمّيان مطلقين باعتبار معناهما - لأنّه لا شيوع و لا إرسال في شخص معيّن- لکنهما مطلقان من حيث الاحوال؛ فإنّه إذا قال الآمر: «أكرم محمّدا» و عرفنا أنّ لمحمّد أحوالا مختلفة و لم يقيّد الحكم بحال من الأحوال، نستطيع أن نعرف أنّ لفظ «محمّد» هنا أو هذا الكلام بمجموعه يصحّ أن نصفه بالإطلاق بلحاظ الأحوال، و إن لم يكن له شيوع باعتبار معناه الموضوع له. إذن للأعلام الشخصيّة و المعرّف بلام العهد إطلاق، و كذلك عند ما نعرف أنّ العامّ لا يسمّى «مطلقا»، فلا ينبغي أنّ نظنّ أنّه لا يجوز أن يسمّى «مطلقا» أبدا؛ لأنّا نعرف أنّ ذلك إنّما هو بالنسبة إلى أفراده، أمّا بالنسبة إلى أحوال أفراده غير

ص: 409

المفردة فإنّه لا مضايقة في أن نسمّيه «مطلقا». إذن لا مانع من شمول تعريفالمطلق المتقدّم- و هو ما دلّ على معنى شائع في جنسه- للعامّ باعتبار أحواله، لا باعتبار أفراده.

الرابع: انّ التقابل بين الإطلاق و التقييد، اشبه بتقابل العدم و الملكة حيث إنّ المطلق فاقد لما يكون المقيد واجداً له و إنّما قلنا شبه التقابل، لأنّ تقابل العدم و الملكة يطلق على المورد الذي من شأنه أن يكون فيه الملكة كالعمى بالنسبة إلى البصر و ليس كلّ مطلق من شأنه أن يكون مقيداً، بل يكفي كونه قابلاً للتقييد و القول بأنّ التقابل بينهما تقابل الملكة و عدمها منسوب إلى سلطان العلماء و من تبعه من المتأخّرين(1).

الخامس: انّ الإطلاق و التقييد أمران إضافيان، فالدليل الواحد يمكن أن يكون مطلقاً من جهة و مقيداً من جهة أُخرى. كما إذا قال: أكرم إنساناً في المسجد فهو مطلق من حيث الموضوع و مقيد من حيث ظرف الإكرام.

السادس: انّ القوم لمّا فسّروا المطلق بما دلّ على شائع في جنسه بحثوا في ألفاظ يترقب فيها الدلالة على الشيوع كاسم الجنس و علمه و غيرهما, و أمّا على المختار فالبحث في معاني هذه الأصناف من الألفاظ ساقط لما عرفت من أنّ مقوم الإطلاق تمامية الشي ء للموضوع و عدمها، سواء أ كان اسم جنس أو علم جنس أو محلّى باللام، فاشتراط المطلق بكونه اسم جنس أو نظيريه كالحجر في جنب الإنسان و ليس لها أي دخل في تكوين الإطلاق.

ص: 410


1- فوائد الأصول 2: 565 .

الفصل الأوّل: في ألفاظ المطلق

1- اسم الجنس

اقول: لا شكّ أنّ الإطلاق في الأعلام بالنسبة إلى الأحوال ليس بالوضع، بل إنّما هو يستفاد من مقدّمات الحكمة, و كذلك إطلاق الجمل ليس بالوضع بل بمقدّمات الحكمة؛ و هذا لا خلاف فيه.

و إنّما الذي وقع فيه البحث هو أنّ الإطلاق في أسماء الأجناس و ما شابهها هل هو بالوضع أو بمقدّمات الحكمة؟ أي إنّ أسماء الأجناس هل هي موضوعة لمعانيها بما هي شائعة و مرسلة على وجه يكون الإرسال- أي الإطلاق- مأخوذا في المعنى الموضوع له اللفظ كما نسب إلى المشهور من القدماء قبل سلطانالعلماء(1) رحمه الله , أو أنّها موضوعة لنفس المعاني بما هي، و الإطلاق يستفاد من دالّ آخر، و هو نفس تجرّد اللفظ من القيد إذا كانت مقدّمات الحكمة متوفّرة فيه؟ و قد صرّح بالقول الثاني سلطان العلماء رحمه الله في حاشيته على معالم الأصول(2)، و تبعه جميع من تأخّر عنه(3).

و على القول الأوّل يكون استعمال اللفظ في المقيّد مجازا، و على القول الثاني يكون حقيقة.

ص: 411


1- نسب إليهم في فوائد الأصول 2: 564 و 566، و نهاية الأفكار، 2: 560 .
2- طبعت هذه الحاشية ضمن المعالم المطبوع سنة 1378، المكتبة العلميّة الإسلاميّة: 155.
3- راجع مطارح الأنظار: 218؛ كفاية الأصول: 287، فوائد الأصول 2: 566؛ نهاية الأفكار 2: 563 ؛ المحاضرات 5: 363 .

و الحقّ ما ذهب إليه سلطان العلماء رحمه الله و لقد اجاد العلامة المظفر في توضيح هذا القول و تحقيقه حيث قال: ينبغي تقديم امور ثلاثة:

الامر الاول: في اعتبارات الماهيّة

المشهور أنّ للماهيّة ثلاثة اعتبارات إذا قيست إلى ما هو خارج عن ذاتها(1)، كما إذا قيست الرقبة إلى الإيمان عند الحكم عليها بحكم ما، كوجوب العتق. و هي:

1. أن تعتبر الماهيّة مشروطة بذلك الأمر الخارج. و تسمّى حينئذ «الماهيّة بشرط شي ء»، كما إذا كان يجب عتق الرقبة المؤمنة، أي بشرط كونها مؤمنة.

2. أن تعتبر مشروطة بعدمه. و تسمّى «الماهيّة بشرط لا»(2)، كما إذا كان القصر واجبا في الصلاة على المسافر غير العاصي بسفره، أي بشرط عدم كونه عاصيا للّه بسفره، فأخذ عدم العصيان قيدا في موضوع الحكم.

3. ألّا تعتبر مشروطة بوجوده و لا بعدمه، و تسمّى «الماهيّة لا بشرط»، كوجوب الصلاة على الإنسان باعتبار كونه حرّا مثلا، فإنّ الحرّيّة غير معتبرة لا بوجودها و لا بعدمها في وجوب الصلاة؛ لأنّ الإنسان بالنظر الى الحرّيّة في وجوب الصلاة عليه غير مشروط بالحرّيّة و لا بعدمها، فهو لا بشرط بالقياس إليها.

ص: 412


1- راجع كشف المراد: 86- 88 .
2- و قد يقال: «الماهية بشرط لا شي ء» و يقصدون بذلك الماهية المجرّدة على وجه يكون كلّ ما يقارنها يعتبر زائدا عليها .

و يسمّى هذا الاعتبار الثالث ب«اللابشرط القسميّ»(1) في قبال «اللابشرط المقسميّ» الآتي ذكره. و إنّما سمّي «قسميّا»؛ لأنّه قسم في مقابل القسمين الأوّلين، أي الماهيّة بشرط شي ء و الماهيّة بشرط لا، و هذا ظاهر لا بحث فيه.

و لهم اصطلاحان آخران و هما: «الماهيّة المهملة», و «الماهيّة اللا بشرط المقسميّ».

و هل هذان الاصطلاحان تعبيران لمدلول واحد، أو هما اصطلاحان مختلفان في المعنى؟

و الذي يلجئنا إلى هذا الاستفسار ما وقع من الارتباك في التعبير عند بعض الأعلام فقد يظهر منه أنّهما اصطلاحان لمعنى واحد، كما هو ظاهر كفاية الأصول(2).

و اجاب عنه العلامة المظفر بقوله: لكن التحقيق لا يساعد على ذلك، بل هما اصطلاحان مختلفان, و توضيح ذلك: أنّ من المتسالم عليه - الذي لا اختلاف فيه و لا اشتباه - أمرين:

الأوّل: أنّ المقصود من «الماهيّة المهملة» الماهيّة من حيث هي، أي نفس الماهية بما هي مع قطع النظر عن جميع ما عداها، فيقتصر النظر على ذاتها و ذاتيّاتها.

الثاني: أنّ المقصود من «الماهيّة اللا بشرط المقسميّ» الماهيّة المأخوذة لا بشرط التي تكون مقسما للاعتبارات الثلاثة المتقدّمة، و هي- أي الاعتبارات الثلاثة- الماهيّة بشرط شي ء، و بشرط لا، و لا بشرط قسميّ. و من هنا سميت: «مقسما».

و إذا ظهر ذلك فلا يصحّ أن يدّعى أنّ الماهيّة بما هي هي تكون بنفسها مقسما للاعتبارات الثلاثة؛ و ذلك؛ لأنّ الماهيّة لا تخلو من حالتين، و هما: أن ينظر إليها- بما هي هي- غير

ص: 413


1- و تسمّى أيضا «الماهيّة المطلقة» كما يسمّى الماهيّة بشرط شي ء «الماهيّة المخلوطة»، و الماهيّة بشرط لا «الماهيّة المجرّدة».
2- كفاية الأصول: 283.

مقيسة إلى ما هو خارج عن ذاتها، او أن ينظر إليها مقيسة إلى ما هو خارج عن ذاتها، و لا ثالث لهما.

و في الحالة الأولى تسمّى «الماهيّة المهملة»، كما هو مسلّم. و في الثانية لا يخلو حالها من أحد الاعتبارات الثلاثة.

و على هذا فالملاحظة الأولى مباينة لجميع الاعتبارات الثلاثة و تكون قسمية لها، فكيف يصحّ أن تكون مقسما لها؟ و لا يصحّ أن يكون الشي ء مقسما لاعتباراتنقيضه؛ لأنّ الماهيّة من حيث هي- كما اتّضح معناها- ملاحظتها غير مقيسة إلى الغير، و الاعتبارات الثلاثة ملاحظتها مقيسة إلى الغير؟! على أنّ اعتبار الماهيّة غير مقيسة اعتبار ذهنيّ، له وجود مستقلّ في الذهن، فكيف يكون مقسما لوجودات ذهنيّة أخرى مستقلّة، و المقسم يجب أن يكون موجودا بوجود أقسامه، و لا يعقل أن يكون له وجود في مقابل وجودات الأقسام، و إلّا كان قسيما لها لا مقسما؟!

و عليه، فنحن نسلّم أنّ «الماهيّة المهملة» معناها اعتبارها «لا بشرط»، و لكن ليس هو المصطلح عليه باللابشرط المقسميّ، فإنّ لهم في «لا بشرط»- على هذا- ثلاثة اصطلاحات:

1. لا بشرط أيّ شي ء خارج عن الماهيّة و ذاتيّاتها، و هي الماهيّة بما هي هي التي يقتصر فيها النظر على ذاتها و ذاتيّاتها، و هي «الماهيّة المهملة».

2. لا بشرط مقسميّ، و هو الماهيّة التي تكون مقسما للاعتبارات الثلاثة، أي الماهيّة المقيسة إلى ما هو خارج عن ذاتها؛ و المقصود بلا بشرط هنا لا بشرط شي ء من الاعتبارات الثلاثة- أي لا بشرط اعتبار بشرط شي ء، و اعتبار بشرط لا، و اعتبار اللابشرط-، لا أنّ المراد بلا بشرط هنا، لا بشرط مطلقا من كلّ قيد و حيثيّة. و ليس هذا

ص: 414

اعتبارا ذهنيّا في قبال هذه الاعتبارات، بل ليس له وجود في عالم الذهن إلّا بوجود واحد من هذه الاعتبارات، و لا تعيّن له مستقلّ غير تعيّناتها، و إلّا لما كان مقسما.

3. لا بشرط قسميّ، و هو الاعتبار الثالث من اعتبارات الماهيّة المقيسة إلى ما هو خارج عن ذاتها.

فاتّضح أنّ «الماهيّة المهملة»، شي ء و «اللابشرط المقسميّ»، شي ء آخر. كما اتّضح أيضا أنّ الثاني لا معنی لأن يجعل من اعتبارات الماهيّة على وجه يثبت حكم للماهيّة باعتباره، أو يوضع له لفظ بحسبه.

الامر الثاني: في اعتبارات الماهيّة عند الحكم عليها

و اعلم أنّ الماهيّة إذا حكم عليها فإمّا أن يحكم عليها بذاتيّاتها، و إمّا أن يحكم عليها بأمر خارج عنها، و لا ثالث لهما.

و على الأوّل: فهو على صورتين:

1. أن يكون الحكم بالحمل الأوّليّ، و ذلك في الحدود التامّة خاصّة.

2. أن يكون بالحمل الشائع، و ذلك عند الحكم عليها ببعض ذاتيّاتها، كالجنس وحده أو الفصل وحده.

و على كلتا الصورتين فإنّ النظر إلى الماهيّة مقصور على ذاتيّاتها غير متجاوز فيه إلى ما هو خارج عنها. و هذا لا كلام فيه.

و على الثاني: فإنّه لا بدّ من ملاحظتها مقيسة إلى ما هو خارج عنها، فتخرج بذلك عن مقام ذاتها وحدها من حيث هي، أي عن تقرّرها الذاتيّ الذي لا ينظر فيه إلّا إلى ذاتها و ذاتيّاتها. و هذا واضح؛ لأنّه مع قطع النظر عن كلّ ما عداها لا يجتمع مع الحكم عليها بأمر خارج عن ذاتها؛ لأنّهما متناقضان.

ص: 415

و عليه، لو حكم عليها بأمر خارج عنها و قد لوحظت مقيسة إلى هذا الغير، فلا بدّ أن تكون معتبرة بأحد الاعتبارات الثلاثة المتقدّمة؛ إذ يستحيل أن يخلو الواقع من أحدها- كما تقدّم-، و لا معنى لاعتبارها باللابشرط المقسميّ؛ لما تقدّم أنّه ليس هو تعيّنا مستقلّا في قبال تلك التعيّنات، بل هو مقسم لها.

ثمّ إنّ الغير- أي الأمر الخارج عن ذاتها، الذي لوحظت الماهيّة مقيسة إليه- لا يخلو إمّا أن يكون نفس المحمول أو شيئا آخر، فإن كان هو المحمول فيتعيّن أن تؤخذ الماهيّة بالقياس إليه لا بشرط قسميّ؛ لعدم صحّة الاعتبارين الآخرين.

أمّا أخذها بشرط شي ء- أي بشرط المحمول- فلا يصحّ ذلك دائما؛ لأنّه يلزم أن تكون القضيّة ضروريّة دائما، لاستحالة انفكاك المحمول عن الموضوع بشرط المحمول. على أنّ أخذ المحمول في الموضوع يلزم منه حمل الشي ء على نفسه و تقدّمه على نفسه، و هو مستحيل إلّا إذا كان هناك تغاير بحسب الاعتبار، كحمل «الحيوان الناطق» على «الإنسان» فانّهما متغايران باعتبار الإجمال و التفصيل.

و أمّا أخذها بشرط لا- أي بشرط عدم المحمول- فلا يصحّ؛ لأنّه يلزم التناقض، فإنّ الإنسان بشرط عدم الكتابة يستحيل حمل الكتابة عليه.

و إن كان هذا الغير الخارج هو غير المحمول، فيجوز أن تكون الماهيّة حينئذ مأخوذة بالقياس إليه بشرط شي ء، كجواز تقليد المجتهد بشرط العدالة، أو بشرط لا، كوجوب صلاة الظهر يوم الجمعة بشرط عدم حضور الإمام، أو لا بشرط، كجواز السلام على المؤمن مطلقا بالقياس إلى العدالة مثلا- أي لا بشرط وجودها و لا بشرط عدمها-، كما يجوز أن تكون مهملة غير مقيسة إلى شي ء غير محمولها.

ص: 416

و لكن قد يستشكل في كلّ ذلك بأنّ هذه الاعتبارات الثلاثة اعتبارات ذهنيّة، لا موطن لها إلّا الذهن، فلو تقيّدت الماهيّة بأحدها عند ما تؤخذ موضوعا للحكم للزم أن تكون جميع القضايا ذهنيّة عدا حمل الذاتيّات التي قد اعتبرت فيها الماهيّة منحيث هي، و لبطلت القضايا الخارجيّة و الحقيقيّة، مع أنّها عمدة القضايا، بل لاستحال في التكاليف الامتثال؛ لأنّ ما موطنه الذهن يمتنع إيجاده في الخارج(1).

و هذا الإشكال وجيه لو كان الحكم على الموضوع بما هو معتبر بأحد الاعتبارات الثلاثة على وجه يكون الاعتبار قيدا في الموضوع أو نفسه هو الموضوع. و لكن ليس الأمر كذلك، فإنّ الموضوع في كلّ تلك القضايا هو ذات الماهيّة المعتبرة و لكن لا بقيد الاعتبار، بمعنى أنّ الموضوع في «بشرط شي ء» الماهيّة المقترنة بذلك الشي ء، لا المقترنة بلحاظه و اعتباره، و في «بشرط لا» الماهيّة المقترنة بعدمه، لا بلحاظ عدمه، و في «لا بشرط» الماهيّة غير الملاحظ معها الشي ء و لا عدمه، لا الملاحظة بعدم لحاظ الشي ء و عدمه، و إلّا لكانت الماهيّة معتبرة في الجميع بشرط شي ء فقط، أي بشرط اللحاظ و الاعتبار.

نعم، هذه الاعتبارات هي المصحّحة لموضوعيّة الموضوع على الوجه اللازم الذي يقتضيه واقع الحكم، لا أنّها مأخوذة قيدا فيه حتّى تكون جميع القضايا ذهنيّة. و لو كان الأمر كذلك، لكان الحكم بالذاتيّات أيضا قضيّة ذهنيّة؛ لأنّ اعتبار الماهيّة من حيث هي أيضا اعتبار ذهنيّ.

ص: 417


1- هذا ما أفاده المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول: 283. و راجع حاشية المشكيني على الكفاية (الطبع الحجريّ) 1: 377 .

و ممّا يقرّب ما قلناه- من كون الاعتبار مصحّحا لموضوعيّة الموضوع لا مأخوذا فيه مع أنّه لا بدّ منه عند الحكم بشي ء- أنّ كلّ موضوع و محمول لا بدّ من تصوّره في مقام الحمل، و إلّا لاستحال الحمل، و لكن هذه اللابدّيّة لا تجعل التصوّر قيدا للموضوع أو المحمول، و إنّما التصوّر هو المصحّح للحمل، و بدونه لا يمكن الحمل.

و كذلك عند استعمال اللفظ في معناه لا بدّ من تصوّر اللفظ و المعنى، و لكن التصوّر ليس قيدا للّفظ، و لا للمعنى، فليس اللفظ دالّا بما هو متصوّر في الذهن و إن كانت دلالته في ظرف التصوّر، و لا المعنى مدلولا بما هو متصوّر و إن كان مدلوليّته في ظرف تصوّره.

و يستحيل أن يكون التصوّر قيدا للّفظ أو المعنى، و مع ذلك لا يصحّ الاستعمال بدونه، فالتصوّر مقوّم للاستعمال لا للمستعمل فيه و لا للّفظ. و كذلك هو مقوّم للحمل و مصحّح له، لا للمحمول، و لا للمحمول عليه.

و على هذا، يتّضح ما نحن بصدد بيانه، و هو أنّه إذا أردنا أن نضع اللفظ للمعنى، لا يعقل أن نقصر اللحاظ على ذات المعنى بما هو هو مع قطع النظر عن كلّ ما عداه؛ لأنّ الوضع من المحمولات الواردة عليه، فلا بدّ أن يلاحظ المعنى حينئذ مقيسا إلى ما هو خارج عن ذاته، فقد يؤخذ بشرط شي ء، و قد يؤخذ بشرط لا، و قد يؤخذ لا بشرط. و لا يلزم أن يكون الموضوع له هو المعنى بما له من الاعتبار الذهنيّ، بل الموضوع له نفس المعتبر و ذاته لا بما هو معتبر، و الاعتبار مصحّح للوضع.

الامر الثالث: الأقوال في المسألة

قلنا فيما سبق: إنّ المعروف عن قدماء الأصحاب أنّهم يقولون بأنّ أسماء الأجناس موضوعة للمعاني المطلقة، على وجه يكون الإطلاق قيدا للموضوع له، فلذلك ذهبوا إلى أنّ استعمالها في المقيّد مجاز، و قد صوّر هذا القول على نحوين:

ص: 418

الأوّل: أنّ الموضوع له المعنى بشرط الإطلاق على وجه يكون اعتباره من باب اعتباره بشرط شي ء.

الثاني: أنّ الموضوع له المعنى المطلق، أي المعتبر لا بشرط.

و قد أورد على هذا القول بتصويريه- كما تقدّم- بأنّه يلزم على كلا التصويرين أن يكون الموضوع له موجودا ذهنيّا، فيكون جميع القضايا ذهنيّة، فلو جعل اللفظ بما له من معناه موضوعا في القضية الخارجيّة أو الحقيقيّة، وجب تجريده عن هذا القيد الذهنيّ، فيكون مجازا دائما في القضايا المتعارفة. و هذا يكذّبه الواقع.

و لكن نحن قلنا: إنّ هذا الإيراد إنّما يتوجّه إذا جعل الاعتبار قيدا في الموضوع له. أمّا لو جعل الاعتبار مصحّحا للوضع، فلا يلزم هذا الإيراد كما سبق.

هذا قول القدماء، و أمّا المتأخّرون ابتداء من سلطان العلماء قدّس سرّه فإنّهم جميعا اتّفقوا على أنّ الموضوع له ذات المعنى، لا المعنى المطلق حتّى لا يكون استعمال اللفظ في المقيّد مجازا.

و هذا القول بهذا المقدار من البيان واضح. و لكنّ العلماء من أساتذتنا اختلفوا في تأدية هذا المعنى بالعبارات الفنّيّة ممّا أوجب الارتباك على الباحث و إغلاق طريق البحث في المسألة. لذلك التجأنا إلى تقديم المقدّمتين السابقتين لتوضيح هذه الاصطلاحات و التعبيرات الفنّيّة التي وقعت في عباراتهم. و اختلفوا فيها على أقوال:

1. منهم من قال: إنّ الموضوع له هو الماهيّة المهملة المبهمة، أي الماهيّة من حيث هي(1).

ص: 419


1- هذا ما قال به المحقّق الخوئيّ في المحاضرات 5: 347. و هو الظاهر أيضا من كلام المحقّق الخراسانيّ في الكفاية: 282، حيث قال: «و لا ريب أنّها موضوعة لمفاهيمها بما هي هي مبهمة مهملة ...». اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ مراده من الماهيّة المبهمة المهملة هو الماهيّة اللابشرط المقسميّ.

2. و منهم من قال: إنّ الموضوع له الماهيّة المعبّرة باللاشرط المقسميّ(1).

3. و منهم من جعل التعبير الأوّل نفس التعبير الثاني(2) .

4. و منهم من قال: إنّ الموضوع له ذات المعنى، لا الماهيّة المهملة، و لا الماهيّة المعبّرة باللابشرط المقسميّ، و لكنّه ملاحظ حين الوضع باعتبار «اللابشرط القسميّ» على أن يكون هذا الاعتبار مصحّحا للموضوع، لا قيدا للموضوع له(3), و عليه يكون هذا القول نفس قول القدماء على التصوير الثاني إلّا أنّه لا يلزم منه أن يكون استعمال اللفظ في المقيّد مجازا؛ و لكنّ المنسوب إلى القدماء أنّهم يقولون: بأنّه مجاز في المقيّد، فينحصر قولهم في التصوير الأوّل(4), على تقدير صحّة النسبة إليهم.

و يتّضح حال هذه التعبيرات أو الأقوال من المقدّمتين السابقتين، فإنّه يعرف منهما:

أوّلا: أنّ الماهيّة بما هي هي غير الماهيّة باعتبار اللابشرط المقسميّ؛ لأنّ النظر فيها على الأوّل مقصور على ذاتها و ذاتيّاتها، بخلافه على الثاني؛ إذ تلاحظ مقيسة إلى الغير. و بهذا يظهر بطلان القول الثالث.

ص: 420


1- و هو المنسوب إلى سلطان العلماء. راجع فوائد الأصول 2: 570 و 572 .
2- و هو المحقّق النائينيّ، حيث قال: «فلا بدّ أن يكون موضوعا لجامع بينهما، و ليس ذلك إلّا اللابشرط المقسميّ، و هو الماهيّة المبهمة المهملة القابلة للانقسامات». فوائد الأصول 2: 572.
3- و هو الذي ذهب إليه العلامة المظفر .
4- و هو القول بأنّ أسماء الأجناس موضوعة بإزاء اللابشرط القسميّ و يكون الإطلاق و السريان مأخوذا في المعنى الموضوع له.

ثانيا: أنّ الوضع حكم من الأحكام، و هو محمول على الماهيّة خارج عن ذاتها و ذاتيّاتها، فلا يعقل أن يلاحظ الموضوع له بنحو الماهيّة بما هي هي؛ لأنّه لاتجتمع ملاحظتها مقيسة إلى الغير و ملاحظتها مقصورة على ذاتها و ذاتيّاتها. و بهذا يظهر بطلان القول الأوّل.

ثالثا: أن اللابشرط المقسميّ ليس اعتبارا مستقلّاً في قبال الاعتبارات الثلاثة؛ لأنّ المفروض أنّه مقسم لها، و لا تحقّق للمقسم إلّا بتحقّق أحد أنواعه- كما تقدّم-، فكيف يتصوّر أن يحكم باعتبار اللابشرط المقسميّ؟! بل لا معنى لهذا على ما تقدّم توضيحه. و بهذا يظهر بطلان القول الثاني.

فتعيّن القول الرابع، و هو أنّ الموضوع له ذات المعنى، و لكنّه حين الوضع يلاحظ المعنى بنحو اللابشرط القسميّ. و هو يطابق القول المنسوب إلى القدماء على التصوير الثاني، كما أشرنا إليه، فلا اختلاف، و يقع التصالح بين القدماء و المتأخّرين إذا لم يثبت عن القدماء أنّهم يقولون: «أنّه مجاز في المقيّد»، و هو مشكوك فيه.

بيان هذا القول الرابع أنّ ذات المعنى لمّا أراد الواضع أن يحكم عليه بوضع لفظ له، فمعناه أنّه قد لاحظه مقيسا إلى الغير، فهو في هذا الحال لا يخرج عن كونه معتبرا بأحد الاعتبارات الثلاثة للماهيّة. و إذ يراد تسرية الوضع لذات المعنى بجميع أطواره و حالاته و قيوده لا بدّ أن يعتبر على نحو اللابشرط القسميّ. و لا منافاة بين كون الموضوع له ذات المعنى، و بين كون ذات المعنى ملحوظا في مرحلة الوضع بنحو اللابشرط القسميّ؛ لأنّ هذا اللحاظ و الاعتبار الذهنيّ- كما تقدّم- صرف طريق إلى الحكم على ذات المعنى و هو المصحّح للموضوع له. و حين الاستعمال في ذات المعنى لا يجب أن يكون المعنى ملحوظا بنحو اللابشرط القسميّ، بل يجوز أن يعتبر بأيّ اعتبار كان ما دام الموضوع له ذات المعنى، فيجوز في مرحلة الاستعمال أن يقصر النظر على نفسه و يلحظه بما هو هو،

ص: 421

و يجوز أن يلحظه مقيسا إلى الغير فيعتبر بأحد الاعتبارات الثلاثة. و ملاحظة ذات المعنى بنحو اللابشرط القسميّ حين الوضع تصحيحا له لا توجب أن تكون قيدا للموضوع له.

و عليه، فلا يكون الموضوع له موجودا ذهنيّا، إذا كان له اعتبار اللابشرط القسميّ حين الوضع؛ لأنّه ليس الموضوع له هو المعتبر بما هو معتبر، بل ذات المعتبر، كما أنّ استعماله في المقيّد لا يكون مجازا لما تقدّم أنّه يجوز أن يلحظذات المعنى حين الاستعمال مقيسا إلى الغير، فيعتبر بأحد الاعتبارات الثلاثة التي منها اعتباره بشرط شي ء، و هو المقيّد(1).

2- المفرد المعرف باللام

ينقسم اللفظ إلى معرب و مبنيّ، و المعرب ما يختلف آخره باختلاف العوامل و لا يستعمل إلّا بالتنوين أو اللام أو الإضافة.

ثمّ اللام تنقسم إلى: لام الجنس، و لام الاستغراق، و لام العهد.

و لام العهد ينقسم إلى: عهد ذهني، أو ذكري، أو حضوري؛ فتكون الأقسام خمسة:

1. المُحلّى بلام الجنس: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْر﴾(2) و قولهم: التمرة خير من جرادة.

2. المُحلّى بلام استغراق الأفراد، مثل قولهم: جمع الأمير الصاغة.

اقول: في الحقيقة ان لام الجنس مرجعها الی لام الاستغراق و قد تقدم في العام و الخاص انه لا شک في ان المفرد المحلی باللام يدل علی العموم في الجملة کما اعترف به صاحب المعالم بل و حتی المنکرين لذلک قالوا به لکنهم ادعوا انه لاجل القرينة کما تقدم قول

ص: 422


1- أصول الفقه ( مع تعليقة الزارعي )، ص: 188
2- العصر: 2.

المحقق القمي, و مثله غيره(1), الّا ان من الملاحظ ان المفرد المحلی باللام علی قسمين: 1- اسم الجنس. 2- و غيره . و الذي يدل علی العموم هو الاول لا الثاني للتبادر بل هو الذي تقتضيه القاعدة فقوله تعالی ﴿الحمد لله﴾ يدل علی ان جنس الحمد يعني کل ما يصدق عليه هذا اللفظ لله جل و علا و هذا المعنی لا يختلف فيه اثنان و لا قرينة في البين و کذلک قوله تعالی ﴿احل الله البيع﴾ و لا يحتاج العموم فيه الی مقدمات الحکمة بخلاف غير الجنس کما في مثال «اکرم العالم» فانه لا يدل علی العموم الّا بواسطة مقدمات الحکمة .

4. المُحلى بلام العهد الذهني: كقولهم:

لقد أمرّ على اللئيم يسبّني *** فمررتُ ثمة قلت لا يعنيني

و المعروف أنّه بمنزلة النكرة، و الفرق بينهما انّ القصد في الأوّل إلى نفس الطبيعة من حيث هي هي، و في الثاني إلى الطبيعة من حيث وجودها في فرد، كقوله سبحانه: ﴿وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى ﴾(2).

5. المحلى بالعهد الذكري كقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا* فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾(3).

ص: 423


1- إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 493
2- يس: 20.
3- المزمل: 1615.

6. المحلّى بلام العهد الحضوري، مثل قول الصادق عليه السلام : عليك بهذا الجالس، مشيراً إلى زرارة بن أعين(1), و على القول بأنّ اللام للتعريف، فما هو الدالّ على هذه الخصوصيات؟ فهناك احتمالات:

1. الدالّ عليها هو اللام.

2. الدالّ عليها هو المدخول.

3. الدالّ عليها هو المجموع منهما.

4. الدالّ عليها هو القرائن.

و الأخير هو المتعيّن، في لام العهد کما يظهر ذلك بملاحظة الأمثلة المتقدّمة مثلًا استفادة العهد الذكري لأجل تقدّم قوله: ﴿رَسُولاً﴾ كما أنّ استفادة العهد الحضوري لأجل قوله ﴿عَلَيْكُم﴾.

و الثاني هو المتعين في لام الاستغراق و لام الجنس لأجل كون الدرهم اسم جنس و هو يشمل کل ما يصدق عليه کما تقدم و هکذا الدينار و الصاغة .

3- الجمع المحلّى باللام

لا شكّ أنّ الجمع المحلّى باللام يفيد العموم و لا وجه لعدّه من ألفاظ الإطلاق و قد تقدم الکلام فيه في العام و الخاص فلا نعيد .

4- النكرة

ص: 424


1- الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 19.

قال في الکفاية: «و منها: النكرة، مثل «رجل» في ﴿وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَة﴾(1)، أو في «جئني برجل»(2), و لا إشكال أنّ المفهوم منها في الأوّل(3), و لو بنحو تعدّد الدالّ و المدلول, هو الفرد المعيّن في الواقع، المجهول عند المخاطب، المحتمل الانطباق على غير واحد من أفراد الرجل. كما أنّه في الثاني(4) هي الطبيعة المأخوذة مع قيد الوحدة، فيكون حصّة من الرجل، و يكون كلّيّا ينطبق على كثيرين، لا فردا مردّدا بين الأفراد.

و بالجملة: النكرة - أي ما بالحمل الشائع يكون نكرة عندهم - إمّا هو فرد معيّن في الواقع غير معيّن للمخاطب، أو حصّة كلّيّة، لا الفرد المردّد بين الأفراد؛ و ذلك لبداهة كون لفظ «رجل» في «جئني برجل» نكرة، مع أنّه يصدق على كلّ من جي ء به من الأفراد، و لا يكاد يكون واحد منها هذا أو غيره، كما هو قضيّة الفرد المردّد لو كان هو المراد منها، ضرورة أنّ كلّ واحد هو هو، لا هو أو غيره(5), فلا بدّ أن تكون النكرة الواقعة في متعلّق الأمر هو الطبيعيّ المقيّد بمثل مفهوم الوحدة، فيكون كلّيّا قابلا للانطباق(6).

و حاصله: أنه لا ريب في كون النكرة في مثل «و جاء رجل» هو الفرد المعين في الواقع المجهول عند المخاطب، حيث ان الاخبار عن مجي ء رجل يستلزم تعين فرد من طبيعة

ص: 425


1- القصص/ 20. و هذا مثال لما إذا وقعت النكرة في الجملة الخبريّة.
2- و هذا مثال لما إذا وقعت النكرة في الجملة الإنشائيّة.
3- أي: في مورد الخبر.
4- أي: في مورد الإنشاء.
5- أي: لو كان المراد من النكرة هو الفرد المردّد لزم أن يصدق على كلّ فرد أنّه نفسه، لا أنّه نفسه أو غيره.
6- کفاية الاصول ط ال البيت عليهم السلام ص246.

الرّجل واقعاً و ان كان المخاطب جاهلا به، و لجهله به يكون الفرد المخبر بمجيئه محتمل الانطباق عنده على غير واحد من الافراد.

و أن المفهوم من النكرة في مثل «جئني برجل» هي الطبيعة المقيدة بالوحدة، بمعنى أن المراد بالنكرة هو الحصة القابلة للانطباق على كل فرد على البدل، لا ما قيل من: ان النكرة هي الفرد المردد، ضرورة أنها بمعنى الفرد المردد لاتنطبق على شي ء من الافراد، حيث ان كل فرد في الخارج هو نفسه، لا هو أو غيره كما هو قضية الفرد المردد.

و بالجملة: لا يصدق الكلي على شي ء إلّا إذا كان بما له من الحدود منطبقاً عليه، فان العالم العادل مثلا لا ينطبق على كل فرد من أفراد الإنسان، بل على خصوص المتلبس بالعلم و العدالة، فالعناوين الكلية الجوهرية و العرضية لا تصدق الّا على ما يكون واجداً لحدودها. و عليه، فلا يتصور للفرد المردد مصداق، ضرورة امتناع انطباق عنوان الفرد المردد بما هو مردد على الخارجيات، لأن الافراد الخارجية متعينة لا تردد فيها حتى تكون مصاديق لعنوان الفرد المردد.

مع أن من الواضح تحقق الامتثال في مثل «جئني برجل بإتيان أي فرد من أفراد الرّجل فلا مجال للقول بأن النكرة هي الفرد المردد، و انما هي الحصة المقيدة بالوحدة الصادقة على كل فرد على البدل.

و اورد عليه السيد المحقق المروج فقال: الحق أن للنكرة معنى واحداً لا معنيين، و هما: الفرد المعين واقعاً غير معين للمخاطب، و الحصة المقيدة بالوحدة، و ذلك لبعد الاشتراك و قلته، و كونه خلاف الأصل، لاحتياجه إلى تعدد الوضع. و المراد بذلك المعنى الواحد هو الحصة المقيدة بالوحدة المفهومية، بأن يقال: ان النكرة- و هي اسم الجنس المنون

ص: 426

بتنوين التنكير- وضعت للحصة المزبورة، فالدال على نفس الطبيعة هو اسم الجنس ك «رجل» و على الوحدة هو التنوين، ففي جميع الموارد يكون معنى النكرة واحداً و هو الطبيعة المقيدة بالوحدة المفهومية القابلة للانطباق على كثيرين.

نعم قد تخرج النكرة عن قابلية الانطباق على كثيرين بقرينة خارجية تقوم على التعين، كالاخبار عن مجي ء رجل فان الاخبار قرينة على تعين الرّجل عند المتكلم، كما أن الإنشاء في قوله: «أكرم أي رجل جاءك» قرينة على التعين عند المخاطب، و التعين المدلول عليه بدال آخر غير اسم النكرة- التي هي اسم الجنس المنون- لا يقدح في مفهوم النكرة، كما لا يقدح تقييد المطلق بمعنى الإطلاقكتقييد الرقبة بالايمان، و لذا لا يكون التقييد موجباً للمجازية كما حقق في محله(1), و الحاصل ان النكرة لا تخرج عن الكلية حتّى فيما إذا وقع تحت الإخبار.

ص: 427


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، هامش ص: 705 ؛ هذا و من الغريب انه ذهب العلّامة الحائري إلى إنّ النكرة مستعملة في كلا الموردين بمعنى واحد و انّه في كليهما جزئي حقيقي. و انه لا فرق بينهما إلّا انّ التعيين في الأوّل واقعي و في الثانية بيد المكلّف. (درر الفوائد: 200/ 1) و هو کما تری, و اجيب: أنّه خلط بين كون الصورة الذهنية بما انّها موجودة في الذهن و الوجود عين التشخّص، و بين كونه مفهوماً قابلاً للانطباق على كثيرين، و الجزئية بالمعنى الأوّل، لا تنافي الكلّية بالمعنى الثاني و إلّا فلا يوجد مصداق للكلّي، لأنّه بما هو موجود ذهني متشخص جزئي. إرشاد العقول الى مباحث الأصول، ج 2، ص: 698 .

الفصل الثاني: مقدّمات الحكمة

لمّا ثبت أنّ الألفاظ موضوعة لذات المعاني، لا للمعاني بما هي مطلقة، فلا بدّ في إثبات أنّ المقصود من اللفظ هو المطلق لتسرية الحكم إلى تمام الأفراد و المصاديق من قرينة خاصّة أو قرينة عامّة تجعل الكلام في نفسه ظاهرا في إرادة الإطلاق.

و هذه القرينة العامّة إنمّا تحصل إذا توفّرت جملة مقدّمات تسمّى: مقدّمات الحكمة, و قد اختلفوا فيها على أقوال:

الأوّل: أنّها ثلاث: 1. كون المتكلّم في مقام البيان. 2. انتفاء ما يوجب التعيين. 3. انتفاء القدر المتيقّن في مقام التخاطب. و هذا مذهب المحقّق الخراسانيّ(1).

الثاني: أنّها ثلاث، و هي المقدّمات المذكورة في الكفاية، و زاد في ثالثتها: «عدم وجود القدر المتيقّن مطلقا أي و لو من الخارج»(2).

الثالث: أنّها ثلاثة, و هي: 1- إمكان الإطلاق و التقييد.

2- عدم نصب قرينة على التقييد، لا متّصلة و لا منفصلة.

ص: 428


1- کفاية الاصول ط ال البيت عليهم السلام ص247.
2- نهاية الأفكار 2: 567.

3- أن يكون المتكلّم في مقام البيان، و هذا ما يظهر من كلام المحقّق الخوئيّ(1).

الرابع: أنّها اثنتان، و هي المقدّمة الثانية، و الثالثة المذكورتان في کلام المحقق الخوئي, و هذا مختار الشيخ الأنصاريّ و المحقق النائيني(2).

الخامس: أنّها واحدة ذهب الی هذا القول السيّد البروجرديّ، و هي كون المتكلّم في مقام البيان(3).

و ربما يُزاد عليها عدم وجود الانصراف, لکنه ليس بمقدّمة مستقلة، لأنّه داخل في المقدّمة الثانية، أي انتفاء ما يوجب التعيين.

و عليه فلابد من تحقيق الحال بالنسبة الی هذه المقدمات فنقول:

1- اما المقدمة الاولی اي إحراز كون المتكلّم في مقام بيان كلّ ما هو دخيل في متعلّق حكمه بحيث يكون الإخلال ببيان الأجزاء و الشرائط منافياً للحكمة لافتراض انّه في مقام بيان تمام ما هو الموضوع للحكم فلا ريب فيها لإنّه لو لم يكن في هذا المقام بأن كان في مقام التشريع فقط أو كان في مقام الإهمال، إمّا رأسا أو لأنّه في صدد بيان حكم آخر، فيكون في مقام الإهمال من جهة مورد الإطلاق فإنّه في كلّ ذلك لا ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق؛ أمّا في مقام التشريع بأن كان في مقام بيان الحكم لا للعمل به فعلا بل لمجرّد

ص: 429


1- المحاضرات 5: 364- 370.
2- مطارح الأنظار: 218؛ فوائد الأصول 2: 573- 576.
3- نهاية الأصول: 343.

تشريعه، فيجوز ألّا يبيّن تمام مراده، مع أنّ الحكم في الواقع مقيّد بقيد لم يذكره في بيانه انتظارا لمجي ء وقت العمل، فلا يحرز أنّ المتكلّم في صدد بيان جميع مراده. و كذلك إذا كان المتكلّم في مقام الإهمال رأسا؛ فإنّه لا ينعقد معه ظهور في الإطلاق، كما لا ينعقدللكلام ظهور في أيّ مرام. و مثله ما إذا كان في صدد حكم آخر، مثل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ﴾(1) الوارد في مقام بيان حلّ صيد الكلاب المعلّمة من جهة كونه ميتة، و ليس هو في مقام بيان مواضع الإمساك أنّها تتنجّس، فيجب تطهيرها أم لا، فلم يكن هو في مقام بيان هذه الجهة، فلا ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق من هذه الجهة.

2- و اما المقدمة الثانية اي عدم نصب قرينة على التقييد، لا متّصلة و لا منفصلة فلأنّه مع القرينة المتّصلة لا ينعقد ظهور للكلام إلّا في المقيّد، و مع المنفصلة ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق، و لكنّه يسقط عن الحجّيّة لقيام القرينة المقدّمة عليه و الحاكمة، فيكون ظهوره ظهورا بدويّا، و لا تكون للمطلق الدلالة التصديقيّة الكاشفة عن مراد المتكلّم، بل الدلالة التصديقيّة إنمّا هي على إرادة التقييد واقعا.

3- و اما المقدمة الثالثة اي إمكان الإطلاق و التقييد بأن يكون متعلّق الحكم أو موضوعه قبل فرض تعلّق الحكم به قابلا للانقسام، فلو لم يكن قابلا للقسمة إلّا بعد فرض تعلّق الحكم به- كما في باب قصد القربة- فإنّه يستحيل فيه التقييد، فيستحيل فيه الإطلاق- كما تقدّم في بحث التعبّديّ و التوصّليّ. و لا فرق بين کون المقدمة مقوّمة للإطلاق على نحو لولاها لما انعقد الإطلاق او کونها شرطا للتمسّك به, فانها مما لابد منها علی کلا التقديرين .

ص: 430


1- المائدة (5) الآية: 4.

4- و اما انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب, فاستدل له المحقق الخراساني: «بانه مع وجود القدر المتيقن لا إخلال بالغرض لو كان المتيقن تمام مراده فإن الفرض أنه بصدد بيان تمامه و قد بينه لا بصدد بيان أنه تمامه كي أخل ببيانه»(1).

و حاصله: أنه قد بين تمام مراده من المطلق, بالمتيقن الخطابي، فلو لم يرد الشياع منه لم يلزم إخلال بغرضه أصلا، فلا يقدح الإطلاق حينئذ، لكون المتيقن كالقرينة اللفظية الحافة بالكلام المانعة عن إرادة الإطلاق. نعم إذا كان بصدد بيان وصف التمامية للمتيقن، و أنه موصوف بكونه تمام مراده من المطلق بحيث لا يكون شي ء وراء هذا المتيقن مراداً له منه، و مع ذلك أطلق الكلام و أمر بعتق رقبةمثلا، و لم ينصب قرينة على اتصاف المتيقن بوصف كونه تمام المراد لَزِم من ذكر المطلق الإخلال بالغرض، و هو إرادة المتيقن بما هو تمام المراد، ضرورة أن التيقن الخطابي قاصر عن إثبات هذا الوصف للمتيقن بعد إمكان أن يكون المتيقن مراداً في ضمن سائر الافراد، و المفروض أنه لم ينصب قرينة على ذلك فلا ينفي تيقن بعض الافراد مرادية سائر الافراد حتى يتصف المتيقن بكونه تمام المراد، فتيقن الرقبة المؤمنة لا ينفي مطلوبية غيرها من أفراد الرقبة حتى يثبت لها وصف التمامية، فحينئذ لا مانع من التمسك بالإطلاق لإثبات كون الموضوع نفس الطبيعة لا المقيدة.

و اورد عليه المحقق النائيني: ان المتكلم الحكيم الملتفت لا بد له من إلقاء كلامه على طبق مرامه إطلاقا و تقييدا فإذا كانت إرادته مختصة بقسم خاص من المطلق المذكور في كلامه لزمه ان ينصب عليه قرينة متصلة أو منفصلة و مجرد اليقين بدخول ذلك القسم

ص: 431


1- کفاية الاصول ط ال البيت عليهم السلام ص247.

في موضوع حكمه أو في متعلقه لا يصلح لأن يكون قرينة على اختصاص الحكم به فإذا علم كون بعض افراد المطلق الّذي تعلق به الأمر مجزيا في مقام الامتثال لم يكن ذلك قرينة على اختصاص الأمر به لئلا يجوز الإتيان بغيره من افراد الطبيعة المأمور بها في مقام الامتثال و عليه فإذا كان المتكلم في مقام البيان و لم يأت بما يكشف عن اختصاص إرادته بقسم خاص كشف ذلك كشفاً إنيا عن عدم اختصاص إرادته بذلك القسم سواء كان هناك قدر متيقن في مقام التخاطب أم لم يكن كيف و لو كان وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب مضرا بالتمسك بالإطلاق لما جاز التمسك بالمطلقات في غير موارد ورودها إذ المورد من أظهر موارد وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب»(1).

اضف الی ذلک ان الملاک في وجود القرينة هو العرف و ما هو واضح و ظاهر عندهم, و مجرد وجود القدر المتيقن لدی التخاطب لا يکون كالقرينة اللفظية الحافة بالكلام المانعة عن إرادة الإطلاق عرفا و عهدتها علی مدعيها.

ما هو الأصل عند الشكّ في كون المتكلّم في مقام البيان؟

قال في الکفاية: «لا يبعد أن يكون الأصل فيما إذا شكّ في كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد هو كونه بصدد بيانه. و ذلك لما جرت عليه سيرة أهل المحاورات من التمسّك بالإطلاقات فيما إذا لم يكن هناك ما يوجب صرف وجهها إلى جهةخاصّة, و لذا ترى أنّ المشهور لا يزالون يتمسّكون بها مع عدم إحراز كون مطلقها بصدد البيان، و بعد كونه لأجل ذهابهم إلى أنّها موضوعة للشياع و السريان، و إن كان ربما نسب ذلك إليهم, و

ص: 432


1- أجود التقريرات، ج 1، ص: 530

لعلّ وجه النسبة ملاحظة أنّه لا وجه للتمسّك بها بدون الإحراز، و الغفلة عن وجهه»(1), و هو سيرة العقلاء علی البناء علی کون المتکلم في مقام البيان .

اقول: أنّ للشكّ في كونه في مقام البيان صورتين:

الأولى: أن لا يحرز أنّه في مقام البيان من أيّ جهة من الجهات، بل دار الأمر بين أن يكون في مقام البيان و أن يكون في مقام الإهمال من جميع الجهات، كما إذا شكّ في قوله تعالى: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْع﴾(2)، هل يكون في مقام بيان أصل التشريع أو في مقام بيان تمام المراد؟

الثانية: أن يحرز أنّه في مقام البيان من جهة خاصّة و يشكّ في كونه في مقام البيان من جهة اخرى، كما قال اللّه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ﴾(3)، و نعلم بإطلاقه من جهة أنّ حلّيّة أكله لا تحتاج إلى الذبح، سواء كان إمساكه من الحلقوم أو من موضع آخر، كان إلى القبلة أو إلى غيرها؛ و لا نعلم أنّه في مقام البيان من جهة طهارة محلّ الإمساك أو نجاسته.

و الظاهر من كلام المحقق الخراساني المتقدم هو ثبوت بناء العقلاء على حمل كلام المتكلّم على كونه في مقام البيان في كلتا الصورتين. و تبعه المحقّق العراقيّ(4).

و خالفه المحقّق الخوئيّ تبعا للنائينيّ بدعوى عدم قيام بناء العقلاء على حمل كلام المتكلّم على كونه في مقام البيان في الصورة الثانية فقال: «و أخرى يكون الشك من جهة سعة الإرادة و ضيقها يعني انا نعلم بأن لكلامه إطلاقاً من جهة و لكن نشك في إطلاقه

ص: 433


1- کفاية الاصول ص248.
2- البقرة/ 275.
3- المائدة/ 4.
4- نهاية الأفكار 2: 577 .

من جهة أخرى كما في قوله تعالى: «كلوا مما امسكن» حيث نعلم بإطلاقه من جهة ان حلية أكله لا نحتاج إلى الذبح سواء أ كان إمساكه من محل الذبح أو من موضع آخر كان إلى القبلة أو إلى غيرها و لكن لا نعلم أنه في مقام البيان من جهة أخرى و هي جهة طهارة محل الإمساك و نجاسته- ففي مثلذلك لا يمكن التمسك بالإطلاق كما عرفت، لعدم قيام السيرة على حمل كلامه في مقام البيان من هذه الجهة»(1).

اقول: و مع الشک في قيام السيرة فالامر کما قاله رحمه الله .

وهم و دفع

ثم قال صاحب الکفاية «لا يخفى عليك أن المراد بكونه في مقام بيان تمام مراده مجرد بيان ذلك و إظهاره و إفهامه و لو لم يكن عن جد بل قاعدة و قانونا لتكون حجة فيما لم تكن حجة أقوى على خلافه لا البيان في قاعدة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة فلا يكون الظفر بالمقيد و لو كان مخالفا كاشفا عن عدم كون المتكلم في مقام البيان و لذا لا ينثلم به إطلاقه و صحة التمسك به أصلا»(2).

قال السيد المحقق المروج: هذا إشارة إلى دفع ما يتوهم من عبارة التقريرات و دفعه، اما الوهم فحاصله: أن مقتضى الظاهر عدم جواز التمسك بالمطلقات بعد الظفر بمقيد

ص: 434


1- المحاضرات 5: 368- 369، أجود التقريرات 1: 531 .
2- کفاية الاصول ط ال البيت عليهم السلام ص248.

منفصل، لكشف المقيد عن عدم كون المتكلم بصدد بيان تمام مراده، و أنه كان في مقام الإهمال أو الإجمال، بل ربما يقال: بأنه يشكل التمسك بالإطلاق مع وجود الظن الغالب بوجود المقيد بالنسبة إلى الإطلاقات المتعارفة.

و حاصل الدفع: أن البيان على وجهين: أحدهما:

بيان المراد الجدي الواقعي، و هو المقصود في قاعدة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة.

ثانيهما: ما هو أعم من بيان المراد الواقعي، بأن يظهر الواقع و ان لم يكن مراداً جدياً له، بل يظهره و يلقيه إلى المخاطب بصورة القانون ليكون حجة و مرجعاً عند الشك في التقييد ما لم تقم حجة أقوى على خلافه، و هي دليل التقييد.

و المراد بالبيان في المقام هو هذا المعنى. و عليه، فلا يكون المقيد المنفصل كاشفاً عن عدم كون المتكلم في مقام البيان حتى لا يصح التمسك بالإطلاق، لكشف المقيد عن عدم كون المتكلم في مقام البيان، بل في مقام الإهمال أو الإجمال، فما جرت عليه السيرة من التمسك بالإطلاقات بعد الظفر بمقيد منفصل في غاية المتانة(1).

و ردّ: انه ما المراد من الحجية في قوله «لتکون حجة في ما لم تکن» الخ؟ اذ الحجية ليست الّا الکشف المعتبر عن المراد الجدي فاذا کان هذا اي القاعدة و القانون مرادا, فکيف جعله من مصاديق عدم الجد فقال ولو لم تکن عن جد؟(2).

ص: 435


1- منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج 3، ص: 721
2- تحرير الاصول؛ الموسوي الجزائري ج3 ص442.

و اجاب المورد نفسه عن هذا الاشکال في مبحث العام و الخاص بقوله: ان العام مستعمل دائما بنحو من الارادة الجدية المتعلقة به مع ضمائمه المنفصلة عنه, و کون العام مستعملا في العموم بالارادة الاستعمالية الخالية عن الجد غير صحيح و مخالف للواقع و لم نجده في کلمات صاحب الکفاية, و بالجملة الظاهر من الارادة الاستعمالية ارادة حکاية المعنی باللفظ و هي التي يتقوم بها الاستعمال و تکون الحقيقة و المجاز دائرةً مدارها, و اما الارادة الجدية المفقودة فالمراد منها ارادة تفهيم الحکم الشرعي الواقعي المجعول علی حسب المصالح الاولية و هو الغرض الاقصی من انشاء الادلة و بيانها, و اما الارادة الاستعمالية فهي ايضا جدية في مقابل الهزل لکن الغرض منها جعل القانون(1).

ثم قال: و ما ذکرنا واضح انما الاشکال في ما اذا کان مجيء المخصص و المقيد بعد حضور وقت العمل فانه يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة (و هو قبيح). و الجواب عنه: انا نلتزم بان حکم الله في تلک البرهة لاولئک هو الحکم الثانوي اي العموم او الاطلاق, فهو لهم مراد بالارادة الجدية و حاله في ذلک حال التقية(2).

و فيه: انهم کانوا معذورين لقصورهم عن الوقوف علی المخصص و المقيد بسبب حکومة الظالمين, و کان سبب التاخير وجود الحکومات الظالمة, لا ان العموم او الاطلاق مراد لهم بالارادة الجدية بل الحکم کما هو عليه في الواقع .

الانصراف

ص: 436


1- تحرير الاصول؛ الموسوي الجزائري ج3 ص442.
2- تحرير الاصول؛ الموسوي الجزائري ج3 ص328

قال في الکفاية «أنّه لا إطلاق له فيما كان له الانصراف إلى خصوص بعض الأفراد أو الأصناف، لظهوره فيه، أو كونه متيقّنا منه و لو لم يكن ظاهرا فيه بخصوصه حسب اختلاف مراتب الانصراف؛ كما أنّه منها ما لا يوجب ذا و لا ذاك، بل يكون بدويّا زائلا بالتأمّل؛ كما أنّه منها ما يوجب الاشتراك، أو النقل»(1).

اقول: ان الانصراف في کلام المحقق الخراساني على أنواع لابد من النظر في کل منها: الاول: الانصراف البدوي الناشئ عن غلبة الوجود الموجبة لانصراف المطلق إليه، كخطور ماء الفرات في ذهن من في سواحله، و هذا الانصراف لا يقيد المطلق، للقطع بعدم كون المنصرف إليه مراداً قبل التأمل و بعده و لا يزول بالتأمل.

الثاني: الانصراف الناشئ عن التشكيك في الماهية في متفاهم العرف، و هو على نحوين:

1- أن يكون التشكيك بمثابة يحكم العرف بخروج الفرد المنصرف عنه عن مصاديق المطلق، كانصراف لفظ «ما لا يؤكل لحمه» عن الإنسان، و عدم شموله له بنظرهم، و صيرورة لفظ «ما لا يؤكل» ظاهراً في غير الإنسان، و لذا جوز الفقهاء الصلاة في شعره و ظفره و بصاقه. و لا إشكال في كون هذا الانصراف مقيداً للإطلاق بغير المنصرف عنه، لكون المطلق مع هذا التشكيك كاللفظ المحفوف بالقرينة اللفظية المتصلة في المنع عن انعقاد الظهور للمطلق في الإطلاق، و موجب لظهوره في المنصرف إليه.

2- أن يكون التشكيك بمثابة يشك العرف في خروج الفرد المنصرف عنه عن مصاديق المطلق، كانصراف لفظ «الماء» عن ماء الزاج و النفط. و هذا الانصراف و ان لم يكن موجباً لظهور اللفظ في المنصرف إليه كما في الفرض السابق، إلّا أنه من قبيل اللفظ المحفوف بما يصلح للقرينية، و معه لا يكون اللفظ ظاهراً في الإطلاق، لفقدان شرط

ص: 437


1- کفاية الاصول ص249.

الإطلاق و هو عدم احتفاف الكلام بالقرينة و بالصالح للقرينية، فالانصراف في هذين الفرضين مانع عن التمسك بالإطلاق.

الثالث: الانصراف الناشئ عن بلوغ غلبة الاستعمال في فرد خاص حد المجاز المشهور عند تعارضه مع الحقيقة المرجوحة، لكنه يحكم في المجاز بالتوقف، و في المقام بالتقييد، لما مر في سابقه من فقدان شرط الإطلاق.

الرابع: الانصراف الناشئ عن بلوغ شيوع المطلق و غلبة استعماله في المنصرف إليه حد اشتراك لفظه بين المعنى الحقيقي الإطلاقي و بين المعنى المنصرف إليه، و لا يحمل على أحدهما إلّا بالقرينة المعينة، و عليه فهذا الانصراف يمنع أيضا عن الأخذ بالإطلاق، كما إذا فرض أن «الصعيد» وضع لمطلق وجه الأرض، ثم استعمل كثيراً في خصوص التراب الخالص بحيث صار مشتركاً بينهما، فإذا قال المولى: «تيمم بالصعيد» لا يحمل على المطلق إلّا بالقرينة.

لكن فيه: أنه يحمل على المنصرف إليه- و هو التراب الخالص- لأن كثرة الاستعمال قرينة، أو صالحة للقرينية على الحمل على المعنى المنصرف إليه، لما تقدم من توقف الإطلاق على عدم ما يصلح للقرينية.

الخامس: الانصراف الناشئ عن بلوغ كثرة الاستعمال حد النقل، و مهجورية المعنى المطلق، و حمل اللفظ على المعنى المنصرف إليه في هذه الصورة أولى من السابقة، كما لا يخفى.

و الحاصل إنّ انصراف الذهن إن كان ناشئا من ظهور اللفظ في المقيّد بمعنى أنّ نفس اللفظ ينصرف إلى المقيّد لكثرة استعماله فيه و شيوع إرادته منه، فلا شكّ في أنّه حينئذ لا مجال للتمسّك بالإطلاق، لأنّ هذا الظهور يجعل اللفظ بمنزلة المقيّد بالتقييد اللفظيّ،

ص: 438

و معه لا ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق حتّى يتمسّك بأصالة الإطلاق التي هي مرجعها في الحقيقة إلى أصالة الظهور.

و أمّا إذا كان الانصراف غير ناشئ من اللفظ، بل كان من سبب خارجيّ، كغلبة وجود الفرد المنصرف إليه أو تعارف الممارسة الخارجيّة له، فيكون مألوفا قريبا إلى الذهن من دون أن يكون للّفظ تأثير في هذا الانصراف، كانصراف الذهن من لفظ الماء في العراق إلى ماء دجلة أو الفرات، فالحقّ أنّه لا أثر لهذا الانصراف في ظهور اللفظ في إطلاقه، فلا يمنع من التمسّك بأصالة الإطلاق؛ لأنّ هذا الانصراف قد يجتمع مع القطع بعدم إرادة المقيّد بخصوصه من اللفظ. و لذا يسمّى هذا الانصراف باسم «الانصراف البدويّ»؛ لزواله عند التأمّل و مراجعة الذهن. فالمسح في آية الوضوء ينصرف إلى المسح باليد، و لاشک في كون هذا الانصراف مستندا إلى اللفظ، و ينصرف أيضا إلى المسح بخصوص باطن اليد. و لكن قد يشكّ في كون هذا الانصراف مستندا إلى اللفظ؛ فإنّه غير بعيد أنّه ناشئمن تعارف المسح بباطن اليد لسهولته؛ و لأنّه مقتضى طبع الإنسان في مسحه و ليس له علاقة باللفظ. و لذا إنّ جملة من الفقهاء أفتوا بجواز المسح بظهر اليد عند تعذّر المسح بباطنها تمسّكا بإطلاق الآية(1)، و لا معنى للتمسّك بالإطلاق لو كان لللفظ ظهور في المقيّد .

الفصل الثالث: في حمل المطلق على المقيّد

ص: 439


1- جواهر الكلام 5: 183.

لو حصل التنافي بين المطلق و المقيد فما هو حکمه؟ و لا يخفی ان المراد من معنى التنافي بين المطلق و المقيّد هو أنّ التكليف في المطلق لا يجتمع مع التكليف في المقيّد مع فرض المحافظة على ظهورهما معا، أي أنّهما يتكاذبان في ظهورهما، مثل قول الطبيب مثلا: «اشرب لبنا»، ثمّ يقول: «اشرب لبنا حلوا»، و ظاهر الثاني تعيين شرب الحلو منه، و ظاهر الأوّل جواز شرب غير الحلو حسب إطلاقه.

و عليه فيتحقّق التنافي بين المطلق و المقيّد إذا كان التكليف فيهما واحدا، كالمثال المتقدّم، و لا يتنافيان اذا كان التكليف في أحدهما معلّقا على شي ء و في الآخر معلّقا على شي ء آخر، كما إذا قال الطبيب في المثال: «إذا أكلت فاشرب لبنا، و عند الاستيقاظ من النوم اشرب لبنا حلوا». و كذلك لا يتنافيان لو كان التكليف في المطلق إلزاميّا، و في المقيّد على نحو الاستحباب، ففي المثال لو وجب أصل شرب اللبن فإنّه لا ينافيه رجحان الحلو منه باعتبار أنّه أحد أفراد الواجب. و كذا لا يتنافيان لو فهم من التكليف في المقيّد أنّه تكليف في وجود ثان غير المطلوب من التكليف الأوّل، كما إذا فهم من المقيّد في المثال طلب شرب اللبن الحلو ثانيا بعد شرب لبن ما.

إذا عرفت هذا فنقول: لو ورد في لسان الشارع مطلق و مقيّد متنافيان، سواء تقدّم أو تأخّر، و سواء كان مجي ء المتأخّر بعد وقت العمل بالمتقدّم أو قبله، فإنّه لا بدّ من الجمع بينهما إمّا بالتصرّف في ظهور المطلق فيحمل على المقيّد، أو بالتصرّف في المقيّد على وجه لا ينافي الإطلاق، فيبقى ظهور المطلق على حاله, و عليه فلابد من البحث هنا في أنّه أيّ التصرّفين أولى بالأخذ؟ و الجواب انه يختلف باختلاف الصور فيهما، فإنّ المطلق و المقيّد إمّا أن يكونا مختلفين فيالإثبات أو النفي، و إمّا أن يكونا متّفقين, و المتفقان إمّا يكونان مثبتين أو نافيين فهذه صور ثلاثة:

ص: 440

الصورة الاولی: أن يكون أحدهما مثبتاً و الآخر نافياً

و بعبارة اخری أن يكونا مختلفين في السلب و الايجاب، و هذه الصورة علی قسمين:

القسم الأوّل: أن يكون المطلق نافياً و المقيّد مثبتاً، كما إذا قال: لا تعتق رقبة و أعتق رقبة مؤمنة، فالتنافي بين الدليلين واضح، إذ لا يمكن تحريم عتق مطلق الرقبة مع إيجاب عتق الرقبة المؤمنة، كما لا يمكن كراهة عتق مطلق الرقبة و رجحان عتق الرقبة المؤمنة، فلا محيص في رفع التنافي من حمل المطلق على المقيّد؛ لأنّ المقيّد يكون قرينة على المطلق، فإذا قال: «اشرب اللبن»، ثمّ قال: «لا تشرب اللبن الحامض»، فإنّه يفهم منه أنّ المطلوب هو شرب اللبن غير الحامض. و هذا لا يفرق فيه بين أن يكون إطلاق المطلق بدليّا، نحو قوله: «أعتق رقبة»، و بين أن يكون شموليّا مثل قوله: «في الغنم زكاة»، المقيّد بقوله: «ليس في الغنم المعلوفة زكاة».

القسم الثاني: ما إذا كان المطلق مثبتاً و النافي مقيّداً، كما إذا قال: أعتق رقبة و لا تعتق رقبة كافرة، و هذا علی ثلاث صور:

1- إذا أحرز أنّ النهي تحريمي.

2- إذا أحرز أنّ النهي تنزيهيّ.

3- إذا تردّد بين الاحتمالين.

أمّا الأوّلی فالتنافي محرز، إذ لا يصحّ إيجاب عتق مطلق الرقبة الذي يشمل الكافر مع تحريم عتق خصوص الرقبة الكافرة، لأنّ الخاص الحرام قسم من العام الواجب، فلا يرتفع التنافي إلّا بحمل المطلق على المقيّد و هو جمع عرفي.

ص: 441

و أمّا الثانية أعني: إذا كان النهي تنزيهياً، كما إذا قال: صلّ و لا تصلّ في الحمّام، فلا مجال لحمل المطلق علی المقيد، إذ لا تنافي بين إيجاب الصلاة في مطلق الأمكنة و النهي عن الصلاة في الحمّام و يکون النهي إرشاداً إلى أقليّة الثواب، كما هو معنى الكراهة في العبادات.

و أمّا الثالث، أعني: إذا لم يحرز أنّ النهي تحريمي أو تنزيهي كالنهي عن الصلاة في مواضع التهمة مثلا، و هنا يکون الحمل تابع لتشخيص حکم النهي فان کان تحريميا فلا بدّ من حمل المطلق علی المقيد و الّا فلا وجه له.

الصورة الثانية: إذا كانا نافيين

إذا كان الدليلان نافيين، كما إذا قال: لا تشرب الخمر الذي هو بمنزلة «لا تشرب المسكر المأخوذ من العنب»، ثمّ قال: لا تشرب المسكر، فلا وجه لحمل المطلق على المقيّد، لعدم التنافي بين الدليلين، غاية الأمر يحمل النهي عن شرب الخمر على الحرمة المؤكّدة.

الصورة الثالثة: إذا كانا مثبتين

کما إذا قال: أعتق رقبة ثمّ قال: أعتق رقبة مؤمنة، فهل يحمل المطلق على المقيّد أو لا؟ ففيه مقامان: المقام الأوّل: أن يكون الإطلاق بدليّا، و المقام الثاني: أن يكون شموليّا.

فإن كان الإطلاق بدليّا فقال فيه المحقّق الخراساني الی انّه يمكن الجمع بين المطلق و المقيّد بأحد الوجهين:

ص: 442

1. حمل المطلق على المقيّد، لأنّ فيه جمعاً بين الدليلين.

2. حمل المطلق على أفضل الأفراد، و فيه أيضاً جمعاً بين الدليلين.

و يؤيَّد الوجهُ الأوّل بأنّ حمل المطلق على المقيد لا يحدث تصرّفاً في المطلق لكشف المقيّد عن عدم وجود الإطلاق و أنّه كان تخيّليّاً بخلاف حمل المقيّد على الاستحباب فإنّه تصرّف في دلالة الأمر.

و ردّ: بإنّ حمل المطلق على المقيّد أيضاً تصرّف، و ذلك لما عرفت من أنّ العثور على المقيّد و إن كان لا يكشف عن عدم كون المطلق وارداً في مقام البيان كما هو ظاهر كلام المؤيّد، لكن يكون كاشفاً عن عدم كون الإطلاق بمراد جدّاً و انّ الإرادتين ليستا بمتطابقتين، و هذا أيضاً نوع تصرّف.

و استدل المحقّق الخراساني لحمل المطلق على المقيّد بوجه آخر، و حاصله: انّ إطلاق الصيغة في الإيجاب التعييني أقوى من ظهور المطلق في الإطلاق، و ذلك لأنّ الأمر دائر بين الأخذ بالمطلق و رفع اليد عن الوجوب التعييني في موردالمقيّد، و بين أن يكون المكلّف مخيّراً بين عتق المؤمنة و الكافرة و الأخذ بالظهور التعييني في جانب المقيّد، و تكون النتيجة لزوم الإتيان بالقيد، و لكن الظهور الثاني أقوى من الظهور الأوّل فيتصرّف فيه ببركة الظهور الثاني(1), ففي مثل قوله: «أعتق رقبة» و «أعتق رقبة مؤمنة» يکون المقيّد ظاهرا في أنّ الأمر فيه للوجوب التعيينيّ، و التصرّف فيه - إمّا بحمله على الاستحباب أي أنّ الأمر بعتق الرقبة المؤمنة بخصوصها باعتبار أنّها أفضل الأفراد أو بحمله على الوجوب التخييريّ، أي إنّ الأمر بعتق الرقبة المؤمنة باعتبار أنّه أحد أفراد الواجب، لا لخصوصيّة فيها حتّى خصوصيّة الأفضليّة - و إن كان ممكنا، لكن ظهور المقيّد في الوجوب التعيينيّ

ص: 443


1- كفاية الأصول: 250.

مقدّم على ظهور المطلق في إطلاقه(1)؛ لأنّ المقيّد صالح لأن يكون قرينة للمطلق، و لعلّ المتكلّم اعتمد عليه في بيان مرامه، و لو في وقت آخر، لا سيّما مع احتمال أنّ المطلق الوارد كان محفوفا بقرينة متّصلة غابت عنّا، فيكون المقيّد كاشفا عنها.

مضافا الی ان أن إطلاق الرقبة مثلا في «أعتق رقبة» لا يقتضي تعين فرد من الافراد، و لذا يجزي في الامتثال عتق أي فرد من أفراد الرقبة. بخلاف الرقبة المؤمنة في «أعتق رقبة مؤمنة» فانه يقتضي تعين خصوص المؤمنة، و مع الدوران بين التعيين و التخيير يحكم العقل بالأول، لحصول يقين الفراغ به دون غيره، فلو لم تثبت أقوائية ظهور المقيد في التعيين كان مقتضى الأصل التعيينية، كما أنها قضية المقتضي و اللامقتضي، ضرورة تقدم الأول على الثاني

قلت: و بذلک تعرف ضعف ما قد يقال من ان كلا الأمرين من نتائج الإطلاق فلا وجه لتقديم أحدهما على الآخر بعد كون الجميع من نتائج شي ء واحد.

و إن كان الإطلاق شموليّا، مثل قوله: «في الغنم زكاة» و قوله: «في الغنم السائمة زكاة»، فلا تتحقّق المنافاة بينهما حتّى يجب التصرّف في أحدهما؛ لأنّ وجوب الزكاة في الغنم السائمة بمقتضى الجملة الثانية لا ينافي وجوب الزكاة في غير السائمة، إلّا على القول بدلالة الوصف على المفهوم، و قد عرفت أنّه لا مفهوم للوصف. و عليه فلا منافاة بين الجملتين لنرفع بها اليد عن إطلاق المطلق.

ص: 444


1- كفاية الأصول, ط ال البيت عليهم السلام 250.

و ينبغي التنبيه على أمرين:

الأوّل: حكم الأحكام الوضعية

لا فرق بين الأحكام التكليفية و الوضعية في أنّ مدار الحمل هو وجود التنافي بين حكمي المطلق و المقيّد، أي التنافي الذي هو لازم وحدة الحكم، فلو كان هذا الشرط موجوداً في الأحكام الوضعية، يحمل الوضعي المطلق على الوضعيّ المقيّد، كما إذا قال: لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه, ثمّ قال: صلّ في جلد السنجاب.

نعم لو انتفى التنافي يبقى الحكمان على حالهما، كما إذا قال: لا تصلّ في أجزاء ما لا يؤكل لحمه، ثمّ قال في دليل آخر:» لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه «، إذ لا مانع من أن تكون الصلاة في مطلق ما لا يؤكل لحمه فاسدة، و في خصوص وبره أيضاً كذلك، و إنّما خصّ الوبر لسبب خاص.

الثاني: في حكم المستحبّات

قد اشتهر على الألسن أنّ القيود في المستحبّات ليست مقوّمة للعمل فلا يجب حمل المطلق على المقيّد، فلو قال: زر الإمام الطاهر سيد الشهداء عليه السلام تحت السماء، ثمّ قال في دليل آخر: زر الإمام الطاهر سيد الشهداء عليه السلام، فلا يحمل المطلق على المقيّد، بل يحمل المقيّد على كونه أفضل الأفراد.

ص: 445

هذا هو المشهور بين الأصحاب، و إنّما الكلام في وجه هذا الحكم، فقد ذكروا هنا وجوهاً ثلاثة:

الاول: ان الغالب في باب المستحبّات هو تفاوت الأفراد بحسب مراتب المحبوبية(1)، فتكون تلك الغلبة قرينة على إرادة الأفضلية من القيد الوارد في المستحبّات، و انّ العمل معه من أفضل الأفراد.

و اجابه المحقق الخوئي بقوله: كون المستحبات ذات مراتب انما هو باعتبار غالب قيودها و من الواضح ان مجرد ثبوت الغلبة في ذلك لا تصلح لصرف ظهور القضية الشرطية في كونها ذات مفهوم و إلّا لزم الالتزام بعدم التقييد فيما إذا كان التقييد بمتصل أيضاً مع انه خلاف الواقع و المفروض فالصحيح في موارد كون القضية ذات مفهوم هو حمل المطلق على المقيد و الحكم باختصاص الطلب الاستحبابي بالمقيد(2).

مضافا الی انه ان كان المدار في التقديم أقوائية الظهور فكيف يوجب اختلاف المستحبات في المحبوبية ظهور دليل المقيد في تأكد الاستحباب، و الغلبة و ان كانت موجبة للظن بالتأكد، لكنها لا توجب ظهور اللفظ في ذلك، و هو المدار في تقديم أحد الظاهرين على الآخر. کما و انه لو کان المراد من الغلبة هو الغلبة في الوجود و أنّ القيود

ص: 446


1- کفاية الاصول ط ال البيت عليهم السلام ص 251
2- أجود التقريرات، ج 1، هامش ص: 542

في المستحبّات حسب التتبّع قيود لمراتب الفضيلة و تأكّد الاستحباب، فمن المعلوم أنّ كثرة الوجود لا توجب الانصراف.

لا يقال: انه يلزم من ذلک الحكم باستحباب خصوص المقيّد دون المطلق في باب المستحبّات، كما إذا ورد استحباب زيارة مولانا الحسين عليه السّلام بنحو الإطلاق، ثمّ ورد استحبابها في يوم عرفة، فلو كان ظهور إطلاق الصيغة في التعيينيّ أقوى من ظهور المطلق في الإطلاق و كان مقتضاه تقييد المطلق يلزم الحكم باستحباب زيارته عليه السّلام في خصوص يوم عرفة، و هو خلاف المشهور، فإنّهم بنوا فيها على حمل المقيّد على تأكّد الاستحباب.

فانه يقال: ان کثيرا من القيود الاستحبابية معلومة الحال لاحتفافها بالقرينة و عليه فالحکم باستحباب زيارة الحسين عليه السلام في يوم عرفه لا غير معلوم البطلان بل غير متوهم لکثرة الادلة في کون اصل الزيارة مستحبة مطلقا.

الثاني: إنّه مقتضى أدلّة التسامح في أدلّة المستحبات فيحكم باستحباب المطلق مع وجود المقيد مسامحة من باب صدق بلوغ الثواب عليه، لا لدليل نفس المطلق حتى يلزم تقييده. و هذا التسامح مفقود في الواجبات، و لذا يقيدون مطلقها بمقيدها(1).

و فيه: ما لا يخفى فأنه لو كان حمل المطلق على المقيد جمعاً عرفياً كان مقتضاه عدم الاستحباب الّا للمقيد، و حينئذ ان كان بلوغ الثواب صادقاً على المطلق كان استحبابه تسامحياً، و إلّا فلا استحباب له وحده ، مضافا الی أن مرجعه إلى تقوية دلالة دليل المطلق، و تضعيف دلالة دليل المقيد، و عدم صلاحية المقيد لتقييد المطلق، و هو مبني على

ص: 447


1- راجع وسائل الشيعة: 1، الباب 18 من أبواب مقدمات العبادات، ح 1و غيره .

جابرية أخبار من بلغ لضعف الدلالة، و هذا في غاية الضعف و السقوط، و أجنبي عن مفاد تلك الاخبار، و قد تعرضنا لذلک مفصلا في باب البراءة .

3. ما أفاده المحقّق النائيني بقوله: إنّه إذا لم يكن الأمر إلزامياً فلا وجه لرفع اليد عن الإطلاق بحمله على المقيّد منهما، و الوجه في ذلك هو أنّه إذا كان الحكم المتعلّق بالمقيد غير إلزامي جازت مخالفته، فلا تكون منافاة حينئذ بينه و بين إطلاق متعلّق الحكم الآخر، المستلزم لجواز تطبيقه على كلّ فرد أراد المكلّف تطبيقه عليه في الخارج، و من الواضح أنّه مع عدم المنافاة بينهما لا موجب لرفع اليد عن الإطلاق بحمله على المقيّد، ضرورة أنّ المنافاة إنّما ترتفع بعدم الإلزام و بالترخيص في ترك امتثال الحكم المتعلّق به فلا يكون هناك مانع من التمسّك بإطلاق متعلّق الحكم الآخر، سواء كان إلزامياً أم كان غير إلزامي(1).

و فيه: أنّ مجرّد كون الأمر بالمقيد غير إلزامي لا يكون سبباً للأخذ بالمطلق و إلغاء القيد بحجّة أنّ العمل بالمقيّد غير واجب, هذا اذا کان القيد ناظراً لبيان الدرجة العليا من المستحب.

و اما اذا کان القيد إرشاداً إلى الشرطيّة أو الجزئية أو المانعيّة و غيره، فلا محيص عن حمل المطلق على المقيّد إذ في هذه الصورة يكون القيد مقوّماً للعبادة, و لأجل ذلك لا تصحّ صلاة الليل بلا طهور و لا استقبال، و ما ذلك إلّا لأنّ صلاة الليل و إن لم تكن واجبة لكن حقيقة الصلاة تنتفي بانتفاء أحدهما.

ص: 448


1- أجود التقريرات: 542/ 1.

ثمّ إذا تردّد القيد بين كونه إرشاداً إلى الشرطية أو الجزئية أو المانعيّة أو كونه ناظراً لبيان الدرجة العليا من المستحب، کان مجملا و لا معين لاحدهما, فيتوقّف عن العمل فلا يصحّ الاكتفاء بالمطلق بإلغاء القيد.

هذا تمام الکلام في ما إذا لم يذكر السبب في كلّ من المطلق و المقيّد .

حکم ما إذا كان السبب مذكوراً

اما إذا كان السبب مذكوراً فله صور:

الأُولى: أن يكون السبب في أحدهما غيره في الآخر نوعاً، كما إذا قال: إذا أفطرت أعتق رقبة، ثمّ قال: إذا ظاهرت أعتق رقبة مؤمنة، فلا وجه للحمل، لعدم التنافي بين الحكمين، و بالتالي عدم وحدة الحكم.

الثانية: إذا كان السبب مذكوراً فيهما، و يكونان متّحدين نوعاً، كما إذا قال: إذا أفطرت أعتق رقبة، و إذا أفطرت أعتق رقبة مؤمنة، فالجمع بين الدليلين و إن كان يمكن بحمل المقيّد على أفضل الأفراد الا انه جمع تبرعي حيث لا ظهور للدليلين في ذلک بل هما مجملان من هذه الجهة, و عليه فلابد من الاخذ بالمتيقن و هو حمل المطلق علی المقيد .

الثالثة: إذا كان السبب مذكوراً في واحد منهما إذا كان السبب مذكوراً في أحدهما، كما إذا قال: أعتق رقبة، و قال: إن ظاهرت أعتق رقبة مؤمنة، فلو كان السبب مذكوراً في كليهما نستكشف من وحدة السبب وحدة الحكم، و أمّا إذا كان السبب مذكوراً في واحد دون الآخر، فبما أنّ وحدة الحكم ليست بمحرزة فنحتمل أن يكون هنا غرضان تامّان، أحدهما يتحقّق بعتق مطلق الرقبة، و الآخر بعتق الرقبة المؤمنة، فلا وجه للجمع

ص: 449

كما لا وجه للاقتصار على خصوص عتق الرقبة المؤمنة، لما عرفت من أنّ مرجع الشكّ في حصول الامتثال و سقوط التكليف.

الفصل الرابع: في المجمل و المبيّن

المجمل و المبيّن لغة و اصطلاحاً

عرّفوا المجمل اصطلاحا ب «أنّه ما لم تتّضح دلالته»(1) و يقابله المبيّن لکن الظاهر من الکفاية أن المجمل و المبين من أوصاف الكلام، و خروج مجملات المفردات كالوطن و ما شابهه، و الافعال و الإشارات، لعدم كونهما من الكلام فقال في الکفاية: «الظاهر أن المراد من المبين في موارد إطلاقه الكلام الذي له ظاهر و يكون بحسب متفاهم العرف قالبا لخصوص معنى و المجمل بخلافه فما ليس له ظهور مجمل و إن علم بقرينة خارجية ما أريد منه كما أن ما له الظهورمبين و إن علم بالقرينة الخارجية أنه ما أريد ظهوره و أنه مؤول»(2)، مع أن الظاهر عدم الوجه في تخصيص المجمل بالكلام، و لذا عد الفقهاء جملة من الألفاظ كالصعيد و الوطن و غيرهما من الألفاظ المجملة، فلا يختص المجمل و المبين بالمعاني التركيبية، بل يجريان في المعاني الإفرادية أيضا. و من هذا البيان تعرف أنّ المجمل يشمل اللفظ و الفعل اصطلاحا، و إن قيل: إنّ المجمل اصطلاحا مختصّ بالألفاظ، و من باب التسامح يطلق على الفعل، و معنى كون الفعل مجملا أن يجهل وجه

ص: 450


1- قوانين الأصول 1: 332؛ الفصول الغرويّة: 223؛ معالم الدين: 170.
2- کفاية الاصول ص252.

وقوعه(1)، كما لو توضّأ الإمام مثلا, بحضور واحد يتّقي منه أو يحتمل أنّه يتّقيه، فيحتمل أنّ وضوءه وقع على وجه التقيّة، فلا يستكشف مشروعيّة الوضوء على الكيفيّة التي وقع عليها، و يحتمل أنّه وقع على وجه الامتثال للأمر الواقعيّ فيستكشف منه مشروعيّته. و مثل ما إذا فعل الإمام شيئا في الصلاة كجلسة الاستراحة- مثلا- فلا يدرى أنّ فعله كان على وجه الوجوب أو الاستحباب، فمن هذه الناحية يكون مجملا، و إن كان من ناحية دلالته على جواز الفعل في مقابل الحرمة مبيّنا.

الإجمال و البيان وصفان نفسيان

ثم ان المجمل و المبين ملحوظان بالنسبة إلى العارف بالوضع، لا الجاهل به، فالكلام العربي الّذي له معنى ظاهر لا يعد مجملا عند غير العرب ممن لا يعرف معناه, و ليس الإجمال عبارة عن عدم علم المخاطب بالمعنى لجهله بوضعه. فالإجمال و البيان وصفان نفسيّان للكلام، يجمعهما كون اللفظ قالباً للمعنى و عدمه، و هذا شي ء يوصف به الكلام بما هو هو من دون إضافة إلى شخص.

و بذلک يظهر ضعف ما قاله المحقّق الخراساني من: «أنّهما وصفان إضافيّان ربما يكون مجملًا عند واحد لعدم معرفته بالوضع، أو لتصادم ظهوره بما حَفَّ به لديه، و مبيّناً لدى الآخر لمعرفته و عدم التصادم بنظره»(2).

مضافا الی انّه لو كان ملاك الإجمال جهل المخاطب باللغة، يلزم أن يكون القرآن كلّه مجملًا عند من لا يعرف لغته، و مبيّناً عند من يعرف، و هو بديهي البطلان و على كل حال لا يطلق لفظ المجمل الّا بعد الفحص و المراجعة.

ص: 451


1- کما في الفصول الغرويّة: 224؛ مطارح الأنظار: 225.
2- کفاية الاصول ص253.

اسباب الإجمال

و اما سبب الإجمال فيكون لأسباب كثيرة؛ فإذا كان مفردا فقد يكون إجماله لكونه لفظا مشتركا و لا قرينة على أحد معانيه، كلفظ «عين»، و كلمة «تضرب» المشتركة بين المخاطب و الغائبة، و «المختار» المشترك بين اسم الفاعل و اسم المفعول.

و قد يكون إجماله لكونه مجازا، أو لعدم معرفة عود الضمير فيه الذي هو من نوع «مغالطة المماراة»، مثل قول القائل لمّا سئل عن أفضل أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فقال: «من بنته في بيته» و كقول عقيل حينما امره معاوية لعنه الله ان يسب عليا عليه السلام: «أمرني أن ألعن عليّ بن أبي طالب، فالعنوه»(1)، و قد يكون الإجمال لاختلال التركيب كقوله:

و ما مثله في الناس إلّا مملّكا *** أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه

و قد يكون الإجمال لوجود القرينة او ما يصلح للقرينة، كقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار﴾(2) الآية، فإنّ هذا الوصف في الآية يدلّ على عدالة جميع من كان مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من أصحابه، إلّا أنّ ذيل الآية ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ

ص: 452


1- الغدير 10: 261.
2- الفتح (48) الآية: 29.

آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً﴾(1) قرينة على أنّ المراد بجملة «و الّذين معه» بعضهم لا جميعهم، فتصبح الآية مجملة من هذه الجهة.

و قد يكون الإجمال لكون المتكلّم في مقام الإهمال و الإجمال، إلى غير ذلك من موارد الإجمال.

المواضع التي وقع الشكّ في إجمالها

المتعارف عند الأصوليّين أن يذكروا بعض الأمثلة مما قد وقع الشكّ في كونها مجملة أو مبيّنة.

منها: قوله تعالى: ﴿وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾(2).

فقد ذهب جماعة إلى أنّ الآية من المجمل المتشابه(3)، إمّا من جهة لفظ «القطع» باعتبار أنّه يطلق على الإبانة، و يطلق على الجرح كما يقال لمن جرح يده بالسكين: «قطعها»، كما يقال لمن أبانها كذلك. و إمّا من جهة لفظ «اليد» باعتبار أنّ «اليد» تطلق على العضو المعروف كلّه، و على الكفّ إلى أصول الأصابع، و على العضو إلى الزند، و إلى المرفق، فيقال: «تناولت بيدي»، و إنّما تناول بالكفّ بل بالأنامل فقط.

ص: 453


1- الفتح (48) الآية: 29.
2- المائدة (5) الآية: 38.
3- و هم بعض الحنفيّة على ما في إرشاد الفحول: 170. و ذهب السيّد المرتضى إلى إجماله من جهة لفظ اليد. راجع الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 350.

و الحقّ أنّها من ناحية لفظ «القطع» ليست مجملة؛ لأنّ المتبادر من لفظ «القطع» هو الإبانة و الفصل، و إذا أطلق على الجرح فباعتبار أنّه أبان قسما من اليد، فتكون المسامحة في لفظ «اليد» عند وجود القرينة، لا أنّ القطع استعمل في مفهوم الجرح؛ فيكون المراد في المثال من اليد بعضها، كما تقول: «تناولت بيدي» و في الحقيقة إنّما تناولت ببعضها.

و أمّا من ناحية «اليد» فإنّ الظاهر أنّ اللفظ- لو خلّي و نفسه- يستفاد منه إرادة تمام العضو المخصوص، و لكنّه غير مراد يقينا في الآية، فيتردّد بين المراتب العديدة من الأصابع إلى المرفق؛ لأنّه بعد فرض عدم إرادة تمام العضو لم تكن ظاهرة في واحدة من هذه المراتب، فتكون الآية مجملة في نفسها من هذه الناحية، و إن كانت مبيّنة بالأحاديث عن آل البيت عليهم السلام الكاشفة عن إرادة القطع من أصول الأصابع.

و منها: قوله صلّى اللّه عليه و آله: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب»(1) و أمثاله من المركّبات التي تشتمل على كلمة «لا» التي لنفي الجنس نحو: «لا صلاة إلّابطهور»(2)، و «لا بيع إلّا في

ص: 454


1- هذا مفاد الروايات الواردة في باب وجوب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة. الوسائل 4: 732، الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة.
2- الوسائل 1: 256، الباب 1 من أبواب الوضوء، الحديث: 1 و 6.

ملك»(1)، و «لا صلاة لمن جاره المسجد إلّا في المسجد»(2)، و «لا غيبة لفاسق»(3)، و «لا جماعة في نافلة»(4)، و نحو ذلك.

فإنّ النفي في مثل هذه المركّبات موجّه ظاهرا لنفس الماهيّة و الحقيقة، و قالوا: إنّ إرادة نفي الماهيّة متعذّر فيها، فلا بدّ أن يقدّر- بطريق المجاز- وصف للماهيّة هو المنفيّ حقيقة، نحو: الصحّة، و الكمال، و الفضيلة، و الفائدة، و نحو ذلك. و لمّا كان المجاز مردّدا بين عدّة معان، كان الكلام مجملا، و لا قرينة في نفس اللفظ تعيّن واحدا منها، فإنّ نفي الصحّة ليس بأولى من نفي الكمال أو الفضيلة، و لا نفي الكمال بأولى من نفي الفائدة ... و هكذا.

و أجاب المحقق القمي بأنّ هذا إنّما يتمّ إذا كانت ألفاظ العبادات و المعاملات موضوعة للأعمّ، فلا يمكن فيها نفي الحقيقة, و أمّا: إذا قلنا بالوضع للصحيح فلا يتعذّر نفي الحقيقة، بل هو المتعيّن على الأكثر، فلا إجمال, و أمّا: في غير الألفاظ الشرعيّة مثل قولهم: «لا علم إلّا بعمل» فمع عدم القرينة يكون اللفظ مجملا؛ إذ يتعذّر نفي الحقيقة(5).

ص: 455


1- و هذا مستفاد من الروايات الواردة في باب اشتراط كون المبيع مملوكا. الوسائل 2: 248- 249.
2- و هذا مفاد الروايات الدالّة على كراهة تأخّر جيران المسجد عنه. الوسائل 3: 478، الباب 2 من أبواب أحكام المسجد؛ و 5: 375- 377، الباب 2 من أبواب صلاة الجماعة.
3- بحار الأنوار 75: 233.
4- الوسائل 5: 182، الباب 7 من أبواب نافلة شهر رمضان.
5- القوانين 1: 338.

و اجاب العلامة المظفر عنه فقال: و الصحيح في توجيه البحث أن يقال: إنّ «لا» في هذه المركّبات لنفي الجنس، فهي تحتاج إلى اسم و خبر على حسب ما تقتضيه القواعد النحويّة؛ و لكنّ الخبر محذوف حتّى في مثل: «لا غيبة لفاسق»، فإنّ «لفاسق» ظرف مستقرّ متعلّق بالخبر المحذوف؛ و هذا الخبر المحذوف لا بدّ له من قرينة، سواء كان كلمة «موجود» أو «صحيح» أو «مفيد» أو «كامل» أو «نافع» أو نحوها، و ليس هو مجازا في واحد من هذه الأمور التي يصحّ تقديرها.

و القصد أنّه سواء كان المراد نفي الحقيقة أو نفي الصحّة و نحوها؛ فإنّه لا بدّ من تقدير خبر محذوف بقرينة، و إنّما يكون مجملا إذا تجرّد عن القرينة؛ و لكنّالظاهر أنّ القرينة حاصلة على الأكثر، و هي القرينة العامّة في مثله؛ فإنّ الظاهر من نفي الجنس أنّ المحذوف فيه هو لفظ «موجود» و ما بمعناه من نحو لفظ «ثابت» و «متحقّق».

فإذا تعذّر تقدير هذا اللفظ العامّ لأيّ سبب كان، فإنّ هناك قرينة موجودة غالبا و هي مناسبة الحكم و الموضوع؛ فإنّها تقتضي غالبا تقدير لفظ خاصّ مناسب مثل «لا علم إلّا بعمل»؛ فإنّ المفهوم منه أنّه لا علم نافع(1)، و المفهوم من نحو: «لا غيبة لفاسق» لا غيبة محرّمة، و المفهوم من نحو: «لا رضاع بعد فطام»(2) لا رضاع سائغ، و من نحو: «لا جماعة في نافلة»(3) لا جماعة مشروعة، و من نحو: «لا إقرار لمن أقرّ بنفسه على الزنا» لا إقرار نافذ و معتبر، و من نحو: «لا صلاة إلّا بطهور»- بناء على الوضع للأعمّ- لا صلاة صحيحة، و

ص: 456


1- يجوز في نعت اسم «لا» التي لنفي الجنس الرفع و النصب.
2- الكافي 5: 443.
3- الوسائل 5: 182، الباب 7 من ابواب نافلة شهر رمضان.

من نحو: «لا صلاة لحاقن»(1) لا صلاة كاملة, بناء على قيام الدليل على أنّ الحاقن لا تفسد صلاته ... و هكذا.

و هذه القرينة- و هي قرينة مناسبة الحكم للموضوع- لا تقع تحت ضابطة معيّنة، و لكنّها موجودة على الأكثر، و يحتاج إدراكها إلى ذوق سليم.

ثم قال, تنبيه و تحقيق: ليس من البعيد أن يقال: إنّ المحذوف في جميع مواقع «لا» التي هي لنفي الجنس هو كلمة «موجود» أو ما هو بمعناها، غاية الأمر أنّه في بعض الموارد تقوم القرينة على عدم إرادة نفي الوجود و التحقّق حقيقة، فلا بدّ حينئذ من حملها على نفي التحقّق ادّعاء و تنزيلا، بأن ننزّل الموجود منزلة المعدوم باعتبار عدم حصول الأثر المرغوب فيه أو المتوقّع منه- يعني يدّعى أنّ الموجود الخارجيّ ليس من أفراد الجنس الذي تعلّق به النفي تنزيلا، و ذلك لعدم حصول الأثر المطلوب منه-، فمثل «لا علم إلّا بعمل» معناه أنّ العلم بلا عمل كلا علم؛ إذ لم تحصل الفائدة المترقّبة منه، و مثل «لا إقرار لمن أقرّ بنفسه على الزنا» معناه أنّ إقراره كلا إقرار باعتبار عدم نفوذه عليه، و مثل «لا سهو لمن كثر عليه السهو» معناه أنّ سهوه كلا سهو باعتبار عدم ترتّب آثار السهو عليه من سجود أو صلاة أو بطلان الصّلاة. هذا إذا كان النفي من جهة تكوين الشي ء.

و أمّا: إذا كان النفي راجعا إلى عالم التشريع فإن كان النفي متعلّقا بالفعل، دلّ نفيه على عدم ثبوت حكمه في الشريعة، مثل «لا رهبانيّة في الإسلام»(2) فإنّ معنى عدم ثبوتها عدم تشريع الرهبانيّة و أنّه غير مرخّص بها، و مثل «لا غيبة لفاسق»، فإنّ معنى عدم ثبوتها عدم

ص: 457


1- الوسائل 4: 1254، الباب 8 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث: 2 و 5.
2- بحار الأنوار 8: 170 و 14: 279.

حرمة غيبة الفاسق، و كذلك نحو: «و لا غشّ في الإسلام»(1)، و «لا عمل في الصّلاة»، و «فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحجّ»(2)، و «لا جماعة في نافلة»، فإنّ كلّ ذلك معناه عدم مشروعيّة هذه الأفعال.

و إن كان النفي متعلّقا بعنوان يصحّ انطباقه على الحكم، فيدلّ النفي على عدم تشريع حكم ينطبق عليه هذا العنوان، كما في قوله صلّى اللّه عليه و آله: «لا حرج في الدين»(3) و «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام».

و على كلّ حال، فإنّ مثل هذه الجمل و المركّبات ليست مجملة في حدّ أنفسها(4).

و منها: مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُم﴾(5) و قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعام﴾(6) ممّا أسند الحكم فيه- كالتحريم و التحليل- إلى العين.

فقد قال الطبرسي بإجمالها(7)؛ نظرا إلى أنّ إسناد التحريم و التحليل لا يصحّ إلّا إلى الأفعال الاختياريّة. أمّا: الأعيان فلا معنى لتعلّق الحكم بها، بل يستحيل. و لذا تسمّى الأعيان «موضوعات للأحكام»، كما أنّ الأفعال تسمّى «متعلّقات».

ص: 458


1- هذا المعنی مقتنص من الروايات فراجع الوسائل 2: 208، الباب 86 من أبواب ما يكتسب به.
2- البقرة (2) الآية: 197.
3- هي مفاد قوله تعالى: {ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ؛ الحجّ (22) الآية: 78.
4- أصول الفقه ( المطبوع مع تعليقة الزارعي )، ص: 211
5- النساء (4) الآية: 23.
6- المائدة (5) الآية: 1.
7- مجمع البيان 3: 46 و 234.

و عليه، فلا بدّ أن يقدّر في مثل هذه المركّبات فعل يصحّ إضافته إلى العين المذكورة في الجملة، و يصحّ أن يكون متعلّقا للحكم، ففي مثل الآية الأولى يقدّركلمة «نكاح» مثلا، و في الثانية «أكل»، و في مثل ﴿وَ أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾(1) يقدّر «ركوبها»، و في مثل ﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾(2) يقدّر «قتلها» ... و هكذا.

و الحاصل إنّ نفس التركيب- مع قطع النظر عن ملاحظة الموضوع و الحكم و عن أيّة قرينة خارجيّة- في نفسه يقتضي الإجمال لو لا أنّ الإطلاق يقتضي تقدير كلّ فعل صالح للتقدير، إلّا إذا قامت قرينة خاصّة على تعيين نوع الفعل المقدّر. و غالبا لا يخلو مثل هذا التركيب من وجود القرينة الخاصّة و لو قرينة مناسبة الحكم و الموضوع. و يشهد لذلك أنّا لا نتردّد في تقدير الفعل المخصوص في الأمثلة المذكورة في صدر البحث و مثيلاتها، و ما ذلك إلّا لما قلناه من وجود القرينة الخاصّة و لو مناسبة الحكم و الموضوع.

ص: 459


1- الأنعام (6) الآية: 138.
2- الفرقان (25) الآية: 68.

الفهرس

المقصد الثاني في النواهي ... 3

الفصل الأوّل في مادّة النهي و صيغته ... 3

مفاد هيئة النهي ... 3

ما هو متعلّق النهي؟ ... 5

عدم دلالتها على الدوام ... 5

حکم مخالفة النهي ... 6

الفصل الثاني في اجتماع الأمر و النهي في شي ء واحد باعتبار عنوانين ... 7

الأول: في بيان المراد بالواحد الذي تعلق به الأمر و النهي ... 7

الثاني الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي في العبادة ... 9

تغاير جهة البحث فيهما ... 9

هل النزاع صغروي أو كبرويّ؟ ... 10

التمييز بالموضوع ... 11

التمييز بالموضوع و المحمول ... 12

التمييز بكون البحث عقلياً ... 13

اقوال اخر ... 13

الثالث: المسألة أُصولية ... 14

الرابع: في كون المسألة عقلية لا لفظية ... 14

الخامس: شمول النزاع في مسألة الاجتماع لأنواع الإيجاب و التحريم ... 15

السادس: في لزوم أخذ عنوان المندوحة في النزاع و عدمه ... 16

السابع: في صحّة النزاع على كلا الرأيين في متعلّق الأحكام ... 19

الثامن: الفرق بين التعارض و التزاحم ... 23

جواب المحقّق البروجردي ... 27

نظرية المحقّق النائيني ... 30

التاسع: في ثمرات القولين ... 31

الصورة الأُولى: ... 32

بيان المحقّق البروجردي ... 32

ص: 460

بيان المحقّق النائيني ... 33

الصورة الثانية: ... 34

الصورة الثالثة: ... 35

الصورة الرابعة: ... 35

الصورة الخامسة: ... 36

الوجه الأول: ... 37

الوجه الثاني: ... 38

ادلة القائلين بامتناع اجتماع الأمر و النهي ... 39

جواب المحقق البروجردي ... 40

ادلة المجوزين ... 47

الأول: دليل قدماء الأُصوليّين ... 47

الثاني: دليل المحقّق القمّي ... 48

الثالث: دليل المحقّق النائيني ... 50

الوجه الرابع ... 53

الوجه الخامس للمحقّق البروجردي ... 55

المقام الأوّل: في إيضاح النظرية بذكر ما تبتني عليه ... 55

المقام الثاني: دفع المحاذير ... 57

الاول: عدم المحذور في مقام الجعل ... 58

الثاني: عدم المحذور في مبادئ الأحكام ... 58

الثالث: عدم المحذور في مقام الامتثال ... 59

الوجه السادس: استكشاف جواز الاجتماع من عدم ورود النص ... 63

الوجه السابع: الاستدلال بالعبادات المكروهة ... 63

جواب المحقّق الخراساني الاجمالي ... 64

جواب المحقق الخراساني التفصيلي ... 66

تقسيم العبادات المكروهة على أقسام ثلاثة ... 66

اجابة المحقق الخراساني عن القسم الاول ... 67

إجابة المحقّق الخراساني عن القسم الثاني و الثالث ... 69

في مناط الاضطرار الرافع للحرمة ... 70

استدلال المحقق السيد البروجردي ... 72

حكم الاضطرار بسوء الاختيار ... 73

حكم الخروج تكليفاً ... 73

ص: 461

القول الاول: انّه مأمور به و منهيّ عنه ... 77

القول الثاني: الخروج واجب شرعاً ... 80

القول الثالث: مأمور به، و منهي بالنهي الساقط ... 85

الرابع: الخروج منهي عنه بالنهي الفعلي فقط ... 85

القول الخامس: انّه منهي عنه و مأمور به بالترتّب ... 86

القول السادس: ليس محكوماً بحكم فعلًا مع جريان المعصية ... 87

حكم العبادة حين الخروج ... 87

حكم الخروج إذا تاب بعد الدخول ... 90

حکم ما إذا اضطرّ إلى ارتكاب الحرام لكن لا بسوء الاختيار ... 91

وجوه تقديم النهي علی الامر ... 91

الاول: أن النهي أقوى دلالة من الامر ... 91

الثاني: دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة ... 95

الثالث: الاستقراء ... 100

احکام التوضّؤ بماءين مشتبهين ... 103

الفصل الثالث في کاشفية النهي عن الفساد ... 107

الاول: في الفرق بين هذه المسألة و مبحث الاجتماع ... 107

الثاني: هل المسألة عقلية ام لفظية ... 108

الثالث: المسألة أُصولية ... 109

الرابع: في شمول ملاك البحث للنهي التنزيهي و التبعي ... 109

جواب المحقّق النائيني ... 111

حکم النهي الإرشادي و التشريعي و التخييري ... 113

الخامس: في تعيين المراد من العبادة و المعاملة في المسألة ... 114

السادس: في معنى الصحّة و الفساد ... 117

السابع: هل الصحّة و الفساد مجعولان؟ ... 118

الصحة في المعاملات ... 120

الثامن: ما هو الأصل المعوّل عليه عند الشكّ؟ ... 121

الاصل في المسألة الاصولية ... 122

الاصل في المسألة الفقهية ... 123

كلام المحقّق الأصفهاني ... 124

كلام المحقّق النائيني ... 125

كلام للمحقّق الحائري ... 126

ص: 462

التاسع: في أقسام تعلّق النهي بالعبادة ... 126

حکم تعلّق النهي بالجزء ... 127

ايراد المحقق النائيني ... 128

حکم تعلّق النهي بالشرط ... 131

حکم تعلّق النهي بالوصف اللازم ... 133

حکم تعلّق النهي بالوصف المفارق ... 135

حکم النهي عن العبادة لأجل أحد الأمور المتقدمة ... 135

المقام الأوّل: حکم تعلّق النهي بالعبادة ... 137

الأول: النهي التحريمي المولوي الذاتي ... 137

جواب المحقّق الخراساني ... 140

الثاني: النهي المولوي التشريعي ... 142

الثالث: النهي الإرشادي ... 143

تبصرة ... 143

المقام الثاني: حکم تعلق النهي في المعاملات ... 144

الاستدلال على اقتضاء الحرمة للفساد بالأخبار ... 149

تذنيب: في ملازمة النهي للصحّة ... 152

إجابة المحقّق الخراساني في مورد العبادات ... 153

إجابة المحقّق الخراساني في مورد المعاملات ... 154

تطبيقات ... 155

المقصد الثالث المفاهيم ... 156

تمهيد ... 156

الاول: في تعريف المفهوم ... 156

موقع المداليل السياقية ... 159

الثاني: النزاع في حجّيّة المفهوم ... 160

الثالث: في أقسام المفهوم ... 162

الفصل الأوّل في مفهوم الشرط ... 164

نظرية المحقق البروجردي ... 167

اثبات حجية مفهوم الشرط ... 169

دلالة الجملة الشرطية علی السببية ... 170

دلالة الجملة الشرطية علی الترتب ... 171

دلالة الجملة الشرطية علی الانحصار ... 172

ص: 463

الوجه الأوّل: التبادر ... 172

الوجه الثاني: الانصراف ... 173

التمسّك بالإطلاق ... 174

الوجه الثالث: الانحصار مقتضى إطلاق أداة الشرط ... 174

الوجه الرابع: الانحصار مقتضى إطلاق فعل الشرط ... 177

الوجه الخامس: التمسّك بإطلاق الشرط ... 179

الوجه السادس: ما عن السيد المحقّق البروجردي ... 181

الوجه السابع: ما ذكره المحقّق النائيني ... 182

الوجه الثامن الاستدلال بالاخبار ... 183

استدلال المنكرين للمفهوم ... 184

دفع و وهم ... 187

جواب صاحب الکفاية ... 189

تنبيهات: ... 190

التنبيه الاول إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء ... 190

وجوه لرفع التعارض بين مفهوم إحدى القضيتين مع منطوق الأخرى ... 191

تخصيص مفهوم كلّ بمنطوق الآخر ... 191

تقييد منطوق كلّ بالآخر ... 192

دوران الأمر بين الوجهين ... 192

رأي المحقّق النائيني ... 193

الوجه الثالث: رفع اليد عن المفهوم منهما ... 195

الوجه الرابع: جعل الشرط هو القدر المشترك ... 196

بطلان قاعدة الواحد ... 196

الوجه الخامس: رفع اليد عن مفهوم إحدى القضيتين ... 200

التنبيه الثاني في تداخل الأسباب و عدمه ... 201

الاول: القول بعدم التداخل في الأسباب ... 203

الوجه الاول: ... 204

الوجه الثاني: ... 206

الوجه الثالث: ... 207

الثاني: القول بالتداخل ... 208

رأي المحقّق البروجردي ... 209

الثالث: التفصيل بين وحدة الأسباب جنساً و عدمها ... 210

ص: 464

التفصيل بين كون الأسباب معرفات أو مؤثّرات ... 212

التنبيه الثالث في تداخل المسببات و عدمه ... 214

حجّة القول بعدم التداخل ... 215

الأوّل: ما استدلّ به الشيخ الاعظم ... 216

الثاني: ما استدلّ به المحقّق النائيني ... 217

حجّة القول بالتداخل ... 218

الأصل العمليّ في المسألتين ... 219

تطبيقات ... 220

السالبة الكلية و مفهومها ... 221

الفصل الثاني في مفهوم الوصف ... 224

موضوع البحث ... 224

أقسام الوصف ... 227

هل مفهوم الوصف حجة؟ ... 228

ادلة القول بالحجية ... 229

الاول: التبادر ... 229

الثاني: لزوم اللغوية ... 230

الثالث: الأصل في القيود أنها احترازية ... 230

الرابع: الاستدلال بالجمل الدالة علی المفهوم ... 233

الخامس: فهم أبي عبيدة و هو من أهل اللسان ... 233

السادس: ظهور الجملة في مدخلية الوصف بما هو هو لا بجامعه ... 234

السابع: استدلال الامام الصادق علیه السلام بمفهوم الوصف ... 235

تفصيل المحقّق النائيني ... 236

أدلّة النافي للمفهوم ... 237

الفصل الثالث في مفهوم الغاية ... 239

الجهة الأولى: في دخول الغاية ... 239

مقتضی الاصل العملي ... 244

الجهة الثانية: في المفهوم ... 244

تذييل ... 247

هل هناک ضابطة لتمييز ما يرجع إلى الحكم ؟ ... 247

الفصل الرابع في مفهوم الحصر ... 250

الاول: في الاستثناء ... 251

ص: 465

فرع: ... 255

الثاني: انما ... 255

الثالث: بل الاضرابية ... 260

الرابع: تقديم ما حقّه التأخير ... 262

الخامس: إفادة المسند إليه المعرف باللام للحصر ... 262

بعض أدوات الحصر ... 264

الفصل الخامس مفهوم اللقب ... 265

الفصل السادس مفهوم العدد ... 266

تطبيقات ... 268

خاتمة: في دلالة الاقتضاء و التنبيه و الإشارة ... 269

الجهة الأولى: مواقع الدلالات الثلاث: ... 269

الاولی: دلالة الاقتضاء ... 271

الثانية: دلالة التنبيه ... 272

الثالثة: دلالة الإشارة ... 274

الجهة الثانية: حجّيّة هذه الدلالات ... 275

المقصد الرابع في العام و الخاص ... 276

الامر الاول: تعريف العام ... 276

الامر الثاني: أقسام العام ... 277

رأي المحقق النائيني ... 280

الامر الثالث: دوران الأمر بين أحد الأقسام الثلاثة ... 280

الفصل الأوّل في صيغ العموم ... 281

صيغ العموم ... 285

الاول: وقوع النكرة في سياق النفي أو النهي ... 285

هل استفادة العموم رهن مقدّمات الحكمة؟ ... 287

الثاني: لفظة كل و جميع و ما يعادلهما ... 290

الثالث: الجمع المحلّى باللام ... 290

وهم و دفع ... 292

الرابع: المفرد المحلّى باللام ... 293

الخامس: الجنس المضاف ... 296

الفصل الثاني هل العام حجة فيما بقي بعد التخصيص؟ ... 296

دليل القائل بعدم حجّية العام في الباقي ... 299

ص: 466

الجواب علی الاستدلال ... 299

الفصل الثالث: تخصيص العام لا يوجب المجازية ... 302

ايراد المحقق النائيني ... 304

الفصل الرابع: في حجّية العام في مورد إجمال المخصص مفهوماً ... 308

وهم و دفع ... 311

تقرير الاشکال المتقدم ببيان اخر ... 313

الفصل الخامس: المخصّص اللفظي المجمل مصداقاً ... 315

أدلة المجوزين ... 318

المخصّص اللبّي و الشكّ في الشبهة المصداقية ... 323

التفصيل بين المخصّص الموجب للتنويع وغيره ... 327

بيان العلامة المظفر ... 328

رأي المحقّق النائينيّ ... 331

الفصل السادس: إحراز المشتبه بالأصل الموضوعي ... 333

نظرية المحقّق الخراساني ... 333

مناقشة نظرية المحقّق الخراساني ... 335

التفصيل بين القيد المقسِّم و المقارن ... 337

نظرية المحقّق الخوئي ... 339

ما هو المرجع إذا لم يكن الأصل العدمي حجّة؟ ... 342

الفصل السابع: التمسك بالعام في غير الشك في التخصيص ... 343

الفصل الثامن: إحراز حال الفرد المشتبه بالأصل اللفظي ... 348

الفصل التاسع: لزوم الفحص عن المخصّص ... 350

الأوّل: وقوع العام في معرض التخصيص ... 352

الثاني: الظن الشخصي بالتكليف رهن الفحص ... 354

الثالث: وجود العلم الإجمالي بالمخصّص ... 354

هل الفحص عن المخصّص فحص عن المزاحم أو المتمم للحجّية؟ ... 358

مقدار الفحص ... 360

الفصل العاشر: في الخطابات الشفاهية ... 361

الجهة الأُولى: في صحّة تكليف المعدوم و عدمها ... 363

الجهة الثانية: في إمكان خطاب المعدوم ... 367

الجهة الثالثة: عمومية ما وقع بعد أداة الخطاب ... 369

ثمرة البحث ... 373

ص: 467

الثمرة الأُولى: حجّية خطابات الكتاب لغير المشافهين و عدمها ... 373

الثمرة الثانية: صحّة التمسّك بالإطلاقات على التعميم ... 375

جواب المحقق الخراساني ... 376

وهم و دفع ... 377

الفصل الحادي عشر تعقب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده ... 379

الفصل الثاني عشر: في تخصيص العام بالمفهوم ... 384

المقام الأوّل: تخصيص العام بالمفهوم الموافق ... 385

المقام الثاني: التخصيص بمفهوم المخالفة ... 387

نظرية المحقّق البروجردي في المقام ... 391

الفصل الثالث عشر: الاستثناء المتعقِّب للجمل ... 391

تحرير محل النزاع ... 392

المقام الأوّل: في مقام الثبوت و إمكان الرجوع إلى الجميع ... 393

المقام الثاني: في بيان ما هو ظاهر فيه ... 396

الفصل الرابع عشر: تخصيص الكتاب بالخبر الواحد ... 400

أدلة المانعين ... 404

الفصل الخامس عشر: في دوران الأمر بين التخصيص و النسخ ... 409

في النسخ و البداء ... 411

المقصد الخامس في المطلق و المقيّد و المجمل و المبيّن ... 414

الفصل الأوّل: في ألفاظ المطلق ... 417

1- اسم الجنس ... 417

2- المفرد المعرف باللام ... 428

3- الجمع المحلّى باللام ... 431

4- النكرة ... 431

الفصل الثاني: مقدّمات الحكمة ... 434

ما هو الأصل عند الشكّ في كون المتكلّم في مقام البيان؟ ... 439

وهم و دفع ... 441

الانصراف ... 443

الفصل الثالث: في حمل المطلق على المقيّد ... 446

الصورة الاولی: أن يكون أحدهما مثبتاً و الآخر نافياً ... 447

الصورة الثانية: إذا كانا نافيين ... 449

الصورة الثالثة: إذا كانا مثبتين ... 449

ص: 468

و ينبغي التنبيه على أمرين: ... 452

الأوّل: حكم الأحكام الوضعية ... 452

الثاني: في حكم المستحبّات ... 452

حکم ما إذا كان السبب مذكوراً ... 456

الفصل الرابع: في المجمل و المبيّن ... 457

اسباب الإجمال ... 459

المواضع التي وقع الشكّ في إجمالها ... 460

الفهرس ... 467

ص: 469

من مؤلفات المؤلف

1- الدرر الفقهية في شرح اللمعة الدمشقية و هو کتاب مبسوط حول مدارک الاحکام الشرعية في 15 مجلدا .

2- الرؤية الفلسفية نقد و تحليل, و قد ترجم الی الفارسية باسم نقد اراء فلسفي .

3- اسئلة حول التوحيد الالهي .

4- اصول المعرفة . و ترجم الی الفارسية باسم اصول شناخت .

5- الرؤية الاسلامية؛ و فيه ما يقارب خمسمائة رواية في نقد الفکر الفلسفي الرائج.

6- بحث فقهي حول النيروز و قد ترجم الی الفارسية .

7- بحث حول جواز طلب الشفاعة و بطلان التفويض, و ترجم الی الفارسية.

8- من الروايات المکذوبة ؛ و ترجم الی الفارسية باسم روايات ساختگي.

9- الکفاية من الاصول هذا الکتاب الحاضر و هو يشتمل علی دورة اصولية کاملة في اربع مجلدات.

10- رجال ابن الغضائري تحقيق و تقديم.

11- تقديم وتعليق علی کتاب التوحيد الفائق للعلامة البهبهاني, و ترجم الی الفارسية.

12- مقالتان في مباني المحقق البهبهاني الاصولية و الکلامية.

13- ترجمة کتاب السنخية ام العينية و الاتحاد ام التباين و کتاب آيات العقائد, و شرح خطبة 152 لامير المؤمنين عليه السلام و ترجمة کتب اخری .

14- قصة الدجال المدعي کونه اليماني .

15- التوحيد الالهي في نهج البلاغة .

16- موقف العلماء و اصحاب الائمة تجاه الفلسفة و العرفان .

ص: 470

تعريف مرکز

بسم الله الرحمن الرحیم
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
(التوبه : 41)
منذ عدة سنوات حتى الآن ، يقوم مركز القائمية لأبحاث الكمبيوتر بإنتاج برامج الهاتف المحمول والمكتبات الرقمية وتقديمها مجانًا. يحظى هذا المركز بشعبية كبيرة ويدعمه الهدايا والنذور والأوقاف وتخصيص النصيب المبارك للإمام علیه السلام. لمزيد من الخدمة ، يمكنك أيضًا الانضمام إلى الأشخاص الخيريين في المركز أينما كنت.
هل تعلم أن ليس كل مال يستحق أن ينفق على طريق أهل البيت عليهم السلام؟
ولن ينال كل شخص هذا النجاح؟
تهانينا لكم.
رقم البطاقة :
6104-3388-0008-7732
رقم حساب بنك ميلات:
9586839652
رقم حساب شيبا:
IR390120020000009586839652
المسمى: (معهد الغيمية لبحوث الحاسوب).
قم بإيداع مبالغ الهدية الخاصة بك.

عنوان المکتب المرکزي :
أصفهان، شارع عبد الرزاق، سوق حاج محمد جعفر آباده ای، زقاق الشهید محمد حسن التوکلی، الرقم 129، الطبقة الأولی.

عنوان الموقع : : www.ghbook.ir
البرید الالکتروني : Info@ghbook.ir
هاتف المکتب المرکزي 03134490125
هاتف المکتب في طهران 88318722 ـ 021
قسم البیع 09132000109شؤون المستخدمین 09132000109.