عوائد الأصول الصغیر
نویسنده: مظاهری، حسین
سایر نویسندگان
محقق: هادی زاده، مجید
تهيه کننده: موسسه فرهنگی مطالعاتی الزهراء سلام الله علیها
تعداد جلد: 2
زبان: عربی
ناشر: مؤسسه فرهنگی مطالعاتی الزهراء (علیها السلام) - اصفهان - ایران
سال نشر:1434 هجری قمری
محرر رقمی میثم حیدری
ص: 1
بسم الله الرحمن الرحیم
ص: 2
عوائد الأصول الصغیر
حسین مظاهری
ص: 3
ص: 4
إشارةٌ خاطفةٌ 11
المقصد السَّابع: في الأمارات
المرحلة الأولىٰ: في القطع 19
الأمر الأوَّل: في أن البحث عن القطعِ بحثٌ أصوليٌّ 19
الأمر الثَّاني: في تقسيم أحوال المكلَّف 20
الأمر الثَّالث: حجيَّة القطع ذاتيَّةٌ أم لا؟ 21
الأمر الرَّابع: في التَّجرِّي 24
الأمر الخامسُ: في القطع الموضوعيِّ 27
الأمر السَّادس: قيام الأمارات والأصول مقامَ القطع الموضوعيِّ 32
الأمر السَّابع: وجوب الموافقة الاِلتزاميَّة كالموافقة العَمَليَّة 35
الأمرُ الثَّامن: مبنىٰ الأخباريِّينَ قِبَل بعضِ أفراد القَطع 37
الأمر التَّاسع: تنجُّزُ التَّكليف بالعلم الإجماليِّ 38
المرحلة الثَّانيَة: في الظَّنِّ 41
في الأمارات 41
ص: 5
الفصل الأوَّل: في حجِّيَّة الظُّهور 45
الفصل الثَّاني: حجِّيَّة ظواهر الكتاب الكريم 49
الفصل الثَّالث: في حجِّيَّة قول اللُّغويِّ 55
الفصل الرَّابع: في الإجماع المنقول 57
الفصل الخامس: في حجيَّة الخبر الثِّقة 65
الفصل السَّادس: في حجِّيَّة الخبر المُعتَمَد عليه 73
المقصد الثَّامن: في الأصول العَمَليَّة
الفصل الأوَّل: في أصالة البَراءة 97
الفصل الثَّاني: في ما استدلَّ به الأخباريُّون لوجوب الإحتياط
الفصل الثَّالث: في قاعدةِ مَن بلغ 127
الفصل الرَّابع: في أصالة التَّخيير 135
الفصل الخامس: في دوَران الأمر بين التَّعيين والتَّخيير 139
الفصل السَّادس: في أصالة الإشتغال 141
المقام الأوَّل: في الشَّكِّ بين المتبايِنَين 142
تنبيهاتٌ 145
المقام الثَّاني: في دوران الأمر بين الأقلِّ والأكثر الاِستقلاليَّيْن 158
المقام الثَّالث: في دوران الأمر بين الأقلِّ والأكثر الإرتباطيَّيْن 159
تنبيهاتٌ 163
الفصل السَّابع: قاعدة المِيسُور 171 الفصل الثَّامن: في شرائط جريان الأصول 173
ص: 6
الفصل التَّاسع: في الاِستصحاب 179
الفصل العاشر: في حجِّيَّة الاِستصحاب 191
الفصل الحادي عشر: في الأحكام الوضعيَّة 205
تنْبيهات الاِستصحاب 209
التَّنبيه الأوَّل: فعليَّة الشَّكِّ واليقين في الاِستصحاب 209
التَّنبيه الثَّاني: المراد باليقين والشَّكِّ في المَبحث 210
التَّنبيه الثَّالث: في اِستصحاب الكلِّيِّ 211
في الشُّبهة العَبائيَّة 213
التَّنبيه الرَّابع: الاِستصحابُ في الأمور التَّدريجيَّة غير القارَّة 216
التَّنبيه الخامس: في الاِستصحاب التَّعليقيِّ 220
التَّنبيه السَّادس: اِستصحابُ أحكام الشَّرائع السَّابقة 222
التَّنبيه السَّابع: في حجيَّة الأصل المُثبِت 224
التَّنبيه الثَّامن: في أمثلةٍ ذُكِرت في المقام 228
التَّنبيه التَّاسع: الأثر لأيِّ حكمٍ من الأحكام 230
التَّنبيه العاشر: لزوم ثبوتُ الأثر في جريان الاِستصحاب 231
التَّنبيه الحادي عشر: اِستصحاب مجهول التأريخ 231
التَّنبيه الثَّاني عشر: اِختصاص الاِستصحاب بالأحكام الفرعيَّة 233
التَّنبيه الثَّالث عشر: في تعارُض العامِّ مع اِستصحاب الُمخصِّص 234
التَّنبيه الرَّابع عشر: المراد من الشَّكِّ واليقين في المقام 235
التَّنبيه الخامس عشر: في كيفيَّة الوحدة المشتَرَطَة في صحَّة الاِستصحاب 235
التَّنبيه السَّادس عشر: تقدُّم الأمارات على الاِستصحاب 236
ص: 7
التَّنبيه السَّابع عشر: تقدُّم القواعد الفقهيَّة علي الاِستصحاب 238
التَّنبيه الثَّامن عشر: تقدُّم الاِستصحاب على الأصول العَمَليَّة كلِّها 239
المقصد التَّاسع: في تعارض الأمارت
الفصل الأوَّل: في تعريفه 243
الفصل الثَّاني: مقتضَى القاعدة في تعارض الخبَرَين 245
الفصل الثَّالث: مقتضى الرِّوايات في تعارُض الخبرَيْن 247
الفصل الرَّابع: هل التَّخييرُ مسألةٌ أصوليَّةٌ؟ 251
الفصل الخامس: مختار المُستنبِط حكمٌ واقعيٌّ؟ أم لا؟ 253
الفصل السَّادس: التَّخييرُ بدويٌّ؟ أو اِستمراريٌّ؟ 255
الفصل السَّابع: المرادُ من التَّوقُّف في مأثورات الباب 257
الفصل الثَّامن: ترجيحُ روايةٍ على أخرىٰ أو تمييزُ الحجَّة عن اللَّاحجَّة 259
الفصل التَّاسع: في التَّعدِّي من المرجِّحات المنصوصةِ إلى غيرِها 263
الفصل العاشر: مَدىٰ حجِّيَّة التَّخيير أو التَّرجيح 267
الفصل الحادي عشر: في تقدُّم بعض الظُّهورات على الآخر 269
المقصد العاشر: في الإجتهاد والتَّقليد
المرحلةُ الأولىٰ: في الإجتهاد 279
الفصل الأوَّل: في حجِّيَّة الإجتهاد 281
الفصل الثَّاني: حجِّيَّة الإجتهاد المُستنَد إلى الظُّنون 285
الفصل الثَّالث: التَّجزِّي في الإجتهاد 287
ص: 8
الفصل الرَّابع: هل يجوز أن ينصب المجتهدُ من لم يَحُزْ الإجتهاد للحكومة؟ 289
الفصل الخامس: ما يُشتَرط في الإجتهاد 291
الفصل السَّادس: التَخطئَة ومعاني التَّصويب 299
الفصل السَّابع: في تبدُّل رأي المجتهد 301
المرحلة الثَّانية: في التَّقليد 303
الفصل الأوَّل: في تعريف التَّقليد وما يجوز فيه و ما لايجوز 305
الفصل الثَّاني: بماذا يتحقَّقُ التَّقليد؟ 309
الفصل الثَّالث: اشتراط الأعلميَّة في التَّقليد 311
الفصل الرَّابع: حجِّيَّة قولَين المتعارضَين 317
الفصل الخامس: في جواز التَّقليد عن المُستَنبِط المَيِّت 321
الفصل السَّادس: في مرجِعيَّة المرءَة 329
الفصل السَّابع: في العُدُول 333
الفصل الثَّامن: بطلان عمل العامِّيِّ بلاتقليدٍ 335
الفصل التَّاسع: الإعادة أو القضاء بعد تبديل المقلَّد 337
الفهرس التَّفصيلي 339
فهرس مصادر التَّحقيق 369
ص: 9
ص: 10
بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم
وله الحمدُ - تعالى شأنه! -
هذا هو المجلَّد الثَّاني من عَوائد الأُصول الصَّغير، والَّذي يُمثِّل إحدىٰ حلَقات سلسلة جُهود شيخنا الأستاذ سماحة ٰ ايةِ اللَّه العظمىٰ الشَّيخ حُسَين مظاهري - أدام اللَّهُ تعالى عزَّه وظلَّه - في حِقلِ تأليف علم الأصول.
وقد أشرتُ إلى شيءٍ ممَّا يرجع إليه في التَّقديم على الكتاب - المذكور في مبتدأ المجلَّد الأوَّل -، وسنأتي بشيءٍ أبسط من ذلك مقدِّمًا علىٰ عَوائد الأُصول الوسيط - بإذن اللَّه وعونه! -؛ وعسىٰ اللَّه أن يجعَلَه وعدًا غير مكذوبٍ!.
ص: 11
ص: 12
ص: 13
ص: 14
بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم
الحمد للَّه ربِّ العالمين، والصَّلوة والسَّلام على خيرِ خَلقه محمَّدٍ وٰاله الطَّاهرين، سيَّما بقيَّة اللَّهِ في الأرضين؛ ولعنةُ اللَّه على أعدائِهِم أجمعينَ.
قد فرغنا عمَّا يتعلَّق بمباحث الألفاظ، فحان حين الشُّروع فيما اشتَهَر بين متأخِّري متأخِّرين بمباحث الحُجَج والأمارت؛ فنقول:
ص: 15
ص: 16
وفيه مرحلتان
ص: 17
ص: 18
لابُدَّ لنا أوَّلًا من البحث عن القطع؛ الَّذي هو أرفعُ من الأماراتِ قدرًا.
وفيه أمورٌ:
إنَّ البحث عن القطع بحثٌ أصوليٌّ، لأنَّه يقعُ في طريق الاِستنباط.
صحيحٌ، إلَّاأنَّه لاينافي كونه بحثًا أصوليًّا أيضًا.
قال الشَّيخ قدس سره: «إنَّ المُكَلَّف إذا التَفتَ إلى حكمٍ شرعيٍّ إمَّا أن يَحصلَ له القطع، أو الظَّنُّ، أو الشَّكُّ»(1).
وهذا الكلام لتقريب المعنىٰ إلى أذهان الممارسينَ فقط، كغيرها من التَّعاريف المذكورةِ في العلوم؛ وهو أجود ما قيل في هذا المِضمار.
وما قال به في الكفاية بدلًا عن هذا القول: «إنَّ المكلَّف إذا التفتَ إلى حكمٍ واقعيٍّ أو ظاهريٍّ إمَّا أن يَحصُل له العلم، أو لا؛ وعلى الثَّاني لابدَّ من انتهائه إلى الظَّنِّ لو حصل له وتمَّ حجيَّتُه لدليل الإنسداد؛ وإلَّا فالرُّجوع إلى الأصول»(2)؛
وفيه: إنَّ التَّقسيم - أيضًا - ثلاثيٌّ، مع أنَّ ما ذكرَه الشَّيخُ قدس سره أخصرُ وأسدُّ. بل
ص: 20
كلامه غير خالٍ من الإشكال!، لأنَّ بعد حجيَّة دليل الإنسداد أيضًا لايقطعُ الظَّانُّ إلَّا بالحكم الظَّاهريِّ، بل بعد جريان الأصول أيضًا.
ثمَّ قال قدس سره: «وإن أبَيتَ إلَّاأن يقال بالتَّثليثِ، فقُل: إنَّ المكلَّف إمَّا أن يحصل له القطعُ، أو لا؛ وعلى الثَّاني إمَّا أن يقوم عنده طريقٌ معتبرٌ، أو لا؛ فمرجعه على الأخير إلى القواعد المقَرَّرة عقلًا أو شرعًا لغير القاطع ومن يقوم عنده الطَّريق»(1).
وفيه: إنَّ كلام الشَّيخ قدس سره لتقريب الذِّهن أولىٰ من هذا، بل هو المتعيَّن.
مضافًا إلى أن اللَّازم من كلامه: أن يُبحَث عن دليلِ الإنسداد في باب الشُّكوك، لا الظُّنون، و هو غير المتعارف من سيرتهم، حتَّى ممَّا جاء به نفسُه قدس سره في الكفاية.
المشهور حجيَّةُ القطع ذاتًا بحيث لاتناله يدُ الجعل إثباتًا ولانفيًا.
وتوضيح ذلك يقتضي رسم نِكاتٍ:
إنَّ «الحجِّيَّة» المذكورة في أصول الفقه، غير «الحجِّيَّة» المبحوث عنها في المنطق؛ لأنَّ المراد من الحجيَّة في المنطق هو جعل شيءٍ وسطًا في الأقيسة، وأمَّا في الأصول
ص: 21
فالحُجَّة ما يُحتَجُّ به بين العبد والمولىٰ، أو بين النَّاس في المنازعات. فلذلك لايصحُّ جَعلُ القطع والظَّنِّ المعتبر وسطًا إذا تعلَّقا بالخمر، فلايصحُّ أن يُقال: «هذا مقطوعُ الخمريَّة، وكلُّ مقطوعُ الخمريَّة حرامٌ، فهذا حرامٌ»، أو يقال: «هذا مظنون الخمريَّة، وكلُّ مظنون الخمريَّة حرامٌ، فهذا حرامٌ»، بل لاسبيل إلى الحرام إلَّاأن يُقال: «هذا حرامٌ، ودليل القطع أو الظَّنِّ المعتبر بحرمته هو كذا».
فالظَّاهر في كلمات الشَّيخ قدس سره من جعل القطع أو الظَّنِّ المعتبر وسطًا، ليس بسديدٍ.
الجعل - تكوينيًّا كان، أو تشريعيًّا -:
إمَّا بسيطٌ؛
وإمَّا مركَّبٌ.
فالأوَّل كقولك: «القطعُ كاشفٌ، إخبارًا أو إنشاءً»،
والثَّاني كقولك: «القطعُ حجَّةٌ، إخبارًا أو إنشاءً».
ففي الجعل البسيط لااِنفكاك بين المحمول والموضوع، بل الاِنفكاك بينهما محالٌ - لأنَّه هو نفسُه، إذ ليس في العين إلَّاشيءٌ واحدٌ -، وهو المشهور بين أهل الأدب ب «مَفادِّ كان التَّامَّة». كقولهم: زيدٌ موجودٌ، الَّذي لايُعقَل فيه اِنفكاكُ المحمول عن الموضوع -.
ص: 22
وأمَّا في الجعل المركَّب - والمُسمّىٰ بالجعل التَّأليفيِّ أيضًا -، فلامانع من اِنفكاك المحمول عن الموضوع، إلَّاأن يكون القضيَّة بشرط المحمولِ. فقولك: «القطع حجَّةٌ» معناه: إنَّ التَّكليف به منجَّزٌ وليس للمكلَّف أن يُخالِفه؛ وبعبارةٍ أخرىٰ يُخبِر عن صرف المُنجِّزيَّة والمُعذِّريَّة - الأوَّل بحسب أمر المولىٰ، والثَّاني بحسب العبد -، وليس من الذَّاتيَّات.
فإذن للشَّارع أن يتصرَّف فيه نفيًا واثباتًا، فيقول: القطعُ الكاشفُ عن الواقع إذا حصل من طُرُقٍ خاصَّةٍ - كالقياس، أو العلوم الغريبة، كتسخير الجنِّ والرَّمل، وكالوسواس -، أو من طُرُقٍ غير متعارَفةٍ، فهو كاشفٌ، ولكنَّه لايُنجِّزُ التَّكليف، فليس بحُجَّةٍ.
- كما وقد تصرَّف في مواضعَ أُخر، منها: تنصيصُه بأنَّ الشَّاهد الواحد في باب القضاء لايُثبَت به الحكمُ، ولاالموضوع، بل تحتاج إلى شاهدٍ آخر، كما ذهب المشهور إلى ذلك في الإخبار عن الموضوعات.
ومنها: قوله بأنَّ علم القاضي مع كونه كاشفًا عن الواقع ولكنَّه ليس له أن يحكم بواسطته، بل لا قضاء إلَّابالبَيِّنة والأيمان والإقرار -.
فمذهب الشَّيخ من: «أنَّ القطع حجَّةٌ لاتناله يد الجعل إثباتًا ولانفيًا»؛
ليس بسديدٍ!.
ص: 23
كما أنَّ ما استدلَّ به المحقِّقُ الخراسانيُّ قدس سره في الكفاية - تثبيتًا لهذا الكلام - من:
«أنَّ حجيَّة القطع من باب الجعل البسيط، فمحالٌ أن يُسلَبَ المحمول عن الموضوع إذن، بل يلزم ذلك الجمع بين الضِّدَّين»(1).
لاحظَّ له من الصَّواب أيضًا!.
ومنشأ الخطأ هو الخلطُ بين الكاشفيَّة والحُجِّيَّة، لأنَّ الكاشفيَّة للقطع عين ذاته، أو لاأقلَّ من كونها من عوارضه الذَّاتيَّة، فهو من الجَعْل البسيط؛
وأمَّا الحجِّيَّة فليست عين ذات القطع، بل من محمولاته الَّتي تترتَّب عليه بحسب العُرف والشَّرع، فهو من الجعل التَّأليفيِّ، فيمكن أن يُسلَب المحمول عن الموضوع عرفًا وشرعًا.
وفيه نِكاتٌ - أيضًا -.
اُختُلِف بين الأعلام في حرمة التَّجرِّي؛ والأقوىٰ هو الحرمة وجوازُ مؤاخذة المولىٰ به.
وعليها إطباقُ الأدلَّة الأربعة.
ص: 24
فيستقلُّ بقبحه واستحقاق المُتَجرِّي العقوبةَ به؛ ضرورة أنَّ من أراد قتلَ المولىٰ فأقدم عليه لكنَّه اخطأ فيه، أو أراد الفحشاء بزوجته فلم يُوفَّق لذلك، أو أراد نَهْبَ مالِه فلم يقدُر عليه، فالعقلاءُ لايكتفُّون بمذَمَّته، بل يرون عقوبته؛ والعقلُ يستقلُّ بقبحه، وبجواز عقابه معًا.
فقولُه - تعالى! -: وَ إِنْ تُبْدُوا مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحٰاسِبْكُمْ بِهِ اَللّٰهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشٰاءُ (1)؛ وقولُه - تعالى! -: إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفٰاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ (2).
فقوله صلى الله عليه و آله: «مَن رضِي بفعلٍ كفاعِلِه»(3).
وفي رواياتٍ مُفسِّرةٍ لقوله - تعالى! - مخاطبًا لمُعاصري النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله من اليَهود: فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ (4): «إنَّ القتلَ وقع في عصورٍ مُتَقَدِّمةٍ، إلَّا أنَّ المشافهين بالخِطاب لمَّا رضوا به نسبَهُ - تعالى! - إليهم»(5).
وهذه الرِّوايات قد بلغَتْ التَّواتر المعنويَّ.
ص: 25
فقد اشتَهَر بين الأصحاب حرمةُ أَكلِ مالِ الغَير تَجرِّيًا، ووطأُ المرءة معتقِدًا أنَّها إجنبيَّةٌ، والسَّفرُ معتقِدًا كونه معصيةً، وتركُ الصَّلاةِ مع العلم بضيقِ وقتها؛
وإن لم يكن للغير، أو إجنبيَّةً، أو معصيةً، أو ضيقًا.
ونظاير ذلك في الفقه كثيرةٌ جدًّا، فلذلك اختَرنا حرمةَ مقدَّمة الحرامِ ولو لم تكن بموصِلةً.
وما قيل من أنَّ لازم ذلك ترتُّب العقابَين على المُتَجرّىٰ به إذا طابق الواقعَ؛
فلابأس به، لوقيل بشدَّة العقاب للتَّجرِّي و للتَّطابُق - كما قال به صاحب الفصول قدس سره(1) -.
وبالجملة، إنَّ القُبحَ الفاعليَّ يوجبُ العقاب بالأدلَّة الأربعة، ولو لم تشمله من ناحيةِ القُبح الفعليِّ.
نعم! لقائلٍ أن يقولَ: إذا ترتَّب على التَّجرِّي ثمرةٌ فهي قبيحةٌ، وتُوجِب العقاب؛ وهذا وإن كان صحيحًا إلَّاأنَّه يُخالِف الأدلَّة الأربعة الَّتي مضىٰ ذكرُ بعضها.
هذا كلُّه في التَّجرِّي والمُتَجرِّي.
وأمَّا الفعل المُتَجرّىٰ به، فحيث إنَّ الأوامر والنَّواهي تابعةٌ للمصالح والمفاسد التابعة لنَّفس الأمر، فليس بحرامٍ.
إلَّا أن يُدَّعىٰ أنَّه حرامٌ بالعَرَضِ، وبالعِنوان الثَّانويِّ؛
ص: 26
وهو ليس ببعيدٍ عقلًا وعرفًا.
وما قيل من: «أنَّ هذا العنوان يكون مغفولًا عنه، فلايترتَّب عليه عقابٌ»؛ ليس بتامٍّ، لأنَّ العِقاب على اختيار المكلَّف التَّجرِّيَ، لا على الخصوصيَّات - مغفولةً كانت أو غير مغفولةٍ -، فربَّما كثيرٌ من الخصوصيَّات مغفولًا عنه حين ارتكاب الحرام مع ثبوت العقاب عليه.
هذا تلخيص ما يُغنِي عن الإطناب.
وفيه نِكاتٌ يجب أن يُبحَث عنه فيها.
المراد من القَطع الموضوعيِّ ما يُقابِل القطع الطَّريقيِّ، الَّذي يكشِفُ عن المقطوع، بحيث إنَّ القاطعَ لانظر له إلى القطع، بل يرىٰ المقطوعَ به فقط. ويُقال له: «القطعُ الطَّريقيُّ». وهو الدَّارجُ في المحاورات، وفي الشَّرع أيضًا.
وأمَّا لوكان نظر القاطِع إلى نفس القطع فأدرَجَه في الحكم أو في موضوعِه - فقال: «الواجبُ في الحكم هذا، هو معلومُ الوجوب، لا الواجب من حيث هو هو»؛
ص: 27
بل المصلحة التَّابعة لنفس الأمر تتبع الواجب المعلوم، لا نفس الوجوب، فقال: «إذا عَلِمتَ بوجوب الجَهر في صلوة الصُّبح يجبُ عليك الجهرُ»، أو قال: «إنَّ معلومَ النَّجس نجسٌ»، أو: «ذات النَّجس بما هوهو ليس بنجسٍ»، فترتَّب المفسدة على معلوم النَّجاسة، لا على نفس النَّجاسة من حيث هو هو -، فيُقال له: القطعُ الموضوعيُّ، لأنَّ المستعمِل ينظرُ إليه من حيث إنَّه قطْعٌ، لا من حيث إنَّه كاشفٌ عن الواقع.
والقطع هذا عند المستَعمِل دخيلٌ في الموضوع، أو في الحُكم.
وهو شاذٌّ قليلُ الاِستعمال، بحيث إنَّ وجدان المثال له من المحاورات أو الشَّرع نادرٌ، لو لم نقل بعدم وجوده أصلًا.
ويأتي الكلامُ فيه مرَّةً أُخرىٰ - إن شاء اللَّهُ! -.
ينقسم القطعُ الموضوعيُّ إلى أقسامٍ لايمكن حصرُها، لأنَّها تزيد على المأة، بل على المأتَين!. ولكنَّ العُمدة منه:
إنَّه قد يُدرَج في الموضوع؛
وأخرىٰ في الحكم؛
وثالثةً في حكمٍ ويُجعَل ذلك الحكمُ موضوعًا لحكمٍ آخر.
وذلك الحكمُ:
ص: 28
تارةً كالحكم الأوَّل؛
أو يُضادُّه؛
أو يخالِفُه.
وكلُّ واحدٍ منها:
تارةً على كونه كاشفًا؛
وأُخرىٰ على كونِه صفةً من الصِّفات.
وكلُّ واحدٍ - أيضًا -:
تارةً على نحو أنَّه تمامُ الموضوع، أو الحُكم؛
وأُخرىٰ علىٰ كونه جزءَ الموضوع، أو الحُكم.
كلُّ هذه الأقسام ممكنٌ من جهة الثُّبوت، ولايلزم من هذا محذورٌ أصلًا.
فمثلًا لوكانت المصلحةُ - كتسهيل الأمر على الأُمَّة المرحومة - في باب النَّجاسات طهارةَ النَّجاسات المعلومة فقط - كما هو ظاهر ما نُسِب إلى اميرالمُؤمنينَ عليه السلام: «لاأُبالِي إنَّ ثَوبي أصابَهُ البَولُ أو الماءُ إذَا لَم أعلَم»(1) -، فالنجاسةُ بما هي هي ليست بنجسٍ، بل بما أنَّها معلومةٌ؛ فالعلمُ أُدرِج في الموضوع.
فإذا قال المَولىٰ: «البولُ نجسٌ»، و «الدَّمُ نجسٌ»... وهكذا، فالموضوعُ الَّذي يجب الاِجتناب عنه هو معلومُ البول والدَّم، لا ذاتَيْهما؛ كما مال إليه صاحبُ
ص: 29
الحدائق قدس سره(1) مستشهدًا بطائفةٍ من روايات الباب.
كما أنَّه لوكانت المصلحةُ في صلوة الجُمُعة الَّتي ظهر وجوبُها للمُكلَّف، لا لنفس الوجوب من حيث هو هو، فقال: «إذا عَلِمتَ بوجوبِ صلوةِ الجُمُعة فتجب عليك»، فحينئذٍ أدرَجَ القطعَ في الوجوب كجزءٍ منه، فلاجمعة على مَن لاعِلم له بها.
فلاإشكال في ذلك ثبوتًا وتصوُّرًا.
وما قيل من: «أنَّه دَورٌ»، أو: «جمْعٌ بين المِثلين»، ونحو ذلك؛
ليس بسديدٍ!، لأنَّ الدَّور والجمع بين المِثلين ونحو ذلك مُستَنكَرٌ في الحِكمة والتَّكوينيَّات، وأمَّا الاِعتباريَّات وما يَرجِع إلى عالَم التَّشريع؛
فلاإشكال فيها أصلًا من هذه النَّاحية.
لم تجِد بعد الفَحص البالغ في المحاورات العُرفيَّة وفي المأثور عن الشَّريعة أثرًا للقطع الموضوعيِّ، و لاعينًا.
أمَّا مختار صاحب الحدائق قدس سره، فمضافًا إلى تفرُّده به - حيث لم يقل به أحدٌ من الأصحاب -: إنَّه يُنافي قولُ الشِّيعة من تبعيَّة الأحكام للمصالح والمفاسد النَّفس الأمريَّة، بحيث لايُغيِّرها الوجوهُ والاِعتبارات المختلفة. وأمَّا المذكورُ عن بابَي
ص: 30
الطَّهارة والنَّجاسة، فهو فرارًا عن لزوم الاِختلال في النِّظام لوأراد الشَّارعُ وأَوجب ما هو الواقعُ، لا ما هو المعلومُ.
فلِرَفع الاِختلال عن النِّظام و رحمةً على الأُمَّة المرحومة، غضَّ الشَّارعُ النَّظرَ عن الواقع واكتَفىٰ بالنَّاقص من العِباد؛ قال الباقرُ عليه السلام: «فلَولا ذلكَ لمَا قامَ للمُسلمينَ سوقٌ»(1).
وأمَّا ما مثَّل به المحقِّقُ النَّائينيُّ قدس سره من اختصاصِ الجهر والاِخفات والقصر والاِتمام بالعالِم دون الجاهل(2)؛
ففيه: إنَّها ونظائرَها الكثيرةَ جدًّا تنشأ من جريان حديث الرَّفع في المورد، لا لكون العلم مأخوذًا في الحُكم؛ فحكومةُ حديث الرَّفع على الأدلَّة الواقعيَّة تُخصِّص الأحكامَ بالعالِم، دون الجاهل؛
إلَّا ما أخرجَه الدَّليلُ.
وما قيل: «إنَّ الجاهلَ المقصِّر كالعامِد، إلَّافي موضعين: الجهر والاِخفات، والَّتمامِ في السَّفر بدل القصر»؛
لايعاضدُه دليلٌ؛ بل قاعدة الرَّفع تدُلُّ على أنَّ تنجُّزَ الحكم يختصُّ بالعالِم، دون الجاهل؛ بمعنىٰ رفْعِ الشَّارع يدَه عمَّا كلَّف العبدَ به، أو تقبُّلِه النَّاقصَ بدلًا عن الكامل،
ص: 31
منَّةً عليهم ومصلحةً لهم؛
وهذا غير درجِ العلم في الحُكم.
وأيضًا: ما قال به - لثبوت القطع الموضوعيِّ اِثباتًا - من: «أنَّ الأحكام كلَّها مقيَّدةٌ بما إذا أُحرِزَت من الطُّرُق المتعارَفة المعهودة بين الفقهاء، وإحرازُها من الطُّرُق غير المتعارفة - كالرَّمل والجَفْر - أو مِن القياس والاِستحسان، يدلُّ على عدم حجِّيَّتها، وهذا يدلُّ على ثبوت القطع الموضوعيِّ اِثباتًا»؛
ليس بتامٍّ أيضًا؛ لأنَّه:
أوَّلًا: قد مرَّ منَّا في ما مضىٰ من مباحث القطع: إنَّ حجِّيَّة القطع - لا القطع نفسه - تُعدُّ من المحمولات الَّتي للشَّارع أن يسلبها عن موضوعه، والقطع نفسه أيضًا كذلك؛ فليس إذًا مِن دَرْجِ القطع في الموضوع.
وثانيًا: إنَّه لوكان مِن باب درج القَطع في الموضوع أو الحكم، لَيَلزم عدمُ تبعيَّة الواجبات والمحرَّمات - كلِّها - عن المصالح والمَفاسد مادام لم يتعلَّق بها القَطعُ، بل هي من حيث هي هي لا مصلحة ولامفسدة فيها؛
وهو ضروريُّ البطلان، بضرورة المذهب.
وثالثًا: إنَّه لوكان كذلك - أي: كان العِلمُ مأخوذًا في الموضوع - لَيَنتفي الإتيانُ بالموضوع؛ لأنَّ «الوجوب المعلوم» من العناوين الذِّهنيَّة، ولايُعقَل أن يُوجَد في الخارجِ، فمثلًا للمكَلَّف أن يأتيَ بصلوة الجُمُعة، لا أن يأتي بها المعلومةَ؛
فلازم ذلك اِنتفاء الإتيان بالموضوع أصلًا.
ص: 32
هل يمكن قيامُ الأمارات والأصول منزلة القطع الموضوعيِّ - كما يُمكِن قيامُهما مقامَ القطع الطَّريقيِّ من دون ريبٍ -؟؛
فيه وجهان، بل وجوهٌ.
ذهب الشَّيخ(1) ومن تبِعَه(2) إلى الجواز، مستدِلًّا بأنَّ دليل حجيَّة الأمارات والأصول يدلُّ على أنَّهما بمنزلة القطع بما له من الآثار، ومنها جعلُه في الموضوع، أو الحُكمِ.
وبعبارةٍ أخرىٰ: إنَّ الأمارت والأصول قامتْ مقامَ القطع، طريقيًّا كان أو مضوعيًّا، لأنَّ جميع خصائص القطع ثابتةٌ لهما.
وأورد عليه المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره بما يشبه الخروج عن سيرته من مراعاة أدب المباحثة مع الأستاذ!(3). ولايَستدِلُّ إلَّابادِّعاء أنَّ التَّنزيل في القطع الطريقيِّ آليٌّ، وفي القطع الموضوعيِّ اِستقلاليٌّ، فلايمكن الجمع بينهما؛ فلابدَّ من القول بجواز قيامِهما مقامَ القطع الطَّريقيِّ الرَّائج في المحاوَرات فقط؛
أمَّا قيامُهما مقامَ القطع الموضوعيِّ، فلا(4).
ص: 33
وفيه: إنَّ حجيَّة الأمارت والأصول ليست من باب التَّنزيل، بل إنَّها من باب بقاء النِّظام وعدم حدوث الإخلال فيه. فالعُقلاء لمَّا رأوا أنَّ وجوبَ اكتفاء النَّاس بالقطع يوجب الضِّيق في معائشهم، بل يوجب اِختلال النِّظام، اعتَبَرُوا جملةً من الظُّنون كطُرُقٍ لها حظٌّ من الحجيَّة؛ ثمَّ لمَّا رأَوا النَّاسَ بَعدُ في الضِّيق، اعتَبَرُوا طائفةً من الأصول لتَعيين الوظيفةِ في ظرف الشَّكِّ.
فليس هيهنا تنزيلُ شيءٍ منزلةَ الحجَّة - كتنزيل الأصول والأمارات منزلةَ القطع -، بل اِزديادُ حجَّةٍ بعد حجَّةٍ أُخرىٰ؛ أو فقُل: إعطاء الحجِّيَّة بما ليس بحجَّة ذاتًا بعد الوِفاق على حجِّيَّة ما حجِّيَّته ذاتيَّةٌ.
إذا اتَّضح هذا، يتَّضح أنَّ العقلاء لايُفرِّقون بين الحُجَج؛ فلهُما القيام مقام القَطعين الطَّريقيِّ والموضوعيِّ.
والظَّاهرُ من الشَّيخ قدس سره في «التَّنزيل» و «المَنزَلة» هذا المعنىٰ.
وأمَّا ما قال به صاحب الكفاية قدس سره(1) - وأصرَّ عليه سيِّدُنا الأستاذُ الخمينيُّ قدس سره في مجلس الدَّرس - من جواز قيام الاِستصحاب - أيضًا - مقام القطع الموضوعيِّ، بتقريبِ: «أنَّ دليل حجيَّة الاِستصحاب يدلُّ على أنَّ المُتَيقِّن سابقًا قبل حدوث الشَّكِّ متَيقِّنٌ لاحقًا في ظرف الشَّكِّ أيضًا، فكأنَّه ذويقينٍ تعبُّدًا»(2)؛
لايساعده الدَّليل، لأنَّ دليل الاِستصحاب - كأدلَّة حجيَّة الأصول - يدلُّ على
ص: 34
اعتبار تعيين الوظيفة في ظرف الشَّكِّ فقط. أمَّا دلالتُه على كون المتَيقِّن بعد حدوث الشَّكِّ ذايقينٍ أيضًا، فأشبَهُ بالذَّوقيَّات؛ ولابأس به لتقريب المعنىٰ إلى أذهان المخاطبين فقط!.
هل الموافقة الاِلتزاميَّة واجبةٌ كالموافقة العمَليَّة؟ فيه خلافٌ.
والحقُّ أنَّه:
1.
إن أُريد من «المُوافَقة» هيهنا: أنَّ الإلتزام بالمقطوع والجَزم به لازمٌ حال القطع، فهو ضروريٌّ قهريٌّ، بل لايمكن الاِنفكاك بين الجَزم وبين المقطوع. ولذلك فإنَّ التَّشريع في هذه الأعصار محالٌ؛ أمَّا الواقع بين النَّاس بين حينٍ وحينٍ، أو ما يمكن أن يقعَ، فليس إلَّابدعةٌ محرَّمةٌ، وهو إظهار ما يعتقده جازمًا فيه.
2.
وأمَّا إن أُريد به: التَّسليم والإلتزام بالمُوافَقة مع ما جاء به النَّبيُّ الكريمُ صلى الله عليه و آله، فهو من الفضائل النَّفسانيَّة الَّتي تُعدُّ من المَلَكات. وهي ليستْ ممَّا يُوفَّق لها جميع النَّاس، بل هي كالتَّسليم لقدر اللَّه - تعالى! - و قضائه ولأوامر المولىٰ ونواهيه فضيلةٌ لايحوم حولَها إلَّاالأوحديِّ من البالِغينَ في مدارج الكمالِ إلى أعلاها! - قال علَتْ أسماؤُه!: إِذْ قٰالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قٰالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ (1)-؛ كما يُشاهَد في
ص: 35
الأكثرين من عدم رضاهم بما قدَّر لهم - جلَّ وعلا! -، أو ما أمَرَهم به.
فالتَّسليم بهذا المعنىٰ غير واجبٍ على النَّاس، بل غير ممكنٍ لكثيرٍ منهم، إذ العُثُور عليه يحتاج إلى رياضاتٍ شاقَّةٍ مشروعةٍ وتسديداتٍ ربَّانيَّةٍ أشار إليها - جلَّتْ عظمتُه! - بقوله: وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّٰى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ (1).
وعلى كلٍّ لاتجب الموافقَةُ الإلتزاميَّة مطلقًا؛
لأنَّها إن كانت بمعنى الجزم، فهي ضروريَّةٌ لايمكن التَّخلُّف عنها، إلَّاأن يُقال بجواز التَّجزُّم من غير جزمٍ - كما نسَبَ السَّيِّدُ الأستاذُ الدَّاماد قدس سره ذلك إلى شيخه المؤسِّس قدس سره(2) -؛
وإن كانتْ بمعنى التَّسليم والإنقياد، فهي من الفضائل النَّفسانيَّة الرَّاقية، والنَّاسُ إلَّا الأوحديِّ منهم في كلِّ دهرٍ لايُوفَّقُون لاكتسابها، فلاسبيل إلى القولِ بأنَّ الشَّارعَ أوجَبَها عليهم.
نعم! إن أُريد منها وجوبُ قصدِ القربة، فهو واجبٌ في العبادات دون التَّوسُّليات منها؛ ولكنَّ الظاهر خروجُه عن محطِّ البحث.
ويُمكن أن يُرادَ من «الوجوب» في عنوان المبحث كفايةُ الاِستدامة الحُكميَّة في العبادات، بل في مطلق الأفعال، عن اِستمرار التَّوجُّه إلى القصد الَّذي هو الُمحرِّك في نفس الأمر والواقع إلى الفعل العباديِّ.
ص: 36
نُسب إلى الأخباريِّين القولُ بعدم حجيَّة القطع الَّذي حصَل من العقل، ومن المقدَّمات العقليَّة(1). فمذهبُهم اِنحصارُ الحُجَج الفقهيَّة في واحدةٍ، وهي السُّنَّة المُطهَّرة؛ لأنَّهم ذهبوا إلى عدم حجِّيَّة ظواهر الكتاب، وعدم حجِّيَّة الإجماع، والعقلِ، فلايبقىٰ لهم إلَّاواحدةٌ منها.
وأُنكِر عليهم ذلك أشدَّ الإنكار!.
ولكنَّ الظَّاهر أنَّ النِّزاع في حجيَّة العقل لفظيٌّ، لأنَّهم قالوا: «إنَّ الدَّليل لاِثبات شيءٍ هو المُتعارف في العُرف، دون غير المتعارف؛ فلايجوز اِثبات حكمٍ شرعيٍّ بالدَّقائق العقليَّة البعيدة عن فهم العرف.
بل لايمكن ذلك، إذ ليس للشَّارع طريقٌ لاِثبات أحكامه غير المتعارَف عند العُرف»(2).
وهذا من ضروريَّات الفقه المُتَّفَق عليه بين الأخباريِّين والأُصوليِّين.
وليس هذا من باب القطع الموضوعيِّ - بمعنىٰ أنَّ الأحكامَ قُيِّد في موضوع جميعها القطعُ المتعارَفُ كموضوعٍ له -؛
بل من باب عدم حجِّيَّة القطع المُتَّخذ من المقدَّمات الدَّقيقة غير المتعارَفة عند
ص: 37
العقلاء.
وهذا الَّذي اختارَه العقلاءُ ممَّا لم يردَعْ عنه الشَّارعُ، بل أمضاه في غير واحدٍ من الأحكام.
فالأخباريُّ والأصوليُّ كِلاهما متَّفِقان فيه.
وأمَّا قطع القطَّاع، فالظَّاهر خروجه عن مفهوم القطع؛ إذ هو توهُّمٌ خُيِّل إلى الوسواس كونُه قطعًا!.
وإن أبَيت عن ذلك فنقول: لااِعتبار بقطع الوسواس، لأنَّه الفرد غير المتعارَف منه؛ ولذلك فإنَّ العُقلاء والشَّريعة لم يقبلاه كغيره من أفراد القطع.
لاإشكال في أنَّ العلم الإجماليَّ كالعلم التَّفصيليِّ في ثبوت التَّكليف بهما، بل هو هو، لأنَّ الإجمال حدَث في متَعَلَّق العلم، لا في نفسه - إذ العلمُ نورٌ لايشوبُه إجمالٌ ولاظلمةٌ -.
إنَّما الإشكال في جواز جريان الأصل في متَعلَّق ذلك العلم.
المشهورُ بين المشهور النَّفيُ؛ للزوم التَّناقض.
ص: 38
وخالفَهُما الُمحقِّقان الخراسانيُّ قدس سره(1) والبروجرديُّ قدس سره(2)؛ مُعلِّلان بأنَّ الأصلَ يوجب رفعَ التَّكليف بعد طُرُوِّ الشَّكِّ عليه؛ فلايلزم التَّناقض، بل التَّناقضُ فيما إذا بقِيَ التَّكليفُ.
ومختارُهما هو الأقوى الُمختارُ. والشَّاهد عليه رفعُ التَّكليف فيما إذا لم يكن محلَّ ابتلاءٍ، أو يكون من الشُّبهة المحصورة؛ فكما أنَّ الخروج عن محلِّ الاِبتلاء أو الشُّبهة غير المحصورة - باِنحلالها - يوجب عدم وجوب الاِجتناب عن المعلوم بالعلم الإجماليِّ، فكذلك جريانُ الأصل في طرفٍ من الأطراف يوجب رفعَ التَّكيف أيضًا.
فيجوز اِرتكابُ جريانه فيه.
هذا بحسب حكم العقل.
ولكنَّ السَّيِّدُ الأستاذُ المحقِّقُ الدَّامادُ قدس سره بعد قبولِ حكم العقل بذلك، منع من جريانِه في طرفٍ، أو في أكثرَ(3)، لمكان طائفةٍ من المأثورات؛ كقولِه عليه السلام في التَّيمُّم بواحدٍ من الماءَين الَّذَين يَعلَمُ بنجاسة أحدِهما إجمالًا: «يُهَريقُهُما ويُتَيمَّمُ»(4).
ص: 39
أقولُ: إنَّ العرف يستنكِرُ جريان الأصل في طرفِ العلم الإجماليِّ، لاسيَّما يستأبىٰ عن جريانه في الأطراف كلِّها؛ فكأنَّه يدَّعي انصرافَ الرِّوايات عنه.
هذا كلُّه بحسب ثبوت التَّكليف به.
وأمَّا بحسب سقوط التَّكليف، فالأمرُ أوضح؛ لعدم المانع في الإحتياط والتَّكرار، خصوصًا إذا كان له داعٌ عقلانيٌّ.
وما قيل من: «لزوم الاختلال في قصد الوجه»؛
فيه: إنَّه لادليل لوجوب أصل قصدِ الوجه أصلًا.
وما قيل: «إنَّه يجب أن يَنبَعِث العبدُ من الأمر، لا من محتَمَل الأمر»؛
فيه: إنَّه صرفُ ادِّعاءٍ لادليل له.
وما قيل: «إنَّ الاِنبعاثَ بالعلم التَّفصيليِّ مقدَّمٌ على الاِنبعاث بأُختِه الإجماليِّ»؛
فيه: إنَّه لادليل على ذلك أيضًا، بل هو عين المدَّعىٰ.
وما قيل: «إنَّه لعْبٌ بأمر المَولىٰ»؛
فيه: إنَّه إن كان لعْبًا فلعْبٌ بكيفيَّة الأمر، لا بأصل الأمر، وإلَّا فهو كفرٌ مكَفِّرٌ!.
هذا، مع أنَّ الإحتياط في الإتيان بالأمر ليس بلَعْبٍ به، أمَّا اللَّعْب بكيفيَّته فلاكلام في جوازه لوكان له داعٌ عقلانيٌّ.
فسقوط التَّكليف بالعلم الإجماليِّ لا كلام فيه، كثبوت أصل التَّكليف به.
ص: 40
هذا المبحث يُعدُّ من أهمِّ المباحث في هذا العلم، بل لا أهمَّ منه في علم الأصول؛ ولذلك قد كَثُر القيلُ والقال فيه، لكنَّا نختارُ الأهمَّ منها. فنقول:
يقعُ البحث فيها في أمورٍ.
إنَّ الأصلَ عدم حجِّيَّة الأمارت والأصول كلِّها، إلَّابدليلٍ يُثبِتها، لأنَّ ثبوتَ شيءٍ لشيءٍ يحتاج إلى دليلٍ؛ وبعبارةٍ أخرىٰ: كونُهما حجَّةً هو المدَّعىٰ، وكلُّ ادِّعاءٍ
ص: 41
يحتاج إلى دليلٍ؛ أو فقُل: إنَّ الحجِّيَّة من الجَعل التَّأليفيِّ - أي: ثبوت المحمول للموضوع -، وذلك الثُّبوت يحتاج إلى ما يُثبِته، كما مرَّت الإشارة إليه فى بيان أنَّ حجيَّة القطع - أيضًا - كذلك؛ نعم! الكاشفيَّة للقَطع ذاتيٌّ - أي: من الجعل البسيط -، فالمحمول هو نفس الموضوع.
جعْلُ الحِّجيَّة للأمارات والأصول أو جعْلُهما حجَّةً ممكنٌ لامحذور فيه؛ بل أقوى الدَّليل له وقوعُه بين العقلاء كثيرًا، وإنكاره عندهم لامحمل له كإنكار الضَّروريَّات.
و «الإمكان» هذا يشمل جميعَ أقسام الإمكان، من الذَّاتيِّ والوقوعيِّ والإحتماليِّ.
توضيح ذلك: إنَّ الإمكان ينقسم إلى:
1. الذَّاتيِّ، وهو الممكنة بالإمكان الخاصِّ. وهو الَّذي إذا نُظِر إلى ذاته لااقتضاء له، فيكون الوجود والاِمتناع له سيَّان - فيُقابِل القضيَّة الضَّروريَّة والقضيَّة الاِمتناعيَّة -؛
2. وإلى الوقوعيِّ، بمعنى أنَّه إذا وقع في الخارج لايلزم امتناعٌ، فهو الممكنة بالإمكان العامِّ - المبحوث عنه في علم الميزان -؛ 3. وإلى الإحتماليِّ، وهو ليس من القضايا المنطقيَّة، بل قضيَّةٌ عقلائيَّةٌ أخلاقيَّة.
ص: 42
قال الشَّيخ الرَّئيس قدس سره في أواخر الإشارات والتَّنبيهات فيما وصّىٰ به طالِبي العلم: «كلَّما قرَعَ سمعَك من غرائب عالَمِ الإمكان فذَرْه في بُقعة الإمكان حتَّى يذُدْكَ عنه قائمٌ من البُرهان»(1). إذ المرء يَعُدُّ ممكنًا كلَّ ما احتَمَله ولم يقم دليلٌ على امتناعِه، ما لم يسُدهُ عنه لجاجٌ. فيَعُدُّه محتَمَلًا حتَّى يقومَ البرهانُ على وجوده، أو امتناعه، والإنسان الَّذي لم يخرج بَعدُ عن الفِطرة ومقتضَى الإنسانيَّة يُتابع البرهانَ لاِثبات الشَّيء أو امتناعِه.
حُكِي عن ابن قِبَةَ - وهو من مُتَقَدِّمي أعلام المذهب - عدمُ إمكان حجيَّة الأمارات(2).
- ومرادُه عن «الإمكان» هو الإمكانُ الذَّاتيُّ، والوقوعيُّ -.
كما حُكِي عنه: إنَّ حجِّيَّتهما تساوقُ الجمع بين الضِّدَّين، لأنَّه إذا خالفَتْ الأمارةُ الواقعَ يُجمَع بين الحكم الواقعيِّ وبين الظَّاهريِّ منه في موضوعٍ واحدٍ، وهو الجمع بين الضِّدَّين؛
ويَجتَمِع طلبُ الضِّدَّين أيضًا، وهذا يؤدِّي إلى التَّصويب المحال.
وللأصحاب هيهنا تفصيلٌ في الكلام لاداعي إلى نقله.
ص: 43
فنختصر الجوابَ ونقول: إنَّ بناء الإشكال على السَّببيَّة، وأنَّ الأمارت أحكامٌ ظاهريَّةٌ لها أسَّسَها الشَّارعُ قِبَل الأحكام الواقعيَّة الَّتي جعَلَها طبقًا للمصالح والمفاسد الواقعيَّة الأمريَّة.
وهذا البناء فاسدٌ جدًّا لايجوز ذكره في هذا العلم!؛ ضرورةَ أنَّ الأمارت كلَّها بحسب الشَّرع والعُرف طُرُقٌ إلى الواقع، كالقطع، بلاتفاوتٍ بينها. فالأمارات كالقطع إن طابقَتْ الأحكامَ الواقعيَّة لها مقامُ تنجُّز التَّكليف؛ وإن خالفَتْ الواقعَ فمُعَذِّرةٌ.
وحيثُ إنَّ الشَّارع - وفاقًا مع بناء العُقلاء أوَّلًا، ومنعًا عن حدوث الخَلَل في نظام العَيش ثانيًا - جعَل الأمارت والأصول الفقهيَّة - كقاعدة اليدِ، وأصالة الصِّحَّة في فعل الغير - والأصولَ العمليَّةَ - كالبراءة، والاِشتغال، والتَّخيير، والاِستصحاب ونحوها - حجَّةً، فلامحالةَ إذا خالفَتْ الواقعَ يرفَعُ التكليفَ، أو يقبل المأتيَّ به النَّاقصَ بدلًا عن الكاملِ.
ص: 44
من الأمارات الَّتي لاكلام فى حجِّيَّتها، هو ظهور الكلام في مقام تعيين المراد منه؛ لاستقرار سيرة العُقلاء على ذلك أوَّلًا، وعدمِ ردْعِ الشَّارع عنه ثانيًا.
ولقائلٍ أن يقول: إنَّ حجِّيَّة الظَّواهر من باب العلم العادِّيِّ العُقلائيِّ، فليسَتْ من باب الأمارت، بل من باب القَطع؛ فتخرج عن المَبحَث تخصُّصًا.
نعم! ثبوتُ الظُّهور - كمقدَّمةٍ لحجِّيَّته - يتوقَّف على أمورٍ كثيرةٍ ينبغي ذكرُها؛ وهي:
جلُّ مباحث هذا العلم من أوَّلها إلى الأخير منها، كحجِّيَّة التَّبادر، وظهور الأمر في الوجوب، وظهور النَّهي في الحُرمة، وحجِّيَّة المفاهيم، وحجِّيَّة العامِّ والخاصِّ، وحجِّيَّة المُطلق والمُقيَّد.
ص: 45
جريان الأصول العُقلائيَّة اللَّفظيَّة في الكلام، وجوازُه، كأَصالة عدم الزِّيادة وعدمِ النَّقيصة فيه، عمدًا أو سهوًا؛ فلاحجِّيَّة لظهور كلام الكذَّاب، وكثيرِ السَّهو أو الغفلةِ.
جريانُ أصالة عدم التَّحريف والتَّوجيه والتَّصحيف، فما في معرَضها أو ما يصدر عمَّن هو بصدد توجيه كلامه ليس بحجَّةٍ.
جريان أصالة الحقيقة، فالَّذي في معرض الَمجاز أو الكِناية والاِستعارة لايُعدُّ حجَّةً كذلك.
جريان أصالة الجِدِّ، فما في معرض الهَذْل لايصحُّ الإحتجاجُ به.
جريانُ تطابق الإرادتين الاِستعماليَّة والجِدِّيَّة، فما يصدُر في مقام التَّقنين ليس بحجَّةٍ، إلَّابعد الفحص عن الُمخصِّص، والعُثُورِ عليه أو الاِطمئنان بعدمه.
ص: 46
جريانُ جواز صدوره للعموم، بحيث لايكون مختصًّا بمن قُصِد إفهامُه، فالرُّموز والألغاز وما يختَصُّ بمن قُصِد إفهامُه لا ظهور لها، أو ليس ظهورُها بحجَّةٍ؛ كمُصطلحات الشُّعراء والعُرفاء والحُكماء الخاصَّة بهم. بل المُصطَلح في كلِّ علمٍ يختصُّ بأهله فقط، ولاحجِّيَّة فيه لغيره.
جريان مقدَّمات الحكمة في المُطلقات، وإلَّا فلايصحُّ الإحتجاج بظهورها فيما إذا كان في بيان أصل التَّشريع.
جريانُ كون الكلام في مقام التَّفهيم والتَّفهُّم، وإلَّا فإنْ صدَرَ عن مقام بيان الإجمال فظهوُرُه ليس بحجَّةٍ.
جريانُ إثبات الصُّدور عن المتَكلِّم بالقطع أو القطعيِّ، كخبَر الثِّقة أو الخبر الثِّقة، وإلَّا فظهورُ خبر الضَّعيف أو القطَّاع لاحجِّيَّة فيه.
جريانُ إثبات جهة الصُّدور، وأنَّه في مقام بيان الحقيقة، وإلَّا فكلامٌ يُلقىٰ علىٰ سبيل التَّقيَّة ليس بحجَّةٍ.
فبعد جريان هذه الأصول تثبُت الحجِّيَّة في كلِّ مكالمةٍ وخطابٍ، لاِستقرار
ص: 47
السِّيرة على ذلك، وعدم ردع الشَّارع عنه، بل إمضاؤُه إيَّاها الثَّابت من سيرته.
هذا، لولم نقل بأنَّ ظواهر الكلمات - قولاً، لا مكاتبةً - حجَّةٌ من باب الإطمينان والعلم العادِّيِّ والعُرفي، المُصطَلح عليه بالظَّنِّ المُتآخم بالعلم؛ والقولُ به ليس ببعيدٍ، بل ثوابٌ، بل يُمكن أن يُقال: إنَّ حجِّيَّة الخبر الثِّقة - بل جميع الأمارت - من هذا القبيل.
ص: 48
نُسِب(1) إلى بعض الأخباريِّين منَّا، كما قد اشتهر في هذا العصر عن بعض أهل السُّنَّة(2) أيضًا: عدمُ حجيَّة ظواهر التَّنزيل الكريم.
واستدلُّوا بأمورٍ ترجع بعضُها إلى بعضٍ، ولاتفي بما هو المقصود منها. وعمدتُها:
إنَّ القرآن كتابٌ فيه علمُ ما كان وما يكون وما هو كائنٌ؛ قال - جلَّ وعلا! -:
ص: 49
وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ اَلْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْ ءٍ (1) ، وقال - عزَّ اسمُه! -: مٰا فَرَّطْنٰا فِي اَلْكِتٰابِ مِنْ شَيْ ءٍ (2). فلذلك وردَ النَّهي عن أئمَّة أهل البيت عليهم السلام عن تفسيره بالمُلفَّق عن العقول والأذواق(3)، حتَّى قال عليه السلام لقُتادَة: «ويحَكْ يا قتادة! إنَّما يعرف القرآن من خُوطِب به»(4) فكأنَّه قال له: «أنت لاتعلم من القرآن شيئًا»؛ وقد اشتَهَر - أيضًا -: «إنَّ مَن فسَّرَ القرآنَ برأيِه فليتَبَوَّأ مقعدَه من النَّار»(5).
قلتُ: لا إشكال في أنَّ نصوص الذِّكر الحكيم كالعامِّ الَّذي يحتاج إلى التَّفحُّص عن الُمخصِّص، والعمل بالعامِّ قبل الفَحص عن ذلك ليس بحجَّةٍ؛ قال - تعالى! -:
وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (6) ؛ هذا مع أمر الذِّكر الحكيم بالتَّدبُّر فيه في آيٍ كثيرةٍ، كالمباركة: أَ فَلاٰ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا(7)، كما وقد كُرِّر في سورة القمر الشَّريفة: وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(8).
وقد استفاضَتْ في عدَّةٍ من الرِّوايات الأمرُ بالَّتمسُّك به، مثل ما ورد في روايات
ص: 50
الثِّقلين(1)، وعرضِ الأخبارِ على القُرآن(2)، وردِّ الشَّرط المخالف له(3). نعم! الاِستبداد بالرَّأي قبالَ التَّنزيل العزيز و تحميله عليه، ثمَّ العملُ بالظُّنون والخَيالات والتَّوهُّمات الواهية ليس بجائزٍ، إذ أنَّها ليستْ من التَّفسير في شيءٍ ولا من التَّدبُّر؛ قال - علَتْ أسماؤُه! -: إِنَّ اَلظَّنَّ لاٰ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئاً(4).
وقوعُ التَّحريف أو التَّصحيف فيه، ولاأقلَّ من جريان هذا الاِحتمال، لكونه متفرَّقًا في عصر النُّزول حتَّى جُمِع بعد مفارقة النَّبيِّ صلى الله عليه و آله دارالغَرور.
أقول: هذا عمدةُ مستَمسَكٍ للمُتَمَسِّكين بعدم حجِّيَّة ظواهره. ولكن أصل الكلام لاواقع له، بل هو من أعظم مُختَلَقاتِ المبتدِعين الَّتي وضعوها أوَّلًا، ثمَّ أدرجوها في مجاميع الفريقين الرِّوائيَّة!.
وقد توافَقَتْ الأدلَّةُ الأربعةُ على تكذيبه.
أمَّا القرآن، فقوله - تعالى! -: إِنَّ هٰذَا اَلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (5)، وقولُه:
ص: 51
لَوْ أَنْزَلْنٰا هٰذَا اَلْقُرْآنَ عَلىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خٰاشِعاً (1) ونظائرُهُما الكثيرة.
أمَّا السُّنَّة - المستفيضةُ في ذلك - فمنها النَّبويَّات المشيرة إلى خواصِّ آيٍ وسُورٍ من التَّنزيل، كقوله صلى الله عليه و آله: «مَن قرَء أوَّل البقرة...»(2)، أو: «مَن قرء آية الكُرسيِّ...»(3)، أو: «مَن قرَء آخر الحشرِ...»(4)، أو: «مَن قرء المُعَوَّذتَين...»(5)، فله كذا.
وأمَّا العقلُ، فيستقلُّ بإنكار هذه الأكذوبة!، إذ كيف يُعقَل أنَّ العقلَ الكُلَّ أهمَل أهمَّ معجزاته الَّذي هو أهمُّ عُمَد الإسلام حتَّى يُجَمِّعَه غيرُه بعد رَحيله إلى دارِالقرار؟!.
وأمَّا الإجماع، فقد ادَّعىٰ غيرُ واحدٍ من أعلام الفريقين أنَّ القول بتحريف القرآن كذبٌ اختَلَقَه الأعداءُ فدسَّه في تُراث المُسلمين.
هذا، مع ما ورد مشيرًا إلى كيفيَّة نزول القرآن مع ما يختصُّ به من عظيم الأحوال بعدَّة ملائكةٍ زعيمُهُم جبرائيلُ علىٰ قلب النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله المبارك؛ ثمَّ امْرُه بوضعِ الآية في تلك السُّورة أو تلك، ووضعِ السُّورة بين السُّورتين المسمَّاتَين من قِبَله صلى الله عليه و آله، وكان المأمور بذلك عُصبةُ كُتَّاب الوحي البالِغ عددُهُم ستَّة عشرًا،
ص: 52
وعليهم أميرُالمؤمنين عليه السلام
ومفاد تلك المأثورات يُعَدُّ في عِداد المستقلَّات العقليَّة؛ فالعقلُ يدلُّ عليه ولو لم يوجَد في مصادر أهل الحديث.
هذا، مع دلالة غير واحدٍ من الآي على أنَّه - تقدَّسَتْ أسماؤُه! - أخذ على نفسه حفْظَ المُرسَل إلى نبيِّه الكريم صلى الله عليه و آله، قال: إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ (1)؛ وقال: لاٰ يَأْتِيهِ اَلْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ (2).
وأمَّا الخلافُ في القِراءات أو حجِّيَّة القراءات العشر، فلامساس له بما نحن فيه؛ فنختصر فيه القولَ ونقول: إنَّ هذا الخلاف من المصائب العظيمة الَّتي وقعَتْ بعد الرَّسول صلى الله عليه و آله أوَّلًا، ثمَّ سعىٰ في شياعه بين النَّاس الغاصِبُون لمنصب الخلافة، خِداعًا بهم وانصرافًا لهم عن حقيقة الكتاب إلى الخَيالات والموهومات.
وقد ذهَبْنا في محلِّه من علم الفقه إلى عدم جواز القراءة بما يخالف المُثبَت في الذِّكر؛ فلايكفي قراءةُ «مَلِك» - بدل «مٰالِك» - عن الصَّلاة المكتوبة.
روىٰ مفخرةُ المحدِّثين في جامعه الكافي بسندٍ صحيحٍ عن الفُضَيل قال: «قلتُ لأبي عبداللَّهِ عليه السلام: إنَّ النَّاسَ يقولون: إنَّ القرآن نَزَلَ على سبعةِ أحرفٍ؟ فقال: كذبُوا أعداءُ اللَّهِ! ولكنَّه نَزَل علىٰ حرفٍ واحدٍ من عندِ الواحدِ»(3)؛ والمُساءَلة مشيرةٌ إلى المشهور بين العامَّة من نزول القرآن على سبعة أحرفٍ. قال السِّيوطيِّ في الإتقان:
ص: 53
«اُختُلِف في هذه الرِّواية نحو أربعين قولًا»(1)، وظَنَّ كثيرٌ من العوامِّ أنَّ المرادَ به القراءات السَّبعة، وهو جهلٌ قبيحٌ!.
ونظيره في كلمات أعلام العامَّة كثيرٌ.
نعم! لا دليل لحجِّيَّة القراءات السَّبع، فضلًا عن العشر، لا مِن العامَّة ولا مِن الخاصَّة؛ وعلى فرض ثبوت الدَّليل فالإعراض عنه وضربُه على الجِدار هو المتعيَّن، لمنافاته منصوص الكتاب والسُّنَّة، ومقتضى العقل والإجماع المثبَت من الفريقين.
ص: 54
بتقريب: أنَّ اللُّغويَّ خبيرٌ بفنِّه، فهو من الخُبراء؛ والخبرةُ قوله حجَّةٌ عند العقلاء، والشَّارع لم يردع عنه، وهذا يساوِقُ إمضاءه.
أقول: المطلب واضحُ الصِّحَّة، فلاإشكال فيه، بحيث لوعُكِس فجُعِل الدَّليل بدل المدلولِ - فيقال: من الأمارات قولُ الخبرة، وهو حجَّةٌ عقلًا وشرعًا - كان أولىٰ.
هذا بالنِّسبة إلى أصل المطلب.
وأمَّا ما قيل من: «عدم كون اللُّغوي في عداد الخُبَراء - مدَّعيًا أنَّه يجمع مستعمَلات العرب، فيحكيها فقط -»؛
ضروريُّ البطلان؛ لعدم الفرق بين صاحِبَي الصِّحاح والقاموس من جهةٍ، وصاحِبَي المُغني وشرح الكافية الكبير من جهةٍ أُخرىٰ، إذ صاحب كلِّ فنٍّ خبيرٌ في
ص: 55
فنِّه، ورجوع العقلاء إليهم من غير توجُّهٍ إلى فنِّهم ضروريٌّ.
كما أنَّ التَّوسوُس في ذلك بعدم حجِّيَّته شرعًا - ملفِّقًا أنَّ مسفوراتَ اللُّغويِّينَ ظهرتْ بعد عصر الأئمَّة عليهم السلام - لاحظَّ له من الصَّواب؛ لأنَّ الحجِّيَّة هيهنا لاترتبط بإمضاء الحُجَج، بل بظهور طبيعة الخُبرويَّة؛ وهذه الطَّبيعة كلَّما ظهرَتْ فللعُقلاء الرُّجوع إليها بما أنَّها حجَّةٌ.
ص: 56
والبحثُ عنه يقتضي ذكرَ أمورٍ.
إنَّ الإجماع عند العامَّة دليلٌ، بحِيالِ غيره من الأدلَّة؛ وبه يدَّعون صحَّة الخلافة.
واستدلُّوا لحجِّيَّته بقول الرَّسول صلى الله عليه و آله: «لاتجتَمِعُ أُمَّتي على الخطأ»(1).
لكنَّ الدَّليل عليلٌ من جهاتٍ؛ فلذلك استدلَّ إمامُ مشكِّكيهم لحجِّيَّة إجماعهم
ص: 57
عليها بقوله - جلَّ وعلا! -: أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ (1)، بادِّعاء: «أنَّ المراد من «أولِي الأمر» هم أصحابُ الرَّسول صلى الله عليه و آله أوَّلًا، وجريانِ وحدة السِّياق في وجوب الطَّاعة ثانيًا»(2).
وهو أوضح بطلانًا من الأوَّل!
وكم فرقٌ بين مُلَفَّقاتهم، وبين أدلَّة الإماميَّة في إثبات الإمامة، نظير حديثَي الغدير والثَّقَلَين، ومالايُحصىٰ من نظائِرِهما.
وأمَّا عند الخاصَّة، فهو دليلٌ غير مستقلٍّ يُستدَلُّ به في الفُروع الفِقهيَّة فحسْب، فلامجال له في العقائد أصلًا.
وسند حجِّيَّته هوالقطع برأي المعصوم عليهم السلام، ومستند القطع أنَّه إذا اتَّفقَ اِتِّفاق الأصحاب على قولٍ ولم يكن لهم مدركٌ عليه، يُقطَع أنَّ ذلك الاِتِّفاق هو لثبوت رأي المعصوم عندهم؛
للمَقطوع به من سيرَتِهم من عدم اِسناد رأيٍ إلى الشَّرع إلَّابعد العُثُور على دليله، لحرمة الإفتاء من غير حجَّةٍ.
وأمَّا مدرك القطع بثبوت رأي الإمام عليه السلام، فإنَّا وإن لم نحتَجْ إليه بعدَ ذلك، إلَّا أنَّهم خاضوا فيه:
ص: 58
1. فمنهم مَن قال: إنَّه اللُّطف.
وفيه: إنَّ قاعدة اللُّطف(1) قاعدةٌ كلاميَّةٌ ترتبط بالأمور الكلِّيَّة الهامَّة - كبعث الرُّسُل وإنزال الكتب ونصب الوليِّ للأُمَّة، وحفظ النِّظام ونحو ذلك -، لا بالمسائل الجزئيَّة، سيَّما على القول بثُبُوت أجرٍ واحدٍ للفقيه لوأخطأ في فتياه، وبالنَّظر إلى الإجزاء القائلِ بكفاية رأيِ الفقيه عن الواقعِ.
2. ومنهم مَن قال: إنَّه الكشفُ عن قول المعصوم عليه السلام.
لجريان العادة على أنَّ اِتِّفاق قومٍ على رأيٍ يُكشِفُ عن رأي زعيمهم فيه. وهو حسنٌ، كما هو مختار السَّيِّدِ الأستاذ الخُمينيِّ قدس سره(2).
إلَّا أنَّ الأحسن أن يُقالَ: إنَّه كاشفٌ عن النَّصِّ المعتبر الَّذي كان عندَهم ولم يصلْ إلَينا.
3. ومنهم مَن قال: إنَّه الحدسُ.
لأنَّه إذا اجتمَعَ الأصحاب على قولٍ، فيُحدَس عرفًا أنَّه قول الإمام عليه السلام، وهو
ص: 59
مختار صاحب الكفاية قدس سره(1).
وهو حسَنٌ أيضًا، إلَّاأنَّ رجوع القول بالحَدس إلى القولِ بالكشف أولىٰ، بل هو المتعيَّن.
وأمَّا قضيَّة الدُّخول المشهورة عند القدماء، فأكثرُ الظَّنِّ أنَّ مرادَهم هو الكشفُ والحدس، وإلَّا فظاهرُهُ أشبَه بالهَزل!.
قال جمعٌ من الأصحاب: «إنَّ لمُصطلح الإجماع معنىً آخر، فالقُدماء بأسرِهم وطائفةٌ من المُتَأخِّرين على هذا المعنىٰ؛ وهو ثبوت نصٍّ أو أصلٍ معتبرٍ أو قاعدةٍ معتبرةٍ في المسألة، حيث إنَّهم لمَّا رأوا للمسألة مدركًا معتبرًا ظنُّوا بوِفاق الأصحاب عليه.
وهذا الظَّنُّ وإن لم يكن حجَّةً، إلَّاأنَّه حدسٌ وعلمٌ عادِّيٌّ»(2).
والشَّيخ الأعظم الأنصاريُّ قدس سره بعد أن فصَّل الكلامَ في هذا المعنىٰ، نقله عن جمعٍ مِن القُدماء - كابن زُهرة والسَّيِّدِ والمُفيد والشَّيخِ، ومن المتأخِّرين كالُمحقِّق والعلَّامة والشَّهيدَين والفَخر(3) -؛ فكأنَّ المعنى مسلَّمٌ عند الأصحاب؛
ص: 60
وليس بتدليسٍ، لأنَّه اِصطلاحٌ ولامشاحةَ في الاِصطلاح.
بعد ثبوت ما أشرنا إليه في الأمر الثَّاني، لابدَّ من القول بعدم حجِّيَّة الإجماعات المتداوَلَة المنقولة في الفقه؛ لأنَّها ليستْ كاشفةً عن وجود نصٍّ معتبرٍ. نعم! إنَّها كاشفةٌ عن وجود دليلٍ عند النَّاقل حيث أفتىٰ به، مع حدسٍ ونظرٍ.
فلامعنىٰ للإجماعات المنقولة إذًا إلَّانقل فتوَى الغير، الَّذي ليس بحجَّةٍ إلَّالنَفسه ومقلِّديه.
لايمكن الذِّهاب إلى أنَّ نقل الإجماع حجَّةٌ لأنَّه من مصاديق الخبر الثِّقة؛
لأنَّ المنقول ليس بحجَّةٍ، وإن كان النَّقل حجَّةً - لِما قرَّرناه -.
فالمنقول من آراء الفقهاء فيما يختصُّ بمختلف الشِّيعة كمفتاح الكرامة حجَّةٌ للعُثُور على آرائهم فقط، فلوتوافَوا على قولٍ مع عدم ثبوت مدركٍ فيه، فهو الإجماع المُصطَلَح في الأصول الحجَّةُ.
ولوتوافَق عليه الأكثر منهم، فهو الشُّهرة. وسياتي الكلامُ فيها.
ص: 61
إنَّ الشُّهرة تنقسم إلى:
الأوَّل:
الشُّهرة الرِّوائيَّة المُستعمَلة عند تعارض الرِّوايتين وتقدُّمِ ما هو الأشهر منهما - لقوله عليه السلام: «خُذْ بما اشتَهَر بين أصحابِك ودَعِ الشَّاذَّ النادرَ»(1) -.
ومع قطع النَّظر عن هذه الرِّواية، فإنَّ الشُّهرة نفسَها من المُرجِّحات، وهي حجَّةٌ عقلًا بعد التَّسالُم على عدم جواز ترك الرِّوايات بأجمعها - من غير ريبٍ - لثبوت التَّعارُض بين كثيرٍ منها.
الثَّاني:
الشُّهرة العَمَليَّة، والمرادُ منها جبرُ عملِ الأصحاب ضَعفَ السَّند إن اشتَهَر بينهم العملُ به؛ لأنَّ العمل به يدُلُّ على كونه مُعتَمَدًا عندهم وعند من تقدَّم عليهم؛ فيكون صحيحًا.
كما هو المُثبَت في العكس - أي: عدمُ عَمَلهم بما هو صحيحٌ سندًا يدلُّ على ضعفه عندهم -،
لأنَّ إعراض الأصحاب عن الصَّحيح سندًا الظَّاهر دلالةً، يدلُّ على اِتِّهامه عندهم وعدمِ كونه معتَمَدًا لديهم؛ فهو ضعيفٌ باصطلاح القُدماء.
الثالث:
الشُّهرة الفتوائيَّة، وهي تطابُقُ المشهور على فتوىً مع فقدان مدركٍ لتلك
ص: 62
الفتوىٰ.
والمشهورُ بين المشهور عدم حجِّيَّتها، لعدم الدَّليل على حجِّيَّة قول الغير وحكايته.
لكنَّ المُستدَلَّ به على حجِّيَّة الإجماع، يدلُّ عليها بلافرقٍ؛ ضرورةَ أنَّ تطابُقَهم عليها يدلُّ على عثورهم على نصٍّ معتبرٍ لم نَعثُر عليه الآنَ، أو في الأزمنة المُتَأخِّرة.
ص: 63
ص: 64
وفيها أمورٌ.
إنَّ «الخبر الثِّقة» مُصطَلحٌ لها معنىً عند القُدماء غير ما هو المذكور عند المُتأخِّرين. ذلك نظرًا إلى مذهبِ القُدماء في تقسيم الخبر إلى:
1. الخبر الواحد، أي: الضَّعيف غير المعتمد الَّذي لم يُعمَل به. وضعفُه إمَّا لأجل سنده، وإمَّا لأجل جهةٍ من الجِهات الرَّاجعة إلى دلالته.
2. وإلى الخبر المُعتَمَد، ويُقال له: الصَّحيح، أو: المُوثَّق. والمراد منه ما يُقابل الواحدَ - أي: المُعتَمَد المَعمول به - وإن كان بحسب السَّند ضعيفًا.
فظهر: إنَّ تقسيم الخبر إلى الصَّحيح والحَسَن والمُوثَّق والضَّعيف من إبداعات
ص: 65
المُتأخِّرين البديعة؛ وقد اشتَهَر انتسابُه إلى العلَّامة قدس سره(1).
وذلك سرُّ ما يُتَراءىٰ كثيرًا في كلمات القُدَماء(2)، سيَّما الشَّيخ قدس سره في التَّهذيبَيْن(3) من ردِّ الخبرِ مُعَلِّلًا بأنَّه خبرٌ واحدٌ، مريدًا منه: أنَّه ضعيفٌ؛ كما وقَد كثُرَ منهم التَّعبيرُ عن بعض الأحاديث الضِّعاف ب «الصَّحيح»، لكونه معتَمَدًا عليه عندهم.
وهذا هو المراد من قولِهِم: «ضعفُ السَّنَد يُنجَبَر بعمَلِ الأصحاب»(4).
العُمدةُ في مبحث الأمارت هي الفَحْصُ عن كيفيَّة ثبوتِ الظُّهورات والأخبار الآحاد؛
حيثُ اجمَعتْ الأصحابُ على خروجِهما عن قاعدة حرمةِ العمل بالظَّنِّ إلَّاما أخرَجَه الدَّليلُ، كما أنَّهم أجمَعُوا على أنَّ خروجَهُما مستندٌ إلى بناء العُقلاء، مُنضمًّا إليه عدمَ ردعِ الشَّارع عنه المساوقَ لإمضاه له.
ص: 66
ولكنَّ الكلام عندي غير سديدٍ؛ لأنَّ حجيَّة الظَّواهر والخبر الثِّقة ليستْ من باب الظَّنِّ المعتبر حتَّى تحتاجَ إلى مُثبِتٍ، بل من باب الإطمئنان - وهو العلمُ العرفيُّ -، ضرورةَ أنَّ العُرف قِبَل المكالمات ومؤدَّى الخبر الثِّقة لاترديد له حتَّى يُنزِّلَهما منزلةَ العلم أوَّلًا، ثمَّ يعمل بهما ثانيًا، بل التَّرديد فيهما ليس إلَّامن الوسوسة.
فإخبار الثِّقة بمجيء زيدٍ يُساوق الإطمئنان به وترتيب الأثر عليه، من غير توهُّم الخلاف فيه بحسب ظهور اللَّفظ أو مؤدَّاه.
فخروج حجِّيَّتهما من أحكام الظَّنِّ من باب التَّخصُّص، لا من باب التَّخصيص.
حكىٰ الشَّيخُ الأعظم: أنَّ جماعةً من الأعلام - كالسَّيِّدِ المرتضىٰ، وابنِزهرة، وابنِ إدريسٍ، والقاضي، والطَّبَرْسيِّ، وغيرهم - توافَقوا على عدم حجِّيَّة الخبر الواحد(1).
واستُدِلَّ لهم بالأدلَّة الأربعة:
ص: 67
فقال - جلَّ جلالُه! -: إِنَّ اَلظَّنَّ لاٰ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئاً(1)، وقال: لاٰ تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (2).
وادَّعوا تواتُرَها - ولا أقلَّ من ثبوته إجمالًا -، فهي ما رواها الشَّيخ الُمحدِّث الحُرُّ قدس سره في الباب التَّاسع من أبواب صفات القاضي من جامعه الكبير(3)؛ وهي طوائف:
فمنها: الدالَّة على ردِّ ما لم يكن عليه شاهدٌ من الكتاب؛
ومنها: الدالَّة على ردِّ ما لايُعلَم أنَّه قول أهل البيت عليهم السلام؛
ومنها: الدالَّة على بطلانِ ما لايُصدِّقه التَّنزيلُ؛
ومنها: الدالَّة على ردِّ ما لايُوافِق الكتابَ؛
ومنها: الدالَّة على أنَّ ما لايُوافِق الكتابَ فهو زُخرفٌ باطلٌ؛
ومنها: الدالَّة على النَّهي عن العمل بالرِّواية إلَّاما وافق الكتابَ.
فقال الشَّريف المُرتضىٰ قدس سره: «إنَّ العملَ بالخبر الواحد كالعمل بالقياس إجماعًا،
ص: 68
وهو ليس من مذهب الإماميَّة»(1).
فحُكِي عن ابن قِبَة قدس سره: «إنَّ العملَ بالخبر الواحد يُوجِب تحليلَ الحرام وتحريمَ الحلال، وهو ضروريُّ البُطلان»(2).
وفيه: أوَّلًا: إنَّ أصل النِّسبة منظورٌ فيه، لأنَّ المراد ب «الخبر الواحدِ» في هذه المقامات هو الخَبرُ الضَّعيف، لا الخبرُ المُعتَمد عليه - كما نقلناه عن سيرة الشَّيخ في التَّهذيبين آنفًا -، وهو ليس بحجَّة إجماعًا.
وثانيًا: إنَّ المُستَدَلَّ به لمذهبهم ليس بسديدٍ:
أمَّا الكتابُ: فالمراد ب «الظَّنِّ» فيه هي التَّوهُّمات والخَيالات والاِستحسانات، وهى لايُغني من الحقِّ شيئًا؛
أمَّا المراد ب «العلم» فيه، فهو الحجَّة الَّتي لابدَّ منها، والَّتمسُّك بغير الحجَّة ليس بحجَّةٍ، إذ لوكان المراد منه هو الحجَّة من الظُّنون، يلزم من وجودِه عدمَه!؛ لأنَّ لازمَه عدم حجِّيَّة الآيَتَين أيضًا - لأنَّهما من الظَّواهر، والظَّاهر لايُفيد العلم، بل لايفيدُ أكثَرَ من الظَّنِّ الحجَّةِ -؛ ولقد أجاد السَّيِّدُ الأستاذُ الخُمينيُّ قدس سره حيث قال: «إنَّه لوكان
ص: 69
المراد من الآيتين مطلقَ الظَّنِّ، يلزم اختلالَ النِّظام، لأنَّ اللاَّزم منه عدم حجِّيَّة الخبر الثِّقة والقواعد الفقهيَّة - كقاعدة اليد -، فيلزم اجتماعَ النَّاس عند نزول الآيتَين على الرَّسول صلى الله عليه و آله طالبًا طريقًا لرفع حوائجِهم في المعاش، بيْنَما أنَّهم لم يفهموا منهما عندئذٍ هذا المعنىٰ»(1).
وأمَّا المأثوراتُ: فالمُتَيقَّن منها هو الخبر المعارِض للكتاب، حتَّى لاتشمُل المعارِضَ الَّذي له جمعٌ دلاليٌّ - كالعامِّ والخاصِّ -، لأنَّ الحجَّة في المتواتر - لفظيًّا كان، أو معنويًّا، أو إجماليًّا - هي القَدر المُتَيقَّن؛ وأمَّا الخصوصيَّات فليسَتْ بحجَّةٍ، لأنَّها ليستْ بمتواترةٍ.
وأمَّا العقلُ: فقد مرَّ الكلام فيه مفصَّلًا، حيثُ أشرنا إلى أنَّ تحليلَ الحرام وتحريمَ الحلال لولزم فلايختصُّ بالخبر، بل يشملُ مطلقَ الحُجَج.
ولكنَّهما لايلزمان أصلًا، لغَضِّ الشارع نظرَه عن الواقع إذا خالَفَه الحجَّةُ، أو لتقبُّلِه النَّاقص بدلَ الكامل؛ فلاتحريمَ حلالٍ ولاتحليل حرامٍ.
وأمَّا الإجماعُ: فمُرادهم منه أنَّ الخبر الضَّعيف ليس بحجَّةٍ - كما هو الكلام في القياس -، وإلَّا فكيف يُتُصوُّر أنَّ الشَّريف المُرتضىٰ قدس سره مع رؤيتِه أنَّ كُبَراء القوم
ص: 70
يعمَلون بالخبر الثِّقة والمُعتَمَد عليه، يفتي بعدم حجِّيَّة الخبرِ كما يذهب إلى إنكار القياس عندهم؟!.
فالإنصاف أنَّه ليس للقول بعدم حجِّيَّة الخبر المُعتَمَد عليه وجهٌ ولادليلٌ؛ فيَحسُن إنكارُ إسناده إلى أعاظم المُتَقدِّمين المذكورين في صدر الفصل.
ص: 71
ص: 72
وقد استدلُّوا لها بالأدلَّة الأربعة.
وهي قوله - علَتْ كلمَتُه! -: إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا(1)، بتقريبِ مفهوم الشَّرط الحُجَّةِ إجماعًا.
وردَّ الشَّيخ قدس سره على التَّقريب ب: «أنَّ الشَّرط سيقَتْ لبيان الموضوع، فلامفهوم له إذن»(2).
والإيراد واردٌ، لأنَّ الشَّرط لوسيق لبيان الموضوع فإنَّه غير دخيلٍ في الكلام
ص: 73
إذن، بل ذُكِر مُوطِّئةً لبيان الحكم فقط؛ وهذا حقيقٌ بالقبول.
لأنَّ الإتيان بما هو غير دخيلٍ في ترتُّب الحكم - وهو الاِستبيان - على الموضوع - وهو خبرُ الفاسق - لايدلُّ على المفهوم؛ فلادخل للمجيء في الكلام - لا في موضوعه، ولا في حكمه -.
والمحقِّق الخراسانيُّ قدس سره أورد على الشَّيخ ب: «أنَّ المجيء له دخلٌ في الكلام»(1)، ثمَّ قرَّر كلامَه بما لايفهم الأعلامُ منه شيئًا! فقرَّروا كلام هذا البَطَل الفَحْل بحمْلِ القضيَّة الشَّرطيَّة على القضيَّة البَتِّيَّة مُقدِّمين فيه لفظةَ «النَّبأ»، فيكون المرادُ لُبًّا: يجب اِستبانة النَّبأ إن جاء به الفاسق، وإلَّا فلا(2).
واستحسَنَه السَّيِّدُ الأستاذُ المحقِّقُ الدَّاماد قدس سره(3).
وفيه: إنَّ تبديل العبارة بأخرىٰ غيرِها - مع كون الثَّانية خلاف الظَّاهر! - لايُثمِن أصلًا، لأنَّ الجملة في أُسلوب الشَّرط - بدلالة اِستعمالات العُرف -. هذا، مع أنَّه لوسُلِّم جواز التَّبديل، لانُسلِّم عدمَ مدخليَّةٍ للمجيء في الحُكم، ولا في الموضوع أصلًا؛ إلَّاأن يعودَ الاِستدلال من القضيَّة الشَّرطيَّة إلى الوصفيَّة، فنَنقُل الكلامَ إلى الوصف ونقول: إنَّ الَمجيء ليسَتْ بوصفٍ حقيقةً، بل إنَّه جيء به توطئةً
ص: 74
لبيان الحُكم.
وبالجملة، الظَّاهر من الآية الشَّريفة كونُ قوله - تعالى! -: إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ لايكون دخيلًا في الكلام، بل القضيَّة قضيَّةٌ بتِّيَّةٌ، فالمُعْنىٰ من الكريمة إذن:
يجب التَّبين في نبأ الفاسِقِ، فيعود الكلام إلى حجِّيَّة مفهوم الوصف.
وقال الشَّيخ قدس سره: «إنَّه ليس بحُجَّةٍ في المقام، لأنَّ عمومَ العلَّة يمنع دخالةَ الوصف في الموضوع؛ لأنَّ قوله - تعالى! - في ذيل الآية: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلىٰ مٰا فَعَلْتُمْ نٰادِمِينَ يعُمُّ الخبرَ الثقة أيضًا»(1).
ولقد أجاد في الكفاية مُجيبًا عنه: «إنَّ الجهالة في الآية بمعنى السَّفاهة، والعمل على طبق خبر الثِّقة ليس بجهالةٍ»(2).
ولكنَّ الإشكال في مفهوم الوصف باقٍ بَعدُ، لأنَّ استفادة العلَّة المنحصرة منه مشكلٌ جدًّا؛ إلَّاأنْ يُقال باستفادة العُرف إيَّاها منه؛
وهذا ليس ببعيدٍ.
وممَّا أوردوه في مقام الَّتمسُّك بالكريمة: «إنَّها في الموضوعات، ويُشتَرط في إثبات الموضوعات الأخذُ بالبيِّنة، ولايُكتفىٰ فيها بخبر العادل فضلًا عن الخبر
ص: 75
الثِّقة»(1).
وقال الشَّيخ قدس سره: «إنَّ الإشكال قويٌّ بحيث لايُذَبُّ عنه»(2)؛ واستَحسَنَه السَّيِّدُ الأستاذ الخُمينيُّ قدس سره(3).
وفيه: مضافًا إلى حجيَّة الخبر المُعتَمَد عليه في الموضوعات مطلقًا - إلَّافي المحاكم وما يرجع إلى القَضاء والشَّهادات -: أنَّ الدَّالَّ على حجِّيَّة الخبر المُعتَمَد عليه في الأحكام، يدلُّ على حجِّيَّة الخبر الثِّقة في الموضوعات أيضًا؛ بل أجودُ الدَّليل هو سيرة العقلاء المُستمرَّة في الموضوعات، لا الأحكام، ولا أقلَّ من عمومها لكِلَي الموضوعات والأحكام.
أَضِف إلى ذلك أنَّ الرِّوايات البالغة حدَّ التَّواتر المعنويِّ تدلُّ على حجِّيَّة الخبر الثِّقة في الموضوعات - كحجِّيَّة أذان الثِّقة، وكجواز الصَّلوة في لباسٍ أخبَرَ الثِّقة بطهارته ولو لم يكن بذي اليد، وكجواز وَطيِ الجارية إذا أخبر الثِّقة باِستبرائه، وكوجوب ترتُّب الحكم بعَزل الوكيل إذا أخبره الثِّقة بذلك، وكثُبوت الوصيَّة بقوله، وكثُبوت الذِّبح بقوله أيضًا ولو لم يكن بذي اليد -.
ولم يرِدْ ردعٌ عن تلك الرِّوايات إلَّاما في موثَّقة مَسْعَدَة بن صَدَقة، وفيها:
«الأشياء كلَّها على هذا - أي: الحِلِّ - حتَّى يستبينَ لك غيرُ ذلك أو تقوم به البيِّنةُ»(4).
ص: 76
ومن اللَّافت للنَّظر أنَّ «البيِّنة» هيهنا بمعناها اللُّغويِّ، لا الاِصطلاحيِّ - وهو ما يُتُبيَّن به، كالأمارات والقواعد الفقهيَّة -.
هذا، ولو لم يُسَلَّم ذلك فلاأقلَّ من الجمع بين الرِّوايات، وإلَّا فكيف يُمكِن رفعُ اليد عن جميع الأمارت والقواعد الفقهيَّة - كقاعدة اليد وأصالة الصِّحَّة - بهذه الرِّواية؟!؛
بل لوثبت دلالتُها فلابدَّ من رفْضها، جمعًا بينها وبين ما تدلُّ على حجِّيَّة الأمارات والقواعد الفقهيَّة.
ولكن بعد ذلك كلِّه لايُمكِن صرفُ النَّظر عن فهم العُرف في هذه الآية الشَّريفة ودلالَتِها على عدم حجِّيَّة الخبر الفاسق، لأنَّ العمل به جهالةٌ وسفاهةٌ تنشأ من السِّناد إلى ما لايجوز السِّناد إليه، بينما أنَّ الخبر الثِّقة حجَّةٌ - لكونه قاطعًا للعُذر -، فلايوجب النِّدامة مطلقًا، بل لاندامة فيه أصلًا؛
سيَّما وأنَّ الآية الشَّريفة وما بمعناها كلَّها إرشادٌ إلى بناء العقلاء واِمضاءٌ له، الدَّالُّ على حجِّيَّة مطلق القواعد.
وسيأتي البحثُ عنه - إن شاء اللَّهُ! -.
إنَّ الشَّيخ قدس سره في البَحث عن الشَّريفة ذكر كلامًا لاينقضي التَّعجُّب عنه، إذ هو أشبَه باللُّغَزِ!، فالأحسنُ الإعراض عنه!. لكن لمَّا اشتَهَر كلامُه بين الأعلام فلابأس
ص: 77
بالإشارة إليه.
قال قدس سره: «إنَّ الآية الشَّريفة لو تمَّ دلالتُها لحجِّيَّة الخبر الثِّقة تنحصر دلالتُها لمجيء الخبر بلاواسطةٍ - كخبر زُرارة عن أبي عبداللَّه عليه السلام -، ولاتشمُل لاثبات حجِّيَّة الخبر مع الواسطة - كروايات الكُتُب الأربعة -، لأنَّه لوشَمِلت الرِّوايات مع الواسطة يلزم إثبات الموضوع بالحكم، وهو دورٌ ظاهرٌ، لأنَّ إخبارَ الكُلَينيِّ عن عِدَّةٍ من أصحابنا ليس له أثرٌ إلَّاعدالة عدَّةٍ من أصحابنا، فلودلَّتْ الآية الشَّريفة على حجِّيَّة قول الكُلَينيِّ فيلزم إثبات الموضوع وهو عدالة عدَّةٍ من أصحابنا بالحكم، وهو وجوب تصديق العادل؛ هذا مع أنَّ هذا الأثر ليس أثرًا عمليًّا، ففي حجيَّة الخبر يلزم أن يكون له أثرٌ عمليٌّ»(1).
وقد أجاب عنه الأعاظمُ بأجوبةٍ تامَّةٍ.
منها: ما ذكرهُ الشَّيخ الآخوندُ قدس سره من: «أنَّ الأثر ليس بلحاظِ الفرد، بل بلحاظ الطَّبيعة؛ والأثرُ العمليُّ كما يكونُ في الإخبار بلاواسطةٍ يكون في مع الواسطة منها»(2).
ومختارُ السَّادَة الأساتِذَة البُروجرديُّ قدس سره(3) والخُمينيُّ قدس سره(4) والدَّامادُ قدس سره(5) في
ص: 78
المقام: «إنَّ حجِّيَّة الأمارات لبناء العقلاء عليها، من غير توجُّهِهم إلى هذه الدَّقائق الأصوليَّة؛ بل يرون حجِّيَّة الخبر الواحد مع الواسطة أيضًا. والكريمةُ و ما ورَدَ بمعناها ناظرٌ إلى بنائهم هذا».
أقول: أَضِف إلى ما أجابوا به عنه: إنَّ الإشكالَ يختصُّ بعالَم التَّكوين وإلَّا ففي التَّشريع لاإشكال في تقَدُّم الحُكم على الموضوع، وإثباتِ الأثر بنقل الحكم، أو إثبات الموضوع بالحكم، أو إثبات الموضوع والحكم معًا،... وهكذا؛ ولذلك فإنَّ العُرفَ لايتوجَّه إلى أمثال هذه الإشكالات، بل لايجعَلُه إلَّافي عِدادِ الألغاز العِلمِيَّة!.
قال - عظُمَتْ قدرتُه! -: فَلَوْ لاٰ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (1).
بتقريب: أنَّه يجب الإنذار - لمكان «لولا» التَّحذيريَّة -، فيجب الخُضوعُ قِبَله، لأنَّه لولم يجب الخُضُوع والقَبُول يلزم اللَّغْويَّة.
هذا، مع أنَّ لفظة «لعَلَّ» إذا نُسِبَتْ إلى مصدر العِزَّة - تعالىٰ شأنه العزيزُ! - يُراد منها الَمحبوبيَّة، ومحبوبيَّة الحَذْرِ هو وجوبُه - لأنَّه لامعنىٰ لاستحباب الحَذر -.
ص: 79
والظَّاهرُ - والعلم عنده سبحانه! - أنَّ الكريمةَ ترتبط بوجوبِ قيام المؤمنين لتأسيس الحَوزات العِلميَّة والمُنَظَّمات الثِّقافيَّة الإسلاميَّة، ووجوب حضورِهم فيها كفايةً تعلُّمًا لثقافة الإسلام الباهِرة، العقيديَّة والأخلاقيَّة والفَرعيَّة، ليَخرُج عنها مبلِّغُوا الشَّريعة و عُلماؤُها؛ ليتعَلَّم النَّاسُ منهم البرهانَ في العقائد، والعِظَة في الأخلاق، والحُكم في الفُروع الفِقهيَّة.
فهي كالآيات الواردة في مقام الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فلاربط لها ولها بالمقام؛
إلَّا أن يُقال: المفروضُ فيها حجِّيَّة الخُبرة والخبرِ الثِّقة.
قال - سبحانه وتعالى! -: إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ اَلْبَيِّنٰاتِ وَ اَلْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي اَلْكِتٰابِ أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاّٰعِنُونَ (1).
بتقريبِ: أنَّ حُرمةَ كتمان الحقِّ يُلازِم قبولَ الحقِّ ووجوبَه؛
والملازمة قطعيَّةٌ.
فما في الكفاية من: «عدم ثُبوت الملازمة بين حرمة الكِتمان ووجوب القبول»(2)؛
ليس بسديدٍ من وِجهة نظر العُرف.
ص: 80
ولكن لا إطلاق لها - كما قال به الشَّيخ قدس سره(1) -؛ فالقَدر المُتَيقَّن منها هو قبولُ الحقِّ إذا عُلِم به.
وما في الكفاية من: «أنَّ الملازمة دليلُ الإطلاق»(2)؛
ضعيفٌ جدًّا!، لأنَّ المُلازمة بين حرمةِ الكتمان ووجوبِ القبول على نحو القَضيَّة الطَّبيعيَّة، لا القضيَّة الحقيقيَّة؛ فلاتدلُّ على وجود الإطلاق حتَّى يشمل الخبرَ الثِّقة لولم يعلم به.
ولكنَّ الَّذي يرِدُ على أصل الاِستدلال بها، أنَّها - كآية النَّفر - غير مربوطةٍ بالمقام أصلًا، بل هي في مقام بيان أنَّ اليَهود والنَّصارىٰ مع عِلمهم بحقَّانيَّة الإسلام وذِكرِه في التَّوراة والإنجيل، يكتُمُونه؛ فأنَّبَتْهم على ذلك؛
إلَّا أنَّ يُقال - كما قلنا في آيتَي النَّبأ والنَّفْر - بأنَّ حجِّيَّة الخبر الواحد مفروغٌ عنه فيها مطلقًا.
قال - تقدَّسَتْ أسماؤُه! -: فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ (3).
بتقريب: أنَّ وجوبَ السُّؤال والحثَّ عليه يستلزم وجوبَ القبول عرفًا، وإلَّا
ص: 81
يلزم اللَّغو في وجوبه.
وفيه: إنَّ الظَّاهر من قوله - تعالى! -: إِنْ كُنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ تضمينُ «حتَّى تَعلمون»، إلَّاأنَّ «العلم» في أمثال المَورد هو الحجَّة، لا العلم الوجداني؛ وحيث إنَّ الخبرَ الثِّقةَ حجَّةٌ عرفًا - لكونه علمًا بحسب العُرف - فالآيةُ الشَّريفة إرشادٌ إلى بناءِ العقلاء.
فبما ذكرنا يظهَرُ أنَّ قولَ بعض الأعلام ب: «أنَّ الآية لا إطلاق لها حتَّى تشمُل الخبر الثِّقة أيضًا»(1)؛
غير سديدٍ!، لأنَّ حجِّيَّة الخبر الثِّقة - كحجِّيَّة الظَّواهر - مفروغٌ عنه في الكريمة.
ومختار الشَّيخ قدس سره من: «أنَّ الآية ترتبط بحجِّيَّة الفتوىٰ والخبرة، ولاربطَ لها بحجِّيَّة الخبر الثِّقة»(2)؛
أيضًا لايساعِدُه التَّحقيق، لأنَّ «أهلَ الذِّكر» هم علماء الدِّين الَّذين يُبلِّغون الأحكام.
فما في جملةٍ من المأثورات من تفسيرها بالأئمَّة(3)، ليس إلَّامن باب تعيينِ أكمَل
ص: 82
مصاديقه، إذ لاخصوصيَّة لهم في المقام.
قال - جلَّ وعلا! -: وَ مِنْهُمُ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلنَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ (1).
الشَّريفةُ أظهرُ آيةٍ تدُلُّ على حجِّيَّة الخبر الثِّقة، لأنَّ اللَّه - تعالى! - مدَحَ نبيَّه بأنَّه يُصدِّقُ المؤمنين، بل تدلُّ على عدم حجِّيَّة الخبر الضَّعيف - لمكان قوله: وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ، أي: إنَّ تصديقَ الفاسق بما يُقال فيه إنَّه أُذُنٌ، ليس مذمومًا، بل ليس إلَّامن من باب الرَّحمة -؛ وإن لم يكن كذلك فلاريبَ في أنَّ الفاسق ليس قولُه بشيءٍ.
فدلالَتُها على حجِّيَّة الخبر الثِّقة ظاهرةٌ.
نعم! إنَّها - كغيرِها من الآيات - إرشادٌ إلى العقل وبناءِ العُقلاء، فليس فيها إعمالُ تعبُّدٍ أصلًا.
قد وردَتْ رواياتٌ متواترةٌ بحسب المعنىٰ تدلُّ على حجِّيَّة الخبر الثِّقة، بل إنَّها فيها مفروغٌ عنها.
فمنها:
ص: 83
قوله: «العَمْرِيُّ ثقَتي فمٰا أدّىٰ إلَيكَ عنِّي فعنِّي يُؤدِّي»(1).
وقد ذكر الشَّيخ الحرُّ قدس سره عشرين موردًا من تلك الرِّوايات في الباب الحادي عشر من أبواب صفات القاضي من جامعه الكبيرِ وسائل الشِّيعة(2)، ثمَّ روىٰ منها ما يزيدُ على المأةِ في غير الباب من أبواب الكتاب.
فما قال في الكفاية من: «أنَّ الرِّوايات هيهنا متواترةٌ إجمالًا، وفيها مرويةٌ عن عدلٍ مذكّىً، وهي تدلُّ على حجِّيَّة الخبر الثِّقة»(3)؛
ضعيفٌ جدًّا، صُغْرويًّا وكُبْرويًّا:
أمَّا من حيث الصُّغرىٰ، فلأنَّا لم نجد في جُملَتها مزكَّاةً بعدلَيْن؛
وأمَّا من حيث الكُبرىٰ، فلعدم الحاجة إلى ذلك، بل الرِّوايات المتواترة هيهنا بجُملَتها تدلُّ على حجِّيَّة الخبر الثِّقة؛ وفيها كفايةٌ عنها.
نعم! إنَّها إرشادٌ إلى بناء العقلاء، فلاتعَبُّد فيها - كما أشرنا إليه -.
ص: 84
فهو المُثبَت بين الفُقهاء على حجِّيَّة الخبر الثِّقة. ولا إشكال في وجود هذا الإجماع، وقد مرَّ الكلامُ في أنَّ ما نُسِب إلى السَّيِّدِ المرتضىٰ قدس سره أو ابن إدريسَ قدس سره من عدم حجِّيَّة الخبر الواحد، ليس في محلِّه؛ بل مرادُهم عدمُ حجِّيَّة الخبر الضَّعيف، لأنَّ بِنائَهم في جميع آثارهم على حجِّيَّة الخبر الثِّقة، وهذا ممَّا لايُنكَر؛ حتَّى أنَّ ثاني الشَّهيدين قدس سره وابنَه الجليل قدس سره نسَبا إليهما انحصارَ الحجِّيَّة في الخبر العدل المُزكَّىٰ؛
هذا، مع كثرةِ ما نرىٰ من تمسُّكِهِما بالخبر الثِّقة في مجاميعِهِما.
والظَّاهر أنَّهما أرادا من «العدْل»: القويَّ الَّذي هو الثِّقة في القول، وهذا هو المُصطَلَح عليه في علمَي الدِّراية والفقه.
بل ذخائرُهم الغاليَة و تراثُهم الرَّفيعة في الفقه - كما بقي من الأصول الأربع مأة، والكتب الأربعة من القُدماء، و كالوسائل من المُتَأخِّرين - خيرُ دليلٍ على انعقاد هذا الإجماع؛ بل كون المسألة مفروغًا عنها عندهم.
نعم! جميعُ الأدلَّة المُشارإليها إرشاديٌّ، وليس فيه تعبُّدٌ، فليس الإجماع هذا إجماعًا مُصطلَحًا.
فهي من العُقلاء بضميمةِ عدم الرَّدع، بل الإمضاء.
إنَّ العقلاء لمَّا رأَوا أنَّ حجِّيَّة القطع لاتكفي لأمر معاشهم، ولا لمعادهم، بل يوجب اِختلال النِّظام جعلوا أمارتٍ حجَّةً - كالظَّواهر والخبر الثِّقة -؛
ثمَّ رأَوا أنَّ تلك أيضًا لاتكفي لذلك، فجعلوا أُصولًا على وجه التَّعبُّد - أي: كونها
ص: 85
حجَّةً في ظرف الشَّكِّ، كقاعدة اليد، وأصالة الصِّحَّة -، فرُفع اِختلال النِّظام بذلك.
فهذه الأمارات كثيرةٌ لولم نقل بأنَّ الظَّواهر والخبر الثِّقة وما يماثِلُهما، كلُّها من مصاديق القطع العادِّيِّ الَّذي أُطلِق عليه العلمُ العادِّيُّ تارةً، والإطمئنان والظَّنُّ المُتآخم بالعلم أخرىٰ.
كما أنَّ الأصول التَّعبُّديَّة العُقلائيَّة كثيرةٌ أيضًا، وهي منها - كأصالة عدم الزِّيادة، وأصالة عدم النَّقيصة، وأصالة عدم السَّهو والنِّسيان والخطأ -.
بل الأصول التَّعبُّديَّة الشَّرعيَّة - كالبَراءة، والاِشتغال، والتَّخيير، والاِستصحاب - أيضًا منها.
فتابَعَ العُقلاءَ في ذلك سلاسلُ الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، ومنهم أفضل العقول وخاتَمُهم سيِّدُالرُّسل صلى الله عليه و آله وأوصياؤه عليهم السلام؛ حيث لم يخترعوا في ذلك شيئًا، بل تابعوا سيرةَ العقلاء.
بل بالآيات والرِّوايات الدَّالَّة على حجيَّة تلك السِّيرة في أصولهم وأماراتهم أمضوها وثبَّتُوها؛
فجعلوا حجِّيَّتها مفروغًا عنها.
ضعيفٌ جدًّا!، بل جملة هذه الآيات وما يشبِهُها من المأثورات لاترتبط بالمقام، لأنَّ المراد من «العلم» هو الحجَّة، ومن «الظَّنِّ» هو غير الحجَّة؛ بينما أنَّ الخبر الثِّقة حجَّةٌ، لاظنٌّ غير حجَّةٍ - كطائفةٍ من الموهومات والخَيالات -؛
فلذلك أنَّ المُشافَهين بالخطاب حين النُّزول لم يستنبِطُوا منهما الرَّدع عن حجِّيَّة الخبر والظَّواهر وقاعدة اليد ونحوها، ضرورةَ أنَّها لوردعَتْ عن الأمارت لتَردعُ عن نفسه، لأنَّها من الظَّواهر أيضًا، وهي من الأمارات.
وهذا واضحٌ لايحتاجُ إلى تفصيلٍ.
ص: 87
ص: 88
وفيه فصولٌ
ص: 89
ص: 90
«الأصول العمَليَّة» هي الَّتي عُيِّنت لتَعيين الوظيفة في ظَرفِ الشَّكِّ.
وهي كثيرةٌ، إلَّاأنَّ الشَّيخ قدس سره لاحَظَ أربعةً منها(1)، وهي: البراءة، والاِشتغال، والتَّخيير، والاِستصحاب؛ فاشتهر انحصارُها فيها بعد الشَّيخ.
ونحن نُتابِعهم في ذلك.
ص: 91
إنَّ الأصحاب اختصُّوا مباحثَ الأصول العَمليَّة بالأحكام، فلم يَعتَنوا فيها بالموضوعات، مع أنَّه ينبغي البحثُ عن الموضوعات فيها أيضًا؛ لأنَّه من مهامِّ الأمور.
وهذا من غرائب الأمر!، حيث إنَّ طائفةً منها - كقواعد الطَّهارة واليد والفَراغ، وأصالة الصِّحَّة وغيرها - كثيرةُ الدَّوران في الفقه، بحيث لايستغني عنها الفقيهُ.
كما أنَّهم بعد أنْ جعلوها ضِمنيًّا لا اِستقلاليًّا، قد سلكُوا طريق الاِختصار في البحث عنها؛ مع أنَّ المقامَ مقامُ التَّفصيل - لِما أشرنا إليه -.
تقسيم الأصول العَمَليَّة إلى الأربعة المذكورة استقرائيٌّ، لأنَّه:
1. لوكان للأصل حالةٌ سابقةٌ، فهو مجرىٰ الاِستصحاب؛
2. وإن لم يكن له حالةٌ سابقةٌ ولكن يجري في المورد العلمُ الإجماليُّ، فهو مجرىٰ الإشتغال؛
3. وإن لم يمكن الإحتياط فيه، فهو مجرىٰ التَّخيير؛
4. وإلَّا فهو مجرىٰ البَراءة.
ص: 92
لاإشكال في تقدُّم الأمارات على الأصول، اذ نسبة الأوَّل إلى الثَّاني كنسبة الرِّيح إلى الذُّباب، أو النُّور إلى الظُّلام.
إنَّما الكلامُ في وجه تقدُّمِها عليها.
توضيح ذلك: إنَّ تقدُّمَ شيءٍ على شيءٍ:
1. قد يكون بالتَّخصُّص، وهو خروجه عنه بما يفيد القطع - كالتَّغاير موضوعًا، كخروج «زيدٍ الجاهل» عن الموضوع في أَكرم العُلماء -.
2. وقديكون بالتَّخصيص، كخروج شيءٍ عن موضوعٍ بالدَّليل - كخروج «زيدٍ العالِم» عن حكم أَكرم العلماءِ بأمرٍ أصدَرَه مَن حكم بإكرامهم -.
3. وقد يكون بالوُرود، وهو خروج شيءٍ عن شيءٍ بإعمال التَّعبُّد - كالأمارات بالنِّسبة إلى قاعدة قُبح العقاب بلابيانٍ -.
4. وقد يكون بالحُكومة، وهو تفسير شيءٍ بشيءٍ ناظرٍ إليه بحيث يُوَسِّعه أو يُضَيِّقه - كقول القائل: «لاشَكَّ لكثيرِ الشَّكِّ»(1)، النَّاظر إلى أدلَّة الشُّكوك -.
وحيث إنَّ الأمارت لابيان لها، فهي بالنِّسبة إلى الأصول من باب الورود، لا
ص: 93
الحكومة؛ إلَّاأن يُقال: إنَّ الأدلَّة اللَّفظيَّة الدَّالَّة على حجِّيَّة الأمارت بيانٌ لها مطلقًا.
لاإشكال في وجوب الفَحْص عن الدَّليل حتَّى يستقِرَّ الشَّكُّ أوَّلًا، ثمَّ تجري فيه الأصول ثانيًا. فقبل الفَحْص عن الدَّليل لاجريان للأصول، عقلًا ولاشرعًا.
وإن شئتَ قلتَ: جريانُ الأصول قبلَ الفحْص عن الدَّليل يلازم عدم العمل بالأحكام، بل يلزم اللَّغوَ في جعْل الأحكام وأدلَّتِها.
هذا واضحٌ لا كلام ولاإشكال فيه.
لكنَّ الكلام كلَّه في جريانها في الموضوعات، حيث إنَّ الفحْص فيها غيرُ لازمٍ وإن يلزم - حسْبَ الظَّاهر وفي بادىء النَّظر - نفس المحذور، وهو لزوم ترك العمل بالأحكام؛
فإذن قاعدَتَي الطَّهارة واليد و أمثالَهما - بل الأصول العمَليَّة كلَّها - تجري في الموضوعات قبل الفَحْص عنها، بلاإشكالٍ وبلاكلامٍ؛ سواءٌ في الحُكم بذلك العقلُ والشَّرع، وإن عَلِمنا بترك كثيرٍ من الأحكام المُتَرتَّبة على تلك الموضوعات.
ولعلَّ السِّرُّ في ذلك لزومُ حدوث الإختلال في النِّظام بالقول بوجوب الفَحْص فيها، فإذن يَرفَعُ العقلاءُ - ومنهم الشَّارعُ - اليدَ عن تلك الأحكام المُفَوَّتَة، نظرًا إلى قاعدة الأهمِّ والمُهمِّ.
ذلك كالجمع بين الأحكام الواقعيَّة والظَّاهريَّة، فكما أنَّهم يجعلون الأمارات
ص: 94
والأصول حجَّةً مع علمِهم بلزوم تحليلِ الحرام وتحريم الحلالِ برفع التَّكاليف الواقعيَّة، رفعًا لاختلال النِّظام، فكذلك حجِّيَّة الأصول في الموضوعات قبل الفَحْص عنها، بل الأمارات فيها أيضًا.
ص: 95
ص: 96
والمرادُ منها أنَّه إذا لم يُوجَد دليلٌ لحكمٍ - لا من قِبَل الشَّرع، ولا من قبل العَقل -، فالأصلُ هو البَراءة عن الحكم، وعدمُ وجوبه أو حرمَتِه.
ويقال له: «ما لانصَّ فيه» أيضًا.
واستدَلُّوا لصحَّتها وصحَّة الَّتمسُّك بها بالأدلَّة الأربعة؛ كما يلي:
بآياتٍ كثيرةٍ.
قوله - علَتْ مكانتُه! -: وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولاً(1).
وأورد الشَّيخ قدس سره على الاِستدلال بها ب: «أنَّ المراد منها هو العَذاب
ص: 97
الدُّنيويُّ»(1).
وفيه:
أوَّلًا: إنَّها ترتبط بالأخرويِّ منه، بدلالة صدر الآية الشَّريفة، وهو: وَ كُلَّ إِنسٰانٍ أَلْزَمْنٰاهُ طٰائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ كِتٰاباً يَلْقٰاهُ مَنْشُوراً اِقْرَأْ كِتٰابَكَ كَفىٰ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً مَنِ اِهْتَدىٰ فَإِنَّمٰا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّمٰا يَضِلُّ عَلَيْهٰا وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولاً.
وثانيًا: لااختلال في الاِستدلال بها ولوكانت في العذاب الدُّنيويِّ، لأنَّ الدُّنيويَّ أيضًا عقوبةٌ منه - تعالى! -، وهي تُنفِيه.
وثالثًا: إنَّ الآية بمنزلة كبرىً كلِّيَّةً تترتَّب على صغرىً آخر.
وأورد الشَّيخ قدس سره ثانياً ب: «أنَّ الآية ترتبط بفعليَّة العَذاب، لا اِستحقاقه»(2).
وفيه: إنَّ الآية ظاهرةٌ في نفي العذاب، فظهورها تشمل الفعليَّة والاِستحقاق، دنيويَّةً كانت أو أُخرويَّةً.
وإن أَبَيتَ عن ذلك فيَكفي لجواز الاِرتكاب نفيُ العَذاب ولوكان مستَحقًّا لذلك، ضرورةَ أنَّ النَّاس - كلَّهم - مستحقُّون للعذاب لولم يشمُلْهم فضلُ اللَّه ورحمتُه.
ص: 98
وأورد قدس سره ثالثًا ب: «أنَّ الآية لاتُعارِضُ أدلَّة الأخباريِّينَ لوتمَّتْ، لأنَّها حاكمةٌ على هذه الشَّريفة وأمثالِها، إذ هي كالأصل بالنِّسبة إلى الأمارة»(1).
وفيه: أوَّلًا: لانسلِّم عدمَ التَّعارض بينهما، وذلك بدلالة العُرف.
وثانيًا: لوسُلِّم فلانسلِّم حكومةَ أدلَّة الأخباريِّين عليها، إذ لووُجِد دليلٌ حاكمٌ فهو يُقاوِم مع الآية، فإذن تُعاضِدُها قاعدةُ قبح العقاب بلابيانٍ.
قوله - جلَّ جلاله! -: لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ مٰا آتٰاهٰا(2).
وأورد الشَّيخ قدس سره على الاِستدلال بها - وتبِعَه في ذلك الأستاذ الإمام الخُمينيُّ قدس سره(3) - ب: «أنَّ المرادَ بالموصول هو المال، بقرينةِ صدرها - وهو قوله تعالى!:
لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اَللّٰهُ -؛ ف:
أوَّلًا: لايمكن إرادة «التَّكليف» من الموصول، لمنافاته الصَّدر.
وثانيًا: لايمكن إرادة الأعمِّ من المال والتَّكليف، لأنَّه إن أُريد من الموصول المالَ فهو مفعولٌ به، وإن أُريد منه التَّكليفَ فهو مفعولٌ مطلقٌ، ولاجامع بينهما»(4).
وأجاب المحقِّقُ النَّائيني قدس سره(5) - وتابَعَه الأستاذ المحقِّق الدَّاماد قدس سره(6) - بأنَّ الجامع
ص: 99
هو «الشَّيء»، فالمراد من الموصول هو الشَّيء، وهو أعمٌّ من التَّكليف والمال والقدرة والعلم وغيرها من نِعَم اللَّه، وهو مفعولٌ به حينئذٍ.
وهذا هو الأقوىٰ.
وما عن بعضِهم من: «أنَّ الآيةَ مرادفٌ لقوله - تعالى! -: لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا(1)، فالمرادُ من الموصول في الأولىٰ منهما القُدرةُ»؛
ليس بسديدٍ، لو لم نقل بأنَّ المرادَ من «الوُسع» في الثَّانية أيضًا هو مطلق النِّعَم.
قوله - تعالى! -: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (2).
وأورد الشَّيخ قدس سره على الاِستدلال بها ب: «أنَّ الآية ترتبط بالعذاب الدُّنيويِّ، فهي خارجةٌ عن محلِّ البحث»(3).
وفيه: قد مرَّ الكلامُ في المراد منها، وأنَّها بمنزلةِ كبرىً كلِّيَّةً، فلااِختصاص فيها.
وصِرفُ شأن النُّزول لايُخصِّص الكُبرىٰ الكلِّيَّة.
هذا، مع أنَّ العذاب الدُّنيويَّ - لوكان المقصودَ منها - أيضًا يُلازِم مطلق العقوبة واستحقاقِها.
ص: 100
قوله - تعالى! -: وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدٰاهُمْ حَتّٰى يُبَيِّنَ لَهُمْ مٰا يَتَّقُونَ (1).
ودلالة الكريمة أظهَرُ من الأُخَر، سيَّما مع ما في الكافي(2) والعيَّاشي(3) وغيرهما(4) عن أبي عبداللَّه عليه السلام في تفسيرها: «حتَّى يُعَرِّفَهم ما يُرضِيه ويُسخِطُه».
وما قال به الشَّيخ قدس سره من: «أنَّ المرادَ من الآية هو الخِذلان، فلاربط بينها وبين المبحث»(5).
فيه: أوَّلًا: إنَّه يُخالف ظاهرُها ظاهرَ ما رويناه مفسِّرًا لها.
وثانيًا: إنَّها عامٌّ بمنزلة كبرىً كلِّيَّةً.
وثالثًا: إنَّ الشَّيخ قدس سره أقرَّ في جملة كلامه بأنَّ دلالتها من حيث الفَحوىٰ تامَّةٌ لا إشكال فيها، فدلالة الآيات للبَراءة غير مخدوشةٍ.
نعم! سيأتي أنَّ البَراءة تختصُّ بما لايُوجَد فيه حكمٌ عقليٌّ ولاشرعيٌّ، وعليها
ص: 101
استقَرَّتْ سيرةُ العقلاء. فالآيات إرشاديَّةٌ متابِعةٌ لما تُرشِدُ إليه سعَةً وضيقًا - وهو قاعدةُ قبح العقاب بلابيانٍ -.
وسنأتي بهذا الكلام؛ فانتَظِر!.
بطائفةٍ من المأثورات.
رواية الرَّفع المَرويَة في الخِصال بسندٍ صحيحٍ عن حَريز عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله: «رُفِعَ عن أُمَّتي تسعةٌ: الخطأُ، والنِّسيانُ، وما أُكرِهوا عليه، وما لايعلمونَ، وما لايُطيقونَ، وما اضطُرُّوا إليه، والحسدُ، والطِّيَرةُ، والتَّفكُّرُ في الوسوسةِ في الخلق، ما لم ينطق بشفةٍ»(1).
وتبيينُ كيفيَّة دلالة الحديث يحتاجُ إلى ذكر أمورٍ:
إنَّ رفعَ هذه الأمور عقليٌّ لايختصُّ بالإسلام، ولا بالمُسلمين.
وما قيل: «إنَّ المراد بالاِختصاص هو عدمُ وجوب التَّحفُّظ علينا، بينما كان التَّحفُّظ واجبًا على تابِعي الأمَمِ السَّابقة»؛
وكذلك ما قيل: «إنَّ المراد بالاِختصاص عدمُ وجوب الإحتياط علينا،
ص: 102
ووجوبُه عليهم»؛
وكذلك ما قيل: «إنَّ المراد بالاِختصاص عدمُ وجوب الإعادة والقضاء علينا، ووجوبُهما عليهم»(1)؛
لايُسمَع أصلاً!، لأنَّها كُلَّها رجْمٌ بالغَيب ورمْيٌ به.
فلوقيل بأنَّ مَفادَّ الحديث عقليٌّ لايختصُّ بهذه الأمَّة، ليُعدُّ أجودُ ممَّا قالوا.
كما أنَّه لوقيل بأنَّ السُّنَن المذكورةَ في الأخير من آي البقرة ثابتةٌ عند العقلاء، فهي تأديبيَّةٌ، أحسنُ من تآويلَ ذكَرَها بعضُهم - كالرَّاغب في المُفردات(2) -، وإن كانتْ هي صحيحةٌ أيضًا.
لمَّا كانتْ التِّسعةُ من التَّكوينيَّات غير القابلة للرَّفع، فلابدَّ من تقدير شيءٍ يُمكِنُ أن يُرفَعَ.
فالشَّيخ قدس سره ذهب إلى: «أنَّ المُقدَّر هو المؤاخذة»(3)؛ ويُخصَّص - حينئذٍ - الحديث
ص: 103
بالتَّكليف، دون الوضع، فلايَشمُل إذن الأحكام الوضعيَّة، كالأجزاء والشَّرائط، كما لايشمُل الموضوعات الخارجيَّة.
وحيث إنَّ التَّقدير هذا خلافُ ما يَفهُم العرفُ منه - لأنَّ العُرفَ يرىٰ في الموردِ وأمثالِها رفعَ «جميعِ الآثار»، سيَّما على القول بأنَّ هذه الموارد من الحقيقة الإدِّعائيَّة - فتقديرُ المؤاخذة لاوجه له!؛ بل في روايةِ البَزَنطيِّ عدَّ بطلانَ الحَلفِ إذا أُكرِهَ عليه مستندًا إلى قول النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله: «وُضِع عن أُمَّتي... ما استُكرِهُوا عليه»(1).
نعم! للمحقِّق النَّائينيِّ قدس سره هيهنا كلامٌ في غاية الحُسن والدِّقَّة، وهو: «إنَّ التِّسعة المذكورة وإن كانت من التَّكوينيَّات أوَّلًا، إلَّاأنَّها لمَّا لم تكن موضوعةً لحكمٍ في التَّشريع، فكأنَّها لم تكن بموجودةٍ واقعًا، بل إنَّها كذلك حقيقةً. فللشَّارع الإخبارُ بأنَّ التِّسعة لاتكون في ساحَة التَّشريع»(2).
لا إشكال في شمول الحديث الشَّريف للأجزاء والشَّرائط والموانع، كما يشمل
ص: 104
أصلَ الوجوب. فمن نَسِي الجزءَ فلايجب عليه إتيانُ الكلِّ إعادةً؛ كما أنَّ نِسيان الكلِّ لايوجِبُ إعادَته أو قضائَه، لأنَّه حاكمٌ على الأدلَّة الأوَّليَّة، من غير فرقٍ في مدلوله بينها في أصل الوجوب، أو في أجزائه، أو شرائطه، أو موانعه.
إنَّ الحديث كما يُنسَب إلى الوجود سعةً، يُنسَب إلى العدمِ أيضًا؛ فكما يشملُ المُثبَتات يشمُل المعدومات؛ فمَن اضطُرَّ إلى شُرب الماء النَّجس يُرفَعُ حرمَتُه بالاِضطرار، كما أنَّ من اضطَرَّ إلى ترك الصَّلوة لاحرمة له، لنفس الاِضطرار.
وما قيل: «إنَّ التَّرك ليس بشيءٍ، فلايشمُلُه الحديث»؛
ليس بتامٍّ، لأنَّ التَّرك لوكان مضافًا إلى شيءٍ لايُعَدُّ ليْسًا، بل أيْسًا؛ كما يُرىٰ في كثيرٍ من الأحاديث النَّاصَّة على ثبوت حكم له - كقوله عليه السلام: «مَن تركَ الصَّلوة مُتَعَمِّدًا فقد كفَر»(1) -.
لافرق بين الحديث الشَّريف وقاعدة قُبح العِقاب بلابيانٍ، وإن يُمكِن أن يُقال:
ص: 105
بينَهما فرقٌ لايخلو عن دقَّةٍ وخفاءٍ. فلوقيلَ بأنَّ الحديث إرشادٌ إلى القاعدة - حيث لا إطلاق له، فلايزيد شيئًا عليها -، يُمكن أن يُقبَل.
لكنَّ الأصحاب لم يقبلوا القولَ، فكانوا بصدد التَّفريق بينهما. والمفهومُ من كلماتهم في المقام نُكَتٌ:
إنَّ القاعدة لاتُعارِض أدلَّة الأخباريِّينَ، فلوتمَّتْ أدلَّتُهم فهي حاكمةٌ عليها؛ وأمَّا الحديث فيعارضُها، فلابد من رفع التَّعارض.
قلتُ: إنَّه لوتمَّتْ أدلَّتهم فهو أيضًا حاكمٌ ولايعارضُها أيضًا، لأنَّ قوله عليه السلام:
«أخُوك دينُك فاحتَطْ لدينِك»(1) لوتمَّ الاِستدلال به فيدُلُّ على وجوب الإحتياط فيما لانصَّ فيه، فيَحكُمُ على قوله صلى الله عليه و آله: «رُفِع ما لايَعلمون».
إنَّ مضمون القاعدة هو الدَّفع، فتدلُّ على أنَّ اللَّه - تعالى! - لم يضَعْ على أحدٍ ان يُعاقَب بآثار الخطأ والنِّسيان وما لايعلمون و...، بل هو قبيحٌ عند العُقلاء، وهو - جلَّ وعلا! - أعزُّ شأنًا عن ذلك.
ص: 106
وأمَّا الحديث، فمضمونُه الرَّفع، لا الدَّفع؛ لأنَّه - سبحانه! - رفَعَ عن هذه الأمَّة - منَّةً عليهم - ما لم يرفعْه عن سائر الأُمَم.
وفيه: قد مرَّ الكلام آنفًا في أنَّه - جلَّ وعزَّ! - أجلُّ شانًا وأعظمُ رحمةً على العِباد من أن يضع على نفسٍ واحدةٍ فقط - فضلًا عن أمَّةٍ - المؤاخذةَ للخطأ والنِّسيان، ولو بنحو وجوب التَّحفُّظ.
إنَّ الحديث يجري في موارد لاتجري فيها القاعدةُ، منها جريان الحديث في الشُّبهات الموضوعيَّة، بينما أنَّ القاعدة تختصُّ بالأحكام فقط؛
وأنَّ القاعدة - أيضًا - تجري في مواردَ لايجري فيها الحديثُ، منها: أنَّ المولىٰ لولم يقدر على بيان أحكامه فالقاعدة لاتجري إذًا، ولكنَّ إطلاق الحديث جارٍ؛ فبينهُما عمومٌ من وجهٍ.
وفيه: إنَّه لا إطلاق للحديث أيضًا، بل هو في الإطلاق والتَّقييد تابعٌ لها - لأنَّه إرشادٌ إليها -؛ فلولم تجْرِ القاعدةُ في موردٍ - كما إذا لم يقدر المولىٰ على تبيين مرادِه - فكذلك الحديثُ، بلافرقٍ.
فكذلك أنَّ القاعدة كما تجري في الشُّبهات الحُكميَّة، تشمل الموضوعيَّة أيضًا، وترفع أحكامَها. فالخطأ الخارجيُّ ليس له حكمٌ شرعًا ولاعقلًا، فباعتبار ذلك يرفع الخطأ باعتبار آثاره، بل يرفعه واقعًا - بنفس التَّقريب الَّذي قرَّره المحقِّق النَّائينيُّ قدس سره،
ص: 107
واخترناه تبعًا له -.
فلانرىٰ فرقًا بين الحديث والقاعدة أصلًا؛ بل نقول: لايمكن في الإرشاديَّات إعمالُ تعبُّدٍ أصلًا.
وما اشتهر بينهم من: «أنَّ المولىٰ ينشأ الحكم ويأمُر بإعمال التَّعبُّد مع قطع النَّظر عن حكم العقل»؛
ليس بسديدٍ، بل هو لعْبٌ بالألفاظ!.
قال أبوعبداللَّه عليه السلام: «ما حجَبَ اللَّهُ علمَه عن العبادِ فهو موضوعٌ عنهُم».
والرِّواية صحيحةٌ سندًا، رواها الكُلينيُّ (1) والصَّدوقُ (2) بسندٍ صحيحٍ.
ودلالتُها على المقصود أيضًا تامَّةٌ. ووِزانُها وِزانُ قوله عليه السلام: «رُفِع ما لايعلمونَ»، وأنَّ ما لم يصِلْ إلى العبادِ من الحُكم فهو مرفوعٌ عنهم، سواءٌ لم يُبيَّن في الشَّريعة أصلًا وتُرِك - نظرًا إلى مصلحةٍ -، أو كانَ لكنَّه لم يصِلْ إليهم؛
أي: سواءٌ كان من باب عدم العلم، أو من باب عدم البيان.
بل الظَّاهرُ من لفظة «حَجَب» كونُه محجوبًا حين كونه موجودًا، فعدمُ وصوله إليهم من باب عدم العلم، لا من باب عدم البيان.
الحديث كونُه من باب عدم البيان، فلذلك قد نُسِب الحجابُ إلى اللَّه - تعالى! -»؛
ليس بسديدٍ، لأنَّ اختصاصَه بعدم البيان لأجل اللَّفظة لاوجهَ له.
ولوسُلِّم فدلالتُه على المطلوب أيضًا جيِّدةٌ لاخدشة فيها.
وأمَّا نسبةُ عدم العلم وما خفِي من العباد إلى اللَّه - تعالى! -، فكثيرةٌ جدًّا؛ قال ربُّ العزَّة - تقدَّستْ أسماؤه! -: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ فَمٰا لِهٰؤُلاٰءِ اَلْقَوْمِ لاٰ يَكٰادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً * مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (1).
نعم! أدبُ الحضرةِ يقتضي أن يُنسَب السَّيِّئةُ إلى العبدِ، والحسَنةُ إلى الرَّبِّ، وإلَّا فكلٌّ من عند اللَّه.
هذه الرِّواية مستفيضةٌ بأسانيد صحيحةٍ بألفاظٍ وصورٍ قريبةٍ، عن الباقر عليه السلام والصَّادق عليه السلام.
فمِن صورِها: «كلُّ ما كان فيه حلالٌ وحرامٌ فهو لك حلالٌ حتَّى تعرِفَ الحرامَ بعينه»(2)؛
ومن صورِها: ما رواهُ الشَّيخ قدس سره في الفرائد(3) في البحث عن الشُّبهات الموضوعيَّة مُرسَلًا: «كلُّ شيءٍ لك حلالٌ حتَّى تعلمَ أنَّه حرامٌ»؛ ولم نجد هذه الصُّورة في المجاميع الرِّوائيَّة؛ والظَّاهرُ أنَّ الشَّيخ نسِيَ الأصل فرواها كذلك، ولاضير فيه.
ص: 109
وتلكم الرُّوايات وإن انعقد ظهورُها في الشُّبهات الموضوعيَّة، إلَّاأنَّ تقريبَها بحيث تشمُلُ الشُّبهات الحُكميَّة أيضًا، ليس بمشكلٍ؛ لأنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ كلَّ شيءٍ يُحتَمَل فيه أنَّه حرامٌ - من غير عثورٍ فيه على دليلٍ - فهو حلالٌ، حتَّى يُعلَمَ أنَّه حرامٌ.
ولسْتُ أظنُّ بأحدٍ أن يقول: أنَّ لفظةَ «بعَينه» تمنَعُ عن هذا التَّقريب؛
فإذن دلالةُ هذه الطَّائفة من الرِّوايات على المختار المطلوب أيضًا تامٌّ.
نعم! تختصُّ بالشُّبهات التَّحريميَّة، ولاتشمُل الوجوبيَّة منها، لظهورها فيها. إلَّا أنَّه لاحاجة إليها وإلى إخواتها في الوجوبيَّة أصلًا، لأنَّ ارتكاب الشُّبهات الوجوبيَّة مسلَّمُ الجواز حتَّى عند الأخباريِّين.
لكنَّه مع ذلك كلِّه يُمكن أن يُقال: ترك الشُّبهات الوجوبيَّة محرَّمٌ، فهو مرفوعٌ بهذه الرِّوايات أيضًا.
ثمَّ إنَّ دلالتَها على المطلوب جيِّدةٌ، حتَّى يُمكن أن يُقال: إنَّها تُعارِض روايات الأخباريِّينَ لو تمتْ دلالتُها، لأنَّه لووجبَ الإحتياط في الشُّبهات فلاسَعَة إذًا، بل الضِّيقُ حاكمٌ على معاش النَّاس، من غير فرقٍ بين كون وجوب الإحتياط نفسيًّا أو طريقيًّا.
قال الصَّادق عليه السلام: «كلُّ شيءٍ مطلَقٌ حتَّى يرِدَ فيه نهيٌ»(1).
دلالتُها أيضًا جيِّدةٌ تامَّةٌ، لأنَّ المراد من «المُطلَق» أنَّه لا حكم له فعليًّا منجَّزًا، سواءٌ أُنشِأ له الحكمُ أصلًا، أو لم يُنشأ.
ولقد أجاد الشَّيخ الأعظمُ قدس سره حيث قال: «إنَّ دلالة الرِّواية على البَراءة أولىٰ وأوضحُ من سائر الرِّوايات»(2).
وما قيل: «إنَّ وِزان الرِّواية وزانُ قولِه: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ مَهْداً(3)، فتدلُّ على أنَّ الأشياء على الإباحة، لاعلى الحظْر»؛
فيه: إنَّه لوكان كذلك، فقوله عليه السلام: «حتَّى يردَ فيه نهيٌ» قيدًا، لغوٌ، بل محالٌ أصلًا.
ص: 111
قال الصَّادق عليه السلام: «إنَّ اللَّه احتَجَّ على النَّاس بما اٰتاهم وعرَّفَهم»(1). الرِّواية في كمال الصِّحَّة سندًا ودلالةً؛ إلَّاأنَّه لوقيل بتماميَّة ما استدَلَّ به الأخباريُّون، فهو حاكمٌ عليها.
وسيأتي توضيح ذلك.
قال الصَّادق عليه السلام: «أيُّ رجُلٍ ركِبَ أمرًا بجهالةٍ فلاشيء عليه»(2).
أقول: قد اشتهَرَ بين الأصحاب إنَّ الجاهل المقصِّر كالعامِد، وادَّعىٰ غير واحدٍ الإجماعَ عليه(3)، فلذلك قد خصَّصُوا الرِّواية بالجاهل القاصر، من غير فرقٍ فيه بين:
أن يكون غافلًا؛
أو مبتلىً بالجهل المركَّب - من غير تقصيرٍ في المقدَّمات -؛
أو مَن لايستطيعُ حيلةً ولايقدر على درك الأحكام؛
أو من لايجدُ سبيلًا إليه.
وأمَّا لو كان مقصِّرًا، فهو غير معذورٍ، تكليفًا و وضعًا.
ص: 112
قلت: إنَّ الجاهل المقصِّر غير معذورٍ تكليفًا، فلاإشكال فيه، كما يدلُّ عليه قوله - تعالى! - المارُّ ذكرُه.
ولعلَّ الإجماع مستندٌ إليه، لا إلى الوضع.
وتخصيصُ الرِّواية وأمثالها بالجاهل القاصر لاوجه له، بل ظاهرُها يشملُ الجاهل المقصِّر أيضًا.
كما فعلوه في رواية «لاتُعادُ»، من اختصاصها بالسَّاهي؛ والاِختصاصُ لاوجه له.
وبالجملة، هناك في علم الفقه مواردُ كثيرة تُعارِض بل تنقُضُ قولَهم: «إنَّ الجاهل المُقصِّر كالعامِد»؛ ولذلك فإنَّ المختار كونُ الجاهل المقصِّر معذورًا وضعًا، لاتكليفًا، إلَّاما أخرجه الدَّليلُ.
نعم! إنَّ الرِّواية لاصِلَة لها بالمبحث، لأنَّ البحث فيما إذا لم يكن نصٌّ، بينما أنَّ الجاهل المقصِّر لايُفرَض إلَّافيما يُوجَد فيه نصٌّ قد قصَّرَ في العثور عليه والعمل به.
فالمستَدَلُّ به منه قاعدةُ «قبح العِقاب بلابيانٍ». ودلالة القاعدة للمقام جيِّدةٌ واضحةٌ، بل لاريب في رجوعِ الآيات والرِّوايات المُستَشهَد بها في المَبحث إليها.
وما قيل من: «أنَّ قاعدة وجوبِ دفع الضَّرر المحتَمَل حاكمةٌ عليها»؛
ضعيفٌ جدًّا، لأنَّه بعد دلالة الآيات والرِّوايات على عدم العِقاب فيما لانصَّ فيه، فالضَّرر الُمحتَمَل - وهو العقاب - لايُحتَمَل أصلًا، بل لاموضعَ له قطعًا.
فالقاعدةُ واردةٌ على قاعدة وجوبِ دفع الضَّرر المحتَمَل.
هذا مايرتبِطُ بالمبحث.
ص: 113
وأمَّا الضَّرر الَّذي هو بغير العِقاب، فهل القاعدةُ تجري فيه؟، أم لا؟.
الأقوىٰ عدمُ الجريان، لجريان سيرة العُقلاء على اِرتكاب الضَّرر الدُّنيويِّ طلبًا لمنفعته. نعم!، في مهامِّ الأمور - كالرَّاجع إلى النَّفس والعِرْض والمال - يحتاطون في الجملة، لا بالجملة.
والسَّيِّدُ الأستاذُ المحقِّقُ الدَّاماد قدس سره استشكَل في القاعدة ب: «أنَّها تختصُّ بما إذا قدُرَ على البيان ولم يبيِّنَه؛ وأمَّا لو لم يقدُر على أصل البيان، أو لم يُبيِّن، لمصلحةٍ، او للتقيَّة فلاتجري القاعدةُ؛ فحينئذٍ لابدَّ من الاِحتياط.
وتمثَّل بما إذا كان المولىٰ في مجلسٍ لايقدر فيه على بيان حوائجه ومراداته، واحتمَلَ العبدُ ذلك، فلايجوز له جريانُ القاعدة، بل تعيَّن عليه الإحتياطُ.
وكذلكَ إذا علمَ العبدُ أنَّ المولىٰ كتب إليه كتابًا قد دُسَّ فيه، فلابدَّ له من الإحتياط؛ كما إذا علمَ أنَّه لمكان التَّقيَّة لم يُشِرْ إلى مراده، أو أشار إليه لكنَّه اختفاه.
ففي هذه وأمثالُها يجب الإحتياطُ.
وحيثُ إنَّ الأئمَّة عليهم السلام كانوا في مضيقةٍ أوَّلًا، فلم يقدروا على بيان الأحكام، أو قدروا عليه ولكنَّهم لم يقدروا على بيان الواقع ثانيًا، فيجب علينا الإحتياطُ»(1).
وفيه: إنَّ الكلام كلَّه في أنَّهم عليهم السلام أسَّسُوا تلك القواعد الكلِّيَّة للحالة نفسِه،
ص: 114
فقالوا: «كلُّ شيءٍ مطلَقٌ حتَّى يرِدَ فيه نهيٌ»(1)؛ و: «إنَّ اللَّه احتَجَّ على العباد بما ٰ اتاهُم وعرَّفهم»؛ فأجازوا أن لانحتاطَ، أو أصدروا جوازَ عدم الإحتياط. فلوتركنا واجبًا أو اقتَحَمنا محرَّمًا فجريانُ قاعدة رفع التَّكليف - الجاريةِ في الجمع بين الحُكم الواقعيِّ والظَّاهريِّ - يؤيِّد التَّركَ، أو الإقتحامَ، بلا فرقٍ بينهما.
فكلام سيِّدنا الأستاذ قدس سره يُشبِه أدلَّة الأخباريِّين؛ وسيأتي توضيحُها.
ص: 115
ص: 116
لهم طوائف من الحُجَج استدلُّوا بها(1). والعمدة منها:
وقوله - تعالى! -: فَاتَّقُوا اَللّٰهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ (1).
أقول: ارتكاب الشُّبهة مع الدَّليل علمٌ - بالنِّسبة إلى الآية الأولىٰ -؛
وليس فيه هلاكةٌ - بالنِّسبة إلى الثانيَّة -؛
ولاينافي التَّقوىٰ - بالنِّسبة إلى الأخيرَتَين -.
قوله عليه السلام: «... فإنَّ الوقوف عند الشُّبهات خيرٌ من الإقتحام في الهَلَكات»(2).
وقوله عليه السلام: «أخُوك دينُك فاحتَطْ لدينِك»(3)؛
وقوله عليه السلام: «حلالٌ بيِّنٌ وحرامٌ بيِّنٌ وشُبُهاتٌ بين ذلك، فمَن تركَ الشُّبُهات نجا من المحرَّمات، ومَن أخَذَ بالشُّبهات ارتكب المحرَّمات وهلك من حيث لايعلم»(4).
أقول: قد روىٰ صاحبُ الوسائل قدس سره في الباب الثَّاني عشر من أبواب صفات
ص: 118
القاضي من جامعه الكبير(1) رواياتٍ كثيرةً تقرُب من حدِّ التَّواتر استدَلَّ بها الأخباريُّون، وهي تنقسِمُ إلى هذه الأقسام الثَّلاثة.
لكنَّ الرِّوايات كلُّها لادلالةَ فيها على وجوب الإحتياط في الشُّبهات، لتقدُّم العقل على النقلِ، حيث إنَّ روايات البراءة نصٌّ في جواز الاِرتكاب، وهذه الرِّوايات ظاهرةٌ في عدم الجواز، فقاعدة حمْلِ الظَّاهر على النَّصِّ تحكُمُ بالحكمِ عليها بالكراهة، وحملِها عليها.
فيُستفادُ من الجمع بينهما أنَّ الإحتياط والتَّوقُّف عند الشُّبهات حسَنٌ مندوبٌ، ولكن ليس بواجبٍ، إلَّافي مهامِّ الأمور.
فالرِّوايات ناظرةٌ إلى حُكم العقل؛
وبما أنَّها لامعنىٰ لجريان التَّعبُّد فيها، فالرِّوايات - كما رويناها مستدِلًّا على صحَّة البراءة - إرشاديَّةٌ إلى حكم العقل، والعقلُ يحكم بالبراءة، كما يحكم بحُسنِ الإحتياط؛ إلَّافي مهامِّ الأمور، حيث يحكم بوجوبِه.
هذا أوَّلًا؛
وأمَّا ثانيًا وثالثًا: فإنَّ روايات الإحتياط لاتختصُّ بالشُّبهات التَّحريميَّة، بل تشمُلُ الوجوبيَّةَ منها أيضًا، بينما أنَّ الأخباريَّ لايُوجِب الإحتياط فيها.
فلابدَّ من القول بجواز التَّخصيص فيها؛
لكنَّها آبيةٌ عن التَّخصيص؛
فلابدَّ من حملِها على الاِستحباب والنَّدب.
ص: 119
بأنَّه نعلمُ بوجود تكاليفَ كثيرة، فالإشتغال ثابتٌ، والإشتغال اليقينيُّ يقتضي البراءةَ اليقينيَّةَ؛ فلاسبيل إلَّاإلى الإحتياط.
وفيه: أوَّلًا: إنَّا لانعلم بذلك، وادِّعاءُ العلم به صرفُ الاِدِّعاءٍ!. نعم!، ادِّعاء وجود التَّكاليف في حدِّ الإنشاء له وجهٌ، ولكنَّ التَّكاليف الإنشائيَّة ما لم تُحوَّل إلى مقامِ الفعليَّة ليس في تركِها عقابٌ.
وثانيًا: لوسُلِّم وجود ذلك العلم، فنَنْحلُّه إلى العلم التَّفصيليِّ بالثَّابت منه، والشَّكِّ البَدْويِّ في الزَّائد من الثَّابت؛ لأنَّا نعلم بورود رواياتٍ كثيرةٍ تُبيِّن الأحكامَ، فإذا شكَكْنا في الأزيد نجعَله في عِداد ما لانصَّ فيه، وهو مورد البراءة.
وثالثًا: إنَّ أطرافَ العلم الإجماليِّ هنا من الشُّبهة غير المحصورة، ولايجب الإجتناب فيها إجماعًا.
ورابعًا: إنَّ بعضَ أطراف العلم هذا لايكون مُتَّبعًا، فلايؤثِّر العلم الإجماليُّ إذًا بالنِّسبة إليه.
إنَّ ما في الأرض جميعًا للَّه - تعالى!؛ قال ربُّ العزَّة، تعالى عمَّا يصفون!: لِلّٰهِ مُلْكُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ (1)-، فلابُدَّ في الإرتكاب من العُثُور على دليلٍ، وإلَّا فيجبُ الاِحتياطُ، لأنَّه تصرُّفٌ في مِلْك المولىٰ من غير إذْنه.
ص: 120
أقول: لوسُلِّم ذلك فالمولىٰ - جلَّ وعلا! - أَذِن في التَّصرُّف في آيٍ كثيرةٍ، بل أَذِن في التَّصرُّف في عالَم الوجود بأسره، قال - علَتْ كلمتُه -: أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اَللّٰهَ سَخَّرَ لَكُمْ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً (1).
هذا، مع أنَّ الاِستدلال يرتبِطُ بالتَّكوين، لا بعالَم التَّشريع؛ فهو يلائم قاعدةَ الحظْر الَّتي تقابل قاعدةَ الحَلِّ، وكلتا القاعِدَتَين أجنبيَّتان عمَّا نحن فيه.
إلَّا أن يُقال: إنَّا عِبادُ اللَّه - بل عبيدُه - من غير مُدافَعٍ، فلابدَّ من كون أفعالِنا وأقوالِنا وحركاتِناو سكناتِنا بأمره - تعالى! -؛ ففي ما لانصَّ فيه يجب الإحتياطُ، لكونها كلُّها بأمْره.
وجوابه: إنَّ هذا المُستدِلَّ لحَرِيٌّ به أن يكون بُكمًا وعُمْيًا وصُمًّا لايعقل شيئًا إلَّا إذا أمره اللَّه به!، وهو خلاف ضرورةِ العقل والشَّرع بالضَّرورة.
ينبغي التَّنبيه على أمرين:
ص: 121
لايجري أصلٌ أو أصلان في الموضوع والحكم معًا، وجريانه في الموضوع مقدَّمٌ على جريانه في الحكم. فإذا شُكَّ في إمرأةٍ أنَّها زوجته فيحلُّ له وطئها، أم لا؟، فلاتصل النَّوبة إلى أصالة الحلِّ - الجارية في الحُكم -، بل أصالة عدم الزَّوجيَّة أو استصحابِ الحرمة - الجاريةِ في الموضوع - جاريةٌ، حتَّى يُحرَزَ أنَّها زوجتُه.
ثمَّ إنَّ الأصحاب هيهنا - تبعًا للشَّيخ قدس سره - عنونوا قاعدةَ أصالة عدم التَّزكية(1)، فانجَرَّ بهمُ الكلام إلى قاعدة الاِستصحاب الأزليِّ.
ومذهب المشهور أصالةُ عدم التَّزكية لوشُكَّ في تذكية حَيَوانٍ؛ فحكموا بحرمته.
ولهم تفصيلٌ في الأصل وجريانها في موارد خاصَّة، حتَّى أنَّ منهم مَن استعابَ فروعَ المبحث بحيثُ طال به الدَّرسُ أكثر من شهرٍ!، وقرَّر الأبحاث بما يزيد على عشرين صفحةً!. وتلخيص القول هيهنا: إنَّا لانرىٰ لأصالة عدم التَّذكية أساسًا أصلًا، لأنَّ أصالة العدم الأزليِّ مضافًا إلى كونها من مختَلَقات الدَّارسينَ، يرد عليها: أنَّها ليس لهذا الاِستصحاب اِتِّحاد القضيَّتين -: السَّابقة المُتَيقَّنة، واللَّاحقة المشكوكة -، بل ليس له
ص: 122
قضيَّةٌ متَيَقَّنةٌ أصلًا.
أمَّا عدم الاِتِّحاد، فلأنَّ القضيَّة المُتَيَقَّنة سالبةٌ بانتفاء الموضوع، وبعبارةٍ أُخرىٰ هي مفادُّ كان التَّامَّة؛ بينما أنَّ القضيَّة المشكوكَة سالبةٌ بانتفاء المحمول، أي: مفادُّ كان النَّاقصة.
وأمَّا عدم القضيَّة المتَيَقَّنة، فلأنَّ العدم ليس له وجودٌ ولوكان من العَدَم المضاف، لأنَّ اللَّيسَ ليسَ إلَّااللَّيس، فليس له حظٌّ من الوجود.
والسَّيِّدُ الأستاذُ المحقِّق الدَّاماد قدس سره تبعًا لأستاذه المؤسِّس الحائريِّ قدس سره ذهب إلى جريان الاِستصحاب في الوجود فقط، لا العدم؛ وجعل موضوعَ عدم التَّذكية هو الحَيَوان الحيُّ، لامطلق الحَيَوان. إلَّاأنَّ اتِّحاد الموضوعَين عُرفًا مفقودٌ في هذا الاِستصحاب؛ فذهب إلى حلِّيَّته للاِستصحاب الوجوديِّ، بتقريب: إنَّ الحيَّ من الحَيَوان يجوزُ أكلُه، فبعد موتِه أيضًا يكون كذلك.
إلَّا أنَّه لوسُلِّم لأصل الكلامِ، فتعدُّد الموضوع أيضًا موجودٌ بحسب العُرف، فلايجري الاِستصحاب.
فنقول: بعد عدم جريان الاِستصحاب في الموضوع، تجري أصالةُ الحِلِّ والطَّهارة معًا. فاللُّحوم أو غيرها الَمجلوبَة إلى أسواق المُسلمين من خارج حدودهم، لوشُكَّ في حِلِّيَّتها أو طهارَتها تجري أصالةُ الحِلِّ والطَّهارة، فتحكمانِ بهما.
هذا بحسب المُقرَّر في الأصول.
أمَّا بحسب المُثبَت في الفقه، فلايجوز أكلُها، لا من باب أصالة عدم التَّذكية، بل لِما
ص: 123
هو المُقرَّرُ في الفقه من لزوم إثبات التَّذكية، وهو ظهور قوله - تعالى! -: إِلاّٰ مٰا ذَكَّيْتُمْ (1).
لاإشكال في حُسْن الإحتياط في الشُّبهات التَّحريميَّة، وكذلك في الشُّبهات الوجوبيَّة إذا كانت توصُّليَّةً.
إنَّما الإشكال في حُسْن الإحتياط في الشُّبهات الوجوبيَّة التَّعبُّديَّة؛ والشَّيخ قدس سره استشكل في حسْنه هناك، بل يظهر منه عدم إمكان الإحتياط فيه؛ فجعل نفسه الذَّكيَّة والأصحاب في صعوبةٍ عِلميَّةٍ
ثمَّ إنَّه قدس سره استدلَّ على ذلك ب: «أنَّ قصدَ القُربة يتوقَّف على العلم بالأمر، وحيث إنَّه لا علم بالأمر، فلايمكن قصد القُربة فيه»(2).
وفيه: إنَّ قصدَ القربة لايحتاجُ إلى العِلم بالأمر، بل قصْدُ القربة بمجرَّد اِحتمال الأمر بمكانٍ من الإمكان؛ بل القصدُ بمجرَّد الإحتمال يُقرِّب العبدَ إلى المولىٰ بمراتب.
ص: 124
هذا مع استقلال العقل بأنَّ المُكلَّف كما له أنْ ينبعثَ بالأمر القطعيِّ، له أن ينبعث بمُحتَمَل الأمر أيضًا، وهو عند العقلاء كثيرٌ.
ثمَّ إنَّ الشَّيخ قدس سره ذكر أجوبةً لهذا المُشكل خاضِعًا لبعضها ورادًّا على الأُخَر(1).
فالمقبول عنده: «إنَّ الإحتياط في محتَمَل الأمر لايحتاج إلى نيَّة القُربة، بل إتيانُه مجرَّدًا عن قصد القُربة كافٍ»(2). واستشهَد بسيرة أهل الفتوىٰ بالإفتاء بعمَلِ المُقلِّدين بمحتَمَل الوجوب من غير إرشادِهم إلى أنَّ العمَلَ بداعي محتَمَل الأمر، لامعلوم الأمر؛ فلوكانوا على غير الطَّريقة فالواجب عليهم ذكرُه لمقلِّديهم.
وفيه: أوَّلًا: إنَّه يرجع إلى التَّوصُّليَّات، فهو خارجٌ عن الكلام.
وثانيًا: إنَّ الأصحاب تمَّتْ عندهم قاعدةُ «من بَلَغ»، الدَّالَّة على اِستحباب محتمَل الأمر، فأفتوا - جازمًا في الإفتاء - باستحباب كلِّ محتمَلِ الأمر، من غير احتياجٍ إلى الإتيان به رجاءً.
وأجاب في الكفايةِ عنه ب: «أنَّ نيَّة القُربة من المستقلَّات العقليَّة، فهو الحاكمُ على أنَّ العبادة تحتاجُ إلى نيَّتها، بلافرقٍ بين العبادات الجزميَّة والُمحتمَلة. بل لايمكن
ص: 125
درجُ القُربة فيها، جزءً أو شرطًا، للدَّور المحال»(1)؛
وقد أطالوا الكلامَ في هذا الدَّور؛ وسنُشيرُ إليه.
قلتُ: أصل المطلب في المقام لاريبَ في صحَّته، أمَّا ما تفرَّع عليه فليسَ بسديدٍ، لأنَّه من باب اشتباهِ المفهوم بالمصداق؛ وقد مرَّ الكلامُ في التَّعبُّديِّ والتَّوصُّليِّ.
وأجاب المشهورُ بالمشهور بين المشهور ب «رواياتِ من بَلغ»، الدالَّة على إتيان محتَمَل الوجوب برجاءِ ذلك؛ وهذا هو الَّذي ذهب الشَّيخ قدس سره إلى عدم جوازه.
وفيه: إنَّ الكلام حسَنٌ مقبولٌ لو لم تدلَّ الرِّوايات على الاِستحباب.
وتوضيح ذلك يحتاج إلى اِنعقاد البَحث في «قاعدة مَن بلغ».
ص: 126
قد اشتَهَرَ بين القُدماء وبين كثيرٍ من المُتَأخِّرين(1) - ومنهم صاحب الكفاية قدس سره(2) - استحبابُ محتَمَل الأمر، فهو في عِداد المندوب، ويجوز أن يُؤتىٰ به بهذا العنوان جازمًا فيه.
وهذا هو الأقوىٰ المختارُ.
توضيح ذلك: انَّه قد وردَتْ رواياتٌ دالَّةٌ على التَّرغيب إلى إتيان محتَمَل الأمر، أوردَها المحدِّث الكبيرُ الحرُّ قدس سره في بعض أبواب مقدَّمة العبادات من جامعه الكبير(3).
ص: 127
منها: صحيحة هشامِ بن سالمٍ عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «مَن بلغَه ثوابٌ فعَمِلَه كان له أجرُ ذلك فلولم يقل به رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله»(1).
دلالتُها على النَّدب أوَّلًا، وعلى جواز العمل به جازمًا في ندبيَّته ثانيًا تامَّةٌ لا إشكال فيها.
ولكن في صحيحة محمَّد بن مَروانَ قيَّد العَمَل بقوله: «التماسَ ذلك الثَّواب»(2)، فتدلُّ على وجوب إتيان العَمَل بما أنَّه محتَمَل الأمر، لا جازمًا بكونه مندوبًا؛
فلذلك قد اشتَهَر بين المُتَأخِّرين عدمُ دلالةِ قاعدة مَن بلَغ على نفس الاِستحباب، فلايجوز إتيان العمَل مُعَنوِنًا إيَّاه بالاِستحباب، بل يجب عليه إن أتىٰ به أن يوتيَ به رجاءً فقط - لتقييدِ صحيحة محمَّدِ بن مروانَ صحيحةَ هشامِ بن سالمٍ -.
والأقوىٰ هو عدم التَّقييد، لأنَّ التَّقييد بحسب العُرف يجري فيما إذا كان بينهما التَّخالُف بحسب الاِثبات والنَّفي؛ أمَّا في المُثبَتَين فيجوز اتِّباعُ كلِّ واحدٍ منهما؛
فيجوز الإتيان به رجاءً، كما أنَّه يجوز الإتيان جازمًا فيه بالاِستحباب. هذا أوَّلًا. أمَّا ثانيًا: فلأنَّ القيد لايُقيِّد الماهيَّةَ، بل هو غالبيٌّ، لأنَّ النَّاس يأتون بالأعمال برجاءِ الثَّواب وإن كانوا عالِمين بورود الأمر الجزميِّ له.
وأمَّا ثالثًا: فلأنَّه يظهَرُ من الرِّوايات وجوبُ التَّصرُّف في الهَيئة دون المادَّة عند
ص: 128
التَّعارُض في المندوبات.
فلاتعارُضَ فيها، بل الأوامر المتعدَّدة الواردة فيها من بابِ تعدُّد المطلوب.
إنَّ القاعدة كما تشمُلُ محتمَل الوجوب والنَّدب، تشمل الحرمة والكراهة أيضًا؛ لأنَّها تدلُّ على محتمَل الثَّواب؛ والاِجتناب عن محتَمَل الحرمة والكراهة له ثوابٌ عظيمٌ؛ ففي رواياتٍ كثيرةٍ مرويَّةٍ عن أئمَّة أهل البيت عليهم السلام «أزهد النَّاس من تَرَك الحرام»(1).
بل ما استَدلَّ به الأخباريُّ لوجوب الإحتياط في الشُّبهات التَّحريميَّة، يدلُّ على ذلك بوضوحٍ تامٍّ.
وما قيل: «إنَّ القاعدة وأدلَّتُها لاتشمل المحرَّمات والمكروهات»؛
ليس بسديدٍ، لأنَّ النَّهي بمعنى الكَفِّ، لا صرف أن لايفعل؛
مضافًا إلى إلغاء الخصوصيَّة فيها.
بل تشمُلُ فتاوَى الأصحاب، لاسيَّما القُدماء منهم - الَّذين دارَ فتاواهُم مدارَ الرِّوايات -.
ص: 129
بل تشمُل سيرةَ المُتَشرِّعة أيضًا، لانها محتَمَل الثَّواب.
إنَّ الأصحابَ اختلفوا في «قاعدةِ من بَلَغ» من جهاتٍ أُخَر؛ وهي:
إنَّ القاعدةَ تدلُّ على أنَّ محتمَل الثَّواب من المُستحبَّات، وهذا هو الَّذي مالَ إليه القُدماءُ، بل أفتَوا به. فصرَّحوا بأنَّ التَّسامح في أدلَّة السُّنَن - المثبَت بالَّتي تدلُّ على قاعدة من بلَغ - يدلُّ على كون محتمَل الثَّواب في عِداد المندوب؛ فذهبوا إلى كون كُتُب الأدعية بما فيها من المُستحبَّات.
إلَّا أن يقوم دليلٌ من قِبَل الشَّرع أو العقل على عكسه، فيُخرِج شيئًا عن هذا الكُلِّيِّ.
وفيه: إنَّ قوله عليه السلام: «ولو لم يقل به رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله» يدلُّ على عدم مندوبيَّة العمل بالأصالة، بل لو لم يكن فيه اقتضاءُ الاِستحباب يُعطي اللَّهُ - عَظُمَت منَّتُه! - العاملَ - منَّةً عليه - ذلك الثَّواب.
إنَّ القاعدة لاتدلُّ على أزيدَ من وجوب الإتيان بالعمل رجاءً، لا قاصدًا فيه الاِستحبابَ.
وفيه: قد مرَّ الكلامُ في جواز الإتيان به بما هو مندوبٌ، لا برجاء النَّدب.
ص: 130
إنَّ القاعدة تدُلُّ على جعْلِ الشَّارعِ السَّندَ الضَّعيفَ بدلَ القويِّ منه، بالغاءه - تعبُّدًا - مراعات السَّند في المُستحبَّات.
وفيه: إنَّ الكلام جيِّدٌ لو لم يكن صرف ادَّعاءٍ، إذ هذا الإدِّعاء يحتاج إلى دليلٍ راسخٍ مفقودٍ في المقام.
إنَّ القاعدة تدلُّ على التَّرغيب والتَّحريص في المُستحبَّات، فكأنَّها شبكةٌ لجلب النُّفوس إلى الكمال؛ وهذا ما يُشير إليه في بعض التَّعابير بقولهم: «دانه ريزد كه كبوتر گيرد!».
وبعبارةٍ أُخرىٰ: إنَّ الثَّواب هيهنا من باب التَّفضُّل، لا من باب الاِستحقاق.
وفيه: إنَّه كلامٌ صحيحٌ لابأس به، وعليه ابتنىٰ قانونُ من بَلَغ؛ أمَّا الكلام كلُّه ففي أنَّه إذا أتىٰ بمحتَمَل الأمر أتىٰ به رجاءً؟ أو اِستحبابًا؟.
إنَّ القاعدة تدلُّ على اِستحباب محتَمَل الوجوب، أو الاِستحباب؛ إلَّاأنَّ الاِستحباب حينئذٍ عرَضيٌّ، لا ذاتيٌّ. وفي الشَّرع - كما أنَّه بين العقلاء - هذا القِسم من المندوب في العبادات والمعاملات كثيرٌ جدًّا؛ كزيارة مولانا أبي الأحرار الحُسَين عليه السلام - في العبادات -، والجُعالة - في المعاملات -، فمُتَعَلَّق الأمر هي رَغبةُ النَّاس إلى الزِّيارة؛ والثَّواب المُتَرتَّب عليها تفضُّليٌّ لا اِستحقاقيٌّ.
ص: 131
وفي الجملة: إنَّ قاعدة مَن بلغ قاعدةٌ مباركةٌ وُضِعتْ لرَغبة النَّاس إلى المندوب؛ فمُحتَمَل المُستحبِّ، بل محتمَل الواجب بها يصيرُ مستحبًّا عرَضيًّا، بمعنىٰ أنَّهما يُستحبَّان بشيءٍ آخر - وهو رغبةُ النَّاس إليه -، وله ثوابٌ عظيمٌ لذاك الشَّيء الآخر.
ولعلَّ جميعَ الأقوال يرجعُ إلى قولٍ واحدٍ؛ فتأمَّل!.
قيل: «إنَّ قاعدة مَن بَلَغ تدلُّ على أنَّ من بلَغه شيءٌ من الثَّواب من الطُّرُق المُتعارَف - وهي الأماراتُ والأصول - فعَمِله كان له ذلك الثَّواب؛ ولو لم يكن تلك الأمارة أو الأصل مطابقةً للواقع فالثَّواب إنقياديٌّ.
بل يُمكن أن يقال أرفَعَ من هذا، فيكون ما آتاه مجزٍ عن الواقع - بقاعدة الإجزاء -».
أقول: هذا ليس بسديدٍ جملةً وتفصيلًا؛ لأنَّه:
أوَّلًا: هذا الكلامُ ممَّا لم يفهَمْه قدماءُ الأصحاب والمُتأخِّرون منهم عن نصوص القاعدة، بل أجمَعُوا على أنَّها بصدد جعْل الحُجِّيَّة لُمحتَمل المستحَبِّ، على نحو الاِستحباب، أو على نحو الرَّجاء.
وثانيًا: إنَّ الكلام خلافُ ظاهر النُّصوص، لأنَّ قوله عليه السلام: «ولو لم يقُلْ به رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله» يُفسِّر قوله عليه السلام: «من بَلَغه شيئًا من الثَّواب فعَمِله»،
ص: 132
فيَنصَرِفُه إلى محتَمَل النَّدب، ولايشمل المندوب الَّذي يدلُّ على كونه مندوبًا حجَّةٌ من أمارةٍ أو أصلٍ.
ص: 133
ص: 134
وهو دورانُ الأمر بين الَمحذُورَين. والبحث يقع فيه في ضمنِ أمُورٍ:
المرادُ منه ما إذا كان يُعلَم جنسُ التَّكليف ولايمكن الإحتياط فيه.
فيفرقُ من البراءة بأنَّها لايُعلَم جنسُ التَّكليف مع إمكان الإحتياط فيه؛
ويفرقُ من الاِشتغال بأنَّه يُعلَم جنسُ التَّكليف ويُمكن الإحتياط فيه؛
ص: 135
في المسألة أقوالٌ أزيد من العشرة(1)؛ والأقوىٰ هو التَّخييرُ تكوينًا من غير أن يكون ذاحكمٍ عقلًا أو شرعًا.
أمَّا التَّخيير التَّكوينيُّ فواضحٌ، وهو ممَّا لابدَّ منه.
وأمَّا حُكمُ العقل أو الشَّرع، فلايفيد هيهنا؛ لأنَّه حينئذٍ لغوٌ. نعم! على نحو الإرشاد إلى الواقِعِ وبيانِه لابأس به.
وما قيل: «إنَّ إدراك العقل والشَّرع هو حكمُه»؛
ليس بسديدٍ، لمكان الفَرق الواضحِ بين الحُكم والإدراك.
وبالجملة: إنَّ الحُكم يحتاج إلى الملاك، بينما أنَّ حُكمَ الشَّرع أو العقلِ بالتَّخيير لا ملاك له، لأنَّ التَّخيير حاصلٌ تكوينًا لامحالة.
وقياسُ المقام بباب التَّعارُض قياسٌ مع الفارق، لأنَّ باب التَّعارض في تعيين الوظيفة بأخذ الرِّواية أوَّلًا، ثمَّ الإفتاءِ بها تعبُّدًا ثانيًا؛ ولايجوز أن يفتي بالتَّخيير، إذ لوخالف الواقعَ يرفَعُ التَّكليف، فأين هذا من المقام؟!.
وبذلك يظهرُ عدمُ جريان الأصول في أطرافه، للزوم اللَّغْويَّة. فعلى سبيلِ المثالِ:
إنَّ أصالةَ البراءة أو أصالة الحِلِّيَّة تجريان فيما يترتَّب عليهما فائدةٌ، وفي المقام - مضافًا إلى تعارُضِهما بالآخر - لافائدة عَمليَّة في جريانهما.
ص: 136
وما قيل: «فائدةُ الجريان إذًا عدمُ الاِلتزام بجنس التَّكليف»؛
ليس بسديدٍ، لأنَّه مضافًا إلى عِلمِه بجنس التَّكليف أيضًا، إنَّ هذه الأصول وُضِعتْ لتعيين الوظيفة العَمَليَّة في ظرف الشَّكِّ، أمَّا الاِلتزام وعدم الاِلتزام فليسا من العَمَل في شيءٍ.
هل التَّخييرُ بدويٌّ؟ أو اِستمراريٌّ؟.
المشهورُ على أنَّه بدويٌّ (1)، لأنَّ الاِستمراريَّ يوجب المخالفةَ القطعيَّة.
وفيه: إنَّ الاِستمراريَّ يوجِبُ الموافقة القَطعيَّة أيضًا؛ وترجيحُ أِحد الجانبَيْن على الآخر ليس له وجهٌ.
وما قيل: «إنَّ تنجيزَ التَّكليف ما إذا علِمَ المخالفة القطعيَّة، وحيث إنَّ في التَّخيير الاِستمراريِّ يلزم المخالفة القَطعيَّة، فلاتصل النَّوبة إلى التَّخيير الاِستمراريِّ»؛
فيه: إنَّه صرف ادِّعاءٍ، بل هو نفس الدَّعوى!.
مع أنَّ اِدِّعاء لزوم المخالفة القطعيَّة في الاِستمراريِّ ليس بواقعٍ، لأنَّ في كلِّ واقعةٍ ليس فيها التَّكليف بمُنَجَّزٍ يجوز المخالفةُ.
ص: 137
فالأقوىٰ هو التَّخييرُ الاِستمراريُّ، كما قوَّينا ذلك في تعارضِ الرِّوايات - أيضًا -.
إذا كان لأحد التَّكليفَيْن ترجيحٌ، فهَل يجب الأخذُ بما فيه المُرجِّحُ؟.
المشهور على وجوب الأخذ بهِ، وادَّعىٰ المحقِّقُ الخُراسانيُّ قدس سره استقلالَ العقل بالوجوب؛ وقاسَ المقام بقاعِدَتَي اليقين والتَّخيير في غير المقام(1).
وفيه: إنَّ التَّرجيح صرفُ احتمالٍ!، وليس بحجَّةٍ؛ فكيف يمكن ادِّعاء استقلال العقل بذلك؟!.
وقياس المقام بمقامِ دوران الأمر بين التَّعيين والتَّخيير، قياسٌ مع الفارق، لأنَّ التَّكليف هناك منَّجزٌ، بخلاف المقام، حيث إنَّ التَّكليف في كِلَي الطَّرَفَين فيه غيرُ منجَّزٍ.
ص: 138
إنَّ الأعاظمَ لم يُعَنونوا لدوَران الأمر بين التَّعيين والتَّخيير عنوانًا، وهذا غفلةٌ منهم. فعلينا البحثُ عنه مُفصِّلًا ذلك في فصلٍ.
فنقول: إذا عُلِم بالتَّكليف بين المُعيَّن والُمخيَّر - كما إذا عُلِم بوجوب الصَّلوة يومَ الجمعة مُردَّدًا فيها بين الظُّهر والجُمُعة محتمِلًا ترجيح الجمُعة على الظَّهر، وكما إذا عُلِم بوجوب إكرام زيدٍ أو عمروٍ ورجَّح احتمالَ تكريمِ أحدهما على الآخر - فالمشهورُ بين المشهور تنَجُّزُ التَّكليف، لنفس التَّرجيح، لذي التَّرجيح.
واستدلُّوا عليه:
أوَّلًا: باستقلال العقل بذلك.
وثانيًا: بقاعدة الاِشتغال، لأنَّه عالِمٌ بأصل التَّكليف، فالاِشتغال يقتضي البراءةَ
ص: 139
اليقينيَّة - وهو الإتيان بذات التَّرجيح -.
وفيه: إنَّ استقلالَ العقل بذلك صرفُ اِدِّعاءٍ، ضرورةَ أنَّه كيف يمكن استقلالُ العقل بالحكم بوجوب الإتيان بمُحتَمل الوجوب؟!.
وأمَّا الإشتغال فهو من باب دوَران الأمر بين الأقلِّ والأكثر، والأصل إذًا يقتضي البراءَة عن الأكثر؛ فلااشتغالَ إذن.
هذا على ما سلَكَه الأعاظم.
ولكنَّهم غفلوا عن اِتِّفاقهم في مبحث دلالة الأمر على الوجوب على أنَّه إذا دار الأمر بين التَّعيينيَّ والتَّخييريِّ، أو بين النِّفسىِّ والغيريِّ، أو بين العينيَّ والكفائيَّ، فالأصلُ هو التَّعينيُّ والنَّفسيُّ والعينيُّ، لا التَّخييريُّ والغيريُّ والكفائيُّ.
وبعد هذا الاتِّفاق هناك، فالبحث هيهنا سالبةٌ بانتفاء الموضوع؛ لأنَّ البحث هناك كان من باب الأمارات، لا الأصول، حتَّى يُستَدلَّ عليه بالاِشتغال أو البَراءة.
ص: 140
إذا عُلِم بالتَّكليف - من الوجوب، أو الحرمة - ولكن شُكَّ في المُكلَّف به:
1. فتارةً يكون الشَّكُّ بين المتبايِنَين - كما إذا عَلِم بوجوب الصَّلوة عليه يومَ الجمعة، وتردَّدَ بين الجُمُعة والظُّهر، وكما إذا عَلِم بنجاسة أحد الإنائين وتردَّد في أنه أيُّهُما -؛
2. وثالثةً يكون الشَّكُّ بين الأقلِّ والأكثر الاِستقلاليَّين، كما إذا شَكَّ في دَيْنٍ لأحدٍ عليه من أنَّه ألفٌ أو ألفانِ، بعد القطع بثبوت الدَّيْن له على نفسه.
وأخرىٰ يكون الشَّكُّ بين الأقلِّ والأكثر الاِرتباطيَّينِ، وهو ما إذا شُكَّ في أجزاء المأمور به وشرائِطِها - كما إذا شَكَّ في أنَّ الصَّلوة مركَّبةٌ من عشرةِ أجزاءٍ، أو أقلَّ منها -؛
ص: 141
أمَّا المحقِّقُ الخراسانيُّ قدس سره فلم يُدرِج هذا القسم الأخير في الفصل(1)، ولعلَّه لوضوح جريان البَراءة عن الأكثر فيه، أو لإمكان أن يُفهَم أنَّ المقام في الحقيقة من باب العِلم التَّفصيليِّ والشَّكِّ البدْويِّ، فهو حسْب ظاهرِه من باب العلم الإجماليِّ المُردَّد بين الفَردَين الأقلِّ والأكثر، وحسْب حقيقته من باب العلم التَّفصيليِّ بالأقلِّ والشَّكِّ البَدْويِّ بالأكثر.
وأمَّا القسم الأوَّل - وهو الشَّكُّ بين المتبايِنَين - فالمشهور بين الأصحاب هو الإشتغال(2)، للعلم الإجماليِّ بثبوت التَّكليف المقتضي لإتيان الأكثر حتَّى يحصُلَ البَراءة عن التَّكليف المُنجَّز في البَين؛ لأنَّ العِلم الإجماليِّ كالتَّفصيليِّ منه في ثبوت التَّكليف وسقوطه، عقلًا وشرعًا - بدلالة النُّصوص - وعُرفًا.
وفيه: إنَّه لوعُلِم بالتَّكليف الفعليِّ فالعقل والشَّرع يحكمان بالإشتغال والاِجتناب عن المعلوم بالإجمال؛ وأمَّا لو لم يُعلَم بذلك بأنْ اُحتُمِل أنَّ المولىٰ - شارعًا كان أو عرفيًّا - رفَعَ
ص: 142
التَّكليف - بواسطةِ ثبوت الإجمال - فليس العلمُ الإجماليُّ بالتَّكليف - حينئذٍ - ثابتًا.
وحيث إنَّ الأطراف كلَّها من حيث هي هي مشكوكةٌ، فالأصلُ يجري في جميعها من غير تعارضٍ.
فكما أنَّ المجهولَ المُردَّد فيه لو لم يكن من أطراف العِلم الإجماليِّ لجرىٰ فيه الأصلُ، فيرفع المولىٰ يدَه عن التَّكليف لوكان فيه؛
فكذلك أطرافُ العلم الإجماليِّ، من غير فرقٍ بينهما. فهو بعد الإرتكاب وإن عُلِم بارتكاب الخمر، لكنَّه لم يُعلَم بارتكاب الحرام وثبوته عليه.
هذا إذا ارتَكَب جميعَ الأطراف.
وأمَّا لوارتَكَب بعضَ الأطراف فقط، فلايُعلَم بارتكابه الخمرَ، فضلًا عن ارتكاب الحرام.
وفيه: إنَّه يلزم ذلك لوقلنا بأنَّ الذِّيلان - أي: «حتَّى تعلَم أنَّه قذِرٌ»، و: «حتَّى تعلَم أنَّه حرامٌ» - يشمُلُ العِلْمَين التَّفصيليَّ والإجماليَّ معًا؛ وأمَّا لوقُلتَ أنَّهما يختَصَّان بالعلم التَّفصيليِّ فقط، فإذن المخالَفَة الاِحتماليَّة - بما أنَّها ليسَتْ كالمخالفة القَطعيَّة - لايشمُلُها الذِّيلان، بل يشمُلُها الصَّدران فقط - لأنَّها مشكوكُ المخالفة ومُحتَمَلَتُها -، فلاتناقضَ.
وثانيًا: بأنَّه إذْنٌ في ارتكاب الحرام بحسب العُرف، والعُرفُ يستوحِشُ عنه وعن أمثاله.
وفيه: إنَّ العُرف لوأدركَ رفْعَ الشَّارعِ يدَه عن تكليفٍ لوصادف الفعلُ الواقعَ، فيُدرِك أنَّه ليس في البين تكليفٌ منجَّزٌ.
فليس إذَن إذْنٌ في الحرام، بل إذْنٌ في ارتكاب الأطراف؛ بل الإذْن في الأطراف ليس من دأبِ الشَّرع.
وثالثًا: بورود رواياتٍ كثيرةٍ في وجوب الاِجتناب عن أطراف العلم الإجماليِّ، كقوله عليه السلام: «يُهَريقُهُما ويُتُيَمَّم»(1) في مَن له ماءان يعلم بنجاسةِ أحدهما.
ص: 144
وفيه: إنَّ مَعْقد البحث أصوليٌّ، لافقهيٌّ؛ ودلالة القاعدة على جواز جريان الأصل في أطراف العِلم الإجماليِّ بحسب الأصول، وأمَّا بحسب الفقه فإنْ عُلِم من الرِّوايات وجودُ التَّكليف المُنجَّز في الأطراف مطلقًا، فلاسبيل للفقيه إلَّاإلى رفع اليَد عن القاعدة؛
وأمَّا لو لم يُعلَم بذلك، فنُخصِّصُها بالوارد فيه الرِّوايات.
فالقاعدة في أمثالِ الاِضطرار والشُّبهة غير المحصورة الكثيرةِ ثابتةٌ بحاله.
ورابعًا: بالإجماعات.
وفيه: ما أشرنا إليه آنفًا من كونها مختصَّةً بالفقه خارجةً عن أصوله.
ينبغي هيهنا التَّنبيهُ على أمورٍ هامَّةٍ.
هل الاِضطرار إلى بعض الأطراف يوجِبُ جوازَ ارتكاب بعض الآخر - بناءً على أنَّ العلمَ الإجماليَّ كالعلم التَّفصيليِّ في تنجُّزِ التَّكليف -؟.
ص: 145
فيه خلافٌ عظيمٌ، حتَّى عدَّ بعضُهم الأقوال في المسألة حتَّى بلغتْ عشرًا!!.
والأقوىٰ هو:
الجوازُ مطلقًا إذا كان الاِضطرار قبل عروضِ العلمِ الإجماليِّ؛
وعدمُ الجواز مطلقًا إذا كان الاِضطرار بعد عروضِه، إذ الاِضطرار بعد العلم كالفقد بلاتفاوتٍ - سواءٌ كان اختياريًّا، أو قهريًّا -؛ فكما أنَّ العلمَ الإجماليَّ يُنَجِّزُ التَّكليف في صورة الفقد، يُنجِّزُه في الاِضطرار أيضًا.
وأمَّا لوكان الاِضطرارُ قبل وجود العلم الإجماليِّ، فبالاِضطرار يجوز له ارتكابُ المُضطَرِّ إليه؛
وبعد العلم الإجماليِّ ليس له إلَّاطرفٌ واحدٌ، فهو أيضًا كالفقد، فيجوز جريان الأصل في الطَّرف الآخر.
وإن شئتَ قلتَ: ليس للعلم الإجماليِّ طرفٌ، إذ لاتكليفَ في الطَّرف، لمكان الاِضطرار.
لاأقول: إنَّ الاِضطرار من قيودِ التَّكليف - كما صرَّح به في الكفاية(1) -، لأنَّ الاِضطرار في مرتبة تنجُّز التَّكليف، ولايعقل أن يكون في مرتبة إنشائه؛ بل أقول: إنَّ الاِضطرار كالفقد، وبعد عروض الاِضطرار إذا وُجِد العلمُ الإجماليُّ فله طرفٌ واحدٌ، لا طرفين أو أطرافٍ، فيجوز جريان الأصل في ذلك الطَّرف، لأنَّه بمنزلة الشُّبهة البَدْويَّة، بل هي هي نفسه.
ص: 146
وبما ذكرنا يظهَر عدمُ تماميَّة قول الشَّيخ قدس سره(1) - الَّذي تابَعَه فيه جمعٌ كثيرٌ من الأعاظم، منهم السَّيِّدُ الأستاذ الخمينيُّ قدس سره(2)، وغيرُه -، وهو: «أنَّه لوكان قبل العلم الإجماليِّ مضطرًّا إلى مُعيَّنٍ، فبعد عروض العلم لايجب الاِجتناب عن الطَّرف الآخر، لأنَّه اضطَرَّ إلى ذلك المعيَّن ولوكان حرامًا، فبالاِضطرار خرج عن كونه طرفًا للشُّبهة؛ فبعد عروض العِلم الإجماليِّ ليس له طرفٌ إلَّاالآخر، فهو من الشُّبهة البَدْويَّة.
وأمَّا لوكان الاِضطرار إلى أحدهما لا على التَّعيين، فهو لايضطَرُّ إلى اِرتكاب الحرام، لارتكابه واحدًا منهما فقط؛ فلذا لوعَلِم بالحرام يجتنب عنه ولايكون مضطرًّا إليه، فارتكاب الحرام لجهالته، لا لاضطراره.
ولايمكن تقييدُ الأحكام بالجهل، بخلاف الاضطرار الَّذي تُقَيِّد الأحكام».
وفيه: أوَّلًا: بعد اختيارِ أحدهما يصير هو المُضطرُّ إليه، فيرجع لامحالة إلى التَّعيين والمُعيَّن.
وثانيًا: أنَّه حين الاِضطرار والإرتكاب لم يكن العلم الإجماليُّ موجودًا، بينما أنَّ جواز الإرتكاب - مُعَيَّنًا كان أو لا على التَّعيين - مستندٌ إلى الاِضطرار،
وبعد حصول العلم الإجماليِّ ليس له طرفٌ، إذ الطَّرف الآخر من الشُّبهة البَدْويَّة.
وثالثًا: إنَّ الاِضطرار والجَهالة سيَّان في عدم جواز تقييد الأحكام بهما، لأنَّهما من العناوين الثَّانويَّة، ولامعنىٰ لتقييد الأحكام الأوَّليَّة بهما.
ص: 147
ثمَّ إنَّ السَّيِّدَ المحقِّق الدَّاماد قدس سره فصَّل بين الاِضطرار العقليِّ، والعُرفيِّ، والعاديِّ.
ففي الأوَّل أوجب الإحتياط عن الطَّرف الآخر، سواءٌ حصل الاِضطرار قبل العِلم الإجماليِّ، أو بعده - كما إذا اضطَرَّ إلى أحد الإنائَين بحيث إنَّه لولم يَشربْه هلك -.
وأمَّا إذا كان الاِضطرار عاديًّا، فلايجب الاحتياط عن الطَّرف الآخر، سواءٌ حصل العلمُ الإجماليُّ قبل الاِضطرار، أو بعده - كما إذا اضطرَّ إلى أحد اللِّباسين للصَّلوة -. مُعَلِّلًا بأنَّ الاِضطرار العقليَّ ليس من قيود التَّكليف، فبعد العلم الإجماليِّ يتنجَّزُ التَّكليف، فيجب الإحتياط عن الطَّرف الآخر؛
بخلاف الاِضطرار العُرفيِّ، لأنَّه من قيود التَّكليف، فبعد الاِضطرار لاتكليف حتَّى يجب رعايتُه.
وفيه: أوَّلًا: إنَّه لوفُرِض كونُ الاِضطرار من قيود التَّكليف، فلافرق بين العقليِّ منه، وبين الشَّرعيِّ؛ لأنَّ الاِضطرار قيدٌ لُبِّيٌّ. فكما أنَّ التَّكاليف تُقَيَّد بالشَّرعيات، تُقيَّد بالعقليَّات أيضًا، ويُقال لها: القيود اللُّبِّيَّة.
وتنقسم إلى المُتَّصل والمنفصل - كما قُرِّر في محلِّه -، هذا.
وثانيًا: إنَّ الاِضطرار ونحوه - بل القيودات العَقليَّة كلَّها - يرتبطُ بمرتبة تنجيز التَّلكيف، والتَّكاليف مطلَقةٌ في مقام الإنشاء، ولامعنىٰ لتقييد مقام الإنشاء بما هو في مقام التَّنجيز، لأنَّه مؤخَّرٌ عنه بمراتب.
هذا، مع أنَّ الاِضطرار - كما مرَّ الكلام فيه آنفًا - من العناوين الثَّانويَّة، وهي مؤخَّرةٌ رتبةً عن العناوين الأوَّليَّة، فلايُعقل تقييد الأحكام الأوَّليَّة بها.
ص: 148
قد اشتهر أنَّ العلم الإجماليِّ لايُنجِّز التَّكليف فيما إذا كان بعضُ أطرافه غير مبتلىً به عادةً - كما إذا علم أنَّ لباسَه أو لباس من لايعاشره عادةً نجس -؛ لأنَّ النَّهي عن غير المبتلىٰ به لايفيد، بل إنَّه لغوٌ! - لكون غير المبتلىٰ به متروكٌ عادةً، فلاحاجة إلى النَّهي عنه -، هذا أوَّلًا.
ولأنَّ النَّهي لإيجاد الدَّاعي، وما يكون غير مبتلىً به عادةً لا داعي إلى ارتكابه حتَّى يَحتاج إلى النَّهي عنه، ثانيًا.
والدَّليلان في غاية القوَّة بحسب الموارد الجزئيَّة، كما هي مورد البحث؛ وأمَّا في الكلِّيَّة منها فهما غير جاريَين، لأنَّ النَّهي والأمر في الموارد الكلِّيَّة ليس بناظرٍ إلى الدَّاعي، وإلى استهجان الخطاب،
وإلَّا فلابدَّ من اختصاص التَّكاليف بالمؤمنين فقط؛
بل الخطابات صدرَتْ كلِّيَّةً من غير نظرٍ فيها إلى الدَّاعي.
ولا استهجانَ في الخطاب هيهنا، إذ من المعلوم وجودُ الدَّاعي لبعض النَّاس، وعمَلُهُم به؛ وهو يكفي لإيجاد الدَّاعي إلى الخطاب للمكلِّف - بالكسر -، لا للمكلَّف - بالفتح -.
وبالجملة: إنَّ العلمَ الإجماليَّ إذا كان له طرفٌ غير مبتلىً به، فليس للطَّرف
ص: 149
المبتلىٰ به طرفٌ آخر، فيصير إذن موردَ العلم من الشُّبهة البَدْويَّة؛
فلاإشكال في جريان الأصل فيه.
هذا - كلُّه - إذا كان أحدُ الطَّرفين أو الأطراف غير مبتلىً به، ثمَّ عُلِم إجمالًا بالنَّهي عن أحدِهما.
وأمَّا لوعُلِم إجمالًا بنجاسة أحدهما ثمَّ صار غير مبتلىً به، فلابدَّ من الاِجتناب عن المُبتلىٰ به، لأنَّ العلم الإجماليَّ تُنَجِّزُ التَّكليفَ في البين، فغير المبتلىٰ به كالمفقود؛ فكما يجب الاِجتناب عن غير المفقود، فكذلك يجب الاِجتناب عن المبتلىٰ به.
إذا شُكَّ في شيءٍ أنَّه غير مبتلىً به؟ أو لا؟، فهل يجب الاِجتناب عنه؟ أم لا؟.
فيه خلافٌ. فالشَّيخ قدس سره نصَّ علىٰ وجوب الاِجتناب عن المُبتلىٰ به(1)، للإطلاقات - نظير قوله: «اِجتَنب عن النَّجِس في البين»(2) -، وتابَعَه المشهورُ. وقرَّر رأيَه تلميذُه المحقِّقُ الهمدانيُّ قدس سره في حاشيته على الفرائد ب: «أنَّ المُنفصل لمَّا كان لُبِّيًّا ومنفصلًا، لايمكن أن تُخصَّص به الإطلاقاتُ، فهي محكمَةٌ»(3).
ص: 150
وفيه: أوَّلًا: إنَّ الإطلاقات في مقام التَّشريع فقط، وليس في مقام بيان الخصوصيَّات حتَّى يُؤخَذ بإطلاقها.
وثانيًا: إنَّ الَّتمسُّك بالعامِّ هيهنا هو الَّتمسُّك بالعامِّ في الشُّبهة المصداقيَّة، والَّتمسُّك بالعامِّ في الشُّبهة نفس العامِّ عند الشَّكِّ في أصالة الجِدِّ.
وثالثًا: لمَّا كان شمول العامِّ للمقام مشكوكًا، فالَّتمسُّك به كالَّتمسُّك بالعامِّ في الشُّبهة المصداقيَّة - الَّذي هو نفس العامِّ -، وهو ضروريُّ البطلان.
ورابعًا: لوسُلِّم بجواز الَّتمسُّك بالإطلاقات فهي في مقام فعليَّة الحُكم، بينما أنَّ عدم وجوب الاِجتناب عن المُبتلىٰ به حكمٌ عقليٌّ في مقام تنجُّزِه، وهما ليسا في رتبةٍ واحدةٍ.
ولمَّا كان البحث في الإبتلاء وعدمه عقليًّا، فهو مقدَّمٌ على الإطلاقات؛ والعقل يحكم بأنَّ غير المبتلىٰ به ولوكان مشكوكًا لايكون فيه التَّكليف المنَجَّز، فالعقل يحكم بالبراءة في المبتلىٰ به، لكونه من الشُّبهات البَدْويَّة الَّتي لا طرفَ لها أصلًا.
قد اشتهَرَ بين الأصحاب لبيان الفردِ غير المبتلىٰ به التمثيلُ بكأسٍ فاخرٍ مختصٍّ بسلطان الهند موجودٍ عنده حاليًّا(1)، ثمَّ بيَّنوا أنَّ المشكوك هو كأسُ الرَّجل المبتلىٰ به،
ص: 151
لا كأس السُّلطان.
ولكن الشُّهرة في الَّتمثيل فاسدةٌ جدًّا، حيث تصير البحثُ به سالبةً بانتفاء الموضوع!.
والمثال العُرفيُّ له كثيرٌ جدًّا، كمَن شَكَّ في ترشُّح ماءٍ مُتنجِّسٍ إلى لباسه أو لباس من يليه، وليس بينهما مجالسةٌ عرفًا، فالعُرف يحكم بأنَّ لباس كلِّ واحدٍ منهما غير مبتلىً به بالنِّسبة إلى الآخَر.
وليس المناطُ في غير المبتلىٰ به هو كونه غير مبتلىً به عقلًا، حتَّى نحتاجَ إلى الَّتمثيل بكأس السُّلطان البعيدِ عن الذِّهن، ونحوِه.
قد أجمَع الأصحابُ على أنَّه لوكانت الشُّبهة غير محصورةٍ، لم يجب الاِجتناب عن الباقي(1)؛ بل اُدُّعي كونُه ضروريَّةً؛
أَضِفْ إلى ذلك ادِّعائهم ثبوتَ السِّيرة القطعيَّة عليه، مع عدم الرَّدع عنه، بل امضاؤها من قِبَل الشَّارع في جملةٍ من الرِّوايات، كقوله عليه السلام في ما رواه الشَّيخ الُمحدِّث الحُرُّ قدس سره: «أ مِن أجلِ مكانٍ واحدٍ يُجعَل فيه الميتةُ حُرِّم في جميع الأرضين؟!»(2).
ص: 152
بل يُفهَم من هذه الرِّواية وغيرها انعقادُ سيرتِهم على عدمِ الاِجتناب ولو على نحو الاِستحباب؛
فلذلك قال الشَّيخ قدس سره: «يكفي في عدم لزوم الاِجتناب هذه الضَّرورة، وهذه السِّيرة الممضاة، ولانحتاج إلى دليلٍ آخر»(1).
نعم! يمكن الَّتمسُّك بدليلٍ آخر، وهو حسنٌ أيضًا؛ وهو: إنَّه لوكانت الشُّبهة غير محصورةٍ فالاِجتناب عن المُبتلىٰ به غير متعارَفٍ عند العقلاء، بل يُعدُّ من الوسواس.
وهذا هو الَّذي يُعَيِّن الموضوع أيضًا، فموضوع الشُّبهة غير المحصورة بلوغُ الأطراف كثرةً إلى حدٍّ لايُحتَمَل عرفًا أنَّ الحرام هو نفس الَّذي أراد أن يرتكبه.
وهذا هو الَّذي اشتَهَر بين الأصحاب.
وأمَّا الاِستدلال لعدم وجوب الاِجتناب ب: «أنَّه لولزم الاِجتناب ليَلزَمُ الحَرج النَّوعيُّ، أو الضَّرر النَّوعيُّ؛
أو: أنَّ الشُّبهة غير المحصورة من مصاديق كون الشُّبهة غير مبتلىً بها عرفًا، لكثرة أطرافها؛
أو: أنَّها من مصاديق الاِضطرار - الَّذي مضىٰ البحث عنه -»؛
فهو وإن كان سليًما إلَّاأنَّه يُخرِجُ المبحثَ عن استقلالِه، حيث يُحوِجُه إلى الَّتمسُّك بما هو مذكورٌ في غيره.
ص: 153
هل يجوز ارتكاب جميعُ الأطراف؟
فعن الشَّيخ قدس سره ومتابِعيه: أنَّه لوأراد اِرتكاب الحرام ولولم يرتكب الجميعَ، فهو من مصاديق التَّجرِّي، وهو حرامٌ؛ مضافًا إلى كونه ارتكَبَ الحرام عرفًا.
وأمَّا لو لم يرد المعصيَةَ فهو وإن لم يكن من مصاديق المُتَجرِّي، إلَّاأنَّه يَصدُق عليه عرفًا أنَّه ارتكب الحرامَ، فهو في معصيَةٍ مادام هذا حالُه»(1).
وفيه: إنَّه لوعَلِم وجودَ التَّكليف المُنجَّز في البين، فهذا كلُّه صحيحٌ؛
وأمَّا لوقلنا برفْع التَّكليف في الشُّبهة المحصورة وجوازِ جريان الأصل في الأطراف، فلايكون تجرِّيًا، ولايكون إذن مرتكِبًا لحرامٍ.
وهذا هو الأقوىٰ، ودلالة جميع الأدلَّة - من الضَّرورة، والسِّيرة، واحتمال الحُرمة في جميع الأطراف عُرفًا - مفقودةٌ في المقام؛
وصحيحةُ جابرٍ ظاهرةٌ في ذلك، فتدُلُّ على جواز ارتكابِ البعض، أو الجميع؛
فليس في البين حرمةٌ مُنجَّزةٌ حتَّى يُوصَف بكونه مُتَجرِّيًا، ولايكون في الواقع حرامٌ حتَّى يكونَ الإذْنُ به إذْنًا في اِرتكاب المعصيَة.
ص: 154
هل الشَّكُّ في كونِ الشُّبهة غير محصورةٍ أو محصورةً، يوجِب الاِحتياطُ فيها؟.
قد مرَّ الكلامُ فيه في البحث عن الشَّكِّ في أصل الاِبتلاء وعدمِه، فعن الشَّيخ قدس سره هو وجوب الإحتياط(1)، لإطلاق مثل: «إجتَنِب عن النَّجِس في البَين»(2).
والأقوىٰ عندي هو عدم وجوبِ الإحتياط،
لعدم وجود الإطلاق أوَّلًا؛
وعلى فرض وجود الإطلاق فالمشكوكُ من مصاديقه، والَّتمسُّك به لوجوب الإحتياط تمسُّكٌ بالإطلاق في الشُّبهة في نفس الإطلاق، وهو ضروريُّ الفَساد.
قد اشتهرَ بين الأصحاب عدمُ وجوب الإجتناب عن ملاقِي الشُّبهة المحصورة؛ فإذا عُلِم بنجاسةِ أحد اللِّباسيْن فالإجتنابُ عن كِلَيْهما لازمٌ، وأمَّا لو لاقىٰ أحدَهما
ص: 155
شيءٌ آخر فلايجب الإجتناب عنه(1).
والسِّرُّ في ذلك أنَّ الأدلَّة - كقول القائل: «إجتَنبْ عن النَّجس في البَين»، وكقاعدة: «العلمُ الإجماليُّ كالعلم التَّفصيليِّ في إثبات التَّكليف وفي إسقاطه» - لايكون إلَّامن أبواب المقدَّمة العِلْميَّة، أو الإشتغال، أو الإجتناب عن الواقع؛ فلايترتَّب على الأطراف أحكام الواقع.
فلذا لوشرب فصادفَ الواقعَ لايُجلَد عليه حدُّ شربِ الخمر، ولو واقع بإحدى امرَأَتين فصادفَ الواقعَ لايُجلَد عليه حدُّ الزِّنا.
فكذلك ملاقِي أحدِ الأطراف، إذ الملاقاة للمشكوكِ، لاللواقع؛ فإذَن أصالة البراءة عن الملاقِي محكمَةٌ ثابتةٌ.
وما يُتراءىٰ من بعضِ الكلمات من قياس المُلاقىٰ - بالفتح - بالنَّجس الواقعيِّ، فهو خطأٌ؛ لأنَّ المُلاقىٰ - بالفتح - لايجب الإجتناب عنه إلَّاللعلمِ الإجماليِّ بالاِشتغال، فالمُلاقِي - بالكسر - ما لاقىٰ إلَّامحتمَل النَّجس، لا النَّجس؛ فهو من باب الشُّبهة البدْويَّة، فلايجب الإجتناب عنه.
هذا، مع أنَّه لوقلنا بلزوم الإجتناب عن المُلاقِي - بالكسر - لقوله: «اجتَنِبْ عن النَّجس في البين»(2)، يلزم الَّتمسُّك بالعامِّ في الشُّبهة المصداقيَّة لنفس العامُّ، وهو
ص: 156
ضروريُّ البطلان.
ثمَّ إنَّ المحقِّق الخراسانيَّ قدس سره قسَّم المقامَ إلى أقسامٍ (1):
ما لوعَلِم المكلَّف إجمالًا بنجاسة أحد اللِّباسين مثلًا - كعبائِه أو قبائِه -، ثمَّ لاقتْ اليدُ العباءَ، فيجب حينئذٍ الإجتناب عن العباءِ والقباء دون اليدِ، لأنَّ نجاسةَ اليد من الشُّبهة البَدْويَّة.
ما لوعَلِم إجمالًا بنجاسة اليد أو العباء، ثمَّ عَلِم بملاقاة اليدِ للعباء، فيجب الإجتنابُ عن اليدِ دون العباءِ - سواءٌ خرَجَ عن محلِّ الاِبتلاء أم لا -؛ لأنَّ اليدَ طرَفُ العلم الإجماليِّ دون العباء.
ما لوعَلِم إجمالًا إمَّا بنجاسةِ العباء واليد، أو بنجاسةِ القباء، فيجبُ الإجتناب عن الثَّلاثة.
وفيه: أوَّلًا: إنَّ العُرف يتحاشىٰ عن القول بالإجتناب عن المُلاقِي - بالكسر - دون المُلاقىٰ - بالفتح -، كما في الفرض الثَّاني.
ص: 157
وثانيًا: في الفُروضِ الثَّلاثة الماضية يرجعُ الأمر إلى أنَّه هل يجب الإجتناب عن المُلاقِي - بالكسر -، أم لا؟.
والأقوىٰ هو العدم، لأنَّه لايكون طرَفًا للعلم الإجماليِّ، فيكون من الشُّبهات البدْويَّة، فحينئذٍ إنَّ أصالَتَي الطَّهارة أو الحلِّيَّة فيه محكمَةٌ ثابتةٌ.
وثالثًا: أنَّه بين المُلاقِي للحرمة الواقعيَّة والمُلاقِي للحُرمة المحتَمَلة فرقٌ جليٌّ، إذ الثَّاني لايجب الاِجتناب عنه إلَّاللعلمِ الإجماليِّ، فلذلك قد يترتَّبُ الأحكام على الأوَّل دون الثَّاني، إجماعًا وعقلًا، بل وشرعًا أيضًا.
بمعنى أنَّ الأقلَّ والأكثرَ لايرتبط أحدُهما بالآخر. كما إذا علِم باستقرار صلوةٍ في ذمَّته، ثمَّ شكَّ في أنَّها خمس ركعاتٍ، أو عشرون؛
أو عَلِم أنَّ في ذمته دَيْنٌ، ثمَّ شكَّ في أنَّه مأة تومانٍ، أو مأتان.
فمقتضى القاعدة اِشتغال الذِّمَّة بالأقلِّ، لأنَّه قطعيٌّ، والبراءةُ عن الأكثر للشَّكِّ فيه.
بل يعلمُ بتدقيق النَّظر في المسألةِ أنَّ العلمَ الإجماليَّ رُكِّب من الأمر اليقينيِّ الَّذي ضُمَّ إليه الشَّكُّ، فالبرائة عن الأكثر لاإشكال فيه.
وهذا سرُّ عدم تعرُّضِ المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره لهذا القسم من الأقلِّ والأكثر.
ص: 158
كما إذا شكَّ المكلَّفُ في الأجزاء والشَّرائط. فعلى سبيل المثال لو عَلِم بوجوب الصَّلوة عليه مردَّدًا في أنَّه هل جِلسةُ الاِستراحة جزءٌ لها؟، أم لا؟؛
فهل يمكن جريانُ البراءة عنه - أي: عن الأكثر - أم لا؟، بل لابدَّ من الإتيان به؟ - لقاعدة الإشتغال -.
والمسألة في غاية الصُّعوبة والإشكال، فلذلك قد يُتراءىٰ عن صاحب الجواهر قدس سره الميلُ إلى البراءة تارةً، وإلى الإشتغال أُخرىٰ؛ وكذلك عن الشَّيخ الأعظم قدس سره وغيرهما.
والحقُّ هو البراءة، شرعًا وعقلًا. ويُستدلُّ لذلك بأمورٍ:
حكمُ العقل بذلك. وتقريبُ ذلك: إنَّ العقل وإن يحكم بالإتيان بالأكثر - نظرًا إلى قاعدة الإشتغال - حتَّى يحصل له البراءةُ اليقينيَّةُ عن التَّكليف المتوجِّه إليه، إلَّا أنَّه لمَّا كان الأمر في المخترعات الشَّرعيَّة بيد الشَّارع - فبيدِه بيانُ الأصل وجزئيَّاتِه
ص: 159
وشرائطه - فإذا بيَّن أصل التَّكليف - كقوله تعالى وتقدَّس!: أَقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ (1)- و جملةً من أجزائه وشرائطه وسكَتَ عن المشكوك، فسكوتُه يدلُّ على عدمِ كونه شرطًا، أو جزءً لماهيَّة التَّكليف؛
ولاأقلَّ من جريان الشَّكِّ فيه. فالبراءة إذن جاريةٌ.
ولعلَّ هذا مراد صاحب الكفاية قدس سره ممَّا ذكره في ضمن كلامه.
وأمَّا التَّفصيل بين البراءة الشَّرعيَّة والعقليَّة - كما ذهبَ إليه في الكفاية - بتقريبِ:
«أنَّ العقلَ يستقلُّ بالإشتغال، والشَّرع يحكم بالبراءة عن الجُزئيَّة»(2)؛
فليس بسديدٍ، كما أقرَّ بذلك في حاشيته على الموضع بقوله: «لامجالَ للبراءة الشَّرعيَّة بعد حكم العقل بالإشتغال، ومورد البراءة الشَّرعيَّة فيما لم يستقلَّ العقلُ بالتَّكليف، وبعد استقلاله بالتَّكليف فلاشكَّ حتَّى تجري البراءةُ الشَّرعيَّةُ»(3).
هذا، مع أنَّه يرِدُ عليه: أنَّ لازم هذا الكلام جريانُ الأصل في أطراف العلم الإجماليِّ وإثبات التَّكليف في طرفٍ آخر، وهو واضح البطلان!.
ص: 160
ما قرَّره الأستاذ المحقِّقُ البروجرديُّ قدس سره إثباتًا للبراءة، وهو دليلٌ حسَنٌ متينٌ (1)؛ وقد فصَّله وشرَحَه السَّيِّدُ الأستاذ الإمام الخُمينيُّ قدس سره في مجلس الدَّرس، وموجزه:
إنَّ الجُزئيَّة والشَّرطيَّة في المقام هما كالمركَّبات المعهودة، فليسَتا من باب المصاديق والكُلَّيَّات. فالعنوان في الجُزئيَّة والكلِّيَّة عين الجزء والشَّرط، نظير العشرة، فالوحدة عين الكثرة والكثرة عين الوحدة. والفرق بين العنوان والمُعَنون كالفرق الإجمال والتَّفصيل فقط. فالشَّكُّ في جزئيَّة جزءٍ أو شرطيَّة شرطٍ يرجع إلى أنَّ العنوان يشمُلُ ذلك الجزءَ أو الشَّرطَ؟، أم لا؟. فرجوع الشَّكِّ إلى شمول العنوان لذلك الجزءِ من أوَّل الأمر(2).
ولقد أجاد السَّيِّدُ الأستاذُ العلَّامة البروجرديُّ قدس سره في مجلس الدَّرس في مقام الَّتمثيل بقوله: «إنَّ الأمر بمنزلة الطَّائر الَّذي يضع جناحَيْه على أطفاله، فالشَّكُّ في وضع جناحِه على طفلٍ أو البراءة عن وجود ذلك الطِّفل، لايضرُّ بأصل الطَّائر وأطفاله الَّتي نعلَمُ أنَّه وضع جناحَيْه عليها».
والإنصافُ أنَّ الاِختصار والتَّفصيل من كِلَي الأستاذَين 0 في غاية الجَودة.
وما قال به السَّيِّدُ الأستاذُ المحقِّق الدَّاماد قدس سره من: «أنَّ الأمر أمرٌ وحدانيٌّ بسيطٌ ليس له جناحٌ»(3) - حتَّى يصحَّ الَّتمثيل -؛
لايُفهَم منه المُرادُ!، لأنَّ ذلك الأمر الواحدانيَّ البسيطَ ليس إلَّاإجمالُ تلك
ص: 161
المركَّبات، وهي تفصيل ذلك الواحد؛ فالشَّكُّ في جزءٍ يساوقُ الشَّكَّ في أنَّ ذلك الأمر الوحدانيَّ يشمُلُ ذلك الجزء؟ أم لا؟؛ والأصل عدمُ شمولِه له.
فالمقام كما إذا لم يأمُر المولىٰ بالعنوان، بل أمرَ مِن أوَّل الأمر بالجزئيَّات مفصِّلًا فيها، كقوله: «كبِّرْ واقرَء فاتحةَ الكتاب واركَعْ واسجُدْ وتشهَّدْ وسلِّمْ»، بدلَ قوله:
«صَلِّ»، من غير تنصيصٍ بقوله: «اجلِسْ جلسةَ الاِستراحة»؛ فكما أنَّ البراءَة عن ذلك الجزءِ المشكوك مسلَّمٌ من غير أن يسري الشَّكُّ إلى تلكَ الأجزاء اليقينيَّة، فكذلك الكلامُ في ما أمَرَ بالعنوان، إذ إنَّه ليس إلَّاإجمالُ تلك المفصَّلات.
ما قرَّره في الكفاية من: «أنَّ الأقلَّ واجبٌ - إمَّا لنفْسه، أو لغيره -، ولكنَّ الأكثر مشكوكٌ، فيُرفَعُ بالبراءة».
ولقد أجادَ المحقِّق الخراسانيُّ حيث تمَّمَ كلامه بقوله: «إنَّ هذا يلزم الخلفَ، لأنَّ الأقلَّ لوكان يتوقَّفُ على وجوب الأكثر - كما فُرِض - فرفعُه بالبراءة خلفٌ»(1).
والحاصل: إنْ قلنا إنَّ الأمر البسيطَ هو متعلَّق التَّكليف، فالذِّمَّة يتعلَّق بذلك العنوان البَسيط، ويسقطُ بإتيان الشَّرائط والأجزاء - كما هو المشهورُ -؛ فلامحالة لابدَّ من القولِ بالإشتغال، وإنَّه يجب الإتيان بالمعلوم والمشكوك فيه حتَّى يستيقِنَ أنَّه أتىٰ بالعنوان وسقط التَّكليف.
إلَّا أن يقال بمقالتنا، وهي: إنَّ بيانَ الأجزاء والشَّرائط بيد الشَّارع، وحيث لم يقُلْ بالمشكوك فالأصلُ - بحسب العقل والشَّرع - هو البراءةُ.
ص: 162
وأمَّا إن قلنا أنَّ الأمر لايتعلَّق إلَّابالأجزاء والشَّرائط، وذلك العنوان عنوانٌ عرَضيٌّ أُخِذ من تلك الأجزاء والشَّرائط،
فيرجع الأقلُّ والأكثرُ الإرتباطيُّ إلى الاِستقلاليِّ، فالمعلوم تفصيلًا هو الَّذي يجب الإتيان به؛ أمَّا المشكوكُ فتجري فيه البراءةُ، إذ ليس إلَّاشكًّا بدْويًّا - كما ذهب إليه السَّيِّدان الأُستاذان المحقِّق البروجرديُّ والإمام الخمينيُّ 0 -.
وهو قويٌّ جدًّا.
وقد استقرَّت سيرةُ العقلاء على ذلك؛
كما أنَّ قاعدة قُبح العقاب بلابيانٍ، جاريةٌ فيه؛
وكما أنَّ ظاهرَ حديث الرَّفع يؤيِّده.
وهيهنا - أيضًا - نُكتٌ هامَّةٌ أخرىٰ نأتي بها في تنبيهاتٍ.
لافرق بين الأجزاء والشَّرائط هيهنا، فالذَّاهب إلى الاِشتغال حيث يقول: «إنَّ الأمر يتعلَّقُ بعنوان الصَّلوة» يوجِبُ إتيانَ المشكوك، حتَّى يُعلَم أنَّه أُتِي بذلك العنوان.
ص: 163
كما أنَّ الذَّاهب إلى البَراءة حيث يقول: «إنَّ الأمرَ لايتعلَّق إلَّابالأجزاء والشَّرائط» فيوجِبُ إتيانَ الأجزاء والشَّرائط المعلومة فقط، وأمَّا المشكوك فيها فهو من الشَّكِّ البدْويِّ، وطريقُه إلى البَراءة بحسب العقل والشَّرع.
لكنَّ المحقِّق الخراسانيَّ فصَّل بين الأجزاء والشَّرائط، فاختارَ البراءةَ في الأجزاء والاِشتغالَ في الشَّرائط؛ بتقريب: «أنَّ الشَّرط عين المشروط - إذ إنَّه من أجزائه التَّحليليَّة -؛
فالمشروط - كالصَّلوة مثلًا - موجودٌ في ضمن وجودِ الشُّروط - إذ الصَّلوة العارية عن الشُّروط تُباين الصَّلوة المعهودةَ بحسب الشَّرع ومِن قِبَلِه -؛ فالشَّرط والمشروط متبايِنان ليسا من باب الأقلِّ والأكثر»(1).
وفيه: أوَّلًا: لوكان كذلك ليَجري الكلامُ في الأجزاء أيضًا، مِن غير فرقٍ بين الأجزاء والشَّرائط؛ لأنَّ الصَّلوة المُتحقِّقَة في ضمن جزءٍ غيرَ الَّتي تحقَّقَتْ بجزءٍ آخر.
وثانيًا: إنَّه لوكان كذلك، فلابدَّ من الإحتياط، لا بإتيان الأكثر، بل بإتيان الصَّلوتين مستقلَّتَين. وثالثًّا: هذا يختصُّ بما يَبحَثُ عن الواقع - كبابَي المنطق والحكمة -، ولاصلَةَ له بما يَبحثُ عن الاِعتباريَّات والمفاهيم.
وإن شئتَ قلتَ: هذا من إشتباه المفهوم بالمصداق، ضرروةَ أنَّ المفاهيم ليس لها
ص: 164
وحدةٌ حقيقيَّةٌ، إذ أصلُ الصَّلوة مفهومٌ مأمورٌ بها - إمَّا حقيقةً، أو عرَضًا -؛
أمَّا شرائطها وأجزاؤها، فمفاهيم متعدِّدة مأمورةٌ بها، بينما أنَّه لاأثر لها فيها من العينيَّة والأجزاء التَّحليليَّة.
إذا شَكَّ في جزئيَّة شيءٍ أو شرطيَّته في حال نسيانه - وبعبارةٍ أُخرىٰ: إذا شَكَّ في ركينيَّة شيءٍ أو عدم ركنيَّته -، فالأصل عقلًا وشرعًا هو البراءة، كما إذا شَكَّ في أصل الجزئيَّة أو الشَّرطيَّة.
فمَن ترك فاتحةَ الكتاب نسيانًا ثمَّ توجَّه إليها، فهو كمَن تركها جهلًا بلاتفاوتٍ، فالبراءةُ عقلًا وشرعًا تقتضي صحَّةَ صلواته.
بل لقائلٍ أن يقول: إنَّ جريان البراءة هيهنا أولىٰ من جريانها هناك، كما أنَّ قاعدَتَي «رفعِ النِّسيان» و «لاتعاد» تدلَّان على صحَّة الصَّلوة هذه.
بل له أن يقول - أيضًا -: إنَّ القاعدتين من الأمارات الفقهيَّة، فهُما مقدَّمتان على البراءة، بالحكومة، بل بالورود.
وبالجملة: إنَّ أصل الكلام واضحٌ لاشبهة فيه؛ إنَّما الكلامُ كلُّه فيما يُتراءىٰ من الشَّيخ قدس سره، لأنَّه ذهبَ أوَّلًا إلى الإشتغال - لقاعدة «إذا انتفَى الجزءُ أو الشَّرط انتفَى الكلُّ» -، ثمَّ لمَّا توجَّه إلى مختارِه قدس سره ولوازمه، أضرب عنه؛
فقال ثانيًا: «لمَّا يستحيلُ الخطابُ إلى النَّاسي - لزوالِ النِّسيان فيه بتوجُّه
ص: 165
خطاب الشَّارع إليه بقوله: «أيُّها النَّاسي! يجب عليك الأقلُّ!، أو: لايجب عليك الأكثر!» -، فيجب عليه ما يجبُ على عامَّة المكلَّفين غير الناسيِّينَ»(1).
وفيه: أوَّلًا: إنَّ النَّاسي إذا ترَك شيئًا فلايجب عليه إعادته - لمكان البراءة -، فهو أتىٰ بالتَّكليف تامًّا، لأنَّ البراءةَ ونحوها بمنزلةِ الإنشاء، فحينئذٍ قاعدةُ «إذا انتفَى الجزءُ انتفَى الكلُّ» تصير سالبةً باِنتفاء الموضوع.
وثانيًا: إنَّ الخطابات صدرتْ على سبيل الكلِّيَّة، لا الجزئيَّة؛ فإذا جُعِل التَّكليف على سبيل القضايا الحقيقيَّة، ثمَّ استُثنِي منه بعضُ الموارد - كالنَّاسي، بقاعدة الرَّفع - فالتَّكليف لايتوجَّه إليه إلَّابالأقلِّ، لا الأكثر؛
فمن ترَك الحمدَ - مثلًا - سهْوًا وصلّىٰ ثمَّ توجَّه إليه يعلَمُ أنَّه أتىٰ بتكليفه تامًّا.
وما قال به الشَّيخ قدس سره خلطٌ بين المفهوم والمصداق.
ولعمري! هذا أوضحُ من ان يخفىٰ على الشَّيخ الأعظم، وعلي الَّذين أجابوا عنه بما لايخلو عن غرابةٍ!؛ كقولِ المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره من: «أنَّ النَّاسي يُخاطَبُ بغير لفظِ النَّاسي، مثلًا يُخاطَب بيا أيُّها المكلَّف!»(2).
ص: 166
مَن زاد في صلواته عمدًا أو سهوًا أو جهلًا، تقصيرًا أو قصورًا أو مركَّبًا، فهل يجب عليه الإعادةُ؟، أم لا؟.
قيل: «إنَّ قاعدةَ «مَن زاد في صلواته فعليه الإعادةُ» تقتضي الإعادة». إلَّاأنَّ هذه القاعدة غير معمولٍ بها بين الأصحاب، للزوم التَّخصيص المستَهْجَن.
فلذلك قيل: «إنَّ المرادَ أنَّه مَن زاد في صلواته عمدًا، فعليه الإعادةُ»؛
أو قيل: «مَن زاد رُكنًا فعليه الإعادةُ»؛
وقيل غير ذلك.
فبعد ذلك ما ذكرَه الشَّيخُ قدس سره من: «أنَّها تُعارِض حديثَ لاتعاد»(1)، ثمَّ تصدّىٰ لرفع التَّعارضِ سالبةٌ بانتفاء الموضوع.
وبالجملة: إنَّ الرِّواية غير كافيةٍ للحُكم، فتصلُ النَّوبة إلى الأصل، والبراءةُ تقتضي الصِّحَّة؛ لأنَّ الشَّكَّ يرجِع إلى المانعيَّة وعدمِها، فالأصلُ عدمُ كونه مانعًا - من غير فرقٍ بين كون الأجزاء أُخِذَت لابشرطٍ، كما هو الحقُّ بالجملة، أو أُخِذتْ بشرط لا -، لأنَّ الشَّكَّ يرجع إلى أنَّ ما أتىٰ به مانعٌ عن الصِّحَّة؟ أم لا؟.
نعم! لو أُخذِت الأجزاء بشرطِ لا، فهو أتىٰ بالزِّيادة، فنقَصَ من صلوته شيءٌ -
ص: 167
وهو اللَّائيَّة المقيَّدة في الأجزاء -.
وعلى كلِّ حالٍ تدلُّ البراءةُ على صحَّة الصَّلوة.
ثمَّ إنَّ الأصحاب تمسَّكوا للصِّحَّة بالاِستصحاب، وقرَّروا ذلك بعدَّة تقريراتٍ (1):
اِستصحابُ عدم المانع.
اِستصحاب الهَيئة الاِتِّصاليَّة.
اِستصحاب التَّامِّيَّة.
وجميعُ التَّقارير جارٍ في المقام، وليس فيه إشكالٌ. فما يُتراءىٰ من القيل والقالِ في النَّقض والإبرام، ليس بسديدٍ!.
مَن تعذَّر عن شيءٍ أو تعذر عليه شيءٌ - جزءً أو شرطًا -، فهل يجب عليه
ص: 168
الباقي؟؛ فيه خلافٌ.
والأقوىٰ أنَّه لايجب الباقي، بقاعدة «إذا انتفىٰ الجزءُ انتفىٰ الكلُّ». فالقاعدةُ تقتضي عدمَ وجوب الباقي، إلَّافي ما أخرجه الدَّليل - كما في الصَّلوة -؛ ولا أقلَّ من الشَّكِّ، فالبراءةُ تقتضي البراءةَ عن الباقي.
وما قيل: «إنَّ البراءة عن الجزئيَّة إذا لم يتمكَّن منها تقتضي وجوب إتيان الباقي»؛
ليس بسديدٍ، لا لما قال في الكفاية: «أنَّها غير جاريةٍ - لكونها امتنانيَّةً -، فلايُثبِت التَّكليفَ»؛(1) لأنَّه قد أشرنا إلى أنَّ كونها امتنانيَّةً لا وجهَ له، بل لعدم جريانها في المقام أصلًا؛ لأنَّه بعد فرضِ كون الجُزء مُتَعَذِّرًا لايقدر المكلَّف على الإتيان به. فجريان الأصلِ - لعدم وجوب الإتيان - فيه لغوٌ.
هذا، مضافًا إلى أنَّه مثبَتٌ؛
وثالثًا: لأنَّ التَّكاليف لاتُقيَّد بالقدرة والَّتمكُّن، بل أنَّهما يرتبطان بحال التَّنجُّز، وهو عقليٌّ لاشرعيٌّ. فالبراءة إذن سالبةٌ بانتفاء الموضوع.
وأمَّا الاِستصحاب، فلامورد له في المقام؛ لأنَّه:
إنْ أريدَ منه اِستصحاب مطلق الوجوب، فمضافًا إلى عدم ثبوت الجعل فيه - إذ
ص: 169
هو أمرٌ إعتباريٌّ اِنتزاعيٌّ فقط - أنَّه لايجري الاستصحاب هيهنا، لأنَّه مختصٌّ بالأحكام الشَّرعيَّة، أو الموضوعات الَّتي يترتَّب عليها الأحكام؛
ومع قطع النَّظر عنه، إنَّ هذا الاِستصحابُ من القسم الثَّالث من الكلِّيِّ كما أفاده صاحب الكفاية قدس سره(1) - وهو غير حجَّةٍ.
وإن أُريد منه الاِستصحابُ الشَّخصيُّ، فليس له القضيَّة المُتَيقَّنة هيهنا، لأنَّه لم يُعلَم الوجوب عليه فعلًا حتَّى يُحكَم بثبوته فيها.
ص: 170
القاعدةُ قاعدةٌ عُقلائيَّة دارجةٌ بينهم، حتَّى أنَّ الشَّيخَ قدس سره ادَّعىٰ جريانها بين أواسطِ العقول(1)، فعدمُ ثبوت ردعٍ من الشَّارع يكفي لقبولها؛ مع ثبوت رواياتٍ مستفيضةٍ دالَّةٍ عليها - كقوله صلى الله عليه و آله: «فإذا أمَرتُكم بشيءٍ فأتُوا منه ما استَطَعتم»(2)، وقوله عليه السلام: «ما لايُدرَك كلُّه لايُترَك كلُّه»(3)، وقوله عليه السلام: «المَيسُور لايُسقَط بالمَعذور»(4) -.
بل بالتَّتبُّع في الفقه يُعثَرُ على مواضعَ كثيرةٍ من موارد جريانها، نصًّا وفتوىً.
ص: 171
أمَّا ما أورد عليها المحقِّقُ الخراسانيُّ قدس سره مِن: «أنَّ الرِّوايات تدلُّ على جريان القاعدة في الأفراد، لا الأجزاء؛ فالمركَّبات خارجةٌ عن مصبِّ الرِّوايات»(1).
فلوسُلِّم له فيكفيك تلك السِّيرة، مع عدم الرَّدع عنه. فالأقوىٰ حجِّيَّة القاعدة في الأجزاء والأفراد معًا، إلَّاما أخرَجَه الدَّليلُ.
ص: 172
هيهنا نُكتٌ ذكرها الأُصوليُّون كشرائطَ لجريان الأصول، نأتي بها.
قد اشتهَرَ بين الأصحاب حسْنُ الإحتياط في مجرى الأصولِ، بل الأمارات(1).
والإحتياط حسَنٌ عقلًا وشرعًا، إلَّاأنْ يوجِب الوسواسَ أو اِختلال النِّظام.
وهذا وإن كان مشهورًا عند الأصحاب هنا في علم الأصول، ولكنَّه ليس من دأبِهم في معائشهم وفتاواهم؛ كما أنَّه ليس دأبُ العقلاءِ الَّتمسُّك به في جميع الأمور. نعم! حكموا بالَّتمسُّك به في أبواب الدِّماء والفُرُوج والأموال؛ ولكنَّ الحكم أيضًا - مع
ص: 173
ثبوتِ رواياتٍ له في بابَي الدِّماء والفُرُوج - ليس معمولًا به في جميع الموارد؛
حتَّى قال بعض الأكابر: «تاركُ الطَّريقين - أي: الاِجتهاد والتَّقليد، الَّذي يعمَل بالإحتياط في جميع أفعاله - عملُه باطلٌ».
وتلخيصُ القول هيهنا: إنَّ القاعدة في الجملة مستحسَنةٌ عقلًا وشرعًا؛ أمَّا بالجملة فلا.
لاإشكال في وجوب الفحص في موارد جريان الأصول، بل الأمارات في الأحكام عقلًا وشرعًا؛ فإجراء أصلٍ أو أمارةٍ لإثبات حكمٍ قبل الفَحْص عن الدَّليل، غير موجَّهٍ عقلًا وشرعًا؛ وهذا من الأمور الواضحة بحسب بناء العُقلاء وعمل الدَّارسينَ في الفقه.
كما أنَّه لاإشكال في عدم وجوب الفحص في جريان الأصل أو الأمارة في الموضوعات. فقاعدة اليد وأصالَتَي الصِّحَّة والسُّوق وما يشبهها، وكذلك البراءة والاِشتغال والتَّخيير والاِستصحاب ونظائرُها جاريةٌ، من غير لزوم الفحص في مواردها؛ بل الفحْص فيها مضافًا إلى لزومه اِختلالَ النِّظام، وهنٌ للمتفحِّص؛ بل العقلاء والشَّارع أطبقوا على كون المُتَفحِّص إذن من أهل الوسواس، لولم يَعدُّوا فعلَه غير متعارَفٍ في أمر المعاش والمعاد.
ص: 174
أمَّا الكلام هيهنا ففي الفرق بينهما، ولعل الفرقُ أنَّ الفحْصَ في الموضوعات يوجِب الحَرَج، بل اِختلال النظام، بخلافه في الأحكام؛
وهذا يكفيكَ دليلًا لحُسنِ الأوَّل وقُبْح الثَّاني.
وحيث إنَّ الأمر من الواضحات، فلانحتاج إلى التَّجشُّم في الفرق بينهما.
لاإشكال في أنَّ ترْك التَّفحُّص في الأحكام قبل جريان الأصل أو الأمارة يُوجِب العقوبة، ولو لم يخالِف الواقعَ، بناءً على حرمة التَّجرِّي - كما هو الُمختار -، كما أنَّ الحُكم لولم يطابِق الواقع ففاسدٌ، ولاوجه لتصحيحه، لاعقلًا ولاشرعًا، لأنَّه لم يأتِ بالمأموربه من دون عذرٍ فيه. فقاعدةُ الإجزاء - لوقلنا بها - لاتجري في المورد، فهو يُعاقَب على ترك المأموربه بحسب العقل والشَّرع، من غير حاجةٍ إلى جريان قاعدة «الإمتناع بالإختيار لاينافي الإختيار»، وإن كانتْ جاريةً هنا أيضًا.
قد اشتهَر بين الأعلام شبهةٌ في المقام، وهو: «إنَّ الفحْصَ والتَّعليم والتَّعلُّم قبل وقت العمل غير واجبٍ - لعدم فعليَّة الواجب إذن -، وبعد وقت العمل لايُمكن، فلايجبُ المأموربه».
ص: 175
وقد تخلَّصُوا عن الإشكال بأجوبةٍ، كالمحكيِّ عن المحقِّق المقدَّس قدس سره: «إنَّ الفَحصَ والتَّعليم والتَّعلُّم واجبٌ نفسيٌّ ولكن لأجل ذي المقدَّمة»(1)؛
وهو كلامٌ متينٌ.
وقال الشَّيخُ قدس سره ومن تبعه: «إنَّ الوجوبَ حاليٌّ والواجب اِستقباليٌّ»(2)؛
وهذا الكلام أيضًا جيِّدٌ، بناءً على إمكان تقييد المادَّة، بينما أن الشَّيخ قدس سره نفسَه قد أقرَّ بأنَّ العُرف يرىٰ في الواجبات كلِّها رجوعَ القيود إلى الهَيْئة، لا إلى المادَّة.
ونحن نقول: «إنَّ ترْكَ المقدَّمة لوأدّىٰ إلى ترك ذي المقدَّمة يُعاقَبُ عليه عقلًا وشرعًا، ولانحتاجُ - أيضًا - إلى جريانِ قاعدة «الإمتناع بالإختيار لايُنافي الإختيار»، وإن جرتْ في مثل المقام أيضًا.
ص: 176
لاإشكال في أنَّ الجاهلَ القاصر معذورٌ، تكليفًا ووضعًا. والمرادُ منه المُستضعَف، ومَن لايجد سبيلًا إلى التَّعلُّم، والغافل من غير تقصيرٍ، والجاهل المركَّبُ - أي: الَّذي يعلَم ما لاواقع له -.
كما أنَّه لاإشكال في عدم معذوريَّة الجاهل المقصِّر تكليفًا.
ويدلُّ على الأمرين قوله - علَتْ كلمتُه! -: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ قٰالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قٰالُوا كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي اَلْأَرْضِ قٰالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا فَأُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً * إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجٰالِ وَ اَلنِّسٰاءِ وَ اَلْوِلْدٰانِ لاٰ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لاٰ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً(1).
إنَّما الإشكالُ في معذوريَّته وضعًا. فقد اشتهَر بين الأصحاب عدم معذوريَّته، بل ادَّعىٰ غير واحدٍ انعقادَ الإجماع عليه، حتَّى اشتَهَر أنَّ الجاهلَ المقصِّر كالعامد(2)، إلَّافي موضعين: الإتمام في موضع القصر، والقصرُ في موضع الإتمام.
ولكن هذا الإجماع منقوضٌ في الفقه بمواردَ عدَّةٍ، بل ليس ديدنُ الفقهاءِ على ذلك؛ وذلك أخذًا من سيرة أهل بيت عليهم السلام من قبول توبة الجاهل المقصِّر في عباداته، وعدم قبولها في حقِّ النَّاس.
هذا مع قوله عليه السلام: «أيُّ رجلٍ ركبَ أمرًا بجهالةٍ فلاشيءَ عليه»(3)، وقوله عليه السلام:
ص: 177
«لاتُعادُ الصَّلوة إلَّامن خمسٍ»(1)؛ أضِفْ إليه دلالة حديثِ الرَّفع على كونه كالنَّاسي؛
فهو معذورٌ، إلَّافي ما أخرَجَه الدَّليل.
ص: 178
وفيه أمورٌ.
وهو:
لغةً أخذُ الشَّيء مصاحبًا؛ ومنه قول الفقهاء: «لايجوزُ اِستصحاب أجزاء ما لايُؤكَل لحمه في الصَّلوة»(1).
ص: 179
واصطلاحًا: إبقاءُ ما كان. وهو أسدُّ التَّعاريف وأخصرُها، وأشهرُها بينهم؛ حتَّى اختاره كثيرٌ منهم(1). منهم الشَّيخ قدس سره في الفرائد(2)، والمحقِّق الخراسانيُّ قدس سره في الكفاية(3). إلَّاأنَّهما جَعَلا فاعلَ «الإبقاء» هو المكلَّف.
وهو غير صحيحٍ، لأنَّه مضافًا إلى كون التَّعريف مختصًّا بحجيَّة الاِستصحاب حينئذ - مع أنَّه في مقام التَّعريف بشيءٍ لابدَّ من رعاية ماهيَّته، أعمَّ من كونه حجَّةً أو غير حجَّةٍ -: إنَّ التَّعريف ليس للاِستصحاب أصلًا، بل هو لحجِّيَّة الاِستصحاب.
وبين الأوَّل والثَّاني ممَّا أوردْنا عليه فرقٌ لطيفٌ!.
فالجدير أن يُجعَل فاعلُ «الإبقاء» هو طبيعيُّ المكلَّف، وإنَّ نفس الإبقاء هل هو صحيحٌ؟ أم لا؟.
وبعد الفراغ عن التَّعريف يُبحَثُ عن حجِّيَّته وعدمِها.
فالاِستصحاب أمرٌ تكوينيٌّ بيد المكلَّف - بالفتح -، لا تشريعيٌّ بيد المكلِّف - بالكسر -.
ص: 180
مسألةُ الاِستصحاب مسألةٌ أصوليَّةٌ، تعريفًا وموضوعًا.
أمَّا التَّعريف المشهورُ لعلم الأصول، فهو: «القواعدُ المُمَهَّدَة لاستنباط الأحكام الشَّرعيَّة»(1)؛ والاِستصحاب من تلك القواعد؛
أمَّا موضوع علم الأصول، فهو: «الحجَّة في الفقه»(2)، وفسَّره المشهورُ ب: «أنَّه الأدلَّة الأربعة» - من الكتاب والسُّنَّة والعقل والإجماع -.
وفسَّره المحقِّق الآخوند قدس سره ب: «أنَّه هو ما يقع في طريق الاِستنباط»(3)؛
فالاستصحاب هو من الحُجَج في الفقه في موارد كثيرةٍ، فلذلك قد أشرنا في محلِّه إلى أنَّ القواعد الفقهيَّة - كقاعِدَتَي الفراغ، واليد، وأصالة الصِّحَّة ونحوها - تُعدُّ من المسائل الأصوليَّة، لا من المسائل الفقهيَّة.
وإن شئتَ قلتَ: إنَّ الفقه يختصُّ بالموارد الجزئيَّة ويبحث عنها - كاثبات شرائط الصَّلوة وأجزائها -، فلذا قد اشتهَرَ في تعريفه: «أنَّه هو العِلمُ بالأحكام على طريقة الاِستنباط»، واشتهر أيضًا إنَّ موضوعَه فعلُ المكلَّفين.
أمَّا قاعدة الاِستصحاب وجميعُ ما يشاكله، فهي من المسائل الأصوليَّة. فما قال
ص: 181
به الشَّيخ قدس سره من: «أنَّ الاِستصحاب مسألةٌ فقهيَّةٌ، لا أصوليَّة»(1)؛
ليس بسديدٍ.
كما أنَّ ما قال به في موضعٍ آخر من: «أنَّ الاِستصحاب في الموضوعات ليس من المسائل الأصوليَّة، دون استصحاب الأحكام، لأنَّ العامِّي لاحظَّ له من استصحاب الأحكام، بخلاف جريان الاِستصحاب في الموضوعات»(2)؛
ليس بسديدٍ أيضًا؛ لأنَّه:
أوَّلًا: إنَّ اختصاصَه بالمستنبِط لايدلُّ على كونه أصوليَّةً، لأنَّ الأحكام الفقهيَّة كلَّها للفقيه ومن شأنه، ولاحظَّ للعامِّيِّ فيه.
وثانيًا: إنَّ الأغلب من المسائل في الأصول عرفيٌّ - كحجيَّة الظَّواهر، والخبر الثِّقة، بل القواعد الفقهيَّة والأصول العمليَّة -، والفقيه بحاجةٍ ماسَّةٍ فيها إلى العُرف؛ بينما أنَّها - كلَّها - أصوليَّةٌ، لافقهيَّةٌ.
ذُكِر في هذا العلم ثلاثةُ قواعد يُشبِه كلُّ واحدٍ الآخرَ؛ وهي:
1. الاِستصحاب؛
2. وقاعدة اليقين؛
ص: 182
3. وقاعدة المُقتضي والمانِع.
والأعلام - سيَّما الشَّيخ قدس سره - اهتمُّوا بمسألة الاِستصحاب وأهمَلُوا قاعدَتَي اليقين والمقتضي والمانع.
ولعلَّ عدم الإهتمام بهما لعدم كونهما حجَّةً، بحيث لاحاجة إلى البحث عنهما أصلًا.
1. والمراد بالاِستصحاب هو القضيَّتان المتَّحدتان إحداهما متيَقَّنةٌ والأخرىٰ مشكوكةٌ. كما إذا أيقن بعدالةِ زيدٍ أو أصل وجوده أوَّلًا، ثمَّ شكَّ فيهما؛ فالمُتَيقَّن هو عدالةُ زيدٍ، أو وجوده؛ والمشكوك أيضًا عدالةُ زيدٍ، أو وجوده. فعدالة زيدٍ شيءٌ واحدٌ اتَّصَف باليقين مرَّةً، وبالشَّكِّ أُخرىٰ؛
وهكذا الكلامُ في اليقين بوجوده والشَّكِّ فيه.
وهذا الاِتِّصاف وإن اُشتُرِط فيه كونُ اليقين أوَّلًا والشَّكُّ ثانيًا، ولكن لايُشترَط في زمان الاِتِّصاف التَّقدُّمُ والتَّأخُّرُ، فربَّما اتَّصف أوَّلًا بالشَّكِّ ثمَّ اتَّصف باليقين ثانيًا.
2. والمرادُ بقاعدة اليقين المشتركة مع الاِستصحاب في كون القضيَّتَين المتَّحدتين متَّصفَتَين باليقين والشَّكِّ، ما إذا كان الشَّكُّ يسري إلى اليَقين، فيزول اليقين به؛ فلذا قيل لها: «قاعدة الشَّكِّ السَّاري» أيضًا(1).
ص: 183
فلذلك لابدَّ فيها من تأخُّر الشَّكِّ عن اليقين.
ولا دليل في البين يدلُّ على حجِّيَّة هذه القاعدة، لا عقلًا ولاشرعًا.
وسيأتي توضيحٌ آخر حولَها في بيان دلالة الرِّوايات على حجِّيَّة الاِستصحاب.
3. والمراد بقاعدة المُقتضي والمانع، أنَّ المقتضِي لشيءٍ لوثبت وجودُه فلانحتاج إلى إثبات عدم المانع، بل المقتضي أثَّرَ أثَرَه فيترتَّب عليه الحكمُ.
ولوشُكَّ في وجود المانع فتشترك مع الاِستصحاب في وجود اليقين والشَّكِّ.
وتفترق عنه في عدم اتِّحاد القضيَّتين المتيَقَّنة والمشكوكة؛ لأنَّ اليقين يتعلَّقُ بالمقتضي والشَّكُّ يتعلَّق بوجود المانع.
كما إذا اشرَقت الشَّمسُ على نجاسةٍ، فالمقتضي للطَّهارة موجودٌ بشرط عدم المانع. فاذا شُكَّ في وجود المانع لانحتاج إلى إثبات عدمه، بل المقتضي أثَّرَ فيها أثَرَه، فيُحكَم بطهارتها.
وفيه: إنَّ قاعدة «العلَّة التَّامَّة مركَّبةٌ من المقتضي وعدم المانع» - الدالَّة على أنَّ وجود المعلول ثابتٌ بشيئين: وجود المقتضي الَّذي هو العلَّة، وفقد المانع - ممَّا حكم به العقلاء؛ فكأنَّهم يرون للعدم المضاف حظًّا من الوجود. فلوشُكَّ في وجود المانع يجرَون استصحابَ عدمه ارتكازًا من غير تأمُّلٍ فيه؛
بل هذا أمرٌ يحكم به الشَّرع - أيضًا -.
فمع قطع النَّظر عن هذا الاِستصحاب لايحكمون بوجود المقتضىٰ - بالفتح -، بل
ص: 184
يرون الحُكمَ محتاجًا إلى اِستصحاب عدم المانع.
ذهب الشَّيخ قدس سره إلى عدم حجِّيَّة الاِستصحاب في الشَّكِّ في المقتضي، واختصَّ حجِّيَّة الاِستصحاب بالشَّكِّ في الرَّافع(1).
وتابَعَه في ذلك تلميذُه المحقِّق الهمدانيُّ قدس سره(2)، والمحقِّق النَّائينيُّ قدس سره(3)، ومَن تابَعَهم(4).
وخالَفَه بعض تلاميده الآخر، كالمحقِّق الخراسانيِّ قدس سره(5).
واختُلِف في تفسير قول الشَّيخ قدس سره اختلافا هائلًا، حتَّى قيل: «إنَّ قولَ الشَّيخ يُوجِب سدَّ حجِّيَّة الاِستصحاب إلَّافي موارد نادرةٍ»؛ وقد أقرَّ على ذلك المحقِّق
ص: 185
النَّائينيُّ قدس سره(1) في ضمن كلامه.
وبعضُهم زادوا في ذلك حتَّى قالوا: «إنَّ الشَّيخ قدس سره لم يلتزم بذلك، فرجع عن قوله فقهًا وأصولًا».
ثمَّ تمثَّلُوا بأمثلةٍ لايلتزم الشَّيخ ومن تابعه بعدم حجِّيَّة الاِستصحاب فيها. إليك موارد منها:
1. إذا شُكَّ بعد اِستتار القُرص في وجود الوقت؛
2. إذا شُكَّ في بقاء دارٍ عاديةٍ بحسب المَبنىٰ؛
3. إذا شُكَّ في الطَّهارة بعد المذيِّ؛
4. إذا شُكَّ في عَقدٍ بعد حدوث ما يُشبِهُ الطَّلاق - كقوله: «أنتِ خليَّةٌ» -؛
5. إذا شُكَّ في وجوب صلوةِ الجُمُعة في زمن الغَيبة؛
6. إذا شُكَّ في وجوب الصَّلوة لفاقد الطَّهورين؛
ففي هذه الموارد لاخلاف في صحَّة جريان استصحاب الوقت، والدَّار، والطَّهارة، والعَقد، والوجوب.
ونظائرُها في الفقه كثيرةٌ تبلغ الألف؛ والتزم الشَّيخُ قدس سره بصحَّة جريانه فيها في الفقه، وإن ذهب إلى عدم الجريان هنا.
وأورَدَ بعضُهم عليه ب: «أنَّ الأمثلة غالبُها من باب الشَّكِّ في السَّبب - كمثال
ص: 186
خروج المذيِّ بعد الطَّهارة -، فالاِستصحاب يرجع إلى عدم رافعيَّة المذيِّ؛
أو إلى الشَّكِّ في الملاك - كمثال استصحاب وجوب صلوة الجُمُعة في زمن الغَيبة -؛
فليستْ الأمثلةُ - أو غالبُها - من باب الشَّكِّ في الرَّافع؛ ولقد أجاد السَّيِّدُ الأستاذ الإمام الخُمينيُّ قدس سره حيث قال: «إنَّ الأمثلة كلَّها إلَّانادرًا منها ترجعُ إلى الشَّكِّ في المُقتضي - بمعنىٰ أنَّها ليسَتْ في الشَّكِّ في الرَّافع -، فهي داخلةٌ في المبحث.
فالشَّيخ قدس سره ملتزِمٌ هيهنا بعدم جريان الاِستصحاب فيها - لعدم كونها من الشَّكِّ في الرَّافع -»(1).
وبالجملة، لايضرُّ المبنىٰ المناقشةُ في المثالِ، بل المهمُّ فيه هو البحث عن الدَّليل لحجِّيَّة الاِستصحاب إذا كان الشَّكُّ في المقتضي، دون الرَّافع.
والأقوىٰ هو الحجِّيَّة، لشمول الدَّليل إيَّاه. لأنَّه:
إن قلنا: إنَّ حجِّيَّة الاستصحاب من باب بناء العقلاء - كما هو الأقوىٰ المختار - لا من باب كونه أمارةً مستقلَّةً - وسيأتي البحثُ فيه -؛
فالعقلاءُ يجرون الاستصحابَ في الشَّكِّ في المقتضي والرَّافع، من غير فرقٍ بينهما عندهم.
وإن قلنا: إنَّ حجِّيَّة الاِستصحاب من باب دلالة الرِّوايات، فالرِّوايات أيضًا
ص: 187
عامَّةٌ تشمُلُ كِلَي الفَرضيْن، بل التَّخصيص فيها مستهجَنٌ لوكان هناك مخصِّصٌ.
واختارَ الشَّيخ قدس سره عدمَ حجيَّة الاِستصحاب في المقتضي في كلامٍ طويلٍ (1)، موجزُه: إنَّ نسبةَ النَّقض إلى اليقين غير جائزٍ، لأنَّ اليقين أمرٌ قهريٌّ وجودًا وعدمًا، فلابدَّ من اِنتساب النَّقض إلى المُتَيقَّن الَّذي يمكن أن يُنقَض شرعًا؛
ولكنَّ المُتيقَّن لابدَّ في نقضه من إعمال تعبُّدٍ، فالنِّسبة إذن مجازيَّةٌ.
فهذه النِّسبة إلى الشَّكِّ في المقتضي جائزٌ، إلَّاأنَّه أبعدُ المجازَيْن، والنِّسبة إلى الرَّافع أقرب؛ وإذا دار الأمرُ بين الأبعد والأقرب فإرادة أقرب المجازات أولىٰ.
وفيه: أنَّه أوَّلًا: عدمُ جواز نسبة النَّقض إلى اليقين غير سديدٍ، إذ اليقينُ كاليمين والعَهْد، والذُّكرُ الحكيم قد نسَبَ النَّقض إليها؛ قال - جلَّ وعلا! -: وَ لاٰ تَنْقُضُوا اَلْأَيْمٰانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهٰا(2).
وثانيًا: نسبةُ النَّقض إلى اليقين أو المُتيَقَّن ليستْ بمجازيَّةٍ، بل النَّقض كما يُنسَب إلى المادِّيَّات، يُنسَب إلى المعنويَّات أيضًا، من غير حاجةٍ إلى التَّجوُّز.
وثالثًا: ليس الشَّكُّ في الرَّافع أقربَ المجازات، بل هو والشَّكُّ في المقتضي سيَّان.
ورابعًا: إنَّ قاعدة «إذا تعذَّرتْ الحقيقةُ فأقربُ المجازات أولىٰ» ليستْ بتامَّةٍ.
فهذا الدَّليل موهونٌ جدًّا، وليس من شأن أعظم الشُّيوخ أن يُنسَبَ إليه مثل هذا
ص: 188
القول الضعيف!.
فبعد ذلك، يتبيَّن: أنَّ الاِستصحاب حجَّةٌ، عقلًا وشرعًا، سواءٌ كان في الشَّكِّ في المقتضي، أو في الرَّافع.
ذهب الشَّيخ قدس سره إلى أنَّ الاِستصحاب لايجري في الأحكام العقليَّة(1)، لأنَّها دائرةٌ مدار الوجود والعدم، وليس فيهما شكٌّ حتَّى يُستَصحَب. مثلًا: إنَّ العقلَ يحْكُم بحرمة الكذب الضَّارِّ، فإذا لم يكُن الكذبُ ضارًّا فليس للعقل فيه حكمٌ حتَّى يُستَصحَب.
وفيه: إنَّ موضوع الاِستصحاب لوأُخِذ من العقل، فمقالُه صحيحٌ؛ وأمَّا لوأُخِذ من العُرف - كما هو الحقُّ - فليس كذلك، إذ حينئذٍ لاحكمَ للعقل بالحرمة فيه - كما ذكره قدس سره -؛ إلَّاأنَّ العُرف يَحكُم بها اِستنادًا إلى الاِستصحاب، لأنَّ الضَّارِّيَّة من حالات الكِذب، لا من مقوِّماته.
كما أنَّه لوشُكَّ في وجوب صلوةِ الجمعة زمنَ الغيبة، فالعقل لايحكم بوجوبها،
ص: 189
لانتفاء موضوعِها؛ وأمَّا العرفُ بما يرىٰ الزَّمانَيْن وتبدُّلَهما من الحالات، لا المقوِّمات، فيحكم بوجوبها.
وحيث إنَّ موضوع الاِستصحاب يُؤخَذ من العرف لا من العقل، فيجري في الأحكام العقليَّة أيضًا.
وسيأتي توضيحُ ذلك في أُخريات مباحث الاِستصحاب، حيث نفصِّلُ الكلامَ فيه، إنْ شاء اللَّه - تعالى! -.
ص: 190
إذا تقرَّر هذا كلُّه، فنقول: قد اُختُلِف في حجيَّة الاِستصحاب وعدمها اختلافًا هائلًا بحيث بلغَتْ الأقوال فيها إلى أزيدَ من عشرةٍ (1)؛ ولكن يُمكِن أن يُدّعىٰ أنَّ حجِّيَّته مسلَّمٌ عند الأصحاب، والأقوالُ - كلُّها - راجعةٌ إلى حدودها، أو إلى بعض شؤونها.
والأقوىٰ هو الحجِّيَّة مطلقًا.
ويمكن أن يُستَدلَّ لحجِّيَّته بأمورٍ:
ص: 191
حيث استقرَّتْ سيرةُ العقلاء على ذلك، بل غريزةُ الحَيَوانات أيضًا؛ إذ العقلاءُ بل الحَيَوانات اُبتُنِي معاشُهم عليه على سبيل العلم الإجماليِّ الاِرتكازيِّ.
فما قال به في الكفاية من: «أنَّه للإطمئنان، أو الظَّنِّ، أو الرَّجاء، أو الإحتياط»(1)؛
ليس بسديدٍ. لأنَّ الجميعَ من القضايا الجُزئيَّة، بينما أنَّ البحثَ في القضايا الحقيقيَّة واستقرارِ سيرة العقلاء على حجِّيَّته وابتنائِهم معاشَهم عليه.
وأمَّا علَّة الحجِّيَّة، فهي - كما هى في سائر الأمارات والأصول - فليست إلَّا تسهيل الأمر، بل لولا ذلك ليختَلُّ النِّظام.
نعم! إنَّ الاِستصحاب - كغيره من الأصول - لمَّا لم تكن فيه الكاشفيَّة - كالأمارات - فليس إلَّابجعل العقلاء، لتعيين الوظيفة في ظرف الشَّكِّ، تسهيلًا للأمر.
وإن شئتَ قلتَ: كما أنَّ للشَّارع أُصولًا تعبُّديَّةً - كالبَراءة والاِشتغال والتَّخيير والاِستصحاب - وكذلك له قواعد فقهيَّةً - كقاعِدَتَي اليد والفَراغ وأصالة الصِّحَّة ونحوها -، للعقلاء أيضًا كذلك.
بل يُمكِن أن يُدَّعىٰ امضاءُ الشَّارع تلك الأصول والقواعد، كما أمضأ الأمارات، وليس له تعبدٌ فيها؛ بل جميعُ ذلك من المُتَعَبَّدات العقليَّة الَّتي أمضأها الشَّارع.
فإذن، الاِستصحابُ أصلٌ تعبُّديٌّ عقليٌّ أمضأه الشَّارع، فصار به أصلًا تعبُّديًّا
ص: 192
شرعيًّا.
وهذا عندي من الواضحات، ولاأدري لِمَ أهمَلَه الأصحاب ولم يتعرَّضُوا له أصلًا.
وبما ذكرنا يظهر أنَّ الرِّوايات الواردة في الاِستصحاب المُستَدَلُّ بها كلُّها إرشاديَّةٌ، وليس فيها إعمالُ تعبُّدٍ أصلًا؛ خلافًا لما اشتَهَرَ بين الأصحاب.
ومأثُورات الباب الكثيرةُ وردَتْ في أبوابٍ مختلفَةٍ في الفقه، وقد تعرَّض لها - أو لبَعضها - الشَّيخُ قدس سره(1).
ولابأس بمتابعته قدس سره وإن لم نحتج إليها، بعد ما سلكناه من كونِها إرشاديَّةً. فنقول:
قال: «قلتُ له: الرَّجلُ ينام وهو على وضوءٍ، أ تُوجِب الخفْقةُ والخفْقتان عليه الوضوءَ؟ فقال: يا زرارةُ! قد تنامُ العين ولاينام القلبُ والأُذُن، فإذا نامَتْ العينُ والأذُنُ والقلبُ فقد وجَبَ الوضوء. قلتُ: فإن حُرِّكَ إلى جنبه شيءٌ ولم يعلَم به؟، قال: لا! حتَّى يستيقِن أنَّه قد نامَ حتَّى يجيءَ من ذلك أمرٌ بيِّنٌ، وإلَّا فإنَّه على يقينٍ من وضوئه. ولاتنقضِ اليقينَ أبدًا بالشَّكِّ وإنَّما تَنقُضه بيقينٍ آخَرَ»(2).
ص: 193
الرِّواية لاإشكال فيها سندًا ودلالةً؛
أمَّا السَّندُ فهي وإن كانتْ مضمرةً، إلَّاأنَّ المُضمِر - وهو زرارة - لايروي إلَّاعن الإمام عليه السلام.
هذا، على أنَّها ليستْ بمضمرةٍ في الأصل أصلًا، بل الإمام عليه السلام المسؤولُ عنه مذكورٌ في صدرها أوَّلًا، فكانتْ مسندةً إلَّاأنَّ الموجود منها صار مُضمَرًا. وهذا من دأب الرُّواة بالنسبة إلى مرويَّاتِهم.
وأمَّا دلالةً، فهي في غاية الوضوح، والتَّشكيك فيها تشكيكٌ فيما لايتحمَّلُ التَّشكيكَ. إليكَ تفصيل ذلك:
1. احتمالُ أن تكونَ مختصَّةً بباب الوضوء؛
ضعيفٌ جدًّا، سيَّما إنَّ قولَه عليه السلام: «لاتَنقُضِ اليقينَ بالشَّكِّ» بمنزلة العلَّة للحكم، وهي تُعَمِّمُ وتُخصِّص.
2. واحتمالُ أن تكون مختصَّةً بالشَّكِّ في الرَّافع، فلاتشمل الشَّكَّ في المقتضي - بتقريبِ أنَّ نسبة النَّقْض إلى اليقين مجازيَّةٌ، فيجب الأخذ بالقدر المُتَيقَّن منها، وهو الشَّكُّ في الرَّافع، بقاعدة الأخذ بأقرَب المجازات -؛
ضعيفٌ جدا - أيضًا -، لأنَّ نسبةَ النقض إلى اليقين ليستْ بمجازيَّةٍ، لأنَّه كما يُنسَبُ النَّقضُ إلى الأمور المادِّيَّة - كالحَبْل - يُنسَب إلى الأمور المعنويَّة - كاليقين - بلاتفاوتٍ؛
ص: 194
هذا بحسب اللُّغة - كما أشرنا إليه آنفًا -.
مع أنَّ قاعدةَ الأخذ بأقرب المجازات لا دليل عليها في مجاميع أهل الأدب.
فلذلك لاحاجة بنا إلى ما قيل من: «أنَّ المرادَ باليقين هو المُتَيقَّن، حتَّى تكون النِّسبة إليهما سيَّان»؛
لأنَّ المرادَ باليقين هو نفس اليقين، لا المُتَيقَّن.
وبالجملة، إنَّ دلالتَها على حجِّيَّة الاِستصحاب مطلقًا واضحةٌ عرفًا، ولاسترةَ فيها.
وهي مفصَّلَة؛ وفيها: «قلتُ فإن ظنَنتُ أنَّه قد أصابَه - أي: دمُ رعافٍ - ولم أتَيقَّن ذلك، فنظرتُ فلَمْ أرَ شيئًا ثمَّ صلَّيتُ فرأيتُ فيه؟ قال: تغسِلُه ولاتُعيدُ الصَّلوة. قلتُ: لِمَ ذاك؟ قال: لأنَّك كُنتَ على يقينٍ من طهارتك ثمَّ شَكَكتَ، فليسَ ينبغي لكَ أن تَنقُضَ اليقينَ بالشَّكِّ أبدًا»(1).
قلتُ: هذه القطعة من الرِّواية مع قطع النَّظر عن صدرها وذيلها كالتَّصريح في حجِّيَّة الاِستصحاب؛ وعلى فرض ثبوت الإشكال في صدرها أو ذيلها فلايضرُّ بدلالتها أيضًا له، ولا إشكال فيها أصلًا.
ص: 195
«إذا لم يدْرِ في ثلاثٍ هو أو في أربعٍ وقد أحرَزَ الثَّلاثَ قامَ فأضاف إليها أُخرىٰ، ولاشيءَ عليه ولاينقضُ اليقينَ بالشَّكِّ ولايُدخِلُ الشَّكَّ في اليقين، ولايخلِط أحدَهما بالآخر ولكنَّه ينقض الشَّكَّ باليقينِ ويُتِمُّ على اليقين فيَبني عليه ولايعتَدُّ بالشَّكِّ في حالٍ من الحالات»(1).
لاإشكال في الرِّواية بحسب المقام؛ بل هي هيهنا في كمال الحُسْن والإتقان.
نعم! فيها مشكلةٌ فقهيَّةٌ وهي: إنَّ الظَّاهر منها وجوبُ الإتيان بالرَّكعة المُتمِّمَة متَّصلةً، كما هو حسْب القاعدة، إلَّاأنَّ النُّصوص وفتاوىٰ الأصحاب تطابقَتْ على وجوب الإتيان بها منفصلَةً.
ولاضيرَ، إذ كونُ الرِّواية معرَضًا عنها عند الأصحاب فقهيًّا، لايضُرُّ بدلالتها على المطلوب أُصوليًّا.
والشَّيخ قدس سره أوَّلَ قولَه عليه السلام: «لاتُنقُضِ اليقينَ بالشَّكِّ» ب: «أنَّ المراد منه:
«لاتنقُض ما عند الشِّيعة من اليقينِ بإتيان الرَّكعة مفصولةً، بالشَّكِّ الحادث من قولِ العامَّة بإتيانها متَّصلةً»(2).
ولكنَّ التَّأويل لا أظُنُّ أن يرضىٰ به أحدٌ، فضلًا عن الشَّيخ قدس سره نفسِه.
ص: 196
وفي الكفاية: «إنَّ الرِّواية تدلُّ على الاِستصحاب، وأنَّه لابدَّ من الإتيان بالمشكوك، إلَّاأنَّها في كيفيَّة الإتيان تُقَيَّد بالرِّوايات الدالَّة على الفصل»(1).
وفيه: إنَّه تقييدٌ للمورد، وهو غير جائزٍ. إلَّاأن يُرادَ من التَّقييد: التفسير أيضًا.
ولكنَّ الَّذي يُسَهِّل الخطبَ: إنَّ الرِّواية بَعدَ دلالتها على الاِستصحاب - بقوله عليه السلام: «لاتَنقُضِ اليقينَ بالشَّكِّ» - أشارَتْ - بقوله عليه السلام: «لاتَدخُل الشَّكَّ في اليقين ولايُخلَط أحدهما بالآخر» - إلى مختار الشِّيعة؛ وأنَّه يجب أن يأتي المشكوك منفصلةً، لامتَّصلةً.
ولعمري أنَّ هذا واضحٌ جدًّا!.
وأمَّا ما قال به الشَّيخُ قدس سره من: «أنَّها مختصَّةٌ بباب الشُّكوك في الصَّلاة، والعدولُ عنه إلى غيره يحتاج إلى مؤونةٍ»(2)؛
فليس بسديدٍ، لأنَّ للعُرف إلغاءَ الخصوصيَّة عن موردها.
نعم! هيهنا إشكالٌ لم يتعرَّض له أحدٌ، وهو صعبٌ جدًّا!، وهو: إنَّه يُشتَرط في الاِستصحاب إتِّحاد القضيَّتَين المتيقَّنَة والمشكوكة، بينما أنَّ في هذه الرِّواية لايُوجَد الإتِّحادُ، لأنَّ القضيَّة المتيقَّنة هي الرَّكعات الثَّلاث، والمشكوكة هي الرَّكعة المشكوكة - وهي الرَّابعة -؛
فلابدَّ مِن أن يُقال: إنَّ الرِّواية عاريةٌ عن الاِستصحاب أجنبيَّةٌ عنه؛ بل هي
ص: 197
مختصَّةٌ ببيان إتيان الرَّكعة الرَّابعة منفصلةً، لامتَّصلةً.
ولمَّا كان المقامُ مقام التَّقيَّة، أفاد عليه السلام الحكمَ إشارةً، لا بالتَّصريح.
«مَن كان علىٰ يقينٍ ثمَّ شكَّ فليَمْضِ على يقينه، فإنَّ الشَّكَّ لاينقض اليقينَ»(1).
الرِّواية لاإشكال فيها سندًا ودلالةً.
وما قال به الشَّيخُ قدس سره من: «كونها ضعيفةً لمكانِ القاسم بن يحيىٰ»(2)؛
ليس بسديدٍ!؛
لوقوعه في سند كامل الزِّيارات، أضِف إلى ذلك قيام بعض القرائن علىٰ كونه موثَّقًا عند الأصحاب.
نعم! الظَّاهر من الرِّواية أنَّها بصدد تصحيح قاعدةِ اليقين، لا قاعدة الاِستصحاب.
ص: 198
وما قيل: «إنَّ الرِّوايات الأُخر قرينةٌ علىٰ أنَّ هذه الجُملَة - أي: «لاتنقض اليقين بالشَّكِّ» - مختصَّةٌ بالاِستصحاب»؛
ليس بسديدٍ أيضًا، لأنَّه لامانع من دلالة العبارة في تلك الرِّوايات على الاِستصحاب، بينما تدلُّ في روايَتِنا هذه علىٰ قاعدة اليقين.
كما أنَّ ما قيل: «إنَّ الإجماع يدلُّ على عدم حجِّيَّة قاعدة اليقين، فهو يدلُّ بالفَحوىٰ علىٰ اختصاصِها بالاِستصحاب»؛
فيه: أنَّه لوسُلِّم بوجود هذا الإجماع، فإنَّه غير حجَّةٍ في المسأئل الأصوليَّة.
إلَّا أن يُقال بإعراض الأصحاب عنها، وإثبات ذلك دونه خرطُ القَتاة.
وما قيل: «إنَّ الزَّمان لايكون قيدًا، بل هو ظرفٌ؛ فلادلالة فيها علىٰ قاعدة اليقين»؛
فيه: إنَّ الأمر كذلك، فالرِّواية - حينئذٍ - تدلُّ على حجِّيَّة القاعدتين: اليقين والاِستصحاب معًا، والمُعنىٰ بها إذن: إنَّ من حصَّل على اليقين والشَّكِّ فليَمْض على اليقين، دون الشَّكِّ.
وما قيل: «إنَّه لاجامع بين القاعدتين، لأنَّ اليقين ليس فيه اليقين بالفعل - لأنَّه ذاتيٌّ بالمرَّة -، بينما أنَّ اليقين في الاِستصحاب فعليٌّ باعبتار السَّابق»؛
فيه: إنَّ الجامع بينهما هو اليقين والشَّكُّ؛ واشتراط وجود اليقين بالفعل ولو باعتبار السَّابق، هو أوَّل الكلام، بل إنَّه عين المدَّعىٰ!.
فتلخَّص أنَّ الرِّواية تدلُّ على القاعدتين معًا.
نعم! قد مرَّ منا أنَّ الاِستصحاب قاعدةٌ عُقلائيَّةٌ أمضأها الشَّارع، وحيث إنَّ
ص: 199
قاعدة اليقين لاتكون عُقلائيَّة مؤيَّدَةً به، فالرِّوايات - ومن جملتها هذه الرِّواية - تُرشِدُ إلى الاِستصحاب، لا إلى اليقين.
قال: «كَتبتُ إليه وأنا بالمدينة عن اليوم الَّذي يُشَكُّ فيه من رمضانَ هل يُصامُ أم لا؟، فكتبَ: اليقينُ لايدخل فيه الشَّكُّ، صُمْ للرُّؤية وأَفطِر للرُّؤية»(1).
قال الشَّيخُ قدس سره: «إنَّها أظهر الرِّوايات دلالةً لحجِّيَّة الاِستصحاب، ولكنَّها ضعيفةٌ سندًا»(2).
قلتُ: نعم! إنَّها أظهر الرِّوايات؛ وليستْ بضعيفةٍ سندًا، لأنَّ ابنَوليدٍ قدس سره وتلميذَيه الصَّدوقَ وابنَنوحٍ 0 وثَّقوها(3).
وأمَّا ما قال به في الكفاية من: «أنَّ بمراجعة الأخبار يُحصَل القَطعُ بأنَّ المراد باليقين هو اليقين بدخول شهر رمضان، وأنَّه لابدَّ في وجوب الصَّوم ووجوب
ص: 200
الإفطار من اليقين بدخول شهر رمضان وخروجه؛ وأين هذا من الاِستصحاب؟»(1)؛
فليس بصحيحٍ جدًّا!، لأنَّه - مضافًا إلى أنَّ تلك الرِّوايات أيضًا بوضوحٍ تدلُّ على حجِّيَّة الاِستصحاب، وأنَّ وجوب الصَّوم وجواز الإفطار يتوقَّف على الاِستصحاب -: لوسلَّمنا دلالةَ تلك الرِّوايات على غير الاِستصحاب، فلِمَلاتدُلَّ هذه الرِّواية عليه؟.
«كلُّ شيءٍ فيه الحلالُ والحرامُ فهو لك حلالٌ حتَّى تَعرِفَ الحرامَ»(2)؛
وقولُه عليه السلام: «كلُّ شيءٍ طاهرٌ حتَّى تعلَمَ أنَّه قذِرٌ»(3).
بتقريب: أنَّ الغاية فيهما إنَّما هو لبيان استمرار الحُكم - من الطَّهارة والحِلِّيَّة - على الموضوع واقعًا، ما لم يُعلَم بطُرُوِّ ضدِّه أو نقيضه عليه، لا لتحديد الموضوع.
قلتُ: يُؤيِّد ذلك لزوم التَّقدير في الحديث الشَّريف على التَّقديرين؛ إذ:
لوقلنا بأنَّ الرِّوايات بصدد بيان الحكم الظَّاهريِّ - وهو قاعدَتَي الحِلِّيَّة والطَّهارة - فلابدَّ من تقدير لفظةِ «المشكوك» في قوله عليه السلام: «كلُّ شيءٍ طاهرٌ»،
ص: 201
وقولِه عليه السلام: «كلُّ شيءٍ حلالٌ».
وإنْ قلنا: أنَّ المراد من الصَّدر هو الحكم الواقعيُّ، فلابدَّ من التَّقدير في قوله عليه السلام: «حتَّى تعلَمَ» - وهو أنَّه إذا شَكَكتَ في ذلك الحكم الواقعيِّ فهو لك حلالٌ، أو فهو لك طاهرٌ -.
وتقديم الأوَّل على الثَّاني لاوجه له.
وفيه: إنَّ الظُّهور العرفيَّ هو الوجهُ في تقديم الأوَّل على الثَّاني، فلذلك قد تطابقَتْ آراءُ الأصحاب - كلُّها - على أنَّ مثل هذه الرِّوايات سيقَ لبيان قاعِدَتَي الطَّهارة والحِلِّيَّة.
وأمَّا قولُ السَّيِّدِ الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره ب: «أنَّ اللَّازم من كلام المحقِّق الخراسانيِّ الجمعُ بين اللِّحاظين، وأن يكون معلومُ النَّجاسة نجسًا وكذلك معلوم الحُرمة حرامًا»(1)؛
فليس بتامٍّ، لأنَّه يلزم ذلك إذا جُعِلَت الغايةُ غايةً للصَّدر، وأمَّا لوجُعِلَت غايةً للتَّقدير أو للصَّدر - والتَّقدير: «إذا شكَكتَ فهو طاهرٌ»، أو: «حلالٌ» - فلايلزم الجمعُ بين اللِّحاظَين.
وكذلك لايلزم أن يُذعَن بنجاسة معلوم النَّجاسة وبحرمةِ معلوم الحُرمة.
فتلخَّصَ: أنَّ الرِّوايات بأجمَعِها تدلُّ على الاِستصحاب.
ص: 202
نعم! بناءً على ما قلنا من أنَّ الرِّوايات إرشاديَّةٌ وليس فيها إعمالُ تعبُّدٍ؛ فلاحاجة في المسير إلى حجِّيَّته إليها.
ص: 203
ص: 204
إنَّ الشَّيخ قدس سره بعد بيان أخبار حجِّيَّة الاِستصحاب، فتَح عنوانًا لبيان كيفيَّة الأحكام الوضعيَّة. وادَّعىٰ قدس سره فيه: «أنَّ الأحكام الوضعيَّة ليس لها جعلٌ مستقلٌّ، بل إنَّها تابعةٌ للأحكام التَّكليفيَّة.
ونسب هذا القول إلى المشهور»(1).
ثمَّ إنَّ تلامذَته اختلفُوا في ذلك اِختلافًا هائلًا؛ منهم المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره في الكفاية، حيث إنَّه قسَّم الأحكام الوضعيَّة على ثلاثة أقسامٍ:
ص: 205
«قسمٌ لا جعل له - لا على سبيل الاِستقلال، ولا على سبيل التَّبعيَّة -، بل الجعلُ فيه جعلٌ تكوينيٌّ فقط. ومثَّلَ قدس سره له بالدُّلوك الَّذي هو الشَّرطُ للصَّلوة، لأنَّه أمرٌ تكوينيٌّ لا دخل للجعْل التَّشريعيِّ فيه.
وقسمٌ لها جعلٌ على سبيل التَّبعيَّة، لامستقلًّا. ومثَّل قدس سره له بأجزاء الصَّلوة وشرائطها، معلِّلًا بأنَّه مادام لم يثبُت جعْلٌ تشريعيٌّ لها فلايمكن اِتِّصاف الأجزاء بالجُزئيَّة والشَّرطيَّة إلَّاتصوُّرًا.
وقسمٌ ثالثٌ لها جعْلٌ على سبيل الاِستقلال، لا التَّبعيَّة. ومثَّل قدس سره له بالمِلْكيَّة والزَّوجيَّة، لأنَّه بمجرَّد العقد يصحُّ لمَن بيدِه زمامُهُما أن ينتزِعَهما عن نفسه»(1)؛ هذا مُوجَزُ كلامه قدس سره.
وفيه مواقعُ للنَّظر!؛ إذ:
أوَّلًا: لوكان الدُّلوك أمرًا تكوينيًّا - كما هو كذلك -، فجَعْله من الأحكام الوضعيَّة لاوجهَ له، لأنَّ الحُكم - تكليفيًّا كان، أو وضعيًّا - أمرُه بيد الشَّارع؛ بينما أنَّ الدُّلوك تكوُّنُه وكيفيَّة حدوثِه عند استواءِ الشَّمس في وسط السَّماء بيد الخالق، لا الشَّارع. ويمكن الإجابة عنه بأنَّ الدُّلوك بيد الخالق، أمَّا الدُّلوكيَّة إذا نُظِر إليها كشرطٍ أو جُزءٍ في عِداد غيرها من الشُّروط والأجزاء الشَّرعيَّة، فوضعُها ورفعُها بيد الشَّارع.
فهو كغيره منها بيده؛ وإن كان منشأُ اِنتزاع كلِّها من التَّكوين، وأنَّه ليس من الأحكام أصلًا.
ص: 206
ثانيًا: إنَّ الجُزئيَّة والشَّرطيَّة وإن كانتْ تابعةً للكلِّ بالضَّرورة، إلَّاأنَّ التَّابعيَّة غير الجعْل. فقوله عليه السلام: «أَقِم» حكمٌ تكليفيٌّ يتعلَّقُ بذات الصَّلوة، وهو أمرٌ بسيطٌ؛ ثمَّ قول الشَّارع - جلَّ وعزَّ! -: إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرٰافِقِ (1) جعْلٌ مُستقلٌّ يُفهَم منه شرطيَّة القيام للصَّلوة، وهذا الجعْلُ مستقلٌّ لايحتاج إلى جعل وجوب الصَّلوة أوَّلًا.
نعم! يُفهَم أنَّه من الشَّرائط، والشَّرط تابعٌ للكلِّ - كما أنَّ الكُلَّ في تحقُّقِه تابعٌ للأجزاء -.
ثالثًا: إنَّ المِلْكيَّة والزَّوجيَّة وإن احتاجتْ إلى جعْلِ السَّبب - وهو العقدُ - إلَّاأنَّ قوله: «هذا مِلْكُ زيدٍ» إنشاءٌ بلاإشكالٍ فيه؛ كما هو إخبارٌ بعدَ وجود السَّبب بلاإشكالٍ فيه؛ كما أنَّ قوله: «بِعتُ وقَبلتُ» انشاءٌ من غير محذورٍ.
وبذلك يحصل المِلْكيَّة ولاتحتاج إلى الأحكام المُتَرتِّبة على تلك المِلْكيَّة أو الزَّوجيَّة - كالتَّصرُّفات في المِلْك والتَّحليلات بالنِّسبة إلى الإجنبيَّة سابقًا -.
فتلخَّص: أنَّ جميعَ الأحكام الوضعيَّة لها جعْلٌ مستقلٌّ، ولايحتاج هذا الجعْل إلى الأحكام التَّكليفيَّة المرتبطة بها؛ فجريان الاِستصحاب فيها لامحذورَ فيه؛ لأنَّ وضعَها ورفعَها بيد الشَّارع.
كما أنَّه لوتمذهب أحدٌ بمذهب الشَّيخ قدس سره من كونها من الخطابات التَّبَعيَّة، فجريان الاِستصحاب فيها - أيضًا - لا محذور فيه؛ لأنَّ منشأ انتزاعها - وهو التَّكاليف - بيدِ الشَّارع، وهذا المقدار كافٍّ لكونها بيدَيْه.
ص: 207
ص: 208
ينبغي هيهنا ذكرُ تنبيهاتٍ.
لاإشكال في لزوم فعليَّة الشَّكِّ واليقين في الاِستصحاب، بمعنى فعليَّة التَّوجُّه إليهما، لأنَّهما رُكنان في تحقُّقه؛ فلذا لوأحدَثَ ثمَّ صلّىٰ غفلةً عن الحدث، ثمَّ شكَّ بعد الصَّلوة فصلوتُه هذه صحيحةٌ، لقاعدة الفَراغ؛ ولكن يجب عليه التَّطهير للصَّلوة القادمة؛
بخلاف ما إذا التفَتَ قبل الصَّلوة إلى الحدث، فشكَّ في طهارته ثمَّ غفَل وصلّىٰ، فصلوتُه فاسدةٌ، لكونه محدَثًا قبلها، بحكم الاِستصحاب.
لايُقال: «نَّه بعد الصَّلوة يَستَصحب الحدثَ في حال صلوته؛
لأنَّ ذلك الاِستصحاب وإن كان جاريًا، إلَّاأنَّ قاعدة الفَراغ حاكمةٌ عليه؛
ص: 209
فالصِّحَّة محكَمَةٌ بالنِّسبة إلى ما مضىٰ منها، ويجب عليه التَّطهير للقادِمَة، بحكم الاِستصحاب.
لاإشكال في أنَّ المرادَ ب «اليقين» في قوله عليه السلام: «لاتنقُضِ اليقينَ بالشَّكِّ» هو:
«الحجَّةُ»، لا اليقين الوجدانيُّ.
كما أنَّ المراد ب «الشَّكِّ» فيه هو: «غير الحجَّة»، لاالشَّكُّ المُصطَلَح عليه.
وهذا جارٍ في جميع ما ورد من اللَّفظَتَين وأشباههما في الآيات والرِّوايات؛ فقوله - جلَّ وعلا! -: لاٰ تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (1) معناه: لاتَقْفُ ما ليس لك حجَّةً؛ وقوله: إِنَّ اَلظَّنَّ لاٰ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئاً(2) معناه: إنَّ غيرَ الحجِّة لايُغني من الحقِّ شيئًا.
ولعَمري! هذا واضحٌ لاأظُنُّ أنْ يخفىٰ على أحدٍ، أو أن يشُكَّ فيه أحدٌ.
فلذلك يجري الاِستصحاب بالإجماع فيما إذا قام أمارةٌ أو أصلٌ على شيءٍ أوَّلًا، ثمَّ شُكَّ فيه ثانيًا. فأصل المطلب لايحتاج إلى الاِكثار من القيل والقال، وإن جعَلَه في الكفاية من
ص: 210
النُّكَت الصِّعاب العِلْميَّة، ثمَّ اختارَ لاثبات مطلوبه طُرُقًا لانرضىٰ بها(1)!.
وهو الَّذي ينشأ الشَّكُّ فيه من حدوث الشَّكِّ في فرده.
وهذا القسم من الاِستصحاب ينقسم إلى أقسامٍ ثلاثةٍ:
أن يكون الشَّكُّ فيه لأجل الشَّكِّ في وجود فرده؛ كما إذا وُجِد الكلِّيُّ أوَّلًا في ضمن فردٍ منه، ثمَّ شُكَّ ثانيًا في زواله، لأجل الشَّكِّ في بقاء ذلك الفرد.
أن يكون الشَّكُّ فيه لتردُّد فردِه بين مقطوع البقاء ومقطوع الزَّوال، كما إذا عَلِم بوجوب صلوةٍ يومَ الجُمُعة، ثمَّ شكَّ في أنَّها هي صلوةُ الجُمُعة؟، أو صلوة الظُّهر؟؛
أو عَلِم بخروج الحَدَث منه وتردَّد بين الأصغر والأكبر، فتوضَّأ بعد ترديده فيه.
أن يكون الشَّكُّ فيه لاِحتمال قيام فردٍ آخر مقام الفرد المقطوع زواله، كما إذَا عَلِم أنَّ «الإنسان» حصَلَ في الدَّار في ضمن زيدٍ، ثمَّ علِم بخروجه منه لكن احتَمَل قيامَ عمروٍ مقامَه.
ص: 211
لاإشكال في جواز استصحابِ الكلِّيِّ في القسم الأوَّل لوكان له أثرٌ؛
كما لاإشكال في صحَّة اِستصحاب الفرد.
وهل يمكن استصحابُ الكلِّيِّ واثباتُ وجود الفرد أيضًا به؟؛ أو بالعكس؟.
فيه وجهان:
من أنَّه أصلٌ مثبِتٌ، فلاجريان له؛
ومن أنَّ الأصل المثبِت حجَّةٌ ولاأقلَّ من حجِّيَّته في مثل المقام - الَّذي يكون الواسطةُ فيه جليًّا -؛ وسيأتي توضيح ذلك.
وأمَّا القسم الثَّاني، فالمشهور بين الأصحاب جريانُه؛ إلَّاأنَّ المختار عدم جريانه، لأنَّ مقتضى العلم الإجماليِّ هو الإتيان بالفرد المشكوك الأكثر، لا الأقلَّ من الفردَين. فمَن أحدث ثمَّ شكَّ في أنَّه بولٌ؟ أو منيٌّ؟؛ فلابدَّ له من الغُسل، إذ بالوضوء وحده لايزول هذا العلمُ الإجماليُّ.
وبعد ذلك لاتصلُ النَّوبة إلى الاِستصحاب، لتقدُّم العلم الإجماليِّ عليه.
هذا، مع أنَّ اِستصحاب الكلِّيَّ لا أثر له في جميع الأحوال، لأنَّ الأثر للفرد بما هو فردٌ، وأمَّا الكلِّيُّ بما هو هو فلا أثرَ شرعيًّا له.
نعم! ما أُورَد على هذا القسم:
تارةً ب: أنَّ استصحابَ عدم وجود الفرد المشكوك يرتفِعُ الشَّكَّ، فلايبقىٰ الشَّكُّ في الكلِّيِّ حتَّى يُستَصحَبَ؛
وأُخرىٰ ب: أنَّ الشَّكَّ في بقاء الكلِّيِّ مسبَّبٌ عن الشَّكِّ في وجود الفرد المشكوك،
ص: 212
واستصحابُ عدم وجود الفردِ مقدَّمٌ على استصحابِ الكلِّيِّ، لتقدُّمِ الأصل السَّببيِّ على المُسبَّبيِّ منه؛
ليس بسديد! ٍ.
أمَّا الأوَّل: فلأنَّ استصحابَ عدم الخصوصيَّة الفرديَّة لايُثبِت عدم وجود الكلِّيِّ إلَّا على حجِّيَّة الأصل المُثبِت، ومختارُ القوم عدم حجِّيَّته.
وأمَّا الثَّاني: فلوسُلِّم السَّببيَّة فيه فلانسلِّم تقدَّم الأصل السَّببيِّ على المسبَّبيِّ في جميع الأحوال، بل التَّقدُّم فيما إذا جعَلَ الاِستصحابُ المستصحبَ مصداقَ أمارةٍ حتَّى تصير الأمارةُ مقدِّمةً على الأصل.
وإلَّا فتقدُّم الأصل السَّببيِّ على المُسبَّبيِّ لاوجه له!؛ بل كلاهما يجريان من غير تفاوتٍ، كما فيما نحن فيه.
نُقِلَ أنَّ البحرَ الزَّاخرَ العلَّامة السَّيِّدَ إسماعيل الصَّدر قدس سره، أورد إشكالًا في جريان اِستصحاب الكلِّيِّ في القسم الثَّاني؛ وقد أُجيب عنه بأجوبةٍ كثيرةٍ.
و حاصل الإشكال: «أنَّه لوعَلِم بنجاسة العباءِ إجمالًا - أسفله أو أعلاه -، ثمَّ طهَّر أعلاه فلاقتْ اليدُ أسفلَه وأعلاه معًا،
فلو قيل بجريان اِستصحاب الكلِّيِّ فلابدَّ من أن يُقال بنجاسة اليد، وهو ضروريُّ البطلان!»(1).
ص: 213
وفيه: إنَّه بعد طهارة الأعلىٰ منها، فاليدُ تلاقي الطَّاهرَ والمُتَّصف بكونه موردًا للشُّبهة المحصورة - وهو الأسفل منه -، وحينئذٍ لاحكمَ لليد إلَّاالطَّهارة، لأنَّ ملاقاةَ المُشتَبَه بالشُّبهة المحصورة غير لازمِ الاِجتناب؛ بينما أنَّ القولَ بجريان اِستصحاب الكلِّيِّ يدلُّ على وجوب الاِجتناب عن الأسفَل منه.
وأمَّا القسم الثَّالث، فهو ينقسم - أيضًا - إلى أقسامٍ:
إنَّ الكلِّيَّ وُجِد أوَّلًا في ضمن فردٍ، ثمَّ عُلِم بإعدام هذا الفرد ولكن شُكَّ في أنَّه بعد زوال الفردِ هل وُجِدَ فردٌ آخر من هذا الكلِّيِّ؟، أم لا؟.
الفرضُ نفسه مع الشَّكِّ في أنَّه هل كان مع ذلك الفرد فردٌ آخر من الكلِّيِّ؟، أم لا؟ - أي: هل يبقىٰ الكلِّيُّ موجودًا بعد زوال ذلك الفرد الأوَّل؟، أم لا؟ -.
كون الكلِّيِّ مشكَّكًا والفردِ من مراتبه التَّشكيكيَّة - كالطَّلَب الَّذي له مراتب، فالوجوب مرتبته الشَّديدة، والاِستحباب الضَّعيفة منها -. فعُلِم - على سبيل المثال - زوالُ الوجوب أوَّلًا، ثمَّ شُكَّ في بقاء الطَّلب في ضمن الاِستحباب من أفراده.
ص: 214
فالمشهورُ على عدم جريان الاِستصحاب في القسم الأوَّل، لعدم وجود القضيَّة المُتَيقَّنة فيه.
وعلى الجريان في القسم الثَّالث(1)، بل قيل: «إنَّه يرجع إلى القسم الأوَّل من اِستصحاب الكلِّيِّ».
واختُلِفَ في القسم الثَّاني؛ والتَّحقيق أن يُقال: إنَّ الطَّبيعيَّ موجودٌ في ضمن أفراده، وكلُّ فردٍ منه يُحصِّل الطَّبيعيَّ على سبيل الاِستقلال؛ وهذا أمرٌ عقليٌّ يؤيِّده العُرف بلاإشكالٍ.
فالكلِّيُّ الطَّبيعيُّ يتحقَّق في ضمن فردٍ - كتَّحقُّق وجود الإنسان في ضمن زيدٍ، وهو غير تحقُّق وجوده في ضمن عمروٍ، عقلًا، وشرعًا، وعرفًا -؛ فهو موجودٌ في الخارج بعدد أفراده.
وبذلك يظهر أنَّ الاِستصحاب في الأقسام الثَّلاثة غير جاريةٍ، لعدم وجود القضيَّة المُتَيقَّنة حتَّى في مثل الوجوب والاِستحباب، إذ العقل والشَّرع والعُرف توافقوا على أنَّ الأفراد متبايِنةٌ لاقدر جامعٍ لها حتَّى يُستَصحَبَ.
إلَّا أنَّ العُرف يرىٰ في بعض الموارد الكلِّيَّ الطَّبيعيَّ في الخارج على نحو
ص: 215
الاِشتراك، لا على نحو الاِستقلال، فلذلك قد اشتَهَر حتَّى عند الخواصِّ: «إنَّ الطَّبيعيَّ يُوجَد بفردٍ مَّا، وينعدم بجميع الأفراد»(1).
ففي تلك الموارد كأنَّه يميل إلى قول الرَّجُل الهَمدانيِّ الَّذي نقلَ الشَّيخ الرَّئيس قدس سره عنه - مُستهزِءً ا به! -: «أنَّ الطَّبيعيَّ موجودٌ في الخارج على سبيل الاِشتراك، فهو أمرٌ وَحْدانيٌّ في ضمن الأفراد»(2)؛
كما يحكم العرفُ بذلك في جريان المطر، بل جريان الماء وجريان الدَّم من الفرْج، وغيرِها من الأمثلة الكثيرة.
ففي هذه الأمثلة يجري الاِستصحابَ مع أنَّ القضيَّة المُتَيقَّنة قد انتفَتْ، بلاترديدٍ فيه؛
ولكنَّ العرفَ يرىٰ المطر والماء والدَّم الجاريات أمرًا وحْدانيًّا؛
ثمَّ يجعل القضيَّةَ المُتَيقَّنة نفسَ المشكوكة، فيجري فيها الاِستصحاب؛ وهو - مع ذلك كلِّه - حجَّةٌ عقلًا وشرعًا.
ص: 216
ويقع الكلامُ فيه في أمورٍ.
- كاستصحاب النَّهار واللَّيل والشَّهر والسَّنَة -. لاإشكال في جريان هذا الاِستصحاب عرفًا، بل عقلًا؛ لأنَّ اليوم بحسب العُرف أمرٌ وحْدانيٌّ من الطُّلوع إلى الغروب، فإذا شُكَّ في بقائه، فيُستَصحَب ذلك الأمر الوحْدانيُّ.
وكذلك عقلًا، لأنَّ الزَّمان أمرٌ متصرِّمٌ، ووجودُه التَّصرُّميُّ لايضرُّ بوحدته، فالآنُ السَّيَّال في الحركة الدَّائميَّة من القوَّة إلى الفعل، فلذلك قيل: «أنَّها خروج الشَّيء من القوَّة إلى الفعل»(1)؛ ويُقال لها: «الحركة القَطعيَّة». بل لوقيل بوجود الحركة التَّوسُّطيَّة - وهي كون الشَّيء بين المبدء والمنتهىٰ - فهي أيضًا أمرٌ بسيطٌ وحْدانيٌّ؛ فلوشُكَّ فيها فالاِستصحاب يجري بلاإشكالٍ.
- ولكن وجودُها في الخارج خلاف التَّحقيق، لأنَّها أمرٌ اِعتباريٌّ يتوقَّف على اِعتبار المُعتَبِر، وليس ماوراء الحركة القطعيَّة شيءٌ في الخارج؛ وإن أصرَّ على وجودها أيضًا السَّيِّدُ الأستاذُ العلَّامة الطَّباطبائيُّ قدس سره في نهاية الحكمة(2)، وأيضًا المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره في الكفاية(3) -.
ص: 217
وبالجملة: إنَّ الاِستصحاب في نفس الزَّمان لاإشكال فيه، عرفًا وعقلًا.
وما قيل من: «أنَّ الاِستصحاب لايُثبِتُ الباقي من الزَّمان إلَّابالأصل المُثبِت»؛
ليس بسديدٍ!، لأنَّ الإشكال واردٌ إذا قلنا بتوالي الآنات، وهو باطلٌ جدًّا؛ بل الاِستصحاب يجري في الآنِ السَّيَّال - وهو الحركة القطْعيَّة البسيطة -.
وما قيل: «إنَّ الاِستصحاب في الزَّمان لايُثبِت وجودَ مظروفه الواقع فيه إلَّا بالأصل المُثبِت»؛
ليس بتامٍّ أيضًا، لأنَّ الأصل المثبِت يرجع إلى لوازم الموضوع؛ أمَّا اِستصحاب الموضوع ثمَّ ترتُّب الحكم عليه، فليس من الأصل المُثبِت في شيءٍ.
- كجريان الدَّم والماء، ودوام التَّكلُّم والمَشْي، ونحو ذلك -.
فجريانُ الاِستصحاب فيها كجريانه في الزَّمان من غير فرقٍ عرفًا، بل وعقلًا؛ لأنَّ الأمور التَّدريجيَّة - الَّتي نحو وجودها وجودٌ غير قارِّ الذَّات - لاتَخَلُّل بين أجزائها عُرفًا، بل عقلًا - لكون الاِتِّصال فيها حقيقيًّا -؛ فالاِستصحاب فيها مثل الاِستصحاب في نفس الزَّمان جارٍ بلاإشكالٍ.
ثمَّ إنَّ المحقِّق الخراسانيَّ قدس سره أفاد - مُذَيِّلًا على هذا القِسم -: «إنَّ الاِستصحاب فيه إمَّا أن يكون من قبيل اِستصحاب الشَّخص، وإمَّا أن يكون من قبيل اِستصحاب
ص: 218
الكلِّيِّ بأقسامه.
فإذا شَكَّ في أنَّ السُّورة المعلومة الَّتي شرع فيها، تمَّتْ؟، أو بقي شيءٌ منها؟، صحَّ فيه الاِستصحابُ الشَّخصيُّ والكلِّيُّ،
وإذا شَكَّ فيها من جهة تردُّدها بين القصيرة والطَّويلة، كان من القسم الثَّاني،
وإذا شَكَّ في أنَّه شرع في الأخرىٰ؟، أم لا؟، مع القطع بأنَّه قد أتمَّ الأولىٰ، كان من القسم الثَّالث»(1).
وفيه: إنَّ الأمور التَّدريجيَّة من الأمور الخارجيَّة، فلايُفرَض فيها استصحابُ الكلِّيِّ، بل هو فيه من قبيل استصحابِ الشَّخص.
إلَّا على نحو الاِنتزاع الَّذي لاقيمة له في العلم، وليس بحجَّةٍ فيه.
هذا، مع ما أشرنا إليه من أنَّ الأثَر في الشَّرع ثبَتَ لما في الخارج، لا للكُلِّيِّ.
فتارةً يكون الزَّمان قيدًا، كالصَّوم المقيَّد بالنَّهار؛ فلاإشكال في جواز اِستصحاب القيد إذا شُكَّ في زواله، وفي ترتُّبِ الحكم عليه؛ فإذا شُكَّ في زوال النَّهار يُستَصحَب بقائه ويُتُرتَّب عليه وجوب الإمساك.
أمَّا استصحاب نفس وجوب الإمساك وإن كان جائزًا أيضًا، إلَّاأنَّه حيث إنَّ اِستصحاب الموضوع مقدَّمٌ على اِستصحاب الحكم، فلاتصل النَّوبة إليه.
ص: 219
وأخرىٰ لايحرز كون الزَّمان قيدًا، وهذا فيما إذا احتُمِل كون القيد في الكلام من باب تعدُّد المطلوب. كما إذا قيل: اَغسِل يومَ الجُمُعة قبل الزَّوال؛ فلاإشكال في جواز اِستصحاب الحكم - أي: جواز الغسل - بعد الزَّوال.
إلَّا أن يقال: إنَّ المسألة ترجع إلى الشُّبهة المفهوميَّة، وهو لايجري فيها، لعدم وجود القضيَّة المُتَيقَّنة أصلًا.
والمُراد منه أنَّه لاإشكال في ترتُّب الأحكام التَّنجيزيَّة بعد جريان الاِستصحاب على المُستَصحَب.
أمَّا الأحكام التَّعليقيَّة، فما هو الحكم فيها؟؛ فهل تترتَّبُ على المُستصحَب أيضًا بعد جريان الاِستصحاب؟، أم لا؟.
فالعِنَب إذا صار زَبيبًا وقلنا أنَّ الزَّبيب هو العِنَب بحسب الهويَّة والماهيَّة، والتَّغيير حدَث في الحالة فقط - كما أنَّ الإنسان يتغيَّر بحسب الأحوال من الشَّباب إلى الشِّيب مع التَّحفُّظ على الماهيَّة الإنسانيَّة -، فإذا شُكَّ في حكمٍ تنجيزيٍّ كان للعِنب - كجواز أكلِه - يُستصحَب ذلك الحكمُ للزَّبيب قطعًا.
أمَّا الأحكام التَّعليقيَّة الَّتي كانت للعِنب - كالحُرمة بعد الثُّلثان - هل تُستَصحَب للزَّبيت أيضًا؟، فيُحكَم بحرمته بعد الغَليان والثُّلثان؟، أم لا؟.
ص: 220
فيه خلافٌ.
فالمشهور على الجريان(1).
ونقل الشَّيخ قدس سره عن أُستاذه المحقِّق السَّيِّدِ المجاهد قدس سره عدمَ الجريان، معلِّلًا ب:
«أنَّ الحكم التَّعليقيَّ غير موجودٍ للمستَصحَب، فليس للاِستصحاب قضيَّةٌ متَيقِّنةٌ حتَّى يُستَصحبَ»(2).
وأجاب الشَّيخ عنه ب: «أنَّه غير معدومٍ، وهو موجودٌ في الشَّرع، ولانحتاج إلى وجوده تكوينًا».
ثمَّ أورد المحقِّقُ المجاهدُ قدس سره ثانيًا على الجريان ب: «أنَّه معارضٌ دائمًا بالاِستصحاب التَّنجيزيِّ، وهو الحِلِّيَّة بعد الغليان».
وأجاب الشَّيخُ قدس سره عنه ب: «أنَّه لامنافاة بين الاِستصحابَين حتَّى يثبت التَّعارض بينهما، لأنَّ التَّنجيزيَّ منه محلَّه قبل الغَلَيان، والتَّعليقيَّ بعده».
فالأقوىٰ جريانُه من غير إشكالٍ.
وما قيل من: «أنَّه ليس للزَّبيب ماءٌ أصلًا حتَّى يُستصحَب الحكم، فالاِستصحاب فيه سالبةٌ بانتفاء الموضوع»؛
ممَّا لايُسمَعُ أصلًا؛ لأنَّه:
ص: 221
أوَّلًا: يرجع إلى الموضوعات الخارجيَّة، الخارج عن شأن الفقيه والأصوليِّ.
وثانيًا: أنَّ الكلام لا أصل له أصلًا، إذ للزَّبيب ماءٌ يصنعون عنه نوعًا من الحَلَويَّات - ويقال لها بالفارسيَّة: «حلواچوبه» -.
اُختُلِف في جريان الاِستصحاب في الأحكام الثَّابتة في الأديان السَّالفة إذا شُكَّ في وجودها في شريعتنا. فمثلًا ثبتت الجُعالةُ في زمن يوسفَ عليه السلام، لقوله - عظُمَت قدرتُه! -: وَ لِمَنْ جٰاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ (1)؛ كما وقد ثبتَتْ حرمةُ لحم كلِّ ذي ظُفُرٍ في زمن موسىٰ عليه السلام، لقوله - جلَّ وعلا! - أيضًا: وَ عَلَى اَلَّذِينَ هٰادُوا حَرَّمْنٰا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ(2)؛
فلوشُكَّ في ثبوت الحُكْمَين علينا، هل يجوز الاِستصحاب؟، أم لا؟.
قوله عليه السلام: «لاتنقُضِ اليقينَ أبدًا بالشَّكِّ»(1) -، والمانعَ مفقودٌ؛ لأنَّ ما قيل بكونه مانعًا أُمورٌ غير تامٍّ؛ وهي:
تغايُرُ الأديان عُرفًا، فلامحالة يلزم تغاير القضيَّتين المُتَيقَّنة والمشكوكة فيهما؛ فلاقضيَّة متَيقَّنة حتَّى يُستَصحَب.
وفيه: إنَّ الأحكام وُضِعت على سبيل القضايا الحقيقيَّة، لا الخارجيَّة؛ فإذن حكمُه - تعالى! - وُضِع لجميع الأزمنة على جميع النَّاس؛ والدِّين والخارجيَّة غير دخيلٍ في مشروعيَّة الحُكْمِ.
بعد نسخ الأديان - بظهور الإسلام - لاشكَّ في نسخ أحكامها، فليست هيهنا قضيَّةٌ مشكوكةٌ حتَّى تُستَصحَب.
وفيه: إنَّ معنى النَّسْخ ليس نسخَ جميع أحكام الأديان السَّالفة؛ فلذلك قد صدَّق الذِّكرُ الحكيمُ كثيرًا من أحكام الأمم السَّابقة بنفسه.
إنَّ العِلم الإجماليَّ بوجود النَّسخِ يمنع عن الاِستصحاب، لعدم جريان الأصولِ في أطراف العِلم الإجماليِّ - إذ المشكوك من أطراف العلم الإجماليِّ -.
وفيه: إنَّ ما عُلِم فيه النَّسخ ليس من أطراف العلم الإجماليِّ، وما شكَكْنا فيه هو
ص: 223
مورد الاِستصحاب.
وبعبارةٍ أُخرىٰ: بعد العلم بوجود ما نُسِخ لايبقىٰ للعلم الإجماليِّ طرفٌ.
هذا ما أفاد الشَّيخ قدس سره(1)، ومن تابَعَه فيه؛ فصار جوازُ جريان الاِستصحاب في أحكام الأُمَم السَّالفة مشهورًا بين متأخِّري المتأخِّرين(2).
ولكن بعدُ في النَّفس وسوسةٌ لجواز جريانه.
توضيح ذلك: إنَّه لووصل إلينا كتابٌ من المولىٰ وعلِمنا بوقوع الدَّسِّ أو التَّحريف أو النَّسخ فيه، فذلك الكتابُ غير حجَّةٍ عقلًا، بل شرعًا.
وكذلك الحكمُ في تلك الشَّرائع، إذ يجري فيها وفي جميع أجزائِها إحتمالُ الدَّسِّ والتَّحريف؛
فالعمل بها غير جائزٍ، ولايمكن للمولىٰ الاِحتجاج بها على العبد، أو للعبد الاِحتجاج بها عليه - جلَّ وعلا! -.
ص: 224
اشتَهر بين الأصحاب أنَّ الأصول العَمَليَّة إذا جرَتْ في موضوعات الأحكام ثبَتَ ذلك الموضوع، فيتَرتَّب عليه حكمُه(1). كما إذا شُكَّ في حياة زيدٍ فالاستصحاب يُثبِت حياته أوَّلًا، ثمَّ يترتَّب عليه عدمُ جواز التَّصرُّف في ما يتعلَّق به - كماله و زوجته -، حتَّى لورثته؛
ولكن لايُثبَت بذلك الجريانِ لوازمُ الموضوع، عقليَّةً كانتْ، أو عرفيَّةً؛ فلايترتَّب عليه أحكامُ تلك اللَّوازم.
فعلى سبيل المثال: لايُثبَت بذلك إنباتُ لِحيَتِه وبلوغُه حدَّ البلوغِ.
واستدلَّ الشَّيخُ قدس سره على ذلك ب: «أنَّ تلك الآثار تكوينيَّةٌ، فلاتُثبَت بالاِستصحاب، لأنَّها لاتقبَلُ الجعلَ»(2).
وفيه: إنَّ الموضوع نفسَه أيضًا تكوينيَّةٌ - وهو الحياةُ -؛ فكما أنَّه يُستصحَب ويُتُرتَّب عليه أحكامُ الحياة الخاصَّة، فكذلك يُثبَت به البلوغُ وإنباتُ اللِّحيَّة وغيرهما، ويُترتَّب عليها أحكامُها.
واستدلَّ في الكفاية ب: «أنَّه لا إطلاق في أدلَّة الأصول العَمَليَّة حتَّى يُثبَت بها اللَّوازم، بل القدرُ المُتَيقَّن منها هو ترتُّب أحكام الموضوع فقط، لا لوازمه، حتَّى
ص: 225
يُترتَّب على اللَّوازم أيضًا أحكامُها»(1).
وفيه: إنَّ الاِستصحاب يُنزِّل المشكوكَ منزلة المتيقَّن، والشَّاكَّ منزلةَ المتيقِّن؛ فإذن المُعنىٰ: أنت ذويقينٍ تعبُّدًا عقلًا، أو شرعًا. فكما إذا أيقَن بحياة زيدٍ يترتَّب عليه أحكامَها ولوازم أحكامها، كذلك إذا أيقَنَ تعبُّدًا بحياته يترتَّب عليه - أيضًا - أحكامَها ولوازم أحكامها.
وهذا أمرٌ عرفيٌّ؛ حتَّى لوقيل له: «لايجوزُ لك أن تترتَّب على حياة زيدٍ لوازمَه»، يستوحشَ من ذلك!.
فلذلك نقول: العرفُ والعقلُ يستوحشان من المُصطَلح عليه بالأصل المثبت؛ وإثباته يحتاج إلى دليلٍ قويٍّ. وبمثل ما قيل في المقام لايمكن الأخذ بالأصل تعبُّدًا، وردعُ العقلِ والعرف عمَّا يجزمان به.
فالمختار: إنَّ الأصل المثبت حجَّةٌ مطلقًا، سيَّما إذا قلنا: أنَّ الاِستصحاب أصلٌ عُقلائيٌّ، لا شرعيٌّ - كما اخترناه وقوَّيناه سابقًا -.
وبالجملة: إنَّ الأصول العَمَليَّة والفقهيَّة - كقاعدة اليد - والأمارت كلَّها كما يُثبَت بها موضوعات الأحكام، يُثبَت بها لوازم تلك الموضوعات أيضًا؛ ودليلنا عليه هو عرف العقلاء، ولاردع من الشَّارع عنه، فهو حجَّةٌ شرعًا أيضًا.
والظَّاهر أنَّ المسألة لاتحتاج إلى تطويلٍ أزيد من ذلك. فإن شئتَ الخوضَ في
ص: 226
غِمار الأبحاث فراجع إلى الفرائد، وما كتبه الأعلام تحشيَةً عليه.
إنَّ الشَّيخَ قدس سره لمَّا رأىٰ أنَّ حجِّيَّة الأصل المثبت أمرٌ عرفيٌّ، اختَصَّ تلك الحجيَّة بخفاء الواسطة؛ كما إذا استُصحِبَ الشَّرطُ يُثبَتُ به الشَّرطيَّةُ، لا مطلقًا(1).
وأضاف إليه تلميذُه الكبيرُ المحقِّقُ الخراسانيُّ قدس سره جلاءَ الواسطة، كما إذا اُستُصحِب الكلِّيُّ يُثبَت به الفردُ.
واستدلَّ عليه ب: «أنَّه لولا ذلك ليرَى العرف نقض اليقين بالشَّكِّ، وهو خلاف جريان الاِستصحاب».
قلت:
أوَّلًا: إذا كان الأصل حجَّةً عند خِفاء الواسطة وجلائِها، فلايبقىٰ شيءٌ خارجٌ عنهما، فلامحلَّ لعدم حجِّيَّة الأصل المثبت أصلًا.
وثانيًا: إنَّ العرف - كما قلنا - يرى التَّفكيك بين الملزوم ولوازمه من نقض اليقينِ بالشَّكِّ؛ ولذلك إنَّ الشَّيخ قدس سره نفسَه ادَّعىٰ شهرةَ حجيَّة الأصل المثبت مطلقًا بين الأصحاب.
ص: 227
إنَّ المحقِّق الخراسانيَّ قدس سره في هذا التَّنبيه تمثَّل بأمثلةٍ لبيان حجِّيَّة الأصل المثبت(1)؛ وهي:
ما كان من باب الخارج المحمول الَّذي لامصداقَ له في الخارج إلَّاشيئًا واحدًا، ولم يكن بإزاء المحمول شيءٌ، فاستصحاب الموضوع وترتُّب المحمول عليه ليس بمثبتٍ؛ لأنَّ المحمول حقيقةً هو نفس الموضوع - لأنَّه يُنتَزع من حاقِّ ذاته ويُحمَل عليه -، كالفرد والكُلِّيِّ. فاستصحاب الفرد وترتُّب الكلِّيِّ عليه ليس بمثبتٍ.
فإذن الأصل المثبِت ينحصر في المحمول بالضَّميمة الَّذي يكون بإزاء المحمول شيءٌ غير الموضوع - كالقيام لزيدٍ مثلًا -.
وفيه: إنَّ العرف يرىٰ التَّبايُن في الخارج المحمول أيضًا، فاستصحاب الموضوع وترتُّب المحمول عليه عنده من باب المثبِت أيضًا.
نعم!، إنَّ انفكاك التَّلازم في الخارج المحمول وفي المحمول بالضَّميمة - كِلَيْهما - غير جائزٍ عنده، بل يستوحش من الانفكاك؛
فاستصحابُ وجود زيدٍ وعدم ترتُّب وجود الإنسان عليه مثل استصحابه وعدم ترتُّب عوارضه عليه عنده، إذ لايتردَّد في عدم جوازه، بل يستوحش من
ص: 228
التَّفكيك - سواءٌ كانت القضيَّةُ من الخارج المحمول، أو من المحمول بالضَّميمة -.
إنَّ اِثبات الإنتزاعيَّات - كاستصحاب الشَّرط، أو الجزء، واِثبات الشَّرطيَّة أو الجزئيَّة - ليس بمثبتٍ؛ لما مرَّ الكلام آنفًا من أنَّ الجزئيَّة هي الجزء، والشرطيَّة هي الشَّرط، وليست الجزئيَّة أو الشَّرطيَّة شيئًا وراء الجُزء والشَّرط.
فاستصحاب الشَّرط أو الجزء واِثبات الشَّرطيَّة أو الجزئيَّة، ليس بمثبتٍ.
وفيه: إنَّ الشَّرط والجزء كما يكون غير الشَّرطيَّة والجزئيَّة عقلًا - ضرورةَ أنَّ الشَّرط أو الجزء منشأ انتزاعِ الشَّرطيَّة والجزئيَّة -، فكذلك عرفًا؛ فاستصحاب الشَّرط والجزء واِثبات الجزئيَّة والشَّرطيَّة به ليس إلَّامن باب الأصل.
نعم!، إنَّ الإنفكاك غير جائزٍ، بحسب العقل والشَّرع والعرف، فعدم إثبات الإنتزاعيَّات بعد جريان الاِستصحاب في المنتزَع منه ليس بجائزٍ، بحسب الثَّلاثة.
ليس استصحاب عدم التَّكليف وترتُّب عدم وجود الحكم عليه بمثبتٍ، وعدم إطلاق الحكم في الأزل لايضرُّ بعدَ كونه حُكمًا بعدَ الاِستصحاب.
وعدم استحقاق العقوبة - و هو من اللَّوازم المجعولة - لايضرُّ بعدَ صدقه بعد ثبوت البراءَة.
ص: 229
لاأقول: إنَّه لازمٌ أعمٌّ - كما في الكفاية(1) -، لأنَّ المخالفة في الأمارات والأصول لايلزم العقوبة ولو عمدًا، ومايُستَحقُّ به العقوبةُ هو مخالفة الواقع، وشأن الأمارات والأصول ليس إلَّاالمنجِّزيَّة والمعذِّريَّة - كما قد أقرَّ بذلك في الكفاية غير مرَّةٍ -.
قال قدس سره في الكفاية: «إنَّ الأثر لوكان للأعمِّ من الحكم الواقعيِّ والظَّاهريِّ، يترتَّب على المستصحَب بعد الاِستصحاب؛ وليس بمثبتٍ، لتحقُّق موضوع الأثر بالاستصحاب. فوجوب الموافَقَة وحرمة المخالَفَة بعده يترتَّب عليه، لأنَّ هذه الآثار تكون من اللَّوازم القطعيَّة له»(2).
وفيه: أوَّلًا: إنَّ وجوب الموافقة وحرمة المخالفة - وأمثالهما - من اللَّوازم الواقعيَّة، لا الأعمِّ عنه وعن الظَّاهريِّ - كما مرَّ الكلام فيه آنفًا -؛
وثانيًا: إنَّ هذه الآثار - أيضًا - آثارٌ عقليَّةٌ، فالترتَّبُ مثبِتٌ من غير فرقٍ.
ص: 230
إنَّه يُشترَط في جريان الاستصحاب ثبوتُ الأثر، وإلَّا يلزم اللَّغو. لكنَّ الأثر يكفي فيه أن يكون عِلميًّا، أو عقليًّا، أو عرفيًّا؛ ولانحتاج إلى الأثر العمَليِّ بخاصَّةٍ؛ كما قيل بذلك في الأمارات والأصول؛
ضرورةَ أنَّ كثيرًا من الأمارات لايترتَّب عليه أثرٌ عمَليٌّ، بل له آثارٌ عقليَّةٌ أو عرفيَّةٌ فقط.
فمِن ذلك استصحابُ عدم التَّكليف، حيث لم يكن له أثرٌ بحسب الحدوث، لكنَّ الأثر باعتبار البقاء، وهو كافٍ لرفع اللَّغويَّة.
بل نقول: إنَّ الأثر يُلاحَظُ عند الجَعْل فقط، حذرًا عن اللَّغويَّة؛ أمَّا بعده فالأمارات والأصول حُججٌ يجوز جريانها فيما لاأثر لها فيه أصلًا.
إذا كان الشَّكُّ في الاِستصحاب في تقدُّم شيءٍ أو تأخُّره بعد القطع بتحقُّقه في زمانٍ - كما إذا عُلِم بموت زيدٍ قطعًا، ولكن شُكَّ في تقدُّم الموت على اليوم الجُمُعة أو تأخُّره عنها -، يقال له: استصحابُ مجهول التأريخ.
وينقسم إلى أقسامٍ:
إذا لُوحِظ بالإضافة إلى أجزاء الزَّمن. فلاإشكال في جريان استصحاب عدم تحقُّق المستصحَب في هذا الزَّمن.
ص: 231
ففي المثال يجري اِستصحاب عدم موتِه إلى زمانٍ عُلِم موتُه فيه.
إذا لُوحِظ بالإضافة إلى حادثٍ آخر عُلِم بحدوثِه، ولكن شُكَّ في تقدُّم ذلك عليه أو تأخُّره عنه. كما إذا عُلِم بموت زيدٍ وابنه في زمانٍ، ولكن شُكَّ في تقدُّم موت زيدٍ على الإبن، أو تأخُّره عنه، إذ كانا مجهولَي التَّأريخ.
فلاإشكال في استصحاب عدم التَّقدُّم في كِلَيهما، فيتعارض الاِستصحابان ويتساقطان.
إلَّا أن يكون الأثر لواحدٍ منهما، فله الجريان دونَ الآخر.
إذا لُوحِظ بالإضافة إلى الآخر ويكون أحدُهما معلومَ التَّأريخ. كما إذا عُلِم بموت زيدٍ يوم الجُمُعة وشُكَّ في تقدُّم موت إبنه عليه.
فلاإشكال في استصحاب عدم موت الإبن إلى موت زيدٍ.
فإن قلنا بحجِّيَّة الأصل المثبت ولو في المقام - لخفاء الواسطة -، فيَثبُت التَّقارن بين الموتين؛ وإلَّا فلا.
فتلخَّص: أنَّ الاِستصحاب في كلٍّ من الصُّور الثَّلاث جارٍ، ويترتَّب عليه آثاره؛ بل يثبتُ به لوازمُه - من التَّقارن، أو التَّقدُّم، أو التَّأخُّر -.
ص: 232
إنَّ الاِستصحاب يختصُّ بالأحكام الشَّرعيَّة، ولايرتبط بالأخلاق والإعتقادات. لأنَّ الاِستصحاب تُعيِّن الوظيفة في ظرف الشَّكِّ، بينما أنَّ في الإعتقادات والأخلاق - بل والأخلاقيَّات - لابدَّ من تحصيل اليقين؛ ولولم يُقدَر عليه فالعقلُ يحكم بالإحتياط.
فبما ذكرنا يظهر حالُ ما وقع بين نصرانيٍّ وبين الإمام الثَّامن الرَّؤوف عليِّ بن موسىٰ الرِّضا عليه السلام، لأنَّه استصحَبَ حجِّيَّة دين عيسىٰ عليه السلام إلى زمن المناظرة، والرِّضا عليه السلام أجاب بأنَّا نؤمن بالدِّين الَّذي أُخبِر فيه بمجيء الإسلام؛ فأجاب عنه عليه السلام بقوله: جِئْني ببينَّةٍ، فاستَحسَنه الإمام عليه السلام؛ ثمَّ بيَّن له البيِّنةَ (1).
فالإمام عليه السلام أسكَته عن الإحتجاج بالاِستصحاب أوَّلًا، مشيرًا إلى أنَّه لم يقعْ في محلِّه؛ ثمَّ أخَذ في الكلام مع الخصم ثانيًا.
وهذه المحاجَّةُ وقَع - طابقُ النَّعل بالنَّعل - بين يهوديٍّ وبين بعض علمائِنا الأخيار.
قلتُ: لاينبغي وضعُ تنبيهٍ مستقلٍّ لمثل هذا الكلام، إذ فيه تضييعٌ للعمر!؛ والإعراضُ عنه أجدر.
ص: 233
كما إذا قيل: «أكرِم العلماءَ»، ثمَّ قال: «لاتُكرمْ العلماءَ يوم الجُمُعة»، فشُكَّ في وجوب إكرامِهم يومَ السَّبت، فهل تُقدَّم العامُّ؟، أو اِستصحاب الُمخصِّص؟.
المسألةُ على أنحاءٍ أربعةٍ:
الأوَّل: أن يكون العامُّ استغراقيًّا، والخاصُّ أيضًا كذلك. فلاإشكال في تقدُّم الُمخصِّص، لدلالة عموم الُمخصِّص على إكرامهم يومَ السَّبت.
الثَّاني: أن يكون العامُّ استغراقيًّا والخاصُّ غير استغراقيٍّ. كما إذا قال: «أكرِم العلماءَ إلَّايوم الجُمُعة»، فلاإشكال في تقدُّم العامِّ على الخاصِّ، لدلالة الدَّليل على وجوب إكرامهم يومَ السَّبت؛ فلاتصلُ النَّوبة إلى الاِستصحاب.
الثَّالث: أن يكون العامُّ غير استغراقيٍّ والخاصُّ استغراقيًّا. فلاإشكال في تقدُّم الخاصِّ على العامِّ؛ لا لاستصحاب الُمخصِّص، بل لدلالة الدَّليل - وهو ظهور الخاصِّ -.
الرَّابع: أن يكون العامُّ والخاصُّ كلاهما غير استغراقيَّيْن. ففي يوم السَّبت لا دلالة للعامِّ على الإكرام، ولاللخاصِّ على عدمه؛ فتصلُ النَّوبةُ - إذن - إلى اِستصحاب الُمخصِّص.
لايقال: إنَّ اِستصحاب العامِّ - أيضًا - لامانع منه؛
لأنَّه يُقال: إنَّه غير جارٍ، لوقوع الفصل بين اليقين والشَّكِّ، بينما أنَّ الاتِّصال بينهما شرطٌ في صحَّة الاِستصحاب.
ص: 234
المراد من الشَّكِّ في قوله عليه السلام: «لاتنقُضِ اليقينَ بالشَّكِّ» هو خلاف اليقين.
فالظَّنُّ غير المُعتَبر داخلٌ فيه، لأنَّ الظَّنَّ غير المعتبر وجوده كعدمه؛ فهو مساوقٌ للشَّكِّ.
ولأنَّ قوله عليه السلام: «لاتنقُض اليقينَ بالشَّكِّ» معناه: لاتنقض الحجَّة بغير الحجَّة؛ فالمناط فيه هو الحجِّيَّة، وعدمُها.
فعلىٰ ما قلنا ظهر أنَّه لااعتبار بلفظَتَي اليقين والشَّكِّ، وهما في المقام وسائر المقامات - كقولَيْه عَظُمَت قدرتُه!: لاٰ تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (1)، و: إِنَّ اَلظَّنَّ لاٰ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئاً (2)- بمعنىٰ الحجَّة، وغير الحجَّة.
ولأنَّ قوله عليه السلام: «لاتنقُض اليقينَ بالشَّكِّ، بل انقُضْه بيقينٍ آخر» ظاهرٌ في أنَّ ما يَنقُض اليقينَ هو اليقينُ، لاشيءٌ آخر.
ص: 235
لاإشكال في اشتراطِ وحدة القضيَّتَين المتيَقَّنة والمشكوكة في المقام.
إنَّما الكلامُ في أنَّ هذه الوحدة هل يُدرَك بالعُرف؟، أو بالعقل؟. و:
حيث إنَّ فهم الأحكام كلِّها يكون بنظر العُرف، لا العقل - لأنَّه هو المخاطَب في الأحكام كلِّها -؛
كما أنَّ الموضوعات كلَّها تُؤخَذ من العُرف، لاالعقل - لأنَّ الأحكام تترتَّب على الموضوعات العرفيَّة، لا العقْليَّة -، فالوحدة في الاِستصحاب وغيره لابدَّ من أن تُؤخَذَ من العُرف، لا العقل.
وهذا واضحٌ لايحتاج إلى الاِكثار من القيل والقال.
هذا، ولو لم يكن كذلك لَيلزم اللَّغو في دليل الاِستصحاب، لأنَّه لوتُؤخَذ الوحدةُ من طريق العقل، لم يُوجَد موردٌ لجريان الاِستصحاب؛ لأنَّ القضيَّة المتيَقَّنة لولم يُوجَد فيها اختلافٌ مَّا، فلاشكَّ فيه حتَّى يقال: «لاتَنقُض اليقينَ بالشَّكِّ»؛
فلابدَّ من وجود الإختلاف فيها - كتغييرٍ في الحالات، كيفيَّةً أو كمِّيَّةً -؛ والعقلُ لايرىٰ مع ذلك الإختلاف وحدةً أصلًا، فلايبقىٰ مجالٌ لجريان الاستصحاب أصلاً، دون العُرف.
لاإشكال في تقدُّم الأمارت على الاِستصحاب، لأنَّ الاِستصحاب هو لتَعيين
ص: 236
الوظيفة في ظرف الشَّكِّ، ولوقيل بأنَّه أصلٌ عُقَلائيٌّ - كما اخترناه -؛
بينما أنَّ الأمارة هي رفع الشَّكِّ نفسِه؛ فلامورد للأصل معه.
وإن شئتَ قلتَ: إنَّ الأمارة واردةٌ على الاِستصحاب، لأنَّ الأمارة هي ترفَعُ الشَّكَّ تعبُّدًا، فلايبقي شكٌّ حتَّى يُقالَ بجريان الاِستصحاب فيه.
نعم!، لوقلنا أنَّ حجِّيَّة الأمارت تعبديَّةٌ شرعيَّةٌ، وأنَّ الشَّارع جعَلَ الخبر الثِّقة حجَّةً - بقوله عليه السلام: «فمٰا أدّىٰ إلَيكَ عنِّي فعنِّي يُؤدِّي»(1) -، فالأماراتُ حينئذٍ حاكمةٌ على الاِستصحاب، لأنَّها إذن ناظرةٌ بدليلها إليه بدليله.
وهذا القول - أيضًا - حسَنٌ تامٌّ، لأنَّ دليلَ حجِّيَّة الأمارات ولو إمضاءً، ناظرٌ إلى دليل الأصول ولو إمضاءً.
كما أنَّه لوقلنا: أنَّ الأمارت توجِب الإطمئنان - وهو اليقينُ العرفيُّ، وليس هذا القولُ ببعيدٍ - فحينئذٍ تتقدَّم على الأصول تخصُّصًا، لأنَّ بعدَ وجود الأمارة لايبقىٰ شكٌّ بحسب الوجدان، فلامورد للأصول أيضًا؛ لأنَّ الأصول كلَّها وُضِعتْ لتعيين الوظيفة في ظرف الشَّكِّ، وبعد وجود الأمارة لاشكَّ حتَّى تُعيَّنَ الوظيفةُ بحسبه.
ص: 237
لاإشكال في تقدُّمها عليه، كتقدُّم قواعد اليد والسُّوق والفَراغ بلاإشكالٍ على الاِستصحاب.
ولعلَّ ادِّعاء الضَّرورة في ذلك في علمَي الفقه والأصول، ليست بمجازفةٍ في القول.
إنَّما الكلامُ في وجه تقدُّمها عليه.
فإن قُلنا بأماريَّة هذه القواعد، فالكلامُ هو الكلام الَّذي سبقَ ذكرُه في تقدُّم الأمارت على الأصول؛ ولانعيده.
وهذا الاِدِّعاء قريبٌ جدًّا.
وأمَّا لو لم نقل بأماريَّتها، فالقولُ به مُستنِدًا إلى الورود، أيضًا لابأس به؛ لأنَّ قاعدة اليد - مثلًا - حجَّةٌ تعبُّدًا، فهو يقينٌ تعبُّديٌّ، ولاشكَّ مع اليقين حتَّى تصلَ النَّوبةُ إلى الاِستصحاب.
وإن أبَيتَ عن ذلك، فللتَّقدُّم للتَّخصيص اللُّبِّيِّ أيضًا وجهٌ وجيهٌ إن قلنا بحجِّيَّة تلك القواعد بحسب العقل، لأخصِّيَّة دليل القواعد على دليل الاِستصحاب؛ بل للتَّخصيص اللَّفظيِّ، لأنَّ دليل قاعدة اليد - مثلاً، شرعيًّا كان أو إمضائيًّا - أخصٌّ من دليل الاِستصحاب؛
فبقاعدة حملِ العامِّ على الخاصِّ تُقدَّمُ قاعدة اليد على الاِستصحاب.
ص: 238
وإن أبَيتَ عن ذلك أيضًا، فوجه التَّقدُّم أنَّه لولاه للزِمَ اللَّغويَّة في دليل قاعدة اليد، لأنَّ في جميع موارد القاعدة تجري الاِستصحاب أيضًا، فلايوجد موردٌ لجريان القاعدة إذا إلَّاشاذًّا.
وإن أبَيتَ عن ذلك، فوجه التَّقدُّم هو التَّوفيق العرفيُّ بينهما؛ لأنَّ العُرف وفَّقَ أن يجمعَ بين الدَّليلَين بتقدُّم اليد على الاِستصحاب.
تقدُّمُه على الأصول لاإشكال فيه، فقهيًّا وأصوليًّا؛ فلذلك قد اشتَهَر بين الأصحاب: «إنَّ الاِستصحابَ برزخٌ بين الأمارات والأصول»(1)؛
إذ الثَّاني مقدَّمٌ على الأوَّل، والأوَّل على الثَّالث، بلا كلامٍ.
إنَّما الكلامُ في وجه التَّقدُّم.
والأقوىٰ أنَّه للورود، إذ دليل الاِستصحاب رافعٌ لدليل الأصل تعبُّدًا؛
بل للحكومة، إذ قوله عليه السلام: «لاتنقُضِ اليقينَ بالشَّكِّ» معناه: أنت ذويقينٍ تعبُّدًا،
ص: 239
فيَحكُم على قوله عليه السلام: «رُفِع ما لايعلَمونَ».
نعم! نتيجة الحكومة هيهنا تُساوِقُ الورودَ أيضًا.
ص: 240
وفيه فصولٌ
ص: 241
ص: 242
هذا المقصد من أهمِّ مباحث هذا العلم، وهو في تعارض الأمارات. وتفصيل الكلام فيه في ضمن فصولٍ.
وهو تعارض الرِّوايتين ذاتًا، أو عرَضًا، على وجهٍ لايمكن الجمع بينهما عُرفًا.
والمراد ب «العَرَضيِّ»: كونُ الدَّليلين بحيث لامنافاة بينهما بحسب الظَّاهر، ولكن بحسب الواقع وقع التَّعارض بحيث لايمكن الجمعُ بينهما عُرفًا؛ فهو من باب التَّعارض.
كما إذا قيل: «صَلِّ الظُّهر يومَ الجُمُعة»، ثمَّ قيل أيضًا: «صلِّ الجُمُعة يوم الجُمُعة» فهما غير متنافيَين بحسب الظَّاهر، إلَّاأنَّه لمَّا علِمنا أنَّه لايجب يوم الجُمُعة إلَّاصلوةٌ واحدةٌ، فيقع التَّعارض بين الرِّوايتَين.
والمرادُ ب «عدم إمكان الجمع بينهما عُرفًا»: أنَّه لوأمكن الجمعُ بينهما عقلًا فهو
ص: 243
من باب التَّعارض أيضًا. فإذا قيل: «أكرِم العلماءَ» ثمَّ قيل أيضًا: «لاتُكرِم العلماءَ»، فللعقل أن يجمع بينهما بأخذ القدر المُتَيقَّن من الأمرَين، فيحكم بوجوب إكرام العدول منهم، وحرمة إكرام الفُسَّاق منهم أيضًا؛
ويُقال لهذا الجمعِ: «الجمعُ التَّبرُّعيِّ».
ولكنَّ العرفُ لايخضع لهذا الجمع، ويرى التَّنافي ثابتًا بينهما.
كما أنَّه لوأمكن الجمع بينهما عرفًا، فليسا من باب التَّعارض في شيءٍ، بل فهْم العرف متَّبعٌ فيه، وإن كانا متعارِضَيْن في بادىءِ الرَّأي.
فبناءً عليه إذا وَفَّقَ العرفُ أن يجمع بين أمارَتَين متعارِضَتَين، فهو المتَّبع؛ ويُقال له في الإصطلاح: «التَّوفيقُ العُرفيُّ».
ففي العامِّ والخاصِّ والمطلق والمقيَّد والظَّاهر والأظهر والنَّصِّ والظَّاهر وترقُّب احد الدَّليلين على الآخر - المُصطَلَح عليه بالحكومة - وورود أحد الدَّليلَين على الآخر بحيث يُسلَبُ الموضوعُ عنه - الَّذي يقال له: الورودُ - يُقدَّمُ الخاصُّ على العامِّ، والمقيَّدُ على المطلق، والنَّصُّ على الظَّاهر، والأظهرُ عليه، والحاكم على المحكوم عليه، والوارد على المورود عليه؛ وللعرف التَّوفيق في رفع التَّعارض البَدْويِّ.
فكلُّ هذا ونحوه خارجٌ عن المبحث، وليس من باب التَّعارض.
ص: 244
إنَّ القاعدةَ تقتضي عدمَ حجِّيَّة الخبرَيْن المتعارضَين، لأنَّه حينئذٍ يُعلَم بكذب أحدهما قطعًا؛
إمَّا من حيث السَّند؛
أو من حيث الجَهَة؛
أو من حيث الدِّلالة.
فهما متعارضان متساقِطان.
إلَّا أنَّ الإجماع والنَّصَّ يدلَّان على عدم السُّقوط.
نعم! في غير الأمارة لابدَّ من أن يُعمَل بما تقتضيه القاعدة - وهو السُّقوطُ -؛ فالدَّليلان المتعارِضان ليس واحدٌ منهما بحجَّةٍ، والاستنثاءُ عن هذا الحكم يختصُّ بالأمارة والخبر فقط.
ص: 245
وما اشتهر بين الأصحاب من: «أنَّ الجمع مهما أمكنَ أولىٰ من الطَّرح»(1)، ليس له وجهٌ إلَّافيما للعُرف الجمعُ بينهما - كالعامِّ والخاصِّ، الَّذي سبق الكلامُ فيه -.
ص: 246
سبق وأن ذكرنا أنَّ النَّصَّ - كمختار الأصحاب تبعًا له - يدلُّ على عدم سقوط الخبَرين المتعارِضَين، ولابدَّ من العمل بأحدهما إن كان فيه ترجيحٌ؛ وإلَّا فللفَقيه التَّخييرُ فيه.
والرِّوايات في ذلك قد بلغَتْ حدَّ التَّواتر المعنويِّ؛ فلانحتاج إلى الفحص عن صحَّة سندِها، مضافًا إلى جبر ضعفِ سندها - لوثبت الضَّعفُ - بعمل الأصحاب.
فراجِعْ ما رواه المحدِّث الكبيرُ الحُرُّ العامليُّ قدس سره في الباب التَّاسع من أبواب صفات القاضي من جامعه الكبير(1)، تجِدُ فيه أزيد من عشرين حديثًا يدلُّ على ذلك.
منها ما عن الإمام عليِّ بن موسىٰ الرِّضا الرَّؤوف عليه السلام: «قلتُ له: يجيئُنا الرَّجُلان وكلاهما ثقةٌ بحديثَيْن مختلفَين ولانعلم أيَّهما الحقُّ؟، قال: إذا لم تعلَم فموسَّعٌ
ص: 247
عليك بأيِّهِما أخَذتَ»(1).
ويُمكن القولُ بأنَّ الرِّوايات كلَّها إرشاديَّةٌ إلى ما يحكم به العقلُ، لأنَّ للعقل الحكمُ بالتَّخيير بعد عدم التَّرجيح في أحدهما أوَّلًا، وبعد وجوب عدم طرح كِلَيْهما ثانيًا.
ولكن في نفس الباب رواياتٌ بلغَتْ حدَّ التَّواتر الإجماليِّ أيضًا، تدلُّ على التَّوقُّف عند عدم العلم بأحدهما، منها المذكور في ذيلِ مقبولة عمر بن حنظلة، وهو قوله عليه السلام: «إذا كان ذلك - أي: لم يُوجَد مرجِّحٌ في البَيْن - فارجهْ حتَّى تلقىٰ إمامَك، فإنَّ الوقوفَ عند الشُّبهات خيرٌ من الاِقتحام في الهَلَكات»(2).
والشَّيخُ قدس سره حمَل هذه الرِّوايات على ما إذا تمكَّن من لقاء الإمام عليه السلام(3)، كما هو ظاهر هذه الرِّواية. ثمَّ هناك رواياتٌ تدلُّ على ما إذا لم يتمكَّن منها، كما في زمن الغيبة؛
فمختارُ الشَّيخ في مقام الجمع ينافي هذه الطَّائفة من المأثورات، كقوله عليه السلام:
ص: 248
«فموسَّعٌ عليك حتَّىٰ ترَى القائمَ»(1).
ويُمكن أن يقالَ: إنَّ روايات التَّوقُّف - أيضًا - إرشاديَّةٌ إلى حكم العقل، لأنَّ العقلَ يحكم بالتَّوقُّف والإحتياط فيما إذا أمكن؛ فلامنافاة بين الطَّائِفَتين من الرِّوايات.
ص: 249
ص: 250
هل التَّخيير يختصُّ بالمجتهد، وله ان يختار ويفتي بما اختارَ لمقلِّده، فهو مسألةٌ أصوليَّةٌ؟؛
أو هو غير مختصٍّ به؟، بل يكون له ولغيره، فهو مسألة فقهيَّة؛ ولابدَّ للمجتهد أن يفتي بالتَّخيير ويختار المقلِّدُ ما شاءَ مما أفتىٰ به؟.
فيه خلافٌ. مذهبُ المحقِّق الآخوند قدس سره(1) والسَّيِّدِ الأستاذ الخُمينيِّ قدس سره(2) الثَّاني؛ مُعلِّلًا بأنَّ قوله عليه السلام: «فتخَيَّر» - وأمثاله - حكمٌ كلِّيٌّ لايختصُّ بفردٍ دون فردٍ.
ص: 251
وفيه: إنَّ هذا يساوق مقالةَ الأخباريِّين في الباب، وليس لمثل هذين الُمحقِّقين 0 أن يقولا بذلك!، ضرورةَ أنَّ الرِّوايات - كلَّها - كقواعد كلِّيَّةٍ تختصُّ بالمجتهد، وليس لغيره أن يعمل بها.
فله أن يستنبِطَ الحكمَ من الرِّوايات والقواعد، ثمَّ إذا أفتىٰ به فللمُقلِّد العملُ بما استنبَطَه الفقيهُ فقط.
ص: 252
هل الحكمُ الَّذي أفتىٰ به المجتهد باختيار إحدىٰ الرِّوايتَين، هو الحكم الواقعيُّ - كأمارةٍ ليس لها معارضٌ أصلًا -؟ أم لا؟، بل هو تعيينٌ للوظيفة في ظرف الشَّكِّ فقط - كالعمل بأصلٍ من الأصول العمَليَّة -؟.
الأقوىٰ هو الثَّاني، لأنَّ الأمارة في المقام مشكوكُ الحجِّيَّة، فليس لها كشفٌ؛ فلذا قلنا أنَّ القاعدة تقتضي التَّساقط وعدم الحجِّيَّة، إلَّاأنَّ النَّصَّ أرشَدَ إلى العمل بأحدهما.
فالأمارة في المقام نظيرُ التَّخيير في الأصول العمَليَّة بلافرقٍ.
فإن قلتَ: «إنَّ باب التَّعارض من مصاديق التَّخيير في الأصول العمَليَّة»؛
ما عدلتَ عن محضِ الحقِّ.
ص: 253
ص: 254
ذهب الشَّيخ قدس سره إلى أنَّ التَّخيير بدويٌّ، لا استمراريٌّ، خلافًا لتلميذه الكبير قدس سره، وللسَّيِّدِ الأستاذ قدس سره.
والأقوىٰ هو قول الشَّيخ قدس سره، لأنَّه استدلَّ على رأيه الشَّريف ب: «أنَّه لاإطلاقَ لروايات التَّخيير حتَّى تشمُلَ بعد الاِختيار.
والاستصحابُ لجواز التَّخيير لايجري بعد الاِختيار، لتعدُّد الموضوع عرفًا»(1).
وما قال به الخراسانيُّ قدس سره من: «أنَّ موضوع التَّخيير هو التَّخيير، وهو باقٍ بعد
ص: 255
الاِختيار»(1)؛
ليس بسديدٍ!، لأنَّه لااختيارَ بعد الاختيار.
وما قال به السَّيِّدُ الأستاذ الإمام الخمينيُّ من: «أنَّ موضوع الاِستصحاب هو المتحيِّر في الحكم، وهو باقٍ بالاِستصحاب بعد الاختيار»(2)؛
ليس بسديد أيضًا!، لأنَّه بعده لاتخييرَ له، فالاستصحابُ سالبةٌ بانتفاء الموضوع.
هذا، مع أنَّ لازم الاِستمرار في التَّخيير هو المخالفة القطعيَّة، والعقل يأباها. مثلًا:
إنَّه يختار جُمُعةً الجُمُعةَ وأخرىٰ الظُّهرَ، فإذن لا ترديد في مخالفته للحكم، من غير ترديدٍ فيها.
هذا، مع أنَّ العقل يحكم بالتَّخيير البدْويِّ، لا الاِستمراريِّ، وقلنا إنَّ الرِّوايات إرشاديَّةٌ، لا تعبُّديَّةٌ؛ فهي تابعةٌ لما يُرشِد إليه العقلُ.
ص: 256
المراد ب «التَّوقُّف» في الرِّوايات، هو الإحتياط والصَّبر قِبَل الحكم حتَّى يُعلَم الحال؛ فليس معناه التَّساقط والعمل بالأصل الَّذي يجري في المورد، لأنَّ التَّساقط هو ما يحكم به العقلُ في دوران الأمر بين المحذورَين، أمَّا الإمام عليه السلام فلم يرضَ بذلك، بل أمرَ بالأخذ بأحدِهما.
وقد ذكرنا أنَّ هذا تعبُّدٌ في خصوص الرِّوايات فقط؛ فلابدَّ من الأخذ بهذا التَّعبُّد.
هذا، مع أنَّ قوله عليه السلام في بعض مأثورات الباب: «إنَّ الوقوفَ عند الشُّبهات خيرٌ من الاِقتحامِ في الهَلَكات»(1)، كالنَّصِّ فيما قلنا.
ص: 257
وبعد ثبوت التَّعبُّد يَحكُم العقلُ بالتَّخيير بعد عدم إمكان التَّوقُّف، لثبوت التَّكليف عندَه.
وأمَّا لوأمكن التَّوقُّف والإحتياط، أو الصبر حتَّى لقاء الإمام عليه السلام أو لقاء مَن يُخبِره بالحال - كما جمَعنا به بينَ روايات بابَي التَّخيير والتَّوقُّف -، فلامناصَ عن التَّوقُّف.
ص: 258
قد وردَتْ رواياتٌ تبلغُ حدَّ التَّواتر المعنويِّ في وجوب الأخذ بذي المزيَّة من المتعارِضَين.
وهي على قسمين:
- كأصدقيَّته، وأعلميَّته، وأفقهيَّته، وأعدليَّته، ونحو ذلك -. وهذه الطَّائفة ترتبط بالحكم، ولاترتبط بترجيح روايةٍ على الأخرىٰ؛ فهي خارجةٌ عن المبحث.
والمزايا هيهُنا ثلاثةٌ:
1. الشُّهرة؛
2. وموافقةُ الكتاب؛
3. ومخالفةُ العامَّة.
ص: 259
كما وردتْ هذه الثَّلاثة جمعًا في مقبولة عُمَر بن حنظلة، ثمَّ متفرِّقةً في رواياتٍ كثيرةٍ.
إلَّا أنَّ الثَّلاثة ترجعُ إلى تمييز الحُجَّة عن غير الحجَّة، ولاصلَةَ لها بترجيح الرِّواية والأخذ بذي المزيَّة منها؛ لأنَّ «الشُّهرة» في الرِّوايات ليست هي الشُّهرة الرِّوائيَّة، بل المرادُ منها هي الشُّهرة الفتوائيَّة، لمكان قوله عليه السلام: «خُذْ بما اشتَهَر بين أصحابِك ودَعِ الشَّاذَّ النادرَ، فإنَّ الُمجمَع عليه لاريبَ فيه»(1) -.
لأنَّ إعراضَ الأصحاب عن روايةٍ أو رواياتٍ، يدلُّ على أنَّ الرَّيبَ كلَّه فيها.
وهذا هو المشتَهَر بين الأصحاب ب: «أنَّ الإعراض عن روايةٍ يوجبُ عدم حجِّيَّة تلك الرِّواية، كما أنَّ عمل الأصحاب بها ولوكانت ضعيفةً يَنجبِر ضعفَها»(2). وكذلك موافقةُ الذِّكر الحكيم ليس بمرجِّحٍ، بل هو تمييزٌ للحجَّة عن غير الحجَّة، إذ وردتْ:
«إنَّ ما خالف القرآن فاطرحوه»(3)، و: «إنَّه باطلٌ»(4)، و: «إنَّه زُخرفٌ»(5). وكذلك موافقة العامَّة أيضًا، إذ بعد ثبوت التَّعارض ليست فيها أصالةُ الجهة
ص: 260
أصلًا؛ فلذا قال المعصوم عليه السلام في بعض المأثورات: «إنَّ الرُّشد في خلافِهِم»(1).
ونحن لم نجد في تراثِنا الرِّوائيَّة ما يُذكَر لترجيح روايةٍ على أُخرىٰ يوجب الأخذ بها.
والمحقِّقُ الخراسانيُّ قدس سره بعد اللُّتَيَّا والُّتَي اِختارَ هذا المبنىٰ، فحمل روايات التَّرجيح على تمييز الحجَّة عن اللَّاحجَّة(2).
نعم! في طائفةٍ منها - كالواردة تحت أرقام السَّابع(3) والثَّامن(4) و السَّابع عشر(5) من الباب التَّاسع من أبواب صفات القاضي من كتاب القضاء من الجامع الكبير وسائل الشِّيعة - أمرَ الإمام عليه السلام بأخذ الرِّواية المتَأخَّرة من حيث زمن الصُّدور.
إلَّا أنَّه لابدَّ من طرحِها، أو تأويلها، لأنَّ كلَّهم نورٌ واحدٌ، فلافرق بينهم أصلًا، ولايُفرَض التَّخالف بين ما صدَر عنهم. وهذا سرُّ ما ورَد من جواز نسبةِ قول إمامٍ إلى إمامٍ آخر.
ص: 261
نعم!، قد يكون المؤخَّر مبيِّنًا للمقدَّم، كالوارد في باب الخمس من التَّحليل عن سيِّدنا الإمام الصَّادق عليه السلام، ثمَّ تحريمِه على الشِّيعة عن أبنائه المعصومينَ عليهم السلام؛ فيُفهَم من المتأخِّر ثبوتُ التَّوقيت في المتقدِّم.
وإن شئتَ قلتَ: الأوَّلُ منسوخٌ بالثَّاني.
وأجودُ منه اِختيارُ كون الثَّاني مُبيِّنًا للأوَّل.
ص: 262
هل يُتُعدّىٰ من المرجِّحات المنصوصة إلى غيرها - بحيث تُتقدَّمُ الرِّواية ذي المزيَّة على غيرها بواسطِتَها -؟.
فيه خلافٌ.
ذهب الشَّيخ قدس سره إلى جواز التَّعدِّي(1)، ونسبَ ذلك إلى جمهور المستنبِطينَ (2)؛
وذهب المحقِّقُ الخراسانيُّ قدس سره إلى عدم الجواز(3).
ص: 263
واستدلَّ الشَّيخُ قدس سره بأمورٍ:
إنَّ ذكر الأصدقيَّة والأوثقيَّة فيها يدلُّ على أنَّ المناط في التَّرجيح هو الأقربيَّة إلى الواقع، فيُمكِن أن يُؤخَذ بهذا المَناط لتعيين المُرجِّح غير المنصوص.
إنَّ التَّعليل الواردَ في روايات التَّرجيح بقوله عليه السلام: «إنَّ الُمجمَع عليه لاريب فيه»(1)، يدلُّ على أنَّ المراد به هو الرَّيبُ بالإضافة إلى خبرٍ آخر؛ فيجوز التَّعدِّي إلى كلِّ مرجِّحٍ يُبيِّن الرَّيب فيه.
إنَّ التَّعليل الواردَ في التَّرجيح بمخالفة العامَّة: «إنَّ الرُّشدَ في خلافهم»(2) يُشير إلى الرُّشد بالإضافة إلى روايةٍ أُخرىٰ؛ فكلُّ أمرٍ يُبيِّن الرُّشدَ يجوز الأخذُ به كمرجِّحٍ آخر.
وفيه: أوَّلًا: إنَّه ذُكِر في روايات باب التَّرجيح ما لايُشيرُ إلى الأقربيَّة إلى الواقع - كالأفقهيَّة والأورعيَّة والتَّورُّع عند الشُّبهات -؛ وهذا يفيد الحصرَ وعدم جواز التَّعدِّي إلى غيرها. وثانيًا: إنَّ الشُّهرة - كما قُلنا آنفًا - تُوجِب عدمَ حجِّيَّة ما يخالِفُها، وكذلك موافقة
ص: 264
العامَّة توجِب سلبَ حجِّيَّة تلك الرِّواية - لعدم إمكان إجراء أصالةِ الجَهة فيها -.
وثالثًا: قُلنا في ما مضىٰ: إنَّ المُرجِّحات كلَّها من باب تمييز الحجَّة عن غير الحجَّة، وليس في المرجِّحات روايةٌ معتمدةٌ تخصُّ بترجيح الرِّواية، إلَّاالشُّهرة وموافقة الكتاب ومخالفة العامَّة؛ أمَّا غيرها من الرِّوايات فترتبط بالرَّاوي، لا بالرِّواية.
وتلك الثَّلاثة كلُّها لتمييز الحجَّة عن غير الحجَّة، لالترجيح حجَّةٍ على حجَّةٍ أخرىٰ.
نعم!، كلُّ مزيَّةٍ تُوجَد في حديثٍ توجِبُ تقدُّمَه على غيره، فهو يُقدَّمُ به عقلًا من باب تقديم الحجَّة على غير الحجَّة؛ و من هذا الباب تأخُّر الرِّوايات الرَّكيكة بحسب العقل، أو العُرف، والرواياتِ المخالفة للعقل وللضَّروريَّات، فهي غير حجَّةٍ، سواءٌ كان لها معارضٌ، أم لا.
وأمَّا المحقِّق صاحب الكفاية قدس سره، فاستدلَّ لعدم جواز التَّعدِّي عن المنصوصة إلى غير المنصوصة، ب: «أنَّ عدمَ بيان الإمام عليه السلام قانونًا كلِّيًّا في هذا المضمار - كي لايحتاجَ السَّائل إلى إعادة السُّؤال مِرارًا - يدلُّ على أنَّ المدار في التَّرجيح على هذه المزايا المخصوصة فقط»(1).
وفيه: أوَّلًا: إنَّ العلَّة الواردة في جملةٍ من تلك الرِّوايات - وهي قوله عليه السلام: «لأنَّ
ص: 265
المشهور لاريب فيه»، وقوله عليه السلام: «لأنَّ الرُّشد في خلافِهِم» - هي بمنزلة القانون الكلِّيِّ في هذا المضمار.
وثانيًا: إنَّ ذكرَ المرجِّحات من باب العَدِّ فقط، لا من باب الحصر؛ ونظيره في الرِّوايات كثيرٌ.
وثالثًا: إنَّه قدس سره اعترَف مُذيِّلًا على كلامه بأنَّ ذكر مرجِّحاتٍ لاتوجِب الأقربيَّة إلى لواقع - كالأفقهيَّة والأورعيَّة - في روايات الباب، يدلُّ على أنَّ المناط في التَّرجيح هو ثبوت مزيَّةٍ مَّا، ولو لم يُوجِب الأقربيَّة إلى الواقع.
وبعبارةٍ أخرىٰ أنَّ التَّرجيح بجميع المزايا أمرٌ عقليٌّ يوجب التَّقديم من غير ريبٍ؛ وعلى حدِّ تعبير السَّيِّدِ الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره يكون من باب دوران الأمر بين التَّعيين والتَّخيير مطلقًا(1).
ص: 266
هل التَّخيير أو التَّرجيح يختصُّ بما إذا لم يمكن الجمعُ بين الرِّوايتين عرفًا؟، أو يعُمُّ مورد إمكان الجمع ويشملُه - أيضًا -؟.
المشهورُ هو الاِختصاص، وأنَّ التَّخيير والتَّرجيح يختصُّ بالمُتنافِيَين فقط؛ فلوأمكن للعُرف أن يجمَع بين المتعارِضَين - كحَمل العامِّ على الخاصِّ، والظَّاهر على الأظهر، والحاكم على المحكوم ونحو ذلك - فالحاكمُ مقدَّمٌ على المحكوم، ولاتصلُ النَّوبة إلى التَّخيير، أو التَّرجيح.
والأقوىٰ المختارُ هو ذلك، لأنَّ الرِّوايات العِلاجيَّة - سؤالًا وجوابًا - بصدد رفع التَّحيُّر عن البَين؛ ولووَفَّق العرفُ على الجمع فلاتحيُّر إذًا، فالرِّوايات العِلاجيَّة منصرفةٌ إلى غيرها، بل لاتنافي بين الرِّوايتين حتَّى يحتاجَ إلى السُّؤال عن العِلاج.
ص: 267
ولعَمري! إنَّ الأمر واضحٌ لايحتاج إلى الإكثار في القيل والقال.
نعم!، بناءً على ما مرَّ منَّا من أنَّ روايات التَّرجيح كلَّها من باب تمييز الحجَّة عن اللَّاحجَّة، فالرِّوايات الشَّاذَّة المخالفة للكتاب أو الموافقة للعامَّة تُطرَحُ و تُترَكُ، فليس خاصٌّ حتَّى يُخصَّصُ به العامُّ.
والعجب من المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره الَّذي نهج في الكفاية منهج الاِختصار، كيف فصَّل هيهنا في الكلام تفصيلًا بالغًا حتَّى أكثر من ذِكر الأقوال!؛ حتَّى يصل إلى مختار المشهور من اختصاص الرِّوايات العِلاجيَّة بغير ما للعُرف إمكانُ الجمع فيه(1)!؛
بل السِّيرة العُرفيَّة على حمل العامِّ علي الخاصِّ والمطلق على المقيَّد والحاكم على المحكوم والوارد على المورود؛ وإن كان العامُّ والمطلقُ والمحكوم والمورود أظهرَ من الخاصِّ والمقيَّد والحاكم والوارد.
وما اشتَهَر بين قدماء الأصوليِّينَ من: «أنَّ حملَ العامِّ على الخاصِّ - مثلًا - لكون الخاصِّ أظهرَ من العامِّ»(2)؛
ليس بسديدٍ!، صغرويًّا وكبرويًّا؛ لأنَّه مضافًا إلى عدم أظهريَّة الخاصِّ من العامِّ: إنَّ حملَ العامِّ على الخاصِّ ليس لأظهريَّته بالنِّسبة إليه، بل ضربًا للقانون القائل بذكرِ القوانين الكلِّيَّة أوَّلًا، ثمَّ ذكر الخاصَّات بعده ثانيًا.
ص: 268
إنَّ صاحب الكفاية قدس سره ذكر هيهنا تقدُّم الأظهر على الظَّاهر(1)، وجعل وجهَ التَّقدُّم قضاء العُرف بذلك؛ وأنَّه ليس من باب التَّخيير والتَّرجيح.
ثمَّ ذكر ثانيًا أنَّه إنْ اشتبه الحال فيهما، فيجبُ الأخذ - لتمييزهما - بما قيل كعلائم في ذلك؛
وأنَّ هذا الفصل لاربط له بباب العِلاج.
أقول: ينبغي له أن لايجعل المبحث من باب التَّعارض، لاسيَّما على مبناه، حيث لم يقبل ما قيل للتَّمييز.
ونحن نتَّبعه أيضًا، ولابدَّ لنا من اِتِّباعه. وتفصيل ذلك في أمورٍ:
ص: 269
ترجيح ظهور العامِّ على المطلق وترجيح التَّقييد على التَّخصيص لكون ظهور العامِّ في العموم تنجيزيًّا؛ بخلاف ظهور المطلق في الإطلاق، فإنَّه معلَّقٌ على عدم البيان، بينما أنَّ العامَّ يصلُحُ لأن يكون بيانًا.
وهذا قويٌّ جدًّا.
وما قال به هذا البحر الخِضَّم قدس سره من: «أنَّ عدم البيان مؤقَّتٌ إلى إتمام مقام التَّخاطُب ولايسري إلى بعده، فبعد التَّخاطب له إطلاقٌ ولا وجه لتخصِيصِه»(1)؛
ليس بسديدٍ!، لأنَّه بعد التَّخاطب لووُجِد المقيَّد، يُكشِف عن عدم الإطلاق فيه، والمقيَّد مقدم حينئذٍ قطعًا.
فما يُتراءىٰ منه قدس سره من التِّكرار في مقام التَّخطاطب، لاوجه له.
إذا دار الأمرُ بين التَّخصيص والنَّسخ، فالتَّخصيص مقدَّمٌ، لقلَّة وجود النَّسخ وكثرة التَّخصيص، على خلافه. ولذلك فقَد اشتهر: «أنَّه ما من عامٍّ إلَّاوقد خُصَّ»(2).
ولَنمثِّل لذلك بالخصوصيَّات الَّتي وردتْ بعد حضور وقتِ العمل بالعامِّ.
أقول: إنَّ الدَّليل - أيضًا - متينٌ جدًّا، فالتَّخصيص مقدَّمٌ على النَّسخ. وأمَّا الخاصَّات الواردة في كلمات الأئمَّة عليهم السلام بالنِّسبة إلى عمومات الذِّكر الحكيم والمأثورات أيضًا، فليس من هذا الباب أصلًا؛ لأنَّ بناء المقنِّنينَ على ذكر
ص: 270
العامِّ أوَّلًا، ثمَّ بيان الخاصَّات بعده ثانيًا؛ بل وكثيرًا مَّا اتَّفَق بيانُ الخاصَّات والإتيانُ بها بعد أزمانٍ بعيدةٍ، فذلك فإنَّ تقدُّمَه عليه ليس إلَّاضربًا للقانون.
ثمَّ بعد ورود العامِّ يُفهَم أنَّ الإرادة الجدِّيَّة في طرف الخاصِّ، لا العامِّ؛ وذكرَ العامِّ أوَّلًا لم يكن إلَّاللإرادة الاِستعماليَّة فقط، ضربًا للقانون.
لاأقول إنَّ العملَ بالعامِّ لم يكن فيه مصلحةٌ أصلًا؛ كلَّا! بل المصلحةُ فيه إلى زمن بيان الخاصِّ فقط.
فالمشهور بين الأصحاب من: «أن المصلحةَ مضمَرةٌ في إخفاء الخصوصيَّات»، أو: «أنَّ المفسدةَ مضمَرَةٌ في إظهارها» - كما يُتراءىٰ ذلك من الكفاية(1) حتَّى قال بالنَّسخ فيه، وهو من غرائب كلامه! -؛
ليس بصحيحٍ أصلًا، بل إبداءُ الخاصَّات وإظهارُها موقوفٌ إلى محلِّه وزمانه، فلايكون بنسخٍ أصلًا.
والمحقِّق صاحب الكفاية قدس سره نصَّ على ذلك في باب العامِّ والخاصِّ (2)؛ فراجع.
يظهر من المحقِّق ثاني النَّراقيَّين قدس سره في العوائِدِ: «أنَّه إذا ورد عامٌّ وخاصَّاتٌ فلابدَّ من تخصيص العامِّ ببعضها، ثمَّ يُلاحَظُ النِّسبة بين العامِّ وسائر الخاصَّات، فربَّما
ص: 271
تنقلب النِّسبة إلى عمومٍ وخصوصٍ من وجهٍ؛ فلابدَّ من مراعاة النِّسبة وتقديم الرَّاجح، أو التَّخيير لو لم يكن راجحٌ في البين؛ لاتقديم الخاصِّ على العامِّ»(1).
ولقد أجاد تلميذُ مصاحبِه قدس سره ردًّا عليه ب: «أنَّ النِّسبة بملاحظةِ ظهور العامِّ، وهذا الظُّهور لاينثَلِم بالتَّخصيص وإن انثَلَم حجِّيَّته. ولذلك يكون بعد التَّخصيص حجَّةً في الباقي، لأصالة عمومه بالنِّسبة إليه»(2).
هيهنا خلافٌ بين الشَّيخ قدس سره وبين إمام الأصوليِّينَ الوحيدِ البهبهانيِّ قدس سره في ترجيح المُرجِّح الجَهَتيِّ أو غيره من المرجِّحات على الآخر.
فالشَّيخ قدس سره ذهب إلى تقديم المرجِّحات كلِّها على الجَهَتيِّ منها(3)، معلِّلًا بأنَّ جهة الصُّدور متفرَّعةٌ على أصل الصُّدور، فيُقدَّمُ الأصل على الفرع.
واختار الوحيدُ قدس سره تقديمَ الجَهتيِّ على غيره منها، مُعلِّلًا بأنَّه لوأمكَن حملُ الرِّواية على التَّقيَّة فلامعنىٰ للتَّعبُّد بصدورها؛
لأنَّها إمَّا لم يصدر أصلًا، أو صدر تقيَّةً (4).
ص: 272
أمَّا صاحب الكفاية قدس سره فأنكر قولَهُما، واختار عدمَ التَّعارض، وأنَّ المرجِّحات كلَّها متساويةٌ؛ معلِّلًا بأنَّ المرجِّحات كلَّها ترجِعُ إلى المرجِّحات السَّنديَّة، لأنَّه لامعنىٰ للتَّعبُّد بالسَّند، ثمَّ حمْل الرِّواية على التَّقيَّة(1).
ثمَّ استشكلَ قدس سره على قول الوحيد قدس سره: «إمَّا لم يصدر، أو صدر تقيَّةً»، بأنَّه ليس بحصرٍ تامٍّ، لأنَّه يمكن أن تصدر الرِّواية مُبيِّنةً للحكم الواقعيِّ من غير تقيَّةٍ فيها.
ثمَّ أضاف قدس سره: نعم!، لقائلٍ أن يقول: «إنَّ الظَّاهر من المقبولة من عدِّ الشُّهرة أوَّلًا ثمَّ موافقة الكتاب ثمَّ مخالفة العامَّة متَّبعٌ، إلَّاأنَّ الظَّاهر منها أنَّها بصدد ذكر المرجِّحات فقط، لابصدد بيان المُتقدِّم منها والمُتَأخِّر؛ ولذلك قد اُقتُصر في غير واحدٍ من الرِّوايات على مرجِّحٍ واحدٍ».
ولقد أجاد فيما أفاد قدس سره؛ ولانحتاج إلى تفصيلٍ أزيد من ذلك.
هل الأمور الظَّنِّيَّة غير المعتبرة - كالشُّهرة بين المُتَأخِّرين الفتوائيَّة مثلًا - يوجب التَّرجيح؟.
فيه خلافٌ.
فالشَّيخ قدس سره ذهب إلى التَّرجيح بها،
لجواز التَّعدِّي من المرجِّحات المنصوصة إلى غير المنصوصة عنده، أوَّلًا؛
وثانيًا: لِما اشتهر بين الأصحاب من لزوم الأخذ بأقوى الدَّليلين، وهذا هو الأقوىٰ؛ لِما مرَّ الكلام فيه من أنَّ قاعدة دوران الأمر بين التَّعيين والتَّخيير تدلُّ عقلًا
ص: 273
على ترجيح الرِّواية ولوبأمرٍ ليس بحجَّةٍ مستقلَّةٍ.
وثالثًا: أضِف إلى ذلك كثرةَ ما وردَ في التَّرجيح، بحيث توجب القطعَ بأنَّ المناطَ في التَّقديم هو التَّقدُّم والتَّرجيح، ولاخصوصيَّة للمرجِّحات المنصوصة(1).
وما قال به المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره من: «أنَّ المناطَ في التَّرجيح هو تقوية المضمون، بينما أنَّ المضمونَ لايُقوّىٰ بالظَّنِّ غير المعتبر»(2)؛
غير تامٍّ، صغرويًّا و كبرويًّا.
هل يُمكِن جعلُ القياس الَّذي أكَّدَ الإمامُ عليه السلام على حرمة العمل به - وأمثالِه - من المرجِّحات، كي تُقدَّمَ الروايةُ به؟.
المشهورُ على عدم الجواز، لأنَّ التَّرجيح به نحو عملٍ، وهو لايجوز.
وهذا قويٌّ جدًّا، ولايمكن أن يُجعَل من باب العمل به في الموضوعات - كما قيل -؛
لأنَّه في الأحكام، وترجيحٌ به، ثمَّ العمل به وهو يساوق محقَ الدِّين - كما قال سيِّدُنا الصَّادقُ عليه السلام(3) -.
ص: 274
هذا، مع أنَّ العمل بالقياس مطلقًا - سواءٌ في الأحكام، أو في موضوعاتها - محرَّمٌ.
وما التزَم به المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره من جواز القياس في الموضوعات(1)؛
ليس بتامِّ.
وقياسُه القياس بالأَلويَّة وتنقيح المناط القطعيَّين؛
غير مسموعٍ، لأنَّ الحجَّة المأخوذ بها فيهما هي القطع، لا القياس. ولذلك إنَّه قدس سره كلَّما تمسَّك في الكتاب بالألويَّة أو بتنقيح المناط، أضاف إليه قوله: «قطعًا»، مشيرًا إلى أنَّ الألويَّة أو تنقيح المناط ليس بحجَّةٍ، بل الحجَّةُ هي القطعُ.
هل الاِستصحاب من المرجِّحات؟ فيه خلافٌ.
والمشهور بين المشهور هو الاِثبات. وهذا هو الأقوىٰ المختار، سواءٌ قلنا إنَّه من الأمارات، أو أصلٌ عمليٌّ عُقَلائيٌّ، أو شرعيٌّ. لأنَّ قاعدة دوران الأمر بين التَّعيين والتَّخيير تُقدِّم الَّتي تطابِقُ الاِستصحاب.
هذا، مع أنَّه يقوِّي المضمونَ، وكلُّ ما يقوِّيه يُعَدُّ من المرجِّحات إجماعًا.
هذا، مع أنَّ المرجِّح مطلقًا يوجِبُ التقدُّمَ ولو لم يكن من المنصوص به.
إلَّا أن يقال: أنَّ الاِستصحاب حجَّةٌ في فرض فقْدِ الدَّليل، وحيث إنَّ باب
ص: 275
التَّعارض يرتبط بالعمل بالرِّواية تعبُّدًا، ففي مورده لايُتصوَّرُ اِستصحابٌ أصلًا.
نعم! لوكان حجِّيَّته من باب الأمارت فيكون كما إذا ورد حديثان ثمَّ تعارضا روايةً أُخرىٰ، فإذن الأوَّلان مقدَّمان عليها، من غير ريبٍ وارتيابٍ.
ص: 276
وفيه مرحلتان
ص: 277
ص: 278
الإجتهادُ لغةً: تحمُّل المشقَّة؛ واصطلاحًا: ملكةٌ يُقتَدَر بها على الاِستنباط.
وقد بحَثَ الأصوليُّون عمَّا يرجعُ إليه، و إلى التَّقليد. وتفصيل الكلام في الواجب من أبحاثِهِم يأتي في ضمنِ فصولٍ.
ص: 279
ص: 280
الإجتهاد حجَّةٌ، لأنَّه من مصاديق اليقين، وهو حجَّةٌ عقلًا وعرفًا وشرعًا؛ بل لابدَّ من رجوع الأدلَّة - كلِّها - إلى ذلك.
وهذا هو الَّذي اشتَهَر بين الأصحاب من: «أنَّ الأصلَ عدمُ حجِّيَّة الظَّنِّ إلَّاما أخرجَه الدَّليل»(1).
بل ذكَرنا في باب الأمارات أنَّ حجِّيَّة الظُّنون الَّتي عُدَّتْ حجَّةً - كالظَّواهر، والخبر الثِّقة - ليستْ إلَّالكونها من مصاديق الإطمئنان أيضًا. وليس شيءٌ بحسب الثَّلاثة حجةً إلَّاالإطمئنان، وهو العلم العُرفيُّ.
والمنقول عن الأخباريِّين من: «عدم حجيَّة الإجتهاد»(2)؛
ص: 281
ليس إلَّانزاعًا بحسب اللَّفظ، إذ مرادُهم من «الإجتهاد» هيهنا هو المأخوذ من العقلِ الدِّقِّيِّ، أو من الخَيالات والتَّوهُّمات الجَدليَّة؛ وإلَّا يلزم أن لايكون قولُهُم في اِدِّعائهم هذا حجَّةً، لأنَّ الاِدِّعاء نفسَه من مصاديق الإجتهاد، فيلزم من وجوده عدمَه.
وعلى كلِّ حالٍ، تدلُّ على حجِّيَّة الإجتهاد رواياتٌ متواترةٌ بحسب المعنىٰ، بل يظهر منها كونُ حجِّيَّة الإجتهاد مفروغًا عنها. ونأتي هيهنا بالأهمِّ منها:
«إنَّما علينا أن نُلقِي إليكم الأصولَ، وعليكُم أن تُفَرِّعوا»(1).
«قال: علينا إلقاءُ الأصول وعليكم التَّفريعُ»(2).
«يُنظَران إلى من كانَ منكم ممَّن روىٰ حديثَنا ونظَر في حلالِنا وحرامِنا وعرِفَ أحكامَنا، فليَرْضُوا به حكَمًا فإنِّي قد جعَلْتُه عليكُم حاكمًا»(3).
ص: 282
«مَن أفتىٰ النَّاسَ بغيرِ علمٍ ولاهُدىً من اللَّهِ لعنتْه ملائكة الرَّحمة وملائكةُ العذاب ولحِقَه وِزْرُ مَن عملَ بفُتياه»(1).
- وتلقَّاه الأصحاب بالقبولِ -: «فأمَّا مَن كان مِن الفقهاءِ صائنًا لنفسِه حافظًا لدينِه مخالفًا لهواه مُطيعًا لأمرِ مولاه فللعَوامِ أن يقُلِّدوه»(2).
بل هو من أسرار الشِّيعة، فلابدَّ من كونه صحيحًا عند الكُلَينيِّ قدس سره حيث رواه عن أخيه عن الحجَّة - روحي لتُراب مَقْدَمه فداءٌ -: «وأمَّا الحوادثُ الواقعةُ فارجِعُوا إلى رُواتِ أحاديثِنا فإنَّهم حُجَّتي عليكُم وأنا حجَّةُ اللَّه»(3).
بن تغْلبٍ قدس سره: «اِجلِس في المسجد واَفتِ النَّاسَ، فإنِّي أُحبُّ أن يُرىٰ في شيعَتي مثلُكَ»(1).
ومن هذه الرِّوايات المتواترة ونظائرِها الكثيرةِ تَظهَرُ حجِّيَّة فتوى المجتهد الجامع للشَّرائط للعامِّيِّ، فلابدَّ من مراجعته إليه.
بل حجِّيَّة فتواه له عُدَّت من المفروغ عنها.
نعم! إنَّ الرِّوايات - كلَّها - إرشاديَّةٌ إلى حكم العقل تابعةٌ للمرشَد إليه، فالعقلُ هو الحاكمُ بحجِّيَّة فتواه ووجوب الأخذ به، من غير تفاوتٍ فيه بين نفسِه وبين مُقلِّديه.
ص: 284
إذا انسَدَّ باب العلم والعِلميِّ وقلنا - إذن - بحجِّيَّة مطلق الظَّنِّ - من باب الكشف، أو الحكومة -، فهل فتوا المستنبط حجَّةٌ على غيره إن حصلَتْ له ملكةُ الاِستنباط؟؟ أم لا؟.
فيه خلافٌ. وقد أنكره المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره أشدَ إنكارٍ، مُعلِّلًا ب: «أنَّ رجوعَ النَّاس إليه ليس رجوعَ الجاهل إلى العالِم، بل رجوع الجاهِل إلى جاهلٍ آخر. فإذن لاتشمُلُه الرِّوايات، لأنَّ القدر المُتَيقِّن منها ليس إلَّاالمُفتي بالقطع، لا الظَّنِّ.
إلَّا على القول بجريان مقدَّمات الاِنسداد للرُّجوع إليه»(1).
ثمَّ استشكل قدس سره في حكومة الفقيه العامِل بالظَّنِّ، لثبوت الإشكال في إثبات منصب القَضاء له، لعدم الدَّليل عليه.
ص: 285
إلَّا أن يُدَّعىٰ الإجماعُ على عدم الفصل».
وفيه: إنَّه بعد الإقرار بحجِّيَّة مطلق الظُّنون له، فما الفرقُ بين الظُّنون الخاصَّة - الَّتي يُقال لها: العِلميُّ - وبين الظُّنون العامَّة؟؛ وما هو الفرق بينه وبين العامِل باليقين؟ - إذ يصدُقُ عليه أنَّه عالِمٌ بالأحكام الشَّرعيَّة -.
فيجوز له الإجتهاد واستفراغُ الوُسع لاستخراج الأحكام الشَّرعيَّة، ويُطلَقُ على ثمرة جُهْدِه: الإجتهادُ؛ فهو حجَّةٌ له ولغيره.
فإن قلت: إنَّ كلام هذا الخبير قدس سره هنا يُعدُّ من الغَرائب، لم تَسلُك مسلكَ الجزاف!.
ص: 286
المشهور بين الأصحاب جوازُ التَّجزِّي في الإجتهاد، بمعنىٰ عدم استحالتِه، بل هو واقعٌ لامحالة؛ لأنَّ حصول الاِستنباط المطلق يتوقَّف عليه.
ولايُنافي بساطةَ الملكة، لأنَّها مقولةٌ بالتَّشكيك، فللمُتَجزِّي المرتبةُ الضَّعيفة من الملكة وهي بسيطةٌ، وللمطلق الملكةُ في مرتبتها العُليا القويَّة وهي - أيضًا - بسيطةٌ.
إنَّما الإشكال في حجِّيَّة ذلك لنفسه أو لغيره؛ فالمشهور على الإثبات، لما مرَّ من حجِّيَّة الإجتهاد للمُستنبِط نفسه ولغيره أيضًا، بحسب العقل والشَّرع؛ بل لقائلٍ أن يقول: إنَّ الرِّوايات الصَّادرة عن أصحاب العِصمة عليهم السلام لحجِّيَّة الإجتهاد لوحُمِلَتْ على المجتهد المُطلق لحُمِلَت على الفرد النَّادر، وهو ممَّا لايحسُنُ، بل لايجوز؛ فلابدَّ - حينئذٍ - من التَّنصيص به، وعدم التَّنصيص دليلٌ على عموميَّتها، فيجوز له الإجتهاد والقضاءُ، بل الرُّجوع إليه.
ص: 287
لايُقال: المقبولةُ تدلُّ على إشتراط الإطلاق، لمكان إضافة «الحلال» و «الحرام» و «الأحكام» إلى الضَّمير، وهي تدلُّ على العموم.
إذ يُجاب عنه - كما أشار اليه المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره(1) -: إنَّ المُتجَزِّي يصحُّ أن يُطلَق عليه عرفًا أنَّه ممَّن عرف حلالهم وحرامهم وأحكامهم مطلقًا، فيجوز له القضاء والفُتيا فيما اجتَهَد فيه.
ص: 288
فيه خلافٌ؛ والأقوىٰ عدمُ الجواز، بل عدم الإمكان!؛ لأنَّه كنصْبِ غير المجتهد للفتوىٰ.
وما قيل: «أنَّه نظير نصْبِ الحاكم في البُلدان لإقامة الحُكم»(1)؛
ليس بسديدٍ، لأنَّ القضاء يُشتَرط فيها الإجتهاد، بخلاف إدارة البُلدان لحفظ النِّظام وإيصال الحقوق إلى أهلها، بل إجراء الأحكام؛ فمَن ليس بمجتهدٍ لايمكن جعْلُه قاضيًا، أو وليًّا. نعم! لوأدّىٰ الأمرُ إلى العُسر فيحلُّ إذن قسمٌ من المحذورات، فيمكن أن يُنصَبَ للقضاء طبقًا لفُتيا الوليِّ، أو طبقًا للقوانين المُمهَّدة من قِبَل الحُكْم من غير أن يحكُم على رأيه؛ كما هو الآن في نظامِنا الإسلاميِّ، للعُسر الَّذي حصل.
فلابدَّ لدفع الهَرَج والمَرَج ورفع الخلافات أن ينصِب الفقيهُ الوليُّ قُضاتًا، لا لجعْلِ
ص: 289
الحكم وإنشائه، بل لرفع النِّزاع على ما هو مذكورٌ في القوانين المُمهَّدَة للحُكم.
ص: 290
يُشترطُ في الإجتهاد أمورٌ:
المعرفةُ بعلومٍ يتوقَّفُ الإجتهاد عليها، كعلوم الأدب والتَّفسير والرِّجال والدِّراية. والأهمُّ منها هو علم الأصول الَّذي هو ينبُع الفقه، بحيثُ لايجوز القيام بعمَليَّة الاِستنباط بلامعرفته، بل لايمكن أصلًا.
والرجوع إلى المدوَّنات في هذا العلم - بين الوجيز والوسيط والبسيط - يدلُّ على ما قلنا.
الأُنسُ بالمحاوَرات العرفيَّة، لأنَّ موضوعات الأحكام تُؤخَذ من العُرف؛ بل وفهمُ الأحكام منه أيضًا.
ص: 291
وإن شئتَ قلتَ: درك مقاصد المأثوراتِ يتوقَّفُ على الظَّواهر، والأخذُ بها وطردُ المحتَمَلات؛ وكذلك لابدَّ من طرد التَّوهُّمات والخَيالات والظَّنِّيَّات. وهذا يساوِقُ ما أشرنا إليه من لزوم أُنس المُستنبِط بالمحاوَرات العُرفيَّة.
المؤانسةُ بكلمات الأصحاب من القُدماء والمُتَأخِّرين، إذ الاِستبداد بالرَّأي في الفقه - النَّاشىءِ من الجهل بكلمات الأصحاب - كثيرًا مَّا يوجِب الضَّلالة والتَّباعُدَ عن الواقع.
وهذا سرُّ ما يُرىٰ من سيرة أعلام المَذهب - كشيخ الطَّائفة قدس سره، والشَّيخين الجليلَيْن النَّجفيِّ والأنصاريِّ 0 - من التَّقيُّد بنقل كلمات الأصحاب، والإحتراز عن مخالفة المشهور.
وهذا ليس تقليدًا من قِبَلِهم، بل إحكامٌ لمباني الاِستنباط.
ممارسةُ ردِّ الفروع إلى الأصول بتكرير الاِستنباط؛ إذ المجتهد كالطَّبيب، فلايكفيه الاِختصاصُ في الفقه فقط، بل يتوقَّف ذلك على العمَلِ أيضًا. ولامناص من القولِ بأنَّ الإجتهاد بلاتفريعِ الفروعات على الأصول كثيرًا - كالاِختصاص في الزِّراعة والطِّبِّ من غير أرضٍ يُزرَع أو مريضٍ يُبحَث عن مرضِه - لاحجِّيَّة فيه.
ص: 292
المؤانسةُ بمأثورات أهل البيت عليهم السلام حتَّى يحصُل له المُسمّىٰ بين الأصحاب بشَمِّ الرِّواية ومعرفَتِها.
والمستنبِط إذن رُبَّما يعرف الرِّواية وصحَّتَها أو سُقمِها من ذلك الشَّمِّ؛ بل لايكون بحاجةٍ إلى معرفة الرِّجال.
وهذا الحالُ وإن كانت قليلةَ الحصول - فلذلك نحتاج إلى علمَي الرِّجال والدِّراية أشدَّ الحاجة -، ولكن لابدَّ من أن يُعلَم أنَّ حصول الشَّمِّ هذا للمُستنبِط من اللَّوازم في الجُملة.
الإقتدار على تخلية النَّفس عند الاِستنباط عمَّا لايرتبط به، أو عمَّا يُشينه و يَضُرُّ به - كالعلوم غير الدَّخيلة فيه، أو التَّعصُّبات القوميَّة والفردية والجَماعيَّة -.
وعن النَّفسيَّات أيضًا، حتَّى قد اشتَهَر أنَّ العلَّامة الكبيرَ الحلِّيَّ قدس سره أمر بإملاء البئرِ الواقعة في بيته أوَّلًا، ثمَّ بحَثَ عن أدلَّة اِنفعال ماءها، ثمَّ أفتىٰ بعدم الاِنفعال، خلافًا للمشهور.
والإنصاف يقضي بتحسين فعلِه! إذ للنَّفسيَّات أثرُها الخاصَّة في الاِستنباط، من غير توجُّه الفقيه إليها.
ص: 293
حصول مَلَكة التَّقوىٰ، والأصحاب كانوا يشترطون في التَّقليد عن الفقيه حصول هذه المَلَكة.
وأمَّا حجيَّة اِستنباط الفقيه لنفسه، فلم يشترطوا ذلك فيها.
وتمسَّكوا بقوله عليه السلام: «فأمَّا مَن كان مِن الفقهاء صائنًا لنفسه حافظًا لدينه مخالِفًا على هواه مطيعًا لأمر مولاه فللعوامِّ أن يُقلِّدوه»(1) - وضعفُ سند الحديث يُجبَرُ بعمل الأصحاب -.
أمَّا الفاسق الَّذي يتولَّى الشَّيطانُ أمرَه ويوسوِسُ في صدره فيُوحي إليه بما يشاء، فكيف يُطمَئَنُّ بفُتياه؟.
المشهورُ - كما أشرنا إليه - على عدم حجِّيَّة رأيه لغيره، وحجِّيَّته لنفسه.
وعندي هذا القول لاوجه له؛ إذ ليس رأيُه هذا ممَّا يُمكِن الاِحتجاج به عند الرَّبِّ - سبحانه وتعالى! -؛ قال - جلَّ وعزَّ! -: إِنَّ اَلشَّيٰاطِينَ لَيُوحُونَ إِلىٰ أَوْلِيٰائِهِمْ لِيُجٰادِلُوكُمْ (2)؛ وقال - جلَّ وعلا! -: أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ تَقْوىٰ مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ شَفٰا جُرُفٍ هٰارٍ فَانْهٰارَ بِهِ فِي نٰارِ جَهَنَّمَ وَ اَللّٰهُ
ص: 294
لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظّٰالِمِينَ (1) .
ويُترائىٰ من العلَّامة الفقيه الحكيم قدس سره في المُستمسك أنَّه حجَّةٌ مطلقًا لنفسه ولغيره، مدَّعيًا أنَّ احتفاظَ المَرجِع على تقواه في أعلىٰ مراتبها مشكلٌّ جدًّا(2).
ولاينقضي تعجُّبي من قوله الغريب هذا!.
سلوك سويِّ الصِّراط والاجتنابُ عن التَّفريط والإفراط، إذ الإفراط والتَّفريط والبلادة والجُربزة والإعوجاجُ والسَّهو المُفرِط ونحو ذلك يمنع عن الاِستنباط، أو عن اِستنباطٍ يُعَدُّ حجَّةً عُرفًا.
وكثيرًا مَّا يُرىٰ أنَّ مَن تمكَّن فيه الإعوجاجُ الفكريُّ لايقدر على الوصول إلى الواقع، فيفتي بما يُنكِره الفقهاءُ، بل العقلاء!.
تحصيلُ الملكة القُدسيَّة. وهذا هو الَّذي أفرَدَ بذكرِه الوحيدُ الفريد قدس سره في فوائده الحائريَّة(3).
ص: 295
والمرادُ من هذه المَلَكة: تهذيبُ النَّفس من الرَّذائل الخُلقِيَّة، لأنَّ استنباطَ مَن كان محبًّا للدُّنيا بمعناه العامِّ - من المال والرِّئاسة، ورذائله كالغرور والرِّياء والسُّمعة و... - ليس بحجَّةٍ مُعَذِّرةٍ للعبد؛ بل لايقدر على الصَّحيح من الاِستنباط أصلًا، إذ لايَخلُصُ من الرَّذائل قال - علت كلمَتُه! -: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ (1)، وقال - عظُمتْ قدرَتُه! -: وَ اَلْبَلَدُ اَلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبٰاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ اَلَّذِي خَبُثَ لاٰ يَخْرُجُ إِلاّٰ نَكِداً(2).
قال الوحيدُ الفريدُ قدس سره في الكتاب: «... والاِستمداد من الأرواح القُدسيَّة المعصومة وبعدهم من الفُقهاء - رضوانُ اللَّه عليهم! -، ويُبالغ في تعظيمهم وأدبِهم ومَحَبَّتهم والرُّكون إليهم، فإنَّ القلب يهدي إلى القلب. فإذا استَحكَم الرَّوابط بين القلوب أو بين القلب والأرواح(3) الَّذين هم أحياءٌ عند ربِّهم، يُفتَتَح أبواب الفيوض والكمالات»(4).
ثمَّ قال: «يا أخي! قد حصل التَّجربة لي، فعليك بما ذكرتُ، ثمَّ عليك بما ذكرتُ!،
ص: 296
وإيَّاك ثمَّ إيَّاك من تنفُّر قلبِك من فقهائِنا وميلِه عنهم إلى نفسك، فإنَّ فيه المحروميَّة عن نيل درجة الفقه ألبتَّة أصلًا ورأسًا، والوقوع في وادي التِّيه والحَيرة والضَّلالة والجهل والحُمقِ الشَّديد ما شاهدتُ عيانًا(1) باللَّه منه ذلك»(2).
ص: 297
ص: 298
أجمع الأصحابُ على التَّخطئة(1)، وأنَّ للَّه - تعالى! - في كلِّ مسألةٍ حُكمًا واقعيًّا يؤدِّي إليه الإجتهاد تارةً، ويُخطىءُ عنه أُخرىٰ.
ولعلَّ الإجماع لأجل أنَّ الأحكام تابعةٌ للمصالح والمفاسد النَّفس الأمرية، فلامعنىٰ لتغيير حكمٍ له مصلحةٌ ملزِمةٌ لأجل رأي المجتهد.
نعم!، إنَّ اللَّه - تعالى! - يقبل عذرَ المُستنبِط ويرفع اليد عن تكليفه إذا أخطأ في الاِستنباط.
هذا من البديهيَّات، ولانحتاج في بيانه إلى الاِكثار من القيل والقال.
ولكن نُسِب إلى العامَّة اختيارُ التَّصويب(2)؛ ولعلَّ مرادهم منه أنَّ للَّه - تعالى! - في
ص: 299
كلِّ مسألةٍ حُكمًا واقعيًّا، إلَّاأنَّ آراءَ المجتهدين أيضًا أحكامٌ ظاهريَّةٌ، وإن خالفَتْ الواقع فللَّه - تعالى! - أحكامٌ ظاهريَّةٌ بعدد آراء المجتهدين.
وهذا ليس بمحالٍ، بل هو الَّذي اشتَهَر بين قدماء الأصحاب.
نعم!، إنَّه فاسدٌ؛ لأنَّ مايتطرَّقُ إليه المجتهدُ ويصل به إن طابق الواقع فيُنجِّز الحكم الواقعيَّ، وإن لم يطابِق الواقع فلاتنجيزَ فيه أصلًا، وما يستنبطه إذن ليس بشيءٍ؛
إلَّا أنَّه مُعذِّرٌ، واللَّه - جلَّ وعزَّ! - يقبل عذرَه ويرفع اليدَ عن تكليفه؛
أو يقبل النَّاقص بدلًا عن الكامل.
ص: 300
إذا اضمحَلَّ اجتهادٌ بتبدُّل رأيِ المجتهد، فلاإشكال في حجِّيَّة إجتهاده الفعليِّ، وعدمِ حجِّيَّة إجتهاده السَّابق؛ لأنَّه سالبةٌ بانتفاء الموضوع.
إنَّما الكلام في الأعمال السَّابقة عليه، فهل يجب إعادتها أو القضاء عنها؟.
فيه خلافٌ، والمشهور على الوجوب. وهذا هو الَّذي اشتهَرَ في علم الأصول بعدم إجزاء الأحكام الظَّاهريَّة عن الأحكام الواقعيَّة.
وقد مرَّ الكلام فيه مفصَّلًا، واخترنا هناك الإجزاءَ مطلقًا - من غير فرقٍ فيه بين العبادات والمعاملات -، وأشرنا إلى أنَّ هذا هو مقتضى الجمع بين الحكم الواقعيِّ والظَّاهريِّ:
أمَّا بناءً على السببيَّة، فلأنَّه أُتِيَ بالمأمور به - لأنَّ المأمور به ليس إلَّاما يُطابِق
ص: 301
الأمارات والأصول -، والمأتيُّ به يطابقها ويوافِقُها، ولا حكم منجَّزٌ للفقيه إلَّاتلك المؤدَّيات المأتيَّ بها بلا كلامٍ.
وأمَّا بناءً على الطَّريقيَّة، فهو وإن لم يأتِ بشيءٍ إذن، إلَّاأنَّ المولىٰ يرفع اليدَ عن التَّكليف، أو يقبل النَّاقص بدلًا عن الكامل.
هذا مقتضىٰ حجِّيَّة الأمارات والأصول بحسب العقل والشَّرع؛ واستقرَّت عليه سيرةُ العقلاء. ولولا ذلك ليلزم العُسرُ، بل الحَرَجُ الشَّديد نوعًا؛ والحَرَج يحكم بلزوم رفعِهِ اليدَ - جلَّ وعلا! - عن التَّكليف.
لابدَّ فيها أيضًا من بيان فصولٍ.
ص: 303
ص: 304
التَّقليد هو أخذُ قول الغير من غير مطالبةِ دليلٍ، مع التَّوجُّه إلى هذا القول ولوازمه.
ويقابِلُه الأخذُ بقول الغير مع مطالبته، ويُقال له: المباحثة. وهي مرقاة العلم، لأنَّه لايحصُل إلَّابتبادُل الأفكار والأدلَّة، وهي نحوُ إجتهادٍ.
ويقابِلُ الاِثنين الأخذُ بقول الغير من غير مطالبة دليلٍ أوَّلًا، ومن غير توجُّهٍ إليه وإلى لوازِمِه ثانيًا، ويُقال له: المُنابَهَة والُمحاكاتُ.
وهو المشهورُ من سيرة النَّاس، الموجب لتنزُّلِهم وهلاكهم!؛ بل واستثمارِهم الفكريِّ وتحميل الغيرِ أفكارَه عليهم.
ص: 305
والتقليدُ حرامٌّ، فضلًا عن المنابهة والمحاكات!، بحكم العقل والشَّرع؛ قال اللَّهُ - تعالى! - في مذمَّة المقلِّدين: إِنّٰا وَجَدْنٰا آبٰاءَنٰا عَلىٰ أُمَّةٍ وَ إِنّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ مُقْتَدُونَ (1).
نعم!، إذا لم يقدُر على الإجتهاد والاِستدلال فلابدَّ له من التَّقليد، عقلًا وشرعًا؛ وهو المشهورُ برجوع الجاهل إلى العالِم.
فلابدَّ له عقلًا من الفَحصِ حتَّى يجد العالِمَ الذي جمعت فيه الشَّرائطُ الَّتي أشرنا إليها، فيرجع إليه ويأخُذَ ما يحتاج إليه منه؛ ولِلَّه درُّ الإمام عليه السلام حيث أتمَّ الكلامَ حيث فصَّل بينَ أصناف النَّاس فقسَّمهم إلى: «عالِمٍ أو مُتَعلِّمٍ أو هَمَجٍ»(2).
والدِّين المركَّب من الأحكام والأخلاق والإعتقادات، يجوِّز التَّقليد في الأحكام فقط، لعدم إمكان تحصيل الإجتهاد فيه للجميع، بل إلَّاللأوحديِّ من النَّاس.
وأمَّا في الأخلاق والإعتقادات فلابدَّ لجميع المُكلَّفين - إلَّاالمُستَضعفين منهم، وهم الأقلُّ - من الإجتهاد فيهما، لإمكانه، إلَّاللشَّاذِّ منهم وهم:
الجاهلون بالجهل المركَّب؛ والغافِلون عن الفَحص والبحث؛
ص: 306
والبُلَه الَّذين لايُدرِكون؛
ومن لايقدِر على التَّعلُّم والتَّعليم لعدم وصوله إلى مقوِّماتهما.
ويُقال للكُلِّ في المصطلح: «المُستضعَفُ» تارةً، و: «الجاهلُ القاصِرُ» أُخرىٰ.
ص: 307
ص: 308
هل التَّقليد:
هو العملُ بقول الغير؟؛
أو أخذ قولِ الغير للعمل؟
أو الإلتزام بقول الغير فقط؟.
- بمعنىٰ كون واحدٍ من الثَّلاثة محقِّقًا للتَّقليد -.
فيه خلافٌ. وليس دليلٌ هيهنا يدلُّ على واحدٍ منها، إلَّاالعُرف، وهو يعاضِدُ الثَّالثَ.
هذا، مع أنَّ العمل وأخذ القول مقدَّمةً له يحتاج إلى الإلتزام، ومِن دونه لايتحقَّقان.
نعم!، إنَّه مقالٌ مقولٌ بالتَّشكيك:
ص: 309
فأضعفُ أفراده هو الالتزام؛
وأوسطُها هو الأخذُ؛
وأقواها هو العملُ.
ص: 310
هل يُشتَرَط الأعلميَّة في التَّقليد؟ أم لا؟.
فيه خلافٌ. المشهورُ بين المشهور من القُدماء والمُتَأخِّرين هو الاشتراط، بل إدَّعىٰ غيرُ واحدٍ الإجماعَ على ذلك(1)؛ حتَّى قيل: «إنَّ عدمَ الإشتراط اشتهَرَ من ثاني الشَّهيدَين قدس سرهما ومن تابعَه فيه بعده»(2).
ص: 311
والأقوىٰ هو الأوَّلُ. وتدلُّ عليه طائفةٌ من الأدلَّة، والأهمُّ منها الَّذي يرجِعُ الجميعُ إليه هو الدَّليل الأوَّل؛ وهو:
الأوَّل: نفس ما دلَّ على أصل وجوب التَّقليد؛
وهو الضَّرورة العُرفيَّة والفطرة الَّتي فُطِرت النَّاس عليها. ضرورةَ أنَّ دَيدن النَّاس وعملَهم على التَّقليد فيما لايعلمون، وهذه السِّيرة نفسُها قد استقرَّتْ على التَّقليد عن الأعلم.
نعم!، في الأمور غير الهامَّة يتسامحون فيرجعون إلى غير الأعلم، أمَّا في المَهامِّ منها فيذُمُّون لورجع أحدٌ إلى غير الأعلم.
وقد تواترت الرِّوايات في ذلك، كقوله عليه السلام في المقبولة: «الحُكمُ ما حكَم به أعدلُهما وأفقَهُهما وأصدَقُهما في الحديث وأورعُهما، ولايلتفتُ إلى ما يحكُم به الآخر»(1)؛ وقولِه عليه السلام في صحيحة داود بن الحُصَين: «يُنظَر إلى أفقَهِهما وأعلَمِهما...
ولايُلتَفَت إلى الآخر»(2)؛
وقولِه عليه السلام لمالكٍ الأشتر قدس سره: «اِختَرْ للحُكم بين النَّاس أفضَلَ رعيَّتِك»(3).
ص: 312
نعم!، يمكِنُ القول بأنَّ هذه الرِّوايات غالبُها وردتْ في القضاء، إلَّاأنَّها إرشادٌ إلى حكم العقل فيها، وهو لايُخصِّص الأعلميَّة بها فقط، بل ويُوجِبُها في أمر التَّقليد أيضًا.
وبما ذكرنا يظهَر وجه الإجابة عمَّا قيل: «إنَّه لم يثبُت إجتهادٌ في العصور السَّالفة المتقدِّمة في الفقه، فادِّعاء كون السِّيرة مُمضاةً من قِبَل المعصوم عليه السلام لا وجه له»؛
إذ فيه: أوَّلًا: إنَّ هذه الرِّوايات وأمثالَها تدلُّ على وجود الإجتهاد في تلك الأزمنة، وعلى تقدُّم الأفضل - أيضًا -.
وثانيًا: إنَّ السِّيرة ثبتَتْ على نحو القضايا الطَّبيعيَّة، والإمضاءُ - أيضًا - على هذا النَّحو؛ فلانحتاج إلى إمضاء خصوصها في هذه المسألة.
هذا، مع أنَّ متابعَة الأفضل كأصل التَّقليد حُكمٌ عقليٌّ، والسِّيرة أُتُّخِذتْ من ذلك الأمر العقليِّ؛ فالعَقلُ يستقلُّ بذلك من غير حاجةٍ إلى إمضاء الشَّارع إيَّاها، مع أنَّه قد أمضأها أيضًا.
الثَّاني: أمَّا الُمحقِّق الخراسانيُّ قدس سره، فقد تمسَّك لذلك بالأصل، وعدم الدَّليل على خلافه(1).
أقول: إن كان يُبدِّلُ قوله هذا باِختيار دوران الأمر بين التَّعيين والتَّخيير وتقدُّم
ص: 313
التَّعيين، كان أولىٰ. ولعلَّ مراده من «الأصل» هو نفس القاعدة، إذ أنَّها تقتضي التَّقليد عن الأعلم، ولا دليل للرَّدع عن هذه القاعدة.
إلَّا أن يُقال بأنَّ الإلتزام بالخصوصيَّة من المَشكوك فيه، والبراءةُ تحكم برفع الخصوصيَّة.
ويمكن أن يُقال إذن: إنَّ حُكمَ العقل بلزوم الأخذ بالخصوصيَّة آبٍ عن جريان البراءة فيه.
الثَّالث: كون التَّقليد عن الأعلم أقربَ إلى الواقع، فيجب الأخذ به عقلًا.
ورَدَّ عليه ذلك الحِبرُ قدس سره صغرويًّا وكُبرويًّا:
أمَّا بحسب الصُّغرىٰ، فلأجل أنَّ فتوى غير الأفضل ربَّما يكون أقرب من فتوى الأفضل المعاصر له - لموافقته رأيَ من هو أفضلُ منهما من الغابرين -.
وأمَّا كُبرويًّا، فلأنَّ مِلاك قبول قولِ الأعلم كونُه قريبًا من الواقع. وفيه: إنَّ العقل يحكم على سبيل الجزم بتقدُّم قول الأفضل على سبيل القضايا الطَّبيعيَّة، لا القضايا الحقيقيَّة، لتسلُّط الأفضل على الدَّقائق العِلميَّة وأقوال العلماء وروايات أئمَّة أهل البيت عليهم السلام؛ وهذا لايدلُّ على كون جميع أقواله وآرائه أوفَقَ من أقوال الغير وآرائه للواقع.
وقد اُستُدلَّ لكفاية التَّقليد عن المجتهد الجامع للشَّرائط غير الأعلم ولوكان الأعلمُ موجودًا، بأمورٍ:
، وعدمُ ردع الشَّارع عنها؛ بل إمضاؤه إيَّاها.
ص: 314
وفيه: إنَّ السِّيرة - كما أشرنا إليه - استقرَّتْ على التَّقليد عن غير الأعلم في غير المَهامِّ من الأمور القابل للتَّسامُح؛ وأمَّا في مهامِّها فلم يَثبُت عنهم سيرةٌ تدُلُّ على ذلك.
، كقول اللَّه - تعالى! -:
فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ (1) ، وكقولِه عليه السلام: «أمَّا الحوادثُ الواقعةُ فارجِعُوا إلى رُوات أحاديثِنا، فإنَّهم حُجَّتي عليكُم وأنَا حجَّةُ اللَّه»(2).
وفيه: إنَّ الإطلاقات، مضافًا إلى كونِها في مقام التَّشريع، فلاإطلاق لها أصلًا، أنَّها إرشادٌ إلى حكم العقل وإمضاءٌ للسِّيرة، وأنَّهما يستقلَّان بوجوبِ التَّقليد عن الأعلم في مهامِّ الأمور؛ فلادلالةَ في الإطلاقات على ذلك.
، فيرفع التَّكليف - وهو التَّقليد منه - بقاعدة الحَرَج.
وفيه: إنَّ التَّقليد من المجتهد الجامع للشَّرائط لولم يكن أصعب من التَّقليد من الأعلم، فلاأقلَّ من كونهما سيَّان، ولم يكن أحدُهما بأعسر من الآخر.
نعم!، للعموم عُسرٌ في تشخيص مصداق الأعلم؛ ولكن ليسَ تشخيصُ المصداق مُفوَّضًا إلى النَّاس، بل إنَّه يختصُّ بالخِبرة وأهل البصيرة. وليس في تشخيص أصل التَّقليد والأعلميَّة لهم حرجٌ أصلًا، سيَّما بعد ما أشرنا إليه في صدر الكلام من أنَّ المراد
ص: 315
ب «الأعلم» هيهنا هو الأعلم المُبانُ الظَّاهرُ لأهل العلم والخِبرة.
نعم!، لووقع خلافٌ بين أهل الخِبرة، فيسقط حجِّيَّة نظرهم المختلَف فيه.
ص: 316
قد تسالَمَ الأصحاب على حجِّيَّة قول المجتهد الجامع للشَّرائط(1).
أمَّا لوكان لقوله معارضٌ، فللعامِّيِّ التَّخييرُ بين القولين، وجوازُ العمل بأيِّهما شاء.
ولامزيَّةَ للأخذ بها إلَّاالأعلميَّة، وإن كانت القاعدة تقتضي التَّساقطَ.
أمَّا المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره فلم يتعرَّض للمسألة، وهي حقيقةٌ بتعرُّضه قدس سره لها.
قال السَّيِّدُ الأستاذ المحقِّق الدَّاماد قدس سره في مجلس الدَّرس نقلًا عن أستاذِه المؤسِّسِ قدس سره: «إنَّ أدلَّة التَّقليد موضوعها صرف الوجود، لأنَّه لامعنى لحجِّيَّة جميع الفتاوىٰ ووجوب الأخذ بها؛ وأمَّا الأمارات فموضوعُها الوجود السَّاري، فيجب الأخذ بالجميع».
ص: 317
ثمَّ ردَّ عليه قدس سره ب: «أنَّ الأمر وإن كان حسنًا صحيحًا، إلَّاأنَّه لا إطلاق لأدلَّة التَّقليد، ولا للأمارات حتَّى نسلك فيها هذا المسلك الحسَن»(1).
فاستشكَلْنا على السَّيِّدِ الأستاذ قدس سره بأنَّ قضيَّة صرف الوجود والوجود السَّاري جاريةٌ في مدركَي التَّقليد والأمارات - وهو العقل وبناء العُقَلاء -، وإن لم يكن لأدلَّة التَّقليد والأمارات إطلاقٌ، لأنَّها إرشاديَّةٌ؛ فبناءُ العقلاء على حجِّيَّة الفتوىٰ على سبيل صرف الوجود - لعدم إمكان العَمَل بجميع الفتاوىٰ في موردٍ واحدٍ -؛ فإذن يلزم التَّخيير، لا التَّساقطُ.
وبنائُهم على عدم حجِّيَّة الأمارات في فرض التَّعارض لكون حجِّيَّتها عندهم على نحو الوجود السَّاري.
وبالجملة: إنَّ أصل التَّقليد عقليٌّ؛
والعملُ بقول الأعلم المُبان أيضًا عقليٌّ؛
والعملُ بواحدٍ من الفتاوىٰ مخيَّرًا فيها أيضًا عقليٌّ؛
والشَّارع لم يردع عنها، بل ولا عن واحدٍ منها، بل أمضأه وإن لم نحتَج - كما أشرنا إليه - إلى إمضائه - لاِستقلال العقلِ بها - فيكون إمضاؤُه إرشاديٌّ إذن.
وقال السَّيِّدُ الأستاذُ قدس سره: «يمكن القولُ بأنَّ حجِّيَّة الفتوىٰ عند التَّعارض من
ص: 318
باب تعارض الرِّوايات، فالقاعدةُ تقتضي السُّقوطَ؛ إلَّاأنَّ المُسلَّم في الشَّريعة عدمُ التَّساقط، بل وجوب الأخذ بأحَدِها»(1).
نعم!، لازمُهُ الإحتياط إن أمكن، والأخذ بذِي المزيَّة إن لم يُمكن؛ وإلَّا فالتَّخييرُ.
والسَّيِّدُ الأستاذ قدس سره التَزَم به مطلقًا.
ص: 319
ص: 320
الأشهرُ بين الأصحاب عدمُ جواز التَّقليد عن الميِّت، بل اِدَّعىٰ غيرُ واحدٍ من الأكابر - منهمُ صاحب الجواهر(1)، والشَّيخ الأنصاريُّ 0(2) - ثبوتَ الإجماع عليه.
نعم!، حدَثَ من المُتأخِّرين جوازُه في جانب البقاء، وعدمُ الجواز في جانب البَدء بتقليده.
وقيل: «إنَّ أوَّل من أسَّس هذا القول هو صاحب الفصول قدس سره»(3).
أقول: إنَّ العقَلَ والعقلاء حاكمان بجواز التَّقليد عن الميِّت إبتداءً، إذ لايزول رأيُ المجتهد بموته.
ص: 321
ولذلك قد استقَرَّتْ سيرةُ الدَّارسين في جميع العلوم قديمًا وحديثًا على أخذ آراء الأعلام من آثارِهم، من غير أن يخطُرَ ببالهم أنَّه مات فليس لرأيِه حجِّيَّةٌ إذن.
نعم!، إنَّ إجماعَ الفرقة الناجيَة في المقام يدلُّ على عدم حجِّيَّة التَّقليد - أي:
الأخذ بقول الغير تقليدًا -، وإجماعُهم هذا حجَّةٌ بلاريبٍ و ارتيابٍ؛ لأنَّ دليلَ حجيَّة قول الميِّت واضحٌ بحيث يمكن أن يُعدَّ من الضَّروريات، ولايمكن ان يُنْسَبوا إلى الغَفلَة أو التَّغافل، فالإجماع حجَّةٌ إذًا.
وما قيل: «إنَّه لاإجماع أصلًا، وعدم الجواز نشَأ من العلَّامة قدس سره ومَن تابَعَه فيه بعده»؛
ضعيفٌ، حتَّى أنَّ عدم جواز التَّقليد من الميِّت عُدَّ من ضروريَّات فقه الإماميَّة ومن مُنفَرَداتهم، ومن المُفَرِّقات بين الشِّيعة والسُّنة. والظَّاهر من هذا الإجماع عدمُ الفرق فيه بين الإبتدائيِّ والاِستمراريِّ؛
أمَّا بعد صاحب الفصول قدس سره فقد صار الفرق مشهورًا.
وليس لهم دليلٌ إلَّاأن يُقال بأنَّ المُتَيقَّن من الإجماع هو الإبتدائيُّ منه، وأمَّا البقاء على تقليد الميِّت، فالقاعدةُ تقتضي جوازَها، كما هو مقتضى العقلِ - أيضًا -.
إلَّا أنَّ المحقِّقَ الخراسانيَّ قدس سره اختار طريقًا آخر، فتمسَّك لعدم الجواز بأصالة
ص: 322
عدمِه(1).
ولولا ما قلنا، فالأصلُ يقتضي ذلك؛ لقاعدة أصالة عدم حجِّيَّة الظَّنِّ إلَّاما أخرجَه الدَّليلُ، ولقاعدة دوَران الأمر بين التَّعيين والتَّخيير، فالأخذ بالمُعيَّن مُعيَّنٌ.
أمَّا الُمجوِّزون تقليدَ الميِّت، فاستدلُّوا بأدلَّةٍ كلِّها مدخولةٌ؛ وهي:
إطلاق الآيات والرِّوايات الدَّالَّة على جواز أصل التَّقليد.
وردَّ عليه المحقِّق صاحب الكفاية قدس سره ب: «أنَّها في مقام التَّشريع، فليس لها إطلاق»(2).
ولكنَّ الأولىٰ أن يُقال: إنَّها إرشادٌ إلى حكم العقل وإمضاءٌ للسِّيرة العُقلائيَّة؛ فدلالتُها على الجواز تامَّةٌ، إلَّاأنَّ الإجماع الآنف ذكره يصُدُّها عن الدِّلالة مُطلقًا.
دليل الاِنسداد، على ما ذكره المحقِّق القمِّيُّ قدس سره، بتقريب: «أنَّ بابَي العلم والعلميِّ مُنسدٌّ على المقلِّد من ناحيةٍ، ومن ناحيةٍ أخرىٰ نعلَمُ بثبوت جملةٍ من التَّكاليف عليه؛ فيجب عليه التَّقليد»(3).
ص: 323
وفيه: إنَّ هذين البابين وإن كانا مُنسدَّيْن على العاميِّ فيجب عليه التَّقليد عقلًا، إلَّا أنَّ التَّقليد عن الحيِّ بابٌ لم يُنسَد عليه؛ وحينئذٍ دورانُ الأمر بين التَّعيين والتَّخيير يدلُّ على عدم جواز التَّقليد عن الميِّت.
نعم!، لولم يمكن له التَّقليد عن الحيِّ، فدليل الاِنسداد يدلُّ على جواز التَّقليد عن الميِّت، بل على وجوبه؛ وهذا هو المحكيُّ عن المحقِّق المقدَّس قدس سره(1)، تبعًا للعلَّامة قدس سره(2).
ثبوت سيرة العقلاء والمتشرِّعة على أخذ الرَّأي من الخِبرة من غير فرقٍ في ذلك بين الحيِّ والميِّت، ولارَدْع عنه، فهي حجَّةٌ في المقام.
أقول: قد قرَّرنا في صدر الكلام أنَّ هذا صحيحٌ لا غبار عليه، إلَّاأنَّ الإجماع المُسلَّم الثُّبوت المدَّعىٰ من قِبَل غير واحدٍ من الأصحاب - كصاحب الجواهر والشَّيخ الأنصاريِّ 0 وغيرهما - يدلُّ على عدم الجواز وردْعِ تلك السِّيرة.
فيما، إذا كان فُتياهم نصَّ روايات المعصومين عليهم السلام - كالصَّدوقِ قدس سره في المُقنِع والهِداية -.
إلَّا أنَّه يرد عليهم: أنَّ هذا ليس تقليدًا عن الميِّت، بل إنَّه العمل بقول الإمام عليه السلام، بينما أنَّ العامِّيَّ لايقدر على الأخذ من تلك النُّصوص، بل هو مختصٌّ بالمجتهد.
بل لقائلٍ أن يقول: إنَّ العامِّيَّ لوسأل عن الإمام عليه السلام فأجاب عنه، فهو تقليدٌ من الإمام عليه السلام؛ بل من هذه النَّاحية لاخلاف في أنَّ جميع الرُّواة والفقهاءَ يُقلِّدون عن الإمام عليه السلام، لأخذِهم قولَه عليه السلام من غير مطالبة دليلٍ.
فما قيل بفقد التَّقليد المُصطَلح عليه في تلك الأزمنة البعيدةِ؛
ليس بتامٍّ، ضرورة أنَّ عمومَ النَّاس لن يقدُروا على ذلك. وهذا دليلٌ على وجود التَّقليد في تلك الأزمنة أيضًا.
قاعدة العُسْر، لأنَّه لايمكن للعامِّيِّ أن يُقلِّد عن الحيِّ.
وفيه:
أوَّلًا: إنَّها تختصُّ بمن ثبت له العُسر، ولاتشمل عمومَ المكلَّفين.
وثانيًا: إنَّ التَّقليد عن الميِّت - أيضًا - يتوقَّفُ على السُّؤال عن أهل العلم،
ص: 325
فيرجِعُ العسر كما كان.
الاِستصحاب - وهو الأهمُّ في الباب - الحاكمُ بأنَّ قول المستنبِط كان قبلَ حدوث موته حجَّةً، والآن أيضًا كذلك، فيجوز عنه التَّقليد.
ولايخفىٰ أنَّه دليلٌ معتبرٌ لولا يوافِقُه دليلٌ آخر، أو يخالِفُه.
ولاينقضي تعجُّبي من المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره حيث أورد عليه ب: «أنَّ العُرف يرىٰ حجِّيَّة رأيه - بل وجوده - متوقِّفةً على حيواته، فإذا مات انعَدَمَ رأيُهُ وإن لم يكن كذلك بحسب الواقع»(1).
وفيه: إنَّ العُرف يرىٰ وجودَ رأي الخِبرة وحجِّيَّته ثابتًا في وعاء الدَّهر ونفس الأمر، فلذلك يَستَدلُّ به، كما أنَّه يقبَلُ منه ما وجَدَه صحيحًا.
وهذا ضروريٌّ للعُرف ناشٍ من ضرورةِ العقل.
نعم!، إنَّ الإجماع المسلَّم الثُّبوت بل سيرة الإماميَّة القطعيَّة ثبت على عدم جواز التَّقليد عن الميِّت ابتداءً.
هذا كلُّه في التَّقليد الإبتدائيِّ.
وأمَّا التَّقليد الاِستمراريُّ، فهل يجوز البقاء على التَّقليد من مجتهدٍ كان يُقلِّده إذا مات؟.
ص: 326
فيه خلافٌ، بل أقوالٌ؛ وهي:
1. عدم الجواز مطلقًا؛
2. الجوازُ مطلقًا؛
3. وجوبُ البقاء إذا كان الميِّت أعلمَ.
وخيرُ الأقوال هو الوسطُ.
وقيل: «هذا القولُ لايُعرَف بين القدماء، بل نشأ من صاحب الفصول قدس سره فمَن بعده»(1).
وعمدةُ أدلَّتهم هي أنَّ الإجماع دليلٌ لبِّيٌّ، والقدر المُتيقَّن منه هو عدم الجواز إبتداءً؛ فالاِستمراريُّ منه مقبولٌ من قِبَل السِّيرة المُمضاة.
أقول: جميعُ ما يُستدَلُّ به لجواز التَّقليد بدوًا، يدلُّ على الاِستمراريِّ منه بالأولويَّة القطعيَّة؛ وكلُّ ما يدلُّ على عدم الجواز بدوًا، يدُلُّ على عدم الجواز استمرارًا.
إلَّا أنَّ المحقِّق الخُراسانيَّ ذهب إلى جواز الاِستصحاب هيهنا أوَّلًا، بتقريب: «أنَّ الأحكام الَّتي قلَّدَها من الحيِّ جاريةٌ له بعد موتِه»(2)؛
ثمَّ ردَّ عليه ثانيًا، ب: «أنَّ الأحكام الظَّاهريَّة لاواقع لها في نفس الأمر والواقع -
ص: 327
على القول بالطَّريقيَّة -، فليسَتْ لهذا الاِستصحاب قضيَّةٌ متَيقَّنَةٌ».
وهذا الإشكال قد أصرَّ قدس سره عليه في مطلق جريان هذا الأصل في جميع الأحكام، حتَّى أسَّسَ له تنبيهًا - وهو الثَّاني من تنبيهات الاِستصحاب -.
وقد أشرنا هناك إلى أن معنى الاِستصحاب: عدمُ نقض الحجَّة بغير الحجَّة؛ فإذا قلنا بأنَّ مؤدَّيات الأمارت والإجتهاد والأصول العمَليَّة وغير العمَليَّة - كقاعدَتَي اليَد والفَراغ - حجُجٌ شرعيَّةٌ، بل عقليَّةٌ - إذ المرادُ من قوله عليه السلام: «لاتَنقُض اليقينَ بالشَّكِّ»: لاتنقض الحجَّة بغير الحجَّة - فهذا الاِستصحاب يجري في الاِستمراريِّ من التَّقليد، ولاريب في صحَّة جريانه.
فاختصاصُ هذا المحقِّقِ الكبير قدس سره الجريانَ بموردٍ دون موردٍ - كما هو ظاهرُ كلامه - ليس بصحيحٍ أصلًا.
ص: 328
اشتهر بين الأصحاب(1)، بل تَلقَّوه بالقبول، بل إدَّعىٰ غيرُ واحدٍ منهم ثبوت الإجماع(2) على عدم حجِّيَّة فتوى المرأة لغيرها ولوكانت مجتهدةً جامعةً للشَّرائط، بل ولوكانت أعلَمَ من معاصريها.
وأيضًا كأنَّه من الُمجمَع عليه أنْ ليس لها المناصِبُ الجماعيَّة - كالقضاء والحُكْم -، وليس للحاكِم أن ينصِبها بهذين المَنصَبين، بل وبغيرها من مطلق الأمور الجَماعيَّة.
ويدلُّ عليه أدلَّةٌ:
عدمُ نصبه - تعالى وتقدَّس! - مرءةً لمنصَبَي النُّبوَّة والولاية الجليلَيْن، حتَّى أنَّ
ص: 329
سيِّدة نساء العالَمين عليها السلام مع حيازَتِها ما حازَه الرَّسول الكريم صلى الله عليه و آله وأبنائها الكرام عليهم السلام لم تحُز منصبَ الوصاية، ولوكان نصبُها في هذا المقام جائزًا فقاعدة اللُّطف تقضي بوجوبه؛ كما أنَّها تقضي بوجوب نصب مريمَ عليها السلام وآسيةَ عليها السلام وغيرهما من الكاملات - كأُمِّ المؤمنينَ خديجة الكُبرىٰ عليها السلام - للنُّبوَّة أو للوصاية.
ظهورُ غير واحدٍ من الآي والرِّوايات في أنَّ الشَّارع لايرضىٰ بتحميل الأمور الجَماعيَّة على المرءة.
وقد اشتهَر قولُها عليها السلام حين قسَّم الرَّسولُ صلى الله عليه و آله الأمورَ بينها و بين زوجها المعصوم عليه السلام، فجعل صلى الله عليه و آله أمرَ البيت على عاتقها: «فلايعلَم ما داخلَني من السُّرور إلَّا اللَّه»، لهذه القِسمَة(1).
استبعادُ كون هذا مرضيًّا للشَّارع الَّذي يُصرِّح في كتابه المُبين فيقول: وَ إِذٰا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتٰاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ (2). فهل يرضىٰ - جلَّ وعلا! - أن تحمل المرءة المرجعيَّةَ الدِّينيَّة والقضاء وغيرها من الأمور الجَماعيَّة؟.
ص: 330
عدمُ الرَّيب في أنَّ «المرءةَ ريحانةٌ وليستْ بقهرمانةٍ»(1)، فيناسبها ما يرجع إلى تنظيم البَيت و أمورِها الهامَّة الَّتي بها يصلُح المجتمعُ وينتظم نظامُ عيش المسلمين ليصِلوا إلى أعلىٰ درجات الكمال والقُرب.
فلذلك أطبقَ الأصحابُ على عدم جواز تحمُّله أمورَ المجتمع.
إلَّا أن يُقال: إنَّ الأدلَّة تامَّةٌ لكنَّها لاتُنافي كونَ فتاواها حجَّةً لبَعْلها وأولادها، بل لجميع النِّساء، كما تكون حجَّةً لنفسها أيضًا.
ص: 331
ص: 332
اشتهر بين الأصحاب أنَّه لايجوز العدولُ من الحيِّ إلى الحيِّ (1)، إلَّاإذا أَحرَزَ المُقلِّد أعلميَّةَ الثَّاني بالنِّسبة إلى الأوَّل، فيجوز - بل يجب - حينئذٍ العدولُ.
أقول: العُمدةُ من أدلَّة المسألة هي بناء العقلاء وسيرتهم الثَّابتة، إذ العقلُ كما يُجوِّز أصلَ التَّقليد للعامِّيِّ يجوِّز له العدولُ من الحيِّ إلى الحيِّ، سيَّما إذا حصل له الدَّاعي إليه؛ ولم يثبُتْ ردعٌ عنه من قِبَل الشَّارع.
وما قيل: «إنَّ قاعدةَ دوران الأمر بين التَّعيين والتَّخيير تدُلُّ على عدم جواز العدولِ»؛
ليس بتامٍّ، لأنَّه بعد قضاء العقل بالجواز لاشأن للأصل إذن، إذ هو حاكمٌ بل واردٌ عليه.
ص: 333
هذا، مضافًا إلى إمكان جريان الأصل بالنِّسبة إلى العَدَم، فيبقىٰ التَّخييرُ.
نعم! اُدُّعِي الإجماعُ على عدم الجواز؛
وهو مخدوشٌ صغرويًّا وكبرويًّا،
أمَّا بحسب الكبرىٰ، فلأنَّ المسألة ليستْ مذكورةٌ عند القدماء أصلًا، فلاإجماع.
وأمَّا بحسب الصُّغرىٰ، فلأنَّ من إدَّعىٰ الإجماعَ إدَّعىٰ في نفس الوقت أنَّ دليل الُمجمِعين هو قاعدة دوران الأمر بين التَّعيين والتَّخيير؛ فلاحجِّيَّة في هذا الإجماع أصلًا.
وبما ذكرنا يظهر جواز التَّبعيض في التَّقليد، بل هو أوضحُ وأقلُّ إشكالًا من العدولِ من حيٍّ إلى حيٍّ آخر.
ص: 334
المشهور بين الأصحاب بطلانُ عمل العامِّيِّ بلاتقليد، إلَّاإذا أحرز بعد الفراغ تطابُقَ عمله لحجَّةٍ من فتوىٰ مجتهدٍ يجب التَّقليد عنه فعلًا، أو مجتهدٍ وجب التَّقليد عنه سابقًا(1) - أي: حين العمل -.
وعلَّلوه بعدم الأمن من العِقاب، لأنَّه كان مكلَّفًا، فقاعدة الاِشتغال تقضي ببراءته من تكليفه.
أقول: كلامُهم هذا صحيحٌ لانقاش فيه، أمَّا ما يلازمُه من لزوم العقاب، فغير بيِّنٍ ولامبَيَّنٍ.
وأمَّا بطلان العمل فمتوقِّفٌ على عدم جريان الأصل فيه.
ص: 335
ويمكن القول بصحَّة العمل، نظرًا إلى قوله عليه السلام: «لاتُعادُ الصَّلوة إلَّامن خمسٍ»(1)، وإلى جريانِ حديث الرَّفع فيه.
فثُبوت العقاب ثابتٌ دون البطلان.
فالمكلَّف إذن من مصاديق الجاهل المقصِّر، أو القاصر.
فلوقيل بثبوت إجماع الأصحاب على أنَّ المُقصِّر كالعامد إلَّافي موضعين، فعَلَيه إذن العقابُ؛ كما وعليه الإعادةُ والقضاءُ أيضًا.
وأمَّا لو أُدُّعي أنَّه لاإجماع في هذه المسألة، فيشمل قاعدةُ لاتعاد وحديثُ الرَّفع القاصرَ والمقصِّرَ أيضًا؛ فليس عليه الإعادةُ، ولا القضاءُ.
نعم! عليه العقابُ، كما نصَّ عليه نصُّه - جل وعزَّ! -: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ قٰالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قٰالُوا كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي اَلْأَرْضِ قٰالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا فَأُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً * إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجٰالِ وَ اَلنِّسٰاءِ وَ اَلْوِلْدٰانِ لاٰ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لاٰ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً(2).
ص: 336
قد اشتهَر بين الأصحاب - بل إدَّعىٰ غيرُ واحدٍ منهم ثبوت الإجماع عليه، منهم الشَّيخ الأعظم قدس سره في كتاب الإجتهاد والتَّقليد(1) - أنَّه إذا مات المجتهدُ فرجع مقلِّده إلى مستنبِطٍ حيٍّ بينما كان فُتيا الحيِّ ينافي فُتيا الميِّت، فعملُ المقلِّد صحيحٌ، ولايحتاج إلى الإعادة أو القضاء.
وكذلك إذا تغيَّر رأيُ الحيِّ فما مضىٰ من العمل لاحاجة إلى إعادته، أو قضائِه، من غير فرقٍ فيه بين نفسه وبين مقلِّديه، سواءٌ كان في العبادات أو المعاملات؛ حتَّى وإنَّ علِمَ بالمخالفةِ القطعيَّة.
ص: 337
واستدلُّوا عليه بأمورٍ أكثرُها غير تامٍّ؛ بل يظهر من كلماتهم أنَّ عدم وجوب اِستدراك ما فات وصحَّتَه وصحَّة ما هو عليه الآن مسلَّمٌ عندهم.
أقول: التَّسلُّم هذا لحكم العقل به، ولوقوع السِّيرة - العُقلائيَّة منها والشَّرعيَّة - عليه؛ ولعلَّ السِّرُّ فيها عدمُ وقوع التَّعارض بين الحُجَّتَين الواقع كلِّ واحدٍ منهما في طول الأخرىٰ، على الطَّريقيَّة والسَّببيَّة.
هذا، مع أنَّه لولزم الإعادة أو القضاء لبان وشاع، وحيث لم يُحكَ لنا فهو دليل العدم.
وتؤيِّده القاعدةُ القائلةُ بأنَّ الأمر الظَّاهريَّ مجزٍ لرفع اليدِ عن الحكم الواقعيِّ لولم يصل المكلَّفُ إليها.
***
هذا آخر ما أردنا إيرادَه هنا، والحمد للَّه - عظُمَتْ قدرته وعلَتْ كلمتُه! - على الإتمام، وصلواتُه على خير خلقه محمَّدٍ وٰاله الطَّاهرين، ولعنته على أعدائِهِم أجمعينَ.
20 ذوالحجَّة الحرام 1432 ه ق.؛ 27 آبان 1390 ه ش.
حسين المظاهري - عُفِي عنه! -
ص: 338
الفهرس الإجمالي 5
إشارة خاطفةٌ 11
المقصد السَّابع: في الأمارات
المرحلة الأولىٰ: في القطع
الأمر الأوَّل: في أن البحث عن القطعِ بحثٌ أصوليٌّ 19
قول بعضهم بكون البحث كلاميًّا] 19
الأمر الثَّاني: في تقسيم أحوال المكلَّف 20
[مختار الشَّيخ 1 هيهنا وتوضيحُه] 20
[مختار صاحب الكفاية 1 هيهنا] 20
[مناقشة مختاره] 20
الأمر الثَّالث: حجيَّة القطع ذاتيَّةٌ أم لا؟ 21
النُّكتة الأولىٰ: [الحجِّيَّة بين علمَي الأصول والمنطق] 21
النُّكتة الثَّانيَة: [أقسام الجَعْل] 22
[الإنفكاك بين المحمول والموضوع في قسمَي الجعل] 22
[للشَّارع أن يتصرَّف في القطع] 23
[مذهب الشَّيخ 1 ومناقشتُه] 23
[مذهب المحقِّق الخراسانيِّ 1 وتزييفُه] 23
الأمر الرَّابع: في التَّجرِّي 24
ص: 339
النُّكتة الأولىٰ 24
أمَّا العقل 25
وأمَّا الذِّكرُ المبارك 25
وأمَّا السنة 25
وأمَّا الإجماع 25
[مقالٌ لبعضهم وتثبيتُه] 26
النُّكتة الثانية 26
[مقالٌ لبعضهم ومناقشتُه] 27
الأمر الخامسُ: في القطع الموضوعيِّ 27
النُّكتة الأولىٰ 27
[المرادُ من القطع الموضوعيِّ] 27
[قلَّة هذا القسم من القطع في الشَّرع والمحاوَرات] 28
النُّكتة الثَّانية 28
[أقسام القطع الموضوعيِّ] 28
النُّكتة الثَّالثة 29
[إمكان الأقسام ثبوتًا] 29
[أقوالٌ لبعضهم هيهنا] 30
النُّكتة الرَّابعة 30 [مختار صاحب الحدائق 1 وبيان ما فيه] 30
[ما تمثَّل به المحقِّق النَّائينيُّ 1 ومناقشتُه] 31
[أقوالٌ في المقام وردُّها] 31
الأمر السَّادس: قيام الأمارات والأصول مقامَ القطع الموضوعيِّ 32
[مذهب الشَّيخ 1 ومتابعيه هيهنا] 33
[ردُّ المحقِّق الخراسانيِّ 1 عليه] 33
[ردٌّ علىٰ ردِّ المحقِّق الخراسانيِّ 1] 33
[مبنىً آخر للمحقِّقَين الخراسانيِّ والخمينيِّ 0 ونقدُه] 34
ص: 340
الأمر السَّابع: وجوب الموافقة الاِلتزاميَّة كالموافقة العَمَليَّة 35
[المختار في المسألة] 35
[ما يدلُّ على المختار] 36
الأمرُ الثَّامن: مبنىٰ الأخباريِّينَ قِبَل بعضِ أفراد القَطع 37
[النِّزاع هيهنا لفظيٌّ] 37
[قطع القطَّاع والمختار فيه] 38
الأمر التَّاسع: تنجُّزُ التَّكليف بالعلم الإجماليِّ 38
[المشهور في المسألة] 38
[مخالفة المحقِّقَين الخراسانيِّ والبروجرديِّ 0 مع المشهور] 38
[المختار في المسألة] 39
[مختار السَّيِّد المحقِّق الدَّاماد 1] 39
[مناقشةُ مختاره] 40
[بعض الأقوال في المسألة] 40
المرحلة الثَّانيَة: في الظَّنِّ
تمهيدٌ 41
الأمر الأوَّل: [الأصل عدم حجِّيَّة الأصول والأمارات] 41
الأمر الثَّاني: [جعْل الأمارات والأصول حجَّةً] 42
[أقسام الإمكان] 42
[وصيَّةٌ للشَّيخ الرَّئيس 1] 42
الأمر الثَّالث: [ما حُكِي عن ابن قِبَة 1 في المقام] 43
[المختارُ في الجواب عنه] 44
الفصل الأوَّل: في حجِّيَّة الظُّهور 45
الأمر الأوَّل 45
الأمر الثَّاني 46
الأمر الثَّالث 46
ص: 341
الأمر الرَّابع 46
الأمر الخامس: 46
الأمر السَّادس 46
الأمر السَّابع 46
الأمر الثَّامن 47
الأمر التَّاسع 47
الأمر العاشر 47
الأمر الحادي عشر 47
الفصل الثَّاني: حجِّيَّة ظواهر الكتاب الكريم 49
[ما استدلُّوا به عليه] 49
الأوَّل ممَّا استدلُّوا به 49
[ما في هذا الاستدلال] 50
الثَّاني ممَّا استدلُّوا به 51
[الرَّدُّ على هذا الاستدلال] 51
[تأييد الرَّدِّ بأشياءَ أُخر] 52
[الخلاف في القراءات العشر وحجِّيَّتِها] 53
[المختار عدم حجِّيَّتُها] 54
الفصل الثَّالث: في حجِّيَّة قول اللُّغويِّ 55
[القول بعدم كون اللُّغوي من الخُبَراء] 55
[مناقشة هذا القول] 55
[القول بعدم حجِّيَّة قوله شرعًا] 56
الفصل الرَّابع: في الإجماع المنقول 57
الأمر الأوَّل: [الإجماع عند العامَّة] 57
[بطلان ما استدلُّوا به لحجِّيَّته] 57
[الإجماع عند الخاصَّة] 58
[مدرك حجِّيَّته عند الخاصَّة] 58
ص: 342
[مذهب اللُّطف و ما فيه] 59
[مذهب الكشف] 59
[مذهب الحدس] 59
[مذهب الدُّخول وما فيه] 60
الأمر الثَّاني: [معنىً آخر لمُصطلح الإجماع] 60
الأمر الثَّالث: [عدم حجِّيَّة الإجماعات المنقولة] 61
الأمر الرَّابع: [عدم حجِّيَّة نقل الإجماع المنقول] 61
الأمر الخامس: [أقسام الشُّهرة] 62
الفصل الخامس: في حجيَّة الخبر الثِّقة 65
الأمر الأوَّل: [الخبر الثِّقة عند القدماء] 65
الأمر الثَّاني: [الحَجر الأساس في بحث الأمارات] 66
[بيانُ ما في هذا الكلام] 67
الأمر الثَّالث: [ذهابُ حماعةٍ إلى عدم حجِّيَّة الخبر الواحد] 67
[مااستدلُّوا به لهذا القول] 67
أمَّا الكتاب 67
أمَّا السُّنَّة 68
أمَّا الإجماع 68
أمَّا العقلُ 69
[مناقشة أدلَّتهم] 69
[مناقشة استدلالهم بالكتاب] 69
[مناقشة استدلالهم بالمأثور] 70
[مناقشة استدلالهم بالعقل] 70
[مناقشة استدلالهم بالإجماع] 70
[تلخيصُ المرام في هذا المقام] 71
الفصل السَّادس: في حجِّيَّة الخبر المُعتَمَد عليه 73
أمَّا الكتابُ، فبآياتٍ 73
ص: 343
منها: آية النبأ 73
[ردُّ الشَّيخ 1 هذا الدَّليل] 73
[إيراد المحقِّق الخراسانيِّ علىٰ ردِّ الشَّيخ 0] 74
[مناقشة إيراده] 74
[ردُّ ثانٍ للشَّيخ الأعظم 1] 75
[ما أجاب به عنه 1 المحقِّق الخراسانيُّ 1] 75
[إشكالٌ آخر علىٰ الاستدلال بالآية] 75
[مناقشة هذا الإشكال] 76
تتمَّةٌ 77
[ما ذكره الشَّيخ الأعظم 1 في الخبر مع الواسطة] 77
[أجوبة الأعلام عن هذا الإشكال] 78
[المختار في الرَّدِّ على الإشكال] 79
ومنها: آية النَّفر 79
[بيان مراد الآية] 79
ومنها: آية الكِتمان 80
[ما ذكره المحقِّق الخراسانيُّ 1 وبيان ما فيه] 80
[قولٌ آخر للمحقِّق الخراسانيِّ 1 والرَّدُّ عليه] 81
[ما في أصل الاِستدلال بها] 81
ومنها: آية السُّؤال - أو الذِّكْر - 81
[بيان ما في هذا التَّقريب] 82
[قول بعض الأعلام والرَّدُّ عليه] 82
[مختار الشَّيخ 1 وبيان ما فيه] 82
ومنها: آية الأُذُن 83
أمَّا السُّنَّة فبأحاديثَ 83
[تواتر هذه الرِّوايات] 84
[قول المحقِّق الخراسانيِّ 1 بإجمالها] 84
ص: 344
[تضعيف هذا القول] 84
أمَّا الإجماع 84
أمَّا السِّيرةُ 85
[تقرير كيفيَّة سيرة العقلاء هيهنا] 85
[القول بالرَّدْع عن هذه السِّيرة] 86
[ردُّ هذا القول] 87
المقصد الثَّامن: في الأصول العَمَليَّة
الأمر الأوَّل: [مائيَّةُ الأصول العلَميَّة وعددُها] 91
الأمر الثَّاني: [جريان الأصول العمليَّة في الموضوعات أيضًا] 91
[القواعد الفقهيَّة ووجوبُ الاهتمام بها] 92
الأمر الثَّالث: [التَّقسيم استقرائيٌّ فلايشذُّ عنه شيءٌ] 92
الأمر الرَّابع: [تقدُّم الأمارات على الأصول] 92
[أقسام تقدُّم شيءٍ علىٰ شيءٍ في هذا العلم] 93
[وجه تقدُّمِها عليها] 93
الأمر الخامس: [وجوب الفحص عن الدَّليل قبل جريان الأصول في الأحكام] 94
[جريان الأمارات في الموضوعات قبل الفحص عن الأدلَّة] 94
الفصل الأوَّل: في أصالة البَراءة 97
[ما استُدِلَّ به لصحَّة البراءة] 97
فمِن الكتاب 97
منها: آية العذاب 97
[إيراد الشَّيخ 1 علىٰ هذا الدَّليل وبيان ما فيه] 97
[إيرادٌ آخر للشَّيخ 1] 98
[بيانُ ما فيه] 98
[إيرادٌ ثالثٌ للشَّيخ 1] 98
[بيان ما فيه] 99
ص: 345
ومنها: آية التَّكليف 99
ومنها: آية الهلاكة 100
[إيرادٌ للشَّيخ 1 علىٰ الاستدلال بها] 100
[بيان ما فيه] 100
ومنها: آية الاِضلال 101
[إيرادٌ للشَّيخ 1 عليه] 101
[مناقشةُ إيراده] 101
ومن السُّنَّة 102
منها: حديث الرَّفع 102
[تبيينُ دلالة الحديث] 102
الأمر الأوَّل: [بعضُ ما قيل في المقام] 102
[مناقشةُ هذه الأقوال] 103
الأمر الثَّاني: [التَّقدير في المرفوع] 103
[مختار الشَّيخ 1 في المرفوع] 103
[مناقشة كلامِه] 104
[مختار المحقِّق النائينيِّ 1] 104
الأمر الثَّالث: [شمول الحديث للأجزاء والشَّرائط والموانع] 104
الأمر الرَّابع: [شمول الحديث للمعدومات أيضًا] 105
[بعض ما قيل في المقام ومناقشتُه] 105
الأمر الخامس: [هذا الحديث وقاعدة البيان] 105
النُّكتة الأولىٰ: [حكومة أدلَّة الأخباريِّين علىٰ القاعدة ومناقشتُها] 106
النُّكتة الثَّانيَة [بيان مضمون القاعدة] 106
[بيان مضمون حديث الرَّفع] 106
[مناقشة البَيانَين] 107
النُّكتة الثَّالثة: [جريان الحديث فيما لاتجري فيه القاعدةُ] 107
[مناقشةُ هذا القول] 107
ص: 346
ومنها: روايةُ الحُجْب 108
[مقالٌ للمحقِّقَيْن الأنصاريِّ والخراسانيِّ 0 ومناقشتُه] 108
ومنها: رواية الحِلِّ 109
[شمول الحديث للشُّبهات الحُكْميَّة أيضًا] 110
[اختصاصه بالشُّبَهات التَّحريميَّة فقط] 110
ومنها: رواية السَّعَة 110
[تعارضُ الحديث أدلَّة الأخباريِّين] 111
ومنها: رواية المُطْلق 111
[القول بدلالة الحديث علىٰ الإباحة ومناقشتُه] 111
ومنها: رواية البَيانِ 111
ومنها: رواية معذوريَّة الجاهل 112
[اشتهارُ إنَّ المقصِّر كالعامد] 112
[مناقشةُ هذا الاشتهار] 113
ومن العقل 113
[الضَّرر الَّذي هو بغير العِقاب] 114
[ما أشكَل به الأستاذ الدَّاماد 1 علىٰ القاعدة] 114
[مناقشة إشكاله] 114
الفصل الثَّاني: في ما استدلَّ به الأخباريُّون لوجوب الإحتياط 117
فمن الكتاب 117
[ردُّ استدلالهم بالآيات] 118
ومن الرِّوايات 118
[مناقشة استدلالهم بالأحاديث] 118
ومن العقل 120
[مناقشةُ استدلالهم بالعقل] 120
ومن العقل أيضًا 120
[ردُّ هذا الاستدلال] 121
ص: 347
[تحريرٌ آخر لهذا الاستدلال] 121
[الجواب عنه] 121
تنبيهان 121
التَّنبيه الأوَّل: [تقدُّم جريان الأصل في الموضوع علىٰ جريانِه في الحكم] 122
[إشارةٌ إلى أصالة عدم التَّذكية] 122
[مختار المحقِّقَين الحائريِّ والدَّاماد 0 هيهنا] 123
[مناقشةُ مختارهما] 123
التَّنبيه الثَّاني: [الإحتياط في الشُّبهات التَّحريميَّة] 124
[الإحتياط في الشُّبهات الوجوبيَّة التَّعبُّديَّة وكلام الشَّيخ 1 فيه] 124
[مناقشة كلامه] 124
[أجوبةٌ للشَّيخ 1 عن هذا الإشكال] 125
[مناقشة أجوبته] 125
[جواب المحقِّق الخراسانيِّ 1 عن الإشكال] 125
[ما أجاب به المشهورُ عن الإشكال] 126
[مناقشة الجواب] 126
الفصل الثَّالث: في قاعدةِ مَن بلغ 127
[بيان المختار وتوضيحُه] 127
تتمَّةٌ: [اشتمال القاعدة علىٰ الحرمة والكراهة أيضًا] 129
[القول بعدم اشتمالها عليهما ومناقشتُه] 129
تتمَّةٌ أُخرىٰ: [جهات اختلاف الأصحاب في القاعدة] 130
الجهَة الأولىٰ 130
الجهة الثَّانية 130
[مناقشةُ هذا المبنىٰ] 130
الجهة الثَّالثة 131
[مناقشة هذا المبنىٰ] 131
الجهة الرَّابعة 131
ص: 348
[مناقشة هذا المبنىٰ] 131
الجهة الخامسة 131
تتمَّةٌ ثالثةٌ: [حجيَّة القاعدة في الإبلاغ من الطُّرُق المتعارفة] 132
[مناقشة هذا القول] 132
الفصل الرَّابع: في أصالة التَّخيير 135
الأمر الأوَّل: [المراد من هذا الأصل]
الأمر الثَّاني: [الأقوال في المسألة والمختار منها] 135
[قياس المقام بباب التَّعارض ومناقشةُ القياس] 136
[ما قال به بعضُهم في القيام وردُّه] 136
الأمر الثَّالث: [مختار المشهور وبيان ما فيه] 137
[بيان المختار في المسألة] 137
الأمر الرَّابع: [مبنىٰ المشهور والمحقِّقِ الخراسانيِّ 1] 138
[مناقشة مبنىٰ المحقِّق الخراسانيِّ 1] 138
الفصل الخامس: في دوَران الأمر بين التَّعيين والتَّخيير 139
[بيان المسألة] 139
[استدلال المشهور عليها] 139
[بيان ما في استدلالهم] 140
[بيان غفلةٍ وقعتْ لهم] 140
الفصل السَّادس: في أصالة الإشتغال 141
[صُور الشَّكِّ هيهنا] 141
الشَّكُّ بين المتبايِنَين 141
الشَّكُّ بين الأقلِّ والأكثر 141
الشَّكُّ بين الأقلِّ والأكثر الاِرتباطيَّينِ 141
[اختصار المحقِّق الخراسانيِّ 1 في المقام] 141
المقام الأوَّل: في الشَّكِّ بين المتبايِنَين 142
[مناقشة مختار المشهور] 142
ص: 349
[نقد هذا المبنىٰ من قِبَل بعضهم] 143
[مناقشةُ هذا النَّقد] 143
[نقدٌ آخر لبعضهم] 144
[مناقشة هذا النَّقد] 144
[نقدٌ آخر لبعضهم] 144
[مناقشة هذا النَّقد] 144
[نقدٌ آخر لبعضهم] 145
[مناقشة هذا النَّقد] 145
تنبيهاتٌ 145
التَّنبيه الأوَّل: في الاِضطرار إلى بعضِ الأطراف 145
[الخلاف في المسألة وبيان المختار فيها] 146
[مناقشة ما ذكره الشَّيخ الأعظم 1 في المقام] 146
[تفصيلٌ ذكرَه السَّيِّد الدَّاماد 1] 148
[مناقشة تفصيلِه] 148
التَّنبيه الثَّاني: سعةُ تنجُّزِ التَّكليف بالعلم الإجماليِّ 149
[مناقشة الدَّليلين بحسب الموارد الكلِّيَّة] 149
[إذا كان أحد الأطراف غير مبتلىً به] 150
تتمَّةٌ: [الخلاف في المسألة ومختار الشَّيخ 1 فيها] 150
[مناقشة رأيه] 151
تتمَّةٌ أخرىٰ 151
[تزييف ما تمثَّل به المشهور في المقام] 151
التَّنبيه الثَّالث: الاِجتناب عن الباقي في الشُّبهة غير المحصورة 152
[بعض ما استُدِلَّ به في المقام] 153
[نقدٌ علىٰ هذه الاستدلالات] 153
تتمَّةٌ: [مختار الشَّيخ 1 في المبحث] 154
[مناقشة مختاره] 154
ص: 350
[بيان المختار] 154
تتمَّةٌ أخرىٰ: [مختار الشَّيخ 1 وبيان المختار] 155
التَّنبيه الرَّابع: في مُلاقِي الشُّبهة المحصورة 155
[بيان سرِّ المشهور بين الأصحاب] 156
[إشكالٌ علىٰ كلمات بعضهم] 156
[تقسيمٌ ذكَرَه المحقِّق الخراسانيُّ 1 هيهنا] 157
القسم الأوَّل 157
القسم الثَّاني 157
القسم الثَّالث 157
[بيان ما في تقسيمِه 1] 157
المقام الثَّاني: في دوران الأمر بين الأقلِّ والأكثر الاِستقلاليَّيْن 158
[مقتضىٰ القاعدة في المسألة] 158
المقام الثَّالث: في دوران الأمر بين الأقلِّ والأكثر الإرتباطيَّيْن 159
[اضطراب بعضهم في المسألة] 159
[المختار وبيان أدلَّتِه] 159
[تفصيلٌ ذكره المحقِّق الخراسانيُّ 1] 160
[بيان ما فيه] 160
[ما استدلَّ به المحقِّق البروجرديُّ 1 في المقام] 160
[مقالٌ للأستاذ الدَّاماد 1 ونقدُه] 161
[بيان مبنىٰ المحقِّق الخراسانيِّ 1] 162
تنبيهاتٌ 163
التَّنبيه الأوَّل: [عدم الفرق بين الأجزاء والشَّرائط هيهنا] 163
[تفصيلٌ أورده المحقِّق الخراسانيُّ 1 في المقام] 164
[تزييف تفصيلِه] 164
التَّنبيه الثَّاني: [مقالتان للشَّيخ الأعظم 1 هيهنا] 165
[مناقشةُ مقالتَيه] 166
ص: 351
[بيان ما في جواب المحقِّق الخراسانيِّ 1 عنه] 166
التَّنبيه الثَّالث: [حكم الزِّيادة في الصَّلوة] 167
[أقوالٌ في المسألة] 167
[مقتضىٰ الأصل في المسألة] 167
[تمسُّك الأصحاب بالاِستصحاب وتقريراتُه] 168
التَّقرير الأوَّل 168
التَّقرير الثَّاني 168
التَّقرير الثَّالث 168
[رأيُنا في هذه التَّقريرات] 168
التَّنبيه الرَّابع: [المختار في المقام] 169
[أقوالٌ لبعضهم وللمحقِّق الخراسانيِّ 1 وبيان ما فيه] 169
[الاستصحاب لايجري في المقام] 169
الفصل السَّابع: قاعدة المِيسُور 171
[إيرادٌ للمحقِّق الخراسانيِّ 1] 172
[إيرادٌ علىٰ هذا الإيراد] 172
الفصل الثَّامن: في شرائط جريان الأصول 173
النُّكتةُ الأولىٰ: [مدىٰ حُسن الإحتياط] 173
النُّكتة الثانيَة: [وجوب الفحص عن الأدلَّة قبل جريان الأصل والأمارة] 174
[عدم وجوب الفحص عن الأدلَّة عند جريانهما في الموضوعات] 174
[ما هو الفارق بين الأحكام والموضوعات في المقام] 175
النُّكتة الثَّالثة: [العقاب علىٰ ترك الفحص عند جريان الأصل] 175
النُّكتة الرَّابعة: [شبهةٌ في المقام وجواب المحقِّق الأردبيليِّ 1 عنها] 175
[جواب الشَّيخ الأعظم 1 عنها] 176
[ما في هذا الجواب وبيان المختار] 176
النُّكتة الخامسة: [القاصر معذورٌ والمقصَّر غير معذورٍ] 176
[الإشكال في معذوريَّة المقصِّر وضعًا] 177
ص: 352
[الإجماع في المسألة] 177
الفصل التَّاسع: في الاِستصحاب 179
الأمر الأوَّل: في تعريفه 179
[ما في هذا التَّعريف] 180
الأمر الثَّاني: في أصوليَّة الاِستصحاب 180
[اختصاصُ الفقه بالجزئيَّات] 181
[قولٌ للشَّيخ 1 ومناقشتُه] 181
الأمر الثَّالث: في الفرق بينه و بين أُختَيْه 182
[عدم اهتمام الأعلام بقاعدَتَي اليقين والمقتضي والمانع وسرُّه] 183
[بيان المراد بالاِستصحاب] 183
[بيان المراد بقاعدة اليقين] 183
[بيان المراد بقاعدة المقتضي والمانع] 184
[المشترك بين الثَّلاثة والفارقُ بينها] 184
[مناقشة هذا البيان] 184
الأمر الرَّابع: سعة حجِّيَّة الاِستصحاب 185
[رأي الشَّيخ 1 ومتابعيه في هذا المقام] 185
[الخلاف في تفسير قول الشَّيخ 1] 185
[موارد لم يلتزم فيها الشَّيخ 1 بمختاره] 186
[إيرادٌ لبعضهم علىٰ التزام الشَّيخ 1 بهذه الموارد] 186
[المختارُ في المسألة] 187
[نقل كلامٍ للشَّيخ 1] 188
[مناقشة كلامه 1] 188
[تلخيصُ المرام هيهنا] 189
الأمر الخامس: جريان الاِستصحاب في الأحكام العقليَّة 189
[مختار الشَّيخ 1 في المسألة] 189
[الإيراد عليه] 189
ص: 353
الفصل العاشر: في حجِّيَّة الاِستصحاب 191
[المختار وما يدلُّ عليه] 191
الأمر الأوَّل: سيرةُ العقلاء 191
[ما أورده المحقِّق الخراسانيُّ 1 ومناقشتُه] 192
[علَّة حجِّيَّة هذه السِّيرة] 192
[حصيلة القول في حجِّيَّة الاِستصحاب] 192
الأمر الثَّاني: رواياتُ الباب 193
[هذه الرِّوايات كلُّها إرشاديَّةٌ] 193
منها 193
[لا إشكال فيها سندًا] 194
[وضوح دلالتها علىٰ المطلوب وردُّ ما يرد عليها] 194
ومنها 195
[دلالةُ الرِّواية علىٰ المطلوب] 195
ومنها 196
[دلالتُها وبيان مشكلةٍ فقهيَّةٍ فيها] 196
[تأويلٌ ذكره الشَّيخ 1 ومناقشتُه] 196
[ما ذكره المحقِّق الخراسانيُّ 1 والرَّدُّ عليه] 197
[إشكالٌ آخر في المقام] 197
ومنها 198
[صحَّة الرِّواية سندًا وما أورده الشَّيخ 1 عليها] 198
[خروج الرِّواية عن موضوع الاِستصحاب] 198
[بعضُ الأقوال في المقام ومناقشتُها] 198
[تليخصُ المرام في المقام] 199
ومنها 200
[قولُ الشَّيخ 1 في سند الحديث وتزييفُه] 200
[مقالٌ لصاحب الكفاية 1 ونقدُه] 200
ص: 354
ومنها 201
[تقريبُ الاستدلال بهما] 201
[قولٌ للسَّيِّد الأستاذ الخميني 1 ونقدُه] 202
[تلخيصُ المرام في المقام] 202
الفصل الحادي عشر: في الأحكام الوضعيَّة 205
[اِدِّعاء الشَّيخ 1 أنْ لاجعل فيها] 205
[اختلاف تلامذتهِ في قوله وما صنعه المحقِّق الخراسانيُّ 1 في المقام] 205
[نظراتٌ في صنيعِه] 206
[تلخيصُ المرام في المقام] 207
تنْبيهات الاِستصحاب 209
التَّنبيه الأوَّل: فعليَّة الشَّكِّ واليقين في الاِستصحاب 209
التَّنبيه الثَّاني: المراد باليقين والشَّكِّ في المَبحث 210
التَّنبيه الثَّالث: في اِستصحاب الكلِّيِّ 211
القسمُ الأوَّل 211
القسم الثَّاني 211
القسم الثَّالث 211
[حجِّيَّة الاِستصحابين الأوَّلَين] 211
[النِّزاع في حجِّيَّة الثَّالث منها] 212
[بعض ما أورد علىٰ الثَّالث] 212
تذنيبٌ: في الشُّبهة العَبائيَّة 213
[المختارُ في الجواب عنها] 214
عودٌ إلى ما كُنَّا فيه 214
[المشهور في القِسمين الأوَّل والثَّالث] 214
[الإختلاف في الثَّاني والمختار فيه] 215
[عدم جريان الاِستصحاب في الأقسام الثَّلاثة] 215
[ميل العُرف إلى جريانِه فيها] 215
ص: 355
التَّنبيه الرَّابع: الاِستصحابُ في الأمور التَّدريجيَّة غير القارَّة 216
الأمر الأوَّل: جريان الاِستصحاب في نفس الزَّمان 217
[أقوالٌ في المقام ومناقشتُها] 218
الأمر الثَّاني: الاِستصحاب في الأمور التَّدريجيَّة 218
[ما أفاده المحقِّق الخراسانيُّ 1 فيها] 218
[مناقشةُ ما أفاده] 219
الأمر الثَّالث: اِستصحاب المُقيَّد بالزَّمان 219
التَّنبيه الخامس: في الاِستصحاب التَّعليقيِّ 220
[وقوع الخلاف في المقام وبعض الأقوال فيه] 220
[ما جرىٰ بين الشَّيخ الأعظم وأستاذه المجاهد 0] 221
[المختارُ في المقام وبعضُ ما قيل فيه] 221
التَّنبيه السَّادس: اِستصحابُ أحكام الشَّرائع السَّابقة 222
[المشهور في المسألة] 222
المانع الأوَّل: تغايُرُ الأديان عُرفًا 223
المانع الثَّاني: نسخ الأديان 223
[تزييفُ هذا المانع] 223
المانع الثَّالث: العِلم الإجماليُّ بوجود النَّسخِ 223
[تزييفُ هذا المانع] 223
[المختار في المقام وتوضيحُه] 224
التَّنبيه السَّابع: في حجيَّة الأصل المُثبِت 224
[ما استدلَّ به الشَّيخ 1 علىٰ ذلك] 225
[مناقشةُ استدلاله] 225
[ما استدلَّ به المحقِّق الخراسانيُّ 1 علىٰ ذلك] 225
[مناقشة استدلاله] 226
[المختار حجِّيَّة الأصل المثبِت] 226
تتمَّةٌ: [ما صنَعَه الشَّيخ وتلميذه الكبير 0 في المقام] 227
ص: 356
[مناقشة صنيعهما] 227
التَّنبيه الثَّامن: في أمثلةٍ ذُكِرت في المقام 228
الأوَّل 228
[ردُّ قوله هذا] 228
الثَّاني 229
[ردُّ قوله هذا] 229
الثَّالث 229
[تزييفُ ما في الكفاية] 229
التَّنبيه التَّاسع: الأثر لأيِّ حكمٍ من الأحكام 230
[نقدٌ علىٰ قوله هذا] 230
التَّنبيه العاشر: لزوم ثبوتُ الأثر في جريان الاِستصحاب 231
التَّنبيه الحادي عشر: اِستصحاب مجهول التأريخ 231
القسم الأوَّل 231
القسم الثَّاني 232
القسم الثَّالث 232
[تليخصُ المرام في المقام] 232
التَّنبيه الثَّاني عشر: اِختصاص الاِستصحاب بالأحكام الفرعيَّة 233
[ما وقع بين الإمام الثَّامن 1 وبين نصرانيٍّ] 233
التَّنبيه الثَّالث عشر: في تعارُض العامِّ مع اِستصحاب الُمخصِّص 234
[أنحاء المسألة] 234
الأوَّل: أن يكون العامُّ استغراقيًّا، والخاصُّ أيضًا كذلك 234
الثَّاني: أن يكون العامُّ استغراقيًّا والخاصُّ غير استغراقيٍّ 234
الثَّالث: أن يكون العامُّ غير استغراقيٍّ والخاصُّ استغراقيًّا 234
الرَّابع: أن يكون العامُّ والخاصُّ كلاهما غير استغراقيَّيْن 234
التَّنبيه الرَّابع عشر: المراد من الشَّكِّ واليقين في المقام 235
[لااعتبار بلفظَي اليقين والشَّكِّ بخصوصهما] 235
ص: 357
التَّنبيه الخامس عشر: في كيفيَّة الوحدة المشتَرَطَة في صحَّة الاِستصحاب 235
[المختار في المقام] 236
التَّنبيه السَّادس عشر: تقدُّم الأمارات على الاِستصحاب 236
[احتمالٌ آخر في المسألة] 237
[احتمالٌ ثالثٌ فيها] 237
التَّنبيه السَّابع عشر: تقدُّم القواعد الفقهيَّة علي الاِستصحاب 238
[وجه تقدُّمها عليه] 238
[وجهٌ آخر لتقدُّمها عليه] 238
[وجهٌ ثالثٌ لتقدُّمها عليه] 239
[وجهٌ رابعٌ لتقدُّمها عليه] 239
التَّنبيه الثَّامن عشر: تقدُّم الاِستصحاب على الأصول العَمَليَّة كلِّها 239
[بيانُ وجه تقدُّمه عليها] 239
المقصد التَّاسع: في تعارض الأمارت
الفصل الأوَّل: في تعريفه 243
[بيان أجزاء التَّعريف] 243
[التَّوفيق العُرفيِّ] 244
الفصل الثَّاني: مقتضَى القاعدة في تعارض الخبَرَين 245
[تعارض الإجماع والنَّصِّ وبيان مقتضىٰ القاعدة في المقام] 245
[ما اشتهر بين الأصحاب ومناقشتُه] 246
الفصل الثَّالث: مقتضى الرِّوايات في تعارُض الخبرَيْن 247
[تواترُ الرِّوايات في ذلك وذكرُ بعضها] 247
[إرشاديَّةُ الرِّوايات] 248
[رواياتٌ تعارِض هذه الرِّوايات] 248
[تأويلٌ ذكره الشَّيخ 1 في هذه الرِّوايات] 248
[هذه الطَّائفة أيضًا إرشاديَّةٌ] 249
ص: 358
الفصل الرَّابع: هل التَّخييرُ مسألةٌ أصوليَّةٌ؟ 251
[الخلاف في المسألة ومختار المحقِّقين الخراسانيِّ والخمينيِّ 0 فيها] 251
[مناقشة ما اختاراه 0] 251
الفصل الخامس: مختار المُستنبِط حكمٌ واقعيٌّ؟ أم لا؟ 253
[المختار في المسألة] 253
الفصل السَّادس: التَّخييرُ بدويٌّ؟ أو اِستمراريٌّ؟ 255
[المختار في المسألة] 255
[مقال المحقِّق الخراسانيِّ 1 ومناقشتُه] 255
[مقال المحقِّق الخمينيِّ 1 ومناقشتُه] 256
الفصل السَّابع: المرادُ من التَّوقُّف في مأثورات الباب 257
[التَّخيير في بعض المقامات والتَّوقُّف في بعضِها] 257
الفصل الثَّامن: ترجيحُ روايةٍ على أخرىٰ أو تمييزُ الحجَّة عن اللَّاحجَّة 259
الأوَّل: ما هو في ترجيح الرَّاوي 259
الثَّاني: ما هو في ترجيح روايةٍ على أُختِها 259
1. الشُّهرة 259
2. موافقةُ الكتاب 259
3. مخالفةُ العامَّة 259
[رجوع الثَّلاثة إلى أمرٍ واحدٍ] 260
[مختار المحقِّق الخراسانيِّ 1 في المقام] 261
[ما ورد في طائفةٍ من روايات الباب] 261
[وجوب طرح هذه الطَّائفة] 261
[ما إذا كان المؤخَّر مبيِّنًا للمقدَّم] 262
الفصل التَّاسع: في التَّعدِّي من المرجِّحات المنصوصةِ إلى غيرِها 263
[مختار المحقِّقَين الأنصاريِّ والخراسانيِّ 0] 263
[ما استدلَّ به الشَّيخ 1 علىٰ مختاره] 263
الأمر الأوَّل 264
ص: 359
الأمر الثَّاني 264
الأمر الثَّالث 264
[تزييفُ هذا الدَّليل] 264
[ما استدلَّ به المحقِّق الخراسانيُّ 1 علىٰ مختاره] 265
[تزييفُ اِستدلاله] 265
الفصل العاشر: مَدىٰ حجِّيَّة التَّخيير أو التَّرجيح 267
[المشهورُ في المقام] 267
[المختار فيه] 267
[استعجابٌ من صَنيع المحقِّق الخراسانيِّ 1] 268
[ما اشتهر من قدماء الأصحاب وتزييفُه] 268
الفصل الحادي عشر: في تقدُّم بعض الظُّهورات على الآخر 269
[النَّظر في قوله هذا] 269
الأمر الأوَّل 269
[مقالٌ لهذا المحقِّق وتزييفُه] 270
الأمر الثَّاني 270
[ما ذكره صاحب الكفاية 1 تبعًا للقوم وبيان ما فيه] 271
الأمر الثَّالث 271
[مقالٌ للمحقِّق النراقيِّ الثَّاني وردُّ المحقِّق الخراسانيِّ 0 عليه] 271
الأمر الرَّابع 272
[مذهب الشَّيخ 1 في التَّقديم] 272
[مذهب الوحيد 1 في التَّقديم] 272
[مذهب المحقِّق الخراساني 1 في التَّقديم] 272
الأمر الخامس 273
[مختار الشَّيخ 1 وأدلَّته] 273
[مقالٌ للمحقِّق الخراساني 1 ومناقشتُه] 274
الأمر السَّادس 274
ص: 360
[مختار المشهور في المقام وتأييدُه] 274
[مختار المحقِّق الخراساني 1 وتزييفُه] 275
الأمر السَّابع 275
[المشهور في المسألة وبيان المختار فيها] 275
المقصد العاشر: في الإجتهاد والتَّقليد
المرحلةُ الأولىٰ: في الإجتهاد
الفصل الأوَّل: في حجِّيَّة الإجتهاد 281
[المنقول من الأخباريِّين في المقام يوافقُ مذهب الأُصوليِّين] 281
[ما يدلُّ علىٰ حجِّيَّة الإجتهاد] 282
منها: صحيحةُ هشام بن سالمٍ 282
ومنها: صحيحةُ البَزَنطيِّ 282
ومنها: مقبولةُ عمرَ بن حنظةَ 282
ومنها: رواية الافتاء 283
ومنها: رواية الإحتجاج 283
ومنها: رواية أخي الكُليني 2831
ومنها: رواية الرجاليِّين 283
الفصل الثَّاني: حجِّيَّة الإجتهاد المُستنَد إلى الظُّنون 285
[وقوع الخلاف ورأي المحقِّق الخراساني 1] 285
[مناقشة رأيه] 286
الفصل الثَّالث: التَّجزِّي في الإجتهاد 287
[الإشكال في حجِّيَّته بعد الفراغ عن جواز وقوعه] 287
[إشكالٌ في المقام والإجابة عنه] 288
الفصل الرَّابع: هل يجوز أن ينصب المجتهدُ من لم يَحُزْ الإجتهاد للحكومة؟ 289
[مقالٌ لبعضهم وتزييفُه] 289
ص: 361
الفصل الخامس: ما يُشتَرط في الإجتهاد 291
الأمر الأوَّل 291
الأمر الثَّاني 291
الأمر الثَّالث 292
[سرُّ سيرة أعلام المذهب من نقل الأقوال] 292
الأمر الرَّابع 292
الأمر الخامس 293
الأمر السَّادس 293
[ما رُوي من سيرة العلَّامة الحلِّي 1] 293
الأمر السَّابع 294
[لايجوز التَّقليد عن الفاسق] 294
[إجتهاد الفاسق ليس بحجَّةٍ] 294
[قولٌ للسَّيِّد الحكيم واستغرابُه] 295
الأمر الثَّامن 295
الأمر التَّاسع 295
[المرادُ من الملكة القُدسيَّة] 295
تنبيهٌ 296
[مقالَين للوحيد الأصبهاني 1] 296
الفصل السَّادس: التَخطئَة ومعاني التَّصويب 299
[مختار العامَّة في المقام] 299
[فساد مختارِهم] 300
الفصل السَّابع: في تبدُّل رأي المجتهد 301
[ما سبق من الأعمال علىٰ تبدُّل رأيه] 301
[المختار في المسألة] 301
[مقال المحقِّق الخراساني 1 في المقام] 302
المرحلة الثَّانية: في التَّقليد
ص: 362
الفصل الأوَّل: في تعريف التَّقليد وما يجوز فيه و ما لايجوز 305
[التَّقليد والمباحثة والمُنابَهَة] 305
[حكمُ الثَّلاثة شرعًا] 305
[التَّقليد عند عدم القدرة على الإجتهاد] 306
[عدم جواز التقليد في غير الأحكام] 306
الفصل الثَّاني: بماذا يتحقَّقُ التَّقليد؟ 309
[التَّقليد مقولٌ بالتَّشكيك] 309
الفصل الثَّالث: اشتراط الأعلميَّة في التَّقليد 311
[المشهور بين المشهور في المقام] 311
[المختار في المسألة] 311
[تواتر الرِّوايات في ذلك] 312
[الإجابة عن القول بعدم ثبوت الإجتهاد بين السَّلف] 313
[مقالٌ للمحقِّق الخراساني 1 وما فيه] 313
[مااستُدلَّ به لجواز التَّقليد عن غير الأعلم] 314
الأوَّل: سيرةُ العقلاء 314
[مناقشة هذا الدَّليل] 314
الثَّاني: الإطلاقات الدَّالَّة على وجوب أصل التَّقليد 315
[مناقشة هذا الدَّليل] 315
الثَّالث: ثبوت العسر في تقليد الأعلم 315
[مناقشة هذا الدَّليل] 315
الفصل الرَّابع: حجِّيَّة قولَين المتعارضَين 317
[قولٌ للمحقِّق الحائري 1] 317
[ردٌّ للمحقِّق الدَّاماد 1 عليه] 318
[إشكالٌ علىٰ كلام المحقِّق الدَّاماد 1] 318
[مقالٌ آخر له] 318
الفصل الخامس: في جواز التَّقليد عن المُستَنبِط المَيِّت 321
ص: 363
[المختارُ في المقام] 321
[إجماع الشِّيعة علىٰ عدم حجِّيَّته] 322
[طريقٌ للمحقِّق الخراساني 1] 322
[أدلَّة مجوِّزي تقليد الميِّت] 323
الدَّليل الأوَّل 323
[ردُّ صاحب الكفاية 1 عليه] 323
الدَّليل الثَّاني 323
[مناقشة هذا الدَّليل] 324
الدَّليل الثَّالث 324
[ما في هذا الدَّليل] 324
[مختار الأخباريِّين في المقام] 324
[مناقشةُ مختارهم] 325
الدَّليل الرَّابع 325
[مناقشة هذا الدَّليل] 325
الدَّليل الخامس 326
[استغراب ما أورده المحقِّق الخراساني 1 علىٰ هذا الدَّليل] 326
[البقاء علىٰ تقليد الميِّت] 326
1. عدم الجواز مطلقًا 327
2. الجوازُ مطلقًا 327
3. وجوبُ البقاء إذا كان الميِّت أعلمَ 327
[المختار في المقام] 327
[طريقٌ سلَكه المحقِّق الخراساني 1] 327
الفصل السَّادس: في مرجِعيَّة المرءَة 329
[ما يدلُّ علىٰ المبنىٰ] 329
الدَّليل الأوَّل 329
الدَّليل الثَّاني 330
ص: 364
الدَّليل الثَّالث 330
الدَّليل الرَّابع 330
[مناقشةُ هذه الأدلَّة] 331
الفصل السَّابع: في العُدُول 333
[المختار في المقام] 333
[ادِّعاء انعقاد الإجماع هيهنا وتزييفُه] 334
الفصل الثَّامن: بطلان عمل العامِّيِّ بلاتقليدٍ 335
[المختار في المقام] 335
الفصل التَّاسع: الإعادة أو القضاء بعد تبديل المقلَّد 337
[المشهور بين الأصحاب] 337
[تزييفُ ما استدلُّوا به علىٰ مختارهم] 337
الفهرس التفصيلي 339
فهرس مصادر التحقيق 367
ص: 365
ص: 366
[1] آراءٌ حول مبحث الألفاظ
علي الفاني الأصفهاني؛ 2 ج؛ 1401 ه. ق.؛ - قم؛ ايران.
[2] آراؤنا في أصول الفقه
تقي الطَّباطبائي القمِّي؛ 3 ج؛ انتشارات محلَّاتي؛ 1371 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[3] إرشاد العقول إلى علم الأصول
جعفر سبحاني التَّبريزي، محمَّدحسين الحاج العاملي؛ 4 ج؛ مؤسسۀ امام صادق 7؛ 1424 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[4] استقصاء الإعتبار
ابوجعفر محمَّد العاملي؛ 7 ج؛ مؤسَّسة آل البيت:؛ 1419 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[5] أصول الفقه
محمَّدرضا المظفَّر؛ 2 ج؛ اسماعيليان؛ -؛ قم؛ ايران.
[6] إفاضة العوائد
السَّيِّد محمَّدرضا الگلپايگاني؛ 2 ج؛ دارالقرآن الكريم؛ 1410 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[7] الإتقان في علوم القرآن
السُّيوطي؛ 2 ج؛ أوفست منشورات الرضي بيدار عزيزي؛ 1363 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[8] الإجتهاد والتَّقليد
السَّيِّد رضا الصَّدر؛ مكتب الإعلام الإسلامي؛ 1420 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[9] الإجتهاد والتَّقليد
الشَّيخ مرتضىٰ الأنصاري؛ أوفست كتابفروشي مفيد؛ 1404 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[10] الإجتهاد والتَّقليد
الشَّيخ ميرزا هاشم الآملي، ضياءالدِّين النَّجفي؛ 1413 ه. ق.؛ نويد اسلام؛ قم؛ ايران.
[11] الإجتهاد والتَّقليد
ص: 367
محمَّدتقي بن محمَّدباقر الأصفهاني النَّجفي؛ -؛ الطَّبعة الحجريَّة؛ أصفهان؛ ايران.
[12] الإجتهاد والتَّقليد
محمَّدمهدي الكجوري الشِّيرازي؛ النَّهاوندي؛ 1380 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[13] الإحتجاج
ابومنصور احمد الطَّبرسي؛ نشر مرتضىٰ؛ 1403 ه. ق.؛ مشهد؛ ايران.
[14] الإرشاد
الشَّيخ المفيد؛ 2 ج؛ كنگرۀ جهانى شيخ مفيد؛ 1413 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[15] الاستبصار
الشَّيخ الطُّوسي؛ 4 ج؛ أوفست دارالكتب الإسلاميَّة؛ 1390 ه. ق.؛ تهران؛ ايران.
[16] الإشارات والتَّنبيهات
ابوعلي سينا؛ مكتبة الاعلام الاسلامي؛ 1389 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[17] الأُصول
ضياءالدِّين العراقي، محمَّدحُسين النَّائيني، ابوالفضل النَّجم آبادي؛ 3 ج؛ مؤسَّسة آية اللَّه العظمىٰ البروجردي لنشر معالم أهل البيت:؛ 1380 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[18] الأُصول الأصليَّة والقواعد الشَّرعيَّة
عبداللَّه الشُّبَّر؛ أوفست مكتبة مفيد؛ 1404 ه. ق.؛ قم؛ ايران. [19] الأصول العامَّة للفقه المقارن
السَّيِّد محمَّدتقي الحكيم؛ المجمع العالَمي لأهل البيت:؛ 1418 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[20] الأصول المهذَّبة
غلامحسين التَّبريزي؛ چاپ طوس؛ -؛ -؛ -.
[21] الإفاضات الغرويَّة في الأصول الفقهيَّة
السَّيِّد علي نقي فيض الإسلام؛ مكتبة الرَّافدين؛ 1352 ه. ق.؛ النجف الأشرف؛ عراق.
[22] الإقبال
سيِّد ابن طاوس؛ دارالكُتب الإسلاميَّة؛ 1367 ه. ش.؛ تهران؛ ايران.
[23] الإلهيَّات من المحاكمات
قطب الدِّين الرِّازي؛ دفتر نشر ميراث مكتوب؛ 1381 ه. ش.؛ تهران؛ ايران.
ص: 368
[24] الأمالي
الشَّيخ الطُّوسي؛ دارالثِّقافة؛ 1414 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
الأنوار البهيَّة في القواعد الفقهيَّة
تقي الطَّباطبائي القمِّي؛ انتشارات محلَّاتي؛ 1381 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[25] البرهان في تفسير القرآن
السَّيِّد هاشم البحراني؛ 5 ج؛ مؤسَّسة البعثة؛ 1416 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[26] التَّعليقات على الشَّواهد الرُّبوبيَّة
ملَّاهادي السَّبزواري؛ مركز نشر دانشگاهي؛ 1360 ه. ش.؛ مشهد؛ ايران.
[27] التَّقريرات المسمّى بالمحاكمات بين الأعلام
الشَّيخ عبدالنبي النَّجفي العراقي، الشَّيخ مسلم السَّرابي؛ 1385 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[28] التَّنقيح في شرح العُروة الوثقىٰ
- كتاب الإجتهاد والتَّقليد - السَّيِّد ابوالقاسم الخوئي، الميرزا علي التَّبريزي الغروي؛ 6 ج؛ -؛ 1418 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[29] التَّوحيد
الشَّيخ الصَّدوق؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1398 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[30] الحاشية علىٰ الكفاية
السَّيِّد حسين البروجردي، الشَّيخ بهاءالدِّين الحُجَّتي البروجردي؛ 2 ج؛ مؤسَّسة انصاريان؛ 1421 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[31] الحاشيَة على تهذيب المنطق
مولىٰ عبداللَّه اليزدي؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1412 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[32] الحدائق النَّاضرة
الشَّيخ يوسف البحراني؛ 25 ج؛ أوفست مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1405 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[33] الحكمة المتعاليَة
صدرالمتألِّهين الشِّيرازي؛ 9 ج؛ دارإحياء التُّراث؛ 1981 م.؛ بيروت؛ لبنان.
[34] الخصال
ص: 369
الشَّيخ الصَّدوق؛ أوفست مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1403 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[35] الدُّرَر النَّجفيَّة
الشَّيخ يوسف البحراني؛ أوفست مؤسَّسة آل البيت:؛ -؛ قم؛ ايران.
[36] الذَّريعة
السَّيِّد المرتضي 2 ج انتشارات و چاپ دانشگاه تهران 1376 ه. ش.؛ تهران؛ ايران.
[37] الرَّسائل
الإمام الخميني؛ مؤسَّسۀ مطبوعاتي اسماعيليان؛ 1385 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[38] السَّرائر الحاوي
ابن إدريس الحلِّي؛ 3 ج؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1410 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[39] الصِّراط المستقيم إلى مستحقِّي التَّقديم
عليِّ بن يونس النَّباطي البياضي؛ 3 ج؛ مكتبة حيدريَّة؛ 1384 ه. ق.؛ النَّجف الأشرف؛ العراق.
[40] الطِّراز لأسرار البلاغة وعلوم الإيجاز
يحيىٰ بن حمزة العلوي اليمني؛ 3 ج؛ أوفست مكتبة عنصرية؛ 1423 ه. ق.؛ بيروت؛ لبنان.
[41] العُدَّة في أصول الفقه
الشَّيخ الطُّوسي؛ 2 ج؛ -؛ 1379 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[42] العُمدة في أصول الفقه
ابن بِطريق؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1407 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[43] الفصول الغرويَّة
محمَّدحسين الأصفهاني؛ أوفست دارإحياء العلوم الإسلاميَّة؛ 1404 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[44] الفصول المختارة
الشَّيخ المفيد؛ كنگرۀ جهانى شيخ مفيد؛ 1413 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[45] الفقه علىٰ المذاهب الخمسة
محمَّدجواد مغنية؛ 2 ج؛ أوفست دارالتَّيَّار الجديد، دارالجواد؛ 1421 ه. ق.؛
ص: 370
بيروت؛ لبنان.
[46] الفقيه
- من لايحضره الفقيه - الشَّيخ الصَّدوق؛ 4 ج؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1413 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[47] الفوائد الحائريَّة
محمَّدباقر الوحيد الأصفهاني البهبهاني؛ مجمع الفكر الإسلامي؛ 1415 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[48] الفوائد المدنيَّة
محمَّد امين الأسترابادي؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1426 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[49] الفهرست
شيخ الطَّائفة ابوجعفر محمَّد الطُّوسي؛ المكتبة المرتضويَّة؛ -؛ النَّجف الأشرف؛ العراق.
[50] القرآن الكريم وروايات المدرسَتَين
السَّيِّد مرتضىٰ العسكري؛ 3 ج؛ كلِّيَّة أصول الدِّين؛ 1378 ه. ش.؛ تهران؛ ايران.
[51] القواعد الفقهيَّة
السَّيِّد حسن البجنوردي؛ 7 ج؛ نشر الهادي؛ 1419 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[52] الكافي
ثقة الإسلام الكُليني؛ 8 ج؛ دارالكتب الإسلاميَّة؛ 1365 ه. ق.؛ تهران؛ ايران.
[53] المباحث المشرقيَّة
فخرالدِّين الرَّازي؛ 2 ج؛ أوفست انتشارات بيدار؛ 1411 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[54] المثَل السَّائر في أدب الكاتب والشَّاعر
ابن الأثير؛ 2 ج؛ أوفست مكتبة عنصرية؛ 1420 ه. ق.؛ بيروت؛ لبنان.
[55] المحاسن
احمد بن محمَّد البرقي؛ 2 ج؛ دارالكتب الإسلاميَّة؛ 1371 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[56] المحاضرات في أصول الفقه
السَّيِّد محمَّد المحقِّق الدَّاماد، السَّيِّد جلال الدِّين الطَّاهري الأصفهاني؛ 3 ج؛ -؛
ص: 371
انتشارات مبارك؛ -؛ أصفهان؛ ايران.
[57] المحصول في علم الأصول
الشَّيخ جعفر السُّبحاني، السَّيِّد محمود الجلالي المازندراني؛ 4 ج؛ مؤسَّسۀ إمام صادق 7؛ 1414 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[58] المصباح
إبراهيم بن علي الكفعمي؛ أوفست انتشارات الرَّضي؛ 1405 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[59] المعالم الزُّلفىٰ في شرح عُروة الوثقىٰ
عبدالنَّبي النَّجفي العراقي؛ المطبعة العلميَّة؛ 1380 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[60] المُقنِع
الشَّيخ الصَّدوق؛ مؤسَّسة امام هادي 7؛ 1415 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[61] المنخول
محمَّد بن محمَّد الغزالي؛ دارلبيب بيضون؛ 1420 ه. ق.؛ بيروت؛ لبنان.
[62] النِّجاة
ابوعلي سينا؛ انتشارات دانشگاه تهران؛ 1379 ه. ش.؛ تهران؛ ايران.
[63] النور السَّاطع في الفقه النَّافع
علي كاشف الغطاء؛ 1411 ه. ق.؛ مطبعة الآداب؛ النَّجف الأشرف؛ عراق.
[64] الوافي
محمَّد بن محسن الفيض الكاشاني؛ 26 ج؛ كتابخانۀ امام اميرالمومنين 7؛ 1406 ه. ق.؛ اصفهان ايران.
[65] الوافية في أصول الفقه
الفاضل التُّوني؛ مجمع الفكر الإسلامي؛ 1412 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[66] الهداية في الأصول
السَّيِّد ابوالقاسم الخوئي، الشَّيخ حسن الصَّافي الأصفهاني؛ 4 ج؛ مؤسَّسة صاحب الأمر 7؛ 1417 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[67] أجود التَّقريرات
الميرزا محمَّدحسين النَّائيني، السَّيِّد ابوالقاسم الخوئي؛ 4 ج؛ مؤسَّسة صاحب
ص: 372
الأمر 7؛ 1419 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[68] أصول الفقه
الشَّيخ حسين الحلِّي؛ 12 ج؛ مكتبة الفقه والأصول المختصَّة؛ 1432 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[69] أصول الفقه
الشَّيخ محمَّدعلي الأراكي؛ 2 ج؛ مؤسَّسۀ در راه حق؛ 1375 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[70] أصول المعارف
المولىٰ محسن الفيض الكاشاني؛ مكتب الإعلام الإسلامي؛ 1375 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[71] أضواء وآراء
السَّيِّد محمود الحسيني الشَّاهرودي؛ 3 ج؛ مؤسَّسۀ دائرة المعارف فقه اسلامى؛ 1431 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[72] أمالي المرتضىٰ
السَّيِّد المرتضىٰ؛ 2 ج؛ أوفست دارالفكر العربي؛ 1998 م.؛ قاهرة؛ مصر.
[73] أنوار الأصول
ناصر مكارم الشِّيرازي، أحمد القدسي؛ 3 ج؛ مدرسة الإمام عليِّ بن أبي طالب 7؛ 1428 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[74] أنوار الهداية
الإمام الخميني؛ مؤسَّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني؛ 1372 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[75] أنيس المجتهدين
محمَّدمهدي النَّراقي؛ 2 ج؛ مؤسَّسۀ بوستان كتاب؛ 1388 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[76] بحار الأنوار
العلَّامة المجلسي؛ 110 ج؛ أوفست مؤسَّسة الوفاء؛ 1404 ه. ق.؛ بيروت؛ لبنان.
[77] بحر الفوائد
الميرزا محمَّدحسن الآشتياني؛ أوفست كتابخانۀ آيت اللَّه العظمىٰ مرعشي نجفي؛ 1403 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[78] بحوثٌ في علم الأصول
ص: 373
السَّيِّد محمَّدباقر الصَّدر، السَّيِّد محمود الهاشمي الشَّاهرودي؛ 7 ج؛ مؤسَّسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي؛ 1417 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[79] بدائع الأفكار
الميرزا حبيب اللَّه الرَّشتي؛ أوفست مؤسَّسة آل البيت:؛ 1313 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[80] بيان الأصول
السَّيِّدصادق الشيرازي؛ 9 ج؛ دار الأنصار؛ 1427 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[81] بيان الفقه
السَّيِّد صادق الشِّيرازي؛ 4 ج؛ دار الأنصار؛ 1426 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[82] پنج رساله
ابوعلي سينا؛ أوفست دانشگاه بوعلي؛ 1383 ه. ش.؛ همدان؛ ايران.
[83] تاج العروس
محمَّدمرتضىٰ الزَّبيدي الحُسيني؛ 20 ج؛ دارالفكر؛ 1414 ه. ق.؛ بيروت؛ لبنان.
[84] تحريراتٌ في الأصول
السَّيِّد مصطفىٰ الخميني؛ 6 ج؛ مؤسَّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني؛ 1418؛ ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[85] تحرير الأحكام الشَّرعيَّة
العلَّامة الحلِّي؛ 6 ج؛ مؤسَّسۀ امام صادق 7؛ 1420 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[86] تحرير الأصول
الميرزا هاشم الآملي، السَّيِّد علي فرحي؛ مكتبة الدَّاوري؛ 1386 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
ايران.
[87] تحليل العروة
الشَّيخ راضي بن محمَّدحسين التَّبريزي؛ 1409 ه. ق.؛ انتشارات بصيرتي؛ قم؛ ايران.
[88] تسديد الأصول
محمَّد مؤمن القمِّي؛ 2 ج؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1410 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[89] تعليقةٌ علىٰ معالم الأصول
السَّيِّد علي الموسوي القزويني؛ 7 ج؛ دفتر نشر اسلامى؛ 1427 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
ص: 374
[90] تفسير الصَّافي
الفيض الكاشاني؛ 6 ج؛ أوفست مكتبة الصدر؛ 1415 ه. ق.؛ تهران؛ ايران.
[91] تفسير العيَّاشي
محمَّد بن مسعود العيَّاشي؛ 2 ج؛ چاپخانۀ علميَّه؛ 1380 ه. ق.؛ تهران؛ ايران.
[92] تفسير القمِّي
عليِّ بن إبراهيم القمِّي؛ 2 ج؛ مؤسَّسة دارالكتاب؛ 1404 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[93] تفسير مفاتيح الغيب
فخرالدِّين الرَّازي؛ 16 ج؛ أوفست دار إحياء التُّراث العربي؛ 1420 ه. ق.؛ بيروت؛ لبنان.
[94] تقريرات الأصول
ميرزا هاشم الاملي ضياء الدين النجفي مؤسسة انتشارات فراهاني 1405 ه. ق.؛ تهران؛ ايران.
[95] تقريرات المجدِّد الشِّيرازي
الميرزا محمَّد حسن الشِّيرازي، المولىٰ علي الرُّوزدري؛ 4 ج؛ مؤسَّسة آل البيت:؛ 1409 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[96] تمهيد القواعد
زين الدِّين الشَّامي الشَّهيد الثَّاني؛ مكتب الإعلام الإسلامي؛ 1416 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[97] تهذيب الأحكام
الشَّيخ الطُّوسي؛ 10 ج؛ أوفست دارالكتب الإسلاميَّة؛ 1365 ه. ش.؛ تهران؛ ايران.
[98] تهذيب الأصول
السَّيِّد عبدالأعلىٰ السَّبزواري؛ 2 ج؛ مؤسَّسة المنار؛ -؛ قم /
[99] تهذيب الأصول
الإمام الخميني، الشَّيخ جعفر السُّبحاني؛ 2 ج؛ أوفست انتشارات دارالفكر؛ 1367 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[100] جامع الرُّواة
محمَّد بن علي الأردبيلي الغروي؛ 2 ج؛ أوفست مكتبة آية اللَّه المرعشي النَّجفي؛
ص: 375
1403 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[101] جواهر الأصول
الإمام الخميني، السَّيِّد محمَّدحسن المرتضوي اللَّنگرودي؛ 4 ج؛ مؤسَّسۀ تنظيم و نشر آثار امام خمينى؛ 1376 ه. ش.؛ تهران؛ ايران.
[102] جواهر الكلام
الشَّيخ محمَّدحسن النَّجفي؛ 43 ج؛ أوفست دارإحياء التُّراث العربي؛ -؛ بيروت؛ لبنان.
[103] حدائق الدقائق في شرح الأنموذج
سعداللَّه البردعي؛ أوفست انتشارات رضائي؛ -؛ قم؛ ايران.
[104] حقائق الأصول
السَّيِّد محسن الحكيم؛ 2 ج؛ أوفست كتابفروشي بصيرتي؛ 1408 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[105] حواشي المشكيني
الميرزا ابوالحسن المشكيني؛ 6 ج؛ انتشارات لقمان؛ 1413 ه. ق.؛ تهران؛ ايران.
[106] خلاصة الأقوال
العلَّامة الحلِّي؛ منشورات المطبعة الحيدريَّة؛ 1381 ه. ق.؛ النَّجف الأشرف؛ العراق.
[107] دراساتٌ في الأخلاق وشؤون الحكمة العمليَّة
الشَّيخ حسين المظاهري 3 ج الزهراء 1431 ه. ق.؛ اصفهان؛ ايران.
[108] دراساتٌ في علم الأصول
السَّيِّد أبوالقاسم الخوئي، السَّيِّد علي الشَّاهرودي؛ 4 ج؛ مؤسَّسة دائرة معارف الفقه الإسلامي؛ 1419 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[109] دُرَرالفوائد
الشَّيخ عبدالكريم الحائري؛ 2 ج؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1408 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[110] دُرَرالفوائد في الحاشيَة علىٰ الفرائد
الآخوند الخراساني؛ مؤسَّسة الطَّبع والنَّشر التَّابعة لوزارة الثِّقافة والإرشاد الإسلامي؛ 1410 ه. ق.؛ تهران؛ ايران.
ص: 376
[111] دروسٌ في علم الأصول
السَّيِّد محمَّدباقر الصَّدر؛ 2 ج؛ دارالمنتَظَر 7؛ 1405 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[112] ذخيرة العُقبىٰ في شرح عروة الوثقىٰ
علي الصَّافي الگلپايگاني؛ 10 ج؛ گنج عرفان؛ 1427 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[113] رجال ابن داود
حسن بن علي بن داود الحلِّي؛ انتشارات دانشگاه تهران؛ 1383 ه. ق.؛ تهران؛ ايران.
[114] رجال الطُّوسي
شيخ الطَّائفة ابوجعفر محمَّد الطُّوسي؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1427 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[115] رجال الكشِّي
- إختيار معرفة الرِّجال - ابوعمرو الكشِّي؛ 2 ج؛ مؤسَّسة آل البيت:؛ -؛ قم؛ ايران.
[116] رجال النَّجاشي
ابوالحسن النَّجاشي؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1407 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[117] رسائل ابن سينا
ابوعلي سينا؛ انتشارات بيدار؛ 1400 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[118] رسائل إخوان الصَّفا
اخوان الصَّفا؛ 4 ج؛ أوفست الدَّار الإسلاميَّة؛ 1412 ه. ق.؛ بيروت؛ لبنان.
[119] رسائل الشَّريف المرتضىٰ
الشَّريف المرتضىٰ الموسوي؛ 4 ج؛ دارالقرآن الكريم؛ 1405 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[120] رسالةٌ في قاعدة نفي الضَّرر
- المطبوعة مع منيَّة الطَّالب - السَّيِّد موسىٰ بن محمَّد الخوانساري النَّجفي؛ أوفست المكتبة المحمَّدية؛ 1373 ه. ق.؛ تهران؛ ايران.
[121] رياض السَّالكين
السَّيِّد عليخان المدني الشِّيرازي؛ 7 ج؛ مؤسَّسة النشر الإسلامي؛ 1409 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[122] رياض المسائل
ص: 377
السَّيِّد علي الطَّباطبائي الحائري؛ 16 ج؛ مؤسَّسة آل البيت:؛ 1418 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[123] زبدة الأصول
الشَّيخ البهائي؛ مدرسة ولي العصر العلميَّة 7؛ 1381 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[124] شرح الأخبار
نعمان بن محمَّد بن حيُّون؛ 3 ج؛ مؤسَّسة النشر الإسلامي؛ 1409 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[125] شرح الإشارات والتَّنبيهات
نصيرالدِّين الطُّوسي؛ 3 ج؛ نشر البلاغة؛ 1375 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[126] شرح العُروة الوثقىٰ
الشَّيخ مرتضىٰ الحائري اليزدي؛ 6 ج؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1426 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[127] شرح المنظومة
ملَّاهادي السَّبزواري؛ 5 ج؛ نشر ناب؛ 1379 ه. ش.؛ تهران؛ ايران.
[128] شرح المواقف
الشَّريف الجرجاني؛ 4 ج؛ أوفست منشورات الرَّضي؛ -؛ قم؛ ايران.
[129] شرح الهداية الأثيريَّة
صدرالمتألِّهين الشِّيرازي؛ مؤسَّسة التَّأريخ العربي؛ 1422 ه. ق.؛ بيروت؛ لبنان.
[130] شرح كتاب القَبسات
احمد بن زين العابدين العلوي؛ مؤسَّسۀ مطالعات اسلامى؛ 1376 ه. ش.؛ تهران؛ ايران.
[131] شرح مطالع الأنوار
قطب الدِّين الرَّازي؛ أوفست انتشارات كتبي نجفي؛ -؛ قم؛ ايران.
[132] شرح نهج البلاغة
عبدالحميد بن أبي الحديد المعتزلي؛ 20 ج؛ أوفست مكتبة آية اللَّه المرعشي النَّجفي؛ 1404 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[133] صبح الأعشىٰ
ص: 378
القلقشندي؛ 15 ج؛ أوفست دارالكتب العلميَّة؛ -؛ بيروت؛ لبنان.
[134] علل الشَّرائع
الشَّيخ الصَّدوق؛ أوفست مكتبة الدَّاوري؛ -؛ قم؛ ايران.
[135] عمدة الأصول
السَّيِّد محسن الخرَّازي؛ 6 ج؛ مؤسَّسۀ در راه حق؛ 1422 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[136] عناية الأصول
السَّيِّد مرتضىٰ الفيروزآبادي؛ 6 ج؛ أوفست انتشارات فيروزآبادي؛ ه. ق.؛ 1400 قم؛ ايران.
[137] عوائد الأيَّام
المولىٰ أحمد النَّراقي؛ مركز الأبحاث والدِّراسات الإسلاميَّة؛ 1417 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[138] عوالي اللآلىء
ابن أبي جمهور الأحسائي؛ 4 ج؛ انتشارات سيِّدالشُّهداء 7؛ 1405 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[139] عيون أخبار الرِّضاء
الشَّيخ الصَّدوق؛ 2 ج؛ انتشارات جهان؛ 1378 ه. ق.؛ تهران؛ ايران.
[140] غاية المسؤول
الفاضل الأردكاني؛ أوفست مؤسَّسة آل البيت:؛ -؛ قم؛ ايران.
[141] فرائد الأصول
الشَّيخ مرتضىٰ الأنصاري؛ 4 ج؛ مجمع الفكر الإسلامي؛ 1419 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[142] فقه الرِّضا
المنسوب إلى ثامن الحُجَج 7؛ كنگرۀ امام رضا 7؛ 1406 ه. ق.؛ مشهد؛ ايران
[143] فقه الصَّادق
السَّيِّد صادق الحسيني الرُّوحاني؛ 26 ج؛ دارالكتاب؛ 1412 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[144] فقه القرآن
قطب الدِّين الرَّاوندي؛ 2 ج؛ مكتبة آية اللَّه المرعشي النجفي؛ 1405 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
ص: 379
[145] فوائد الأصول
الشَّيخ محمَّدكاظم الخراساني؛ وزارت فرهنگ وارشاد اسلامي؛ 1407 ه. ق.؛ تهران؛ ايران.
[146] فوائد الأصول
الميرزا محمَّدحسين النَّائيني، الشَّيخ محمَّد علي الكاظميني؛ 4 ج؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1417 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[147] قاموس قرآن
سيِّد على اكبر قرشى؛ دار الكتب الاسلاميَّة؛ 1371 ه. ش.؛ تهران؛ ايران.
[148] قرب الإسناد
عبداللَّه بن جعفر الحِميَري؛ مؤسَّسة آل البيت:؛ 1413 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[149] قوانين الأصول
الميرزا ابوالقاسم القمِّي؛ أوفست مكتبة علميَّة اسلاميَّة؛ -؛ تهران؛ ايران.
[150] كامل الزِّيارات
ابن قولويه القمِّي؛ المكتبة المرتضويَّة؛ 1356 ه. ق.؛ النَّجف الأشرف؛ العراق.
[151] كتاب الطَّهارة
الشَّيخ مرتضىٰ الأنصاري؛ 5 ج؛ كنگرۀ جهانى بزرگداشت شيخ أعظم؛ 1415 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[152] كشف الغطاء
الشَّيخ جعفر كاشف الغطاء النَّجفي؛ 6 ج؛ مكتب الأعلام الإسلامي فرع خراسان؛ 1422 ه. ق.؛ مشهد؛ ايران.
[153] كفاية الأصول
المحقِّق الشَّيخ محمَّدكاظم الخراساني؛ مؤسَّسة آل البيت:؛ 1417 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[154] كمال الدِّين
الشَّيخ الصَّدوق؛ 2 ج؛ دارالكتب الإسلاميَّة؛ 1395 ه. ق.؛ تهران؛ ايران.
[155] لسان العرب
ص: 380
ابن منظور محمَّد بن مكرَّم؛ 17 ج؛ أوفست دارصادر؛ 1414 ه. ق.؛ بيروت؛ لبنان.
[156] لمحات الأصول
المحقِّق البروجردي، الإمام الخميني؛ مؤسَّسه تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني؛ 1421 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[157] متشابه القرآن ومختلفُه
ابن شهرآشوب السَّروي؛ 3 ج؛ أوفست انتشارارات بيدار؛ 1369 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[158] مجمع الأفكار
الميرزا هاشم الآملي؛ 5 ج؛ چاپخانۀ علميَّه؛ 1395 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[159] مجمع الفائدة والبرهان
المولىٰ احمد الأردبيلي؛ 14 ج؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1403 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[160] مجموعۀ مصنَّفات شيخ اشراق
شيخ اشراق؛ 4 ج؛ مؤسَّسۀ مطالعات وتحقيقات فرهنگى؛ 1375 ه. ش.؛ تهران؛ ايران.
[161] محاضراتٌ في الأصول
السَّيِّد ابوالقاسم الخوئي، الشَّيخ اسحاق الفيَّاض؛ 5 ج؛ أوفست انتشارات انصاريان؛ 1417 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[162] مختصر الأصول
ابن الحاجب؛ مطبعة حسن حلمي؛ 1307 ه. ق.؛ قاهرة؛ مصر.
[163] مدارك الأحكام
محمَّد بن علي الموسوي العاملي؛ 8 ج؛ مؤسَّسة آل البيت:؛ 1411 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[164] مدارك العُروة
الشَّيخ يوسف البيارجمندي الحائري؛ 3 ج؛ مطبعة النُّعمان؛ -؛ النَّجف الأشرف؛ العراق.
[165] مستدرك الوسائل
المحدِّث النُّوري؛ 18 ج؛ مؤسَّسة آل البيت:؛ 1408 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
ص: 381
[166] مستطرفات السَّرائر
محمَّد بن ادريس الحلِّي؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1411 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[167] مستمسك العُروة الوثقىٰ
السَّيِّد محسن الطَّباطبائي الحكيم؛ 14 ج؛ أوفست مؤسَّسة دارالتَّفسير؛ 1416 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[168] مستند الشِّيعة
المولىٰ احمد النَّراقي؛ 19 ج؛ مؤسَّسة آل البيت:؛ 1415 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[169] مصابيح الظُّلام
محمَّدباقر الوحيد الأصفهاني البهبهاني؛ 11 ج؛ مؤسَّسة العلَّامة المجدِّد الوحيد البهبهاني؛ 1421 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[170] مصباح الأصول
السَّيِّد ابوالقاسم الخوئي، البهسودي؛ 2 ج؛ أوفست كتابفروشى داورى؛ 1417 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[171] مصباح الفقاهة
السَّيِّد ابوالقاسم الموسوي الخوئي، الميرزا محمَّد علي التَّوحيدي؛ 7 ج؛ -؛ -.
[172] مصباح المتهجِّد
الشَّيخ الطُّوسي؛ أوفست مؤسَّسة فقه الشِّيعة؛ 1411 ه. ق.؛ بيروت؛ لبنان.
[173] مطارح الأنظار
الشَّيخ الأنصاري؛ 2 ج؛ مجمع الفكر الإسلامي؛ 1428 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[174] معارج الأصول
المحقِّق الحلِّي؛ مؤسَّسة آل البيت:؛ 1403 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[175] معالم الدِّين
الشَّيخ حسن بن زين الدِّين؛ مؤسَّسۀ مطالعات اسلامي؛ 1362 ه. ق.؛ تهران؛ ايران.
[176] معجم رجال الحديث
السَّيِّد ابوالقاسم الخوئي؛ 24 ج؛ -؛ -؛ -.
[177] مغني اللَّبيب عن كتب الأعاريب
ص: 382
ابن هشام الأنصاري؛ 2 ج؛ مطبعة المدني؛ -؛ القاهرة؛ مصر.
[178] مفاتيح الأصول
السَّيِّد محمَّد المجاهد؛ أوفست مؤسَّسة آل البيت:؛ -؛ قم؛ ايران.
[179] مفاتيح الغيب
صدرالمتألِّهين الشِّيرازي؛ مؤسَّسۀ مطالعات وتحقيقات فرهنگى؛ 1363 ه. ش.؛ تهران؛ ايران.
[180] مفتاح العلوم
يوسف بن يعقوب السَّكاكي؛ دارالكتب العلميَّة؛ -؛ بيروت؛ لبنان.
[181] مفردات ألفاظ القرآن
الرَّاغب الأصفهاني؛ دارالعلم، الدَّار الشاميَّة؛ 1412 ه. ق.؛ دمشق، سوريَّا؛ بيروت؛ لبنان.
[182] مقالات الأصول
الشَّيخ ضياءالدِّين العراقي؛ 2 ج؛ مجمع الفكر الإسلامي؛ 1414 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[183] مناهج الأحكام
الميرزا ابوالقاسم القمِّي؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1420 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[184] مناهج الوصول
الإمام الخميني؛ 2 ج؛ مؤسَّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني؛ 1414 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[185] منتقىٰ الأصول
السَّيِّد محمَّد الرَّوحاني، السَّيِّد عبدالصَّاحب الحكيم؛ 7 ج؛ چاپخانۀ امير؛ 1413 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[186] منتهىٰ الأصول
السَّيِّد حسن الموسوي البجنوردي 2 ج أوفست كتابفروشي بصيرتي - قم؛ ايران.
[187] منتهىٰ الدِّراية
سيِّد محمَّدجعفر مرِّوج؛ 8 ج؛ دارالكتاب الجزائري؛ 1415 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[188] مهذِّب الأحكام
السَّيِّد عبدالأعلىٰ السَّبزواري؛ 30 ج؛ مؤسَّسة المنار؛ 1413 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[189] نزهة النَّاظر
ص: 383
يحيىٰ بن سعيد الحلِّي؛ أوفست انتشارات الرَّضي؛ 1394 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[190] نهاية الأصول
المحقِّق البروجردي، الشَّيخ حسينعلي المنتظري؛ نشر تفكّر؛ 1415 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[191] نهاية الأفكار
الشَّيخ ضياءالدِّين العراقي؛ 4 ج؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1417 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[192] نهاية الحكمة
العلَّامة الطَّباطبائي؛ دارالتَّبليغ الإسلامي؛ -؛ قم؛ ايران.
[193] نهاية الدِّراية
محمَّدحسين الغروي؛ 3 ج؛ انتشارات سيِّدالشُّهداء؛ 1374 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[194] نهاية النِّهاية
علي الإيرواني؛ 2 ج؛ مكتب الإعلام الإسلامي؛ 1370 ه. ش.؛ قم؛ ايران.
[195] نهج البلاغة
جمع الشَّريف الرَّضي؛ دارالهجرة؛ -؛ قم؛ ايران.
[196] وسائل الشِّيعة
الشَّيخ حر العاملي؛ 30 ج؛ مؤسَّسة آل البيت:؛ 1409 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[197] وسيلة الوسائل
محمَّدباقر الطَّباطبائي اليزدي؛ -؛ قم؛ ايران.
[198] وقاية الأذهان
الشَّيخ محمَّدالرِّضا النَّجفي الأصفهاني؛ مؤسَّسة آل البيت:؛ 1413 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[199] هداية الأمَّة
الشَّيخ حر العاملي؛ 8 ج؛ مجمع البحوث الإسلاميَّة؛ 1412 ه. ق.؛ مشهد؛ ايران.
[200] هداية المسترشدين
الشَّيخ محمَّدتقي الرَّازي النَّجفي؛ 3 ج؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1420 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[201] ينابيع الأحكام
السَّيِّد علي الموسوي القزويني؛ 2 ج؛ مؤسَّسة النَّشر الإسلامي؛ 1424 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
ص: 384