عوائد الأصول الصغیر المجلد 1

هویة الکتاب

عوائد الأصول الصغیر

نویسنده: مظاهری، حسین

سایر نویسندگان

محقق: هادی زاده، مجید

تهيه کننده: موسسه فرهنگی مطالعاتی الزهراء سلام الله علیها

تعداد جلد: 2

زبان: عربی

ناشر: مؤسسه فرهنگی مطالعاتی الزهراء (علیها السلام) - اصفهان - ایران

سال نشر:1434 هجری قمری

محرر رقمی میثم حیدری

ص: 1

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

ص: 2

عوائد الأصول الصغیر

حسین مظاهری

ص: 3

ص: 4

الفهرس الإجمالي

تقديم الكتاب 9

مباحث الألفاظ 15

الأمرُ الأوَّل: في موضوع العلم 21

الأمر الثَّاني: في الوضع 27

الأمر الثَّالث: في الحقيقة والمجاز 29

الأمر الرَّابع: في علائم تَمييزِ الحقيقَة عن المجاز 32

الأمر الخامس: تقدُّم بعض أحوال اللَّفظ على الآخر 36

الأمر السَّادس: في الحقيقة الشَّرعيَّة 37

الأمر السَّابع: في الصَّحيح والأعمِّ 40

الأمر الثَّامن: في الإشتراك 46

الأمر التَّاسع: استعمالُ اللَّفظ في أكثر من معنىً واحدٍ 49

الأمر العاشر: في المشتقِّ 52

المقصد الأوَّل: في الأوامر

الفصل الأوَّل: في ما يتعلَّق بمادَّة الأمر 69

ص: 5

الفصل الثَّاني: فيما يتعلَّق بصيغة الأمر 85

الفصل الثَّالث: في الإجزاء 105

الفصل الرَّابع: في مقدَّمة الواجب 125

الفصل الخامس: في أقسام المقدَّمة 129

الفصل السَّادس: في تقسيمات الواجب 139

ملحَقٌ يُذكَر فيه مسائل هامَّة 150

الفصل السَّابع: اِقتضاء الأمر بالشَّيء النَّهيَ عن ضدِّه 159

الفصل الثَّامن: في الأمر بشيءٍ مع العلم بعدم القدرة عليه 169

الفصل التَّاسع: في بقاءِ الجوازِ بعد نسخ الوجوب 173

الفصل العاشر: في الواجب التَّخييريِّ 177

الفصل الحادي عشر: في الواجب الكِفائيِّ 183

الفصل الثَّاني عشر: في الواجب الموقَّت 187

الفصل الثَّالث عشر: هل الأمرُ بالأمر بشيءٍ أمرٌ بذلك الشَّيء؟ 191

الفصل الرَّابع عشر: الأمر بشيءٍ ثانيًا قبل اِمثتال الأوَّل 195

المقصد الثَّاني: في النَّواهي

الفصل الأوَّل: في معنى النَّهي 199

الفصل الثَّاني: في اجتماع الأمر والنَّهى 203

الفصل الثَّالث: في النَّهي الوارد على العبادات أو المعاملات 217

المقصدُ الثَّالث: في المفاهيمِ

ص: 6

الفصل الأوَّل: في مفهوم الشَّرط 235

الفصل الثَّاني: في مفهوم الوصف 243

الفصل الثَّالث: في مفهوم الغاية 247

الفصل الرَّابع: في مفهوم الحصر 251

الفصل الخامس: في مفهوم العدد 255

المقصد الرَّابع: في العامِّ والخاصِّ

الفصل الأوَّل: حجيَّة العامِّ المخصَّص في باقِي أفرادِه 265

الفصل الثَّاني: الَّتمسُّك بالعامِّ قبل الفحص عن الُمخصِّص 281

الفصل الثَّالث: سَعَةُ الخطابات في القَوانين 285

الفصل الرَّابع: في تعقيب العامِّ بضميرٍ يرجعُ إلى بعض أفراده 291

الفصل الخامس: في جواز تخصيص العامِّ بالمفهوم وعدم جوازه 295

الفصل السَّادس: تعقيبُ عموماتٍ متعدِّدةٍ بخاصٍّ واحدٍ 299

الفصل السَّابع: تخصيص الكتاب بالخبر 303

الفصل الثَّامن: دوران الأمر بين كون الشَّيء مخصِّصًا أو ناسخًا 307

الفصل التَّاسع: في النَّسخ 311

الفصل العاشر: في البَداءِ 315

المقصد الخامس: في المُطلق والمُقيَّد

الفصل الأوَّل: في تعريف المطلق والمقيَّد 323

الفصل الثَّاني: في ألفاظ المطلق 325

ص: 7

الفصل الثَّالث: في مقدَّمات الحكمة وبيانِها 333

الفصل الرَّابع: في حمل المُطلق على المُقيَّد 341

الفصل الخامس: المطلق والمقيَّد في المندوبات 345

الفصل السَّادس: هل تَختَلِف مُقتَضياتُ مقدَّماتِ الحكمة 349

المقصد السَّادس: في الُمجمَل والمُبيَّن

الأمرُ الأوَّل: وضوح المجمل والمُبيَّن ونسبيَّتِهما 353

الأمر الثَّاني: كونُهما من الاِعتباريَّات 354

الأمر الثَّالث: اِنقسامُهما إلى الواقعيِّ والعَرَضيِّ 354

الأمر الرَّابع: موارد وقوع الإجمال بحسب اللَّفظ والمعنىٰ 355

الأمر الخامس: في اِنحلال الإجمال إلى التَّفصيل 355

الفهرس التَّفصيلي 357

ص: 8

تقديم الكتاب بقلم القائم بإعداده

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم

الحمدُ للَّه ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام علىٰ خير خلقه محمَّدٍ وعلىٰ ٰ اله الطَّاهرين؛ واللَّعن علىٰ أعدائهم وغاصِبي حقوقهم ومناصبهم ومُنكري مناقبهم إلى يوم الدِّين.

وبعد؛ فهذا عَوائد الأُصول الصَّغير، والَّذي يُمثِّل إحدىٰ حلَقات سلسلة جُهود شيخنا الأستاذ سماحة ٰ ايةِ اللَّه العظمىٰ الشَّيخ حُسَين مظاهري - أدام اللَّهُ تعالى عزَّه و ظلَّه - في حِقلِ علم الأصول، بين التَّدريس والتَّأليف، في حوزَتَي قم وأصفهان العِلميَّتَين.

وهذا الكتاب الَّذي بين يَدَي القارىء الكريم الآنَ، يُعدُّ أوجَز ما برزَ من قلم الشَّيخ الأستاذ الشَّريف، بعد أن أوجَزَ في مقام التَّدريس، ففرَغ من أقصر دوراته الأُصوليَّة المُلقاة في أربع سنين، بينَ أنَّه كان ينتهي من كلِّ دورةٍ منها في ما يزيد علىٰ

ص: 9

ستّ سنين، أو ينقص منه بقليلٍ.

ومن دأب الأستاذ - ككثيرٍ من أعلامِ المذهب - كتابةُ الدُّروس قبل إلقائها، أو بعدها؛ غناءً لمكتبة الإماميَّة الأُصوليَّة، وتخليدًا لآراءه، وليكون في متناوَل أيدي الباحثين؛

وهذا كدأبه في غير الأصول من العلوم، كالفقه والأخلاق والتَّفسير والعقائد والاقتصاد و....

أمَّا الآن، فنُركِّز الكلام علىٰ ما كتبه في علم الأصول، ونقول: إنَّ الشَّيخ الأستاذَ بحث في هذا العلم مُتَدرِّسًا ومدرِّسًا ومُحقِّقًا فيما يزيد علىٰ ستِّين سنةً، حيث إنَّه حضر أوَّلًا لدىٰ أعلام حوزة أصفهان العِلميَّة، فقرأ بعض المتون الدِّراسيَّة - كمعالم الدِّين، وقوانين الأُصول، والفُصول الغَرَويَّة وفرائد الأصول وكفاية الأصول - لديهم؛

ثمَّ حضر لدىٰ طائفةٍ من أعلام قم المقدَّسة، كسَيِّد الفقهاء المُتَأخِّرين سماحة آية اللَّه العظمىٰ البُروجردي قدس سره، وسَيِّدَي الُمحقِّقين آيَتَي اللَّه الإمام الخُميني والسَّيِّد المحقِّق الدَّاماد - أفاضَ اللَّه عليهما شآبيب رحمته -؛

وفي نفس الاٰونة قد جلس علىٰ كُرسيِّ التَّدريس - كطائفةٍ من زُملائه، والَّذين قد صاروا أعلام المذهب بعد طبقةِ أساتذتهم -.

ثمَّ بعد ارتحال الُمحقِّقَين البروجِردي والدَّاماد 0 ونفْيِ السَّيِّد الإمام قدس سره من قبل الحُكم، أخذَ في تدريس المرحلة العُليا لهذا العلم المُسمَّاة بالخارج؛ فبحث في زوايا هذا العلم وألقىٰ أكثر من أربع دوراتٍ كاملةٍ منه في حوزة قم المقدَّسة طِوال قريبٍ من عشرين سنة. ثمَّ بعد أن هاجر إلى أصفهان سنة 1374 ه. ش. / 1416 ه. ق. واصَلَ الأمرَ، فاستمَرَّ في تدريس هذا العلم وتحرير أبحاثِه حتَّى الآنَ، وقد فرغ من إلقاء

ص: 10

محاضراتِه في خارج الأصول أربع دوراتٍ كاملةٍ؛ كما وقد برَزتْ من قلمه الشَّريف آثارٌ في هذا العلم. وقد ألقىٰ - أيضًا - مباحث القواعد الفقهيَّة في دورةٍ كاملةٍ تشمل ما يزيد علىٰ ستِّين قاعدة، طوال سنتَين كاملتين؛ وسنصدرها - بإذنه سبحانه! -.

وقد اختار من بينها هذا الكتاب الماثِل الَّذي بين يَدَي القارىء العزيز الآن؛ وهو عوائدُ الأُصول الصَّغير، ليكون باكورةَ نشر آثاره الأُصوليَّة؛

وسنردِفُه ب عوائد الأُصول الوسيط، وهو يقع - علىٰ أقرب الاحتمالات - في ستَّة مجلَّداتٍ؛ ثمَّ ب عوائد الأُصول الكبير، البالِغِ إلى ما يزيد - كذلك - علىٰ اثنَي عشر مجلَّدًا؛ لعلَّ اللَّهَ أن يجعله وعدًا غير مكذوبٍ!.

وهيٰهنا نشير إلى بعض ما يرجع إلى هذا الكتاب، والتَّفصيلُ موكولٌ إلى تقديمنا علىٰ عوائد الأُصول الوسيط:

1. الكتابُ موضوعٌ من حيث المنهج علىٰ منهج المحقِّق الكبير الخراسانيِّ قدس سره في كفاية الأُصول؛ فترتيب المباحث هيهنا نفس التَّرتيب هناك؛ كما وأنَّ الكتاب يتبعه في كثيرٍ من الأقوال المنقولة فيه.

2. هذا الكتاب - وبما أنَّه من مسبوكِ قلم المؤلِّف، لا من تقرير أبحاثه - يشمَل نتاج ما خلج ببال المصنِّف حين كتابته، ولذلك ترىٰ أنَّه لايُوجَد فيه تفصيلُ كثيرٍ من المباحث من حيث المبنىٰ وصورة المسألة، علىٰ عكسٍ من الآثار المدوَّنة في سِلك التَّقريرات؛

فكأنَّ المصنِّفَ - أدام اللَّه عزَّه وظلَّه - قد اعتمَدَ فيه علىٰ تدرُّب القارىء بالنِّسبة إلى النُّصوص الدِّراسيَّة - ك فرائد الأُصول، و كفاية الأُصول -.

3. ذكَرنا في الرَّقم السَّالف أنَّ المؤلِّف قد أودَع في هذا الكتابِ الأخيرَ من آرائه، ولذلك سترىٰ القارىءُ الخلافَ بين قليلٍ من آرائه في هذا الكتاب وما أورَدَه في

ص: 11

أخيه الوسيط؛ فالكتابان مختلفان من حيث بعض المباني والمعاني وإن كانا متوافِقَين من حيث المَنهج.

وهذا أمرٌ بديهيٌّ لمَن يتأمَّل في المطلب وفروعه وشقوقه عند التَّدريس.

4. لم يهتمَّ المصنِّف في هذا الكتاب بالإكثار من ذكر آراء أعلام القوم وأقوالِهم، بل اقتصر في هذا المجال علىٰ آراء أساتذَتِه أوَّلًا، ثمَّ آراء بعض أعلام مكتب النَّجف الأشرف ثانيًا.

أمَّا في الحقْل الأوَّل، فقد ذكر آراء أصحاب السِّماحة والسِّيادة الُمحقِّقين الكِبار الاٰية البُروجرديِّ والإمام الخُمينيِّ والمحقِّق الدَّاماد - أفاضَ اللَّه علىٰ أرواحِهِم شآبيبَ رحمته -؛ وذلك بالأخذ منهم شَفهيًّا من غير توسُّط كتابٍ؛

أمَّا في الحقْل الثَّاني، فقد تركَّز علىٰ ذكر آراء المحقِّق الكبير سماحة الشَّيخ النَّائينيِّ قدس سره كالحلقة الأخيرة من سلسلة الفكر الأُصوليِّ في مدرسة النَّجف الأشرف - شرَّفنا اللَّهُ بزيارَتِها -؛ وذلك اعتمادًا علىٰ الكتابَين الجَليلَين فوائد الأُصول وأجود التَّقريرات، اللَّذَين هما أحسن ما يُمثِّل آراء الشَّيخ النَّائينيِّ قدس سره.

فالكتاب يجمع بين حصيلة المدرَسَتَين: مدرسة النَّجف الأشرف ومدرسة قم.

5. ولذلك قد يختلف ما يحكيه المؤلِّفُ عن أساتيده من الَمحكيِّ في تقريرات زُملائه عن دروسهم؛ وذلك لاختلاف التَّلاميذ أحيانًا في مراد الأستاذ ممَّا ذكر في مجلس الدَّرس؛ أو من اختلاف آراء الأساتيذ في الدَّورات المختلفة.

أجل! هذا ثمرةُ جهود الشَّيخ الأستاذ في تدوين دورةٍ مختصرةٍ أُصوليَّةٍ تُمثِّل زبدة آرائِه وآراءِ أساتذته؛

كما وإنَّ أخيه الوسيط يمثِّل تلك الآراء أكثر فأكثر.

ص: 12

***

ثمَّ من نِعَم اللَّه - ذي الأيدي الَّتي لاتُحصىٰ، جلَّتْ قدرتُه وعظُمَتْ كبرياؤُه! - علىٰ هذا العبد الضَّعيف أن وفَّقني للاِرتواء من مَعين علم الكتاب الصَّافي قبل خروجه إلى عالم النُّور، وقبل أن يجد سبيلَه إلى أسواق العلم.

فدعاني أخي في اللَّه ابنُالمؤلِّف ومسؤول مكتبه الشَّيخ محمَّدحسن مظاهري بعد أن وافق أبوه المعظَّم علىٰ ذلك إلى إعداد الكتاب للطَّبع، فنَظرتُ فيه نظرَ طالبٍ غليلٍ، واستفدتُ ما رزَقني اللَّهُ - تعالى! - منه؛

فتمَّ الإعدادُ كما هو الآنَ؛ والحمدُ له.

وأُشيرُ هيهنا إلى نكتةٍ هامَّةٍ، وهي: أنَّ استخدام «» في المتن لايدلُّ علىٰ نقل قولٍ مباشرٍ، فوَضْعُ المعقوفَتَين حول عبارةٍ منقولةٍ من كتابٍ لايدلُّ علىٰ وجود هذه العبارة بعينها في ذلك الكتاب، بل يشيرُ إلى بدوِ الرَّأي المنقول وختمه؛ وليكُن القاريء الكريمُ علىٰ بصيرةٍ من هذا.

أُشيرَ في هامش الصَّفحات إلى مصادر الأقوال المنسوبة إلى أصحابها؛ وقد جُهِد لعَزْو غير المنسوب منها إلى أصحابه أيضًا؛

كالجُهد الَّذي بُذِل لإراءة الكتاب طبقًا لمُتَطَلَّبات العصر، من وضع العناوين الفرعيَّة، واستخدامِ أرْمات التَّنميق،... و ما إلى ذلك.

ثمَّ بقيَ علىٰ عاتقي أن أتكلَّم عن منهجيَّة المؤلِّف الأصوليَّة، الَّتي يمكن استخلاصُها في قائمةٍ تُمثِّل منهج مكتب قم المحميَّة، وإن تفارِقُه في نواحٍ شتّىٰ، منها إعراض الشَّيخ الأستاذ تمامًا عمَّا يرجع إلى الدَّقائق العَقليَّة الحِكْميَّة المُبَعِّدة هذا العلم عن المُسمّىٰ بالفهم العُرفيِّ، لأنَّه علىٰ جانبٍ بعيدٍ من الاستعانة بهذه الدَّقائق في هذا العلم، أو استخدام مصطَلحاتها الخاصَّة بها.

ص: 13

وهذا مع تضلُّعه في الحِكْمة الإلهيَّة وصَرفِ شطرٍ غير قليلٍ من عمره في مُدارَسة نصوصِها؛

نعم! بقيَ عليَّ أن أتكلَّم عن هذا، لكنِّي سآتي به بعد الفراغ عن إعداد عوائد الأُصول الوسيط؛ وذلك لأنَّ الكتاب ذاك يُمثِّل منهج الأستاذ أكثرَ من هذا الكتاب؛

فأنا علىٰ مَوعدٍ مع القارىء الكريم حتَّى أُقدِّم لذلك الكتاب، بإذنه - تعالى! - وعونِه.

***

هذا، ولم يَبقَ عليَّ شيءٌ إلَّاثناؤه - سبحانه وتعالى! -، حيث وفَّقني للقيام بهذا الأمر، ثمَّ سدَّدَني حتَّى أفرَغ منه؛ فالحمدُ له ثمَّ الحمدُ له ثمَّ الحمدُ له.

أدام اللَّهُ - تعالى! - ظلَّ شيخنا الأستاذ ووفَّقنا للاِستفادة من غزيرِ علمه.

أقلُّ تلاميذ الشَّيخ الأستاذ

مجيد هادي زاده

- آتاه اللَّهُ الحُسنىٰ وزيادة! -

1391/9/16

21 / المحرَّم الحرام / 1434

ص: 14

مباحث الألفاظ

اشارة

ص: 15

ص: 16

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم

الحمدُ للَّه ربِّ العالمينَ، عظُمَتْ قدرتُه وعلَتْ كلمتُه!، وصلواتُه على خير خلقِه محمَّدٍ واٰله الطَّاهرين، ولعنُه الدائم على أعدائِهِم أجمعينَ.

وبعدُ؛ فهذا موجزٌ من الدَّورة الرَّابعة من أبحاثنا في علم الأصول المُلقاة بحوزة إصبهان العلميَّة(1)؛ وقد سلَكْنا فيه مسلكَ الاِختصار، كما وقد سلَكنا في غيره من آثارِنا الأصوليَّة مسلكَ الإسهاب والتَّفصيل. وها أنَا أُسمِّيه عَوائِد الأُصول الصَّغير، نظرًا إلى مسلكِنا فيه.

ومدارُ البحث فيه على منهج المحقِّقُ الخُراسانيُّ قدس سره في كفاية الأصول؛ فله مقدَّمةٌ ومقاصد وخاتمةٌ.

ص: 17


1- . كان البدأ في تحرير هذه الأوراق ليلة السَّبت 6 لمحرَّم الحرام سنة 1430، المطابق ل 1387/10/11.

ص: 18

أمَّا المقدَّمة ففي بيانِ أمورٍ

اشارة

ص: 19

ص: 20

الأمرُ الأوَّل: في موضوع العلم

اشارة

قد اشتهرَ بين الأصحاب في الآونة الأخيرة: «أنَّ موضوعَ كلِّ علمٍ هو ما يُبحَث فيه عن عوارضِه الذَّاتيَّة»(1).

إيرادٌ علىٰ هذا التَّعريف وما يُجاب به عنه

وقد استُشكِل عليه ب: «أنَّ عوارضَ العلم - وهو المحمولاتُ - تُعرَض أوَّلًا على موضوعات المسائل، ثمَّ تُعرَض على موضوع العلم؛ فالمحمولاتُ من العوارض الغريبة، لا من العوارضِ الذَّاتيَّة».

وأجاب عنه الشَّيخ الرَّئيس قدس سره في الإشارات(2)، ونصيرُالملَّة والدِّين قدس سره في

ص: 21


1- . انظر: بدائع الأفكار - للمحقِّق الرَّشتي -، ص 27 السَّطر 30؛ نهاية الدِّراية، ج 1 ص 19؛ تحريراتٌ في الأُصول، ج 1 ص 13؛ دروسٌ في علم الأُصول، ج 1 ص 19؛ فوائدُ الأُصول، ج 1 ص 20.
2- . راجع: الإشارات والتَّنبيهات، ص 51.

شرحه عليه(1) وصدرُالمُتَأَلِّهين قدس سره في الحكمة المتعاليَة(2) وغيرُهم في غيرها(3)، بأنَّ المرادَ من العوارض الذَّاتيَّة هنا غير ما يُراد منها في المنطق، فكلُّ مسألةٍ دخيلةٍ في العلم مرتبطةٍ به عارضةٍ عليه تُعدُّ من ذاتيَّاته؛

بينما أنَّ كلَّ مسألةٍ لادخل لها به - بل جيئت استطراديَّةً، للتَّقريب على سبيل المثال - تُعَدُّ من عرضيَّاته القريبة.

وهذا حسنٌ جدًّا يكفينا عن الاِكثار من القيل والقال؛ كما يُتراءىٰ من المُفصَّلات.

مختار السَّيِّد الأستاذ الخمينيِّ قدس سره في المسألة

ثمَّ إنَّ السَّيِّدَ الأستاذ الإمام الخمينيَّ قدس سره صدَّق الإشكال - كغيره من الأعلام - بوجهٍ آخر؛ فأنكَر وجود الموضوع للعلم، وقال: «إنَّ المرادَ من كلِّ علمٍ عدَّةُ مسائلَ متفرِّقةٍ شَتيتةٍ لها سنخيَّةٌ مَّا تجمَعُها هذه السِّنخيَّةُ»(4).

مناقشة مختاره

وفيه: إنَّه كرٌّ إلى ما فُرَّ منه!؛ لأنَّ «السِّنخيَّة» هذه ليست إلَّاالجامع للمسائل، وهو موضوع العلم نفسُه.

مختار المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره فيها

ص: 22


1- . راجع: شرح الإشارات والتَّنبيهات، ج 1 ص 298.
2- . راجع: الحكمة المتعاليَة، ج 1 ص 87.
3- . فانظر: الحاشيَة علىٰ تهذيب المنطق، ص 184؛ شرح مطالع الأنوار، ص 18؛ شرح الهداية الأثيريَّة، ص 259.
4- . راجع: مناهجُ الوصول، ج 1 ص 35؛ تهذيبُ الأُصول، ج 1 ص 2.

وقال في الكفاية: «موضوعُ كلِّ علمٍ هو نفس موضوعات مسائله عينًا، وما يتَّحد معها خارجًا وإن كان يغايِرُها مفهومًا تغايرَ الكلِّيِّ ومصاديقه، والطَّبيعيِّ وأفراده»(1).

وهذا - أيضًا - جيِّدٌ؛ ضرورةَ أنَّ المحمولات والعوارض وإن عارَضتْ أوَّلًا موضوعاتَ المسائل، إلَّاأنَّها عارضةٌ لموضوع العلم أيضًا، لاِتِّحاد الكلِّيِّ الطَّبيعيِّ مع أفرادِه. فالعوارض عارضةٌ لذلك الكلِّيِّ - أي: لموضوع العلم - بلاواسطةٍ؛

فإذن: العوارضُ عوارض ذاتيَّةٌ، لاغريبةً. وهذا - أيضًا - تامٌّ لانِقاش فيه.

فروعٌ
الفرع الأوَّل: بماذا يتميَّزُ كلِّ علمٍ عن الآخرَ؟
اشارة

تمايُزُ العلوم بتمايز الموضوعات والمحمولات والأعراض؛ فكلُّ علمٍ له طائفةٌ من الموضوعات والمحمولات المُتفرِّقة بينما أنَّ له غرضًا خاصًّا دُوِّنَ لأجل هذا الغرض ذلك العلمُ.

فتمييزُ كلِّ علمٍ عن الآخر بتلك الموضوعات والمحمولات الَّتي دُوِّنت لأجل النِّيل إلى هذا الغرض.

مقالٌ للمحقِّق الخراسانيِّ قدس سره ومناقشتُه

ص: 23


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 7.

فما في الكفاية من «جعْلِه تمايزَ العلوم بالأغراض، لا بالموضوعات ولا بالمحمولات»(1)؛

لاوجه له أصلًا!، بل الأحسن أن يُعكَسَ كلامُ هذا البحر الخِضَّم!.

الفرعُ الثَّاني: في موضوع هذا العلم

المشهور بين الأصحاب أنَّ موضوع علم الأصول هو الأدلَّة الأربعة(2).

ومرادهم من هذا القول: كونُ الغرض من هذا العلم هو تبيينُ الأدلَّة الأربعة وإن كان العلمُ والمسائلُ كلِّيًّا.

فالبحثُ عن الأوامر والنَّواهي والمفاهيم والعامِّ والخاصِّ -... إلى آخر الأبحاث - وإن كان كلِّيًّا بحيث يشمُل الأوامرَ والنَّواهي وغيرهما الواردة في غير الكتاب والسُّنِّة المُشرِقة، إلَّاأنَّ الغرضَ المقصود بالذَّات منها هو الأوامر والنَّواهي الواردة في الكتاب والسُّنَّة.

نعم! لوأمكن أن تُنتَزَع قاعدةٌ كلِّيَّةٌ تَنطبِق على جميع المباحث في هذا العلم، فهو أخصرُ وأولىٰ؛ كقول المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره في غير هذا المقام من: «أنَّ موضوع الأصول هو ما يقعُ في طريق الاِستنباط»(3)، وكقول السَّيِّدِ الأستاذ البروجرديِّ قدس سره:

ص: 24


1- . راجع: نفس المصدر ص 8.
2- . انظر: بحوثٌ في علم الأُصول، ج 1 ص 53؛ تحريراتٌ في الأُصول، ج 6 ص 407؛ دراساتٌ في الأُصول، ج 1 ص 70؛ مجمع الأفكار، ج 4 ص 298.
3- . راجع: كفاية الأُصول، ص 293؛ وانظر: فوائدُ الأُصول، ج 3 ص 158؛ منتقىٰ الأُصول، ج 1 ص 32؛ الهداية في الأُصول، ج 2 ص 5.

«أنَّه هو الحُجَّة في الفقه»(1).

الفرع الثَّالث: في تعريف هذا العلم
اشارة

اشتهر بينَهم في مقام التَّعريف: «أنَّ الأصول هو القواعد المُمَهَّدة لاِستنباط الأحكام الشَّرعيَّة»(2).

وهو جيِّدٌ تامٌّ جدًّا.

اتِّحاد التَّعريف والموضوع والفائدة في هذا العلم

نعم! لوقلنا باتِّحاد التَّعريف والموضوع فيه - وهو وقُوعُه في طريق الاِستنباط، أو كونُه حجَّةً في الفقه -، بل لوقلنا بأنَّ فائدته - أيضًا - هو نفس تعريفه وموضوعه، كان أولىٰ، بل هو المُتعيَّن.

فنقول: إنَّ علم الأصول موضوعًا وتعريفًا وفائدةً هو: «الحُجَّة في الفقه».

وهذا أخصرُ الأقوال وأجمَعُها.

ما صنَعَه المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره ومناقشتُه

وبما ذُكِر نستغني من التَّعاريف والرُّدود الواردة عليها، فلانحتاج إلى الاِكثار من القيل والقال حتَّى يُقال: «أنَّ الأولىٰ في المقام: أنَّه صناعةٌ يُعرَفُ بها القواعدُ» - كما في

ص: 25


1- . راجع: لمحات الأُصول، ص 18؛ نهاية الأُصول، ص 15.
2- . انظر: الأُصول المهذَّبة، ص 16؛ دراساتٌ في علم الأُصول، ج 1 ص 21؛ منتقىٰ الأُصول، ج 1 ص 21؛ نهاية الدِّراية، ج 3 ص 19.

الكفاية(1)

وفيه: إنَّ علم الأصول الُمحتاج إليه في الفقه لم يُطلَق عليه الصِّناعة، بل لايصحُّ الإطلاق.

الفرع الرَّابع: في أُصوليَّة جميع المسائل المبحوث عنها في هذا العلم
اشارة

وبما ذكرنا من التَّعريف يظهر - أيضًا -: أنَّ المسائل المبحوثَ عنها في هذا العلم الموجودةَ فيه - كلَّها - من العلم، ولانرىٰ فيها مسألةً استطراديَّةً قطُّ؛ لأنَّها - كلَّها - تقع في طريق الاِستنباط وتكون حجَّةً في الفقه؛ فهي قواعد ممَهَّدة لاِستناط الأحكام الشَّرعيَّة الفرعيَّة.

مقالٌ لبعضهم والرَّدُّ عليه

فما قد يقال من: «أنَّ المقدَّمات تُعدُّ من المبادِىء التَّصوريَّة أو التَّصديقيَّة، فليستْ - إذن - من علم الأصول؛ كما أنَّ الأصول العمَليَّة من المسائل الفقهيَّة وليستْ من الأصوليَّات»؛

ليس بسديدٍ، ضرورةَ أنَّ كلَّها قواعدُ ممَهَّدة لاِستنباط الأحكام واقعةٌ في طريق الاِستنباط حجَّةٌ في الفقه؛ فليستْ بخارجةٍ عنه.

ص: 26


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 9.

الأمر الثَّاني: في الوضع

اشارة

الوضع هو اختصاصُ لفظٍ لمعنىً.

الوضع تعيينيٌّ وتعيُّنيٌّ

وهذا الاِختصاص قد يُحصَل بالتَّعيين، وهو أن يضع الواضِعُ اللَّفظ لمعنىً خاصٍّ؛

وقد يُحصَل بالتَّعيُّن، وهو ما إذا لم يكن بوضعِ واضعٍ، بل بكثرة الاِستعمال؛ فالاِختصاص إذًا ناشٍ منها.

أقسام الوضع الأربعة
اشارة

ثمَّ إنَّ الوضع ثبوتًا ينقسمُ إلى أقسامٍ أربعةٍ:

القسم الأوَّل:

أن يكون الوضعُ عامًّا - أي: لحاظ الواضع وتصوُّره - والموضوع له - أيضًا - عامًّا. أي: يضع ذلك اللِّحاظ والتَّصوُّر العامِّ لمعنىً عامٍّ، كوضع أسماء الأجناس.

القسم الثَّاني:

الوضعُ عامٌّ والموضوع له خاصٌّ. كوضع الحروف وما بمعناها، لأنَّ مقامَ الرَّبط هو الخارج، فلايرتبط بالمفهوم أصلًا.

هذا هو المشهور بين الأصحاب؛ وسيأتي البحث عنه - إن شاء اللَّهُ! -.

القسم الثَّالث:

الوضعُ خاصٌّ والموضوع له - أيضًا - خاصٌّ. كوضع أسامي الأعلام.

القسم الرَّابع:

الوضعُ خاصٌّ والموضوع له عامٌّ.

امتناع القسم الرَّابع عند الأُصوليِّين

ص: 27

وقد اشتَهَر أنَّه لاواقع له، بل أنَّ هذا القسم من الوضع غير ممكنٍ عندهم.

واستدلُّوا على امتناعه بأنَّ العامَّ يمكن أن يكون وجهًا للخاصِّ، فيُلحَظُ ذلك العامُّ ويُوضَع اللَّفظ لمصاديقه الخارجيَّة؛ وأمَّا الخاصُّ من حيث إنَّه خاصٌّ فلايمكن أن يكون وجهًا للعامِّ، حتَّى يُلحَظ فيُوضَع اللَّفظُ له.

مقتضىٰ التَّحقيق في المقام

ولكنَّ التَّحقيق: أنَّه ممكنٌ، بل واقعٌ كثيرًا - كما ذهب إليه المحقِّقُ الميرزا الرَّشتيُّ قدس سره(1) -؛ ضرورةَ أنَّ الملحوظ في وضع الألفاظ للمختَرَعات ونظائرها هو الموجود في الخارج، ولكن يوضَعُ اللَّفظ للكُلِّيِّ منه على نحو القضايا الحقيقيَّة.

فجَعْلُ الخاصِّ الملحوظ وجهًا للكلِّيِّ الحقيقيِّ ممكنٌ وواقعٌ؛ كما أنَّ العامَّ يُمكن أن يُجعَل وجهًا يُلاحَظ فيه الخاصُّ.

و لعَمري! هذا أوضح من أن يخفىٰ على مثل صاحب الكفاية قدس سره، الَّذي نظَر إلى كلام هذا المحقِّق أوَّلًا، ثمَّ نسَبَ إليه عدمَ الَّتمييز والتَّوهُّمَ ثانيًا(2)!.

فرعٌ

اشتهر بين الأصحاب أنَّ الوضع في الحروف وما بمعناها - كالضَّمائر والإشارات - من القسم الثَّاني(3) - أي: الوضع عامٌّ والموضوع له خاصٌّ -؛ لأنَّ مقام الرَّبط هو

ص: 28


1- . راجع: بدائع الأفكار - للمحقِّق الرَّشتي -، ص 39 السَّطر 32.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 10.
3- . انظر: أُصول الفقه، ج 1 ص 18؛ محاضرات في الأُصول، ج 1 ص 82؛ مناهج الوصول، ج 1 ص 80؛ نهاية الدِّراية، ج 1 ص 36.

الخارج، لاالمفهوم. ضرورةَ أنَّ مفهوم كلمَتَي «من» و «إلى» في قولِك: «سِرتُ من البصرة إلى الكوفة» ليس له إيجاد الصِّلة والرَّبط بين أجزاء الجُملة، بل الرَّبط يُحصَل في الخارج.

فلابدَّ أن يُوضَع اللَّفظ بإزاء ما في الخارج، لا المفاهيم؛ وإلَّا يلزم المجاز دائمًا في جميع الاِستعمالات.

المختار في المقام

أقول: لووُضِع أوَّلًا لخارجيٍّ جزئيٍّ فاستعماله في غيره يكون مجازًا، فيلزم المجازُ دائماً؛ أمَّا على القول - الَّذي لابد منه - بأنَّها وُضِعت للكلِّيِّ على نحو القضايا الحقيقيَّة، فكُلَّما استُعمِلت لفظةُ «مِن» - مثلًا - في الخارج تكون مصداقًا للكلِّيِّ، فهو إذن حقيقةٌ لا مجازٌ.

ولعلَّ مراد المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره من كلامه المفصَّل(1) - الَّذي اختلف الأعلام من تلامذَتِه في المراد منه - ما قلنا.

فحينئذٍ يُمكن أن يُقال: إنَّ الوضع في المعاني الحرفيَّة عامٌّ، والمستَعمَل فيها - أي:

الموضوع لها - خاصٌّ.

وهذا يمكن تصوُّرُه ثبوتًا من غير أيِّ تمحُّلٍ.

الأمر الثَّالث: في الحقيقة والمجاز

اشارة

ص: 29


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 11.

المشهورُ بين قدماء الأُدباء: أنَّ استعمال اللَّفظ في غير ما وُضِع له مجازٌ(1). وهو عندهم كثيرٌ، بل الغالب في الاِستعمالات هو على ذلك.

لزوم القرينة عند استعمال المجاز

ولابدَّ لصحَّة الاِستعمال على سبيل المجاز من قرينةٍ بها تُمَيَّز الحقيقة عنه، فبَحَثُوا عنها فوجدُوها أزيدَ من عشرينَ.

انكار المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره ذلك

وأُنكِر ذلك في الكفاية، مدَّعيًا أنَّ الاِستعمال في غير ما وُضِع له ليس بالوضع، بل بالطَّبع، لأنَّ في كثيرٍ من الموارد مع وجود القرائن المُعَدَّة لايجوز استعمالُ المجاز(2).

مثلًا قول القائلِ: «جرىٰ الميزابُ» صحيحٌ بحسب الطَّبع والاِستعمال، بقرينة الحالِّ والمحلِّ؛ ولكن قوله: «قامَ الدَّارُ» غير صحيحٍ ولو باعتبار قيام زيدٍ فيه. هذا من ناحيَةٍ؛

ومن ناحيَةٍ أُخرىٰ قوله: «زيدٌ لفظٌ» و: «ضرَبَ فعل ماضٍ» جائزٌ صحيحٌ مع عدم القرائن المُعَدَّة فيه؛ فالمدار في الاِستعمال صحَّة الطَّبع، لاصحَّة الوضع.

فإذن: الملائم بالطَّبع جائزٌ استعماله على طريق المجاز، وغير الملائم كذلك غير جائزٍ ولو وُجِد أحدُ القرائن المعدودة في صُحفِ الأُدباء.

ولعَمري! هذا واضحٌ لايرتاب فيه ذوطبعٍ سليمٍ.

ص: 30


1- . انظر: صبح الأعشىٰ، ج 1 ص 190؛ الطِّراز لأسرار البلاغة وعلوم الإعجاز، ج 1 ص 34؛ المَثَل السَّائر، ج 1 ص 75.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 13.
مختار المعاصرين في ذلك

إلَّا أنَّ متَأخِّري المتأخِّرين - بل المُعاصرين(1) - من الأصوليِّينَ اختاروا الحقيقةَ الإدِّعائيَّة. والمراد منها: أنَّ اللَّفظ اُستُعمِل مجازًا في معناه الحقيقيِّ بادِّعاء المتَكلِّم أنَّ المُستعمَل فيه فردٌ حقيقيٌّ من المعنى الحقيقيِّ، وذلك بطريق الاِدِّعاء فقط.

والمُصحِّح في الاِستعمال هو وجود القرينة بالطَّبع، أو بالوضع.

و هذا ما أسَّسه السَّكاكيُّ في الاِستعارة التخيُّليَّة(2)؛ إلَّاأنَّهم تجاوزوا عنها إلى جميعِ الاِستعمالات المجازيَّة.

والمبنىٰ أصرَّ عليه السَّيِّدُ الأستاذُ الإمامُ الخمينيُّ قدس سره(3)؛ وهو حسنٌ تقبَلُه مَن له ذوقٌ سليمٌ.

مختار السَّيِّد البروجرديِّ قدس سره

أمَّا الأستاذ البُروجرديُّ قدس سره فاختار مذهبًا آخر في المجازات، وهو أنَّ اللَّفظ عند المجاز اُستُعمِل في معناه الحقيقيِّ، إلَّاأنَّ المُتكلِّم جعَل المعنىٰ الحقيقيَّ جِسرًا للوصول إلى المعنىٰ المجازيِّ بالقرينة، بالأوَّل أو بالثَّاني. فلوقيلَ: «زيدٌ أسدٌ» اُستُعمِل اللَّفظ في معناه الحقيقيِّ - وهو الحَيَوان المفترِسُ -، إلَّاأنَّ المعنىٰ جُعِل جسرًا للوصول إلى الشَّجاعة المركوزةِ في الأسد(4).

ص: 31


1- . انظر: وقاية الأذهان، ص 111؛ منتقى الأُصول، ج 3 ص 379.
2- . راجع: مفتاح العلوم، ص 156.
3- . راجع: مناهج الوصول، ج 1 ص 105؛ تهذيبُ الأُصول، ج 1 ص 31.
4- . راجع: نهاية الأُصول، ص 28؛ الحاشية علىٰ كفاية الأُصول - له -، ج 1 ص 39، 59. والمبحث لم يُوجَد في لمحات الأُصول، حيث سقط عن النُّسخة الأصليَّة الَّتي هي بخطِّ المقرِّر الشَّريف؛ انظر: لمحات الأُصول، ص 29.

ومذهبُه أيضًا جيِّدٌ يقبَلُه الذَّوق الأدبيُّ.

مناقشة المذهبين الأخيرَيْن

إلَّا أنَّ اِدِّعاء الكلِّيَّة في كِلَي الرَّأييْن ليس بسديدٍ، لأنَّ كثيرًا مَّا يُستَعمل المجاز مع القرينة مع أنَّه لايطابِق تمامًا مع مقالِ الأُدباء؛ كما أنَّه يُستَعمل من غير أن يكون من الحقيقَتَين الإدِّعائيَّة أو التَّسرِّيَة؛

بل ليس إلَّااستعمال اللَّفظ وإرادة غير معناه بالقرينة الملائِمَة للطَّبع - كما في قولَيْك: «زيدٌ لفظٌ»، أو: «ضرَب فعل ماضٍ»، ونحوِ ذلك -.

وما قال به السَّيِّدُ الأستاذُ الخمينيُّ قدس سره: «إنَّ هذا لا حقيقة ولا مجاز»؛

فكما ترىٰ!.

نعم!، يُمكن أن يُقال: إنَّ هذا وما يُشبِهه ليس بمجازٍ، بل اُستُعمل اللَّفظ في معناه الحقيقيِّ؛ فزيدٌ لفظٌ معناه أنَّ ما يُتُلفَّظ به - أي: الملفوظُ - لفظٌ، وهو إذن ليس بمجازٍ، بل حقيقةٌ.

الأمر الرَّابع: في علائم تَمييزِ الحقيقَة عن المجاز

اشارة

المشهور بينهم أنَّ للحقيقة علائمَ؛ وهي:

1. التَّبادر؛ 2. وصحَّة الحمل - الَّتي يُقال لها: عدمُ صحَّة السَّلب -؛

ص: 32

3. والإطِّراد.

تفصيل ذلك:

أوَّلًا: التَّبادرُ
اشارة

المرادُ من التَّبادر: اِصطياد المعنىٰ من خِزانة المعاني إذا شُكَّ في معنىٰ لفظٍ خاصٍّ، إذ المعاني غالبًا تنتقل إلى تلك الخِزانة بعد الوقوفِ عليها.

وهذا هو المُسمّىٰ عند الحكماء ب: «العِلم الإجماليِّ»؛ ثمَّ بعد التَّوجُّه إلى المعنىٰ يصير ذلك العلمُ الإجماليُّ تفصيليًّا.

وهذا كثير الاِبتلاء والاِستعمال عند الخواصِّ والعوامِّ في محاوَراتِهم.

القول بلزوم الدَّور في التَّبادُرِ ومناقشتُه

فما قيل ب: «لزومه الدَّورَ، لأنَّه يتوقَّف على العلم بالوضع أوَّلًا»(1)؛

ليس بسديدٍ، لأنَّ التَّبادر يتوقَّف على العلم الإجماليِّ الإرتكازيِّ، والعلم ذلك يتوقَّف على الوضع؛ فلادورَ.

كما أنَّ ما قيل من: «أنَّ التَّبادر هو اِنسباق المعنىٰ من اللَّفظ إلى الذِّهن، وهو نفس الوضع»(2)؛

ليس بصحيحٍ، لأنَّ التَّبادر ليس اِنسباق المعنىٰ من اللَّفظ عاجلًا من غير تراخٍ، بل التَّبادر بحسب الاِصطلاح هو اِنسباقُ المعنىٰ من اللَّفظ آجلًا بعد التَّفكُّر.

ص: 33


1- . انظر: الأُصول المهذَّبة، ص 11؛ بحوثٌ في علم الأُصول، ج 1 ص 163؛ تحريراتٌ في الأُصول، ج 1 ص 168؛ تقريراتُ المجدِّد الشِّيرازي، ج 1 ص 74؛ تهذيبُ الأُصول، ج 1 ص 40؛ غاية المسؤول، ص 34.
2- . انظر: أُصول الفقه، ص 23.

نعم!، المدَّخر في خزينةِ الألفاظ يحتاجُ إلى العلم بالوضع؛ وبعبارةٍ أُخرىٰ: إنَّ الإنسان إذا عَلِم بالوضع يتوجَّه إلى المعنىٰ، ثمَّ كثيرًا مَّا يزول التَّوجُّه فينتقل المعنىٰ إلى خزينته في الذِّهن، ثمَّ بالتَّفكُّر فيه المُستجلِب له يتبادر المعنىٰ المركوزُ في النَّفس إلى الذِّهن؛ فيصير المعنىٰ مُلتَفَتًا إليه.

ولعَمري! هذا معنىً واضحٌ عرفيٌّ يبتلي به النَّاس كثيرًا في ما يدور بينهم من الألفاظ.

ثانيًا: صحَّة الحمل
اشارة

وأمَّا صحَّة الحمل - ويقال له: عدمُ صحَّة السَّلب -، فهي علامةُ الحقيقة أيضًا.

المراد من هذه العلامة

والمرادُ منها: أنَّه إذا شُكَّ في صحَّة حملِ شيءٍ على شيءٍ - فمثلًا شُكَّ في صحَّة حمْلِ الإرادة على الحَيَوان، حتَّى يصحَّ أن يُقال: «الحيوانُ هو المُتَحرِّك بالإرادة» - يُنتَقَلُ ذلك الحملُ إلى خزانة الذِّهن، فإن طابقَ اللَّفظُ الحملَ الَّذي شُكَّ فيه يصير المعنىٰ مُتَوجَّهًا إليه، فيصير العلمُ الإجماليُّ تفصيليًّا؛ فتصحُّ العبارة واستعمالُها.

فهو علامةُ الحقيقة إذن.

ولافرق بين التَّبادر وصحَّة الحمل وعدم صحَّة السَّلب أصلًا، إلَّا:

أنَّ التَّبادر علامة الحقيقة في المُفردات؛

وصحَّة الحمْل وعدمُ صحَّة السَّلب علامةُ الحقيقة في المركَّبات.

كما أنَّ المركَّب هذا قد يجد معنىً بواسطة قرينةٍ، فيصير المعنىٰ غير المتوجَّه إليه مُتوجَّهًا إليه؛ فذلك إذن علامةُ المجاز، بمعنىٰ أنَّ المركَّب وُجِد معنىً مجازيًّا.

ويُقال له: صحَّة السَّلب وعدمُ صحَّة الحمْل.

ص: 34

وذلك في التَّبادر - أيضًا - يأتي، بلاتفاوتٍ بين الثَّلاثة.

والأعلامُ لم يتعرَّضوا لهذا المعنىٰ، ولابدَّ لهم من أن يتعرَّضوه.

ثالثًا: الإطِّراد

وأمَّا الإطِّراد، فالمشهور قرَّره بأنَّ الكلِّيَّ - كلفظة رَجُلٍ - إذا استُعمِل في أفراده وصحَّ الحمْلُ - بشهادة الذَّوق -، فذلك علامةُ الحقيقة؛

أمَّا إذا استُعمِل فيها ولم يصحَّ الحملُ إلَّابقرينةٍ خاصَّةٍ - كاستعمال لفظ الأسَد في رجلٍ شجاعٍ يُوشَك أن يفترسَ عدوَّه - فذلك علامةُ المجاز.

هذا مختار المشهور فيه(1).

مختار السَّيِّد البروجرديِّ قدس سره في هذه المقدَّمة

أمَّا الأستاذ سيِّدُنا البروجرديُّ قدس سره فقرَّره بتقريرٍ آخر؛ وهو: أنَّه إذا صحَّ حمْل الكلِّيِّ على فردٍ في أيِّ حالٍ من حالاته - كحَمْل رجُلٍ على زيدٍ - بحيث يُصدِّقه الذَّوق، فهو فردٌ له حقيقةً؛

وأمَّا إذا لم يُصدِّقْه إلَّافي بعض الأوقات والأحوال - كصحَّة حمل أسدٍ على زيدٍ مثلًا إذا قام إلى العدوِّ، وعدم صحَّته إذا كان مشتغِلًا بالأكل أو التَّكلُّم أو النَّوم -، فهو علامة المجاز(2).

الفرق بين العلائم الثَّلاث

ص: 35


1- . وانظر: بحوثٌ في علم الأُصول، ج 1 ص 170؛ محاضراتٌ في أُصول الفقه، ج 1 ص 132؛ تقريرات المجدِّد الشِّيرازي، ج 1 ص 115؛ غاية المسؤول، ص 43.
2- . راجع: نهاية الأُصول، ص 39؛ الحاشيَة على كفاية الأُصول - له -، ج 1 ص 59.

فالإطِّراد نظير التَّبادر وصحَّة الحمْل، بل إنَّه نفسُهُما؛ والفرق بين الثَّلاثة:

إنَّ التَّبادر يختصُّ بالمفردات؛

وصحَّة الحمل يختصُّ بالمركَّبات؛

والإطِّراد يختصُّ بالكلِّيَّات.

تلخيصُ المرام في المقام

فتلخَّص من جميع ما ذكرنا:

1. إنَّ التَّبادر و صحَّة الحمْل والإطِّراد علاماتٌ للحقيقة؛

2. ويُعلَم بكلِّ واحدٍ منها الحقيقةُ؛

3. كما أنَّه يصير بكلِّ واحدٍ منها العلمُ الإجماليُّ علمًا تفصيليًّا.

الأمر الخامس: تقدُّم بعض أحوال اللَّفظ على الآخر

اشارة

إنَّ لكلِّ لفظٍ حالاتٍ مختلفةٍ تطرَءُ عليه في المحاوَرات، كالحقيقة والمجاز والإضمار والإشتراك والتَّخصيص.

فإذا دار الأمرُ بين الحقيقة وغيرها، فالحقيقةُ هي المُتعيِّن، وغيرُها يحتاجُ إلى القرينة.

وأمَّا إذا لم تكن الحقيقة طرَفًا من الدَّوران، بل دار أمرُه بين استعمالِه في إحدي الحالات الأُخَر، فلابدَّ من القرينة الصَّارفة حتَّى تُصرِف اللَّفظ إليها.

علائم ذكرها القوم للتَّرجيح

ص: 36

ثمَّ إنَّ طائفةً من الأعلام - ومنهم صاحب القوانين قدس سره(1) - ذكروا للتَّرجيح علاماتٍ كلَّها ظنٌّ وتخمينٌ فحسْب. وقد تمسَّك هذا المحقِّق الكبير في كلماته بقاعدة إذا دار الأمرُ بين هذين فالتَّقدُّم للأوَّل - مثلًا -، ل «قاعدة الظَّنُّ يلحَقُ الشَّيءَ بالأعمِّ الأغلبِ»(2).

مناقشةُ مستندِهم للتَّرجيح

وهذه القاعدة ليستْ حجيَّته ذاتيَّةً لها، ضرورةَ أنَّ الأصل عدم حجيَّة الظَّنِّ إلَّا ما أخرجه الدَّليل؛ نعم!، إذا حصل بالظَّنِّ ظهورٌ يُلغِي اِحتمال الخلاف، فهو المتعيَّن؛ للإطمئنان العرفيِّ به.

وهو حجَّةٌ، لبناء العقلاء عليه.

الأمر السَّادس: في الحقيقة الشَّرعيَّة

اشارة

اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشَّرعيَّة.

مختار المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره في المقام
اشارة

فعَن صاحب الكفاية قدس سره إنَّ الألفاظ وُضِعت لمعانيها الشَّرعيَّة بالإرتجال، بمعنىٰ أنَّ الشَّارع استعمَل اللَّفظ وأراد منه المعنَى الشَّرعيِّ إرتجالًا، من دون أن يَستَعمل

ص: 37


1- . راجع: قوانينُ الأُصول، ج 1 ص 87.
2- . راجع: نفس المصدر والمجلَّد ص 91.

اللَّفظ مُريدًا منه المعنى على سبيل الحقيقة، أو المجاز؛

وكون اللَّفظ لاحقيقة ولامجاز، لا ضير فيه، بعد دلالة قرينةٍ على ذلك(1).

مناقشة ما اختاره

وفيه:

إنَّ الكلام تامٌّ لو لم يُرِد منه الكلِّيَّة؛ فلذلك قد قَرَّر مُذيِّلًا على كلامه: أنَّه في الجملة، لا بالجملة(2).

ثمَّ إنَّ تنصيصه بأنَّ اللَّفظ إذن لا حقيقة ولامجاز؛

ليس بصحيحٍ، بل اللَّفظ اُستُعمِل على سبيل الحقيقة، فله وضعٌ معاطاطيٌّ - كما يُتُصوَّر في المعامَلات المعاطاطيَّة -، ولا إشكال فيه.

مختار السَّيِّد البروجرديِّ قدس سره في المقام
اشارة

وعن السَّيِّدِ الأستاذ البروجرديِّ قدس سره: «إنَّ جميع الألفاظ المستعمَلة في الشَّرع يُعدُّ من الحقائق اللُّغويَّة»(3).

مناقشة مختاره

وفيه: إنَّ كلامَه تامٌّ في جانب ما تُوجَد قبل بدء الإسلام في تراث العرب اللُّغويِّ - كالصَّلوة والزَّكوة ونحوهما -؛ وأمَّا إدعاؤه الكلِّيَّة فيه، فليس بصحيحٍ، ضرورةَ أنَّ لكلِّ حزبٍ - فضلًا عن كلِّ ملَّةٍ - إصطلاحاتٍ خاصَّةً، فكيف يُتُصوَّر أن

ص: 38


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 21.
2- . راجع: نفس المصدر والصَّفحة.
3- . راجع: نهاية الأُصول، ص 45؛ الحاشيَة علىٰ كفاية الأُصول - له -، ج 1 ص 65.

لم يكن كذلك في الشَّريعة الحديثة؟!.

والشَّاهد عليه ثبوت مصطلحاتٍ خاصَّةٍ تُشير إلى معانٍ - من أوَّل الفقه إلى آخره - في زمن الصَّادِقَين عليهما السلام بين العامَّة والخاصَّة.

مختار صاحب الفصول قدس سره في المقام
اشارة

وقد عكَسَ صاحبُ الفصول قدس سره، فاختار كونَ جميع الألفاظ المستعمَلَة في الشَّريعة المقدَّسة من الحقائق الشَّرعيَّة(1).

مناقشة مختاره

وفيه: إنَّه لانِقاشَ معه في صحَّة كلامه على حدِّ الموجِبة الجزئيَّة، إذ مرَّ آنفًا أنَّ لجميع الأديان والنِّحَل والأحزاب اصطلاحاتٍ تُخبِر عمَّا قصدوه؛ أمَّا ادِّعاء الكلِّيَّة فواضحُ الفَساد، إذ الصَّلوة والصَّوم والزَّكوة والحجُّ والجِهاد وكثيرٌ من مصطلحات الشَّرع غيرها حقائقُ لغويَّة، والتَّفاوت بين مصداقَي المُصطَلح القَديم والحديث لايوجِبُ القول بأنَّ للشَّارع وضْعًا خاصًّا في مصاديقه الخاصَّة.

مختار المحقِّق النَّائينيِّ قدس سره في المقام
اشارة

وعن المحقِّق النَّائينيِّ قدس سره: «إنَّ جميعَ الألفاظ المُستعمَلة في الشَّريعة المقدَّسة للمعاني، اُستُعمِلت على سبيل الوضع التَّعيُّنيِّ، ثمَّ صار في زمن الأئمَّة عليهم السلام من الحقائق؛ وأمَّا في زمن الرَّسول الكريمِ صلى الله عليه و آله فاستُعمِل في معانيه الشَّرعيَّة مجازًا، مع القرينة»(2).

ص: 39


1- . راجع: الفصول الغَرويَّة، ص 43 السَّطر 5، 15.
2- . راجع: أجود التَّقريرات، ج 1 ص 49؛ والمبحث لم يُوجَد في فوائد الأُصول.
مناقشة مختاره

وفيه: إنَّ الكلامَ - كلَّه - في كون الكلام على سبيل الموجبة الكلِّيَّة، حيث إنَّ كثيرًا من الاِستعمالات وإن كان كذلك، إلَّاأنَّه يخرج منها غيرُه، وهو ما كان على سبيل الحقيقة وضعًا، أو إرتجالًا.

ونحن قد فصَّلنا الكلامَ في هذا الفصل في الدَّورات السَّالفة، ولكن نختار هنا الاِختصارَ، لكون المبحث قليلَ الفائدة، بل عديمَها!.

الأمر السَّابع: في الصَّحيح والأعمِّ

اشارة

قد وقَعَ الخلاف في أنَّ ألفاظ العبادات أسامٍ للصَّحيحة فقط؟، أو للأعمِّ منها وللفاسدة؟.

الخلاف في المسألة والمختار فيها

فيه خلافٌ؛ والأقوىٰ أنَّها وُضِعَت للماهيَّة اللَّابشرطيَّة الَّتي تَنطَبق على الصَّحيحة تارةً، وعلى الفاسدة أُخرىٰ. وهذا هو حال مطلق الوضع في جميع اللُّغات والمِلل والنِحَل، حيث يضعون كلِّيَّات الموضوع له وجزئيَّاته غير مقيَّدٍ بالصِّحَّة أو الفساد، أو الأعم؛ فلذلك يُطلَق على الصَّحيحة كما يُطلَق على الفاسدة إطلاقَ الماهيَّات على أفرادها، وينطَبقُ عليها إنطباقَ الكلِّيِّ الطَّبيعيِّ على مصاديقها. و كذلك في الأعلام، حيث يُوضَع اللَّفظ لفردٍ خارجيٍّ من غير أن يُقيَّد بعوارِضِه المُشخِّصة؛ فهو كالمهيَّة اللَّابشرط يلائِمُ جميعَ العوارض في الحالات كلِّها.

ص: 40

ولعلَّ القائلين بالأعمِّ - سيَّما الفحول منهم(1) - أرادوا من «الأعمِّ» ما قلنا، لاكونَ الأعمِّ قيدًا للَّفظ.

ويدلُّ على ذلك إنسباقُ اللَّفظ إلى المعنى اللَّابشرط المُسمّىٰ بالتَّبادر؛ وهذا سرُّ ما اشتهَر بين الأصحاب من: «أنَّ الأحكام يتعلَّق بالطَّبائع من حيث هي هي»، ثمَّ لمَّا رأوا أنَّ الطَّبيعة من حيث هي هي لاموجودةٌ ولا معدومةٌ ولا محبوبةٌ ولا مبغوضةٌ - أي: لا حكمَ لها أصلًا فاختار كلُّ واحدٍ منهم طريقًا لإصلاح ذلك؛ وسيأتي - إن شاء اللَّهُ! - تفصيلُ الكلام فيه.

وبالجملة إنَّ الألفاظ كلَّها وُضِعت للطَّبائع والماهيَّات، أو فقل للكُلِّيِّ الطَّبيعيِّ الَّذي يُوجَد في الخارج بأفراده و مصاديقه؛ وليس للصِّحَّة والفَساد أو للأعمِّ منهما في مرتبة الوضع أثرٌ ولحاظٌ أصلًا، لأنَّ ظرف تقرُّرِ الصِّحَّة والفساد هو الخارج، لامقامَي المفهوم أو الوضع - الَّذي يلصق فيه اللَّفظ بالمفهوم -.

والدَّليل على ذلك كلِّه هو العُرف، الَّذي هو بالباب!، الَّذي هو خيرُ شاهدٍ فيما يَرجِع إلى الألفاظ.

مناقشة تمسُّك الفريقين بالرِّوايات

فبما ذكرنا يظهر أنَّ تمسُّك الصَّحيحيِّ والأعمِّيِّ بالرِّوايات - كقوله عليه السلام: «الصَّلوةُ قربانُ كلِّ تقِيٍّ»(2)، و: «دَعِي الصَّلوةَ أيَّامَ أَقْرائِكِ»(3) - صحيحٌ غير تامٍّ، حيث إنَّه

ص: 41


1- . كالعلَّامة وولده الفخر والسَّيِّد عميدالدِّين وثاني الشَّهيدَين وشيخنا البهائيِّ - رَحِمَهم اللَّه تعالى! -؛ انظر عن جميع ذلك: هداية المسترشدين، ج 1 ص 437.
2- . راجع: الكافي، ج 3 ص 365 الحديث 6؛ الفقيه، ج 4 ص 416 الحديث 5904؛ وسائل الشِّيعة، ج 7 ص 261 الحديث 9282.
3- . الحديث لم يوجد في طرقنا؛ وانظر: قاموس قرآن، ج 5 ص 261.

لايثبت مقصودَهما، إذ اِستعمالُ «الصَّلوة» في كِلَي الصَّحيحة والفاسدة ليس إلَّاعلى طريق الحقيقة، لا المجاز؛ ولايتَّصفُ اِستعمالُهما بالغلط، لأنَّهما اِستَعمَلا اللَّفظ في الماهيَّة الَّتي تَتَّصف بالصِّحَّة تارةً، وبالفَساد أُخرىٰ.

الجامع علىٰ رأي المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره

وبذلك تنحَلُّ عقدةُ القَدْر الجامع، الَّذي لم يتيسَّر لصاحب الكفاية قدس سره وجدانُه، فنَسَبَه إلى آثار الماهيَّة وعلائِمها - كالنَّهي عن الفحشاء والمنكر في الصَّلوة، مثلًا(1)

الجامع علىٰ رأي الأعمِّيِّين

وكذلك لم يجِدْه الأعميُّ، فذهب إلى ما لايرضىٰ به أحدٌ حتَّى نفسه!، فجعَلَه الأركانَ - مثلًا - في الصَّلوة(2).

تصوير الجامع علىٰ المختار

ونحنُ في فُصحةٍ من هذا، حيث لنا أنْ نقول: إنَّ القَدر الجامع الَّذي وُضِع ألفاظُ العبادات له، هو الماهيَّة اللَّابشرطيَّة الَّتي تَجتَمع مع ألفِ شرطٍ من ناحيَةٍ، وتُوجَد في الخارج بالأفراد والعوارضِ المُشخِّصة من ناحيَةٍ أُخرىٰ، وهو الكلِّيُّ الطَّبيعيُّ الَّذي يُوجَد في الخارج بعدَد مصاديقه وأفراده، الَّتي هي تارةً تكون أعلىٰ وأفضل من غيرها، وأُخرىٰ أدون منها، وثالثةً فاسدةً - لخُلوِّها عن جزءٍ، أو شرطٍ -؛

فالمِصداق مع أنَّه يتَّصف بكونه مصداقًا لها، لكنَّه فاسدٌ، لخُلوِّه عمَّا أمَر الشَّارعُ به

ص: 42


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 24.
2- . وانظر: فوائدُ الأُصول، ج 1 ص 75؛ منتهىٰ الدِّراية، ج 1 ص 116.

من الأجزاء والشَّرائط.

فروعٌ
الفرعُ الأوَّل
المختار في باب المعامَلات

وبما ذكرنا يظهر الأمرُ في باب المعامَلات بالمعنىٰ الأعمِّ - كالبيع والنِّكاح -، لأنَّ الألفاظ في المعامَلات - كالألفاظ في العِبادات - وُضِعتْ للماهيَّات من غير لحاظِ شيءٍ من الصِّحَّة والفَساد فيها.

لافرق بين القول بوضع الألفاظ للأسباب أو المسبَّبات

من غير فرقٍ بين القول بكون الألفاظ وُضِعتْ للأسباب، أو للمُسبَّبات؛ فلفظة «البيع» وُضِعت لتبادل ما يُضاف إليه من غير لحاظِ الصِّحَّة والفَساد فيه؛ بل اللِّحاظ في ظرفِ الوضع هو الماهيَّة الَّتي تقَعُ في الخارج صحيحةً تارةً، وفاسدةً أُخرىٰ.

نعم!، لووقعَتْ فاسدةً فالمأتيُّ به لايُطابِق الواقعَ، فلم يتيَسَّر التَّبادل بحسب الحقيقة واقعًا؛ لكنَّه ليس معناه أنَّها لم تقَعْ أصلًا، لأنَّها بحدوث مصداقِها - الَّذي هو المأتيُّ به - حدثَتْ في الخارج.

الفرع الثَّاني:
الجزئيَّة والشَّرطيَّة وجزءُ الفرد وشرطُه

ص: 43

دخالةُ شيءٍ في المأمور به:

1. قد يكون على نحو الجُزئيَّة - كالقراءة للصَّلوة -؛

2. وأُخرىٰ على نحو الشَّرطيَّة - كالطَّهارة للصَّلوة، بمعنىٰ أنَّها وإن لم تكن جزءً لها، لكنَّها دخيلةٌ في حصولِ المأمور به، كما قد يُقال: «تَقَيُّدٌ جزءٌ وقِيدٌ خارِجي»(1).

3. وثالثةً لا دخالة له في ماهيَّة المأمور به، لكنَّه دخيلٌ في فردِها حيث هو من العَوارض المُشخِّصة لذلك الفرد - كالصَّلوة في المسجد -. ويُطلَق عليه في مصطلح الفقهاء: «جُزءُ الفرد»، أو: «شرطُه»(2).

لاإشكال في عدم دخالة هذه الثَّلاثة في نِزاع الصَّحيحيِّ والأعمِّيِّ، بل النِّزاع منحصرٌ بما إذا كان شيءٌ ذادخالةٍ في ماهيَّة المأمور به على نحو الجزئيَّة أو الشَّرطيَّة.

الفرع الثَّالث:
الفرق بين مقامَي الأمر والوضع

لاإشكال في أنَّ الأوامر صُدِرت للصَّحيح من العبادات والمعامَلات، إذ لامعنىٰ لأنْ يقال: إنَّ الشَّارع أمرَ بالأعمِّ من الفاسد والصَّحيح!.

ولكن ليس معناه أنَّ الألفاظ في مقام الوضع وُضِعتْ للصَّحيحة؛ بل المراد منه أنَّ الشَّارع ندبَ إلى الماهيَّة من حيث هي هي، ثمَّ بعد حصولها في الخارج إن تطابقَت الواقعَ فيُسقِط التَّكليفَ،

ص: 44


1- . راجع: شرح المنظومة - للحكيم السَّبزواريِّ -، ج 2 ص 104.
2- . انظر: تهذيبُ الأُصول، ج 1 ص 67؛ مناهج الوصول، ج 1 ص 174؛ حقائق الأُصول، ج 2 ص 323؛ دروسٌ في علم الأُصول، ج 1 ص 59.

وأمَّا لولم تُطابِق الواقع فلايَسقُط التَّكليفُ بها، لعدم تطابق المأتيِّ به المأمورَ به.

فالمكلَّف وإن جاء بالماهيَّة - المُسمَّاة بالصَّلوة - حقيقةً، إلَّاأنَّها لاتُسقِط التَّكليفَ، لعدم تطابق المأتيِّ به المأمورَ به.

فطلبُ الشَّارع الصحيحَ والأمرُ به شيءٌ، ومقامُ وضع الألفاظ شيءٌ آخر، إذ لاصلَةَ بينهما أصلًا.

الفرع الرَّابع:
ثمرة المسألة في مقام العمل وما قيل فيه

الظَّاهر أنَّه لا أثر لهذا البحث المُفصَّل الغامض من حيث العمل أصلًا، بل إنَّه بحثٌ علميٌّ فحَسْب؛ لأنَّه قيل: «الَّثمرةُ أنَّه لو قلنا بالصَّحيح فلايمكن الَّتمسُّك بالإطلاقات في بابَي العبادات والمُعامَلات، لإجمال الخِطاب حينئذٍ؛ كما أنَّه لايمكن الَّتمسُّك بالأصل، لتقدُّم قاعدة الاِشتغال عليه»(1).

مناقشةُ هذا القول

وهو خطأٌ غريبٌ!، لعدم الرَّبط والصِّلة بين المسألَتَين أصلًا، لأنَّ النِّزاع في الصَّحيح والأعمِّ مبحثٌ لفظيٌّ لغويٌّ يَبحَث عمَّا قام به الشَّارع في مقام وضع الألفاظ - فوَضَعَها للصَّحيح أو للأعمِّ منه؟، أو لا لهذا ولا لذاك؟ -؛ بينما أنَّ بحث أخْذ الإطلاقِ من الكلامِ مبحثٌ عقليٌّ.

ص: 45


1- . انظر: تهذيبُ الأُصول، ج 1 ص 60؛ الحاشيَة علىٰ كفاية الأُصول، ج 1 ص 88؛ دروسٌ في علم الأُصول، ج 1 ص 91.

وكذلك الكلام في مبحث الأصول العمليَّة، حيث إنَّ العقلَ يحكم بأنَّ الشَّارع لوكان في مقام بيان الأجزاء والشَّرائط، فلابدَّ له من بيانها كلِّها؛ فلو لم يُشِر إلى شيءٍ - جزءً أو شرطًا - فليس له أن يُطالِب بذلك الشَّيء. فالمكلَّف لولم يأت بالمشكوك غير المذكور في عدادهما، فليس عليه عقوبةٌ ولولم يطابق المأتيُّ به المأمورَ به.

وكذلك جريان أصل البراءة في المقام، لأنَّه لو لم يكن إطلاقٌ ولابيانٌ فالمشكوك مرفوعٌ، بحسب العقل.

وكما تَرىٰ لا صلةَ بين مقتضى حكم العقل في المسألة، وبين كيفيَّة وضع اللُّغة فيها؛ فأينَ هذا ومسألة الصَّحيح والأعمِّ؟.

الأمر الثَّامن: في الإشتراك

ما يرتبط بالقسم الأوَّل من الإشتراك
اشارة

لاريب ولاإشكال في وجود الإشتراك في اللُّغة، لما يُتَراءىٰ من ألفاظٍ متعدِّدةٍ إعطائها معنىً واحدًا.

القول بعدم وقوع الإشتراك

وما قيل من: «أنَّه لم يقع في اللُّغة، بل وقوعُه محالٌ، لإخلاله بالتَّفهُّم المقصود من الوضع، لخفاء القرائن فيها»(1)؛

ص: 46


1- . راجع: نهاية النِّهاية، ج 1 ص 50؛ تحريراتٌ في الأُصول، ج 1 ص 285؛ دروسٌ في علم الأُصول، ج 2 ص 61.
مناقشةُ هذا القول

ليس بسديدٍ، لأنَّ أقوىٰ الدَّليل علىٰ وجوده هو حكم العقل به أوَّلًا، ووقوعه بكثيرٍ ثانيًا.

نعم!، لابدَّ من نصب القرينة المُعيِّنة، كما لابدَّ من نصب الصَّارفة منها.

القول بوجوب وقوع الإشتراك

كما أنَّ ما قيل من: «أنَّ الإشتراك واجبٌ، لأجل تناهي الألفاظ وعدم تناهي المعاني»(1)؛

مناقشةُ هذا القول

ليس بتامٍّ أيضًا؛ ضرورة أنَّه ولوكانتْ المعاني غير متناهيَةٍ، إلَّاأنَّا لانحتاج إلى غير المتناهي من الألفاظ، أمَّا بمقدار الحاجة فهي موجودةٌ بلاريبٍ واِرتيابٍ.

المختار في المقام

وبالجملة، إنَّ الإشتراك موجودٌ في جميع الألسِنَة ولاسيَّما في أعلامِها، كوضع سيِّدِنا المعصوم الحُسَين عليه السلام لفظةَ «عليٍّ» لأبنائه كلِّهم، و «فاطمةَ» لبناته كلِّهنَّ، لحُبِّه لأبوَيه عليهما السلام.

هذا هو القسم الأوَّل من الإشتراك.

ولكنَّ المُشاهَد في اللُّغة قِلَّةُ هذا القِسم من الإشتراك.

ص: 47


1- . وانظر: بحوثٌ في علم الأُصول، ج 1 ص 112؛ تهذيبُ الأُصول، ج 1 س 66؛ دروسٌ في علم الأُصول، ج 1 ص 97.
القسم الثَّاني من أقسام الإشتراك

أمَّا الموجود منه بكثيرٍ، فوجودُه من قِبَل شخصين مُنحاذَين حيث يقوم شخصٌ بوضعِ اللَّفظة لإبنه، وشخصٌ آخر لإبنه بوضعٍ آخر.

وكذلك الإشتراكُ بالوضع التَّعيينيِّ والتَّعيُّنيِّ؛ فالمجاز بمرِّ الأزمان يلبس لباسَ الحقيقة؛ نعم!، قبل التَّعيُّن يحتاج إلى قرينةٍ صارفةٍ، وبعد التَّعيُّن يحتاج إلى قرينةٍ معيِّنةٍ.

وهذا هو القسم الثَّاني منه.

القسم الثَّالث من أقسام الإشتراك

أمَّا القسم الثَّالث منه - الَّذي ليس في الحقيقة من الإشتراك في شيءٍ -، فهو بوضع اللَّفظ لكُلِّيٍّ أوَّلًا، ثمَّ استعماله في أفراد ذلك الكلِّيِّ ثانيًا؛ فهذا الاِستعمال وإن يُخَيَّل إلى السَّامع أنَّه إشتراكٌ، لكنَّه في الحقيقة استعمالُ اللَّفظ في معناه الحقيقيِّ.

وغالبُ المعاني والألفاظ في اللُّغة من هذا الباب، وهي من باب الكلِّيِّ في الفرد، لا من بابَي الإشتراك والمجاز.

القسم الرَّابع من أقسام الإشتراك

أمَّا القسم الرَّابع منه - المُساوقُ للثَّالث في عدم كونه من الباب أصلًا -، فاشتراك الإشتراك مع باب الحقيقة والمجاز. وذلك بأنَّ الواضعَ يضعُ اللَّفظ لمعنىً أوَّلًا، ثمَّ أهلُ اللِّسان يستعمِلونه بقرينةٍ صارِفةٍ في معنىً آخر، شريطة أن يَقبَله الذَّوقُ السَّليمُ. فالقرينة إذن صارفةٌ، لامعيِّنةٌ؛ إلَّاأنَّه يُخيَّل إلى السَّامع أنَّ المعاني من باب الإشتراك والقرينة فيها مُعيِّنةٌ، مع أنَّه ليس كذلك.

ص: 48

هذا ما خطر بالبال في هذا المقال، مراعيًا فيه كمالَ الإختصار.

الأمر التَّاسع: استعمالُ اللَّفظ في أكثر من معنىً واحدٍ

اشارة

هل يجوزُ استعمال اللَّفظ في أكثر من معنىً واحدٍ في استعمالٍ واحدٍ؟. فيه أقوالٌ.

إليك تفصيلُها:

1. الجوازُ مطلقًا

ذهب إليه جمعٌ من الأعلام(1)، بل اختارَ الشَّيخُ المؤسِّسُ قدس سره كثرةَ وقوعِه عند أهل الذَّوق(2)، لاشتماله على ملاحةٍ خاصَّةٍ؛ كمن قال: «يا حسَنُ» في نداء من اِسمُه هذا، ولكن أراد فيه اسمَه وحُسنَه معًا.

وذلك في الأشعار والمقالات الأدبيَّة كثيرٌ؛ وأقوىٰ الدَّليل على الجواز وقوعُه.

ولعمري هذا أظهرُ من أن يخفىٰ وقوعُه وحُسنُه على أحدٍ!.

2. الإمتناع مطلقًا
اشارة

للُزومه الجمع بين اللِّحاظين في استعمالٍ واحدٍ، وهو محالٌ. وهذا مختارُ المحقِّق الخُراسانيِّ قدس سره، وطائفةٍ من تلامذته(3).

ص: 49


1- . انظر: محاضراتٌ في أُصول الفقه، ج 1 ص 212؛ الهداية في الأصول، ج 1 ص 122.
2- . راجع: دُرَر الفوائد، ص 55.
3- . انظر: نهاية النِّهاية، ج 1 ص 58.

وقد قرَّر الامتناعَ ب: «أنَّ اللَّفظ كالوجه، والمعنىٰ كذيه؛ فإذا لاحظَ ذاالوجه فمِن المحال أن يلحَظ الوجه في نفس الزَّمان - أيضًا -، بل إنَّه فانٍ فيه، فلذا يسري إليه حُسنُه و قُبحُه.

فلاِستعمال اللَّفظ في أكثر من معنىً واحدٍ، لابدَّ من لحاظ اللَّفظ أيضًا؛

وهذا يلزم الجمع بين اللِّحاظينِ الآليِّ والاِستقلاليِّ في استعمالٍ واحدٍ، وهو محالٌ»(1).

مناقشةُ هذا التَّقرير

وفيه: إنَّ اللَّاحظ اللاَّفظَ إذا أراد المعنىٰ فاللفظ مغفولٌ عنه، إذ يتوجَّه إلى المعنىٰ فقط؛ كما أنَّه إذا لاحَظَ اللَّفظ من غير إرادة المعنىٰ يعطف تمامَ توجُّهه إلى اللَّفظ دونه، كما في المرآت، من غير تفاوتٍ.

وأمَّا عدمُ إمكان لحاظ اللَّفظ و المعنىٰ معًا؛

فهذا ممَّا لاوجه له أصلًا، ضرورةَ أنَّ كثيرًا مَّا يَلتَفت المتكلِّمُ إلى اللَّفظ من حيث إعرابِه وفصاحته وبلاغته وصحَّتِه، مع إلتفاته إلى معناه في نفس الوقت أيضًا.

- كصلوة الأولياء، حيث يُتُوجَّه فيها إلى اللَّفظ والمعنىٰ بما لامزيد عليه -.

فاللَّفظ كالمرآت، والتَّوجُّه إليها - آليًّا واستقلاليًّا - ممكنٌ لو أراد المتكلِّمُ ذلك.

وأقوى الدَّليل عليه وقوعُه كثيرًا، ولاسبيل إلى إنكار ذلك لوأُخِذ الإنصافُ بيدٍ واحدةٍ، والاِختبار بيدٍ أُخرىٰ؛ مع أنَّ الُمختبِر ليس في عِداد أحوَليٖ العين!.

3. القول بالتَّفصيل بين المُفرد وبين المُثنّىٰ والجمع
اشارة

هذا قول صاحب المعالم قدس سره، وقد اختار إمكانه ولكن على سبيل المجاز فقط؛

ص: 50


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 36.

لأنَّ الواضعَ حين وضَع الألفاظ المفردة وضَعَها لمعنىً فاردٍ - أي: مقيِّدًا فيها الوحدةَ -، وأمَّا في التَّثنيَة والجمع فلم يلحَظْ هذا القيد؛ فيجوز الاِستعمال كذلك من غير تجوُّزٍ، لعدم قيد الوحدة فيهما(1).

مناقشةُ هذا القول

وفيه: إنَّ اللَّفظ - كما مرَّ مِرارًا - وُضِع للماهيَّة من حيث هي هي، من غير تقيُّدٍ فيه. وادِّعاء ثبوت قيد الوحدة في المفردات، صرفُ ادِّعاءٍ لا دليل له.

وأمَّا التَّثنيَة والجمع، فلوأُريد من «العَينَين» عينان بحِيالَين - كعينٍ جاريةٍ وعينٍ باكيَةٍ - لا فَردَين من عينٍ واحدٍ - كالعينِ الُيمنىٰ والعين اليُسرىٰ - فهو إمَّا خطأٌ وقع في الاِستعمال، وإمَّا قولٌ على طريق المجاز - لوكانت هناك قرينةٌ تدلُّ عليه -.

فقول صاحب المعالم قدس سره هذا لايساعده دليلٌ، بل هو مدخولٌ من صدرِه إلى ذيله.

4. القول بالإمكان مجازًا
اشارة

هذا مختارُ صاحب القوانين قدس سره(2)، إذ اِختار أنَّ الواضع وضَع اللَّفظ لمعنىً في حال توحُّده، أي: على سبيل القضايا الحينيَّة.

مناقشةُ هذا القول

وفيه: إنَّ ما أراده الواضعُ لا دخل له في الوضع، إذ اللَّفظ وُضِع لمعنىً وهو مجرَّدٌ عن القيود والحالات كلِّها؛ وإلَّا فلوكانتْ الحالات والأزمنةُ والأمكنةُ دخيلةً فيه،

ص: 51


1- . راجع: معالم الدِّين، ص 46.
2- . راجع: قوانينُ الأُصول، ج 1 ص 148.

يلزم المجاز دائمًا في جميع الاِستعمالات.

هذا، مع أنَّه لو لم يكن الوحدة قيدًا في الوضع، فاستعمال اللَّفظ في أكثر من معنىً واحدٍ حقيقةٌ، ولوخالف الواضعَ والوضعَ والحالاتِ.

الأمر العاشر: في المشتقِّ

اشارة

إنَّه اُختُلِف في أنَّ المشتَقَّ حقيقةٌ في خصوصِ ما تلبَّس بالمبدء في الحال؟، أو فيما يعُمُّه وما انقضَىٰ عنه؟. علىٰ أقوالٍ؛

بعد الاِتِّفاق على كونه مجازًا فيما يتلبَّس به في الاِستقبال.

وبيان ذلك يحتاجُ إلى ذكر أمورٍ:
الأمر الأوَّل: تحديد موضوع «المشتقِّ»

المراد من «المشتقِّ» هنا، هو المشتقُّ الأصوليُّ، وهو ذاتٌ تلبَّسَ بالمبدء ولوكان جامدًا بحسب اللُّغة، فالزَّوج و الزَّوجة ونظائرُهما يُعدَّان من المشتقِّ الأصوليِّ، فيقَعُ عليهما البحثُ هيهنا. أمَّا الأفعال وما يُشبِهُها فخارجةٌ عن حريم النِّزاع، ولوكانتْ مشتقًّا بحسب صِناعة النحو، لأنَّ الأفعال من باب صدور الفعل عن الفاعل، أو وقوعِه عليه، لا من باب انتزاع الوصف من الذَّات باعتبار التَّلبُّس.

ص: 52

وكذلك يخرُج عن البحث ما يُشبِه لفظَي الواجِب والممكن، إذ لااِتِّصاف فيه، بل يُؤخَذ الوصفُ من حاقِّ ذات ذيه.

فالبحثُ إذًا في المحمولات بالضَّميمة، لا في المحمولات المُسمَّاة ب: «الخارج المحمول».

فجميعُ المحمولات بالضَّميمة من المشتقَّات الأصوليَّة الواقع عليها البحثُ، كاِسم الفاعل والمفعول وصِيَغ المبالغة والزَّمان والمكان والآلة.

الأمر الثَّاني: اسم الزَّمان في المقام
اشارة

قيل: «إنَّ المبحث لايشمُلُ اسمَ الزَّمان، لأنَّ الذَّات فيه غير مستقَرٍّ، حيث إنَّ الزَّمان يتصرَّم وينقضي علىٰ سبيل الدَّوام، فلاذات حتَّى يُبحَث عن تلبُّسه حقيقةً أو مجازًا».

مناقشةُ هذا القول

وهو خطأٌ بيِّنٌ!، لأنَّه:

أوَّلًا: إنَّ الزَّمان أمرٌ وحْدانيٌّ، إلَّاأنَّ نحوَ وجوده غير قارِّ الذَّات، فينقضي ويتصرَّم؛ وإلَّا يلزم تتالِي الآنات، وهو محالٌ، ولا أقلَّ من كونه باطلًا - كما قُرِّرَ في محلِّه(1) -.

ص: 53


1- . وانظر: الإلهيَّات من المحاكمات مع تعليقات المحقِّق الباغنوي، ص 153؛ النِّجاة، ص 231؛ المباحث المشرقيَّة، ج 1 ص 186.
مذهب المحقِّق البروجرديِّ قدس سره هيهنا

وهذا هو مذهب السَّيِّدِ الأستاذ البُروجرديِّ قدس سره في المسألة(1).

وثانيًا: إنَّه بحسب المفهوم كلِّيٌّ يصدق عليه أن يُقال له: ذاتٌ تلَبَّس بالمبدء، وإن كان كلِّيًّا مُنحصرًا في فردٍ واحدٍ.

مذهب المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره هيهنا

وهذا مذهب المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره فيها(2).

وثالثًا: إنَّ الزَّمان بحسب العقل وإن كان غير قارِّ الذَّات، فلاأفراد له، إلَّاأنَّ العُرف كما يَجعل له الثَّواني والدَّقائق والسَّاعات والأيَّام والشُّهور، يُقطِّعُه إلى قطعاتٍ يعيدُها في كلِّ سَنَةٍ.

وهذا في لسان العرف كثيرٌ جدًّا، حتَّى لايعُدُّه مجازًا، بل يُطلِق العودَ عليه على طريق الحقيقة.

المختار في المقام

ولعلَّ هذا أجود من الرَّأيَيْن السَّالِفَين، ولم نَرَ من تنبَّه عليه.

الأمر الثَّالث: الإختلاف من جهة المبادىء

ص: 54


1- . راجع: نهاية الأُصول، ص 68؛ الحاشيَة علىٰ كفاية الأُصول - له -، ج 1 ص 119.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 40.

إنَّ الإختلاف في المبادىء لايُوجِب تفاوتًا في مصاديق المبحث، فلافرق من هذه الجهة بين أسماء الفاعل والمفعول والآلة إلَّافي نحو تلبُّسِها فقط؛ فالمتلَبَّس في اسم الفاعل صدوريٌّ، وفي الفعول وقوعيٌّ عليه، وفي الآلة واسطيٌّ، وفي اسم الزَّمان وقوعيٌّ فيه، وهكذا.

واشتراك الكلِّ في ذاتٍ يتلبَّس بالمبدء.

كما أنَّ من المشتقَّات ما هو على سبيل القوَّة - نحو: زيدٌ عالِمٌ -؛

ومنها ما هو بالفعل - نحو: زيدٌ قائِمٌ -.

فاختلافها في التَّلبُّس بحسب الحِرفة والمَلَكة والفِعليَّة لايوجِب تفاوتًا في أصل المَبحث.

الأمر الرَّابع: المراد ب «الحال» في العنوان

المراد ب «الحال» - المأخوذ في العنوان - هو حال التَّلبُّس، لا حال النُّطق؛ فالإخبار عن زيدٍ كان قائمًا ب: «أنَّه كان قائمًا» لايدخل في المبحث، لأنَّ الكلامَ وقَعَ على سبيل الحقيقة بلا إشكالٍ.

وأمَّا لوقلنا «أنَّه قائمٌ بالفعل» باعتبار ما مضىٰ، أو باعتبار ما يؤول إليه، فهو من موارد البحث.

فقولُك: «زيدٌ كان قائمًا» أو: «سيكون قائمًا» حقيقةً لايدخل فيه أصلًا.

الأمر الخامس:
اشارة

ص: 55

لا أصل في المقام يُتُمسَّك به

لاأصل لإثبات المسألة الأصوليَّة يُتُمسَّك به هيهنا؛ فإذا أُطلِق اللَّفظ وأُريد به التَّلبُّس باعتبار ما مضىٰ أو يأتي، لاأصل حتَّى يُبيِّن أنَّه هل هو حقيقةٌ؟، أو مجازٌ؟.

مقالٌ لبعضهم ومناقشتُه

وما قيل ب: «تقدُّم الإشتراك المعنويِّ على الحقيقة والمجاز، لأجل الغلبة»(1)؛

ليس صحيحًا، لأنَّ ادِّعاء الغلبة لا وجه له أصلًا.

كما أنَّ كونَه من المرجِّحات، أيضًا لا وجه له، إلَّاأن يرجع إلى تقدُّم الحقيقة على المجاز عند دَوَران الأمر بينَهما.

وأمَّا الأصل العمَليُّ الجاري في الفقه، فيَختلف بحسب الموارد؛ فمثلًا إذا قيل:

«أكرِم العلماءَ» فالبراءةُ محكمَةٌ لوزال عنه المبدءُ، والاِستصحاب حاكمٌ لوكان الاِنقضاء قبل بيان الحكم.

المختار في المسألة

إذا تقرَّر هذا، فالحقُّ: أنَّ المشتقَّ حقيقةٌ فيما يتعلَّق بالحال، ومجازٌ في غيره، سواءٌ انقضىٰ عنه المبدأ أو لم يتعلَّق به بعدُ.

ما يُستدَلُّ به للمختار

والدَّليل عليه:

1. هو العُرف؛

ص: 56


1- . انظر: بدائع الأفكار - للمحقِّق الرَّشتي -، ص 154 السَّطر 4؛ عناية الأُصول، ج 1 ص 180؛ مفاتيح الأُصول، ص 96 السَّطر 29.

2. وانسباق معنىٰ التَّلبُّس في الحالِ من لفظ «المُتَلَبَّس»، وصحَّة الحكم بالمجاز في غيره؛

3. والتَّبادر؛

4. وصحَّة السَّلب، ضرورةَ أنَّ مَن كان قائمًا يصحُّ أن يُسلَب عنه القيامُ في الحال، إذا كان قاعدًا.

مقالٌ لبعضهم ومناقشتُه

وما قيل من: «عدمِ صحَّة السَّلب»؛

فالعُرفُ بباب القائل!.

نعم!، لواُعتُبر التَّلبُّس في الماضي، فمِن الممكن أن يُقال «كان قائمًا» على سبيل الحقيقة؛ كما يصحُّ أن يُقال «إنَّه قائمٌ الآن» ادِّعاءً، أو مجازًا.

وأمَّا من غير الاِعتبار، فلايصحُّ الإطلاق حقيقةً، إذ لايقبله العُرف؛ بينما يقبَلُ أن يُقال: «إنَّه ليس بقائمٍ الآن، بل كان قائمًا أمسِ».

تقريرُ قول الأعمِّيِّين

و أمَّا مَن ذهب إلى الأعمِّ، فادَّعىٰ:

1. التَّبادرَ؛

2. وعدم صحَّة السَّلب(1).

مناقشةُ هذا القول

ص: 57


1- . انظر: بدائع الأفكار في الأُصول، ص 109؛ تهذيب الأُصول، ج 1 ص 44؛ تحريراتٌ في الأُصول، ج 1 ص 169.

فليس قوله هذا إلَّاصرف ادِّعاءٍ!. نعم!، العمدةُ ممَّا استدلُّوا به هي رواياتٌ صرَّح فيها الإمام عليه السلام بأنَّ غير الأئمَّة المعصومين عليهم السلام لايليق بالخلافة، لقوله - تعالى! -: «لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ»(1)، معلِّلًا بأنَّ النَّاس - كلَّهم - اشتركوا في عبادة الأوثان والأصنام قبل الإسلام(2)، وصحَّة هذا الاِستدلال يتوقَّف على كون المشتقِّ موضوعًا للأعمِّ، لأنَّهم حين التَّصدِّي للخلافة لم يعبُدوا صنًما.

ردُّ المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره علىٰ هذا القول

ولقد أجاد المحقِّقُ الخراسانيُّ قدس سره فيما أجاب به عن هذا الإشكال؛ وتلخيصُه: إنَّ أخذَ العنوان في المشتقِّ:

قد يكون على سبيل الإشارة - كقوله عليه السلام: «عليكَ بهذا الجالس» -، فالجُلُوس غير دخيلٍ في الحكم؛

وتارةً يكون دخيلًا، فالحُكم يدورُ مداره - كقوله: «يشترط في إمامة الصَّلاة العدالةُ» -؛

وثالثةً يكون على نحو صرف الوجود - كقوله عظُمتْ قدرتُه!: «اَلزّٰانِيَةُ وَ اَلزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ»(3) -. واستدلال الإمام عليه السلام بها من هذا القبيل، لأنَّ جلالة منصب الإمامة تقتضي عدمَ تلبُّسه بذنبٍ آنًّا مَّا، فضلًا عن عبادة

ص: 58


1- . كريمة 124 البقرة.
2- . راجع: بحار الأنوار، ج 25 ص 201 الحديث 14؛ وانظر: الصِّراط المستقيم، ج 1 ص 266.
3- . كريمة 2 النُّور.

الأصنام!»(1).

المختار في رفع النِّزاع

أقول: يمكن رفعُ النِّزاع بأنْ يُقال: إنَّ القِسم الثَّالث من المشتقِّ يفيد معنىً أعمَّ، كالزَّانيَة والزَّاني، والسارقِ والسَّارقة، والقاتلِ والمقتول ونحو ذلك؛ فهذه الألفاظ حقيقةٌ عرفًا فيما انقضىٰ عنه التَّلبُّس، وفيما تلبَّس فعلًا؛

وأمَّا إن كان التَّلبُّس على سبيل الدَّوام - كالقائم والقاعد والعالِم والجاهل والعادل والفاسق، ونحو ذلك - فهذه الألفاظ بحسب العُرف يختصُّ بما يتلبَّس في الحال، ومجازٌ في غيره.

بقيتْ نُكتٌ
النُّكتة الأولىٰ: المشتقُّ بسيطٌ
اشارة

المشتقُّ بسيطٌ عرفًا، ف «العالِم» هو العالِمُ، لا ذاتٌ ثبت له العلمُ؛ و «القائمُ» نفسُه، لا ذاتٌ ثبت له القيام، وهكذا؛ نعم! في مقامَي التَّحليل والتَّقريب ينحَلُّ العقل - كما عليه العرفُ - هذا الأمر البسيط إلى أمرٍ مركَّبٍ، تفهيًما وتقرُّبًا إلى الأذهان.

مقال للمحقِّق الشَّريف

ولانحتاج في ذلك إلى الاِستمداد ممَّا قاله المحقِّق الشَّريف من: «أنَّه لوكان مركَّبًا يلزم في بعض الأحيان إنقلابُ القضيَّة الممكنة إلى الضَّروريَّة. كقوله: «زيدٌ قائمٌ»

ص: 59


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 49.

مريدًا من الذَّات فيه مصداقَه، فيكون المعنى: زيدٌ زيدٌ له القيامُ، فهو ضروريٌّ

وإن أُريدَ منه مفهومُ زيدٍ، يلزم دخولُ العَرَض العامِّ في الفصل في قولك: «زيدٌ ناطقٌ»(1).

لأنَّ قوله وإن كان صادقًا، إلَّاأنَّه لايلزم الاِمتناع، ضرورةَ أنَّ دخول العَرَض في الفصل المشهوريِّ لا إشكال فيه؛ كما أنَّ كون القضايا بشرط المحمول ضروريٌّ، ولا إشكال فيه - أيضًا -.

نعم!، يمكن أن يُقال: إنَّ الضَّربَ ليس ضروريًّا لزيدٍ، بل ممكنٌ بالإمكان الخاصِّ - أيضًا -.

ولكن يسهِّلُ الخطبَ الإلتفاتُ إلى أنَّ بحث المشتقِّ مبحثٌ لفظيٌّ عرفيٌّ غير مربوطٍ بهذه الأمور العقليَّة.

النُّكتة الثانيَة: الفرق بين المشتقِّ ومبدئِه مفهومًا
اشارة

الفرقُ بين المشتقِّ ومبدئه مفهومًا: أنَّه بمفهومه لايأبىٰ عن الحمل على الذَّات، ولكنَّ المبدء آبٍ عن ذلك، إلَّامجازًا؛ فقولُك: «زيدٌ ضاربٌ» صحيحٌ، وأمَّا «زيدٌ ضرْبٌ» خطأٌ، إلَّاعلى سبيل المجاز، للتَّأكيد.

والصِّحَّة هذه وعدمُها لأجل تصوُّر الإتِّحاد في المشتقِّ وعدم تصوُّره في المبدء، إذ وضْعُ المشتقَّات يلائمُ أن يتَّحدَ مع الذَّات، بينما أنَّ وضع المبادىء لايلائِمُ ذلك.

ص: 60


1- . راجع: حاشيَة المحقِّق الشَّريف علىٰ شرح مطالع الأنوار - المطبوعة مع نفس الشَّرح -، ص 11.

هذا حال المفاهيم بحسب الوضع واللُّغة، فالموضوع له فيه بحسب الوضع يلائِمُ الإتِّحاد مع الذَّوات؛ حتَّى يصحَّ أن يقالَ: «إنَّ زيدًا قائمٌ»؛

والموضوع له في المبادىء بحسب الوضع لايلائم هذا الإتِّحاد، فلايصحُّ أن يقال:

«إنَّ زيدًا ضرْبٌ»، والإختلافُ هذا هو المُشار إليه في العلوم الحِكْميَّة بقولهم:

«المُشتقُّ يكون لابشرط، والمبدء يكون بشرط لا»(1).

مقالاتٌ لبعضِهم في المقام

وليس معناه ما فَهِم بعضٌ من: «أنَّ الفرقَ أمرٌ إعتباريٌّ بيد المُعتبِر»، بل معناه:

إنَّ الفرقَ حقيقيٌّ يُفهَم من حاقِّ اللَّفظ».

كما أنَّ ما اشتَهَر في تلك العلوم مِن: «أنَّ الفرقَ بين الجنس و المادَّة هو في أنَّ أحدهما لابشرط، والآخر بشرط لا؛

وكذلك الفرقُ بين الصُّورة والفصل هو كذلك»؛

تفسيرٌ علىٰ تلك المقالات

ليس المراد منه أنَّه بيد المُعتبِر - كما فَهِمه بعضُهم أيضًا -، بل الفرق حقيقيٌّ واقعيٌّ، لأنَّه إذا صُوِّر مادَّةٌ في الخارج فتلك المادَّة هي بشرط لا - أي: لايُمكن أن تُحمَل على غير ما حُمِلت عليه في الخارج، بل يُبايِنُه -.

وكذلك الصُّورة الخارجيَّة لايُحتَمَل أن تُحمَلَ على غير المادَّة الَّتي اتَّحدَتْ معها.

وأمَّا لوأغمضْنا عن العين والخارج، فهما لابشرطٍ، يعني يلائم كلُّ واحدٍ منهما مع جميع الصُّور والموادِّ، وإذن يُقال لهما الجنسُ والفصلُ.

ص: 61


1- . انظر: تعليقات الحكيم السَّبزواري علىٰ شواهد الرُّبوبيَّة، ص 407.

وبالجملة إنَّ هذه الأمور من الواقعيَّات، لا الإعتباريَّات الَّتي تتغَيَّر بإرادة المُعتبِر.

تلخيص المرام في المسألة

فتلخَّص: إنَّ ملاكَ الحمل أمرٌ واقعيٌّ ينشأ من الوضع وكيفيَّته، ولحاظ المُتكلِّم غيرُ دخيل فيهٍ أصلًا؛ بل لابدَّ للمتكلِّم أن يراعىٰ الوضع ولحاظ الواضع فيه، لا لحاظ نفسه، بل لحاظ نفسه مضافًا إلى أنَّه لافائدة فيه، لايُغيَّرُ الواقعُ به.

و بما ذكرنا يظهر المرادُ ممَّا أورده المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره في الأمر الثَّالث من كتابه(1).

النُّكتة الثَّالثة: صدق المشتقِّ علىٰ الواجب - جلَّ وعلا! -

صفات الحقِّ - تبارك وتعالىٰ! - وإن كانتْ عين ذاته، ولكن صدق المشتقِّ على الذَّات هناك كصِدق المشتقِّ عليه في غيره - عظُمَتْ قدرته! -؛ لأنَّ حمْل «العالِم» على اللَّه - تعالى! - كحمْلِ العالِم على زيدٍ، بلاتفارُقٍ بحسب وضع المشتقِّ ومفهومه، وإن كان بمقتضىٰ دقيقِ النَّظر ليس بإزاء صفاته غير ذاته - سبحانه وتعالى! -.

فإذًا حملُ المشتقِّ على الذَّات راجعٌ إلى اللُّغة والوضع، بينما أنَّ كون صفات الباري عين الذَّات راجعٌ إلى العقل و المباحث الحِكْميَّة، ولاصِلة لأحدهما بالآخر.

وبعد تقرُّر اِعتقاد الطَّائفة الحقَّة الُمحقَّة على ذلك، لامعنىٰ للبحث عن أنَّ صفاته

ص: 62


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 55.

- تعالى! - هل تصدق عليه بعد ما انقضىٰ عنه المبدء؟، أم لا؟.

بل لامعنىٰ للبحث عنه على رأي من ذهب إلى كونها زائدةً على الذَّات، لأنَّ عدمَ تخلُّف الصِّفة عنه ضروريٌّ.

فالبحث بالنِّسبة إلى صفاته - حسُنتْ أسماؤُه! - سالبةٌ بانتفاء الموضوع.

النُّكتة الرَّابعة: ما حُكِي عن صاحب الفصول قدس سره
اشارة

حُكِي عن الفصول: «أنَّ نِسبة الصِّفات - كالعلم والقُدرة - إلى اللَّه - تعالى! - مجازٌ، لأنَّه لايُعلَم من صفات الحقِّ - جلَّتْ صفاتُه! - حقيقتُها وكُنهها، كما علِمنا أنَّها عينه - تبارك وتعالى! -؛

وإلَّا يلزم الإحتياج والإمكان»(1).

مناقشةُ قوله

أقول: إنَّ الصِّفات المنسوبة إليه تُحمَل عليه - علتْ كلِمَته! - بما لها من المعاني اللُّغوية؛ وإلَّا:

إمَّا يلزم أن يُراد من الصِّفات طائفةٌ من ألفاظٍ لامعنىٰ لها، فهي تُشبِه الألغازَ؛

وإمَّا يلزم أن يُراد منها ضدُّ ما يُعلَم عنها بحسب دلالة اللُّغة - تعالىٰ عمَّا يُقال فيه! -.

فلابدَّ من إرادة المعنىٰ اللُّغويِّ منها. فهو - تعالى! - عالِمٌ كما أنَّ زيدًا عالِمٌ، والمرادُ

ص: 63


1- . راجع: الفصول الغَرويَّة، ص 62 السَّطر 28.

منه انكشافُ المعلوم عنده.

نعم!، درك حقيقة ذلك الاِنكشاف كدرك أصل ذاته - تعالى! - غير ممكنٍ؛ كما أنَّ درك الحقائق بكُنهِها غير ممكنٍ لنا، إلَّاأن يصل أحدٌ إلى مقام الشُّهود.

النُّكتة الخامسة:
اشارة

لاإشكال في أنَّ صدق المشتقِّ على المُتلبَّس بالمبدء مجازًا وعلى ما تلبَّس به على سبيل الحقيقة - كالميزاب الجاري، والماء الجاري - ليس إلَّاعلى طريقٍ فاردٍ، فلافرق بينهما من حيث الحَمْل ونسبةِ المبدء إلى الذَّات.

فلانحتاج إلى القول ب «أنَّ المجاز هيهنا من باب الحقيقة الإدِّعائيَّة؛ أو من باب جعْل المعنى مجازًا لإيصاله إلى المجازِ؛ أو من باب القرينة مجازًا في الكلمة، أو في الإسناد باعتبار الحالِّ والمحلِّ».

فكما يُبحَث عن التَّلبُّس فيما مضىٰ في الماء الجاري، فكذلك يُبحَث عنه في الميزاب الجاري - أيضًا -.

فلامناص من القول بحقيقيَّة الحمْل في الميزاب الجاري بعد انقطاع الماء و عدم التَّلبُّس حاليًّا أيضًا، على القول به في الماء الجاري.

قولانِ لصاحِبَي الفصول والكفاية قدس سرهما

فما نُسِب إلى الفصول من: «إعتبار الإسناد الحقيقيِّ في البحث»(1)، لاوجه له.

وما قال به المحقِّق الخُراسانيُّ قدس سره من: «أنَّه خَلطٌ بين المجازين في الإسناد وفي

ص: 64


1- . انظر: كفاية الأُصول، ص 58.

الكلمة»(1)؛

مناقشةُ قولَيْهما

ليس له وجهٌ - أيضًا -؛ ضرورةَ صدق المشتقِّ على الميزاب الجاري بحسب العرف، سواءٌ قلنا أنَّ الإطلاق من باب المجاز الإدِّعائيِّ، أو المجاز في الإسناد، أو الكلمةِ، أو غيرها؛ ممَّا ذكروه في باب المجاز.

ص: 65


1- . راجع: نفس المصدر ص 55.

ص: 66

المقصد الأوَّل: في الأوامر

اشارة

وفيه فصولٌ

ص: 67

ص: 68

الفصل الأوَّل: في ما يتعلَّق بمادَّة الأمر

اشارة

وتفصيل الكلام فيه يأتي ضمنَ مباحثَ.

المبحث الأوَّل: في معاني مادَّة الأمر

قد ذُكِر للفظ «الأمر» معانٍ مختلفةٍ أنحاها بعضُهم إلى عشرٍ(1)؛ ولكنَّ الظَّاهر من تتبُّع اللُّغة أنَّه ليس له إلَّامعنيَين:

1: «الشَّيء». وهذا المعنىٰ كثير الاِستعمال في عُرف أهل اللُّغة، وفي التَّنزيل العزيز أيضًا؛ قال اللَّه - تعالى! -: «إِلَيْهِ يُرْجَعُ اَلْأَمْرُ كُلُّهُ»(2). ويُجمَع «الأمر» في هذا المعنىٰ علىٰ «الأمور». ويكون في هذا المعنىٰ في عِداد الجواهر.

ص: 69


1- . راجع: مفاتيح الأُصول، ص 108 السَّطر 2؛ هداية المُسترشدين، ج 1 ص 596.
2- . كريمة 123 هود.

2: «الطَّلب». وهذا أيضًا كثير الاِستعمال في عُرف اللُّغويِّين(1)، وفي الكتاب المبارك أيضًا؛ قال - جلَّ وعلا! -: «فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ»(2). ويُجمَع في هذا المعنىٰ علىٰ «الأوامر».

ويكون في هذا المعنىٰ في عِداد المشتقِّ الأصوليِّ - وهو الأمر الحدثيُّ -.

فاللَّفظان - بما لهما من المَعنَيَين - من باب الاِشتراك اللَّفظيِّ، ولاقدر جامعٍ لهما؛ فبينهما التَّباينُ.

المبحث الثَّاني: الاستعمالات الثَّلاثة لمعنى الطَّلب
اشارة

إنَّ «الطَّلب» - الَّذي ذكرنا أنَّه هو المعنى الثَّاني من معاني الأمر - يأتي على ثلاثة أوجهٍ، بعد اشتراك الثَّلاثة في معنى «الطلب»؛ فهي مراتب مشكَّكة لمعنًى واحدٍ:

الف: الأمر، وهو ما يُقال له بالفارسيَّة: فرمان؛

ب: الاِلتماس، وهو ما يُقال له بالفارسيَّة: خواهش؛

ج: الدُّعاء، وهو ما يُقال له بالفارسيَّة: سؤال.

والأوَّل للمولىٰ بالنِّسبة إلى عبده؛

والثَّاني للَّذين حازوا رتبةً واحدةً من النَّاس، بعضُهم من بعضٍ؛

ص: 70


1- . «العربُ تقول: أمرتُك أن تفعل.. وأمرتُه بكذا أمرًا، والجمع الأوامر»؛ راجع: لسان العرب، ج 4 ص 27.
2- . كريمة 63 النُّور.

والثَّالث للعبيد والدَّانيِّين بالنِّسبة إلى العالي.

اعتبار العلوِّ و الاِستعلاء في الأمر

وهل العُلوُّ والاِستعلاء قيدٌ للأوَّل من الأوجه الثَّلاثة وشرطٌ في صحَّة اِستعماله؟، أم لا؟؛

الأقوىٰ إنَّه ليس بقيدٍ ولاشرطٍ؛ لصدق الأمر بالمعنى الأوَّل من الدَّاني إلى العالي، غاية الأمر وقوعه في غير محلِّه، وتلبُّس الدَّاني بما ليس أهلًا له.

مناقشة قول العَلَمَين الخراسانيِّ والخمينيِّ قدس سرهما

وما قال به المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره من: «تبادر اللَّفظ»(1)؛

يرد عليه: أنَّ التَّبادرَ دليلُ الحقيقة، لا دليل اختصاص المعنىٰ بحالٍ خاصٍّ فقط.

وما قال به السَّيِّد الأستاذ الخمينيُّ قدس سره من: «أنَّ صحَّة سلب المعنى الأوَّل حين استعمال الدَّاني إيَّاها، دليلُ الحقيقة»(2)؛

يرد عليه: أنَّه فرقٌ بين صحَّة إرادة المعنى من اللَّفظ، و بين مذمَّة الدَّاني على أمرِه العالي؛ والأوَّلان دليل المجاز، والثَّاني دليل الحقيقة.

المبحث الثَّالث: الخلاف في ظهور الأمر في الوجوب
اشارة

ص: 71


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 63.
2- . راجع: تهذيب الأصول، ج 1 ص 101.

هل للفظ «الأمر» ظهورٌ في الوجوب؟، أم لا؟.

بيان المُختار وما يدلُّ عليه

الأقوىٰ: نعم!؛ وذلك:

للارتكاز أوَّلًا؛

وفهم العُرف منه ذلك ثانيًا. فهي كصِيَغ اِفعَل و ما بمعناه بلاتفاوتٍ.

والدَّليل على دلالته على الوجوب أيضًا، هو اِرتكاز أهل اللَّغة و فهم العرف منه ذلك؛ وسيأتي توضيحُه.

مناقشة رأي المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره

و أمَّا ما استدلَّ به المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره لذلك(1) - من الآيات المباركات والرِّوايات الواردِ فيها لفظ الأمر -، فليس إلَّامن اِشتباه المفهوم بالمِصداق؛ ولادليل على صدق مفهوم الأمر على الوجوب، بل يدلُّ على صدق المِصداق على الوجوب.

توضيح ذلك: إنَّ قوله - تعالى! -: «فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ»(2)، يدلُّ على أنَّ امتثال الأوامر الإلهيَّة الواردة في الكتاب المُنير - كقوله سبحانه!: «أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ»(3) - واجبٌ، و عِصيانَها يوجب العقابَ؛ و كذلك غيرها من الآيات والرِّوايات. أمَّا لفظة الأمر هل تدلُّ على الوجوب؟، أم لا؟؛ لا دلالة في المأثورِ - كتابًا و سنَّةً - على ذلك.

ص: 72


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 63.
2- . كريمة 63 النُّور.
3- . كريمة 78 الإسراء.
المبحث الرَّابع: في الطَّلب و الإرادة
اشارة

الطَّلبُ المنشَأ بالأوامر يُعدُّ من صفات الفعل، وهو من المنشَآت الصَّادرة من الآمرِ بصيغة اِفعَل وما بمعناه.

وإنَّ ذلك الطَّلب يُنشَأ من الإرادة الَّتي تُعدُّ من صفات النَّفس؛ فهما متباينان ولاربط بينهما إلَّابالصِّلة الحاصلة بين العلَّة ومعلولها؛ وهذا من الوجدانيَّات غير المحتاج إلى برهانٍ؛

مع اِنخراطه في سلك ما قياساته معه!.

رأي الشَّيخ الأشعريِّ ومناقشتُه

فما قال به أبوالحسن الأشعريُّ من: «أنَّ الطَّلب من صفات النَّفس، وللنَّفس مضافًا إلى الإرادة شيءٌ آخر هو الطَّلبُ»(1)؛

يُبطِله الوجدانُ!.

رأي المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره ومناقشتُه

كما أنَّ ما قال به في الكفاية من: «أنَّهما مترادفان، إلَّاأنَّ الإرادة عند الإطلاق

ص: 73


1- . راجع: نقد المُحصِّل، ص 170؛ شرح المواقف، ج 8 ص 93؛ شرح القوشجي علىٰ التَّجريد، ص 246. ولتوضيح كلامه راجع: حواشي المشكيني علىٰ كفاية الأُصول، ج 1 ص 332؛ مقالات الأُصول، ج 1 ص 211.

ينصرِفُ إلى الإرادة؛ بينما أنَّ الطَّلب عند الإطلاق ينصرف إلى المنشأ»(1)؛

ليس بتمامٍ؛ ضرورةَ أنَّ للإنشاء لفظٌ خاصٌّ وهو الطَّلب؛ وكذلك للإرادة معنىً خاصٌّ و هو القائم بالنَّفس الَّذي به يُوجَد الطَّلب؛ فلاصِلَة لأحدهما بالآخر من حيث اللُّغة.

كما أنَّ مقالتَي الأشعريِّ والمعتزليِّ ليستا بحثين لُغويَّين حتَّى يمكن التَّصالح بينهما بالتَّرادف؛

فتصالُحُ المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره بينهما بمقالته تلك(2)، ليس بسديدٍ!.

ولقد أجاد فيما أفاد من: «أنَّ الحقَّ مع المعتزليِّ القائل بعدم حضور شيءٍ في النَّفس إلَّاالإرادة. فما قال به الأشعريُّ من حضور شيءٍ آخر معها ألَا و هو الطَّلب؛ يبطلُه الوجدان»(3).

نعم! إنَّ الإرادة - باعتبار المراد منها - تنقسم إلى قسمين:

1. الإرادة التَّشريعيَّة؛

2. والإرادة التَّكوينيَّة؛

كما أنَّ الطَّلب باعتبار المطلوب ينقسم إلى:

1. الطَّلب التَّشريعيِّ؛

2. والطَّلب التَّكوينيِّ؛ وهذا أمرٌ صحيحٌ لا شكَّ فيه؛ لكنَّه خارجٌ عن مقالتَيهما؛ كما أنَّه خارجٌ عن المباحث الرَّاجعة إلى اللُّغة وأحكامها الخاصَّة، ولاصلةَ بين

ص: 74


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 65.
2- . راجع: نفس المصدر، ص 66.
3- . راجع: نفس المصدر أيضًا، ص 64.

المسائل أصلًا.

استطرادُ بحثٍ تبعًا للقوم

إنَّ المحقِّق الخراساني قدس سره، مرَّتان - هنا و في أوَّل المجلَّد الثَّاني - تعرَّض لمسألة الجبر والتَّفويض، ومسألة القضاء والإرادة(1). ومن الغريب أنَّه خلط بينهما بما لامزيد عليه؛ فصار حصيلة بحثِه ما لايليق بعُلوِّ كَعبِه في هذا العلم!، فترك المبحث متحسِّرًا عليه قائلًا: «قلم اينجا رسيد و سر بشكست!»(2)؛ وليتَه لم يدخل فيه أصلًا!.

ثمَّ تابَعَه في ذلك جمعٌ من الأعلام(3)؛ ونحن - أيضًا - نتعرَّض للمبحث على سبيل الإجمال التَّامِّ؛ سائلين من المولىٰ العليم أن يُوفِّقنا للخروج عن هذا البحر اللُّجِّي الَّذي وصفه أميرُالمؤمنين عليه السلام ب: «الطَّريق المُظلَم!»(4).

وقبل الورود فيه نشير إلى أنَّ مسألة الجبر والتَّفويض مسألةٌ عقلانيَّةٌ لاتُختَلط بمسألة القضاء والقدر، المعدودة في الحِكْميات الدَّقيقة؛ بل فيما لاينحلُّ لأحدٍ تفصيلًا إلَّا للواصلين إلى ذُرىٰ مراتب الشُّهود؛ وذلك ممنوعٌ على غير المعصومين عليهم السلام من الأُمَّة المرحومة تفصيلًا، وعلى الكُمَّل من الأنبياء عليهم السلام إجمالًا.

ص: 75


1- . راجع: نفس المصدر، ص 64 و 260.
2- . راجع: نفس المصدر أيضًا، ص 68.
3- . وانظر - على سبيل المثال -: آراءٌ حول مباحث الألفاظ، ج 1 ص 319؛ آراؤُنافي أصول الفقه، ج 1 ص 57؛ الإفاضات الغَرَويَّة، ص 33؛ تحريراتٌ في الأُصول، ج 2 ص 21.
4- . راجع: التَّوحيد - للصَّدوق -، ص 365 الحديث 3؛ نهج البلاغة - طبعة الصُّبحي صالح -، الكلمة 287؛ متشابه القرآن ومختلفه، ج 1 ص 200.

والتفصيلُ: إنَّ في المسألة الأولىٰ لونُسِبت أفعالُنا - بل وأفكارُنا أيضًا - إلى اللَّه - تعالى! - بحيث يُعدُّ الإنسان مسلوبَ الاِختيار فيها، لم يقبلْه العُرف الدَّارجُ بين العقلاء؛ ولذلك يرىٰ استحقاق العقاب والثَّواب للمُسيء والُمحسن على الإساءة والإحسان؛

ويدلُّ عليه - أيضًا - ما يدركُه العقلُ، والوجدانُ، والفطرةُ.

فليس لأحدٍ في هذه المسألة أن يخلع ما قام به بنفسه عن نفسه، و يُنسِبه إليه - جلَّ وعلا! -، وذلك بشهادة هذه الشُّهود الأربعة!.

وأمَّا في الثَّاني من المسألتين، فيرى العقلُ ثبوتَ المصلحة التَّامَّة الملزِمة في شراشر عوالِم الوجود بأسرها، فهو - سبحانه وتعالى! - من الأزل إلى أبد الآباد قدَّر الأمور طبقًا لها، ثمَّ قضاها، فحكم بها، فأوجَدَها على ذلك النِّظام التَّامِّ؛ بل الأتمِّ الَّذي لايُعقَل أن يُزادَ فيه شيءٌ أو يُنقَصَ عنه آخر!.

إذا تقرَّر هذا فنقول:

انتساب ما يصدر من الإنسان إليه

لاإشكال في أنَّ ما يصدر من الإنسان - من أفعاله وأفكاره - يُنسَب إليه عند العُقلاء، من غير أن يروا غيرَه مؤثِّرًا فيه. نعم! يجعلون المقتضَيات - أو فقُلْ أغلبها - خارجةً عن إرادته واِختياره؛ فالتَّصوُّرُ والتَّصديقُ له أو عليه، والشَّوقُ والإرادةُ من نِعَم اللَّه، كما أنَّ العقلَ والشُّعورَ منها، وكذلك العلمُ و القدرةُ على التَّكلُّم و الإتيان بالمراد والزَّمانُ والمكانُ والحيِّزُ واستطاعةُ التَّغذية والُّنموِّ؛ حتَّى رُوِي: «السَّعيدُ سعيدٌ في بطنِ أُمِّه والشَّقيُّ شقيٌّ في بطنِ أُمِّه»(1)؛

ص: 76


1- . راجع: تفسير نورالثِّقلين، ج 2 ص 18؛ شرح أُصول الكافي - لصدرالمتألِّهين - ج 4 ص 424.
المراد من حديث نفي الجبر والتَّفويض بحسب مقامَي الظُّهور والبطون

فمِن هذه الجهة لاريب في كون الإنسان مجبورًا، بمعنىٰ أنَّه لولا ذلك كلِّه لمايمكن له القيامُ بما يقصده؛ فقوله عليه السلام: «لاجبرَ ولاتفويضَ بل أمرٌ بين أمرَيْن»(1) يُعنىٰ به:

اختيارُ الإنسان - بشهادة الوجدان - في ما يصدر منه، مع ثبوت نحو تأثيرٍ للمحيط والمقتضيات في ذلك؛

وهذا سرُّ تأثير المقتضيات المحيطة بالإنسان في المثوبة والعقوبة، عقلًا وشرعًا.

فالإنسان بها لايصير مجبورًا مسلوبَ الاختيار، بل لايصير مُكرَهًا؛ فله الإرادة الثَّابتة له طوال حياته.

نعم! للحديث ظواهرُ أُخر، كما أنَّ له بطونًا مطويًّا بعضها في الآخر؛ ولكن الظَّاهر العُقلائيِّ منه، ما اخترناه هيهنا.

ويشهد له ما أُمِرنا به من قِبَل الأئمَّة عليهم السلام من القول ب: «بحَولِ اللَّهِ وقُوَّتِه أَقُومُ وأَقعُدُ» عند القيام في الصَّلوة(2).

وإن أبيتَ عن ذلك قائلًا بكون إرادة اللَّه علَّةً لإرادة العبد - خوفًا من الشِّركين الخفيِّ والجلي -، مستدِلًّا بجملةٍ من آي الكتاب العزيز - كقوله سبحانه وتعالى!:

«وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ» (3) ، وقولِه: «وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ

ص: 77


1- . راجع: التَّوحيد، ص 206؛ عيون أخبار الرِّضا، ج 1 ص 124 الحديث 17؛ نُزهة النَّاظر، ص 131 الحديث 22.
2- . راجع: الفقه - المنسوب إلى الإمام الرِّضا عليه السلام -، ص 108؛ الكافي، ج 3 ص 338 الحديث 10؛ الفقيه، ج 1 ص 315 الحديث 932.
3- . كريمة 20 الإنسان، 29 التَّكوير.

رَمىٰ» (1)

فاستمع لما نتلوه عليك: إنَّ ثبوتَ إرادة العبد في سلسلة العلل من ناحيةٍ، وثبوتَ تأثير إرادته - تعالى! - في إرادة العبد - بأن يريدَ فيفعل - من ناحيةٍ أُخرىٰ لوأدّىٰ إلى الجبر، ليُؤدِّي إلى الخُلف!؛ ضرورةَ جعل إرادة العبد واختياره في سلسلة العلل.

وإن شئت فاجْعَل هذا أيضًا في عِداد معاني الحديث الشَّريف، المُشار إليه آنفًا.

مناقشة مختار المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره

فما قال به المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره - وغيرُه - من: «أنَّه لمَّا كانت إرادته - عزَّ وجلَّ! - علَّةَ العلل، فلامحالة يكون العبادُ مجبورينَ في أفعالهم»(2)؛

ضعيفٌ جدًّا!؛ ضرورةَ أنَّ الإرادة الأزليَّة والعلم الفعليَّ يتعلَّقان بالعمل الَّذي ينشأ من إرادة العبد واختياره؛ فكيف يُحكَم بالجبر وسلب اختياره فيه؟!.

والبحث طويل الذَّيل غير مرتبطٍ بالمقام؛ فاختصار القول فيه أولىٰ من التَّفصيل.

حول مسألة القضاء والقدَر

وأمَّا مسألة القضاء والقدر - وهي إيجاده تعالى! جميعَ شراشرِ الوجود على النِّظام الأتمِّ الَّذي لاأكمل منه -، فهي:

من ناحيةٍ من البديهيَّات الواضحات؛

ص: 78


1- . كريمة 17 الأنفال.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 66.

ومن ناحيةٍ أُخرىٰ ممَّا لايعمله إلَّااللَّه - سبحانه! -.

توضيحُ النَّاحية الأولىٰ:

أمَّا كونها من البديهيَّات، فإنَّ اللَّه - تعالى! - تجلّىٰ في الأزل بأسمائه الحُسنىٰ وصفاته العُليا، لابذاته، فأوجد ماسواه، التَّجلِّي هذا يُقال له: الفيض المُقدَّس، بل الأقدس. وذلك الفيض ليس بحادثٍ - لعدم تصوُّر الاِنفكاك بينه و بين فيضه -، فهو قديمٌ. وعليه فيجب تأويل الوارد في الحديث: «كانَ اللَّهُ ولم يكُن معه شيءٌ»؛ كما قد أُجيب عنه ب: «أنَّه الآنَ كذلك!»؛ ضرورةَ أنَّ الفيض «من اللَّه»، لا «مع اللَّه».

وحيث إنَّ الفيض دائمٌ إلى الأبد، فيُشبِه الوجود التَّدريجيَّ الحصول. ومن المعلوم البيِّن عدمُ طروِّ النَّقص والعيب للفيض ذلك؛ وللَّه درُّ أفضل المتأخِّرين الإلهيِّين حيث أنشد:

ما لَيسَ مَوزوناً لِبَعضٍ مِن نِغَم *** فَفِي نِظامِ الكَونِ كُلٌّ مُنتَظَم(1)

ولامعنىٰ لانتساب النُّقصان إلى الفيض، إلَّاانتسابه إلى ذات الباري - جلَّ وعزَّ! -؛ لأنَّ عدَّ الفيض ناقصًا يرجع إلى أحد أمرين على سبيل منع الخُلوِّ:

إمَّا عجزه عن جعل العالَم على أحسن الصُّوَر؛

وإمَّا بُخله عنه بعد ثبوت قدرته عليه؛

وهذا - أيضًا - يؤدِّي إلى ثبوت العجز له أوَّلًا، وإلى اثبات الإمكان - المصطلَح عليه في الحكمة - له ثانيًا - تعالى اللَّهُ عمَّا يقولُ الظَّالمونَ علُوًّا كبيرًا! -.

ص: 79


1- . راجع: شرح منظومة الحكيم السَّبزواري، ص 123.
توضيحُ النَّاحية الثَّانية:

وأمَّا كونها من الغوامض، بل ممَّا لايُمكن حلُّه لأحدٍ، فخيرُ شاهدٍ عليه جهودُ الأعلام في ساحاتها و تِجوالهم في مجاليها!، ثمَّ إيابُهم عنها خائبًا خاسرًا!؛

فالوصول إلى حقيقة القضاء والقدر و كيفيَّة تلك الحقيقة والعلم بها تفصيلًا ليس مقدورًا لأحدٍ من أبناء سيِّدنا آدم عليه السلام؛ وإن شئتَ قلتَ: إنَّ ذلك من التَّعبُّديَّات التَّكوينيَّة؛ فكما أنَّه لاعلم لنا بالنِّسبة إلى التَّعبُّديَّات التَّشريعيَّة، فهي - أيضًا - كذلك خارجةٌ عنه، بل هي أهمٌّ من تلك.

المراد من المسألة إجمالًا

نعم! بدليل اللِّمِّ نعلمه على سبيل الإجمال؛ بتقريب: إنَّ اللَّه - عزَّ وجلَّ! - عالمٌ بما سواه قادرٌ عليه جوادٌ حكيمٌ بالنِّسبة إليه؛ فما سواه وُجِد تبعًا لعِلمِه المطلق وقدرتِه المطلقة وحكمته التَّامَّة، فالجميع تابعٌ للمصلحة التَّامَّة المُلزِمة؛ فلايُعقَل أن يكون غيرَ ما هو الآن؛ هذا هو مقتضىٰ الفيض المقدَّس والتَّجلِّي الظَّاهر به؛ وهو المراد من وحدة الوجود والموجود في الحكمة المتعالية؛

فلامحالة يحكم العقلُ بالضَّرورة بوجوب التَّسليم قِبَله والرِّضا به، ولولم يحطْ عليه إحاطةً تامَّةً. ومقامُ التَّسليم في التَّعبُّديَّات - تشريعيَّةً كانت أو تكوينيَّةً - من أهمِّ المقامات وأعلاها - والتَّفصيل موكولٌ إلى محلِّه من علم الأخلاق(1) -؛ إذ ما للتُّراب وربِّ الأرباب! وأين القطرةُ من البحر! وأيُّ سبيلٍ للعقل إلى درك ما ليس له أن يحومَ حومه!.

ومن لايُسلِّمُ لذلك فهو من السُّفهاء!، قال - تعالى! -: «وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ

ص: 80


1- . انظر: دراساتٌ في الأخلاق وشؤون الحكمة العَلميَّة، ج 3 ص 235.

إِبْرٰاهِيمَ إِلاّٰ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَ لَقَدِ اِصْطَفَيْنٰاهُ فِي اَلدُّنْيٰا وَ إِنَّهُ فِي اَلْآخِرَةِ لَمِنَ اَلصّٰالِحِينَ * إِذْ قٰالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قٰالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ» (1) .

قول اللَّعين إبليس في ذلك

وإلى ذلك - أيضًا - أُشير في روايةٍ حاكيةٍ عمَّا أشكلَ اللَّعينُ إبليسُ عليه - عَظُمتْ قدرتُه! - بستَّة إشكالاتٍ؛ منها قوله: «يا ربِّ! أنت تعلم أنِّي أكون من الخاسرين، فلِمَخلقتَني؟، وتعلم أنِّي أُخالِف أمرَك بالسُّجود، فلِمَأمرتَني؟، وتعلم أنِّي خالفتُه فلِمَأمهَلتَني وسلَّطتَني على عبادك؟،

فأجابَ اللَّهُ - تعالى! - عنه: هل تُقِرُّ بأنِّي حكيمٌ؟، قال: نعم!، قال - تعالى! -:

فإذًا لايُسئَل عمَّا أفعَل وأَسأَل عما تَفعَل»(2).

ما صنَعَه الحكيمان الرَّازيُّ والطَّباطبائيُّ قدس سرهما هيهنا

قال بعضُ الأشاعرة: «لوظاهَرَ الجنُّ والإنسُ على إتيان جواب إبليس، لايقدرون على ذلك!».

ثمَّ إنَّ سيِّدنا الأستاذ العلَّامة الطَّباطبائيَّ قدس سره أراد الاِجابة عنه في مجلس الدَّرس؛ ولكن بدون جدوىٰ!.

والجوابُ - كلُّ الجواب، كما أشرنا إليه -: إنَّ مبحث القضاء والقدر من التَّعبُّديَّات، ولاتنحلُّ عويصاته إلَّاإجمالًا؛ قال - تعالى! -: «إِذْ قٰالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قٰالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ».

ص: 81


1- . كريمتان 131/130 البقرة.
2- . راجع: المِلَل والنِّحَل، ج 1 ص 24.
تتمَّةٌ

اختلفت الأقوالُ في أنَّ الإنسان سعيدٌ بالفطرة والذَّات؟، أو شقيٌّ بهما؟؛ على ثلاثة مذاهبٍ:

الأقوال في كون الإنسان سعيدًا أو شقيًّا

الأوَّل: ما اختاره بعضُ الفلاسفة، وسيَّما الغربيِّين منهم بعد اِخماد نائره الحرب العالَميَّة الأُولىٰ، وكذلك بعد الثَّانية منهما؛ فقالوا: «إنَّه شقيٌّ بالفطرة»؛

الثَّاني: وهو مختار آخرين منهم، حيث قالوا: «إنَّه سعيدٌ بالفطرة»؛ واستدلُّوا بقوله - عزَّ وجلَّ! -: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللّٰهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّٰاسَ عَلَيْهٰا لاٰ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللّٰهِ»(1)؛ وبقوله صلى الله عليه و آله: «كلُّ مولودٍ يُولَد علَى الفِطرةِ حتَّى يكونَ أبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه»(2)؛

الثَّالث: ما اختاره جالينوس وتابعه فيه المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره في الكفاية(3)، من:

«إنَّ منهم من هو سعيدٌ في الفطرة، ومنهم من هو شقيٌّ فيها».

بيان الحقِّ المختار في المسألة

والحقُّ الحقيقُ - الَّذي يُنادي به القرآن الكريم بأعلىٰ صوتِهِ -: إنَّ الإنسان مركَّبٌ من روحٍ وجسدٍ، ولايُعلم كيفيَّة تركيبه منهما وامتزاجهما فيه؛ فهو من جهة

ص: 82


1- . كريمة 30 الرُّوم.
2- . راجع - في صورٍ قريبةٍ -: شرح الأخبار، ج 1 ص 190؛ أمالي المرتضىٰ، ج 2 ص 82؛ شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد -، ج 6 ص 140.
3- . راجع: كفاية الأُصول، ص 68.

الرُّوح سعيدٌ في غايته، ومن جهة الجسد شقيٌّ كذلك؛ قال - تعالى! -: «فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ * فَسَجَدَ اَلْمَلاٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّٰ إِبْلِيسَ»(1)، وقال - علا مكانتُه! -: «إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْقِلُونَ»(2)؛ الأوَّل للسَّائرين نحو التَّعالي، والثَّاني للدَّانين نحو التَّداني، وذلك بتسليط أحدهما على الآخر - والتَّفصيل فيه يُطلَب من مسفوراتنا في علم الأخلاق(3) -.

ص: 83


1- . كريمات 29، 30، 31 الحِجر.
2- . كريمة 22 الأنفال.
3- . انظر - علىٰ سبيل المثال -: دراساتٌ في الأخلاق وشؤون الحكمة العَمليَّة، ج 1 الفصل الثَّاني ص 43 فما بعدها.

ص: 84

الفصل الثَّاني: فيما يتعلَّق بصيغة الأمر

اشارة

وفيه - أيضًا - مباحثُ.

المبحث الأوَّل: في معاني صيغة الأمر
اشارة

قد ذُكِر ل «صيغة» الأمر - وما بمعناها - معانٍ؛ منها: الطَّلبُ، والتَّرجِّي، والَّتمنِّي، والتَّهديد، والإنذار، والاِهانة، والاِحتقار، والتَّعجيز والتَّسخيرُ -... إلى غير ذلك(1) -.

المختار في معنىٰ صيغة الأمر

ص: 85


1- . راجع: مفاتيح الأُصول، ص 110 السَّطر 18 فما بعده.

والتَّحقيق: إنَّه ليس لها معنىً إلَّاالطَّلب، وغيره من المعاني مجازٌ - وهو استعمال اللَّفظ وإرادة غير معناه، بالقرينة -، كما أفاده المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره في ذيل كلامه(1).

وأمَّا ما قال به في أوّله من: «أنَّه اُستُعِملت الصِّيغةُ في الطَّلب بداعي غيره، من التَّرجي والتَّهديد والتَّسخير ونحو ذلك، فكلٌّ حقيقةٌ»(2)؛

ليس بسديدٍ!؛ ضرورةَ أنَّ إرادة البعث والطَّلب حقيقةً حين إرادة التَّرجِّي ونحوه، غير ممكنٍ؛ والممكن في مقام الاِستعمال هو استخدام الصِّيغة وإرادة التَّرجِّي، وما ذلك إلَّامجازًا.

مناقشة رأي السَّيِّدِ الأستاذ هيهنا

وما قال به السَّيِّد الأستاذ الإمام الخمينيُّ من: «أنَّه أراد بالصِّيغة شيئين: أراد منها بالإرادة الاستعماليَّة الطلبَ، و بالجدِّيَّة التَّرجِّي»(3)؛

ليس بسديدٍ أيضًا!؛ ضرورةَ أنَّه كيف يمكن أن يُراد منها الطَّلب حقيقةً حالكون المتكلِّم المستعمِل غير جادٍّ في هذا المعنىٰ؟!.

ثمَّ قياس المقام بباب العمومات والإطلاقات ليس في محلِّه، لأنَّ في العمومات جدَّا ولكن ضربًا للقانون؛ وأمَّا في ما نحن فيه فلايمكن أن تُستَعمل الصِّيغةُ في الطَّلب جدًّا. وبالجملة: إنَّ صيغةَ اِفعَل - و ما بمعناه أيضًا - وُضِعَت للطَّلب، إلَّاأنَّها تُستَعمَل في غيره كثيرًا على سبيل المثال؛ وهذا واضحٌ.

ص: 86


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 70.
2- . راجع: نفس المصدر، ص 69.
3- . راجع: تهذيب الأصول، ج 1 ص 102؛ مناهج الوصول، ج 1 ص 246.
المبحث الثَّاني: في الطَّلب الإنشائيِّ
اشارة

معنى «الطَّلب الإنشائيِّ» هو التَّحريك نحوَ المطلوب، بالإنشاء، فهو في مقام الطَّلب التَّكوينيِّ إذا يُثير المأمورَ نحو المطلوبِ والقيام به؛ كإشارة المولى الأخرصِ لعبده بعْثًا له نحو المطلوب.

دلالة الأمر على الوجوب وما يدلُّ عليه

وبما ذكرنا يظهر: أنَّه يدلُّ على الوجوب.

وإن أبيتَ عن ذلك؛ فخيرُ دليلٍ عليه انعقاد سيرة العقلاء على ذلك، ضرورةَ أنَّ العبد لو لم يأتِ بما أشار إليه المولىٰ، ليراه العقلاءُ مستحِقًّا للعقاب.

ويؤيِّد ذلك: التَّبادر وانسباق الوجوب من لفظة اِفعَل عند سماعها إلى الذِّهن.

لايقال: «إنَّ التَّبادرَ وانسباق الوجوب من الصِّيغة لايدلُّ على الاِنحصار، بل الوجوب أحدُ معانيها»؛

لأنَّه يُقال: دلالةُ التَّبادر على الاِنحصار واضحةٌ، لشهادة العُرف بأنَّ المولىٰ لوأراد النَّدب فعَلَيه نصبُ القرينة عليه؛ أمَّا إطلاقه في مقام استخدام الصِّيغة، فلايُستفاد منها - حينئذٍ - في مقام التَّخاطب إلَّاالوجوب.

مناقشة رأي السَّيِّدِ الأستاذ في انتفاء الوضع في الأمر

والمقولُ به من قِبَل السَّيِّد الأستاذ من: «أنَّ ادِّعاء الوضع منتفيةٌ، لأنَّ البعثَ نحو

ص: 87

المطلوب من الإيجاديَّات، فتقييده بالوجوب غير جائزٍ»(1)؛

ليس بسديدٍ!؛ لأنَّ الكلام في مفهوم الطَّلب، لا في مصداقه؛ وتقييد المفهوم جائزٌ بشهادة كثرةِ وقوعِه في جميع الألسنة.

هذا؛ مع أنَّ القائلَ بالوجوب لايذهب إلى تقييد الصِّيغة بها؛ بل مذهبه: إنَّ صيغةَ اِفعَل وُضِعت للمرتبة الشَّديدة من الطلب - لأنَّ الطَّلب له معنَيان أشرنا إليهما، وهما من باب التَّشكيك -؛ فاستعمالها في المرتبة الضَّعيفة تحتاج إلى قرينةٍ؛ وحينئذٍ ليس استعمالُها في هذا المعنىٰ إلَّاعلى سبيل المجاز.

نعم! بناءً على مختار قدماء الأصحاب من: «أنَّ الوجوب هو الطَّلب مع المنع من التَّرك»؛

فالمفهومُ مركَّبٌ من شيئين. ولاضير في مختارهم أيضًا، لأنَّ المفهوم قابلٌ للتَّقييد بقيودٍ مختلفةٍ عديدةٍ.

مختار صاحب المعالم قدس سره في المقام

وأمَّا قول صاحب المعالم قدس سره من: «إنَّ استعمال الصِّيغة في النَّدب شائعةٌ في الشَّريعة شيوعًا بالغًا، فصارت من المجاز المشهور فيه»(2)؛

فلابأس به!، لأنَّ كلامه قدس سره إقرارٌ بوضعها للوجوب أوَّلًا، ثمَّ استعمالها في النَّدب مع القرينة كثيرًا؛

وهذا ممَّا لاريب فيه، فكلامه متينٌ رصينٌ.

نعم! لوأراد بقوله هذا: «عدمَ احتياج الصِّيغة عند استعمالها في النَّدب إلى قرينةٍ

ص: 88


1- . راجع: تهذيب الأصول، ج 1 ص 105؛ مناهج الوصول، ج 1 ص 250.
2- . راجع: معالم الدِّين، ص 56.

صارفةٍ عن معناها الحقيقيِّ»؛

فهو ادِّعاءٌ بلادليلٍ!؛ بل الفقهُ المستفاد من الاِستعمالات الشَّرعيَّة - من أوَّله إلى آخره - يشهد ببطلانه!.

مع أنَّه لوكان كذلك، فلابدَّ من أن يقولَ بهَجر المعنى الأوَّل، واستبدال الصِّيغة معنىً إلى ثاني معنَيْها؛

وهو غير سديدٍ، بشهادة الاستعمالات أيضًا؛ ولاأظُنُّ أن يلتزم به.

فتلخَّص من جميع ما ذكرنا: أنَّ الصِّيغة وُضِعت للوجوب؛ وتدلُّ عليه سيرةُ العقلاء فيما يجري بينهم.

مناقشة رأي بعض القائلين بكونه ظاهرًا في الوجوب

وأمَّا ما قيل من: «أنَّها ظاهرةٌ في الوجوب:

1. لغلبة استعمالها فيه؛

2. أو لغلبة الوجوب على النَّدب وجودًا؛

3. أو لكونه الكامل من بين فَردَيه»(1)؛

ففيه: إنَّ ذلك وأشباهَه لايوجب الظُّهورَ الحجَّةَ. ولايمكن الَّتمسُّك في المقام بقاعدةِ «الظَّنُّ يلحق الشَّيءَ بالأعمِّ الأغلب»؛ ذلك لأنَّها قاعدةٌ اِستحسانيَّةٌ ليست بحجَّةٍ متَّبَعةٍ في مقام التَّخاطب.

إلَّا أن يقال: «إنَّ ذلكَ الظُّهور كاشفٌ عرفًا عن وضعها للوجوب»؛

ص: 89


1- . وانظر: بدائع الأفكار - للمحقِّق الرَّشتي -، ص 270 السَّطر 14؛ الحاشية علىٰ الكفاية - للمحقِّق البروجرديِّ -، ج 1 ص 181؛ حواشي الكفاية - للمحقِّق المشكيني -، ج 1 ص 353؛ غاية المسؤول، ص 69.

وهو قولٌ قويٌّ.

مناقشة رأي بعضهم الآخر هيهنا

وأمَّا ما اشتهر بين المُتَأخِّرين من: «إنَّ مقدَّمات الحكمة وتماميَّتها تدلُّ على كونها موضوعةً للوجوب، بتقريب: أنَّ المولىٰ إذا استعملها من دون نصب قرينةٍ، فمرادُه منها الوجوب؛ وأمَّا عند إرادة الندب فعليه نصبُ قرينةً عليه»(1)؛

- كما قرَّره صاحب الكفاية قدس سره(2)، وتبعه فيه غيرُ واحدٍ من الأعلام(3)

ففيه: رجوعُ هذا كلِّه إلى ظهور الصِّيغة عرفًا في الوجوب، بحيث إنَّه لولم ينصب قرينةً صارفةً لدلَّ مقامُ الاستعمال عليه؛ فلافرق بين قولهم هذا و بين المختار المفسَّر في ما مضىٰ من هذه الرِّسالة.

المبحث الثَّالث: كيفيَّة استعمال الجُمَل الخبريَّة في الإنشاء
اشارة

إنَّ الجُملَ الخبريَّة المُستَعمَلة بعض الأحيان في مقام الإنشاء - كقوله عليه السلام:

ص: 90


1- . فانظر: إفاضة العوائد، ج 1 ص 108؛ بحوثٌ في علم الأُصول، ج 2 ص 53؛ تهذيبُ الأُصول، ج 1 ص 105؛ دروسٌ في علم الأُصول، ج 1 ص 15.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 70.
3- . انظر: آراءٌ حول مباحث الألفاظ، ج 1 ص 339؛ أصول الفقه - للشَّيخ العلَّامة الأراكي -، ج 1 ص 87؛ أنوار الأُصول، ج 1 ص 266؛ دروسٌ في علم الأُصول، ج 1 ص 22.

«يعيدُ»(1)، أو قوله عليه السلام: «لايقولُ فيه بعد موتِه إلَّاخيرًا»(2)، و نظايرها الكثيرة -، وكذلك نفسُها المُستَعمَلة في مقام الإنشاء في المعاملات بمعناها الأعمِّ - كقوله في البيع:

«بعتُ»، وفي الإجارة: «آجرتُ»، وفي النِّكاح: «أنكحتُ»، ونحو ذلك -،

لاإشكال في وقوع الإنشاء بها؛ بل هي في الإنشاء آكد.

دلالة الجُمَل الخبريَّة على الإنشاء، وكيفيَّتها

إنَّما الكلام في أنَّ استفادةَ الإنشاء منها حقيقةٌ؟، أو مجازٌ.

ذهب المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره في كونها حقيقيَّةً؛ بتقريب «أنَّها اُستُعمِلت في الإخبار - الَّذي هو معناها الحقيقيُّ - بداعي الإنشاء»(3)؛

مناقشة رأي المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره في المسألة

وفيه: إنَّه جمْعٌ بين الضِّدَّين، وبطلانه واضحٌ؛ ضرورةَ أنَّه كيف يمكن إرادة الإخبار حقيقةً مع عدم قصده الإنشاء؟!.

فلابدَّ من أن يُقال: إنَّ الاِستعمال مجازٌ - كقول القائل: «زيدٌ كثيرُ الرِّماد» -.

نعم! الأقوىٰ وضعها للإنشاء المؤكَّد أيضًا، والقرينةُ - حاليَّةً كانت أو مقاليَّةً - للتَّعيين، لا للانصراف.

ويدلُّ على ذلك: وقوع استعمالها في الإنشاء في موارد خاصَّةٍ فقط، لا مطلقًا؛ فعلى سبيل المثال لايُستَعمَل منها في النِّكاح إلَّاالماضي، فلايُستَعمَل المضارع؛ و في الأمر - على سبيل العكس - لابدَّ من استعمال المضارع - كقوله: «يعيدُ» -، لاالماضي.

ص: 91


1- . فانظر مثلا: الكافي، ج 4 ص 436 الحديث 1.
2- . فانظر مثلًا: الفقيه، ج 4 ص 398 الحديث 5850.
3- . راجع: كفاية الأُصول، ص 71.
المبحث الرَّابع: إطلاق الصِّيغة ونسبتُها إلى التَّعبديَّة والتَّوصُّليَّة
اشارة

الصَّيغة عند الإطلاق - أو فقُل إطلاق الصِّيغة - هل تقتضي التَّعبُّديَّة؟، أو التَّوصُّليَّة؟.

فيه خلافٌ جعَلَها من غوامض المسائل؛ فنتعرَّض لأصل المسألة أوَّلًا؛ ثمَّ نُبيِّن الُمختارَ في الُمختَلَفِ ثانيًا. وذلك لخوض الشَّيخ الأعظم قدس سره والمحقِّق الخراسانيِّ قدس سره فيه؛ وإن كانت المسألةُ بالإعراض عنها أجدر.

دلالة الصِّيغة عند الإطلاق على التَّوصُّليَّة

والأقوىٰ أنَّ الإطلاق يقتضي التَّوصُّليَّة، لأنَّ المرادَ منها هو الإتيان بالمأموربه من غير أن يكون قصد الاِمتثال قيدًا فيه. ففي الحقيقة تقسيم الأمر إلى التَّوصُّليِّ والتَّعبُّديِّ، تقسيمُ الأمر إلى المطلق والمقيَّد؛ فالشُكَّ في لزوم قصد الاِمتثال راجعٌ إلى الشَّكِّ في قيديَّة قيدٍ خاصٍّ؛

والأصل عدمها. فإطلاق الصِّيغة يدلُّ على كفاية الإتيان به بلاقيدٍ.

عدم مدخليَّةٍ لمقدَّمات الحكمة في هذه الأدلَّة

لاأقول: جريانُ مقدَّمات الحكمة يقتضي الإطلاق، بل أقول: إنَّ إطلاق الصِّيغة بلاقيدٍ آخر، يدلُّ على كفاية الإتيان به بدونَه، ولو لم تجر مقدَّماتُ الحكمة.

دلالة أصلَي البراءة والاشتغال هيهنا

ص: 92

هذا، أضفْ إليه أنَّ أصالة البراءة في المقام - أيضًا - تدلُّ على عدم تقيُّد المأموربه بقيد قصد الاِمتثال؛ لأنَّه من مصاديق الأقلِّ والأكثر الاِرتباطيَّين، والمختار فيه - تبعًا للأكثر - الاكتفاءُ بالأقلِّ.

لايقال: «قاعدةُ الاِشتغال تقتضي الاِلتزام به»؛

لأنَّه يُقال: إنَّ الاِشتغال يتعلَّق بالاطلاق فحسْب، أمَّا قصد الاِمتثال فلم يتعلَّق به أمرٌ حتَّى تجري القاعدة فيه؛ ويشهد لعدم تعلُّق الأمر به جريانُ الخلاف فيه.

هذا تلخيص الكلام في هذا المِسباق؛ ولعمري هذا أوضح من أن يخفىٰ لولم يُلَفَّ بالحُجُب العِلميَّة!.

رأي الشَّيخ الأعظم قدس سره في المسألة

ولكنَّ الشَّيخ الأعظم الأنصاري قدس سره، مالَ إلى جريان الاِشتغال في الُمختَلَف؛ بتقريب: «أنْ ليس للمولىٰ جعلَ قصد الاِمتثال في المأمور به، لكونه في عداد الاِنقسامات اللَّاحقة للحُكْم، فدَرجُه في المأموربه نفسِه يلزم الدَّور؛ لأنَّ المأموربه لواحتاج في ماهيَّته إلى قصد الاِمتثال، فقصد الاِمتثال - أيضًا - يحتاج إلى المأمور به؛

وهذا دورٌ ظاهرٌ!»(1).

مناقشة رأي الشَّيخ الأعظم قدس سره

وفيه: المنع من الدَّور؛ لأنَّ شرطيَّة قصدِ الاِمتثال أو قيديَّته يُستفاد من الأمر، فهو يَحتاج إليه؛ هذا ممَّا لاريب فيه؛

ص: 93


1- . راجع: مطارح الأَنظار، ج 1 ص 305.

وأمَّا المأموربه إذا كان مع قصد الاِمتثال فهو من فعل الآمر، و هو يحتاج إلى فعله و هما مختلفان؛

فدَرْج قصد الاِمتثال في المأموربه و جعْلُه شرطًا له، يكون من فعل الآمر؛

بينما أنَّ الإتيان بقصد الاِمتثال يكون من فعل المأمور؛

وأين هذا من ذاك؟!، وأين الدَّورُ المفروضُ في المقام؟!.

ومن الغريب أنَّ الشَّيخ قدس سره بعد إقراره بإمكان ذلك عرفًا وجَعْلِه كثير الوقوع، أورد الدَّور غير الوارد؛ هذا مع كون هذا الدَّور من الاِعتباريَّات كثيرِ الوقوع في المحاوَرات؛ فلاضيرَ فيه ولوثبتَتْ صحَّته.

ما أجاب به المحقِّق الخراسانيُّ عن أستاذه الكبير قدس سرهما

ثمَّ إنَّ تلميذه المحقِّق أجاب عنه بما قرَّرناه بتقريرٍ آخر يُشبِه اللُّغَزَ!؛ وهو:

«إنَّه لوأُخِذ قصد الاِمتثال شرطًا، فالمقدورُ للمكلَّف هو ذات المشروط من الأجزاء والشَّرائط، إلَّاأنَّها غير مأمورٍ به - لأنَّ المأموربه هو المقيَّد، لا ذات الأجزاء والشَّرائط مع قصد الاِمتثال -؛ فالإتيان بالمأموربه - حينئذٍ - محالٌ؛

وإن أُخِذ قصدُ الاِمتثال جزءً، فالمكلَّف وإن كان قادرًا على الإتيان بالمأمور به، إلَّا أنَّ إتيان قصد الاِمتثال مع قصد الاِمتثال محالٌ!؛

وبعد عدم إمكان درج قصد الاِمتثال - شرطًا وشطرًا -، فلابدَّ العبد من أن يأتي به، للبراءة اليقينيَّة»(1).

مناقشة ما أجاب به المدقِّق الخراسانيُّ قدس سره

ص: 94


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 75.

وفيه:

أوَّلًا: انتقاضُه بشرائط العبادات كلِّها - كلزوم الطَّهارة، والاِستقبال -، لأنَّ العبد لايقدر على اِتيان المقيَّد؛

فما هو الجواب عنه هو نفس الجواب هيهنا.

وثانيًا: إنَّ العبد إذا أتىٰ بالمأموربه بجميع أجزائه وشرائطه، فقد أتىٰ بالمقيَّد أيضًا، وإن لم يكن المقيَّد تحت اِختياره من دون واسطةٍ، فقد أتىٰ بالمقيَّد - أيضًا - ولوكان بواسطةٍ أو وسائطَ.

المبحث الخامس: إطلاق الصِّيغة ونسبتُها إلى: النَّفسيَّة والعينيَّة والتَّعيينيَّة؛
اشارة

اشتهر بين الأصوليِّين - بل لا خلاف بينهم فيه -: أنَّ إطلاق صيغة الأمر - و ما بمعناها - يقتضي:

النَّفسيَّة؛

والعينيَّة؛

والتَّعيينيَّة؛

وأنَّ ما يقابلها - من:

الغيريَّة؛

والكِفائيَّة؛

والتَّخييريَّة - يحتاج إلى القرينة.

ص: 95

هذا موضع وِفاقهم، ونُوافِقهم فيه.

إنَّما الكلام في سِرِّ هذا الاقتضاء، ما هو؟.

مذهب المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره هيهنا، ومناقشة المحقِّق الأصفهانيِّ قدس سره فيه

مذهبُ المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره: «إنَّ هذا هو مقتضى مقدَّمات الحكمة»(1).

فاستشكل عليه المحقِّق الأصفهانيُّ قدس سره ب: «أنَّ مقتضى الحكمة هو القدر الجامع بين الجميع، فتجري في الغيريِّ والكفائيِّ والتَّخييريِّ؛ وجريانها في السِّتَّة سِواسيَّةٌ»(2).

ثمَّ قال: «فلمَّا لم يكن غيريًّا، ولاكفائيًّا، ولاتخييريًّا، فلامحالة يكون نفسيًّا، وعينيًّا، وتعيينيًّا».

مناقشةُ ما ناقشَ به فيه

وفيه:

أوَّلًا: إنَّه قدس سره جعَلَ المقامَ من باب العدم والملكة، فإذا لم يكن غيريًّا يكون نفسيًّا لامحالة؛

وهذا ليس بصحيحٍ، بل هما من باب الأضداد، فكما تجري مقدَّمات الحكمة في الغيريَّة، تجري في النَّفسيَّة - أيضًا -، فيتعارض جريانَي المقدَّمات.

ثانيًا: إنَّ الحقَّ الحقيقَ بالاِتِّباع هو: جريانُ المقدَّمات في أصل الواجب، و مقتضاه هو القدر الجامع بينهما.

اشكال المحقِّق القوجانيِّ قدس سره عليه، والمناقشة فيه

ص: 96


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 76.
2- . راجع: نهاية الدِّراية، ج 1 ص 414.

واستشكل عليه - أيضًا - المحقِّق القوجاني قدس سره، ب: «أن مقضتى الحكمة هو القدر الجامع؛ فعليه ندَّعي الظهورَ في النَّفسيَّة والعينيَّة والتَّعيينيَّة، عند الإطلاق»(1).

وفيه: إنَّا نُسلِّم وجود هذا الظُّهور، وليس هذا هو محلُّ الكلام؛ إنَّما الكلام كلُّه في منشأه، فالتَّبادر يدلُّ على أنَّ الظُّهور هذا منشأه الوضع، ولاطريق إليه إلَّابه؛ بل اِنسباق المعنىٰ من اللَّفظ إلى الذِّهن يدلُّ على الوضع.

مختار السَّيِّد الإمام قدس سره هيهنا، ومناقشتُه

وقال السَّيِّد الأستاذ الإمام الخمينيُّ قدس سره: «إنَّ المنشأ هو بناء العقلاء، كدلالة الصِّيغة على أصل الوجوب»(2)؛

فقلتُ له - حينما كنَّا نتتلمذ عليه -: ذلك البناء لايُعدُّ من التَّعبُّديَّات - كالأصول الفقهيَّة والعَمَليَّة -؛ فحينئذٍ لابدَّ له من وجهٍ، ووجهُه ليس إلَّاالوضع.

فالوجوب وُضِع للنَّفسيَّة، والعينيَّة، والتَّعيينيَّة؛ ودليله التَّبادر، بل اِنسباق المعنىٰ من اللَّفظ.

وغير الثلاثة - من الغيريَّة، والكفائيَّة، والتَّخييريَّة -، يحتاج إلى القرينة؛ وهي علامة المجاز.

المبحث السَّادس: دلالة الأمرِ الواقعِ عقيبَ الحَظْر على الوجوب
اشارة

ص: 97


1- . راجع: حاشيته على كفاية الأُصول - المطبوعة بهامش المتن، الطبعة الحَجَريَّة لسنة 1341 ه. ق. -، ص 65.
2- . راجع: تهذيب الأصول، ج 1 ص 127؛ مناهج الوصول، ج 1 ص 282.

هل الأمرُ الواقعُ عقيب الحَظْر باقٍ على وجوبه؟.

الأقوال في المسألة

فيه أقوالٌ وآراء، والعمدة منها ثلاثةٌ:

1. إنَّه باقٍ عليه، واستدلَّ مختاروا هذا القول بقوله - تعالى! -: «فَإِذَا اِنْسَلَخَ اَلْأَشْهُرُ اَلْحُرُمُ فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ»(1).

2. إنَّه غير باق عليه، بل هو دالٌّ على الاِباحة، واستدلُّوا بقوله - تعالى! -:

«فَإِذٰا قُضِيَتِ اَلصَّلاٰةُ فَانْتَشِرُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ اِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اَللّٰهِ» (2) .

3. إنَّه على ما كان قبل النَّهي، فإنْ كان واجبًا، فواجبٌ؛ وإن كان مباحًا، فمباحٌ(3).

مختار صاحب الكفاية قدس سره، والنِّقاش فيه

وصاحب الكفاية قدس سره مال إلى الإجمال ثانيًا، بعد ذهابه إلى الوجوب أوَّلًا(4).

أقول: إنَّ القولَ بدلالته على الوجوب لاوجه له، لأنَّ وقوعَه عقيب الحَظْر لا صلة له بالوجوب، إلَّاأنْ يُقال: إن الوجوب فيه يُستفاد من اقتضاء الصِّيغة؛

كما أنَّ كونَه عقيبَ الحَظْر لا دلالة فيه على الإباحة أصلًا.

وما استُدِلَّ به من الآيات، فالظَّاهر بطلانُ الاِستدلال؛ لأنَّ الاستعمال أعمٌّ من الحقيقة.

ص: 98


1- . كريمة 5 التوبة.
2- . كريمة 10 الجُمُعة.
3- . وانظر عن الثَّلاثة: آراءٌ حول مباحث الألفاظ، ج 1 ص 374؛ أنوار الأُصول، ج 1 ص 299؛ عُمدة الأُصول، ج 2 ص 161؛ تعليقةٌ علىٰ معالم الأُصول، ج 3 ص 137.
4- . راجع: كفاية الأُصول، ص 77.

والآيتان وما يشبههما إن دلَّتا علىٰ شيءٍ فبالقرينة الخارجيَّة، فلايُستفاد منهما الحكمُ في وقوع الأمر عقيبَ الحَظْر مجرَّدًا عن القرينة.

والظَّاهر المختارُ أنَّ وقوعَه عقيبه لا يدلُّ على معنىً خاصٍّ.

فيمكن القولُ بأنَّ الأمر يتَّبِع حكمَ نفسه قبل وقوعه عقيبَ الحَظْر؛

وهذا وإن كان واضحًا لاسترةَ فيه، إلَّاأنَّه صرف ادِّعاءٍ لا دليل عليه.

كما أنَّه يمكن القولُ بأنَّ الأمرَ ظاهرٌ في الوجوب، وصرف وقوعِه عقيب الحَظْر لاينثَلِم هذا الظُّهور.

توضيح المختار في المسألة

إلَّا أن يقال: إنَّ وقوعَه عقيبه وإن لم يكن قرينةً على شيءٍ، إلَّاأنَّه يُوجِب الإجمال في المراد منه؛ فيحتاج إلى قرينةٍ أُخرىٰ تُعيِّن المرادَ منه.

و هذا هو مذهب صاحب الكفاية قدس سره؛ وهو المختارُ عندنا.

تتمَّةٌ

اشتراك النَّهي مع الأمر هيهنا

إنَّ حكم النَّهي الواقعِ عقيب الأمر - كما إذا نهىٰ عن شيءٍ أوَّلًا، ثمَّ أمرَ بنفس الشَّيء ثانيًا، ثمَّ نهىٰ عنه ثالثًا -، حُكمُ الأمر الواقعِ عقيب الحظْر، من غير تفاوت بين الحكمين.

والظَّاهر إنَّ اشتراكَهما في الحُكم هو سِرُّ عدم تعرُّضِ الأصحاب للمسألة.

ص: 99

المبحث السَّابع: دلالة الصِّيغة على المرَّة والتِّكرار
اشارة

إنَّ صيغة الأمر لاتدلُّ على المرَّة، ولا على التِّكرار؛ ضرورةَ أنَّ الهيئة لاتدلُّ إلَّا على مجرَّد الطَّلب؛ والمادَّة لاتدلُّ إلَّاعلى الطَّبيعة من حيث هي هي؛ فلادلالة لها على واحدٍ منهما.

نعم! الاِكتفاءُ ب «المرَّة» إنَّما هو لحصول الاِمتثال عقلًا، الَّذي هو الأساس في مقام الأمر.

هذا، مضافًا إلى جريان مقدَّمات الحكمة، ولاأقلَّ من جريان عدم لزوم التِّكرار في امتثاله؛ فالأمر واضحٌ لاإشكال فيه ولا كلام.

بيان المراد من «التِّكرار»

إنَّما الكلامُ في أنَّ المراد ب «التِّكرار» في كلام الأصحاب ما هو؟؛ هل هو الدَّفعات؟، أو الأفراد؟.

الظَّاهر وقوع «التِّكرار» بكلا المعنيَين في محلِّ النِّزاع؛ فالقولُ باختصاص أحدهما به لاوجه له.

مناقشة مختار العَلَمَين الخراسانيِّ والخمينيِّ قدس سرهما في المسألة

وعليه فما في الكفاية من القول ب: «أنَّ الظَّاهر هو الدَّفعات»(1)؛

كقول السَّيِّد الأستاذ الخمينيِّ قدس سره: «الظَّاهر هو الأفراد»(2)؛

ص: 100


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 78.
2- . راجع: تهذيب الأصول، ج 1 ص 130؛ مناهج الوصول، ج 1 ص 287.

لاوجه له. وادِّعاؤُهما ظهورَه في مختارهما، صرف ادِّعاءٍ لاظهور له!.

وعلى كلٍّ فإنَّ صيغة اِفْعَل - وما بمعناها - لاتدلُّ إلَّاعلى وجوب إتيان الطَّبيعة؛ ولا دلالة فيها على الدَّفعة أو الدَّفعات، ولا على الفرد أو الأفراد. وحصول الاِمتثال بدفعةٍ أو فردٍ لايكون لدلالة الصِّيغة عليه؛ بل لتحقُّق اِتيان الطَّبيعة وامتثاله بدفعهٍ أو بفردٍ؛ والكلِّيُّ الطَّبيعيُّ - المبحوثُ عنه في هذا العلم، لا المذكور في الحكمة الإلٰهيَّة - كما يُوجَد بدفعةٍ، يُوجَد بفردٍ ما.

فحينئذٍ يحصل الاِمتثال؛ حتَّى أنَّ الاِتيان بفردٍ آخر من الطَّبيعة، أو بدفعةٍ أُخرىٰ منها، ليس من باب الاِمتثال؛ لأنَّ الاِمتثال بعد الاِمتثال محالٌ - وسنشيرُ إليه في ما يأتي من مباحث الإجزاء -.

المبحث الثَّامن: دلالة الصِّيغة على الفور والتَّراخي
اشارة

الحقُّ إنَّ الصِّيغة لاتدلُّ على شيءٍ من الفور، أو التَّراخي؛ لما مرَّ آنفًا مِن أنَّ الهيئة لاتدلُّ إلَّاعلى صرف الطَّلب، والمادَّة لاتدلُّ إلَّاعلى الطَّبيعة من حيث هي هي؛

فالفورُ والتَّراخي خارجان عن مقتضى الصِّيغة؛ واثبات أحدهما لها يحتاج إلى مؤونةٍ زائدةٍ، وهي القرينة الدَّالَّة على إحدي المعنَيَين.

تعارض جريان مقدَّمات الحِكمة مع قاعدة التَّسرُّع إلى الخَير هيهنا

ثمَّ إنَّ جريانَ مقدَّمات الحكمة، أو الأصل، يقتضي عدم وجوب الفور من ناحيةٍ؛

ص: 101

وقاعدة التَّسرُّع إلى الخير - الَّتي يدلُّ عليها العقلُ والنَّقل؛ كقوله سبحانه وتعالى!: «سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ»(1)، وقولِه تعالى!: «فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرٰاتِ»(2) - تدلُّ على فضل الفور وأفضليَّته من التَّراخي؛ أمَّا دلالتُها على وجوب الفور، فلا؛ إلَّافيما يُستفادُ من قرينةٍ خارجيَّةٍ.

التَّرديد في هذا كلِّه

هذا، ولكن بَعدُ لاتطمئنُّ النَّفْس بالقول بجواز التَّسامح وعدم التَّسرُّع في الاِمتثال؛

وذلك لحكم العقل بعدم جوازهما؛ حتَّى أنَّ المولىٰ لوعاقَبَ العبدَ بتسامحه فيه، لايلومُه العقلُ ولاالعقلاءُ على عقابِه عبدَه.

بيان المراد بالفَور

نعم! إنَّ المراد ب «الفور» هو الفورُ العرفيُّ، لا العقليُّ؛ والفرقُ بين الفورَين في الحاكم بهما؛ حيث إنَّ الحاكم في الأوَّل هو العرفُ، وفي الثَّاني هو العقلُ؛ و بين الحاصل منهما بونٌ بعيدٌ!.

تتمَّةٌ

كيفيَّة تدارك ما فات علىٰ القول بالفَور

ثمَّ بناءً على القول بالفور؛ فلوتركه العبدُ فتسامح في الإتيان، فهل يجب عليه

ص: 102


1- . كريمة 133 آل عمران.
2- . كريمة 148 التَّوبة.

تداركه فورًا ففورًا؟،

أقول: مقتضى القول بالفور وجوبُ تداركه فورًا ففورًا، ولا دلالة - لاعقلًا و لانقلًا - على جواز التَّراخي فيه، ولوبمعنى حصول أوَّل زمانٍ يمكن الإتيان بالمأموربه فيه.

رأي المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره، ومناقشتُه

فما في الكفاية من: «أنَّ الفورَ - لوقيل به - لايدلُّ على الفور فالفور»(1)؛

ليس بتمامٍ!، لأنَّ ما يدلُّ على أصل الفور، يدلُّ على الفور فالفور أيضًا.

ص: 103


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 80.

ص: 104

الفصل الثَّالث: في الإجزاء

اشارة

هل الإتيانُ بالمأتيِّبه يُجزىء عن المأمورِبه لوخالف الأوَّلُ الثَّاني؟؛ أم لا؟.

في المبحث وجهان و قولان؛ بل أقوالٌ و وجوهٌ.

و لايخفىٰ إنَّ المبحثَ من مهمَّات مسائل الأصول؛ فلابدَّ من:

1. تبيينِ محطِّ البحث في المسألة؛

2. و بيانِ الأقوال فيها؛

3. و اختيارِ ما هو الأصحُّ من بينها؛

4. و الإجابةِ عمَّا يردُ على المختار.

المبحث الأوَّل: تبيينِ محطِّ البحث في المسألة
اشارة

فنقول: إنَّ محطَّ البحث إنَّه إذا أتىٰ بالمأتيِّبه ثمَّ كشف أنَّه لم يقع مطابقًا للمأمورِ

ص: 105

به - مثلًا: أتىٰ بالصَّلوة من غير جِلسة الاِستراحة، ثمَّ كشف له أنَّها جزءٌ -؛

فهل المأتيُّبه من دون الجِلسة يكفي عن المأمور بهِ؟؛ أم لا؟.

و بعبارةٍ أخرىٰ: هل الأمرُ الظَّاهريُّ يكفي عن الأمر الواقعيِّ إذا خالفَ الأمرُ الظَّاهريُّ ذلك الأمرَ الواقعيَّ؟ أم لا؟.

و كذلك إذا أتىٰ بالمأتيِّبه ناقصًا اضطرارًا وعلِمَ أنَّه لم يطابق المأمور به، فهل يُجزي عنه؟ أم لا؟.

المختار في المسألة

فيه خلافٌ؛ و الأقوىٰ هو الاِكتفاء.

و أمَّا إذا وافق المأتيُّبه المأمورَ به، فلاإشكال في الإجزاء و الاِمتثال؛ بل الاِمتثالُ بعد الاِمتثال محالٌ.

و ما ربَّما يُتراءىٰ في كلمات بعضهم من تطويل البحث؛ فيه نظرٌ؛ ولقد أحسن من أنشدَ بالفارسيَّة: «آنچه در جوى مى رود آب است!».

وأمَّا الصَّلوة المُعادَة - الَّتي تدلُّ عليها رواياتٌ(1)؛ فليس من باب الاِمتثال بعد الاِمتثال؛ ولابدَّ من توجيه قوله عليه السلام الوارد في بعضها: «يختارُ اللَّهُ أحبَّهما إليه»؛ و أجودُ التَّوجيهات: إنَّ اللَّه يقبل أحبَّهما إليه، فهي مستحبَّةٌ مستقلًّا، كالنَّوافل.

امتناع الاِمتثال بعد الاِمتثال، وجواز تبديل الاِمتثال

و بالجملة إنَّ الاِمتثال بعد الاِمتثال محالٌ. نعم! تبديل الاِمتثال جائزٌ، بل قد يكون واجبًا، كما إذا أراد المولىٰ الماءَ فأتىٰ به

ص: 106


1- . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 403 الحديث 11023.

العبدُ، ثمَّ وجدَ ماءً أطيب أو أبردَ؛ فله أن يأتي بالثَّاني، كما أنَّ له المثوبةَ عقلًا؛ بل قد يجب ذلك التَّبديل.

المبحث الثَّاني: بيان الأقوال في المسألة
الإتيان بالمأموربه الاِضطراريِّ
اشارة

إذا تقرَّر هذا فنقول: أمَّا الاتيان بالمأموربه بالأمر الإضطراريِّ، فهل يُجزىءُ عن الإعادة أو القضاء بعد رفع الاِضطرار؟ -:

في الوقت إعادةً،

و في خارج الوقت قضاءً -؛

أو لا؟.

فيه وجوهٌ، بل أقوالٌ؛ و صارت المسألة معركةً للآراء.

قلتُ: إنَّ البحث:

1. تارةً بحسب الثُّبوت؛

2. و أخرىٰ بحسب الإثبات.

1. أمَّا بحسب الثُّبوت:

فيمكن أن يكون التَّكليفُ الإضطراريُّ في حال الاِضطرار، كالتَّكليف الإختياريِّ في حال الاِختيار وافيًا بتمام المصلحة؛ فلاإشكال في الإجزاء، لأنَّ الغرض والمصلحة حاصلٌ؛ فلايبقىٰ مجالٌ للتَّدارك، لاقضاءً ولا إعادةً.

ص: 107

و يمكن أن يحصل الغرضُ و المصلحة بتلك التَّكليف الإضطراريِّ، إلَّاأنَّ المكلَّف لو أتىٰ به لم يمكن التَّداركُ؛ فهو وإن عصىٰ بإتيان التَّكليف الإضطراريِّ ولكن لايقدر على التَّكليف الإختياريِّ، لفوت المصلحة؛ كما إذا أمر المولىٰ باِسقائه، فهو أستقاه بالماء غير الطَّيِّب، مع عمله بأنَّه بالاِنتظار يقدر على استقائه بالماءِ الطَّيِّب؛ فهو عصىٰ، و لكن لايقدر على التَّدارك، لفوت المصلحة.

نعم! لوكان جاهلًا بالجهل المركَّب، بل كان مقصِّرًا، فلاعصيان له من جهة الإتيان بالتَّكليف الإضطراريِّ، الَّذي يفوت به الاِمتثال بالتَّكليف الإختياريِّ.

ويمكن أن لايكون قادرًا على الاِمتثال بالتَّكليف الإختياريِّ بعد الاِتيان بالإضطراريِّ، ولكنَّ المصلحة المُلزِمة تجيء بالإضطراريِّ، و إن بقي بعضُ المصالح غير الملزمة؛ كما إذا تيمَّم و صلّىٰ ثمَّ رفع الاضطرار وفات عنه أفضليَّة الطَّهارة المائيَّة؛ فالاِمتثال حصل ولايبقىٰ بالإمتثال بالطَّهارة المائيَّة، ولكن فات عنه أفضليَّة الطَّهارة بالامتثال بالتَّكليف الإضطراريِّ.

هذا كلُّه بحسب مقام الثُّبوت.

2. وأمَّا بحسب مقام الإثبات:

فالمتَّبع هو الدَّليل الموجود في المقام. و تفصيل ذلك:

إنَّه إن كان دليلٌ خاصٌّ في المسألة من وجوب الانتظار، فلايجوز البدار؛

وإن كان دليلٌ من استحباب البدار، فهو المُتَّبع؛

وإن كان دليلٌ من حرمة البدار - وضعًا، أو تكليفًا -، فكذلك أيضًا؛

وإن لم يكن دليلٌ لوجوب الانتظار، فالأصل يقتضي جواز البدار.

ص: 108

نفيُ البِدار من جانب العقلاء

و يمكن أن يُقال: إنَّ العقلاء لايجوِّزون البدار، بل يوجبون الاِنتظار؛ فمَن كان في غير بلده و لم يقدر على امتثال التَّكليف تامِّ الأجزاء والشَّرائط ولكن يقدر على إتيانه كذلك بعد ساعةٍ، لايجوِّزون له البدار، بل يأمرونه بالاِنتظار، لأنَّه لايكون مصداقَ قوله - تعالى! -: «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً»(1)، حتَّى يجوز له الورود في الصَّلاة.

نعم! لوأتىٰ بالتَّكليف الإضطراريِّ ظنًّا منه بأنَّه لايقدر على الامتثال بالتَّكليف الإختياريِّ، ثمَّ اتَّفقتْ له القدرةُ عليه بعد الإتيان بالإضطراريِّ؛

يمكن أن يُقال بعدم وجوب الإعادة عليه.

مختار المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره في المسألة

لاأقول: هذا للاجزاء؛ أو للإطلاق؛ أو للأصل - كما قال به صاحب الكفاية قدس سره(2)

المختار فيها، ومناقشة رأيه قدس سره

بل أقول بالإجزاء و عدم وجوب الإعادة لأنَّ الإطلاق أو الأصل يقتضي عدم وجوب الإنتظار، فبعد الإتيان بالحكم لامحالة يقتضي الامتثال ويحكُمُ به؛ فيلازم عدم وجوب الإعادة.

بل يرد على الكفاية: إنَّ الإطلاق أو الأصل يدلَّان على عدم وجوب الإعادة، كما إذا أتىٰ بالعمل ثمَّ شكَّ في الصِّحَّة أو الفساد بعد الفَراغ منه؛ فقاعدة الفَراغ تقتضي

ص: 109


1- . كريمتان 43 النِّساء، 6 المائدة.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 85.

الصِّحَّة، لا الفساد؛

فلامحالة تقتضي عدم وجوب الإعادة؛ وهذا هو ما حكَمَ به الإجزاءُ.

فلابدَّ من أن يجري الإطلاق أو الأصل الدَّالَّيْن على عدم شرطيَّة الإنتظار، حتَّى يصحَّ الحكم بجواز الورود في الصَّلاة.

مختارُ بعض الأعلام والردُّ عليه

ثمَّ إنَّ بعضَ أساتذتنا قدس سره ذهب إلى وجوب الإنتظار(1)؛ بقاعدة التَّعيين و التَّخيير؛

و هو خطأٌ!؛ لأنَّ قاعدة التَّعيين والتَّخيير قاعدةٌ عقليَّةٌ تختصُّ بالموضوعات، لا الأحكام؛ وإلَّا فهي تقتضي الإشتغال في جميع الأجزاء والشَّرائط المشكوك فيها.

نعم! الأحكام يجري فيها الأقلُّ والأكثر، فالأصلُ يقتضي الأقلَّ، لا الأكثر لولم نقل أنَّه يقتضي البراءةَ عقلًا و شرعًا عن التَّعيينية؛ فلامحالة لايجب عليه إلَّاالتَّخيير؛

فعلى أيِّ حالٍ لايكون كلام الكفاية بسديدٍ؛ وإلَّا فيجوز أن يأتي العبد بالعمل المشكوك فيه، ثمَّ بعد الفراغ يجري فيه الإطلاق، أو الأصل، لعدم وجوب الإعادة أو القضاء؛

وهو كماترى!.

مختار السَّيِّديْن الأستاذين قدس سرهما في المسألة

ولايخفىٰ إنَّ ما ذهب إليه السَّيِّد الأستاذ البروجرديُّ قدس سره(2) - و تابعه السَّيِّد

ص: 110


1- . راجع: تهذيبُ الأُصول، ج 1 ص 145؛ مناهج الوُصول، ج 1 ص 313.
2- . راجع: نهاية الأصول، ص 128.

الأستاذ الخمينيُّ قدس سره(1) - من الفرق بين وحدةِ الأمرِ للمختار والمضطرِّ، وبين تعدُّد الأمر، حيث إنَّ كلَّ واحدٍ منهما يختصُّ بأمرٍ:

ففي وحدة الأمر الأصلُ يقتضي البراءةَ وعدمَ وجوب الإنتظار لو لم نقل بالاِشتغال، لأنَّ الشَّكَّ في أنَّ ما أتىٰ به هل هو مصداقٌ للأمر؟ أو لا؟، فقاعدة الاشتغال تقتضي اِمتثال الأمر الاختياريِّ؛

و أمَّا بناءً على تعدُّد الأمر، فلا؛ واستدلُّوا عليه بإنَّه لامعنى لسقوط أمرٍ بامتثال أمرٍ آخر. فكذلك المقامُ، لأنَّه لوأتى بالأمر الاضطراريِّ، بالإطلاق، أو الأصل، ثمَّ بعد رفع الاضطرار انكشف له الأمر الاختياريُّ، يجب عليه الامتثال؛

وقولهم هذا ليس بسديدٍ، لأنَّه مضافًا الى كون تعدُّد الأمر صرف فرضٍ، و بطلانه واضحٌ: أنَّه لوتنجَّز له الأمر الاضطراريُّ، بالإطلاق أو الأصل - وذلك بعدم وجوب الاِنتظار - فأتىٰ به، فبعد الاِمتثال لامعنى لتنجُّز التَّلكيف ثانيًا بالأمر الإختياريِّ، لأنَّه يصير سالبة بانتفاء الموضوع حيث انتفى التكليفُ، لأنَّ تنجُّز التَّكليف بالأمر الاختياريِّ ما إذا لم يكن بمضطرٍّ، أمَّا إذا صار مضطرًّا فرفْعُ التَّكليف الاختياريِّ ثابتٌ من باب رفع المُغيّىٰ بالغاية؛

فإذا أتى بالأمر الاضطراريِّ، فلاتكليف له حتَّى يعودَ ويتنجَّز ثانيًا بالأمر الاختياريِّ.

والعجب أنَّهما في الأقلِّ والأكثر الإرتباطيَّين صرَّحا بالبراءة؛ مع أنَّهما صرَّحا هيهنا بالاشتغال!؛

مع أنَّ المقام من مصاديق الأقلِّ والأكثر الارتباطيِّ من غير فرقٍ.

ص: 111


1- . راجع: تهذيب الأصول، ج 1 ص 142؛ مناهج الوصول، ج 1 ص 302.
تلخيص الكلام في المقام

فتلخَّص من جميع ما ذكرنا: أنَّه لو لم يدلَّ دليلٌ على وجوب الانتظار، فعدم الدَّليل يقتضي البراءة عن وجوبه، فالبدار جائزٌ، سواء:

عَلِم برفع الإضطرار في الوقت؛

أو لايعلم؛

أو يعلم بعدم الرَّفع ثمَّ تبيَّن الخلاف، فرفع الانتظار.

إلَّا أن يُقال: إنَّ العُرف لايُجوِّز البدارَ مطلقًا؛ و هذا هو الأقوىٰ.

الإجزاءُ في الأمارت و الأصول

قد اشتهر بين الأصحاب عدمُ الإجزاء.

المختار في المسألة

والأقوىٰ هو الإجزاء مطلقًا، تبعًا للسَّيِّد الأستاذ البروجرديِّ قدس سره، وتبعًا للشَّيخ الأنصاريِّ قدس سره في باب الإجتهاد والتَّقليد(1)؛ بل إنَّ السَّيِّد الأستاذ ادَّعى تحصيل الإجماع على صحَّة الإجزاء(2).

قلت: لوتحقَّق الإجماعُ(3) في المسألة فلايبقى موردٌ لعدم الإجزاء؛ فيرجع الأمر في جميع نواحيها إلى الإجزاء اجماعًا. وهذا من مبهمات الأصول، لأنَّهم ادَّعوا عدم

ص: 112


1- . راجع: كتاب الإجتهاد والتَّقليد - له -، ص 66.
2- . راجع: نهاية الأُصول، ص 141.
3- . وانظر: الفصول لغَرويَّة، ص 116 السَّطر.

الإجزاء في الأصول ثمَّ ادَّعوا الإجماع على ثبوته، بل الضَّرورة في الفقه.

و قد ادَّعى صاحبُ الكفاية قدس سره الإجزاء في الأصول، دون الأمارات(1)؛ وتبعه في ذلك السَّيِّد الأستاذ الخمينيُّ قدس سره(2).

المبحث الثَّالث: الاِستدلال على صحَّة المختار
اشارة

والدَّليل على ثبوت الإجزاء في الأصول والأمارات كلِّها، أمورٌ:

1. الدَّليل الأوَّل:

الأقوىٰ في الجمع بين الحكم الواقعيِّ والظَّاهريِّ، هو رفعُ المولى يدَه عن التَّكليف الواقعيِّ، والاكتفاءُ بالظَّاهريِّ؛ و بعبارةٍ أخرى: تَقبُّل الفعل النَّاقص بدلًا عن الكامل.

وذلك نظرًا إلى قاعدة الأهمِّ والمهمِّ؛ ضرورة أنَّه لو لم تكنْ الأمارات والأصول الفقهيَّة كالقواعد والأصول العَمليَّة - كالبراءة -، لاختلَّ النِّظام، ولايكون للمسلمين سوقٌ، بل لايطيب لهم العيش ويصير عيشُهم في العبادات والمعاملات ضنكًا؛ بل لايقدرون على الحياة.

فحينئذٍ لو طابق مؤدَّى الأمارت و الأصول الواقعَ، فيُنجِّز ذلك الواقع؛

ص: 113


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 87.
2- . راجع: تهذيب الأصول، ج 1 ص 146، 147.

وإلَّا فلابدَّ للمولىٰ من تقبُّل النَّاقص بدلًا عن الكامل؛

أو رفعِ اليدِ عن الواقع.

وهذا يلازم الإجزاء، لأنَّه لو لم يكن الاجزاءُ لاختلَّ النِّظامُ.

و لعلَّ الإجماع المنعقَد في باب الاِجتهاد و التَّقليد، يكون لذلك.

2. الدَّليل الثَّاني:

قد ثبت سيرةُ العقلاء طوال القرون والأعصار على الإجزاء في الأمارات والأصول، من غير فرق بينهما؛ ضرورة أنَّ مَن عمل طبقًا لما يُوافق أمارةً أو أصلًا من الأصول العُقلائيَّة، ثمَّ تبيَّن الخلافُ، فهو معذورٌ، تكليفًا ووضعًا؛

بل يرون أنَّ المؤاخذة - تكليفًا ووضعًا - ظلمٌ.

فبعدم الرَّدع يثبت الإجزاء شرعًا.

3. الدَّليل الثَّالث:
اشارة

قاعدة معذوريَّة الجاهل، سيَّما الجاهل القاصر - الَّذي هو محطُّ البحث الآن -؛ و يدلُّ عليها قوله عليه السلام: «أيُّ رجلٍ ركبَ أمرًا بجهالةٍ فلاشيءَ عليه»(1).

و هذه القاعدة تجري في الحكم الوضعيِّ، لأنَّ قوله عليه السلام يشير الي رجلٍ دخل المسجد الحرام من غير إحرامٍ، جهلًا منه بالحكم؛ فقيل: فسد حجُّه؛ فقال عليه السلام: حجُّه صحيحٌ و يُحرِم من مكانه، إذ «أيُّ رجُلٍ ركبَ أمرًا بجهالةٍ فلاشيء».

ص: 114


1- . راجع: التَّهذيب، ج 5 ص 73 الحديث 239؛ وسائل الشِّيعة، ج 12 ص 489 الحديث 16861؛ الوافي، ج 12 ص 595.
مناقشة رأي مَن خالف المختار

والمختار عموم الرِّواية للجاهل المقصِّر أيضًا.

و ما قيل: «إنَّ الجاهل المقصِّر كالعامد، إلَّافي موضعين، إجماعًا»؛

ليس له وجهٌ، حيث نرىٰ في مواضع عدَّة من الفقه أن الفقهاء أمضوا أعمالَ الجاهل المقصِّر وحكموا بصحَّته. والتَّفصيل موكولٌ إلى محلِّه من ذلك العلم.

وبالجملة: إنَّ الجاهل القاصر معذورٌ إجماعًا، عقلًا، و كتابًا، و سنَّةً. قال اللَّه - تعالى! -: «إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجٰالِ وَ اَلنِّسٰاءِ»(1)؛ وقال الصَّادق عليه السلام: «كلُّ امرىءٍ...» - الحديث -؛ وقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «رُفِع عن أمَّتي تسعةٌ...»(2)، ثمَّ ذكر صلى الله عليه و آله منها: «ما لايعلمون». و اختصاصُ «ما لايعلمون» بالمؤاخذة - كما عن الشَّيخ قدس سره - لاوجه له؛ كما قرَّرناه في موضعه.

4. الدَّليل الرَّابع:

هذا هو مقتضى الجمع بين الأحكام الواقعيَّة والظَّاهريةَّ عرفًا، لأنَّ العرف يُقدِّم الظَّاهريَّة منها على الواقعيَّة؛

ويخصِّص الأحكام بالظَّاهريَّة، لو لم نقل بأنَّه يرى الحكومةَ، لا التَّخصيص؛ فلامحالة بعد جريان التَّخصيص أو الحكومة ينتج: أنَّ الأحكام الواقعيَّة يُتنَجَّز إذا طابقت الأحكام الظاهريَّة، وأمَّا إذا خالفتها، فلاتنجُّر، بل ولا فعليَّة، بل ولا إنشاء إلَّا بالإرادة الاستعماليَّة.

ص: 115


1- . كريمة 98 النِّساء.
2- . راجع: الخصال، ج 2 ص 417 الحديث 9؛ بحار الأنوار، ج 2 ص 280.
5. الدَّليل الخامس:

قاعدة الحَرَج النَّوعيِّ الَّتي هي رافعةٌ للتَّلكيف النَّوعي.

توضيح ذلك: إنَّ قاعدة الحرج وإن كانت شخصيَّةً إلَّاأنَّ قوله - تعالى! -: «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»(1) يدلُّ على أنَّ التَّكليف لوكان حرجيًّا على نوع المُكلَّفين، فهو موضوعٌ عنهم.

ونظيره في الفقه كثيرٌ، كدم القروح و الجروح.

و حيث إنَّ عدمَ الإجزاء يوجب الحرج النَّوعيِّ، فلابدَّ من ثبوته لعامَّتهم، تكليفًا ووضعًا.

المبحث الرَّابع: الإجابةُ عمَّا أوردوه على المختار
اشارة

ثمَّ إنَّ النَّافين لصحَّة الإجزاء، أوردوا عليها عدَّة إشكالاتٍ، والمهمُّ منها:

1. الإشكال الأوَّل:
اشارة

ما أورده في الكفاية وتبعه غير واحدٍ، منهم السَّيِّد الأستاذ الخمينيُّ قدس سره(2)، من:

أنَّه ليس للأمارات لسانٌ حتَّى تحكم على الأدلَّة الدَّالَّة على وجوب الإتيان بالأجزاء والشَّرائط، بل الأمارت تدلُّ على أنَّ الأجزاء و الشَّرائط في العبادة واقعيَّةٌ

ص: 116


1- . كريمة 78 الحجّ.
2- . راجع: مناهج الوصول، ج 1 ص 319.

يجب الإتيان بها؛ فبعد ارتفاع الجهل ينكشف أنَّ الواقع المأمورَبه لم يُؤت به على وجهه، فيجب الإعادة، أو القضاء.

نعم! إنَّ الأصول - فقهيَّةً كانت، أو عمليَّةً -، لمَّا كانت حاكمةً على الواقع فمعناها أنَّ الأجزاء و الشَّرائط أعمٌّ من الظَّاهريَّة والواقعيَّة.

و يردُ عليه:

أوَّلًا:

إنَّا لانقول بالحكومة في الأمارات، بل نقول بالتَّوفيق العُرفيِّ بين الأمارت والأحكام الواقعيَّة، حيث إنَّه وَفَّق أن يجمع بينهما بأنَّه إذا خالفت الواقعَ يرفع المولىٰ عن تكليفه الواقعيِّ، ويقبل النَّاقص بدلًا عن الكامل.

الإجابة عن سؤالٍ مقدَّرٍ

إن قلت: أليس هذا هو التَّصويب؟!؛

قلنا: ليس كذلك؛ لأنَّ التَّصويب الباطل هو أنَّ للَّه - تعالى! - أحكامًا واقعيَّةً على حسْب آراء المجتهدين؛

بطلان التَّصويب

والدَّليل على بطلانه: إجماع الفرقة النَّاجية؛ وإن لم يأباه العقل إباءً تامًّا.

وأمَّا تقبُّل المولىٰ النَّاقصَ بدلًا من الكامل ورفع اليد عن التَّكليف الواقعيِّ، فليس من التَّصويب الباطل جزءً أو طُرًّا؛ لأنَّ الأحكام الظَّاهريَّة هي الأحكام الواقعيَّة أيضًا.

و ثانيًا:

إنَّ الحكومة لاتحتاج إلى اللِّسان - وإنْ اشتهر ذلك بين الأصوليِّين -؛ بل

ص: 117

الحكومةُ هي تبيين الأمارت والأصول بحسب ما عليه الواقعُ من التَّوسعة أو التَّضييق.

قولٌ لبعضهم في هذا المقام ونقدُه

و أمَّا ما قيل من: «إنَّ الأحكام الظَّاهريَّة في طول الأحكام الواقعيَّة، فلامعنى لحكومة أحدهما على الآخر، فالحكومة محالٌ»؛

فليس بسديدٍ!؛ لعدم تساويهما في مرتبة الجعل، وإن كانا في مرتبة الاِمتثال كذلك؛ والمناطُ - كلُّ المناط! - في المسألة هو مقام الجعل، لا مقام الاِمتثال.

2. الإشكال الثَّاني:
اشارة

إنَّ الأدلَّة الظَّاهريَّة - كالأمارات والأصول - متأخِّرةٌ عن الأدلَّة الواقعيَّة؛ فكيف تَحكُم عليها وتُقَدَّم عليها؟ أليس هذا إلَّاتقدُّم الشَّيء على ما هو متقدِّمٌ على نفسه؟! - و لاريب في بطلانه، بل امتناعه! -.

الإيراد علىٰ هذا الإشكال

و يرد عليه: إنَّ تقدُّم الأوَّل على الثَّاني وتأخُّرَ الثَّاني عن الأوَّل ليس إلَّافي الخارج و مقام الاِمتثال، و أمَّا في مقام الجعل فليست هي متأخِّرةً عنها ولا تلك متقدِّمةً عليها، بل الكلُّ في مرتبةٍ واحدةٍ؛ والبحث هيهنا في مقام الجَعْل، لا في مقام الخارج والاِمتثال.

3. الإشكال الثَّالث:
اشارة

إنَّ الأصول تُعيِّن الوظيفة في ظرف الشَّكِّ، فإذا رُفِع الشَّكُّ صار حكمها

ص: 118

مرفوعًا؛ و بعبارةٍ أخرى: يصير الحكم سالبًا بانتفاء الموضوع.

الإيراد علىٰ هذا الإشكال

و يرد عليه: إنَّ محطَّ البحث هو الإعادة أو القضاء - لِما أتىٰ به - قبل رفع الشَّكِّ، أي: في ظرفه؛ أمَّا بعد رفع الشَّكِّ فله حكمٌ آخر ليس محلًّا للكلام هيهنا.

فإن قلنا بحجيَّة الإجزاء، فإنَّ ما أتىٰ به طبقًا للأصول هو وظفيته، فسقط عنه التَّكليف بعد رفع الشَّكِّ. فوجوب الإعادة أو القضاء سالبٌ بانتفاء الموضوع.

***

أمثلةٌ ذكروها ردًّا علىٰ الإجزاء

ثمَّ إنَّه يُورَد على الإجزاء أمثلةٌ كثيرةٌ، اُدُّعي فيها «أنَّه لوقلنا بحجِّيَّة الإجزاء فيها يلزم الخروج عن الضروريِّ في الفقه، بل يلزم فقهًا جديدًا!»(1).

إليك بعضُها:

1. يلزم طهارة الملاقي للمحكوم بالطَّهارة أوَّلًا، ثمَّ المنكَشَف فيه الخلاف ثانيًا.

2. يلزم طهارةُ ما قام لطهارته البيِّنةُ، أو العدل الواحد، ثمَّ انكشف فيه الخلاف.

3. يلزم صحَّة وضوء من توضَّأ بالماء المشكوك فيه، ثمَّ المتيقَّن بخلافه.

4. يلزم صحَّة العقد الواقع طبقًا للأمارة، ثمَّ انكشف خلاف العقد لها، أو بطلانها رأسًا.

ونظير هذه الأمثلة - الَّتي أُدُّعي أنَّه يلزم من الالتزام بحجيَّة الإجزاء فيها القولُ

ص: 119


1- . وانظر: بدائع الأفكار في الأُصول، ص 301؛ جواهر الأُصول، ج 2 ص 346.

بفقهٍ جديدٍ! - كثيرةٌ.

تبيينُ ما في هذه الأمثلة

و يرد عليه: أنَّ هذه الأمثلة كلَّها خارجةٌ عن محلِّ البحث؛ حيث أنَّ معقَد البحث:

أنَّه لوصلّىٰ مع الطَّهارة المائيَّة أو التُّرابيَّة، أو صلّىٰ في الثَّوب المحكوم بالطَّهارة ثمَّ انكشف الخلاف، فهل صلوتُه بعد كشف الخلاف مجزيةٌ - بحيث لايحتاج إلى الإعادة أو القضاء -؟، أم لا؟؛ بل بعد كشف الخلاف لابدَّ عن الإعادة أو القضاء.

وأمَّا الشَّيء المتنجَّس - بعد كشف الحقيقة في نجاسته -، فهو نجسٌ لاكلام فيه ولاإشكال.

و كذلك من زوَّج أو باع بعقدٍ جرىٰ بالفارسيِّ، أو فضوليٍّ، ثمَّ انكشف الخلاف، فبعد كشف الخلاف لابدَّ من تجديد العقد من دون ريبٍ فيه؛ وأمَّا قبل كشف الخلاف مع خروج المكلَّف عن ضيق الحكم الظَّاهريِّ، فهل المترتَّب على ذلك العقد يحتاج إلى الجبران - بأيِّ طريقٍ كان -؟، أم هو صحيحٌ لايحتاج إليه؟.

والأمثلة المورودة على الإجزاء المذكور بعضُها، كلُّها من هذا القبيل؛ وأين هذا و لزوم فقهٍ جديدٍ على القول بالإجزاء؟!؛ و هل هذا إلَّاسهوٌ عجيبٌ وقَعَ منهم؟!.

تنبيهاتٌ هامَّةٌ
اشارة

و هيهنا تنبيهاتٌ نذكرها في الختام.

التَّنبيه الأوَّل
اشارة

ص: 120

هل اليقين كالأمارات والأصول - ويأتي البحث فيه لاحقًا أيضًا -؟؛

المختار في المسألة ثبوتًا واثباتًا

الأقوى المختار: كونُ اليقين بحكمها، وإن كان عدم جريان الإجزاء فيه مفروغًا عنه؛ و هذا هو سرُّ عدم ذكره في هذا المبحث أصلًا؛

لأنَّ القول به ثبوتًا لاإشكال فيه، حيث إنَّه كالأمارت و الأصول طابق النَّعل بالنَّعل؛

و أمَّا إثباتًا، فالأدلة الدَّالَّة على حجيَّة الأجزاء في الأمارات والأصول - أو فقل أكثرها - يدلُّ على صحَّة الإجزاء في القطع أيضًا. بل لقائلٍ أن يقول: إنَّ الإجزاء في باب الاِجتهاد والتَّقليد مسلَّمٌ من غير خلافٍ - كما قال به الشَّيخ الأعظم قدس سره -، والمجتهد قاطعٌ في حكمه وهو حجَّةٌ له؛ ولقد أجاد العلَّامةُ قدس سره حيث قال: «ظنِّيَّة الطَّريق لاتنافي قطعيَّة الحكم»(1). فجريان الإجزاء للمجتهد معناه: إنَّ الجاهلَ القاصر - الَّذي تيقَّن بالحكم أوَّلًا ثمَّ انكشف له الخلاف -، هل يجزي له ما أفتىٰ به أوَّلًا ثمَّ أضرب عنه ثانيًا؟، أم لا؟

ادَّعىٰ الشَّيخ الأعظم قدس سره الإجماعَ والضَّرورةَ على إجزاء ما حكَم به أوَّلًا له(2).

وبالجملة: إنَّا لانرى فرقًا بين القطع و بين الأمارة والأصل، من غير فرقٍ فيه بين مقامَي الإثبات و الثُّبوت.

ص: 121


1- . راجع: تحرير الأحكام، ج 1 ص 31؛ وانظر: تمهيد القواعد، ص 34؛ الفوائد المدَنيَّة - المطبوع مع الشَّواهد المكِّيَّة -، ص 187.
2- . راجع: مطارح الأنظار، ج 1 ص 374.
التَّنبيه الثَّاني
اشارة

قيل: «إنَّ الإجزاء يلازم التَّصويبَ - من جهة اتِّحادهما في المؤدّىٰ و ما يؤدِّيا إليه -؛ والتَّصويب لا خلاف في بطلانه، بل في كونه محالاً، ولاأقلَّ من إجماع الأصحاب على فساده»(1)؛ فالإجزاء مثلُه.

بيان معاني التَّصويب

أقول: إنّ للتَّصويب معاني عدَّة:

منها: إنَّ اللَّه - تعالى! - تابعَ في الحكم المجتهدينَ؛

و هذا المعنىٰ باطلٌ - بل محالٌ - من غير ارتيابٍ.

ومنها: إنَّ للَّه - تعالى! - أحكامًا بعدد آراء المجتهدين، يختار بحسب كلِّ مجتهدٍ ما اختاره هذا الفقيه؛

وهذا - أيضًا - كالأوَّل في البطلان، بل في كونه من المحالات!.

ومنها: إنَّ للَّه - تعالى! - أحكامًا واقعيَّةً متناقضةً، يختار في كلِّ مسألةٍ لهم ما اختاروه فيها - على ما ذكرناه في المعنى الماضي -.

وهذا - أيضًا - في البُطلان كسابقَيه.

ولكنَّه بأيِّ معنًى من المعاني الثَّلاث لا ربط له بالإجزاء، لأنَّ الإجزاء - بناءً على المختار، الَّذي أشرنا إليه في صدر المبحث - هو تقبُّل النَّاقص بدلًا عن الكامل، بل رفع اليد عن التَّكليف الواقعيِّ و الاكتفاء بالظَّاهريِّ منه، في مقامَي رفعِ التَّكليف و الإثابة عليه.

ص: 122


1- . وانظر: منتقىٰ الأُصول، ج 4 ص 194؛ إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول، ج 1 ص 404؛ بيان الفقه في شرح العُروة، ج 4 ص 254.

فهو نظير الشَّرط الذُّكريِّ الَّذي كثُر أفراده في الصَّلوة و غيرها من العبادات؛

وأين هذا والتَّصويب الَّذي أجمع الأصحاب على بطلانه!، بل جزم العقلُ بكونه من المحالات!.

التَّنبيه الثَّالث
اشارة

إنَّ الأصحاب جعلوا عنوان بحث الإجزاء: «أنَّه إذا أتىٰ بالمأموربه طبقًا لأمارةٍ، أو أصلٍ أوَّلًا، ثمَّ انكشف الخلاف ثانيًا، فهل يُجزي ما أتىٰ به أوَّلًا؟ أم لا؟»(1).

فكأنَّهم رأوا أنَّ الخلاف المكشوفَ عنه ثانيًا يقينيٌّ، مع أنٍ كشف الخلاف غالبًا ليس إلَّاظنًّا حاصلًا من أمارةٍ أخرىٰ، أو أصلٍ آخر؛ فالمضروب عنه والمنكشَف سيَّان بلاتفارُقٍ.

لاوجه لتقديم الرَّأي الثَّاني على الأوَّل

فيكون الميلُ إلى الثَّاني من باب التَّزاحم، أو التَّعارض؛ وحينئذٍ تقديم الثَّاني على الأوَّل لا وجه له أصلًا؛ إلَّاأن يُقال: إنَّ الثَّاني لمَّا كان واقعًا في طول الأوَّل - لا في عرضه - فهو مقدَّمٌ على الأوَّل، حسْب العرف والشَّرع.

فهذا هو الإجزاء، أو نتيجة الإجزاء؛ وحينئذٍ إنَّ القول بعدم الإجزاء لا وجه له أصلًا.

وهذا من مبهمات الأصول؛ ولم أرَ مِن الأصحاب مَن تعرَّض له.

ص: 123


1- . وانظر: تنقيح الأُصول، ج 1 ص 284؛ إرشاد العقول، ج 1 ص 358؛ أُصول الفقه - للعلَّامة الشَّيخ الأراكي -، ج 1 ص 110.

ص: 124

الفصل الرَّابع: في مقدَّمة الواجب

اشارة

هل الأمر بالشَّيء يقتضي الأمر بمقدَّماته؟.

فيه خلافٌ. و توضيحُه يقتضي بيان أمرٍ هامٍّ؛ و هو: إنَّ النِّزاع في أنَّه هل الأمر بالشَّيء كما يقتضي وجوبَ ذلك الشَّيء، يقتضي وجوبَ مقدَّمات ذلك الشَّيء أيضًا، عَرَضًا وترشُّحًا شرعًا؛ أم لا؟.

الأقوال في المسألة

فالمشهورُ على عدم الاقتضاء؛ لأنَّ الأمر بالشَّيء هو الأمر بنفس ذلك الشَّيء، لا بغيره. و ليس فيه دلالةٌ على وجوب مقدَّماته -

لا مطابقًا؛

ولا تضمُّنًا؛

ولا التزامًا -؛ فلذا جعلوا «البحث عن مقدَّمات الواجب» في مباحث الألفاظ.

عنوان المبحث عند صاحب الكفاية قدس سره، والنِّقاش فيه

ص: 125

فما في الكفاية من جعْل العنوان: «أنَّه هل يستقلُّ العقلُ بمقدَّمات الواجب بعد الأمر به»(1)، ليس بسديدٍ!؛ لأنَّ البحث كذلك يكون من الضَّروريَّات؛ وأنَّ العبد يجب عليه عقلًا ترتيب المقدَّمات للوصول إلى الواجب، فلو أهملها فعليه العقوبةُ؛ لا للمقدَّمة، بل لفوات ذي المقدَّمة - كما رُوِي: أنَّ يومَ القيامة يُسئَل عن تارك الواجب:

هَلَّا عمِلتَ؟ فيقول: ما كُنتُ أعلمَ!، فيُقال: هَلَّا تعَلَّمتَ؟ -.

فبناءً عليه لوقلتَ: إنَّ المقدَّمات - كلَّها - من الواجبات النَّفسيَّة التَّهيُّئيَّة - كما ذهب إليه المُقدَّسُ المحقِّق الأردبيليُّ قدس سره في خصوص التعلُّم(2) - ليس بجزافٍ.

و كلُّ ذلك من المستقلَّات العقليَّة، فحينئذٍ لاتدخل في هذا المبحث رأسًا.

فلوقيل ب: «أنَّ المقدَّمات تُعَدُّ من الواجبات الغيريَّة»، فليس معناه: أنَّ الشَّارع الآمرَ طلب ذلك المقدَّمات؛ بل الشَّرع بيَّن الأجزاءَ أو الشَّرائط في صورة الأمر بالمأمور به. نعم! إنَّ العقلَ استقلَّ بطلبها لحصول ذي المقدَّمة على نحو النَّفسيَّة التَّهيُّئيَّة؛

فمن ترَكَها، لامحالة ترَك ذي المقدَّمة؛ و عليه عقوبة ترك ذي المقدَّمة، لا ترك المقدَّمات؛ فليس في ترك المقدَّمة عقوبةٌ أصلًا.

عنوان المبحث عند الإمام الخمينيِّ قدس سره والنِّقاش فيه

ص: 126


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 89.
2- .. راجع: مجمع الفائدة والبُرهان، ج 1 ص 342، ج 2 ص 110. وانظر: مدارك الأحكام، ج 2 ص 344؛ بحر الفوائد، ج 1 ص 45 السَّطر 10؛ بدائع الأفكار - للمحقِّق الرَّشتي -، ص 317 السَّطر 3؛ حقائق الأصول، ج 2 ص 365؛ دروسٌ في علم الأُصول، ج 3 ص 478.

كما أنَّ عنوان البحث ب «أنَّه هل إرادة الواجب يقتضي إرادة مقدَّماته؟، أم لا؟» - كما أفاده السَّيِّد الأستاذ الخمينيُّ قدس سره(1) - ليس بسديدٍ؛

لأنَّ الآمر بذي المقدَّمة الغافل عن المقدَّمات لم يردها إذا طلب ذيها؛ نعم! عند التَّوجُّه إلى المقدَّمات يريدها، و لكنَّه لايطلبها ولايأمر بها عند الأمر بذي المقدَّمة.

دخول المسألة في مسائل هذا العلم

ثمَّ إنَّ المسألةَ تُعَدُّ من جملة مسائل علم الأصول؛ لأنَّ المبحوثَ عنه فيها يقعُ حجَّةً في الفقة، ويقع في طريق الاِستنباط و يكون من مُمهِّداته.

مختار الأستاذ البروجرديِّ قدس سره هيهنا، والنِّقاش فيه

و ما قال به السَّيِّد الأستاذ البروجردي قدس سره: «إنَّ البحث من المبادىء الأحكاميَّة»(2)؛

وإن كان صحيحًا، إلَّاأنَّه - كما أشرنا إليه فيما مضىٰ من هذا الكتاب -: إنَّ المبادىء التَّصوريَّة و الأحكاميَّة - وغيرهما من المقدَّمات - يرجع في هذا العلم إلى مسائله؛ لأنَّ بها - كلِّها - تُحصَل الحجَّة في الفقه.

ص: 127


1- . راجع: تهذيبُ الأُصول، ج 1 ص 153؛ مناهج الوصول، ج 1 ص 322.
2- . راجع: نهاية الأُصول، ص 142؛ لمحات الأُصول، ص 111.

ص: 128

الفصل الخامس: في أقسام المقدَّمة

اشارة

المقدَّمة على أقسامٍ؛ نأتي هيهنا بالمهمِّ منها:

القسم الأوَّل: المقدمة الدَّاخليَّة والمقدَّمة الخارجيَّة
اشارة

وأرادوا بالأوَّل الأجزاءَ، وبالثَّاني الشَّرائط الحاصلة للمأمور به. و الفرق بينهما: إنَّ الأجزاء هي القُيود الدَّاخليَّة؛ ولكنَّ الشُّروط ليست داخلةً في المأمور به، بل تقيِّده. ولقد أجاد الحكيم السَّبزواريُّ قدس سره حيث قال: «تَقَيُّدٌ جزءٌ وقِيدٌ خارِجي»(1).

فمثل الرُّكوع و السُّجود داخلٌ في المأمور به؛ و مثل الطَّهارة ليس بداخلٍ فيه، ولكنَّ المأموربه مقيَّدٌ بها. وهذا واضحٌ لاسترة فيه.

ص: 129


1- . راجع: شرح المنظومة - للحكيم السَّبزواريِّ -، ج 2 ص 104.
تصوير محلِّ النزاع

إنَّما الكلام فيما قيل مِن: «أنَّه كيف يمكن أن تكون الأجزاء والشَّرائط - ولو كانت مقيِّدةً له - مأمورةًبها ولو بالأمر الغيريِّ، مع كون المركَّب - وهو الأصل - مأمورًا به أيضًا بالأمر النَّفسيِّ؛ لأنَّه يلزم الجمع بين المِثلَين؛

بل يلزم تقدُّم الشَّيء على نفسه؛ لأنَّ:

الطَّهارة أو الرُّكوع باعتبار مقدَّميتَّهما مُتَقدِّمةٌ على المأمور به؛

و باعتبار كونها أجزاءَ وشُروطَ متأخِّرةٌ؛

وهل هذا إلَّاتقدُّم الشَّيء على نفسه؟!.

مختار صاحب الكفاية قدس سره في الإجابة عن المسألة

وأجاب في الكفاية ب: «أنَّ الأجزاء والشَّرائط بأنفسها وبالاِستقلال تكون مأمورةً بها بالأمر الغيري، وباعتبار الجمع تكون مأمورًة بها بالأمر النَّفسي»(1).

مختار السَّيِّدِ البروجرديِّ قدس سره في الإجابة عن المسألة

وقال السَّيِّد الأستاذ البروجرديُّ قدس سره: «إنَّ الأمر النَّفسي يتعلَّق بالمركَّب، والأمر الغيري يتعلَّق بالفرد»(2).

مختار السَّيِّدِ الإمام قدس سره في الإجابة عن المسألة

وأجاب السَّيِّد الأستاذ الخمينيُّ قدس سره ب: «أنَّ الأمر النَّفسي يتعلَّق بالعنوان

ص: 130


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 90.
2- . راجع: نهاية الأصول، ص 157؛ لمحات الأصول، ص 114.

البسيط، والأمر الغيري يتعلَّق بالأجزاء والشَّرائط»(1)؛

المختار وبيان سرِّه

وهذا أجود الأقوال في المسألة.

ولكنَّ الَّذي يُسهِّل الخطب: جواز الجمع بين الضِّدَّين والنَّقيضين في الاعتباريَّات و ما يرجع إلى عالَمه؛ فضلًا عن تقدُّم الشَّيء على نفسه، أو توقُّفه عليه؛ إذ اِمتناع هذا - كلِّه - ليس إلَّافي الوجود الحقيقيِّ غير الاعتباريِّ، الَّذي هو موضوع الفلسفة الأولىٰ، لا الاِعتباريَّات.

وهذا من مضرَّات إدخال الفلسفة في الأصول و تداخلهما معًا؛ وإن كان له فوائد أيضًا.

القسم الثَّاني: المقدَّمة العقليَّة والعاديَّة والشَّرعيَّة
اشارة

والمراد من الثَّلاثة واضحٌ؛ لأنَّ من شأن كلٍّ من العقل و العُرف و الشَّرع: جعلَ شيءٍ في المأمور به، شرطًا أو شطرًا.

إرجاع المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره الثَّلاثة إلى أمرٍ واحدٍ

و في الكفاية أرجع الثَّلاثة إلى أمرٍ واحدٍ(2)، وهو المقدَّمة العقليَّة؛ لأنَّ المأمور به:

إمَّا يتوقَّفُ على المقدَّمة؛

ص: 131


1- . راجع: تهذيب الأصول، ج 1 ص 158؛ مناهج الوصول، ج 1 ص 332.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 91.

أو لا؛

فإن توقَّف عليها فالموقوفٌ عليها هو المقدَّمة العقليَّة.

وأمَّا إن لايتوقَّف عليها، فهي ليست بمقدَّمةٍ أصلًا.

تصويب السَّيِّد البروجرديِّ رأي أستاذه قدس سرهما

وتابعه في ذلك السَّيِّد الأستاذ البروجرديُّ قدس سره(1)؛ بل نقل أنَّ الآخوند تبع بعضَ الأعلام.

مناقشة ما اختاراه قدس سرهما

ولكن يمكن أن يُقال: إنَّ الأجزاء والشَّرائط الشَّرعيَّة أمورٌ اعتباريَّةٌ؛ وتفكيكها عن ذي المقدَّمة ليس بمحالٍ. ألَا ترى إلى اِنفكاك القوم بين اللَّوازم والملزومات، من غير ترتُّب حكم الملزوم على اللَّازم، و بالعكس أيضًا؟!؛ و هذا في كثيرٍ من الموارد، كأصل المثبِت - المشهور الرَّائج في الأصول -؛

وأنَّ الأجزاء والشَّرائط العادِّية قد ينصرف الدَّليل عنها، فلايُحكَم بوجوبها شرعًا؟!؛ فلامحالة لاتجب ذي المقدَّمة.

فعلى سبيل المثال: لوأمر المولىٰ العبدَ بأن يذهب إلى السَّطح، فالعادة تقتضي نصب السُّلَّم للوصول إليه؛ فلوفرضنا فقدانَه، فهل يجب على العبد الاِرتقاء إلى السَّطح بالحَبل و نحوه؛

الأصل عدمُ الوجوب؛

فلامحالة يسقط وجوب ذي المقدَّمة.

ص: 132


1- . راجع: نهاية الأصول، ص 157.

فالتَّقسيم الثُّلاثيُّ في محلِّه؛ ولا يرجع بعضُها إلى بعضٍ.

القسم الثَّالث: مقدَّمة الوجود و مقدَّمة الصِّحَّة: ومقدَّمة العلم و مقدَّمة الوجوب
إرجاع المحقِّقَين الخراسانيِّ والبروجرديِّ قدس سرهما بعضَ المقدَّمات إلى بعضٍ

ذهب في الكفاية(1) - و تابعه في ذلك السَّيِّد الأستاذُ البروجرديُّ قدس سره(2) - إلى اِرجاع مقدَّمة الصِّحَّة إلى مقدَّمة الوجود؛ مُعَلِّلًا ب: «أنَّ الكلام في مقدَّمة الواجب، لا في مقدَّمة المُسمّىٰ بأحدها».

مناقشة رأيهما

وفيه: إنَّ هذا الكلام صحيحٌ إن قلنا في باب الصَّحيح والأعم بوضع ألفاظ العبادات والمعاملات للصَّحيح، لا للأعمِّ؛ و لكنَّ المختار وضعُها للأعمِّ - كما فصَّلنا الكلامَ فيه -؛

فحينئذٍ: إنَّ الأركان - و ما يُماثِلُها - تُعَدُّ من مقدَّمات الوجود؛ و مثل الحمد والسُّورة مقدَّمات الصِّحَّة؛ فلايرجع أحدهما إلى الآخر.

رأي المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره والنِّقاش فيه

وكذلك إخراج العلم عن المقدَّميَّة - كما فعله في الكفاية -، بتقريب: «إنَّه هو

ص: 133


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 92.
2- . راجع: نهاية الأصول، ص 158؛ لمحات الأصول، ص 117.

المنجِّزُ للتَّكليف، فالعقل مستقلٌّ بوجوبه، لابترشُّح الوجوب من ذي المقدَّمة إليه»(1).

إذ فيه: إنَّه مع كونه واجبًا نفسيًّا استقلَّ العقلُ به، واجبٌ غيريٌّ أيضًا؛ وهو المُسمّىٰ بالواجب النَّفسيِّ التَّهيُّئيِّ؛ فلذلك يجاب يوم القيامة عن قوله: «لم أَعلَم»، ب:

«أفلا تعلَّمتَ!»(2).

نعم! مقدَّمة الوجوب ذُكرت هيهنا طردًا للباب، لأنَّه لامعنى لتوقُّف الوجوب على الواجب. فمثل البلوغ والعقل يوجب التَّكليفَ، فليس التَّكليف حينئذٍ بذي المقدَّمة.

القسم الرَّابع: المقدَّمة المتقدِّمة والمقارنة والمتأخِّرة
اشارة

كالوضوء للصَّلوة - في الأولىٰ منها -، والقصد للمبادلة - في الثَّانية -، والأجزاء المتأخِّرة للمأمور به - في الثَّالثة، كغسل المُستحاضة في اللَّيل لصحَّة صوم يومه الماضي -.

بيان محلِّ النِّزاع في المسألة

والأصحاب هيهنا وقعوا في عويصةٍ، نظرًا إلى كون المقدَّمة عندهم بمنزلة العلَّة؛ قالوا: «فكيف يكون متأخَّرةً؟، بل و مُتَقدَّمةً؟، إذ لابدَّ من أن تكون مقارنةً فقط!».

ص: 134


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 92.
2- . راجع: تفسير الصَّافي، ج 2 ص 169؛ البُرهان في تفسير القرآن، ج 2 ص 492؛ بحار الأنوار، ج 1 ص 178.

وأجاب كلٌ عنها بجوابٍ(1)؛ والأجوبة لايقبَلُها العُرفُ، بل العقلُ!.

بيان ما أوجد الإشكال

وقبل الخوض في الأجوبة وما يرد عليها نقول: إنَّ هذه المشكلة نشأت من قياس التَّشريع بالتَّكوين وجريان حكم كلِّ واحدٍ منهما على الآخر؛ وهذا فاسدٌ، بل هو من مفاسد إدخال الفلسفة في الأصول؛ لأنَّ التَّشريع والاعتبار لايقبل العلِّيَّة، و لاتأثير ولاتأثُّر فيه، بل العلَّة والعلِّيَّة والشَّرط والمقتضي في عالَم التَّشريع ومحيطه ليست إلَّاصوريَّةً محضةً؛

فحينئذٍ تقسيمها بالمتقدِّمة والمقارنة والمتأخِّرة صحيحٌ لاغبار عليه؛ إذ المقارنة و التَّقدُّم والتَّأخُّر في هذا العالَم بجعل الشَّارع ويده، فهو الَّذي قد جعل شيئًا مقدَّمًا على المأمور به؛

كما وقد جعله مقارنًا له؛

وقد جعله مؤخَّرًا عنه.

فليس المُقارِن علَّةً حقيقيَّةً، فضلًا عن المتقدَّم والمُتأخَّر؛ إذ ليس هيهنا تأثيرٌ ولاتأثُّرٌ يوجب التَّقديمَ أو التَّأخير، بل التَّقدُّم و التَّأخُّر أمرٌ جعْليٌّ يضعه الشَّارعُ كيف يريد.

و لَعمري هذا أوضح من أن يخفىٰ على أحدٍ!.

فالإعراض عمَّا قيل في المسألة أولىٰ؛ ولكن لابدَّ لنا من الخوض في بعضه، نظرًا إلى ما فيه من الفوائد.

ص: 135


1- . انظر على سبيل المثال أيضًا: نهاية الأُصول، ص 158؛ لمحات الأُصول، ص 121.
رأي المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره في المسألة

فنقول: قال المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره في فوائده(1) - و اختاره في الكفاية(2) أيضًا، وادَّعىٰ أنَّه من إبداعه، فلم يسبقْه إليه أحدٌ - بتلخيصٍ منَّا:

أمَّا ما يكون شرطًا للتَّكليف، فلحاظ نفس الشَّرط شرطٌ، لا لحاظ الشَّرط الخارجيِّ، و نفس الشَّرط مقارنٌ للتَّكليف دائمًا، من غير وقوع اِنفكاكٍ بينهما؛

وكذلك ما يكون شرطًا للوضع، بلاتفاوتٍ.

و أمَّا ما يكون شرطًا للمكلَّف به، فالشَّرط هو إضافة المكلَّف به إلى ذلك الشَّرط الخارجيِّ؛ و تلك الإضافة توجب العنوان - من الحُسْن والقبح - للمكلَّف به؛

فالشَّرط المتأخِّر يوجب أن يُعَنوَن المأموربه بذلك العنوان؛

والشَّرط هو هذا العنوان الإضافيُّ حقيقةً، وهو دائمًا مقارنٌ له، وليس بمتقدِّمٍ ولا بمتأخِّرٍ عنه، بل المتقدِّم والمُتأخِّر هو المُضاف إليه، لا نفس الإضافة.

هذا تلخيص كلامه.

مناقشة رأيه

وفيه: أوَّلًا: إنَّ لحاظَ الشَّرط وإن كان لازمًا حين التَّكليف، إلَّاأنَّ ذلك اللِّحاظ شرطٌ لاِنشاء التَّكليف لا لأصل التَّكليف - الَّذي هو الوجوب، الموجود بسبب الانشاء -.

وهذا من غرائب كلمات هذا النِّحرير، في الأصول!.

وبما ذكرنا يظهر حال الأحكام الوضعيَّة.

ص: 136


1- . راجع: فوائدُ الأُصول - للمحقِّق الخراسانيِّ -، ص 59.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 94.

و أمَّا المكلَّف به، فشرطُه المتأخِّر هو الغسل في اللَّيل، لصوم اليوم الماضي؛ وكذلك العقد المتقدِّم، لحصول التَّبادل؛

وأمَّا العنوان الَّذي يحصل بإضافة المأموربه إلى الشَّرط المتقدَّم، أو المتأخَّر، فليس بشرطٍ أصلًا؛ بل إنَّه عنوانٌ يتَّصف المأموربه إليه كسائر ما يتَّصف به و يُضاف إليه - كاتِّصافه و إضافته إلى الأمر، والزَّمان، والمكان، ونحوها - وليس له تأثيرٌ فيه.

وهذا أوضح من أن يخفىٰ على مثل هذا النِّحرير الخبير قدس سره، حتَّى يفتخر به مدَّعيًا فيه أنَّه لم يسبقني إليه أحدٌ!.

متابعة السَّيِّدَين البروجرديِّ والخمينيِّ قدس سرهما إيَّاه

وأعجب من ذلك، ما ذهب إليه الأستاذان المحقِّق البروجرديُّ قدس سره(1) والإمام الخمينيُّ قدس سره(2)، من متابعته فيه، ولوكان كلامهما أدقَّ تعبيرًا من كلامه.

ولكن بعد ما ذهبنا إليه من أنَّ الشُّروط في الاعتباريَّات لاحظَّ لها من الشرطيَّة الحقيقيَّة، فلاتأثير ولاتأثُّر فيه، بل الشَّرطيَّة فيها ليست إلَّاصرف جعلِ الجاعل - فيجعلها متقدِّمًة تارةً، ومقارنًة أخرىٰ، ومتأخِّرًة ثالثةً -، فلأبحاث كلُّها سالبةٌ بانتفاء الموضوع.

فالأجدر بنا الإعراض عنها، لئلَّا يطول الكلام بما لافائدة فيه.

ص: 137


1- . راجع: نهاية الأُصول، ص 158؛ لمحات الأُصول، ص 122.
2- . راجع: تهذيبُ الأُصول، ج 1 ص 166؛ مناهج الوصول، ج 1 ص 340.

ص: 138

الفصل السَّادس: في تقسيمات الواجب

اشارة

للواجب تقسيماتٌ عدَّة، نأتي هيهنا بما هو الأهمُّ منها.

القسم الأوَّل: الواجب المطلق والمشروط
اشارة

ولانحتاج إلى بيان معنى ذلك، لأنَّ «المطلق» و «المشروط» أمران عرفيَّان لهما معناهما بحسبه، وليس لهما اصطلاحٌ خاصٌّ خارجٌ عن المعنى العُرفيِّ.

عدم ثبوتٍ واجبٍ مطلقٍ في الشَّريعة

نعم! إنَّا لم نجد واجبًا مطلقًا قطُّ!، لأنَّ كلَّ واجبٍ له شروطٌ، ولا أقلَّ من الشَّرائط العامَّة الَّتي لا تكليف إلَّابها - كالعقل والبلوغ والعلم والقدرة -.

الشَّرط يتعلَّق بالهَيئة؟ أو بالمادَّة؟

ص: 139

والشَّيخ قدس سره هيهنا أورد مسألةً غامضةً؛ وهي: «إنَّ الشُّروط هل تتعلَّق بالهيئة؟؛ أو بالمادَّة؟»(1).

مختار الشَّيخ الأعظم قدس سره واستدلالُه عليه

وهو قدس سره بعد اعترافه بأنَّ الظَّاهر من العرف تعلُّق الشُّروط بالهيئة، لا المادَّة؛ أرجَعَ القيودَ كلَّها إلى المادَّة؛ ف «الوجوب» - الَّذي هو الهيئة - غير مقيَّدٍ، و «الواجب» - الَّذي هو المادَّة - مقيَّدٌ؛ فالوجوب آليٌّ و الواجب استقلاليٌّ.

و ادَّعىٰ أنَّ رجوعَ القيود إلى الهيئة محالٌ عقلًا، لأنَّه:

أوَّلًا: الاِنشاء من الأمور التَّكوينيَّة، والقيود مربوطةٌ بالمفاهيم دون التَّكوين؛

وثانيًا: إنَّ الهيئة من المعاني الحرفيَّة، فمحالٌ أن تُلحظ، فضلًا عن أن تُقَيَّد!؛

وثالثًا: يلزم من رجوع القيود إلى الهَيئة الجمع بين اللِّحاظ الآليِّ و الاِستقلاليِّ؛

ورابعًا: إنَّ التَّوجُّه في التَّقييدات دائمًا إلى المادَّة، لا إلى الهيئة؛ فرجوع القيد إلى الهيئة يحتاج إلى توجُّهٍ زائدٍ إليها.

مناقشة مختاره

قلت: لوسلَّمنا صحَّة ذلك، فمع ذلك إنَّ القيود ترجع إلى المنشأ، دون الإنشاء.

مناقشة أصل الكلام

ولكنَّ أصل الكلام لا أصل له!، لأنَّ إرجاع القيد إلى الهيئة - مع كونه من التَّكوينيَّات - لاإشكال فيه؛ و الاِتصافات والإضافات في الغالب موطنُها الخارجُ؛

نعم! تقييد الخارجيِّ بالأمر الخارجيِّ لايجوز؛ و أمَّا تقييد الأمر التَّكوينيِّ

ص: 140


1- . راجع: مطارح الأنظار، ج 1 ص 267.

بالأمر الاِعتباريِّ والاِتِّصافي لاإشكال فيه، بل وقوعه ممَّا لاتُعدُّ ولاتُحصىٰ.

هذا، مع أنَّ القيودات - كلَّها - للمفاهيم، والمفاهيم قد تكون للهَيَئات، وأخرىٰ للموادِّ؛ فتُلاحَظ كالمعنى الحرفيِّ - و هو الاِنشاء مثلًا - و تُقيَّد بأمرٍ، وأمورٍ.

فلذلك أجمع الفُقهاء على أنَّ الشَّرائط العامَّة للتَّكليف للوجوب، لاالواجب؛

ولذلك - أيضًا - اخترنا في باب الوضع: إنَّ الوضع والموضوع له كلاهما عامَّان، والمستعمَل فيه خاصٌّ في باب مطلق الحروف.

فما قيل: «إنَّه جمْعٌ بين اللِّحاظ الآليِّ والاِستقلاليِّ، وهو محالٌ»؛

ليس بسديدٍ!؛ لأنَّه جمْعٌ بين اللِّحاظين الاِستقلاليَّين؛

كما أنَّ التَّوجُّه وإن كان أوَّلًا إلى المادَّة، إلَّاأنَّ الواضع حين الوضع قد يُرجِعُ القيد إلى لمادَّة، وقد يُرجِع إلى الهَيئة.

تلخيصُ الكلام في المقام

والحاصل: إنَّا لانرى إشكالًا في ارجاع القيد إلى الهيئة يمنع عنه؛ بل إنَّ ذلك كثيرُ الوقوع؛ وأقوىٰ دليلٍ علىٰ إمكان الشَّيء وقوعه.

هذا مع أنَّه لونلتزم بواحدٍ أو أكثر من الإشكالات، فلاضيرَ!، حيث إنَّ كلَّها عقليٌّ؛ وبعد قبول إرجاع العُرف القيود إلى الهيئة، فالمناطُ ما هو المقبول عند العرف، لا المختار بالدَّقائق العقليَّة.

هذا، مع أنَّه كيف يُعقَل تفرُّد الهيئة أو المادَّة بإرجاع القيود، إذ هما متلازمان؛ فإذا تخصَّص أحدهما بشيءٍ فلامحالة يتخصَّص الآخر به؛

فالمسألة سالبةٌ بانتفاء الموضوع، إذ لايبقىٰ موضوعٌ لهذا النِّزاع أصلًا.

ص: 141

فروعٌ
الفرع الأوَّل:
اشارة

قيل: «إنَّ القيودَ - كلَّها - للهَيَئات، لأنَّه لوكانت للموادَّ فتحصيلها حين البعث محالٌ، بينما أنَّ قدرة المكلَّف عليه حين البعث ضروريٌّ»؛

مناقشةُ هذا القول

وفيه: إنَّ قدرة المكلَّف عليه حينَ الاِتيان بالتَّكليف لازمٌ، لا حين الأمر به؛ فربَّ مكلَّفٍ لايقدر على التَّكليف حين البعث، ولكن يقدر عليه في ظرف الإتيان بالمأمور به؛ فالبعث بالنِّسبة إليه جائزٌ، كما أن العكس غير جائزٍ. كمَن يقدر على التَّكليف حين البعث، ولكنَّ المولىٰ يعلم أنَّه لايقدر عليه حين الإتيان، فلايجوز أن يأمره به؛ بل لولم يكن المولىٰ ساهٍ غير متوجِّهٍ إلى مقام العبد، فأمرُه به محالٌ جدًّا.

الفرع الثَّاني:
اشارة

البعثُ كالإرادة في لزوم المتعلَّق؛ فكما لايُعقَل تفكيكُ المُراد عن الإرادة، كذلك لايُعقَل تفكيكُ البعث عن المبعوث إليه؛ فلابدَّ من أن يُقال: إنَّ القيودَ - كلَّها - راجعةٌ إلى الهيئة، دون المادَّة.

مناقشة هذا القول

وفيه أوَّلًا: التَّنظيرُ بينهما ليس بسديدٍ، لأنَّ تشبيه الأمر التَّكوينيِّ بالأمر التَّشريعيِّ وجعْلَهما نظيرين، غيرُ جائزٍ.

وثانيًا: إنَّ البعث غير منفكٍّ عن المبعوث إليه، وهذا لاكلام فيه؛ إنَّما الكلام في ثبوت الاِنفكاك بين الأمر والمأموربه - المُعبَّر عنه بالمأتيِّبه -.

ص: 142

الفرع الثَّالث:
اشارة

قيل: «إنَّ من القيود ما لابدَّ من رجوعه إلى الهَيئة، منها الشَّرائط العامَّة للتَّكليف - الَّتي هي العقل، والقدرة، والعلم، والبلوع -، ومنها الاِستطاعة للحجِّ؛ وإلَّا يلزم تحصيل الاِستطاعة، ومنها قوله: «إن اِفطَرتَ فاَعتِقْ رقبةً»، لأنَّه لوكان راجعًا إلى المادَّة يلزم مطلوبيَّة الاِفطار».

مناقشةُ هذا القول

وفيه: إنَّ الشَّرائط العامَّة للتَّكليف ليس في مرتبة الاِنشاء والفعليَّة، بل إنَّها كلَّها شرائط لمرتبة تَّنجُّز التَّكليف؛ فهي خارجةٌ عن محلِّ البحث، لخروج موضوعه عنه.

وأمَّا المثالان، فهما ليسا من الشُّروط الواقعيَّة، بل من جملة الشُّروط الَّتي سيقتْ لبيان الموضوع؛ فيكون المُعنىٰ بها: «أيُّها المستطيعُ حُجَّ!، وأيُّها المُفطِرُ اَعتِق!».

فهما بحسب ظاهرهما شرطٌ للموضوع، وبحسب الواقع نفسه.

الفرع الرَّابع:
اشارة

قيل: «إذا شُكَّ في رجوع قيدٍ إلى الهيئة أو المادَّة، فرجوعه إلى المادَّة أولىٰ من رجوعه إلى الهيئة؛ لأنَّ إطلاق المادَّة بدليٌّ بينما أنَّ إطلاق الهيئة شموليٌّ، فتقييدُ البدليِّ أولىٰ، بل هو المتعيِّن - لأنَّ الإطلاق الشُّموليِّ كالعامِّ، والعامُّ مقدَّمٌ على الإطلاق -»(1).

ونُسِب ذلك إلى الشَّيخ قدس سره؛ ولكن مقام الشَّيخ أجلٌّ من أن يُنسَبَ إليه هذه الكلمات ونظائرها!؛ لأنَّه:

ص: 143


1- . انظر: محاضراتٌ في الأصول، ج 2 ص 342.
مناقشة هذا القول

أوَّلًا: صرفُ ادِّعاءٍ ليس له دليلٌ.

وثانيًا: على فرض صحَّة المدَّعىٰ، فتقديم الشُّموليِّ ليس له وجهٌ حتَّى في العامِّ، فضلًا عن الإطلاق.

وثالثًا: قياسُ الاِطلاق الشُّموليِّ بالعامِّ وجعلُهما مثلين، صرفُ ادِّعاءٍ - أيضًا - لايدلُّ عليه شيءٌ.

الفرع الخامس:
اشارة

قيل: «إذا دار الأمرُ بين تقييدِ الهيئة أو المادَّة، فتقييد المادَّة أولىٰ؛ بل هو المتعيَّن.

ذلك لأنَّه لورجع القيد إلى الهيئة، فيلزم تقييد المادَّة أيضًا، وأمَّا لورجع القيد إلى المادَّة فلايلزم تقييدُ الجميع، وإذا دار الأمر بين تقييد واحدٍ منهما أو إيَّاهما جميعًا، فتقييد الواحد أولىٰ، بل المتعيَّن، بلاريبٍ وارتيابٍ».

مناقشةُ هذا القول

وفيه: قد مرَّ الكلام منَّا في أنَّ تقييد الهيئة يلزم تقييد المادَّة أيضًا، كما أنَّ تقييد المادَّة يلزم تقييد الهيئة؛ والاِنفكاك بين الهيئة و المادَّة في أمر التَّقييد محالٌ - كعدم تصوُّر اِنفكاك العرَض عن المعروض -.

القسم الثَّاني: الواجب المعلَّق والمنجَّز
اشارة

ص: 144

قيل: «التَّقسيم ممَّا أبدعه صاحبُ الفصول قدس سره»(1)؛ وقد فصَّل الكلامَ فيه(2) تفصيلًا لا وجهَ له؛ فصار بعده معركةً للآراء و محطًّا للقيل والقال.

بيان المختار من عدم ثبوت الفرق واقعًا بين الأقسام

لكنَّا بعد التَّأمُّل لانرىٰ فرقًا بين المطلق والمشروط من ناحيةٍ، وبين المنجَّر والمعلَّق من ناحيةٍ أخرىٰ.

بل المنجَّز هو المطلق بعينه، كما أنَّ المعلَّق هو المشروط أيضًا؛ وبعد ذلك فأقوالهم فيه جديرٌ بالاعراض عنها.

نعم! يمكن أن يدَّعي صاحب الفصول قدس سره: إنَّ القيد إذا رجع إلى الهيئة فالواجب منجَّزٌ؛ و إذا رجع إلى المادَّة فهو معلَّقٌ؛

وهذا لابأس به، حيث إنَّه مصطلحٌ جديدٌ أبدعه هذا الخبير؛ لكنَّه لايوجب تقسيم الواجب إلى المعلَّق والمنجَّز كقِسمين مستقلَّين بحيال الأقسام الأُخَر.

القسم الثَّالث: الواجب النَّفسيِّ والغيريِّ
اشارة

المشهورُ المنصورُ: إنَّ «النَّفسيَّ» ما أُمِر به لنفسه - كما إذا أمَر المولىٰ بالعبادات، كالصَّلوة، والصَّوم، والزَّكوة -؛

و «الغيريُّ» ما أُمِر به لغيره، كالأمر بأجزاء تلك العبادات و شرائطها(3).

ص: 145


1- . انظر: لمحات الأُصول، ص 133.
2- . راجع: الفصول الغرويَّة، ص 79 السَّطر 36.
3- . انظر على سبيل المثال: الفُصول الغَرويَّة، ص 80 السَّطر 37؛ لمحات الأُصول، ص 142؛ مناهج الأحكام، ص 48.
ذِهاب الأعلام إلى هذا القول

وهذا هو الَّذي ذكره العلَّامة الشَّيخ محمَّدتقي المسجدشاهي قدس سره في هداية المُسترشدين(1)، في مقام التَّعريف بهما؛ واختاره غيرُ واحدٍ من الأعلام، منهم الشَّيخ الأعظم الأنصاريُّ قدس سره في مطارح الأنظار(2).

إرجاع جميع العبادات إلى الغيريِّ

وما قيل من: «أنَّ العبادات بما أنَّها تابعةٌ للمصالح و المفاسد، فكلُّها واجباتٌ غيريَّةٌ، لأنَّها أُمِرت بها لغيرها - أي: للوصول إلى تلك المصالح، والتَّحرِّي عن تلك المفاسد»؛

مناقشةُ هذا القول

فليس بسديدٍ!؛ لأنَّ المصالح والمفاسد - مضافًا إلى كونها من مباحث علم الكلام خارجةً عمَّا نحن بصدده - والمناطات - كلَّها - ليست إلَّافي مقام الاِقتضاء، والبحث حاليًّا في مقام الاِنشاء والفعليَّة، لا الاِقتضاء.

ما أجاب به العَلَمان الخراسانيُّ والبروجرديُّ قدس سرهما عن هذا القول

و لانحتاج - بعد ما ذكرنا - إلى ما تمَحَّله الشَّيخ صاحب الكفاية قدس سره(3)، و تابعه فيه أستاذُنا المحقِّقُ البروجرديُّ قدس سره(4)، من: «أنَّ المصالح والمفاسد تتعنون الأوامر

ص: 146


1- . راجع: هداية المُسترشدين، ج 2 ص 89.
2- . راجع: مطارح الأنظار، ج 1 ص 330.
3- . راجع: كفاية الأُصول، ص 108.
4- . راجع: نهاية الأصول، ص 182؛ لمحات الأصول، ص 144.

والنَّواهي بعنوانين: الحَسَن تارةً، والقبيح السَّيِّ ء أخرىٰ؛ فكذلك تصير العبادات - كلُّها - واجباتٍ نفسيَّةٍ، وأُمِر بها لنفسها»؛

الردُّ علىٰ مختارهما

لأنَّه - مضافًا إلى عدم الحاجة إلى هذا الَّتمحُّل -: إنَّه لوكان كذلك، فالأوامر الغيريَّة - أيضًا - كلُّها كذلك؛ لأنَّها - كلَّها - تتعنون بعنوانٍ حَسَنٍ - لأنَّها أُمِر بها لما هُو الحَسَنُ، أي: العباداتُ النَّفسيَّة -.

القسم الرَّابع: الواجب الأصليِّ والتَّبعيِّ
اشارة

وفي هذا التَّقسيم أمورٌ:

الأمر الأوَّل: موضع البحث عند صاحب الكفاية قدس سره

إنَّ صاحب الكفاية قدس سره بحث عن هذا التَّقسيم في وسط الأمر الرَّابع(1)، الَّذي مهَّده لاِثبات كيفيَّة المقدَّمة، وأنَّه هل يجب ذات المقدَّمة أو المقدَّمة الموصِلة أو غيرهما؛

فهو كجملةٍ معترضةٍ وقعت غير مرتبطةٍ بطَرَفَيها؛ والصَّحيح - الملائمُ لطبع القضيَّة - جعْلُه هيهنا، لأنَّ الأمر الثَّالث موضوعٌ لتقسيم الواجب، كتقسيمه إلى الأصليِّ والتَّبعيِّ.

ص: 147


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 122.

فالظَّاهر وقوع اشتباهٍ له قدس سره هيهنا، فتأمَّل حتَّى ترتفع الاِشتباه.

الأمر الثَّاني: المرادُ من الأصليِّ والتَّبعيِّ:
اشارة

إنَّه تارةً يأمر المولىٰ بشيءٍ مريدًا في أمره هذا استقلالَ ذلك المأموربه - كما أمر بالصَّلوة الواجبة أو المستحبَّة -؛

وقد يأمر بشيٍ لا كذلك، بل بجَعْل المأموربه تبعًا لغيره - كما أمر بالصَّلوة لدرك فضليهٍ غير فضيلة الصَّلوة نفسها، كما أمر بالجمع بين الصَّلوات لِمن اشتبه عليه القلبة -؛

فالأوَّل «أصليٌّ»؛ والثَّاني «تبعيٌّ».

إمكان إرجاع الواجب الغيريِّ إلى التَّبعيِّ

وأمثلة التبعيِّ كثيرةٌ، بل يمكن أن يقال: إنَّ الواجبات الغيريَّة جميعَها تبعيَّةٌ من ناحيةٍ، وغيريَّةٌ من ناحيةٍ أخرىٰ:

لتوقُّف الواجب النَّفسيِّ عليها، شرطًا أو شطرًا؛ فهي غيريَّةٌ؛

ولأنَّ الأمر بها تتبع الواجبات النَّفسيَّة، فهي تبعيَّةٌ.

الأمر الثَّالث: كلُّ واحدٍ من الواجبات الغيريَّة والنَّفسيَّة، ينقسم إلى الأصليَّة و التَّبعيَّة.

فإذا أمر بالصَّلوة فهو نفسيٌّ أصليٌّ؛

وإذا أمر بالصَّلوة لدرك فضيلته، فهو أصليٌّ تبعيٌّ.

ص: 148

كما أنَّه إذا أمر بالوضوء للصَّلوة فهو غيريٌّ أصليٌّ؛

وإذا أمر بالوضوء لاللصَّلوة بل ليكون المكلَّف مُتَطَهِّرًا ويدوم على الطَّهارة، فهو غيريٌّ تبعيٌّ.

هذا كلُّه بحسب مقام الثُّبوت.

وأمَّا بحسب مقام الدِّلالة، ف:

قد يأمر المولىٰ بشيءٍ - نفسيًّاً كان أو غيريًّا - بالدَّليل المطابقيِّ - كقوله: صلِّ، أو:

توضَّأ -؛

وقد يأمر بشيءٍ بالأدلَّة التَّضمُّنيَّة، أو الاِلتزاميَّة، أو الإشاريَّة، فهو أمرٌ تبعيٌّ يلازم الأمرَ الأصليَّ.

فقوله - تعالى! -: «فَلاٰ تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ»(1) أمرٌ أصليٌّ برأسه، وبالأولويَّة والإشارة يُستفاد منه حرمةُ ضربِهِما.

وكذلك لوقيل: «يجب عليك التَّفقُّه في الدِّين»، فهو أمرٌ تبعيٌّ لازمٌ للخطاب.

فجميعُ ما يُستفاد من تنقيح المناطات، وإلغاءِ الخصوصيَّات، والإشاراتِ - من الخطابات والأولويَّات ونحو ذلك -، يُعدُّ من الواجبات التَّبعيَّة.

تتمَّةٌ
الشَّكُّ في كون واجبٍ نفسيًّا أو تبعيًّا

إذا شُكَّ في واجبٍ «أنَّه نفسيٌّ أو تبعيٌّ؟»؛ فإطلاق الخطاب يقتضي كونَه أصليًّا؛ لأنَّ التَّبعيَّ يحتاج إلى القرينة، وهذا بقضاء العُرف.

ص: 149


1- . كريمة 23 الإسراء.

فمن ذلك يظهر أنَّ صيغة اِفعَل - وما بمعناه - وُضعتْ للأصليِّ، واستعمالها في التَّبعيِّ مجازٌ؛ فلذلك يحتاج إلى قرينةٍ معيِّنةٍ.

وقد مرَّ منَّا في بدء باب الأوامر: إنَّ الإطلاق يقتضي:

النَّفسيَّة، لا الغيريَّة؛

والعينيَّة، لا الكفائيَّة؛

والتَّعيينيَّة، لا التَّخيريَّة؛

فهكذا الإطلاق يقتضي الأصليَّة، لا التَّبعيَّة.

ولا نريد من «الإطلاق» هيهنا الإطلاقَ الَّذي يقتضية مقدَّماتُ الحكمة - حتَّى يُقال: إنَّه على فرض ثبوته لايقتضي إلَّاالقدرَ الجامع -؛ بل المرادُ الإطلاقُ الوضعيُّ، بمعنى أنَّ الظُّهور العرفيَّ يدلُّ على الأصليِّ، فالتَّبعيُّ من باب المجاز، لا الحقيقة.

مقتضى الأصل في المقام

نعم! لوأُنكِر ذلك كلُّه، فتصل النَّوبة إلى الأصل، وهو يقتضي البراءة. وليس هيهنا مجرىٰ الاِستصحاب، لأنَّ استصحاب عدمِ الأصليِّ يُعارض استصحابَ عدم التَّبعيِّ؛

أضِف إلى ذلك أنَّ اِستصحاب العدم الأزليِّ ليس عندنا حجَّةً، بل نعدُّه من توهُّمات الأصوليِّين، حيث ليس له في العُرف عينٌ ولا أثرٌ، بل ولا خبرٌ أيضًا!.

ملحَقٌ: يُذكَر فيه مسائل هامَّة
اشارة

ص: 150

المسألة الأولىٰ: في أنَّ وجوبَ المقدَّمة يُستَفادُ من الشَّرع؟ أم لا؟
اشارة

هل مقدَّمة الواجب واجبٌ شرعًا؟ فيه خلافٌ.

المشهورُ والمختارُ في المسألة

والمشهور على: أنَّه واجبٌ عقلًا وشرعًا؛

والأقوىٰ أنَّه واجبٌ عقلًا، لاشرعًا؛ لأنَّ العقل يحكم بلزوم اِتيان المقدَّمة لاتيان ذي المقدَّمة فحسبْ؛ فلوترَكَه - وحينئذٍ لامحالة ترك ذي المقدَّمة - يُعاقَب على ترك ذيها، لا عليها رأسًا.

والعُذرُ ب: أنَّه لم يُقدَر عليها؛

لايُقبل!؛ لقاعدة «أنَّ الاِمتناع بالاِختيار لايُنافي الاختيارَ».

وبالجملة إنَّ وجوب المقدَّمة عقلًا من ضروريَّات العقل؛ بل العرف يحكم بذلك من غير توقُّفٍ فيه واِنكارٍ. فترشُّح الوجوب من المقدَّمة إلى ذيها مقبولٌ عند العقل، و محكومٌ بصحَّته عند العرف.

وأمَّا شرعًا - بمعنى ترشُّح الوجوب من ذي المقدَّمة إلى مقدَّماته بطلبٍ من الشَّرع و أمره -، فوجوب المقدَّمات كذلك من باب الملازمة الشَّرعيَّة. والمشهور على ثبوتها.

ما استدلَّ به عليه الشَّيخ والمحقِّق الخراسانيُّ قدس سرهما

ص: 151

واستدلَّ الشَّيخُ قدس سره عليه في مطارح الأنظار بعشرة دلائل(1)؛ والمحقِّق الخراسانيُّ قدس سره اكتفىٰ بواحدٍ منها(2)؛ وهو:

«إنَّ المولىٰ إذا أمرَ بشيءٍ أمرَ بمقدَّماته، نظرًا إلى تقارُنهما، فلذا يمكن له أن يُظهِر ذلك الأمر قائلًا: اِذهَب إلى السُّوق واشتَرِ اللَّحمَ. وهذا سرُّ ما يُترائىٰ في الشَّريعة من الأمر بالمقدَّمات والواجبات الغيريَّة، فضلًا عن الأمر بذيها».

مناقشة ما استدلَّا به

وفيه أوَّلًا: بعد حكم العقل بوجوبها، فالأوامر الشَّرعيَّة - كلُّها - إرشاديَّةٌ.

وثانيًا: إنَّ قوله: «اِذهَب إلى السُّوق واشتَرِ اللَّحمَ» - وما يماثِلُه - يكون كقول القائل: «إنْ رُزِقتَ ولدًا فَاخْتِنه». فوجوب المقدَّمة من باب تعيين الموضوع وتبيينه؛ ولذلك لواشترى العبدُ اللَّحمَ من غير الذِّهاب إلى السُّوق، يُعَدُّ مطيعًا، مع حذفِه المقدَّمة في الإيصال إلى ذيها.

وثالثًا: إنَّ الأوامر في الواجبات الغيريَّة، كلُّها يُعدُّ من الشَّرائط والأجزاء؛ فقوله: «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ»(3)، مرادفٌ لقوله: «الوضوءُ شرطٌ للصَّلوة»؛ وكذلك قوله: «كَبِّر واقْرَء فاتحةَ الكتاب»، بمنزلة قوله: «التَّكبيرُ والفاتحةُ جزءٌ للصَّلوة»، فالأوامر فيها - كلِّها - صوريٌّ، لاواقعيٌّ.

فالمتحصَّل من جميع ما قلنا: إنَّه لاترشُّح شرعًا من ذي المقدَّمة إليها؛ فمقدَّمة الواجب واجبٌ عقلًا، لاشرعًا.

ص: 152


1- . راجع: مطارح الأنظار، ج 1 ص 405.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 126.
3- . كريمة 6 المائدة.

والتَّفصيل أزيدُ من ذلك تضييعٌ للعمر!.

المسألة الثَّانية: ثبوت المثوبة وعدمُه على الإتيان بالمقدَّمات
اشارة

لاإشكال في أنَّ من ترَك المقدَّمات فصار ذيها متروكًا لامحالة، لا عِقاب له من جهة تركه المقدَّمات؛ بل العقوبة ثابتةٌ لتركه ذيها.

و أمَّا مَن أتىٰ بالمقدَّمات، فهل له عليه مثوبةٌ؟؛

كما أنَّ مَن أتىٰ بالمقدَّمات المحرَّمة، فهل له عليه عقوبةٌ؟.

مختار المشهور في المسألة

المشهور بين الأصحاب(1) أنَّه ليس للمقدَّمات مثوبةٌ ولاعقوبةٌ بالاِستقلال، والمثوبةُ والعقوبةُ لذي المقدَّمة، لاعليها.

مناقشةُ مختارهم

ولكن ينافي مبناهم هذا ما هو مذكورٌ في رواياتٍ مستفيضةٍ من: ترتُّب الثَّواب على المقدَّمات الواجبة والمندوبة، وكذلك ترتُّب العقوبة على محرَّماتها.

والعقل يستقلُّ بثبوت ذلك المثوبة والعقاب على المقدَّمة نفسِها، وذلك لاقتراب العبد إلى المولىٰ بمجرَّد الاِتيان بها ولو لم يصل إلى ذيها؛ وكذلك لبُعده عنه بمجرَّد الاِتيان بها كذلك.

ص: 153


1- . انظر على سبيل المثال: كفاية الأُصول، ص 128؛ نهاية الأفكار، ج 2 ص 327.

نعم! ثبوتُ المثوبة بحاجةٍ إلى الاِتيان بالعمل بداعي الاِمتثال، كما أنَّ ثبوت العِقاب يحتاج إلى داعي العصيان؛ لأنَّ المثوبات والعقوبات - كلَّها - تحتاج إلى الدَّاعي؛ فلولم يُؤتَ بهذا الدَّاعي فلامثوبةَ ولاعقوبةَ.

ولعلَّ المشهور - الذَّاهبون إلى عدم ترتُّب المثوبة والعقوبة على المقدَّمات - أرادوا ما إذا أتىٰ العبدُ بالمقدَّمات من غير قصدٍ فيها - لاتقرُّبًا، ولا تجرِّيًا -،

هذا كمَن أراد السُّوق ليشتري الخُبز، فمرَّ بمسجد المدينة الكبير فصلَّىٰ فيه، أو مرَّ بمَطرَبٍ أو ملهًى فاشتغلَ بالطَّرب و التَّلهِّي ناسيًا إيَّاه - سبحانه وتعالى! -؛

فلامثوبة له ولاعقوبة على المقدَّمات، لأنَّه لم يأت بها تحصيلًا لهما.

هذا، ولكنَّ الظَّاهر من كلماتهم عدمُ إرادتهم ذلك مطلقًا.

المسألة الثَّالثة: ما هو الواجب من المقدَّمات
اشارة

اختلف الأصوليُّون في: «أنَّ الواجب من المقدَّمات ما هو؟».

مختار المشهور في المسألة

فالمشهور بينهُم: أنَّ الواجب هو ذات المقدَّمة(1). وتابَعَهم في ذلك المحقِّق صاحب

ص: 154


1- . انظر على سبيل المثال: بدائع الأفكار - للمحقِّق الرَّشتي -، ص 338 السَّطر 15؛ تحريراتٌ في الأُصول، ج 3 ص 186؛ تهذيبُ الأُصول، ج 1 ص 205؛ دروسٌ في علم الأُصول، ج 1 ص 339.

الكفاية قدس سره(1).

مناقشة بعضِ تلاميذه فيه

وأورد عليهم تلميذه النِّحرير العلَّامة الشَّيخ محمَّدالرِّضا الأصفهانيُّ - كما سمعناه في مجلس الدَّرس عن بعض أساتيدنا - ب: «أنَّه لوكان كذلك، فمَن قصد كربلاء لقتل الحُسين عليه السلام لفَعَل واجبًا لابدَّ منه، لأنَّ نفس الذِّهاب إلى كربلاء - إعانةً له عليه السلام - واجبٌ!»(2).

ثمَّ أجاب عن هذا في جملة الكلام - مكرِّرًا إيَّاه -: إنَّ وجوب المقدَّمة ليس إلَّا لأجل الوصول إلى ذيها، وذلك يحصل ولو في ضمن فردٍ محرَّمٍ، إلَّاأنَّ الفردَ المحرَّمَ لايقع على صفة الوجوب - لكونه محرَّمًا -؛ ولكنَّ الفردين -: المحرَّم وغير المحرَّم - في الإيصال إلى ذي المقدَّمة سيَّان.

ولكنَّ الاِنصاف عدم اِرتفاع الإشكال بعدُ بهذا الجواب؛ لأنَّه اقرارٌ باجتماع الواجب والمحرَّم في فرد واحدٍ.

المختارُ في الجواب

والمختارُ في الجواب أن يُقال: إنَّ المشي لقتل الحسين مقدَّمةٌ لقتله، فهو مقدَّمةٌ محرَّمةٌ؛ كما أنَّ المشي لاعانته مقدَّمةٌ واجبةٌ أيضًا. ولمَّا كان «المشيُ» عنوانًا عامًّا، فيحتاج في تمييز أحدهما عن الآخر إلى القصد؛

فإن قصَدَ قتل الحسين، فالمشي مقدَّمةٌ محرَّمةٌ فحسْب؛

ص: 155


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 128.
2- . الإيراد لم يذكره الشَّيخ الأصفهانيُّ في وقاية الأذهان.

كما أنَّه إن قصَدَ إعانته، فهو مقدَّمةٌ واجبةٌ لاغير، من غير وقوع اشتراكٍ في موردٍ منه.

كما أنَّه لولم يقصد شيئًا أصلًا، فلاصفةَ لمَشيه، لا الوجوب ولاالحرمة؛ وإن أمكن - حينئذٍ - ألَّايترتَّب عليه ذي المقدَّمة قهرًا - لاالواجبة، و لاالمحرمة أيضًا -.

مختار صاحبَي المعالم والفرائد 0 في المقام

وقال صاحب المعالم قدس سره(1) والشَّيخ الأنصاريُّ قدس سره(2): «إنَّ المقدَّمة المرادة واجبةٌ؛ أو المقدَّمة بداع الاِمتثال واجبةٌ»؛

وأورد عليهما ب: أنَّ قيد «الإرادة» غير دخيل في مقدميَّة المقدَّمة، فلذلك قال سيِّدنا الأستاذ المحقِّق الدَّاماد قدس سره: «إنَّ مراد الشَّيخ ب «داع الاِمتثال»: أنَّه لوأراد الثَّواب فلابدَّ من اِتيان المقدَّمة بالدَّاعي؛ فلافرق بين مذهبهما و ما عليه المشهور، حيث ذهبوا جميعًا إلى وجوب ذات المقدَّمة من غير دخلٍ للإرادة أو الدَّاعي فيها»(3).

مختار السَّيِّديْن الأصفهانيِّ والخمينيِّ 0 هيهنا

وقال صاحب الفصول قدس سره: «إنَّ الواجب هو المقدَّمة الموصِلة»(4)؛

وتبعه السَّيِّد الأستاذ الخمينيُّ قدس سره. واستدلَّ الأستاذ عليه ب: «أنَّ الاِتيان بالمقدَّمات ليس إلَّالأجل الوصول إلى ذي المقدَّمة، وحيث إنَّ الحيثيَّات التَّعليليَّة

ص: 156


1- . راجع: معالم الدِّين، ص 68.
2- . راجع: مطارح الأنظار، ج 1 ص 405.
3- . راجع: المحاضرات في أصول الفقه، ج 1 ص 248.
4- . راجع: الفصول الغرويَّة، ص 81 السَّطر 9.

ترجع إلى الحيثيَّات التَّقييديَّة، فلامناص من كون الواجب هو المقدَّمة الموصِلة»(1).

وفيه: إنَّ غايةَ الحكم بمنزلة العلَّة، والعلَّة غير دخيلٍ في المعلول - وهذا سِرُّ ما اشتهر بينهم من: «أنَّ العلَّة الغائية مقدَّمةٌ على المعلول تصوُّرًا، ومؤخَّرةٌ عنه وجودًا -، لا قيدًا و لا شرطًا.

نعم! إنَّ العلَّة الغائية داعيةٌ إلى إرادة المقدَّمة و ذيها، من غير دخلٍ لها فيهما قيدًا، أو شرطًا.

ما أورد عليه الشَّيخُ قدس سره

وقد أورد عليه الشَّيخُ قدس سره في تقريراته(2) أزيد من عشر إيراداتٍ؛ و عمدتها ما قُرِّر في الكفاية(3)، من: أنَّها قبل الاِتيان بالمقدَّمة وترتَّب ذيها عليها ليست بواجبةٍ، وبعد الاِتيان بها وترتَّب ذي المقدَّمة عليها فالأمر بها لغوٌ - حيث يأمر إلى تحصيل ماهو الحاصل -، و هو محالٌ.

مناقشة قوله

وفيه: يمكن القول بوجوب ذي المقدَّمة و كونها مأمورًا بها، من جهة انحصار الإيصال إلى المقدَّمة فيها.

لا أصل لهذا الإشكال أصلًا

والَّذي يُسهِّل الأمر ويجعل البحث نزاعًا لفظيًّا، هو إنَّه لمَّاكانت المقدَّمة وذوها

ص: 157


1- . راجع: تهذيب الأصول، ج 1 ص 210؛ مناهج الوصول، ج 1 ص 401.
2- . راجع: مطارح الأنظار، ج 1 ص 442.
3- . راجع: كفاية الأُصول، ص 104.

من باب التَّضايف، فلايُفرَض حصول أحدهما من دون الآخر؛ بل تصوُّرُ أحدهما منفردًا محالٌ.

ففي عالم التَّصوُّر والمفهوم، إذا تُصوِّرت المقدَّمةُ يُتصوَّرُ ذوها؛

كما في عالم الخارج، حيث إنَّه إذا وُجِدت المقدَّمةُ، وُجِد الآخر.

فالمقدَّمة والعلَّة سيَّان في حكم التَّضايف؛ فكما أنَّ تفكيك العلَّة عن المعلول محالٌ - سواءً في عالَم التَّصوُّر، أو الخارج -، فكذلك المقدَّمة و ذوالمقدَّمة.

فإرادة المقدَّمة تلازم إرادة ذيها، كما أنَّ إرادة العلَّة تلازم إرادة معلولها؛

كذلك إنَّ وجود المقدَّمة بالحمل الشائع وبنحو الكلِّيِّ الطِّبيعيِّ في الخارج، يُلازِم ذاها؛

كما أنَّ وجود العلَّة ملازمٌ لوجود معلوله.

نعم! الفرق بينهما في أنَّ المقدَّمة لمَّا لم تكن لها العلِّيَّة التَّامَّة، فالاِنفكاك بينه و بين ذي المقدَّمة جائزٌ؛ بينما أن في العلَّة لا انفكاك بينها و بين معلولها.

ولكن من حيث الاِقتضاء، فالمقدَّمة كالعلَّة، بلاتفاوتٍ بينهما.

ص: 158

الفصل السَّابع: اِقتضاء الأمر بالشَّيء النَّهيَ عن ضدِّه

اشارة

هل الأمر بالشَّيء يقتضي النَّهيَ عن ضدِّه؟. فيه خلافٌ. المشهورُ بين المشهور(1):

أنَّ الأمر بالشَّيء يقتضي النَّهي عن ضدِّه العامِّ - أي: ترك ذلك الشَّيء - أوَّلًا؛

كما أنَّ الأمر بالشَّيء لايقتضي النَّهي عن ضدِّه الخاصِّ - و هو المعاندُ للشَّيء - ثانيًا.

فيقع الكلامُ في المقامين.

المقام الأوَّل: هل الأمرُ بالشَّيء يقتضي النَّهي عن نقيضه؟
اشارة

ص: 159


1- . وانظر: أُصول الفقه، ج 1 ص 294؛ بحوثٌ في علم الأُصول، ج 2 ص 289؛ بدائع الأفكار - للمحقِّق الرَّشتي -، ص 369 السَّطر 22؛ تحريراتٌ في الأُصول، ج 3 ص 293.
بيان المختار وما يدلُّ عليه

الأقوىٰ عدم الاِقتضاء، وإن كان مِن الأصحاب مَن يقول به -؛ وذلك لأنَّ الأمر بالشَّيء - لغةً ووضعًا و عقلًا - لايكون إلَّاالأمر بنفسه؛ فكما أنَّ التَّرغيبَ في عالَم التَّكوين - بشهادة الوجدان - لايقتضي إلَّاالتَّرغيب نحوَ المطلوب، فكذلك في عالَم التَّشريع. فالمولىٰ بأمره العبدَ، يرغِّبه نحوَ المأموربه، من غير ترغيبٍ منه له إلى ترك ضدِّه؛

بل في غالب الأحيان ليس ترك الضِّدِّ إلَّامغفولًا عنه عند الآمر.

بعض ما قيل في المسألة وبيان فسادِها

وبذلك يظهر فسادُ قول مَن قال: «إنَّ الاِقتضاء بنحو العينيَّة والدِّلالة المطابَقيِّ»؛

وكذلك مَن قال ب: «التَّضمين»؛

وكذلك من قال ب: «الاِلتزام»(1)؛

لأنَّ الأمر وُضِع للتَّرغيب نحو مطلوب الآمر، لا للتَّرغيب إليه والزَّجر عن نقيضه معًا وفي آنٍ واحدٍ؛ وذلك - كما أشرنا إليه - يظهر بشهادة الوجدان وتصديقه إيَّاه.

المشهور من القدماء وبيان ما فيه

فما اشتهر من القُدَماء(2) - من:

«أنَّ الأمر بالشَّيء على سبيل الوجوب هو البعث الوجوبيِّ مع النَّهي عن

ص: 160


1- . انظر: فوائدُ الأُصول، ج 1 ص 301؛ مناهج الوصول، ج 2 ص 7.
2- . انظر: لمحات الأُصول، ص 210؛ نهاية الأفكار، ج 2 ص 377.

نقيضه»؛

و «المندوب هو الأمر بالشَّيء من دون النَّهي عن نقيضه» -،

فالظَّاهر أنَّ قولهم هذا ليس إلَّافي مقام التَّعليم والتَّعلُّم، وفي مقام تقريب معناهما إلى الذِّهن؛ وإلَّا فليس الفرق بينهما في الزَّجر والنَّهي عن نقيضه، بل لافرق بينهما إلَّابالقرينة الخارجيَّة، أو الدَّاخليَّة.

مناقشة ما ذكره المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره

وممَّا ذكرنا يظهر عدم تماميَّة ما في الكفاية، من: «أنَّ العقل يحكم بذلك من غير أن تدلَّ لفظة «الأمر» - مطابقةً، أو تضمُّنًا، أو اِلتزامًا - عليه؛ بمعنىٰ أنَّه لوالتفتَ الآمرُ إلى النقيضِ الواجبِ التَّرك لما كان راضيًا به وبفعله؛ بل كان يبغضه»(1)؛

وفيه: إنَّ العقل يحكم بوجوب اتيان المأمور به فقط؛ لأنَّ أمرَه لايدلُّ إلَّاعلى ذلك. فلذا كان التَّرك مغفولًا عنه غالبًا؛ كما قد أقرَّ هو نفسُه في آخر كلامه بأنَّه لوطلب المولىٰ الآمر التَّركَ، يكون هذا الطلب مجازيًّا.

وبالجملة: إنَّ الأمر بالشَّيء لايكون إلَّاالأمر بنفس الشَّيء فقط؛ لغةً، ووضعًا، وعُرفًا، وعقلًا.

المقام الثَّاني: هل الأمر بالشَّي يقتضي النَّهيَ عن ضدِّه الخاصِّ؟
اشارة

والمراد ب «الضدِّ الخاصِّ» هو المعاند صفةً، لا وجودًا - الَّذي فرغنا عنه في

ص: 161


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 133.

الأمر الأوَّل -. فهل يُستفاد من قولِ القائل: «أَزِل النِّجاسة»: «لاتقُمْ الصَّلوةَ فيها»؟.

مختار المشهور في المسألة وما فيه

فيه خلافٌ؛ والمشهورُ بينهم عدمُ الدِّلالة(1).

وما قيل من: «أنَّ عدم الضِّدِّ من مقدَّمات الاِتيان بالضِّدِّ الآخر، وبما أنَّ المقدَّمة الواجبةَ واجبةٌ فالأمر بالشَّيء يقتضي النَّهي عن ضدِّه العامِّ؛ فإذن الصَّلوةُ - في المثال - منهيٌّ عنها، فلامحالة تكون فاسدةً - لأنَّ النَّهي في العبادات توجب الفساد -»(2)؛

ليس بسديدٍ!، لأنَّ ما اشتهر من: «أنَّ عدم الضِّدِّ والمانع الخاصِّ من مقدَّمات الاتيان بما يقابله، فإنَّه جزء العلَّة التَّامة في مقام الاِمتثال»(3)؛

ليس بسديدٍ! ضرورةَ أنَّ «العدم» ولوكان مضافًا لايخرج عن عدميَّته، فلايكون كاسبًا ولامكتسبًا - وعليه ابتنىٰ قولُ المشهور: «اللَّيسُ ليسٌ» -، بينما إنَّ التَّأثير على شيءٍ والتَّأثُّر عنه مربوطان بالوجود، لا العدم، بل المفاهيم في هذا المقام كالعدم أيضًا حكمًا؛

ردُّ المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره علىٰ هذا الدَّليل وبيان الإيراد عليه

فما في الكفاية - ردًّا على الدليل - من: «أنَّ عدمَ الضِّدِّ مقارنٌ للضِّدِّ، وبينها كمال الملائمة»(4)؛

ضعيفٌ من جهاتٍ! كما أنَّ مقدَّمة الواجب ليست بواجبةٍ شرعيَّةٍ، بل لوفُرِضت

ص: 162


1- . وانظر: مناهج الوصول، ج 2 ص 17.
2- . وانظر: نهاية الأفكار، ج 2 ص 361.
3- . وانظر: أجود التَّقريرات، ج 2 ص 10.
4- . راجع: كفاية الأُصول، ص 133.

واجبةً ليستْ إلَّاواجبةً غيريَّةً، لا النَّفسيَّة؛ وأنَّ الأمر بالشَّيء لايقتضي النَّهي عن نقيضه - كما مرَّت الإشارة إليه -؛

وعلى فرض الدِّلالة فالنَّهيُ غيريًا، فإذن لايكون المنهيُّ عنه بنفسه مبغوضًا، فالنَّهيُ لايوجب الفسادَ أصلًا.

مقالٌ لبعضهم هيهنا والرَّدُّ عليه

وما قيل من: «أنَّ عدم الضِّدِّ يلازم وجودَ الضِّدِّ الآخر، فلاحكمَ له إلَّاحكم الملزوم، وهو هيهنا واجبٌ؛ والأمر بالشَّيء يقتضي النَّهي عن ضدِّه العامِّ، فالضِّدُّ الآخر منهيٌّ عنه، والنَّهي في العبادات يُوجِب الفساد»(1)؛

ضعيفٌ أيضًا! لأنَّه - مضافًا إلى ما مرَّ من أنَّ العدم لا حكم له أصلًا، ومِن أنَّ الأمر بالشَّيء لايقتضي النَّهي عن ضدِّه العامِّ -: لاإشكال في عدم الحكم بتًّا لعدم الضِّدِّ - الملازم للضِّدِّ الآخر -.

مقالٌ لبعضهم الآخر هيهنا والرَّدُّ عليه

وما قيل من: «أنَّ الأشياء لاتكون إلَّاذات حكمٍ»؛

ليس بتمامٍ، وإن تمَّ فهو مربوطٌ بالوجود و ما اتَّصف به، لا العدم والأعدام ولوكان العدمُ عدمَ مضافٍ.

وإن أبَيتَ إلَّاعن ثبوت الحكم للملازم؛

تفصيل المختار

فنقول: إنَّ الإباحة أو الاِقتضاء لاينافي وجوبَ الملزوم، أو حرمتَه؛ فالمقام ان

ص: 163


1- . وانظر: نهاية الدِّراية، ج 3 ص 185.

المزوم واجبٌ، واللازم لا اقتضاء له، فلاأقلَّ من أن يكون مباحًا. وبالجملة لم نجد دليلًا على أنَّ الأمر بالشَّيء يقتضي النَّهي عن ضدِّه - عامًّا كان، أو خاصًّا -.

ففي مثال الإزالة والصَّلوة، يجوز الاِتيان بالصَّلوة كما أنَّه يجوز الاِتيان بالإزالة، إلَّا أن يقال بأنَّ وجوب الإزالة أهمٌّ من وجوب الاِتيان بالصَّلوة، فتجب الازالةُ أوَّلًا؛

وإن عصىٰ المكلَّفُ وأتىٰ بالمهمِّ أوَّلًا، فهو معاقَبٌ لترك الأهمِّ؛ ولكنَّ الصَّلوة صحيحةٌ - لكونها مأمورًا بها ومطلوبةً -، وما لايكون مأمورًا به هو الجمع بين الضِّدَّين، و مايكون مأمورًا به هو كلُّ واحدٍ منهما.

كلام شيخنا البهائيِّ قدس سره هيهنا ومناقشته

وبما ذُكِر يظهر: أنَّ ما اشتهر من شيخنا البهائيِّ قدس سره مِن: «أنَّ الأمر بالشَّيء وإن لم يقتض النَّهيَ عن ضدِّه العامِّ والخاصِّ، إلَّاأنَّ الضِّدَّ لمَّا لم يكن مأمورًا به يكون فاسدًا»(1)؛

ليس في محلِّه، بل بطلانه واضحٌ؛ لأنَّ الضِّدَّ مأمورٌ به مثل الضِّدِّ الآخر بلاتفاوتٍ بينهما، أمَّا غير المأمور به فهو الجمعُ بينهما، والمقام ليس كذلك.

ما أجاب به الخراسانيُّ عن شيخنا البهائيِّ 0

وفي الكفاية أجاب عنه بجوابٍ آخر حسنٍ، وهو: إنَّا لانحتاج إلى الأمر، بل المِلاك كافٍ في جواز الاِتيان، وفي صحَّته. فكما أنَّ العبد إذا رأىٰ غريقًا ثمَّ التفت إلى أنَّه ابنُالمولىٰ مثلًا أو أخيه، فلاحاجة إلى أمره بانقاذه، بل يجب انقاذُه - و الأمثلة في

ص: 164


1- . راجع: زبدة الأُصول، ص 117.

ذلك كثيرةٌ -، كذلك هيهنا إنَّ وجود الملاك من دون الأمر به كافٍ في وجوب الاِتيان بالمأموربه(1).

أجوبة طائفةٍ من الأعلام عنه

وأجاب جمعٌ من الأعلام - كالشَّيخ الأكبر كاشف الغطاء قدس سره(2)، والسَّيِّد المجدِّد الشِّيرازي قدس سره(3) - عن مقالة الشَّيخ البهائي قدس سره بالتَّرتُّب، مُصرًّا عليه، قالوا: «إنَّ الضِّدَّ الآخر - أيضًا - كالأوَّل مأمورٌ به بالتَّرتُّب، فكأنَّ المولىٰ قال: أَزِلِ النِّجاسةَ، وإن عصيتَ فصَلِّ».

ولكنَّ التَّرتُّبَ أنكرَه جمعٌ من الأعلام، منهم صاحب الكفاية قدس سره(4).

تفصيل المختار هيهنا

أقول: إنَّ مسألة التَّرتُّب مسألةٌ عقلائيَّةٌ مستندةٌ إليهم وإلى سيرتهم، وهي عندهم مشهورةٌ كثيرةُ الاِستعمال، بحيث أقرَّ بذلك غيرُ واحدٍ من الأعلام كالشَّيخ صاحب الكفاية قدس سره نفسِه(5)؛

فبعد ذلك يكون الشُّبهة فيها وإقامة الدَّليل عليها، كالتَّشكيك في البديهيِّ و الاِستدلال في مقابلها!.

ص: 165


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 134.
2- . راجع: كشف الغِطاء، ج 1 ص 169.
3- . حكاه عنه في كفاية الأُصول، ص 136؛ والمطلب لم يوجد في تقريرات المجدِّد الشِّيرازيِّ.
4- . راجع: كفاية الأُصول، ص 135.
5- . راجع: نفس المصدر.

توضيح ذلك: إنَّ الأمر باِزالة النِّجاسة - في المثال المشهور - فِعليٌّ غيرُ مقيَّدٍ بقيدٍ،

والأمر بالصَّلوة - أيضًا - كذلك، من غير تفاوتٍ بينهما - من ناحيةٍ -،

ومن غير اصطكاكٍ بين الأمرين - من ناحيةٍ أخرىٰ -؛

إلَّا أنَّ العبد لايقدر على الجمع بينهما في مقام الاِمتثال، فلابدَّ من اختيار واحدٍ منهما؛

فإذن العقلُ هو الحاكمُ بأنَّه إن أتىٰ بالأهمِّ يُعَدُّ ممتثِلًا؛

وهو أيضًا يحكم بأنَّه إن عصىٰ بالنِّسبة إلى الأهمِّ فأتىٰ بالمهمِّ، لاأقلَّ من ثبوت امتثالِه بالنِّسبة إلى المهمِّ؛ فالتَّرتُّب في مرتبة التَّنجُّز، لافي مرتبة الفعليَّة.

فالعبد إن أتىٰ بالأهمِّ يُثاب عليه؛

كما أنَّه إن أتىٰ بالمهمِّ يُثاب عليه، من ناحيةٍ، ولكن يُعاقَب على ترك الأهمِّ من ناحيةٍ أُخرىٰ.

كلام صاحب الكفاية قدس سره في المقام

فما قال به في الكفاية مِن: «أنَّه أوَّلًا يلزم الاِلتزام بعقابين إذا ترك كِلَيهما، والقائلُ بالتَّرتُّب لايلتزم به، فلذا كنَّا نورد ذلك على سيِّدنا الأستاذ وهو لم يلتزم بعقابين ولم يقدر على ردِّ ذلك!؛

وثانيًا: إنَّ الأمر بالمهمِّ وإن لم يكن في مرتبة الأهمِّ - لتقيُّده -، ولكنَّ الأهمَّ لإطلاقه يكون في مرتبة المهمِّ، فليزم الأمر بالضِّدَّين؛ وهو محالٌ»(1)؛

ص: 166


1- . راجع: نفس المصدر أيضًا ص 136.
مناقشة قوله

ليس بسديدٍ!.

أمَّا الاِلتزام بعقابين مستقلَّين، فهو فيما إذا كان الاِتيان بكِلَيهما مقدورًا للعبد، وحيث إنَّه لم يقدر على ذلك فإن همَّ بالأهمِّ فهو مثابٌ، وإن همَّ بالمهمِّ فهو - أيضًا - مثابٌ، من جهة اِتيانه بالمطلوب والمأمور به؛ إلَّاأنَّه يُعاقَب على تركه الأهمَّ؛

أمَّا لو ترك كلَيهما، فلايعاقب عليهما أيضًا بعقابين مستقلَّين، لعدم القدرة على ذلك؛ فلامحالة يُعاقَب على الأهمِّ فحسْب.

وأمَّا «كون الأهمِّ في مرتبة المهمِّ، نظرًا إلى اِطلاقه؛ وعدم كون المهمِّ في مرتبة الأهمِّ - نظرًا إلى تقييده -»؛

فهو في غاية الضَّعف!، ضرورةَ أنَّ مقام الفعليَّة لاصلةَ له بالرَّابطة القائمة بين الأهمِّ بالمهمِّ، ولا المهمِّ بالأهمِّ؛ بل هما تكليفان مستقلَّان بينهما كمالُ الملائمة؛

ضرورةَ ثبوتِ مقام الاِقتضاء والاِنشاء والفعليَّة لهما معًا، من غير تنافرٍ بين مقامَيهما.

نعم! في مقام التَّنجُّز، لايمكن الاِتيان بهما معًا، لأنَّه جمعٌ بين الضِّدَّين؛ فالعقل يحكم عليه بأن ياتي بالأهمِّ أوَّلًا، وإلَّا فبالمهمِّ.

و هذا هو معنى التَّرتُّب المتداولِ بين العقلاء.

الردُّ علىٰ مقال جماعةٍ من الأصوليِّين في التَّرتُّب

فالمُتراءىٰ من جماعةٍ من الأصوليِّين(1) في مبحث التَّرتُّب - ردًّا عليه، أو اِثباتًا له - غير مسموعٍ!، لأنَّهم جعلوا محلَّ النِّزاع في مقام مرتبة فعليَّة التَّكليف، مع أنَّ حكمَ

ص: 167


1- . انظر: دروسٌ في علم الأُصول، ج 3 ص 491؛ مصباح الأصول، ج 2 ص 515.

العقل به وقبوله التَّرتُّبَ ليس إلَّافي مقام تنجُّزه؛

وكم بين المَقامَين من الفرق!.

ص: 168

الفصل الثَّامن: في الأمر بشيءٍ مع العلم بعدم القدرة عليه

اشارة

هل يجوز أمر المولىٰ عبدَه بشيءٍ مع علمه بعدم القدرة عليه؟ - لأجل انتفاء شرطه -.

إجمال المسألة عنوانًا
اشارة

قلت: هذا العنوان مجملٌ لم يُعلَم - بَعدُ - المرادُ منه!، حتَّى يُجابَ عنه نفيًا أو اِثباتًا؛ لأنَّه:

الصُّورة الأولىٰ للمسألة والمختار فيها

إن أُريد به المحصولَ من قول الأشعريِّ القائل بإمكان تكليف ما لايُطاق من اللَّه(1) - تعالى! -: «هل يمكن أن يأمرَ - سبحانه وتعالى! - بشيءٍ مع علمه بأنَّ العبد لايقدر على المأمور به؟»؛

ص: 169


1- . انظر: تمهيد القواعد، ص 233؛ مفاتيح الأصول، ص 319 السَّطر 32.

فإذن الجوابُ - ببداهة العقل - منفيٌّ.

والتَّفوُّه بمثل هذه الكلمات السَّخيفة وإن لم يكن بعيدًا عن الأشعريِّ وأتباعه - المُتَصرِّفين في دقائق الفلسفة بيدٍ صفراءَ -، إلَّاأنَّ جعلَ العنوان كذلك، يلزِمه ذكرُهُم مسألةً كلاميَّةً واضحةَ البطلان في علم الأصول؛

وهذا في غايةِ الغرابة!.

الصُّورة الثَّانية للمسألة والمختار فيها

وإن أُريد به: «أنَّه هل يمكن للمولىٰ أن يأمر بشيءٍ مع علمه بعدم وقوعه؟ - كالأوامر الاِختباريَّة، والتَّحكُميَّة، والتَّعجيزيَّة، وأمثال ذلك -»؛

فالجواب مثبتٌ، بداهة كثرة وقوعِه بين العقلاء، وفي الأديان الإلهيَّة - أيضًا -؛

الصُّورة الثَّالثة للمسألة والمختار فيها

وإن أريد به: «أنَّه هل يمكن الأمر بشيءٍ مع علم المولىٰ الآمرِ بانتفاء شرطه حين الأمر، وحصولِه حين قيام العبد للاِمتثال؟»؛

فالجواب: نعم! - أيضًا -، بداهةَ عدم ورود إشكالٍ عليه عرفًا، بل شرعًا، وأيضًا بداهةَ كثرة وقوعِه بين العقلاء، وفي الشَّرائع المُقدَّسة أيضًا.

الصُّورة الرَّابعة للمسألة والمختار فيها

وإن أُريد به: «هل يمكن أمر المولىٰ بشيءٍ كلِّيٍّ - أو فقُل: أمره كلِّيًّا - لعموم المكلَّفين مع علمه بعصيان ألاغلب منهم بالنِّسبة إلى أمره، أو كونهم ساهين أو جاهلين بالنِّسبة إليه، أو عاجزين عنه؟»؛

فالجواب - أيضًا - نعم!؛ ضرورةَ أنَّ التَّكاليف الصَّادرة من الموالي العُقلائيَّة والأديان - كلَّها - ليستْ إلَّاكذلك.

ص: 170

والشَّاهد عليه أمرُ الكتاب الكريم جميعَ النَّاس بالتَّوحيد، مع شهادته - بهر برهانُه! - بعصيانِهم عنه؛ قال - جلَّ وعلا! -: «وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلاّٰ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ»(1).

بقاء الإجمال في عنوان المسألة بعدُ

ولكن بعد اللُّتَيَّا والُّتَي، لايُعلم المرادُ بهذا العنوان؛ وتفسيره بالوجوه المذكورة تفسيرٌ بما لايطمئنُّ النَّفس به ولاتسكُن إليه.

فالظَّاهر أنَّ العدول عن هذا العنوان و عدمَ الاِتيان به في هذا العلم، أولىٰ وأجدرُ من ذكرِه!.

ص: 171


1- . كريمة 106 يوسف.

ص: 172

الفصل التَّاسع: في بقاءِ الجوازِ بعد نسخ الوجوب

اشارة

هل يبقىٰ الجوازُ إذا نسخ الوجوب؟

المختار في المسألة وبيانه

فيه خلافٌ؛ والأقوىٰ عدمُ بقاء الجواز، إذ البقاء - كغيره - يحتاج إلى دليلٍ آخر مفقودٍ في المقام.

توضيح ذلك: إنَّ الوجوبَ يدلُّ عليه هيئة اِفعَل - وما بمعناها -، وهو أمرٌ بسيطٌ، فبالنَّسخ وورود النَّاسخ رُفِع ذلك الأمر بالبسيط.

بعض ما قيل في المقام والردُّ عليه

وما قيل مِن: «أنَّ الوجوبَ هو الجوازُ مع المنع من التَّرك»(1) - ليُستفادَ منه بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب -؛

ص: 173


1- . انظر: قوانينُ الأُصول، ج 1 ص 283.

ضعيفٌ!. نعم! لتقريب معناه إلى أذهان المبتدئين لابأس به. ولكنَّ الوجوب ليس مركَّبًا بحسب الواقع من الجواز مع المنع من التَّرك، حتَّى يُقال: أنَّ النَّاسخ وردَ على المنع من التَّرك، فبقي الجوازُ.

فبذلك يظهر: أنَّ الأصلَ بعد رفع الوجوبِ عدمُ بقاء شيءٍ، حتَّى الجواز.

مختار بعضهم هيهنا ومناقشتُه

والقولُ ب: «أنَّ الاِستصحاب يقتضي الجواز»؛

ليس في محلِّه، لأنَّه بعد القول بكون الوجوب بسيطًا لا مركَّبًا، لايبقىٰ جوازٌ حتَّى يُستَصحَبَ؛ بل لايبقىٰ قضيَّةٌ متيقَّنةٌ لتكون موردًا للاِستصحاب.

هذا موجزٌ من جملة مباحثَ مفصَّلةٍ؛ والظَّاهر عدم الحاجة إلى أزيدَ من ذلك!.

تأسيس صورةٍ أخرىٰ للمسألة

نعم! يمكن النَّظر إلى المسألة بغير ما نظَر إليها الأعلامُ، وتكون المسألةُ - إذًا - مفيدةً جدًّا؛

وهو: إنه إذا رُفِع الوجوبُ اِمتنانًا - كرفعِ الصَّوم عن الشَّيخ والشَّيخة، أو المريض ونحوه -، فهل يبقىٰ لهم الجوازُ للاِتيان به؟، بمعنىٰ بقاء المناط لهم؛ فلوأتىٰ الشَّيخُ بالصَّوم فهل صومُه هذا صحيحٌ؟ أم لا؟؛

المختار فيها

الأقوىٰ عندنا الصِّحَّة، لأنَّ الاِمتنان يقتضي رفعَ الوجوب، أمَّا رفع المناط والمصلحة بحسبهم، فهو خلاف الامتنان - لأنَّ الاِمتنان في رفع الوجوب عنهم، لا ثبوتِ التَّحريم عليهم -؛

وأمَّا لو قلنا بعدم الوجوب والحرمة معًا عليهم، فالمُعنىٰ: أنَّهم إن أتوا به فهو

ص: 174

صحيحٌ - لوجود المصلحة والمناط قطعًا -، وإن تركوه فلابأس به - اِمتنانًا عليهم في تركه -.

ص: 175

ص: 176

الفصل العاشر: في الواجب التَّخييريِّ

الكلام فيه بحسب مقامَي الثُّبوت والإثبات
اشارة

لاإشكال فيه بحسب مقام الثُّبوت، لكَثرة وروده في الشَّريعة الغرَّاء؛ كما أنَّه يُوجَد بين الأوامر الصَّادرة عن العقلاء كثيرًا؛

فلاإشكال و لا كلام فيه من هذه الجهة.

إنَّما الإشكال فيه في مقام الثُّبوت، مِن حيث إنَّ الجاعلَ كيف يجعله ويُنشِأه؟.

وفيه أقوالٌ عدَّة؛ والأهمُّ منها:

القول الأوَّل و بيان ما فيه

إنَّ الواجب هو ما يختاره المكلَّفُ.

وفيه: إنَّه هو التَّصويب، المحالُ من جهةٍ، والمبتلىٰ بعدم ثبوته في الواقع ونفس الأمر من جهةٍ أخرىٰ.

القول الثَّاني و بيان ما فيه

ص: 177

إنَّ الجميعَ واجبٌ على حدٍّ سواءٍ، إلَّاأنَّه يسقط كلُّ واحدٍ منها بفعل الآخر.

وفيه: إنَّ القول هذا يرجع إلى الواجب التَّعيينيِّ؛

هذا، مع أنَّ رفع وجوبِ شيءٍ باِتيان واجبٍ آخر، لاوجه له، تصوُّرًا وتصديقًا.

القول الثَّالث و بيان ما فيه
اشارة

إنَّ الواجبَ هو الجامع الحقيقيُّ الَّذي يُقال له الطَّبيعة والماهيَّة، والاِتيان بفردٍ واحدٍ من الماهيَّة يُحقِّقُها.

وفيه: وجودُ الجامع الحقيقيِّ في الواجب التَّعيينيِّ صحيحٌ لاإشكال فيه؛ كما أنَّ الاِتيان بالطَّبيعة يساوقُ الاِتيان بالواجب وتحقُّقَه في الخارج، فيسقط المأمور به إذن؛

وأمَّا وجود الجامعِ الحقيقيِّ بين المتباينَين، فغير مُتَصوَّرٍ أصلًا.

مقالة بعضهم في تصوير الجامع والنِّقاش فيه

وما تمثَّل به بعضُهم من «الكَفَّارة في الواجب التَّخييريِّ إذا أفطر يوم رمضان المبارك عامدًا»(1)؛ قلتُ: نعم! لانِقاشَ في ثبوت الواجب التَّخييريِّ في من أفطَر عامدًا؛ أمَّا الكلامُ فإنَّه - كلَّه - في ثبوت الجامع الحقيقيِّ بين أفراد الكفَّارة المتباينة؛ وهذا ما لانسلِّم له!.

فجواز الاِتيان بإحدى الكفَّارات - كمُدِّ طعامٍ - لا كلام فيه، أمَّا الكفَّارات المحصورة بين الثَّلاث فليس لها جامعٌ حقيقيٌّ.

ص: 178


1- . انظر: أُصول الفقه، ج 1 ص 91؛ فوائدُ الأُصول، ج 3 ص 417.
القول الرَّابع وما فيه

إنَّ الواجب هو ما عند اللَّه - جلَّ وعزَّ! -.

وفيه: إنَّ البحثَ ليس في ما استقرَّ في علمه - تعالى! -، بل البحث في كيفيَّة إنشائه - وإنشاء غيره من الموالي - هذا الأمرَ؛

القول الخامس وما فيه

إنَّ الوجوبَ المتحقَّق في الواجبِ هو الفردُ المردَّد بين الأفراد المخيَّرة بينها.

وفيه: إنَّه مضافًا إلى أنَّ الفرد المردَّد لاواقع له أصلًا، بل هو من الموهومات - لأنَّ «الفرديَّة تنافي «التَّرديد»؛ كما أنَّ الخارج الَّذي هو وعاء الفرد غير قابلٍ للتَّرديد -،

إنَّ لازمه تحصيلُ الحاصل؛ لأنَّ التَّكليف لوتعلَّق بالخارج وبفردٍ ممَّا يتحقَّقُ فيه، فهو أمرٌ بما أتىٰ به العبد؛ وليس هذا الأمر - إذن - إلَّاتحصيل حاصلٍ!.

القول السَّادس وما فيه

إنَّ الواجب هو كلُّ واحدٍ من الأفراد على التَّخيير، فلافرق بينها في مقام امتثال الأمر؛ وهذا هو مختار الشَّيخ صاحب الكفاية قدس سره(1).

وفيه: إنَّه تقريرٌ آخر لمحلِّ البحث، لا الإجابة عنه؛ لأنَّ القولَ بأنَّ الواجب هو كلُّ واحدٍ من الأفراد على سبيل التَّخيير، يساوق تحريرَ محلِّ النزاع؛

أمَّا أنَّه كيف تعلَّق جعلُ المولىٰ بهذا العنوان، و كيف تعلَّق أمرُه بالتَّكليف بهذا العنوان؛

ص: 179


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 140.

فكلامُه ساكتٌ عنه!.

فكأنَّ هذا النِّحرير الخبير خلَطَ بين المفهوم و المصداق في قوله هذا.

القول السَّابع وتصحيحه

إنَّ الواجب هو الجامع المفهوميُّ، لا الجامع الحقيقيُّ. وهذا هو الفارق بين القولين الثَّالث والسَّابع. فكما أنَّ الشَّارع يتوصَّل إلى مطلوبِه في الواجب التَّعيينيِّ بالجامع الحقيقيِّ ويجعل الطَّبيعة متعلَّقةً للحكم، فكذلك يتوصَّل إلى مطلوبه في الواجب التَّخييريِّ بالجامع المفهومي؛

وهو لا واقع له في الخارجِ ولا مصداق له فيه، بل الأفراد في الخارج هي المصدوق عليها، لامصاديق له.

وهذا هو الأقوىٰ بين الأقوال؛ ولم أرَ إلى الآنَ من تعرَّض له.

إرجاع القول الخامس إلى هذا القول

نعم! يمكن إرجاع القول الخامس - و هو القول بالفرد المردَّد - إلى هذا القول.

وقيل: «إنَّ مرادَه من الفرد المردَّد هو المفهوم، لا الفرد بما أنَّه مصداقٌ من مصاديق المفهوم»(1)؛

فإذن لا كثير خلافٍ بين القولينِ.

***

ثمَّ إنَّه هل يمكن التَّخيير بين الأقلِّ والأكثرِ؟،

ص: 180


1- . انظر: منتقىٰ الأُصول، ج 6 ص 361؛ نهاية الأُصول، ص 228.
مختار صاحب الكفاية قدس سره في المقام ومناقشتُه

فيه خلافٌ. ذهب صاحب الكفاية قدس سره إلى الجوازِ، بتقريب «أنَّ الأقلَّ والأكثر - مقيَّدًا فيهما بالأقلِّيَّة والأكثريَّة - وقعا موقعَ الإنشاء والتَّكليف، فللمُكلَّف الخيارُ في العمل بواحدٍ منهما»(1).

وفيه: إنَّه من باب العمل بواحدٍ من المتبايِنَين، لامن باب التَّخيير بين الأقلِّ والأكثر.

المختار في المسألة

فالأقوىٰ عدمُ الجواز، بل عدمُ إمكان التَّخيير بينهما؛ لأنَّه إذا أتىٰ بواحدٍ منهما فلاتكليفَ بالنِّسبة إلى الآخر. فعلىٰ سبيل المِثال لوقام بالأقلِّ، فالأكثرُ:

إمَّا مندوبٌ - إن دلَّ دليلٌ عليه، كما في التَّسبيحات الأربعة في الصَّلوة -؛

وإمَّا بدعةٌ وحرامٌ - إن لم يدُلَّ عليه دليلٌ -.

ص: 181


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 142.

ص: 182

الفصل الحادي عشر: في الواجب الكِفائيِّ

اشارة

الواجبُ الكفائيُّ كالواجب التَّخييريِّ، ثبوتًا واثباتًا، ولافرق بينهما أصلًا.

توضيح ذلك: إنَّه لاإشكال ولاكلام في وجود الواجب الكفائيِّ، عقلًا وشرعًا، ووجودُه في الشَّرع و عرف النَّاس كثيرٌ.

بيان المسألة والمختار فيها

إنَّما الكلام في كيفيَّة تقريره ثبوتًا، بمعنىٰ أنَّ جعلَ الجاعل كيف تعلَّقَ به؟.

وفيه أقوالٌ شتّىٰ؛ والأقوىٰ: أنَّ الموضوعَ فيه هو الطَّبيعة المجازيَّة - الَّتي يُقال لها:

الجامعُ الاِنتزاعيُّ -. فكما أنَّ الجاعل في الوجوب التَّخييريِّ جعَلَ موضوعَه واحدًا من أفراد الواجب، ثمَّ توصَّل به إلى ما يُرامُه، فكذلك في الواجب الكفائيِّ، فيجعل موضوعَه أيَّ فردٍ من أفراد الواجب غير المعيَّن، فيتوصَّلُ به إلى مقصوده.

ولعَمري هذا واضحٌ لايحتاج إلى تطويلٍ فيه، بل التَّطويل فيه لافائدة فيه!.

ص: 183

فرعٌ
نقل ما ذكَره بعض المحقِّقين

هيهنا مسألةٌ أورَدَها المحقِّقُ النَّائينيُّ قدس سره ترتبط بالمقام؛ وهي: إنَّه إذا كان مكلَّفان فاقدان للماء، فتَيمَّم كلُّ واحدٍ منهما أوَّلًا للدُّخول في الصَّلاة، ثمَّ وَجداه بما يفي بوضوء أحدهما قبل الدُّخول فيها؛

فهل يُبطِل تيمُّم كلِّ واحدٍ منهما بوجدان الماء؟.

قال المحقِّق النائينيُّ قدس سره بعد أن ذكَرَ الفرع: «إنَّ تيمُّمَهما بطَلا بوجدانه، فيجب عليهما الوضوءُ بالواجب التَّخييريِّ. فمَن سبَقَ إلى الماء فالواجب عليه الوضوءُ، ويجب على الآخر التيمُّم مرَّةً أُخرىٰ»(1).

المختارُ فيه

والأقوىٰ عندنا عدمُ بطلان التَّيمُّم؛ كما أنَّه لوأُرِيق الماءُ فلايجب التَّيمُّم عليهما مرَّةً أُخرىٰ، بل يجوز لهما الدُّخولُ في الصَّلوة مع ما كانا عليه من الطَّهارة التُّرابيَّة.

نعم! هذا يُشبه المشهور بين النَّاس - الَّذي لا أصل له ولاأساس! -، من قولهم:

«آب آمد وتيمُّمم باطل شد». بينما أنَّ التَّيمُّم لايُبطَل إلَّابما يردُ عليه من الأحداث المذكورةِ في الفقه.

نعم! لايجوز لهما الدخول في الصَّلوة، لكون واحدٍ منهما - الصَّادقِ على كِلَيْهما - واجدًا للماء. فإذا سبق أحدُهُما إلى الماء، فيصدق على الآخر أنَّه فاقدٌ له؛ فإذن له أن

ص: 184


1- . راجع: أجود التَّقريرات، ج 1 ص 273؛ والفرع لم يذكره المحقِّق الكاظميُّ في فوائد الأُصول.

يُصلِّي مع ما عليه من التَّيمُّم.

ص: 185

ص: 186

الفصل الثَّاني عشر: في الواجب الموقَّت

اشارة

إنَّ الواجب قد يُؤخَذ الزَّمانُ قيدًا فيه؛ فهو «مُوقَّتٌ»؛

وقد لايُؤخَذ فيه ذلك؛ فهو «مُطلقٌ».

نعم! بِما أنَّ الفعلَ - و منه أداء الواجب - لابدَّ من أن يُؤتىٰ به في زمانٍ، فالأفعالُ كلُّها - ومنها أداءُ الواجبات - زمانيَّةٌ، ولكن لايكون الزَّمان قيدًا فيها.

أقسام الواجب الموقَّت

ثمَّ إنَّ الواجبَ الموقَّت:

قد يُؤخَذ فيه الزَّمانُ بمقدار أدائه فقط، فهو «المُضيَّق»؛

وقد يُؤخَذ فيه أزيد من ذلك، فهو «المُوسَّع» - كقوله علَتْ كلمَتُه!: «أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ»(1) -.

ص: 187


1- . كريمة 78 الإسراء.
مقالٌ لبعضهم هنا ومناقشتُه

وما قيل مِن: «أنَّ جواز ترك الواجب المُوسَّع في أوَّل أوقاتِه، يُنافي وجوبَه»(1)؛

فيه: إنَّ الأفرادَ الطُّوليَّة المُتَدرَّجة التَّالية واحدًا بعد آخر، كلَّها في عِداد الواجب التَّخييريِّ، بدلالة العقل، بل الشَّرع أيضًا. فكما أنَّ المُكلَّفَ في الواجب التَّخييرىِّ مختارٌ في اختيارِ واحدٍ من الفردَين أو الأفراد، ثمَّ الإتيان به؛ فكذلكَ في الواجب المُوسَّع.

وبما ذكرنا يظهرُ أنَّ الواجب المُوسَّعَ في آخر وقت جواز الإتيان به، لايصير واجبًا مُضيَّقًا - كما قيل -؛ بل التَّضييقُ يحدث في أفراده الطُّوليَّة، فالعقلُ يحكم بإتيانه فورًا لئلَّا يفوتَ أصلُ الواجب.

مقالٌ آخر لبعضهم والرَّدُّ عليه

كما أنَّ ما قيل من: «أنَّه ليس في الشَّريعة واجبٌ مضيَّقٌ، لأنَّه ما مِن واجبٍ إلَّا وتقدَّم فيه زمنُ البعثِ على زمنِ الاِنبعاث»(2)؛ ضعيفٌ خارجٌ عن محلِّ البحث!، ضرورةَ أنَّ محطَّ الكلام ليس في تقدُّم البعث على الاِنبعاث، بل في توسُّع زمنِ الإتيان بالمأمور به.

فالقيد راجعٌ إلى المأمور به، لا إلى الفاصل بين البَعث و الاِنبعاث من الزَّمانِ.

ص: 188


1- . فانظر مثلًا: مناهج الوصول، ج 2 ص 97؛ تهذيبُ الأُصول، ج 1 ص 291؛ محاضراتٌ في أُصول الفقه، ج 4 ص 60.
2- . انظر: فوائدُ الأُصول، ج 1 ص 236؛ أجود التَّقريرات، ج 1 ص 275؛ تحريراتٌ في الأُصول، ج 4 ص 59.
تتمَّةٌ
هل القضاء يحتاج إلى أمرٍ جديدٍ

هل القضاءُ في الواجبِ الموقَّت بعد إحراز وجوبِه، بأمرٍ جديدٍ يدلُّ عليه؟، أم بنفس الأمرِ الَّذي صدرَ للبَعث إلى أصلِ الواجب؟.

المختار في المسألة

فيه خلافٌ؛ والأقوىٰ عندَنا كونُ الوجوب في القضاء بأمرٍ جديدٍ، ضرورةَ أنَّ الأمر بالموقَّت بعد مُضيِّ الوقت صار سالبةً باِنتفاء الموضوع، فلايبقىٰ موضوعٌ للحكم حتَّى يُشَكَّ في بقاء الحكم.

فلودلَّ دليلٌ على بقاء الحكم بأمرٍ جديدٍ، فهو؛

وإلَّا فلايجب الحكمُ أصلًا.

نعم! لوأُحرِز أنَّ القيد من باب تعدُّد المطلوب، فبَعدَ مُضِيِّ الوقت إنَّ الحكم باقٍ - لأنَّ القيد حينئذٍ ليس بقيدٍ أصلًا، بل جيءَ به إرشادًا إلى الأفضليَّة -.

وكذلك جميعُ القيودِ في المَندوبات - كما اشتهَرَ بين الأصحاب -؛ سواءٌ كان القيد من الزَّمان، أو الزَّمانيِّ.

المسألة عند حدوث الشَّكِّ في القيد

هذا - كلُّه - إذا أُحرِزَ أنَّ القيد جاءَ ليدُلَّ على تعدُّدِ المطلوب.

وأمَّا لوشُكَّ في ذلك، فليس هناك أصلٌ يُثبِت وجودَ الإطلاق بعد تماميَّة القيد؛ لأنَّه من استصحابِ القسم الثَّالث من الكُلِّيِّ، وليس بحُجَّةٍ - كما يأتي تفصيلُ الكلام فيه، لانتفاء قضيَّةٍ مُتَيَقَّنةٍ تُستَصحَب -.

هذا، مع أنَّ الحكم الكلِّيَّ لا أثر له، بل لاصلَةَ بين قضيَّتي المُتَيقَّنة والمشكوكة

ص: 189

حتَّى يُحكَم بواحدٍ منهما على الآخر.

ونشير في ما يأتي إلى أنَّ القسمَ الثَّاني من اِستصحاب الكلِّيِّ وإن ثبت فيه وجودُ القضيَّة المُتيقَّنة، إلَّاأنَّ الحكم الكلِّيَّ الواقعَ بينهما لا أثر له، لأنَّه ليس في الشَّريعة هذا القسم حتَّى يُستَصحَب.

فالبراءةُ - حينئذٍ - محكمةٌ، إذ مادام لم يُحرَز تعدُّدُ المطلوب، لايجب الإتيان به جزمًا، بل ولايجوز، حتَّى في المندوب، لأنَّ الإتيان بالفعل جازمًا في إسناده إلى الشَّرع يحتاج إلى الدَّليل، وهو مفقودٌ في المقام؛

إلَّا أن يُؤتىٰ به رجاءً غير جازمٍ ومُسنِدٍ فيه.

ص: 190

الفصل الثَّالث عشر: هل الأمرُ بالأمر بشيءٍ أمرٌ بذلك الشَّيء؟

اشارة

إذا أمر المولىٰ أحدًا أن يأمر غيرَه بشيءٍ، فهل الأمر هذا أمرٌ بنفس الشَّيء كما كان المولىٰ بنفسه يأمر به؟ أم لا؟.

الخلاف في المسألة وبيان منشأه
اشارة

فيه خلافٌ.

و هذا الخلاف نشأ من ثبوت فروضٍ مختلفةٍ في المسألة، نأتي بالأهمِّ منها هيهنا:

الفرض الأوَّل وبيان حكمِه

إنَّ الأمر الأوَّل ليس له إلَّاالوسطيَّة الصِّرفة، والمراد منه اِتيان المكلَّف المأمورَ به؛ كما في باب الأمر بالمعروف و النَّهي عن المنكر.

ففي هذا الفرض معلومٌ أنَّ الأمر بالأمر بالشَّيء أمرٌ بذلك الشَّيء، وليس للأوَّل إلَّا الوساطة.

الفرض الثَّاني وبيان حكمه

ص: 191

الأمر بالأمر بالشَّي، لأجل انبعاث المأمور بالأمر إلى ذلك الشَّيء، فليس له الوساطة، بل ليس في البين الوساطةُ أصلًا؛ وهذا نظير الأوامر الإمتحانيَّة.

ففي هذا الفرض - أيضًا - لاريب في أنَّ الأمر بالأمر بالشَّيء، ليس أمرًا بذلك الشَّيء.

الفرض الثَّالث وبيان حكمِه

الأمر بالأمر بالشَّيء مع كون المطلوب للمولىٰ هذا الأمر الثَّاني وذلك الشَّيء المأمور به معًا؛ كما إذا كان أمرًا غير صالحٍ لأن يأمر به المولىٰ بنفسه، فأمر أحدَ خدَّامه أن يأمر بذلك الشَّيء.

وهذا في العُرف كثيرٌ.

من البيِّن أن الأمر بالأمر بالشَّيء في هذا الفرض أمرٌ بذلك الشَّيء؛ يشهد له أنَّه لوترَك المكلَّفُ المأمورَ به ثمَّ اعتذر بأنَّ المولىٰ لم يأمره به بنفسه، لايُقبَلُ منه هذا العذرُ في عرف العقلاء.

تنبيهٌ
في عبادات الصَّبيِّ

أمرُ الشَّارع أولياءَ الأطفال أن يأمروهم بالصَّلوة وغيرها من العبادات، وباِجتناب الذَّنوب، أمرٌ بتلك الأطفال ونحوُ تشريعٍ لهم؛ ففعلُ العبادات وتركُ المحرَّمات لهم من باب التَّشريع، لا الَّتمرين - كما قيل -. نعم! رُفِعَ القلمُ عنهم حتَّى يبلغوا، منَّةً عليهم، لا أنَّه لم يُوضَع عليهم أصلًا.

هذا، مع أنَّ الأحكام وُضِعت على طبيعة عنوان المُسلم والمؤمن، وليس فيها قيدُ

ص: 192

البلوغ؛ فيشمُلُهم جميع ما يشمل العنوانَ.

و رَفعُ القلم ليس بمخصِّصٍ حتَّى يُخصِّصها بالنِّسبة إليهم، بل إنَّه صرف منَّةٍ لئلَّا يتنجَّز التَّكليفُ لهم.

ص: 193

ص: 194

الفصل الرَّابع عشر: الأمر بشيءٍ ثانيًا قبل اِمثتال الأوَّل

الأمر بالشَّي ثانيًا بعد الأمر به قبل اِمتثال الأوَّل، هل تأكيدٌ عليه؟ أو تأسيسٌ؟.

الظَّاهر من وضع اللُّغة وسيرة العُرف كونه تاكيديًّا؛ إلَّاأن يدلَّ قرينةٌ على التَّأسيس، فمادام لم يوجد القرينة عليه، يرىٰ العُرف الأمر الثَّاني تاكيدًا للأمر الأوَّل.

فلوشُكَّ فيه، فالأصل يقتضي البراءَة عن التَّأسيس، فلايجب أن يؤتىٰ بالمأموربه ثانياً بعد اِمتثال الأوَّل منهما.

ص: 195

ص: 196

المقصد الثَّاني: في النَّواهي

اشارة

وفيه فصولٌ

ص: 197

ص: 198

الفصل الأوَّل: في معنى النَّهي

اشارة

الحقُّ أنَّ النَّهي هو الزَّجر عن الفعل والرَّدعُ عنه؛ كما أنَّ الأمر هو التَّرغيب إلى الفعل؛

فهما ضدَّان لايمكن للعاقل غير السَّاهي أن يأمر بشيءٍ و ينهىٰ عنه، أي يُوجِّه الأمرَ والنَّهي إلى شيءٍ واحدٍ في زمنٍ واحدٍ.

وليس النَّهي من باب الطَّلب، بل إنَّه من باب الزَّجر والرَّدع؛ والطَّلب يختصُّ بالأمر. فلامساس بينهما أصلًا ولا اِشتراك بينهما أبدًا.

المشهور بين الأصحاب وبيان ما فيه

فما اشتَهَر مِن: «أنَّ النَّهي هو طلبُ التَّرك»، لا أصل له!، وإن ذهب إليه بعضُ أعلام الفنِّ(1) - كالمحقِّق صاحب الكفاية قدس سره(2) -.

ص: 199


1- . انظر: أُصول الفقه، ج 1 ص 295؛ غاية المسؤول، ص 270؛ مجمع الأفكار، ج 2 ص 11؛ مقالات الأُصول، ج 1 ص 347.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 149.
بيان ما في رأيٍ آخر منهم

وبما تلونا عليك ظهر: أنَّ النِّزاع في «أنَّ النَّهي مجرَّدُ أنْ لايفعل - أي: مجرَّد طلب التَّرك -، أو هو الكفُّ»، والمشهور بينهم هو الأوَّلُ؛

سالبةٌ بانتفاء الموضوع!؛ لأنَّ النَّهي هو الزَّجر عن الفعل، لا طلب التَّرك حتَّى يُسألَ: أنَّ الزَّجر هو الكفُّ؟، أو صرفُ التَّرك؟.

نعم! يلازم الزَّجرُ عن الفعل كفَّ العبدِ نفسَه عنه.

فمن لا اقتضاء فيه للزَّجر عن الفعل، لايكون ممتَثِلًا له، كأهل العفاف بالنِّسبة إلى النَّهي عن الزَّنا، أو النَّبيل بالنِّسبة إلى النَّهي عن السِّرقة؛ كما أنَّ العفيف والنَّبيل لايكونان عاصيان عن النَّهي عن القبيحين.

ولعُمري هذا أوضحُ من أن يخفىٰ على أحدٍ، فضلًا عن هذا النِّحرير الخبير!.

عويصةٌ لابدَّ من حلِّها

قد اشتهر بين الأصوليِّين: «أنَّ النَّهي يتميَّز من الأمر بمقتضاهما، ذلك أنَّ مقتضى النَّهي هو تركُ جميع الأفراد؛ بخلاف الأمر، حيث لايقتضي إلَّاايجاد فردٍ مَّا»(1).

ما استدلُّوا به عليه ومناقشتُه

واستدلُّوا لصحَّته بالقاعدة المأثورة عن الحكماء: «الطَّبيعيُّ يُوجَد بفردٍ مَّا،

ص: 200


1- . انظر: تهذيبُ الأُصول، ج 1 ص 295؛ مناهج الوصول، ج 2 ص 104.

وينعدم بانعدام جميع أفراده»(1).

ولنا في القاعدة نظرٌ، بل لانَعدُّها إلَّامن الأغلاط الرَّائجة بين أهل العلم؛ وذلك لأنَّ الطَّبيعة تُوجَد بفردٍ مَّا، كما أنَّها تنعدم باِنعدام فردٍ مَّا؛ لأنَّ الطَّبيعيَّ موجودٌ بفردٍ مَّا - كما قُرِّر في محلِّه -، وذلك الفرد لوانعدم ينعدم - لامحالة - الطبيعيُّ الَّذي كان موجودًا به وبواسطته، حيث لا تقرَّر له إلَّابه.

ولامعنىٰ للاِنفكاك بينهما وجودًا وعدمًا - أي: بين الطَّبيعيِّ و فرده الَّذي وُجِد به -.

فبناءً عليه: إنَّ الأمر مقتضاه ليس إلَّاايجادُ فردٍ مَّا، فكذلك النَّهيُّ لايقتضي إلَّا انعدام فردٍ مَّا؛ فلولاقرينةَ في الخارج تدلُّ على خلافِه - ووجود القرينة خارجٌ عمَّا نحن فيه، إذ الكلام في مقام اقتضاء اللَّفظ، لا دلالة القرينة الخارجيَّة - لاتفاوت بين الأمر والنَّهي من هذه الجهة.

فكما أنَّه إذا امتَثَلَ الأمر بإيجاد فردٍ مَّا، فالأمر ممتَثَلٌ، فيسقطُ إذًا؛

فكذلك إن امتَثَلَ النَّهي بالزَّجر عن أحد أفراده، صار النَّهي ممتَثَلًا، فيسقط إذًا، كالأمر، من غير فرقٍ بينهما في هذا المقام.

كمَن نذر أن لايدخل سوقَ المدينة، فبمجرَّد المخالفة بالدُّخول فيه استقرَّ على ذمَّته الكفارة، ولكن لايجب عليه أن لايدخل السُّوقَ بعد الحنث أبدًا، إلَّاإذا كان متعلَّقُ النَّذر على الاِستغراق، أو الاِستمرار.

ص: 201


1- . راجع: نفس المصادِر المذكورة في التَّعليقة السَّالفة.

ص: 202

الفصل الثَّاني: في اجتماع الأمر والنَّهى

اشارة

وقبل الورود في صلب البحث وأصله، ينبغي ذكر أمورٍ:

الأمر الأوَّل: موضوع المبحث والمختار فيه

موضوع البحث: إنَّه إذا كان أمرٌ في الخارج - أي: في مقام الاِمتثال - ذاعنوانين:

أحدهما الأمرُ، والآخر النَّهيُ - كالصَّلوة في الدَّار المغصوبة -، فهل الصَّلوة فاسدةٌ لوقوعها في الغصب المنهيِّ عنه؟، أم لا؟ - بل هي صحيحةٌ مع ثبوت عقوبةٍ فيها، لوقوعها فيه -.

فيه خلافٌ؛ والأقوىٰ هو الصِّحَّة.

الأمر الثَّاني:
اشارة

ص: 203

الفرقُ بين المسألة وغيرها من المسائل

الفرقُ بين مسألتنا هذه - أي: مسألة اجتماع الأمر والنَّهي في موضوعٍ واحد - وبين مسألة تعارض الرِّوايتين: إنَّ وقوع التَّعارض بين روايتين يحكم بكذبٍ أحدهما، بخلاف اجتماع الأمر والنَّهي، الَّذي عُلِم بوجودهما صحيحًا. ففي باب التَّعارض ليس مناطُ الصِّدق إلَّامعاضدًا لإحدىٰ الرِّوايتين، بينما أنَّ في باب الاِجتماع يُعلَمُ بوجود المناط لكِلَيْهما.

كما أنَّ بابي اجتماع الأمر والنَّهي و التَّزاحم، يفترقان من ناحيةٍ ثانيةٍ أيضًا، وهي: إنَّ باب التَّزاحم فيما إذا تزاحم تكليفٌ مع تكليفٍ آخر، ولايمكن الجمع بينهما - كالصَّلوة واِنقاذِ الغريق في آنٍ واحدٍ، فالتَّكليفُ منجَّزٌ في كِلَيهما، إلَّاأنَّه لايمكن اِمتثالُهما معًا -، فالعقل يحكم باِتيان الأهمِّ وترك المُهمِّ؛

وأمَّا باب الاِجتماع، فلاتزاحم فيه بين التَّكليفَين من حيث الوجود، بل يمكن الاِتيان بكِلَيهِما في آنٍ واحدٍ.

نعم! بناءً على الاِمتناع فلايمكن الاِتيان بالمأمور به حقيقةً، بل ظاهرًا، لفَساده.

الفرقُ بين بابَي الإجتماع والنَّهي في العبادات

وأمَّا الفرق بين بابَي الاِجتماع و النَّهي في العبادات: فالأمر فيه أوضحُ من أن يُذكَر، لأنَّ المِلاك في باب الاِجتماع وجودُ تكليفين تعلَّق بهما الأمرُ والنَّهيُ معًا؛ فالأمر تعلَّق بعنوانٍ والنَّهي تعلَّق بعنوانٍ آخر؛ فهناك في الخارج فردٌ واحدٌ عُنوِنَ بعِنوانَينِ؛ وأمَّا في باب النَّهي في العبادة، فإنَّ النَّهي تعلَّق بنفس العنوان الَّذي تعلَّق به الأمرُ، فلاعنوانين مستقلَّينِ تعلَّق بهما تكليفان، بل عنوانٌ واحدٌ تعلَّق به التَّكليفانِ

ص: 204

في آنٍ واحدٍ.

هذا - كلُّه - واضحٌ لايحتاج إلى التَّفصيل. ولولا اِهتمام الأعلام بذكره، لما نحومُ حولَه أصلًا!.

الأمر الثَّالث: في أصوليَّة المسألة

لاريب في كون المسألة أصوليَّةً، لأنَّها وقعتْ في طريق الاِستنباط. فلذلك لايصحُّ اِنخراطُها في عداد مسائل الفقه، أو الكلام، أو نحو ذلك؛ وإن كان لذلك وجهٌ أيضًا.

الأمر الرَّابع: لزوم قيد المندوحَة في عنوان المسألة

لاإشكال في ضرورة الاِتيان بقيد «المندوحة»؛ فالقيدُ ممَّا لابُدَّ منه، لأنَّ فرضَ المسألة فيما إذا قدُرَ العبدُ على امتثال الأمر بلامزاحمٍ - كالاِتيان بالصَّلوة في دارٍ مباحةٍ، أو المسجد -؛

وأمَّا لولم تكُن له مندوحةٌ عن الاِتيان بها غير منهيٍّ عنها، فالحرمةُ ساقطةٌ بالاِتِّفاق؛ لدلالة العقل والنَّقل عليه، فلم يكن من باب الاِجتماع أصلًا؛

كالمحبوس في الدَّار الغصبيَّة الَّتي لاخلاص له منها إذا دخل وقتُ الصَّلوة ثمَّ قرُبَ وقتُ قضائها؛ فلاخلاف في صحَّة صلوتها إذن.

المختار في المسألة

ص: 205

إذا تقرَّر هذا فاعلم: الأقوىٰ هو جوازُ ورود الأمر والنَّهي على شيءٍ واحدٍ يكون في الخارج معنونًا بعنوانين.

فمن خاطَ في الدَّار المغصوبة، استحقَّ الأُجرةَ من ناحيةِ عمله، واستحقَّ العقوبةَ من جهة غصبه.

وكذلك من صلّىٰ فيها؛ فيَسقُط الأمرُ، لكون المأتيِّ به - حينئذٍ - مطابقًا للمأموربه؛ وعليه العقوبةُ، لتصرُّفه في الغصب.

مقالٌ لبعض الأعلام قدس سره وبيان ما فيه

وما قال به في عاشر مقدَّمات الكفاية(1) - من مقدَّمات المبحث - وتابعه الأستاذُ سيِّدُنا البروجرديُّ قدس سره(2) - وغيرُه من الأعلام(3) - من: «أنَّ المُبَعِّدَ لايمكن أن يُقصَدَ به التَّقرُّبُ» - أي: لايكون مقرِّبًا -؛ فلذا لوكان النَّهيُ مغفولًا عنه - كالنَّاسي له و الجاهلِ بأصله، بل أضاف إليه السَّيِّد الأستاذُ قدس سره الواجبَ التَّوصُّلي الَّذي لايحتاج إلى قصد القربة -، جاز أن يُؤتىٰ بالمأموربه، لكونه معنونًا بعِنوانين -: فمِن جهةٍ يكون مأمورًا به، ومن جهةٍ يكون منهيًّا عنه -، ولايسري حكمُ أحدِهما إلى الآخر ولااصطكاك بينهما أصلًا؛

ليس بتمامٍ؛

لأنَّ قصد القربة في المأمور به - الجامع بين الوجوب و الحرمة - ممكنٌ وواقعٌ

ص: 206


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 156.
2- . راجع: نهاية الأُصول، ص 262.
3- . راجع: تحريراتٌ في الأُصول، ج 4 ص 186؛ وانظر: تهذيبُ الأُصول، ج 1 ص 316؛ الفوائد الحائريَّة، ص 167.

كثيرًا، في العُرف، وفي الشَّرع التَّابع له.

وهذا سرُّ عدم ورود روايةٍ في ذلك يُستفادُ منها الحكمُ؛ لا جوازًا ولا امتناعًا.

فهذا دليلُ الجواز، لأنَّه لوكان منهيًّا عنه، لكان يقع مورد المُسٰاءَلة؛ فعدم وجدان روايةٍ في هذه الأمور العامَّة البَلوىٰ يدلُّ على عدم حرمتها.

ما مهَّده المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره نيلًا إلى مرامه
اشارة

وأمَّا صاحب الكفاية قدس سره، فلم يكتفِ بهذا الَّذي ذكره أوَّلًا؛ بل كأنَّه انصرَف عنه، فاستدلَّ ثانيًا بكونه من مصاديق النَّهي في العبادات، والنَّهي فيها مبطلٌ ومسقِطٌ(1). ومهَّدَ للوصول إلى مختارهِ مقدَّماتٍ:

المقدَّمة الأولىٰ:
اشارة

وجودُ التَّضادِّ بين الأحكام الخمس، بحيث لايمكن أن يجتمع بعضُها مع بعضٍ في شيءٍ واحدٍ.

بيان ما فيها

وفيه: إنَّ الأحكام من الاِعتباريَّات، والتَّضادَّ من الخارجيَّات - فلذا لونسِيَ المولىٰ ما أمرَ به أو غفل عنه، يمكن له أن يأمُرَ به ثانيًا، أو ينصرف عنه فيأمُرَ بشيءٍ آخر، أو ينهىٰ عنه؛ كما أنَّ للمولىٰ النَّاسي أن ينهىٰ ثانيًا عمَّا أمرَ به أوَّلًا؛

وهذا خير دليلٍ على كونهما من الاِعتباريَّات -.

نعم! ثبوتُ التَّضادِّ بين مبدء الأوامر والنَّواهي - وهو المصالح والمفاسد الواقعيَّة

ص: 207


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 157.

- ممَّا لاريب فيه، لكنَّه ليس من الأحكام نفسِها؛ كما أنَّ الآمِرَ المتيقِّظ غير السَّاهي لايمكن له أن يأمرَ بشيءٍ وينهىٰ عنه جدًّا غير هازلٍ فيهما، لعدم إمكان تحقُّق ذلك في الخارج - لعجز المكلَّفِ عن القيام بهما -.

وأمَّا المُنشَأُ - وهو الحكمُ - فلمَّا كان من الاِعتباريَّات، فليس من باب التَّضادِّ أصلًا.

المقدَّمة الثَّانية:
اشارة

إنَّ متعلَّقَ الأحكام هو فعلُ المكلَّفِ، و ما في الخارج يصدُر عنه وهو فاعلُه، و ليس مُتَعَلَّقُها هو العنوان، بل العنوانُ آلةٌ للحاظ ما يُوجَد في الخارجِ.

بيان ما فيها

وفيه: إنَّ الأحكام تتعلَّق بالعناوين والطَّبائع من حيث هي هي، لا من حيث كونِها مرآةً للخارج؛ لأنَّ ذلك العنوان المقيَّد بكونه آلةً ومرآةً، لايُمكن أن يُوجَد في الخارج، بل الموجود فيه هو العنوان الَّذي يُقال له الكُلِّيُّ الطَّبيعيُّ؛

وبعبارةٍ أُخرىٰ: إنَّ المولىٰ في أوامره يطلب وجود تلك الطَّبيعة، كما وأنَّ في نواهيه يُزجِرُ عن وجود تلك الطَّبائع فحَسْب.

المقدَّمة الثَّالثة:
اشارة

إنَّ تعدُّد العناوين لايوجب تعدُّدَ المعنون؛ ألٰا ترىٰ أنَّ صدق المفاهيم والصِّفات العديدة على الباري - جلَّ وعلا! - لايوجب تعدُّدَ الذَّات؟!.

بيان ما فيها

ص: 208

وفيه: أوَّلًا: إنَّا نُسلِّم أنَّ تعدُّدَ العناوين لايوجب تعدُّد المعنون، إلَّاأنَّ العناوين تجتمع مع المعنون في وجوده الخارجيِّ، فالمعنونُ واحدٌ ولكنَّ العناوينَ متعدِّدةٌ موجودةٌ في الخارج بوجودِ المعنون الخارجيِّ.

فالأمر تعلَّق بعنوانٍ - كالصَّلوة -، والنَّهيُ تعلَّق بعنوانٍ آخر - كالغصب -.

وثانيًا: قياس المقام بالذَّات الأقدس قياسٌ مع الفارق، لأنَّه - تعالى شأنُه العزيزُ! - بذاته مجمَعُ جميع الكمالات - عدَّةً، ومُدَّةً، وشدَّةً - من غير افتراقٍ بين الذَّات وبينها؛ فليس في الخارج إلَّاالذَّات، والكمالاتُ عينُه.

المقدَّمة الرَّابعة:
اشارة

لايُعقَلُ أن يكون لشيءٍ خارجيٍّ ماهيَّتان، بل لجميع الأشياء ماهيَّةٌ واحدةٌ، وليس في الخارج إلَّاوجودٌ واحدٌ اتَّصفتْ به ماهيَّةٌ واحدةٌ.

بيان ما فيها

وفيه: إنَّا نُسلِّم ذلك حيث لانقاش فيه، إلَّاأنَّه خارجٌ عن محلِّ الكلام؛ لأنَّ الصَّلوة والغصب مفهومان يُوجَدان في الخارج وليسا ماهيَّتين لِما في الخارج، بل هما عنوانانِ لما له الماهيَّة؛ فلذا ما في الخارج ليس مصداقًا لهما، بل هو يصدق عليهما.

فالبحث في أنَّ هيهنا عنوانين تعلَّق التَّكليف بهما، ولايوجد هذان العنوانان إلَّا بمعنونٍ واحدٍ؛ فهل يُمكِن أن يتعلَّق الأمر بأحد العنوانين والنَّهي بالآخر؟، أم لا؟.

فالبحث عن ماهيَّة الأشياء وتوحُّدها، وعدمِ تعقُّل كونها متعدِّدةً أجنبيَّةٌ عمَّا نحن فيه.

مختار صاحب الكفاية قدس سره والرَّدُّ عليه

ص: 209

ثمَّ إنَّه قدس سره بعد تمهيد هذه المقدَّمات الأربع، اختار الاِمتناعَ، مدَّعيًا أنَّ الأمر والنَّهي بشيءٍ واحدٍ في آنٍ واحدٍ محالٌ؛

وحيث لايُوجَد في الخارج إلَّاشيئًا واحدًا، فلايُعقَلُ أن يكون هذا الواحدُ متعلَّق الأمر والنَّهي معًا(1).

وقد مرَّ الكلامُ منَّا في أنَّه:

أوَّلًا: لاحاجة إلى تمهيد هذه المقدَّمات.

وثانيًا: إنَّ الموجودَ في الخارج وإن كان شيئًا واحدًا، إلَّاأنَّه معنوَنٌ بعنوانين؛ فتعلَّق الأمرُ بعنوانٍ والنَّهيُ بعنوانٍ آخر.

المختار في المسألة

فإذن: الأقوىٰ هو جواز الاِجتماع، عقلًا وعرفًا، بل وشرعًا - أيضًا -، بقاعدة عدمِ الوجدان يدلُّ على عدم الوجود في مثل هذا الأمر المهمِّ العامِّ البلوىٰ.

كلامٌ للمحقِّقَين النَّائينيِّ والخوئيِّ قدس سرهما

ثمَّ إنَّ للمحقِّق النَّائينيِّ قدس سره هيهنا كلامًا آخر(2)، وتبعه فيه تلميذُه المحقِّق الخوئيُّ قدس سره(3)؛ و هو: «التَّفصيل:

بين ما إذا كان التَّركيب بين العِنوانين اِنضمامِيَّين، فالمختار فيه جوازُ الاِجتماع، إذ الأمر تعلَّق بعنوانٍ والنَّهي بعنوانٍ آخر؛

وبين ما إذا كان التَّركيب اِتِّحاديًّا، فالمختارُ فيه الاِمتناعُ، إذ الأمر والنَّهي تعلَّقا

ص: 210


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 160.
2- . راجع: فوائدُ الأُصول، ج 1 ص 424.
3- . راجع: أجود التَّقريرات، ج 2 ص 157.

بعنوانٍ واحدٍ».

بيانُ ما في كلامهما

وفيه:

أوَّلًا: هذا هو الخَلط بين المفهوم والمصداق، إذ البحثُ في المفهوم لا في المصداق؛

وثانيًا: إنَّ التَّركيب الاِتِّحادي ليس إلَّاصرف الفرض، وليس له في الخارج أثرٌ ولا عينٌ؛ حتَّى أنَّ الفلاسفة اختلفوا في كيفيَّة تركيب الصُّورة والمادَّة في الخارج، فاختارَ المُتَأَلِّهُ السَّبزواريُّ الاِنضمامَ(1)، نظرًا إلى أنَّ الاِتِّحاد صرف الفرض - كما تقدَّمت الإشارة إليه -.

تتمَّةٌ
بيانُ ما استدلَّ به بعضُهم للجواز

استدلَّ بعضُ الأعلام للجواز بقاعدةِ «أقوىٰ دليلٍ لإمكان الشَّيء وقوعُ ذلك الشَّيء»؛ فقال: «إنَّ اِجتماع الأمر والكراهة في الفقه كثيرٌ، نظيرُ الصَّلوة في الحمَّام، وبين القُبور؛ واجتماعُ الوجوب والاِستحباب - أيضًا - كثيرٌ، نظيرُ الصَّلوة في المسجد جماعةً»(2).

مناقشة كلامه

ولنا فيه نظرٌ، حيث إنَّ الأمر تعلَّق بعنوانٍ - كالصلوة -؛ ثمَّ إنَّ الكراهة نشأتْ

ص: 211


1- . راجع: شرح المنظومة - للحكيم السَّبزواريِّ -، ج 2 ص 370.
2- . وانظر: تعليقةٌ على معالم الأُصول، ص 99.

عن خصوصيَّةٍ حدثَتْ في المُعنوَن - كوقوعِها في الحمَّام، أو بين المقابر -؛ وهذا غير اجتماعِ الأمر والنَّهي في شيءٍ واحدٍ.

وإن شئتَ قُلتَ: إنَّ مسألة الاِجتماع من باب العامَّين من وجهٍ؛

وبابَ اِجتماعِ الوجوب بالاستحباب من باب العامِّ والخاصِّ.

خاتمةٌ
اشارة

اُختُلِف في حكم «الخروج عن الدَّار المغصوبة»، ما هو؟؛ نظرًا إلى اجتماع جهتين فيه:

الجهةُ الأولى:

هو الخروجُ عن الغصب المأمورُ به؛

الجهة الثانية:

إنَّه هو التَّصرُّف ُفي الغصب المنهيُّ عنه.

المذاهب في المسألة
اشارة

فهيهنا مذاهب اختُلِف فيها كالتَّالي:

المذهب الأوَّل:

هل هو من باب اِجتماع الأمر والنَّهي فعلًا، كما ذهب إليه صاحب القوانين قدس سره(1)؛

المذهب الثَّاني:

أو كونه مأمورًا به وليس منهيًّا عنه بالنَّهي السَّابق السَّاقط، كما ذهب إليه صاحب الفصول قدس سره(2)؛

ص: 212


1- . راجع: قوانينُ الأُصول، ج 1 ص 324.
2- . راجع: الفصول الغَرويَّة، ص 138 السَّطر 25.
المذهب الثَّالث:

أو كونه مأمورًا به فقط، كما ذهب إليه الشَّيخ الأعظم الأنصاريُّ قدس سره(1)؛

المذهب الرَّابع:

أو كونه منهيًّا عنه بالنَّهيِ السَّابق السَّاقط، كما ذهب إليه في الكفاية(2)؛

المذهب الخامس:

أو كونه منهيًّا عنه بالنَّهي الفعليِّ فقط، كما ذهب إليه السَّيِّد الأستاذ الخمينيُّ قدس سره(3).

المختار في المسألة

الأقوىٰ عندنا هو الأخير.

بيانُ ما في الأقوال من الضَّعف

أمَّا كونه مامورًا به بالأمر الفعليِّ الشَّرعيِّ، فهذا ممَّا لايجوز قطعًا، بل ولايمكن!، لعدم وجود المصلحة التَّامَّة المُلزِمة فيه.

هذا، مضافًا إلى لزوم العِقابين لوترَك الغاصبُ التَّخلُّصَ من الغصب؛ ولاأظنُّ أن يلتزم به أحدٌ.

وأمَّا حكمُ العقل بلزوم التَّخلُّص عن الغصب والخروجِ عنه، فهو من باب حرمة التَّصرُّف في المغصوب؛ فالتَّخلُّص عن الغصب حرامٌ - أيضًا -.

إلَّا أنَّه بقاعدة «الاِتيان بالقبيحِ لترك الأقبح» يقبله العقلُ، ويُلزِمُه بالتَّخلُّص منه. وهذا لايكون من باب الأهمِّ والمهمِّ، لعدم المصلحة في المهمِّ؛ إلَّاأنْ يُقال: إنَّ

ص: 213


1- . راجع: مطارح الأَنظار، ج 1 ص 707.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 168.
3- . راجع: مناهج الوصول، ج 2 ص 143.

التَّخلُّص عن الغصب أيضًا من مصاديق الأهمِّ والمهمِّ، نظرًا إلى اِمتثال أمر المولىٰ بعدم التَّصرُّف فيه.

وبالجملة، لاوجه لكون التَّخلُّص مأمورًا به، لعدم المصلحة الذَّاتيَّة فيه؛ فمَن ذهب إلى كونه مأمورًا به - كصواحب القَوانين والفُصول والمَطارح - لاوجه لمختارهم، لأنَّ المقامَ نظير اِرتكاب الحرام للأمر المُهمِّ، كشُرب الخمر في المخمصة، والتَّصرُّف في الغَصب لانقاذِ الغريق، ولا أظنُّ أحدًا يقول بوجوب شُرب الخمر هيهنا، لأنَّ القول بوجوبِ شُربه يلازمُ انقلابَ الحكمِ، و هو محالٌ!.

أمَّا كونُه منهيًّا عنه بالنَّهي السَّابق السَّاقط، فليس له معنىً محصَّلًا، إذ النَّهي لم يسقط بعدُ؛ إلَّاأن يُرادَ به قاعدةُ «الاِمتناع بالاِختيار لايُنافي الاِختيار»، ولازمها كونه منهيًّا عنه بالنَّهي الفعليِّ.

فلذلك مَن جعل نفسَه باختياره، أو سوء اِختياره في مخمصةٍ لاخلاص له منها إلَّا بشرب الخمر، يُقال له يوم القيامة: لِمَ شرِبتَ الخمرَ؟، فلوأجابَ بعدم القُدرة على تركه، يُجابُ عنه: لِمَجَعلتَ نفسَك فيها حتَّى تُجبَر على شربه؟.

فما اشتهر بين النَّاس من «أنَّ شرب الخمر في المهالك لحفظ النَّفس يُعدُّ شُربًا حلالًا»، ليس له وجهٌ صحيحٌ.

تلخيص الكلام في المختار

فتلخَّص: إنَّ الخروج عن الغصب منهيٌّ عنه بالنَّهي الفعليِّ، لكونه تصرُّفًا فيه، ولاوجه للقولِ بكون النَّهي ساقطًا؛

ولاوجه لكونه بعد السُّقوط ذاعقوبةٍ، فالمقام يُشبِه ما إذا خرَج عن المغصوبِ خوفًا عن مالكه؛ وما إذا خرَج عن المغصوب إلى بابِه متوسِّطًا في الخروج للتَّفرُّج.

ص: 214

فكما أنَّ الموردين - ونظائرَهما الكثيرةَ - منهيَّان عنهما، فكذلك ما إذا أراد الخروجَ للتَّخلُّص عن الغصب، من غير فرقٍ بين المَوارد.

نعم! لوتخلَّص نفسه عنه نَدَمًا عليه، فهو ليس بحرامٍ، بل لايبعُد القول بكونه مأمورًابه.

هذا موجَزٌ من مباحث مفصَّلة؛ وإن شئتَ التَّفصيل فيها فارجِع إلى المُفصَّلات المُدَوَّنة في هذا الفنِّ. ولكن بعد الإحاطة بما تلونا عليك في هذا الفصل، لاتحتاج إلى ذلك أبدًا.

ص: 215

ص: 216

الفصل الثَّالث: في النَّهي الوارد على: العبادات أو المعاملات

اشارة

هل ورودُ النَّهي على شيءٍ - عبادةً كان، أو معاملةً - يوجبُ فساد ذلك الشَّيء؟.

فيه أقوالٌ، والأقوىٰ هو الفساد.

وتوضيح ذلك يحتاج إلى رسم مقدَّماتٍ.

المقدَّمة الأولى:: في بيان الفرق بين هذه المسألة والَّتي سلَفَتْ قبلها

الفرقُ بين هذه المسألة والمسألةِ السَّالفة - وهي اِجتماع الأمر والنهي - في أمرٍ واحدٍ فقط، وهو تعلُّق النَّهي في مسألتنا هذه بنفس العنوان الَّذي تعلَّقَ به الأمرُ،

ص: 217

كقوله عليه السلام: «دَعِي الصَّلوةَ أيَّامَ أَقْرائِكِ»(1)، وكقوله - جلَّ وعزَّ! -: «إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلاٰةِ مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اَللّٰهِ وَ ذَرُوا اَلْبَيْعَ»(2).

بينما أنَّ في تلك المسألة كلُّ واحدٍ من الأمر والنَّهي تعلَّق بعنوانٍ غير ما تعلَّق به الآخرُ، ولاصلةَ بين العنوانَين إلَّابسوءِ اختيارِ المكلَّف حيث يجمعُهُما في عنوانٍ واحدٍ - كالصَّلوة في المغصوب -.

ولذلك إنَّ العنوانَين في هذه المسألة من باب العامِّ والخاصِّ؛

وهو في تلك من باب العامَّين من وجهٍ مطلقًا.

المقدَّمة الثانية:: في كون المسألة في عِداد مباحث الألفاظ

لاإشكال في أنَّ هذه المسألة من مباحث الألفاظ، كما هو في السَّالفة - أيضًا -؛ لأنَّ البحثَ فيها في دلالةِ النَّهي على الفساد، أو عدَمِها. والمراد من «الدِّلالة» هيهنا هو معناها الأعمُّ؛ ولذلك قد عبَّر بعضُهم عن المسألة بقولهم: «إنَّ النَّهيَ هل يُلازم الفَسادَ؟، أم لا؟»، إذ «الملازمة» هيهنا - أيضًا - تُستفادُ من الألفاظ، لتوقُّفِها عليها - لأنَّ الدِّلالات اللَّفظيَّة تارةً بالمطابقة، وأُخرىٰ بالتَّضمُّن، وثالثةً بالاِلتزام، بمَعنَيَين الأخصِّ، أو الأعمِّ -.

ولامشاحةَ في الاِصطلاح!.

ص: 218


1- . الحديث لم يوجد في طرقنا؛ وانظر: قاموس قرآن، ج 5 ص 261.
2- . كريمة 9 الجُمُعة.
المقدَّمة الثَّالثة:: في جريان النِّزاع في مُطلق النَّهي
اشارة

قد يُترائىٰ من بعضِهم(1) اختصاصُ المسألة بالنَّهي النَّفسيِّ التَّحريميِّ.

بيان ما فيه

وهذا لاوجه له؛ لأنَّه سيأتي: إنَّ النَّهي إرشادٌ إلى الفَساد مطلقًا، فحينئذٍ تشملُ مطلق النَّهي، حتَّى النَّهي التَّنزيهيِّ، فضلًا عن الغيريِّ.

إلَّا أنْ يُقال: إنَّ غير النَّفسيِّ التَّحريميِّ لايُرشِد إلى الفَساد.

وسيأتي توضيحُ ذلك - إن شاء اللَّهُ! -.

المقدَّمة الرَّابعة:: المرادُ من العبادة هيهنا
اشارة

العبادة هي ما يتوقَّف على قصدِ القربة، فهي من العناوين القَصديَّة - أي:

العناوين الَّتي لايَكفي الإتيان بها مجرَّدًا عن القصد -.

مختار صاحب الكفاية قدس سره ومناقشته

وما قال به في الكفاية من: «أنَّ بعض العبادات وقوعُها بهذا العنوان لايتوقَّف على القصد، بل إنَّه أمرٌ ذاتيٌّ له»(2)؛

لانفهم المراد منه!، لأنَّه تمثَّل بالسُّجود للَّه، مع أنَّ القصد في وقوعِه عبادةً أو

ص: 219


1- . راجع: مطارح الأَنظار، ج 1 ص 728.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 182.

غيرَها واضحٌ على جميع الوجوه؛ والوجوهُ:

1. إن قُصِد أن يكون للَّه، فهو عبادةٌ؛

2. وإن قُصِد أن يكون للصَّنم، فهو شركٌ؛

3. وإن قُصِد أن يكون تعظيًما للغير - كسُجُود الملائكة لآدمَ، وسجودِ إخوة يوسفَ له -، فتعظيمٌ للغير؛

4. وإن لم يُقصَد شيءٌ، فليس بشيءٍ أصلًا.

وعلى أيٍّ، فكون العبادة عبادةً يحتاج الى قصد القُربة، من غير ترديدٍ فيه.

المقدَّمة الخامسة:: إضافيَّة الصِّحَّة والفَساد وترادفهما للتَّماميَّة والنُّقصان

المشهور أنَّ الصِّحَّة والفَساد أمران إضافيَّان يَعرُضان على العبادة؛

وهما يُرادِفان الَّتمامَ والنَّقصَ.

أمَّا الأوَّل فلاإشكال ولاكلام فيه.

أمَّا الكلامُ - كلُّه - ففي كونِهما مساوِقَين للتَّماميَّة والنُّقصان، وهذا ما لايُساعدُه اللُّغة والعُرف، إذ الصِّحَّة والفَساد يرجعان إلى الكيفيَّات، بينما أنَّ النَّقص والَّتمام يرجعانِ إلى الكمِّيَّات.

نعم! قد يُستَعملان متَرادِفَين، على سبيل المجاز.

المقدَّمة السَّادسة:: في كونِهما خارجيَّين

إنَّ الصِّحَّة والفَساد أمران خارجيَّان تابعان لكيفيَّة المأتيِّ به، فوقوعُهما قهريٌّ

ص: 220

غير محتاجٍ إلى جعلٍ، أو إرادةٍ.

فإذا وقَع المأتيُّ به - عبادةً كانت، أو معاملةً - مطابقًا للمأموربه، يقع صحيحةً؛

وإن لم يكن كذلك، يقع فاسدًا. فوقوعُ الصِّحَّة والفَساد في الخارج لايحتاج إلى جعْلِ جاعلٍ أو إرادة مريدٍ؛ بل هما تابعٌ لكيفيَّة العبادة أو المعاملة المأتيِّ بهما.

وهذا واضحٌ لايحتاج إلى تفصيلٍ.

المقدَّمة السَّابعة:: مقتضىٰ الأصلُ في المسألة
اشارة

لا أصل في المسألةِ به يُثبَتُ الصِّحَّة، أو الفَساد؛ بمعنىٰ دلالته على أنَّ النَّهي يقتضي فسادَ الشَّيء.

نعم! للأصول العمَليَّة مجاري خاصَّة في الفقهِ تجري فيها.

المشهور في المسألة

فما اشتهَر من: «أنَّ الأصلَ في العبادات والمعاملات هو الفسادُ:

أمَّا في العبادات، فلعَدَم الأمر بها بعد النَّهي عنها؛

وأمَّا في المعاملات، فلعَدَم وقوع العقد بعد ورود النَّهي عنه»(1)؛

بيان ما فيه

لا أصل له!، بل المختارُ أنَّ الأصل يقتضي الصِّحَّة مطلقًا، لأنَّ الشَّكَّ في صحَّتهما

ص: 221


1- . راجع: غايةُ المسؤول، ص 319؛ قوانينُ الأُصول، ج 1 ص 356؛ مفاتيح الأُصول، ص 528 السَّطر 31.

يرجعُ إلى التَّخصيص. فإذًا العُمُومات حاكمةٌ حتَّى يُوقَنَ بوجود الُمخصِّص؛

أمَّا المشكوكُ فلايمكن التَّخصيص به.

فإذا ورَد نهيٌ وشُكَّ في تخصيصه صحَّةَ العبادة أو المعاملة، فعموم صحَّتهما باقٍ متَّبَعٌ حتَّى نعلَم بالُمخصِّص القطعيِّ.

المقدَّمة الثَّامنة:: في متعلَّق النَّهي
اشارة

النَّهي يتعلَّق:

تارةً بنفس الشَّيء؛

و أخرىٰ بجُزئه؛

وثالثةً بشرطه؛

ورابعةً بوصفه المُلازم أو غيرِ المُلازم.

أمَّا الأوَّلُ، فهو مورد النِّزاع ومحَطِّه.

وأمَّا غيره، فالظَّاهر خروجُه - كلُّه - عن محلِّ الكلام؛ لأنَّ النَّهي عن جزء العبادة - كالقِرٰان بين السُّورتين مثلًا - لايسري إلى أصل الصَّلوة، لعَدَم وجهٍ للسَّراية.

نعم! لوقلنا أنَّ النَّهي عن الشَّيء يوجِبُ فسادَه، واكتفىٰ المصلِّي بالسُّورتين المقارنتَين، فلاصلاة له إذن، إذ قاعدة اِنتفاء الكلِّ بانتفاء الجزء يدلُّ على ذلك.

أمَّا الشَّرط فهو أولىٰ من الجزء في ذلك، ولاوجه لكون المشروط فاسدًا إلَّاأن يختلَّ فسادُ الشَّرط المشروطَ، مثلًا لوخالَف ما أمر به الإمامُ عليه السلام بما يقرُب من:

ص: 222

«لاتُصَلِّ فِي وَبَرِ ما لايُؤكَلُ لَحمُه»(1)، فعدمُ مراعاة الشَّرط يوجِبُ انتفاءَ المشروطِ المشروطِ.

وأمَّا الوصفُ، فهو مثل الجزء والشَّرط، ولاوجه لسَراية الفَساد منه إلى الموصوف، حتَّى في الوصف المُلازم؛ فالجَهرُ بالصَّلاة لايوجبُ فسادها نظرًا إلى قوله - جلَّ وعزَّ -: «لاٰ تَجْهَرْ بِصَلاٰتِكَ»(2)، إذ المقامُ مقامُ الجمع بين الأمر والنهي.

رأي صاحب الكفاية قدس سره وتعليلُه عليه

فما في الكفاية مِن فَساد الصَّلوة - حينئذٍ -، مُعلِّلًا ب: «أنَّ النَّهي عن الجَهرِ لايجتمع مع الأمر بالصَّلوة»(3)، مبنيٌّ على امتناعِ اِجتماع الأمر والنَّهي، كما هو مبناه - وقد فصَّلنا الكلامَ فيه -.

أمَّا على المختار من جواز الاِجتماع، فلاإشكال في صحَّة الصَّلوة، وصحَّة القراءة، مع كونها منهيًّا عنها بحسب الوَصف.

***

إذا تقرَّر هذه المقدَّمات، فيقع الكلامُ:
اشارة

تارةً في العبادات؛

وأُخرىٰ في المعاملات.

ص: 223


1- . راجع: علل الشَّرائع، ج 2 ص 342؛ تهذيبُ الأحكام، ج 2 ص 207 الحديث 810؛ وسائل الشِّيعة، ج 4 ص 347 الحديث 535.
2- . كريمة 110 الإسراء.
3- . راجع: كفاية الأُصول، ص 185.
أوَّلًا:: النَّهي الواقعُ في العبادات
المختار فيه

أمَّا العباداتُ، فالنَّهي عنها يوجب الفَساد، ضرورةَ أنَّ المرجوحَ المنهيَّ عنه لايمكن أن يتعلَّق به الأمرُ - لأنَّ الأمر لايتعلَّق إلَّابالرَّاجح -.

وإن شئتَ قلتَ: إنَّ النَّهيَ يُرشِد عقليًّا إلى فَسادها إذا كان النَّهي نفسيًّا، لا غيريًّا.

رأي الشَّيخ المؤسِّس قدس سره هيهنا

نعم! عند الشَّيخ المؤسِّس قدس سره يُحتَمَل تعلقُّ النَّهي بالخصوصيَّة، لابذات الشَّيء - كما يكون كذلك في العبادات المكروهة -(1).

وهو كلامٌ متينٌ لوكان وجهٌ لهذا الاِحتمال؛ إلَّاأنَّ الظَّاهر في مثل قوله عليه السلام:

«دَعِي الصَّلٰوةَ أيَّامَ أَقرائِكِ»(2) هو تعلُّق النَّهي بذات الشَّيء، لا بخصوصيَّتها.

ثانيًا:: النَّهي الواقعُ في المعاملات
اشارة

وأمَّا المعاملاتُ، فإن قلنا إنَّ النَّهي التَّكليفيَّ عن شيءٍ يُلازم النَّهي الوضعيَّ عنه

ص: 224


1- . راجع: دُرَر الفوائد، ص 187.
2- . الحديث لم يوجد في طرقنا؛ وانظر: قاموس قرآن، ج 5 ص 261.

- كما قوَّينا ذلك، فقهيًّا وأصوليًّا -، فالنَّهي عن المعاملات يوجِب فَسادها، من غير فرقٍ بين أن يتعلَّق النَّهيُ بالسَّبب، أو بالمسبَّب، أو بالتَّأثير، أو بالأثر الحاصلِ منه.

كما لوقيل بأنَّ النَّهي عن معاملةٍ إرشادٌ عقلًا إلى فَسادها، من غير فرقٍ بين تعلُّقِ النَّهي بالأثر أو بغيره؛

ما استدلَّ به القائلون بالفَساد
اشارة

وهو قويٌّ جدًّا، وإلَّا فلاوجه للقول بالفَساد أصلًا.

ثمَّ إنَّ القائلينَ بالفَساد استدلُّوا على مختارهم، بأدلَّةٍ كلِّها مخدوشةٌ؛ وهي:

الدَّليل الأوَّل:
اشارة

إنَّ النَّهي عن معاملةٍ يساوِقُ عرفًا النَّهيَ عن أثرها - سواءً تعلَّق النَّهيُ بالأسباب والمسبَّبات، أو بذات الأثر -. فقوله عليه السلام: «ثَمَنُ العَذِرَةِ من السُّحتِ»(1)ليس معناه إلَّاأنَّه لاتقع هذه المعاملة، ومعنىٰ ذلك فسادُ معاملة العَذَرة.

مناقشةُ هذا الدَّليل

وفيه: إنَّه صرف ادِّعاءٍ لا دليل له، فلو لم نَقُل بأنَّه يدلُّ على الصِّحَّة والحرمة معًا، عرفًا، لاوجه للقول بدلالته على الفَساد.

الدَّليل الثَّاني:
اشارة

ص: 225


1- . راجع: تهذيبُ الأحكام، ج 6 ص 372 الحديث 201؛ الاِستبصار، ج 3 ص 56 الحديث 182؛ وسائل الشِّيعة، ج 17 ص 175 الحديث 22284.

بعضُ المأثورات المرويَّة في أبوابٍ شتيتةٍ من الفقه، كقوله عليه السلام في صحَّة نكاح عبدٍ نكَحَ من غير إذن سَيِّدِه لوأمضاه سيِّدُه: «إنَّه لم يَعصَ اللَّهَ، إنَّما عصىٰ سيِّدَه، فإذا أجازَ فهو له جائزٌ»(1).

بتقريب: أنَّه يدلُّ على أنَّ العبد لوعصىٰ اللَّهَ - بفعله ما نهىٰ عنه في المعاملةِ - فنكاحُه فاسدٌ.

مناقشة هذا الدَّليل

وفيه: المرادُ ب «العِصيان» في الرِّواية هو عدم النُّفوذ، لا العِصيان بمعنى الذَّنب؛ فحينئذٍ المُعنىٰ منها: إنَّ نكاح العبد من دون إجازة السَّيِّد ليس كالنِّكاح في العِدَّة ليكون باطلًا من أساسه، بل الصِّحَّة مُتَوَقَّفةٌ على إذن المولىٰ؛ فإذا أجازه فهو نافذٌ.

فالرِّواية أجنبيَّةٌ عن المبحث.

خاتمةٌ
قول بعضهم بدلالة النَّهي على الصِّحَّة
اشارة

حُكِي عن أبي حنيفةَ(2) - من العامَّة - وعن فخرالُمحقِّقين قدس سره(3) - من الخاصَّة - دلالةُ النَّهي على الصِّحَّة. واستحسَنَه في الكفاية في الجملةِ؛ واستدلَّ ب «أنَّ مُتعلَّق النَّهي

ص: 226


1- . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 351 الحديث 63؛ وسائل الشِّيعة، ج 14 ص 523 الحديث 15781.
2- . راجع: شرح تنقيح الفُصول، ص 173؛ المستصفىٰ، ج 2 ص 28.
3- . حكاه الشَّيخ الأعظم عن كتابه نهاية المأمول - راجع: مطارح الأَنظار، ج 1 ص 763 -. والنهاية غير مطبوعٍ.

لابدَّ من أن يكون مقدورًا للعبد، فلوكان فاسدًا لايقدر على إيجاده. فإذَن تعلُّقُ النَّهي به يدُلُّ على صحَّته»(1).

بيان ما فيه

وفيه: إنَّ مُتعلَّق النَّهي قبل تعلُّق النَّهي به يكون مقدورًا، وتعلُّقُ النَّهي بالمقدور يوجِب فَسادَه، كما أنَّه لو لم يتعلَّق به النَّهيُ لكان مقدورًا صحيحًا.

وهذا واضحٌ لايحتاج إلى الاِكثار من القيل والقال؛ فراجِعِ المطوَّلات وتأمَّلْ فيها!.

ص: 227


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 189.

ص: 228

المقصدُ الثَّالث: في المفاهيمِ

اشارة

وفيه فصولٌ

ص: 229

ص: 230

وقبل الورود في صُلْب المطلب، لابدَّ من رسم مقدماتٍ.

المقدَّمة الأولىٰ: في تعريفه على المختار

والأولىٰ أن يُقال: «إنَّ المفهوم حكمٌ غير مذكورٍ لازمٌ لحكمٍ مذكورٍ باللُّزوم البيِّن بالمعنى الأعمِّ».

بيان ذلك: إنَّ قول المولىٰ: «إنْ جاءك زيدٌ فأكْرِمه» يدلُّ على وجوب الإكرام عند مجيء زيدٍ، فهو دلالةٌ مطابقيَّةٌ لهذه الجملة؛

ويقالُ لها: الثُّبوت عند الثُّبوت.

فإن قلنا بثبوت المفهوم لها، تدلُّ الجملةُ - حينئذٍ - على عدم وجوب الإكرام عند عدم مجيءِ زيدٍ، فهو دلالةٌ اِلتزاميَّةٌ بالمعنى الأعمِّ؛ والمُعنىٰ: أنَّه عند تصوُّر الشَّرط والجزاء أوَّلًا وتصوُّر النِّسبة والخصوصيَّة العُرفيَّة الحاكمة على المخاطبةِ ثانيًا، يُحكَمُ لتلك الجملة بثبوتِ المفهوم؛

ص: 231

ويقالُ لها: الاِنتفاء عند الاِنتفاء.

وإن قلت: «إنَّه بمجرَّد تصوُّر الخصوصيَّة العُرفيَّة - المُعبَّر عنها بالشَّرطيَّة، أو أُسلوب الشَّرط - يلزم الاِنتفاء عند الانتفاء، فاللَّازم بيِّنٌ بالمعنَى الأخصِّ»؛

لستَ عادلًا عن الحقِّ مائلًا إلى المجازفةِ!.

المقدَّمة الثَّانية: في كون البحث صغرويًّا

إنَّ البحث عن المفهوم بحثٌ صغرويٌّ، لاكبرويٌّ - أي: البحثُ يركِّزُ على الصُّغرىٰ -، لأنَّ الكلام كلَّه في أنَّه هل للقضيَّة الشَّرطيَّة مفهومٌ؟، أم لا؟؛ وبعبارةٍ أُخرىٰ: هل لها خصوصيَّةُ اِنحصار العلِّيَّة لحصول الجزاء في الشَّرط؟ - حتَّى يُثبِت بهذا الاِنحصار المفهومُ - أم لا؟.

أمَّا بعد ثبوت المفهوم، فلاكلام في حجِّيَّته، لأنَّها مقتضى اللَّفظ؛ فلاكلام في اِثبات الحجِّيَّة للمفهوم، بل الكلامُ في اِثبات المفهومِ للشَّرط مثلًا.

المقدَّمة الثَّالثة:: نظْرةٌ في حجِّيَّة المفاهيم كلِّها
اشارة

إنَّ الأستاذ السَّيِّد البروجرديَّ قدس سره ذهب إلى حجِّيَّة المفاهيم كلِّها، بقاعدة «إذا انتفى القيد انتفَى المُقيَّد»، ناسبًا ذلك إلى جمهور القُدماء، و كان مُصرًّا على مبناه و على إسناده هذا إليهم معًا(1).

ص: 232


1- . راجع: نهاية الأُصول، ص 294؛ لمحات الأُصول، ص 271.

بتقريبِ: «أنَّه إذا قال: «أَكرِم زيدًا العادل»، فإنْ كان ثبوتُ العدالة دخيلًا في وجوب الإكرام، فبانتفاء العدالة ينتفي وجوب الإكرام؛ وإن لم يكن لثبوت العدالة دخلٌ فيه، فمجيء القيد لغوٌ؛

فلابدَّ من أن يكون القيودُ في باب المفاهيم - كلِّها - احترازيَّةً - أي: لاِخراج غير المُقيَّد -، لئلَّا يلزم اللَّغو القبيح؛ ولاسيَّما لزوم اللَّغو في جميع العبارات.

هذا هو مختار قدماء الأصحاب في المبحث، على ما كان يُقرِّره سيِّدنا الأستاذ قدس سره.

بيان ما في مختاره

وفيه: كون القيودِ كلِّها احترازيةً أوَّلًا، وكونُ انتفائِها سببًا لانتفاء الحكم ثانيًا مسلَّمٌ لاينكره عامِّيٌّ فضلًا عن الخواصِّ، فالنُّقطتان اللَّتان تركَّز الأستاذُ قدس سره رأيَه عليهما لانقاش - لنا ولغيرنا - فيهما!؛

ولكنَّ الملاحَظَ على رأيه هو أنَّ هذا ليس بمفهومٍ، لأنَّ معنى المفهوم أنَّه إذا جيء بقيدٍ في الكلام فهل هو علَّةٌ منحصرةٌ - بحيث لايقبل البدلَ والبدليَّةَ -؟ أم ليس كذلك؟،

بل الكلام ساكتٌ عن ذلك، وإن لم يثبت الحكم بعد انتفاء القيد - لقاعدة إذا انتفَى القيدُ انتفَى المقيَّد -.

فليس الكلامُ في أنَّه بانتفاء قيد العدالة ينتفي وجوب الإكرام، بل في أنَّ العدالة هو العلَّةُ المنحصرة لوجوب الإكرام. وما لاكلام فيه ثابتٌ لاكلام فيه، أمَّا الَّذي الكلامُ كلُّه فيه فالجملة ساكتةٌ عنه؛

فلايُستفاد من ثبوت أصل القيد ثبوتُ المفهوم.

ص: 233

وباب المفاهيم في الأصول وُضِع لتحقيق هذا الاِنحصار، لا لِما أفاده قدس سره ناسبًا إيَّاه إلى القُدماء.

إذا تقرَّر هذا، فالمقصد يدور حول البحث عن عدَّةٍ من المفاهيم.

ص: 234

الفصل الأوَّل: في مفهوم الشَّرط

اشارة

والمشهور عند أهل الأصول(1)، إنَّ للجملة الشَّرطيَّة مفهومًا؛ بمعنىٰ أنَّ الشَّرط علَّةٌ منحصرةٌ للجزاء، بحيث لايمكن تبديلُ الشَّرط هذا بشرطٍ آخر.

مسألة علِّيَّة خفاء الأذان والجُدران للقصر

فعلىٰ سبيل المثال: لوقال: «إذا خَفِي الأذانُ فقَصِّر»، فالعلَّة لقصر الصَّلوة هو خفاءُ الأذان، لاشيءٌ آخر؛

فإن قيل بعد ذلك: «إذا خَفِي الجُدرانُ فقَصِّر»، يرى العُرفُ بين الكلامَين تَعارضًا بيِّنًا؛ فيجتهد في الجمع بينهما.

وأجود ما قيل في مقام الجمع - و هو يقابل العُرفَ -: رفعُ اليد عن مفهوم كِلَي القولَين؛ وذلك ذهابًا إلى أنَّ كلَّ واحدٍ منهما علَّةٌ للقصر، ولكن ليسا بعلَّةٍ منحصرةٍ؛

ص: 235


1- . راجع: الأُصول المهذَّبة، ص 38؛ تقريرات المجدِّد الشيرازي، ج 3 ص 140؛ تهذيبُ الأُصول، ج 1 ص 340؛ دُرَر الفوائد، ص 159.

ولا معنىٰ للمفهوم بعد ما لم يكن الاِنحصار في البَين.

ولانحتاج إلى البحث عن دليل حجيَّة العُرف، لأنَّه حجَّةٌ، عقلًا وشرعًا.

ولنا أنْ نقول: إنَّ الدَّليل على ثبوت المفهوم هو الخصوصيَّة الوضعيَّة - أو خصوص الوضع - الموجود في القضيَّة الشَّرطيَّة، الَّتي تتبادَر من أُسلوب الشَّرط عند الإلقاء؛ ضرورةَ أنَّه لوعدل المولىٰ عن هذا الأسلوب فقال: «يجبُ إكرام زيدٍ عند مجيئه»، فثبوت الإكرام عند ثبوت المجيء ثابتٌ، كما أنَّ انتفاءَ الإكرام عند انتفاءِ المجيء - أيضًا - مسلَّمٌ واضحٌ؛ ولكن لايُستفاد من الكلام كونُ مجيء زيدٍ علَّةً منحصرةً للإكرام، ولاتدلُّ الجملة عليها، ولايُتبادَر ذلك منها؛

وأمَّا لواستفادَ من أُسلُوب الشَّرط فقال: «إن جاءَك زيدٌ فأكْرمه»، فالاِنتفاء عند الاِنتفاء مسلَّمٌ لاكلامَ لأحدٍ فيه. وكونُ المجيء علَّةً منحصرةً للإكرام - أيضًا - مسلَّمٌ بحسب العرف.

وإن شئتَ قلتَ: هذه الخصوصيَّة تُتبادَر من أسلُوب الشَّرط الَّذي استخدمه المتكلِّمُ في إلقاء مراده.

وبالجملة، الدَّليل على كون الشَّرط علَّةً منحصرةً لثبوت الحكم، هو العرفُ، وهو يُكشِف عن كون أسلوب الشَّرط موضوعًا للعلِّيَّة المنحصرة.

المختار في المسألة وما يدلُّ عليه

هذا هو المختار؛ ولادليل عليه إلَّاأوضاع اللُّغة المُستدَلُّ بها في مباحث الألفاظ؛ ولذلك لا دليل يدلُّ عليه من خارج الكلام.

بعض ما قيل فيها وبيان ما فيه

و ماقيل من: «أنَّ الإطلاق يقتضي ذلك»؛

ص: 236

ليس بسديدٍ!، لأنَّ القضيَّة الشَّرطيَّة بإطلاقها في مقام بيان العلَّة التَّامَّة، لا بيان العلَّة المنحصرة - سواءٌ أريد من الإطلاق: إطلاقُ الشَّرط، أو إطلاقُ الجزء، أو إطلاقُ الشَّرطيَّة -.

فوجود الإطلاق فيها ممَّا لاريب فيه، لكنَّه لازمٌ لاثبات كون الشَّرط علَّةً تامَّةً لحصول الجزاء، لاعلَّةً منحصرةً له.

فوجود الإطلاق لايُثبِت العلَّيَّة المنحصرَة في الشَّرط.

مختار بعض الأعلام و مناقشتُه

ومختار المحقِّق الأصفهاني(1) - وتبعه فيه السَّيِّد الأستاذُ المحقِّق البروجرديُّ قدس سره(2)-: «إنَّ قاعدة «الواحِد» تدلُّ على كون الشَّرطِ العلَّةَ المنحصرة، وكذلك قاعدةُ «عدم جواز توارد علَّتين على معلولٍ واحدٍ»؛ فلوثبتَ للجزاء علَّتان - ما هو مذكورٌ في الشَّرط، وما هو غير مذكورٍ فيه -، فلابدَّ من أن يُقال بأنَّ العلَّة هي القدرُ الجامعُ»؛

ليس بسديدٍ - أيضًا -!، لأنَّ هاتين القاعدتين - وما يُشبِهُهما من المطالب الحِكْميَّة - راجعةٌ إلى عالَم الوجود والتَّكوينيَّات، ولامَساسَ لها بالاِعتبارات والاِعتباريَّات - كما اعترف قدس سره بذلك في مواردَ عدَّة -.

أمورٌ هامَّةٌ
اشارة

بقي أمورٌ هامَّةٌ لابأس بذكرِها:

ص: 237


1- . راجع: نهاية الدِّراية، ج 2 ص 428.
2- . راجع: لمحات الأُصول، ص 282؛ نهاية الأُصول، ص 299.
الأمر الأوَّل:

قد اشتهرَ بين الأُصوليِّينَ: «أنَّه لوقلنا في ثبوت المفاهيم - ومنها مفهوم الشَّرط - بالحاجة إلى العلِّيَّة المنحصرة، فيرجع النِّزاع إلى أنَّ شخصَ الحكم يترتَّب على الشَّرط، فإذا انتفَى الشَّرط انتفَى المشروط لامحالة، فلايبقىٰ شخصُ الحكم؛

وأمَّا لوقلنا بالحاجة إلى العلِّيَّة التَّامَّة دون المنحصرة، فيرجع النِّزاع إلى أنَّ سنخ الحكم يترتَّب على الشَّرط، لاشخصه؛ فبانتفاء الشَّرطيَّة ينتفي شخصُ الحكم و يبقىٰ سنخه».

أقول: الظَّاهر من القاعدة القائلة باِنتفاء المشروط بواسطة اِنتفاء الشَّرط، أنَّه لايُعقلُ بقاءُ سنخ الحكم - بعد الوِفاق على انتفاء شخصه - بعد اِنتفاء الشَّرط؛

ولذلك قال أستاذُنا السَّيِّد المحقِّق البروجرديُّ: «إنَّه لامعنىٰ محصَّلٍ لهذا الكلام»؛

وهو جيِّدٌ!.

لاسيَّما وقد أشرنا إلى أنَّ أخذَ المفهوم من الكلام لايتوقَّف على مثل هذه التَّدقيقات الخارجة عن عُرف أهل اللُّغة، بل لابدَّ من استفادته من شيءٍ آخر؛ وليس هو إلَّاظهورُ الكلام.

الأمر الثَّاني:
اشارة

إذا وقف مالًا على العلماء، أو نذَر لهم، فالموضوعُ هو «العلماء»؛ فإذا انتفَى الموضوع انتفى الحكمُ بلاريبٍ؛ سواءٌ كان الوقفُ على سبيل القضايا الشَّرطيَّة - كقول القائل: «وقَفتُ داري على أولادي إن صاروا علماءَ -، أو على سبيل القضايا النِّسبيَّة - كقوله: «وقَفتُ داري على العلماء من أولادي» -؛ فهذه الأمور خارجةٌ عن المفهوم، ولايبقىٰ محلٌّ للنِّزاع فيها.

ص: 238

هذا هو المشهور عند الأصحاب.

ما في كلام المشهور

ولكن يُمكن أن يُقالَ: إنَّ ما قيل مِن «أنَّه إذا لم يكن الشَّرطُ لم يكن الحكم»، ليس من باب المفهوم - فبانتفاء العالِمِ ينتفي الوقفُ -، بل من باب القضيَّة السَّالبة بانتفاء موضوعها؛

وأمَّا كون الشَّرط علَّةً منحصرةً للحكم، فبدلالته على العلِّيَّة المنحصرة - وذلك بدلالة ظهور الكلام فيه -.

الأمر الثَّالث:
عويصةٌ شاعتْ بين الأصوليِّين

هيهنا عويصةٌ شاعتْ بين الأصوليِّين؛ وهي: إنَّ أُسلُوب الشَّرط من الإنشاء، والإنشاءُ أمرٌ جزئيٌّ لايقبل الكلِّيَّة، فلامحالة الجزاءُ - و هو من هذا الأُسلوب - أمرٌ جزئيٌّ؛ فإذا انتفى الشَّرط لايبقىٰ مجالٌ للنِّزاع في أنَّ الجزاءَ باقٍ؟، أم لا؟.

فالبحثُ صار سالبةً بانتفاء الموضوع.

بيان ما فيها

وفيه: إنَّه أوَّلًا: قد مرَّ الكلامُ منَّا في أنَّ ثبوت المفهوم لايحتاج إلى كون الجزاءِ كلِّيًّا من سنخ الحكم، لا من شخص الحكم؛ لأنَّه إذَا انتفَى الشَّرطُ انتفَى الجزاء - كلِّيًّا كان أو جزئيًّا -، بل ثبوت المفهوم يحتاج فقط إلى دلالةِ دليلٍ يدلُّ على كون الشَّرط علَّةً منحصرةً؛ وقلنا: إنَّ التَّبادر المُستفادَ من أوضاع اللُّغة يدلُّ على كون الشَّرط علَّةً منحصرةً لحصول الجَزاء.

ص: 239

والشَّاهد عليه: شهادةُ العرف بكونِه علَّةً منحصرةً له.

وثانيًا: إنَّ الإنشاء وإن كان جزئيًّا، إلَّاأنَّ المُنشَأَ ليس إلَّاكلِّيًّا، والعويصةُ نشأتْ من خَلط المُنشَأ بالإنشاء. وهذا الخَلطُ أذهب بهم إلى مذاهب شتّىٰ غريبةٍ؛ حتَّى أنَّ السَّيِّد الأستاذَ المحقِّق البروجرديَّ قدس سره التزم بالإشكال وعدَّه صحيحًا، فذهب إلى أنَّ الإنشاءات - كلَّها - في الشَّرع ترجعُ إلى الإخبار، فالصُّورة إنشاءٌ والحقيقة إخبارٌ(1).

الأمر الرَّابع:

إذا تعدَّد الشَّرط واتَّحد الجزاءُ، ففيه صورٌ. والمهمُّ منها:

الحالةُ الأولىٰ:

إن كانا من جنسٍ واحدٍ - كقوله: «إذا بُلتَ فتوَضَّأْ، فبال عدَّةَ مرَّاتٍ -، فالثابتُ في العُرف - حينئذٍ - وحدةُ الشَّرط، إلَّاأن يدُلَّ دليلٌ خارجيٌّ - أي: خارجٌ عن سياق الكلام - على عدم الوحدة.

الحالةُ الثَّانية:

وإن كانا من جنسين - كقوله: «إن أَفطَرتَ فاعتِق رقبةً»، فأفطَرَ يومَين متتالِيين مثلًا، لأنَّه إن أفطَر أوَّلًا فأفطَر ثانيًا و ثالثًا في يومٍ واحدٍ، فلاتعدُّدَ للإفطار حينئذٍ -، فالعرفُ يفهم التَّعدُّد، إلَّاأن يدُلَّ دليلٌ - خارجٌ عن سياق الكلام - على الوحدة. كما

ص: 240


1- . راجع: نهاية الأصول، ص 301.

في باب الغُسل، فالقاعدةُ تقتضي عدمَ تداخل الأسباب والمسبَّبات، إلَّاأن يدُلَّ دليلٌ على التَّداخل.

الحالةُ الثَّالثة:

وأمَّا إن تعارضا - كقوله: «إذا خفِي الأذانُ فقَصِّر، وإذَا خفِيَ الجُدرانُ فقَصِّر» - فالعُرف يسلب الحجيَّةَ عن مفهوم كلِّ واحدٍ منهما بمنطوق الآخر؛ والعقلُ يجمعُ بينهما بوجود القدر الجامع وحجِّيَّتِه؛

والعرفُ في أمثال المقام مقدَّمٌ على العقل مطلقًا - لكون المقام من مباحث الألفاظ -.

هذا موجزٌ من مباحث مفصَّلة، ومَن أراد التَّفصيل فيها فليُراجِع إلى المطوَّلات في الفنِّ، ومَن أراد التَّوسُّط فيها فليُراجِع إلى الكفاية وأضرابه.

ص: 241

ص: 242

الفصل الثَّاني: في مفهوم الوصف

اشارة

لادليل - بحسب العقل، ولا الشَّرع - على ثبوت المفهوم للوصف، إلَّاأن يدُلَّ عليه قرينةٌ خارجيَّةٌ.

وتوضيح هذا - وما يرجع إليه - يأتي ضمن أمورٍ:

الأمر الأوَّل:

قيل: «إنَّه لولم يكن للوصف مفهومٌ، ليلزم اللَّغْويَّة في الكلام، حيث جاء المتكلِّمُ بوصفٍ أو أوصاف من دون مفهومٍ له»(1).

ففيه: يكفي لرفع اللَّغْويَّة كونُه علَّةً تامَّةً لاِتِّصاف الموصوف بالصِّفة هذه.

الأمر الثَّاني:

ص: 243


1- . راجع: فوائدُ الأُصول، ج 2 ص 501.

وما قيل من: «أنَّ تعليقَ الحكم بالوصف يُشعِر بعلِّيَّة مبدءِ الاِشتقاق للحُكم»(1)؛

فيه: لوسُلِّم ذلك، فيُشعِر بالعلِّيَّة التَّامَّة، لا العلِّيَّة المنحصرة الُمحتاجِ إليها في ثبوت المفهوم.

الأمر الثَّالث:

وما قيل من: «أنَّ حمل المطلق على المقيَّد، يدُلُّ على كون القِيد علَّةً منحصرةً لثبوت الحكم»(2)؛

فيه: إنَّ حمل المطلق على المقيَّد لايدُلُّ على شيءٍ إلَّاعلى أنَّ المتكلِّم لاإرادة جدِّيَّة له بحسب المطلق، بل استَعمَلَه بالإرادة الاِستعماليَّة فقط.

فهذا الحملُ يُكشِفُ عن إرادة المتكلِّم، لا عن ثبوت العلِّيَّة المنحصرة في القيد والوصف.

الأمر الرَّابع:

وما قيل من: «أنَّ القيد لوكان اِحترازيًّا - كما هو الأصل في القُيود عرفًا - يدلُّ على أنَّ الحُكمَ للمُقيَّد فقط، لا لغيره، وهذا هو معنَى العلِّيَّة المنحصرة»(3)؛

فيه: إنَّه لاكلام في أنَّ القيد اِحترازيَّةٌ، فبانقضائه واِنتفائه ينتفي الحكمُ قطعًا؛

ص: 244


1- . راجع: الفصول الغَرويَّة، ص 152 السَّطر 31.
2- . راجع: بحوثٌ في علم الأُصول، ج 3 ص 148؛ كفاية الأُصول، ص 206.
3- . راجع: فوائدُ الأُصول، ج 1 ص 503؛ كفاية الأُصول، ص 206؛ منتقىٰ الأصول، ج 7 ص 296.

أمَّا الكلامُ - كلُّه - في كون القيد علَّةً منحصرةً لثبوت الحكم للموضوع - أو فقُل لاتِّصاف الموضوع بالحكم -، ولايدُلُّ على ذلك دليلٌ.

وبعبارةٍ أُخرىٰ: لو لم يكن الوصفُ توضيحيًّا - وذلك يُستفادُ من دلالة دليلٍ خارجيٍّ - لكان اِحترازيًّا، فيكون علَّةً تامَّةً للحكم، وبانتفائه ينتفي الحكم بالضَّرورة.

هذا، وقد أيَّد بعضُهم المختارَ بما لانَرضىٰ به؛ فقال: «إنَّ قوله - تعالى! -:

«وَ رَبٰائِبُكُمُ اَللاّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اَللاّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» (1) ، يدُلُّ على أنَّ الوصف لم يكُن علَّةً منحصرةً»(2)؛

- توضيحُ كلامه: إنَّ كونَ الرَّبيبة في حِجرِ الرَّجل، وهو الوصفُ، لايدلُّ على ثبوت الحكم لها، بل الرَّبيبة على الإطلاق لها هذا الحكم -.

وهذا القولُ - كقول من لايقبلُ المختارَ - ليس بسديدٍ!، لأنَّ القيدَ في مثل المورد غالبيٌّ، يدلُّ عليه دليلٌ من صُقعِ الكلام، أو من خارجٍ -؛

فلاعلِّيَّة في المورد وأشباهه أصلًا، فضلًا عن العلِّيَّة المنحصرة.

تنبيهٌ

إنَّه اشتَهَرَ بين الدَّارسين: «إنَّ النِّزاع فيما إذا بقيَ الموضوع وانتفَى الوصف، وإلَّا ففي عكس هذا - أي: إذا انتفَى الموضوعُ رأسًا، وبانتفائِه ينتفي الوصفُ بلا ريبٍ - فالقضيَّة سالبةٌ بانتفاء الموضوع».

ص: 245


1- . كريمة 23 النِّساء.
2- . وانظر: كفاية الأُصول، ص 207.
قولٌ لبعضهم وبيان ما فيه

وما نُسِبَ إلى بعضِهم في قوله صلى الله عليه و آله: «في الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكوةٌ»(1) مِن: «أنَّ الجملةَ تدلُّ على أنَّه ليس للإبِلِ غيرِ السَّائمة زكوةٌ، بدلالة مفهوم السَّائميَّة»(2)؛

ضعيفٌ جدًّا!،

حيث إنَّ مَعقَدَ المبحث ما إذا بقي الموصوف وانتفَى الوصفُ، كقوله: «أَكرِم زيدًا العالِمَ»، فإذا بقيَ زيدٌ من غير كونِه عالِمًا، فهل للوصف هذا مفهومٌ؟، أم لا؟.

وأمَّا إذا انتفَى زيدٌ، فمِن المعلوم أنَّه بانتفائه ينتفي الوصفُ، للقاعدة القائلةِ بأنَّ القضيَّةَ تنتفي بانتفاء موضوعها مطلقًا؛

فلامحطَّ - حينئذٍ - للكلام أصلًا.

ص: 246


1- . الحديث لم يوجَد في طرقنا؛ وانظر: عوالي اللَّآلىء، ج 1 ص 399 الحديث 50.
2- . راجع: المنخول، ص 222؛ وانظر: كفاية الأُصول، ص 207؛ ونقله الشَّيخ الأعظم عن «بعض الشَّافعيَّة»؛ راجع: مطارح الأَنظار، ج 2 ص 80.

الفصل الثَّالث: في مفهوم الغاية

اشارة

والمشهورُ أنَّه لادليل لكونِ الغاية علَّةً منحصرةً في اِتِّصاف الموضوع بالحكم؛ وعدمُ الدَّليل يكفي للعدم(1).

مختارٌ جمعٍ من الأعلام هيهنا

إلَّا أنَّ جمعًا من الأعلام(2) - ومنهم صاحب الكفاية قدس سره(3) - فصَّلوا:

بين الغاية إذا كانت للموضوعِ، كقوله - تعالى! -: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرٰافِقِ»(4)؛

ص: 247


1- . فانظر مثلًا: الذَّريعة، ج 1 ص 407؛ العدَّة في أُصول الفقه، ج 2 ص 24؛ مطارح الأَنظار، ج 2 ص 98.
2- . فانظر مثلًا: دُرَر الفوائد، ص 172؛ فوائدُ الأُصول، ج 2 ص 504.
3- . راجع: كفاية الأُصول، ص 208.
4- . كريمة 6 المائدة.

وبين الغاية إذا كانت للحُكم، كقوله عليه السلام: «كُلُّ شَيءٍ طاهرٌ حتَّى تَعلمَ أنَّه قَذِرٌ»(1).

ففي الأوَّل لا دلالةَ لها على ثبوت المفهوم، بل يدلُّ على كونِها علَّةً تامَّةً؛

وأمَّا في الثَّاني فتدلُّ الغايةُ على المفهوم.

ما استدلُّوا به عليه

واستدلُّوا لقولهم:

تارةً ب: أنَّه لولم يكن للغاية مفهومٌ، لَيلزَم الخُلف - لأنَّ ما جُعِلَ غايةً ليس بغايةٍ -؛

وثانيًا ب: أنَّ الغايةَ لطبيعيِّ الحكم، فإذا انتفَى الغايةُ انتفَى الحكمُ بالكُلِّيَّة؛

وثالثًا ب: التَّبادُر.

مناقشة استدلالهم

وفيه:

أوَّلًا: إنَّ الأدلَّة الثَّلاثة لوتمَّت لدلَّتْ على ثبوت المفهوم للغاية مطلقًا - سواءً كانت للموضوع، أو للحكم -، لجريان الأدلَّة الثَّلاثة في الموضوع أيضًا، فلافرق من هذه الجهة بينهما.

وثانيًا - وهو العمدةُ في المقام -: إنَّ الأدلَّة الثَّلاثة ليستْ بتامَّةٍ، لأنَّ باِنتفاء غاية الحكمِ ينتفي الحكمُ - شخصيًّا كان، أو كلِّيًّا، والشَّاهد عليه قاعدةُ: «إذَا انتفى العلَّةُ انتفَى المعلولُ» -. وأمَّا كونها علَّةً منحصرةً، فلادلالة فيها عليه.

ص: 248


1- . راجع: المُقنع، ص 146؛ مستدرك الوسائل، ج 2 ص 583 الحديث 27496.

ولايلزم الخُلفُ أصلًا.

وادِّعاء التَّبادُر والضَّرورة - المُترائيَة من الكفاية -، فعُهدتُها على مدَّعِيها!.

تتمَّةٌ
ذهاب بعضهم إلى خروج الغاية عن المغيّىٰ

المشهور بين الأعلام - ومنهم شَيخ محقِّقي النُّحاة الرَّضي قدس سره(1)، والمحقِّق الخراسانيُّ قدس سره(2) -: خروجُ الغاية عن المُغيّىٰ، مستدِلًا بأنَّ الغاية حدٌّ، والحدُّ خارجٌ عن المحدودِ.

المختار في المسألة

أقول: إنَّ البحثَ تابعٌ لأحكام اللُّغة وعرفِ أهلها، وليس بعقليٍّ؛ فالعقلُ وإن يحكم بخروج الحدِّ عن المحدود، إلَّاأنَّ استعمالَ أهلِ اللُّغة كثيرًا يشهدُ بدخول الحدِّ في المحدود.

والظَّاهرُ أنَّ لفظة «إلى» و «حتَّى» وُضِعَتا للغاية؛ وأمَّا كون الغاية داخلةً فيهما أو خارجةً عنهما، فيحتاج إلى قرينةٍ تدلُّ عليه.

ص: 249


1- . راجع: شرح الرَّضي علىٰ الكافية، ج 4 ص 271؛ وحكاه عنه في مطارح الأَنظار، ج 2 ص 96.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 209.

ص: 250

الفصل الرَّابع: في مفهوم الحصر

اشارة

اتَّفقت الأصحابُ على أنَّ للحصر مفهومًا(1)، لأنَّ حصرَ شيءٍ لشيءٍ - كقولَيك:

«إنَّما جاء زيدٌ»، و: «ما جائَني إلَّازيدٌ» - يدلُّ على أنَّ ذلك الشَّيء - و هو الحكمُ - ثابتٌ للموضوع.

فالمثالَين معناهما ثبوتُ اِنحصارِ الَمجيء في زيدٍ؛ فكأنَّك قلتَ في المثال: زيدٌ جاء فحسْب وغيرُه لم يجىء.

بل لقائلٍ أن يقولَ: إنَّ الدِّلالة هيهنا بالمنطوق، لا بالمفهوم.

وبالجملة: إنَّ للحصر مفهومًا يدلُّ عليه التَّبادر، الَّذي هو علامة الوضع.

لافرق بين أدوات الحصر هيهنا

ص: 251


1- . خلافًا لما نُسِب إلى أبي حنيفة؛ راجع: شرح مختصر الأُصول - للعَضُدي -، ج 1 ص 265؛ كفاية الأُصول، ص 209؛ مطارح الأَنظار، ج 2 ص 106.

ولافرق في ذلك بين أدوات الحصر الشَّتيتَة أصلًا وأساليبِها. فكلمة «إنَّما» و «إلَّا» و «غير» - إذا كانت اِستثنائيَّةً - و «بل» الاِضرابيَّة - لا التَّأكيديَّة، ولا المُصحِّحة للكلام - وتقديم ما حقُّه التَّأخير، واسم الجنس المصدَّر باللَّام إذا استُعمِلَت للمَصدر - نظير قولك: «زيدٌ الرَّجلُ»، إذا استُعمِل ادِّعاءً - ونحو ذلك - وبالجملة:

جميعُ ما يدلُّ في اللُّغة على الحصر - يدلُّ على ثبوت المفهوم، بشهادة التَّبادر.

تنبيهٌ
المحذوف في كلمة التَّوحيد والمرادُ منها

قيلَ: «إنَّ كلمةَ لا إلهَ إلَّااللَّهُ، لاتدلُّ على التَّوحيد؛ لأنَّ:

التقدير إن كانَ «ممكنًا»، فتدلُّ على أنَّ اللَّه - تعالى! - ممكنُ الوجود، ولاتدلُّ على أنَّه واجبٌ، فضلًا عن توحيده - جلَّ وعلا! -؛

وإن كانَ التَّقدير «واجبًا»، فتدلُّ على أنَّ اللَّه - تعالى! - واجبٌ، ولكن لاتدلُّ علىٰ نفي غيره؛

فلاتوحيدَ عليهما أصلًا!»(1).

المختار في معنىٰ الكلمة

وهذا ليس بصحيحٍ من دون ريبٍ وارتيابٍ!؛ لأنَّه:

أوَّلًا: إنَّ لفظة «لا» تامَّةٌ، لاناقصة، فلاحاجةَ إلى تقديرٍ فيها أصلاً؛

وثانيًا: إنَّ الخبرَ هو الاِستثناء جملةً، فلاتقدير أصلًا؛

ص: 252


1- . وانظر: الفصول الغَرويَّة، ص 195 السَّطر 32؛ مطارح الأَنظار، ج 2 ص 106.

وثالثًا: إنَّ لفظةَ «إلَّا» من أدوات الحصر؛ فمعنى الكلمة: إنَّه لاوجود في الأكوان إلَّا اللَّه، والوجود الواجبُ منحصرٌ فيه؛ وبعبارةٍ أجود: لاوجودَ إلَّاله فقط.

ص: 253

ص: 254

الفصل الخامس: في مفهوم العدد

اشارة

قد اشتهر بين أهل الأصول(1): إنَّ العدد لا مفهوم له، فهو في ذلك عندهم كاللَّقب؛ إذ كما أنَّ الحكمَ في اللَّقب يدُورُ مدارَ الموضوع - فالثُّبوت عند الثُّبوت والاِنتفاءُ عند الانتفاء - ولا دلالة فيه على أنَّ اللَّقب علَّةٌ منحصرةٌ لاتِّصاف الموضوع بالحكم، فكذلك العددُ بلاتفاوتٍ بينهما.

المختار في مفهوم العدد

وعندي إنَّ هذا الكلام ليس بتامٍّ، لأنَّ لفظةَ «الخمسة» - مثلًا - وُضِعَت لعددٍ خاصٍّ، لا أزيدَ ولا أنقصَ -، والتَّبادر والاِستعمال دليلان يدلَّانِ على ذلك الوضع.

وهذا هو المرادُ من «المفهوم»، حيث ثبت الحكمُ للموضوع أوَّلًا، وانحصر الحكمُ في هذا الموضوع ثانيًا؛ فالاِنحصار يدلُّ على ثبوت المفهوم للعدد.

فالصَّلوات اليوميَّة - بل ونوافُلها - يكون عدد الرَّكعاتِ فيها - مضافًا إلى دلالته

ص: 255


1- . انظر: مطارح الأَنظار، ج 2 ص 123؛ كفاية الأُصول، ص 212.

على الثُّبوت عند الثُّبوت والاِنتفاء عند الاِنتفاء - علَّةً منحصرةً لها.

مقالٌ لبعضهم ومناقشتُه

وما قيل من: «أنَّ القرينة تدلُّ على ذلك»؛

أقول: إنَّ العدد في جميع الأرقام - إلَّاما أخرجه دليلٌ بخصوصه - يدلُّ على ذلك.

فتلخَّص من ذلك كلِّه: إنَّ قياسَ العدد باللَّقب لا وجه له؛ إذ للعدد مفهومٌ، وأمَّا اللَّقبُ فلامفهوم له.

ص: 256

المقصد الرَّابع: في العامِّ والخاصِّ

اشارة

وفيه فصولٌ

ص: 257

ص: 258

وقبل الخوض في الفصول المتعلَّقَة بهذا المقصد، نُمهِّدُ مقدَّماتٍ.

المقدَّمة الأولىٰ:
اشارة

إنَّ شمول العامِّ للأفراد بالوضع، لأنَّ لفظة «كلٍّ» وُضِعت لأنْ تشمل ما يليها بالحمل الشائع. فكلُّ عامٍّ عنوانٌ، وله مصاديقَ في الخارج. فإذا قيل: «أكرِم كلَّ عالِمٍ» معناه: يجب إكرامُ مَن اتَّصف بالعالِميَّة في الخارج ويصدق عليه هذا العنوان؛ فالعموم من القضايا الحقيقيَّة.

نعم! لاتدلُّ القضيَّة على خصوصيَّات المصاديق، وليس هذا من شأنها - كما في غيرها من القضايا الحقيقيَّة أيضًا -.

وبما ذُكِر يظهر نكاتٍ:

النُّكتةُ الأولىٰ:
اشارة

ص: 259

عدم صحَّة تقسيم العموم إلى الوضعيِّ والإطلاقيِّ

عدمُ تماميَّة القول ب: «أنَّ العموم ينقسم إلى العموم الوضعيِّ، والعموم الإطلاقيِّ».

ذلك لأنَّ الإطلاق ليس من باب العموم أصلًا، لأنَّ لفظةَ رجلٍ وُضِع للطَّبيعة المُهمَلَة، فلاإطلاق فيها. نعم! جريانُ مقدَّمات الحكمة فيها يدلُّ على أنَّ تلك الطَّبيعة ليس لها قيدٌ، بل هي ماهيَّةٌ مجرَّدةٌ من القيود باقيةٌ على صرافَتِها من حيث هي هي؛

فإذن ليس للإطلاق شمولٌ أصلًا.

نعم! شأن الكلِّيِّ الطَّبيعيِّ الخارجيِّ صدقُها على الأفراد على سبيل البدليَّة.

النُّكتةُ الثَّانية:

عدم تماميَّة ما قيل مِن: «أنَّ الإطلاق قبل جريان مقدَّمات الحكمة مهمَلَةٌ، وبعد جريانِها ساريةٌ».

لأنَّ السَّريان يختصُّ بالعموم، والماهيَّة من حيث هي هي لاساريةٌ ولا مهمَلةٌ، إذ لاتتَّصف بهما؛ كما أنَّها لاتتَّصف بغيرها من الأوصاف - كالموجوديَّة، والمعدوميَّة، والمحبوبيَّة، والمبغوضيَّة، و... - غيرها.

النُّكتةُ الثَّالثة:

عدم تماميَّة القول ب: «أنَّ مدخول لفظةِ «كلٍّ» وإخواتِها يحتاج للاِتِّصاف بالشُّمول إلى جريان مقدَّمات الحكمة، حيث إنَّ مدخولَها مهمَلَةٌ لاشمول فيه».

لأنَّ لفظةَ «كلٍّ» وإخواتها - أيضًا - تجعلُ المهمَلةَ ساريةً، فهي بمنزلة مقدَّمات الحكمة، وبعد ذلك جريان المقدَّمات ثانيًا لغوٌ لاحاصل له!.

ص: 260

المقدَّمة الثَّانية: تقسيمات العامِّ
اشارة

ينقسم العامُّ إلى:

1. الاِستغراقيِّ؛ و:

2. المجموعيِّ؛ و:

3. البدليِّ.

ووُضِع لكلِّ واحدٍ منها لفظٌ، أو ألفاظٌ.

فلفظةُ «كلٍّ» و مايرادفها معنىً، وُضِعَت على أنَّ مدخولَها يشمل جميعَ أفراده عَرْضًا.

ولفظةُ «الجميعِ» ومايرادفها معنىً، وُضِعَت على أنْ تشمل أفرادها واحدًا بعد واحدٍ - أي: مع قيد الوحدة -؛ وإن شئتَ قلتَ: شمولُها للأفراد عَرضًا - أي:

بالاِستقلال - لا طولًا - أي: بمجموعهم -؛ كقوله: «أَكرِم جميعَ المؤمنين»، أي: كلَّ واحدٍ منهم بحيالِه.

ولفظة «أيٍّ» ومايرادفها معنىً، وُضِعَت على الاِستغراق الطُّوليِّ على سبيل البدليَّة، فهي كالإطلاق معنىً؛ إلَّاأنَّ الإطلاق يفيد معناه بمعونةِ جريان مقدَّمات الحكمة، والعامَّ البدليَّ يفيد معناه بمعونة الوضع فقط.

توضيحٌ حول بعض ما مضىٰ

وهذا سرُّ ما قلنا من: أنَّ العامَّ البدليَّ لايحتاج إلى جريان مقدَّمات الحكمة.

ص: 261

وبما ذُكِرَ يظهر: أنَّ لفظة الثَّلاثة، والأربعة، والعشرة، والعشرين - وغيرها من أسامي الأعداد - من باب العامِّ المجموعيِّ، فوُضعت للاِستغراق العَرْضيِّ.

المقدَّمة الثَّالثة: في ألفاظ العموم وأساليبها
اشارة

إنَّ للعامِّ ألفاظًا، وهي بحسب عُرفِ أهلِ اللُّغة تدلُّ على العموم وضعًا، ك:

«كلٍّ»، و «جميعٍ»، و «أيٍّ»، وإخواتها.

ومن تلك الألفاظ - أو فقُل: الأساليبِ الدَّالَّة على العموم - وقوعُ النَّكرة في سياق النَّفي، أو النَّهي؛ فالعرف يدركُ من قوله: «ما رأيتُ رجلًا في البيت»، أو قوله:

«لاتدخُلْ فيه» العمومَ، فلوخرج منه رجلٌ - ولوكان واحدًا وكان من أقرب النَّاس إلى القائل - يَعُدُّ الكلامَ كذبًا!؛

كما أنَّه لودخل رجلٌ واحدٌ فقط البيتَ ولو لأداء أوجب الواجبات بالنِّسبة إليه وإلى القائل، لخالَفَ النَّهيَ.

ما اشتهر خطَأً بينهم

فبعد ذلك لانحتاج إلى الَّتمسُّك بما اشتهر خطأً من: «أنَّ الطَّبيعيَّ يُوجَد بفردٍ ما وينعدم بجميعِ الأفراد»؛ لأنَّ الطَّبيعيَّ كما يُوجَد بفردٍ ما، ينعدم بفردٍ ما أيضًا.

إلَّا أن يُقال: إنَّ الواقعَ وإن كان كذلك، إلَّاأنَّ العُرف في محاوَراته يُتابِع الرَّجلَ

ص: 262

الهمدانيَّ الَّذي ناظرَه الشَّيخُ الرَّئيسُ قدس سره وحكىٰ مقالَته مُستهزِءً ا به(1)!، مِن أنَّه كان يقولُ بأنَّ الطَّبيعيَّ يُوجَد بفردٍ مَّا وينعدم بجميع الأفراد!.

مقالٌ للسَّيِّد الإمام الخمينيِّ قدس سره

وكان سيِّدُنا الأستاذُ الخُمينيُّ قدس سره - مع عُلوِّ كعبِه في العلوم العقليَّة الحِكْميَّة - يلتزم بهذا، ويُعيدُ مرارًا في مجلس الدَّرس: إنَّ العُرفَ لايوافقُ الدِّقَّة الفلسفيَّة ولادقائقها، حيث يُتابِع الرَّجلَ الهمدانيَّ، لاالشَّيخَ الرَّئيس! قدس سره؛ والمناطُ في الأحكام هوالمستنبَط من العُرف، لا من الدِّقَّة العقليَّة.

من ألفاظ العموم

ومن تلك الألفاظ لفظةُ «ال» الاِستغراقيَّة؛ وهي - بحسب عرف أهل اللُّغة - وُضِعَت لاِستغراق الأفراد. نعم! لفظة «ال» بالاِشتراك وُضِعت: للجنس، وللتَّعريف، وللعهد - بأقسامه -، وللموصول، وللتَّزيين، وزائدةً؛ فاللَّفظة تُستَعمَل في هذه المعاني ويُعرَف المراد منها بالقرائن الدَّالَّة عليه.

ما ذكره صاحب الكفاية قدس سره والرَّدُّ عليه

فما قال به في الكفاية:

«تارةً ب: أنَّ «ال» وُضِعت للجنس أوَّلًا، وغيره من المعاني المُستفاد منها مجازاتٌ؛

وأخرىٰ ب: أنَّ «ال» وُضِعت للتَّزيين، وغيره من المعاني مجازاتٌ، ويُفهَم المرادُ

ص: 263


1- . راجع: رسائل ابن سينا، ص 463؛ پنج رساله - من رسائله -، ص 73.

بالقرينة»(1)؛

اِدِّعاءٌ لا دليل عليه، بل العرفُ يأباه جدًّا!.

إذا تقرَّر هذه المقدَّمات، فيقع المقصد في ضمن فصولٍ.

ص: 264


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 217.

الفصل الأوَّل: حجيَّة العامِّ المخصَّص في باقِي أفرادِه

المختار في المسألة

المختارُ - تبعًا لأكثر الأصوليِّين(1) -: إنَّ العامَّ المخصَّص حقيقةٌ في باقي أفراده، وحجَّةٌ فيه.

بيان ما يدلُّ علىٰ المختار

ذلك لأنَّ العامَّ:

1. قد يُستعمَل ويُرادُ منه معناه على سبيل الحقيقة - من الاِستغراقيِّ، أو المجموعيِّ، أو البدليِّ -؛ فيُقال إذن: إنَّه اُستُعمِل مريدًا منه معناه جدًّا.

وهذا الاِستعمال يكون في المحاورات العرفيَّة.

ص: 265


1- . انظر: مطارح الأَنظار، ج 2 ص 131؛ كفاية الأُصول، ص 218؛ مناهج الوصول، ج 2 ص 239.

2. وقد يُستعمَل ويُراد منه ضربًا للقانون. لاأقول إنَّه اُستُعمل في معناه المجازيِّ، بل اُستُعمل في معناه الحقيقيِّ على سبيل الحقيقة، لكن بالإرادة الاِستعماليَّة، لا بالإرادة الجدِّيَّة ضربًا للقانون؛ فالاِستعمال وإرادة الاِستغراق جدٌّ، ولكنَّه ضربًا للقانون لا ضربًا للعمل.

وهذا يختصُّ بجعل القوانين الكلِّيَّة؛ إذ المُقنِّنُ:

1. قد لايرىٰ فيها تخصيصًا، فيطابِق إرادتُه الاِستعماليَّة إرادتَه الجدِّيَّة؛

فيصير هذا العامُّ قانونًا بالفعل، ويُنجَّزُ على المكلَّفين - بدلالة العقل -.

2. وقد يرىٰ فيه تحصيصًا أو تخصيصاتٍ، فيخالف حينئذٍ إرادتُه الاِستعماليَّةُ إرادتَه الجدِّيَّة.

فإذن يكون العامُّ المخصَّص فعليًّا بحسب باقي أفراده غير المخصَّص، ومنجِّزًا للتَّكليف.

فالعامُّ - مطلقًا، ولوكان مخصَّصًا - حقيقةٌ بحسب الاِستعمال وحجَّةٌ في الباقي.

مقالٌ للمحقِّق النَّائينيِّ قدس سره هيهنا

فما قيل - والقائل المحقِّق النَّائينيُّ قدس سره - مِن: «أنَّه:

1. إن أُريدَ من العامِّ الاِستغراقُ، فهو كذبٌ وهذلٌ!؛ 2. وإن أُريد البعضُ - لا اِستغراق جميع الأفراد - فهو مجازٌ - إذ إرادة البعض عمَّا وُضِع لاِستغراق جميع الأفراد ليس إلَّامجازًا -»(1)؛

بيان ما في مقاله

ص: 266


1- . راجع: فوائدُ الأُصول، ج 1 ص 517.

ليس بسديدٍ!؛ لأنَّ المراد من العامِّ هيهنا هو الاِستغراقُ، ولكن على سبيل التَّقنين، لاعلى سبيل المُنَجِّزيَّة للعمل.

ثمَّ إنَّ المحقِّق النَّائينيَّ قدس سره صحَّح كونَه حقيقةً في الباقي وحجَّةً فيه، بتعدُّد الدَّالِّ والمدلول(1)؛

وهو كلامٌ متينٌ لولا ثبوت الإرادة الاِستعماليَّة - لا الجدِّيَّة - للمتكلِّم فيه.

مقالٌ للسَّيِّد البروجرديِّ قدس سره هيهنا

والسَّيِّد الأستاذُ البروجرديُّ قدس سره أنكر(2) مختار الكفاية من: «أنَّ التَّخصيص يدلُّ على أنَّ المُتكلِّم الُمخصِّص لم يرد الاِستغراقَ من العامِّ من بدء كلامه، فلاإرادة اِستعماليَّةً فيه أصلًا»(3)؛

ثمَّ صحَّحه بما أفاد في باب المجاز، وهو: «إنَّ اللَّفظ دائمًا يُستعمل في معناه الحقيقيِّ فقط، لكن للمُستعمِل أن ينظُر في استعمالِه:

1. تارةً إلى استقرار المعنىٰ في ذهن المخاطب، فهو حقيقةٌ؛

2. وتارةً إلى كونه مَعْبَرًا للتَّجاوز عن المعنى الحقيقيِّ إلى معنىً آخر، وهو الَّذي يُعبَّرُ عنه بالمجاز.

وحكمُ العامِّ في هذا كحكم اللَّفظ، لأنَّ المستَعمِلَ:

له أن يستعملَ العامَّ ليستقرَّ عمومه عند المخاطب؛

وله أن يستعملَه ليستقرَّ بعضُ أفراده فقط عند المخالب، وهو العامُّ المخصَّص».

ص: 267


1- . راجع: نفس المصدر والمجلَّد، ص 522.
2- . راجع: الحاشيَة علىٰ كفاية الأُصول - له -، ج 1 ص 486.
3- . راجع: كفاية الأُصول، ص 218.
الرَّدُّ علىٰ مقاله

وفيه:

أوَّلًا: إنَّ التَّخصيص يدلُّ على عدم إرادة العمومِ من قِبَل المُستعمِل جدًّا - أي:

من أوَّل الأمر -، فلايدلُّ على إرادة العموم استعمالًا.

وثانيًا: إنَّ كونَ اللَّفظ مَعبَرًا للوُصول إلى المجاز تعبيرٌ لطيفٌ لايَبعُدُ الذِّهاب إلى صحَّته، إلَّاأنَّ العُرفَ لايقبل ذلك، ولاسيَّما في باب التَّخصيص والُمخصِّصِ.

تتمَّةٌ
اشارة

هيهنا مسائلُ ترتبط بالفصل؛ نأتي بها:

المسألة الأولىٰ:

اشتهر أوَّلًا عند القُدماء: إنَّ استعمالَ العامِّ وإرادة الخاصِّ منه مجازٌ - لأنَّه استعمالُ اللَّفظ في غير ما وُضِع له -؛

ثمَّ ثانيًا أوردوا على المشهور عندهم، ب: «أنَّ المجازَ مجمَلٌ لايُعرَفُ حدودُه، فإذن لايكون حجَّةً في الباقي».

فأجابوا ثالثًا عمَّا أوردوه على مبناهم الأوَّل، فقالوا:

تارةً ب: «أنَّ الباقي أقربُ المجازاتِ»(1)؛

وأُجيبَ ب: أنَّه لوسُلِّمَ حجيَّة ذلك، فهو يختصُّ بالمجاز المشهور، لا جميع

ص: 268


1- . راجع: قوانينُ الأُصول، ج 2 ص 62؛ الفصول الغَرويَّة، ص 200 السَّطر 13.

المجازات(1).

و تارةً أُخرىٰ ب: «أنَّ العامَّ قبلَ التَّخصيص يشمل الباقي، فالمقتضي للشُّمول موجودٌ والمانع مفقودٌ، فالعامُّ المخصَّص يشمل الباقي أيضًا»(2)؛

وأُجيب ب: أنَّ العامَّ ظاهرٌ في الاِستغراق، وبعد التَّخصيص ليس له ذلك الظُّهور.

فتحصَّل: أنَّه على القول بكونه بعد التَّخصيص مجازًا في الباقي، لامناصَ من أن يُقال بإجماله، فيصير - حينئذٍ - غير حجَّةٍ.

إلَّا أن يُقال: إنَّ العُرفَ لايأبىٰ عن كونه حجَّةً في الباقي، كما أنَّ العبد بعد تخصيص المولىٰ العامَّ المأمورَ به لولم يأتِ بالباقي، ليس بمعذورٍ عرفًا، وللمولىٰ أن يُعاقِبَه.

وهذا هو الأجود والأحسن.

والوجهُ فيه ماذكرنا من جريان العُرف عليه.

المسألة الثَّانية:
اشارة

إذا كان الخاصُّ مجملًا، فهيهنا صورٌ بحسَب:

1. اتِّصال الخاصِّ بالعامِّ، أو اِنفصاله عنه.

2. وبحسب جريان الإجمال في المفهوم، أو في المصداق.

فيهنا نظْرَتان، و صورٌ عدَّة:

ص: 269


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 219.
2- . راجع: مطارح الأَنظار، ج 2 ص 132.
النَّظرة الأولىٰ
اشارة

البحث بحسب اِتِّصال الخاصِّ بالعام، أو اِنفصاله عنه.

وهيهنا صورٌ:

الصُّورة الأولىٰ:

فإن كان المخصِّص متَّصلًا، يسري إجمالُه إلى العامِّ بلاإشكالٍ وكلامٍ؛ لأنَّ المخصِّص المتَّصل من تتمَّة الكلام، فلامحالة يسري إجمالُ بعضِ أجزاء الكلام إلى بعضٍ آخر، فيصيرُ بتمامه مجملًا.

إلَّا ان يكون بعد ورود التَّخصيص قدرُ مُتَيقَّنٍ ليُخرِجَ المخصِّص عن الإجمال.

كقول المولىٰ: «أكرِم العلماءَ إلَّاالفُسَّاقَ منهم»؛ ففي هذا الأمر الإجمالُ ناشٍ عن التَّرديد في مفهوم «الفسق»، ودورانِه بين إطلاقه على الكبيرة فقط، أو شموله للصَّغيرة أيضًا.

فلايجوز الَّتمسُّك بالعامِّ هيهنا، لسراية إجمال الخاصِّ إليه.

إلَّا أنَّ عدمَ وجوبِ إكرام مَن ارتكب الكبيرةَ مقطوعٌ به بلاخلافٍ، فهذا هو القدر المتيقَّن الَّذي يُخرِجُ العامَّ المخصَّص عن الإجمال.

الصُّورة الثَّانية:

و كذلك إذا كان المخصِّص مجملًا لتردُّده بين أمرين متبايِنَين، كقوله: «أكرِم العلماء إلَّا زيدًا»، ثمَّ تردَّد العبدُ في «زيدٍ»، هل المراد منه هو ابنُعمروٍ؟، أو ابنُخالدٍ؟؛

ص: 270

فإجمالُ المخصِّص يوجِبُ إجمال العامِّ.

إلَّا أنَّ العلم الإجماليَّ كما يحكم على الخاصِّ، يحكم على العامِّ أيضًا.

الصُّورة الثَّالثة:

وأمَّا إذا كان المخصِّص مجملًا مطلقًا، فكما أنَّه لايجوز العمل به - لإجماله -، يسري إجمالُه إلى العامِّ أيضًا؛ فلايجوز العمل به.

الصُّورة الرَّابعة:

وأمَّا إذا كان المخصِّص منفَصِلًا، فإن كان بلامعنىً ومفهومٍ، فلايسري إجمالُه إلى العامِّ، لأنَّ العامَّ حجَّةٌ في معناه ولايجوز للعبد أن يرفَعَ اليدَ عنه بما ليسَ بحجَّةٍ.

الصُّورة الخامسة:

وأمَّا إن كان الإجمال بسبب التَّرديد بين الأقلِّ والأكثر، فلمَّاكان القدر المتيقَّن منه حجَّةً من دون ترديدٍ، فلامحالة يُخصَّصُ العامُّ به، وهو حجَّةٌ فيه.

الصُّورة السَّادسة:

وأمَّا إذا كان الإجمال بسبب التَّرديد بين المتبايِنَينِ، فالعلم الإجماليُّ في المخصِّص يسري إلى العامِّ - أيضًا -، فالمعلوم بالإجمال حجَّةٌ فيه.

فتلخَّص من ترتيب الصُّور: إنَّ المخصِّصَ المجملَ بحسب الحكم - سواءٌ كان متَّصلًا، أو منفصلًا -، له حكمٌ واحدٌ.

إلَّا إذا كان مجملًا بلامفهومٍ أصلاً؛ فهيهنا:

ص: 271

1. إن كان متَّصلًا، يسري إجماله إلى العامِّ؛

2. وإن كان منفصلًا، لايسري إجمالُه إلى العامِّ، فالعامُّ حجَّة في معناه ويجب اتِّباعه فيه.

هذا كلُّه في المجمَل المفهوميِّ.

النَّظرة الثانيَة
اشارة

وأمَّا إذا كان حدوثُ الإجمال بسبب الإجمال في مصداق المخصِّص؛ فهل إجمالُه يسري إلى العامِّ أيضًا؟، أم لا؟.

فيه وجهان، بل قولانِ:

القول الأوَّل:

فجمعٌ من الأعاظم ذهبوا إلى عدم السِّراية(1)، فالعامُّ حجَّةٌ في معناه ولاتخصيص فيه، معلِّلًا بأنَّ المخصِّص المجمَل مصداقًا لايكون بحجَّةٍ فيه؛

لأنَّ الَّتمسُّك به تمسُّكٌ بالحكم في الشُّبهة المِصداقيَّة، فهو دورٌ ظاهرٌ!. لأنَّ الحكم يتوقَّف على موضوعه، ولوتوقَّف الموضوعُ على حكمه ليس هذا إلَّادورًا ظاهرًا.

والدُّور باطلٌ - ضرورةَ قاعدة الفرعيَّة، القائلة ب: «أنَّ ثبوتَ شيءٍ لشيءٍ فرعُ ثبوتِ المثبَتِ له» -.

وأمَّا الَّتمسُّك بالعامِّ فلاإشكال فيه، لاحرازِ موضوعِه. مثلًا إذا قال: «أكرِم

ص: 272


1- . انظر: مناهج الوصول، ج 2 ص 246؛ دراساتٌ في علم الأُصول، ج 2 ص 244.

العُلماءَ إلَّاالفُسَّاق منهم»، وشَكَّ العبدُ في أنَّ زيدًا العالمَ فاسقٌ؟ أم لا؟، فالَّتمسُّك بالعامِّ جائزٌ في مقام اِحراز الموضوع، فيجب إكرامُ زيدٍ حينئذٍ.

وأمَّا الَّتمسُّك ب «إلَّا الفُسَّاق منهم»، فغير جائزٍ؛ لأنَّه من الفردِ المشتبَه، فلايجوز العدولُ عن إكرام زيدٍ مُتمسِّكًا بالاِستثناء.

القول الثَّاني:

وجمعٌ آخر منهم ذهبوا إلى سراية الإجمال إلى العامِّ، لأنَّ إرادة المولىٰ الجدِّيَّة استقرَّتْ على وجوبِ إكرام العالِم غير الفاسقِ، ولانعلم: «هل زيدٌ العالِم المشكوكُ الفسقِ يُعَدُّ من موضوعه؟ أم لا؟».

فالَّتمسُّك بالعموم لإكرامه تمسُّكٌ بالعامِّ في الشُّبهة المصداقيَّة. وهذا يساوق مع غضِّ النَّظر عن المخصِّص المشكوكِ فيه؛ ولاريب في عدم جوازه، نظرًا إلى أنَّ المخصِّص هو المُبيِّن لمراد المولىٰ.

وهذا هو الأقوىٰ المختارُ عندنا.

المسألة الثَّالثة:
اشارة

إذا كان المخصِّصُ لبِّيًّا:

فقد يكون بمنزلة المخصِّص المتَّصل، كقوله عليه السلام: «لعَنَ اللَّهُ بني أميَّةَ قاطبةً»(1)،

ص: 273


1- . راجع: كامل الزِّيارات، ص 176؛ مصباح المُتَهجِّد، ج 2 ص 774؛ المزار - للشَّهيد الأوَّل -، ص 180.

فالعقل بمجرَّد السِّماع يُضيف إليه: «إلَّا المُؤمن منهم»؛ وعلى حدِّ التَّعبير العلميِّ:

المخصِّص يُعدُّ من اللَّوازم الأخصِّ للحكم.

وقد يكون بمنزلةِ المخصِّص المنفصِل، كقوله: «أكرِم جيراني»، فالعقل بعد تصوُّر الموضوع والمحمول والنِّسبة، يُضيفُ إليه: «إلَّا مَن كان منهم عدوَّه»؛ وعلى حدِّ التَّعبير العلميِّ - أيضًا -: يُعَدُّ المخصِّص من اللَّوازم الأعمِّ للحُكم.

فالحكمُ في كلِّ واحدٍ منهما هو نفسُ الحكم في المخصِّص المفهوميِّ، بلافرقٍ أصلًا.

فعلى سبيل المثال: لوقال: «أكرِم العلماءَ»، العقلُ يحكم بخروج الفسَّاق منهم، والقدرُ المتيقَّن منه هو مرتكِب الكبائر، فبذلك القدر المتيقَّن يُخَصَّصُ العامُّ.

هذا في المشتبَه بحسب المفهوم.

وكذلك الحكمُ في المشتبَه بحسب المصداق؛ فإذا قال عليه السلام: «لعَنَ اللَّهُ بني أُميَّةَ قاطبةً»، فالعقلُ يحكم باِستثناء المؤمن منهم، فإذا تردَّد العبدُ في في بعضِ المنتَسَبين إلى بني أُميَّة: «هل هو مؤمنٌ؟ أم لا؟»، فلايُجوِّزُ العقلُ لعنَه؛ لأنَّ العامَّ خُصِّص ب «المؤمن منهم».

فالمرادُ الجدِّيُّ من العامِّ غيرُ المؤمنينَ منهم.

مختار صاحب الكفاية قدس سره وبيان ما فيه

فما يُتَراءىٰ من الكفاية من: «جواز الَّتمسُّك بالعامِّ هنا، مستدِلًّا بأنَّ المُلقىٰ من المولىٰ هو العامُّ غيرُ المخصَّص»(1)؛

ليس بتامٍّ؛ لأنَّ المُلقىٰ منه بحسب الجدِّ هو العامُّ المخصَّص بالعقل.

بل يمكنُ أن يُقال: إنَّ التَّخصيص هيهنا أقوىٰ من التَّخصيص اللَّفظيِّ.

ص: 274


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 222.

والعجبُ إنَّه ركَّب صغرىً و كبرىً لجواز الَّتمسُّك بالعامِّ في لعن المنسوبِ إلى بني أُميَّة المشكوكِ في إيمانه، والقضيَّة عنده: «هذا من بني أُميَّة، وكلُّ من انتَسَب إلى بني أُميَّة يجب لعنُه، فهذا يجب لعنه»(1).

وفيه: إنَّ قوله: «وكلُّ مَن انتَسَب إلى بني أُميَّة يجب لعنه»، ليس بصحيحٍ، بل الصحيح: «كلُّ منتَسَبٍ إلى بني أُميَّة غير المؤمنِ يجب لعنُه».

فالمنتَسَب إليهم المشكوكُ في إيمانه لايُعَدُّ من مصاديق العامِّ؛

بل هو مشكوكٌ، والَّتمسُّك بالعامِّ في الشُّبهة المصداقيَّة - لتَعميم العامِّ إليها - لايجوز قطعًا و بداهةً.

ولعُمري إنَّ الأمر أوضح من أن يُذكَر، أو يُنسَب إلى هذا النِّحرير الفَحْل!.

تنبيهاتٌ
التَّنبيه الأوَّل:
اشارة

لاإشكال في جواز جريان الأصل لاِثباتِ فردٍ مشكوكٍ للعامِّ أو الخاصِّ.

فإذا قال المولىٰ: «أكرِم العلماءَ إلَّاالفُسَّاق منهم»، ثمَّ شكَّ العبدُ في كون زيدٍ - مثلًا - عالمًا الآنَ بعد ثبوت كونِه عالمًا فيما مضىٰ،

فالاِستصحابُ يجعله من مصاديق عنوان العُلماء؛ فيجب إكرامُه.

كما إذا شكَّ في فِسقه حاليًّا بعد ثبوتِه له في السَّابق،

ص: 275


1- . راجع: نفس المصدر، ص 223.

فالاِستصحاب يُدرِجه في جملةِ الفَسَقَة؛ فلايجب إكرامُه.

جريان استصحاب العدم الأزليِّ وعدم جريانِه في المقام

وهل يجوز درجُ المشكوك في علِمه أو فِسقِه في العامِّ، فيُكرِمه؟، أو في المخصَّص، فلايُكرِمه؟،

وذلك بجريان اِستصحاب العدم الأزليِّ؟.

هيهنا معركة الآراء ومثار تضارب الأقوال.

المختار ما اختاره السَّيِّد الإمام الخمينيُّ قدس سره

ويختلجُ بالخاطر أنَّ السَّيِّد الأستاذ الخمينيَّ قدس سره في إحدىٰ دورَتَيه الأصوليَّة الَّتي كنَّا نحضرها، بحثَ عن المسألة مطوِّلًا فيه فيما يزيد على شهرٍ!، وبعد اللُّتَيَّا والُّتَي مال إلى عدم جريان الاِستصحاب فيه.

ومختاره هو أقوى الأقوال في المسألة؛ إذ - على ما عبَّر به السَّيِّد الأستاذُ البروجرديُّ قدس سره: «إنَّ هذا الاِستصحاب لا واقع له، بل هو من مُختَلَقَات أهل المدرسة!»(1)؛ لأنَّه:

ما يدلُّ علىٰ المختار

أوَّلًا: إنَّ القضيَّة المتيَقَّنة في اِستصحاب العدم الأزليِّ غير القضيَّة المشكوكة - بينما أنَّ اِتَّحادهما في الاِستصحاب ضروريٌّ -؛ والاِختلاف بين القَضيَّتين: لأنَّ مفادَّ القضيَّة المتيَقَّنة هيهنا «ليس التَّامَّة» - وهي عدم الوجود بحسب الموضوع -؛

بينما أنَّ مفادَّ القضيَّة المشكوكةَ «ليس النَّاقصة» - وهي عدمُ الوجود بحسب

ص: 276


1- . راجع: نهاية الأُصول، ص 338.

المحمول -.

مثلًا: إذا شُكَّ في أنَّ زيدًا هل هو فاسقٌ؟ أم لا؟، فيُقال: «إنَّه في الأزل لم يكن بفاسقٍ، والآن يكون كذلك».

فالقضيَّة المتيَقَّنة هي زيدٌ غيرُ الفاسق بحسب الموضوع؛

والقضيَّة المشكوكَة هي زيدٌ غير الفاسِق بحسب المحمول؛

فلااِتِّحاد بين القضيَّتَين.

وثانيًا: بتدقيق النَّظرِ في المسألة يُفهَم أنَّه ليس للاِستصحاب هيهنا قضيَّةً متيَقَّنةً أصلًا، لأنَّ قولَك في المثالِ: «لايتَّصف زيدٌ هذا في الأزل بالفسق» خطأٌ، لعدم ثبوت الهٰذويَّة له أصلًا.

وثالثًا: إنَّ هذا الاِستصحاب يُعارِضُه دائمًا اِستصحابٌ آخر معارِضٌ له؛ ففي المثالِ قوله: «زيدٌ لم يُتَّصَف في الأزل بالفسق»، معارَضٌ بقوله: «زيدٌ لم يُتَّصف في الأزلِ بالعدالة!».

ورابعًا: إنَّ دليل حجيَّة الاِستصحاب - وهو العُرف - لايشمل استصحابَ العدم الأزليِّ، بل العُرف يَعُدُّه من مُختَلَقَات الدَّارسينَ، إذ لاعينَ ولا أثر له عنده.

التَّنبيه الثَّاني:
فرعٌ فقهيٌّ ذكرَه الشَّيخ الأعظم قدس سره

حُكِي عن الشَّيخ الأعظم قدس سره أنَّه قال: «إذا شُكَّ في مايعٍ هل يجوزُ الوضوء به؟ أم لا؟، يُصَحَّح الوضوءُ به بالنَّذر، بل قد يجب الوضوء به، وذلك تمَسُّكًا بعموم أُوفُوا

ص: 277

بِالنَّذرِ»(1).

الرَّدُّ علىٰ المنقول منه

وفيه: إنَّه تمسُّكٌ بعموم العامِّ في الشُّبهة المصداقيَّة، وهو غير جائزٍ بلاخلاف.

مختار السَّيِّد البروجرديِّ قدس سره والرَّدُّ عليه

وقال السَّيِّد الأستاذُ البروجرديُّ قدس سره: «إنَّه تمسُّكٌ بالعامِّ في الشُّبهة المصداقيَّة المخصَّصِ، وهو يجوزُ عندنا»(2).

وقول الأستاذ قدس سره ليس بتامٍّ، لأنَّ الَّتمسُّك بعموم وجوب الوفاء بالنَّذر لايُصحِّح الوضوءَ بالمايع المشكوك، بل صحَّة هذا الوضوءِ يحتاج إلى اِحراز صحَّته، والاِحراز يتوقَّف على وجود دليلٍ يدلُّ عليه؛

وعموم الوفاء بالنَّذر لايدلُّ على شيءٍ هيهنا.

التَّنبيه الثَّالث:
اشارة

إذا دار الأمرُ بين التَّخصيص والتَّخصُّص، فهل يمكن الَّتمسُّك بعموم العامِّ ليُثبِت به أنَّه تَخصُّصٌ؟، لاتخصيصٌ؟.

رأي المشهور في المسألة

فيه خلافٌ؛ والمشهورُ - ومنهم صاحب الكفاية قدس سره(3) - على عدم الجواز؛ مُعَلِّلًا

ص: 278


1- . راجع: مطارح الأَنظار، ج 2 ص 148 - والشَّيخ قد ردَّ علىٰ هذا القول -؛ وانظر أيضًا: كفاية الأُصول، ص 224؛ لمحات الأُصول، 332.
2- . راجع: نهاية الأُصول، ص 326.
3- . راجع: كفاية الأُصول، ص 226.

بأنَّ الأصول اللَّفظيَّة - كأصالَتَي العموم والإطلاق - وُضِعَت لإثبات أصل المراد، لا لإثبات كيفيَّة المُراد.

بيانُ ما فيه

وفيه: إنَّه صرف ادِّعاءٍ لا دليل له؛ بل السِّيرة الثَّابتة هي الَّتمسُّكُ بالعمومات والإطلاقات ما لم يَنهض دليلٌ على خلافها.

وصرفُ احتمال الخلاف أو حدوث الشَّكِّ فيه، وحتَّى الظَّنَّ الشَّخصيَّ به، لايوجب عندهم رفعُ اليد عن تلك الأصول.

فهي حجَّةٌ مادام لم ينهض دليلٌ على خلافها.

ص: 279

ص: 280

الفصل الثَّاني: التَّمسُّك بالعامِّ قبل الفحص عن المُخصِّص

اشارة

هل يجوزُ الَّتمسُّك بالعامِّ قبل الفحص عن الُمخصِّص؟.

المشهور عندهم عدمُ الجواز.

وقبل الخوض في صُلب الموضوع، يجب الإشارة إلى نُكتَتَين هامَّتَين:

النُّكتة الأولىٰ:

مرادُ الباحثينَ من «العامِّ» هيهنا، هو العمومات الَّتي يُمكن عروضُ التَّخصيص لها، كالآيات والأحاديث الواردة ضربًا للقانون.

وأمَّا العمومات والإطلاقات الَّتي لايمكن عروضُه لها عادةً - كما ترِدُ في المحاورات - فهي خارجةٌ عن المبحث؛ إذ عروض التَّخصيص لها منافٍ لما عليه العُرف.

النُّكتة الثَّانية:
اشارة

ص: 281

محطُّ البحث - أيضًا - ما إذا شُكَّ في الُمخصِّص المُنفصل، وأمَّا الُمخصِّص المتَّصل ففيه كلامٌ آخر سنذكره. فعلى سبيل المثالِ: لوقال المولىٰ لعبده: «أكرِم العلماءَ»، ثمَّ شكَّ العبدُ في أنَّ الأمر هل له مُخصِّصٌ لم يذكره الآمرُ؟، أم لا؟؛

فحينئذٍ له أن يرفع الشَّكَّ بجريان أصلَي عدم الخطأ، وعدم النِّسيان، وبغيرهما من الأصول. ولاتصل النَّوبةُ إلى أصالة العموم وتقدُّمها على التَّخصيص أو عدم تقدُّمها عليه.

الدَّليل علىٰ هذا المبنىٰ

إذا تقرَّر هذا فنقول: الدَّليلُ على وجوب الفحص وعدم جواز الَّتمسُّك بالعامِّ قبلَه، هو نفسُ عنوان العامِّ؛ إذ العامُّ لاتقرُّرَ له إلَّابعد الفَحص عن الُمخصِّص حتَّى يثبت عمومُه، لأنَّ بناء العقلاء في موضع التَّقنين على اِستعمال العامِّ بالإرادة الاِستعماليَّة فقط.

فما دام العامُّ باقٍ في معرض التَّخصيص، ليس فيه عمومٌ ليُعمَل به، ولا للمولىٰ جدٌّ في كلامه.

نعم! بعد خروج العامِّ عن أُسلوب التَّقنين، يثبت عمومه، فحينئذٍ عند عروض الشَّكِّ فيه يصير أصالةُ العموم حاكمةً رافعةً للشَّكِّ.

تتمَّةٌ
اشارة

اُختُلف في جواز الَّتمسُّك بالقواعد الفِقهيَّة - كأصالَتَي اليد والصِّحَّة ونحوهما - قبل الفحص.

وكذلك الاِختلاف في الَّتمسُّك بها في الشُّبهات الموضوعيَّة.

ص: 282

مبنىٰ هذا الخلاف

فيه وجهان:

1. من أنَّه شكٌّ غير مستقرٍّ، فيجب الفحص حتَّى يستقرَّ أوَّلًا ثمَّ يُجرىٰ فيه الأصلُ، كما اشتهَر بين الأصحاب في الشُّكوك الصَّلوتيَّة: «إنَّه يجب التَّروِّي فيها حتَّى تستقرَّ»(1).

2. ومن أنَّ سيرة العقلاء الثَّابتة، على العمل بتلك القواعد من غير اعتبارٍ بالفحص؛ ضرورةَ أنَّ الفحصَ في السُّوق قبل البيع أو الشِّراء قبيحٌ، سيَّانَ في ذلك العُرف والشَّرع.

وكذلك الكلامُ في الشُّبهات الموضوعيَّة، إذ جريان الأصول العمَليَّة فيها قبل الفحص مُسلَّمٌ عند المُتَشرِّعة، بل وعند غيرهم من العقلاء.

المختار في المختَلَف

والَّتمسُّك بالسِّيرة أقوى الأدلَّة في تلك الأبواب.

ولافرق في ذلك بين الشَّكَّين غير المستقرِّ والمستقرِّ.

ولهذا قيل: «إنَّ قاعدة قبح العقاب بلابيانٍ مُنصرِفٌ عن مثل المقام»؛

بل الظَّاهرُ أنَّ العقلاء - تسهيلًا للأمر - وافَقُوا على عدم لزوم الفَحص في أمثال هذه المقامات.

ص: 283


1- . راجع: استقصاء الإعتبار، ج 6 ص 137؛ بحار الأنوار، ج 85 ص 211.

ص: 284

الفصل الثَّالث: سَعَةُ الخطابات في القَوانين

اشارة

هل الخطابات في القوانين الكلِّيَّة تختصُّ بالمشافِهين، والتَّعدِّي عنهم يحتاجُ إلى دليلٍ - كقانون المشاركة -؟، أو يعمُّ غيرَهم من الغائبين؟، بل المعدومين لوكان للغائبين والمعدومينَ شأنُ المخاطبَةِ بها؟.

مختار بعضهم وما استدلُّوا عليه

فيه خلافٌ. فجمعٌ من الأعلام ذهبوا إلى الاِختصاص، وأنَّ التَّعميم من باب قانون المشاركة ونحوها(1).

واستدلُّوا على مختارهم:

أوَّلًا: بأنَّ الغائب لايمكن بعثُه نحو المأمورِبه، فلايمكن صدور الخطاب إليه، فضلًا عن المعدوم!.

وثانيًا: إنَّ الخطاب يختصُّ بالحاضر - بشهادة العُرف -، ولايُعقَلُ مخاطبةُ

ص: 285


1- . انظر: كفاية الأُصول، ص 267؛ لمحات الأُصول، ص 349.

الغائب، فضلًا عن المعدوم.

وثالثًا: إنَّ ألفاظَ الخطاب - من رأسها - وُضِعَت للمشافهة.

ما أجاب به المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره عن استدلالهم

وأجاب المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره ب: «أنَّ ألفاظ الخطاب وُضِعَت لإيقاع المعنىٰ المرادِ، لا للخطاب، وهذا الإيقاع يختلفُ فيه الدَّواعي:

فتارةً يدعو الدَّاعي إلى إيقاع المراد لذَوي العُقول؛

وأخرىٰ لغيره - كالخطاب إلى الجِدار، والجَبَل، والأرض أو السَّماء -؛

وثالثةً للموجود؛

ورابعةً للمعدوم أو الغائب»(1).

بيان ما فيه

ولكن ادِّعاء كون الكلام إذن على سبيل الحقيقة مشكلٌ جدًّا، بل هو كلامٌ ذوقيٌّ أشبَه بالمجازِ.

مذهب المحقِّق النَّائينيِّ هيهنا

ومال المحقِّقُ النَّائينيُّ قدس سره إلى أنَّ خطاب الغائبين والمعدومين من باب المجاز - أي: من باب الحقيقة الاِدعائيَّة(2) -.

بيان ما فيه

وفيه: إنَّ ادِّعاء كون الأحكام كلِّها من باب المجاز مشكلٌ جدًّا!.

ص: 286


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 229.
2- . راجع: فوائدُ الأُصول، ج 1 ص 550؛ أجود التَّقريرات، ج 2 ص 367.
مذهب السَّيِّديْن البروجرديِّ والخمينيِّ قدس سرهما في المقام

وأجاب السَّيِّدان الأستاذان المحقِّق البروجرديُّ قدس سره(1) والإمام الخمينيُّ قدس سره(2) ب:

أنَّ القوانين كلَّها من باب المكاتبات، فالمخاطَبُ هو كلُّ من يرَى المكاتبةَ أو يسمع بخبرها، حاضرًا كان، أو غائبًا، أو معدومًا.

قلتُ: لابأس بهذا الكلام، بل هو حسنٌ؛ ولكنَّ الأحسن منه أن يقال: إنَّ القوانين كلَّها صدرتْ على نحو القضايا الحقيقيَّة؛ فمعنىٰ قول القائل - عَلَتْ كلمَتُه -:

«يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا»: أَدعُو كُلَّ مَن يصدقُ عليه في الخارج عنوانُ المؤمن.

ويمكن ارجاع هذا إلى ما اختاراه.

بيان احتمالٍ آخر هيهنا

أقول: ويمكن أن يُقال أيضًا: إنَّ المخاطَب أوَّلًا هو الشَّخص المُعَنون بهذا العنوان حالَ المخاطبة؛

ولكن يَفرُضُ المتكلِّمُ هذا الشَّخصَ كلِّيًّا بدلًا من جمع المكلَّفين - كالمشهور في المثل: «إيَّاكِ أعني واَسمَعيٖ يا جارِة»(3) -.

ولابأس بهذا الكلام أيضًا، إلَّاأنَّه - كما أشرنا إليه - ادِّعاء وقوع المجاز في جميعِ الأحكام مشكلٌ جدًّا.

بيان احتمالٍ ثالثٍ في المقام

ص: 287


1- . راجع: لمحات الأُصول، ص 353؛ نهاية الأُصول، ص 354.
2- . راجع: مناهج الوصول، ج 2 ص 289؛ تهذيبُ الأُصول، ج 2 ص 45.
3- . من أمثال العرب الشهيرة؛ راجع: أمالي المُرتضىٰ، ج 2 ص 399؛ تاج العروس، مادَّة عطر ج 7 ص 238.

ويمكن أن يُقال: إنَّ شمولَ الخطابات للغائبينَ و المَعدومينَ من باب تنقيح المناط، والغاءِ الخصوصيَّة القَطعيَّة. فبتنقيح المناط - و هو ثبوتُ الإيمان - أوَّلًا، والغاء ما يختَصُّ به المخاطبينَ الموجودينَ ثانيًا، يشمُلُ الخطابُ كلَّ مَن كان مؤمنًا، بين الموجودينَ الحاضرينَ و الغائبينَ والمعدومينَ.

ولعلَّ هذا أولىٰ وأحسنُ ممَّا سبق، مطلقًا.

تتمَّةٌ
ثمرة المسألة

قيل: «ليسَ المبحثُ مبحثًا عِلميًّا صرفًا، بل له ثمرةٌ عمَليَّةٌ؛ وهي تظهر عند القول بعدم جواز الَّتمسُّك بالعمومات وإطلاقات الكتاب والسُّنَّة لغير المشافهين بالخطاب، أو القول بجوازه لغيرهم.

فعلى الأوَّل إذا شُكَّ في شيءٍ هل هو مختَصٌّ بالمشافهينَ ولاتجري فيه قانون الإشتراك، أو يعمُّ غيرَهم؛ فلابدَّ من اختصاصه بهم فقط. مثلًا قوله - تعالى! -: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلاً»(1) -... الآيات -، لوشُكَّ في جريان قانون الإشتراك بالنِّسبة إلى غيرِ أُمَّهات المؤمنين، ولم يكن هناك عمومٌ أو إطلاقٌ يُتُمسَّكُ به للتَّعميم، فقاعدة المشافهة محكمَةٌ، كما هي حاكمةٌ بالاِختصاص.

وأمَّا لوقلنا بتعميم عموماتِ الكتاب والسُّنَّة للمشافهين والغائبينَ والمعدومينَ، فلامناصَ من القولِ بكون الحكمِ عامًّا لجميعهم، إلَّاما أخرَجَه الدَّليلُ، فخَصَّصَه

ص: 288


1- . كريمة 28 الأحزاب.

ببعضِهم فقط.

وبهذا التَّقريب تظهر الَّثمرةُ، ويكون البحثُ مثمِرةً ثمرةً عمليَّةً.

ص: 289

ص: 290

الفصل الرَّابع: في تعقيب العامِّ بضميرٍ يرجعُ إلى بعض أفراده

اشارة

هل تعقيبُ العامُّ بضميرٍ يرجع إلى بعض أفرادِ العامِّ، يوجب تخصيصُه؟، أم لا؟.

مذهب صاحب الكفاية قدس سره هيهنا

مذهبُ صاحب الكفاية قدس سره هيهنا التَّفصيل بين ضميرَي المُتَّصل و المُنفصل، ففي الثَّاني لا تخصيصَ، على العكس في الأوَّل(1).

ففي أمثالِ قوله - تعالى! -: «وَ اَلْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاٰثَةَ قُرُوءٍ...

وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ» (2) أصالَةُ العموم محكمَةٌ، وحاكمةٌ بمقتضاها؛ لأنَّ أصالة العموم هنا في بيان أصل المرادِ، فهي متقدِّمةٌ على أصالة الحقيقة - لأنَّها هيهنا في بيان كيفيَّة المراد -.

وأمَّا في أمثال قول القائل: «والمطلَّقات أزواجهُنَّ أحقُّ بردهنَّ» فلاشبهةَ في

ص: 291


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 233.
2- . كريمة 228 البقرة.

تخصيص العامِّ وتقدُّمِ أصالةِ الحقيقةِ على أصالة العموم.

الرَّدُّ عليه

وفيه: إنَّه قد مرَّ منَّا مرارًا: أنَّ هذه الأصول العُقلائيَّة تجري مطلقًا عند حدوث الشَّكِّ، ولافرق بين أن يكون الشَّكُّ:

في أصل المراد؛

أو في كيفيَّة الإرادة.

فالتَّفصيل بين العامِّ المتَّصل بالضمير، وبين العامِّ المنفصل، هيهنا لاوجه له.

المختار في المسألة

والأقوىٰ تخصيصُ أصالة العموم هنا بما يقتضيه، لأنَّ استعمالَ العامِّ وإرادةَ الخاصِّ منه كثيرٌ مشهورٌ - حتَّى قيل: «ما مِن عامٍّ إلَّاوقد خُصَّ» -؛

أمَّا إرادة المجاز من الضَّمير

- إمَّا بادِّعاء الاِستخدام في الضَّمير،

وإمَّا بادَّعاء أنَّ البعض الَّذي هو مرجعُ الضمير يشمل الجميع -،

فغير معروفٍ عندهم؛ فإذن تجري فيه أصالةُ الحقيقة.

وتخصيصُ أصالة الحقيقة - كأصالة العموم - وإن كان مشهورًا رائجًا بينهم أيضًا، إلَّاأنَّ في المقام ليس له تلك الشُّهرة، ولذلك إنَّ العرفَ هيهنا يُقدِّم أصالة الحقيقة على أصالة العموم. وإن أبيتَ عن ذلك، فنقول: إن الأصلينِ هيهنا جاريان، إلَّاأنَّ الدَّليل الخارجيَّ حيث يُخصِّص ذلك الضَّمير، يُفهَمُ منه أنَّ المراد الجدِّي من الضَّمير هو البعضُ، لا الكُلُّ.

ص: 292

مختار السَّيِّد البروجرديِّ قدس سره والرَّدُّ عليه

وأمَّا ما ذهب إليه السَّيِّد الأستاذُ البروجرديُّ قدس سره، من: «تقدُّم أصالة العموم على أصالة الحقيقة، وذلك:

لأنَّ الاِستخدام في الضَّمير، أو المجاز على سبيل الاِدِّعاء، أو في الاِسناد في المقام - على رأيه - غير ممكنٍ، أوَّلًا؛

وثانيًا: إنَّ الشَّكَّ في جريان أصالة الحقيقة مسبَّبٌ عن الشَّكِّ في جريان أصالةِ العموم، والشَّكُّ السَّببيُّ مقدَّمٌ على الشَّكِّ المُسبَّبيِّ»(1)؛

فليس بسديدٍ - أيضًا! -، بل لايليق بساحةِ قُدس الأستاذ! قدس سره. لأنَّه:

أوَّلًا: إرادة البعض من العامِّ حين الاِستعمال ثمَّ ادِّعاءُ أنَّ البعض يشمل الجميعَ - ليرجع الضَّمير إليهم - في غاية السُّهولة والشِّياع، والذَّوقُ السَّليم يقبَلُه من دون أدنىٰ ترديدٍ فيه.

وثانيًا: الشَّكَّان يلازم كلُّ واحدٍ منهما الآخرَ، فلاينشأ أحدُهما عن الآخر؛ فلاسبب ولامسبَّبَ هيهنا.

وثالثًا: لوسُلِّم، فتقَدُّمُ السَّببيِّ على المُسبَّبيِّ هيهنا لاوجه له!، بل هذا التَّقدُّم ثابتٌ فيما إذا جرىٰ الأصل في السَّبب، فجعَلَ موردَ الأصل موضوعًا لدليلٍ رافعٍ للشَّكِّ، كما في المثال المشهور للتَّقدُّم:

إذا لاقىٰ المُتَنَجَّسُ الماءَ المَشكوك الكرِّيَّة، وكان للماء حالةٌ سابقةٌ، فبجريان الاِستصحاب فيه يُعدُّ كرًّا، ثمَّ الدَّليل - وهو قوله عليه السلام: «إنَّ الماءَ إذا بلغَ قدرَ كُرٍّ لايُنجِّسهُ شيءٌ» - يدلُّ على طهارة المُتَنَجَّسِ المشكوكِ.

ص: 293


1- . راجع: نهاية الأُصول، ص 358؛ لمحات الأُصول، ص 358.

ص: 294

الفصل الخامس: في جواز تخصيص العامِّ بالمفهوم وعدم جوازه

اشارة

اختلفوا في أنَّ المفهومَ يُخصِّص العامَّ؟، أم ليس له ذلك؟؛ بل العمومُ يرفع المفهومَ.

المشهور في المسألة

والمشهور بين المشهور هو جواز التَّخصيص بالمفهوم(1). فمثلًا: «إذا أمرَ المولىٰ بإكرام المُتَّقين أوَّلًا، ثمَّ أمرَ بإكرام المتَّقين إذا ثبت تقواهم بالعلم ثانيًا»؛

فلامحالة يُخصَّصُ العامُّ بالمفهومِ، فلايجب إكرام جميع المتَّقين، بل المُتَّقي الَّذي ثبت تقواه بالعلم فقط.

وما قيل من تقدُّم العامِّ على المفهوم، لكونه أظهر منه - لدلالته على معناه بالمنطوق -؛

ليس بتامٍّ، لأنَّ تقديمَ الخاصِّ على العامِّ ليس من باب الأظهريَّة حتَّى يُقدَّم

ص: 295


1- . وانظر: مناهج الوصول، ج 2 ص 297؛ دروسٌ في علم الأُصول، ج 2 ص 293؛ دراساتٌ في علم الأُصول، ج 2 ص 533؛ مباحث الأُصول، ج 2 ص 519.

العامُّ على المفهوم لها، بل التَّقديم من باب بناءِ العقلاء ضربًا للقانون؛

فتقدُّمُ الخاصِّ على العامِّ عندهم، ليس بالنَّظر إلى أظهَريَّة أحدِهما على الآخر.

هذا، مع أنَّ كونَ العامِّ أظهرَ من المفهوم، كلامٌ لانسلِّمُه، بل هو أوَّلُ الكلام!.

مقالة المحقِّق الحائريِّ قدس سره هيهنا
اشارة

وما في الدُّرَر من: «أنَّ المسألةَ سالبةٌ بانتفاء الموضوع، لأنَّ المنطوق دائمًا يُخصِّصُ العامَّ، فيُخرِجُه عن عمومه، فلاتصلُ النَّوبة إلى المفهوم أصلًا»؛

الرَّدُّ عليها

ليس بتامٍّ - أيضًا -!؛ لأنَّ المنطوقَين هيهنا مثبَتان، ولاتخصيص بين المثبتين.

فلابدَّ من تخصيص العامِّ المُثبَت بالمفهوم المنفيِّ، حتَّى يظهرَ جليًّا مراد المتكلِّم الآمرِ منهما.

هذا لمحةٌ عن مباحث مفصَّلةٍ، لانحتاج إلى الخوص فيها أكثر من ذلك.

والظَّاهر تسالُمُ المشهور عليه، لولم نقُلْ باتِّفاق الكلِّ عليه.

بل يُتَرائىٰ ممَّا ذكروه: أنَّهم وافَقوا على تخصيص العامِّ بمفهوم الموافقة أيضًا؛

مقالٌ للمحقِّقَيْن النَّائينيِّ والخمينيِّ قدس سرهما
اشارة

بل يظهر من المحقِّقَين العلَّامة النَّائينيِّ قدس سره(1) والسَّيِّد الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره(2):

«تخصيصُ العامِّ بإلغاء الخصوصيَّة من الخاصِّ أوَّلًا؛

وبالعلَّة المستَنبَطَة من الخاصِّ ثانيًا».

ص: 296


1- . راجع: فوائدُ الأُصول، ج 1 ص 556؛ أجود التَّقريرات، ج 2 ص 383.
2- . راجع: مناهج الوصول، ج 2 ص 299؛ تهذيبُ الأُصول، ج 2 ص 53.
تأييد مقالهما

وهذا - كلُّه - قويٌّ جدًّا؛ لأنَّ المرجع فيه كلِّه إلى العقل، وهو يحكم بجواز تخصيص العامِّ بالخاصِّ المنطوقيِّ، كما يحكم بجوازه في المخصِّص اللُّبِّيِّ.

فالتَّشكيك والتَّفصيل الَّذي أورده صاحب الكفاية قدس سره(1)، يرجع إلى أصل وجود المفهوم وعدمه، لا إلى جواز التَّخصيص به؛ إذ لوثبت وجودُ المفهوم فتخصيص العامِّ به مسلَّمٌ عنده أيضًا، لاترديد له فيه.

مثلاً إذا قلنا: «إنَّ المفهوم لايُثبَتُ بالوضع، بل بجريان مقدَّمات الحكمة»، فعموم العامِّ - حينئذٍ - يمنع عن جريانها، فليس إذن مفهومٌ حتَّى يُخصِّصَ العامَّ.

ص: 297


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 233.

ص: 298

الفصل السَّادس: تعقيبُ عموماتٍ متعدِّدةٍ بخاصٍّ واحدٍ

اشارة

إذا وردَ عموماتٌ، ثمَّ ورد خاصٌّ، فهل الخاصُّ يرجع إلى جميعِ العمومات فيُخصِّصُها كلَّها؟، أو يرجع إلى الأخير فيخصِّصُه فقط؟.

فعلى سبيل المثال، إذا قال المولىٰ: «أكرِم العُلماءَ والطُّلَّابَ وخُدَّامَ المدارسِ، إلَّا الفُسَّاق منهم»، فهل الاِستثناء مختصٌّ بالخدَّام فقط - لأنَّه هو الأخيرُ -؟، أو يرجع إلى الجميع، فيُخصِّصُ العلماءَ والطُّلَّابَ والخُدَّامَ كلَّهم؟.

الظَّاهر عرفًا هو رجوعه إلى الكلِّ.

أمَّا لولم يُسَلَّم هذا الظُّهور، فالأخيرُ هو القدرُ المُتَيَقَّنُ، فيُخصَّص به؛ أمَّا الباقي فأصالة العموم جاريةٌ فيه، فيُخصَّص به.

مختار المحقِّق البروجرديِّ قدس سره

وما قال به السَّيِّدُ الإستاذ البروجرديُّ قدس سره من: «أنَّ أُسلوبَ الاِستثناء عبارةٌ عن اِندكاكِ المُستثنىٰ في المُستثنىٰ منه، ولامعنىٰ لاِندكاك شيءٍ واحدٍ في أشياءَ

ص: 299

متعدِّدةٍ»(1)؛

بيان الرَّدِّ عليه

ليس بتامٍّ، لأنَّه:

أوَّلًا: هذا التَّعبير عن أُسلوب الاِستثناء لم نعهَده، ولانُسلِّم له.

وثانيًا: لوكان فهو يرجع إلى الفلسفة الباحثة عن مقام التَّكوين، وأمَّا الاِعتباريَّات فلايجري فيها هذه الأمور.

مختار صاحب الكفاية قدس سره في المقام

ومختارُ صاحب الكفاية قدس سره: «إنَّ القدرَ المُتَيقَّن هو الأخير، وبعد ذلك لايجري أصالةُ العموم في الباقي، لوجود مايحتمل كونه قرينةً في تعيين المراد»(2)؛

مناقشةُ مختاره

ليس بتامٍّ - أيضًا -!، لأنَّ أصالة العموم - وغيرها من الأصول - كما تجري فتُثبَتُ بها عدمُ وجود قرينةٍ أخرىٰ في الكلام؛

تجري فتدُلُّ على أنَّ محتمَل القرينيَّة ليس بقرينةٍ، فلاقرينة محتمَلةً في الكلام؛

فإذن: تجري أصالةُ العموم في الباقي.

الاِستدلال بالعُرف علىٰ المختار

وإن أبَيتَ عن ذلكَ فالعُرف ببابِك!، وهو خير شاهدٍ على المختار، حيث إنَّه لايفرُق في أمثال المقامِ بين ما إذا شُكَّ في وجود القرينة، وبين ما إذا شُكَّ في قرينيَّة

ص: 300


1- . راجع: لمحات الأُصول، ص 363؛ نهاية الأُصول، ص 363.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 235.

الموجود.

وبعبارةٍ أخرىٰ: لافرق بحسب العُرف بين الشَّكِّ في قرينيَّة الموجود، أو في أصل وجود القرينة.

ص: 301

ص: 302

الفصل السَّابع: تخصيص الكتاب بالخبر

اشارة

هل يجوزُ تخصيص الكتابِ بالخبر الموثوقِ به؟، أم لا؟.

المختار وبيان ما يدلُّ عليه

فيه خلافٌ شديدٌ. والأقوىٰ عندنا هو الجوازُ.

والدَّليل عليه وقوعُه كثيرًا، حيث ما من عامٍّ في الكتاب إلَّاوقد خُصِّص بالرِّوايات الصَّادرة من أهلِ العصمة الكُبرىٰ عليهم السلام، نبيًّا ووصيًّا؛ ولولا جواز تخصيصِه به يلزم اللَّغويَّة في الجعل - أي: جعلِ ما صدر عنهم حجَّةً -، لأنَّهم عليهم السلام من دون ريبٍ كانوا عالِمينَ بأنَّ المأثور منهم ينتشِرُ في أقطار الأرض بالأخبار الثِّقة، و بإخبار الثِّقات؛ فالمنعُ عن تخصيص الكتاب بالأخبار يوجب التَّهافت في الكلام، ويوجب اللَّغويَّة في الجعل - حيث ليس جميعُ المأثور عنهم في مقام تفسير الكتاب فقط، بل وكثيرٌ منها مخصِّصٌ له -.

بيان حُجَج المانعين
اشارة

ص: 303

أمَّا المانِعون، فاستدلُّوا لعدم الجواز بحُججٍ واهيةٍ(1):

الحُجَّة الأولىٰ:
اشارة

إنَّ الكتاب قطعيُّ الصُّدور، بينما أنَّ الرِّوايات ظنِّيَّات الصُّدور، ولايمكن تخصيص القطعيِّ بالظَّنِّيِّ.

مناقشةُ دليلهم الأوَّل

وفيه: إنَّ تخصيص الكتاب بالخبر يرجعُ إلى تخصيص دلالاته به، وهذا لاصلة له بالإسناد. أمَّا الدِّلالات القرآنيَّة فهي أيضًا ظنِّيَّةُ الصدور؛ فبالظَّنِّيِّ يُخصَّص الظَّنِّيَّة، ولاحرجَ فيه.

الحُجَّة الثَّانية:
اشارة

لوجاز التَّخصيص بالخبر الواحد، لجاز النَّسخ به؛ وهو باطلٌ بالضَّرورة، فالتَّخصيص مثلُه - أيضًا -.

مناقشة دليلهم الثَّاني

وفيه: إنَّ القياسَ ليس في محلِّه، لأنَّ التَّخصيص شائعٌ - حتَّى قيل: «ما مِن عامٍّ إلَّا وقد خُصَّ»(2) -؛ وأمَّا النَّسخ فشاذٌّ نادرٌ على مبنَى القوم، وأمَّا على المختار فلاموردَ

ص: 304


1- . وانظر عن جميع هذه الحُجَج الأربعة: آراءٌ حول مبحث الألفاظ، ج 2 ص 369؛ آراؤنا في أُصول الفقه، ج 1 ص 382؛ إرشاد العقول، ج 2 ص 621؛ أنيس المجتهدين، ج 2 ص 808.
2- . راجع: بدائع الأفكار - للمحقِّق الرَّشتي -، ص 103 السَّطر 3؛ حقائق الأُصول، ج 1 ص 486؛ غاية المسؤول، ص 100.

له في الكتاب الكريم، ولم يقَع فيه أصلًا.

فلوسُلِّم وجودُه، لَيَجبُ أن يُنقَل ويصيرَ من المتواتَرات، ولا أقلَّ مِن صيرورَته في عِداد المشهورات - لعدم الدَّاعي إلى إخفائه -؛

وليس كذلك من دون ريبٍ وارتيابٍ.

وأمَّا التَّخصيص فأمرٌ متداوَلٌ بين العقلاء، حيث إنَّ ذِكرَ العامِّ ضربًا للقانون أوَّلًا ثمَّ الإتيان بمُخصِّصاتِه و مُبيِّناته و مُفسِّراته أمرٌ شائعٌ بينهم لاخفاء فيه.

الحُجَّة الثَّالثة:
اشارة

مدركُ حجيَّة خبر الثِّقة أو الخبرِ الثِّقة ليس إلَّاالإجماع، أو بناء العُقلاء، فهو من العقليَّات؛ فلابدَّ - حينئذٍ - من الأخذ بالقَدْر المُتيَقَّن منه؛ وهو عندهم لايجري في تخصيص الكتاب.

مناقشةُ دليلهم الثَّالث

وفيه: إنَّ بناءَ العقلاء على حجيَّة الخبر الثِّقة، وبعد ثبوت الحجيَّة له، له أن يُخصِّص العمومات كلَّها؛ إلَّاأن يردعَ عنه الشَّارعُ بالنِّسبة إلى ما يرجع إلى الشَّرع، ولم يثبت في المقام ردعٌ عنه - بل لم ينقُل أصلًا -، والمنقولُ المثبَتُ عنه إمضاؤُه ذلك؛ فيجوز تخصيصُ الكتاب به.

الحُجَّة الرَّابعة:
اشارة

قد وردتْ رواياتٌ كثيرةٌ ناطقةٌ بأنَّ ما يُخالِف الكتابَ باطلٌ زخرفٌ،

ص: 305

والمخصِّص مخالفٌ، فهو باطلٌ؛ ولايجوز تخصيصُ الكتاب بالباطل.

مناقشةُ دليلهم الرَّابع

وفيه: إنَّ أساليب العامِّ والخاصِّ، والمطلق والمقيَّد، والُمجمَل والمُبيَّن، والمبهم والمُفسِّر، ليست من باب المخالفة، ولا من باب المعارضة - أيضًا -؛ بل من باب الجمع الدِّلاليِّ عرفًا.

ص: 306

الفصل الثَّامن: دوران الأمر بين كون الشَّيء مخصِّصًا أو ناسخًا

اشارة

إذا دار الأمرُ بين كون شيءٍ مخصِّصًا، أو ناسخًا، فهل التَّخصيصُ مقدَّمٌ فيكون مخصِّصًا؟، أو النَّسخ مقدَّمٌ فناسخًا؟.

بيان صُوَر المسألة

فيه خلافٌ. وهيهنا صورٌ أربعةٌ بحث عنها الأصوليُّون، فنأتي بها هيهنا مع شيءٍ من التَّوضيح حولَ كلِّ واحدٍ منها. فالأقسام:

القسم الأوَّل:
اشارة

أن يرِدَ الخاصُّ بعد حضور وقت العملِ بالعامِّ وحين العملِ به.

مقال بعضهم في هذا القسم و مناقشتُه

فقيل: «إنَّ الخاصَّ ناسخٌ للعامِّ - لقاعدة «قبح تأخير البيانِ عن وقت الحاجة» -، فليس الخاصُّ متمِّمًا للعامِّ، بل ناسخًا له».

ص: 307

وفيه: إنَّه يلازِمُ نسخَ الكتاب بالمأثور عن ائمَّة أهل البيت عليهم السلام، ولايُعقَل أن يُفرَضَ هذا!، فضلًا عن أن يقول به أحدٌ!.

وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة قبيحٌ، إذا كان التَّأخير من دون مصلحةٍ؛ أمَّا معها فليس بقبيحٍ، بل لازمٌ في بعض الأحيان - بشهادة العُرفِ على ذلك -.

القسم الثَّاني:

أن يردَ الخاصُّ قبل حضورِ وقت العمل بالعامِّ.

فكون الخاصِّ في هذا القسم مخصِّصًا بيِّنٌ لاإشكال فيه، كما عليه سيرة العقلاء.

وادِّعاءُ كونه ناسخًا له، يلازم اللَّغويَّة في الجَعل، وهو محالٌ عن العقلاء عند العقلاء، إلَّافي الأوامر الإمتحانيَّة.

القسم الثَّالث:

أن يردَ العامُّ بعد الخاصِّ ومُتَأخِّرًا عنه قبل حضور وقت العمل بالخاصِّ، على عكس الفُروض السَّابقة.

فالتَّخصيص في الفرضِ، كالفرض السَّابق لا إشكال فيه.

والقولُ بالنَّسخ يلازمُ اللَّغويَّة في الجعل أيضًا - كما في السَّابق عليه -، وهو محالٌ.

القسم الرَّابع:
اشارة

أن يرِدَ العامُّ مُتَأخِّرًا بعد الخاصِّ وبعد حضور وقت العمل به.

فالأقوىٰ هيهنا التَّخصيصُ في جانب العامِّ، لأنَّ العُرفَ وفَّقَ أن يجمعَ بين الدَّليلَين بحملِ العامِّ على الخاصِّ، ثمَّ العمل بباقِي العامِّ.

ص: 308

مقالٌ للمحقِّق الخراسانيِّ قدس سره والرَّدُّ عليه

وأمَّا ما قال به المحقِّقُ الخراسانيُّ قدس سره من: «تقدُّم الخاصِّ على العامِّ، لكون التَّخصيص أكثرَ من النَّسخ، فظهورُ الخاصِّ أقوىٰ من ظهور العامِّ، فيُقَدَّم عليه»(1)؛

فيه:

أوَّلًا: إنَّا لانُسلِّم وقوع التَّخصيص في الفَرض كثيرًا، بل وقوعه فيه نادرٌ جدًّا!.

وما قيل من «أنَّه ما من عامٍّ إلَّاوقد خُصَّ»، فكلامٌ لاكلام في صحَّته، لكنَّه مختصٌّ بما إذا ورد العامُّ أوَّلًا، ثمَّ تُخُصِّص بمخصِّصاتٍ ثانيًا.

وأمَّا تقدُّم الخاصِّ أوَّلًا - سيَّما بعد حضور وقت العمل به - وذكرُ العامِّ ثانيًا، فنادرٌ جدًّا، بحيث لم يكن أكثرَ موردًا من النَّسخ.

وثانيًا: إنَّ تقدُّم الخاصِّ على العامِّ ليس من باب الأظهريَّة - كما أشَرنا إليه آنفًا -، بل من باب بناء العُقلاء، وسيرةُ الشَّارع استقرَّتْ على ذكرِ العامِّ أوَّلًا - ضربًا للقانون - بالإرادة الاِستعماليَّة، ثمَّ تخصيص ذلك العامِّ يما يُتَمِّمُه ويُكمِلُه.

تتمَّةٌ

هذا كلُّه على المشهور بين المشهور.

المختار في المسألة و توضيحُه

لكنَّ الحقَّ أن المسألةَ سالبةٌ بانتفاءِ الموضوع، فلاتليق بالبحث عنها.

توضيح ذلك: إنَّ الأصحاب كلَّهم قديمًا وحديثًا وافقُوا على العمل بقواعدَ تجري للجمع الدِّلاليِّ بين ما يظهر منهما التَّخالفُ - كقاعدة حمل العامِّ على الخاصِّ،

ص: 309


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 237.

والمطلق على المقيَّد، وغيرهما -؛ من دون النَّظر إلى زمن صدور العامِّ وزمن ورود الخاصِّ عليه، أو بالعكس.

فلا في العامِّ ينظرون إلى مَن صدَر عنه الحديثُ من المعصومين عليهم السلام، ولا في الخاصِّ ينظرون إليه، حتَّى يُقدَّم العامُّ على الخاصِّ، أو الخاصُّ على العامِّ.

بل يحملون العامَّ على الخاصِّ ولوكان العامُّ صادرًا عن الحجَّة المنتَظَر عليه السلام، والخاصُّ من سيِّد الرُّسُل صلى الله عليه و آله؛

والسِّرُّ في ذلك اتِّحاد نورهم في نورٍ واحدٍ، وانبثاثُ عِلمِهم عن علمِه - جلَّ وعلا! -.

فالتَّقدُّم والتَّأخُّر هيهنا سالبةٌ باِنتفاء الموضوع، إذ لاتقدُّم ولاتأخُّر بالنِّسبة إلى العلمِ الواحد المحفوظ عندهم.

اَضِف إلى ذلك: أنَّ قبحَ التَّأخير عن وقت الحاجة ليس إلَّافي الُمحاوَرات العرفيَّة العامَّة؛ وأمَّا بالنِّسبة إلى القوانين الكلِّيَّة، فليس بقبيحٍ؛ بل الأغلب من الأحكام صدر من الأئمَّة سيَّما عن الصَّادِقَين، كما أنَّ الُمخصِّصات صدر أكثرُها عنهما بعد ما كان المُسلمُون يعملون بالعُموماتِ ما يزيدُ على عشراتٍ من السِّنين!.

اَضِف - أيضًا - إلى ذلك كلِّه: أنَّ الشَّكَّ في النَّسخ يُساوِق الحكم بعدمه، لأنَّه نادرٌ جدًّا - إن لم نقل بعدم وقُوعِه أصلًا، ويأتي البحثُ عنه إن شاء اللَّهُ -؛

إذ لوكان واقعًا لكان مذكورًا مشهورًا، وعدمُ شهرته - بل و ذِكرِه - دليلٌ على عدم وقوعِه أصلًا.

فإذًا إذا دار الأمرُ بين التَّخصيص والنَّسخ، فالتَّخصيصُ مقدَّمٌ بلاإشكالٍ.

ص: 310

الفصل التَّاسع: في النَّسخ

اشارة

النَّسخُ لغةً هو الإزالة، فلذلك قد يُقال للتَّخصيص والتَّقييد: الإزالةُ - أيضًا -.

وفي الفصل مباحثُ هامَّة.

المبحث الأوَّل:
القول بامتناع النَّسخ في الشَّريعة

قيل: «إنَّ إزالة الحكمِ في الشَّريعة ونسخه محالٌ؛ لأنَّه:

إن كان ملاكُ المنسوخ بعد النَّسخ باقيًا، فالإزالة والنَّسخ محالٌ، لمنافاته لحكمة الباري - جلَّ وعلا! -؛

وإن لم يبقَ الملاكُ، فلامعنىٰ للازالة إذن، فهي منافٍ لعِلمه - تعالى! - أيضًا، وهو محالٌ».

ردٌّ علىٰ هذا القول

ص: 311

وفيه: إنَّ مناط الحكم وملاكَه كان موقَّتًا أوَّلًا، وكانت المصلحةُ في إخفاء كونه كذلك، فعند ظهور النَّسخ ظهرتْ المصلحةُ للمُكلَّفين.

فالنَّسخ كالعامِّ والخاصِّ بلاتفاوتٍ أصلًا، إلَّاأنَّ العامَّ والخاصَّ يرجع إلى الأشخاص وأحوالهم، بينما أنَّ النَّسخ يرجِعُ إلى الزَّمان؛ فهو في الحقيقة تخصيصٌ زمانيٌّ، لاغير.

فلاإشكال فيه ثبوتًا.

وأمَّا إثباتًا، فالظَّاهر أنَّه لا دليلَ علي وقوع النَّسخ في القرآن، لأنَّ الآيات المُستَشهَد بها لوقوعه فيه كلَّها من باب المُبيِّنات والمُفسِّرات، وكثيرًا منها من باب العامِّ والخاصِّ والمطلق والمقيَّد؛ وكأنَّ النَّسخ في اِصطلاح القُدماء كان يساوي التَّخصيص. ولنا رسالةٌ مفرَدةٌ عملناها في ذلك.

قول بعضهم في الآية الشَّريفة والرَّدُّ عليه

وأمَّا ما قيل: «إنَّ قوله - تعالى! -: «مٰا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهٰا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهٰا أَوْ مِثْلِهٰا»(1) هو النَّسخ الإصطلاحيُّ»؛

ففيه: إنَّ المراد منه هو النَّسخ في التَّكوين - أي: البداء المُصطَلَح عليه حسب اصطلاح المُتَكلِّمين -، لا في التَّشريع. وجواز احتمال ذلك يكفي لعدم جواز الَّتمسُّك به للنَّسخ، بل الظَّاهرُ من «الآية» في الآية هي الآية التَّكوينيَّة، لا التَّشريعيَّة؛ كما أنَّ المراد - واللَّه أعلم! - بقوله - تعالى! -: «وَ إِذٰا بَدَّلْنٰا آيَةً مَكٰانَ آيَةٍ وَ اَللّٰهُ أَعْلَمُ بِمٰا يُنَزِّلُ قٰالُوا إِنَّمٰا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ

ص: 312


1- . كريمة 106 البقرة.

أَكْثَرُهُمْ لاٰ يَعْلَمُونَ» (1) هو النَّسخ التَّكوينيُّ - أيضًا -؛ بل هذا في هذه الآية أظهر ممَّا سلَفَ، لمكان قوله: «قٰالُوا إِنَّمٰا أَنْتَ مُفْتَرٍ».

ولاأقلَّ من سرَيان الاِحتمال إليها، فلايمكن الَّتمسُّك بها.

المختار في وقوع النَّسخ في القرآن

وبالجملة: إنَّه لادليل عقليٍّ ولانقليٍّ يدلُّ على وقوع النَّسخ في القرآن، أو عدم وقوعِه فيه.

فالقولُ به يحتاج إلى دليلٍ آخر غير موجودٍ في المَقام، إذ لم نجد في الذِّكر المُبارك آيةً منسوخةً.

والتَّفصيلُ أزيد من ذلك يرجِعُ إلى مقدَّمات التَّفسير، وهو خارجٌ عن عِلمنا المبحوث عنه هيهنا.

ويُعينُك في المقامِ رسالتُنا الَّتي أشرنا إليها آنفًا؛ والحمدُ للَّه.

ص: 313


1- . كريمة 101 النَّحل.

ص: 314

الفصل العاشر: في البَداءِ

اشارة

قد اُختُلف بين الأصحاب في معنىٰ «البداء»؛ على أقوالٍ.

المشهور في المسألة

فالمشهورُ عند الفقهاء والأصوليِّين قديمًا وحديثًا - ومنهم الشَّيخ الطُّوسيُّ قدس سره(1)والمحقِّق الخراسانيُّ قدس سره(2) من الطَّبقَتَين -: «إنَّه نسخٌ في التَّكوين، كما أنَّ النَّسخ المشهور هو البداء في التَّشريع».

فهما الإظهارُ بعد الإخفاء؛ والإخفاء في الموردين لمصلحةٍ مُلزمةٍ. فتحويلُ القِبلة نسخٌ، وما جَرىٰ علي يونس النَّبيِّ عليه السلام بداءٌ.

والمصلحة التَّامَّة المُلزمة علمُها عند اللَّه - علَتْ كلمَتُه! -؛ قال: «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا

ص: 315


1- . راجع: العُدَّة في أصول الفقه، ج 2 ص 495.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 239.

يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ» (1) .

نقد ما اشتَهَر بينهم

وقولُهم هذا وإن كان في نفسه صائبًا لايرد عليه شيءٌ إلَّاما ليس في محلِّه، ولكنَّه يُنافي ما ورد في روايات الباب من أنَّ البداءَ:

1. «وما عُظِّمَ اللَّهُ بمثلِ البَداءِ»(2)؛

2. «وما بَعثَ اللَّهُ نبيًّا إلَّابتحريم الخمر وأن يُقِرَّ للَّه بالبداء»(3).

وجملةٌ منها قد رواها إمامُ الُمحدِّثين الشَّيخُ الكلينيُّ قدس سره في باب البداء من جامعه الشَّريف «الكافي»(4).

قول الحكماء في هذا المضمار

والفلاسفة(5) - ومنهم السَّيِّدُ الأستاذ العلَّامة الطباطبائيُّ قدس سره، كما سمِعنا منه في مجلس الدَّرس - فسَّرُوه ب: «أنَّ اللَّه - تعالى! - عالِمٌ بالموجودات النَّفس الأمريَّة، كما أنَّه عالِمٌ بالموجودات من جهة مقتَضَياتها الَّتي يتوَقَّف وجودُها على وجود تلك المقتَضَيات، من وجود الشَّرائط ورفع الموانع. والأوَّل لا بداء فيه؛

ص: 316


1- . كريمة 39 الرَّعد.
2- . راجع: التَّوحيد، ص 333 الحديث 2؛ الوافي، ج 1 ص 507 الحديث 404.
3- . راجع: تفسير القمِّي، ج 1 ص 194؛ التَّهذيب، ج 9 ص 102 الحديث 446؛ وسائل الشِّيعة، ج 25 ص 300 الحديث 31957.
4- . راجع: الكافي، ج 1 ص 146.
5- . انظر: التَّعليقات علىٰ شواهد الرُّبوبيَّة، ص 485؛ شرح كتاب القَبَسات، ص 320.

والثَّاني هو محطُّ البداء ومَكمَنُه. فالدُّعاء مستجابٌ إلَّافي مواقعَ خاصَّةٍ، وهو - جلَّ وعزَّ! - عالِمٌ بمواقع الاِستجابة وغيرها».

وهذا القول سائرٌ بين الفلاسفة. وهو وإن كان حقًّا لايمَسُّه إشكالٌ، إلَّاأنَّ ما يردُ على السَّابق عليه، واردٌ عليه أيضًا.

قول العرفاء في هذا المقام

وقال العرفاءُ - ومنهم السَّيِّدُ الأستاذ الإمام الخمينيُّ قدس سره، في كتبه العرفانيَّة ك «مصباح الهِداية»(1) -: «إنَّ للَّه - تعالى! - علمًا أزليًّا خفيًّا في كُنه ذاته، فتجلّىٰ فظهَر الموجودات الَّتي كانتْ مظهَرَ علمِه - تعالى! -؛ فالبَداءُ يعني ظهورُ علمه المكنونِ».

وهذا - أيضًا - من حسنات العرفان، ينشَأ عن مقدَّماتٍ عويصةٍ تخُصُّ بأهله؛

ولكنَّ البداء في الرِّوايات لايُشابه هذه العويصات، ضرورةَ إنَّ أصحاب العصمة عليهم السلام أمَرُوا شيعتهم بالعلم بحقيقة البداء، قال الصَّادقُ عليه السلام: «لوعَلِمَ النَّاسُ ما في القولِ بالبداءِ من الأجرِ ما فَتَرُوا عن الكلامِ فيه»(2).

والظَّاهر عدم استطاعةِ العموم عن الخوضِ في هذه الدَّقائق العِرفانيَّة المَبنية على دقائقَ أُخرىٰ، بل الأظهرُ ورود النَّهي لهم عن الدُّخول فيها!.

المختار في معنىٰ البداء

يظهر من بعضِ المأثورات أنَّ البداءَ المذكور فيها هو ما أصَرَّ عليه الأئمَّة عليهم السلام في مسألة الجبر والتَّفويض، وإنَّه لاجبر - كما قال به الأشعريُّ -، ولاتفويض - كما

ص: 317


1- . راجع: مصباح الهداية، ص 31.
2- . راجع: الكافي، ج 1 ص 148 الحديث 12؛ التَّوحيد، ص 334 الحديث 7؛ بحار الأنوار، ج 4 ص 108.

هو مذهب المعتزليِّ(1) -، بل أمرٌ بين الأمرين. فهو - سبحانه! - يفعَل ما يشاءُ ويُقدِّره ويخلُقُه، ولكن فعليَّة ما يشاؤه - سبحانه! - في الإنسان بتوسُّط الوسائط؛ قال - جلَّ جلالُه! -: «وَ اَللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ»(2). فلاجبرَ حتَّى يلزم الجبرُ بالنِّسبة إلينا، ولاتفويض حتَّى يلزم العَجزُ بالنِّسبة إليه؛

بل إرادةُ الإنسان تابعةٌ لمشيئَتِه - علَتْ كلمَتُه! -؛ قال: «وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ»(3).

وهذا هو المُسمّىٰ في الرِّوايات بالبداء؛ وعُنِي به أنَّه - جلَّ وعلا! - يُظهِر ما يشاء بعد كونِه خفيًّا. روَى الصَّدوق قدس سره في «الاِعتقادات» عن الصَّادق عليه السلام: «ما بعَثَ اللَّهُ نبيًّا قطُّ حتَّى يأخذَ عليه الإقرارُ للَّه - عزَّ وجلَّ! - بالعبوديَّة و خلْعِ الأنداد وإنَّ اللَّه يؤخِّر ما يشاء ويقدِّم ما يشاء»(4).

تلخيص القول في المرام

وتلخيصُ القول في ذلك: إنَّ للبداء معانٍ مختلفةٍ - كما ذكَرنا بعضَها -؛ وأمَّا البداءُ المذكور في مأثور الإماميَّة، فهو الرَّاجع إلى مسألَتَي القضاء والقَدر، والجبر والتَّفويض. وإشارات أئمَّة أهل البيت عليهم السلام إلى هذا المعنى الَّذي يُخالف مذهَبَي

ص: 318


1- . وانظر عن الرَّأيَين من وجهة نظر الأصوليِّين: بحوثٌ في علم الأُصول، ج 2 ص 30؛ أضواءٌ وآراء، ج 1 ص 142؛ التَّقريرات المسمّىٰ بالمحاكمات بين الأعلام، ص 138.
2- . كريمة 96 الصَّافات.
3- . كريمة 30 الإنسان، 29 التَّكوير.
4- . راجع: الإعتقادات، ص 91؛ وانظر: التَّوحيد، ص 333 الحديث 3.

الأشعريِّ والمُعتزليِّ فيه.

وقد عَمِلنا رسالةً مفردةً في البداء ومايرجع إليه في سالِفِ الزَّمان، والمقامُ لايسعُ ذكرَ ما فيه سيَّما ما قد حقَّقْناه فيها ممَّا لايحومُ حولَه أفكارُ المُتَقَدِّمين من الحكماء والعرفاء الشَّامخين؛ ومن يريدُ التَّفصيلَ فعليه بها.

ص: 319

ص: 320

المقصد الخامس: في المُطلق والمُقيَّد

اشارة

وفيه فصولٌ

ص: 321

ص: 322

الفصل الأوَّل: في تعريف المطلق والمقيَّد

اشارة

عُرِّفَ(1) المطلقُ بأنَّه ما دلَّ على معنىً شائعٍ في جنسه.

مناقشة هذا التَّعريف

وفيه: إنَّ المُطلق قبل جريان مقدَّمات الحكمة مهملٌ، وليس فيه السَّريان والشِّياع؛ وبعد جريانها - أيضًا - لاشياع فيه، بل الجريانُ يدلُّ على أنَّ المراد هو الماهيَّة بلاقيدٍ.

فما اشتهر بين الدَّارسين: «المطلقُ قبلَ جريان مقدَّمات الحكمة مهملٌ، وبعد جريانها سارٍ»؛

ليس بسديدٍ! بل بعد جريان مقدَّمات الحكمة يصير المُطلق موردًا للحُكم

ص: 323


1- . انظر: كفاية الأُصول، ص 243؛ لمحات الأُصول، ص 373؛ شرح العضُدي علىٰ مختصر ابن الحاجب، ص 284؛ قوانينُ الأُصول، ج 2 ص 178؛ الفصول الغَرويَّة، ص 217 السَّطر 36؛ مطارح الأَنظار، ج 2 ص 241.

وموضوعًا له من حيث هو هو؛ وأمَّا الخصوصيَّات والقيودات فغير دخيلٍ في الموضوع.

فالمطلق هو الماهيَّة من حيث هي هي، في استعمالات العرف أو الشَّرع؛ وليس له اِصطلاحٌ خاصٌّ به يُخبَر عنه.

فالإطلاق صفةٌ للَّفظ أوَّلًا وبالذَّات، وللمعنىٰ والحكمِ ثانيًا وبالتَّبع.

وعلى مصطلح النُّحاة: الإطلاق هو الصِّفة بحال الموصوف في اللَّفظ، وبحال متعَلَّق الموصوف في المعنىٰ؛ ولذلك نقول: إنَّ المولىٰ لوكان في مقام بيان المراد ومع ذلك لم يذكر قيدًا في كلامه، فمراده منه هو المُطلقُ.

الرَّدُّ علىٰ مذهب السَّيِّدَين البروجرديِّ والخمينيِّ قدس سرهما في المقام

فمذهب سيِّدَي الأستاذ المحقِّق البروجرديِّ قدس سره(1) والإمام الخمينيِّ قدس سره(2): «إنَّ الإطلاق والتَّقييد من صفات الحكم والمعنىٰ أوَّلًا وبالذَّات، و من صفات اللَّفظ ثانيًا وبعرض المعنىٰ، فالصفة بحال الموصوف في جانب الحُكم و بحال متَعَلَّق الموصوف ثانيًا في جانب اللَّفظ»؛

لاوجه له.

ص: 324


1- . راجع: لمحات الأُصول، ص 374؛ نهاية الأُصول، ص 370.
2- . راجع: مناهج الوصول، ج 2 ص 313؛ تهذيبُ الأُصول، ج 2 ص 62.

الفصل الثَّاني: في ألفاظ المطلق

اشارة

هناك في جميع الألسنة ألفاظٌ تدلُّ على الإطلاق، كغيرها من الأساليب، حيث يدلُّ على كلِّ واحدٍ منها جملةٌ من الألفاظ.

وفي لغة الوحي - أيضًا - ألفاظٌ تدلُّ على الإطلاق بحث عنها الأُصُوليُّون:

في أصل معناها؛

و في دلالتها على الإطلاق. وتلك الألفاظُ هي:

الأوَّل: اسمُ الجنس
اشارة

وهو جميعُ ما يُطلَق على الجواهرِ - كالإنسان -، والأعراض - كالعالِم -، من الجوامد كان، أو من المشتقَّات؛

إذ تلك الأسماء وُضِعت للماهيَّة من حيث هي هي، من غير أيِّ قيدٍ؛ ويُقالُ لها:

ص: 325

الماهيَّة اللَّابشرط المَقسَمِيِّ.

توضيح المبنىٰ

توضيح ذلك: إنَّ الماهيَّة إذا قيٖسَتْ إلى الواقع ونفس الأمر، تَطرءُ عليها حالاتٌ، لأنَّها:

1. إمَّا أن تلزم شيئًا - كلُزُوم الزوجيَّة للأربع مثلًا -؛ فهي «الماهيَّةُ بشرطٍ شيءٍ».

2. وإمَّا أن يمنع شيئًا عن الاِتِّصاف بنفسه - كمَنعِ الأربع الفرديَّة عن نفسه -، فهي «الماهيَّة بشرط لا».

3. وإمَّا أن لااقتضاءَ لها بالنِّسبة إليه - كالماهيَّة للوجود، وكالوجود للماهيَّة -؛ فهي «ماهيَّة اللَّابشرط».

وحيث إنَّ الثَّلاث أقسامٌ، فيحتاج إلى مَقسَمٍ يتفرَّعُوا منه، وهذا المَقسَمُ هو «الماهيَّة اللَّابشرط المَقسَمِيِّ»؛ فلذا أطلَقَ بعضُهم على القسمِ الثَّالث: «الماهيَّةُ البشرط المَقسَميِّ».

نقدٌ علىٰ بعض ما اشتَهَر بين الدَّارسين

وممَّا ذكرنا يظهر: إنَّ الأقسامَ والمَقسَمَ أمورٌ حقيقيَّةٌ، لا اعتباريَّة. فما اشتَهَر بين الدَّارسينَ: «أنَّها أمورٌ اِعتباريَّةٌ» - آخذًا ذلك ممَّا نظَمَه الحكيمُ السَّبزورايُّ قدس سره:

مَخلُوطَةٌ مُطلَقَةٌ مُجَرَّدَة *** عِندَ اعْتِبارَاتٍ عَلَيهَا وارِدَة(1)

-، ليس له أصلٌ؛ ولابدَّ من تأويل النَّظم.

ص: 326


1- . راجع: شرح المنظومة - للحكيم السَّبزواري -، ج 2 ص 338.
الثَّاني: علَمُ الجنس
اشارة

وهو اسم الجنس الَّذي يُعمَل فيه عملَ المعرفة، كما يُعمَل فيه عملَ النَّكرة. وهو قليلٌ جدًّا قلَّما يُذكَر له مصداقٌ في مباحث الأدب العربيِّ؛ حتَّى قيل: «إنَّ لفظَتَي أُسامَة وثعالة من ذلك».

تفصيل الأصوليِّينَ هيهنا لاوجه له

وهيهنا قد كثُر القيل والقالُ، وطال الرَّدُّ والإثباتُ بين الأُصُوليِّينَ في ماهيَّة علَم الجنس، وكيفيَّة تعريفه(1)، و... من غير جدوىً فيها!؛ وقد باحَثْنا عنه في عوائد الأصول الوسيطِ مستقصىً، كماو قد طالَ بنا البَحثُ في الدَّورة السَّالفة من محاضراتنا الأصوليَّة عدَّة أيَّامٍ؛ أمَّا الآنَّ فنَختَصِرُ ونقولُ:

إنَّه هو معرَّفٌ لفظيٌّ - كالشَّمس الَّتي لها تأنيثٌ لفظيٌّ -.

والاِختصارُ فيه، نظرًا إلى قلَّة الجدوىٰ في هذه المباحث.

الثَّالثُ: المفرَد المُعرَّف باللَّام
اشارة

والمشهورُ بين باحِثي الأدب العربيِّ: «إنَّ اللَّام تردُ على أقسامٍ:

ص: 327


1- . انظر: حقائق الأُصول، ج 1 ص 549؛ هداية المُسترشدين، ج 3 ص 160.

الموصولة، والزَّائدة، والتَّعريف، وهذا القسمُ ينقَسمُ إلى تعريف الجنس - كالإنسان -، وتعريف الاِستغراق - كالعُلماء -، وتعريف العهد، وهذا - أيضًا - ينقَسِم إلى العَهد الذِّهنيِّ، والعهد الحضوريِّ، والعهد الذِّكريِّ - كالرَّجل المعهود، والرَّجلِ الحاضر، والرَّجلِ المذكور قبلًا -»(1).

فهذه الأقسامُ السَّبعة مشهورةٌ بينهم.

والظَّاهر أنَّ «لامَ التَّعريف» بمنزلة الإشارة؛ فلذا يُمكِن أن يُوضَع محلَّها لفظةُ «هذا»، ونحوُها.

ما صنَعَه صاحب الكفاية قدس سره هيهنا

وفي الكفاية(2) أشبَعَ الكلامَ عن ذلك؛ وهو بعد اِنكار كون العهدِ الذِّهنيِّ للتَّعريف، أنكَرَ الأقسامَ السَّبعة - كلَّها -، فعدَّ «اللَّامَ» للتَّزيين - وهي الزَّائدة الَّتي لا معنىٰ لها -؛ مُعلِّلًا ب؛ «أنَّه لوكان التَّعريفُ جزءً لمعناها، فلابدَّ عند الحمل من التَّجريد، لأنَّه مع التَّعريف لايصحُّ الحملُ.

أمَّا المعاني المُستفادَة من الأقسامِ السَّبعة، فتُستَفاد من القرائن الخارجيَّة، الَّتي لابُدَّ منها في الكلام».

ردٌّ علىٰ صنيعه

وفيه:

أوَّلًا: إنَّ إنكارَ العهد الذِّهنيِّ ليس له وجهٌ، حيث يُخالفُه صريحُ الوجدان!، لأنَّ

ص: 328


1- . وانظر: حدائق الدَّقائق، ص 444؛ مغني اللَّبيب، ج 1 ص 207.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 245.

قوله - تعالى! -: «إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ اَلشَّجَرَةِ»(1) يشيرُ إلى شجَرةٍ معهودةٍ بين مسلِمي الصَّدرِ الأوَّل من غير نكيرٍ منهم عليه، ولايُراد من التَّعريف إلَّاهذا.

كما أنَّ قولَه:

ولقَد أمُرُّ علَى اللَّئيمِ يَسُبُّني *** فَمَضَيتُ ثُمَّتَ قُلتُ لايَعنٖينٖي(2)

يشير إلى لئيمٍ معهودٍ للمُتَكلِّم؛ فلذا يُمكن أن يُوضَع مكانَه أسماءُ الإشارة، فيُقال:

«ولَقَد أمُرُّ علَى ذلكَ اللَّئيمِ يَسُبُّني...».

قولُ بعضهم هيهنا والرَّدُّ عليه

والقولُ ب: «أنَّ التَّعريف هو الحالُ الواقعُ في مقام التَّخاطُبِ بين المخاطب والمُتَكلِّم فقط»؛

ادِّعاءٌ بلادليلٍ!؛ نعم! في غالب الأحوال يكون كذلك، ولكن ذلك لايدلُّ على الحصر.

وثانيًا: إنَّ «اللَّام» كالإشارة، فالتَّعريف يُستَفاد منها، لامن مدخولها - كما في موارد تعدُّد الدَّالِّ والمدلول -. ف «اللَّام» تدلُّ على التَّعريف، والمدخول يدلُّ على معناه، من الجنس وغيره.

وبما ذكرنا يظهر أنَّ «لام» الاِستغراق بمنزلة «الكلِّ» و «الجميع»؛ فكما أنَّ

ص: 329


1- . كريمة 18 الفتح.
2- . راجع: متشابه القرآن، ج 2 ص 258؛ رياض السَّالكين - يُوجَد فيه الشَّطر الأوَّل فقط -، ج 7 ص 105؛ لسان العرب، ثمَمَ، ج 12 ص 81؛ تاج العروس، ثمَمَ، ج 16 ص 89. من غير عزوٍ إلى أحدٍ.

«الكلَّ» تستغرق جميع الأفراد، فكذلك «اللَّامُ».

وإن قلتَ: «إنَّ اللَّام مطلقًا وُضِعَتْ للإشارة، وهي بمنزلة «هذا» ونحوها؛

والتَّعدُّد لمدخولِها؛

والأقسامُ لمصداقها»،

لستَ بمُجازِفٍ في القول. إلَّاأنَّه يُخالِف المشهورَ بين النَّحويِّين والأدباءِ.

الرَّابع: النَّكرة
اشارة

والمراد منها الطَّبيعة من حيث هي هي، مقيَّدًا بتوحُّدها بتعدُّد الدَّالِّ والمدلول عليه.

فعلى سبيل المثال: لفظة «رجُلٍ» وُضِعَت للطَّبيعة من حيث هي هي؛

والتَّنوين تدلُّ على توحُّدها، فلاتدلُّ اللَّفظةُ إذًا على الماهيَّة المُطلقة، فلفظةُ رجُلٍ مع التَّنوين كلفظة رجلٍ مع الإضافة، كغُلام زيدٍ،

فالغُلام يدلُّ على الطَّبيعة،

والإضافة تدلُّ على الوحدة. وكذلك لفظة الرَّجُل مع «لام» التَّعريف،

فلفظة رجُلٍ تدلُّ على الطَّبيعة؛

و «اللَّام» تدُلُّ على الوحدة.

وبما ذُكِر يظهر أنَّ لفظةَ رجُلٍ بلاتنوينٍ وإضافةٍ وتعريفٍ لاتُستَعملُ أبدًا؛ وإن كان له وضعٌ، والموضوعُ له فيه هو الطَّبيعة من حيث هي هي - الَّتي يُقالُ لها في مصطَلَح الحكماء ب: الطَّبيعة المُهمَلَة -.

ص: 330

فلايَتمُّ اللَّفظ إلَّابالتَّنوين، أو باللَّام، أو بالإضافةِ.

بيانُ الفرق بين الحالات الثَّلاث

والفرقُ بين الثَّلاثة:

أنَّه إذا استُعمِل مع التَّنوين، لايخرج عن الكُلِّيَّة وإن قيَّدَه بالوحدة؛

أمَّا إذا استُعمِل مع «لام» الجنس، فيُساوقُ ما إذا عُيِّن الجنسُ بالإشارة، فيصير معرفةً بحسب الجنس، لابحسب الشَّخص - كقول القائل: «الرَّجلُ خيرٌ من المَرءَةِ»؛

وأمَّا إذا استُعمِل مضافًا إلى غيره فاختُصَّ بالمضاف إليه، والإضافة لاتَخلُو عن التَّعريف - كغلامِ زيدٍ -؛

وإن اُستُعمِل ب «لام» التَّعريف، يخرج - بواسطةِ تعدُّد الدَّالِّ والمدلول - عن الكلِّيَّة؛ وذلك «اللَّام» بتعدُّد الدَّالِّ والمدلول ينحصِرُه في فردٍ من تلك الطَّبيعة.

ص: 331

ص: 332

الفصل الثَّالث: في مقدَّمات الحكمة وبيانِها

اشارة

اللَّذَين هما من مهامِّ الأمور في باب المطلق والمقيَّد.

فنقول: إذا جُعِلَت الطَّبيعة المطلقة موضوعًا لحكمٍ - كقوله، تعالى!: «أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا»(1) -، فهيهنا اِحتمالانِ:

الأوَّل:

أن تُقابِل الطَّبيعةُ طبيعةً أخرىٰ من غير إرادة بيانِ الخصوصيَّات أصلاً، فإذن المهملةُ - الَّتي لا خصوصيَّة له هنا - تُقابِل المهملةَ، الأولىٰ منهما حلالٌ والأُخرىٰ الَّتي تُقابِلها حرامٌ.

الثَّاني:

ص: 333


1- . كريمة 275 البقرة.

أن يُراد الخصوصيَّات أيضًا، فالطَّبيعة إذن يُنظَر إليها على سبيل القضايا الحقيقيَّة، لا القضايا الطَّبيعيَّة؛ فحينئذٍ إثباتُ أنَّها مع كونها موضوعًا للحكمِ يُرادُ منها خصوصيَّاتها الخاصَّة بها، يحتاجُ إلى جريانِ مقدَّماتٍ اصطَلَحوا عليها بمُقدَّمات الحِكمة.

وهي مع شيءٍ من التَّوضيح:

المقدَّمة الأولىٰ:
اشارة

كون المُتَكلِّم في مقام بيان الخصوصيَّات، فليس قولُه: «أكرِم عالمًا» كقوله:

«الرَّجل خيرٌ من المَرءة»، إذ لايريد في قوله الثَّاني إلَّاالماهيَّة من غير النَّظر إلى أفرادها ومصادِيقها وخصوصيَّات الأفراد والمصاديق. فالماهيَّةُ مجرَّدةً عن العوارض هي موضوع الحكم بالخيريَّة، بينما أنَّ في الأوَّل يريدُ منه بعضَ أفرادِ الماهيَّة - وهو المُتَّصف بالعلم -.

فحينئذٍ إثباتُ أنَّه في مقام بيان الخصوصيَّات - ليكونَ الماهيَّة المقيَّدة، لا المطلَقة، موضوعًا للحكم - مما لابدَّ منه.

مختار الشَّيخ المؤسِّس قدس سره

وما اختاره الشَّيخ المؤسِّس قدس سره في الدُّرَر من: «عدم الحاجة إلى هذه المقدَّمة، بتقريب: إنَّ المُتَكلِّم لوأراد بكلامه المقيَّدَ تتعلَّق الإرادة به بالأصالة، كما وتتعلَّق بالمطلق بالعَرَض؛ فإذا قال: «أكرِم الرَّجل» وشكَكنا أنَّ الإرادة تعلَّقَتْ بما تتعلَّق به بالأصالة، أو تعلَّقَتْ بما تتعلَّق به بالعَرَض، فالظَّاهر أنَّ تقدُّمَ ما بالأصالة على ما بالعرض لاترديد فيه.

ص: 334

فاذًا: أنَّ المُتكلِّم أراد الطَّبيعة من حيث هي هي، لا مقيَّدةً»(1)؛

بيانُ ما فيه

فيه: أنَّ هذا يُثبِت أنَّه أراد الطَّبيعة اللَّابشرط، لا المقيَّدة، و لكن لايُثبِت أنَّه أراد الطَّبيعة المُهمَلة وعلى سبيل القضايا الطبيعيَّة؛

أو أراد الطَّبيعة السَّارية على سبيل القضايا الحقيقيَّة.

نعم! قوله قدس سره لايُثبِت ذلك، فكَشْفُ المرادِ بحاجةٍ إلى إثبات إمكان جريان المقدَّمة الأولىٰ - القائلةِ بأنَّه بصدد الخصوصيَّات، لا الإطلاق -؛ فهو يزيد مقدَّمةً على المقدَّمة المبحُوث عنها، ولانحتاج إليها في إثبات أنَّ المطلق ساريةٌ، لامهملةٌ.

وبالجملة: إثبات كون المولىٰ بصدد الخصوصيَّات، ممَّا لابُدَّ منه.

هذه هي المقدَّمة الأولىٰ.

المقدَّمة الثَّانية:
اشارة

عدمُ وجود قرينةٍ في الكلام به يُتِمُّ كلامَه، وبعبارةٍ أُخرىٰ: اِنتفاء ما يوجِب التَّعيينَ.

وهذه المقدَّمة بمنزلة الصُّغرىٰ في الكلام، وهي ضروريَّةٌ، بحيث لو لم نذكرها فهي منطويةٌ فيه عقلًا - ضرورةَ عدم إمكان الاِنتاج دونها -؛ فالمقدَّمة هذه في عِداد المحقِّقات للموضوع.

ما ذهب إليه المحقِّقان البروجرديُّ والخمينيُّ قدس سرهما

ص: 335


1- . راجع: دُرَر الفوائد، ص 234؛ إفاضة العوائد، ج 1 ص 368.

فما قال به السَّيِّدان الأستاذان البروجرديُّ قدس سره(1) والخُمينيُّ قدس سره(2) مِن: «أنَّ وجودها ليس بشرطٍ، بل إنَّها مُحقِّقةٌ للموضوع»؛

بيانُ ما فيه

ليس بتامٍّ، إذ الشُّروط كلُّها محقِّقاتٌ لموضوعاتها.

وبالجملة إنَّها - أيضًا - ضروريَّةٌ - كضرورة الصُّغرىٰ لاثبات النَّتيجة -.

المقدَّمة الثَّالثة:
اشارة

انتفاء القدر المُتَيقَّن في مقام التَّخاطُب.

المقدَّمة من مبتَكَرات المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره

هذه المقدَّمة ممَّا أضافها صاحب الكفاية قدس سره، وقرَّرها ب: «أنَّ وجود القدر المُتَيقَّن في مقام التَّخاطب يُنبِىء عن كونه هو المرادُ، لاالمطلق»(3).

وهذا بحسب الظَّاهر غير تامٍّ!، لأنَّ وجود القدر المُتَيقَّن في التَّخاطب بهذا المعنىٰ يرجع إلى المقدَّمة الثَّانية - وهو وجود القرينة وعدم وجودها -.

تفسير السَّيِّد البروجرديِّ قدس سره هذه المقدَّمة

كما أنَّ ما فسَّره السَّيِّدُ الأستاذُ البروجرديُّ قدس سره به المقدمةَ من: «أنَّ المراد أنَّ المُتَكلِّم عَلِمَ حين الخطاب أنَّ ذهن المخاطب ينصرفُ إلى بعض الأفراد، لاكلِّها،

ص: 336


1- . راجع: نهاية الأُصول، ص 383؛ لمحات الأُصول، ص 389.
2- . راجع: مناهج الوصول، ج 2 ص 326؛ تهذيبُ الأُصول، ج 2 ص 72.
3- . راجع: كفاية الأُصول، ص 274.

فلايكون المطلقُ مطلقًا حينئذٍ»(1)؛

ليس بتامٍّ!، لأنَّه يرجعُ إلى الثَّانية - أيضًا -، لأنَّ ذلك العِلمَ قرينةٌ عرفيَّةٌ يدلُّ على أن لاإطلاقَ في الخطاب أصلًا، وهي قرينةٌ حاليةٌ في المقام.

توضيحُ ذلك: إنَّ القدرَ المتيقَّن:

1. قد يكون في أصل الكلامِ، وهو موجودٌ في جميع ما يَصدُر عن المُتَكلِّمين.

ولايمكن - بشهادةِ العُرف في التَّخاطبات - للمخاطَب أن يتمسَّك به، فيرفع اليدَ عن الإطلاق.

2. وقد يكونُ في الاِنصرافات البَدويَّة، فهي كالقَدر المُتَيقَّن الموجود في أصل الكلام.

3. وأمَّا الاِنصرافاتُ الحقيقيَّة، فهي خارجةٌ عن محلِّ الكلام، لأنَّه لاإطلاق أصلًا حتَّى يُتُكلَّمَ فيه.

4. و قديكون في محتمل التَّقييد، وهذا القسم هو مراد المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره، لأنَّه أعاد مرارًا قوله ب: «أنَّ أحتمالَ التَّقيُّد يمنع عن استفادةِ الإطلاق من الكلام»، ناسبًا ذلك إلى المشهور.

لكنَّا مرَّةً بعد أخرىٰ أشرنا إلى أنَّ احتمال التَّقيُّد في محتمله ليس بحجَّةٍ، وهو غير مانعٍ من الأخذ بالعموم والإطلاق من الكلام.

مقالٌ لبعضهم هيهنا ونقدُه

وما قيل من: «أنَّ بناءَ العقلاء عند الشَّكِّ في أصل التَّقييد - لا في كون الموجود قيدًا - على جريان أصالة العموم والاطلاق في جميع المخاطَبات، فإذا شُكَّ في أصل

ص: 337


1- . راجع: لمحات الأُصول، ص 388؛ نهاية الأُصول، ص 381.

التَّقييد فالأصل جريانُ أصلَي العموم والإطلاق»؛

نسبةٌ إلى العقلاء لايرضوا به!.

حاصلُ المرام في هذه المقدَّمة

والحاصلُ: إنَّ انتفاء قدر المتيقَّن في مقام التَّخاطب بهذا المعنىٰ لازمٌ، بناءً على المشهور الَّذي تابَعَه صاحبُ الكفاية قدس سره،

وأمَّا بناءً على المختار الموضَح، فليس بلازمٍ أصلًا.

فروعٌ
الفرع الأوَّل:
اشارة

الشَّكُّ في «أنَّ المُتكلِّم هل كان بصدد بيان المراد؟، أم لا؟»؛ كالشَّكِّ في أنَّه «هل جاء بقرينةٍ؟، أم لا؟».

فالأصلُ يقتضي كونَه بصدد تمام المراد، كما أنَّ الأصل يقتضي أصالةَ الإطلاق وعدم نصب قرينةٍ عليه.

الدَّليل علىٰ قولنا هذا

والدَّليلُ هو العُرف، لأنَّ المُتعارف فيما إذا لم يُحرَز كونُه في مقام الاِهمال، حملُ الكلام على بيان الخُصوصيَّات.

ولقد أجاد في الكفاية حيث قال: «إنَّ سيرةَ أهل المحاورة استقرَّتْ على الَّتمسُّك

ص: 338

بالإطلاقات فيما إذا لم يكن قرينةٌ، مع عدم إحراز كونه في مقام بيان الخصوصيَّات»(1).

الفرع الثَّاني:
قولٌ لطائفةٍ منهم والرَّدُّ عليه

قيل: «إنَّ أخذَ الإطلاق في المعاني الحرفيَّة غير جائزٍ. فلايجوز أن يُؤخَذ الإطلاقُ من الهَيَئات الحرفيَّة، كمايجوز في الإنشائيَّات»(2).

وهو ضعيفٌ جدًّا!، وقد مضىٰ الكلامُ في ذلك فيما سلَفَ من باب الأوامر، حيث قُلنا: إنَّ المعاني الحرفيَّة في الخارج غير مستقلَّةٍ معنىً، على سبيل العكس ممَّا هي عليه في عالَم الوضع، إذ هي هناك مفاهيمُ مستقلَّة، فيُمكن للواضع أن يُقيِّدَها، كما يمكن له أن يُطلِقها.

الفرع الثَّالث:
تقسيمات الإطلاق

إنَّ للإطلاق جهاتٍ عدَّة؛ وقد قسَّمها الأصوليُّون إلى أقسامٍ ثلاثةٍ:

1. الإطلاق الإفراديُّ؛

2. الإطلاق الحاليُّ - ويُقال له: الإطلاقُ المقاميُّ -؛

3. الإطلاق الزَّمانيُّ.

ص: 339


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 248.
2- . انظر مثلًا: بحوثٌ في علم الأُصول، ج 1 ص 353؛ تهذيبُ الأُصول، ج 2 ص 63؛ دروسٌ في علم الأُصول، ج 2 ص 78؛ مجمع الأفكار، ج 1 ص 279.

ويمكن أن يكون المُتكلِّمُ بصدد الإطلاقات الثَّلاث معًا؛

كما يمكن أن يكون بصدد واحدٍ، أو اثنين منها.

ومن المعلوم وجودُ الاِختلاف في الموارد بحسب الموارد؛ فاِثبات الإطلاق في كلٍّ من الثَّلاث يحتاج إلى مقدَّمات الحكمة وجريانِها.

ص: 340

الفصل الرَّابع: في حمل المُطلق على المُقيَّد

اشارة

لاإشكال في أنَّه إذا ورد مطلقٌ ومقيَّدٌ متَنافِيَين - كقوله: «إذا أفطَرتَ فاَعتِق رقبةً»، بالإطلاق، و: «إذا أفطَرتَ فاَعتِق رقبةً مؤمنةً»، بالتَّقييد - يُحمَل المطلقُ على المقيَّد.

لأنَّ بناء العقلاء في التَّقنين على ذِكرِ المُطلقات أوَّلًا، ثمَّ تقيُّدها بمُقيِّداتها.

فعندئذٍ يُكشَف أنَّ المُتكلِّم لم يكن جادًّا في اِستعمال المطلق، بل استَخدَمها على سبيل الإرادة الاِستعماليَّة، ضربًا للقانون.

نعم! في إرادته الاِستعماليَّة كان جادًّا.

وليس حملُ المطلق على المقيَّد من باب الأظهر والظَّاهر، لأنَّه كثيرًا مَّا ليس المقيَّدُ بأظهرَ من المطلق،

بل لوفُرِض كونُ المطلق في موردٍ أظهر منه، فحملُ المطلق في نفس المورد على المُقيَّد - أيضًا - مُسلَّمٌ من غير نكيرٍ فيه.

وليس بناءُ العقلاء وسيرتُهم على التَّصرُّف في الهَيئة، بحمل المُقيَّد على

ص: 341

الاِستحباب؛

و هذا من ضروريَّات الفقه، وعليه استقرَّتْ سيرةُ العقلاء.

نعم! لودلَّتْ عليه قرينةٌ فهو من باب القرينة، كما اشتهَر بين الأصحاب في المُستحبَّات؛ وإلَّا فحملُ المطلق على المقيَّد مُسلَّمٌ بين الفقهاء، كما هو المُسلَّم بين العقلاءِ في مقام التَّقنين.

بيان إحتمالَين في المقام بحسب مقام الثُّبوت

وبعبارةٍ أخرىٰ: أنَّه إذا وردَ مطلقٌ ومقيَّدٌ، ففيه اِحتمالانِ:

1. حملُ المطلق على المقيَّد، بحيث يكون المرادُ من المطلق هو المقيَّدُ؛

2. أو التَّصرُّف في الهيئة، وحمْلُ ما في المُقيَّد من الوجوب على الاِستحباب.

هذا بحسب مقام الثُّبوت.

الإحتمال بحسب مقام الإثبات

وأمَّا بحسب مقام الاِثبات، فحملُ المطلق على المقيَّد مقدَّمٌ على التَّصرُّف في الهَيئة - بحمل وجوبه على الاِستحباب -. والدَّليلُ على ذلك سيرةُ العقلاء القطعيَّة، ويدور عليها الفقهُ.

هذا - كلُّه - إذا كان المُطلق والمقيَّد مُتنافِيَين، بكون أحدهما مُثبتًا، والآخرُ منفيًّا - كقولَيْك: «أكرِم العلماءَ»، و: «لاتُكرِم الفسَّاقَ منهم» -.

الإحتمالات إذا كانا متوافِقَين

وأمَّا إذا كانا مُتَوافِقَين - مثبتين كانا، كقولَيْك: «أكرِم العلماءَ»، و: «أكرِم العُدولَ منهم»، أو منفيَّينِ، كقولَيْك: «لاتُكرم الفسَّاقَ»، و: «لاتُكرِم العلماءَ من الفسَّاق» -،

ص: 342

فهل يُحمَل المطلق على المقيَّد؟، أو يُتُصرَّف في الهيئة - بحَمْل المقيَّد على تعدُّد المطلوب، أي: المطلوب الأفضلُ فالمطلوب الأفضلُ، فلاواجب في البين إذن -،

وفي المَنفِيَّين بحَمْل المقيَّد على شدَّةِ المبغوضيَّة؟.

المختار في المقام

الأقوىٰ هو الثَّاني؛ لأنَّه لاتعارض بينهما عند العُرفِ حتَّى يَتصرَّف في المُطلق.

وإن شئتَ قلتَ: إنَّ سيرة العُقلاء القَطعيَّة هيهنا هي التَّصرُّف في الهيئة، بخلاف الأوَّل - أي: في المُتنافِيَين -؛ فيرىٰ:

في المُثبَتين تعدُّد المطلوب، بحمل المُقيَّد على الاِستحباب والأفضليَّة؛

وفي المَنفيَّين بحمل المقيَّد على شدَّة المَبغوضيَّة.

إلَّا إذا كانتْ قرينةٌ - حاليَّةٌ أو مقاليَّة - تدلُّ على حمل المطلق على المقيَّد، فالمورد - إذًا - تابعٌ لوجود القرينة وما تدلُّ عليه. كمفهوم اللَّقب، لأنَّه غير حجَّةٍ - كما فصَّلنا الكلامَ في عدم حجِّيَّته، ومعنىٰ عدم حجِّيَّة المفهوم -، إلَّاأنَّه قليلًا مَّا يميل العرف إلى حجيَّة مفهوم اللَّقب في موردٍ،

والمقامُ - أيضًا - كذلك، لأنَّه لايُجوِّز العرف التَّصرُّف في المادَّة، بل يُجوِّزه في الهيئة؛ إلَّافي موردٍ خاصٍّ دلَّتْ عليه قرينةٌ - حاليَّةٌ أو مقاليَّةٌ -.

ص: 343

ص: 344

الفصل الخامس: المطلق والمقيَّد في المندوبات

اشارة

المشهورُ بين الأصحاب(1) في المندوبات التَّصرُّف في الهيئة، لا حمل المطلق على المقيَّد.

ما يدلُّ على مختار المشهور

وذلك بجعل المقيَّدات من باب تعدُّد المطلوب، فيكون كلُّ واحدٍ منها مطلوبًا برأسه.

والظَّاهر أنَّه ليس على سبيل التَّعبُّد، بل استقرَّتْ سيرةُ العقلاء عليه أوَّلًا، ثمَّ أمضاها الشَّارعُ ثانيًا.

لأنَّ العرفَ يحكم بأنَّ المولىٰ إذا أمر بمندوبٍ، أو ندبيًّا، فقال لعبده أوَّلًا:

«تصدَّقْ»، ثمَّ أمرَه ثانيًا فقال: «تصدَّقْ بدرهمٍ ودينارٍ»، ليس إلَّافي مقام بيان تعدُّد المطلوب، لا بيان لزوم التَّصدُّق مرَّتين، أو مرَّاتٍ.

ص: 345


1- . فانظر مثلًا: أنوار الهداية، ج 2 ص 83؛ دُرر الفوائد، ص 91.

إلَّا أن يدُلَّ قرينةٌ - حاليَّةٌ أو مقاليَّةٌ - على التَّعدُّد.

هذا، مع أنَّه قد مرَّ آنفًا: أنَّ حملَ المطلق على المقيَّد في المُتنافِيَين، وأمَّا في المُتوافِقَين - كالمُثبَتين - فهو من باب تعدُّد المطلوب.

فالأمرُ في المندوبات ليس من باب حمل المُطلق على المقيَّد، بل من باب تعدُّد المطلوب؛ إلَّاإذا دلَّتْ قرينةٌ على أنَّ المُقيَّد من باب الشَّرط، أو الجزء - كالطَّهارة للصَّلوة -، فلابدَّ حينئذٍ من حمْلِ المطلق على المقيَّد، اِستظهارًا من تلك القرينة.

مقتضىٰ القاعدة في المقام

فالقاعدةُ - حسْبَ العُرف والشَّرع - تقتضي كونَ المُطلقات والمُقيَّدات في المندوبات من باب تعدُّد المطلوب، لا من باب حمْلِ المُطلق على المقيَّد؛ إلَّاما أخرجه الدَّليل - كالطَّهارة للصَّلوة، الَّتي هي شرطٌ فيها، واجبةً كانت أو مندوبةً -.

مختار المحقِّق النَّائينيِّ قدس سره ومناقشتُه

فما ذهب إليه المحقِّق النَّائينيُّ قدس سره(1) وتلامذَتُه(2) من: «أنَّه لودلَّ دليلٌ في المستحبَّات على بيان الأجزاء والشَّرائط فهو من باب المطلق والمُقيَّد، لامن باب تعدُّد المطلوب»؛ وتمثَّل لذلك ب: «تبيين الوقت لصلوة اللَّيل»؛

ليس بسديدٍ، بل كثيرًا مَّا في الباب - أيضًا - يكون من تعدُّد المطلوب، مع دلالة الرِّوايات على كونه من باب الشَّرط، أو الجُزء.

ص: 346


1- . راجع: أجود التَّقريرات، ج 2 ص 447؛ فوائدُ الأُصول، ج 1 ص 585.
2- . راجع: أجود التَّقريرات، ج 2 ص 447 التَّعليق 1.
تتمَّةٌ
ما استدلَّ به المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره للمشهور
اشارة

أورد في الكفايةِ(1) دليلَين للقول المَشهور بين المَشهور - أي: كونُ المندوبات المتعدِّدة من باب تعدُّد المطلوب، لا حمل المُطلق على المقيَّد -؛ وهما:

الدَّليل الأوَّل:
اشارة

«إنَّ الغالبَ في الاِستعمالات فيها هو ذلك»؛ ثمَّ أمرَ بالتَّأمُّل فيه.

مناقشة دليله الأوَّل

وفيه: إنَّه يرجع إلى قاعدةِ «الظَّنُّ يلحقُ الشَّيءَ بالأعمِّ الأغلب»(2)، وهي غير حجَّةٍ عند المشهور، و منهم صاحب الكفاية قدس سره.

الدَّليل الثَّاني:

«إنَّ قانونَ التَّسامح في أدلَّة السُّنَن تقتضي مطلوبيَّة المُطلق - أيضًا -»؛ إلَّاأنَّه قدس سره استشكَل في ما علَّقَه على المتن ب «أنَّ المُطلقَ إذا حُمِلَ على المقيَّد فلاإحتمال لوجودِ الدَّليل حتَّى يُعمَلَ به بقاعدةِ التَّسامح في أدلَّة السُّنن»(3)؛ ثمَّ أمر بالتَّأمُّل فيه.

ولعلَّ الأمرَ بالتَّأمُّل، لأنَّه - حينئذٍ - من باب الَّتمسُّك بالعامِّ في الشُّبهة المِصداقيَّة -

ص: 347


1- . راجع: كفاية الأُصول، ص 251.
2- . فانظر مثلًا: دروسٌ في علم الأُصول، ج 2 ص 314؛ غاية المسؤول، ص 37؛ مفاتيح الأُصول، ص 69 السَّطر 21؛ قوانينُ الأُصول، ج 1 ص 183.
3- . راجع: كفاية الأُصول، ص 251 التَّعليق 2.

الَّذي فصَّلنا الكلامَ في عدم جوازه -، لأنَّ المُطلقَ مُحتَملُ البلوغ، لامُتَيَقَّن البلوغ.

تتمَّةٌ أُخرىٰ
كلام للمحقِّق النَّائيني قدس سره هيهنا

إنَّ للمحقِّق النَّائينيِّ قدس سره وتلامذَتِه(1) كلامًا في المقام في غاية التَّفصيل؛ حاصله:

«إنَّ المُقيِّد لوكان بصدد بيان الأجزاء والشَّرائط والموانعِ، فالظَّاهر منه إرادة حمل المطلق على المُقيَّد، ك «صلوةِ اللَّيل» إذا قُيِّدتْ ب «نصفِ اللَّيل»، وك «الطَّهارة» و «النِّجاسة» للصَّلوة، شرطًا أو مانعًا.

وأمَّا لولم يكن بصدد ذلك، فالظَّاهر هو تعدُّد المطلوب، كما وردَتْ رواياتٌ مطلقةٌ في زيارةِ أبي الأحرارِ الحُسين عليه السلام، ثمَّ وردتْ أخرىٰ مقيَّدةً بأيَّامٍ أو طُرقٍ خاصَّةٍ».

رأينا في هذا القول

أقول: لاتفاوت بين الموردين إلَّابالقرينة، فلولم تُوجَد فهما سيَّان، والظُّهور العُرفيُّ يدلُّ على تعدُّد المطلوب - بنفس التَّقرير الَّذي قرَّرناه آنفًا -.

نعم! لودلَّ دليلٌ لفظيٌّ أو لبِّيٌّ على حَملِ المُطلق على المقيَّد - كاشتراط الطَّهارة في مطلق الصَّلوة - فهو المتَّبعُ؛

وإلَّا فالعُرف في جانب تعدُّد المطلوب في المنَدوبات.

ص: 348


1- . راجع: فوائدُ الأُصول، ج 1 ص 581؛ أجود التَّقريرات، ج 2 ص 451.

الفصل السَّادس: هل تَختَلِف مُقتَضياتُ مقدَّماتِ الحكمة

اشارة

قال في الكفاية: «إنَّ قضيَّة مقدَّمات الحكمة مختلفةٌ، لأنَّها:

تارةً تفيد العمومَ الاِستيعابيِّ - ك: «أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ»(1)

وأُخرىٰ تفيد العامَّ البدليَّ - كقوله: «جِئْني برَجُل» -؛

وثالثةً تفيد نحو تضييقٍ في المأمورِ به. كإطلاق صيغة الأمر، حيث إنَّ مقدَّمات الحكمة فيها تقتضي العينيَّة، والتَّعينيَّة، والنَّفسيَّة؛ لأنَّ غيرها - وهو الكفائييَّة والتَّخييريَّة والغيريَّة - يحتاج إلى القرينة»(2).

مناقشةُ هذا القول

وقوله هذا ليس بسديدٍ!، لأنَّ المقدَّمات تقتضي كونَ الموضوع هو الطَّبيعة فقط، من غير أن تُقيِّدَها بشيءٍ، والقيودُ تُستفادُ من أمرٍ آخر غير المقدَّمات:

ص: 349


1- . كريمة 275 البقرة.
2- . راجع: كفاية الأُصول، ص 252.

فالاِستيعابُ يُستفاد من: «ال»؛

كما أنَّ البدليَّة تُستفاد من التَّنوين؛

وأمَّا التَّضييقُ في الهيئة فهو يُنافي الإطلاق، بل المقدَّماتَ؛ فمقدَّمات الحكمة تقتضي أنَّ الهيئة هي الطَّبيعة، والطَّبيعة لاتختصُّ بالعينيَّة، أو باليقينيَّة، أو بالنَّفسيَّة.

فإرادةُ كلٍّ يحتاجُ إلى القرينة؛ كما أنَّ إرادةَ الكفائيَّة والتَّخيرييَّة والغيريَّة تحتاج إليها.

نعم! أصلُ الوضع يقتضي العينيَّة والتَّعيينيَّة والنَّفسيَّة، ولذلك عند عدم القرينة ينصرفُ اللَّفظ إليها.

وأمَّا غير الثَّلاثة، فمجازٌ يحتاج إليها. وقد مرَّ الكلام منَّا في ذلك في بدء باب الأوامر؛ والكلام هيهنا نفسُ الكلام هناك؛ فراجع!.

ص: 350

المقصد السَّادس: في الُمجمَل والمُبيَّن

اشارة

وفيه أمورٌ

ص: 351

ص: 352

هذا المقصدُ من أقصر أبواب الأصول و مقاصدها؛ فلاينقسم إلى فصولٍ، بل فيه أمورٌ فقط.

الأمرُ الأوَّل: وضوح المجمل والمُبيَّن ونسبيَّتِهما

إنَّ الإجمال والتَّبيين - كالإطلاق والتَّقييد - أمران لاخفاءَ فيهما، فهما - كالُمجمل والمُبيَّن وكالمطلق والمُقيَّد - في غاية الوضوح. ولذلك فليس لهما مصطَلَحٌ خاصٌّ به يُوضَح معناهما.

فيمكن اِختصار القولِ هيهنا ب:

أنَّ الُمجملَ هو غير واضحِ المعنىٰ وغير الظَّاهر في معنىً؛

والمُبيَّن هو واضح المعنىٰ والظَّاهر في معنىً.

والإجمال والتَّبيين أمران إضافيَّان، لأنَّه رُبَّ لفظٍ يكون مجملًا عند أحدٍ ومُبيَّنًا عند آخر؛ فهما كالمجهول والمعلوم نِسبيَّان بلاتفاوتٍ.

ص: 353

الأمر الثَّاني: كونُهما من الاِعتباريَّات

اشارة

إنَّ الُمجمل والمُبيَّن من الاِعتباريَّات، لا من الواقعيَّات؛ فليس بإزائهما في نفس الأمر والواقع شيءٌ.

مقالٌ لبعضهم والنِّقاش فيه

وما قيل من: «أنَّهما من الحقائق النَّفس الأمريَّة»؛

ليس بسديدٍ!؛ ضرورةَ أنَّهما من الأمور الاِضافيَّة - كالفوق والتَّحت -، فكيف يمكن أن يكونا من الواقعيَّات؟!.

الأمر الثَّالث: اِنقسامُهما إلى الواقعيِّ والعَرَضيِّ

إنَّهما ينقسمان إلى الواقعيِّ والعرضيِّ. والأوَّلُ ما يَعرُضُه الإجمال لنفسه، والثَّاني ما يعرُضُه لعارضٍ. فلفظة «الم»(1) مجملٌ من حيث هوهو - أي: للإجمال الواقعِ في نفس اللَّفظ -؛ أمَّا المُشترك فمجمَلٌ من حيث عدم وجود القرينةِ الدَّالَّة على المراد منه، أو لأجلِ شيءٍ يَحُفُّ به، كالعامِّ الُمخصَّص بالمُتَّصل الُمجمل.

ص: 354


1- . كريمة 1 البقرة، آل عمران، العنكبوت، الرُّوم، لقمان، السجدة.

الأمر الرَّابع: موارد وقوع الإجمال بحسب اللَّفظ والمعنىٰ

الإجمالُ:

1. قد يكون في المفرد - كلفظَتَي «الصَّعيد» و «الكَعْبِ مِن الرِّجْل» -؛

2. وقد يكون في الجملة - كقوله عليه السلام: «لا صلوةَ إلَّابفاتِحَةِ الكتٰاب»(1) -.

والإجمال من جهة دورانِها بين نفي الكمال، أو نفيِ أصل الحقيقة.

3. وقد يكون في النِّسَب - كقوله - حقَّتْ قدرتُه! -: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ»(2)، أو: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ»(3) -.

الأمر الخامس: في اِنحلال الإجمال إلى التَّفصيل

إذا صار الُمجمل مُبيَّنًا بالفَحص، أو بالعُثور على القرينة، أو التَّعلُّم من أهله؛ فهو.

وإن بقي على إجماله:

فإن ثبتَ هناك القدرُ المُتَيَقَّن، فهو المعمولُ به؛

ص: 355


1- . راجع: فقه القرآن، ج 1 ص 102؛ هداية الأُمَّة، ج 3 ص 31 الحديث 120؛ مستدرك الوسائل، ج 4 ص 158 الحديث 4365.
2- . كريمة 3 المائدة.
3- . كريمة 23 النِّساء.

وإلَّا فتَصِل النَّوبة إلى جريان الأصل فيه.

***

هذا ما أردنا إيرادَه من مباحث الألفاظ مراعيًا فيه كمال الإختصار؛ والاِستيعابُ في عوائِدَي الأصول الوسيطِ والكبيرِ.

والحمدُ للَّه، وصلَّى اللَّهُ علىٰ محمَّدٍ وٰاله.

ليلة الاِثنين رابع جمادي الأولىٰ لسنة 1431 ه. ق.؛ فروردين 1389 ه. ش.

ص: 356

الفهرس التَّفصيلي

الفهرس الإجمالي 5

تقديم الكتاب 9

مباحث الألفاظ

أمَّا المقدَّمة 19

الأمرُ الأوَّل في موضوع العلم 21

[إيرادٌ علىٰ هذا التَّعريف وما يُجاب به عنه] 21

[مختار السَّيِّد الأستاذ الخمينيِّ قدس سره في المسألة] 22

[مناقشة مختاره] 22

[مختار المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره فيها] 22

فروعٌ 23

الفرع الأوَّل: بماذا يتميَّزُ كلِّ علمٍ عن الآخرَ؟ 23

[مقالٌ للمحقِّق الخراسانيِّ قدس سره ومناقشتُه] 23

الفرعُ الثَّاني: في موضوع هذا العلم 24

الفرع الثَّالث: في تعريف هذا العلم 25

[اتِّحاد التَّعريف والموضوع والفائدة في هذا العلم] 25

[ما صنَعَه المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره ومناقشتُه] 25

ص: 357

الفرع الرَّابع: في أُصوليَّة جميع المسائل المبحوث عنها في هذا العلم 26

[مقالٌ لبعضهم والرَّدُّ عليه] 26

الأمر الثَّاني: في الوضع 27

[الوضع تعيينيٌّ وتعيُّنيٌّ] 27

[أقسام الوضع الأربعة] 27

القسم الأوَّل: الوضعُ عامٌّ والموضوع له عامٌّ 27

القسم الثَّاني: الوضعُ عامٌّ والموضوع له خاصٌّ 27

القسم الثَّالث: الوضعُ خاصٌّ والموضوع له خاصٌّ 27

القسم الرَّابع: الوضعُ خاصٌّ والموضوع له عامٌّ 27

[امتناع القسم الرَّابع عند الأُصوليِّين] 27

[مقتضىٰ التَّحقيق في المقام] 28

فرعٌ 28

[المختار في المقام] 29

الأمر الثَّالث: في الحقيقة والمجاز 29

[لزوم القرينة عند استعمال المجاز] 30

[انكار المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره ذلك] 30

[مختار المعاصرين في ذلك] 31

[مختار السَّيِّد البروجرديِّ قدس سره] 31

[مناقشة المذهبين الأخيرَيْن] 32

الأمر الرَّابع: في علائم تَمييزِ الحقيقَة عن المجاز 32 أوَّلًا: التَّبادرُ 33

[القول بلزوم الدَّور في التَّبادُرِ ومناقشتُه] 33

ثانيًا: صحَّة الحمل 34

[المراد من هذه العلامة] 34

ص: 358

ثالثًا: الإطِّراد 35

[مختار السَّيِّد البروجرديِّ قدس سره في هذه المقدَّمة] 35

[الفرق بين العلائم الثَّلاث] 35

[تلخيصُ المرام في المقام] 36

الأمر الخامس: تقدُّم بعض أحوال اللَّفظ على الآخر 36

[علائم ذكرها القوم للتَّرجيح] 36

[مناقشةُ مستندِهم للتَّرجيح] 37

الأمر السَّادس: في الحقيقة الشَّرعيَّة 37

[مختار المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره في المقام] 37

[مناقشة ما اختاره] 38

[مختار السَّيِّد البروجرديِّ قدس سره في المقام] 38

[مناقشة مختاره] 38

[مختار صاحب الفصول قدس سره في المقام] 39

[مناقشة مختاره] 39

[مختار المحقِّق النَّائينيِّ قدس سره في المقام] 39

[مناقشة مختاره] 40

الأمر السَّابع: في الصَّحيح والأعمِّ 40

[الخلاف في المسألة والمختار فيها] 40

[مناقشة تمسُّك الفريقين بالرِّوايات] 41

[الجامع علىٰ رأي المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره] 42

[الجامع علىٰ رأي الأعمِّيِّين] 42

[تصوير الجامع علىٰ المختار] 42

فروعٌ 43

الفرعُ الأوَّل 43

ص: 359

[المختار في باب المعامَلات] 43

[لافرق بين القول بوضع الألفاظ للأسباب أو المسبَّبات] 43

الفرع الثَّاني 43

[الجزئيَّة والشَّرطيَّة وجزءُ الفرد وشرطُه] 43

الفرع الثَّالث 44

[الفرق بين مقامَي الأمر والوضع] 44

الفرع الرَّابع 45

[ثمرة المسألة في مقام العمل وما قيل فيه] 45

[مناقشةُ هذا القول] 45

الأمر الثَّامن: في الإشتراك 46

[ما يرتبط بالقسم الأوَّل من الإشتراك] 46

[القول بعدم وقوع الإشتراك] 46

[مناقشةُ هذا القول] 47

[القول بوجوب وقوع الإشتراك] 47

[مناقشةُ هذا القول] 47

[المختار في المقام] 47

[القسم الثَّاني من أقسام الإشتراك] 48

[القسم الثَّالث من أقسام الإشتراك] 48

[القسم الرَّابع من أقسام الإشتراك] 48

الأمر التَّاسع: استعمالُ اللَّفظ في أكثر من معنىً واحدٍ 49

الأقوال في المسألة 49

1. الجواز مطلقا 49

2. الامتناع مطلقًا 49

[مناقشةُ هذا التَّقرير] 50

ص: 360

3. القول بالتَّفصيل بين المُفرد وبين المُثنّىٰ والجمع 50

[مناقشةُ هذا القول] 51

4. القول بالإمكان مجازًا 51

[مناقشةُ هذا القول] 51

الأمر العاشر: في المشتقِّ 52

الأمر الأوَّل: [تحديد موضوع «المشتقِّ»] 52

الأمر الثَّاني: [اسم الزَّمان في المقام] 53

[مناقشةُ هذا القول] 53

[مذهب المحقِّق البروجرديِّ قدس سره هيهنا] 54

[مذهب المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره هيهنا] 54

[المختار في المقام] 54

الأمر الثَّالث: [الإختلاف من جهة المبادىء] 54

الأمر الرَّابع: [المراد ب «الحال» في العنوان] 55

الأمر الخامس: [لا أصل في المقام يُتُمسَّك به] 56

[مقالٌ لبعضهم ومناقشتُه] 56

[المختار في المسألة] 56

[ما يُستدَلُّ به للمختار] 56

[مقالٌ لبعضهم ومناقشتُه] 57

[تقريرُ قول الأعمِّيِّين] 57

[مناقشةُ هذا القول] 57

[ردُّ المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره علىٰ هذا القول] 58

[المختار في رفع النِّزاع] 59

بقيتْ نُكتٌ 59

النُّكتة الأولىٰ: [المشتقُّ بسيطٌ] 59

ص: 361

[مقال للمحقِّق الشَّريف] 59

النُّكتة الثانيَة: [الفرق بين المشتقِّ ومبدئِه مفهومًا] 60

[مقالاتٌ لبعضِهم في المقام] 61

[تفسيرٌ علىٰ تلك المقالات] 61

[تلخيص المرام في المسألة] 62

النُّكتة الثَّالثة: [صدق المشتقِّ علىٰ الواجب - جلَّ وعلا! -] 62

النُّكتة الرَّابعة: [ما حُكِي عن صاحب الفصول قدس سره] 63

[مناقشةُ قوله] 63

النُّكتة الخامسة: [قولانِ لصاحِبَي الفصول والكفاية 0] 64

[مناقشةُ قولَيْهما] 65

المقصد الأوَّل: في الأوامر

الفصل الأوَّل: في ما يتعلَّق بمادَّة الأمر 69

المبحث الأوَّل: في معاني مادَّة الأمر 69

المبحث الثَّاني: الاستعمالات الثَّلاثة لمعنى الطَّلب 70

[اعتبار العلوِّ و الاِستعلاء في الأمر] 71

[مناقشة قول العَلَمَين الخراسانيِّ والخمينيِّ 0] 71

المبحث الثَّالث: الخلاف في ظهور الأمر في الوجوب 71

[بيان الُمختار وما يدلُّ عليه] 72

[مناقشة رأي المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره] 72

المبحث الرَّابع: في الطَّلب و الإرادة 73

[رأي الشَّيخ الأشعريِّ ومناقشتُه] 73

[رأي المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره ومناقشتُه] 73

استطرادُ بحثٍ تبعًا للقوم 75

ص: 362

[انتساب ما يصدر من الإنسان إليه] 76

[المراد من حديث نفي الجبر والتَّفويض بحسب مقامَي الظُّهور والبطون] 77

[مناقشة مختار المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره] 78

[حول مسألة القضاء والقدَر] 78

توضيحُ النَّاحية الأولىٰ 79

توضيحُ النَّاحية الثَّانية 80

[المراد من المسألة إجمالًا] 80

[قول اللَّعين إبليس في ذلك] 81

[ما صنَعَه الحكيمان الرَّازيُّ والطَّباطبائيُّ 0 هيهنا] 81

تتمَّةٌ 82

[الأقوال في كون الإنسان سعيدًا أو شقيًّا] 82

[بيان الحقِّ المختار في المسألة] 82

الفصل الثَّاني: فيما يتعلَّق بصيغة الأمر 85

المبحث الأوَّل: في معاني صيغة الأمر 85

[المختار في معنىٰ صيغة الأمر] 85

[مناقشة رأي السَّيِّدِ الأستاذ هيهنا] 86

المبحث الثَّاني: في الطَّلب الإنشائيِّ 87

[دلالة الأمر على الوجوب وما يدلُّ عليه] 87

[مناقشة رأي السَّيِّدِ الأستاذ قدس سره في انتفاء الوضع في الأمر] 87

[مختار صاحب المعالم قدس سره في المقام] 88

[مناقشة رأي بعض القائلين بكونه ظاهرًا في الوجوب] 89

[مناقشة رأي بعضهم الآخر هيهنا] 90

المبحث الثَّالث: كيفيَّة استعمال الجُمَل الخبريَّة في الإنشاء 90

[دلالة الجُمَل الخبريَّة على الإنشاء، وكيفيَّتها] 91

ص: 363

[مناقشة رأي المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره في المسألة] 91

المبحث الرَّابع: إطلاق الصِّيغة ونسبتُها إلى التَّعبديَّة والتَّوصُّليَّة 92

[دلالة الصِّيغة عند الإطلاق على التَّوصُّليَّة] 92

[عدم مدخليَّةٍ لمقدَّمات الحكمة في هذه الأدلَّة] 92

[دلالة أصلَي البراءة والاشتغال هيهنا] 92

[رأي الشَّيخ الأعظم قدس سره في المسألة] 93

[مناقشة رأي الشَّيخ الأعظم قدس سره] 93

[ما أجاب به المحقِّق الخراسانيُّ عن أستاذه الكبير 0] 94

[مناقشة ما أجاب به المدقِّق الخراسانيُّ قدس سره] 94

المبحث الخامس: إطلاق الصِّيغة ونسبتُها إلى النَّفسيَّة والعينيَّة والتَّعيينيَّة 95

[مذهب المحقِّق الخراسانيِّ هيهنا، ومناقشة المحقِّق الأصفهانيِّ 0 فيه] 96

[مناقشةُ ما ناقشَ به فيه] 96

[اشكال المحقِّق القوجانيِّ قدس سره عليه، والمناقشة فيه] 96

[مختار السَّيِّد الإمام قدس سره هيهنا، ومناقشتُه] 97

المبحث السَّادس: دلالة الأمرِ الواقعِ عقيبَ الحَظْر على الوجوب 97

[الأقوال في المسألة] 98

[مختار صاحب الكفاية قدس سره، والنِّقاش فيه] 98

[توضيح المختار في المسألة] 99

تتمَّةٌ 99

[اشتراك النَّهي مع الأمر هيهنا] 99

المبحث السَّابع: دلالة الصِّيغة على المرَّة والتِّكرار 100

[بيان المراد من «التِّكرار»] 100

[مناقشة مختار العَلَمَين الخراسانيِّ والخمينيِّ 0 في المسألة] 100

المبحث الثَّامن: دلالة الصِّيغة على الفور والتَّراخي 101

ص: 364

[تعارض جريان مقدَّمات الحِكمة مع قاعدة التَّسرُّع إلى الخَير هيهنا] 101

[التَّرديد في هذا كلِّه] 102

[بيان المراد بالفَور] 102

تتمَّةٌ 102

[كيفيَّة تدارك ما فات علىٰ القول بالفَور] 102

[رأي المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره، ومناقشتُه] 103

الفصل الثَّالث: في الإجزاء 105

المبحث الأوَّل: تبيينِ محطِّ البحث في المسألة 105

[المختار في المسألة] 106

[امتناع الاِمتثال بعد الاِمتثال، وجواز تبديل الاِمتثال] 106

المبحث الثَّاني: بيان الأقوال في المسألة 107

[الإتيان بالمأموربه الاِضطراريِّ] 107

1. أمَّا بحسب الثُّبوت 107

2. وأمَّا بحسب مقام الإثبات 108

[نفيُ البِدار من جانب العقلاء] 109

[مختار المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره في المسألة] 109

[المختار فيها، ومناقشة رأيه قدس سره] 109

[مختارُ بعض الأعلام والردُّ عليه] 110

[مختار السَّيِّديْن الأستاذين 0 في المسألة] 110

[تلخيص الكلام في المقام] 112

الإجزاءُ في الأمارت و الأصول 112

[المختار في المسألة] 112

المبحث الثَّالث: الاِستدلال على صحَّة المختار 113

1. الدَّليل الأوَّل 113

ص: 365

2. الدَّليل الثَّاني 114

3. الدَّليل الثَّالث 114

[مناقشة رأي مَن خالف المختار] 115

4. الدَّليل الرَّابع 115

5. الدَّليل الخامس 116

المبحث الرَّابع: الإجابةُ عمَّا أوردوه على المختار 116

1. الإشكال الأوَّل 116

يردُ عليه 117

[الإجابة عن سؤالٍ مقدَّرٍ] 117

[بطلان التَّصويب] 117

[قولٌ لبعضهم في هذا المقام ونقدُه] 118

2. الإشكال الثَّاني 118

[الإيراد علىٰ هذا الإشكال] 118

3. الإشكال الثَّالث 118

الايراد علىٰ هذا الإشكال 119

[أمثلةٌ ذكروها ردًّا علىٰ الإجزاء] 119

[تبيينُ ما في هذه الأمثلة] 120

تنبيهاتٌ هامَّةٌ 120

التَّنبيه الأوَّل: [المختار في المسألة ثبوتًا واثباتًا] 121

التَّنبيه الثَّاني: [بيان معاني التَّصويب] 122

التَّنبيه الثَّالث: [لاوجه لتقديم الرَّأي الثَّاني على الأوَّل] 123

الفصل الرَّابع: في مقدَّمة الواجب 125

[الأقوال في المسألة] 125

[عنوان المبحث عند صاحب الكفاية قدس سره، والنِّقاش فيه] 125

ص: 366

[عنوان المبحث عند الإمام الخمينيِّ قدس سره والنِّقاش فيه] 126

[دخول المسألة في مسائل هذا العلم] 127

[مختار الأستاذ البروجرديِّ قدس سره هيهنا، والنِّقاش فيه] 127

الفصل الخامس: في أقسام المقدَّمة 129

القسم الأوَّل: المقدمة الدَّاخليَّة والمقدَّمة الخارجيَّة 129

[تصوير محلِّ النزاع] 130

[مختار صاحب الكفاية قدس سره في الإجابة عن المسألة] 130

[مختار السَّيِّدِ البروجرديِّ قدس سره في الإجابة عن المسألة] 130

[مختار السَّيِّدِ الإمام قدس سره في الإجابة عن المسألة] 130

[المختار وبيان سرِّه] 131

القسم الثَّاني: المقدَّمة العقليَّة والعاديَّة والشَّرعيَّة 131

[إرجاع المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره الثَّلاثة إلى أمرٍ واحدٍ] 131

[تصويب السَّيِّد البروجرديِّ رأي أستاذه 0] 132

[مناقشة ما اختاراه 0] 132

القسم الثَّالث: مقدَّمة الوجود والصِّحَّة والعلم والوجوب 133

[إرجاع المحقِّقَين الخراسانيِّ والبروجرديِّ 0 بعضَ المقدَّمات إلى بعضٍ] 133

[مناقشة رأيهما] 133

[رأي المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره والنِّقاش فيه] 133

القسم الرَّابع: المقدَّمة المتقدِّمة والمقارنة والمتأخِّرة 134

[بيان محلِّ النِّزاع في المسألة] 134

[بيان ما أوجد الإشكال] 135

[رأي المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره في المسألة] 136

[مناقشة رأيه] 136

[متابعة السَّيِّدَين البروجرديِّ والخمينيِّ 0 إيَّاه] 137

ص: 367

الفصل السَّادس: في تقسيمات الواجب 139

القسم الأوَّل: الواجب المطلق والمشروط 139

[عدم ثبوتٍ واجبٍ مطلقٍ في الشَّريعة] 139

[الشَّرط يتعلَّق بالهَيئة؟ أو بالمادَّة؟] 139

[مختار الشَّيخ الأعظم قدس سره واستدلالُه عليه] 140

[مناقشة مختاره] 140

[مناقشة أصل الكلام] 140

[تلخيصُ الكلام في المقام] 141

فروعٌ 142

الفرع الأوَّل 142

[مناقشةُ هذا القول] 142

الفرع الثَّاني 142

[مناقشة هذا القول] 142

الفرع الثَّالث 143

[مناقشةُ هذا القول] 143

الفرع الرَّابع 143

[مناقشة هذا القول] 144

الفرع الخامس 144

[مناقشةُ هذا القول] 144

القسم الثَّاني: الواجب المعلَّق والمنجَّز 144

[بيان المختار من عدم ثبوت الفرق واقعًا بين الأقسام] 145

القسم الثَّالث: الواجب النَّفسيِّ والغيريِّ 145

[ذِهاب الأعلام إلى هذا القول] 146

[إرجاع جميع العبادات إلى الغيريِّ] 146

ص: 368

[مناقشةُ هذا القول] 146

[ما أجاب به العَلَمان الخراسانيُّ والبروجرديُّ 0 عن هذا القول] 146

[الردُّ علىٰ مختارهما] 147

القسم الرَّابع: الواجب الأصليِّ والتَّبعيِّ 147

الأمر الأوَّل: [موضع البحث عند صاحب الكفاية قدس سره] 147

الأمر الثَّاني: [إمكان إرجاع الواجب الغيريِّ إلى التَّبعيِّ] 148

الأمر الثَّالث 148

تتمَّةٌ 149

[الشَّكُّ في كون واجبٍ نفسيًّا أو تبعيًّا] 149

[مقتضى الأصل في المقام] 150

ملحَقٌ يُذكَر فيه مسائل هامَّة 150

المسألة الأولىٰ: في أنَّ وجوبَ المقدَّمة يُستَفادُ من الشَّرع؟ أم لا؟ 151

[المشهورُ والمختارُ في المسألة] 151

[ما استدلَّ به عليه الشَّيخ والمحقِّق الخراسانيُّ 0] 151

[مناقشة ما استدلَّا به] 152

المسألة الثَّانيَّة: ثبوت المثوبة وعدمُه على الإتيان بالمقدَّمات 153

[مختار المشهور في المسألة] 153

[مناقشةُ مختارهم] 153

المسألة الثَّالثة: ما هو الواجب من المقدَّمات 154

[مختار المشهور في المسألة] 154

[مناقشة بعضِ تلاميذه فيه] 155

[المختارُ في الجواب] 155

[مختار صاحبَي المعالم والفرائد 0 في المقام] 156

[مختار السَّيِّديْن الأصفهانيِّ والخمينيِّ 0 هيهنا] 156

ص: 369

[ما أورد عليه الشَّيخُ قدس سره] 157

[مناقشة قوله] 157

[لا أصل لهذا الإشكال أصلًا] 157

الفصل السَّابع: اِقتضاء الأمر بالشَّيء النَّهيَ عن ضدِّه 159

بيان المشهور في المسألة 159

المقام الأوَّل: هل الأمرُ بالشَّيء يقتضي النَّهي عن نقيضه؟ 159

[بيان المختار وما يدلُّ عليه] 160

[بعض ما قيل في المسألة وبيان فسادِها] 160

[المشهور من القدماء وبيان ما فيه] 160

[مناقشة ما ذكره المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره] 161

المقام الثَّاني: هل الأمر بالشَّي يقتضي النَّهيَ عن ضدِّه الخاصِّ؟ 161

[مختار المشهور في المسألة وما فيه] 162

[ردُّ المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره علىٰ هذا الدَّليل وبيان الإيراد عليه] 162

[مقالٌ لبعضهم هيهنا والرَّدُّ عليه] 163

[مقالٌ لبعضهم الآخر هيهنا والرَّدُّ عليه] 163

[تفصيل المختار] 163

[كلام شيخنا البهائيِّ قدس سره هيهنا ومناقشته] 164

[ما أجاب به الخراسانيُّ عن شيخنا البهائيِّ 0] 164

[أجوبة طائفةٍ من الأعلام عنه] 165

[تفصيل المختار هيهنا] 165

[كلام صاحب الكفاية قدس سره في المقام] 166

[مناقشة قوله] 167

[الردُّ علىٰ مقال جماعةٍ من الأصوليِّين في التَّرتُّب] 167

الفصل الثَّامن: في الأمر بشيءٍ مع العلم بعدم القدرة عليه 169

ص: 370

[إجمال المسألة عنوانًا] 169

[الصُّورة الأولىٰ للمسألة والمختار فيها] 169

[الصُّورة الثَّانية للمسألة والمختار فيها] 170

[الصُّورة الثَّالثة للمسألة والمختار فيها] 170

[الصُّورة الرَّابعة للمسألة والمختار فيها] 170

[بقاء الإجمال في عنوان المسألة بعدُ] 171

الفصل التَّاسع: في بقاءِ الجوازِ بعد نسخ الوجوب 173

[المختار في المسألة وبيانه] 173

[بعض ما قيل في المقام والردُّ عليه] 173

[مختار بعضهم هيهنا ومناقشتُه] 174

[تأسيس صورةٍ أخرىٰ للمسألة] 174

[المختار فيها] 174

الفصل العاشر: في الواجب التَّخييريِّ 177

[الكلام فيه بحسب مقامَي الثُّبوت والإثبات] 177

[القول الأوَّل و بيان ما فيه] 177

[القول الثَّاني و بيان ما فيه] 177

[القول الثَّالث و بيان ما فيه] 178

[مقالة بعضهم في تصوير الجامع والنِّقاش فيه] 178

[القول الرَّابع وما فيه] 179

[القول الخامس وما فيه] 179

[القول السَّادس وما فيه] 179

[القول السَّابع وتصحيحه] 180

[إرجاع القول الخامس إلى هذا القول] 180

[المختار في المسألة] 181

ص: 371

الفصل الحادي عشر: في الواجب الكِفائيِّ 183

[بيان المسألة والمختار فيها] 183

فرعٌ: [نقل ما ذكَره بعض المحقِّقين] 184

[المختارُ فيه] 184

الفصل الثَّاني عشر: في الواجب الموقَّت 187

[أقسام الواجب الموقَّت] 187

[مقالٌ لبعضهم هنا ومناقشتُه] 188

[مقالٌ آخر لبعضهم والرَّدُّ عليه] 188

تتمَّةٌ 189

[هل القضاء يحتاج إلى أمرٍ جديدٍ] 189

[المختار في المسألة] 189

[المسألة عند حدوث الشَّكِّ في القيد] 189

الفصل الثَّالث عشر: هل الأمرُ بالأمر بشيءٍ أمرٌ بذلك الشَّيء؟ 191

[الخلاف في المسألة وبيان منشأه] 191

[الفرض الأوَّل وبيان حكمِه] 191

[الفرض الثَّاني وبيان حكمه] 191

[الفرض الثَّالث وبيان حكمِه] 192

تنبيهٌ: [في عبادات الصَّبيِّ] 192

الفصل الرَّابع عشر: الأمر بشيءٍ ثانيًا قبل اِمثتال الأوَّل 195

المقصد الثَّاني: في النَّواهي

الفصل الأوَّل: في معنى النَّهي 199

[المشهور بين الأصحاب وبيان ما فيه] 199

[بيان ما في رأيٍ آخر منهم] 200

ص: 372

عويصةٌ لابدَّ من حلِّها 200

[ما استدلُّوا به عليه ومناقشتُه] 200

الفصل الثَّاني: في اجتماع الأمر والنَّهى 203

الأمر الأوَّل: [موضوع المبحث والمختار فيه] 203

الأمر الثَّاني: [الفرقُ بين المسألة وغيرها من المسائل] 204

[الفرقُ بين بابَي الإجتماع والنَّهي في العبادات] 204

الأمر الثَّالث: [في أصوليَّة المسألة] 205

الأمر الرَّابع: [لزوم قيد المندوحَة في عنوان المسألة] 205

[المختار في المسألة] 205

[مقالٌ لبعض الأعلام قدس سره وبيان ما فيه] 206

[ما مهَّده المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره نيلًا إلى مرامه] 207

المقدَّمة الأولىٰ: [بيان ما فيها] 207

المقدَّمة الثَّانيَة: [بيان ما فيها] 208

المقدَّمة الثَّالثة: [بيان ما فيها] 208

المقدَّمة الرَّابعة: [بيان ما فيها] 209

[مختار صاحب الكفاية قدس سره والرَّدُّ عليه] 209

[المختار في المسألة] 210

[كلامٌ للمحقِّقَين النَّائينيِّ والخوئيِّ 0] 210

[بيانُ ما في كلامهما] 211

تتمَّةٌ: [بيانُ ما استدلَّ به بعضُهم للجواز] 211

[مناقشة كلامه] 211

خاتمةٌ 212

[المذاهب في المسألة] 212

المذهب الأوَّل 212

ص: 373

المذهب الثَّاني 212

المذهب الثَّالث 213

المذهب الرَّابع 213

المذهب الخامس 213

[المختار في المسألة] 213

[بيانُ ما في الأقوال من الضَّعف] 213

[تلخيص الكلام في المختار] 214

الفصل الثَّالث: في النَّهي الوارد علىٰ العبادات أو المعاملات 217

المقدَّمة الأولى: في بيان الفرق بين هذه المسألة والَّتي سلَفَتْ قبلها 217

المقدَّمة الثانية: في كون المسألة في عِداد مباحث الألفاظ 218

المقدَّمة الثَّالثة: في جريان النِّزاع في مُطلق النَّهي 219

[بيان ما فيه] 219

المقدَّمة الرَّابعة: المرادُ من العبادة هيهنا 219

[مختار صاحب الكفاية قدس سره ومناقشته] 219

المقدَّمة الخامسة: إضافيَّة الصِّحَّة والفَساد وترادفهما للتَّماميَّة والنُّقصان 220

المقدَّمة السَّادسة: في كونِهما خارجيَّين 220

المقدَّمة السَّابعة: مقتضىٰ الأصلُ في المسألة 221

[المشهور في المسألة] 221

[بيان ما فيه] 221

المقدَّمة الثَّامنة: في متعلَّق النَّهي 222

[رأي صاحب الكفاية قدس سره وتعليلُه عليه] 223

أوَّلًا: النَّهي الواقعُ في العبادات 224

[المختار فيه] 224

[رأي الشَّيخ المؤسِّس قدس سره هيهنا] 224

ص: 374

ثانيًا: النَّهي الواقعُ في المعاملات 224

[ما استدلَّ به القائلون بالفَساد] 225

الدَّليل الأوَّل 225

[مناقشةُ هذا الدَّليل] 225

الدَّليل الثَّاني 225

[مناقشة هذا الدَّليل] 226

خاتمةٌ 226

[قول بعضهم بدلالة النَّهي على الصِّحَّة] 226

[بيان ما فيه] 227

المقصدُ الثَّالث: في المفاهيمِ

المقدَّمة الأولىٰ: [في تعريفه على المختار] 231

المقدَّمة الثَّانية: في كون البحث صغرويًّا 232

المقدَّمة الثَّالثة: نظْرةٌ في حجِّيَّة المفاهيم كلِّها 232

[بيان ما في مختاره] 233

الفصل الأوَّل: في مفهوم الشَّرط 235

[مسألة علِّيَّة خفاء الأذان والجُدران للقصر] 235

[المختار في المسألة وما يدلُّ عليه] 236

[بعض ما قيل فيها وبيان ما فيه] 236

[مختار بعض الأعلام و مناقشتُه] 237

أمورٌ هامَّةٌ 237

الأمر الأوَّل 238

الأمر الثَّاني 238

[ما في كلام المشهور] 239

ص: 375

الأمر الثَّالث 239

[عويصةٌ شاعتْ بين الأصوليِّين] 239

[بيان ما فيها] 239

الأمر الرَّابع 240

الحالةُ الأولىٰ 240

الحالةُ الثَّانية 240

الحالةُ الثَّالثة 241

الفصل الثَّاني: في مفهوم الوصف 243

الأمر الأوَّل 243

الأمر الثَّاني 243

الأمر الثَّالث 244

الأمر الرَّابع 244

تنبيهٌ 245

[قولٌ لبعضهم وبيان ما فيه] 246

الفصل الثَّالث: في مفهوم الغاية 247

[مختارٌ جمعٍ من الأعلام هيهنا] 247

[ما استدلُّوا به عليه] 248

[مناقشة استدلالهم] 248

تتمَّةٌ 249

[ذهاب بعضهم إلى خروج الغاية عن المغيّىٰ] 249

[المختار في المسألة] 249

الفصل الرَّابع: في مفهوم الحصر 251

[لافرق بين أدوات الحصر هيهنا] 251

تنبيهٌ 252

ص: 376

[المحذوف في كلمة التَّوحيد والمرادُ منها] 252

[المختار في معنىٰ الكلمة] 252

الفصل الخامس: في مفهوم العدد 255

[المختار في مفهوم العدد] 255

[مقالٌ لبعضهم ومناقشتُه] 256

المقصد الرَّابع: في العامِّ والخاصِّ

المقدَّمة الأولىٰ 259

النُّكتةُ الأولىٰ 259

[عدم صحَّة تقسيم العموم إلى الوضعيِّ والإطلاقيِّ] 260

النُّكتةُ الثَّانية 260

النُّكتةُ الثَّالثة 260

المقدَّمة الثَّانيَة: [تقسيمات العامِّ] 261

[توضيحٌ حول بعض ما مضىٰ] 261

المقدَّمة الثَّالثة: [في ألفاظ العموم وأساليبها] 262

[ما اشتهر خطَأً بينهم] 262

[مقالٌ للسَّيِّد الإمام الخمينيِّ قدس سره] 263

[من ألفاظ العموم] 263

[ما ذكره صاحب الكفاية قدس سره والرَّدُّ عليه] 263

الفصل الأوَّل: حجيَّة العامِّ المخصَّص في باقِي أفرادِه 265

[المختار في المسألة] 265

[بيان ما يدلُّ علىٰ المختار] 265

[مقالٌ للمحقِّق النَّائينيِّ قدس سره هيهنا] 266

[بيان ما في مقاله] 266

ص: 377

[مقالٌ للسَّيِّد البروجرديِّ قدس سره هيهنا] 267

[الرَّدُّ علىٰ مقاله] 268

تتمَّةٌ 268

المسألة الأولىٰ 268

المسألة الثَّانية 269

النَّظرة الأولىٰ 270

الصُّورة الأولىٰ 270

الصُّورة الثَّانية 270

الصُّورة الثَّالثة 271

الصُّورة الرَّابعة 271

الصُّورة الخامسة 271

الصُّورة السَّادسة 271

النَّظرة الثانيَة 272

القول الأوَّل 272

القول الثَّاني 273

المسألة الثَّالثة 273

[مختار صاحب الكفاية قدس سره وبيان ما فيه] 274

تنبيهاتٌ 275

التَّنبيه الأوَّل: [جريان استصحاب العدم الأزليِّ وعدم جريانِه في المقام] 276

[المختار ما اختاره السَّيِّد الإمام الخمينيُّ قدس سره] 276

[ما يدلُّ علىٰ المختار] 276

التَّنبيه الثَّاني: [فرعٌ فقهيٌّ ذكرَه الشَّيخ الأعظم 1] 277

[الرَّدُّ علىٰ المنقول منه] 278

[مختار السَّيِّد البروجرديِّ قدس سره والرَّدُّ عليه] 278

ص: 378

التَّنبيه الثَّالث: [رأي المشهور في المسألة] 278

[بيانُ ما فيه] 279

الفصل الثَّاني: الَّتمسُّك بالعامِّ قبل الفحص عن الُمخصِّص 281

النُّكتة الأولىٰ 281

النُّكتة الثَّانية 281

[الدَّليل علىٰ هذا المبنىٰ] 282

تتمَّةٌ 282

[مبنىٰ هذا الخلاف] 283

[المختار في المختَلَف] 283

الفصل الثَّالث: سَعَةُ الخطابات في القَوانين 285

[مختار بعضهم وما استدلُّوا عليه] 285

[ما أجاب به المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره عن استدلالهم] 286

[بيان ما فيه] 286

[مذهب المحقِّق النَّائينيِّ قدس سره هيهنا] 286

[بيان ما فيه] 286

[مذهب السَّيِّديْن البروجرديِّ والخمينيِّ 0 في المقام] 287

[بيان احتمالٍ آخر هيهنا] 287

[بيان احتمالٍ ثالثٍ في المقام] 287

تتمَّةٌ 288

[ثمرة المسألة] 288

الفصل الرَّابع: في تعقيب العامِّ بضميرٍ يرجعُ إلى بعض أفراده 291

[مذهب صاحب الكفاية قدس سره هيهنا] 291

[الرَّدُّ عليه] 292

[المختار في المسألة] 292

ص: 379

[مختار السَّيِّد البروجرديِّ قدس سره والرَّدُّ عليه] 293

الفصل الخامس: في جواز تخصيص العامِّ بالمفهوم وعدم جوازه 295

[المشهور في المسألة] 295

[مقالة المحقِّق الحائريِّ قدس سره هيهنا] 296

[الرَّدُّ عليها] 296

[مقالٌ للمحقِّقَيْن النَّائينيِّ والخمينيِّ 0] 296

[تأييد مقالهما] 297

الفصل السَّادس: تعقيبُ عموماتٍ متعدِّدةٍ بخاصٍّ واحدٍ 299

[مختار المحقِّق البروجرديِّ 1] 299

[بيان الرَّدِّ عليه] 300

[مختار صاحب الكفاية قدس سره في المقام] 300

[مناقشةُ مختاره] 300

[الاِستدلال بالعُرف علىٰ المختار] 300

الفصل السَّابع: تخصيص الكتاب بالخبر 303

[المختار وبيان ما يدلُّ عليه] 303

[بيان حُجَج المانعين] 303

الحُجَّة الأولىٰ 304

[مناقشةُ دليلهم الأوَّل] 304

الحُجَّة الثَّانية 304

[مناقشة دليلهم الثَّاني] 304

الحُجَّة الثَّالثة 305

[مناقشةُ دليلهم الثَّالث] 305

الحُجَّة الرَّابعة 305

[مناقشةُ دليلهم الرَّابع] 306

ص: 380

الفصل الثَّامن: دوران الأمر بين كون الشَّيء مخصِّصًا أو ناسخًا 307

[بيان صُوَر المسألة] 307

القسم الأوَّل 307

[مقال بعضهم في هذا القسم و مناقشتُه] 307

القسم الثَّاني 308

القسم الثَّالث 308

القسم الرَّابع 308

[مقالٌ للمحقِّق الخراسانيِّ قدس سره والرَّدُّ عليه] 309

تتمَّةٌ 309

[المختار في المسألة و توضيحُه] 309

الفصل التَّاسع: في النَّسخ 311

المبحث الأوَّل 311

[القول بامتناع النَّسخ في الشَّريعة] 311

[ردٌّ علىٰ هذا القول] 311

[قول بعضهم في الآية الشَّريفة والرَّدُّ عليه] 312

[المختار في وقوع النَّسخ في القرآن] 313

الفصل العاشر: في البَداءِ 315

[المشهور في المسألة] 315

[نقد ما اشتَهَر بينهم] 316

[قول الحكماء في هذا المضمار] 316

[قول العرفاء في هذا المقام] 317

[المختار في معنىٰ البداء] 317

[تلخيص القول في المرام] 318

ص: 381

المقصد الخامس: في المُطلق والمُقيَّد

الفصل الأوَّل: في تعريف المطلق والمقيَّد 323

[مناقشة هذا التَّعريف] 323

[الرَّدُّ علىٰ مذهب السَّيِّدَين البروجرديِّ والخمينيِّ 0 في المقام] 324

الفصل الثَّاني: في ألفاظ المطلق 325

الأوَّل: اسمُ الجنس 325

[توضيح المبنىٰ] 326

[نقدٌ علىٰ بعض ما اشتَهَر بين الدَّارسين] 326

الثَّاني: علَمُ الجنس 327

[تفصيل الأصوليِّينَ هيهنا لاوجه له] 327

الثَّالثُ: المفرَد المُعرَّف باللَّام 327

[ما صنَعَه صاحب الكفاية قدس سره هيهنا] 328

[ردٌّ علىٰ صنيعه] 328

[قولُ بعضهم هيهنا والرَّدُّ عليه] 329

الرَّابع: النَّكرة 330

[بيانُ الفرق بين الحالات الثَّلاث] 331

الفصل الثَّالث: في مقدَّمات الحكمة وبيانِها 333

المقدَّمة الأولىٰ 334

[مختار الشَّيخ المؤسِّس قدس سره] 334

[بيانُ ما فيه] 335

المقدَّمة الثَّانية 335

[ما ذهب إليه المحقِّقان البروجرديُّ والخمينيُّ 0] 335

[بيانُ ما فيه] 336

المقدَّمة الثَّالثة 336

ص: 382

[المقدَّمة من مبتَكَرات المحقِّق الخراسانيِّ قدس سره] 336

[تفسير السَّيِّد البروجرديِّ قدس سره هذه المقدَّمة] 336

[مقالٌ لبعضهم هيهنا ونقدُه] 337

[حاصلُ المرام في هذه المقدَّمة] 338

فروعٌ 338

الفرع الأوَّل 338

[الدَّليل علىٰ قولنا هذا] 338

الفرع الثَّاني 339

[قولٌ لطائفةٍ منهم والرَّدُّ عليه] 339

الفرع الثَّالث 339

[تقسيمات الإطلاق] 339

الفصل الرَّابع: في حمل المُطلق على المُقيَّد 341

[بيان إحتمالَين في المقام بحسب مقام الثُّبوت] 342

[الإحتمال بحسب مقام الإثبات] 342

[الإحتمالات إذا كانا متوافِقَين] 342

[المختار في المقام] 343

الفصل الخامس: المطلق والمقيَّد في المندوبات 345

[ما يدلُّ على مختار المشهور] 345

[مقتضىٰ القاعدة في المقام] 346

[مختار المحقِّق النَّائينيِّ قدس سره ومناقشتُه] 346

تتمَّةٌ 347

[ما استدلَّ به المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره للمشهور] 347

الدَّليل الأوَّل 347

[مناقشة دليله الأوَّل] 347

ص: 383

الدَّليل الثَّاني 347

تتمَّةٌ أُخرىٰ 348

[كلام للمحقِّق النَّائيني قدس سره هيهنا] 348

[رأينا في هذا القول] 348

الفصل السَّادس: هل تَختَلِف مُقتَضياتُ مقدَّماتِ الحكمة 349

[مناقشةُ هذا القول] 349

المقصد السَّادس: في الُمجمَل والمُبيَّن

الأمرُ الأوَّل: وضوح المجمل والمُبيَّن ونسبيَّتِهما 353

الأمر الثَّاني: كونُهما من الاِعتباريَّات 354

[مقالٌ لبعضهم والنِّقاش فيه] 354

الأمر الثَّالث: اِنقسامُهما إلى الواقعيِّ والعَرَضيِّ 354

الأمر الرَّابع: موارد وقوع الإجمال بحسب اللَّفظ والمعنىٰ 355

الأمر الخامس: في اِنحلال الإجمال إلى التَّفصيل 355

الفهرس التَّفصيلي 357

ص: 384

تعريف مرکز

بسم الله الرحمن الرحیم
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
(التوبه : 41)
منذ عدة سنوات حتى الآن ، يقوم مركز القائمية لأبحاث الكمبيوتر بإنتاج برامج الهاتف المحمول والمكتبات الرقمية وتقديمها مجانًا. يحظى هذا المركز بشعبية كبيرة ويدعمه الهدايا والنذور والأوقاف وتخصيص النصيب المبارك للإمام علیه السلام. لمزيد من الخدمة ، يمكنك أيضًا الانضمام إلى الأشخاص الخيريين في المركز أينما كنت.
هل تعلم أن ليس كل مال يستحق أن ينفق على طريق أهل البيت عليهم السلام؟
ولن ينال كل شخص هذا النجاح؟
تهانينا لكم.
رقم البطاقة :
6104-3388-0008-7732
رقم حساب بنك ميلات:
9586839652
رقم حساب شيبا:
IR390120020000009586839652
المسمى: (معهد الغيمية لبحوث الحاسوب).
قم بإيداع مبالغ الهدية الخاصة بك.

عنوان المکتب المرکزي :
أصفهان، شارع عبد الرزاق، سوق حاج محمد جعفر آباده ای، زقاق الشهید محمد حسن التوکلی، الرقم 129، الطبقة الأولی.

عنوان الموقع : : www.ghbook.ir
البرید الالکتروني : Info@ghbook.ir
هاتف المکتب المرکزي 03134490125
هاتف المکتب في طهران 88318722 ـ 021
قسم البیع 09132000109شؤون المستخدمین 09132000109.