محرر الرقمي : روح اله قاسمي
سرشناسه:کاظمی، ماجد، 1337 -
عنوان و نام پديدآور:الکفایهﻣﻦ اﻻﺻﻮل/ ماجد الکاظمی.
مشخصات نشر:قم : دارالهدی، 1440ق.= 1397 .
مشخصات ظاهری:4ج.
شابک:2500000 ریال: دوره 978-964-497-012-2 : ؛ ج.1 978-964-497-010-8 : ؛ ج.2: 978-964-497-021-4
وضعیت فهرست نویسی:فیپا
يادداشت:عربی.
یادداشت:کتابنامه.
موضوع:اصول فقه شیعه
* Islamic law, Shiites -- Interpretation and construction
رده بندی کنگره:BP159/8/ک2ک7 1397
رده بندی دیویی:297/312
شماره کتابشناسی ملی:5332417
اطلاعات رکورد کتابشناسی:فیپا
ص: 1
الکفاية من الاصول
الجزء الاول
اية الله الشيخ ماجد الکاظمي
انتشارات دارالهدی
الکفاية من الاصول (الجزء الاول)
المؤلف: آیة اللّه الشيخ ماجد الکاظمی (الدباغ(
المطبعة : شریعت / النسخة :
ردمک الجزء1 : 8-010-497-964-978
ردمک الدوره : 2-012-497-964-978
سنة الطبعة الاولی : 7 139 (1440ه .ق)
سعر الدورة : 250000 تومان
ص: 2
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله الواحد الاحد الفرد الصمد و الحمد للّه كما هو أهله و اشهد ان لا اله الا الله و ان محمداً عبده و رسوله و ان الائمة من بعده ائمة و سادة و قادة و منار الهدی من تمسک بهم لحق و من تخلف عنهم غرق اللهم صل علی محمد و علی ال محمد الطيبين الابرار ، صلاة لا انقطاع لمددها و لا انتهاء لعددها، و سلم تسليماکثيرا .
اللهم انا نرغب اليک في دولة کريمة تعز بها الاسلام و اهله و تذل بها النفاق و اهله و تجعلنا فيها من الدعاة الی طاعتک و القادة الی سبيلک وترزقنا بها کرامة الدنيا و الاخرة .
و بعد فهذه مجموعة من المباحث الاصولية حاولت فيها الاختصار وحذف ما ليس بمهم و توضيح ما خفي من دقائق هذا العلم و تسهيل ما صعب و تقريبه إلى ذهن القارئ متجنبا التطويل و ما توفيقي إلّا بالله عليه توكلت و إليه أنيب, و أجد من الضروري ان تعرض في الحوزات العلمية دورة اصولية جامعة مع حذف ما ليس بمهم و لقد كتب كبار علمائنا المحققين كتبا كثيرة جدا في هذا العلم وقد سلكوا في أكثرها طريقة التوسع في البحث و التعمق في التحقيق و جاؤوا بتحقيقات عالية و مطالب شافية في غاية المتانة و الدقة و قد اخذنا منهم الکثير وعلقنا علی القليل فجزاهم الله خير الجزاء , و سمّيته الکفاية من الاصول و اسأله تعالی ان ينفع به انه سميع مجيب .
قم المقدسة ماجد الکاظمي
ص: 3
و فيه أُمور:
تعريف علم الاصول: هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية من ادلتها .
و موضوعه: العناصر المشترکة في عملية الاستنباط.
وغايته: التمکن من استنباط الاحکام الشرعية من ادلتها.
ذكرتْ فروق عديدة بين المسائل الأُصولية و القواعد الفقهية نقتصر على أهمها:
الفرق الأوّل: انّ المسائل الأُصولية لا تتضمن حكماً شرعيّاً، خلافاً للقواعد الفقهية التي تتضمن حكماً شرعيّاً، و توضيح ذلك:
إنّ المسائل الأُصولية تدور حول محاور أربعة:
الاول: تعيين الظهورات و مداليل الألفاظ التي يعبّر عنها بمباحث الألفاظ، كالبحث عن ظهور الأمر في الوجوب و النهي في الحرمة.
ص: 4
الثاني: المباحث العقلية أو ما يعبّر عنها بالملازمات العقلية، كالبحث عن الملازمة بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها، أو وجوب الشي ء و حرمة ضده.
الثالث: مباحث الحجج و الأمارات، كالبحث عن حجّية خبر الواحد.
الرابع: الأُصول العملية التي يراد بها تعيين وظيفة الشاك.
و أنت إذا لاحظت هذه المحاور تقف على أنّ المحمول في جميعها ليس حكماً شرعياً فرعياً، بل هو إمّا حكم عقلي كباب الملازمات، أو حكم وضعي كالحجّية، و هي و إن كانت حكماً شرعياً لكنه ليس فرعياً، و هكذا الحال في تعيين الظهورات و الوظائف العملية فالجميع بين کونه حكما عقليا أو شرعيا غير فرعي.
و هذا بخلاف القواعد الفقهية فانّها تتضمن حكماً شرعيّاً فرعياً كقوله: «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس»، و قوله: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي »، و قاعدة: «المغرور يرجع علی من غره». فانّ القاعدة و إن لم ترد بلفظها في الشرع و لكنّها قاعدة مقتبسة من الأحكام الشرعية الفرعية في موردها. فللفقيه أن يقتبس من هذه الموارد قاعدة كليّة.
الفرق الثاني: انّ المسائل الأُصولية تجري في كلّ باب من أبواب الفقه، بخلاف القواعد الفقهية فانّ الغالب فيها هو اختصاصها بباب دون باب كالأمثلة المذكورة. نعم ربّما يجري بعضها في جميع الأبواب كقاعدتي لا ضرر و لا حرج.
الفرق الثالث: انّ نتائج المسائل الأُصولية أحكام و وظائف كلّية، بخلاف القواعد الفقهية فانّه ربّما تكون نتيجتها حكماً جزئياً كجريان الاستصحاب في الشبهات
ص: 5
الموضوعية كاستصحاب طهارة الثوب المعيّن، و نظيره أصالة البراءة و الاحتياط في الموضوعات، فانّ المترتب عليهما هو الوظيفة الشخصية لمن تم عنده أركان البراءة و الاحتياط.
و من هنا يعلم أنّ الاستصحاب في الشبهات الحكمية مسألة أُصولية بخلافه في الشبهات الموضوعية فانّه قاعدة فقهية، و لا بأس أن يختلف حال المسألة باختلاف موارد تطبيقها، و نظيره البراءة و الاحتياط فانّها في الشبهات الحكمية مسألة أُصولية و في الشبهات الموضوعية قواعد فقهية.
واما ما ادعاه الشيخ الأنصاري من فرق آخر في المقام و هو: انّ إجراء المسألة الأُصولية في موردها يختص بالمجتهد بخلاف الفقهية فانّ إجراءها في مواردها جائز للمقلّد أيضاً.
ففيه: عدم تماميّة هذا الفرق و ذلک لان عجز المقلد لاجرائها لا يوجب اختصاصها بالمجتهد بعد اطلاق ادلتها کما في كثير من القواعد الفقهية حيث انها كالمسائل الأُصولية يختص العمل بها بالمجتهد إذ هو القادر على تشخيص«ما يضمن عمّا لا يضمن»، و تمييز الأصل الحاكم عن الأصل المحكوم في الشبهات الموضوعية، و الشرط المخالف للكتاب و السنّة عن موافقهما.
نعم هذا فرق من حيث العمل لا من حيث الجوهر .
ص: 6
بقي الكلام في تمييز المسألة الفقهية من القواعد الفقهية و المسائل الأُصولية، فنقول:
المسألة الفقهية: ما يبحث فيها عن أحكام الموضوعات الخاصّة، تكليفية كانت كالبحث عن وجوب الصلاة و الصوم أم وضعية كالبحث عن طهارة الماء و نجاسة الدم، بل يمكن أن يقال انّ المسائل الفقهية لا تختص بالبحث عن أحكام الموضوعات بل تشمل أيضاً البحث عن ماهية الموضوعات التي تتعلّق بها الأحكام، كالبحث عن ماهية الصلاة و الصوم و أجزائها و موانعها و شرائطها إذ لا وجه لكون البحث عنها استطرادياً.
و من هنا يعلم الفرق بينها و بين المسائل الأُصولية و القواعد الفقهية فلا نطيل.
و فيه جهات من البحث:
الجهة الأُولى: في حقيقة الوضع
الوضع: هو نحو اختصاص اللفظ بالمعنى و ارتباط خاص بينهما ناشئ من تخصيصه به تارة کما في اسماء الاعلام و ما شاکلها, و يسمی بالوضع التعييني فالوضع كما يكون له وجود تكويني كجعل حجر على حجر كذلك يكون له وجود اعتباري يوجد بإنشاء
ص: 7
من بيده الاعتبار نظير سائر الأُمور الاعتبارية المتحققة بالإنشاء كالملكية و الزوجية و غيرهما .
و قد يحصل الوضع من كثرة استعمال اللفظ في المعنی و يسمی بالوضع التعيني کما في اغلب بل کل مفردات اللغات .
و عليه فالوضع يرجع إلى معنى اسم المصدر فهو القابل للانقسام إلى التعييني و التعيني، لأنّ الوضع ان لوحظ باعتبار صدوره فهو مصدر، و ان لوحظ باعتبار نفسه فهو اسم مصدر، و الفرق بينهما اعتباري.
و قد وقع الخلاف بين الاعلام في حقيقة الوضع و انه هل دلالة الألفاظ على معانيها ذاتيّة لئلّا تحتاج إلى الوضع و الجعل، أو جعلية و اعتبارية؟ فقيل بالأوّل و قيل بالجعل و الاعتبار، و هو المشهور , و منهم من قال بهما، أي بالجعل و الاعتبار مع وجود المناسبة الذاتية , و القائلون بالاعتبارية المحضة اختلفوا في ماهية المجعول هل هي الملازمة بين اللفظ و المعنی ام العلاميّة ام الهوهوية .
اقول: و لا يخفی اختصاص هذا الخلاف في الوضع التعييني و اما الوضع التعيني فخارج عن دائرة هذا الخلاف کما هو واضح جدا و ذلک لان الوضع التعيّني منشأه اقتران اللفظ بالمعنی من جهة کثرة الاستعمال و لاعلاقة له بواضع بالخصوص و حيث ان اللغات من قسم الوضع التعيّني لا التعييني فعليه لا جدوی للبحث عن حقيقة الوضع
ص: 8
التعييني - و ان کان الحق فيه العلاميّة - لاختصاصه بالاعلام الشخصية و اسامي الشرکات و المؤسسات و لا علاقة لها بالفاظ الکتاب و السنة هذا اولا.
و ثانيا: ان الغرض من تشخيص حقيقة الوضع هو حمل الالفاظ علی معناها الموضوع لها فاذا کان المعنی الموضوع لها هو العلامية او الملازمة او الهوهوية فلا يمکن حمل الالفاظ علی معانيها المتبادرة منها و ذلک لان المعنی المتبادر منها اجنبي عنها لان منشأه اقتران اللفظ بالمعنی و لا علاقة له بجعله بنحو کذا او کذا .
الجهة الثانية: في أقسام الوضع
قُسِّم الوضع إلى أقسام أربعة:
1. الوضع الخاص و الموضوع له الخاص.
2. الوضع العام و الموضوع له العام.
3. الوضع العام و الموضوع له الخاص.
4. الوضع الخاص و الموضوع له العام.
ص: 9
و قد اتّفق علماء الأُصول على إمكان القسم الأول و الثاني و وقوعهما، و الأكثر على إمكان الثالث و وقوعه و امتناع القسم الرابع.
اقول: الوضع يقوم علی أمرين:
الأوّل: اللفظ و هو الموضوع.
الثاني: المفهوم الملحوظ.
و المدار في وصف الوضع بكونه خاصّاً أو عامّاً، هو كون الملحوظ خاصّاً، أو عاماً. فلو كان الملحوظ خاصّاً فالوضع خاص. و لو وضع اللفظ لنفس الملحوظ الخاص يكون الموضوع له خاصاً أيضاً. و لو كان الملحوظ عاماً فالوضع عام و لو وضع اللفظ لنفس الملحوظ العام يكون الموضوع له عامّاً أيضاً.
و أمّا إذا كان المفهوم الملحوظ عامّاً لكن لم يوضع اللفظ بازائه، بل بإزاء مصاديقه، فيكون الوضع عامّاً لكون الملحوظ عاماً، و الموضوع له خاصاً، لأنّ الوضع للأفراد و المصاديق، و هذا كأسماء الإشارة حيث إنّ الملحوظ طبيعة المفرد المذكر و الموضوع له مصاديق ذلك الملحوظ العام.
ص: 10
و أمّا إذا كان المفهوم الملحوظ خاصّاً لكن لم يوضع اللفظ بإزاء ذلك الخاص بل بإزاء الجامع بين ذلك الفرد و سائر الأفراد، يكون الوضع خاصّاً و الموضوع له عاماً.إلى هنا وقفنا على واقع التقسيم الرباعي في مجال الوضع التعييني الذي قلنا لا جدوی في البحث عنه .
و اما الوضع التعيني فهل يشمله هذا التقسيم الرباعي بعد عدم کونه بالجعل و الاعتبار بل بکثرة الاستعمال و الاقتران؟
اما القسم الاول الثاني فلا شک في تحققهما لان المعنی المقترن باللفظ قد يکون عاما و قد يکون خاصا , و اما القسم الثالث فيمکن تصور کون المعنی المقترن باللفظ عاماً، و يراد منه الأفراد و المصاديق، كأسماء الإشارة حيث إنّ المعنی المقترن باللفظ طبيعة المفرد المذكر و الموضوع له مصاديق ذلك المعنی العام, و وقوعه لغةً ادل دليل علی امکانه .
و اما القسم الرابع من کون المعنی المقترن باللفظ خاصا الّا انه يراد منه ما هو اعم منه فلا يخفی استحالته لعدم اقتران اللفظ بالمعنی العام فکيف يکون دالا عليه, مضافا الی عدم وجود مصداق له في اللغة و عليه فالبحث عنه تطويل بلا طائل .
ص: 11
الجهة الثالثة: في المعاني الحرفية
اقول: ليس المقصود من المعنى الحرفي خصوص النسبة المدلول عليها بالحروف بل يراد به في المصطلح الاصولي كل نسبة سواء كانت مدلولة للحرف ام للهيئة كهيئة المشتق الدالة على نسبة المبدأ الى الذات.
و حاصل الکلام فيها: أنّ المعاني الحرفية إخطارية لا إيجادية کما ذهب اليه المحقق النائيني، و أنّها نفس النسب و الارتباطات کما يشهد لذلک الوجدان العرفي و مرتکزاته فانه قاض بوجود فرق بين معنى كلمة «من» و معنى كلمة «ابتداء» فمعنى كلمة «من» لا يمكن لحاظه مستقلا بخلاف معنى كلمة «ابتداء», و ان المعنى الحرفي يختلف عن المعنى الاسمي من حيث الذات وليس من حيث اللحاظ فقط خلافا لصاحب الکفاية، فالاختلاف باللحاظ و ان كان موجودا و لكنه ليس هو الفارق الجوهري، و انما الفارق الجوهري هو الاختلاف من حيث الذات، فذات المعنى الحرفي يباين ذات المعنى الاسمي، و اختلافهما من حيث اللحاظ ناشئ من الاختلاف الذاتي بينهما. هذا مجمل الاتجاه الثاني .
خلافا لما ذهب اليه صاحب الکفاية من عدم الفرق بين ذات المعنى الحرفي و ذات المعنى الاسمي بل ذاتهما واحدة و ان الاختلاف ليس الّا من ناحية اللحاظ و حاصل کلامه ان كلمة «من» و كلمة «ابتداء» كلتيهما تدلان على معنى واحد و هو مفهوم الابتداء، و هذا المعنى الواحد وضع له لفظان: من و ابتداء, نعم كلمة «من» وضعت
ص: 12
لمفهوم الابتداء فيما اذا لوحظ باللحاظ الآلي بخلاف كلمة «ابتداء» فانها موضوعة لمفهوم الابتداء فيما اذا لوحظ باللحاظ الاستقلالي.
بيان ذلك: ان الابتداء الثابت في الخارج و ان كان متقوما دائما بطرفين و لا يمكن ان يوجد مستقلا فالابتداء من البصرة يوجد خارجا متقوما بالسير و البصرة و لا يمكن وجوده مستقلا عن السير و البصرة الّا انه في الذهن يمكن ان يوجد بشكلين، فيوجد مرة متقوما بطرفين- كما لو تصورنا السير من البصرة، فانه ضمن تصورنا لهذا المجموع نتصور الابتداء المتقوم بالسير و البصرة- و يوجد اخرى مستقلا و غير متقوم بطرفين، و ذلك كما لو تصورنا مفهوم كلمة «ابتداء» بقطع النظر عن كلمة السير و البصرة، و يسمى الابتداء المتقوم بالطرفين بالابتداء الملحوظ باللحاظ الآلي (1) بينما الابتداء الملحوظ مستقلا يسمى بالابتداء الملحوظ باللحاظ الاستقلالي.
و صاحب الکفاية يدعي ان كلمة «من» موضوعة لمفهوم الابتداء الملحوظ بالشكل الاول، اي الملحوظ متقوما بطرفين، بينما كلمة «ابتداء» موضوعة لمفهوم الابتداء الملحوظ بالشكل الثاني اي الملحوظ مستقلا.
ثم اضاف قائلا: و لا يتوهمن متوهم ان مقصودنا وضع كلمة «من» لمفهوم الابتداء المقيد باللحاظ الآلي او وضع كلمة «ابتداء» لمفهوم الابتداء المقيد باللحاظ الاستقلالي، ان هذا باطل، اذ لو كان اللحاظ الآلي او الاستقلالي جزء من المعنى يلزم صيرورة معنى
ص: 13
كلمة «من» و «ابتداء» امرا ذهنيا فان اللحاظ(1) امر ذهني، و المقيد بالامر الذهني ذهني، و بالتالي يلزم عدم امكان الامتثال لو قيل: سر من البصرة، لان الابتداء الذي يحصل من الشخص المأمور ابتداء خارجي و ليس ذهنيا و الحال انه لا اشكال في حصول الامتثال بالابتداء الخارجي، و هذا يكشف عن عدم كون معنى كلمة «من» ذهنيا.
بقي شي ء و هو انه اذا لم يكن اللحاظ الآلي او الاستقلالي قيدا في المعنى الموضوع له فلأي شي ء يكون قيدا اذن؟ و اجاب صاحب الکفاية عن هذا السؤال بان اللحاظ قيد في نفس الوضع او بالاحرى في العلاقة الوضعية الحاصلة بسبب الوضع و ليس قيدا في المعنى الموضوع له، بل المعنى الموضوع له هو مفهوم الابتداء لا غير، و اللحاظ الآلي و الاستقلالي قيد في الوضع، و هذا نظير ان يكون للانسان ولد عزيز، و لحبه الشديد وضع له اسمين فقال: اني وضعت لولدي في الليل كلمة «زيد» و في النهار كلمة «عمرو»، فانه في هذا المثال يكون المعنى الموضوع له في كلمة «زيد» و «عمرو» واحدا و هو ذات الولد من دون اخذ الليل و النهار قيدين في المعنى، و انما هما قيدان في الوضع، اي ان وضع كلمة زيد مقيد بالليل لا انها وضعت لزيد المقيد بالليل، و هكذا بالنسبة الى وضع كلمة «عمرو».
و في نهاية كلامه يتجلى ان المتكلم لو استعمل كلمة «من» بدل كلمة «ابتداء» بان قال هكذا: سرت ابتداء البصرة و لم يقل: سرت من البصرة كان استعماله هذا استعمالا حقيقيا و في المعنى الموضوع له، اذ المعنى الموضوع له في كلمتي «من» و «ابتداء»
ص: 14
واحد و هو مفهوم الابتداء و انما الاختلاف في كيفية اللحاظ الذي هو قيد في الوضع، و ما دام الاستعمال استعمالا في المعنى الموضوع له فيكون حقيقيا و ان كان ذلك بلا وضع نظير استعمال كلمة «زيد»بدل كلمة «عمرو» في المثال السابق فانه استعمال حقيقي و في المعنى الموضوع له- و هو ذات الولد- غايته بلا وضع.
و فيه: ان الوجدان العرفي قاض بوجود فرق بين معنى كلمة «من» و معنى كلمة «ابتداء» وکفی به دليلا و يشهد له التعريف المعروف لكلّ من الاسم و الحرف کما ذكره ابن الحاجب (570- 640 هج) صاحب الكافية حيث قال: « الاسم ما دلّ على معنى في نفسه، و الحرف ما دلّ على معنى في غيره».(1)
و هذا المعنی هو المفهوم من الرواية المعروفة عن أبي الأسود الدّؤلي، قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب عليه السلام فرأيته متفكرا فقلت له: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال عليه السلام إنّي سمعت ببلدكم هذا لحناً فأردت أن أصنع كتابا في اصول العربيّة، فقلت: إن فعلت هذا أحييتنا و بقيت فينا هذه اللّغة، ثمّ أتيته بعد ثلاث فألقى إلىّ صحيفة فيها: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الكلام اسم و فعل و حرف، فالاسم ما انبأ عن المسمّى، و الفعل ما انبأ عن حركة المسمّى و الحرف ما انبأ عن معنى ليس باسم و لا فعل، ثمّ قال عليه السلام لي تتبعه و زد فيه ما وقع لك، و اعلم يا أبا الأسود أنّ الأشياء ثلاثة: ظاهر و مضمر و شي ء ليس بظاهر و لا مضمر و إنّما تتفاضل العلماء فيما ليس بظاهر و لا مضمر قال أبو الأسود، فجمعت منه اشياء و عرضتها عليه عليه السلام ، فكان من ذلك حروف النّصب
ص: 15
فذكرت منها إنّ و أنّ و ليت و لعل و كأنّ و لم أذكر لكنّ فقال عليه السلام : لم تركتها: فقلت: لم أحسبها منها، فقال عليه السلام : بلى هي منها فزدها فيها انتهى (1).
فقوله عليه السلام : «ما انبأ عن معنى ليس باسم و لا فعل» يدل علی التباين الذاتي بين الاسم و الحرف وحتیعلی نقل المناقب: «الكلامُ ثلاثَةُ أشياء: اسمٌ، وفِعلٌ، وحَرفٌ جاء لمعنى، فالاسم: ما أنبأ عن المُسمَّى، والفعل: ما أنبَأ عن حركة المُسمَّى، والحرف: ما أوجد معنىً في غيره؛ وكتب عليُّ بن أبي طالب»(2).
مضافا الی انّ لازم ما ذكره جواز استعمال كلّ من الاسم و الحرف مكان الآخر، مع أنّه غير جائز لغةً و عرفا، و ما ذكره من أنّ هذا النوع من الاستعمال على خلاف شرط الواضع، غير تام، لعدم لزوم اتّباع شرطه، حتى و إن شرطه في ضمن الوضع.
و اجيب ايضا: انه بالامكان اقامة البرهان على التباين بين ذاتي المعنى الحرفي و المعنى الاسمي، و ليست الذات واحدة و الاختلاف في مجرد اللحاظ. و توضيحه يتم ضمن اربع نقاط:
ص: 16
1- انا حينما نسمع جملة «سار زيد من البصرة الى الكوفة» مثلا نجد ان المعنى المستفاد منها معنى مترابط يرتبط بعضه ببعض و ليس فيه تفكيك كالتفكيك الذي نشعر به حينما نسمع هذه الكلمات- سير، بصرة كوفة- بدون ضم كلمتي «من و إلى».
2- ما دمنا نشعر بالترابط بين اجزاء الجملة المذكورة فلا بد من اشتمالها على معاني وظيفتها الربط و النسبة بين السير و البصرة و الكوفة.
3- ان المعاني الرابطة بين السير و البصرة و الكوفة لا بد و ان يكون الربط لها ذاتيا لا عارضيا، اي لا بد و ان تكون تلك المعاني عين الربط و نفسه لا شيئا لها الربط، اذ لو كانت اشياء اخرى غير الربط و كان الربط عارضا عليها- كما في الغرفة المنيرة فانها ليست عين النور و انما هي شي ء له النور- لكان من اللازم الانتهاء في النهاية الى معان يكون الربط لها ذاتيا اي تكون عين الربط، اذ لو لم ننته الى ذلك يلزم التسلسل كما في الغرفة المنيرة فان نورها لما كان عارضا عليها احتيج الى شي ء آخر تكتسب منه النور، و ذلكالشي ء ان لم يكن نوره ذاتيا احتيج الى شي ء ثالث و هكذا حتى ينتهى الى شى ء يكون النور له ذاتيا- اي يكون عين النور- كي لا يلزم التسلسل، و من هنا قيل: كل ما بالعرض لا بد من انتهائه الى ما بالذات.
و الخلاصة: ان جملة «سرت من البصرة الى الكوفة» لا بد و ان تحتوي على معان تكون عين الربط دفعا للتسلسل و حفاظا على قاعدة «كل ما بالعرض لا بد من انتهائه الى ما بالذات».
ص: 17
4- ان تلك المعاني التي يكون تمام حقيقتها الربط ليست هي إلّا معاني الحروف، فان جملة «سرت من البصرة الى الكوفة» تحتوي على اسماء و حروف، و حيث ان الاسماء لا يمكن ان تكون هي الدالة على تلك المعاني التي تكون عين الربط- و الّا يلزم عدم امكان تصور معاني الاسماء مستقلا و من دون الطرفين لان ما يكون الربط له ذاتيا لا يمكن تصوره في حال من الحالات بدون تصور الطرفين- فبعد عزلها و استثنائها لا تبقى لدينا الّا الحروف فتكون هي الدالة على الربط بين الاطراف المتفككة(1).
و نکتفي بهذا المقدار من الجواب و ان کانت هنالک اجوبة اخری , و بهذا يثبت بطلان ما اختاره صاحب الکفاية، فانا اثبتنا من خلال هذا البيان ان معاني الحروف تختلف في ذاتها عن معاني الاسماء، فمعاني الحروف ليست هي إلّا الربط بينما معاني الاسماء ليست هي الربط بل معاني اخرى مستقلّة تحتاج الى الربط الذي هو معنى الحرف.
و ليس مقصودنا حينما نقول ان معاني الحروف هو الربط و النسبة ان الحروف تدل على مفهوم النسبة و الربط و انما هو واقع الربط و النسبة، فان مفهوم النسبة و الربط ليس نسبة و لا ربطا في الحقيقة بل هو معنى اسمي يحتاج الى الربط.
و لئن كان مفهوم النسبة و الربط يصدق على النسبة و الربط فهو يصدق عليه بالحمل الاولي و ليس بالحمل الشائع، كما هو الحال في مفهوم الجزئي حيث يصدق عليه انه جزئي بالحمل الاولي و لا يصدق عليه ذلك بالحمل الشائع، فان مفهوم الجزئي بنظرة اولى غير فاحصة و ان كان جزئيا و لكنه بنظرة ثانية فاحصة كلي حيث انه يصدق على
ص: 18
كل جزئي، و هكذا الحال في مفهوم النسبة فانه بالنظرة الاولى و ان كان نسبة إلّا انه بالنظرة الثانية الفاحصة ليس نسبة بل مفهوما اسميا.
و الحاصل أنّها وضعت للنسب و الارتباطات المتقومة بالطرفين مثلا قولنا: «سرت من البصرة» يدل على مفهومي السير و البصرة اللذين هما مدلولا «سرت» و البصرة» و النسبة الابتدائية بينهما التي هي معنى «من» فلو لم تكن كلمة «من» في الكلام لم يكن لهذه النسبة دال، فمعنى «من» هي النسبة الابتدائية، كما أنّ معنى «إلى» هي النسبة الانتهائية، و هكذا سائر الحروف.
و من هنا يظهر: أنّ حال الهيئات- لدلالتها على النسب و الارتباطات من الصدورية و القيامية و الإيجادية و الطلبية و غيرها- حال الحروف .
و بالجملة: فالأسماء تدل على المعاني الاستقلالية، و الحروف تدل على النسب و الارتباطات التي بينها، و لا فرق بين أقسام الحروف من الجارة و غيرها في الدلالة على النسب، فإنّ لفظة «يا» مثلا تدل على النسبة الندائية المتقومة بالمنادي و المنادى. و قد ظهر مما ذكرنا: أنّ المعنى الحرفي بذاته غير مستقل و غير متصور بالاستقلال كالمعنى الاسمي، إذ النسبة متقومة بالمنتسبين، فليس عدم استقلاله ناشئاً من اللحاظ كما تقدم .
هذا ما اخترناه من المعنی الحرفي و اما سائر الاقوال في معاني الحروف فهي کالتالي:
1- نظرية الشيخ الرضي (المتوفّى 668 هج ) من أنّ الحرف لا معنى له أصلا، بل جعل علامة على خصوصية معنى مدخوله، فكما يكون الرفع علامةعلى فاعلية زيد مثلا في
ص: 19
قولنا: «قام زيد» كذلك يكون- في- علامة على ظرفية مدخوله كالدار في قولنا «زيد في الدار»(1).
و فيه: أولا: أنّ الميزان في كون اللفظ ذا معنى أو غيره إنّما هو التبادر، و لا شكّ انّه يتبادر من الحروف معاني خاصة مندكة في معاني متعلقاتها لا انّها خالية من المعنى.
و الفرق بين الحروف و الاعراب واضح فانّ الحروف ممّا ينطق بها مستقلًا فيليق أن يكون لها وضع خاص دون الاعراب.
و ثانياً: أنّه خلاف ما اتفقوا عليه من انقسام الكلمة إلى اسم و فعل و حرف، و عزل الحرف عن المعنى يستلزم انحصار الكلمة في الأولين.
و ثالثاً: أنّه يستلزم التجوز في الاستعمالات، توضيحه: أنّ «الدار» مثلا وضعت لذات معناها و هي البناء الموجود العيني الجوهري، و خصوصية ظرفيتها لزيد مثلا خارجة عنه، و حينئذٍ فان لم يكن لكلمة «في» معنى الظرفية يلزم التجوز في استعمال كلمة «الدار» في معناها المتخصص بهذه الخصوصية، و هو كما ترى، فلا بد أن تكون الخصوصية مدلولة لكلمة «في» , نعم قيل بصحة دعوى العلامية في علائم الإعراب كالرفع، إذ الدال على الفاعلية التي هي النسبة الصدورية أو الحلولية هي الهيئة
ص: 20
الكلامية. فمقايسة الحروف على مثل الرفع في غير محلها، بل هذه الدعوى في المشبه به أعني به علائم الإعراب أيضا في حيز المنع(1).
2- أنّها وضعت لمعنى لوحظ حالة للغير و نعتاً له بحيث لا يتصور في الذهن بنفسه و مع الغض عن الغير كالأعراض الخارجية التي لا توجد مستقلة بل في موضوعاتها، حتى قيل: «إنّ وجوداتها في أنفسها عين وجوداتهالموضوعاتها» فالمعنى الحرفي حالة لمعنى آخر و قائم به كالعرض، و ليس كالمعنى الاسمي القائم بنفسه، هذا.
و فيه: أنّ المعنى الحرفي لو كان كذلك لم يكن محتاجاً إلى طرفين بل إلى طرف واحد كالأعراض الخارجية, و هي و ان كانت قائمة بالمفاهيم الاسمية كقيام الاعراض بموضوعاتها، إلّا أنّ بينهما فرقاً واضحاً، و هو: أنّ الاعراض بما أنّها من الماهيات قابلة للتصور بالاستقلال، كتصور مفهوم السواد و البياض، بخلاف المعاني الحرفية، فإنّها غير قابلة له كذلك، بل تتصور مع الأطراف .
3- ما أفاده المحقق النائيني(2) و هو يعتمد على أربعة أركان:
(الأول): أنّ المعاني الحرفية إيجادية لا إخطارية، توضيحه: أنّه ليس للمعنى الحرفي مفهوم متصور في الذهن كالمفاهيم الاسمية، بل المعاني الحرفية هي النسب و الارتباطات التي توجد في موطن الاستعمال، فكلمة «من» مثلا وضعت لإيجاد الربط
ص: 21
الابتدائي بين السير و البصرة في مثل قولك: «سر من البصرة إلى الكوفة» و كلمة «على» لإيجاد النسبة الاستعلائية بين زيد و السطح، في مثل «زيد على السطح»، و هيئة «زيد قائم» لإيجاد النسبة القيامية بين زيد و قائم، و مثلها سائر الحروف و الهيئات. و بالجملة: فلا تقرر للمعنى الحرفي في الذهن حتى يتصور، بل تقرره و تحصله موطن الاستعمال، فالحروف آلات لإيجاد معانيها لا كواشف عن مداليلها.
(الثاني): أنّ المعاني الحرفية لا استقلال لها في هوية ذاتها، بل هي قائمة بغيرها، بداهة أنّ النسب و الارتباطات التي تحكيها الحروف و الهيئات لا تقوم بذاتها، لكونها قائمة بالطرفين، و إلى هذا ينظر قولهم «الحرف ما دل على معنى في غيره»، فإنّ معنى كلمة «من» هي الابتدائية التي تقوم بما يليها من البصرة و نحوها.
(الثالث): أنّ تلك المعاني الإيجادية لا موطن لها إلّا وعاء الاستعمال، و لا تقرر لها في شي ء، من أوعية الواقع و الاعتبار و الذهن، فليس الموضوع له في الحروف مفاهيم النسب و الارتباطات، بل مصاديقها الموجودة في موطن الاستعمال في مقابل القول بالإخطارية المنوطة باللحاظ و التصور و تعدد وعاء التحصل و التقرر، فإنّ لازم الإيجادية هو وحدة عالم التقرر و التحصل، فوجود المعنى الحرفي حدوثاً و بقاء يدور مدار الاستعمال.
(الرابع): أنّ المعاني الحرفية مغفول عنها و غير ملتفت إليها حال إيجادها، كالألفاظ التي يراد بها معانيها، فإنّ النّظر إلى الألفاظ حينئذٍ آليّ كالنظر إلى المرآة ان كان الغرض معرفة حال المرئي، فإنّ المعنى الحرفي بناءً على كونه إيجادياً لا يمكن أن يكون ملتفتاً إليه قبل الاستعمال أصلا، لتوقف الالتفات إليه على تصوره في الذهن و المفروض أنّه
ص: 22
لا وجود له في غير موطن الاستعمال، فكيف يمكن تصوره قبل الاستعمال؟ و يترتب على عدم وجوده قبل الاستعمال امتناع الإطلاق و التقييد اللحاظيين فيه، هذا. ثم استدل المحقق النائيني (قده) على القول بالإيجادية بوجوه ثلاثة:
(الأول): الخبر الّذي رواه أبو الأسود الدؤلي عن مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين، قال: «قال عليه السلام : الاسم ما أنبأ عن المسمى، و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، و الحرف ما أوجد معنى في غيره» تقريب الاستدلال به: أنّ في العدول عن الإنباء في الحرف إلى الإيجاد دلالة على عدم تقرُّر لمعنى الحرف في غير وعاء الاستعمال حتى يدل عليه الحرف و يحكي عنه كحكاية أخويه عن معنييهما، بل الحرف آلة لإيجاد معناه، هذا.
(الثاني): أنّ حرف النداء في مثل «يا زيد» لا يمكن أن يكون حاكياً عن النسبة الندائية المتقررة في غير موطن الاستعمال، إذ لا نداء و لا منادي و لا منادى قبل الاستعمال، بل هذه العناوين توجد بنفس الاستعمال، فلا وجود لها قبله، فيوجد بحرف النداء مصداق لمفهوم النداء، فالمعنى الحرفي مصداق للمعنى الاسمي.
(الثالث): أنّه لا شك في أنّ مفاهيم أجزاء الجمل سواء كانت تامة أم ناقصة و اسمية أم فعلية و خبرية أم إنشائية مفاهيم بسيطة مستقلة في الأذهان غيرمرتبطة بعضها ببعض كالماء و الكوز، فإنّهما موضوعان لمفهومين متغايرين لا يرتبط أحدهما بالآخر بحيث لا يمكن تأليف كلام منهما، فلو استعملت كلمة- في- في مفهوم النسبة الظرفية لا في حقيقتها فما الرابط بين هذين المفهومين الاسميين المستقلين؟ فلا بد أن تكون
ص: 23
الحروف و الهيئات موضوعة لمصاديق النسب و الارتباطات ليتحقق الربط بينهما، فالموجد للارتباط بين المفاهيم المتغايرة هي الحروف و الهيئات .
و فيه: اما الأول و هو الخبر فهو ان کان معروفا و مشهورا مما يوجب الوثوق به الّا انه مختلف متنه في خصوص هذه الفقرة، فالمسند منه هكذا: «و الحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم و لا فعل» کما تقدم و التعبير المستدل به وارد في مرسلة المناقب فقط دون باقي النسخ. مع أنّه يمكن أن يكون وجه العدول عن الإنباء في الحروف إلى الإيجاد ملاحظة كون النسب و الارتباطات التي هي المعاني الحرفية الرابطة بين المفاهيم الاسمية علة لتحقق الهيئة في الذهن فانه لمّا كانت الحروف حاكية عن النسب التي هي علة لوجود تلك الهيئة، صحت إضافة الإيجاد عنايةً إلى نفس الحروف الحاكية عنها .
و اما الثاني- و هو عدم إمكان حكاية حرف النداء عن النسبة الندائية- ففيه:
أوّلا: أنّه أخص من المدعى، لعدم تطرقه في الجمل الخبرية المشتملة على النسب التحققية، لحكاية الهيئة فيها عن الارتباط الذهني المتحقق قبل وعاء الاستعمال، فلاحظ.
و ثانياً: أنّ الفرق بين مثل «يا زيد» و بين سائر الجمل الإنشائية تحكُّم، لامتناع تأليف الكلام من حرف و اسم، فلهذا الكلام مقدر و هو كلمة «أدعو» مثلا كما قدّره النحويون.
و من الواضح أنّ للدعوة نسبة صدورية إلى المتكلم الّذي يقال له المنادي (بالكسر) و الدال على هذه النسبة هيئة «أدعو» و نسبة المدعوية إلى طرفه و هو زيد في المثال
ص: 24
المدعو بالمنادى (بالفتح) و الدال على هذه النسبة هي لفظة «يا»، و لا بد من تصور أجزاء الكلام بما لها من المفاهيم الاستقلالية والروابط الموجبة لارتباطها و تألف الكلام منها ليتحقق التطابق بين القضية المعقولة و الملفوظة، من غير فرق في ذلك بين الجمل الإنشائية و الاخبارية.
و الحاصل: أنّه كما يعتبر تصور المفاهيم الاستقلالية التي تدل عليها أطراف القضية من المسند و المسند إليه كذلك يعتبر تصور النسب و الارتباطات التي تدل عليها الحروف و الهيئات، فإنّ كل متكلم لا يلقي كلامه إلى مخاطبه إلا بعد تصور مضمونه من المفاهيم المستقلة و روابطها، فالكلام الملقى إلى الطرف كما يشتمل على الألفاظ التي تدل على المفاهيم المستقلة، كذلك يشتمل على الحروف و الهيئات التي تحكي عن الارتباطات و النسب، و هل يمكن إلقاء كلام مفيد بدون التصور المزبور بعد وضوح لزوم التطابق بين القضية المعقولة و الملفوظة ؟
و ثالثاً: أنّه لا معنى لمصداقية النسبة الندائية الموجدة بحرف النداء في موطن الاستعمال لمفهوم النداء الّذي هو معنى اسمي، و ذلك لعدم انطباق ضابط المصداقية على المعنى الحرفي، فإنّ ضابطها هو صحة وقوع المصداق مسنداً إليه و المفهوم مسنداً نظير «زيد إنسان»، و من المعلوم عدم صحته في المقام، ضرورة عدم صحة وقوع الحرف مسنداً إليه، و إلّا لخرج عن كونه حرفاً كما هو واضح .
و اما الثالث- و هو كون مفاهيم أجزاء الجمل بسائط مستقلة في الذهن- ففيه:
ص: 25
أولا: ما مر آنفاً من أنّ القضية الملفوظة كما تحتاج إلى وجود رابط يربط أطرافها، كذلك القضية المعقولة تتوقف على وجود رابط بين أجزائها الذهنية، فالملقي للكلام المفيد يحتاج أوّلًا إلى تصور الأطراف و الربط بينها ليتمكن من إلقائه ثانياً. و ببيان أوضح: كما أنّ الماهيات المبهمة التي وضعت لها الألفاظ تحتاج إلى حاكٍ يحكي عنها، كذلك الخصوصيات الطارئة عليها كتخصص السير بكونه من البصرة في قوله: «سر من البصرة»، و تقيّد الصوم بكونه من الطلوع إلى الغروب في قوله: «صم من الطلوع إلى الغروب» و غير ذلك، فإنّ الحاكي عن نفس الطبيعة المهملة لا يغني عما يحكى عن خصوصيتها، لعدم دلالته عليها، فكلّ من الطبيعة و خصوصياتها تحتاج إلى دالٍّ يخصها، و لذا نحتاج في إثبات الإطلاق إلى مقدمات الحكمة، إذ المفروض أن اللفظ لا يدلإلّا على نفس الطبيعة المهملة المعراة عن كل خصوصية و ارتباط. فنتيجة هذا البيان كون مداليل الحروف و الهيئات كمداليل الأسماء إخطارية لا إيجادية.
و ثانياً: أنّ إيجادية المعاني الحرفية تستلزم محذوراً لم يلتزم به أحد، و هو خروج جميع القيود عن حيّز الطلب المنشأ بالهيئة و توضيحه منوط بتقديم أمرين مسلّمين:
أحدهما: أنّ الطلب لا يتعلق إلّا بما يكون مقدماً عليه رتبة، لتأخر الحكم عن موضوعه تأخر المعلول عن علته.
ثانيهما أنّ وحدة رتبة علّتين تستلزم وحدة رتبة معلوليهما .
إذا عرفت هذين الأمرين فاعلم: أنّه إذا قال المولى: «سِر من البصرة إلى الكوفة» ففيه دلالات: «إحداها» دلالته على مفهومين اسميين و هما مفهوما: السير و البصرة.
ص: 26
(ثانيتها) دلالته على الارتباط الخاصّ بينهما، و هو تقيّد السير بكون مبدئه البصرة و منتهاه الكوفة. (ثالثتها) دلالته على الطلب، و لما كان الطلب و الارتباط بين السير و البصرة معلولين للأداة و الهيئة اللتين هما في رتبة واحدة، فلا محالة يكون نفس الطلب و الارتباط أيضا في رتبة واحدة و متأخرين عن مفهومي السير و البصرة، و قد مرّ أنّ الطلب لا يتعلق إلا بما يتقدم عليه رتبة، فلا يتعلق بما هو في رتبته أو متأخر عنه، و لازم وحدة رتبتي الطلب و الإضافة بين مفهومي السير و البصرة هو عدم تعلق الطلب بالإضافة، و كون المطلوب مطلق السير و إن لم يكن ابتداؤه من البصرة، و هذا مما لم يلتزم به أحد، إذ المسلم عندهم في مثل هذه القضية هو جعل القيد متعلق الطلب، و كون المطلوب السير المتخصص بخصوصية كذائية لا مطلق السير. و لا يرد هذا المحذور على القول بإخطارية المعاني الحرفية، لأنه يتصور المعنى الاسمي مقيداً بالخصوصية و يطلبه كذلك، فيكون القيد متصوراً قبل تعلق الطلب به. نعم في مقام الدلالة يكون الدالان على القيد و الطلب في رتبة واحدة، لكنه لا يقدح، لعدم استلزام عرضية الكاشفين لعرضية المنكشفين كما لا يخفى.
و ثالثاً: أنّه يلزم تأخر الارتباط المترتب على الحروف أو الهيئات عما يقوم به من المفهومين الاسميين و عدم كونه في رتبتهما، توضيحه:
أنّ الارتباط المعلول للأداة يوجد في وعاء الاستعمال، و هو متأخر عن تصور المفهومين اللذين يقوم بهما الارتباط، فمع تصور مفهوم زيد بدون ارتباطه بالقيام و تصور مفهوم القيام بدون ارتباطه بزيد كيف يحصل الارتباط بينهما بالحروف أو الهيئات مع عدم انقلاب الواقع عما هو عليه من الإطلاق و عدم الارتباط؟
ص: 27
إذ المفروض وجود كل منهما غير مرتبط بالآخر، فلا يرتبطان بما يوجد في مرحلة الاستعمال المتأخر عن مقام التصور، فتدبر. و رابعاً: أنّه يلزم من إيجادية المعنى الحرفي إنكار القضية المعقولة، لعدم رابط ذهني يربط الطرفين، أو الالتزام بإمكان تألف القضية من دون ارتباط بين طرفيها، و كلاهما كما ترى. و خامساً: أنّ إيجادية المعنى الحرفي تستلزم تحصيل الحاصل، لأن مقتضى القضية المعقولة هو ثبوت الارتباطات و النسب الخاصة بين طرفي القضية قبل وعاء الاستعمال، فعلى القول بالإيجادية يلزم إيجاد الارتباط الموجود قبل الاستعمال، و هذا بخلاف القول بالإخطارية، إذ الحروف أو الهيئات ليست إلا حاكية عن النسب و الارتباطات الموجودة قبل الاستعمال كما لا يخفى.
4- ما عن صاحب الحاشية من التفصيل بين الحروف بالإيجادية في بعضها كحروف النداء و الترجي، و الإخطارية في بعضها الآخر(1). و قد ظهر فساد هذا التفصيل مما ذكرناه في بطلان القول الرابع فلا نعيده. فتحصل من جميع ما ذكرنا أنّه لا وجه للقول بإيجادية المعاني الحرفية أصلا، لا في الكل و لا في البعض.
و أمّا كيفية وضع الحروف و أنّها من أي قسم من الأقسام الثلاثة الممكنة ففيها اقوال ثلاثة: (الأول) الوضع العام و الموضوع له الخاصّ، و هو المنسوب إلى جماعة منهم
ص: 28
السيد الشريف. (الثاني) عمومية كل من الوضع و الموضوع له، مع خصوصية المستعمل فيه، و هو المعزي إلى التفتازاني. (الثالث) عمومية كل واحد من الثلاثة و هو الذي ذهب اليه صاحب الکفاية(1). هذا علی مسلک القوم من کون الحروف من قسم الوضع التعييني و قد تقدم بطلانه .
و اما علی المختار من کونها من قسم الوضع التعيني فيمکن تصور کون المعنی المقترن باللفظ عاماً، و اما توهم عدم إمكان عمومية الموضوع له فيها، لعدم جامع ذاتي قابل للتعقل في الذهن بدون أطرافه بين الارتباطات التي هي المعاني الحرفية، بحيث ينطبق عليها انطباق الكلي الطبيعي على مصاديقه، إلّا مفهوم الربط الّذي هو معنى اسمي، ففاسد، لأنّ الجامع المفهومي الذاتي بين المعاني الحرفية بحيث يكون نسبته إليها نسبة الكلي إلى مصاديقه و ان كان غير ممكن لاستلزامه انقلاب المعنى الحرفي إلى الاسمي، إلّا أنّ جهة الاشتراك بين أشخاص صنف كالنسبة الابتدائية المدلول عليها بكلمة- من- التي هي الجهة المشتركة بين أفراد هذا الصنف تجدي في عمومية الموضوع له، لأنّ المفهوم العام المقترن كما يكون مرآة للخصوصيات و الأفراد كذلك يكون مرآة لتلك الجهة المشتركة، فلا مانع من کون الموضوع له في الحروف عاماً، لأنّ عمدة مستند المنكر لعموم الموضوع له في الحروف هو عدم إمكان وجود جامع ذاتي بين هذه النسب الخاصة بحيث يكون ذلك كليّاً طبيعياً و تلك النسب مصاديقه، و بَعد إمكانه و مساعدة الوجدان عليه لا بد من الالتزام به.
ص: 29
و أمّا عدم خصوصية الموضوع له في الحروف، فلعدم قابلية أشخاص المعاني الحرفية للتصور بدون توسيط معنى اسمي، و إلّا خرجت عن كونها معاني حرفية، و لعدم تناهيها و عدم تعقل استحضار ما لا نهاية له بالصور التفصيلية كما هو شأن الوضع الخاصّ. و أمّا توهم کون الموضوع له عاما و المستعمل فيه خاصّا، ففساده غني عن البيان، إذ لازمه لغوية المعنى الموضوع له، لأنالمفروض عدم استعمالها في المعنى الموضوع له، و من القبيح کون لفظ لمعنى لا يستعمل فيه أصلا ظاهر.
و قد ذكرت ثمرات للبحث عن كيفية الوضع و الموضوع له نشير إلى بعضها:
1- لو كان الموضوع له فيها خاصاً لا يتصور تقييده، و ذلك لأنّ التقييد فرع الإطلاق و هو فرع السعة، و الخاص فاقد لها فلا يمكن تقييده، و على ذلك رتبوا انّ القيد في الواجب المشروط لا يرجع إلى الهيئة، لأنّ مدلول الهيئة معنى حرفي، و المعنى الحرفي بما انّ الموضوع له فيه خاص لا يقبل التقييد فلا مناص من إرجاعه إلى المادة، نظير قولك:» أكرم زيداً إن سلّم «فقوله:» أكرم «مركب من هيئة و مادة، فلو كان الموضوع له للهيئة هو الوجوب الشخصي فهو لا يقبل التقييد فلا يمكن القول بأنّ الوجوب مشروط بالتسليم، بل يجب القول بأنّ التسليم قيد للمادة، و معنى الجملة هو ان سلّم زيد أكرمه إكراماً مقيداً بكونه بعد التسليم.
و فيه: ما سيأتي في محلّه من أنّ الجزئي غير قابل للتقييد من حيث الأفراد لكنّه قابل له من حيث الأحوال، فزيد بما انّه جزئي لا يقبل التقييد الافرادي، و لكن يقبل التقييد
ص: 30
الأحوالي، لأنّ له أحوالًا كثيرة ككونه قائماً قاعداً، متعمماً، و غير متعمّم، فيمكن أن يقيّد بحال من الأحوال، و لذلك لو شككنا انّ الموضوع للوجوب هو زيد أو هو مع قيد التعمم يحكم بالإطلاق على الأوّل. و على هذا، الوجوب أو إنشاء البعث و إن كان أمراً شخصياً لكن له أحوالًا مختلفة، فالوجوب المقيّد بتسليم زيد غير الوجوب المقيّد بعدم تسليمه فيصحّ تقييده بالتسليم.
2- إنكار المفهوم للقضايا الشرطية، فانّ القول بالمفهوم يبتني على أساس انّ المنفي سنخ الحكم لا شخصه، و إلّا فانّ الشخص يرتفع بارتفاع قيده و هو لا يجتمع مع كون مفاد الهيئة أمراً جزئياً بخلاف ما إذا قلنا بأنّ مفادها أمر كلي فمع ارتفاع شخص الحكم، يقع الكلام في ارتفاع سنخه و عدمه.
و فيه: هو ما ذكرنا من الجواب في الثمرة الأُولى فانّ الموجود الشخصي و إن لم يكن قابلًا للتقييد من حيث الافراد، لكنّه قابل له من حيث الأحوال، فانّ وجوب الإكرام المقيّد بتسليم زيد غير وجوب الإكرام في حالة أُخرى، فللوجوب وجود سعي حسب الحالات.
و على ضوء هذا فللحكم الشخصي الجزئي حالتان:
1. ملاحظته مع التسليم فلا شكّ انّه في هذا اللحاظ مرتفع بعدم التسليم على كلا القولين.
2. ملاحظته مع عدم التسليم فالمثبت للمفهوم يقول بارتفاعه أيضاً دون المنكر.
ص: 31
فالقول بالمفهوم و إنكاره لا يبتني على كون مفاد الهيئة كليّاً بل يجري على القول بجزئية معناها.
و بذلك ظهر انّ المسألة فاقدة الثمرة و عليه فالبحث فيها غير مهم .
الجهة الرابعة: في وضع أسماء الإشارة و الضمائر و الموصولات و في المسألة اقوال:
1. قول المحقّق الخراساني
لقد اختار المحقّق الخراساني فيها ما اختاره في الحروف من أنّ الوضع عام و الموضوع له و المستعمل فيه كذلك، و انّ أسماء الإشارة مثل» هذا «و الضمائر الغائبة و الحاضرة كلّها وضعت لنفس المفرد المذكر على النحو الكلي، إمّا ليشار بها إلى معانيها كأسماء الإشارة و الضمائر الغائبة، أو يخاطب بها كما في الضمائر الخطابية، و لما كانت الإشارة و التخاطب يستدعيان التشخص، لأنّ الإشارة و التخاطب لا يكاد يكون إلّا إلى الشخص أو معه، فتعرض الخصوصية من ناحية الاستعمال كما لا يخفى.(1)
و على ما ذكره يكون الموضوع له هو ذات المفرد المذكر و نفس المشار إليه مع قطع النظر عن كونه بوصف المشار إليه، و لا يخلو قوله من غموض لأنّه يقول: وضعت لنفس المفرد المذكر على النحو الكلّي ليشار بها إلى معانيها .
ص: 32
فما ذا يريد من الإشارة؟ فإن أراد الإشارة بنفس اللفظ، فهو غير معقول، لأنّه إذا كان موضوعاً لنفس المفرد المذكر فاستعماله فيه لا يستلزم إلّا إحضار نفس المعنى لا أمراً زائداً عليه.
و إمّا أن يراد الإشارة الحسية بالاصبع و غيره، فمع أنّه يستلزم عدم صحّة استعماله إلّا مع الإشارة يلزم عدم صحّة الضمائر الخطابية، فانّ الخطاب لا يتحقّق إلّا بنفس اللفظ لا بأمر آخر حيث نقول: خرجت أنت .
و اجيب ايضا: بأنّ المراد من الإشارة إمّا الإشارة الخارجيّة، و إمّا الإشارة المعنوية المستفادة من حاقّ اللّفظ، و الاولى لا تتقوّم باللّفظ، بل تقع بحسب المتعارف باليد و العين و الرأس، و لا دخل للّفظ فيها أصلا. و الثانية تقتضي أن يكون اللّفظ موضوعة لنفس الإشارة أي تكون الإشارة معنى اللّفظ، و المراد حقيقة الإشارة و واقعها، لا مفهومها الكلّي، و هو المتبادر من لفظ «هذا» و مرادفه في الفارسية و سائر اللّغات، و الإشارة الخارجيّة تقارنها، و تعاضدها، و يؤتى بها للتأكيد.
و أمّا اللّفظ إن كان خاليا عن معنى الإشارة فليس فيه قابلية الإشارة حتّى يشار بها إلى المعنى، و تصير آلة للإشارة، بل قابلية أسماء الإشارة و ألفاظها ليشار بها إلى شي ء، إنّما هو ببركة وضعها للإشارة، التي عبّرنا عنها بالإشارة المعنوية، فلا يتمّ ما أفاده في الكفاية و هو: أنّ اللّفظ موضوع للمفرد المذكّر، و لكن وضعت ليشار بها إلى ذلك المعنى؛ لأنّه لا قابلية في هذا المعنى لإيجاد الإشارة، و كذا لا آلية و لا قابلية للّفظ بما هو لفظ
ص: 33
لذلك. و لو اريد الإشارة الخارجيّة باللّفظ إلى المعنى فالإشارة الخارجيّة لا تتحقّق إلّا بالجوارح المذكورة، و لا ربط لها باللّفظ(1).
2- و قد علم ممّا ذكرنا أنّ التشخّص إنّما يأتي من قبل الإشارة المعنوية المستفادة من حاقّ اللّفظ؛ لأنّ المراد منها مصداق الإشارة و واقعها و هو مساوق للتشخّص، و يكون من خصوصيّات ذات المعنى و المستعمل فيه، لا أطوار الاستعمال كما في الكفاية. و من هنا علم أيضا أنّ الوضع فيها عامّ و الموضوع له خاصّ، أمّا عموم الوضع فلكفاية نفس المفهوم الكلّي لأن يلاحظ به الموضوع له، على كثرته و تعدّده. و أمّا خصوص الموضوع له فلأنّ المعنى ليس مفهوم الإشارة، بل مصاديقها المعنوية التي تأتي في الذهن و لا تصير بذلك ذهنية؛ إذ الموضوع له هو المظروف، و ظرف الذهن خارج عن حقيقة المعنى(2).
قلت: و هذا هو الصحيح و اليه ذهب المحقق الاصفهاني حيث قال: إنّ أسماء الإشارة و الضمائر و بعض المبهمات موضوعة لنفس المعنى في حال تعلّق الإشارة به خارجاً أو ذهناً على نحو القضية الحينية. فقولك «هذا» لا يصدق على زيد إلّا إذا صار مشاراً باليد أو بالعين، و الفرق بين مفهوم لفظ «المشار إليه» و لفظ «هذا» هو الفرق بين لفظ الربط و مفهوم «في» و «من» .(3)
ص: 34
و منه تظهر حال الضمائر: الخطاب و التكلّم و الغيبة حرفاً بحرف، فالمتبادر من لفظ» أنت «و» أنا «و» هو «الذات عند الإشارة و إن كانت الإشارة في الضمير الغائب أضعف من الأوّلين.
ثمّ إنّ الإشارة اللفظية تتكفّل وراء إحضار المشار إليه، بيان إفراده و تثنيته و جمعه و تذكيره و تأنيثه، حضوره و غيبته، و لذلك مسّت الحاجة إلى وضع الألفاظ و عدم الاكتفاء بالإشارات التكوينية.
و أمّا الموصول فالظاهر عدم وجود الإشارة فيه ، و لأجل اشتماله على الإبهام المطلق دون أسماء الأجناس تلزم الصلة بعده، فالظاهر انّ الموضوع له عام .
3. قول المحقّق البروجردي
و هذا القول على طرف النقيض من القول الاول، لأنّه يعتمد على أنّ أسماء الإشارة وضعت لنفس الإشارة من دون أن يدخل فيها المشار إليه، أعني: المفرد المذكّر .و حاصله: انّ أسماء الإشارة و الضمائر و الموضوعات، التي يجمعها «المبهمات» وضعت لنفس الإشارة فيكون لفظ «هذا» بمنزلة الإشارة بالاصبع فيكون آلة للإشارة، و الإشارة أمر متوسط بين المشير و المشار إليه. و على ذلك يكون عمل المبهمات كلّها عملًا إيجادياً، و لأجل ذلك ينتقل الذهن بعد سماعها إلى المشار إليه.
و لعلّه إلى ذلك يشير ابن مالك في ألفيّته بقوله:
بذا، لمفرد مذكر أشر *** بذي و ذه، تي تا على الأُنثى اقتصر
فهو يقول: إنّ لفظ «ذا» موضوع لنفس الإشارة لا للمشار إليه، و مثله الضمائر فيشار بلفظ «أنا» إلى المتكلّم، و بلفظ «أنت» إلى المخاطب، و بلفظ «هو» إلى الغائب.
ص: 35
و لأجل ذلك يجب أن يكون المشار إليه متعيّناً إمّا تعيّناً خارجياً أو ذكرياً، كما في ضمير الغائب، أو وصفياً كما في الموصولات حيث يشار لها إلى ما يصدق عليه مضمون الصلة.(1)
و فيه: أنّه إذا كانت أسماء الإشارة موضوعة لنفس الإشارة، فالإشارة معنى حرفي قائم بالمشير و المشار إليه، و لازم ذلك أن لا يقع مبتدأً مع أنّ الواقع خلافه.
لا يقال: بأنّ المبتدأ هو الشخص الخارجي و قد أُحضر بواسطة اللفظ، و المحمول إنّما يحمل على ذلك الشخص الخارجي.
لان لازم ذلك تركيب الكلام من جزء ذهني و هو المحمول، و جزء خارجي و هو الموضوع. و الالتزام بصحّة هذا النوع من الكلام كما ترى.
على أنّ بعض المبهمات مثل «من» ، «ما» ، «أي» لا يتبادر منها الإشارة كقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الأَرض﴾(2) و قوله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(3) و قوله عليه السلام : «من كان على يقين و شكّ فليمض على يقينه »(4).
الجهة الخامسة: في الإخبار و الإنشاء
ص: 36
و مورد البحث هو الجمل التي يراد بها الإنشاء تارة و الاخبار أُخرى، و أمّا ما يختص بأحدهما، كصيغة- افعل- التي تستعمل دائماً في إنشاء المادة على اختلاف الأغراض الداعية إلى الإنشاء، و كالجملة الاسمية مثل- زيد قائم- التي يراد بها الاخبار دائماً، فهو خارج عن هذا البحث، فالمبحوث عنه فعلًا هو ما يراد به الإنشاء في استعمال و الاخبار في آخر كلفظ: بعت .
و ملخص الكلام فيه: أنّ المعنى في مثله واحد و هو نسبة المبدأ إلى الذات، و الإخبارية و الإنشائية من الأغراض الداعية إلى الاستعمال، فان قصد المستعمل حكايته عن النسبة الواقعية فهو إخبار، و ان قصد الإيجاد فهو إنشاء. و عليه فلا يكون الاستعمال في الإنشاء مجازاً، إذ المفروض أنّه قد استعمل في الموضوع له، و الإنشائية من أغراض الاستعمال و دواعيه، خلافاً لبعض المحققين، حيث ذهب إلى المجازية. نعم لمّا كان الرابط بين حاشيتي القضية مرآةً للخارج سواء قصد به المستعمل حكايته عن الخارج أم لا، و لذا يتبادر من لفظة- بعت- مثلًا الصادرة من النائم أو الساهي الحكاية عن الثبوت في الخارج يحمل كلام المتكلم إذا أحرز كونه في مقام البيان على ما يقتضيه طبع القضية من الاخبار، و لا يحمل على الإنشاء إلّا مع القرينة، هذا.
و قد اختلف الأُصوليون في تبيين الفرق بين الإخبار و الإنشاء في مورد البحث على وجوه:
الاول: ما قاله المحقّق الخراساني
فاختار في المقام نفسَ ما اختاره في المعاني الاسمية و الحرفية من عدم دخول واقعية الانشاء و الاخبار في الموضوع له، و إنّما هما من قيود الوضع و طوارئ الاستعمال.
ص: 37
فمفاد» بعت «نسبة مادة البيع إلى المتكلّم إمّا بقصد ثبوت معناه في موطنه فإخبار، أو بقصد تحقّقه و ثبوته بنفس الاستعمال فإنشاء.(1)
و فيه: أنّ ما يستفاد من بعت الخبرية شي ء و ما يستفاد من بعت الإنشائية شي ء آخر، و لا جامع بينهما ؛ إذ المستفاد من «بعت» الخبرية هو وقوع نسبة البيع إلى النفس في الزمان الماضي.
و بعبارة اخرى تحقّق البيع من النفس على سبيل النسبة الماضوية، و المستفاد من «بعت» الإنشائية هو إيجاد البيع من النفس في زمان الحال (أي حال استعمال اللّفظ و إنشاء المعنى به).
و البيع في الأوّل مفروض الوجود، يراد حكاية ثبوته، و في الثاني مفروض العدم، يراد إيجاده و تحقيقه، و فرض الجامع بين الموجود و المعدوم كما ترى .
و اخراج مفاد الإخبار و الإنشاء عن نطاق الموضوع له و جعلهما من قيود الوضع خلاف الوضع الطبيعي.
الثاني: ما قاله المحقّق الخوئي
إنّ للمحقّق الخوئي في باب الفرق بين الإنشاء و الإخبار نظرية شاذة خالف فيها المشهور، حيث قال: إنّ الجملة الإنشائية موضوعة لإبراز أمر نفساني خاص، و كلّ متكلّم متعهد بأنّه متى ما قصد إبراز ذلك، يتكلّم بالجملة الإنشائية. مثلًا: إذا قصد إبراز اعتبار الملكية، يتكلّم بصيغة» بعت «أو» ملكت «و إذا قصد إبراز اعتبار الزوجية، يبرزه
ص: 38
بقوله:» زوجت «أو» أنكحت «و إذا قصد إبراز اعتبار كون المادة على عهدة المخاطب، يتكلم بصيغة» افعل «و نحوها.
فالجمل الإخبارية و الإنشائية تشترك في الدلالة على الإبراز، إلّا أنّ الأُولى مبرزة لقصد الحكاية و الإخبار عن الواقع و نفس الأمر، و تلك مبرزة لاعتبار من الاعتبارات كالملكية و الزوجية و نحوهما.
و استدلّ على ذلك بأنّ المراد من كون الإنشاء للإيجاد، إمّا الإيجاد التكويني فهو بيّن البطلان، و إمّا الإيجاد الاعتباري، كإيجاد الوجوب و الحرمة و الملكية و الزوجية، فيرده أنّه يكفي في ذلك نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ و التكلّم، فإنّ الإيجاد يتحقّق بالاعتبار النفساني سواء أ كان هناك لفظ يتلفظ به أم لم يكن، و من هنا يعلم أنّه لا فرق بينها و بين الجمل الاخبارية(1).
و يرد عليه: أوّلًا: أنّ لازم ما ذكره هو رجوع الإنشاء إلى الإخبار و قبوله الصدق و الكذب مثل الاخبار، فإذا كانت الجملة مطلقاً سواء كانت إنشائية أو إخبارية موضوعة للإبراز غير انّ المبرَز تارة يكون قصد الحكاية و الإخبار عن الواقع، و أُخرى الابراز عمّا في الذهن من اعتبار المالكية للمشتري و الزوجية لزيد. فعندئذ يكون مفاد الجملة الإنشائية كالجملة الإخبارية، غير أنّ إحداهما تحكي عن الخارج و الثانية عن عمل الذهن، و يتوجه عليه انّه يحتمل الصدق و الكذب، و هذا هادم لما هو واضح و معروف من أنّ الجملة الإنشائية لا يصحّ وصفها بالصدق أو الكذب.
ثانياً: أنّ لازم ذلك كون» بعت «و» زوجت «مرادفاً لاعتبار الملكية للمشتري أو الزوجية للزوج و هو كما ترى.
ص: 39
ثالثاً: أنّ ما ذكره من أنّ الإيجاد يتحقّق بالاعتبار النفساني سواء أ كان هناك لفظ يتلفّظ به أم لم يكن، غير تام، و ذلك لأنّه مبني على أنّ وعاء الاعتبار هو الذهن، و قد تم فيه مع أنّ الأُمور الاعتبارية لا خارجية و لا ذهنية، بل لها واقعية في عالم الاعتبار، و الأثر مترتب على إيجاد الموضوع في ذلك الوعاء لا في وعاء الذهن.
فقولك: زوجت هذه لهذا إيجاد للزوجية في عالم الاعتبار لا في وعاء الذهن، فما اعتبره في الذهن يكون كالمقدمة و الأرضية الصالحة لإنشاء ما اعتبره في الذهن في عالم الاعتبار باللفظ على نحو يعد ذلك العمل في تلك الظروف وعاءً للإنشاء.
و إن شئت قلت: إنّ الأثر غير مترتب على التصورات الذهنية و ان ابرزه باللفظ، بل الأثر مترتب على النقل و الانتقال الإنشائيّين بالسبب القولي أو السبب الفعلي. و أنت إذا لاحظت حقيقة المعاطاة تقف على أنّ الغاية هي إيجاد البيع بالسبب الفعلي الذي كان الإنسان البدائي يزاوله.
الثالث: مختار المحقّق الاصفهاني
ذهب المحقّق الأصفهاني(1) في تفسير كلام استاذه المحقّق الخراساني إلى أنّ المراد من ثبوت المعنى باللّفظ وجود المعنى بالعرض تنزيلا بعين وجود اللّفظ حقيقة، و أفاد في وجهه أنّ المراد من وجود المعنى باللفظ إمّا هو ثبوته بعين ثبوت اللّفظ بحيث ينسب الوجود و الثبوت إلى اللّفظ بالذات و إلى المعنىبالعرض، و إمّا أن يراد ثبوته منفصلا عن اللّفظ بآليته بحيث ينسب الثبوت إلى كلّ منهما بالذات و الحقيقة. لا مجال للثاني؛ إذ الوجود المنسوب إلى الماهيات بالذات منحصر في العيني و الذهني، و سائر أنحاء
ص: 40
الوجود من الكتبي و اللّفظي وجود بالذات للّفظ و الكتابة و بالجعل و المواضعة للمعنى.
و من الواضح أنّ آلية وجود اللّفظ و علّيته لوجود المعنى بالذات لا بدّ من أن يكون في أحد الموطنين، من الذهن أو العين و وجود المعنى بالذات في الخارج يتوقّف على حصول مطابقه في الخارج أو مطابق ما ينتزع منه، إن كان المعنى من المفاهيم الانتزاعية و الواقع خلافه؛ إذ لا يوجد باللّفظ موجود آخر ... فإن قلت:
هذا المطلب جار في جميع الألفاظ بالنسبة إلى معانيها من دون اختصاص بالإنشائيات، قلت: الفرق بينهما أنّ المتكلّم قد يتعلّق غرضه بالحكاية عن النسبة الواقعيّة في موطنها باللّفظ زيادة على إيجاد نفس هذه النسبة بإيجاد اللّفظ المنزّل منزلتها، و قد يقصد صرف الإيجاد المزبور من دون تعلّق غرض بالحكاية. ثمّ قال: و المراد بنفس الأمر حدّ ذات الشي ء من باب وضع الظاهر موضع المضمر، إلى أن قال: و هذا أحسن ما يتصوّر في شرح حقيقة الإنشاء و عليه يحمل ما أفاده استاذنا العلّامة لا على أنّه وجود آخر فإنّه غير متصوّر.
و اجيب(1): بان هذا خلاف صريح كلام المحقّق الخراساني من أنّ المراد من الوجود نحو وجود اعتباري. فهذه النسبة لا وجه لها. كما أنّ حمل نفس الأمر في كلامه على إرادة حدّ ذات الشي ء و أنّ اللّفظ وجود للمعنى في جميع النشئات غير صحيح.
و يرد عليه مضافا إلى ما ذكر أوّلا: أنّه يبتني على القول بكون الوضع عبارة عن جعل اللّفظ وجودا تنزيليا للمعنى، و هو الذي نفاه جلّ المحقّقين حتّى المحقّق الأصفهاني ،
ص: 41
فما أفاده هنا نشأ عن الغفلة عما أفاده هناك. فإنّه اختار هناك أنّ الوضع عبارة عن وضع اللّفظ على المعنى و تعيينه له ليكون دالّا عليه كسائر الدوالّ الجعلية.
و ثانيا: مع الغضّ عمّا ذكر و فرض صحّة المبنى المزبور، لا يبقى معه تقابل بين الاخبار و الإنشاء فإنّ الإنشاء على ما عرّفه عين استعمال اللّفظ في المعنىو للإخبار مؤونة زائدة و هو قصد الحكاية فيلزم منه صدق الإنشاء في الجميع سيّما إذا لم يقصد به الحكاية كما إذا قصد به المثال كقول ابن مالك:
الفاعل الذي كمرفوعي أتى *** زيد منيرا وجهه نعم الفتى
و الغرض أنّه على فرض صحّة الضابط المذكور للإنشاء يلزم أن تكون هذه الأمثلة من الإنشائيات؛ لكون استعمال اللّفظ فيها إيجادا للمعنى على مسلكه، من دون قصد الحكاية فيها عن الخارج، و هو كما ترى خرق لاتّفاق القوم.
و ثالثا: لو كان المراد بالإيجاد هذا المقدار فهو يتصرّم و ينعدم بعد الحدوث، و لا وجه لبقائه، و هو خلاف ما تسالموا عليه، من بقاء المنشأ بالإنشاء الصحيح، و تعلّق الردّ و الإجازة به فيعلم أنّ له موطنا مستقلّا يبقى مع انعدام الألفاظ و انقضائها.
و رابعا: يلزم منه حسن التكلّم بكلّ كلام سخيف، و كذب، و باطل. و إذا واجه الاعتراض و الإنكار اعتذر بأنّي ما أردت قصد الحكاية عن الخارج و إنّما قصدت إنشاء المعنى باللّفظ؛ لأنّ كلّ لفظ وجود تنزيلي للمعنى و ركاكة ذلك لا يخفى على أحد.
و السرّ فيه أنّ الإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى في عالم الإنشاء بوجود إنشائي، و هو في نظر العرف و العقلاء محدود بالامور القابلة لذلك، كالنداء، و الاستفهام، و التمنّي، و الترجّي، و أنواع الامور الاعتباريّة، كمضامين العقود و الإيقاعات. و أمّا الامور
ص: 42
التكوينيّة الخارجيّة فغير قابلة للإنشاء لدى الذوق السليم، و هو يكشف عن بطلان المبنى المزبور. و المتحصّل ممّا تقدّم أنّ الإنشاء هو الإيجاد بالوجود الإنشائي؛ لأنّ المقتضي له موجود، و هو التبادر، و كونه المرتكز في الأذهان، و لذا يطلق الإنشاء عليه؛ لأنّه بمعنى الإيجاد، و لانتفاء الموانع التي تشبّثوا بها كما عرفت.
بل المانع عن كون الإنشاء بمعنى الإبراز موجود؛ لخلوّ بعض الموارد عن المبرز- بالفتح- مع شهادة الوجدان بصحّة الاستعمال فيها كما سبق في التمنّي، و الترجّي، و الاستفهام، بل الأمر، و النهي، مع خلوّ النفس عن تلك الحالات.
و قد عرفت ممّا تقدّم أنّ الأرجح هو قول المحقّق الخراساني و هو ثبوت موطن خاصّ للإنشاء، نعبّر عنه بعالم الإنشاء، و بإزائه قول المشهور و هو كون موطنه عالم الاعتبار العقلائي أو الشرعي. و الذي دعانا إلى ترجيح الأوّل على الثاني امور.
الأوّل: صحّة الإنشاء في موارد لا يوجد فيها أي اعتبار عقلائي، و لا شرعي؛ كالاستفهام و التمنّي و الترجّي، مع خلوّ النفس عنها، كما أشرنا إليه.
الثاني: صحّة الإنشاء مع القطع بعدم ترتّب الاعتبار العقلائي الشرعي عليه في بعض الموارد، كبيع الغاصب فإنّه إنشاء صحيح، و لو تعقّبه رضى المالك يتمّ و ينفذ، من دون حاجة إلى الإعادة، و لو لم يتعقّب بالرضا كان صحيحا من حيث الإنشاء، و لم يعدّ باطلا و إن لم يكن نافذا.
الثالث: قد يكون الإنشاء معلّقا على أمر غير حاصل؛ مثل الوصيّة فإنّه تمليك معلّق على الموت، فقبل الموت لا أثر من الملكيّة في اعتبار الشرع، أو العقلاء، قطعا، و مع ذلك ترى إمكان فسخه و إبطاله.
ص: 43
فيتوجّه السؤال حينئذ أنّه بم يتعلّق هذا الردّ؟ فإن فرضنا تعلقه بنفس الإنشاء حدوثا اجيب بأنّه أمر متصرّم زائل، و إن فرض تعلّقه بأثر الإنشاء أي الملكيّة في اعتبار الشرع أو العقلاء ردّ بأنّه غير موجود، فلا محيص من الالتزام بثبوت المنشأ و بقائه في عالم الإنشاء و هو المطلوب.
قلت: و يمکن ان يکون مراد المشهور من عالم الاعتبار عالم الاعتبار الانشائي فلا نزاع و لا خلاف في البين .
الرابع: القول المختار
و مما تقدم ظهر ان هذه الالفاظ مشترکة لفظاً بين معنيين احدهما خبري و الاخر انشائي و ان المراد في الجملة الخبرية حكاية تحقّقه في الخارج، و المراد في الجملة الإنشائية نفس الإنشاء و الإيجاد، لا الحكاية عنه. نعم، ظرف الإيجاد هو زمان الحال، و ظرف المحكي هو الزمان الماضي طبعا. لكن ليس تمام الفرق ماضوية الأوّل و حالية الثاني. بل العمدة كون الأوّل حكاية الإيجاد و الثاني نفس الإيجاد. أ لا ترى أنّه قد يكون الظرف للإنشاء زمان الحال، و مع ذلك الجملة خبرية؛ كما إذا قيل أبيع في الحال مريدا به الحكاية عن بيعه في الحال .
فكونه أمرا إنشائيا متقوّما بالإيجاد، و كون ظرفه زمان الحال لا يكفي في إنشائية الجملة إلّا إذا كان المقصود بها نفس الإنشاء لا الإخبار عن الإنشاء.
الجهة السادسة: في مفاد هيئة الجملة الاسمية
ص: 44
المعروف بين المنطقيين أنّ القضية تتركب من أُمور ثلاثة: الموضوع، المحمول، و النسبة، و هي إمّا إيجابية أو سلبية، و على ذلك فالقضية مشتملة على نسبة كلامية و الدالّ عليها هيئة الجملة الاسمية.
ثمّ إن وافقت النسبةُ الموجودة في القضية الملفوظة أو المتصورة، النسبةَ الخارجية، فالقضية صادقة، و إلّا فهي كاذبة.
فيقع الكلام في مقامين:
الأوّل: في اشتمال القضية على النسبة التي نعبر عنها بالنسبة الكلامية.
الثاني: في وجود النسبة الخارجية.
أمّا الأوّل: فقيل بعدم اشتمال القضية الحملية على النسبة الكلامية، و ذلك لأنّ هيئة الجملة الاسمية لم توضع لها بل وضعت للهوهوية و انّ هذا ذاك، فإذا لم يكن هناك دالّ على النسبة الكلامية، فمن أين نعلم بأنّ القضية الكلامية تشتمل على النسبة؟ هذا، و انّ التبادر ببابك، فلاحظ القضايا الحملية ترى أنّ المتبادر هو الهوهوية و انّ هذا ذاك لا أنّ هنا موضوعاً و هناك محمولًا و هناك نسبة تَربط المحمول بالموضوع، فهذا غير متبادر جدّاً(1).
و فيه: ان المتبادر هو انتساب المحمول للموضوع و الخبر للمبتدأ و لا شاهد لکونه هو هو الّا بنحو المبالغة و المسامحة .
و کذلک ما قيل في الحمليات السالبة من ان الهيئة فيها موضوعة لسلب الحمل و نفي الهوهوية، فمعنى قول القائل: ليس زيد عالماً هو سلب كونه هو هو، و انّه لا اتحاد
ص: 45
بينهما، و ليس معناه حمل النسبة السلبية على زيد. فالسوالب المحصلة من القضايا الحملية لسلب الهوهوية لا حمل النسبة السلبية على زيد(1).
ففيه: ان قوله «انها موضوعة لسلب الحمل» يعني سلب النسبة فالمراد من الحمل هو النسبة و هذا اعتراف منه بما قلنا نعم قوله « لا حمل النسبة السلبية على زيد» تام و صحيح و لا نقول به .
هذا و قد اعترف بذلک في الحمليات المؤوّلة، أعني: ما تتخللها الأدوات مثل «في» و «على» فقال: الحقّ انّ موجباتها تشتمل على النسبة الكلامية أوّلًا و الخارجية ثانياً دون سالباتها، فالأوّل مثل قولك: زيد في الدار, أو زيد على السطح , لأنّ تفسير الجملة عن طريق الهوهوية غير تام، إذ لا يمكن أن يقالانّ زيداً هو نفس في الدار، بل لا بدّ من القول باشتمال الجملة على النسبة و هي انّ هنا زيداً، كما أنّ هنا داراً و شيئاً ثالثاً و هو كون زيد فيها. و هو أمر وراء الموضوع و المحمول. و هذا من غير فرق بين مقام الدلالة و مقام الخارج، ففي الخارج أيضاً زيد و سطح و استقرار زيد عليه نظير قولك: الماء في الكوز ، ففي هذا النوع من الحمليات ترافق النسبةُ الكلامية، النسبةَ الخارجية.
و أمّا السوالب فهي لسلب النسبة، فقولك: ليس زيد في الدار، سلب للنسبة المذكورة الكلامية أو الخارجية(2).
الثاني: في النسبة الخارجية
و أمّا المقام الثاني أي عدم وجود النسبة الخارجية بين الموضوع و المحمول في عالم التطبيق، فالدليل الوحيد هو البرهان لا التبادر.
ص: 46
و البرهان يثبت عدمها في القضايا التالية:
1. الحمل الأوّلي كقولك: الإنسان إنسان أو حيوان ناطق، فلا نسبة خارجية بين الأمرين لامتناع جعل الربط بين الشي ء و نفسه، فانّ النسبة فرع التعدد و المفروض هو الوحدة في مقام المفهوم فضلًا عن مقام المصداق.
2. الهلية البسيطة، مثل قولك: زيد موجود، فانّ القول بوجود النسبة الحرفيّة بين الطرفين يستلزم کون الوجود اصيلا و كونه طرفاً للنسبة و هو باطل کما حقق في علم الکلام من کون الماهيات هي المتاصلة في الخارج و الوجود منتزع منها و قد فصلنا الکلام في ذلک في کتابنا الرؤية الفلسفية نقد و تحليل فراجع .
3. الهلية المركبة و لكن المحمول من قبيل الذاتي في باب البرهان كقولك: زيد ممكن، و إذ يمتنع أن تكون هناك نسبة خارجية بين زيد و إمكانه، لأنّ المفروض انّ المحمول ينتزع من صميم الموضوع و حاقه على نحو يكون وضع الموضوع كافياً لوضع المحمول، فكيف يمكن أن يكون هناك رابط بينهما؟
4. الحمل الشائع بالذات، مثل قولنا: البياض أبيض، لامتناع تصور النسبة بين الشي ء و مصداقه الذاتي.
فلم يبق إلّا الحمل الشائع بالعرض، مثل قولنا: الجسم أبيض أو زيد قائم فلا شک في ثبوت النسبة الخارجية و انها متحقّقة فانّ زيداً شي ء و القيام شي ء آخر، و حصول القيام له أمر ثالث.
و منه تظهر حال الحمليات المؤوّلة نحو زيد في الدار، أو زيد على السطح، فالقول بالنسبة الخارجية فيها كالنسبة الكلامية ، فانّ زيداً شي ء و السطح شي ء آخر و استقراره عليه أمر ثالث الذي هو معنى حرفي.
ص: 47
عرّفت الحقيقة باستعمال اللفظ فيما وضع له و المجاز باستعمال اللفظ في غير ما وضع له لمناسبة بين المعنى الحقيقي و المعنى المجازي، فإن كانت المناسبة هي المشابهة فالمجاز استعارة، و إلّا فالمجاز مرسل، كاستعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ و بالعكس، كاستعمال العين في الإنسان مثل ما ورد في قول الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام : عيني بالمغرب كتب إليّ يُعلمني(1) و عكسه كاستعمال الإنسان في عضو منه، كما في قولك: ضربت إنساناً، إذا ضربت عضواً منه.
و عليه يكون استعمال اللفظ في غير ما وضع له بالوضع و حسب تحديد الواضع حيث إنّ الواضع رخص فيما إذا كان هناك علقة مشابهة أو سائر العلائق البالغة إلى 25 علاقة. هذا هو المعروف و لكن هناك نظرية جديدة أبدعها العلّامة أبو المجد الشيخ محمد رضا الاصفهاني (1285 1362 هج) في كتابه: وقاية الأذهان حيث قال: «إنّ تلك الألفاظ مستعملة في معانيها الأصلية، و مستعملها لم يحدث معنى جديداً و لم يرجع عن تعهده الأوّل، بل أراد بها معانيها الأوّلية بالإرادة الاستعمالية على نحو سائر استعمالاته من غير فرق بينهما في مرحلتي الوضع و الاستعمال(2) .
قلت: و هو الظاهر من الاستعمالات المجازية و قد اوضح ذلک في ارشاد العقول حيث قال: «انّ الغاية المتوخاة من المجاز كالمبالغة في النضارة والصباحة أو الشجاعة أو
ص: 48
إثارة التعجب لا يحصل إلّا باستعمال اللفظ في المعنى الحقيقي لا في المعنى المجازي، و يعلم ذلك بالإمعان في الأمثلة التالية:
1. يحكي سبحانه عن امرأة العزير انّه لما سمعت بمكر نسوة في حاضرة مصر بقوله: ﴿... أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَ قالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾(1) و الغاية من وصفه ب «ملك» هو المبالغة في النضارة و الصباحة، و هو لا يتم إلّا أن يستعمل اللفظ في نفس المعنى الحقيقي «ملک» لا في الإنسان الجميل، لأنّه لا يؤمّن الغرض المنشود إلّا به، بشهادة انّك لو قلت هكذا: «ما هذا بشراً إنْ هذا إلّا إنسان جميل» لسقطت العبارة عن قمة البلاغة.
2. لدي أسد شاكي السلاح مقذف *** له لبد اظفاره لم تقلم
فالشاكي مقلوب» الشائك «و هو حدة السلاح، و قوله: مقذف، أي من له صولات في ساحات الوغى، فالغرض هو المبالغة في الشجاعة و انّه أسد حقيقة بشهادة انّه أثبت له لبداً و أظفاراً غير مقلّمة، و الغاية المتوخّاة لا تحصل إلّا باستعمال الأسد في نفس الحيوان المفترس لكن بادّعاء انّ المورد من مصاديقه. و أمّا إذا استعمل في الرجل الشجاع يكون الكلام بعيداً عن البلاغة بشهادة انّك لو قلت:» لدى رجل شجاع ذي سلاح حاد «ترى بوناً شاسعاً بين المعنيين.
3. قامت تظلّلني و من عجب *** شمس تظلّلني من الشمس
و الغرض هو إثارة العجب من أنّ المحبوبة بما انّها شمس ساطعة صارت تظلّله من الشمس، و التعجب إنّما يحصل إذا استعمل الشمس الأُولى في نفس معناها، و عندئذ
ص: 49
يتعجب الإنسان كيف تكون الشمس مظلّلة من الشمس؟! بخلاف ما إذا قلنا بأنّها استعملت في المرأة الجميلة، إذ لا موجب عندئذ للتعجب، لأنّ الأجسام على وجه الإطلاق جميلة و غير جميلة تكون حائلة عن الشمس»(1).
و لا تختص هذا النظرية باسم الجنس الذي له فرد حقيقي و فرد ادّعائي دون الاعلام كحاتم و يوسف اللذين ليس لهما إلّا فرد واحد. و ذلک لإنّ قوامالمجازية هو ادّعاء العينية، و هو يدّعي انّه نفس حاتم و نفس يوسف و ليس مغايراً.
و الذي يؤيد كون المجاز من مقولة الاستعمال فيما وضع له هو انّ الكناية استعمال اللفظ في الملزوم لغاية الانتقال إلى لازمه، فهي أشبه بالمجاز حيث إنّه من قبيل الاستعمال في المعنى الحقيقي لغاية الانتقال إلى الفرد الادّعائي. و الفرق بينهما وجود الادعاء في المجاز دون الكناية.
فإن قلت: ما الفرق بين هذه النظرية و ما نسب إلى السكاكي في كتابه مفتاح العلوم , حيث إنّه هو أيضاً يدّعي انّ المعنى المجازي فرد ادّعائي للمعنى الحقيقي؟
قلت: الفرق بينهما واضح، ذلك انّ السكاكي يعتقد كالمشهور بأنّ المجاز عبارة عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له من أوّل الأمر لكن المجوز لاستعارته لما لم يوضع له هو ادّعاء كونه من مصاديق ما وضع له ادّعاءً على خلاف تلك النظرية التي تقول باستعمال اللفظ فيما وضع له مدّعياً بأنّه من مصاديق ما وضع له من أوّل الأمر، و إليك نصّ عبارة السكاكي في مفتاح العلوم، قال في علم البيان:
ص: 50
و أمّا المجاز فهو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق، استعمالًا في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها، مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع، ثمّ أخذ في تفسير قيود التعريف.(1)
و على هذا البيان يمكن إرجاع كثير من المجاز في الاسناد إلى المجاز في الكلمة، فقوله سبحانه حاكياً عن إخوة يوسف: ﴿وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَ إِنَّا لَصادِقُونَ﴾(2) فالمشهور انّه من قبيل المجاز في الاسناد بتقدير أهل القرية، نظير قول الفرزدق في مدح زين العابدين عليه السلام :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** و البيت يعرفه و الحل و الحرم
فالمعروف انّه من قبيل المجاز في الاسناد أي يعرف أهل البطحاء وطأته، و لكن الحقّ انّ الجميع من قبيل المجاز في الكلمة، لأنّه بصدد المبالغة أنّ الأمر من الوضوح وصل إلى حدّ حتى أنّ جدران القرية مطّلعة على هذا الأمر، و انّالبطحاء تعرف وطأة الإمام فضلًا عن أهلها»(3), نعم لا يتأتی هذا المعنی في الصيغ الانشائية لعدم وجود ادّعاء الفردية أو المشابهة بين البعث الإنشائي، و التعجيز او التمنّي او الترجّي او التهديد او الإنذار او الإهانة و عليه فاستعمال الصيغة لا بداعي البعث مجاز بالمعنی المعروف .
ص: 51
و بذلک يظهر ضعف ما قاله في الكفاية من کون المجاز بالطبع لا بالوضع حيث قال: «صحّة استعمال اللّفظ فيما يناسب ما وضع له هل هو بالوضع أو الطبع؟ وجهان بل قولان، أظهرهما أنّها بالطبع؛ بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه، و لو مع منع الواضع عنه و باستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه، و لو مع ترخيصه، و لا معنى لصحّته إلّا حسنه الخ»(1).
و حاصله: أنّ حسن الاستعمال لا يدور مدار وجود العلائق المعهودة فقد لا يحسن مع وجود إحدى تلك العلائق؛ لاستنكاره الطبع و قد يحسن مع عدم وجودها؛ لاستجواده الطبع، فالاستعمال في هذه الموارد على الطبع لا الوضع.
ففيه: انه علی اطلاقه غير صحيح لما عرفت من انّ صحّة الاستعمالات المجازية تستند إلى الوضع غالبا، لأنّ المجاز کما عرفت من قبيل استعمال اللفظ فيما وضع له، نعم حسنه يستند إلى الطبع و الذوق, نعم في ما لا يمکن الادعاء فيه کالصيغ الانشائية فالامر کما قال .
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قدّس سرّه أورد عليه بانّه إن قلنا بأنّ كلّ مستعمل واضع؛ لأنّ الوضع هو التعهّد و كلّ إنسان له أن يتعهّد عن قبل نفسه دون غيره فلا مجال لهذا البحث؛ لأنّ الواضع لو كان شخصا معيّنا أمكن أن يقال بانحصار صحّة استعمال اللّفظ في المعنى المجازي في التبعية عن وضعه النوعي. و أمّا مع تعدّد الواضعين بتعدّد المستعملين فالمرجع وجدان كلّ منهم(2).
ص: 52
و فيه: منع المبنى لما تقدّم في محلّه من أنّ الوضع التعييني هو جعل علاميّة لفظ خاصّ لمعنى مخصوص و ليس كلّ مستعمل بواضع بل عليهم المتابعة منالواضع حسب بناء العقلاء. و الوضع التعيني هو اقتران اللفظ بالمعنی کما تقدم و قد اوردت اشکالات اخر نحن في غنی عنها .
هل المرجع عند الشكّ في مراد المتكلّم أصالة الحقيقة ، أو أصالة الظهور عرفا؟
قيل: بالثاني، لأنّ المراد من الأصل هاهنا هو القاعدة، و مدركه بناء العقلاء، و لا ريب في استقرار بنائهم على العمل بالظهور العرفي دون الحمل على الحقيقة اللّغوية أي ما وضع له اللّفظ في ابتداء الأمر، و لو لم يكن الكلام بظاهر فيه فعلا عرفا.
قلت: لا شک في حجية الظواهر ببناء العقلاء الّا ان الظهور لابد له من منشأ و منشأه المعنی الحقيقي الّا مع قيام القرينة علی خلافه فلا معنی للتعارض بين اصالة الحقيقة و اصالة الظهور بل ان اصالة الحقيقة هي احدی مصاديق اصالة الظهور و لا دليل علی التعبد بها لنفسها .
قال في الكفاية: «لا ريب في كون الألفاظ موضوعة بإزاء معانيها من حيث هي (أي الواقعية) لا من حيث هي مرادة للافظها ... ضرورة صحّة الحمل و الإسناد في الجمل، بلا تصرّف في ألفاظ الأطراف، مع أنّه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صحّ بدونه (أي بدون التصرّف بتجريد المعنى عن خصوصية كونه ملحوظا في ذهن
ص: 53
المتكلّم)؛ بداهة أنّ المحمول على (زيد) في (زيد قائم) و المسند إليه في (ضرب زيد) مثلا هو نفس القيام و الضرب لا بما هما مرادان - الی ان قال - و أمّا ما حكي عن العلمين (ابن سينا و المحقّق الطوسي) من مصيرهما إلى أنّ الدلالة تتبع الإرادة، فليس ناظرا إلى كون الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي مراده، كما توهّمه بعض الأفاضل (يعني صاحب الفصول حيث قال: بأنّ مرادهما من تبعية الدلالة للإرادة، كون الإرادة دخيلة في الموضوع له، و أنّ الموضوع له هو المعنى المراد للمتكلّم، فينحصر العلقة الوضعية على هذا بتلك الحصّة، فلا تكون للّفظ دلالة على غيرها) بل ناظر إلى أنّ دلالة الألفاظ على معانيها بالدلالة التصديقيّة أي دلالتها على كونهامرادة للافظها تتبع إرادتها منها و يتفرّع عليها تبعية مقام الإثبات للثبوت، و تفرّع الكشف على الواقع المكشوف؛ فإنّه لو لا الثبوت في الواقع لما كان للإثبات و الكشف و الدلالة مجال، و لذا لا بدّ من إحراز كون المتكلّم بصدد الإفادة في إثبات إرادة ما هو ظاهر كلامه، و دلالته على الإرادة، و إلّا لما كانت لكلامه هذه الدلالة، و إن كانت له الدلالة التصورية أي كون سماعه موجبا لإخطار معناه الموضوع له و لو كان من وراء الجدار، أو من لافظ بلا شعور و لا اختيار»(1).
قلت: و الامر کما قاله صاحب الكفاية لا ريب فيه بل و لا خلاف و لذا تصدی الکل لتوجيه ما يتوهم من العلمين.
قد ذكروا لتمييز الموضوع له عن غيره أو تمييز الحقيقة عن المجاز علائم أربع:
ص: 54
العلامة الأُولى: التبادر و هو عبارة عن سبق المعنى من اللفظ عند الإطلاق بنفسه من غير قرينة.
و بعبارة أُخرى: انسباق المعنى إلى الذهن من حاقِّ اللفظ لا عن القرينة بحيث كان السبق مستنداً إلى اللفظ نفسِه لا إلى القرينة فيكون دليلاً على أنّه موضوع له، إذ ليس لحضور المعنى منشأ إلّا أحد أمرين: إمّا القرينة أو الوضع فإذا انتفى الأوّل ثبت الثاني.
ثمّ التبادر إنّما يكون كاشفاً عن الوضع إذا كان سبق المعنى من اللفظ أمراً مرتكزاً في النفس كما هو الحال في أهل اللغة حيث إنّ الإنسان إذا نشأ و ترعرع بين أهل اللغة يرتكز معنى اللفظ في ذهنه فإذا تبادر بلا قرينة يكون دليلًا على الوضع.
لا يقال: إنّ سبق المعنى إنّما يكون دليلًا على الحقيقة إذا فُسّر المجاز باستعماله في غير ما وضع له، و أمّا على مبنی ابي المجد من أنّ المجاز هو اللفظ المستعمل في الموضوع له كالحقيقة لكن بادّعاء انّ المنطبق عليه من مصاديق اللفظ، فلا يكون دليلاً على الحقيقة لاشتراكهما في أنّ المستعمل فيه هو الموضوع له.
فانه يقال: إنّ المستعمل فيه في الحقيقة و المجاز و إن كان واحداً لكن يفترقان بانسباق نفس المعنى الحقيقي من اللفظ مجرداً عن الادّعاء بخلاف المجاز فانّ الانسباق فيه على أساس الادّعاء.
مشكلة الدور في التبادر
و قد أورد على كون التبادر علامة الوضع لاستلزامه الدور، فانّه يُستخدم للعلم بالوضع، و على ذلك فالعلم بالوضع متوقّف على التبادر، و هو متوقّف على العلم بالوضع، إذ لو لا العلم به لما تبادر.
ص: 55
و اجيب کما في الکفاية و غيرها: بأنّ المستعلِم «بالكسر» إمّا من أهل اللسان أو من غيره، فإن كان من أهل اللسان فالعلم التفصيلي بالوضع، موقوف على تبادره و لكن تبادره موقوف على العلم الارتكازي بالوضع الذي ربّما يعبّر عنه بالعلم الإجمالي، و هذا النوع من العلم الارتكازي يحصل للإنسان الناشئ بين أهل اللغة منذ نعومة أظفاره. و إن كان المستعلم من غيرهم فعلمه تفصيلاً بالوضع موقوف على تبادر المعنى من اللفظ عند أهل اللسان و تبادرهم موقوف على علمهم بالوضع من طرق شتّى.
بقي هنا أمران:
الأوّل: قد يتوهم انّ تبادر المعنى من اللفظ في زماننا لا يثبت كونه المعنى الحقيقي في عصر الرسول و الأئمّة ^ حتى يحمل اللفظ الوارد من الكتاب و السنّة عليه . إلّا أنه لا مجال لهذا التوهم و ذلک لأصالة عدم النقل الثابتة ببناء العقلاء فيثبت المطلوب و لو لم نقل بأنّ مثبتات الاصول حجّة، و على هذا جرت سيرة المفسرين و غيرهم حيث يفسرون الأشعار الجاهلية و الرسائل القديمة بالمعاني الرائجة في أيامهم.
الثاني: انّ التبادر إنّما يكون حجّة على الموضوع له إذا كان التبادر مستنداً إلى اللفظ لا إلى القرينة، و إلّا فالمعنى المجازي أيضاً يتبادر مع القرينة، و على هذا فلو أحرزنا أنّ التبادر مستند إلى حاق اللفظ أو إلى القرينة فهو، و إلّا فهل يُجدي أصالة عدم القرينة لإثبات كون المعنى متبادراً من حاق اللفظ أو لا؟ الصحيح لا، لا لأجل عدم حجّية الأصل المثبت لما علمت أنّ الأصل اللفظي حجّة في مثبتاته بل لأنّ العقلاء إنّما يستخدمون ذلك الأصل عند الشكّ في المراد فيعيّنون به المراد، و أمّا إذا علم المراد و شك في ان المتکلم اراد هذا اللفظ على نحو الحقيقة أو المجاز فلا اصل عقلائي في البين .
ص: 56
العلامة الثانية: صحّة الحمل و صحّة السلب
المعروف إنّ صحّة الحمل تعرب عن كون الموضوع هو المعنى الحقيقي كما أنّ صحّة السلب آية كونه مجازاً.
اقول: الظاهر أنّ الاستعلام حاصل من التبادر الحاصل من تصوّر الموضوع، السابق على الحمل و سلبه، و في الحقيقة ان لم يکن هناک ارتکاز للمعنی من اللفظ قبل الحمل فلا يمکن الحمل و لا سلبه , و صحة الحمل و سلبه انما هما من المنبهات علی وجود التبادر و عدمه لا انهما علامتان مستقلتان , مضافا الی ان الحمل ان کان اوّلياً فکيف تم التعرف عليه من دون معرفة مسبقة به و ان کان من الحمل الشائع الصناعي فانّه لا يثبت كون الموضوع هو الموضوع له للمحمول، و إنّما يثبت كونه من مصاديق المحمول، و هو ليس بمطلوب في المقام , هذا إذا كان المستعلم من أهل اللسان .
و أمّا إذا كان من غيرهم فقد يقال: انه حينئذ إذا رأى صحّة الحمل عند العرف أو صحّة السلب وجد ضالّته.
و فيه: أنّ العلم بصحّة الحمل لا يحصل إلّا بتصريح الغير فيرجع إلى تنصيصه، او بالعلم بذلک منهم و لو بالقرائن الخارجية فانه کالتنصيص .
العلامة الثالثة: الاطّراد
إذا اطّرد استعمال لفظ في أفراد كلي بحيثية خاصة، كرجل باعتبار الرجولية في زيد و عمرو، مع القطع بكونه غير موضوع لكل واحد على حدة، استكشف منه وجود علاقة الوضع بينها و بين ذاك الكلي، و علم أنّه موضوع للجامع بين الأفراد. و احتمال كونه مجازاً لأجل العلاقة، مدفوع بعدم الاطّراد في علائق المجاز، فانّ علامة الجزء و الكل
ص: 57
ليست مطردة بشهادة انّه يصحّ استعمال العين في المراقب و لا يصحّ استعمال الشعر فيه، و يصحّ استعمال اللسان في الوكيل دون الصدر فيه و غير ذلك.
و أورد عليه المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة:
1- انّ المجاز و إن لم يطرد في نوع علائقه و مطلق المشابهة إلّا انّه في خصوص ما يصحّ معه الاستعمال في المجاز مطرد كالحقيقة(1).
و مراده أنّ استعمال الجزء في الكل و إن كان ليس بمطّرد في نوع تلك العلاقة بأنْ يطلق الجزء كالشعر و يراد الكل أي الإنسان، لكنّه مطّرد في خصوص ماكان للجزء دور خاص في مورد الاستعمال كالعين في المراقبة، و التبيين في اللسان، و العمل في اليد.
ثمّ إنّه لما التفت إلى وجود الفرق بين الاطّرادين حيث إنّ الاطّراد في الحقيقة عار عن التأويل، بخلاف الاطّراد في المجاز فانّه لا يصحّ إلّا مع التأويل، أي تنزيل الجزء منزلة الكل، و كأنّه ليس للإنسان الجاسوس شأن سوى العين و النظر، و للعامل سوى العمل باليد، و هكذا، و على ذلك فالاطّراد بلا تأويل علامة الحقيقة، و الاطّراد معه آية المجاز.
و لما التفت إلى ذلك الإشكال حاول الإجابة عنه من دون أن يذكر الإشكال و قال:
2- و زيادة قيد من غير تأويل أو على وجه الحقيقة و إن كان موجباً لاختصاص الاطّراد كذلك في الحقيقة إلّا انّه حينئذ لا يكون علامة لها إلّا على وجه دائر.(2)
ص: 58
توضيحه: انّ العلم التفصيلي بالحقيقة موقوف على الاطّراد من غير تأويل أي الاطّراد على وجه الحقيقة تفصيلًا فيلزم اتحاد الموقوف و الموقوف عليه.
ثمّ قال: إنّه لا يمكن الإجابة عن الدور بما ذكر في التبادر و صحة الحمل، لأنّ أحد الطرفين فيهما كان تفصيلياً و الآخر إجمالياً بخلاف المقام فانّ الطرفين على نحو التفصيل.
3- و إلى الإشكال الثالث يشير المحقّق الخراساني بقوله: و لا يتأتّى التفصّي عن الدور بما ذكر في التبادر هنا ضرورة أنّه مع العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة لا يبقى مجال لاستعلام حال الاستعمال بالاطّراد أو بغيره.(1) و حاصل كلام المحقّق الخراساني يرجع إلى أُمور ثلاثة:
الأوّل: انّ المجاز مطرد كالحقيقة في صنف العلامة.
الثاني: انّ إضافة قيد «بلا تأويل» في تعريف الاطّراد يوجب الدور.
الثالث: الجواب المذكور عن الدور في العلامتين الماضيتين لا يأتي هنا.
اقول: و للعلماء اجوبة مختلفة في الجواب عن هذه الاشکالات و نحن قد ارتضينا جواب صاحب ارشاد العقول ففيه الکفاية فقال: «و قبل الإجابة عن هذه الإشكالات نوضح واقع الاطّراد و انّه لو كان هناك علامة للتعرف علىالحقيقة لمن يريد الوقوف على اللغة هو الاطّراد غير انّ المشهور لم يعيروا أهمية لهذه العلامة حتى أنّ البعض ترك البحث فيها، غير أنّ المتتبع لاستعمالات اللغة يجد أنّ الاسلوب الوحيد للتعرّف على معاني الألفاظ هو الاطّراد.
ص: 59
توضيح ذلك: انّ الجاهل باللغة إذا أراد أن يعرف معاني اللغات الأجنبية من أهل اللسان ليس له طريق إلّا الاستماع لمحاضرات أهل اللغة في مقامات مختلفة، فإذا رأى أنّ لفظاً خاصاً تستعمله طوائف مختلفة مع ثقافات متنوعة بحيثية واحدة في معنى واحد ينتقل إلى أنّه هو الموضوع له و انّ الاستعمال خال عن القرينة، مثلًا: رأى أنّ الفقيه يقول: الماء طاهر و مطهّر، أو قليل أو كثير، و يقول الكيميائي: الماء مركب من عنصرين أوكسيجين و هيدروجين، و يقول الفيزيائي: الماء لا لون له، و الكل يستعمل ذلك اللفظ في مورد خاص بحيثية واحدة و هو المائع السيال، و بما انّ المستعملين ذوو ثقافات مختلفة فمن البعيد أن يكون بينهم اتفاق على الاستعمال، فإذاً ينتقل الإنسان إلى أنّ الماء في لغة العرب موضوع للجسم الرطب السيال، فالفقيه العربي كالكيمياوي العربي مثل الفيزياوي كلّ يطلق ذلك اللفظ على هذا المعنى بما هو من أبناء تلك اللغة لا بما هو فقيه أو كيمياوي أو فيزياوي.
و بذلك يعلم أنّ طريق اقتناص معاني اللغة الأجنبية إنّما هو الاطّراد، فلنفترض انّا لا نعلم معنى الغنيمة الواردة في قوله سبحانه: ﴿وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾(1) حيث إنّ معناها مردد بين غنيمة الحرب أو مطلق ما يفوز به الإنسان، فالعامّة على الأوّل، و الشيعة على الثاني، و من الطرق الموضحة لمعناها هو التتبع في لغة العرب و استعمالها في كلمات أهل اللسان في خصوص الغنيمة الحربية أو مطلق ما يفوز به الإنسان، فإذا رجعنا إلى القرآن نرى أنّه يستعمله في المعنى الثاني و يقول: (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ)(2)، فالمراد من الغنائم عند اللّه هو الثواب الأُخروي، و إذا
ص: 60
رجعنا إلى السنّة نرى أنّها تستعمله في ذلك المعنى، يقول رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : غنيمة مجالس الذكر الجنة(1) و في حديث آخر: رمضان غنمالمؤمن (2), إلى غير ذلك من الموارد التي تستعمل في ألسنة أهل اللغة في معنى عام، فإذاً يحدس الإنسان بأنّه الموضوع له، و أمّا استعمالها في الغنيمة الحربية فلأجل أنّها من مصاديق ذلك المعنى، و إن شاع الاستعمال الثاني في ألسن المفسرين و الفقهاء.
إذا وقفت على ما ذكرنا فلنرجع إلى نقد ما ذكره المحقّق الخراساني.
أمّا الإشكال الأوّل: أعني وجود التسوية بين الحقيقة و المجاز حيث إنّ الثاني مطرد في صنف العلائق كالحقيقة.
فالإجابة عنه واضحة، و ذلك لأنّ المجاز غير مطّرد حتى في مورد صنف العلاقة، لأنّ المجاز عبارة عن حسن استعمال اللفظ في الموضوع له لكن بادّعاء أنّ المورد من مصاديق المعنى الحقيقي، و لكن حسن هذا الادّعاء رهن أمرين:
أ: أن يستحسنه الذوق، فلو قال أسد و أراد به الحيوان المفترس و طبّقه على الرجل الشجاع يستحسنه الذوق، دون ما إذا قال أسد و أراد الحيوان المفترس لكن طبقه على الرجل الأبخر بادعاء أنّ الحيوان المفترس أيضاً أبخر.
ب: كون المقام مناسباً لإظهار هذا الادّعاء، فلا يستعمل الأسد في المعنى
المجازي إلّا إذا كان المقام مناسباً لإظهار بطولته و شجاعته، كما في قول الشاعر:
لدي أسد شاكي السلاح مقذف *** له لبد أظفاره لم تقلم
ص: 61
بخلاف ما إذا لم يكن المقام مقتضياً له كما إذا حاول أن يشاركه في الغذاء فلا يصحّ أن يقول يا أسد تفضل إلى الطعام بل يجب أن يقول: يا صديق تفضل إلى الطعام.
فهناك فرق بين يا رجل و يا أسد، فالثاني لا يصحّ إلّا إذا كان المقام مختصاً ببيان شجاعته، بخلاف الأوّل فانّه يطّرد مطلقاً في عامة المقامات، و بذلك يظهر اختصاص الاطّراد بالحقائق دون المجازات، و لأجل ذلك قلنا لو صحّ استعمال اللفظ في موارد مختلفة مع محمولات مختلفة، لكشف عن كون المجوز هو الوضع دون القرينة.
و مثله إذا قلنا «فلان عين» فليس له اطّراد، كاطّراد لفظ الإنسان إلّا في مقام خاص و هو كونه مراقباً للأُمور.
و أمّا الإشكال الثاني: أعني إضافة «من غير تأويل» إلى تعريف الاطّراد يستلزم الدور.
فالظاهر أنّ المحقق الخراساني زعم أنّ العلم بالموضوع له على وجه الحقيقة متوقف «على الاطّراد من غير تأويل» على نحو يجب أن يحرز قبل الاستعلام «الاطّراد بلا تأويل» ثمّ يستخدمه المستعلم في التعرف على الموضوع له، فلو كان هذا هو المراد لكان لإشكاله وجه، إذ مع العلم بالمعنى الحقيقي، لا جهل حتى نتوسل إلى رفعه، مضافاً إلى اتحاد الموقوف و الموقوف عليه.
و أمّا إذا كان المراد أنّ العلم بالمعنى الموضوع له على وجه الحقيقة موقوف على إعمال الاطّراد بكثرة حتى يقف المستعلم بأنّ الاستعمال في هذه الموارد الكثيرة ليس مقروناً بالتأويل، فهو لا يستلزم الدور، لأنّ قيد «من غير تأويل» ليس قيداً للاطّراد من أوّل الأمر و إنّما هو نتيجة الإطراد.
ص: 62
و على ذلك فالعلم بالموضوع له على وجه الحقيقة متوقّف على الاطّراد، لكن إلى حد يحصل العلم بأنّه ليس في المقام أي تأويل و تنزيل، و إلّا فلو كان لعُلم، فهو «أي من غير تأويل» نتيجة الاطّراد و في طوله لا في عرضه.
و على ذلك فينشأ من الاطّراد أُمور ثلاثة:
أ. انّ الاطّراد نتيجة الوضع.
ب. الاطّراد ليس مقروناً بالتأويل.
ج. انّ المستعمل فيه هو المعنى الحقيقي.
إلى هنا تمّت الإجابة عن الإشكالين.
و أمّا اشكال الدور فقد علم جوابه ممّا ذكرنا، و ذلك لأنّ العلم بالحقيقة على وجه التفصيل هو الموقوف و لكن الموقوف عليه هو الاطّراد إلى حد ينتهي إلى العلم بعدم التأويل، فعندئذ يحصل العلم بالعلم بالحقيقة»(1).
لا يقال: أنّ الاطّراد مسبوق بصحّة الحمل فيكون غير محتاج إليه.
لانه يقال: انّ الاطّراد إنّما يكون مسبوقاً بصحّة الحمل لو علم انّ الحمل صحيح بلا قرينة، و أمّا إذا شكّ في أنّ المصحّح للحمل ذات الموضوع، أو بضميمة قرينة فلا يكون مسبوقاً به، فعندئذ يكون اطّراد الاستعمال في موارد مختلفة مع الحمل عليه بمحمولات متنوعة كاشفاً عن الحقيقة، و أنّ المجوز هو الوضع، دون القرينة من دون أن يكون لصحّة الحمل دور في مجال الاستكشاف.
ثمّ إنّ كون الاطّراد دليلاً على الحقيقة ليس بمعنى أنّ الأصل في الاستعمال هو الحقيقة كما عليه المرتضى، و ذلك للفرق بين القولين فانّ ما ذكره يرجع إلى أنّ الأصل في
ص: 63
كلّ استعمال ما لم يعلم كونه مجازياً كون المستعمل فيه معنى حقيقياً، و لأجل ذلك ذهب إلى أنّ اشتراك صيغة الأمر في الوجوب و الندب لأجل استعماله فيهما. و بالجملة: هو يكتفي بمجرّد الاستعمال و يجعله دليلاً على الحقيقة.
و ما ذكرنا يرجع إلى أنّ استعمالًا واحداً أو اثنين لا يكشف عن كون المستعمل فيه حقيقة إلّا إذا انتهى إلى حدّ نطمئنّ بأنّ الانتقال من اللفظ إلى المعنى، مستند إلى الوضع لا إلى القرينة إذ لو كان لبان، و لو خفي في مورد فلا يكاد يخفى في الموارد المختلفة، و كم فرق بين القولين.
العلامة الرابعة: تنصيص أهل اللغة
قد ذكروا انّ تنصيص أهل اللغة على معنى اللفظ من أسباب التعرّف على المعنى الحقيقي و تمييزه عن المعنى المجازي، بناءً علی حجية قول اللغوي کما سيأتي او في ما حصل العلم او الوثوق من کلامهم .
و المراد من أهل اللغة هم الذين ألّفوا معاجم اللغة و قواميسها، منهم:
1. الخليل بن أحمد البصري الفراهيدي سيد أهل الأدب، فهو أوّل من دوّن لغة العرب على وفق حروف المعجم لكنّه رتب الحروف حسب مخارجها من الحلق، فاللسان فالأسنان، فالشفتين، و بدأ بحرف العين و ختمها بحروف العلة, و قد طبع أخيراً، توفّي عام 170 هج.
2. محمد بن الحسن بن دريد، صاحب الجمهرة في اللغة المتوفّى عام 321 هج .
3. إسماعيل بن حمّاد الجوهري، صاحب كتاب صحاح اللغة، المتوفّى عام 391 هج.
ص: 64
إلى غير ذلك من أُمّهات كتب اللغة المؤلفة في العصور الأُولى، أو المؤلفة في العصور الوسطى، كلسان العرب لابن منظور المصري المتوفّى عام 707 هج ، و القاموس المحيط للفيروزآبادي المتوفّى عام 717 هج.
فان قلت: أنّ شأن اللغوي هو بيان موارد الاستعمال من غير فرق بين كونه معنى حقيقياً أو مجازياً، مع أنّ المطلوب هو تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي.
قلت: أنّ كتب اللغة على قسمين: قسم منها يتعرّض للمعنى الأصلي الذي اشتقّ منه سائر المعاني و تفرّع منه بمناسبة من المناسبات، و من أحسن ما ألف في هذا المضمار كتاب المقاييس لأحمد بن فارس بن زكريا المتوفّى عام 395 هج ، و أساس البلاغة للزمخشري المتوفّى عام 538 هج فقد بذل المؤلفان الجهودَ لتعيين أُصول المعاني و تميزها عن متفرعاتها، فالرجوع إلى هذين المعجمين يوقف المراجع على المعنى الموضوع له، دون خصوص المستعمل فيه.
و اما القسم الثاني منها فهو و ان کان همّها بيان المستعمل فيه، من دون تركيز على المعنى الأصلي، لكن المراجع لها يمکنه اکتشاف المعنی الحقيقي من المجازي من خلال القرائن و الشواهد، و نمثل لذلك مثالين:
1. انّ أهل اللغة يذكرون للفظ الوحي معان: كالإشارة السريعة، و الصوت الخفي، و الإلهام القلبي، و التسخير، إلى غير ذلك من المعاني، و لكلّ واحد منها شاهد في القرآن الكريم (1)، لكن الإمعان فيها قد يقضي أنّ له معنى واحداً و هو الافهام بخفاء و البواقي صور له.
ص: 65
2. يذكر أهل اللغة للقضاء عشرة معاني كالحكم، الصنع، الحتم، البيان، الموت، الإتمام، بلوغ النهاية، العهد، الإيصاء، و الأداء، و لكن الإمعان قد يثبت أنّ الجميع مصاديق مختلفة لمعنى واحد و هو العمل المتقن، و الباقي صور له، و لذلك أرجع صاحب المقاييس الجميع إلى أصل واحد, و عليه فالرجوع إلى هذه القواميس على النحو المذكور ربّما يرفع الستار عن وجه الحقيقة.
لا شكّ أنّه إذا دار الأمر بين حمل اللفظ على المعنى الحقيقي و المجازي، فالأصل هو الحقيقة حتى يثبت خلافه، أو إذا دار الأمر بين العام و الخاص، أو المطلق و المقيّد، فالأصل هو الأخذ بالعموم و المطلق حتى يثبت خلافه.
إنّما الكلام فيما إذا دار الأمر بين أحد الأُمور الخمسة التي كلها على خلاف الأصل فقال في الكفاية: أنّه للّفظ أحوال خمسة، و هي: التجوّز، و الاشتراك، و التخصيص، و النقل، و الإضمار، لا يكاد يصار إلى أحدها فيما إذا دار الأمر بينه و بين المعنى الحقيقي إلّا بقرينة صارفة عنه إليه, و أمّا إذا دار الأمر بينها فالاصوليّون و إن ذكروا لترجيح بعضها على بعض وجوها إلّا أنّها استحسانية لا اعتبار بها إلّا إذا كانت موجبة
ص: 66
لظهور اللّفظ في المعنى، لعدم مساعدة دليل على اعتبارها بدون ذلك كما لا يخفى (1).
قلت: و الامر کما قال و ان اطنب الميرزا القمي رحمه الله بما لا يغني و لا يسمن .
الحقيقة الشرعية عبارة عن صيرورة بعض الألفاظ حقائق في المعاني المخصوصة بوضع الشارع تعييناً أو تعيّناً، أو بنحو آخر و هل هي ثابتة أو لا؟
و هذا البحث لا يختص بالفاظ العبادات کما خصّه البعض بل هو عام لکل الالفاظ التي لها معناها اللغوي ثم اکتسب معنی شرعيا کما في کلمة البينة فان معناها لغةً الوضوح و البيان و شرعا اطلقت علی شهادة العدلين , و کما في کلمة النجس فان معناها القذارة و الوساخة لغةً و النجاسة المعروفة شرعاً .
و اما البحث عن ذلک في الفاظ العبادات فعديم الفائدة و ذلک لان الفاظ العبادات الواردة في الکتاب و السنة کلها معلومة الحال و لا ابهام في المراد منها و لو من جهة القرائن المحفوفة بها هذا علی فرض کون معناها الشرعي غير معناها اللغوي , و اما مع کون معناهما واحدا کما هو الصحيح فالامر اوضح و عليه فلا ثمرة في البحث عن ذلک في الفاظ العبادات و لنقدم القول فيها فنقول:
الحق ان الفاظ العبادات كانت حقائق في تلك المعاني الشرعية قبل بعثة النبي (صلي الله عليه و آله) و بعدها و انّ العرب كانت تستعمل تلك الألفاظ في هذه الماهيّات بلا قرينة مقالية أو حالية، بحکم انتشار هذه المفاهيم في الجزيرة العربية بحكم الصلة الوثيقة بينهم و بين اليهود و النصارى، فقد كانت يثرب معقل اليهود و نجران مركزاً للنصارى، و كانت
ص: 67
لقريش رحلتان في الشتاء و الصيف، فرحلةفي فصل الشتاء إلى» اليمن «التي كانت تتواجد فيها اليهود بكثرة، و رحلة في فصل الصيف إلى الشام التي كانت يوم ذاك مركزاً للنصارى، فلم يكن للعرب يوم ذاك بُدّ من وجود لفظ، يعبّر به عن عباداتهم: صلاتهم و صومهم، و لم يكن ذلك اللفظ سوى نفس هذه الألفاظ فلم يكن لهم بدّ من ألفاظ يعبّر بها عن هذه الحقائق, و قد خاطب النبي (صلي الله عليه و آله) الأُمّة الإسلامية بلغتهم.
و اما انها كانت موجودة في الشرائع السابقة فيشهد لذلک كثير من الآيات القرآنية، و نكتفي بالبعض منها.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾.(1) و قال تعالى: ﴿وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق﴾(2) و قال تعالى: ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا* وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾(3) و قال تعالى: ﴿وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا* وَ كانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ وَ كانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾(4) فانّ هذه الآيات و غيرها ممّا يجده المتتبع في القرآن، تدل على وجود تلك الماهيات في الشرائع السابقة و انّها ليست ماهيات مخترعة.
و يؤيّد ذلك انّ القرآن استعملها في نفس تلك المعاني في بدء البعثة فجاءت الآيات التالية في السور المكية النازلة في صدر البعثة:
ص: 68
1. ﴿أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى* عَبْداً إِذا صَلَّى).(1) 2. (فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى* وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى﴾(2) 3. ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾(3) 4. ﴿إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَر﴾(4) فقد نزلت هذه الآيات في أوائل البعثة، مع أنّ الصلاة فرضت علی المسلمين في ليلة المعراج و كان عروجه إلى السماء في العام العاشر من الهجرة، و قد ورد لفظ الصلاة في السور المكيةقرابة 35 مرة. كلّ ذلك يدلّ على أنّ العرب المعاصرين لعصر الرسالة كانوا يستعملون تلك الألفاظ في نفس هذه المعاني، بلا قرينة. و انّ الوحي اتبع اللغة الدارجة بين قوم النبي صلى الله عليه و آله و سلم و استخدمه القرآن الکريم في بدء البعثة غاية الأمر قد أضاف جزءاً أو شرط شرطاً، و عين موانع و قواطع لها .
و يؤيد ذلك أيضاً أنّ جعفر بن أبي طالب عرّف دين النبي لملك الحبشة بكلام مفصل و كان ذلك في العام الخامس من البعثة، و قد جاء في ثناياه: أيّها الملك كنّا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام إلى أن قال: و أمرنا أن نعبد اللّه وحده لا نشر ك به شيئاً، و أمرنا بالصلاة و الزكاة و الصيام فصدقناه و آمنا ... «.(5) كل ذلك يعرب عن شيوع استعمال هذه الألفاظ في تلك المعاني يوم ذاك و قد خاطب رئيس الوفد جعفر بن أبي طالب
ص: 69
ملكَ الحبشة بلغة قومه، و بالتالي خاطب النبي الناس أيضاً بلغة قومه و قال سبحانه: (وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ)(1).
و توهم أنّ ما هو الموجود من هذه الحقائق، يغاير ما هو الموجود في الشريعة الإسلامية کما عن جماعة منهم المحقق النائيني حيث قال: إنّ المعاني و إن كانت ثابتة في الشرائع السابقة إلّا أنّها لم تكن يعبّر عنها بهذه الألفاظ بل بألفاظ أُخر، فلا يكون ثبوتها في الشرائع السابقة مانعاً عن الحقيقة الشرعية.(2) و منهم المحقّق المشكيني حيث قال: إنّ وجود هذه المخترعات عند الأُمم السابقة لا يقدح في الحقيقة الشرعية، لأنّ تلك الألفاظ لم تكن حقيقة في هذه المعاني كما هو كذلك بالنسبة إلى أكثر الشرائع الواردة على غير لسان العرب.(3) و منهم المحقّق الخوئي حيث يقول: إنّ مجرّد الثبوت هناك لا يلازم التسمية بهذه الألفاظ، و ليس في المقام إلّا التعبير عنها بهذه الألفاظ في الكتاب العزيز، و من الواضح أنّه لا يدل على وجود تلك الألفاظ في الشرائع السابقة كما هو الحال بالقياس إلى جميع الحكايات و القصص القرآنية التي كانت بالسريانية كما في لغة عيسى أو العبرانية في لغة موسى، و من المعلوم أنّ تلك المعاني كان يعبرعنها بألفاظ سريانية أو عبرانية.(4), مردود بتصريح القرآن على الوحدة في مورد الصيام و الحج كما هو صريح الآيات السابقة.
و بذلک يظهر بطلان سائر الاقوال و هي کالتالي:
ص: 70
الأول: بقاء ألفاظ العبادات على معانيها اللغوية, و هذه النظرية منسوبة إلى أبي بكر الباقلاني المتوفّى 403 هج و هو من أكابر الأشاعرة و قد ادّعى أنّ ألفاظ العبادات استعملها النبي في معانيها اللغوية و طبَّقها على تشريعاته، لأنّها من مصاديقها التي كشف عنها الشارع و إن كان العرف غافلًا عنها، فالألفاظ باقية على معانيها اللغوية إلى يومنا هذا(1).
و فيه: انه كيف يمكن أن يدّعى أنّ الصلاة من مصاديق الدعاء التي كشف عنها الشارع، إذ بين الدعاء و الصلاة بون شاسع، فإذا استعملها النبي (صلي الله عليه و آله) في تلك المعاني في حين مغايرتها مع المعنى اللغوي فلا بدّ له من مسوّغ، و هو أحد أمرين: إمّا النقل و الوضع فيدخل في القول الثاني الاتي، أو العلاقة بين المعنيين فيدخل في القول الثالث مما سياتي، فنظرية الباقلاني مردّدة ثبوتاً بين القولين و لا يمكن أن تكون نظرية مستقلة.
الثاني: انّ ألفاظ العبادات نقلت على لسان النبي من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية بالوضع الجديد.
و استدلّ له: بتبادر المعاني الشرعية من هذه الألفاظ في محاورات النبي صلى الله عليه و آله و سلم و هو رهن الوضع، إذ لو لا الوضع لم يصح التبادر, و بالجملة: انّ المثبِت يعتمد على التبادر في لسان النبي و يراه ملازماً للقول بالوضع.
و فيه: أنّ ما ذكره صحيح لو لم يصحّ تفسير التبادر عن طريق ما ذکرناه من تطابق المعنی اللغوي مع المعني الشرعي، و إلّا فلو كانت تلك الألفاظ حقائق عرفية في عصر التشريع في لسان العرب لصحّ تفسير التبادر عن ذلك الطريق من دون أن يكون للنبي دور في تحقّق التبادر كما تقدم .
ص: 71
الثالث: انّ النبي استعملها في تلك المعاني مجازاً ثمّ صارت حقائق في تلك المعاني في لسان المتشرعة، فهي حقائق متشرعية لا شرعية.
و استدل له: بأنّ كونها حقائق شرعية في لسانه صلى الله عليه و آله و سلم يتوقف على الوضع و هو إمّا تعييني أو تعيّني، و الأوّل بعيد جداً، و إلّا لنقل، و الثاني يتوقف على الاستعمال بكثرة و لا يكفي عصر الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و استعمالاته في تحقّق النقل.
و اجيب بوجهين:
الأوّل: لما ذا لا تكفي فترة الرسالة لتحقق الوضع التعيّني مع أنّ بلالًا ينادي كلّ يوم و يقول: حي على الصلاة عشر مرات، فيكفي في تحقق الحقيقة الشرعية مضيّ أيام أو شهور؟!
الثاني: الوضع غير منحصر بالتعيينيّ و التعيّني، إذ هناك طريق آخر للوضع و هو الاستعمال بداعي الوضع كما يقول الأب عند تسمية المولود الجديد مخاطباً أُمّه: ائتيني ولدي الحسين يحاول بذلك تسميته به.
و من الممكن أن يتولّى النبي عملية الوضع من خلال هذا الطريق، فلما صلّى أمام قومه، فقال: صلّوا كما رأيتموني أُصلي، فهو بنفس ذلك الاستعمال نقل الصلاة من معناها اللغوي إلى الحقيقة الجديدة.
اقول: اما الوجه الاول فمتين و اما الوجه الثاني فبعيد و غير محتمل عرفا و الشاهد المذکور مجرد فرض غير متعارف ايضا .
ص: 72
و مما تقدم يظهر ان الصحيح ثبوت الحقيقة الشرعية في غير الفاظ العبادات في الالفاظ التي يکثر استعمالها کما في لفظ البينة فورد في خبر مسعدة «وَ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا عَلَى هَذَا حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ تَقُومَ بِهِ الْبَيِّنَة»(1) فادعی المحقق الخوئي انه بالمعنی اللغوي لا الشرعي و لا المتشرعي لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية. و کما في لفظ النجس قال تعالی ﴿انما المشرکون نجس..﴾ فمن استدل بالاية علی نجاسة المشرکين حمله علی المعنی الشرعي و من رد الاستدلال حمله علی المعنی اللغوي من القذارة .
و عليه تظهر الثمرة فيما إذا وردت هذه الألفاظ في لسان النبي (صلي الله عليه و آله) و الأمير (علیه السلام )، بلا قرينة مفهمة، فعلى القول بالحقيقة الشرعية يحمل على تلك المعاني، و على القول الآخر، تحمل على المعنى اللغوي.
ثم لو افترضنا مورداً دار الأمر فيه بين الحمل على المعنى اللغوي أو الشرعي، فهل هنا أصل يعيّن أحد المعنيين أو لا؟ نقول: إنّ هنا صوراً:
1. إذا كان تاريخ النقل و الاستعمال معلومين. و هذه الأُولى خارجة عن مورد الافتراض .
2. إذا كان تاريخ النقل و الاستعمال مجهولين. و هذه الصورة لا يجري فيها الأصلان، و لو جرى تساقطا بالتعارض.
ص: 73
3. إذا كان تاريخ النقل مجهولًا و الاستعمال معلوماً, فهل تجري أصالة عدم النقل إلى زمان الاستعمال فتكون النتيجة، هو الحمل على المعنى اللغوي؟ فيه خلاف بين المحقق الخراساني و العلّامة الحائري صاحب درر الفوائد(1)، فقال الأوّل: بالمنع، لأنّ أصالة عدم النقل أصل عقلائي مجراه هو الشكّ في أصل النقل، لا العلم بالنقل و الشك في تقدّمه و تأخره كما في المقام.
و قال الثاني: إنّ الوضع السابق لا ترفع عنه اليد إلّا بعد العلم بالوضع و حيث لم يعلم وجوده حين الاستعمال فيحمل على المعنى اللغوي فتكون النتيجة موافقة لأصالة عدم النقل.
و فيه: أنّ الحجّة هو ظهور الكلام لا العلم بالوضع الأوّل، و مع هذا العلم الإجمالي بالنقل و الشك في تقدمه أو تأخره عن الاستعمال، لا يبقى للكلام ظهور حتى نتبعه.
4. إذا كان تاريخ النقل معلوماً و الاستعمال مجهولًا, فهل تجري أصالة عدم الاستعمال إلى زمان النقل فتكون النتيجة هو الحمل على المعنى الشرعي أو لا؟ وجهان:
1. أنّ الأصل المزبور ليس أصلًا عقلائياً إذ ليس عندهم منه عين و لا أثر، بل هو أصل شرعي، و جريانه فرع وجود أثر شرعي مرتب عليه بلا واسطة و هو ليس بموجود.
2. ما عليه العلامة الحائري بحمل اللفظ على المعنى اللغوي، لأنّ الوضع الأوّل حجّة و لا يرفع عن الحجّة إلّا بالحجة، فتكون النتيجة موافقة لأصالة عدم الاستعمال إلى زمان النقل(2). و فيه: ما قد عرفت من أنّ الحجّة هو الظهور و هو غير متحقّق مع العلم الإجمالي.
ص: 74
الاشتراك اللفظي: عبارة عن كون اللفظ موضوعاً لمعنيين أو أكثر من واضع واحد او اکثر بأوضاع متعددة بالوضع التعييني أو التعيّني.
و يقع الكلام فيه في جهات:
الجهة الأُولى: في إمكان الاشتراك اللفظي
لا شكّ في إمكان الاشتراك اللفظي و الدليل عليه وجوده لنقل أهل اللّغة و التبادر كما نرى ذلك في الأعلام الشخصيّة الموضوعة لأشخاص متعددين، و نرى استعمال القرء في الطهر و الحيض و الأوّل: كقوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، جمع قرء. و الثاني: كقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: دعي الصلاة أيّام أقرائك، أيضا جمع قرء. و كلفظ المولى للسيّد و العبد، ففي الدّعاء و زيارات الائمّة عليهم السّلام: السلام عليك يا مولاي، أنا مولاك عارف باولاك و اخراك. و العين للباكية و الجارية، و الأوّل: كقوله تعالى: ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ في آية القصاص. و الثاني: كقوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً﴾.
لکن قال في الکفاية: «و إن أحاله بعض؛ لإخلاله بالتفهّم المقصود من الوضع؛ لخفاء القرائن» ثم رده قائلا: «لمنع الإخلال أوّلا، لإمكان الاتّكال على القرائن الواضحة، و منع كونه مخلّا بالحكمة ثانيا؛ لتعلّق الغرض بالإجمال أحيانا»(1)؛ لأنّ المصلحة قد لا تكون في التصريح في المورد الخاصّ، و هو أمر ممكن و واقع , مضافا الی ان الاشکال اخص من المدعی لانه إنّما يتم إذا كان الواضع واحداً فيصدّه الاخلال عن الوضع
ص: 75
الثاني دون ما إذا كان متعدداً کما يشهد لذلک تاريخ لغة العرب من ان الاشتراك اللفظي مستند إلى تباعد القبائل العربية بعضهم عن بعض حيث كانت طائفة تعبّر بلفظ خاص عن معنى، و طائفة أُخرى تعبّر به عن معنى آخر من دون أن تطّلع على ما في حوزة الأُخرى من أوضاع، فلما قام علماء اللغة بجمع لغات العرب من أفواه القبائل العربية ظهر الاشتراك اللفظي .
ثمّ إنّ صاحب المحاضرات استدلّ على امتناع الاشتراك بأنّ الوضع الثاني يستلزم نقض الوضع الأوّل، لأنّ الوضع ليس بمعنى جعل الملازمة بين طبيعي اللفظ و المعنى الموضوع له، أو جعله وجوداً تنزيلياً للمعنى، بل بمعنى تعهد الواضع في نفسه بأنّه متى تكلّم بلفظ مخصوص لا يريد منه إلّا تفهيم معنى خاص، و من المعلوم أنّ هذا التعهد لا يجتمع مع تعهده ثانياً بأنّه متى تكلّم بذلك اللفظ لا يقصد إلّا تفهيم معنى آخر مبايناً للأوّل، ضرورة أنّه بذلك نقض ما تعهده أوّلًا.
و إن شئت قلت: إنّ الوضع عبارة عن التعهد المجرّد عن الإتيان بأيّة قرينة، و هذا غير متحقّق في الاشتراك اللفظي.(1)
و فيه: ما تقدم من بطلان اصل المبنی مضافا الی أنّه إنّما يصحّ إذا كان الواضع واحداً، و أمّا إذا كان متعدداً فلا.
ثمّ إنّ هناك من زعم وجوب الاشتراك قائلًا: بأنّ الألفاظ و التراكيب المؤلّفة منها متناهية، و المعاني غير متناهية و الحاجة ماسّة إلى تفهيم المعاني بالألفاظ و لا يتم ذلك إلّا بالاشتراك.
ص: 76
و أجاب عنه في الكفاية : بأنّ المعاني إذا كانت غير متناهية فلا يمكن الوضع لها لا بالاشتراك و لا بغيره، لاستلزامه الأوضاع غير المتناهية من الإنسان المتناهي. و بإنّ المعاني على فرض تناهيها، لا تمس الحاجة إلّا بالقدر المتناهي منها، لأنّ الأغراض المتداولة بين العقلاء متناهية, مع أنّه يكفي الوضع للمفاهيم الكلية و إرادة الجزئيات بالقرائن, و انّ طريق التفهيم لا ينحصر بطريق الحقيقة، بل يكفي إفهام المعاني بطريق المجاز، و هو باب واسع(1) .
الجهة الثانية: في وقوع الاشتراك في القرآن
لوروده في القرآن الکريم کما في الايات المتقدمة كقوله تعالى: ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ في آية القصاص. و الثاني: كقوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً﴾ و غيرهما من الايات .
و لذا نجد إنّ علماء علوم القرآن فتحوا باباً في المشتركات القرآنية أسموه بمعرفة الوجوه و النظائر و ألّفوا في هذا المضمار رسائل و كتباً، و لكنّهم خلطوا في كثير بين المصداق و المعنى.(2) مثلًا: ذكروا للقضاء معاني مختلفة كالفراغ، و الأمر، و الأجل، و الفصل، و المضي، و الهلاك، و الوجوب، و الإبرام، و الإعلام، و الوصية، و الموت، و النزول، و الخلق، و الفعل، و العهد، مع أنّ الجميع من مصاديق المعنى الواحد و هو العمل المتقن و التنفيذ القاطع.
ص: 77
يقول ابن فارس (1): ليس له إلّا أصل واحد و الجميع يرجع إلى ذلك و هو ما يدلّ على إحكام أمر، و إتقانه و إنفاذه لجهة، قال اللّه تعالى: (فَقَضاهُنَّ سَبْع سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ)(2) أي أحكم خلقهن، و القضاء: الحكم، قال اللّه سبحانه في ذكر من قال: (فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ)(3) أي اصنع و احكم، و لذلك سمّي القاضي قاضياً، لأنّه يحكم الأحكام و ينفذها، و سمّيت المنية قضاء لأنّها أمر ينفذ في ابن آدم و غيره من الخلق.
إلى أن قال: و كلّ كلمة في الباب فانّها تجري على القياس الذي ذكرناه، فإذا هُمز تغيّر المعنى، يقولون: القُضاة: العيب، يقال ما عليك منه قضاة، و في عينه قضاة: أي فساد.(4)
كان البحث السابق يدور حول إمكان الاشتراك و عدمه، فإذا ثبت وجود اللفظ المشترك يقع الكلام في جواز استعماله في أكثر من معنى واحد.
ص: 78
و محلّ النزاع هو أن يكون كلّ من المعنيين ملحوظاً بحياله و استقلاله مثلما استعمل في واحد منهما، فخرجت الصورتان التاليتان عن محط النزاع:
أ. إذا استعمل في مجموع المعنيين، بحيث يكون كلّ منهما جزء المستعمل فيه، نظير العام المجموعي عند الأُصوليين.
ب. إذا استعمل في معنى جامع لكلا المعنيين، كما إذا استعمل في المسمّى بالعين الشاملة للذهب و الفضة، و الباكية و الجارية.
فإنّ هاتين الصورتين ليستا من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى، بل الأُولى استعمال في معنى مركب من معنيين حقيقتين، كما أنّ الثانية استعمال في جامع المعنيين، و المستعمل فيه ذو أجزاء، و في الثانية ذو أفراد.
ثم ان الظاهر من صاحب المعالم أنّ البحث في الجواز و عدمه بحث لغوي کما سيأتي، و لكن الظاهر من المحقق الخراساني و من تبعه أنّ البحث عقلي, و لذلك استدلّوا للامتناع العقلي بوجوه و هي کالتالي:
1. جواز الاستعمال رهن لفظٍ و لحاظٍ ثانٍ
استدلّ المحقّق الخراساني على الامتناع بأنّ الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة للمعنى حتى يصحّ جعل اللفظ الواحد علامة لشيئين، بل الاستعمال إفناء اللفظ في المعنى، فإذا كان فانياً في أحد المعنيين، فافناؤه في المعنى الثاني يحتاج إلى لحاظ اللفظ بغير اللحاظ الأوّل، و المفروض انتفاؤه، قال في الكفاية :
ص: 79
«حقيقة الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنى، بل جعله وجهاً و عنواناً له، بل بوجه نفسه، كأنّه الملقى، و لذا يسري إليه قبحه و حسنه كما لا يخفى، و لا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك إلّا لمعنى واحد، ضرورة انّ لحاظه هكذا في إرادة معنى، ينافي لحاظه كذلك في إرادة الآخر، حيث إنّ لحاظه كذلك، لا يكاد يكون إلّا بتبع المعنى فانياً فيه فناء الوجه في ذي الوجه والعنوان في المعنون، و معه كيف يمكن إرادة معنى آخر معه كذلك في استعمال واحد، مع استلزامه للحاظ آخر، غير لحاظه كذلك في هذا الحال؟»(1).
و يرد عليه: أنّ المراد من الافناء هو کون اللفظ مرآة للمعنی و ان الغرض الذاتي يتعلّق بالمعنى دون اللفظ، لا ان المراد من الإفناء معناه الحقيقي بأن يتبدّل اللفظ إلى المعنى و تذهب فعلية اللفظ، فانه غير صحيح، و لا يلتزم به القائل و عليه فالتالي غير ممتنع، يعني لا مانع من أن يتعلّق الغرض الذاتي بمعنيين و ينظر إليهما بلفظ واحد و ملحوظ بلحاظ واحد.
2. اجتماع لحاظين آليّين في شي ء واحد
استدلّ المحقّق العراقي بأنّ وضع اللفظ للمعنى ليس جعله علامة عليه و لو بنحو التنزيل، بل هو جعل اللفظ مرآة تحكي المعنى و تصوره للسامع، و استعمال اللفظ في المعنى هو فعلية كون اللفظ الموضوع مرآة و حاكياً. و بما أنّ المرآة ملحوظة حين استعمالها باللحاظ الآلي، فيلزم من استعمال اللفظ الواحد في معنيين أو أكثر، أن يلحظ ذاك اللفظ الواحد، في آن واحد، بلحاظين آليينَ و حينئذٍ يجتمع اللحاظان في واحد
ص: 80
شخصي, نعم لو كانت حقيقة الوضع هو العلامة، فلا مانع من كون شي ء واحد علامة لشيئين.(1)
و الفرق بين تقريري الأُستاذ - الخراساني - و التلميذ - العراقي - انّ تقرير الأُستاذ يركز على لزوم وجود لفظ و لحاظ آخر باعتبار انّ الاستعمال إفناء للّفظ، و لا بدّ في الاستعمال في المعنى الثاني من لحاظ و لفظ و استعمال آخر.
و هذا التقرير يركز على استلزام الاستعمال اجتماع لحاظين آليين في شي ء واحد.
و اجيب: أنّ ما ذكره مبني على أنّ تعدّد اللحاظ في المعنيين يلازم تعدده في اللفظ المستعمل فيها، و لكن الظاهر أنّه لا ملازمة بين تعدّد اللحاظ في المعنى، و تعدّده في اللفظ، و ذلك لأنّ كلًا من المعنيين تعلّق به الغرض الذاتي فيكون كلّ منهما ملحوظاً على وجه الاستقلال، بخلاف اللفظ فانّه متعلّق بالغرض تعلقاً آلياً، فيكفي في مقام استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى، تصوّر المعنيين مستقلًا أوّلًا، ثمّ الانتقال منهما إلى اللفظ ثانياً، و الانتقال منه إلى المعنيين ثالثاً(2).
3. اجتماع لحاظين مستقلين في صقع النفس
استدلّ المحقّق النائيني على الامتناع بأنّ لازم استعمال اللفظ في المعنيين على نحو الاستقلال، تعلّق اللحاظ الاستقلالي بكلّ واحد منهما في آن واحد، كما إذا لم يستعمل اللفظ إلّا فيه، و من الواضح أنّ النفس لا تستطيع أن تجمع بين اللحاظين المستقلين في
ص: 81
آن واحد.(1) , و يركز هذا التقرير على أنّ النفس ليس بمقدورها ملاحظة معنيين بحيالهما و استقلالهما.
و يرد عليه: أنّ الممتنع هو اجتماع لحاظين مستقلين في آن واحد في معنى واحد، لأنّه أشبه باجتماع المثلين, و أمّا تعلّق اللحاظين المستقلين بمعنيين في آن واحد كما في المقام فليس بممتنع، و الشاهد على ذلك انّ النفس تستخدم العين و السمع و الذائقة و الشامة في آن واحد و يكون مدركات كلّ منها ملحوظة بالاستقلال أيضاً.
4. إيجاد ماهيتين مختلفتين بوجود واحد
استدلّ المحقّق الاصفهاني في تعليقته بأنّ حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى في الخارج باللفظ، حيث إنّ وجود اللفظ في الخارج، وجود لطبيعي اللفظ بالذات (تكويناً) و وجود لطبيعي المعنى بالجعل و المواضعة و التنزيل، لا بالذات، و لا يعقل أن يكون وجود واحد وجوداً لماهيتين بالذات، و حيث إنّ الموجود الخارجي (اللفظ) بالذات واحد، فلا مجال لأن يقال: انّ وجود اللفظ وجود لهذا المعنى خارجاً، و وجود آخر لمعنى آخر، حيث لا وجود آخر حتى ينسب إلى الآخر بالتنزيل، و ليس الاستعمال إلّا إيجاد المعنى بنحو وجوده اللفظي خارجاً، و قد عرفت أنّ الإيجاد و الوجود متحدان بالذات و حيث إنّ الوجود واحد فكذا الإيجاد.(2) و حاصل ما أفاده يرجع إلى أمرين:
1. اللفظ وجود تنزيلي للمعنى، فإذا صار وجوداً لأحد المعنيين، فلا وجود آخر له.
2. الوجود و الإيجاد واحد بالذات، و الاختلاف بالاعتبار، فإذا كان وجود اللفظ واحداً بالذات، فليكن إيجاداً كذلك، لتفرّع الإيجاد على الوجود في الوحدة و الكثرة.
ص: 82
و اجيب: أنّ أساسه خلط الاعتبار بالتكوين، فانّ الإيجاد التكويني لا يتعلّق إلّا بماهية واحدة دون ماهيتين، و أمّا الإيجاد الاعتباري فلا دليل على أنّه كذلك، إذ أيّ مانع من فرض اللفظ وجوداً لكلّ من المعنيين في وعاء الاعتبار، و هل هذا إلّا إجراء حكم التكوين على الاعتبار؟
أضف إلى ذلك أنّه لا دليل على أنّ اللفظ إيجاد للمعنى، بل وسيلة للالتفات إلى المعنى، فاستعمال اللفظ أشبه بكونه سبباً للانتقال إلى المعنى(1).
إلى هنا تبيّن أنّه لا دليل على امتناع الاستعمال، و يقع الكلام في وجود المانع من جانب الواضع و عدمه، فلو كان هناك مانع فإنّما هو من ناحية الوضع.
ذهب صاحب المعالم رحمه الله إلى أنّ المانع هناك وضعي لا عقلي و هو أنّ الواضع وضع اللفظ للمعنى في حال الوحدة فلا يجوز استعمال المفرد في غير حال الانفراد حقيقة نعم يجوز مجازاً فقال: «و الأقوى عندي جوازه مطلقا، لكنّه في المفرد مجاز، و في غيره حقيقة. لنا على الجواز: انتفاء المانع، بما سنبيّنه: من بطلان ما تمسّك به المانعون، و على كونه مجازا في المفرد: تبادر الوحدة. منه عند اطلاق اللفظ، فيفتقر ارادة الجميع منه الى القاء اعتبار قيد الوحدة فيصير اللّفظ مستعملا في خلاف موضوعه. لكنّ وجود العلاقة المصحّحة للتجوّز أعني: علاقة الكلّ و الجزء يجوّزه، فيكون مجازا»(2).
ص: 83
و اجابه في الکفاية: ما حاصله انه من الواضح أنّ الألفاظ لا تكون موضوعة إلّا لنفس المعاني بلا ملاحظة قيد الوحدة. و علی فرض كونها موضوعة للمعنى بقيد الوحدة لزم أن يباينه مباينة الشي ء بشرط شي ء و الشي ء بشرط لا، كما لا يخفى ، و حينئذ فلا يكون الأكثر جزءا للمعنى، بل مبائنا له و يلزمه عدم جواز الاستعمال فيه.
و التثنية و الجمع و إن كانا بمنزلة التكرار، إلّا أنّ الظاهر أنّ اللّفظ فيهما كأنّه كرّر و اريد من كلّ لفظ من أفراد معناه , و بعبارة اخرى الهيئة موضوعة للتعدّد و المادّة مستعملة في طبيعة معنى واحد و لازمه التعدّد من جنس واحد .
و أمّا الأعلام الشخصية فحيث لا تقبل التعدّد في معنى واحد فيها؛ لأنّه مشخّص خاصّ لا يتثنّى و لا يتكرّر، فلا محالة دخول الهيئة عليها يكون بلحاظ التأويل إلى المسمّى بهذا الإسم .
أقول: و الامر کما قال الّا فيما افاده جوابا عن قول صاحب المعالم في ناحية مجازية المفرد من ان الأكثر لا يکون جزءا للمعنى، بل مبائنا له و يلزمه عدم جواز الاستعمال فيه.
ففيه: انه إنّما يفيد إبطال علاقة الكلّ و الجزء. إذ الخالي عن القيد المتلبّس بقيد آخر ليس جزءا لهذا المقيّد، بل هما متباينان، تباين بشرط شي ء و بشرط لا، لكنه لا يتمّ لردّ صحّة أصل التجوّز, كما نرى نظيره في الاستعمالات العرفيّة, فيطلقون اللّفظ الموضوع للمقيّد على فاقد القيد بتشبيهه بالمقيّد. مثلا بعض أسماء الفرس، كالجواد موضوع لبعض أصنافه الممتازة، و لكن يطلق على غيرها أيضا مجازا، و بضرب من التسامح .
فإن قلت: إنّ الوحدة و إن لم تكن قيداً لواحد منهما لكن الوضع لم يتحقّق إلّا في هذه الحالة فكيف يستعمل في غيرها؟
ص: 84
قلت: أنّ كون المعنى موضوعاً له في حال الوحدة لا يكون مانعاً من استعماله في أكثر من معنى واحد و إلّا يرجع إلى كونه قيداً لأحدهما و المفروض عدمه.
ثمّ ان أدلّ دليل على إمكان استعمال اللفظ في اکثر من معنی هو وقوعه في اشعار العرب و خطبهم و قد قام أحد المعنيين بالأدب العربي (1) بجمع شواهد على تحقّق استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى، کما في قول الشاعر في مدح النبي صلى الله عليه و آله و سلم :
المرتمي في الدجى، و المبتلى *** و المشتكي ظمأ و المبتغي دينا بعمى
يأتون سدّته في كلّ ناحية *** و يستفيدون من نعمائه عيناً
فاستعمل الشاعر لفظ» العين «في الشمس، و البصر، و الماء الجاري، و الذهب حيث إنّ المرتمي «المرميّ» في الدجى، يطلب الضياء، و المبتلىبالعمى يطلب العين الباصرة، و الإنسان الظمآن يريد الماء، و المستدين يطلب الذهب.
و من شواهد الوقوع التورية و هي الستر على المراد الجدي الواقعي بعدة أساليب .
كقول الشاعر:
ص: 85
أي المكان تروم ثم من الذي *** تمضي إليه أجبته المعشوقا
بقي هنا أمران:
الأوّل: إذا ثبت جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى، فهل يحمل المشترك على جميع المعاني عند عدم قرينة على واحد منها، أو لا؟
ذهب المحقّق البروجردي إلى الأوّل، قائلًا بأنّه حقيقة في الجميع فمقتضى أصالة الحقيقة في الاستعمالات حمله على الجميع(1).
و فيه: أنّ المتَّبَع في الكلام هو الظهور العرفي، حتى أنّ العمل بأصالة الحقيقة، لأجل كون المجاز خلاف الظاهر المتبادر، و لا شكّ أنّ المتبادر هو إرادة واحد من المعاني لا أكثر، لأنّ استعمال اللفظ في أكثر من معنى خلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلّا أن يدلّ عليه دليل.
الثاني: قد ورد في الروايات أنّ للقرآن تنزيلاً و تأويلاً، و أنّ لآياته ظهراً و بطناً، فربّما استدلّ القائل بجواز استعمال المشترك في معنيين بهذه الروايات بذريعة أنّ التأويل غير التنزيل، و البطن غير الظهر.
و اجاب عن التوهم صاحب الكفاية: « أنّه لا دلالة لها أصلا على أنّ إرادتها ( اي البطون) كان من باب إرادة المعنى من اللّفظ»(2) ثم ابدی احتمالين:
احدهما: انه كان بإرادتها في أنفسها حال الاستعمال في المعنى، لا من اللّفظ كما إذا استعمل فيها. و فيه: أنّه بعيد جدا و لا يصدق عليه تأويل الآيات فضلا عن ظهور الآيات
ص: 86
في تلك المعاني؛ لأنّ الخواطر الذهنيّة حين الاستعمال أو غيره كثيرة و لا علاقة لها بمفاد الكلام، ليطلق عليها بطونه.
ثانيهما: ان المراد من البطون لوازم معناه المستعمل فيه اللّفظ، و إن كان أفهامنا قاصرة عن إدراكها(1).
قلت: هذا احد الاحتمالات في معنی البطون فيکون المراد من البطون هي المداليل الالتزاميّة و الاقتضائيّة بأنواعها و أقسامها، ملحوظة لمتكلّمها عزّ و جلّ, فهي مرادة تبعا لا بالمطابقة لتكون من سنخ استعمال اللّفظ في المعاني المتعدّدة، و هذه المداليل بطون لا يعرفها إلّا من خوطب به و أهل البيت ^ أدرى بما في البيت، فلا تلتفت إليها الأذهان إلّا بإلقائهم نظير استفادة أمير المؤمنين عليه السلام أقلّ مدّة الحمل من ضمّ الآيتين، و استفادة الإمام الباقر عليه السلام أعلميّة وصيّ النبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من سائر الأوصياء من مقارنة آية ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ الدالّ على العموم بآية ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتاب﴾ الدالّ على التبعيض، و الأوّل في شأن وصيّ النبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و الثاني في شأن وصيّ غيره، و هكذا استفادة بعض الرأس في المسح من الباء في قوله تعالى: ﴿وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ﴾ حيث عدل عن امسحوا رؤوسكم الظاهر في مسح جميعه إلى امسحوا برؤوسكم الظاهر في كفاية وقوع مسح على الرأس.
کما و انه من المحتمل ان يکون المراد من البطن هو المصاديق المتجددة للايات المبارکة عبر الزمان، و التعبير بالسبعين كناية عن الكثرة.
ص: 87
و استقرب في ارشاد العقول هذا الاحتمال و ذکر ان من مصاديقه قوله تعالی: ﴿وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾(1) إنّ كثيراً من المشركين كانوا يرفضون رسالة النبي صلى الله عليه و آله و سلم (بذريعة أنّه صلى الله عليه و آله و سلم يأكل الطعام كسائر الناس، فأمرهم سبحانه أن يسألوا أهل الذكر عن الأنبياء السابقين، و انّهم هل كانوا على تلك الوتيرة أو على غيرها؟ فمورد السؤال هو ذاك، كما أنّ المراد من أهل الذكر علماء أهل الكتاب، و لكن مفهوم الآية و هو الرجوع إلى أهل الذكر في المشاكل العالقة عام لا يختص بأهل الكتاب و لا بمورد الآية، و لذلك فسّر أهل الذكر في بعض الروايات بأئمّة أهل البيت، و هو أيضاً من قبيل الجري،أعني: تطبيق الكلي على أفضل أفراده، و لذلك يستدل بالآية على لزوم التقليد، لأنّه رجوع إلى أهل الذكر.
فالانتقال بالآية من مفادها الضيّق البدوي إلى هذا المعنى الوسيع تأويل و بطن لها، و بذلك تستفيد الأُمّة من الآية حقائق و معاني كثيرة. و لا صلة للتأويل بهذا المعنى لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى(2).
ص: 88
اختلفوا في أنّ الألفاظ المستعملة في الماهيّات المخترعة الشرعيّة، كالصيام و الصلاة و الحج هل هي أسام لخصوص الصحيحة، أو للأعمّ منها و من الفاسدة .
ثم ان اهمية المسألة باهمية ثمرتها و اذا کانت عديمة الثمرة کما هو الحال في هذه المسألة فالبحث عنها بلا جدوی, و لذا اجد من الضروري البحث عن ثمرتها اولا ثم البحث عن الحق فيها, فهاهنا مقامان:
و قد ذكر للمسألة ثمرات أربع:
الاولی: جواز التمسّك بالإطلاق , فيصح التمسك بالإطلاق على القول بالأعمّ و لا يصح على القول بالصحيح, و ذلك لأنّ الشكّ في جزئية شي ء أو شرطيته، عند الأعمّي يرجع إلى الشك في كونه داخلاً في المأمور به أو لا، بعد إحراز الموضوع، أعني: الجامع بين الصحيح و الفاسد, فيرجع الشك في جزئية جلسة الاستراحة مثلا إلى الشك في كونها جزءاً للمأمور به أو لا بعد إحراز الموضوع فتنفى جزئيتها بالإطلاق.
بخلاف الشكّ عند الصحيحي فانّ الشكّ فيهما يرجع إلى الشكّ في صدق الموضوع و عدمه، و مع الشكّ فيه لا يجوز التمسّك بالإطلاق, فالمشکوک عنده داخل في المسمّى، مثلًا الشك في جزئية جلسة الاستراحة، يرجع إلى الشكّ في دخولها في المسمّى و عدمه، و مع هذا الشك يكون الموضوع مشكوكالإحراز، و معه لا يصحّ التمسّك بالإطلاق، فانّ التمسّك فرع إحرازه و تعلّق الشك بالطوارئ و العوارض كشرطية الإيمان في الرقبة.
و ردّت الثمرة بوجوه نکتفي بوجهين منها لعدم خلو بعضها من اشکال:
ص: 89
الوجه الأوّل: أنّ الصحيحي و إن كان لا يتمكن من التمسّك بالإطلاقات اللفظية لكن بإمكانه التمسّك بالإطلاقات البيانية، فإذا شكّ في وجوب الاستفادة فيتمسّك بهذا الإطلاق المسمّى بالإطلاق البياني, و هذا الجواب و ان کان فيه خروج عن محط البحث، لانّ الثمرة في المسألة هي جواز التمسّك بالإطلاقات اللفظية و عدمها، الّا ان الفقيه معه في غنی عنه فلا ثمرة في البين .
الوجه الثاني: فقد عرفت فيما ذكرنا في بحث الحقيقة الشرعية أنّ ألفاظ العبادات كلّها مستعملة في لسان الشارع فيما هو الموضوع له من أوّل الأمر في العصور السابقة على الإسلام، إذ ليست هذه الماهيات العبادية من مخترعات الشريعة الإسلامية، بل كانت موجودة بين العرب قبل الإسلام، و إنّما تصرّف فيها الشرع المقدس بإضافة بعض الخصوصيات.
و على ذلك فالموضوع له الذي وضعت بازائه هذه الألفاظ محرز عند الشكّ في وجوب جلسة الاستراحة على كلا القولين، فيرجع الشكّ على كلا المبنيين إلى الشكّ في جزئية شي ء زائد أو شرطيته، فيجوز التمسّك بالإطلاقات على القول بالصحيح و الأعمّ.
الثمرة الثانية: التمسّك بالبراءة على الأعمّ و عدمه على الصحيح
توضيحها: إنّا إذا شككنا في شرطية شي ء أو جزئيّته للمسمّى، فعلى القول بالأعم يكون الفاقد للشرط و الجزء المحتمل وجوبهما، مصداقاً للمسمّى، و يعود الشكّ، إلى الشكّ في شرطية شي ء زائد على المسمّى او جزئيّته، فيكون من قبيل الشكّ في تكليف أمر زائد، و يقع مجرى للبراءة. و هذا بخلاف ما إذا قلنا بالوضع للصحيح لأنّ الشكّ في شرطية شي ء أو جزئيته، ملازم للشكّ في صدق المسمّى، و معه يجب الاحتياط حتّى يعلم أنّه أتى بالمأمور به.
ص: 90
و بالجملة، صدق المسمّى قطعي، على القول بالأعم، و مشكوك على القول الآخر، و هذا يستلزم الاشتغال على الثاني دون الأوّل.
و يرد عليها: أنّ القول بالأعم غير ملازم للقول بالبراءة، كما أنّ القول بالصحّة غير ملازم للاشتغال.
أمّا الأوّل: فلأنّه مبني على جريان البراءة في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين، مع أنّ كلمة الأصحاب قد اختلفت فيه بين قائل بالبراءة، لأجل ادّعاء انحلال العلمالإجمالي إلى معلوم تفصيلًا و مشكوك بدواً، و قائل بالاشتغال لعدم انحلال العلم. فليس القول بالأعمّ ملازماً للقول بالبراءة إذ يمكن أن يكون القائل بالأعمّ غير قائل بالانحلال، بل القول بالبراءة أو الاحتياط مبنيّ على صحّة الانحلال و عدمها في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين.
و أمّا الثاني: فلأنّه مبني على كون الجامع بين أفراد الصحيح أمراً بسيطاً حاصلًا من الأجزاء و الشرائط، و يكون كلّ من المحصِّل و المحصَّل موجوداً في الخارج بحياله و استقلاله كما هو الحال في الطهارة الحدثية المسببة من الوضوء و الغسل و التيمّم. فحينئذ، يكون المحكّم عند الشكّ هو الاشتغال، مثلًا بأن يقال في المقام: إنّ الموضوع هو» عنوان الناهي عن الفحشاء «أو يقال بأنّ الموضوع، هو: مفهوم الصحيح، لا مصداقه. و على ذلك، فلا مناص عن الاشتغال للشكّ في امتثال المأمور به المعلوم مفهوماً.
و أمّا إذا كان الجامع، على القول بالصحّة، أمراً مركّباً ذا أجزاء و شرائط، و ذا أبعاض، فالشكّ في جزئية شي ء أو شرطيته، يرجع إلى الشكّ في تكليف زائد لأنّ الجامع عبارة عن مجموع الأجزاء على نحو اللابشرط من جانب الزيادة، فصدق الجامع على الفاقد من الجزء المشكوك ليس أمراً مشكوكاً فيه بل أمر متيقّن بل الشكّ في كون الواجب هو الأقلّ أو الأكثر، فلو قلنا بالانحلال فيهما، يكون المرجع إلى البراءة، و إلّا فلا, و
ص: 91
الحاصل هو عدم ملازمة القول بالأعمّ، للبراءة، و عدم ملازمة القول بالصحّة، للقول بالاحتياط.
و لا يتوهم: إنّ المسمّى على الصحيح، ملازم لأحد العناوين التي منها «النهي عن الفحشاء» ، و «عمود الدين» و عنوان الصحيح. فمع الشكّ في الشرطية و الجزئية و إجراء البراءة، يشكّ في تحقّق هذه العناوين و مع الشكّ فيها، يشكّ في امتثال المأمور به.
و ذلک: لإنّ الواجب على المكلّف في دائرة المولوية و العبوديّة هو الإتيان بما وقع تحت دائرة الطلب، و هو الأجزاء و الشرائط المعلومة. و أمّا سائر العناوين الملازمة، أعني الأغراض الداعية أو الآثار المترتبة فلا وجه لتحصيل العلم بتحقّقها .
الثمرة الثالثة: في مورد النذر
إذا نذر الرجل أن يعطي درهماً للمصلّي، فعلى القول بوضعها للصحيح لا يجب له أن يعطي إلّا من صلّى صحيحاً، بخلافه على القول بالأعم، فيجب له إعطاء كلّ منهما.
و فيه: أنّ وجوب الإعطاء تابع لنيّة الناذر، لا لكيفية الوضع، فلو نوى أن يدفع الدرهم لمن صلّى صلاة صحيحة، لما وجب له الدفع لمن يصلّي صلاة فاسدة، و إن كان الوضع للأعم. كما أنّه لو نوى الإعطاء لمطلق من يصلّي سواء كانت صلاته صحيحة أم فاسدة، يجب له إعطاؤه، و إن كان الوضع للصحيح.
الثمرة الرابعة: صحّة صلاة الرجل عند المحاذاة مع المرأة
ربّما يقال: إنّه تظهر الثمرة فيما إذا ورد النهي عن محاذاة المرأة للرجل في حال الصلاة و علمنا بفساد صلاة المرأة، فعلى القول بوضعها للصحيح، تصحّ صلاة الرجل و لا
ص: 92
يشملها النهي، بخلاف ما إذا قلنا بأنّها للأعم، فيشملها النهي.(1) و مثلها، إقامة صلاتي جمعة في أقلّ من فرسخ مع بطلان إحداهما.
و يرد عليه: مضافاً إلى أنّ النهي عن المحاذاة منصرف إلى الصلاة الصحيحة سواء كان لفظ الصلاة موضوعاً للصحيح منها أو للأعمّ , و مثلها، إقامة صلاتي جمعة في أقلّ من فرسخ مع بطلان إحداهما.
و الحاصل: أنّه ليس للمسألة ثمرة لا اصولية و لا فقهية, أمّا الأُولى فقد عرفت الجواب عنها مع أنّها عقيمة على المختار في كون ألفاظ العبادات حقائق عرفية, و أمّا الأخيرتان مع کونهما فقهيتين فقد عرفت عدم الثمرة فيهما, و أمّا إجراء البراءة، فقد عرفت أنّه غير مترتّب على القول بالأعم، كما أنّ الاشتغال غير مترتّب على القول بالصحيح، بل مترتّب على النزاع المعروف في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين .
اقول: تارة يقع البحث عن خصوص الموضوع له الفاظ العبادات و اخری عن الفاظ المعاملات فهاهنا امران:
احتجّ القائل بانها موضوعة للصحيح بوجوه نذكر بعضها:
ص: 93
الأوّل: التبادر، و دعوى انّ المنسبق إلى الأذهان منها بل و من عامة الالفاظ هو الصحيح بمعنی ما يصدق و ينطبق عليه اللفظ ، و هذا امر واضح لدی اهل کل لغة و لا يتبادر الی اذهانهم ان الفاسد منها من مصاديقها و مسمياتها الّا مسامحة و مجازا , نعم في خصوص مفهوم الصلاة حيث انه مجمل عند المحقّق الخراساني(1) اُورِد عليه إشكال يختص بمقالته و مقالة من تبعه من القائلين بإجمال مفهوم الصلاة، و انّها لا تعرف إلّا بآثارها.
و حاصل الإشكال انّه: كيف يمكن الجمع بين تبادر الصحيح و القول بإجمال مفهومها و عدم تبيّنها؟ فأجاب عنه بقوله: و لا منافاة بين دعوى ذلك و بين كون الألفاظ على هذا القول مجملات، فانّ المنافاة إنّما تكون إذا لم تكن معانيها على هذا الوجه مبينة بوجه، و قد عرفت كونها مبينة بغير وجه.
و اجيب أوّلًا: أنّ تبادر الصحيح بمعرفية بعض الآثار، يلازم عدم تبادر شي ء من حاق اللفظ أصلاً، و رجوع هذا الدليل إلى الدليل الثالث المذكور في كلامه و هو التعرّف على معنى الموضوع له من خلال آثاره و يعلم ذلك بملاحظة أمرين:
أ: التبادر عبارة عن فهم المعنى من ذات اللفظ و حاقه بلا استعانة بقرينة خارجية أو من آثاره و خواصّه.
ص: 94
ب: انّ اللفظ في هذه المرحلة حسب فرض المستدلّ مجمل، مغمور في الإبهام لا نعرف منه شيئاً، و إن كان الإجمال زائلًا بملاحظة آثاره و خواصّه.
فنقول: إنّ ادّعاء تبادر الصحيح على الافتراض الأوّل غير ممكن، لأنّ المفروض أنّ اللفظ مجمل فيها، و مهما رجع العارف باللسان إلى ارتكازه لا يتبادر منه شي ء.
كما أنّ تبادر الصحيح منه على الافتراض الثاني و إن كان أمراً ممكناً لكنّه يرجع إلى الدليل الثالث، و هو التعرف على الموضوع من حيث السعة و الضيق من خلال آثاره كمعراج المؤمن(1).
قلت: الاشکال وارد علی المحقق الخراساني لانه ربط التبادر بمعرفة الشيء و لو بواسطة اثاره او بعض لوازمه الّا انه يرد عليه و علی المستشکل انه لا علاقة بين اجمال ماهيته و تبادر الصحيح منه و ذلک لعلمنا بان الواضع لم يجعل هذا اللفظ للفاسد و لا يريد به غير الصحيح و هذا امر واضح وجداناً و عليه اهل اللغة .
و ثانياً: انّ الدليل لا يثبت إلّا كون الصحّة متبادراً في هذه الظروف، و أمّا كونها كذلك في عصر النبي و بعده فلا يثبت بهذا النوع من التبادر.
و فيه: ما تقدم من أصالة عدم النقل التي عليها بناء العقلاء و التي من لوازمها كون المتبادر اليوم هو المتبادر في عصر النبي، نعم لا يكون التبادر دليلاً مستقلاً بل بضميمة أصل عقلائي آخر.
الثاني: صحّة السلب عن الفاسد، بسبب الإخلال ببعض أجزائه و شرائطه بالمداقة و إن صحّ الإطلاق عليه بالعناية، فيقال الصلاة الفاسدة ليست بصلاة.
و فيه: ما تقدم من رجوع هذه العلامة الی التبادر .
ص: 95
الثالث: الأخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص و الآثار للمسمّيات مثل الصلاة عمود الدين أو معراج المؤمن و الصوم جنّة من النار إلى غير ذلك، أو نفي ماهياتها و طبائعها مثل: لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب, و نحوه ممّا كان ظاهراً في نفي الحقيقة بمجرّد فقد ما يعتبر في الصحّة شرطاً أو شطراً، و إرادة خصوص الصحيح من الطائفة الأُولى، و نفي الصحّة من الثانية، خلاف الظاهر لا يصار إليها مع عدم نصب قرينة عليه، بل و استعمال هذا التركيب في نفي الصفة ممكن المنع حتى في مثل لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد, ممّا يعلم أنّ المراد نفي الكمال بدعوى استعماله في نفي الحقيقة في مثله أيضاً بنحو من العناية لا على الحقيقة و إلّا لما دلّ على المبالغة(1).
و فيه: انّ الاستدلال غير تامّ في نفسه. لأنّ أصالة الحقيقة إنّما تجري في إثبات المراد، لا لإثبات الحقيقة في ما إذا علم المراد، كما نحن فيه.
الدليل الرابع: طريقة الواضعين
قال في الکفاية: «رابعها: دعوى القطع بأنّ طريقة الواضعين و ديدنهم، وضع الألفاظ للمركّبات التامّة، كما هو قضيّة الحكمة الداعية إليه، و الحاجة و إن دعت أحيانا إلى استعمالها في الناقص أيضا، إلّا أنّه لا يقتضي أن يكون بنحوالحقيقة، بل و لو كان مسامحة، تنزيلا للفاقد منزلة الواجد، و الظاهر أنّ الشارع غير متخطّ عن هذه الطريقة»(2) قلت: و الامر کما افاد فانا لا نحتمل الوضع للاعم .
في بيان أدلّة القول بالأعم
استدلّ القائل بالأعم بوجوه:
ص: 96
الأوّل: التبادر
الثاني: عدم صحّة سلب الصلاة عن الفاسدة
يلاحظ عليهما انّهما دليلان وجدانيان لا برهانيان، و نحن ندعي ان الوجدان شاهد للصحيحي کما تقدم.
الثالث: صحّة التقسيم إلى الصحيحة و الفاسدة
إنّ صحّة تقسيم الصلاة إلى الصحيحة و الفاسدة آية كونها اسماً للأعم، و ذلك لأنّ المقسم يجب أن يكون موجوداً في جميع الأقسام و إلّا لما صحّ التقسيم .
و أجيب عن الاستدلال بأنّ الاستعمال لا يكون دليلاً على الحقيقة بل هو أعمّ من الحقيقة و المجاز. خصوصا مع الحاجة للتقسيم المزبور لاجل بيان حكم الفردين فعبروا عنها بالصحيح و الفاسد .
الرابع: حديث الولاية
قال الإمام الصادق عليه السلام : بني الإسلام على خمس: الصلاة، و الزكاة، و الحجّ، و الصوم، و الولاية، و لم يناد أحد بشي ء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بالأربع و تركوا هذه، فلو أنّ أحداً صام نهاره و قام ليله و مات بغير ولاية لم يقبل له صوم و لا صلاة.(1)
.
وجه الاستدلال: أنّه لو كانت أسماء العبادات أسامي للأعم لصحّ وصفهم بالأخذ بالأربع، و أمّا على القول بوصفها للصحيح فلا يتم لهم الأخذ مطلقاً لا الأربع و لا الولاية.
و اجيب: أنّ الاستدلال غير تام على كلا القولين، سواء أقلنا بصحّة عباداتهم لكن مع عدم ترتب الثواب عليه، أو ببطلان عباداتهم.
ص: 97
أمّا على الأوّل: فالأخذ يحمل على الحقيقة، فقد أخذوا بالأربع حقيقة، لأنّ المفروض صحّة عباداتهم، و أمّا على الثاني فالمراد من أخذهم هو أخذهم بهاحسب اعتقادهم لا حسب الواقع، و قد عقد صاحب الوسائل باباً أسماه بطلان العبادة بدون ولاية الأئمّة عليهم السلام(1), أورد روايات تناهز تسع عشرة رواية، أكثرها دالة على صحّة عباداتهم و لكن لا تقبل و لا يترتب عليها الثواب فلاحظ رقم 2، 4، 5، 7، 8 و غيرها، و على ذلك فيكون الأخذ على وجه الحقيقة.
الخامس: الحديث النبوي، فروي عنه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال لجارية كانت تعرف أيام حيضها: دعي الصلاة أيام أقرائك.(2) .
وجه الاستدلال: انّه لو لم يكن المراد منها الفاسدة لما صحّ النهي عنها لعدم قدرة الحائض على الصحيحة منها.
و فيه: أنّه إنّما يتم إذا كان النهي مولوياً فيشترط فيه أن يكون المتعلّق مقدوراً، و الصحيح ليس بمقدور، و أمّا إذا كان إرشادياً إلى المانعية فلا يشترط فيه التمكّن لأنّ النهي لأجل بيان المانعية. و المراد إرشادها إلى أنّ الصلاة لا تجتمع مع الحيض.
السادس: انّه لا شبهة في صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في مكان تكره فيه، و حصول الحنث بفعلها، و لو كانت الصلاة المنذور تركها خصوص الصحيحة لزم إشكالان:
الإشكال الأوّل: عدم إمكان حنث الحلف، لأنّ الحنث يتحقّق بالصلاة الصحيحة، و هي غير مقدورة بعد نهي الشارع.
ص: 98
الإشكال الثاني: يلزم المحال، لأنّ المنذور حسب الفرض تعلّق بالصحيحة، و مع النذر لا تقع صحيحة، فيلزم من فرض تعلّق النذر بالصحيحة عدم صحّتها.
أقول: إنّ الإشكال لا علاقة له بالصحيحي بل هو مشترك بين الصحيحي و الأعمّي، لأنّ متعلّق النذر على كلا القولين هو الصحيح لا الأعم، لأنّ المنذور ليس ترك الأجزاء الرئيسية، و لا الصورة المعهودة المشتركة بين الصحيح و الفاسد، فما هو الجواب عند الأعمّي هو الجواب عند الصحيحي.
و اما حکم هذه المسألة الفقهية - و نکتفي بما هو المختار عندنا - فهو أنّ النذر صحيح و الصلاة صحيحة بالفعل و الحنث واقع.
أمّا الأوّل: فلما عرفت من وجود الحزازة في الصلاة المأتي بها في الحمام لمرسلة ابن ابي عمير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام «قال: عشرة مواضع لا يُصلَّى فيها الطّين و الماء و الحمَّام و القبور و مسانُّ الطُّرق و قرى النَّمل و معاطن الإبل و مجرى الماء و السَّبخ و الثَّلج»(1) فيصحّ تعلّق النذر بتركها كما يصحّ تعلّق النذر بترك سائر المكروهات.
و أمّا الثاني: أي كون الصلاة صحيحة بالفعل فلتعدد متعلّق الأمر في الصلاة و النهي عن الحنث، فالأمر تعلق بطبيعة الصلاة بما هي هي من دون أن يتعدّى الأمر عن متعلقه إلى شي ء آخر، كما أنّ النهي تعلّق بعنوان الحنث، فالصلاة المأتي بها في الحمام مصداق ذاتي للصلاة و مصداق عرضي للحنث، و سيأتي صحة القول بجواز اجتماع الأمر و النهي بين عنوانين بينهما من النسبة عموم و خصوص من وجه، فالصلاة المأتي بها مصداق للواجب بالذات كما هي مصداق بالعرض للمنهي عنه.
ص: 99
و أما الثالث: أي تحقّق الحنث لأنّ المفروض هو جواز اجتماع الأمر و النهي على شي ء و عدم مزاحمة الأمر للنهي، فهو صحيح بالفعل و قد حنث به نذره.
نعم بناءً علی امتناع اجتماع الامر و النهي ينحل نذره لتعلقه بغير المقدور .
إلى هنا تمّت أدلة القائلين بالأعم، و قد عرفت سقم الجميع و عدم نهوضها على المدّعى .
قال في الكفاية: «إنّ أسامي المعاملات إن كانت موضوعة للمسبّبات فلا مجال للنزاع في كونها موضوعة للصحيحة أو الأعمّ، لعدم اتّصافها بهما كما لا يخفى، بل بالوجود تارة و بالعدم اخرى, و أمّا إن كانت موضوعة للأسباب، فللنزاع فيه مجال»(1).
اقول: اما المسببات - و هي الامور الاعتباريّة التي تترتّب على العقد و توجد به كالملكيّة و الزوجيّة المعتبرة عند العقلاء كما قالوا في تعريف الإنشاء بأنّه استعمال اللّفظ بداعي إيجاد المعنى في عالم الاعتبار العقلائي. فالمسبّب هوالموجد في عالم الاعتبار العقلائي باستعمال اللّفظ – فالامر کما افاد و ذلك لأنّ المسبب أمر بسيط دائر أمره بين الوجود و العدم، فالعلقة الحاصلة في البيع و النكاح إمّا متحقّقة أو غير متحقّقة، و لا معنى لأن تكون متحقّقة فاسدة، و هذا شأن الأُمور الاعتبارية البسيطة و هي بين الوجود و العدم و لا واسطة بينهما، فعلى هذا لو عقد بالفارسية أو كان العاقد غير بالغ، فعلقة الزوجية إمّا موجودة فتكون صحيحة، أو غير موجودة.
ص: 100
و اما لو قلنا بوضعها للأسباب فذکر ان للنزاع فيه مجالا، و ذلك لأنّ الأسباب مركبة من أجزاء و شرائط كشرطية تقدم الإيجاب علی القبول مثلا مع صدورهما من عاقل بالغ إلى غير ذلك من الشروط، فيمكن أن يقال بأنّه هل وضعت للمركّب التام من الأسباب عند العرف ام للأعم؟
و فيه: انّ النزاع لا يجري فيها ايضا و ذلك لأنّ أمر الاعتبار يدور أمره بين الوجود و العدم، فلو كانت العربية معتبرة في العقد عند المعتبر يختصّ اعتبار السببية بها، و لا يكون غيرها سبباً أصلاً، لا انّه يكون سبباً فاسداً لأنّ معناه انّه اعتبره لكن بوصف الفساد، و هو بعيد عن عالم الاعتبار، فانّه لو ترتب الأثر عليه، يكون معتبراً، و إلّا فلا يعتبره .
و بذلک يظهر ان اسماء المعاملات مختصة بالصحيح دون الاعم و حيث انها امضائية فهي موضوعة و مستعملة في الصحيح عند العرف، و أنّ اختلاف الشرع و العرف في اعتبار سبب و عدمه يرجع إلى الوحدة في المفهوم و الاختلاف في المصداق, قال في الکفاية: «لا يبعد دعوى كونها موضوعة للصحيحة أيضاً و انّ الموضوع له هو العقد المؤثر لأثر كذا شرعاً و عرفاً، و الاختلاف بين الشرع و العرف فيما يعتبر في تأثير العقد لا يوجب الاختلاف بينهما في المعنى، بل الاختلاف في المحققات و المصاديق و تخطأة الشرع العرف في تخيّل كون العقد بدون ما اعتبره في تأثيره، محقِّقاً لما هو المؤثر كما لا يخفى(1).
فان قلت: إذا كان المعتبر أمراً تفصيلياً مثل: الإيجاب و القبول اللفظيين المتعاقبين الصادرين من بالغ عاقل، فعندئذ يكون عدم اعتبار جزء من أجزاء هذا المعتبر اختلافاً في نفس المعتبر، لا وحدة في المعتبر و اختلافاً في المصداق.
ص: 101
أضف إلى ذلك أنّ التخطأة في المصداق إنّما تصحّ في الأُمور التكوينية التي يكون لها واقع محفوظ فبالقياس إليه يشار إلى أنّ هذا مصداق له و ذاك ليس بمصداق كقوله عليه السلام في الصحيح «الفقاع خمر، و قال هي خميرة استصغرها الناس»(1), و أمّا الأُمور الاعتبارية التي لا واقع محفوظ لها، و انّ محورها نفس الاعتبار، فلا يصحّ لمعتبِر أن يخطِّئ اعتبار معتبر آخر. لأنّ لكلّ معتبر سلطاناً في عالم الاعتبار حسب معاييره(2).
قلت: الکلام في اسامي الفاظ المعاملات و لا شک انها عرفية و ان الشرع المقدس امضاها و أنّه ليس للشارع في باب المعاملات دور, فالأسباب و المسببات و وضع اللفظ في مقابل الأسباب كلّها من العرف و العقلاء، و عندئذ فإذا قال الشارع: أوفوا بالعقود فمعنى ذلك أوفوا بالأسباب الصحيحة العرفية، و لا اعتبار للشرع خارج ما عليه العرف و ان اضاف اليها شرطا او قيدا .
و اما دعوی اختصاص التخطأة في المصداق في الأُمور التكوينية التي يكون لها واقع محفوظ دون الاعتبارية لانها لا واقع محفوظ لها، و انّ محورها نفس الاعتبار ففيها: ان الشرع المقدس لما امضاها بقوله تعالی ﴿اوفوا بالعقود﴾ فقد جعل لها من الاعتبار ما نفس ما هو المجعول من العقلاء و بهذا المعنی تصح التخطأة .
ص: 102
و اما وجه التمسّك بالإطلاقات و الأدلّة الإمضائية بعد القول بأنّ أسماء المعاملات وضعت عند العرف للصحيح دون الأعم، في مقام الشك في التخصيص أو اعتبار قيد أو شرط، فيقع البحث في مقامين:
المقام الأوّل: فيما لو قلنا بأنّ ألفاظ المعاملات وضعت للأسباب الصحيحة عرفاً فهل يجوز التمسّك بالإطلاق أو لا؟
و بعبارة أُخرى: إذا قلنا بأنّ ألفاظ المعاملات أسام للأسباب الصحيحة، فهل يكون ذلك مانعاً من التمسك بإطلاقات الأدلة الإمضائية عند الشكّ في صحّةسبب و فساده، كتقدم القبول على الإيجاب مثلا، أو إجراء الصيغة بلفظ المضارع مثلا, أو لا؟
الحق هو أنّ الشک لا يكون مانعاً من التمسّك بها, کما صرح بذلک المحقّق الخراساني من اتفاق العرف و الشرع فيما هو السبب للملكية أو علقة الزوجية، و ذکر إنّ الاختلاف يرجع إلى التخطأة في المصداق، لأنّ إطلاقها لو كان مسوقاً في مقام البيان يُنزَّل على أنّ المؤثر عند الشارع هو المؤثر عند العرف و لم يعتبر في تأثيره عنده غير ما اعتبر فيه عندهم، كما ينزل عليه إطلاق كلام غيره حيث إنّه منهم، و لو اعتبر في تأثيره ما شك في اعتباره كان عليه البيان و نصب القرينة عليه، و حيث لم ينصب بَانَ عدم اعتباره عنده أيضاً، و لذا يتمسّكون بالإطلاق في أبواب المعاملات مع ذهابهم إلى كون ألفاظها موضوعة للصحيح(1).
و اما ما يظهر من الشيخ الأعظم في موضع من المکاسب في آخر تعريف البيع الاشکال في صحة التمسک بالاطلاق حيث قال: و يشكل بأنّ وضعها للصحيح يوجب عدم جواز
ص: 103
التمسّك بإطلاق نحو «أحل اللّه البيع» و إطلاقات أدلة سائر العقود في مقام الشك في اعتبار شي ء منها مع أنّ سيرة علماء الإسلام التمسّك بها في هذه المقامات(1).
ففيه: مضافا الی انه لم يذکر وجه الاشکال انه قال في موضع اخر بصحة التمسک بالاطلاقات حيث قال: و أمّا وجه تمسّك العلماء بإطلاق أدلة البيع و نحوه فلأنّ الخطابات لما وردت على طبق العرف، حُمِل لفظ البيع و شبهه في الخطابات الشرعية على ما هو الصحيح المؤثر عند العرف، أو على المصدر الذي يراد من لفظ (بعت) فيستدل بإطلاق الحكم بحله أو بوجوب الوفاء على كونه مؤثراً في نظر الشارع أيضاً(2).
و الحاصل: انّ المهم في المقام هو أنّ القول بوضع الألفاظ للصحيح لا يوجب إجمال الأدلة الإمضائية، و لو قلنا بالإجمال في العبادات على وجه الفرض فلا نقول به في المقام لما عرفت من أنّه ليس للشارع دور في اختراع المعاملات و لا أسبابها و لا في وضع ألفاظها لها، بل كلّها بيد العرف غير أنّ الشارع إذاتكلم إنّما يتكلم بلسان العرف، فإذا أمضى العنوان الذي هو اسم للسبب الصحيح عرفاً يكون معناه أنّه كذلك عند الشرع، فإذا شكّ في سببية شي ء كعقد غير البالغ، فلو كان سبباً عرفاً نستكشف انّه أيضاً سبب شرعاً، و إلّا كان عليه التصريح بعدم السببية كما صرح في باب الطلاق و عيّن السبب المعيّن و هو أن يقول المطلّق: أنت طالق .
هذا مضافا الی الإطلاق المقامي، فانه تامّ مع الغضّ عن الإطلاق الكلامي، فلو تنزّلنا عن الاطلاق اللفظي و أبينا إلّا عن حمل البيع في قوله تعالى: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيع﴾ على البيع المؤثّر في الملك الشرعي، يؤول أمر الكلام معه إلى الإجمال، و لا بأس حينئذ بالتمسک
ص: 104
بالإطلاق المقامي، لعدم إتيان الشارع ببيان يعيّن المصاديق، مع وجود التعيين الجليّ و الحكم الواضح من العرف، فيستكشف منه جعل المرجعيّة للعرف في تعيين المصاديق. و له نظائر في الفقه، منها باب الطهارة و النجاسة، كالحكم بعدم السراية من السافل إلى العالي و تقوّي السافل بالعالي، فإنّهما مأخوذان من العرف و يحمل الكلام عليه بالإطلاق المقامي لسكوته عن بيان الخصوصيّات المبتلى بها في مقام البيان.
المقام الثاني: إذا قلنا بوضعها للمسببات، أعني: الملكية الحاصلة من العقد، و علقة الزوجية الحاصلة من الإيجاب و القبول، فهل اتّصافها بالصحّة و الفساد يؤدّي إلى الإجمال ام لا؟
الحقّ هو الثاني، لما تقدّم سابقا من أنّ المقصود من الصحّة، هي الصحّة العرفيّة، فحيث إنّ الإمضاء وارد على الصحيح العرفي، يكون كلّ قيد زائد عليه شكّ في دخالته في ترتّب الأثر الشرعي عليه، منفيّا بالإطلاق. نعم، كلّ ما شكّ في تقوّم الصحّة العرفيّة به يكون الدليل مجملا بالنسبة إليه، و المرجع فيه، اصالة عدم النفوذ المعبر عنها بأصالة الفساد المطّردة في باب المعاملات
و قد يتوهّم الإجمال فيما لو كانت أسامي المعاملات أسامي للمسبّبات، بدعوى انّ الإمضاء الشرعي المتوجّه إلى المسبّب، لا يدلّ على إمضاء أسبابه لعدم الملازمة بين إمضاء المبادلة و التمليك و التملّك في البيع، و بين إمضاء أسبابه من المعاطاة أو البيع الفارسي، و أدلّة الإمضاء في الآيات و الروايات ناظرة إلى إمضاء المسبّبات، ضرورة أنّ الحلّيّة في قوله تعالى ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ متوجّهة نحو المبادلة التمليكيّة، و أمّا نفس إنشاء الصيغة، فلا لحلّيتها وحرمتها، و عليه، فلو شككنا في ترتّب المسبّب على سبب ما
ص: 105
كالمعاطاة، فمقتضى الأصل عدم ترتبه. إلّا إذا كان السبب المحتمل سببيّته منحصرا بواحد فإنّ امضاء مسبّبه يستلزم إمضاء ذلك السبب.
لکن ذهب المحقّق النائيني إلى القول الاول، و حاصل كلامه: أنّ إمضاء المسبب كما هو مفروض الکلام لا يكون دليلًا على إمضاء السبب، فقال: انّه إذا كان إمضاؤه للمسببات أي للمعاملات التي هي رائجة عند العرف كالزوجية و المبادلة، مع قطع النظر عن الأسباب التي يتوسل بها إليها، كما في قوله تعالى: ﴿وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا﴾ فانّه في مقام بيان أنّ المعاملات الربوية من دون نظر إلى الأسباب غير ممضاة في الشريعة، بخلاف المعاملة البيعية، فالإطلاق لو كان وارداً في هذا المقام فلا يدل على إمضاء الأسباب العرفية، و ذلك لعدم الملازمة بين إمضاء المسبب و إمضاء السبب، إلّا فيما إذا كان له سبب واحد فانّ إمضاءه لمسببه يستلزم إمضاءه لا محالة و إلّا كان إمضاؤه لغواً، و كذا فيما إذا لم يكن في البين قدر متيقّن فإنّ نسبة المسبّب حينئذ إلى الجميع على حدّ سواء فلا يمكن الحكم بإمضاء بعض دون بعض، و في غير هاتين الصورتين لا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن و في الزائد يرجع إلى أصالة العدم(1).
و فيه: اولا: انه بعد فرض إمضاء الشرع المقدس للمسببات فهنالک ملازمة عرفية بينها و بين الأسباب، و الملازمة و إن لم تكن عقلية لكنّها ملازمة عرفية فإمضاء المسبب العرفي و الذي له سبب عرفي، يلازم إمضاء الثاني.
و ثانيا: التمسّك بالإطلاق المقامي، و حاصله: أنّ كلّ شي ء لا يلتفت إليه غالب الناس لو كان معتبراً كان على الشارع التنبيه عليه، و إلّا لزم نقض الغرض، فمثلاً: أنّ العرف يرى تحقّق المنشأ في باب الطلاق بأي صيغة اتفقت، مثل قوله: أنت خلية ، و أنت برية ، و
ص: 106
لكن الشارع لا يرى السبب إلّا قوله: أنت طالق, فإذا أمضى الشارع المسبب العرفي کالطلاق العرفي و كان هناك اختلاف بين الشرع و العرف في السبب نبّه عليه كما قال: إنّما الطلاق أن تقول: أنت طالق (1), و حيث لم يرد في باب المعاملات بيان خاص بالنسبة إلى السبب يستكشف من سكوت الشارع عدم اعتبار سبب خاص، و انّ السببالفعلي كالسبب القولي، و هذا نظير قصد الوجه و التمييز اللّذين يدّعيهما ابن إدريس في امتثال الواجبات، و المشهور لم يقل بوجوبهما و ذلك تمسكاً بإطلاقات أدلّة الصلاة، لأنّ قصد الوجه و التمييز من الأُمور العقلية التي لا يلتفت إليهما غالب الناس فلو كان واجباً كان على الشارع التنبيه عليها، و مثله المقام .
هل أسماء المعاملات موضوعة للأسباب أو للمسببات؟ و هذه مسألة صغروية و فقهية .
و الجواب تابع لظهور الأدلّة و هي على قسمين:
الاول: ما يكون العنوان اسماً للسبب مثل قوله تعالی: ﴿أَحلَّ اللَّه البيع و حرم الربا﴾)(2) بناءً علی انه في مقام بيان حلية هذا السبب بقرينة عدم حلية الربا, نعم لو کان قوله تعالی ظاهرا في بيان حلية ما يحصل بالبيع لا بالربا کان من امثلة القسم الثاني کما استظهره
ص: 107
البعض , و كما هو الحال في قوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾(1) فالإمضاء يتعلّق بالأسباب.
فانّ العقد عبارة عن شدّ الحبلين، و استعير في الآية للإيجاب و القبول، فتكون الآية ظاهرة في إمضاء الأسباب فيؤخذ بإطلاقها في كلّ ما يراه العرف سبباً إلّا إذا قام الدليل على إلغاء سببيته.
و ما ربما يقال من أنّ العقد هو العهد المشدد فلا يصدق إلّا في الأيمان و الأقسام، في غير محله، لقوله سبحانه ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاح﴾(2) فالعقدة في الآية بمعنى الإيجاب و القبول المعبّر عنهما بالعقد .
و ربما يقال بأنّ الآية ناظرة إلى إمضاء المسببات، لأنّها تأمر بالوفاء بالعقود و الوفاء إنّما يتصوّر في أمر باق و ما هو الباقي هو المسبب دون السبب فانّه أمر آني.
ففيه: أنّ الأسباب کما يکون لها حالة حدوث فلها حالة بقاء في عالم الاعتبار بشهادة أنّه ربّما يتعلّق بها الفسخ.
2. ما يكون العنوان ظاهراً في المسبب مثل ما روي عنه (صلي الله عليه و آله) «النكاح سنّتي»(3) و ما روي من قوله (صلي الله عليه و آله): «الطلاق بيد من أخذ بالساق»(4), و قوله عليه السلام: «الصلح جائز بين المسلمين»(5).
ص: 108
اتّفقت كلمة علماء الأُصول على أنّ المشتق حقيقة في المتلبّس بالمبدإ، و مجازٌ فيما يتلبس به في المستقبل، و اختلفوا فيما انقضى عنه المبدأ، و مثال الجميع أن تقول: (أكرم العالم) و تريد به العالم في الحال أو من كان عالما فزال علمه بالنسيان، و صار جاهلا، أو الطالب الذي ليس بعالم فعلا، و يصير عالما في المستقبل. هذا إذا كان حال النطق و التلبّس واحدا، و أمّا إن كان متعدّدا، فالعبرة بزمان التلبّس دون النطق. كأن تقول: «زرت زيدا في الجمعة الماضية قادما من السفر»، فإن كان قادما في ذلك اليوم كان من المتلبّس في الحال، و إن كان قادما قبله أو بعده، كان من المنقضي أو المتلبّس في المستقبل، و قبل الدخول في الموضوع، نقدّم أُموراً:
معنى المشتق عند النحويين هو عبارة عن أخذ اللفظ من لفظ آخر، و أمّا المشتق في لسان الأُصوليين فهو عبارة عمّا يجري على الذوات باعتبار كونها واجدة للمبدء و اتحادها معه بنحو من الاتحاد.
و بذلك يعلم أنّ النسبة بينهما عموم و خصوص من وجه، فالأفعال قاطبة ماضيها و مستقبلها و أمرها، و إن كانت مشتقة عند النحويين لكنّها خارجة عن تعريف المشتق عند الأُصوليين، لأنّ الأفعال تدلّ على قيام مبادئها بالذات، قيام صدور أو حلول أو
ص: 109
طلب فعل أو طلب ترك، و لا تدل على وصف الذات بها، و نظير الأفعال المصادر المجرّدة و المزيدة لعدم جريها كالأفعال على الذوات بنحو الهوهوية، بل هي تدل على نفس المبادئ.
كما أنّ بعض الجوامد الذي يجري على الذوات، و ينتزع منه باعتبار اتحاده بالمبدء كالزوج و الرق و الحرّ، داخل في تعريف المشتق عند الأُصوليين و خارج عن تعريف المشتق عند النحويين .
و أمّا الاجتماع فيصدقان جميعاً على أسماء الفاعلين و المفعولين و أسماء الزمان و المكان، و أسماء الآلة و الصفات المشبهة و صيغ المبالغة، لوجود الملاك في الجميع و هو: انتزاعها من الذات و حملها عليه.
و بالجملة: الميزان وجود ذات و مبدأ قائم بها، من غير فرق بين القيام الصدوري و الحلولي، أو كون المبدأ فعلًا، أو حرفة، أو ملكة، كما لا فرق بين النسب، أي النسبة القائمة بين الصفات و الذات، سواء أ كانت النسبة ثبوتية، أو تجددية، أو وقوعاً عليه، أو وقوعاً فيه، أو وقوعاً به، أو غير ذلك ممّا يجده الإنسان في أسماء الفاعل و المفعول و الزمان و المكان و الآلة و الصفة.
و استشهد صاحب الکفاية لشمول البحث لبعض الجوامد بما نقله عن إيضاح القواعد لفخر المحققين فيمن كان له زوجتان كبيرتان ارضعتا زوجته الصغيرة، قال: تحرم الأُولى و الصغيرة، و أمّا الثانية فحرمتها و عدمها مبنيّة على كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبّس، أو كونه حقيقة في الأعمّ منه و ممن انقضى عنه المبدأ، فإن قلنا
ص: 110
بالأوّل، لم يصدق على الثانية انّها أُمّ زوجته، بل هي أُمّ البنت، و ليست أُمّ البنت محرّمة، و إن قلنا بالأعمّ، يصدق أنّها أُمّ من كانت زوجته سابقا(1).
اقول: اما الکلام في تحريم المرتضعة أوّلاً، و الكبيرة الأُولى ثانياً، و الكبيرة الثانية ثالثاً فللمسألة المبحوث عنها في المقام صور:
الأولى: أن يدخل الزوج بكلتا الكبيرتين.
الثانية: أن لا يدخل بواحدة منهما.
الثالثة: أن يدخل بالمرضعة الأولى دون الثانية.
الرابعة عكس الثالثة.
الصورة الاولی: و هي دخول الزوج بكلتا الكبيرتين، فحكمها بالنسبة إلى المرتضعة هو الحرمة، لصيرورتها بنته من الرضاعة ان كان اللبن منه، و ربيبته من الزوجة المدخول بها ان كان اللبن من غيره, و لا تبتني حرمة المرتضعة على نزاع المشتق أصلا، لاتصافها فعلًا بكونها بنتاً له ان كان اللبن منه، و بنتاً للزوجة المدخول بها ان كان اللبن من غيره، و من المعلوم: حرمة الربيبة مؤبداً بالدخول بأمّها، و لا يقدح مقارنة حدوث أمومة المرضعة لارتفاع زوجيتها و كونهما في رتبة واحدة، لترتبهما معاً على الرضاع، لأنّه لا يعتبر في حرمة الربيبة بقاء الأم على الزوجية، بل يكفي في حرمتها اتصاف أمّها بالزوجية في زمان مع الدخول بها و لو لم تكن البنت موجودة حال زوجية الأم، بل
ص: 111
تولدت بعد خروج الأم عن الزوجية، كما إذا فارقت الزوج و تزوجت بغيره و ولدت منه بنتاً، فإنّها تحرم على الزوج الأوّل، للنصوص: مثل صحيح محمد بن مسلم قال: «سألت أحدهما عليهما السلام عن رجل كانت له جارية و كان يأتيها فباعها فأعتقت و تزوجت فولدت ابنته، هل تصلح ابنتها لمولاها الأوّل؟ قال عليه السلام : هي عليه حرام»(1) و زاد في طريق آخر بعد قوله هي حرام عليه: «و هي ابنته و الحرة و المملوكة في هذا سواء» و غيره مما هو قريب منه، و استشهد الإمام عليه السلام في بعضها بقوله تعالى: ﴿وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» حيث إنّ الآية الشريفة سيقت لبيان مناط حرمة الربيبة و هو الدخول بأمّها ، و المتحصل هو أنّ حرمة الصغيرة المرتضعة أجنبية عن نزاع المشتق و غير مبنية عليه أصلا، فعدم صدق الزوجة فعلًا على المرضعة لا يضرّ بحرمة المرتضعة قطعاً، هذا حكم المرتضعة.
(و أمّا المرضعة الأولى) فظاهر المشهور حرمتها، بل مقتضى إرسالهم ذلك إرسال المسلّمات هو الاتفاق عليها، فالحكم من حيث الفتوى کانه من المسلمات لكنه من حيث الدليل لا يخلو من اشکال، لاستدلال جملة من الفقهاء رضوان اللَّه عليهم على ذلك بكونها أم الزوجة، فيشملها قوله تعالى: ﴿وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُم﴾ و من المعلوم: أنّ صدق هذا العنوان على المرضعة موقوف على بقاء زوجية المرتضعة بعد حدوث الأمومة للمرضعة، و لا شك في ارتفاعها بالرضاع، و اليک بيان ذلك بوجهين:
ص: 112
الأوّل: انّ المتضائفين متكافئان قوّة و فعلًا، و لا يمكن التفكيك بينهما، وعليه فبنتية المرتضعة و أُمومة المرضعة متضايفتان، لأنّه عند ما صارت المرضعة أُمّاً صارت المرتضعة بنتاً، فهي أُمّ البنت، لا أُمّ الزوجة، و إلّا لزم تفكيك أحد المتضائفين (الأُمومة) عن الآخر (البنتية) .
و الحاصل: أنّ صدق الأُمومة على الكبيرة، و الزوجية على الصغيرة غير معقول، لعدم صحّة انفكاك أحد المتضائفين (الأُمومة) عن المتضائف الآخر (البنتية) .
الثاني: إنّ زوجية المرتضعة و بنتيّتها، متضادتان شرعاً، فمرتبة البنتية، مرتبة زوال الزوجية، و المفروض أنّها أيضاً مرتبة حصول الأُمومة، فينتج أنّ مرتبة الأُمومة، مرتبة زوال الزوجية فليس لنا زمان و لا مرتبة تضاف فيه الأُمومة إلى الزوجية.
و الحاصل: أنّ مرتبة حصول البنتية و الأُمومة، مرتبة زوال الزوجية، فكيف تكون أُمّاً للزوجة بل تكون أُمّاً للبنت، و أُمّ البنت ليست من المحرمات.
و عليه فصدق أمّ الزوجة فعلا على المرضعة موقوف على وضع المشتق للأعم, و لا يندفع هذا الاشکال فراراً عن الالتزام بوضع المشتق للأعم، بما قاله صاحب الجواهر: من أنّ صدق البنتية للمرتضعة و زوال زوجيتها، و أُمومة المرضعة الأُولى، متّحدات في الزمان، فآخر زمان الزوجية متصل بأوّل زمان حدوث الأُمومة.(1), و ذلک لأنّ الاكتفاء بهذا المقدار، خلاف ظاهر العمومات، فانّ الظاهر من ﴿أُمّهات نسائكم﴾ أن تكون المرأة أُمّاً حقيقة أو تنزيلاًلزوجة فعلية، و أمّا الأُمومة المقارنة لآخر جزء الزوجية الزائلة، فليست داخلة تحتها.
ص: 113
و الحاصل: أنّ الأمومة النسبية للزوجة لا تتخلف عن عنوان الزوجية، فالأم الرضاعية المنزلة منزلتها أيضا كذلك، فإنّ الفرع لا يزيد عن الأصل، و عليه فحرمة المرضعة الأولى فضلاً عن الثانية مبنية على المشتق.
و من المحتمل استناد المشهور في ذلک الی الاجماع الّا انه موهون لتمسك جملة من الأصحاب لحرمة الكبيرة بكونها أمّ الزوجة. نعم يدل على حرمة الكبيرة ما رواه الكليني رحمه الله عن علي بن محمد عن صالح بن أبي حماد عن علي بن مهزيار عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قيل له: إنّ رجلا تزوج بجارية صغيرة فأرضعتها امرأته ثم أرضعتها امرأة له أخرى، فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية و امرأتان، فقال أبو جعفر عليه السلام : أخطأ ابن شبرمة، تحرم عليه الجارية و امرأته التي أرضعتها أوّلا، فأمّا الأخيرة فلم تحرم عليه كأنها أرضعت ابنته»(1) لکنها ضعيفة سنداً، اما علي بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني فلا اشکال من جهته لتوثيق النجاشي له بقوله عقيب اسمه و اسم أبيه و جده «يكنى أبا الحسن ثقة عين» انتهى، و وثقه أيضا في الخلاصة و الوجيزة و البلغة و غيرها، نعم هنا شي ء ربما يوجب التوقف فيه، و هو أنّه استأذن الصاحب عليه الصلاة و السّلام و عجل اللَّه تعالى فرجه الشريف في الحج فخرج «توقف عنه في هذه السنة» فخالف، و قتل بطريق مكة في تلك السنة، و هو محمول علی الصحة فلعله فهم كون النهي إرشادياً أو تنزيهياً لقرائن كانت في البين .
ص: 114
و أنمّا الاشکال في صالح بن حماد أبو الخير الرازي فقد عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الجواد عليه السلام و أخرى من أصحاب الهادي عليه السلام و ثالثة من أصحاب العسكري عليه السلام ، قال النجاشي: «و كان أمره ملتبساً يعرف و ينكر له كتب» انتهى، و قال ابن الغضائري: «صالح بن أبي حماد الرازي أبو الخير ضعيف» انتهى، و توقف العلامة فيه في الخلاصةحيث قال: «و المعتمد عندي التوقف فيه لتردد النجاشي و تضعيف ابن الغضائري له، و في رجال الكشي: «قال علي بن محمد القتيبي سمعت الفضل بن شاذان يقول في أبي الخير و هو صالح بن سلمة أبي حماد الرازي: أبو الخير كما كنّي، و قال علي: كان الفضل يرتضيه و يمدحه» انتهى. و علي بن محمد القتيبي هذا نيشابوري فاضل و هو تلميذ الفضل بن شاذان رحمه الله كما عن رجال الشيخ، و قال النجاشي: «علي بن محمد بن قتيبة النيشابوري عليه اعتمد أبو عمرو الكشي في كتاب الرّجال» قلت: و هذا الاعتماد يکشف عن وثاقته عرفا، و حينئذ فيكون ثقة فيما نقله عن الفضل بن شاذان من مدحه و ارتضائه لصالح بن أبي حماد أبي الخير الرازي, و عليه فيحصل التعارض بين توثيق الفضل له و بين تضعيف ابن الغضائري له, بل و النجاشي لان ظاهره التردد فيه کما فهمه العلامة و هو الظاهر من قوله: «و كان أمره ملتبساً يعرف و ينكر» , لا التوقف حتی يقال «و ليس التوقف جرحاً حتى يندرج المقام في الجرح و التعديل و يقدّم الأوّل على الثاني، و ذلك لأنّ مرجع التوقف إلى عدم العلم، لا إلى الجرح و الذم»(1), و عليه فکلام النجاشي نوع من التضعيف و نتيجة التعارض هو عدم ثبوت وثاقة الرجل . هذا و الاشکالات المزعومة علی رجال ابن الغضائري رحمه الله قد
ص: 115
اجبنا عنها مفصلا(1) ، و الحاصل ان الرواية ضعيفة سندا و هنالک مناقشة اخری فيها ابداها صاحب المسالك «بإرسالها، لأنّ المراد بأبي جعفر المطلق هو الباقر عليه السلام ، مضافاً إلى أنّ قول ابن شبرمة في مقابله، لكونه في زمانه عليه السلام قرينة على إرادة الباقر عليه السلام ، و حيث إنّ ابن مهزيار لم يدرك الباقر عليه السلام فلا محالة يكون هناك إرسال» انتهى ملخصاً و اجاب بعض المحققين علی الاشکال بما لا يخلو من ضعف و عليه فلا يمکن الاعتماد علی الرواية لعدم الوثوق بها الّذي هو مدار الحجية و حينئذ فمقتضى عمومات الحلّ عدم حرمة المرضعة الأولى.
و أمّا المرضعة الثانية، ففي حرمتها خلاف، قال في الشرائع: «و لو كان له زوجتان و زوجة رضيعة فأرضعتها إحدى الزوجتين أوّلا ثم أرضعتها الأخرىحرمت المرضعة الأولى و الصغيرة دون الثانية، لأنّها أرضعتها و هي بنته، و قيل: بل تحرم أيضا، لأنّها صارت أمّا لمن كانت زوجته، و هو أولى»، و عن المسالك: «نسبة التحريم إلى ابن إدريس و المحقق في النافع و أكثر المتأخرين، بل لم يحك القول الأوّل و هو الحلية إلّا عن الشيخ في النهاية و ابن الجنيد»، قلت: و هو ظاهر الكليني ايضا لاعتماده علی خبر ابن مهزيار المتقدم و قد عرفت ضعفه, و الوجه في التحريم ما أشار إليه في الشرائع من أنّ المرضعة صارت بالرضاع أمّ من كانت زوجته فتندرج في أمّهات النساء، و قد ثبت حرمة الأمّ الرضاعية للزوجة كالأم النسبية لها فهي مبتنية على مسألة المشتق و سيأتي اختصاصه بالمتلبس بالحال دمن من انقضی عنه المبدء وعليه فلا تحرم المرضعة الثانية .
(و أمّا الصورة الثانية) و هي عدم الدخول بالكبيرتين، ففيها مقامات ثلاثة:
ص: 116
الأوّل: تحرم عليه الصغيرة المرتضعة مؤبدا إن كان اللبن منه، لصيرورتها بالرضاع بنتا رضاعية له، و جمعا بينها و بين مرضعتها إن كان اللبن من غيره، لأنّ حرمة الربيبة مؤبّدا منوطة بالدخول بأمها المفروض هنا عدمه.
المقام الثاني: لا تحرم المرضعة الأولى، لضعف رواية ابن مهزيار المتقدمة الدالة علی حرمتها إن كان اللبن من هذا الزوج كما هو ظاهر ذيلها، حيث علّل الإمام عليه السلام ذلك بقوله: «لأنّها أرضعت ابنته» و عليه فحرمتها مبنيّة على وضع المشتق للأعم و المختار عدمه ، و إن كان اللبن من غيره، فحرمتها مبنية على الدخول بها المفروض هنا عدمه، أو صدق أمّ الزوجة عليها حقيقة بناء على وضع المشتق للأعم، و المختار عدمه و لا يمكن الاستدلال عليها برواية ابن مهزيار المذكورة، لاختصاص موردها بصورة الدخول، بل و كون اللبن من هذا الزوج.
المقام الثالث: لا تحرم المرضعة الثانية إلّا بناء على وضع المشتق للأعم، لأنّه حينئذٍ يصدق عليها أمّ الزوجة، و أمّا بناء على وضعه لخصوص حال التلبس فلا يصدق عليها هذا العنوان فعلا، بل يصدق عليها أمّ من كانت زوجة له، و هذا المقدار لا يكفي في الحرمة، إذ لو كان اللبن منه فقد أرضعت به بنته التي بطلت زوجيتها بالرضاع الأوّل، و لو كان اللبن من غيره فالمرتضعة و انصارت ربيبة له، إلّا أنّه لمّا كان المفروض عدم الدخول بالمرضعة فلا تحرم عليه إلّا جمعا بينها و بين المرضعة، و قد عرفت تصريح رواية ابن مهزيار المتقدمة - علی القول باعتبارها - بعدم حرمتها، و الّا فتبتني الحرمة على وضع المشتق للأعم.
ص: 117
(و أمّا الصورة الثالثة) و هي ما إذا دخل بالمرضعة الأولى دون الثانية، ففيها أيضا مقامات ثلاثة:
الأوّل: تحرم الصغيرة على الزوج مطلقا سواء كان اللبن منه أم من غيره، لصيرورتها بنتا له على الأوّل، و ربيبة له من زوجته المدخول بها على الثاني.
الثاني: تحرم المرضعة الأولى، لرواية ابن مهزيار المتقدمة اذا قلنا باعتبارها سواء كان اللبن منه أم من غيره. و الّا فتبتني الحرمة على وضع المشتق للأعم.
الثالث لا تحرم المرضعة الثانية سواء كان اللبن من هذا الزوج أم من غيره، إذ على الأوّل لم ترضع إلّا بنت زوجها، حيث إنّ زوجية الصغيرة ارتفعت بالرضاع الأوّل، و إرضاع بنت الزوج ليس محرِّما للمرضعة على زوجها هذا، (و على الثاني) فتبتني الحرمة على وضع المشتق للأعم, لکن حيث لم يدخل بها الزوج فلا تحرم عليه إلّا جمعا.
(و أمّا الصورة الرابعة) و هي ما إذا دخل بالمرضعة الثانية دون الأولى ففيها أيضا مقامات ثلاثة:
الأوّل: تحرم الصغيرة مطلقا سواء أ كان اللبن من هذا الزوج أم من غيره، لصيرورتها على الأوّل بنته بالرضاع، و على الثاني ربيبة له من الزوجة المدخول بها.
الثاني: تحرم المرضعة الأولى مؤبّدا، بناءً علی اعتبار رواية ابن مهزيار المتقدمة إن كان اللبن من هذا الزوج كما تقدم في الصورة الثانية، و لا تحرمان كان اللبن من غيره إلّا
ص: 118
جمعا، لصيرورة الرضيعة ربيبة له من الزوجة غير المدخول بها, و ان لم نقل باعتبارها ابتنت حرمتها على وضع المشتق للأعم.
الثالث: لا تحرم المرضعة الثانية سواء كان اللبن من هذا الزوج أم من غيره، إذ على الأوّل ارتفعت زوجية الصغيرة بالرضاع الأوّل، و صارت بنتا لزوجها، فالمرضعة الثانية أرضعت بنت زوجها كما هو صريح رواية ابن مهزيار المتقدمة علی القول باعتبارها، و هو لا يوجب الحرمة، فلا يصدق عليها أمّ الزوجة حتى تحرم إلّا بناء على وضع المشتق للأعم.
و على الثاني ابتنت حرمة المرضعة الثانية على وضع المشتق للأعم.
ربّما يفصل بين المشتقات فيتوهم أنّ بعضها حقيقة في المتلبّس و البعض الآخر في الأعم، و ذلك فيما لو كان المبدأ فيه حرفة أو قوّة أو ملكة فانّ المشتق يصدق مع عدم التلبّس بالمبدإ و ذلك كالكاتب و المثمر و المجتهد.
و قد أجاب عنه في الکفاية بما حاصله: أنّ اختلاف المشتقات في المبادئ و كون المبدأ في بعضها حرفة و صناعة، و في بعضها قوّة و ملكة، و في بعضها فعلية، لا يوجب تفصيلًا في المسألة، بل يوجب طول التلبّس و قصره حسب اختلاف المبادئ، فلو كانت المادة فعلية يكون المتلبّس أقل مدّة مما إذا كانت المادة حرفة أو ملكة أو قوّة.
ص: 119
توضيح ذلك: أنّ المبدأ تارة يؤخذ على نحو الفعلية كقولنا قائم، و أُخرى على نحو الحرفة كقولنا تاجر، و ثالثة على نحو الصناعة كقولنا: حدّاد و نسّاج، و رابعة على نحو القوّة كالشجر المثمر، و خامسة على نحو الملكة كالطبيب و المجتهد، و سادسة على نحو الانتساب إلى الأعيان الخارجية كقولنا لابن و تامر.
فعند ذلك يختلف واقع التلبّس حسب اختلاف المبادئ، ففي القسم الأوّل: يشترط كونه واجداً للمبدإ فعلاً و لذلك لا يصدق القائم على القاعد.
و في الثاني و الثالث: يكفي اتخاذه حرفة و صنعة ما دام لم يعرض عنهما و إن لم يكن يمارس فعلًا.
و في الرابع: يكفي كونه واجداً لقوة الإثمار في مقابل فقدانها و إن لم يثمر الآن، فالشجرة الواجدة لتلك القوّة شجرة مثمرة حتى في أيام الشتاء. نعم لو زالت قوّة الاثمار لخرجت عن كونها مثمرة. و هكذا الأمر في الخامس و السادس، فما دام الطبيب و المجتهد يملكان ملكة الطبابة و الاجتهاد يصدق عليهما أنّهما طبيب و مجتهد إلّا إذا زالت الملكة.
و إلى ذلك يرجع قول بعضهم من أنّ تلبّس كلّ شي ء بمادة حسب اختلاف المادة. و عند ذلك يقع النزاع في أنّ هيئة المشتق هل رخصت للمتلبّس الذي تقتضيه مادته أو للأعم منه و ممن انقضى عنه المبدأ؟
قلت: و بذلك يعلم أنّ اختلاف كيفية التلبّس لا يوجب اختلافاً فيما هو الملاك غير أنّ الظاهر من المحقّق الخراساني أنّ الاختلاف في كيفية التلبّس ينشأ من جانب المادة كما هو الغالب فيما مضى، و لكنّه ربّما ينشأ من الهيئة و ذلك كما في المفتاح و
ص: 120
المسجد، فانّ المادة فيهما أعني الفتح و السجود من قبيل الفعليات لكن الهيئة وُصفت لما يصلح للفتح أو يكون معداً للسجود و إن لم يفتح به أو لم يسجد فيه.
بل ربّما ينشأ الاختلاف من كيفية الجري، فإذا قلت: هذا المائع سم قاتل، يستفاد منه أنّ المبدأ أخذ بالقوّة، و أمّا إذا قلت، زيد قاتل، فيراد منه أنّه قاتل بالفعل.
قال في الكفاية: «إنّ المراد بالحال في عنوان المسألة هو حال التلبّس، لا حال النطق»(1).
و توضيح المطلب: أنّهم اختلفوا في أنّ المشتقّ حقيقة - في خصوص المتلبّس بالمبدإ - في الحال أو فيما يعمّه و ما انقضى عنه المبدأ . و لا يخفی رجوع الظرف «في الحال» إلى قولهم حقيقةً, و المعنى حينئذ أنّ المشتقّ إنّما يكون موضوعا للمتلبّس إذا كان في حال التلبّس لا بعد انقضاء التلبّس عنه.
و الّا ان كان قولهم «في الحال» ظرفا لقولهم المتلبّس لم يصحّ تفسيره بحال التلبّس؛ لأنّه في قوّة أن يقال المتلبّس في حال التلبّس، و ظرفيّة الشي ء لنفسهضرورية ، و عليه فيتعيّن تفسيره بحال آخر غير حال التلبّس كحال الجري و الإطلاق او حال النطق و هو باطل کما سياتي.
ص: 121
کما و انه ليس المراد من حال التلبس زمان التلبس لأنّ الزمان خارج عن مفهوم المشتقّ بل المراد المتّصف بالمبدء , يعني: أنّ المشتقّ هل وضع لمفهوم لا ينطبق إلّا على المتّصف بالمبدء أو لمفهوم أعمّ منه.
و اما توضيح هذه الحالات الثلاث اعني حال التلبس و حال الجري و الإطلاق و حال النطق فنقول: إن اتفقت هذه الحالات الثلاث كقولنا: «زيد عالم الآن» مع كونه عالماً في حال النطق، فلا خلاف و لا إشكال في كون المشتق حينئذٍ حقيقة، و إن اختلفت: فإن اتفق حالا التلبس و الإطلاق- أي حمل المشتق على الذات- سواء كان زمانهما ماضياً كقولنا: «كان زيد ضارباً أمس» إذا جعل أمس قيداً لكل من التلبس و الجري، أم كان مستقبلا كقولنا: «زيد سيكون غداً ضارباً» إذا جعل غد ظرفاً للإطلاق و الجري معاً ليتحد زمانا التلبس و الإطلاق، فلا إشكال في كون استعمال المشتق حقيقة أيضا، إذ المفروض كون الجري بلحاظ حال التلبس لا حال النطق، فاختلاف حال النطق عنهما غير قادح في كون استعمال المشتق على وجه الحقيقة.
و بالجملة: فالعبرة في كون المشتق حقيقة بالاتفاق هو اتحاد زماني التلبس و الجري، سواء اتحدا مع زمان النطق أيضا- كما مرّ في مثال زيد عالم الآن-، أم اختلفا عنه بأن كانا ماضيين عنه أو مستقبلين إليه كالمثالين المتقدمين» ففي هذه الصور الثلاث يكون استعمال المشتق حقيقة بلا إشكال و لا خلاف و ان اختلف حالا التلبس و الجري، فان اتحد زمانا الجري و النطق و لم يتحقق التلبس بعدُ بأن كان مستقبلًا كقولنا: «زيد ضارب غداً» إذا جعل الغد قيداً للتلبس فقط دون الجري، كان استعمال المشتق مجازاً بلا خلاف و لا إشكال أيضا.
ص: 122
و ان اتحد زمانا الجري و النطق و قد تحقق التلبس في الزمان الماضي كقولنا: «زيد ضارب أمس» إذا جعل- الأمس- قيداً للتلبس فقط دون الجري، فهو محل الخلاف، و أنّ استعماله هل هو على نحو الحقيقة أم المجاز؟.
و المتحصل مما ذكرنا: أنّ العبرة في كون استعمال المشتق حقيقة أو مجازاً إنّما هي بحال التلبس دون غيره، فإن كان الجري بلحاظه بأن اتحد زمانهما كان حقيقة، سواء كانا ماضيين أم مستقبلين أم حالين- أي متحدين مع زمان التكلم- و إلّا فإن كان الجري فعلًا و التلبس مستقبلا كان مجازاً بلا خلاف، وإن كان الجري فعلا و التلبس ماضياً كان محلا للخلاف، و أنّ استعمال المشتق حينئذٍ حقيقة أو مجاز.
و الحاصل: أنّ المراد بالحال في عنوان المسألة هو حال التلبس لا زمان النطق و لا زمان الجري.
و استشهد صاحب الکفاية على أنّ المراد بالحال حال التلبّس دون النطق باتّفاق أهل العربيّة على عدم دلالة الاسم على الزمان و عدم أخذه في معناه، و الصفات الجارية على الذوات قسم من أقسامها، و لا ينافيه اشتراط العمل في بعضها بكونه بمعنى الحال أو الاستقبال، ضرورة أنّ المراد الدلالة على أحدهما بالقرينة لا بحاق اللفظ.
لا يقال: يمكن أن يكون المراد من الحال زمانه كما هو الظاهر من عنوان الحال عند إطلاقه، و ادّعي انه الظاهر من المشتقّات إمّا للانصراف أو بمعونة قرينة الحكمة .
ص: 123
لأنا نقول: هذا الانسباق، و إن كان مما لا ينكر، إلّا أنهم في هذا العنوان بصدد تعيين ما وضع له المشتق، لا تعيين ما يراد بالقرينة منه(1). يعني: انّ محلّ النزاع تعيين ما وضع له المشتقّ بحسب أصل الوضع مع غضّ النظر عن الانصراف و القرائن.
و اما تفسير الحال بزمان النطق بالمشتق. ففيه:
اولا: انه لو كان المراد به حال النطق كان مرادفا لزمان الحال و مستلزما لدخول الزمان في معنى المشتق بخلاف حال التلبّس فإنّه قد ينطبق على الماضي و قد ينطبق على الحال و قد ينطبق على الاستقبال فهو غير الزمان المصطلح.
ثانيا: اتّفاقهم على أنّ قولنا: كان زيد ضارباً أمس، أو سيكون ضارباً غداً، حقيقة إذا كان متلبّساً بالمبدء في ظرف النسبة، و هذا يدل على أنّ المشتق لم يوضع للمتلبّس في زمان النطق.
ثالثا: أنّ هذا الاحتمال يوجب كون المشتق مجازاً في أغلب الموارد، لأنّ التلبّس في زمان النطق أقلّ مصداقاً من غيره.
و اما تفسير الحال بزمان الجري و النسبة ففيه: انّ مدلول المشتق بسيط و وضعه للمتلبّس في حال الجري و زمان النسبة يستلزم كونه مركّباً و دالًا على الزمان تضمناً، و هو لا يجتمع مع كونه بسيطاً.
ص: 124
المراد من الأصل ما ينتهي إليه المجتهد بعد اليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي، فلو ثبت بالدليل الاجتهادي بأنّ المشتق موضوع للمتلبّس أو للأعم فالمستنبط في غنى عن هذا الأصل، و إنّما يحتاج إليه إذا لم يتبين له ما هو الواقع حسب الدليل الاجتهادي، فكون الأصل مرجعاً فرع اليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي و سيأتي ان المشتق موضوع للمتلبّس بالفعل، و عليه فلا تصل النوبة إلى هذه المباحث و لاجل ذلک نختصر الکلام في هذا المقام .
ثمّ إنّ الأصل في المقام إمّا لفظي أو عملي، و العملي إمّا موضوعي أو حكمي.
أمّا الأوّل: فالمراد منه هل الأصل تقديم المجاز على الاشتراك المعنوي، أو الأصل العكس؟ فعلى القول بكونه موضوعاً للمتلبّس يكون استعماله في ما انقضى عنه المبدأ من باب المجاز، و أمّا على القول الآخر يكون اللفظ موضوعاً لمعنى جامع بين المصداقين، و يكون مشتركاً معنوياً، و بما أنّه لا ترجيح عندنا لتقديم أحد الأصلين على الآخر كما تقدم من عدم حجية ما ذکر من استحسانات في باب تعارض الاحوال فليس هنا أصل لفظي، و انحصر البحث في الأصل العملي و هو إمّا موضوعي جار في تنقيح الموضوع و إمّا حكمي.
أمّا الأوّل: فكقولنا: الأصل عدم الوضع للأخص، أو الأصل عدم وضعه للأعم، فهذا الأصل ساقط في المقام لاجل تعارض الأصلين في كلّ من الجانبين, مضافا الی انّ هذا النوع من الأصل غير معتبر عند العقلاء، فانّ الغاية من إجراء الأصل عندهم هو كشف المراد لا تحديد المعنى اللغوي كما هو المفروض في المقام.
و أمّا الأصل الحكمي الشرعي في موارد الشكّ، فهو يختلف حسب اختلاف الموارد.
ص: 125
فقال في الکفاية: لو كان الانقضاء قبل انشاء الحكم و شككنا في سعة الحكم و ضيقه لأجل الشكّ في معنى المشتق، تكون أصالة البراءة محكّمة، كما إذا قال: أكرم العلماء و قد انقضى المبدأ قبل إنشاء الحكم عن بعض الأفراد، و أمّا إذا كان الانقضاء بعد إنشاء الحكم فاستصحاب الوجوب محكَّم.(1).
و حاصله: انّه إن كان الشكّ في الحدوث تجري أصالة البراءة، و إذا كان الشكّ في البقاء تجري قاعدة الاشتغال، فلو كان الانقضاء قبل إنشاء الحكم يرجع الشكّ إلى سعة الحكم و ضيقه فتجري فيه البراءة، و أمّا إذا كان الانقضاء بعد انشاء الحكم يرجع الشكّ إلى بقاء الوجوب و الأصل بقاؤه.
هذا فيما إذا كان الواجب عامّاً استغراقياً، و أمّا إذا كان الواجب عامّاً بدلياً كما إذا قال: أكرم عالماً ، فالثمرة أيضاً مترتبة فلا يسقط التكليف إلّا بإكرام المتلبّس في الصورة الأُولى، و لا يسقط بإكرام المنقضي عنه المبدأ للشكّ في شمول الحكم له حتى يسقط بامتثاله، و هذا بخلاف ما إذا قلنا بالأعم، فيجوز الاقتصار بإكرام من انقضى عنه المبدأ لشمول الحكم له على ذلك الفرض.
و أورد على الاستصحاب بأنّ الشبهة في المقام مفهومية و الشكّ في الحكم ناش فيه من الشكّ في مفهوم موضوع الحكم، و الصحيح فيه عدم جريان الاستصحاب أصلا لا في الحكم و لا في الموضوع، و مثاله المعروف الشكّ في بقاء وجوب الصوم في شهر رمضان بعد سقوط القرص و قبل زوال الحمرة المشرقية للشكّ في مفهوم النهار الذي يكون ظرفا لوجوب الصوم. و أنّ انتهائه بأيّهما، و حاصل الإيراد أنّ إجمال مفهوم الموضوع موجب الشكّ في بقاء الموضوع، و هو مخلّ بجريان الاستصحاب، لاشتراطه
ص: 126
باحراز بقاء الموضوع, لأنّ بقاء الحكم يكون ببقاء موضوعه؛ لأنّه لا يعقل بقاء الحكم مع تبدّل موضوعه، فلا يكون الحكم بثبوته في زمانه الشكّ إبقاء للمتيقّن السابق، و مع عدم صدق البقاء لا يصدق النقض على رفع اليد عنه، فيكون الشكّ في بقاء الموضوع أيضا شكّا في صدق البقاء و النقض. و معه لا مجال للرجوع إلى عموم لا تنقض؛ لأنّ حجيّة كل دليل فرع احراز انطباقه على المورد، و هذا هو المشهور بين الأعلام(1).
و اجيب: «أنّ الموارد مختلفة، لأنّه تارة يكون العنوان المأخوذ موضوعا للحكم في لسان الدليل بحسب الفهم العرفي دخيلا على وجه التقييد، و يكون حيثيته حيثيّة تقييديّة للذات، كجواز تقليد المجتهد و اخرى يكون معروض الحكم في نظر العرف نفس الذات و يكون حيثيّة العنوان حيثيّة تعليليّة نظير وجوب إكرام العالم، و لهذا قالوا بجريان استصحاب نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره عن قبل نفسه. و دفعوا الإيراد عليه بتبدّل الموضوع، بأنّ الموضوع في نظر العرف هو ذات الماء دون عنوان المتغيّر، و حيثيّة التغير حيثيّة تعليليّة. لكن نشكّ في كونه علّة حدوثيّة للنجاسة فقط، أم حدوثيّة و بقائيّة فنستصحب النجاسة.
و على هذا الأساس يكون استصحاب وجوب الإمساك بين الغروب و زوال الحمرة المشرقية مشكلا، بل ممنوعا لقيديّة النهار و مقوميّته للموضوع في نظر العرف، لأنّ حقيقة الصوم عندهم إمساك النهار، لا أنّ المعروض للوجوب هو الإمساك، و النهار
ص: 127
صرف ظرف له و ليس بمقوّم حتّى يضرّ احتمال تغيّره بإحراز بقاء الموضوع. و بالجملة الموارد مختلفة»(1)
.
استدلّ القائلون بالوضع للمتلبّس بوجوه:
الأوّل: التبادر، إذ المرتكز عند أهل اللسان عند إطلاق المشتق هو المتلبّس بالمبدإ لا من هو كان متلبّساً، فإذا قيل: صلّ خلف العادل، أو أدّب الفاسق، أو إذا قيل: لا يصلّين أحدكم خلف المجذوم و الأبرص و المجنون، لا يفهم منه إلّا المتلبّس بالمبدإ، و هذا هو الظاهر في اللغات الأُخرى.
و بما أنّ النزاع في كون المشتق حقيقة في المتلبّس أو الأعم فيما إذا يتصور له الانقضاء و يتصور له الاستمرار، و على ذلك فخرج الاستدلال بلفظ الممكن على القول بالمتلبس بالحال لعدم تصوّر الانقضاء فيه، كما خرج الاستدلال بالسارق و الزاني على القول بالأعم إذ لا يتصوّر فيه الاستمرار.
الثاني: صحّة سلب المشتق عمّن انقضى عنه المبدأ فيقال: زيد الناسي ليس بعالم، و هي آية المجازية.
و فيه: ما تقدم من عدم صحة هذه العلامة و رجوعها الی التبادر .
الثالث: ما استدل به في الکفاية ثالثا من ارتكاز التضادّ بين الصفات المأخوذة من المبادئ المتضادّة، كالقائم و القاعد، و لو كان المشتقّ حقيقة في الأعمّ لما وجد التضادّ
ص: 128
بينهما، لتصادقهما مع الاجتماع بإرادة المتلبّس من أحدهما و المنقضي عن الآخر، و ليس ذلك لأجل انصراف الإطلاق، بأن يكون المشتقّ موضوعا للطبيعة الجامعة، و يكون إطلاقها منصرفا إلى خصوص المتلبّس لكثرة استعمال المشتقّ في موارد الانقضاء، و هو ينافي انصراف الطبيعة إلى المتلبّس(1).
و أورد عليه المحقّق الرشتي من عدم التضاد على القول بعدم الاشتراط(2).
و أجاب عنه صاحب الکفاية: من أنّ التضاد أمر ارتكازي من غير فرق بين المشتقات كالأبيض و الأسود و مباديهما كالبياض و السواد.
و اجيب بوجهين:
1. انّه يرجع إلى التبادر و ليس دليلًا مستقلًا، و ذلك انّ الحكم بالتضاد بين المشتقين بأنّهما من الأُمور غير القابلة للجمع فرع إحراز معنى كلّ بالتبادر، و أنّ المتبادر من كلّ واحد هو تلبّس الموضوع بالمبدإ، و عندئذ يحكم العقل بعدم صحّة اجتماعهما، فالحكم بالتضاد متأخر عن إحراز المعنى بالتبادر، و معه لا حاجة إلى دليل آخر.
2. انّ الأعمّي لا يسلم التضاد إلّا بين المبدأين لا بين العنوانين، فصدق الأبيض و الأسود لا يستلزم إلّا اجتماع العنوانين من غير ملازمة بين صدقهما و اجتماع المبدأين(3).
هذه هي اهو الوجوه المذکورة و بقيت هنا وجوه أُخرى تطلب من محالها.
ص: 129
و استدل المحقّق النائيني لإثبات الوضع لخصوص المتلبّس ببساطة المشتقّ فأنّه رتّب القول بالوضع لخصوص المتلبّس أو الأعمّ على القول ببساطة المشتقّ و تركّبه و حيث إنّ المختار عنده بساطة المشتقّ، فالمتعيّن عنده هو الوضع لخصوص المتلبّس. لکنه عدل عن هذا القول لما تفطّن من الإشكالات الواردة عليه، الی القول بوضع المشتقّ لخصوص المتلبّس مطلقا، سواء قلنا بالبساطة أو بالتركّب(1).
فقال: «إنّ الركن الوطيد على القول بالوضع للمركّب هو الذات و انتساب المبدأ إليها. و من المعلوم أنّ النسبة الناقصة لم يؤخذ فيها زمان دون زمان، و قد تبيّن عدم دلالة الأفعال على الزمان، فالمشتقات لا تدلّ عليه بالأولوية. و لذا كان المشهور بين القدماء القائلين بالتركيب هو الوضع للأعم، و هذا بخلاف القول بوضعه لمعنى بسيط فانّ الركن في صدق المشتق بناء على البساطة هو نفس المبدأ، غاية الأمر أنّه ملحوظ بنحو يصحّ معه الحمل، و لا يكون مبايناً للذات بحسب الوجود، فيقوم الصدق بالمبدإ فإذا انعدم و انقضى فلا محالة لا يصدق العنوان الاشتقاقي إلّا بالعناية(2).
و فيه: أنّه لا ملازمة بين التركّب و الوضع للأعم، كما لا ملازمة بين البساطة و الوضع للأخص.
أمّا الأوّل: فلو افترضنا أنّ الركن الركين على القول بالتركّب هو الذات لكن يمكن ملاحظتها مع المبدأ غير الركن, بإحدى الصورتين التاليتين:
الأوّلی: الذات المتلبّسة بالمبدء.
ص: 130
الثانية: الذات المنتسب إليها المبدء.
فالأوّلی: لا يصدق إلّا على المتلبّس بالفعل، و أمّا الثانية فيكفي في الصدق مجرّد الانتساب إلى المبدء و إن انقضى عنه.
و ما أفاده من أنّ المشتق لا يدلّ على الزمان و إن كان صحيحاً لكنّه لا يفيده لما عرفت من أنّ المراد من الحال ليس أحد الزمانين، بل فعلية التلبّس، فيرجع النزاع إلى أنّ الموضوع له هل هو المتلبس بالفعل أو المنتسب إليه المبدأ؟
و أمّا الثاني: اي التلازم بين البساطة و الوضع للأخص فهو مبني على ما اختاره الشريف من أنّ المشتق عين المبدأ، و الفرق بينهما هو كون الأوّل لا بشرط و الآخر بشرط لا، و عندئذ يكون الركن الركين هو المبدء، و مع زواله لا معنى لصدقه.
و لكنه ليس بصحيح، بل بينهما مغايرة تامّة و إن كان كلّ منهما بسيطاً، فالمبدأ هو نفس الحدث أو نفس العنوان، و المشتق هو، المعنون، و هو مفهوم وحداني بسيط منحل عند العقل إلى ذات و عنوان و نسبة, و عندئذ يقع الكلام في أنّ الموضوع له هو المفهوم الوحداني الذي لا ينطبق إلّا على المعنون بالمبدء حدوثاً و بقاءً، أو المفهوم الوحداني الذي يكفي في انطباقه كونه معنوناً حدوثاً و إن زال العنوان بقاءً.
استدلّ القائل بالأعم بوجوه:
الأوّل: التبادر، و لكنّه غير تام، لأنّ المتبادر من قولنا: لا تصل خلف الفاسق و أمثاله، هو المتلبّس، و لا نحتمل وجود القرينة في أمثال هذه الموارد و إن كان في بعضها محتملاً .
الثاني: عدم صحّة السلب في المقتول و المضروب إذا انقضى عنه المبدأ.
ص: 131
و فيه: مضافا الی ما تقدم من عدم کونه من علامات الحقيقة و المجاز] انه إن أُريد منها المعنى الحدوثي أي من وقع عليه القتل و الضرب، فلا نسلم صدقه عند ما انقضى عنه المبدأ، و إن أُريد الأثر الباقي بعد القتل و الضرب، فالصدق لأجل كونه متلبساً بالأثر الباقي.
ثمّ إنّ أكثر الإطلاقات في الجمل و التراكيب بلحاظ ثالث و هو الإطلاق بلحاظ حال التلبّس خصوصاً فيما إذا لم تقبل التكرار كالمقتول و المصلوب، أو ما يقبل التكرار و لا يقبل الاستمرار كالسارق و الزاني.
الثالث: هو استدلال الإمام بآية الابتلاء على عدم صلاحية الخلفاء الثلاثة لإشغال منصب الإمامة بعد رحلة الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم، قال سبحانه: ﴿وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾(1) فروى الصدوق عنالإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله: (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) انّه قال: إنّ الإمامة لا تصلح لمن عبد وثناً أو صنماً أو أشرك باللّه طرفة عين، و إن أسلم بعد ذلك، و الظلم وضع الشي ء في غير موضعه، و أعظم الظلم الشرك باللّه قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾(2).(3)
و أمّا كيفية الاستدلال فيبتني على صغرى مسلّمة و كبرى قرآنية.
أمّا الصغرى: هؤلاء كانوا ظالمين مشركين, و أمّا الكبرى: و الظالمون لا تنالهم الإمامة, فينتج: هؤلاء لا تنالهم الإمامة.
ص: 132
و إنّما يصحّ وصفهم بعنوان الظالمين عند التعدي إذا قلنا بوضع المشتق للأعم بحيث يصدق على المتلبّس بالمبدإ و المنقضي عنه حتى يصحّ عدّهم من الظالمين حين تصدّوا للخلافة و قد انقضى المبدأ، و لو قلنا بوضع المشتق على المتلبس تبقى الكبرى بلا صغرى، إذ لا يصحّ أن يقال: هؤلاء كانوا ظالمين عند التصدّي بل يجب أن يقال: كانوا ظالمين قبل التصدي، و أمّا بعده فقد صاروا موحّدين.
و اجيب: أنّ الاستدلال على عدم صلاحيتهم للإمامة يتمّ على كلا القولين، أمّا على الأعم فلما عرفت.
و أمّا على القول بالأخص فللاستدلال أساس آخر، لا يبتني على كونهم ظالمين حين التصدي، بل هم غير لائقين لها و إن لم يكونوا ظالمين حين التصدي.
و ذلك لأنّ الإمامة كالنبوّة منصب إلهي يجب أن يتنزه المتصدّي عمّا يوجب نفرة الناس و تباعدهم عنه، و لا تتحقّق تلك الأمنية إلّا بتباعده عن ألوان الشرك و الأعمال القبيحة طيلة عمره حيث إنّ الناس ينفرون عمّن كان في فترة من عمره مشركاً مقترفاً للمعاصي.
و بما أنّ هؤلاء كانوا كذلك في فترات من أعمارهم فكانوا ظالمين، فصار هذا سبباً لحرمانهم منه. مضافا الی أنّه يمكن أن يحمل استدلال الإمام بالآية بأنّ الإطلاق باعتبار حال التلبّس.
ص: 133
و قد استدلّ على التفصيل بين كون المشتقّ محكوما عليه و محكوما به (1), بآية: ﴿وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾(2) و آية: ﴿الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَة﴾(3) .
و فيه: أنّ هاتين الآيتين أيضا لم يخلوا عن القرينة ومساقهما مساق الآية السابقة؛ لأنّ العنوان بحدوثه كاف في ثبوت الحكم، و هو وجوب القطع و الجلد بقاء. فلا تكون العناوين مظظظستعملة في المنقضي عنه المبدأ، كما توهّم و جعل دليلا على التفصيل بين أن يكون المشتقّ محكوما عليه و محكوما به، مضافا إلى أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة .
المعاني من اشتباه المصداق بالمفهوم كالغرض و الفعل العجيب و الحادثة(1). و توضيحه: انه لا شكّ أنّ ما ذكروه من التفاصيل من باب خلط المصداق بالمفهوم كما هو الحال في أكثر المعاجم اللغوية حيث يذكرون للفظة القضاء مثلا عشرة معاني مع أنّه ليس له إلّا معنى واحد و هوإتقان الفعل، و ما ذكر من المعاني مصاديق له: كقوله سبحانه: ﴿وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه﴾(2) , فانّ التشريع الإلهي بما أنّه يتمتّع بالإتقان استعمل في حقّه القضاء أي الحكم المتقن. و مثله المقام فانّ قسماً من هذه المعاني من المصاديق و بعضها من الوضوح بمكان، فانّ الغرض في قوله: جاء زيد لأمر كذا مستفاد من اللام فالمدخول مصداق الغرض لا مفهومه، و هكذا في قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ فالمدخول مصداق للتعجب لا مستعمل في مفهومه .
و عليه فلابد من تحديد معنى الأمر، فقيل انّه موضوع لمعنيين: الطلب و الشأن و هو مختار صاحب الفصول, و قيل: الطلب و الشي ء و هو مختار صاحب الکفاية و قيل: الطلب و الفعل, و قيل: أنّها موضوعة للواقعة التي لها أهمّية في الجملة کما عن المحقّق النائيني .
ص: 135
أمّا الأوّل: فقد استند صاحب الفصول في كون الشأن من معاني الأمر إلى قول القائل: شغلني أمر كذا «مع أنّه من المحتمل أن يكون المراد هو الفعل أي شغلنا فعل كذا، كما اعتمد المحقّق الخراساني في استعماله في الشي ء على قول القائل: رأيت اليوم أمراً عجيباً، مع أنّه من المحتمل أن يكون الأمر بمعنى الفعل, و فيه: إنّ من أبرز مصاديق الشي ء الأعيان الخارجيّة و الأمر لا يصدق عليها بوجه من الوجوه, و انّه لو كان الأمر بمعنى الشي ء يلزم صحّة استعمال أحد المترادفين مكان الآخر، فكما يقال: اللّه شي ء و العقل شي ء, يلزم أن يصحّ القول بأنّ اللّه أمر، و العقل أمر، فكلّ ذلك يعرب عن عدم كون الأمر بمعنى الشي ء.
و أمّا القول الثالث أي كون المعنى الثاني للأمر هو الفعل، فيكفي في ذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُون﴾(1) أي كلّما يجري في الكون من السنن التي هي من أفعاله سبحانه بيد اللّه، و قوله ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُور﴾(2), و قوله ﴿وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾(3) أي شاور هؤلاء في أُمورك و أفعالك و ما تفعل و ما تترك.
و فيه: ان الامر يصدق حقيقة على الأعمّ منه، كما يقال: رأيت في البلد أمرا غريبا بمشاهدة الغلاء و القحط او الرخص و الوفور و أمثال ذلك ممّا لا يعدّ من الأفعال بل من الحالات و الكيفيّات.
ص: 136
و اما القول الرابع من أنّها موضوعة للواقعة التي لها أهمّية في الجملة(1) و سائر المعاني يرجع إليها حتّى الطلب؛ فإنّه أيضا من الامور التي لها أهمّية کما عن المحقّق النائيني, فالأمر مستعمل في جميع الموارد بمعنى واحد و الاشتراك اللّفظي بعيد جدّا. و من لوازم ما ذكر أنّه لا بدّ أن يكون المستعمل فيه من قبيل الأفعال و الصفات، و أمّا الجوامد فهى خارجة.
و اجيب: أنّ التقيّد بالأهمّية خلاف الواقع كما نراهم يقولون الأمر سهل أو هيّن أو بلا أهمّية أو لا يبال به.
و إرجاع الطلب إليه أعجب؛ لأنّه بهذا المعنى ليس بمعنى حدثي فلا يكون قابلا للاشتقاق. و الأمر بمعنى الطلب يشتقّ منه؛ لاشتماله على المعنى الحدثي(2).
مضافا الی انه لايمکن القول بوحدة المعنى(3)؛ و ذلک لاختلاف المعاني في الجمع، فيجمع الأمر بمعنى الطلب بالأوامر، بينما يجمع الأمر بمعنى غيره بالأمور .
و الصحيح: أنّه موضوع لمعنيين؛ أحدهما: الطلب الإنشائي، و ثانيهما: الشيء المبهم القابل للصدق على كلّ موجود ليس له جرم خارجي؛ كالأفعال و خواصّ الأجسام و آثارها المحسوسة و أحكامها الاعتباريّة، فمثلا لا يطلق الأمر على الكلب بما هو هو و
ص: 137
لكن يطلق على نجاسته و حرمة أكل لحمه . و كذا أوصافه ككونه حارسا لا ينام بالليل و وفائه لصاحبه و كونه قانعا صبورا، و كذا الامور الانتزاعيّة كالموادّ الثلاث؛ الوجوب و الإمكان و الامتناع، و العلّية و المعلوليّة، و الابوة و البنوّة و هكذا.
و لا يخفی أنّ المعنيين متفاوتان من حيث المعنى فالأوّل حدثي مصدري قابل للاشتقاق منه، فيقال: أمر يأمر بمعنى طلب يطلب. بخلاف المعنى الثاني فإنّهليس فيه تلك الجهة؛ و لذا لا يكون قابلا للاشتقاق منه، و من لوازم ما ذكرنا كون الأمر مشتركا لفظيّا بين المعنيين. و تظهر الثمرة فيما لو ورد لفظ الأمر في الكتاب و السنّة و لم يعلم المقصود منه، فعندئذ تصل النوبة إلى الأُصول العملية، فلو كان للحكم حالة سابقة يستصحب، و إلّا فلو كان الشكّ في التكليف، يقع مجرى للبراءة و إلّا، يقع مجرى الاشتغال.
الجهة الثانية: هل يعتبر العلو و الاستعلاء في صدق مفهوم الأمر، أو لا يعتبران أو فيه تفصيل؟ فيه أقوال:
الأوّل: اعتبار العلو دون الاستعلاء.
الثاني: اعتبار أحدهما.
الثالث: اعتبار كليهما و هذا هو المختار
الرابع: عدم اعتبار واحد منهما .
ص: 138
أمّا القول الأوّل: فهو مختار المحقّق الخراساني، فذهب إلى اعتبار العلو في معنى الأمر فلا يكون الطلب من السافل أو المساوي أمراً، و لو أطلق عليه الأمر، كان بنحو من العناية.
كما أنّ الظاهر عدم اعتبار الاستعلاء، فيكون الطلب من العالي أمراً و لو كان مستخفضاً بجناحه.
أقول: اما اعتبار العلو فبدعوی التبادر، فانّ في لغة العرب ألفاظاً ثلاثة لكلّ مورده:
1. الأمر, و هو طلب العالي من الداني .
2. الالتماس، و هو طلب المساوي من المساوي.
3. السؤال، و هو طلب السافل من العالي.
فالأوّل هو الطلب الصادر من العالي، و الثاني هو الطلب الصادر من المساوي، و الثالث هو الطلب الصادر من السافل, و هذا شاهد علی دخول العلو في مادة الأمر, و أمّا عدم اعتبار الاستعلاء فسياتي الکلام عنه .
و أمّا القول الثاني: فقد نقله في الكفاية و ضعّفه، و حاصل استدلاله أنّه يكفي أحدهما، أمّا العلو فلما مرّ، و أمّا كفاية الاستعلاء فلأجل تقبيح العقلاء، الطالب السافل من العالي المستعلي عليه، و توبيخه لأجل أنّه يصدق عليه الأمر.
و ردّه بقوله: إنّ التوبيخ ليس على الأمر، بل على استعلائه حقيقة، و لو أطلق عليه الأمر فإنّما هو بالمشاكلة، أو لكونه بصورة الأمر لأنّه مقتضى استعلائه.
و أمّا القول الثالث: أعني: اعتبار كليهما، أمّا العلو فلما عرفت من التبادر.
ص: 139
و أمّا الاستعلاء فنمنع صدق الأمر على طلب العالي من السافل بلسان الاستدعاء، و ذلك لأنّ مورد البحث هو ما إذا صدر الطلب بلسان المولوية، و في مثله يعتبر الاستعلاء، و لو كان الكلام خارجاً عن تلك الدائرة فلا يطلق عليه انّه أمر بل يطلق عليه استدعاء حتى و لو صدر عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم کما يشهد لذلك ما رواه ابن عباس حيث إنّ بريرة كانت زوجة لعبد فلما اعتقت كان لها الخيار حسب الحكم الشرعي بين البقاء على حبالة زوجها أو المفارقة، فاختارت هي، المفارقة؛ فاتّصل زوجها بعمّ النبي العباس بن عبد المطلب ليكلّم النبي حتى يأمرها بالبقاء، فلمّا كلمها النبي، و قال لها: إنّه زوجك فقالت بريرة: أ تأمرني يا رسول اللّه؟ فقال: لا، إنّما أنا شافع، قال: فخيّرها، فاختارت نفسها.(1) ترى أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم لما خاطبها، بقوله: إنّه زوجك ، الظاهر في أنّ الإبقاء مع حبالة الزوج السابق، كان مورد رغبة النبي، فسألته صلى الله عليه و آله و سلم و قالت: أ تأمرني بكلامك هذا؟ فنفى النبي صلى الله عليه و آله و سلم (الأمر و أثبت الشفاعة، فلو كان وجود العلو كافياً في صدق الأمر لما كان لبريرة السؤال عن مقصود النبي صلى الله عليه و آله و سلم لملازمة العلو وحده مع الأمر.
و هذا أي سؤالها عن مقصود النبي يدلّ على أنّ خطاب العالي على قسمين:
قسم يكون مقروناً بالاستعلاء فيكون أمراً، و قسم آخر يكون بلسان الاستدعاء فيكون شفاعة.
و أمّا القول الرابع: فهو مختار المحقّق البروجردي القائل بعدم أخذ واحد منهما في صدق الأمر مستدلاً، بقوله: إنّ حقيقة الطلب على قسمين: قسم يطلب فيه انبعاث
ص: 140
المطلوب منه من نفس الطلب، بحيث يكون داعيه و محرّكه إلى الامتثال صرف هذا الطلب، و هذا ما يسمّى أمراً.
و قسم يقصد فيه انبعاث المطلوب منه من الطلب منضماً إلى بعض المقارنات التي توجب وجود الداعي في نفسه، كطلب المسكين من الغني، و هذا القسم منالطلب يسمّى التماساً(1) و القسم الأوّل يناسب العالي. و لا يراد منه كون الطالب عالياً، مأخوذاً في مفهوم الأمر، حتى يكون معنى آمرك بكذا أطلب منك و أنا عال.
فعلى هذا فحقيقة الطلب على قسمين غاية الأمر أنّ القسم الأوّل منه حقّ من كان عالياً، و مع ذلك لو صدر عن السافل بالنسبة إلى العالي كان أمراً أيضاً و لكن يذمّه العقلاء على طلبه بالطلب الذي ليس شأناً له فيقولون أ تأمره؟! كما أنّ القسم الثاني يناسب شأن السافل، و لو صدر عن العالي أيضاً لم يكن أمراً فيقولون لم يأمره بل التمس منه و يرون هذا تواضعاً منه(2)
و فيه: أن الكلام في كيفية وضع لفظ الأمر للقسم الأول فما هو المخصص لعدم شموله للقسم الثاني، فلا بد أن يضم إلى معنى الطلب شيء آخر حتى يصده عن الشمول للقسم الآخر، فما هو ذاك القيد ؟ و هو اما ما يكون الانبعاث من نفس الطلب، و هو كما هو ترى. او ما يكون الطالب عالياً بالنسبة إلى المطلوب منه. و لا ثالث، و الثاني المتعين، ولا يعني هذا القول دخول العلو بالمعنى الاسمي في مدلول الأمر حتى يكون معنى قوله: آمرك أي أطلب منك و أنا عال، و لو فسّر بذلك فهو من قبيل زيادة الحد على المحدود، بل يراد دخوله على وجه الشرط .
ص: 141
الجهة الثالثة: اختلفت كلمتهم في أنّ لفظة الأمر حقيقة في الوجوب، أو مشترك معنوي بينه و بين الوجوب فذهب المحقّق الخراساني إلى الأوّل، و استدلّ عليه اولا: بالتبادر و انسباق الوجوب منه عند الإطلاق.
و ثانيا: بالأمر بالحذر من مخالفة أمر الرسول، كقوله سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيم﴾(1) و الضمير في – أمره - يرجع إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم لما تقدم من قوله سبحانه: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾(2) و المخالفة متعدية بنفسها يقال خالف أمره، و لكن جاءت هنا مقروناً بحرف الجرّ لتضمنها معنى الإعراض، أي يعرضون عن أمر الرسول.(3).
و ثالثا: بما روي من قوله (صلي الله عليه و آله): لو لا أن أشقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسواك(4), الدالّ على أنّ الأمر يلازم المشقة و هي آية الوجوب.
و رابعا: بقوله صلى الله عليه و آله و سلم لبريرة بعد قولها: أ تأمرني يا رسول اللّه؟ قال: لا إنّما أنا شافع أي أ تلزمني بالبقاء مع الزوج؟ فأجاب: لا.
ص: 142
و خامسا: بصحّة توبيخ العبد الذي خالف أمر المولى، كقوله سبحانه ﴿ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُك﴾(1).
و سادسا: بالإيعاد بالسجن عند المخالفة، كقوله سبحانه حاكياً عن امرأة العزيز: ﴿وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَن﴾.(2)
و اما القائلون بالاشتراك المعنوي فاستدلّوا بالوجوه التالية:
1: الأمر ينقسم إلى الإيجاب و الاستحباب و التقسيم آية أنّه حقيقة في الجامع بينهما.
و فيه: أنّ التقسيم بنفسه قرينة على أنّ المراد من المقسم هو الأعم من الوجوب، و الكلام فيما لا يكون هناك قرينة.
2: انّ الأمر يستعمل في الوجوب و الندب فلو لم يكن موضوعاً للقدر المشترك بينهما لزم أن يكون إمّا مجازاً في الندب أو مشتركاً لفظياً و كلاهما على خلاف الأصل.
و فيه: ما تقدم في تعارض الاحوال من أنّه لا دليل على هذه الترجيحات .
3: انّ فعل المندوب طاعة، و كلّ طاعة فهو فعل المأمور به، ففعل المندوب، فعل المأمور به.
و فيه: منع الكبرى لو أُريد من المأمور به، المعنى الحقيقي أي فعل الواجب، و لو أُريد الأعم منه و من غيره لا يثبت المدعى .
ص: 143
و الحاصل أنّه لا شكّ في استفادة الوجوب من لفظة الأمر لکنه هل بالوضع ام بالاطلاق ام بحکم العقل؟
اما الثالث فلا يمکن المصير اليه، لأنّ العقل في الحقيقة إنّما يحكم بلزوم التسليم أمام إرادة المولى و كون إرادة العبد طوع إرادته؛ كيفما كانت وجوبا او غيره. فإن تعلّقت إرادته بشي ء على سبيل اللّزوم فيجب تحقيقها و تحصيلها على سبيل اللّزوم و إن كان على سبيل الندب فكذلك, فالعقل ساکت عن تعين احدهما ان لم يکن الامر متعينا بواحد منهما.
و اما ما قيل: من انه لو احرز العقل المصلحة الملزمة حکم بالوجوب و لو لم يأمر به المولى، بل لم يطّلع عليه كإنقاذ ولده من الغرق و الحرق فإنّه واجب بحكم العقل و لو لم يأمر به. و لا يجب بحكم العقل إن لم تكن المصلحة ملزمة و لو أمر به. فالأمر إنّما يكون موضوعا لحكم العقل بقبح المخالفة لكشفه عن المصلحة الملزمة في نفسه. فلو فرضنا أنّه بنفسه لا يكشف عن المصلحة الملزمة، بل غاية مدلوله رجحان الفعل و كونه مرغوبا إليه دون كونه إلزاميا لا يصير موضوعا لحكم العقل باللّابدية قطعا.
ففيه: ان ادراک العقل للمصلحة الملزمة عين ادراکه للوجوب و ليس شيئا خارجا عنه و الّا لو کان شيئا خارجا عن الوجوب فلا دليل علی وجوبه .
و اما الاحتمال الثاني: فهو و ان کان قريبا بناء على ان إلقاء الأمر بلا قرينة دالة على الندب كاف في بيان الوجوب، بخلاف الندب فهو رهن بيان زائد من تجويز المخالفة کما سيأتي من أنّ مقتضى صيغة الأمر هو كونه نفسيّاً، عينياًتعيينياً، لأنّها لا تحتاج إلى
ص: 144
بيان زائد سوى الأمر و البعث، بخلاف مقابليها فانّها رهن القيود التي تفيد انّ الأمر غيري لا نفسي، أو كفائي لا عيني، أو تخييري لا تعييني, الّا انه متوقف علی عدم ثبوت الاحتمال الاول .
و اما الاحتمال الاول: فهو المتبادر فان کلمة «امر» مرادفة ل«أوجب» لغةً و عرفا لا انّ لفظ الأمر وضع لنفس الطلب وحده کما قيل و المتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ خصوصيّة اللّزوم و اللّابدّيّة داخل في حريم معنى الأمر عرفا.
و فيه مباحث:
قال في الکفاية: أنّه ربما يذكر للصيغة معان كالتمنّي و الترجّي و التهديد و الإنذار و الإهانة و الاحتقار و التعجيز و التسخير إلى غير ذلك (1).
أقول: لا شكّ أنّ صيغة افعل تستعمل و يراد منها البعث تارة، و التمنّي ثانياً، كقول امرئ القيس:
ألا أيّها اللّيل الطويل ألا انجلي *** بصبح و ما الإصباح منك بأمثل
و التعجيز كقوله سبحانه: ﴿وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه﴾.(2)
ص: 145
و التحقير كقوله سبحانه: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُور﴾(1).
و التهديد كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير﴾(2).
و الانذار كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّار﴾(3).
و التسخير كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِين﴾(4).
و التسوية كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾(5), الی غير ذلک من المعاني .
و قد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّها وضعت لإنشاء الطلب و انّها استعملت في عامّة الموارد في هذا المعنى فلو كان هنا اختلاف فإنّما هو في الدواعي و البواعث فربّما يكون الداعي الطلب الحقيقي، و أُخرى التمنّي، و ثالثة التعجيز، و رابعة الإهانة، فهي موضوعة لانشاء الطلب بلا قيد و شرط، و مستعملة فيها في عامّة الموارد، فبما أنّ المستعمل فيه واحد في الجميع و لاجل ان الاختلاف في الدواعي، يوصف الجميع بالحقيقة.
و يرد عليه: ما تقدم من أنّ معاني الهيئات معاني حرفيّة، و أنّ معاني الحروف هي النسب و الروابط، فالصحيح في تعيين معنى الصيغة التعبير بالنسبة الطلبيّة دون الطلب الظاهر في المفهوم. إذ الدلالة على المفاهيم المستقلّة شأن الأسماء, و أنّ هيئة افعل
ص: 146
موضوعة للبعث الإنشائي مكان البعث التكويني؛ كما في بعث العبد و الغلام إلى العمل، باليد، و كإغراء الكلب المعلَّم للصيد. نعم لازم البعث الإنشائي هو كون المأمور به مطلوباً و مراداً، و يدل على ذلك أنّ مفاد: افعل مضاد لمفاد: لا تفعل و مفاد الثاني هو زجر المكلف عن الفعل فيكون مفاد افعل هو بعثه نحو الفعل.
و اما قوله «أنّ المستعمل فيه واحد في الجميع و لاجل ان الاختلاف في الدواعي، يوصف الجميع بالحقيقة» فقد تردد فيه و احتمل في ذيل كلامه أنّ استعمال الصيغة فيما إذا كان الداعي، هو البعث و التحريك، حقيقي و في غيره كالتمني و التعجيز مجازي، لا لأجل الاختلاف في المستعمل فيه، لأنّه واحد حسب المفروض، بل لأجل كون الوضع لإنشاء الطلب مقيّداً بما إذا كان الداعي هو التحريك لا غيره. فلأجل تخلّف شرط الوضع توصف سائر الاستعمالات بالمجازية.
و فيه: أنّ کون استعماله فيما إذا كان الداعي غير التحريك مجازاً، غير صحيح على مبناه، لأنّ المجاز عنده عبارة عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له، و المفروض أنّ صيغة افعل مستعملة في عامّة الموارد فيما وضع له أعني: إنشاء الطلب و إنّما الاختلاف في المبادي و البواعث فلا ينطبق عليه حدّ المجاز، وإنّما ينطبق عليه حدّ الغلط، لأنّ وضع الهيئة للطلب الإنشائي إذا كان مقيّداً بكون الداعي هو التحريك، يكون استعماله في الطلب الإنشائي لكن بداعي التعجيز، خارجاً عما رخّصه الواضع فيكون الاستعمال مع وحدة المستعمل فيه غلطاً نظير استعمال الابتداء الاسمي في المعنى الحرفي و بالعكس، حيث ذهب هو إلى وحدة المعنيين و انّ الاختلاف في شرط الوضع حيث شرط الواضع استعمال كلّ في الابتداء الاسمي أو الحرفي، فلو عكس يكون الاستعمال
ص: 147
غلطاً. و عليه فالصحيح کما هو مبنی المشهور ان استعمال الصيغة بداعي البعث حقيقي و بدونه مجازي .
هذا و ذهب المحقّق الخوئي قدّس سرّه الی ان معنى الصيغة هو إبراز جعل الفعل على رقبة العبد و اعتبار كونه في ذمّته جريا على مبناه في باب الإنشاء، بأنّه ليس عبارة عن إيجاد المعنى باللّفظ؛ لأنّه غير معقول، بل هو إبراز لأمر نفسيّ غير قصد الحكاية و ذلك الأمر النفسي في مورد الأمر عبارة عن الاعتبار المشار إليه(1).
و فيه: ما تقدم من الاشکال في المبنی و عليه فالصحيح هو كون معنى صيغة الأمر إنشاء النسبة الطلبية كما اختاره المحقّق النائيني و ان استعمالها بهذا المعنی حقيقي و بدونه مجازي کما عليه علماء الادب العربي .
قال في الكفاية: المبحث الثاني في أنّ الصيغة حقيقة في الوجوب أو الندب، أو فيهما، أو في المشترك بينهما، وجوه بل أقوال؛ لا يبعد تبادر الوجوب عند استعمالها بلا قرينة و يؤيّده عدم صحّة الاعتذار عن المخالفة باحتمال إرادة الندب مع الاعتراف بعدم دلالة عليه بحال أو مقال(2).
ص: 148
اقول: اختار المحقق الخراساني کون الصيغة حقيقة في الوجوب بالوضع بدليل ان المنسبق من الصيغة إلى الذهن عند التجرد عن القرينة هو مطلوبية المادة بحيث لا يرضى الآمر بتركها، و هذا معنى الوجوب، و التبادر علامة الحقيقة.
و فيه: ان المنسبق من الصيغة إلى الذهن هو النسبة الطلبية لا غير و هي تنصرف الی الوجوب اذا لم تکن قرينة في البين و توضيحه: «أنّ إطلاق الأمر على الأوامر الاستحبابية ليس كإطلاق الأسد على الحيوان المفترس. و تقسيم الأمر إلى وجوبي و ندبي ليس من قبيل أن يقال: الأسد على قسمين قسم في الغابة و قسم في الحمام، بل من قبيل تقسيم الحيوان الى الإنسان و غيره، مع أنّ المنصرف إليه عرفا من إطلاق الحيوان هو غير الإنسان، و المنصرف إليه من الماء المشروب هو الماء الصافي دون الكدر، مع أنّ الكدر أيضا فرد من الطبيعة، و كانصراف السبع الى الأسد عرفا مع أنّه صنف منه, و بالجملة فرق بين انصراف الطبيعة إلى الحصّة الخاصّة و انسباقها منها و ظهور اللّفظ وضعا في خصوص تلك الحصّة، و الذي يشهد به الوجدان في المقام هو النوع الأوّل و من هنا علم أنّ الأقوى من بين الأقوال كون الصيغة موضوعة للنسبة الطلبيّة، و له قسمان: وجوبي و ندبي، و المنصرف إليه منها هو الوجوب. و الحاجة إلى القرينة للحمل على الاستحباب لدفع الانصراف لا للحمل على المجاز(1).
ص: 149
و اما الاشکال بإنّ كثرة الاستعمال في الاستحباب قادحة في الانصراف إلى الوجوب کما قاله صاحب المعالم من انه: يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المروية عن الأئمّة ^ أنّ استعمال صيغة الأمر في الندب كان شائعاً في عرفهم بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها في اللفظ، لاحتمال الحقيقة عندانتفاء المرجِّح الخارجي، فيشكل التعلق في إثبات وجوب أمر، بمجرّد ورود الأمر به منهم ^(1).
فقدأجاب عنه في الکفاية بجوابين:
الأوّل: بكثرة استعماله في الوجوب أيضا؛ فلو كان كثرة الاستعمال في الاستحباب بمثابة يكون الاستعمال في الوجوب نادرا اتّجه الإشكال و ليس كذلك لكثرة الاستعمال فيهما.
الثاني: أنّ الاستعمال في الاستحباب مع القرينة لا بدونها، و الذي يقدح في الظهور أو الانصراف هو كثرة الاستعمال في غيره مجرّدا عن القرينة و قد كثر استعمال العامّ في الخاصّ حتّى قيل: ما من عام إلّا و قد خصّ. و لم ينثلم به ظهوره في العموم.
و اجيب: أمّا النقض فلأنّ المدعى استعمال الأمر ابتداءً في المعنى المجازي أي الندب، و هذا لا ينطبق على العام المخصص، لأنّ العام قبل التخصيص و بعده مستعمل في المعنى الموضوع له، و التخصيص إنّما يرد على الإرادة الجدية لا الاستعمالية، و المقياس في المجاز كون اللفظ مستعملًا في غير الموضوع له بالإرادة الاستعمالية، فكيف يقاس الأمر المستعمل في الندب، بالعام المستعمل في العموم قبل التخصيص و بعده، و أمّا الحلّ فلأنّ صاحب المعالم يدّعي استعمال الأمر في الندب بلا قرينة، فأين هذا من الردّ عليه بأنّ الاستعمال كان مصحوباً مع القرينة.
ص: 150
أقول: ان تشبيه المقام بالعام المخصص ليس في محله لکن لا يضر باصل الجواب من کون الاستعمال في الندب کان مصحوبا بالقرينة و يشهد لاحتفافها بالقرينة نحو بيانها فان الغالب في بيانها أساليب مختلفة غير الأمر؛ كالإخبار عن ترتّب الثواب على فعلها و هي شايعة رائجة فيها جدّا؛ كمن فعل كذا دخل الجنّة أو وجبت له الجنّة أو غفر له ذنوبه أو آمنه اللّه من العذاب الأكبر أو كان له بذلك عتق رقبة، أو ترتّب الآثار المرغوبة الدنيويّة كطول العمر و كثرة الرزق و العافية من الأمراض، و إن استعمل فيها الأمر كان إرشاديّا كقول الصادق عليه السلام: «داووا مرضاكم بالصدقة، و ادفعوا نوائب البلايابالاستغفار»(1)، أو ما روی عن ابي الحسن عليه السلام: «استنزلوا الرزق بالصدقة»(2).
و اما دعوی صاحب المعالم «من استعمال الأمر في الندب بلا قرينة» فدعوی بلا دليل و خلاف ما هو موجود في الاخبار و الظاهر وقوع خلط بين استعمال الأمر في الاستحباب، و كثرة ورود الاستحباب في الشريعة المقدّسة. و الاشكال يتوقّف على الأوّل و الصحيح هو الثاني.
قولان اخران:
1- ذهب المحقّق النائيني الی أنّ مدلول صيغة الأمر هو الطلب، و الوجوب و الاستحباب خارجان عن حريم مدلول اللّفظ و ثابتان بحكم العقل، فإنّه يحكم العقل
ص: 151
قضاء لحقّ العبودية و المولوية بوجوب الإتيان بالمطلوب إن لم يجد ترخيصا من المولى في الترك و إلّا فيحكم بالاستحباب(1).
و فيه: ما قد عرفت الإشكال فيه سابقا مضافا الی أنّ إسناد الوجوب إلى حكم العقل إنّما يتمّ لو لم تكن الصيغة ظاهرة فيه عرفا و لو لأجل الاطلاق, و قد عرفت ثبوت ذلك .
هذا و ذهب إلی مقالة المحقق النائيني تلميذه المحقّق الخوئي ره و هو نفس المبنى مع تفاوت في مدلول الأمر لفظا، حيث أفاد أنّه عبارة عن إبراز جعل الفعل على رقبة العبد و اعتباره في ذمّته. و أمّا الوجوب، فيثبت بحكم العقل أداء لحقّ المولى إن لم يرد منه ترخيص في الترك (2).
2- و ذهب المحقّق العراقي ره الی انّ الوجوب مقتضى مقدّمات الحكمة، کما في بدائع الأفكار و حاصله: انّه إذا كان لحقيقة واحدة فردان يتوقّف تفهيم أحدهما على بيان زائد دون الفرد الآخر فيحمل بمقتضى كون المتكلّم حكيماً على الفرد الذي لا يحتاج بيانه إلى أمر زائد، مثلًا: الرقبة لها قسمان:
أ. مطلق الرقبة سواء كانت كافرة أو مؤمنة.
ب. الرقبة المؤمنة.
فإذا قيل: اعتق رقبة من دون أن يقيّد بالإيمان يحمل على القسم الأوّل، لأنّه لو كان الأوّل هو المراد لكان اللفظ وافياً بالمراد، بخلاف ما إذا كان المراد هو الثاني فاللفظ قاصر عن إفادته، فلا يكون اللفظ وافياً بالمراد، و هو خلاف مقتضى الحكمة.
ص: 152
و مثله المقام فانّ الوجوب هو نفس الإرادة بلا قيد، و أمّا الندب فهي الإرادة المحدودة بحدّ خاص به تكون إرادة ندبية، وعليه يكون إطلاق الكلام كافياً في الدلالة على كونها وجوبية إذ لا حدّ لها ليفتقر المتكلّم في مقام إفادته إلى بيان ذلك الحد، و هذا بخلاف ما لو كانت الإرادة ندبية فانّها محدودة بحدّ خاص ليس من سنخ المحدود، و لهذا يفتقر المتكلّم في مقام بيانه إلى تقييد الكلام بما يدل عليه(1).
و أورد عليه المحقّق الخوئي قدّس سرّه اولا...
و ثانيا: بأنّ الإرادة بجميع مراتبها محدودة بحدّ من دون فرق بين الإرادة الشديدة و الضعيفة, و بالجملة الإرادة من الامور الممكنة و كلّ ممكن محدود بحدّ خاصّ. غاية الأمر يزيد الوجوب على الندب بشدّة الإرادة، فكلّ من المرتبتين محتاج إلى بيان زائد و المفروض انتفائه فيصبح الأمر مجملا مردّدا بينهما.
و ثالثة: بأنّه على فرض صحّته أمر دقيق عقلي فلا يفيد في فهم المفاهيم اللّفظية و لو كانت بمعونة الإطلاق، و نظيره ما إذا أطلق كلمة الوجود و لم يذكر المراد منه، فهل يمكن حمل إطلاقه على إرادة واجب الوجود باعتبار أنّه الذي لا يكون له حدّ و قيد؟(2).
قلت: و أجيب جوابه الثاني: بأنّ الأمر و إن كان كذلك ثبوتا إلّا أنّ ذلك الحدّ الخاصّ لا يتعلّق به البيان الزائد على أصل الطلب في مقام الإثبات، فإنّ قوّة الإرادة من طبيعة الإرادة كقوّة النور و العلم و الوجود. بخلاف المرتبة الضعيفة فإنّ ضعفها حدّ عدمي قابل للبيان الزائد، فمن عدم البيان يستكشف المرتبة الشديدة.
ص: 153
الّا انه يرد عليه: إنّ المرتبة العليا أيضا يمكن بيانها و لو بعنوان منتزع كعنوان المرتبة العليا و الإرادة القويّة، أو أنّ المولى لا يرضى بترك الفعل المطلوب و يؤاخذ عليه، و غير ذلك ممّا هو ظاهر في الوجوب أو صريح فيه.
و اما جوابه الثالث فمتين و لا اشکال فيه . و قد تلخّص ممّا ذكرنا؛ أنّ استفادة الوجوب من إطلاق الصيغة بنحو الذي قرّره المحقّق العراقي، غير تامّ.
ربّما تستعمل الجملة الخبرية في مقام الطلب و البعث کما في قوله سبحانه: ﴿وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء﴾(1) و قوله سبحانه: ﴿وَ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾(2) و قوله سبحانه: ﴿وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾(3) و قد تضافرت في الروايات عنهم ^ في أبواب الطهارة و الصلاة و غيرهما «يغتسل», «يعيد الصلاة» , «يستقبل القبلة» ، إلى غير ذلك، فالجمل الخبرية في هذه الموارد استعملت بداعي الطلب أو البعث، فهل هي ظاهرة في الوجوب أو لا؟ کما قال المحقق الخراساني «لتعدّد المجازات فيها و ليس الوجوب بأقواها بعد تعذّر حملها على معناها الحقيقي من الاخبار بثبوت النسبة و الحكاية عن وقوعها؟ الظاهر الأوّل، بل
ص: 154
تكون أظهر من الصيغة حيث إنّه أخبر بوقوع مطلوبه في مقام طلبه إظهارا بأنّه لا يرضى إلّا بوقوعه فيكون آكد في مقام البعث من الصيغة»(1).
قلت: و قد تضمن استدلاله امورا ثلاثة وهي:
1- ان استعمال الجملة الخبرية بداعي الطلب مجازي .
2- و انها ظاهرة في الوجوب .
3- و انها آكد في إفادة الوجوب من الجمل الإنشائية؟
أمّا الامر الأوّل: فلا شكّ انّها ليست بمجاز لا على مذهب المشهور و لا على المختار.
أمّا مذهب المشهور فلأنّ المجاز عبارة عن استعمال اللفظ ابتداءً في غير ما وضع له، و الجملة الخبرية في المقام استعملت في الإخبار لا في الإنشاء فلا يكون الاستعمال مجازاً, نعم اريد منها المعنی الانشائي کنايةً.
و کذا الحال على المختار من أنّ المجاز عبارة عن استعمال اللفظ في نفس ما وضع له لكن بادّعاء المشابهة و ادّعاء أنّ المورد من مصاديق الموضوع له. فليست الجملة الخبرية موصوفة بالمجاز، إذ ليس هناك مشابهة بين الإخبار و الانشاء، كما ليس هناك ادّعاء أنّ الانشاء من مصاديق الاخبار .
ثم ان صاحب الکفاية تعرّض لنكتة اخرى و هي: أنّ هذا النحو من الاستعمال لا يستلزم الكذب قلت: لأنّه إنّما يلزم الكذب إذا أتى بها بداعي الإخبار و الإعلام لا لداعي البعث، و إلّا يلزم الكذب في غالب الكنايات، فمثل زيد كثير الرماد، أو مهزول الفصيل، لا يكون كذباً إذا قيل كناية عن جوده و لو لم يكن له رماد أو فصيل أصلًا، و إنّما يكون كذباً إذا لم يكن بجواد .
ص: 155
و أورد عليه المحقّق الخوئي ره: أنّ الجملة الفعليّة المستعملة في مقام الإنشاء في الحقيقة مستعملة في الطلب لا الخبر بداعي الطلب؛ و الدليل عليه أنّ المتفاهم العرفي من الجملة الفعليّة المستعملة في مقام الإنشاء غير ما هو المتفاهم العرفي منها، إذا استعملت في مقام الاخبار، مثلا المستفاد عرفا من مثل قوله عليه السلام : يعيد الصلاة أو يتوضّأ أو يغتسل أو ما شاكله، على الأوّل ليس إلّا الطلب، كما أنّ المستفاد من الثاني ليس إلّا ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها. فإذن كيف يمكن القول بأنّها تستعمل في كلا المقامين في معنى واحد؟
ثمّ رتّب عليه بطلان النكتة المقتضية للدلالة على الوجوب؛ لأنّها مبتنية على أساس أن تكون الجملة مستعملة في معناها بداعي الطلب و البعث. فإذا ثبت أنّها لم تستعمل إلّا في الطلب و البعث، فلا موضوع لها حينئذ أصلا، بل يبقى أمره دائرا بين الطلب الوجوبي و الاستحبابي من دون معيّن لأحدهما.
ثمّ استدرك ذلك بقوله: بل لا يتمّ القول بظهوره في الوجوب حتّى لو قلنا بكونها مستعملة في الاخبار عن ثبوت النسبة في الخارج بداعي الطلب و البعث. إذ تلك النكتة لو كانت صحيحة لكانت مقتضية لحمل الجمل الخبرية الاسميّة كقولنا: معيد صلاته مكان يعيد صلاته على الوجوب، مع أنّ استعمالها في ذلك المقام في الوجوب من الأغلاط الفاحشة، و لذا لم نر أحدا يدّعيه في اللّغة العربيّة و لا في غيرها من اللّغات.و الحاصل: أنّ الجملة الفعليّة مستعملة في الطلب ابتداء، و يحكم العقل بالوجوب إن لم يجد دليلا على الترخيص في الترك من قبل المولى(1).
ص: 156
و فيه: اما قوله: أنّ الجملة الفعليّة مستعملة في الطلب رأسا فدعوى بلا دليل، بل الدليل قائم على خلافه بالوجدان للفرق الواضح بين يعيد صلاته و ليعد صلاته، أو تعيد صلاتك و أعد صلاتك، فالصحيح انها استعملت في الإخبار لا في الإنشاء کنايةً عن البعث و الطلب .
و اما نقضه بالجملة الاسميّة ؛ فيرد عليه: إنّ عدم استفادتهم من الجملة الاسميّة في ذلك المقام لعلّه من جهة دلالة الجملة الاسميّة على الدوام و الثبات, فاستعمالها في مقام الطلب يوهم لزوم البقاء على ذلك الفعل و مواصلته و المواظبة عليه. و هو خلاف المراد؛ إذ المطلوب ليس إلّا صرف طبيعة العمل الصادقة على المرّة الواحدة، فلما ذا يؤتى بالجملة الاسميّة لبيانه.
و أمّا الأمر الثاني: أي دلالة الجملة الخبرية على الوجوب فهو الظاهر عرفا بشهادة أنّ الجملة تكشف عن شدة رغبة المولی بالموضوع .
و منه يظهر الأمر الثالث لإنّه أخبر بوقوع مطلوبه في مقام طلبه إظهارا بأنّه لا يرضى إلّا بوقوعه فيكون آكد في مقام البعث من الصيغة كما هو واضح.
ص: 157
اقول: لا شک ان مبحث التوصلي و التعبدي من المباحث الاصولية المهمة لکن الظاهر ان ثمرته علمية و اما من جهة عملية فعديم الثمرة في نفسه بمعنی عدم وجود مورد يتوقف علی هذا البحث, نعم في مباحثه الاستطرادية توجدالثمرة, و کيف کان قال في الكفاية: إنّ إطلاق الصيغة(1) هل يقتضي كون الوجوب توصّليّا فيجزي إتيانه مطلقا و لو بدون قصد القربة أو لا؟ فلا بدّ من الرجوع فيما لو شكّ في تعبّديّته و توصّليّته إلى الأصل العملي (2).
اقول: لا بد في تحقيق ذلك من تمهيد مقدمات:
قال في الکفاية: «الوجوب التوصلي هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرد حصول الواجب و يسقط بمجرد وجوده، بخلاف التعبدي، فإنّ الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك، بل لا بد في سقوطه و حصول غرضه من الإتيان به متقرباً به منه تعالى»(3).
قلت: و للتوصلي اطلاقات اخر لا علاقة لها بالمقام الذي عقد له البحث و سياتي الحديث عنها اخر البحث, و اما التعبدي فيطلق و يراد منه أحد الأُمور التالية:
ص: 158
1- الإتيان بالواجب بقصد أمره سبحانه.
2- الإتيان بالواجب للّه تبارك و تعالى.
3- الإتيان بداعي التقرّب إليه سبحانه کما تقدم عن الکفاية .
4- الإتيان بداعي كونه تعظيماً و تقديساً له.
5- الإتيان بداعي المحبوبية للمولى، فيكون الداعي إلى العمل كونه محبوباً و مطلوباً للّه لا سائر الدواعي.
6- الإتيان بقصد المصلحة المعنوية المترتبة على العمل، كالتقوى في الصوم، و الانتهاء عن الفحشاء في الصلاة، قال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾(1) و قال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَر﴾.(2)
قيل: و العبادة عبارة عن إتيان العمل بواحد من هذه الغايات المتقدمة و لا يكفي الإتيان بالعمل لأجل المصالح الدنيوية كالصحة في الصوم و التجارة في الحجّ و الرياضة في الصلاة، لأنّ الإتيان لأجل هذه الغايات لا يضفي للعمل عنوان العبادة(3).
ص: 159
قلت: اما الثلاثة الاولی يعني: «الإتيان بالواجب بقصد أمره سبحانه. او الإتيان بالواجب للّه تبارك و تعالى. او الإتيان بداعي التقرّب إليه سبحانه» فکلها ترجع الی معنی واحد و هو: قصد امتثال امر الله جل و علا و هذا هو المراد من نية القربة و ليس لها معنی اخر و علی فرض توهمه فلا دليل عليه .
و اما الثلاثة الاخر يعني: «إتيان العبادة بداعي كونه تعظيماً و تقديساً له او الإتيان بداعي المحبوبية للمولى، او الإتيان بقصد المصلحة المعنوية» فان کانت عبارة اخری عن قصد امتثال الامر فلا معنی لجعلها قسيمة له و ان لم ترجع الی قصد امتثال امر المولی فالاکتفاء بها في صحة العبادة محل منع لعدم حصول الامتثال حسب الفرض و عدم الدليل علی کفايتها في تحقق العبادة و عليه فينحصر التعبدي في معنی واحد و هو قصد امتثال الامر المعبر عنه بنيةالقربة, و هذا هو الذي اختاره الجواهر حيث قال: «بل لا يصدقان (أي الامتثال و الطاعة) إلّا بإتيان الفعل بقصد امتثال الأمر ..... و على كلّ حال فلا إشكال في اعتبار قصد الامتثال و التعيين على الوجه الذي ذكرناه، و الظاهر أنّ الأوّل (أي قصد امتثال الأمر) هو مراد الأصحاب بنيّة القربة التي لا خلاف معتدّ به في وجوبها، و لذا حكي الإجماع عليها في صريح المدارك و المحكي عن الإيضاح و ظاهر التذكرة و المنتهى.
ص: 160
إلى أن قال: و أمّا القربة بمعنى القرب الروحاني الذي هو شبيه بالقرب المكاني فهو من غايات قصد الامتثال المزبور و دواعيه و لا يجب نيّة ذلك و قصده قطعا ... الخ (1).
و بذلک تعرف ضعف ما قيل: من «انه لا ينافي ذلك كفاية قصد المحبوبيّة فيأتي بالعمل المحبوب لكونه محبوبا للمولى تقرّبا إليه تعالى، و كذلك قصد المصلحة فيأتي بالعمل المشتمل على المصلحة لإحراز المصلحة التي يريدها المولى سبحانه و تعالى لعبده تقرّبا إلى حضرته. و المقصود من التقرّب كما أفاد قدّس سرّه ليس هو القرب المكاني و إنّما هو القرب المعنوي أي جلب رضى الربّ و لطفه و عنايته بالعمل، و الظاهر أنّ ذلك يكفي في التقرّب المعتبر في العبادة، فإنّ العمل الذي بهذه الكيفيّة من مصاديق العبادة قطعا.
و من هنا علم أنّ قصد التقرّب بالعمل بما هو عمل لا معنى له. و كذا إسناده بما هو عمل إليه تعالى بأن يأتي به للّه سبحانه و تعالى كما جاء في بعض الكلمات، بل لا بدّ من التركيز على جهة يصلح بها للمقرّبية إليه تعالى و العمل بما هو عمل خال عن ذلك، إذ ربّ عمل يكون مبعّدا. و النكتة الموجبة للمقرّبية إمّا محبوبيّته له، أو كونه مشتملا على المصلحة التي يريدها، أو تعلّق أمره به و قابليّته لأن يتحقّق به الامتثال، و كلّ ذلك كاف.
و بالجملة، ليس للعبادة حقيقة شرعيّة و لا متشرّعية و معناها العرفي غاية الخضوع و التذلّل للمولى، و كما يحصل ذلك بامتثال أمره يحصل بإتيانه بداعي المحبوبيّة أو
ص: 161
الاشتمال على المصلحة، بل يحصل برجاء كون العمل محبوبا للمولى فضلا عن العلم به و إحرازه، و يعدّ ذلك العبد عاملا برسوم العبوديّة خاضعا للمولى و متذلّلا له.
و بالجملة، الأدلّة اللّفظيّة قاصرة الدلالة و المتيقّن من الإجماع في الواجبات التي هي ليست بتوصّلية أن تكون منبعثة عن داع إلهي لا داع نفساني، و بذلك يصدق أنّ العمل للّه. قال تعالى ﴿إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِين﴾(1), و لعلّ سياق كلام صاحب الجواهر قدّس سرّه في مقام دفع دخل نيّة خصوصيّتي الوجوب و الندب في عباديّة العبادة لا حصر العباديّة في قصد امتثال الأمر»(2).
و فيه: مضافا لما تقدم من عدم حصول الامتثال بدون قصد امتثال الامر, و لابد من تحققه حتی يسقط التکليف و لا يکفي في تحققه صدق عبادية العمل من دون ان يصدق انه امتثل امر المولی و ان حصول الامتثال و الطاعة من الامور العقلية و لا دخل لها بالادلة اللفظية و لا الاجماع .
ص: 162
اقول: إن علم أنّ الواجب تعبدي أو توصلي فلا كلام فيه، و الّا فالذي يكون موجبا لرفع الشكّ أحد أمرين:
الأوّل: الأصل اللّفظي، و المراد به إثبات التوصّلية بإطلاق دليل الأمر بلحاظ خلوّ المأمور به عن قيد الامتثال .
و الثاني: الأصل العملي، و المراد به إثبات التوصّلية بأصالة البراءة، أو الحمل على التعبّدية بقاعدة الاشتغال, فيقع الكلام في موضعين:
الأوّل: فيما هو مقتضى الأصل اللّفظي، و الثاني: فيما هو مقتضى الأصل العملي.
الموضع الاول: مقتضی الاصل في الشک في التعبدية و التوصلية هو التمسك بالإطلاق كما إذا قال: اعتق رقبة، نتمسّك بإطلاق المتعلق ويحكم بعدم وجوب الإيمان، و أمّا المقام فقد قيل فيه ان هناك خصوصية ربّما تكون مانعة عن التمسّك بإطلاق المتعلق، فإذا قال الشارع: أقم الصلاة لدلوك الشمس، فربّما لا يمكن التمسّك، بإطلاق الصلاة لدفع الشك في اعتبار قصد القربة مثلًا، و ذلك لأنّ قيود المتعلق على قسمين:
قسم ما ينوع المتعلّق إلى قسمين كرقبة مؤمنة و رقبة كافرة، فهذا ما يسمّى من القيود الواقعة تحت دائرة الطلب، فكأنّ الطلب يقع على المتعلق مطلقة أو مقيدة.
ص: 163
و قسم آخر لا ينوع المتعلّق إلى قسمين، و هو عبارة عن القيود الناشئة من جانب الأمر بالمتعلّق بحيث لو لا الأمر لما يكون عن هذا القيد عين و لا أثر، و هذا كقصد الأمر في الصلاة، فالصلاة المقيّدة بقصد الأمر متقيّدة بقيد يأتي من قبل الأمر، فلولا أمر الآمر لما يوصف المتعلق بقصد الأمر، و لأجل هذا التفاوت بين القيدين صار القسم الثاني محطاً للنزاع، و انّ إطلاق المتعلّق هل يدل على كون الواجب توصلياً أم لا؟ فمن قال بإمكان أخذ هذا القسم من القيود في المتعلق قال بأنّ الأصل هو التوصلية إلّا أن يدلّ الدليل على خلافه . و أمّا من قال بعدم جواز أخذه في المتعلّق، فذهب إلى أنّ الأصل هو التعبدية إلّا أن يدل دليل على التوصلية وعليه الشيخ الأنصاري و المحقّق الخراساني, و هذا يبتني على أمرين:
الأوّل: استحالة التقييد بالإتيان بداع الأمر.
الثاني: استلزام استحالة التقييد بشي ء لاستحالة الإطلاق بالنظر إليه. فيقع الكلام في مقامين:
ص: 164
استدلّوا على امتناع الأخذ في المتعلّق بوجوه(1), و هي کالتالي:
الأوّل: استلزامه التكليف بغير المقدور
إنّ أخذ قصد الأمر في المتعلّق يستلزم التكليف بغير المقدور، فإذا افترضنا أنّ الموضوع قبل الأمر هو الصلاة مع قصد الأمر فهو فعل غير مقدور قبل الأمر، فكيف يأمر بشي ء غير مقدور قبله مع أنّه يشترط تعلّقه بالمقدور؟
و فيه: أنّه يشترط كون المتعلّق مقدوراً حين الامتثال لا حين الأمر، و المفروض أنّه بعد الأمر يصير امتثاله أمراً ممكناً.
الثاني: استلزامه داعوية الأمر إلى نفسه
إنّ الأمر لا يدعو إلّا إلى متعلقه، و المتعلّق هاهنا هو الشي ء المقيّد بقصد الأمر، فنفس الصلاة مثلًا لا تكون مأموراً بها حتى يقصد المأمور امتثال أمرها، و الدعوة إلى امتثال المقيّد محال، للزوم كون الأمر داعياً إلى داعوية نفسه و محرّكاً لمحرّكية نفسه.
و حاصل الاستدلال: أنّ الأمر إمّا يدعو إلى امتثال نفس الصلاة، و هي ليست متعلّق الأمر، و إمّا يدعو إلى امتثال المركب من الصلاة و قصد الأمر، و هو يستلزم كون الشي ء داعياً إلى نفسه.
ص: 165
و فيه: انه غير تام بكلا شقّيه، إذ لنا أن نختار كلًا من الشقين و نجيب عنه، فنقول:
أمّا الشقّ الأوّل: فنحن نقول إنّ الصلاة بما هي هي متعلقة بالأمر و واجبة إمّا بالوجوب الغيري على القول بوجوب الأجزاء الداخلية، أو بالوجوب الضمني حسب ما ذهب إليه المحقّق البروجردي حيث يترشح من الوجوب النفسي وجوبات متعددة حسب تعدد الأجزاء، أو بالوجوب النفسي حيث إنّ الإنسان يأتي بكلّ جزء داخلي بنيّة امتثال الأمر النفسي، فإذا قال المولى: ابن مسجداً، فالمهندس أو البنّاء إنّما ينوي امتثال الأمر النفسي عند الاشتغال بالتخطيط و تهيئة مواد البناء، و حفر الأرض لنصب الأعمدة، فهذه الأعمال كلها نوع امتثال للأمر النفسي، غير أنّ هذا الامتثال يتم بنحو تدريجي. و على جميع الأقوال فالصلاة مأمور بها.
و أمّا الشقّ الثاني: فنلتزم بأنّ الأمر يدعو إلى كلا الجزءين: الصلاة، و قصد الأمر، غير أنّ داعوية الأمر إلى متعلّقه ليست داعوية تكوينية حتّى يلزم محرّكية الأمر لنفسه، بل داعوية تشريعية التي مرجعها إلى بيان موضوع الطاعة، و على ذلك فالأمر يبيّن موضوع الطاعة و هما أمران: الصلاة و قصد الأمر، و لا ضير في ذلك.
نعم لو قلنا بأنّ الأمر محرّك تكويني بالنسبة إلى المتعلّق يلزم ما ذكر، و يدل على ذلك أنّ الأمر لو كان محركاً لما وجد على أديم الأرض كافر أو عاص، بل المحرّك هو الخوف من العذاب أو الطمع في الثواب.
ثمّ إنّ الأمر بالصلاة مقيّدة بداعي أمرها, ليس بمعنى أنّه يأتي الجزء الثاني «داعي أمرها» بقصد أمره، فانّ هذا التفسير غفلة عن معنى أخذ «قصد الأمر» في متعلّق الأمر،
ص: 166
فانّ الهدف من أخذه ليس إلّا لبيان كيفية امتثال الجزء الأوّل فقط، فإذا أتى بالصلاة بقصد أمرها فقد امتثل الأمر بالمركب من الصلاة و قصد الأمر، قهراً، و معه لا يبقى موضوع لامتثال الجزء الثاني.
و هذا كما إذا أمر المولى بالصلاة مع الطهارة فمن لم يكن متطهراً يكون الأمر داعياً إلى كلا الجزءين، و أمّا من كان واجداً لها فتنحصر داعويته إلى الصلاة وحدها.
و الحاصل: انّ المستدل زعم أنّ هناك واجبين يجب امتثالهما:
أ. نفس الصلاة بقصد أمرها.
ب. قصد الأمر بقصد أمره.
فيخيل إليه أنّ الإتيان بالجزء الأوّل غير كاف في صدق الامتثال، بل لا بدّ من امتثال الجزء الثاني بقصد أمره، و عندئذ يترتب عليه محذور و هو عدم إمكان إتيان الجزء الثاني بقصد أمره، و لكنّه غفل عن أنّ الواجب بالذات هو الجزء الأوّل و إنّما أخذ الجزء الثاني في الموضوع طريقاً إلى الصلاة و عنواناً لها، فإذا أتى بالصلاة مع قصد الأمر فقد حصل الجزء الثاني قهراً من دون حاجة إلى إتيانه بقصد الأمر.
الثالث: استلزامه التسلسل
و بيانه يحتاج إلى بيان مقدمة و هي:
ص: 167
كان المبنى في الدليل الثاني على أنّ الصلاة فاقدة للأمر، و المجموع و إن كان واجداً للأمر لكن الأمر لا يمكن أن يدعو إلى المركب لاستلزامه داعوية الأمر إلى نفسه كما تقدّم.
و لقائل أن يقول: إنّ الصلاة إنّما تفقد الأمر إذا كان الجزء الثاني شرطاً لا شطراً، و إلّا فيوصف كلّ جزء بالوجوب.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أبطل هذا البيان باستلزامه التسلسل، و ذلك لما اختاره في باب اختيارية الشي ء حيث ذهب إلى أنّ ملاك الاختيارية كون الشي ء مسبوقاً بالإرادة، و على ضوء هذا فكلّ شي ء اختياري إذا صدر عن إرادة، و أمّا الإرادة فليست اختيارية لعدم صدورها عن إرادة. و على ضوء ذلك فالصلاة اختيارية، و قصد الأمر الذي هو عبارة أُخرى عن إرادة الأمر غير اختيارية، و لو قلنا بأنّ الجزء الثاني اختياري أيضاً يجب أن يسبق بإرادة ثالثة و هلم جراً.
و إلى هذا الدليل أشار المحقّق الخراساني بقوله: «فانّه يوجب تعلّق الوجوب بأمر غير اختياري، فانّ الفعل و إن كان بالارادة اختيارياً، إلّا أنّ إرادته حيث لا تكون بإرادة أُخرى و إلّا لتسلسلت ليست باختيارية»(1)
و فيه: عدم تمامية المبنى، فانّ الملاك في اختيارية الفعل أحد أمرين: إمّا أن يكون مسبوقاً بالإرادة كما هو الملاك في الأفعال الصادرة عن الجوارح.
ص: 168
و إمّا أن يكون صادراً عن فاعل مختار بالذات و إن لم يكن مسبوقاً بالارادة و هذا كالأفعال الصادرة عن الجوانح مثل الإرادة، فانّها فعل اختياري لصدورها عن نفس المختار بالذات.
ثمّ إنّ الإرادة لو كانت غير اختيارية لزم عدم صحّة جعلها قيداً أيضاً مع أنّ المحقّق الخراساني خصّ الإشكال بكون الإرادة شطراً لا شرطاً.
أضف إلى ذلك انّه لو كان قصد الأمر غير اختياري كيف يحكم العقل بوجوب تحصيله مع أنّ تعلق التكليف بغير المقدور أمر ممتنع سواء كان الحاكم هو الشرع أو العقل؟
الرابع: استلزام الدور
إنّ الأمر يتوقف على موضوعه توقّفَ العرض على موضوعه، فلو كان قصد الأمر مأخوذاً في الموضوع، لزم الدور، لعدم تحقّق جزء الموضوع إلّا بالأمر.
و فيه: أنّ الأمر الصادر من المولى يتوقف على تصور الصلاة في الذهن مع قصد الأمر و هذا لا يتوقف على صدور الأمر من المولى، بل يمكن تصوّر الصلاة مع قصد الأمر و إن لم يكن هناك أمر، و عندئذ فلا دور.
الخامس: تقدّم الشي ء على نفسه
ص: 169
و يلوح من هذا الدليل أنّ في القول بالأخذ مفسدة الدور، و الفرق بين الرابع و الخامس، أنّ الأوّل يصر على نفس «الأمر» و انّه عرض، و هذا الدليل يصر على عنوان «القصد» في قصد الأمر و يقول: إنّ الأخذ في المتعلّق يستلزم تقدّم الشي ء أي القصد, على نفسه برتبتين، و ذلك لأنّ قصد الأمر متأخر عن الأمر، و الأمر متأخر عن الموضوع، فينتج انّ القصد متأخر عن الموضوع برتبتين. و أخذه في الموضوع يستلزم تقدّم الشي ء (القصد) على نفسه.
و فيه: أنّه نفس الإشكال السابق، لكن ببيان آخر، و هو بيان مفسدة الدور، و الجواب أنّ المتأخر عن الموضوع هو القصد الخارجي المتعلّق بالأمر الواقعي الصادر عن المولى، فهما (الأمر و القصد) متأخران عن الموضوع، إمّا برتبة (كما هو الحال في الأمر) ، أو برتبتين (كما هو الحال في قصده) .
و المأخوذ في الموضوع هو مفهوم قصد الأمر الكلي لا القصد الخارجي المتعلّق بالأمر الواقعي الصادر عن المولى، فما هو المتأخر ليس جزء الموضوع، و ما هو جزء الموضوع ليس متأخراً.
السادس: لزوم اتحاد الحكم و الموضوع
ص: 170
انّ ما لا يوجد إلّا بنفس انشائه كيف يعقل أخذه مفروض الوجود في موضوع نفسه، فانّ مرجعه إلى اتحاد الحكم و الموضوع، و الأمر في قصد الأمر ممّا لا يوجد إلّا بالإنشاء، و كيف يصحّ أخذه في المتعلّق(1).
و فيه: أنّ المأخوذ في الموضوع ليس نفس الحكم الخارجيّ، بل المأخوذ مفهوم كلي، و ما هو الحكم مصداق له، و الفرق بينهما هو الفرق بين الحمل الأوّلي و الشائع الصناعي.
السابع: لزوم تقدّم الشي ء على نفسه في المراحل الثلاث
و حاصله: انّ أخذ قصد الأمر في المتعلّق يستلزم تقدّم الشي ء على نفسه في مقام الإنشاء و الفعلية و الامتثال.
أمّا في مقام الإنشاء فلأنّ الموضوع في القضايا الحقيقية لا بدّ و أن يكون مفروض الوجود في الخارج في مقام أخذه موضوعاً، سواء أ كان خارجاً عن اختيار المكلّف كالوقت أم داخلًا تحت اختياره كما في قوله ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ فانّ معناه انّه إذا فرض حصول عقد في الخارج يجب الوفاء به، و حينئذٍ لو أخذ قصد امتثال الأمر قيداً للمأمور به، يكون الأمر موضوعاً للتكليف و مفروض الوجود في الإنشاء، فيكون وجود
ص: 171
التكليف مشروطاً بفرض وجود نفسه فرضاً مطابقاً للواقع، و يستلزم عندئذ كون الأمر مفروض الوجود قبل وجود نفسه، و هو بعينه محذور الدور.
و أمّا في مقام الفعلية فلأنّ فعلية الحكم تتوقّف على فعلية موضوعه، أعني: متعلقات متعلّق التكليف، و حيث إنّ المفروض انّ نفسه هو الموضوع لنفسه و متعلّق لمتعلّقه فطبيعة الحال تتوقف فعليته على فعلية نفسه.
و بعبارة أُخرى: إذا أمر المولى بواجب مقيد بداعي أمره، ففعلية خطابه تتوقّف على فعلية موضوعه و المفروض انّ الأمر لنفسه، جزء الموضوع و عليه تتوقّف فعلية الأمر على فعلية نفسه.
و أمّا في مقام الامتثال فانّ قصد امتثال الأمر متأخر عن الإتيان بتمام أجزاء المأمور به و قيوده، و حيث إنّ من جملة الأجزاء و القيود حسب الفرض نفس قصد الامتثال الذي هو عبارة عن دعوة شخص ذاك الأمر فلا بدّ و أن يكون المكلّف في مقام امتثاله قاصداً للامتثال قبل قصد امتثاله، فيلزم تقدّم الشي ء على نفسه، لأنّه بما هو جزء المأمور به مقدّم، و بما أنّ ماهية قصد امتثال الأمر عبارة عن الإتيان بالأجزاء بقصد الأمر متأخر عن الاجزاء(1).
و يلاحظ على الأوّل: بأنّ أقصى ما يلزم هو فرض وجود الشي ء (قصد الأمر) قبل تحقّقه و هو ليس بمحال، و إنّما المحال وجوده واقعاً قبل تحقّقه، فما عبّر بقوله» يلزم
ص: 172
كونه مفروض الوجود قبل وجوده و هو بعينه محذور الدور «غير تام فانّ محذور الدور هو وجوده واقعاً قبل تحقّقه لا فرض وجوده قبل تحقّقه، و شتان بينهما.
و على الثاني: فلأنّ فعلية الحكم تتوقّف على فعلية الموضوع لا بمعنى وجوده خارجاً بل بمعنى قدرة المكلّف على الإيجاد و الامتثال، و المفروض أنّ المكلّف قادر على الصلاة بقصد أمرها، و أمّا القدرة على إيجاد المتعلّق و الصلاة) بقصد الأمر (فهي موقوفة على صدور الأمر الإنشائي قبل فعلية الموضوع لا على الأمر الفعلي.
فينتج: الأمر الفعلي موقوف على القدرة على إيجاد الصلاة بأمرها، و القدرة الكذائية ليست موقوفة على الأمر الفعلي، بل على الأمر الإنشائي السابق.
و على الثالث: فلأنّ قصد الامتثال الذي هو متأخر عن إتيان المأمور به المركب من الصلاة و قصد الأمر إنّما هو قصد بالحمل الشائع الصناعي، فهو بهذا المعنى متأخر عن المتعلّق و جزئه، و أمّا المتقدّم الذي يجب على المكلف قصد امتثاله فإنّما هو قصد الأمر بمفهومه الكلي الذي يقال انّه قصد الأمر بالحمل الأوّلي.
الثامن: استلزامه الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي
إنّ التكليف بالصلاة بقصد أمرها مستلزم للجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي، لأنّ الموضوع بقيوده لا بدّ و أن يكون ملحوظاً استقلالًا، و الأمر بما أنّه آلة البعث ملحوظ
ص: 173
باللحاظ الآلي، فكون شي ء مأخوذاً في ناحية الأمر و المأمور به يستلزم كونه ملحوظاً بلحاظين مختلفين(1).
يلاحظ عليه: بما سبق من أنّ الملحوظ استقلالاً هو قصد الأمر المأخوذ في المتعلّق و هو أمر بالحمل الأوّلي، و الملحوظ آلياً هو الأمر الجزئي المتعلّق بالمتعلّق الكلي.
و الحاصل: انّ الأمر الخارجي الذي هو بعث بالحمل الشائع ملحوظ آلياً و المأخوذ في المتعلّق هو الصورة الكلية للأمر الذي لا يقال انّه حمل بالشائع الصناعي.
التاسع: التهافت في اللحاظ
لو أخذ قصد الأمر في متعلّق متعلقه يلزم منه التهافت في اللحاظ و التناقض في العلم، لأنّ موضوع الحكم متقدّم عليه في اللحاظ، و قصد الأمر متأخر عنه في اللحاظ، كما أنّه متأخر عنه في الوجود فيكون متأخراً عن موضوع الأمر برتبتين، فإذا أخذه جزءاً من موضوع الأمر أو قيداً فيه لزم أن يكون الشي ء الواحد في اللحاظ الواحد متقدّماً في اللحاظ و متأخراً فيه، و هو في نفسه غير معقول وجداناً امّا للخلف أو لغيره(2).
ص: 174
و فيه أوّلًا: بأنّ الملحوظ متقدّماً غير الملحوظ متأخراً، فالملحوظ متقدّماً هو قصد الأمر بمفهومه الكلي، و الملحوظ متأخراً هو الأمر بالحمل الشائع، فهناك لحاظان و ملحوظان، لا انّ هناك لحاظاً واحداً لشي ء واحد متقدّم و متأخر.
و ثانياً: انّ أقصى ما يترتّب عليه لحاظ الشيئين المترتبين في رتبة واحدة و هو ليس بمحال كلحاظ العلة و المعلول المترتبين في رتبة واحدة و اللحاظ خفيف المئونة، و إنّما المحال كون المترتبين في رتبة واحدة في عالم الوجود.
العاشر: وجود التسلسل في المدعو إليه
هذا الوجه، نقله المحقّق البروجردي عن أُستاذه المحقّق الخراساني، و حاصله: إذا تعلّق الأمر بالصلاة بداعي الأمر، فيسأل عن داعي الأمر و انّه إلى مَيدعو؟ فإن دعا إلى ذات الصلاة، فهو خلف، إذ ليس له أمر و إن دعا إلى المركب أي) الصلاة بداعي الأمر (ننقل الكلام إلى هذا الداعي الثالث و هلم جراً.
و الجواب: نختار الأمر الأوّل، و انّه يدعو إلى نفس الصلاة، و القول بأنّه فاقد للأمر قد مرّ جوابه بأنّ الأجزاء مأمور بها بالأمر النفسي، و انّ من شرع في الصلاة فقد شرع بامتثال الأمر النفسي.
ثمّ نختار الأمر الثاني بأنّه يدعو إلى الصلاة بداعي الأمر، و لكن ليس معناه هو الإتيان بكلّ من الجزءين بداعيه، أي الاتيان بالصلاة بداعي الأمر و الإتيان بداعي الأمر بداعي أمره، و ذلك لأنّ الجزء الثاني لما لم يكن مقصوداً بالذات، بل كان المقصود هو إتيان الجزء الأوّل بداعي أمره، فإذا أتي بالجزء الأوّل بداعي الأمر، يسقط امتثال الجزء
ص: 175
الثاني، لأنّه لم يؤخذ على وجه الموضوعية، بل لأجل الطريقية إلى الجزء الأوّل و بيان كيفية امتثاله.
إلى هنا انتهينا إلى أنّ جميع المحاذير التي رتّبوها على قصد الأمر في متعلّق الأمر غير وارد، فتقييد متعلّق الأمر به بمكان من الإمكان، و بذلك تمّ الكلام في المقام الأوّل- أعني استحالة تقييد متعلّق الأمر بقصد الأمر- و اتّضح عدم الاستحالة.
و هاهنا تصل النوبة إلى المقام الثاني و هو أنّه لو فرضنا و سلّمنا عدم إمكان تقييد متعلّق الأمر بقصد الأمر، فهل يستلزم ذلك استحالة الإطلاق أيضا كما ذهب إليه المحقّق النائيني أم لا؟
و أمّا المقام الثاني أعني استلزام استحالة التقييد لانتفاء الإطلاق و عدم صحّة التمسّك به, فبيانه: أنّ من جملة مقدّمات الحكمة كون المولى في مقام البيان و تركه للبيان، فيستكشف من تركه للبيان عدم دخل القيد في الحكم، و أمّا إذا لم يكن متمكّنا من التقييد و البيان فيمكن أن يكون تركه مستندا إلى عدم التمكّن مع كون القيد مطلوبا له واقعا لدخله في الغرض.
و بالجملة، لا ريب في أنّ الإطلاق في مقام الإثبات و الدلالة متوقّف على التمكّن من البيان و بدونه لا كاشف منه و لذا فصّل المحقّق الخوئي قدّس سرّه بين مقامي الثبوت و الإثبات و حكم بأنّ النسبة بين الإطلاق و التقييد في مقام الإثبات و إن كانت هي العدم
ص: 176
و الملكة و ذلك لأنّ الإطلاق عبارة عن عدم التقييد مع قابليّة التقييد؛ كما إذا فرض أنّ المتكلّم في مقام البيان و هو متمكّن من الإتيان بالقيد و مع ذلك لم يأت به، فيستكشف منه الإطلاق في مقام الثبوت. فالإطلاق في هذا المقام ليس أمرا وجوديّا، بل هو أمر عدمي، بخلاف التقييد فإنّه أمر وجوديّ و استحالته تستلزم استحالة الإطلاق لزوال الشأنية و القابلية، و الإطلاق أمر عدميّ مع وجود الشأنيّة و القابليّة، و يكفي هذا المقدار في بطلان التمسّك بالإطلاق؛ لنفي قيديّة قصد القربة في الواجب. إلى أن قال: فالنتيجة أنّ استحالة التقييد في هذا المقام تستلزم استحالة الإطلاق و بالعكس (1).
قال في تحرير الاصول: «و أمّا التقابل بين الإطلاق و التقييد في مقام الثبوت فإطالة البحث فيه خال عن الثمرة العمليّة لكفاية استحالة الإطلاق إثباتا في عدم انعقاده، و محط كلام المحقّق النائيني قدّس سرّه القائل بتقابل العدم و الملكة بين الإطلاق و التقييد إنّما هو مقام الإثبات و لا نظر له إلى مقام الثبوت أصلا و إرادته لمقام الإثبات، مضافا إلى انصراف عنواني الإطلاق و التقييد إليه صريح كلامه في أجود التقريرات ص 113 فراجع. و أمّا مقام الثبوت فالبحث عنه خال عن الفائدة جدّا بعد استحالة الإطلاق إثباتا»(2) . قلت: و حيث لا طائل تحته اعرضنا عنه .
ص: 177
ثمّ إنّ الشيخ الاعظم رحمه الله حاول - بعد ان قال بامتناع قصد الأمر في المتعلّق بأمر واحد - أن يصحح الأخذ في المتعلّق بأمرين:
أحدهما: يتعلق بنفس الطبيعة و يقول: أقم الصلاة، و الثاني: يتعلّق بالإتيان بها بداعي أمرها كما إذا قال: امتثل أمر الصلاة بقصد أمرها, و على هذا فيكون الأصل في الأوامر هو التوصلية، فانّ الأخذ في متعلّق الأمر الأوّل و إن كان محالًا و لكن لما كان الأخذ في المتعلق بالأمر الثاني جائزاً فعدم وجود الأمر الثاني يكشف عن عدم مدخليته فيه(1).
و أورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ الأمر الأوّل إن كان يسقط بمجرّد موافقته، و لو لم يقصد به الامتثال كما هو قضية الأمر الثاني فلا يبقى مجال لموافقة الثاني مع موافقة الأوّل بدون قصد امتثاله، فلا يتوصل الآمر إلى غرضه بهذه الحيلة و الوسيلة و إن لم يكد يسقط بذلك فلا يكاد يكون له وجه إلّا عدم حصول غرضه بذلك من أمره لاستحالة سقوطه مع عدم حصوله و إلّا لما كان موجباً لحدوثه، وعليه فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى وسيلة تعدد الأمر، لاستقلال العقل مع عدم حصول غرض الآمر بمجرّد موافقة الأمر، بوجوب الموافقة على نحو يحصل به غرضه فيسقط أمره(2).
ص: 178
و فيه: انه اخص من المدعی لأنّ ما ذكره إنّما يتم إذا كان للمكلّف إحدى الحالتين، إمّا عالماً بالتوصلية، أو شاكّاً فيها و في التعبدية، فعلى الأوّل فلا بحث، و على الثاني يعمل بقاعدة الاشتغال، و أمّا إذا كان المكلّف قاطعاً بأنّه توصلي قطعاً مخالفاً للواقع، أو غير ملتفت إلى أنّه تعبدي أو توصلي، فعندئذ يحتاج المولى في استيفاء غرضه إلى التوصل بالأمر الثاني فلا يكون لغواً.
إذا قلنا بامتناع الإطلاق اللفظي الذي هو عبارة عن كون المولى بصدد بيان كلّ ما له دخل في متعلّق الحكم، فإذا سكت نستكشف عن عدم مدخليته، فهناك أصل آخر باسم الإطلاق المقامي فيتمسّك به و يستدل به على التوصلية و هو عبارةعن كون المولى بصدد بيان كلّ ما له دخل في غرضه و إن لم يكن له دخل في المتعلّق فإذا سكت نستكشف عن عدم وجوبه.
و على ضوء ذلك فيمكن أن يتمسّك بالإطلاق المقامي على عدم مدخلية قصد الأمر، و حتى قصد الوجه و التمييز في الغرض، إذ لو كان له مدخلية لوجب على المولى التنبيه على مدخليته و لو ببيان خارج عن الخطاب كأن يقول بعد الأمر بالصلاة أيّها المكلّف، الواجب الذي أمرت به واجب تعبّدي لا توصّلي، فسكوته في كلّ مورد مشكوك كاشف عن عدم مدخليته في غرض المولى و عدم مدخليته في المتعلّق.
و بهذا ظهر أنّ الأصل في التعبّدية و التوصّلية هو التوصّلية، و ذلك من وجوه شتى:
ص: 179
1. إمكان أخذه في المتعلّق، و قد عرفت عدم تمامية الوجوه التي استدلّوا بها على الامتناع.
2. إمكان أخذه في المتعلّق بأمر ثان.
3. إمكان التمسّك بالإطلاق المقامي و انّه لو كان له مدخلية لكان على المولى البيان.
استدلّ القائلون بانّ الأصل هو التعبّدية بوجوه:
الأوّل: ما نقله المحقّق النائيني عن العلّامة الكلباسي من أنّ المولى إنّما يأمر عبده بشي ء و يطلبه منه ليجعل أمره محرّكاً إيّاه نحو العمل و باعثاً له نحو المراد.
و إن شئت قلت: إنّ الغرض من الأمر، كون الأمر داعياً، فحينئذ إن أتى المكلّف به بداعي أمره، فقد حصل الغرض و سقط الأمر، و إلّا فلا(1).
و فيه: أنّ العقل لا يحكم إلّا بوجوب الطاعة، و المفروض أنّ الأمر تعلّق بالعمل خاليا عن قيد الإتيان بالداعي الإلهي، فغاية ما يقتضيه الأمر بحكم العقل هو الإتيان بمتعلّقه في الخارج و تحصيل الغرض المترتّب على المأمور به لا على الأمر.
ص: 180
و أمّا الغرض من الأمر الذي هو فعل المولى فهو أمر يرجع إلى فعل المولى؛ إمّا يحصل له بالأمر و إمّا لا يحصل، و لا وظيفة للعبد في قباله.
الثاني: قوله سبحانه: ﴿وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة﴾(1), و هو يدل على حصر الأوامر الصادرة منه سبحانه في التعبّدية، حيث جاءت غاية للأمر، في قوله جل و علا ﴿وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّه﴾ أي ما أُمروا بشي ء في مورد من الموارد من الطهارة إلى الديات إلّا لأجل عبادة اللّه، فكانت الغاية للأمر في جميع الموارد هي عبادة اللّه، و عليه فكلّ أمر ورد في الشريعة عباديّ، إلّا ما قام الدليل على كونه غير عبادي، و هذا العموم متّبع إلى أن يدلّ دليل على خلافه.
و اجاب الشيخ الاعظم رحمه الله عنه بما حاصله: «انهم ما أمروا إلّا بالعبادة، و ليست العبادة بمعناها المصطلح، بل بمعناها اللغوي، أعني: العبودية و الاخلاص التوحيد لا اخلاص النية بشهادة استعمالاته قل اللّه أعبد مخلصا, فاعبدوا اللّه مخلصا، و الدين لم يوجد بمعنى القصد، بل الاعتقاد، فالتقدير و ما أمروا إلّا بالعبودية له وحده و اقامة الصلاة و الزكاة و الحصر حقيقي مبالغي، فكان المأمور به منحصر في التوحيد و هو أصل الأصول, و الصلاة و الزكاة و هماركنا الفروع. و علی فرض ان المراد من العبادة المعنی المصطلح فلا دلالة فيها على وجوب الاخلاص عليهم في كل واجب يعني لا دلالة فيها علی أصالة تعبدية الواجب, بل على اعتبار قصد الاخلاص في العبادة لظهور
ص: 181
توجه الحصر إلى القيد «مخلصين» لا المقيد «ليعبدوا» فيكون التقدير: و ما أمروا إلّا باتيان عباداتهم بوجه الاخلاص، و لا يكون التقدير و ما أمروا بشي ء إلّا لغاية كونه عبادة يعتبر فيها القربة و الاخلاص(1).
الثالث: ما روي من قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّما الأعمال بالنيّات و لكلّ امرئ ما نوى (2).
و فيه: أنّ الاستدلال مبني على تفسير النيّة في الحديث بنيّة القربة، مع أنّه لا دليل عليه، بل المراد منه بمقتضى الفهم العرفي - و لو بمعونة سائر روايات الباب - إناطة الأجر و الثواب بالنيّة. و قد ورد في ذيل هذه الرواية: فمن كانت هجرته إلى اللّه و رسوله فهجرته إلى اللّه و رسوله، و من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (3).
و عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السّلام: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أغزى عليّا في سريّة و أمر المسلمين أن ينتدبوا معه في سريّته، فقال رجل من الأنصار لأخ له: اغز بنا في سريّة لعلّنا نصيب خادما أو دابّة أو شيئا نتبلّغ به. فبلغ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قوله فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّما الأعمال بالنيّات و لكلّ
ص: 182
امرئ ما نوى، فمن غزا ابتغاء ما عند اللّه (عزّ و جلّ) فقد وقع أجره على اللّه (عزّ و جلّ) و من غزا يريد عرض الدّنيا أو نوى عقالا لم يكن له إلّا ما نوى (1).
هذا، و لو سلّمنا ظهورها في كون نيّة القربة شرطا في صحّة العمل لا في ترتّب الثواب عليه لزم رفع اليد عن ظهورها في ذلك و حملها على الاستحباب لئلّا يلزم تخصيص الأكثر المستهجن؛ لأنّ أكثر الواجبات في الشريعة الغرّاء توصّلية. فهذه الروايات في سياق ما ورد في التحريض على نيّة الخير في جميع الأعمال، فعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا أبا ذرّ، ليكن لك في كلّ شي ء نيّة حتّى في النوم و الأكل (2).
و في دعاء الصحيفة السجادية: و انته بنيّتي إلى أحسن النيّات و بعملي إلى أحسن الأعمال، اللّهمّ وفّر بلطفك نيّتي(3).
الوجه الرابع: ما أفاده العلّامة الحائري قدّس سرّه و حاصله: أنّ القيود على قسمين؛ قسم يمكن أخذه في المتعلّق كالطهارة، و قسم لا يمكن أخذه فيه، إلّا أنّ المتعلّق له ضيق قهري لا ينطبق إلّا على المقيّد؛ نظير المقدّمة الواجبة، فإنّ الواجب ليس مطلق المقدّمة؛ لعدم الملاك في غير الموصلة، و لا المقدّمة بقيد الموصلة؛ لأنّ فرض الإيصال مساوق
ص: 183
لفرض وجود ذي المقدّمة، و معه لا معنى لإيجاب المقدّمة، و مع ذلك فالواجب من المقدّمة له ضيق ذاتي لا ينطبق إلّا على المقدّمة في ظرف الإيصال، و مثله المقام؛ فإنّ المأمور به ليس نفس الطبيعة المطلقة و لا المقيّدة بإتيانها بداع الأمر، بل الطبيعة التي لا تنطبق قهرا إلّا على المقيّد لضيقها الذاتي.
و استدلّ على سرّ هذا الضيق القهري بقياس العلل التشريعيّة بالعلل التكوينيّة؛ فكما أنّ الحرارة ليست مقيّدة بالنار التي تولّدت منها و إلّا لزم أن يكون المعلول المتأخّر مقيّدا بالعلّة المتقدّمة، و لا مطلقة و إلّا يلزم أن يكون المعلول أوسع من علّته لكنّها على وجه لا تنطبق إلّا على الحرارة المتقيّدة بالنار، فهكذا العللالتشريعيّة، فإنّ الأمر لا يحرّك نحو الطبيعة المطلقة و لا المقيّدة بأمرها للإشكالات السابقة، و لكنّه على نحو لا ينطبق إلّا على المأتي بها بأمرها(1).
و اجابه في تحرير الاصول أوّلا: أنّ الأمر لا يدعو إلّا إلى ما تعلّق به في ظاهر الكلام بحسب ما هو مفهوم منه عرفا و هو الطبيعة الخالية عن القيد. و أمّا تضيّق الطبيعة قهرا بكونها مدعوا إليها بالأمر بسبب كونه متعلّقا للأمر قياسا لها بالعلل و المعاليل التكوينيّة فأمر لا يفهمه العرف.
و ثانيا: ما أفاده في العلل التكوينيّة و المؤثّرات الحقيقيّة في محلّه. و أمّا الأمر فصرف إنشاء الطلب و متعلّقه الفعل الاختياري و تعلّقه بالطبيعة المطلقة معقول و إلّا لزم استحالة الأمر التوصّلي إذ الأحكام العقليّة غير قابلة للتخصيص. ثمّ لو فرضنا تضيّق المتعلّق قهرا
ص: 184
بالطبيعة المدعو إليها بدعوة المولى إنشاء، فالقائل كأنّه توهّم أنّ تلك الطبيعة المضيّقة لا تنطبق إلّا على ما يأتي به العبد بداع امتثال الأمر. و الظاهر أنّه خلط بين الداعويّة الإنشائيّة من قبل المولى و الداعي النفسي من قبل العبد بمعنى غرضه الباعث له على الفعل.
فلو سلّمنا أنّ الطبيعة المتعلّقة للأمر متضيّق قهرا بما دعي إليها من قبل المولى إنشاء لا غير، فأيّ ربط له بما يأتي به العبد بغرض الامتثال، حتّى لا ينطبق إلّا عليه؟ اللّهمّ إلّا أن يتمسّك بذيل دليل المحقّق الكلباسي قدّس سرّه و هو أنّ الأمر بغرض إيجاد الداعي فلا بدّ و أن لا يتخلّف داعي العبد عن أمر المولى، و قد تقدّم الجواب عنه(1).
إلى هنا تبيّن أنّ مقتضى الأصل اللفظي هو التوصّلية إلّا أن يدلّ دليل على كون الواجب تعبدياً.
ثم لو افترضنا أنّه لم نخرج بنتيجة قطعية حسب الأدلة الاجتهادية فلا محيص من الرجوع إلى الأصل العملي , اما الأصل العقلي فمقتضاه البراءة، سواءً قلنا بإمكان أخذ قصد الامر في المتعلّق أم لا؟ أمّا على الأوّل فواضح، و أمّا على الثاني فلأنّ المولى و إن كان غير متمكّن من الأخذ في المتعلّق لكن يمكن أن ينبه على شرطيته بالأمر الثاني أو بالطرق التي تعرفت عليها.
ص: 185
لكن المحقّق الخراساني ذهب إلى أنّ الأصل الجاري في المقام عند الشكّ هو الاشتغال فقال في الكفاية: فاعلم أنّه لا مجال هاهنا إلّا لأصالة الاشتغال و لو قيل بأصالة البراءة فيما إذا دار الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين. و الفرق بينه و بين المقام أنّ الشكّ هاهنا في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم مع استقلال العقل بلزوم الخروج عنها، فلا يكون العقاب مع الشكّ و عدم إحراز الخروج عقابا بلا بيان و المؤاخذة عليه بلا برهان، ضرورة أنّه بالعلم بالتكليف تصحّ المؤاخذة على المخالفة و عدم الخروج عن العهدة لو اتّفق عدم الخروج عنها بمجرّد الموافقة بلا قصد القربة. و هكذا الحال في كلّ ما شكّ في دخله في الطاعة و الخروج به عن العهدة ممّا لا يمكن اعتباره في المأمور به كالوجه و التمييز(1).
و فيه أوّلًا: أنّ ما ذكره مبني على تقسيم الجزء إلى ما يمكن أن يكون مأخوذاً في المتعلّق و ما لا يمكن، فتجري البراءة في الأوّل دون الثاني.
و أمّا على المختار من أنّ جميع الشروط و الأجزاء على سنخ واحد، و انّ الكلّ يرجع إلى المتعلّق، و انّ للمولى أن يأخذ قصد الأمر جزءاً للمأمور به كالقنوت و جلسة الاستراحة، فلا يصحّ الفرق بين المقام و الأقل و الأكثر الارتباطيين.
و ثانياً: أنّ ما ذكره من الدليل على الاشتغال في المقام ليس أمراً جديداً، بل هو دليل القائلين بالاشتغال في الأقل و الأكثر الارتباطيين في ذلك المبحث حيث قالوا: بأنّ الأمر بالأقل معلوم و نشك في سقوطه لأجل ارتباطية الأجزاء، و انّالغرض المستكشف من
ص: 186
الأمر معلوم و نشك في سقوطه بإتيان الأقل، فيجب الإتيان بكلّ ما احتمل دخله في الغرض.
و فيه: انّ تحصيل غرض المولى واجب لكن في المقدار الذي قام الدليل عليه، و أمّا ما لم يقم عليه الدليل فليس بواجب تحصيله، كما في المقام, و بعبارة أُخرى: فالعبد مسئول أمام اللّه حسب ما أعطي من الحجة لا ما شك فيه، و الشكّ في سقوط الأمر في المقامين لاحتمال عدم حصول الغرض لا يؤثر في الاشتغال، و قد نبّه علی ذلک ايضا المحقّق العراقي في تقريراته، فقال: إنّ التقريب المذكور ليس موجباً للفرق بين المقام و الأقل و الأكثر الارتباطيين، بل هو أحد الوجوه التي ذكرت للدلالة على لزوم الاحتياط فيهما.(1).
و اما الأصل الشرعي فهو أيضاً كالعقلي على ما اخترنا من إمكان أخذه في المتعلّق، فإذا شككنا في جزئيته أو شرطيته فيكون ممّا لا يعلمون، فيرفع بحديث الرفع, لکن المحقّق الخراساني لما بنى على عدم إمكان أخذه في المتعلّق ذهب في المقام إلى عدم جريان البراءة الشرعية قائلًا: «و لا أظنّك أن تتوهّم أنّ أدلّة البراءة الشرعيّة مقتضية لعدم الاعتبار و إن كان مقتضى الاشتغال عقلا هو الاعتبار؛ لوضوح أنّه لا بدّ في عموم تلك الأدلّة و شمولها من شي ء قابل للرفع و الوضع شرعا و ليس هاهنا. فإنّ دخل قصد القربة و نحوها في الغرض ليس بشرعيّ بل واقعيّ»(2).
ص: 187
و فيه: الاشکال في اصل المبنی من امتناع أخذه في المتعلّق مطلقاً، فعندئذ يكون دخله في الغرض تكوينياً لا جعلياً، و الأمر التكويني غير قابل للوضع و الرفع.
و توضيحه: أنّ المقام أجنبيّ عن جريان قاعدة الاشتغال في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين أو البراءة؛ لأنّه كان مبتنيا على القول بانحلال العلم الإجمالي و عدمه، فالقول بالاحتياط كان مرهونا لإنكار الانحلال، و القول بالبراءة كان مرهونا لإثبات الانحلال.
و أمّا في مقامنا هذا فلا موقع لذلك أصلا؛ للعلم التفصيلي بخروج القربة عن متعلّق التكليف و إنّما الشكّ في دخله في مقام الامتثال بلحاظ احتمال توقّف تحصيل غرض المولى عليه. كما أنّه لا مجال للبراءة النقلية أيضا؛ لأنّ موضوعها ما يكون قابلا للرفع و الوضع شرعا. فنخبة القول في المقام أنّه لو التزمنا بإمكان أخذ قصد القربة في متعلّق التكليف فيكون حاله كحال سائر الأجزاء و الشرائط المشكوك أخذها فيه، فيلحق بمسألة الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين، و المختار فيها جريان البراءة الشرعيّة إمّا وحدها إن لم نقل بالانحلال، و إمّا مع البراءة العقليّة إن قلنا بالانحلال.
و إن لم نلتزم بإمكان أخذها فيه فالمتعيّن عنده جريان قاعدة الاشتغال للشكّ في تحقّق امتثال التكليف المعلوم بدون إتيانه بقصد القربة؛ لاحتمال توقّف الغرض منه على إتيانه بذلك القصد, و فيه ما تقدم في الاصل العقلي من أن العلم بالتكليف غير مفيد بنفسه؛ للعلم بكون متعلّقه ذات العمل لا أزيد منه. و أمّا تنجّزه لأجل ملازمة سقوطه لتحصيل الغرض منه و الشكّ في ذلك لاحتمال إناطته بقصد الامتثال، ففيه: «أنّ إناطة الغرض بقصد الامتثال أو بغيره من الشرائط غير منجّز علينا ما دام لم يقم عليه حجّة و لم يتعلّق
ص: 188
به البيان، فلا اقتضاء فيه للتنجيز كي يسري التنجيز إلى معلوله و هو التكليف. و لنا أن نقول: إنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان في الغرض حاكم بل وارد على الاشتغال المتوهّم جريانه في التكليف؛ لأنّ الأوّل أصل سببيّ و الثاني أصل مسبّبي، إذ المفروض كون احتمال التنجيز في التكليف مسبّبا عن احتمال التنجيز في الغرض»(1).
ثمّ إنّهم ذكروا للتعبّدية و التوصّليّة تفاسير اخر لا بأس بتعميم البحث إليها و ما هو مقتضى إطلاق الصيغة بالنظر إلى التعبّدية و التوصّلية بأيّ واحد منها.
الأوّل: أنّ التوصّلي ما لا يعتبر فيه المباشرة من المكلّف بل تبرأ ذمّته بفعل الغير سواء كان ذلك بالتبرّع أو الاستنابة كأداء الدّين، و التعبّدي ما يعتبر فيه المباشرة كوجوب ردّ السلام.
الثاني: أنّ التوصّلي ما لا يعتبر في سقوطه الاختيار و الالتفات؛ كتطهير الثوب و البدن فيما إذا كان واجبا كوجوبه مقدّمة للصلاة، و التعبّدي ما يعتبر فيه الالتفات و الاختيار كجميع العناوين القصديّة.
الثالث: أنّ التوصّلي ما لا يعتبر فيه وقوعه في ضمن فرد سائغ، بل يكفي وقوعه و لو في ضمن فرد محرم، و أنّ التعبّدي هو الذي يعتبر فيه وقوعه في ضمن فرد سائغ. و ليس
ص: 189
معنى ذلك دخول الفرد المحرم في إطلاق دليل الواجب؛ لأنّ المحرم لا يمكن توجّه الأمر إليه و لو من باب شمول إطلاق الدليل له، بل المقصود حصول الغرض بالفرد المحرم و سقوط الأمر بسبب ذلك و نرجأ البحث عن هذا القسم الی مبحث اجتماع الأمر و النهي .
أمّا المعنى الاول: فلا إشكال فيما إذا أحرز أحد الأمرين، إنّما الكلام و الإشكال فيما لم يحرز ذلك، بل شكّ في أنّ الواجب تعبّدي أو توصّلي بذلك المعنى، أي هل يعتبر فيه المباشرة أم لا؟
فنسب إلى المشهور أنّ مقتضى الإطلاق كونه توصّليّا من دون فرق بين كون فعل ذلك الغير بالتسبيب أو بالتبرّع .
لکن ذهب المحقّق الخوئي قدّس سرّه إلى أنّ الصحيح عكسه (1)، و السبب فيه أنّ التكليف هنا بحسب مقام الثبوت يتصوّر على أحد أشكال:
الأوّل: أن يكون متعلّقه الجامع بين فعل المكلّف نفسه و فعل غيره. و لكنّه غير معقول؛ لأنّ فعل الغير خارج عن اختيار المكلّف و إرادته فلا يعقل توجيه التكليف إلى أحد بالجامع بين فعل نفسه و فعل غيره و لو فرضنا إمكانه بحسب مقام الثبوت. لكنّ الإطلاق
ص: 190
في مقام الإثبات يدفعه؛ لأنّ بيان التخيير يحتاج إلى جعل فعل الغير عدلا لفعل النفس في مقام التكليف، و المفروض انتفاؤه, فسقوط التكليف بفعل الغير لا دليل عليه في مقام الإثبات.
الثاني: أن يكون متعلّقه الجامع بين فعل المكلّف نفسه و بين استنابته لغيره، و هو في نفسه و إن كان معقولا إلّا أنّه خاطئ من جهتين:
الاولى: أنّ لازم ذلك كون الاستنابة بنفسها مسقطة للتكليف و لو لم يأت به الغير في الخارج و هو خلاف الفرض بداهة أنّ المسقط له هو الإتيان الخارجي.
الثانية: لو تنزّلنا عن ذلك، ففيه: أنّه خلاف مقتضى الإطلاق في مقام الإثبات و دلالة الدليل؛ لأنّ المولى كان في مقام البيان و لم يذكر عدلا فيعلم أنّه أراد التعيين دون التخيير.
الثالث: أن يكون الوجوب مشروطا بعدم قيام الغير به، فمع الشكّ في التعبّدية و التوصّلية بهذا المعنى يدور أمر الواجب بين المطلق و المشروط، بخلاف الوجهين السابقين؛ فإنّ الواجب فيهما كان دائرا بين التعيين و التخيير.
و هذا الوجه معقول في نفسه، إلّا أنّ مقام الإثبات أيضا لا يساعده؛ لأنّ الشرط يحتاج في مقام البيان إلى الذكر، و عدم ذكره دليل على عدم إرادته بمقتضى الحكمة.
و بالجملة، الوجهان الأوّلان لا يمكن الالتزام بهما في نفسهما، فينحصر الوجه المعقول في الأخير و مقام الإثبات لا يساعده.
هذا إذا انعقد الإطلاق من كون المولى في مقام البيان، و أمّا إن لم يكن الإطلاق منعقدا و انتهى الأمر إلى الأصل العملي فمقتضى الاشتغال أيضا هو التعبّدية بمعنى المباشريّة.
ص: 191
و استدلّ عليه بما حاصله: أنّ الشرط قد يكون شرطا في أصل توجّه التكليف؛ كما إذا احتمل اختصاص وجوب إزالة النجاسة عن المسجد بالرجل دون المرأة فالمرأة من ابتداء الأمر تشكّ في توجّه التكليف إليها، فالأصل البراءة.
و قد يكون توجّه التكليف معلوما و يحرز فعليّته، و يشكّ في سقوطه، و من الواضح أنّه من موارد قاعدة الاشتغال، و لا يختصّ بهذا المورد، بل يعمّ كافّةالموارد التي يشكّ فيها في بقاء التكليف بعد اليقين بثبوته و اشتغال ذمّة المكلّف به. و مقامنا من هذا القبيل؛ فإنّ وليّ الميّت مثلا يعلم باشتغال ذمّته بتكليف الميّت ابتداء و لكنّه يشكّ في سقوطه عن ذمّته بفعل غيره و المرجع فيه الاشتغال (1)، انتهى.
و فيه: أنّ هناك وجوها أخر لم يتعرّض لها، احدها: كون المكلّف به، الجامع بين الفعل المباشري و الفعل التسبيبي.
و المراد من التسبيبي الفعل الصادر من الغير بتسبيب المكلّف. و هو أمر صحيح معروف لدى العرف و العقلاء، و قد تعلّق به التكليف في غير واحد من الموارد كاستحباب بناء المسجد، فإنّه لا شكّ في كون المراد منه ما هو أعمّ من التسبيب باستيجار البنّاء و العمال و صرف الأموال. و توهّم أنّ كلّ فعل يتوسّط بينه و بين الإنسان إرادة فاعل مختار لا يكون داخلا تحت القدرة ممنوع، بأنّ القدرة المعتبرة هاهنا و إن كانت عقليّة إلّا أنّ الميزان إحرازه بتشخيص العرف؛ لأنّهم كانوا مكلّفين و مخاطبين بالخطابات
ص: 192
الشرعيّة، لا إحرازه بالدقائق العقلية، و لا شبهة في أنّ العقلاء يرون أنفسهم قادرين على إيجاد العمارات و تأسيس المشاريع العامّة و إقامة المجالس و تهيئة الأطعمة، مع أنّ كلّ ذلك متوقّف على توسّط فاعل مختار غيره.
و الوجه في صدق القدرة عليها؛ القدرة على مقدّمات تنتهي غالبا إلى تلك الامور و إن كانت بتدخل فاعل مختار كالقدرة على التوكيل و الاستيجار و التشويق و ... و بالجملة لا شكّ في وجود الفعل التسبيبي و صدق انتسابه إلى مسبّبه.
هذا، فإن أحرزنا كون متعلّق التكليف من أيّ القسمين؛ أي المباشري أو الأعمّ فهو، و إلّا فالدليل مجمل لقصور البيان عن كشف مراد المولى، و المرجع حينئذ من الاصول العمليّة هو أصالة البراءة؛ لأنّ الشكّ يرجع إلى الشكّ في تقيّد المكلّف به بقيد زائد و هو قيد المباشرة؛ لدورانه بين الجامع و خصوص الحصّة المباشريّة.
لكن هذا التوجيه لا يتلائم مع ما ذهب إليه المشهور من كفاية التبرّع، و عليه فلابد من إخراج الاكتفاء بتبرّع الغير منه.
ثانيها: الالتزام بكون متعلّق التكليف هو الفعل المباشري، لكن الاكتفاء بفعل الغير و لو تبرّعا إمّا لفوات الموضوع مثل إزالة النجاسة، فإنّ إزالة الزائل لا معنى له و لو كان منشأ الزوال الأسباب القهريّة كالمطر، أو من باب حصول الفائدة و المصلحة المترقّبة من الفعل بفعل الغير، و لا يبعد أن يكون من ذلك الباب أداء الدّين؛ لأنّ الاعتبار إنّما يساعد على أن يكون المقصود من ذلك وصول الدائن إلى ماله الذي ذهب من يده، فإذا استوفاه و لو من يد متبرّع أدّى عن قبل المديون فقد حصلت النتيجة و استوفى الحقّ و لا معنى لتكراره ثانيا بوسيلة شخص المديون, فإذا أدّى الدّين الغير و لو تبرّعا لا محيص من الالتزام بسقوطه عن ذمّة المديون.
ص: 193
و بالجملة كان الهدف وصول الدائن إلى حقّه و هو يحصل بإقدام المتبرّع من قبله. فكفاية عمل المتبرّع لهذه النكتة لا لأعمّية متعلّق التكليف من فعل النفس و فعل الغير ليرد عليه ما أورده المحقّق الخوئي ره.
فإن أحرزنا من الخارج أنّ فعل الغير مفوّت للموضوع أو محصّل للمصلحة المترقّبة من ذلك العمل فهو قرينة عقليّة على سقوط التكليف في مرحلة البقاء فنلتزم بها، و أمّا إن لم نحرز ذلك من الخارج و فرضنا إجمال الدليل و قصوره عن إفادته فالمرجع فيه الاشتغال.
و اما محاولة المحقق الخوئي ره لإثبات جريان قاعدة الاشتغال فغير تامّة في اکثر الصور. توضيحه: أنّ دوران الأمر بين التعبّدية و التوصّلية بهذا المعنى يتصوّر على أقسام؛ فتارة يكون لأجل الشكّ في كون متعلّق التكليف خصوص الفعل المباشري أو الأعمّ منه و من الفعل التسبيبي، و المرجع فيه البراءة. و تارة يكون لأجل دوران التكليف بين كونه مطلقا و مشروطا بعدم إتيان الغير به، و المرجع فيه أيضا البراءة. و تارة يكون لأجل الشكّ في بقاء التكليف أو سقوطه؛ لاحتمال تحقّق المصلحة و حصولها بفعل الغير، أو لأجل فوات موضوع الحكم به و أمثال ذلك من المسقطات، فالمرجع فيه الاشتغال كما أفاده ره.
و أمّا المعنى الثاني؛ أي ما إذا شكّ في سقوط واجب فيما لو صدر منه بغير اختيار، فهل مقتضى الإطلاق سقوطه أو عدم سقوطه؟
ص: 194
و يعبّر عن الاول بالتوصّلي، و عن الثاني بالتعبّدي. و قد يقال بالأوّل بدعوى أنّ انصراف الفعل إلى الحصّة المقدورة الاختيارية لا منشأ له و عليه فيحکم بکفاية الاول .
و فيه: ما لا يخفی من ظهور الأمر في تعلّقه بالحصّة الاختياريّة، فلو قال المولی اغتسل فالامر عرفا ظاهر في ايجاد الاغتسال و لا يکفي فيه مجرد الحصول من دون ايجاده و لا يتحقق به الامتثال عرفا و لو شک في تحققه جرت قاعدة الاشتغال .
هذا و استدل المحقّق النائيني ره عليه بوجهين:
الأوّل: أنّ الغرض من الأمر هو البعث و إيجاد الداعي لتحريك العضلات نحو إيجاد المأمور به؛ و هو يستلزم أن يكون المتعلّق مقدورا و إلّا لكان طلبه لغوا و عبثا؛ لعدم تحقّق حركة العضلات إلى غير المقدور، فمقتضى الإطلاق تعيّن الحصّة الاختياريّة و عدم سقوط التكليف بغيرها. فتعيّن الحصّة الاختياريّة مستفاد من تعلّق الأمر من دون دليل على خلافه.
الثاني: أنّه لا يكفي في صحّة الواجب حسنه الفعلي، بل يعتبر فيه زائدا على ذلك الحسن الفاعلي، و من هنا التزم ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة و لو على القول بالجواز. و حيث إنّ الفعل الصادر من المكلّف بدون اختيار و إرادة لا يتّصف بالحسن الفاعلي فلا يعقل أن يكون من أفراد الواجب، فسقوط الواجب به يحتاج إلى دليل و هو مفقود، و المرجع فيه قاعدة الاشتغال (1).
ص: 195
و فيه: انه لا دليل علی ما ذکر من اعتبار الحسن الفاعلي، و التزامهم ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة و لو على القول بالجواز اول الکلام و التحقيق صحة الصلاة علی القول بالجواز کما سيأتي .
هذا و أورد المحقّق الخوئي ره على دليله الأوّل أولا: أنّ اعتبار القدرة في متعلّق التكليف إنّما هو بحكم العقل لا بمقتضى الخطاب كما بيّن في محلّه.
و فيه: انه و ان کان اعتبار القدرة في متعلّق التكليف بحكم العقل الّا انه لا ينافي ذلک ظهور الدليل ايضا بتعلقه بالحصة الاختيارية .
ثم اورد ثانيا: بأنّ القدرة سواء كان بحكم العقل أو بمقتضى الخطاب ليس إلّا من ناحية أنّ التكليف بغير المقدور لغو و مقتضاه استحالة تعلّق التكليف بغير المقدور خاصّة، و أمّا تعلّقه بخصوص الحصّة المقدورة فلا، ضرورة أنّ غاية ما يقتضي ذلك كون متعلّقه مقدورا، و من المعلوم أنّ الجامع بين المقدور و غير المقدور مقدور فلا مانع من تعلّقه به (1).
و فيه: انه لو سلّمنا صدق المقدوريّة على الطبيعة و كذا صدق كون الطبيعة داخلة تحت الاختيار بمجرّد القدرة على فرد منها و وجود فرد اختياري لها. لكن ذلك لا يبرّر انعقاد إطلاق الطبيعة بالنسبة إلى جميع حصصها المختلفة، إذ لا بدّ لإحراز توجّه الأمر إليها من تقرير الإطلاق بالنسبة إلى الخصوصيّات المصنّفة و المفرّدة، بأن يقال: أمر بهذه
ص: 196
الطبيعة سواء كان كذا أو كذا. و معلوم أنّ الطبيعة المفروض كونها مقدورة غير قابلة للانطباق على جميع الحصص المفروضة؛ لأنّ بعضها غير مقدور قطعا. و عليه فلا اطلاق لها لغير الحصة الاختيارية .
و ثانيا: لو سلّمنا صدق المقدوريّة على الطبيعة و إمكان انعقاد الإطلاق فيها، لكن كلّ ما ذكر محاولة في مقام إثبات تعلّق التكليف بها و دلالة الدليل عليه و هو غير كاف؛ لأنّ الامتثال يتوقّف على الإتيان بفرد واجد لصفة الطبيعة في الخارج؛ لأنّ الامتثال إنّما يحصل بمطابقة المأتيّ به للمأمور به. فإذا كانت الطبيعة المأمور بها هي الطبيعة المقدورة، فإنّما يحصل الامتثال إذا صدق على الفرد المأتيّ به في الخارج كونه مقدورا و انتفاؤه معلوم، فالامتثال غير حاصل بالفرد الغير الاختياري و الغير المقدور، إلّا أن يتشبّث بذيل اشتمال ذلك الفرد على الملاك، و هو رجم بالغيب .
و الحاصل هو ظهور الأمر في التعبّدية بمعنى الاختياريّة، إلّا أن يدلّ دليل من الخارج على عدم الفرق بين الاختياري و غير الاختياري.
قال في الكفاية: «قضيّة إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسيا تعينيا عينيا. لكون كلّ واحد ممّا يقابلها يكون فيه تقييد الوجوب و تضييق دائرته، فإذا كان في مقام البيان و لم
ص: 197
ينصب قرينة عليه فالحكمة تقتضي كونه مطلقا وجب هناك شي ء آخر أو لا، أتى بشي ء آخر أو لا، أتى به آخر أو لا»(1).
و توضيحه: انه إذا دار أمر الصيغة بين كونه نفسياً أو غيرياً، كما إذا قال: اغتسل لمس الميت، و احتمل كونه واجباً بنفسه کما هو احد القولين أو غيرياً واجباً للغير كالصلاة کما هو المعروف .
أو دار أمرها بين كونه تعيينياً أو تخييرياً، كما في اية الجمعة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّه﴾(2) و دار وجوب صلاة الجمعة بين کونه واجباً تعيينياً لا يسقط بالإتيان بشي ء آخر، أو تخييرياً يسقط بفعل الظهر .
أو دار أمر الصيغة بين كونه عينيّاً أو كفائياً كما إذا قال: اغسل الميت او ادفنه ، و دار بين كونه واجباً عينياً عليه في جميع الحالات قام به الآخر أو لا، أو كفائياً ساقطاً إذا قام به الآخر.
فالمعروف في جميع الصور الثلاث هو الحمل على النفسي التعييني العيني، غير أنّهم اختلفوا في وجه ذلك بعد الاتفاق على أصل الحمل، فذهب المحقّق الخراساني في عبارته المتقدمة الی انّ الوجوب في الثلاثة الأول، مطلق، و في مقابلاتها مقيّد، فإذا لم يأت المولی بالقيد مع كونه في مقام البيان، يؤخذ بإطلاق کلامه و يحمل على كونه نفسياً تعيينياً، عينيّاً.
و أُورد عليه: «بأنّ كلًا من القسمين، من أقسام الوجوب، يمتاز عن المقسم بقيد، و لا معنى لأن يكون أحد القسمين مقيّداً دون الآخر، و إلّا يلزم أن يكون القسم عين
ص: 198
المقسم، فان الواجب النفسي ما وجب لنفسه, و الغيري ما وجب لغيره. و کذلک الواجب التعييني ما وجب و إن أتى بشي ء آخر, و التخييري ما وجب إذا لم يأت بشي ء آخر. و کذلک الواجب العيني، ما وجب و إن أتى به شخص آخر, و الكفائي ما وجب إذا لم يأت به شخص آخر. و عليه فيكون كلّ واحد منهما في مقام التحديد مشتملاً على قيد زائد على نفس البعث و تصير النفسية مباينة للغيرية، لا تتعين إلّا بدال آخر، فلو كان هناك قرينة على أحد الطرفين فهو، و إلّا يصير الكلام من هذه الجهة مجملاً»(1).
و اجيب: بأنّ ما ذكره صحيح إذا لوحظ كلّ من القسمين برؤية عقلية، فلكلّ، قيد يمتاز به عن المقسم و القسم الآخر، و أمّا إذا لوحظ برؤية عرفية فالعرف يرى الوجوب النفسي، نفس الوجوب بلا قيد، و هكذا الآخران، من دون أن يزيد على الوجوب بشي ء، و ذلك لأنّ القيد في الواجب النفسي، أعني قوله: ما وجب لذاته أو لنفسه, ليس شيئاً زائداً على أصل الأمر، بل هو تأكيد له، فلا يتلقّاه العرف أمراً زائداً على أصل الوجوب و إن كان في نظر العقل قيداً زائداً.
و به يتبين حال الأمرين الآخرين، فانّ تفسير التعييني بما وجب و إن أتى بشي ء آخر ، و تفسير العيني بما وجب و إن أتى به آخر ، ليس قيداً زائداً على الوجوب، بل هو تفسير لإطلاق الوجوب وسعته و انّه غير محدد و لا مقيّد، و واجب في كلتا الحالتين، و عليه يكفي في بيانه السكوت بخلاف القيد في الأقسام الثلاثة، فانّه تحديد للوجوب و تضييق له فلا يكفي في بيانه السكوت، بل لا بدّ من التكلّم به، فإذا سكت يحمل على الفرد الذي يكون إطلاق الوجوب كافياً في بيانه و إفادته.
ص: 199
و بعبارة أُخرى: انّ الإطلاق عبارة عن كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع للحكم، و يكون وافياً بإفادة المقصود، فلو أُريد النفسي و نظيره، فالوجوب المطلق من غير قيد باللفظ واف بإفادة المراد، و إن أُريد المقيّد، فالتعبير غير واف، و قد عرفت انّ النفسي و التعييني و العيني، نفس الوجوب المطلق في منظر العرف لا تزيد عليه بشي ء في ذهنه. و كأن العرف يتلقى السكوت وافياً ببيان الثلاثة الأول، دون الثلاثة الأُخر(1).هذا و الاطلاق تام علی جميع ما ذکر للواجب التخييري من تفسير له, و کذلک مقتضى ظاهر الدليل هو العينية باي وجه فسر به الوجوب الکفائي و سياتي البحث عنهما .
و استدل بوجه اخر لما تقدم و هو: أنّ أمر المولى، تمام الموضوع لوجوب الطاعة و العلم بالخروج عن العهدة، و لا يصحّ له ترك المأمور به باحتمال كونه مندوباً، فلا يترك أمر المولى بلا جواب، و الجواب إمّا العلم بكونه مندوباً و إمّا الإتيان بالمأمور.
و على ضوء ذلك يجب أن يحمل على كون الوجوب نفسياً تعيينياً عينياً، إذ على هذا الفرض يقوم بامتثال الأمر في جميع الأحوال و لا يترك أمر المولى بلا جواب بخلاف ما إذا حمل على مقابلاتها فحينئذ يصحّ له ترك المأمور به باحتمال انّه واجب مقدّمي بشي ء لم يجب بعد، أو واجب تخييري أتى بعدله، أو كفائي أتى آخر به، و من المعلوم أنّ ترك المأمور به بهذه الاحتمالات ترك بلا عذر قاطع و جواب حاسم(2).
ص: 200
و فيه: ما تقدم من انّ العقل إنّما يحكم بلزوم التسليم أمام إرادة المولى و كون إرادة العبد طوع إرادته؛ كيفما كانت وجوبا او غيره. فإن تعلّقت إرادته بشي ء على سبيل اللّزوم فيجب تحقيقها و تحصيلها على سبيل اللّزوم و إن كان على سبيل الندب فكذلك, فالعقل ساکت عن تعين احدهما ان لم يکن الامر متعينا بواحد منهما , و الحکم هنا بالوجوب النفسي العيني التعييني منشؤه ظهور الدليل و اطلاقه و لا علاقة له بحکم العقل, و الّا لو فرضنا مثالا لا ظهور لفظي فيه کما لو علمنا بوجوب شيء و لا ندري حقيقته هل هو عيني ام کفائي او... فهل يحکم العقل بوجوبه العيني ام تجري البراءة في الکلفة الزائدة ؟
هذا كلّه حول الأصل اللفظي، و أمّا مقتضى الأصل العملي فقد فرّقه الأُصوليون المتأخرون فبحثوا عن مقتضى الأصل فيما إذا دار بين النفسي و الغيري في مبحث وجوب المقدمة، و عن الأمرين الأخيرين في مبحث البراءة و الاشتغال.
ما هو مفاد الامر عقيب الحظر او توهمه کما في هذين المثالين:
1. قال سبحانه: ﴿وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُن﴾ و قال بعد النهي ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّه﴾(1) فالحظر و النهي في آية واحدة.
ص: 201
2. قال سبحانه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيد﴾(1) أي غير مستحلّين اصطيادها في حال إحرامها.
و جاءت الآية الثانية بالأمر بالاصطياد بعد الاحلال، و قال: ﴿وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾(2), قال في الكفاية: انّه اختلف القائلون بظهور صيغة الأمر في الوجوب وضعا أو إطلاقا فيما إذا وقع عقيب الحظر أو في مقام توهّمه على أقوال: نسب إلى المشهور ظهورها في الإباحة و إلى بعض العامّة ظهورها في الوجوب و إلى بعض تبعيتها لما قبل النهي ان علق الأمر بزوال علّة النهي إلى غير ذلك(3), و ذهب هو صاحب الکفاية إلى الإجمال لاكتناف الامر بما يصلح للقرينية، فالمرجع بعد الإجمال هو الأُصول العملية, و حاصله أنّ دلالة الأمر على الوجوب تدور على أحد محاور ثلاثة: اما بالدلالة اللفظية. او من باب الإطلاق، و هو أنّ البعث المطلق يساوق الوجوب، بخلاف الندب، فانّه يحتاج في إفادته وراء البعث إلى قيد زائد، و قد مرّ نظير ذلك في دوران الأمر بين النفسية و الغيريّة فلو أراد الوجوب، يكون اللفظ وافياً ببيانه، بخلاف الندب، او من باب حكم العقل و العقلاء، بأنّ أمر المولى لا يُترك بلا جواب، و ليس للعبد ترك المأمور به باحتمال كون الطلب مندوباً.
و على أيّ وجه من هذه الوجوه الثلاثة، اعتمد في استفادة الوجوب، فهو غير جار في المقام.
ص: 202
أمّا على الوجه الأوّل، فانّ استعماله في الوجوب حقيقة و في غيره مجاز، فإذا دار مفاد الصيغة في قوله (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ) بين الحقيقة و المجاز فلا يمكن التمسّك بأصالة الحقيقة لأنّها إنّما تجري إذا لم يكتنف الكلام بمحتمل القرينية كما في المقام حيث إنّ تقدّم النهي ربّما يصلح أن يكون قرينة على أنّ الأمر لبيان الترخيص و رفع الحظر، لا لزوم الامتثال.
و منه يظهر حال الوجه الثاني، فانّ الأخذ بالإطلاق تابع لتمامية مقدّمات الحكمة و منها فقد ما يصلح للقرينية، لان ثبوت الإطلاق، المساوق للوجوب، فرع عدم وجود ما يصلح للقرينية، لكن النهي المتقدّم يصلح لها و انّ المراد من الأمر، هو رفع النهي و الحظر لا البعث الجدّي إلى المتعلّق.
و كذلك لو قلنا انه من باب حکم العقل و ذلک لأنّ الموضوع لوجوب الطاعة، هو الأمر، غير المكتنف بما يصلح لأن يصرفه إلى أنّ المقصود رفع الحظر المحقق، أو المتوهم و ليس هذا الاحتمال، نظير احتمال إرادة الندب من الأمر المطلق، غير المكتنف بما يصلح للقرينية، إذ لا إجمال فيه، و لا يكون الاحتمال المجرّد عذراً في ترك المأمور به، بخلاف المقام.
أقول: لا يصار الی الاجمال الّا اذا لم يکن للامر ظهور اصلا و في المقام الامر الوارد عقيب الحظر له ظهور عرفا برجوعه الی ما يقتضيه طبعه الاوّلي, لان ورود الامر عقيب الحظر او توهمه قرينة عامّة في نفي الحظر فقط لا غير و المفهوم منه عرفا انه محكوم بما يقتضيه طبعه الاوّلي, ففي مثل قوله تعالى ﴿وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ يكون الأمر ظاهرا في ارتفاع الحظر الناشئ من الإحرام, فيعود حكمه الأوّلي و هو التفصيل بين الموارد. إذ الصيد في الحرم حرام و في خارجه حلال .
ص: 203
قال في الكفاية: «الحق انّ صيغة الأمر مطلقا لا دلالة لها على المرّة و لا التكرار فإنّ المنصرف عنها ليس إلّا طلب إيجاد الطبيعة، فلا دلالة لها على أحدهما لا بهيئتها و لا بمادّتها. و الاكتفاء بالمرّة فإنّما هو لحصول الامتثال بها في الأمر بالطبيعة كما لا يخفى(1).
اقول: إنّ البحث في دلالة الأمر على المرّة و التكرار انما هو فيما إذا لم يدل دليل خارجي على أحد الأمرين كالتكرار في قوله سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْس﴾(2)
أو المرّة في الأمر الوارد في الحج في قوله سبحانه: ﴿لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت﴾(3).
و اما اذا لم يدل دليل علی احدهما فالامر کما افاده من ان صيغة الأمر لا دلالة لها على المرّة و لا التكرار ، اذ هيئة الأمر موضوعة للطلب و البعث، و مادّته موضوعة للطبيعة, فصلِّ مثلا مدلوله من جهة المادة هو نفس الصلاة بلا قيد، و مدلوله من جهة الهيأة طلب إيجاد الصلاة، و عليه فلا تدل الّا علی ايجاد الطبيعة و لا بد في استفادة المرة أو التكرار من قرينة خارجية.
نعم يمكن القول بأنّ المرّة هي مقتضى الإطلاق بالبيان الذي تقدم في كون النفسية مقتضى إطلاق الأمر، فلاحظ.
ص: 204
ثم انه ليس المراد من الطبيعة الطبيعة السارية في ضمن جميع الأفراد لأنّها غير مقدورة و لا معقولة، فيتعين أن يكون المراد منها صرف وجود الطبيعة, و هي توجد بوجود أوّل فرد منها في الخارج فيتحقّق به الامتثال عقلًا، لا من باب دلالة الصيغة عليه لفظاً, و هذا بخلاف جانب النّهي، فإنّ الظاهر من ترك الطبيعة تركها مطلقا أي في ضمن جميع أفرادها و هو أمر مقدور معقول، فالمراد من الطبيعة الّتي تقع تلو النهي الطبيعة السارية في ضمن جميع أفرادها. و من هنا لا يتحقّق امتثاله إلّا بترك جميع أفرادها و مصاديقها.
ثم انه ذهب صاحب الفصول إلى أنّ محلّ النزاع انما هو في دلالة الهيأة لا في المادة، لإجماع أهل الأدب على أنّ المصدر المجرّد من اللام و التنوين لا يدلّ إلّا على صرف الطبيعة.
و أورد عليه المحقّق الخراساني: بأنّه إنّما يتم إذا كان المصدر هو مبدأ المشتقات، و ليس كذلك، بل هو أحد المشتقات، فعدم دلالته لا يدل على عدم دلالة مبدأ المشتقات عليهما(1).
و فيه: أنّ الاتفاق على عدم دلالة المصدر على المرة و التكرار يدل على عدم دلالة مادته عليهما في ضمن أيِّ هيئة كانت، و من المعلوم انحفاظ مادة المصدر في المشتقات .
هذا و قد عرفت ان لا دلالة للمادة، و لا الهيأة و لا مجموعهما على أحد الأمرين و عليه فلا ثمرة لهذا النزاع .
قال في منتهی الدراية: «الحق أنّ البحث عن دلالة الصيغة على المرة و التكرار بكلا المعنيين (يعني الدفعة و الدفعات او الفرد و الافراد) من الأبحاث الساقطة، إذ الدلالة
ص: 205
المزبورة لا بد أن تكون مستندة إلى المادة أو الهيئة، و قد عرفت عدم دلالة المادة على ذلك. و أمّا الهيئة فقد تقدم في المعاني الحرفية أنّها موضوعة للنسب و الارتباطات، فهيئة الأمر وُضعت للنسبة الطلبية و إيقاع المادة على الفاعل، و لا دلالة لها على مرة و لا تكرار و لا فور و لا تراخٍ»(1).
ما المراد من المرة و التکرار الدفعة و الدفعات ام الفرد و الافراد؟
و الضابط في الدفعة و الدفعات، هو وحدة الحركة و تعددها، و في الثاني، هو وحدة المصداق للطبيعة و كثرته. و على ضوء ذلك ربّما تجتمع الدفعة مع التكرار كما إذا أتى العبد بإناءين مملوءين من الماء فقد امتثل دفعة، و لكن بفردين مكررين، و على كلّ تقدير فكلّ من المعنيين قابل لأن يقع محلاًّ للنزاع.
و تظهر الثمرة فيما لو قلنا بدلالته على المرّة بمعنى الدفعة، إذ يكون الإتيان بفردين دفعة، مجزياً و واقعاً، تحت الأمر بخلاف ما لو فُسرت بالفرد، فيضرّ تعدد الفرد و إن كانت الحركة واحدة.
هذا و ذهب صاحب الفصول الى أنّ المراد من المرّة و التكرار هو الدفعة و الدفعات لا الفرد و الأفراد، قائلاً بأنّه لو كان المراد، هو الفرد و الأفراد، لكان الأنسب جعله ذيلاً للبحث الآتي في تعلّق الأمر بالطبيعة أو الفرد، فلو قلنا بالثاني، يلزم أن يبحث بأنّ
ص: 206
المدلول هل هو الفرد الواحد أو الأكثر أو لا واحد منهما؟ و أمّا لو أُريد بها الدفعة فلا علقة بين المسألتين.
و أورد عليه المحقّق الخراساني بأنّه لا علقة بين المسألتين سواء أُريد من المرّة و التكرار، الدفعة و الدفعات، أو أُريد منهما، الفرد و الافراد, و ذلك لأنّه إنّما يصحّ جعل هذه المسألة ذيلًا لمسألة تعلّق الأمر بالطبائع أو الأفراد، إذا أُريد من الطبيعة في عنوان المسألة الثانية: تعلّق الأمر بالطبائع أو الأفراد، الطبيعة بما هي هي، فبما انّه لا يتصوّر في الطبيعة بهذا المعنى، الفرد و الأفراد، فتصبح دلالة الأمر على الفرد و الأفراد، ذيلاً للشق الثاني من تلك المسألة و يقال: فعلى القول بتعلّقها بالفرد، فهل يتعلّق بفرد واحد، أو أفراد؟(1)
و اجيب: بان تفسير الطبيعة بالمعنى المذكور في عنوان المسألة الثانية، خاطئ جداً، لأنّها بما هي هي ليست محبوبة و لا مبغوضة، فكيف يتعلّق بها الأمر؟ بل المراد منها في عنوان المسألة الوجود السعي بلا لحاظ المشخصات، و عندئذ وقع النزاع في أنّ متعلّق الأمر، هل وجود الطبيعة بوجودها السعي من دون أن يكون للمشخصات دور في المطلوب أو انّ متعلقها وجود الطبيعة مع مشخّصاتها الفرديّة، مثلاً إذا قال: اسقني بالماء فجاء بالماء في إناء بلّور، فهل المتعلق إحضار الماء بوجوده السعي، سواء أ كان في إناء بلور أو نحاس أو غيره من دون نظر إلى تلك الخصوصيات، أو أنّ المتعلّق هو تلك المشخصات مضافاً إلى وجود الطبيعة.
فإذا كان هذا معنى النزاع في تعلّق الأمر بالطبيعة أو الفرد، يصحّ النزاع في أنّ الأمر يدل على المرّة و التكرار بمعنى الفرد و الافراد على كلا القولين، و أمّا على القول الأوّل أي
ص: 207
تعلقه بالطبيعة بمعنى الوجود السعي، فيقع النزاع في دلالة الأمر على الوجود الواحد لها أو الوجودات الكثيرة، و أمّا على القول الثاني فواضح لا يحتاج إلى بيان.
فاتضح أنّ البحث عن المرّة و التكرار سواء فسّرنا بالدفعة أو الدفعات أو بالفرد و الافراد، مسألة مستقلة فيصحّ النزاع في دلالة الأمر على المرّة و التكرار بكلا المعنيين، فليست المسألة، ذيلاً للقول الثاني في مسألة متعلق الأمر .
هذا و ذهب صاحب الفصول الی ان لفظهما ظاهر في الدفعة فقال: «لمساعدة ظاهر اللفظين عليه و مرجعه إلى دعوى التبادر». و به قال ايضا صاحب الکفاية, و استظهر صاحب القوانين المعنى الثاني و هو الفرد(1).
اقول: اما لفظ المرة و التکرار فلم يرد في الادلة حتی يبحث عن معناه و المراد من البحث هنا ما هو ظاهر الصيغة مثل تصدق فهل هي ظاهرة في الدفعة او الفرد لو قلنا بدلالتها علی المرة؟
و على المختار من عدم الدلالة على المرّة و التكرار فالمسألة سالبة بانتفاء الموضوع و عليه فلو امتثل المكلّف بالاتيان بعدة افراد من الطبيعة دفعة واحدة، كما إذا قال المولى: أكرم عالماً فأكرم عدّة منهم دفعة، فهل هو يعد امتثالاً واحداً أو متعدّداً؟
ذهب المحقّق البروجردي رحمه الله إلى القول الثاني قائلاً بأنّ الطبيعة تتكثر بتكثر أفرادها، و كلّ فرد من الأفراد محقّق للطبيعة، و لما كان المطلوب هو الطبيعة بلا تقيّد بالمرّة و التكرار فحينئذ إذا أتى المكلف بأفراد متعددة فقد أوجد المطلوب أي الطبيعة بايجاد كلّ فرد، و يكون كلّ فرد امتثالاً برأسه كما أنّه موجود برأسه.
ص: 208
و من هذا القبيل الواجب الكفائي حيث إنّ الأمر فيه متعلّق بنفس الطبيعة و يكون جميع المكلّفين مأمورين بإتيانها فلو أتى واحد منهم بها سقطت عن الباقي و لا مجال للامتثال ثانياً، و لو أتى عدّة منهم بها دفعة يكون كلّ واحد منهم ممتثلاً و تتحقق امتثالات لا امتثال واحد من الجميع.(1)
و اجيب: «بأنّ فيه خلطاً بين تعدد الطبيعة و تعدد الامتثال، أمّا الأوّل فلا شكّ فيه، لأنّ كلّ واحد من المصاديق و الافراد، محقق للطبيعة فزيد إنسان تام، و عمرو إنسان تام آخر كما أفاده ابن سينا في أنّ وجود الطبيعة في الخارج بمعنى وجود أفرادها.
و أمّا الثاني: فانّ تعدد الامتثال رهن تعدد الطلب و البعث، حتّى يعدّ امتثال كلّ بعث امتثالاً مستقلًا، لكن المفروض عدمه حيث إنّ هنا بعثاً واحداً متعلقاً بالطبيعة غير المقيّد بالمرة و التكرار، و معه كيف يتعدد الامتثال؟ و ليس الأمر بإكرام العالم، كالأمر بإكرام العلماء، حيث إنّ الأمر في الثاني ينحلّ إلى أوامر حسب عدد المصاديق و لكلّ امتثال، بخلاف الأوّل، فهو أمر واحد، متعلّق بالطبيعة المطلقة غير المقيّدة، و معها يكون البعث مثلها واحداً، كما يكون الامتثال أيضاً واحداً.
و بما ذكرنا يعلم الفرق بين المقام و الواجب الكفائي حيث إنّ البعث هناك متعدد حسب تعدد الأفراد، فالكلّ مأمور بتجهيز الميت و مواراته لكن لو أتى به فرد منهم سقط عن الباقي لارتفاع الموضوع عن غيره و على ضوئه لو أتى به عدّة دفعة واحدة يعد الجميع ممتثلًا، لقيام الكلّ بالخطاب الموجَّه إليه»(2).
ص: 209
قلت: و الامر کما افاد فلا يعد امتثالات متعددة بل هو امتثال واحد و عليه فلو اکرم عالمين دفعة صدق عليه انه امتثل عرفا بل و عقلا لعدم تقيد الامر بالمرة حسب الفرض .
ينقسم الواجب إلى قسمين: موسّع و مضيّق, و الأوّل ما لا يكون مقيّداً بالزمان، كأداء الدين غير المؤجّل بأجل، أو يكون الزمان المضروب على الفعل أوسع منه، و يكون المكلّف مخيّراً في امتثاله بين الزمن الأوّل و الثاني. كصلاة الظهر بالنسبة إلى وقتها.
و أمّا الثاني، فعلى أقسام:
الأوّل: ما يكون محدوداً من حيث الزمان، لا يجوز تقديمه و لا تأخيره، كالصوم الواجب في شهر رمضان.
الثاني: ما يجب فوراً، و يسقط وجوبه لو أخّر, كردّ السلام، فلو لم يردّ، عصى، و سقط الوجوب.
الثالث: ما يجب فوراً، و لو عصى لسقطت فوريته لا أصله، كصلاة الزلزلة: فلو عصى و أخّر، سقطت فوريتها لا أصل وجوبها بناء علی القول بذلک .
الرابع: ما لا يسقط أصل وجوبه و لا فوريته إذا عصى، و لكن يجب عليه الإتيان به فوراً ففوراً، كقضاء الفوائت علی القول بالمضايقة.
و هذا التقسيم حسب الثبوت. و إليك الكلام حسب الإثبات. فهل الأمر يدلّ على كونه مضيّقاً أو موسّعاً أو لا يدلّ على واحد منهما؟
ص: 210
و لا يخفی ان محلّ البحث صورة خلوّ الأمر عن القرائن و عليه تخرج الواجبات الموقّتة عن اطار البحث سواء کانت مضيقة ام موسعة, أمّا المضيّقة فليس فيها قابلية التراخي حتّى يدور الأمر بينه و بين الفور و أمّا الموسّعةفمقتضى ظاهر الدليل أو صريحه كفاية الإتيان بالطبيعة في الوقت المضروب لها من أوّله إلى آخره فجواز التراخي فيها مستفاد من نفس التوقيت بالزمان الموسع فيبقى تحته الواجبات الغير الموقّتة .
قال في الكفاية: الحق انّه لا دلالة لصيغة الأمر على الفور و لا على التراخي. نعم، قضيّة إطلاقها جواز التراخي(1).
أقول: مقتضى إطلاق الصيغة هو جواز التراخي فما نفاه اوّلا هو الدلالة الوضعية و ما اثبته ثانيا هو الدلالة الإطلاقيّة. و استدلّ علی ذلک بأنّ المتبادر منها هو طلب إيجاد الطبيعة بلا دلالة على تقييدها بأحدهما، فلا بد للتقييد من دلالة اخرى کما تقدم في بحث المرة و التکرار .
و هو واضح ضرورة أنّ الطبيعة صادقة على الافراد الطولية كصدقها على الافراد العرضية و الكلّ مصداقها فامتثالها يحصل بتحقّق أحد تلك الأفراد. و العقل يحكم في مثله بالتخيير, و الخروج من ذلك محتاج إلى مؤونة التقييد بالحصّة الفورية و المفروض انتفاؤه.
و اما دعوی دلالة غير واحد من الآيات على الفور کما في قوله سبحانه: ﴿وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين﴾(2) و الدلالة مبنية على بيان أمرين:
ص: 211
1. انّ الأمر في سارعوا للوجوب فتكون المسارعة واجبة.
2. انّ المغفرة من أفعاله سبحانه و لا يمكن التسارع إليها فيكون قرينة على انّ المراد بها، هو أسبابها أعني الواجبات فينتج وجوب المسارعة إلى الإتيان بالواجبات.
و قوله تعالی ﴿وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون﴾(1) و وجه الاستدلال بها هو أنّ ظاهرها وجوب الاستباق إلى الخيراتالتي من أظهر مصاديقها هو فعل الواجبات فلو عصى، يجب عليه الإتيان في الآن الثاني و هكذا.
فاجيب عن دلالتهما بأجوبة كثيرة, فأمّا عن أصل الدلالة، فاجيب بانّ قوله تعالى ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرات﴾ إنّما يدلّ على لزوم المسابقة بين المؤمنين في العمل بالخيرات بان لا يتخلى عنها اتّكالا على الغير بل يسعى في أن يكون هو السابق إليها بالقياس إلى غيره، فمدلول الآية إذن اجنبي عمّا نحن بصدده و أمّا آية المسارعة إلى المغفرة فالمراد منها المسارعة إلى التوبة لتحصيل المغفرة، فهي أيضا اجنبية عمّا نحن بصدده. و أمّا العمل بما أمر به مطلقا فليس مصداقا للمغفرة بل هو مانع من تحقّق الذنب فشأنه الدفع لا الرفع و ظاهر المغفرة ما يكون رافعا للإثم بعد وجوده.
ص: 212
هذا و لا يخفی ظهور الأوامر الواردة في المسارعة و الاستباق في الإرشاد إلى ذلك، كما ورد في الحثّ على أصل الطاعة و ذلک لاستقلال العقل بحسن المسارعة و الاستباق .
ثم انه لو قلنا بدلالة الصيغة على الفور امّا بالدلالة اللفظية أو لكونه مقتضى الإطلاق، فلو عصى المكلّف فهل يجب عليه الإتيان بالمأمور به ثانياً أو لا؟
ففيه تفصيل فان احرز الامر من قبيل وحدة المطلوب كما في السلام فيسقط بالعصيان، و ان احرز انه من قبيل تعدد المطلوب كما في قضاء الفوائت بناء على المضايقة وجب عليه اتيانه . و ان لم يمكن استظهار واحد منهما من صيغة الأمر فالمرجع أحد أمرين:
1. الإطلاق القاضي بعدم الوجوب في الآن الثاني لو تمّت مقدّمات الحكمة.
2. الأصل العملي من الاستصحاب أو البراءة، فلو جرى استصحاب الوجوب لأجل القول بأنّ الفورية ليست قيداً للموضوع فهو، و إلّا فالمرجع البراءة من الإتيان ثانياً.
و ينبغي تقديم أُمرين:
ص: 213
اختلفت كلمة الأُصوليين في عنوان البحث فعنونه صاحب الکفاية بما تقدم تبعا الشيخ في مطارح الأنظار بقوله: إتيان المأمور به على وجهه يقتضي الاجزاء أو لا؟(1) و عليه فيکون البحث عقليا و ينصب على وجود الملازمة بين الإتيان بالشي ء على وجهه و الإجزاء, و عنونه المرتضى في الذريعة بقوله: هل الأمر يقتضي الإجزاء أو لا؟(2), و مثله الشيخ في العدة(3) و تبعهما صاحب الفصول(4) و القوانين(5), و عليه فيکون البحث لفظيا، منصبّا على دلالة لفظ الأمر على الإجزاء .
و الاول هو الاولی لأنّ النزاع ليس في مقام الدلالة و الإثبات بل في مرحلة الواقع و الثبوت، و لذا يجري هذا النزاع في جميع الواجبات و إن لم يكن الدليل عليها لفظياً، بل لُبياً، فلا وجه لجعل الاجزاء مدلولاً للأمر. مضافا الی أنّ المقتضي للسقوط هو الامتثال المتحقق بإتيان متعلق الأمر بجميع ما اعتبر فيه، لا نفس الأمر، لأنّه لا يدل إلّا على مطلوبية المتعلق، و لا دلالة فيه على الاجزاء .
ص: 214
و قد ظهر مما ذكرنا: أنّ هذا البحث ليس من الأبحاث اللغوية التي يطلب فيها تشخيص مدلول اللفظ وضعاً أو غيره، بل من المباحث العقلية، كما هو محط استدلال الطرفين و عليه فلا شک في ان المراد من الاقتضاء هو العلية و التأثير لا الكشف و الدلالة .
لکنه لا يخلو من اشکال فقال في الکفاية: «هذا إنّما يكون كذلك بالنسبة إلى أمره، و أمّا بالنسبة إلى أمر آخر كالإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري بالنسبة إلى الأمر الواقعي فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلهما على اعتباره بنحو يفيد الإجزاء أو بنحو آخر لا يفيده(1).
و بعبارة أُخرى: أنّ الإتيان إنّما يكون علّة و مؤثراً لسقوط الأمر المتعلّق بالمأتي به، و أمّا بالنسبة إلى الأمر الآخر الذي لم يمتثل بعدُ: أعني الأمر الواقعي فلا معنى لكون الامتثال بالأمر الاضطراري أو الظاهري علّة لسقوط الأمر الواقعي، فلا محيص في تصحيح النزاع من تفسير الاقتضاء بالدلالة و الكشف، بأن يكون مصب النزاع في دلالة الدليل على اشتمال المأتي به بالمصلحة الجابرة للمصلحة الفائتة فيجزي و إلّا فلا. مثلاً انّ قوله: «إنّ التيمّم أحد الطهورين»(2) و قوله: «و يكفيك الصعيد عشر سنين»(3) دالّ على اشتمال المورد على المصلحة التامّة الجابرة للمصلحة الفائتة و معه لا يبقى مجال للشكّ في السقوط.
ثمّ إنّه أجاب عن الإشكال بقوله: «نعم لكنّه لا ينافي كون النزاع فيهما كان في الاقتضاء بالمعنى المتقدّم، غايته أنّ العمدة في سبب الاختلاف فيهما إنّما هو الخلاف في دلالة
ص: 215
دليلهما، هل أنّه على نحو يستقل العقل بأنّ الإتيان به موجب للإجزاء و يؤثر فيه و عدم دلالته و يكون النزاع فيه صغروياً أيضاً، بخلافه في الإجزاء بالاضافة إلى أمره فانّه لا يكون إلّا كبروياً لو كان هناك نزاع كما نقل عن بعض»(1), و توضيحه: أنّ الدليل يتكفل كيفية تشريع المأمور به الاضطراري و الظاهري، و أنّه هل نزَّله منزلة المأمور به الواقعي الأوّلي أم لا؟ فإن دلّ على هذا التنزيل كان الإتيان به علة لسقوط الأمر الواقعي الأوّلي، و إلّا فلا، فالاقتضاء يكون بمعنى العلية و التأثير على كل حال. نعم يكون التفاوت بين الاضطراري و الظاهري و بين المأمور به الواقعي الأوّلي في كون البحث في الأخير كُبرويّاً فقط، لكون الكلام فيه في الاجزاء لا غير،بخلاف الأوّلين، إذ البحث فيهما تارة يقع في الصغرى و هي كونهما مأموراً بهما مطلقاً و لو بعد ارتفاع الاضطرار و الجهل، و عدمه.
و أُخرى في الكبرى و هي الإجزاء و عدمه، و موضوع البحث الأوّل هو دليل الأمر الاضطراري و الظاهري، و موضوع البحث الثاني هو الإتيان بالمأمور به. فالمتحصّل: أنّ الاقتضاء في الجميع بمعنى التأثير و العلية، لا بمعنى الكشف و الدلالة، حتى في الأوامر الاضطرارية و الظاهرية .
ثم انه لا يخفی ان المراد من الاجزاء هو حكم العقل بالإجزاء، و المراد من العلّية كون الإتيان موضوعاً لحكم العقل، كما أنّ العدل موضوع لحكم العقل بالحسن، و الظلم موضوع لحكمه بالقبح، فتصبح المسألة عقلية بحتة في مورد، و عقلية و شرعية في مورد آخر، كما أفاده صاحب الکفاية, و بذلک تعرف ضعف ما قيل: من أنّه لا يصحّ تفسير الاقتضاء بالعليّة، سواء كان المعلول هو الإجزاء بالمعنى اللغوي أي الكفاية لانه
ص: 216
أمر انتزاعي لا يقع مورد التأثر و التأثير , أو سقوط الأمر لانه مع الاتيان ينتفي الأمر، بانتفاء مقتضيه و سببه ، أو سقوط إرادة المولى لأنّ الإتيان معلول لإرادة الآمر، فلا يكون المعلول علّة لارتفاع علّته فلا يكون علّة لسقوط الإرادة.(1) لما عرفت من أنّ المعلول أمر آخر وراء هذه الأُمور الثلاثة و هو حكم العقل بالإجزاء ، و ان المراد من العلّية كون الإتيان موضوعاً لحكم العقل.
و اورد علی ما أفاده «من أنّ إتيان المأمور به، من معاليل إرادة المولى فكيف يكون المعلول طارداً لعلّته» بأنّ الإرادة مطلقاً تكوينية كانت أو تشريعية إنّما تتعلق بالفعل الاختياري و ليس فعل الغير في اختيار المريد، و لذلك قلنا إنّ الإرادة التشريعية متعلّقة بالبعث و الطلب و هو فعل اختياري للمريد، و هو بالنسبة إلى العبد مبيّن لموضوع الطاعة، و أمّا الانبعاث فهو من آثار الخوف من تبعات المخالفة كما لا يخفى(2).
إذا عرفت هذين الأُمرين و فهاهنا مسائل ثلاثة:
الاولی: هل الإتيان بالمأمور به بجميع ما اعتبر فيه جزءاً أو شرطاً يجزي عن التعبّد بنفس ذلك الأمر سواء أ كان واقعياً أم اضطرارياً أو ظاهرياً ؟
الثانية: هل الإتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري يجزي عن الإتيان به بالأمر الواقعي ؟
الثالثة: هل الإتيان بالمأمور به بالامر الظاهري يجزي عن الإتيان به بالأمر الواقعي ؟
ص: 217
اما المسألة الاولی: فلا شک في الاجزاء و سقوط الامر به بمعنى عدم وجوب الإتيان به ثانياً باقتضاء نفس هذا الأمر، لا إعادة و لا قضاءً، و ذلك لوضوح انطباق متعلقه على المأتي به قهراً الموجب لسقوط الأمر المتعلق به عقلاً، إذ لو لم يكن إيجاد متعلقه أوّلاً مسقطاً له لكان سائر وجوداته أيضا كذلك، لاتحاد حكم الأمثال فيما يجوز و ما لا يجوز، و مع سقوطه لا موجب لإيجاده ثانياً، للزوم طلب الحاصل و هو محال.
نعم ربّما يعترض بالحج الفاسد بالجماع محرّماً، فانّه يجب عليه الإعادة.
و فيه: بأنّ من جامع و هو محرم، إمّا أن يكون عالماً بالحكم أو جاهلًا، فالحج في الصورة الأُولى فاسد فلم يأت بالمأمور به على وجهه، فيجب عليه القضاء في العام القابل، و هو في الصورة الثانية و إن كان صحيحاً لكن إيجاب الإعادة لأجل العقوبة لا لإيجاب التعبّد بما امتثل ثانياً.
و تدلّ عليه صحيحة زرارة الدال على أنّ الاولى حجّته و الثاني عقوبة ففيها «سألته عن مُحرمٍ غَشي امرأتهُ و هي مُحرمةٌ قال جاهلين أو عالمين قُلتُ أجبني في الوجهين جميعاً قال إن كانا جاهلين استغفرا ربَّهما و مضيا على حجّهما و ليس عليهما شيءٌ و إن كانا عالمين فُرِّق بينهُما من المكان الَّذي أحدثا فيه و عليهما بدنةٌو عليهما الحجُّ من قابلٍ فإذا بلغا المكان الَّذي أحدثا فيه فُرِّق بينَهُمَا حَتَّى يقضيَا نُسُكَهُما و يرجعا إلى المكان الَّذي أصابا فيه ما أصابا قلت فأيّ الحجَّتين لهما قال الأولى الَّتي أحدثا فيها ما أحدثا و
ص: 218
الأخرى عليهما عقوبةٌ»(1) و بذلک تعرف ضعف ما حكي عن أبي هاشم الجبائي المتوفّى 321 هجرية, و القاضي عبد الجبار المتوفّى 415 هجرية المعتزليين من عدماقتضاء الإتيان بالمأمور به للإجزاء مستدلاً بإعادة الحجّ على من أفسد(2)، إذ العالم بالحرمة ما أتى بالواجب على وجهه، و الجاهل و إن أتى على وجهه، لكن الحجّ الثاني عقوبة و ليس امتثالاً للأمر الأوّل.
ثم ان صاحب الکفاية ذهب إلى أنّ للعبد تبديل امتثال بامتثال آخر مع کونه قائلا بالإجزاء، و القولان بظاهرهما متناقضان، فانّ الإجزاء يلازم سقوط الأمر، و معه لا يبقى موضوع للامتثال الثاني، فانّ مفاده هو الإتيان بالشي ء بقصد أمره السابق و المفروض انّه قد سقط، فكيف يمكن القول بالجمع بالإجزاء الذي يلازم سقوط الأمر و تبديل الامتثال بامتثال آخر و هو يستلزم بقاء الأمر الأوّل ؟
و اجاب عنه في الكفاية: بأنّه ربّما لا يكون مجرّد امتثاله علّة تامة لحصول الغرض، و إن كان وافياً به لو اكتفى به، كما أنّه إذا أتى بماء أمر به مولاه ليشربه فلم يشربه بعد، فانّ الأمر بحقيقته و ملاكه لم يسقط بعدُ، و لذا لو أُهرق الماء و اطلع عليه العبد وجب عليه إتيانه ثانياً كما إذا لم يأت به أوّلًا، ضرورة بقاء طلبه ما لم يحصل غرضه الداعي إليه و
ص: 219
إلّا لما وجب حدوثه، فحينئذ يكون له الإتيان بماء آخر موافق للأمر كما كان له قبل إتيانه الأوّل بدلًا عنه(1).
و فيه: ما عرفت من أنّ الامتثال الأوّل يوجب سقوط الأمر و لا يعقل صدق امتثال ثان بعد سقوطه.
و أمّا ما ذکره من المثالين، فالأوّل منهما من قبيل تبديل مصداق امتثال لمصداق آخر، لا تبديل امتثال بامتثال آخر، فانّ الأمر بحقيقته و ملاكه قد سقط و إنّما للمكلّف أن يبدّل مصداقاً بمصداق آخر.
و أمّا الأمر الثاني، و هو أنّ الإتيان بالماء ثانياً ليس لأجل بقاء الأمر فانّه قد سقط بتمامه و إنّما الملزم هو العلم بالغرض الکاشف عن أمر اخر، كما إذا رأى انّ ابن المولى سقط في الماء و كان المولى غافلًا فعلى العبد إذا اطّلع عليهأن ينقذه و إن لم يكن هناك أمر من المولى لكفاية العلم بالغرض الکاشف عن الأمر.
هذا و استدل على جواز تبديل الامتثال بامتثال آخر بالروايات التالية:
اولا: ما ورد في باب الكسوف ففي صحيح معاوية بن عمّار قال: «قال أبو عبد اللّه: صلاة الكسوف إذا فرغت قبل أن ينجلي، فأعد»(2) .
و فيه: بأنّ المتبادر من الرواية هو إعادة الصلاة بأمر جديد لا بالأمر الساقط بالامتثال، و عليه فهي ظاهرة باستحباب کما هو واضح، بخلافه على القول بجواز تبديل امتثال بامتثال آخر فانّه ينوي في الإتيان الثاني امتثال الأمر الأوّل الذي وصفه المحقّق الخراساني بأنّه بحقيقته و ملاكه لم يسقط.
ص: 220
ثانيا: ما ورد في إعادة الصلاة مع المخالف فهناك روايات تدلّ على أنّ من صلّى وحده يجوز له أن يعيد الصلاة خلف المخالف کما في صحيح عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه عليه السلام انّه قال: ما منكم أحد يصلّي فريضة في وقتها ثمّ يصلّي معهم صلاة تقية و هو متوضّئ إلّا كتب اللّه له بها خمساً و عشرين درجة فارغبوا في ذلك(1) .
و فيه: أنّها لا علاقة لها بتبديل امتثال بامتثال آخر، بل هي كروايات الباب السابق تدلّ على استحباب إعادة الفريضة جماعة تقية، فهو من قبيل امتثال أمر بعد امتثال آخر.
ثالثا: استحباب الإعادة إذا وجد جماعة کما في صحيح هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنّه قال: «في الرجل يصلّي الصلاة وحده ثمّ يجد جماعة، قال: يصلّي معهم و يجعلها الفريضة إن شاء»(2), فان قوله (علیه السلام ) «و يجعلها الفريضة إن شاء» واضح الدلالة في جواز تبديل الامتثال بالامتثال .
و فيه: انه اخص من المدعی من جواز تبديل الامتثال بالامتثال مطلقا, نعم في هذا المورد بالخصوص تستحب الاعادة و ينوي بها الفريضة التي أقامها، و هو من تبديل الامتثال بالامتثال و لكنه لاجل الدليل الخاص و لا دليل على جواز تبديل الامتثال بامتثال آخر مطلقا .
ص: 221
اقول: و يعبّر عن العنوان ايضاً باجزاء الأمر الواقعي الثانوي عن الأمر الواقعي الأوّلي، كالصلاة مع الطهارة الترابيّة أو على وفق التقية، و کيف کان فظاهر العنوان يعطي انّ هنا أمرين: أمراً واقعياً ثانوياً، و أمراً واقعياً أوّلياً، و محط البحث کفاية امتثال الأمر الأوّل، عن امتثال الأمر الثاني. و الصحيح بطلان ذلک, بل الحقّ أنّ هنا أمراً واحداً متعلقاً بالجامع الواحد، الصادق على جميع أفراده، غير أنّ المختار مكلّف بامتثاله بكيفية، و المضطرّ مكلّف بامتثاله بكيفية أُخرى، و الصلاة بكلتا الكيفيتين من مصاديق الجامع المنطبق على عامّة أفراد الصحيح فقوله سبحانه و تعالی ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾(1) خطاب لعامّة المكلفين بأمر واحد متعلق بالصلاة, فالصلاة قائماً أو قاعداً، راكباً أو راجلًا، مع الطهارة المائية أو الترابية من مصاديق الصلاة الواردة في تلك الآية و هي تعمها بوضعها للجامع الشامل لعامة أفراد الصحيح، فالأمر واحد، و المأمور به واحد، و لو كان هنا اختلاف فانّما هو في كيفية امتثال الأمر الواحد.
فإن قلت: الاختلاف في الكيفية يكشف عن تعدد المأمور به، الملازم لتعدد الأمر.
و اجيب: إنّ الاختلاف فيها إنّما يكشف عن تعدد المأمور به إذا كانت الكيفيات بصورها المختلفة كالطهارة المائية و الترابية مأخوذة في الموضوع، و عندئذ يكون لفظ الصلاة مشتركاً لفظياً لا معنوياً، و المفروض خلافه، لأنّ المأخوذ في الصلاة هي الطهارة بعرضها العريض الشامل لكلتا الطهارتين، و مثلها عدد الركعات، فلم يؤخذ فيه عدد معيّن كالثنائية أو الرباعية، و إلّا لصار اللفظ مشتركاً لفظيّاً، بل الموضوع له هي الهيئة الصلاتية الصادقة على الثنائية و الرباعية، فالصلاة بما لها من المعنى الواحد،
ص: 222
الشامل لصلاة المختار و المضطر، أو الآمن و الخائف، و الحاضر و المسافر وقعت موضوعة للأمرالواحد، و دلّ الدليل الخارجي على أنّ الصلاة مع الطهارة المائية للواجد، و مع الترابية للفاقد، و هكذا سائر الأفراد(1).
إذا عرفت أنّ في المقام أمراً واحداً، يقع الكلام في الاجزاء، و عدمه ثبوتا و اثباتا, و نحن نکتفي في البحث عن مقام الإثبات و عليه فيقع الكلام تارة في العذر غير المستوعب، و أُخرى في المستوعب منه .
أقول: إنّ هنا صوراً ثلاثةً:
الأولی: أن يكون لدليل البدل إطلاق دون دليل المبدل.
الثانية: أن يكون لدليل المبدل إطلاق دون دليل البدل.
الثالثة: أن يكون كلّ من دليلي البدل و المبدل مهملين.
اما الصورة الاولی بأن يكون لدليل البدل إطلاق و المراد من الإطلاق كون العذر غير المستوعب مسوّغاً للتيمّم مثلا - کما هو کذلک علی القول بجواز البدار مطلقا - و إيقاع الصلاة منه ، بمعنى شمول دليله، لمن فقد الماء في بعض الوقت دون الجميع، فيجب على غير المستوعب كالمستوعب، امتثال الأمر بالطهارة الترابية، و في مثله لا شک في الاجزاء لأنّ امتثال كلّ أمر موجب لإجزاء نفسه، لأنّ المفروض أنّ هنا أمراً واحداً ، و الامتثال، آية الإجزاء و ليس هنا أمر آخر حتى يبحث عن إجزائه عنه.
ص: 223
و اما الثانية و هي أن يكون لدليل المبدل فقط إطلاق أعني قوله سبحانه: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ..﴾(1) الخ بحيث يفرض على المكلف الواجد للماء في بعض الوقت الصلاةَ مع الطهارة المائية أيضاً، فلا شكّ في عدم الإجزاء.
و اما الثالثة و هي أن يكون الدليلان مهملين، كأن يكون عدم الوجدان في بعض الأوقات دون بعض غير داخل تحت موضوع المبدل و البدل، فيكون المرجع عندئذ هو الأُصول العملية، و حيث أنّ مرجع الشك إلى الشك في سقوط الأمربالصلاة بالطهارة الترابية و عدمها فالمرجع هنا هو الاحتياط . هذا کله على القول بوحدة الامر .
و أمّا على مختار القوم من تعدد الأمر و الشكّ في کفاية امتثال أحد الأمرين عن الآخر، فقد بحث عنه المحقّق الخراساني تارة من حيث الثبوت و أُخرى من حيث الإثبات ,و نحن نکتفي بالبحث عن مقام الاثبات فيقع الكلام تارة في العذر غير المستوعب، و أُخرى في المستوعب منه.
ذكر المحقّق الخراساني في المقام أمرين:
1. أن يكون لدليل البدل إطلاق بمعنى، فلو قال: التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين و فرضنا شموله للعذر غير المستوعب و لم يذكر شيئاً من الإعادة و القضاء، فالظاهر هو الإجزاء.
ص: 224
2. إذا لم يكن لدليل البدل إطلاق، فالمرجع هو البراءة، لكونه شكّاً في أصل التكليف، من غير فرق بين الإعادة و القضاء(1).
و فيه: إنّ للمسألة صوراً ثلاثةً:
الأولی: أن يكون لدليل البدل إطلاق دون دليل المبدل.
الثانية: أن يكون لدليل المبدل إطلاق دون دليل البدل.
الثالثة: أن يكون كلّ من دليلي البدل و المبدل مهملين.
أمّا الصورة الأُولى: فالظاهر هو الإجزاء، لأنّ المفروض أنّ دليل البدل يعم العذر غير المستوعب، و هو بصدد بيان ما هي الوظيفة فلو وجبت الإعادة و القضاء وراء الإتيان بالبدل لأشار إليه في نفس الدليل.
كما أنّ مقتضى الإطلاق هو البدار، إذ لو كان الانتظار لازماً و كان الشرط هو العذر المستوعب لصرّح به.
لکن المحقّق الخوئي أنكر وجود الإطلاق في أدلّة التيمم و قال: «إنّه لا إطلاق لأدلّة مشروعية التيمم بالقياس إلى من يتمكّن من الإتيان بالعمل الاختياري في الوقت، بداهة أنّ وجوب التيمم وظيفة المضطر، و لا يكون مثله مضطراً لفرض تمكّنه من الصلاة مع الطهارة المائية في الوقت، و مجرّد عدم تمكّنهمنها في جزء منه لا يوجب كونه مكلفاً بالتكليف الاضطراري ما لم يستوعب تمام الوقت»(2).
ص: 225
و اجيب أوّلًا: أنّ حكم الوضوء و التيمم جاءا في آية واحدة و هي الآية السادسة من سورة المائدة و الفقهاء يحتجون بإطلاق الآية في مورد الوضوء، فكيف يمكن أن يقال أنّها في مورد التيمم ليست في مقام البيان؟
و ثانياً: أنّ الموضوع في التيمم هو غير الواجد لا المضطر، و الفاقد و إن كان مضطراً لكنّه عنوان ملازم و ليس بموضوع للحكم، فإذا كان الموضوع هو الفاقد للطهارة المائية يتحقق الموضوع في المقام، ويحكم بإيجاب التيمم و عدم لزوم الإعادة و القضاء بحكم أنّ الآية في مقام البيان(1).
و فيه: ان ما ذکره اولا و ثانيا صحيح اذا لم يکن لنا دليل خاص و معه فلا تصل النوبة لما قال و ظاهر الادلة الخاصة هو التفصيل بين رجاء زوال العذر و عدمه بعدم جواز البدار في الاول و جوازه في الثاني کما عليه مشهور المتقدمين .
اما عدم جواز البدار مع الطمع في الماء فلصحيح ابن مسلم «فأخر التيمم الی اخر الوقت»(2)و كذلك صحيح زرارة «فليطلب مادام في الوقت فاذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم»(3) و غيرهما(4).
و اما جواز البدار مع اليأس فهو ظاهر العماني(5) والاسكافي(6), و يدل عليه مع اليأس صحيح زرارة «فان اصاب الماء و قد صلّی بتيمم و هو في وقت قال عليه السلام : تمت صلاته
ص: 226
و لا اعادة عليه»(1) والمراد منها حالة اليأس بدليلصحيحه المتقدم من وجوب التأخير مع عدم اليأس و بمضمونه افتی الفقيه(2) و مثله خبر علي بن سالم(3) و خبر ابن سالم(4) و خبر معاوية بن ميسرة(5) و قد عمل بها الصدوق في الفقيه و الامالي(6) و الحاصل انه لا خلاف بينهم في عدم جواز التقديم مع الطمع بالماء(7) حتی من العماني و ان قال بالصحة بشرط المراعاة فقال: «لا يجوز التيمم قبل اخر الوقت فان صلی و وجد الماء بطلت صلاته و ان لم يجد صحت»(8) و انما الخلاف في جواز التقديم مع اليأس فما استدل به المتأخرون من جواز التيمم مطلقاً في اول الوقت لاطلاق الروايات المتقدمة
ص: 227
ليس في محله حيث انها ليست في مقام البيان حتی يتمسك بها, بل و يکفي الشك في کونها في مقام البيان و عليه فلا يصح التمسک باطلاقها .
ثم انّ المحقق الخوئي رحمه الله قال بجواز البدار عند التقية لدليل خاص فقال: قد ثبت جواز البدار في بعض الموارد لكن بدليل خاص مع فرض تمكن المكلف من الفعل الاختياري التام في الوقت: منها موارد التقيّة حيث يجوز البدار فيها واقعاً و إن علم المكلّف بارتفاعها في أثناء الوقت و تمكّنه من العمل بلا تقية(1).
و أمّا الصورة الثانية: أعني ما إذا كان لدليل المبدل إطلاق دون دليل البدل، بمعنى أنّ ما دلّ على شرطية الطهارة المائية شاملة لهذه الصورة، و انّ الشارع لم يرفع اليد عن الشرط في هذه الصورة، فعدم الإجزاء واضح فيحتاج إلى الإعادة في الوقت و القضاء خارجه.
و أمّا الصورة الثالثة: أعني ما إذا كان الدليلان مهملين، فالمتّبع هو الأصل، و هو عند صاحب الکفاية البراءة عن إيجاب الإعادة و القضاء، لأنّه شكّ في التكليف, حيث أنّ التكليف بالأمر الواقعي لم يكن فعلياً في زمن الاضطرار و إنّما الفعلي هو التكليف الظاهري، و المفروض انّه امتثله، و بعد ارتفاع العذر يشكّ في فعلية الحكم الواقعي و عدمها، و معه يكون الشكّ في حدوث تكليف آخر بالإعادة أو القضاء و هو مدفوع بالأصل .
و فيه: أنّ محل الکلام هو عدم وجود إطلاق من ناحية البدل، و معه لا علم لنا بفعلية التكليف الظاهري أيضاً إذ يحتمل أن يكون الشرط المسوّغ للتيمّم هو استيعاب العذر و المفروض خلافه، و عند ذلك يكون مرجع الشكّ في المقام إلى دوران الأمر بين
ص: 228
الواجب التخييري أو التعييني، إذ لو كان العذر في بعض الوقت كافياً في إقامة الصلاة مع الطهارة الترابية يكون المكلّف مخيراً بين إتيانها في أوّل الوقت بالطهارة الترابية أو الصبر إلى ارتفاع العذر و الإتيان بها مع الطهارة المائية، و من المعلوم أنّ في دوران الأمر بين الواجب التخييري و الواجب التعييني هو الأخذ بالثاني. لأنّ في العمل بما يحتمل التعيين علم بالبراءة القطعية بخلاف الأخذ بأحد طرفي الواجب التخييري المحتمل ففيه احتمال البراءة لا العلم بها.
استدلال اخر لاثبات البراءة
و استدل بوجه آخر لاثبات البراءة و هو: «أنّه في حال العذر المؤقت قاطع بعدم الأمر بالإتيان بالصلاة مع الطهارة المائية، و لكن يحتمل أن يكون مأموراً بالأمر الاضطراري فقط، فيأتي به رجاء امتثاله على فرض الأمر به، فإذا أتى به رجاءً يشكّ في حدوث الأمر الآخر بالصلاة مع الطهارة المائية، فيرجع الشكّ إلى حدوث التكليف لا إلى سقوطه بعد العلم به»(1).
و اجيب: بأنّه إنّما يصحّ بعد الإتيان بالأمر الاضطراري المحتمل، فيقال: الأوّل قطعي الارتفاع و الثاني مشكوك الحدوث، و أمّا إذا لوحظ التكليف أوّل الوقت قبل الإتيان بالفرد الاضطراري فانّه عندئذ يعلم بتوجه أحد الأمرين:
1. التخيير بين امتثال الأمر الظاهري أو الأمر الواقعي.
2. تعيّن امتثال الأمر الواقعي فقط.
ص: 229
و من المعلوم أنّ المرجع في مثله، هو الأمر التعييني المحتمل، لأنّ فيه البراءة القطعية من التكليف دون الأوّل(1).
و فيه صورتان:
الاولی: أن يكون لدليل البدل إطلاق.
الثانية: أن يكون كلّ من دليلي البدل و المبدل مهملين.
و الصورة الثالثة غير متصورة و هي: «بأن يكون لدليل المبدل إطلاق دون البدل»، لأنّ لازم شرطية الطهارة المائية في الصلاة في العذر المستوعب هو جواز ترك الصلاة بتاتاً، و هو غير جائز لعدم جواز ترك الصلاة على كلّ حال.
أمّا الصورة الأُولى فلا شكّ في الإجزاء، لأنّ المفروض انّ لدليل البدل إطلاقاً يعمُّ العذر المستوعب، و لم يرد فيه الأمر بالقضاء خارج الوقت، من غير فرق بين القول بوحدة الأمر كما هو واضح، و بين تعدده كما عليه القوم.
أمّا الأوّل فلأنّ الواجب هو الجامع المتحقّق بالفرد الاضطراري، و من المعلوم أنّه يسقط التكليف عندئذ لفرض تحقّق الطبيعة في فرد واحد.
و أمّا على القول بتعدد الأمر فالأصل أيضاً هو البراءة، لأنّ البحث على أساس أنّ القضاء بأمر جديد مستفاد من ادلة وجوب القضاء, و عليه فإيجاب القضاء يحتاج إلى صدق عنوان الفوت و هو مردّد بين العناوين التالية:
ص: 230
1. فوت الواجب بالأمر الظاهري، و المفروض أنّه لم يفت.
2. فوت الفريضة الواقعية الفعلية، و هو خلاف المفروض، إذ لا فعلية لأمر الصلاة بالطهارة المائية حتى يصدق على المورد فوت الفريضة الواقعية الفعلية.
3. فوت الملاك الواقعي، و هو مشكوك، لاحتمال قيام الطهارة الترابية مكان الطهارة المائية في هذه الحالة، فلا علم بفوت الملاك, مضافا الی انه لا علم لنا بالملاک الّا من خلال الامر و هو غير معلوم, و عليه فلا محيص من القول بالبراءة في العذر المستوعب على كلا المبنيين.
و اما الصورة الثانية و هي: أن يكون كلّ من دليلي البدل و المبدل مهملين، فلا محيص حينئذ عن القول بالإجزاء على القول بوحدة الامر کما تقدم البحث عنه في العذر غير المستوعب .
و اما علی القول بتعدد الامر فالمرجع عندئذ هو الأُصول العملية، و حيث أنّ مرجع الشك إلى الشک في التکليف فالمرجع حينئذ البراءة عن وجوب الإعادة و القضاء، و نتيجة ذلك عدم وجوب الإعادة أو القضاء أيضا.
لا يخفی إنّ العمل بالأمارات و الأُصول تارة يكون لأجل استكشاف أصل التكليف؛ كما إذا قامت الأمارة على أنّ الواجب هو صلاة الظهر، و تبين أنّ الواجب هو الجمعة، و هنا لا معنى للبحث عن الإجزاء، أي إجزاء امتثال أمر موهوم عن امتثال أمر واقعي، و أُخرى يكون العمل بالأمارات و الأُصول لغاية استكشاف خصوصيات المكلّف به من
ص: 231
كون شي ء جزءاً أو شرطاً أو مانعاً أو عدم كونه كذلك، و النزاع منصبّ على هذا القسم, و يقع البحث فيه في موردين:
إذا عمل بالأمارة لاستكشاف خصوصيات المكلّف به، مثلًا: إذا صلّى إنسان أو توضأ أو اغتسل أو حجّ على وفق ما أخبر به الثقة اعتماداً على قول الشارع بحجّية خبره ثمّ بان الخلاف، فهل يكون مجزياً أو لا؟
ذهب المتأخرون من الأُصوليين، إلى عدم الإجزاء عند ظهور الخلاف، سواء انكشف الخلاف بعلم وجداني أو بأمارة شرعية(1)، و ذلك: «لأنّ لسان الأمارات لسان ما هو الشرط واقعاً، فانّ دليل حجّيتها حيث كان بلسان أنّه واجد لما هو شرطه الواقعي فبارتفاع الجهل ينكشف أنّه لم يكن كذلك بل كان شرطه فاقداً»(2).
و بعبارة أُخرى: انّ لسان دليل التعبد بالأمارات هو التعبّد بها بما انّه طريق إلى الواقع و كاشف عنه و انّ الواقع متحقّق هنا، فإذا تعبّدنا الشارع بالعمل بالأمارة لأجل هذه الحيثية ثمّ تبيّن الخلاف و انّه لم يكن طريقاً و لا كاشفاً و لا الواقع متحقّقاً، يتبين أنّه لم يكن هنا تعبد بالعمل بها في هذا المورد، و معه كيف يمكن القول بالإجزاء؟
و اجيب أوّلًا: أنّ المعيار في حجيّة الأمارة و إن كان هو الكشف عن الواقع غير أنّ المراد من الكشف هو الكشف النوعي الغالبي لا الكشف الدائمي، و ذلك واضح لمن
ص: 232
لاحظ الأمارة، فانّ الثقة ليس بمعصوم و إنّما يُصيب قوله الواقع في أكثر الموارد لا جميعها، فمن اعتبره حجّة فإنّما اعتبره بهذا الملاك أي كونه كاشفاً عن الواقع في غالب الموارد، فإذا كان هذا هو الملاك فهو موجود في عامّة الموارد حتّى فيما خالف الواقع(1).
و فيه: ان دليل حجية الامارة و هو بناء العقلاء و الادلة النقلية الممضية له قائم علی اکتفاء المولی بما عليه العقلاء و هم لا يعملون به مع انکشاف الواقع و لا من دليل يدل علی امضاء المولی للعمل بالامارة في مورد انکشاف الواقع علی خلافها .
و ثانياً: أنّ بين الأمر بالعمل بالأمارة حتّى على القول بالطريقية و الاكتفاء بمدلول الأمارة في مقام الامتثال ملازمة واضحة، و تعد هذه الملازمة من المداليل العرفية التي هي حجّة عندهم و تكون حجّة على العبد، و نوضح الملازمة بالمثالين التاليين:
أ. إذا أمر المولى عبده بأن يهيئ له دواء ليتداوى به، و أمره بأن يسأل صيدلياً بالخصوص عن نوعية اجزائه و كميته و كيفية تركيبه، فاتّبع العبد إرشادات الصيدليّ الذي جعل قوله حجّة في هذا الباب، ثمّ ظهر أنّ الصيدلي كان قد أخطأ في مورد أو موردين، فانّ العرف يعدّون العبد ممتثلًا لأمر مولاه، و يرون عمله مسقطاً للتكليف، من دون إيجابه بالقيام مجدّداً بتهيئة الدواء، اللّهمّ إلّا أن يأمره المولى مجدداً.
ب: إذا أمر عبده ببناء بيت، و أمره أن يرجع في كلّ ما يتعلّق بالبناء إلى مهندس متخصص و معمار ماهر، و اتبع العبد أوامره فبنى البيت، لكن تبيّنخطأ المهندس أو المعمار، فانّ العبد معذور، و العمل مجز، اللّهمّ إلّا أن يأمره بالإعادة.
ص: 233
و الإنسان المتشرع إذا خوطب بهذه الارتكازات، بوجوب العمل بقول الثقة ينتقل منه إلى أنّ الشارع قد اكتفى في تحصيل مقاصده بما تؤدي إليه الأمارة تسهيلًا للأمر على العباد، فانّ الشارع واقف على أنّ إلزام المكلّف بتحصيل العلم يوجب العسر و الحرج و رغبة الناس عن الدين. هذا من جانب، و من جانب آخر وقف على أنّ العمل بالأمارة يؤدّي إلى تحصيل مصلحة المولى بنسبة عالية أي تسعين بالمائة، و لذلك أمر بالعمل بها مكتفياً في تحصيل مقاصده و مصالحه بهذا المقدار لما أنّ في الأمر بتحصيل العلم عسراً و حرجاً.
و هذا البيان يقتضي كون العمل بالأمارة موجباً للاجزاء عند كشف الخلاف مطلقاً، سواء انكشف بدليل قطعي أو بأمارة(1).
و فيه: لا ملازمة لا عرف و لا عقلا و لا شرعا بين حجية الامارة و بين الاكتفاء بمدلولها في مقام الامتثال و يشهد لذلک اجماع العلماء علی عدمها في الموضوعات و لا فرق بين الموضوعات و الاحکام بل ان مستندهما واحد و عليه فدعوی الملازمة بلا دليل بل الدليل قائم علی العدم, و اما ما اتی به من شاهدين فاما االاول منهما و هو «ما اذا ظهر أنّ الصيدلي كان قد أخطأ في مورد أو موردين، فانّ العرف يعدّون العبد ممتثلًا لأمر مولاه، و يرون عمله مسقطاً للتكليف، من دون إيجابه بالقيام مجدّداً بتهيئة الدواء», ففيه: اولا: انه قياس مع الفارق لانّ العرف اذا عدوه ممتثلًا لأمر مولاه فباعتبار انهم لا يعلمون ما هو تکليف المولی بعد ظهور الخطأ و اما ما نحن فيه فنعلم ما هو التکليف بعد ظهور الخطأ . و ثانيا: لا يری العرف سقوط التکليف عنه بل يأمرونه بالرجوع الی المولی ليعلم ما الذي عليه من تکليف .
ص: 234
ثمّ إنّ المحقّق البروجردي رحمه الله ممّن تفرّد بين معاصريه في القول بالإجزاء عند تخلّف الأمارة، و استدلّ على ما رامه بما حاصله: «انّ دليل حجّية الأمارةحاكم على دليل الشرائط و الاجزاء و الموانع فيما إذا كانت الشبهة موضوعية فإذا قال الشارع: صلّ في طاهر، كان المتبادر من لفظ - طاهر - هو الطهارة الواقعية، و كان الشرط لو لا الدليل الحاكم لصحّة الصلاة هو الطهارة الواقعية، و لكن لما جعل الشارع قول الثقة حجّة و أخبر هو عن طهارة الثوب المعيّن تصير نتيجة الجمع بين الدليلين هو توسعة المأمور به الصلاة في الثوب الطاهر و انّه تجوز الصلاة في ثوب طاهر واقعاً أو محكوم بالطهارة ظاهراً، فلو صلّى مع ثوب هذا شأنه، فقد حازت صلاته شرط الصلاة واقعاً، لأنّ الشرط واقعاً أعمّ من الواقعي و الظاهري، و تخلّف الأمارة يوجب ارتفاع الشرط من حين التخلّف»(1).
و فيه: ما تقدم من ان دليل حجية الامارة و هو بناء العقلاء و الادلة النقلية الممضية له قائم علی اکتفاء المولی بما عليه العقلاء و هم لا يعملون به مع انکشاف الواقع و لا من دليل يدل علی امضاء المولی للعمل بالامارة في مورد انکشاف الواقع علی خلافها فکيف يکون دليلها حاکما و من المعلوم أنّ الحكومة تقوم باللفظ، و المفروض سكوت الشارع في مقابل عمل العقلاء بقول الثقة، و كون سكوته كاشفاً عن الرضا، فما
ص: 235
هذا حاله كيف يكون حاكماً على دليل الشرائط و الاجزاء؟! مع أنّه لم يرد منه في مورد حجّيتها دليل لفظي.
و ربّما يفصل بين ما إذا انكشف الخلاف بعلم وجداني فلا يجزي، أو بحجّة معتبرة فيجزي، لأنّ الحجّة اللاحقة كالسابقة، فكما يحتمل أن تكون الحجّة اللاحقة مطابقة للواقع كذلك يحتمل أن تكون الحجّة السابقة مطابقة للواقع و إن كان الواجب على من قامت عنده الحجّة الثانية العمل على مفادها(1).
و فيه: ان المفروض في كلتا الصورتين عدم تحصيل البراءة اليقينية فيهما، فالعلم السابق بالتكليف كاف في عدم الإجزاء حتى يعلم الخروج عنه، إمّا بعلم قطعي أو بحجّة شرعية، فالعلم غير موجود و الحجّة الشرعية الأُولى قد انتفتحجيتها مع قيام الحجّة الشرعية الثانية حسب الفرض, و الّا وقع التعارض بينهما و تسقط کلتاهما عن الحجية .
و قد فصّل صاحب المحاضرات بين الطريقية و السببية، و أنّ الحقّ على الأولى هو عدم الإجزاء، لأنّ ما أُتي به ليس بمأمور به، و المأمور به ليس بمأتي به. و المفروض أنّ الصحّة إنّما تنتزع من مطابقة المأتي به للمأمور به في الخارج، الموجبة لسقوط الإعادة
ص: 236
في الوقت، و القضاء في خارجه، كما أنّ الفساد ينتزع من عدم مطابقة المأتي به للمأمور به(1).
اقول: إنّ السببية من مباني العامة و هي عندهم علی معنيين:
الأوّل: ما عن الأشاعرة من إنكار الحكم المشترك بين العالم و الجاهل، و انّ أحكامه سبحانه تابعة لآراء المجتهدين أو الأمارات و الأُصول القائمة في المورد، و هذا النوع من التصويب يستلزم الدور، لأنّ البحث و التفحّص و الاجتهاد آية وجود الحكم المشترك بين العالم و الجاهل، فيبحث عن العثور عليه، فلو فرض تحقّق وجوده تابعاً للفحص و البحث يلزم الدور.
الثاني: عن المعتزلة، و حاصله: تسليم الحكم المشترك بين العالم و الجاهل، غير أنّه إذا طابقت الأمارة الواقع تنجزه، و إن خالفت الأمارة الواقع ينقلب الواقع إلى مضمون الأمارة، فيكون مضمونها هو الحكم الواقعي عند من قامت الأمارة على وفقه.
و هذا القول و إن كان يسلّم وجود الحكم الواقعي المشترك بين العالم و الجاهل، و لكنّه يخصّه بالعالم دون من قامت الأمارة عنده على خلاف الواقع، و إلّا ينقلب الواقع إلى مضمون الأمارة.
قلت: و کلا المعنيين يستلزمان التصويب و هو باطل عندنا بالاجماع و عليه فلا اجد من اللازم البحث عما يتعلق بالسببية فانه بلا جدوی و لا ثمرة و لذا فقد اعرضنا في هذا الکتاب عن کل المباحث التي لها تعلق بالسببية .
ص: 237
قد عرفت مما تقدم أنّ التخلّف في أصل الحكم لا يوجب الإجزاء، من غير فرق بين الأمارة و الأصل کما هو المشهور من عدم الإجزاء مطلقاً، و وجوب الإتيان بالمأمور به الواقعي إعادة ان كان انكشاف الخلاف في الوقت، و قضاء إن كان في خارجه, لکن المحقق الخراساني فصل بين الاصول التي لسانها لسان المنقح للموضوع و بين غيرها فقال بالجزاء في الاولی دون الثانية فقال في الکفاية: «و التحقيق: أنّ ما كان منه (اي الأمر الظاهري) في تنقيح ما هو موضوع التكليف، و تحقيق متعلقه، و كان بلسان تحقق ما هو شرطه أو شطره كقاعدة الطهارة أو الحلية، بل و استصحابهما في وجه قويٍّ، و نحوها بالنسبة إلى كل ما اشترط بالطهارة أو الحلية يجزئ فإنّ دليله يكون حاكماً على دليل الاشتراط و مبيِّنا لدائرة الشرط، و أنّه أعم من الطهارة الواقعية و الظاهرية، فانكشاف الخلاف فيه لا يكون موجباً لانكشاف فقدان العمل لشرطه، بل بالنسبة إليه يكون من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل»(1), و توضيحه: انّ دليل أصالة الطهارة حاكم على أدلّة الأجزاء و الشرائط، بتوسعة الموضوع، مثلاً إذا قال الشارع: صلّ في الطاهر, فالظاهر منه أنّه يشترط أن يكون اللباس طاهراً واقعياً، فإذا قال بعده: كلّ شي ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر فبالمقارنة نستكشف أنّ الثاني بصدد توسعة الموضوع و أنّ الطهارة التي هي شرط صحّة الصلاة أعمّ من الطهارة الواقعية و الظاهرية.
ص: 238
و على ضوء ذلك: إذا تبيّن أنّ الثوب نجس فانكشاف الخلاف إنّما هو بالنسبة إلى نفس الطهارة و النجاسة حيث تبين انّ الثوب نجس، و أمّا بالنسبة إلى شرط الصلاة فالانكشاف من حينه لا من أصله، لما عرفت من أنّ شرط الصحّة هو الشرط الأعمّ من الظاهري و الواقعي لا الشرط الواقعي فقط حتّى تصحّ نسبة انكشاف الخلاف بالنسبة إلى الشرط .
و فيه: ان ما استفاده من الاصول کاصالة الطهارة خلاف ظواهر ادلتها التي ادعي حاکمتيها فلا تحمل هذا المعنی المدعی, فليس لاصالة الطهارة دلالة علیتوسعة شرطية الطهارة في الصلاة و هکذا الحال في أصالة الحلّية, و الاستصحاب, و أصالة البراءة, و قاعدة التجاوز.
مضافا الی انه لا يمکن المصير الی هذا المعنی و ذلک «لأنّ حكومة دليله ظاهريّة، لا واقعيّة، و ذلك لتأخر موضوع الحكم الظاهري و هو الشك عن موضوع الحكم الواقعي، بحيث لا يمسّ كرامة الواقع، و مع هذا التأخر لا يصلح أن يكون دليل الحكم الظاهري مبيّناً لدائرة الشرط، و مفسِّراً لموضوعه، فلا محيص عن كون الحكومة ظاهرية، و هي لا تقتضي أزيد من ترتيب آثار الواقع ما دام الموضوع- و هو الشك- موجوداً، فإذا انكشف الخلاف وجب عليه الإتيان بالواقع، لارتفاع المانع عن فعليته، و هذا من غير فرق (بين) كون لسان الأصل التعبد بوجود ما هو الشرط واقعاً المستلزم لجواز الدخول في المشروط، كما هو قضية الأصل التنزيلي، (و بين) كون لسانه التعبد بنفس الشرط، بمعنى جعل الطهارة مثلًا و إنشائها المستلزم لجعل آثارها التكليفية و الوضعيّة التي منها الشرطية، و الموجب لحكومته على دليل الشرطية، و ذلك لأنّ موضوع الأصل هو
ص: 239
الشك، و مقتضى تبعية الحكم لموضوعه هو بقاؤه ما دام الموضوع باقياً، فيرتفع بارتفاع الشك، فلا مانع حينئذ عن فعلية الحكم الواقعي، فيجب موافقته.
نعم لازم جعل الأصل تدارك ما فات عن المكلف لأجل الاستناد إليه، فإنْ انكشف الخلاف في الوقت، فالفائت مصلحة أوّل الوقت، و إن انكشف بعده، فالفائت مصلحة نفس الوقت.
و أمّا عدم وجوب الإتيان بالواقع رأساً، فليس مقتضى الحكم الظاهري أصلا، إذ لو كان كذلك لزم منه تقييد الواقع بصورة العلم، و المفروض تأخّره عنه كما مر، فلا يتصرف دليل الأصل في موضوع الحكم الواقعي أصلًا.
و إجزاء الحكم الظاهري عن الواقعي منوط بأحد أمرين: إمّا تقييد الواقع، و إمّا استيفاء ملاكه، بأن يكون ملاك الحكم الظاهري وافياً بكلّه، أو جلّه، بحيث لا يبقى منه ما يجب تداركه ليسقط الأمر الواقعي، و هذا و إن كان ممكناً ثبوتاً، لكنه لا دليل عليه إثباتاً.
فما أفاده صاحب الکفاية من التفصيل بين الأحكام الظاهرية بالإجزاء في القسم الأول دون الثاني لم يظهر له وجه وجيه، فالأقوى ما عن المشهور من عدم الإجزاء مطلقاً، و وجوب الإتيان بالمأمور به الواقعي إعادة ان كان انكشاف الخلاف في الوقت، و قضاء إن كان في خارجه»(1).
ص: 240
و للسيد البروجردي بيان آخر و هو: «أنّه إذا صلّى في ثوب طاهر تمسّكاً بأصالة الطهارة، ينطبق على المأتي به عنوان الصلاة فيسقط التكليف المتعلّق به في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْس﴾ و قد قام الإجماع على عدم وجوب صلاتين من نوع واحد للمكلّف في وقت واحد, فالحكم بالإعادة و القضاء خرق لهذا الإجماع، و معناه وجوب صلاتي الظهر في وقت واحد»(1).
و فيه: انا لا نقول باجتماع وجوبين لصلاة الظهر بل نقول بوجوب واحد بعد انکشاف الخلاف و ينتفي بانکشافه الحکم الظاهري فلا حکم بعد انکشاف الخلاف بل هو سراب .
و اما إذا تبدّل رأي المجتهد إلى رأي آخر أو مات المقلَّد و قلّد مجتهداً آخر، يخالف رأيه، رأي الميت فقيل بالاجزاء و انه يكفي ما أتى به سابقاً، و ذلك لقصور أدلّة حجّية الاجتهاد الثاني، عن شموله لما مضى، بل القدر المتيقّن هو لزوم تطبيق العمل عليه في المستقبل(2).
ص: 241
و فيه: ان الحق عدم جواز العدول بعد ان کان التقليد الاول صحيحا و لو الی الاعلم کما حققناه في الفقه نعم علی مبنی من يجوز العدول او يوجبه فلا وجه للاجزاء عقلا کما ذهب اليه المحقّق الخوئي و استدلّ عليه بالوجه التالي:
أنّ قيام الحجّة الثانية و إن كان لا يستكشف به عن عدم حجّية الاجتهاد الأوّل مثلًا في ظرفه إلّا أنّ مقتضاها ثبوت مدلولها في الشريعة المقدّسة من الابتداء لعدم اختصاصه بعصر دون عصر، إذاً العمل المأتي به على طبق الحجّة السابقة باطل، لأنّه مقتضى الحجّة الثانية، و معه لا بدّ من إعادته أو قضائه.
و احتمال مخالفة الواقع، و إن كانت تشترك فيه الحجتان، إلّا أنّ هذا الاحتمال يلغى في الحجّة الثانية حسب أدلّة اعتبارها، و لا يلغى في الأُولى، لسقوطها عن الاعتبار، و مجرد احتمال المخالفة يكفي في الحكم بالإعادة أو القضاء، لأنّه لا مؤمِّن معه من العقاب. و حيث إنّ العقل مستقل بلزوم تحصيل المؤمن، فلا مناص من الحكم بوجوب الاعادة على طبق الحجّة الثانية، لأنّ بها يندفع احتمال الضرر بمعنى العقاب.
و أمّا القضاء فهو أيضاً كذلك، لأنّ مقتضى الحجّة الثانية أنّ ما أتى به المكلّف على طبق الحجّة السابقة، غير مطابق للواقع فلا مناص من الحكم ببطلانه، و معه يصدق فوت الفريضة و هو يقتضي وجوب القضاء.(1)
و اما ما قيل في جوابه: من إنّ الحجّة الثانية لما كانت ظنية لا تكشف عن بطلان الحجّة الأُولی(2), ففي غاية الغرابة و قد تقدم ما يوضح بطلانه .
ص: 242
هذا و من قال بالاجزاء هنا لم يعلم انه قال به لاجل قوله بالاجزاء فلعله اعتمد علی الاجماع کما ادعي في المقام(1), او علی ما يستظهر من بعض النصوص من انه لا شيء علی الجاهل القاصر و من بحکمه - و هو من يجب عليه تقليد غيره - بالغاء خصوصية المورد مثل ما في صحيح ليث المرادي عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر و إن صامه بجهالة لم يقضه(2), و في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: قلت له رجل صام في السَّفر فقال إن كان بلغه أنَّ رسول اللَّه ص نهى عن ذلكفعليه القضاء و إن لم يكن بلغه فلا شيء عليه(3). و وجه الدلالة ان قوله عليه السلام «ان کان بلغه.. و إن لم يكن بلغه..» بمثابة العلة لوجوب القضاء و عدمه و العلة تعمم فالمقلد الذي اعتمد علی فتوی مجتهده جاهل بل و نفس المجتهد بعد تبدل اجتهاده کان جاهلا ايضا, و عليه فلا شيء عليهما و الصحيحة الثانية مفسرة للجهالة في الصحيحة الاولی و النتيجة ان الجهالة التي يکون الانسان معذورا فيها لا شيء فيها, هذا في الاحکام التکليفية, و اما الوضعية فهي علی ما تقتضيه القاعدة من عدم الاجزاء .
و اما ما استدل به الشيخ الاصفهاني حيث ذهب إلى الاجزاء في كل من الأحكام التكليفية و الوضعية و حاصل ما ذكره في مسألة ما إذا اختلف المتعاقدان اجتهاداً أو تقليداً في شروط الصيغة: «أن الأحكام الوضعية الأعم مما في موارد المعاملات بالمعنى
ص: 243
الأعم و المعاملات بالمعنى الأخص إنما تتعلق بحسب الغالب على الأجسام و الموضوعات الخارجية كما مرّ، و من الظاهر أن الجسم الخارجي لا معنى لقيام المصلحة به حتى يكون الأحكام الوضعية تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها، فلا مناص من أن تكون تابعة للمصالح في جعلها و اعتبارها، فإذا أدت الحجة إلى أن المعاطاة مملّكة أو أن الصيغة الفارسية كافية في العقود، فقد وجدت المصلحة في جعل الملكية في المعاطاة أو الزوجية في العقد غير العربي و هكذا، فإذا قامت الحجة الثانية على أن المعاطاة مفيدة للإباحة أو أن العربية معتبرة في الصيغة، لم يستكشف بذلك أن الملكية في المعاطاة أو الزوجية في العقد الفارسي غير متطابقين للواقع، و ذلك لأن الأحكام الوضعية لا واقع لها سوى أنفسها و المفروض أنها تتحقق بقيام الحجة الأُولىٰ، فلا يستكشف بسببها أن جعل الملكية في المعاطاة مثلًا لم يكن على وفق المصلحة إذ لو لم تكن هناك مصلحة تدعو إلى جعلها و اعتبارها لم يمكن للشارع أن يعتبرها بوجه.
نعم، يستكشف بالحجة الثانية أن المصلحة من لدن قيامها إنما هي في جعل الإباحة في المعاطاة لا في جعل الملكية، أو أنها في جعل الزوجية في العقد العربي لا الفارسي، فقيام الحجة الثانية على الخلاف إنما هو من باب التبدل في الموضوع و ليس من باب انكشاف الخلاف في السابقة باللّاحقة، و مع كونالثانية موجبة للتبدل في الموضوع لا مناص من الالتزام بالإجزاء في الأحكام الوضعية.
اللّهُمَّ إلّا أن نقول: إن الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية و غير مجعولة في نفسها، كما عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فإن حال الوضعية حينئذٍ حال التكليفية
ص: 244
فيتصوّر فيها انكشاف الخلاف كما كان يتصوّر في التكليفية، إلّا أنه مما لا يسعنا الالتزام به لما ذكرناه في محلّه.
و أمّا الأحكام التكليفية، فهي و إن كانت تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها و يتصوّر فيها كشف الخلاف، إلّا أن الحجة الثانية إنما يتّصف بالحجية بعد انسلاخ الحجية عن السابقة بموت المجتهد أو بغيره من الأسباب، فالحجة الثانية لم تكن بحجة في ظرف الحجة السابقة، و إنما حجيتها تحدث بعد سلب الحجية عن سابقتها و إذا كان الأمر كذلك، استحال أن يكون الحجة المتأخرة و الحادثة موجبة لانقلاب الأعمال المتقدمة عليها بزمان، و هي الأفعال الصادرة على طبق الحجة السابقة حتى بناءً على الطريقية.
نعم، هي إنما تكون مؤثرة بالإضافة إلى الأفعال الّتي يصدرها المكلف بعد اتصاف الثانية بالاعتبار، لأنها لو لم تكن مطابقة معها بطلت، أمّا الأعمال الصادرة قبل اتصافها بالحجية فلا يعقل أن تكون مؤثرة فيها بوجه، لأن حجيتها حادثة و ليست منها عين و لا أثر في ظرف صدور الأعمال المتقدمة كما مرّ، بل قد يكون الموضوع للحجة المتأخرة، و هو المجتهد المفتي ببطلان الأعمال المتقدمة غير متولد في تلك الأزمنة أو لو كان لم يكن مجتهداً أو كان و لم يكن بأعلم، و معه كيف تكون فتواه المتأخرة وجوداً و حجيةً موجبة لقلب الأعمال السابقة عليها بزمان لتجب إعادتها أو قضاؤها، لأن الإعادة أو القضاء و إن كانا من الأُمور المتأخرة عن الحجة الثانية إلّا أنهما من لوازم بطلان الأعمال المتقدمة، و لا يعقل أن يكون الملاك المؤثر في بطلانها أي الأعمال السابقة مخالفتها للحجة المتأخرة، إذ قد عرفت عدم إمكان تأثير المتأخر في المتقدم،
ص: 245
بل الملاك مخالفتها للحجة السابقة و المفروض عدمها. و عليه لا مناص من الالتزام في الأحكام التكليفية أيضاً بالاجزاء.
ثمّ إن هذا البيان الّذي حررناه في تقريب الإجزاء في الأحكام التكليفية، يأتي في الأحكام الوضعية بعينه، إلّا أنها تمتاز عن التكليفية بالوجه السابق الّذي قرّبناه بما لا مزيد عليه لأنه لا يأتي في التكليفية و هو ظاهر. هذه خلاصة ما أفاده (قدّس سرّه) في الموضعين بتوضيح منّا في تقريبه(1).
و فيه: مضافا لما تقدم, ما اورده عليه المحقق الخوئي حيث قال: أمّا في الأحكام الوضعية فلأنها و إن كانت تابعة للمصالح في جعلها، و لا واقع لها إلّا أنفسها كما حققه (قدّس سرّه) و لا يتصوّر فيها انكشاف الخلاف بعد تحققها، إلّا أن الكلام في أنها هل تحققت من الابتداء أم لم تتحقق، و أن المعاطاة الصادرة في الزمان المتقدم هل أفادت الملكية أم لا، حيث إن المكلف بعد سقوط الحجة السابقة عن الحجية و اتصاف الثانية بها و هي الّتي تدل على أن المعاطاة مفيدة للإباحة يشك في أن الملكية هل حصلت بالمعاطاة الصادرة منه أم لم تحصل. و الحجة الثانية تكشف عن أن الملكية لم تحصل من الابتداء لأنها تخبر عن أن الملكية بسبب المعاطاة غير مجعولة في الشريعة المقدسة لعدم الفرق في مدلولها بين الزمان السابق و اللّاحق. و عليه فحال الأحكام الوضعية حال الأحكام التكليفية بعينها و لا تختص الأحكام الوضعية بوجه.
ص: 246
و أمّا الأحكام التكليفية فلأن المكلف بعد ما سقطت الحجة السابقة عن حجيتها و اتصفت الثانية بالاعتبار، يشك في وجوب إعادة الأعمال الّتي أتى بها على طبق الحجة السابقة أو قضائها، إذ لا علم له بمطابقتها للواقع، و حيث إن الإعادة أو القضاء في ظرف الحجة المتأخرة عمل من أعمال المكلف، و هو لا يدري حكمه فلا مناص من أن يحرز ذلك بإحراز أن إعماله السابقة كانت مطابقة للواقع أم لم تكن، و حيث لم يحرز مطابقتهما إحرازاً وجدانياً فلا بدّ من أن يحرزها بالحجة التعبدية، و ليست الحجة عليه هي السابقة لسقوطها عن الاعتبار، و ليس له أن يعتمد عليها بعد قيام الحجة الثانية، فيتعيّن أن تكون هيالحجة المتأخرة لاعتبارها في حقه، و بما أنها تدل على بطلانها و عدم كونها مطابقة مع الواقع فتجب إعادتها أو قضاؤها.
و أمّا ما أفاده من أن الحجة المتأخرة لا يعقل أن تكون مؤثرة في الأعمال المتقدمة عليها فيرد عليه:
أوّلًا: النقض بما إذا فرضنا رجلين فاسقين تابا و اتصفا بالعدالة فشهدا على ملكية شي ء لشخص منذ أسبوع، أو بنجاسته من أوّل الشهر الماضي، أو بزوجية امرأة من السنة الماضية، فهل ترد شهادتهما نظراً إلى أن الشهادة المتصفة بالحجية المتأخرة عن تلك الأُمور لا يعقل أن تؤثر في الأُمور السابقة عليها. و كذا إذا صلّى فشك في أنه ركع أم لم يركع فبنى على أنه قد ركع بقاعدة التجاوز أو بصحة صلاته بقاعدة الفراغ، و بعد هذا شهد العادلان اللّذان كانا فاسقين حال الصلاة و قد تابا بعد ذلك، بأنه قد نقص ركوعاً أو ركعة، أ فلا يحكم ببطلان الصلاة نظراً إلى أن حجية الشهادة متأخرة عن الصلاة فلا تؤثر في الأمر المتقدم عليها.
ص: 247
و ثانياً الحل و حاصله: أن المراد بأن الحجة المتأخرة لا يمكن أن تؤثر في الأعمال المتقدمة، إن كان هو أن الحجة المتأخرة لا تؤثر في بطلانها و لا يقلب الصحيح باطلًا فلا ينبغي التأمل في صحته. بل الأمر كذلك حتى في الحجة المقارنة فضلًا عن المتأخرة، و ذلك لأن المدار في الصحة و البطلان إنما هو مطابقة المأتي به مع الواقع و عدمها دون الحجة المقارنة أو المتأخرة، مثلًا إذا كان المكلف جنباً و تيمم لعذر ثمّ أحدث بالأصغر و توضأ فصلّى لفتوى مقلده على أن الوظيفة هو الوضوء حينئذ إلّا أنه تيمم فصلّى لغفلته عن فتوى مقلّده ثمّ بلغ مرتبة الاجتهاد فجزم من الأدلّة بأن الوظيفة هو التيمم حالئذٍ دون الوضوء، أ فلا يحكم بصحة صلاته بدعوى كونها غير مطابقة للحجة المقارنة، مع جزم المكلف و استكشافه أن الواجب الواقعي هو الصلاة مع التيمم. فلا ريب في أن المدار في الصحة و البطلان على مطابقة الواقع و عدمها دون الحجة المقارنة أو المتأخرة، فإنّ شيئاً منهما غير مؤثر في البطلان كما أُفيد.
و إن أُريد به أن الحجة المتأخرة غير مؤثرة في الأعمال المتقدمة و لو بالكشف عن مطابقتها مع الواقع و عدمها فهو أمر مخالف للوجدان، لأن مدلول الحجةالمتأخرة غير مختص بعصر، فإنها تكشف عن أن الحكم الواقعي هو وجوب الصلاة مع التيمم في المثال دون الصلاة مع الوضوء، و هذا لا يختص بعصر دون عصر، فالحجة المتأخرة تكشف عن بطلان الأعمال السابقة و وجوب إعادتها أو قضائها. و دعوى أن الحجة المتأخرة غير مؤثرة في الأعمال السابقة عليها أوّل النزاع و ليست كبرى مسلمة، بل قد عرفت أنها على خلاف الوجدان. فإذا أمكن أن تكون الحجة الثانية كاشفة عن مطابقة الأعمال المتقدمة مع الواقع، أتى ما قدّمناه من أن العامي يشك حينئذٍ في وجوب
ص: 248
الإعادة أو القضاء، و إحراز وظيفته يتوقف على استكشاف كون الأعمال السابقة مطابقة للواقع و عدمها، إلى آخر ما قدمناه فلا نعيد.
و بما سردناه يندفع ما ربما يتوهّم من أن الحكم بعدم الإجزاء عملًا بالحجة الثانية ترجيح بلا مرجح، لأن الحجة السابقة كانت حجة في ظرفها كما أن الثانية حجة في ظرفها فلا موجب لتقديم إحداهما على الأُخرى.
و الوجه في الاندفاع: أن الحجة السابقة قد سقطت عن الحجية في ظرف الرجوع بخلاف الحجة الثانية، و هذا هو المرجح لها على سابقتها(1).
و المتحصل إلى هنا: أن مقتضی القاعدة عدم الاجزاء الّا ما خرج بالدليل .
و ينبغي التنبيه علی امور:
إنّ محلّ النزاع يحتمل أن يكون أحد الأُمور التالية:
ص: 249
1- الوجوب العقلي الذي يدركه العقل و يعبّر عنه باللابدية، و لكنّه ليس موضع النزاع قطعاً لحكمه بالوجوب بالبداهة أوّلًا، و اتّفاق العقلاء على وجوبها ثانياً لمن أراد الوصول إلى ذيها.
2- الوجوب العرضي، بمعنى أنّ هنا وجوباً واحداً ينسب إلى ذيها حقيقة و إلى مقدمته مجازاً، كنسبة الجريان إلى الماء بالحقيقة و إلى الميزاب بالمجاز، و هذا أيضاً خارج عن محط البحث لأنّه يصبح بحثاً أدبياً خارجاً عن غرض الأُصولي.
3- وجوب الملازمة بين وجوب الشي ء و وجوب مقدمته، و عليه تكون المسألة أُصولية, و الملازمة فيها من غير المستقلات العقلية و الفرق بين المستقلات و غيرها هو انه لو كانت الصغرى و الكبرى عقليتين عدّت المسألة من المستقلات العقلية، كما في حسن العدل و قبح الظلم، و حسن العمل بالميثاق و قبح التخلّف عنه، و حسن جزاء الإحسان بالإحسان و قبح جزائه بالإساءة، فالصغرى و الكبرى كلاهما ممّا يدركهما العقل.
و أمّا إذا كانت الصغرى شرعية و الكبرى عقلية فتكون المسألة من الأحكام العقلية غير المستقلة، كما في المقام حيث إنّ الصغرى في باب المقدمة مأخوذة إمّا من الشارع أو من العرف و العادة، فإذا قال الشارع: الوضوء مقدمة. يحكم العقل بوجود الملازمة بين الوجوبين، أو قال: إزالة النجاسة عن المسجد واجبة، يحكم العقل بوجود الملازمة بين وجوبها و حرمة ضدّها أعني الصلاة.
تنقسم المقدّمة إلى أقسام كثيرة نبحث فيها على وجه التفصيل.
ص: 250
أمّا الداخلية ففيها اصطلاحان:
1- الداخلية بالمعنى الأخص
قد تطلق الداخلية و يراد بها ما يكون القيد و التقيّد داخلين في ماهية الواجب، كالأجزاء، فذات الركوع و اتّصاف الصلاة به داخلان في ماهية الصلاة، و على ذلك فيخرج كلّ من الشرط، و عدم المانع، و المعد، عن كونها مقدمةداخلية لأنّ ذواتها خارجية عن الواجب و انّما الداخل فيها هو تقيّد الصلاة بها، و هذا ما يطلق عليه الداخلية بالمعنى الأخص .
2- الداخلية بالمعنى الأعم
و قد تطلق الداخلية على ما إذا كان التقيّد داخلاً في ماهية الواجب، سواء أ كان القيد داخلاً أم خارجاً، و على ذلك فلا شكّ انّ الشرط و عدم المانع و المعد داخلة في المقدمة الداخلية و هذا ما يطلق عليه الداخلية بالمعنى الأعم .
و بما أنّه يشترط بين المقدمة و ذيها التعدّد و الاثنينية فيكون وجود الشرط و عدم المانع و المعد داخلاً في محط النزاع لوجود الملاك فيها، لأنّ الشرط غير المشروط، و هكذا المعد غير المعدّ له، إنّما الكلام في دخول الأجزاء في محط النزاع و ذلك لأجل عدم ملاك البحث فيها أعني الاثنينية، حيث إنّ الأجزاء نفس الكلّ، و عليه فهل يصحّ وصف الأجزاء بالمقدمية؟
ص: 251
ذهب الشيخ محمد تقي الاصفهاني في هداية المسترشدين في شرح معالم الدين، إلى عدم صحّة وصف الأجزاء بالمقدّمية، لأنّ الأجزاء ليست إلّا نفس الشي ء و ليس بين الأجزاء و الكلّ، تعدد و مغايرة, و تبعه علی هذا المعنی المحقّق الخراساني فجعل المقدمة ذات الاجزاء, خلافا للشيخ الأنصاري حيث جعل المقدّمة نفس الجزء، و خلافا للمحقّق البروجردي حيث جعل المقدّمة كلّ جزء جزء على حدة، فصارت هناك بعدد الأجزاء مقدمات(1)، هذا هو الاشکال و اجيب بوجوه:
الأوّل: جواب الشيخ الأعظم
ذهب الشيخ الأعظم إلى أنّ الجزء له اعتباران: أحدهما: اعتباره لا بشرط، و هو بهذا الاعتبار عين الكلّ، و متّحد معه، إذ لا ينافي ذلك انضمامَ سائر الأجزاء إليه، فيصير مركباً منها، و يكون هو الكلّ, و ثانيهما: اعتباره بشرط لا، و هو بهذا الاعتبار يغاير الكلّ(2).
و فيه: عدم تمامية كلا اللحاظين, أمّا لحاظ الجزء كالركوع بشرط لا, فهو و إن كان يحدث المغايرة بين الجزء و الكلّ، لكنّه يخرجه عن المقدّمية، لأنّ المقدمية ما يكون في خدمة ذيها، فإذا لوحظ الجزء بشرط لا فمعنى ذلك أنّ الجزء لوحظ منفصلًا عن كلّ شي ء، و أن لا يكون معه شي ء آخر فالجزء في هذا اللحاظ لا يجتمع مع الكلّ، و معه كيف يكون مقدمة له بمعنى كونه جزءاً للمركب؟! و أمّا لحاظ الجزء على نحو اللابشرط فلحاظه بهذا المعنى لا يجعله عين الكلّ في عامّة الشرائط، و ذلك لأنّ اللابشرط يجتمع مع ألف شرط، فكما أنّ من الشروط الانضمام فلحاظ الجزء في هذه
ص: 252
الحالة يجعله عين الكلّ، لكن من الشروط أيضاً الوحدة و التجرّد، فالجزء الموصوف لا بشرط عند لحاظ الوحدة، يخرجه عن كونه عين الكلّ.
الثاني: جواب المحقّق الخراساني
و ذهب المحقّق الخراساني إلى إنّ المقدمة هي نفس الأجزاء بالأسر، و ذا المقدمة هو الأجزاء بشرط الاجتماع، فتحصل المغايرة بينهما، و على ذلك يلزم في اعتبار الجزئية، أخذ الأجزاء لا بشرط، كما أنّه لا بدّ في اعتبار الكلية من أخذه بشرط الاجتماع(1).
و اجاب المحقّق البروجردي بقوله: إنّ منشأ الإشكال في المقدّمة الداخلية هو تخيّل أنّ هناك مقدّمة واحدة باسم الأجزاء فأُثير الإشكال و هو أنّه عين الكلّ فكيف توصف بالمقدّمية؟
و يندفع بأنّه ليست هنا مقدمة واحدة حتّى يترتب عليه الاشكال، بل هناك مقدّمات حسب تعدد الأجزاء، فلو كانت الصلاة ملتئمة من أجزاء عشرة، فهناك عشر مقدمات في كلّ واحد ملاك المقدمية، و هو توقّف الكلّ عليه، و من المعلوم أنّ الجزء بما هو جزء غير الكل، و الفرق بينها واضح جدّاً(2).
الثالث: جواب المحقّق الخوئي
و حاصله: انّ المقدّمة قد تطلق و يراد بها ما يكون وجوده في الخارج غير وجود ذيه، بأن يكون هناك وجودان. و قد تطلق و يراد بها مطلق ما يتوقف عليه وجود الشي ء، و إن لم يكن وجوده في الخارج غير وجود ذيه.
ص: 253
أمّا المقدّمة بالإطلاق الأوّل، فلا تصدق على الأجزاء، بداهة أنّ وجود الاجزاء ليس مغايراً لوجود الكلّ، بل وجوده عين وجود أجزائه بالأسر، و التغاير لحاظاً لا يثبت التغاير الخارجي.
و أمّا المقدمة بالإطلاق الثاني فتشمل الأجزاء أيضاً، لوضوح أنّ وجود الكلّ يتوقّف على وجود أجزائه، و أمّا وجودها فلا يتوقّف على وجوده. و ذلك كالواحد بالنسبة إلى الاثنين، فانّ وجود الاثنين يتوقّف على وجود الواحد دون العكس(1).
اقول: ان کان المراد هو ان للمقدمة اطلاقين احدهما عرفي و الاخر عقلي و الاول لا يصدق علی الاجزاء انها مقدمة لأنّ الأجزاء ليست إلّا نفس الشي ء و ليس بين الأجزاء و الكلّ، تعدد و مغايرة عرفا, و الثاني يعني بالتحليل العقلي يصدق عليها انها مقدمة, فهو کلام متين و صحيح, لکنه لا ينفي مقدميتها العقلية .
قد عرفت أنّه وقع الخلاف في کون الأجزاء واجد لملاك المقدمية و المختار عدم کونها واجدة للملاک عرفا لکنها واجدة لملاك المقدمية عقلا و عليه فهل يمكن وصفها بالوجوب الغيري أم لا؟ ذهب صاحب الكفاية إلى عدمه، قائلاً بأنّه ليس فيها ملاك الوجوب الغيري، حيث إنّه لا وجود لها غير وجودها في ضمن الكلّ حتى يتوقف على وجودها، و بدون التوقّف لا وجه لعروض الوجوب عليها أصلاً(2).
ص: 254
و فيه: بأنّه يبتني على أنّ هنا مقدمة واحدة باسم الأجزاء بالأسر، و بما أنّها نفس الكلّ فلا توصف بالوجوب الغيري وراء الوجوب النفسي، و أمّا على القول بأنّه هنا مقدمات حسب تعدد الأجزاء کما تقدم، فملاك الوجوب موجود في كلّ جزء، لأنّ الجزء غير الكلّ عنواناً و تحقّقاً .
بعد ثبوت وجود المقتضي للوجوب، فهل هناک مانع عن عروض الوجوب الغيري على الأجزاء أم لا؟
ذهب المحقّق الخراساني إلى وجود المانع حيث قال: إنّ الأجزاء بالأسر عين المأمور به ذاتاً، و إن كانت المغايرة بينهما اعتباراً، فتكون واجبة بعين وجوبه، و مبعوثاً إليها بنفس الأمر الباعث إليه، فلا تكون واجبة بوجوب آخر، لامتناع اجتماع المثلين.
و فيه: اولا: انه لا اجتماع للمثلين لان معروض الوجوب الغيري يعني الجزء، غير معروض الوجوب النفسي يعني الكل، فالموضوعان متغايران لما تقدم من تعدد المقدّمات فليس هناک مقدّمة واحدة حتی يجتمع فيها المثلان .
و ثانيا: ان اجتماع المثلين محال في عالم التکوين لا عالم التشريع فلا مانع من وجوب شيء واحد باعتبارين کالنفسية و الغيرية, و اما القول بانّ اجتماع الحكمين المذكورين في شي ء واحد، لا يؤدي إلى اجتماع المثلين، بل يؤدي إلى اندكاك أحدهما في الآخر، فيصيران حكماً واحداً مؤكداً(1). فيرده: أنّ الاندكاك فرع إمكان التعلّق، فإذا كان
ص: 255
التعلّق غير ممكن لاستلزامه اجتماع المثلين حسب الفرض فلا تصل النوبة إلى الاندكاك .
نعم لا حاجة للوجوب الغيري بعد تحقق الوجوب النفسي ، و ذلك لأنّ الأمر الداعي إلى الكل يدعو إلى كلّ جزء جزء، و معه يكون إيجاب الجزء أمراً لغواً و عبثاً لا فائدة فيه کما هو واضح , فلا حاجة إلى إيجاب المقدمات الداخلية إيجاباً غيرياً وراء الإيجاب النفسي المتعلّق بالكل.
تنقسم المقدمة الخارجية إلى مقدمة خارجية بالمعنى الأخص، و خارجية بالمعنى الأعم، أمّا الأولی فهي ما يكون القيد و التقيّد كلاهما خارجين عن الواجب، و يمثل لها بالمكان، فانّ المكان ليس جزءاً من الواجب، بل هو خارج عنه قيداً و تقيّداً، لكنّها متوقفة عليه.
و أمّا الثانية فهي ما يكون القيد خارجاً سواء كان التقيّد أيضاً خارجاً كالمكان أو كان التقيّد داخلاً، كطهارة البدن، و طهارة الثوب، و استقبال القبلة، و الطهارةمن الحدث، فانّها بوجوداتها الخارجية خارجة عن الصلاة، لكن تقيّد الصلاة بها داخلة فيها.
إذا عرفت ذلك فقد اختلفت كلماتهم في وجوب المقدمة الخارجية على أقوال:
1. التفصيل بين السبب و الشرط، فالأوّل واجب دون الثاني، و هو المحكي عن السيد المرتضى، و لكن صاحب المعالم أمعن في كلامه و قال: بأنّ النسبة في غير محلّها، بل هو يريد أنّ وجوب الواجب لا يمكن أن يكون مشروطاً بالنسبة إلى سببه لاستلزامه
ص: 256
طلب الحاصل، بخلاف غيره من المقدمات، فان وجوبه بالنسبة إليها يمكن أن يكون على قسمين: مطلق و مشروط(1).
قلت: و علی اي حال فلا وجه لهذا التفصيل کما سيأتي .
2. الواجب النفسي هو السبب و إن كان الوجوب في الظاهر متعلقاً بالمسبب لكونه هو المقدور دون المسبب. و فيه: ان المسبب أيضاً مقدوراً عليه بالقدرة على سببه.
3. التفصيل بين ما يكون وجود أحدهما مغايراً لوجود الآخر في الخارج، كشرب الماء و رفع العطش، و ما يكون عنوانين لموجود واحد، مثل الإلقاء في النار و الإحراق، و الغسل و التطهير، ففي مثل ذلك يمتنع وجود وجوبين، دون القسم الأوّل، لاستلزامه اجتماع المثلين في مورد واحد(2).
و فيه: أنّ المثال المذكور للقسم الثاني لا ينطبق عليه لتغاير الإلقاء و الإحراق وجوداً، و الغسل و التطهير شرعاً, مضافا الی انه كيف يتصوّر العلية و المعلولية في القسم الثاني الذي يكون العنوانان متّحدين في الوجود، فانّ وزان العلة وزان التأثير، و وزان المعلول وزان التأثر، فكيف يمكن أن يتحد المؤثر و المتأثر وجوداً و مع ذلك يطلق عليهما العلة و المعلول؟
و الاولی كمقدمية العلّة للمعلول، و تسمّى مقدمة عقلية لحكم العقل بأنّها مقدمة؛ و الثانية كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة فيكون مقدمة شرعية لحكم الشرع بأنّها مقدمة ؛ و
ص: 257
الثالثة کنصب السلم للصعود علی السطح و تسمی عادية لحکم العادةبأنّها مقدمة، و ملاك التقسيم في المقام غير ملاكه فيما مضى حيث كان الملاك في التقسيم السابق لحاظ المقدمة بنفسها و ذاتها بالنسبة إلى المأمور به، و هنا لحاظ المقدمة بالنسبة إلى الحاكم بأنّها مقدمة.
المقدمة بالنسبة إلى ذيها تارة تكون مقدمة لوجود ذي المقدمة كالأجزاء بالنسبة إلى الكل، و أُخرى مقدمة لصحتها كما في الشرائط بالنسبة إلى الصلاة على القول بكونها اسماً للأعم.
و ثالثة مقدمة لوجوب ذيها كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحجّ، و رابعة مقدمة للعلم بها كالصلاة إلى الجوانب الأربع. و ملاك التقسيم هو دور المقدمة بالنسبة إلى ذيها.
لکن ينبغي التنبيه علی امور ثلاثة:
الاول: انّ مقدمة الصحّة ترجع إلى مقدمة الوجود، أمّا إذا قلنا بأنّ ألفاظ العبادات أسام للصحيح منها فواضح، و أمّا على القول بأنّها موضوعة للأعم، فهي و إن كانت لا ترجع إلى مقدمة الوجود لكن لمّا كان الواجب هو الصحيح من الصلاة لكون المأمور به هو الصحيح تكون مقدمة وجودية للواجب، و البحث في مقدمة الواجب لا في مقدمة المسمّى.
الثاني: انّ مقدّمة الوجوب خارجة عن محلّ البحث، لأنّه لولاها لما اتصف الواجب بالوجوب، فكيف تتصف بالوجوب من قبل الواجب المشروط وجوبه بها.
ص: 258
الثالث: انّ المقدمة العلمية كالصلاة إلى أربع جهات، ممّا يحكم بها العقل إرشاداً ليؤمن من العقاب لا من باب الملازمة بين وجوبها و وجوب ذيها، فانّ ملاك الملازمة هو التوقّف و هو منتف في المقام.
و ملاك التقسيم هو اختلاف كيفية تأثير السبب و الشرط و المعدّ في ذي المقدمة، و إليك تعاريفها:
السبب: و عرف کما في القوانين و التقريرات و غيرهما ب: «ما يلزم من وجوده الوجود و من عدمه العدم لذاته»(1)., و التعريف ينطبق على المقتضي الذي هو جزء العلّة التامة كالنار بالنسبة إلى احتراق الحطب، فانّ وجود الاحتراق من النار، و لكنّها ليست علّة تامّة لوضوح انّ الاحتراق رهن أُمور أُخرى، كيبوسة الحطب و تحقّق المحاذاة بينهما و عدم المانع إلى غير ذلك من الشروط.
و ربما يُعرّف: ما يلزم من وجوده وجود المسبب و من عدمه عدمه، و السبب بهذا المعنى ينطبق على العلّة التامة و لعلّ تعريفه به نظراً إلى إطلاق السبب في لسان الفقهاء على الأُمور التالية التي هي أشبه بالعلّة التامة.
كصيغة العتق بالنسبة إلى العتق الواجب، و الوضوء و الغسل بالنسبة إلى الطهارة عن الحدث، و الغَسْل بالنسبة إلى إزالة الخبث .
و الشرط ب: «ما يلزم من عدمه عدم المشروط، و لا يلزم من وجوده وجوده».
و المانع ب: «ما لا يلزم من عدمه عدم شي ء بل يلزم من وجوده عدم شي ء»
ص: 259
و المعدّ: ما يُقرِّب العلة من المعلول كارتقاء السلّم، فانّ صعود درجة يُهيئ الفاعل إلى الصعود إلى درجة أُخرى.
و كأنّ الشرط و المعد من سنخ واحد و الجامع بينهما هو إفاضة القابلية، فلو كانت الإفاضة شيئاً فشيئاً فهو معد و إلّا فهو شرط، فيكون المعدّ من أقسام الشرط بالمعنى الجامع.
قد عرفت أنّ لكلّ تقسيم من تقسيمات المقدمة ملاكاً خاصّاً، و الملاك في هذا التقسيم هو الزمان، فتارة تكون المقدمة، متقدمة في الزمان على ذيها، و أُخرى مقارنة، و ثالثة متأخرة عنه في الوجود.
و الذي يوجب هذا التقسيم وجود الأقسام الثلاثة في الفقه، و إليك أمثلتها:
1. إذا أوصى بتمليك شي ء من تركته لزيد فالوصية شرط متقدّم على الملكية، و الملكية تحصل بعد موت الموصي .
2. اتّفق الفقهاء على أنّ العقل و البلوغ شرطان لعامّة التكاليف فهما من الشرائط المقارنة.
3. و افتی بعض الفقهاء بأنّ صوم المستحاضة في اليوم الذي تصوم محكوم في يومها بالصحة مع تأخر شرطها، أعني: اغتسالها ليلاً بناء علی شرطيته، فالصحّة متقدّمة و الشرط متأخر.
ص: 260
هذا و هنا إشكال و هو أنّ الشرط من أجزاء العلّة، و العلّة تكون مقارنة للمعلول وجوداً و متقدّمة عليه رتبةً، فإذا كان هذا حال العلّة، و كان الشرط على وجه الإطلاق جزءاً للعلة، فكيف ينقسم الشرط بالنسبة إلى المعلول إلى أقسام ثلاثة متقدم، مقارن، متأخر؟
و لأجل رفع الإشكال يقع البحث في مقامات ثلاثة لانه لا يخلو عن واحد منها:
الأوّل: في شرائط المأمور به.
الثاني: في شرائط التكليف.
الثالث: في شرائط الوضع.
تنقسم شرائط المأمور به إلى متقدّم على الواجب: كالغسل و الوضوء، إذا قلنا بشرطية نفس الأعمال الخارجية للواجب, و اما اذا قلنا ان الطهارة الحاصلة منهما شرط کانت من مثال الشرط المقارن ، و الی مقارن: كالستر و الاستقبال، و الی متأخر: كما إذا أمر بالصوم نهاراً مقيّداً إياه بالاغتسال ليلاً.
و اجاب عنه المحقّق النائيني قائلاً: التحقيق هو خروج شروط المأمور به عن حريم النزاع، بداهة أنّ شرطية شي ء للمأمور به ليست إلّا بمعنى أخذه قيداً في المأمور به، فكما يجوز تقييده بأمر سابق أو مقارن، يجوز تقييده بأمر لاحق أيضاً، كتقييد صوم المستحاضة بالاغتسال في الليلة اللاحقة، إذ لا يزيد الشرط بالمعنى المزبور على الجزء، الدخيل في المأمور به تقيّداً و قيداً.(1) و توضيحه:انّ الشرط المستعمل في المقام غير الشرط العقلي، فانّ الثاني عبارة عمّا يكون مكملًا لفاعلية الفاعل أو قابلية القابل، فالأوّل
ص: 261
كالمحاذاة للنار فلولا المحاذاة لم تؤثر النار في إحراق القطن، و الثاني كيبوسة الحطب فلولاها لم يحترق بسهولة.
هذا هو الشرط العقلي، و يجب أن يكون مقارناً مع العلّة لا متقدّماً و لا متأخراً عليها، فالمحاذاة و اليبوسة الخارجتان عن تلك الضابطة لا تؤثران لا في فاعلية الفاعل، و لا في قابلية القابل.
و أمّا الشرط المستعمل في المأمور به فهو عبارة عمّا يكون القيد خارجاً و التقيّد داخلاً في مقابل الجزء، فانّ الجزء كالركوع يكون داخلاً في المأمور به قيداً و تقيّداً، بخلاف الوضوء فانّه يكون داخلاً تقيداً لا قيداً.
فالذي أوجد الإشكال في المقام هو اشتراك لفظ الشرط بين معنيين: أحدهما ما يستعمل في العلوم العقلية و الآخر ما يستعمل في الفقه، فالاشتراك اللفظي أحد أسباب المغالطة مثل قولك مشيراً إلى الباصرة هذه عين.
ثمّ مشيراً إلى نبع جار و كلّ عين جارية, فتستنتج هذه جارية، و إنّما نشأ الخلط في أنّ المقصود من العين الأولى هي الباصرة، و من الثانية النبع الجاري، و مثله المقام.
و على ذلك فالمقصود من الشرط أي ما يكون من متعلقات المأمور به، و من المعلوم أنّ المأمور به أمر تدريجي لا دفعي، فيتقدّم قسم من أجزائه و يؤخّر قسم آخر، و المتقدم و المتأخر يعد اعتباراً عملاً واحداً ذا عنوان واحد. هذه هو حقيقة الأمر, و بذلك نستغني عمّا ذكره المحقّق الخراساني من الجواب علی فرض تماميته، لما عرفت من أنّ الإشكال غير شامل لهذه الصورة، إذ لا علّية و لا معلولية.
ص: 262
إنّ شرائط التكليف على أقسام، تارة تكون متقدمةً كما إذا قلت: إذا جاء زيد اليوم يجب عليك إكرامه غداً، على وجه يكون لفظة غداً قيداً للوجوب، و منها ما يكون مقارناً كالبلوغ و العقل المقارنين للوجوب، و منها ما يكون متأخراً كوجوب الحجّ في أوّل أشهر الحجّ للمستطيع مع كونه مشروطاً بادراك الوقوفين، فيقال: انّ التكليف فعل من أفعال المولى، و شرطه جزء من عللالتكليف فكيف يكون متقدّماً تارة و متأخراً أُخرى مع أنّه من أجزاء العلّة التي يجب أن تكون مجتمعة في زمان و مكان واحد؟
و اجيب: انّ التكليف يطلق و يراد منه أحد المعنيين:
الأول: البعث و الزجر الاعتباريان الإنشائيّان.
الثاني: الإرادة الحقيقية الظاهرة في نفس المولى الباعثة إلى الإيجاب و الزجر الاعتباريين.
أمّا الأوّل: فبما انّ الأُمور الاعتبارية قائمة بنفس الاعتبار و تابعة لكيفيته فلا يحكم عليها بضوابط التكوين، فما ذكر من أنّ شرط العلة يجب أن يكون مقارناً فهو راجع إلى الشرط التكويني كالمحاذاة في يبوسة الحطب، و أمّا الخارجة عن مدار التكوين فهي تابعة لكيفية الاعتبار، فللمعتبر أن يجعل الشي ء المتقدّم شرطاً للاعتبار المتأخر و بالعكس.
و أمّا الثاني: فبما انّ الإرادة الظاهرة في لوح النفس من الأُمور التكوينية فلو كان شي ء شرطاً لظهور الإرادة يجب أن يكون تابعاً لضوابط التكوين بأن يكون مقارناً لعلة الإرادة لا متقدّماً و لا متأخراً عنها.
ص: 263
هذا هو الإشكال، و أمّا الحل فلا شكّ أنّ الصغرى - كون الإرادة من الأُمور التكوينية - و الكبرى لزوم اقتران شرط العلة التكوينية معها صحيح، إنّما الإشكال في تعيين ما هو الشرط للإرادة.
فالخلط حصل بين ما هو شرط في القضية اللفظية للإيجاب، و ما هو شرط للإرادة الحقيقية، ففي المثال المذكور «إن جاءك زيد اليوم يجب عليك إكرامه غداً» انّ شرط الإيجاب و إن كان هو المجي ء المتقدّم على الإيجاب، لكنّه ليس شرط الإرادة بل شرطها هو تصوّر المولى في أنّ إكرام زيد غداً لأجل قدومه إلى هذا البلد مصلحة ملزمة، و هذه الصورة العلمية تصير سبباً لظهور الإرادة في ذهن المولى التي يتبعها الإيجاب.
فالمجي ء المتقدّم شرط للإيجاب الاعتباري، و أمّا شرط الإرادة فهو عبارة عن الصورة العلمية للقضية الموجودة في النفس المقارنة لانقداح الإرادة، و المراد من الصورة العلمية هو علمه بوجود المصلحة في الإكرام.
و منه يظهر حال الشرط المتأخر، فانّ حياة المكلف في أيّام الحجّ و دركه الموقفين شرط للإيجاب الاعتباري للحج للمستطيع في أوائل أشهر الحجّ، و أمّا انقداح الإرادة في ذهن المولى التي يتبعها الإيجاب فشرطها عبارة عن العلمبالمصلحة في هذا النوع من العمل، و العلم بالمصلحة مقرون بانقداح الإرادة، فالخلط حصل بين شرط الايجاب و شرط انقداح الإرادة(1).
ص: 264
و الحاصل أنّ الشرط فيما تجب فيه المقارنة الزمانية، مقارن لمشروطه، و فيما هو متقدّم و متأخر ممّا لا تجب فيه المقارنة لخروجها عن مصب القاعدة العقلية، أعني: لزوم مقارنة الشرط لمشروطه.
و اما ما ذكره المحقّق الخراساني من أنّ الشرط هو لحاظه ذهناً لا وجوده خارجاً فإنّما يتمّ في شرائط التكليف: الاعتبار، و الإرادة الحقيقية، لا في شرائط الوضع الذي هو المقام الثالث.
المراد بالوضع هو الأحكام الوضعية من الصحة و الملكية و الزوجية و غير ذلك، فتارة يكون الشرط الذي ربّما يطلق عليه السبب متقدّماً على الوضع، و أُخرى مقارناً له، و ثالثة متأخّراً عنه.
فالأوّل كالوصية التمليكيّة حيث إنّ الإيصاء جزء السبب لحصول الملكية، و الجزء الآخر موت الموصي .
و الثاني: كالعقل و البلوغ المقرون بالعقد .
و الثالث: كالاجازة بالنسبة إلى صحّة البيع الفضولي، إذا قلنا بأنّ الإجازة كاشفة عن حدوث الملكية للمشتري من زمان العقد، و مثلها الأغسال الليلية إذا كانت شرطاً لوصف الصوم بالصحّة الفعلية بشرط تعقبها بالأغسال.
فالإشكال في المقام هو تقدّم الشرط على المشروط أو تأخّره عنه.
و اجيب: بأنّ الأُمور الاعتبارية لا تخضع للقواعد التكوينية فمقارنة الشرط مع العلّة و عدم تأخّره أو تقدّمه عليه إنّما يختص بالعلل التكوينية، و أمّا الأُمور الاعتبارية الخاضعة
ص: 265
لاعتبار المعتبر فلا مانع من أن يتّخذ المتقدم أو المتأخّر شرطاً، فلا إشكال في القول بصحّة البيع الفضولي فيما مضى إذا لحقت الإجازة، أو صحّة صوم المستحاضة في يومها إذا اغتسلت بعد اليوم(1).
و فيه: ان الشرع المقدس اذا قرر شرطا بما له من معنی الشرطية فلا فرق فيه بين عالم التکوين و عالم الاعتبار و الّا خرج ما جعله شرطا عن معنی الشرطية و حينئذ لا علاقة له ببحثنا و عليه فکل ما له معنی الشرطية لابد و ان يکون مقارنا و يستحيل تقدمه و تاخره بلا فرق بين عالم التکوين او الاعتبار .
و توضيح ذلک انه يلزم في الامر الاعتباري الّا يشتمل على التناقض، مثلاً إذا اعتبر شيئاً جزءاً للسبب و مع ذلك رتّب الأثر مع عدم هذا الجزء فانّه و إن لم يكن أمراً محالاً لكنّه بما انّه تناقض في الاعتبار و تناقض في القانون فلا يحوم حوله العقلاء و يسقط عن الاعتبار.
قال في الكفاية: و كذا الحال في شرائط الوضع مطلقاً و لو كان مقارناً فإن دخل شي ء في الحكم به و صحّة انتزاعه لدى الحاكم به ليس إلّا ما كان بلحاظه يصحّ انتزاعه لدى الحاكم و بدونه لا يكاد يصحّ اختراعه عنده فيكون دخل كلّ من المقارن و غيره بتصوره و لحاظه و هو مقارن فأين انخرام القاعدة العقلية في غير المقارن، فتأمّل تعرف(2).
ص: 266
و حاصله ان الشرط عبارة عن لحاظ الحاكم كون الرضا مقارناً أو متأخّراً عنه، فنفس الرضا و إن كان مقارناً أو متأخّراً لكن لحاظ العقد معه مقارن للعقد في جميع الأحوال.
و فيه: أنّه على خلاف ظاهر الأدلّة فانّ الشرط عبارة عن نفس الرضا، قال سبحانه ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراض﴾(1) و ما تخلّص به لا يرفع الإشكال، إذ الإشكال فيما هو المتبادر من الأدلّة، فانّ المتبادر من أدلّة الشروط هو الوجود الخارجي للشرط لا لحاظ الحاكم وجوده في ظرفه.
و اجاب المحقّق النائيني عن الإشكال بوجه آخر، و قال: إنّ امتناع الشرط المتأخّر من القضايا التي قياساتها معها و لا تحتاج إلى برهان، بل يكفي فيامتناعه نفس تصوّره، فانّ حال الشرعيات حال العقليات التي تقدّم امتناع تأخّر العلّة فيها أو جزئها أو شرطها ممّا له دخل في تحقّق المعلول، عن معلولها.
ثمّ قال: و أمّا توهّم انّ امتناع الشرط المتأخّر إنّما يكون في التكوينيات دون الاعتباريات و الشرعيات التي أمرها بيد المعتبر و الشارع، حيث إنّ له أن يعتبر كون الشي ء المتأخّر شرطاً لأمر متقدّم، ففساده أيضاً غني عن البيان، لأنّه ليس المراد من الاعتبار مجرّد لقلقة اللسان، بل للاعتباريات واقع، غايته أنّ واقعها عين اعتبارها، و بعد اعتبار شي ء شرطاً لشي ء و أخذه مفروض الوجود في ترتب الحكم عليه كما هو الشأن في كلّ شرط، كيف يمكن تقدّم الحكم على شرطه؟ و هل هذا إلّا خلاف ما اعتبره؟!
ص: 267
و بالجملة: بعد فرض اعتبار شي ء موضوعاً للحكم لا يمكن أن يتخلّف و يتقدّم ذلك الحكم على موضوعه، فظهر فساد ما ذكر من الوجوه لجواز الشرط المتأخر.
و أحسن ما قيل في المقام من الوجوه: هو أنّ الشرط عنوان التعقب و الوصف الانتزاعي، و قد تقدّم عدم توقّف انتزاع وصف التعقب على وجود المتأخّر في موطن الانتزاع، بل يكفي في الانتزاع وجود الشي ء في موطنه، فيكون الشرط في باب الفضولي هو وصف التعقّب، و انّ السبب للنقل و الانتقال هو العقد المتعقب بالإجازة، و هذا الوصف حاصل من زمن العقد(1).
و اجيب: أوّلًا: أنّ ما ذكره من أنّ امتناع الشرط المتأخّر من القضايا التي قياساتها معها لا يخلو من خلط التكوين بالتشريع، فانّ الممتنع هو الأوّل، و أمّا الثاني فلا يقبل الامتناع، نعم فرض وجود المعتبَر مع فقد ما يعتبر علة له يوجب تناقضاً في الاعتبار و هو أمر خارج عن سيرة العقلاء لا أنّه أمر محال...
و ثانياً: أنّ ما وصفه بأحسن الأجوبة و هو أنّ الشرط عنوان التعقّب و هو موجود مع العقد و إن لم يوجد الشرط، أعني: الإجازة، ففيه أيضاً خلط بين ذات المتعقّب و عنوان التعقب، فالأوّل متحقّق و إن لم يلحق به الإجازة، و أمّا التعقّب بالعنوان الوصفي فبما انّه أمر انتزاعي و الأمر الانتزاعي من مراتب التكوين، فكيف يمكن انتزاعه بالفعل مع عدم وجود منشأ الانتزاع، أعني: الإجازة؟! و بعبارة أُخرى: انّ عنوان التعقّب امّا منتزع من ذات العقد و ذات الصوم بلا لحاظ ضمّ الاجازة و الاغتسال، فلازمه حدوث الملكية، و وصفالصوم بالصحة الفعلية، و إن لم تنضم إليهما الإجازة و الاغتسال، و هو خلاف الفرض.
ص: 268
و إمّا منتزعة عنهما بملاحظة الاجازة و الاغتسال، فلازمه عدم إمكان انتزاعهما ما لم تلحق بهما الإجازة و الاغتسال، إذ لو لم يكن ذات العقد أو الصوم كافياً في صحّة الانتزاع، فلا معنى لانتزاع الخصوصية بلا ضم الإجازة أو الغسل(1) .
قسم الواجب إلى أقسام بملاكات مختلفة، نستعرضها فيما يلي:
عرّف المطلق و المشروط بتعاريف:
منها: ما أفاده صاحب الفصول تبعا للسيد عميد الدين من: «أنّ الواجب المطلق ما لا يتوقف وجوبه على أمر زائد على الشرائط العامة المعتبرة في التكليف من البلوغ، و العقل، و القدرة كالصلاة، فإنّ وجوبها بعد حصول الشرائط لا يتوقف على شي ء، و الواجب المشروط ما يتوقف وجوبه بعد الشرائط العامة على شي ء آخر فإنّ وجوب الحج مشروط بعد الشرائط العامة بالاستطاعة».
و منها: ما عن جماعة منهم التفتازاني، و المحقق الشريف، و صاحب القوانين، بل عن المشهور من: «أنّ الواجب المطلق ما لا يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده، و المشروط ما يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده».
ص: 269
و منها: ما في الفصول أيضا من: «أنّ المطلق ما لا يتوقف تعلقه بالمكلّف على حصول أمر غير حاصل سواء توقف على غير ما مرّ و حصل كما في الحج بعد الاستطاعة أو لم يتوقف كما مرّ، إلى ان قال: و يقابله المشروط و هو ما يتوقف تعلّقه بالمكلّف على حصول أمر غير حاصل»(1).
و اورد علی التعريف الاول: أنّ تعريف المطلق بما ذكر يوجب أن لا يوجد له مصداق إلّا معرفة اللّه سبحانه، إذ ما من واجب إلّا و هو مشروط بشي ء مضافاً إلى الأُمور العامّة كالصلاة و الصوم و الحجّ بالنسبة إلى الوقت، و الجهاد بالنسبة إلى أمر الإمام به، و غير ذلك.
و فيه: انه کذلک فالصلاة و الصوم و الحج بالنسبة الی الوقت من الواجبات المشروطة لا المطلقة و عليه فيكون كل واجب بالنسبة إلى ما أنيط به وجوبه مشروطا، و بالنسبة إلى غيره مطلقا كالصلاة، فإنّها بالنسبة إلى الوقت مشروطة، و بالإضافة إلى الطهارة مطلقة, و لا محيص عن إرادة الإضافيين من المطلق و المشروط و عليه فلا اشکال في هذا التعريف .
و اورد علی التعريف الثاني: أنّ وجوب الحجّ موقوف على الاستطاعة الشرعية، لكن وجودَه لا يتوقّف على الشرعية منها، بل يكفي الاستطاعة العقلية كما في حج المتسكع، فانّ الاستطاعة العقلية أوسع من الاستطاعة الشرعية، فالناس أكثرهم مستطيعون للحجّ بالاستطاعة العقلية دون الشرعية.
ص: 270
و فيه: ان المراد توقّف الحجّ الواجب لا مطلق الحجّ، فالقسم الواجب من الحجّ موقوف وجوده على الاستطاعة الشرعية، كما أنّ وجوبه موقوف عليها, و عليه فالتعريف سالم عن الاشکال .
و اما التعريف الأخير فيرد عليه: أنّ لازمه صيرورة الحج بعد الاستطاعة واجبا مطلقا، مع أنّه لا يخرج الحج عن الواجب المشروط و لو بعد حصول الاستطاعة إذ لا إشكال في اعتبار الاستطاعة إلى آخر المناسك، و عليه فتعريف الواجب المطلق بهذا ليس مانعا، لدخول الواجب المشروط الّذي حصل شرطه في المطلق، مع أنّه خارج عنه.
قد عرفت مما تقدم ان الإطلاق و التقييد من الأُمور الاضافية كالأُبوّة و البنوّة لا يجتمعان في شي ء واحد من جهة واحدة و إن كانا يجتمعان فيه من جهتين، و هكذا الإطلاق و الاشتراط، فانّ وجوب الشي ء قد يكون بالنسبة إلى شي ء مطلقاً، كوجوب الصلاة بالنسبة إلى الوضوء، و بالنسبة إلى شي ء آخر مشروطاً كوجوبها بالنسبة إلى الوقت.
و تظهر الثمرة أنّه إذا كان وجوب الشي ء بالنسبة إلى شي ء مطلقاً يجب تحصيله بخلاف ما إذا كان بالنسبة إليه مشروطاً، فلو كان خارجاً عن الاختيار ينتظر إلى حصوله کالوقت، و إن كان داخلاً في الاختيار لا يجب تحصيله كالاستطاعة الشرعية.
ص: 271
المعروف عند قاطبة علماء اللغة و الاصوليين أنّ القيد في الواجب المشروط يرجع إلى مفاد الهيئة، و تكون النتيجة عدم الوجوب ما لم يحصل القيد، و أمّا المادة فهي باقية على إطلاقها.
و خالف في ذلک الشيخ الأنصاري في التقريرات فاختار أنّ القيد يرجع إلى الواجب فيكون الواجب مقيداً بالقيد، و أمّا الوجوب فهو باق على إطلاقه، فالصلاة قبل الوقت واجبة غير أنّ الواجب مقيّد بالزوال(1)، فالقيد في قوله سبحانه ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾(2)، أعني قوله: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) إمّا راجع إلى قوله: (أَقِمِ) كما عليه المشهور أو إلى (الصَّلاةَ) كما عليه الشيخ الأنصاري، و علی الاول القيد يکون قيدا للوجوب المستفاد من هيئة أكرم، و علی الثاني يکون القيد قيدا للإكرام و يکون الوجوب حاليا و إن كان ظرف العمل استقبالياً.
ص: 272
استدلّ الشيخ على رجوع القيد إلى المادة بوجوه أربعة:
الأوّل: انّ هيئة الأمر موضوعة بالوضع النوعي العام و الموضوع له الخاص لخصوصيات أفراد الطلب و الإرادة الحتمية الإلزامية التي يوقعها الآمر و يوجدها، فالموضوع له و المستعمل فيه، فرد خاص من الطلب، و هو غير قابل للتقييد.
و إن شئت قلت: إنّ الهيئة موضوعة بالوضع العام للموضوع له الخاص، فيكون مفادها إيجاد البعث، و هو أمر جزئي لمساواة الإيجاد بالجزئية، و الجزئي لا يقبل التقييد(1).
و فيه: ما تقدم من أنّ الجزئي فاقد للسعة و الإطلاق من حيث الأفراد، و أمّا من حيث الحالات فهو قابل للتقييد، فانّ الوجوب المنشأ، له مصداق واحد و لكنّه من حيث الحالات ينقسم إلى حالتين: الوجوب المقرون بالدلوک, و الوجوب المجرّد عن الدلوک, و عليه فالقيد إذا رجع إلى المقيّد يخص البعث بحالة خاصّة و هو حالة الدلوک.
الثاني: ما لخصه المحقّق الخراساني في الكفاية ، بقوله: إنّ العاقل إذا توجّه إلى شي ء و التفت إليه، فإمّا أن يتعلّق طلبه به أو لا يتعلّق به طلبه أصلاً، لا كلام في الثاني.
و على الأوّل فإمّا أن يكون ذلك الشي ء مورداً لطلبه و أمره مطلقاً، على اختلاف أطواره، أو على تقدير خاص، و ذلك التقدير تارة يكون من الأُمور الاختيارية، و أُخرى لا يكون كذلك، و ما يكون من الأُمور الاختيارية قد يكون مأخوذاً فيه على نحو يكون مورداً للتكليف، و قد لا يكون كذلك على اختلاف الأغراض الداعية إلى طلبه و الأمر به(2).
ص: 273
و فيه: أنّه جعل المقسم من أوّل الأمر هو المطلوب و ذكر له أقساماً، و لنا أن نجعل المقسم هو الطلب، فنقول: إذا أطلّ الإنسان بنظره إلى شي ء، فإمّا أن يطلبه أو لا يطلبه، و على الثاني إمّا أن يتعلّق طلبه به على وجه الإطلاق، و أُخرى على وجه التقييد، ثمّ القيد إمّا أن يكون أمراً اختيارياً أو خارجاً عنه، و القيد الاختياري إمّا أن يكون مطلوباً حصوله أو مطلوباً تحصيله.
الثالث: انّ المقصود من الإنشاء ليس مفهوم الطلب الاسمي، بل إيجاد مصداقه في الخارج إنشاءً و اعتباراً، و مثله غير ملحوظ مستقلاً، بل ملحوظ على نحوالاندكاك في ضمن لحاظ متعلّقه، أعني: المطلوب، و الشي ء ما لم يلحظ مستقلاً و لم يقع في أُفق النفس كذلك يمتنع تقييده، إذ التقييد عبارة عن لحاظ شي ء مستقلاً، ثمّ تقييده ثانياً.
و على هذا الوجه اعتمد المحقّق النائيني حيث قال: إنّ النسبة حيث إنّها مدلولة للهيئة فهي ملحوظة آلة و معنى حرفياً، و الإطلاق و التقييد من شؤون المفاهيم الاسمية الاستقلالية(1).
و فيه أوّلًا: أنّ النسب التي هي من المعاني الحرفية من المقاصد الأصلية ايضا للمتكلّم، و القيد يرجع إلى المقاصد الأصلية.
و توضيحه: انّ القيود حسب الواقع على قسمين: فقسم لا يصلح إلّا أن يكون قيداً للمتعلّق، و قسم لا يصلح إلّا أن يكون قيداً لمفاد الهيئة.
أمّا الأوّل: فلو افترضنا أنّ المصلحة قائمة بإقامة الصلاة جماعة، أو إقامتها في المسجد، أو الطواف بالبيت على نحو تكون الصلاة و الطواف مجرّدتين عن القيود فاقدتين للمصلحة، ففي هذا الظرف يكون القيد راجعاً إلى الواجب، فإذا قال: صلّ في المسجد،
ص: 274
أو صلِّ صلاة الجمعة جماعة، أو طف بالبيت، فجميع تلك القيود من محصلات المصلحة في الصلاة و الطواف، فهذا النوع من القيد لا يصلح إلّا أن يكون قيداً للواجب لا للوجوب.
و أمّا الثاني: فكما إذا افترضنا انّ الصوم بما هو هو ذو مصلحة أو انّ العتق بما هو هو أمر راجح، و لكن مثل هذه المصلحة غير كافية، لانشاء البعث إليه، إلّا إذا صدر منه فعل لا يغتفر إلّا بالتكفير من الصوم و العتق، ففي هذا المورد يكون القيد راجعاً إلى مفاد الهيئة أي البعث، و يقول: إن أفطرت فكفّر، و إن ظاهرت فأعتق. فالإفطار و الظهار من قيود البعث، و مثل المورد الأُمور العامّة، فانّ العقل و القدرة من شروط الإيجاب، فلولاهما لما ظهرت الإرادة و لا البعث إلى العمل.
و عليه فالقيود ثبوتاً على قسمين، قسم يرجع إلى المادة و لا يصلح أن يكون قيداً للوجوب و البعث، و قسم على العكس. و عليه فأنّ الغرض الأصلي من التكلّم غالباً هو افادة النسب التي هي قسم من المعاني الحرفية كالهوهوية في قولنا: زيد قائم ، و الظرفية في قولنا: زيد في الدار, و التقييد يرجع إلى المقاصد الأصلية.
و إن شئت قلت: إنّ الإثبات تابع للثبوت و قد عرفت أنّ القيد تارة يرجع إلى الطلب و أُخرى إلى المطلوب، فإذا كان الثبوت على قسمين فكيف يمكن لنا جعله في الإثبات قسماً واحداً؟
و ثانياً: ما أفاده المحقّق الخراساني من أنّه لو سلّمنا امتناع تقييد المعاني الملحوظة آلية، فانّه إنّما يمنع عن التقييد لو أنشأ أوّلًا غير مقيّد، لا ما إذا أنشأ من الأوّل مقيّداً غاية الأمر قد دلّ بدالّين و هو غير إنشائه أوّلًا ثمّ تقييده ثانياً.
ص: 275
الرابع: انّ تقييد مفاد الهيئة يستلزم تعليق الإنشاء و هو أمر محال، لأنّ الإنشاء من مقولة الإيجاد و هو لا يقبل التقييد، بل أمره دائر بين الوجود و العدم، فامّا أن يكون الإيجاد محقّقاً أو غير محقّق، و لا معنى للإيجاد المعلّق من غير فرق بين الإيجاد التكويني و الإنشائي.
و فيه: و فيه: انّ ما أُفيد من أنّ الإنشاء لا يقبل التعليق، إنّما يتم في الأُمور التكوينية فالوجود التكويني لا يقبل التعليق، و أمّا الوجود الاعتباري أعني الطلب فلا مانع من تعليقه فتارة يكون المنشأ هو الطلب المطلق، و أُخرى الطلب المشروط بشرط الاستطاعة، و الاشتباه انما هو من قياس الأُمور الاعتبارية بالتكوينية.
الخامس: إذا كان رجوع القيد إلى الهيئة مستلزماً لرجوع القيد إلى المنشأ يلزم تفكيك الإنشاء عن المنشأ، حيث إنّ الإنشاء قد تمّ، مع أنّ المنشأ أعني الطلب غير موجود، للاتفاق على عدم حصول الطلب قبل تحقّق الشرط، و هذا نظير القول بتحقّق الإيجاد من دون أن يتحقّق الوجود و هو محال.
و فيه: أنّ المنشأ غير منفك عن الإنشاء، و ذلك لأنّ المنشأ لو كان هو الطلب المطلق لكان لما ذكر وجه، و أمّا إذا كان المنشأ الطلب على تقدير حصول الشرط فهذا النوع من الطلب موجود قبل حصول الشرط.
فإذا قال: أقم الصلاة عند دلوك الشمس، فالطلب على تقدير الدلوك موجود و إن لم يكن هناك دلوك و ينقلب إلى الطلب المطلق بعد دلوكها, و ذلک لانّ الأُمور الاعتبارية رهن ترتّب الأثر عليه, و عدم التناقض في الاعتبار, و على ضوء ذلک لا مانع من إنشاء الطلب المطلق كما لا مانع من انشاء الطلب المقيّد، و ذلك لأنّ المولى ينظر إلى أحوال المكلّفين فيرى بعضهم واجداً للشرط فعلًا، كما يرى البعض الآخر فاقداً له لكنّه سوف
ص: 276
يحصله أو يحصل له، فعندئذ ينشئ الوجوب المقيّد ليكون حجّة في حقّ الحائزين للشرط بالفعل و للحائزين له عند حصول الشرط.
و مما يشهد إلى إمكان المنشأ - الملك - المعلق هو صحّة الوصية التمليكية فيما إذا قال المولى: هذه الدار لزيد بعد وفاتي، فالإنشاء فعلي مع أنّ المنشأ معلّق، و هو حصول الملكية للموصى له بعد وفاته، و فائدة هذا الإنشاء انّ الدار تكون ملكاً منجّزاً له بعد الموت.
قسّم صاحب الفصول الواجب المطلق إلى منجّز و معلّق و ذکر ما حاصله: إنّ الوجوب إذا تعلّق بالمكلّف به، و لم يتوقّف حصول الواجب على أمر غير مقدور، كالمعرفة يسمّى منجّزاً، و إن تعلّق به و توقّف حصول الواجب في الخارج على أمر غير مقدور، كالوقت في الحج يسمّى معلقاً، فانّ وجوبه يتعلّق بالمكلّف من أوّل زمن الاستطاعة أو خروج الرفقة، و يتوقّف فعله على مجي ء وقته و هو غير مقدور.(1) و بعبارة اخری إذا لم يكن وجوب الواجب و لا نفس الواجب متوقّفين على حصول أمر غير مقدور فهو الواجب المنجز كالمعرفة، و إن كان وجوبه غير متوقّف على شي ء لكن كان الواجب متوقّفاً على حصول أمر غير مقدور فهو الواجب المعلّق أي علق الإتيان به على مجي ء زمنه، و على ذلك فالوجوب و الواجب في المنجّز حاليّان، و في المعلّق الوجوب حاليّ و الواجب استقبالي.
ص: 277
و في الحقيقة أنّ ما اختاره صاحب الفصول في تفسير المعلّق هو نفس ما فسّر به الشيخ الواجبَ المشروط حيث إنّ الوجوب في الواجب المشروط لدى الشيخ مطلق و الواجب مقيّد، غير انّ صاحب الفصول خصّ القيد في كلامه المتقدّم بغير المقدور و هو عمّمه إلى المقدور و غير المقدور. و بالتالي المعلّق قسم من الواجب المشروط لدى الشيخ.
ثمّ إنّه أورد على هذا التقسيم إشكالات متعددة:
الأوّل: ما أورده المحقّق الخراساني
قائلًا: بأنّه لاوجه لتخصيص المعلّق بما يتوقّف حصوله على أمر غير مقدور، بل ينبغي تعميمه إلى أمر مقدور متأخّر أخذ على نحو لا يكون مورداً للتكليف و يترشح عليه الوجوب من الواجب.(1).
و فيه: أنّ صاحب الفصول لم يخصّه بغير المقدور بشهادة أنّه قال بعد العبارة المتقدمة: و اعلم انّه كما يصحّ أن يكون وجوبه على تقدير حصول أمر غير مقدور، كذلك يصحّ أن يكون وجوبه على تقدير أمر مقدور، فيكون بحيث لا يجب على تقدير عدم حصوله.(2)
الثاني: ما أورده هو أيضاً من: انّ الداعي إلى تصوير الواجب المعلّق إنّما هو دفع الإشكال عن المقدّمات المفوتة، حيث أطبق القوم على وجوب الغُسل على الجنب الصائم قبل طلوع الفجر، و قطع المسافة على المستطيع قبل زمان الحجّ، و لا يتعلّق الوجوب بهما إلّا بجعل الوجوب فعلياً و الواجب استقبالياً، فعندئذ وجوب المقدّمة إنّما
ص: 278
هو من آثار إطلاق الوجوب و حاليته لا من استقبالية الواجب، فلا ثمرة لهذا التقسيم، لأنّ الذي يميّز المعلّق عن المنجّز إنّما هو استقبالية الواجب في الأوّل دون الثاني و ليس لذلك القيد أثر عملي.(1).
و فيه: أنّه لم يرتب الثمرة على المعلّق في مقابل المنجّز حتّى يقال بأنّ الثمرة مشتركة بينهما، بل على المعلق في مقابل الواجب المشروط على مذهب المشهور، فالواجب المشروط بما انّ الوجوب غير حالي لا تجب مقدّماته بخلاف الواجب المعلّق فبما أنّ وجوبه حالي تجب مقدماته المفوتة.
الثالث: ما أورده المحقّق ملا علي النهاوندي و قد نقله المحقّق الخراساني فقال: إنّ الطلب و الإيجاب إنّما يكون بإزاء الإرادة المحركة للعضلات نحو المراد، فكما لا يكاد تكون الارادة منفكة عن المراد فليكن الإيجاب غير منفك عمّا تتعلّق به، فكيف يتعلّق بأمر استقبالي فلا يكاد يصحّ الطلب و البعث فعلًا نحو أمر متأخّر(2).
و حاصل هذا الإشكال يتركّب من أمرين:
1. الفرق بين الإرادة التکوينية و التشريعية و هو أنّ التكوينية تتعلّق بفعل النفس و التشريعية بفعل الغير.
2. الوجه المشترك بين الإرادتين و هو امتناع انفكاك الإرادة عن المراد، فاستنتج من المقدمتين أنّ الإرادة لا تتعلّق بأمر استقبالي في التكوين و التشريع.
أقول: أمّا الوجه الأوّل و هو بيان الفرق بين الإرادتين فغير صحيح، لأنّ الإرادة لا تتعلّق إلّا بالفعل الاختياري، و الفعل الاختياري هو فعل النفس، و النتيجة أنّ الإرادة لا تتعلّق
ص: 279
إلّا بفعل النفس، و أمّا فعل الغير فهو خارج عن سلطان المريد، فكيف يريده مع أنّه ليس تحت قدرته؟ و لذلك ربّما يعصي و لا يطيع، كلّ ذلك يدلّ على أنّ التشريعية كالتكوينية تتعلّق بأمر اختياري غير أنّ متعلّقها في التشريعية هو إنشاء البعث و في غيرها تحريك الأعضاء أو انجاز المراد الخارجي .
و أمّا الوجه الثاني، أعني: تفكيك المراد عن الإرادة, فالإرادة في التشريعية مطلقاً غير منفكّة عن المراد، و ذلك لأنّ المراد فيها هو إنشاء الطلب و البعث أو إنشاء الزجر، و المفروض تحقّق الإنشاء بعد الإرادة، و كون المراد حالياً أو استقبالياً لا يضر بفعلية المراد في الإرادة التشريعية، لما عرفت من أنّ المراد فيها هو فعل المريد و هو نفس إنشاء البعث.
و أمّا فعل المكلّف فهو خارج عن حيطة الإرادة التشريعية, فظهر من ذلك أنّ الإرادة غير منفكّة عن المراد في هذا القسم.
و أمّا عدم تفكيك المراد عن الإرادة التكوينية فاستدل له المحقّق الأصفهاني في تعليقته على الكفاية: بإنّ النفس في وحدتها كل القوى، و في كلّ مرتبة عينها، فإذا أدركت في مرتبة العاقلة فائدة الفعل تجد في مرتبة القوة الشوقية شوقاً إليه، و إذا لم تجد مزاحماً تخرج منها إلى حدّ الكمال الذي يعبّر عنه بالقصد و الإرادة و ينبعث منها هيجان في القوة العاملة و يحرك العضلات، و من الواضح أنّ الشوق و إن أمكن تعلّقه بأمر استقبالي، إلّا انّ الإرادة لا يمكن تعلّقها بأمر استقبالي، و إلّا يلزم تفكيك العلّة التامة عن معلولها، أعني: انبعاث القوة العاملة المنبثَّة في العضلات، و أمّا الشوق المتعلّق
ص: 280
بالمقدّمات بما هي مقدّمات فإنّما يحصل من الشوق إلى ذيها، لكنّه فيها يحصل إلى حد الباعثية لعدم المزاحمة، دون ذي المقدّمة فانّه فيه يبقى بحاله إلى أن يرفع المانع(1).و اجيب: أنّ ما ذكره مبنيّ على أنّ في الأفعال الإرادية إرادة واحدة و هي تستمدّ وجودها من العلم بالفائدة إلى الشوق و منه إلى حصول القصد و الإرادة الذي يستعقب تحريك العضلات نحو الفعل الإرادي، فلو صحّ ذلك لصحّ ما ذكره من أنّ تعلّق الإرادة بأمر استقبالي يستلزم تفكيك العلة التامة - الإرادة - عن معلولها أي تحريك العضلات، لأنّ في مثل المقام لا تستعقب الإرادةُ تحريك العضلات، لعلمها بوجود حوائل بين النفس و المراد، فلا فائدة في مثله لتحريك العضلات.
و أمّا لو قلنا بأنّ في كلّ فعل خارجي إرادي إرادتين إحداهما تتعلّق بتحريك العضلات و الأُخرى بإنجاز العمل الخارجي.
فلو كان متعلّق الإرادة الثانية أمراً فعلياً تستعقب ذلك ظهور إرادة أُخرى متعلّقة بتحريك العضلات لاستشعار النفس بعدم الموانع بشهادة أنّ الإرادة تعلّقت بأمر فعلي.
و أمّا لو كان متعلّق الإرادة الثانية أمراً استقبالياً، ففي مثله لا تحدث إرادة متعلّقة بتحريك العضلات، لأنّ تعلّقها بأمر استقبالي قرينة على وجود الحائل بين النفس و المراد، و بالتالي لا تظهر في لوح النفس إرادة محرّكة للعضلات حتى يقال: يلزم تفكيك العلة عن المعلول.
و الذي يدلّ على تعدّد الإرادة هو أنّه لو كان هناك إرادة واحدة، متعلّقة بتحريك العضلات كان الفعل الخارجي فعلًا غير إرادي لعدم تعلّق الإرادة به، و تصوّر انّ إرادة واحدة تتعلّق بتحريك العضلات و إنجاز العمل بالفعل الخارجي، أمر مرفوض، و ذلك
ص: 281
لأنّ تشخّص الإرادة بالمراد، فإذا تعدّد المراد - تحريك العضلات و إنجاز العمل - فلا محالة تتعدد الإرادة.
و الذي يدعم تعلّق الإرادة بأمر استقبالي هو أنّ إرادته سبحانه إرادة بسيطة قديمة تعلّقت بخلق الأشياء حسب التدريج في عالم المادة فالإرادة قديمة و المراد أمر حادث.
و بذلك يعلم أنّ ما اشتهر بين الأعاظم من أنّ الإرادة علّة تامّة لا تتخلّف عن المراد بين صحيح و غير صحيح، فإن أُريد الإرادة المتعلّقة بتحريك العضلات فهو صحيح، و إن أُريد تعلّقها بالعمل الخارجي فليس بصحيح، لأنّها ليست علّةتامة فيمكن تخلّفها عن المراد إلّا إذا كانت هناك إرادة ثانية متعلّقة بتحريك العضلات(1).
ثمّ إنّ المحقق الخوئي رحمه الله فصل في إمكان تعلّق الإرادة بأمر استقبالي بأنّه إن كان المراد من الإرادة هو الشوق فلا شكّ في تعلّقها بأمر استقبالي كتعلّقها بأمر حالي، و هذا لا يحتاج إلى إقامة برهان، بل هو أمر وجداني، و إن أُريد منها الاختيار و إعمال القدرة فهي لا تتعلّق بفعل الإنسان نفسه إذا كان في زمن متأخّر فضلًا عن فعل غيره، و لذا لا يمكن تعلّقها بالمركب من أجزاء طولية كالصلاة دفعة واحدة(2).
و اجيب: بأنّ الإرادة ليست نفس الشوق بشهادة أنّ الإنسان يريد شرب الدواء المرّ مع عدم الشوق، و لا إعمال القدرة، فانّه من آثار الإرادة و نتائجها، بل هي عبارة عن إجماع النفس و تصميمها و جزمها بحيث لا يرى المريد في نفسه أيَّ تردد في الإتيان بالعمل، فحينئذ إذا كان المقتضي موجوداً و المانع مفقوداً، تتعقبها إرادة أُخرى بتحريك
ص: 282
العضلات، و إن كانت هناك موانع لا تكون هناك إلّا إرادة واحدة متعلّقة بالمطلوب بالذات إلى أن يرتفع المانع، فتنقدح إرادة أُخرى بتحريك العضلات.
و أمّا ما استشهد به في ذيل كلامه على مدّعاه (الإرادة لا تتعلّق بأمر استقبالي) بعدم تعلّقها بالمركّب من أجزاء طولية كالصلاة دفعة واحدة، فغير تام، لأنّ عدم تعلّقها به لأجل أنّه مستلزم لاجتماع النقيضين، لأنّ كون الشي ء تدريجياً يستلزم التعاقب في الوجود، و كونه دفعياً يستلزم خلافه. و هذا بخلاف ما إذا تعلّقت بالمركب من أجزاء طولية على نحو التدريج فانّه في غاية الإمكان، بل لا محيص عنه، و إلّا يلزم تعدّد الإرادة حسب تعدّد الأجزاء الكثيرة و هو كما ترى(1).
الرابع ما ذكره العلّامة الحائري «من أنّ إطلاق الوجوب و كون القيد راجعاً إلى الواجب، يقتضي ايجاب الفعل مع القيد و هذا إنّما يتصوّر في القيود الاختيارية، و أمّا القيود الخارجة عن قدرة المكلّف فيستحيل تعلّق الطلب بماليس تحت قدرة المكلّف، فلا محيص عن إرجاع القيد إلى الهيئة، فيكون الطلب المتعلق بالفعل المقيد بالزمان من أقسام الطلب المشروط(2).
و اجيب: أنّ الشي ء تارة يلاحظ جزءاً للواجب و أُخرى شرطاً له، ففي الأوّل يكون القيد و التقيّد داخلين في الواجب، و أمّا على الثاني فيكون التقيد داخلًا و القيد خارجاً.
إذا عرفت ذلك فانّ الإشكال إنّما يرد إذا كان الوقت جزءاً للواجب فيجب إيجاده بحكم إطلاق الوجوب مع أنّه خارج عن اختيار الإنسان.
ص: 283
و أمّا إذا كان شرطاً على نحو يكون ذات القيد خارجاً و التقيّد داخلًا فامتثاله أمر ممكن، مثلًا انّ الزمان و السماء خارجان عن اختيار المكلّف، إلّا انّ إيجاد الصلاة تحت السماء مقدور و إتيانها في الوقت المزبور أمر ممكن(1).
الخامس: ما حكاه المحقق الخراساني من عدم القدرة على المكلّف به في حال البعث مع أنّها من الشرائط العامة.
و الإجابة عنه واضحة حيث إنّ الشرط كما ذكره المحقّق الخراساني القدرة على الواجب في زمان, لا في زمان الإيجاب و التكليف.(2)
السادس: ما ذكره المحقّق النائيني في كلام مفصّل كما جاء في تقريراته و يتألف كلامه من أُمور ثلاثة:
1. كلّ القيود ترجع إلى الموضوع
إنّ الأحكام الشرعية موضوعة على نهج القضايا الحقيقية، و هي عبارة عن وضع الحكم على العنوان الكلي الصادق على الأفراد المتحقّقة أو المقدرة عبر الزمان على نحو يكون الإنشاء أزلياً و فعلية الحكم مشروطة بتحقّق الموضوع، فقوله سبحانه: (وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)(3)، بمنزلة قولنا: الإنسان العاقل البالغ المستطيع يجب عليه الحجّ, فالحكم مترتب على موضوع كلي لا تنحصر مصاديقه بالموجودين وقت التشريع بل يشمل مصاديقه عبر الزمان.
ص: 284
فإذا كانت القيود راجعة إلى الموضوع فلا معنى لاستثناء قيد الزمان فهو أيضاً راجع إلى الموضوع كسائر الشروط، فكأنّه يقول: الإنسان البالغ العاقل المستطيع المدرك لزمان الحج يجب عليه الحجّ، و من المعلوم أنّ كلّ حكم مشروط بوجود الموضوع فيكون الموضوع بعامّة شروطه قيداً للحكم أي الوجوب، من غير فرق بين الاستطاعة و الزمان، فكما أنّه لو لا الاستطاعة لا وجوب فهكذا لو لا الزمان لا بعث فعلي.
2. لا فرق بين الاستطاعة و الزمان, يقول ره: نحن نسأل القائل بالواجب المعلّق، أيّة خصوصية في الوقت حتى يتقدّم الوجوب عليه؟ مع أنّا لم نقل بذلك في سائر القيود من البلوغ و الاستطاعة مع اشتراك الكلّ في كونه مأخوذاً قيداً للموضوع، فأيّ فرق بين الوقت و الاستطاعة، بحيث يتقدم الوجوب على الأوّل دون الثاني؟
3. الزمان أولى أن يكون قيداً للوجوب, حيث قال: إنّ الأمر في الوقت أوضح، لأنّه لا يمكن أخذه إلّا مفروض الوجود، لأنّه أمر غير اختياري ينشأ من حركة الفلك، و يكون فوق دائرة الطلب، و يكون التكليف بالنسبة إليه مشروطاً، و إلّا يلزم تكليف العاجز.(1)
و فيه: أنّ إرجاع عامّة القيود إلى الموضوع غير تام، و ذلك ما تقدم في المطلق و المشروط من انّ القيود ثبوتاً على قسمين:
قسم لها دور أساسي في ظهور الإرادة و انقداحها في النفس على نحو لولاه لما أراده المولى و إن كان المتعلق ذا مصلحة و هذا كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحجّ، فانّ الحجّ مطلقاً ذو مصلحة من غير فرق بين المستطيع و المتسكع، لكن إيجابه على نحو الإطلاق مستلزم للحرج، و لذلك قيّد المولى الوجوب بالاستطاعة لئلا يكون حرج
ص: 285
بالنسبة إلى غير المستطيع، فهذا القسم من القيود يرجع إلى الوجوب. و بعبارة أُخرى يرجع إلى الموضوع، و يصحّ قوله: إنّ الموضوع البالغ العاقل المستطيع.
و قسم منه يرجع إلى المتعلّق بمعنى أنّه لو لا القيد لما كان فيه أيّة مصلحة، و هذا كما في الطواف بالبيت و الصلاة مع الوضوء، فلولا البيت لا يوصف الطواف بالصلاح، كما أنّه لو لا الوضوء لا توصف الصلاة بالمصلحة، ففيهذا النوع من القيود لا محيص من القول برجوعها إلى المتعلق دون الوجوب و بالتالي دون الموضوع.
فإذا كانت القيود ثبوتاً على قسمين فكيف جعلها قسماً واحداً؟!
و اما الثاني: فللفرق بين الاستطاعة و الزمان و ذلک لانّ للاستطاعة دوراً في ظهور الإرادة و لذلك تكون قيداً للوجوب و بالتالي جزءً من الموضوع، و أمّا الزمان فليس له مدخلية في انقداح الإرادة، بل له دور في ترتب المصلحة على الأعمال التي يقوم بها الحاج في أيّام الحج، فالأعمال إنّما تكون ذات مصلحة إذا أتى بها الحاج في الأراضي المقدّسة و الأزمنة المحددة، و لو كان له دور في ظهور الإرادة فإنّما هو بتبع تأثيره في المتعلّق، و لأجل ذلك صارت الاستطاعة قيداً للوجوب، و صار الزمان قيداً للواجب.
و اما الثالث بأنّ ما ذكره صحيح لو کان الزمان جزءاً و حينئذ يرد الإشكال و هو عبارة عن كون القيد و التقيّد داخلين في المتعلّق مع أنّ الزمان فوق دائرة الطلب فكيف يقع مورد الطلب؟! و أمّا إذا قلنا إنّ الزمان شرط لا جزء، فانه و إن كان خارجاً عن حيّز القدرة و لكن التقيّد داخل في إطار الاختيار فللمكلّف الإتيان بالأفعال في ذلك المقطع من الزمان كما أنّ له الاختيار في الإتيان بها في غير ذلك المقطع. و هذا نظير استقبال الكعبة فانّ الكعبة خارجة عن اختيار المكلّف لكن إيقاع الصلاة نحوها داخل في اختياره.
ص: 286
السابع: ما ذكره المحقّق الخوئي من أنّ الواجب المعلّق ليس من أقسام الواجب المطلق في مقابل المشروط بل هو قسم منه، و ذلك لأنّ وجوب الحجّ مثلًا إمّا مشروط بيوم عرفة أو مطلق، و بما أنّ التكليف لم يتعلّق بذات الفعل على الإطلاق و إنّما تعلّق بإيقاعه في زمن خاص، فعلم من ذلك أنّ للزمان دخلًا في ملاكه و إلّا فلا مقتضى لأخذه في موضوعه، وعليه فبطبيعة الحال يكون الوجوب مشروطاً به غاية الأمر على نحو الشرط المتأخر(1).
و اجيب: بأنّ ما ذكره مبني على عدم التفريق ثبوتاً بين القيود الراجعة إلى الإرادة و الوجوب و القيود الراجعة إلى المتعلّق، و على وفق ما ذكرنا من الضابطة، فالزمان بما له مدخلية في ترتّب المصلحة على المتعلّق على نحو لو لا إيقاع الفعل في تلك الفترة لما ترتب على الفعل أي مصلحة، فالزمان قيد للمادة.
و ما ذكره من أنّ وجوب الحجّ إمّا مشروط بيوم عرفة أو مطلق، لا يثبت مرامه، لأنّا نختار أنّ وجوبه مطلق و له مدخلية في ملاك الواجب، و ما رتّب عليه من أنّه إذا كان دخيلًا في الملاك يكون الوجوب مشروطاً به، غير تام لما فيه:
أوّلًا: بالنقض فانّ الوضوء له مدخلية تامّة في الصلاة، مع أنّ الوجوب غير مشروط به.
و ثانياً: انّ عدم تعلّق الوجوب بغير ما فيه الملاك، ليس بمعنى اشتراط الوجوب به، بل بمعنى عدم تعلّق الوجوب بما ليس فيه الملاك و تضيّقه ذاتاً لا اشتراطه بالقيد، و هذا كتضيق كلّ حكم بالنسبة إلى موضوعه، إذ ليس كلّ حكم مشروطاً بموضوعه، و مع ذلك ليس له دعوة إلّا إلى موضوعه(2).
ص: 287
و بالجملة، هذه الإشكالات لا تورد أيَّ خدشة على تقسيم الواجب المطلق إلى معلّق و منجّز، و من أوضح الأدلّة على إمكان القسمين هو وجود المعلّق و المنجّز بين العقلاء.
إنّ الغاية من تقسيم الواجب المطلق إلى منجّز و معلّق هو رفع الإشكال في قسم من المقدمات الوجودية التي أفتى المشهور بوجوب المقدّمة مع عدم وجوب ذيها، و عندئذ أشكل عليهم بأنّ وجوب المقدّمة نابع عن وجوب ذيها، و معه كيف يوجد المعلول قبل وجود العلة، و ذلك في الموارد التالية:
1. وجوب الاحتفاظ بالماء قبل الوقت لواجده إذا علم عدم تمكّنه منه بعد دخول الوقت .
2. وجوب الغسل للمجنب قبل الفجر في الصيام الواجب .
3. وجوب تحصيل المقدّمات الوجودية للحج قبل وقته .
4. تعلّم الأحكام للبالغ قبل مجي ء وقت وجوب العمل، إذا ترتب على تركه فوت الواجب .
إلى غير ذلك من الموارد التي يتقدّم فيها وجوب المقدّمة على وجوب ذيها، و هو بمنزلة تقدّم المعلول على العلة.
و قد اجاب العلماء علی هذا الاشکال باجوبة مختلفة:
ص: 288
الاول: ذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ القيد في الواجب المشروط يرجع إلى المادة، و الوجوب مطلق و الواجب مقيّد بقيد اختياري أو غير اختياري، ففي الموارد المذكورة وجوب المقدّمة رافق وجوب ذيها، لإطلاق الوجوب و عدم تقيّده بقيد، حتّى لا يتحقّق إلّا بعد تحقّقه و المفروض عدم تحقّقه.
و فيه: ما تقدم من رجوع القيد الی الهيأة لا المادة .
الثاني: و ذهب صاحب الفصول الی جعل هذه الموارد من قبيل الواجب المعلّق حيث إنّ الوجوب حاليّ و الواجب استقباليّ . و فيه: ان ما اختاره من المعلّق هو نفس ما اختاره الشيخ الأنصاري في تفسير الواجب المشروط و قد تقدم جوابه .
الثالث: ما اختاره المحقّق الخراساني من جعل الشرط في هذه الموارد من قبيل الشرط المتأخّر الذي مرجعه عنده إلى الشرط المقارن فيكون وجوب ذيها فعلياً، و لا يلزم منه محذور وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها، و إنّما اللازم الإتيان بها قبل الإتيان به، فقال: لا إشكال في لزوم الإتيان بالمقدّمة قبل زمان الواجب إذا لم يقدر عليه في الموارد الثلاثة:
1. فيما إذا كان منجزاً و كان الوجوب و الواجب حاليّين.
2. فيما إذا كان معلّقاً و كان الوجوب حالياً دون الواجب.
3. أو مشروطاً بشرط متأخّر كان معلوم الوجود فيما بعد ضرورة فعلية وجوبه و تنجّزه بالقدرة عليه بتمهيد مقدّمة فيترشح منه الوجوب عليها على الملازمة، و لا يلزم منه محذور وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها و إنّما اللازم الإتيان بها قبل الإتيان به(1).
و فيه: عدم صحة الشرط المتأخر کما سيأتي .
ص: 289
الرابع: ما اختاره المحقّق الأردبيلي في خصوص مسألة خصوص التعلّم قبل الوقت و هو القول بالوجوب النفسي التهيئي للجاهل البالغ الذي يعلم عدم تمكّنه من التعلّم بعد دخول الوقت فهو واجب نفسي لكن يُهيّئ الإنسان لواجب آخر.
الخامس: ما اختاره العلامة الحائري ره و هو أنّ الوجوب هنا وجوب عقلي إرشادي إلى حفظ غرض المولى، لأنّ العقل لا يفرق في القبح بين مخالفة التكليف الشرعي و بين مخالفة التكليف العقلي حيث إنّ العقل يستقل بلزوم الإتيان بالمقدّمات المفوّتة قبل وجوب ذيها، لأنّ في ترك الإتيان تفويت للملاك و الغرض اللازم(1), و إلى هذا الجواب أشار المحقّق الخراساني حيث قال: بل لزوم الإتيان بها عقلًا و لو لم نقل بالملازمة.
اقول: اما حکم العقل بذلک فلا ريب فيه لکن لا لما قال من أنّ في ترك الإتيان تفويت للملاك و الغرض اللازم, لما تقدم من انه لا علم لنا بالملاکات خارج الاوامر الشرعية فاذا لم يکن امر فلا ملاک و لکن لاجل ما علم من الشرع من ان الانسان مسؤول بالنسبة الی التکاليف الاتية فان للمسألة صورتين فمنها ما يکون من قبيل وجوب الاحتفاظ بالماء قبل الوقت لواجده إذا علم عدم تمكّنه منه بعد دخول الوقت . ومنها ما يکون من قبيل وجوب الغسل للمجنب قبل الفجر في الصيام الواجب و وجوب تحصيل المقدّمات الوجودية للحج قبل وقته و تعلّم الأحكام للبالغ قبل مجي ء وقت وجوب العمل، إذا ترتب على تركه فوت الواجب .
اما الصورة الثانية فقد اخذ فيها وجوب الاقدام قبل حصول شرط الوجوب و الّا لو لم يکن واجبا لزم التکليف بالمحال و ذلک لان المفروض ان المولی قد اوجب الصيام
ص: 290
بشرط الطهارة من حدث الجنابة في اول آناته و حکم ببطلانه لو لم يکن طاهرا من الحدث فان لم يکن واجبا و جاز ترکه لاجل عدم وجوب ذي المقدمة لزم من ذلک المحال , هذا ما يتعلق بالصورة الثانية.
و بذلک يظهر حکم الصورة الاولی بدلالة صحيحة محمد بن مسلم «عن رجل اجنب في السفر و لم يجد الّا الثلج او الماء الجامد فقال عليه السلام :هو بمنزلة الضرورة يتيمم, و لا اری ان يعود الی هذه الارض التي توبق دينه»(1),
و هذه الفقرة تدلنا علی كون الانسان مسؤول عن المقدمات المفوتة للواجب الشرعي و لو قبل الوقت فيمكن الاستدلال بها علی حرمة كل مقدمة مفوته بل و موجبة للاضطرار و التعبير ب«لا اری» لعله من جهة ان هذا الامر ممايدركه العقل، و هذا ايضا من موارد الاحتياط المنصوص فقد نصت الرواية علی المحافظة علی امر الدين بان لا يذهب الی المكان الذي يُذهِب بالدين فقوله عليه السلام «توبق دينه» قرينة علی حرمة هذا العمل فالانسان مسؤول علی دينه عقلا و شرعا .
و بذلک يظهر ضعف ما قاله المحقّق الخراساني في التفريق بين إراقة الماء قبل الوقت مع العلم بعدم إمكان تحصيله بعده، و بين إجناب الرجل نفسه اختياراً بمواقعة أهله قبل الوقت، مع علمه بعدم تمكّنه من الطهارة المائية بعده، بعدم جواز الأوّل و جواز الثاني, بما هذا حاصله: أنّ الواجبات الشرعية مختلفة من ناحية المقدّمة، فقد تكون القدرة المعتبرة قدرة مطلقة، فعندئذ يجب تحصيلها أو حفظها، و قد يكون الواجب قدرة
ص: 291
خاصّة و هي القدرة على الصلاة مع الطهارة المائية إذا لم يقدم على مواقعة أهله. فالتجويز من الفقهاء كاشف عن كون المعتبر هو القدرة الخاصّة لا العامة(1).
و فيه: ان تجويز الفقهاء للاجناب لا لاجل انه «كاشف عن كون المعتبر هو القدرة الخاصّة لا العامة» فانه ادعاء بلا دليل بل لاجل لزوم العسر و الحرج لو قلنا بحرمة الاجناب لانه من قبيل العطشان نقول له يحرم عليک اتلاف الماء بالشرب و لا ريب في کون هذا من موارد العسر و الحرج .
و قبل الدخول في البحث نقول:
اولا: إنّ محط البحث ما إذا كان القيد منفصلاً، و أمّا إذا كان القيد متّصلاً و دار الأمر بين رجوعه إلى الهيئة أو المادة، يصير الكلام مجملاً شأن كلّ كلام محتف بما يصلح للقرينية مع عدم وجود ظهور لغوي أو انصراف أو قرينة.
و ثانيا: ان ثمرة البحث هو انّه إن دلّ الدليل على رجوع القيد إلى الهيئة يكون من قبيل الواجب المشروط فلا يجب تحصيل الشرط، و إن رجع إلى المادة فإنّ إطلاق الوجوب يقتضي وجوب تحصيل القيد إذا كان أمراً اختيارياً، إلّا إذا دلّ الدليل على أنّ المطلوب حصول القيد لا تحصيله.
نعم لا تظهر الثمرة في القيود الخارجة عن الاختيار كطلوع الفجر و زوال الشمس.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الكلام يقع تارة في مقتضى الأُصول اللفظية و أُخرى في مقتضى الأُصول العملية .
ص: 292
استدلّ الشيخ في ما إذا دار الأمر بين تقييد الهيئة و تقييد المادّة: علی ترجيح الإطلاق في طرف الهيئة، و تقييد المادة بوجهين:
أحدهما: أنّ إطلاق الهيئة يكون شموليّا، كما في شمول العام لأفراده، فإنّ وجوب الإكرام على تقدير الإطلاق يشمل جميع التقادير الّتي يمكن أن يكون تقديرا له، و إطلاق المادة يكون بدليّا غير شامل لفردين في حالة واحدة.
ثانيهما: أنّ تقييد الهيئة يوجب بطلان محل الإطلاق في المادة، و يرتفع به مورده، بخلاف العكس، و كلّما دار الأمر بين تقييدين كذلك كان التقييد الّذي لا يوجب بطلان الآخر أولى.
أما الصغرى ، فلأجل أنّه لا يبقى مع تقييد الهيئة محل حاجة و بيان لإطلاق المادة، لأنّها لا محالة لا تنفك عن وجود قيد الهيئة، بخلاف تقييد المادة فإنّ محل الحاجة إلى إطلاق الهيئة على حاله، فيمكن الحكم بالوجوب على تقدير وجود القيد و عدمه.
ص: 293
و أما الكبرى، فلأنّ التقييد و إن لم يكن مجازا، إلّا أنّه خلاف الأصل، و لا فرق في الحقيقة بين تقييد الإطلاق، و بين أن يعمل عملا يشترك مع التقييد في الأثر، و بطلان العمل به»(1).
و اجابه في الکفاية بما حاصله:
أما الوجه الأول: فهو انّه لا کلام في تقديم العام الشمولي على الإطلاق البدلي لا تقديم الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي، و ذلك لأنّه إذا كان الشمول بالدلالة اللفظية الوضعية - العام الشمولي - تكون دلالته تامّة غير معلقة بشي ء، بخلاف ما إذا كان الإطلاق البدلي مستفاداً من الإطلاق فدلالته معلّقة على عدم ورود البيان بخلافها، و المفروض أنّ العام الشمولي الذي دلالته وضعية يصلح لأن يكون قرينة و بياناً للقيد في جانب الإطلاق البدلي. و بعبارة اخری إنّ الميزان في حفظ أحد المدلولين: الشمولي و البدلي و إيراد القيد على الآخر ليس هو الشمولية أو البدلية، بل الميزان هو قوّة الدلالة و هو يرجع إلى كون أحدهما مدلولًا بالدلالة اللفظية و الآخر مدلولًا بالدلالة العقلية، فاللفظية مقدّمة على العقلية، سواء كانت في جانب الشمولي أو في جانب البدلي، فإذا قال: أكرم كل العلماء، ثمّ قال: أهن فاسقاً، و بما انّ النسبة بين الدليلين عموم و خصوص من وجه يتعارضان في العالم الفاسق، فيقدّم العام الوضعي و هو الشمولي على الإطلاق و هو البدلي، و ذلك لأنّ دلالة العام دلالة تامّة و دلالة الإطلاق معلّقة على عدم القرينة على خلافه، و المفروض أنّ العام يصلح أن يكون قرينة على الإطلاق، ففي هذا المثال يقدّم الشمولي على البدلي لا بملاكهما، بل ملاك أنّ الأوّل مدلول
ص: 294
لفظي و الآخر مدلول عقلي، و لو عُكِس، عُكِس، مثلًا إذا قال: أكرم أي واحد من العلماء، بصورة العام البدلي ثمّ قال: و لا تكرم فاسقاً، و بما أنّ بين الدليلين عموماً من وجه، يتعارضان في العالم الفاسق، فيقدّم البدلي على الشمولي بحكم أنّ دلالة البدلي دلالة وضعية و دلالة الشمولي دلالة عقلية. فدلالة اللفظ على البدل غير معلّقة على شي ء بخلاف دلالته على الشمولي فانّها معلّقة على عدم ما يصلح أن يكون قرينة للخلاف.
فقد علم بذلك أنّ الميزان هو تقدّم الدلالة الوضعية على الدلالة الإطلاقية من غير فرق بين الشمولي و البدلي، و أمّا المقام فالمفروض أنّ المدلولين على شاكلة واحدة، حيث إنّ كلًا من الشمولي و البدلي مفهومان من الإطلاق، فهما سيّان في الأقوائية، فلا وجه لتقديم أحدهما على الآخر.
و اما الوجه الثاني: فبأنّه إنّما يتمّ إذا كان القيد منفصلًا، بحيث ينعقد لكلّ من الهيئة و المادة إطلاق، فيدور الأمر بين التصرّفين و التصرّف الواحد، و أمّا إذا كان القيد متّصلًا فبما أنّه لم ينعقد للكلام أي ظهور و إطلاق، فلو رجع القيدإلى الهيئة فهو لا يستلزم تقييد المادة، بل يستلزم إبطال محلّ الإطلاق و إلغاء القابلية في المادة، و هو ليس أمراً مخالفاً للأصل.
فلو دار الأمر بين تقييد واحد كالمادة، و تقييد واحد و إبطال محلّ الإطلاق في الآخر، بمعنى أنّه لا ينعقد الإطلاق فيه من أوّل الأمر فلا دليل على الترجيح(1).
لکن فيه: أنّ ما ذكره خروج عن موضع النزاع لما عرفت من أنّ النزاع فيما إذا كان القيد منفصلاً، و أمّا إذا كان متّصلاً فيعود الكلام مجملاً لا يعتبر كلّ من الظهورين.
ص: 295
هذا و يرد علی ما ذكره الشيخ ان استدلاله استحسان عقلي لا ينعقد به الظهور حتّى يكون موجباً لتقديم ما هو الأقوى دلالة و ظهوراً على الأضعف كذلك، لما تقدم عند البحث في تعارض الأحوال أنّ ما ذكروه من الوجوه لتقديم بعض الأحوال على بعض كالنقل المجاز مثلاً وجوه استحسانية لا يلتفت إليها العرف و لا ينعقد بها الظهور.
و اجاب المحقّق النائيني عن الاشکال بقوله: إنّا لو فرضنا ثبوت أقوائية الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي، فلا يوجب ذلك تقديمه عليه، لأنّ الأقوائية إنّما توجب التقديم، لو كان التخالف و التكاذب بينها بالذات، كما في المثالين: لا تكرم فاسقاً ، أكرم عالماً, و الأوّل يفيد الشمول، و الثاني يفيد البدلية، فانّ كلّ واحد منها يكذّب الآخر، إذ لا تجتمع حرمة إكرام الفاسق على إطلاقه و لو كان عالماً مع وجوب إكرام مطلق العالم و لو كان فاسقاً، ففي مثله يقدّم الأقوى على الأضعف، و هذا هو محل الكلام في مبحث التعادل و الترجيح، لا في المقام إذ ليس بين إطلاق الهيئة و المادة في أنفسهما تكاذب في المقام إذ لا مانع من كونهما مطلقين غير مقيدين، و إنّما جاء التعارض لأجل علم إجمالي بطروء القيد على أحدهما مع تساويه بالنسبة إلى الأقوى و الأضعف، و في مثله، لا وجه لتقديم الأقوى على الأضعف لما ذكرناه من تساوي العلم الإجمالي(1).
ص: 296
اقول: حاصل ما تقدم هو أنّه لا أصلَ لفظي في المقام يعتمد عليه، و انّ القيد إذا كان متصلاً يلزم منه الإجمال في الكلام، و إن كان منفصلاً فالعلم الإجمالي بتقييد أحد الإطلاقين يمنع عن الأخذ بواحد منهما، فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل العملي.
و أمّا مقتضی الاصل العملي: فحيث انّ الشكّ شكّ في وجوب تحصيل القيد فالمرجع فيه البراءة و ذلک لاننا نشک في كون القيد راجعاً إلى الهيئة (فلا يجب تحصيله) و إلى المادة (فيجب تحصيله) .
ثم ان هذا الأصل العملي، أعني: البراءة لا يثبت أحد الظهورين أي كون القيد قيداً للهيئة أو المادة.
عرّف الواجب النفسي بانه ما أُمر به لنفسه, و الغيري ما أمر به لغيره. و المراد من كلمة لنفسه, هو ما أمر به لا لبعث آخر، كما أنّ المراد من لفظة لغيره ما أمر به لبعث آخر، و عليه فلا يرد ما قاله الشيخ الأعظم من کون تعريف النفسي غير جامع، كما أنّ تعريف الغيري غير مانع, أمّا الأوّل: فلأنّ النفسي ينحصر بمعرفة اللّه تعالى التي أمر بها لنفسها، و أمّا سائر الواجبات النفسية كالصلاة و الصوم و الزكاة فتخرج عن التعريف، لأنّها لم يؤمر بها لأنفسها، بل أمر بها لغاياتها المعلومة من النهي عن الفحشاء و كونه جُنّة من النار و اختباراً للأغنياء إلى غير ذلك من الغايات, و أمّا الثاني: فقد علم ممّا ذكر، لأنّ
ص: 297
غير المعرفة إذا خرج عن تحت الواجب النفسي يدخل في الواجب الغيري، لأنّه أمر به لغيره، أعني: المصالح و الغايات(1), فالاشکال اجنبي عنالتعريف لان الملاك في كون الواجب نفسياً أن يتعلّق به البعث في ملاك فيه لا لأجل بعث آخر، كما أنّ الملاك في كون الواجب غيرياً أن يتعلّق به البعث لأجل بعث آخر، و عندئذ تدخل الواجبات النفسية المعلومة كونها نفسية في التعريف الأوّل و لا يعمّها التعريف الثاني.
فإن قلت: ينتقض التعريف بالظهر و المغرب إذ فيهما كلا الملاكين: النفسيّة و الغيرية، و بأفعال الحج، و ذلك لأنّ المتقدّم منها واجب نفسي و في الوقت نفسه وجب لبعث آخر أو لواجب آخر.
قلت: تقدّم أنّ المقدّمة ليست هي نفس الصلاة أو نفس العمل في أعمال الحجّ، بل المقدّمة هو تقدّمه على العصر، و العمل شي ء و التقدّم شي ء آخر، أو الشرط تأخّر العصر عن الظهر أو تأخّر السعي عن الطواف، و تأخّرهما لا صلة له بالظهر و العمل المتقدّمين.
هذا و هناک تعريف اخر للنفسي و الغيري و حيث انه يرجع الی التعريف المتقدم اعرضنا عن ذکره.
إلى هنا تمّ تعريف الواجب النفسي و الغيري، فلو تبيّن كون شي ء نفسيّاً أو غيرياً فهو، و إلّا فيرجع إلى الأصل اللفظي أوّلًا، و الأصل العملي ثانياً، فيقع الكلام في إمكان التمسّك بالأصلين.
ص: 298
الأوّل: ما هو مقتضى الأصل اللفظي؟
إنّ مقتضى الأصل اللفظي كون الواجب نفسياً لعدم حاجة النفسي إلى القيد و حاجة الغيري إليه، فالأمر بالشي ء مع السكوت عن شي ء آخر آية كونه نفسياً، و أمّا الغيري فلا يكفي فيه الأمر بالشي ء، بل يتوقّف على الأمر بالشي ء الآخر حتّى يكون الأمر الأوّل لأجل الأمر الثاني، هذا ما لا إشكال فيه، إنّما الكلام في إمكان انعقاد الإطلاق في مفاد الهيأة، و إلّا فلو قلنا بالإطلاق فمقتضاه هو النفسية، و المتأخّرون من الأُصوليّين في المقام بين ناف لإمكان انعقاد الإطلاق كالشيخ الأنصاري و مثبت كالمحقّق الخراساني .
استدلّ الشيخ على عدم إمكان انعقاد الإطلاق في مفاد الهيأة بوجهين:
الأوّل: أنّ الصيغة موضوعة لمصاديق الطلب الحقيقي المنقدح في نفس الطالب لا لمفهوم الطلب، فانّ الفعل لا يتّصف بالمطلوبية إلّا بواسطة تعلّق واقع الإرادةو حقيقتها به لا بواسطة مفهومها، و من المعلوم أنّ الفرد الحقيقي المنقدح في نفس الطالب جزئي لا يقبل فيه التقييد و الإطلاق، فلا معنى للتمسّك بإطلاق الصيغة لكون الواجب نفسياً لا غيرياً(1).
و حاصل إشكال الشيخ (قده) على التّمسك بإطلاق الهيئة لدفع الشك في النفسيّة و الغيريّة يعتمد علی مقدّمتين, و هما كون المعنى الحرفي الّذي يكون منه مدلول الهيئة جزئيا خارجيا غير قابل للإطلاق و التقييد, و كون اتّصاف الفعل بالمطلوبية لأجل تعلّق مصداق الطلب و فرده الخارجي القائم بنفس الطالب به، لا لأجل تعلّق مفهوم الطلب به،
ص: 299
و أورد عليه المحقّق الخراساني: بأنّ مفاد الهيئة ليس الفرد الحقيقي من الطلب بل مفادها هو مفهوم الطلب كما عرفت تحقيقه في وضع الحروف و لا يكاد يكون مفادها، الفرد الحقيقي من الطلب، أعني: ما يكون بالحمل الشائع طلباً، و إلّا لما صحّ إنشاؤه بها ضرورة انّه من الصفات الخارجية الناشئة من الأسباب الخاصة, نعم ربما يكون هو - الطلب الحقيقي - هو السبب لإنشائه، بل المنشأ هو الطلب الإنشائي و الوجود الإنشائي لكلّ شي ء ليس إلّا قصد مفهومه بلفظه(1).
و حاصل جوابه للمقدمة الاولی هو: أنّ مفاد الهيئة ليس جزئيّا خارجيّا، و هو الطلب القائم بالنفس، بل مفادها مفهوم الطلب، كما تقدّم في المعاني الحرفيّة.
و فيه: أنّه و إن أصاب في نفي كون الموضوع له هو الطلب الحقيقي، لأنّه غير قابل للإنشاء لكنّه أخطأ في قوله في أنّ الموضوع له هو الطلب الكلي أي مفهوم الطلب الذي هو مفهوم اسمي لما عرفت من أنّ الموضوع له في الحروف و الهيئات النسبة الطلبية يعني مصاديق الطلب الكلي، فانّ القابل للإنشاء هو الفرد لا المفهوم الكلي بقيد انّه كلي، کما تقدم ذلک عند البحث عن المعاني الحرفية.
و اما المقدّمة الثانية، و هي: كون اتّصاف الفعل بالمطلوبيّة لأجل تعلّق مصداق الطلب به، لا مفهومه. فمحصل رده لها هو: انّ الأُمور التكوينية كالطلب الحقيقي غير قابلة للإنشاء، و إنّما القابل للإنشاء هو المفهوم لا المصداق الحقيقي، فالزوجية التكوينية كالعينين و الأُذنين بما انّهما ظاهرة تكوينية غيرقابلة للإنشاء اللفظي، و إنّما القابل للإنشاء الزوجية الاعتبارية فبالإنشاء يصيران زوجين رجل و امرأة اعتباراً .
ص: 300
هذا و أمّا إمكان تقييد الجزئي فلما تقدم من أنّ الجزئي و إن كان غير قابل للتقييد من حيث الأفراد لكنّه قابل للتقييد من حيث الأحوال، فانّ الطلب المنشأ و إن كان جزئياً لكن لها سعة من حيث الأحوال فيقال في المقام الوجوب ثابت، سواء أوجب شي ء أم لا .
الثاني: ما أفاده المحقّق العراقي: انّ المعاني الحرفية و إن كانت كلّية إلّا أنّها ملحوظة بتبع لحاظ متعلّقاتها، أعني: المعاني الاسمية لكونها قد اتخذت آلة لملاحظة أحوال المعاني الاسمية، و ما كان هذا شأنه فهو دائماً مغفول عن ملاحظته بخصوصه، وعليه فكيف يعقل توجّه الإطلاق و التقييد إليه لاستلزامه الالتفات إليه بخصوصه في حال كونه مغفولًا عنه بخصوصه، و هذا خلف(1) .
و فيه: ما تقدم من أنّ كون المعاني الحرفية معان آلية غير كونها مغفولًا عنها، و قد عرفت في ما تقدم أنّ الغرض ربّما يتعلّق بتفهيم المعاني الحرفية و تكون هي المقصد الأصلي في الكلام، كما في قولك: زيد على السطح «أو» الماء في الإناء «فالغرض الأصلي هو كينونة زيد على السطح و الماء في الإناء، فكيف يكون مفهوماً مغفولًا عنه؟
و قد تبيّن من ذلك انّ المنشأ قابل لانعقاد الإطلاق و ليست الجزئية كما في كلام الشيخ و لا الآلية كما في كلام المحقّق العراقي مانعين لانعقاد الإطلاق.
استدل لإمكان انعقاد الإطلاق في مفاد الهيئة و انّ نتيجة الإطلاق كون الواجب نفسيّاً بما يلي:
ص: 301
الأوّل: ما ذكره المحقّق الخراساني من أنّ الهيأة و إن كانت موضوعة لما يعمهما إلّا انّ إطلاقها يقتضي كونه نفسياً، فانّه لو كان شرطاً لغيره لوجب التنبيه على المتكلم الحكيم.
و اجيب: أنّ كلاً من الواجب الغيري و النفسي يشاركان في أصل الوجوب و يمتازان بشي ء آخر، و الفصل المميّز لهما هو كون الوجوب في الأوّل لنفسه, وفي الآخر لغيره, فكلّ منهما يحتاج إلى بيان زائد وراء بيان أصل الوجوب، و لو كان النفسي نفس الوجوب لزم كون القسم نفس المقسم(1).
و فيه: ما تقدم من أنّ ما ذكره صحيح إذا لوحظ كلّ من القسمين برؤية عقلية، فلكلّ، قيد يمتاز به عن المقسم و القسم الآخر، و أمّا إذا لوحظ برؤية عرفية فالعرف يرى الوجوب النفسي، نفس الوجوب بلا قيد، و هكذا الآخران، من دون أن يزيد على الوجوب بشي ء، و ذلك لأنّ القيد في الواجب النفسي، أعني قوله: ما وجب لذاته أو لنفسه, ليس شيئاً زائداً على أصل الأمر، بل هو تأكيد له، فلا يتلقّاه العرف أمراً زائداً على أصل الوجوب و إن كان في نظر العقل قيداً زائداً.
الثاني: ما أفاده المحقّق البروجردي من أنّ الصيغ الإنشائية قد وضعت للبعث و التحريك نحو متعلّقاتها، و البعث الغيري المتعلّق بالمقدّمات ليس في الحقيقة بعثاً نحوَ المتعلّق و إنّما هو تأكيد للبعث المتعلّق بذيها، فالكلام يُحمل على ظاهره و هو البعث الحقيقي نحو ما تعلّق به(2).
ص: 302
و اجيب: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ إذا كان دليل المقدّمة إرشاداً إلى الشرطية مثل قوله: لا صلاة إلّا بطهور، و أمّا إذا كان بلسان الأمر المولوي بالمقدّمة فلا وجه لإنكار البعث نحوها كما في الآيتين التاليتين:
1. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِق﴾(1).
2. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾(2). و الآية الأُولى تؤكد على الوضوء و تبيّن كيفيته، و معه كيف يقال: ليس فيه بعث نحوه، كما أنّ الآية الثانية تأمر بحفظ الحذر و تبيّن كيفية النفر، و معه كيف يقال: ليس في الأمر الغيري بعث إلى المقدّمة؟
و كون البعث إلى المقدّمة لأجل ذيها شي ء، و عدم البعث إلى المقدّمة شي ء آخر، و الصحيح هو الأوّل دون الثاني.
و مما يدلّ على وجود البعث الأكيد إلى المقدّمة في الآية الثانية قوله سبحانه في سورة أُخرى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَة﴾(3) ؛ (4).
ص: 303
الثالث: بناء العقلاء على حمل الواجب على كونه نفسياً و القيام به و إلغاء احتمال كونه غيرياً الذي لو اعتمدنا عليه لا يجب القيام بالفعل، و ذلك لأنّ الأمر عند العقلاء يحتاج إلى جواب فلا يصحّ للعبد ترك المأمور به باحتمال انّه غيري و لم يثبت وجوب ذيه بعد فلا يصحّ تقاعس العبد عن الامتثال باحتمال كونه غيرياً.
و فيه: ان حمل العقلاء للواجب على كونه نفسياً لاجل الاطلاق العرفي المتقدم و الّا لو لم يکن هناک اطلاق کما لو فرضنا العلم بواجب و لا نعلم ماهيته فلا نجد من العقلاء حمله علی النفسي .
و الحاصل هو أنّ مقتضى الأُصول اللفظية في كون الأمر المشكوك نفسياً أو غيرياً هو النفسية، و لا تصل النوبة إلى الأصل العملي، و أمّا لو افترضنا أنّ الهيئة غير قابلة لانعقاد الإطلاق فيها فلا بدّ من الرجوع إلى الأُصول العملية .
اقول: إذا لم يكن في البين إطلاق، كما إذا كان دليل الوجوب لبّيّا من إجماع و نحوه، أو لفظيّا مجملا، فقد ذكر في الکفاية له صورتين فقال: «هذا إذا كان هناك إطلاق. و أمّا إذا لم يكن، فلا بد من الإتيان به فيما إذا كان التكليف بما احتمل كونه شرطا له فعليّا، للعلم بوجوبه فعلا و إن لم يعلم جهة وجوبه، و إلّا فلا، لصيرورة الشك فيه بدويّا، كما لا يخفى»(1), و الصورتان هما:
ص: 304
1. الشكّ في النفسية و الغيرية مع العلم بوجوب الغير, فيجب الإتيان بالواجب الّذي شك في نفسيّته و غيريّته، كما إذا علم بوجوبه مطلقا، يعني سواء أ كان نفسيّا أم غيريّا.أما على الأول- و هو فرض كونه نفسيّا- فواضح.
و أما على الثاني- و هو فرض كونه غيريّا- فللعلم بفعليّة وجوب ما يشك في كون هذا الشي ء المشكوك وجوبه نفسيّا أو غيريّا من مقدّماته، ضرورة أنّ فعليّة وجوب ذي المقدّمة تستلزم فعليّة وجوب مقدّمته. مثلا إذا شكّ في وجوب الوضوء نفسيّا أو غيريّا مع فرض فعليّة وجوب الصلاة مثلا، فلا بد حينئذ من الإتيان بالوضوء، للعلم بفعليّة وجوبه على كلّ حال, أما على نفسيّته فواضح. و أما على مقدّميته، فلكون وجوب ذي المقدّمة فعليّا.
و بالجملة: فالعقل يحكم بلزوم الإتيان بمثل الوضوء، للعلم بوجوبه على كلّ تقدير، و الجهل بكيفيّة وجوبه من النفسيّة و الغيريّة لا يقدح في هذا الحكم العقلي، كما لا يقدح فيه جريان البراءة في تقيّد الصلاة بالوضوء، لكون الشک بين الأقل و الأكثر كما لا يخفى.
قلت: لا شكّ في وجوب الإتيان بالوضوء، إنّما الكلام في تعيين محلّه، فهل هو مختار بين الإتيان به قبل الصلاة و بعدها كما هو مقتضى النفسية، أو انّه يأتي به قبل الصلاة قطعاً لا بعدها كما هو مقتضى الغيرية؟ مقتضى الاشتغال اليقيني هو الإتيان به قبل الصلاة، لأنّ الإتيان به بعدها يلازم الشكّ في الامتثال، فالاشتغال اليقيني بوجوب الإتيان بالوضوء، امّا قبل الصلاة متعيّناً أو قبل الصلاة و بعدها متخيراً يقتضي الإتيان به على نحو يعلم بفراغ الذمة عمّا اشتغلت به و ليس هو إلّا الإتيان قبلها.
ص: 305
و ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ المرجع في المقام هو البراءة و انّه يكون مختاراً بين الوقتين قائلًا: بأنّ مرجع الشكّ في المقام إلى الشكّ في تقييد الصلاة بالوضوء و انّه شرط لصحتها، فيرجع الشك بالنسبة إلى الصلاة إلى الشك بين الأقل و الأكثر الارتباطي، و أصالة البراءة تقتضي عدم شرطية الوضوء للصلاة، فتكون النتيجة، النفسية(1).
و اجيب بوجهين(2), أوّلًا: أنّ الأصل مثبت حيث إنّ إجراء البراءة عن تقييد الصلاة بالوضوء لا يثبت كون الأمر المشكوك واجباً نفسياً إلّا بالقول بالأصل المثبت فانّ كون الأمر المشكوك نفسياً لازم عقلي لعدم تقييد الصلاة بالوضوء.و فيه: انه علی مبنی حجية الاصل المثبت لا مانع منه و تثبت النفسية و سيأتي الکلام في حجيته في بحث الاستصحاب .
ثانياً: انّ اجراء الأصل في ناحية المتعلّق (الصلاة) لا يؤثر في انحلال العلم الإجمالي فانّه يعلم بوجوب الوضوء إمّا غيرياً أو نفسياً، و لكلّ من الغيرية و النفسية أثر شرعي، إذ على الغيري يجب تقديمه، و على النفسي مخيّر بين الأمرين. فمقتضى هذا العلم الإجمالي هو لزوم الامتثال اليقيني و هو فرع الإتيان بالعمل قبل الصلاة. و فيه: انه علی النفسية لا اثر له فکونه مخيرا لعدم الاثر و عليه فينحل العلم الاجمالي و تثبت البراءة و نتيجتها عدم وجوب الاتيان به قبل الصلاة .
2. الشكّ في النفسية و الغيرية مع الشكّ في وجوب الغير فحکم فيها بالبراءة، إذ لو كان وجوبه غيرياً لم يجب الآن لعدم وجوب ذيه فبقي كونه واجباً نفسياً و هو مشكوك.
ص: 306
و أورد عليه المحقّق النائيني قائلاً: و لكن الأقوى وجوبه، لأنّ المقام يكون من التّوسّط في التنجيز الّذي عليه يبتني جريان البراءة في الأقلّ و الأكثر الارتباطي، إذ كما انّ العلم بوجوب ما عدا السّورة مع الشّك في وجوبها يقتضي وجوب امتثال، ما علم، و لا يجوز إجراء البراءة فيه، مع انّه يحتمل كون ما عدا السّورة واجبا غيريّا و مقدّمة للصّلاة مع السّورة، فكذلك المقام من غير فرق بينهما، سوى تعلّق العلم بمعظم الواجب في مثل الصّلاة بلا سورة، و في المقام تعلّق العلم بمقدار من الواجب كالوضوء فقط، و هذا لا يصلح ان يكون فارقا فيما نحن بصدده. كما لا يصلح الفرق بين المقامين: بأنه في المقام قد تعلّق العلم بما يحتمل كونه مقدّمة خارجيّة كالوضوء بالنّسبة إلى الصّلاة، و في ذلك المقام تعلّق العلم بما يحتمل كونه مقدّمة داخليّة، فانّ المناط في الجميع واحد و هو العلم بالوجوب(1).
و فيه: أنّ الحق في الدوران بين الاقل و الاکثر الارتباطيين انحلال العلم التفصيلي بوجوب الاقل و البراءة عن الاکثر, و اما ما قيل: «من وجود الفرق بين المقام و الأقل و الأكثر الارتباطيين، و ذلك لأنّ الأقل في الارتباطي واجب بالوجوب النفسي لما سيوافيك أنّ الأجزاء واجبة بالوجوب النفسي غير أنّ الشكّ يدور بين كون وجوبه قصيراً لقلة أجزائه أو طويلاً لكثرة أجزائه، و على كلّتقدير فقد أحرز وجوب الأقل نفسياً, و هذا بخلاف الوضوء في المقام فانّه إمّا واجب نفسي أو واجب غيري، و على فرض كونه قيداً للصلاة يصبح وجوبه غيرياً لا نفسياً لكونه خارجاً عن ماهيّة الصلاة، و يُعد من المقدّمات الخارجة عنها(2).
ص: 307
ففيه: انه لا فرق بين المقامين اذ علی فرض كونه قيداً للصلاة يصبح وجوبه غيرياً و نشک في تقيد الصلاة به و البراءة تجري في مثله.*
3. و بقيت هناک صورة اخری لم يتعرض لها صاحب الکفاية و هي: الشكّ في النفسية و الغيرية مع العلم بعدم وجوب الغير کما إذا تردد أمر الوضوء بين كونه نفسيّاً أو غيرياً لواجب يعلم قطعاً بعدم وجوبه، كما هو الحال في الحائض إذا دار حكم الوضوء بين كونه واجباً نفسيّاً أو غيرياً للصلاة التي تعلم أنّها غير واجبة في حقّها، فلا شكّ أنّه لا يجب عليها التوضّؤ بل هو مجرى للبراءة لكون الشكّ في وجوبه بدوي، فتلخص انّ المرجع في الفرع الأوّل هو وجوب الاتيان به مع البراءة عن وجوب تقديم الوضوء على الصلاة و في الأخيرين هو البراءة.
اقول: لا شک في عبادية الطهارات الثلاث للاجماع علی عباديتها, کما و لا شک في کونها واجبة بالوجوب الغيري لکونها مقدمة للصلاة و غيرها بالضرورة, لکنّها وقعت مورداً للإشكال من جهات ثلاثة:
اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ الآتي بها يثاب، مع أنّ الأمر الغيري لا يترتّب عليه ثواب.
و فيه: إنّه لا اهمية لهذا الإشكال في علم الاصول، لأنّه إن قلنا بأنّ الثواب بالاستحقاق فلا ريب انه يترتّب على إطاعة أمر المولى من غير فرق بين كونه نفسياً أو غيرياً، غاية الأمر يشترط في امتثال قصد الأمر الغيري كون الامتثال بقصد التوصّل إلى ذيه.
ص: 308
و أمّا لو قلنا بأنّ الثواب بالتفضّل فلا طريق إلى تحقيق الحال إلّا بالرجوع إلى الكتاب و السنّة، فلو دلّ الدليل على ترتّب الثواب على امتثال الأمر الغيري بالطهارات الثلاث اٌخذ به.
اتّفق الفقهاء غير أبي حنيفة على أنّ الطهارات الثلاث أخذت مقدّمة للصلاة بما هي عبادة يتقرّب بها إلى اللّه تعالى، مع أنّ الأوامر المتعلّقة بها أوامر غيرية و هي توصلية دائماً لا تُصحّح عبادية متعلّقاتها، إذ ليست المقدّمة محبوبة للمولى إذ لو أمكنه الأمر بذيها بدون التوصّل بها، لأمر، فالأمر بها من باب اللابدية و مثل هذا لا يصلح للمقربية, و بعبارة اخری الأوامر الغيرية أوامر توصلية، و هي لا تكون منشأ لعبادية المتعلّق.
انّ الطهارات الثلاث، إنّما أخذت مقدّمة للصلاة بما انّها عبادة، و ليس حالُها حالَ بقيّة المقدّمات في كون مطلق وجودها في الخارج مقدّمة، سواء أتي بها عبادة أم لا، فحينئذ لا إشكال في توقّف الأمر الغيري على عباديتها، فلو توقفت عباديتها على الأمر الغيري، لزم الدور.
و بعبارة أُخرى: انّ الأمر الغيري يتعلّق بما يتوقّف عليه الواجب، و المفروض أنّ الطهارات الثلاث بعنوان كونها عبادة، مقدّمة، وعليه فالأمر الغيري المتعلّق بها بطبيعة الحال، يتعلّق بها بعنوان انّها عبادة، و معه كيف يعقل أن يكون الأمر الغيري منشأ لعباديتها؟
ص: 309
و الغرض من هذه الاجوبة هو بيان التصوير العلمي في کونها عبادية مع کونها واجبة بالوجوب الغيري و الّا فلا شک لنا لا في عباديتها و لا في مقدميّتها و قد أٌفيد في تصوير ذلک بأجوبة أربعة:
الأوّل: انّ الطهارات الثلاث بنفسها مستحبة فذهب المحقّق الخراساني بأنّ المقدّمة فيها بنفسها مستحبة و عبادة، و غاياتها - كالصلاة و قراءة القرآن - إنّما تكون متوقّفة على إحدى هذه العبادات، فلا بدّ أن يؤتى بها عبادة، و إلّا فلم يؤت بما هو مقدّمة لها، فقصد القربة فيها لأجل كونها في نفسها أُموراً عبادية، و مستحبات نفسية لا لكونها مطلوبات غيرية(1).
و بهذا البيان دفع الإشكالين، أمّا الأوّل فلأنّ عباديتها بالأمر النفسي لا بالأمر الغيري، كما دفع إشكال الدور لأنّ عبادة الوضوء إنّما هو بالأمر النفسي المتعلّق بها، فصار الوضوء عبادة قبل تعلّق الأمر الغيري، فالأمر الغيري موقوف على الموضوع، و الموضوع أي كون الوضوء عبادة, غير موقوف على الأمر الغيري.
و أورد عليه المحقّق النائيني بوجوه ثلاثة:
1. انّه لا يتم في خصوص التيمّم الذي لم يدلّ على كونه مطلوباً في حدّ ذاته.
2. انّ الأمر النفسي الاستحبابي ينعدم بعروض الوجوب.
3. انّه يصحّ الإتيان بجميع الطهارات بقصد الأمر النفسي المتعلّق بذيها، من دون التفات إلى الأمر النفسي المتعلّق بها.(2) و حاصله: انّ الأمر النفسي المتعلّق بها مغفول عند الناس،
ص: 310
فكيف يكون ملاكاً لتصحيح العبادية؟! و سيوافيك مراده من قصد الأمر النفسي في الجواب الثاني.
*و اجيب اما الأوّل: فبأنّ المرتكز في أذهان المتشرّعة أنّ الطهارات الثلاث حتّى التيمّم عبادة في ظرف خاص.
و أمّا من حيث سعة الغاية و ضيقها فلو قلنا بأنّ التيمّم رافع للحدث فالتيمّم و الوضوء سيّان، فيجوز لفاقد الماء أن يتيمّم لأجل مسح المصحف أو المكث في المسجد و غير ذلك.
و أمّا لو قلنا بأنّه مبيح للصلاة فتكون عباديته منحصرة بهذا الظرف.
و الجواب عن الثاني: أنّ الأمر الوجوبي لا يزاحم الأمر النفسي الاستحبابي، و ذلك لاختلاف متعلّقهما، فالأمر الاستحبابي تعلّق بذات الطهارات الثلاث، و أمّا الأمر الوجوبي الغيري فقد تعلّق بالطهارات بما هي مستحبة نفسياً.
و بعبارة أُخرى: الوضوء بما هو هو مستحب نفسي متعلّق للأمر النفسي، و الوضوء بما هو مستحب نفسي متعلّق للأمر الغيري.
نظير ذلك: لو نذر صلاة الليل، فالأمر الاستحبابي تعلّق بذات صلاة الليل، و الأمر النذري الوجوبي تعلّق بالوفاء بالنذر، و لا يتحقّق الوفاء إلّا بالإتيان بصلاة الليل على وجه الاستحباب.
و اجاب عن الثالث المحقّق الخراساني بقوله: و الاكتفاء بقصد أمرها الغيري، فإنّما هو لأجل انّه يدعو إلى ما هو كذلك في نفسه، حيث إنّه لا يدعو إلّا إلى ماهو مقدّمة.(1), و حاصله: انّ الأمر النفسي المتعلّق بالوضوء مثلاً و إن كان مغفولاً عنه لكن قصد الأمر
ص: 311
الغيري المتعلّق به يغني عن قصد الأمر النفسي، لأنّه يدعو إلى ما هو مقدّمة بالحمل الشائع، و المفروض أنّ المقدّمة بالأمر الشائع هو الوضوء الذي تعلق به الأمر النفسي.
و اجيب: بأنّه إذا كان الأمر النفسي هو المقوّم لعبادية الوضوء، فكيف يكفي قصد الأمر الغيري؟ و مجرّد كون ذاك الأمر داعياً إلى ما هو عبادة لا يكفي في عبادية الوضوء، و الشاهد على ذلك انّه لو صلّى أحد الظهرَ بنيّة الأمر الغيري أي بما انّها مقدّمة للعصر لا يغني عن قصد الأمر النفسي، مع أنّ الأمر الغيري المتعلّق بالظهر يدعو إلى ما هو مقدّمة بالحمل الشائع، و ليس هو إلّا الظهر الواجب نفسيّاً(1).
و فيه: ان الأمر الغيري انما يدعو إلى ما هو مقدمة التي هي عبادة في نفسها فلا يتحقق امتثال الامر الغيري باتيان الوضوء من دون نية القربة و اما الظهر فهي ليست مقدمة للعصر حتی يؤتی بها بنية الامر الغيري, و انما تقدمها مقدمة و شرط لاداء العصر لا انها مقدمة لها فالقياس مع الفارق .
الثاني: ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ منشأ عبادية الطهارات الثلاث هو الأمر المتعلق بالصلاة المتقيّدة بالطهارة، و حيث إنّ الطهارة ممّا أخذت في متعلّق الأمر النفسي، فيصلح أن يكون الأمر النفسي مصحّحاً للطهارات الثلاث، فقال في توضيحه: لا وجه لحصر منشأ عبادية الطهارات الثلاث في الأمر الغيري، و لا في الأمر النفسي المتعلّق بالشي ء - المقدّمة - بل هناك أمر ثالث و هو الموجب لكونها عبادة، فانّ الأمر النفسي المتعلّق بالصلاة، كما أنّ له تعلّقاً بأجزائها و هو موجب لكونها عبادة لا يسقط أمرها إلّا
ص: 312
بقصد التقرّب، فكذلك له تعلّق بالشرائط المأخوذة فيها، فلها أيضاً حصة من الأمر النفسي و هو الموجب لعباديتها، فالموجب لعباديتها في الأجزاء و الشرائط واحد(1).
و اجيب: أنّ ما ذكره خلط بين الجزء و الشرط، فالجزء مأخوذ في الواجب النفسي قيداً و تقيّداً، فيصحّ الإتيان به بالأمر النفسي المتعلّق بالمركب، و هذا بخلاف الشرط فالتقيّد مأخوذ في متعلّق الأمر النفسي كالطهارة في الصلاة لكنالقيد من المقدمات الخارجة عن المركّب، فلا يصحّ إتيانه بالأمر النفسي المتعلّق بالمركب، لأنّ القيد خارج عن المتعلّق(2).
الثالث: ذهب المحقّق البروجردي إلى أنّه يكفي في إضفاء العبادية على الطهارات الثلاث قصد التوصّل بها إلى الأمر النفسي المتعلّق بالغاية، فقال: يكفي في عبادية الشي ء أن يأتي به المكلّف تارة بقصد أمره النفسي الاستحبابي، و أُخرى أن يأتي به بقصد التوصّل به إلى إحدى غاياته. و حينئذٍ يكون الداعي إلى إيجاده هو الأمر النفسي المتعلّق بالغاية المطلوبة من الصلاة و القراءة و نحوهما, و الحاصل: انّ المصحّح لعبادية المقدّمات هو قصد الأمر المتعلّق بذيها، من غير حاجة إلى قصد الأمر النفسي أو الغيري المتعلّق بأنفسها.(3) و هذا الجواب هو الظاهر من المحقّق الخوئي على ما في محاضراته حيث قال: إنّ منشأ عبادية الطهارات أحد أمرين على سبيل منع الخلو: أحدهما قصد
ص: 313
امتثال الأمر النفسي، و ثانيهما قصد التوصّل بها إلى الواجب، فانّه أيضاً موجب لوقوع المقدّمة عبادة و لو لم نقل بوجوبها شرعاً(1).
و اجيب: أنّه إن أراد انّ الأمر المتعلّق بذي المقدّمة يدعو إلى الإتيان بالمقدّمة، فهو خلاف التحقيق، لأنّ كلّ أمر لا يتجافى عن متعلّقه و لا يدعو إلى الخارج عنه و الشرائط من الأُمور الخارجة عنه.
و إن أراد انّ الإتيان بالشي ء للتوصّل به إلى العبادة كاف في تعنون المقدّمة بالعبادية، ففيه أنّه غير تام بشهادة أنّ الإتيان بالستر و طهارته إذا قصد به التوصّل إلى الصلاة لا يوصفان بالعبادة، فلا بدّ وراء التوصّل إلى العبادة من شي ء آخر(2).
الرابع: كفاية قصد الإتيان للّه, فإنّ إضفاء وصف العبادية على الطهارات الثلاث و حلّ الإشكالين الأخيرين يتحقّق بکون الشي ء إذا كان صالحاً للعبادة فيكفي في إضفاء وصف العبادة عليه الإتيان به للّه سبحانه، من دون حاجة إلى قصد الأمر النفسي و لا الغيري، بل إذا كان لشي ء في حدّ نفسه صالحاً للتعبّد و جاء به المكلّف للّه سبحانه يوصف بالعبادة، و الطهارات الثلاث من هذا القبيل،فقد اتّفق العلماء على كونها صالحة للعبادة، فمع إحراز هذه الصلاحية يكفي الإتيان بها للّه سبحانه في تعنونها بالعبادة من دون نظر إلى الأمر النفسي المتعلّق بها أو الأمر النفسي المتعلّق بذيها أو الأمر الغيري المتعلّق بها، و على ضوء هذا ينحل الإشكالان, مضافا إلى أنّه لا حاجة بعد اتّصافها بالعبادية إلى الأمر الغيري حتّى يتوجّه الإشكال.
ص: 314
و فيه: ان قصد الإتيان للّه يصح بعد تعلق الامر العبادي به و لو علی سبيل الاستحباب و الّا لم يکن عبادة, فهذا الوجه يرجع الی کفاية قصد الامر الاستحبابي .
و اما قوله: ان العمل إذا كان صالحاً للعبادة فيكفي فيه إضفاء وصف العبادة عليه الإتيان به للّه سبحانه، من دون حاجة إلى قصد الأمر النفسي و لا الغيري, ففيه: انه ما المراد من صلاحيته للعبادة؟ فاذا کان المراد بعد تعلق الامر به فهذا صحيح و لا ينفع الاستدلال به لانه مما تعلق به الامر فيؤتی به لاجل امره, و ان کان المراد انه صالح للعبادة قبل تعلق الامر به کما في الصلاة عشر رکعات متصلة بتسليم واحد فلا يقول احد بان الاتيان به لله يوجب عباديته بل الکل قالوا ببدعيته .
هل ان وجوب المقدّمة علی القول به، تابع وجوبُها لوجوب ذيها في الإطلاق و الاشتراط؛ فإذا كان وجوب ذيها مشروطاً بشي ء، كالوقت في الصلاة، و الاستطاعة في الحجّ، يكون وجوبها مشروطاً بها؛ و لو كان وجوب ذيها مطلقاً بالنسبة إلى شي ء كوجوب الظهر بالنسبة إلى إتيانها بالجماعة، يكون وجوب المقدّمة كالطهارة بالنسبة إليه كذلك.
و استدل على التبعية بوجهين:
الأوّل: أنّ وجوب المقدّمة معلول لوجوب ذيها و مسبّب عنه، فكلّ ما يكون شرطا و قيدا للوجوب النفسيّ، فهو شرط للوجوب الغيري، فالوجوب المعلولي تابع للوجوب العلّي في الإطلاق و الاشتراط.
ص: 315
و اجيب: أنّ نشوء إرادة من إرادة أُخرى ممّا لا حقيقة له، لأنّ إرادة ذيها ليست علّة فاعليّة لإرادة المقدّمة، بل هي غاية لإرادتها، و لكلّ من الإرادتين، مبادئ و مقدّمات إذا حصلت، ظهرت الإرادة في لوح النفس، و على ذلك ففاعلالإرادة و موجدها في الذهن هو النفس، فإذا بطل نشوء إرادة عن أُخرى بطل ما رتب عليه من حديث التبعيّة(1).
و فيه: ان وجوب المقدمة علی القول به انما هو للملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب المقدمة, و عليه فلاجل التلازم و جبت المقدمة و هذا هو المراد من کون وجوب المقدّمة معلول لوجوب ذيها و عليه فلا وجوب للمقدمة خارج الملازمة و بذلک يظهر ضعف ما ذکر من کون الارادة غير ناشئة من إرادة ذيها, اذا کان المراد من الارادة هو الوجوب, و اذا کان المراد بالارادة مبادئ الوجوب فقد تحققت تلک المبادئ علی القول بالملازمة .
الثاني: انّ إرادة المقدّمة و إن لم تكن ناشئة من إرادة ذيها، لكن الثانية غاية لإرادة المقدّمة، فلا معنى لأن يكون ذو الغاية - وجوب المقدّمة - أوسع من الغاية، و قد ثبت في محلّه انّ الأفعال الاختيارية تتضيق ضيقاً ذاتياً حسب غاياتها، فلا يطلب العاقل شيئاً أوسع من الغاية التي يطلبه لأجلها, و هذا القول غير القول بأنّ وجوب المقدّمة مشروط بوجوب ذيها، إذ هو أمر باطل، بل متضيق بالذات(2).
و فيه: ما تقدم من جواب الوجه الاول و انه في الحقيقة يرجع الی ما ذکرناه من التلازم .
ص: 316
اختلفت كلماتهم في ما هو الواجب منها بناء علی القول بوجوب المقدّمة, علی أقوال ستة:
1. وجوب مطلق المقدّمة.
2. وجوب المقدّمة حين إرادة ذيها.
3. وجوب المقدّمة بشرط إرادة ذيها.
4. وجوب المقدّمة التي يتوصل بها إلى ذيها.
5. وجوب المقدّمة الموصلة إلى ذيها في نفس الأمر.
6. وجوب المقدّمة في حال الإيصال.
استدل المحقق الخراساني علی إيجاب مطلق المقدّمة بأنّ الغرض من وجوب المقدّمة في نظر العقل الحاكم بالملازمة بين وجوب المقدّمة و ذيها هو التمكّن من الإتيان بالواجب، إذ المفروض توقّف وجود الواجب على المقدّمة، و انه من الواضح أنّ هذا التمكّن يتحقّق من دون تقييد بشي ء من القيود من الأقوال الخمسة, و هذا هو المشهور، بناء على القول بوجوب المقدّمة، و يُعلم حاله من خلال الجواب عن سائر الأقوال فان تم الجواب عليها ثبت المدعی هنا و الّا فلا.
ص: 317
و نسب هذا القول صاحب المعالم رحمه الله في بحث الضّد: «و أيضا فحجة القول بوجوب المقدّمة على تقدير تسليمها إنّما ينهض دليلا على الوجوب في حال كون المكلّف مريداً للفعل المتوقّف عليها»(1).
و اجيب: أنّ تضييق وجوب المقدّمة بما إذا أراد ذيها، يستلزم أن يكون إيجابها حينئذ أمراً لغواً، لأنّ الغاية من إيجاب المقدّمة إيجاد الداعي بالنسبة إلى إتيانها، فلو أراد إتيان ذيها، عن جدّ فهو لا محالة يأتي بالمقدّمة، فلا وجه لإيجاب المقدّمة(2).
و فيه: ان وجوب المقدمة لاجل الملازمة و علی فرضها فهي ازلية فلا يلزم اللغو .
ثم ان کلام صاحب المعالم يحتمل وجهين:
أحدها: الذي استظهره المحقق الخراساني تبعا للشيخ و غيره، و احتمله صاحب البدائع: من كون إرادة ذي المقدّمة شرطا لوجوب مقدّمته(3) و يشهد له ان العقل يحکم بالملازمة لمن اراد الامتثال و اما مع عدم ارادته للامتثال فلا حکم للعقلبوجوب المقدمة من دون ارادة ذيها, و ثانيهما ما سيأتي الکلام عنه عند البحث عن القول الخامس .
ص: 318
و الفرق بين هذا و القول الثاني هو الفرق بين الحينية و المشروطة, فلو قلت: كلّ كاتب متحرك الأصابع حين هو كاتب، فالقضية حينيّة. و لو قلت: كلّ كاتب متحرك الأصابع ما دام كاتباً، فالقضيّة مشروطة.
و القضيتان تشتركان في أنّ تحرك الأصابع لا يعدو عن حالة الكتابة إلّا قولنا: حين هو كاتب, في القضية الأُولى و إن لم يكن قيداً لكن القضية لا تصدق إلّا في هذه الصورة، فلها ضيق ذاتي بالنسبة إلى غير هذه الصورة، بخلاف إذا قلنا: ما دام كاتباً, فهو قيد و شرط له و إيجاد ضيق في مقام الدلالة و الإثبات.
قيل: و على كلّ تقدير فالقول المزبور باطل، و ذلك لإنّ إرادة ذي المقدّمة إذا کان شرطا لوجوب المقدّمة ففيه اشکالان:
الاول: انّ القول باشتراط المقدّمة بإرادة ذيها فقط يخالف ما تقدم من أنّ وجوب المقدّمة تابع لوجوب ذيها إطلاقاً و اشتراطاً، فكيف يكون وجوب المقدّمة مشروطاً بإرادة ذيها دون وجوب ذي المقدّمة(1).
و فيه: صحيح أنّ وجوب المقدّمة تابع لوجوب ذيها إطلاقاً و اشتراطاً, لکن لا من جهة الامتثال و العقل يحکم بالملازمة لمن اراد الامتثال و اما مع عدم ارادته للامتثال فلا حکم للعقل بوجوب المقدمة من دون ارادة ذيها, و بذلک يظهر الجواب عن اشکاله الثاني و هو:
الثاني: يلزم التفكيك بين وجوب ذيها و وجوب المقدّمة عند عدم إرادة ذيها، حيث تلزم فعلية وجوب ذي المقدّمة في ظرف عدم وجوب المقدّمة لأجل عدم وجود شرط
ص: 319
وجوبها و هو إرادة ذيها(1), فانه لا ملازمة مطلقا و انما الملازمة مع ارادة الامتثال و لعل هذا المعنی هو مراد الشيخ الاعظم رحمه الله الذي جعل قولا مستقلا و هو القول الرابع.
و ينسب هذا القول إلى الشيخ الأعظم رحمه الله و حيث ان عبارة مطارح الانظار تحتمل وجوها مختلفة فلابد من نقل عبارته حتی يتبين الحال, و اليک عبارته: « حيث قال: و هل يعتبر في وقوعه على صفة الوجوب أن يكون الإتيان لأجل التوصّل إلى الغير أو لا؟ وجهان، أقواهما الأول - الی ان قال - قد نسب الثاني إلى المشهور، و لم نتحقّقه, و ما يمكن الاستناد إليه في تقريب مرادهم هو: أنّ الوضوء ليس إلّا مثل الصلاة في لحوق الطلب الإيجابي بهما، غاية الأمر أنّ الداعي إلى إيجاب الواجب الغيري هو التوصّل به إلى الغير، و الداعي إلى إيجاب الصلاة هو وجوب نفس الصلاة، و لا دليل على لزوم قصد دواعي الأمر في الامتثال.
إلّا أنّ الإنصاف: أنّ ذلك فاسد؛ إذ بعد ما عرفت من تخصيص النزاع بما إذا اريد الامتثال بالمقدّمة نقول: لا إشكال في لزوم قصد عنوان الواجب فيما إذا اريد الامتثال بالواجب و إن لم يجب الامتثال، و لا ريب في عدم تعلّق القصد بعنوان الواجب فيما إذا لم يكن الآتي بالواجب الغيري قاصدا للإتيان بذلك الغير، فلا يتحقّق الامتثال بالواجب الغيري إذا لم يكن قاصدا للإتيان بذلك، و هو المطلوب.
ص: 320
أمّا الأوّل، فقد عرفت فيما تقدّم أنّ الامتثال لا نعني به إلّا أن يكون الداعي إلى إيجاد الفعل هو الأمر، و يمتنع دعاء الأمر إلى عنوان آخر غير ما تعلّق به الأمر، لعدم الارتباط بينهما، فلو كان الداعي هو الأمر يجب قصد المأ مور به بعنوانه.
و أمّا الثاني، فلأنّ الحاكم بالوجوب الغيري ليس إلّا العقل، و ليس الملحوظ عنده في عنوان حكمه بالوجوب إلّا عنوان المقدميّة و الموقوف عليه، و هذه الجهة لا تلحق ذات المقدّمة إلّا بملاحظة ذيها، ضرورة كونها من العناوين الملحوظة باعتبار الغير، فالإتيان بشي ء على جهة المقدميّة للغير يمتنع انفكاكه عن قصد الغير، و إلّا لم يكن الداعي هو الأمر اللازم من أمر الغير.
و بعبارة اخرى: أنّ ذات المقدّمة معنونة بعنوانات كثيرة، منها المقدميّة، و هذا هو عنوان وجوبها الغيري، فلا بدّ عند إرادة الامتثال بالمقدّمة من قصد هذاالعنوان، لما قرّر فيما تقدّم. و قصد عنوان المقدّمة(1) على وجه يكون الداعي إلى إيجاده ملاحظة المنفعة في هذا العنوان لا يعقل بدون قصد الغير، إذ لا يعقل القصد إلى شي ء يترتّب عليه فائدة لأجل تلك الفائدة بدون أن يكون تلك الفائدة مقصودة، لكونه تناقضا. و لعلّ ذلك هو مراد كلّ من حكم بوجوب قصد الاستباحة في الوضوء، إذ لا يظهر من الاستدلال بالآية الشريفة ﴿إِذا قُمْتُمْ (2) الآية ...﴾ إلّا الإتيان بالوضوء لأجل الصلاة(3)، و لا يظهر(4) منها الدلالة على قصد الاستباحة مع عدم إرادة الصلاة، كما لا يخفى. و أمّا اشتراط
ص: 321
رفع الحدث، فمرجعه أيضا إلى ذلك لو لم نقل بأنّ الحدث هي الحالة المانعة عن الدخول فيما يشترط بالطهارة. و أمّا إذا قلنا بأنّها من الامور الانتزاعيّة عن الأحكام التكليفيّة فرجوعه إلى ذلك ظاهر. و من هنا يظهر أنّ نسبة القول الثاني إلى المشهور لعلّها في غير محلّها، فتأمّل.
و كيف كان، فالظاهر اشتراط وقوع المقدّمة على صفة الوجوب و المطلوبيّة بقصد الغير المترتّب عليها، لما عرفت. و يكشف عن ذلك ملاحظة الأوامر العرفيّة المعمولة عند الموالي و العبيد، فإنّ الموالي إذا أمروا عبيدهم بشراء اللحم الموقوف على الثمن، فحصّل العبد الثمن لا لأجل اللحم، لم يكن ممتثلا للأمر الغيري قطعا، و إن كان بعد ما بدا له الامتثال مجزيا، لأنّ الغرض منه التوصّل.
و لمّا كان المقدّمة العباديّة ليست حالتها مثل تلك المقدّمات في الاكتفاء بذات المقدّمة عنها، وجب إعادتها كما في غيرها من العبادات، فلا يكاد يظهر الثمرة في هذا النزاع في المقدّمات الغير العباديّة- كغسل الثوب و نحوه- ضرورة حصول ذات الواجب و إن لم يحصل فيه الامتثال على وجه حصوله في الواجبات الغيريّة(1).
و قد ذکر الاعلام لهذه العبارة وجوها قلت: و حاصل ما قيل يرجع الی معنيين :
الأوّل: قصد التوصّل جزء الموضوع و انه قيد لحصول الامتثال و هو يرجع الی القول الثالث, و يدلّ عليه بعض التعابير حيث قال: و هل يعتبر في وقوعه على صفة الوجوب أن يكون الإتيان لأجل التوصّل إلى الغير أو لا؟ وجهان، أقواهما الأول، و تظهر الثمرة فيما إذا كان على المكلّف فائتة فتوضّأ قبل الوقت غير قاصد لأدائها و لا لإحدى غاياتها، فعلى المختار لا يجوز الدخول به في الصلاة الحاضرة و لا الفائتة؛ و أيضاً تظهر
ص: 322
من جهة بقاء الفعل المقدّمي على حكمه السابق، فلو قلنا بعدم إنشاء قصد التوصّل في وقوع المقدمي على صفة الوجوب لا يحرم الدخول في ملك الغير إذا كانت مقدمة لإنقاذ غريق و إن لم يترتّب عليه، بخلاف ما لو اعتبرناه، فهو حرام ما لم يكن قاصداً لإنقاذه - الی ان قال - الحق عدم تحقّق الامتثال بالواجب الغيري إذا لم يكن قاصداً للإتيان بذلك، إذ لا إشكال في لزوم قصد عنوان الواجب فيما إذا أُريد الامتثال(1).
و أورد عليه المحقّق الخراساني: بأنّ ملاك الوجوب هو التوقّف و انّه واضح، و على ذلك فلا فرق بين أن يقصد التوصّل أو لا يقصده، و لا معنى لأخذ ما لا مدخلية له في موضوع الوجوب(2), و فُسّر مراده من الوضوح بلزوم الدور لو كان القصد دخيلا فيه، بتقريب: أنّ قصد التوصّل موقوف على المقدّمية، إذ لا معنى لقصد التوصّل بغير المقدّمة، فلو توقّفت المقدّمية على القصد المزبور كان دورا(3).
و فيه: ما تقدم من الجواب من ان العقل يحکم بالملازمة لمن اراد الامتثال و اما مع عدم ارادته للامتثال فلا حکم للعقل بوجوب المقدمة من دون ارادة ذيها کما هو واضح بالبداهة .
الثاني: قصد التوصّل شرط لرفع الحرمة عند التزاحم, و هذا القول نقله المحقّق النائيني ره عن أُستاذه المحقّق الفشاركي ره و هو أنّ قصد التوصّل شرط لرفع حرمة المقدّمة عند التزاحم مع واجب أهم، مثلًا: إذا توقّف إنقاذ الغريق على اجتياز أرض مغصوبة فلا توصف المقدّمة بالوجوب إلّا إذا قصد باجتيازه انقاذَ الغريق و إلّا فلو اجتاز لا لهذا
ص: 323
القصد بل للتنزّه و التفرّج فلا يوصف الاجتيازبالوجوب بل يبقى على حرمته.(1) و يؤيد ذلك قول الشيخ في بيان وجه الثمرة لمختاره: تظهر الثمرة في جهة بقاء الفعل المقدّمي كالدخول في الأرض المغصوبة على حكمه السابق، فلو قلنا بعدم اعتبار قصد التوصّل في وقوع المقدّمة على قصد الوجوب لا يحرم الدخول في ملك الغير إذا كان مقدمة لإنقاذ غريق، و إن لم يقصد إنقاذه، بخلاف ما لو اعتبرناه، فهو حرام ما لم يكن قاصد لإنقاذه(2).
و فيه: انّ كلام الشيخ أعمّ من صورة التزاحم، بشهادة أنّه أفتى فيما إذا كان على المكلّف فريضة فائتة فتوضّأ قبل الوقت غير قاصد لأدائها و لا لغاية من غايات المقدّمة انّه لا يجوز له الدخول به في الصلاة الحاضرة، و لا الفائتة، فلو كان منحصراً بصورة المزاحمة لما كان وجه لعدم صحّة الوضوء مع عدم قصد التوصّل(3).
ثمّ إنّ المحقّق الاصفهاني ايّد الشيخ الأعظم بالبيان التالي: و هو مبني على مقدّمتين:
الاولی: انّ الحيثيات التعليلية في الأحكام العقلية راجعة إلى الحيثيات التقييدية، فإذا كانت مطلوبية المقدّمة لا لذاتها بل لحيثية مقدّميتها و التوصّل بها، فالمطلوب الجدّي، و الموضوع الحقيقي للحكم العقلي هو نفس التوصّل.
ص: 324
الثانية: انّ الشي ء لا يقع على صفة الوجوب و مصداقاً للواجب بما هو واجب، إلّا إذا أُتي به عن قصد و عمد حتّى في التوصّليات، لأنّ البعث توصّلياً كان أم تعبّدياً لا يتعلّق إلّا بالفعل الاختياري، فالغسل الصادر بلا اختيار، و إن كان مطابقاً لذات الواجب و محصّلًا لغرضه، و لكنّه لا يقع على صفة الوجوب و مصداقاً للواجب بما هو واجب.
ثمّ استنتج من هاتين المقدّمتين لابديّة اعتبار قصد التوصّل في وقوع المقدّمة على صفة الوجوب مطلقاً، و ذلك من جهة انّ المطلوب الحقيقي بحكم العقل،هو التوصّل حسب المقدّمة الأُولى، و من جهة انّه ما لم يقع الواجب على وجهه المتعلّق به الوجوب و هو كونه عن قصد و عمد، لا يقع مصداقاً للواجب حسب المقدّمة الثانية(1).
و اجيب: انّ ما ذكره في المقدّمة الأُولى أمر صحيح لا غبار عليه، إنّما الكلام في المقدّمة الثانية فقد أفاد فيها انّ الواجب هو نفس التوصّل الصادر من المكلّف باختياره، فنقول: إنّ الواجب في مقام التشريع و إن كان هو عنوان التوصّل لكن الامتثال يتحقّق بمصداقه و هو نفس الدخول إلى الأرض المغصوبة أو نفس الوضوء و الغسل، و يكفي في امتثال الأمر المقدّمي قصد نفس الدخول بما هو هو أو الوضوء كذلك، حتّى يكون فعلًا اختياريّاً، و أمّا القصد الزائد على هذا، أعني: قصد الدخول لغاية التوصّل إلى إنقاذ الغريق أو إيقاع الصلاة فلم يدلّ عليه دليل.
و إن شئت قلت: إنّ المكلّف في مقام الامتثال يجب أن يقصد مصداق ما يتوصّل به حتّى يكون الفعل اختيارياً، لما عرفت من أنّ المطلوب هو الفعل الصادر عن المكلّف باختيار. فعلى ضوء هذا فالواجب عليه هو الدخول و الورود عن اختيار، فلو دخل الأرض المغصوبة نائماً أو توضّأ غير قاصد للوضوء فلا يسقط الأمر المقدّمي.
ص: 325
و أمّا لزوم كون الدخول الاختياري لغاية الإنقاذ أو لغاية الصلاة فلا دليل عليه، فالذي يستنتج من المقدّمتين هو الإتيان بالمقدّمة عن قصد لا إتيانها منضماً إلى قصد ثان و هو التوصّل إلى الواجب(1).
و فيه: ان البحث انما هو في وجوب المقدمة و عدمه مع عدم ارادة امتثال ذيها و قلنا ان الملازمة بحکم العقل انما هي مع ارادة امتثال ذيها لا مطلقا و اما ان امتثالها مشروط او غير مشروط فاجنبي عن البحث .
ثمّ إنّ المحقّق العراقي اعترض على بيان المحقّق الاصفهاني و حاصل اعتراضه يتلخّص في وجهين:
الوجه الأوّل: إنّا لا نسلم انّ الجهات التعليلية في الأحكام العقلية جهات تقييدية، لوضوح أنّ العقل يرى لحكمه موضوعاً و علّة.
الوجه الثاني: لو صحّ ما ذكره، فإنّما هو في الأحكام العقلية المحضة لا الشرعية المستكشفة كما في المقام، فانّ الوجوب فيه بحكم الشارع و لا دخل للعقل فيه إلّا بنحو الكاشفية.(2) و إلى الوجه الثاني يشير المحقّق الخوئي في تعليقته على تقريرات أُستاذه حيث قال: مغالطة نشأت من خلط الحكم الشرعي المستكشف من حكم عقلي، بالحكم العقلي الثابت لجهة تعليلية، و من الواضح انّ كون الجهات التعليلية في الأحكام العقلية، جهات تقييدية، أجنبي عن كون الجهات في الأحكام الشرعية جهات تقييدية و لو كانت مستكشفة من طريق العقلي.(3).
ص: 326
و اجيب بان الظاهر ضعف الإشكالين:
أمّا الأوّل: فانّه نابع من خلط مقام الثبوت بالإثبات، فما ذكره من أنّ للعقل حكماً و موضوعاً و علّة، صحيح في مقام الإثبات، فيقال: الكذب قبيح لأنّه مضر للمجتمع، و أمّا في مقام الثبوت فليس هناك إلّا شيئان: الحكم و الموضوع، و الموضوع عند العقل في مقام الثبوت هو الإضرار، و الكذب محكوم بالقبح لا بالذات بل لكونه من مصاديق الإضرار.
و نظيره قولنا: الظلم قبيح لكونه مفسداً للمجتمع، ففي مقام الإثبات أُمور ثلاثة، و أمّا مقام الثبوت فليس هناك إلّا موضوع، و هو المفسد، و حكم، و هو القبح، و أمّا الظلم فليس موضوعاً للقبح بالذات، بل لأجل كونه داخلًا تحت عنوان المفسد.
و أمّا الثاني: فلا فرق بين الحكم العقلي و الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي، إذ لا معنى لأن يكون المعلول - الحكم المستكشف - أوسع من علّته أي الحكم العقلي.
نعم يمكن أن يكون ملاك الحكم الشرعي في الواقع أوسع من ملاك الحكم العقلي، إذ ليس للعقل الإحاطة بعامّة الملاكات، بخلاف الشرع فانّه محيط بعامّة الملاكات، و لكنّه لا يوجب أن يكون الحكم الشرعي المستكشف في مقام الإثبات، أوسع من الحكم العقلي الذي هو بمنزلة العلّة له(1).
ص: 327
وهو الذي اختاره صاحب الفصول و هو: أنّ الواجب هو المقدّمة الموصلة بقيد الإيصال، و قد تقدم ان لکلام صاحب المعالم احتمالين هذا ثانيهما, و حاصله: أنّ المراد كون إرادة ذي المقدّمة شرطا لاتصاف المقدّمة بالوجوب لا شرطا لوجوبها، بمعنى: كون إرادة ذي المقدّمة شرطا للواجب، لا للوجوب، يعني: أنّ اتّصاف المقدّمة بالوجوب و كونها مأمورا بها منوط بإرادة ذي المقدّمة نظير اتّصاف الصلاة مع الطهارة بكونها مأمورا بها. فقال في الفصول: «ثم هل يعتبر في وقوع الواجب الغيري على صفة وجوبه أن يترتّب عليه فعل الغير، أو الامتثال به و إن لم يقصد به ذلك، أو يعتبر قصد التوصّل إليه، أو إلى الامتثال به و إن لم يترتب عليه، أو يعتبر الأمران، أو لا يعتبر شي ء منهما؟ وجوه، و التحقيق هو الأوّل، لأنّ مطلوبيّة شي ء للغير تقتضي مطلوبيّة ما يترتب ذلك الغير عليه دون غيره، لما عرفت من أنّ المطلوب فيه المقيّد من حيث كونه مقيّدا، و هذا لا يتحقّق بدون القيد الّذي هو فعل الغير. و أمّا القصد، فلا يعقل له مدخل في حصول الواجب و إن اعتبر في الامتثال به.
نعم إن كان عبادة و كان مطلوبيّتها من حيث كونها للغير فقط اعتبر فيه ذلك، كما في الوضوء، و الغسل بناء على نفي رجحانهما الذاتي» انتهى.
و قال في أوّل تنبيهات مقدّمة الواجب: «و نقول هنا توضيحا لذلك و تأكيدا له: إنّ مقدّمة الواجب لا تتصف بالوجوب و المطلوبيّة من حيث كونها مقدّمة إلّا إذا ترتّب عليها وجود ذي المقدّمة، لا بمعنى أنّ وجوبها مشروط بوجوده، فيلزم أن لا يكون خطاب بالمقدّمة أصلا على تقدير عدمه، فإنّ ذلك متّضح الفساد. كيف و إطلاق وجوبها و عدمه عندنا تابع لإطلاق وجوبه و عدمه، بل بمعنى: أنّ وقوعها على الوجه المطلوب منوط بحصول الواجب، حتى أنّها إذا وقعت مجرّدة عنه تجرّدت عن وصف
ص: 328
الوجوب و المطلوبيّة، لعدم وجوبها على الوجه المعتبر. فالتوصّل بها إلى الواجب من قبيل شرط الوجود لها، لا من قبيل شرط الوجوب، و هذا عندي هو التحقيق الّذي لا مزيد عليه و إن لم أقف على من يتفطن له، و الّذي يدل على ذلك: أنّ وجوب المقدّمة لمّا كان من باب الملازمة العقليّة، فالعقل لا يدل عليه زائدا على القدر المذكور»(1).
استدلّ صاحب الفصول على وجوب المقدّمة الموصلة بوجوه ثلاثة:
الدليل الأوّل: انّ الحاكم بالملازمة بين الوجوبين هو العقل، و لا يرى العقل إلّا الملازمة بين وجوب الشي ء و وجوب ما يقع في طريق حصول الشي ء و سلسلة وجوده، و فيما سوى ذلك لا يدرك العقل أية ملازمة بينهما(2).
و أورد عليه المحقّق الخراساني: بأنّ العقل الحاكم بالملازمة دلّ على وجوب مطلق المقدّمة لا خصوص ما إذا ترتّب عليها الواجب فيما لم يكن هناك مانع عن وجوبه - كالأرض المغصوبة - لثبوت مناط الوجوب حينئذ في مطلقها و عدم اختصاصه بالمقيّد بذلك منها(3).
و أجابه المحقّق الاصفهاني بقوله: ليس التمكّن من ذي المقدّمة ملاكاً لوجوبها، فانّ التمكّن من ذيها حاصل بصرف التمكّن من المقدّمة و إن لم يأت بها. نعم تتوقّف فعلية ذيها على فعلية مقدّمته، و يتوقّف تحقّقه على تحقّقها، بل الملاك هو إيصالها إلى
ص: 329
الواجب حيث إنّ الاشتياق إلى شي ء لا ينفك عن الاشتياق إلى ما يقع في سلسلة علل وجوده دون ما لا يقع في سلسلتها(1).
اقول: إنّ هذه الكلمات تدور حول محور واحد، و هو أنّ الملاك لوجوب المقدّمة هل هو التوقّف أو التوصّل؟ و كل يدّعي واحداً منهما من دون أن يقيم برهاناً عقلياً قاطعاً للنزاع.
قيل: و الذي يمكن أن يحسم به النزاع هو تشخيص الغاية الذاتية عن العرضية في المقام, و هو: إنّ الإجابة بالغاية الذاتية تقطع السؤال، بخلاف الإجابة بالغاية العرضيّة فانّها لا تقطع، بل للسائل أن يسأل عن وجه تحصيل الغاية العرضيّة أيضاً، و قبل أن نميّز الغاية العرضية عن الذاتية في المقام نطرح مثالًا لينجلي فيه الموضوع.
إنّ طالب العلم يتحمّل مشقّة و عناءً في سبيل التعلم، فلو طرحنا عليه السؤال التالي:
1. لما ذا تدرس و تتحمل كلّ هذا العناء؟ لأجاب: أدرس بغية النجاح في الامتحان.
2. و لما ذا تريد النجاح في الامتحان؟ لأجاب: لنيل الشهادة.
3. لما ذا تريد نيل الشهادة العلميّة؟ لأجاب: للارتزاق بها في حياتي.
فعندئذ تنتهي الأسئلة المتواردة، فلو سألته بقولك لما ذا تريد الارتزاق؟ يكون السؤال غلطاً، لأنّ الارتزاق من ضروريات الحياة، و هي غاية ذاتية لا تنفك عنها. و مثله المقام: فلو سأل سائل الآمر بقوله:
1. لما ذا أوجبت المقدّمة؟ لأجاب: لتوقّف المراد عليها سواء أ كانت موصلة أم لا.
2. إذا كانت المقدّمة غير مطلوبة بالذات فلما ذا تطلبها في صورة عدم كونها موصلة؟
ص: 330
و هذا دليل على أنّ التوقّف غاية عرضية و ليست ذاتية. و هذا بخلاف ما أجاب عن السؤال الأوّل بقوله: أوجبتها لتوصل بها إلى المقصود الذاتي. فعندئذ ينقطع السؤال و يقتنع السائل.
و بذلك يُعلم أنّ أكثر إشكالات المحقّق الخراساني التي ساقها على صاحب الفصول و ستمرّ عليك، غير صحيحة، لأنّ أساسها أنّ الغاية من الإيجاب هي التوقّف، مع أنّك عرفت أنّ الغاية حسب التحليل هي التوصّل(1).
و فيه: ان تشخيص الغاية الذاتية عن العرضية لا علاقة له بالملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب المقدمة, فلو قلنا بالملازمة و کانت مطلقة کانت المقدمة واجبة مطلقا و لو قلنا ان العقل يحکم بالملازمة لمن اراد الامتثال و اما مع عدم ارادته للامتثال فلا حکم للعقل بالتلازم من دون ارادة ذيها و علی کل تقدير لا علاقة للملازمة بين کون الغاية ذاتية ام عرضية, و الحاصل من ذلک هو صحة القول الثالث لا ان الملاک کونها موصلة او غير موصله و هکذا سائر الادلة الاتية .
الدليل الثاني: انّ العقل لا يمنع من أن يقول الآمر الحكيم بأنّه يريد من المأمور الحجَ، و يريد منه السير الذي يتوصّل به إلى ذلك الفعل الواجب دون ما لا يتوصّل به إليه، بل الضرورة قاضية بجواز تصريح الآمر بذلك، كما أنّها قاضية بقبح التصريح بعدم مطلوبيتها له مطلقاً أو على تقدير التوصّل بها إليه.و ذلك آية عدم الملازمة بين وجوبه و وجوب مقدّماته على تقدير عدم التوصّل بها إليه.
ص: 331
و لما كان الملاك عند المحقّق الخراساني هو رفع الإحالة و إيجاد التمكّن أنكر هذا الدليل، قائلًا: بأنّه ليس على الحكيم ذلك، لأنّ دعوى قضاء الضرورة بذلك مجازفة، و كيف يكون ذلك بعد كون المناط موجوداً في مطلق المقدّمة الموصلةو غيرها.(1)
و اجيب: أنّ الملاك هو كونها واقعة في سلسلة الغرض الأسمى و كونها موصلة لما هو المطلوب الأقصى، و على ذلك فالتصريح المذكور بمكان من الصحّة.
قلت: بل الملاك هو ان الملازمة انما هي فيمن يريد امتثال ذي المقدمة لا مطلقا، و على ذلك فالتصريح المذكور بمكان من الصحّة و الحاصل من ذلک هو صحة القول الثالث لا ان الملاک کونها موصلة او غير موصله .
الدليل الثالث: صريح الوجدان قاض بأنّ من يريد شيئاً بمجرّد حصول شي ء آخر لا يريده إذا وقع مجرّداً عنه. و يلزم منه أن يكون وقوعه على وجهه المطلوب منوطاً بحصوله.
و قد أورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين:
أوّلهما: انّ مطلوبية المقدّمة انّما هي لأجل عدم التمكّن من التوصّل بدونها، لا لأجل التوصّل بها، لأنّ التوصّل ليس من آثارها بل ممّا يترتب عليها أحياناً بالاختيار و لو لا إرادة ذيها لما تكون موصلة.
و فيه: ما عرفت من أنّ الملاك هو ان الملازمة انما هي فيمن يريد امتثال ذي المقدمة لا مطلقا .
ص: 332
ثانيهما: انّ الغاية - الصلاة - لا تكون قيداً لذي الغاية - الوضوء - بحيث كان تخلّفها موجباً لعدم وقوع ذي الغاية - الوضوء - على ما هو عليه من المطلوبية الغيرية، و إلّا يلزم أن تكون الغاية - الصلاة - مطلوبة بطلب غيري كسائر قيود الواجب الغيري.
و اجيب: أنّه لا يلزم من إيجاب المقدّمة الموصلة، كون الغاية من قيود ذي الغاية على نحو تكون الغاية واجبة بوجوب ذيها الغيري، لأنّ مدخلية الغاية في المقدّمة على نحو دخول التقيّد و خروج القيد(1).
قلت: و قد عرفت ان الملازمة انما هي فيمن اراد امتثال ذي المقدمة و الحاصل من ذلک هو صحة القول الثالث لا ان الملاک کونها موصلة او غير موصله.
الدليل الرابع(2):يصحّ للمولى تجويز الموصلة و تحريم غيرها و لا يجوز له تحريم مطلق المقدّمة أو خصوص الموصلة، و ذلك دليل على عدم وجود الملاك في غير الموصلة و إلّا لما صحّ تحريمها.
و هذا الدليل قريب من الدليل الثاني الماضي لصاحب الفصول حيث قال: إنّ العقل لا يمنع أن يقول الآمر الحكيم بأنّه يريد من المأمور الحج و يريد منه السير الموصل دون ما لا يوصل كما عرفت. و على كلّ تقدير فتجويز الموصلة و تحريم غيرها آية وجود الملاك في الأُولى و عدمها في الثانية.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أورد عليه بوجهين:
ص: 333
1. انّ الواجب في هذه الصورة و إن كان مختصّاً بالموصلة لكن خروج غير الموصلة ليس لأجل اختصاص الوجوب بالموصلة في باب المقدّمة بل لأجل المنع من غيرها المانع من الاتّصاف بالوجوب بها هنا.
و اجيب: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ إذا كانت المقدّمة محرمة بالذات كما في اجتياز الأرض المغصوبة فلا تكون الحرمة فيه دليلًا على عدم الملاك، و أمّا إذا كانت حلالًا بالذات و صارت ممنوعة بعنوان غير الموصلة كنصب السلّم لغاية الرياضة، فانّ صحّة النهي آية عدم ملاك الوجوب الغيري فيه، و إلّا لما صحّ النهي بعد اشتراك الموصلة و غيرها في الملاك، بل يكون النهي لغواً على خلاف الحكمة(1).
قلت: و قد عرفت ان الملازمة انما هي فيمن اراد امتثال ذي المقدمة و الحاصل من ذلک هو صحة القول الثالث لا ان الملاک کونها موصلة او غير موصله.
2. انّ تجويز الموصلة و تحريم غيرها يستلزم أحد المحذورين:
أ. إمّا تحصيل الحاصل.
ب. أو تفويت الواجب.
و ذلك لأنّ الإيصال إمّا أن يكون موجوداً بالفعل أو لا, فعلى الأوّل يلزم تحصيل الحاصل، لأنّ كون المقدّمة موصلة بالفعل يلازم وجود ذيها، و معه يكون الطلب أشبه بتحصيل الحاصل.
و على الثاني أي ما إذا كان الإيصال بالقوّة لا بالفعل يكون الشروع في المقدّمة لفقدان وصفها أمراً حراماً، و الحرمة تُعجِزُ المكلّف عن امتثال الواجب عجزاً تشريعياً، و يترتّب عليه المحذور الثاني و هو تفويت الواجب.
ص: 334
و إلى المحذور الثاني يشير المحقّق الخراساني بقوله: إنّه يلزم أن لا يكون ترك الواجب حينئذ مخالفة و عصياناً لعدم التمكّن شرعاً منه لاختصاص جواز المقدّمة بصورة الإتيان به.
و إلى المحذور الأوّل يشير بقوله: و بالجملة يلزم أن يكون الإيجاب مختصّاً بصورة الإتيان، لاختصاص جواز المقدّمة بها، و هو محال فانّه يكون من طلب الحاصل المحال(1).
و اجيب: بأنّه إنّما يرد أحد المحذورين إذا أُريد من الإيصال، هو فعليته بنحو الشرط المتقدّم أو المقارن، فعلى فرض وجوده يلزم طلب الحاصل، و على فرض عدمه يلزم تفويت الواجب.
و أمّا إذا كان شرطاً متأخّراً لجواز المقدّمة فيكفي في جوازها علم الفاعل بالترتّب في المستقبل فتكون المقدّمة جائزة، و لا يلزم لا تفويت الواجب و لا تحصيل الحاصل(2).
قلت: لکن هذا الجواب مبني علی صحة الشرط المتاخر و المختار عدم صحته و الصحيح أن يقال: إنّه ان کان المراد من الإيصال فعلية ترتّب ذيها عليها فحينئذ يلزم أحد المحذورين المتقدمين, اما اذا کان المراد بالإيصال هو كون المقدّمة واقعة في طريق الإتيان بذيها حسب تشخيص المكلّف و إرادته، و يكفي في تحقّق الشرط بهذا المعنى كون المقدّمة في طريق ذيها في نيّة المكلّف فلا يلزم من ذلک أحد المحذورين المتقدمين.
ص: 335
و بعبارة اخری: ليس الإيصال قيداً لجواز المقدّمة، بل من قيود الواجب (المقدّمة) التي يجب على المكلّف تحصيلها، و ذلك بالسعي حتّى تنتهي المقدّمة إلى ذيها, و عندئذ لا يلزم أحد المحذورين، أمّا تحصيل الحاصل فلأنّ المفروض عدم تحقّق وصف الإيصال، و أمّا تفويت الواجب فلأنّ المفروض جواز المقدّمة التي وقعت في طريق ذيها حسب نية المكلّف.
و بعبارة أُخرى: الإيصال كسائر قيود الواجب قيد اختياري يجب على المكلّف تحصيله حتّى لا يؤاخذ بترك الواجب.
هذا و قد عرفت ان الملازمة انما هي فيمن اراد امتثال ذي المقدمة و الحاصل من ذلک هو صحة القول الثالث لا ان الملاک کونها موصلة او غير موصله.
بقي الكلام في البحث عن الشبهات التي وُجهت إلى تلك النظرية من قبل المتأخّرين عن صاحب النظرية، و هي:
1. انقلاب الواجب النفسي إلى الغيري
إنّ تقييد المقدّمة بالإيصال يوجب أخذ ذي الغاية جزءاً للمقدمة، و هو يستلزم أن يكون الشي ء الواحد واجباً نفسياً، و واجباً غيريّاً حيث جعل ذي المقدّمة جزءاً من المقدّمة، و مجموع المقدّمة واجب بالوجوب الغيري فيكون جزؤه أيضاً كذلك، و إلى هذا أشار في الكفاية بقوله: إنّ الغاية لا تكاد تكون قيداً لذي الغاية بحيث كان تخلّفها
ص: 336
موجباً لعدم وقوع ذي الغاية على ما هو عليه من المطلوبية الغيرية، و إلّا يلزم أن تكون الغاية مطلوبة بطلبه كسائر قيوده(1).
و اجيب: بأنّ عنوان الموصلية لا ينتزع من وجود ذي المقدّمة في الخارج و لا من ترتّب ذيها على المقدّمة، بل ينتزع من نفس المقدّمة إذا كانت في طريق ذيها و منتهية إليه، فالواجب هو إيجاد المقدّمة مع وصفها بأن يجعل المقدّمة في طريق ذيها و واصلة إليه، و عند ذاك لا يلزم انقلاب الواجب النفسي إلى الواجب الغيري(2).
2. سقوط المقدّمة بالإتيان بها
إذا كان الواجب هو المقدّمة بقيد الإيصال، فلو قلنا بوجوب المقدّمة يجب أن لا يسقط أمرها بالإتيان بها ما لم يترتّب عليه ذيها، مع أنّ المعلوم خلافه، و إلى هذا الإشكال أشار المحقّق الخراساني بقوله:
و لأنّه لو كان الترتّب معتبراً فيه لما كان الطلب يسقط بمجرّد الإتيان بها من دون انتظار لترتّب الواجب عليها بحيث لا يبقى في البين إلّا طلبه و ايجابه، كما إذا لم تكن هذه بمقدّمة، أو كانت حاصلة من الأوّل قبل إيجابه، مع أنّ الطلب لا يكاد يسقط إلّا بالموافقة، أو بالعصيان و المخالفة، أو بارتفاع موضوع التكليف كما في سقوط الأمر بالكفن أو الدفن بسبب غرق الميت أحياناً أو حرقه، و لا يكون الإتيان بها بالضرورة من هذه الأُمور غير الموافقة(3).
ص: 337
و اجيب: بأنّ الإشكال مبني على تفسير الموصلة بوجود ذي المقدّمة في جنب المقدّمة على نحو يكون الوجوب الغيري متعلّقاً بشيئين متغايرين: المقدّمة, و ذو المقدّمة في جنبها. و على ذلك فما لم يأت المكلّف بالجزء الثاني لا يسقط الأمر المقدّمي.
و لكنّك عرفت أنّ عنوان الإيصال ليس نفسَ الواجب النفسي و لا منتزعاً عنه، بل هو عبارة عن كون المقدّمة في الواقع في طريق ذيها و منتهية إليه, و عند ذلك يختلف الحكم ثبوتاً و إثباتاً, فلو كانت المقدّمة واجدة لهذا الوصف (كونها في طريق ذيها و منتهية إليه) يسقط الأمر واقعاً لا ظاهراً، لعدم علم المكلّف بالانتهاء.
و الحاصل: انّه لا مانع من أن يُحدّد الآمر موضوعَ حكمه بالمقدّمة التي تنتهي إلى ذيها و تقع في طريقها و لا يتعلّق حكم الآمر بما إذا لم يكن كذلك(1).
3. ما هو مقدّمة ليست بموصلة
إنّ الإتيان بذيها ليس أثر المقدّمة بما هي هي، بل يعدّ من أثره إذا انضم إليه أمر آخر و هو إرادة المكلَّفِ امتثالَ الواجب النفسي، فعندئذ يترتّب ذو المقدّمة على المقدّمة، و على ضوء ذلك فما هو مقدّمة ليست بموصلة، و ما هو موصلة أي المقدّمة مع قيد الإرادة لا يتعلّق به التكليف، لأنّ الإرادة أمر خارج عن الاختيار و لا يتعلّق بها التكليف، و إلى ذلك أشار المحقّق الخراساني بقوله: و أمّا ترتّب الواجب فلا يعقل أن يكون الغرضَ الداعي إلى إيجابها و الباعثَ علىطلبها، فانّه ليس بأثر تمام المقدّمات فضلًا عن إحداها في غالب الواجبات، فانّ الواجب إلّا ما قلّ في الشرعيات و العرفيات فعل اختياري يختار المكلّف تارة، اتيانَه بعد وجود تمام مقدّماته، و أُخرى عدمَ إتيانه، و من
ص: 338
المعلوم أنّ مبادئ اختيار الفعل الاختياري لا يوصف بالوجوب لعدم كونها بالاختيار و إلّا لتسلسل(1).
و اجيب أوّلًا: بأنّ الإشكال نشأ من تفسير الموصلة بالعلّة التامة لتحقّق ذيها، و عندئذ تُصوّر أنّ المقدّمات بلا ضم الإرادة ليست بعلّة تامة، و معها و إن كانت علّة تامة لكن لا يتعلّق بها الأمر، غير انّك عرفت أنّ المراد من الموصلة عبارة عن كون المقدّمة في الواقع في طريق المقصود و منتهية إليه و لو بواسطة الإرادة، و إن كانت المقدّمة بعامّة أجزائها غير كافية في تحقّق الغاية بل محتاجة إلى توسيط الإرادة.
و على ذلك فكلّ من الشرط و المعد و السبب لو كان في الواقع في طريق ذيها فالجميع موصلة بهذا المعنى و إن لم يترتّب المقصود عليها بالفعل غير أنّه سيترتّب عليه بعد فترة من الزمن.
و ثانياً: نمنع عدم تعلّق الأمر بالإرادة، كيف! و قد ورد الأمر بالقصد و الإرادة في مقامات مختلفة، مثلًا: إذا نذر الإقامة في البلد يجب عليه قصدها، و مقوّم الإقامة هو القصد و الإرادة التي تعلّق بهما الأمر. و نظير ذلك لزوم قصد القربة في التعبّديات، فقد ورد الأمر في الشرع بإرادة الإتيان بها للّه سبحانه(2).
و أمّا کون الارادة بالاختيار فمن البديهيات و هي حاصلة بنفسها فلا تسلسل .
4. لزوم الدور
و قد قرّر الدور بوجهين:
ص: 339
الأوّل: انّ وجود ذي المقدّمة يتوقّف على وجود المقدّمة، و لو قلنا بقيدية الإيصال لتوقّف وجود جزء المقدّمة على وجود ذيها.
و فيه: أنّ الموقوف مغاير للموقوف عليه، لأنّ وجود ذيها متوقّف على وجود المقدّمة، و وصف المقدّمة أعني: الإيصال موقوف على وجود ذيها و حينئذٍ فلا دور.
الثاني: ما قرره المحقّق النائيني و هو أنّ قيد الإيصال يرجع إلى اعتبار كون الواجب النفسي قيداً للواجب الغيري، فيلزم أن يكون الواجب النفسي مقدّمة للمقدّمة و واجباً بوجوب ناش من وجوبها، و هو يستلزم الدور، فانّ وجوب المقدّمة إنّما نشأ من وجوب ذي المقدّمة، و لو ترشح وجوب من وجوبها على ذي المقدّمة للزم الدور(1).
و اجيب أوّلًا: بأنّ الإشكال ناشئ من تفسير خاطئ للموصلة، و هو أخذ وجود الواجب النفسي قيداً في المقدّمة، و تعلّق الأمر الغيري بالمركب منه، و قد عرفت أنّ الإيصال ليس بمعنى ترتّب واجب نفسي عليها و لا أخذ الواجب النفسي جزءاً للمقدمة، بل كون المقدّمة في طريق ذيها.
و ثانياً: لو سلّمنا التفسير المذكور لا يلزم منه إلّا اجتماع المثلين لا الدور، و ذلك لأنّ الواجب النفسي بما هو واجب نفسي يتعلّق به الوجوب النفسي، و بما أنّه جزء للمقدمة يتعلّق بها الوجوب الغيري المتعلّق بالجميع الذي من أجزائه الواجب النفسي، و أين هذا من الدور(2).
5. لزوم التسلسل
ص: 340
لو كان الوضوء الموصل إلى الصلاة مقدّمة، أو السير الموصل إلى الحج مقدّمة، فذات الوضوء و السير يكون مقدّمة للوضوء الموصل، و السير الموصل و إن اعتبر الإيصال فيه أيضاً يكون مركّباً من شيئين: الوضوء و الإيصال، فينتقل الكلام إلى الجزء الأوّل منه، فبما انّه أيضاً مقدّمة يعتبر فيه الإيصال و هكذا يلزم التسلسل، و لا محيص من أن ينتهي الأمر إلى ما يكون الذات مقدمة، فإذا كان الأمر كذلك فلتكن الذات من أوّل الأمر مقدّمة لذيها من دون اعتبار قيد التوصّل.(1)
و اجيب: بأنّ وصف الإيصال ليس جزءاً خارجياً للمقدّمة، بحيث تكون مركبة في الخارج من شيئين أحدهما ذات المقدّمة و الآخر عنوان الموصلية، بل المقدّمة في الخارج شي ء واحد، و أمّا الإيصال فهو أمر انتزاعي يصنعه الذهن من وقوع المقدّمة في طريق المقصود و انتهائها إليه، و على ضوء هذا فليس الوضوء مقدّمة للمقدّمة (الوضوء الموصل) حتّى يقال: يجب أن يكون هو أيضاًموصلًا. بل المقدّمة هي الوضوء و لكن يجب على المكلّف إيجاد وصف الإيصال(2).
6. اختصاص الوجوب بالعلل التوليدية
لو كان الملاك مطلق التوقّف فهو موجود في الموصلة و غيرها، و لو كان الملاك خصوص ما يستحيل انفكاكه عن الواجب في الخارج فيختص الوجوب بالعلل التوليدية كالإلقاء بالنسبة إلى الإحراق، و لا يعمّ العلل الاعدادية كالشرط و المعد و السبب، فانّ كلّ واحد منها مقدّمة، و لكن لا يستحيل انفكاك كلّ واحد منها عن
ص: 341
الواجب.(1) و إلى هذا الإشكال أشار المحقّق الخراساني بقوله: إنّ القول بالمقدّمة الموصلة يستلزم إنكار وجوب المقدّمة في غالب الواجبات، و القول بوجوب خصوص العلّة التامّة في خصوص الواجبات التوليدية(2).
و اجيب: بأنّ الملاك ليس التوقّف بما هو هو و لا خصوص ما يستحيل انفكاكه عن الواجب في الخارج، بل الملاك ما يقع في طريق المطلوب بالذات، و هذا لا يوجب اختصاص الوجوب بالعلّة التامّة بل كلّ من الشرط و المعد على قسمين موصل أي واقع في طريق المقصود، و غير موصل أي ليس كذلك(3).
بقيت هناك إشكالات أُخرى تعرّض لبعضها المحقّق العراقي فلاحظها(4).
الفرق بين هذا القول و خامس الأقوال، أنّ الإيصال في السابق قيد للواجب، و الموصل وصف له، بخلاف هذا القول فليس الإيصال قيداً، و مع هذا لا ينطبق إلّا على المقيّد، شأن الفرق بين المشروطة و الحينية.
و قد قرّر بوجوه:
الأوّل: ما قرره المحقّق البروجردي، و حاصل ما أفاده: إنّ متعلّق الوجوب ذاتُ ما يوجد من المقدّمات مصداقاً للموصل، لا بوصف الموصلية. بمعنى أنّ الشارع رأى أنّ
ص: 342
المقدّمات في الخارج على قسمين. قسم منها يوصل إلى ذيها ويترتّب هو عليها واقعاً، و قسم منها لا يوصل، فخصّ الوجوب بالقسم الأوّل أعني: ما يكون بالحمل الشائع مصداقاً للموصل و ليست الموصلية قيداً مأخوذاً في الواجب بنحو يجب تحصيله، بل هي عنوان مشير إلى ما هو واجب في الواقع، و إنّما خصّ الوجوب به لأنّ المقدّمة ليست مطلوبة في حدّ الذات، بل مطلوبيّتها لأجل ذيها، فيختصّ طلبُها بما هو ملازم للمطلوب بالذات.
ثمّ ردّه المحقّق البروجردي بأنّه هو نفس ما ذكره بعض القدماء من اختصاص الوجوب بالمقدّمة السببيّة، فانّ المقدّمة التي تكون موصلة في متن الواقع و يترتّب عليها ذو المقدّمة لا تنطبق إلّا على المقدّمة السببيّة.(1), قلت: و قد تقدم الجواب عنه .
الثاني: ما أفاده المحقّق العراقي من أنّ الواجب ليس مطلقَ المقدّمة و لا خصوص المقدّمة المتقيّدة بالإيصال، بل الواجب هو الحصّة التوأمة مع وجود سائر المقدّمات، الملازمة(2) لوجود ذي المقدّمة(3).
و على هذا جرى المحقّق الخوئي في تعليقه على أجود التقريرات، حيث قال: إنّ ملاك الوجوب الغيري هو خصوصُ التوقّف على ما يكون توأماً لوجود ذي المقدّمة في الخارج من جهة وقوعه في سلسلة مبادئ وجوده بالفعل، فيختصّ الوجوب الغيري حينئذ بالموصلة، و لا يعم غيرها(4).
ص: 343
و اجيب: أنّ التوأمية إمّا قيد، أو لا، فعلى الأوّل، تنطبق على مذاقِ صاحب الفصول؛ و على الثاني، لا يختصّ الحكم بالموصلة، بل يعمّ غيرها.
قلت: هذا الجواب بنائي و قد تقدم ان اصل المبنی ليس بصحيح و ان العقل يحکم بالملازمة لمن اراد الامتثال و اما مع عدم ارادته للامتثال فلا حکم للعقل بوجوب المقدمة من دون ارادة ذيها.
الثالث: ما عن العلّامة الحائري من انّ للمعاليل الخارجية ضيقاً ذاتياً من جانب علّتها، فالحرارة الصادرة عن النار الخارجية و إن كانت غير مقيّدة بعلّتها لامتناع تقييد المتأخّر بالأمر المتقدّم إلّا أنّها ليست أيضاً مطلقة بالنسبة إليها و إلى غيرها، و إلّا يلزم أن تكون أوسع من علّتها، بل هي على وجه لا تنطبقإلّا على المقيّد أي الحرارة المفاضة من جانب الصلة لا الأعم منها و من غيرها.
و ان العلة الغائية بما انّها متقدّمة تصوّراً، متأخرة وجوداً، فالمعلول ليس مقيّداً بوجود العلّة الغائية لتقدّم المعلول وجوداً على العلّة الغائية في الخارج لكنّه ليس أوسع من الغاية التي هي علّة لفاعلية الفاعل و سبب لبروز الإرادة في لوح النفس، و إلّا يلزم أن تكون الإرادة بلا غاية.
و على هذا تكون الإرادة غير مقيّدة بالغاية، و لكنّها ليست بأوسع منها، وعليه فالواجب ليس مطلق المقدّمة لما عرفت من أنّ الإرادة و الوجوب يتضيق ضيقاً ذاتياً بالنسبة إلى غايتها، و لا المقيّدة بالإيصال، لما عرفت من أنّ الإرادة المتقدّمة لا يمكن أن تكون مقيّدة بغايتها المتأخّرة عنها، و مع ذلك فالإرادة لا تنطبق إلّا على المقيد(1).
ص: 344
و اجيب اما المقطع الأوّل: بأنّ ما ذكره من أنّ وجود المعلول لا يقيّد بوجود العلّة و إن كان صحيحاً، لكن عدم التقييد ليس لأجل تقدّم العلة و تأخّر المعلول، فانّ التقدّم و التأخّر فيهما ليس تقدّماً زمانياً بل رتبياً، و مثل هذا لا يضر بالتقييد، بل وجهه أنّ مصبّ الإطلاق و التقييد إنّما هو المفاهيم التي يمكن تقييد المفهوم الموسّع بقيد، و أمّا التكوين فهو غير قابل لتقييد المطلق، فانّ الشي ء يتكوّن في بدو الأمر إمّا مطلقاً إلى الأبد و إمّا مقيّداً كذلك، و لا يتصوّر فيه الوجود المقيّد بعد تكونه موسعاً.
و أمّا المقطع الثاني الذي هو بيت القصيد في المقام، فما ذكره من أنّ الإرادة و الوجوب الإنشائي يتضيّق تبعاً للعلّة الغائية دون أن تتقيّد بها و إن كان صحيحاً، و الكلام في مورد آخر، و هو انّ الفاعل إذا حاول أن يظهر إرادته المضيّقة و يضفي الإيجاب على المقدّمة المضيّقة بالذات، لا محيص له إلّا بتعليق الوجوب على المقدّمة التي توصل إلى الغاية، و عندئذ يرجع القول السادس إلى القول الخامس(1).
قلت: هذا الجواب بنائي و قد تقدم ان اصل المبنی ليس بصحيح و ان العقل يحکم بالملازمة لمن اراد الامتثال و اما مع عدم ارادته للامتثال فلا حکم للعقل بوجوب المقدمة من دون ارادة ذيها.
اما ثمرات القول بوجوب المقدمة الموصلة، فنقول: يترتّب على هذا القول ثمرتان:
ص: 345
لو انحصرت المقدّمة في المحرّم منها، كما إذا توقّف إنقاذ الغريق على سلوك أرض مغصوبة، فعلى القول بوجوب مطلق المقدّمة، تزول عنها الحرمة و يتّصف السلوك بالوجوب، سواء أ كان موصلًا أم لم يكن كما لو كان سلوكها لأجل التنزّه.
و على القول بوجوب خصوص المقدّمة الموصلة، لا تزول الحرمة إلّا إذا توصّل بسلوكها إلى إنقاذ الغريق، فلو لم يتمكّن في النهاية من الإنقاذ كانت باقية على حرمتها واقعاً، جائزة له ظاهراً.
و على القول باشتراط قصد الامتثال لا تزول الحرمة إلّا بقصد الإنقاذ.
و على القول بعدم وجوب المقدّمة من رأس، يبقى السلوك على حرمته، و لا ترتفع الحرمة إلّا بمقدار الضرورة، و هو ما يتمكّن به من الإتيان بالواجب.
و هي انّه إذا كانت العبادة مزاحمة لواجب أهم كالصلاة عند الابتلاء بأمر أهم منها كإزالة النجاسة عن المسجد، فعلى القول بوجوب مطلق المقدّمة تبطل الصلاة و لا تبطل على القول بوجوب المقدمة الموصلة.
و هذه الثمرة تبتني على أُمور أربعة:
1. ترك الضد مقدّمة لفعل الضد الآخر.
2. مقدّمة الواجب واجبة.
3. انّ الأمر بالشي ء يقتضي النهي عن ضده العام، و هو النقيض.
4. انّ هذا النهي موجب لفساد العبادة.
ص: 346
و عندئذ يقال: ان ترك الصلاة مقدّمة للإزالة بحكم الأمر الأوّل, و ترك الصلاة واجب بحكم الأمر الثاني، أي الملازمة بين وجوب المقدّمة و ذيها, و إذا كان ترك الصلاة واجباً ففعلها حرام بحكم الأمر الثالث, و النهي المتعلّق بالصلاة موجب للفساد بحكم الأمر الرابع.
فإذا قلنا بوجوب مطلق المقدّمة تكون النتيجة بطلان الصلاة، حيث إنّ مقدّمية ترك الصلاة توجب وجوبها، و وجوب الترك يوجب حرمة الصلاة التي هي ضد الواجب (ترك الصلاة) و هي تستلزم بطلانها.
و أمّا إذا قلنا بوجوب المقدّمة الموصلة فلا يكون ترك الصلاة واجباً، بل الواجب هو ترك الصلاة الموصل للإزالة، و بما أنّ المكلّف غير قاصد للإزالة فلا يكون ترك الصلاة في هذا الظرف واجباً حتّى يكون نقيضه حراماً، و معه لا يكون فاسداً.
و لكن هذه الثمرة باطلة من أساسها لابتنائها على المقدّمات الأربع و التي هي محل مناقشة بل اکثرها محل منع كما سيأتي في مبحث الضد، و مع ذلك فقد اعترض الشيخ الأنصاري على الثمرة الثانية.
ذهب الشيخ الأنصاري إلى بطلان الثمرة الثانية على القول بالموصلة، و انّ الصلاة إمّا صحيحة على كلا القولين أو باطلة علی کلا القولين، و قبل الدخول في کلام الشيخ لابد من تحديد معنی النقيض فنقول: اختلفت كلمة المنطقيّين في تعريف النقيض، فقال بعضهم:
ص: 347
1. نقيض كلّ شي ء رفعه، فنقيض الإنسان، هو اللاإنسان، و نقيض الثاني هو رفع اللاإنسان، و على هذا يختصّ النقيض بالأمر السلبي.
2. نقيض كلّ شي ء رفعه أو هو المرفوع، فنقيض الإنسان هو اللاإنسان، و نقيض الثاني هو الإنسان الذي هو المرفوع.
و على هذا فالمقدّمة للإزالة في المقام هو: ترك الصلاة, و نقيضه الذي يطلق عليه الضد العام على التعريف الأوّل هو رفع ترك الصلاة، و على التعريف الثاني هو نفس الصلاة.
إذا عرفت هذا فإليك بيان الشيخ في بطلان الثمرة بما هذا توضيحه:
لو قلنا بأنّ نقيض كلّ شي ء و ضدّه العام عبارة عن الرفع. فنقيض «ترك الصلاة» أو «ترك الصلاة الموصل» عبارة عن رفعهما لا نفس الصلاة، و تتعلّق الحرمة برفع ترك الصلاة المطلق أو المقيّد بالموصل، لا بالصلاة التي هي تقارن النقيض، غاية الأمر انّ لنقيض «الترك المطلق» أعني: رفع الترك المطلق مقارناً واحداً و هو الصلاة، و لنقيض «الترك الموصل» أعني: رفعذلك الترك الموصل مقارنان: أوّلهما الترك المجرّد بأن لا يصلّي و لا يزيل النجاسة، و ثانيهما إقامة الصلاة، فلا يصحّ الحكم بالبطلان على الأوّل، و الصحّة على الثاني، بل يجب أن يحكم بالصحّة على كلا القولين.
و لو قلنا بالرأي الثاني من انّ النقيض أعمّ من الرفع و المرفوع فنقيض ترك الصلاة المطلق، أو الترك الموصل، هو نفس الصلاة فتكون باطلة على كلا القولين لتعلّق النهي به بعنوان النقيض و الضد العام.
ص: 348
ذهب المحقّق الخراساني إلى ترتّب الثمرة على القول بالموصلة و عدمه في صورة واحدة و هو أن يكون نقيض كلّ شي ء هو رفعه فنقيض الترك المطلق أو الترك الموصل هو رفعهما لا الصلاة، و انّ الصلاة من مقارنات النقيض على كلا القولين، و مع ذلك، فرق عرفاً بين مقارن و مقارن.
و ذلك لأنّ نسبة الصلاة إلى الترك المطلق، كنسبة النقيض إلى ذات الشيء، لما عرفت من أنّه ليس للنقيض الواقعي رفع الترك المطلق إلّا مقارن واحد، و لذلك يعدّ ذلك المقارن للنقيض الواقعي، نقيضاً عرفاً فتكون الصلاة محرّمة أخذاً بالقاعدة: إذا كان الشي ء واجباً يعني ترك الصلاة المطلق, يكون ضدّه العام أو نقيضه محرّماً، فتكون الصلاة باطلة لأجل حرمتها.
و هذا بخلاف نسبة الصلاة إلى الترك الموصل، فليس كلّ من الفعل و الترك المجرّد نقيضاً له عرفاً، لامتناع تعدّد النقيض، و لا الجامع بينهما نقيضاً لامتناع الجامع بين الوجود و العدم، فينحصر نقيضه برفع الترك الموصل، و يكون كلّ من الفعل و الترك المجرّد، من مقارناته، حيث إنّ رفع الترك المطلق، تارة ينطبق على الفعل، و أُخرى على الترك المجرّد، و الحرمة لا تسري من الشي ء (رفع الترك الموصل) إلى مقارناته.
قلت: و لا خلاف بين العلمين الّا في نقطة واحدة و هي ان النقيض اذا انحصر بالمقارن فالمقارن هو النقيض عرفا, و لو تعدد فليس هو النقيض کما عند المحقق الخراساني بخلاف الشيخ فکلاهما مقارنان, و الحق مع الشيخ لان مبنی المسألة عقلي و لا علاقة له بالعرف .
و اما ثمرات القول بوجوب مطلق المقدّمة فهي:
ص: 349
هذه الثمرة هي التي ذكرها المحقّق الخراساني و جعلها ثمرة للمسألة الأُصولية و قال: إنّه على القول بالملازمة بين الوجوبين يستنتج وجوب المقدّمات في الواجبات و حرمتها في المحرّمات، و على هذا تكون المسألة (وجوب المقدّمة) مسألة أُصولية لوقوعها في استنباط الحكم الشرعي الكلّي.
قلت: و هذه الثمرة تامة علی القول بالملازمة.
إذا تعلّق النذر بالإتيان بالواجب، فلو قلنا بوجوب المقدّمة يكفي الإتيان بها، و إلّا فلا بدّ من الإتيان بواجب نفسي.
و فيه: أنّ الوفاء بالنذر تابع لكيفية النذر، فإن كان متعلّقه هو الواجب النفسي فلا يتحقّق الوفاء بالنذر و إن قلنا بوجوب المقدمة, و إن كان متعلّقه هو الواجب الأعم من الشرعي و العقلي، يصدق الوفاء بالنذر، و إن لم نقل بوجوب المقدّمة شرعاً، و ذلك لأنّ الوجوب العقلي للمقدّمة أمر غير منكر، و المفروض أنّ متعلق النذر أوسع.
نعم لو كان متعلّق النذر الأعم من الواجب الشرعي و العقلي و من الشرعي الأعم من النفسي و الغيري، فلو أتى بالمقدّمة فقد وفى بنذره.
مضافا الی أنّ تلك الثمرة انما تترتّب على القول بوجوب مطلق المقدّمة، و أمّا على القول بوجوب المقدّمة الموصلة فحيث إنّ وصف الإيصال لا ينفك عن الإتيان
ص: 350
بالواجب النفسي، فيصدق الوفاء سواء أقلنا بوجوب المقدّمة أم لا، لأنّ المفروض انّ الإتيان بالمقدّمة لا ينفك عن الإتيان بذيها.
إذا أمر شخص ببناء بيت، فأتى المأمور بالمقدّمات ثمّ انصرف الآمر، فعلى القول بأنّ الأمر بالشي ء أمر بمقدّمته، يصير ضامناً لها، فيجب على الآمر دفع أُجرة المقدّمات و إن انقطع العمل بعدها.
و فيه: أنّ الآمر ضامن، و إن لم يكن الأمر بالشي ء أمراً بالمقدّمة، لأنّه لمّا أمر بذيها و صار ذلك الأمر مبدأ لاشتغال العامل بالمقدّمات صار ضامناً، و يكفيفي الضمان كون الأمر بذيها سبباً للاشتغال بالمقدّمة و إن كان الأمر بذي المقدمة فاقداً للدلالة على الإتيان بمقدّمته علی القول بعدم الملازمة .
قيل: و من الثمرات المترتّبة على وجوب المقدّمة، حرمة أخذ الأُجرة على إنجازها علی القول بوجوب المقدّمة وجوباً شرعيّاً للتنافي بين الوجوب و الاستئجار.
و فيه: ان الدليل الدال علی حرمة اخذ الاجرة علی الواجبات من کونه مستحقا لله جل و علا لا يعم الواجبات الغيرية التي وجبت لاجل امتثال الغير, فهذه الثمرة ساقطة.
لو قلنا بوجوب المقدّمة و كان للواجب مقدمات كثيرة يحصل الفسق بترك مقدّمتين، لحصول الإصرار بتركهما.
ص: 351
و فيه: ان وجوب المقدمة حيث کان لاجل امتثال ذي المقدمة فلا يعد شيئا خارجا عن ذي المقدمة لان وجوبه لاجل الغير, فعصيانه عصيان لامتثال الامر النفسي و هو حرام واحد بناء علی عدم حصول الفسق به.
هذا و أورد عليه المحقّق الخراساني: انّه بترك المقدّمة الأُولى يسقط وجوب ذيها بالعصيان، و مع سقوطه لا تكون الثانية أو الثالثة من المقدّمات واجبة حتّى يصدق العصيان بتركهما.
لو قلنا بوجوب المقدّمة مطلقاً، يلزم فيما إذا كانت محرّمة اجتماع الأمر النهي، بخلاف ما لو لم نقل بالوجوب، فلا يكون في المورد إلّا النهي.
و أورد عليه المحقّق الخراساني وجوهاً ثلاثة:
الاول: ان عنوان المقدّمة تعليلي و توضيحه: أنّ مقدّمة الواجب و مسألة اجتماع الأمر و النهي مختلفتان موضوعا، و ذلك لأنّ موضوع مسألة الاجتماع هو ما له جهتان تقييديّتان، يتعلّق الأمر بإحداهما و النهي بالأخرى، كالصلاة في المغصوب، فإنّها مأمور بها من جهة الصلاتيّة، و منهي عنها من ناحية الغصبيّة. و هذا بخلاف مقدّمة الواجب، فإنّ عنوان المقدّميّة ليس من الجهات التقييديّة، بل التعليليّة، لأنّ معروض الوجوب المقدّمي هو ذات المقدّمة، كالوضوء الّذي هو بذاته واجب غيريّ، لا بعنوان كونه مقدّمة، فالمقدّميّة علّةلعروض الوجوب على الوضوء مثلا (في المغصوب). و عليه: فليس في مقدّمة الواجب جهتان تقييديّتان حتى يتعلّق الأمر بإحداهما، و النهي بالأخرى.
ص: 352
فلا تندرج مقدّمة الواجب في مسألة اجتماع الأمر و النهي، بل تندرج في مسألة النهي عن العبادة إن كانت المقدّمة عبادة، و في النهي عن المعاملة إن كانت معاملة، إذ الأمر و النهي يتعلّقان بعنوان واحد- كالوضوء في المثال- و إن كان ملاكهما متعدّدا، فإنّ تعدّد الملاك لا يوجب انثلام وحدة عنوان معروض الحكم، فمقدّمة الواجب أجنبيّة عن مسألة اجتماع الأمر و النهي، لاختلافهما موضوعا. و تكون من صغريات مسألة النهي عن العبادة، أو المعاملة(1).
قال المحقق السيد المروج رحمه الله: و اجابه المحقق النائيني رحمه الله بان المقام من صغريات مسألة الاجتماع، لا مسألة النهي عن العبادة، أو المعاملة, بتقريب: أنّ صغرويّة المقدّمة المحرّمة لمسألة الاجتماع- بناء على وجوب المقدّمة- لا تتوقّف على تعلّق الطلب الغيري بعنوان المقدّمة، بداهة كفاية انضمام عنوان ذي حكم تحريميّ إلى عنوان ما هو مقدّمة بالحمل الشائع في تحقّق صغرى من صغريات مسألة الاجتماع، لانطباق عنوانين عليه. مثلا: المسير إلى الحج في أرض مغصوبة ينطبق عليه عنوانان: أحدهما: السير، و هو واجب، لمقدّميّته للحج، و الآخر: التصرّف في مال الغير بدون إذنه، و هو حرام، فيندرج هذا السير باعتبار العنوانين المزبورين في باب اجتماع الأمر و النهي.
نعم إذا فرض تعلّق النهي بنفس ما ينطبق عليه عنوان المقدّمة، كما إذا تعلّق النهي بنفس عنوان الوضوء الّذي هو مقدّمة، كان ذلك من صغريات مسألة النهي عن العبادة أو المعاملة، و أجنبيّا عن مسألة الاجتماع.
ص: 353
و بالجملة: فصغرويّة المقدّمة المحرّمة- بناء على وجوب المقدّمة- لكبرى مسألة اجتماع الأمر و النهي لا تنافي كون عنوان المقدّمة من الجهات التعليليّة، فتصح هذه الثمرة و لو بنحو الإيجاب الجزئي.
و الإشكال عليه: بما في حاشية العلامة الأراكي (قده): «من عدم تعدّد العنوان حتى يندرج المقدّمة المحرّمة في مسألة الاجتماع، بل متعلق الوجوب و الحرمة فيها واحد، فتكون من صغريات النهي عن العبادة، أو المعاملة. توضيحه: أنّ من المعلوم كون المقدّمة عنوانا مشيرا إلى ما يكون بخصوصيّته الوجوديّة كالوضوء للصلاة، و الطواف الواجب، و السير للحج مقدّمة للواجب. و أمّامتعلّق النهي، فهو و إن كان نفس الطبيعة على ما هو شأن القضايا الحقيقيّة، لكن لا بما هي هي، بل بما هي مرآة للخارج، فيكون متعلق النهي نفس السير، أو الوضوء مثلا الّذي هو المقدّمة أيضا، فمتعلق الأمر و النهي نفس السير، و هو واحد، و ليس هذا إلّا صغرى من صغريات النهي عن العبادة، أو المعاملة، فما أفاده في الكفاية متين، دون ما في التقرير المنسوب إلى المحقق النائيني قده» مما لا يمكن المساعدة عليه:
أما أوّلا: فلأنّ حمل العناوين المأخوذة في حيّز الخطابات على المشيريّة دون الموضوعيّة يوجب لغويّة تلك العناوين، و عدم إناطة الأحكام بها، و هو خلاف ظاهرها من الموضوعيّة.
و أمّا ثانيا: فلاستلزامه إنكار القضايا الحقيقيّة في الشرعيات، لصيرورتها حينئذ من القضايا الخارجيّة.
و أمّا ثالثا: فلاستلزامه اعتبار قصد القربة بالنسبة إلى الخصوصيّات و اللوازم الوجوديّة الّتي يتوقّف عليها وجود العبادة، حيث إنّ الشي ء ما لم يتشخّص لم يوجد، فيجب نيّة
ص: 354
القربة في كلّ خصوصيّة من زمان و مكان، و غيرهما في الصلاة مثلا، إذ المفروض وقوع جميع اللّوازم الوجوديّة في حيّز الخطاب، مع أنّه تشريع محرّم قطعا.
و توهم: أنّ الموجب للالتزام بكون الطبائع مرائيا للأفراد الخارجيّة، و أنّ متعلّقات الأحكام حقيقة هي نفس الأفراد هو: قيام المصالح و المفاسد الّتي هي دواعي التشريع بالأفراد الخارجيّة، لا بالطبائع من حيث هي هي، فاسد، لأنّ الملاكات الداعية إلى التشريع قائمة بوجودات الطبائع مع الغضّ عن اللّوازم الوجوديّة و إن كانت هي علّة لتلك الوجودات، لكنها غير ملحوظة في مقام التشريع(1).
و اجيب ايضا: بأنّ ما ذكره من أنّ عنوان المقدّمة عنوان تعليلي، لا يستقر الحكم عليه بل يسري إلى الموضوع، و إن كان صحيحاً لكن المورد مع ذلك لا يكون من قبيل النهي في العبادات، و ذلك لأنّ النهي تعلّق بالغصب و الأمر في الظاهر بالعنوان أي المقدّمة، ثمّ يسري الحكم منه إلى الموضوع و هو نفس الوضوء، أو نفس السير أو نفس الركوب، لا قسم المغصوب منها، و النسبة بين العنوانين عموم و خصوص من وجه، و لا يسري الحكم من العنوان إلىالوضوء بالماء المغصوب، أو السير بالمركب المغصوب، و إلّا لجاز ارتكاب مثل ذلك في قوله: لا تغصب، و صلّ. و يقال أيّ صلّ في المغصوب. و بالجملة، خصوصية المورد لا يؤخذ في لسان الدليل، و على ذلك فالثمرة صحيحة(2).
الثاني: الوجوب مختص بغير الحرام في صورة عدم الانحصار
ص: 355
و حاصله: أنّه لا يلزم اجتماع الوجوب و الحرمة في المقدّمة المحرّمة حتى على القول بالوجوب و ذلك لأنّ المقدّمة إن كانت منحصرة في الفرد المحرّم منها، كانحصار المركوب في الدّابّة المغصوبة مثلا، فلا محالة تقع المزاحمة حينئذ بين وجوب ذي المقدّمة كالحج في المثال، و بين حرمة مقدّمته كالركوب , فعلى تقدير أهميّة وجوب الحج من حرمة مقدّمته لا تتّصف إلّا بالوجوب، فلا حرمة لها حتى تتّصف بالوجوب و الحرمة معا. و على تقدير أهميّة حرمة المقدّمة من وجوب الحج لا تتّصف المقدّمة إلّا بالحرمة, فعلى کلا التقديرين: لا يجتمع الوجوب و الحرمة في المقدّمة حتى تندرج في مسألة اجتماع الأمر و النهي.
و مع عدم الانحصار يكون الواجب هو غير المقدّمة المحرّمة، كالماء المباح، و المركب غير المغصوب فلا يكون هنا إلّا الأمر.
و فيه: أنّه صحيح في صورة الانحصار حيث يكون التقدم لأحد الأمرين، لئلا يلزم التكليف بالمحال, دون صورة عدم الانحصار فانّ القائل بالاجتماع لا يقول باختصاص الوجوب بغير المحرم، بل يقول إنّ كلاً من الإطلاقين محفوظ و مصون من التقييد، فالأمر بالتوضّؤ مطلق يعم التوضّؤ بالماء المغصوب و غيره، كما أنّ النهي عن الغصب يعمّ الغصب المقدّمي و غيره. و عليه فالثمرة صحيحة.
الثالث: وجوب المقدّمة لا مدخلية له فيما هو المهم في باب المقدّمة
قال في الکفاية: أنّ الاجتماع و عدمه لا دخل له في التوصّل بالمقدّمة(1).
ص: 356
اقول: الصحيح أن يقال: الوجوب و عدمه لا دخل له في التوصّل الخ. لانه هو المقصود بالبحث, و توضيح ذلک انه على کلا التقديرين لا يجتمع الوجوب و الحرمة في المقدّمة حتى تندرج في مسألة اجتماع الأمر و النهي.
و حاصله: أنّه - بعد تسليم صغروية المقدّمة المحرّمة لمسألة الاجتماع- لا يجدي ذلك، و لا يترتّب على صغرويّتها لها ثمرة عمليّة أصلا، و ذلك لأنّ المقدّمة إمّا توصليّة، و إمّا تعبّديّة.
فعلى الأوّل: يمكن التوصل بالمقدّمة من غير فرق بين القول باجتماع الأمر و النهي و عدمه، لأنّ التوصّل بها إلى ذي المقدّمة ذاتيّ، و غير مستند إلى الأمر بها، ففائدة المقدّمة- و هي: التوصّل إلى ذي المقدّمة الموجب لسقوط الأمر به- تترتّب عليها على كل حال سواء قيل بوجوب المقدّمة أم لا، و سواء قيل بجواز الاجتماع على القول بوجوبها، أم قيل بالامتناع. فلا يترتّب على اندراج المقدمة المحرمة- بناء على الملازمة بين وجوبي المقدّمة و ذيها- في مسألة الاجتماع أثر عملي، و هو سقوط أمر ذيها بناء على امتناع الاجتماع.
و على الثاني (و هو: كون المقدّمة تعبّديّة) ففائدة المقدّمة- و هي التوصل بها إلى ذيها- لا تترتب عليها إذا كانت محرّمة سواء أ كانت المقدّمة واجبة مع القول بامتناع الاجتماع، أم لم تكن واجبة، فإنّ الحرمة مانعة عن التعبّد بها، فيمتنع التوصّل بها إلى ذي المقدّمة. كما أنّه يجوز التوصل بها إلى ذيها مع القول بجواز الاجتماع، من دون فرق في ذلك بين القول بوجوب المقدّمة و عدمه.
و بالجملة: ففي المقدمة العباديّة أيضا لا مانع من التوصل بها- بناء على جواز اجتماع الأمر و النهي- من غير فرق في ذلك بين وجوب المقدمة و عدمه. كما أنّه- بناء على
ص: 357
امتناع الاجتماع- يمتنع التوصّل بها مطلقا سواء أقلنا بوجوب المقدمة أم لا، فالملازمة و عدمها سيّان بالنسبة إلى التوصّل الّذي هو المهم من المقدمة.
ثمّ إنّ مجرى الأصل إمّا يکون في المسألة الأُصولية أو المسألة الفقهية، و المراد من المسألة الأُصولية هو الملازمة بين الوجوبين، كما أنّ المراد من المسألة الفقهية هو وجوب المقدّمة و عدمه.
اما حكم الأصل في المسألة الأُصولية فذهب المحقّق الخراساني إلى أنّه لا أصل في المسألة الأُصولية، بالبيان التالي: إنّ الملازمة بين وجوب المقدّمة و وجوب ذي المقدّمة و عدمها ليست لها حالة سابقة، بل تكون الملازمة أو عدمها أزلية.
فإن قلت: يمكن استصحاب عدم الملازمة بالنحو التالي: لم تكن ملازمة بين وجوب الصلاة و وجوب مقدّمتها عند ما لم يكن أيّ تشريع بالنسبة إليها، و لكن نشك في بقاء عدم الملازمة بعد تشريع الوجوب لذيها و عدمه و الأصل بقاؤه.
و فيه: إنّ هذا الاستصحاب مثبت و حجّيته خلافية، اما کونه مثبتا فلأنّ المستصحب هو عدم الملازمة عند ما لم يكن أيَّ وجوب للصلاة، و الحال أنّ المشكوك هو بقاء ذلك العدم بعد كتابة الوجوب عليها، فاستصحاب الأمر الأوّل يعني عدم الملازمة قبل وجوب الصلاة لإثبات الأمر الثاني يعني عدمها بعد وجوب الصلاة من أقسام الأصل المثبت, لانّه من لوازمه العقلية.
ص: 358
و هناك دليل آخر على خروج المسألة الأُصولية عن مجرى الأصل لم يشر إليه المحقّق الخراساني في كفايته و حاصله: إنّ الملازمة بما هي هي ليست حكماً شرعياً و لا مبدأ لحكم شرعي، فلا تقع مصبّاً للاستصحاب، لأنّه يشترط في المستصحب أن يكون حكماً شرعياً كوجوب الشي ء أو حرمته أو موضوعاً لحكم شرعي كما في الاستصحابات الموضوعية كاستصحاب الكرّية و استصحاب حياة زيد، و الملازمة بين الوجوبين ليست من قبيل واحد منهما.
فإن قلت: إنّ الملازمة موضوع لحكم شرعي، إذ على القول بالملازمة يستكشف منه الحكم الشرعي، فلو كان المستصحب وجود الملازمة يستكشف وجود الحكم الشرعي و لو كان عدمها يستكشف منه عدمه.
قلت: ما ذكرته و إن كان صحيحاً لكن يعوزه أنّ الحاكم بترتّب النتيجة في المقام على المقدّمة، هو العقل القاطع بالملازمة بين حكمي العقل و الشرع، و مثل هذا لا يخضع للاستصحاب، و إنّما يخضع له إذا كان الحاكم بالترتّب هو الشرع، فالمستصحب (الملازمة) و استكشاف الحكم الشرعي، و الحاكم بالاستصحاب، كلّها من أفعال العقل، و ما هذا حاله لا يصلح لأن يستصحب.
بخلاف ما إذا كان الحاكم بالترتّب هو الشرع كما في استصحاب الكرّية، يترتب عليها طهارة ما غُسِل فيه، لأنّ الحاكم بالترتّب هو الشرع الذي قال: الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي ء.
و فيه: ما سيأتي في الاستدلال علی الملازمة من کون مردها الی الحکم الشرعي.
ص: 359
و الأُصول المحتمل جريانها في المقام ثلاثة: البراءة العقلية، و البراءة الشرعية، و الاستصحاب.
أمّا البراءة العقلية فلا تنفع في المقام، لأنّ مجراها هو احتمال العقاب، و في المقام نقطع بعدم العقاب، سواء أ كانت المقدّمة واجبة أم لا، لما قلنا من أنّ امتثال الأمر الغيري يوجب الثواب و لكن تركه لا يوجب العقاب، فمع القطع بعدم العقاب فلا موضوع للبراءة العقلية.
و أمّا البراءة الشرعية فلا موضوع لها أيضاً، لأنّ شرط جريانها هو وجود الكلفة في الإيجاب، و الامتنان في الرفع، و كلاهما منفيّان، إذ لا كلفة في إيجاب المقدّمة لعدم ترتّب العقاب على تركها، كما لا امتنان في رفعها، لحكم العقل بوجوبها و لزوم الإتيان بها.
و أمّا الاستصحاب فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المرجع هو الاستصحاب فقال: نعم نفس وجوب المقدّمة مسبوق بالعدم حيث يكون حادثاً بحدوث وجوب ذي المقدّمة، فالأصل عدم وجوبها(1).
و فيه: أنّ الاستصحاب أصل عملي يجري فيما إذا كان هناك أثر عملي في مجراه، و لكنّه مفقود في المقام، إذ لا يترتّب على استصحاب وجوب المقدّمة أثر عملي لحكم العقل بلزوم الإتيان بها و إن لم يحكم الشرع بوجوبها. و بعبارة اخری: إنّ الحكم بعدم وجوبها شرعاً بعد حكم العقل بوجوبها يجعل الاستصحاب بلا أثر، و الاستصحاب من الأُصول العملية المجعولة لتعيين وظيفة المكلّف من حيث العمل، فإذا لم تكن هناك فائدة في مورد العمل فجريانه لغو.
ص: 360
استدلّ على وجوب المقدمة بوجوه:
الأوّل: لزوم التكليف بما لا يطاق لو لم تجب
استدلّ أبو الحسين البصري مؤلف المعتمد في أُصول الفقه, من مشايخ المعتزلة(1) بأنّه لو لم تجب المقدّمة لجاز تركها و حينئذٍ فإن بقي الواجب على وجوبه لزم التكليف بما لا يطاق و إلّا خرج الواجب المطلق عن كونه واجباً مطلقاً.
و اجاب عنه في الکفاية فقال: «و فيه - بعد اصلاحه بإرادة عدم المنع الشرعي من التّالي في الشرطيّة الأولى، لا الإباحة الشرعيّة، و إلّا كانت الملازمة واضحة البطلان، و إرادة الترك عمّا أضيف إليه الظرف، لا نفس الجواز، و إلّا فمجرّد الجواز بدون الترك لا يكاد يتوهّم معه صدق القضية الشرطية الثانية - ما لا يخفى فإنّ الترك بمجرّد عدم المنع شرعا لا يوجب صدق إحدى الشرطيّتين، و لا يلزم منه أحد المحذورين، فإنّه و إن لم يبق له وجوب معه، إلّا أنّه كان ذلك بالعصيان، لكونه متمكّنا من الإطاعة و الإتيان، و قد اختار تركه بترك مقدّمته بسوء اختياره، مع حكم العقل بلزوم إتيانها إرشادا إلى ما في تركها من العصيان المستتبع للعقاب»(2).
ص: 361
و توضيحه: انه ينبغي التكلّم في مقامين, في إصلاح الدليل المذکور بنحو يندرج في البراهين التي لها صورة، ثمّ التعرض لما يرد عليه من الإشكال.
أمّا الأوّل، فملخص الكلام فيه: أنّ ظاهر قول المستدل: «لجاز تركها» لما كان واضح البطلان، إذ لا ملازمة بين الشرط- و هو: عدم وجوب المقدّمة شرعا- و بين الجزاء- و هو جواز الترك بمعنى إباحته شرعا-، ضرورة أنّ انتفاء الوجوب لا يقتضي خصوص الإباحة الشرعيّة، بل- بناء على عدم خلوّها عن الحكم الشرعي- يتردّد بين الأحكام الأربعة الباقية. و بناء على إمكان خلوّها عن الحكم لا مانع من عدم الحكم الشرعي، فإيجاب ذي المقدّمة لا يجتمع معالحكم على المقدّمة بما يضاد إيجاب ذيها، فلا حكم للمقدّمة شرعا، بل لا بدّ من الرجوع إلى حكم العقل بلزوم الإتيان بها.
و إن شئت فقل: إن عدم وجوب المقدّمة شرعا لا يقتضي إباحتها شرعا، و إلّا لم تصدق القضيّة الشرطيّة، فالمراد بجواز الترك عدم المنع الشرعي، لا الإباحة الشرعيّة. و حينئذ تصدق الشرطيّة، ضرورة وجود الملازمة بين نفي الوجوب عن فعل المقدّمة، و بين عدم المنع شرعا من تركها.
فالمتحصل: أنّ المقدّمة الّتي يحتاج إليها في إصلاح الشرطيّة الأولى و هي: «لو لم تجب المقدّمة، لجاز تركها» هي: إرادة عدم المنع الشرعي من قوله: «لجاز تركها»، لا الإباحة الشرعيّة، و إلّا كانت القضيّة كاذبة، لوضوح بطلان الملازمة بين عدم الوجوب الشرعي، و الجواز الشرعي بمعنى الإباحة.
و أما المقدّمة التي يحتاج إليها في إصلاح الشرطيّة الثانية- و هي قوله: «فان بقي الواجب على وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق»- فهي: إرادة الترك ممّا أضيف إليه الظرف أعني: «حينئذ» لا إرادة نفس الجواز، لأنّ إرادته مع إيجاب الإتيان بذي
ص: 362
المقدّمة لا توجب التكليف بما لا يطاق، فتكون هذه الشرطيّة كاذبة، و صدقها يتوقّف على إرادة الترك ممّا أضيف إليه الظرف, و بهذين الإصلاحين تصدق كلتا الشرطيّتين.
و اما الثاني فحاصله: إنّ الترك بمجرّد عدم المنع شرعا لا يوجب صدق إحدى الشرطيّتين، و لا يلزم منه أحد المحذورين، فإنّه و إن لم يبق له وجوب معه الا انه يترتّب عليه أمر ثالث، و هو سقوط الوجوب لأجل العصيان لكونه متمكّناً من الإطاعة و قد تركها عالماً عامداً، فانّ الشرع و إن لم يُوجِب المقدمة و لكنّه لم يُحرّمها، و العقل يبعث الإنسان إلى الإتيان بها فيكون الترك معصية بلا ريب.
الثاني: قضاء الوجدان بالوجوب
إنّ الوجدان أقوى شاهد على أنّ الإنسان إذا أراد شيئاً له مقدّمات أراد تلك المقدّمات لو التفت إليها، بحيث ربّما يجعلها في قالب الطلب مثله و يقول مولويّاً: ادخل السوق و اشتر اللحم مثلًا، بداهة انّ الطلب المنشأ بخطاب: ادخل مثل المنشأ بخطاب: اشتر, في كونه بعثاً مولويّاً و انّه حيث تعلّقت إرادته بإيجادعبده الاشتراء ترشحت منها له إرادة أُخرى بدخول السوق بعد الالتفات إليه و أنّه يكون مقدّمة له(1).
و فيه: بأنّ الوجدان شاهد على خلافه، فانّ الإنسان لا يجد في نفسه إلّا إرادة واحدة متعلّقة باشتراء اللحم، و أمّا أمره بدخول السوق فإمّا من جهة الإرشاد إلى المقدمية إذا كان العبد غير عارف على محل شرائه، أو قد يکون تأكيدا لطلب الاشتراء.
و الشاهد على ذلك انّه لو جعل المولى جعالة لامتثال أوامره و قال: أدخل السوق و اشتر اللحم، فدخل العبد السوق و اشترى اللحم فلا يراه العقلاء إلّا مستحقاً لجعل واحد في مقابل شراء اللحم.
ص: 363
الثالث: وزان الإرادة التشريعية كالتكوينية
و حاصله: انّه لا فرق بين الإرادة التكوينية و التشريعية في جميع لوازمهما، غير أنّ التكوينية تتعلّق بفعل نفس المريد، و التشريعية تتعلّق بفعل غيره، و من الضروري أنّ تعلّق الإرادة التكوينية بشي ء يستلزم تعلّقها بجميع مقدّماته قهراً.
نعم لا تكون هذه الإرادة القهرية فعلية، فيما إذا كانت المقدّمية مغفولًا عنها، إلّا أنّ ملاك تعلّق الإرادة بها، و هو المقدّمية، على حاله، فإذا كان هذا حال الإرادة التكوينية فتكون الإرادة التشريعية مثلها أيضاً(1).
و اجيب: أوّلًا: أنّ وصف الإرادة التكوينية بأنّها تتعلّق بفعل النفس و الإرادة التشريعية تتعلّق بفعل الغير، ليس بتام، بل الإرادة مطلقاً لا تتعلّق إلّا بفعل النفس، و ذلك لأنّها لا تتعلّق إلّا بأمر واقع في إطار اختيار المريد، و ليس هو إلّا فعل نفسه، و أمّا فعل الغير فهو خارج عن اختيار المريد، فكيف تتعلّق به إرادته؟! و لأجل ذلك قلنا بأنّ الإرادة التشريعية تتعلّق بإنشاء البعث و هو أمر صادر عن المريد، و الغاية منه تحريك الغير إلى العمل، فتحريكه إلى العمل غاية و ليس متعلّقاً للإرادة.
و ثانياً: انّ الغاية من الإرادة التكوينية قيام نفس المريد بالفعل، و إرادته لا تنفك عن إرادة مقدّماته، فلذلك تتعلّق إرادتان تكوينيتان بالفعل و مقدّماته.
و هذا بخلاف الأوامر التشريعية فانّ الغاية هناك إيجاد الداعي و الباعث في ذهن المكلّف إلى نفس العمل، و هو حاصل بإيجاب ذيها من دون إيجاب مقدّمته(2).
الرابع: وجود الأوامر الغيرية في الشريعة
ص: 364
إنّ وجود الأوامر الغيرية في الشريعة دليل واضح على وجود المناط في المقدّمة لتعلّق الوجوب فإذا تعلّق الوجوب في مورد بهذا المناط يستكشف وجوده في عامة المقدمات لوجود المناط فيها، قال المحقّق الخراساني: وجود الأوامر الغيرية في الشرعيات و العرفيات لوضوح انّه لا يكاد يتعلّق الأمر الغيري بمقدّمة إلّا إذا كان فيها مناطه، فإذا تعلّق الأمر بها، بهذا المناط، يتعلّق في مثلها ممّا لم يلتفت إليه أيضاً(1).
و فيه: أنّ الظاهر من الأوامر الغيرية في الشريعة هو الإرشاد إلى المقدّميّة لعدم علم المكلّف بالمقدّمة، فلاحظ الآيات التالية:
1. ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم﴾(2), و هي مسوقة لبيان شرطية العدلين في صحّة الطلاق، و لو لا الأمر بها لما عُلِمتْ شرطيّةُ الشهادة في صحة الطلاق. فيكون الأمر إرشاداً إلى الشرطيّة.
2. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن﴾(3).
3. ﴿وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾(4), و هما مسوقتان لبيان كيفية الوضوء و التيمّم، فيكون الأمر إرشاداً إلى الجزئيّة.
ص: 365
4. ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾(1), و هي في مقام بيان شرطية التبيّن للعمل بقول الفاسق.
5. ﴿إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُن﴾(2), و هي مسوقة لغاية العلم بإيمانهنّ حتّى لا يُرجعن إلى الكفّار.
6. و قوله عليه السلام: «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه»(3), و هو ارشاد الی نجاسة بول ما لا يؤکل لحمه. و بالجملة: لو لا أمر الشارع في هذه الموارد لما حصل العلم بالمأمور به و شرطه و شروطه.
الأقوى وجوب المقدّمة شرعاً، و ذلک لان حکم العقل بذلک هو في الواقع حکم الشرع ايضا و بذلك يعلم انه لا ملازمة بين وجوب المقدّمة و وجوب ذيها، بل ان حکم العقل هو حکم الشرع, فهنالک واقع و الکاشف عنه اما العقل و اما الشرع و لا تلازم بينهما بل کل منهما عين الاخر کما في دلالة الکتاب علی الحکم الشرعي او دلالة السنة فکلاهما کاشفان عن حکم الله الواقعي و الشاهد علی ذلک الاوامر الارشادية الواردة في ذلک مثل صحيح محمّد بن مسلمٍ عن أبي جعفرٍ عليه السلام «قال: لمّا خلق اللّه العقل استنطقه ثمّ قال له أقبل فأقبل ثمّ قال له أدبر فأدبر ثمّ قال و عزّتي و جلالي ما
ص: 366
خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك و لا أكملتك إلّا فيمن أحبّ أما إنّي إيّاك آمر و إيّاك أنهى و إيّاك أعاقب و إيّاك أثيب»(1), و هي واضحة الدلالة.
و مثل حديث هشام بن الحكم قال قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام «يا هشام إنّ اللّه تبارك و تعالى بشّر أهل العقل و الفهم في كتابه فقال ﴿فبشّر عباد الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه أولئك الّذين هداهم اللّه و أولئك هم أولوا الألباب﴾ يا هشام إنّ اللّه تبارك و تعالى أكمل للنّاس الحجج بالعقول و نصر النّبيّين بالبيان و دلّهم على ربوبيّته بالأدلّة - الی ان قال - يا هشام إنّ للّه على النّاس حجّتين حجّةً ظاهرةً و حجّةً باطنةً فأمّا الظّاهرة فالرّسل و الأنبياء و الأئمّة ^ و أمّا الباطنة فالعقول...»(2), و هي صريحة الدلالة.
و بما ذکرنا من ان حکم العقل هو حکم الشرع ايضا يعلم عدم تمامية ما أفاده المحقّق الخراساني من تصوير أنّ وجوب المقدّمة معلول لوجوب ذيها، و لذلك يكشف وجوبها آناً عن وجوب ذيها حيث قال: إنّ وجوب المقدّمة إنّما يكشف بطريق الإنّ عن سبق وجوب ذيها، لو كان وجوبها ناشئاً عن وجوبه، و إرادتها ناشئة من إرادته(3).
ص: 367
هذا و قد يفصّل بين السبب و الشرط، فيقال: انّ السبب واجب عند الأمر بالمسبّب، لأنّ المقدور هو السبب دون المسبب، ففي مسألة الإحراق، المقدور هو الإلقاء، فلو أمر المولى بالإحراق ينصرف الأمر إلى السبب، أعني: الإحراق.
و اجاب عنه المحقق الخراساني فقال: و لا يخفى ما فيه من أنّه ليس بدليل على التفصيل، بل على أنّ الأمر النفسيّ إنّما يكون متعلّقا بالسبب، دون المسبّب. مع وضوح فساده، ضرورة أنّ المسبّب مقدور للمكلّف، و هو متمكّن عنه بواسطة السبب، و لا يعتبر في التكليف أزيد من القدرة، كانت بلا واسطة أو معها(1).
مضافا الی أنّ لازم ما ذكره هو كون السبب - الإلقاء - واجباً نفسياً لا غيرياً، و هو خلاف المفروض.
ربّما يفصّل بين الشرط الشرعي كالوضوء، و الشرط العقلي كمحاذاة القطن للنار عند الأمر بالإحراق، فيحكم بوجوب الأوّل دون الثاني قائلًا بأنّه لو لا وجوبه لما كان شرطاً.
و أورد المحقق الخراساني على الدليل المذكور بايرادين:
أحدهما: و حاصله رجوع الشرعيّة إلى العقليّة, و ذلك لأنّ للشرط مطلقا معنى واحدا، و هو: ما ينتفي المشروط بانتفائه، فشرعيّته إنّما هي لأجل عدم إدراك العقل دخله في المشروط، و كون التنبيه على شرطيّته منحصرا ببيان الشارع، و بعد البيان صار كسائر الشروط العقليّة الّتي يوجب انتفاؤها انتفاء المشروط. و على هذا، فالتفصيل بين الشرط
ص: 368
الشرعي و غيره لا مورد له، لأنّ كلّ شرط يرجع إلى الشرط العقلي، و الشروط العقليّة كلّها واجبة.
و ثانيهما: ما ملخصه: لزوم الدور من الدليل المزبور، و ذلك لأنّ كلّ حكم مترتّب على موضوعه، و متأخّر عنه تأخّر المعلول عن علّته، فلو توقّف الموضوع على حكمه لزم الدور. و على هذا يكون الحكم- و هو الوجوب الغيري- متأخّرا عن موضوعه, و هو الشرطيّة و المقدّميّة، فلو توقّفت المقدّميّة على الأمر الغيري- كما هو مقتضى دليل المستدل- كان ذلك دورا، لتوقّف الحكم على الموضوع، و بالعكس. و ببيان أوضح: لا يترشّح الأمر الغيري إلّا على ما هو مقدّمة، فلو توقّفت المقدّميّة على ذلك كان دورا باطلا بالضرورة(1).
اختلف الاعلام بناء على القول بالملازمة بين وجوب المقدّمة و وجوب ذيها في مقدّمة في مقدمات المستحب و المكروه و الحرام فهل هناك ملازمة بين مقدماتها و بينها، فيكون المشي إلى المسجد أو إلى الطلاق المكروه أو شرب الخمر الحرام، مستحباً أو مكروهاً أو حراماً حسب حكم ذيه، أو لا؟ علی أقوال حسب ما تقدم من اختلافهم في اي من المقدمات هو الواجب و نحن نکتفي هنا بقولين:
الأوّل: السريان مطلقاً على القول بالملازمة فلو قلنا بوجوب المقدّمة، أو المقدّمة الموصلة فلا محيص من القول به في مقدّمات الأحكام الثلاثة، لوحدة الملاك في الجميع، فانّ ملاك السريان في مقدّمة الواجب إمّا التمكّن و رفع الإحالة، أو كونه في
ص: 369
طريق المطلوب، و هذا الملاك بعينه موجود في مقدّمات الأحكام الثلاثة، فكلّ جزء من مقدّمات المستحب أو المكروه أو الحرام يمكّن المكلّف من الإتيان بذيه، كما أنّ كلّ جزء منه يقع في طريق المطلوب - المستحب أوالمكروه أو الحرام - و على ذلك فلا معنى للتبعيض مع أنّ الجميع من باب واحد(1).
و فيه: بالفرق بين الواجب و الحرام، فانّ الفعل الواجب لمّا كان متوقّفاً على كلّ جزء من أجزائه، فبالملازمة توصف كلّها بالوجوب، بخلاف الحرام فانّه يتوقف على تحقّق المبغوضية، و ربّما لا تکون جميع المقدمات مبغوضة، بل المبغوض ما هو المخرج للحرام إلى حيز الوجود فلا يسري إلى كلّ جزء من أجزاء المقدّمة، بل يتعلّق بخصوص المخرج للمبغوض عن العدم إلى الوجود, نعم لا فرق بين الواجب و المستحب و المکروه لوحدة المناط.
الثاني: التفصيل بين مقدمة المستحب و بين مقدمة الحرام و المکروه, قال في الکفاية: لا شبهة في أنّ مقدّمة المستحب كمقدّمة الواجب، فتكون مستحبة لو قيل بالملازمة»(2), و دليله هو وحدة المناط و هو: التوقّف و المقدّمية في كلّ من مقدّمتي الواجب و المستحب، و هذا المناط يقتضي الوجوب في مقدّمة الواجب، و الاستحباب في مقدّمة المستحب، إذ لا فرق في نظر العقل- بناء على الملازمة- بين كون طلب ذي المقدّمة وجوبيّا و بين كونه استحبابيّا. و اعتبار الإيصال و عدمه جار فيه أيضا.
ص: 370
ثم قال: «و أمّا مقدّمة الحرام و المكروه، فلا تكاد تتصف بالحرمة، أو الكراهة اذ منها ما يتمكّن معه من ترك الحرام أو المكروه اختيارا كما كان متمكّنا قبله، فلا دخل له أصلا في حصول ما هو المطلوب من ترك الحرام أو المكروه، فلم يترشّح من طلبه طلب ترك مقدّمتهما, نعم ما لم يتمكّن معه من الترك المطلوب لا محالة يكون مطلوب الترك، و يترشّح من طلب تركهما طلب ترك خصوص هذه المقدّمة، فلو لم يكن للحرام مقدّمة لا يبقى معها اختيار تركه لما اتّصف بالحرمة مقدّمة من مقدّماته»(1), و توضيحه کما في منتهی الدراية: أنّ المقدّمة على قسمين:
الأوّل: ما يتمكّن المكلّف مع فعلها من ترك الحرام أو المكروه، لعدم كونها علّة تامّة لوجود الحرام أو المكروه، و لا جزءً أخيرا من العلّة التامّة لوجودهما.
الثاني: ما لا يتمكّن مع فعلها من تركهما، لكونها علّة تامّة أو جزءا أخيرا منها لوجودهما.
فإن كانت المقدّمة من قبيل القسم الأوّل، فلا تكون حراما، إذ المفروض عدم كون فعلها مستلزما لفعل ذيها، لعدم كونها علّة تامّة و لا جزءا أخيرا منها لوجوده، فلا وجه لاتّصافها بالحرمة، لوضوح كونها فاقدة لملاك المقدّميّة، و هو توقّف ترك الحرام أو المكروه على تركها. فلو فرض أنّ المكلّف أتى بذي المقدّمة بعد ما أتى بهذه المقدّمة كان إتيانه به مستندا إلى سوء اختياره، لا إلى هذه المقدّمة. فلمّا لم يكن ترك هذه المقدّمة دخيلا في ترك الحرام أو المكروه، فلا يترشّح من طلب ترك الحرام أو
ص: 371
المكروه طلب غيريّ على ترك هذه المقدّمة، فلو أتى بجميع المقدّمات إلّا المقدّمة الأخيرة الّتي يترتّب عليها الحرام لم يأت بمحرّم، و لا يتّصف شي ء من تلك المقدّمات المأتيّ بها بالحرمة.
و السّر في ذلك: أنّ موضوع الوجوب الغيري هو ما يتوقّف عليه ذو المقدّمة، لأنّ مناط الوجوب الغيري هو التوقّف و المقدّميّة، ففي كلّ شي ء وجد هذا المناط يحكم بوجوبه مقدّميّا، و في غير مورد هذا المناط لا يحكم بالوجوب المقدّمي.
و في المقام، حيث إنّ هذا المناط يوجد في خصوص المقدّمة الّتي هي علّة تامّة لوجود الحرام أو المكروه، أو كالعلّة التامّة له يجب ترك خصوص هذه المقدّمة، دون غيرها من المقدّمات الّتي لا يوجد فيها هذا المناط, و وجهه واضح لا يحتاج إلى البيان، لكونه من القضايا الّتي قياساتها معها.
و إن كانت المقدّمة من قبيل القسم الثاني كانت حراما، لتوقّف التّرك الواجب على ترك هذه المقدّمة. و بذلک يتضح: أنّ الواجب- و هو ترك الحرام- يقتضي وجوب مقدّمته، و هو ترك إحدى مقدّمات وجود الحرام، لا ترك جميعها، لأنّ ترك الحرام لا يتوقّف على ترك جميعها، لوضوح حصول الترك الواجب بترك إحدى مقدّمات الحرام، فمعروض الوجوب المقدّمي حينئذ هوترك إحدى المقدّمات تخييرا. ففرق واضح بين مقدّمات الواجب و مقدّمات الحرام، إذ في مقدّمات الواجب يحكم بوجوب جميعها، لكون وجود كلّ واحدة منها ممّا يتوقّف عليه وجود الواجب النفسيّ، فيجب جميع مقدّماته. بخلاف مقدّمات الحرام، فإنّ ما يتوقّف عليه ترك الحرام هو إحدى المقدّمات تخييرا، فمعروض الوجوب الغيري في مقدّمة الواجب هو فعل جميع
ص: 372
المقدّمات، و في مقدّمة الحرام هو ترك إحداها على البدل، لتحقّق الواجب و هو ترك الحرام به، فلا مقتضي لوجوب ترك الجميع.
فتحصل من جميع ما ذكرنا: أنّ المقدّمة المحرّمة من مقدّمات الحرام هي خصوص المقدّمة الّتي لا يتمكّن مع فعلها من ترك الحرام، و هي العلّة البسيطة، أو الجزء الأخير من العلّة التامّة المركّبة(1).
قلت: و يأتي کلام صاحب الکفاية علی المختار من کون المقدمة حکمها العقلي و الشرعي واحد و انه لا تعدد في الحکم و لا تلازم بل هما حکم واحد, من التفصيل الذي اختاره فمقدمات المستحب مستحبة دون مقدمات المکروه و الحرام فلا تحرم و لا تکره الّا المقدّمة الّتي لا يتمكّن مع فعلها من ترك الحرام او المکروه.
هذا و قد يستدل علی حرمة المقدّمة و أجزائها من ورود اللعن على عشرة أصناف في مورد الخمر، فعن جابر «لعن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم في الخمر عشرة: غارسها، و حارثها، و عاصرها، و شاربها، و ساقيها، و حاملها، و المحمولة إليه، و بائعها، و مشتريها، و آكل ثمنها»(2).
و عن زيد بن علي عن آبائه ^ قال: لعن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) الخمر و عاصرها و معتصرها و بائعها و مشتريها و ساقيها و آكل ثمنها و شاربها و حاملها و المحمولة إليه(3).
ص: 373
و فيه: ان الرواية الاولی ضعيفة سندا بعمرو بن شمر, و غيره, نعم الثانية موثقة, و اما دلالةً فالظاهر من الروايتين هو الحرمة النفسية لهذه المقدّمات، و الكلام في الحرمة المقدمية.
و اما حرمة السفر إذا كانت الغاية محرّمة، فالصحيح انه ليس بحرام الّا اذا کان علة تامة للوقوع في الحرام, و اما التقصير فشرطه ان لا يکون سفره سفر باطل سواء کان في معصية ام لا, کما هو مفاد الاخبار و الفتاوی خصوصاً اذا قلنا ان سفر الصيد باطل و ليس بحرام کما سيأتي في باب المکاسب المحرمة و يشهد له عطف المعصية عليه ففي صحيح عمار بن مروان عن الصادق عليه السلام «من سافر قصر الّا ان يکون رجلاً سفره الی صيد او في معصية الله او رسولاً لمن يعصي الله او في طلب شحناء او سعاية ضرر علی قوم مسلمين»(1), فجعل سفر الصيد قسيماً للمعصية وکيف کان فيدل علی اصل العنوان بما قلناه صحيح عمار بن مروان المتقدم و موثق سماعة «و من سافر قصّر الصلاة وافطر
ص: 374
الّا ان يکون رجلاً مشيّعاً لسلطان جائر او خرج الی الصيد...»(1) و في صحيح ابن ابي عمير عن بعض اصحابه قال: «لا يفطر الرجل في شهر رمضان الّا في سبيل حق»(2) و في خبر ابن بکير «و ان الصيد مسير باطل لا تقصر الصلاة فيه»(3) و في موثق عبيد بن زرارة «عن الرجل يخرج الی الصيد ايقصر ام يتم قال يتم لانه ليس بمسير حق»(4) و في صحيح زرارة «سالته عن يخرج من اهله بالقصور و البزاة و الکلاب يتنزهالليلة و الليلتين والثلاثة هل يقصر من صلاته ام لا يقصر؟ قال: انما خرج من لهو لا يقصر قلت: الرجل يشيع اخاه اليوم و اليومين في شهر رمضان قال يفطر و يقصر فان ذلک حق عليه»(5)و غيرها(6).
ص: 375
لا يخفی ان البحث عن أحكام الضد من المسائل الأُصولية لوقوع نتيجتها في طريق الاستنباط، لأنّه إذا ثبت اقتضاء الأمر بالشي ء النهيَ عن ضدّه، كالإزالة الواجبة بالنسبة إلى الصلاة، تكون الصلاة منهيّة و النهي يوجب فسادَ متعلّقِه على القول بأنّ مثل هذا النهي يوجب الفساد فتُصبح الصلاة فاسدة، كما أنّه على القول بعدم الاقتضاء يحكم بصحتها.
فلو قلنا بأنّ المراد من الاقتضاء في عنوان البحث - الأمر بالشي ء يقتضي النهي عن ضدّه - هو الملازمة بين إرادة الوجوب و إرادة النهي عن ضدّه، کانت المسألة مسألة عقلية، و أمّا لو قلنا بأنّ المراد من الاقتضاء هو دلالة الأمر سواء أ كانت مطابقية أو تضمنية أو التزامية، تكون المسألة لفظية أُصولية.
المراد من الضد هو مطلق المعاند و المنافي وجوديّا كان أو عدميّا، فهو إمّا ترك الشي ء كترك الإزالة أو الشي ء المزاحم للواجب كالصلاة بالنسبة إلیالازالة؛ و يسمى الأوّل بالضدّ العام، و الثاني بالضد الخاص، و الاول عدمي و الثاني وجودي, و كلّما أطلق الضد بلا قرينة ينصرف عرفا إلى الضد الخاصّ.
و نقدم البحث عن الضدّ العام على الخاص، لأنّ إقامة البرهان على اقتضاء الأمر النهيَ عن الضدّ الخاص مبني على اقتضائه النهيَ عن الضدّ العام.
ص: 376
و قد تقدم أنّ الاقتضاء إمّا يکون بدلالة اللفظ، أو بحكم العقل بالملازمة, اما الاول فنقول: إنّ دلالة الأمر على النهي عن الضدّ العام إمّا بالدلالة المطابقية، أو بالتضمنية، أو بالالتزامية.
أمّا الأُولى: فقد قالوا في بيانها ما يلي: إذا أمر المولى بإزالة النجس عن المسجد فضده العام هو ترك الإزالة هذا من جانب, و من جانب آخر انّ النهي مطلقاً عبارة عن طلب الترك, و عليه فلو تعلّق النهي بترك الإزالة يكون مفادُه، طلبَ تركِ تركِ الإزالة، و هو نفس الأمر بالإزالة.
و فيه اولا: ان المستدل لم يقم برهاناً على الاقتضاء، و من المعلوم أنّ الكلام ليس في عينية، الأمر بالشي ء مع النهي عن ترك الترك، و إنّما الكلام في اقتضاء الأمر و انّه يتولّد منه ذلك النهي الكذائي.
و ثانياً: لو افترضنا وجود النهي الكذائي فهو ليس عين الأمر بالإزالة مفهوماً، نعم عينه مصداقاً و وجوداً، و محل النزاع هو الأوّل لا الثاني.
و ثالثاً: أنّ الاستدلال مبني على أنّ مفاد هيئة النهي في عامة الموارد هو (طلب الترك) فإذا أُضيف إلى الضدّ العام (ترك الإزالة) يكون حاصل المجموع طلب ترك ترك الإزالة لكن مفهوم النهي هو الزجر عن الطبيعة، لأنّ النهي مشتمل على هيئة و مادة، فالهيئة تدلّ على الزجر، و المادة تدلّ على الطبيعة فأين الدال على طلب الترك؟
ص: 377
و أمّا الدلالة التضمنية فهو يَكْمُنُ في تحليل قولنا: «أزل النجاسة» حيث إنّ الأمر عند القائل هو طلب الشي ء مع المنع عن تركه, بحيث يكون المنع عن الترك جزء مفاد الأمر.
و فيه: بأنّ الأمر مشتمل على الهيئة و المادة؛ و الهيئة تدلّ على إنشاء البعث، و المادة على الطبيعة، فما هو الدالّ على المنع عن الترك؟
و أمّا الدلالة الالتزامية فهي إمّا بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص بأن يكون نفس تصور الوجوب كافياً في تصور المنع عن الترك، و إمّا بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعم بأن يكون تصور الطرفين و النسبة كافياً في التصديق بالاقتضاء و الدلالة.
أمّا الأوّل فواضح الانتفاء، إذ كيف يمكن ادّعاء الدلالة الالتزامية بهذا النحو مع أنّ الإنسان كثيراً ما يأمر بالشي ء و هو غافل عن تركه، فضلاً عن النهي عن تركه.
و أمّا الثاني فلو افترضنا وجود ذلك النهي بعد تصور الأُمور الثلاثة، فهو إمّا لغو، أو غير باعث على النحو الذي ذكرنا في وجوب المقدّمة، إذ لو كان مطيعاً فلا حاجة إلى النهي عن الترك، و إن كان عاصياً فلا يكون النهي عن الترك داعياً و باعثاً.
مضافا إلى انّ ملاك الأمر وجود المصلحة في الفعل و عدمها في الترك، كما أنّ معنى النهي عن الشي ء وجود المفسدة في الفعل و عدمها في الترك، فلو تواجد الأمر و النهي في مورد واحد فمعنى ذلك وجود المصلحة في الفعل و المفسدة في الترك و هو أمر نادر, هذا كلّه إذا قلنا بالدلالة اللفظية.
أمّا الثاني: يعني ان الامر يقتضي النهي عن الضد العام بحكم العقل بالملازمة فمبني علی دعوی الملازمة بين الامر و النهي عن ضده العام، فلو أمر بشي ء فلا محيص من ظهور إرادتين في نفسه و هو إرادة فعل الشي ء و إرادة ترك تركها. قلت: مضافا الی عدم
ص: 378
الدليل عليها انه ليس في النفس الّا ارادة واحدة تارة تنسب إلى فعل الشي ء، و أُخرى إلى ترك الترك.
و الحاصل انّه لا وجه لادّعاء الاستلزام لا لفظياً و لا عقلياً.
يعني انّ الأمر بالشي ء كالإزالة هل يقتضي النهي عن الضدّ الخاص كالصلاة او يدل عليه؟ فلو قال المولى: أزل النجاسة عن المسجد أو أدِّ الدين العاجل، فهل يلازم النهي عن الصلاة و أمثالها ممّا يمنع عن القيام بالواجب المضيّق أم لا ؟
و قد استدلّ القوم على الدلالة بوجهين:
الأوّل: انّ ترك الضد مقدمة لفعل الضدّ الأهم، و هذا ما نسمّيه بمسلك المقدمية.
الثاني: وجود الملازمة العقلية بين الأمر بالأهم و النهي عن المهم، و هذا ما نسمّيه بمسلك الملازمة.
إنّ مسلك المقدمية يبتني على أُمور ثلاثة:
1. انّ ترك الضدّ مقدّمة لفعل الضدّ الآخر الأهم.
2. انّ مقدّمة الواجب واجبة، فيكون ترك الصلاة واجباً بهذا الملاك.
3. انّ الأمر بالشي ء أي الأمر بترك الصلاة - بحكم انّه مقدمة - يقتضي النهي عن ضدّه العام أي نقيض الترك و هو فعل الصلاة.
فلو ثبتت هذه المقدمات تكون النتيجة هي النهي عن الصلاة التي هي ضدّ عام لتركها و ضدّ خاص للإزالة.
ص: 379
اما الأمر الأول فاستدلّ القائل بالمقدّمية لإثباته بالنحو التالي:
إنّ توقّف الشي ء على ترك ضدّه ليس إلّا من جهة المضادة و المعاندة بين الوجودين و مقضتاهما الممانعة بينهما، و من الواضح انّ عدم المانع من المقدمات.
و حاصل الاستدلال: انّ الصلاة مانعة عن الإزالة، و عدم المانع من أجزاء العلة، و جزء العلة ككلّ العلّة مقدّمة.
و قد ناقش صاحب الكفاية هذه المقدّمة بوجوه ثلاثة:
المناقشة الأُولى: و حاصلها انّ المعاندة بين العينين و كمال الملاءمة بين إحدى العينين و نقيض الآخر يقتضي انّ الجميع في رتبة واحدة، و ما يكون في رتبة واحدة لا يمكن أن يعد إحداهما مقدّمة للآخر(1).
و للمحقّق النائيني عن هذه المقدمة جواب اخر(2).
و لکني رأيت ان احسن جواب هو جواب العلامة المظفر حيث قال: إنّ المدّعي لمقدّميّة ترك الضدّ لضدّه تبتني دعواه على أنّ عدم الضدّ من باب عدم المانع بالنسبة إلى الضدّ الآخر للتمانع بين الضدّين - أي لا يمكن اجتماعهما معا - و لا شكّ في أنّ عدم المانع من المقدّمات؛ لأنّه من متمّمات العلّة، فإنّ العلّة التامّة كما هو معروف, تتألّف من المقتضي و عدم المانع.
فيتألّف دليله من مقدّمتين:
1. الصغرى: إنّ عدم الضدّ من باب «عدم المانع» لضدّه؛ لأنّ الضدّين متمانعان.
2. الكبرى: إنّ «عدم المانع» من المقدّمات.
ص: 380
فينتج من الشكل الأوّل أنّ عدم الضدّ من المقدّمات لضدّه.
و هذه الشبهة إنّما نشأت من أخذ كلمة «المانع» مطلقة. فتخيّلوا أنّ لها معنى واحدا في الصغرى و الكبرى، فانتظم عندهم القياس الذي ظنّوه منتجا، بينما أنّ الحقّ أنّ التمانع له معنيان، و معناه في الصغرى غير معناه في الكبرى، فلم يتكرّر الحدّ الأوسط، فلم يتألّف قياس صحيح.
بيان ذلك أنّ التمانع تارة يراد منه التمانع في الوجود، و هو امتناع الاجتماع و عدم الملاءمة بين الشيئين، و هو المقصود من التمانع بين الضدّين؛ إذ هما لا يجتمعان في الوجود و لا يتلاءمان؛ و أخرى يراد منه التمانع في التأثير و إن لم يكن بينهما تمانع و تناف في الوجود، و هو الذي يكون بين المقتضيين لأثرين متمانعين في الوجود؛ و إذ يكون المحلّ غير قابل إلّا لتأثير أحد المقتضيين، فإنّ المقتضيين حينئذ يتمانعان في تأثيرهما، فلا يؤثّر أحدهما إلّا بشرط عدم المقتضي الآخر؛ و هذا هو المقصود من المانع في الكبرى، فإنّ المانع الذي يكون عدمه شرطا لتأثير المقتضي هو المقتضي الآخر الذي يقتضي ضدّ أثر الأوّل. و عدم المانع إمّا لعدم وجوده أصلا أو لعدم بلوغه مرتبة الغلبة على الآخر في التأثير.
و عليه، فنحن نسلّم أنّ عدم الضدّ من باب عدم المانع، و لكنّه عدم المانع في الوجود، و ما هو من المقدّمات عدم المانع في التأثير، فلم يتكرّر الحدّ الأوسط؛ فلا نستنتج من القياس أنّ عدم الضدّ من المقدّمات(1).
هذا کله بناء علی کون عدم المانع جزء العلة التامة و عليه فيکون مقدمة كعدم الرطوبة يکون مقدمة بالنسبة إلى الاحتراق.
ص: 381
الّا انه وقع الکلام و الاشکال في کون عدم المانع جزء للعلة التامة و وجه الاشکال هو ان العدم لا أصالة فيه و إنّما هو مفهوم ذهني يصنعه الذهن بالتعمل، و عليه فلا معنى لجعل عدم المانع من أجزاء العلة، إذ ليس للعدم شأن التأثير أو التأثر و لا الموقوف و لا الموقوف عليه, مثلا رطوبة الحطب أوالقطن مانعة من تأثير المقتضي أي النار فيهما لا أنّ عدم الرطوبة شرط. فالأحكام كلّها للوجودات کالرطوبة مانعة, و ينسب إلى الاعدام فيقال: عدم الرطوبة شرط لکنه بالعرض و المجاز .
فلو قالوا: عدم العلّة علّة لعدم المعلول، فهو على سبيل المسامحة و مجاز المشابهة، کما إذا قيل: عدم الغيم علّة لعدم المطر، فهو باعتبار انّ الغيم علّة للمطر، و بالحقيقة لم تتحقّق العلّية التي كانت بين الوجودين، خلافا لما أفاده المحقّق الاصفهاني حيث رأى أنّ لاعدام الملكات واقعية لكونها أمراً منتزعاً من الخارج فقال: الاستعدادات و القابليات و أعدام الملكات كلّها، لا مطابَق لها في الخارج، بل شؤون و حيثيات انتزاعية لأُمور موجودة، فعدم البياض في الموضوع الذي هو من أعدام الملكات كقابلية الموضوع من الحيثيات الانتزاعية منه «فكون الموضوع بحيث لا بياض له» هو بحيث يكون قابلًا لعروض السواد فمتمم القابلية كنفس القابلية حيثية انتزاعية(1).
و اجيب: انّ ما ذكره صحيح في الاستعداد و القابلية و حتى الإضافة فانّ القابلية في النواة و النطفة أمر تكويني موجود فيها دون الحجر، و هكذا الإضافة كالأُبوّة و البنوّة، فانّهما ينتزعان من حيثية وجودية من تخلّق الابن من ماء الأب، فلكلّ واقعية بواقعية مبدأ انتزاعهما، و أمّا الاعدام فليس لها واقعية سوى واقعية ملكاتها، فالواقعية في عدم البياض هي لنفس البياض دون عدمه و في عدم البصر لنفس البصر لا للعدم.
ص: 382
و ما أفاده من أنّ متمّم القابلية كنفس القابلية مشيراً إلى أنّ «عدم المانع» متمم للقابلية ضعيف جداً، فانّ قابلية الجسم لقبول البياض تامة لا نقص فيها، و أمّا عدم قبوله له مع وجود السواد، فليس لأجل نقص في القابلية، بل لوجود التزاحم بين الوجودين، فعُبِّر عن التمانع بأنّ عدم المانع شرط(1).
قلت: و عليه فالصحيح - مضافا الی رد الصغری - ردّ الكبرى مطلقا, و بذلك يظهر النظر فيما جاء في کتاب نهاية الحکمة حيث قال: ربما يضاف العدم إلى الوجود، فيحصل له حظ من الوجود، و يتبعه نوع من التمايز كعدم البصر الذيهو العمى المتميز من عدم السمع الذي هو الصمم، و كعدم زيد و عدم عمر المتميز أحدهما عن الآخر(2).
ففيه: أنّ التميّز الذهني، غير كون العدم ذا حظ من الوجود في الخارج، فما ذكره من ان للعدم حظاً من الوجود صحيح في الذهن لا في الخارج، و الكلام إنّما هو في الثاني دون الأوّل، و التميز نوع ارتباط ذهني بين أمرين وجوديين فانّ العدم في عدم البصر، عدم بالحمل الأوّلي، لكنّه موجود بالحمل الشائع الصناعي.
المناقشة الثانية: قياس الضدّين بالنقيضين
إنّ المنافاة بين النقيضين كما لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر كذلك في المتضادين(3),
و حاصل المناقشة: إنّ ارتفاع أحد النقيضين كرفع اللابياض ليس مقدمة لتحقّق النقيض الآخر (البياض) مع كمال المنافرة بين النقيضين (البياض و اللابياض) بل رفع أحد النقيضين ملائم لثبوت النقيض الآخر, فإذا كان هذا حال
ص: 383
النقيضين فليكن حال الضدين أيضاً كذلك لوحدة الملاك و هو المنافرة بين العينين و الملاءمة بين أحدهما و رفع الآخر، فلا يكون رفع البياض مقدمة لثبوت الضدّ الآخر.
و فيه: انه قياس مع الفارق لانه لا محيص من القول بوحدة رتبة النقيضين لئلا يلزم ارتفاع النقيضين, و هذا بخلاف الضدين فلا يلزم من القول بعدم الوحدة في الرتبة، سوى ارتفاعهما و عدم صدقهما و لا محذور فيه, فلو كان البياض متحداً مع السواد رتبة لا يكون دليلاً على أنّ المتحد مع البياض في الرتبة کاللابياض متّحد مع السواد في الرتبة، و ذلك لفقدان الملاك، لأنّ اتحاد النقيضين في الرتبة لأجل انّه لو لا الاتحاد يلزم ارتفاعهما و هو محال مثلاً إذا لم يصدق أحد النقيضين كالبياض فلو قلنا بأنّ النقيضين في رتبة واحدة فلا بدّ أن يصدق اللابياض، و لو لم يصدق اللابياض يلزم ارتفاع النقيضين, و هذا بخلاف اللابياض و السواد فلا يلزم من القول بعدم الوحدة في الرتبة، سوى ارتفاعهما و عدم صدقهما و لا محذور فيه.
المناقشة الثالثة: استلزامه الدور
و هي: انه لو اقتضى التضاد توقّفَ وجود الشي ء على عدم ضدّه، توقّفَ الشي ء على عدم مانعه، لاقتضى توقّفَ عدمِ الضدّ على وجود الشي ء، توقّفَ عدم الشي ء على مانعه، بداهة ثبوت المانعية في الطرفين و كون المطاردة من الجانبين، و هو دور واضح(1).
و اجاب عنه في الكفاية من أنّ توقف وجود أحد الضدين على عدم الآخر فعلي، و لكن توقّف عدم الآخر على وجود واحد من الضدّين شأني، مثلاً: انّ وجود السواد في
ص: 384
محل متوقف فعلًا على عدم تحقّق البياض فيه، و أمّا توقّف عدم الضدّ (البياض) على وجود الآخر فهو شأني لا فعلي فلا دور.
أمّا كون التوقّف في جانب الوجود فعلي، فلوضوح انّ توقّف وجود المعلول على جميع أجزاء علته و منها عدم المانع فعلي، لأنّ للجميع دخلًا فعلًا في تحقّقه و وجوده في الخارج، و أمّا عدم الضدّ فلا يتوقّف على وجود الضدّ الآخر، لأنّ عدمه يستند إلى عدم المقتضي له لا إلى وجود المانع في ظرف تحقّق المقتضي مع بقية الشرائط ليكون توقّفه عليه فعليّاً.
و قد أجاب عن هذا الرد هو ايضا في کفايته: بأنّ الدور و إن ارتفع فعلاً لكن لم يرتفع شأناً، لأنّ عدم الضدّ و إن كان موقوفاً عليه بالفعل، لوجود الضدّ الآخر، و لكنّه أيضاً موقوف على وجود الضدّ الآخر شأناً، بحيث لو وجد المقتضي للإيجاد يكون عدمه مستنداً إلى وجود الضدّ و هو أيضاً محال، ضرورة استلزامه كون شي ء مع كونه في مرتبة متقدمة فعلاً، في مرتبة متأخرة شأناً(1).
الی هنا تم الکلام عن المقدمة الاولی من الاستدلال و قلنا بعدم تماميتها و عليه فيسقط الاستدلال و لا حاجة لنا الی ضمها للمقدمة الثانية من انّ مقدّمة الواجب واجبة, و لا الی المقدمة الثالثة من انه إذا كان ترك الصلاة مقدّمة للإزالة بحكم المقدّمة الأُولى، و كان ترك الصلاة واجباً بحكم المقدّمة الثانية، تصل النوبة إلى المقدّمة الثالثة و هي انّ الأمر بالشي ء - و هو في المقام أمر مقدّمي، لأنّ ترك الصلاة مقدّمة للإزالة - يقتضي النهي عن ضدّه العام أي نقيضه و هو هنا الصلاة، فتكون الصلاة منهياً عنها. مضافا الی الخلاف في المقدمة الثانية و المقدّمة الثالثة.
ص: 385
ذهب المحقّق الخوانساري إلى التفصيل بين الضدّ الموجود و الضدّ المعدوم، فذهب إلى توقّف الضدّ على ارتفاع الضد الموجود و لا يمكن، فلو كان المحل أسود توقف عروض: البياض على ارتفاع السواد دون ما إذا لم يكن أسود.
و أيّده المحقّق النائيني بقوله: إنّ المحل إذا كان مشغولاً بأحد الضدّين، فلا يكون قابلاً لعروض الضدّ الآخر إلّا بعد انعدامه، و يكون وجوده موقوفاً على عدم الضدّ الموجود، و هذا بخلاف ما إذا لم يكن شي ء منهما موجوداً و كان المحل خالياً عن كلّ منهما، فانّ قابليته لعروض كلّ منهما فعلية، فإذا وجد المقتضي لأحدهما، فلا محالة يكون موجوداً من دون أن يكون لعدم الآخر دخل في وجوده(1).
*اما اصل الاستدلال ففيه: ما تقدم من أنّ العدم لا يكون موقوفاً عليه أو موقوفاً و حقيقة الأمر ما اوضحه العلامة المظفر من انّه يرجع إلى التزاحم بين الوجودين، فعبّروا عن رفع التزاحم بأنّ ورود أحدهما يتوقّف على عدم الآخر، ففيما كانت الفاكهة على الشجر سوداء، و إن كان يمتنع عروض البياض عليها، لكن لا لأجل كون عدم السواد مقدمة لعروض البياض، بل لأجل التزاحم بين الوجودين فعبروا عن التزاحم بكون عدم السواد مقدمة لعروض البياض.
و اما التأييد ففيه: انه لا نقص في قابلية الجسم، بل هي كاملة سواء أ كان الضدّ موجوداً أم لا، و انّ عروض الضدّ لا يبطل القابلية للجسم، و عدم قبوله لا للنقص في القابلية بل لأجل وجود التمانع بين الوجودين کما اوضحه العلامة المظفر في ما تقدم .
ص: 386
و تقريبه هو: أنّ عدم الضّد إن لم يكن مقدّمة لفعل الآخر، فلا أقلّ من كونه ملازما له، كعدم الصلاة الّذي هو ملازم لوجود الواجب، أعني: الإزالة، و المتلازمان في الوجود متلازمان في الحكم، فعدم الصلاة الملازم للواجب-كالإزالة- واجب، و وجودها حرام، و وجوب عدم الصلاة من باب التلازم يقتضي النهي التحريمي عن وجودها، فالأمر بالشي ء يقتضي النهي عن ضدّه، لأجل التّلازم.
و اجاب في الکفاية عنه بما حاصله: من منع لزوم اتّحاد المتلازمين وجودا في الحكم، و ذلك لما تقرر عند مشهور العدليّة: من تبعيّة الأحكام لما في متعلّقاتها من الملاكات الداعية إلى تشريعها، و التلازم المذكور يوجب ثبوت الحكم للملازم بلا ملاك يدعو إلى تشريعه له، لوضوح أنّ المفروض عدم الملاك إلّا في متعلّق الحكم، كالاستقبال الّذي هو واجب، لمصلحة فيه. و أمّا ملازمه- كاستدبار الجدي في بعض الأمكنة- فلا ملاك له يقتضي وجوبه. و إثبات الوجوب له للتّلازم بينه و بين الاستقبال الواجب ممّا لا يساعده برهان، و لا وجدان- كما في البدائع-. نعم لا بد أن لا يكون الملازم محكوما بحكم فعليّ يوجب عجز المكلّف عن امتثال أمر الملازم الآخر، كالاستقبال، فإنّ ملازمه - كالاستدبار في بعض الأقطار - يمتنع أن يكون محرّما، لكونه سالبا للقدرة على إطاعة أمر الاستقبال، و معجّزا للعبد عن امتثاله(1).
ص: 387
قال العلامة المظفر: و بهذا تبطل شبهة الكعبي المعروفة التي أخذت قسطا وافرا من أبحاث الأصوليين إذا كان مبناها هذه الملازمة المدعاة فإنه نسب إليه القول بنفي المباح بدعوى أن كل ما يظن من الأفعال أنه مباح فهو واجب في الحقيقة لأن فعل كل مباح ملازم قهرا لواجب و هو ترك محرم واحد من المحرمات على الأقل(1), و علی هذا فيجب المباح بوجوب ترک الحرام بحكم كونه مقدّمة.
و توضيح ذلک: ان هذا الاستدلال مبنيّ على أُمور ثلاثة:
الامر الأوّل: انّ النهي عن الشي ء يقتضي الأمر بضدّه العام، فلو كان فعل الشي ء حراماً كالكذب كان تركه واجباً، و هذا نظير ما لو كان فعله واجباً كالإزالة كان تركه حراماً.و بالجملة كما يتولد من الأمر بالشي ء، النهي عن الضدّ العام، فهكذا يتولّد من النهي عنه، الأمر بالضد العام.
و فيه: أنّه إذا كان فعل الشي ء حراماً فلا دليل علی أن يكون تركه واجباً لما عرفت من أنّ الأمر بالشي ء لا يقتضي النهي عن ضدّه العام.
الامر الثاني: انّ الترك الواجب کترك الكذب يتوقّف على فعل من الأفعال الاختيارية الوجودية لاستحالة خلو المكلّف عن فعل من الأفعال الاختيارية.
و فيه: أنّ الترك الواجب کترك الحرام لا يتوقّف على فعل من الأفعال الاختيارية الوجودية كالمباح، و ذلك لأنّ ترك الحرام مستند إمّا إلى فقد المقتضي الذي يعبر عنه بالصارف، أو وجود المقتضي للضد الآخر. مثلاً: انّ ترك الكذب إمّا لأجل الصارف
ص: 388
عنه خوفاً من اللّه سبحانه، أو إلى وجود المقتضي للأضداد الأُخر كالأكل و الشرب و بالتالي لا يكون المباح مقدّمة. و عليه فلا تصل النوبة الی الامر الثالث و هو: انّ مقدمة الواجب و هي الفعل الاختياري الذي يتوقّف عليه الترك الواجب واجبة فينتفي المباح.
إنّ ثمرة البحث هي بطلان الصلاة على القول بالاقتضاء و صحّتها على القول بعدمه، فلو كان الأمر بالمضيَّق كالإزالة مقتضياً للنهي عن الموسَّع كالصلاة، فالصلاة تكون محكومة بالبطلان، و لو نُفِي الاقتضاء فلا تكون منهياً عنها و تكون صحيحة طبعاً.
نعم مجرّد ثبوت تعلّق النهي بالصلاة لا يكفي في استنتاج المسألة الفقهية بل يجب أن تُضم إليها مسألة أُصولية أُخرى، و هي انّ النهي في العبادات موجب للفساد.
و اشکل علی الثمرة المذکورة اولا: بإنّ المعروف بين العلماء ان الاقتضاء إن كان بنحو المقدّميّة، ففي كون النهي مقتضيا للفساد إشكال، لما تقرّر عندهم: من أنّ الأمر و النهي المقدّميّين لا يوجبان شيئا من القرب و البعد، و المثوبة و العقوبة. فالضّد العبادي- كالصلاة- و إن تعلّق به نهي غيري نشأ عن الأمرالمقدّمي المتعلّق بتركه الّذي هو مقدّمة لفعل الضّدّ الأهم- كالإزالة-، لكن هذا النهي الغيري لا يوجب فساده، و إلّا لزم نقض ما غزلوه من عدم ترتّب أثر على موافقة الأمر و النهي الغيريّين المقدميّين و مخالفتهما(1).
ص: 389
قلت: فلا ثمرة علی مسلک المقدمية, و اما إن کان الاقتضاء بنحو التلازم، فلا إشكال في اقتضاء النهي للفساد، لكون النهي حينئذ نفسيّا كاشفا عن مفسدة موجبة للمبغوضيّة المضادّة للمحبوبيّة فتثبت الثمرة.
و ثانيا: بما ذكره بهاء الدين العاملي من أنّ التكليف لإثبات النهي عن الصلاة أمر لا طائل تحته، إذ لا نحتاج في الحكم بفساد الصلاة إلى النهي، بل يكفي عدم الأمر بالصلاة، و هو أمر متفق عليه لظهور سقوط الأمر بالصلاة بعد الأمر بالإزالة، فكون الصلاة غير مأمور بها يكفي في فسادها.
و للعلماء هنا اقوال ثلاثة للاجابة علی هذا الإشكال:
الأوّل: كفاية وجود الملاك في صحّة العبادة و لا يلزم قصد الأمر، و هذا ما أجاب به المحقّق الخراساني.
الثاني: كفاية قصد الأمر المتعلق بالطبيعة و إن كان الفرد المزاحَم فاقداً للأمر، و هو المستفاد من كلمات المحقّق الثاني.
الثالث: تصحيح الأمر بالصلاة عن طريق الترتب.
قال في الکفاية: «أنه يكفي مجرد الرجحان و المحبوبية للمولى كي يصح أن يتقرب به منه كما لا يخفى و الضد بناء على عدم حرمته يكون كذلك فإن المزاحمة على هذا لا يوجب إلا ارتفاع الأمر المتعلق به فعلا مع بقائه على ما هو عليه من ملاكه من المصلحة
ص: 390
كما هو مذهب العدلية أو غيرها أي شي ء كان كما هو مذهب الأشاعرة و عدم حدوث ما يوجب مبغوضيته و خروجه عنقابلية التقرب به كما حدث بناء على الاقتضاء»(1), و حاصله أنّ الصحّة ليست رهن تعلّق الأمر بالعبادة فقط، بل الصحّة أعمّ من الأمر، و يكفي فيها أيضاً وجود الملاك و الرجحان الذاتي في العبادة، إذ الفرد المزاحم من العبادة و غير المزاحم سيّان في الملاك و المحبوبية الذاتية، إذ غاية ما أوجبه الابتلاء بالأهم هو سقوط أمره و أمّا سقوط ملاكه و رجحانه الذاتي فلا.
فإن قلت(2): إنّ العلم بوجود الملاك فرع تعلّق الأمر بالصلاة و المفروض سقوطه، و معه كيف يعلم الملاك و انّها صالحة للتقرب. و بعبارة أُخرى كما أنّ النهي يكشف عن عدم الملاك، فكذلك الأمر يكشف عن وجوده، و مع فقد الأمر فمن أين نستكشف وجود الملاك؟
قلت: إنّ المقام من قبيل المتزاحمين لا المتعارضين، و الملاك في كلّ من المتزاحمين موجود على نحو لو لا التزاحم لكان الفرد الموسَّع مأموراً به، و هذا معنى اشتماله على الملاك و إن لم يكن مأموراً به بالفعل، حتّى أنّ المحقّق النائيني جعل قصد الملاك أقوى في حصول التقرب من قصد الأمر، فقال: «لم يدل دليل على اعتبار أزيد من قصد التقرب بالعمل في وقوعه عبادة، و أمّا تطبيقه على قصد الأمر فإنّما هو بحكم العقل، و قصد الملاك لو لم يكن أقوى في حصول التقرب بنظر العقل من قصد الأمر فلا أقلّ من كونه مثله»(3).
ص: 391
و فيه: انه لا فرق بين المتزاحمين و المتعارضين من هذه الجهة و ذلک لانه بعد سقوط امر غير الاهم في المتزاحمين لا دليل علی بقاء ملاکه و دعواه رجم بالغيب, مضافا الی انه علی القول بالملازمة بين حکم العقل و الشرع او علی القول بالعينية کما هو المختار يکون سقوط امر غير الاهم بحکم الشرع ايضا و عليه فلا يمکن القول ببقاء ملاکه, مضافا الی عدم کفاية الملاک في عبادية العبادة.
و هذا الجواب مستنبط من كلام المحقّق الكركي حيث قال: «لا نسلم لزوم تكليف ما لا يطاق إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: أوجبت عليك كلًا من الأمرين لكن أحدهما مضيق و الآخر موسّع، فإنّ قدّمت المضيّق فقد امتثلت و سلمت من الإثم، و إن قدّمت الموسّع فقد امتثلت و أثمت بالمخالفة في التقديم»(1).
و المفهوم من كلامه انّهما لو کانا مضيقين كإنقاذ الغريقين اللّذين أحدهما أهمّ من الآخر، فإنّ الأمر بالأهم يوجب سقوط الأمر بالمهم مطلقاً عن الفرد و الطبيعة، إذ ليس لها إلّا فرد واحد مزاحم بالأهم.
و اذا کان احدهما مضيقا و الاخر موسعا, تظهر فيه الثمرة، فأمّا إذا بنينا على عدم تعلّق النهي بالضد كما هو مفروض الإشكال فغايته انّه يوجب سقوط الأمر بالطبيعة المتحقّقة في الفرد المزاحم لعدم القدرة على الإتيان به شرعاً، و هو في حكم عدم القدرة عقلًا، لا سقوط الأمر عن الطبيعة بوجودها السعيّ، بل الأمر بها باق لعدم اختصاص تحقّق
ص: 392
الطبيعة بالفرد المزاحم, لانّ الثابت هو سقوط الأمر عن هذا الفرد، لا سقوطه عن الطبيعة، و ذلك لأنّ الواجب الموسّع له أفراد غير مزاحمة و إنّما المزاحمة بين المضيق و الفرد المزاحم من الموسع، فيأتي الفرد بنية الأمر بالطبيعة باعتبار انّ لها مصاديق غير مزاحمة.
و اجيب: بانه لو کان كلّ من الوجوب و الواجب فعليين لاستلزم الأمر بالضدين, فالإتيان بالمهم في الأمر المتعلّق بالطبيعة لا ينجع، أضف إلى ذلك هو انّ الأمر المتعلّق بصرف الوجود أو نفس الطبيعة باعثاً و داعياً(1) بالنسبة إلى هذا الفرد أو لا؛ فعلى الأوّل يلزم التكليف بالضدّين، و على الثاني لا يصحّ الإتيان بهذا الفرد بنية الأمر المتعلّق بالطبيعة لافتراض عدم باعثيته له(2).
و فيه: ان کون كلّ من الوجوب و الواجب فعليين لا يستلزم الأمر بالضدين و ذلک لان تزاحمهما في مقام الامتثال لا في مقام الجعل و التشريع فلا تزاحم و تمانع بينهما في هذا المقام حتی يستلزم الأمر بالضدين, و اما تشقيقه الاخير فهو کما تری.
قال في الکفاية: ثم إنه تصدى جماعة من الأفاضل (3) لتصحيح الأمر بالضد بنحو الترتب على العصيان و عدم إطاعة الأمر بالشي ء بنحو الشرط المتأخر أو البناء على معصيته
ص: 393
بنحو الشرط المتقدم أو المقارن بدعوى أنه لا مانع عقلا عن تعلق الأمر بالضدين كذلك أي بأن يكون الأمر بالأهم مطلقا و الأمر بغيره معلقا على عصيان ذاك الأمر أو البناء و العزم عليه بل هو واقع كثيرا عرفا(1).
اقول: المراد من الترتّب هو توجه أمرين فعليين إلى المكلّف أحد الأمرين مطلق و الآخر مشروط, ففي نفس الوقت الذي يكون الأمر بالمهم کالصلاة فعلياً يكون الأمر بالاهم کالإزالة أيضاً فعلياً لم يَسقط بعدُ لا بالامتثال و لا بالعصيان، و لأجل تصحيح الجمع بين الأمرين الفعليين يبقى الأمر بالأهم على إطلاقه، و يُقيّد الأمر بالمهمّ بعصيان عصيان ذاك الأمر أو البناء و العزم عليه حسب تعبير المحقق الخراساني الّا انه لا بدّ من الدقة في الشرط الذي يخرج الأمر بالمهم عن إطلاقه و يصيره مشروطاً مع كونه فعلياً أيضاً.
و الصحيح انه لابد من جعل شرط خطاب المهم هو ترك الاشتغال بالأهم لا عصيان خطابه، و لا العزم على تركه.
أما الأول، فلكون العصيان- كذهاب الموضوع- مسقطا لخطاب الأهم رأسا، و معه يمتنع الترتّب المتقوّم باجتماع طلبين فعليّين زمانا طوليّين رتبة، إذ المفروض سقوط طلب الأهم بالعصيان، و بقاء طلب المهم وحده، فلا اجتماع للطلبين.
و أما الثاني، فلاستلزامه عرضيّة الطلبين، و ارتفاع الطوليّة الرّتبيّة المانعة عن لزوم طلب الجمع، لوضوح فعليّة الخطابين في رتبة العزم على ترك الأهم.
ص: 394
أمّا فعليّة الأهم، فظاهر, و أمّا فعليّة المهم، فلتحقق شرطها و هو العزم على ترك الأهم.
و بالجملة: فشرط فعليّة المهم هو ترك متعلّق طلب الأهم، لا العصيان، و لا العزم عليه، لكون الأوّل موجبا لسقوط خطاب الأهم، فلا يجتمع طلبان فعليّان زمانا، و لكون الثاني سببا لعرضيّة الطلبين الموجبة لطلب الجمع.
قال في منتهی الدراية: و أمّا التعبير عن الترك بالعصيان في كلمات بعضهم فللتنبيه على: أنّ مورد الترتّب هو العلم بالخطابين، و تنجّزهما، لكون الترتّب من صغريات كبرى التزاحم المنوط بتنجّز الخطابين، ضرورة أنّ التزاحم الامتثالي المأموري ليس إلّا في مقام البعث الفعلي المتوقّف على التنجّز، لما تقرّر في محلّه: من قصور الخطابات بوجوداتها الواقعيّة عن التحريك الفعلي، و بدون هذا التحريك لا تدافع بين الحكمين في مقام الإطاعة.
و الحاصل: أنّ الترتّب المتقوّم باجتماع طلبين فعليّين زمانا و طوليّين رتبة متوقّف على كون شرط فعليّة خطاب المهم ترك متعلّق الأهم، لا عصيانه، و لا العزم على تركه(1).
ص: 395
إنّ المحقّق الخراساني نقد الدليل المذكور بقوله: قلت ما هو ملاك استحالة طلب الضدين في عرض واحد آت في طلبهما كذلك بقوله فإنه و إن لم يكن في مرتبة طلب الأهم اجتماع طلبهما إلّا أنه كان في مرتبة الأمر بغيره اجتماعهما بداهة فعلية الأمر بالأهم في هذه المرتبة و عدم سقوطه بعد بمجرد المعصية فيما بعد ما لم يعص أو العزم عليها مع فعلية الأمر بغيره أيضا لتحقق ما هو شرط فعليته فرضا(1).
اقول: من الملاحظ ان مصب کلام المحقق الخراساني هو استحالة طلب الضدين.
و فيه: ان المحال هو طلب الجمع بين الضدين و لا يقول به القائل بالترتب, و إنّما يلزم طلب الجمع بينهما لو طلب الأمر بالمهم حتّى في ظرف إرادته لامتثال الأمر بالأهم و المفروض خلافه, و اما طلبهما فليس بمحال بالبداهة, و بذلك يظهر انّ شيئاً من الأُمور التالية ليس مانعاً من توجيه أمرين إلى المكلّف على نحو الترتب و هي:
1. اجتماع أمرين فعليين.
2. كون الأمر بالأهم في رتبة الأمر بالمهم.
3. استلزام اجتماعهما في مرتبة الأمر بالمهم طلب الضدين.
فليس شي ء من هذه الأُمور مانعاً عن إنشاء أمرين أحدهما مطلق و الآخر مشروط ما لم يكن هناك طلب الجمع بين الضدين، و إنّما المانع هو استلزام الأمرين طلبَ الجمع بين الضدين، و هذا ما يحصل في الأمرين العرضيين لا في الأمرين الطوليين.
ص: 396
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني لما تبنَّى امتناعَ الترتّب و زعم أنّ لازمه طلب الضدّين، اشکل علی نفسه باشکالات ثم أجاب عنها و هي کالتالي:
الاشکال الأوّل حيث قال: لا يقال نعم لكنه بسوء اختيار المكلف حيث يعصي فيما بعد بالاختيار فلولاه لما كان متوجها إليه إلّا الطلب بالأهم و لا برهان على امتناع الاجتماع إذا كان بسوء الاختيار.
فإنه يقال: استحالة طلب الضدين ليس إلا لأجل استحالة طلب المحال و استحالة طلبه من الحكيم الملتفت إلى محاليته لا تختص بحال دون حال و إلا لصح فيماعلق على أمر اختياري في عرض واحد بلا حاجة في تصحيحه إلى الترتب مع أنه محال بلا ريب و لا إشكال(1).
و حاصل الاشکال انّ الترتّب يستلزم المحال غير أنّ المكلّف لما كان مقصّراً في المقام، و سبباً لهذا النوع من التكليف فلا مانع من تكليفه أخذاً بقولهم: الامتناع بالاختيار، لا ينافي الاختيار, و يجيب المحقق الخراساني بعدم جواز التكليف بغير المقدور حتّى و لو كان السبب هو المكلّف.
و فيه: إنّه لا شک ان التكليف بغير المقدور تكليف محال، غير أنّ الكلام في مقام آخر و هو فقدان الموضوع (المحال) في مبحث الترتب، إذ غاية ما يترتب عليه هو طلب
ص: 397
الضدّين و هو ليس بمحال و ما هو محال أي طلب الجمع بين الضدّين فليس بلازم في المقام.
الاشکال الثاني و حاصله إنّ قياس المقام بالأمرين العرضيين قياس مع الفارق فقال: إن قلت: فرق بين الاجتماع في عرض واحد و الاجتماع كذلك فإن الطلب في كل منهما في الأول يطارد الآخر بخلافه في الثاني فإن الطلب بغير الأهم لا يطارد طلب الأهم فإنه يكون على تقدير عدم الإتيان بالأهم فلا يكاد يريد غيره على تقدير إتيانه و عدم عصيان أمره.
قلت: ليت شعري كيف لا يطارده الأمر بغير الأهم و هل يكون طرده له إلّا من جهة فعليته و مضادة متعلقه للأهم و المفروض فعليته و مضادة متعلقه له.
و عدم إرادة غير الأهم على تقدير الإتيان به لا يوجب عدم طرده لطلبه مع تحققه على تقدير عدم الإتيان به و عصيان أمره فيلزم اجتماعهما على هذا التقدير مع ما هما عليه من المطاردة من جهة المضادة بين المتعلقين مع أنه يكفي الطرد من طرف الأمر بالأهم فإنه على هذا الحال يكون طاردا لطلب الضد كما كان في غير هذا الحال فلا يكون له معه أصلا بمجال(1).
أقول: هذا، هو اهم إشكال في الترتّب، و جوابه إنّ للأمر المتعلّق بالمهم في الصورة التي أشار إليها المحقّق الخراساني و هي صورة عدم الإتيان بالأهم مفهومين:
ص: 398
الأوّل: بما انّه أمر فعلي يدعو إلى إيجاد متعلّقه لحصول شرط الفعلية، و عندئذ يتبادر إلى الذهن وجود المطاردة بينه و بين الأمر بالأهم غير الساقط بعدُ، و بما انّ الأمر بالأهم غير ساقط بعد يُستظهر منه وجود المطاردة.
الثاني: انّ الأمر بالمهم مع كونه فعلياً لا يأبى عن ترك امتثاله و الاشتغال بالأهم حتّى في نفس هذه الحالة، و هذا هو الذي يزيل المطاردة المتوهمة، و بعبارة أُخرى: انّ الأمر بالمهم و إن كان يدعو إلى إنجاز متعلّقه و لكنّه في حدّ نفسه يرخِّص ترك امتثاله و الاشتغال بالأهم و بذلك تنعدم المطاردة المتوهمة.
و أمّا قوله: أنّ الأمر بالمهم و إن لم يكن في مرتبة الأمر بالأهم لكن الأمر بالأهم موجود في مرتبة الأمر بالمهم فيجتمع أمران فعليان. ففيه: أنّ اجتماع أمرين فعليين كلّ يدعو إلى إنجاز متعلّقه إنّما يستلزم الامتناع بما إذا لم يكن لواحد من الأمرين انعطاف و أمّا المقام فانّ الأمر بالأهم و إن لم يكن فيه انعطاف لكنّ اجتماعهما في مرتبة الأمر بالمهم، لا يضرّ ما دام الأمر الثاني منعطفا حيث إنّه في كلّ زمان ينسحب عن الساحة إذا أراد المكلّف امتثال الأمر المتعلّق بالأهم.
الاشکال الثالث كيف تنكرون الترتب مع أنّه واقع في العرف كثيراً؟
فقال: إن قلت: فما الحيلة فيما وقع كذلك من طلب الضدين في العرفيات.
قلت: لا يخلو إما أن يكون الأمر بغير الأهم بعد التجاوز عن الأمر به و طلبه حقيقة, و إما أن يكون الأمر به إرشادا إلى محبوبيته و بقائه على ما هو عليه من المصلحة و
ص: 399
الغرض لو لا المزاحمة و أن الإتيان به يوجب استحقاق المثوبة فيذهب بها بعض ما استحقه من العقوبة على مخالفة الأمر بالأهم لا أنه أمر مولوي فعلي كالأمر به(1).
و فيه: اما جوابه الأوّل «أي التجاوز عن الأمر بالأهم» فلا يخلو من غموض, فما المراد من التجاوز؟ فهل يريد كون الامر بالاهم صار منسوخاً فالمفروضخلافه، أو يريد انّه عند الخيبة عن تأثير الأمر الأوّل دون سقوطه، يأمر بالمهم، فهو نفس الترتّب. و اما جوابه الثاني «اي الإرشاد إلى محبوبيته و بقائه على ما هو عليه من المصلحة» فقد تقدم الجواب عليه.
و قد استدلّ المحقّق الخراساني على بطلان الترتّب من طريق الإنّ و قال: «ثم إنه لا أظن أن يلتزم القائل بالترتب بما هو لازمه من الاستحقاق في صورة مخالفة الأمرين لعقوبتين ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر عليه العبد ...»(2), و حاصله انه لو صحّ الترتّب للزم تعدّد التكليف، و لو تعدد التكليف و عصى المكلّف كلا الأمرين يلزم أن يعاقب بعقابين، و لكن التالي باطل لامتناع تعدّد العقوبة مع وحدة القدرة، فكذا المقدم أي تعدد التكليف.
و فيه: انّ تعدّد العقاب و وحدته تابع لتعدّد القدرة و وحدتها، لا وحدة التكليف و تعدّده، فلو كانت القدرة واحدة و التكليف متعدداً، كما إذا تعدد الغريق و هو ترك
ص: 400
نجاة الجميع لما كان عليه إلّا عقاب واحد، لاستقلال العقل بقبح تعدّده مع عدم تعدّد القدرة, و علی هذا فالتكليف في الترتب و ان کان متعددا لکن حيث انّ القدرة واحدة فليس هنا إلّا عقاب واحد.
و قد يقال: انّ تعدد العقاب و وحدته تابع لتعدد التكليف و وحدته عند المعصية، فلو كان هناك غريقان و ترك نجاة الكلّ، يعاقب بعقابين و إن لم يكن له إلّا قدرة واحدة، و لا ينافي ذلك عدله سبحانه، لأنّه كان في وسع العبد مع تعدد التكليف و وحدة القدرة الاجتناب عن مخالفة التكليفين عن عذر، و ذلك ببذل قدرته في إنقاذ واحد، و الاعتذار عن ترك الأمر الآخر بالعجز، و مع أنّ هذا الباب كان مفتوحاً أمامه، فقد ترك إنقاذ الغريقين بلا عذر، فللمولى أن يؤاخذه(1).
و فيه: انه مناف لعدله جل و علا و لم يکن في وسع العبد الاجتناب عن مخالفة کليهما عقلا فکذلک شرعا کما تقدم.
و لابد من تقديم مقدّمتين:
1. انّ الضدّين ممّا لا يمكن إيجادهما في زمان واحد عقلًا، و هذه المقدّمة تعود إلى المكلَّف.
2. لا يصحّ للمكلِّف أن يطلب الضدّين في زمان واحد على وجه الإطلاق، و هذه المقدمة راجعة للآمر.
ص: 401
و على ضوء ذلك فإمّا أن يكون الأمران المتعلّقان بإيجاد الضدّين مطلقين، أو يكون أحدهما مطلقاً و الآخر مشروطاً.
و الأوّل لا يلتزم به كلّ من أحال التكليف بما لا يطاق.
و أمّا الثاني أي كون التكليف الثاني مشروطاً فالشرط إمّا هو الترك الخارجي للأهم، و بتعبير آخر العصيان الخارجي المتقدّم أو تصور المولى عصيان العبد، بمعنى انّه يترك في علم اللّه.
و الأوّل أي كون الشرط هو العصيان الخارجي خارج عن الترتّب، لأنّ الأمر الأوّل يسقط بالعصيان الخارجي كما لو غرق الأهم دون المهمّ فلا يكون هناك أمران و لو طوليان، فبقي كون الشرط هو العزم على العصيان أو العصيان على نحو الشرط المتأخر، فعندئذ يسأل هل الشرط متحقّق أو لا؟ فعلى الثاني لا يكون الأمر بالمشروط فعلياً، و على الأوّل ينقلب الواجب المشروط بعد حصول شرطه إلى الواجب المطلق فتقع هذه الصورة في عداد الصورة الأُولى، أي الأمرين العرضيين المطلقين(1).
و فيه: نحن لا ننکر انّ القضية الشرطية بعد حصول شرطها تنقلب إلى قضية مطلقة، الّا انا نقول انه مع ذلك كلّه ان هذا النوع من التكليف و إن كان مطلقاً لكن لا يزاحم الأمر بالإزالة على وجه الإطلاق لما تقدم من كون المطاردة من طرف واحد لا من طرفين، و ذلک لاشتمال الأمر الثاني على شرط يوجد فيه انعطاف بالنسبة إلى امتثال الأمر بالأهم لان الأمر بالمهم على نحو لو انصرف من صرف القدرة في المهم و حاول أن يمتثل الأمر بالأهم لما منعه الأمر بالمهم.
ص: 402
نقل المحقّق الاصفهاني تقريباً عن بعض الأُصوليين و هو: «أن اقتضاء كلّ أمر لإطاعة نفسه في رتبة سابقة على إطاعته؛ كيف؟! و هي مرتبة تأثيره و اثره، و من البديهي أنّ كلّ علّة منعزلة في رتبة أثرها عن التأثير، بل تمام اقتضائها لأثرها في مرتبة ذاتها المتقدّمة على تأثيرها و أثرها، و لازم ذلك كون عصيان الأمر - و هو نقيض إطاعته- أيضا في مرتبة متأخّرة عن الأمر و اقتضائه، و عليه فإذا انيط امر بعصيان مثل هذا الأمر، فلا شبهة أنّ هذه الإناطة تخرج الأمرين عن المزاحمة في التأثير؛ إذ في رتبة الأمر بالأهمّ- و تأثيره في صرف القدرة نحوه- لا وجود للأمر بالمهم، و في رتبة وجود الأمر بالمهمّ لا يكون اقتضاء للأمر بالأهمّ، فلا مطاردة بين الأمرين، بل كلّ يؤثّر في رتبة نفسه على وجه لا يوجب تحيّر المكلّف في امتثال كلّ منهما.
و لا يقتضي كل من الأمرين إلقاء المكلّف فيما لا يطاق بل كلّ يقتضي موضوعا لا يقتضي غيره خلافه»(1).
و حاصله: إنّ اقتضاء كلّ أمر لإطاعة نفسه، في رتبة سابقة على إطاعته، كيف لا و هي مرتبة تأثيره و أثره، و من البديهي أنّ كلّ علّة منعزلة في مرتبة أثرها عن التأثير و إنّما اقتضاؤها، في مرتبة ذاتها المقدّمة على تأثيرها و أثرها، و لازم ذلك كون عصيان المكلّف و هو نقيض طاعته أيضاً في مرتبة متأخّرة عن الأمر و اقتضائه.
وعليه فإذا أُنيط أمر بعصيان مثل هذا الأمر، فلا شبهة انّ هذه الإناطة تُخرج الأمرين عن المزاحمة في التأثير، إذ في رتبة الأمر بالأهم، لا وجود للأمر بالمهم، و في رتبة وجود
ص: 403
الأمر بالمهم لا يكون اقتضاء للأمر الأهم. فلا مطاردة بين الأمرين، بل كلّ يؤثر في رتبة نفسه على وجه لا يوجب تحيّر المكلّف في امتثال كلّ منها و لا يقتضي كلّ من الأمرين إلقاء المكلّف فيما لا يطاق، بل كلّ يقتضي موضوعاً لا يقتضي غيره.
و فيه: ما تقدم في اول بحث الترتب من ان شرط الترتب هو الترک لا المعصية لكون العصيان- كذهاب الموضوع- مسقطا لخطاب الأهم رأسا، و معه يمتنع الترتّب المتقوّم باجتماع طلبين فعليّين زمانا طوليّين رتبة، إذالمفروض سقوط طلب الأهم بالعصيان، و بقاء طلب المهم وحده، فلا اجتماع للطلبين.
هذا اذا قلنا بتحقق المعصية لکن استدلال المستدل لاثبات تحقق المعصية مردود و ذلک لأنّ التأخر الرتبي يحتاج إلى وجود الملاك في نفس الشي ء و إلّا فبمجرّد كونه مقارناً لما هو متأخر رتبة عن شي ء لا يوجب اتّصافه بالتأخّر الرتبي و المقام من هذا القبيل، لأنّ تأخّر الطاعة عن الأمر لا يوجب تأخّر العصيان عن الأمر، إذ ملاك التأخّر موجود في الطاعة دون العصيان، لأنّ الطاعة أثر الأمر و معلوله، و المعلول متأخّر رتبة عن العلّة، بخلاف العصيان، فإنّه ليس أثرَ الأمر لأنّ أثر الأمر هو البعث و التحريك.
مضافا الی أنّ التزاحم و التضاد ليس في المعيّة العقلية حتّى يرتفعا بالتأخر الرتبي للأمر بالمهم، بل موردهما هو المعيّة الزمانية، إذ الزمان الذي يكون الأمر بالأهم فيه فعلياً يكون الأمر بالمهم فيه أيضاً فعلياً باعثاً، فاللازم رفع التضاد في ذلك الظرف لا رفعه باختلاف الرتب.
ص: 404
ما نقله المحقّق الاصفهاني أيضاً و هو: «إن وجود كل شي ء طارد لجميع أعدامه المضافة إلى أعدام مقدماته، أو وجود أضداده، فطلب مثل هذا الوجود يقتضي حفظ متعلّقه من قبل مقدّمات وجوده و عدم أضداده بقول مطلق، و في هذه الصورة يستحيل الترخيص الفعلي في مقدّمة من مقدّماته أو وجود ضدّ من أضداده، بخلاف ما إذا خرج احد أعدامه عن حيّز الأمر. إمّا لكونه قيدا لنفس الأمر، أو بأخذ وجوده من باب الاتفاق، فإنه في هاتين الصورتين لا يترشّح إليه الأمر، و لا يكون العدم من قبل هذه المقدّمة أو هذا اللازم مأمورا بطرده، بل المأمور بطرده عدمه من قبل غيره من المقدّمات أو الأضداد.
و عليه فالأمر بالأهمّ لمكان إطلاقه مرجعه إلى سدّ باب عدمه من جميع الجهات، حتى من قبل ضدّه المهمّ، و الأمر بالمهمّ لترتّبه على عدم الأهمّ مرجعه إلى سدّ باب عدمه في ظرف عدم انسداد باب عدم الأهمّ من باب الاتفاق، و لا منافاة بين قيام المولى بصدد سدّ باب عدم الأهمّ مطلقا، و سد باب عدم المهمّ في ظرف انفتاح باب عدم الأهمّ من باب الاتفاق، فالأمر بالمهم- و إن كان فعليا- غير منوط بشي ء، لكنه حيث إنه تعلّق بسدّ باب عدم المهمّ فيظرف انفتاح باب عدم الأهمّ من باب الاتفاق، فلا محالة لا محرّكية له نحو طرد عدم المهمّ إلّا في ظرف انفتاح باب عدم الأهمّ من باب الاتفاق(1).
*و اجيب: أنّ التزاحم بعد باق فنحن نفترض انّه تطرق العدم على الأهم من باب الاتفاق، و عندئذ فهل الأمر بالأهم عندئذ ساقط أو لا؟ و الأوّل خلاف المفروض و الثاني يستلزم المطاردة حيث إنّ الأمر بالأهم يطلب قلب عدمه إلى الوجود مع التحفظ
ص: 405
على عدم المهم لكون وجوده مانعاً مع أنّ الأمر بالمهم في هذه الحالة أي عند تطرق العدم إلى الأهم فعلي يطلب طرد عدمه إلى الوجود فتقع المطاردة بين الاقتضاءين(1).
قال في ارشاد العقول: و هناك تقريب رابع ذكره المحقّق البروجردي ثم ذکر مقدمة لبيانه ثم قال: و أمّا إذا فرض البعثان غير متزاحمين في مقام التأثير، بل كان تأثير أحدهما عند عدم تأثير الآخر و خلوّ الظرف من المزاحم، فلا محالة ينقدح في نفس المولى طلب آخر يتعلّق بالضدّ، إذ الفعل مقدور للمكلّف، و الأمر الأوّل غير باعث و لا داع، و الزمان خال عن الفعل بحيث لو لم يشغله المهمّ، لكان الزمان فارغاً عن الفعل مطلقاً، فأيّ مانع من طلب المهم عند عدم تأثير الأهم و عدم باعثيته؟
و هذا التقريب جميل في بابه حقيق بالتصديق، و قد أجال فكره في مجال التطبيق من دون أن يركز على الدقائق العقلية فيرفع التزاحم بجعل الأمرين في رتبتين، و بالتالي لم تأخذه هيبة الأمر بالمهم و فعليته في ظرف فعلية الأمر بالأهم الذي صار سبباً لذهاب جمع من الأعاظم إلى امتناع الترتب، منهم المحقّق الخراساني و منهم سيدنا العلّامة الحجّة الكوهكمري، فقد شغلت بالهم فعلية الأمر بالمهم و قالوا بأنّ نتيجة فعلية الأمرين هي طلب الضدّين.
و نزيد بياناً انّ التلاؤم و التضاد يعني (ظ-في) الأمرين أمر عرضي، و مصبهما هو متعلّقات الأوامر، و قد عرفت أنّ بين المتعلّقين كمال التلاؤم فيالمجالات الثلاثة، و المهم هو مقام الامتثال فانّ تقييد أحد الأمرين بالعصيان يوجب التلاؤم بين الامتثالين(2).
ص: 406
و فيه: انه ان کان المفروض في المتعلّقين كمال التلاؤم في المجالات الثلاثة فهو خروج عن محل البحث من فعلية کل من الامرين.
و هناك تقريب خامس قام بتفصيله و تهذيبه و تشييد معالمه المحقّق النائيني و قد أطال الكلام في المقام و رتّب لإثبات الترتّب مقدّمات خمس, الّا انا في غنی عنه فالذي ذکرناه في الکفاية .
1. المسألة المعروفة، أعني: ما إذا رأى المكلّف نجاسة في المسجد و قد دخل وقت الصلاة، فلا شكّ أنّه تجب المبادرة إلى إزالتها قبل أن يصلي مع سعة الوقت، و مع الضيق يقدّم الصلاة، و لكن لو ترك الإزالة مع سعة الوقت و اشتغل بالصلاة عصى، لأنّه ترك الأهمّ، و إنّما الكلام في صحّة صلاته، فتحكم بالصحّة على الترتّب(1).
2. إذا كان بدن المكلّف أو ثوبه نجساً، و من جانب آخر كان محدثاً و ليس عنده من الماء إلّا بقدر أحد الأمرين: رفع الحدث أو الخبث. فبما أنّ لرفع الحدث بدلًا و هو التيمّم، يجب استعمال الماء في رفع الخبث، فصار رفع الخبث أهمّ، و رفع الحدث هو المهم. فلو عصى و استعمل الماء في رفع الحدث بالتوضّؤ أو الاغتسال، فصحّتهما مبنيّة على القول بالترتّب، أي توجّه الأمر إلى رفع الحدث عند العزم على عصيان الأمر بالأهم(2).
ص: 407
3. إذا كانت وظيفة المكلّف التيمّم لضيق الوقت عن استعمال الماء، و مع ذلك خالف فتوضّأ أو اغتسل، فصحّة الوضوء أو الغسل مبنية على صحّة الترتّب.(1).
4. إذا كان وضوء الزوجة مفوِّتاً لحقّ الزوج، مع سعة الوقت فتوضأت، فصحّة وضوئها مبنيّة على صحّة الترتّب(2).
5. إذا توقّف حفظ نفس محترمة على ترك الصلاة أو قطعها، فلو عصى و اشتغل بالصلاة، مبتدأ بها أو مستمرّاً فيها، فالصحّة مبنية على صحّة الترتّب.(3)
6. لو شرع في اليومية مع سعة وقتها، ثمّ ظهر له ضيق وقت صلاة الآية، يجب عليه قطعها و الاشتغال بصلاة الآية، فلو لم يقطعها و استمرّ في الصلاة، فالصحّة مبنية على القول بالترتّب(4) و مثله كلّ صلاة موسّعة عارضت صلاة مضيّقة، كالنافلة في وقت الفريضة مع ضيق وقتها.
7. إذا وجب السفر في شهر رمضان بإيجاب أهم من صومه، كسفر الحجّ، فلو عصى و لم يسافر توجّه إليه الأمر بالصوم بحيث لو أفطر وجبت عليه الكفّارة، كما يجب عليه الإتمام و لا يصحّ منه القصر، فكأنّ المولى يقول: سافر، و أفطر، و قصّر، و لو عصيت فصم و أتمم(5).
ص: 408
8 . إذا زاحم الصوم، حفظ نفس الغير أو عرضه أو زاحمه حفظ مال أهمّ في نظر الشارع من الصوم، و مع ذلك صام، فالصحّة مبنية على القول بالترتّب(1).
9. إذا كان اعتكاف الزوجة منافياً لحقّ الزوج، أو اعتكاف المستأجر منافياً لحقّ الأجير، فلو خالف و صام و اعتكف، فالصحّة مبنية على القول بالترتّب(2).
10. لو فرضت حرمة الإقامة على المسافر من أوّل الفجر إلى الزوال، فلو فرض أنّه عصى هذا الخطاب و أقام، فلا إشكال في أنّه يجب عليه الصوم و يكون مخاطباً به، فيكون في الآن الأوّل الحقيقي من الفجر قد توجّه إليه كلّ منحرمة الإقامة و وجوب الصوم و لكن مترتّباً، فيكون وجوب الصوم أو وجوب التمام مترتّباً على عصيان حرمة الإقامة. و كأنّه يقول: تحرم لك الإقامة، و إن عصيت بنيّة الإقامة، فصُم و اتمم.
11. لو فرض وجوب الإقامة على المسافر من أوّل الزوال، فلو عصى و لم ينو الإقامة وجب عليه القصر و إفطار الصوم، و كأنّه يقول: أقم و إن عصيت فقصّر و أفطر.(3)
ص: 409
قال في ارشاد العقول: و هذه النظرية لسيدنا الاستاذ السيد الخميني (1), و هي عبارة عن حفظ الأمر على الموضوعين بلا تقييد المهم بالعصيان، و ذلك بترتيب مقدّمات مفصّلة، نذكر ملخّصاً منها:
الأُولى: الأحكام تتعلّق بالطبائع
إنّ الأحكام الشرعية تتعلّق بنفس العناوين الكلّية، لا بها مع سائر الخصوصيات، فانّ الطبيعي في الخارج لا ينفك عن الزمان و المكان و سائر الملابسات، لكن المأمور به نفس الصلاة لا ضمائمها الكلّية، و هكذا النواهي، و ذلك لأنّ المحصِّل للغرض هو نفس وجود الطبيعة دون الضمائم و إن كانت الطبيعة لا تنفك عنها.
و بذلك يُعلم أنّ مراد القائل بتعلّق الأحكام بالأفراد ليس هو المصاديق الخارجية، بل الضمائم و المشخّصات الكلّية، فالوجوب في الصلاة يتعلّق بنفس الطبيعة لا بملازماتها، كالصلاة في المساجد و البيوت و الشوارع؛ و قس على ذلك، النواهي.
الثانية: الإطلاق: كون الطبيعة تمام موضوع الحكم
إنّ الإطلاق عبارة عن كون الطبيعة تمام الموضوع للحكم، ففي قولنا: اعتق رقبة «الرقبة» مطلق و مرسل عن القيد باسم المؤمنة، فهي تمام الموضوع، بخلاف المقيّد، فالمطلق فيها جزء الموضوع.
و أمّا تفسير الإطلاق بلحاظ سريان الطبيعة في أفرادها و أصنافها بأن يلاحظ المولى الرقبة في ضمن المؤمنة و الكافرة و العادلة و الفاسقة و هكذا فليس بتام، فما ربّما يفسر الإطلاق بكون الرقبة واجبة سواء أ كانت مؤمنة أم كافرة و هكذا، فهو إطلاق لحاظي
ص: 410
غير ثابت و لا دليل عليه، إذ يكفي بالاحتجاج بالمطلق جعله تمام الموضوع من دون لحاظ سيلانه أو سريانه في أصنافه و مصاديقه.
الثالثة: انّ الدليل غير ناظر لحال التزاحم
إذا تعلّق الحكم بنفس الإزالة فالمقنن في حال التقنين لا يلاحظ زمان تزاحمه بالصلاة و غيرها، و ذلك لأنّ الحكم المتعلّق بالصلاة متأخّر عن الحكم بوجوب الإزالة بمرحلتين، و ما يتأخّر عن الشي ء بمرحلتين، لا يصحّ أن يكون الحكم ناظراً إليه، و ذلك لأنّ الحكم بالإزالة متقدّم على تطبيق الحكم على الصعيد العملي، أعني: مقام الامتثال، كما هو متقدّم على حدوث التزاحم بينه و بين سائر الواجبات، فيكون الحكم بالإزالة متقدّماً على التزاحم برتبتين، فكيف يكون ناظراً لحال ما يتأخّر عنه برتبتين؟
أضف إلى ذلك انّ الأمر بالإزالة مشتمل على الهيئة و المادة، و الهيئة تدلّ على الوجوب و المادة على الطبيعة فليس هناك دالّ على صورة التزاحم.
الرابعة: ليس للحكم إلّا مرحلتان
المعروف أنّ للحكم الشرعي مراتب أربعة:
الف: مرحلة الاقتضاء، و هي مرحلة المصالح و المفاسد المقتضية لإنشاء الحكم.
ب: مرحلة الإنشاء، و هي إنشاء الحكم على وفق المصالح و المفاسد بالإيجاب في الأُولى و النهي في الثانية.
ج: مرحلة الفعلية: و هي مرحلة بيان الحكم على المناهج المعروفة سابقاً و لاحقاً.
د: مرحلة التنجّز: و هي قيام الحجّة عند المكلّف على حكم المولى.
لكنّه قدس سره أنكر كون الأُولى و الرابعة من مراحل الحكم، قائلًا: بأنّ مرحلة الاقتضاء من مقدّمات الحكم لا نفسه، كما أنّ مرحلة التنجّز مرحلة متأخّرة عن الحكم،
ص: 411
و هو حكم العقل بتنجّز الحكم على المكلّف و أثره استحقاق الثواب و العقاب و لا صلة للتنجّز بالحكم.
الخامسة: الخطاب الشرعي خطاب قانوني واحد
إنّ الخطابات الشرعية بل الأحكام مطلقاً سواء أ كان هناك خطاب أم لا خطاب أو حكم واحد، و هو بوحدته حجّة على عامّة المكلّفين، فالحكم أو الخطاب واحد، و المتعلّق كثير، مثلًا، قوله سبحانه: ﴿وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْت﴾(1) حكم واحد لا كثرة فيه و إن كان المتعلّق (الناس) فيه الكثرة لكن الحكم بوحدته بما انّه متعلّق بالناس حجّة على الجميع، فكلّ فرد وقف على ذلك الحكم، تتمّ الحجّة عليه لكونه من مصاديق الناس، و لا حاجة لتكثير الحكم و الخطاب حسب تعدد المكلّفين بأن يكون لكلّ فرد من أفراد المكلّفين حكم خاص أو خطاب كذلك.
و يشهد على ذلك الأُمور التالية:
1. قضاء الوجدان، فانّ من يخاطب الجمع الكثير لإنجاز عمل فإنّما يدعوهم إليه بخطاب واحد و لا يدعو كلّ فرد بخطاب خاص لكفاية وحدة الخطاب مع تعدد المتعلّق مع كون كلّ مكلّف مصداقاً للمتعلّق و مخاطباً به بنفس الخطاب الواحد.
2. لو صحّ انحلال الخطاب الواحد إلى خطابات في الجمل الإنشائية لصحّ في الجمل الإخبارية، فإذا أخبر بأنّ القوم جاءوا، و الحال انّه لم يجئ منهم أحد، فلو قلنا بالانحلال يلزم أن يحكم عليه بأنّه كذب حسب تعدد الأفراد مع أنّه لم يكذب إلّا كذبة واحدة.
3. لو قلنا بانحلال الخطاب يلزم خروج الكفّار و العصاة عن مصبِّ الخطابات، و ذلك لأنّ خطاب العاصي و الكافر أمر قبيح لا يصدر من الحكيم، فانّ من نعلم أنّه يعصي
ص: 412
على وجه القطع و الجزم لا نطلب منه شيئاً على وجه الجد، مع أنّ العصاة و الكفّار محكومون بالفروع، كما أنّهم محكومون بالأُصول، و هذا بخلاف ما إذا قلنا إنّ الخطاب واحد و هو حجّة على الكلّ سواء أطاع أم خالف، و لا يشترط في الخطاب القانوني إلّا وجود جماعة ينبعثون من بعث المولى أو ينتهون من نهيه، و لا يشترط انبعاث الكلّ أو انزجارهم.
و قد اشتهرت هذه المقدّمة عن سيّدنا الأُستاذ بأنّه يفرّق بين الخطابات الشخصية و الخطابات القانونية، و انّه لا حاجة في الخطاب القانوني إلى الانحلال في الخطاب و الحكم. و على هذه المقدّمة تدور رحى النظريّة: اجتماع خطابين عرضيين في وقت واحد.
السادسة: انّ الأحكام غير مقيّدة بالقدرة
المعروف أنّ الأحكام الشرعية مقيّدة عقلًا بالقدرة، و ذلك لأنّ خطاب العاجز أمر قبيح، بل أمر محال، إذ لا تنقدح الإرادة في ذهن المولى الذي يعلم بعجز المخاطب.
هذا هو المعروف، غير أنّ سيدنا الأُستاذ أنكر هذه المقدّمة و ذهب إلى أنّه ليس للعقل التصرّف في حكم الغير و الشرع غير العقل فلا تكون الأحكام مقيّدة بالقدرة.
فإن قلت: إنّ خطاب العاجز قبيح بل محال فكيف للشارع الأمر به أو الحكم عليه؟
قلت: فرق بين الخطاب القانوني و الخطاب الشخصي، فما ذكرته صحيح في الخطاب الشخصي، إذ لا يصحّ خطاب العاجز مع العلم بعجزه، بخلاف الخطابات القانونية فانّ الحكم فيها واحد و الكثرة في المتعلّق، و ليس لكلّ فرد حكم و خطاب حتّى يطلب لنفسه التقيّد بالقدرة، بل خطاب واحد متعلّق بالعنوان و هو حجّة على الجميع.
ص: 413
نعم يشترط في الخطاب القانوني وجود جماعة مستعدّة لامتثال أمر المولى و الانتهاء بنهيه حتّى لا يكون جعل الحكم لغواً.
فإن قلت: هذا يدلّ على أنّ الحكم الشرعي غير مقيّد بالقدرة عقلًا و لكن لا مانع من القول بتقيّد الأحكام بالقدرة الشرعية.
قلت: إنّ لازم هذه النظرية هو إجراء البراءة عند الشكّ في القدرة، لأنّ مرجع الشكّ إلى الشكّ في وجود شرط التكليف، و الأصل عدم وجوده، مع أنّهم لا يلتزمون بها عند الشكّ في القدرة، بل الكلّ صائرون إلى القول بالاحتياط مع الشكّ فيها، و لذلك لو شكّ في الاستطاعة أو بلوغ النتاج، النصاب وجب الفحص، و لا تجري البراءة.
السابعة: كلّ من الضدين أمر مقدور
إنّ المأمور به هو كلّ من الضدّين بما هو هو و ذلك أمر مقدور، و أمّا غير المقدور فهو الجمع بين الضدّين و هو ليس بمأمور به، مثلًا: إذا زالت الشمس و قامت حجّة على إزالة النجاسة عن المسجد و قامت حجّة أُخرى على صلاة الظهر، فهناك حجّتان تامتان قامتا على العبد كلّ يطلب نفسه و لا يطلب الجمع، فقيامهما في هذه الحالة كقيام الحجّتين عند طلوع الفجر في شهر رمضان فكلّ حجّة في مفاده سواء أ كانتا غير متزاحمتين كما في الصوم و الصلاة أو متزاحمتين كما في الإزالة و الصلاة.
هذا هو حال الشرع، و أمّا العقل فإن رأى التكليفين متساويين في الأهمية حكم بالتخيير بين الأمرين، فيكون في ترك الأمر الآخر معذوراً من دون أن يقيد أحد الأمرين بترك الآخر، و أمّا لو كان أحدهما أهم من الآخر فيحكم العقل بتقديم الأهم على المهم على نحو لو اشتغل بالأهم يكون في ترك الآخر معذوراً و لو اشتغل بالمهم فقد امتثل أحد
ص: 414
التكليفين لكن لا يكون معذوراً في ترك الأهم، كما أنّه لو ترك اشتغاله بالأهمّ و المهمّ معاً فلا يكون معذوراً في ترك الأمرين.
إذا عرفت هذه المقدّمات السبع، فقد استنتج قدس سره من هذه المقدّمات بقاء الحكمين أو الخطابين على الموضوعين من دون تقييد الأمر بالمهم بالعصيان، و ذلك لما مرّ في المقدّمة الخامسة من أنّ الخطابات الشخصية تختلف عن الخطابات القانونية، فالخطاب الشخصي ناظر إلى صورة الابتلاء فلا محيص من تقييد الخطاب بالمهم بترك الأهم و عصيانه، و أمّا الخطابات القانونية فبما انّ الخطاب واحد و هو غير ناظر إلى حالة التزاحم بحكم المقدّمة الرابعة فلا داعي لتقييد امتثال الأمر بالمهم بعصيان الأوّل.
فخرج بهذه النتيجة بقاء الحكمين و الخطابين بحالهما عند الابتلاء بالتزاحم غاية الأمر للمكلّف تحصيل العذر في ترك أحدهما، فلو امتثل الأمر بالأهم فقد حصّل العذر، و إن امتثل الأمر بالمهم لم يحصّل العذر في ترك الأهم، و إن عصى كلا الأمرين فلم يحصّل عذراً أبداً.
و بهذا تبين انّ الأهم و المهم نظير المتساويين في أنّ كلّ واحد مأمور به في عرض الآخر، و هذان الأمران العرضيان فعليّان متعلّقان بعنوانين كلّيين من غير تعرّض لهما لحال التزاحم و عجز المكلّف، إذ المطاردة التي تحصل في مقام الإتيان لا توجب تقييد الآخرين أو أحدهما أو اشتراطهما أو اشتراط أحدهما بحال عصيان الآخر لا شرعاً و لا عقلًا، بل تلك المطاردة لا توجب عقلًا إلّا المعذورية العقلية في ترك أحد التكليفين حال الاشتغال بالآخر في المتساويين و في ترك المهم حال اشتغاله بالأهم(1).
ص: 415
الجواب علی المقدّمة الخامسة :
اما ما أفاده في المقدّمة الخامسة فقياس مع الفارق اولا, فانه استدلّ على نفي الانحلال بأنّه لو صحّ الانحلال في الإنشاء لصحّ في الإخبار، و لو صحّ في الإخبار يلزم أن يُحكم على القائل بأنّ النار باردة انّه كذب بعدد وجود النار في العالم ماضية و حاضرة، فلا ملازمة بين الانحلال في الانشاء و بينه في الاخبار ففي الاول طلب و لا طلب في الثاني حتی ينحل و انما هو کلام واحد و إن كان الموضوع وسيعاً و عليه فلا يلزم منه إلّا كذباً واحداً، فلو جاء القوم و لم يجئ واحد منهم لم يكذب إلّا كذباً واحداً، إذ لم يصدر منه إلّا كلام واحد مع وحدة المجلس, و ذلک لان الصدق و الکذب من صفات الکلام لا من صفات الواقع الذي يحکي عنه ذلک الکلام فوحدة الاکاذيب و تعددها تابعة لوحدة الکلام و تعدده و لا شک ان الاخبار عن برودة الماء ليس الّا کلاما واحدا و عليه فلا يلزم منه الّا کذبة واحدة .
و ثانيا: ما المراد من توجيه الخطاب إلى العنوان؟ فان أُريد منه العنوان الذهني بما هو هو فهو واضح البطلان، و ذلک لانه من الواضح عدم تعلق العناوين بما هي عناوين ذهنية بل يتعلق الحکم بالعناوين بما هي حاکية عن واقع معين, فوجوب الحج في قوله تعالی ﴿و لله علی الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا﴾ تعلق بالمستطيع لا بما هو عنوان کلي ذهني بل بما هو حاک الی الافراد المستطيعين في الخارج و عليه فيکون متعلق التکليف الافراد لا العناوين الکلية کما هو مقتضی الخطاب القانوني و لا يلزم من الانحلال حينئذ لغوية تعدد الخطاب بعد عدم کفاية الخطاب الکلي لتعلق التکليف به .
ص: 416
و إن أُريد العنوان الذهني بما هو مرآة إلى الأفراد الخارجية، فعندئذ يكون المخاطب هو المصاديق لا العنوان، و هذا عين القول بالانحلال، و عندئذ يتعدد التكليف بتعدد المكلّفين و إن كان إنشاءً واحداً, و حتی لو کان العنوان المأخوذ موضوعا انتزاعياً صادقاً على الافراد، منطبقاً عليها، ففي مثله يكون الحكم ايضا منحلا الی الافراد .
و اما ما قيل من کونه مجعولًا على العنوان باقياً عليه، غير منحدر عنه إلى الأفراد الخارجية، لكنّه على وجهٍ, كلّ من وقف عليه يتخذه حجّة على نفسه، وفي مثله لا يصحّ الانحلال، لعدم كون العنوان، مشيراً مغفولًا عنه(1). فلا تخفی مغالطته لان کونه «على وجهٍ, كلّ من وقف عليه يتخذه حجّة على نفسه» عين الانحلال الی الافراد و لا معنی له غير ذلک .
ثالثا: ان لازم عدم الانحلال هو التفصيل في الخطابات القانونية بين الاطلاقات و العمومات اذ لا شک في انحلال الخطاب الصادر بنحو العموم الافرادي الی احکام متعددة بعدد الافراد کما اعترف بذلک هو حيث قال «ان الحکم في الحقيقة علی الافراد المتصورة بالوجه الاجمالي و هو عنوان کل الافراد فعنوان الکل و الجميع متعلق الحکم و لما کان هذا العنوان موضوعا للکثرات بنحو الاجمال فباضافته الی الطبيعة يفيد افرادها بنحو الاجمال»(2).
قلت: و لا وجه لهذا التفصيل و ذلک لان الاحکام لا تختلف بين ان يکون الدال عليها عاما ام مطلقا فلا فرق بين المطلق و العام من هذه الجهة کما هو واضح , و ان کانت دلالة العام الافرادي علی الانحلال بالمطابقة و دلالة المطلق عليه بالالتزام .
ص: 417
رابعا: ثم ان لازم عدم الانحلال هو عدم الفارق بين العام المجموعي و العام الافرادي لان الذي يميزهما عن بعضهما هو الانحلال الی احکام متعددة في الافرادي دون المجموعي .
خامسا: و ايضا من لوازم عدم الانحلال هو عدم تمکن المکلف من قصد الامر لعدم توجهه اليه حتی يمکنه قصده مع انه لا خلاف في امکان قصده لکل مکلف و هو يعني توجه الامر الی اشخاص المکلفين بعد اندراجهم تحت عنوان و خطاب واحد .
ثمّ انه قال: أنّه يلزم من القول بالانحلال امران لا يلتزم الفقيه بهما و هما:
الاشکال الاول: يلزم على القول بالانحلال عدم صحّة خطاب العصاة و الكفار، فإنّ خطاب من لا ينبعث قبيح، أو غير ممكن، لأنّ الإرادة الجزئية لا تنقدح في لوح النفس إلّا بعد حصول مبادئ، و منها احتمال الانبعاث، و المفروض عدمه.
و فيه:
اولا: ان تکليف من لا ينبعث لا قبح فيه و دعواه بلا دليل, بل الدليل دال علی امکانه فقد کلف الله تعالی و هو الحکيم ابليس بالسجود فابی و استکبر .
ثانيا: ان هذا المحذور غير وارد اصلا لان الداعي الی البعث و الزجر هو اللطف الالهي علی العباد لا الانبعاث نحو التکليف حتی يلزم من عدم انبعاثهم لغوية توجيه الخطاب اليهم .
الاشکال الثاني: يلزم اختصاص الأحكام الوضعية بمحل الابتلاء، فالخمر نجس لمن يبتلي به دون غيره، و هو على خلاف ضرورة الفقه من غير فرق بين القول بكونها تابعة للأحكام التكليفية و منتزعة عنها، كما هو واضح لأنّ المتبوع إذا كان مختصّاً بالمبتلي
ص: 418
فالتابع مثله أو كونها مستقلة بالجعل فانّه إنّما هو بلحاظ الآثار، و مع الخروج عن محل الابتلاء لا يترتب عليها آثار، فلا بدّ من الالتزام بأنّ النجاسة و الحلّية و الأُمور النسبية بلحاظ المكلّفين(1).
و فيه: ان الحق عدم اختصاص الأحكام الوضعية بمحل الابتلاء کما سيأتي في اصالة الاشتغال .
و اما ما أفاده في المقدّمة السادسة من أنّ الأحكام الشرعية غير متقيّدة بالقدرة عقلاً و إلّا يلزم تصرّف العقل في حكم الغير، و لا شرعاً و إلّا يلزم إجراء البراءة عند الشكّ في التكليف، ففيه:
اولا: أنّ العقل دوره دور الكشف عن الواقع و هذا هو المراد من حکم العقل, لا التصرّف، فإذا وقف العقل على صفات الشارع من انّه حكيم يستکشف انّه لا يوجه الحكم إلّا إلى القادر لا الأعم منه و العاجز، فالأحكام الشرعية مقيّدة بالقدرة لدلالة حکم العقل علی ذلک من دون أن يتصرّف في حكم الشرع.
ثانيا: مضافا الی ما دل من ان الاحکام الشرعية مقيدة بالقدرة عليها کقوله تعالی ﴿لا يکلف الله نفسها الّا وسعها﴾(2) الحاکم علی الادلة الاولية .
ثالثا: ان ما ذکره من عدم اشتراط القدرة في التکليف ليس الّا خلطا بين قيد الموضوع و قيد المتعلق فان عدم اشتراط القدرة انما يکون في المتعلق کالميتةالتي تعلقت بها حرمة الاکل فان حرمة الاکل ثابتة و ان لم تکن جميع افرادها تحت القدرة, بخلاف
ص: 419
موضوع التکليف في الواجبات العينية فان الالتزم بکون الموضوع فيها هو طبيعة المکلف مناف للالتزم بعينية التکليف بل يلزم منه کون التکليف کفائيا و عليه فلابد من الالتزام بانحلال الخطاب الی کل المکلفين فان البعث و الزجر انما يتعلقان بالافراد لا بالطبيعة المهملة .
و اما قوله: إنّ لازم هذه النظرية هو إجراء البراءة عند الشكّ في القدرة، لأنّ مرجع الشكّ إلى الشكّ في وجود شرط التكليف، و الأصل عدم وجوده، مع أنّهم لا يلتزمون بها عند الشكّ في القدرة، بل الكلّ صائرون إلى القول بالاحتياط مع الشكّ فيها، و لذلك لو شكّ في الاستطاعة أو بلوغ النتاج، النصاب وجب الفحص، و لا تجري البراءة.
ففيه: ان هذه المسألة لم تعنون عند المتقدمين و لا عند المتأخرين و انما هي من المسائل الحادثة بين المعاصرين و بتعبير اخر هي من نتائج علم الاصول في الفترة المعاصرة و عليه فلا يمکن نسبتها لکل العلماء, مضافا الی انهم لا يلتزمون بالاحتياط مطلقا و في کل الموارد بل في هذه الموارد المعدودة, و لعلها لخصوصية فيها او لان الظن بالشرط يقوم مقام العلم کما حکي عن البعض, و الّا فالبراءة هي المحکمة.
و اما ما قيل: من أنّ كلّ شرط لا يعلم وجوده و عدمه إلّا بالفحص يجب الفحص عنه، و لذلك يجب التفحّص عن الاستطاعة في الحج، و النصاب في الزكاة و القدرة في كلّ الأحكام، و إلّا يلزم تعطيل قسم كبير من الأحكام(1).
ففيه: ما ذکره هو في باب البرءة من قوله: و أمّا الموضوعية، فالمشهور انّ التمسّك بها ليس رهناً للتفحص، فلو دار أمر المائع بين كون خلًا أو خمراً يجوز ارتكابه بلا فحص
ص: 420
و إن انتهى إلى شرب الخمر. و احتجّوا عليه بأنّ الاحتجاج فرع ثبوت الصغرى و الكبرى، و الثانية و إن كانت متحقّقة أي تعلم انّ كلّ خمر حرام و لكن الصغرى غير محرزة فلا يحتج بالكبرى المجرّدة عن الصغرى(1).
و اما ما اجاب به من أنّ الاحتجاج و إن كان فرع إحراز الصغرى، لكنّه لو كان إحرازه أمراً سهلًا غير موجب للعسر و الحرج يصحّ الاحتجاج بالصغرى التي لو تفحص عنها لعثر عليها. و لذلك أفتى الأصحاب بلزوم الفحص في بعض الشبهات الموضوعية حتى أنّ الشيخ رحمه الله استثنى الموارد الثلاثة: الدماء و الأعراض و الأموال، كما أنّ الفقهاء أفتوا بوجوب الفحص في الموارد التالية:
1. إذا شكّ في مقدار المسافة هل هي مسافة شرعية أو لا؟
2. إذا شكّ في بلوغ الأموال الزكوية إلى حدّ النصاب.
3. إذا شكّ في زيادة الربح على المئونة حتى يخمس.
4. إذا شكّ في حصول الاستطاعة إلى الحجّ.
5. إذا شكّ في مقدار الدين مع العلم بضبطه في السجل(2).
ص: 421
ففيه: ان التفصيل بين ما يسهل الفحص عنه و بين غيره خلاف المشهور و لا دليل عليه, و اما استثناء الشيخ للدماء فلاهميتها عقلا و شرعا فمن يشک في الشيء الذي علی الشجرة من بعيد هل هو انسان ام طير فهل يحق له قتله بحجة اصالة البراءة؟ وکذلک فيما يهم من الاعراض و الاموال علی تردد فيهما, و اما ما ذکره من الموارد الخمسة فقد تقدم الجواب عنها انفا, و قوله: «و إلّا يلزم تعطيل قسم كبير من الأحكام» فعلی فرضه مجرد استحسان و هو ليس من مذهبنا.
قال في الکفاية: لا يجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه خلافا لما نسب (1) إلى أكثر مخالفينا(2) ضرورة أنه لا يكاد يكون الشي ء مع عدم علته كما هو المفروض هاهنا فإن الشرط من أجزائها و انحلال المركب بانحلال بعضأجزائه مما لا يخفى و كون الجواز في العنوان بمعنى الإمكان الذاتي بعيد عن محل الخلاف بين الأعلام(3).
ثمرة البحث
تظهر الثمرة في لزوم الكفّارة على من أفطر يوم شهر رمضان مع فقد شرط المأمور به في الواقع، دون أن يكون المكلّف عالماً به، كما إذا أفطر ثمّ مات قبل دخول الليل فعلى القول بصحّة التكليف تجب عليه الكفارة بخلاف القول بعدم صحّته، لفقدان الشرط.
ص: 422
اقول: هذه الثمرة تامة الّا اذا قام دليل خاص علی خلافها کما اذا کانت الكفّارة تدور على الإفطار بلا عذر کما هو المفروض فانّه أفطر بلا عذر ثمّ مات.
قال في الکفاية: الحق أن الأوامر و النواهي تكون متعلقة بالطبائع دون الأفراد و لايخفى أن المراد أن متعلق الطلب في الأوامر هو صرف الإيجاد كما أن متعلقه في النواهي هو محض الترك و متعلقهما هو نفس الطبيعة المحدودة بحدود و المقيدة بقيود تكون بها موافقة للغرض و المقصود من دون تعلق غرض بإحدى الخصوصيات اللازمة للوجودات بحيث لو كان الانفكاك عنها بأسرها ممكنا لما كان ذلك مما يضر بالمقصود أصلا ... و في مراجعة الوجدان للإنسان غنى و كفاية عن إقامة البرهان على ذلك(1).
و قبل الدخول في الموضوع لابد من تشخيص المراد من الطبيعة و الفرد فنقول:
أنّ المراد بالطبيعة في هذا البحث ليس نفسها بما هي هي, و ذلک لأنّها لا تصلح لأن يتعلق بها أمر و لا نهي، ضرورة أنّ الملاكات الداعية إلى التشريع لا تقوم بها حتى تتعلّق بها الأحكام التابعة للملاكات، بل تقوم بوجود الطبائع، فالمطلوب هو نفس الوجود السّعي للطبيعة بما هو وجود، لا بما هو فرد،فلوازم الوجود المقوّمة لفردية الفرد خارجة عن حيّز الطلب، و لذا لا تصح نية القربة بها، لعدم تعلّق الأمر بها و إن كانت من لوازم المطلوب.
ص: 423
و من هنا يظهر: المراد بالفرد أيضا، فانّه لوازم الوجود الّتي تقع في حيّز الطلب، و يصح قصد التقرب بها، لوقوعها في حيّزه، و لا يلزم من نيّة التقرب بها تشريع، كما يلزم ذلك- بناء على القول بتعلّق الحكم بالطبيعة-، كما لا يخفى.
و من هنا يظهر انه ليس المراد من الطبيعة يعني الماهية الحقيقية التي لو وجدت في الخارج لكانت من إحدى الحقائق الكونيّة و تكون داخلة تحت مقولة واحدة كالإنسان الذي هو داخل تحت مقولة الجوهر. و لا المراد من الافراد المصاديق الخارجية من أفراد الطبيعة بحيث يتعلّق الأمر أوّلًا و بالذات بنفس الفرد لا على العنوان حتّى يكون مرآة لها, و ذلک لانه لو تعلّق الأمر بالفرد الخارجي، يلزم تحصيل الحاصل، إذ بعد وجود الفرد الذي هو متعلّق الأمر لا معنى للبعث إليه، فانّ ظرف الفرد بهذا المعنى ظرف سقوط الأمر لا تعلّقه.
و على هذا فالنزاع في أنّ المأمور به هو الطبيعي بما هو هو أو هو مع المشخّصات و الأعراض الكلية.
فمن قال بالأوّل فقد جعل الواجب هو الحيثية الطبيعية و من قال بالثاني جعل الواجب الحيثيتين الطبيعية و الضمائم المقترنة بها.
فإذا فرضنا انّه توضأ بماء حار في البرد القارص، فهل متعلّق الأمر هو نفس التوضؤ بالماء، أو أنّ متعلّقه هو الضميمة المقترنة بها كحرارة الماء؟ فلو افترضنا انّه قصد القربة في أصل الوضوء دون الوضوء بالماء الحارّ، فعلى القول بأنّ متعلّقه هو الطبيعة يصحّ وضوؤه دون القول الثاني لأنّه لم يقصد القربة في الضمائم.
ص: 424
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي اعترض على تفسير الفرد بالمعنى المختار فقال: إنّ تشخّص الطبيعي بنفس وجوده، و تشخّص الوجود بذاته، و أمّا الأُمور الملازمة للوجود الجوهري خارجاً التي لا تنفك عنه، كأعراضه من الكم و الكيف و الأين و الوضع و غيرها، فهي موجودات أُخرى في قبال ذلك الموجود و مباينة له ذاتاً و حقيقة، و متشخّصات بنفس ذواتها، و افراد لطبائع شتّى، لكلّ منهاوجود و ماهية فلا يعقل أن تكون الأعراض مشخّصات لذلك الوجود لما عرفت من أنّ الوجود هو نفس التشخّص، فلا يعقل أن يكون تشخّصه بكمه و كيفه و أينه و وضعه(1).
و اجيب: بأنّه خلط بين المصطلحين: مصطلح الفلاسفة و ما اصطلح عليه الأُصوليون.
توضيح ذلك: قد كان الرأي السائد قبل الفارابي (المتوفّى 339 هج) على أنّ التشخّص بالاعراض و انّ الجواهر تتشخّص بالكم و الكيف و سائر الاعراض، فالإنسان الطبيعي بالبياض و السواد يتميّز عن الآخر، كما أنّه بطول قامته و قصرها يتميّز عن الآخر و هكذا.
و لكن انقلب الرأي السائد في عصر الفارابي إلى يومنا هذا بأنّ تشخّص الإنسان بوجوده، و مع قطع النظر عن الوجود فالإنسان كلّي، و ضم كلي) العرض (إلى كلي آخر لا يفيد التشخّص، فإذاً التشخّص الخارجي، يتحقق بنفس وجود الجوهر فله طبيعة و وجود، كما أنّ للعرض طبيعة و وجوداً، فالوجود هو الذي يضفي التشخّص على الجوهر و على العرض، فتعيّن الجوهر بوجوده كما أنّ تعيّن العرض به و لا يتشخّص الجوهر لا بطبيعة العرض و لا بوجوده.
ص: 425
هذا هو مصطلح الفلاسفة المتأخرين عن الفارابي و لكنّ للتشخّص اصطلاحاً آخر عند الأُصوليين و هو مبنيّ على الفهم العرفي، حيث إنّ تميّز فرد عن فرد آخر عند العرف بعوارضه و اعراضه ككون زيد أبيض و أطول من عمرو الذي هو أسود و أقصر، أو كون زيد ابن فلان و عمرو ابن فلان آخر، فهذه الاعراض تميّز الجواهر بعضها عن بعض. و كلّ من المصطلحين صحيح في موطنه، ففي الدقّة العقلية التشخّص مطلقاً بالوجود لا بالاعراض و لكن التشخّص بين الناس إنّما هو بالاعراض و لكل قوم مصطلحهم و مشربهم(1).
و بذلک يظهر ضعف أنکار المحقق الخوئي للثمرة الاتية المترتبة على كلا القولين - من صغرويّتها لكبرى التزاحم بناء على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، و لكبرى التعارض بناء على التعلّق بالأفراد - فهو يری أنّ الأمر على كلا القولين تعلّق بالصلاة أو بفرد ما منها، و لم يتعلق بفرد ما من هذهالطبيعة و فرد ما من الطبائع الأُخرى الملازمة لها في الوجود الخارجي، و على ذلك فالقائل بتعلّق الأمر بالطبائع يدّعي تعلّقه بطبيعة الصلاة مع عدم ملاحظة أيّة خصوصية من الخصوصيات، فقال: ان تلك اللوازم و الاعراض كما انها خارجة عن متعلق الأمر على القول بتعلقه بالطبيعة كذلك هي خارجة عن متعلقه علی القول بتعلقه بالفرد، ضرورة ان محل الكلام في المسألة إنما هو في تعلق الأمر بالطبيعة أو بفرد ما من أفراد تلك الطبيعة. و اما الطبائع الأخرى و أفرادها فجميعاً خارجة عن متعلق الأمر على كلا القولين، بداهة انه لم يرد من القول بتعلقه بالفرد تعلقا بفرد ما من هذه الطبيعة و فرد ما من الطبائع الأخرى الملازمة لها في
ص: 426
الوجود الخارجي و لنأخذ مثالا لذلك كالصلاة- مثلا- فان القائل بتعلق الأوامر بالطبائع يدعي ان الأمر تعلق بطبيعة الصلاة مع عدم ملاحظة أية خصوصية من الخصوصيات، و القائل بتعلقها بالأفراد يدعي انه تعلق بفرد ما من أفرادها، و لا يدعي انه تعلق بفرد ما من أفرادها و أفراد الطبائع الأخرى كالغصب أو نحوه، ضرورة أنه لا معنى لهذه الدعوى أبدا، كيف فان الأمر على الفرض متعلق بالصلاة على كلا التقديرين و ليس هو متعلقاً بها و بغيرها مما هو ملازم لها وجودا و خارجاً، و قد عرفت ان تلك الاعراض و اللوازم وجودات أخرى و أفراد لطبائع غيرها و مقولات مختلفة لكل منها وجود و ماهية مباين لوجود المأمور به و ماهيته(1), فلا فرق بين القولين عنده و قد عرفت ضعفه.
إذا عرفت هذا فاستدل المحقق الخراساني علی تعلق الاوامر بالطبيعة بان الأمر لا يتعلّق إلّا بما هو دخيل في غرض المولى و لا يتعلّق بما ليس له دخل فيه، و من المعلوم أنّ المؤمِّن لغرض المولى هو نفس الطبيعة مع قطع النظر عن الضمائم و المشخّصات الفردية بحيث لو أمكن أن توجد الطبيعة مجرّدة عن الضمائم و المشخّصات لكان صالحاً للامتثال، غير أنّ الطبيعة لا تتحقّق فيالخارج بلا ضمائم, و في مراجعة الوجدان للإنسان غنى و كفاية عن إقامة البرهان على ذلك.
ص: 427
استدلّ القائل بتعلّق الأوامر بالافراد بأُمور و هي کالتالي:
1. انّ الطبيعة ليست موجودة في الخارج و إنّما الموجود هو الفرد، فكيف يكون ما ليس موجوداً في الخارج متعلقاً للأمر؟
و فيه: ان المراد من قولهم «انّ الطبيعي موجود بوجود أفراده» هو أنّ تحقق الفرد عين تحقّق الطبيعة و هي تتحقّق في ضمن كلّ فرد مع تكثّر الأفراد. فإذا كان في مجلس عشرة أشخاص فهناك طبائع كثيرة حسب تكثّر الأفراد، فزيد إنسان تام كما أنّ عمرو إنسان تام آخر و هكذا.
2. قد اشتهر أنّ الطبيعة بما هي هي ليست إلّا هي، فهي لا موجودة و لا معدومة، و لا مطلوبة و لا مبغوضة، فإذا كان هذا مقام الطبيعة و شأنها فكيف تكون متعلّقة للأمر؟
و فيه: أنّ المراد من سلب الوجود و العدم أو المطلوبية و المبغوضية عن الماهيّة هو عدم كون هذه الأُمور في مرتبة الماهية، إذ لو كان الوجود أو العدم مأخوذين في مرتبتها لأصبحت واجبة الوجود أو ممتنعة فلا محيص عن توصيف الماهية بالإمكان بمعنى سلب الوجود و العدم عن حدّها و كونهما غير مأخوذين في تلك المرحلة، و هكذا المطلوبية و المبغوضية فليستا في حد الماهية، إذ لو كانت الأُولى مأخوذة لما صحّ السلب عنه في ظرف من الظروف، و هكذا العكس.
و مع هذا الاعتراف تكون الماهية في مرتبة دون حدها موجودة معدومة مطلوبة و مبغوضة.
ص: 428
و إن شئت قلت: إنّ الماهية بالحمل الأوّلي ليست واجدة لهذه الأُمور بشهادة انّ مفهوم الإنسان غير مفاهيم هؤلاء، و أمّا بالحمل الشائع الصناعي فلا شك انّ الإنسان موجود و العنقاء معدومة و الصلاة مطلوبة و شرب الخمر مبغوض.
3. انّ الطبيعي الصرف لا يقضي حاجة الإنسان و إنّما القاضي لها هو وجوده الخارجي و معه كيف يكون الطبيعي الصرف متعلقاً للبعث و الزجر؟
و فيه: أنّ البعث يتعلّق بالطبيعي الصرف من كلّ قيد, لكن الغاية من البعث إليه هو إيجاده، فإذا قال: اسقني، فقد بعثه إلى السقي من دون تجاوز الطلب عن السقي إلى شي ء آخر لكن الغاية هو إيجاده.
و قد يقال في الجواب عن الإشكال بأنّ الطبيعة تؤخذ مرآة للخارج شأن كلّ المفاهيم فإذا قال: اسقني، فقد جعل السقي مرآة إلى الحيثية الوجودية و الجهة العينية من الطبيعي فيطلب الطبيعي بما هو حاك عن الخارج و مرآة له.
و فيه: أنّ الطبيعة لا يمكن أن تكون مرآة إلى الافراد، لأنّ اللفظ لا يحكي إلّا عن معناه، و المفروض انّ الخصوصيات الفردية خارجة عن الموضوع له، فكيف تدلّ الطبيعة عليها؟ و مجرّد اتحاد الطبيعة مع المشخّصات الفردية لا يكون سبباً لحكاية الطبيعة عن الملازمات فلا بدّ من إرادة المشخّص من لفظ و دالّ آخر، و المفروض عدمه.
4. انّ المتلازمين يجب أن يكونا متّحدين في الحكم، فإذا تعلّق البعث بالطبيعة، يجب أن يتعلّق بلوازمها و ضمائمها.
و فيه: أنّ المتلازمين يجب أن يكونا غير متضادين في الحكم كأن يكون أحدهما واجباً و الآخر محرّماً، أمّا اتحادهما في الحكم فلا کما تقدم.
ص: 429
من جملة ثمرات هذه المسألة هي: صغرويّتها لكبرى التزاحم بناء على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، و لكبرى التعارض بناء على التعلّق بالأفراد.
إذ على الأوّل: يكون متعلّق الأمر و النهي متعدّدا، كالصلاة في مكان مغصوب، فإنّ متعلّق الأمر طبيعة الصلاة المتوقّف وجودها على لوازمه من المكان و الزمان و غيرهما من اللوازم التي يتوقّف وجود الصلاة عليها من دون سراية الأمر إليها، و لذا يكون إيجادها بقصد الأمر تشريعا محرّما. و متعلّق النهي أيضا طبيعة التصرّف في مال الغير المتوقّف وجودها على لوازمه من القيام، و القعود، و الركوع، و السجود، و نحوها من اللوازم الّتي يتوقّف وجود التصرّف في مال الغير عليها من دون سراية النهي إليها.
و على هذا، فالصلاة تكون من لوازم وجود التصرّف المحرّم من دون سراية حرمته إليها، لما عرفت: من خروج لوازم الوجود عن حيّز الطلب. كما أنّالغصب يكون من لوازم وجود الصلاة الواجبة من دون سراية وجوبها إليه، لما قلناه, فمتعلق الأمر و النهي متعدّد، و لا علاقة لأحدهما بالآخر.
و على هذا، فمسألة اجتماع الأمر و النهي تندرج في كبرى التزاحم، و لازمه صحّة الصلاة في المغصوب نسيانا و جهلا بكلّ من الحكم و الموضوع، لترتّب المانعية على التزاحم المنوط بالتنجّز الّذي يتوقّف على قيام الحجّة على الحكم، فبدونها- كما هو المفروض- لا تزاحم، فلا مانعية للغصب.
ص: 430
بل مقتضى التزاحم صحّة الصلاة في المغصوب في صورة العلم أيضا، إلّا أن يقوم دليل على الفساد، و ذلك لتعدّد الصلاة و الغصب، و كون تركّبهما انضماميّا من طبيعتين متغايرتين، فيكون باب اجتماع الأمر و النهي من صغريات التزاحم كالصلاة و الإزالة.
و بالجملة: مقتضى قاعدة التزاحم صحّة الصلاة في المغصوب مطلقا حتى مع العلم بالغصب و حكمه.
و على الثاني و هو: تعلّق الطلب بالأفراد، بمعنى: وقوع لوازم الفرد تحت الطلب، بحيث يصحّ قصد التقرّب بها، و يخرج عن التشريع المحرّم, يكون باب اجتماع الأمر و النهي من صغريات التعارض، لاتحاد متعلّقهما، و من صغريات النهي في العبادة، و يترتّب عليه مانعية الغصب للصلاة واقعا، إذ المفروض وقوع فرد الصلاة في حيّز النهي عن العبادة الموجب لبطلانها، و لازم المانعية الواقعيّة بطلان الصلاة مطلقا حتى في حال الجهل بالموضوع، إلّا إذا نهض دليل على صحتها تعبّدا.
و تظهر الثمرة ايضا في مثل ما إذا توضأ في الصيف بماء بارد و قصد القربة في أصل الوضوء لا في الضمائم، فلو قلنا بتعلّق الأمر بالطبائع يكفي وجود القربة في أصل التوضّؤ بالماء، و أمّا لو قلنا بتعلّقها مضافاً إلى الطبائع بالافراد أي اللوازم و المقارنات يبطل الوضوء لعدم القربة فيها، بل الغاية منها هو التبرّد.
عُرِّف الواجبُ التخييري بما له بدل و يسقط بإتيان بدله، و اختلفوا في بيان ما هو واقع الواجب التخييري, قال في الکفاية: إذا تعلق الأمر بأحد الشيئين أو الأشياء ففي وجوب
ص: 431
كل واحد على التخيير بمعنى عدم جواز تركه إلّا إلى بدلأو وجوب الواحد لا بعينه أو وجوب كل منهما مع السقوط بفعل أحدهما أو وجوب المعين عند الله أقوال(1).
اقول: ذهب الی الاول أصحابنا و جمهور المعتزلة, و ذهب الأشاعرة إلى الثاني يعني أنّ أحد الأبدال واجب لا بعينه, و نسب الثالث و الرابع إلى المعتزلة(2).
و مصب هذه الأقوال مرحلة الثبوت، إذ لا إشكال في الوجوب التخييري في مقام الإثبات، ضرورة وقوعه في الشرعيّات كخصال كفّارة الصوم ودية قتل العمد و غيرهما, و وقوعه في العرفيّات، و انما الإشكال في تصويره و بيان ما هو واقعه.
الاشکال الاول: أنّ الإرادة الّتي هي من الصفات النفسانيّة لا بد و أن تتعلّق بأمر معيّن، و لا يمكن أن تتعلّق بأمر مردّد بين أمرين.
و قد تفصّي عنه بوجوه:
الأول: ما أفاده المحقق النائيني ره: «من أنّ الواجب هو العنوان المردّد، أعني: أحد الفعلين أو أحد الأفعال قائلاً: بأنّ الخصوصيات المعتبرة في الإرادة على قسمين، فتارة تعتبر فيها لا لخصوصية كونها تكوينية، بل لكونها إرادة، فهذا النوع من الخصوصية
ص: 432
معتبرة في التشريعية أيضاً، و أُخرى يكون اعتبارها فيها لأجل كونها تكوينية فلا يعم التشريعية قطعاً.
و على ضوء هذا لا مانع من تعلّق الإرادة التشريعية بالأمر الكلي بين الفردين بخلاف الإرادة التكوينية (الفاعلية) فانّها لكونها علّة لإيجاد المراد لا تتعلّق إلّا بالشخص لامتناع ايجاد الكلّي في الخارج إلّا في ضمن فرده.
ثمّ قال: إنّ امتناع تعلّق الإرادة التكوينية بالمردّد و ما له بدل من لوازمها خاصة و لا يعم التشريعية فانّ الغرض المترتب على كلّ من الفعلين، إذا كان أمراً واحداً، كما هو ظاهر العطف بكلمة «أو» سواء كان عطف جملة على جملة كما هو الغالب أو عطف مفرد على مفرد انّه حسب مقام الإثبات الموافق لمقام الثبوت يدل على أنّ هناك غرضاً واحداً يترتّب على واحد من الفعلين على البدل، فلا بدّ و أن يكون طلب المولى بأحدهما على البدل أيضاً لعدم الترجيح بينهما.
و الحاصل: انّ امتناع تعلّق الإرادة بالمبهم و المردد من خصائص الإرادة التكوينية لكونها علّة للمراد و لا معنى لتعلّق العلّة بالكلي بخلاف الإرادة التشريعية(1).
و اجابه السيد المروج: بأنّ وزان الإرادة التشريعيّة وزان الإرادة التكوينيّة في امتناع التعلّق بالمبهم, توضيحه: أنّ الخطابات الشرعيّة إن كانت مبرزة لما في نفس المولى من الحب أو الكراهة، و لم يكن هناك إنشاء أصلا كما هو أحد المباني، فلا يمكن تعلّق الحب أو الكراهة بشي ء غير معيّن. و ان كانت إنشاء، فلمّا كان الإنشاء مترتّبا على تصوّر ما فيه المصلحة أو المفسدة، فلا يعقل تعلّق التصور و التصديق اللذين يستتبعان الإنشاء بأمر مبهم.
ص: 433
فما في صقع نفس المولى من مركب المصلحة أو المفسدة الموجبتين للحبّ أو البغض لا بد أن يكون معيّنا، لا مردّدا، إذ لا يعقل أن يكون شي ء مبهم محبوبا أو مبغوضا للمولى، فيمتنع تعلّق الإرادة التشريعيّة بأمر مردّد بين أمرين أو أمور، من غير فرق بين كون مفاد صيغة الأمر إنشاء النسبة كما عليه المحقق النائيني و من تبعه، و بين كونه إنشاء الطلب كما عليه الجلّ، و بين كونه إبرازا للحبّ و البغض القائمين بنفس الآمر، كما ذهب إليه بعض المحققين.
فالمتحصل: أنّه لا فرق بين الإرادة التكوينيّة و التشريعيّة في امتناع تعلّقهما بالمردّد بين أمرين أو أمور. فما أفاده المحقق المذكور في الوجوب التخييري من إمكان تعلق الإرادة التشريعيّة بالأمر المردّد لا يخلو من غموض(1).
و فيه اولا: انه لا غموض فيه خصوصا بعد وقوعه في الشرعيات و العرفيات علی انه ليس بمبهم من تمام الجهات.
و ثانيا: حيث انّ إيجاب واحد معيّن خلاف الفرض، و حيث ان كلّاً منهما محصّل للغرض فعندئذ يخاطب المكلّف بإيجاب الجميع لكن على وجه التخيير لأجل وحدة الغرض.
و الی مقالة المحقق النائيني يرجع قول المحقّق الخوئي في تعليقته على أجود التقريرات و في محاضراته التي دوّنها بعض تلاميذه, من ان متعلّق الوجوب عنوان انتزاعيّ، و هو مفهوم «أحدهما» أو «أحدها»، فمتعلق الوجوب هو هذا العنوان الانتزاعي الصادق على كلّ واحد منهما أو منها, فقال ما هذا حاصله: الذي ينبغي أن يقال في هذه المسألة تحفظاً على ظواهر الأدلّة هو انّ الواجب أحد الفعلين أو الأفعال لا بعينه، و
ص: 434
تطبيقه على كلّ منها في الخارج بيد المكلّف، كما هو الحال في موارد الواجبات التعيينية غاية الأمر انّ متعلّق الوجوب في الواجبات التعيينية الطبيعة المتأصّلة و الجامع الحقيقي، و في الواجبات التخييرية الطبيعة المنتزعة و الجامع العنواني، فهذا هو الفارق بينها و تخيّل انّه لا يمكن تعلق الأمر بالجامع الانتزاعي و هو عنوان أحدهما في المقام، ضرورة انّه ليس له واقع موضوعي غير تحقّقه في عالم الانتزاع و النفس فلا يمكن أن يتعدّى عن أفق النفس إلى ما في الخارج، و من الواضح انّ مثله لا يصلح أن يتعلّق به الأمر، خيال خاطئ جداً، بداهة انّه لا مانع من تعلق الأمر به أصلًا بل تتعلّق به الصفات الحقيقية كالعلم و الإرادة و ما شاكلهما فما ظنك بالحكم الشرعي الذي هو أمر اعتباري محض(1).
و اجيب أولا: عدم صلاحية العنوان الانتزاعي لتعلّق الطلب به، لأنّ متعلّق الإرادة هو ما يقوم به الملاك، و من المعلوم: أنّ العناوين الانتزاعيّة الّتي لا وجود لها في الخارج أصلا لا تقوم بها الملاكات، فلا تتعلّق بها الإرادة و الطلب أيضا, و أنّ شيئا من الطرفين أو الأطراف ليس مصداقا للمفهوم المزبور، لأنّ كلّ واحد معيّن في الخارج، و ليس فردا مردّدا(2).
و فيه: ان ما افاده المحقق الخوئي من انّه لا مانع من تعلق الأمر به أصلاً متين و ذلک لان تعلّق الإرادة بالفرد المردد مفهوماً لأجل الفرق بين الإرادة الفاعلية و الإرادة الآمرية. و الامتناع من خصائص الإرادة الفاعلية دون الآمرية، و أمّاترك أحد الأطراف عند الإتيان بالآخر فذلك لازم كون الواجب أحد الأفعال لا جميعها.
ص: 435
و ثانيا: انّها لم تتحفظ على ظواهر النصوص فانّ ظاهرها هو أنّ الواجب نفس تلك العناوين لا العنوان المنتزع عنها باسم أحدهما، فانّ العنوان المنتزع أمر عقلي ينتزعه من تعلّق الحكم بالعناوين الأصلية على وجه التخيير و إن كنت في شكّ فلاحظ الآيتين التاليتين.
قال سبحانه: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة﴾(1), فانّ المتبادر من الآية أنّ الواجب هو نفس العناوين لا عنوان أحدها، و مثلها الآيات التالية:
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَ ما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَة﴾(2)
فانّ المتبادر من الآيات انّ الواجب، هو كلاً من الفك و الإطعام في يوم ذي مسغبة لا عنوان أحدهما(3).
و فيه: ان مرجع قوله تعالی «او» الی ان الواجب احدها لغةً و عرفاً .
الثاني: ما عن المحقّق العراقي قده: «من تعلّق الإرادة بكلّ واحد من الطرفين أو الأطراف، غاية الأمر: أنّها في كلّ واحد منهما أو منها ناقصة، بمعنى: أنّ الإرادة في كل واحد لا تسدّ جميع أبواب عدم متعلّقها، بل تسد أبواب عدمه إلّا باب عدمه المقارن
ص: 436
لوجود الآخر، فلا تحريك لهذه الإرادة في ظرف وجود الطرف الآخر، كما إذا أراد المولى الصوم مثلا في كلّ حال إلّا في حال وجود العتق.
و الحاصل: أنّ الإرادة تتعلّق بكلّ واحد من الأطراف على الوجه الناقص و لازم هذه الإرادة الناقصة جواز ترك بعض الأطراف في ظرف وجود الآخر، و حصول العصيان بترك جميع الأطراف(1).
و فيه: انا لا نتصوّر نقصان في الإرادة، لأنّها هي الشوق المؤكّد المحرّك للعضلات نحو المراد، فإنّ لم يصل الشوق إلى هذه المرتبة فليس بإرادة, مضافا إلى: أنّ لازم تعدّد الإرادة تعدّد العقاب، لتماميّة الإرادة عند ترك الجميع، كما لا يخفى.
الثالث: أن يكون وجوب كلّ واحد من الأطراف مشروطا بعدم وجود الآخر.
و اجيب أولا: أنّ لازمه وجوب كل من الأطراف تعيينا، و هو غير الوجوب التخييري.
و ثانيا: أنّ ترك الجميع مستلزم لتعدّد العقاب، لفعليّة الوجوب حينئذ بالنسبة إلى جميع الأطراف، حيث إنّ شرط وجوب الجميع- و هو ترك الكل- حاصل، و هذا كما ترى.
و ثالثا: أنّ صحة هذا الوجه منوطة بأمرين: أحدهما: تعدد الملاك بأن يكون لكلّ واحد من الأطراف ملاك يخصّه. ثانيهما: تضاد تلك الملاكات في الوجود بحيث لا يمكن الجمع بينها كذلك، و إلّا لكان كلّ واحد منها واجبا تعيينيّا، فلو كان الملاك واحدا لم يصح هذا الوجه، لخلوّ ما عدا واجده عن ملاك التشريع، و هو خلاف ما عليه مشهور العدليّة: من تبعيّة الأحكام لما في متعلّقاتها من المصالح و المفاسد.
ص: 437
و رابعا: بعد تسليم تعدّد الملاكات و تزاحمها في الوجود لا يمكن أيضا الالتزام بإناطة وجوب كل من الأطراف بعدم الآخر، و ذلك لأنّ هذه الإناطة إنّما تصح في التزاحم الاتّفاقي، كإنقاذ الغريقين مع عدم أهميّة أحدهما. و أمّا في التزاحم الدائمي- كالمقام- حيث إنّ تزاحم ملاكات الأبدال من الصوم و الإطعام و العتق دائمي مع عدم عجز المكلف عن الجمع بينها، فلا محالة يكون أحد الملاكات مؤثّرا في تشريع حكم واحد لأحد الأطراف، لا أنّ جميعها تؤثّر في تمام الأطراف. فهذا الوجه غير سديد(1).
الرابع: جواب المحقّق الخراساني و حاصله: انّ الواجب التخييري على قسمين: فقسم منه يكون التخيير فيه تخييراً عقلياً، و القسم الآخر يكون التخيير تخييراً شرعياً.
أمّا الأوّل: ففيما إذا كان الغرض واحداً يقوم به كلّ من الطرفين، كما إذا كان الغرض هو إنارة الغرفة و هي تتحقّق بإسراج المصباح أو إيقاد النار في الموقد فيأمر المولى و يقول: اسرج المصباح أو أوقد النار, فهاهنا غرض واحد يحصل بكلا الأمرين، و بما انّ الواحد لا يصدر إلّا من الواحد فلا بدّ من القول بأنّ إنارة الغرفة معلولة للجامع بين الفعلين، لامتناع صدور الواحد عن الكثير فيكون الواجب هو الجامع، فجعلهما متعلّقين للخطاب الشرعي كما عرفت تبيان انّ الواجب هو الجامع بين الاثنين. فعلى المكلّف إيجاده في الخارج لتحصيل الغرض الواحد، و في هذا القسم تتعلّق الإرادة بأمر معين و هو الجامع بين الفعلين.
ص: 438
و أمّا الثاني: أعني ما إذا كان التخيير شرعياً، فهناك أغراض متعددة للمكلّف لكن بينها تزاحم في مقام الإتيان بأن تكون الأغراض غير قابلة للتحصيل و الجمع فلا يمكن للمولى الأمر بتحصيلها.
فعندئذ يكون كلّ واحد واجباً لكن بنحو من الوجوب تَكشف عنه تبعاتُه و آثارُه، أعني:
أ. عدم جواز ترك كلّ واحد إلّا إلى الآخر.
ب. ترتّب الثواب على فعل الواحد منهما.
ج. العقاب على تركهما لا على ترك واحد منهما.
ففي هذه الصورة يكون الواجب كلّ واحد لكن بنحو من الوجوب يتفاوت سنخه مع وجوب الواجب التعييني, فالصلاة و الصوم في شهر رمضان واجبان تعيينيان و الحمد أو التسبيحات واجبان تخييريان في الركعتين الأخيرتين.
لكن سنخ الوجوب في الأوّل غير سنخه في الثاني، مع اشتراك الجميع في تعلّق إرادة مستقلة بكلّ واحد كتعلّق البعث المستقل بكلّ واحد(1).
اقول: أمّا التخيير الشرعي فقد بنى نظريته على أنّ الأغراض متنافية غير قابلة للجمع و ان الاكتفاء بأحد الأطراف لأجل امتناع الجمع بين الغرضين في التخييري، و إمكانه في الواجبات التعيينيّة.
و فيه: اننا لا علم لنا بملاکات الاحکام فقد يکون ملاك التخيير هو التسهيل على العباد و رفع الحرج عنهم لا التزاحم بين الملاكات كما يدور عليه كلام المحقّق الخراساني.
ص: 439
و أمّا الأوّل أي التخيير العقلي، فقد أسس نظريته على قاعدة لا يصدر الواحد إلّا من واحد, و بما انّ الغرض واحد فلا يصدر إلّا من واحد و هو الجهة الجامعة بين إيقاد النار و إسراج المصباح و لا يصدر من كلّ واحد منهما لاستلزامه صدور الواحد عن الكثير.
ففيه: أنّ ما يدعی في الفلسفة من امتناع صدور الواحد عن الكثير غير صحيح و باطل کما حققناه في کتابنا الرؤية الفلسفية نقد و تحليل و عليه فاستكشاف الجامع بين الأطراف ممّا لا سبيل إليه. هذا كلّه حول التخيير العقلي, و اما بطلان قاعدة الواحد فللادلة التالية:
أولاً: لايوجد دليل عقلي بديهي او برهاني علی صحة قاعدة الواحد لا يصدر منه الّا واحد, و يکفينا عدم الدليل في بطلانها، و ما ذکر من الاستدلال عليها فأنه ليس ببرهان عقلي، بل الدليل فيه عين المدعی، فقالوا: « لا يمکن أن يصدر الکثير بما هو کثير من الواحد بما هو واحد» و هو کما تری عين محتوی الواحد لا يصدر منه الّا واحد.
و تارةً يستدل لها بإنه لو لم نقل بان الواحد لا يصدر منه الّا واحد, لجاز أن يکون کل شيء علة لکل شيء. قلت: و هذا الاستدلال باطل من جهات:
الأولی: إنه يبتني علی ثبوت السنخية و هي باطلة من وجوه:
أولاً: إن کلمة الوجود، لا تدل علی حقيقة الوجود، و لا يمکن أن تشخص لنا کنه الوجود، و ليست هي مرادفة للذات المقدسة الالهية و ما هي إلّا عبارة عن التحقق و الثبوت، و لا معنی لأن يکون التحقق علة للتحقق کما لايخفی و عليه فما يقوله الفلاسفة من کون الله جل وعلا وجوداً لايصدر منه الّا الوجود مصادرة علی المطلوب
ص: 440
بمعنی انه قد فرض سابقاً بان طبيعة وحقيقة واحدةمشترکة بين الخالق والمخلوق تسمی بالوجود و الحال ان هذا اول الکلام و ذلک لان کلمه الوجود لاتشخص لنا کنه و حقيقة الوجود بل ما هي الّا عباره عن التحقق والثبوت لاغير.
ثانياً: لا يوجد أي دليل عقلي علی ضرورة المسانخة بين العلة و المعلول إلّا ما يظهر من السنخية بين العلل و المعاليل الطبيعة، و لا شك أنه لا يمکن قياسها علی العلل و المعاليل الواقعية. فما يثبت کقانون في الطبيعة لايکون دليلاً علی ثبوته کقانون يحکم الوجود و الواقع فلنفرض أن هنالك مسانخة بين النار و الحرارة فليس معنی ذلك أن ثبوت هذا القانون الطبيعي غير مجعول و ضروري الوجود و الثبوت حتی في الواقع، و لايمکن تبدله و تغيره.
ثالثا: القول بالسنخية يستلزم اجتماع النقيضين فالذي يقول بالسنخية بين العلة والمعلول لابد و أن يعتقد باجتماع النقيضين أو يقول بعدم وجود الممكن اصلا كما فعل كثير من الفلاسفة وقالوا ان ممكن الوجود لا وجود له و ذلك لان السنخية لو كانت موجودة بين المرتبة غير المتناهية و المرتبة الضعيفة فمعنى ذلك هو الاشتراك في حقيقة واحدة و هذه الحقيقة الواحدة بالنسبة الى مرتبتها الضعيفة ليست بواجبة الوجود بل هي ممكنة الوجود, و بالنسبة الی مرتبتها العالية هي واجبة الوجود و لازم ذلك هو اجتماع وجوب الوجود مع عدم وجوب الوجود و هذا هو اجتماع النقيضين وهو باطل.
الثانية: إنه لا يوجد في الواقع علل متعددة و إنما هنالك علة واحدة و هي الذات المقدسة الالهية و ما سواها فإنما يستمد الوجود منها و لا يملك من أمره شيئاً ما لم تهب له الذات المقدسة من وجود و قدرة.
ص: 441
و من هنا تعرف وجه المغالطة في الإستدلال: «إنه لجاز أن يکون کل شيء علة لکل شيء». فلا توجد في الواقع مصاديق کل شيء حتی يصدر منها کل شيء و إنما الواقع إله واحد و قدرة واحدة و ما سواها إنما يستمد القدرة منه تعالی. فهي إذن ساقطة من الحساب.
الثالثة: بعد قيام البرهان القاطع علی ثبوت الذات الأحدية الواحدة المنفردة في الألوهية و بعد ثبوت الکثرة في الواقع - و الفلاسفة يعترفون بثبوت الکثرة في الخارج و من أجلها افترضوا عقولاً متعددة - و إن هذه الکثرات لم تستند في وجودها و ما تملك من قدرة و سعة في الوجود إلّا إليه تعالی , و هم يعترفون بذلك لکن بتوسط العقول.
إذن نعلم علم اليقين أن هذه الکثرة صادرة منه تعالی لا من غيره لأن غيره لا يملك من أمره شيئاً ما لم يملّکه باريه, فکيف يملّکون معاليله من قدرة علی خلق الجهات المتعددة و هم لايملکون إلّا ما وهبهم و ملکهم الله جل و علا؟. و العقل ينادي إن الوجود من العدم - اي بلا علة - مستحيل.
الخامس: كون متعلّق الوجوب الجامع الأصيل بحيث يكون الغرض قائما به كسائر الكلّيّات الواقعة في حيّز الطلب، فالتخيير بين الأطراف لا محالة يكون عقليّا.
و فيه: أنّه إرجاع إلى التخيير العقلي، و إنكار للتخيير الشرعي, مضافا الی انه يستلزم عدم دخل الخصوصيّات الفرديّة في المطلوب، و كون متعلّق الطلب نفس الطبيعة. و هذا
ص: 442
خلاف ظاهر أدلة الواجب التخييري، لأنّ مثل قوله: «صم، أو أطعم، أو أعتق» ظاهر في دخل خصوصيّات هذه الأطراف في المطلوبيّة.
السادس: ما عن المحقق الأصفهاني، و حاصله: أن يكون كلّ واحد منها واجباً تعيينياً و يكون الإتيان بواحد منهما في الخارج موجباً لسقوط الآخر أيضاً بحكم المولى إرفاقاً و تسهيلًا على المكلّفين, حسب ما لخّصه تلميذه المحقّق الخوئي (1).
و فيه أولا: أنّه خلاف ظاهر أدلّة الواجب التخييري، حيث إنّ كلمة: «أو» فيها ظاهرة في وجوب كلّ واحد من الأطراف تخييرا.
و ثانيا: لزوم تعدّد العقاب عند عدم الإتيان بشي ء من الفعلين بعد فرض ان کلا منهما واجب تعييني ضرورة انّ الجائز هو ترك كلّ منهما إلى بدل لا مطلقاً حسب هذا القول, و لا يلتزم به أحد.
السابع: كون الواجب هو المعيّن عند اللَّه تعالى، مجهول عندنا.
و فيه اولا: أنّه خلاف ظاهر الأدلّة، لظهورها في وجوب كلّ منها، لا أحدها.
و ثانيا: أنّ لازم ذلك عدم الاشتراك في التكليف و انّ تكليف من يختار العتق هو العتق و تكليف من يختار الصوم هو الصوم، و هذا ممّا اتّفق العلماء على بطلانه.
ص: 443
و ثالثاً: أنّ لازم ذلك عدم العقاب على من ترك التكليف رأساً، لأنّ الواجب هو ما يختاره العبد في علم اللّه، فإذا لم يختر واحداً منهما كشف عن عدم موضوع للتكليف في علم اللّه و مع فقد الموضوع لا عقاب.
التاسع: أنّ الواجب هو المجموع من حيث المجموع مع السقوط بإتيان البعض.
و فيه أولا: أنّه خلاف التخيير المستفاد من ظاهر الأدلّة.
و ثانيا: عدم تحقّق الامتثال بإتيان البعض.
الاشکال الثاني: كيف يكون واجباً و يجوز تركه؟
فانّ كلّ واحد من أطراف الواجب التخييري واجب و لكن يجوز تركه إلى بدل و هذا ينافي كون الشي ء واجباً.
و فيه: انه لا مانع منه ثبوتا و اثباتا کما تقدم البحث عنه، فانّ الوجوب على قسمين: تارة يكون الإتيان بأحد الفعلين غير مجزئ عن الفعل الآخر كالصلاة و الصوم في شهر رمضان، و أُخرى يكون الوجوب على نحو لو أتى بواحد ممّا تعلّق به الوجوب يغني عن إتيان الآخر.
الإشكال الثالث: أنّ تعدد الواجب يقتضي تعدد العقاب عند ترك عامّة الأطراف مع أنّهم اتفقوا على وحدة العقاب.
و الإجابة عنه واضحة، و ذلك لأنّ تعدد العقاب إمّا لأجل تفويت المصلحتين الملزمتين أو لأجل مخالفة التكليفين الفعليين.
ص: 444
أمّا الأوّل: فلأنّ المفروض عدم إمكان الجمع بين الغرضين و تنافيهما في مقام التأثير في الغرض، فإذا كان كذلك فليس عليه إلّا تحصيل غرض واحد و بفوته يستحقّ عقاباً واحداً.
و أمّا الثاني: فلأنّ الحكمين و إن كانا فعليين و لكن مخالفة التكليفين الفعليين إنّما توجب كثرة العقاب إذا لم يكتف المولى في مقام الامتثال بواحد منهما. و مع هذا التصريح لا ملاك لتعدد العقاب.
و الحاصل: انّ الكبرى أي مخالفة كلّ حكم فعلي توجب العقاب ممنوعة، و إنّما توجبه إذا لم يصرح المولى بأنّه يكفي إتيان واحد منهما، ففي مثله لا يتعدد العقاب.
قال في الکفاية: هل يمكن التخيير عقلا أو شرعا بين الأقل و الأكثر أو لا؟ ربما يقال بأنه محال فإن الأقل إذا وجد كان هو الواجب لا محالة و لو كان في ضمن الأكثر لحصول الغرض به و كان الزائد عليه من أجزاء الأكثر زائدا على الواجب لكنه ليس كذلك فإنه إذا فرض أن المحصل للغرض فيما إذا وجد الأكثر هو الأكثر لا الأقل الذي في ضمنه بمعنى أن يكون لجميع أجزائه حينئذ دخل في حصوله و إن كان الأقل لو لم يكن في ضمنه كان وافيا به أيضا فلا محيص عن التخيير بينهما إذ تخصيص الأقل بالوجوب حينئذ كان بلا مخصص فإن الأكثر بحده يكون مثله على الفرض (1).
اقول: لا شكّ في التخيير بين المتباينين أو الأُمور المتباينة كما في خصال الكفّارة، إنّما الكلام في جوازه بين الأقلّ و الأكثر كتخيير المصلّي بين تسبيحة أو ثلاث تسبيحات.
ص: 445
و اما وجه الاستحالة فلأنّ الأقلّ يوجد لا محالة قبل وجود الأكثر، و لوفائه بالغرض ينطبق عليه الواجب، و يسقط به الأمر، فلا يكون الزائد على الأقل من أجزاء الواجب، فلا يتصف الأكثر بالوجوب أصلا و بذلك يكون الأمر بالأكثر لغواً، و لذلك حمل القائلون بكفاية التسبيحة الواحدة على أنّ الزائد أمر مستحبّ، مع أنّ قضيّة الوجوب التخييري بين الأقل و الأكثر هي اتصاف الأكثر بالوجوب أيضا.
و ذهب المحقّق الخراساني کما تقدمت عبارته إلى التفصيل بين ما لو كان الغرض مترتباً على ذات الأقل و لو في ضمن الأكثر فيمتنع التخيير بين الأقلو الأكثر، لأنّ الأقلّ حاصل مطلقاً قبل حصول الأكثر و كان الزائد على الأقل زائداً على الواجب.
و بين ما إذا ترتّب الغرض لا على مطلق الأقل و لو في ضمن الأكثر، بل على خصوص الأقل الذي لم يكن معه الأكثر، فعندئذ يحصل الامتثال بكلا الطرفين.
أمّا الأقلّ الذي لم يكن معه الأكثر فهو أحد الواجبين، و أمّا الأكثر الذي في ضمنه الأقل فالغرض قائم بالأكثر لا بالأقل الذي في ضمنه، لما عرفت من أنّ الأقل إنّما يحصِّل الغرض إذا انقطع عن الأكثر و صار فرداً مستقلاً، و أمّا إذا انضمّ إليه شي ء فلا يكون مصداقاً للواجب.
و فيه: ان ما ذكره من جواز التخيير بين الأقل و الأكثر إنّما هو من قبيل المتباينين و إن كان في نظر العرف الساذج تخييراً بين الأقل و الأكثر. إذ على ما فرضه يكون الموضوع أحد الأمرين: الأقل بشرط لا، أي بشرط أن لا يَضمّ إليه الأكثر. و الأكثر بشرط شي ء، أي ذات الأقل الذي يضاف إليه شيء، ففي مثله يكون التخيير بين الأقل بشرط لا و الأكثر بشرط شي ء و هو خارج عن الموضوع, فانّ البحث دائر على إمكان التخيير بين الأقل و الأكثر لا بين المتباينين.
ص: 446
اقول: لکن يشکل ذلک في موارد متعددة من الفقه مما لم يفت به احد و مما لا يمکن الالتزام به, کما في اطالة رکوع الفريضة (لا ذکره) بعد حصول اقل الواجب فلم يقل احد بان الزائد علی الاقل من الرکوع المستحب و ان رکوعه اشتمل علی واجب و مستحب و علی مبنی وجوب نية الوجه يجب ان ينوي المصلي الزائد مستحبا, و هکذا الحال في السجود فبعد الاتيان بالقدر الواجب من السجود يکون استمراره بالسجدة بغض النظر عن ذکر السجدة مستحبا, فان هذا مما لم يفت به احد و مما لا يمکن الالتزام به .
و کذلک التخيير في اماکن التخيير فان الفتاوی تأبی عن کونه من موارد التخيير بين المتباينين و ذلک لانهم افتوا بالتخيير الی نهاية الرکعة الثانية قبل التسليم فهو مخير بين: التسليم عليهما, و بين الاستمرار عليهما باتمامهما اربعا.
و عليه فحمل الأمر بالأكثر على الندب لا يطّرد في جميع الموارد، الّا فيما إذا كان ذات الأقل فردا للطبيعيّ المأمور به، كالتسبيحة الواحدة، فإنّها بنفسها مصداق لطبيعة التسبيحة، فالأمر بالأكثر حينئذ لا بدّ من أن يحمل على الندب،لدلالة الاقتضاء على ذلك، ضرورة أنّه بعد فرديّة الأقل للطبيعة يسقط الأمر الوجوبيّ لا محالة، و عليه: فلو لم يحمل الأمر بالأكثر على الندب يلزم لغويّته.
و أمّا إذا لم يكن الأقل بذاته مصداقا للطبيعة، بأن كانت فرديّته لها منوطة بمؤونة زائدة، كتوقّف فرديّة الرّكعتين الأوليين لطبيعة الصلاة المأمور بها على التسليم في الثانية، فيصح حينئذ أن يقال بالتخيير بين الأقل و الأكثر، فإن أتى بالتسليم سقط الأمر الوجوبيّ، لوجود الأقل المنطبق عليه الواجب، و لا مجال لاستحباب الأكثر حينئذ إلّا
ص: 447
مع نهوض دليل خاص عليه، و إن لم يأت به، فالواجب تعيينا هو الأكثر. و مما تقدم تظهر ثمرة البحث.
قال في الکفاية: و التحقيق أنه سنخ من الوجوب و له تعلق بكل واحد بحيث لو أخل بامتثاله الكل لعوقبوا على مخالفته جميعا و إن سقط عنهم لو أتى به بعضهم و ذلك لأنه قضية ما إذا كان هناك غرض واحد حصل بفعل واحد صادر عن الكل أو البعض, كما أن الظاهر هو امتثال الجميع لو أتوا به دفعة و استحقاقهم للمثوبة و سقوط الغرض بفعل الكل كما هو قضية توارد العلل المتعددة على معلول واحد(1).
و على ضوء ما ذكره صاحب الکفاية فالواجب الكفائي: عبارة عن الواجب الذي لو أتى به فرد من المكلّفين لسقط عن الباقي، و إن تركه الجميع لعوقبوا، فعندئذ يجري الإشكال المذكور في الواجب التخييري في المقام أيضاً حيث إنّ كلًا من الواجب التخييري و الكفائي واضحان مفهوماً و لكن مبهمان كنهاً حيث إنّ مشكلة كيفية تعلّق الإرادة بالأمر المردد قائمة في كلا الواجبين، و قد عرفت كيفية دفع الإشكال في الواجب التخييري.
ص: 448
و أمّا المقام فيقرر الإشكال بالنحو التالي: إنّ المكلّف إن كان هو الفرد المردد يلزم تعلّق الإرادة و الوجوب بالفرد المردد، و الإرادة لا تتعلّق بالمردد، سواء أ كانت فاعلية أم آمرية.
و إن كان هو جميع الأفراد فلما ذا يسقط بفعل واحد منهم؟ و قد أجاب الأُصوليون عن الإشكال بوجوه:
الأول: ما افاده صاحب الکفاية في ما تقدم من عبارته من تعلّق التكليف بعموم المكلّفين، بحيث لو أخلّ الكلّ بامتثاله لعوقبوا على مخالفته جميعاً، و إن أتى به بعضهم لسقط عنهم، و ذلك لأنّه قضية ما إذا كان هناك غرض واحد يحصل بفعل واحد صادر عن الكلّ أو البعض, و حيث انّ الوجوب يتعلّق بعامّة المكلّفين فلا يكون متعلّق الإرادة و الوجوب أمراً مردداً، غير أنّ تعلّقه بالجميع تارة يكون الغرض متعدداً و يتوقّف حصوله على قيام كلّ واحد من المكلّفين بالواجب كالصلوات اليومية، فلا يسقط تكليف مكلّف، بفعل مكلّف آخر، و أُخرى يكون الغرض واحداً يحصل بقيام واحد منهم، و مقتضى هذا، سقوط الواجب بفعل أحد المكلّفين، و معاقبة الجميع حين تركهم.
فإن قلت: لو كان الغرض حاصلًا بفعل الواحد فلما ذا وجّه التكليف إلى عامّتهم؟ و إن لم يكن حاصلًا إلّا بفعل الجميع فكيف يسقط بفعل الواحد؟
ص: 449
قلت: نختار الشق الأوّل، و هو انّ الغرض واحد يحصل بفعل واحد من المكلّفين، لكن عدم تخصيصه بمكلف خاص لأجل عدم مدخلية صدور الفعل عن مكلَّف خاص، فلذلك لم يوجهه إلى واحد معيّن، بل إلى الجميع, و انّ توجيه التكليف إلى الجميع بهذا النحو يؤمِّن غرض المولى في الإتيان به، إذ لو وجّهه إلى فئة خاصّة ربما يتساهلون في القيام بواجبهم لعذر أو لغير عذر، بخلاف ما لو جعل التكليف في ذمة الجميع و حذّرهم من مخالفته فعندئذ لقام البعض بامتثال التكليف قطعاً.
و بذلک يظهر ان تقسيم الواجب إلى العيني و الكفائي، تقسيم للوجوب باعتبار إضافته إلى المكلَّف، كما أنّ تقسيمه إلى التعييني و التخييري تقسيم له بالإضافة إلى المكلَّف به، و ذلك لأنّ التكليف من الأُمور ذات الإضافة، فله إضافة إلى المكلِّف و في الوقت نفسه له إضافة إلى متعلّق التكليف الذي يطلق عليه المكلّف به، فباعتبار كون المكلَّف به واحداً أو متعدداً على وجه التخيير ينقسم الواجب إلى التعييني و التخييري، كما أنّ باعتبار كون امتثال بعض مسقطاً عن الآخرين أو غير مسقط، ينقسم الواجب إلى العيني و الكفائي.
و إن شئت قلت: إمّا أن يكون لصدور الفعل من مكلّف مشخص مدخلية في حصول الغرض أو لا، بل الغرض يحصل بصدور الفعل من مكلّف ما، فالأوّل هو الواجب العيني، و الثاني هو الواجب الكفائي. و لبّ الفرق بينهما يرجع إلى أنّ المكلّف في العيني آحاد المكلّفين مستغرقاً، و في الكفائي صرف المكلّف، فالفرق بين العيني و الكفائي يرجع إلى جانب المكلَّف، خلافاً للمحقّق البروجردي حيث أرجع الفرق
ص: 450
بينهما إلى جانب المكلّف به فقال: إنّ متعلّق الكفائي هو نفس الطبيعة، كما أنّ متعلّق العيني هو الطبيعة بقيد مباشرة كلّ مكلف بالخصوص(1).
و فيه: أنّ جعل متعلّق التكليف في الكفائي نفس الطبيعة و في العيني الطبيعة بقيده صدورها من كلّ مكلف بالخصوص، عبارة أُخرى عن لحاظ المكلف في العيني بصورة العام الاستغراقي و في الكفائي بصورة العام البدلي.
هذا و لا يخفی أنّ دعوة عامة المكلّفين إلى إيجاد الطبيعة في الواجب الكفائي ليس مثل دعوتهم إلى إيجادها في الواجب العيني، بأن يقوم كلّ مكلّف في زمان واحد بإيجادها حتّى يقال: «بأنّ الطبيعة في الواجب الکفائي علی اقسام فربّما لا تكون قابلةً للتكرار کقتل ساب النبي (صلي الله عليه و آله) أو تكون قابلةً له و لكن تكون مبغوضةً کموارة الميت، أو غير مطلوبة كتكفين الميّت ثانياً, او ما يقبل التكثر و يكون مطلوباً كالصلاة على الميت.
و الأوّل، يمتنع بعث عامّة المكلّفين إليه، لأنّه فرع إمكان التكثّر، و الثاني و الثالث و ان کانا يقبلان التكثر لكن الفرد الثاني إمّا مبغوض أو غير مطلوب، فبعث عامة المكلّفين إليه الملازم للتكثر إمّا نقض للغرض أو بعث إلى ما ليس بمطلوب.
و أمّا الرابع فإمكان بعث الجميع إليه و إن كان لا يُنكَر، إلّا انّ لازمه هو لزوم اجتماعهم في إيجاد صرف الوجود، على نحو لو لم يحضر، عُدّ المتخلف عاصياً لترك الأمر المطلق»(2)، بل ان دعوة الجميع إلى إيجاد الطبيعة في الکفائي على نحو البدلية، فإذا قام أحد الأفراد بامتثال التكليف سقط الواجب و لا تصل النوبة إلى التكرار بأنواعه الثلاثة,
ص: 451
و أمّا الرابع الذي يكون الفعل فيه قابلًا للتكرار و مطلوباً، فلا يلازم كون المتخلّف عاصياً، لأنّ الأمر و إن كان فيالظاهر مطلقاً غير مقيد، لكنّه بشهادة القرائن مقيّد بالبدلية، و معه لا يعد تركه عصياناً.
الثاني: أنّ التكليف في الواجب الکفائي يکون على ذمّة واحد من المكلّفين لا بعينه نظير الواجب التخييري، غير أنّ الواحد لا بعينه في الواجب التخييري في ناحية متعلّق التكليف، و في الكفائي في جانب موضوعه، و هذا واقع في العرف كما إذا أمر الوالد أولاده، بقوله: فليقم واحد منكم بالعمل الفلاني(1).
و فيه اولا: أنّه لا وجه لتعلّق الوجوب بالبعض، لأنّه ترجيح بلا مرجّح.
و ثانيا: أنّه مخالف لظواهر أدلة الواجبات الكفائيّة، فإنّ قول أبي عبد اللَّه عليه السّلام في موثق سماعة: «و غسل الميت واجب»(2) بقرينة حذف من يجب عليه ظاهر في العموم. و مثله خبر السكوني: «عن الصادق عليه السلام عن رسول الله (صلي الله عليه و آله) لا تدعوا أحدا من أمّتي بلا صلاة»(3) ظاهر في العموم، و نحوهما سائر أدلة الواجبات الكفائيّة، فراجع.
و اجاب عليه السيد البروجردي بجواب اخر حيث قال: هل المراد من توجه التكليف إلى أحد المكلفين، هو أحدهم المردد مفهوماً، أو أحدهم المردد مصداقاً و خارجاً؟ أمّا الأوّل فهو غير قابل لتوجه التكليف إليه كما هو معلوم و أمّا الثاني فليس له مصداق
ص: 452
في الخارج، لأنّ كلّ فرد من آحاد المكلّفين فرد معين، و الوجود يلازم التشخّص و التعيّن، فكيف يكون الفرد موجوداً و مع ذلك مردداً؟(1).
و اجيب: بأنّا نختار الشقّ الثاني، و انّ المراد من قولهم بأنّ التكليف يتوجه إلى الفرد المردد، هو ذات الفرد الخارجي، و لكن ليس التردد قيداً له، حتّى يمنع تشخصه، بل المردد عنوان مشير إلى أحد المكلّفين و انّه لا خصوصية لمكلفدون مكلف, و لك أن تقول مكان الفرد المردد، أحد المكلّفين، و كلّهم مصاديق لهذا العنوان على نحو البدلية(2).
الثالث: ما نسب إلى قطب الدين الشيرازي: من تعلّق الوجوب بالمجموع من حيث هو مجموع، فإذا تركوه كان العصيان ثابتا بالذات للمجموع، و لكلّ واحد بالعرض، و إذا أتى به البعض سقط عن الباقين(3).
و فيه: أنّ أخذ قيد المجموع في ناحية المكلّف لا مأخذ له بعد كون الوجوب الكفائي كالعيني من حيث التوجّه إلى المكلّفين، فإنّه قيد زائد يحتاج ثبوتا و إثباتا إلى مؤونة زائدة، و ينفی عند الشكّ فيه بإطلاق الدليل.
و أورد عليها ايضا: بأنّ المجموع أمر اعتباري لا وجود له في الخارج و إنّما الموجود ذوات الأفراد فلا معنى لتكليف المجموع(4).
ص: 453
و فيه: انّ ما ذكره صحيح بالدقة العقلية، إذ لا وجود للهيئة الاجتماعية، بل الوجود للأفراد، و أمّا لو نظرنا إلى الموضوع من منظار العرف فللهيئة واقعية تصحّح تعلّق التكليف بها، و لذلك نرى أنّ الأُمّة وقعت موضوعاً لأوصاف أو أحكام في القرآن و السنّة, قال تعالی ﴿(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر﴾(1) و في آية أُخرى عدّت إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من وظائف الأُمّة المتمكنة لا الفرد المتمكن، يقول تعالی ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُور﴾(2), فجعل إقامة الصلاة و ما تلاه في ذمّة الأُمّة المتمكّنة و هذا هو سنخ الواجبات الكفائية.
و حاصل هذا الوجه انّ التكليف منصبٌّ على واحد معيّن عند اللّه سبحانه، فإن قام هو بالفريضة و إلّا يسقط عنه بفعل غيره، لأنّ المفروض انّ الغرض واحد، فإذا حصل في الخارج فلا محالة يسقط الأمر.
و فيه اولا: انه ادعاء بلا دليل .
و ثانيا: انّه خلاف ظواهر الأدلّة فانّ التكليف إمّا متوجّه إلى عامّة المكلّفين استغراقاً، أو إلى الفرد غير المعيّن أو مجموع المكلّفين.
ص: 454
ثم إنّه تترتب علی هذا البحث ثمرات فقهية منها:
1. لو نذر أحد أن يعطي عشرة رجال لكلّ درهماً إذا أتى كلّ واحد منهم بواجب، فلو قام الكلّ بالصلاة على الميّت و دفع الشخص لكلّ واحد درهماً، فهل برَّ نذره أو لا؟
أمّا على القول الأوّل فقد امتثل نذره، لأنّ المفروض انّ الوجوب يتعلّق بآحاد المكلّفين فكلّ واحد من هذه العشرة كان مخاطباً بتجهيز الميّت و الصلاة عليه غاية الأمر لو سبق أحد منهم إلى الواجب لسقط عن الآخر، و أمّا إذا شارك الكلّ دفعة واحدة، أو كان التكثّر و التعدد مطلوباً فقد أتى كلّ بواجبه، فيكون إعطاء الدرهم إعطاءً لمن أتى بواجبه.
و کذلک على القول الثاني أيضاً لما عرفت من أنّ متعلّق التكليف هو الفرد الخارجي أو الفرد الذي يصدق عليه عنوان المكلّف، و المفروض انّ كلّ واحد من المصلّين مصداق للفرد، و ينطبق عليه عنوان المكلّف.
نعم على القول بأنّ متعلّق التکليف هو المجموع فالوجوب تعلّق به لا بكلّ واحد من آحاد المكلّفين فليس هناك إلّا امتثال واحد لا امتثالات.
و مثله القول الرابع فانّ التكليف تعلّق بفرد مشخّص عند اللّه فليس هناك إلّا تكليف واحد و مكلّف معيّن و الباقي من العشرة غير مكلّفين.
2. جواز قصد الأمر لكلّ واحد من المكلّفين إذا كان المتعلّق قابلاً للتكرار و مطلوباً غير مبغوض كتحصيل علم الدين مع قيام عدّة معه بالتحصيل، فعلى القولين الأُوليين يصحّ
ص: 455
لكلّ واحد قصد الأمر لما عرفت من أنّ القول الثاني يتحد نتيجة مع الأول و إن كانت يختلف عنه في كيفية التحليل.
و أمّا القول الثالث فالأمر موجّه إلى المجموع و ليس الفرد نفس المجموع، فكيف يتقرب بالأمر غير الموجّه إليه؟ و مثله القول الرابع حيث إنّ المكلّف فرد معيّن عند اللّه، لا كلّ من بلغ و عقل.
3. إذا كان رجلان متيمّمين فوجدا ماءً لا يفي إلّا بوضوء واحد منهما فهل يبطل تيمم كلّ منهما أو لا يبطل واحد منهما، أو يبطل واحد منهما على البدل؟ اختار المحقّق النائيني ره الوجه الأوّل، و ذلك لأنّ بطلان التيمّم مترتّب على وجدان الماء، المحقّق في ظرف القدرة على الحيازة، فيبطل التيمّمان معاً، و ليس بطلانه مترتباً على الأمر بالوضوء حتّى يقال بوجود التزاحم في تلك الناحية حيث إنّ الأمر بواحد منهما بالتوضّؤ يزاحم الأمر بالآخر.
و فصّل المحقق الخوئي في التعليقة بين صورة سبق أحدهما إلى الحيازة و عدمه، ففي الأُولى يبطل تيمم السابق فقط و يستكشف به عدم قدرة الآخر على الوضوء و بقائه على ما كان عليه من عدم وجدانه الماء، و أمّا الصورة الثانية فيبطل كلّ من التيمّمين لتحقّق ما ترتّب عليه بطلانه و هو وجدان الماء، فإذا تحقّق يترتّب عليه كلّ من الأمرين(1).
و قال السيد اليزدي: إذا وجد جماعة متيمّمون ماءً مباحاً لا يكفي إلّا لأحدهم بطل تيمّمهم أجمع إذا كان في سعة الوقت و إن كان في ضيقه بقى تيمّم الجميع(2).
ص: 456
أقول: إنّ المتبادر من قوله تعالی ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾(1) هو الوجدان العرفي الملازم مع التمكّن من استعماله، و على ذلك يختلف حكم الصور.
1. إذا تسابقوا عليه فسبق واحد منهم لحيازته بطل تيمّمه خاصّة، لأنّه وجد الماء عرفاً متمكّناً من استعماله بالانتزاع دون الآخرين فانّهم و إن وجدوا ماءً و لكن غير متمكّنين من استعماله.
2. تلك الصورة مع کون المسبوق کان قادراً على التغلّب لکنه تسامح، فالصحيح بطلان تيممه أيضاً، لکن قيل بصحته لأنّ المراد هو التمكّن العرفي بلا مغالبة و مصارعة، و المفروض هنا عدمه(2).
و فيه: انه حيث کان قادرا علی التغلب واجد للماء حقيقة و عرفا.
3. إذا وجدوا ماءً مع الانصراف عن الحيازة فهل يبطل تيمم الكلّ لتحقّق شرط البطلان في كلّ واحد لصدق وجدان الماء و التمكّن منه بلا نزاع، لأنّ المفروض انصرافهما عن حيازته؟ الصحيح هو البطلان.
قُسِّم الواجب إلى المطلق و المؤقّت، و المطلق إلى فوري و غير فوري، و المؤقّت إلى موسّع و مضيّق، و إليك بيان كلا التقسيمين.
لا شكّ انّ الفعل لا ينفك عن الزمان ، و نسبة الفعل إلى الزمان على قسمين:
ص: 457
أ. تارة لا يكون للزمان تأثير في وصف الفعل بالمصلحة أو المفسدة و إنّما يكون الزمان ظرفاً للفعل، و أُخرى يكون الزمان قيدا للفعل، و يكون له مدخلية في تحقّق الغرض، و عندئذ ينقسم الواجب إلى مطلق مرسل من مدخلية الزمان فيه و موقّت قُيّد الفعل بالوقت و الزمان.
ثمّ إنّ المطلق أي الواجب الذي لا دور للزمان فيه، تارة يكون واجباً فوريّاً لا يجوز تأخيره كصلاة الآيات، و أُخرى يكون غير فوري كقضاء الفوائت الذي يجوز تأخيره.
كما أنّ المؤقت و هو الواجب الذي للزمان فيه دور، تارة يكون مضيّقاً كصوم رمضان و أُخرى موسّعاً كالصلوات اليومية بالنسبة إلى أوقاتها.
فعلى ذلك فالمؤقت على قسمين: تارة يكون الوقت بمقدار الفعل لا أوسع و لا أضيق كصوم رمضان، و أُخرى يكون الزمان أوسع من الفعل كالصلوات اليومية، و أمّا عكس الثاني فغير صحيح أي كون الفعل أكثر من الزمان، لأنّه يستلزم التكليف بما لا يطاق.
إذا عرفت تقسيم الواجب إلى المطلق و المؤقّت، و الأوّل إلى فوري و غير فوري، و الثاني إلى الموسّع و المضيّق، فهاهنا أُمور لها صلة بالمقام:
1. إذا وجبت الصلاة بين الزوال و المغرب فللطبيعة أفراد عرضية كالصلاة في المسجد أو البيت، كما أنّ لها أفراداً طولية كالصلاة في الساعة الأُولى و الثانية و هكذا، فالتخيير بين تلك الأفراد تخيير عقلي لا شرعي فالعقل يخيّر بينهذه الأفراد في مقام الامتثال. نعم لو قال الشارع: صلِّ في المسجد أو في البيت أو في الوقت الأوّل أو في الوقت الثاني، يكون التخيير شرعيّاً كخصال الكفّارة، و المفروض انّه فرض الصلاة بين الحدين فقط.
ص: 458
2. إذا أخر المكلّفُ الواجبَ الموسّع حتّى ضاق الوقت فلا يخرج الواجب عن كونه موسّعاً و لا يدخل في المضيّق، نعم يكون مضيقاً بالعرض، و لا يجوز تأخيره لكون التأخير مفوِّتاً للواجب لا لكونه مضيَّقاً بالذات.
3. أشكل على الواجب الموسّع بأنّه ما يجوز تركه في بعض الأوقات، فكيف يكون واجباً و يجوز تركه؟
و فيه: أنّ الواجب ما لا يجوز تركه بتاتاً، و الموسّع كذلك، و لا ينافيه تركه في بعض الأوقات.
4. عُرِّف الواجبُ المضيّق بأنّه عبارة عمّا يكون وقت الوجوب و الواجب - المكلّف به - واحداً مع أنّ مقتضى القاعدة أن يكون وقت الوجوب أوسع من وقت الواجب و لو بلحظة، لأنّ الإتيان بالواجب انبعاث و هو معلول البعث و الوجوب, فيجب أن يكون الوجوب متقدّماً على الانبعاث تقدّمَ العلّة على المعلول فيكون وقت الوجوب أوسع من وقت الواجب الذي يعبّر عنه بوقت الانبعاث, و إن شئت فقل: إنّه يلزم تأخّر الحكم عن موضوعه زمانا، و قد قيل: إنّ الحكم بالنسبة إلى موضوعه كالمعلول بالنسبة إلى علّته في اتحادهما زمانا و اختلافهما رتبة، فإذا تمّ الموضوع ترتّب عليه الحكم بلا مهلة، و إن لم يترتّب عليه لم يكن ذلك بموضوع، و هذا خلف.
و فيه: عدم لزوم شي ء من هذين المحذورين، و ذلك لاتحاد زمان الوجوب و الواجب و الانبعاث، فآن الطلوع زمان البعث و الانبعاث و الواجب و هو واحد، و تأخّر الانبعاث عن البعث رتبيّ، لا زماني كتقدّم حركة اليد على حركة المفتاح، نعم يتوقّف الانبعاث على العلم بالبعث قبل الطلوع, و أمّا تقدّم زمان الوجوب على الواجب فليس بلازم.
ص: 459
و الحاصل: أنّه لا بدّ في انبعاث المكلّف عن بعث المولى من علمه قبل الطلوع بوجوب الصوم حين الطلوع حتى يتمكّن من الانبعاث فيه.
إذا مضى وقت الفعل فهل الأمر الأوّل كاف في وجوب قضائه خارج الوقت أو يتوقّف على وجود أمر جديد و إلّا فالأمر الأوّل قد سقط؟ قولان:
فمنهم من يقول بكفاية الأمر الأوّل في إيجاب القضاء، و منهم من يقول بلزوم أمر جديد متعلّق بالفعل خارج الوقت أيضاً.
و يقع البحث في مقامين, الثبوت و الاثبات:
الأوّل: في مقام الثبوت.
و حاصله انّه لو قلنا بتعدّد المطلوب و أنّ إيجاد الفعل مطلوب و إيجاده في وقته مطلوب آخر فالقضاء بالأمر الأوّل، و أمّا لو قلنا بوحدة المطلوب و انّ هنا مطلوباً واحداً و هو إيجاد الفعل في وقته، فإيجاده خارج الوقت تابع لأمر جديد.
الثاني: في مقام الإثبات.
و هو تابع لما يستظهر من لسان الدليل من التعدد أو الوحدة، و الّا کان الدليل قاصرا عن إفادة تعدد المطلوب، فإذا أمر بالوقوف في عرفات من الزوال إلى الغروب فلو فات الموقف من المكلّف فإيجاب القضاء عليه بوقوفه فيها في خارج الوقت الذي يعبّر عنه بالوقوف الاضطراري يحتاج إلى الدليل، و ذلك لأنّ الأمر متعلّق بالمقيّد بالوقت، فالواجب هو الفعل المحدد بالوقت فلا دلالة للأمر على إيجاب الفعل المجرّد عن الوقت.
ص: 460
لکن المحقّق الخراساني استثنی ممّا ذكرنا مورداً خاصّاً بشروط ثلاثة:
فقال: «نعم لو كان التوقيت بدليل منفصل لم يكن له إطلاق على التقييد بالوقت و كان لدليل الواجب إطلاق لكان قضية إطلاقه ثبوت الوجوب بعد انقضاء الوقت و كون التقييد به بحسب تمام المطلوب لا أصله»(1), و الشروط الثلاثة في هذه العبارة هي:
1. أن يكون لدليل الواجب إطلاق بالنسبة إلى خارج الوقت.
2. أن يكون التقييد منفصلًا لا متّصلًا.
3. أن لا يكون في الدليل المقيّد إطلاق حاك عن كون الوقت دخيلًا في أصل المصلحة و انّ المولى يطلبه مطلقاً متمكناً كان أو عاجزاً غاية الأمر إذا عجز المكلّف منه سقط وجوب الباقي، فعندئذ يجب قضاء الفعل بنفس الأمر الأوّل، مثلًا إذا قال المولى: اغتسل من دون تحديد، ثمّ قال في دليل آخر: اغتسل يوم الجمعة، فلو افترضنا وجود الإطلاق في دليل الواجب و الإهمال في دليل القيدبالنسبة إلى خارج الوقت، فعندئذ يكون إطلاق دليل الواجب محكّماً خارج الوقت، فعليه الغسل بعد غروب الجمعة.
و فيه: أنّ ما ذكره خارج عن محل النزاع، فإنّ البحث فيما إذا لم يكن في المقام دليل اجتهادي بالنسبة إلى تعدد المطلوب أو وحدته، و إلّا فالمتبع هو الدليل الاجتهادي.
إذا كان دليل الواجب أو دليل التوقيت مهملًا بالنسبة إلى خارج الوقت فما هو المرجع عند الشكّ؟
ص: 461
فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المرجع هو أصالة البراءة فقال: و مع عدم الدلالة فقضية أصالة البراءة عدم وجوبها في خارج الوقت و لا مجال لاستصحاب وجوب الموقت بعد انقضاء الوقت جيدا(1).
و مراده من عدم الدلالة عدمها من جهة دليل الواجب و دليل التوقيت و الّا لو يکن دليل التوقيت مهملا فلا مجال للرجوع إلى أصالة البراءة، إذ مع الدليل لا تصل النوبة إلى الأصل.
و اما وجه عدم جريان استصحاب وجوب المؤقت بعد انقضاء الوقت، فلعدم اتحاد القضيتين، و ذلك لأنّ الوقت إمّا قيد للموضوع کالغُسْل, أو للمحمول کالوجوب او کالاستحباب، و على كلا الفرضين فإبقاء الحكم بعد خروج الوقت قضية أُخرى غير القضية المتيقنة.
ثمرات القولين:
1. إذا ترك الواجب في وقته قطعاً، فهل يجب عليه القضاء أم لا؟ يجب على القول الثاني دون الأوّل، كما إذا لم يخرج الفطرة في وقتها المحدد، أو تساهل في صلاة الخسوف و الكسوف حتّى انجلى الکسوف و الخسوف، فهل يجب القضاء أم لا؟
2. إذا أتى بالواجب و لكن شكّ في صحّة العمل لأجل الشكّ في الشرائط و عدمها على النحو التالي:
أ. إذا توضّأ في الظلمة بمائع مردد بين كونه ماء مطلقاً أو مضافاً فشكّ في صحّة العمل بعد خروج الوقت.
ب. إذا صلّى على جهة ثمّ شكّ بعد خروج الوقت انّها كانت إلى القبلة أو لا.
ص: 462
ج. إذا توضّأ أو اغتسل و الخاتم على اصبعه مع العلم بعدم تحريكه وقت العمل، فشكّ بعد خروج الوقت في جريان الماء تحته و عدمه.
توضيحه: انّه لو قلنا بأنّ الأمر الأوّل كاف في إيجاب القضاء، فالعلم بالقضاء و إن لم يكن موجوداً في الصور الثلاثة، لكن على القول بهذا الأصل ينقلب الشكّ في المقام، إلى الشكّ في أصل الامتثال الذي يعبّر عنه بالشكّ في السقوط حيث بعد خروج الوقت يشكّ في أنّه هل امتثل ما علم اشتغال ذمته به، يقيناً أو لا، و بما انّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، يحكم العقل بلزوم الاشتغال في حالة الشكّ.
و أمّا لو قلنا بأنّ الأمر الأوّل غير كاف في إيجاب القضاء فلا يجب شي ء خارج الوقت، لأنّه لو علم قطعاً بعدم الامتثال في الوقت فلا يجب القضاء عليه خارج الوقت، فكيف إذا شكّ في الامتثال؟ فعدم وجوب شي ء بطريق أولى.
فإن قلت: المشهور عدم العبرة بالشكّ بعد خروج الوقت، فلما ذا لا يكون هو المرجع بعد خروجه في هذه الصور الثلاث؟
قلت: إنّ القاعدة المزبورة راجعة إلى الشكّ في أصل الإتيان، فلا يعتد به خارج الوقت، و أمّا المقام فالشكّ إنّما هو في صحّة العمل المأتي به لا في إتيانه.
و مثلها قاعدة الفراغ فهي إنّما تجري فيما إذا لم تكن صورة العمل محفوظة حتى لا يكون حال العمل و حال الشكّ سيّان من حيث التذكر و عدمه، و أمّا المقام فالحالتان متساويتان من حيث التذكر بشهادة انّه لو نبّهه إنسان حال العمل، و سأله عن إطلاق الماء و عدمه، أو جريان الماء تحت خاتمه و عدمه أو كون الجهة قبلة أو لا، لأجاب بالشك و عدم الترجيح بواحد من الطرفين، و مثله لا يكون مجرى للقاعدة، لأنّ المتيقّن منها ما يكون حال العمل أذكر من حال الشكّ كما في روايات الباب، فلاحظ.
ص: 463
إذا أمر المولى فرداً، ليأمر فرداً آخر بإنجاز فعل، فهل الأمر الصادر من المولى أمر بذلك الفعل أيضاً؟ فقد أمر الله سبحانه نبيّه أن يأمر الأُمّة بغضِّ الأبصار عن النساء الأجنبيات و قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُم﴾(1)، فهل ينحصر أمره سبحانه في الأمر بالنبي فقط، أو يسري أمره إلى نفس الفعل، أعني: غضّ البصر؟
و کما إذا أُمر أولياءُ الصبيان بأن يأمروا الصبيان بالصلاة، فهل يختص أمر الشارع في الأمر بالأولياء أو يسري إلى نفس الفعل أي الصلاة أيضاً، فعندئذ تصبح صلاتهم، شرعية؟
اقول: الكلام يقع في مقامين:
إنّ للمسألة صوراً ثلاث في عالم التصوّر:
الاولی: إذا تعلّق غرض المولى بإنجاز الفعل و كان أمر المأمور الأوّل طريقاً للوصول إليه، على نحو لو كان المأمور الثاني حاضراً لدى المولى، لأمره بالفعل مباشرة.
الثانية: إذا كانت المصلحة قائمة بمجرّد أمر المأمور الأوّل للثاني منهما من دون أن يكون إنجاز الفعل مورداً للغرض، مثلًا إذا كان المأمور الثاني معروفاً بالتمرّد عن طاعة المولى، فيأمر المولى أحد ملازميه بالأمر لغرض أن يقوم بفعل كذا، فيكون تمام المصلحة قائماً بالإنشاء. و أمر المأمور الأوّل الثاني.
ص: 464
الثالثة: إذا تعلّق الغرض بنفس الفعل لكن بعد أمر المأمور الأوّل فيكون كلا الشيئين متعلّقين للغرض.
فعلى الأوّل، يكون الأمر بالأمر، أمراً بنفس الفعل، دون الصورتين الأخيرتين، و ذلك لأنّ الأمر الثاني إمّا تمام الموضوع كما في الصورة الثانية، أو جزءه كما في الصورة الثالثة، فلا يصحّ القيام بالفعل قبل ثبوت الموضوع كلّه أو جزؤه.
قال في الکفاية: و قد انقدح بذلك أنه لا دلالة بمجرد الأمر بالأمر على كونه أمرا به و لا بد في الدلالة عليه من قرينة عليه(1).
اقول: إنّ غلبة ورود الأمر بالأمر في التبليغ، و كون الغرض متعلقا بنفس الفعل توجب ظهوره فيه، فتكون الغلبة المزبورة قرينة نوعيّة على المبلّغيّة، و الطريقية، و كون الثالث مأمورا من الآمر الأوّل، لا الثاني.
و هذه القرينة متّبعة ما لم يقم صارف عنها. و عليه تترتب شرعيّة عبادات الصبي على هذا البحث، لعدم قرينة فيها على خلاف الغلبة المزبورة.
الثمرة الأُولى: إذا أمر الولي الصبي بالصلاة، فهل تكون الصلاة مأموراً بها للآمر الأوّل، أو ينحصر مفاد أمره بنفس الأمر بالثاني؟
مثلًا ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين، فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين»(2), فالحديث يدلّ على
ص: 465
أنّه سبحانه أمر الأولياء بأمر الصبيان بالصلاة في سنين خاصّة، فلو قلنا بأنّ الأمر بالأمر بالشي ء أمر بنفس ذلك الشي ء تقع صلاة الصبي متعلقاً بأمره سبحانه فتصبح صلاته و صومه، شرعية يُكتفى بصلاتهم و صيامهم عند النيابة عن الغير كما يجوز الاقتداء بهم، إلى غير ذلك من آثار الصحة، و هذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّه ليس أمراً بالفعل، بل أمر بالأمر فقط، فلا يترتّب عليها آثار الصلاة الشرعية.
و الظاهر هو الأوّل فانّ المتبادر عرفاً في هذه المواضع انّ أمر المولى طريق إلى قيام الصبي بالصلاة، فلو قام بها من دون أمر الآمر الثاني لكان مثل ما إذا قام بعد أمره، و هذا يكشف عن عدم مدخلية أمره، فيكون أمره بالأمر أمراً بذلك الشي ء.
كما أنّ أمر الإمام أولاده بالصلاة، طريقي لا موضوعي، فأولاد الإمام في خمس سنين، و أولاد غيره في سبع سنين مأمورون شرعاً، بأمر غير إلزامي لإتيان الصلاة.
الثمرة الثانية: أنّه لو أمر الوالد ولده الأكبر، بأن يأمر الولد الأصغر، ببيع الدار، فاطّلع الولد الأصغر قبل أمر الأكبر فباعه، فلو قلنا بأنّ مثل هذا الأمر، أمر بنفس الفعل يكون البيع صحيحاً لازماً دون ما لم نقل فانه يكون بيعاً فضوليّاً.
إذا أمر المولى بشي ء، ثمّ أمر به ثانياً، فهل هو تأكيد للأمر الأوّل، أو إيجاب ثان غير الإيجاب الأوّل و يعبّر عنه بالتأسيس؟ وهاهنا صور:
ص: 466
الاولی: إذا قيّد الأمر الثاني بشي ء يدلّ على التعدد، كما إذا قال: صلّ، ثمّ قال: صلّ صلاة أُخرى, و لا إشكال في انّ الأمر الثاني يحمل على التأسيس أي تعدد الوجوب، و تعدد الواجب، لمكان قيد أُخرى.
الثانية: إذا كان السبب للأوّل، غيره للثاني، كما إذا قال: إن ظاهرت فاعتق، و إن أفطرت عمداً فاعتق, و يحمل الامر فيها على التأسيس أي تعدد الوجوب، و أمّا تعدد الواجب أي العتق و عدمه فهو مبني على ما سيأتي في باب المفاهيم من تداخل المسببات و عدمه.
الثالثة: إذا كان أحد الأمرين خالياً عن ذكر السبب و الآخر محفوفاً بذكر السبب فقط كما إذا قال: توضّأ، ثمّ قال: إذا بُلت فتوضّأ, فإطلاق المادة و عدم تقييدها بقيد أُخرى, يقتضي الحمل على التأكيد، لامتناع تعلّق الوجوبين الكاشف عن الإرادتين، بشي ء واحد، لأنّ تشخّص الإرادة بالمراد, فلا يعقل التعدد فيها مع وحدة المشخِّص، هذا حول المادة، و أمّا الهيئة فربما يقال بأنّها ظاهرة في التأسيس أي تعدد الوجوبين.
و اجيب: بأنّ الأمر بعد الأمر ظاهر في تعدد الطلب، و أمّا إنّه طلبُ تأسيس أو طلبُ تأكيد فلا ظهور للامر في واحد منهما، و عليه فيؤخذ بإطلاق المادة و انّ الموضوع هو نفس الوضوء الآبي عن تعلّق إرادتين به و تكون النتيجة هي التأكيد(1).
و فيه: انه يکفي في الحمل علی التأسيس و وجوب التكرار ظهور الأمر بعد الأمر في تعدد الطلب و هو المراد من التأسيس, و الحمل علی التأکيد يحتاج الی القرينة و هي مفقودة.
الرابعة: أن لا يذكر سبب أصلا، و حكمها التأكيد کما هو ظاهر.
ص: 467
الخامسة: أنّ يذكر سبب واحد لهما، و حكمها التأكيد أيضا.
قال السيد المحقق المروج: أنّ عنوان المتن في هذا الفصل هو المستفاد من الكتب المبسوطة الأصوليّة، لكن بزيادة قيدين آخرين.
الأوّل: أن لا يكون الثاني معطوفا على الأوّل.
الثاني: أن يكونا منكّرين، أو بمنزلتهما، كقوله: «صلّ ركعتين، صلّ ركعتين»، أو: «صم، صم» فإن كانا كذلك، فقد ذهب فيه جماعة منهم الصيرفي إلىالاتّحاد، و عدم وجوب التكرار. و عن الشيخ، و ابن زهرة، و الفاضلين، و غيرهم: البناء على تغاير الحكمين، و وجوب التكرار. و نسب إلى جماعة منهم العلّامة في النهاية، و العضدي، و الأزدي، و أبو الحسين التوقف.
و إن كان الأمر الثاني معطوفا على الأوّل، و كانا منكّرين، نحو: «صلّ ركعتين» و «صلّ ركعتين» فالحكم فيه التأسيس، و وجوب التكرار، من غير ظهور خلاف فيه، لرجحان التأسيس على التأكيد، و لظهور العطف في المغايرة بين المعطوف و المعطوف عليه. و كذا الحكم لو كانا معرّفين، أو كان الأوّل معرّفا، و الثاني منكّرا.
و أمّا إذا كان الأوّل منكّرا، و الثاني معرّفا، ففيه أقوال:
الأوّل: التأسيس، و هو المحكيّ عن جماعة، منهم: ابن زهرة، و العلّامة، و الآمدي، و الرازي.
الثاني: التأكيد، و هو المحكي عن بعض المتأخّرين.
ص: 468
الثالث: التوقّف، و هو المنسوب إلى المحقّق، و أبي الحسين البصري، و العضدي(1).
اقول: أمّا إذا كان الأوّل منكّرا، و الثاني معرّفا مثل: صل رکعتين و صل الرکعتين, فظاهر في التاکيد, و کذلک لو کانا منكّرين، أو بمنزلتهما.
ص: 469
المقدمة ... 3
المدخل الی علم الاصول ... 4
الأمر الاول في تعريف علم الاصول ... 4
الفرق بين المسائل الأُصولية و القواعد الفقهية ... 4
دعوی الشيخ الاعظم من وجود فرق اخر ... 6
تمييز المسألة الفقهية من القواعد الفقهية و المسائل الأُصولية ... 7
الأمر الثاني في الوضع ... 7
اختصاص الاختلاف في الوضع التعييني ... 8
أقسام الوضع ... 9
لا خلاف في القسم الأول و الثاني ... 10
ما هو الميزان في كون الوضع خاصّاً أو عامّاً؟ ... 10
أقسام الوضع التعيني ... 11
المعاني الحرفية ... 12
كيفية وضع الحروف... 28
ثمرة البحث ... 30
ص: 470
وضع أسماء الإشارة و الضمائر و الموصولات ... 32
في الإخبار و الإنشاء ... 36
مفاد هيئة الجملة الاسمية ... 44
الأمر الثالث في الحقيقة و المجاز ... 48
هل المجاز بالطبع ام بالوضع ؟ ... 51
تنبيه ... 53
الامر الرابع هل الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي أو بما هي مرادة؟ ... 53
الأمر الخامس في علائم الوضع أو تمييز الحقيقة عن المجاز ... 54
الأمر السادس في تعارض الأحوال ... 66
الأمر السابع في الحقيقة الشرعية ... 67
ثبوت الحقيقة الشرعية في غير الفاظ العبادات ... 72
حکم الشک في الحقيقة الشرعية ... 73
الأمر الثامن في الاشتراك اللفظي ... 75
الأمر التاسع في جواز استعمال المشترك في أكثر من معنى ... 78
دعوی الامتناع العقلي ... 79
المانع من جهة الوضع ... 83
ص: 471
الشواهد علی امکان استعمال اللفظ في اکثر من معنی ... 85
الأمر العاشر في أنّ ألفاظ العبادات وضعت للصحيح أو الأعم ... 88
المقام الاول في ثمرة المسألة ... 89
المقام الثاني في ما هو الحق في المسألة ... 93
الاول: في الفاظ العبادات ... 93
الثاني في أسماء المعاملات 100
صحة التمسّك بالإطلاقات في المعاملات ... 102
هل أنّ أسماء المعاملات اسماء للأسباب أم للمسببات ... 107
الأمر الحادي عشر في المشتق ... 109
الأوّل: في تعريف المشتق ... 109
الثاني: دفع توهم التفصيل في بعض المشتقات ... 119
الثالث: ما هو المراد من الحال في عنوان البحث؟ ... 121
تفسيران آخران للحال ... 124
الرابع: ما هو الأصل في المسألة؟ ... 125
الخامس أدلّة القائلين بالوضع للمتلبّس ... 128
استدلال المحقّق النائيني ... 130
ص: 472
أدلّة القول بالأعم ... 131
التفصيل بين كون المشتقّ محكوما عليه و محكوما به ... 133
المقصد الاول في الاوامر ... 134
الفصل الأوّل مادة الأمر ... 134
تحديد معنی الامر ... 135
في اعتبار العلو و الاستعلاء ... 138
في دلالة مادة الأمر على الوجوب ... 142
أدلة القائلين بالاشتراك المعنوي ... 143
الفصل الثاني في صيغة الأمر ... 145
المبحث الأوّل في معنى صيغة افعل ... 145
المبحث الثاني في أنّ الأمر بلا قرينة هل يدل على الوجوب؟ ... 148
الإشكال على الانصراف بكثرة الاستعمال في الاستحباب ... 149
المبحث الثالث في دلالة الجملة الخبرية على الوجوب ... 154
المبحث الرابع في التوصلي و التعبدي ... 157
الاول: ما المراد من الوجوب التوصلي و التعبدي ... 158
الثاني: في ما هو الأصل فيما شكّ أنّه توصلي أو تعبّدي؟ ... 162
ص: 473
الموضع الأوّل: مقتضى الأصل اللّفظي ... 163
الاول في ادلة القول بامتناع أخذ قصد القربة في متعلق الأمر ... 164
الكلام في المقام الثاني ... 176
تصحيح الأخذ بأمرين ... 178
الإطلاق المقامي ... 179
أدلّة القائلين في أنّ الأصل هو التعبديّة ... 180
الموضع الثاني فيما هو مقتضى الأصل العملي ... 185
تعاريف أخری للتعبّدي و التوصّلي ... 189
مقتضى القاعدة عند الشكّ فيهما بالمعنى الاول ... 190
استدلال المحقّق الخوئي ره ... 190
نقد ما أفاده المحقّق الخوئي ره في المقام ... 192
مقتضى القاعدة عند الشكّ في التعبّدية و التوصّلية بالمعنى الثاني ... 194
استدلال المحقّق النائيني ره على لزوم الحمل على التعبّدية بالمعنى الثاني ... 195
نقد المحقّق الخوئي ره على المحقّق النائيني ره في المقام ... 196
المبحث الخامس في دوران صيغة الأمر بين كونه نفسياً، تعيينياً، عينياً، و ما يقابلها ... 197
الحمل مقتضى حكم العقل في مجال العبودية ... 200
ص: 474
المبحث السادس الأمر عقيب الحظر أو توهمه ... 201
المبحث السابع دلالة الأمر على المرّة و التكرار ... 204
ما المراد من المرة و التکرار ... 206
المبحث الثامن في دلالة الأمر على الفور أو التراخي و عدمها ... 210
هل يجب الإتيان بالمأمور به بعد العصيان علی القول بالفورية؟ ... 213
الفصل الثالث في الاجزاء ... 213
الاول: في کون البحث من المباحث اللغوية ام العقلية ... 213
الثاني: ما هو المراد من الاقتضاء؟ ... 214
المسألة الاولی: امتثال كلّ أمر يجزي عن التعبّد به ثانياً ... 218
تبديل الامتثال بامتثال آخر ... 219
الثانية: هل الإتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري يجزي عن الإتيان به بالأمر الواقعي ؟ ... 221
حکم العذر غير المستوعب علی القول بوحدة الامر ... 223
المقام الأوّل: في العذر غير المستوعب علی القول بتعدد الامر ... 224
المقام الثاني: في العذر المستوعب ... 230
الموضع الثالث إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي ... 231
المورد الأوّل: العمل بالأمارة لاستكشاف كيفية التكليف ... 232
ص: 475
الاستدلال على الإجزاء بوجه آخر ... 235
التفصيل بين الانكشاف الوجداني و غيره ... 236
التفصيل بين الطريقية و السببية ... 236
المورد الثاني العمل بالأُصول العملية لاستكشاف كيفية التكليف ... 238
استدلال اخر ... 241
تبدّل رأي المجتهد ... 241
الفصل الرابع مقدّمة الواجب ... 249
الامر الأوّل: في تحرير محلّ النزاع ... 249
الأمر الثاني: تقسيمات المقدّمة ... 250
التقسيم الأوّل: تقسيمها إلى داخلية و خارجية ... 251
هل يصحّ وصف الأجزاء بالمقدمية؟ ... 251
في وجود الملاك لوصف الأجزاء بالوجوب المقدّمي ... 254
في وجود المانع عن تعلّق الوجوب ... 255
المقدمة الخارجية ... 256
التقسيم الثاني: تقسيمها إلى عقلية و شرعية و عادية ... 257
التقسيم الثالث تقسيمها إلى مقدمة الوجود و الصحّة و ... 258
ص: 476
التقسيم الرابع تقسيمها إلى السبب و الشرط و المعدّ و عدم المانع ... 259
التقسيم الخامس تقسيمها إلى متقدمة و مقارنة و متأخرة ... 260
الاشکال في تقدم و تأخر الشرط ... 260
المقام الأوّل: شرط المأمور به ... 261
المقام الثاني: شرائط التكليف ... 262
المقام الثالث: في شرائط الوضع ... 265
جواب المحقّق الخراساني ... 266
إجابة المحقّق النائيني عن الإشكال ... 267
الأمر الثالث في تقسيمات الواجب ... 269
التقسيم الأوّل: تقسيمه إلى مطلق و مشروط ... 269
الإطلاق و التقييد من الأُمور النسبية ... 271
هل القيد يرجع إلى مفاد الهيئة أو إلى مفاد المادة؟ ... 272
أدلّة رجوع القيد إلى المادة ... 272
التقسيم الثاني تقسيم الواجب المطلق إلى منجّز و معلَّق ... 277
المقدمات المفوتة أو ثمرات الواجب المعلّق ... 288
إذا دار الأمر بين رجوع القيد إلى الهيئة أو المادة ... 292
ص: 477
مقتضى الأصل اللفظي عند الترديد ... 293
جواب المحقّق النائيني ... 296
مقتضى الأصل العملي ... 297
التقسيم الثالث تقسيم الواجب إلى نفسي و غيري ... 297
دوران الوجوب بين النفسي و الغيري ... 298
أدلّة المتمسّكين بإطلاق الهيئة ... 301
المقام الثاني: في مقتضى الأصل العملي ... 304
إشكالات الطهارات الثلاث ... 308
الإشكال الأوّل: ... 308
الاشکال الثاني: ... 309
الاشکال الثالث: ... 309
التصوير العلمي لعبادية الطهارات و مقدميّتها ... 309
الأمر الخامس وجوب المقدّمة تابع لوجوب ذيها إطلاقاً و اشتراطاً ... 315
الأمر السادس ما هو الواجب من المقدّمة؟ ... 317
القول الأوّل: وجوب مطلق المقدّمة ... 317
القول الثاني: وجوب المقدّمة حين إرادة ذيها ... 318
ص: 478
القول الثالث: وجوب المقدّمة بشرط إرادة ذيها ... 318
القول الرابع: وجوب المقدّمة بشرط التوصّل إلى ذيها ... 320
استدلال المحقّق الاصفهاني تأييداً لمقالة الشيخ ... 324
القول الخامس وجوب المقدمة الموصلة ... 327
الادلة علی وجوب المقدمة الموصلة ... 329
إشكالات القول بوجوب المقدّمة الموصلة ... 336
القول السادس: وجوب المقدّمة حال الإيصال ... 342
الأمر السابع في ثمرات القول بوجوب المقدّمة ... 345
الثمرة الأُولى: بقاء الحرمة في غير الموصلة ... 346
الثمرة الثانية: صحّة الصلاة على القول بالموصلة ... 346
نظرية الشيخ في الثمرة الثانية ... 347
كلام المحقّق الخراساني في ردّه ... 348
الثمرة الأُولى: اتّصاف المقدّمات بالوجوب الغيري ... 350
الثمرة الثانية: تحقّق الوفاء بالنذر ... 350
الثمرة الثالثة: استحقاق الأجرة ... 351
الثمرة الرابعة: حرمة أخذ الأُجرة على المقدّمة ... 351
ص: 479
الثمرة الخامسة: حصول الفسق بترك مقدّمة ... 351
الثمرة السادسة: جعل المصداق لمسألة الاجتماع ... 352
الأمر الثامن تأسيس الأصل في المسألة ... 358
حكم الأصل في المسألة الأُصولية ... 358
حكم الأصل في المسألة الفقهية ... 359
أدلّة القائلين بوجوب المقدمة ... 361
ما هو المختار في باب المقدّمة؟ ... 366
التفصيل بين السبب و غيره ... 367
التفصيل بين الشرط الشرعي و العقلي ... 368
مقدّمة المستحب و المكروه و الحرام ... 369
الفصل الخامس اقتضاء الأمر بالشي ء النهيَ عن ضدّه؟ ... 375
هل المسألة عقلية أو لفظية؟ ... 376
تعريف الضدّ العام و الضد الخاص ... 376
هل الأمر بالشي ء يقتضي النهي عن الضدّ العام أم لا؟ ... 377
هل الأمر بالشي ء يقتضي النهي عن الضدّ الخاص؟ ... 379
مسلک المقدمية ... 379
ص: 480
نظرية المحقّق الخوانساري ... 386
المسلك الثاني: مسلك الملازمة ... 387
إنكار المباح أو شبهة الكعبي ... 388
في الثمرة الفقهية للبحث ... 389
الاشکال في الثمرة علی مسلک المقدمية ... 389
فقدان الامر ... 390
كفاية وجود الملاك في صحّة العبادة ... 390
كفاية قصد الأمر المتعلّق بالطبيعة ... 392
الأمر بالضدين على نحو الترتّب ... 393
نقد المحقّق الخراساني دليل القائل بالترتّب ... 395
اشکالات المحقّق الخراساني ... 397
الاستدلال على بطلان الترتّب بطريق الإن ... 400
بيان المحقّق الحائري في امتناع الترتّب ... 401
التقريب الثاني لتصحيح الترتّب ... 403
التقريب الثالث لتصحيح الترتّب ... 404
التقريب الرابع لتصحيح الترتّب ... 406
ص: 481
ثمرات بحث الترتّب ... 407
نظرية الأمر بالأهم و المهم عرضاً لا بنحو الترتّب ... 409
الجواب علی نظرية الخطابات القانونية ... 416
اشکالي القول بالانحلال ... 418
الجواب علی المقدّمة السادسة : ... 419
الفصل السادس في جواز الأمر مع العلم بانتفاء شرطه ... 422
الفصل السابع هل الأوامر و النواهي تتعلّق بالطبائع أو الافراد؟ ... 423
اشکال المحقّق الخوئي ره و الجواب عليه ... 424
استدلال المحقق الخراساني علی تعلق الاوامر بالطبيعة ... 427
أدلّة القول بتعلّقه بالافراد ... 428
ثمرة البحث ... 430
الفصل الثامن الواجب التخييري ... 431
اشکالات حول تصوير الواجب التخييري ... 432
نظرية المحقق النائيني ... 432
نظرية المحقّق العراقي ... 436
وجوب كلّ واحد مشروط بعدم وجود الآخر ... 437
ص: 482
نظرية المحقّق الخراساني ... 438
بطلان قاعدة الواحد ... 440
کون الواجب هو الجامع الأصيل ... 442
نظرية المحقق الاصفهاني ... 443
ان الواجب هو المعيّن عند اللَّه تعالى ... 443
أنّ الواجب هو المجموع من حيث المجموع ... 444
التخيير بين الأقل و الأكثر ... 445
تطبيقات ... 447
الفصل التاسع الواجب الكفائي ... 448
اشکال الواجب الکفائي ... 449
تعلّق التكليف بعموم المكلّفين ... 449
التكليف على ذمّة واحد من المكلّفين ... 452
تعلّق الوجوب بمجموع المكلّفين ... 453
تعلّق الوجوب بواحد معيّن ... 454
ثمرات البحث ... 455
الفصل العاشر تقسيم الواجب إلى المطلق و المؤقّت و تقسيم المؤقت إلى الموسّع و المضيّق ... 457
ص: 483
هل القضاء تابع للأداء أو بأمر جديد؟ ... 460
الأصل العملي في المسألة ... 461
الفصل الحادي عشر هل ان الأمر بالأمر أمر؟ ... 464
الأوّل: في مقام الثبوت ... 464
الثاني: في مقام الاثبات ... 465
ثمرات المسألة ... 465
الفصل الثاني عشر الأمر بعد الأمر تأكيد أم تأسيس؟ ... 466
تبصرة ... 468
الفهرس ... 470
ص: 484
1- الدرر الفقهية في شرح اللمعة الدمشقية و هو کتاب مبسوط حول مدارک الاحکام الشرعية في 15 مجلدا .
2- الرؤية الفلسفية نفد و تحليل.
3- اسئلة حول التوحيد الالهي .
4- اصول المعرفة . و ترجم الی الفارسية باسم اصول شناخت .
5- الرؤية الاسلامية؛ و فيه ما يقارب خمسمائة رواية في نقد الفکر الفلسفي الرائج.
6- بحث فقهي حول النيروز و قد ترجم الی الفارسية .
7- بحث حول جواز طلب الشفاعة و بطلان التفويض, و ترجم الی الفارسية.
8- من الروايات المکذوبة ؛ و ترجم الی الفارسية باسم روايات ساختگي.
9- الکفاية من الاصول هذا الکتاب الحاضر و هو يشتمل علی دورة اصولية کاملة في اربع مجلدات.
10- رجال ابن الغضائري تحقيق و تقديم.
11- تقديم وتعليق علی کتاب التوحيد الفائق للعلامة البهبهاني, و ترجم الی الفارسية.
12- مقالتان في مباني المحقق البهبهاني الاصولية و الکلامية.
13- ترجمة کتاب السنخية ام العينية و الاتحاد ام التباين و کتاب آيات العقائد, و شرح خطبة 152 لامير المؤمنين عليه السلام و ترجمة کتب اخری .
ص: 485