موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد المجلد 7

هویة الکتاب

موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد

سایر عناوین: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد / إرشاد الأذهان إلی أحکام الإیمان. شرح

نویسنده: برغانی، محمدصالح بن محمد

سایر نویسندگان

محقق: شهیدی صالحی، عبدالحسین

تعداد جلد: 8

زبان: عربی

ناشر: مجمع هماهنگی مؤسسات اسلامی. نمايشگاه دائمی کتاب - تهران - ایران

کد کنگره: /ع 8 الف 4022 182/3 BP

محرر رقمی : میثم حیدری

ص: 1

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذى ارسل رسوله محمد ((ص)) رحمة العالمين وجعله بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا الى الخلائق أجمعين.

وبعد: فهذا هو الجزء السابع من موسوعة البرغانى فى فقه الشيعة المسماة ب ((غنيمة المعاد)) وذلك حسب تجزئتنا والمجلد الرابع حسب تجزئة.

المؤلف ((رضوان الله عليه)) كما صرح به العصنف ((قد س سره شريف)) ويشأهده القارى العزيز فى صفحة ٣ من هذا الجز الذى بين يديه. ويبحث فى ماهية الصلوة مطلقا واوله فى الصلوة اليومية.

ونحمد الله تعالى على توفيقه لما تيسرلنا بنشر هذا السفر الجليل من تراثنا الخالد الى الملأ الثقافى الدينى كما اقدم اعتذارى الى القراء الكرام بسبب تأخير هذا الجزء وذلك عند مراجعتى الى بعض مسودات العصنف ((قدس سره)) ظفرت بالمجلد الرابع حسب تجزئة المؤلف ((رحمه الله)لورايت فيها اضافات هامة، واستدراكات نافعة، وحواشى جليلة، اضاف اليه المصنف ((رضوان الله عليه)) بخطه الشريف بعد التأليف، لا يستغنى عنه، واشار الى بعض منها برموزاراد به ان يكون فى متن الكتاب، والى بعضها فی الهامش، وادرجته حسب رغبته، بعضها فى المتن والبعض فى ذيل الكتاب. كما يشاهدالقارئ العزيزفى الصورة الفتوغرافية من الصفحة الاولى للنسخة الاصلية المخطوطه بخط المصنف طاب ثراه. فى ص١ والتى هى من مخطوطات مكتبتنا فى قزوين، وكان ذلك بعد استكمالنا من تنميقه وتحقيقه وتصحيح جزئى السابع والثامن حسب تجزئتنا، وعلى رغم من صعوبة العمل فنشكر البارى تغالى على ما وفقنا لذلك.

ص: 2

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين محمد نبيه وعترته الطاهرين فهذا هو المجلد السابع من كتاب موسوعة البرغانى فى فقه الشيعة ((غنيمة المعاد)) حسب تجزئتنا ....

الحمد لله ربّ العالمين، والصلوة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

اما بعد، فهذا هو العجلد الرابع من كتاب غنيمة المعاد فى شرح الارشاد، تأليف المذنب الجانى والأسير الفانى محمد صالح بن محمد البرغانى ختم الله لهما بالحسنى، ورزقهما خير الآخره والاولى.

قال المصنف طاب ثراء: (النظر الثانى: فى الماهية) اى ماهية الصلوة مطلقا ولوكانت مندوبة، و(فيه) سبعة (مقاصد): المقصد (الأول فى كيفية) العلوة (اليومية) .

إعلم انه يجب على المكلف معرفة كيفية الصلوة، وما يعتبر فى ماهيتها ، ليتمكن من الاتيان بها على جهة الامتثال والاطاعة، وتلك المعرفة لابد ان تكون مستندة الى دليل تفصيلى ان كان مجتهدا. واجما لى ان كان مقلدا. هذااذا كان المكلف مستجمعا للفهم. والعقل مقدارما يصح تكليفه بذلك، والافلايجب عليه معرفة افعال الصلوة على الوجه المذكور(1) وان شئت تحقيق الكلام وتفصيله

ص:3


1- قال الشارح المحقق: لو كان المكلّف مستجمعا للشرائط المصححة لتكليفه بمعرفة كيفية الصلوة وما يعتبر فى ماهيتها، وهو عاجزعن تحصيل السعرفة المذكورة. فالظاهر انه يجب عليه حينئذ الاتيان بالصلوة حسب ما زعمه وظنه من أفعالها وكيفياتها، وحينئذ فان طابق الواقع اتفاقها فهل يجب عليه القضاء ام لا؟ المشهور بين المتاخرين نعم، وظاهر الدّليل لا، لأن ايجاب القضاء معلق بفوات الصلوة الواقعية، ولم يتحقق، أنتهى.

الصورة

ص: 1

الصورة

ص: 2

تتمة كتاب الصلاة

اشارة

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على اشرف الانبياء و المرسلين محمد نبيّه و عترته الطاهرين فهذا هو المجلد السابع من كتاب موسوعة البرغانى فى فقه الشيعة (غنيمة المعاد) حسب تجزئتنا...

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلوة و السلام على محمّد و آله الطاهرين.

أما بعد، فهذا هو المجلد الرابع من كتاب غنيمة المعاد فى شرح الارشاد، تأليف المذنب الجانى و الأسير الفانى محمد صالح بن محمد البرغانى ختم اللّه لهما بالحسنى، و رزقهما خير الآخرة و الاولى.

النظر الثانى: فى الماهية

اشارة

قال المصنف طاب ثراه: (النظر الثانى: فى الماهية) اى ماهية الصلوة مطلقا و لو كانت مندوبة. و (فيه) سبعة (مقاصد):

المقصد (الأول فى كيفية) الصلوة (اليومية).

اشارة

إعلم انه يجب على المكلف معرفة كيفية الصلوة، و ما يعتبر فى ماهيتها، ليتمكن من الاتيان بها على جهة الامتثال و الاطاعة، و تلك المعرفة لا بد ان تكون مستندة الى دليل تفصيلى ان كان مجتهدا، و اجمالى ان كان مقلدا، هذا اذا كان المكلف مستجمعا للفهم، و العقل مقدار ما يصح تكليفه بذلك، و الا فلا يجب عليه معرفة افعال الصّلوة على الوجه المذكور(1) و ان شئت تحقيق الكلام و تفصيله

ص: 3


1- قال الشارح المحقق: لو كان المكلّف مستجمعا للشرائط المصّححة لتكليفه بمعرفة كيفية الصلوة و ما يعتبر فى ماهيتها، و هو عاجز عن تحصيل المعرفة المذكورة، فالظاهر انه يجب عليه حينئذ الاتيان بالصلوة حسب ما زعمه و ظنه من افعالها و كيفياتها، و حينئذ فان طابق الواقع اتفاقها فهل يجب عليه القضاء ام لا؟ المشهور بين المتاخرين نعم، و ظاهر الدّليل لا، لأن ايجاب القضاء معلق بفوات الصلوة الواقعية، و لم يتحقق، انتهى. أقول: بل القول بوجوب القضاء مع عدم المطابقة للواقع ايضا محل اشكال اذ ليس تكليفه على الفرض المزبور الا ما ظنه من افعالها، و قد اتى بها فلم يفت عنه ما امره الشارع به، حتى يتوجه عليه خطاب اقض ما فاتك، و وزانه وزان صلوة العاجز عن القيام مثلا، فان فرضه الاتيان بالصلوة قاعدا، و مع اتيانه بها على هذه الكيفية لا يجب القضاء قطعا فافهم، ثم قال: و لو كان فى سعة الوقت متمكنا عن تحصيل المعرفة المذكورة فخالف و لم يحصل حتى ضاق الوقت عنه، فالظاهر وجوب الصلوة بالوجه المذكور عليه، و هل يسقط القضاء لو طابق الواقع؟ الظاهر من الدليل ذلك، و ان كان هذا الحكم اخفى من السابق و المشهور خلاف ذلك، انتهى. أقول: الحكم بوجوب القضاء فى هذا الفرض ايضا مطلقا محل اشكال فى الغاية، و اتمامه بحسب الدليل لا يكاد ان يتم، فراجع الى المجلد الأول من كتاب الصلوة فيما بينته فى مسئلة الجاهل، فانه يعينك فى وجه الاشكال و ملخص الاشكال ان هذا الشخص المقصر عن تحصيل المعرفة حتى ضاق الوقت، اما يجب عليه الاتيان بما ظنه حينئذ و يتوجه عليه الأمر بالصلوة على هذا النحو، لمكان علم الآمر بأنه حينئذ لمكان تفريطه غير متمكن من تحصيل المعرفة المذكورة، ام لا؟ و على الأول فما معنى وجوب القضاء حينئذ، لأنه قد اتى بما كلفه به، غاية الأمر ان الآمر يعاقبه لمكان تفريطه، و على الثانى فما معنى وجوب الاتيان فى ضيق الوقت بما ظنه صلوة فتامل فى المقام، فانه بالتامل حقيق و امر الاحتياط واضح. (منه عفى اللّه عنه)

فى ذلك، فراجع الى المجلد الأول من كتاب الصلوة فى شرح قول المصنف رحمه اللّه:

و لو صلى قبله عامدا او ناسيا او جاهلا بطلت صلوته، فانى قد فصلت المسئلة و حققتها هناك بما لم يجمع الى الان فى كتاب، فلا وجه للاعادة.

و بالجملة يجب على المكلف المستجمع لشرايط التكليف معرفة كيفية الصلوة و ما يعتبر فى ماهيتها، و عليه فهل (يجب) عليه (معرفة واجب افعال الصلوة من مندوبها و) التميز بينهما حتى يمكن له (ايقاع كل منهما على وجهه) أم لا؟ فلو علم اجمالا ان الصلوة التى يوقعها مما تشتمل على ما اوجبه الشارع عليه، فلا يجب عليه شىء آخر قولان: و الاخير اظهر لعدم دليل على الأول مع ان مقتضى الاطلاقات و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السّجود، كما فى صحيحة زرارة عن ابى جعفر (ع) المروية

ص: 4

فى الفقيه، فى باب احكام السهو فى الصلوة هو الصحة، و المراد بالمعرفة المذكورة فى كلام المصنف رحمه اللّه اعم من اليقين، لأن غالب الاحكام يناط بالظن، و يمكن ان يكون المراد اليقين فقط، لمكان القول بان ظنية الطريق لا ينافى قطعية الحكم.

و ينبغى التنبيه لامرين: الأول: قال الشارح الفاضل رحمه اللّه بعد حكمه بوجوب ايقاع الواجب على وجه الوجوب و المندوب على وجه الندب: فلو خالف بان نوى بالواجب الندب عمدا او جهلا بطلت الصلوة، للاخلال بالواجب على ذلك الوجه المقتضى للبطلان، و لعدم اتيانه بالمامور به على وجهته، فلم يطابق فعله ما فى ذمته لاختلاف الوجه، و يمتنع اعادته لئلا يلزم زيادة افعال الصلوة، فلم يبق الا البطلان، انتهى.

أقول: الكلام هنا يقع فى مقامين: الأول: ان يكون المصلى عالما بان هذا الشىء مما اوجبه الشارع عليه، و نوى به الندب عمدا، فالحق هو الحكم بالصحة، إذ النية على التحقيق ليست الا الداعى على الفعل، و عليه فلا يمكن للمصلى مع علمه بان الشارع قد جعل هذا الشىء واجبا ان يجعل الداعى على الاتيان به الأمر الندبى، اذ هو عالم بان الشارع (ع) لم يجعله مندوبا، و لم يتعلق به الأمر الندبى، نعم غاية الأمر انه انما يتصور فى قلبه بانى اقيمه لمكان الأمر الندبى و لم يقم دليل على بطلان الصلوة بهذا التصوير، نعم هذه المسئلة على القول بكون النية عبارة عن الصورة المخطرة بالبال تتضح فى الغاية، و ان كان القول بالبطلان على ذلك التقدير ايضا مشكلا، اذ لم اجد دليلا يدل على وجوب الاتيان بالفعل على وجهه، بمعنى ان يقصد اتصافه بالجهة التى عليها فى الواقع من الوجوب او الندب، و على وجوب المطابقة لما فى الذمة بهذا المعنى.

و اما ما ذكره بقوله: و يمتنع اعادته الى آخره، ففيه انا لا نسلم ان الزيادة فى الافعال عمدا مطلقا موجب للبطلان، لا بد لذلك من دليل، و اما لو نوى فى

ص: 5

الفرض المذكور الندب سهوا، فالحكم بعدم البطلان اوضح.

الثانى: ان يكون المصلى جاهلا بان هذا الشىء مما اوجبه الشارع عليه و نوى به الندب عمدا، فلا يخلو اما يكون نية ندبيته لمكان علمه بان الشارع عليه السلام قد جعله مندوبا، و ان كان مخطئا فى ذلك ام لا، فعلى الأول، فالظاهر عدم وجوب القضاء، و دليله ظهر معا مرّ فى مسئلة الجاهل فى المجلد الأول من كتاب الصلوة، و اما الاعادة فهل تجب ام لا؟ وجهان: و الأول: احوط، و على الثانى من الاولين، فهذا الفرض على القول بكون النية عبارة عن الداعى على الفعل غير ممكن، نعم يمكن الفرض على القول بكونها عبارة عن الصورة المخطرة، و ان كان القول بالبطلان على هذا القول ايضا مشكلا، و اما اذا نوى فى الفرض المذكور الندب سهوا، فالحكم بعدم البطلان اوضح، هذا اذا كان الجاهل مما يجوز عليه التكليف، كما اشرنا الى تفصيله فى المجلد الأول من كتاب الصلوة.

و الانصاف ان للمسئلة فروضا كثيرة فى الغاية، فانا لو اردنا استقصائها ليطول المقام جدا، و لكن بعد ان تتذكر ما بينته هناك، و ما بينته ههنا لا يشكل عليك الأمر ان شاء اللّه تعالى، و ان ساعدنى التوفيق اعمل فيه رسالة مفردة وافية بحقها، كافية فى استقصائها ان شاء اللّه تعالى.

الأمر الثانى: قال الشارح الفاضل: فلو عكس بان نوى بالمندوب من الافعال الوجوب، فان كان الفعل ذكرا(1) بطلت الصلوة ايضا، للنهى المقتضى للفساد و لأنه كلام فى الصلوة ليس منها، و لا ما استثنى فيها، و ان كان فعلا كالطمأنينة اعتبر فى الحكم بابطاله الكثرة التى تعتبر فى الفعل الخارج عن الصلوة، و ان لم يكن كثيرا لم تبطل، و يقع لغوا مع احتمال البطلان به مطلقا، للنهى المقتضى للفساد، انتهى.

أقول: و فيه عدم تسليم كون الذكر المستحب الذى قد قصد به الوجوب منهيّا اولا، و عدم تعلّق النّهى على فرض التسليم بعين العبادة و لا بجزئها، و عليه فلا يلزم بطلانها ثانيا، و عدم تسليم بطلانها اذا كان الكلام ذكرا و دعاءا

ص: 6


1- هكذا فى الاصل، و الصحيح: فان كان الفعل ذكرا.

ثالثا، و عدم تسليم بطلانها بالفعل الكثير المندوب و ان قصد به الوجوب رابعا، و عدم تسليم النهى الذى ادعاه اخيرا خامسا، و عدم تسليم اقتضائه على فرض التسليم الفساد لتعلقه بالأمر الخارج سادسا.

و اما ما حكى عن الشهيد فى البيان من انه استقرب الصحة فيما اذا قصد بالمندوب الواجب مطلقا، استنادا الى انّ نية الوجوب افادت تأكيد الندب، ففى تعليله ما ترى، بل التحقيق فى المقام ما قد ظهر فى الأمر الأول، و محصول الكلام ان يقال: ان كان الداعى للاتى بالواجب الأمر الايجابى، و بالندب الأمر المندوبى، فالفعل الذى قد اتى به متصف بالصحة مطلقا، و لو تصور فى ذهنه فى الأول بانى انما اقيمه لكونه مندوبا، و فى الثانى بانى انما اقيمه لكونه واجبا، اذ النية على التحقيق ليست الا الدّاعى على الفعل، و لو كانت الداعى للاتى بالأول الثانى، و بالثانى الأول، فلا يخلو اما يكون عالما او جاهلا، ففى كل منهما فروض، لا يمكن تصور تحقق بعضها، و يمكن تحقق بعض آخر منها، و حكم كل منها يظهر لك بملاحظة ما مر فى الأمر الأول، و فى مسئلة الجاهل فى المجلد الأول من كتاب الصلوة، فلا وجه للاطالة.

واجبات الصلاة سبعة
اشارة

و (الواجب) من الصلوة اليومية (سبعة) بناء على عدم وجوب التسليم، و لنذكر ههنا جملة من الأخبار المشتملة على معظم افعال الصلوة، فمن ذلك ما رواه الصدوق فى الفقيه، فى باب وصف الصلوة فى الصحيح، و الكافى فى باب افتتاح الصّلوة، و التهذيب فى باب كيفية الصّلوة فى الصحيح على الصحيح، لمكان ابراهيم بن هاشم، عن حماد بن عيسى، انه قال: قال لى ابو عبد الله (ع) يوما: اتحسن ان تصلى يا حماد؟ قلت: يا سيدى انا احفظ كتاب حريز فى الصلوة، فقال (ع): لا عليك، قم صلّ (1)، قال: فقمت بين يديه متوجها الى القبلة فاستفتحت الصّلوة و ركعت و سجدت، فقال: يا حماد لا تحسن ان تصلى، ما اقبح بالرّجل منكم ان ياتى عليه ستون سنة، او سبعون سنة فما يقيم صلوة واحدة بحدودها تامة. قال حماد: فاصابنى فى نفسى الذّل، فقلت: جعلت فداك،

ص: 7


1- فصلّ خ ل.

فعلمنى الصلوة، فقام ابو عبد الله (ع) مستقبل القبلة منتصبا فارسل يديه جميعا على فخذيه، قد ضم اصابعه و قرب(1) بين قدميه حتى كان بينهما(2) ثلاثة اصابع مفرجات، و استقبل باصابع رجليه جميعا لم يحرفها(3) عن القبلة بخشوع و استكانة فقال: اللّه اكبر، ثم قرأ الحمد بترتيل و قل هو اللّه احد، ثم صبر هنيئة بقدر ما يتنفس و هو قائم، ثم قال: اللّه اكبر، و هو قائم، ثم ركع و ملأكفيه من ركبتيه مفرّجات، و رد ركبتيه الى خلفه حتى استوى ظهره، حتى لو صبت عليه قطرة ماء او دهن لم تزل(4) لاستواء ظهره، و رد ركبتيه الى خلفه، و نصب عنقه، و غمض عينيه ثم سبح ثلاثا بترتيل، و قال: سبحان ربى العظيم و بحمده، ثم استوى قائما، فلما استمكن من القيام قال: سمع اللّه لمن حمده، ثم كبر و هو قائم و رفع يديه حيال وجهه و سجد، و وضع يديه الى(5) الأرض قبل ركبتيه، فقال: سبحان ربى الاعلى و بحمده، ثلاث مرات، و لم يضع شيئا من بدنه على شىء منه، و سجد على ثمانية اعظم: الجبهة، و الكفين، و عينى الركبتين، و انامل ابهامى الرجلين، و الانف، فهذه السبعة فرض، و وضع الانف على الأرض سنة، و هو الارغام، ثم رفع رأسه من السّجود، فلما استوى جالسا قال: اللّه اكبر، ثم قعد(6) على جانبه الأيسر، و وضع ظاهر(7) قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، و قال: استغفر اللّه ربى و اتوب اليه، ثم كبّر و هو جالس، و سجد(8) الثانيه، و قال كما قال فى الاولى، و لم يستعن بشئ من بدنه(9) على شىء منه فى ركوع و لا سجود،(10) و كان مجنحا، و لم يضع ذراعيه على الأرض، فصلى ركعتين على هذا، ثم قال: يا حماد و هكذا اصل و لا تلتفت و لا تعبث بيديك و اصابعك و لا تبزق عن يمينك و لا يسارك و لا بين يديك.

و نقلناها كما فى الفقيه، و لكنها فى الكافى و التهذيب لا تخلو عن

ص: 8


1- قرن خ ل.
2- قدر خ ل.
3- فهما خ ل.
4- تنزل خ ل.
5- على خ ل.
6- استوى خ ل.
7- ظهر خ ل.
8- السجده خ ل.
9- جسده خ ل.
10- فى خ ل.

اختلاف، و روى فى البحار عن مجالس الصدوق عن ابيه، عن على بن ابراهيم عن ابيه، عن حماد بن عيسى مثله، و روى ايضا عن كتاب العلل لمحمد بن على بن ابراهيم بن هاشم، عن ابيه عن جدّه، عن حماد مثله، و زاد بعد قوله:

فصلى ركعتين على هذا و يداه مضمومتا، الاصابع، و هو جالس فى التشهد، فلما فرغ من التشهد سلم، فقال: يا حماد الى آخر الخبر.

قال فى البحار الحديث حسن، و فى الفقيه: صحيح، و عليه مدار عمل الاصحاب، انتهى.

و منها: ما رواه الكافى فى باب القيام و القعود فى الصلوة باسانيد ثلاثة بعضها من الصحاح، و بعضها من الحسان بابراهيم، الذى لا يبعد عدّ السند به من الصحاح ايضا، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: اذا قمت فى الصلوة فلا تلصق قدمك بالاخرى، دع بينهما فصلا اصبعا، اقل ذلك الى شبرا اكثره، و اسدل منكبيك، و ارسل يديك و لا تشبك اصابعك، و ليكونا على فخذيك قباله ركبتيك، و ليكن نظرك الى موضع سجودك، فاذا ركعت فصف فى ركوعك بين قدميك، تجعل بينهما قدر شبر، و تمكن راحتيك من ركبتيك، و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، و بلغ اطراف اصابعك عين الرّكبة، و فرّج اصابعك اذا وضعتها على ركبتيك، فاذا(1) وصلت اطراف اصابعك فى ركوعك الى ركبتيك، أجزاك ذلك، و احبّ الىّ ان تمكّن كفيك من ركبتيك، فتجعل اصابعك فى عين الركبة، و تفرج بينهما، و اقم صلبك، و مدّ عنقك، و ليكن نظرك الى بين قدميك، فاذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير، و خرّ ساجدا و ابدأ بيديك فضعهما على الأرض قبل ركبتيك، تضعهما معا، و لا تفترش ذراعيك افتراش السبع ذراعيه، و لا تضعن ذراعيك على ركبتيك و فخذيك، و لكن تجنح بمرفقيك، و لا تلصق كفيك بركبتيك، و لا تدنهما من وجهك، بين ذلك حيال منكبيك، و لا تجعلهما بين

ص: 9


1- فان خ ل.

يدى ركبتيك، و لكن تحرفهما عن ذلك شيئا، و ابسطهما على الأرض بسطا، و اقبضهما اليك قبضا، و ان كان تحتها ثوب فلا يضرك، و ان افضيت بهما الى الأرض فهو افضل، و لا تفرجّن بين اصابعك فى سجودك، و لكن ضمّهن جميعا قال: و اذا قعدت فى تشهدك فالصق ركبتيك بالأرض، و فرّج بينهما شيئا، و ليكن ظاهر قدمك اليسرى على الأرض، و ظاهر قدمك اليمنى على باطن قدمك اليسرى، و الياك(1) على الأرض، و طرف ابهامك اليمنى على الأرض، و اياك و القعود على قدميك فتتاذّى بذلك، و لا تكن قاعدا على الأرض، فتكون انما قعد بعضك على بعض، فلا تصبر للتشهد و الدعاء.

و منها: ما رواه الكافى فى الباب المتقدم بالاسانيد المتقدمة، عن زرارة، قال: اذا قامت المرأة فى الصلوة جمعت بين قدميها، و لا تفرّج بينهما، و تضم يديها الى صدرها لمكان ثدييها، فاذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلا تطأطأ كثيرا فترفع عجيزتها، فاذا جلست فعلى اليتها، ليس كما يقعد الرجل و اذ اسقطت للسجود بدأت بالقعود بالركبتين قبل اليدين، ثم تسجد لاطئة(2) بالأرض، فاذا كانت فى جلوسها ضمت فخذيها و رفعت ركبتيها من الأرض و اذا نهضت انسلت انسلالا، لا ترفع عجيزتها اولا، و عن الشهيد هذه الرواية مقطوعة على زرارة(3) لكن عمل الاصحاب عليها. و عن المحقق الشيخ حسن، و الذى اراه ان ترك التصريح برواية زرارة لهذا الحديث عمن رواه عنه من الأئمة عليهم السلام اتكال على ما علم من الاسناد السابق، و استراحة الى وضوح الحال و ان الرواية لكلام غير المعصوم بمعزل عما جرت به عادتهم، و استمرت عليه سنتهم فقول الشهيد فى الذكرى: انه موقوف على زرارة يريد بذلك تضعيفه ثم استدراكه بقوله: و لكن عمل الاصحاب عليه يترجى بهذا ان يجبر ضعفه، بعيد عندى عن

ص: 10


1- اليتك خ ل.
2- مفترشه.
3- و فى جامع المقاصد هذه الرواية و ان كانت موقوفة على زرارة لكن عمل الاصحاب عليها فانجبر ضعفها.

الصّواب.

قيل بعد نقل ذلك: و ما افاده جزيل متين. أقول: ذلك لا يخلو عن وجاهة.

(الأول) من واجبات الصلوة (القيام):
اشارة

و لم اجد مخالفا فى وجوبه فيها مع القدرة عليه، بل عليه الاجماع فى الذكرى و التحرير و المنتهى كما عن التذكرة، و مجمع الفائدة، و ابن زهرة فى الغنية، و هو الحجة مضافا الى النصوص المستفيضة. منها: ما رواه الكافى فى باب صلوة الشيخ الكبير فى الحسن، عن ابى حمزة، عن ابى جعفر (ع) فى قول اللّه عز و جل: (اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ) قال: الصحيح يصلى قائما، و قعودا المريض يصلى جالسا، على جنوبهم الذين يكون اضعف من المريض الذى يصلى جالسا.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الحسن بابراهيم، عن جميل بن دراج، انه سأل ابا عبد الله (ع) ما حد المريض الذى يصلى قاعدا؟ فقال:

ان الرجل ليوعك(1) و يحرج، و لكنه اعلم بنفسه، و لكن اذا قوى فليقم.

و منها: النبوى المروى فى الذكرى انه (ص) قال لعمران الحصين: صل قائما، و ان لم تستطع فقاعدا، و ان لم تستطع فعلى جنب. و عن العياشى فى تفسيره عن ابى حمزة، عن ابى جعفر (ع) انه قال: سمعته يقول فى قول اللّه تعالى: (اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّٰهَ قِيٰاماً) الاصحّاء، و قعودا يعنى المريض، و على جنوبهم، قال: اعلّ ممن يصلى جالسا و اوجع. و عن تفسير النعمانى بسنده عن على (ع) فى حديث قال فيه: و اما الرخصة فهى الاطلاق بعد النهى الى ان قال: و مثله قوله عز و جل: (فَإِذٰا قَضَيْتُمُ اَلصَّلاٰةَ فَاذْكُرُوا اَللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِكُمْ)، و معنى الآية ان الصحيح يصلى قائما، و المريض يصلى قاعدا، و من لم يقدر ان يصلى قاعدا صلى مضطجعا و يومى ايماء. فهذه رخصة جاءت

ص: 11


1- و يوعك بالعين المهملة بمعنى يحم. (منه)

بعد العزيمة، و يؤيده امران: الأول: ما استدل به فى الذكرى على الحكم المذكور، كما عن التحرير و المنتهى من قوله تعالى: (قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ) قال فى الذكرى: اى مطيعين. الثانى: ان المعصومين و اظبوا عليه، كما صرح به فى المنتهى على ما حكى، فيجب اما لوجوب التأسى مطلقا، او لقوله (ص) صلوا كما رأيتمونى اصلى، او لأن المواظبة بنفسها تقتضى الوجوب.

في أنه ركن
اشارة

(و هو) اى القيام (ركن) فى الصلوة، و هو فى الشرع الجزء الاقوى كاللغة لأنه عند اصحابنا على ما قاله بعض الأفاضل (ما يبطل الصلوة) بزيادته الا ما يستثنى و كذا (لواخل) به مطلقا، سواء كانا (عمدا أو سهوا) و عليه فالاخلال بالقيام مطلقا مورث لبطلانها، و عليه اجماع العلماء، كما عن التحرير و المنتهى و غيره و هو الحجه، و يدل عليه ايضا أمران:

الأول: ان الاصل فيما فى العبادة ان يكون ركنا قاله الجماعة، أقول: و هو جيد، لو قلنا بان اسامى العبادات موضوعة للصحيحة، و اما اذا قلنا بالاعم كما هو الاقوى، فلا، الا اذا كان عدم الاتيان به منشأ لعدم صدق الماهية عرفا، او كان المثبت له مثبتا على نهج الاطلاق، من غير فرق بين حالتى العمد و السّهو، هذا بالنسبة الى الاخلال، و اما بالنسبة الى الزيادة فمقتضى اطلاق الأمر بتلك العبادة عدم البطلان الا ما خرج بدليل الثانى:

جملة من الاخبار منها ما رواه الصدوق فى من لا يحضره الفقيه فى باب القبلة: فى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال ثم استقبل القبلة الى ان قال فقم منتصبا فان رسول الله (ص) قال: من لم يقم صلبه فلا صلوة له و منها ما رواه فى الكافى فى باب الركوع و ما يقال فيه. فى الصحيح عن ابى المعزا، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع) قال قال: امير المؤمنين (ع) من لم يقم صلبه فى الصلوة فلا صلوة له. و منها ما رواه ايضا فى من لا يحضره الفقيه فى الباب المتقدم عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا رفعت رأسك من الركوع فاقم صلبك فانه لا صلوة لمن لم يقم صلبه. الصلب على ما اشار غير واحد من الاصحاب هو عظم من الكاهل الى العجب، و هو اصل الذنب. و الانصاف ان الاستدلال بهذه الأخبار على الركنية ايضا لا يخلو عن مناقشة، و سيظهر وجهها فى الفرع الخامس، الواقع فى شرح قول المصنف رحمه الله: فان عجز اعتمد، فانتظر،

هنا امور:
الأول: اختلف الاصحاب فى لزوم القيام فى النية على قولين:

ص: 12

الأول: انه لازم و هو لجماعه و منهم المحقق الثانى، قال فى جامع المقاصد و قد حقق شيخنا الشهيد رحمه اللّه فى بعض فوائده ان القيام بالنسبة إلى الصلوة على انحاء:

القيام الى النية، فانه لما وجب وقوع النية فى حال القيام اتفاقا وجب تقديمه عليها زمانا يسيرا، ليقطع بوقوعها في حال القيام، و هذا شرط للصلوة لتقدمه عليها، و اعتباره فيها، و القيام فى النية، و هو متردد بين الركن و الشرط كحال النية، و القيام فى التكبير ركن، كالتكبير و القيام فى القراءه، من حيث هو قيام فيها كالقراءه، واجب غير ركن، و القيام المتصل بالركوع، و هو الذى يركع عنه ركن قطعا، حتى لو ركع جالسا سهوا بطلت صلوته، و القيام من الركوع و هو واجب غير ركن، اذ لو هوى من غير رفع و سجد ساهيا لم تبطل صلوته، و اما القيام فى القنوت، فقال: انه مستحب كالقنوت، و يشكل بان القيام للقنوت متصل بقيام القراءة، ففى الحقيقة هو كله قيام القراءة، فكيف توصف بعضه بالوجوب، و بعضه بالاستحباب، انتهى.

و فيه ما سيجئ و يظهر من العبارة كما ترى دعوى الاتفاق على وجوب وقوعها فى حاله، و عن ظاهر مجمع الفائدة دعوى الاتفاق على ركنيته.

الثانى: انه غير لازم، و هو خيرة جماعة، و منهم المدارك حاكيا عن جمع منهم، و الشارح الفاضل مستدلا بعدم الدّليل على اللزوم كغيره قال فى الرياض النية امر واحد بسيط، و هو القصد الى فعل الصلوة، و المعتبر منه مع طول زمانه القدر المقارن للتكبير لا غير، و لا ريب ان القطع بكون التكبير وقع باجمعه فى حال القيام مستقرا، يقتضى سبق جزء يسير من القيام على اوله من باب المقدمة، و ذلك الجزء كاف فى وقوع النية فيه، فان قيل: ما ذكرتم فى التكبيرات فى النية، لأن القيام ان كان معتبرا فيها بحيث يتحقق وقوعها فيه، لزم تقدمه عليها بان يسير كما فى التكبير، و ان لم يعتبر ذلك لم يكن القيام شرطا، بل المعتبر تحقق وقوع التكبير قائما.

قلنا: لما كانت النية قصدا بسيطا لم يفتقر الى زمان طويل، بل ذلك القدر المتقدم على التكبير كاف فيه، فان القصد يمكن استمراره زمانا طويلا، و

ص: 13

ليست النية مجموع ما وقع منه فى الزمان، بل كل جزء منه واقع فى طرف من الازمنه، و ان قل كاف فى تحققها، و الجزء اليسير من القيام كاف فى صحتها، مع انه لو قيل بعدم وجوب القيام فى النية، و ان اتفق وقوعها قائما لضرورة وقوع التكبير قائما، امكن.

و من ادعى خلاف ذلك طولب بدليله، و ليست المسئلة اجماعية، و قد قال المصنف فى النهاية: ان الاقوى اشتراط القيام فى النية، و هو اشارة الى الخلاف فى وجوب القيام فى النية، و ربما فهم منه كون عدم الوجوب قويا، حملا لافعل التفضيل على بابه الاغلب من اقتضائه اشتراك المصدر بين المفضل و المفضل عليه، انتهى.

أقول: التحقيق فى المقام ان يقال: ان النية ان جعلت عبارة عن الداعى فلا فائدة فى هذا النزاع على الظاهر، كما نبه عليه بعض مشائخنا و الشارح الفاضل كما عرفت، و ان جعلت عبارة عن الصورة المخطرة، فالفائدة فى النزاع متعلقه، و لو قيل حينئذ: بان النية ان كانت شرطا فى الصلوة، فلا يشترط فيها القيام كما قاله بعض المحققين، و عن غيره: و ان كانت جزءا فيها فيشترط فيها القيام، لم يكن بعيدا، لأن الاصل فى الأول سالم عن المعارض مضافا الى اعتضاده بما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب احكام السهو فى الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، انه قال: لا تعاد الصلوة الا من خمسة:

الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود، و فى الثانى غير سالم، لمكان الأخبار الآمرة بايقاع الصلوة قائما المستلزمة لا يقاع مجموع اجزائها كذلك، و خروج بعض الاجزاء غير ضاير بعد اقامة الدّليل عليه، و يعضد ما ذكر الاجماع المتقدم، نقله فى كلام المحقق الثانى طاب ثراه، الدال على وجوبه فيها و بما ذكر ظهر ان عموم الصحيح غير مجد فى المقام، كاطلاق الآمر بالصلوة، على ان فى شمول الأول للمقام يتوقف على ارادة الحصر الحقيقى، و هو باطل قطعا، و البناء على التخصيص غير جايز، لخروج اكثر الافراد من العام

ص: 14

فتأمل جدا(1).

قال بعض مشائخنا: فى شمول اطلاق الأمر بالصلوة لمحل الفرض تامل، فيشكل الحكم بعدم اشتراط القيام فى النية، على تقدير كونها شرطا، بل يلزم الحكم بالاشتراط تمسكا باستصحاب اشتغال الذمة بالصّلوة، و يعضده دعوى المحقق الثانى الاجماع، على وجوب القيام فيها فتامل، انتهى.

أقول: على تقدير تسليم عدم تمامية الصحيح و الاطلاق ايضا، لا يجوز التمسك باصالة الاحتياط، حتى يحكم باشتراطها به على تقدير كونها شرطا، لأن المتبادر من الأخبار الامرة به فى الصلوة هو ايقاع اجزائها الداخلة فى المامور به فى حالة القيام، لا ايقاع شروطها ايضا فى تلك الحاله، و قصر الحكم المعلق على المطلق على الفرد الشايع، ليس لاجل كونه متيقن المرادية، بل لكونه كالعهد، و عليه فالحكم فى الشروط مبيّن، فالعمل بالاصل متعين، بل العمل به متعين، و لو قلنا بان حمله على الفرد الشايع لاجل كونه متيقن المرادية، كما ذهب اليه بعض الطائفة فتأمل جدا.

و الانصاف ان المقام عن الاشكال غير خال، سيّما بعد ملاحظة الاجماع المتقدم اليه الاشارة، فلا ينبغى تركه على التقديرين، و يجب على القول بوجوبه فيها، تقديمه عليها زمانا يسيرا تحصيلا للمقدمة، و قد صرح بذلك بعض الاصحاب و قد تقدم كلامه فراجع.

الثانى: صرح جماعة من الاصحاب بان القيام فى القراءة واجب غير ركن،

بل لم اجد مخالفا فى ذلك و استدل عليه بانه لو كان ركنا لما كان صلوة ناسى القراءه و ابعاضها صحيحه، لاستلزام ذلك فوات الصلوه و التالى باطل، فالمقدم مثله.

ص: 15


1- وجه التأمل ان الذى يقتضيه التحقيق هو القول بجواز التخصيص فى العمومات، ما لم يستلزم القبح، و لم يعد مستهجنا، و عليه فهذا القول غير صحيح، لانا لم نجد بعد من الصحيح المذكور قبحا. (منه)

و ادعى بعض الأجله الاتفاق على عدم ضرر فى نقصانه بنسيان القراءه و ابعاضها.

الثالث: قال المحقق الثانى فى جامع المقاصد: و لا اشكال فى وجوب القيام قبل القراءة و فى خلال السورة، و ان طالت،

و فى السكوت للتنفس خلالها و لو ادخل التكبيرات الزايدة على التحريمة فى الصلوة، او سؤال الجنة او استعاذ من النار فى خلال القراءة او قبلها، فالظاهر وجوب هذا القيام ايضا، و ان لم يتحتم فعله.

و قال فى المدارك على ما حكى: اما القيام فى حال الاتيان بالمستحبات الواقعة قبل القراءة و فى اثنائها، فالظاهر وصفه بالوجوب، انتهى.

و ما ذكراه هو الاحوط، ان لم نقل بكونه متعينا.

الرابع: في القيام فى القنوت

قد عرفت من نقل كلام المحقق الثانى ان الشهيد رحمه اللّه حكم باستحباب القيام فى القنوت، و ان المحقق الثانى اعترض عليه، بان القيام للقنوت متصل بقيام القراءة، ففى الحقيقة هو كلّه قيام القراءة، فكيف يوصف بعضه بالوجوب و بعضه بالاستحباب؟

فاقول: الاعتراض غير وجيه، لما اشار اليه الشارح الفاضل طاب ثراه، قال: و هذا الشك غريب، فان مجرد اتصاله مع وجود خواص الندب فيه لا يدل على الوجوب، و الحال انه يمتد، يقبل الانقسام الى الواجب و الندب، و قال سبطه على ما حكى معترضا على المحقق الثانى: و هو استشكال ضعيف.

فان القيام بعد اتمام القراءة يجوز تركه، لا الى بدل، فلا يكون واجبا و استمراره فى حال القنوت مطلوب للشارع فيكون مستحبا.

الخامس: صرح جماعه من الأصحاب بأن القيام من الركوع واجب غير ركن

اذ لو هوى من غير رفع ناسيا لم تبطل صلوته.

السادس: في ركنية القيام المتصل بالركوع

صرح جماعه من الأصحاب، بل لم أجد مخالفا فى ان القيام المتصل بالركوع و هو جزئه الأخير، الذى يركع كما صرح به بعض الأفاضل ركن، و ادعى بعض الأجله الاتفاق على ان الاخلال بالقيام قبل الركوع مبطل للصلوه.

ص: 16

و يمكن الاستدلال على الركنية برواية زرارة المروية فى الفقيه المتقدمة و ما ضاهاها، فان الظاهر منها اعتبار القيام فى جميع حالات الصلوة الا ما استثنى على اشكال(1) سيظهر وجهه فى الفرع الخامس الواقع فى شرح قول المصنف رحمه الله: فان عجز اعتمد، فانتظر.

و القول بان القيام المتصل بالركوع فى الركعة الاولى هو قيام القراءة، اذ لا يجب قيام آخر اتفاقا، فكيف يكون واحد ركنا و غير ركن غير وجيه، لما أشار اليه غير واحد منهم بان الركن هو ما يصدق عليه اسم القيام متصلا بالركوع و ان قل، سواء كان قيام القراءة ام لا، كما لو نسيها فالركن هو الأمر الكلى و قد يتأدى بقيام القراءة و بغيره، و قيام القراءة على تقدير تحققه يكون مجموعه واجبا باعتبار القراءة، و يكون جزئه الاخير باعتبار اتصاله بالركوع ركنا، و لا يمتنع اتصاف الشىء الواحد بصفتين مختلفتين من جهتين، و القول بان القيام المفروض فى الركعة الثانية قيام القنوت و هو مستحب، فلا يجوز ان يكون الجزء الاخير منه، و هو المتصل بالركوع ركنا، لامتناع اتصاف الشىء الواحد بالوجوب و الاستحباب، مدفوع بما عرفته.

قال بعض الافاضل و هو فى مقام الدفع: تمحض الجزء الذى يركع عنه فى الوجوب، و انسلاخه عن الاستحباب غير بعيد، على انه يجوز اتصاف الفعل الواحد بالوجوب و الاستحباب من جهتين مختلفتين، كما فى الجمع بين الصلاتين على البالغ ستا، و الناقص عنها، و كما لو كبر الماموم المسبوق للاحرام و قصد بها تكبير الركوع ايضا، فقد نقل الشيخ فى الخلاف الاجماع على صحته، و رواه معوية بن شريح، و القول بان القيام المفروض لا يترتب عليه ما يترتب على الركن

ص: 17


1- اذ الاستدلال بها انما يتم اذا قرأ كلمه لم يقم الواقعة فيها على صيغة المجرد، و هو كما يحتمل كذلك يحتمل أن تقرء على صيغة المزيد من اقام، و عليه فلا يكون من الأحكام الوضعية التى لا يعتنى بالعمدية و السهوية كالطهور الواقع فى قوله عليه السلام لا صلوة الا بطهور. (منه)

من بطلان الصّلوة بزيادته و نقيصته، فلا يكون ركنا، اما الأول: فلان زيادته و نقيصته تابعان لزيادة الركوع و نقيصته، و ليس له زيادة و نقيصة على الاستقلال، فليس لهما تاثير فى ابطال الصّلوة، و انما المؤثر فيه زيادة الرّكوع و نقيصته.

و اما الثانى: فواضح مدفوع بما اشار اليه غير واحد من الطائفة، بانه يمكن فرض نقص القيام و عدم نقص الركوع، و ذلك فيما لواتى بالركوع من جلوس، قال الشارح الفاضل طاب ثراه و هو فى مقام دفع الايراد المذكور: استناد البطلان الى مجموع الامرين غير ضار، فان علل الشرع معرفات للأحكام، لا علل عقلية، فلا يضر اجتماعها، و مثله الحكم ببطلان الصلوة بسبب ايقاع التكبير جالسا، كما سياتى، مع ان ذلك يستدعى وقوع النية كذلك، و حيث قد نقل المصنف الاتفاق على ركنية القيام، و لم يتحقق ركنيته الا بمصاحبة الركوع، خصت لذلك اذ لا يمكن القول بعد ذلك بانه غير ركن مطلقا، لانه خلاف الاجماع، بل لو قيل بان القيام ركن مطلقا، امكن، و عدم بطلان الصّلوة بزيادة بعض افراده و نقصها لا يخرجه عن الركنية، فان زيادته و نقصانه قد اغتفر فى مواضع كثيرة، للنص، فليكن هذا منها، بل هو اقوى فى وضوح موضع النصّ.

السابع: حد القيام الانتصاب

صرح فى القواعد، و جامع المقاصد، و الذكرى، و الالفية، و المقاصد العلية، و المفاتيح، و الرياض، كما عن المسالك الجامعية و غيرها، بان حد القيام الانتصاب لأنّ غير المنتصب لا يسمى قائما، قاله بعض الافاضل، و يدل عليه قوله عليه السلام فى جملة من الأخبار المتقدمة: من لم يقم صلبه فلا صلوة له، و يؤيده قول حماد المتقدم: فقام ابو عبد اللّه منتصبا، و قوله: ثم استوى قائما، فلمّا استمكن من القيام قال الى آخره. و قول ابى جعفر (ع) فى صحيحة زرارة المتقدمة: و اقم صلبك، و يظهر من المفاتيح انه يدل عليه خبر موثق، و لعله رواية ابى بصير المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه اللّه، و هو ركن الى آخره، زعما منه كون ابى بصير موثقا، و فى رواية ابى بصير المروية فى التهذيب، فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات: و اذا رفعت راسك من الركوع فاقم صلبك حتى ترجع

ص: 18

مفاصلك، الحديث.

و يتحقق الانتصاب بنصب فقار الظهر، كما صرح به فى جامع المقاصد، و الذكرى، و الرياض، و المقاصد العلية، و شرح المفاتيح و غيرها، و فقار الظهر بفتح الفاء العظام المنتظمة فى النخاع، التى تسمى خرز الظهر جمع فقرة بكسرها، قاله فى جامع المقاصد و الرياض، و بالجملة لا شبهة فى ان المتبادر من قيام الصلب هو الانتصاب الحقيقى العرفى، فلا يجوز الانحناء مطلقا، و لو لم يصل الى حد الركوع الواجب، كما صرح به فى جامع المقاصد، و الذكرى، و الالفية، و المقاصد العلية، و غيرها لعدم صدق القيام على المنحنى عرفا. قاله بعض المحققين، و الاجود ان يعلل ذلك بما مر من ان المتبادر من الأخبار الآمرة هو الانتصاب الحقيقى العرفى.

و يخل به ايضا الميل الى اليمين و اليسار، بحيث لا يعد منتصبا عرفا، كما فى جامع المقاصد، و الرياض. او يزول عن مسمى القيام كما فى الذكرى، و المقاصد العلية.

قيل: و اطلق جماعة كون ذلك مخلا، منهم صاحب المفاتيح، فانه قال لا يخل به الاطراق، و يخل الميل الى احد الجانبين، انتهى.

و يظهر من هذه العبارة ان الاطراق غير قادح و هو كذلك، و قد صرح به فى جامع المقاصد و الذكرى، و المسالك، و الرياض، و المقاصد العلية، و المدارك و غيرها. و صرح جماعة بان الافضل تركه لمرسلة حريز(1) و عن ابى الصلاح استحباب ارسال الذقن الى الصدر و لعلّه لكونه اقرب الى الخشوع انتهى اقول حال الميل هو حال الانحناء و الضابط هو صدق الانتصاب الحقيقى المتبادر من الاطلاق فلو مال يمينا او شمالا بحيث لا يخرج عن القيام الحقيقى المتبادر فليحكم

ص: 19


1- و هذه المرسلة هى ما رواه الكافى فى باب القيام و القعود عن حريز عن رجل عن الباقر (ع) قال: قلت له: فصل لربّك و انحر، قال النحر الاعتدال فى القيام ان يقيم صلبه و نحره. (منه عفى عنه)

بالصحة، فلو مال يمينا و شمالا بحيث خرج عن القيام المتبادر و لكن صدق عليه انه قائم، فهل يحكم بالبطلان ام لا؟ و التحقيق ان يقال: ان كان الاخذ بالافراد المتبادر لاجل كونها كالعهد، فليحكم ببطلان الصلوة، و ان كان الاخذ بها لاجل متيقنة الارادة، من الاطلاق، فليحكم بالصحة ان قلنا انه يكفى فى العمل بالعمومات، و الاطلاقات عدم ظهور المخصص و ان شرطنا فى العمل بهما ظهور المخصص كما ذهب اليه المحقق الخونسارى فلا بد ان يتوقف. (منه)

الثامن: في وجوب الاستقرار في القيام

صرح جماعة من الاصحاب، و منهم الشهيدان فى الألفية و شرحها و الرياض، بانه يجب فى القيام الاستقرار و هو الظاهر(1) من فتاوى الاصحاب فى طى المطالب، و عن المسالك الجامعية، انه ادعى اجماع الطائفة و هو الحجة، مضافا الى انه هو المتبادر من الأخبار الآمرة بالقيام بلا شبهة، و الى انه لو لم يكن واجبا لاشتهر، لتوفر الدّواعى عليه، و التالى باطل بلا ريبة، و يؤيده وجوه:

الأول: الخبر الذى استدل به بعض الافاضل و هو يكف(2) عن القراءة حال مشيه، قال: و ضعف السند مجبور بظهور مصير الاصحاب الى وجوب ذلك.

الثانى: ان البراءة غير حاصلة الا به. و قد اشار اليه بعض الأجله.

الثالث: ما اشار اليه بعض مشائخنا، بان المعصومين (ع) قد اتوا بالصّلوة مستقرا، و واظبوا عليه، فيجب اما لاصالة وجوب التأسى، او لقوله: صلوا كما رأيتمونى اصلى. قال: و لان مواظبتهم عليه تدل على الوجوب.

الرابع: ما اشار اليه فى المفاتيح و الرياض، بان الاستقرار معتبر فى مفهوم القيام.

الخامس: ما اشار اليه فى المسالك الجامعية، بان القيام المأمور به و ان كان متحققا مع الحركة، الا انه يتعدد اشخاصه بتعدد الامكنة، و المامور به انما

ص: 20


1- و ربما يظهر ذلك فى شرح المفاتيح ايضا. (منه)
2- رواه الكافى فى باب قراءة القران عن السكونى. (منه)

هو قيام واحد شخصى، و المكان من جملة المشخصات، فلا بد من وجوبه، ليتحقق بشخصه، ليكون اتيانا بالمامور به على وجهه، فلا يصح فعل شىء مما هو مضاد لذلك الكون المعين، كالمشى، و الاضطراب، و التمايل، و الحركات الاضطراريه الخارجة عن السمت، او المغيرة للوضع، لان الامر بالشى امر بترك اضداده، او يستلزمه. و يتفرّع على المسئلة ما اشار اليها بعض الاصحاب، فقال بعد الحكم بوجوب ذلك: فلو مشى فى حالة: القيام، او كان على الراحلة، و لو كانت معقولة، لا يامن من حركتها، او كان فى مكان لا يستقر قدماه عليه، كالثلج الذائب، و الطين الكثير، فى حالة كونه مختارا بطل فعله.

وجوب الاستقلال في القيام
اشارة

(و يجب) فى القيام (الاستقلال) بمعنى، ان لا يستند الى شىء بحيث لوازيل السناد سقط على الاشهر، كما ادعاه جماعة ممن تاخر، خلافا للمحكى عن الحلبى، فحكم بالجواز و ان كان مكروها، و عن ظاهر المقدس الاردبيلى الميل اليه، و فى المدارك: و هو غير بعيد، و فى المفاتيح: و لا يخلو عن قوة و المعتمد هو الأول، لدعوى الاجماع عليه فى المختلف، كما(1) عن ابن جمهور فى شرح الالفية، و هو الحجة و استظهر بعض المحققين تلك الدعوى عن جماعة، و الشهرة العظيمة التى لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف، بل ادعاه الصميرى، فيما حكى عنه، و غيره كما حكى عنه، و غيره كما عن ظاهر فخر المحققين، لذلك معاضدة كمداومة الشيعة على الاستقلال، و محافظتهم له عملا فى الاعصار و الامصار، قديما و حديثا. هذا مضافا الى ان امتثال الأمر بالقيام لا يتحقق الا به، و ذلك اما لعدم صدقه حقيقة الا به، كما عن جماعة، و استدل على ذلك بعضهم بعد التبادر بصحة سلب اطلاق القيام عن الخالى عنه، او لما عن الجماعة، من ان المتبادر من الامر به لزوم ايجاد المصلى له بنفسه، من دون معاون، بناء على ان الظاهر من الامر لزوم مباشرة المامور للمامور به بنفسه، و الى ما رواه

ص: 21


1- و ادعى ايضا بعض المحققين فى شرح المفاتيح فى شرح قوله و لو مع الاستناد عليه الاجماع. (منه)

التهذيب فى باب صلوة الغريق، فى الصحيح عن ابن سنان، عن ابى عبد اللّه عليه السلام قال: لا تستند بخمرك و انت تصلى، و لا تستند الى جدار، الا ان تكون مريضا. الخمر بالخاء المعجمة و الميم المفتوحين ما واراك من شجر و غيره، قاله غير واحد من الاصحاب، قيل: و قريب منه الخبر المروى عن قرب الاسناد عن الصلوة قاعدا او متوكئا على عصا او حايط، فقال: لا.

و عن الخلاف انه روى عن الصادق (ع) مرسلا، انه قال: و لا تستند الى جدار، الا ان تكون مريضا، و استدل بوجهين آخرين:

الأول: توقف اليقين بالبراءة عليه.

الثانى: ان المعصومين (ع) داوموا عليه، فيجب اما لاصالة وجوب التأسى، او لقوله (ص) صلوا كما رأيتمونى اصلى، او لان مداومتهم على امر يدل على وجوبه.

و للآخرين وجوه:

الأول: اطلاق الامر بالقيام، و دخول الاستقلال فى مفهومه ممنوع، و فلا وجه للتقييد. قال الفاضل الهندى على ما حكى: و اما ما يدل على وجوب القيام فلا يصلح هنا للاستدلال، فان المسند قائم، و لا تسمع تبادر القيام بنفسه من الاطلاق بنفسه مع ظهور نص فى خلافه، عن المقدس الاردبيلى غير معلوم كونه داخلا فى مهية القيام، الركن للاصل و صدق القيام بدونه فتأمل، انتهى.

و فيه بعد تسليم صدقه مع الاستناد، و تواطئ الافراد ما عرفت من وجود المقيد للاطلاق.

الثانى: عموم صحيحة زرارة المتقدمة: لا تعاد الصّلوة الا من خمسة الى آخره و فيه ما تقدم اليه الاشارة.

الثالث: الأخبار المستفيضة، منها: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات، فى الصحيح عن على بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال سألته عن الرّجل، هل يصلح له ان يستند الى حايط المسجد و

ص: 22

هو يصلى، او يضع يده على الحايط و هو قائم، من غير مرض و لا علة؟ فقال:

لا بأس، و عن الرجل يكون فى صلوة الفريضه، فيقوم فى الركعتين الاولتين، هل يصلح له ان يتناول جانب المسجد، فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف و لا علة؟ قال: لا بأس. قال فى المختلف فى فصل التروك: عدّ أبو الصلاح الاعتماد على ما يجاور المصلى من الابنيه مكروها، و الحق ابطال الصلوة به، ثم احتج للحلبى بالاصل، و برواية على بن جعفر المذكورة فى المتن، و قال: و الجواب الاصل معارض بالاجماع الدال على وجوب الاستقلال فى القيام، و الاستناد لا يستلزم الاعتماد، و كذا الاستعانة فى القيام، فانما نجوزها الى ان يستقل بالقيام، انتهى. (منه)

و منها: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الموثق، عن عبد اللّه بن بكير عن أبيعبد اللّه (ع) قال: سألته عن الرجل يصلى متوكئا على عصا او على حايط؟ فقال: لا بأس بالتوكى على عصى و الاتكاء على الحايط.

و منها: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن سعيد بن يسار قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الاتكاء فى الصلوة على الحايط يمينا و شمالا، فقال لا بأس.

و القول بان هذه الأخبار ليست صريحة فى الدلالة على جواز الاستناد، لامكان تقييدها بالاتكاء الذى ليس فيه اعتماد، كما صرح به بعض على ما نسب، غير وجيه، لمكان ما حكى عن الفيومى و ابن الاثير، قال الأول فى المصباح المنير:

اتكأ على وزن افتعل، و يستعمل المعنيين احدهما الجلوس مع التمكن، و الثانى القعود مع تمايل معتمدا على احد الجانبين، و قال: وكأ و توكأ على عصا، اعتمد عليها. و قال الثانى: و العامة لا تعرف الاتكاء الا الميل فى القعود معتمدا على احد الشقين، و هو يستعمل فى المعنيين جميعا، يقال: اتكأ، اذا استند ظهره او جنبه الى شىء معتمدا عليه، كل من اعتمد على شىء، فقد اتكأ عليه فى التهذيب عدم الصراحة، و لكن يكفى الظهور المستفاد من الاطلاق، و الاصل عدم التقييد، و الأخبار الناهية عن الاستناد غير صالحة له، لأن صيغة

ص: 23

النهى محتملة للكراهة، بخلاف هذه الأخبار، فان كلمة لا بأس صريحة فى الجواز فليحمل النهى على الكراهة: و القول بانه يلزم على ذلك التقدير شيئان المجاز و التقييد، اما الأول فواضح، و اما الثانى فلان الباس اعم من الكراهة و الحرمة، و على هذا التقدير يلزم تقييده بالحرمة غير وجيه، لانا لا نسلم ذلك، بل هو مخصوص بالحرمة، قال بعض مشائخنا.

و التحقيق فى الجواب ان يقال: هذه الأخبار المجوزة غير صالحة لمعارضة الأخبار الناهية، لكون الأخبار الناهية موافقة للمشهور بين الطائفة، و الاجماعات المحكية و غيرهما، مما تقدم اليه الاشارة، بخلاف المجوزة، فانها موافقة لمذهب العامة، كما عن الايضاح، لانه حملها على التقية، و مع هذا الامر بالنسبة الى الاخيرين بعد الالتفات الى الأخبار الناهية، مردد بين المجاز و التقييد، و الاخير اولى بلا ريبة، فليحملا على المريض، بل الترديد جار فى الكل لما تقدم اليه الاشارة من كون الاستناد اعم من الذى فيه الاعتماد كالاتكاءه و قول الفيومى و ابن الاثير غير صالح لمعارضة العرف فتامل.

و لذا قال فى الدروس: و يجب الاقلال بحيث لا يستند الى ما يعتمد عليه، و رواية على بن جعفر عن اخيه (ع)، لا تنافيه، و بالجملة قول الاكثر هو المعتمد مع كونه احوط، و ابعد من مذهب العامة.

هنا امور:
الأول: يجب الاعتماد على الرجلين معا
اشارة

صرح الذكرى و الدروس، و جامع المقاصد، و الرياض و سبطه فى المدارك و الذخيرة، و شرح المفاتيح، و غيرها كما عن الكشف، بانه يجب الاعتماد على الرجلين معا، و لهم وجوه:

الأول: الاجماع المحكى عن بعض الأجله عليه.

الثانى: ما اشار اليه الشارح المحقق، بان الامر بالقيام ينصرف اليه.

الثالث: إنّ المعصومين اعتمدوا عليهما كما اشار اليه الشهيد ان و المحقق الثانى، و شرح المفاتيح كما عن الكشف، فيجب اما لاصالة وجوب التأسى كما

ص: 24

اشار اليه الشهيد ان و المحقق الثانى، كما عن الفاضل الهندى، و اما لقوله (ص): صلوا كما رايتمونى اصلى، او لأن مداومتهم على فعل تدل على وجوبه.

الرابع: ما اشار اليه فى جامع المقاصد كما عن الكشف، بان القيام على الواحدة بعيد عن الاستقرار و الخشوع، شبيه بحال اللاعب، فلا يجوز.

الخامس: ما اشار اليه فى شرح المفاتيح بان اليقين بالبراءة عن التكليف الثابت غير حاصل الاّ به، و فى بعض هذه الوجوه مناقشة، و لكن الأمر فيها هين، لوضوح المسئلة، فما ذكره بعض الأجلاء، بعد ان قال بانى لم اقف له على دليل بقوله مع انه روى الكلينى عطر اللّه مضجعه، فى الصحيح، عن محمد بن ابى حمزة عن أبيه، قال: رأيت على بن الحسين (ع) فى فناء الكعبة فى الليل، و هو يصلى فاطال القيام حتى جعل مرة يتوكل على رجله اليمنى و مرة على رجله اليسرى، الحديث، و هو ظاهر الدلالة واضح المقاله فيما ذكرناه، و لا معارض له، غير وجيه لوجوه شىء، منها:

انها قضية فى واقعة لا عموم لها، و قال ايضا بعد الكلام المتقدم: نعم لو رفع احدى رجليه من الأرض بالكلية، و انما وضع واحدة و اعتمد عليها فلا اشكال، و لا خلاف فى البطلان، لوقوعه على خلاف الوجه المتلقى عن صاحب الشريعة أمرا و فعلا، الا انه روى الحميرى فى كتاب قرب الاسناد عن عبد اللّه بن بكير، عن ابى عبد الله (ع) فى حديث قال: ان رسول اللّه (ص) بعد ما عظم او ثقل، كان يصلى و هو قائم فرفع احدى رجليه حتى انزل اللّه تعالى: «طه مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ». و الواجب حمله على النسخ بالاية المذكورة المصرحة بالنهى، و الأخبار الدالة على القيام على القدمين. قال امين الاسلام الطبرسى: روى ان النبى (ص) كان يرفع احدى رجليه فى الصلوه، ليزيد تعبه، فانزل اللّه تعالى الاية فوضعها. قال: و روى ذلك عن ابى عبد اللّه (ع). و لعله رحمه اللّه اشار الى هذه الرّواية، و قد روى ايضا فى تفسير الآية المذكورة انه (ص) كان يقوم على اصابع رجليه فى الصلوة حتى تورمت، فانزل اللّه تعالى عليه طه بلغة طى، يا محمد ما انزلنا عليك القرآن لتشقى، و يمكن ان يكون الصلوة مشروعة على هذه

ص: 25

الكيفيات ثم نسخ ذلك، فوجب الاعتماد على الرجلين معا، كما عليه اتفاق الاصحاب و غيرهم، انتهى.

أقول: لعل مراده من الاعتماد الواقع فى آخر هذا الكلام، هو مجرد الوضع، كيف و قد نفى فى سابق كلامه هذا وجوب الاعتماد على الرجلين، و بالجملة لا شبهة فى وجوب الاعتماد على الرجلين، و هذه الأخبار غير صالحة للمعارضة لوجوه عديدة.

فرعان:
الأول: لو كان الثقل و الاعتماد على احديهما ازيد،

فالظاهر عدم اضراره وفاقا لغير واحد منهم، عملا بالاطلاقات، و عدم ظهور ما يقيدها، المؤيدة برواية ابى حمزة المتقدمة، كرواية الحميرى المتقدمة، هذا مضافا الى صحيحة زرارة: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره. و الى انه لو كان ضارا لصدر نهى عن اهل بيت العصمة (ع)، لكونه من الامور العامة البلوى، و الى ما نرى من سيرة المسلمين من الفقهاء و غيرهم فى الاعصار و الامصار، و فرض غفلتهم عن هذه الدقيقة بعيد فى الغاية مع عدم كونه من الامور النادرة.

الثانى: في التباعد بين الرجلين

صرح الشهيدان، و صاحب المدارك، و الشارح المحقق، و شرح المفاتيح و غيرهم، كما عن ابن جمهور، بانه لا يجوز التباعد بين الرجلين بما يخرج به عن حد القيام.

أقول: و الدّليل عليه واضح، و المرجع فى ذلك هو العرف.

الامر الثانى: لو اخل بالاستقلال عمدا،
اشارة

فهل يحكم ببطلان الصلوة كما عن ظاهر كلام الاصحاب، ام لا كما يميل اليه كلام بعض الأجلاء؟ وجهان: للأول:

ان الصلوة مع الاخلال به منهية عنها، و النهى فى العبادة موجب للبطلان ففيه ان النهى انما هو عن الاستناد، و هو امر خارج عن الصلوة، فلا يلزم من النهى عنه النهى عنها، و ان كان مقارنا لها. نعم الظاهر ثبوت الاثم لمكان النهى، و اما ما اطال به الشارح المحقق فببالى انه لا يرجع الى حاصل، مع ان التحقيق ان

ص: 26

مقدمة الواجب غير واجبة، و لو كانت سببا، بمعنى انه ليس فيها الا اللابدية العقلية، و ان الامر بالشىء لا يستلزم النهى عن ضده الخاص، كما حققنا هما فى الاصول بما لا مزيد عليه، و امر الاحتياط واضح ينبغى تركه.

فرع:

لو اخل به سهوا فالظاهر الصحة كما عن الجماعة، لعدم النهى معه بلا شبهة.

الثالث: هل يجوز الاستعانة فى حال النهوض و الاعتماد على شىء ينهض به،

وجهان، بل قولان: و الأول هو الاظهر، لما تقدم من رواية على بن جعفر، فلا يجوز جعل حكمه حكم الاستناد فى حال القيام، (فان عجز) عن القيام مستقلا، (اعتمد) قولا واحدا قاله بعض الأجلة، قال: و لم يسقط عنه القيام عندنا، و للشافعى قول بسقوطه.

أقول: و يدل عليه صحيحة ابن سنان المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يجب الاستقلال. بل يمكن الاستدلال عليه بصحيحة على بن جعفر، و موثقة ابن بكير، و رواية سعيد بن يسار المتقدمة، عملا بالاطلاق، خرج منه ما خرج بدليل، و لا دليل على تقييده فيما نحن فيه، و يؤيده اطلاق الامر بالقيام و لا يضره عدم امكان الاستقلال، مع انه قد ثبت تقييده به، اذ الادلة الدالة على وجوبه فيه غير شاملة لما نحن فيه، اى صورة عدم امكان الاتيان به، و عليه فيبقى اطلاق الامر بالقيام سليما عن المعارض، و انما جعلناه مؤيدا، لامكان القول بان الاستقلال جزء من مفهوم القيام، فانتفاء المركب بانتفاء جرئه من البديهيات فليتأمل(1).

و اما الاستدلال على ذلك بحديث الميسور لا يسقط بالمعسور، فغير وجيه لما بيناه فى اللمعات.

ص: 27


1- وجه التامل، ان فى ذلك نوع وجاهة اذا كان اعتماده و ثقله على ما يعتمد عليه كليه و الا فالظاهر صدق القيام. (منه)
فروع:
الأول: مقتضى اطلاق المتن كغيره، عدم الفرق فيما يعتمد عليه بين كونه آدميا و غيره،

كما عن صريح جامع المقاصد، و به افتى الشارح الفاضل.

الثانى: لو افتقر ما يعتمد عليه الى اجرة وجب بذله،
اشارة

كما صرح به فى الرياض، و الروضه، و الدروس، و جامع المقاصد، قال فى الأول: اعتمد على شىء و لو باجرة، اذا كانت مقدورة، لانه من باب مقدمة الواجب المطلق، و قال فى الثانى: فيجب تحصيل ما يعتمد عليه و لو باجرة، مع الامكان، و قال فى الثالث: و لو عجز عن الاقلال استند و لو باجرة اذا كانت مقدورة، و قال فى الرابع: و لو افتقر فيما يعتمد عليه الى عوض، وجب بذله، و ان كثر الا مع الضرر، لانه مقدمة الواجب، انتهى.

و لا يخفى ان ذلك انما يكون وجيها اذا كان ما دل على وجوب القيام شاملا لمحل البحث، و اما مع عدمه فلا، و الاحتياط لا ينبغى تركه.

تنبيه:

ربما يظهر من تلك العبارات الخلاف فى قدر ما يجب بذله حيث انه فى الاوليين مقيد بالامكان و القدرة كالثالث، كما هو مقتضى القاعدة فى مقدمات الواجبات الاطلاقية، و فى الرابع بعدم الضرر، كما هو مقتضى العمل بحديث لا ضرر و لا ضرار، و كيف كان فالاحتياط مطلوب، سيما فى المقام، و اللّه هو العالم بحقايق الاحكام، و كذا الكلام فى ساير المراتب الاتية، قال بعض المحققين:

تحصيل الحالة الا على لما كان واجبا بالوجوب المطلق، فلا بد من تحصيلها مهما امكن، و لو بالاجرة، و يحتمل قويا ان يكون لازم الحصول، و لو بازيد عن اجرة المثل، ما لم يلزم الاجحاف.

الثالث: اذا عجز عن الانتصاب قام منحنيا و لو الى حد الراكع،

و لا يجوز له القعود، وفاقا لجماعة، بل لم اعثر على خلاف فى ذلك، و يدل عليه السيرة المعتضدة باطلاق الامر بالقيام، بل لعله دليل على حدة، كما سيظهر فى الفرع

ص: 28

الخامس فانتظر.

و اما الاستدلال عليه بحديث الميسور لا يسقط بالمعسور، ففيه مناقشة.

الرابع: لو عجز عن القيام فى البعض اتى بالممكن منه فى الباقى بلا خلاف
اشارة

قاله بعض الأجلة، و يدل عليه كصحيحة جميل بن دراج، او صحيحته، لمكان ابراهيم المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه اللّه: الأول القيام، و يؤيده ما استدل به بعض الافاضل من قوله (ص): اذا امرتكم بامر فاتوا منه ما استطعتم، و قوله (ع):

لا يسقط الميسور بالمعسور. و عن التحرير: لأن القيام يجب فى افعال الصلوة، فالعجر عن البعض لا يسقط الاخر، و فيه انه نوع مصادرة، اللهم الا ان يكون فى نظره التقليل معللا بحديث عدم سقوط الميسور بالمعسور، و حديث اذا امرتكم الى آخره، فافهم.

و بالجملة لا شبهة فى وجوب الاتيان بالممكن منه اذا عجز عن البعض، و عليه فيقوم عند التكبيرة، و يستمر قائما الى ان يعجز، فيجلس.

هنا امور:
الأول: اذا قدر على القيام زمانا لا يسع القراءة و الركوع معا،

بمعنى انه اذا اتى بالقراءة قائما، لزمه الجلوس، و الاتيان بالركوع جالسا، و اذا اراد الاتيان بالركوع عن قيام، لزمه الجلوس حال القراءة، فاختلفوا فى الترجيح، فعن نهاية الاحكام انه يقوم قاريا، ثم يجلس و يركع، و عن النهاية و المبسوط، و السرائر، و المهذب، و الوسيلة، و الجامع لزوم الجلوس ابتداء، ثم القيام مع علم قدرته الى الركوع، حتى يركع عن قيام، للاول انه فى حال القراءة غير عاجز عما يجب عليه، فانما يحصل العجز بعدها، فلا يسقط التكليف بالقيام فيها، و يمكن توجه المنع الى التكليف به فيها حينئذ، و القول بأنه قبل طرو العذر الموجب للدوران بين الأمرين كان مأمورا بالقيام، فالأصل بقائه بعد طروه، و عليه فالدليل على التكليف موجود غير وجيه لمكان تعارضه باصالة بقاء الأمر بالاتيان بالركوع عن قيام، المتحقق قبل طرو العذر المفروض، اللهم الا ان يقال بانه معارض بالدال

ص: 29

على القراءة عن قيام على انه يجوز القول عليه، بان الأمر بالاجزاء المتاخرة، لا يتوجه الا بعد الاتيان بالاجزاء المتقدمة، و عليه فالامر بالركوع عن قيام، لا يتوجه الا بعد الفراغ عن القراءة المامور بها نعم يرد على الاصل المذكور بانه لا يجرى فيما اذا كان قبل الصّلوة مامورا بالجلوس، ثم طرء العذر المفروض، و عليه فهو اخص من المدعى. و للثانى ان الركوع عن قيام الركنية اولى و اهم من ادراك القراءة قائما، مع ورود النصوص بان الجالس اذا قام فى آخر السورة فركع عن قيام، يحتسب له صلوة القائم، و فيه ان مجرد الركنية لا توجب الاولوية، و على المدعى اقامة الدليل، و اما النصوص المشار اليها فقال بعض الاجلة بانها محتملة للاختصاص بالجالس فى النوافل اختيارا، كاحتمال المهذب و الوسيلة و الجامع تجدد القدرة، انتهى.

قال بعض مشائخنا: الاحتياط فى المسئلة لا يترك ان امكن، و الا فيمكن دعوى التخيير بين الامرين، و ربما يشهد به عموم صحيحة زرارة: لا تعاد الصلوة الى آخره، مضافا الى اطلاق الامر بالصلوة، انتهى.

أقول: و يمكن ترجيح القول الأول، عملا باطلاق صحيحة جميل المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه اللّه: الأول القيام المشتملة على قوله (ع)، و لكنه أعلم بنفسه، و لكن اذا قوى فليقم. المؤيدة بالنبوى المتقدم هناك و نحوه.

الثانى: لو عجز عن الركوع و السجود اصلا دون القيام،

لم يسقط عنه بسقوطهما اتفاقا، كما عن صريح المنتهى، و ظاهر غيره، و يؤيده قوله (ع):

الميسور لا يسقط بالمعسور، و قوله (ص): اذا امرتكم الى آخره، و الاستصحاب.

الثالث: اذا كان المصلى بحيث لو قام لم يقدر على الركوع و السجود، و اذا جلس تمكن منهما،

ففى لزوم الجلوس و الاتيان بهما، ام القيام و الاكتفاء عنهما بالايماء وجهان: و عن المحقق الثانى، و غيره التردد بينهما، و عن جماعة ترجيح القيام عليهما، و لهم وجوه:

الأول: قوله (ع): لا صلوة لمن لم يقم صلبه. المؤيد باطلاق الامر بالقيام،

ص: 30

و فيه انه معارض بقوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة، وعد من جملتها الركوع و السجود، و قوله (ع): الصلوة ثلث أثلاث: ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود. و قوله (ع): ان اللّه فرض فى الصلوة الركوع و السجود، و قوله (ع): انما صلوتنا هذه تكبير، و قراءة، و ركوع و سجود. المؤيد باطلاق الامر بهما، و ما عن التحرير و المنتهى من عدم تحقق اسم الصلوة بدونهما.

الثانى: الاجماع المحكى عن المنتهى، و فيه ما ذكره بعض الاجله بان عبارته و ان كانت مشعرة بذلك فى بادى النظر، حيث قال: لو امكنه القيام و عجز عن الركوع قائما او السجود لم يسقط عنه فرض القيام، بل يصلى قائما و يومى للركوع، ثم يجلس و يومى للسّجود. و عليه علمائنا، الا ان سياق احتجاجه فيما بعد يشعر باختصاص الاتفاق المدعى بصورة العجز عنهما اصلا و لو جالسا، مع ان قوله: ثم يجلس و يومى للسجود، ظاهر بل صريح فيما ذكرنا فتامل جدا انتهى، فتدبر.

الثالث: مفهوم الأخبار المتضمنة على نحو قوله (ع): المريض يصلى قائما، فان لم يقدر على ذلك صلى جالسا.

أقول: و المسئلة بعد محل اشكال، و ان كان القول بتقديم القيام و الانتقال عنهما بالايماء لا يخلو عن قوة، سيما بعد الالتفات الى ما عن جماعة من دعوى الاتفاق عليه. قال بعض مشائخنا: الاحوط هو الجمع بين القسمين بالاتيان بصلوتين ان امكن، و الا فالاولى ان يختار القيام، و ان كان القول بالتخيير لا يخلو عن وجه.

أقول: قد عرفت ما يرجح القيام، فلا وجه للتخيير، و إن احتمله فى جامع المقاصد ايضا، و كيف كان فالاحتياط مما لا ينبغى تركه.

الامر الخامس: لو قدر على الانحناء جالسا و لم يقدر عليه قائما يومى قائما،

على ما ذكره بعض الاجلة، مستدلا بان القيام معتبر فى جميع الحالات، الا ما خرج بدليل، و لا دليل على سقوطه ههنا، فيكون واجبا. قال: و حيث

ص: 31

حصل العجز عن الركوع وجب الايماء بدله، لعموم ما دل على بدلية الايماء عند العجز عن الركوع، و لا يلزم سقوط القيام. قال: و لقايل ان يقول: قد دلت الاية على وجوب الركوع، و هو مطلق الانحناء، و لا دليل على ارادة معنى خاص شرعى ههنا، فتكون باقية على المعنى اللغوى، لأن القرآن نزل بلسان العرب، فما لم يدل دليل على صرف بعض الالفاظ عن المعنى الحقيقى لغة، كان باقيا على الحقيقة اللغوية. و على هذا فالانحناء ايضا واجب، كما ان القيام واجب، فاذا تعذر قائما وجب جالسا، و لا ترجيح لاعتبار القيام عليه، قال: لكن هذا لا يتم فى صورة يتمكن من الايماء بالراس قائما، لصدق الركوع لغة حينئذ. قال فى القاموس:

و كل شئ يخفض راسه فهو راكع. قال: و يمكن ترجيح اعتبار القيام بالشهرة و اتفاق الاصحاب.

الفرع الخامس: لو قدر على الانحناء من غير استناد، و الاستناد من غير انحناء،

ففى الترجيح اشكال ينشأ من صدق القيام مع الانحناء، فالاول، و من قوله (ع): لا صلوة لمن لم يقم صلبه فالثانى.

أقول: تحقيق الكلام فى هذا المقام يقتضى ذكر مقدمة، و هى ان الانتصاب هل هو ماخوذ فى ماهية القيام كما ذهب اليه بعض الافاضل، ام لا؟ و الاظهر هو الثانى، كما يظهر من المراجعة الى العرف، حيث يقولون: على الناهض منحنيا انه قائم، و لكنه ليس بمنتصب.(1)

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان مقتضى اطلاق الامر بالقيام، هو جواز الاتيان به و لو منحنيا، خرج منه قيام يكون معه قادرا على الانتصاب بنفسه، و لا دليل على خروج ما نحن فيه عنه، فليعمل به، فان قلت: قد امر (ع) فى عدة من الأخبار باقامة الصلب، كقوله: فقم منتصبا، كما فى صحيحة زرارة، و قوله (ع): فاقم صلبك كما فى رواية ابى بصير، و قول حماد: فقام ابو عبد الله (ع) منتصبا، و قوله: ثم

ص: 32


1- و يظهر من جامع المقاصد تقدم الاعتماد على الانحناء كما عن القواعد و غيره. (منه)

استوى قائما، فلما استمكن من القيام.

و عليه فلا بد للمصلى ان يقيم صلبه و لو بالاستناد، و لا يعارضه اطلاق الامر بالقيام، اذ التعارض بينهما من قبيل تعارض العام و الخاص المطلقين، فليقيد الاطلاق بهذه الأخبار الخاصة.

قلت: مقتضى اطلاق تلك الاوامر، و ان كانت ما ذكرت، و لكن لعل المتبادر منها ما اذا كان المصلى قادرا باقامة الصّلب بنفسه، و عليه فيبقى اطلاق الامر بالقيام فيما نحن فيه سليما عن المعارض، سواء جعلنا حمل المطلقات على المعنى المتبادر منها من باب العهد، كما ذهب اليه بعض مشائخنا، او من باب تيقن الارادة كما ذهب اليه آخر، فان قلت: هب، و لكن ما تقول فى قوله (ع): من لم يقم صلبه فلا صلوة له، كما فى صحيحة زرارة، و قريب منه ما ورد فى روايتى ابى بصير، و قد تقدم نقل جميعها فى شرح قول المصنف: و هو ركن الى آخره مع ان كلمة من عامة، و شمول العام للافراد النادرة مما لا مجال للشبهة فيه، و ان كان غير شامل للفرد الاندر، كالمطلق بالنسبة الى النادر.

قلت: على فرض التسليم، ذلك ايضا مما لا يغنى من الجوع، اذ كلمة يقم الواردة فى تلك الأخبار، كما تحتمل ان تقرأ على صيغة المجرد، كذا تحتمل ان تقرأ على صيغة المزيد من اقام و عليه فالتبادر الذى ادعيناه يجئ هنا ايضا فوقعت فيما فررت عنه و بالجملة القول بتقديم القيام منحنيا على الانتصاب مستندا لا يخلو عن قرب و لكن الاحتياط مما لا ينبغى تركه.

السادس: لو رجى حصول الاستقلال،

فقد ذكر بعض المحققين بان الواجب عليه هو التاخير الى ان يتضيق الوقت و هو الاحوط.

فان عجز عن القيام منتصبا و منحنيا مستقلا و معتمدا قعد
اشارة

(فان عجز) عن القيام منتصبا و منحنيا مستقلا و معتمدا (قعد) اجماعا، نصا و فتوى، محققا و محكيا، متجاوزا عن حد الاستفاضة، بل الظاهر انه ضرورى قاله بعض المحققين، و الأخبار الدالة عليه كثيرة، و قد مضى الى جملة منها الاشارة، و سياتى بعضها فى المسائل الاتية، فلا وجه للاطالة.

فروع:
الأول: اختلف الاصحاب فى حد العجز المسوغ للجلوس على قولين:
اشارة

ص: 33

الأول: انه عدم التمكن العادى من القيام الموكول معرفته الى نفسه فان الانسان عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، و هو للمشهور على ما ادعاه الجماعة، بل عليه عامة متأخرى اصحابنا، قاله بعض الأجلة.

الثانى: انه عدم التمكن من المشى بمقدار زمان الصّلوة و هو المحكى عن المفيد فى بعض كتبه، للمشهور جملة من الأخبار: منها: صحيحة جميل المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه اللّه: الأول القيام.

و منها: ما رواه التهذيب فى باب صلوة الغريق، فى الصحيح عن ابن ابى عمير، عن عمر بن اذينة، عمن اخبره عن ابى جعفر (ع)، انه سئل ما حد المرض الذى يفطر صاحبه، و المرض الذى يدع صاحبه فيه الصلوه قائما؟ قال (ع): قال تعالى: (بَلِ اَلْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)، قال: ذلك اليه هو أعلم بنفسه.

و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى كتاب الصوم، فى باب حد المرض الذى يفطر صاحبه، فى الموثق عن ابن بكير، عن زرارة قال سألت ابا عبد اللّه عليه السلام ما حد المرض الذى يفطر فيه الصيام و يدع الصلوة من قيام؟ فقال:

بَلِ اَلْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، و هو أعلم بما يطيقه، و التقريب انه لو كان للعجز حد معين كما هو مقتضى القول الثانى لنبيه (ع)، و لم يجعله راجعا الى العلم بنفسه، الذى هو عبارة عن القدرة على القيام و عدمها، و يعضده امران:

الأول: ان الحد المسوغ لو كان مجرد عدم القدرة على المشى مقدار الصلوة مطلقا، لكان اللازم هو وجوب القعود على من لم يقدر على المشى كذلك، و لو كان قادرا على الصلوة قائما، و التالى باطل، لعموم الأمر بالصلوة قائما، فالمقدم مثله.

الثانى: ان ذلك لو كان كذلك، للزم وجوب الصلوة قائما، اذا قدر على المشى مقدارها مطلقا، و لو كان ذلك مستلزما للعسر و الحرج، و التالى باطل، لعموم ما دل على نفيهما كتابا و سنة، فالمقدم مثله، و انما لم نجعلهما دليلين مستقلين، لعدم خلوهما عن المناقشة. و للمفيد ما رواه التهذيب فى باب صلوة الغريق عن سليمان بن حفص المروزى، قال: قال الفقيه (ع): المريض انما يصلى

ص: 34

قاعدا اذا صار بالحال التى لا يقتدر فيها ان يمشى مقدار صلوته الى ان يفرغ قائما، و فيه ان هذا الخبر غير صالح لمعارضة الأخبار الاوّله لارجحيتها عليه سندا و عددا، و للمشهور مطابقة، بل و دلالة، لاحتمال كون المراد منه ان من قدر على المشى مصليا، مع عدم قدرته على القيام مستقرا، فحكمه الصلوة ماشيا، دون الصلوة جالسا، بل لعله اظهر الاحتمالين، قاله بعض الاجلاء، و يعضده ما ترى، و كلام الشارح الفاضل، حيث استدل به على تقديم الصلوة ماشيا عن الصلوة جالسا مستقرا، بل و اخبارا مقدمة عليه اعتبارا، اذ المصلى قد يتمكن من القيام بمقدار الصلوة، مع عدم تمكنه عن المشى بمقدار زمانها، و بالعكس قاله غير واحد. و عليه فينبغى طرحه، او حمله على ما اشار اليه شيخنا الشهيد - طاب مضجعه - فى الذكرى، من ان المراد به الكناية عن العجز عن القيام، لتلازم العجزين و القدرتين غالبا.

و بالجملة لا شبهة فى ارجحية المشهور بين الطائفة.

تذنيبان:
الأول: العجز المسوغ للقعود، يتحقق بحصول الالم الشديد، الذى يتحمل عادة،
اشارة

و لا يعتبر العجز الكلى، و به صرح غير واحد من الطائفة و يدل عليه الكتاب و السنة، و كذا الكلام فى ساير المراتب الاتيه.

فائدة:

كما يجوز الانتقال الى المرتبة الدنيا مع العجز عن المرتبة بحصول الالم الشديد، كذلك يجوز الانتقال عنها باخبار الطبيب بالبرء فى المرتبة الدنيا بعلاج و نحوه، و يدل عليه ما رواه الكافى فى باب صلوة الشيخ الكبير و المريض فى الصحيح عن محمد بن مسلم، قال سألت ابا عبد اللّه (ع) عن الرجل و المرأة يذهب بصره، فيأتيه الاطباء فيقولون نداويك شهرا أو أربعين ليلة مستلقيا، كذلك يصلى، فرخص فى ذلك، و قال: (فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا اثم عليه) و ما رواه التهذيب فى باب صلوة المضطر فى الزيادات، فى الموثق عن سماعة، قال

ص: 35

سألته عن الرجل، يكون فى عينيه الماء، فينزع الماء منهما، فيستلقى على ظهره الايام الكثيرة، اربعين يوما او اقل او اكثر، فتمنع من الصلوة الايام و هو على حاله؟ فقال: لا بأس، و ليس شىء مما حرم اللّه، الا و قد احله لمن اضطر اليه، و رواه الصدوق فى الفقيه ايضا، فى باب صلوة المريض عنه عن الصادق (ع)، الا ان فيه بدل كلمة الايام الاخيرة الاّ ايماء، و اسقاط قوله: و ليس شىء الى آخره. و ما رواه بعض الاجلاء عن الحسين بن بسطام، فى كتاب طب الائمة (ع) بسنده عن عبد اللّه بن المغيرة، عن بزيع المؤذن، قال: قلت لابى عبد الله (ع): انى اريد ان اقدح عينى، فقال: استخر اللّه و افعل، فقلت: هم يدعون انه ينبغى للرجل ان ينام على ظهره كذا و كذا لا يصلى قاعدا، قال: افعل. و رواه الصدوق فى الفقيه باب صلوة المريض بادنى تغيير، قوله فى الخبر الأول: كذلك يصلى؟ على الاستفهام بحذف الهمزة، اى كذلك يصلى؟ ثم المحكى عن جماعة التصريح بجواز العمل بقول الطبيب الواحد، و لو كان كافرا، و لا بأس به عملا بالعموم، و آية النبأ غير صالحة لتخصيص الأخبار المتقدمة، لان التعارض بينهما العموم من وجه، و المرجح مع الأخبار.

قال فى الحبل المتين: الظاهر ان جواز التعويل على كلام الاطباء فى ذلك و امثاله، مما لا خلاف فيه بين علمائنا، و كلامهم يعطى تخصيص آية التثبت، عند خبر الفاسق، بما اذا لم يفد خبره الظن، و قال بعض الأجلاء: و ظاهر الأخبار جواز العمل بقول الاطباء فى ترك القيام، و ان كان غير عدول بل فسقة، او كفارا، و الظاهر انه لا خلاف فيه بين الاصحاب فى هذا الحكم و غيره من الاحكام، و عن المصنف رحمه اللّه فى التذكرة: لو كان به رمد و هو قادر على القيام فقال العالم بالطب: اذا صلى مستلقيا رجى له البرء، جاز له ذلك، و به قال ابو حنيفة، و الثورى، و قال مالك و الاوزاعى: لا يجوز، لأن ابن عباس لم يرخص له الصحابة فى الصلوة مستلقيا، انتهى.

و ظاهره ان الخلاف انما هو بين العامة دون الخاصة، و خبر ابن العباس

ص: 36

المشار اليه فى كلامه، هو ما روى عن ابن عباس لما كف بصره، اتاه رجل فقال له:

ان صبرت على سبعة ايام لا تصلى الا مستلقيا داويت عينك، و رجوت ان تبرء، فارسل الى بعض الصحابة كام سلمه و غيرها، يستفتيهم فى ذلك، فقالوا: لو مت فى هذه الايام ما الذى تصنع فى الصلوة؟ فترك المعالجة. و الظاهر ان الخبر عامى، كما صرح به بعض الأجلاء، فلا يعارض اخبارنا من وجوه شتى. قال بعض الأجلاء: و من البعيد بل الا بعد ان ابن عباس مع عدم علمه بالمسئلة يستفتى الصحابة مع وجود الحسن و الحسين (ع) معه، و هو عالم بامامتهما و وجوب الطاعة لهما.

تنبيه:

قال الشيخ البهائى فى الحبل المتين: قد فسرّ الباغى فى الاية، و عنى بها الاية الواقعة فى ذيل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة بالخارج على الامام، و العادى بقاطع الطريق، و هو مروى عن الصادق (ع)، و ربما يلوح من تلاوته عليه السلام هذه الاية عقيب الرخصة فى الصلوة مستلقيا، ان الباغى و العادى غير مرخصين فى ذلك، فيحرم عليهما الاستلقاء فى الصلوة للمداواة و يتحتم القيام و ان اوجب استمرار المرض كما يحرم عليهما تناول الميتة عند الاضطرار، و يتحتم لهما الكف عنها، فان ادى ذلك الى الهلاك، و لا يحضرنى الان تعرض احد من الاصحاب لذلك، و لو قيل به لم يكن فيه كثير، بعد ان لم يكن انعقد الاجماع على خلافه انتهى، فليتأمل فيه جدا.

التذنيب الثانى:
اشارة

الفرع الأول: لا اشكال فى انه اذا علم بالعجز، يجب عليه القعود، و اما اذا ظن به، ففى جواز الاعتماد عليه اشكال.

الفرع الثانى: اذا دار الامر بين الصلوة ماشيا غير مستقرة، و الصلوة قاعدا مستقرة، فاختلف الاصحاب فيه على قولين:

الأول: ترجيح الأول، و هو للشارح الفاضل كما عن المصنف رحمه اللّه.

الثانى: ترجيح الثانى، و هو للشهيد فى الذكرى، و المحقق الثانى فى

ص: 37

جامع المقاصد، و السيد فى المدارك.

للاول وجوه:

الأول: رواية المروزى المتقدمة، و فيه ان الخبر لمكان ضعفه و عدم وضوح دلالته، بدلالة تطمئن بها النفس لا يصلح للحجية.

الثانى: ما اشار اليه الشارح الفاضل طاب ثراه فى جملة كلام له بما لفظه فان المشى يرفع وصف القيام، و هو الاستقرار و الجلوس يرفع اصله، و فوات الوصف خاصة اولى من فوات الموصوف، و من ثم اتفق الجماعة على ان من قدر على القيام معتمدا على شىء، وجب مقدما على الجلوس مع فوات وصف القيام و هو الاستقلال، ورده الشارح المحقق، بان الاستقرار ليس من اوصاف القيام، بل هو وصف من اوصاف المصلى، معتبر فى صحة صلوته من غير اختصاص له بحال القيام او القعود، فترجيح القيام عليه يحتاج الى دليل، و الانصاف ان الاعتماد على الوجه المذكور لا يخلو عن اشكال.

الثالث: العموم المستنبط من قوله (ع): لا صلوة لمن لم يقم صلبه و نحوه خرج منه ما خرج بدليل، و لا دليل على خروج ما نحن فيه، و قد اشار الى هذا بعض المحققين، و فيه نظر واضح، اذ مع الجلوس يتحقق نصب فقار الظهر.

الرابع: اطلاق الامر بالقيام و صدقه مع المشى مما لا شبهة فيه، فليحكم بالصحة حتى يظهر التقييد، و فيه ان شمول الاطلاق لما نحن فيه محل تأمل، لمكان كونه فردا نادرا، و للاخرين ايضا وجوه:

الأول: ما اشار اليه فى الذكرى من كون الاستقرار ركنا فى القيام، فاذا انتفى انتفى وجوب القيام. و فيه انا لا نسلم كونه ركنا فيه حتى فى محل الفرض، و للمدعى اقامة البرهان.

الثانى: ان الطمانينة اقرب الى حال الصلوة من الاضطراب عرفا و شرعا، و الخشوع الذى هو روح العبادة بها يتحقق، و فيه ان تأسيس الاحكام الشرعية بمثل هذه التخريجات مما ينفيه القواعد الشرعية.

ص: 38

الثالث: ان المعهود من صاحب الشرع الصلوة فى حال القيام مستقرا اختيارا، و الصلوة جالسا حال الاضطرار بالمرض، و اما الصلوة ماشيا حال المرض فغير معهود عنه، فلو كان المشى سايغا للمرض احيانا، لوقع التبيان و التعليم و فيه ان ما نحن فيه لو كان من الفروض المتكررة، التى تعم بها البلوى، للمذكور وجه، و لكن هو كما ترى من الفروض النادرة.

الرابع: ما اشار اليه بعضهم من ان العبادة موقوفة على النقل، و المنقول هو الجلوس، و فيه انه ان اريد ان المنقول فى خصوص محل البحث هو الجلوس فليبيّن حتى نراه، و ان اريد ما مرجعه هو الدليل الثالث، فقد عرفت ما فيه.

الخامس: قوله (ع) فى حسنة ابى حمزة المتقدمة فى اول القيام: المريض يصلى جالسا. فان الاطلاق يشمل المقام، و فيه عدم تسليم شمول الاطلاق لنحو المقام مضافا الى انه معارض باطلاق ما رواه التهذيب فى باب صلوة الغريق، عن محمد بن ابراهيم، عمن حدثه، عن ابى عبد الله (ع)، قال: يصلى المريض قائما، فان لم يقدر على ذلك صلى جالسا، فان لم يقدر على ذلك صلى مستلقيا، الحديث.

و روى الصدوق فى الفقيه فى باب صلوة المريض مرسلا عن الصادق (ع) نحوه، الا ان فيه بدل كلمة على ذلك الثانية ان يصلى جالسا.

و الانصاف ان المسئلة محل اشكال، فليحتاط بان ياتى بالصلوة ماشيا تارة و جالسا اخرى، و مع عدم الامكان فالقول بالتخيير هو المتعين.

تنبيه:

قد بالغ المصنف طاب ثراه فحكم بتقديم الصلوة ماشيا على الصلوة مستقرا متكأ، اذا دار أمر المكلف بينهما، على ما نسب خلافا للجماعة، بل المشهور على ما نسبه بعضهم، فرجحوا الثانى على الأول، و يدل عليه صحيحة على بن جعفر، و موثقة عبد اللّه بن بكير، و رواية سعيد بن يسار المتقدمة، فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يجب الاستقلال، خرج منها ما خرج بدليل، و لا دليل على خروج ما نحن فيه عنها، و يعضده صحيحة ابن سنان المتقدمة، المشتملة على قوله (ع):

ص: 39

و لا تستند الى جدار الا ان تكون مريضا. و يؤيده كونه اقرب الى الهيئة المنقولة.

الثالث: لا يجب لمن وجب عليه الصلوة قاعدا باعتبار العجز ان يتربع حال القراءة،
اشارة

خلافا لظاهر النهاية، حيث قال على ما حكى: اذا صلى قاعدا تربع حال القراءة، بل ذلك على جهة الاستحباب، و يدل عليها الاجماع المحكى فى المدارك، و عن الخلاف الاجماع على افضلية التربع، و عن المنتهى اما استحباب التربيع فى حال الجلوس، فهو قول علمائنا و الشافعى و مالك و الثورى و احمد و اسحق، و روى عن ابن عمر و ابن سيرين و مجاهد و سعيد بن جبير خلافا لابى حنيفة، ثم قال لنا: ما رواه الجمهور عن انس انه صلى متربعا، فلما ركع ثنى رجليه، و من طريق الخاصة ما رواه الشيخ رحمه اللّه عن حمران بن اعين، عن احدهما (ع)، قال: كان ابى اذا صلى جالسا تربع، فاذا ركع ثنى رجليه، انتهى.

أقول: رواه التهذيب فى اواخر باب تفصيل ما تقدم ذكره، و روى ايضا فى الباب المتقدم عن معوية بن ميسرة، انه سمع ابا عبد الله (ع) يقول، او سئل أ يصلى الرجل و هو جالس متربعا و مبسوط الرجلين؟ فقال: لا بأس، و روى ايضا فى باب صلوة المضطر فى الزيادات عنه، ان سنانا سأل ابا عبد الله (ع) عن الرجل يمد احدى رجليه بين يديه و هو جالس؟ قال: لا بأس، و لا اراه الا فى المعتل و المريض.

و رواه الكافى ايضا فى باب صلوة الشيخ الكبير، الا ان فيه بعد ذكره: و فى حديث آخر يصلى مربعا، و مادّا رجليه، كل ذلك واسع، و يدل على عدم الوجوب بخصوصه، بعد ما ذكر الاجماع المحكى عن المنتهى، حيث ادعاه بعد نقل كلام النهاية، رادا عليه.

و عن الكشف حيث قال: و يدل على عدم تعين التربع بعد الاجماع اصالة البراءة.

أقول: و يدل عليه اطلاق الامر بالصلوة قاعدا ايضا.

ص: 40

تذنيبات:
الأول: مقتضى اطلاق الامر بالجلوس هو جواز القعود كيف شاء،

و عدم اختصاصه بكيفية خاصة وفاقا لجماعة، قال بعض المحققين: المراد بالجلوس جميع الصور المتعارفة لظهورها من الأخبار، و قال فى موضع آخر: الجلوس كيف يتيسرصح، الا ان يكون من الافراد الغير المتبادرة، و الفروض الغريبة، فيشكل اختياره اختيارا، و اما اضطرارا فلا بأس للادلة السابقة.

الثانى: يستفاد من كتب الجماعة استحباب التربع حال القعود مطلقا،

و لو لم يكن مشغولا بالقراءة، و لكن اقتصر الاخرون على استحبابه حال كونه قاريا، و الأول اوجه، الا فيما يظهر ان شاء اللّه لرواية حمران بن اعين المتقدمة.

الثالث: المراد بالتربع نصب الفخذين و الساقين و الجلوس على الاليتين
اشارة

الثالث: المراد بالتربع نصب الفخذين و الساقين و الجلوس على الاليتين(1)

قاله جماعة، و عن الكشف انه عزاه الى الاصحاب، حيث قال المعروف من التربع ما صرح الثعالبى فى فقه اللغة من انه جمع القدمين و وضع احديهما تحت الاخرى، و ذكر الاصحاب ان المراد هنا نصب الفخذين و الساقين و هو القرفصاء، هو الذى ينبغى فضله لقربه عن القيام، و لا ياباه مادة اللفظ و لا صورته، و ان لم اظفر له بنص اهل اللغة، انتهى(2).

أقول: عن الجاد بردى: القرفصاء و هو ضرب من القعود، و هو أن يجلس الشخص على اليتيه و يلصق فخذيه ببطنه، و يحتوى بيده يضعهما على ساقه، كما يحتوى بالثوب، يكون يداه مكان الثوب انتهى.

ص: 41


1- روى الكافى فى كتاب العشوة فى باب الجلوس استناده عن عبد اللّه بن الحسن العلوى رفعه قال كان النبى (ص) يجلس ثلثا القرفصاء و هو ان يقيم ساقيه و يستقبلهما بيديه و يشد يده فى ذراعه و كان يجثو على ركبتيه و كان يثنى رجلاه و يبسط عليها الاخرى و لم ير (ص) متربعا قط. (منه)
2- قيل و القرفصاء جلسة المحتبى و هو من جمع ظهره و ساقيه بعمامته او بيديه و فى الكنز قرفصاء زانو بخود در كشيدن در نشستن و دستها را بزير زانو درهم افكندن و اين اسم مصدر است. (منه)

و بالجملة الظاهر عدم الاشكال فى ان المراد بالتربع هنا ما ذكروه، و لم اجد على نقل خلاف منهم فى ذلك، فليعمل به.

فائدة:

روى أبو بصير عن أبى عبد اللّه (ع)،(1) قال: قال أمير المؤمنين (ع): اذا جلس احدكم على الطعام، فليجلس جلسه العبد، و لا يضع احدى رجليه على الاخرى، و لا يتربع، فانها جلسة يبغضها اللّه تعالى، و يبغض صاحبها. و فى بعض الأخبار كان رسول اللّه (ص) يجلس ثلثا القرفصاء و على ركبتيه، و كان يثنى رجلا واحدة و يبسط عليها الاخرى، و لم ير متربعا قط، و ظاهر الخبرين كما ترى عموم الكراهة فى جميع الاحوال، مع انك قد عرفت ان مقتضى رواية حمران المتقدمة و غيرها هو استحبابه فى الصلوة جالسا، و احتمال الاستحباب و الكراهة بالنظر الى حالتى الصلوة و الاكل، فيستحب فى الاولى دون الثانية بعيد، لما يحكم به المنصف الناظر الى الخبرين بعين الانصاف، بل مقتضى رواية(2) ابى سعيد، حيث رأى ابا عبد اللّه (ع) يأكل متربعا، هو عدم الكراهة فى الأكل ايضا، و يعضده صحيحة الحلبى(3) ابن ابى شعبة، او حسنته، كما قيل انه رأى ابا عبد الله عليه السلام متربعا.

أقول: تحقيق الكلام هنا فى مقامين:

الأول: لم يظهر لى للتربع معنى ثالثا بظهور يعتد به، بل هو الظاهر أن له معنيين: احدهما: ما ذكره الاصحاب و قد عرفته، و ثانيهما: ما اشار اليه الشيخ فخر الدين بن طريح النجفى طاب ثراه فى كتاب مجمع البحرين، بعد نقل الحديث النبوى، و انه لم ير متربعا قط، حيث قال الثربيع عبارة عن ان يقعد على و ركيه، و يمد ركبته اليمنى الى جانب يمينه، و قدمه الى جانب شماله، و اليسرى بالعكس، ثم قال: قاله فى المجمع انتهى. و يعضده العرف حيث

ص: 42


1- رواها الكافى كما قيل. (منه)
2- رواها الصدوق كما قيل. (منه)
3- رواها الكافى كما قيل. (منه)

يقولون لمن قعد بالكيفية المذكورة بالفارسيه چهارزانو نشسته است. و له افراد و هيئات، منها: هو انه يجمعهما بحيث يضع احديهما تحت الاخرى، و عليه فلا ينافيه خبر ابى بصير المتقدمة، و لا ما ذكره فى الكشف اولا، و لا ما رواه الكشى فى ترجمة جعفر بن عيسى فى حديث عن ابى الحسن (ع)، قال فيه: و كان جالسا الى جنب رجل و هو متربع رجلا على رجل، و لا ما عن الفيروزآبادى: تربع فى جلوسه خلاف جثى واقعى.

الثانى: المراد بالتربع ما ذكره الاصحاب، و قد عرفته، و فى خبر ابى بصير و النبوى هو ما ذكره فى المجمع، كما يشهد به العادة ايضا، حيث تراه فعل المتكبرين، و عليه فهو مكروه مطلقا، سيما الفرد الذى اشرنا اليه، بل عن التقى المجلسى انه قال و سمع ان التربع المكروه، هو هذا النحو(1) منه، و سيما فى حالة الأكل، كما يدل عليه الخبر ان المشار اليهما، بل الاولى ان لا يضع احديهما تحت الاخرى، و لو كانتا ممدودتين، و لا ينافيه روايتا الحلبى و أبو سعيد المتقدمتان، لانهما محمولتان على الجواز او الضرورة، وفاقا لمجمع البحرين، و محمد بن الحسن الحر العاملى فى الوسائل، حيث قيل: ان ظاهر كلامه بعد حكمه بكراهة التربيع حمل حديث ابى سعيد على بيان الجواز.

الفرع الرابع: يستحب لمن وجب عليه الصلوة قاعدا باعتبار العجز عن القيام ان يثنى رجليه حال الركوع اجماعا،
اشارة

نقله فى المدارك، و يدل عليه رواية حمران المتقدمة.

تنبيه:

ذكر جماعة بان المراد بثنى الرجلين فرشهما تحته، و قعوده على صدرهما بغير اقعاء.

الخامس: في استحباب التورك حال التشهد

صرح الجماعة و منهم المحكى عن المبسوط، و الوسيله، و الاصباح،

ص: 43


1- و يشهد به العادة ايضا. (منه)

بانه يستحب للقاعد المشار اليه التورك حال التشهد، بل لم يظهر فيه خلاف، الا ما يظهر من المحقق فى مختصر النافع و الشرايع، كما عن التحرير، فان ظاهره التردد، و لعله نشاء من اطلاق رواية حمران المتقدمة، فيستحب التربع لا التورك، من اطلاق ما دل على استحباب التورك فيه، من صحيحة حماد و غيرها فبالعكس، و القول باستحباب التورك فيه هو الاولى و الاجود.

السادس: لا اشكال لمن وجب عليه الصلوة قاعدا ان ينحنى للركوع و انما الاشكال فى انّ رفع فخذيه عن عقبيه هل هو واجب حين الركوع أم لا؟

ذهب جماعه الى الأول، و اخرى الى الثانى، و هو الأقوى لوجوه:

الأول: اطلاق الأمر بالصلوة جالسا فى كثير من الأخبار، و لم يظهر ما يقيده.

الثانى: عموم قوله (ع) لا تعاد الصلوة الا من خمسة.

الثالث: انه لو كان واجبا لوقع التنبيه عليه، لانه من الامور العامة البلوى، و التالى باطل، فالمقدم مثله، و الملازمة ظاهرة، و للاولين ايضا وجوه:

الأول: وجوب تحصيل البراءة اليقينيه، فيجب ذلك، و فيه نظر لمكان الاطلاق المتقدم اليه الاشارة، و هو مقدم على ذلك الاصل فى نحو المقامات، و إن شئت فقل الشك فى المقام، انما هو فى اصل التكليف، و عليه فلا يجدى ذلك الاصل كما لا يخفى على الماهر بالفقه، و لو فى الجملة.

الثانى: ما أشار اليه بعض الأفاضل بأن ذلك كان واجبا فى الأصل حال القيام و الاصل بقاء ما كان، و لا دليل على اختصاص وجوبه بحال القيام، و فيه ان ذلك فى حالة القيام غير مقصود لذاته، و انما حصل تبعا للهيئة الواجبة فى تلك الحالة، و هى منتفية هنا، و لم نجد ما يدل على حجية الاستصحاب فى امثال تلك المقامات، هذا مضافا الى انتقاضه بالصاق بعض بطنه بفخذيه فى حال الركوع جالسا، زيادة على ما يحصل منه فى حالته قائما، و لم يقل بوجوب مراعاة ذلك هنا، بحيث يجافى بطنه على تلك النسبة، قاله بعض الافاضل.

الثالث: ما ذكره بعض الاجله بان الهيئة عنده اقرب الى هيئة الراكع،

ص: 44

و فيه نظر.

الرابع: ان ذلك مما يتوقف عليه مفهوم الركوع، قاله بعض، فيجب، و فيه نظر واضح، و امر الاحتياط واضح.

السابع: عن جماعة من اصحابنا المتأخرين انهم ذكروا فى كيفية ركوع القاعد وجهين:

احدهما: ان ينحنى بحيث يصير بالنسبة الى القاعد المنتصب كالّراكع القائم بالنسبة الى القائم المنتصب. و ثانيهما: ان ينحنى بحيث يحاذى جبهته موضع سجوده، و ادناه ان ينحنى بحيث يحاذى جبهته بما قدام ركبتيه، كما ان ادنى ركوع القائم ان يصل راحتاه الى ركبتيه، و هو مستلزم لمحاذاة بعض الوجه بما قدام ركبتيه، و اكمل ركوع القائم ان يستوى ظهره و عنقه، و هو يستلزم محاذاه الجبهة لموضع السجود، و حكم غير واحد بحصول اليقين بالبراءة بالاتيان بكل منهما، و عن البهائى و ينحنى للركوع الى ان يحاذى وجهه بما قدام ركبتيه، و قال الشارح المقدس: و الظاهر ان ركوع الجالس يتحقق بانحنائه بحيث يسمى عرفا، و ينبغى ان ينحنى بحيث يحاذى وجهه ركبتيه، او موضع جبهته، و يرفع اليتيه عن ساقيه، انتهى.

و هو فى غاية الجودة عملا بالاطلاق فافهم، و بقوله (ع): لا تعاد الصلوة الى آخره فتبصر، و بعدم التعرض فى الأخبار لبيانه مع انه من الامور العامة البلوى، و امر الاحتياط واضح.

الثامن: لا اشكال فى انه لو قدر على اقل ما يتحقق به الركوع دون الزايد عليه لم يكن له ان ينقص منه،

لحصول القدرة المستلزمة للوجوب، و حينئذ يسقط اعتبار الفرق بينه و بين السجود، للعجز المستتبع للسقوط، و انما الاشكال فيما لو قدر على اكمل حالات الركوع دون الزايد عليه، فهل يجب الاكتفاء بالاقل منه تحصيلا للفرق بينه و بين السجود كما ذهب اليه بعض الأفاضل(1) اولا؟ لعدم

ص: 45


1- و هو الشيخ على.

ثبوت اعتبار الفرق كلية، كما ذهب اليه الجماعة، قيل: و ذهب الشهيد الى عدم الوجوب استبعادا للمنع من الركوع الكامل انتهى، وجهان: و الاقوى ما ذهب اليه الجماعة.

التاسع: عن الذكرى لو قدر على اكمل الركوع و زيادة فيجب هنا ايثار السجود بالزايد قطعا،

لان الفرق بينهما واجب مع الامكان، و لو قدر على زيادة الخفض فى السجود فلا ريب فى وجوبه حتى امكنه السجود على احد الجبينين، او الصدغين، او الذقن، او عظم الراس وجب، و الا وجب ادناء راسه من الارض بحسب الطاقة. و نعم ما ذكره الشارح المحقق طاب ثراه بعد نقل ذلك:

و عندى فى كلّ هذه الاحكام نظر.

العاشر: يجب فى الجلوس الاستقلال،

لانه المعهود المتبادر من الاطلاقات، و مع العجز عنه يجلس متوكيا بلا خلاف اجده، و يدل عليه بعد اطلاق الامر بالجلوس صحيحة ابن سنان، و مرسلة الخلاف المتقدمتان فى شرح قول المصنف، و يجب الاستقلال، و كذا موثقة عبد الله بن بكير، و رواية سعيد بن يسار المتقدمتان هناك ايضا، و يعضده بعض الامور المتقدمة هناك فراجع.

الحادى عشر: يجب فى الجلوس الانتصاب و مع العجز يجلس منحنيا،

و الدليل عليهما يستفاد من المباحث السابقة، أما اذا دار أمره بين الانحناء جالسا بلا اتكاء و الانتصاب فيه معه، فلعل الاقوى هو الأول، عملا بالاطلاق و الاحتياط بالجمع مما لا ينبغى تركه و فى التذكرة: و التطوع قائما افضل و يجوز جالسا باجماع العلماء انتهى.

بقى فى المقام اشياء يحسن التنبيه عليها:
الأول: يجوز الجلوس فى النوافل اختيارا على الاشهر الاظهر،

بل لا خلاف فيه يظهر، الا ما عن الحلى من المنع عنه فى غير الوتيره و هو شاذ محجوج عليه بالاجماع المحكى فى التذكرة و التحرير و غيرهما، و هو الحجة، و في المدارك قال فى التحرير: و هو اطباق العلماء، و قال فى المنتهى: انه لا نعرف مخالفا، و كانهما لم يعتبر اخلاف ابن ادريس، حيث منع من الجلوس فى النافلة

ص: 46

فى غير الوتيرة اختيارا، و هو محجوج باطباق العلماء قبله و بعده، انتهى.

و هذا ايضا حجة اخرى مستقلة، هذا مضافا الى النصوص المستفيضه:

منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه، و الكافى فى باب صلوة الشيخ الكبير و المريض عن ابى بصير، عن ابى جعفر (ع) قال: قلت له: انا نتحدث و نقول من صلى و هو جالس من غير علة، كانت صلوته ركعتين بركعة، و سجدتين بسجدة. فقال: ليس هو هكذا، هى تامة لكم.

و منها: ما رواه الفقيه فى الباب المتقدم عن سهل بن اليسع، انه سئل ابا الحسن الأول (ع) عن الرجل يصلى النافلة قاعدا و ليست به علة فى سفر او حضر، فقال: لا بأس به.

و منها: ما رواه الكافى فى الباب المتقدم عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: قلت: الرجل يصلى و هو قاعد، فيقرأ السورة، فاذا اراد ان يختمها قام فركع باخرها. قال: صلوته صلوة القايم.

و منها: ما رواه التهذيب فى اواخر باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الصحيح عن حماد بن عثمان، عن ابى الحسن (ع) قال: سألته عن الرجل يصلى و هو جالس؟ فقال: اذا اردت ان تصلى و انت جالس، و يكتب لك بصلوة القائم فاقرا و انت جالس، فاذا كنت فى آخر السورة فقم و اتمها و اركع، فتلك تحسب لك بصلوة القائم.

و منها: ما تقدم فى الفرع الثالث.

و منها: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، عن ضان بن سدير عن ابيه، قال: قلت لابى جعفر (ع): اتصلى النوافل و انت قاعد؟ فقال: ما اصليها الا و انا قاعد منذ حملت هذا اللحم، و بلغت هذا السن. و فى دلالة هذه نوع مناقشة، و يدل عليه ايضا بعض الأخبار الاتيه. و بالجملة لا اشكال بحمد اللّه فى المسئلة.

الثانى: كيفية الصلاة جالسا

روى فى الفقيه فى باب صلوة المريض عن حماد بن عثمان، قال قلت لابى عبد اللّه (ع): قد اشتد علّى القيام فى الصلوات. فقال: اذا اردت ان

ص: 47

تدرك صلوة القايم فاقرأ و انت جالس، فاذا بقى من السورة آيتان فقم فاتم ما بقى و اركع و اسجد، فذاك صلوة القايم، و لا تتوهم المنافاة بالاطلاق و التقييد بين هذا الخبر و بين خبرى زرارة و حماد المتقدمين، اذ هى لمكان الاستحباب مرفوعة، لعدم ثبوت الاجماع على اتحاد التكليف فافهم، فانه دقيق.

الثالث: استحباب التضعيف

روى فى التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره عن محمد بن مسلم قال سألت ابا عبد اللّه (ع) عن رجل يكسل او يضعف، فيصلى التطوع جالسا، قال يضعّف ركعتين بركعة. و روى ايضا فى المكان المتقدم عن الحسين بن زياد الصيقل.

قال: قال لى ابو عبد اللّه (ع): اذا صلى الرّجل جالسا و هو يستطيع القيام فليضعّف.

أقول: و هذان الخبران يدلان على استحباب التضعيف متى صلى جالسا بمعنى ان يصلى لكل ركعة من قيام ركعتين من جلوس، وفاقا للشيخ و من تبعه كما عن المفيد، و انت خبير بان رواية ابى بصير المتقدمة بظاهرها مدافعة لهذين الخبرين، لمكان قوله (ع): ليس هو هكذا هى تامة لكم، يعنى ثوابها تام لا يحتاج الى التضعيف و لعل المراد انها تامة للامامية، لمكان كلمة لكم بمعنى ان النافلة الصادرة عن الشيعة جالسا مثل الصادرة عن المستضعفين قائما، و ان استحب للشيعة ايضا التضعيف، اذ فيه ثواب خارج، و يحتمل ان يكون ابو بصير فهم الوجوب من الامر بالتضعيف، و انه ما لم يضعف لا تكون النافلة تامة بل تكون ناقصة، فاجاب (ع) بما اجاب، و لعل كلمة مما يوهن ذلك، و ربما احتمل ان يكون الخطاب بالنسبة الى مثل ابى بصير من الاجلة و هو بعيد، كالقول بان المراد بالتمام هو القيام فيها فى آخر السورة ثم الركوع عن قيام، كما دلت عليه اخبار حماد و زرارة، و اما لو صلاها لا كذلك فان الافضل التضعيف.

و بالجملة لا اشكال فى الاستحباب على النهج المقرر فى الخبرين، و عن بعضهم ادعاء الاجماع على افضلية القيام مطلقا فى النوافل، و عليه فالاتيان بها قائما اولى من الاتيان بها جالسا مطلقا و لو بالتضعيف.

ص: 48

الرابع: هل يجوز الاضطجاع و الاستلقاء مع القدرة على القيام كما عن المصنف رحمه اللّه فى النهاية ام لا كما ذهب اليه جماعة؟

وجهان: ينشأن من تبعية الكيفية للاصل، فلا يجب كالاصل فالاول، و من عدم ثبوت التعبد بها بتلك الكيفية و العبادات توقيفية فالثانى، و هو الارجح، لعموم من لم يقم صلبه فى الصلوة فلا صلوة له، من غير ظهور مخصص فى نحو المقام المعتضد بما مر، و ما دل على الأول غير ناهض، اذ المراد بالوجوب الشرطى لا الشرعى كالطهارة بالنسبة اليها، و فى الذخيرة بعد ان حكى القول بجواز الاستلقاء و الاضطجاع فى النوافل اختيارا عن بعض، بما لفظه: و اختاره المصنف حتى اكتفى باجراء القراءة و الاذكار على القلب دون اللسان، و استحب تضعيف العدد فى الحالة التى يصلى عليها على حسب مرتبتها من القيام، فكما يحتسب الجالس ركعتين بركعة، يحتسب المضطجع على الايمن اربعا بركعة، و على الايسر ثمان، و المستلقى ستة عشر، و الكل غير مرتبط بالدليل، انتهى.

هذا مع الاختيار، و اما مع العجز عن الحالة العليا، فيجوز النافلة فيما هو ادون منها بلا اشكال و لا تامل من احد، قاله بعض المحققين.

الخامس: إعلم ان كثيرا من الاحكام السابقة جارية فى النوافل ايضا،

اما استحباب التربيع فلا طلاق الاجماع المحكى عن المنتهى كما عرفت من نقل عبارته، و لخبر حمران المتقدم، و اما استحباب ثنى الرجلين فلرواية حمران ايضا، و اما استحباب التورك حال التشهد فلا طلاق دليله، و هكذا ساير الفروع فاستخرجها، فلا نطول المقام بذكرها.

و فى المفاتيح: يستحب التربع فى الجلوس، و يكره الاقعاء للنصوص، فريضة كانت او نافلة. نعم قد عرفت ان مقتضى الأخبار هو جواز الجلوس كيف شاء. و عدم اختصاصه بكيفية خاصة، و عليه فهل ذلك يعم النافلة ايضا ام لا؟ مقتضى اطلاق جملة من الأخبار هو الأول، و لكن الاحوط هو عدم مد الرجل بين يديه، الا ان يكون معتلا او مريضا، لرواية معوية بن ميسرة المتقدمة.

ص: 49

فان عجز عن الصلاة جالسا اضطجع
اشارة

(فان عجز) عن الصلوة جالسا (اضطجع) بلا خلاف قاله جماعة، بل عليه الاجماع فى الغنية و التحرير و المنتهى و غيره كما عن الكشف، و يدل عليه بعد المذكور الأخبار المستفيضة:

منها: الأخبار المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله، الأول القيام فى تفسير الاية فراجع.

و منها: ما رواه التهذيب فى باب صلوة الغريق فى الموثق، عن عمار عن ابى عبد الله (ع)، ثم قال: المريض اذا لم يقدر ان يصلى قاعدا كيف قدر صلى، اما ان يوجّه فيومى ايماء، و قال: يوجه كما يوجه الرجل فى لحده و ينام على جنبه الايمن، ثم يومى بالصلوة، فان لم يقدر ان ينام على جنبه الايمن، فيكف ما قدر، فان له جايز، و يستقبل بوجهه القبلة ثم يومى بالصلوة ايماء.

و منها: ما رواه ايضا فى باب صلوة المضطر فى الزيادات فى الموثق عن سماعة، قال: سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس، قال: فليصل و هو مضطجع، و ليضع على جبهته شيئا اذا سجد فانه يجزى عنه، و لن يكلّف اللّه ما لا طاقة له به.

و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب صلوة المريض مرسلا عن رسول اللّه (ص) انه قال: المريض يصلى قائما، فان لم يستطع صلى جالسا، و ان لم يستطع صلى على جنبه الأيمن فان لم يستطع صلى على جنبه الأيسر فان لم يستطع استلقى و اومى ايماء. و جعل وجهه نحو القبلة، و جعل سجوده اخفض من ركوعه. و روى ايضا فى الباب المتقدم بعد نقل خبر مرسلا عن الصادق (ع) بما لفظه: و سأل عن المريض لا يستطيع الجلوس أيصلى و هو مضطجع و يضع على جبهته شيئا؟ فقال: نعم، لم يكلفه اللّه الاّ طاقته.

و منها: ما روى عن دعائم الاسلام، قال: و روينا عن جعفر بن محمد عن آبائه عن على (ع)، ان رسول الله (ص) سأل عن صلوة العليل، فقال: يصلى قائما، فان لم يستطع صلى جالسا، الى ان قال: فان لم يستطع ان يصلى جالسا صلى مضطجعا لجنبه الايمن و وجهه الى القبله، فان لم يستطع ان يصلى على جنبه الايمن صلى مستقليا و رجلاه مما يلى القبلة يومى ايماء.

ص: 50

و منها: ما روى المحقق فى التحرير، قال: روى اصحابنا عن حماد، عن ابى عبد اللّه (ع)، قال: المريض اذا لم يقدر ان يصلى قاعدا يوجه كما يوجه الرّجل فى لحده، و ينام على جانبه الايمن، ثم يومى بالصّلوة، فان لم يقدر على جنبه الايمن فكيف ما قدر، فانه جايز، و مستقبل بوجهه القبلة ثم يومى بالصلوة ايماء.

و لا يعارض المذكورات ما رواه الكافى فى باب صلوة الشيخ الكبير، عن محمد بن ابراهيم، عمن حدثه عن ابى عبد الله (ع)، قال: يصلى المريض قاعدا، فان لم يقدر صلى مستلقيا، يكبر ثم يقرأ، فاذا اراد الركوع غمض عينيه، ثم سبح، ثم يفتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع راسه من الركوع، فاذا اراد ان يسجد غمض عينيه ثم سبح، فاذا سبح فتح عينيه رفع راسه من السجود، ثم يتشهد و ينصرف. و ما رواه التهذيب فى باب صلوة الغريق عن محمد بن ابراهيم، عمن حدثه عن ابى عبد الله (ع)، قال: يصلى المريض قائما، فان لم يقدر على ذلك صلى جالسا، فان لم يقدر صلى مستلقيا يكبر ثم يقرا، فاذا اراد الركوع غمض عينيه ثم يسبح، فاذا سبح فتح عينيه فيكون فتحة عينيه رفعة راسه من الركوع، فاذا اراد ان يسجد غمض عينيه ثم يسبح، فاذا سبح فتح عينيه فيكون فتحة عينيه رفعة رأسه من السجود، ثم يتشهد و ينصرف. و رواه الصدوق ايضا فى الفقيه، فى باب صلوة المريض مرسلا عن الصادق (ع) بادنى تغيير غير مخل، و ما رواه الصدوق فى العيون فى الباب الثانى(1) من المجلد الثانى بسنده عن مولانا الرضا (ع) عن آبائه، قال: قال رسول اللّه (ص): اذا لم يستطع رجل ان يصلى قائما فليصل جالسا، فان لم يقدر ان يصلى جالسا فليصل مستلقيا ناصبا رجليه بحيال القبلة يومى ايماء، لارجحيتها عليها سندا و عددا و شهرة، و للكتاب مطابقة، بل و دلالة، لمكان كونها خاصة فلا تصلح تلك الأخبار العام مقابلة،

ص: 51


1- و هو باب آخر فيما جاء عن الرضا (ع) من الأخبار المجموعة. (منه)

لوجوب حمل المطلقات على المقيدات قاعدة.

و بالجملة لا شبهة فى عدم صلاحية تلك الأخبار لمعارضة الأخبار الدالة على وجوب الاضطجاع، كالاجماعات المنقولة المعتضدة بما مر، فليحمل المطلق على المقيد، او يحمل على التقية، كما قاله بعض الاجلة، لان المحكى عن سعيد بن المسيب و ابى نور و اصحاب الرأى، و هم اصحاب ابى حنيفة تقديم الاستلقاء على الاضطجاع.

وهم و تنبيه:

قال الشارح المحقق بعد نقل رواية عمار المتقدمة ما لفظه: و فى متن هذه الرواية اضطراب، و نقلها فى المعتبر بوجه آخر، و تبعه على ذلك الشهيدان و هو هذا المريض اذا لم يقدر ان يصلى قاعدا توجه كما توجّه الرجل فى لحده، و هى على هذا الوجه سلم عن الاضطراب، و اسندها الى حماد، و هى كذلك فى بعض نسخ التهذيب، انتهى.

أقول: الظاهر ان ما نقله فى التحرير عن حماد رواية مستقله متنا و سندا، و لا دخل له برواية عمار المتقدمة، فالقول بالاتحاد لا دليل له، سيما بملاحظة ان التحرير كثير اما ينقل اخبارا زايدة على ما فى الكتب الاربعة من الاصول الاربعمائة، و اما ما ذكره من الاضطراب فى متن الرواية فهو ليس من عمار بعزيز، و كانه صار بالنسبة اليه طاب ثراه عزيزا، كما لا يخفى على من تتبع رواياته.

فروع:
الأول: اختلف الاصحاب فى ان المضطجع هل هو مخير بين الاضطجاع على الايمن و الايسر ام لا؟ بل يجب الأول على قولين:

الأول: التخيير، و هو ظاهر المتن، و غيره كما عن صريح المصنف رحمه الله فى نهاية الاحكام، و التذكرة، و تبعه صاحب المدارك و غيره من متأخرى متأخرى الطائفة.

الثانى: وجوب تقديم الايمن، و هو للمعظم، قاله بعض الاجلة و غيره،

ص: 52

و هو الاقوى لوجوه:

الأول: الاجماع المحكى عن المصنف رحمه اللّه فى المنتهى، و المحقق فى التحرير، و ابن زهرة فى الغنية، المعتضد بالشهرة بين الطائفة.

الثانى: عدم حصول البراءة اليقينية الا به، مع ان الذمة مشغولة.

الثالث: الأوامر الوارده فى جملة من الأخبار المتقدمة و صيروريتها مجازا مشهورا بالنسبة الى الاستحباب، و عليه فليتوقف حتى يظهر القرينة، و هى بعد غير ظاهرة، ممنوعة كما فصلناه فى الاصول فليراجع اليه البتة، و اما من استدل للمطلب بان مقتضى عموم قوله (ص): من لم يقم صلبه فى الصلوة فلا صلوة له، فساد كل صلوة لم يتحقق فيه القيام، خرج منه صلوة المضطجع على الايمن بالاجماع، و لا دليل على خروج صلوة المضطجع على الايسر مع قدرته على الاضطجاع على الايمن، فيبقى مندرجا تحت العموم، فقد اسرع فى القلم، و للاولين وجوه:

الأول: اصالة البراءة، فان مقتضاها هو القول بالتخيير بلا شبهة، و فيه ان هنا ليس شك فى التكليف، بل هو ثابت باجماع الطائفة، و عليه فلا يحصل البراءة اليقينية الا بما اخترناه فى المسئلة، نعم لو كنا قائلين بان الاضطجاع على الايمن من الواجبات التعبدية، و ليس له دخل فى صحة العبادة، لكان للمذكور نوع وجاهة فتدبر فيه، هذا مضافا الى ان المقيد لها موجود، و هو ما تقدم من الادلة.

الثانى: اطلاق الامر بالصلوة، و فيه بعد تسليم شموله لمحل الفرض انه مقيد بما اشرنا اليه من الادلة.

الثالث: عموم قوله: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و فيه ما تقدم اليه الاشارة.

الرابع: اطلاق قوله تعالى: «وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ» و فيه ما مر.

الخامس: اطلاق موثقه سماعة، و فيه ما فى سابقه.

الثانى: اذا لم يقدر على الاضطجاع على الايمن فهل يجب الاضطجاع

ص: 53

على الايسر، كما ذهب اليه المشهور ام لا؟

بل يستلقى كما عن ظاهر الجماعة، او يتخير بينه و بين الاضطجاع على الايسر، كما استظهره بعض الافاضل من كتب الفاضل، على ما ذكره بعض مشائخنا اوجه: و المشهور هو الاظهر لقوله تعالى «وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ» بضميمة الأخبار المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله:

الأول القيام، و لمرسلة الفقيه المتقدمة، و ضعفها بالشهرة العظيمة مجبورة، بل لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف، صرح بعض الاجلة بعدم قائل بالتخيير فى المسئلة قال بعض مشائخنا بعد قوله بان عبارة الفاضلين فى التحرير و المنتهى، و الحلى، و ابن زهرة، ظاهرة فى تعيين الاستلقاء بعد العجز عن الاضطجاع على اليمين: بل يستفاد من الغنية دعوى الاجماع عليه، بما لفظه:

الانصاف ان عبارة هؤلاء ظاهرة فى تعيين الاضطجاع على الايسر عند تعذر الايمن، او مجملة، انتهى.

و يؤيد ما اخترناه ما أشار اليه بعضهم، من ان الجنب الايسر قرب الى القعود، و الى استقبال القبلة من الاستلقاء، و لذا قدم الايمن على الايسر لشرافته، و أوفقيته للاستقبال الوارد عن الشرع، لكونه مثل الملحود، و موثقة عمار المتقدمة بتقريب ما ذكره بعض الأجلة، بانها خرجت بالجواز كيف ما قدر بعد العجز عن الايمن، و من جملته الصلوة على الايسر، و حيث جازت تعينت لعدم قائل بالتخيير بينها و بين الصلوة مستلقيا، ثم قال: و فى قوله: و يستقبل بوجهه القبلة ايماء بارادة الايسر، انتهى.

أقول: و يمكن قلب ذلك بان يقال: مقتضى الموثقة هو جواز الاستلقاء بعد العجز على الايمن، و لو قدر على الايسر و حيث جازت تعينت لعدم قائل بالتخيير بينها و بين الصلوة على الايسر، على ما ادعاه هذا الجليل فى العبارة المتقدمة، و لذا لم نجعلها من الادلة، بل قررناها مؤيدة، و منهم من جعلها دليلا للقول بالتخيير، و فيه ان الادلة المقيدة لها موجودة، هذا مضافا الى ان قوله: و يستقبل بوجهه الى آخره، يومى بارادة الايسر كما تقدم اليه الاشارة،

ص: 54

بل قال بعضهم:(1) بدلالته على الانتقال الى الايسر، قال: لان به يحصيل الاستقبال بالوجه حقيقة، دون الاستلقاء.

و اما الاستدلال على القول المزبور بالعمومات المتقدمة اليها الاشارة، فلا يغنى من الجوع لمكان وجود المخصص و بالأخبار الدالة على العدول الى الاستلقاء بعد العجز عن القعود، فلا يغنى من الجوع لمكان وجود المخصص، و بما ذكر ظهر الجواب لو استدل بالاخيرة على القول الآخر.

و بالجملة لا شبهة فى ارجحية المشهور، مع كونه اخوط.

الثالث: يجب على المضطجع ان يستقبل القبلة،
اشارة

و الظاهر اتفاق الاصحاب عليه. كما استظهره بعض الاجلّة، بل عن المنتهى دعوى الاجماع عليه، و يدل عليه بعد المذكور جملة من الأخبار، فان قلت: مقتضى اطلاق المتن و نحوه من عبائر الجماعة عدم وجوب ذلك، و عليه فالاتفاق غير مسلم قلت: الظاهر ان مرادهم منه ما ذكرنا، و يعضده انا لم نجد مصرّحا بمخالفة الجماعة فى المسئلة.

فائدة:

اعلم انه اقتصر فى جملة من الكتب فى الحكم بوجوب استقبال القبلة بالوجه و فى اخرى بمقاديم البدن، بان يضطجع كالملحود، و منهم من اطلق وجوب التوجه الى القبلة، و الظاهر ان مراد الكل واحد و هو التوجه بمقاديم البدن الى القبلة، و لعلّه لذا لم يحك احد خلافا فى المقام.

و المريض المضطجع أومأ

(و) المريض المضطجع، بل مطلقا اذا لم يقدر على الركوع و السجود اصلا (أومأ) بهما بلا خلاف اجده، و استظهره بعض الاجله، و يدل عليه المستفيضة:

منها: ما تقدم اليه الاشارة من العلوى المنقول من تفسير النعمانى، كما نقلناه فى شرح قول المصنف رحمه الله: الاول القيام، و من موثقة عمار، و

ص: 55


1- و هو الشهيد الثانى فى الرياض. (منه)

مرسلة الفقيه و المنقولة عن التحرير، كما نقلناها فى شرح قول المصنف رحمه الله فان عجز اضطجع.

و منها: ما رواه الكافى فى باب صلوة الشيخ الكبير فى الحسن كالصحيح، او الصحيح لمكان ابراهيم عن الحلبى، عن ابى عبد اللّه (ع) قال: سألته عن المريض اذا لم يستطع القيام و السجود، قال: يومى برأسه ايماء، و ان وضع جبهته الى الارض احب الى.

و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب صلوة المريض مرسلا عن امير المؤمنين (ع)، انه قال: دخل رسول اللّه (ص) على رجل من الانصار و قد شبكته الريح، فقال: يا رسول اللّه كيف اصلى؟ فقال: ان استطعتم ان تجلسوه فاجلسوه، و الا فوجهوه الى القبلة، و مروه فليومئ براسه ايماء و يجعل السجود اخفض من الركوع، و ان كان لا يستطيع ان يقرأ فاقراؤا عنده و اسمعوه.

و منها: ما رواه التهذيب فى باب صلوة المضطر، فى الزيادات عن ابراهيم بن ابى زياد الكرخى، قال: قلت لابى عبد الله (ع): رجل شيخ لا يستطيع القيام الى الخلاء، و لا يمكنه الركوع و السجود، فقال: ليومئ برأسه ايماء، و إن كان له من يرفع الخمرة اليه فليسجد، و ان لم يمكنه ذلك فليومئ برأسه نحو القبلة ايماء، و يعضد المذكور ما رواه التهذيب فى باب صلوة الغريق فى الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: سألته عن المريض، قال: يسجد على الارض، او على مروحة، او على سواك يرفعه، و هو افضل من الايماء، انما كره من كره السجود على المروحة من اجل الاوثان، التى كانت تعبد من دون اللّه، و انا لا نعبد غير اللّه قط، فاسجد على المروحة، او على سواك او على عود. و رواه فى الفقيه فى باب صلوة المريض عن ابن اذينة عن زرارة عنه (ع) هكذا: سألته عن المريض كيف يسجد فقال على خمرة، او على مروحه، او على سواك يرفعه اليه، هو افضل من الايماء، و انما كره الى آخره ما تقدم، لكن فيه ادنى تغيير غير مخل.

و بالجملة المسئلة بحمد اللّه واضحة للاخبار الباهرة، و اخصية بعضها غير

ص: 56

ضائرة، لانا لم نجد فارقا فى المسئلة.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: اذا قدر المريض على الركوع وجب بلا اشكال و لا خلاف اجده،

و كذا لو قدر على السجود و لو برفع موضع السجود بحيث يصدق معه السجود، و فى الذخيرة: لو قدر المريض على رفع موضع السجود، و السجدة عليه وجب لصدق السجود عليه، و كانه لا خلاف فيه بين الاصحاب، و قال بعض الأجلاء: الظاهر انه لا خلاف بينهم، فى انه لو قدر المريض الذى فرضه الايماء بالرأس سواء كان جالسا او مضطجعا على رفع موضع السجود و السجدة عليه وجب ذلك لصدق السجود عليه شرعا، و ان تعذر بعض شروطه للضرورة، انتهى. بل عليه وقع اجماعنا على ما يستفاد من المصنف حيث قال فى المنتهى على ما حكى: و لو تعذر عليه الانحناء لعارض رفع ما يسجد عليه، ذهب علماؤنا اجمع.

و فى التذكرة فى بحث السجود: لو عجز عن النكس و هو الانحناء ان يستعلى الاسافل لمرض وجب وضع و سادة ليضع الجبهة عليها، او رفع ما يسجد عليه عند علمائنا، و المحقق حيث قال فى التحرير: و لو تعذر الانحناء لعارض رفع ما يسجد عليه، و لم يجز الايماء خلافا للشافعى و ابى حنيفة، فلو كان مخالف منا لبينه طاب ثراه فافهم، و كيف كان فلا اشكال فى ذلك، و يدل عليه مضافا الى المذكور ما رواه التهذيب فى باب صلوة المضطر فى الزيادات فى الصحيح على الصحيح، لمكان ثعلبة عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: لا يصلى على الدابة الفريضة الا مريض يستقبل به القبلة، و يجزيه فاتحة الكتاب، و يضع بوجهه فى الفريضة على ما امكنه من شئ، و يومئ فى النافلة ايماء. و رواية ابراهيم بن ابى زياد الكرخى المتقدمة على اشكال.

و اما الاستدلال عليه برواية زرارة المتقدمة، و بما رواه التهذيب فى باب صلوة الغريق فى الصحيح، عن سماعة عن ابى بصير، قال سألته عن المريض هل تمسك له المرأة شيئا يسجد عليه؟ فقال: لا، الا ان يكون مضطرا، ليس عنده

ص: 57

غيرها، و ليس شئ مما حرم اللّه، الا و قد احله لمن اضطر اليه، ففيه مناقشة(1).

الثانى: هل يجب وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه حال الايماء؟
اشارة

كما ذهب اليه جماعة ام لا؟ كما عن اخرى، و منهم المفاتيح و المدارك، لكن قال باستحبابه وجهان: للاول عموم ما دل على ان الميسور لا يسقط بالمعسور، و فيه نظر لما بيناه فى اللمعات، و ان ذلك اشبهه بالسجود من الايماء، فكان الاتيان به واجبا، و فيه ان امثال هذه التخريجات فى الاحكام الالهية مجازفة ظاهرة، شبيهة بالاستحسانات العامية، التى يدل على مردديتها الكتاب و الاجماع، كالسنة المتواترة، و ان عبارتى المنتهى و التحرير كما تقدمتا فى اوائل الامر الأول، ظاهرتان فى دعوى الاجماع عليه، و فيه نظر لاحتمال اختصاصهما بصورة تحقق مفهوم السجود، باحتمال ظاهر هب، و لكن عنهما ادعاء الاجماع على وجوب الايماء على المضطجع، بعنوان الاطلاق، و عليه فالتعارض بين كلاميهما عموم من وجه، فافهم.

و قال فى المنتهى ايضا: لو امكنه القيام و عجز عن الركوع قائما، او السجود لم يسقط عنه فرض القيام، بل يصلى قائما و يومى للركوع، ثم يجلس و يومى للسجود، و عليه علماؤنا انتهى. و لهم ايضا رواية الكرخى، و عبد الرحمن و ابى بصير المتقدمة المؤيدة برواية سماعة و مرسلة الفقيه المتقدمتين فى شرح قول المصنف رحمه الله: فان عجز اضطجع، و فيه انها معارضة برواية الحلبى و العلوى و زرارة المتقدمة، و برواية عمار و مرسلة الفقيه، و المروية عن دعائم

ص: 58


1- قال المحقق الثانى فى حاشية الكتاب فى بحث السجود: قوله: و لو احتاج الى رفع شىء يسجد عليه فعل، اى وجوبا، بشرط ان يصدق عليه وضع الجبهة، فيعتبر حينئذ ما يعتبر فى السجود، و لو تعذر ذلك لم يضع ما يصح السجود عليه على جبهته، لانتفاء مسمى السجود، فهل يجب وضع بقية المساجد؟ فيه اشكال ينشأ من عموم: اذا امرتكم بامر فاتوا منه ما استطعتم، و من عدم لزوم مساواة البدل للمبدل من جميع الوجوه، و الوضع اولى. (منه)

الاسلام، و عن التحرير المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله، فان عجز اضطجع، مع انه (ع) فى مقام البيان.

و بالجملة الاقوى عندى عدم الوجوب، نعم يستحب ذلك، و لكن الاحتياط مما لا ينبغى تركه.

فرعان:
الأول: يجوز ان يرفع غير المريض الخمرة و نحوها مما يصح السجود عليه بيده او نحوها،

و يضع المريض جبهته عليه حال الايماء، لظاهر روايتى الكرخى و ابى بصير المؤيدتين برواية زرارة المتقدمة، و انما جعلنا رواية زرارة من المؤيدات مع ان فاعل يرفع محذوف، و هو كما يحتمل ان يكون المريض، كذا يحتمل ان يكون غيره، و حذف المتعلق يفيد العموم، و عليه فليتمسك بذلك، و لتجعلها من الادلة، اذ(1) الاصل ان يكون الفاعل للفعل المذكور المريض المزبور، نعم الروايتان لعلهما من المرجحات لجعل الفاعل فى يرفع شئ يعمهما، او يختص بغير المريض، فلذا اتينا بها مؤيدة.

و بالجملة الظاهر عدم الشبهة فى كون ذلك جايزا، نعم لعل الاحوط هو ان يرفعه بنفسه، و لا يشارك فى عبادته غيره، لقوله تعالى: (وَ لاٰ يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) و يعضده رضوى مذكور فى باب الوضوء(2) حيث استدل (ع) بهذه الاية على عدم جواز مشاركة الغير فى صب الماء للوضوء.

الثانى: الاحوط ان لا يكون الرافع أجنبية
اشارة

الاحوط ان لا يكون الرافع للشىء الذى يضع المريض جبهته

ص: 59


1- كلمة اذ تعليل لعدم صحة جعلها من الادلة. (منه)
2- و هو رواية الحسن بن على الوشاء، قال: دخلت على الرضا (ع) و بين يديه ابريق يريد ان يتهيأ منه للصلوة، فدنوت لا صب عليه، فابى ذلك و قال: مه يا حسن، فقلت: لم تنهانى ان اصب على يدك تكره ان اوجر؟ فقال: توجر انت و أوزر انا؟ قلت له: و كيف ذلك؟ فقال: اما سمعت اللّه يقول: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه احدا) و ها انا اتوضأ للصلوة و هى العبادة، فاكره ان يشركن فيه احد. (منه)

عليه امرأة اجنبية، الا ان يكون مضطرا، لرواية ابى بصير المتقدمة، و اما اذا لم تكن اجنبية فهل يجوز ان تكون هى الرافعة له ام لا؟ وجهان ينشأن من اطلاق كلمة المرأة الواقعة فى الخبر فالثانى، و من كلمة حرم اللّه الواقعة فيه المشعرة بان المنع انما هو لاجل كونها مما لا يجوز النظر اليها فالاول و لعله لا يخلو عن قوة، و امر الاحتياط واضح.

فائدة:

يمكن حمل الترديد الواقع فى رواية زرارة بين الارض و المروحه و السواك على ان المريض يسجد على الارض كما هو فى صورة التمكن من ذلك، او يرفع المروحة و السواك و يضع الجبهة عليهما، كما هو فى صورة العجز عن الأول، بان يحمل الترديد على اعتبار الحالتين، لا انه حكم للمريض فى حالة واحدة، او على ان المراد من الارض اجزائها، او على ان المراد من الرواية هو صورة العسر فى الالزام بالسجود، و عليه فلا تكليف به وجوبا، بل التكليف به تكليف.

استحبابى، اذ التكليف بما فيه حرج مما لا مانع عنه فى المستحبات، كما بيناه مفصلا فى المواقيت، و على الأخيرين ظهر الوجه فى رواية الحلبى المتقدمة(1) ايضا و اما رواية زرارة على النهج المنقول فى الفقيه فلا تحتاج الى المذكورات لعدم وجود كلمة الأرض فيها.

الثالث: اذا لم يقدر المضطجع على وضع جبهته على ما يصح السجود عليه، فهل يجب وضعه عليها؟
اشارة

كما ذهب اليه جماعة و منهم المحكى عن التذكرة و نهاية الاحكام و الكشف ام لا؟ كما ذهب اليه بعض متاخرى المتاخرين(2)

ص: 60


1- و انما ارتكبنا فى رواية الحلبى ما اشرنا اليه، اذ لو بقينا كلمة الارض على ما يتبادر منها. و لا نحملها على صورة الحرج ايضا، لكان السجود على الارض واجبا، كما اشرنا اليه، فلا معنى لقوله: احب هذا، مضافا الى ما ذكره السائل من عدم استطاعته للسجود، مطابقة الجواب للسؤال من البديهيات فافهم. (منه عفى عنه).
2- و هو الشارح المحقق. (منه)

وجهان ينشأن من موثقة سماعة المتقدمة فى شرح قول المصنف: فان عجز اضطجع، المؤيدة بما دل على عدم سقوط الميسور بالمعسور، و بمرسلة الفقيه المتقدمة هناك، و بحديث: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، خرج منه ما خرج بدليل، و لا دليل على خروج ما نحن فيه عنه فالاول، و من ما اشار اليه الشارح المحقق طاب ثراه بان اكثر الروايات مع كونها فى مقام البيان عنه خالية، ككلام الاصحاب مع ضعف رواية سماعة سندا و دلالة، و حملها على الاستحباب غير بعيد فالثانى، و لعل الأول لا يخلو عن قوة، لقوة موثقة سماعة دلالة بل و سندا، لان المضمر كلّما ازداد جلالة و شرفا نقص ما حدثه و هنا و ضعفا، اذ الجليل لا يسأل الا عن الجليل المعصوم كليا او غالبا، و كلما نقص جلالة و شرفا ازداد ما حدثه و هنا و ضعفا، لان غير الجليل يسأل عن الجليل عنده، و لو كان غير المعصوم.

و عليه فمضمرات سماعة حجة، سيما بملاحظة ما يظهر من تتبع الاحاديث المروية عنه، المتشتتة فى ابواب الفقه، من كون المضمر هو المعصوم (ع). هذا مضافا الى ما رواه بعض الأجلاء عن الحميرى، فى كتاب قرب الاسناد، عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن المريض الذى لا يستطيع القعود و لا الايماء، كيف يصلى و هو مضطجع؟ قال:

يرفع مروحة الى وجهه، و يضع على جنبيه و يكبر، الحديث.

فرع:

مقتضى اطلاق موثقة سماعة هو عدم وجوب وضع ما يصح السجود على جبهته، بل صحة اى شئ كان عليها، و لكن الاحوط هو وضع ما يصح السجود عليها، لو لم نقل بانه هو الاظهر.

فان عجز عن الصلوة مضطجعا و لو متوكيا استلقى
اشارة

(فان عجز) عن الصلوة مضطجعا و لو متوكيا (استلقى) اجماعا ظاهرا، و محكيا، و يدل عليه بعده جملة من الأخبار المتقدمة المعتضدة بالاعتضادات الكثيرة.

تنبيه:

ص: 61

قال الشارح المحقق: ذكر الفاضلان و من تأخر عنهما ان الأيماء بالرّاس مقدم على الأيماء بالعين، و الثانى منوط بالعجز عن الأول، و لم يذكروا خلافا فى هذا الباب، و لم اطلع على مصرح بخلافه، الا ان كلام المتقدمين خال عن هذا التفضيل، انتهى.

أقول: و نسبه جماعة الى المشهور، بل لم اجد مخالفا كما ذكره الشارح المحقق، بل نسبه بعضهم الى الاصحاب على ما قيل، و لهم وجوه:

الأول: عدم سقوط الميسور بالمعسور، و فيه نظر لما بيناه فى اللمعات.

الثانى: اشتغال الذمة يقتضى البراءة اليقينية،؟ و لا تحصل الا بما ذكر، و فيه ان ذلك مغلوب فى جنب الاطلاقات فتامل.(1)

الثالث: حديث لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، فان مقتضاه فساد الصلوة بترك الركوع و السجود، خرج عنه ما خرج بدليل، و هو الأتيان بالأيماء بدلا عنهما بالرأس، و لا دليل على خروج غيره.

الرابع: رواية الحلبى و مرسلة الفقيه و رواية ابراهيم بن ابى زياد المتقدمات فى شرح قول المصنف رحمه الله: او ماء، و يعضده النبوى المروى فى الفقيه المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: فان عجز اضطجع، و فيه انها معارضة باطلاق رواية عمار، و رواية دعائم الاسلام، و رواية العيون المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: فأن عجز اضطجع، المؤيدة بأطلاق الأمر بالصلوة، و بأطلاق ما عن التحرير و المنتهى من دعوى الاجماع على وجوب الايماء على المضطجع، ففى الأول: و من عجز عن القعود صلى مضطجعا على جانبه الأيمن بالإيماء، و هو مذهب علمائنا، و الأنصاف أن الترجيح فى جانب المشهور و لو سلّم أن التعارض بين الرّوايات من تعارض العمومين من وجه لمكان الشهرة المحققة و المحكية التى هو اقوى المرجحات المرعية، حتى قال بعضهم بانها فى

ص: 62


1- وجهه ان شمول الاطلاقات لمحل البحث محل تامل. (منه)

المسائل الشرعية حجة، لكونها مفيدة للمظنة القوية، فلذا لو خالفها الاجماع المحكى لم يكن حجة لان المظنة مع مخالفتها له عنه مسلوبة، مع ان الدليل على حجيته ليس الاّ لكونه مفيدا للمظنة، و عليه فما يستفاد من ابن زهرة فى الغنية من دعوى الاجماع على عدم وجوب ذلك، حيث قال: فان لم يتمكن من ذلك صلى مضطجعا على جنبه الأيمن، فأن لم يتمكن صلى مستلقيا على ظهره، و أقام بغمض عينيه مقام ركوعه و سجوده، و فتحهما مكان رفع الراس، كل ذلك بدليل الاجماع الماضى موهون لا دليل على حجيته حينئذ، لمكان الشهرة المخالفة، هذا مضافا الى تطرق المنع لشمول كلامه لمحل البحث.

و بالجملة لا شبهة فى اقدمية الأيماء بالرأس على ساير اقسامه مطلقا سواء كان المريض قائما او جالسا او مضطجعا او مستلقيا، و لم يظهر لى فارق بين الاقسام المذكورة ان امكن.

(و) الاّ (يجعل) على ما ذكره المصنف رحمه اللّه كغيره قيامه للنية و التكبير و القراءة و ما يتبعهما، (فتح عينيه و ركوعه تغميضهما، و رفعه) من الركوع (فتحهما و سجوده الأول تغميضهما، و رفعه فتحهما، و سجوده ثانيا تغميضهما، و رفعه فتحهما، و هكذا فى الركعات)، و يدل عليه رواية محمد بن ابراهيم التى رواها المشايخ الثلاثة المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: فان عجز اضطجع، و هى و ان كانت غير صريحة فى وجوب الفتح فى حالة النية و التكبير و القراءة، بل اشتملت على الغمض و الرفع بالنسبة الى الركوع و السجود، و الرفع عنهما كعبارة الغنية المتقدمة المتضمنة لدعوى الاجماع، و لكنها لمكان قولها:

فاذا اراد الركوع غمض عينيه، على ذلك مشعرة. و الانصاف انها انما تدل على لابدية الفتح قبل الركوع، و اما بالنسبة الى التفاصيل المذكورة فدلالتها عليها لا تخلو عن مناقشة، و الاحوط هو ما ذكره المصنف رحمه الله، و اما كونها واردة فى الاستلقاء كعبارة الغنية فغير ضايرة، لانها لعلّها لمخرج الغالب خارجة، هذا مضافا الى ان عدم جواز الانتقال من الحالة العليا الى الدنيا مما لا مجال للشبهة

ص: 63

فيه، و عليه فرضه مع تعذر السجود كالركوع هو الإيماء بمقتضى الأخبار المتقدمة، و للأيماء فردان الرأس و العين بأجماع الطائفة، و الأول مع إمكانه مقدم على الثانى، كما مضى اليه الأشارة، و مع تعذره لا بد من الأتيان بالفرد الآخر منه عملا بأطلاق الأخبار المتقدمة المؤيدة بالتأييدات العديدة، و منها الأعتبار المؤيد بحديث عدم سقوط الميسور بالمعسور، المؤيد بالأستقراء الذى لا نتحاشى فى القول بأنه حجة، إذا افاد المظنة لما دل على حجيتها بقول مطلق من الأدلة التى ليس هنا موضع ذكرها بلا شبهة، و هو ليس كالظن المستفاد من القياس و الرؤيا و نحوهما من الظنون، التى ليست فيها فى الأصل داخلة على التحقيق، او التى أخرجته الأدلّة على ما ربما يزعم.

نعم، لم يتعارف بين الطائفة ذكره فى مقام الاحتجاج كغيره من الأدلّة، فلذا أتينا به تأييدا، إذ فى النفس بملاحظة المذكور فى حجيته شىء، و ان امكن رفعه بادنى روية فافهم.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: مقتضى المتن كغيره من الجماعة، و منها الغنية المتضمنة لدعوى الاجماع وجوب كون الايماء بالعينين معا،

و يدل عليه مضافا الى الاجماع المنقول رواية محمد بن ابراهيم المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: فان عجز اضطجع، التى رواها المشايخ الثلاثة،

الثانى: ذكر بعض الأجلة بان الايماء بالعينين اذا تعذر وجب الايماء بالعين الواحدة،

لعدم سقوط الميسور بالمعسور، و هو الأحوط.

الثالث: ذكر جماعة بأنه يجب أن يكون الايماء بالرأس الذى هو بدل عن السجود اخفض منه اذا كان بدلا عن الركوع.

و عن الوسيلة و المراسم و الكشف هو القول بوجوب ذلك اذا كان الايماء بالعين، و يظهر من بعض مشائخنا عدم وجوب ذلك فيهما، كما هو مقتضى اطلاق جماعة للاولين وجوه:

الأول: عدم حصول البراءة اليقينية الا بذلك، مع ان التكليف ثابت.

الثانى: قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، خرج عنه ما

ص: 64

اذا اتى بالايماء على الوجه المشار اليه، و لا دليل على خروج خلافه.

الثالث: المرسلان المتقدم احدهما فى شرح قول المصنف رحمه الله:

فان عجز اضطجع، المتضمن لقوله (ع): فان لم يستطع استلقى و اومى ايماء، و جعل وجهه نحو القبلة، و جعل سجوده اخفض من ركوعه، و ثانيهما فى شرح قول المصنف رحمه الله: اومأ، المتضمن لقوله (ص): و الا فوجهوه الى القبلة، و مروه فليومئ برأسه ايماء، و يجعل السجود اخفض من الركوع، و يؤيدها عدم سقوط الميسور بالمعسور، و للثانى اطلاق النصوص الدالة على وجوب الايماء المؤيد باطلاق جملة من العباير، و الاحوط هو الأول، فلا ينبغى تركه و ان كان القول الثانى لعله لا يخلو عن قوة.

الامر الرابع: عن جماعة القول بانه يجب ان يقصد بايمائه كونه ركوعا او سجودا،

و تردد فيه الشارح المحقق للاولين وجوه:

الأول و الثانى: الدليلان الاولان المتقدمان فى الامر الثالث.

الثالث: ما اشار اليه بعضهم بان الايماء لعله لا يتحقق حقيقة الا بالنية، فالنية كأنها منصوص عليها فى النصوص الناصة بالايماء و فيه ان هنا نيتان احديهما مسلمة، و لكنها(1) فى المطلب غير نافعة، و اما النافعة فهى غير مسلمة، و للمدعى اقامة البينة.

الرابع: ما اشار اليه آخر قال: ليتحقق البدلية، اذ لا يعد التغميض ركوعا، و لا ينفك المكلف عنه غالبا، فلا يصير بدلا فى الركوع الا بالقصد، و المسئلة لا تخلو عن اشكال ما، و امر الاحتياط واضح، و ان كان القول بالعدم لعله لا يخلو عن رجحان ما، لكون الايماء جزء للصلوة حينئذ، فيكتفى فيها بينة واحدة، و لمدعى الزيادة اقامة البرهان، و اشتراك الغمض بين العادة و العبادة كالفتح، و عليه فلا بد من التعيين مما لا يغنى من الجوع.

ص: 65


1- و هو صاحب الكشف.

اما نقضا فلمكان الركوع الاصلى او البدلى كالسجود قائما و جالسا و اما حلاّ فلان الداعى مع الاتيان به موجود، و ليس المراد من النية على التحقيق الا هو، و عليه فلو صار الباعث للاتيان به هو امر الله، فلا ينبغى الشبهة فى الصحة، و لم يدل دليل على انه لا بد ان يكون حين الركوع متذكرا بكونه ركوعا، و كذا الكلام فى السجود و القراءة و امثالهما فافهم.

الامر الخامس: اذا ترك الايماء عمدا، فالظاهر بطلان الصلوة مطلقا،

كما قاله الجماعة، لعدم اتيانه بالمامور به على وجهه، و يؤيده ما عن الكشف و غيره من اصالة اشتراك البدل مع المبدل منه فى جميع الاحكام.

السادس: اذا ترك الايماء الذى هو بدل من الركن سهوا، فالذى اختاره بعض مشائخنا هو القول بالبطلان

تبعا للشهيد الثانى طاب ثراه مستدلا بان الاصل فى الاخلال بجزء من المامور به هو الفساد.

أقول: قد سبق فى شرح قول المصنف رحمه الله: و هو ركن تحقيق ذلك الاصل، و عرفت ان الاستناد اليه عندى محل اشكال، و عليه فيمكن ترجيح الصحة، الا ان يتمسك القائل بالفساد بحديث لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، خرج منه ما خرج بدليل، و لا دليل على خروج ما نحن فيه عنه و كيف كان فالاحتياط مما لا ينبغى تركه.

السابع: اقتضاء الأصل هنا

قال بعض مشائخنا: اذا ترك الايماء الذى هو بدل عن الواجب، الذى ليس بركن، و هو الذى بدل عن السجدة الواحدة، فالذى يقتضيه الاصل هو الفساد ايضا، و لكن المستفاد عن الرياض، و المقاصد العليه و غيرهما عدم الفساد، و هو مقتضى اشتراك البدل مع المبدل منه فى جميع الاحكام و فيه نظر، انتهى.

أقول: قد عرفت ان الاستناد الى الاصل المذكور محل اشكال، فامر الاحتياط واضح.

الثامن: اذا زاد الايماء بقصد البدلية عمدا او سهوا،

فظاهر بعضهم

ص: 66

ان حكمه حكم المبدل منه، و له اصالة اشتراك البدل مع المبدل منه فى جميع الاحكام، و فيه اشكال، و لعل القول بالصحة فى الصورة الثانية لا يخلو عن قوة، و ان كان الاحوط هو الاعادة، كما ان الاحوط فى الصورة الاولى، لعله هو الاتمام، ثم الاعادة، و يظهر من بعضهم وجود قائل بان حكم الايماء كحكم المبدل منه مطلقا، و لو من غير قصد البدلية، حيث قال: و يلحق البدل حكم المبدل فى الركنية زيادة و نقصانا، مع القصد و قيل مطلقا، و قال فى الرياض: و هل يلحقه حكم المبدل فيبطل الصلوة بزيادته مطلقا لو كان ركنا، او مع العمد لو كان غيره؟ الظاهر ذلك، لانه فعل من افعال الصلوة شرعا، و التغميض مثلا ركوع شرعا، و ان لم يكن كذلك لغة او عرفا، و انما يتجه ذلك مع اعتبار القصد، اما مع عدمه فيحتمل البطلان، اذ لا يعد ذلك فعلا من افعال الصلوة مطلقا بل اذا وقع فى محله المامور بايقاعه فيه، و وجه الحاقه بالركن مطلقا قيامه مقامه فى تلك الحالة، و كون المبطل هو الاتيان بصور الاركان، و هو متحقق هنا، و كذا القول فى قيام الحالات التى هى بدل من القيام مقامه فى الركنية، انتهى.

و انت اذا احطت خبرا بما اسلفناه تعلم ما هو الحق عندى و امر الاحتياط واضح.

التاسع: يجب على المستلقى ان يستلقى على ظهره،
اشارة

و يجعل باطن قدميه الى القبلة، بحيث لو جلس كان مستقبلا كالمحتضر، كما صرح به الجماعة بل عن ظاهر بعض الاجلة دعوى الاجماع عليه، و يدل عليه بعد المذكور روايتا دعائم الاسلام و العيون المتقدمتان فى شرح قول المصنف رحمه الله: فان عجز اضطجع، و رواية عمار، و مرسلة الفقيه، و مرسلة التحرير المتقدمة هناك، مما لا ينافيهما، بل تؤكدهما كاطلاق العلوى المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه اللّه: اومأ.

فرع:

قال بعض المحققين: و الاولى فى الاستقبال ان يوضع تحت الرأس شيئا

ص: 67

يصير به وجه المستلقى الى القبلة، انتهى(1).

أقول: و هو الانسب و الاحوط و الاجود لمكان ظاهر جملة من الأخبار المشار اليها، و عبارة الشارح الفاضل و غيره، حيث قال: و جعل باطن قدميه الى القبلة، و وجهه بحيث لو جلس كان مستقبلا كالمحتضر.

العاشر: قال بعض المحققين: و لو عجز عن الاضطجاع مستقلا، فمتوكيا،

و لو عجز عنه مطلقا فمستلقيا، ان كلا فكلا، و ان جزءا فجزءا، و الظاهر انه اجماعى.

الحادى عشر: قال بعض المحققين: و الاصحاب لم يذكروا صورة العجز عن الكل مع القدرة على النوم على الوجه،

و الانكباب مع امكان الاستقبال بالوجه او عدم امكانه مع كون الراس و الكتفين و امثالهما الى القبلة، و مر فى وجوب استقبال القبلة، انه ساقط مع عدم التمكن منه، و مقتضى الادلة الدالة على ان الميسور لا يسقط بالمعسور، و العلل الواردة فى الأخبار السابقة و غيرها، وجوب الصلوة حينئذ، كما يظهر ايضا من تضاعيف الفتاوى الواردة فى مقام العجز عن كل جزء جزء من اجزاء الصلوة، و كل شرط شرط، و كذا الأخبار و غيرها من الادلة فى المقامات المذكورة، و الاحتياط واضح انتهى. فليحتاط فى امثال هذه المقامات فان فى تركه جرءة عظيمة و اللّه هو العالم بحقايق احكامه، و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه.

الثانى عشر: هل تسقط الصلاة إذا لم يتمكن من الإيماء بالعين أيضا
اشارة

لا اشكال فى سقوط التكليف بالسجود، اذا لم يتمكن من الايماء بالعين ايضا، و انما الاشكال فى ان الصلوة ايضا تسقط عنه ام لا؟ كما ذهب اليه جماعة، وجهان: من ان المطلوب شىء مركب، اعظمه ذلك فانتفائه يستلزم انتفاء المطلوب فالاول، و من ان الميسور لا يسقط بالمعسور فالثانى، و هو الاحوط، لو لم نقل بانه هو الأظهر، سيما لو قلنا بان الركوع و السجود لم

ص: 68


1- قال بعض المحققين فى جملة كلام له: و المستلقى باطن رجليه مقابل للقبلة حقيقة، و اما الوجه فهو الى السماء كما صرح به المنتهى فى جواب احتجاج سعيد بن المسيب و موافقيه. (منه)

يعلم كونهما داخلين فى مهية الصلوة، بل هى موضوعة لما يسمى فى العرف صلوة فافهم(1).

تنبيه:

عن المصنف رحمه اللّه فى نهاية الاحكام: لو عجز عن الايماء بطرفه، اجرى افعال الصلوة على قلبه، و حرك لسانه بالقراءة و الذكر و نحوه، عن التذكرة (2) و عن القواعد. و يجرى الافعال و الاذكار على لسانه، فان عجز اخطرها، و عن المحقق الثانى المتبادر من اجراء الافعال على قلبه الاجزاء به عنها، و حمله على ارادة نيتها عند فعل بدلها فيه تكلف. و اما الاذكار الواجبة و القراءة فيجب الاتيان بها على حكمها، فان عجز ذلك و الافعال و الاقوال الواجبة اختارها بالبال شيئا فشيئا، قاصدا بذلك فعلها، و قال فى الجعفرية: فان عجز كفاه تصورها، و قال فى شرح الجعفرية، فإن عجز عن التغميض و عن التلفظ بالاذكار و الافعال كلها، كفاه تصورها بان يجرى الأذكار و الأفعال كلها على قلبه، لقوله (ع): اذا امرتكم بشىء فاتوا به ما استطعتم.

أقول: الاحوط مع تصور القراءة و غيرها من الافعال و الاذكار فى صورة العجز عنها، ان يقرا عنده ايضا حتى يسمع، للعلوى المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: اومأ.

لو تجدد عجز القائم باقسامه قعد
اشارة

و (لو تجدد عجز القائم) باقسامه (قعد) و كذا لو عجز عن القعود اضطجع و هكذا، و الضابط انه مع العجز عن حالة فى الاثناء انتقل الى ما دونها بلا خلاف قاله بعض الاجلة، و قد مرت الادلة الدالة عليه من الأخبار و غيرها.

فرعان:
اشارة

ص: 69


1- قال فى التذكرة فى بحث السجود: المريض الذى يصلى مضطجعا يومى براسه بالركوع و السجود، و يجعل اشارته بالسجود اخفض من اشارته بالركوع، فان عجز عن الاشارة بالراس، اومى بطرفه، فان عجز عن ذلك تفكر بقلبه، و لا يسقط فرض الصلوة ما دام عقله تاما، و به قال الشافعى للعموم الى آخره. (منه)
الأول:

لا اشكال فى قرائته قاعدا، لو تجدد العجز قبلها، و كذا فى بنائه على ما اتى به حال القيام، اذا تجدد فى اثنائها، لمكان الاصل، و ما يظهر من الأخبار، و انما الاشكال فى انه هل يقرا. فى حال الانتقال ام لا؟ قيل:

نعم، و هو الاشهر على ما ادعاه جماعة ممن تاخر، بل نسبه الشهيدان الى الاصحاب، محافظة على القراءة فى المرتبة العليا مهما امكن، لان حالة الهوى اعلى من حالة القعود، فيكون اولى بالقراءة، و عن بعض الذهاب الى الثانى، و الشهيد طاب ثراه قد وافق فى بعض كتبه المشهور، و استشكله فى الذكرى، قال: قال الاصحاب: و يقرا فى انتقاله الى ما هو ادنى، لان تلك الحالة اقرب الى ما كان عليه، و يشكل بان الاستقرار شرط مع القدرة و لم يحصل، و ينبه عليه رواية السكونى عن الصادق (ع) فى المصلى،(1) يريد المتقدم، قال: يكف عن القراءة فى مشيه حتى يتقدم، ثم يقرا، و قد عمل الاصحاب بمضمون الرواية، انتهى.

و فيه انه لا بد لشرطية الاستقرار كلية، حتى فى الصورة المذكورة من دلالة، و الرواية مع قطع النظر عن سندها بترك المشى مختصة، و اما الاستدلال عليه بقول الصادق (ع): و ليتمكن فى الاقامة كما يتمكن فى الصلوة، فانه اذا اخذ فى الاقامة فهو صلوة، ففى شموله لمحل النزاع تامل، كالقول بان اعتبار الاستقرار اقرب الى هيئة الصلوة، و الغرض المقصود بها، و اما الاستدلال للمشهور، بان ترك القراءة يستلزم فوات الحالة العليا بالكلية، و الاتيان بها يستلزم فوات وصف القيام و هو الاستقرار، و فوات الوصف اولى من فوات الاصل فمجازفة، ا ليس ذلك الفرع من الاحكام الشرعية، التى لا بد ان يستخرج من الادلة الاربعة؟ و ليس هذا المذكور شيئا منها كما لا يخفى على من له ادنى دربة.

و بالجملة الاستناد الى الدليل المذكور مشكل، مع انك قد عرفت منع كون

ص: 70


1- رواه الكافى فى باب قراءة القرآن بادنى تغيير. (منه)

الاستقرار وصفا للقيام، و قد يقال للشهيد: ان الشارع قد جعل لمن لم يتمكن من القيام الانتقال الى القعود، و جعل له القعود بمنزلة القيام. و اما بالنسبة الى القراءة، فالواجب ان يراعى فيها شروطها، و هو الاستقرار و الطمانينة، فينبغى ان يترك القراءة بعد الانتقال حتى يستقر جالسا. و على الشهيد بما ذكره الشارح المحقق قال: و يمكن ان يقال: الحالة العليا على قسمين: قسم منه داخل تحت القيام، و قسم منه داخل تحت الجلوس، ففى الأول يجب القراءة لوجوب اعتبار القيام مهما امكن، و ينسحب الحكم فى الثانى، لعدم القائل بالفصل، فالمشهور اقوى، انتهى.

أقول: و المسئلة عندى محل تردد، و ان كان المشهور لا يخلو عن رجحان ما، و اللّه هو العالم.

الثانى:

لو ثقل بعد الفراغ من القراءة ركع جالسا، و لو كان فى اثناء الركوع، فان كان بعد الذكر، فالقول بوجوب الجلوس مستقرا و منتصبا من غير ترديد، ليس عن السداد ببعيد، تحصيلا للفصل بينه و بين السجود، و يكون بدلا عن القيام من الركوع وفاقا لغير واحد، و ان كان قبل الذكر ففى الركوع جالسا او الاجتزاء بما حصل من الركوع، وجهان مبنيان على ان الركوع هل يتحقق بمجرد الانحناء الى ان يصل كفاه ركبتيه، و الباقى من الذكر و الطمانينة و الرفع افعال خارجة عن حقيقته ام لا؟ فعلى الأول لا يجب الركوع جالسا، و على الثانى يجب، و سيجئ الكلام فى ذلك ان شاء اللّه ثم الظاهر انه ان تمكن من الذكر فى حال الهوى على هيئة الراكع، او الاستمرار عليه حتى يصير ركوع قاعد وجب، و اكمله كذلك، و الاسقط، قاله غير واحد.

و يجئ على القول بتقديم الاستقرار على اعتبار الحالة العليا وجوب النزول راكعا، ليوقع الذكر حالة الركوع جالسا مستقرا.

و لو تجددت قدرة العاجز قام
اشارة

(و لو تجددت قدرة العاجز) عن القيام عليه (قام) بلا خلاف على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، بل عليه وقع اجماعنا، نقله فى المنتهى و التحرير، حيث قالا:

ص: 71

لو وجد المصلى قاعدا خقا قام، و أتم صلوته، و هو مذهب علمائنا، و يدل عليه بعد المذكور و الأخبار الآمرة بالقيام، خصوص حسنة جميل بن دراج المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه اللّه الاول القيام المتضمنة لقوله (ع): ان الرجل ليوعك و يخرج، و لكنه أعلم بنفسه و لكن اذا قوى فليقم.

فروع:
الأول: الظاهر عدم الخلاف فى انه يجب عليه ترك القراءة حين النهوض
اشارة

سواء حصل له القدرة قبلها او فى اثنائها، قيل: لان الاستقرار معتبر فيها، فالقراءة حين النهوض ينافيه، و القول بان الاستقرار كما هو معتبر فيها كذلك الموالات معتبرة فيها، و ينافيها القطع حتى يستقل بالقيام مما لا ينبغى ان يلتفت اليه.

تذنيبان:

الأول: اذا تحققت له القدرة فى اثناء الكلمة، فهل يجب عليه قطعها او اتمامها و هو قاعدا و ناهض؟ احتمالات.

الثانى: اذا حصلت له القدرة فى اثناء القراءة، و قام، فلا يجب له استينافها من راس، كما قال به بعض العامة، على ما حكى بلا خلاف بيننا اجده لاصالتى البراءة، و الصحة، و صدق الامتثال، و ما يظهر من الأخبار، و هل يستحب له الاستيناف؟ كما عن الذكرى، و جامع المقاصد ام لا؟ كما ذهب اليه الجماعة، وجهان: للاول وقوع القراءة متتالية فى الحالة العليا، ورده ارباب القول الثانى، باستلزامه زيادة الواجب مع حصول الامتثال، و سقوط الفرض، و ما ذكره الجماعة هو الاقوى.

الفرع الثانى: لو خف بعد القراءة، وجب عليه القيام بلا خلاف و لا اشكال،

ليركع عن قيام، و انما الخلاف فى ان الطمانينة هل هى فى هذا القيام واجبة؟ كما عن ظاهر الذكرى، ام لا؟ كما عن المصنف رحمه اللّه وجهان ينشأن من اصالة البراءة فالثانى، و من ان الحركتين المتضادتين فى الصعود و الهبوط بينهما سكون، فينبغى مراعاته لتحقق الفصل، و ان ركوع القايم يجب ان يكون على طمانينة، و هذا ركوع قائم، و ان معها يتيقن الخروج عن العهدة

ص: 72

فالاول، و فيه نظر، اما فى دليله الأول، فبعد تسليم لزوم توسط السكون بين الحركتين المتضادتين، نقول: ان الكلام فى الطمأنينة العرفية و كونها زائدة على المذكور مما ليس فيه شبهة، و عليه فمعه هى غير صادقة، كما صرح به الجماعة و يرشد الى ذلك الاجماع الظاهر المستفيض النقل فى جملة من العبائر على وجوب الطمأنينة فى القيام فى الركوع، فلو هوى من غير طمأنينة عمدا، بطل الصلوة، و عليه فلو كان مجرد المذكور طمأنينة عرفية لما كان للحكم بالبطلان وجه بلا شبهة، اذ ليس الواجب فيه الا الطمأنينة فى الانتصاب، كما سياتى ان شاء الله اليه الاشارة.

و بالجملة ثبوت الحكم الشرعى بمثل هذا الكلام مجازفة ظاهرة، و اما فى الثانى فانه مصادرة، اذ القدر المسلم هو وجوب كون ركوع القائم الذى اتفق قراءته حال القيام عن طمأنينة، لا مطلقا، و اما فى الثالث، فلما ذكره فى الرياض قال: و يشكل بانه احتياط لا يتحتم المصير اليه، ورده بعض مشائخنا و الشارح المحقق قال: الأول: و هو حسن لو كان مقتضى عموم الدليل الشرعى او خصوصه عدم توقف العبادة عليه، و اما مع عدمه فما ذكره فى الذكرى صحيح، لا وجه لرده، اللهم الا ان يكون مورد النزاع وجوبه تعبدا، لا باعتبار توقف العبادة عليه، فما ذكره فى الرياض صحيح، لكنه احتمال بعيد، و قال الثانى: و فيه نظر، اذ الحكم بكونه مجرد احتياط، انما يستقيم اذا دل دليل على عدم اعتباره، او لم يكن رعايته منوطا بالخروج عن عهدة تكليف ثابت، و الامر ههنا ليس كذلك، لان التكليف بالصلوة ثابت، و عند عدم الطمأنينة المذكورة لا يحصل الامتثال يقينا فيجب الطمأنينة ليحصل اليقين بالامتثال، انتهى كلامه، رفع مقامه.

أقول: يمكن ان يقال: ان مقتضى اطلاق الامر بالصلوة و اطلاق حسنة جميل بن دراج المشتملة على قوله (ع): و لكن اذا قوى فليقم، و عموم قوله (ع):

لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، هو الصحة مطلقا، خرج منه ما خرج بدليل و لا دليل على خروج ما نحن فيه عنه. و عليه فصار التمسك باصالة

ص: 73

الاحتياط هباء منثورا، و القائل به خائبا مقهورا، فقول المصنف: قد صار منصورا، و امر الاحتياط غير مخفى لمن انعم اللّه تعالى عليه فهما و شعورا.

الثالث: قال الشارح الفاضل رحمه الله: و لو خف فى الركوع قبل الطمأنينة وجب اكماله،

بان يرتفع منحنيا الى حد الراكع، و ليس له الانتصاب، لئلا يزيد ركنا ثم ياتى بالذكر الواجب من اوله، و ان كان قد اتى ببعضه، بناء على الاجتزاء بالتسبيحة الواحدة، فلا يجوز البناء على بعضها، لعدم سبق كلام تام، و يحتمل ضعيفا البناء، بناء على ان هذا الفصل يسير لا يقدح فى الموالات، و لو اوجبنا تعدد التسبيح الصغير، و كان قد شرع فيه، فان كان فى اثناء تسبيحه استأنفها كما مرّ و ان كان بين تسبيحتين أتى بما بقى واحدة كان او اثنتين، و لو خف بعد الذكر، فقد تمّ ركوعه، فيقوم معتدلا مطمئنا، و لو خف بعد الاعتدال من الركوع قام ليسجد عن قيام، ثم ان لم يكن قد اطمئن وجب فى القيام، و الاّ كفى ما يتحقق به الفصل بين الحركتين المتضادتين.

و استشكل المصنف وجوب القيام، لو كانت الخفة بعد الطمأنينة، مما ذكرناه و من امكان كون الهوى للسجود ليس واجبا براسه، بل من باب المقدمة، فيسقط حيث يمكن السجود بدونه من غير نقص فى باقى الواجبات.

(و لو تمكن) المصلى قاعدا او ما دونه (من القيام للركوع خاصة وجب) و قد مر الى دليله الاشارة،

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: صرح الجماعة بانه يستحب للرّجل اذا صلى قائما ان يفرق بين قدميه من ثلاث اصابع الى شبر،
اشارة

بل قال بعض الأجلاء فى شرح رواية حماد:

قوله: و قرب بين قدميه حتى كان بينهما قدر ثلاث اصابع منفرجات، هذا هو المشهور بين الاصحاب رضى اللّه عنهم من حيث صرحوا بانه يستحب ان يكون بينهما ثلاث اصابع منفرجات الى شبر، انتهى.

و فى بعض شروح الجعفرية و يستحب ان يفصل بينهما من اربع اصابع الى شبر، و ان يستقبل باصابعهما القبلة، و قال بعض فقهائنا بوجوب ذلك، و

ص: 74

ليس بمعتمد، انتهى.

أقول: و يدل على الاستحباب قوله (ع) فى رواية حماد المتقدمة: و قرب بين قدميه حتى كان بينهما ثلاثة اصابع مفرجات، و قوله (ع): اذا قمت فى الصلوة فلا تلصق قدمك بالاخرى، دع بينهما اصبعا اقل ذلك الى شبر اكثره، كما فى رواية زرارة المتقدمة.

قال البهائى رحمه الله: ما تضمنه الحديث الأول من ان اقل مقدار الفصل بين القدمين حال القيام اصبع، لعل المراد به طول الاصبع لا عرضه، و نصب اصبعا على البدلية من قوله فصلا، و اقل بالرفع خبر مبتداء محذوف، اى هو اقل ذلك و اكثر مرفوع بفاعلية الظرف، كما فى قوله تعالى: «وَ عَلىٰ أَبْصٰارِهِمْ غِشٰاوَةٌ» او مبتدأ، و الظرف خبره، انتهى.

أقول: لم يبعد بملاحظة رواية زرارة الحكم بانه يستحب للرجل ان يفرق بين قدميه من اصبع الى شبر، بان يجعل المراد بالاصبع هو طوله، و لعله المتبادر، و لا تعارض بينه و بين رواية حماد، و ان لو حظ ما فى اخرها فى قوله (ع): يا حماد هكذا صلّ. لمكان الاستحباب و حمل المطلق على المقيد، انما يحسن اذ وقع الاجماع على اتحاد التكليف، و هو فى المستحبات مفقود غالبا، فافهم ذلك، و احفظه فانه ينفعك فى مقامات كثيرة.

و اما ما نقله فى شرح الجعفرية عن بعض فقهائنا، من القول بوجوب الفصل من اربع اصابع الى شبر، فغير وجيه، لمكان الاطلاقات و عموم قوله (ع) لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و عدم اشتهار الوجوب مع توفر الدواعى، و الخبران ايضا غير دالين عليه، مع ان سياقهما سياق الاستحباب، و كيف كان فلا ريب فى كون هذا القول شاذا، فلا اعتناء بشانه.

تذنيب:

صرح غير واحد باستحباب عدم التفريق بين الرجلين للمراة، و يدل عليه رواية زرارة المتقدمة فى اوايل الكتاب، و قال بعض مشائخنا اعلم انه يستفاد عن

ص: 75

الرضوى، المراة اذا قامت الى صلوتها ضمت رجليها، استحباب عدم التفريق بين الرجلين لها.

الثانى: صرح الجماعة بانه يستحب ان يستقبل باصابع رجليه جميعا القبلة،

و عن المنتهى ليحصل كمال التوجه اليها بقدر الامكان.

أقول: و الاجود الاستدلال عليه برواية حماد المتقدمة فى اوايل الكتاب.

الثالث: يستحب ان يرسل يديه على فخذيه مضمومة الاصابع،
اشارة

لقول حماد فارسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم اصابعه، و ظاهره كما ترى ضم الابهام الى الاصابع، و فى صحيحة زرارة المتقدمة: و اسدل منكبيك، و ارسل يديك، و لا تشبك اصابعك، و ليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك.

تذنيب:

يستحب للمرأة ان تضم يديها الى صدرها لمكان ثدييها، كما فى رواية زرارة المتقدمة.

الرابع: حكم بعض الأجلاء باستحباب اقامة النحر،

مستدلا بما رواه الكافى فى باب القيام و القعود عن حريز، عن رجل، عن الباقر (ع) قال: قلت له: فصل لربك و انحر، قال: النحر الاعتدال فى القيام، ان يقيم صلبه و نحره و عن الحلبى يستحب ان يرسل ذقنه على صدره حال القيام و الخبر المذكور حجة عليه.

الخامس: صرح بعض الأجلاء بانه يستحب ان يكون النظر الى موضع السجود نظر تخشع و خضوع، لا نظر تحديق اليه.

أقول: و يدل عليه قوله (ع): و ليكن نظرك الى موضع سجودك، كما فى صحيحة زرارة المتقدمة فى اوايل الكتاب، و قوله (ع) فى كتاب الفقه الرضوى: و يكون بصرك فى موضع سجودك ما دمت قائما.

السادس: حكم بعض الاصحاب باستحباب عدم التورك،

و هو على ما قيل:

الاعتماد على احدى الرجلين تارة، و على الاخرى اخرى. و عن الذكرى انه عدّ من

ص: 76

المستحبات ان يثبت على قدميه، و لا يتكى مرة على هذه و مرة على الاخرى. و لا يتقدم مرة و يتاخر أخرى. قال: قاله الجعفى.

أقول: و يدل عليه قوله (ع) فى كتاب الفقه الرضوى: و لا تتك مرة على رجلك و مرة على الاخرى.

السابع: صرح بعضهم باستحباب لزوم السمت الذى يتوجه اليه فلا يلتفت الى احد الجانبين،

قال: لما روى عنه (ص): اما يخاف الذى يحول وجهه فى الصلوة ان يحول اللّه وجهه وجه حمار: و قال شيخنا الشهيد الثانى فى شرح النفلية: و وجه التخويف العظيم ان الغرض من الصلوة الالتفات الى اللّه تعالى و الملتفت فيها يمينا و شمالا ملتفت عن الله، و غافل عن مطالعة انوار كبريائه، و من كان فيوشك ان يدوم تلك الغفله عليه، فتحول وجه قلبه كوجه قلب حمار فى قلة عقليته للامور العلويه، و عدم اكرامه بشىء من العلوم و القرب من اللّه تعالى.

الثامن: الدعاء عند القيام للصلاة

يستحب لمن يقوم الى الصّلوة ان يقول ما اشتمل عليه ما رواه الكافى فى باب دخول المسجد فى الصحيح على الصحيح، لمكان ابراهيم عن ابان و معوية بن وهب. قالا: قال ابو عبد الله (ع): اذا قمت الى الصلوة فقل:

اللهم انى اقدّم اليك محمدا صلى اللّه عليه و آله بين يدى حاجتى(1) و اتوجه اليك، فاجعلنى به وجيها عندك فى الدنيا و الاخرة و من المقربين، اجعل صلوتى به مقبولة، و ذنبى به مغفورا، و دعائى به مستجابا، انك انت الغفور الرّحيم.

التاسع: السّكون و الوقار و التؤدة عند القيام للصلاة

ذكر (ع) فى كتاب الفقه الرضوى، و عن الذكرى انه اسنده الى الصدوق، و لعلّه انما اخذه عنه قال (ع): اذا اردت ان تقوم الى الصلوة، فلا تقم اليه متكاسلا، و لا متناعسا، و لا مستعجلا، و لا متلاعبا، و لكن تاتيها على السّكون و الوقار و التؤده،(2) و عليك بالخضوع و الخشوع متواضعا لله عزّ و جلّ متخاشعا، عليك خشية و سيماء الخوف راجيا خائفا بالطمأنينة على الوجل و الحذر، فتقف بين يديه كالعبد الآبق المذنب بين يدى مولاه، فصف قدميك، و انصب نفسك، و لا تلتفت يمينا و شمالا، و تحسب انك تراه، فان لم تكن تراه فانه

ص: 77


1- حوائجى خ ل.
2- التؤدة: التأنّى و التثبت و عدم التعجيل (منه)

يراك، و لا تعبث بلحيتك، و لا بشئ من جوارحك، و لا تفرقع اصابعك، و لا تحك بدنك، و لا تولع بانفك و لا بثوبك، و لا تصل و انت ملتثم، و لا يجوز للنساء الصلوة و هن متنقبات، و يكون بصرك فى موضع سجودك، ما دمت قائما، و اظهر عليك الجزع و الهلع و الخوف، و ارغب مع ذلك الى اللّه جلّ و عزّ، و لاتتك مرة على رجلك و مرة على الاخرى، و صلّ صلوة مودع، ترى انك لا تصلى ابدا، و اعلم انك بين يدى الجبار، و لا تبعث بشىء من الاشياء، و لا تحدث نفسك، و افرغ قبلك، و ليكن شغلك فى صلوتك، و ارسل يديك الصقهما بفخذيك، فاذا افتتحت الصلوة فكبر الى آخرة.

(الثانى) من واجبات الصلوة (النية)،
اشارة

و هى فى الصلوة واجبة اجماعا نقله غير واحد، و يدل عليه بعد المذكور و العقل و النقل كتابا و سنة، و المناقشات التى اشاروا اليها فى مقام الاستدلال لها بهما كثير، منها واهية، فلو تعرضنا لها ليطول المقام جدا، و اختلفوا فى ان المراد بها هل هو الداعى على الفعل، او الصورة المخطرة بالبال؟ فذهب جماعة الى الاول، و اخرى الى الثانى و المعتمد(1)هو الاول، تفصيل الكلام فى هذا المقام، هو انه لا ريب و لا شك فى ان كل عاقل غير غافل و لا ذاهل اذا جعل عقله المستقيم حاكما، يجد و يرى كالشمس فى وسط السماء، اذ الافعال كلّها من عباداتها و معاملاتها و ايقاعاتها و سياساتها و مباحاتها غير صادرة الا عن تصور الدواعى الباعثة عن الاتيان بها، و هى المشار اليها فى كلامهم بالعلل الغائية، فبتصورها يحصل للنفس شوق الى تحصيلها و جذبها، فكلما ازدادت تصورا ازدادت شوقا، حتى يتاكد، و يسمى بالارادة و الاجماع، فاذا انضم الى القدرة التى هى هيئة للقوة الفاعلة، انبعثت تلك القوة لتحريك العضلات الى ايقاع تلك الافعال و ايرادها، و تحركت الى اصدارها و ايجادها، تحصيلا لغرضها، الذى تصورته اولا، فانبعاث النفس و توجهها، و قصدها الى ما فيه غرضها هو النية.

نعم، قد يحصل بسبب تكرر الفعل و الاعتياد عليه و نحوهما نوع ذهول

ص: 78


1- فيه اشارة الى ان النية هل هى عبارة عن الداعى او الصورة المخطرة.

عن تلك العلة الغائية الحامله على الفعل، بل عن نفس الفعل، الا ان النفس بادنى توجه و التفات تستحضر ذلك، كما هو المشاهد فى جملة من افعالنا المتكررة، و اورادنا المقررة، و عليه فليست النية بالنسبة الى الصلوة الا كغيرها من ساير افعال المكلف من قيامه و قعوده، و اكله و شربه، و ضربه و ذهابه و ايابه، و تعقيبه و تسبيحه، و تهليله و تمجيده، و قراءته و مناجاته، و شكاياته و محاكاته، و نحو ذلك، و لا ريب ان كل عاقل غير غافل و لا ذاهل لا يصدر عنه فعل من هذه الافعال الا بقصد و نية سابقة عليه، مع انه لا يتوقف شىء من ذلك على الاستحضار الذى ذكروه، و التصور الذى صوروه، بل ربما لو ذكروا ما سطروه باللسان، و ترنموا ما قرروه بالعيان، و قال انى اضرب زيدا مثلا لاجل تحصيل فلان و فلان، او اجامع مع امراتى لاجل تقليل الشهوة، لئلا توقعنى فى موارد الهلكة، او لاجل تحصيل الاولاد، حتى تكون لى باقيات صالحات، و نحو ذلك من الجزا فات ليعدونهم من المجانين، و يجعلهم الاطفال سخرية فى المحلات و الدكاكين، كلا ثم كلا، ليست النية بالنسبة الى الاعمال و الافعال بقول مطلق الا واحدة، و عليه فليست عبارة عن الحديث النفسى و التصوير الفكرى، كما استفيد ذلك عن كلام اكثر متاخرى الطائفة، الذى يصير باعثا لدخول الشخص فى شبكة الوسواس، و فى جند الخناس، الذى يوسوس فى صدور الناس، كما نرى ذلك و نشاهده عن كثير من الناس، حيث انهم حين يريدون ان يقدموا على عبادة يعطلون انفسهم بسبب نيتها غير ساعة، مع انا نراهم حين يريدون ان يفعلوا فعلا غيرها يفعلونه بلا مهلة و لا فرصة، من غير ان يعطلوا انفسهم بالتصوير التفصيلى، و الحديث الخيالى، بانى افعل ذلك الفعل لاجل تحصيل فلان و فلان كما نشاهد ذلك بالعيان.

و عليه فان المكلف اذا دخل عليه وقت الظهر مثلا، و هو عالم بوجوب ذلك الفرض عليه، و عالم بكيفيته و كميته، و كان الحامل له على الاتيان به هو التقرب الى اللّه عزّ و جلّ، ثم قام من مكانه و سارع الى الوضوء، ثم توجه الى مسجده، و

ص: 79

وقف فى مصلاه، و اذن و اقام، ثم قال: الله اكبر، ثم استمر فى صلوته فان صلوته صحيحة شرعية مشتملة على النية بلا ريبة و لا شبهة، و بالجملة المستفاد من الادلة الشرعية سهولة الخطب فى امر النية، و ان المعتبر فيها قصد الفعل المعين طاعة للّه تبارك و تعالى خاصة، و هذا القدر مما لا يكاد ان ينفك عنه عاقل غير غافل و لا ذاهل، متوجها الى ايقاع العبادة، و من هنا قال بعض الاجلة: لو كلف اللّه تعالى بالصلوة او غيرها من العبادات بغير نية لكان تكليفا بما لا يطاق، و قال آخر: لو لا قيام الادلة على اعتبار القربة و الا لكان ينبغى ان يكون هذا من باب اسكتوا عما سكت اللّه عنه، و عن علمائنا المتقدمين انهم ما كانوا يذكرون النية فى كتبهم الفقهية، بل يقولون: اول واجبات الوضوء مثلا غسل الوجه، و اول واجبات الصلوة تكبيرة الافتتاح، الى غير ذلك، و ليس ذلك الا لاجل سهولة الخطب فى امرها، و لذا ترى الأخبار الواردة فى بيان حقايق العبادات فى مواقع التعليم عنها خالية، مع عموم البلوى، و تاكد الحاجة، و فى قوله تعالى:

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ فَاغْسِلُوا) الاية، و فى رواية حماد فقام ابو عبد الله (ع) مستقبل القبلة، الى ان قال: و استقبل باصابع رجليه جميعا القبلة، لم يحرفها عن القبلة، و قال بخشوع: الله اكبر و لم يقل: فكبر فى النية او بعدها، و لا تلفظ بها، و لا غير ذلك من الجزافات المستحدثه، و كانهم توهموا ما لم يحصل الاستحضار الذى ذكروه، و المقارنة التى سطروها، يصير الدخول فى الصلوة عاريا عن النية، لان النية السابقة عندهم غير كافية اما لكونها عزما لانية، اولا مكان تجدد الغفلة، فيصير الفعل بلانية، و فيه مع قطع النظر من عدم كلية ما عرفته عن عدم كون العبادة الاكساير افعال المكلف، فالقدر المعلوم فيها هو ما اشرنا اليه، لا ما اشاروه اليه، فانه لا يجب فى جملة الافعال بعد تصور الدّواعى الحاملة عليها، انه يجب ان يكون ذلك حاضرا فى باله، و جاريا على خياله، بل لا بد ان يكون بحيث اذا رجع الى الحافظة وجده، و ان انتقل بفكر اخر، او كلام فى البين، فانه لا ينافى حضور ذلك فى باله و لقد اجاد

ص: 80

بعض الاجله من متاخرى الطائفة، حيث ترنم راس قلمه منبئا عن جودة فهمه، بان النية عبارة عن القصد الى الفعل، بعد تصور الدّاعى و الحامل عليه، و الضرورة قاضية بما نجده فى ساير افعالنا: بانه قد يعرض لنا مع الاشتغال بالفعل الغفلة عن ذلك القصد و الداعى فى اثناء الفعل، بحيث لو رجعنا الى وجداننا لراينا النفس باقية على القصد الأول، و مع ذلك لا نحكم على أنفسنا، و لا يحكم علينا غيرنا بانا ما فعلناه وقت الذهول و الغفلة بغير نية و قصد، بل من المعلوم ان ذلك اثر ذلك القصد، و الداعى السابقين كان الحكم فى العبادة كذلك، اذ ليس العبادة الا كغيرها من الافعال الاختيارية للمكلف، و النية ليست الا عبارة عما ذكرناه، انتهى.

نعم، لو ذهل ثم رجع الى نفسه لم يستشعر بها، لم يحكم بصحة العبادة، اذ النية مفقودة، كما لا يحكم بصحتها اذا حدثت فى الاثناء ارادة محركة للاعضاء للاتيان ببعض افعالها ناشئة من تصور نفع و غرض آخر، فاستخلص بهذا التحقيق الرشيق عامة الناس، و انهدم شباك الوسواس الخناس، الذى يوسوس فى صدور الناس.

(و هى ركن) فى الصلوة اجماعا، نقله فى التحرير، قال الشارح المحقق:

المراد بالركن ما يلتئم منه الماهية، مع بطلان الصلوة بتركه عمد او سهوا، كالركوع و السجود او ما يشتمل عليه الماهية من الامور الوجودية المتلاحقة، مع القيد المذكور، و التقييد بالامور الوجودية لاخراج التروك، كترك الكلام و الفعل الكثير، فانها لا يعد اركانا عندهم، انتهى.

أقول: و يمكن ان يكون المراد بركنيتها ما (تبطل الصلوة بتركها عمدا و سهوا)، و هو و ان كان خلاف المصطلح عليه بينهم، لمكان شموله للشرط، و لكن لا خلاف على ما صرح به غير واحد فى ركنيتها بهذا المعنى، بل عن الجماعة ادعاء اجماع العلماء عليه، هذا مضافا الى الكتاب و السنة، المستفيضة الدالة على اعتبار الاخلاص، و انه لا عمل بلا نية، و المناقشات التى ذكروها كثير منها

ص: 81

مجازفة واهية، و اختلفوا فى انها هل هى شرط فى الصلوة، او جزء لها؟ فقيل بالاول، و قيل بالاخر، و بعضهم قد تردد، و ادلة الطرفين لا تخلو عن مناقشة، و الفايدة فى تحقيق ذلك قليلة، و الثمرة التى قد فرعت على القولين بعضها غير متفرعة، و بعضها قليلة الفائدة، و عليه فالاعراض عن الاطالة فى هذا الباب اولى، و الاشتغال بتحقيق الاهم احرى، نعم فذلكة الكلام فى ذلك ان يقال:

ان القول بشرطيتها كما ذهب اليه الجماعة اظهر، لان النية هى العلة الغائية، و هى السبب على فاعلية الفاعل، فكيف يمكن القول بان ذلك السبب الذى صار علة لفاعلية الفاعل جزء للصلوة، التى يوقعها الفاعل، و العجب من القاعلين بالجزئية كيف تكلموا بها، و كانهم لم يتعقلوا ما بيناه، كيف فمع تعقله لا يتفوه بالجزئية عاقل، فضلا عن الفاضل، هذا مضافا الى النصوص الواردة فى كيفية الصلوة و احكامها، الدالّة على ان اول افعال الصلوة التكبير، و استدلوا على الشرطية مرة، بان الاصل عدم دخولها فى المهية، و توقف الصلوة عليها اعم من الجزئية، و اخرى بان النية متعلقة بالصلوة، فلو كانت جزءا منها، لتعلق الشىء بنفسه، و اخرى بانها لو كانت جزء الافتقرت الى نية اخرى، و يتسلسل، و اخرى بان قوله (ع): انما الاعمال بالنيات، يدل على مغايرة العمل للنية، و المناقشة فى تلك الوجوه سارية، و لكنها للتاييد قابلة، و لو فى الجملة و للقابل بالجزئية ان حقيقة الصّلوة بها ملتئمة، و فيه انه مصادرة، و ان ما يعتبر فى الصلوة من القيام و الستر و الاستقبال و غير ذلك معتبر فيها. و هذا دليل الجزئية، و فيه منع الاشتراط، كما اختاره المحقق و جمع من الاصحاب، لانتفاء الدّليل عليه راسا، قاله فى المدارك قال: و ربما قيل ان اشتراط ذلك فى النية لاجل المقارنة المعتبرة بينهما و بين التكبير، لا لاجل النية بنفسها، و هو جيد، لو ثبت توقف المقارنة على ذلك، انتهى.

أقول لما كانت النية عبارة عن الداعى على الفعل، و هو غير ممكن الانفكاك عن الفعل، فلا يتعقل انفكاكها عما يشترط فى الصلوة من الاستقبال و الستر و

ص: 82

نحوهما، و ذلك واضح، فلا ثمرة فى القول بانها لو كانت شرطا هل يعتبر فيها ما يعتبر فى الصلوة ام لا؟ قال بعض المحققين: و اختلف الفقهاء فى الشرطية، و الجزئية فمن قال بالجزئية اعتبر فيها جميع ما اعتبر فى الصلوة من الطهارة و الستر و القيام و غيرها، بل فى المسالك استدل بما ذكر على الجزئية، فظهر منه الاتفاق على عتبار ما اعتبر فى الصلوة فيها، فلم يبق ثمرة للنزاع، انتهى.

أقول: و كيف كان فلا شبهة فى الشرطية.

واجبات النية
تعيين الصلاة

(و يجب ان يقصد فيها) اى فى النية (تعيين الصلوة) من ظهر او عصر او غيرهما، و عن المصنف رحمه اللّه انه نفى فى المنتهى الخلاف فيه، و ادعى فى التذكرة اجماع علمائنا عليه. كالمدارك، و يدل عليه ان الفعل لما كان وقوعه على وجوه متعددة ممكنا، افتقر اختصاصه باحدها الى النية، و الا لكان صرفه الى البعض دون البعض ترجيحا من غير مرجح.

أقول: هذا الدليل وجيه، اذا كان الفعل بحسب الواقع متعددا غير معيّن، و اما فى صورة التعين فلا يخلو عن اشكال، كالقول بان الامتثال العرفى متوقف عليه، نعم لو نوى خلاف الواقع، كان ينوى العصر عمدا، و هو بعد غير مصل للظهر، لكان بحسب العرف غير ممتثل، و استدل بعضهم على ذلك بان البراءة اليقينية غير حاصلة الا به، قال الشارح المحقق: ففيه قوة، بناء على ما ذكرنا من عدم ثبوت شرطية النية، و اما ان رجحنا شرطية النية، فنقول: الامر بالصلوة مطلق لا يتخصص بشرط الا بدليل، و لا دليل على اشتراط الامور المذكورة و اليقين بالامتثال لا يتوقف عليه بعد اطلاق التكليف، و هذا الكلام لا يتم على تقدير ترجيح الجزئية او التردد فيها، فيتجه القول بالوجوب حينئذ، انتهى.

أقول: على تقدير تسليم جزئية النية ايضا، يمكن التمسك بالاطلاق فى نحو المقام، و ذلك لان القدر المسلم من كونها جزءا للصلوة، انما هو القصد الى الفعل تقربا الى الله، و اما كون المذكور معتبرا فيه، فنطالب بالدليل، فليعمل بالاطلاق حتى يظهر، فافهم، و كيف كان فلا شبهة فى ارجحية التعيين بقول

ص: 83

مطلق، للاجماع المحكى المعتضد بالشهرة و غيرها، مما مرت اليه الاشارة.

و قصد الوجه
اشارة

(و) ان يقصد فيها (الوجه) الواقعة عليه من وجوب او ندب على الاشهر، بل عن ظاهر التذكرة اتفاق الاصحاب عليه، خلافا لجماعة من محققى متاخرى متاخرى الطائفة، فاختاروا العدم(1) للاولين وجهان:

الأول: ان الفعل لما جاز وقوعه على وجوه متعدّدة، فانه يقع تارة واجبا، و اخرى مندوبا، و مرة اداء، و اخرى قضاء، افتقر اختصاصه باحدهما الى النية، و الا لكان صرفه الى البعض دون البعض ترجيحا من غير مرجح، و بطور آخر الاوامر لما كانت ايجابية مرة، و ندبية اخرى، و الفعل الذى يفعله المكلف لو لم يقصد انه واجب او ندب، لم يتعين لكونه امتثالا لامر، اذ صرفه الى احدهما دون الاخر ترجيح من غير مرجح.

و فيه نظر، اما على التقرير الاول فلان الامر لما كان متعلقا بايجاد الطبيعة المطلقة، فعند الاتيان بها يحصل الامتثال، فبحصوله يتحقق الوجوب ايضا، لان ما يمتثل به الامر الايجابى واجب، و القول بان هذا الجواب انما يكون وجيها، لو قرر كلام المستدل هكذا، لما كانت الصلوة واجبة و مندوبة، فلا بد من كونها امتثالا لامر الايجابى، ان تكون واجبة، و لامر الندبى ان تكون مندوبة، اذ الصلوة المندوبة لا تكون امتثالا لامر الايجابى، و كذا الصلوة الواجبة لا تكون امتثالا لامر الندبى، و اما لو قرر بانه لو لم يقصد المكلف الوجوب او الندب فى الفعل الذى يفعله لم يكن ذلك امتثالا لامر، لامتناع الترجيح من غير مرجح لو صرف الى احدهما، فلم يخدشه ذلك الجواب، لمكان كونه ناظرا فى اقرار المستدل بحصول الامتثال بالنسبة الى الامر، و انكاره فى صدقه بالنسبة الى الامر الايجابى او الندبى غير وجيه، لان هذا بعينه هو التقرير الثانى، و سيظهر جوابه.

ص: 84


1- و هذا الاستدلال محكى عن الحلى و ابن زهرة و المصنف و الشهيد و المحقق الثانى فى ايجابهم نية بعض الصفات. (منه)

و اما على التقدير الثانى فلجواز ان يخصص بشىء آخر سوى قصد الوجوب او الندب، بان لاحظ وقت الفعل كونه امتثالا لبعض الآوامر بخصوصه، و ان لم يلتفت انه ايجابى او ندبى، و ان شئت فامل راس القلم، و قل: لو كانت الآوامر الايجابية متعددة، و فى الصفات غير متميزة، فحينئذ لو نوى الوجوب ايضا يلزم ان يكون صرفه الى احدها دون الاخر ترجيحا من غير مرجح، فما هو جوابكم؟ فهو جوابنا، فتدبر، جدا هذا مضافا الى عدم كونه عاما لجميع العبادات لمكان جواز التداخل بالنسبة الى جملة منها فافهم.

الثانى: ما ذكره المحقق الثانى فى جامع المقاصد، بان الامتثال فى العبادة انما يتحقق بايقاعها على الوجه المطلوب، و لا يتحقق ذلك الوجه المطلوب فى الفعل الماتى به الا بالنية، بدليل انما لكل امرئ مانوى، و فيه ان اريد من ايقاعها على الوجه المطلوب، ايقاعها بشرائطها و اركانها المعتبرة فيها شرعا فمسلم، لكن لا نسلم ان من جملتها قصد الوجوب او الندب، و ان اريد ايقاعها على قصد وجهها الذى هو الوجوب او الندب، كان مصادرة محضة و القول بان المراد هو الأول، و لكن لا ندعى ان من جملة وجوهها قصد الوجوب او الندب، و هو لا يقبل المنع، اذ لا شك ان امتثال الامر الواجبى انما يكون بالاتيان بالفعل الواجب دون الندب، و كذا الحال فى الندب، و هذا الوجه لا يحصل فى الفعل الا بالنية، اذ بدون النية يحتمل الواجب و الندب، و لا يصار الى احدهما، لامتناع الترجيح من غير مرجّح، مما لا يغنى من الجوع، اذ هو على هذا التقرير بعينه هو الوجه الأول، فتجئ الاجوبة المتقدمة، و القول بان ظاهر كلام المستدل ينظر الى ما حكى عن المتكلمين من انه لا بد فى حسن الفعل ان يفعل لوجوبه او ندبه، فغير وجيه، اذ لم نجد ما يدل على حقية ما نسب اليهم، على انه قد منع بعضهم عن صحة تلك النسبة، و عن المحقق الذى ظهر لى ان نية الوجوب و الندب ليست شرطا فى صحة الطهارة، و انما يفتقر الى نية، و هو اختيار ابى جعفر الطوسى رحمه اللّه فى النهاية، و ان الاخلال بنية الوجوب

ص: 85

ليس بمؤثر فى بطلانه، و لا اضافتها مضرة، و لو كانت غير مطابقة لحال الوضوء فى وجوبه و ندبه، و ما يقول به المتكلمون من ان الارادة تؤثر فى حسن الفعل و قبحه، فاذا نوى الوجوب و الوضوء مندوب، فقد قصد ايقاع الفعل على غير وجهه فكلام شعرى، انتهى.

أقول: سيأتى تفصيل القول فى ذلك، و كيف كان فلا ريب فى عدم نهوض الوجهين المذكورين لاثبات المطلب، كالاتفاق المحكى عن ظاهر التذكرة، اذ المناط فى حجية الاجماع المحكى هو المظنة، و هى عنه فى المقام غير حاصلة، لمكان عدم تعرض القدماء للمسئلة و اما الشهرة المتاخرة فمع عدم كونها مورثة للمظنة القوية بقول مطلق، لا يحصل عنها فى المقام المظنة التى يعتد بها، لمكان مخالفة كثير من محققى متاخرى متأخريهم، و الاقوى عندى هو القول بعدم الوجوب لوجوه:

الأول: الاصل براءة الذمة و لم يظهر ما يقيده.

الثانى: اطلاق الامر بالصلوة كتابا و سنة.

الثالث: ان السيد اذا امر عبده بشراء لحم الغنم مثلا من سوق خاص فذهب العبد و اشتراه، و لم يخطر بباله بانى اشتريه لكونه واجبا، عدّ من عند العقلاء، ممتثلا لامر مولاه، و لو ضربه السيد او عاتبه على ترك ذلك القصد للامه العقلاء، و لو كان القصد المذكور معتبرا، لحسن منه العقاب، و لما حسن منهم اللوم فى ذلك، و يؤيده ان المامور اذا علم بصفات المامور به ثم نسيها، لم يتوقف فى المبادرة الى الاتيان بالمامور به خوفا من عدم الامتثال، او عدم استحقاق الثواب، و لا يتفحص عن الصفات بمراجعة الامر و غيره تحصيلا للعلم بها، و هذا معلوم من عادة العقلاء كما لا يخفى.

الرابع: ان ذلك القصد لو كان واجبا لتواتر الأخبار بذلك، لتوفر الدواعى و مسيس الحاجة، و التالى باطل بالبديهة، بل لم نجد عن اهل بيت العصمة (ع) خبرا دالا عليه، فضلا عن التواتر، فالمقدم مثله، و الملازمة بينة، و

ص: 86

القول باكتفاء الشارع على ذلك، بدلالة العقل، كما يدعيه الموجبون لذلك غير وجيه، كما اطنبناه فى الاصول فى مبحث دلالة الامر بالشىء على النهى عن ضده، و من اراد ذلك فليراجع هناك.

الخامس: ان العلم بجميع الصفات ممتنع غالبا، او بقول مطلق مع عدم القائل به، فلا يمكن دعوى كونه شرطا، و دعوى كون العلم بالبعض شرطا ترجيح من غير مرجح، نعم اذا اوجب الشارع العلم ببعضها كان هو المرجح، و لكن الكلام فيما اذا لم يظهر من الشارع ايجاب فافهم.

السادس: ان الاوامر و نحوها من المشتقات ماخوذة عن المصادر الخالية عن اللام و التنوين، و هى حقيقة فى الطبيعة لا بشرط شىء، فلا دلالة فيها على وجوب ذلك القصد، و لا يخفى عليك ان هذا الوجه مع الوجه الثانى يمكن القول باتحادهما، و يمكن القول بتخالفهما، و لما كان الثانى اظهر، فلذا افرزناه عنه.

السابع: ان حسن الاحتياط مما يحكم به جميع العقلاء، و لو تمكن من تحصيل العلم بالواقع، و معلوم ان ذلك انما يكون فيما اذا تردد بين الوجوب و الاستحباب، و لو كان العلم بالصفتين شرطا لاحد الامرين لما جاز الاحتياط اما مطلقا، و اما تمكن من تحصيل العلم بالواقع. و قد بيّنا ان العقلاء متفقون على حسنه مطلقا فافهم.

الثامن: ان ذلك لو كان شرطا فى الامتثال و الخروج عن العهدة لما جاز الاكتفاء برد الوديعة، و ازالة النجاسة المامور بهما فى الشريعة، اذا لم يعلم بوجوبهما، و هو باطل قطعا، قاله بعض مشائخنا، فتدبر، و كيف كان، فلا شبهة فى ارجحية ما اخترناه، و ان الاحوط هو القول بالوجوب خروجا عن شبهة الاجماع المحكى.

فروع:
الأول: هل القول بعدم اعتبار نية الوجه مخصوص فيما اذا اتحد الامر، او يجرى فيما لو تعدد ايضا؟

وجهان: و الذى يقتضيه التحقيق هو ان يقال: اذا

ص: 87

تعددت الاوامر الايجابية و الندبية كالامر بنافلة الصبح و فريضتها مثلا، فلا يخلو اما يجوز فيها التداخل ام لا، فعلى الأول فالظاهر عدم اعتباره ايضا، و على الثانى فلا يبعد القول باشتراط تخصيص الفعل باحدهما، سواء كان بقصد الوجوب او الندب او بغيرهما من المخصصات، و كذا لا يبعد القول باشتراط التخصيص فيما اذا تعددت الاوامر الايجابية فقط، او الندبية فقط، و لم يجز التداخل فى متعلقاتها، اذا كان لوازمها و احكامها مختلفة، و اما اذا لم تكن مختلفة فالظاهر ايضا عدم الاشتراط.

الثانى: لو نوى الوجوب و العبادة مندوبة او بالعكس، فهل يحكم بالصحة ام لا؟

وجهان، بل قولان:

أقول: الذى يقتضيه التحقيق هو بسط الكلام هنا فى مقامات:

الأول: لو كان الشخص جاهلا بوجوب الامر الواجب و ندبيّة الامر المندوب، ثم نوى ما هو خلاف الواقع، فالظاهر هو الحكم بالبطلان مطلقا، و لو كان ذلك واقعا عنه سهوا، لقوله (ع): لا عمل الا بالفقه و المعرفة و باصابة السنة، كما مضى فى المجلد الأول من كتاب الصلوة اليه الاشارة.

الثانى: لو كان عالما بما ذكر، و لكن وقعت نية المخالفة سهوا، فالاظهر ترجيح القول بالصحة فافهم.

الثالث: الصورة بحالها و لكن وقعت عمدا، فالقول بالبطلان لا يخلو عن اشكال، اذا لنية على ما عرفت عبارة عن الداعى، و الداعى هو اللّه تعالى، و الشخص الناوى ايضا عالم بندبية الامر او وجوبه، غاية الامر انه قد تصور فى قلبه المخالفة، فكونه موجبا للبطلان مع عدم كونه الا كذبا قلبيا مما دونه خرط لقتاد و عليه فالقول بالصحة لا يخلو عن قوة، و كلام المتكلمين على ما تقدم فى عبارة المحقق كلام شعرى.

الفرع الثالث: المعتبرون لنية الوجه قد اختلفوا،
اشارة

فعن بعضهم انه يجب عليه ان ينويه على جهة التوصيف، فينوى اوجد الصلوة الواجبة - مثلا -

ص: 88

و عن، آخر انه يجب ان ينويه على جهة العلية، فينوى اصلى الظهر - مثلا - لوجوبه، و عن آخر الذهاب الى وجوب الامرين معا(1) و عن آخر انه يجب عليه ان يوقعه لوجوبه او لندبه او لوجههما.

تذنيب:

المراد بالوجه هو اللطف، كما عن اكثر المعتزلة، و عن بعضهم انه ترك المفسدة اللازمة من الترك، و عن الكعبى انه الشكر، و عن الاشعرية انه مجرد الامر.

قال المحقق الثانى فى جامع المقاصد: و المراد بوجه الوجوب و الندب السبب الباعث على ايجاب الواجب و ندب المندوب، فهو على ما قرره جمهور العدليين لنص ظاهر من الامامية و المعتزلة، ان السمعيات الطاف من العقليات، و معناه ان الواجب السمعى مقرب من الواجب العقلى، اى امتثاله باعث على امتثاله.

فان من امتثل الواجبات السمعية كان اقرب الى امتثال الواجبات العقلية من غيره، و لا معنى للطف الا ما يكون المكلف معه اقرب الى الطاعة، و كذا الندب السمعى مقرب من الندب العقلى، او مؤكد لامتثال الواجب العقلى، فهو زيادة فى اللطف، و الزيادة فى الواجب لا يمتنع ان يكون ندبا، و لا نعنى ان اللطف فى العقليات منحصر فى السمعيات، فان النبوة و الامامة و وجود العلماء و الوعد و الوعيد بل جميع الا لام يصلح للالطاف فيها، و انما هى نوع من الالطاف، و انما كانت نية الوجه كما فيه، لانه يستلزم نية الوجوب و الندب، لاشتماله عليهما و زيادة، فكان ابلغ.

الرابع: لو ردد فى صورة الشك بين الايجاب و الندب، بين نية الوجوب و الندب، فهل يحكم بالصحة ام لا؟

وجهان بل قولان ينشأن من كون المطلوب من الاوامر هو الطبيعة، و هى حاصلة فالاول، و من عدم صدق الامتثال عرفا

ص: 89


1- و عن الذكرى انه نسب الجمع بين الامرين الى المتكلمين، قال: و هذا يطرد فى جميع نيات العبادات، لكن معظم الاصحاب لم يتعرضوا له. (منه)

فالثانى، و الأول ارجح، و عدم صدق الامتثال ممنوع بل الظاهر صدقه، نعم لو كان ذمة المكلف مشغولا بهما و هو عالم بذلك، ثم ردد فى النية بينهما، و كان الوقت صالحا للاتيان بايّهما شاء، لكان القول بعدم الصحة وجيها، لمكان الترجيح بلا مرجح، لو صرف الى احدهما.

و قصد التقرب
اشارة

(و) ان يقصد فيها (التقرب) الى اللّه تعالى قرب الشرف و الرفعة، لا الزمان و المكان، لتنزهه عنهما، و لو جعل المقصد هو اللّه تعالى لكفى، و التفصيل فى كتاب الطهارة فراجع هناك، (و) ان يقصد فيها (الاداء)، و هو فعلها فى الوقت المحدود لها شرعا، (و القضاء)، و هو فعل مثل الفائت فى غير وقته على الاشهر بين من تاخر، و عن ظاهر التذكرة اتفاق الاصحاب عليه، و الذى يقتضيه التحقيق هو التفصيل فى المقام، بان يقال: لو كان الذمة بكل منهما مشغولة، و كان الوقت صالحا لهما، فالقول بالاعتبار لا يخلو عن قوة لمكان لزوم الترجيح بلا مرجح، لو صرف الى احدهما، و فساده غير مخفى على من له ادنى درية، و اما مع عدم كون الذمة بهما جميعا مشغولة، بل كانت العبادة بحسب الواقع مشخصة، فالقول بعدم الاعتبار لا يخلو عن قوة وفاقا لجماعة من محققى متأخرى متأخرى الطائفة و كذا القول بعدم الاعتبار قوى، لو كانت الذمة مشغولة، و لكن لم يكن الوقت صالحا لهما، اذ بل كان صالحا لواحد منهما الفعل على ذلك متعين، و لا يخفى عليك ان الذى يقتضيه الدليل هو القول بلزوم التخصيص فى الفرض المذكور، لئلا يلزم الترجيح من غير مرجح، لو صرف الى احدهما. و عليه فلا يتعين كون المخصص لفظة الاداء و القضاء او ما يحذ و حذوهما، بل لو كان المخصص غيرهما من الاشياء المخصصة لكان القول بالصحة متعينا، و ذلك واضح.

و ينبغى التنبيه على أمور:
الأول: حكى عن بعض الاصحاب انه اعتبر فى النية ملاحظة الافعال على الوجه المفصل،

ثم العود الى اعتبار الاوصاف و القصد الى الافعال الملحوظة.

ثانيا أقول: و فيه نظر لانه لم يعهد عن الائمة (ع)، و لا عن السلف، مع

ص: 90

كونه من الامور العامة البلوى، فلو كان واجبا لجاء به خبر لا اقل منه مع ان عدم بقاء الملاحظة التفصيلية عند الفراغ و الشروع فى النية، مما لا مجال فيه للشبهة، و عليه فان كان الغرض التفصيل فقد فات، كما تقدم اليه الاشارة، و ان كان الغرض الملاحظة الاجمالية، فهى على التعداد المذكور غير متوقفة مع ان جميع ما عدده لا يتجاوز عن التصور الاجمالى، و ان كان المقصود اعتبار ملاحظة جميع الواجبات جزءا كان او تركا، فهو مفض الى العسر و الحرج المنفيين بالكتاب و السنة المتواترة.

و بالجملة لا معنى لامثال تلك المجازفات الواهية الباعثة لدخول الناس فى الوساوس الشيطانية، التى قد امرنا بالاستعاذة عنها، فاسكتوا عما سكت الله و دعوا الفضول من الكلام، فان العمر اشرف من ان يصرف لامثال هذه التخريجات.

الثانى: محل النية القلب،

و لا يستحب الجمع عندنا بينه و بين القول عملا بالاصل المعتضد بعدم ذكر السلف اياه، و عن بعض الاصحاب انه صار اليه محتجا بان اللفظ اشدّعونا على اخلاص القصد، و فيه منع ظاهر، و عن كثير من العامة استحباب التلفظ، و عن بعضهم انه اوجبه، و قد عرفت فساده و على تقدير عدم الاستحباب لو تلفظ بها مع عقد القلب بها فهل يحكم بالصحة ام لا؟ و الأول اقرب، لعدم دليل على الفساد، نعم حكم بعض الاصحاب بالكراهة، قال فى المقاصد العلية: لانه كلام بغير حاجة بعد الاقامة، و كل كلام بعدها كذلك مكروه، كما ورد به النقل انتهى، و لا بأس به، و كذا لو كان القلب منعقدا بها، و تكلم بغير ما قصده، فالاجود هو القول بالصحة، لعدم دليل على البطلان.

الثالث: هل يجزيه ان ينوى فريضة الوقت من غير تعرض للظهر مثلا،

و عن المصنف انه منعه فى التذكرة و جوزه فى نهاية الاحكام، و عن الذكرى هذا اذا كان فى وقت المختص، اما فى المشترك فيحتمل المنع، لاشتراك الوقت بين

ص: 91

الفرضين، و وجه الاجزاء ان قضية الترتيب يجعل هذا الوقت للاولى، و لو صلى الظهر ثم نوى بعدها فريضة الوقت اجزاء، و ان كان فى المشترك، انتهى كلام الذكرى.

قال الشارح المحقق: و للتامل فى هذه المسئلة مجال، و الاحتياط فى المنع، انتهى.

أقول: لا اشكال على الظاهر فى الاجزاء، اذا كان فى الوقت المختص او كان قد صلى الظهر، و اما فى الوقت المشترك مع عدم كونه آتيا بشىء منهما فوجهان ينشآن من كون المطلوب من الاوامر، هو الطبيعة و قد حصلت فالاجزاء، و من منافاته للامتثال العرفى فالعدم، و لعل الأول لا يخلو عن قوة، و الظاهر صدق الامتثال ايضا.

الرابع: الظاهر عدم الافتقار الى نية فرض صلوة الظهر، بل يكفى فرض الظهر،

وفاقا لبعضهم، و عن الشهيد انه قربه فى الذكرى، بل لم اجد مخالفا بيننا، و عن بعض العامة القول بالمخالفة، و فساده مما ليس فيه شبهة، هذا على القول بالاخطار، و اما على القول بالداعى، فالامر اظهر، بل لا يحتاج الى المذكور ايضا كما مرت الاشارة اليه.

الخامس: لا يشترط نية القصر و الاتمام مطلقا،

و لو كان المصلى مخيرا بينهما، فيما جزم كثير من الاصحاب على الظاهر المحكى فى بعض العبائر، كما عن الذكرى، خلافا للمحكى عن المحقق الثانى، فاوجب مع التخيير نية احدهما، و احتمله الشهيد فى الذكرى قال: لان الفرضين مختلفان، فلا يتخصص احدهما الا بالنية، قال: و على الأول لو نوى احدهما فله العدول الى الاخر، و على الثانى يحتمل ذلك لاصالة بقاء التخيير، و يحتمل جواز العدول من التمام الى القصر، دون العكس كيلا يقع الزايد بغير نية.

أقول: و هو كما ترى، فالقول بعدم الاعتبار لا يخلو عن قوة.

و ايقاعها عند اول جزء من التكبير

(و) يجب (ايقاعها) اى النية (عند اول جزء من التكبير) اعلم انهم اتفقوا

ص: 92

على لزوم اصل المقارنة فى الجملة على الظاهر المحكى عن الجماعة، و عن المنتهى و يشترط فى النية مقارنتها لتكبير الافتتاح، ذهب اليه علمائنا، و انما الخلاف فى تفسيرها، فمنهم من حكم بتعين استحضارها عند اول جزء من التكبير خاصة، و لعلّه هو الظاهر من المتن و غيره، و منهم من حكم باشتراط بقاء النية فعلا الى آخر التكبير، و هو المحكى عن الجماعة، و منهم التذكرة و الذكرى، و منهم من اوجب ايقاعها باسرها بين الالف و الراء، قال فى التذكرة: الواجب اقتران النية بالتكبير بان ياتى بكمال النية قبله ثم يبتدى بالتكبير بلا فصل، و هذا يصح صلوته اجماعا، قال: و لو ابتدأ بالنية بالقلب حال ابتداء التكبير باللسان، ثم فرغ منهما دفعة فالوجه الصحة، انتهى.

و لعل مراد المتن و نحوه هو ما ذكره فى التذكرة، و ادعى على صحة العبادة الاجماع، لا ان يكون هنا قولين، احدهما الاتيان بها عند اول جزء من التكبير، و ثانيهما الاتيان بها قبله متصلة به، بحيث يكون آخر جزء منها عند اول جزء منه، كما ذكره بعض الاجلة، اللّهم الا ان يكون قد راى القولين و وجدهما من غير ما اشرنا اليه، و كيف كان، فالقول بوجوب الاتيان بها بين الالف و الراء ينفيه الاجماع المحكى فى التذكرة، مضافا الى استلزامه للعسر و الحرج، و بالجملة الظاهر انه وسواس شيطانى، قد عرض لذلك القائل، فالاعراض عنه اولى.

و اما القول باشتراط بقاء النية الى آخر التكبير فغير ظاهر الماخذ، الا ما يقال من ان الدخول فى الصلوة انما يتحقق بتمام التكبير، بدليل ان المتيمم لو وجد الماء قبل اتمامه، وجب عليه استعماله بخلاف ما لو وجده بعد الاكمال، و المقارنة معتبرة فى النية، فلا يتحقق من دونها، و اجيب مرة بان آخر التكبير كاشف عن الدخول فى الصلوة فى اوله، و تارة بان الدخول فى الصلوة يتحقق بالشروع فى التكبير، لانه جزء من الصلوة بالاجماع، فاذا قارنت النية اوله فقد قارنت اول الصلوة، لان جزء الجزء، جزء و لا ينافى ذلك توقف التحريم على انتهائه، و وجوب استعمال الماء قبله، لان ذلك حكم آخر لا ينافى المقارنة و اخرى باستلزامه

ص: 93

العسر و الحرج المنفيين شرعا.

أقول: لو قلنا بان النية هى الصورة المخطرة، كما يحوم حولها هذه الاختلافات الواقعة فى المسئلة، فاجود الاراء هو ما ذكره فى التذكرة، ثم ادعى الاجماع على صحته، فخذ هذا ودع الفضول، و اسكت عما سكت الله، و لا توقع الناس فى شبكة الوساوس الشيطانية فى امر النية، التى هى سهل الخطب فى الشريعة، و اما اذا قلنا بانها عبارة عن الدّاعى، كما رجحناه و اقمنا عليه الادلة الباهرة، فامثال المذكورات مجازفة، لانها بهذا المعنى لازمة الاقتران من الفاعل المختار، كما هو واضح المنار، نعم الاولى حين اراد التكبير ان يكون متذكر النيته، لو لم نقل بانه هو الاظهر، لمكان الاجماع المحكى المعتضد بالشهرة العظيمة، و بما رواه الصدوق فى كتاب العلل فى باب علل الشرايع و اصول الاسلام، عن عبد الواحد ابى(1) محمد بن عبدوس النيسابورى عن ابى الحسن على بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (ع) فى علة رفع اليدين فى التكبير: ان وقت رفع اليدين احضار النية، و اقبال القلب على ما قال و قصد.

استمرارها حكما الى الفراغ
اشارة

(و) يجب (استمرارها حكما الى الفراغ)، فلا يجب الاستمرار الفعلى الى آخر الصلوة، و فى الذخيرة و غيرها الاجماع، بل الواجب الاستمرار الحكمى بان لا ينوى نية تنافى النية الاولى. و عن التذكرة الاجماع، و تمام التحقيق يطلب من كتاب الطهارة، و فذلكة الكلام انك اذا تصورت فعلا من الافعال و غايته، و صار ذلك باعثا لاقدامك على الاتيان به، فاتيت به، يصدق ان الفعل المذكور قد صدر مع النية التى قد صارت باعثة له، و ان كان الشخص فى الاثناء او فى الاخر غير ملتفت اليها بسبب التفاته الى شىء آخر، نعم لو كان بحيث اذا رجع الى قلبه لم يستشعر بها، لكان الفعل باطلا كما لو حدث فى اثناء الفعل - مثلا -

ص: 94


1- ابن خ ل.

ارادة اخرى لاصدار ذلك الفعل ناشئة فى تصور نفع و غرض آخر، و ينبغى ان يفسر الاستدامة الحكمية بذلك، لا ما ذكره الجماعة، و بالجملة التفصيل فى كتاب الطهارة، و من اراده فليراجع هناك.

حكم نية الخروج عن الصلاة أو الرياء فيها

(فلو نوى الخروج) من الصلوة مطلقا، او فى الحال او فى ثانيه (او الرياء ببعضها)، أو نوى ببعض افعال الصلوة (غير الصلوة بطلت)، و الذى يقتضيه المقام هو بسط الكلام فى مقامات:

الأول: قال الشيخ فى الخلاف: اذا دخل فى صلوته ثم نوى انه خارج منها، او نوى انه سيخرج منها قبل اتمامها، او شك هل يخرج منها او يتمها، فان صلوته لا تبطل، ثم قال بعد الاستدلال على ما ذكره: و يقوى فى نفسى انها تبطل، و رجحه على الأول، و ما رجحه هو المحكى عن كثير من المتأخرين منهم المصنف رحمه اللّه فى عدة من كتبه، و عن الجماعة الذهاب الى الأول، و منهم المبسوط و المحقق فى الشرايع، و قال فى المختلف: و الحق عندى التفصيل، فنقول ان نوى قطع الصلوة، او انه خرج منها، او نوى بفعل يفعل غير الصلوة من افعال الصّلوة، بطلت صلوته اما اذا نوى انه سيخرج من الصلوة، او سيفعل ما ينافيها من حدث او كلام، فان صلوته لا تبطل بمجرد النية، و عنه فى القواعد:

و لو نوى فى الاولى الخروج فى الثانية، فالوجه عدم البطلان ان رفض القصد قبل البلوغ الى الثانية، و عن التذكرة التردد فيه للقائلين بالصحة وجهان:

الأول: ان الصلوة قد انعقدت صحيحة بلا خلاف، و ابطالها يحتاج الى دليل، و ليس فى الشرع ما يدل عليه.

الثانى: انه قد روى نواقض الصّلوة و قواطعها، و لم ينقل فى جملة ذلك شئ مما حكيناه، و اورد على الأول بمنع حجية الاستصحاب، و على الثانى بمنع انحصار القواطع، فيما ورد فى الرّوايات، لمكان عدم وجدان ما يدل منها على الحصر، و للقائلين بالبطلان وجوه:

الأول: ان من شرط الصلوة الاستدامة الحكمية، و هى معه غير متحققه.

ص: 95

الثانى: الأخبار الدالة على النية.

الثالث: بان نية الخروج تقتضى وقوع ما بعدها من الافعال بغير نية.

الرابع: ان الاستمرار على حكم النية الاولى واجب اجماعا، و مع نية الخروج او التردد يرتفع الاستمرار، ورد الأول بمنع كون الاستدامة الحكمية شرطا للصحة، و الثانى بان الأخبار غير دالة الا على اشتراط حصول النية المطلقة، و الثالث بان نية الخروج لا يستلزم ما ذكرتم، لجواز الرجوع الى النية الاولى قبل حصول المنافى، و عند عدم الاتيان بما كان استدراكه موجبا لزيادة مبطلة، و الرابع بان الاجماع المذكور يستلزم الاثم بترك الاستمرار، لا بطلان الصلوة به.

أقول: هذه جملة من الادلة و الاجوبة التى ذكروها بافهامهم، و دوّروها على رؤس اقلامهم، و كثير منها مما لا شبهة فى فساده، و لا ريبة فى عدم الاعتناء بشأنه، و الذى يقتضيه التحقيق فى المقام من الكلام ان يقال: الذى اقتضته الادلة، هو لزوم كون العبادة مع النية، و انها ليست الا الداعى على الفعل كما مرت اليه الاشارة، و انه لا بد من الاستدامة الحكمية فى اجزاء العبادة، بمعنى ان لا ياتى بما ينافى النية الاولة، و ان يبقى على مقتضاها، و عليه فاذا نوى المكلف الخروج عن الصلوة، فقد نوى ما ينافى النية الاولة فما استمرها بلا شبهة و رفع اليد عما اتى به اولا بلا ريبة، و حكم بلغويته كما لا يخفى على ذى مسكة فبمقتضى الاجماع المنقول، صارت عبادته فاسدة، و القول بلزومه الاثم لا البطلان لعلها مجازفة، لمكان ما اشار اليه بعض المحققين من ان ملاحظة كلام المجمعين كاشفة عن كون مرادهم من الوجوب هو الوجوب الشرطى، هذا مضافا الى استبعاد كون الاستدامة من الواجبات التعبدية، التى ما شمت رايحة الشرطية، لمكان الاستقرار المستنبط من كلمات الطائفة، حيث يطلقون كثيرا غاية الكثرة نحو كلمة يجب على الواجبات الشرطية، كما هو غير مخفى على من تتبع كلماتهم، و لو فى الجملة، نعم يشكل الامر فيما اذا نوى انه سيخرج فى الغاية، و وجهه ينشأ من ان مقتضى الادلة هو ايقاع العبادة مع النية، و قد تحققت بلا شبهة، و هو بعد

ص: 96

باق على النية الاولة، و مستمر لها بلا ريبة.

نعم، قصد قطع استمرارها فيما بعد، و هذه النية غير ضائرة، لعدم ما يدل على البطلان، سوى الاجماع الدال على الاستدامة الحكمية و استمرار النية و هو ايضا للمتدبر ليس بحجة، اذ لك ان تقول لمدعى الاجماع على وجوب استمرار النية: ان هذا الشخص مستمر للنية الاولة، و بعد لم يرفع اليد عنها غاية ما فى الباب انه نوى رفع اليد عنها فيما بعد، و لكنه ليس بضاير، لانه قبل بلوغه الى المقام الذى نوى ان يرفع اليد عنها فيه قد ندم، و استخرج ما وقع فى قبله من قصد قطع الاستمرار، و تمسك بالنية الاولة، التى لم يكن ناقضا لها و قاطعا لها بلا شبهة، فالصحة، و من انه و ان كان ما يلوح فى بادى النظر انه غير قاصد بعد للخروج عن العبادة، بل قصد انه سيخرج، و قبل الوصول الى المقام الذى قصد الخروج عنها فيه قد ندم و استمر القصد الأول، و لكن الذى يقتضيه النظر الدقيق هو انه فى الحال قصد قطع النية الاولة، و ما ينافيها، لانه قد اراد قطع الصلوة مثلا، و عدم الاعتناء بشانها ارادة حتمية، و عليه فما استمر النية الاولة مطلقا، سواء رجع قبل بلوغه الى المقام الذى قصد ابطالها فيه، اولا، فالبطلان.

و لعلّ القول بالصحة لا يخلو عن قوة، عملا باطلاق الامر بالصلوة، و القدر المخرج منه هو ما اذا رفع اليد عن النية الاولة بقول مطلق، و اتى بالفعل ما ينافيها، و لا دليل على خروج ما نحن فيه عنه، و اما الاجماع ففى نحو المقام غير ممنوع.

بقى الكلام فيما لو كان مترددا فى ابقاء النية الاولة فى الحال او فى المستقبل، فالذى يقتضيه التحقيق هو القول بالصحة عملا بالاطلاق، فبما ذكر ظهر ان ما فصله المصنف رحمه اللّه فى المختلف وجيه، قال محتجا للبطلان فيما لو نوى الان الخروج: لانه قطع حكم النية قبل اتمام فعله، فابطل الفعل، و محتجا لعدمه، فيما لو نوى انه سيخرج: فان صلوته لا تبطل بمجرد النية، لان المنافى للصلوة انما هو الكلام لا العزم عليه.

ص: 97

و اما ما ذكره الشارح المحقق من ان التفصيل الذى ذكره المصنف رحمه الله لا يستند الى ما يصلح للتعويل لا يصلح للتعويل عليه، لما عرفت سابقا، و الاحتياط فى امثال المقامات مطلوب فى الغاية، بان يتم الصلوة ثم يعيدها.

الثانى: اذا علق الخروج بامر متحقق الثبوت فى ثانى الحال، فالظاهر انه مثل ما قصد الخروج فى ثانى الحال، كما قاله غير واحد، و اما اذا علقه بامر ممكن الوقوع كدخول زيد، فعن التذكرة انه احتمل البطلان فى الحال، كما لو قصد ترك الاسلام، ان دخل فانه يكفر فى الحال و عدمه، لانه ربما لا يدخل فيستمر على مقتضى النية، فان دخل احتمل البطلان قضية للتعليق و عدمه، لانه اذا لم يبطل حالة التعليق لم يكن للتردد اثر، و قال فى النهاية على ما حكى: و على تقدير البطلان حين وجود الدخول يحتمل البطلان من وقت التعليق، لان بوجود الصفة يعلم ان التعليق خالف مقتضى النية المعتبرة فى الصلوة من وقت وجود الصفة، و عن القواعد: و لو علق الخروج بامر ممكن كدخول شخص، فالوجه عدم البطلان، فان دخل، فالاقرب البطلان، و رجح بعض المحققين الصحة لو كان طرفى الامكان متساويان، و عدمها لو كان احتمال الوقوع فى غاية البعد، و الذى يقتضيه التحقيق هو القول بالصحة بقول مطلق، لمكان اطلاق الامر بالصلوة، و عدم ظهور المقيد.

الثالث: لو نوى فعلا منافيا للصلوة كالحدث او الكلام فلم يفعل فالمشهور على الظاهر المصرح فى بعض العبائر كالمدارك و غيره هو الصحة و عن الجماعة القول بالبطلان، و فى التحرير حكم فى نية الخروج بالبطلان، و حكم هنا بالصحة و فى المختلف: اما اذا نوى انه سيخرج من الصّلوة او سيفعل ما ينافيها من حدث او كلام، فان صلوته لا تبطل بمجرد النية، لان المنافى للصلوة انما هو الكلام لا العزم عليه، و عن القواعد انه استشكله، و عن التذكرة و النهاية فى وجه الاشكال، ان ارادتى الضدين هل يتنافيان ام لا؟ فعلى الاول يلزم البطلان لرفع النية الاولى دون الثانى، قال الشارح المحقق: و فيه نظر، لان المنافاة

ص: 98

بين نية الصلوة و ارادة المنافى لها عند عدم الذهول عن المنافاة، و ان جوز عدم التنافى بين ارادة الضدين فى بعض المواد، مما لا ينبغى ان يتوقف فيه، لان المعتبر فى نية الصلوة القصد الجازم، لا القصد المطلق، فاذا قصد المنافى لم يبق النية الفعلية و لا الحكمية البتة، و ايضا على تقدير المنافاة فالحكم بالبطلان محل تامل، بجواز الرجوع الى النية الاولى قبل الاتيان بما لا يمكن استدراكه، فلا يلزم ان يكون بعض الافعال بغير نية، انتهى.

أقول: يمكن ان يقال: ان الذى اقتضته الادلة هو ابقاء النية الاولة و هى بعد باقيه، و اليد عنها غير مرفوعة، و لا ينافيها العزم على فعل المنافى فيما بعد، نعم، لو كان هنا دليل دال على انه لا بد للشخص ان يكون فى اول صلوته جازما، و مريد ابانه يبقى النية التى قد اتى بها اولا الى آخر الصلوة، لكان للمذكور وجه، و انى لهم باثبات ذلك، نعم، القدر المتيقن من الادلة هو ابقاء النية الاولى الى كل جزء من الصلوة الذى يتخطى اليه، لا انه بعد فى الركعة الاولى و مبق للنية الاولة الى المقام الذى يكون فيه، لا بد له ان ينوى انه لا يفعل فى الركعة الثانية - مثلا - منافيا، اليس ذلك عين المدعى؟ فليتأمل.

و كيف كان فالحكم بالصحة اظهر، عملا بالاطلاق و عدم ظهور المقيد، نعم يشكل الامر بالنسبة الى المصنف رحمه اللّه فى التحرير، حيث حكم بالبطلان لو نوى الخروج او سيخرج، و بالصحة هنا مع ان نية المنافى فى قوة نية الخروج عند عدم الذهول عن المنافاة، الا ان يخص الكلام بصورة الذهول عن المنافاة.

الرابع: ذكر الجماعة و منهم المحكى عن الشيخ و الفاضلين: ان من قصد بالصلوة او ببعضها غير الصلوة تبطل صلوته، و اطلاق كلامهم يقتضى عدم الفرق بين ما اذا كان بطريق الاستقلال او الانضمام، و لا بين ان يكون ذلك على سبيل العمد او السهو، و لا بين ان يكون الفعل مما يقدح زيادته فى صحة الصلوة ام لا، كذا فى الذخيرة، مستشكلا فيما اذا لم يكن ركنا بجواز الاتيان به ثانيا من دون قصد فاسد، و فى المدارك: و اما بطلانها اذا نوى بشئ من افعالها الرياء

ص: 99

او غير الصلوة، كما لو قصد بالتكبير تنبيه غيره على شىء، و بالهوى الى الركوع اخذ شئ و نحو ذلك، فلانتفاء التقريب بذلك الجزء، و يلزم من فواته فوات الصلوة، لعدم جواز استدراكه، كذا علل المصنف رحمه الله، و هو انما يتم اذا اقتضى استدراك ذلك الجزء الزيادة المبطلة لا مطلقا، و من هنا يظهر انه لو قصد الافهام خاصة، بما يعد قرآنا بنظمه و اسلوبه، لم تبطل صلوته، لان ذلك لا يخرجه عن كونه قرآنا، و ان لم يعتد به فى الصلوة لعدم التقرب به، و كذا الكلام فى الذكر، و يدل على جواز الافهام بالذكر، مضافا الى الاصل، و عدم خروجه بذلك عن كونه ذكرا روايات:

منها: صحيحة الحلبى انه سأل ابا عبد الله (ع) عن الرجل، يريد الحاجة و هو يصلى. قال: يومئ بيده، و يشير براسه، و يسبح. و فى الذخيرة و وجه المدقق الشيخ على كلامهم بان المراد انه قصد الفعل المنوى به الصلوة غير الصلوة، و الحكم بالبطلان(1) لعدم تشخصه للقربة، فلا يقع مجزيا، و عدم جواز الاتيان بفعل آخر غيره، لاستلزام الزيادة فى افعال الصلوة عمدا، اذ الغرض ان الاولى مقصودا به الصلوة ايضا، و حكى عن ولد المصنف رحمه الله انه نقل الاجماع على ذلك، و لا يخفى ان اتمام هذا التوجيه يتوقف على اثبات ان تكرار الفعل الذى قصد به الصلوة مبطل(2) للصلوة، و هو غير واضح، الا ان يثبت عليه الاجماع و هو ايضا غير واضح انتهى كلامه.

أقول: تحقيق المقام يقتضى بسط الكلام فى مقامات:

الأول: ان يقصد بواحد من اركان الصلوة التى ليست بذكر كالركوع - مثلا - بخلاف التكبيرة غير الصلوة عمدا، فالظاهر هو البطلان، سواء اعاده ام لا، لعدم استمراره النية الاولة، و اتيانه بما ينافيها مع استلزام الاعادة زيادة

ص: 100


1- قال فى مجمع الفايده: و اما نية الخروج بمجردها فالظاهر عدم البطلان بها، الا ان يفعل شيئا على ذلك الوجه فيكون مثل ما مر فتامل، انتهى. (منه)
2- و تامل فى هذه العبارة. (منه)

الركن، و اما لو قصد ذلك سهوا، فالظاهر البطلان فى صورة الاعادة، و اما اذا لم يعده و اعتنى به، فالقول بالبطلان لعلّه لا يخلو عن اشكال، و الاحتياط لا يترك جدا.

الثانى: ان يقصد بواحد من اجزائها التى تكون دعاء او ذكرا او قرآنا غيرها، فهل يحكم بالصحة ام لا؟ وجهان بل قولان كما عرفت من نقل العبائر، و يمكن الاستدلال على الصحة باطلاق الامر بالصلوة، و برواية عمار المعدودة من الموثقات، انه سأل ابا عبد الله (ع) عن الرجل يسمع صوتا بالباب، و هو فى الصلوة فيتنحنح لتسمع جاريته و اهله لتأتيه، فيشير اليها بيده، ليعلمها من فى الباب لتنظر من هو. قال: لا بأس به، و عن الرّجل و المراة يكونان فى الصلوة فيريد ان شيئا ايجوز لهما ان يقولا: سبحان الله. قال: نعم، و يوميان الى ما يريد ان، و المرأة اذا ارادت شيئا ضربت على فخذيها و هى فى الصلوة، و رواية على بن جعفر المعدودة من الصحاح، عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن رجل يكون فى صلوته و الى جنبه رجل راقد فيريد ان يوقظه، فيسبح و يرفع صوته لا يريد الا ان يستيقظ الرجل، ايقطع ذلك صلوته؟ اما عليه؟ قال لا يقطع ذلك صلوته،(1) و لا شىء عليه. و سألته عن الرجل يكون فى صلوته فيستاذن انسان على الباب، فيتسبّح و يرفع صوته و يسمع جاريته، فتاتيه فيريها بيده ان على الباب انسانا، هل يقطع ذلك صلوته؟ و ما عليه قال: لا بأس، لا يقطع ذلك صلوته.

و ما روى ان عليا (ع) قال كانت لى ساعة ادخل فيها على رسول الله (ع)، فان كان فى الصلوة، سبح، و ذلك اذنه، و ان كان فى غير الصلوة اذن. و رواية معوية بن وهب المعدودة من الصحاح(2) الدالة على قراءة

ص: 101


1- و روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الحسن كالصحيح او الصحيح لمكان ابراهيم عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع)، انه سأل عن الرجل يريد الحاجة و هو فى الصلوة، فقال: يومى براسه و يشير بيده. (منه)
2- مروية فى التهذيب فى باب احكام الجماعة. (منه)

امير المؤمنين (ع) فى جواب ابن الكوا، لما قرأ: (وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخٰاسِرِينَ)، فانصت امير المؤمنين عليه السلام الى ان كان فى الثالثة، فقرأ امير المؤمنين (ع) فى جوابه: (و اصبر إِنَّ وَعْدَ اَللّٰهِ حَقٌّ وَ لاٰ يَسْتَخِفَّنَّكَ اَلَّذِينَ لاٰ يُوقِنُونَ)، المؤيدة برواية عبيد بن زرارة المعدودة من الموثقات، قال سألت ابا عبد الله (ع) عن ذكر السورة من الكتاب، تدعو بها فى الصلوة، مثل قل هو اللّه احد، فقال: اذا كنت تدعو بها فلا بأس و يمكن ان يستدل على البطلان، بانه غير مستمر للنية الاولة مع ان استمرار النية كما مضى اليه الاشارة واجب.

أقول: يحتمل القول بالصحة، لكن مع الاعادة عملا بالاطلاق، و اما مع عدمها فالقول بالبطلان هو الاظهر، لما مر، و لا تعارضه الأخبار المتقدمة، اذ الظاهر منها هو الذكر و القرآن اللذان ليسا بجزئين للصلوة، و الذى يقتضيه الانصاف ان الحكم بالصحة فى صورة الاعادة ايضا لا يخلو عن اشكال، و الاحتياط لا يترك، هذا فى صورة العمد، و اما فى صورة السهو، فلعل الاظهر هو الصحة، لكن مع الاعادة.

الثالث: لو قصد بواحد من الاجزاء التى ليست بدعاء و لا ذكر و لا قرآن كالهوى للركوع مثلا غير الصلوة، فالحكم بالبطلان، و ان كان لا يخلو عن اشكال سيما لو كان سهوا، و كان الجزء من الاجزاء التى يكون احتمال كونها من المقدمات اكثر، و لكن الاحتياط لا يترك.

الرابع: لو نوى بالجزء الصلوة و غيرها، فقيل بالبطلان، سواء اعاده ام لا، قائلا بان الحكم بالبطلان لعدم تشخصه للقربة، فلا يقع مجزيا، و عدم جواز الاتيان بفعل آخر غيره، لاستلزام الزيادة فى افعال الصلوة عمدا، اذ الفرض ان الاولى مقصود به الصلوة ايضا.

أقول: و عن فخر المحققين الاجماع عليه، و هو الحجة، و لو لا نقل الاجماع لكانت المسئلة؟؟؟ الضميمة المفصلة فى كتاب الطهارة، و منهم من صرح

ص: 102

بانسحاب حكم الابطال فى الذكر المستحب ايضا، كالمصنف رحمه اللّه و غيره، و ردّه المحقق الشيخ على، فقال: من نوى بالذكر المندوب الصلوة و غير الصلوة معا، كان قصد افهام الغير بتكبير الركوع او زجره لا تبطل به الصلوة، اذ لا يخرج بذلك عن كونه ذكر الله، و يصير من كلام الادميين، و عدم الاعتداد به فى الصلوة حينئذ، لو تحقق لم يقدح فى الصحة، لعدم توقف صحة الصلوة عليه، قال: اما لو قصد الافهام مجردا عن كونه ذكرا، فانه يبطل حينئذ، انتهى.

أقول: من نوى بالذكر المندوب الصلوة و غيرها، فليحكم فى ذلك بما مر فى الوضوء من مسائل الضميمة، و اما من نوى بالذكر المندوب غير الصلوة و لم يقصد به الصلوة اصلا، فهل يحكم بالصحة كما ذهب اليه الشارح المحقق و غيره، ام لا كما ذهب اليه الجماعة وجهان ينشئان من ما ذكره الشارح المحقق بعد نقل كلام الشيخ على المتقدم اليه الاشارة بقوله: و فى كلامه الاخر نظر، و الظاهر فى الصلوة ان القرآن و الذكر و الدعاء لو قصد به غير الصلوة لم تبطل الصلوة، لعموم ما دلّ على جوازهما فى الصّلوة من غير دليل على التخصيص، فالصحة، و من منافاته للاستدامة الحكمية فالبطلان و لعل الاخير هو الارجح، لانا لم نجد عموما شاملا للمقام، بحيث تطمئن به النفس، و اما الأخبار المتقدمة فغير ظاهر كون التسبيح الوارد فيها جزأ للصلوة لا واجبة و لا مستحبة، بل لعل الظاهر منها عدمه.

فى التنبيه بتلاوة القرآن

تنبيه:

لو قصد غير الصلوة كافهام الغير مثلا من الاذكار و الآيات التى ليست من اجزاء الصلوة لا واجبة و لا مندوبة، فلا يضر فى الصلوة، و لو كانت متمحضة فى التفهم بلا خلاف اجده، الا ما يحكى عن المصنف رحمه اللّه فى نهاية الاحكام، حيث احتمل البطلان و النصوص المستفيضة المتقدمة حجة عليه، و لو اتى بمفردات القرآن على غير الترتيب التى هى عليها، كأن يقول: بسلام ادخلوها مثلا، فالظاهر كما استظهره بعضهم هو البطلان، لانه ليس بقرآن، فيكون كلا ما اجنبيا، و الاحوط فى الايات القرآنية المذكورة فى الصلوة لافهام الغير و نحوه هو نية القرآنية خصوصا فى المشتركة بينها و بين غيرها، و كذا الاذكار، قال بعض

ص: 103

الاصحاب: يجوز التنبيه بتلاوة القران، كما لو اراد الأذن لقوم بقوله: ادخلوها بسلام امنين، او لمن اراد التخطى على البساط بنعله: اخلع نعليك انك بالواد المقدس طوى، او اراد اعطاء كتاب لمن اسمه يحيى يا يحيى: خذ الكتاب بقوة.

الامر الخامس: صرح الجماعة بان من قصد بالصّلوة او ببعض اجزائها الرياء تبطل الصلوة، قال فى الايضاح: النية شرط، و تمحضها و الاستدامة شرط ايضا، و الاولان باجماع علمائنا، و قال فى جامع: و لو ضم الرياء بطل قولا واحدا، و يحكى عن المرتضى ان عبادة الرياء يسقط الطلب عن المكلف، و لا يستحق بها ثوابا، و ليس بشىء.

و قال الشهيد رحمه اللّه على ما حكى فى ضميمة الرّياء: و هل يقع مجزيا بمعنى سقوط التعبد به، و الخلاص من العقاب؟ الاصح انه لا يقع مجزيا، و لم أعلم فيه خلافا، الا من الامام السيد المرتضى، فان ظاهره الحكم بالاجزاء فى العبادة المنوى بها الرياء.

أقول: و يدل على البطلان الكتاب و السنة و الاجماع على الظاهر، بل العقل اذ هو يحكم بقبح العمل المنضم الى كونه لله كونه للرياء، و كلما هو قبيح عقلا قبيح شرعا، و عليه فلا امر، فيجئ البطلان مطلقا، سواء كان المقصود الاصلى هو الله، او غير الله، او كانا متساويين، و منهم من احتمل الصحة لو كان الباعث الاصلى هو ابتغاء وجه الله، بحيث لو لم تكن ضميمة الرياء لكان آتيا بالعمل ايضا، و فيه نظر لصدق كونه مرائيا فى عمله، فتنفيه الآيات و الأخبار بل العقل كما عرفت، و التفصيل يطلب من كتاب الطهارة، و منهم من استدل على بطلان العبادة بقصد الرياء، بان الرياء حرام للاتفاق كما هو الظاهر، و لقوله تعالى: (اَلَّذِينَ هُمْ يُرٰاؤُنَ) (وَ لاٰ يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) الى غير ذلك من الأخبار و الرّوايات، و النهى فى العبادة(1) مستلزم، و اما الاعتراض عليه، لانا

ص: 104


1- و من المستدلين بذلك المصنف فى التحرير.

لا نسلم انه من قبيل النهى فى العبادة، اذ يجوز ان يكون قصد مراآة الناس حراما، لا ان يكون العبادة بذلك القصد حراما، فغير وجيه كما يظهر من التتبع فى الآيات القرانية، و الاحاديث الصادرة عن اهل العصمة (ع)، فلا نطيل المقام بذكرهما لوضوح المسئلة بحمد اللّه تعالى.

و منهم(1) من صرح بانسحاب الحكم فى الذكر المندوب ايضا، و هو وجيه فى الغاية، و الدّليل الدال عليه كثيرة، و يستفاد جملة منها من الامور السابقه، فلا نطيل المقام بذكرها.

و منهم(2) من فرق فى الذكر المندوب بين قصد الرياء و غيره فحكم بالبطلان فى صورة قصد الرياء لكونه منهيا عنه، فيخرج عن كونه ذكرا قطعا، فتبطل به الصلوة، و تنظر فيه بعضهم بان التحريم لا يستلزم خروجه عن كونه ذكرا كما لا يخفى.

أقول: و كيف كان، فالظاهر هو البطلان فلا وجه للاطالة

فى بطلانها بقصد الرياء

السادس: عن المصنف رحمه اللّه و غيره ان قصد الرياء او الوجوب او غير الصلوة فى الزايد على القدر الواجب من هيئات الصلوة كالطمأنينة لا يوجب الابطال الا مع الكثرة، و الحكم بالبطلان فى صورة الكثرة مبنى على ما سيجئ من ان الفعل الكثير موجب للبطلان، و ان الكثرة متحققة بمثل هذا الفعل، و سيجئ تحقيقه فى محله فانتظر، فمن سخيف الكلام هو القول بانه مبنى على ان الاكوان غير باقية، و ان الباقى محتاج الى المؤثر، فعلى القول ببقاء الاكوان و استغناء الباقى لا يتحقق الكثرة بزيادة الطمأنينة، اذ هى بعد حدوثها باقية، مستغنية عن المؤثر، اذ لا يعقل وجود الكثرة اذا لم يصدر من الفاعل شىء.

تتمة:

ظهر مما تلوناه عليك، و سطرناه بين يديك، عدم الاشكال فى امر النية و سهولة الخطب فيها فى الشريعة، و عدم كونها الى التلفظ محتاجة، فاسكت عما سكت

ص: 105


1- و منهم المصنف و غيره.
2- و هو الشيخ على. (منه)

الله، و اعرض عن الاشياء التى تخطر لاهل الوساوس الشيطانية، و الحماقة النفسانية، من توهم صعوبة استحضار النية بدون تكرير الالفاظ المعدودة لها، و التلفظ بها مرة بعد مرة، و تعطيل انفسهم ساعة بعد ساعة، و العجب انهم مع ركوبهم على هذه الوسوسة الشيطانية، التى صاروا بها كالمجانين عند العقلاء، و مضحكة للاغبياء الجهلاء، يحسبون انهم يحسنون صنعا، و استعذ بالله من هذا الداء، اليسوا يتصورون فى انه يصدر من الفاعل المختار فى آناء الليل و اطراف النهار افعال كثيرة مختلفة المقاصد متباينة الغايات و الفوايد؟ و من البديهيات انها غير صادرة الا بعزيمة جازمة و نية لازمة، فكيف هى الى التلفظ و التعليل غير محتاجة، و خصوص الصلوة و نحوها عنهما غير مغنية؟ و لا تدخل نفسك فى شبكة الخناس الذى يوسوس فى صدور الناس، و امل راس قلمك، و قل ان النية امر مركوز فى جبلة العقلاء، بل كثير من المجانين و الاغبياء لا يفعلون فعلا الا تبعا لقصودهم و ليست النية فى العبادات الا ذلك، مع اعتبار نية القربة، و ذلك لا يوجب اختصاصها بهذه الزيادة، و كفى زاجرا عنها انها من وساوس الشيطان، الذى قد امرنا بالاستعاذة منه، و اللّه هو الهادى الى الصواب.

(الثالث) من واجبات الصلوة تكبيرة (الإحرام)،
اشارة

سميت بذلك لان بها يحصل الدخول فى الصلوة، و يحرم ما كان محلّلا قبلها كالكلام، و عن الجوهرى يقال: احرم بالحج و العمرة، لانه يحرم عليه به ما كان حلالا قبله،

و هى ركن

و (هى ركن) فى الصلوة (تبطل الصلوة بتركها عمدا و سهوا) بلا خلاف قاله غير واحد، بل عليه الاجماع على الظاهر المصرح به فى عبائر الجماعة، خلافا للمحكى عن نادر من العامة، كالزهرى و الاوزاعى و سعيد بن المسيب و الحسن و قتادة، حيث قالوا بالاعادة فى صورة الاخلال بها عمدا، و اما فى صورة السهو فيجزى تكبيرة الركوع، و يدل عليه مضافا الى الاجماع الأخبار المستفيضة.

منها: ما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الصحيح، عن زرارة قال: سألت ابا جعفر (ع) عن الرّجل ينسى تكبيرة الافتتاح، قال: يعيد.

ص: 106

و منها: ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح عن محمد عن احدهما عليه السلام فى الذى يذكر انه لم يكبر فى اول صلوته، فقال: اذا استيقن انه لم يكبر فليعد، و لكن كيف يستيقن.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن ذريح بن محمد المحاربى، عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الرّجل ينسى ان يكبر حتى قرأ، قال: يكبر.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن الحسن بن على بن يقطين، عن اخيه الحسين عن ابيه على بن يقطين قال سألت ابا الحسن (ع) عن الرجل ينسى ان يفتتح الصلوة حتى يركع، قال: يعيد الصلوة.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الموثق كالصحيح عن عبيد بن زرارة، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل اقام الصلوة، فنسى ان يكبر، حتى افتتح الصلوة، قال: يعيد.

و منها: ما رواه التهذيب فى اواخر باب احكام السهو فى الزيادات فى الموثق عن عمار، قال: سألت ابا عبد الله (ع)، و ساق الخبر الى ان قال: و عن رجل سها خلف الامام، فلم يفتتح الصلوة، قال: يعيد الصلوة و لا صلوة بغير افتتاح.

و منها: ما رواه الكافى فى باب السهو فى افتتاح الصلوة عن الفضل بن عبد الملك، او ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: فى الرجل يصلى فلم يفتتح بالتكبير، هل يجزيه تكبيرة الركوع؟ قال: لا، بل يعيد صلوته اذا حفظ انه لم يكبر. و اما ما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الصحيح عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن رجل نسى ان يكبر حتى دخل فى الصلوة، فقال: اليس كان من نيته ان يكبر؟ قلت: نعم، قال: فليمض فى صلوته، و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن احمد بن محمد بن ابى نصر، عن ابى الحسن الرضا (ع)، قال: قلت له: رجل نسى ان يكبر تكبيرة

ص: 107

الافتتاح حتى كبّر للركوع، فقال: أجزأه. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: قلت له: الرّجل ينسى اول تكبيرة من الافتتاح، فقال: ان ذكرها قبل الركوع كبر، ثم قرأ، ثم ركع، و ان ذكرها فى الصلوة كبرها فى قيامه فى موضع التكبيرة، قبل القراءة و بعد القراءة، قلت: فان ذكرها بعد الصلوة؟ قال: فليقضها، و لا شئ عليه. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن ابى بصير، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل قام فى الصلوة و نسى ان يكبر فبدأ بالقراءة. فقال: ان ذكرها و هو قائم قبل ان يركع فليكبر، و ان ركع فليمض فى صلوته، فمحمول على التقية.

و التوجيهات التى ذكروها لا تخلو عن حزازه، و اما الاستدلال على الركنية بالنبوى المروى فى الرياض و غيره، لا يقبل اللّه صلوة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، ثم يستقبل القبلة فيقول اللّه اكبر. ففيه نوع مناقشة.

صورتها
اشارة

(و صورتها اللّه اكبر)، فلا يجوز العدول عنها على المشهور، بل عليه الاجماع، نقله ابن زهرة فى الغنية، و المحقق فى التحرير، و المصنف فى المنتهى، كما عن السيد فى الانتصار و الناصرية، و هو الحجة مضافا الى توقيفية العبادة، فوجوب الاقتصار فيها على القدر المتيقن مما ليس فيه شبهة، و ليس هنا الا تلك الصورة، و يؤيد المذكور النبوى المتقدم اليه الاشارة، كصحيحة حماد الطويلة، و مداومة النبى (ص) على هذه الصيغة بالتواتر، كما عن المنتهى، فليزم الحكم بوجوبها، اما لانها لو لم تكن واجبة لعدل (ص) عنها فى بعض الاوقات، كما اشار اليه بعض، و امّا لاصالة وجوب التأسى و امّا لقوله (ص) صلوا كما رأيتمونى اصلى كما عن الجماعة و امّا لان فعله قد وقع فى مقام البيان فيجب الاخذ به، كما اشار اليه بعضهم، حيث قال لنا: اقتصار النبى (ص) على الصورة التى قلناه، و هو امتثال للامر المطلق، فيكون بيانا، و كيف كان، فلا شبهة بحمد اللّه فى الحكم المذكور، و عليه (فلو) خالف المكلف ذلك بان (عكس) ترتيبها و قال اكبر الله، (او اتى بمعناها) بان يقال:

الله اعظم او اجل او نحو ذلك، (مع القدرة) على الاتيان بالصورة المعلومة، او اتى بها ( قاعدا معها) اى مع القدرة على القيام، او اتى بها و هو آخذ فى القيام، بحيث وقعت (قبل

ص: 108

استيفاء القيام)، او و هو ها و الى الركوع كما يتفق للماموم او (اخل) بشىء منها و لو (بحرف بطلت) الصلوة،

و تفصيل المقام يقتضى بسط الكلام فى مقامات:
الأول: وجوب الترتيب بين الكلمتين،

كما صرح به بالخصوص الجماعة لعدم صدق التكبير بدونه، و قال بعضهم فلو عكس بان قدم الصفة على الموصوف لم يكن آتيا بالمامور به، فلم يكن مجزيا بالاجماع.

الثانى: لا يجوز تبديل الكلمتين او حرف منها،

فلا يصح الجليل اكبر، او الله الجليل، او اللّه عكبر، خلافا للمحكى عن جماعة من العامة، حتى جوز ابو حنيفة ان يقال اللّه العظيم، الله الجليل، و ان ياتى بالترجمة، و ان يقال:

لا اله الا الله و سبحان اللّه الى غير ذلك.

الثالث: عدم جواز تعريف اكبر،

خلافا للمحكى عن جماعة من العامة، و منهم الشافعى، فحكم بانعقاده معرفا بان يقال: الله الاكبر، و هو المحكى عن الاسكافى، لكن على كراهية، و هو شاذ غير معتمد عليه تنفيه الاجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظمة، و ان كان قوله موافقا لقانون العرب.

الرابع: لا يجوز ترك الهمزتين من الكلمتين،

و عليه فلو وصل همزة اكبر او همزة اللّه بطلت الصلوة، كما صرح به الجماعة، اما همزة اكبر فظاهر لمكان كونها همزة قطع، و لا يجوز اسقاطها بالدرج، لو قلنا به، و اما همزة اللّه فهى و ان كانت همزة وصل على ما حكى عن المشهور. و لكنها لو اسقطت بالدرج ليتحقق المخالفة، للادلة المتقدمة الدالة على وجوب الاتيان بالله اكبر، و اما على القول بانها همزة قطع، كما عن بعض، فالامر اظهر، هذا مضافا الى ان سقوط همزة الوصل بالدرج على ما عن الجماعة(1) انما هو فيما اذا كان الكلام السابق عليها معتبرا.

و قد عرفت ان التلفظ بالنية لا عبرة به، و القول بان الادعية بين التكبيرات

ص: 109


1- و منهم الشهيدان و المحقق الثانى. (منه)

الافتتاحية مما ليس فيه مرية، كتخيير المصلّى فى تكبيرة الاحرام بين تلك التكبيرات، و عليه فيمكن جعل الكلام السابق معتبرا فلا يبقى للمذكور الذى استند اليه بعضهم اثر، ففيه مناقشة لمكان كون النية قبل التكبيرة بقول مطلق، نعم على القول بان النية هى الداعى غرو فى كون الكلام فى كثير من الاوقات معتبرا، فافهم ذلك.

و اما ما ذكره السيّد طاب ثراه فى المدارك، و ما قيل من ان الآتى بالكلام السابق آت بما لم يعتد به، فلا يخرجها عن القطع، فغير معتد به اذ المقتضى للسقوط كونها فى الدّرج، سواء كان ذلك الكلام معتبرا عند الشارع ام لا، كما هو واضح، غير واضح، نطلب عنه دليله، فظهر بما ذكر ان ما يحكى عن بعض المتأخرين جواز الوصل، لو تلفظ بالنية عملا بظاهر القانون العربى غير ظاهر الوجه.

الخامس: يجب التوالى بين الكلمتين،
اشارة

و عليه فلو فصل بين الجلالة و اكبر بكلمة، كأن قال: الجليل، او تعالى اكبر، او سكت و قطع احديهما عن الاخرى، فسدت. كما صرح به الجماعة عملا فى العبادة التوقيفية بما صدر عن اهل العصمة (ع).

تذنيب:

ذكر الجماعة بان المرجع فى تحقق الفصل بينها بالسكوت هو العرف، فليجتنب عما يتحقق فيه ذلك، و ذكر بعضهم بانه لا يضر اليسير بما لا يعد فصلا عادة، و كذا لو كان للنفس او السعال، ما لم يطل طولا يخرج به عن كونه مصليا.

السادس: صرح كثير من الاصحاب بعدم جواز اشباع باء اكبر،

بحيث حصل صورة اكبار بمعنى الطبل، كما عن الجماعة، بل الظاهر عدم الخلاف، اذا قصد معنى الطبل، و اما مع عدم القصد فظاهر كثير هو البطلان ايضا، و استدل عليه بعضهم بان دلالة اللفظ على المعنى بالوضع لا بالقصد، و آخر بانه تبديل للصيغة الشرعية، و خروج عن المنقول، و لا اعتبار بالقصد و عدمه، خلافا

ص: 110

للمحكى عن المصنف رحمه اللّه فى المنتهى و التذكرة، و المحقق فى التحرير، فذهبا الى الجواز، و لهما اطلاق قوله (ع) تحريمها التكبير، و غيره من الاوامر الآمره بالتكبير، و انه لو كان فاسدا لاشتهر، لمكان عامة البلوى و مسيس الحاجة اليه، لشيوع اكبار بين الناس، و التالى باطل، و الملازمة واضحة بملاحظة العادة، و ان اكبارا صحيح، اذا كان من جهة الاشباع. و عن المنتهى: و اما مع عدم القصد فانه بمنزلة مد الالف، و لانه قد ورد الاشباع فى الحركات الى حيث تنتهى الى الحروف، و لم يخرج بذلك عن الوضع، انتهى.

و كلما هو صحيح لغة صحح شرعا، و النادر فى حكم المعدوم، و الانصاف ان المسئلة عن الاشكال غير خالية، و الاحتياط لا يترك البتة، هذا اذا كان الاشباع كثيرا بحيث يحصل منه حرف صحيح، و الا لم يضر، قاله الشارح المحقق و غيره، و هو ظاهر جملة من العبائر، و لا بأس به. قيل: و يستفاد من جامع المقاصد استحباب ترك ذلك، و عليه نزل قول القواعد.

السابع: لا اشكال فى عدم جواز مدّ همزة الجلالة بحيث صار بصورة الاستفهام، ان قصد الاستفهام،

و اما اذا لم يقصده فحكم جماعة بعدم الجواز ايضا، محتجا بوجوب مراعات المنقول، و المذكور غيره. قيل: و ربما يظهر من المنتهى جواز ذلك، و امر الاحتياط واضح.

الثامن: اعلم ان تكبيرة الاحرام جزء من الصلوة بلا خلاف اجده:
اشارة

بل فى صريح المدارك(1) و غيره(2) كما عن ظاهر الذكرى، دعوى الاجماع عليه بل صرح بعض المحققين بانه من ضرورى الدين(3)، و عن الجماعة الاحتجاج على ذلك بقول النبى (ص) انما هى التكبير و التسبيح.

أقول: و الحجة عليه كثيرة، فلا وجه للاطالة، خلافا للمحكى عن الكرخى من العامة، فحكم بعدم الجزئية، لقوله (ص): تحريمها التكبير، لمكان كون

ص: 111


1- حيث قال فى المدارك.
2- و هو الرياض فى بحث توابع الصلوة. (منه)
3- حيث قال فى المدارك اجمع علمائنا و اكثر العامة على ان هذا التكبير جزء من الصلوة فيجب فيه كلما يجب فيها من الطهارة و الستر و الاستقبال و القيام و غير ذلك. (منه)

المضاف مغايرا للمضاف اليه، و اجاب عنه الجماعة، بان الجزء مغاير للكل، و لذا صح يد زيد، و ركوع الصلوة، و قال بعضهم: و اما رواية محمد بن قيس ان اول الصلوة ركوع، فالمراد ان اول ما يعلم كون الانسان مصليا، لان ما قبله محتمل للصلوة و غيرها، او ان الركوع افضل مما سبق، فكأنه اول بالنسبة الى الفضل، و يؤيده رواية زرارة عن الباقر (ع) فى فرائض الصّلوة، انها الوقت و الطهور و الركوع و السّجود و القبلة و الدعاء، انتهى.

و عن التحرير: و الخلاف القول بان الدخول فى الصلوة لا يكون الا باكمال التكبيرة، و كيف كان، فلا اشكال فى كونها جزءا للصلوة.

تذنيب:

قد ظهر بما ذكر كونها جزءا لها، و عليه فهل يحكم بلزوم القيام فيها، كما عن الاكثر، و منهم المصنف هنا و فى غيره، و المحققان و الشهيد ان و سبط ثانيهما فى المدارك ام لا؟ كما عن الشيخ فى المبسوط و الخلاف، و المحقق فى التحرير، حيث يظهر منها تجويز الاتيان بها منحنيا، وجهان.

أقول: و المشهور هو المنصور لما رواه التهذيب فى اواخر باب احكام السهو فى الزيادات فى الموثق عن عمار بن موسى الساباطى، قال: سألت ابا عبد الله (ع)، و ساق الحديث الى ان قال: و عن رجل وجبت عليه صلوة من قعود، فنسى حتى قام، و افتتح الصلوة و هو قائم، ثم ذكر، قال: يقعد و يفتتح الصلوة و هو قاعد. و كذلك ان وجبت عليه الصلوة من قيام فنسى حتى افتتح الصلوة و هو قاعد. فعليه ان يقطع صلوته و يقوم و يفتتح الصلوة و هو قائم، و لا يقتدى بافتتاحه و هو قاعد. و ما رواه ايضا فى باب احكام الجماعة فى الصحيح عن سليمان بن خالد، عن ابى عبد الله (ع) انه قال: فى الرجل اذا ادرك الامام و هو راكع، فكبر الرجل و هو مقيم صلبه، ثم ركع قبل ان يرفع الامام راسه، فقد ادرك الركعة و يعضده عدم حصول البراءة اليقينية الا بذلك، و ان النبى (ص) داوم عليه، فيجب اما لوجوب التأسى به (ص) مطلقا، او لكون الاصل ذلك، او لعموم

ص: 112

قوله (ص): صلوا كما رايتمونى اصلى، او لان مداومته على شىء يدل على وجوبه، و ان التكبير جزء من الصلوة، فيجب فيه ما يجب فيها، و من جملته القيام.

اما الأول و الثالث، فلما مضى، و اما الثانى فلان الحكم المعلق على الكل ثابت لجميع اجزائه، فلذا استدل الجماعة على وجوبه فيه بكونه جزءا منها، و ان بعضهم ادعى الاتفاق على وجوب ايقاع النية فى حال القيام، فالقول بوجوبه فيها دونه بعيد فى الغاية، فظهر بما ذكر عدم صلاحية اطلاق الامر بالصلوة، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، لمعارضة ذلك من وجوه شتى، و عليه فلو كبر و هو آخذ فى القيام تبطل الصلوة، كما صرح به الجماعة، لعدم صدق القيام، و كذا لو كبر و هوها و للركوع، كما يتفق للمأموم و فى الذكرى:

و هل ينعقد نافلة؟ الاقرب المنع، لعدم نيتها، و وجه الصحة حصول التقريب و القصد الى الصلوة، و التحريم بتكبيرة لا قيام فيها، و هى من خصايص النافلة، و اختار ما استقر به الجماعة، و هو جيد لمكان عدم التعيين فى النية.

تنبيه:

و يستفاد من موثقة عمار كون القيام فى التكبير ركنا، و قد صرح به غير واحد منهم، بل ادعى بعض الاجلة اتفاق الاصحاب على بطلان الصلوة بالاخلال به مطلقا، و لو سهوا، فالقول بركنيته هو المتبع.

التاسع: يشترط القصد بالتكبير الى الافتتاح،
اشارة

كما صرح الجماعة، بل عن المشهور، فلو قصد به تكبير الركوع لم تنعقد صلوته.

أقول: لا ريب فى الحكم المذكور، لما يظهر من الأخبار و يعضده الاعتبار، و استدل عليه بعضهم بصحيحة الفضل بن عبد الملك، و ابن ابى يعفور المتقدمة.

تذنيب:

لو قصد بتكبيرة واحدة تكبيرة الاحرام و تكبير الركوع معا كما يتفق للماموم، فهل يحكم بالاجزاء كما هو المحكى عن الاسكافى و الشيخ فى الخلاف محتجا باجماع الفرقه ام لا؟ كما عن المشهور، وجهان ينشآن من الاجماع المحكى

ص: 113

المعتضد بما رواه التهذيب فى باب احكام الجماعة، عن عبيد اللّه بن معوية بن شريح، عن ابيه، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: اذا جاء الرجل مبادرا و الامام راكع، أجزأته تكبيرة واحدة، لدخوله فى الصلوة و الركوع، و ما روى عن البرقى فى كتاب المحاسن فى الموثق على ما قاله بعض الأجلاء، عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (ع) عن رجل جاء مبادرا، و الامام راكع، فركع، قال: أجزأه تكبيرة واحدة، لدخوله فى الصّلوة و الركوع فالاول، و من ان الفعل الواحد لا يتصف بالوجوب و الاستحباب فالثانى، و الاجود هو الاول، وفاقا لغير واحد ممّن تاخر، و اما ما للقول الأخر فاجيب عنه مرة بان الاجزاء عنهما لا تقتضى اتصافها بالجهتين، بل يجوز ان يكون المراد حصول ثواب المجموع، و اخرى بان ما دل على استحباب تكبيرة مخصوص بصورة لم يعرض علة الوجوب، و ذلك لا ينافى رجحانها مطلقا فى الصورة المذكورة باعتبارين، فيحصل له ثواب المجموع.

أقول: قد ذكرنا فى بحث المكان ما يعينك ههنا فراجع هناك، قيل: و لو نذر تكبيرة الركوع لم يجز عنهما عند المانعين، استنادا الى ان تغاير الاسباب يوجب تغاير المسّببات، و ان الاصل عدم التداخل، و فيه نظر، لان علل الشرعية معرفات لا اسباب حقيقية، فلا ضير فى تواردها على امر واحد، و الاصل المذكور ممنوع فتامل.

و لا يجوز الاكتفاء عن التكبير بالترجمة بلا خلاف اجده، بل نسبه غير واحد الى الاصحاب، بل عن ظاهر التحرير دعوى الاجماع عليه، ثم قال: و لان التكبير اذا اطلق انصرف الى اللفظ العربى.

أقول: و يعضده ما نرى من السيرة فى الاعصار و الامصار، فلو كان جائزا لاشتهر غاية الاشتهار بحكم العادة، و انه من الامور التعبدية، فليقتصر فيها على القدر المتيقن، و جملة من الامور المتقدمة فى المقامات السّابقة.

في وجوب التعلم على العاجز عن العربية
اشارة

(و) عليه فا (لعاجز عن العربية يتعلم واجبا)، لمكان لابدية تحصيل

ص: 114

مقدمة الواجب المطلق بحكم العقل، هذا مع القدرة. و اما مع العجز عنها فيكفى الترجمة بلا خلاف بين اصحابنا، بل و اكثر العامة و خالف فيه بعض العامة، فحكم بسقوط التكبير عمن هذا شانه، و احتمله صاحب المدارك، مع انه قال فى قبيل احتماله هذا: فان تعذر و ضاق الوقت احرم بلغته مراعيا المعنى العربى، فيقول بالفارسية خدا بزركتر است، و هو مذهب علمائنا و اكثر العامة، ان هذا لشىء عجيب.

و بالجملة لا شبهة حينئذ فى اجزاء الترجمة و الظاهر انه اجماعى، و كفى بهذا حجة، و يؤيدها ما ذكره الجماعة بان المعنى معتبر مع اللفظ، فان تعذر اللفظ وجب اعتبار المعنى عملا بعموم ما دل على عدم سقوط الميسور بالمعسور، و اما ما حكى عن نهاية الاحكام من استدلاله على المطلب، بان التكبير ركن حصل العجز عنها، فلا بد لها من بدل، ففيه ما ترى.

فروع:

الأول: صرح الجماعة بوجوب مراعاة المعنى العرفى فى الترجمة، فيقول بالفارسى: خدا بزركتر است. و لو قال: خدا بزرك است، باسقاط معنى التفضيلية لم يصح، و ظاهر المدارك انه مذهب جميع الاصحاب، و لعله كذلك اذ الترجمة التى يجب الاتيان بها على ما صرحوا لا يتحقق الا بذلك.

الثانى: يستفاد من الجماعة وجوب كون الترجمة بلغته مطلقا، و ربما يظهر من المدارك دعوى الاجماع عليه، و هو جيد، لو لم يكن عالما بغير لغة و اما معه فلم يظهر دليل على ذلك، مع ان مقتضى اطلاق الامر بالصلوة، و قوله (ع):

لا تعاد الصلوة، الى آخرة، هو التخيير بين اللغات المعلومة له، هذا مضافا الى القول بلزوم بعضها يستلزم الترجيح من غير مرجح، فلذا حكم الجماعة بالتخيير، و عدم تعين بعضها، و اما ما حكى عن بعض من تقديم السريانية ثم العبرانية ثم الفارسية، فلم نعرف ماخذه، و ان كانت الاقربية الاعتبارية معتبرة، فلغة اليهود اقرب الى لغة العرب من غيرها على ما سمع، مع ان القول باعتبار المذكورة غير

ص: 115

وجيه، بل المناط الاقربية العرفية، و ليس هنا مقام التفصيل. و عن نهاية الاحكام انه احتمل اولوية السّريانية و العبرانية لانه تعالى انزل الكتاب، فان احسنهما لم يعدل عنهما، و جعل الفارسية بعدهما اولى من التركية و الهندية.

قيل: و لعل وجه الاولوية احتمال نزول كتاب المجوس بها، و قيل: انها لغة حملة العرش، و عن جامع المقاصد الافضل تقديم السّريانية و العبرانية على غيرهما، بل قيل بوجوبه، انتهى.

أقول: و يمكن القول بان كل ذلك غير ظاهر الماخذ، فالقول بالتخيير متعين و ان كان الاولى مراعاة ما ذكر فى جامع المقاصد، لمكان التسامح فى ادلة السنن، على اشكال ما لا يقال كلام صاحب المدارك متضمن لدعوى الاجماع على تعيين لغة المصلى، و هو مرجح، فالقول بالتخيير لا وجه له، لانا نقول لو لم يكن صاحب المدارك محتملا لما احتمله فى ذيل اجماعه، لكان ما ذكرته وجيها و لكن بملاحظة ما قال لا يحصل من نقله الاجماع المظنة القوية فتدبر(1).

و الانصاف ان القول بالتخيير لا يخلو عن اشكال ما، لمكان الاجماع المذكور و عليه فالاحوط هو الاقتصار على لغته، لو لم نقل بكونه هو الاظهر

تذنيب:

لو امكن له معرفة البعض من التكبير، فهل يجب ذكر ما امكن له، و ترجمة الجزء الاخر، بان يقول اللّه بزركتر است، او خدا اكبر، ام لا؟ بل فى هذه الصورة يجب الاقتصار بالترجمة ايضا، وجهان: و استظهر بعض المحققين الاول،

ص: 116


1- و ذلك لان من راى فى كلامهم نحو قوله: و هو مذهب علمائنا، يحتمل باحتمال قوى كون المدعى قاطعا بدخول المعصوم (ع)، اذ هو رئيس العلماء و راسهم، و من المستبعد عدم كونه داخلا، مثلا لو قال قائل: و اليه ذهب علماء مكه مثلا، و كان فيها من هو رئيسهم و راسهم، فمن سمع هذا الكلام يظن بظن قوى ان مذهب ذلك الراس ايضا ذلك، و ان هذا المدعى قاطع بدخوله فيهم، و عليه فلو ذكر المدعى شيئا ينباء عن عدم قطعه بدخول الرئيس فلا محالة يضعف ظن من راى كلامه بدخول الرئيس و ذلك واضح. (منه)

عملا بما دل على عدم سقوط الميسور بالمعسور، و لا بأس به، و كذا استظهر وجوب تقديم اللّه اعظم على اللّه بزركتر است، قال: لان بزركتر است تفسير للاكبر، و الاعظم مثله من دون تفاوت، اذ ليس فى الفارسية مرادف لاكبر بخصوصه.

أقول: و لعله لا يخلو عن اشكال، و الاولى مع العجز ان يقتصر كل على لغته.

الثالث: يجب تاخير الصّلوة الى آخر الوقت مع العلم بتعلمه قبل آخر الوقت، بل يجب التاخير مع الاحتمال ايضا، حكما لقضية مقدمة الواجب المطلق، و اما اذا علم بانه لا يتعلم فى الوقت، فهل يجب تاخيره الى آخر الوقت ايضا؟ كما استفيد عن المصنف رحمه اللّه فى بعض من كتبه ام لا؟ كما يستفاد من الجماعة، و منهم المحكى عن المصنف فى نهاية الاحكام، و جهان: و لعل الاخير ارجح.

حكم الأخرس
اشارة

(و الاخرس) ياتى من التكبيرة بالمقدور فان عجز عن التلفظ بالكلية وجب عليه (ان يعقد قلبه بها مشيرا بها)

تفصيل المقام يقتضى بسط الكلام فى مقامات:
الأول: يلزم على الاخرس عقد القلب بها،
اشارة

كما هنا و فى الشرايع و مختصر النافع و الرياض و غيرها، كما عن النهاية، و جامع المقاصد، بل لم اجد فيه مخالفا ظاهرا، بل الظاهر انه مما لا خلاف فيه، كما استظهره بعض الاجلة، بل عن بعض ادعاء عدم الخلاف فيه. و اما ما ذكره السيّد رحمه اللّه فى المدارك بان القول بسقوط الفرض للعجز عنه، كما ذكره بعض العامة محتمل، الا ان المصير الى ما ذكره الاصحاب اولى، فلا ينبغى ان يلتفت اليه كالايماء الذى يظهر من الشارح المقدس، حيث قال: و اما وجوب عقد قلب الاخرس مع التحريك و الاشارة، فكان لاجماعهم. الى ان قال: و الكل كما ترى. و الاحتياط واضح، و لو كان الاجماع فهو دليل و عدم ظهور الخلاف، انتهى.

و يدل على المشهور المنصور بان الاشارة و التحريك الّذين اعتبرا فيه على

ص: 117

ما يظهر ان شاء اللّه لا اختصاص لهما بالتكبير، فلا بد من مخصص، و ليس الاعقد القلب بمعناه، و بالجملة، لا شبهة فى اعتبار المذكور مع كونه احوط.

تذنيبان:

الاوّل: ليس المراد بعقد القلب بمعناها هو المعنى المطابقى الذى هو المعنى الحقيقى المتعارف، بل المراد هو العقد بالمعنى الظاهرى، و هو كونه تكبير الله و ثناء عليه، كما صرح به الجماعة، مستدلا بعدم وجوب الاول على غير الاخرس فالقول بوجوبه عليه يحتاج الى دليل، و يدل عليه ايضا اطلاق الامر بالصلوة، و عموم لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و فى الرياض: و ينبه على ارادة هذا المعنى ذكرهم له فى القراءة ايضا، مع ان تفسير القراءة لا يجب تعلمه قطعا.

الثانى: قيل الظاهر من عقد القلب بمعناها بالمعنى الذى ذكر، انه يقصد و يريد مما يفعله فى مقام التكبيرة من التحريك و الاشارة انه ثناء عليه تعالى، و كلام جماعة كالصريح فيما ذكر انتهى. و يؤيده رواية السّكونى الآتية.

المقام الثانى: يلزم عليه الاشارة بلا خلاف قاله بعض الاجلة،
اشارة

و هو الحجة، و اما ما يستفاد من المحكى عن التحرير من نسبته سقوط الفرض عنه الى قوم منهم، فالظاهر انهم من العامة، كما يظهر ذلك من المنتهى و اما الاستدلال على ذلك بما رواه السّكونى(1) عن ابى عبد الله (ع) انه قال تلبية الاخرس و تشهده و قراءته القرآن فى الصلوة تحريك لسانه و اشارته باصبعه، ففيه مع قطع النظر عن التكلم فى سنده انه غير شامل لمحل البحث، و اما القول بانه يستفاد منها ان الشارع جعل للاشارة مدخلية فى البدلية عن النطق، فلا يغنى من الجوع.

نعم، هى فى الجملة مؤيدة.

فرع:

هل يجب الاشارة بالاصبع كما فى التحرير و المحكى عن غيره، او بالاصابع

ص: 118


1- مروى فى باب قراءة القرآن من ابواب كتاب صلوة الكافى.

كما عن ظاهر بعض، او باليد كما عن ظاهر آخر، او يتخير بين كلما يتحقق به الاشارة عرفا كما هو... مقتضى اطلاق جملة من العبائر اوجه، اوجهها اخرها عملا بالاطلاق و عموم لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، نعم لعل الاحوط هو الاشارة بالاصبع، لما يستفاد من رواية السكونى المتقدمة، و الظاهر عدم شمول كلام من اطلق فى القول بالاشارة، لنحو الاشارة بالرجل و نحوها من الامور الغير المتعارفة، و بالجملة اذا قلنا بالتخيير فهو مخير بين الاشارة بالاصبع او بالاصابع او باليد او (بالراس) او، بالعين على اشكال ما فى الاخير، و الاحوط هو الاقتصار على الاشياء المذكورة فى كتبهم، و لعل غاية الاحتياط هو ما ذكرناه.

الثالث: صرح الجماعة بانه يلزم عليه تحريك اللسان،

مستدلا بانه واجب مع القدرة على النطق، فلا يسقط بالعجز عنه، لعدم سقوط الميسور بالمعسور، و فيه نظر من وجوه: منها: ما اشار اليه فى الذخيرة، بان تحريك اللسان انما كان واجبا عند القدرة من باب المقدمة، لا اصالة، و سقوط وجوب ذى المقدمة مستتبع بسقوط وجوبها، و الخبر عند المتامل الصحيح لا يدل الا على ان سقوط بعض الواجبات بالاصالة لا يستلزم سقوط البعض الاخر، لعدم عمومه بالنسبة الى افراد الواجب، انتهى.

أقول: اذا قلنا بعدم وجوب مقدمة الواجب بمعنى انه ليس فيها الا اللابدية العقلية، كما هو التحقيق، فالامر اظهروا ما الاستدلال عليه برواية السكونى المتقدمة، ففيه ما ترى، الا ان يستدل عليها بالفحوى او عدم تعقل الفرق بين التكبير و مورد الخبر، و هو ايضا لا يخلو عن اشكال ما، مضافا الى عدم اعتبار سندها، و امر الاحتياط واضح.

الرابع: الظاهر عدم الاشكال فى لزوم النطق بما يمكن له منها،

كما صرح به الجماعة، و انما الاشكال فى انه هل يكفى ذلك ام لا بد من الاتيان بالمذكورات بدلا عن غير المتمكن منها؟ وجهان: و فى المسالك: و لو عجز عن البعض اتى بالممكن و عوض عن الفائت انتهى. و الاظهر هو العدم.

ص: 119

الخامس: قال فى الرياض: و فى حكم الاخرس من عجز عن النطق لعارض.

اعلم انه يستحب التوجه بست تكبيرات مضافة الى تكبيرة الاحرام بلا خلاف على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، بل عليه الاجماع محققا و محكيا فى جملة من العباير و يدل عليه الأخبار المستفيضة الآتية.

(و يتخير فى السبع ايتها شاء جعلها تكبيرة الافتتاح)
اشارة

بلا خلاف، قاله الجماعة، و منهم الشيخ البهائى فى الحبل المتين و مفتاح الفلاح(1) قال فى الأول: و لا خلاف بين الاصحاب فى ان المصلى مخير فى جعل اى السبع شاء تكبيرة الافتتاح، و قال فى الثانى: و قد اتفق علمائنا على جواز مقارنة نية الصلوة لكل واحدة من هذه التكبيرات، فانت مخير فى ذلك، و كل تكبيرة قارنت النية بها فاجعلها تكبيرة الاحرام.

و هذه العبارة مع افادتها لعدم الخلاف، ظاهرة فى دعوى الاجماع عليه، و فى ظاهر المنتهى و الذكرى اجماع الاصحاب عليه، و قد يظهر من المراسم و الغنية و الكافى ان محلّ التكبيرات الست قبل تكبيرة الاحرام، قاله بعضهم، و عليه فلا يصح الا ان ياتى باسرها قبلها، و عن الشيخ البهائى فى حواشى الرسالة الاثنى عشرية، و المحدث القاسانى فى الوافى، و السيد نعمة الله الجزايرى القول بان محلها بعد تكبيرة الاحرام، فلا يصح الاتيان بها قبلها و اختاره بعض الأجلاء،(2)

فلنذكر اولا جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام،
اشارة

فنقول:

الأول: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصّلوة فى الصحيح عن زيد الشحام، قال: قلت لابى عبد الله (ع): الافتتاح، قال: تكبيرة تجزيك، قلت:

فالسبع؟ قال: ذلك الفضل. و روى الصدوق فى العلل فى باب العلة التى من اجلها صار التكبير فى الافتتاح سبع تكبيرات عن ابيه رحمه اللّه قال: حدثنا

ص: 120


1- و قال ايضا فى الاثنى عشرية: الثالث: التكبيرات التى قبل تكبيرة الاحرام او بعدها او بالتفريق و لا خلاف فى هذا التخيير الى آخره. (منه)
2- و هو صاحب الحدائق.

سعد بن عبد اللّه عن احمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة عن جبير، عن زيد الشحام، عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت له: ما الافتتاح؟ فقال: تكبيرة تجزيك، قلت: فالسبع؟ قال: ذاك الفضل.

الثانى: ما رواه التهذيب ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع) قال: التكبيرة الواحده فى افتتاح الصلوة تجزيك و الثلاث افضل، و السبع افضل كله. و روى فى الكافى فى باب افتتاح الصلوة فى الحسن كالصحيح عن زرارة، قال: ادنى ما يجزى من التكبير فى التوجه تكبيرة واحدة، و ثلاث تكبيرات احسن، و سبع افضل.

الثالث: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصّلوة عن ابى بصير، قال: قال ابو عبد الله (ع): اذا دخلت المسجد فاحمد اللّه و اثن عليه، و صل على النبى (ص)، و اذا افتتحت الصّلوة فكبرت فلا تجاوز اذنيك، الحديث.

الرابع: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى القوى عن ابى بصير، قال: سألته عن ادنى ما يجزى فى الصلوة من التكبير، قال: تكبيرة واحدة.

الخامس: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن ابى بصير، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: اذا افتتحت الصّلوة فكبر واحدة و ان شئت ثلاثا و ان شئت خمسا، و ان شئت سبعا، فكل ذلك مجز عنك، غير انك اذا كنت اما ما لم تجهر الا بتكبيرة.

السادس: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن حفص عن ابى عبد الله (ع)، قال: ان رسول الله (ص) كان فى الصلوة، و الى جانبه الحسين عليه السلام، فكبر رسول الله (ص) فلم يحر الحسين التكبير، ثم كبر رسول الله (ص) فلم يحر الحسين (ع) التكبير، و لم يزل رسول الله (ص) يكبر و يعالج الحسين عليه السلام التكبير، فلم يحر، حتى اكمل رسول الله (ص) سبع تكبيرات فاحار الحسين (ع) التكبير فى السابعة.

فقال: ابو عبد الله (ع): فصارت سنة و رواه الصدوق فى العلل فى باب العلّة التى من اجلها صار التكبير فى الافتتاح سبع تكبيرات، عن ابيه عن سعيد

ص: 121

بن عبد الله، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر و فضالة، عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، الا ان فيه ادنى تغيير غير مخل. و روى ايضا فى العلل فى الباب بهذا الاسناد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن ابى عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة، عن ابى جعفر (ع) قال: خرج رسول الله (ص) الى الصلوة، و قد كان الحسين بن على (ع) ابطأ عن الكلام، حتى تخوفوا ان لا يتكلم، و ان يكون به خرس، فخرج به رسول الله (ص) حامله على عنقه، و صفّ الناس خلفه، فاقامه رسول الله (ص) على يمينه، فافتتح رسول الله (ص) الصلوة، فكبر الحسين حتى كبر رسول الله (ص) سبع تكبيرات و كبر الحسين (ع)، فجرت السنة بذلك. و رواه فى الفقيه فى باب وصف الصلوة ايضا بادنى تغيير غير مخل، و فى العلل بعد الخبر قال زرارة: فقلت لابى جعفر عليه السلام: فكيف نصنع؟ قال تكبر سبعا و تحمد سبعا، و تسبح سبعا، و تحمّد اللّه و تثنى عليه، ثم تقرأ، و عن رضى الدين بن طاوس فى كتاب فلاح السائل، انه ذكر هذه القصة عن الحسن (ع)، قال فى الحديث الذى نقله فخرج رسول الله (ص) حامله على عاتقه، وصف الناس خلفه، و اقامه عن يمينه فكبر رسول الله (ص) و افتتح الصلوة، فكبر الحسن (ع)، فلما سمع رسول الله (ص) و اهل بيته تكبير الحسن اعاد، فكبر الحسن (ع)، حتى كبر سبعا، فجرت بذلك السنة بافتتاح الصلوة بسبع تكبيرات.

بيان:

قيل(1) المحاورة المجاوبة و التحاور التجاوب. يقال: كلمته فما احارلى، و قال آخر احار الرجل الجواب بالالف رده، و ما احاره ما رده، و الاحارة رد الجواب.

السابع: ما رواه فى العلل ايضا فى الباب المتقدم عن على بن حاتم عن

ص: 122


1- و هو الوافى.

القاسم بن محمد، عن حملان بن الحسين عن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن ابراهيم، عن محمد بن زياد، عن هشام بن الحكم، عن ابى الحسن موسى (ع)، قال: قلت له: لاى علة صار التكبير فى الافتتاح سبع تكبيرات افضل؟ الى ان قال: يا هشام ان اللّه تبارك و تعالى خلق السموات سبعا، و الارضين سبعا، و الحجب سبعا، فلما اسرى بالنبى فكان من ربه كقاب قوسين أو ادنى، رفع له حجاب من حجبه، فكبر رسول الله (ص)، و جعل يقول الكلمات التى تقال فى الافتتاح، فلما رفع له الثانى كبر، فلم يزل كذلك حتى بلغ سبع حجب، و كبر سبع تكبيرات، فلذلك العلة يكبر للافتتاح للصلوة سبع تكبيرات، و قال الصدوق فى الفقيه فى باب وصف الصلوة: قد روى هشام بن الحكم، عن ابى الحسن موسى بن جعفر (ع) لذلك علة اخرى، و هى ان النبى (ص) لما اسرى به الى السماء قطع سبع حجب، فكبر عند كل حجاب تكبيرة، فاوصله اللّه بذلك الى منتهى الكرامة.

الثامن: ما رواه ايضا فى العلل فى باب العلة التى من اجلها يجزى الامام تكبيرة واحدة فى افتتاح الصلوة، عن ابيه عن سعد بن عبد الله، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن سعيد، عن فضالة عن معوية بن عمار، عن ابى عبد الله (ع)، قال: يجزيك اذا كنت وحدك ثلاث تكبيرات، و اذا كنت اماما اجزاك تكبيرة واحدة، لان معك ذو الحاجة و الضعيف و الكبير. و روى الكافى فى باب افتتاح الصلوة عن معوية بن عمار، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا كنت اما ما اجزاتك تكبيرة واحدة، لان معك ذو الحاجة و الضعيف و الكبير.

التاسع: ما رواه فى الفقيه فى باب وصف الصّلوة، قال: و ذكر الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) لذلك علة اخرى، و هى انه انما صارت التكبيرات فى اول الصّلوة سبعا، لان اصل الصلوة ركعتان، و استفتاحهما بسبع تكبيرات:

تكبيرة الافتتاح، و تكبيرة فى الركوع، و تكبيرتى السجدتين، و تكبير الركوع فى الثانية، و تكبيرتى السجدتين، فاذا كبر الانسان فى اول صلوته سبع تكبيرات

ص: 123

ثم نسى شيئا من تكبيرات الافتتاح من بعد او سها عنها، لم يدخل عليها نقص فى صلوته، قال: و كثرة العلل للشىء تزيده تاكيدا، و لا يدخل هذا فى التناقص، و قد يجزى فى الافتتاح تكبيرة واحدة، فكان رسول الله (ص) اتم الناس صلوة و اوجزهم، كان اذا دخل فى صلوته قال اللّه اكبر، بسم اللّه الرحمن الرحيم(1).

أقول: روى الصدوق فى العلل فى باب علل الشرايع و اصول الاسلام، عن عبد الواحد ابى ابن محمد بن عبدوس النيسابورى، عن ابى الحسن على بن محمد بن قتيبة النيسابورى العطار، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (ع) الى ان قال:

فان قال: فلم جعل فى الاستفتاح سبع تكبيرات؟ قيل: انما جعل ذلك لان التكبير فى الصلوات الأول الذى هو الاصل كله سبع تكبيرات: تكبيرة الاستفتاح، و تكبيرة الركوع، و تكبيرتى السجود، و تكبيرة ايضا للركوع، و تكبيرتين للسجود، فاذا كبر الانسان فى اول صلوته سبع تكبيرات، فقد علم اجزاء التكبير كله، فان سها فى شئ منها او تركها، لم يدخل عليه نقص فى صلوته، كما قال ابو جعفر و ابو عبد الله (ع): من كبر اول صلوته سبع تكبيرات اجزاه، و يجزى تكبيرة واحدة، ثم و ان لم يكبر فى شىء من صلوته اجزا عنه ذلك، و انما عنى بذلك اذا تركها ساهيا او ناسيا، ثم قال فى العلل: قال مصنف هذا الكتاب: غلط الفضل ان تكبيرة الافتتاح فريضة، و انما هى سنة واجبة.

العاشر: ما رواه الكافى فى باب صلوة المطاردة فى الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، و ساق الخبر الى ان قال: و لا يدور الى القبله، و لكن اينما دارت دابته، غير انه يستقبل القبلة باول تكبيرة حين يتوجه.

ص: 124


1- قيل: (-1-) و لعل المراد ان استفتاح الركعتين بالسبع التكبيرات التى يستفتح بها كل فعل، و لهذا لم يعد منها الاربع التى بعد الرفع من السجدات انتهى، و استجوده بعض الأجلاء. (منه) - و هو الوافى. (منه)

الحادى عشر: ما رواه الكافى فى باب افتتاح الصلوة فى الحسن كالصحيح، او الصحيح لمكان ابراهيم عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع): اذا افتتحت الصلوة فارفع كفيك، ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات، ثم قل: اللهم انت الملك الحق، لا اله لا انت سبحانك انى ظلمت نفسى، فاغفر لى ذنبى، انه لا يغفر الذنوب الا انت، ثم تكبر تكبيرتين، ثم قل: لبيك و سعديك، و الخير فى يديك، و الشر ليس اليك، و المهدى من هديت، لا ملجأ منك الا اليك، سبحانك و حنانيك، تباركت و تعاليت، سبحانك رب البيت، ثم تكبر تكبيرتين، ثم تقول:

وجهت وجهى للذى فطر السموات و الارض عالم الغيب و الشهادة حنيفا مسلما و ما انا من المشركين، ان صلاتى و نسكى و محياى و مماتى لله رب العالمين، لا شريك له و بذلك امرت و انا من المسلمين، ثم تعوذ من الشيطان الرجيم، ثم اقرا فاتحة الكتاب.

الثانى عشر: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصّلوة فى الزيادات فى الصحيح عن الحلبى، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن اخف ما يكون من التكبير فى الصلوة، قال: ثلاث تكبيرات، فان كانت قراءة قرات بقل هو اللّه احد، و قل يا ايها الكافرون، و اذا كنت اما ما فانه يجزيك ان تكبر واحدة، و تجهر فيها و تستر ستا.

الثالث عشر: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الموثق كالصحيح، عن زرارة، قال: رايت ابا جعفر (ع)، او قال: سمعته استفتح الصلوة بسبع التكبيرات ولاء.

و الرابع عشر: ما روى عن فقه الرضا (ع) انه قال: و اعلم ان السابعة هى المفروضة، و هى تكبيرة الافتتاح، و بها تحريم الصلوة.

أدلة المشهور

اذا عرفت ذلك فنقول:

المشهور هو المنصور لوجوه:

الأول: عدم الخلاف الذى اشتمل عليه كثير من العبائر، و ظهور الاجماع المستنبط من الجماعة، بل قال بعض المحققين بعد قول المفاتيح، و يتخير فى ايها شاء

ص: 125

جعلها تكبيرة الاحرام، ما لفظه: لا خلاف بينهم فى تخيير المصلى فى ذلك. ثم قال: فى شرح قوله: و المستفاد من الأخبار ان الاولى هى تكبيرة الاحرام فى جملة كلام له ما لفظه: مع ان تعيين الاولى لم يفت به احد، و يلزم منه خرق الاجماع، لما عرفت من الاجماع على التخيير.

الثانى: اطلاق الامر بالصلوة.

الثالث: ما اشار اليه بعض مشائخنا بان الأخبار الدّالة على استحباب سبع تكبيرات خالية عن بيان المحل، و هو دليل على التخيير، اذ لو كان لها محلّ لبيّنة (ع) لقبح تاخير البيان عن وقت الحاجة.

الرابع: اطلاق جملة من الأخبار المتقدمة.

الخامس: عموم قوله: لا تعاد الصلوة الا من خمسة، و للمراسم و من تابعه، وجهان.

الأول: ما حكى عن ظاهر الغنية من دعوى الاجماع عليه و فيه نظر لوهنه بمصير الاكثر الى خلافه، فحينئذ لم اجد ما يدل على حجيّته.

الثانى: الخبر الرابع عشر، و فيه نظر، و للقول الثالث ما اشار اليه بعض الأجلاء. قال: و من الأخبار الدالة على ذلك صحيحة الحلبى، و عنى بها الخبر الحادى عشر، قال: و التقريب فيه ان الافتتاح انما يصدق بتكبيرة الاحرام، و الواقع قبلها من التكبيرات بناء على ما زعموه ليس فى الافتتاح فى شىء، و تسميته ما عدا تكبيرة الاحرام بتكبيرات الافتتاح انما يصدق بتاخيرها عن تكبيرة الاحرام التى يقع بها الافتتاح حقيقة، او الدخول فى الصلوة، و الا كان من قبل الاقامة و نحوها مما تقدم قبل الدخول فى الصلوة، و مما يدل على ذلك باوضح دلالة صحيحة زرارة، قال: قال ابو جعفر (ع): الذى يخاف اللصّوص و السبع يصلى صلوة الموافقة ايماء. الى ان قال: و لا يدور الى القبله، و لكن اينما دارت دابته و لكن يستقبل القبله باول تكبيرة حين يتوجه.

أقول: و نحوها الخبر العاشر، قال: و مما يدلّ على ذلك صحيح زرارة،

ص: 126

الواردة فى علة استحباب السبع بابطاء الحسين (ع) عن الكلام، حيث قال فيه:

فافتتح رسول الله (ص)، ثم نقل ما نقلناه فى ذيل الخبر السادس عن زرارة، لكن على النهج المروي فى الفقيه، قال: و التقريب فيه ان التكبير الذى كبره (ع) هو تكبيرة الاحرام التى وقع الدخول بها فى الصلوة، لاطلاق الافتتاح عليها، و العود الى التكبير ثانيا و ثالثا، انما وقع لتمرين الحسين (ع) على النطق، كما هو ظاهر السيّاق، ثم نقل ما نقلناه فى ذيل الخبر السّادس عن ابن طاوس، و قال: و هو اوضح من ان يحتاج الى بيان. قال: و مما يدل على ذلك ايضا صحيحة زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: قلت له: الرّجل ينسى اول تكبيرة من الافتتاح الحديث.

أقول: قد نقلناها فى شرح قول المصنف رحمه الله: الثالث تكبيرة الاحرام و هى ركن تبطل الى آخره، ثم قال و هو صريح فى ان تكبيرة الاحرام هى الاولى، ثم قال: و لا ينافى ذلك اشتمال الخبر على ما لا يقول به الاصحاب، و اجاب بما حاصله انه كالعالم المخصص فيما بقى حجة، هذا غاية ما عثرنا منهم على ما اختاروه.

فاقول و بالله التوفيق: و الذى يظهر من الأخبار المذكورة هنا و فى شرح قول المصنف رحمه الله: الثالث تكبيرة الاحرام و هى ركن تبطل الصلوة الى آخره، بعد ضم بعضها الى بعض، ان المصلى اذا فرغ من الاقامة، و اراد ان يشرع فى الصّلوة، فله ان ياتى بالتكبير، فان اقتصر على واحدة فيتحقق بها الدخول فى الصلوة، و يسمى تلك التكبيرة تكبيرة الافتتاح، و ان اتى بتمام السبع فيسمى الكلّ تكبيرات الافتتاحية، اذا المصلى حين اراد ان يفتتح بالصّلوة قد اتى بها، الا تنظر الى الشرطية الواقعة فى الخبر الحادى عشر من قوله:

اذا افتتحت الصلوة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات الى آخره و مغايرة الجزاء لفعل الشرط من البديهيات، فالمعنى اذا اردت ان تبتدأ بالصلوة الى آخره. و كذا الكلام فى الخبر الثالث، حيث قال: اذا افتتحت

ص: 127

الصلوة فكبرت الى آخره.

كالخبر الخامس: حيث قال: اذا افتتحت الصّلوة فكبر ان شئت واحدة و ان شئت ثلاثا، الى ان قال: غير انك اذا كنت اما ما لم تجهر الا بتكبيرة، الا تنظر الى تنوين بتكبيرة التى هى تكبيرة الاحرام لمكان امره بالجهر، ليعلم الماموم بدخوله فى الصلوة، و دلالة التنوين على العموم البدلى من البديهيات فلو كان تكبيرة الاحرام هو اول التكبيرات لكان له (ع) ان يقول: و لا يجهر الا باول تكبيرة فافهم.

و بالجملة لا دلالة فى الخبر الحادى عشر، ان التكبيرة الاولى هى تكبيرة الاحرام بشىء من الدلالات، و عليه فالقول بانها هى التكبيرة التى يحرم بها ما يحرم فى الصّلوة لقوله (ع) تحريمها التكبير، مما لا يصغى اليه، و اما قوله و تسميته ما عدا تكبيرة الاحرام بتكبيرات الافتتاح، انما يصدق الى آخره، فليس بشىء.

و اما الخبر الوارد فى علة استحباب السبع بابطاء الحسين، فعلى ما رواه التهذيب ليس فيه دلالة على ان الأول هو تكبيرة الاحرام، نعم له نوع ظهور على الطريق الذى رواه زرارة فى ان التكبير الأول كان تكبيرة الاحرام حين شرع (ص) فى تلك الصّلوة و الحسين على يمينه، و لكن ذلك مما لا يغنى من الجوع، اذ هو قضية فى واقعة لا عموم له، و مرجع كلمة بذلك الواقعة فى قول الباقر (ع) هو سبع تكبيرات لا غير، كما يظهر بالتدبر، و اما خبر زرارة المتقدم فى شرح قول المصنف: و هى ركن تبطل الى آخرة، ففيه ان الاستدلال عليه انما يصح لو كان ما علقه (ع) على اول تكبيرة من الافتتاح معمولا به، و الحال انه كما ترى.

و اما القول بانه كالعام المخصص فيما بقى حجة، فلا يغنى من الجوع فى هذا المقام، كما لا يخفى على من له ادنى دربة.

و اما الخبر العاشر: فالذى يستفاد منه و من نحوه انه لمكان الخوف الواقع عليه، يستقبل القبلة باول تكبيرة حين يتوجه الى الصلوة، و هذا انما ينفع اذا كان القيد قيدا احترازيا عن ساير التكبيرات الافتتاحية و هو ممنوع، لجواز كونه

ص: 128

احترازا عن ساير التكبيرات الواقعة بين الصلوة، و يمكن ان لا يكون قيدا احترازيا اصلا، كما يؤيده كون المصلى خائفا موميا بالصّلوة لكثرة خوفه. و عليه فلا مجال له غالبا الاتيان فى ذلك بالمستحبات، و منها التكبيرات السبع الافتتاحية حتى يكون الواجب عليه ان يتوجه الى القبلة فى اوليها دون غيرها من التكبيرات فى الست فتدبر.

و اما الخبر العاشر، فالذى يستفاد منه و من نحوه أنه لمكان الخوف الواقع عليه يستقبل القبلة باوّل تكبيرة حين يتوجه الى الصلاة، سلمنا، و لكن ينبغى تقييده بما اذا جعل التكبير الأول تكبير الاحرام، و بالجملة لا شبهة فى عدم مقاومة هذا الدليل، لما دل على ما اشتهر بين الطائفة المحقة من وجوه شتى، لو سلم ظهور جملة من الاخبار على هذا القول، فلا بد ان لا يعتنى عليه بلا شبهة، لما عرفت من الادلة القويه المتينة، المعتضدة باطباق قدماء الطائفة على الظاهر على عدم هذا القول المحدث من جملة من متاخرى متاخرى الطائفه، فخذ ما اشتهر بين اصحابك ودع الشاذ النادر، فان المجمع عليه لا ريب فيه، و مما يضعف هذا القول ان كثيرا من متاخرى متاخرى الطائفة ايضا لم ينقلوه فى كتبهم الاستدلالية، و سنذكر ايضا فى الامر الخامس ما يوهنه ايضا فانتظر،

و لنختم الكلام بذكر امور يحسن التنبيه عليها.
الأول: اختلف الاصحاب فى ان الحكم باستحباب التكبيرات السبع هل هو مختص بالفرائض ام لا؟ على اقوال:

الأول: انه يعم جميع الصلوات فرضا كانت او نفلا، و هو لجماعة من الاصحاب و منهم المحكى عن صريح الحلى و المحقق و المصنف رحمه اللّه بل نسب الى المشهور.

الثانى: انه مختص بالفرائض، و هو المحكى عن المرتضى فى المسائل المحمدية.

الثالث: انه يستحب فى ستة مواضع: فى اول كل فريضة، و فى اول ركعة من صلوة الليل، و فى مفردة الوتر، و فى اول ركعة من ركعتى الزوال، و فى اول ركعة من نوافل المغرب، و فى اول ركعة من ركعتى الاحرام. و هو المحكى عن على بن الحسين فى رسالته.

ص: 129

الرابع: انه مستحب فى المواضع الستة، و فى الوتيرة، و هو للمفيد كما عن رضى الدين بن طاوس، قال المفيد يستحب التوجه فى سبع صلوات. قال فى التهذيب، ذكر ذلك على بن الحسين فى رسالته و لم اجد بها خبرا مسندا، و تفصيلها ما ذكره، ثم نقل المواضع الستة المتقدمة، و قال: و زاد يعنى المفيد الوتيرة، للاول اطلاق جملة من الأخبار المتقدمة، و للثانى عدم الدّليل على العموم، و اما اطلاق الأخبار فالمتبادر منها هو الفريضة، هذا مضافا الى ان جملة منها ظاهرة او صريحة فى ان موردها هو الفريضة كخبر زرارة المروية فى العلل و نحوه، و للثالث ما فى الفقه الرضوى، حيث قال (ع): ثم افتتح بالصّلوة و توجه بالتكبير فانه من السنة الموجبة فى ست صلوات، و هى اول ركعة من صلوة الليل، و المفردة من الوتر، و اول ركعة من نوافل المغرب، و اول ركعة من ركعتى الزوال، و اول ركعة من ركعتى الاحرام، و اول ركعة من ركعات الفرائض، و عن الصدوق انه رواه فى الهداية مرسلا، و يعضده ما روى عن رضى الدين بن طاوس فى كتاب فلاح السّائل عن التلعكبرى، عن محمد بن همام، عن عبد اللّه بن علا الرازى، عن ابن شمون عن حماد عن حريز، عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال قال: افتتح فى ثلاثة مواطن بالتوجه و التكبير، فى اول الزوال، و صلوة اللّيل، و المفردة من الوتر، و قد يجزيك فيما سوى ذلك من التطوع ان تكبر تكبيرة لكل ركعتين.

قال بعض الأجلاء: و ظاهر الخبران المراد ثلاثة مواطن، يعنى بعد الفرايض كما يشير اليه قوله قد يجزيك فيما سوى ذلك من التطوع. و قد حمله ابن طاوس فى الكتاب المذكور على التاكيد فى هذه الثلاثة، بعد تخصيصه الاستحباب بسبعة مواضع بالحاق الفريضة، و اولى نافلة المغرب، و الوتيرة، و ركعتى الاحرام. و ظاهره كما ترى موافقه الشيخ المفيد فى ضم الوتيره الى الستة المتقدمة، انتهى.

أقول: لم اجد للقول الرابع دليلا يقبل الذكر، و اول الاقوال اظهرها، لمكان اطلاق جملة من الأخبار السابقة، بل عمومها الناشئ من ترك الاستفصال

ص: 130

المعتضد بفحوى رواية ابن طاوس، لمكان كلمة الاجزاء، و اما القول بانصراف الاطلاقات الى الفرائض لمكان تكررها و حمل المطلقات على الافراد المتكررة المتبادرة، مما ليس فيه مرية ففيه انا لا نسلم ان تكون درجة الظهور بحيث يوجب حمل الاطلاقات عليه، هذا مضافا الى ان غير الفرائض اليومية من نحو الزلزلة و الكسوف و نحوهما ايضا من الافراد الغير المتكررة، فالتخصيص بالفرائض بقول مطلق لا وجه له بلا مرية، و اما ما فى الفقه الرضوى فمحمول على تاكد الاستحباب، و بالجملة قول الاكثر قوى بحسب الادلة، مضافا الى التسامح فى ادلة السنن و الكراهة، نعم الاحوط فى صلوة العيدين هو الترك، لما ياتى فى مقامه اليه الاشارة فانتظر.

الثانى: عن الاسكافى انه خص الحكم باستحباب السبع بالمنفرد،

و ينفيه ظاهر النصوص، بل صريح الخبر الخامس و الثانى عشر المعتضد بالخبر السادس و الثامن، لمكان الاجزاء و بالفتاوى.

الثالث: قال فى الذكرى زاد ابن الجنيد بعد التوجه استحباب تكبيرات سبع،
اشارة

و سبحان اللّه سبعا، و الحمد لله سبعا، و لا اله الا اللّه سبعا، من غير رفع يديه، و نسبه الى الائمة (ع)، انتهى.

أقول: ظاهر النقل انه يستحب سبع تكبيرات، سوى التكبيرات الافتتاحية المشهورة، و يمكن حمل التوجه على الكناية عن تكبيرة الاحرام خاصة، و الأول هو الاظهر، و يمكن ان يستدل له بذيل رواية زرارة المروية فى العلل التى نقلناها فى ذيل الخبر السادس، حيث قال زرارة: فقلت لابى جعفر (ع): فكيف نصنع قال: تكبر سبعا، و تحمد سبعا، و تسبح سبعا و تحمد اللّه و تثنى عليه ثم تقرأ، لكنه غير دال على كون سبع تكبيرات المذكورة فيه غير التكبيرات الافتتاحية و خال عن التهليل ايضا، اللّهم الا ان يكون الخبر عند الاسكافى مشتملا على ذكر التهليل ايضا، كما يعضده ما نقله بعض الأجلاء، عن بعض مشائخه عن بعض الثقات انه راى هذا الخبر فى بعض النسخ بعد قوله: و تسبح سبعا و تهلل

ص: 131

سبعا، كما ذكره الاسكافى، و كيف كان، فيجوز العمل بمقتضى الخبر لمكان التسامح فى ادلة السنن و الكراهة، و لعل الاحوط هو الاقتصار على التكبيرات الافتتاحية، و التسبيح سبعا، و التحميد سبعا، و عدم ذكر التكبيرات السّبع المضافة الى التكبيرات الافتتاحية، بل التهليل لو لم نجوز فى التسامح فى ادلة السنن الاكتفاء بفتوى فقيه، و الا فلا بأس بذكره ايضا، فان قلت: لم لا تحكم باستحباب سبع تكبيرات مضافة الى التكبيرات الافتتاحية، مع ان الاسكافى قال به و فتوى الفقيه الواحد تكفى فى العمل بالامور المستحبة، لعموم من بلغه شىء من الثواب الى آخر الخبر، قلت: فتوى الفقيه الواحد اذا كانت فى الاستحباب و الكراهة، حيث لم يردد الامر بين الوجوب و الحرمة، و ان كانت كافية على اشكال(1) ما، لما اطنبناه فى اللمعات بما لا مزيد عليه، و لكن الاكتفاء بفتوى الاسكافى فى المقام لا يخلو عن اشكال، لما ظهر من ان كلام الناقل و هو الذكرى غير صريح فى فتوى ابن الجنيد بذلك، و ليس عندى من كتبه حتى ارجع اليها و احقق الحق، و عليه فشمول ادلة جواز التسامح فى الاستحباب و الكراهة فى نحو تلك الفتوى لم نعلم ان صاحبها افتى بها محل اشكال، فان قلت: و عليه فلا بد لك ان تقول فى مسئلة التسامح ان العمل بفتوى الفقيه الواحد انما يجوز اذا حصل العلم بانه افتى به، و عليه فلا يجوز ذلك العمل فى مقام التسامح بكثير من الفتوى التى توجد فى كتب الاصحاب، لعدم افادتها العلم غالبا او كثيرا، قلت: قد وقع لك الاشتباه و الخلط، و ذلك لان العمل بالظنون المستنبطة من الالفاظ مما ليس فيه مرية، مثلا اذ راينا فى كتاب الاسكافى هذه العبارة: يستحب الاتيان بسبع تكبيرات زيادة على التكبيرات الافتتاحية، فنحكم بان فتوى الاسكافى هى استحباب التكبيرات السبع زيادة على التكبيرات الافتتاحية، مع ان نجوز السهو و النسيان و مغلوطية النسخة و غيرها.

و بالجملة العمل بما ترا آى من ظواهر الالفاظ من البديهيات، و عليه

ص: 132


1- و هو امكان القول بان المتبادر من البلوغ الوارد فى الأخبار المشتملة على قوله عليه السلام: من بلغه شئ من الثواب هو البلوغ الروايتى. (منه)

نظام العالم، و كذا اذا نقل فقيه عن آخر فتوى بعبارة يكون احتمال الاجمال فيها بعيدا فى الغاية، فيجوز البناء عليها، بمعنى ان يترتب عليها ما تقتضى القاعدة، و نظام العالم ايضا مبنى عليه، الا ترى انه يكتب رجل يكون فى مصر الى صديقه الذى فى المصر الاخر وقايع التى فى مصره، و هو ايضا يبنى امره على ما رآه من كتابة صديقه.

و بالجملة الكلام فى المسئلة ينجر الى الكلام فى حجية مطلق المظنة و عدم جواز الاكتفاء بالظن المخصوص، فلو اردنا بسط الكلام فى ذلك ليطول المقام جدا، و لكل شىء مقام، و مقام ذلك فى الاصول. فلنعطف عنان القلم فنقول:

خلاصة الجواب: ان ما حكاه الذكرى عن الاسكافى نقبله بالنسبة الى ما عدا التكبير، و نتفرع عليه ما رجحناه فى التسامح فى ادلة السنن و الكراهة، و اما بالنسبة الى التكبير فلا يحصل من عبارته المشتملة على الحكاية بالنسبة اليه ظن قوى يعتد به، لمكان احتمال التكبيرات الافتتاحية، حتى نتفرع على التكبير ايضا ما يقتضى قواعدنا، و عليه فشمول ادلة التسامح لنحو تلك الفتوى المحكية لنا بعبارة ليست كساير العبارات لأضعفية ظنها محل اشكال. فان قلت: قد ذكرت انه يستحب التهليل ايضا سبعا، لمكان فتوى الاسكافى، فهلا حكمت به، لمكان خبر زرارة ايضا على ما رواه بعض الثقات؟ قلت: العلل الذى عندى معتمد لمكان المقابلة مرة بعد مرة، و ليست تلك الزيادة فيه، و عليه فلو اعتمدنا على ما رواه بعض الثقات من تلك الزيادة، و حكمنا باستحباب سبع تهليلات لجواز المسامحة، لكان لقائل ان يقول علينا: باى دليل من الادلة الدالة على جواز المسامحة فى ادلة السنن و الكراهة، حكمت بهذا الحكم؟ فان قلنا باطلاق حديث: من بلغه شئ من الثواب الى آخره، لكان له ان يقول: الاطلاق لنحو المقام غير شامل، و الانصاف ايضا يقتضى متابعة قوله، و ليس لنا ايضا التمسك بساير الادلة لورود المناقشات عليها فى نحو المقام بلا شبهة، فلذا اعرضنا عن

ص: 133

التمسك بهذه الزيادة التى رآها بعض الثقات فى الفتوى المزبوره.

نعم الذى يقتضيه الانصاف هو القول باستحباب التهليل ايضا، و ان لم نجوز فى التسامح الاكتفاء بفتوى الفقيه، لا لما رواه بعض الثقات من الرواية، بل لنسبة الاسكافى ذلك الى الائمة (ع)، و كفاية ذلك فى التسامح مما ليس فيه مرية.

وهم و تنبيه:

قال فى النفلية: و روى التسبيح بعده سبعا، و التحميد سبعا، و قال شقيقه فى شرحها: ذكره ابن الجنيد و نسبه الى الائمة (ع)، و لم نقف عليه، و كذا اعترف المصنف رحمه اللّه بذلك.

أقول: ما ذكره فى النفلية بعيد، الانطباق على مذهب الاسكافى، لمكان حذف التهليل سبعا، هذا اذا قلنا: ان الشهيد فهم من التكبير سبعا الواقع فى كلام الاسكافى التكبيرات السبع الافتتاحية، و الا فيحصل المنافاة من هذه الجهة ايضا، و لعل الشهيد اطلع على رواية زرارة المتقدمة، و اشار بقوله: روى اليها لا الى ما نقل عن الاسكافى، فان عبارته بعيدة عن ما نقل عن الاسكافى جدا، و قريبة على ظاهر الصحيحة جدا، بحمله قوله (ع): التكبير سبعا الواقع فيها على التكبيرات السبع الافتتاحية، فلم يذكره، و انما ذكر التسبيح و التحميد و عليه فيرد على شقيقه ما يرد.

الرابع: قد تضمن جملة من الأخبار على الادعية بين التكبيرات و قبلها و بعدها
اشارة

منها الخبر الحادى عشر، و منها ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: يجزيك فى الصلوة من الكلام فى التوجه الى اللّه ان تقول: (وجهت وجهى للذى فطر السّموات و الارض على ملة ابراهيم حنيفا مسلما و ما انا من المشركين، ان صلوتى و نسكى و محياى و مماتى لله رب العالمين، لا شريك له و بذلك امرت و انا من المسلمين) و يجزيك تكبيرة واحدة.

ص: 134

و منها: الخبر المتقدم فى الامر الثامن الواقع فى شرح قول المصنف رحمه الله: و لو تمكن من القيام للركوع خاصة وجب.

و منها: ما روى عن رضى الدين بن طاوس فى كتاب فلاح السائل بسنده فيه، عن ابن ابى بحران عن الرضا (ع)، قال: تقول بعد الاقامة قبل الاستفتاح فى كل صلوة: اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصّلوة القائمة بلغ محمّدا (ص) الدرجة و الوسيلة و الفضل و الفضيلة، بالله استفتح، و بالله استنجح، و بمحمد رسول اللّه و آل محمد (ص) اتوجه، اللهم صل على محمّد و آل محمد، و اجعلنى بهم عندك وجيها فى الدنيا و الاخرة و من المقربين.

و منها: ما روى عن السيّد المذكور فى الكتاب بسنده عن ابن ابى عمير عن الازدى عن ابى عبد الله (ع) فى حديث، انه كان امير المؤمنين يقول لاصحابه:

من اقام الصلوة، و قال قبل ان يحرم و يكبر: يا محسن قد اتاك المسئ، و قد امرت المحسن ان يتجاوز عن المسئ، و انت المحسن و انا المسئ، فبحق محمد و آل محمد صلى على محمد و آل محمد و تجاوز عن قبيح ما تعلم منى، فيقول الله: ملائكتى اشهدوا انى قد عفوت عنه، و ارضيت عنه اهل تبعاته.

و عن الشهيد فى الذكرى انه قال: قد ورد هذا الدعاء عقيب السادسة، الا انه لم يذكر فيه: فبحق محمد و آل محمّد، و انما فيه: و انا المسئ فصل على محمد و آله الى آخره، و قال الشارح المحقق نحو الذكرى، ثم قال: و ورد ايضا انه يقول: رب اجعلنى مقيم الصّلوة و من ذريتى الاية، و قال بعض المحققين: و ورد ايضا انه يقول: (رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ اَلصَّلاٰةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنٰا وَ تَقَبَّلْ دُعٰاءِ) و الظاهر انه عقيب الاقامة، او عقيب ما سمع من المقيم قد قامت الصلوة، و ان كان فى الذخيرة ذكر هذا الدعاء و الدعاء السابقة عقيب التكبيرة السادسة.

و منها: ما روى عن الطبرسى فى الاحتجاج، قال: كتب الحميرى الى القائم يسئله عن التوجه للصلوة، ان يقول: على ملة ابراهيم و دين محمد (ص) فان بعض اصحابنا ذكروا انه اذا قال: على دين محمد، فقد ابدع، لانا لم نجده

ص: 135

فى شىء من كتب الصلوة، خلا حديثا واحدا فى كتاب القاسم بن محمد عن جده الحسن بن راشد، ان الصادق (ع) قال للحسن: كيف تتوجه قال: أقول: لبيك و سعديك، فقال له الصادق (ع): ليس عن هذا سألتك كيف تقول: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ حَنِيفاً مُسْلِماً) قال الحسن: اقوله، فقال الصادق (ع): اذا قلت ذلك فقل: على ملة ابراهيم، و دين محمد، و منهاج على بن ابى طالب، و الايتمآم بال محمد حنيفا مسلما و ما انا من المشركين:

فاجاب (ع): التوجه كله ليس بفريضة و السنة المؤكدة فيه التى هى كالاجماع الذى لا خلاف فيه: وجهت وجهى للذى فطر السموات و الارض حنيفا مسلما على دين ابراهيم و ملة محمد و هدى امير المؤمنين (ع) و ما انا من المشركين، ان صلوتى و نسكى و محياى و مماتى لله رب العالمين، لا شريك له و بذلك امرت و انا اول المسلمين، اللهم اجعلنى من المسلمين اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم اللّه الرحمن الرّحيم، ثم تقرا الحمد، قال الفقيه الذى لا يشك فى علمه: الدين لمحمد، و الهداية لعلى امير المؤمنين (ع)، لانها له (ص) و فى عقبه باقيه الى يوم القيمة، فمن كان كذلك فهو من المهتدين، و من شك فلا دين له، و نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى.

أقول: نقل فى الفقيه فى باب وصف الصلوة جملة من تلك الادعية على اختلاف ما فراجع هناك.

بيان:

لبيك و سعديك، عن النهاية اى اجابتى لك يا رب، و هو ماخوذ من لب بالمكان و الب، اذا اقام، و الب على كذا اذا لم يفارقه، و لم يستعمل ظاهرا الا على لفظ التنبيه فى معنى التكرير، اى اجابة بعد اجابة، و هو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر، كانك قلت الب البابا بعد الباب، و قيل: معناه اتجاهى و تشهدى يا رب اليك، من قولهم: و ارى قلب دارك اى نواجهها، و قيل: معناه اخلاصى لك من قولهم حب لباب اذا كان خالصا محضا، و منه لب الطعام و

ص: 136

لبابه، انتهى.

و عن الصدوق انه زاد معنى آخر قال: او معناه محبتى لك من امراة لبة محبة لزوجها. و عن النهاية: سعديك اى ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة، و اسعادا بعد اسعاد، و لهذا تثنى، و هو من المصادر المنصوبة بفعل لا يظهر فى الاستعمال.

قال الجواهرى: و لم يسمع سعديك مفردا انتهى. و فى مفتاح الفلاح: و لبيك و سعديك اى اقامة على طاعتك بعد اقامة و مساعدة على امتثال امرك بعد مساعدة، و الشر ليس اليك اى ليس منسوبا اليك، و لا صادر اعنك، و الحنان بتخفيف النون الرحمة، و بتشديدها ذو الرحمة، و معنى سبحانك و حنانيك انزهك عما لا يليق بك تنزيها، و الحال انى اسألك رحمة بعد رحمة، و الحنيف المايل عن الباطل الى الحق، و هو و ما بعده حالان من الضمير فى وجهت، و النسك قد يفسر بمطلق العبادة، فيكون من عطف العام على الخاص، و قد يفسر باعمال الحج و محياي و مماتى قد يفسر المحيى بالخيرات التى تقع فى حال الحيوة منجزة، و الممات بالخيرات التى تصل الى الغير بعد الموت كالوصية بشىء للفقراء، و كالتدبير، و ساير ما ينتفع به الناس بعدك.

و قال بعض الأجلاء: الدعوة التامة اى الأذان و الاقامة، فانهما دعوة الصلوة و تمامها فى افادة ما وضعا له ظاهرا، و هى الصلوة، فالمصدر بمعنى المفعول، و الصلوة القائمة اى فى هذا الوقت اشارة الى قوله: قد قامت الصلوة، و القايمة الى يوم القيمة، و الدرجه المختصه له (ع) فى القيامة هى الشفاعة الكبرى و الوسيلة هى المنبر المعروف الذى يعطيه اللّه فى القيامة، كما او رد فى الأخبار.

تنبيه:

يجوز الاتيان بالتكبيرات و لاء من غير دعاء للخبر الثالث عشر.

فائدة:

حكى فى الحبل المتين عن المصنف ان وقت دعاء التوجه بعد التكبيرة

ص: 137

التى ينوى بها الافتتاح، و الظاهر ان وقته بعد اكمال السبع، سواء قدم تكبيرة الافتتاح اواخرها، كما يظهر ذلك من الخبر الحادى عشر، و لا تنافيه صحيحة زرارة المتقدمة فى اول الامر المذكور،(1) كما هو واضح.

الخامس: إجزاء التكبيرات عن تكبير الصلاة

روى التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الصحيح عن زرارة، قال: قال ابو جعفر (ع): اذا كبرت فى اول صلوتك بعد الاستفتاح باحدى و عشرين تكبيرة، ثم نسيت التكبير كله، و لم تكبر، اجزاك التكبير الأول عن تكبير الصلوة كلّها. و الخبر محمول على الرباعية، و المراد بالاستفتاح تكبيرة الاحرام اى اذا كبرت بعدها احدى و عشرين تكبيرة، و هى مجموع التكبيرات المستحبة فى الرباعية، اذ فى كل ركعة خمس تكبيرات واحدة للركوع، و لكل سجدة اثنتان فيكون فى الاربع الركعات عشرون تكبيرة، و تكبيرة للقنوت هى تمام العدد المذكور، فان نسيت جميع التكبيرات المستحبة فى اماكنها ليجزى عنها التكبير الأول على ارادة الجنس اى الاحدى و العشرين المتقدمة اولا.

أقول: و هذا الخبر ايضا مما يوهن قول بعض المحدثين الذاهب الى ان التكبير الأول من التكبيرات السبع الافتتاحية هو تكبيرة الاحرام، كغيره من الأخبار التى تعد التكبيرات المستحبة، و ليس هنا مقام ذكرها.

السادس: الافضل جعل تكبيرة الاحرام هى الاخيرة من التكبيرات السبع

عن المشهور، و منهم المحكى عن المبسوط، و الاقتصاد، و المصباح، و مختصره، و الشهيدين، و المحقق الثانى، بل قيل عليه المتأخرون ان الافضل جعل تكبيرة الاحرام هى الاخيرة من التكبيرات السبع الافتتاحية و يدل عليه الخبر الرابع عشر المعتضد بالشهرة، و بجواز التسامح فى ادلة السنن، و الكراهة، و بالاعتبار فانه ابعد من عروض المبطل و قرب الامام من لحوق لاحق به، فهو اولى. قاله بعض الاجله، و بالخروج عن شبهة القول بالتعيين، كما مر اليه الاشارة، بل و برواية زرارة المتقدمة عن قريب فافهم.

ص: 138


1- و نفى فى الحبل المتين عنه البعد. (منه)

قيل: و ربما حكى عن بعض القول بافضلية تقديمها، انتهى. و فيه نظر لما تقدم للمشهور، و يظهر من المدارك و الذخيرة القول بعدم ثبوت الافضلية لاحد الامرين، و فيه ما عرفت من وجود الدليل الدال على ما اختاره المشهور.

(و لو كبر و نوى الافتتاح ثم كبر ثانيا كذلك) اى بنية الافتتاح (بطلت صلوته)، من غير خلاف يعرف، لما تقدم من كون التكبير ركنا، و زيادة الركن مبطله، و اما ما اشار اليه السيد فى المدارك بقوله: و يمكن المناقشة فى هذا الحكم، اعنى البطلان بزيادة التكبير ان لم يكن اجماعيا، فان اقصى ما يستفاد من الروايات بطلان الصّلوة بتركه عمدا و سهوا، و هو لا يستلزم البطلان بزيادة، ففيه نظر، لما سيجئ من الادلة الدالة على المذكور فى مقامه، فانا لو تعرضنا لتفصيل الكلام هنا ليطول المقام جدا، و لكن نقتصر فى الكلام فنقول: يا صاحب المدارك - طاب ثراك - لم لا تنظر الى ما رواه الكافى فى باب من سها فى الاربع و الخمس فى الحسن كالصحيح؟ بل الصحيح لمكان ابراهيم عن زرارة و بكير بنى اعين، عن ابى جعفر (ع)، قال: اذا استيقن انه زاد فى صلوته المكتوبة لم يعتد بها، و استقبل صلوته استقبالا اذا كان قد استيقن يقينا، و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم كالصحيح عن ابى بصير، قال: قال ابو عبد الله (ع): من زاد فى صلوته فعليه الاعادة. و ما رواه التهذيب فى باب احكام السهو عن عمار الساباطى، قال: قال ابو عبد اللّه و ساق الحديث الى ان قال: و من تيقن انه زاد فى الصّلوة وجب عليه اعادة الصلوة، و لا يضره التقييد، لان العموم الاطلاقى بعد التقييد كالعام اللغوى المخصص فيما بقى حجة، و لا تتوهم فى اضرار خروج الاكثر، لمكان عدم جوازه عند جملة من المحققين، لانا ندفعه اولا بان ذلك فى العموم الاستغراقى لا الاطلاقى، و فيه يجوز التقييد الى ان يبقى الواحد، و ثانيا بان اضرار خروج الاكثر فى العمومات اللغوى عندى محل اشكال، بل المناط هو لزوم القبح، و عليه فالعموم ان صيره التخصيص بحيث يعد مستهجنا قبيحا عند العقلاء، فلا شك فى عدم جوازه، و الا فالقول بالجواز قوى، و كيف كان فلا

ص: 139

شبهة فى عدم وجاهة ما بينه صاحب المدارك، فالاطالة لا وجه لها.

(فان كبر ثالثا كذلك) اى بنية الافتتاح (صحت) صلوته، لورود الثالث على صلوة باطله، فيعقدها، و عليه فتبطل بالزوج و تصح فى الوتر.

تنبيه:

مقتضى اطلاق المتن كغيره هو بطلان الصّلوة بالتكبيرة الثانية مطلقا، و لو نوى قبلها الخروج عن الصلوة، و ذلك غير صحيح، لما عرفت من بطلانها بقصد الخروج، و عليه فالتكبير الواقع بعد تلك النيه بقصد الافتتاح صحيح بلا مرية وفاقا لجماعة و منهم(1) الشهيدان و المحقق الثانى.

في استحباب رفع اليدين بها
اشارة

(و يستحب رفع اليدين بها) و بباقى التكبيرات (الى شحمتى الاذنين)(2).

أقول: تحقيق المقام يقتضى بسط الكلام فى مقامات:
الأول: ذهب علم الهدى الى القول بوجوب رفع اليدين فى تكبيرة الاحرام
اشارة

و حكاه فى المفاتيح عن الاسكافى ايضا، و قال: و لا يخلو عن قوة، و عن بعض الاجله انه استظهره عن عبارة الكشف خلافا للمشهور بين الطائفة، فحكموا بعدم الوجوب بل عن ظاهر الخلاف و التحرير و المنتهى و جامع المقاصد دعوى الاجماع عليه، و فى امالى الصدوق من دين الامامية الاقرار، بانه يستحب رفع اليدين فى كل تكبيرة فى الصلوة، و هو زين للصّلوة،

فلنذكر اولا جمله من الأخبار المتعلقه بالمقام
اشارة

فنقول:

الأول: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصّلوة فى الصحيح عن حسين و هو ابن عثمان الثقة، عن سماعة عن ابى بصير، قال: قال ابو عبد الله (ع): اذا دخلت المسجد فاحمد اللّه و اثن عليه، وصل على النبى (ص)، و اذا افتتحت الصّلوة فكبرت فلا تجاوز اذنيك، و لا ترفع يديك بالدعاء فى المكتوبة تجاوز بهما راسك.

ص: 140


1- و منهم الشارح المحقق و بعض شراح الجعفرية. (منه).
2- و فى بعض نسخ (د) شحمة اذنيه. (منه)

الثانى: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن معوية بن عمار، قال: رايت ابا عبد الله (ع) حين افتتح الصلوة، يرفع يديه اسفل من وجهه قليلا، و فى صحيحته الاخرى قال: رايت ابا عبد الله (ع) اذا كبر فى الصلوة رفع يديه حتى يكاد يبلغ اذنيه.

الثالث: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن صفوان بن مهران الجمال، قال: رايت ابا عبد الله (ع) اذا كبر فى الصلوة يرفع يديه حتى يكاد تبلغ اذنيه.

الرابع: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن ابن سنان، قال:

رايت ابا عبد الله (ع) يصلى، يرفع يديه حيال وجهه حين استفتح.

الخامس: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح على الصحيح لمكان سيف بن عميرة، عن منصور بن حازم، قال: رايت ابا عبد الله (ع) افتتح الصلوة فرفع يديه حيال وجهه، و استقبل القبلة ببطن كفيه.

السادس: ما رواه الكافى فى باب افتتاح الصلوة فى الصحيح على الصحيح لمكان ابراهيم عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، قال: اذا قمت الى الصلوة، فكبرت، فارفع يديك و لا تجاوز بكفيك اذنيك، اى حيال خديك.

السابع: ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح على الصحيح، لمكان ابراهيم عن زرارة، عن احدهما (ع)، قال: ترفع يديك فى افتتاح الصلوة قبالة وجهك، و لا ترفعهما كل ذلك كثيرا.

الثامن: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح، عن على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع)، قال: قال: على الامام ان يرفع يده فى الصلوة، ليس على غيره ان يرفع يده فى الصلوة.

التاسع: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصّلوة فى الصحيح عن ابن سنان عن ابى عبد الله (ع)، فى قول اللّه عزّ و جلّ: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ اِنْحَرْ» قال: هو رفع يديك حذاء وجهك.

ص: 141

العاشر: ما روى عن امين الاسلام الطبرسى فى كتاب مجمع البيان، فى تفسير الآية المذكورة، عن عمر بن يزيد، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: فى قوله: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ اِنْحَرْ» قال: هو رفع يديك حذاء وجهك. قال: و روى عبد اللّه بن سنان مثله.

الحادى عشر: ما رواه ايضا فيه عن جميل، قال: قلت لابى عبد الله عليه السلام: فصل لربك و انحر، فقال: بيده هكذا، يعنى استقبل بيديه حذاء وجهه القبلة فى افتتاح الصلوة.

الثانى عشر: ما روى عنه ايضا، فيه عن مقاتل بن حسان عن الاصبع بن نباتة، عن امير المؤمنين (ع)، لما نزلت هذه السورة قال رسول الله (ص) لجبرئيل: ما هذه النحرة التى امرنى ربى؟ قال: ليست بنحرة، و لكنه يامرك اذا تحرمت للصلوة ان ترفع يديك اذا كبرت، و اذا رفعت راسك من الركوع، و اذا سجدت، فانه صلوتنا و صلوة الملائكة فى السموات السبع، فان لكل شئ زينة و زينة الصلوة رفع الايدى عند كل تكبيرة و عنه ايضا انه نقل عن الثعلبى و الواحدى عن النبى (ص) انه قال: رفع الايدى من الاستكانة، قلت: و ما الاستكانة؟ قال: ألا تقرا هذه الاية: «فَمَا اِسْتَكٰانُوا لِرَبِّهِمْ وَ مٰا يَتَضَرَّعُونَ».

الثالث عشر: رواية معوية بن عمار المعدودة من الصحاح، عن ابى عبد الله (ع) فى وصية النبى (ص) عليا (ع): و عليك ان ترفع يديك فى صلواتك الحديث.

الرابع عشر: ما روى عن كتاب الفقه الرضوى: و ان افتتحت الصلوة فكبر، و ارفع يديك بحذاء اذنيك، و لا ترفع يديك بالدعاء فى المكتوبة حتى تجاوز بهما راسك، و لا بأس بذلك فى النافلة و الوتر.

الخامس عشر: ما روى عن الذكرى عن ابن ابى عقيل، قال: جاء من امير المؤمنين (ع) ان النبى (ص) مرّ برجل يصلى و قد رفع يديه فوق راسه، فقال: ما لى ارى اقواما يرفعون ايديهم فوق رؤسهم كانها اذان خيل شمس، و نحوه عن التحرير و المنتهى عن على (ع).

ص: 142

بيان:

قيل(1) روى المخالفون هذه الرواية فى كتبهم، فبعضهم روى اذان خيل و بعضهم اذ ناب خيل، قال فى النهاية، مالى اراكم رافعى ايديكم فى الصلوة كانها اذ ناب خيل شمس، هى جمع شموس، و هى النفور من الدّواب الذى لا يستقر لشغبه وحدته.

السادس عشر: ما روى عن زيد النرسى فى كتابه، عن ابى الحسن الأول، انه رآه يصلى، فكان اذا كبر فى الصلوة الزق اصابع يديه الابهام و السبابة و الوسطى و التى تليها، و فرج بينها و بين الخنصر، ثم يرفع يديه بالتكبيرة قبالة وجهه، ثم يرسل يديه و يلزق بالفخذين، و لا يفرج بين اصابع يديه، فاذا ركع كبر و رفع يديه بالتكبير مقابلة وجهه، ثم يلقم ركبتيه كفيه، و يفرج بين الاصابع، فاذا اعتدل لم يرفع يديه و ضم الاصابع بعضها الى بعض كما كانت، و يلزق يديه مع الفخذين، ثم يكبر و يرفعهما قبالة وجهه، كما هى ملتزق الاصابع، فيسجد الحديث(2).

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان المشهور هو المنصور

للاجماعات المتقدمة المعتضدة بالشهرة العظيمة، التى لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف، و للخبر الثامن و اختصاصه بغير الامام غير ضاير للاجماع على عدم الفرق بين الامام

ص: 143


1- و هو البحار. (منه)
2- و قال بعض المحققين بعد نقل صحيحة على بن جعفر: و هذه صريحة فى عدم وجوب رفع اليدين على غير الامام، فلا جرم يكون الامر الوارد فى الصحيح محمولا على الاستحباب، و لا يجوز ان يقال بكونه محمولا على كون المخاطب به خصوص الامام، و يكون غير الامام لا يستحب له رفع اليدين لعدم قائل بهذا التفصيل بين المسلمين، و لم ينسب الى احد مع نهاية بعد هذا الحمل و عدم قبوله، مع ان الفقهاء حملوا هذه الرّواية على كون المراد ان استحباب الرفع الشديد بالنسبة الى الامام، و الظاهر ان منشأ الشدة هو معرفة المامومين بدخوله فى الصلوة، انتهى. (منه)

و غيره، قاله بعض الاجله و غيره، لا يقال: ظاهر الخبر هو وجوب الرفع على الامام، فنقول به فى غيره ايضا، لعدم القول بالفصل، لانا نقول ذلك مردود من وجهين:

احدهما: ان ما ذكرناه مقدم عليه، لاعتضاده بالشهرة العظيمة، التى ادعى معها شذوذ المخالف بعض الاجله، و بالاجماعات المحكية المتقدمة اليها الاشارة بخلاف المذكور، فانه فى طرف الضد من ذلك.

و ثانيهما: ما اشار اليه بعض الاجله، بعد نقل الخبر، و هو نص فى عدم وجوب الرفع مطلقا على غير الامام، و ظاهر فى وجوبه عليه، و صرف الظاهر الى النص لازم، حيث لا يمكن الجمع بينهما بابقاء كل منهما على حاله، كما هنا للاجماع على عدم الفرق بين الامام و غيره مطلقا، و هو هنا ان يحمل الظاهر فى الوجوب على تأكد الاستحباب، انتهى.

و عن بعضهم، انه ادعى اتفاق الاصحاب على هذا التاويل، و اما ما اشار اليه بعض الأجلاء بان الخبر ظاهر فى محلّ الرّفع، و لعله فى القنوت، ففيه ما ترى، و يعضد ما اخترناه اطلاق الامر بالصلوة، و بالتكبير، و عموم قوله عليه السلام: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و الخبر الثانى عشر الدال على كونه للصلوة زينة، و انه لو كان واجبا لاشتهر لعموم البلوى و مسيس الحاجة، للسيد المرتضى و من وافقه وجوه:

الأول: الاجماع الذى حكاه فى الانتصار، و فيه انه موهون بمصير الاكثر الى خلافه.

الثانى: انه احوط، فيجب، و فيه ان العمل بالاحتياط فى نحو المقام غير واجب لقيام الدليل على خلافه.

الثالث: لو لم يكن واجبا لما داومت الشيعة على الاتيان به، و فيه ان الملازمة ممنوعة.

الرابع: ان النبى (ص) و الائمة (ع) فعلوه لجملة من الأخبار المتقدمة، و ما

ص: 144

روى عن الجمهور عن ابن عمر، قال رايت رسول الله (ص) اذا افتتح رفع يديه حتى يحاذى به منكبيه، فيجب لعموم ما دل على وجوب التأسى، و خصوص قوله (ص): صلوا كما رأيتمونى اصلى. و فيه نظر.

الخامس: قوله تعالى: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ اِنْحَرْ» لمكان الأخبار المفسرة، كما مضى اليها الاشارة، و فيه ان حمل الامر على الاستحباب غير عزيز، فليحمل عليه لمكان الادلة المتقدمة، هذا مضافا الى ان بعض الأخبار الواردة فى تفسير الاية الشريفه مما ينافى هذا القول، و هو ما رواه الكافى فى باب القيام و القعود عن حريز، عن رجل عن الباقر (ع)، قال: قلت له: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ اِنْحَرْ» قال:

النحر الاعتدال فى القيام، ان يقيم صلبه و نحره، و للجواب عن هذا مجال اصلناه على اهل الكمال(1)، كالمحكى عن بعض، ان اناسا كانوا يصلون و ينحرون لغير الله، فامر اللّه نبيه ان يصلى و ينحر لله عزّ و جلّ، اى فصل لوجه ربك اذا صليت لا لغيره، و انحر لوجهه و باسمه اذا نحرت، و عن آخر هى صلوة الفجر بجمع و النحر بمعنى، و عن آخر هى صلوة العيد، فيمكن ان يراد نحر الابل، و يمكن ان يعم الذبح فيشمل الشاة، و المراد الهدي الواجب كما فى المعالم، او الاضحية كما فى الكشاف، و عن آخر صل صلوة الفرض لربك، و استقبل القبله بنحرك، من قول العرب منازلنا يتناحر اى يتقابل.

أقول: و هو ينظر الى رواية حريز المتقدمة و عن الفيروزآبادى نحرى الدار كمنع استقبلها، و الرجل فى الصلوة انتصب، و بهذا صدره، او وضع يمينه على شماله اذا انتصب بنحره اراد القبله، و عن ابن الاثير نحروها نحرهم اللّه اى صلوها فى اول وقتها، و اما القول بان الخطاب متوجه الى النبى (ص)، و شموله للامة متوقف على ثبوت وجوب التأسى، و هو لا يصفو عن شوب التامل و النظر، ففيه ما فيه.

ص: 145


1- اذ للقرآن بطون. (منه)

السادس: جملة من الأخبار المتقدمة الآمرة بذلك و منها الخبر الحادى عشر المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يتخير فى السبع ايتها شاء جعلها الى آخره، و فيه ان الامر محمول على الاستحباب الذى هو مجاز مشهور بالنسبة اليه، على ما قاله الجماعة، لمكان الادلة القوية الدالة على المذهب المشهور بين الطائفة، و بالجملة لا شبهة فى ارجحية المشهور بين الطائفة المحقة، هذا مضافا الى عدم صراحة عبارة المرتضى رحمه اللّه فى المخالفة، لما ذكره الشارح المحقق بقوله: و يجوز ان يكون مراده تاكد الاستحباب، فانه يطلق الوجوب على ذلك كثيرا، و يؤيد ذلك انه لم ينقل عنه القول بوجوب تكبير الركوع و السجود، و قال بعض المحققين: و لعل مراده الاستحباب و شدته، اى ما يكون على تركه العتاب، لما نقل عن الشيخ مكررا انه قال: الوجوب عندنا على ضربين: ضرب على تركه العتاب.

فرع: عن المرتضى القول بوجوب الرفع فى تكبيرات الصلوة كلها،

و له جملة من الادلة المتقدمة، قال الشارح المحقق بعد نقل جملة من الروايات: لا يخفى ان بعض هذه الروايات مطلق، و بعضها مخصوص بتكبير الافتتاح، فمن اراد اثبات تعميم حكم الوجوب فى تكبيرات الصلوة كلها احتاج الى الاستعانة بعدم القائل بالفصل، انتهى.

أقول: حكم باقى التكبيرات فى رفع اليد كحكم تكبيرة الاحرام، و حيث رجحنا هناك عدم الوجوب فكذا هنا، لعدم ظهور قائل بالفصل، و بالجملة لا شبهة فى الاستحباب بقول مطلق، فانظر الى عبارة امالى الصدوق المتقدمة، و الى الخبر الثامن و غيرهما، هذا مضافا الى ان حمل الامر الوارد فى الأخبار الذى هو حقيقة فى الوجوب الشرعى على الوجوب الشرطى، لمكان كون ساير التكبيرات مستحبة ابعد من حمله على الاستحباب الذى ادعى جماعة كونه من المجازات المشهورة، و انما افرزنا هذه المسئلة عن المسئلة السابقة لاختصاص بعض الامور

ص: 146

بواحد منهما، و لا يعمهما.

المقام الثانى: اختلف الاصحاب فى حد الرفع فى التكبيرات على اقوال:
اشارة

الاول: ما اختاره المتن، و هو لجماعة بل نسبه بعضهم الى المشهور.

الثانى: انه يرفعهما حذو منكبيه، او حيال خديه، لا يجاوز بهما اذنيه، و هو المحكى عن ابن ابى عقيل.

الثالث: انه يرفعهما الى النحر، و لا يجاوز بهما الاذنين حيال الخد، و هو المحكى عن الصدوق.

الرابع: ما عن الذكرى وحد الرفع محاذات الاذنين و الوجه، لما روى عن النبى (ص) و الصادق (ع)، انتهى. و عن التحرير و المنتهى فى تكبير الركوع يرفع يديه حذاء وجهه، و فى رواية الى اذنيه، و بها قال الشيخ و قال الشافعى الى منكبيه، و به رواية عن اهل البيت (ع).

أقول: و الذى يستفاد من مجموع الأخبار الواردة فى المقام على ما وجدناه و نقلنا اكثرها، هو ان اعلى مراتب الرفع الى ما سامت الاذنين، كما يشير اليه الخبر السادس، و ما ضاهاه من الأخبار المتقدمة و اقله ان يكون اسفل من وجهه قليلا، كما فى الخبر الثانى وفاقا لبعض الأجلاء. و لعل الصدوق تمسك به، على ما قاله، فان النحر اسفل من الوجه قليلا. نعم لعل الاولى هو فعل ما اختاره فى المتن لما عن الخلاف من دعوى الاجماع عليه، و عن بعض صحاح العامة انه (ص) رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، و حاذى ابهامه اذنيه، ثم كبر و قال فى رواية أخرى: حتى رايت ابهامه قريبا من اذنيه.

فرع:

قال بعض مشائخنا: يستفاد من جماعة ان التحديد تحديد للرفع المستحب، فبدونه لا يحصل ذلك، و يستفاد من بعض انه مستحب آخر، انتهى.

أقول: و الاخير لا يخلو عن قرب، لاطلاق الخبر الثامن و الثانى عشر و الثالث عشر، و الاجماع على اتحاد التكليف فى المقام غير ثابت حتى يحمل المطلق

ص: 147

على المقيد فافهم فانه دقيق.

تنبيه:

يكره ان يتجاوز باليدين الراس و الاذنين، كما ذكره غير واحد، و عن السرائر، و لا تجاوز بيديه فى رفعهما شحمتى اذنيه.

أقول: و يدل عليه جملة من الأخبار المتقدمة، و عن البحار بعد نقل الخبر الخامس عشر، و العامة حملوها على رفع الايدى فى التكبير، لعدم قولهم بشرعية القنوت فى اكثر الصلوات، و تبعهم الاصحاب، فاستدلوا بها على كراهة تجاوز اليد عن الراس فى التكبير، و لعل الرفع للقنوت منها اظهر، و يحتمل التعميم ايضا، و الاحوط الترك فيها معا انتهى، و قال بعض الأجلاء بعد نقله. و الظاهر ما استظهره من الحمل على القنوت، و اما الحمل على رفع اليدين فى التكبير كما ذكره الاصحاب فالظاهر بعده عن سياق الخبر، و ان كان الحكم كذلك.

أقول: لا شبهة فى كراهة ما ذكرناه، و لم اجد عليه مصرحا بالحرمة و يكره فى القنوت ايضا رفع اليدين حتى تجاوز بهما راسك، للخبر الأول و الرابع عشر بل الخامس عشر، على ما استظهره البحار و غيره، نعم الظاهر اختصاص الكراهة بالفريضة كما تضمنه الخبر الأول و الرابع عشر، و عليه فلا بأس فى النافله كما هو صريح الخبر الرابع عشر.

المقام الثالث: حكى عن اكثر الاصحاب القول باستحباب ان يكون يداه مضمومتى الاصابع كلها،

بل عن الخلاف عليه الاجماع خلافا للمحكى عن الاسكافى و المرتضى رحمه الله و ابن البراج و المفيد و ابن ادريس، فانهم ذهبوا الى تفريق الابهام و ضم الباقى، و عن الذكرى انه جعله اولى و اسنده الى الرواية، و عليه فضم ما عد الابهام متفق عليه، و الخلاف انما هو فيها، و استدل بعضهم للاكثر برواية حماد فى وصف صلوة الصادق (ع).

قال الشارح المحقق: لا يخفى ان حديث رفع اليد فى تكبيرة الافتتاح

ص: 148

غير موجود فى الرّواية، نعم ذكر فيها الرّفع فى تكبير الرفع، و الظاهر ان ضم الاصابع المنقولة فى اول الخبر مستمر الى تلك الحالة، و الا لنقل الراوى و حينئذ تعدية الحكم و تعميمه يحتاج الى الاستعانة بعدم القائل بالفصل، انتهى.

أقول: و فى رواية حماد على ما نقلناه فى اوائل الكتاب هكذا: فقام ابو عبد الله (ع) منتصبا، فارسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم اصابعه، الى ان قال: فقال: اللّه اكبر، ثم قرا الحمد الى ان قال: ثم قال: اللّه اكبر. و هو قائم ثم ركع، و ملأ كفيه من ركبتيه مفرجات، الى ان قال: فلما استمكن من القيام قال:

سمع اللّه لمن حمده، ثم كبر و هو قائم، و رفع يديه حيال وجهه، و لم يذكر الرفع فى الحديث الا فى هذا الموضع، و دلالته على المطلب فيه نوع خفاء و لو بضميمة ما ادعاه الشارح المحقق، و اما ما ذكره بعض الأجلاء بان خبر حماد لم يشتمل على رفع اليدين فى تكبيرة الاحرام فضلا عن كونها فى حال الرفع مضمومة الاصابع ام لا، و قد صرح بالرفع فى تكبيرة الركوع، و تكبيرة السجود، و لكنه ايضا غير متضمن لضم الاصابع، ففيه ان الرّفع غير مصرّح به فى تكبيرة الركوع كما ترى، و اما القول بان ضم الاصابع فى حال الاسدال على الفخذين قد وقع فى الخبر فنستصحب ذلك الى حالة الرفع، ففيه ان الخبر غير مشتمل على الرّفع فى حالة تكبيرة الاحرام، و انما يشتمل على الرفع فى التكبير بعد الركوع للهوى الى السجود و عليه فلا يصح التمسك بالاستصحاب، لمكان نقضه بقوله: ثم ركع و ملاء كفيه مفرجات بل لو تمسك به لكان القول باستحباب انفراج الاصابع فى الرفع الذى اشتمل عليه الخبر متعينا.

و اما الاستدلال للاكثر بالخبر السّادس عشر، ففيه نوع اشكال، لمكان التفريج بين الخنصر و غيرها، و كيف كان فالاقوى هو حصول الاستحباب بكلا القولين، لمكان الاجماع المحكى، و شهادة الذكرى، و لعل العمل بالاول هو الاولى.

الرابع: في ابتداء الرّفع

ذهب المشهور على ما ادعاه الجماعة الى ان ابتداء الرّفع مع

ص: 149

ابتداء التكبير انتهاؤه مع انتهائه، بل عن التحرير و المنتهى انه قول علمائنا. قال بعض الاجلاء هنا قولان آخران: احدهما انه يبتدى بالتكبير حال ارسالهما، و قيل انه يبتدى بالتكبير عند انتهاء الرّفع، فيكبر عند تمام الرفع، ثم يرسل يديه، و عن المصنف رحمه اللّه فى التذكرة قال ابن سنان: رايت الصّادق (ع) يرفع يديه حيال وجهه حين استفتح، و ظاهره يقتضى ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع و انتهائه، و هو احدى وجهى الشافعية، و الثانى يرفع ثم يكبر عند الارسال، و هو عبارة عن بعض علمائنا، و ظاهر كلام الشافعى انه يكبر بين الرّفع و الارسال، انتهى.

أقول: للمشهور كثير من الأخبار المتقدمة، نعم ربما ينافيه الخبر السادس كالخبر الحادى عشر المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يتخير فى السبع الى آخره، المشتمل على قول الصّادق (ع): اذا افتتحت الصلوة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا، ثم كبر ثلاث تكبيرات، ثم قال الى آخره، و لكن عن المصنف رحمه اللّه انه حمل كلمة ثم على الانسلاخ من معنى التراخى، و كيف كان فلا ريب ان المشهور هو الارجح.

الخامس: صرح الجماعة باستحباب ان تكونا مبسوطتين، و ان يستقبل بباطن كفيه القبلة.

أقول: و يدل عليه الخبر الخامس، و فى بعض شروح الجعفرية: و يستحب بسط كفيه حالة الرفع اجماعا، و يعضد الأول الخبر السادس عشر، اذ لو كانتا مضمومتين لبينه الراوى، و صرح بعضهم باستحباب مدّ الاصابع، و لا بأس به، و لعلّه المتبادر من جملة من الأخبار المتقدمة.

السادس: مقتضى اطلاق الادلة هو جواز رفعهما تحت ثيابه، و لم يخرجهما كما صرح به بعضهم، قيل: و يتاكد استحباب الرفع فى تكبيرة الاحرام، و كذا فى التكبيرات كلها.

أقول: و يدل عليه الخبر الثامن كما اشرنا اليه.

ص: 150

في استحباب اسماع الامام من خلفه
اشارة

(و) يستحب (اسماع الامام من خلفه) تكبيرة الاحرام بلا خلاف اجده، و عن المنتهى لا نعرف فيه خلافا، و يدل عليه عموم ما دل على انه يستحب للامام ان يسمع من خلفه كلما يقول، كرواية ابى بصير المروية فى التهذيب فى باب احكام الجماعة عن ابى عبد الله (ع)، قال ينبغى للامام ان يسمع من خلفه كلما يقول، و لا ينبغى لمن خلفه ان يسمعه شيئا مما يقول، خرج منه ما خرج بدليل، و لا دليل على خروج ما نحن فيه، و اما الاستدلال عليه بالخبر الخامس و الثانى عشر المتقدمين فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يتخير فى السبع الى آخره، و بما روى عن الصدوق فى العلل و الخصال بسنده عن ابى على الحسن بن راشد، قال:

سألت ابا الحسن الرّضا (ع) عن تكبيرة الافتتاح فقال: سبع، قلت: روى عن النبى (ص) انه كان يكبر واحدة، فقال: ان النبى (ص) كان يكبر واحدة و يجهر بها و يسّر ستا، ففيه نوع مناقشة، اذ فرق بين الجهر و الاسماع، و يعضده ما اشار اليه الجماعة حيث قالوا فى مقام العلة ليحصل لهم المتابعة، فانه لا يجوز ان يكبر و اقبل تكبيرة الاحرام للامام،

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: صرح الجماعة باستحباب الاسرار بها للماموم،

لقوله (ع): لا ينبغى لمن خلف الامام ان يسمعه شيئا مما يقول، و نقل فى الذكرى عن الجعفى انه اطلق رفع الصوت بها، و الأول ارجح، و قال بعضهم لا يستحب للماموم ان يسمع الامام، لعدم الفايده، و فقد النص الدال عليه، و اعلم انه يستحب له الاسرار بغيرها ايضا، لما سيظهر فى مقامه من الادلة و منها عموم ما تقدم هنا.

الثانى: يستحب للامام الاسرار بالتكبيرات الست

عملا بالخبر الخامس المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يتخير فى السبع الى آخره، كرواية العلل و الخصال المتقدمه، و بذلك صرح الجماعة، و اما عموم رواية ابى بصير:

ينبغى للامام ان يسمع من خلفه كلما يقول، فمقيد بالخبرين المذكورين كما تقضيه القاعدة.

الثالث: صرح الجماعة بان المنفرد مخير بين الاسرار و الجهر بها،

عملا

ص: 151

باطلاق الادلة، و مقتضى ما حكى عن الجعفى استحباب الجهر له ايضا، و فى المدارك: و لا نعرف ماخذه.

أقول: يمكن ان يكون ماخذه اطلاق رواية العلل و الخصال المتقدمة، و لكن يرد فيه انه بيان للفعل الذى لا عموم فيه، فيحتمل وقوعه جماعة، كما هو الغالب فى صلوته (ص)، و يمكن ان يقال: لعل قوله (ع): كان يكبر الى آخره، الظاهر فى الاستمرار ينافى ذلك، و عليه فالترجيح محل اشكال.

الرابع: مقتضى اطلاق المتن كغيره، هو حصول المستحب بتحقق الاسماع،

و عليه فلا يشترط الجهر، و صرح فى الدروس باستحباب الجهر بها، و يمكن تنزيل المتن و من وافقه عليه، لعدم تحقق الاسماع غالبا الا بالجهر، و كيف كان فلا اشكال فى استحباب الاسماع و الجهر، لما دل عليهما من الادلة التى اشرنا اليها.

الخامس: صرح الشارح الفاضل و غيره بانه لو افتقر اسماع الجميع الى العلو المفرط اقتصر على الوسط،

الخامس: صرح الشارح الفاضل و غيره(1) بانه لو افتقر اسماع الجميع الى العلو المفرط اقتصر على الوسط، و لا بأس به، و قال بعضهم: اذا لم يمكنه اسماعهم لكثرتهم اسمع من يليه، و يسمع الماموم غيره.

في استحباب عدم المد بين الحروف

(و) يستحب (عدم المد بين الحروف) كمد الالف الذى بين اللام و الهاء بحيث يخرج عن وضعه الطبيعى، وفاقا لجماعة، و خلافا لبعضهم، فحكم بعدم الجواز تبعا للمحكى عن المبسوط، و الأول ارجح للاصل المعتضد بشيوعه بين الناس، فلو كان منهيا عنه لاشتهر، لكونه من الامور العامة البلوى و بما اشار اليه بعض مشائخنا بانه لا حجة على وجوب صورة اللّه اكبر سوى الاجماعات المنقولة المعتضدة بالشهرة، و هى هنا موهونة، لان الاكثر على الجواز،

و ينبغى التنبيه لامرين:
الأول: صرح الجماعة باستحباب ترك الاعراب من آخر التكبيرة،

عملا

ص: 152


1- و هو الرياض. (منه)

بالمروى عن النبى (ص) التكبير جزم، قال بعض الاجلة: و هو عامى، الا انه عمل به الاصحاب، فلا بأس به مع انه فى مقام المستحبات يتسامح بما لا يتسامح بمثله فى الواجبات و المحرمات، و قال الشارح الفاضل: فلو اعربه و وصله بالقراءة جاز على كراهية.

الثانى: قال فى الجعفرية: و يجب اسماع نفسه كساير الاذكار الواجبة،

و قال شارحها: و يجب فى تلفظها اسماع نفسه كساير الاذكار الواجبة اجماعا، لان الاقل من ذلك لا يسمى كلاما، بل يسمى حديث النّفس، بقى هنا شىء يحسن التنبيه عليه، قال شارح الجعفرية: فلو اخل بالموالاة بين الكلمتين فى التكبيرة عمدا، و سكت بينهما و طالت مدة السكوت بطلت، لانه (ع) كان يوالى، و التأسى واجب.

أقول: و كان الاجود له فى الاستدلال ان يقول: لا بد فى العبادة التوقيفية من النقل، و لم ينقل، فيجب الاقتصار على المنقول عن صاحب الشريعة و ان شئت فقل الذى يتبادر من الأخبار الآمرة بالتكبيرة هو الاتيان بها على سبيل الموالات، ثم قال بعد كلامه المتقدم: و لا بأس بالفصل بالنفس، لان ذلك لا يسمى فصلا(1) عرفا.

أقول: و كان الاولى هنا ايضا ان يقول: للاصل و عدم الدّليل على البطلان مضافا الى اطلاق الامر بالصلوة و التكبيرة، و قد تقدم ذكر تلك المسئلة، فالاطالة هنا مما لا فائدة فيها، فراجع الى هناك.

(الرابع) من واجبات الصلوة (القراءة)،
اشارة

و لا خلاف بين الاصحاب فى وجوبها، بل عليه الاجماع محققا، و محكيا فى عبائر الجماعة، و فى المدارك و غيره اجمع العلماء كافة على وجوب القراءة فى الصلوة، الا من شذ انتهى، و يدل عليه بعد الاجماع الأخبار المستفيضة الاتية، و انما الخلاف فى ركنيتها، فالمشهور على العدم، خلافا لما حكاه فى المبسوط عن بعض اصحابنا، و ابن حمزة على ما نسبه فى التنقيح على ما حكى، و عليه فالاخلال بها و لو سهوا مبطل للصّلوة و عن ظاهر

ص: 153


1- فعلا خ ل.

الشيخ القول ببطلان الصّلوة اذا اخلت بالقراءة من اولها الى آخرها و لو سهوا، و عليه فظاهره القول بركنيتها من حيث المجموع، لا من حيث الاشخاص، و المشهور هو الاظهر، للاجماع المحكى عن الشيخ عليه و مصيره الى خلاف ما ادعاه غير ضاير، لاعتضاد اجماعه بالشهرة العظيمة، التى لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف، بل حكم بعضهم بشذوذه كغيره، هذا اذ اعلم ان مخالفته قد وقعت بعد النقل المذكور، و الا فالامر اظهر من ان يحتاج الى بيان، هذا مضافا الى انا لم نجد من اعيان العلماء الذين ديدنهم نقل الاقوال خصوصا اقوال شيخ الطائفة من ينسب اليه هذا القول، سوى ابن جمهور، مع انه غير قاطع فى نقله و سياتى ايضا نقل الاجماع الدال على مذهب المشهور فى بحث الشك و السهو فانتظر، و للاخبار المستفيضة منها: ما رواه الكافى فى باب السهو فى القراءة، بسند فيه محمد بن اسمعيل عن الفضل بن شاذان، عن محمد بن مسلم، عن احدهما (ع)، قال: ان اللّه فرض الركوع و السجود و القراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا اعاد الصلوة، و من نسى القراءة فقد تمت صلوته، و لا شىء عليه، و رواه الصدوق فى الفقيه فى باب احكام السهو بادنى تغيير غير مخل.

و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب احكام السهو فى الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، انه قال: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود، ثم قال: القراءة سنة، و التشهد سنة، و لا تنقض السنة الفريضة.

و منها: ما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الصحيح عن معوية بن عمار، عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت: الرجل يسهو عن القراءة فى الركعتين الاولتين، فيذكر فى الركعتين الاخيرتين ان لم يقرا، قال: اتم الركوع و السجود، قلت: نعم، قال: انى اكره ان اجعل آخر صلوتى اولها.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن سماعة عن ابى بصير، قال: اذا نسى ان يقرأ فى الاولى و الثانية اجزاء تسبيح الركوع و السجود،

ص: 154

و ان كانت الغداة فنسى ان يقرا فيها فليمض فى صلوته، الى غير ذلك من الأخبار و اماما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع) قال سألته عن الذى لا يقرا بفاتحة الكتاب فى صلوته، قال: لا صلوة له الا ان يقرا يبدا بها فى جهر او اخفات، فمحمول على ترك القراءة عمدا، كالنبويين: لا صلوة الا بفاتحة الكتاب، كما فى احدهما: لا صلوة الا بقراءة، كما فى الاخر على ما نقله بعضهم. و النبوى المروى عن كتاب المجازات النبوية عنه (ص): قال و قال (ص): كل صلوة لا تقرا بفاتحة الكتاب فهو خداج(1).

و تجب فى الفريضة الثنائية و فى الاوليين من غيرها
اشارة

(و تجب) فى الفريضة (الثنائية) كالصبح (و فى الاوليين من غيرها) كالثلاثية و الرباعية اجماعا محققا و منقولا فى عبائر الجماعة حد الاستفاضة، و يدل عليه مضافا الى الاجماع، الاخبار المستفيضة منها: رواية محمد بن مسلم المتقدمة.

فرع:

عن المصنف فى التذكرة القول بعدم وجوب قراءة الفاتحة فى النافلة، و لم اجد له موافقا منهم، و له اطلاق الامر بالصلوة، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و فيه نظر، لمكان صحيحة محمد بن مسلم النافية للصلوة الا بالقراءة المعتضدة بالنبويات المتقدم اليها الاشارة، و التعارض بينها و بين عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الى آخره، و ان كان من تعارض العمومين من وجه، و لكن الترجيح معها، لمكان الشهرة الظاهرة و المحكية فى كلام بعض الأجلاء، و يؤيده ايضا توفيقية العبادة، فيجب الاقتصار فيها على المنقول، قيل: ان اراد كره نفى الوجوب بالمعنى المصطلح فصحيح، لان وجوب الفاتحة فيها تابع لوجوبها، و ان اراد عدم الاشتراط فى صحتها فممنوع، و به قال الجماعة، و كيف كان، فلا شبهة فى ارجحية المشهور مع كونه احوط.

في وجوب سورة كاملة مع الحمد
اشارة

(و) يجب فيما ذكر مع الحمد قراءة (سورة كاملة) وفاقا للمشهور بين الطائفة، بل فى الانتصار و الغنية كما عن القاضى و ابن حمزة نقل الاجماع عليه، بل فى امالى الصدوق

ص: 155


1- فى القاموس صلوته خداج اى نقصان و فى النهاية فيه كل صلوة ليس فيها قراءة فهى خداج مصدر على حذف المضاف اى ذات خداج او يكون قد وضعها بالمصدر نفسه مبالغة كقوله فانما هى اقبال و ادبار (منه).

دين الامامية هو الاقرار بان القراءة فى الاولتين من الفريضة الحمد و سورة، و لا يكون من العزائم، الى ان قال: و لا تكن السّورة لايلاف، او ا لم تر كيف، او و الضحى، او ا لم نشرح، لان لايلاف و ا لم تر كيف سورة واحدة، و الضحى و ا لم نشرح سورة واحدة، فلا يجوز التفرد بواحدة منها فى ركعة فريضة. و فى التهذيب: و عندنا انه لا يجوز قراءة هاتين السورتين يعنى الضحى و الم نشرح الا فى ركعة واحدة، قال بعض الأجلة: و هو مشعر بالاجماع، معللا بعدم توجه ذلك الا على القول بالوجوب، لجواز التبعيض على القول الاخر، خلافا للمحكى عن الشيخ فى النهاية، و الاسكافى و سلار و المحقق فى التحرير، فذهبوا الى الاستحباب، و اختاره جماعة(1) من متاخرى المتأخرين، و عن المصنف رحمه اللّه فى المنتهى الميل اليه كما يظهر ذلك من الحبل المتين ايضا،

فلننقل اولا جملة من الاخبار المتعلقه بالمقام،

فنقول و بالله التوفيق.

الأول: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن على بن رياب، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سمعته يقول: ان فاتحة الكتاب تجوز وحدها فى الفريضة.

الثانى: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع)، قال: ان فاتحة الكتاب وحدها تجزى فى الفريضة.

الثالث: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الصحيح، عن سعد بن سعد الاشعرى، عن ابى الحسن الرضا (ع)، قال: سألته عن رجل قرأ فى ركعة الحمد و نصف سورة هل يجزيه فى الثانية ان لا يقرا الحمد، و يقرا ما بقى من السورة؟ فقال يقرأ الحمد ثم يقرأ ما بقى من السورة.

الرابع: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن زرارة، قال:

قلت لابى جعفر (ع): رجل قرأ سورة فى ركعة، فغلط، ايدع المكان الذى غلط فيه و يمضى فى قرائته، او يدع تلك السورة و يتحول منها الى غيرها فقال:

كل ذلك لا بأس به، و ان قرأ آية واحدة فشاء ان يركع بها ركع.

ص: 156


1- و منهم المدارك و الذخيرة و المفاتيح و والد البهائى. (منه)

الخامس: ما رواه ايضا فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن ابان بن عثمان، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع) قال: سألته عن الرجل يفتتح القراءة فى الصلوة، يقرا بسم اللّه الرحمن الرحيم، قال: نعم، اذا افتتح الصلوة فليقلها فى اول ما يفتتح، ثم يكفيه ما بعد ذلك.

السادس: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن عبيد اللّه بن على و محمد بن على الحلبيين، عن ابى عبد الله (ع)، انهما سألاه عمن يقرا بسم اللّه الرحمن الرحيم حين يريد يقرا فاتحة الكتاب، قال: نعم ان شاء سرّا و ان شاء جهرا، فقالا: افيقراها مع السّورة الاخرى؟ فقال لا.

السابع: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الموثق عن عمار بن موسى الساباطى عن ابى عبد الله (ع) فى الرجل يسمع السجدة فى الساعة التى لا يستقيم الصلوة فيها قبل غروب الشمس، و بعد صلوة الفجر، فقال لا يسجد. و عن الرجل يقرأ فى المكتوبة سورة فيها سجدة من العزايم، فقال: اذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها، و ان احب ان يرجع فيقرأ سورة غيرها و يدع التى فيها السجدة فيرجع الى غيرها.

الثامن: ما رواه فى المكان المتقدم فى الصحيح، عن ابان بن عثمان، عن اسمعيل بن الفضل، قال: صلى بنا ابو عبد الله (ع) و ابو جعفر (ع)، فقرأ بفاتحة الكتاب و آخر سورة المائدة، فلما سلم التفت الينا، فقال: اما انى انما اردت ان اعلمكم.

التاسع: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن على بن يقطين، قال: سألت ابا الحسن (ع) عن القرآن بين السورتين فى المكتوبة و النافلة، قال: لا بأس، و عن تبعيض السورة، قال: اكره، و لا بأس به فى النافلة.

العاشر: ما رواه ايضا فى باب كيفية الصّلوة عن عمر بن يزيد، قال: قلت لابى عبد الله (ع): أ يقرأ الرجل السورة الواحدة فى الركعتين من الفريضة؟ فقال: لا بأس اذا كانت اكثر من ثلاث ايات.

ص: 157

الحادى عشر: ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن ابن بكير عن زرارة، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يقرن بين السورتين فى الركعة، فقال: ان لكل سورة حقا فاعطها حقها من الركوع و السجود، قلت: فيقطع السورة؟ فقال: لا بأس.

الثامن عشر: ما رواه فى الباب المتقدم عن ابان بن عثمان، عمن اخبره عن احدهما (ع)، قال: سألته هل تقسم السورة فى ركعتين؟ قال: نعم، اقسمها كيف شئت.

الثالث عشر: ما نقله المحقق عن حريز بن عبد الله، عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع)، انه سأل عن السورة، أيصلى الرجل بها فى ركعتين من الفريضة؟ فقال: نعم، اذا كانت ست آيات قرأ بالنصف منها فى الركعة الاولى، و النصف الاخر فى الركعة الثانية.

الرابع عشر: ما رواه فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الصحيح، عن عبد اللّه بن بكير، عن مسمع البصرى، قال: صليت مع ابى عبد الله (ع)، فقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ثم قرا السورة التى بعد الحمد، و لم يقرا بسم اللّه الرحمن الرحيم، ثم قام فى الثانية فقرا الحمد و لم يقرا بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بسورة اخرى.

الخامس عشر: ما رواه ايضا فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح على الصحيح لمكان محمد بن عبد الحميد و سيف بن عميرة، عن منصور بن حازم، قال: قال:

ابو عبد الله (ع): لا تقرا فى المكتوبة باقل من سورة و لا باكثر.

السادس عشر: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن يحيى بن عمران الهمدانى، قال: كتبت الى ابى جعفر (ع): جعلت فداك ما تقول فى رجل ابتدأ ببسم اللّه الرحمن فى صلوته وحده فى أم الكتاب، فلما صار الى غير أم الكتاب من السورة تركها؟ فقال: العباسى ليس بذلك بأس، فكتب بخطه يعيدها مرتين على رغم انفه، يعنى العباسى.

ص: 158

السابع عشر: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، قال: يجوز للمريض ان يقرا فى الفريضة فاتحة الكتاب وحدها، و يجوز للصحيح فى قضاء صلوة التطوع بالليل و النهار.

الثامن عشر: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن عبيد الله بن على الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا بأس بان يقرا الرجل فى الفريضة بفاتحة الكتاب فى الركعتين الاولتين، اذا ما اعجلت به حاجة او تخوف شيئا.

التاسع عشر: ما رواه فى الباب المتقدم فى القوى، لمكان محمد بن سنان عن ابن مسكان الثقه المجمع على تصحيح ما يصح عنه، عن الحسن الصيقل، قال: قلت لابى عبد الله (ع) ايجزى عنى ان اقول فى الفريضة فاتحة الكتاب وحدها اذا كنت مستعجلا او اعجلنى شىء؟ فقال: لا بأس.

العشرون: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الصحيح عن معوية بن عمار، عن ابى عبد الله (ع)، قال: من غلط فى سورة فليقرا قل هو اللّه احد، ثم ليركع.

الحادى و العشرون: ما رواه ايضا فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن محمد بن مسلم عن احدهما (ع)، قال: سألته عن الرجل يقرا السورتين فى الركعة، فقال: لا لكل سورة ركعة.

الثانى و العشرون: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الزيادات بسند فيه الحسين بن محمد، و الظاهر انه ابن عامر الذى عن المحقق الداماد انه من اجلاء مشائخ الكلينى، و قد اكثر من الرواية عنه فى الوافى انتهى، لمكان عبد اللّه بن عامر، عن عمرو بن ابى نصر، قال: قلت لابى عبد الله (ع): الرجل يقوم فى الصلوة فيريد ان يقرا سورة، فيقرا قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ و قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ، فقال:

يرجع من كل سورة الا من قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ و قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ.

الثالث و العشرون: ما رواه ايضا فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن صفوان الجمال، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: قل هو اللّه احد يجزى

ص: 159

فى خمسين صلوة.

الرابع و العشرون: ما عن الفقه الرضوى (ع): و يقرا سورة بعد الحمد فى الركعتين الاولتين، و لا يقرا فى المكتوبة سورة ناقصه.

الأقوال
اشارة

اذا عرفت ذلك فاعلم ان للقائلين بعدم وجوب السورة وجوه:

الأول: الخبر الأول الى الخبر الرابع عشر.

الثانى: اصالة البراءة.

الثالث: اطلاق الامر بالصلوة،

و الاقوى عندى هو القول بالوجوب لوجوه:
الأول: الاجماعات المحكية المتقدمة اليها الاشارة،

المعتضده بالشهرة العظيمة بين الطائفه، التى استظهر بعض الاجلة كونها من القدماء اجماعا، و لا غرو فى ذلك، لان المخالف ليس الا الشيخ فى النهاية، و الاسكافى و سلار، و عبارة الأول مشوشة، قال و ادنى ما يجزى الحمد و سورة معها، لا يجوز الزيادة و لا النقصان، فمن صلى بالحمد وحده من غير عذر لم يجب عليه اعادة الصلوة، غير انه قد ترك الافضل، و ان اقتصر على الحمد منسيا او حال الضرورة لم يكن به بأس، و كانت صلوته تامة، الى ان قال: و لا يجوز ان يقرن بين سورتين مع الحمد فى الفرائض، فمن فعل ذلك متعمدا كانت صلوته فاسدة، و لا يجوز ان يقتصر على بعض سورة و هو يحسن تمامها، فمن اقتصر كذلك كانت صلوته ناقصة، و ان لم يجب عليه اعادتها، الى ان قال: و من ترك بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ قبل الحمد او بعدها قبل السورة فلا صلوة له، و وجب عليه اعادتها، الى ان قال: و من اراد ان يقرا سورة الفيل و لايلاف فى الفريضة جمع بينهما، لانهما سورة واحدة، و كذلك و الضحى و الم نشرح، و قد صرح بمغشوشية عبارته بعض المحققين ايضا كغيره، قال الأول: لا مانع من ان يكون اى الشيخ قائلا بوجوب السورة فى نهايته ايضا، كما صرح اولا بان القراءة الواجبة هى الحمد و السورة، و انه لا يجوز الزيادة و لا النقصان، لكن مع ذلك لو ترك يكون صلوته صحيحة، و ان كان ترك ما لا يجزى الا ذلك، كما صرح به فى اول كلامه ايضا، بل اوجب عليه الاعادة

ص: 160

بترك البسملة من السورة، و قال بعض الاجله: و بعض عبارة النهاية و ان اوهم المخالفة، الا ان بعضها الاخر ظاهر فى الوجوب كما لا يخفى على من راجعها، و لو سلم المخالفة فقد رجع عنها فى جمله من كتبه المتأخرة، و منها الخلاف و المبسوط مدعيا فيهما ان الوجوب هو الظاهر من روايات الاصحاب و مذهبهم.

و اما الاسكافى فان عبارته المحكية هكذا: و لو قرا بام الكتاب و بعض سورة فى الفرائض اجزاء، و هى كما ترى فى لزوم البعض ظاهرة، و عليه فهو و القائلون بعدم وجوب السورة لا يرتضعون من ضرع واحدة، اذ لم نجد من حكم بعدم وجوب السورة بكمالها، قال بوجوب بعضها، كما يشهد بذلك قول المصنف رحمه اللّه فى المختلف فى جملة كلام له، اذا لم تكن السورة واجبة لم يكن ابعاضها واجبة، لان علماءنا بين قائلين: احدهما اوجب السورة، و الاخر لم يوجبها، فلم يوجب بعضها،(1) فالفرق ثالث، و عليه فالقائلون بعدم وجوب السورة بكمالها ايضا يجعلون الاسكافى خارقا لاجماعهم، و محدثا لقول ثالث، هذا اذا سلمنا صحة ما حكموا عنه من كونه موافقا لهم فى عدم وجوب السورة بكمالها، و الا فيحتمل ان يكون مراده ان الصلوة مع تبعيض السورة صحيحة، و هذا يجتمع مع القول بوجوب كمال السورة، كما يظهر من عبارة المبسوط المحكية لنا، حيث قال قراءة سورة بعد الحمد واجب، غير ان من قرأ بعض السورة لا يحكم ببطلان الصلوة، قيل: و قريب منه العلامه فى المنتهى، حيث انه بعد حكمه بوجوب السورة بكمالها وفاقا لاكثر علمائنا، حكى المخالفة فيه عن النهاية خاصة، ثم نقل عن الاسكافى و المبسوط عبارتيهما، و قال الى قولهما بعده، معربا عن تغاير المسئلتين، اى مسئلة وجوب السورة بكمالها، و عدم صحة الصلوة بتبعيضها.

أقول: و عليه فكان الحق لهم بسط الكلام فى مقامين:

ص: 161


1- ابعاضها خ ل.

احدهما: هل يجب كمال السورة كما ذهب اليه المشهور ام لا كما نسبه فى المنتهى الى النهاية؟ و عبارته كما عرفت مشوّشة، و عبارة المنتهى كالاسكافى فى الذهاب الى الثانى غير ظاهرة، نعم، ربما نسب القول به الى سلار، و كتابه ليس عندى حاضرا حتى احقق الحق.

و ثانيهما: على القول بالوجوب، فلو لم يات بكمالها بل اتى ببعضها فهل يحكم ببطلان الصلوة كما ذهب اليه المشهور ام لا كما هو ظاهر المبسوط و المنتهى بل الاسكافى على الاحتمال المتقدم؟ و كيف كان فلم يظهر لمن قال بوجوب السورة بكمالها مخالف ظاهر، سوى المحكى عن الديلمى على تقدير(1)صحة ما نسبوا، و هو معلوم النسب، فلا يضر فيما استظهره بعض الاجلة من كون المسئلة من القدماء اجماعا، اذ كلا منافى المقام الأول من المقامين.

الثانى: انه لو جاز ترك السّورة لشاع و ذاع لكونها من الامور العامة البلوى،

و الثانى باطل بالبديهة، بل الشيوع فى جانب الخلاف، فالمقدم مثله و الملازمة بحكم العادة بيّنة واضحة.

الثالث: جملة من الأخبار

منها الخبر الخامس عشر، اذ ظاهر هذا النهى يقتضى وجوب السورة، و القول(2) بانه ضعيف السند لاشتماله على محمد بن عبد الحميد و هو غير موثق فى كتب الرجال، و عليه فلا يجوز الاعتماد عليه غير وجيه، لمكان توثيق رجال النجاشى، و الاشتباه انما نشأ من عبارة المصنف رحمه الله فى الروضة، حيث قال: محمد بن عبد الحميد بن سالم بن العطار ابو جعفر، روى عبد الحميد عن ابى الحسن و كان ثقة من اصحابنا الكوفيين، فلما نظروا اليها استظهروا كون الموثق الاب لا الابن، و لم يدروا ان تلك العبارة

ص: 162


1- و انما قلنا ذلك لانهم نسبوا الى النهاية و الاسكافى و المنتهى ايضا، ما نسبوا الى الديلمى، و قد عرفت ما يرد على نسبتهم لمكان خلطهم بين المسئلتين بالنسبة الى المنتهى بل الاسكافى على احتمال و اجمال عبارة النهاية. (منه)
2- و القائل هو صاحب المدارك و الذخيرة. (منه)

بعينها هى عبارة رجال النجاشى، و هو ذكر بعدها بلا فصل له كتاب النوادر الى آخره.

و عليه فلو كان مرجع ضمير له غير مرجع ضمير كان ليلزم تفكيك الضمير و عدم وروده فى كلام الفصحاء غير مخفى على المتتبع الناقد الخبير، لمكان كونه من قبيل الالغاز و التعمية كما لا يخفى على من له ادنى دربة، و لذا صحح المصنف رحمه اللّه طريق الصدوق الى منصور بن حازم مع كونه فيه، و بتوثيقه ايضا صرح جماعة من علمائنا الابرار، و بالجملة لا معنى فى الاعتراض المذكور كاحتمال كون المراد من السورة هو الحمد، اذ ذلك احتمال بعيد كما صرح به الجماعة، و القول(1) ان النهى وقع عن قراءة الاقل من سورة و الاكثر، و المستفاد من العبارة ان النهى فيهما بمعنى واحد، و ثبت انه فى الاكثر بمعنى الكراهة، فيكون فى الاقل كذلك خذرا من استعمال اللفظ فى حقيقته و مجازه غير صحيح، و ذلك اما لان عدم جواز استعمال اللفظ فى حقيقته و مجازه مخصوص بما اذا كان فى اطلاق واحد، كأن اطلق الاسد و اريد به الرجل الشجاع و الحيوان المفترس، و اما اذا تكرر الاطلاق، و منه ما نحن فيه، لمكان كون العطف فى قوة تكرير العامل، فلا نسلّم عدم الجواز، و اما لان التحقيق كما سيظهر ان شاء اللّه هو عدم جواز القرآن بين السورتين، و عليه فلا معنى لحمل النهى عن الاكثر على الكراهة، نعم لو جوز قراءة سورة و زيادة و خص عدم الجواز بما اذا قرأ السورتين بكمالها، لامكن حمل النهى عن الاكثر على الكراهة، و عليه فيشكل الاستدلال بالخبر لو قطع النظر عن الجواب الأول، و لكن يمكن دفع ذلك بان الامر حينئذ يدور بين التجوز و تقييد الاكثر بما اذا قرأ سورة كاملة مضافة الى السورة الاولة التى قرأها و لا ريب ان التقييد اولى من المجاز، و عليه فالخبر المذكور من الادلة بحيث لا يعتريه شك و لا شبهة، و الاعتراضات التى اورد و ها عليه قد عرفت انها واهية، سيما الاعتراض بحسب السند، لما مر اليه الاشارة مضافا الى اعتضاده بالشهرة العظيمة بين الطائفة.

و منها:(2) الخبر السادس عشر، و ضعف سنده مجبور بالشهرة العظيمة و

ص: 163


1- القائل صاحب المدارك و الذخيرة (منه).
2- و فى المنتهى و فى الصحيح عن يحيى بن عمران و رواها فى صدر الروايات استدل بها على ما قيل و ما ذكره بعض مشائخنا كغيره بان هى وصف الرواية بالصحة ففيه عندى تأمل لجواز كمن مر قبله صحيحا و اما هو فقد ذكره و اعطى حكمه بالرؤية و كيف كان فلا ريب فى اعتبار تلك الرواية و لو بالشهرة بل الرواية المنجرة بالشهرة اقول من الصحيح بمراتب عديدة مضافا على انه رواها احمد بن محمد بن عيسى عنه بواسطة على بن مهزيار الثقة و هو الذى اخرج البرقى عن قم من جهة روايته عن المجاهيل و نحوها. (منه)

بالاجماعات المحكية، قال فى المختلف بعد الاستدلال به: لا يقال: يجوز اختصاص وجوب التسمية فى اول السورة بمن قرا السورة لا مطلقا، لانا نقول: اذا لم تكن السورة واجبة لم يكن ابعاضها واجبة، لان علماءنا بين قائلين: احدهما: اوجب السورة، و الاخر لم يوجبها فلم يوجب ابعاضها، فالفرق ثالث، انتهى.

و ضمير يعيدها اما مرجع الى الصلوة و الى البسمله، و على التقديرين يتم المطلوب من البين، و يظهر من الخبر غيظه (ع) فيما افتى به العباسى حيث راى خلاف الواقع فى ذلك، و اما قوله: مرتين؛ فالاظهر انه متعلق بكتب، اى كتب هذه العبارة مرتين، قاله بعض المحققين.

أقول: و يحتمل قريبا ان يكون متعلقا بيعيدها، و عليه فالضمير مرجع الى الصّلوة، فالمعنى يعيد الصلوة مرتين، اى يفعلها مرة ثانية و لا تنافيه كلمة الاعادة، لعدم ثبوت كونها حين الصّدور حقيقة، فالمصطلح عليه بين الطائفة حتى يكون المعنى على المذكور انه يفعلها اربع مرات، و ذلك واضح، و يحتمل رجوع ضمير يعيدها الى السورة ايضا فتدبر، و لا تتوهم كون الخبر مكاتبة، و عليه فيسقط عن درجة الحجية، اذ التحقيق ان المكاتبة حجة، سيما نحو تلك المكاتبات المخالفة للتقية كما لا يخفى على العارف،(1)قال بعض المحققين و نعم ما قال: انظر الى تشديده و تغليظه، بل و غيظه مما قال العباسى، و لعمرى انه لم يقل الا ما قاله بعض المتاخرين منا، انتهى.

و منها: الخبر الثامن عشر، اذ مفهوم الشرط على التحقيق حجة، و القول بان غايته ثبوت الباس فى غير الصورتين، و هو اعم من الحرمة غير وجيه، اذ هو ظاهر فى الحرمة، كما يستفاد من جماعة من اهل اللغة، و منهم المحكى عن الجوهرى و الفيروزآبادى، قال الأول: الباس العذاب. و قال الثانى: الباس

ص: 164


1- اذ مما يوهن المكاتبات هو ان المعصوم (ع) يكتب فيها غالبا ما يوافق مذاهب العامة، حذرا من ان يقع فى ايديهم فيصيب بهم ضرر على الشيعة، و تلك المكاتبة كما ترى عن هذا الوهن خالية لمكان موافقة العامة. (منه)

العذاب و الشدة، و صيرورته فى العرف منقولا او مجازا شايعا فيما لا يقتضى الحرمة ممنوع، و الاصل معنا، و القول بان مقتضى الخبر هو الاقتصار على الفاتحة بمطلق الحاجة و الخوف، و ذلك ينافى القول بوجوب السورة اذ كونهما اعم من الضرورة مما ليس فيه مرية، ليس فيه وجاهة، اذ تقييدهما بالفرد الذى يصح معه سقوط الوجوب اولى من التجوز فى الباس. لما هو مقرر فى الاصول من اولوية التقييد على المجاز.

و منها: الخبر الرابع و العشرون و ضعف سنده غير ضاير لمكان انجباره بالشهرة العظيمة كالاجماعات المحكية،

و يؤيد ما اخترناه وجوه:
الأول: جملة من الأخبار،

منها الخبر السابع عشر المؤيد برواية عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن ابى عبد الله (ع): لا يصلى على الدابة الا مريض يستقبل به القبلة، و يجزيه فاتحة الكتاب. وجه الدلالة ان تخصيص الجواز بالمريض دال على عدمه لغيره، و انما جعلناه مؤيدا لابتنائه على القول بحجية مفهوم الصفة، و التحقيق خلافه، الا فى بعض المقامات التى يحكم به العرف، و فى المقام، و ان كان فى نظر العرف له ظهور ما، و لكن ربما يتامل فى كونه بحيث يطمئن به النفس، و عليه فالحكم بذلك المفهوم محل اشكال، و اماما ذكره الشارح المحقق رحمه اللّه من التحقيق ان مفهوم الصفة انما يكون حجة اذا حصل الظن بان ذكر الصفة بخصوصيتها لا فايدة له سوى التخصيص، و الامر ههنا ليس كذلك، لاحتمال ان يكون الفايدة تخصيص الحكم بالمريض، و عدم التعميم، حذرا عن اجتراء المكلفين على المسامحة فى امر هذه الفضيلة المؤكدة، و جرأتهم على مقتضى التخصيص، و من مارس الاحاديث و تصفحها يجد نظير ذلك من الكثرة و الشيوع بمكان، و يرشد اليه قوله: و يجوز للصحيح فى قضاء صلوة النوافل، اذ لا يختص الجواز بالقضاء اتفاقا، فهو ايضا يرجع الى ما قلناه، نعم، كان الاولى له و لغيره هو التمسك فى نحو المقامات بفهم العرف، اذ هو المتبع فى فهم الالفاظ، فلو فهموا من لفظ شيئا، ليس لأحد عليهم اعتراض.

ص: 165

فبما ذكر ظهر عدم وجاهة ما ذكره بعض الاجله، من ان المقابلة بالصحيح يدل على اعتبار مفهوم المريض انتهى، هذا مضافا الى انه لا بد من تقييد المريض بان يكون له مرض مانع من قراءة السورة، و اولوية هذا من حمل الجواز على الاباحة بالمعنى المصطلح بين الاصوليين، التى اطلاقه عليها شايع، بل فى غاية الشيوع، بل قيل:(1) و اطلاقه عليها شايع مشهور، حتى يمكن القول بكونه على سبيل الحقيقة محل تامل، اذ ليس ترجيح التقييد من الامور التعبديه، بل ليس المناط الا الغلبة المورثة للمظنة، و عليه فلا نسلم كون المظنة الحاصلة من الاخيرا نقص من المظنة الحاصلة من الأول، و عليه فيشكل الاستدلال بالخبر، فيذكر فى مقام التاييد كما فعلناه.

و منها: الخبر التاسع عشر، بل يمكن جعله دليلا مستقلا لمكان تقريره عليه السلام على اشكال ما.

و منها: الخبر العشرون، وجه التاييد ان السورة لو لم تكن واجبة لما وجب قراءة قل هو اللّه احد، اذا قراء سورة و غلط فيها، و لا يمكن القول بانها مستحبة ابتداء، و لكن بعروض الغلط تصير واجبة، اذ لم اجد بذلك قائلا، و انما جعلناه مؤيد اذ لا قائل بوجوب قراءة سورة التوحيد، و الحال هذه قاله الشارح المحقق، و مع هذا الدعوى حمل الامر على الوجوب مشكل، و ان ذكر بعض مشائخنا بانا نمنع من ان القائلين بوجوب السّورة، لا يوجبون خصوص سورة التوحيد فى فرض الرواية، و من اين علم ذلك منهم، نعم، لا يوجبون ذلك ابتداء فى الجملة على الظاهر، و لكنه غير فرض الرّواية، نعم، لو ثبت كون الوجوب التخييرى اقرب الى الامر من الاستحباب، لكان الخبر دليلا مستقلا، و لكنه بعد غير ثابت، بل لعل الاستحباب هو الاظهر لمكان الغلبة، اذ الاقربيّة المعتبرة فى صورة تعذر حمل اللفظ على الحقيقة ليست الا الغلبة المسببة من

ص: 166


1- و هو الشارح المحقق (منه).

فهم العرف دون الاقربيّة الاعتبارية، و عليه فيتعين حمل الامر على الاستحباب بملاحظة الدعوى المدعاة فى كلام الشارح المحقق.

و اما القول بان التقييد اولى من المجاز، و عليه فيمكن تقييد الخبر بما اذا لم يكن قادرا على الاتيان بما عدا سورة التوحيد، ففيه انا قد ذكرنا ان اولويته ليس من باب التعبد، بل المناط هو المظنة، و عليه فلا نسلم ان ذلك التقييد الذى يوجب حمل اللفظ على الفرد النادر اولى من حمله على المجاز الذى هو فى مقام الاستحباب، الذى ادعى الجماعة كون الامر فيه مجازا مشهورا، الذى لا يدع ان يحمل اللفظ على معناه الحقيقى بدون القرينة، هذا مضافا الى استلزام التقييد المذكور حمل اطلاق الخبر على الصلوة الواجبة، و الى كونه معارضا بالخبر الرابع، فليذكر الخبر فى مقام التاييد كما فعلناه.

و منها: الخبر الحادى و العشرون الذى استدل به بعضهم، و انما جعلناه مؤيدا اذ ظاهره هو المنع من القرآن بين السورتين، و لا دخل له فى المسئلة، و يعضده قوله (ع): لكل سورة ركعة، و لم يقل: لكل ركعة سورة.

و منها: الخبر الثالث و العشرون، و انما جعلناه مؤيدا لمكان رواية صفوان المتقدمة فى اوائل المجلد الأول من كتاب الصلوة، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: صلوة الاوابين الخمسون كلّها بقل هو اللّه احد و غيرها.

و منها: صحيحة حماد الطويلة المتقدم فى اوائل الكتاب اليها الاشارة وجه التاييد ان الصادق (ع) كان فى مقام تعليم حماد، و قرأ بعد الحمد قل هو الله احد، ثم قال فى آخر الخبر: يا حماد هكذا صلّ، و الامر حقيقه فى الوجوب، و انما جعلناها مؤيدة، لان حمل هذا الامر على الوجوب فقط مما تنافيه جملة من الامور التى اشتملته هذه الصحيحة، لمكان كونها مستحبة، فلو حملناه على الاستحباب ايضا يلزم استعمال اللفظ فى معناه الحقيقى و المجازى فى اطلاق واحد، و ذلك غير جايز، كما هو مقرر فى الاصول، و القول بان الاصل هو الحمل على الوجوب، خرج منه ما خرج بدليل كالعام غير وجيه، اذ لا يكون وزان كلمة

ص: 167

هكذا على هذا التقدير، الاوزان ايتنى بزيد الا رجله او يده او عينه مثلا، و لم نسمع صحة ذلك من العرب، و بطور آخر، لو خصصنا كلمة هكذا، و ابقينا كلمة صل، على حقيقته يلزم التخصيص فى الاجزاء، و المسموع من العرب انما هو التخصيص فى الافراد، و عليه فلا يكون المذكور صحيحا، الا ان يقال: ان قوله عليه السلام: هكذا صل، بمعنى افعل جميع ما رايته منى، و عليه فيدور الامر بين شيئين: اما حمل الامر على الطلب المطلق، و ابقاء العام على ظاهره، او لتخصيص العام و ابقاء الامر على ظاهره، و لما كان التخصيص اولى من المجاز، فتكون الصحيحة من الادلة، و لكن دون ذلك خرط القتاد، اذ حمل هكذا صل على المعنى المذكور ايضا مجاز، كما ان حمل الامر على الطلب المطلق مجاز، و حيث لا ترجيح بين المجازين فيسقط الاستدلال بها فى البين، هذا مضافا الى انا لو قلنا بجواز التخصيص فى كلمة هكذا و ان كان تخصيصا فى الاجزاء ايضا لا يجوز التمسك بهذه الصحيحة، اذ حمل كلمة هكذا على ما عدا الامور المستحبة المذكورة فيها مجاز بالبديهة، كما ان حمل الامر على الطلب مجاز، و لا دليل على ترجيح الأول على الثانى، بل الدليل فى خلافه، و الى ان خصوص سورة قل هو اللّه المذكورة فى الرواية غير واجب، و عليه فيشكل الامر من هذه الجهة ايضا فى الغاية.

و منها: رواية محمد بن اسمعيل المعدودة من الصحاح، قال: سألته قلت: اكون فى طريق مكة فتنزل الصلوة فى موضع فيها الاعراب، انصلى المكتوبة على الارض فنقرا ام الكتاب وحدها، ام نصلى على الراحلة فنقرا فاتحة الكتاب و السورة؟ فقال: اذا خفت فصل على الراحلة المكتوبة و غيرها، و اذا قرات الحمد و سورة احب الي(1) و لا ارى بالذى فعلت باسا.

ص: 168


1- وجه الدلالة انه لو لا وجوب السورة لما جاز لاجله ترك الواجب من القيام و غيره، و وجه التخيير اشتمال كل صورة على ترك واجب، مع ان ظاهر سوق السؤال قطع السائل بوجوب السورة، و ان تردده فى ترجيحها على القيام و نحوه حيثما حصل بينهما معارضه، و هو (ع) قرّره على معتقده و التقرير حجة. (منه)

و رواية(1) محمد بن مسلم المعدودة من الصحاح عن الباقر (ع)، عن الذى لا يقرا فاتحة الكتاب، قال: لا صلوة له الا ان يقرا بها فى جهر او اخفات قلت:

ايهما احب اليك اذا كان خائفا او مستعجلا يقرا بسورة او فاتحة الكتاب؟ قال:

فاتحة الكتاب. و رواية زرارة المعدودة من الصحاح الواردة فى المسبوق بركعتين(2)، قال الباقر (ع): إقرء كل ركعة مما ادرك خلف الامام فى نفسه بام الكتاب و سورة، الحديث. و رواية زرارة المعدودة من الصحاح ايضا عن الباقر (ع) فى رجل جهر بالقراءة فيما لا ينبغى الجهر فيه، الى آخر سؤاله، و جوابه (ع): ان فعل ذلك ناسيا او ساهيا فلا شىء عليه بناء على شمول القراءة للسورة ايضا، كما يؤيده قول الصادق (ع): لا، الا الجمعة، فى رواية محمد بن مسلم المعدودة من الصحاح، السائل عنه (ع) عن القراءة فى الصلوة فيها شىء موقت، و قول الرضا (ع) فى علل الفضل: انما امر الناس بالقراءة فى الصلوة لئلا يكون القرآن مهجورا مضيعا، و انما بدا بالحمد دون سائر السورة لانه ليس شىء من القرآن، الحديث، فان الالف و اللام ان كان للعهد من الرسول (ص) و الائمة عليه السلام و اصحابهم، فلا ريب فى كونهم مداومين للسورة، و ان كان للاستغراق او الجنس فالامر اظهر فتدبر.

و رواية سماعة قال سألته عن الرّجل يقوم فى الصّلوة فينسى فاتحة الكتاب، الى ان قال: ثم ليقراها ما دام لم يركع، فانه لا قراءة حتى يبدا بها فى جهر او اخفات، و فى رواية محمد بن مسلم سألته عن الذى لا يقرا بفاتحة الكتاب فى الصلوة

ص: 169


1- وجه الدلالة ان ظاهر السؤال ان الراوى معتقد لتساوى الحمد و السورة فى الوجوب الى حد سأله عن ترجيح ترك احديهما فى حال الاستعجال المرخص فاقره (ع) على معتقده غير منكر عليه بان السورة غير واجبة، و ان المستحب كيف يقاوم الواجب، سيما و ان يكون مما لا صلوة الا به قد استدل بهذه الرواية بعض المحققين كغيره. (منه)
2- و هذا الاستدلال حسن على القول بوجوب القراءة على المسبوق فى الاوليين. (منه)

قال: لا صلوة له، الا ان يبدا بها فى جهر او اخفات، الى غير ذلك من الأخبار التى لو تعرضنا لنقلها ليطول المقام جدا(1).

الثانى: الخبر الثانى و العشرون و ما ضاهاه من الأخبار الدالة على تحريم العدول من سورتى التوحيد و الجحد،

الثانى: الخبر الثانى و العشرون و ما ضاهاه(2) من الأخبار الدالة على تحريم العدول من سورتى التوحيد و الجحد، وجه التاييد انه لو لا وجوب السورة هنا لما حرم العدول(3) عنها، و ليس وجوبها ناشئا عن مجرد الشروع فيها، اذ لا شىء من المستحب يجب بالشروع فيه، الا ما خرج بدليل خاص،(4) و متى حرم العدول عنها وجب اتمامها، و متى ثبت الوجوب فى هاتين السّورتين ثبت فى غيرهما، اذ لا قائل بالفصل على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر،(5) و جواز العدول فى غيرهما مع الاتيان بسورة كاملة بعد ذلك لا ينافى اصل الوجوب بل يؤكده، و كذا يؤيد(6) ما اخترناه الأخبار الدالة على تعيين السورة فى كثير من المواضع، و ان كان تاييدها ضعيفا، و كذا يؤيد ما اخترناه الأخبار الناهية عن

ص: 170


1- وجه الدلالة انه لو لا وجوب السورة و تعينها بعد الحمد لما صح اطلاق لفظ البداة. (منه).
2- و منها رواية ابن اذينة المروية فى الكافى فى باب النوادر، الواقع بعد باب صلوة من اراد ان يدخل باهله عن الصادق (ع)، و ساق الخبر الى ان قال: فلما بلغ و لا الضالين قال النبى (ص): الحمد لله رب العالمين شكرا، فاوحى اللّه اليه قطعت ذكرى فسم باسمى، فمن اجل ذلك جعل بسم اللّه الرحمن الرحيم، ثم اوحى الله اليه اقرا نسبة ربك تبارك و تعالى: قل هو اللّه احد الى ان قال فى الركعة الثانية: ثم اوحى اللّه عزّ و جلّ اليه: اقرا بالحمد فقرأها مثل ما قرأ اولا، ثم اوحى اليه اقرا انا انزلناه الحديث. (منه)
3- و فى الذخيرة منع العدول عن سورة الى غيرها لا يخالف شيئا من المذهبين أقول فلذا جعلناه مؤيدا. (منه)
4- و مثل له بالحج (منه).
5- و هو الحدائق. (منه)
6- و فى الذخيرة الامر بالسورة المعنية فى موضعه ليس محمولا على الايجاب مطلقا عند اكثر القائلين بوجوب السورة و فى اكثر المواضع بالاتفاق بل على الاستحباب. (منه)

القرآن، وجه التاييد انه لا وجه لتحريم ذلك الا من حيث استلزامه زيادة الواجب فى الصلوة عمدا، و انما لم نجعلها دليلا لمكان توقيفية العبادة، و لو كانت مستحبة، و عليه فيجوز كون السورة مستحبة، و النهى عن الاتيان بها ثانية لكونه خلاف الموظف شرعا، و كما ان التشريع يحصل بزيادة الواجب باعتقاد انه واجب و مشروع، كذا يحصل بزيادة المستحب باعتقاد استحبابه، و اما من حيث كونه قرآنا تبطل به، سواء قلنا بوجوب السورة او استحبابها فتامل.

و كذا يؤيد ما اخترناه، ما اشار اليه بعض المحققين حيث استدل على الوجوب بالأخبار الدالة على وجوب السورة فى صلوة الجمعة، ثم حكم بالتعميم استظهار العدم القول بالفصل، و عملا بما يظهر من الأخبار من كونها كالظهر بجعل الخطبتين مكان الركعتين، و بالاجماع على وجوب قراءة السورة فى صلوة العيد، مع انه يظهر من الأخبار ان كيفيتها كيفية اليومية، غير انه يزاد فيها تكبيرات، قال: و اعترف فى المدارك بذلك الاجماع، بل هو ادعى الاجماع، قال: و يؤيده ايضا وجوب السورة فى صلوة الآيات.

الثالث: قوله تعالى فى سورة المزمل: (فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ)،

و قوله عزّ و جلّ: (فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ)، وجه التاييد هو ان مقتضى الامر هو وجوب القراءة بكلما تيسر مطلقا، و لو فى غير الصلوة خرج غير الصلوة بالاجماع على ما نقله فى المختلف، و كذا خرج عدا الحمد و السورة فى الصلوة اجماعا، فتعين العمل بالباقى، و ليس الا الحمد و السورة، و القول بان المراد من القراءة هو صلوة الليل، كما عن اكثر المفسرين،(1) بل قيل: ان المفسرين طرّا من العامة و الخاصة ذكروا فى تفسير هذه الاية، ان المراد بالقراءة صلوة الليل،(2) كما

ص: 171


1- و عن والد البهائى فى شرح الالفية: لا نسلم ان قراءة القرآن لا تجب فى غير الصلوة بل هى واجب كفائى اجماعا للتعليم و التعلم، و لما يترتب عليها من حفظ وصول المعجز عن الاندراس، انتهى. (منه)
2- قيل: قالوا عبر اللّه عن صلوة الليل ببعض اجزائها، كما عبر عن الصلوة بالقيام و الركوع و السجود. (منه)

يدل عليه الايات قبلها انتهى، و عليه فلا يتمشى الاستدلال بها على المطلب مما لا يغنى من الجوع، اذ لا نرفع اليد عن ظاهره بمجرد ما قاله المفسرون، و لم يقم دليل على حجية كلامهم.

و اما سياق الآيات المتقدمة عليها، فلم يظهر كونه بحيث كان قرينه لصرف الامر عن ظاهره لعدم قوته، هذا مضافا الى ان ذلك غير جاير فى الاية الثانية، فراجع الى سورة المزمل، و القول بان الاستدلال بالآية الشريفة انما يتم لو ثبت كون لفظة ما فيها موصولة، لتفيد العموم،(1) لا موصوفة، بان يكون المعنى فاقرؤا شيئا تيسر غير وجيه، اما لما ذكره بعضهم من ان الظاهر من لفظة ما انها الموصولة، التى من اداة العموم، لانه اغلب فى الاستعمال من كونها موصوفة، او لما ذكره آخر بان اطلاق الامر بالقراءة يجب تقييده اما بالفاتحة او بغيرها، لعدم جواز ابقاء الاطلاق على حالة من غير تقييد، مع فرض كون الامر للوجوب و التقييد بالفاتحة لا يلايمه قوله تعالى: (مٰا تَيَسَّرَ) كما لا يخفى فينبغى التقييد بغيرها، و ليس هو الا السورة، لانتفاء القول بوجوب غيرها، و يكون قوله تعالى: (مٰا تَيَسَّرَ) اشارة الى التخيير بين افراد السورة فتامل، و انما لم نجعلها دليلا لوجهين.

احدهما: انه كما يمكن ارتكاب التخصيص فى لفظة ما و ابقاء الامر على ظاهره، كذا يمكن ابقاء كلمة ما على عمومها و حمل الامر على الرجحان المطلق، و كون التخصيص اولى من المجاز فى نحو المقام الذى يبقى من العام اقل افراده

ص: 172


1- و عن والد البهائى فى شرح الالفية: لا نسلم ان ما للعموم مطلقا، بل ذلك عنه كونها للاستفهام، او المجازات لا لغيرهما، كما هو مصرح به، سلمنا انه فى غيرهما كذلك، كما اختاره بعضهم، لكن ذلك مخصوص بكونها موصولة كما صرح به العلامه و المحقق العضدى، و هنا لا يتعين للموصولية لجواز كونها نكرة، و المعنى: فاقرؤا شيئا تيسر، و هو يصدق على القليل و الكثير و مقتضاه الاجتزاء بما يسمى قرآنا، و هو يحصل بقراءة الفاتحة، انتهى. (منه)

بعده غير مسلم، بل ذهب جماعة من الاصوليين الى عدم جوازه و عليه فحمل الامر على الرجحان مقدم على التخصيص المذكور فلا يجوز حينئذ التمسك بها(1) و لو تنزلنا و قلنا بعدم رجحان ذلك المجاز على التقييد المذكور فلا اقل من المساواة و معها ايضا يسقط الاستدلال.

و ثانيهما: انه لو حمل الامر على الوجوب يلزم استعماله فى الوجوب العينى، لمكان الحمد، و التخييرى لمكان السورة، و عليه فيلزم استعمال اللفظ فى حقيقته لمكان الأول، و مجازه لمكان الثانى فى اطلاق واحد، و هو كما ترى(2).

الرابع: ان النبى (ص) كان يواظب على السورة فتجب

اما لان فعله وقع بيانا للمجمل او لاصالة(3) وجوب التأسى، او لقوله (ص): صلوا كما رأيتمونى اصلى.

و اما ما ذكره المحقق فى التحرير و فعل النبى (ص) الذى استدللنا به على الوجوب، يعارضه(4) قوله (ع) للاعرابى و قوله لا صلوة الا بفاتحة الكتاب و هو دليل على الاجتزاء ففيه ما فيه(5) و بالجملة(6) لا شبهة فى ترجيح المشهور، لمكان الادلة المتقدمة الموافقة للمشهور، المخالفة للعامة، و عدم صلاحية

ص: 173


1- و مما يوهن الاستدلال بالاية ما تقدم فى بعض من الأخبار المتقدمة الدال على كون وجوب السورة من السنة. (منه)
2- قيل و قد استدل بالاية اى آية فاقرؤا مع ضم مقدمات كثيرة، و لا دلالة اذ ظاهر القرآن ان الخطاب مخصوص بجماعة فى وقت خاص، لا انه مطلق فى الصلوة و هو الظاهر انتهى فتدبر فيه. (منه)
3- و فى الذخيرة لا نسلم ان فعله (ص) بيان للمجمل، انما يكون ذلك اذا لم يتحقق بيان. (منه)
4- قولى و هو ممنوع الى ان قال: و يؤيده ان المنقول من فعل النبى (ص) خصوص بعض السور و لا قائل بوجوبه على التعيين، انتهى. (منه)
5- و عن العامة عن النبى (ص) انه قال لا صلوة الا بفاتحة الكتاب و معها غيرها. (منه)
6- روى الفقيه فى باب الجماعة انه كان معاذ يوما فى المسجد على عهد رسول الله (ص)، و يطيل القراءة، و انه مر به رجل فافتتح سورة طويلة، فقرء الرجل لنفسه و صلى ثم ركب راحلته، فبلغ ذلك النبى (ص) فبعث الى معاذ، فقال: يا معاذ اياك ان تكون فتانا عليك بالشمس و ضحيها و ذواتها. (منه)

الأخبار التى استند اليها الخصم، لمعارضة شىء منها.

اما الخبر الأول و الثانى فهما بالنسبة الى حالتى الضرورة و غيرها مطلقان، فليحملا على الاولة، او على الركعتين الاخيرتين، او على التقية، اذ المنع عن الوجوب مطلقا هو مذهب العامة، كما صرح به جماعة قاله بعض الاجله و فى الانتصار، و مما انفردت به الامامية القول بوجوب قراءة سورة تضم الى فاتحة الكتاب فى الفرائض خاصة، على من لم يكن عليلا و لا مستعجلا بشغل او غيره.

و اما الخبر الثالث: فلان الاستدلال به موقوف على القول بان كل من قال بوجوب السورة قال بوجوب اتمامها، و لم يجوز تبعيضها، و كل من قال باستحبابها قال بجواز ذلك، كما يستفاد ذلك من عبارة بعض الاجله كغيره، مع ان عبارة الاسكافى كغيره مما يوهنه، و لو سلم تمامية تلك الدعوى، فنقول: وجوب الاتيان بما بقى من السورة التى قراها فى الركعة الاولى فى الركعة الثانية، مما لم يذهب اليه احد من القائلين بالاستحباب على الظاهر، و عليه فالحمل على الاستحباب الذى هو المجاز ليس باولى من التقييد بحال الضرورة الذى هو اولى منه، فليقيد بها، او يحمل على التقيه، اذ التبعيض من شعار العامة، كما صرح بعضهم، و قد يقال: يحتمل كون الخبر مختصا بالنافلة، و لا نسلم ان يكون فيه ترك استفصال، حتى يقتضى العموم بالنسبة اليها، و الفريضة اذ لم يقع السؤال عن الموضع الذى يصح فيه التبعيض، بل الظاهر ان السؤال عن كيفية التبعيض فى الموضع الذى يجوز فيه، و حينئذ لا يكون ترك الاستفصال مقتضيا للعموم فافهم.

و بما ذكر ظهر حال الخبر الرابع و الخامس.

و اما الخبر السادس: ففساد الاستدلال به اظهر من ان يحتاج الى البيان، فلذا قال بعض من القائلين بالاستحباب، حمل هذا الحديث على التقية اولى، لان ظاهره نفى رجحان قراءة البسملة مع السورة الاخرى، و ليس الامر كذلك.

ص: 174

و اما الخبر السابع، فهو مع اشعار سياقه بوروده مورد التقية لا يصلح لمعارضة الادلة الباهرة المتقدمة.

و اما الخبر الثامن: فالتقية لعلها تتقاطر من ظاهره، قال بعض(1) القائلين بالاستحباب، و هذا الخبر اصلح مما استدل به جماعة من الاصحاب على الاستحباب، و هو غير بعيد، لكنه للتاييد اصلح، لقيام احتمال ان يكون ذلك فى صلوة مندوبة يصح فيها الجماعة، او يكون الغرض من قوله: انما اردت ان اعلمكم، تعليم طريق التقية، لكن الاحتمالين بعيد، أما الأول فظاهر، و اما الثانى فلان كلامه (ع) ذلك مشعر بعدم كون المقام مقام التقية، و فعل الصلوة على التقية فى مقام عدم التقية بعيد جدا، كما لا يخفى على المتدبر انتهى فتدبر فيه.

و بالجملة لا شبهة فى عدم مقاومته للادلة المتقدمة، فليترك، او يحمل على التقية، و يؤيد الاخير تركه (ع) السورة من دون ضرورة، لو لم يحمل عليها، مع انها على ما قالوا مستحبة، و كونه (ع) فى بيان عدم الوجوب، و ان امكن، و لكنه بعيد لمكان القول، فالعدول عنه الى الفعل مما يشعر بما يشعر.

و اما الخبر التاسع: فلما مرّ، مضافا الى عدم تسليم كون لفظ الكراهة فى الأخبار حقيقة فى المصطلح عليه بين الاصوليين، فلذا قيل ان الكراهة فى اللغة موضوعة للمعنى الاعم الشامل للتحريم، و عليه فيحتمل ارادته هنا، بل ربما استدل بالخبر على وجوب السورة.

و اما الخبر العاشر: فوروده مورد التقية مما يظهر منه، لدلالته على عدم كون البسملة من السوره، اذ ليس فى السور القرآنية ما يكون مع البسملة ثلاث آيات، الا تنظر ان اقصرها الكوثر، و هى مع البسملة آيات اربع، و عليه فاشتراط الزيادة غير مناسب لمذهب الامامية، هذا مضافا الى ما ذكره الجماعة من احتمال ارادة تكرار السورة الواحدة بقرائتها فى كل من ركعتى الفريضة

ص: 175


1- و هو الشارح المحقق. (منه)

على حده.

و اما ما استبعده الشهيد رحمه اللّه حيث قال بعد ذكر الاحتمال: و هو مشكل، لانه لو اراد تكرارها لم يكن فى التقييد بزيادتها على ثلاث آيات فائدة الى ان قال: و لو حملت على الضرورة كان احسن، اى اذا لم يتمكن من قراءة سورة كاملة فى الركعة، و يتمكن من قراءة سورة فى الركعتين وجب، اذا اصاب كل ركعتين آيتين فصاعدا، و فيه اشارة الى ان البسملة ليست معدودة من الآيات او انها مع الآية التى بعدها آية كاملة، لان اقل السورة عددا لا ينقص بالبسملة عن الاربع، فمردود بما اشار اليه بعض الاجلة، بانه يجوز كراهة تكريرها اذا كانت ثلاث آيات تعبدا، و دفعه بعدم القائل به مشترك الورود بين هذا الاحتمال و احتمال ارادة التبعيض، اذ كل من قال بجوازه لم يشترط الزيادة عليها.

أقول: و الاظهر هو الحمل على التقية فلا يحتاج الى الاشياء التى ذكرها الشهيد و غيره، و فى الحبل المتين: لا يخفى ان هذا الحديث يقتضى بظاهره خروج البسملة عن السورة، اذ ليس فى السورة ما يكون مع البسملة ثلاث آيات، فان اقصرها الكوثر، و هى مع البسملة اربع، و القول بعد البسملة فيها جزءا مما بعدها يخالف ما انعقد عليه اجماعنا من ان البسملة فى اول كل سورة آية برأسها، فلعله (ع) اراد بالسورة ما عدا البسملة، من قبيل تسمية الجزء باسم الكل، انتهى.

و بما ذكر ظهر حال الخبر الحادى عشر، و الثانى عشر، و الثالث عشر، و الرابع عشر، و قال بعض القائلين بالاستحباب بعد نقل الخبر الرابع عشر: و فيه تاييد ما، لكنه ضعيف، لاحتمال ان يكون جهة الترك الضرورة او التقية.

و بالجملة: يظهر من تلك الأخبار انه (ع) انما اجابهم بالتقية، و اعطاهم من جراب النورة، فليترك ما يوافق العامة، و لياخذ بالمشهور بين الطائفة، و ما افتى به الامامية، ادعوا عليه الاجماع، فان المجمع عليه لا ريب فيه: الا تنظر ان المرجحات المنصوصة فى مقبولة عمر بن حنظلة و غيرها ايضا معنا، لا فى جانب

ص: 176

الخصم، فقل بوجوب السورة من غير شك و ريبة، فانه مما انفردت به الامامية، كما ذكره علم الهدى و غيره، انما اطلنا المسئلة لئلا يغتر من نظر الى كلام جملة من متاخرى المتأخرين و الى اخبارهم الخداعة، فيحكم بلا امعان فى اطراف المسئلة بعدم وجوب السورة.

فروع:
الأول: لو ترك عمدا تمام السّورة فلا اشكال فى فساد صلوته،

و اما لو اتى ببعضها و ترك الباقى، فهل يحكم بالفساد كما يستفاد من معظم الاصحاب اولا كما عن المبسوط؟ حيث حكم بوجوب السّورة و عدم بطلان الصلوة اذا اتى ببعضها، و يحتمله المحكى عن الاسكافى و المنتهى، و يمكن ان يستدل لهم بالأخبار الدالة على وجوب السورة، و الدالة على عدم فساد الصلوة بتبعيضها، و يدفعه الخبر الخامس عشر و الرابع و العشرون، لمكان النهى المقتضى للفساد، و الاجماعات المحكية، لمكان الاستقراء الدال على ان مرادهم من كلمة يجب هو الوجوب الشرطى لا التعبدى، و يعاضده الاستقراء فى واجبات الصلوة، و كذا يدل على الاشتراط ما يظهر من كلماتهم، ان كلّ من قال بوجوب السورة قال بفساد الصلوة بتركها، وكّل من جوز تبعيضها قال بعدم وجوبها.

و من سخيف الكلام فى هذا المقام هو ما استفيد عن بعض الاجله، بان كلا من تمام السورة و بعضها واجب تخييرى، و هو من باب التخيير بين الزايد و الناقص.

الثانى: يجوز الاقتصار على الحمد وحدها فى النوافل مطلقا، و فى الفرائض عند الضرورة كالخوف بلا خلاف،
اشارة

قاله غير واحد،(1) بل عليه الاجماع عن المصنف رحمه اللّه فى المنتهى: و المحقق فى التحرير، و فى المفاتيح - اما النافلة و حال الضرورة و عدم امكان التعلم، فلا يجب قولا واحد انتهى - و يدلّ على ذلك

ص: 177


1- كالمدارك و الذخيرة و الحدائق (منه).

جملة من الأخبار.

تذنيبان:
الأول:

اعلم ان المراد بالضرورة الضرورة المسوغة لترك جميع الواجبات، و من جملتها التقية، كما صرح به بعض الاجله، قاله بعض مشائخنا، و الظاهر انه كذلك، و ما يقتضيه اطلاق بعض الأخبار المتقدمة من جواز تركها لمطلق الخوف و الحاجة فلم اجد قائلا به، فليقل ان المراد به ما ذكر كما مضى سابقا اليه الاشارة.

الثانى:

قال بعض المحققين بعد قول المفاتيح المتقدم: المراد النافلة المطلقة لا الواردة بسورة خاصه، او بمطلق السورة، اذ لا يجوز حينئذ بغير سورة كما ان ما بسورة خاصة لا يجوز تغيرها، و لا يجوز زيادة غيرها ايضا، و لو آية، لان العبادة الواردة بكيفية خاصة لا يجوز تبديل تلك الكيفية اذ تصير حينئذ تشريعا حراما، نعم، اذا ورد بعنوان الاطلاق تارة و بصورة خاصة اخرى، كما فى النوافل اليومية، جاز ايقاعها بالحمد وحدها، لان السورة و الآية حينئذ مستحبتان انتهى، و هو الاحوط.

الثالث: قال بعض مشائخنا اذا قلنا بوجوب السورة، و دار الامر بين ترك القيام و السورة، فالاحوط ترك السورة.
الرابع: قال بعض مشائخنا: اذا قلنا بوجوب السورة، و دار الامر بينها و بين الفاتحة فالاحوط ترك السورة،

بل الظاهر تعينه انتهى، و لا يخلو عن قوة.

الخامس: قال بعض مشائخنا: اذا قلنا بوجوب السورة، فيجب فيها ما يجب فى الفاتحة

من مراعاة قواعد الاعراب، و البناء و القراءة، و الترتيب و الموالاة و النظم، و الظاهر انه متفق عليه بين القائلين بوجوب السورة، و قد صرح بعضهم ببعض ما ذكر.

تخيير المصلي فى الزايد على الركعتين بين الحمد و اربع تسبيحات
اشارة

(و يتخير) المصلى (فى الزايد) على الركعتين الاولتين، و هو ثالثة المغرب، و اخيرتا الرباعية (بين الحمد وحدها) من غير سورة (و اربع تسبيحات،

ص: 178

و صورتها سبحان اللّه و الحمد لله و لا اله الا اللّه و اللّه اكبر)، اما جواز التسبيحات فيما ذكر فعليه الاجماع محققا و محكيا، و النصوص بذلك بعد ذلك مستفيضة، بل لعلها متواترة،

الأقوال في المسألة

و انما اختلفوا فى مقدار التسبيحات على اقوال:

الأول: انه اربع تسبيحات، و هى ما تقدم فى المتن مرة واحدة و هو المحكى عن المفيد، و اختاره المصنف، و الشيخ فى الاستبصار، و جماعة من المتأخرين، بل نسبه الشارح المقدس الى الاكثر.

الثانى: انه ثلاث مرات: سبحان اللّه الى آخر ما فى المتن، فهو المحكى عن الشيخ فى النهاية، و الاقتصاد و مختصر المصباح، و العمانى و القاضى فى ظاهر المهذب، و المصنف فى التلخيص، و عليه فيكون اثنتى عشرة تسبيحة.

الثالث: انه عشر تسبيحات بحذف التكبير فى الاوليين، دون الثالثه، و هو المحكى عن السيدين فى المصباح، و الجمل و الغنية، و الشيخ فى المصباح و المبسوط و الجمل و عمل يوم و ليلة، و الديلمى و الحلى و القاضى.

الرابع: انه تسعة بحذف التكبير فى الثلاث، و هو المحكى عن حريز بن عبد اللّه السّجستانى، و والد الصدوق، و اما نسبة هذا القول الى الفقيه، ففيه انه و ان روى فى باب احكام الجماعة عن زرارة ما يدل عليه، و لكن ذكر فى باب وصف الصلوة ما يدل على ذهابه الى القول الثانى، على ما فى النسخة المشهورة المتداولة، كما ذكره بعض المحققين، قال: و ان كان فى بعض النسخ بحذف الله اكبر موافقا للرواية التى رواها فى باب صلوة الجماعة، و يؤيد الأول مضافا الى الشهرة كون طريقته على وفق الفقه الرضوى، بل كثير اما عبارته عين عبارته كما يظهر بالتتبع، و صرح به بعض المحققين و غيره، بل الظاهر ان اسقاط التكبيرة فى النسخة النادرة، من اجتهاد بعض من الذين يريدون التوفيق بين كلاميه، و فيه انه كثيرا ما يفتى بشىء ثم يروى ما يعارضه، فلذا قيل ذكر الرواية ليس لاجل عمله، بل اتبع عادة المصنفين، كما اتبع فى غير الفقيه و ان كان ذكر فى اوّله ما ذكره.

ص: 179

أقول: و مما يعاضد المظنة المذكورة، انا رأينا فى حاشية كتابنا من لا يحضره الفقيه انه كتب عليها بعضهم: ليس هذا، اى اللّه اكبر فى النسخ المعتبرة، لان العلامة قال فى المختلف، قال على بن بابويه: فى الاخراوين الى آخر ما ياتى عنه، و المسكين لا يدرى ان الصدوق روى ما نسب فى المختلف اليه، انه رواه فى باب احكام الجماعة، و ان الظاهر ان ما ذكره الصدوق هنا انما هو من كلامه، لا من تتمة الرواية السابقة، و نسبه فى المختلف الى الحلبى ايضا، حيث قال: و قال على بن بابويه رحمه الله: و سبح فى الاخر اوين، إما ما كنت او غير امام، تقول: سبحان الله، و الحمد لله، و لا اله الا الله، ثلاثا فيكون عنده الواجب تسع تسبيحات، و رواه فيمن لا يحضره الفقيه، و هو اختيار ابى الصلاح، و فيه مناقشة، اذ الذى يظهر من الحلبى على ما نقله فى المنتهى القول بثلاث تسبيحات،(1) قاله بعض الاجله، و يمكن رفع هذين الايرادين بانه من قبيل سوء الظن بالناقلين، فلعلهم راو اما نسبوا اليهما من مكان آخر و اللّه هو العالم.

الخامس: ما نقل عن الاسكافى فى انه قال: و الذى يقال فى مكان القراءة تحميد و تسبيح و تكبير، تقدم ما شاء.

السادس: ما عن التحرير حيث قال بعد نقل الروايات الاربعة الاتية، و هى صحيحة زرارة و صحيحة عبيد، و الحلبى، و على بن حنظله: و الوجه عندى القول بالجواز فى الكل، اذ لا ترجيح، و ان كانت الرواية الاولى اولى و اشار بالرواية الاولى الى رواية زرارة التى هى مستند قول المفيد، قيل: و ظاهر هذا القول جواز الاكتفاء بمطلق الذكر، لان ذلك مقتضى رواية على بن حنظلة، و اسند هذا القول فى الذكرى الى صاحب البشرى و قواه، انتهى.

و عن المصنف رحمه اللّه فى المنتهى: الاقرب عدم وجوب الاستغفار و هو مشعر بوجود القول بوجوبه، و عليه فالاقوال فى المسئلة سبعة، بل يمكن القول

ص: 180


1- و قال غيره ايضا اسند فى المنتهى الى ابى الصلاح القول بثلاث تسبيحات. (منه)

بانها ثمانية لو قلنا بما نسبه فى المنتهى الى الحلبى، و لكن المتحقق من الاقوال هو الستة المشار اليها،

جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام
اشارة

فلنذكر اولا جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام، فنقول:

الأول:

ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب احكام الجماعة فى الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، انه قال: لا تقرأنّ فى الركعتين الاخيرتين من الاربع الركعات المفروضات شيئا، اما ما كنت او غير امام، قال: قلت: فما أقول فيهما؟ قال: ان كنت اما ما او وحدك: سبحان الله، و الحمد لله، و لا اله الا الله، ثلاث مرات، كلمه(1) تسع تسبيحات، ثم تكبر و تركع.

قال بعض الأجلاء: هذا الخبر قد نقله عن ابن ادريس فى السرائر، عن حريز عن زرارة فى موضعين بزيادة فى احدهما على ما قدمنا، نقله عن الصدوق احدهما فى باب كيفية الصلوة، و زاد فيه بعد لا اله الا اللّه و اللّه اكبر، و ثانيهما آخر الكتاب، فيما استطرفه من كتاب حريز، و لم يذكر فيه التكبير.

قال شيخنا المجلسى فى البحار بعد نقل ذلك: و النسخ المتعددة التى رايناها متفقة على ما ذكرناه، و يحتمل ان يكون زرارة رواه على الوجهين و رواهما حريز عنه فى كتابه، لكنه بعيد جدا، و الظاهر ان زيادة التكبير من قلمه، او من النساخ، لان ساير المحدثين رووا هذه الرّواية بدون التكبير، و زاد فى الفقيه و غيره بعد التسبيحات بكلمة تسع تسبيحات، و يؤيده انه نسب فى التحرير و فى التذكرة القول بتسع تسبيحات الى حريز، و ذكرا هذه الرّواية و هو جيد وجيه، انتهى.

و قال الشارح المحقق: و هذه الرواية مما اورده الشيخ محمد بن ادريس فى آخر كتاب السّرائر نقلا عن كتاب حريز بن عبد اللّه فى جملة الأخبار التى استطرفها، و انتزعها من كتب المشيخة المتقدمين، و لفظه (او وحدك) غير

ص: 181


1- تكمله خ ل.

موجود فيها، و كذا قوله تكملة تسع تسبيحات، و على هذا الوجه نقلها المحقق فى التحرير و المصنف رحمه اللّه فى المنتهى عن كتاب حريز، و نقل فى السرائر و هى تتمة لهذا الخبر، و هى هذه: و ان كنت خلف امام فلا تقرا شيئا فى الاوليين و انصت لقراءته، و لا تقولن شيئا فى الاخيرتين، فان اللّه عزّ و جلّ يقول للمؤمنين:

«وَ إِذٰا قُرِئَ اَلْقُرْآنُ» يعنى فى الفريضة خلف الامام «فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»، و الاخريان تتبع الاوليين.

أقول: روى تلك التتمة فى الفقيه ايضا فى الصحيح عن زرارة، و لكن فيه بدل قوله: و لا تقولنّ و لا تقرأنّ.

الثانى:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصّلوة فى الصحيح عن عبيد الله بن على الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا قمت فى الركعتين لا تقرا فيهما فقل: الحمد لله، و سبحان الله، و اللّه اكبر، قال بعض الأجلاء بعد نقل الخبر عن الاستبصار: باثبات الاخيرتين بعد الركعتين، و فى التهذيب اسقط منه لفظ الاخيرتين، و الظاهر انه من سهو قلمه انتهى، و لا بأس به.

الثالث:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن عبيد بن زرارة فى الصحيح، قال سألت ابا عبد الله (ع) عن الركعتين الاخيرتين من الظهر، قال: تسبح، و تحمد الله، و تستغفر اللّه لذنبك، و ان شئت فاتحة الكتاب، فانها تحميد و دعاء.

قيل:(1) و هذه الرواية اسندها المحقق فى التحرير الى زرارة، و لم يذكر فيها قوله: و ان شئت، الى آخره.

و قال بعض الأجلاء: و الظاهر كونها اى رواية زرارة المروية فى التحرير رواية اخرى غير رواية عبيد الله.

الرابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن الحسن بن على بن فضال، الذى يعد روايته من الموثق كالصحيح، لمكان اجماع العصابة على

ص: 182


1- و هو الشارح المحقق.

تصحيح ما يصح عنه عن عبد اللّه بن بكير، الذى هو ايضا كالحسن بن على عن على بن حنظله عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن الركعتين الاخيرتين ما اصنع فيهما؟ فقال: ان شئت فاقرا فاتحة الكتاب، و ان شئت فاذكر الله، فهو سواء، قال: قلت: فاىّ ذلك افضل؟ فقال: هما و اللّه سواء، ان شئت سبحت و ان شئت قرات.

الخامس:

ما رواه الكافى فى باب فرض الصّلوة فى الصحيح على الصحيح، لمكان ابراهيم عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، قال: عشر ركعات ركعتان من الظهر، و ركعتان من العصر، و ركعتا الصبح، و ركعتا المغرب، و ركعتا العشاء الاخرة، لا يجوز الوهم فيهن، من وهم فى شىء منهن استقبل الصلوة استقبالا، و هى الصلوة التى فرضها اللّه عزّ و جلّ على المؤمنين فى القرآن، و فرض الى محمد (ص) فى الصلوة سبع ركعات، و هى سنة ليس فيهن قراءة، انما هو تسبيح و تهليل و تكبير، فالوهم انما يكون فيهن، الحديث.

السادس:

ما رواه التهذيب فى باب احكام الجماعة فى الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: اذا ادرك من الظهر او من العصر او من العشاء ركعتين و فاتته ركعتان قرأ فى كل ركعة مما ادرك خلف الامام فى نفسه بام الكتاب و سورة، الى ان قال: فاذا سلم الامام قام فصلى ركعتين لا يقرا فيهما، لان الصلوة انما يقرا فى الاوليين فى كل ركعة بام الكتاب و سورة، و فى الاخيرتين لا يقرا فيهما، انما هو تسبيح و تكبير و تهليل و دعاء، ليس فيهما قراءة، و ان ادرك ركعة قرا فيها خلف الامام، فاذا سلم الامام قام فقرا بام الكتاب و سورة، ثم قعد فتشهد، ثم قام فصلى ركعتين ليس فيهما قراءة.

السابع:

ما رواه الفقيه فى باب وصف الصلوة فى الصحيح، عن محمد بن عمران، انه سأل ابا عبد الله (ع): لاى علة صار التسبيح فى الركعتين الاخيرتين افضل من القراءة؟ فذكر (ع) حديث المعراج و صلوة الملائكة خلف النبى (ص)، الى ان قال: و صار التسبيح افضل من القراءة فى الاخيرتين لان

ص: 183

النبى (ص) لما كان فى الاخيرتين ذكر ما راى من عظمة اللّه عزّ و جلّ فدهش، فقال: سبحان الله، و الحمد لله، و لا اله الا الله، و اللّه اكبر، فلذلك صار التسبيح افضل من القراءة، و روى ايضا فى الباب المتقدم عن الرضا (ع)، انما جعل القراءة فى الركّعتين الاوليين و التسبيح فى الاخيرتين للفرق بين ما فرض الله عزّ و جلّ من عنده، و بين ما فرضه اللّه من عند رسول الله (ص).

و رواه ايضا فى العلل عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن على بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (ع)، و روى فى العلل ايضا فى باب العلة التى من اجلها يجهر بالقراءة عن حمزة بن محمد العلوى رحمه الله، عن على بن ابراهيم بن هاشم، عن ابيه عن على بن معبد، عن الحسن بن خالد عن محمد بن حمزة، انه قال لابى عبد الله (ع): لاى شىء صار التسبيح فى الاخيرتين افضل من القراءة؟ قال: لانه لما كان فى الاخيرتين ذكر ما يظهر من عظمة اللّه عزّ و جلّ فدهش، و قال: سبحان الله، و الحمد لله، و لا اله الا الله، و اللّه اكبر، فلذلك العلة صار التسبيح افضل من القراءة.

الثامن:

ما رواه الصدوق فى العيون فى باب اخلاق الرضا (ع)، عن تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشى رضى اللّه عنه، عن احمد بن على الانصارى، قال: سمعت رجاء(1) بن ابى ضحاك انه صحب الرضا (ع) من المدينة الى مرو، و ساق الخبر الى ان قال: و كان يسبح فى الاخر اوين يقول: سبحان الله، و الحمد لله، و لا اله الا الله، و اللّه اكبر، ثلاث مرات، الحديث، و بعض الاجلاء بعد ذكر الخبر المذكور نقل عن البحار انه نقله عاريا من لفظ التكبير، ثم قال: بيان فى بعض النسخ زيد فى آخرها و اللّه اكبر، و الموجود فى النسخ القديمة المصححة كما نقلناه بدون التكبير، و الظاهر ان الزيادة من النساخ تبعا للمشهور، انتهى.

التاسع:

ما رواه المحقق فى التحرير عن زرارة، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الاخيرتين من الظهر، قال: تسبح و تحمد اللّه و تستغفر لذنبك.

ص: 184


1- هو خال المامون (منه).
العاشر:

ما رواه فى التحرير ايضا عن على (ع)، انه قال: اقرافى الاولتين و سبح فى الاخيرتين.

الحادى عشر:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة عن محمد بن قيس عن ابى جعفر (ع)، قال: كان امير المؤمنين (ع) اذا صلى يقرا فى الاولتين من صلوته الظهر سرا و يسبح فى الأخيرتين فى صلوته الظهر على نحو من صلوته العشاء و كان يقرأ فى الاولتين من صلوته العصر سرا، و يسبح فى الاخيرتين على نحو من صلوته العشاء، و كان يقرا فى الاولتين من صلوته العصر سرا، و يسبح فى الاخيرتين على نحو من صلوته العشاء، و كان يقول: اول صلوة احدكم الركوع.

الثانى عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن محمد بن حكيم، قال:

سألت ابا الحسن (ع): ايما افضل القراءة فى الركعتين الاخيرتين، او التسبيح؟ فقال: القراءة افضل.

الثالث عشر:

ما رواه ايضا فى باب فضل المساجد فى الزيادات، بسند فيه عبد الرحمن بن ابى هاشم، الذى يحتمل ان يكون عبد الرحمن بن محمد بن ابى هاشم الثقة، عن سالم ابى خديجة، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا كنت امام قوم فعليك ان تقرا فى الركعتين الاوليين، و على الذين من خلفك ان يقولوا سبحان الله، و الحمد لله، و لا اله الا الله، و اللّه اكبر، و هم قيام، فاذا كان فى الركعتين الاخيرتين فعلى الذين خلفك ان يقولوا فاتحة الكتاب، و على الامام التسبيح مثل ما يسبح القوم فى الركعتين الاخيرتين.

الرابع عشر:

ما روى عن الفقه الرضوى حيث قال (ع): و فى الركعتين الاخر اوين الحمد وحده، و الا فسبح فيهما ثلاثا، تقول: سبحان الله، و الحمد لله و لا اله الا الله، و اللّه اكبر، تقولها فى كل ركعة منهما ثلاث مرات.

الخامس عشر:

ما رواه الفقيه فى باب احكام الجماعة عن وهيب بن حفص، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: ادنى ما يجزى من القول فى الركعتين الاخيرتين ان تقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله.

ص: 185

السادس عشر:

ما رواه الكافى فى باب القراءة فى الركعتين فى الصحيح عن معوية بن عمار، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن القراءة خلف الامام فى الركعتين الاخيرتين، فقال: الامام يقرا فاتحة الكتاب، و من خلفه يسبح، فاذا كنت وحدك فاقرا فيهما، و ان شئت فسبح.

السابع عشر:
اشارة

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح على الصحيح، عن زرارة، قال: قلت لابى جعفر (ع): ما يجزى من القول فى الركعتين الاخيرتين؟ قال: ان تقول: سبحان الله، و الحمد لله، و لا اله الا الله، و الله اكبر، و تكبر و تركع، و اشتمال السند على محمد بن اسمعيل عن الفضل بن شاذان غير ضاير، ورد الرواية و عدم العمل بها به غير وجيه، و ان اشتهيت تفصيل الكلام فى ذلك فاستمع لما يتلى عليك بعد تمهيد.

من هو محمد بن اسماعيل

مقدمة: و هى انه اذا راينا فى الكافى محمد بن اسمعيل عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن حريز عن زرارة، فالظاهر عدم سقوط الواسطه بين الكافى و بين محمد بن اسمعيل، و عدم الارسال اما لان داب الكلينى رحمه الله فى الكافى هو الاتيان فى كل حديث بجميع سلسلة السند بينه و بين المعصوم، و عدم حذف احد فى اول السند، و عليه فالظاهر ان هذه العبارة ايضا تكون جارية على عادته المستمرة، و عليه فالظاهر انه ادرك محمد بن اسمعيل، او لانه ذكره معنعنا، و عادة اصحابنا فيه عدم سقوط الواسطه كما يقتضيه ظاهر اللفظ، و منع الظهور كما توهمه بعض، قيل: و لعله من العامة تمسكا بانه يقال: روى فلان عن النبى (ص)، و الحال انه لم يدركه، لا ينبغى ان يلتفت اليه، او لمكان عطف على بن ابراهيم على محمد بن اسمعيل، حيث ذكر محمد بن اسمعيل عن الفضل عن صفوان عن معوية، و على بن ابراهيم عن ابيه عن حماد، عن معوية، و عليه فكما ان عليا من مشايخه و يروى عنه بلا واسطه، فكذا محمد بن اسمعيل كما ينادى بذلك قول الشيخ فى مشيخته الاستبصار، و من جملة ما ذكرته عن الفضل بن شاذان ما رويته بهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب،

ص: 186

عن على بن ابراهيم، عن ابيه و محمد بن اسمعيل، عن الفضل بن شاذان، فان محمد بن اسمعيل عطف على على بن ابراهيم، فلو كان بين الكلينى و بين محمد واسطه لكان يذكرها جدا، او لما عن المعراج، ان الصدوق فى كتاب التوحيد روى هكذا: حدثنا على بن احمد الدقاق، قال: حدثنا محمد بن يعقوب قال:

حدثنا محمد بن اسمعيل عن الفضل، و هذا على ما ذكره بعضهم يدل بدلالة قاطعة على سماع الكلينى من محمد و لقائه اياه.

اذا عرفت ذلك فنقول: الذى وصل الينا ان سبعة عشر او ستة عشر رجلا و الترديد لمكان ابن موسى (ع) مشتركون فى التسمية لحمد بن اسمعيل، و هم النيسابورى الذى يدعى بندفر، و ابن ابراهيم بن موسى بن جعفر، و ابن موسى بن جعفر، و البرمكى المعروف بصاحب الصومعة، و الازدى، و ابن بزيع، و البلخى، و ابن جعفر، و الجعفرى، و الكنانى، و الزبيدى الكوفى، و البجلى، و الضيمرى، و الجعفى، و المخزومى، و الزعفرانى، و الهمدانى، فاختلف اصحابنا، و ان محمد بن اسمعيل الذى يروى عنه الكافى بلا واسطه، و هو عن الفضل كذلك، هل هو ابن بزيع، او البرمكى، او النيسابورى؟ بعد اتفاقهم على الظاهر على عدم كونه غير هؤلاء الثلاثة، على اقوال ثلاثة.

الأول: انه الأول الذى صرح بتوثيقه الشيخ و رجال النجاشى و غيرهما، و هو المحكى عن الفاضل التسترى، و الشيخ عبد النبى الجزايرى، و عن بعض انه يفهم من كلام جماعة، و لعله الظاهر من ابن داود ايضا، حيث قال فى آخر رجاله اذ اوردت رواية عن محمد بن يعقوب عن محمد بن اسمعيل بلا واسطه، ففى صحتها قولان، لان فى لقائه له اشكال، فتقف الرواية بجهالة الواسطة بينهما، و ان كانا مرضيين معظمين، وجه الظهور ان الاشكال انما يتوجه على تقدير كونه ابن بزيع، لا الاخيرين، و هذا الكلام لعله مشعر بان كون الرجل هو ابن بزيع مشهورا بينهم.

الثانى: انه الثانى المعروف بصاحب الصومعة، الذى حكم بتوثيقه

ص: 187

رجال النجاشى و المصنف كما عن ابن داود و غيره، بل عن كثير من فقهائنا، و تضعيف ابن الغضايرى مما لا يلتفت اليه، و هو الشيخ البهائى.

الثالث: انه الثالث، و هو للاكثر على ما نسب، و عن ظاهر بعض التوقف فى التعيين للاول وجهان.

الأول: ان محمد بن اسمعيل بن بزيع و الفضل متقاربان بحسب الزمان، لان ابراهيم بن هاشم يروى عنهما بلا واسطة، و ان العلامة و النجاشى حكيا عن الكشى انه قال: كان محمد بن اسمعيل من رجال أبى الحسن موسى (ع)، و ادرك ابا جعفر الثانى (ع)، و قالا: ان الفضل بن شاذان روى عن ابى جعفر الثانى، و قيل الرضا (ع) ايضا، و ان رجال النجاشى حكى عن العباس بن سعيد انه قال: ان ابن بزيع سمع منصور بن يونس، و حماد بن عيسى، و يونس بن عبد الرحمن، و الفضل ايضا من جملة هذه الطبقة.

و عليه فالظاهر ان يكون هو الراوى عن الفضل، لان من عدا ابن بزيع لم يعلم بقربه للفضل زمانا، بل الظاهر عدمه فى بعض، كالجعفرى العلوى فان الشيخ ذكره فى اصحاب الباقر (ع)، و الزبيدى و الجعفى و المخزومى و الهمدانى و الازدى و البجلى فان الشيخ ذكر هؤلاء فى اصحاب الصادق (ع) قاله بعضهم فراجع فى الزبيدى و البلخى و الضيمرى، فان الشيخ ذكرهما فى اصحاب الهادى.

الثانى: ان فى كتاب الروضة(1) ذكر هكذا محمد بن يعقوب عن على بن ابراهيم، عن ابيه عن على بن فضال، عن حفص المؤذن، عن ابى عبد الله (ع)، و عن محمد بن اسمعيل بن بزيع، عن محمد بن سنان، عن اسمعيل بن جابر، عن ابى عبد الله (ع)، و عليه فليحمل باقى الاطلاقات على بن بزيع، لمكان التصريح و للقول الثانى وجوه:

الأول: انه رازى كالكلينى.

ص: 188


1- فى الكافى.

الثانى: انه و الكلينى متقاربان زمانا، و ذلك اما لان رجال النجاشى يروى عن الكلينى بواسطتين، حيث قال: و روينا كتبه كلها عن جماعة من شيوخنا محمد بن محمد، و الحسين بن عبيد الله، و احمد بن على بن نوح، عن ابى القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عنه و عن البرمكى بثلاث وسائط، حيث قال: له كتب منها كتاب التوحيد، اخبرنا به احمد بن على بن نوح، قال: حدثنا الحسن بن حمزة قال: حدثنا محمد بن جعفر الاسدى، عن محمد بن اسمعيل بكتابه، او لان الكشى المعاصر للكلينى يروى عن البرمكى بواسطه و بدونها، او لان الصدوق يروى عن الكلينى بواسطة، و عن البرمكى بواسطتين، او لان محمد بن جعفر الاسدى المعروف بمحمد بن ابى عبد اللّه الذى كان معاصر البرمكى توفى قبل وفاة الكلينى بقريب من ستة عشر سنة.

و اما رواية الكلينى عنه فى بعض الاوقات بتوسط الاسدى فغير قادحة فى المعاصرة، فان الرواية عن الشيخ تارة بواسطه و اخرى بدونها امر شايع متعارف لا غرابة فيه، و عليه فالظاهر ان محمد بن اسمعيل الذى يروى عنه الكافى هو ذا، و لا تتوهم انه ينافى ذلك رواية البرمكى عن عبد اللّه بن داهر، الذى يظهر من رجال النجاشى انه من اصحاب الصادق (ع)، حيث قال عبد اللّه بن داهر: له كتاب يرويه عن الصادق (ع)، لما اشار اليه بعضهم بان شهادة هذه العبارة بان الرجل من اصحابه (ع)، غير ظاهرة، فان الكتاب اذا انتهت روايته الى المعصوم (ع) يصدق انه مروى عنه، و ان كان هناك واسطة او وسايط، كما يصدق على الكافى مثلا انه مروى عن المعصومين (ع)، و ايضا فعبد اللّه بن داهر يروى عن الصادق (ع) بثلاث وسائط، كما فى سند الحديث الأول فى باب المؤمن و صفاته من الكافى، و مما يوضح، و عدم كون هذا الرّجل من اصحاب الصادق عليه السلام، ان علماء الرجال الذين وصلت الينا كتبهم، ممن تقدم على النجاشى او تاخر عنه كشيخ الطائفه فى الفهرست و غيره، و العلامة فى الروضة، و ابن داود فى كتابه، لم يذكر احد منهم هذا الرجل فى اصحاب الصادق (ع)

ص: 189

اصلا، و لو فهم ابن داود و العلامة من تلك العبارة ما ذكر لم يهملا معا التنبيه عليه، فان اهتمامهم بالتنبيه على اصحاب الائمة (ع) شديد، كما لا يخفى على من مارس كلامهم.

الثالث: ان متاخرى علمائنا قد حكموا على تصحيح ما يرويه الكافى عنه، و لم يتردد فى ذلك الا ابن داود لا غير، و اطباقهم قرينة على انه ليس احدا من اولئك الذين لم يوثقهم احد من علماء الرجال، فيبقى الامر دائرا بين الزعفرانى و البرمكى، فانهما ثقتان من اصحابنا، لكن الزعفرانى ممن لقى الصادق (ع)، كما نص عليه رجال النجاشى، فبعيد بقاؤه الى عصر الكلينى، فيقوى الظن فى جانب البرمكى، و الارجح عندى هو القول الثالث، و القولان الاخران مدفوعان، اما القول الأول فاما لان ابن بزيع من اصحاب ابى الحسن الرضا (ع) و ابى جعفر الجواد، و قد ادرك عصر الكاظم (ع)، و روى عنه، كما عن علماء الرجال فبقائه الى زمن الكافى مستبعد جدا، و ان جاز بناء على ما قيل: ان بين وفاة الكاظم (ع) و وفاة الكلينى مائة و خمسة و اربعون سنة، لمكان كون وفاته (ع) سنة ثلاث و ثمانين و مائة، و وفاة الكلينى سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة، و عليه فغاية ما يلزم تعمير ابن بزيع الى قريب مائة سنة، و عدم امتناعه و وقوعه بديهى او لاعطاء كلام علماء الرجال ان ابن بزيع ادرك ابا جعفر الثانى (ع)، انه لم يدرك من بعده (ع) من الائمة (ع)، لما قيل ان مثل هذه العبارة انما يذكرونها فى آخر امام ادركه الراوى، كما لا يخفى على من له انس بكلامهم، و القول بانه لعل المراد من تلك العبارة هو الادراك و الرواية، لا ادراك الزمان فقط، و عليه فلا غروفى بقائه الى زمن الكلينى لا يرفع الظهور الذى ادعيناه، او لانه لو كان باقيا الى زمن الكافى لكان قد عاصر ستة من الائمة (ع)، و هذه مزية عظيمة لم يظفر بها احد من اصحابهم (ع)، على ما صرح به بعضهم، فكان ينبغى لعلماء الرجال ذكرها وعدها من جملة مزاياه رضى اللّه عنه، و حيث ان احدا منهم لم يذكر ذلك، مع انه مما يتوفر به الدواعى ظن انه غير واقع، و

ص: 190

لا يرفعه ما يقال بان المزية العظمى رؤية الائمة (ع) و الرواية عنهم بلا واسطة،(1)لا مجرد المعاصرة لهم من دون رؤية و لا رواية.

و عليه فيجوز ان يكون ابن بزيع عاصر باقى الائمة (ع) و لكنه لم يرهم، او لان محمد بن اسمعيل الذى يروى عنه الكلينى يروى عن الفضل بن شاذان و ابن بزيع كان من مشايخ الفضل بن شاذان، كما عن الكشى حيث قال: ان الفضل بن شاذان كان يروى عن جماعة، وعد منهم ابن بزيع، و عليه فالظاهر عدم كونه ابن بزيع، و ان احتمل بناء على امكان رواية كل عن الاخر، او لما ذكره بعضهم بانه اشتهر على الالسنة من ان وفاة ابن بزيع كانت فى حيوة الجواد (ع).

أقول: عن صاحب المعالم: انه صرح فى المنتقى بانه توفى فى زمن الجواد (ع)، و عليه فيمتنع ملاقاة الكلينى اياه، بناء على ما صرح بانه لم يدرك احدا من الائمة (ع)، بل كان فى زمن الغيبة الصغرى، او لما قاله بعضهم:(2) بانا استقرينا جميع احاديث الكلينى المروية عن محمد بن اسمعيل، فوجدناه كلما قيده بابن بزيع، فانما يذكره فى اواسط السند، و يروى عنه بواسطتين هكذا:

محمد بن يحيى عن احمد بن محمد، عن محمد بن اسمعيل بن بزيع، و اما محمد بن اسمعيل الذى يذكره فى اول السّند، فلم نظفر بعد الاستقراء الكامل و التتبع بتقييده مرة من المرات بابن بزيع اصلا، و يبعد ان يكون هذا من الاتفاقيات المطردة.

أقول: و لا ينافيه الدليل الثانى من الدليلين للقول الأول، اذ الظاهر عطف محمد بن اسمعيل على ابن فضال كما استقر به بعضهم، او لان ابن بزيع من اصحاب الائمة الثلاثة عنى الكاظم و الرضا و الجواد (ع)، و قد سمع منهم احاديث متكثرة بالمشافهة، فلو لقيه الكلينى لكان ينقل عنه شيئا منها، لتكون الواسطة بينه و بين كل من الائمة الثلاثة (ع) واحدا، فانه قلة الوسائط شىء مطلوب، و

ص: 191


1- و مما يوهنه ان معاصرة مثله لهم (ع) يقتضى الرؤية و الرواية. (منه)
2- و هو الشيخ البهائى.

شدة اهتمام المحدثين بعلو الاسناد امر معلوم، و عدم كون رواية ابن اسمعيل المذكور فى اول السند بدون واسطه اصلا امر مشهود، بل كون الوسايط العديدة بينه و بين المعصوم امر مرقوم، او لما هو مذكور فى الرجال عن كتاب محمد بن الحسن بن بندار القمى بخطه، حدثنى محمد بن يحيى العطار عن محمد بن احمد بن يحيى، قال كنت بفيد(1) فقال لى محمد بن على بن بلال: مر بنا الى قبر محمد بن اسمعيل بن بزيع لنزوره، فلما اتيناه جلس عند راسه مستقبل القبلة و القبر امامه، ثم قال: اخبرنى صاحب هذا القبر يعنى محمد بن اسمعيل، انه سمع ابا جعفر (ع) يقول: من زار قبر اخيه المؤمن فجلس عند قبره، و استقبل القبلة و وضع يده على القبر، و قرا انا انزلنا فى ليلة القدر سبع مرات، امن من الفزع الاكبر.

و هذا الحديث كما ترى ينادى بان ابن اسمعيل الذى فى اول السند ليس ابن بزيع لمكان محمد بن يحيى العطار الذى هو شيخ الكلينى.

و اما القول الثانى: فلعدم نهوض ما تمسك به على اثبات ما ادعاه، اما دليله الأول: فلانه معارض بمثله لان البند فروقد يقال بدله: البندقى، و سيظهر نيسابورى كالفضل، بل هذا اقوى، لان داب الكلينى على ما يقال هو السير فى البلاد لاخذ الحديث.

و اما دليله الثانى: فلما اشار اليه بعضهم(2) مستدلا لما ادعاه من عدم كون الرجل هو البرمكى، ما لفظه: و لرواية محمد بن جعفر الاسدى الذى يروى عنه احمد بن محمد بن عيسى، و لرواية الكلينى عن البرمكى فى باب حدوث العالم بواسطة الاسدى، فروايته عنه بغير واسطه بعيد، و قال بعض المحققين: و ربما توهم كون البرمكى، و لا يخفى ما فيه ايضا، لان الكلينى يروى عنه بواسطة محمد بن جعفر الاسدى، و الكشى الذى فى طبقة الكلينى يروى عنه بواسطة حمدويه

ص: 192


1- اسم لموضع.
2- و هو التقى المجلسى رحمه الله. (منه)

و ابراهيم، و يعبر عنه بمحمد بن اسمعيل الرازى، قال الكلينى فى باب اثبات المحدث: حدثنى محمد بن جعفر الاسدى، عن محمد بن اسمعيل البرمكى الرازى.

و اما دليله الثالث: فلما يظهر ان شاء الله، و يعضد ما اخترناه وجوه:

الأول: ما ذكره الكشى فى ترجمة الفضل بن شاذان، حيث قال: ذكر ابو الحسن محمد بن اسمعيل البندقى النيسابورى، ان الفضل بن شاذان بن الخليل نفاه عبد اللّه بن طاهر عن نيسابور، بعد ان دعى به، و استعلم كتبه و امر ان يكتبها، قال: فكتب محبة الاسلام الشهادتين و ما يتلوهما، فذكر انه يجب أن يقف على قوله فى السلف، فقال: اتولى ابا بكر و اتبرء من عمر، فقال له: و لم تتبرء من عمر؟ قال: لاخراجه العباس من الشورى، فتخلص منه بذلك فيظهر من هذا الخبر ان الرجل كان فى عصر الفضل، و فى بلده، و مطلعا على احواله و معاشرا معه، و عليه فالظاهر انه الراّوى عنه.

الثانى: ما ذكره بعضهم كغيره من كون النيسابورى تلميذ اللفضل.

الثالث: ان الاكثر ذهبوا الى ما اخترناه، كما نص عليه بعضهم، قال:

قال الميرزا محمد فى منهج المقال: ان الرجل ليس هو ابن بزيع قطعا، و الظاهر انه محمد بن اسمعيل النيسابورى، و قال صاحب المعالم: احتمال ارادة ابن بزيع اوضح فى الانتفاء من ان يبين.

و قال السيد نعمة اللّه الجزايرى: و الانصاف ان كونه ابن بزيع فى غاية لبعد، و لكن اكثار الرواية عنه و كونه من مشايخ الكلينى شاهد عدل على حسن حاله، و صحة روايته، فروايته عندى من الصحاح.

و قال فى الوجيزة فى ترجمة البندقى: هذا هو الذى يروى الكلينى عن الفضل بن شاذان بتوسطه، و اشتبه على القوم فظنوه ابن بزيع، و لا يضر جهالته، لكونه من مشايخ الاجازة.

و قال المحدث الكاشانى فى الوافى: محمد بن اسمعيل المذكور فى صدر

ص: 193

السند من كتاب الوافى، الذى يروى عن الفضل بن شاذان النيسابورى، هو محمد بن اسمعيل النيسابورى، الذى يروى عنه ابو عمرو الكشى، و يصدر به السند، و هو ابو الحسن المتكلم الفاضل المتقدم البارع، تلميذ الفضل بن شاذان الخصيص به، يقال له بندفر، و توهم كونه محمد بن اسمعيل بن بزيع، او محمد بن اسمعيل البرمكى، صاحب الصومعة بعيد جدا.

و قال صاحب الفوائد المدنية: و من جملة اغلاط جمع منهم، ان بعضهم زعم ان محمد بن اسمعيل الذى يروى عنه الكلينى هو ابن بزيع، و زعم ان كل حديث فى طريقه الكلينى عن محمد بن اسمعيل مرسل، و يلزم من ذلك ان يكون ثقة الاسلام مدلسا فى هذا الباب، و ان بعضهم يزعم ان محمد بن اسمعيل هذا هو البرمكى صاحب الصومعة، مع ما ان فى كتاب الكشى عبارات ناطقة بانه النيسابورى، انتهى.

و قال بعض المحققين: الذى استقر عليه راى الكل فى امثال زماننا، ان النيسابورى الواسطة بين الكلينى و الفضل، و ايضا الكشى كثيرا ما يروى عنه(1) بغير واسطة، و هو عن الفضل كالكلينى، و مرتبتهما واحدة، و يروى عنه مصرحا بنيسابوريته، و يومى اليه كونه نيسابوريا، و قيل انه تلميذه(2).

و بالجملة الظاهر انه النيسابورى، و قال التقى المجلسى رحمه الله: اما محمد بن اسمعيل فقد توهم اوساط فقهائنا رحمه اللّه انه محمد بن اسمعيل بن بزيع الثقة، و عدوا حديثه من الصحاح، و تفطن متاخروهم بان رواية الكلينى عن ابن بزيع بعيد جدا، بل ممتنع عادة، الى ان قال: و الاصوب انه محمد بن اسمعيل البندقى النيسابورى المجهول، لانه من بلد الفضل، الى آخر ما ذكره.

و قال المحقق الداماد فى الرواشح: ان رئيس المحدثين كثيرا ما يروى

ص: 194


1- و هذا الكلام ايضا من المعاضدات تقريره ان يقال ان الكشى كثيرا ما يروى عنه عن الفضل بلا واسطه و هو معاصر للكلينى فيكون هو ايضا كذلك. (منه)
2- الضمير راجع الى الفضل. (منه)

عن الفضل بن شاذان، من طريق محمد بن اسماعيل فيجعل صدر السند فى الكافى فيه هذا محمد بن اسماعيل عن فضل ابن شاذان و ان اصحاب هذا العصر من المتعاطين لهذا العلم، و الآخذين فيه صارت متيهة لارائهم، تاهت فيها فطنهم، و ضلّت اذهانهم و نحن نعرفك حقيقة امر الرّجل، فنقول: فاعلمن ان محمد بن اسمعيل هذا هو الذى يروى عنه ابو عمرو الكشى ايضا عن الفضل بن شاذان، و يصدر به السّند، الى ان قال: و هو محمد بن اسمعيل ابو الحسين، و يقال: ابو الحسن النيسابورى المتكلم، الفاضل المتقدم البارع المحدث، تلميذ الفضل بن شاذان الخصيص به، كان يقال له بندفرّ، البند بفتح باء الموحدة، و تسكين النون و الدّال المهملة اخيرا: العلم الكبير، جمعه بنود، و هو فرّ القوم، بفتح الفاء و تشديد الراء و فرتهم بضم الفاء، و على قول صاحب القاموس: كلاهما بالضم، و الحق الأول، اى من خيارهم و وجههم الذى يفترون غنه، اى يتحادثون و يتشافهون، و يستكثرون من كشف اسنانهم بالحديث عنه، و البحث عن اموره، و يقال له ايضا، بندويه، و ربما يقال: ابن بندويه، بانضمام ويه الى بند كبابويه و نفطويه.

قال فى الصحاح: اذا تعجبت من طيب الشىء قلت: واها له ما اطيبه، و اذا غريته بالشىء قلت: ويها يا فلان، و ويه كلمة يقال فى الاستحثاث.

و اما سيبويه و نحوه من الاسماء فهو اسم بنى مع صوت فجعلا اسما واحدا، و تثنيته سيبويهان، و جمعه سيبويهون.

و قال فى القاموس: البند العلم الكبير، و محمد بن بندويه من المحدثين فهذا الرجل شيخ كبير فاضل جليل القدر، معروف الامر، دائر الذكر بين اصحابنا الاقدمين رضى اللّه عنه فى طبقاتهم، و اجازاتهم و اسانيدهم.

و الشيخ رحمه اللّه ذكره فى كتاب الرجال فى باب الميم، فقال: محمد بن اسمعيل يكنى ابا الحسين، ابا الحسن كلاهما صحيح، فان عند بعضهم كنيته ابا الحسين و عند بعضهم ابا الحسن نيسابورى، يدعى بندفر، و مكى بن على بن سختويه فاضل، الى ان قال: و بالجملة طريق ابى جعفر الكلينى و ابى عمر و الكشى و غيرهما من رؤساء الاصحاب و قدمائهم الى ابى محمد الفضل بن شاذان

ص: 195

النيسابورى، من النيسابوريين الفاضلين تلميذيه و صاحبيه: ابى الحسين(1) محمد بن اسمعيل بندفر، و ابى الحسن على بن محمد القتيبى، و حالهما و جلالة امرهما عند المتمهر الماهر فى هذا الفن اعرف من ان يوضح، و اجل من ان يبين، الا ان ابا الحسن على بن محمد بن قتيبة كما يكثر الرواية عن شيخه الفضل بن شاذان فكثيرا ما يكون روايته عن عدة من الثقات غيره ايضا، و اما ابو الحسين محمد بن اسمعيل فقلما توجد له رواية عن غير ابى محمد الفضل بن شاذان النيسابورى، و ربما يبلغنى من بعض(2) اهل العصر انه يذكر ابا الحسين، فيقول محمد بن اسمعيل البندقى النيسابورى، و آخرون ايضا يحتذون مثاله، و انى لست اراه ماخوذا عن دليل معول عليه، و لا ارى له وجها الى سبيل مركون اليه، فان بندقه بالنون الساكنة بين الباء الموحدة و الدال المهملة المضمومتين قبل القاف ابو قبيلة من اليمن، و لم يقع الى كلام من الصدر السالف من اصحاب الفن، ان محمد بن اسمعيل النيسابورى كان من تلك القبيلة، غير انى وجدت فى نسخة وقعت الى من كتاب الكشى فى ترجمة الفضل بن شاذان حكاية عنه بهذه الالفاظ ذكر ابو الحسين محمد بن اسماعيل البندقى النيسابورى ان الفضل ابن شاذان بن الخليل، نفاه عبد اللّه بن طاهر عن نيسابور، بعد ان دعا به، الى ان قال: و ظنى ان فى الكتاب البندفرّ بالفاء و الراء المشدده، كما فى كتاب الرجال للشيخ، و ساير الكتب، و القاف و الياء تصحيف و تحريف من عمل قلم الناسخ، فبعض الاخذين فى هذه الصناعة على غير حذاقة و تمهر، بنى على هذا التصحيف و التحريف، الى ان قال: و من التصحيفات المعنوية ما وقع للحسن بن داود فى هذا المقام، اذا نظر فى باب الميم من كتاب الرجال، و ما نقلنا عنه من قول الشيخ، فغفل عن الواو بعد قوله و يدعى بندفر، فظن مكى بن سختويه فاضل ترجمة اخرى، منفصلة عن ترجمة محمد بن اسمعيل، و فاضل متعلق بمكى بن على، لا بمحمد بن اسمعيل، و له فيه تصحيف لفظى ايضا، اذ بدّل السين المهملة بالشين المعجمة،

ص: 196


1- الحسن خ ل.
2- رايت فى نسخه انه كتب فيها تحت بعض اهل العصر الشيخ حسن صاحب المعالم. (منه)

فتبعه على تصحيفه القاصرون من بعده، ثم يعلم ان طريق الحديث بمحمد بن اسمعيل النيسابورى هذا صحيح، لا حسن، كما وقع فى بعض الظنون، و لقد وصف العلامة و غيرهم من اعاظم الاصحاب احاديث كثيرة هو فى طريقها بالصحة و كذا شقيقه على بن محمد بن قتيبة النيسابورى ايضا صحيح، لا حسن.

و للاوهام التاهية الداهية هنا الى محمد بن اسمعيل البرمكى صاحب الصومعه، او محمد بن اسمعيل بن بزيع، او غيرهما، من المحمدين بنى اسمعيل، باشتراك الاسم، و هم اثنا عشر رجلا احتجاجات عجيبة، و لجاجات غريبة، لو لا خوف اضاعة الوقت و اشاعة اللغو لاشتغلنا بنقلها، و توهيتها، انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.

أقول: قد ظهر بما اشرنا اليه من الادلة و الامارات الكثيرة، و نقل كلام جملة من اعاظم الطائفة، ان الرجل هو النيسابورى، لا ابن بزيع، و لا البرمكى، و عليه فهل يحكم على الرواية المشتملة عليه بالصحة، ام لا؟ و الأول ارجح، كما هو المشهور بين الطائفة، بل ادعى بعض الاجله كغيره اطباق الاصحاب على الحكم بصحة حديثه، الا ابن داود، و ذلك اما لذلك، و منهم المصنف رحمه الله و المحقق الداماد، و غيرهم من الاعاظم و الافاخم، او لكونه من مشايخ الاجازه، و هم على ما نص عليه بعضهم ينبغى ان لا يرتاب فى عدالتهم، قال: و هذا طريقة كثير من المتأخرين، و قال آخر: ان مشايخ الاجازة لا يحتاجون الى التنصيص، لما اشتهر فى كل عصر من ثقتهم(1) و ورعهم، قال بعضهم، و لنعم ما قال:

لا ارى فرقا بين روايته و رواية احمد بن محمد بن الحسن الوليد و نظائره اذ مشيخية الاجازة و تصحيح العلامة مشتركان بينه و بينهم، فلا وجه للتفرقة، او لما اشار اليه التقى المجلسى، من ان رواية الكلينى عنه فى اكثر الأخبار التى اوردها فى الكافى، و اعتماده عليه يدل على ثقته و عدالته و فضله، و استدل آخر على صحة

ص: 197


1- و يظهر من مشيخة الاستبصار حيث قال: و ما رويته عن محمد بن اسمعيل عن الفضل بن شاذان المحقق كونه من مشايخ الرواية ايضا لمكان مقابلته مع اشياخ الرواية. (منه)

حديثه باكثار الكلينى الرواية عنه، حتى روى فى الكافى ما يزيد على خمس مائة، مع انه قال فى صدره ما قال، او لما اشار اليه الجماعة، قال فى المدارك:

الظاهر ان كتب الفضل كانت موجودة بعينها فى زمن الكلينى، و ان محمد بن اسمعيل هذا انما ذكر لمجرد اتصال السند، فلا يبعد القول بصحة رواياته كما قطع به العلامه و اكثر المتأخرين.

و قال التقى المجلسى رحمه الله: ان الفضل لقرب عهده بالكلينى، و اشتهاره بين المحدثين، لم يكن الكلينى يحتاج الى واسطة قوية بينه، فلذا اكتفى به فى كثير من الأخبار.

و قال الامين الاسترابادى: عدم تصريح الكافى بما يتميز به مع اكثار الرواية عنه، و تصريحه فى كثير من مواضع نقله عن البرمكى و ابن بزيع، بما يتميز ان به، يدل على قلة اعتنائه بتميز هذا الرجل، و هذا اما لانه لم يكن بذاك الثقة، و اما لعدم توقف صحة احاديثه على حسن حاله، لاخذها من كتاب الفضل المتواتر نسبته اليه، انتهى.

و الحاصل ان الرواية عندى معدودة من الصحاح، لان محمد بن اسمعيل هذا اما النيسابورى، كما هو الارجح، فالامر ظاهر لما مر، او البرمكى، فالامر اظهر، او ابن بزيع فكالبرمكى، و لزوم سقوط الواسطه على تقدير كونه ابن بزيع، و عليه فلا يجوز عدها من الصحاح لجهالة الواسطه غير ضاير، لانا على التقدير المذكور ندعى وصول خبره الى الكافى بطريق قطعى، و هذا يكفى فى الصحة، او نجعل شهرة القول بالصحة دليلا على وثاقة الواسطة، قاله بعض الاجله.

و بالجملة قد ظهر بما تلوناه عليك و سطرناه بين يديك ان التوقف فى الرواية المشتملة على محمد بن اسمعيل عن الفضل، مما لا وجه له، و ان ظن كون الرجل هو ابن بزيع من الظنون الواهية السخيفة، الحاصلة لمن ليس له فى الرجال ادنى اطلاع و تتبع و دربة، و كونه البرمكى مما تنافيه الامارات الظنية، و عليه فهو النيسابورى، الذى يدعى بندفر، الذى تكون الرواية المشتملة عليه

ص: 198

ايضا صحيحة، و حيث ظهر لك صحة الرواية، فلنرجع الى ما كنا فيه فنقول:

للقول الأول الخبر السابع عشر، و السابع المشتمل على روايتى ابنى عمران و حمزة، و الخبر الثالث عشر، و للثانى وجهان:

الأول: انه احوط، و به تحصل البراءة اليقينية.

الثانى: الخبر الثامن على ما فى نسختنا، و اما ما ذكره فى البحار من انه راى فى النسخ القديمة اسقاط التكبير فقال بعض الاجله: انه بعيد لظهور الرواية فى مداومته (ع) على ذلك، و لو كان تسعا لكان على ترك هذا المستحب، الذى لا خلاف فى استحبابه و مداومة الامامية عليه جيلا بعد جيل، و حديثا بعد قديم مداوما، و هو بعيد جدا.

أقول: و يؤيده ان المظنة الكائنة فى النسخة المشتملة عليه، اكثر من الكائنة فى النسخة الغير المشتملة، لان الغالب فى السهو فى الكتابة هو السقوط، لا الزيادة، و الخبر الرابع عشر، و لم اجد للثالث دليلا كما اعترف بذلك بعضهم كغيره.

و اما الاستدلال عليه بالخبر الأول، ففيه انه ليس فيه ما يتوهم منه ذلك، الا قوله: ثم تكبر و تركع، و المسكين لا يدرى ان الظاهر منه هو تكبير الركوع، و مع التنزل - مما شاة - فلا اقل من احتماله احتمالا متساويا، فاذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

أقول: و يمكن ان يقال: ان مستندهم هو الجمع بين الخبر الأول و بين الخبر الخامس و السادس، لمكان ذكر التكبير فيهما، او بينه و بين الخبر السابع عشر، و لكن ترد عليه مناقشات لا تخفى على ذى دربة، و للرابع الخبر الأول، و للخامس الخبر الثانى و الثالث، و للسادس ما ظهر له من الجمع بين الأخبار، التى اشار اليها، و للقول بجواز الاكتفاء بمطلق الذكر هو ما يظهر من الأخبار المتقدمة، بعد ضم بعضها الى بعض، و للحلبى على ما نسب اليه فى المنتهى الخبر الخامس عشر، و للقول بوجوب الاستغفار، لو قلنا باشعار عبارة المنتهى

ص: 199

بوجود القائل به الخبر الثالث و التاسع، و الذى يترجح فى نظرى القاصر الكليل، و يدون فى فكرى الفاتر العليل، هو القول الأول، للخبر السابع عشر المؤيد بما سقناه للقول الأول، و لكنى لست نافيا لما اختاره المحقق فى التحرير حيث قال، بعد نقل الخبر الأول و الثانى و الثالث و الرابع بالجواز فى الكل، المشعر ذلك باختياره جواز الاكتفاء بمطلق الذكر، كما ذهب اليه بعض من متاخرى متاخرى الطائفة،(1) لمكان الخبر الرابع على اشكال ما لمكان ذيله.

نعم انا بعد من المتوقفين فيه.

و بالجملة اذا قال المصلى فى الركعتين الاخيرتين، سبحان الله، و الحمد لله، و لا اله الا الله، و الله اكبر مرة واحدة يكفى ذلك و يجزيه لمكان الخبر السابع عشر المعتضد بما مر، و التوقف فيه من جهة سنده، لمكان اشتماله على محمد بن اسمعيل عن الفضل توقف سخيف، كما فضلناه بما لا مزيد عليه، و انما عدلنا عن القول الثانى لعدم مقاومة دليليه لما دل على ما اخترناه، اما دليله الأول فالامر فيه اظهر من ان يحتاج الى بيان، و اما دليله الثانى فاولا بما تراه فى سند الخبرين، و ثانيا بما تراه فى الخبر الثامن من اختلاف النسخ، و ان المعصوم (ع) لم يامرنا بذلك، و كون التأسى فى امثال المقامات واجبا، فيه ما ترى، نعم، ربما يستدل عليه بالخبر الأول بناء على النهج الذى رواه الحلى فى السرائر، فى باب كيفية الصلوة، و هذا الاستدلال اوهن من بيت العنكبوت مع انه اوهن البيوت، الا تنظر الى ما ذكره شيخنا المجلسى فى البحار، و الى النهج الذى رواه صدوق الطائفة فى الفقيه، و محققها فى التحرير، و المصنف رحمه اللّه فى المنتهى، و غيرهم، فمع هذا الاختلاف كيف يمكن التمسك به على النهج الذى رواه الحلى، مع انه فى آخر كتابه رواه على نهج غيره، نعم، ربما يكون احتمال السقوط ارجح من احتمال الزيادة، و لكن ذلك فى المقام غير نافع لكثرة راوى الزيادة، هذا مضافا الى انا لو سلمنا ما ينفع المستدل، فلا ريب ان ظهوره فى الوجوب ليس الا كظهور الامر فيه، او اقل ظهورا.

ص: 200


1- و هو المحقق المجلسى فى البحار (منه).

و عليه فالظاهر ان ظهور الخبر السابع عشر المعتضد بما مر فى نفى ما زاد على ما اشتمل عليه، و لو كان مقدار اشد منه، و عليه فليحمل المنافى على الاستحباب، الذى قال الجماعة بانه مجاز مشهور بالنسبة الى اوامر الائمة (ع) هذا مضافا الى انه يكسر سورة المنافى كثير من الأخبار المتقدمة، و ذلك الكسر بحسب النظر الدقيق غير متوجه علينا، حتى كنا مساويا فيه، لما عرفت من انى فى اجزاء ما اختاره التحرير من المتوقفين، نعم، لو كنت بحسب الدليل نافيا لما اختاره التحرير، او لاقل ما اخترته من الاقوال، لكان المذكور متوجها علىّ ايضا، و ان كان ذلك ايضا مما لا يغنى جوع المخالف، اذ الأخبار الكاسرة لسورة دليله اكثر فافهم، فانه دقيق.

و بما ذكر ظهر وجه عدولنا عن القول الرابع، مع ان الراوين للخبر الأول المطبقين على سقوط التكبير، قد اختلف نسخهم فيه زيادة(1) و نقيصة، و اما وجه عدولنا عن القول الثالث، فقد عرفت انا لم نجد ما يدل عليه، و انما عدلنا عن القول الخامس فلان الخبر الثانى و ان كان متضمنا للتحميد و التسبيح و التكبير، و لكنه غير متضمن لما دل على تخييره فى التقديم و التاخير، كالخبر الثالث، مع كونه غير متضمن للتكبير، و مشتمل لما لا يقول به، و هو الاستغفار و انما لم نرجح القول بجواز مطلق الذكر، و توقفنا فيه، لان الأخبار و ان كان لها ظهورا ما فيه، و لكن الظهور ليس ظهورا تطمئن به النفس، و انما عدلنا عما اختاره الحلبى على ما نسب اليه فى المنتهى، فلان طريق الصدوق الى وهيب بن حفص مما فيه محمد بن على الهمدانى، و لم يظهر لى بظهور تطمئن به نفسى انه غير ابى سمينة الضعيف، لمكان محمد بن ابى القاسم ما جيلويه، الرواى عنه، و ان كان التقييد بالهمدانى(2) ربما يشعر انه هو الذى وكيل الناحية فافهم.

ص: 201


1- مضافا الى ما ذكره بعض المحققين بان ظاهره حرمة القراءة فى الركعتين الاخيرتين مطلقا، و هذا مخالف لاجماع الشيعة، انتهى (منه).
2- و قال الميرزا فى الوسيط و الى وهيب حفص الكوفى فيه محمد بن على الهمدانى و يحتمل كونه ابا سمينه و لو لا ذلك لكان صحيحا. (منه)

و عن الخبر الثالث و التاسع الدالين على وجوب الاستغفار، فلعدم القائل التصريح به، مع معارضتهما لكثير من الأخبار السابقة، فليحملا على الاستحباب، و اللّه سبحانه هو العالم بحقايق الامور.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: اختلف الاصحاب فى ان التسبيح فى الركعتين و ثالثة المغرب، هل هو افضل من القراءة ام لا؟ على اقوال:

الأول: القول بافضلية التسبيح مطلقا، و هو المحكى عن ابن ابى عقيل، و الصدوقين، و ابن ادريس، و اختاره من المتأخرين جماعة، بل حكى عن الاكثر لكن فى نسبة هذا القول الى الحلى مناقشة، لما ياتى فى بحث الجماعة من استظهاره عدم التسبيح و القراءة للماموم، و لعل الناسب راه من مقام آخر.

الثانى: القول بافضلية القراءة مطلقا، و هو المحكى عن ابى الصلاح الحلبى، و اختاره الشهيد فى اللمعة، و مال اليه السيد فى المدارك.

الثالث: القول بالتخيير مطلقا، من غير تفضيل، و هو المحكى عن الشيخ فى النهاية، و الجمل و المبسوط، و لعله هو ظاهر المصنف رحمه اللّه هنا على اشكال ما، و المختلف، و حكى هذا القول عن ظاهر التحرير ايضا.

الرابع: القول بافضلية القراءة للامام، و المساواة لغيره من منفرد او ماموم، و هو المحكى عن الشيخ فى الاستبصار، و المصنف رحمه اللّه فى القواعد، و المحقق الثانى فى جامع المقاصد، و متعلقات المختصر، و الشهيد فى البيان، و اختاره المحقق فى الشرايع، و ربما يحكى هذا القول عن الشارح المقدس ايضا فى الشرح، و هو فيه حكم على افضلية القراءة للامام، و نفى البعد عن اولوية القراءة للمنفرد ايضا، بمعنى ان انها له دون الامام فى الفضيلة.

الخامس: القول بافضلية القراءة للامام، و افضلية التسبيح للماموم، و هو

ص: 202

المحكى عن المصنف رحمه اللّه فى المنتهى.

السادس: القول بافضلية القراءة للامام، و التسبيح للمنفرد، و اختاره الشهيد فى الدروس، و عن التذكرة انه استحسنه.

السابع: ما نقل عن الاسكافى حيث قال يستحب للامام المتيقن انه لم يدخل فى صلوته احد ممن سبقه بركعة من صلوته، و لم يدخل ان يسبح فى الاخيرتين، ليقرا فيهما من لم يقرا فى الاوليين من المامومين، و ان علم بدخوله او لم يامن ذلك قرا فيهما بالحمد، ليكون ابتداء صلوته الداخل بقراءة، و الماموم، فيقرا فيهما، و المنفرد يجزيه ايما فعل، و الاظهر عندى القول الأول، لجملة من الأخبار، منها الخبر الأول، و منها الخبر الثانى، و القول بان قوله عليه السلام لا تقرا فيهما، نفى لا نهى، و الجملة، حالية من الضمير البارز فى قوله: اذا قمت اى حال كونك غير قارئ، و الى هذا يشير كلام المحقق فى التحرير، حيث قال: و قوله: لا تقرا ليس نهيا، بل بمعنى غير، كانه قال غير قارئ، انتهى.

فجواب الشرط حينئذ قوله: فقل الى آخره، و لهذا قرنه بالفاء و جرد جملة النفى عنها تنبيها على ذلك غير وجيه، اذ المتبادر من نحو هذا الكلام، المنساق الى اذهان الخواص و العوام، هو كون الخبر كلمة لا تقرأ، و لا ينافى ذلك كلمة الفاء الواقعة بعدها لشيوع ذلك، و كثرته فى الكلام، و منه قولهم: اما بعد، فيقول: فلا نحتاج الى القول بانها جملة خبرية، وقعت صفة للركعتين، حتى نحتاج الى القول بانهما معرفتان بلام الجنس، و هو قريب المسافة من النكرات لعدم التوقيت فيه و التعيين، كما فى قوله:

(و لقد امر على اللئيم يسبنى).

و ان نستشهد عليه بقول العلامة الزمخشرى فى سورة الفاتحة فى قوله تعالى: (غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) حيث قال فيه: فان قلت: كيف يصح ان يكون غير صفة للمعرفة و هو لا يتعرف، و ان اضيف الى المعارف؟ قلت: الذين انعمت عليهم لا توقيت فيه، فهو كقوله: (و لقد امر على اللئيم يسبنى) و نحتاج الى القول بان الوجه فى حسن هذا الوصف، و ملاحته فى هذا الكلام ما اشير اليه فى

ص: 203

صحيحتى زرارة، بل صحاحه من ان الاخيرتين لا قراءة فيهما بالاصالة بل الثابت فيهما بالاصالة هو التسبيح، و اما القراءة فهى مرجوحه، و ان اجزات لاشتمالها على التحميد و الدّعاء، لا من حيث اختصاصها بالموضع، من حيث هى قراءة، كما اشير اليه فى صحيحة عبيد بن زرارة.

و منها: الخبر الثالث، و التقريب ما مر عن قريب.

و منها: الخبر الخامس و السّادس و السابع، المشتمل على الأخبار، و الثامن و التاسع و العاشر و الحادى عشر و الرابع عشر و الخامس عشر، و رواية عمار المعدودة من الموثقات عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن الرجل يدرك الامام، و هو يصلى اربع ركعات، و قد صلى الامام ركعتين، قال يفتتح الصلوة فيدخل معه، و يقرا خلفه فى الركعتين، الى ان قال: فاذا سلم الامام ركع ركعتين يسبح فيهما، و يتشهد و يسلم، و ربما استدل عليه بالخبر الثالث عشر ايضا، و هذه الأخبار بعد ضم بعضها الى بعض، فيما اخترناه واضحة المنار كالشمس فى نصف النهار، الغير القابلة للاستتار، بحيث لا يتطرق اليها شبهة و لا انكار.

و للقول الثانى الخبر الثانى عشر، و فيه مع قطع النظر عن سنده انه كيف يقاوم الأخبار الكثيرة المتقدمة، فليحمل على التقية التى هى فى اختلاف الاحكام الشرعية اصل كل بلية، اذ المنقول عن الشافعى و الاوزاعى و احمد فى احدى الروايتين وجوب القراءة فى الاخيرتين، و عن مالك(1) وجوبها فى معظم الصلوة، و عن الحسن فى كل ركعة، و عن ابى حنيفة القول بالتخيير مع افضلية القراءة.

و اما ما اشار اليه المحقق المجلسى فى البحار، بعد ان حكى عن ابى حنيفة انه يقول بالتخيير بين الحمد و التسبيح، و جوز السكوت فى جملة كلام له: ان

ص: 204


1- و فى البحار: و مالك يوجبها فى ثلاث ركعات من الرباعية. (منه)

التخيير مع افضلية القراءة و التفصيل بين الامام و المنفرد، مما لم يقل به احد من العامة، ففيه ان المخذول المهان فضل اللّه بن روزبهان.، قال فى كتابه الذى رد فيه على كشف الحق و نهج الصدق: و مذهب ابى حنيفة انه يقرا فى الاخيرتين بالفاتحة فقط، و هذا افضل، و ان سبح او سكت جاز.

و اما الاستدلال على هذا القول بما روى عن الطبرسى فى الاحتجاج من التوقيعات الخارجة من الناحية المقدسة فى اجوبة الحميرى، انه كتب يسئله عن الركعتين الاخيرتين قد كثرت فيهما الروايات، فبعض يرى ان قراءة الحمد فيهما افضل، و بعض يرى ان التسبيح افضل، و الفضل ايهما نستعمله؟ و اجاب (ع) قد نسخت قراءة ام الكتاب فى هاتين الركعتين التسبيح، و الذى نسخ التسبيح قول العالم (ع): كل صلوة لا قراءة فيها خداج، الا للعليل، او من يكثر عليه السهو فتخوف بطلان الصلوة عليه.

ففيه ان رفع اليد عن الأخبار الكثيرة بهذه الرواية المجملة لا وجه له بلا شبهة، مع ان ظاهرها ينادى بانها من جراب النورة.

و للقول الثالث الخبر الرابع، و فيه ان اخذ هذا الخبر و القاء الأخبار الكثيرة المتقدمة مما لا يجترى عليه الا مكابر غير منصف، و من هو للحق قاصف، نعم عذر من قال به من اصحابنا، عدم كون كثير من الأخبار المتقدمة حين القول فى المسئلة فى انظارهم كما يشهد بذلك كتبهم، فليحمل ذلك الخبر على التقية، لانه مذهب ابى حنيفة، على ما اشار اليه المجلسى طاب ثراه، و لا ينافيه ما قاله المخذول المهان فضل اللّه بن روزبهان، لمكان جواز القول بان له لعنه الله قولين(1) و بالجملة عدم مقاومة هذا الخبر لمقابلة الأخبار المتقدمة مما ليس فيه مرية.

ص: 205


1- هذا مضافا الى ما اشار اليه بعضهم، بانه يجوز حمل الخبر على التقية، و لو لم نعلم قولا لاحد من العامة، و قد تقدم منافى بعض من مجلدات هذا الكتاب تحقيق هذه المسئلة. (منه)

و اما الاستدلال على هذا القول بان الأخبار متعارضة من الطرفين، و لا ترجيح لأحدهما، فيسقط اعتبار التفضيل فى البين، فانما نشأ من عدم العثور على الأخبار الكثيرة المتقدمة الراجحة على الخبر المذكور، عند من له ادنى بصيرة فى القلب و العين.

و اما القول بافضلية القراءة للامام، و هو القول الرابع و الخامس و السادس و ان اختلفوا فيما عداه فيما عداه فله الخبر السادس عشر، و ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن منصور بن حازم، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا كنت اما ما فاقرا فى الركعتين الاخيرتين بفاتحة الكتاب، و ان كنت وحدك فيسعك فعلت او لم تفعل، و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الزيادات، عن جميل بن دراج، قال سألت ابا عبد الله (ع) عما يقراء الامام فى الركعتين فى آخر الصلوة، فقال: بفاتحة الكتاب، و لا يقرا الذين خلفه، و يقراء الرجل فيهما اذا صلى وحده بفاتحة، و فيه ان هذه الأخبار غير صالحة لمعارضة الأخبار المتقدمة، لمكان عدم المقاومة، و ليست كلها عامة حتى يقال: ان هذه الأخبار خاصة، و تقدم الخاص على العام مما اثبتته الادلة، لمكان الخبر الأول و السابع و الثالث عشر، بل الخبر الخامس و السادس، بناء على ان ظهورهما فى افضلية التسبيح للامام اعلى بمراتب شتى من ظهور حمل الامر فى الأخبار المزبورة على الاستحباب، كما لا يخفى على من له ادنى انصاف و تدبر، بل الخبر الثامن و الحادى عشر لمكان لفظة كان، الظاهرة فى الاستمرار، و كون صلوتهما عليهما السلام فى كثير من الاوقات مؤدّاة مع الجماعة، مما ليس فيه مرية.

و بالجملة لا ينقص ظهورهما عن ظهور الاوامر الواقعة فى الأخبار المتقدمة، التى ليست محمولة على حقيقتها باجماع الطائفة فى الاستحباب بلا مرية، بل اعلى منه، فليحمل الاوامر المزبورة اما على الجواز، او على التقية، لما عرفت من ان مذهب كثير من العامة هو وجوب القراءة، و مذهب ابى حنيفة على ما نقله المخذول المهان فضل اللّه بن روزبهان هو افضلية القراءة، و ذلك الحمل فى

ص: 206

اخبارنا غير متطرق، اذ لم يقل احد من العامة على ما صرح به بعض الأجلاء بتعيين التسبيح، او افضليته، فليعمل بما يخالف العامة، و اترك ما وافقهم، فان الرشد فى خلافهم.

و مما يعاضد الحمل المذكور ما يستفاد من كثير من الأخبار، على ما صرح به بعض الأجلاء، ان اصحابنا كانوا يأمونهم فى الجماعة، و عليه فلا بد لهم (ع) ان يامرهم بالقراءة لعظم الخطب على الامام، و اقتضاء الاستصلاح التقية بالنسبة اليه، فلذا خصه (ع) فى رواية منصور و غيرها بالقراءة، خوفا عليه، بل لكل الشيعة من الشناعة، و بالجملة المسئلة بحمد اللّه واضحة.

الثانى: المشهور بين الاصحاب بقاء التخيير لناسى القراءة فى الاولتين
اشارة

و حكى بعضهم عن الشيخ فى الخلاف تعين القراءة حينئذ و لكن عبارته عن افادة الوجوب قاصرة لمكان قوله و انما قلنا الاحوط القراءة فى هذا الحال، لما رواه الحسين بن حماد الى آخره، و هو ظاهر فى الاولوية و الاستحباب، و غير ظاهر فى الوجوب فى هذا الباب، كما صرح بالاستحباب فى المبسوط، حيث قال: ان نسى القراءة فى الاولتين لم يبطل تخيره، و انما الاولى القراءة، لئلا تخلو الصلوة منها، قيل:(1) و تبعه الاصحاب.

للمشهور وجهان:

الأول: عموم الروايات الدالة على التسبيح.

الثانى: ما رواه التهذيب فى باب تفضيل ما تقدم ذكره فى الصحيح، عن معوية بن عمار، عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت له: الرجل يسهو عن القراءة فى الركعتين الاولتين، فيذكر فى الركعتين الاخيرتين، انه لم يقرا، قال: اتم الركوع و السجود؟ قلت: نعم، قال: انى اكره ان اجعل آخر صلوتى اولها، و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن حسين بن عثمان عن سماعة، عن ابى بصير قال: اذا نسى ان يقرا فى الاولى و الثانية اجزأه تسبيح الركوع و السجود، و ان

ص: 207


1- و هو صاحب الرياض. (منه)

كانت الغداة فنسى ان يقرا فيها، فليمض فى صلوته، و ما رواه ايضا فى الباب لمتقدم فى الصحيح، عن عثمان بن عيسى عن سماعة، قال سألته عن الرّجل يقوم فى الصلوة فينسى فاتحة الكتاب، قال: فليقل: استعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ان الله هو السميع العليم، ثم ليقرأها ما دام لم يركع، فانه لا قراءة حتى يبدا بها فى جهر او اخفات، فانه اذا ركع اجزاه ان شاء الله.

و ما رواه الكافى فى باب السهو فى القراءة عن ابى بصير، قال سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل نسى ام القرآن، قال: ان كان لم يركع فليعد امّ القرآن، و للقول الاخر، ما رواه التهذيب فى باب تفضيل ما تقدم ذكره، عن الحسين بن حماد، الذى لم اعثر له بمدح، الا ان للصدوق اليه طريقا، و رواية الاجلة عنه، و منهم ابن ابى نصر فى هذا السند، و لكن بتوسط عبد الكريم بن عمرو الواقفى الموثق، عن ابى عبد الله (ع)، قال: قلت له: اسهو عن القراءة فى الركعة الاولى، قال: اقرا فى الثانية، قلت: اسهو فى الثانية، قال: اقرا فى الثالثة، قلت اسهو فى صلاتى كلها، قال: اذا حفظت الركوع و السجود تمت صلوتك.

و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع)، قال: سألته عن الذى لا يقرا بفاتحة الكتاب فى صلوته، قال:

لا صلوة، له الا ان يقرا بها فى جهر او اخفات، و النبوى (ص): لا صلوة الا بفاتحة الكتاب.

و ما رواه الصدوق فى الفقيه، فى باب احكام السهو فى الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، انه سأله عن الرّجل نسى القراءة فى الاوليين، فذكرها فى الاخيرتين، فقال: يقضى القراءة و التكبير و التسبيح الذى فاته فى الاوليين، و لا شىء عليه.

و المختار عندى هو المشهور، و القول بان الظاهر من رواية معوية بن عمار و روايات أخر فى معناها ايضا، ان المراد بجعل آخر الصلوة آخرها انما

ص: 208

هو بقراءة الحمد و السورة فى الاخيرتين، لمرسلة احمد بن النضر، و عنى بها ما رواه التهذيب فى باب احكام الجماعة، عن احمد بن النضر، عن رجل، عن ابى جعفر (ع)، قال: قال لى: اى شىء يقول هؤلاء فى الرجل اذا فاتته مع الامام ركعتان؟ قال: يقولون: يقرا بالركعتين بالحمد و سورة، فقال: هذا يقلب صلوته، فيجعل اولها آخرها، فقلت: فكيف يصنع؟ فقال: يقرأ بفاتحة الكتاب فى كل ركعة، اذ يظهر منها ان المراد من رواية معوية المذكورة انما هو المنع من قراءة الحمد و السورة، التى يترتب عليها قلب الصلوة، لا قراءة الحمد وحدها، التى هى احد الفردين المخيرين، و انها تتعين هنا من حيث النسيان اولا، غير وجيه، اذ الناظر البصير و الناقد الخبير اذا تدبر فى الخبر الخامس و السادس و الثالث و ما ضاهاها، و امعن النظر فى عباراتها و ما يظهر بصريحها و اشاراتها، يظهر له ان الاصل فى الركعتين الاخيرتين انما هو التسبيح، و عليه فمعنى رواية معوية المذكورة على الظاهر، بحيث يشهد به كل ناظر، بانى اكره ان اقرا فى الاخيرتين الحمد الذى يتعين قراءته فى الاوليين، حتى يكون آخر صلوتى الذى قرر فيه التسبيح اولها بقراءة الحمد، و لا دخل للمرسلة بهذه الرواية، و ما يظهر منها.

و يرشدك الى المعنى الذى قررناه ما رواه التهذيب ايضا فى باب احكام الجماعة قبل المرسلة المتقدمة فى الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج، انه سأل ابا عبد الله (ع) عن الرّجل الذى يدرك الركعتين الاخيرتين من الصلوة كيف يصنع بالقراءة؟ فقال: اقرأ فيهما، فانهما لك الاوليان، و لا تجعل اول صلوتك آخرها.

و بالجملة لا شبهة فى ظهور رواية معوية(1) فى المعنى الذى اشرنا اليه،

ص: 209


1- مضافا الى ان الخبير المتدبر، يفهم عن سؤاله (ع) فى رواية معوية عن اتمام الركوع و السجود، ان غرضه (ع) منه ليس الا الحكم بصحة صلوته، موافقا لما يظهر من بعض الأخبار، من ان القراءة سنة، ليست فريضة الهية كالركوع، فتركها انما يضر اذا وقع على سبيل العمد دون السهو. (منه)

و الظاهر ان قوله (ع): اني اكره الى آخره، رد على من يقول بتحتم القراءة فى الاخيرتين من العامة، و اما خبر حسين بن حماد، فمع قطع النظر عن الكلام فى سنده ظاهر فى الاتيان بالقراءة فى الثالثة بقول مطلق، و عليه فيرد عليه ما قاله بعضهم، بان المراد بها حيث تطلق الحمد و السورة معا، و هو مخالف للاجماع جدا، و بما ذكر ظهر حال صحيحة زرارة، مضافا الى ما ذكره بعض الاجله، بانها ظاهرة فى كون الاتيان بالقراءة قضاء عما فات فى الاوليين، لا اداء، لما وظف فى الاخيرتين، زيادة على ما فيها ايضا من الحكم بقضاء التكبير و التسبيح، مصرحا بفواتهما فى الاوليين، و هو مخالف للاجماع، انتهى.

قال بعض المحققين بعد نقل خبر الحسين: الظاهر منه تدارك القراءة المنسية، و لم يقل به احد منا، و لم ينسب اليه ايضا، و لو كان المراد فى الثالثة و الرابعة بعض القراءة، و هو خصوص الحمد، لكان اللازم تنبيه الراوى، و التصريح، فلا يكون حجة، انتهى.

و بالجملة: رواية زرارة لا دخل لها فى موضوع المسئلة، مع انا لم اجد قائلا بها، فكيف تقاوم الأخبار المتقدمة المشهورة بين الطائفة، بالشهرة القريبة من الاجماع، بل لعلها اجماع فى الحقيقة، على ما ذكره بعض الاجلة، اذ لم يظهر مخالف فى المسئلة الا الخلاف، و قد عرفت ان عبارته فى المخالفة غير ظاهرة، فلتطرح رواية حسين، او تحمل على التخيير، او على التقية و كذا رواية زرارة، لو سلم انطباقها على مورد المسئلة، و لتحمل الأخبار النافية لصحة الصلوة بفقدان القراءة على صورة العمد، هذا مضافا الى ان المتبادر منها هو عدم صحة الصلوة مع الاخلال بالفاتحة فى محلها المقرر لها شرعا، خاصة و هو الركعتان الاولتان، و الى ان التعارض بينها و بين ما دل على المختار من العمومات المخيرة بين التسبيح و القراءة من تعارض العمومين من وجه.

ص: 210

و لا ريب ان الترجيح معنا، لمكان الشهرة و اطلاق الاجماعات المحكية المستفيضة.

و بالجملة المسئلة بحمد اللّه واضحة، فلا وجه للاطالة، نعم، الاحوط هو القراءة، خروجا عن شبهة الخلاف فى المسئلة.

تنبيه:

قد ظهر مما ذكرناه ان ما ذكره المصنف رحمه اللّه فى المختلف بعد نقل رواية معوية بن عمار، بما لفظه: و هذا الحديث كما يدل على عدم وجوب القراءة فانه دال على اولوية التسبيح ايضا، كما اختاره ابن ابى عقيل انتهى، و تبعه فى ذلك من تبعه من متاخرى متاخرى الطائفة حق، لا تشوبه شبهة.

الثالث: حكى عن بعض المتأخرين انه جعل ذكر سبحان اللّه و الحمد لله و لا اله الا اللّه و الله اكبر، ثلاث مرات فى كل من الاخيرتين، خلاف الاحتياط،
اشارة

و فيه نظر الا تنظر الى الخبر الثامن و الرابع عشر، و ما ضاهاهما، و الى ما يظهر من سيرة الامامية جيلا بعد جيل، و قديما بعد حديث، من مداومتهم عليه كذلك، و فى الرياض فى جملة كلام له بخلاف ما لو اختار التسبيحات الاثنى عشر، فانها مجزية اجماعا، و فى غيره لا خلاف فى استحباب التسبيحات الاثنى عشر، و بالجملة هذا القول عن درجة الاعتبار ساقط، و عن محل الاعتماد هابط.

تنبيه:

و الاحوط ضم الاستغفار ايضا، وفاقا لبعضهم لمكان الخبر الثالث و التاسع مضافا الى ما ذكره فى المنتهى من انّ الاقرب عدم وجوب الاستغفار، المشعر بوجود القول بوجوبه، على ما نص عليه بعضهم، و قد مضى فى نقل الاقوال الى ذلك الاشارة.

الرابع: هل الزائد على التسبيحات واجب أو مستحب
اشارة

لو قلنا فى التسبيحات بالتخيير، و اختار المكلف الاتيان بما زاد على التسبيحات الاربع، كما هو القول الأول، او الثلاث كما هو مذهب الاسكافى فهل يوصف الزايد هنا بالوجوب او الاستحباب؟ قولان: عن ظاهر المصنف

ص: 211

رحمه الله فى كتبه الفقهية، و صريحه فى كتبه الاصولية الثانى، محتجا عليه بجواز تركه، و لا شىء من الواجب يجوز تركه، و عن المشهور القول بالأول، و هو الاقوى، و اما احتجاج المصنف رحمه اللّه ففيه ان مراده بعدم جواز الترك، ان كان بعنوان الاطلاق، و لو الى بدل، فمنقوض بالواجبات الكلية، كالتخييرية، و ان كان مراده منه لا الى بدل، فغير ضاير للمختار، لمكان الفرد الناقص الذى هو بدل للمتروك، و الحاصل ان للمطلوب فردين زايد و ناقص، فبعدم الاتيان بالأول لا ينتفى المطلوب، لمكان الفرد الاخر، و من البديهيات ان الكلى لا ينتفى بانتفاء بعض افراده، بل لا بد من انتفائه من انتفاء جميعها، و القول بانهم قد صرحوا بوصف الزايد بالاستحباب مع حكمهم بوجوبه تخييرا، و الوجوب و الاستحباب حكمان متقابلان، غير وجيه، اذ قولنا بان الفرد الزايد من المستحبات العينية، بمعنى كونه افضل الفردين الواجبين لا ينافى بانه واجب تخييرى، من جهة تأدى الواجب به، و حصول الامتثال، و لا نعنى بالاستحباب فى هذا المقام الا هذا، وفاقا للمحكى عن جملة من اجلاء اصحابنا.

فبما ذكر ظهر ان ما اشار اليه بعضهم(1) من انه ان اريد الاستحباب بالمعنى العرفى، و هو رجحان الفعل مع جواز تركه لا الى بدل، لم يكن تعلقه بشىء من افراد الواجب التخييرى، و ان اريد به كون احد الفردين الواجبين اكثر ثوابا من الاخر، فلا امتناع فيه، الا انه خروج عن معنى المصطلح ليس فيه حلاوة، لمكان ظهور المراد، و ان شئت فامل رأس قلمك و اختر الشق الأول من كلامه، و قل: ان جواز ترك المندوب لا الى بدل من جهة ندبه، لا ينافى عدم جواز تركه من جهة اخرى، و هى جهة وجوبه التخييرى، باعتبار كونه احد افراد الواجب، و غاية ما يلزم اتصافه بالوجوب و الاستحباب باعتبارين، و لا امتناع فيه، و انما الممتنع اتصافه بهما من جهة واحدة، و ان شئت فغير

ص: 212


1- و هو المدارك. (منه)

عبارتك، و قل: ان الاستحباب متعلق بالفرد الكامل من افراد المخير، و يجوز تركه لا الى بدل، اذ لا يقوم مقامه فى الكمال غيره، و البدل الحاصل من فعل الواجب انما هو بدل لهذا الفرد من حيث الوجوب، لا من حيث الاستحباب و القول بان اللازم مما ذكرتم، امكان كون الزايد واجبا، لكن اذا تحققت البراءة فى ضمن الفرد الناقص، لم يبق دليل على وجوب الزايد، فنحن لا نستبعده، لكن ننفيه، حتى يقوم عليه الدّليل غير وجيه، لمكان تعلق المنع بحصول البراءة فى ضمن الفرد الناقص بقول مطلق.

و التحقيق فى ذلك ان تحقق البراءة دائر مدار قصد المكلف فانه متى قصد الفرد الناقص من اول الامر، او عدل اليه قبل التجاوز عنه، فلا ريب فى صحة ما اتى به، و عليه فالزيادة لا توصف بوجوب و لا باستحباب، لعدم الدليل عليهما و حصول البراءة بما اتى به، و سقوط التكليف، و عدم تعلق النية بهذه الزيادة مع كون العبادات تابعة للقصود و النيات، نعم، نفس الفرد الكامل هو الموصوف بالوجوب، لمكان كونه احد افراد الكلى، و بالاستحباب لكونه الفرد الكامل منه، لا هذه الزيادة كما توهم، و عليه فمتى قصد المكلف الفرد الزايد، فالواجب هو مجموع ذلك الفرد، و ما اتى به من الفرد الناقص فى ضمن هذا الفرد الكامل لا يكون مبرئا للذمة، ما لم يتعلق به قصد من اول الامر، او عدول اليه.

و قد اشار الى ما ذكرنا بعض الأجلاء، حيث قال بعد نقل الاعتراض بمنع تحقق البراءة فى ضمن الفرد الناقص بقول مطلق، بل انما يتم ذلك فيما لو قصد الامتثال بالناقص، ليكون فردا ناقصا من افراد الواجب الكلى، بان قصده اولا، او عدل اليه عند تمامه، اما اذا قصد الامتثال بالكامل، و ايقاع الناقص ضرورى من حيث انه جزؤه، فتحقق البراءة بالفرد الناقص، و الحال هذه ممنوع، كما انه لو قصد المكلف فى مقام التخيير بين القصر و الاتمام الامتثال بالاربع، فانه لا يبرء مما لو سلم ساهيا على الركعتين، او احدث او فعل منافيا على القول باستحباب التسليم او وجوبه خارجا.

ص: 213

تذنيب:

قال الشارح الفاضل: لو شرع فى الزايد على الاقل فهل يجب عليه المضى فيه، و يجب ايقاعه على الوجه المامور به فى الواجب من كونه فى حال الطمأنينة و غيرها من الهيئات الواجبة، ام يجوز تركه و تغييره عن الهيئة الواجبة؟ يحتمل الأول لما تقدم من كونه موصوفا بالوجوب، و لا ينافيه تركه بالكلية، كما مرّ، فيكون المكلف مخيرا ابتداء بين الشروع فيه، فيوقعه على وجهه و بين تركه و يحتمل الثانى، لان جواز تركه اصلا قد يقتضى جواز تبعيضه و تغييره عن وضعه، مع كونه ذكر اللّه بطريق اولى، فيبقى حاله مراعى منظور اليه فى آخره فان طابق وصف الواجب كان واجبا، و يترتب عليه ثواب الواجب و حكمه، و الا فلا، و لا قاطع باحد الامرين، فليلحظ ذلك، انتهى.

و قال بعضهم فى ذلك: لا يبعد ان يقال: ان قصد الامتثال بالاقل فالحق الثانى، لان الزايد حينئذ ليس بواجب، فلا محذور فى تركه و تغييره، بل هو من قبيل الاذكار الماذون فيها فى الصلوة عموما، و ان قصد الامتثال بالفرد الزايد فالحق الأول، لعدم تحقق الخروج عن عهدة الخطاب بالناقص انتهى.

و لا يخلو ذلك التفصيل عن قرب، قال بعض الاجلاء معترضا على هذا التفصيل: و هذا الكلام لا يخلو من نظر، و ذلك لان ما ذكره قدس سره اولا بناء على قصد الامتثال بالاقل، من انه لا محذور فى ترك الزايد و لا تغيير متجه، لو كان قصد المكلف من الاتيان بذلك الزايد مجرد الذكر، فانه لا محذور فى تركه و لا تغيير من وصفه، اما لو قصد به التسبيح الموظف فى المقام، كما يعطيه مراعاة حاله فى آخره على ما ذكره الرياض و لم يات به على الوجه المأمور به، مع كونه قصدا و لا الامتثال، و فيه اشكال، لانه مع قصد الامتثال بالاقل كما لا يكون الزايد واجبا لحصول البراءة بالاقل، كذلك لا يكون مستحبا لعدم الدليل عليه، و الركون فى امثال هذه المقامات الى قضية الذكر لا يسد باب الايراد، فان

ص: 214

المكلف لو فعل بعض الاذكار فى الصّلوة فى مقام لم يعينه الشارع فيه معتقدا تعيينه و استحبابه هناك، كان تشريعا محرما البتة.

و ما ذكره ثانيا من انه ان قصد الامتثال بالفرد الزايد فالحق الأول، لعدم تحقق الخروج عن عهدة الخطاب بالناقص، كما هو فرض المسئلة، لاستلزامه مع القطع قبلها عدم الاتيان بما قصده من الفرد الزايد، فلا بد ان يوقعه على وجهه، او يتركه حذرا من تغيير الهيئة الواجبة، اما لو قطع على الناقص بعد قصد الفرد الزايد قاصدا العدول اليه، فلم لا يجوز ذلك؟ و ما المانع منه؟ و قد صرح المحقق فى التحرير فى مسئلة القصر و الاتمام، بانه يجوز لمن نوى الاتمام الاقتصار على الركعتين، و لمن نوى القصر الاتمام ايضا، و استحسنه فى المدارك، فلم لا يجوز ان يكون هنا كذلك.

و بالجملة فانه قد تلخص مما ذكرنا، ان الاظهر فى المقام، ان يقال انه متى قصد احد الافراد الزائدة، و تجاوز الفرد الناقص فالاظهر وجوب الاتمام، لما ذكرنا و متى قصد الفرد الناقص و زاد عليه قاصد العدول الى احد الافراد الزائدة، وجب ذلك ايضا، لان الظاهر انه لا فرق بين قصده اولا و العدول اليه ثانيا، كما صرحوا به فى صورة التخيير بين القصر و الاتمام، و ان قصد بالزايد مجرد الذكر فاولى بالصحة، و اما انه يقصد به التسبيح الموظف، و يقطع بعد تجاوز المرتبة الاولى، و قبل بلوغ احد المراتب الزائدة، ففيه اشكال لما ذكرنا به، انتهى.

أقول: لا يخفى عليك عدم ورود الاعتراض المذكور على ما فصّله المفصل المزبور، و ذلك لان غرض المفصل على الظاهر ان النّاقص لما كان فرد اللواجب المخير، و المكلف قد قصد ايجاد الكلى فى ضمنه، فاوجده، فلم يبق الامر للزايد، و عليه فاذا اراد المكلف الاتيان بالزايد على الناقص، فليس سبيله الاكسبيل من ياتى بالاذكار الماذون فيها فى الصلوة عموما، اذ ليس لخصوص هذه الزيادة حينئذ امر، فيجوز فيه ما يجوز فى الاذكار، اذ هو ايضا احد افرادها، و عليه فهل ترى ان يتوجه عليه ما اورده على الشق الأول؟ و كذا لا وجاهة فيما اورده

ص: 215

على الشق الثانى، اذ المفروض انه قد قصد ايجاد الكلى فى ضمن الفرد الزايد و شرع فيه، حتى تجاوز عن الناقص، و دخل فى الزايد عنه، و عليه فهل ترى ان يتوجه عليه ما اورده؟ نعم، يجوز العدول فى كل الى كل مع بقاء مقامه، و هذا لا دخل له فيما فرضه، و العجب انه مع اعترافه، بانه متى قصد احد الافراد الزائدة، و تجاوز الفرد الناقص. فالاظهر وجوب الاتمام، كيف ساق الى المفصل ما ساقه.

وهم و تنبيه:

نقل بعضهم عن الذكرى انه اختار هنا وجوب الزايد، مع انه اختار فى المسح الزايد على المسمى الاستحباب التفاتا الى جواز تركه، قال: و هو عجيب، و قال الشارح الفاضل: و استقرب شيخنا الشهيد فى الذكرى استحباب الزائد عن اقل الواجب، محتجا بجواز تركه، قال: هذا اذا اوقعه دفعة، و لو اوقعه تدريجا، فالزايد مستحب قطعا، و هذا التفصيل حسن، لانه مع التدريج يتأدى الوجوب بمسح جزء، فيحتاج ايجاب الباقى الى دليل، و الاصل يقتضى عدم الوجوب بخلاف ما لو مسحه دفعة، اذ لم يتحقق فعل الواجب الا بالجميع، انتهى.

و قال بعضهم - رضوان اللّه عليه - ان ذلك مناف لما صرح به قدس سره فى هذا المقام من وجوب الزايد من التسبيحات، كما نص عليه فى الرياض، و نسبه فى الروضة الى ظاهر النص و الفتوى، اذ التدريج هنا ضرورى، فينبغى القطع باستحباب الثانية و الثالثه من التسبيحات، و عن شيخنا البهائى انه فرق بين المسح و التسبيح، بانه يجوز فى التسبيح قصد استحباب الزايد على الواحدة، بخلاف المسح، فانه يجب قصد وجوب الزايد مطلقا، حذرا من لزوم تكرار المسح، انتهى.

أقول: و لقد تعرض بعض الأجلاء لرفع هذا الاشكال بعد حكمه بعليلية ما علله البهائى، و كونه تحكما، ما لفظه: و الذى يظهر لى ان ما ذكره الشهيدان

ص: 216

قدس؟؟؟ اللّه مقامهما من التفصيل المذكور صحيح، لا غبار عليه، و الايراد عليهما بمسئلة التسبيح ؟؟؟ اليه، و لا يلتفت اليه، لظهور الفرق بين المقامين، لا كما نقل عن شيخنا البهائى، من حيث ان وجه التخيير بالنسبة الى المسح غيره بالنسبة الى التسبيح، فان القول بالتخيير فى التسبيح، انما ادى اليه ضرورة الجمع بين الأخبار المختلفة فى بيان كيفيته، ؟؟؟ قال: و القول به فى المسح انما نشأ من اطلاق الامر الصادق بمجرد المسمى و لو بجزء ؟؟؟ سبع، و بالمسح بمجموع الثلاث الاصابع، و ما بينهما من الافراد الكلى فى الاول، هى ؟؟؟ فرع كلّ واحدة من الصورة التى وردت بها النصوص، و فى الثانى هو كل مسحة اوقعها ؟؟؟ دفعة، اعم من ان يكون يسيرة او مستوعبة، و حينئذ فالمكلف اذا مسح ؟؟؟، فقد ادى الواجب، و الذى هو مسمى المسح بهذا الجزء قطع عليه، ؟؟؟ باب المسح على الباقى بعد القطع على ذلك الجزء الذى حصل المسمى فى ، و برأت الذمة به يحتاج الى دليل، و ليس(1) فليس بخلاف التسبيح فان المكلف تجاوز الصورة الناقصة، قاصدا ايجاد الكلى فى ضمن احدى الصور الزائدة صدق عليه انه اوجد الكلى فى ضمن الناقصة، حيث انه لم يقصدها بالكلية، و ؟؟؟ حصولها ضروريا من حيث الجزئية، و العبادات تابعة للقصود و النيات، لم يكن الافراد الزائدة افراد للواجب الكلى بالمرة، لان الصورة الصغرى ؟؟؟ فى ضمنها البتة، فلو كان مجرد الاتيان بها، و ان لم يكن مقصودة موجبا ؟؟؟ الكلى فى ضمنها، و حصول البراءة اليقينية من التكليف، لزم ما قلنا، و فيه خبار الدالة على وجوبها، المحمولة على الوجوب التخييرى جمعا و الظاهر ان الايراد هو توهم كون محل الاتصاف بالاستحباب و الوجوب التخييرى هو الزائد على الصورة الناقصة، كما تقدمت اليه الاشارة، اذ على تقديره لو جعل مناط الحكم بالوجوب او الاستحباب هو الاتصال او الانفصال، تعين هنا الحكم بالاستحباب لتحتم انفصال التسبيحة الثانية و الثالثة عما قبلهما، و مما ذكرنا يعلم الكلام ايضا فى تسبيح الركوع و السجود، فانه ان قلنا ان الواجب فيهما مجرد الذكر كما هو احد القولين، كان من قبيل المسح، و ان قلنا ان الواجب هو التسبيح المخصوص

ص: 217


1- العبارة ناقصة مما يظهران فيها سقط.

فانه ياتى بناء على مذهب من يختار التخيير بين الافراد المروية، او بين بعضها ما ياتى فى التسبيح فى الاخيرتين على مذهب التخيير ايضا، و قد تقدم نقل الخلاف فى التسبيح على تقدير القول به فى الركوع و السجود بما ينتهى الى خمسة اقوال، انتهى.

أقول: ما فصلوه فى المسح وجيه، اذا قصد الماسح ايجاد الطبيعة فيما امرّ به يده اولا، و عليه فيكون امرار اليد الى ان يحصل مقدار ثلاث اصابع او اربع على اختلاف الاقوال لخروجه عن شبهة الخلاف، او لامتثال الحديث الدال على ثلاث اصابع، المحمول على الاستحباب، و عليه فلا شك فى استحباب هذا القدر الزايد، و كذا لو قلنا بكفاية الاتيان بالمامور به فى الامتثال، و ان لم يقصد انه امتثال لذلك الامر، و اما لو قصد المكلف ايجاد الطبيعة فى ضمن مقدار ثلاث اصابع، و قلنا بعدم كفاية الاتيان بالمامور به فى الامتثال من غير قصد، فالحكم بالاستحباب لا يخلو عن اشكال، مضافا الى ان المسمى لاحد له فكلما فرض واجبا يتحقق المسمى باقل منه، الا ان يبنى الكلام على الجزء الذى لا يتجزى، و هو كما ترى فتامل جدا.

و بما ذكر ينقدح شقوق الكلام فيما لو مسح دفعة، نعم، ربما يمكن ان يقال:

ان المكلف اذا قصد حين ارادة امرار يده مقدار ثلاث اصابع، بانى انما امسح هذا المقدار لأن اخرج عن عهدة اطلاق الامر بالمسح، و عن شبهة القول بثلاث اصابع، و عن الحديث الدال عليه المحمول على الاستحباب، يخرج عن عهدة الوجوب بمجرد المسمى، و لو لم يكن عنده معينا، و عن الاستحباب اذا مسح مقدار ثلاث اصابع، اذ لا دليل على لزوم كون المسمى عنده معينا، بل التعين الواقعى يكفى، و عليه فلا فرق بين الاتيان به دفعة او تدريجا، فافهم.

و بالجملة تحقيق الكلام فى المسح يقتضى بسطا ليس هنا موقعه، و الحاصل فى المقام، انا لو قلنا فى التسبيحات فى الاخيرتين بالتخيير بين التسبيحات الواردة فى اخبار المسئلة، فالتحقيق هو ما اشرنا اليه سابقا، و كذا

ص: 218

لو قلنا بالتخيير فى التسبيحات الواردة فى الركوع و السّجود، و اما لو قلنا باجزاء مطلق الذكر فيهما، او اخترنا فيهما تسبيحا مخصوصا، كأن قلنا فى الاخيرتين ما اخترناه، و فى ذكر الركوع بذكر سبحان ربى العظيم و بحمده مرة، و فى ذكر السجود بذكر سبحان ربى الاعلى و بحمده مرة، فلا شك فى اتصاف الزايد بالاستحباب، كما ظهر دليل كل ذلك مما مرّ فالاطالة مما لا وجه لها.

الخامس: عن المشهور وجوب الترتيب فى هذا التسبيح،

و عن ظاهر القائلين بالتخيير بين الصور الواردة فى الأخبار العدم، و المشهور هو الاقوى، لمكان توقيفية العبادات، و للثانى ما يظهر من مستنده، حيث كان ذلك هو الجمع بين الأخبار المختلفة فى الكيفية زيادة و نقيصة، و تقديما و تاخيرا، المعتضدة باطلاق الأخبار المتقدمة اليها الاشارة، و من القائلين بهذا القول المحقق فى التحرير، القائل بالتخيير.

قال بعض الأجلاء: لا يخفى ان محل الخلاف فى كلامهم غير محرر، فان الخلاف فى المسئلة قد بلغ الى ستة اقوال، و هذا الاختلاف انما يترتب على القول بالتخيير خاصة، الذى هو احد تلك الاقوال، و الا فان كل من ذهب الى صورة خاصة مستندا فيها الى رواية مخصوصه، فان الواجب عنده هو الاتيان بما دل عليه دليله، و لا معنى للخلاف فيه بعدم الترتيب، و المحقق هنا انما ذهب الى عدم الترتيب، من حيث قوله بالتخيير، و الظاهر من ان من خالف المحقق هنا الى القول بالترتيب، انما اراد الاتيان بالفرد المخير باحدى الروايات الدالة على الترتيب، كأن يختار مثل صحيحة زرارة الدالة على التسبيحات، او الصحيحة الدالة على التسع، او نحو ذلك من الأخبار المتقدمة، و لا ريب انه احوط على تقدير هذا القول، انتهى. أقول و هذا القول وجيه على الظاهر، الا انه كان له استثناء الاسكافى فافهم.

السادس: لو شرع فى القراءة او التسبيح، فهل يجوز له العدول الى الآخر ام لا؟

و عن الذكرى الاقرب انه ليس له العدول الى الاخر، لانه ابطال للعمل، و لو كان العدول الى الافضل، مع احتمال جوازه، كخصال الكفارة، و

ص: 219

خصوصا الى الافضل، و فى المدارك الظاهر جواز العدول من كلّ منهما الى الآخر، خصوصا مع كون المعدول اليه افضل، انتهى.

أقول: و الاقرب جواز العدول الى الآخر مطلقا، لنا اطلاق الامر بالصلوة، و اصالة بقاء التخيير، و عموم قوله (ع) لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و لا يعارضه قوله تعالى: لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ، اما لما يظهر من سياقها من كون البطلان مسببة من الاهمال باصول الدّين و عدم الاعتقاد بها، حيث قال اللّه تعالى فى سورة محمد: (إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ شَاقُّوا اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمُ اَلْهُدىٰ لَنْ يَضُرُّوا اَللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيُحْبِطُ أَعْمٰالَهُمْ، يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ)، و يعضده ما حكى عن جماعة من المفسرين، فعن عطاء: لا تبطلوها بالشرك و النفاق، و عن الكلينى: بالرياء و السمعة، و عن الحسن: بالمعاصى و الكبائر، فتامل، او لان الاستدلال بها موقوف على حملها على العموم، و هذا غير جايز لمكان خروج الاعمال المباحة و المكروهة و المحرمة و كثير من الاعمال المستحبة و بعض الاعمال الواجبة، و تخصيص الاكثر غير جايز، فان قلت: انك تجوز التخصيص ما لم يلزم القبح و لغوية الكلام، و لزومهما مع هذه التخصيصات غير مسلم، قلت: الامر فى التخصيص و ان كان كما ذكرت، و لكن لنا ايضا مع هذه شىء لا يمكن معه التمسك بهذه الآية، و هو ان الاستدلال بها على هذا التقدير انما يتم لو قلنا باولوية التخصيص على المجاز مطلقا، و هذا القول فى هذا المقام محل اشكال، اذ المناط فى ترجيح التخصيص عليه هو المظنة المسببة من الغلبة، و تحققها هنا ممنوعة، بل هى فى نحو المقامات فى جانب المجاز، و عليه فهو لما كان متعددا، و الحمل على المعين منه يستلزم الترجيح من غير مرجح، فيكسبها ثوب الاجمال، و معه تسقط عن درجة الاستدلال فان قلت: هنا مجاز هو اقرب الى المعنى الحقيقى من غيره، و هو كون المراد من اللفظ ما عدا ما خرج منه، و عليه فلا بد من حمل اللفظ عليه، لان وجوب حمل اللفظ مع تعذر حمله على الحقيقة على اقرب المجازات من المسلمات عند المحققين

ص: 220

و عليه فليستدل بها على المطلق.

قلت: المناط من الاقربية هو الاقربية العرفية المسببة من غلبة الاستعمال، لا الاقربية الاعتبارية العقلية، و عليه فلا يجدى المذكور فى الاستدلال بالاية المزبورة، او لكونها معارضة بعموم قوله: لا تعاد الصلوة الى آخره، و هو مقدم عليها، لمكان خاصتها فافهم، و خروج الاكثر المسبب لورود المذكورات و ان كان مشتركا بينها و بينه، و لكن ارتكاب التخصيص بالنسبة الى نحو هذا الحديث اقرب من ساير وجوه المجازات، كما لا يخفى على المتامل المتعمق، و بالاطلاق و الاستصحاب المتقدم اليهما الاشارة، و لو لم نقل بتقدمهما عليها، فلا اقل من التساوى، و معه يسقط الاستدلال، فتدبر، او لان العمل بها يستلزم الحكم بصحة الصلوة، التى قد عدل فيها من التسبيح الى الحمد، او بالعكس، لانا اذا قلنا بان ذلك مبطل، لكنا من المبطلين لاعمالنا، و هو فى المقام الصلوة و فيه نظر، او لان مراد المستدل من العمل فى المقام الذى استدل على عدم جوازه بكلمة لا تبطلوا ماذا؟ ان كان مراده منه هو الصلوة؟ فهو من قبيل المصادرة و ان كان المراد التسبيح او جزء من الحمد الذى اتى به قبل العدول و لعله الظاهر؟ ففيه انا لم نضيع و لم نبطل ما اتينا به اولا، بل نرجو من ربنا ان يعطينا بالاتيان به ثوابا، لكونه عبادة.

و بالجملة الاستدلال بهذه الاية فى المقام ليس فيه وجاهة، فالقول بالجواز كما اختاره المدارك و غيره قريب فى الغاية.

السابع: و عن الذكرى: و لو شرع فى احدهما بغير قصد اليه، فالظاهر الاستمرار عليه،

لاقتضائية الصّلوة فعل ايهما كان، و لو كان قاصدا الى احدهما فسبق لسانه الى الاخر، فالاقرب ان التخيير باق، فان تخير غيره اتى به، و ان تخير ما سبق اليه لسانه فالاجود استينافه، لانه عمل بغير نية، و قال بعض الأجلاء بعد نقل ذلك: لا يخفى انه لا خلاف نصا و فتوى فى ان ما ياتى به من افعال الصلوة ساهيا صحيح، و ان كان بغير نية، للاكتفاء بالنية الاجمالية فى اول

ص: 221

الصّلوة، فان نيّة الصّلوة التى هى عبارة عن مجموع هذه الافعال نية لكل منها، و حينئذ فان ما سبق اليه لسانه سهوا من جملة ذلك، و ان كان فى نيته و قصده سابقا على وقت الشروع فيه الاتيان بالفرد الاخر، فحكمه بوجوب الاستيناف، لانه بغير نية، مما لا وجه له، على ان ما يشعر به كلامه من اشتراط النية و القصد الى احدهما، حيثما ذكروه فى القراءة من وجوب القصد الى صورة مخصوصة ممنوع، اذ لم يقم عليه دليل لا فى هذا الموضع و لا فى ذلك، و لعله بنى هنا على ما صرحوا به فى القراءة، و قد عرفت انه لا دليل عليه، و كيف كان، فان الاحوط ما ذكره قدس سره، انتهى.

أقول: ما اشار اليه من الحكم بعدم وجوب الاستيناف جيد، عملا باصالة بقاء التخيير، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و اطلاق الامر بالصلوة مع عدم ظهور التقييد، بل و ظهور العدم، اذ لو انفتح التعليل الذى ذكره الذكرى لكان لنا ان نقول بعدم كفاية النية الاجمالية الواقعة فى اول الصلوة، و عليه فلا بد ان ينوى جديدا حين الشروع فى الفاتحة بها، و فى السورة بها، و فى تكبير الركوع به، و فى السجود به، و فى التشهد به، و فى القنوت به، و هكذا، و هذا امر دونه خرط القتاد، و لا يمكن ان يقال: ان التعليل المذكور مخصوص بما لو نوى شيئا و اتى بغيره لمكان عمومه.

و بالجملة الظاهر عدم الاشكال فى ان الافعال التى ياتى بها المصلى فى اثناء الصلوة محكومة بالصحة، اذا كانت من افعالها، و لو كانت صدورها سهوا و غفلة، بان كانت نفسه حين الاتيان بها مشغولة بشىء آخر.

الثامن: قال فى الذكرى: تجب فيه الموالاة الواجبة فى القراءة،

و مراعاة اللفظ المخصوص باللسان العربى، فلا تجزى ترجمته، نعم، لو اضطر اليه و لم يمكنه العربية فالاقرب جوازه، لما سبق فى التكبير و الاذكار فى الاوليين.

التاسع: قال فى الذكرى ايضا ليس فيه بسملة لانها جزء من القرآن،

لامن التسبيح، و الاقرب انها غير مسنونة هنا، و لو اتى بها لم يكن به بأس.

ص: 222

أقول: و هو جيد، و لا يرد على قوله: و لو اتى بها الى آخره ما ذكره بعض الاجلاء، من ان الاتيان بها ان كان لاعتقاد شرعيتها ففيه انه تشريع محرم، و ان كان من حيث انها ذكر فلا ثمرة فى التخصيص بهذا المقام، انتهى، اذ الظاهر ان المراد هو الثانى، و وجه التخصيص ان البسملة لما كانت مما ياتى به المصلى فى الركعتين الاوليين، و كذا فى الاخيرتين، او الثالثة اذ اختار الحمد فغرضه التنبيه بان التسبيح ليس كالقراءة فى لزوم الاتيان بالبسمله فيها، و كذا لا دليل على استحبابه فيه، نعم، ان اتى بها فيه من حيث انها ذكر اللّه فلا بأس، اذ هو فى كل حال حسن، و عليه فهل ترى لهذا الاعتراض حلاوة؟ كلا، ثم كلا.

العاشر: قال بعض الأجلاء: قد صرح جمع من الاصحاب، بانه لو شك فى عدد التسبيح بنى على الاقل

لانه المتيقن و لو ذكر الزيادة فلا بأس انتهى و فى الذخيرة لو شك فى عدده بنى على الاقل اخذا بالمتيقن و تحصيلا للبراءة اليقينية، و لا بأس به.

الحادى عشر: قال فى الذكرى: المشهور انه لا يستحب الزيادة على اثنى عشر،

و قال ابن ابى عقيل: يقول سبحان الله، و الحمد لله، و لا اله الا الله، و الله اكبر، سبعا او خمسا، و ادناه ثلاث فى كل ركعة، و لا بأس باتباع هذا الشيخ العظيم الشان فى استحباب تكرار ذكر اللّه و قال بعض الأجلاء بعد نقله و انت خبير بما فيه فان الاستحباب حكم شرعى يتوقف على الدليل، و اما ما يوهمه كلامه من كون المستند فى ذلك كونه ذكرا، ففيه ما اشرنا اليه مرارا، من ان ذلك نوع مجازفة فى البحث، فان قضية الذكر انما تصح مستندا فيما اذا كان القصد لذلك، و اما مع اعتقاد التوظيف بمحل مخصوص، او كيفية مخصوصة، من غير ورود اثر بذلك فهو تشريع محض، و بالجملة فالاحتياط فى عدم التعدى عن الصورة المنصوصة، انتهى.

أقول: دليله الاحاديث المجوزة للتسامح فى ادلة السنن و الكراهة، كما بسطناها و غيرها فى اللمعات، فراجع هناك، و القول بان المتبادر من قوله عليه السلام: من بلغه شىء الى آخره، هو البلوغ بعنوان الرواية، و عليه فالعمل بالفتوى مما ليس فى جواز العمل به دليل غير وجيه، لعدم تسليم كون

ص: 223

الظهور بحيث ينصرف الذهن اليه، و لا يختلج فيه البلوغ بعنوان الفتوى، هذا مضافا الى ان دأب القدماء و سجيتهم و طريقهم و سيرتهم هو العمل بما تضمن عليه الأخبار، و عدم التجاوز عنها، كما هو واضح المنار، و عليه فهذا الشيخ العظيم الشان لما حكم باستحباب التسبيحات سبعا او خمسا دون الست و العشر مثلا، فلا محالة كان له فى ذلك نصاد الا عليه، و عليه فهو بمنزلة الراوى للخبر، فاندفع الاشكال بحذافيره، نعم، ربما يمكن ان يقال: ان التّسامح فى ادلة السنن و الكراهة انما يجوز مع انتفاء احتمال الوجوب و الحرمة، و اما معه فلا، و عليه فصاحب الذكرى لما نسب الحكم بعدم الاستحباب الى المشهور بين الطائفة، بل فى المدارك ظاهر الاصحاب، انه لا يستحب الزيادة على الاثنى عشر، فكيف يجوز الحكم بالاستحباب؟ و يمكن ان يقال: ان الذى يظهر بالتتبع انهم لم يذكروا استحباب الزايد على الاثنى عشر، و لا يلزم من ذلك حكمهم بعدم الاستحباب، و كيف كان، فلعل الاحوط هو عدم متابعة ابن ابى عقيل فى ذلك، و يعضده حديث رجاء بن الضحاك المتقدم بناء على انه لو كان مستحبا لما كان الرضا (ع) مداوما على تركه، نعم، يرد على صاحب المدارك انه بعد قوله السابق، نقل كلام ابن ابى عقيل و كلام الذكرى الواقع فى كلامه بعد نقل كلام ابن ابى عقيل، و لم يعترض على الذكرى بشئ، بل ظاهره متابعته كما يظهر من ديدنه، مع انه قال فى اوائل كتابه فى عدم جواز التسامح فى ادلة السنن و الكراهة ما قال.

الثانى عشر: و عن الذكرى: لا قراءة عندنا فى الاخيرتين زائدة على الحمد فرضا و لا نفلا،

و عليه الاجماع منا، و فى الجعفريات عن النبى (ع) انه كان يقرا فى ثالثة المغرب: «رَبَّنٰا لاٰ تُزِغْ قُلُوبَنٰا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنٰا وَ هَبْ لَنٰا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَهّٰابُ» قال: و هو محمول على ايرادها دعاء، لا انه جزء من الصلوة.

وجوب تعليم القراءة
اشارة

(و لو لم يحسن القراءة وجب عليه التعليم) بلا خلاف، قاله بعضهم بل عن الجماعة عليه الاجماع، لتوقف الواجب المطلق عليه.

فرعان:
اشارة

ص: 224

الأول: صرح الجماعة، و منهم الفاضلان، و المحكى عن ظاهر الخلاف و المبسوط بانه يجوز القراءة من المصحف مطلقا،

و عن الشهيد و من تبعه الحكم بالمنع للمتمكن من الحفظ، للاولين الاطلاقات، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح، عن فضالة بن ايوب الثقه، المجمع على تصحيح ما يصح عنه، ما حكى عن بعض اصحابنا، عن ابان بن عثمان، الذى فى الكشى ان العصابة اجمعت على تصحيح ما يصح عن ابان بن عثمان، و الاقرار له بالفقه، عن الحسن بن زياد الصيقل، قال: قلت لابى عبد الله (ع): ما تقول فى الرجل يصلى و هو ينظر فى المصحف يقرأ فيه يضع السراج قريبا منه؟ فقال: لا بأس بذلك، و للاخر النبوى العامى على ما قيل، و هو ما روى عن عبد اللّه بن ابى اوفى، ان رجلا سأل النبى (ص)، فقال: انى لا استطيع ان احفظ شيئا من القرآن فماذا اصنع؟ فقال له:

قل سبحان الله، و الحمد لله، و التقريب ان القراءة من المصحف لو كان جايز الامره (ص) به. و ما روى عن الحميرى فى كتاب قرب الاسناد، عن على بن جعفر عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن الرجل و المراة يضع المصحف امامه ينظر فيه و يقرا، و يصلى، قال لا يعتد بتلك الصلوة، و الاقرب هو القول الأول، لما مرّ، و اما ما يقال بان التمسك باطلاق الامر بالقراءة مما لا وجه له، لكون المتبادر منه القراءة من الحفظ، ففيه منع، نعم، المذكور من اشهر افراد القراءة فى حال الصلوة و هذا القدر لا يكفى، بل لا بد ان يكون الظهور و الشهرة بحيث يكون كالعهد، و لا يعارض ما اخترناه خبر الحميرى، لان فيه التقاوم شرط فى المعارضة، و هو فيه مفقود، لمكان الشهرة الكاملة للنهى على الكراهة التى عن جماعة كونها بالنسبة اليه مجازا مشهورا، و اما ما يقال بانه يمكن الجمع بين خبر الصيقل و خبر الحميرى بحمل الاول على النافلة و الثانى على الفريضة، و الى هذا التفصيل ذهب شيخنا الشهيد الثانى، و جمع من الاصحاب، ففيه ان الشاهد فى هذا الجمع مفقود و الجمع بلا شاهد عليه مردود، و امر الاحتياط واضح.

ص: 225

الثانى: الظاهر ان الايتمام و تبعية القارى كالقراءة من المصحف،

و ربما يستفاد من بعضهم تخصيص المذكور بضيق الوقت، و الاول اجود، عملا بعموم قوله عليه السلام: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و اطلاق الامر بالقراءة بالنسبة الى الثانى، و اما بالنسبة الى الأول فلا امر له بالقراءة لمكان قراءة الامام و على المذكور فهو مخير بين التعلم بحيث يقرا عن ظهر القلب، و بين القراءة فى المصحف، و بين تبعية القارئ، و بين الايتمام(1) لو امكن الجميع، و الا فهو مخير بين ما امكنه، و لو توقف تحصيل المصحف على شراء او استيجار او استعارة وجب فى صورة الانحصار، تحصيلا للواجب بقدر الامكان، و كذا الكلام لو احتاج الى مصباح فى الظلمة لاجل القراءة.

و اعلم ان شائبة الاشكال انما تذهب فى المسئلة مع التمكن فى تحصيل القراءة، بحيث يقراها عن ظهر القلب و السعة و الا (فان ضاق الوقت) عن التعلم بالنحو المذكور، يجب عليه الايتمام، ان امكنه، او القراءة من مصحف ان احسنه او متابعة القارى ان وجده، بلا خلاف ظاهر اجده، و لا اشكال، بل نسب بعض الأجلاء الاولين الى صريح الاصحاب، و كيف كان، فلا اشكال فى المسئلة حينئذ اصلا، و ان لم يمكنه شىء مما ذكرناه فان احسن من القراءة شيئا (قرا ما يحسن) منها. شرح هذا الكلام يقتضى بسط الكلام فى مقامات:

الأول: ان يحسن الفاتحة، و كان يجهل السورة او بعضها، فعليه ان ان يقرا ما يحسن اجماعا محققا و محكيا فى عبائر الجماعة.

الثانى: ان يحسن بعض الفاتحة، و كان آية تامة فعليه قرائتها بلا خلاف، قاله بعضهم، بل يدل عليه اطلاق الاجماعات المحكية على وجوب قراءة ما يحسن

ص: 226


1- و بما ذكر ظهر حال ما ذكره فى الجعفرية حيث قال: و لو امكن الايتمام حينئذ اى حين العجز وجب، و لا يجزى الايتمام الا مع عدم امكان التعلم، و فى شرحها بعد ذلك الكلام لا مع امكان التعلم اذ وجوب تعلم الفاتحة على الجاهل امر اجماعى فورى، لتوقف الواجب عليه انتهى، و فيه ما ترى. (منه)

منها.

الثالث: ان يحسن بعض الفاتحة، و كان بعض آية، فهل يجب عليه قرائته ام لا؟ و الذى صرح به بعض الأجلاء كغيره ان هنا اقوالا:

الأول: الوجوب، الثانى: عدمه، و استحسنه فى التحرير، الثالث الوجوب ان كان قرآنا، قالا هو المشهور بين المتأخرين.

أقول: انا لم نعثر على الشهرة المدعاة وفاقا لبعض المحققين، حيث قال: و لم نجد الشهرة، بل مقتضى اطلاق كلامهم هو الأول، انتهى، و فى المدارك فى جملة كلام له: و ان انتفى الامر ان و علم شيئا من الفاتحة وجب عليه الاتيان به اجماعا، و فى غيره و هو الشيخ فى جملة كلام له: و الا قراءة ما تيسر منها اجماعا، و قال بعض شراح الجعفرية: و لو لم يحسن الفاتحة كلها بل يحسن بعضها، وجب ان يدخل فى الصلوة، و قرا ما يحسن منها وجوبا اجماعا، و كيف كان، فللاول قوله (ص): اذا امرتكم بشىء فاتوا منه ما استطعتم، و قوله (ع): ما لا يدرك كله، لا يترك كله، و قوله (ع):

الميسور لا يسقط بالمعسور، و ما روى عن النبى (ص): فان كان معك قرآن قاقرا.

و للثانى: ان النبى (ص) امر الاعرابى ان يحمد اللّه و يكبره و يهلله، و قوله الحمد لله بعض آية، و لم يامره بتكرارها، و لا اقتصر عليها.

و للثالث: ما يظهر من ادلة الطرفين، و الكل كما ترى غير معن عن الجوع، و امر الاحتياط واضح.

تنبيه: لو كان عالما ببعض الفاتحة، فهل يقتصر على ما يحسن منها؟
اشارة

او يجب عليه التعويض عن الفائت؟ قولان: ظاهر المتن الأول، و هو المحكى عن التحرير و المنتهى، و اختاره المدارك، و حكى الشارح الفاضل عن المصنف فى اكثر كتبه الذهاب الى الثانى، و نسبه الى المشهور بين المتأخرين، للاول الاصل، و للثانى عموم فاقراؤا ما تيسر الى آخره، خرج عنه ما اتفق على عدم وجوبه، او خرجه الدليل، فيبقى الباقى، و لا دليل على الاكتفاء ببعض الفاتحة، كذا افاده الشارح

ص: 227

الفاضل، و الأول اقرب، هذا اذا سمى ذلك البعض قرآنا، و الا فالقول بالعدم مطلقا لا يخلو عن اشكال، لما يظهر من خبر الفضل الاتى، فانتظر.

فرعان:
الأول:

على تقدير وجوب التعويض، فلو علم غير الفاتحة من القرآن، فهل يعوض عن الفايت بتكرار ما يعلمه من الفاتحة بحيث يساويها، ام ياتى ببدله من سورة اخرى؟ قولان: عن التذكرة اختيار الأول، مستدلا بان ابعاضها اقرب اليها من غيرها، و عن نهاية الاحكام اختيار الثانى، محتجا بان الشىء الواحد لا يكون اصلا و بدلا، و التعليلان عليلان، غير معنيين عن الجوع، و ربما يظهر من بعضهم ان هنا قول آخر، حيث قال فى جملة كلام له: ففى وجوب التعويض منها بان يكون ما يحسنه مرارا بقدرها او من غيرها من القرآن ان عرفه، و الا فمن الذكر او مخيرا بينهما، اوجه، بل اقوال.

الثانى:

لو لم يعلم من القرآن غيرها، فعن بعض الاقتصار عليه، و عن آخر وجوب تكرار ما علمه بقدرها، و عن آخر الاتيان بالذكر بدل الباقى، و الاخير ان مما لم اعثر على دليل عليهما، و الاول اظهر.

بقى هنا اشياء يحسن التنبيه عليها.
الأول: عن بعض انه يراعى فى البدل المساواة، فى الآيات

فيجب عليه اكمال سبع آيات، سواء كانت اطول ام اقصر، لمراعاة العدد فى قوله تعالى: (وَ لَقَدْ آتَيْنٰاكَ سَبْعاً مِنَ اَلْمَثٰانِي)، كما لوفاته يقضى صوم يوم فانه يقضى بيوم سواء اتفقا فى الطول و القصرام اختلفا، و عن المشهور المساواة فى الحروف، لاعتبار الحروف فى الفاتحة، فكذا فى بدلها، و للقطع بالمساواة معه بخلاف الأول، و فيهما ما ترى. و عن بعضهم المساواة فيهما، و دليله يظهر من الاولين، فيرد عليه ما ترى، و امر الاحتياط واضح.

الثانى: قال بعضهم: ان احسنها متوالية، لم يجز العدول الى المتفرقة

الثانى: قال بعضهم:(1) ان احسنها متوالية، لم يجز العدول الى المتفرقة فان

ص: 228


1- و هو الرياض. (منه)

المتوالية اشبه بالفاتحة، فان لم يحسنها متوالية، اتى بها متفرقة.

الثالث: صرح الجماعة بوجوب الترتيب،

فلو علم اولها أخر العوض، او الاخر قدمه، او الطرفين وسطه، او الوسط حفه بالبدل، و هكذا.

حكم من لم يحسن شيئا
اشارة

(و لو لم يحسن شيئا) من الفاتحة فيجب عليه ان يقرا بدلها من غيرها من القرآن، ان علمه على المشهور، كما ادعاه الجماعة، بل عن بعضهم انه نفى الخلاف فيه، خلافا للمحقق فى الشرايع، فحكم بالتخيير بينه و بين التهليل و التكبير و التسبيح. للاول وجوه:

الأول: نفى الخلاف المتقدم المعتضد بالشهرة.

الثانى: ما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الصحيح، عن عبد اللّه بن سنان، قال: قال ابو عبد الله (ع): ان اللّه فرض من الصلوة الركوع و السجود، الا ترى لو ان رجلا دخل فى الاسلام لا يحسن ان يقرا القرآن اجزاءه ان يكبر و يسبح و يصلى، و التقريب ان مفهومه ان ما يحسن ان يقرا القرآن لا يجزيه التكبير و التسبيح.

الثالث: ما رواه الصدوق فى كتاب العلل فى باب علل الشرايع عن عبد الواحد ابى محمد بن عبدوس النيسابورى العطار، عن ابى الحسن على بن محمد بن قتيبة، عن الفضل عن الرضا (ع)، فان قال: فلم امروا بالقراءة فى الصلوة؟ قيل لان لا يكون القرآن مهجورا مضيعا، بل يكون محفوظا مدروسا، فلا يضمحل، و لا يجهل، فان قال: فلم بدا بالحمد فى كل قراءة دون سائر السور؟ قيل: انه ليس شىء من القرآن، و الكلام جمع فيه من جوامع الخير و الحكمة ما جمع فى سورة الحمد و ثم بدأ فى تفسير الحمد و قال بعده فقد اجتمع فيه من جوامع الخير و الحكمة فى امر الاخرة و الدنيا ما لا يجمعه شىء من الاشياء، الحديث.

و التقريب انه يظهر منه ان نفس القراءة مطلوبه، و كونها فى ضمن الحمد مطلوب آخر، فسقوط مطلوب يتعذر مطلوب آخر يحتاج الى دليل، و يعضده ما اشار اليه بعض المحققين، حيث قال: اعلم ان مقتضى الأخبار و الفتاوى، ان من واجبات الصلوة القراءة من حيث هى هى، مع قطع النظر عن الخصوصية، و انه يجب

ص: 229

كونها فى ضمن الفاتحة و السورة ايضا عند القائل بوجوبها، و لذا يقولون اولا من واجبات الصلوة القراءة، و يدعون اجماع العلماء كافة على ذلك مطلقا و يستثنون شاذا من العامة، ثم ياتون بالأخبار الدالة على وجوب القراءة، و يثبتون هذا، و بعد ذلك يذكرون وجوب الحمد، و ياتون بالأخبار الدالة عليه، و بعد ذلك يذكرون وجوب السورة، و ياتون بالأخبار الدالة عليه، او استحبابها، و ياتون بما دل عليه، انظر كتب الفاضلين ايضا، يظهر منها ما ذكرنا بعد التامل التام، كما سنشير اليه.

و اما الأخبار ففى غاية الكثرة، بل لا يكاد يحصى منها صحيحتا زرارة و ابن مسلم السابقتان، و منها صحيحة زرارة عن الباقر (ع) انه قال: لا تعاد الصلوة، الى ان قال: القراءة سنة، و التشهد سنة، فلا تنقض السنة الفريضة.

الرابع: ما روى عن النبى (ص) فان كان معك قرآن فاقرا، و للثانى وجهان:

الأول: عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره.

الثانى: اطلاق الامر بالصلوة، و المشهور هو المنصور، مع كونه احوط، و اما الاستدلال للمشهور بعموم فاقراؤا ما تيسر منه فلا يخلو عن مناقشة، و الاجود جعله مؤيدا.

فروع:
الأول: هل يجب مساواة ما ياتى به من غيرها لها فى المقدار ام لا؟
اشارة

عن ظاهر المبسوط و التحرير الثانى، و عن المشهور بين من تاخر الأول، و لهم انه يظهر من مطلوبية ايقاع القراءة فى ضمن الحمد كونها مطلوبة هذا المقدار، و فيه ما ترى، بل الذى يظهر من رواية الفضل، ان المناط هو عدم هجر القرآن و اضمحلاله، و ذلك لا يستلزم كون ما يقرأه من القرآن بمقدار الحمد مع تعذره، و امر الاحتياط واضح.

تذنيب:

ص: 230

و على القول باعتبار المقدار فهل تجب المساواة فى الحروف او الايات او فيهما جميعا، اقوال على ما ذكره غير واحد منهم، قال بعض شراح الجعفرية بعد قولها: و لو لم يحسن شيئا منها قرا ما يحسن من غيرها بقدرها، ما لفظه لعموم فاقراؤا ما تيسّر منه، مراعيا للحروف و عدد الآيات ان امكن بغير عسر، لان كمال المشابهة يقتضى زيادة القرب، فان عسر اكتفى بالمساواة فى الحروف، انتهى. و فيه ما ترى.

الثانى: هل يجب ان يكون العوض سورة كاملة؟

فيه قولان على ما صرح به بعضهم، و لم اعثر على ما دل على الوجوب.

الثالث: قال بعض شراح الجعفرية: و هل يجوز التعويض عن الفاتحة اذا لم يحسنها بشىء من آيات سور العزائم غير آية السجدة؟

فيه اشكال، ينشأ من عموم قوله تعالى: (فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ)، و من عموم النهى الواقع فى الخبر المروى عن الائمة (ع)، و اما التعويض بنفس آية السّجدة و الظاهر انه لا يجوز لاستلزامها المحذور، و هو زيادة،(1) انتهى.

الرابع: صرح غير واحد منهم بوجوب التتالى فى التعويض،

و فى شرح الجعفرية عليه الاجماع، قيل: فان تعذر التتالى جاز الاتيان به متفرقا، قيل: و لو كان التفريق مخلا بتسمية الماتى به قرآنا، فكمن لا يعلم شيئا من القرآن، و لا يخلو عن وجه، فلو لم يحسن شيئا من القرآن (سبح اللّه تعالى و هلله و كبره) على المشهور، كما ادعاه الجماعة، و عن الخلاف ذكر الذكر و التكبير، و عن بعضهم ذكر التحميد و التسبيح و التهليل و التكبير، و الموجود فى صحيحة عبد اللّه بن سنان السابقة هو التكبير و التسبيح، و روى عن النبى (ص): ان كان معك قرآن فاقراه، و الا فاحمد اللّه و كبره و هلله، و هو و ان اشتمل على التهليل و التكبير لكنه غير مشتمل للتسبيح، مع ان الظاهر انه عامى، قاله بعض المحققين، و كيف كان،

ص: 231


1- الزيادة خ ظ.

فلا ينبغى التشكيك فى اجزاء ما اشتمل عليه المتن بل الصحة.

فرع:

قال بعض الاجله بعد نقل صحيحة عبد اللّه بن سنان ما لفظه: و ظاهره الاكتفاء بمطلق الذكر كما هو المشهور خلافا للذكرى، فاعتبر الواجب فى الاخيرتين لثبوت بدليته عنها فى الجملة، و هو احوط، انتهى.

أقول: ليس ظاهر الصحيحة هو الاكتفاء بمطلق الذكر، بل اختص بالتكبير و التسبيح، نعم، هى بالنسبة اليهما مطلقة، و كيف كان، فالاظهر هو اجزاء التكبير و التسبيح مطلقا، فما ذكره فى الذكرى من انه لو قيل بتعيين ما يجزى فى الاخيرتين من التسبيح كان وجها غير وجيه، و ان وافقه الجعفرية، اذ لم اجد ما يدل على ذلك سوى شيئين: أحدهما: انه قد ثبت بدلية التسبيح المذكور عن الحمد فى الاخيرتين، فلا يقصر بدل الحمد فى الاوليين عنهما، و فيه اولا: ان هذا بعد صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة ليس الا مجازفة ظاهرة و ثانيا: ان هذا الكلام منبئ بكون الاصل فى الاخيرتين هو الحمد و التسبيح، انما جعل بدلا عنه، و فيه ما عرفت.

و ثانيهما: ما ذكره فى شرح الجعفرية، قال: و روى ان النبى (ص) قال له رجل: انى(1) استطيع ان آخذ شيئا من القرآن، فعلمنى ما يجزنى فى الصلوة، فقال (ع): قل: سبحان الله، و الحمد لله، و لا اله الا الله، و اللّه اكبر، و لا حول و لا قوة الا باللّه العلى العظيم، فقال الرجل: هذا للّه فما لى؟ فقال (ص):

اللهم ارحمنى، و عافنى، و ارزقنى، و فيه ما ترى، و الاحوط هو ما ذكره فى الذكرى، (بقدر القراءة) على المشهور بين المتأخرين، على ما ادعاه الشارح المحقق، و نفاه فى التحرير قال: و قولنا: بقدر القراءة، يريد به الاستحباب، لان القراءة اذا سقطت لعدم القدرة سقطت توابعها، و صار ما تيسر من الذكر و التسبيح كافيا، انتهى.

ص: 232


1- لا خ ظ.

و مختار التحرير هو الاظهر، و ان كان الاحوط هو الأول، و عليه فكيف كان فيصلى مع ضيق الوقت على الوجه الذى ذكرناه.

(ثم يتعلم) بعد ذلك بحسب القدرة،

بقى هنا اشياء يحسن التنبيه عليها.
الأول: لو لم يحسن السورة كلا او بعضا، فهل يجب التعويض عما لا يحسن منها ام لا؟
اشارة

عن التذكرة اختيار الأول، و يعاضده اطلاق المتن فى الجملة، و لعلّ مستنده صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة، و عن عامة الاصحاب عداه اختيار الثانى، بل فى صريح المنتهى و المدارك و الذخيرة، كما عن ظاهر التنقيح نفى الخلاف عنه، اما لاصالة البراءة، كما اشار اليه بعضهم، او لان السورة تسقط مع الضرورة، و الجهل بها مع ضيق الوقت قريب منها، او لاجل الاقتصار فى التعويض المخالف للاصل على موضع الوفاق، او لمكان الخبر الثامن عشر و التاسع عشر المتقدمين فى شرح قول المصنف رحمه الله: و سورة كاملة.

و المناقشة فى بعض تلك الوجوه و ان كانت واردة، الا ان الامر فيها هين، و بالجملة لا شبهة فى ارجحية ما هو المشهور بين الطائفة.

وهم و تنبيه:

عن الشيخ على انه ايضا حكم بوجوب التعويض، و ادعى عدم التصريح لاحد بالسقوط حينئذ، بل التصريح بعدم السقوط، حيث قال فى بعض الحواشى المنسوبة اليه المكتوب على قول المحقق فى المختصر: و فى وجوب سورة مع الحمد فى الفرائض للمختار مع السعة و امكان التعلم الى آخره، و كذا يفهم من التقييد بسعة الوقت، انه مع الضيق لا تجب، و ليس كذلك، اذ لا دليل على السقوط ههنا، اذ لا يسقط شىء من الامور المعتبرة فى الصلوة لضيق الوقت، و لا أعلم لاحد التصريح بسقوط السورة للضيق، بل التصريح بخلافه موجود فى التذكرة انتهى(1)، و فيه ما لا يخفى على من له ادنى تتبع فى كلماتهم، و ما يظهر من

ص: 233


1- و لعل المناسب لهذا القول اليه من هذه العبارة فهم التلازم بين القول بعدم سقوط السورة مع الضيق و لزوم التعويض اذا لم يحسنها.

صريحهم و ايمائهم و مكالماتهم، الا تنظر الى قول المنتهى: لو لم يحسن الا الحمد و امكنه التعلم و كان الوقت واسعا وجب عليه التعلم، لانها كالحمد فى الوجوب، اما لو لم يمكنه التعلم او ضاق الوقت صلى بالحمد وحدها، للضرورة، و لا خلاف فى جواز الاقتصار على الحمد فى هذه المواضع، و فى النافلة للعارف المختار، و الى ما ذكره بعضهم(1) بعد نقله و هذا الكلام كالصريح فى سقوطها، و عدم وجوب العوض منها بالاجماع، و الى ما ذكره فى المنتهى ايضا لا خلاف بين اهل العلم فى جواز الاختصار على الحمد فى النافلة و كذا فى جوازه مع ضيق الوقت فى الفريضة و فى الذخيرة و ان كان ما يحسن مجموع الفاتحة و انما يجهل السورة او بعضها اقتصر على ما يحسن من غير تعويض عن المتروك بقران و لا ذكر بلا خلاف فى ذلك و فى المدارك لا خلاف بين الاصحاب فى الاختصار على الحمد فى النوافل مطلقا، و فى الفرايض فى حال الاضطرار كالخوف، مع ضيق الوقت، بحيث ان قرا السورة خرج الوقت، و مع عدم امكان التعلم، انتهى.

و بالجملة لا شبهة فى عدم وجاهة ما ذكره هذا القايل من وجوه شتى، كما لا يخفى على الماهر فى الفقه و لو فى الجملة.

الثانى: لو لم يحسن الذكر ايضا، فعن المصنف فى النهاية انه يقوم بقدر القراءة، ثم يركع،
اشارة

و اختاره فى الدروس، و لهما قوله (ع): الميسور لا يسقط بالمعسور، و فى الجعفرية بعد ان نسب ذلك الحكم الى قول قال، و فى بعض الأخبار ايماء اليه، و قال شارحها محتجا للنهاية ما لفظه: اذ لا يلزم من سقوط واجب سقوط غيره من لوازمه، لعموم قوله (ع): اذا امرتكم بشى فاتوا به(2) ما استطعتم، و قال اللّه تعالى: فاتوا منه مَا اِسْتَطَعْتُمْ، و الى ما ذكرنا اشار بقوله: و فى بعض الأخبار الى آخره، و قال فى الرياض: و هو - اى ما ذكره المصنف رحمه الله فى النهاية - الا انه فرض بعيد، اذ البحث فى ذلك مع مكلف قد علم جميع ما يجب تعلمه و هو شرط فى صحة الصلوة من الاصول الخمسة، و معرفة افعال الصلوة غير القراءة، و قد اخذها على وجه يجزى الاخذ به من الاجتهاد او

ص: 234


1- و هو الشارح المقدس. (منه)
2- منه خ ل.

التقليد لاهله، و مع العلم بهذه الامور كيف يتصور عدم علمه بالقراءة و الذكر معا لكن هذه طريقتهم فى فرض المسائل و تفريع الفروع، و ان لم يقع عادة.

تذنيب:

و هل يجب عليه حين القيام تحريك اللسان كالاخرس؟ يحتمل ذلك لعموم اذا امرتكم بشىء الى آخره، قاله بعضهم،(1) و فيه ما ترى.

الثالث: لو دار الامر بين تفسير الحمد و بين غيره من القرآن فالثانى مقدم مطلقا،

سواء كان ما يعلمه من التفسير مرادفا ام، عربيا ام عجميا ام تركيا ام غيرها، اذ الترجمة ليست بقرآن.

الرابع: لو دار الحمد بين ترجمة الحمد و الذكر، فالثانى مقدم،

و دليله ظاهر مما سبق.

الخامس: لو كان جاهلا بالعربية فى القراءة و الذكر، و دار امره بين ترجمة القراءة و بين ترجمة الذكر،

فهل يقدم الاولة او الثانية، وجهان بل قولان: للاول ان الارتباط الحاصل بين الالفاظ المترادفة اكثر من الارتباط الذى بين غيرها من الالفاظ الغير المترادفة المتباينة، و للثانى(2) ان ترجمة الذكر ايضا، بخلاف ترجمة القراءة، فانها ليست بقرآن.

أقول: لا ريب ان الفرض نادر فى الغاية، فالاطالة فيه ليس فيها كثير فائدة، و ملخص الكلام فيه ان اثبات احكام الشرع بمثل هذه التعليلات مجازفة و لزوم الاتيان بالترجمة فى الاصل ممنوع، اذ لم اعثر على ما يدل عليه كما سيجئ اليه الاشارة.

قراءة الأخرس
اشارة

(و الاخرس يحرك لسانه بها) صرح به الجماعة، و يدل عليه خبر السكونى المتقدم فى التكبيرة، و به تحصيل البراءة اليقينية، (و يعقد قلبه) بها وفاقا لجماعة و عن الشيخ انه لم يذكر سوى تحريك اللسان، و مختار الجماعة هو الاحوط، بل و اظهر.

ص: 235


1- و هو شارح الجعفرية. (منه)
2- و هو الجعفرية. (منه)
و ينبغى التنبيه لامور:
الأول: و زاد الجماعة ان له ان يشير باصبعه ايضا،
اشارة

و يدل عليه خبر السكونى المتقدم فى التكبيرة، و لا ريب ان معه تحصل البراءة اليقينية.

تذنيب:

قيد فى شرح الجعفرية الاصبع بالسبابة، و هو الاحوط، و ان كان فى التعيين نظر.

الثانى: الظاهر ان مراد المتن و نحوه من عقد القلب بها،
اشارة

هو ان ينوى بحركة اللسان كونها بدلا عن القراءة، و هذا هو الذى استظهره الجماعة، و مقتضى كلام الذكرى ان المراد به فهم معانى القراءة مفصلا، و هو الظاهر من الجعفرية، و عليه فلا بد افهامه اولا جميع معانى القراءة، ثم يؤمر بتحريك لسانه و عقد قلبه بها، قال الشهيد، و لو تعذر افهام جميع معانيها افهمه البعض، و حرك لسانه، و امر بتحريك اللسان بقدر الباقى تقريبا، و ان لم يعلم معناه مفصلا، انتهى.

أقول: ما اختاره الشهيد غير وجيه فى الغاية، لما اشار اليه فى الرياض بانه لا يعلم به قائل و لا يدل عليه دليل فى غير الاخرس، فضلا عنه، انتهى.

أقول: بل الدليل على خلافه واضح السبيل، لمكان عموم البلوى و مسيس الحاجة، و عموم لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و بالجملة الظاهر تفسير عقد القلب بما فسرناه، و الدليل الدال على لزوم الاتيان بالنية المذكورة، هو عدم تخصيص تحريك اللسان للقراءة الا بها.

تذنيب:

قال فى الرياض: و يمكن ان يريد بفهم المعانى فهما يحصل به التمييز بين الفاظ الفاتحة، ليتحقق القصد الى اجزائها جزءا جزءا مع الامكان فلا يكفى قصد مطلق القراءة للقادر على فهم ما به يتحقق القصد الى الاجزاء، و هو حسن انتهى، و فيه ما ترى.

ص: 236

الثالث: فى حكم الاخرس من عجز عن النطق،
اشارة

لعارض و لو عن بعض القراءة، كما صرح به غير واحد منهم، فيجب عليهم و لا الالثغ(1) و شبهه كالتاتاء و الفافاء(2) اصلاح اللسان بحسب المقدور، تحصيلا للنطق، و عن قرب الاسناد عن هرون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقه، قال: سمعت جعفر بن محمد (ع) يقول: انك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح.

و كذلك الاخرس فى القراءة فى الصلوة و التشهد، و ما اشبه ذلك، فهذا بمنزلة الاعجم و المحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح، و لو ذهب العالم المتكلم الفصيح حتى يدع ما قد علم انه يلزمه، و يعمل به، و ينبغى له ان يقوم به، حتى يكون ذلك منه بالنبطية و الفارسية لحيل بينه و بين ذلك بالادب، حتى يعود الى ما قد علمه و عقله، قال: و لو ذهب من لم يكن فى مثل حال الاعجم المحرم ففعل فعال الاعجمى و الاخرس - على ما قد وصفناه - اذا لم يكن احد فاعلا لشىء من الخير، و لا يعرف الجاهل من العالم، قال بعض الأجلاء فى النهاية فارسل الى ناقة محرمة التى لم تركب و لم تذلل، و فى الصحاح جلد محرم اى لم يتم دباغه، و سقط محرم، اى لم يكن بعد، و ناقة محرم اى لم يتم رياضتها بعد و قال كل: من لم يقدر على الكلام فهو اعجم، و المستعجم و الاعجم الذى لا يفصح و لا يبين كلامه، انتهى.

أقول: و منه يعلم ان اطلاق المحرم فى الخبر على من لا يمكنه الاتيان بالقراءة و نحوهما على وجهها من اخراج الحروف من مخارجها، او لا يفصح به، لشبهه

ص: 237


1- الثغ آنكه سين را ثا گويد در سخن و لام گويد يا غين تاتاء بوزن فعلاء مردى كه در سخن حرف تا كفتن را تردد كند، فافاء مردى كه بفا گفتن درماند و تردد كند بگفتن فا، كنز. (منه)
2- و عن الذكرى و التمتام و الفافا و الالثغ يجب عليهم السعى فى اصلاح اللسان، و لا يجوز لهم الصلوة مع سعة الوقت مهما امكن التعلم، فان تعذر ذلك صحت القراءة بما يقدرون عليه، و الاقرب عدم وجوب الايتمام عليهم، لان صلوتهم مشروعة، انتهى. (منه)

بالدابة و نحوها من الاشياء المعدودة فى عدم لين لسانه و تذليله بالنطق، و حاصل معنى الخبر، الفرق بين من يمكنه الاتيان بالقراءة و الاذكار و الادعية فى صلوة، او غيرها على وجهها و لو بالتعلم، و بين من لا يمكنه، و ان القادر على الاتيان بذلك على وجهه و لو بالتعلم لا يجزيه غير ذلك، و جهله مع امكان التعلم ليس بعذر شرعى، و المستفاد من بعض الأخبار، ان من لا يقدر على اصلاح لسانه و يقرا و يدعو على تلك الحال، فان اللّه سبحانه بمزيد فضله و كرمه يوكل الملائكة باصلاحه، فلا يرفع اليه الا على الهيئة و الكيفية المامور بها.

روى فى الوافى عن على بن ابراهيم، عن النوفلى عن السكونى، عن ابى عبد الله (ع)، قال: قال النبى (ص): ان الرجل الاعجمى ليقراء القرآن بعجميته، فيرفعه الملائكة على عربيته، و قد ورد فى الحديث المشهور عنه (ص):

ان سين بلال عند اللّه شين، انتهى.

تذنيبان:
الأول:

الظاهر انهم لا يصلون فى اول الوقت مهما بقى رجاء الاصلاح و امكان التعلم، فان ضاق الوقت صلوا بحسب المقدور.

الثانى:

قال فى الرياض بعد الحكم بعدم جواز الصلوة للعاجز عن النطق كلا او بعضا، و المبدل حرفا بحرف فى اول الوقت مع امكان التعلم، ما لفظه:

فان تعذر صحت القراءة بمقدورهم، و لا يجب عليهم الايتمام حينئذ، و ان كان الاحوط، بخلاف ما لو ضاق الوقت عن التعلم مع امكانه، يجب الايتمام حينئذ ان امكن، كما مرّ، و الفرق ان الاصلاح هنا ممكن، فيجب تحصيله، فمع تعذره يجب بدله بخلاف العاجز، فان الاصلاح عنه ساقط، فلا بدل، و قال بعض المحققين فى ذلك: ظاهر صحيحة ابن سنان و الرواية التى رواها العامة، سقوط وجوب الايتمام على الاخر ايضا، الا ان يقال بدخول الايتمام فى قوله (ع):

يحسن ان يقرأ، و قوله: و ان كان معك قرآن، بناء على ان قراءة الامام قراءته حينئذ، و انه مخصص من الدّليل، بخلاف الاخرس، اذ لم يعهد من الشرع فيه

ص: 238

وجوب الايتمام، مع ان ايتمامه لا ينفع الا فى قراءته فى الاولتين خاصة، و الا فلا يتاتّى منه الاذكار الواجبة و التشهد و التسليم، و ان مقتضى الميسور لا يسقط بالمعسور، ذلك و يمكن ان يقال وجوب الايتمام عليه ربما يوجب حرجا و عسرا فى الدّين، و انه لو كان الايتمام واجبا عليه لاشتهر ذلك من الشرع، و افتى به الفقهاء، و كيف كان، الاحتياط فى امثال ذلك مما لا يترك، الا ان يؤدى الى الحرج، انتهى.

أقول: عدم وجوب الايتمام على الاخرس مطلقا، مما لا اشكال فيه على الظاهر، اذا لم يمكن له اصلاح القراءة كلا او بعضا، و كذا الالثغ و التاتاء، و الفافاء، و اما مع امكان الاصلاح و ضيق الوقت فالقول بوجوبه ايضا لا يخلو عن اشكال، لعموم: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و عدم اشتهاره مع عموم البلوى، اذ ليس وزانهم الا كوزان بعض العوام، الذى يحسن القراءة كلا او بعضا.

و الانصاف ان المسئلة محل اشكال، و الاحتياط مما لا ينبغى تركه.

الرابع: ما بيناه فى كيفية قراءة الاخرس ليس مختصا بها،

بل يعم التشهد و ساير الاذكار، و بذلك صرح غير واحد منهم، و قد مضى فى رواية السكونى ما يعاضد المذكور و لو فى الجملة.

في عدم إجزاء الترجمة

(و لا يجزى الترجمة مع القدرة) اجماعا محققا، و محكيا فى عبائر الجماعة حد الاستفاضة، بل كاد ان يكون متواترا، بل لعله متواتر، خلافا لمخترع اساس الطغيان و البدعة، اعنى ابا حنيفة، فجوز الترجمة، و يرده الاجماع و السيرة، اذ الترجمة لو كانت مجزية لكان الاجزاء كالشمس فى رابعة النهار، لمكان عموم البلوى و مسيس الحاجة، اذ غير العرب من امة محمد (ص) كالفرس و الحبشة و النوبة و الافرنج و الترك و غيرهم كثير فى الغاية، و ان المامور به هو القراءة و الحمد و ام القرآن و السورة، و عدم صدقها مع الترجمة مما ليس فيه شبهة، ا لا ترى ان التفاسير ليست بقرآن، و ترجمة الشعر ليست شعرا، و ان من عبر شعر امرئ القيس مثلا بغير العربية لم يكن منشدا لشعره، بل لو عبره

ص: 239

بمراد فاته العربية ايضا(1) لم يكن منشد الشعره، و رواية الفضل المتقدمة المشتملة على قول الرضا (ع): فان قال: فلم امروا بالفراءة فى الصلوة؟ قيل(2): لان لا يكون القرآن مهجورا مضيعا، بل يكون محفوظا مدروسا، فلا يضمحل و لا يجهل الى آخره.

و لا ريب ان الترجمة ليست بقرآن، لمكان العرف المعتضد بقوله تعالى:

(إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) و قوله تعالى (بِلِسٰانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)، و ما ضاهاهما، و بانه معجز بالاجماع، و لا ريب ان الترجمة مبطلة له، اذ هو انما يكون باعتبار اللفظ و النظم، و لابى حنيفة قوله تعالى: (إِنَّ هٰذٰا لَفِي اَلصُّحُفِ اَلْأُولىٰ) و ما اشار اليه فى المدارك، قال: و قال ابو حنيفة: يجزى الترجمة لقوله تعالى:

(لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ) و انما ينذر كل قوم بلسانهم.

أقول: و ظهور شناعة الوجهين اغنانا عن التكلم فيهما، حتى عن اهل السنة، انهم جعلوا ذلك من شنايع ابى حنيفة، و مفسدات رايه، قيل: و لذا رجع سلطان محمد عن مذهبه الى الشافعيه بعد اطلاعه عليه، و على امثاله.

هنا امران:

الأول: مقتضى اطلاق جملة من العبائر و جملة من الاجماعات المحكية هو عدم اجزاء الترجمة مطلقا، و ربما يظهر من المتن جوازها عند العجز عن الذكر بالعربية، و به صرح فى التذكرة بل عن نهاية الاحكام الحكم بوجوبها.

و لعلّ مراد التذكره ايضا من الجواز هو الوجوب، و كيف كان فالذى يظهر عندى هو القول بعدم وجوبها مطلقا، لعدم ما يدل عليه، سوى ما اشار اليه بعض الاجلة، حيث قال: و اما القول بالمنع، فمردود بما دل على جواز الترجمة عن التكبير مع العجز عنها، فهنا اولى، و فيه ان القياس ليس بحجة، و الاولوية ممنوعة، و ثبوت الاجماع فى المقام ممنوع بلا شبهة، و حديث الميسور لا يسقط بالمعسور غير مغن عن الجوع بلا ريبة، فليقتصر فى الاحكام الشرعية

ص: 240


1- قال بعض الأجلاء مجيبا عن الآية الثانية بأن اخبارنا دالة على ان المراد بمن بلغ الائمة (ع) هو عطف على الفاعل فى قوله لا نذركم (منه).
2- عطف على الاجماع و السيرة (منه).

التعبدية على ما تدل عليه الادلة، و ليترك المجازفات فى الاحكام الالهية، فالقول بعدم الوجوب، بل عدم الاجزاء كما عن ظاهر الكافى و الغنية و التحرير و صريح البيان لا يخلو عن قوة، و يعضده غير واحد من العبائر الحاكم بعدم اجزاء الترجمة من غير تقييد المتضمن لدعوى الاجماع، و عن الذكرى انه حكم بجوازها كالتذكرة، لكنه اقتصر على العجز عن القراءة، و فيه ما تقدم من كون الواجب عليه حينئذ هو الذكر، و منهم من حكم بعدم اجزاء الاتيان بترجمة القراءة مع العجز، و حكم بتعين الاتيان بترجمة الذكر، و منهم من اشكل.

و الحق هو القول بانا لم نجد ما دل على جواز الاتيان بالترجمة، حتى نتفرع عليه الفروعات المترتبة، اذ الادلة اربعة.

اما الكتاب: فلا يحضرنى الآن منه فى ذلك آية.

و اما السنة: فربما يتوهم ان الدّال منها على ذلك هو قوله (ع): اذا امرتكم بشىء الى آخره، و قوله (ص): ما لا يدرك كله الى آخره، و قوله (ع): الميسور لا يسقط بالمعسور، و عدم دلالة الكل واضح، فلا وجه للاطالة التى هى للوقت اضاعة.

و اما الاجماع: فقد عرفت فى المقام حاله.

و اما دليل العقل: فمعلوم عدم ثبوته، لمكان تعبدية الاحكام الشرعية.

الثانى: صرح الجماعة بلزوم العربية فى الاذكار الواجبة و استظهر بعض مشائخنا اتفاق الاصحاب عليه، و لعلّه كذلك، و يدل عليه تعلق الامر بالعربية، فجواز العدول يحتاج الى دليل، و يعضده توقف اليقين بالبراءة عليه، و اتيان المعصومين عليهم السلام بالعربى، فيجب اما لاصالة وجوب التأسى، او لقوله:

صلوا كما رأيتمونى اصلى، او لان المداومة على فعل تقتضى الوجوب.

و لا يجزى القراءة مع اخلال حرف منها
اشارة

(و لا) يجزى القراءة مع (اخلال حرف منها) فضلا عن الازيد، (حتى التشديد) فانه حرف مع زيادة، و الظاهر انه لا خلاف فى ذلك بين الاصحاب، كما استظهره بعضهم(1) بل عن جماعة عليه الاجماع، و هو الحجة، مضافا الى ما

ص: 241


1- و هو الشارح المحقق (منه).

اشار اليه فى المدارك(1)، حيث قال: لان الاتيان بها انما يتحقق مع الاتيان بجميع اجزائها، فيلزم ان يكون الاخلال بالجزء اخلالا بها، قال: و من الحرف التشديد فى مواضعه، بدليل ان شدة راء الرّحمن و دال الدين اقيمت مقام اللام.

فروع:

الأول: صرح بعضهم(2) بان الجاهل فى ذلك كالعامد، قال: لعدم الاتيان بالمامور به، و الجهل ليس عذرا.

أقول: قد مضى تفصيل مسئلة الجاهل فى المجلد الأول من كتاب الصلوة.

فراجع الى هناك.

الثانى: قال فى التذكرة: و يجب ان ياتى بحروف الفاتحة اجمع حتى التشديد، و هو اربع عشرة شدة اجماعا.

الثالث: صرح المصنف رحمه اللّه فى التذكرة و غيرها، بانه لا يستحب المبالغة فى التشديد، بحيث يزيد على قدر حرف ساكن لانها فى كل موضع اقيمت مقام حرف ساكن كذا فى التذكرة، و زاد فى غيرها بعد ذلك، فاذا زاد على ذلك يكون بمنزلة من زاد على الحرف الاصلى، و قال فى النفلية: و يستحب التشديد بلا افراط، و قال شقيقه فى شرحها: و السنة ههنا هى ترك الافراط به اما اصله فواجب، لانه قائم مقام الحرف.

(و) كذا الا يجزى القراءة مع الاخلال (الاعراب) مطلقا، و لو لم يتغير المعنى بتغييره بلا خلاف اجده، الا ما يحكى عن المرتضى فى بعض مسائله، فحكم بعدم اضرار الاخلال بالاعراب، الذى لا يغير المعنى(3)، وفاقا للمحكى عن بعض العامة قيل:(4) و عن السّيد كراهية اللحن، و لذا قال: فى التذكرة: الاعراب شرط فى

ص: 242


1- و فى التذكرة و قال بعض الجمهور لا تبطل بترك الشدة لعدم ثبوتها فى المصحف و هو صفة الحرف و يسمى تاركها قاريا و ليس بجيد و لوفك الادغام فهو لحن فلا يغير المعنى انتهى اقول لا شك ان فك الادغام ايضا غير جايز لعدم وقوع القراءة على الكيفية المنزلة (منه).
2- و هو جامع المقاصد (منه).
3- و يدل على وجوب الاعراب ايضا ما رواه الكافى فى باب ترتيل القرآن بسنة معتبره عن ابى عبد الله (ع) قال اعرب القران فانه عربى (منه).
4- و هو الكشف (منه).

القراءة على اقوى القولين، و نحوها نهاية الاحكام، انتهى.

أقول: قول السّيد شاذ، بل الظاهر انعقاد الاجماع على خلافه، بل عن المحقق انه قال: لا فرق فى بطلان الصّلوة بالاخلال بالاعراب، بين كونه مغيرا للمعنى ككسر كاف اياك، و ضم تاء انعمت، او غير مغير كضم هاء الله، لان الاعراب كيفية للقراءة، و كما وجب الاتيان بحروفها، وجب الاتيان بالحروف المتلقى عن صاحب الشرع، و قال: ان ذلك قول علمائنا اجمع، انتهى.

و لا ريب ان هذه العبارة ظاهرة فى دعوى الاجماع، و هو الحجة، و يعضدها الشهرة العظيمة، بل عدم ظهور المخالف، اذ الذى يظهر من جوابه لمن سأل عنه عن حكم اللحن، هو موافقة المعظم، فانه قال على ما حكى فى جملة كلام له: اما اذا اعتمد اللحن مع قدرته على الصّواب و اقامة الاعراب(1)، فالاولى ان يكون صلوته فاسدة، و من افتى من اصحابنا بخلافه غير مصيب، و لعله لذا لم ينقل جماعة من اعيان العلماء الخلاف فى المقام، و اما عبارة التذكرة و نهاية الاحكام فيمكن ان تكون اشارة الى خلاف بعض العامة، قال فى التذكرة الاعراب شرط فى القراءة على اقوى القولين، فلو لحن عمدا فالاقرب الاعادة، سواء كان عالما او جاهلا، و سواء غير المعنى مثل ان يكسر كاف اياك، او يضم تاء انعمت، اولا، مثل ان نصب اللّه او رفعه، و سواء كان خفيا اولا.

و للشافعى اذا لم يغير المعنى وجهان: لقوله بلسان عربى، و لانه (ع) اعرب، و قال: صلوا كما رأيتمونى اصلى، انتهى.

و الانصاف ان عبارة السيد مشعرة بوجود المخالف من اصحابنا، و كيف كان، فالاجماع المحكى المعتضد بالشهرة حجة، و مجرد وجود الخلاف غير قادح بلا شبهة، و يؤيد المختار وجوه:

الأول: ان النبى (ص) صلى بالاعراب، و داوم عليه، فيجب على غيره ايضا اما لوجوب التأسى مطلقا، او لقوله (ص): صلوا كما رأيتمونى اصلى، او لان

ص: 243


1- و فى المسالك الجامعية لو لحن فيها عمدا بطلت صلوته سواء كان اللحن مغيرا للمعنى ام لا و سواء كان جليا او خفيا و لم اسمع فيه خلاف (منه).

مداومته (ص) على امر يدل على وجوبه.

الثانى: توقف اليقين بالبراءة عليه.

الثالث: ما اشار اليه الشارح المحقق، قال: حجة المشهور ان قراءة الفاتحة واجبة فى الصلوة، شرط فى صحتها، و لا شك فى ان الفاتحة اسم للمجموع المركب من الكلمات و الحروف المعلومه على الهيئة المخصوصة من الاعراب و البناء، و الاتيان بالكل انما يتحقق عند الاتيان بكل جزء منه، فيلزم الاتيان بكل كلمة منها على الهيئة المعتبرة فيها، و للسيد وجهان:

الأول: عموم قوله (ع): لا تعاد الصّلوة الا من خمسة الى آخره.

الثانى: ان اسماء السّور كالفاتحة و غيرها موضوعة للاعم من الصحيح و الغلط، لمكان صدق قراءة الفاتحة مثلا على من قرأها غلطا، و عدم صحة السلب و تقسيمها الى صحيحة و غلط، و استعمالها فيهما، و تقييدها بهما، و حكم العرف باستحقاق الدّرهم لمن كتبها غلطا، لو قيل: من كتب سورة الفاتحة او الحمدأ و أية سورة من السور القرآنية فله درهم، و عليه فيصدق على من قرأها باللحن المذكور ان قرأ الفاتحة، فليحكم بالصحة، حتى يظهر الدليل على الفساد.

و اما ما اشار اليه الشارح المحقق بقوله: و لعل السيد نظر الى ان من قرا الفاتحة على هذا الوجه، يصدق عليه المسمى عرفا، و الظاهر ان امثال تلك التعبيرات مما يقع فيها التسامح و التساهل فى الاطلاقات العرفية، فالاطلاق العرفى مستند الى التساهل فى العبارة و التادية، لا انه يطلق اللفظ حقيقة، فغير وجيه، و ان تبعه بعض(1) الاجلة، اذ الاصل المستنبط من الغلبة عدم التساهل، و انه لو فتح هذا الباب لما صحّ التمسك باكثر امارات الحقيقة عليها، هذا مضافا الى ان التسامح اذا شاع عرفا حصل منه دلالة التزاميه على اشتراك ما يتسامحون فيه مع الاصل، فافهم.

و اما المنع من انصراف اطلاق الامر بالقراءة الى الغلط، فعلى تقدير التنزل، انما يسلم فيما لو كانت غلطا واضحا عند عامة الناس.

ص: 244


1- و هو الرياض (منه).

و اما الخفى الذى جرت العادة به، كالمخالفة فى الاعراب فى الجملة، فلا، و اما القول بان الغلط الخفى انما ينصرف اليه الاطلاق، لزعمهم الصحة، و لو علموا بكونه غلطا لما حكموا بالانصراف، فغير مغن عن الجوع، اذ الحكيم اذا خاطب قوما بما يعتقدون انصرافه الى فرد، و لم يبين لهم ما يقتضى عدم الانصراف اليه، كان ذلك دليلا على تجويزه الانصراف اليه ايضا، فافهم.

و اما القول بان غاية ما ثبت من الادلة المذكورة هو كون اسماء السور موضوعة للمعنى الاعم، و لا دليل انها فى عرف الشرع كذلك، فغير وجيه، لمكان اصالة عدم النقل، و ربما يقال:(1) هب ان اسماء السور موضوعة للصحيح، و لكن نقول اذا اسند اليها الامر بقرائتها يراد منه المعنى الاعم، و لا بعد فى ذلك ا لا ترى ان قولك: ضربت زيدا، يدل على المعنى الاعم من ضرب مجموعه و ضرب بعض اجزائه، مع ان زيدا موضوع لمجموع الاجزاء، فتامل جدا.

و كيف كان، فلو لا الاجماع المحكى المعتضد بما مر، لكان رد قول السيد مشكلا، و لكن معه لا وجه للاطالة، اذ غاية دليليه هو العموم و الاطلاق، و تخصيصها بالدّليل و هو فى المقام الاجماع المحكى المعتضد بما مر مما اقيمت عليه الادلة.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: المراد بالاعراب الرفع و النصب و الجر و الجزم،

و مثله صفات البناء كالضم و الفتح و الكسر و السّكون، و بذلك صرح الجماعة.

الثانى: صرح غير واحد منهم بان المراد بالاعراب ههنا الاعراب الذى تواتر نقله فى القرآن،
اشارة

لا ما وافق قانون العربية مطلقا.

أقول: تفصيل المقام يقتضى بسط الكلام فى مقامات:
الأول: يجوز قراءة الحمد و السورة بما اتفق عليه القراء السبعة،

و ما

ص: 245


1- المفاتيح. (منه)

اختلفوا فيه، فهو مخير فى اختيار اى قراءة من قراءاتهم شاء. بلا خلاف اجده، بل يستفاد من عبائر الجماعة ان عليه اجماع الامامية، فلننقل جملة من العبائر الصريحة او الظاهرة فى نقل الاجماع، فنقول:

قال الشيخ فى التبيان: ان المعروف من مذهب الامامية، و التطلع فى اخبارهم و رواياتهم، ان القرآن نزل بحرف واحد على نبى واحد. غير انهم اجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القراء، ان الانسان مخير باى قراءة شاء، و كرهوا تجريد قراءة بعينها.

و قال الطبرسى فى مجمع البيان: اعلم ان الظاهر من مذهب الامامية انهم اجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القراء بينهم من القراات الا انهم اختاروا القراءة بما جاز بين القراء و كرهوا تجريد قراءة مفردة.

و قال ابن جمهور فى المسالك الجامعية: الاجماع منعقد على جواز القراءة بقراءة القراء السبعة المشهورة، فيجوز للمصلى و غيره ان يقرا بكل واحد منها، من غير ان يلزمه قراءة واحد بعينه، و التخيير اليه.

و قال المجلسى رحمه اللّه فى البحار: لا خلاف فى جواز قراءة اى السبع شاء.

و قال الشارح المحقق فى الذخيرة: لا يخفى ان تواتر القراءات السبع مما قد نوقش فيه، حتى قيل ليس المراد بتواتر السبع و العشر، ان كلما ورد من هذه القراءات متواتر، بل المراد انحصار المتواتر الان فيما نقل من هذه القراءات، فان بعض ما نقل عن السبعة شاذ، فضلا عن غيرهم، لكن الظاهر انه لا خلاف فى جواز القراءة بها.

و قال الشارح المقدس رحمه الله: و كأنه لا خلاف فى السبعة، و قال فى المسالك الجامعية على ما حكى: الاجماع منعقد على جواز القراءة بقراءة القراء السبعة المشهورة فيجوز للمصلى ان يقرا بكل واحد منها، من غير ان يلزمه قراءة واحد بعينه، و التخيير اليه.

و قال المحقق الجواد على ما حكى: و يجوز القراءة بالسبع اجماعا من

ص: 246

العلماء، لتواترها، انتهى.

و يدل على ما اشرنا اليه جملة من الأخبار ايضا، منها: ما رواه الكافى فى باب ان القرآن يرفع كما انزل عن العده، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن بعض اصحابه عن ابى الحسن (ع)، قال: قلت له: جعلت فداك، انا نسمع الآيات فى القرآن ليس هى عندنا كما نسمعها، و لا نحسن ان نقراها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: اقرأوا كما تعلمتم، فسيجيئكم من يعلمكم.

و منها: ما رواه ايضا فى باب النوادر، الواقع بعد باب فضل القرآن عن العدة عن سهل بن زياد، عن على بن الحكم، عن عبد اللّه بن جندب، عن سفيان السّمط قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن تنزيل القرآن. قال: اقراؤا كما علمتم.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن ابى هاشم، عن سالم ابى(1) سلمة قال: قرأ رجل على ابى عبد الله (ع) و انا اسمع حروفا من القرآن، ليس على ما يقراها الناس، فقال: ابو عبد الله (ع): كف عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس، حتى يقوم القائم (ع)، فاذا قام القائم (ع) أقرأ كتاب اللّه عزّ و جلّ على حده، و اخرج المصحف الذى كتبه على (ع)، و قال اخرجه على (ع) الى الناس حين فرغ منه.

و كتبه، فقال لهم: هذا كتاب اللّه عزّ و جلّ كما انزله اللّه على محمد (ص)، قد جمعته من اللوحين، فقالوا: هوذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه، فقال: اما و اللّه ما ترونه بعد يومكم هذا أبدا، انما كان على ان اخبركم حين جمعته لتقرؤه.

و منها: ما روى عن الخصال عن عيسى بن عبيد اللّه الهاشمى عن ابيه عن آبائه، قال: قال رسول الله (ص): اتانى آت من اللّه فقال: ان اللّه يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: يا رب وسع على امتى، فقال: ان اللّه يأمرك

ص: 247


1- بن خ ل.

ان تقرا القرآن على سبعة احرف.

و منها: عن مجمع البيان انه قال: روى عنهم (ع) جواز القراءة بما اختلف فيه القراء. و فى دلالة بعض تلك الأخبار مناقشة، و لكنها لعلها بعد ضم بعض تلك الأخبار الى بعضها غير ضايرة، كالسند لمكان جبره، بما تقدم اليه الاشارة.

الثانى: اختلف الاصحاب فى جواز القراءة بالثلاثة المكملة للعشر،
اشارة

و هى لابى جعفر، و يعقوب، و خلف، فذهب جماعة و منهم الشهيد ان الى الجواز، و اخرى الى العدم، و قيل بالمنع فى الصلوة، و الجواز فى غيرها، للاولين ما اشار اليه الشارح الفاضل فى الرياض، حيث قال: و قد اجمع العلماء على تواتر السبعة، و اختلفوا فى تمام العشر، و هى قراءة ابى جعفر و يعقوب و خلف، و المشهور بين المتأخرين تواترها، و ممن شهد به الشهيد رحمه الله، و لا يقصر ذلك عن ثبوت الاجماع بخبر الواحد، فيجوز القراءة بها، مع ان بعض محققى القراء من المتأخرين افرد كتابا فى اسماء الرجال الذين نقلوها فى كل طبقه، و هم يزيدون عما يعتبر فى التواتر، فيجوز القراءة بها، ان شاء اللّه. و للمانعين ما اشار اليه الشارح المقدس فى مجمع الفائدة، حيث قال: و كانه لا خلاف فى السبعة، و كذا فى الزيادة على العشرة، و اما الثلاثة التى بينهما فالظاهر عدم الاكتفاء، للعلم بوجوب قراءة ما علم كونها قرآنا، و هى غير معلومة، و ما نقل أنها متواترة غير ثابت، و لا يكفى شهادة مثل الشهيد، لاشتراط تواتر القرآن الذى يجب ثبوته بالعلم، و لا يكفى فى ثبوته الظن بالخبر الواحد و نحوه، كما ثبت فى الاصول، فلا يقاس بقبول الاجماع بنقله، لانه لا يقبل فيه قول العدل الواحد، و كيف يقبل، مع انه لو نقل عنه (ص) ذلك لم يثبت، فقول المحقق الثانى و الشهيد الثانى انه يجزى ما فوق السبع الى العشرة بشهادة الشهيد بالتواتر، و هو كاف لعدالته، و اخباره بثبوته كنقل الاجماع غير واضح، نعم، يمكن ان يجوز له ذلك اذا كان ثابتا عنده بطريق علمى، و هو واضح، بل يفهم من بعض كتب

ص: 248

الاصول ان تجويز قراءة ما ليس بمعلوم كونه قرآنا يقينا فسق، بل كفر، فكل ما ليس بمعلوم يقينا انه قرآن منفى كونه قرآنا على ما قالوا، انتهى.

أقول: تحقيق هذا المقام يقتضى ذكر اشياء.
الأول: اختلفوا فى تواتر القراءات السبع على اقوال:
الأول: انها متواترة،

و هو للمعظم على ما نسبه بعضهم، و فى الرياض، و قد اجمع العلماء على تواتر السبعة، و قال المحقق الثانى فى جامع المقاصد: و قد اتفقوا على تواتر السبع، و عن السيّد صدر الدين: و معظم المجتهدين من اصحابنا حكموا بتواتر القراءات السبع، و عن الصافى: و قد اشتهر بين العلماء الفقهاء وجوب التزام عدم خروج من القراءات السبع، او العشر المعروفة لتواتر هذه و شذوذ غيرها، و فى الحدائق: ادعى اصحابنا المتأخرون تواتر السبع او العشر، و فى المدارك: و قد نقل جمع من الاصحاب الاجماع على تواتر القراءات السبع و نحوا منه فى الذخيرة، و قيل ان اكثر علمائنا على ان كل واحد من السبعة المشهورة متواتر، و نقل بعض الاجماع.

الثانى: انها متواترة فى الجملة،

و هو للمحقق البهائى، وفاقا للحاجبى، و العضدى من العامة، حيث قال الأول فى يده: و السبع متواترة، ان كانت جوهرية كملك و مالك، و اما الادائية كالمد و الامالة فلا، و قال الثانى فى المختصر:

القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الاداء كالمد و الامالة، و تخفيف الهمزة و نحوها.

الثالث: عدم ثبوت تواترها مطلقا،

و هو المحكى عن نجم الائمة فى شرح الكافيه، و الشيخ فى التبيان، و السيد نعمة اللّه الجزائرى، و السيد صدر الدين، و ابن طاوس فى مواضع من كتاب سعد السّعود، و غيره، و صاحب الكشاف فى تفسير قوله تعالى: (وَ كَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاٰدِهِمْ) قيل: و هو ايضا الذخيرة و الرازى فى تفسيره الكبير، و يظهر من الشيخ محمد الحرفوشى الميل اليه.

ص: 249

أقول: و اختاره ايضا من متاخرى المتأخرين جماعة،(1) للاولين وجوه:

الأول: الاجماعات المحكية على تواتر السّبعة، و فيه ان غايتها المظنة، و هى فى المقام المقتضى لحصول العلم غير نافعة، هذا مضافا الى ما ذكره بعض متاخرى الطائفة، حيث قال: يحتمل ان يروا ما ذكره الشهيد فى المقاصد العلية، فانه قال: و اعلم انه ليس المراد ان كلما ورد من هذه القراءات متواتر بل المراد انحصار المتواتر الآن فيما نقل من هذه القراءات، فان بعض ما نقل عن السبعة شاذ، فضلا عن غيرهم، كما حققه جماعة من اهل هذا الشان.

و قد صرح والد البهائى بان المراد من تواترها ذلك، و يحتمل ان يريدوا شيئا آخر، و هو تواتر جواز القراءة بالسبعة عن الائمة (ع)، و هو غير تواتر نفسها، و قد اشار الى هذا بعض الافاضل.

الثانى: ما نقل عن العامة عن النبى (ص) انه قال: نزل القرآن على سبعة احرف كلها شاف كاف، و المراد سبع قراءات، و فيه مع قطع النظر عن السند، انه غير متواتر، و لا مقطوع به، فلا ينفع فى المقام هذا مضافا الى ما ذكره الطبرسى فى مجمع البيان، بان الشايع فى اخبارهم - اى الامامية - ان القرآن نزل بحرف واحد، و ما روته العامة عن النبى (ص) انه نزل القرآن على سبعة احرف كلها شاف كاف اختلف فى تاويله، فاجرى قوم لفظ الاحرف على ظاهره، ثم حملوه على وجهين(2): احدهما: ان المراد سبع لغات، مما لا يغير حكما فى تحليل و لا تحريم، مثل هلم و اقبل و تعال، و كانوا مخيرين فى مبداء الاسلام فى ان يقرؤا بما شاؤا منها، ثم اجمعوا على احدها، و اجماعهم حجة، فصار ما اجمعوا عليه مانعا مما اعرضوا عنه، و الاخر: ان المراد سبعة اوجه من القراءات، و ذكر ان الاختلاف فى القراءات على سبعة اوجه:

احدها اختلاف اعراب الكلمة مما لا يزيلها عن صورتها فى الكتابة، و لا يغير

ص: 250


1- كالشيخ يوسف فى شرح المفاتيح و غيره. (منه)
2- قال بعض الأجلاء بعد نقل ذلك النبوى العامى و اختلفوا فى معناه ما يبلغ اربعين قولا اشهرها الحمل على القراءات السبع، انتهى. (منه)

معناها، نحو قوله تعالى: (فَيُضٰاعِفَهُ) بالرفع و النصب.

و الثانى: الاختلاف فى الاعراب، مما لا يغير معناها و لا يزيلها عن صورتها، نحو قوله تعالى (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ) و (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ).

و الثالث: الاختلاف فى حروف الكلمة دون اعرابها، مما لا يغير معناها، و لا يزيل صورتها، نحو (كَيْفَ نُنْشِزُهٰا و ننشرها) بالزاء و الراء.

و الرابع: الاختلاف فى الكلمة، مما يغير صورتها، و لا يغير معناها، نحو قوله: «إِنْ كٰانَتْ إِلاّٰ صَيْحَةً *» و الازقية.

و الخامس: الاختلاف فى الكلمة مما يزيل صورتها و معناها، نحو «طَلْحٍ مَنْضُودٍ» و طلع.

و السادس: اختلاف بالتقديم و التاخير، نحو قوله تعالى: «وَ جٰاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ»، و سكرة الحق بالموت.

و السابع: الاختلاف بالزيادة و النقصان نحو قوله تعالى: «وَ مٰا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ» و «مٰا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ».

قال الشيخ السّعيد ابو جعفر الطوسى قدس اللّه روحه: هذا الوجه اصلح الوجوه، لما روى عنهم (ع) من جواز القراءة بما اختلف فيه القراء، و حمل جماعة من العلماء الاحرف على المعانى و الاحكام، التى يتضمنها القرآن دون الالفاظ، و اختلف اقوالهم فيها، فمنهم من قال: انه وعد و وعيد، و امر و نهى، و جدل و قصص و مثل.

و روى عن ابن مسعود عن النبى (ص) انه قال: نزل القرآن على سبعة احرف زجر و امر، و حلال و حرام، و محكم و متشابه، و امثال.

و روى ابو قلابة عن النبى (ص) انه قال: القرآن على سبعة احرف، امرو زجر، و ترغيب و ترهيب، و جدل و قصص و مثل.

و قال بعضهم: ناسخ و منسوخ، و محكم و متشابه، و مجمل و مفصل، و تاويل لا يعلمه الا اللّه عزّ و جلّ، انتهى.

ص: 251

و عن ابن اثير بعد الاشارة الى الحديث: اراد بالحرف اللغة، يعنى سبع لغات من لغات العرب، اى انها متفرقة فى القرآن، فبعضه بلغة قريش و بعضه بلغة هذيل، و بعضه بلغة هوازن، و بعضه بلغة اليمن، و ليس معناه ان يكون فى الحرف الواحد سبعة اوجه، على انه قد جاء فى القرآن ما قرأ السبعة و غيره، كقوله له: «مٰالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ» و «عَبَدَ اَلطّٰاغُوتَ». و مما يبين ذلك انى قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين فاقراؤا كما علمتم، انما هو كقول احدكم: هلم و تعال و اقبل. و فيه اقوال غير ذلك، هذا احسنها، انتهى.

و عن القاموس مثل ما ذكره، و بما ذكر ظهر حال رواية الخصال المتقدمة

الثالث: ان القراءات السبع لو لم تكن متواترة، و من القرآن المنزل، لوجب ان يتواتر ذلك، و يعلم عدم كونها منه، و التالى باطل، فالمقدم مثله، اما الملازمة فلان العادة قاضية بانه يجب ان يكون ما ليس بقرآن معلوما انه ليس بقرآن، لتوفر الدّواعى على تمييز القرآن عن غيره، و هو مستلزم لذلك. و فيه ما فيه.

و للثانى: اما على عدم تواتر الادائية، فلان القرآن هو الكلام، و صفات الالفاظ اعنى الهيئة ليست كلاما، و اما على تواتر ما هو من جوهر اللفظ، فلما ذكره العضدى فى شرح المختصر، حيث قال: القراءات السبع منها ما هو من قبيل الهيئة كالمد و اللين و تخفيف الهمزة و الامالة و نحوها، و ذلك لا يجب تواتره، و منها ما هو من جوهر اللفظ نحو ملك و مالك، و هذا متواتر، و الا لكان غير متواتر، و هو من القرآن، فبعض القرآن غير متواتر، و قد بطل لما مرّ و لا يمكن ان يصار الى احدهما بعينه، فيقال انه هو المتبادر دون الاخر، و ذلك الواحد هو القرآن، لانه تحكم بحت، لاستوائهما بالضرورة، و اعترض عليه جمال الدّين الخونسارى، حيث قال بعد الاشارة الى قول العضدى: هذا متواتر و الا لكان غير متواتر لا يخفى ان دليل وجوب تواتر القرآن، و هو توفر الدّواعى على نقله لوتم، انما يدل على وجوب تواتره الى زمان الجمع، و اما بعده فالظاهر انهم اكتفوا فيه بتكثير نسخ هذا

ص: 252

الكتاب الذى جمع بحيث يصير متواترا فى كل زمان، و استغنوا به عن جعل اصل القرآن المنزل متواترا بالحفظ من خارج، كيف و قد عرفت ان الظاهر انه لم يقع التواتر فى كثير فى ابعاض القرآن، الا بهذا الوجه، و هو وجوده فى هذا الكتاب المتواتر، و على هذا فالاستدلال على تواتر القراءات السبع بما ذكره العضدى ضعيف جدا، اذ بتواتر ذلك الكتاب على الوجه المذكور لا يعلم الا تواتر احدى القراءات، لا بعينها، لا خصوص بعضها و لا جميعها، فالظاهر انه لا بد فى اثبات تواترها من التفحص و التفتيش فى نقلتها و رواتها، فان ظهر بلوغهم الى حد التواتر، فهو متواتر، و الا فلا، و الذى ظهر لنا من خارج شهرة القراءات السبع دون ما عداها، و اما بلوغ الجميع او بعضها حد التواتر فكانه لا يظهر فى هذه الاعصار.

و للثالث وجوه:

الأول: جملة من الأخبار، منها: ما رواه الكافى فى باب النوادر الواقع بعد باب فضل القرآن فى الحسن كالصحيح، او الصحيح عن الفضيل بن يسار، قال: قلت لابى عبد الله (ع): ان الناس يقولون: ان القرآن نزل على سبعة احرف، فقال: كذبوا اعداء الله، و لكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال:

ان القرآن واحد، نزل من عند واحد، و لكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة، قال فى الوافى بعد نقل الخبرين: و المقصود منها واحد، و هو ان القراءة الصحيحة واحدة، الا انه (ع) لما علم انهم فهموا عن الحديث الذى رووه صحة القراءات جميعا مع اختلافها كذبهم، انتهى.

و روى الكافى ايضا فى الباب المتقدم عن عبد اللّه بن فرقد و المعلى بن خنيس، قالا: كنا عند ابى عبد الله (ع) و معنا ربيعة الراى، فذكرنا فضل القرآن، فقال ابو عبد الله (ع): ان كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو

ص: 253

ضال، فقال ربيعة: ضال؟ فقال: نعم ضال، ثم قال ابو عبد الله (ع): اما نحن فنقرا على قراءة ابى، قال فى الوافى و المستفاد من هذا الحديث ان القراءة الصحيحة هى قراءة ابى، و انها الموافقة لقراءة اهل البيت (ع)، الا انها اليوم غير مضبوطة عندنا، اذ لم يصل الينا قرائته فى جميع الفاظ القرآن.

و قال بعض الأجلاء: لعل كلامه (ع) فى آخر الحديث انما وقع على سبيل التنزل و الرعاية لربيعة الراى، حيث انه معتمد العامة فى وقته، تلافيا لما قاله فى حق ابن مسعود و تضليله له، مع انه عندهم بانه بالمنزلة العليا، سيما فى القراءة، و الا فانهم (ع) لا يتبعون احدا، و انما هم متبعون لا تابعون.

و روى ايضا فى الباب المتقدم عن احمد بن محمد بن ابى نصر، قال: دفع اليّ ابو الحسن (ع) مصحفا فقال: لا تنظر فيه، ففتحته و قرات فيه «لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» فوجدت فيها اسم سبعين رجلا من قريش باسمائهم و اسماء آبائهم، قال:

فبعث الىّ ابعث الىّ بالمصحف.

الثانى: ما اشار اليه بعضهم،(1) بان كتب القراءة و التفسير مشحونة من قولهم قرأ حفص او عاصم كذا، و فى قراءة على بن ابى طالب (ع) كذا، بل ربما قالوا: و فى قراءة رسول الله (ص) كذا، كما يظهر من الاختلاف المذكور فى قراءة غير المغضوب عليهم و لا الضالين.

و الحاصل انهم يجعلون قراءة القراء قسيمة المعصومين (ع)، فكيف تكون القراءات السبع متواترة عن الشارع تواترا يكون حجة على الناس.

الثالث: ما ذكره بعضهم بان القراء السبعة من احاد المخالفين استبدوا بالقراءات بارائهم، و ان اسندوا بعض قراءتهم الى النبى (ص)، فلا يجوز ان يدعى تواتر قراءاتهم، و لا يجوز ايضا الاعتماد على اسنادهم الى النبى (ص) احيانا، و قال بعضهم(2) بعد الاشارة الى وقوع الزيادة و النقصان فى عصر النبى (ص) و الصحابة: و اما العصر الثانى فهو زمان القرّاء، و ذلك ان المصحف

ص: 254


1- و هو السّيد نعمة اللّه.
2- و هو السّيد نعمة اللّه.

الذى وقع اليهم حال من الاعراب و النقط، كما هو الآن موجود فى المصاحف التى، هى بخط مولانا امير المؤمنين و اولاده المعصومين عليهم السلام، و قد شاهدنا عدة منها فى خزانة الرضا (ع)، نعم، ذكر جلال الدين السّيوطى فى كتابه الموسوم بالمطالع السعيدة، ان ابا الاسود الدئلى اعرب مصحفا واحدا فى خلافة معوية، و بالجملة لما وقعت اليهم المصاحف على ذلك الحال، تصرفوا فى اعرابها و نقطها و ادغامها و امالتها و نحو ذلك من القوانين المختلفة بينهم، على ما يوافق مذهبهم فى اللغة و العربية، كما تصرفوا فى النحو، و صاروا الى ما دونوه من القواعد المختلفة.

قال محمد بن بحر البرهنى: ان كل واحد من القراء قبل ان يتجدد القارى الذى بعده كانوا لا يجيزون الا قرائته، ثم لما جاء القارى الثانى انتقلوا عن ذلك المنع الى جواز قراءة الثانى، و كذلك فى القراءات السّبع، فاشتمل كل واحد على انكار قرائته، ثم عادوا الى خلاف ما انكروه، ثم اقتصروا على هؤلاء السبعة، مع انه قد حصل فى علماء المسلمين و العالمين بالقرآن ارجح منهم، مع ان زمان الصحابة ما كان هؤلاء السّبعة، و لا عددا معلوما من الصحابة للناس ياخذون القراءات عنهم، ثم ذكر قول الصحابة لنبيهم (ص) على الحوض، اذا سألهم: كيف خلفتمونى فى الثقلين من بعدى؟ فيقولون اما الاكبر فحرفناه و بدلناه، و اما الاصغر فقتلناه، ثم يذادون الى الحوض، انتهى.

و قال بعض الأجلاء معترضا على مدعى تواتر السبعة: هذا التواتر المدعى ان ثبت فانما هو من طريق العامة، الذين هم النقله لتلك القراءات، و الرواة لها فى جميع الطبقات، و انما تلقاها غيرهم عنهم، و اخذوها منهم، و ثبوت الاحكام الشرعية بنقلهم و ان ادعوا تواتره لا يخفى ما فيه.

الرابع: ما ذكره الرازى فى تفسيره الكبير، حيث قال: اتفق الاكثرون على ان القراءات المشهورة منقولة بالتواتر، و فيه اشكال، و ذلك لانا نقول هذه القراءات اما تكون منقولة بالنقل المتواتر اولا تكون، فان كان الأول فحينئذ قد ثبت

ص: 255

بالنقل ان اللّه قد خير بين هذه القراءات، و سوى بينها بالجواز، و اذا كان كذلك كان ترجيح بعضها على بعض واقعا على خلاف الحكم الثابت بالتواتر، فيجب ان يكون الذاهبون الى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للفسق، ان لم يلزمهم الكفر، كما ترى ان كل واحد من هؤلاء القراء يختص بنوع معين من القراءة، و يحمل الناس عليه، و يمنعهم عن غيره، و اما ان قلنا ان هذه القراءات ما تثبت بالتواتر، بل بطريق الاحاد، فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيد اللجزم و القطع و اليقين، و ذلك باطل بالاجماع، و لقائل ان يجيب عنه فيقول بعضها متواتر، و لا خلاف بين الامة فيه، و فى تجويز القراءة بكل واحد منها، و بعضها من باب الاحاد، و كون بعض القراءات من باب الاحاد لا يقتضى خروج القرآن بالكلية عن كونه قطعيا، انتهى.

الخامس: انها لو كانت متواترة لكان صلوة من ترك البسملة صحيحة، و التالى باطل، لما سيجئ ان شاء اللّه، فالمقدم مثله، اما الملازمة فلانّه قراءة بعض السبعة.

السادس: الاجماع المستفاد من ظاهر عبارة التبيان المتقدمة المتضمنة لقول الشيخ، ان المعروف من مذهب الامامية و التطلع فى اخبارهم و رواياتهم، ان القرآن نزل بحرف واحد على نبى واحد الى آخره.

قال بعض المحققين فى جملة كلام له: و من هذا يظهر وجوب الاقتصار على المنقول، يعنى ما كان متداولا بين المسلمين فى زمان الائمة (ع)، و كانوا يقرأون عليه، و لا يحكمون ببطلانه، بل يصححون، و الا فالقرآن نزل عندنا بحرف واحد جل جلاله، و الاختلاف جاء من قبل الرّواية، بل ربما كانوا (ع) فى بعض المواضع لا يرضون ما هو الحق و ما هو فى الواقع، و يقولون ان قراءته مخصوصة بزمان ظهور القائم (ع)، ثم قال: و حكى عن جماعة من الاصحاب دعوى تواتر قراءة السّبع، و قال بعض الاجلة: دعوى التواتر فى السبعة مشهورة بين اكثر علماء العامة، و جل متاخرى الخاصة، مع انه انكره بعض الاولين كالامام الرّازى

ص: 256

فى تفسيره الكبير، و الزمخشرى على ما نقل، و هو الاوفق بمذهبنا، و ما اقتضاه اخبارنا.

و قال بعض مشائخنا: و التحقيق ان يقال: انه لم يظهر دليل قاطع على احد الاقوال فى المسئلة، نعم، يمكن استظهار القول الأول اى القول بانها متواترة مطلقا، للاجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظيمة بين الخاصة و العامة، و المؤيدة بالمروى عن الخصال المتقدم اليه الاشارة و غيره، و لا يعارضها خبر الفضيل و زرارة لقصور دلالتهما جدا، فان المناقشة فى حديث نزل القرآن على سبعة جارية فيهما، انتهى.

أقول: و بالله التوفيق: التواتر هنا يحتمل ان يراد منه اشياء:

الأول: ان المراد منه ما ذكره فى المقاصد العلية حيث قال مشيرا الى القراءات السبع: فان الكل من عند الله، نزل به الروح الامين على قلب سيد المرسلين، تخفيفا على الامة، و تهوينا على اهل هذه الملة.

الثانى: ان المراد منه تواتر صدور الاختلافات و الكيفيات المنسوبة الى القراء السّبعة عنهم.

الثالث: ان المراد منه تواتر جواز قراءة صدور الاختلافات، و الكيفيات المنسوبة اليهم عن الائمة عليهم السلام، اما المعنى الأول فهو بعد غير ثابت عند العبد، بل الظاهر نظرا الى ما يقتضيه اخبارنا و عبائر جملة من علمائنا عدمه، فانظر الى جملة من الأخبار المتقدمة، و الى ما ذكره فى التبيان شيخ الطائفة بقوله: ان المعروف من مذهب الامامية و التطلع فى اخبارهم و رواياتهم، ان القرآن نزل بحرف واحد، غير انهم اجمعوا الى آخر ما تقدم، و فى مجمع البيان الطبرسى بقوله: و الشايع فى اخبارهم ان القرآن نزل بحرف واحد، و ما ذكره بعض المحققين فى جملة كلام له، و الا فالقرآن نزل عندنا بحرف واحد جل جلاله، و الاختلاف جاء من قبل الرواية، و ما ذكره بعض الأجلاء من استفاضة الأخبار بالتغيير، و التبديل فى جملة من الآيات من كلمة باخرى، زيادة على الأخبار

ص: 257

المتكاثرة بوقوع النقص فى القرآن و الحذف منه، كما هو مذهب جملة من مشائخنا المتقدمين و المتأخرين، قال: و من الأول ما ورد فى قوله عزّ و جلّ: (وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللّٰهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) ففى تفسير العياشى عن الصادق (ع) انه قرأ ابو بصير عنده هذه الاية، فقال (ع): ليس هكذا انزلها اللّه تعالى، و انما نزلت (و أَنْتُمْ قَلِيلٌ) و فى آخر ما كانوا اذلة و فيهم رسول الله (ص)، و ما ورد فى قوله عزّ و جلّ: (لَقَدْ تٰابَ اَللّٰهُ عَلَى اَلنَّبِيِّ وَ اَلْمُهٰاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصٰارِ) ففى الاحتجاج عن الصادق (ع)، و المجمع عن الرضا (ع)، لقد تاب اللّه بالنبى على المهاجرين، و القمى عن الصّادق (ع) هكذا انزلت، و فى الاحتجاج عنه، و اىّ ذنب كان لرسول الله (ص) حتى تاب منه، انما تاب اللّه به على امته، و ما ورد فى قوله تعالى: (وَ عَلَى اَلثَّلاٰثَةِ اَلَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّٰى إِذٰا ضٰاقَتْ عَلَيْهِمُ اَلْأَرْضُ) الآية، ففى المجمع عن السجاد (ع) و الباقر (ع) انهم قرؤا: (خالفوا) و القمى عن العالم، و الكافى و العياشى عن الصادق (ع) مثله، قال: و لو كانوا خلفوا فى خالف لكان فى حال طاعة.

و ما ورد فى قوله عزّ و جلّ: (لَهُ مُعَقِّبٰاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللّٰهِ) ففى تفسير القمى عن الصادق (ع) ان هذه الاية قرئت عنده، فقال لقارئها: ألستم عربا، فكيف يكون المعقبات من بين يديه؟ و انما المعقب من خلفه، فقال الرجل: جعلت فداك كيف هذا؟ فقال: انما نزلت: له معقبات من خلفه و رقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله، و من ذا الذى يقدر يحفظ الشىء من امر من اللّه و هم الملائكة المقربون الموكلون بالناس؟ و مثله فى تفسير العياشى الى ان قال: و نحو ذلك ما ورد فى قوله عزّ و جلّ: (فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ففى الكافى عن الصادق (ع): انما نزلت فما استمتعتم به منهن الى اجل مسمّى فاتوهن اجورهن.

و عن العياشى عن الباقر (ع) انه كان يقراها كذلك، و روته العامة عن جمع من الصحابة، و ما رواه الشيخ فى التهذيب عن غالب بن هزيل قال: سألت

ص: 258

ابا جعفر (ع) عن قول اللّه عزّ و جلّ: (وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ) على الخفض هى ام على النصب؟ قال بل هى على الخفض مع ان قراءة النصب احدى القراءات السبع، و مثله ما ورد فى قوله: «سَلاٰمٌ عَلىٰ إِلْيٰاسِينَ» فانها قراءة اهل البيت (ع)، و بها وردت اخبارهم، مع ان قراءة الياسين احدى القراءات السّبع الى غير ذلك من المواضع التى لا يسع المقام الاتيان عليها(1).

و اما الأخبار القسم الثانى، فهى اكثر و اعظم من ان ياتى عليها قلم البيان فى هذا المكان و اللازم اما العمل بما قالوه من ان كل ما قرات به القراء السّبعة، و ورد عنهم فى اعراب او كلام او نظام، فهو الحق الذى نزل به جبرائيل من ربّ العالمين على سيد المرسلين و فيه رد لهذه الأخبار على ما هى عليه من الصحة و الصراحة و الاشتهار، و هذا مما لا يكاد ان يجترى عليه المؤمن بالله سبحانه و رسوله و الائمة الاطهار.

و اما العمل بهذه الأخبار و بطلان ما قالوه، و هو الحق الحقيق بالاتباع لذوى البصائر و الافكار، و قال ايضا فى جملة كلام له: على ان ظاهر جملة من علماء العامة و محققى هذا الفن انكار ما ادعى هنا من التواتر ايضا، قال الشيخ العلامة شمس الدين محمّد بن محمّد بن محمد الجزرى الشافعى المقرمى فى كتاب النشر فى القراءات العشر على ما نقله بعض مشائخنا المعاصرين: كل قراءة وافقت العربية و لو بوجه، و وافقت احدى المصاحف العثمانية و لو احتمالا، و صح سندها فهى القراءة الصحيحة، التى لا يجوز ردها، و لا يحل انكارها، بل هى من الاحرف السبعة التى نزل بها القرآن و وجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الائمة السبعة ام العشرة ام غيرهم من الائمة المنقولين، و متى اختل ركن من هذه الاركان الثلاثة اطلق عليها ضعيفه، او شاذة، او باطلة، سواء كانت عن السبعة او عمن هو اكبر منهم، هذا هو الصحيح عند ائمة التحقيق من السلف و الخلف،

ص: 259


1- فانظر ايضا الى الأخبار الواردة فى قوله تعالى: (حٰافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوٰاتِ وَ اَلصَّلاٰةِ اَلْوُسْطىٰ الى آخره) انه ليس هكذا تنزيلها انما تنزيلها حافظوا على الصلوات و الصلوة و صلوة العصر و قوموا لله قانتين كما فى المجلد الاول من كتاب الصلوة اليها الاشارة و الى الخبر الوارد فى قوله فاغسلوا وجوهكم و ايديكم الى المرافق المشتمل على ذكر كلمة حسن يدل على (منه).

صرح بذلك الامام الحافظ ابو عمر و عثمان بن سعيد الدانى، و نص عليه فى غير موضع الامام ابو محمد مكى بن ابى طالب، و كذلك الامام ابو العباس احمد بن عمار المهدوى، و هو مذهب السلف، الذى لا يعرف عن احد منهم خلافه.

قال ابو شامه رحمه اللّه فى كتاب (المرشد الوجيز) فلا ينبغى ان يغتر بكل قراءة تعزى الى واحد من هؤلاء الائمة السبعة، و يطلق عليها لفظ الصحة، و ان هكذا انزلت، الا اذا دخلت فى ذلك الضابط، و حينئذ لا ينفرد بها مصنف دون غيره، و لا يخصص ذلك بنقلها عنهم، بل ان نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة، فان الاعتماد على استجماع تلك الاوصاف لا عمن نسبت اليه، غير ان هؤلاء السبعة لشهرتهم و كثرة الصحيح المجتمع عليه فى قرائتهم تركن النفس الى ما نقل عنهم، فوق ما ينقل عن غيرهم، انتهى.

و هو كما ترى صريح فى ان المعيار فى الصحة انما هو على ما ذكروه من الضابطة، لا على مجرد وروده عن السبعة، فضلا عن العشرة، و ان العمل على هذا الضابط المذكور مذهب السلف و الخلف، فكيف يتم ما ادعاه اصحابنا رضوان اللّه عليهم من تواتر هذه السبع؟ و يؤيد ذلك ما نقله شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد بن صالح البحرانى، قال سمعت شيخى علامة الزمان و اعجوبة الدوران يقول: ان جار اليه الزمخشرى ينكر تواتر السّبع، و يقول ان القراءة الصحيحة التى قراء بها رسول الله (ص) انما هى فى صفتها، و انما هى واحدة و المصلى لا يبراء ذمتّه من الصلوة الا اذا قرا بما وقع فيه الاختلاف على كل الوجوه كمالك و ملك، و صراط و سراط، و غير ذلك، انتهى.

و هو جيد وجيه بناء على ما ذكرناه من البيان و التوجيه، و لو لا ما رخص لنا به الائمة من القراءة بما يقرأ الناس، لتعين عندى العمل بما ذكره، انتهى ما نقلناه عن بعض الأجلاء.

قال بعض مشائخنا: قال ابن الجزرى: فقولنا فى الضابط و لو بوجه يزيد وجها من وجوه النحو، سواء كان افصح ام فصيحا مجمعا عليه، ام مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله، اذا كانت القراءة مما شاع و ذاع و تلقاه الائمة بالاسناد

ص: 260

الصحيح، اذ هو الاصل الاعظم، و الركن الا قوم، و كم من قراءة انكرها بعض اهل النحو، او كثير منهم، و لو يعتبر انكارهم كاسكان بارئكم و يامركم، و خفض و الارحام، و نصب ليجزى قوما، و الفصل بين المضافين فى قتل اولادهم شركاؤهم، و غير ذلك.

قال الدانى: و ائمة القراء لا تعمل فى شىء من حروف القرآن على الافشاء فى اللغة و الأقيس فى العربية، بل على الاثبت فى الاثر و الاصح فى النقل، و اذا ثبت الرواية لم يردها قياس عربية، و لأنشر(1) لغة، لان القراءة سنة متبعة، يلزم قبولها و المصير اليها، قلت: اخرج سعيد بن منصور فى سنّته عن زيد بن ثابت، قال: القراءة سنة متبعه، قال البيهضى: اراد ان اتباع من قبلنا فى الحروف سنة متبعة، لا يجوز مخالفة المصحف الذى هو امام، و لا مخالفة القراءات التى هى مشهورة، و ان كان غير ذلك شايعا فى اللغة، او اظهر منها، قال ابن الجزرى: و نعنى بموافقة احد المصاحف ما كان ثابتا فى بعضها دون بعض، كقراءة ابن عامر: «قٰالُوا اِتَّخَذَ اَللّٰهُ» فى البقرة بغير واو، «وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتٰابِ» باثبات الباء فيهما، فان ذلك ثابت فى المصحف الشامى، و كقراءة ابن كثير «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ *» فى آخر البراءة بزيادة من فانه ثابت فى المصحف المكى، و نحو ذلك، فان لم يكن فى شىء من المصاحف العثمانية فشاذة بمخالفتها الرسم المجمع عليه و قولنا: و لو احتمالا، نعنى به ما وافقه، و لو تقديرا كملك يوم الدين، فانه كتب فى الجميع بلا الف، فقراءة الحذف موافقة تحقيقا، و قراءة الالف موافقه تقديرا لحذفها فى الخلط اختصارا، كما كتب ملك الملك، و قد يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقا، نحو تعلمون بالتاء و الياء، و تغفر لكم بالتاء و النون، و نحو ذلك مما يدل تجرده عن النقط و الشكل فى حذفه و اثباته على فضل عظيم للصحابة فى علم الهجاء خاصة، و فهم ثاقب فى تحقيق كل علم، و انظر كيف كتبوا الصراط بالصاد المبدلة من السين، و عدلوا عن السين التى هى الاصل لتكون قراءة السين و ان خالفت الرسم من وجه، و قد اتت على الاصل، فيعتدلان و تكون قراءة الاشمام محتمله، و لو كتب ذلك بالسين على الاصل لفات ذلك، و عدت

ص: 261


1- هكذا فى الاصل.

قراءة غير السّين مخالفة للرسم و الاصل، و لذلك اختلف فى سبطة الاعراف دون سبطة البقرة، لكون حروف البقرة كتبت بالسين، و الاعراف بالصاد، على ان تخالف صريح الرسم فى حرف مدغم او مبدل او ثابت او محذوف او نحو ذلك لا يعد مخالفا اذا ثبت القراءة به، و وردت مشهورة مستفاضة، و لذا لم يعدوا اثبات ياء الزائد، و حذف تاء تسئلنى فى الكهف، و واو و اكون من الصالحين، و الطأمن نطنين، و نحوه من مخالفة الرسم المردودة، فان الخلاف فى ذلك مغتفر، اذ هو قريب يرجع الى معنى واحد، و تمشيه صحة القراءة و شهرتها و تلقيها بقبول بخلاف زيادة كلمة و نقصانها، و تقديمها و تاخيرها، حتى و لو كانت حرفا واحدا من حروف المعانى، فان حكمه فى حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه، و هذا هو الحد الفاصل فى حقيقة اتباع الرسم و مخالفته.

قال: و قولنا: صح سندها، نعنى به ان يروى تلك القراءة العدل الضابط عن مثله، و هكذا حتى تنتهى، و يكون مع ذلك مشهورة عند ائمة هذا الشان، غير معدودة عندهم من الغلط، او مما شذ بها بعضهم.

قال: و قد شرط بعض المتأخرين التواتر فى هذا الركن، و لم يكتف بصحة السند، و زعم ان القرآن لا يثبت الا بالتواتر، و ان ما جاء مجئ الاحاد لا يثبت به قرآن، قال: و هذا مما لا يخفى ما فيه، فان التواتر اذا ثبت لا يحتاج فيه الى الركنين الاخيرين من الرسم و غيره، اذ ما ثبت من الاحرف الخلاف متواتر عن النبى (ص) وجب قبوله، و قطع بكونه قرآنا، سواء وافق الرسم ام لا، و اذا شرطنا التواتر فى كل حرف من حروف الخلاف، انتفى كثير من الاحرف الخلاف الثابت عن السبعة، و قد قال ابو شامة: شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين و غيرهم من المقلدين، ان السبع كلها متواترة، اى كل فرد فرد مما روى عنهم، قالوا و القطع بانها منزلة من عند اللّه واجب، و نحن بهذا نقول و لكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق، و اتفقت عليه الفرق، من غير نكير له، فلا اقل من اشتراط ذلك اذا لم يتفق التواتر فى بعضها.

ص: 262

قال الجعبرى: الشرط واحد، و هو صحة النقل، و يلزم الاخران، فمن احكم معرفة حال النقلة، و امعن فى العربية، و اتقن الرسم، انحلت له هذه الشبهة.

و قال مكى: ما روى فى القرآن على ثلاثة اقسام: قسم يقرأ به و يكفر جاحده و ما نقله الثقات و وافق العربية و خط المصحف.

و قسم صح نقله عن الاحاد، و صح فى العربية، و خالف لفظ الخط، فيقبل و لا يقرا به لامرين: مخالفته لما اجمع عليه، و انه لم يؤخذ باجماع، بل بخبر الاحاد، و لا يثبت به قرآن، و لا يكفر به جاحده، و لبئس ما صنع اذ جحده.

و قسم نقله ثقة، و لا وجه له فى العربية، او نقله غير ثقة، و لا يقبل و ان وافق الخط.

قال ابن الجزرى: مثال الأول كثير، و كمالك و ملك، و يخدعون و يخادعون، و مثال الثانى قراءة ابن مسعود و غيره، و الذكر و الانثى، و قراءة ابن عباس: (و كان امامهم ملك ياخذ كل سفينة صالحة غصبا) و نحو ذلك، و قد اختلف العلماء فى القراءة بذلك، و الاكثر على المنع، لانها لم تتواتر، و ان ثبت بالنقل، فهى منسوخة بالعرضيه الاخيرة، او باجماع الصحابة على المصحف العثمانى، و مثال ما نقله غير ثقة كثير مما فى كتب الشواذ مما غالب اسناد ضعيف و كالقراءة المنسوبة الى الامام ابى حنيفة، التى جمعها ابو الفضل محمد بن جعفر الخزاعى، و نقلها عنه ابو القاسم الهذى، و منها: (انما يخشى اللّه من عباده العلماء) برفع اللّه و نصب العلماء، و قد كتب الدارقطنى و جماعة بان هذا الكتاب موضوع لا اصل له، و مثال ما نقله ثقة و لا وجه له فى العربية قليل، لا يكاد يوجد، و جعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع (معائش) بالهمزة، قال: و بقى قسم رابع مردود ايضا، و هو ما وافق العربية و الرسم و لم ينقل البتة، فهذا رده احق، و منعه اشد، و مرتكبه مرتكب لعظيم من الكباير، و قد ذكر جواز ذلك عن ابى بكر بن مقسم، و عقد له بسبب ذلك مجلس، و اجمعوا على منعه، و

ص: 263

من ثم امتنعت القراءة بالقياس المطلق، الذى لا اصل له يرجع اليه، و لا ركن يعتمد فى الاداء عليه، قال: اما ما له اصل كذلك فانه مما يصار الى قبول القياس عليه كقياس ادغام قال رجلان على قال ربّ و نحوه، مما لا يخالف نصا و لا اصلا، و لا يرد اجماعا، مع انه قليل جدا.

أنواع القراءات
اشارة

قلت: اتقن الامام ابن الجزرى هذا الفصل جدا، و قد تحرر لى منه ان القراءات انواع:

الأول: المتواتر،

و هو ما نقله جمع لا يمكن تواطئهم على الكذب عن مثلهم الى منتهاه، و غالب القرآن كذلك.

الثانى: المشهور

و هو ما صح سنده، و لم يبلغ درجة التواتر، و وافق العربية و الرسم، و اشتهر عند القراء، و لم يعدوه من الغلط و لا من الشذوذ، و يقرأ به على ما ذكره ابن الجزرى، و يفهمه كلام ابى شامة السّابق، و مثال ما اختلف الطّرق فى نقله عن السبعة قراءة بعض الرواة عنهم دون بعض، و امثلة ذلك كثيرة فى قرش الحروف من كتب القراءات، كالذى قبله، و من اشهر ما صنف فى ذلك التيسير للدانى، و قصيده الشاطبى و اوعية النشر فى القراءات العشر، و تقريب البشر كلاهما لابن الجزرى.

الثالث: الاحاد،

و هو ما صح سنده و خالف الرسم و العربية، او لم يشتهر الاشتهار المذكور، و لا يقرأ به، و قد عقد له الترمذى فى جامعه، و الحاكم فى مستدركه لذلك بابا، اخرجا فيه شيئا كثيرا صحيح الاسناد، من ذلك ما اخرجه الحاكم من طريق عاصم الجحدرى، عن ابى بكرة ان النبى (ص) قرأ: متكئين على رفارف خضر و عبقرى حسان، ثم قال.

الرابع: الشاذ،

و هو ما لم يصح سنده و فيه كتب مؤلفة، من ذلك قراءة (مٰالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ)، بصيغة الماضى، و نصب اليوم و اياك يعبد ببنائه للمفعول.

الخامس: الموضوع،

كقراءة الخزاعى، و ظهر لى سادس يشبه من انواع الحديث المدرج، و هو ما زيد فى القراءات على وجه التفسير، كقراءة سعد بن

ص: 264

ابى وقاص: و له اخ او اخت من ام، اخرجها سعيد بن منصور، و قراءة ابن عباس: ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلا من ربكم فى مواسم الحج، اخرجها البخارى، و قراءة ابن الزبير: و لتكن منكم امة يدعون الى الخير و يامرون بالمعروف و يستعينون باللّه على ما اصابهم، قال عمر: فما ادرى اكانت قراءته ام فسر به؟ اخرجه سعيد بن منصور، و اخرجه ابن الانبارى، و جزم بانه تفسير، و اخرج عن الحسن انه كان يقرا: و ان منكم الا واردها الورود الدخول، قال ابن الانبارى قوله: الورود الدخول، تفسير من الحسن لمعنى الورود، و غلط فيه بعض الرواة فالحقه بالقرآن، قال ابن الجزرى فى آخر كلامه: و ربما كانوا يدخلون التفسير فى القراءة ايضاحا و بيانا، لانهم محققون لما تلقوه عن النبى (ص) قرآنا، فهم آمنون من الالتباس، و ربما كان بعضهم يكتبه معه.

و اما من يقول: ان بعض الصحابة كان يخبر القراءة بالمعنى فقد كذب.

انتهى الى هنا ما نقله بعض مشائخنا، و ذكر المذكور، و ان كان خارجا عن المقام فى الجملة، و لكن انما نقلناه لكثرة الفايدة، و كيف كان، فقد تحقق من المذكورات ان القول بثبوت التواتر بالمعنى المذكور مما يكاد ان يثبت.

و اما المعنى الثانى، فهو على فرض التسليم غير مغن عن الجوع.

و اما المعنى الثالث، فلا نسارع فى انكاره، سيما اذا قلنا بحصول التواتر المعروف بانه خبر جماعة، يفيد بنفسه القطع بصدقه من نحو الاجماعات المحكية.

الشىء الثانى: اختلفوا فى تواتر تمام العشر،

و هى قراءة ابى جعفر، و يعقوب و خلف، فذهب الى المنع الجماعة، و قال الشهيد: انها متواترة، بل نسبه الشارح الفاضل الى المشهور بين متاخرى الطائفة.

و التحقيق ان يقال: انه فيها بالمعنى الاول من المعانى الثلاثة المتقدمة غير ثابتة، كما لا يخفى على من له ادنى اطلاع و تتبع فى الأخبار الواردة من طريق الامامية، و فى ما ذكره كثير من الطائفة فى عبائرهم الجارية فى هذه المسئلة و غيرها، و بالمعنى الثانى منها مما لا يغنى عن الجوع بلا مرية،

ص: 265

و بالمعنى الثالث منها ايضا غير ثابتة، لفقد الشروط المعتبرة فيها بلا شبهة.

الشىء الثالث: هل لا بد لمن يقرا الكلمات القرآنية على كيفية خاصة ان يعلم انها بهذه الكيفية الخاصة متواترة، كما يظهر من بعض العبائر ام لا؟

و التحقيق يقتضى ترجيح الاخير، اما اذا كان المراد من التواتر المعنى الأول من المعانى الثلاثة، فلعدم ظهور الدليل، بل ظهور عدمه لمكان لزوم الحرج المنفى فى هذه الشريعة بقول مطلق، كما فصلناه فى المجلد الأول من كتاب الصلوة بما لا مزيد عليه فراجع البتة.

و بما ذكر ظهر حال ما لو اريد منه المعنى الثانى منها، و كذا اذا اريد منه المعنى الثالث منها، اذ الادلة المجوزة لجواز القراءة كثيرة، فمن اين الحكم بانه لا بد ان يثبت له ذلك من خصوص التواتر لا غير فافهم.

الشىء الرابع: هل قراءة القرآن تتوقف على العلم، بانه قرآن ام لا؟
اشارة

و الذى يقتضيه التحقيق ان يفصل فى ذلك، و يقال: ان كان المراد انّ القارئ لا بد له ان يعلم ذلك فى الجملة، فمسلم، و ان كان المراد انه لا بد له ان يعلم فى جميع كلمات القرآن و كيفياتها، انها على هذه الكيفية مما نزل به الروح الامين على قلب سيد المرسلين، فلا نسلم ذلك، و ان كان المراد انه لا بد له ان يعلم ان هذا القرآن الذى فى ايدينا الان، المشتمل على الكيفيات الخاصة، مما قد كان متداولا بين المسلمين فى زمان الائمة (ع)، و كانوا يقرأونه، و لا يحكم الائمة عليهم السلام ببطلانه، بل يحكمون عليهم السلام بالاجزاء، فمسلم ان امكن له تحصيل ذلك العلم، من غير لزوم حرج، و الاّ فيجوز له الاعتماد على المصاحف المتداولة المظنون صحتها.

و حيث انجر مضمار الكلام الى هنا فلنرخ عنان القلم لتوضيح المقام دقيقه بطور آخر، فنقول:

انا نعلم بعلم يقينى، و اعتقاد جزمى، أن القرآن الذى هو فى ايدينا الآن مما قد نزل به الروح الامين على قلب سيد المرسلين فى الجملة و اما حصول

ص: 266

العلم المذكور بالنسبة الى المواضع التى نطقت اخبارنا بالاسقاط فيها، او الزيادة، او انه بهذا الاعراب الخاص، الذى نطق به نافع و ابن كثير مثلا دون الباقين، او انه بهذه الكيفية الخاصة كقوله سبحانه: تحتها الانهار، باسقاط كلمة (من) او زيادتها، و ملك و مالك باسقاط الالف او زيادتها مثلا، فالانصاف انه غير ثابت، بل انا بعد من المتوقفين فى ذلك، او نرجح ما ينافيه، و عليه فيصير امر القراءة مشكلا، و لكن قد ثبت لنا بالأخبار و غيرها ان الائمة (ع) قد حكموا ببراءة ذمتنا اذا قرأنا القرآن بالكيفية المتداولة فى عصرهم (ع)، و كان الناس يقرؤنه بها، و عليه فلا بد لنا ان نحصّل ذلك و بطور آخر قد دلت الادلة، كما مضت اليها الاشارة، ان الائمة (ع) قد اجازوا متابعة القراءات السبع، و عليه فالذى تقتضيه القواعد الكلية، انه لا بد له من تحصيل العلم بذلك، و لكن الّذى يترجح فى نظرى القاصر، و يدون فى فكرى الفاتر، ان تكليف عامة الناس بذلك مما فيه حرج عظيم، و لا يقصر عن التكليف بالاجتهاد فى المسائل الشرعية، بل قيل هو اصعب منه بمراتب، و لا ريب ان التكليف بما فيه حرج فى هذه الشريعة قد نفته الادلة كما مضى اليها فى المجلد الأول من كتاب الصلوة، الاشارة هذا مضافا الى ما يظهر من السيرة، و الى ما قيل(1) من ان احدا لم يصرح بوجوبه مع مسيس الحاجة، و عليه فهل يجب الاجتهاد، و تحصيل الظن بالرجوع الى الكتب المؤلفة فى القراءة، او يكفى فيه التقليد.

اشكال ينشأ من ملاحظة الاصول العامة فالاول، و من ملاحظة سيرة المسلمين، و ان فيه مشقة عظيمة لا يتحملها عامة المكلفين فالثانى، و لعله الاقرب، فيجوز له الاعتماد على العدل، و على المصاحف المظنون صحتها.

فان قلت: قد مر سابقا ان الشارح المقدس طاب ثراه قال: بل يفهم من بعض كتب الاصول، ان تجويز قراءة ما ليس بمعلوم كونه قرآنا يقينا فسق، بل كفر،

ص: 267


1- و هو بعض مشائخنا. (منه)

فكل ما ليس بمعلوم يقينا انه قرآن منفى كونه قرآنا على ما قالوا، فما تقول فى ذلك؟

قلت: التحقيق فى ذلك ان يقال: ان القارئ اذا قرا كلمة من الكلمات القرآنية، التى قد اختلف فيه القرّاء بالكيفية التى لا يعلم انها بها مما نزل به الروح الامين على قلب سيد المرسلين (ع)، باعتقاد انها بها قرآن بالمعنى المذكور، فلا شك فى عدم جواز ذلك، و ان قراها لا بهذا الاعتقاد، بل باعتبار ان المعصوم (ع) قد جوز قراءتها فى نحو تلك الازمنة الى زمان ظهور مولانا القائم عليه السلام، فلا شك فى جوازه، و المتكلم المذكور ان عنى بكلامه المزبور هذا المعنى، فنعم الوفاق، و الا فلا اعتناء بكلامه اصلا.

قال الشارح المقدس فى جملة كلام له: و اما بمجرد التلاوة، فلا يبعد الاكتفاء بغير العدل ايضا، لان المنقول بالتواتر لا يختل، مع ان خصوصية كل كلمة مع الاعراب و البناء و ساير الخصوصيات قليلا ما يوجد العدل العارف بذلك فاشتراط ذلك موجب لسرعة ذهاب القرآن عن البين، و لما ثبت تواتره فهو مامون من اختلاف الفسقه، مع انه مضبوط فى الكتب، حتى انه معدود حرفا حرفا و حركة و حركة، و كذا طريق الكتابة و غيرها مما يفيد الظن الغالب، بل العلم بعدم الزيادة على ذلك و النقص، فلا يبعد الاخذ فى مثله من غير اهله غير العدل و الكتب المدونة، لحصول ظن قريب من العلم بعدم التغيير، على ان غفلة الشيخ و التلميذ حين القراءة عن خصوص الالفاظ كثيرة، و لهذا لا يوجد مصحف لا يكون فيه غلط الا نادرا، مع انه قرا فيه على المشائخ، و قراءة القارى بل القراء مع انا ما نجد احدا يعرف خصوصية جميع ذلك بالحفظ، بل يبنى على مصحفه الذى قرا فيه مع ما فيه، نعم، لا بد ان يكون موثوقا به و عارفا ناقلا فى الجملة، ليحصل الوثوق بقوله و مصحفه فى الجملة، و هو ظاهر، و مع ذلك ينبغى الاحتياط اذا كانت القراءة واجبة بنذر و شبهه، و يحتمل على تقدير حصول غلط فى القراءة المنذورة عدم وجوب القضاء، اذا كان الوقت معينا خارجا

ص: 268

غاية ما يجب اعادة المغلوط فقط، فيكون الترتيب ساقطا للنسيان و عدم التعمد، سيما مع تصحيحه على العارف، و يحتمل اعادة الاية فقط، و مع باقى السورة السّورة ايضا، و كذا فى غير المعين، مع احتمال اولوية اعادة الكل هنا، و فى المستاجر كذلك، مع احتمال اسقاط بعض الاجرة المقابل للغلط، و سقوط الكل لعدم فعله ما استاجر، و هو بعيد، لبذل الجهد، و عدم توقف صحة البعض على آخر، مع ان الظاهر انه ينصرف الى المتعارف، و هذا هو المتعارف هنا، سيما فى الصلوة، فانه لا يضر تركها بالكلية سهوا و غلطا، و لانه ليس باعظم من الصلوة و الحج و الصوم، فانه لا يبطل بترك كثير من الامور غلطا و نسيانا، بل البعض عمدا ايضا فتامل فيه.

نعم، لو فرض الغلط الفاحش يتوجه ذلك، و مع التقصير يحتمل البطلان بمجرد الغلط، انتهى.

فان قلت: فهل يجوز قراءة المصاحف التى نعلم بانها فى الجملة مغلوطه.

قلت: الظاهر جواز تلاوة كل آية فيها، اذا ظن و لو فى الجملة بصحتهما و العلم بان المصحف مغلوط لا ينافى ذلك، لمكان تعدد الموضوع، و الدليل على ذلك الاطلاقات و السيرة نعم، الاحوط بل الاظهر هو تحصيل المظنة القوية بصحة ما يقرءه فى الصلوة، و كذا الاحوط هو تحصيل تلك المظنة اذا كانت القراءة بنذر و شبهه واجبة، فلنعطف عنان القلم الى ما كنا فيه، فانا اذا اردنا التكلم فى هذه المسئلة ليطول المقام جدا.

فنقول: اذا عرفت ذلك، فاعلم ان جواز القراءة بالثلاثة يتوقف على العلم بكون قرائتهم من القرآن، الذى قد كان فى عصر الائمة (ع) فى ايدى الناس، و كانوا سلام اللّه عليهم يحكمون فى نحو ازمنتهم الى زمان ظهور مولانا القائم (ع) بقرآنيّته، و هو بعد غير ثابت، و شهادة الشهيد بذلك لا تفيد الا المظنة، و حجيتها فى موضوع الحكم الشرعى محل شبهة، لعدم عثورنا على الدليل الدال عليها، فوجودها كالعدم، و ليس وزان ذلك الا كوزان الاجماع او التواتر المدعى

ص: 269

على ان الرجل الفلانى زيد، و ان الشىء الفلانى ماء، نعم، لو عمم الدليل الدال على حجية الظن على حجية مطلق الظن بحيث يشمل لنحو الموضوعات لكان تلك الشهادة فى المقام نافعة، و لكن دونه خرط القتاد. نعم، لو ثبت لنا بطريق علمى كونه قرآنا بالمعنى المتقدم، لكان الحكم بجواز القراءة لا يخلو عن وجه لمكان شهادة الشهيد المفيدة فى نحو المقام المظنة، التى قد اقيم الدليل على حجيتها فى نفس الاحكام الشرعية.

فرعان:
الأول: الظاهر جواز الاستدلال بالثلاثة فى نفس الاحكام الشرعية،

لحصول المظنة بقرآنيتها، و هى فيها كافية، اذا قلنا باصالة حجية كل ظن فيها، و ان القول بان ما لا دليل قطعى على كونه من القرآن ليس منه، ليس فيه وجاهة. نعم، لا بد ان لا يحكم بحكم جزمى كونه قرآنا.

الثانى: على تقدير كون قرآنية الثلاثة حاصلة بالمظنة، فهل يحرم مسها ام لا،

وجهان: و الاحوط هو الأول، لو لم نقل باظهريته.

المقام الثالث: لا يجوز القراءة بما عدا العشر،

بلا خلاف بيننا اجده، بل ظاهرهم الاطباق على ذلك، كما استظهره بعض الاجلة و غيره قال المصنف رحمه اللّه فى المنتهى: و لا يجوز ان يقرأ بالشاذ، و ان اتصلت رواية لعدم تواترها، ثم قال: يقرأ بما نقل، متواترا فى المصحف الذى يقرأ به الناس اجمع، و لا يعول على ما يوجد فى مصحف ابن مسعود، لان القرآن ثبت بالتواتر، و مصحف ابن مسعود لم يثبت متواترا، و لو قرأ به بطلت صلوته(1)، خلافا لبعض الجمهور لنا انه قرأ بغير القرآن فلا يكون مجزيا.

و قال فى نهاية الاحكام: لا يجوز ان يقرأ بالشاذ و لا بالعشرة، و ان يقرأ بالمتواتر من الايات، فلا يقرأ بمصحف ابن مسعود و ابىّ، سواء اتصلت به الرواية اولا، لان الآحاد ليس بقرآن، و قال فى التذكرة: يجب ان يقرأ بالمتواتر من القراءات، و هى السبعة، و لا يجوز ان يقرأ بالشواذ و لا بالعشرة، و جوز احمد قراءة

ص: 270


1- و قال فى المقاصد العلية فلو قرأ بالقراءات الشواذ و هى فى زماننا ما عدا العشرة ما لم متواتر منها بطلت الصلوة (منه).

العشرة، الى ان قال: و يجب ان يقرا بالمتواتر من الايات، و هو ما تضمنه مصحف على (ع)، لان اكثر الصحابة اتفقوا عليه، و حرّف(1) عثمان ما عداه، و لا يجوز ان يقرا بمصحف ابن مسعود، و لا ابيّ و لا غيرهما، و عن احمد رواية بالجواز، اذا اتصلت به الرواية، و هو غلط، لان غير المتواتر ليس بقرآن.

و قال فى الرياض: و لا يجوز القراءة بالشواذ، و ان كانت جايزة فى العربية و المراد بالشاذ ما زاد على قراءة العشرة المذكورة، كقراءة ابن مسعود و ابن المحيص.

المقام الرابع: لا شك فى ان المعوذتين من القرآن،

و قد انعقد الاجماع على ذلك، و خلاف ابن مسعود بارد، قال فى التذكرة: و المعوذتان من القرآن يجوز ان يقرا بهما، و لا اعتبار بانكار ابن مسعود، للشبهة الداخله عليه، بان النبى (ص) كان يعوذ بهما الحسن و الحسين عليهما السلام، اذ لا منافاة، بل القرآن صالح للتعوذ به، لشرفه و بركته.

و قال الصادق (ع) اقرا المعوذتين فى المكتوبة، و صلى المغرب و قراهما فيها(2)، انتهى.

أقول: قال الصادق (ع) فى رواية ابن مسعود: اقراء المعوذتين فى المكتوبة، و فى رواية صفوان الجمال المعدودة من الصحاح: صلى بنا ابو عبد الله (ص) فى صلوة المغرب فقرا المعوذتين ثم قال: هما من القرآن و عن صابر مولى بسام قال: امنّا ابو عبد الله (ع) فى صلوة المغرب، فقرا المعوذتين، ثم قال: و هما من القرآن و عن الحسين بن بسطام فى كتاب طب الائمة، عن ابى عبد الله (ع)، انه سئل عن المعوذتين، ا هما من القرآن؟ قال (ع): هما من القرآن. فقال الرجل انهما ليستا من القرآن فى قراءة ابن مسعود و لا فى مصحفه فقال (ع) اخطأ ابن مسعود او قال كذب ابن مسعود هما من القرآن قال الرجل افأقراهما فى المكتوبة قال: نعم.

ص: 271


1- حرق خ ل.
2- قال فى شرح الجعفرية و المعوذتان من القرآن فيجوز القراءة بها فى المكتوبة اجماعا خلاف لابن مسعود فانه قال انزلنا لتعويذ الحسن و الحسين (ع) الى ان قال و استقر الاجماع يعده على ما ذكرنا و كذا ادى الاجماع على ذلك فى الدروس و المدارك و غيرهما (منه).

و عن على بن ابراهيم فى تفسيره بسنده عن ابى بكر الحضرمى، قال: قلت لابى جعفر (ع): ان ابن مسعود يمحو المعوذتين من المصحف، فقال: كان ابى يقول: انما فعل ذلك ابن مسعود برايه، و هما من القرآن.

و هذه الأخبار كما ترى متفقة الدلالة على ما عليه الاصحاب، و عن الذكرى:

و نقل عن ابن مسعود انه قال: انهما ليستا من القرآن، و انما انزلنا لتعويذ الحسن و الحسين، و خلافه انقرض، و استقر الاجماع الان من العامة و الخاصة على ذلك، انتهى.

و اما ما فى الفقه الرضوى، انه (ع) قال: ان المعوذتين ليستا من القرآن.

ادخلوهما فى القرآن، و قيل ان(1) جبرائيل جاء بهما رسول الله (ص) الى ان قال: و اما المعوذتين فلا تقرأهما فى الفرائض، و لا بأس فى النوافل.

الخامس: يجوز التلفيق من القراءات السبع اذا لم يلزم فساد بحسب المعنى،
اشارة

و بذلك صرح الجماعة، قال فى المقاصد العلية: و المعتبر القراءة بما تواتر من هذه القراءات، و ان ركب بعضها فى بعض ما لم يترتب بعضه على بعض آخر بحسب العربية، فيجب مراعاته كتلقى آدم من ربه كلمات، فانه لا يجوز الرفع فيهما و لا النصب، و ان كان كل منهما متواترا بان يؤخذ رفع آدم من غير قراءة ابن كثير و رفع كلمات من قرائته فان ذلك لا يصح، لفساد المعنى و نحوه، و كفلها زكريا بالتشديد مع الرفع، او بالعكس.

و قد نقل ابن الجزرى فى النشر عن اكثر القراء جواز ذلك ايضا، و اختار ما ذكرناه.

فرع:

قال المصنف رحمه الله فى المنتهى: واجب القراءات الى قراءة عاصم من طريق ابى بكر بن عياش، و قراءة ابى عمر بن العلا، فانها اولى من قراءة حمزة و

ص: 272


1- الحسن و الحسين عليهما خ ل.

الكسائى، لما فيها من الادغام و الامالة، و زيادة المد، و ذلك كله تكلف، و لو قرأه صحت صلوته بلا خلاف.

و قال فى المقاصد العلية: اما اتباع قراءة الواحد من العشرة فى جميع الصور(1) فغير واجب قطعا، بل و لا يستحب، فان الكل من عند اللّه نزل به الروح الامين على قلب سيد المرسلين تخفيفا على الامة، و تهوينا على اهل هذه الملة، و عن المحقق الجواد ايضا انه حكم بعدم استحباب متابعة قراءة واحدة فى جميع الصور. و قد عرفت عن الشيخ فى التبيان، و الطبرسى فى مجمع البيان انهما قالا:

و كرهوا تجريد قراءة مفردة، و فى الأول بدل مفردة بعينها.

السادس: القراءة بكل ما وافق احدى السبع ليس على عمومه

قال فى الاثنى عشرية شيخنا البهائى و هو فى مقام عد الواجبات اللسانية ما لفظه: الرابع مطابقة القراءة لاحدى السبع، و ان تخالفت فى اسقاط بعض الكلمات، كلفظة مِنْ فى قوله تعالى تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ، و يجب ان يستثنى من ذلك ترك البسملة فى قراءة نصف السبعة، فانه غير مجوز باجماعنا، فقول علمائنا رحمهم الله: يجوز القراءة بكل ما وافق احدى السبع ليس على عمومه.

السابع: اعلم ان القراء السبعة مشهورون معروفون،
اشارة

فان اشتهيت ذلك فاستمع لما يتلى عليك، فنقول:

الأول: نافع
اشارة

قيل(2) اسمه نافع بن عبد الرحمن ابى نعيم، مولى معوية بن شعيب الليثى، و كنيته ابو الحسن، و قيل ابو عبد الرحمن، و توفى بالمدينة سنة تسع او سبع و ستين و مائة فى خلافة الهادى، و قال فى الحرز الامانى:

فاما الكريم السر فى الطيب نافع *** فذاك الذى اختار المدينة منزلا

فرع:

و يروى عنه عيسى الملقب بقالون، و عثمان الملقب بورش، ما يستفاد من الحرز الامانى حيث قال بعد المنقول: عنه.

ص: 273


1- السورة خ ل.
2- و هو صاحب كنز المعانى. (منه)

و قالون عيسى ثم عثمان ورشهم *** بصحبته المجد الرفيع تأثلا

قيل:(1) و نسبهما عيسى بن مينأ المدنى، و عثمان بن سعيد المصرى، و كنية قالون ابو موسى، و عثمان ابو سعيد، توفى قالون سنة خمس و ماتين بالمدينة فى ايام المنصور، و ورش سنة و تسعين(2) و مائة، بمصر فى ايام هشام بن عبد الملك.

الثانى: عبد اللّه بن كثير،
اشارة

قال فى الحرز الامانى:

و مكة عبد اللّه فيها مقامه *** هو بن كثير كاثر(3) القوم معتلا(4)

قيل: عبد اللّه غالب القوم، اعنى القراء السّبعه بالعلو و الرفعة، لما انه لزم مجاورة مكة و اقام بها، و هى اشرف البقاع عند الاكثرين، و نسبه ابو عبد اللّه بن كثير الدارى، توفى بمكة سنة عشرين و مائة، و ولد فى ايام معوية، اقام بالعراق مدّة، ثم عاد الى مكة و مات بها فى ايام هشام.

فرع:

و يروى عنه احمد البزى، و محمد الملقب بالقنبل(5) بالواسطه، كما يستفاد من الحرز الامانى، حيث قال بعد المنقول عنه سابقا:

روى احمد البزى له و محمد *** على سند و هو الملقّب قنبلا

قيل: لانهما لم يرياه، لان البزى يروى عنه عكرمة، عن قسط، عن ابن كثير، و قنبلا يروى عن القواس، عن القسط، عن ابن كثير، و نسبهما: ابو الحسن احمد بن محمد بن عبد اللّه ابى القاسم بن نافع بن ابى بزه(6)، مولى لبنى مخزوم، مات سنة خمسين و ماتين بمكه فى ايام الهادى، و ابو عمرو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد بن جرجه، مات سنة احدى و تسعين و ماتين بمكه.

ص: 274


1- و هو صاحب كنز المعانى (منه).
2- تسعين غير صحيح، و لعله عشرين، لأن الدولة الاموية انقرضت سنة 132 ه.
3- و هو بمعنى الغالب.
4- من العلو.
5- يقال رجل قنبل اى غليظ شديد كذا قيل (منه).
6- و كان ابو بزه رجلا من اهل همدان و من مشاهيرها و نسب احمد اليها و عرف به كذا قيل (منه).
الثالث: ابو عمرو المازنى،
اشارة

قال فى الحرز الامانى: و اما الامام المازنى صريحهم ابو عمر و البصرى، فوالده العلى، يعنى ابا عمر و الامام المازنى خالصهم، اى خالص العرب، فابوه العلا الامام مبتدا، و المازنى نعت له، و صريحهم نعت اخرى، و ابو عمر و بدل من الامام، و البصرى نعت لابى عمرو و فاء فوالده جواب الشرط ثان، و العلا خبره، و كلاهما خبر المبتداء الأول، قيل: و المازنى نسبة القبيلة اى الفخذ، و نسبة الفخذ و نسبة الى الجد الاعلى، كهاشمى و اموى منسوب الى هاشم و اميّة، انتهى.

و الصريح الخالص قيل نسبه: ابو عمر و ريّان بن علا بن عمار بن عريان بن عبد اللّه بن الحصين بن الحارث بن اجلهمة بن حجر بن خزاعى بن مادون، مات سنة اربع و خمسين و مائة بالكوفه فى خلافة المنصور.

فرع:

و يروى عنه يحيى اليزيدى، على ما يستفاد من الحرز الامانى، حيث قال بعد المنقول عنه سابقا:

افاض على يحيى اليزيدى سيبه *** فاصبح بالعذب الفرات معللا

يعنى افاض ابو عمرو اى صب على يحيى بن المبارك اليزيدى عطاءه و المراد منه العلم فاصبح اليزيدى بالعذب الفرات اى بالعلم و القراءة معللا اى مستقيا قيل نسبه ابو محمد يحيى بن المبارك العدوى التيمى، مات سنة اثنين و ماتين بخراسان.

تذنيب:

و يظهر من الحرز الامانى ان ابا عمر الدورى و ابا شعيب السوسي(1) اخذا القراءة عن اليزيدى، حيث قال بعد المنقول:

ابو عمر الدورى و صالحهم ابو *** شعيب هو السوسى عنه تقبلا

قيل: نسبهما ابو عمر حفص بن عمر الازدى الدورى الضرير، مات ست و اربعين و ماتين فى ايام المتوكل على الصواب، و ابو شعيب صالح بن زياد السوسى مات سنة احدى و ستين و ماتين بالرقة.

ص: 275


1- و الدورى نسبة الى الدوره و هى قرية من قرى بغداد و السوس اسم قبيلة كذا قيل (منه).
الرابع: ابن عامر:
اشارة

قال فى الحرز الامانى:

و اما دمشق الشام دار بن عامر *** فتلك بعبد اللّه طابت محللا

قيل نسبه: ابو عمرو عبد اللّه بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة اليحصبى، مات سنة ثمان عشرة و مائة بدمشق فى ايام هشام بن عبد الملك.

فرع:

و يروى عنه هشام و عبد اللّه مع الواسطه، كما صرح به البعض كغيره، و ربما يظهر من الحرز الامانى ايضا حيث قال بعد المنقول عنه، سابقا:

هشام و عبد اللّه و هو انتسابه *** لذكوان بالاسناد عنه تنقلا

قيل لان هشاما قرا على ايوب التميم التميمى على يحيى بن الحارث الذمارى على بن عامر بن نصيبى السلمى و عبد اللّه بن ذكوان قرأ على ايوب ايضا و نسبهما ابو الوليد هشام بن عامر بن نصير السلمى، مات سنة خمس اوست و اربعين و ماتين بدمشق، و عبد اللّه بن احمد بن بشير بن ذكوان القرشى، مات سنة اثنين و اربعين و ماتين بدمشق او بالكوفة.

الخامس: عاصم بن ابى النجود الكوفى الاسدى،
اشارة

قيل عاصم بن ابى النجود بهدلة، و قيل بهدلة اسم امه انتهى، و كنيته ابو بكر على ما صرح به فى الحرز الامانى كما سيظهر، قيل: مات سنة عشرين او سبع او ثمان او تسع و عشرين او سنة ثلاثين بالكوفة، او بالسماواة موضع بالبادية.

فرع:

و يروى عنه شعبة، قيل و هو المشهور بابن عياش المكنى بابى بكر، كما فى كنز المعانى، و فيه شعبة بن عياش بن سالم الكوفى الاسدى مولى لهم، مات سنة اربع(1) و تسعين و مائة بالكوفة، انتهى.

و كذا يروى عنه حفص، و يظهر من الحرز الامانى انه كان باتقانه و ضبط

ص: 276


1- ثلث خ ل.

القراءة على عاصم مرجحا على شعبة، حيث قال:

فاما ابو بكر و عاصم اسمه *** فشعبة راويه المبرّز افضلا

و ذاك ابن عياش ابو بكر الرضى *** و حفص و بالاتقان كان مفضلا

قيل: و هو اى حفص ابو عمر بن سليمان بن المغيرة الكوفى الاسدى البزاز، بايع البز، مات سنة ثمانين و مائه.

السادس: حمزة الكوفى،
اشارة

قال فى الحرز الامانى:

و حمزة ما ازكاه من متورع *** اما ما صبورا للقران مرتلا

قيل: نسبه ابو عمارة حمزة بن حبيب الزيات الفرضى، مات سنة ست و خمسين و مائة بحلوان.

فرع:

و يروى عنه خلف و خلاد بواسطه سليم، على ما يظهر من الحرز الامانى، حيث قال بعد المنقول عنه سابقا:

روى خلف عنه و خلاد الذى *** رواه سليم متقنا و محصلا

قيل فى شرح ذلك: روى خلف عن حمزة و كذلك خلاد عنه الحديث، الذى رواه سليم حالكون المنقول محققا حاصلا بعد سعى و اجتهاد، و الملخص ان خلفا و خلادا روى القراءة عن سليم عن حمزة، ثم قال: نسب سليم ابو عيسى سليم بن عيسى الحنفى الكوفى، مات سنة ثمان او سبع و ثمانين و مائة بالكوفة، و نسبهما ابو محمد خلف بن هشام البرار، بالراء آخر، مات سنة سبع و عشرين و ماتين بالكوفة.

السابع: الكسائى،
اشارة

و اسمه على ما يظهر من الحرز الامانى حيث قال:

و اما على فالكسائى نعته *** لما كان فى الاحرام فيه تسربلا

قيل: نسبه ابو الحسن على بن حمزة بن عبد اللّه النحوى، مولى لبني تميم، مات سنة تسع و ثمانين و مائة بزيتونه من قرى الرى، فى توجهه مع الرشيد الى خراسان.

فرع:

ص: 277

و يروى عنه حفص الدّورى، و ابو الحارث على ما يستفاد من الحرز الامانى حيث قال بعد المنقول عنه سابقا:

روى ليثهم عنه ابو الحارث الرضى *** و حفص هو الدورى و فى الذكر قد خلا

قيل: و نسب ابى الحارث ليث بن خالد البغدادى، مات سنة اربعين و ماتين بها، و قال آخر خلا بمعنى مضى، اى مضى ذكر حفص عند ابى عمرو العلا فانه روى القراءة عن ابى عمرو، و عن الكسائى، و اشتهر بروايتهما، و قيل: انه كان جامعا للاحرف السبعة، عاش تسعة و تسعين، و اخذ ببصره فى كبر سنه.

الامر الثالث: حكم الجماعة باستحباب تعمد الاعراب،

قال فى الروضة بعد حكم المتن باستحباب تعمد الاعراب ما لفظه: اما باظهار حركاته و بيانها بيانا شافيا، بحيث لا يندمج بعضها فى بعض الى حد لا يبلغ المنع، او بان لا يكثر الوقوف الموجب للسكون، خصوصا فى الموضع المرجوح و مثله حركة البناء.

الرابع: صرح فى النفلية باستحباب اشباع كسرة كاف ملك،

و قال الشارح الفاضل فى شرحها: للانتقال بعدها الى فتحة، فيخاف بسببها من الاجحاف بها.

الخامس: صرح فيها ايضا باستحباب اشباع دال نَعْبُدُ،

و قال شقيقه فى شرحها: لتوالى الضمتين و اتباعهما الواو المجانس لها، فلا بد من اعطاء كل واحدة حقها.

السادس: صرح فيها ايضا باستحباب فتحة طاء صِرٰاطَ اَلَّذِينَ بلا افراط،

و قال شقيقه فى شرحها: و كذا المعرفة قبلها.

السابع: لو لم يمكنه على الاستقامه فهل يجب عليه ترك الاعراب الخطأ ام لا؟

فيه تردد من كون حذف الحركات مبطلا للجزء الصورى من الكلام، و من كون الواجب عليه الاتيان بالفصيح، و ترك الخطاء، و قد فات الأول، فيجب الثانى، و لعل الاقرب هو القول بوجوب ترك الاعراب الخطاء.

لا يجزى القراءة مع مخالفة ترتيب الآيات
اشارة

(و) كذا (لا) يجزى القراءة (مع مخالفة ترتيب الآيات) على الوجه المنقول، بلا خلاف اجده، بل عن جملة من العبائر نفى الخلاف فى وجوب الترتيب بينها،

ص: 278

بل عن بعضهم دعوى الاجماع على وجوب ذلك، و يدل عليه ان المتبادر من قراءة الفاتحة - مثلا - هو قراءتها على ترتيبها و نظمها، فمع المخالفة لما يأت بما هو المامور به، و يعضده توقف البراءة اليقينية عليه، و انهم - سلام اللّه عليهم - داوموا عليه، فيجب اما لاصالة وجوب التأسى، او لقوله (ص): صلوا كما رأيتمونى اصلى، او لان المداومة على فعل تدل على وجوبه.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: صرح الجماعة بوجوب الترتيب بين الكلمات ايضا،

بل عن بعض(1)ان هذا متفق عليه بين الكل. و فى الذخيرة: و اولى منه بعد الاجزاء اذا خالف فى ترتيب كلماتها، انتهى. و به صرح غيره ايضا، و بالجملة الظاهر اتفاقهم على وجوب الترتيب مطلقا، كما استظهره بعض مشائخنا.

الثانى: لو اخل بالترتيب عمدا مع جهله بوجوبه،

و تقصيره فى تحصيل المعرفة بطلت صلوته.

الثالث: لو اخل به عامدا عالما و لم يركع، فهل تفسد صلوته بمجرد الاخلال به، كما ذهب اليه الجماعة ام لا؟

بل انما يفسد بذلك القراءة، فيجب عليه التدارك كما اختاره المدارك و الشارح المحقق. و فى نهاية الاحكام: لو قدم مؤخرا او أخر مقدما عامدا بطلت قرائته، و عليه الاستيناف لاخلاله بالجزء الصورى و فى التذكرة: يجب ان يقرا الفاتحة و السورة على ترتيبهما المخصوص، فلو قدم آية على المتاخرة أعاد، و به قال الشافعى، و فى الشرايع: و يجب ترتيب كلماتها و آياتها على الوجه المنقول. فلو خالف عمدا اعاد، و فى مجمع الفائدة: و معلوم ايضا وجوب الترتيب بين الآيات، فان الفاتحة هى المرتبة، فكان دليل وجوب تقديم الفاتحة على السورة المواظبة، الى ان قال: و اما البطلان بالترك، فيحتمل مع قصد التوظيف للعالم و الجاهل، و يحتمل فى الاخير الصحة، مع احتمال الصحة فى الأول ايضا، مع الاتيان بالواجب بعد ذلك، لانه قرآن، و لا يخرج بذلك القصد عنه فيكون القصد منهيا فقط فتامل، انتهى. وجهان، و للثانى صدق الامتثال، و

ص: 279


1- و هو المسالك الجامعيّة.

اصالة بقاء الصحة، و عموم لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و للاول انه قدم ما حقه التاخير، و أخر ما حقه التقديم، فيكون ذلك من كلام الادميين، اذ الامر بالقراءة لم يتعلق، فيجبئ بذلك البطلان.

أقول: تحقيق المقام يقتضى بسط الكلام فى مقامين:

الأول: لو اخل بالترتيب و لكن كان بحيث يصدق معه انه قرآن، فالاقوى حينئذ هو القول بالصحة لو تدارك ما اختل به، لما تقدم من الادلة و عدم ظهور ما يدل على الفساد.

الثانى: لو اخل به و لكن كان بحيث لم يصدق معه انه قرآن، او دعاء، فالقول بالصحة حينئذ محل اشكال فى الغاية، لمكان بطلان الصلوة بالتكلم، كما سيجئ ان شاء اللّه فى مقامه اليه الاشارة، و قوله (ع): من زاد فى صلوته فعليه الاعادة، كما فى رواية ابى بصير، و قوله (ع): اذا استيقن انه زاد فى صلوته المكتوبة لم يعتد بها، و استقبل صلوته استقبالا، اذا كان قد استيقن يقينا، كما فى صحيحة زرارة، و بكير، و فى دلالة الثانى نوع مناقشة فلا تغفل و القول بان الاشكال فى المقام الثانى مما لا وجه له، اذ كل من قال بالصحة قال بها مطلقا، و كل من قال بالفساد قال به مطلقا غير وجيه، اذ الاجماع المركب ممنوع.

قال فى المدارك: و لو خالف عمدا اعاد الصلوة على ما قطع به المصنف رحمه اللّه و غيره، و هو جيد، و ان لم يتداركها قبل الركوع لا مطلقا، لان المقر و على خلاف الترتيب، و ان لم يصدق عليه اسم السورة، لكن قد لا يخرج بذلك عن كونه قرآنا.

و قال فى الذخيرة: و الحكم بوجوب اعادة الصلوة فى صورة المخالفة عمدا مشكل، لان المقر و على هذا الوجه و ان لم يعد من القراءة المعتبرة فى الصلوة، لكنه لم يخرج عن كونه قرآنا، فيشمله عموم ما دل على جواز قراءة القرآن فى الصلوة لا بد لنفيه من دليل، نعم، يحتاج الى التدارك، انتهى.

و بالجملة الاجماع المركب ممنوع، كما صرح به بعض مشائخنا، و اما القول

ص: 280

بان مخالفة الترتيب للموالاة الواجبة فى القراءة منافية، فغير وجيه، اما اولا: فلانه ربما يتحقق معها الموالاة. و اما ثانيا: فلان اللازم حينئذ فساد القراءة، و استلزامه لفساد الصلوة محل تامل، فليتأمل جدا. و اما ثالثا: فلان الفساد لو سلم، انما يجيئ من هذه الجهة، لا من جهة مخالفة الترتيب التى هى المقصودة هنا، و دعوى عدم القول بالفصل ممنوعة، و القول بان مخالفة الترتيب منهية، و النهى يقتضى الفساد فى العبادة، غير وجيه، لما اشار اليه بعض مشائخنا بان النهى قبل الركوع ممنوع، سلمنا، و لكن لا نسلم اقتضاء هذا النهى بالخصوص فساد الصلوة فتدبر(1)، انتهى.

و قد مضى فى كلام الشارح المقدس ما ينفعك فراجع.

و القول بان شغل الذمة يستدعى البراءة اليقينية، و هى باستيناف الصلوة حاصلة، ليس فيه وجاهة، اذ ادلة الصحة محصلة للبراءة، مع ان الذمة بحرمة قطعها مشغولة، و حصول البراءة عن غير اتمامها محل شبهة، لعدم قيام الادلة، على ان مخالفة الترتيب لها مفسدة، فتدبر.

و القول بان الشهرة قد وقعت على الحكم بالبطلان، فكيف يجوز المخالفة، غير وجيه. اذ هو مع ان فى النفس شىء فى حجية الشهرة يرد عليه، ان غاية كلامهم هى الاطلاق، و انصرافه الى غير محل البحث، لعله ليس فيه شبهة، و القول بان النهى عن قراءة اكثر من سورة، يقتضى هنا الحكم بعدم الصحة. ففيه:

ان المتبادر منه غير محل البحث، كما لا يخفى على المتعمق فى تلك الأخبار، و لو فى الجملة، و بالجملة القول بالفساد فى المقام الأول مشكل فى الغاية، فالقول بالصحة ليس بذلك البعيد، و لكن الاحتياط، و هو اتمام الصلوة ثم الاعادة او القضاء مما لا يترك البتة.

الرابع: اذا خالف الترتيب سهوا حتى يركع، فيمضى، فان صلوته صحيحة،

كما صرح به غير واحد، بل الظاهر اتفاقهم على ذلك، كما استظهره بعض مشائخنا، و يدل عليه عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الى آخره، و فحوى جملة من

ص: 281


1- لأن الغالب ان تعمد المخالفة انما هو باعتبار الجهل و الغالب فى الجاهل الاستمرار عليها حتى يركع بل لعل الغالب فى العالم ايضا ذلك (منه عفى عنه).

الأخبار المتقدمة فى اوائل بحث القراءة.

الخامس: اذا خالفه سهوا و تذكر قبل الركوع فصلوته صحيحة ايضا،

بل الظاهر انه اتفاقى، كما استظهره بعضهم(1)، و عليه فهل يستانف القراءة مطلقا، كما هو مقتضى الشرايع، و الرياض و التحرير، و المحكى عن المنتهى و القواعد، او يعيد على ما يحصل به الترتيب مطلقا، كما هو مقتضى اطلاق المقاصد العلية، و نهاية الاحكام، و المحكى عن شرح الالفية، او الأول ان فات الموالاة، و الا فالثانى، كما هو مقتضى عبائر الجماعة؟ اوجه، و فى الذكرى على ما حكى و لو كان نسيانا استانف، و لا يجزيه البناء على ما يحصل به الترتيب، للاخلال بالموالاة نعم لو قرا النصف الثانى من الحمد ناسيا، ثم قرأ الأول مع استمرار النسيان، ثم تذكر، يبنى.

و فى جامع المقاصد على ما حكى: و لو خالف ترتيب الايات نسيانا فلا بد من الاعادة، نعم، لو قرا آخر الحمد، ثم قرا اولها مع النسيان، ثم تذكر، بنى على ما قرا آخرا، و يستانف ما قبله لحصول الترتيب و الموالاة معا.

و فى المدارك قوله: و ان كان ناسيا استانف الى آخره، انما يستانف القراءة اذا لم يمكن البناء على السابق، و لو لفوات الموالاة، و الا بنى عليه، كما لو قرا آخر الحمد ثم قرا اولها، و فى الذخيرة: فلو خالف الترتيب قال الشيخ لا صلوة له، و ذكر الفاضلان و من تبعهما انه يعيد الصلوة ان كان عامدا، و القراءة ان كان ساهيا ما لم يتجاوز المحل، و لعلّ مرادهم باستيناف القراءة استينافها على وجه يحصل معه الترتيب، كما صرح به المصنف فى النهاية، و فى ذلك قوله: و ان كان ناسيا الى آخره انما يستانف القراءة اذا لم يتحصل منها ما يمكن البناء عليه، او امكن مع الاخلال بالموالاة، اما لو انتفى الامران، كما لو قرا آخر الحمد، ثم قرا اولها ثم ذكر، بنى على ما قرأه آخرا، او يستأنف ما قبله لحصول الترتيب و الموالاة، انتهى.

أقول: و القول الثانى لا يقول، لا يخلو عن رجحان لمكان الاطلاقات، و عموم قوله (ع):

لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و لكن الاحتياط فيما اذا فات الموالاة بالعود، على ما

ص: 282


1- و هو بعض مشائخنا (منه).

يحصل معه الترتيب بالعود اليه، و اعادة الصلوة وقتا و خارجا مما لا ينبغى تركه، و اما مع عدم فوت الموالاة فلا اشكال فى اجزاء العود على ما يحصل معه الترتيب اصلا.

السادس: قال فى المقاصد العلية، بعد الحكم بوجوب ترتيب الايات و الكلمات على الوجه المتواتر و الحكم بالبطلان فى المخالفة، و بالاعادة على ما يحصل به الترتيب، لو وقعت سهوا ما لفظه: و لا فرق فى ذلك بين ما روى انه على خلاف هذا الترتيب و غيره، حملا للاوامر الصادرة من الائمة عليهم السلام فى القراءة على المعهود، مع سبق الترتيب الخاص على زمان اكثرهم.

(و) كذا (لا) يجزى القراءة (مع قراءة السورة اولا).
اشارة

أقول: وجوب تقديم الحمد على السورة اجماعى على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، و عليه فلو قدمها عمدا فهل تبطل الصلوة ام لا؟ بل يجب استيناف تلك السورة او غيرها، و تصح صلوته، ذهب المصنف طاب ثراه فى التذكرة و التحرير و غيرهما، و الشهيدان و المحقق الثانى فى الجعفرية و غيرهم الى الأول، بل استظهر بعضهم كونه مشهورا، و ظاهر اطلاق المحقق فى الشرايع هو الثانى، و اختاره فى المدارك، حيث قال:

قوله: و لو قدم السورة على الحمد اعادها او غيرها بعد الحمد، اطلاق العبارة يقتضى عدم الفرق فى ذلك بين العامد و الناسى، و هو كذلك، انتهى.

و حكى عن ظاهر الشيخ ايضا عدم وجوب اعادة الصلوة، قال بعض الأجلاء: و ربما قيل هنا بالتفصيل، بين ما اذا كان عازما على اعادتها فتصح الصلوة، او اولا فتبطل(1)، انتهى.

أقول: للاولين وجهان:

الأول: ما اشار اليه فى التذكرة، بان الامر ورد بالتلاوة على الترتيب، فلا يكون المخل به آتيا بالمامور به.

ص: 283


1- و قال الشارح المحقق و قد قطع جماعة من الاصحاب منهم المصنف بوجوب اعادة الصلوة استنادا على انه فعل منهى عنه فى العبادة و فيه نظر لانه لو سلم كونه منهيا فانه لا يلزم من ذلك الا بطلانها و عدم الاعتداد بها فى الصلوة لا بطلان الصلوة بها انتهى فتأمل (منه).

الثانى: ما اشار اليه شارح الجعفرية، بان الامر ورد بالتلاوة على الترتيب و قد فعله النبى (ص)، قال: صلوا كما رأيتمونى اصلى، فتكون هذه المخالفة منهية شرعا، و النهى فى العبادة يستلزم الفساد قيل: و قد علل المحقق الشيخ على لذلك بثبوت النهى فى الماتى به جزاء من الصلوة المقتضى للفساد، انتهى.

أقول: و يرد على الأول ان ذلك لا يستلزم بطلان الصلوة، لامكان تداركه، ما لم يركع، فيجب عليه قراءة تلك السورة او سورة اخرى بعد الحمد، فتصح صلوته و على الثانى ان القول المذكور مبنى على القول بان الامر بالشىء يستلزم النهى عن ضده الخاص، و هو ممنوع، كما فصلناه فى الاصول، بما لا مزيد عليه، و اما التفصيل بين العزم على الاعادة و عدمه، فلم يظهر لى بعد وجهه(1).

فرع:

لو قدم السورة ساهيا، فلا يجب عليه استيناف الصلوة اتفاقا على الظاهر، و قد استظهره بعض الأجلاء ايضا، و يدل عليه عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الى آخره، و الاطلاقات، و فحوى جملة من الأخبار، نعم، يجب عليه اعادة تلك السورة او غيرها بعد الحمد، و الظاهر اتفاقهم على ذلك ايضا، كما استظهره بعضهم، و انما الخلاف فى انه هل يجب عليه اعادة الحمد ايضا، ام لا؟ قولان: فالذى يستفاد من المصنف رحمه اللّه فى ظاهر التذكرة و التحرير و غيرهما استيناف الحمد ايضا، و فى المسالك، و اعادة السورة بعد الحمد يحتمل مع اعادة الحمد، كما ذكره جماعة، و الاجود الاكتفاء بالحمد، لان وقوعها بعد السورة لا يبطلها، فلا وجه لاعادتها، بل تعاد السورة لا غير، انتهى.

أقول: و ما اختاره فى المسالك هو الاظهر، وفاقا لصريح الجماعة، و منهم المحقق الثانى، و ظاهر المحقق الأول، و المحكى عن الشهيد الأول، لعدم الدليل على الاعادة، مع اقتضاء عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و الاطلاقات عدمها.

ص: 284


1- قال بعض الأجلاء و لو قيل بانه مع اعتقاده الترتيب على الوجه الذى به يكون شرعا فتبطل صلوته به مع تعمده للنهى عن ذلك القصد فالجواب انه متى تدارك ذلك قبل الركوع فقد حصل امتثال الامر بالترتيب و النهى انما توجه على امر خارج عن الصلوة و هو القصد فلا يكون موجب لبطلانها.
تذنيب:

قال فى المدارك بعيد كلامه الذى نقلناه سابقا: و ربما ظهر من العبارة عدم وجوب اعادة الحمد، و هو كذلك ايضا، لانها اذا وقعت بعد السورة كانت قرائتها صحيحة، فلا مقتضى لوجوب اعادتها، و ربما قيل بوجوب الاعادة، و هو ضعيف، و قال بعض الأجلاء: و ظاهر عبارة المدارك فى هذا المقام، ان هذا الخلاف فى صورة تقديم السورة عامدا، و الظاهر انه غفلة منه قدس سره، فان الموجود فى كلامهم ان هذا الخلاف انما هو فى صورة التقديم ناسيا، انتهى.

أقول: المستفاد من ظاهر عبارة المدارك هو العموم بالنسبة الى صورتى العمد و السهو، لا الاختصاص بالاولى، نعم، قد تصدى المحقق الثانى، و الشهيد الثانى، و من يحذو حذوهما لذكر هذا الفرع فى مقام السهو بالخصوص، و لعل وجه ذلك انهم فى صورة العمد يحكمون ببطلان الصلوة، فلم يحتاجوا الى ذكر هذا الفرع، فتدبر.

و كيف كان، فالذى يقتضيه الدليل هو اعادة السورة فقط بقول مطلق، و امر الاحتياط واضح.

تنبيه:

قد صرح فى المسالك و غيره بان الجاهل هنا كالعامد، و هو كذلك على التفصيل المتقدم فى المجلد الأول من كتاب الصلوة، و لا يخفى ايضا ان هذا كله على تقدير وجوب السورة كما صرح بذلك بعضهم.

(و لا مع الزيادة على سورة)
اشارة

بعد الحمد فيما يجب فيه السورة أقول: اختلف الاصحاب فى جواز القرآن بين سورتين فى ركعة واحدة من الصلوة فالذى اختاره المصنف - طاب ثراه - هنا و فى التحرير و المختلف و غيرها هو القول بعدم الجواز وفاقا لعلم الهدى فى الانتصار و المسائل المصرية(1) الثالثة، مدعيا فى الأول اجماع الامامية، و صدوق الطائفة فى الفقيه و الامالى مدعيا فى الثانى، انه من دين الامامية، و شيخ الطائفة فى النهاية و

ص: 285


1- المسائل المصريات للمولى السيد المرتضى و ايضا للمولى المحقق الحلى انظر الذريعة ج 20 ص 367.

المبسوط و الخلاف بل قال فى الأول و الاخر ان ذلك مفسد، و ابى الصلاح فى الكافى، و اختاره بعض من متاخرى المتأخرين و لعل كلام الشهيد فى الرسالة يميل اليه، خلافا للشيخ فى الاستبصار و الحلى و المحقق فاختاروا الكراهة، و اليه ذهب اكثر المتأخرين، و نسبه فى التذكرة الى المرتضى ايضا، و الاظهر عندى هو القول الأول، لوجهين:

الأول: الاجماعان المحكيان.

الثانى: جملة من الأخبار، منها الخبر الحادى و العشرون و الخامس عشر و الحادى عشر المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و سورة كاملة، و منها ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة عن عمرو بن يزيد، قال: قلت لابى عبد الله (ع):

إقرأ سورتين فى ركعة. قال: نعم، قلت: أليس يقال: إعط كل سورة حقها من الركوع و السجود؟ فقال: ذاك فى الفريضة، فاما النافلة فلا بأس.

و منها: ما عن الصدوق فى كتاب الخصال بسنده فيه الى على (ع) فى حديث الاربعمائة، قال: اعط كل سورة حقها من الركوع و السجود.

و منها: ما روى عن كتاب قرب الاسناد، عن على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن رجل قرأ سورتين فى ركعة، قال: ان كان فى نافلة فلا بأس، و اما الفريضة فلا يصلح، فتدبر.

و منها: ما روى عن الحلى فى آخر السرائر، عن كتاب حريز، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: لا قرآن بين سورتين فى ركعة، و لا قرآن بين سورتين فى كل فريضة، و لا نافلة، و لا قرآن بين صومين.

و منها: ما عن التحرير و المنتهى عن جامع البزنطى، عن المفضل، قال:

سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: لا تجمع بين سورتين فى ركعة، الا الضحى و الم نشرح، و الفيل و لا يلاف.

و منها: ما عن هداية الصدوق مرسلا عن الصادق (ع)، انه قال: لا تقرن بين السورتين فى الفريضة، و اما فى النافلة فلا بأس.

و منها: ما عن الفقه الرضوى، و قال العالم (ع): و لا يجمع بين السورتين

ص: 286

فى الفريضة.

و للاخرين جملة من الأخبار، منها: الخبر التاسع المتقدم فى شرح قول المصنف: و سورة كاملة، و هو صحيحة على بن يقطين عن ابى الحسن (ع).

و منها: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة عن ابى جعفر (ع): انما يكره ان يجمع بين السورتين فى الفريضة فاما النافلة فلا بأس.

و منها: ما عن ابن ادريس فى مستطرفات السرائر عن كتاب حريز، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: لا تقرن بين سورتين فى الفريضة، فان ذلك افضل.

أقول: لا ريب فى عدم مقاومة تلك الأخبار لما تقدم من الادلة، و المقاومة شرط فى المعارضة، اما موثقة زرارة فلان استعمال الكراهة فى التحريم شايع فى اخبار الائمة (ع)، بل قيل: بل ربما يترجح على المعنى الاصولى، و عليه فكيف لها المقاومة، و بطور آخر لفظ الكراهة فى عصر الائمة (ع) اما تكون حقيقه فى المعنى المشترك بين الحرمة و الكراهة على اصطلاح الاصولى، او تكون حقيقه فى الثانى، لمكان اصالة عدم النقل، و لكن استعمل فى المعنى الأول استعمالا شايعا، و على الأول فلا مهرب من الحمل على الحرمة، لمكان القريبة، و هى ادلتنا المتقدمة، و اما على الثانى فيدور الامر بين حمل اخبارنا التى تشتمل على النواهى التى هى حقيقه فى الحرمة بقول مطلق على الكراهة، او حمل تلك الموثقة على التحريم و لا ريب ان الترجيح معنا، لانا نمنع كون استعمال النهى فى الكراهة اشبع من استعمالها فيه، و عليه فكون المرجحات فى جانبنا واضحة، و بما ذكر ظهر حال رواية زرارة، لان استعمال افعل التفضيل بمعنى اصل الفعل شايع، فلذا ساقها بعض الأجلاء فى ادلة القائلين بالحرمة، فلم يبق الا صحيحة على بن يقطين فلتحمل على التقية التى كانت فى زمان مولانا الكاظم (ع) شديدة، و الحال ان عليا كان وزير اللخليفة، و كان الحاسدون عليه يرمونه بالرفض عند الخليفة، فلاحظ الحديث الوارد فى الوضوء المروى فى وسائل الشيعة.

و بالجملة لا ريب فى ارجحية الأخبار الدالة على الحرمة، اذ هى بالاجماعين

ص: 287

المحكيين الّذين كل منهما حجة مستقلة معاضدة، كالسيرة المستمرة فى الاعصار و الامصار بين الشيعة، فتدبر، و بحصول البراءة اليقينية، و الاحاديث البيانية و بمخالفة العامة، التى يكون الرشد فى خلافهم بلا ريبة، مع كون عددها كثيرة، و طرو الوهن فى الأخبار المخالفة بما مضى اليه الاشارة، فلتحمل على التقية البتة.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: قد عرفت حرمة القرآن، فهل ذلك مفسد للصلوة ايضا، كما عن الشيخ فى النهاية و الخلاف، و حكاه فى الحبل المتين عن المرتضى ايضا، ام لا؟

كما عنه فى المبسوط، وجهان: و عن المصنف فى المنتهى انه تردد فى ذلك و هو الظاهر من التحرير ايضا، حيث قال بعد حكمه بعدم جواز القرآن: و هل هو مبطل؟ للشيخ قولان: للاول ما اشار اليه المصنف رحمه اللّه فى الخلاف، بانه غير آت بالمامور به على وجهه، فيبقى فى عهدة التكلف، و رده السيد فى المدارك، بان الامتثال حصل بقراءة السورة الواحدة، و النهى عن الزيادة، لو سلمنا انه للتحريم فهو عن امر خارج عن العبادة، فلا يترتب عليه الفساد.

ورده الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن شيخنا الشهيد الثانى، على ما حكى بان الظاهر من القرآن قصد الجمع بين السورتين لأن العدول لا ريب فى جوازه مع الشرط المذكور فيه و حينئذ فكلام العلامة متوجه لان قصد السورتين يقتضى عدم الاتيان بالمامور به، اذ المامور به السورة واحدها، و قول شيخنا: ان النهى عن الزيادة نهى عن امر خارج، انما يتم لو تجدد فعل الزيادة بعد فعل الاولى، و قصد السورة الاولى منفردة، و اين هذا من القرآن، انتهى.

و استجوده بعض الأجلاء، و للتامل فيه مجال واسع.

الثانى: قال الشارح الفاضل فى المسالك: و يتحقق القرآن بقراءة ازيد من السورة،
اشارة

و ان لم يكمل الثانية، بل بتكرار السورة الواحدة او بعضها، و مثله تكرار الحمد، و ذكر نحوا منه فى المقاصد العليه، و حكى ذلك عن المحقق الثانى ايضا، و اختاره بعض المحققين من متاخرى متاخرى الطائفة، و هو الظاهر من المتن ايضا، خلافا لبعض الأجلاء، فاختص الحكم بالسورتين، للاولين صحيحة

ص: 288

منصور المتقدمة المتضمنة على قول الصادق (ع): لا تقرا فى المكتوبة باقل من سورة و لا باكثر، وردها بعضهم، حيث قال: اخبار القرآن قد اشتملت على السورة بمعنى ان القرآن انما هو عبارة عن قراءة سورة ثانية تامة، و ليس فيها ما ربما يحتمل ما ذكره، الا صحيحة منصور بن حازم من قوله (ع): باقل من سورة و لا باكثر.

فالواجب حمل اطلاقها على ما صرحت به تلك الأخبار العديدة من ان القرآن هو الجمع بين السورتين، انتهى.

أقول: ان كان مراد المعترض ان الشارح الفاضل لم سمى ذلك قرآنا، فلا نكثر القال و القيل فى ذلك، لمكان عدم الثمرة، مع انه صرح فى الرياض بعدم تحقق القرآن حقيقه فيما دون السورة، فان بعض السورة، لا يصدق عليه اسم السورة الا مجازا.

قال فى المقاصد العلية: و فى حكم القرآن بين السورتين تكرار الواحده، بل تكرار الحمد، فيبطل به الصلوة، او تكره على الخلاف، و كذا قراءة بعض السورة لوجود المبنى فى الجميع، و ان كان مراده ان الحكم الذى بينه ليس كذلك، كما يظهر من عباراته فى سابق ما نقلنا عنه و فى لاحقه، ففيه ما ترى، لمكان شمول النص، كما صرح به فى المقاصد العلية، و اما ما ذكره من ان الواجب حمل اطلاق صحيحة منصور على ما صرحت به الأخبار، من ان القرآن هو الجمع بين السورتين ففيه انه مجازفة، اذ الظاهر ان مراده من هذه العبارة، ان قوله (ع): و لا باكثر، عام يشمل لنحو السورة و ما دونها، فليقل ان المراد منه السورة بقرينة ساير الأخبار و عدم وجاهة هذا اوضح من ان يحتاج الى بيان، اذ حمل المطلق على المقيد فرع التعارض، ايكون بين قوله: لا تكرم العلماء، و لا تكرم زيد العالم تعارضا حتى يحمل الأول على الثانى؟ و بطور آخر لا بد من تحقق الاجماع على كون التكليف فيهما واحدا، و منعه فى المقام واضح، و عليه فليحكم بعدم جواز القرآن بين السورتين، لصريح كثير من الأخبار المتقدمة، و عموم صحيحة منصور، و بالتفصيل الذى بينه الشارح الفاضل لعموم صحيحة منصور، و قال المعترض المذكور، و هو فى

ص: 289

مقام ايراد النقض على الشارح الفاضل، بعد ان ذكر ما نقلناه عنه اولا بما لفظه: و ثانيا انه لا خلاف فى جواز العدول فى الجملة، و لا ريب فى حصول الزيادة على سورة، مع انه لا قائل بالتحريم، و بالجملة فالظاهر ضعف ما ذكره، انتهى. و فيه ما ترى.

فرع:

اعلم انه خارج عن موضع البحث ما هو لغرض صحيح كالاصلاح، وفاقا للمحكى عن المحقق الثانى، و الشارح الفاضل، و عبارة الرياض ظاهرة فى ذلك، بل عن الأول انه اخرج عنه ما هو لاكمال ايضا، و هو كذلك.

تنبيه:

و عن الذكرى انه نقل عن ابن ابى عقيل، انه قال: لا تقرا فى الفريضة ببعض السورة و لا بسورة فيها سجدة، مع قوله بان السورة غير واجبة، و قال ايضا:

من قرا فى صلوة السنن فى الركعة الاولى ببعض السورة، و قام فى الركعة الاخرى ابتداء من حيث بلغ. و لم يقرا بالفاتحة، قال فى الذكرى: و هو غريب، و المشهور قرأ الحمد، و قد روى سعيد بن سعد عن الرّضا (ع) فيمن قرأ الحمد و نصف سورة، هل يجزيه فى الثانية لا يقرأ الحمد و يقرء ما بقى من السورة؟ فقال: يقرء الحمد و يقرأ ما بقى من السورة. و الظاهر انه فى النافلة، و قال فى الدروس: و يستحب اضافة سورة الى الحمد فى النافلة، و يجوز التبعيض فيها، و لو بعض فى الركعة الاولى لم يجز الاكمال فى الركعة الثانية عن الحمد، خلافا للحسن.

الثالث: قال بعض الأجلاء: الظاهر ان موضع الخلاف فى القرآن جوازا او تحريما بالسورة التامة او ما دونها...

الثالث: قال بعض الأجلاء: الظاهر ان موضع الخلاف فى القرآن جوازا او تحريما بالسورة التامة او ما دونها، هو ما اذا قصد بقراءته بكونه جزءا من القراءة الواجبة،(1)

فان الظاهر انه لا خلاف فى جواز القنوت ببعض الآيات و اجابة المسلم بلفظ القرآن و الأذن للمستاذن بقوله: «اُدْخُلُوهٰا بِسَلاٰمٍ آمِنِينَ» و نحو ذلك، و قال بعض المحققين لا يضر القنوت ببعيض الآيات، لدخوله فى عموم ما ورد فى القنوت.

ص: 290


1- و ادعى فخر المحققين فى الايضاح فى بحث تحريم قراءة العزيمة الاجماع على انه يحرم الزيادة على السورة بعد الحمد على انها من الصلوة (منه).

روى الكلينى(1) و الشيخ فى الموثق عن عبيد بن زرارة، انه سأل الصادق (ع) عن ذكر السورة من الكتاب يدعو بها فى الصلوة، مثل قل هو اللّه احد، فقال: اذا كنت تدعو بها فلا بأس. و ظاهره المنع، ان كان من غير هذه الجهة، فيكون دليلا آخر للمانعين، لأن الباس فى جواب السّؤال المذكور ظاهر فى المنع، لان الظاهر ان سؤالهم انه فيه منع ام لا، و لا يضر ايضا كونه اجابة لمسلم، او لاذن المستاذن مثل: «اُدْخُلُوهٰا بِسَلاٰمٍ آمِنِينَ» و يا «يَحْيىٰ خُذِ اَلْكِتٰابَ» و نحو ذلك، لعدم مانع للاجماع على عدم ضرر التكلم بالقرآن فى الصلوة، كما ستعرف، و من ذلك ما صدر من على (ع)، مع ابن الكوا، و ما صدر منه مع على (ع)، مع عدم امره باعادته صلوته، و قال فى المدارك: و كيف كان، فموضع الخلاف قراءة الزايد على انه جزء من القراءة المعتبرة فى الصلوة، اذ الظاهر انه لا خلاف فى جواز القنوت ببعض الايات، و اجابة المسلم بلفظ القرآن، و الأذن للمستأذن بقوله:

«اُدْخُلُوهٰا بِسَلاٰمٍ آمِنِينَ» و نحو ذلك، انتهى.

أقول: الذى يظهر لى من تتبع الأخبار، و قد نقلنا كثيرا منها فى شرح قول المصنف رحمه الله: و سورة كاملة، فراجع الى هناك البتة، ان الزيادة على السورة او النقص عنها، بقصد انما وظيفة القراءة، و ان الشارع قد قصد ذلك فى هذا المقام، ليست بجائزة، و ان الأخبار المتقدمة فى البحث عن السورة انما صدرت من باب جراب النورة، و نقل بعضهم(2) عن المحقق الثانى، بعد ان نقل عنه انه عمم البحث بحيث يشمل زيادة كلمة احرى على السورة الواحدة، و لو كانت من تلك السورة، او الفاتحة، بما لفظه: و ايضا قال:

لا خلاف فى التحريم بل البطلان مع قصد المشروعية، و وظيفة القراءة، انتهى.

و اما اذا زاد لا بهذا القصد، بل بقصد القرآنية، فالحكم بعدم الجواز، اذا كان غير مضر بالترتيب و الموالاة فى غاية الاشكال، و بطور آخر اذا زاد عنها بقصد الاستحباب او الوجوب فى هذا المقام الخاص، فلا ريب فى عدم الجواز، و قد تقدم فى عبارة المحقق الثانى ما تقدم. و عليه فلا بد ان يقال فى تحرير موضع

ص: 291


1- رواها الكلينى فى الكافى فى باب البكاء و الدعاء فى الصلوة (منه).
2- و هو الشارح المقدس (منه).

النزاع: انهم من غير خلاف يعرف متفقون على عدم الوجوب و الاستحباب، و لكنهم اختلفوا فى ان الشارع هل طلب فى هذا المقام الزيادة ام لا؟ و لو مع الكراهة، اذ الظاهر ان كراهة الشىء فى العبادات بمعنى كونه اقل ثوابا، فتجامع مع الطلب، فمنهم من حكم بالثانى، و عليه فلا يجوز له الزيادة بهذا القصد، لمكان مجئ الحرمة، و هو الذى اخترته كما مضى اليه الاشارة. و منهم من حكم بالأول، اما بقول مطلق، او فى الجملة، و انما رددنا هنا لاجل ما مضى فى الامر الثانى فراجع الى هناك منه عفى عنه و هو الذى اختاره اكثر متاخرى الطائفة و من يحذو حذوهم اذ هم افتوا بكراهة القرآن كما مضى اليه الاشارة، و اما لو عمم موضع النزاع، بحيث يشمل لنحو الزيادة بقصد مطلق القرآنية و الدعاء ايضا، فدونه خرط القتاد نعم لو زاد عنها بحيث اختل الترتيب او الموالاة فهو شىء آخر لا دخل له فى المقام.

هذا ما ظهر لنا فى تحرير موضع النزاع، و ربما يظهر من الشارح المقدس رحمه اللّه ما ينافى ذلك، حيث قال فى مجمع الفائدة: اعلم ان المصنف تردد فى المنتهى فى البطلان مع القول بالتحريم، لانه فعل كثير، فيكون حراما و الظاهر من وجه التحريم كونه ملحقا بكلام الادميين، و التردد فى البطلان لاصله، و لكونه قرآنا، و ان كان حراما، و الاوامر المطلقة، و فى استثناء القرآن مطلقا و عدم دلالة التخلّى على التحريم و الاصل مؤيّد للصحة و عدم البطلان و ان فى هذه الأخبار الدالة على كراهة القرآن مع القول بها دلالة على وجود الكراهة فى العبادات بمعناها الحقيقى، اذ لا نزاع لاحد فى ان الاولى ترك السورة ثانية، بمعنى عدم حصول ثواب اصلا بفعله، بل انما النزاع فى الاثم و عدمه، و سيجئ زيادة تحقيق ذلك، انتهى، و هو أعلم بما قال.

الرابع: اعلم ان محل الخلاف الفريضة، و اما النافلة فالظاهر عدم الخلاف فى جواز القرآن فيها،

و فى الذخيرة نفى عنه الخلاف، و يدل عليه الأخبار الكثيرة.

منها: رواية عمر بن يزيد، و رواية على بن جعفر، و مرسلة الصدوق و رواية على بن يقطين، و رواية زرارة المتقدمة.

و منها: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة عن عبد اللّه بن ابى يعفور،

ص: 292

عن ابى عبد الله (ع)، قال: لا بأس ان يجمع فى النافلة من السورة ما شئت. نعم، يظهر من بعض الأخبار ان الاولى هو ترك القرآن فى النافلة النهارية، و هو ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم، عن محمد بن القاسم، قال: سألت عبدا صالحا: هل يجوز ان يقرا فى صلوة الليل بالسورتين و الثلاث؟ فقال: ما كان من صلوة اللّيل فاقرا بالسورتين و الثلاث، و ما كان من صلوة النهار فلا تقرا الا بسورة سورة.

الخامس: استثنى من الفريضة فى الحكم الذى ذكر صلوة الآيات،

لما سيجئ فى مقامها ان شاء اللّه.

السادس: القول بعدم وجوب السورة أو القول بتحريم القرآن

قال الشارح الفاضل - طاب ثراه - فى الرياض: بقى هنا بحث، و هو انه قد تقدم فى مسئلة وجوب السورة الاحتجاج برواية منصور بن حازم المذكورة، على الوجوب المستفاد من النهى، المقتضى للتحريم، المستلزم للامر بضده، و هى العمدة فى الاحتجاج، ثم قد حمل النهى فيها هنا على الكراهة، فاللازم من ذلك اما القول بعدم وجوب السورة، او القول بتحريم القرآن، و قد حكم جماعة بوجوب السورة، و كراهة القرآن، فلا يتم الاستدلال بها على الامرين المتنافيين، و يمكن حل الاشكال على تقدير انحصار الدّليل على وجوب السورة فى الرواية بان النهى فيها متعدد، و الحرف الدّال عليه مكرر، فيجوز حمل الأول على التحريم جريا له على بابه و حقيقته، لعدم المعارض المقتضى لحمله على غيرها، و حمل الثانى، و هو قوله: و الاكثر على الكراهة، لاقتضاء تعارض الأخبار وجوب الجمع مع الامكان، و هو هنا ممكن و المصنف رحمة اللّه عليه حمل النهى فيها على التحريم فى الموضعين حذرا من ذلك، و المحقق فى التحرير حمله على الكراهة فيهما، لما بينت هنا، و فرقهما اولى، و ان كان خلاف الظاهر، لما ذكرنا من العارض الموجب له، انتهى(1).

أقول: و المناقشة فى بعض المذكورات و ان كانت جارية، و لكنا لا نطول المقام بذكرها، لمكان عدم الثمرة التي يعتد بها، فالاشتغال بغيرها اولى.

ص: 293


1- قوله لاقتضاء تعارض الى آخره فيه انا لا نسلم القول بوجوب الجمع بقول مطلق و لو لم يكن له شاهد اصلا و ذلك واضح لما بيّنه فى الاصول بما لا مزيد عليه (منه).
(و يجب الجهر) بالقراءة (فى الصبح و اولتى المغرب، و اولتى العشاء و الاخفات فى البواقى)،
اشارة

و هى الظهر ان مطلقا، و اخيرة المغرب، و اخيرتا العشاء على المشهور بين الاصحاب، خلافا للمحكى عن الاسكافى، و السيد المرتضى فى المصباح، فحكما بالاستحباب، و مال اليه الشارح المقدس فى مجمع الفائدة، و السيد السند فى المدارك، و الحق هو الأول، لوجهين.

الأول: الاجماع المحكى عليه عن السيد بن زهرة فى الغنية، و شيخ الطائفة فى الخلاف، و عن ابن ادريس: لا خلاف بيننا فى ان الصلوة الاخفاتية لا يجوز الجهر فيها بالقراءة، و فى موضع آخر: و الجهر فيما يجب الجهر فيه واجب على الصحيح من المذهب، و لعل الخلاف فيه عن السيد غير ضاير، لجواز عدم اعتنائه بمخالفته، و يعضد المذكور الشهرة العظيمة، التى لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف، بل عن بعضهم التصريح بكونه شاذ.

الثانى: جملة من الأخبار: منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب احكام السهو فى الصلوة فى الصحيح عن حريز، عن زرارة عن ابى جعفر (ع) فى رجل جهر فيما لا ينبغى الاجهار(1) فيه، او اخفى فيما لا ينبغى الاخفاء فيه، فقال:

اى(2) ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلوته، و عليه الاعادة. و ان فعل ذلك ناسيا او ساهيا اولا يدرى، فلا شىء عليه، و قد تمت صلوته.

و منها: ما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، قال: قلت له: رجل جهر بالقراءة فيما لا ينبغى الجهر فيه، و اخفا فيما لا ينبغى الاخفاء، و ترك القراءة فيما ينبغى القراءة، و قرا فيما لا ينبغى القراءة فيه. فقال: اى ذلك فعل ناسيا او ساهيا فلا شىء عليه.

و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب وصف الصلوة عن محمد بن عمران او حمران - على اختلاف النسخ، و الامر فيه سهل، لان طريقه الى كليهما معتبر - انه سأل ابا عبد الله (ع): لاى علة يجهر فى صلوة الجمعة، و صلوة المغرب، و صلوة العشاء

ص: 294


1- الجهر خ ل.
2- ان فعل ذلك خ ل.

الاخرة، و صلوة الغداة، و ساير الصلوات الظهر و العصر لا تجهر فيهما الى ان قال: قال:

لان النبى (ص) لما اسرى به الى السماء كان اول صلوة فرض اللّه عليه الظهر يوم الجمعة، فاضاف اللّه عزّ و جلّ اليه الملائكة تصلى خلفه، و امر نبيه (ص) ان يجهر بالقراءة، ليبين لهم فضله ثم فرض اللّه عليه العصر، و لم يضف اليه احدا من الملائكة، و امره ان يخفى القراءة، لانه لم يكن وراءه احد، ثم فرض اللّه عليه المغرب و اضاف اليه الملائكة، فامره بالاجهار، و كذلك العشاء الاخرة، فلما كان قرب الفجر نزل ففرض اللّه عزّ و جلّ عليه الفجر، فامره بالاجهار، ليبين للناس فضله كما بين للملائكة، فلهذه العلة يجهر فيها.

و روى فى العلل فى باب العلة التى من اجلها يجهر بالقراءة عن حمزة بن محمد العلوى رحمه الله، عن على بن ابراهيم بن هاشم، عن ابيه عن على بن معبد، عن الحسن بن خالد، عن محمد بن حمزة قال: قلت لابى عبد الله (ع): لاى علة يجهر فى صلوة الفجر، و صلوة المغرب، و صلوة العشاء الاخرة، و ساير الصلوة مثل الظهر و العصر لا يجهر فيها؟ الى ان قال: قال: لان النبى (ص) لما اسرى به الى السماء كان اول صلوة فرضه اللّه عليه صلوة الظهر يوم الجمعة، ثم ساق الخبر كما مر، لكن بادنى تغيير غير مخل.

و منها: ما رواه فى العلل فى باب العلة التى من اجلها يجهر فى صلوة الفجر دون غيرها من صلوة النهار، عن ابيه عن عبد اللّه بن جعفر الحميرى، عن على بن بشار، عن موسى عن اخيه، عن على بن محمد عليه الصلوة و السلام، انه اجاب فى مسائل يحيى بن اكثم القاضى: اما صلوة الفجر و ما تجهر فيها بالقراءة و هى من صلوة النهار، و انما يجهر فى صلوة الليل قال جهر فيها بالقراءة، لان النبى (ص) كان يغلس فيها لقربها بالليل، و رواه فى الفقيه ايضا فى باب وصف الصلوة.

و منها: ما رواه فى العلل فى باب علل الشرايع و اصول الاسلام عن عبد الواحد ابى محمد بن عبدوس النيسابورى العطار، عن ابى الحسن على بن محمد بن قتيبه النيسابورى العطار، عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) انه قال: فان قال: فلم جعل الجهر فى بعض الصلوات، و لا يجهر فى بعض؟ قيل: لان الصلوات التى يجهر فيها لان يمر المار فيعلم ان ههنا جماعة، فان اراد يصلى صلى، لانه ان اتى جماعة يصلى فيها سمع و

ص: 295

علم ذلك من جهة السماع، و الصلوتان اللتان لا يجهر فيهما فانما هى صلوة تكون بالنهار فى اوقات مضيئة، فهى تعلم من جهة الرؤية، فلا يحتاج فيها الى السماع، و فى الفقيه فى باب وصف الصلوة بعد ذكر جمله من علل الفضل، عن الرضا (ع) ما لفظه، و ذكر العلة التى من اجلها جعل الجهر فى بعض الصّلوات دون بعض: ان الصلوات التى يجهر فيها انما هى فى اوقات مظلمة، فوجب ان يجهر فيها ليعلم المار ان هناك جماعة، فان اراد ان يصلى صلى، لانه(1) ان لم ير جماعة علم ذلك من جهة السماع، و الصلوتان اللتان لا يجهر فيهما انما هما بالنهار فى اوقات مضيئة، فهى من جهة الرؤية لا يحتاج فيهما الى السماع، و ضعف السند لو كان، و الدلالة بالاخصية مجبور بالشهرة، و عدم الفرق بين الطائفة، كما صرح به بعض الاجلة، و للاخرين ايضا وجهان:

الأول: قوله تعالى: (وَ لاٰ تَجْهَرْ بِصَلاٰتِكَ وَ لاٰ تُخٰافِتْ بِهٰا وَ اِبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً).

و فى المدارك وجه الدلالة ان النهى لا يجوز تعلقه بحقيقة الجهر و الاخفات، لامتناع انفكاك الصوت عنها، بل المراد - و اللّه أعلم - ما ورد عن الصادق (ع) فى تفسير الاية، و هو تعلق النهى بالجهر بالعالى الزايد عن المعتاد، و الاخفات الكثير الذى يقصر عن الاسماع، و الامر بالقراءة المتوسطة بين الامرين، و هو شامل للصلوات كلّها، و فى الذخيرة اذ ليس المراد - و اللّه تعالى أعلم - النهى عن حقيقة الاجهار و الاخفات، اذ لا واسطة بينهما، بل المراد بها النهى عن الجهر العالى، و الاخفات الشديد، و الامر بالتوسط بينهما، و هو شامل للجهر و الاخفات بالمعنى الذى هو محل البحث، الى ان قال: و يرجح ما ذكرناه، ما رواه الشيخ باسناد معتبر عن سماعة(2) سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: (وَ لاٰ تَجْهَرْ بِصَلاٰتِكَ وَ لاٰ تُخٰافِتْ بِهٰا وَ اِبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ) قال: المخافتة ما دون سمعك، و الجهر ان ترفع صوتك شديدا.

و روى الكلينى باسناد فيه شئ عن عبد اللّه بن سنان، قال: قلت لابى عبد الله (ع): على الامام ان يسمع من خلفه و ان كثروا؟ فقال: ليقرا قراءة

ص: 296


1- فانه خ ل.
2- رواها الكافى فى باب افتتاح الصلوة و روى الرواية الاتية فى ذلك الباب ايضا (منه).

وسطا، يقول اللّه تبارك و تعالى: (وَ لاٰ تَجْهَرْ بِصَلاٰتِكَ وَ لاٰ تُخٰافِتْ بِهٰا) انتهى.

أقول: و من الأخبار الواردة فى تفسير الاية المزبورة ما رواه على بن ابراهيم فى تفسيره عن ابيه، عن الصباح عن اسحق بن عمار، عن ابى عبد الله (ع) فى قول اللّه عزّ و جلّ: (وَ لاٰ تَجْهَرْ بِصَلاٰتِكَ وَ لاٰ تُخٰافِتْ بِهٰا) قال: الجهر رفع الصوت، و التخافت ما لم تسمع باذنك، و اقرا ما بين ذلك. و بهذا الاسناد عنه (ع) قال:

الاجهار رفع الصّوت عاليا، و المخافته ما لم تسمع نفسك(1).

و عن العياشى انه روى فى سبب النزول عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع)، فى قوله: «وَ لاٰ تَجْهَرْ بِصَلاٰتِكَ» الاية قال: كان رسول الله (ص) اذا كان بمكة جهر بصلوته، بتعلم(2) بمكانه المشركون، فكانوا يؤذونه، فنزلت عند ذلك الاية، و نحوه عن الطبرسى عنهما (ص)، و عن العياشى ايضا عن سماعة بن مهران، عن ابى عبد الله (ع) فى قول اللّه عزّ و جلّ: (وَ لاٰ تَجْهَرْ بِصَلاٰتِكَ وَ لاٰ تُخٰافِتْ بِهٰا) قال: المخافتة، و ساق الخبر كما مر فى نقل كلام الذخيرة.

و لا يخفى عليك ان المراد من الاية الشريفة بملاحظة الأخبار الوارده عن اهل العصمة (ع)، هو القراءة المتوسطة، و عليه فالامر اما يحمل على الاستحباب او على الوجوب، و على الأول فيصير معنى الآية بظاهرها هو الامر باستحباب القراءة المتوسطه فى الصلوات مطلقا، سواء كانت جهرية او اخفاتية، و عليه فالمراد بالقراءة المتوسطة، اما ما يشمل كلا من الجهر و الاخفات الغير البالغين الى الحد المنهى عنه، فى الآية كما هو الظاهر من اطلاق الاخبار المفسرة او الجهر الغير البالغ الى الحد المنهى عنه او الاخفات كذلك، و على التقديرات يكون هذا المعنى مخالفا للاجماع الواقع على رجحان الجهر فى مواضعه و الاخفات فى مواضعه، و كذلك الكلام لو حمل الامر على الوجوب، كما لو حمل على الاباحة، فتصير الاية مجمله، فتحتاج الى الأخبار المفسرة الصادرة عن اهل

ص: 297


1- و فى تفسير على بن ابراهيم ايضا و روى ايضا عن ابى جعفر الباقر (ع) فى قوله و لا يجهر بصلوتك و لا تخافت بها قال الاجهار ان ترفع صوتك تسمعه من بعد و لا تسمع من معك الا يسيرا اى عنك و الاخفات ان لا تسمع من معك الا يسير منه عفى عنه.
2- هكذا فى الاصل، و اعتقد أن الكلمة (فيعلم).

العصمة (ع)، و هى ككلام الاصحاب متفقة على انقسام الصّلوة الى جهرية و اخفاتية، و تعيين الجهرية فى صلوات مخصوصة كالاخفاتية، فيصير معنى الاية بعد ملاحظة الأخبار الامرة بوجوب الجهر فى الجهرية، و الاخفات فى الاخفاتية، لا تجهر فى الجهرية جهرا عاليا زايدا على المعتاد، و لا تخافت فى الاخفاتية اخفاتا لا تسمع نفسك، و ابتغ بين ذلك سبيلا بان تجهر فى الجهرية بدون الحد المنهى عنه، و تخافت فى الاخفاتية الى حيث لم يبلغ الى الحد المنهى عنه.

و فى البحار فى معنى الاية يحتمل ان يكون الغرض بيان حد الجواز للصلوة مطلقا، او الامام، و هذا وجه قريب لتفسير الاية، اى ينبغى ان يجهر فيما يجهر به من الصلوة، بحيث لا يجاوز الحد فى العلو، و لا يكون بحيث لا يسمعه من قريب منه، فيكون اخفاتا، او لا يسمعه من قريب منه، فيكون اخفاتا، او لا يسمعه الماموم، فيكون مكروها، انتهى.

فظهر بما حررناه عليك، ان الاستدلال بالآية الشريفة على المطلب المذكور غير وجيه جدا، فصار رجوع صاحب المدارك و من يحذ و حذوه غير مسدود، هذا مضافا الى انه قد قيل فى تفسيرها وجوه متكثرة، و انا ان لم اكن اطمئن بها، و لكنها لكسر سورتهم جيدة.

منها: ان المعنى لا تجهر باشاعة صلوتك عند من يؤذيك، و لا تخافت بها عند من يلتمسها منك.

و منها: لا تجهر بصلوتك كلها، و لا تخافت بها كلها، و ابتغ بين ذلك سبيلا، بان تجهر فى صلوة الليل، و تخافت فى صلوة النهار(1)

و منها: ان يكون المراد بالصلوة الدعاء.

و منها: ان يكون خطا بالكل واحد من المكلفين، او من باب اياك اعنى و اسمعى يا جارة، اى لا تعلنها اعلانا يوهم الرياء، و لا تسترها بحيث يظن بك تركها.

الثانى: ما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الصحيح، عن على بن

ص: 298


1- روى فى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات عن الحسن بن على بن فضال عن بعض اصحابنا عن الصادق (ع) قال السنة فى صلوة النهار بالاخفات و السنة فى صلوة الليل بالاجهار (منه).

جعفر، عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن الرجل يصلى من الفريضة ما يجهر فيه بالقراءة، هل عليه ان لا يجهر؟ قال: ان شاء جهر، و ان شاء لم يفعل، و فيه ان هذه الرواية لمعارضة الادلة الدالة على المشهور غير صالحة لوجوه عديدة، فلتحمل على التقية، اذ التخيير مذهب العامة(1)، و فى التهذيب بعد نقلها: فهذا الخبر موافق للعامة، لانهم الذين يخيرون فى ذلك، و الذى نعمل عليه ما قدمناه.

و فى الاستبصار فهذا الخبر موافق للعامة، و لسنا نعمل به، و العمل على الخبر الأول.

و فى التذكرة: و قال المرتضى و باقى الجمهور كافة بالاستحباب عملا بالاصل، و هو غلط للاجماع، و مداومة النبى (ص) و جميع الصحابة و الائمة عليه، فلو كان مسنونا لا خلوا به فى بعض الاحيان، انتهى.

و اما ما قاله المحقق فى التحرير: و هو اى الحمل على التقية تحكم من الشيخ فان بعض الاصحاب لا يرى وجوب الجهر، بل يستحبه مؤكدا، فهو غريب من مثل هذا المحقق النحرير، و تحكم محض، بل هو سهو فى هذا التحرير، اذ ظاهر هذا الكلام يعطى انه لا يصح حمل الخبر على التقيه، التى لا وجه لاختلاف الأخبار سواها، الا اذا كان ذلك الخبر مصروحا عند جميع الاصحاب، بحيث لا يقول به قائل فى ذلك الباب، و هذا كما ترى غير صحيح، كما صرح به الجماعة، بل لم اجد سواه من قال بهذه المقالة.

و اما ما ذكره الشارح المقدس فى مجمع الفائدة بقوله: و يبعد حمل الثانية، اى رواية على بن جعفر، مع ما مر على التقية، اذ مذهب بعضهم موافق لنا على ما نقل فى المنتهى، فلا الجاء الى التقية، فهو ايضا من الغرائب التى نسمعها فى هذه المسئلة، اذ موافقة ابن ابى ليلى من العامة لمشهور الطائفة المحقة لا تصير باعثة لاستبعاد حمل ما ورد فى خلاف ما افتى به المشهور، الذى كان عمل الامامية كائمتهم (ع) عليه جيلا بعد جيل، بحيث لم نسمع خبرا ينبئ بتركهم - سلام الله عليهم - ذلك و لو مرة، على ما ذهب

ص: 299


1- و قد حملها فى المختلف على الجهر العالى و احتمل بعضهم (و هو صاحب الكشف) ارادة الجهر فى غير القراءة فى الاذكار (منه).

اليه كافة الجمهور سوى ابن ابى ليلى، كما صرح به فى التذكرة، و ما ابعد بين هذا الكلام و بين من يحمل الأخبار على التقية، لو لم يظهر عاملا بها من العامة، و كيف كان، فالحمل على التقية اقرب قريب فى المسئلة، سيما بعد ملاحظة كونها فى زمان مولانا الكاظم (ع) شديدة، فلا مهرب عن القول بان تلك الرواية من باب جراب النورة، بخلاف الأخبار المتقدمة الدالة على المشهور بين الطائفة، اذ منها: صحيحتا زرارة و هو قد رواهما عن مولانا الباقر (ع)، و التقية فى زمانه (ع) كادت ان تكون مرفوعة من جهة اشتغال بنى العباس ببنى امية، على ما صرح به بعض المحققين من متاخرى الطائفة، و ان جابرا فى كثير من الاوقات كان يصل الى خدمته (ع)، و العامة كانوا يقولون بحجية قوله (ع) بزعمهم انه اخذ من جابر، على ما صرح به بعض محققى الطائفة، مع انه ورد فيه انه يبقر علم الدين بقرا، و انه كان يفتى بمر الحق، و فى زرارة الراوى عنه (ع) انه لم يكن احد باصدع بالحق منه، فليؤخذ بالمشهور بين الطائفة، فان الرشد فى ذلك بلا شبهة، و ليخالف العامة، فان الرشد فى خلافهم بلا ريبة، هذا مضافا الى ان تلك الرواية مخالفة لاجماع الطائفة، اذ ظاهرها التخيير من غير رجحان، و لم اجد احدا قد قال بهذه المقالة، فتصير بحسب الدلالة موهونة، فافهم، بخلاف رواية زرارة، فان فيها ثلاثة مواضع تدل على المشهور:

احدها قوله (ع): فقد نقض صلوته، اذ النقض كناية عن البطلان، و اما احتمال كونه كلمة نقص بالصاد المهملة فيكون المراد نقص ثوابه، كما احتمله الشارحان، اعنى المحقق و المقدس رحمه الله(1)، فهو ايضا من الغرائب التى نسمعها فى المسئلة، اذ النهاية و التهذيب و الاستبصار قد ضبطوا بالمعجمه، بل قيل: لا أعلم وجود نسخة بالمهملة، بل نحن ايضا ما علمناها و ما سمعناها هب على فرض التنزل، و لكن نقول انها بالمهملة ايضا فى البطلان ظاهرة، لما اشار اليه بعض المحققين، بان النقص حقيقة فى عدم اتمام شىء، و ترك ما هو جزء منه، و ما لا يتم الا به.

و ثانيهما: قوله (ع): و عليه الاعادة.

ص: 300


1- قال الشارح المحقق و هو فى مقام التعليل لذلك لعدم الانضباط فى امثال ذلك (منه).

و ثالثها: المفهوم المستنبط من قوله (ع) فى آخر الرواية، و عليه فيرد على من قال باظهرية رواية على بن جعفر بحسب الدلالة ما يرد، و ان كان فى سؤال رواية زرارة كلمة لا ينبغى الظاهرة فى الكراهة عند بعض من متاخرى متأخرى الطائفة(1)، اذ ظهورها فى الأخبار لو سلم ضعيفة، فبالقرينة تنصرف الى الحرمة، و قد عرفت انها فى المقام كثيرة(2).

و اما من(3) حكم باوضحية رواية على بن جعفر سندا، فهو ايضا من غرائب المسئلة، اذ قد عرفت ان الصدوق روى رواية زرارة فى الفقيه، و طريقه اليه صحيح بلا شبهة، و بالجملة المسئلة بحمد اللّه واضحة للادلة الباهرة المتقدمة، هذا مضافا الى المعتبرة المستفيضة الصريحة فى انقسام الصلوة الى جهرية و اخفاتية، و ظاهرها التوظيف الظاهر فى الوجوب، سيما بعد ضم الأخبار بعضها مع بعض، قاله بعض الأجلة تبعا لغيره، و الى كونها معتضدة بالسيرة، و بمداومة النبى و الائمة كما مضى فى عبارة التذكرة اليها الاشارة، فلنا ايضا المتابعة، اما لاصالة وجوب التأسى، او لقوله (ص): صلوا كما رايتمونى اصلى، او لان المداومة على الوجوب دالة، و بحصول البراءة اليقينية فليؤخذ بالمشهور المخالف للعامة(4)، و ليترك الشاذ النادر، فان المجمع عليه لا ريب فيه. فصار بما ذكرنا فى المقام، حررنا من الكلام من مذهب المشهور كالنور على الطور، القدم بعد ملاحظة المذكور، ليس الا لمكان القصور.

ص: 301


1- و الشارح المقدس قال ان كلمة لا ينبغى ظاهرة فى الاستحباب (منه).
2- قال بعض الاجلاء فى جملة كلام له اما ما ذكره من ظهور لفظ لا ينبغى فى الاستحباب فان اراد فى عرف الناس فهو كذلك و لكن لا ينفعه و ان اراد فى عصرهم (ع) فهو ممنوع اشد المنع كما لا يخفى على من غاص بحار الأخبار و جاس خلال تلك الديار و بذلك اعترف جملة من علمائنا الابرار و قد حضرنى الآن من الأخبار التى استعمل لفظ ينبغى و لا ينبغى فى الوجوب و التحريم ما ينبغى على ثلاثين حديثا و التحقيق ان هذا اللفظ من الالفاظ المتشابهة فى كلامهم فلا يحمل على احد معينيه الا بقرينة بظاهرة (منه).
3- و هو صاحب المدارك.
4- بل قيل ان عبارة المرتضى ايضا ليست صريحة فى المخالفة (منه).
فروع:
الأول: اعلم ان الجهر و الاخفات حقيقتان متضادتان، لا تجتمعان فى محل واحد،
اشارة

كما هو مقتضى الادلة المتقدمة و العرف، بل اللغة، لاصالة عدم النقل، نعم، للجهر مراتب كالاخفات، و القدر الثابت من الادلة هو كفاية اقل ما يصدق عليه الجهر، لكفاية المسمى فى تحقق الاطلاق، و كذا الكلام فى الاخفات.

اذ اعرفت ذلك فاعلم، ان كثيرا من الفقهاء قد تعرضوا لبيان حدّى كل منهما(1)، فقال المصنف رحمه اللّه فى التذكرة: اقل الجهران يسمع غيره القريب تحقيقا او تقديرا، وحد الاخفات ان يسمع نفسه، او بحيث يسمع لو كان سميعا، باجماع العلماء، و لان ما لا يسمع لا يعد كلاما و لا قراءة، و قريب من ذلك كلام المحقق فى التحرير.

و قال فى المنتهى: اقل الجهر الواجب ان يسمع غيره القريب، او يكون بحيث يسمع لو كان سامعا، بلا خلاف بين العلماء، و الاخفات ان يسمع نفسه، او بحيث يسمع لو كان سامعا، و هو وفاق، لان الجهر هو الاعلان و الاظهار، و هو يتحقق بسماع الغير القريب، فيكتفى به، و الاخفات السر، و انما حددناه بما قلناه، لان مادونه لا يسمى كلاما و لا قرآنا، و ما زاد عليه سمى جهرا.

و قال فى التحرير: اقل الجهر ان يسمع القريب الصحيح السمع، و اقل الاخفات ان يسمع نفسه.

و قال فى التبيان: وحد اصحابنا الجهر فيما يجب الجهر فيه بان يسمع غيره، و المخافتة بان يسمع نفسه.

و قال فى السرائر: و ادنى حد الجهران يسمع من على يمينك او شمالك، و لو علا صوته فوق ذلك لم تبطل صلوته، و حد الاخفات أعلاه ان تسمع اذناك القراءة، و ليس له حدادنى، بل ان لم نسمع اذناه القراءة فلا صلوة له، و ان سمع على يمينه او شماله صار جهرا، اذا فعله عامدا بطلت صلوته.

ص: 302


1- قال فى التذكرة فى مسئلة استحباب الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم ما لفظه و لا نعنى بالجهر الا اسماع الغير (منه).

و قال فى الذكرى: اقل الجهر ان يسمع من قرب منه اذا كان يسمع، و حد الاخفات اسماع نفسه ان كان يسمع، و الا تقديرا.

قال فى التحرير: و هو اجماع العلماء، و لان ما لا يسمع لا يعد كلاما و لا قراءة.

و قال فى الدروس: و اقل الجهر اسماع القريب و لو تقديرا، و حد الاخفات اسماع نفسه و لو تقديرا.

و قال فى جامع المقاصد: الجهر و الاخفات حقيقتان متضادتان، كما صرح به المصنف فى النهاية عرفيتان يمتنع تصادقهما فى شىء من الافراد، و لا يحتاج فى كشف مدلوليهما الى شىء زائد على الحوالة على العرف، الى ان قال بعد ذكر تعريف المصنف بان اقل الجهر اسماع القريب تحقيقا او تقديرا ما صورته: و ينبغى ان يزاد فيه قيد آخر، و هو تسميته جهرا عرفا، و ذلك بان يتضمن اظهار الصوت على الوجه المعهود، ثم قال بعد قوله: و حد الاخفات اسماع نفسه تحقيقا او تقديرا، و لا بد من زيادة قيد آخر، و هو تسميته مع ذلك اخفاتا، بان يتضمن اخفات الصوت و همسه، و الا لصدق هذا الحد على الجهر، و ليس المراد اسماع نفسه خاصة، لان بعض الاخفات قد يسمعه القريب، و لا يخرج بذلك عن كونه اخفاتا.

و قال فى الرياض: و اعلم ان الجهر و الاخفات كيفيتان متضادتان، لا يجتمعان فى مادة، كما نبه عليه المصنف فى النهاية، فاقل السرّان يسمع نفسه لا غير تحقيقا او تقديرا، و اكثره ان لا يبلغ اقل الجهر، و اقل الجهر ان يسمع من قرب منه، اذا كان صحيح السمع، مع اشتمال القراءة على الصوت الموجب لتسميته جهرا عرفا، و اكثره ان لا يبلغ العلو المفرط، و ربما فهم بعضهم ان بين اكثر السر و اقل الجهر تصادفا، و هو فاسد، لادائه الى عدم تعيين احدهما لصلوة، لامكان استعمال الفرد المشترك حينئذ فى جميع الصلوات، و هو خلاف الواقع، لان التفصيل قاطع للشركة، و قريب من ذلك كلامه فى المقاصد العلية و المسالك و الروضة، و قال فى مجمع الفائدة بعد ان نقل تفسير المصنف فى المنتهى: و الظاهر انه مع ذلك لا بد من انضمام العرف، بان يسمى جهرا او اخفاتا، و قيل: لا بد من ظهور جوهر الحروف و عدمه ليتحقق التباين الكلى.

ص: 303

و قال فى المدارك قوله: و اقل الجهران يسمع القريب الصحيح السمع نفسه ان كان يسمع، هذا الضابط ربما اوهم بظاهره تصادق الجهر و الاخفات فى بعض الافراد، و هو معلوم البطلان، لاختصاص الجهر ببعض الصلوات، و الاخفات ببعض وجوبا او استحبابا، و الحق ان الجهر و الاخفات حقيقتان متضادتان يمتنع تصادقهما فى شىء من الافراد، و لا يحتاج فى كشف مدلولهما الى شىء زايد على الحوالة على العرف،

اذا عرفت ذلك فاعلم ان تحقيق الكلام هنا يقع فى مقامات اربعة:
الأول: اقل الاخفات الواجب فى القراءة ان يقراها بحيث يسمعها نفسه و لو تقديرا،

فلا يجزى ما دونه اجماعا على الظاهر المصرح به فى جملة من العبائر المتقدمة، و يدل عليه بعد المذكور قوله تعالى: (وَ لاٰ تَجْهَرْ بِصَلاٰتِكَ وَ لاٰ تُخٰافِتْ) الى آخره، خرج منه الاخفات الذى يحصل معه السماع بدليل و لا دليل، على خروج الاخفات الذى لا يحصل معه ذلك، و ينادى بصحة هذا الدليل رواية سماعة، و روايتا اسحق بن عمار المتقدمة فى تفسير الاية الشريفة، و يعضد المذكور حصول البراءة اليقينية معه دون ما دونه، و ما رواه الاستبصار فى باب اسماع الرجل نفسه القراءة فى الصحيح على الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر (ع) قال: لا يكتب من القراءة و الدعاء الا ما اسمع نفسه، و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن الحلبى، قال: سألت ابا عبد الله (ع)، هل يقراء الرجل فى صلوته و ثوبه على فيه؟ قال: لا بأس اذا أسمع اذنيه الهمهمة الصوت الخفى كما فى القاموس، و لا يعتبر فيه عدم الفهم، و ان كان كلام ابن الاثير يقتضيه، انتهى(1).

و اما ما رواه الاستبصار ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن على بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر (ع)، قال: سألته عن الرجل يصلح له ان يقرا فى صلوته، و يحرك لسانه بالقراءة فى لهواته، من غير ان يسمع نفسه؟ قال: لا بأس ان لا يحرك لسانه يتوهم توهما. فقال الشيخ فى الاستبصار: فالوجه فى هذا الخبر ان نحمله على من يصلى خلف من لا يقتدى به، جاز ان يقرا مع نفسه مثل حديث النفس، و استند فى ذلك بما رواه فى الباب المتقدم عن محمد بن ابى حمزة، عمن

ص: 304


1- و فى المنتخب الهمهمة بانك كردن تا گرفتگى گلو و ناليدن و نانك كردن شير درنده (منه).

ذكره عن ابى عبد الله (ع)، قال: يجزيك من القراءة معهم مثل حديث النفس.

و قد روى التهذيب ايضا هذه الروايات فى باب كيفية الصلوة، و قال فيه نحوا من قوله فى الاستبصار و قريب منها ما رواه فى التهذيب فى باب احكام الجماعة فى الصحيح عن على بن يقطين، قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن الرجل يصلى خلف من لا يقتدى بصلوته، و الامام يجهر بالقراءة، قال: اقرا لنفسك، و ان لم تسمع نفسك فلا بأس.

قال بعض الاجله و لنعم ما قال: و الذى يظهر للعبد من الجمع بين صحيحتى زرارة و الحلبى كفاية سماع الهمهمة، و لو من دون تشخيص الحروف، و لكنه خلاف المتبادر من كلام القوم، فالاحوط مراعاته، انتهى.

أقول: الحكم بالبطلان مع سماع القراءة بعنوان الهمهمة فى غاية من الاشكال، بل الحكم بالصحة لا يخلو عن ترجيح، لمكان صدق القراءة الاخفاتية، و صحيحة الحلبى المتقدمة، و اما ما دل على وجوب اسماع النفس فغير مناف لتلك الصحيحة، و عليه فيكفى سماع همهمة القراءة، و لو لم تتميّز السمع بين الحروف، و لم يثبت بعد عندى تحقق الاجماع على وجوب تمييز السمع بين الحروف.

و بالجملة الذى ثبت من الادلة هو عدم اجزاء القراءة اذا لم يسمعها نفسه، و اما مع سماع النفس القراءة المتحقق بسماع همهمة القراءة او فوقها فلم يظهر عندى ما يدل على عدم الاجزاء، بل الدليل عليه واضح السبيل، و ان كنت فى شك من ذلك لمكان جمله من العبائر المتقدمة، فانظر الى التعليل المذكور فى التذكرة و المنتهى و الذكرى، من ان ما لا يسمع لا يعد كلاما و لا قراءة، مع ان صدق المذكورين فيما نحن فيه مما لا مرية فيه، اذ همهمة القراءة مسموعة، و اداء الحروف عن مخارجها المقررة معلوم.

و بالجملة الظاهر من تلك العبائر هو اخراج الغير المسموعة بقول مطلق، كأن تكون القراءة بمجرد تحريك اللسان،(1) و التصور و التخيل من دون سماع صوت، و الاحتياط فى المسئلة مما لا ينبغى تركه البتة.

ص: 305


1- و قد فسر الشارح المقدس حديث النفس بمحض التصور و التخيل (منه).
الثانى: اعلم ان اكثر الاخفات المجزى هو ما دون اقل الجهر
اشارة

خلافا للمحكى عن بعضهم، فقال: ان اكثر الاخفات المجزى هو اقل الجهر، و لا ريب فى ضعفه، اذ الجهر و الاخفات حقيقتان متضادتان لا يتصادقان فى مادة، كما مر اليه الاشارة و بذلك صرح الجماعة، و العرف ايضا شاهد فى ذلك. و عليه فمن البديهيات عدم حصول امتثال الامر باحد الضدين بالاتيان بالاخر، و يعضده ما ذكره فى الرياض و غيره، بان ذلك يؤدى الى عدم تعيين احدهما لصلوة، لامكان استعمال الفرد المشترك حينئذ فى جميع الصلوات، و هو خلاف الواقع، لان التفصيل قاطع للشركة، و قاعدة الاحتياط، و ما اشار اليه بعضهم بانه مخالف لعبادات الاصحاب فان ذلك لم يذكره احد منهم.

تذنيبان:
الأول:

حيث عرفت ان اكثر الاخفات المجزى هو ما دون اقل الجهر، فيكون اسماع الغير غير قادح، ما لم يبلغ اقل الجهر وفاقا لكثير من متاخرى الطائفة، و منهم الشارح الفاضل، و المحقق الثانى، و الشارح المقدس، و صاحب المدارك، و غيرهم من الجماعة، و هو الظاهر من التحرير و المختصر النافع، كما عن بعض نسخ التلخيص و نهاية الاحكام، خلافا للمحكى عن جماعة، و منهم الحلى(1)، حيث قال بعضهم: فان سمع من عن يمينه او شماله صار جهرا، اذا فعله عامدا بطلت صلوته، و آخر: و اكثر المخافتة ان تسمع نفسك. و آخر: و لا نعنى بالجهر الا اسماع الغير، و ربما استظهر هذا القول عن القواعد، و التذكرة، و المنتهى، و نهاية الاحكام، و التبيان، و الشهيد ايضا، و كيف كان، فهذا القول فاسد، و ان كان يوهم ظاهر جملة من العبائر المتقدمة دعوى الاجماع عليه، و ذلك لوجهين:

الأول: ان المحكم فيما لم يرد فيه توظيف من الشرع هو العرف، فلا ريب ان اسماع الغير لا يسمى فيه جهرا، ما لم يشتمل على هذا الجرس الذى هو الصوت، و ان كان خفيا كما صرح بذلك الجماعة. قال بعضهم(2): و يعضد العرف ما فى الصحاح: جهر بالقول: رفع الصوت به. قيل: و يظهر ذلك من القاموس

ص: 306


1- و منهم الراوندى و المحقق (منه).
2- و منهم صاحب الرياض (منه).

ايضا، و قال بعض المحققين و هو فى مقام دفع كلام الحلى: و ان اراد انه يسمى لغة جهرا، من جهة ان الجهر هو الاعلان و الاظهار، كما قال: فاذا زاد على اسماع النفس بتحقق سماع الغير لا محالة يتحقق الاعلان و الاظهار، ففيه ان تضمن الجهر معنى الاظهار و استلزامه له لا يوجب كونه مجرد الاظهار، حتى يلزم ما ذكره سلمنا، لكن كون ذلك حقيقيا لغويا من اين؟ مع ان كثرة اللغات مجازات، سلمنا، لكن كون اللغة مقدما على العرف فى فهم الأخبار و الاحتجاج بها من اين؟ بل لعل الاقوى هو العكس، و هو الظاهر من طريقتهم، انتهى.

أقول: على فرض تسليم كون معنى الجهر هو الاعلان و الاظهار فى اللغة، و تقدمها على العرف فى فهم الأخبار ايضا لا يغنى من الجوع، اذ متعلق الاعلان و الاظهار فيما نحن فيه ليس الا الريح التى يتوقف عليها اخراج الحروف من المخارج فاعلانها لا يتاتى الا بالصوت، فليتأمل.

و كيف كان، فلا ريب فى ان المحكم فى امثال المقامات هو العرف.

الثانى: ان القول المذكور مستلزم للعسر و الحرج المنفيين فى هذه الشريعة بقول مطلق، كما فصلناه فى المجلد الأول من كتاب الصلوة، بما لا مزيد عليه بل قيل(1) عسى ان لا يكون اسماع النفس بحيث لا يسمع من يليه مما يطاق، و يعضد المذكور بعد اطلاق الامر بالصلوة و القراءة، ما استدل بعضهم حيث قال: و يدل على السماع ما مر عن العيون من ان احمد بن على صحب الرّضا (ع)، فكان يسمع ما يقوله فى الاخراوين من التسبيحات.

أقول: و التقريب ان سماع الغير لو كان قادحا فى الاخفات لوجب عليه عليه السلام التحرز عنه عند اتيانه بالتسبيحات، لوجوب الاخفات فيها، و لكنه (ع) لم يتحرز عنه، لمكان تلك الرواية، فلم يكن قادحا فيه، بل الانصاف ان هذه الرواية كالوجهين المتقدمين من الادلة المستقله و السيرة المعهودة فى الاعصار و الامصار، و ما اشار اليه بعضهم(2) بانه لم يعهد عنهم عليهم السلام المضايقة فى امثال هذا، و انه من الامور العامة البلوى، فلو كان سماع الغير مضر الكان لهم (ع) بيانه، و

ص: 307


1- و هو صاحب الكشف (منه).
2- و هو الشارح المحقق (منه).

عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و لا يصح ان يعارض المذكور جملة من العبائر المتقدمة المتضمنة لدعوى الاجماع، لمكان كون ادلتنا اقوى بمراتب شتى، هذا مضافا الى ما ذكره بعض الاجلة، بان عبارة التبيان غير صريحة فيه، و لا ظاهره.

و اما الفاضلان فهما، و ان صرحا به، الا انه يحتمل احتمالا قريبا يشهد له سياق عبارتهما فيه، كون متعلقه خصوص لزوم اعتبار اسماع النّفس فى الاخفات، و من السياق الشاهد بذلك عطفهما على الاجماع قوليهما: و لان ما لا يسمع لا يعد كلاما و لا قراءة، و منه ايضا قولهما فيما عدا المنتهى فى حد الاخفات: و اقله ان يسمع نفسه. و هو كالصريح فى ان للاخفات فردا آخرا على من سماع النفس، و لا يكون الا باسماع الغير من دون صوت، و الا لتصادق الجهر و الاخفات فى بعض الافراد، و هو معلوم البطلان، لاختصاص الجهر ببعض الصلوة، و الاخفات ببعض آخر وجوبا او استحبابا، انتهى.

أقول: لا يخفى عليك ان المناقشة فى قوله: و منه ايضا قولهما الى آخره، واردة. اذ(1) كما يحتمل عطف الاخفات على المضاف اليه، كذا يحتمل ان يكون معطوفا على المضاف، اى كلمة اقل، او يكون الواو للاستيناف. و عليه فما ذكروا من تعريف الاخفات ليس بيانا للمرتبة الدنيا منه، بل انما قصدوا بذلك على ما استظهره بعض الأجلاء بيان معنى الاخفات و حقيقته، انه عبارة عن اسماع النفس، و لو تقديرا، و اما ما زاد عليه فهو جهر، تبطل الصلوة به، كما هو صريح الحلى، و آخر عبارة المصنف فى المنتهى المنقولة سابقا.

و كيف كان، فالاجماعات المحكية على تسليم ظهورها فى المطلب ايضا مما لا اعتناء بشانها، على انه يرد فى القول بظهورها فيه ما يرد، فافهم.

التذنيب الثانى:

اعلم ان الذى يقتضيه التحقيق هو ذكر ما فسرناه لاكثر الاخفات لاقله، و بالعكس، عملا بما يقتضيه قاعدة اللفظ، و لكنا اجرينا الكلام على ما اجرينا تبعا للقوم، فافهم ذلك.

ص: 308


1- مع قطع النظر عن تمشى ما قاله فى عبارة المنتهى لا فيما عدا المنتهى.
المقام الثالث: اعلم ان اقل الجهر الواجب ان يسمع غيره قراءته، مع اشتمالها على الصوت،

وفاقا لجماعة، بل هو الظاهر ممن جعل المرجع هو العرف، بل الظاهر اتفاق الاصحاب على كون سماع الغير معتبرا، و يظهر من جماعة دعوى الاجماع عليه، و كيف كان فلا ينبغى التشكيك فى المذكور اولا، عملا بفهم العرف، اذ هو المحكم فى امثال المقامات.

الرابع: اعلم ان اكثر الجهر المجزى هو ما لم يبلغ العلو المفرط الخارج عن العادة،
اشارة

وفاقا لجماعة، اذ اطلاق الامر بالجهر ينصرف الى الغالب، فهو غير الخارج عن العادة، فيجب، و لا يجزى الخارج عنها، و يدل عليه ايضا قوله تعالى: (وَ لاٰ تَجْهَرْ بِصَلاٰتِكَ) الشامل لمطلق الجهر، خرج الجهر الذى جرت العادة به، و لا دليل على خروج ما لم تجربه، فيشمله النهى، و يدل عليه ايضا جملة من الأخبار المتقدمة فى تفسير الاية.

هنا امران:
الأول: لا بد فى الاسماع حيث يعتبر التحقيقى،

حيث لا يكون هناك مانع، أو كصم او تموج هواء، او صوت رعد و نحو ذلك، و مع المانع يكفى التقديرى كما اشرنا اليه، و يظهر من غير واحد من العبائر دعوى الاجماع عليه.

الثانى: قال فى المفاتيح: و يجوز حال الضرورة و التقية مثل حديث النفس و تحريك اللسان، و ان لم يسمع،

كما فى الصحاح، انتهى.

أقول: و هو جيد، لمكان جملة من الأخبار المتقدمة فى المقام الأول من المقامات الاربعة، قال بعض الأجلاء: قد روى فى صحيفة على بن يقطين فى المصلى خلف من لا يقتدى بصلوته، و الامام يجهر بالقراءة، قال: اقرا لنفسك، و ان لم تسمع نفسك فلا بأس، و فى مرسلة على بن حمزة عن الصادق (ع)، قال:

يجزيك اذا كنت معهم مثل حديث النفس.

قال فى الذكرى: قلت: هذا يدل على الاجتزاء بالاخفات عن الجهر للضرورة، و على الاجتزاء بما لا يسمعه عما يجب اسماعه نفسه للضرورة، و لم يلزم

ص: 309

فيها سقوط القراءة، لان الميسور لا يسقط بالمعسور.

الفرع الثانى: لا يجب على المراءة الجهر فى مواضعه اجماعا محققا،
اشارة

و محكيا فى عبائر الجماعة حد الاستفاضة، و اما ما حكاه فى المسالك الجامعية عن بعضهم من القول بوجوب الجهر عليها، حيث لا يسمع صوتها الاجنبى، و اوجب عليها ان تحرى موضعا صالحا لذلك، فضعيف جدا، لما مر، مضافا الى ما روى عن قرب الاسناد، عن عبد اللّه بن الحسن، عن جده على بن جعفر، عن اخيه عليه السلام، قال: سألته عن النساء، هل عليهن الجهر بالقراءة فى الفريضة؟ قال: لا، الا ان تكون امراة تؤم النساء، فتجهر بقدر ما تسمع قرائتها. و الى عموم: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و انه لو وجب عليها لاشتهر كاشتهار وجوبه على الرجل، و التالى باطل، فالمقدم مثله، و الى ما نرى من السيرة فى الاعصار و الامصار.

و بالجملة لا شبهة بحمد اللّه فى المسئلة،

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: ذهب الجماعة الى انها مخيرة فى مواضع الجهر بينه و بين الاخفات، اذا لم يسمع صوتها الاجنبى،

خلافا للمحكى عن ابن جمهور، و صاحب المعالم، فاوجبا الاخفات عليها، و الاظهر هو الأول، عملا باصالة البراءة و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، كالاطلاقات، لكن بعد ملاحظة الاستقراء لمكان مشاركتها له فى اكثر الاحكام الاصولية و الفروعية.

و اما الاستدلال للثانى بان صوتها عورة، فيجب اخفائها كسائر بدنها، و بقاعدة الاحتياط، و بما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد فى الزيادات فى الصحيح على الصحيح، لمكان العبيدى عن على بن يقطين، عن ابى الحسن الماضى (ع)، قال: سألته عن المراة تؤم النساء، ما حد رفع صوتها بالقراءة او التكبير؟ فقال: بقدر ما تسمع، و روى نحوا منه فى المكان المتقدم عن على بن جعفر عن اخيه (ع)، فغير وجيه، اما الأول فلوجهين، و اما الثانى فلعدم مقاومته فى مقابلة ما ذكر، و اما الثالث فلاحتمال اخذ كلمة تسمع من باب الافعال، و عليه

ص: 310

فيصير لنا لا علينا، لمكان عدم القائل بالفصل، على ما استظهره بعضهم، سواء جعل الفاعل النساء أو المراة، بل هو الارجح من المجرد لا، لحذف ضمير واحد فقط لمكان العايد بخلافه، فانه يستلزمه مع حذف حرف الجر، هذا مضافا الى ان الاستدلال المذكور انما ينفع لو حمل قوله (ع): بقدر ما تسمع، على الوجوب، و يحكم على عدم جواز ما لو زادت، بحيث يسمع الغير، و عليه فيتطرق الاشكال من وجوه، خصوصا اذا نظرت فى رواية قرب الاسناد المتقدمة.

و بالجملة الظاهر ارجحية ما اختاره الجماعة لما مرّ اليه الاشارة و ان اختاره الخصم، لو كان واجبا لاشتهر، لتوفر الدواعى، و عموم البلوى، و بطلان التالى اوضح من ان يحتاج الى البيان، و امر الاحتياط واضح.

الثانى: ذهب المشهور على ما نسبه غير واحد الى المنع مع فساد الصلوة لو اسمعت صوتها الاجنبى.
اشارة

قال بعضهم بعد نسبة ذلك الى المشهور، بناء منهم على كون صوتها عورة يجب اخفاتها على الاجانب. و ظاهر المنتهى و غيره و صريح غيرهما الاجماع عليه، فان تم، و الا فما ذكروه مشكل، و ان كان احوط، انتهى.

أقول: و ما استشكله فى مكانه، اما اولا فلانا لم نعثر على دليل دل على كون صوتها عورة، و قد منع عن ذلك من الاصحاب جماعة، و اما ثانيا فللمنع من اقتضاء النهى هنا الفساد، كما اشار اليه الشارح المقدس و غيره، بناء على جواز اجتماع الامر و النهى، مع اختلاف الحيثية، و بطور آخر و الاخفات صفتان للقراءة كالزوجية و الفردية بالنسبة الى العدد، و عليه فالنهى فى غير العبادة فاين يجئ الفساد، نعم، لو كان الجهر لازما للقراءة بقول مطلق لكان، القول بالفساد مقتضى الادلة فافهم.

و بالجملة ما اختاره الجماعة من القول بعدم المنع و الفساد قوى بحسب الدّليل، و لكن الاحتياط مما لا ينبغى تركه.

قال الشيخ البهائى فى الاثنى عشرية: و تتخير المراءة مع عدم سماع الاجنبى، فلو اسمعته عالمة به احتمل بطلان صلاتها، و به قطع بعض المتأخرين و للبحث فيه مجال، ثم تحريم سماعه مشروط بخوف الفتنة، لا مطلقا، وفاقا

ص: 311

للتذكرة(1)، و لا يبعد اشتراط تحريم اسماعه(2) بذلك منها او منه، و كلام القوم خال عنه. و قال فى المفاتيح: و اشتراط تحريم اسماعهن لخوف الفتنة غير بعيد، و اما تحريم السماع للاجنبى فمشروط، به انتهى. و امر الاحتياط واضح.

تنبيه:

لو جهرت و لم تكن عالمة بسماع الاجنبى، فسمعه، فلا ريب فى الحكم بعدم الفساد وفاقا لغير واحد، لمكان عدم النهى المقتضى له، هذا اذا قلنا بان لها فى مواضع الجهر التخيير كما مضى اليه الاشارة.

الثالث: عن المحقق الثانى فى تعليقته على الشرايع و غيره، التصريح بانه يجب عليها الاخفات فى مواضعه،

قيل: و استظهره جماعة من كلام الاكثر انتهى، و يظهر من جماعة من متاخرى متاخرى الطائفة القول بالتخيير، و لا بأس به عملا بالاصل، مع عدم ظهور ما يقيده، و رواية قرب الاسناد المتقدم اليها الاشارة للتقييد غير صالحة لوجهين، اصلنا هما على اهل الكمال، و الاحتياط فى المقام مما لا ينبغى تركه.

الرابع: ذهب جماعة فى الخنثى بالتخيير فى مواضع الجهر ان لم يسمع صوتها اجنبى،

و الا فيتعين الاخفات، خلافا للاثنى عشرية، و بعض شروح الجعفرية كما عن المحقق الثانى فى تعليقة الشرايع، فحكموا بوجوب الجهر عليها، حيث لم يسمع صوتها اجنبى. قال فى شرح الجعفرية: لان بذلك يتيقن براءة الذمة، و عن ابن جمهور فى المسالك الجامعية: الظاهر انها كالمرأة تحصيلا لجانب الاحتياط، و عن ظاهر الجماعة التردد فى المسئلة، قال بعض المحققين: و هل الخنثى المشكل كالرجل لتوقف البراءة اليقينية على ذلك، او كالمرأة لاصالة البراءة و العدم، و انصراف الاطلاقات المقتضية للتكليف الى الافراد المتعارفة، و كذلك حال من ليس له ما للرجال و ما للنساء، و الاحتياط ظاهر.

ص: 312


1- و كتب فى الحاشية المنسوبه اليه فى قوله و للبحث الى آخره ما لفظه لان النهى انما هو عن الاسماع فالمنهى عنه ليس جزءا و لا شرطا فتأمل (منه).
2- اى بخوف الفتنة من الرجل او من المرأة (منه).
الفرع الثالث: لا يجب الجهر و الاخفات فيما عدا القراءة و بدلها من ساير الاذكار اجماعا،
اشارة

نقله بعض المحققين، بل حكم بان ذلك ضرورى، و يدل عليه بعد الاصول ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن الرجل له ان يجهر بالتشهد، و القول فى الركوع و السجود و القنوت؟ قال: ان شاء يجهر، و ان شاء لم يجهر. و الظاهر ان ذكر هذه الاشياء فى الرواية انما هو على وجه التمثيل، فيكون الحكم شاملا لجميع الاذكار، الا ما خرج بالدليل.

تذنيب:

اذا اختار فى الركعتين الاخيرتين فى الرباعيات، و ثالثة المغرب التسبيح، فهل يجب فيه الاخفات، كما اذا اختار الحمد، او يتخير بينه و بين الجهر كساير الاذكار؟ قولان:

اختارا و لهما الجماعة، بل نسبه جمع الى المشهور بين الطائفة و قال بعض الأجلاء فى موضع من كتابه المشهور بين الاصحاب: وجوب الاخفات فى تسبيح الاخيرتين بل ربما ادعى عليه الاجماع(1)، و لهم بعد ذلك ان التسبيح بدل القراءة التى حكمها الاخفات، فيجب فيه ايضا، اذ الاصل اشتراك البدل مع المبدل فى جميع الاحكام. و فيه ان الدليل على الاصل المذكور مما لم اعثر عليه، و دعوى انه المفهوم عرفا غير مسلمة، و على فرض التسليم تختص فيما اذا صرح بالبدلية لا مطلقا، و قد منع الاصل المذكور بعض مشائخنا وفاقا لغيره: و يستفاد ذلك من الجماعة، هذا مضافا الى ما ذكره بعض الأجلاء بان المستفاد من الأخبار هو اصالة التسبيح فى الاخيرتين، و ان القراءة رخصة و فرع عليه، لا العكس و لنعم ما افاده، و القول بانه ليس المراد من كونه بدلا عنها كونها اصلا، و التسبيح فرعا، بل المراد من البدلية كونه احد فردى الواجب المخير، الصادق على كل منهما انه بدل عن الاخر، فيجب ان يثبت له ما ثبت لها، و ان كان غير خال عن الوجاهة، و لكن اثبات تلك القاعدة دونها خرط القتاد. و لهم ايضا ما ذكره فى الذكرى حيث قال: عموم الاخفات فى الفريضة كالنص. و فيه

ص: 313


1- قال فى الرياض فى مسئلة بيان ادنى السر فى جملة كلام له ثم قال اى بعض الفضلاء و يدل على السماع ما مرّ عن العيون من ان احمد بن على صحب الرضا (ع) فكان يسمع ما يقوله فى الاخراوين من التسبيحات اقول مبنى الاستدلال به على ما ظاهرهم الاتفاق عليه من وجوب الاخفات فى الاخيرتين (منه).

انه ممنوع، كما ذكره الجماعة، و قاعدة الاحتياط، و اختار ثانيهما الجماعة، و منهم الحلى، عملا بالاصل و الاطلاقات الآمرة بالتسبيح و الصلوة، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و انه لو وجب الاخفات لورد به رواية، لمكان مسيس الحاجة، و بطلان التالى واضح، و المسئلة لا يخلو عن الاشكال، و لكن الاولى و الاحوط مراعاة القول الأول.

الرابع: قال الشارح المحقق: قال فى المنتهى: يستحب للامام ان يجهر بقراءته بحيث يسمعه الماموم، ما لم يبلغ صوته العلو المفرط،

و هو اجماع العلماء كافة، و يدل عليه الأخبار، انتهى، و فى المدارك ايضا ادعى الاجماع فى ذلك.

الخامس: اذا ترك الجهر و الاخفات فى مواضعهما جهلا بالحكم، فلا تبطل صلوته اجماعا،

نقله الجماعة، و يدل عليه بعد المذكور صحيحة زرارة المتقدمة فى بعيد المتن، المتضمنة لقوله (ع): و ان فعل ذلك ناسيا او ساهيا او لا يدرى فلا شىء عليه، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره و ان الاعادة فرض مستانف يتوقف، على الدلالة و لا دلالة.

و ينبغى التنبيه على امور:

الأول: اذا اخل بهما عمدا عالما بطلت صلوته، على المشهور على ما قيل، و الظاهر انه فتوى من قال بوجوبهما، كما صرح به بعضهم(1)، و استظهره بعض مشائخنا،(2) بل عن بعضهم دعوى الاجماع عليه، و هو الحجة، مضافا الى صحيحة زرارة المتقدمة، و ما ذكره بعض الاجله بانه لم يات بالمامور به على وجهه، فيبقى فى عهدة التكليف، و هو معنى البطلان.

الثانى: اذا تركهما نسيانا فلا يبطل صلوته ايضا بلا خلاف اجده بل عن التذكرة و المنتهى عليه الاجماع، و هو الحجة، مضافا الى رواية زرارة المتقدمة، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره.

الثالث: لو ذكر أو علم فى اثناء القراءة، او فى اثناء الكلمة، انتقل الى ما يجب عليه من الجهر و الاخفات، و لا يستانف القراءة، لرواية زرارة، بل مقتضاها هو عدم استيناف ما

ص: 314


1- و هو صاحب المنهل (منه).
2- و هو صاحب جامع المقاصد (منه).

قراءة، و لو تذكر فى اثناء الكلمة، و لم يتيسر له ضبط نفسه بان يغير الحالة السابقة، اذ الصادر منه فى تلك الحالة لم يكن على وجه التعمد، نعم، عن بعضهم(1) انه قال: و يفهم من كلام بعض العلماء المتأخرين انه يجوز هنا العود الى قراءة لادراك ما نسى من الجهر و الاخفات، و قال: يقرب الى فهمى جواز تلافى القراءة، لنسيان الجهر و الاخفات، ما لم يركع(2)، و الروايات عن الباقر (ع): لا شىء عليه، تحمل على فوات المحل، لا على عدم التلافى مع بقائه، انتهى.

و هذا و ان كان محتملا، لكن خلاف ظاهر الرواية، مع ان الاصل براءة الذمة من وجوب العود، لانه على تقدير التلافى يصير العود واجبا، الا ان يقال بجواز ذلك لا وجوبه، كما قيل بجواز تكرار بعض آية للاصلاح، و للتامل فى المعنى و التوجيه اليه، و لعل مثل هذا لا يضر، انتهى و سيجئ ايضا فى بحث الشك و السهو كلا متعلق بهذه المسئلة فانتظر البتة (منه).

أقول: و فيه ما ترى، و لذا قال والد البهائى فى شرح الالفية فى وجوب اعادة القراءة، لو ذكرهما قبل الركوع قولان: و اختار المصنف عدم الاعادة فى النسيان، لرواية زرارة، فلا يجوز العود لاستلزامه زيادة، فلا مجال للاحتياط بالاعادة، انتهى، و لنعم ما افاده فى المسئلة.

الفرع السادس: يستحب فى نوافل الليل الاجهار، و فى نوافل النهار الاخفات اجماعا،

نقله بعض المحققين و عن المنتهى اتفاق الاصحاب عليه، و يدل عليه ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات عن ابن فضال، عن بعض اصحابنا. عن الصادق (ع)، انه قال: السنة فى صلوة النهار بالاخفات، و السنة فى صلوة الليل بالاجهار.

السابع: اعلم ان قضاء الفرائض اليومية كادائها فى الجهر و الاخفات اجماعا،

نقله بعض المحققين قال فى المنتهى: حكم القضاء حكم الاداء فى الجهر و الاخفات، بلا خلاف عندنا، سواء كان القضاء مفعولا فى نهارا و ليل، و قد اجمع اهل العلم على الاسرار فى صلوة

ص: 315


1- و هو الفاضل النباطى (منه).
2- و فى الذخيرة لا يرجع الى الجهر و الاخفات و ان كان فى اثناء القراءة كما صرح به الشهيد فى البيان و يدل على ذلك صحيحة زرارة انتهى (منه).

النهار، اذا قضيت فى ليل او نهار، و كذا صلوة الليل اذا قضيت بالليل جهر بها، و اذ قضاها بالنهار جهر بها عندنا، و به قال ابو حنيفة الى آخره، و يدل عليه بعد المذكور ما رواه التهذيب فى باب احكام الصلوة فى الصحيح عن زرارة، قال: قلت له: رجل فاتته صلوة السفر فذكرها فى الحضر، فقال: يقضى ما فاته كما فاته، و التقريب ما اشار اليه بعضهم، بان التشبيه يفيد اشتراك المشبه مع المشبه به فى جميع الاحكام، فتدبر.

و يؤيده اشتراك القضاء مع الاداء فى معظم الامور، و الظن يلحق الشىء بالاعم الاغلب.

تذنيب:

لا اشكال فى ان الرجل اذا قضى عن الرجل يجب عليه مراعاة الجهر و الاخفات فى مواضعهما، و كذا المراءة اذا قضت عن المراة، فحكمها حكمها، و انما الاشكال فيما اذا اختلف القاضى و المقتضى عنه بأن كان القاضى الرجل و المقضى عنه المراة، او بالعكس، فعن ابن فهد القول بان القاضى حينئذ يتخير بين الجهر و الاخفات، و المسئلة محل اشكال، فالاحتياط لا يترك، فللقاضى مراعاتهما فى مواضعهما مطلقا، و لو كان امرأة بناء على ما اخترناه من كونها مخيرة بينهما، اذ بذلك يحصل البراءة، لأن المناط فى الواقع، اما حال القاضى او المقضى عنه، نعم، الاحوط للقاضى اذا كان امراة ان لا تسمع صوتها الاجنبى، فتختار مكانا صالحا لذلك.

(و) كذا يجب (اخراج الحروف من مواضعها) المنقولة
اشارة

(و) كذا يجب (اخراج الحروف من مواضعها)(1) المنقولة

بلا خلاف على الظاهر، المحكى عن جملة من العبائر، و يدل عليه بعد المذكور، و قاعدة الاحتياط ان تركب القراءة من الحروف المنتظم منها الكلمات الموضوعة للمعانى بديهى، و عليه فالحرف اذا لم يخرج من مخرجه المقرر لم يحصل حقيقة ذلك الحرف، فالتركيب منه غير صحيح، لاختلال المعنى باختلاله و عليه فلا بد من مراعاة المخارج المعهودة، فلو اخرج حرفا من غير مخرجه بطلت صلوته، و ان لم ترض بهذا الوجه، فأمل رأس قلمك، و قل اطلاق

ص: 316


1- و قال بعض مشائخنا لا يبعد دعوى اتفاق كل من قال بعدم جواز اللحن فى القراءة عليه انتهى و فى التذكرة نسب المخالفة على احد وجهى الشافعيه (منه).

الأمر بالقراءة ينصرف الى العربية المعهودة المتعارفة، فافهم. و يعضد المذكور مداومة اهل العصمة (ع) عليه، فيجب على غيرهم اما لاصالة وجوب التأسى، او لخصوص قوله (ص): صلوا كما رأيتمونى اصلى، او لان مداومتهم على فعل تدل على وجوبه، و ما اشار اليه بعضهم(1) من قوله تعالى: (وَ رَتِّلِ اَلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً)، و ما دل على ان الاخلال بالحرف يوجب البطلان.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: الظاهر من اطلاق كلام الاصحاب انه لا فرق فى البطلان بالاخلال بالمخارج،
اشارة

بين ان يخرج الحرف من مخرج غيره اولا، و عليه فلو اخرج الضاد من مخرج الظاء مثلا و بالعكس بطلت الصلوة، كما صرح به الجماعة.

تنبيه:

قال فى المقاصد العلية: و اعلم ان الحروف لصحيح النطق يخرج فى الاغلب من مخارجها، ما عدا الضاد، فينبغى التنبيه على مخارج هذه الحروف المذكورة فى الرسالة، فمخرج الضاد اقصى حافة اللسان و ما يليها من الاضراس من اليمنى او اليسرى، و الايسر ايسر، و مخرج الظاء ما بين طرف اللسان و الثنيتين العليين، و مخرج اللام حافة اللسان و ما يحاذيها من الحنك الاعلى فوق الضرس الضاحك، و هو المجاور للناب، انتهى.

أقول: و فى الحرز الامانى.

و حرف بادناها الى منتهاه قد *** يلى الحنك الاعلى و دونه ذوولا

انتهى، و المعنى: و حرف بادناها اى مادون حافة اللسان، الى منتهاه اى منتهى اللسان و هى اللام، فانك اذا عمدت راس لسانك الى ما يقابله من الحنك حصل اللام، كذا افاده فى بعض شروحه، و قال ايضا فى شرح قوله:

(و منه و من اطرافها مثله انجلا) ما لفظه: و منه اى و من طرف اللسان، و من اطرافها اى رؤس الثنايا مثلها، اى فى العدد انجلا، اى ظهر و انكشف، و هى ثلاثة احرف: الظاء و الذال و الثاء، فاذا اخرجت راس لسانك من بين الاسنان، و ضربت رؤس

ص: 317


1- و هو صاحب التحرير و استحسنه صاحب المدارك (منه).

الثنايا العليا عليه، ظهرت واحدة من هذه الاحرف، الا انها تتفاوت بالصفات، كالاستعلاء، و الاطباق، و الجهر، و الهمس و غير ذلك، انتهى.

أقول: ان اردنا التكلم فى المقام ليطول المقام جد او المقام ايضا لا يقتضيه، اذ لذلك مقام آخر، و ان ساعدنى التوفيق، و امهلنى الاجل لا فرد فى ذلك رسالة كبيرة ان شاء اللّه تعالى.

الثانى: قال فى المقاصد العلية و من هنا يعلم ايضا ان تعلم المخارج واجب عينا،
اشارة

الا مع اليقين بخروج الحرف منها، فيجب كفاية، انتهى.

أقول: تحقيق الكلام هنا يقع فى مقامين:

الأول: اذا علم بخروج الحروف من مخارجها اجمالا كفى ذلك، و لا يحتاج الى تحصيل معرفة المخارج تفصيلا، و هو المستفاد من المقاصد العلية، و والد البهائى فى شرح الالفية، و بذلك صرح بعض مشائخنا، و يدل عليه عموم: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و الاطلاقات، و اصالة البراءة. و ان ذلك لو كان واجبا لاشتهر، لمكان عموم البلوى، و مسيس الحاجة، و امّا من استدل لذلك(1) لزوم الحرج، فقد اسرع فى القلم، اذ لا نسلم ان امثال ذلك من الحرج المنفى فى شريعتنا.

الثانى: اذا لم يكن له تحصيل العلم بخروجها من مخارجها الا بعد العلم بمخارجها تفصيلا، فلا بد له من تعلم المخارج، لتوقف الواجب عليه.

تنبيه:

اعلم ان الله سبحانه و تعالى سلط المخارج على الحروف عند التكلم بها من غير احتياج الى تكلف، بل جعل ذلك طبيعة جارية فى اغلب الناس، لطفا منه بالمكلف، و تسهيلا عليه، و لا اشتباه فى شىء منها، الا فى قليل منها، و هو ايضا يحصل بادنى اجتهاد، فلا يجب بل لا يجوز تطويل الكلام فى ذلك، كما نراه من الوسواسيين او المتوسوسين، فانهم لجهلهم و تسلط الشيطان عليهم ربما يكررون الحاء او الهاء او العين مثلا، بحيث لو سمعها المستمع لما كان يحفظ نفسه عن الضحك عليهم،

ص: 318


1- و هو بعض مشائخنا (منه).

بل ربما يخرجون القراءة عن الموالاة، و لعمرى انهم كثيرا ما يؤدونها عن المخارج فى اول مرة ينطقون بها، نعوذ بالله من هذا الدّاء، كما نعوذ به من الاهمال الذى نشاهده فى كثير من الناس، فانا قد بيّنا ان بعض هذه الاحرف مما يحتاج فى حصولها عن مخارجها الى اجتهاد، فأمل رأس قلمك، و ترنم بما اشار اليه مولانا عليه السلام: لا جبر و لا تفويض بل امر بين الامرين.

فائدة:

هل المراد بالعلم الذى اشرنا اليه معناه الحقيقى، كما يستفاد من المقاصد العلية، او الاعم منه و من الظن؟ فيه اشكال ينشأ من الاصل فالاول، و من عدم التكليف بما فيه حرج فالثانى، و اختاره بعض مشائخنا، قال: و عليه فهل يجوز الاكتفاء بكل ظن، او يجب الاقتصار على الظن المستفاد من كلام اهل الخبره، و هم القراء، فيه اشكال، و الاحوط الثانى، الا ان فى تعينه فيما اذا كان الظن المستفاد من غير كلام اهل الخبرة اقوى نظر، بل يبعد جواز الاعتماد على هذا الظن مطلقا، بل لا يبعد تعينه، و يحتمل قويا جواز الاكتفاء بكل ظن، انتهى.

أقول: لو سلم لزوم الحرج اذ اوجبنا تحصيل اليقين، فلا ريب فى جواز الاكتفاء بالظن الذى يعتد به العقلاء، اذا استند الى اهل الخبرة، بل مطلقا على الاقوى، لما بيناه فى المجلد الأول من كتاب الصلوة من ان الحرج غير واقع فى هذه الشريعة بقول مطلق، و الا فالقول به دونه خرط القتاد.

الامر الثالث: صرح الجماعة و منهم المحقق الثانى، و الشهيد الثانى و سبطه فى المدارك بوجوب مراعاة المد المتصل،

و استشكله بعض مشائخنا كغيره، بل ربما يظهر من كتب الجماعة عدم وجوب ذلك، حيث لم يصرح فيها بوجوب ذلك، و لو كان واجبا لصرحت به، كالتشديد و الاعراب، بل التصريح بهذا كان اولى، لمكان لكون المسامحة فيه اكثر، و فى الذخيرة: و قد عد مما يشترط فى صحة القراءة المد المتصل دون المنفصل، و كانه بناء على انه الواجب المقرر عند القراء. و فى الكفاية: و اوجب بعضهم فى القراءة مراعاة المد المتصل دون المنفصل، و مراعاة

ص: 319

الصفات المعتبرة عند القراء، و ليست واجبة شرعا، الا ان يتوقف تميز بعض الحروف عن بعضها عليه، و يدل على عدم الوجوب الاصل، و عموم قوله (ع):

لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و اطلاق الامر بالصلوة و القراءة، و كون الغالب هو المشتمل على المد غير مسلم، كما صرح به بعضهم، بل قال: قد يدعى ان الغالب هو الخالى عن المد المتصل، و للقائلين بالوجوب وجوه:

الأول: قاعدة الاحتياط، و فيه انها فى مقابلة الاطلاقات و العموم غير مغنية عن الجوع.

الثانى: ان النبى (ص) قد اتى به، و داوم عليه، فيجب على غيره اما لاصالة وجوب التأسى، او لقوله (ص): صلّوا كما رأيتمونى اصلى، او لان مداومته (ص) على امر تدل على وجوبه، و فيه ما ترى.

الثالث: ظهور عبارة المحقق الشيخ على فى دعوى الاجماع عليه، حيث قال: لا ريب ان مراعاة المنقول فى صفات القراءة و التسبيح و التشهد من حركات و سكنات للاعراب و البناء و غير ذلك مما يقتضيه النهج العربى، كالادغام الصغير على ما صرح به شيخنا فى البيان و المد المتصل واجبة، و مع الاخلال بشىء من ذلك تبطل الصلوة، و لا نعرف فى ذلك كله خلافا، و يؤيده تصريح جماعة بالوجوب من غير نقل خلاف، و فيه ان ظهور العبارة فى دعوى الاجماع غير مسلّم، اذ عدم العلم بالخلاف غير العلم بعدمه، و على فرض التسليم ايضا غير مسموع، و فتوى الجماعة غير صالحة للمعاضدة، سيما بعد ملاحظة عدم عثورنا على كلام فى ذلك من متقدمى الطائفة، فمن اين يظهر ذلك الاجماع؟ خصوصا بعد ملاحظة ما اشرنا اليه من ان عدم التعرض لوجوب ذلك فى كثير من كتب المتقدمين و المتأخرين، مما يظهر من القول بعدم الوجوب، و لو فى الجملة(1).

الرابع: ان الاخلال به اخلال بالحروف، كما صرح به بعضهم، فلا يجوز الاخلال به لما مر، و فيه ان كونه حرفا ممنوع، و للمدعى اقامة البرهان نعم، لعله من صفاته كالاطباق و الاستعلاء مثلا.

ص: 320


1- قوله فى الجملة قيد للظهور (منه).

الخامس: انه لو جاز تركه لاشتهر، لتوفر الدواعى و مسيس الحاجة، و فيه ان تلك الدعوى مقلوبة، بل لعل الاستناد الى القلب اوجه، و ذلك لان المناط ان كان هو الحوالة الى علم القراءة، فلم ذكروا جملة من مسائلها هنا؟ و الا فلا مهرب عن القول باوجهيته.

السادس: انه يجب قراءة القرآن كما يقرأه الناس، و مراعاة جميع ما يراعونه فيها، و من جملته المد المتصل، اما الأول فلرواية سالم بن ابى سلمه المؤيدة برواية محمد بن سليمان، و رواية سفيان السمط المتقدمة فى شرح قول المصنف: و الاعراب و اما الثانى فلمكان المشاهدة، و فيه اولا لان الأخبار بحسب السند ضعيفة، و ثانيا: ان الأخبار معارضة بالاطلاقات الكثيرة، و ثالثا: عدم تسليم كونه مما يراعونه الناس، و رابعا: ان المستفاد من سياق الخبر كون الامر لدفع ذكر الحروف، التى ليست من القرآن، الذى بين الناس فتامل جدا.

السابع: انه يجب قراءة القرآن بما انزل، و منه المد، اما الأول فلرواية فضل بن شاذان عن الرضا (ع): امر الناس بالقراءة فى الصلوة، لئلا يكون القرآن مهجورا، و ليكن محفوظا مد روسا، فلا يضمحل و لا يجهل. و قد نقلنا تلك الرواية فى المباحث السابقه، و فيه ما ترى.

الثامن: ان القراءة لا بد ان تكون عربية، و العربية غير متحققة الا بالاتيان بالمد المتصل، و ذلك لان القراءة اوجبوا مراعاته، و ليس ذلك الا لتوقف العربية عليه، كما ان النحاة اذا قالوا يلزم الاعراب الفلانى فى كذا. يدل على توقف العربية عليه، فكما ان قول النحاة لمكان كونهم اهل خبرة و نقله حجة، فكذلك القراء، بل الاعتماد على قولهم اولى، كما عن الحاجبى، حيث قال: لانهم ناقلون عمن ثبت عصمته من الغلط فى مثله، و لان القراء ثبت تواترا، و ما نقله النحويون آحاد، ثم لو سلم ان مثل ذلك ليس بمتواتر، فالقراء اعدل و اكثر، فكان الرجوع اليهم اولى، و فيه انه كما يحتمل ان يكون دأب القراء بيان القواعد التى يبتنى عليها اصل اللغة و العربية، كذا يحتمل ان يكون دأبهم بيان القواعد التى

ص: 321

بمراعاتها يحصل نهاية الفصاحة و البلاغة و نهاية الاحسنية فى القراءة و عليه. فلا يعد فى حكمهم بهذا الاعتبار بوجوب شىء او استحبابه، بل لعل الاخير هو الاظهر.

و عليه فالقول بان مع الاخلال بالمد المتصل يصير تحقق العربية و عدم اللحن محلا للشك، و الشك فى الشرط يوجب الشك فى المشروط، فلا بد من الاتيان به تحصيلا لليقين بالبراءة عما ثبت وجوبه، و هو القراءة الصحيحة، التى لا يتحقق الا بالعربية، مما لا يغنى من الجوع، هذا مضافا الى من قرأ من غير مراعاة المد يصدق فى العرف انه قرأ بالعربية، فلا بد من الحكم بتحقيق الامتثال، اذ لا يستفاد من حكم الاصحاب بوجوب القراءة بالعربية لزوم مراعاة جميع الامور المعتبرة فى علم القراءة و العلوم الادبية بل غاية ما يستفاد من كلامهم عدم جواز القراءة بما يخرج به عن العربية، كالقراءة بالفارسية و التركية و الزنجية مثلا، و غرضهم فى ذلك هو الرد على ابى حنيفة المجوز للترجمة، اذ لو كان غرضهم بيان مراعاة جميع ما ذكر، لنقلوا هناك الخلاف عن المرتضى ايضا، و لم يخصوه بابى حنيفة، و لاكتفوا بما ذكروه من الحكم بوجوب العربية عن الحكم بمراعاة الاعراب و التشديد و نحوهما، و لم يذكروه ثانيا، و القول بان القراء اذا حكموا بوجوب شىء كان دليلا على انه فى الشرع واجب، لان منهم من اخذ القراءة عن المعصوم (ع) فكأنه قال المعصوم: اوجب هذا غير وجيه، لمكان تطرق المنع، و عدم التسليم، كما اشار اليه بعض مشائخنا وفاقا لما حكاه عن غيره(1).

و بالجملة الحكم بوجوب مراعاة المد المتصل لا يخلو عن الاشكال، بل لعل العدم هو الارجح، و الاحتياط فى المقام ممّا لا ينبغى تركه.

الرابع: لا يجب مراعاة المد المنفصل

كما هو الظاهر من كلام الاصحاب، على ما قاله بعضهم(2)، و صرح جملة من الكتب باستحبابه، و فى شرح النفلية بعد القول بجواز القصر و المد، و هو اى المد افضل لما فيه من تحقيق الحرف.

الخامس: صرح فى النفلية باستحباب توسط المد مطلقا،
اشارة

و فى شرح النفلية بعد نقل ذلك سواء كان مدا منفصلا ام غير منفصل، واجب المدام جايزه، فان

ص: 322


1- و هو الشارح المقدس (منه).
2- و هو بعض مشائخنا (منه).

زيادته عن التوسط كمدورش يكاد يخرج عن حد الفصاحة، و تفوت لذاذة استماعه و محاسن ادابه، و دون التوسط، لا يبين معه حرف المد بيانا شافيا، و لا يتضح معه ايضاحا كافيا، و خير الامور اوسطها، و لا يشكل بان الجميع متواتر، اذ لا بعد فى تفضيل بعضه على بعض، و ان اشتراك الجميع فى اصل البلاغة و وصف الفصاحة، و من البين ان فى بعض تركيب القرآن العزيز ما هو افصح من بعض، و اجمع لدقايق البلاغة و قرانا(1) الفصاحة.

فائدة:

قال بعض مشائخنا فى جملة كلام له: الثانى جواز الاختلاف فى مقدار المد، و قد اشار اليه السيوطى فى الاتقان، فانه قال: اما المتصل فاتفق الجمهور على مده قدرا واحدا مشبعا من غير افحاش، و ذهب آخرون الى تفاضله كتفاضل المنفصل، فالطولى لحمزة و ورش، و دونها لعاصم، و دونها لابن عامر و الكسائى و خلف، و دونها لابى عمرو و الباقين، و ذهب بعضهم الى انه مرتبتان فقط، الطولى لمن ذكر، و الوسطى لمن بقى، انتهى.

و قدر بعض قراءة عاصم بمقدار اربع الفات، قال: و يعرف الالف اما بتنصيص القارئ الثقة، او بعقد الاصابع، بان يعقد لكل الف على التدريج، و قد ذكر هذا ايضا و صرح بان المعتبر فى العقد عدم السرعة و البطؤ، الى ان قال: قال اى فى الاتقان: و اما المنفصل و يقال: له مد الفصل، لانه يفصل بين الكلمتين، و مد البسط لانه يبسط بين الكلمتين، و مد الاعتبار لاعتبار الكلمتين من كلمة، و مد حرف الجر اى مد كلمه لكلمه، و المد الجايز من اجل الخلاف فى مده و قصره، فقد اختلف العبارات فى مقدار مده اختلافا لا يمكن ضبطه، و الحاصل ان له سبع مراتب.

الاولى: القصر، و هو خلاف المد العرضى، و انفا دات حرف المد على ما فيها من غير زيادة، و هى فى المنفصل خاصة، لابى جعفر، و ابن كثير، و لابى عمرو، و عند الجمهور.

ص: 323


1- هكذا فى الاصل، و لعله: و قرائن.

الثانية: فويق القصر قليلا، و قدر بالفين، و بعضهم بالالف و نصف، و هى لابى عمرو فى المتصل و المنفصل عند صاحب التيسير.

الثالثة: فويقها قليلا، و هى التوسط عند الجميع، و قدرت بثلاث الفات، و قيل بالفين و نصف، و قيل بالفين على ان ما قبلها بالف و نصف، و هى لابن عامر و الكسائى فى الضربين عند صاحب التيسير.

الرابعة: فويقها قليلا، و قدرت باربع الفات، و قيل بثلاث و نصف، و قيل بثلاث على الخلاف فيما قبلها، و هى لعاصم فى الضربين عند صاحب التيسير.

الخامسة: فويقها قليلا، و قدرت بخمس الفات، و باربع و نصف، و باربع على الخلاف، و هى فيها لحمزة و ورش عنده.

السادسة: فوق ذلك، و قدّرها الهذلى بخمس الفات على تقدير الخامسة باربع و ذكر انهما لحمزة.

السابعة: الافراط، و قدرها الهذلى بست، و ذكرها لورش، قال ابن الجزرى: هذا الاختلاف فى تقدير المراتب بالالفات لا تحقيق وراءه، بل هو لفظى، لان المرتبة الدنيا و هى القصر اذا زيد عليها ادنى زيادة صارت ثانية، ثم كذلك حتى تنتهى الى القصوى.(1)

السادس: صرح فى شرح الجعفرية بان المد المتصل هو ما يكون حرف المد، و موجبه اعنى الهمزة فى كلمة واحدة،
اشارة

و المنفصل هو ما يكون حرف المد فى كلمة، و موجبه فى اخرى، قال: و كذا لا يجوز ترك المد اللازم كما فى الدابة و الصاخة و آل، و المراد بالمد اللازم هو الذى لا يوجبه ساكن، و فى شرح النفلية: المد المنفصل ما كان حرف المد آخر كلمة، و شرطه اول كلمة اخرى. قال بعض مشائخنا: يظهر من جماعة منهم السيّوطى فى الاتقان، و بعض شراح الشاطبية، ان المد المتصل عبارة عما كان سببه وقوع الهمزة بعد حرف المد فى كلمة واحدة، فيخرج مدّ و لا الضآلين و مد كهيعص، و يدخل فى المنفصل مد لا اله الا الله.

أقول: و حيث جرى مضمار الكلام الى هنا، فلا بد لنا ان نراعى فى ذلك ما

ص: 324


1- الاتقان للسيوطى: 97/1

يكون فيه للناظر ثمرة، و ان نذكر الموضع الذى اتفق القراء على مده، و الذى اختلفوا فيه، فنقول: المد فى اللغة، و فى الاصطلاح عبارة عن زيادة مطلقا فى حرف المد على المد الطبيعى، و هو الذى لا يقوم ذات حرف المد بدونه، و القصر ترك الزيادة، و ابقاء الطبيعى على حاله، كذا عن الاتقان و غيره، و عن بعض ان هذا يسمى بالمد الفرعى و العارضى، و قيل ايضا ان الطبيعى يقدر بمقدار الالف، و عن الاتقان حرف المد الالف مطلقا، و الواو الساكنة المضموم ما قبلها و الياء الساكنة المكسورة ما قبلها، انتهى. و عن غيره ايضا انه اشار الى هذا لكن حد الالف فقال: و الالف المفتوح ما قبلها.

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان السبب اللفظى فى مد هذه الحروف شيئان:
الأول: الهمزة،

و هى على اقسام، لانها اما تقع بعد حرف المد بلا فصل فى كلمة واحدة نحو شاء و سوء و جئ، او تقع بعدها كذلك فى كلمتين نحو بما انزل، و فى انفسكم، و قالوا آمنا، او تقع قبل حرف للمد نحو راى، فان كان الأول و هو المسمى بالمد المتصل، كما يستفاد من الجماعة، و منهم المحكى عن السيوطى و بعض شراح الشاطبيّة، فالمد واجب عند كل القراء على الظاهر، قيل: يستفاد من جماعة انه لا خلاف فيه بين القراء منهم السيوطى، و صاحب كنز المعانى شارح الشاطبية، قال الأول: و قد اجمع القراء على مد نوعى المتصل، و ذى الساكن اللازم، و قال الثانى: اذا القى حرف المد الف او يآء بعد كسرة او واو بعد ضمة، يمد تلك الحروف وفاقا، و انما تمد لخفائها و عسر الهمزة، فقويت بالمد، لئلا تسقط عند سرعة التلاوة، و قيد بكون الياء بعد كسرة و الواو بعد ضمة اى حركة مجانسة، ليخرج نحو هيئة و سوءة، لاختلافهم فيه، و لم يقيد الالف، اذ لا يكون الا فتحة، و لم يقيد الياء و الواو بالسكون، اذ هو مفهوم من الامثله، اما الالف فلا يكون الا ساكنا، ثم قال: و اطولهم مدا حمزة، و دونها عاصم، و دونها ابن عامر و الكسائى، و دونها ابو عمرو من طريق اهل العراق، و قالون من طريق ابى نشيطه، انتهى.

ص: 325

قيل: تحقق الخلاف فى المد اذا كان ما قبل الواو و الياء مفتوحا، فانه قد حكى عن الازرق و ورش الطول، و التوسط فيما اذا كانت الهمزة فى الوسط الا فى (مَوْئِلاً) فى سورة الكهف. (و اَلْمَوْؤُدَةُ) فلم يقرا فيهما الا بالقصر، و حكى عن بعض بجواز الطول و التوسط، و بالقصر فى حال السّكون و الاشمام، فيما اذا كانت الهمزة فى الاخر، و قيل الباقون على القصر مطلقا، و ان كان الثانى و هو المسمى بالمد المنفصل على ما يظهر من جماعة، فعن عاصم و حمزة و الكسائى و خلف و ابن ذكوان و روش ان المد فيه لازم، و عن ابن كثير و نافع و يعقوب و سهل و ابى جعفر المنع منه، و عن بعض جواز الامرين، و فى الحرز الامانى:

فان ينفصل فالقصر بادره طالبا *** بخلفهما يرويك در او مخضلا

و فى بعض شروحه: ان كان حرف المد فى آخر كلمة، او الهمزة فى اول أخرى فيقصر قالون المرموز بالباء، و دورى المرموز بالطاء، مع خلاف نقل عنهما، و هو انهما قرءا بمد ايضا، و السوسى المرموز بالياء، و ابن كثير المرموز بالدال بلا خلاف، و اما الباقى فيمدونها.

و فى شرح آخر فى جملة كلام له: فاخبر ان قالون و الدورى قرءآ فى المد المنفصل بالقصر فى رواية، و بالمدّ فى رواية، لانه ذكر عنهما الخلاف بقوله: بخلفهما، و لا مد اقصر من الف، فيكون لهما المد بقدر الف فى رواية، و فى رواية اخرى بقدر الفين، لان المد بقدر الالف لا يجزى، و اخبر ان السوسى و ابن كثير قرء آبا لقصر بقدر الف، بلا خلاف عنهما، الى ان قال: و لم يذكر باقى الخلاف بين الائمة، لان الكتاب منظوم مختصر، و سمعنا عن الاساتذة مؤيدا ذلك السّماع برواية كتب القراءة، كالبشارة و غيرها، ان ابن عامر و الكسائى قرءآ فى المد المنفصل بقدر ثلاث الفات، و عاصما قرا بقدر اربع الفات، و ورشا و حمزة بقدر خمس الفات.

و تلخيص القراءة ان القراء فى المد المنفصل على خمس مراتب: منهم من يمد بقدر الف، و هم ابن كثير و السوسى بلا خلاف، و قالون و الدورى بخلاف، و منهم من يمد بقدر الفين و هما قالون و الدورى برواية عنهما، و منهم من يمد بقدر

ص: 326

ثلاث الفات، و هما ابن عامر و الكسائى، و منهم من يمد بقدر اربع الفات، و هو عاصم و منهم من يمد بقدر خمس الفات، و هما ورش و حمزة. و فى المد المتصل على اربع مراتب: منهم من يمد بقدر الفين، و منهم ابن كثير و السوسى و قالون و الدورى، و الباقى كما ذكر فى المنفصل، انتهى.

أقول: قد مر الكلام فى ذلك بما مر، فلاحظ، و ان كان الثالث فعن جميع القراء القول بالقصر، الا ما روى عن ورش من القول بالمد فى الجملة.

الشيء الثانى: السكون،

و هو ايضا على اقسام، لان الحرف الواقع بعد حرف المد اما ساكن مدغم فيه لا يجوز تحريكه وقفا و وصلا، او ساكن غير مدغم فيه كذلك، او ساكن لا يجوز تحريكه وقفا، و لكن يجوز وصلا، فان كان الأول كما فى «وَ لاَ اَلضّٰالِّينَ» و دابة، فعن جميع القراء القول بالمد، و فى حرز الامانى.

و عن كلهم بالمد ما قبل ساكن

و فى بعض شروحه: و عن جميع القراء بالمد حال كون المد واقفا قبل ساكن، نحو (و لا الضالين) و العادين، و آمين، و الطامة، الا ان بين القراء فى كمية المد خلافا، فعن قالون و ابى عمرو و ابن كثير و ابن عامر و الكسائى و عاصم بقدر ثلاث الفات، و عن ورش و حمزة بقدر اربع الفات، فقد ذكر الحافظ ابو عمر الدانى ان مد الساكن اقل من مد الهمزة، انتهى.

و عن السيوطى: قد اجمع القراء على مد ذى السّاكن، ثم قال: و الجمهور ايضا على مده مشبعا قدرا واحدا من غير افراط، و ذهب بعضهم الى تفاوته، انتهى.

و عن بعض انه يمد فى قراءة عاصم بمقدار ثلاث الفات، و عن بعض انه قال:

عند المحققين مقداره اربع الفات، هذا اذا لم يكن حرف المد منقلبا عن الهمزة، و اما اذا كان منقلبا عنه نحو (آلذَّكَرَيْنِ) فانه اصله الذكرين قلبت الهمزة الفا طلبا لخفة، فيمد ايضا، لئلا يجتمع الساكنان، و لا يجوز حذف الهمزة لإلتباس الاستفهام بالخبر، و يسمى هذا المد بالمنقلب و مد الفرق، و عن بعض انه ليس

ص: 327

واجبا عند جميع المؤلفة، بل يجوز عندهم التسهيل، و هو ان يقرأ الهمزة بين الهمزة و الحرف الموافق لحركتها، فان كانت الفا قرات بين الهمزة و الالف، و ان كانت ضمة قرأت بين الهمزة و الواو، و ان كانت كسرة قرات بين الهمزة و الياء. و عن بعض انه يمد هذا بمقدار الفين، و ان كان الثانى كما فى (الم) و (حم) فعن جميع القراء القول بالمد، و فى الحرز الامانى.

و مد له عند الفواتح مشبعا *** و فى عين الوجهان و الطول فضلا

و فى بعض شروحه الذى تقدم نقل كلامه: امر بالمد فى الحروف المشبعات المقطّعات فى اول السور للساكن، يعنى اذا اجتمع حرف مد مع ساكن فى الفواتح، نحو لام و ميم فى الم و ما اشبهه، ففيه المد عن الكل، و الخلاف فيه كما ذكر فى نحو (وَ لاَ اَلضّٰالِّينَ) قوله مشبعا، اى مدا تاما طويلا، و فى عين الوجهان: القصر و الطول، لان حركة ما قبل الياء غير مناسبة، فلم يقتض قصر الياء مدة، فالقياس ان يكون فيها القصر، الا ان المطول افضل، لان فيه فخامة قوله: فضلا الفه للاشباع، و هو فى (كهيعص) و (حم عسق). و ان كان الثالث كما فى نستعين و الباب فيه وجهان، او الوجوه، كما يظهر فى الحرز الامانى:

و عن كلهم بالمد ما قبل ساكن *** و عند سكون الوقف وجهان اصلا

و فى بعض شروحه قوله: و عند سكون الوقف الى آخره، يعنى اذا لم يكن بعد حرف المد ساكن، لكن القارى اسكن للوقف، ففيه وجهان: القصر و الطول، القصر باعتبار ان السّكون عارض، و الطول باعتبار ان اللفظ ساكن، و وجه فرع و هو الوسط فيمل فى سكون الوقف بمقدار الف و الفين و ثلاث الفات، قوله: اصّلا، قال الناظم رحمه الله: اصلا، و الأصل يستلزم الفرع، فهو اشارة الى الوجه الثالث، و هو الوسط، عملا بالدليلين، فالقصر بقدر الف، و الوسط بقدر الفين، و المد بقدر ثلاث الفات، ثم ان الثلاثة تقرا بالسكون المحض، و تقرا بالاشمام، و تقرا بالروم القصر فحسب، لان للروم حكم الوصل، فحصل فى الوقف على مرفوع و مضموم سبعة اوجه، و فى الوقف على مكسور اربعة اوجه، و فى الوقف على مفتوح ثلاثة اوجه، لانه لا يجرى

ص: 328

الاشمام فى المكسور، و لا يجرى الروم و الاشمام فى المنصوب و المفتوح، انتهى.

و عن السيوطى: و اما العارض فيجوز فيه لكل من القراء كل من الاوجه الثلاثة المد، و القصر، و التوسط، و هى اوجه تخيير.

السابع: صرح الجماعة بوجوب مراعاة الادغام الصغير،
اشارة

و ذهب بعض مشائخنا(1) الى عدم وجوبه، و لعله الظاهر من كثير من الكتب(2)، حيث لم يتعرضوا لوجوبه، مع انه قد تعرض جملة منها لبيان غيره من الاعراب و التشديد و المد، و هو الاجود لمكان الاصل، و الاطلاقات، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة، مع عدم ظهور المخصص، و لم يظهر لنا دليل دل على وجوب متابعة ما اتفق عليه القراء، مع صدق العربية بدونها فى كثير من المواضع، و منه محل البحث.

و اما ما دل على لزوم مراعاة التشديد، فلا نسلم شموله لمحل البحث، و الاحتياط لا ينبغى تركه.

تذنيب:

لا يجب مراعاة الادغام الكبير، بل صرح فى النفلية باستحباب تركه، و فى شرحها، و انما كان تركه افضل فى الصلوة، لان التفكيك افصح و اكثر حروفا، فيكثر معه ثواب القراءة، و لان فيه اتيان كل حرف حقه من اعرابه او حركته التى يستحقها، الادغام تلبس على كثير من الناس وجه الاعراب، و يوهم خلاف(3) المقصود من المعنى فى نحو قوله تعالى: (يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) و (اَلْمُصَوِّرُ لَهُ اَلْأَسْمٰاءُ اَلْحُسْنىٰ) و اكثر القراء تركوه، و بعضهم و هو ابو عبيد القاسم بن سلام لم يذكره فى مصنفاته، لكراهيته، و قال فى بعض كتب القراءة: عندنا هى الاظهار لكراهتنا الادغام اذا كان تركه ممكنا.

فائدة:

و فى المسالك الجامعية: و يجب مراعاة الادغام الصغير، اعنى ادغام التنوين، و

ص: 329


1- و منهم المحقق الثانى و المسالك الجامعية و غيرهما كما عن البيان و غيره (منه).
2- كالشرايع و مختصر النافع و الالفية و الدروس و الجعفرية و المدارك و الذخيرة و الكفاية و غيرها كما عن الغنية و السرائر و النهاية و التحرير و القواعد و الذكرى (منه).
3- غير خ ل.

النون الساكنة فى احد حروف يرملون، و فى بعض شروح الجعفرية: و يجب مراعاة الادغام الصغير، و هو ادراج السّاكن الاصلى فى المتحرك، سواء كانا متماثلين او متقاربين، كقوله:

هل لك، ويل لهم، و من ربك. و اما الادغام الكبير، و هو ادراج المتحرك فى المتحرك، فليس بواجب مراعاته كقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).

و فى شرح النفلية: و هو اى الادغام الكبير ما كان الحرف الأول فيه - سواء كانا مثلين ام جنسين ام متقاربين - متحركا سمّى كبير الكثرة وقوعه، اذ الحركة اكثر من السّكون، او لتأثيره فى اسكان المتحرك قبل ادغامه، او لما فيه من الصعوبة، او لشموله نوعى المثلين و الجنسين و المتقاربين، مثاله فى الفاتحة: (اَلرَّحِيمِ مٰالِكِ) بادغام الميم فى الميم فى قراءة ابى عمرو و يعقوب، و فى بعض شروح الحرز الامانى: الادغام على نوعين: كبير، و هو ما كان المدغم و المدغم فيه متحركا، نحو: يعلم ما، و طبع على، فيسكن الأول و يدغم فى الثانى، و يحصل فيه عملان، فلذلك سمى الكبير، و صغير، و هو ما اذا كان الحرف المدغم ساكنا فيدغم فى الثانى، نحو: قد شغفها، فتحصل فيه عمل واحد، فلذلك سمى صغيرا، ثم الادغام الكبير يكون فى المثلين و المتقاربين، و فى شرح آخر له: الادغام الصغير هو ما كان الحرف الأول ساكنا فيدغم فى الثانى، و لا يكون الا فى المتقاربين. و الكبير هو ما كان الحرفان متحركين.

فيسكن الأول و يدغم فى الثانى، و ذلك يكون فى المتقاربين و المتجانسين فلذا يسمى كبيرا.

الثامن: صرح الجماعة بان مراعاة اوصاف القراءة كالهمس و الجهر و الاطباق و نظايرها غير واجبة،

قال فى المدارك: اما المنفصل فمستحب، و كذا اوصاف القراءة من الهمس و الجهر و الاستعلاء و الاطباق و الغنة و غيرها، كما صرح به محققو هذا الفن، و فى شرح النفلية فى جملة كلام له: و من هنا يعلم ان مراعاة صفات الحروف المذكورة و غيرها ليس على وجه الوجوب، كما نذكره علما فيه، مع امكان ان يريدوا تاكيد الفعل كما اعترفوا به فى اصطلاحهم على الوقف الواجب، فانهم قالوا ان الوجوب فيه ليس بالمعنى المصطلح شرعا، بحيث ياثم بتركه.

و فى الرياض فى شرح المتن: و يستفاد من تخصيص الوجوب بمراعاة المخارج و الاعراب فيما تقدم عدم وجوب مراعاة الصفات المقررة فى العربية من الجهر و الهمس و

ص: 330

الاستعلاء و الاطباق و نظايرها، و هو كذلك بل مراعاة ذلك مستحبة.

و فى الذخيرة: و اما مراعاة الصفات المقررة فى العربية كالجهر و الهمس و الاستعلاء و الاطباق و نظايرها فظاهرهم عدم وجوب مراعاتها.

و فى مجمع الفائدة بعد ان نقل ما مر عن الرياض: الظاهر انه كلام حسن، و قد مرت الاشارة اليه، و اشار بذلك الى ما ذكره قبل كلامه هذا بثلاث صفحات تقريبا، ما لفظه: و اما باقى صفات الحروف من الترقيق و التفخيم و الغنة و الاظهار، فالظاهر عدم الوجوب، بل الاستحباب، لعدم الدليل شرعا، و صدق القرآن لغة و عرفا، و ان كان عند القراءة واجبا، ما لم يؤد الى زيادة حرف و نقصانها، و عدم اخراج الحرف عن مخرجه، و مد و تشديد، و مع ذلك ينبغى رعاية ذلك كلّه، و الاحتياط التام.

و عن ابن جمهور فى المسالك الجامعية: و يجب مراعاة الترقيق و التفخيم و الهمزة و الوصل و القلقلة، مع الوقف فى مواضعه، و اما اللروم و الاشمام ففى وجوبهما مع الوقف خلاف، و الاقوى عدم الوجوب، لانهما من مستحبات القراءة، لا من شرايطها.

و بالجملة يجب مراعاة الشرايط التى اجمع القراء على وجوبها فى القراءة، و اما التى اختلف القراء فيها فالاجماع منعقد على جواز القراءة بقراءة السبعة، انتهى.

أقول: و ما اختاره الجماعة هو الاقوى، لمكان الاطلاقات، و عموم: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره.

التاسع: و عن بعض متاخرى المتأخرين القول بان قطع همزة الوصل، و وصل همزة القطع غير جايز،

التاسع: و عن بعض متاخرى المتأخرين(1) القول بان قطع همزة الوصل، و وصل همزة القطع غير جايز، و القول بانه يجب اجتناب اللحن، و بانه يجب كلما وجب فى النحو و الصرف، و يستحب كلما استحب فيهما، و لم اجد فى كتب الاصحاب تصريحا بهذه الكلية، كما اذعن به بعض مشائخنا، و بالجملة لا بد من متابعة الدّليل، فمع صدق القراءة و العربية، و ما مر سابقا من الاشياء المعتبرة فيهما، لا يضر مخالفة القّراء و نحوهم، و ان كانوا مطبقين لمكان ظهور القول بان دأبهم هو بيان ما يحصل به الفصاحة، و بيان مراتبها، و عليه فاذا اجمعوا على شىء لا يحصل من ذلك مظنة بعدم اجزاء قراءة من لم يتبعهم فيها، و خالفهم فيها، اذ

ص: 331


1- و هو السيّد مهدى النجفى (منه).

بيان ما يحصل به الفصاحة، و بيان مراتبها. و عليه فاذا اجمعوا على شىء لا يحصل من ذلك مظنة بعدم اجزاء قراءة من لم يتبعهم فيها، و خالفهم فيها، اذ المفروض صدق القراءة كالعربية عند العرف، نعم، لو ظهر بدليل شرعى ان الواجب هو القراءة بما يحصل معه غاية الفصاحة، لمكان القول بوجوب كثير من المذكورات فى تلك الصفحات وجيها، و لكن انى لنا ذلك.

في وجوب البسملة في أول الحمد و السورة
اشارة

(و) يجب (البسملة فى اول الحمد و السورة)، عدا سورة براءة، لكونها جزء منها، اجماعا نقله من الاصحاب جماعة كثيرة، و الأخبار المتعلقة بالمسئلة مستفيضة.

منها: ما رواه الكافى فى باب قراءة القرآن، باسناد فيه محمد بن عيسى عن يونس، عن معوية بن عمار، قال: قلت لابى عبد الله (ع): اذا قمت للصلوة اقرا بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فى فاتحة القرآن؟ قال: نعم، قلت: فاذا قرات فاتحة القرآن اقرا بسم اللّه الرحمن الرحيم مع السورة؟ قال: نعم.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن يحيى بن ابى عمران الهمدانى قال كتبت الى ابى جعفر (ع): جعلت فداك ما تقول فى رجل ابتدا ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم فى صلوته وحده فى ام الكتاب، فلما صار الى غير ام الكتاب من السورة تركها؟ فقال العباسى:

ليس بذلك بأس. فكتب بخطه: يعيدها مرتين على رغم انفه، يعنى العباسى(1).

و منها: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح عن محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن السبع المثانى و القرآن العظيم هى الفاتحة؟ قال: نعم، قلت بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من السبع؟ قال: نعم، هى افضلهن.

و منها: ما نقله العياشى فى تفسيره، على ما حكى عن يونس بن عبد الرحمن،

ص: 332


1- قال بعض الاجلاء قوله يعيدها يعنى الصلوة و حمله على البسملة بعيد و قوله مرتين يتعلق بقوله كتب لا بقوله يعيدها اذ لا معنى لاعادة الصلوة مرتين و العباسى و ان حمل على الرجل المشهور صاحب التفسير و هو محمد بن مسعود العياشى فينبغى تخصيصه لكون ذلك فى اول امره فان كان من فضلاء العامة ثم استبصر و رجع على مذهب الشيعة فالحمل عليه بالتقريب المذكور غير بعيد و يحتمل غيره من المشهورين فى ذلك الوقت. أقول و الظاهر ان هذا الجليل قد قرأ العياشى بالشين المعجمة و الياء و ليس فى نسختنا كذلك بل فيها بالسين المهملة و الياء و عليه فراجع على ترجمة هشام بن ابراهيم العباسى الذى قد وردت اخبار فى ذمها نعم رأيت فى بعض نسخ الاستبصار العياشى بالشين المعجمة و الياء و اللّه هو العالم (منه).

عمن رفعه، قال: سألت ابا عبد الله (ع): (وَ لَقَدْ آتَيْنٰاكَ سَبْعاً مِنَ اَلْمَثٰانِي وَ اَلْقُرْآنَ اَلْعَظِيمَ) قال: هى سورة الحمد، و هى سبع آيات منها بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ، و انما سميت المثانى لانها تثنى فى الركعتين. و عنه عن ابى حمزة، عن ابى جعفر عليه السلام: احرّفوا اكرم آية فى كتاب اللّه بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ؟

و عنه عن صفوان الجمال قال: قال ابو عبد الله: ما انزل اللّه من السماء كتابا الا و فاتحته بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ، فانما كان يعرف انقضأ السورة بنزول بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ ابتداء للاخرى.

و منه عن عيسى بن عبيد الله، عن جده عن على (ع): بلغنى ان اناسا ينزعون بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ، فقال: هى آية من كتاب الله، انساهم اياها الشيطان.

و منه عن خالد بن المختار، قال: سمعت جعفر بن محمد (ع) يقول: ما لهم قاتلهم الله، عمدوا الى اعظم آية فى كتاب اللّه فزعموا انها بدعة اذا اظهروها و هى بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ.

و منه عن محمد بن مسلم، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن قول الله: (وَ لَقَدْ آتَيْنٰاكَ سَبْعاً مِنَ اَلْمَثٰانِي وَ اَلْقُرْآنَ اَلْعَظِيمَ) فقال: فاتحة الكتاب، يثنى فيها القول، قال: و قال رسول الله (ص): ان اللّه تعالى من علّى بفاتحة الكتاب من كنز الجنة، منها بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ، الآية التى يقول الله تعالى فيها: (وَ إِذٰا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي اَلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ نُفُوراً) (وَ اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ) فدعوى أهل الجنة حين شكروا الله حسن الثواب) (مٰالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ) قال جبرئيل: ما قالها مسلم قط الا صدقه الله و اهل سماواته (إِيّٰاكَ نَعْبُدُ) اخلاص للعبادة (وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ) افضل ما طلب به العباد حوائجهم (اِهْدِنَا اَلصِّرٰاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ صِرٰاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ صراط الأنبياء و هم الذين انعم اللّه عليهم غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) اليهود وَ لاَ اَلضّٰالِّينَ النصارى.

و بالجملة الأخبار فى المسئلة كثيرة فالاستقصاء مما يورث الاطالة، و فى دلالة بعضها و ان كان نوع مناقشة، و لكن الامر فيها فى المقام هين.

و اما ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات عن محمد بن مسلم، قال:

ص: 333

سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يكون اما ما يستفتح بالحمد، و لا يقول بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ. قال: لا يضره، لا بأس بذلك. و ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن عبد الله بن بكير، عن مسمع البصرى، قال: صليت مع ابى عبد الله (ع) فقرا بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ ثم قراء السورة التى بعد الحمد و لم يقرأ بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ، ثم قام فى الثانية فقرا الحمد و لم يقرا بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ، ثم قرا بسورة اخرى.

و ما رواه فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن عبيد اللّه بن على الحلبى و محمد بن على الحلبى، عن ابى عبد اللّه انهما سألاه عمن يقرا بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ حين يريد يقرا فاتحة الكتاب، قال: نعم ان شاء سرا، و ان شاء جهرا، فقالا: افيقراها مع السورة الاخرى؟ فقال: لا.

و ما رواه فى الباب عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع) قال: سألته عن الرجل يفتتح القراءة فى الصلوة يقرا بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ، قال: نعم اذا افتتح الصلوة فليقلها فى اول ما يفتتح، ثم يكفيه ما بعد ذلك. فمحمول على التقية، اذا المحكى عن ابى حنيفة و مالك و الاوزاعى و داود انها ليست من القرآن الا فى سورة النمل، و عن ابى الحسن الكرخى انها آية فى مكانها، ليست من السورة، و هو مروى عن احمد. و على الحمل المذكور تنادى رواية ابى حمزة، و رواية عيسى بن عبيد الله، و رواية خالد بن المختار المتقدمة و غيرهما(1)، و بما حررناه عليك ظهران ما حكى عن الاسكافى، انه يرى ان البسملة فى الفاتحة بعضها، و فى غيرها افتتاح لها مما لا اعتناء بشانه، و ان امكن له الاستدلال ببعض الأخبار المتقدمة(2)، لوجوه عديدة، منها الاجماعات المحكية المعتضدة، كالأخبار بالشهرة العظيمة القريبة من الاجماع، بل لعلها اجماع فى الحقيقة، الرافعة لكلامه عن بنيانها، المؤيدة بما ذكره فى التذكرة من ان الصحابة قد اثبتها فى اوائل السور بخط المصحف، مع تشددهم فى كتبه ما ليس من القرآن فيه، و منعهم من النقط و

ص: 334


1- عن ابن عباس سرق الشيطان من الناس مائة و ثلاثة عشر آية حتى ترك بعضهم قراءة بسم اللّه الرحمن الرحيم فى اوائل السور (منه).
2- كرواية عبيد اللّه و نحوها و قد يقال ان الاسكافى لم يقل بعدم قرائتها مع السورة بل قال افتتاح فاذا كان السورة واجبة لزم منه وجوب البسملة ايضا لان افتتاحها بها (منه).

التفسير، قال و لتكفير جاحدها الا لشبهة.

و بالجملة المسئلة بحمد اللّه واضحة، و خلاف ابن الجنيد متروك كما فى بعض(1)الكتب، و شاذ كما فى آخر،(2) و القول بانه يشترط فى الحكم بكونها آية، جزء من كل سورة عدا سورة براءة، القطع به، اذ هى من الموضوعات الصرفة، و الاصل فيها عدم حجية المظنة، و لا دليل قطعى يدل عليه، و المذكورات لا تفيد الا المظنة غير وجيه. اذ مع قطع النظر عن القول بكفاية المظنة فى المقام، نقول: ان الانصاف ان المسئلة مقطوعة مجمع عليها بين الطائفة المحققة.

فرعان:
الأول: البسمله فى سورة براءة ليست جزءا منها بلا خلاف اجده،

بل عليه الاجماع فى صريح بعضهم(3) المسالك الجامعية، و ظاهر آخرين، و فى الحبل المتين: و قد اطبق اصحابنا على انها جزء منها، و من كل سورة سوى براءة، و على بطلان الصلوة بتركها من الفاتحة.

الثانى: عن نهاية الاحكام و لا يكفر جاحدها للشبهة.

و عن نهاية الاصول ايضا التصريح بعدم التكفير، و قد مر عبارة التذكرة فراجع.

فى وجوب الموالاة فى القراءة
اشارة

(و) يجب (الموالاة) فى القراءة بلا خلاف على الظاهر المحكى عن جملة من العبائر، و اما ما يظهر من الشارح المحقق فى الذخيرة من التامل فيها، فليس فى محلّه، و عن المسالك الجامعية: و هذه الموالاة واجبة فى الحمد و السورة اجماعا من كل من قال بوجوب قراءتها، و يدل عليه بعد المذكوران اطلاق الامر بالقراءة ينصرف اليها، كما صرح به بعض المحققين و قال آخر: مسمى القراءة المامور بها شرعا لا يحصل مع الاخلال بالموالاة المذكورة، فالمخل بها غير آت بالمامور به على وجهه، فلا يكون مجزيا. و قال آخر: انها المفهوم من القراءة المأمور بها. و قال آخر: ان تركها قد يكون مخلا بالنظم، فلا يجوز، و يعضد المذكور بعد قاعدة الاحتياط مداومة المعصومين (ع) عليها، فيجب على غيرهم اما لاصالة وجوب التأسى، او لقوله (ص): صلوا كما رأيتمونى اصلى، او لأن مداومتهم (ع) على فعل

ص: 335


1- الذكرى (منه).
2- الدروس (منه).
3- و هو التحرير و نهاية الاحكام (منه).

تدل على وجوبه.

و اما ما فى الذخيرة بانه لم يثبت ما ادعاه من فعل النبى (ص)، و عدم النقل ليس دليل العدم، ففيه ان الجماعة(1) صرحوا بان النبى (ص) كان يفعله، و شهادة الاثبات مقدمة. قال فى بعض شروح الجعفرية: لان النبى (ص) كان يوالى فى قراءته، و قال (ص): صلوا كما رأيتمونى اصلى. و فى المدارك: اما اشتراط الموالاة فى القراءة فللتأسى بالنبى (ص)، فانه كان يوالى فى قراءته و قال: صلوا كما رأيتمونى اصلى(2).

و اما ما ذكره فى الذخيرة رد اعلى الاستناد بقاعدة الاحتياط، بان عموم ما دل على جواز قراءة القرآن فى اثناء الصلوة يضعف التمسك بها. ففيه ما ذكره بعض الأجلاء بما لفظه: انا لم نقف بعد التفحص فى شىء من الأخبار ما يدل على هذا العموم، و ان اشتهر بين الاصحاب على وجه لا يكاد يوجد له مخالف، فانهم جعلوا مما يستثنى فى الصلوة الدّعاء، و قراءة القرآن، و الأول موجود فى الأخبار، اما الثانى فلم اقف على ما يدل عليه بعد التفحص و التتبع، بل ربما دلّ بعض الأخبار على خلافه، مثل ما روى الكلينى، و الشيخ فى الموثق عن عبيد بن زرارة قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن ذكر السّورة من الكتاب يدعو بها فى الصلوة مثل قل هو اللّه احد، فقال: ان كنت تدعو بها فلا بأس. و مفهومه حصول الباس مع عدم قصد الدّعاء بها، انتهى.

و كيف كان، فالمسئلة بحمد اللّه غير مشكله، و اذا عرفت ان الموالاة واجبة (فيعيد القراءة لو قرء خلالها) من غيرها.

أقول: شرح هذا المقام يقتضى بسط الكلام فى المقامات:
الأول: لو قرا فى خلال القراءة من غيرها عمدا، فسدت قراءته بلا خلاف اجده،
اشارة

بل الظاهر اتفاق الاصحاب عليه، قاله بعض مشائخنا، لمكان فوات الموالاة. و اما الصلوة فهل تبطل بذلك؟ ام لا اختلف الاصحاب فيه على قولين:

ص: 336


1- و منهم المحقق عن نهاية الاحكام (منه).
2- و يرد على صاحب المدارك فى هذا المقام انه صرح فى شرحه كغيره ان التأسى فيما لا يعلم وجه وجوبه بدليل من خارج مستحب لا واجب و ان اشتهيت ان تطلع منه على ذلك فراجع على شرحه فى بحث الجهر بالحمد و السورة (منه).

الأول: انها لا تبطل، و هو الظاهر من المتن وفاقا للتذكرة، و الالفية، و الدروس، و مجمع الفائدة، و الشرائع كما عن نهاية الاحكام، و المبسوط و اليه جنح المدارك و غيره.

الثانى: انها تبطل بذلك، و هو للشهيد فى الذكرى، و لشقيقه فى المسالك و المقاصد العلية، و الرياض، و المحقق الثانى و غيرهم،(1) كما عن والد البهائى فى شرح الالفية، و الكشف، و التحرير، و عبارة التحرير هكذا: تجب الموالاة فى القراءة، فلو قرا خلالها من غيرها استانف، انتهى.

و للقول الأول اصالة بقاء الصحة، و صدق امتثال الامر بالصلوة، و القراءة بعد اتمام الصلوة، و استيناف القراءة، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره.

و للثانى وجوه:

الأول: وجوب تحصيل البراءة مع اشتغال الذمة، فيجب الاستيناف، و فيه انها مشغولة بعدم جواز قطع الصلوة ايضا، فيجب عليه الاتمام حتى يحصل البراءة، هذا مضافا الى ان الدّليل الشرعى يفيد العلم بالبراءة شرعا، و قد تقدّم وجوده فى المقام.

الثانى: ان هذا المصلى قد خالف ما يفهم من الصلوة البيانية عمدا، و هو (ص) قال: صلوا كما رأيتمونى اصلى. و فى شرح الجعفرية علل لبطلان الصلوة قوله: لتحقق المخالفة المنهى عنها، لان النبى (ص) كان يوالى فى قراءته، و قال: صلوا كما رأيتمونى اصلى. و فيه ما ترى.

الثالث: ان القراءة فى الاثناء منهى عنها، لمكان كونها علة لترك الموالاة الواجبة، و ابطال العمل الذى متلبس به المحرمين و علة الحرام حرام، فالاتيان بها موجب لفساد الصلوة، لان النهى فى العبادة يقتضى الفساد، و قد اشار الى ذلك الجماعة، و منهم الشارح الفاضل، حيث قال فى المقاصد العلية و غيرها فى المقام، معللا لفساد الصلوة بذلك للنهى المقتضى لفساد العبادة. و فيه.

اولا: ان كون علة الحرام حراما ممنوع.

ص: 337


1- و هو بعض شروح الجعفرية و بعض المحققين (منه).

و ثانيا: ان كون القراءة فى الاثناء علة، ممنوع لمكان جواز القول بان العلة هى عدم الارادة، او ارادة العدم.

و ثالثا: ان كونها علة لترك الموالاة، على فرض التسليم، انما هى بالنسبة الى القراءة المشغول بها، و كون الموالاة واجبة بالنسبة الى هذه القراءة ممنوع، اذ الواجب الاتيان بمفهوم القراءة، و هو امر كلى، و مجرد الشروع فيما يصلح لان يكون فرد اله لا يصير ذلك الفرد واجبا، فكيف يحكم بوجوب الموالاة بالنسبة الى هذه القراءة الخاصة.

و رابعا: ان كون ابطال العمل حراما مطلقا ممنوع، و لم اجد ما يدل على ذلك، بحيث يشمل محل الفرض، و فى قوله تعالى: (لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ) مناقشات.

و خامسا: منع اقتضاء ذلك النهى الفساد، قاله الجماعة قال فى مجمع الفائدة معللا لاعادة القراءة و عدم بطلان الصّلوة ما لفظه: و وجهه انه مع الاخلال بالموالاة الواجبة، لا تكون تلك القراءة معتبرة، فكأنها متروكة، مع بقاء وقتها، فيجب الاعادة مطلقا، و لا يبطل الصلوة لو كان عمدا، لان النهى المبطل فى العبادة بالمعنى الذى اشرنا اليه، و هو صيرورة العبادة بنفسها منهيا عنها، و معلوم عدم ذلك هنا، و هو واضح.

و قال فى المدارك: و قطع الشهيد فى الذكرى ببطلان الصلوة مع العمد، لتحقق المخالفة المنهى عنها، و يتوجه عليه منع كون ذلك مقتضيا للبطلان.

الرابع: ان الاصل بطلان الصلوة بكل زيادة، لمعتبرة ابى بصير عن الصادق (ع): من زاد فى صلوته فعليه الاعادة(1)، و صحيحة زرارة و بكير بن اعين عن ابى جعفر (ع): اذا استيقن انه زاد فى صلوة المكتوبة لم يعتد بها، و استقبل صلوته استقبالا اذا كان قد استيقن يقينا، فيجب الحكم فى المقام ببطلان الصلوة، و رد الاصل المذكور بعض مشائخنا، حيث قال: الخبران المذكوران لا ينهضان لاثباته، لمعارضتهما باطلاق الامر بالصلوة تعارض العمومين من وجه، و الترجيح

ص: 338


1- و يؤيده رواية زرارة عن احدهما (ع) قال لا يقرأ فى المكتوبة بشىء من العزائم فان السجود زيادة فى المكتوبة و ما ورد من النهى عن قراءة ما زاد عن السورة (منه).

مع الاخر لاعتضاده بالاصل، و عموم صحيحة زرارة: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و عدم تعرض احد من الاصحاب للاصل المستفاد من الخبرين، و اعتنائهم به، انتهى.

أقول: و لعل التقريب فى العمومين من وجه، هو شمول الخبرين للزيادة الماهية لصورة الصلوة، و عدم شمول اطلاق الامر بالصلوة لها، و بطور آخر بالصلوة غير شامل للزيادات المفسدة للصلوة قطعا، اذ المخصصات مبنيات على التحقيق، بخلاف الخبرين فانهما شاملان لكل زيادة، و عليه فكون التعارض بينهما من تعارض العمومين من وجه، مما لا يشوبه مرية، و يمكن ايضا ان يقال: التعارض بين قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و بين هذين الخبرين من تعارض العمومين من وجه، و الترجيح مع الأول، اذ عمومه استغراقى لغوى، بخلاف الخبرين، هذا مضافا الى اعتضاده بما مر، و قال ايضا فى ذيل كلامه المتقدم: و مع هذا فظاهرهما خلاف، لان زيادة كثير من الاشياء سهوا بل و عمدا غير مفسد لها، فيجب التاويل فيهما، و هو يمكن بوجهين:

أحدهما: تخصيص مفعول زاد بما ثبت فى الشرع كون زيادته مطلقا و لو سهوا مفسدة، و حينئذ يسقط الاستدلال بهما فى محل البحث.

و الثانى: تقييد اطلاق الحكم بالبطلان بالزيادة، بالنسبة الى بعض الزيادات بما عد السهو، و عليه يتجه الاستدلال بهما هنا، و حيث لا ترجيح لاحدهما على الاخر، وجب التوقف، و معه لا يجوز الاستدلال بهما هنا على انه قد يدعى ان الترجيح مع الأول، لما تقدم اليه الاشارة، انتهى.

أقول: و فيه ما ترى، اذ الابقاء على اطلاقهما، و الاخراج عنهما ما خرج بدليل مما لا يرفع هذا القول عن بنيانه، مع ان فى الوجه الأول يلزم التاكيد، و اولوية التاسيس عنه مما قد دل عليه الدّليل، و كيف كان، فالانصاف ان المسئلة لا تخلو عن الاشكال، و ان كان ما اختاره المتن لا يخلو عن رجحان ما، و لكن الاحتياط مما لا ينبغى تركه، فيتم الصلوة، ثم يعيدها كما اشار اليه بعضهم(1).

ص: 339


1- و هو بعض مشائخنا كغيره (منه).
فائدة:

قد ظهر بما ذكروهن ما ذكره الشارح الفاضل فى شرح المتن، حيث قال: و اطلاق المصنف اعادة القراءة مع تخلل قراءة غيرها الشامل ذلك لكونه عمدا او نسيانا غير معهود من مذهبه، بل لا نعلم به قائلا، و الذى اختاره فى كثير من كتبه، و اختاره الشهيد رحمه اللّه و جماعة بطلان الصلوة مع تعمد قراءة غيرها، و بطلان القراءة مع النسيان، الى آخر ما ذكره، فلا نطول المقام بذكره.

المقام الثانى: اذ اقرا فى خلال القراءة من غيرها، و ترك الموالاة به سهوا، فلا تفسد صلوته بلا خلاف اجده،
اشارة

بل الظاهر انه متفق عليه بينهم، كما استظهره بعضهم(1)، و يدل عليه بعد الاصل و الاطلاقات، و اصالة الصحة، و فحوى ما دل على عدم بطلانها بترك اصل القراءة سهوا، عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و هل يفسد بذلك قراءته فيستانفها اولا فيمضى؟ اختلف الاصحاب فيه على قولين:

الأول: الفساد، فيستأنف القراءة، و هو ظاهر المتن وفاقا لجماعة، و منهم الشهيد ان و المحققان و المدارك و غيرهم، بل نسبه فى المقاصد العلية الى المشهور.

الثانى: عدم الفساد، فلا يستانفها و هو للتذكرة، كما عن نهاية الاحكام و المبسوط و غيره(2)، و جنح اليه بعض مشائخنا(3) كغيره(4) للاولين ان الموالاة شرط لصحة القراءة، فبانتفاء الشرط ينتفى المشروط، و فيه ان ذلك نوع مصادرة، اذ دليل الشرطية اما الاجماع، فثبوته فى المقام ممنوع، او انصراف الاطلاقات، فكذلك، اذ القدر المسلم هو العمد، او ما ذكره فى المسالك الجامعية من ان هذه الموالاة واجبة فى الحمد و السورة، اجماعا من كل من قال بوجوب قرائتها، فكذلك و للاخر بعد الاطلاقات و اصالة الصحة عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، المؤيد بما ذكره بعضهم(5) بان الموالاة هيئة فى الكلمات تابعة لها، فاذا ترك القراءة فقد ترك التابع و المتبوع، و اذا ترك الموالاة فقد ترك التابع دون المتبوع، فكان النسيان عذرا هنا بخلاف الأول، اذ لا يلزم

ص: 340


1- و هو بعض مشائخنا (منه).
2- و هو الكشف (منه).
3- و هو الظاهر من التحرير و غيره (منه).
4- و هو مجمع الفائدة (منه).
5- و هو نهاية الاحكام (منه).

من جعل النسيان عذرا فى اضعف المعتبرين جعله معتبرا فى اقواها، و القول عليه بان المتبوع من حيث هو غير مراد، بل انما يراد اذا كان مع تابعه، فاذا انتفى لزم فساد المتبوع سواء كان ذلك عمدا او سهوا او نسيانا، و بالجملة المكلف مامور بالاتيان بقراءة خاصة مشتملة على الموالاة، و لا يخرج عن عهدة هذا التكليف الا بالاتيان غير وجيه، اذ الظاهر انه نوع مصادرة، اذ المتبوعية بعنوان الاطلاق غير ظاهرة، و يؤيده ايضا ما اشار اليه فى مجمع الفائدة، بان النسيان عذر، فانه لو ترك سهوا بالكلية لا يضر، و لانه لا شك فى صحة قراءة ما سبق، و غير معلوم اشتراط وقوع ما بعده بلا فصل مطلقا، و يؤيده ايضا النهى عن القراءة بازيد من السورة، و اصالة بطلان الصلوة بكل زيادة، و الانصاف ان المسئلة عن الاشكال غير خالية، و لكن القول الثانى لا يخلو عن قوة، فيبنى القراءة من حيث انتهت اليه، كما قاله جملة من ارباب هذا القول(1)، اذا لم يكن القطع فى اثناء كلمة و معه، فلعل الاظهر هو استيناف تلك الكلمة، فتامل. و الاحتياط باتمام القراءة، و الصلوة، ثم اعادة الصّلوة فلا ينبغى تركه(2).

تذنيب:

اعلم ان المستفاد من اطلاق المتن، و الشرايع، و التذكرة، و الدروس، و الالفية، و الجعفرية، و غيرها ان القراءة فى الاثناء قادحة فى الموالاة، و لو كانت كلمة او كلمتين، و عليه فالمعتبر عندهم عدم تخلل شىء من غير القراءة فى اثنائها، و الاقوى ان المعتبر هو الموالاة العرفية، و صدق كونه قاريا، فنحو الكلمة و الكلمتين غير قادحين فى الموالاة العرفية، وفاقا لجماعة من متاخرى الطائفة.

قال المصنف فى المنتهى: يجوز قطع القراءة بسكوت و دعاء و ثناء لا يخرج به عن اسم القارى و لا نعرف فيه خلافا بين علمائنا و قال فى التحرير و يجوز ان يقطع القراءة بسكوت و دعاء لا يخرج به عن اسم القارئ.

و قال فى الرياض: نحو الكلمة و الكلمتين لا يقدحان فى الموالاة. فلو قيدت

ص: 341


1- كالمبسوط و نهاية الاحكام و التذكرة و الكشف (منه).
2- قال بعض مشائخنا بعد القول بالبناء على ما انتهت اليه و هو الوجه اذا لم ينفصم يفعصل نظام الكلام للاصل (منه).

الاعادة بما يخلّ بالموالاة عرفا، كان حسنا.

و قال فى المقاصد العلية: ان نحو الكلمة و الكلمتين لا يقدحان فى الموالاة عرفا.

و قال فى المدارك: و اما فواتها بقراءة شىء فى خلال السورة من غيرها فلا يتم على اطلاقه، اذ القدر اليسير من ذلك لا يفوت به الموالاة قطعا، و الاصح الرجوع فى ذلك الى العرف.

و قال فى الذخيرة: و يجوز له ان يقطع القراءة بسكوت و دعاء و ثناء لا يخرج به عن اسم القارى.

قال فى المنتهى: لا نعرف فيه خلافا بين الاصحاب، و قال بعض متاخرى المتأخرين: يجب الموالاة(1) العرفية المتحققة بان لا يسكت فيها طويلا، و لا يقرا فيها قرآنا او ذكرا بحيث يخرج عن كونه قاريا عرفا، و لو اتى بهما مع صدق القارئ عليه جاز بلا خلاف يعرف فيه بين علمائنا، كما فى المنتهى، انتهى(2).

و يدل عليه بعد اطلاقات الصلوة و القراءة و تلاوة القرآن و الذكر، عموم قوله (ع):

لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره.

الثالث: قال فى التذكرة: لو سأل الرحمة عند آيتها، او تعوذ من النقمة عند آيتها، كان مستحبا، و لا تبطل بها الموالاة،
اشارة

لانه ندب اليها.

قال حذيفة: صليت خلف رسول الله (ص) ذات ليلة، يقرا سورة البقرة، فكان اذا مر على آية فيها تسبيح سبح، و اذ امر بسؤال سأل، و اذ امر بتعوذ تعوذ، و هو احد وجهى الشافعية. و فى الاخر تبطل، و كذا لو عطس فحمد الله، و عن المنتهى اذا مر بآية رحمة استحب له ان يسأل اللّه تعالى ايصالها اليه، و باية نقمه تعوذ الله منها، و نحوه ذكر فى التحرير، و عن نهاية الاحكام: لا تبطل الموالاة بسؤال الرحمة عند آيتها، و التعوذ من النقمة عند آيتها، و لا بفتح الماموم على الامام، و لا بالحمد على العطسه للامر بذلك كله

ص: 342


1- و قال فى نهاية الاحكام: و لو سبحّ او هلّل فى اثنائها او قرء به اخرى بطلت الموالات مع الكثرة (منه).
2- و قال فى الكفاية: و يجب الموالات بحيث لا يفصل بين الآيتين فصلا يوجب ان لا يعد قاريا (منه).

فالاشتغال بها عند عروض اسبابها لا يجعله قادحا فيها.

و عن القواعد: و يستحب سؤال الرحمة عند ايتها، و التعوذ من النقمة عند آيتها.

و فى الدروس: من سنن القراءة سؤال الرّحمة و الاستعاذة من النقمة عند آيتهما.

و فى النفلية فى مقام ذكر مستحبات القراءة: و الشكر و الاستعاذة و الاعتبار عند النعمه و الرّحمة و النقمة و القصص.

و عن الذكرى: و لا يقدح فى الموالاة سؤال الرحمة، و الاستعاذة من النقمة عند آيتها، و كذا لا بأس بالحمد عند العطسة فى اثناء القراءة، و تسميت العاطس.

و عن جامع المقاصد: و يستثنى من قطع الموالاة لقراءة شىء خلالها، الدّعاء فى جميع احوال الصّلوة بالمباح للدين و الدنيا، لنفسه و لغيره، و منه سؤال الرحمة و الاستعاذة من النقمه عند آيتيهما، و فى رواية و التسبيح عند آيته، و هو فى رواية حذيفه، ورد السلام بمثله، و تسميت العاطس، و الحمد عند العطسة.

و فى الجعفرية: و لا يقدح تكرار كلمة او آية للاصلاح، و يراعى فى الاعادة ما يسمى قرآنا، و لا سؤال الرحمة و الاستعاذة من النقمة عند ايتيهما، و كذا الحمد عند العطسة، و التسميت فان ذلك مستحب، ورد جواب السلام بمثله، فانه واجب.

و قال فى حاشية المتن: و يستثنى من ذلك جواب السلام بمثله، و سؤال الرحمة و الاستعاذة من النقمة عند ايتيهما، و الدعاء بالمباح للدين و الدنيا، له و لغيره، و تنبيه الغير بالقرآن، و لو مع قصد التنبيه، اذا قصد مع ذلك القراءة، و تسميت العاطس، ورد جوابه، فان شيئا من ذلك لا يقطع الموالاة.

و قال فى بعض شروح الجعفرية: و كما لا يقدح فى الموالاة تكرار كلمة واحدة للاصلاح، كذلك لا يقدح فيها سؤال الرحمة، و لا الاستعاذة من النقمة عند آيتيهما، اى عند قراءة آية الرحمة، و آية النقمة كقوله تعالى: (يُدْخِلُ مَنْ يَشٰاءُ فِي رَحْمَتِهِ) و كقوله تعالى: (وَ اَلظّٰالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً) لكن يشترط ان لا يطول الدعاء، بحيث يخرج به عن حد القارى.

ص: 343

و قال فى شرح قوله: و كذا التسميت: و انما لم تنقدح الموالاة بشىء من هذه الامور المذكوره، فان ذلك مستحب، قال حذيفة: صليت خلف رسول الله (ص) الى ان قال: و انما لا يقدح رد السلام فيها، فانه امر واجب.

و عن حاشية الشرايع نحوا من ذلك،(1) و فى المقاصد العلية: من يستثنى من القراءة المتخللة رد السلام، و تسميت العاطس، و الحمد له عند العاطس، و سؤال الرحمة و الاستعاذة من النقمة عند آيتيهما، و الدعاء السايغ للدين و الدنيا، و نحوه مما لا يبطل الصلوة بفعله، كما هو المشهور.

و فى المسالك: و تتحقق الغيرية بقراءة ما لا يحل لقراءته فى تلك الحال، و ان كان من السورة، و لا يخفى ان ذلك فى غير الدعاء بالمباح، و سؤال الرحمة و الاستعاذة من النقمة عند آيتيهما، ورد السلام، و تسميت العاطس، و الحمد عند العطسه، و نحو ذلك مما هو مستثنى.

و عن المسالك الجامعية: قد ورد النص بجواز سؤال الرحمة عند آيتها، و التعوذ من النقمة عند آيتها، و الحمد للعطسة، و قول الحمد لله رب العالمين آخر الحمد، سواء كان ماموما او اماما، ورد السلام بالمثل، و لا يبطل الموالاة بذلك فى الجميع.

و فى مجمع الفايدة: و قد مر وجوب البسملة فى اول كل سورة وقعت فيه، و انه اجماعى عند الاصحاب، و ظاهره ايضا وجوب الموالاة بين الكلمات بمعنى عدم السّكوت الطويل المخل، و عدم قراءة شىء بينها، الا ما استثنى مثل الدّعاء بالرّحمة، و الاستعاذة من النقمة عند ايتيهما، و كذا رد السّلام الواجب، و قول الحمد لله الى آخره لعطسة، او لغيره، و الدعاء لمن دعى له حينئذ على الاحتمال، و بعض الاقوال المستحبة عند بعض الايات، و اما مطلق الذكر و الدعاء فغير ظاهر، و ان كان ظاهر بعض عبارات الاصحاب ذلك.

قال فى المنتهى: يجوز ان يقطع القراءة الى آخره، و هو ظاهر فى المطلق و فى المدارك و غيره و قد نص الشيخ و غيره على انه لا يقدح فى الموالاة الدعاء

ص: 344


1- الا انه زاد بعد تسميت العاطس حوله و هو الدعاء له (منه).

بالمباح، و سؤال الرحمة و الاستعاذة من النقمة عند آيتيهما، و رد السّلام و الحمد عند العطسة، و تسميت العاطس، و نحو ذلك، و لا ريب فيه. و هو مؤيد لما ذكرناه من عدم فوات الموالاة بمجرد شىء فى خلال السورة من غيرها.

و فى المفاتيح: و من المستحب ان يسأل الجنة، و يعوذ من النار عند قراءة آيتيهما، كما فى النصوص، و ان يذكر بالماثور عند بلوغ الآيات المخصوصة.

و فى الكفاية: و يجوز الدعاء بالمباح، ورد السلام، و الحمد لله عند العطسة، و طلب الرحمة عند ايتها و الاستعاذة من العذاب عند آيته.

و عن الكشف: و لا يبطل شيئا منها سؤال الرحمة و التعوذ من النقمة عند آيتيهما، و لا فتح الماموم على الامام، و لا نحو الحمد للعطسة للامر بها فى النصوص، و يستحب سؤال الرحمة عند ايتها، و التعوذ من النقمة عند ايتها(1).

و فى الحبل المتين: و ما تضمنه الحديث الخامس عشر من تسويغ السؤال، و التعوذ من النار للمصلى عند آية فيها مسئلة او ذكر جنة او نار مشهور بين الاصحاب.

و روى عبد اللّه البرقى مرسلا عن الصادق (ع): ينبغى للعبد اذا صلى ان يرتل قراءة و اذا مرّ باية فيها ذكر الجنة و النار سأل اللّه الجنة، و تعوذ بالله من النار، و يدل عليه ايضا عموم الأذن فى الدعاء فى اثناء الصلوة، و يجب تقييده بما اذا لم يطل او يكرر بحيث يخل بنظم القراءة، فاذا اخل بنظمها ابطل الصلوة، كما قاله المحقق طاب ثراه فى التحرير، و عن والده فى شرح الالفية: و ظاهره ان هذا كله فى غير رد السلام، و تسميت العاطس، و الحمد له عنده، و سؤال الرحمة و الاستعاذة عند آيتيهما، و الدعاء للدين و الدنيا.

و عن بعض متاخرى المتأخرين(2): و قد استثنى الاصحاب مما لا يجوز القراءة به فى خلالها امورا: كجواب السلام بمثله، و سؤال الرحمة و الاستعاذة من النقمة عند آيتيهما، و الدعاء بالمباح للدين و الدنيا و لغيره، و تنبيه الغير بالقرآن و لو مع قصد التنبيه اذا مع

ص: 345


1- و قال البهائى فى الاثنى عشرية السائغ سؤال الجنة و التعوذ من النار عند قراءة آيتيهما لكن بحيث لا يكثر فيختل بنظم القرآن فتبطل انتهى (منه).
2- و هو صاحب الرياض فى شارح حاشية المفاتيح (منه).

ذلك القراءة و تسميت العاطس، و رد جوابه. و صرحوا بان شيئا من ذلك لا يقطع الموالاة، انتهى.

أقول: و من الأخبار المتعلقه بالمقام ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات بسند قوى عن سماعة، قال: ابو عبد الله (ع): ينبغى لمن قرأ القرآن اذ امر باية من القرآن فيها مسئلة او تخويف، ان يسأل عند ذلك خير ما يرجو، و يسأله العافية من النار و من العذاب، و ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الموثق، عن عمار بن موسى عن ابى عبد اللّه عليه السلام، انه قال: الرجل اذا قرا (وَ اَلشَّمْسِ وَ ضُحٰاهٰا) فيختمها، ان يقول:

صدق اللّه و صدق رسوله و الرجل اذا قرا (آللّٰهُ خَيْرٌ أَمّٰا يُشْرِكُونَ) ان يقول: الله خير الله خير اللّه اكبر. و اذا قرا (ثُمَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) ان يقول: كذب العادلون بالله.

و الرجل اذا قرأ (اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي اَلْمُلْكِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ اَلذُّلِّ وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً) ان يقول: الله اكبر اللّه اكبر اللّه اكبر. قلت: فان لم يقل الرجل شيئا من هذا اذا قرا؟ قال: ليس عليه شىء.

و عن العيون ليس بسنده عن الرضا (ع) انه قال: كل من قرا (قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ) و امن بها، فقد عرف التوحيد. قلت: كيف يقرا؟ قال: كما يقرء الناس، و زاده: كذلك اللّه ربى، كذلك اللّه ربىّ كذلك اللّه ربّى.

و روى فيه فى باب ذكر اخلاق الرضا (ع)، عن تميم بن عبد اللّه القرشى رضى الله عنه، قال: حدثنى احمد بن على الانصارى قال: سمعت رجاء بن ابى الضحاك يقول، الى ان قال: و كان اى الرضا (ع) اذ اقرا (قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ) قال: هو اللّه احد، فاذا فرغ منها قال: كذلك اللّه ربنا ثلاثا،(1) و كان اذا قرا (قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ) قال فى نفسه سرا:

يا ايها الكافرون فاذا فرغ منها، قال: ربى اللّه و دينى الاسلام ثلاثا. و كان اذا قرا (وَ اَلتِّينِ

ص: 346


1- قال فى مجمع الفائدة فى بحث القنوت و اما قول كذلك اللّه ربى مرتين فهو مذكور فى بعض روايات التهذيب لا فى القنوت بل هو مستحب بعد قول هو اللّه احد و قيل السبب انه ثلث القرآن و مضمون كذلك قل هو اللّه فيتم معهما القرآن انتهى كلام مجمع الفائدة أقول و هذا السبب ينافى الخبر المشتمل على اللفظ المذكور ثلثا و كيف كان فذكر هذا اللفظ ثلث بعد التوحيد مستحب بلا شبهة (منه).

وَ اَلزَّيْتُونِ) قال عند الفراغ منها: بلى و انا على ذلك من الشاهدين، و كان اذا قرا (لاٰ أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ) قال عند الفراغ منها: سبحانك اللهم بلى، و كان يقرا فى سورة الجمعة:

(قُلْ مٰا عِنْدَ اَللّٰهِ خَيْرٌ مِنَ اَللَّهْوِ وَ مِنَ اَلتِّجٰارَةِ) للذين اتقوا (وَ اَللّٰهُ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ) و كان اذا فرغ من الفاتحة قال: الحمد للّه ربّ العالمين، فاذا فرغ عن (سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى) قال سرا: سبحان ربى الاعلى، و اذا قرا (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا) قال: لبيك اللهم لبيك سرا.

و فى صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المروية فى التهذيب فى باب كيفية الصّلوة ان الصادق (ع) قال: كان بينى و بين ابى باب، فكان اذا صلى يقرا فى الوتر بقل هو الله احد فى ثلاثتهن، و كان يقرا قل هو اللّه احد، فاذا فرغ منها قال: كذلك الله، او كذلك الله ربى(1).

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان الذى يقتضيه التحقيق فى هذا المقام، ان يقال: قراءة ما ذكروه فى الاثناء اما ان توجب الخروج عن كونه قاريا ام لا، و على الثانى فالظاهر عدم الاشكال فى جواز ما ذكروه، ان قلنا بانه معه يصدق الموالاة ايضا، كما يستفاد من بعض مشائخنا، بل لو قلنا بعدم صدقها ايضا كان الحكم كذلك، اذ ما دل على وجوب الموالاة اما الاجماع، فلا نسلم تحققه فى المقام، بل الظاهر انه متحقق فى المختار، كما يظهر من عبارة المنتهى المتقدمة، او انصراف الاطلاقات اليها، فكذلك اذ القدر الذى يترجح فى النظر هو عدم انصرافها الى القراءة التى لا يصدق لقاريها انه قارئ، و اما ما عدا ذلك فلا، فليحكم بمقتضى الاطلاقات الآمرة بالصلوة و القراءة و الدّعاء فى اثناء الصلوة، و سؤال الرحمة و الاستعاذة من النقمة عند آيتيهما، و ما ضاهاها، حتى يظهر المقيد.

قال بعض مشائخنا ادام اللّه ايام افاداته: و التحقيق عندى ان يقال: اذا كان

ص: 347


1- و روى الصدوق فى العلل فى باب العلة التى من اجلها صارت الصلوة ركعتين بسنده عن اسحق بن عمار عن ابى الحسن موسى بن جعفر (ع) و ساق الخبر الى ان قال ثم امره اى الله امر الرسول (ص) ان يقرء نسبة ربه تبارك و تعالى بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ الى ان قال فقال قل لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ و لم يولد وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فأمسك عنه القول فقال رسول الله (ص): كذلك اللّه ربى كذلك اللّه ربى كذلك اللّه ربى فلما قال ذلك قال اركع الحديث (منه).

قراءة ما ذكروه فى الاثناء لا يوجب الخروج عن كونه قاريا عرفا، فلا اشكال فى جوازه، و عدم قدحه فى الموالاة، و اما اذا كان موجبا للخروج عن ذلك، ففى جوازه حينئذ اشكال، لتعارض عموم ما دل على وجوب الموالاة فى القراءة، مع عموم ما دل على رجحان الامور المذكورة، تعارض العمومين من وجه، و الاصل التوقف، الا ان يرجح الثانى باطلاق الامر بالصلوة و بالقراءة، و باتفاق الاصحاب على الاخذ به، و فى المرجح الأول نظر، و كذا فى الثانى، و امكان دعوى انصراف اطلاق عبارة كثيرة من الاصحاب الى غير محل البحث، و هو الذى لا يوجب الخروج عن كونه قاريا، لان الغالب فى سؤال الرحمة و التعوذ من النقمة، ورد السلام، و نحو ذلك من الامور المذكورة الاتيان مما لا يوجب الخروج عن كونه قاريا، نعم، من صرح باستثناء الامور المذكورة، لا يمكن تنزيلا كلامه على ذلك فانه صريح فى شموله لمحل البحث، كما لا يخفى، و لكنه لا عبرة به لقتله.

و بالجملة المعظم و ان صرحوا بجواز الامور المذكورة فى اثناء القراءة، و لكن ليس فى كلام جميعهم تصريح بانه من باب الاستثناء من كلية وجوب الموالاة، نعم، هو صريح كلام بعضهم، و لكن لا عبرة به، هذا و يمكن دعوى انصراف اطلاق الأخبار الدالة على جواز الامور المذكورة على ما ذكر ايضا، فيبقى ما دل على وجوب الموالاة سليما عن المعارض، ثم لو سلمنا عدم جواز دعوى الانصراف الى ذلك بالنسبة الى كلام المعظم و الأخبار، فنقول: ينبغى الاقتصار فى مخالفة عموم ما دل على وجوب الموالاة على الموضع الذى تحقق فيه.

المرجح الثانى: و اما هو بعض الامور المذكورة كسؤال الرحمة و التعوذ من النقمة، و اما جميعها فلا، كما لا يخفى، اللّهم الا ان يقال: لا دليل على وجوب الموالاة سوى الاتفاق، و هو غير متحقق على جهة العموم، بل يختص ببعض الموارد، فيبقى العمومات الدالة على جواز الامور المذكورة سليمة عن المعارض، فالحق ان جميع ما ذكروه يجوز الاتيان به اثناء القراءة مطلقا، و لو اوجب الخروج عن كونه قاريا، و فيه نظر، و الانصاف ان المسئلة لا تخلو عن اشكال، و الاحوط ترك ما يوجب الخروج عن كونه قاريا مطلقا، و لو كان سؤال الرحمة و الاستعاذة من النقمة، و ان كان فى تعيينه نظر، بل يبعد جواز الامور المذكورة باسرها مطلقا، و ان اوجب الخروج عن ذلك، اللهم الا ان يخل بالنظم، فالظاهر حينئذ عدم

ص: 348

جوازها مطلقا، انتهى.

أقول: و الاحتياط على الطريق الذى مضى لا يترك، سيما بعد ملاحظة القول بانصراف الاطلاقات الى القراءة التى يصدق على القارى انه قارئ.

تذنيب: صرح الجماعة بانه لا يخل بالموالاة تكرار آية، او اقل او اكثر للاصلاح، او للمحافظة على الاكملية،

و هو كذلك، لمكان الاطلاقات، و عموم: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره.

و عليه فهل يجب ان يراعى فى الاعادة ما يسمى قرآنا كما مضى فى عبارة الجعفرية، و عن جامع المقاصد، و الذكرى اولا؟ وجهان: و قال فى شرح الجعفرية: فلو اتى بكلمة نستعين، و لم يخرج عينها مثلا من المخرج، لم يجز له فى الاعادة الاقتصار على العين، بل يعيد الكلمة من اولها، انتهى.

أقول: تحقيق ذلك يقتضى القول بان مراعاة النظم، الذى به يتحقق الاعجاز، هل هى واجبة كما صرح به الجماعة ام لا؟ و الحق الأول، يدل عليه انصراف الاطلاقات اليه، و يؤيده قاعدة الاحتياط، و الصلوة البيانية، و ما ذكره الرضا (ع) فى خبر الفضل لعلة القراءة، و المراد بالنظم على ما اشار اليه بعضهم تاليف كلمات القرآن مترتبة المعانى، متناسبة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل، و عليه فلم يجز القراءة مقطعة كاسماء العدد، كما صرح بذلك كثير من العبائر، و فى التذكرة: و يجب ان ياتى بالجزء الصورى، لان الاعجاز فيه، فلو قرأ مقطعا كاسماء العدد، لم يجز.

فائدتان:
الاولى:

اذا اخل بالنظم فلا اشكال فى فساد القراءة، فهل تفسد الصلوة ايضا؟ فيه اشكال، نعم، لو علم بصدق عدم القرآنية على ما اتى به، فلا اشكال ايضا فى فساد الصلوة.

الثانية:

لو نسى مراعاة النظم، فعن والد البهائى و غيره بطلان القراءة

ص: 349

لا غير، ما لم يخرج عن كونه مصلّيا، و استدل بعضهم بان تلك القراءة تصير كالكلام الاجنبى.

أقول: اذا عرفت ذلك، فاعلم ان الاقوى عندى هو ما ذكره بعض مشائخنا، حيث قال: و هل يشترط فى التكرار للاصلاح، ان يعيد الكلمة التى تحتاج الى الاصلاح و ما بعدها لا غير، او يجوز ان يعيد ما قبلها ما شاء؟ فيجوز ان يبتدى من اول الاية، اذا كان الكلمة المحتاجة الى الاصلاح فى وسطها او اخرها، احتمالان و الثانى لا يخلو عن قوة، الا ان الأول احوط، الا ان يكون المتقدم على الكلمة المفروضة مما يتوقف عليه صحتها، بحيث لو لم يعده لاختل النظم، فيعيد قطعا، انتهى.

و عن الذكرى: و لو شك فى كلمة اتى بها، فالاجود اعادة ما يسمى قرآنا، و اولى منه عدم جواز الاتيان بمجرد الحرف الذى شك فيه، او يتقن فساده، لانه لا يعد بعض الكلمة كلمة، فضلا عن كونه قرآنا.

و فى التذكرة: و لو كرر آية من الفاتحة، لم تبطل قراءته، سواء وصلها بما انتهى اليه، او ابتداء من المنتهى، خلافا لبعض الشافعية فى الأول، انتهى.

أقول: مقتضى اطلاق هذه العبارة كما عن ظاهر نهاية الاحكام هو جواز التكرار، و لو كان لغير الاصلاح و المحافظة على الاكملية، و لا يخلو عن وجه، كما قواه بعض مشائخنا، و اولى منه بالجواز هو التكرار لاجل العبرة و تحصيل حضور القلب، روى الكافى فى كتاب فضل القرآن عن الزهرى قال قال على بن الحسين (ع):

لو مات من بين المشرق و المغرب لما استوحشت، بعد ان يكون القرآن معى، و كان عليه السلام اذا قرأ: (مٰالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ) يكررها حتى كاد ان يموت.

و عن قرب الاسناد عن عبد اللّه بن الحسن، عن على بن جعفر، انه سأل اخاه عن الرجل يصلى، له ان يقرا فى الفريضة فيمر بالآية فيها التخويف فيبكى(1)، و يردد الاية؟ قال: يردد القرآن ما شاء التكرار.

فائدة:

ص: 350


1- نقلناها عن المصابيح (منه).

قال فى التذكرة: و لو كرر الحمد عمدا، ففى ابطال الصلوة به اشكال ينشاء من مخالفة المامور به، و من تسويغ تكرار الاية، فكذا السوره، و عن الذكرى: و لو كرر الفاتحة عمدا، فالاقرب عدم البطلان لان الكل قرآن، و لان تكرار الاية جايز. و احتمل الفاضل بطلان الصلوة لمخالفته المامور به، و كذا لو كرّر السورة، و الخطب فيه اسهل لان القرآن بين السورة، من قيل بجوازه، و هو فى قوة القرآن، أمّا لو اعتقد المكرر استحباب التكرار توجه الابطال، لانه ليس بمشروع على هذا، فيكون الآتى به آتيا بغير المشروع، و اولى بالبطلان ما لو اعتقد وجوبه، و كرر شيئا من ذلك نسيانا فلا شىء عليه.

و عن جامع المقاصد: و لو كرر الحمد او السورة لا لغرض الاصلاح لم يقدح فى الموالاة، و لو اعتقد استحبابه بطلت الصلوة لعدم المشروعية حينئذ، و لو اتى بالقرآن على قصد الافهام للغير مريدا به القرآن، فهل ينقطع به الموالاة؟ فيه تردد ينشأ من وجود سببه المجوز له، و من انه خارج عن القراءة، و عن بعض متاخرى المتأخرين(1): لا يقدح فيها لو اعاد الحمد، لا للاصلاح، و فى بطلان الصلوة بها مع عدم قصد استحباب التكرار خلاف، ذهب الشهيد الى العدم، استنادا الى كونه قراءة، مع ان تكرار الاية جايز، و عن الفاضل انه احتمل البطلان لمخالفته المامور به، و لعله الاقرب لضعف ما ذكره الشهيد اما، الأول فلانه فرع عموم يشمله، و الثانى قياس لا يقول به مع تامل فى المقيس عليه، لو كان كذلك لو لم يكن اجماع، كما هو الظاهر من كلامهم، و اما مع قصد الاستحباب فلا ريب فى البطلان قولا واحدا، و وجهه ظاهر، و اولى منه فى ذلك قصد الوجوب، انتهى.

وجوب الإعادة مع نية القطع
اشارة

(و لو نوى القطع) اى قطع القراءة (و سكت اعاد بخلاف ما لو فقد احدهما).

أقول: تحقيق المقام يقتضى بسط الكلام فى مقامات:
الأول: اذا سكت عمدا فى اثناء القراءة لا لحاجة، و طال سكوته،
اشارة

حيث خرج به عن كونه قاريا، و لكن صدق عليه المصلى، بطلت قراءته بلا خلاف اجده، بل استظهره بعض مشائخنا اتفاق الاصحاب عليه، و اما ما يظهر من الشارح المحقق من التامل فيه، فليس فى محله، و لا اعتناء بشانه، كاطلاق المتن و الشرايع، و عن القواعد لمكان الاخلال بالموالاة،

ص: 351


1- و هو صاحب الرياض فى شرح المفاتيح (منه).

فانتفاء المشروط بانتفاء شرطه بديهى، و لا يبطل بذلك صلوته على الاشهر، بل لم اجد فيه مخالفا، الا ما يحكى عن ابن جمهور فى المسالك الجامعية من القول ببطلانها، و يظهر من بعض المحققين الميل اليه، و لا وجه له لمكان الاطلاقات و أصالة الصحة، و عموم قوله (ع):

لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، نعم، الاحوط هو اتمام الصلوة، ثم اعادتها.

فرع:

صرح الجماعة(1) بان السكوت المفروض لا يوجب فساد القراءة، ان كان باعتبار انه ارتج عليه، و طلب التذكر، و لا يخلو عن قوة، لعموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و الاطلاقات فتامل جدا، و اصالة الصحة، و يلحق بالمذكور السكوت لسعال، كما صرح الجماعة(2)، او لعذر آخر ضرورى، كما قاله بعضهم.

الثانى: الصورة بحالها، و لكن كان سهوا،

فصرح بعضهم(3) ببطلان القراءة ايضا، و هو الظاهر من بعض المحققين من متاخرى المتأخرين، وفاقا للمحكى عن ظاهر الجماعة(4)، و يظهر من نهاية الاحكام عدم البطلان. و المسئلة عن الاشكال غير خالية، و الاحتياط لا يترك، فانه فى المسئلة مطلوب جدا.

الثالث: اذا سكت فى اثناء القراءة، و طال سكوته بحيث خرج عن كونه مصليا، فسدت صلوته بلا خلاف اجده،
اشارة

و اما ما يظهر من اطلاق الشرايع فليس بشىء، و يدل عليه انصراف الاطلاقات اليه، و ان شئت فقل ان معه ينتفى الموالاة، و هى شرط فى القراءة، فبانتفاء الشرط ينتفى المشروط، و احتج فى المقاصد العلية بعدم صدق المصلى عليه عرفا، و عن غيره بالنهى المقتضى للفساد.

فرع:

ص: 352


1- و منهم المحكى عن نهاية الاحكام و الذكرى و والد البهائى و اختاره فى المقاصد العلية و عن واحد من متأخرى المتأخرين (منه).
2- و هو الكشف و المسالك الجامعية و غيرهما (منه).
3- و هو المحقق الثانى فى حاشية المتن (منه).
4- كالذكرى و جامع المقاصد و المقاصد العلية و الرياض و شرح والد البهائى و مجمع الفائدة و المدارك و غيرها (منه).

صريح جملة(1) من العبائر و ظاهر اخرى عدم الفرق بين العمد و السهو، و لا يخلو عن قوة.

الرابع: اذا سكت فى اثناء القراءة و لم يطل سكوته بحيث يخرج عن كونه قاريا و مصليا، و نوى قطعها،

فاختلف الاصحاب فيه على اقوال:

الأول: انه يفسد قرائتها و يجب عليه اعادتها، و هو للشرايع و التذكرة، و المحكى عن القواعد و نهاية الاحكام، و يحتمله المتن، و فى التحرير تجب الموالاة فى القراءة، فلو قرا خلالها من غيرها استانف، و كذا لو نرى قطع القراءة و سكت.

و فى الدروس: و يجب مراعاة موالاتها فيعيدها لو قرا خلالها من غيرها نسيانا او عمدا، و قيل: يبطل صلوة العامد، و كذا لو سكت فى اثنائها بنية القطع، و الاقرب بناؤه على تاثير نية المنافى، او على طول السكوت، بحيث يخرج به منهاج عن اسم الصلوة.

و فى الجعفرية: و لو نوى القطع مع السكوت يبنى على تاثير نية المنافى، و قد سبق انه مبطل. و فى المقاصد العلية: و لو لم يخرج بالسكوت عنهما لقصر وقته لم يضر، ما لم يكن نية القطع للصلوة او للقراءة، بمعنى عدم العود اليها، لانها كنية المنافى، و بنحوه عن والده البهائى فى شرح الالفية، و فى الرياض نية قطع القراءة، ان كان بنية عدم العود اليها بالكلية، فهو كنية قطع الصلوة تبطلها فى الموضعين، سواء سكت او لم يسكت.

الثانى: انه يبطل الصلوة، و هو للمبسوط و المحقق الثانى، و عن الشهيد الثانى فى حاشية القواعد المنسوبة اليه المسالك الجامعية، و فى المدارك: و الاصح ان قطع القراءة بالسكوت غير مبطل لها، سواء حصل معه نية القطع ام لا، الا ان يخرج بالسكوت عن كونه قاريا، فتبطل القراءة، او مصليا فتبطل الصلوة و لو نوى القطع لا بنية العود، فهو فى معنى نية القطع للصلوة، و قد تقدم الكلام فيه مفصلا.

الثالث: انه لا يفسد صلوته و لا قرائته، و هو للشارح المقدس فى مجمع الفائدة.

أقول: الظاهر ان المراد من نية قطع القراءة هو الاعراض عنها بالكلية، كما يظهر من جملة من العبائر، قال المحقق الثانى فى حاشية الكتاب: و اعلم انه ليس المراد

ص: 353


1- و منها المقاصد العلية و حاشية المحقق الثانى المتعلقه بالمتن و غيرهما (منه).

من قولنا: نوى قطع القراءة قصده بنية العود، لان ذلك هو السكوت، و انما المراد قصد القطع الذى هو الاعراض، و ذلك مفوت للاستدامة لا محالة، انتهى.

و عليه فالذى يقتضيه التحقيق ان يقال ان هذا الشخص لا يخلو اما يكون متفطنا بان هذه النية تنافى الاستدامة الحكمية، اذ هى فى الحقيقة منافية للنية الاولة، فنوى ما ينافى النية الاولة، فالحكم ببطلان الصّلوة وجيه، اذ الاستدامة الحكمية فى الصلوة معتبرة، اولا، فالقول الثالث لا يخلو عن قوة، اذ هو بعد ما رفع اليد. عن النية الاولة، نعم قد نوى ترك القراءة، الذى يلزم منه فساد الصلوة لو استمر عليه، و المفروض انه بعد تلك النية، قد رجع عنها، و اتى بما قد نوى تركه و بطور آخر الذى اقتضاه الدليل هو ابقاء النية الاولة، و هى القصد الى الصلوة المشخصة قربة الى الله، بان لا ينوى ما ينافيها اولا و بالذات، و اما اضرار ما يستلزم المنافاة بحسب نفس الامر، و ان لم يكن الشخص عالما بها، فلم اجد ما يدل عليه، لا يقال هذا التفصيل خرق للاجماع المركب، لانا نقول هو بعد غير ثابت، كما لا يخفى على المتتبع المتدبر، و لو فى الجملة،(1) و بالجملة، لو لم ينو قطع الصلوة بل نوى قطع القراءة فقط، ثم رجع عنها، و اتى بما لم يات به، فمقتضى الاطلاقات هو الصحة، و يدل عليه بعد اصالة الصحة، عموم: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و يعضده قوله (ع):

الصلوة على ما افتتحت عليه. فظهر بما ذكران مقارنة نية قطع القراءة بالسكوت مما لا وجه له، بل الحكم اثباتا و نفيا، بالنسبة الى السكوت و عدمه عام.

قال بعض مشائخنا: و الاحوط فيما اذا اتفق النية المفروضة فى اثناء قراءة الحمد، أعادة القراءة من رأس، و اتمام الصلوة، ثم اعادتها و اما اذا وقعت فى اثناء قراءة السورة، فالحكم بكون المذكور احتياط لا يخلو عن اشكال، و لكنه محتمل، انتهى.

و الظاهر ان وجه الاشكال فى السورة هو الخبر الناهى عن قراءة اكثر من سورة، و اما عدم الاشكال فى الحمد فمبنى على منع الاصل المستنبط من الخبرين

ص: 354


1- و فى مجمع الفائدة المفسدات محصورة و ليس عندنا دليل على كون مجرد نية المفسد يكون كذلك الاّ مع فعله مع الاصل و الاوامر المطلقة الدالة على الاحرى و قوله (ع) على ما افتتحت انتهى (منه).

الحاكمين بالاعادة لمن زاد فى صلوته، كما مر اليه الاشارة فافهم.

الخامس: اذا نوى قطع القراءة و لم يسكت، فاختلف الاصحاب فيه،

فذهب فى الشرايع و التحرير و التذكرة الى الحكم بصحة صلوته، و هو المحكى عن القواعد و نهاية الاحكام، و هو الظاهر من المتن ايضا، و ذهب المحقق الثانى الى الحكم بالبطلان، قال فى الجعفرية: و لو نواه و لم يسكت فقولان: اصحهما البطلان بطريق اولى، و عن المسالك الجامعية: اما لو نوى القطع و لم يسكت، فان تعلقت النية بالصلوة بطلت، بناء على تأثير نية المنافى، و لو تعلقت بالقراءة قيل لم تبطل، لان الاعتبار بالنية و السكوت لا باحدهما، و قيل بالبطلان لعدم تحقق الموالاة، لان الفعل انما يقع موقعه مع متابعته لامر الشارع، و نية القطع تنافى الموالاة، قلنا: المنافى لها انما هو القطع لا نيته، نعم، لو قلنا: ان نية الموالاة شرط فى حصولها تحقق البطلان، لكن الظاهر العدم، و من هنا فرق بعضهم بين الفاتحة و السورة، فابطل الصّلوة لو وقع ذلك فى السورة دون الفاتحة، بناء على وجوب النية فى السورة دون الفاتحة، لتعين قرائتها بالنص فلا يحتاج الى النية المنفردة، و ليس هذا بعيدا من الصواب، انتهى.

أقول: قد عرفت ما هو الظاهر عندى، و عن نهاية الاحكام، و لو سكت لا بنية القطع او نواه و لم يسكت صحت، لان الاعتبار بالمجموع لا بنية المنفردة، بخلاف ما نوى قطع الصلوة، و لو لم يقطع لاحتياج الصلوة الى نية فتبطل بتركها، بخلاف القراءة، لان النية ركن فى الصلوة يجب ادامتها حكما، و لا يمكن ادامتها حكما مع نية القطع، و قراءة الفاتحة لا تحتاج الى نية، فلا يؤثر فيها نية القطع، انتهى.

و اما الاولوية التى ذكرها المحقق الثانى، فوجهها ان الماتى به من القراءة بعد نية القطع كلام اجنبى، فيكون كقراءة غيرها فى خلالها عمدا، و فيه ان مقتضى اطلاق الامر بالقراءة و الصلوة هو الصحة، و لم يظهر دليل على التقييد، نعم، لو كان هنا ما يدل على انه لا بد لمن يقرا الفاتحة و السورة ان ينويهما، و ادامها(1)

ص: 355


1- اى النية.

بان لا ينوى ما ينافيها، لكان للمذكور وجه، و انى له اثبات ذلك، و عليه فالقول بان المأتى به بعد نية القطع كلام اجنبى مما لا يصغى اليه.

السادس: اذا سكت فى اثناء القراءة و لم يطل سكوته بحيث خرج به عن كونه قاريا و مصليا، و لم ينو قطع القراءة اصلا، فصلوته صحيحة،
اشارة

كما صرح به الجماعة، بل ظاهر الشارح المقدس دعوى الاجماع عليه، حيث قال: و اما عدم البطلان مع القطع لا بقصد عدم العود مع عدم مناف آخر مثل السكوت الطويل فظاهر، بل وفاق سواء، ثم كان ناويا للعود او غافلا بل مترددا، و فيه تامل. و اظن الصحة بالطريق الاولى بالنسبة الى ما مر.

تنبيه:

و المرجع فى معرفة الخروج عن كونه قاريا و مصليا و عدمه هو العرف، كما صرح بذلك غير واحد منهم(1).

فائدة:

قد ظهر بما مران ان الموالاة الواجبة فى القراءة هى الموالاة العرفية، فالسكوت القليل غيرضا يرفيها، كقراءة الكلمة و الكلمتين من غير القراءة، و عليه فما ذكره فى شرح الجعفرية فى بيان معناها بان يكون كلماتها متتابعة متتالية، لا يخلو عن نوع مناقشة، كالقول بان المراد منها ان لا يقرا من غيرها، و لا يسكت بحيث لا يعد قاريا.

قال بعض الاجلاء: و معنى الموالاة عندهم، ثم ذكر التفسير الاخير، و بالجملة قد ظهر من المقامات السابقة ما يغنيك فى المسئلة، و ان المضر بالموالاة ماذا؟ فلا وجه للاطالة، و بما ذكر قد ظهر ما يرد على اطلاق المتن.

فى حرمة العزائم فى الفرائض
اشارة

(و يحرم العزايم) الاربع (فى الفرائض) على المشهور بين الطائفة، بل فى فى الانتصار، و الخلاف، و الغنية، و شرح القاضى لجمل السيد، و نهاية الاحكام، و

ص: 356


1- و منهم المحكى عن الشهيد الثانى و والد البهائى و اختاره بعض مشائخنا (منه).

التذكرة و غيرها،(1) عليه اجماع الامامية، خلافا للمحكى عن الاسكافى، فقال: لو قرا سورة من العزائم فى النافلة سجد، و ان قرا فى الفريضة او ماء، فاذا فرغ قرأها و سجد، و هذه العبارة كما ترى ليست نصا فى المخالفة،(2) و ان نسبت اليها اذ ليس فيها التصريح بجواز القراءة بل غايتها انه لو قرا فعل كذا، هذا مع احتمالها الاختصاص بصورة القراءة ناسيا او تقية و فى الرياض: و ذهب ابن الجنيد الى الجواز، و يومى بالسجود عند بلوغه، فاذا فرغ قراها و سجد، و له شواهد من الأخبار، و يقوى على القول بعدم وجوب السورة، كما يذهب اليه ابن الجنيد، و يراد بالايماء عند بلوغها ترك قراءتها كما ينبه عليه قوله: فاذا فرغ قراها و سجد، و لا منع حينئذ من جهة الدّليل المتردد اولا، و يكون معنى قوله: فاذا فرغ، اى من الصلوة، قراها و سجد من القراءة، لئلا يستلزم زيادة السجود فى الصلوة عمدا، انتهى.

و كيف كان فخلافه لو كان شاذا كما صرح به بعض الاجلة، و ان كان يظهر من المدارك ايضا نحو ميل الى الجواز، لمكان الاجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظيمة، قال بعض المحققين: الظاهر الاجماع، و ان ابن الجنيد خارج معلوم النسب، انتهى.

و ذكر الصدوق فى الامالى حيث يذكر فيه وصف دين الامامية ما لفظه: و القراءة فى الاولتين من الفريضة الحمد و سورة، و لا يكون من العزائم التى يسجد فيها، و هى سجدة لقمان، و حم السجدة و النجم، و سورة (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)، الى ان قال: و لا بأس بقراءة العزائم فى النوافل، لانه انما يكره ذلك فى الفريضة، انتهى.

و الظاهر ان مراده بالكراهة فى المقام هو الحرمة، و ذلك عن القدماء ليس بعزير، و يعضده بانى لم اجد من نقل فى المقام خلافه، و عليه فهذا ايضا حجة اخرى مستقلة، فافهم. و بالجملة، الاظهر هو القول بالحرمة للاجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظيمة، و اما الأخبار المتعلقة بالمقام فكثيرة.

ص: 357


1- و هو شرح الجعفرية (منه).
2- قال الاثنى عشرية التاسع ترك قراءة العزيمة على الاظهر عملا بالاشهر وفاقا للذكرى بل كاد يكون اجماعا و ضعف الروايات منجبر بذلك و خلاف ابن الجنيد غير معيوبة مع ان كلامه غير صريح فى الجواز و الروايات بذلك محموله على النافله (منه).

الأول: ما رواه الكافى فى باب عزائم السجود بسند لا يخلو عن اعتبار، لمكان القاسم بن عروة، عن زرارة عن احدهما (ع)، قال: لا يقرا فى المكتوبة بشىء من العزائم فأن السجود زيادة فى المكتوبة.

الثانى: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح على الصحيح عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) انه سئل عن الرجل، يقرا بالسجدة فى آخر السورة، قال:

يسجد ثم يقوم فيقرا فاتحة، ثم يركع و يسجد.

الثالث: ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح عن الحسين بن عثمان، عن سماعة عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، قال: ان صليت مع قوم فقرا الامام:

(اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ) او شيئا من العزايم، و فرغ من قراءة و لم يسجد، فأوم ايماء، و الحايض تسجد اذا سمعت السجدة.

الرابع: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى كالموثق، او الموثق لمكان عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: من قرأ (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) فاذا ختمها فليسجد، فاذا قام فليقرء فاتحة الكتاب و ليركع، قال: و ان ابتليت بها مع الامام لا يسجد، فيجزيك الايماء و الركوع، و لا تقرء فى الفريضة اقرء فى التطوع.

الخامس: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن وهب بن وهب عن ابى عبد الله، عن ابيه عن على (ع)، انه قال: اذا كان آخر السورة السجدة اجزاك ان تركع بها.

السادس: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن محمد، عن احدهما (ع)، قال: سألته عن الرّجل يقرء السجدة فينسيها حتى يركع و يسجد قال: يسجد اذا ذكر، اذا كانت من العزايم.

السابع: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الموثق عن عمار بن موسى الساباطى، عن ابى عبد الله (ع)، فى الرجل يسمع السّجدة فى الساعة التى لا يستقيم الصلوة فيها، قبل غروب الشمس و بعد صلوة الفجر. فقال: لا يسجدو عن الرجل يقرء فى المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم، فقال: اذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها، و ان احب ان يرجع فيقرء سورة غيرها، و يدع التى فيها

ص: 358

السجدة فيرجع الى غيرها. و عن الرجل يصلى مع قوم لا يقتدى بهم، فيصلى لنفسه، و ربما قراؤا آية من العزائم فلا يسجدون فيها، فكيف يصنع؟ قال:

لا يسجد.

الثامن: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن على بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر (ع)، قال: سألته عن امام قرأ السجدة فاحدث قبل ان يسجد، كيف يصنع؟ قال: يقدم غيره فيتشهد و يسجد، و ينصرف هو و قد تمت صلوتهم. و عن الحميرى فى قرب الاسناد مثله، الا انه قال يقدم غيره فيسجد و يسجدون، و ينصرف فقد تمت صلوتهم.

التاسع: ما عن الحميرى فى قرب الاسناد، عن عبد اللّه بن الحسن عن جده على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن الرّجل يقرا فى الفريضة سورة النجم، ايركع بها او يسجد، ثم يقوم فيقرأ بغيرها؟ قال: يسجد ثم يقوم، فيقرا بفاتحة الكتاب، و يركع و لا يعود يقرا فى الفريضة بسجدة، عن على بن جعفر انه رواه فى كتابه مثله، الا انه قال: فيقرا بفاتحة الكتاب و يركع، و ذلك زيادة فى الفريضة، و لا يعودن بقراءة السجدة فى الفريضة.

و هذه الأخبار بحسب الظاهر متنافية، و جملة منها يدل على المشهور، و هو الخبر الأول و الرابع و التاسع، المشتمل على قوله (ع): و ذلك زيادة فى الفريضة فلا يعودن بقراءة السجدة فى الفريضة. و لا ريب انها لمكان اعتضادها بالشهرة العظيمة، و مخالفتها لكافة الجمهور كما فى التذكرة مقدمة على الأخبار الباقية، فلتحمل الباقية على التقية، كما يومى اليها جملة منها، هذا مضافا الى ان جملة منها شاملة للفريضة و النافلة، فلتقيد بالنافلة كما هو القاعدة المرعية، و يحتمل ايضا حمل المنافية على صورة النسيان او غيره من الاعذار، و الى ما اشار اليه بعضهم بان غاية ما يستفاد من الاخبار صحة الصلوة بقراءة العزيمة و هو لا ينافى حرمتها كما هو مقتضى خبرى زرارة و سماعة، فلا تعارض بين الأخبار فتامل جدا.

ص: 359

و بالجملة لا شبهة فى ارجحية المشهور، لما مرّ، و لما تمسك به الجماعة، و منهم الشارح الفاضل(1) حيث قال فى الرياض: وجوب السجود فورى، و زيادته عمدا مبطلة، فتعمد فعلهما فى الفريضة يستلزم اما الزيادة الممنوع منها على تقدير السجود، او ترك الواجب الفورى، و كلاهما محرم، لا يقال: انا لا نسلم كون سجود التلاوة واجبا فوريا مطلقا حتى فى محل الفرض، اذ لا دليل على فوريته سوى الاجماع، و هو هنا غير متحقق، اذ نسب الى الاسكافى فى منع فوريته هنا، و يظهر من صاحب المدارك الميل اليه، و يومى اليه كلام الشارح المحقق كالشيخ فى الحبل المتن، و المحدث فى المفاتيح، لانا نقول منع فوريته هنا غير مسموع، لمكان الاجماع عليها على الظاهر المحكى عن جملة من العبائر، هذا مضافا الى ما ذكره بعض الاجلة، بان اخبار المسئلة ظاهرة فى ذلك، حتى الأخبار المخالفة لتضمنها الامر بالسجود بعد الفراغ من الاية بلا فاصلة، و لو لا الفورية لما كان له وجه بالكلية، انتهى. و الى ان عبارة الاسكافى المتقدمة لا تساعد المخالفة.

قال بعض الأجلاء بعد نقل كلام المدارك: و لا يخفى ان هذا مع ابتنائه على وجوب اكمال السورة، و تحريم القرآن، انما يتم اذا قلنا بفورية السجود مطلقا، و ان زيادة السجود تبطل كذلك، و كل هذه المقدمات لا تخلو من نظر، ما لفظه: و اما فورية السجود فلانه لا خلاف بين الاصحاب فى الفورية مطلقا، و هو ممن صرح بذلك، فقال فى بحث السجود و ذكر سجدة التلاوة بعد قول المصنف: و لو نسيها اتى بها فيما بعد، ما هذا لفظه: اجمع الاصحاب على ان سجود التلاوة واجب على الفور، و قضية الوجوب فورا، هو انه يجب عليه السجود بعد قرائتها فى الصلوة، و الاستثناء فى هذا المكان يحتاج الى دليل، فليس. بل اعترف بذلك فى هذا المقام بالرد على ابن الجنيد، حيث نقل عنه انه يومى ايماء، فاذا فرغ قرأها و سجد. فقال فى الردّ عليه: و هذا مشكل لفورية السجود، و لو تم ما ذكره من النظر الذى اورده على كلام الاصحاب فى الفورية، فاى اشكال هنا يلزم به كلام ابن الجنيد، فانظر الى هذه المخالفات فى مقام واحد، ليس بين الكلامين الا اسطر يسيرة، انتهى.

ص: 360


1- و المحكى عن الانتصار و الغنية و التحرير و التذكرة و الذكرى (منه).

و بالجملة الظاهر اجماع الطائفة على القول بفورية سجود التلاوة بقول مطلق، و اما ما يظهر من صاحب المدارك من منع كون زيادة السجود مطلقا مبطلة، فغير وجيه، لما عن الايضاح و التنقيح من دعوى الاجماع على كون زيادته مبطلة مطلقا، و يعضده عموم ما دل على اعادة الصلوة لو زيد فيها، و الخبر الأول، كذيل الخبر التاسع، نعم يمكن ان يقال على هذه الحجة ان غايتها كون تعمد القراءة فى الفريضة مستلزمة للحرمة، و لا نسلم كون المستلزم للحرمة حراما بنفسه، و عدم تعلق الامر به، لمكان قبح التكليف بما يستلزم المحرم، لمكان كونه غير مقدور، و المانع الشرعى كالمانع العقلى لا يستلزم(1) الحرمة.

و بالجملة غاية ما يلزم من هذه الحجة ارتفاع التكليف بقراءة العزائم، و عدم اجزائها لا حرمتها، اللهم الا ان يقال كلّ من لم يجعلها مجزية حرمها، فتدبر.

و بالجملة قول المشهور قوى فى الغاية، و المخالف شاذ بلا شبهة، و اما القول بان القول بتحريم قراءة العزائم مبنى على وجوب قراءة سورة بعد الحمد، و انه يجوز ذلك، على القول بجواز الاقتصار على بعض السورة، فاذن لا يمكن ادعاء الشذوذ فى المسئلة، فلا اجد له وجها لمكان جواز الحكم بتحريم قراءة العزائم، مع القول بجواز الاقتصار على ذلك، كما عن بعض انه نية عليه، هذا مضافا الى فساد القول بجواز الاقتصار على ذلك من اصله. و عليه فيظهر هنا حجة اخرى للقول بالحرمة، اذ الظاهر ان كل من قال بوجوب اتمام السورة، حرم قراءة العزائم الاربع. كما استظهره بعض مشائخنا فخذ ما اشتهر بين اصحابك، ودع الشاذ النادر الموافق للعامة، فان الرشد فى خلافهم بلا مرية.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: لو قرا احدى سور العزائم فى الفرائض اليومية متعمدا، فهل تفسد الصلوة بذلك ام لا؟

فيه اشكال، تحقيق الكلام فى ذلك يقتضى بسطه فى مقامين:

الأول: الصورة بحالها و اجتزى بذلك، ثم ركع فصلوته باطلة بلا اشكال،

ص: 361


1- خبر لعدم تغلو الامر (منه).

لمكان وجوب الاتيان بسورة كاملة، و اقتضاء النهى فساد العبادة فيجب عليه حينئذ الاتيان بسجود التلاوة من غير معارض لمكان الصّلوة المفروضة.

الثانى: الصورة بحالها و لكن لم يجتزى بما قرأ، بل قرأ معه سورة اخرى من غيرها، فلا اشكال فى الحكم بالفساد، اذا قلنا بان القرآن بين السورتين مبطل للصلوة، كما عن الشيخ فى النهاية و الخلاف و السيد المرتضى، بل يحكم بالفساد بمجرد الفراغ عن العزيمة، لعدم قدرته على الاتيان بالمامور به على وجهه، و المانع الشرعى كالمانع العقلى، و ان قلنا بان القرآن غير مبطل فلا يخلو اما يترك سجود التلاوة، ام لا، فعلى الثانى فلا اشكال ايضا فى بطلان الصلوة، لان السجود زيادة، و قد مر ما يدّل على بطلان الصلوة بتلك الزيادة، و على الأول فالمسئلة محلّ اشكال، ينشأ من مضادة ساير اجزاء الصلوة المتأخرة كالركوع و السّجود و نحوهما السجود التلاوة، فلا يتعلق بها امر، اما لمكان كون الامر بالشىء و هو هنا الامر بالسّجود فورا مستلزما للّنهى عن ضده الخاص، و هو هنا الاجزاء المتأخرة، او لان الامر بالشىء يستلزم عدم الامر بضده، مع ان الصّحة فى العبادة عبارة عن موافقة الامر، مضافا الى ان هذه القراءة باعتبار النهى عنها يكون كلاما اجنبيا فى الصلوة، و كل كلام اجنبى اذا اتفق فى الصلوة مبطل لها، و الى ان كل من قال بحزمة القراءة قال بفساد الصلوة معها، كما استظهره بعض مشائخنا و فى الذخيرة و قد صرح المصنف و من تبعه من المتأخرين ببطلان الصلوة بها، اى بقراءة العزيمة، و لم اجد تصريحا لاحد من القائلين بالتحريم بعدم البطلان، و من اصالة بقاء الصحة، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره.

و اطلاق الامر بالصلوة، المعتضدة باطلاق غير واحد من الأخبار المتقدمة، و اما كونه كلاما اجنبيا فغير واضح، كما اشار اليه الشارح المقدس، مع ان التحقيق ان الامر بالشىء لا يستلزم النهى عن ضده الخاص، و لا رفع الامر به، اذا كان الضد موسعا، كما هنا، فانه يجوز تأخير الاجزاء الباقية، اى الركوع و السجود و نحوهما بمقدار ما يتحقق به مسمى السّجود، بل و ازيد فافهم، نعم، اذا كان الاجزاء

ص: 362

الباقية كسجود التلاوة فوريا، فيتجه الحكم بالفساد لامتناع الامر بالضدين، لكن هذا الفرض فى غاية الندرة، فتدبر. و الاحوط هو قطع الصلوة ثم الاتيان بسجود التلاوة، ثم استيناف الصّلوة، و القول بانه كيف يكون احوط مع استلزامه قطع العمل المحرم، غير وجيه، لما اشار اليه بعض مشائخنا، بانه يمتنع هنا ان ينهى الشارع عن ابطال العمل، و يامر بالسّجود فورا، و يمنع من الاتيان به، لامتناع الامتثال بذلك، فيجب رفع اليد اما عن العمومات الدالة على حرمة ابطال العمل، او عن العمومات الدالة على كون السّجود واجبا فوريا، او عن العمومات الدالة على حرمة الاتيان بسجدة زايدة فى الصلوة، و حيث لا يمكن تخصيص الاخيرين، وجب ان يخصص الأول.

الامر الثانى: اذا قرا فى الفرائض احدى سور العزائم سهوا، فتذكر قبل الوصول الى النصف و السجدة،

فصرح الجماعة(1) بوجوب العدول عليه حينئذ الى سورة اخرى غير العزائم، لعدم امكان الاتمام للنهى عن قراءة آية السجدة، و عدم جواز ترك السورة التامة، و هو الاظهر الاحوط، و يعضده الخبر السابع.

الثالث: الصورة بحالها، و لكن تجاوز النصف و لم يبلغ السجدة،

فعن القواعد و البيان و الروضة و حاشية الشرايع القول بوجوب العدول ايضا، و بذلك صرح فى المقاصد العلية ايضا، كالمسالك و هو الظاهر من المحقق الشيخ على فى حاشية الكتاب، و بعض شراح الجعفرية، و نفى بعض المحققين عن جواز العدول البعد. و فى الذخيرة: و لا يخفى ان الحكم بجواز الرجوع بعد تجاوز النصف غير بعيد، كما اختاره المصنف فى النهاية انتهى، و استشكله المصنف فى التذكرة، و الشهيد فى الذكرى، و شقيقه فى الرياض، قالا:

لتعارض عموم المنع من الرجوع بعد تجاوز النصف، و المنع من زيادة سجدة ورده بعض الأجلاء بان العموم الأول غير موجود فى الأخبار.

أقول: و الحق هو القول بجواز العدول، لمكان الخبر السابع، مع ان الذكرى ايضا استقرب العدول كالروض، لان الشارح الفاضل فيه احتمل عدم جواز

ص: 363


1- كالقواعد و التذكرة و البيان و الذكرى و الروضة و المقاصد العلية و حاشية المفاتيح و شرح المفاتيح و اختاره الجماعة من متأخرى متأخرى الطائفة (منه).

العدول بعد حكمه بوجوب العدول(1).

الرابع: اذ اقرأ العزيمة و تجاوز السّجدة سهوا،
اشارة

فحكم فخر المحققين فى الايضاح بعدم وجوب العدول، قال: للاجزاء، و عدم لزوم المحذور. و حكم المحقق الثانى بالعدول ايضا فى حاشية الكتاب، كما عن حاشية الشرايع له و قواه بعض مشائخنا، و فى جامع المقاصد: و يفهم من قول المصنف: ان لم يتجاوز السجدة عدم الوجوب لو تجاوزها لانتفاء المانع، و يحتمل قويا وجوب العدول مطلقا، ما دام لم يركع، لعدم الاعتداد بالعزيمة فى قراءة الصلوة، فيبقى وجوب السّورة بحاله، لعدم حصول المسقط لها. و اليه مال فى الذكرى، و حكى عن ابن ادريس ان من قرأها ناسيا يمضى فى صلوته، ثم يقضى السّجود بعدها، و اطلق، انتهى.

و فى الرياض: و ان لم يذكر حتى تجاوز السّجدة، ففى الاعتداد بالسورة، و قضاء السجود بعد الصلوة، لانتفاء المانع، او وجوب العدول مطلقا، ما لم يركع لعدم الاعتداد بالعزيمة فى قراءة الصّلوة، فيبقى وجوب السّورة بحاله، لعدم حصول المسقط لها، وجهان: و مال فى الذكرى الى الثانى، و على ما بيناه من الاعتماد فى تحريم العزيمة على السجود يتجه الاجزاء بها حينئذ.

و قال ابن ادريس: اذا قرأها ناسيا مضى فى صلوته، ثم قضى السجود بعدها، و اطلق. و فى بعض شرح الجعفرية: لو قرأها سهوا عدل عنها، لما ركع و قرا سورة اخرى لعموم النهى، و مكان العدول، و التدارك، و ان ركع مضى فى صلوته، و يقتضى السجود بعدها انتهى.

أقول: و توضيح ما استدل به فخر المحققين، ان مقتضى الامر بقراءة السورة اجزاء جميع السور، و خرج العزائم اذا تعمدها لمكان النهى، و لا دليل على خروج النسيان،

ص: 364


1- قال بعض المحققين و ان تجاوز و لم يقرء آية السجدة لم يبعد جواز قراءة غيرها لعدم ثبوت تحريم ذلك مما دل على المنع من القرآن لعدم تبادره منه كما هو ظاهر و لا مما دل على المنع من العدول بعد تجاوز النصف لانه ليس بعدول و مع ذلك فى عموم مفهومه بحيث يشمل المقام على سبيل الظهور و التبادر نظر و ان عدل على النافلة و اتمهما كذلك ثم استأنفها لعله يكون احوط و لا يمكن الحكم بالوجوب انتهى فأفهم (منه).

لمكان عدم النهى حينئذ، فيبقى مندرجا تحت الاطلاق، و يؤيده ما قيل من عموم النهى عن العدول، اذا تجاوز النصف، و للاخر ان مقتضى تعلق النهى بالعزيمة عدم الاجزاء، لانه مقيد للمطلقات، و المقيدات مبنيات لها، فهى لم تشمل محل الفرض، فلم يكن ما قرأه صحيحا، اذ الصحة فى العبادات عبارة عن موافقة الامر، و قد فرض عدم الامر هنا، فيرجع الى عموم ما دل على وجوب السورة، و مقتضاه وجوب سورة اخرى.

أقول: الكلام هنا يقع فى مقامات:

الأول: الصورة بحالها، و لكن كانت آية السجدة فى آخر السورة، فالقول بالاجزاء، و عدم وجوب قراءة سورة اخرى لا يخلو عن قوة، لمكان الاطلاق، و عدم ظهور بالمقيد بالخبر الخامس، و ان كان مراعاة الاحتياط باعادة الصلوة اولى.

الثانى: الصورة بحالها، و تذكر و قد بقى من السورة، فتشكل المسئلة من اطلاق منع العزائم فى الفريضة، المقتضى لعدم جواز و قراءة أبعاضها ايضا، فيجب العدول، و من ان المستفاد من الخبر الأول، ان المناط فى المنع هو كون السجود زيادة المسبب من قراءة آية السّجدة، و هذا الشخص قد قرأ آية السجدة سهوا، فلا منع فى قراءة الباقى من السورة فيحكم بالاجزاء و عدم وجوب العدول و لم يظهر لى بعد ترجيح لاحد الاحتمالين.

الثالث: الصورة بحالها، و لم يذكر حتى فرغ من السورة، و حكمها كحكم الصورة الاولى، و قال المحقق الثانى فى حاشية الكتاب: و ان لم يذكر حتى فرغ من السورة أجزاته، و يمكن القول بوجوب العدول ما لم يركع، لان المنهى لا يكون مأمورا به، و هو قوى و اختاره فى البيان، انتهى.

أقول: لو ثبت النهى فما ذكره، من انه لا يكون مامورا به صحيح، و لكن ثبوت النهى فى صورة السهر دونه خرط القتاد.

و ينبغى التنبيه لامرين:

الأول: لو قرأ خصوص آية السجدة فى الفرائض اليومية سهوا، او استمع اليها كذلك، فلا تفسد صلوته للاصل، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و ظهور الاتفاق عليه، كما استظهره بعض مشائخنا.

ص: 365

الثانى: اذا قرأ آية السجدة فى الصلوة سهوا، فصرح الجماعة(1) و منهم الشارح الفاضل فى الرياض و الروضة و المقاصد العلية و المحكى عن المصنف فى التذكرة و صاحب الدّرة بتاخير السجدة حتى يفرغ من الصلوة، بل لم اجد مخالفا فى عدم جواز الاتيان بالسجود فى اثناء الصلوة، قال بعض مشائخنا: بل لا يبعد دعوى الاتفاق على عدم جواز الاتيان بالسجود فى الصلوة حينئذ، انتهى. و فى الايضاح: اذا قرأ ناسيا، فاما ان لا يذكر اصلا، او يذكر بعد الركوع، و لا شك فى صحة الصلوة، و كون القراءة وقعت صحيحة، لانها انما حرمت لاجل السجدة، و مع النسيان لا يجب فوريتها، اما الاولى فقد نبه عليه فى رواية زرارة، و اما الثانية فاجماعية انتهى. و ما اختاره الجماعة هو الاقوى، لعموم ما دل على المنع من زيادة السجدة فى الصلوة، و عدم ثبوت ما يدل على فوريته فى المقام، اذ العمدة فيها الاجماع المعتضدة بالشهرة، و انتفائهما فى المقام ظاهر، لا يشوبه شبهة، و اما ما اشار اليه الشارح المحقق بقوله: و اذا اتم السورة ناسيا، فظاهر الشهيد انه يومى ثم يقضى، و به قطع الشارح الفاضل، و المصنف فى النهاية خير بين الايماء و القضاء(2).

و قال ابن ادريس: مضى فى صلوته، ثم قضى، و فى الكل اشكال، لصراحة بعض الأخبار السابقة فى انه يسجد فى اثناء الصلوة، مع انهم يقولون بالفورية، و لا دليل على سقوطه بالايماء، ففيه ما فيه. و اما الخبر المشار اليه فلا اعتناء بشانه، لما مر من الحمل على التقية، او النافلة.

و بالجملة لا شبهة فى ارجحية ما اختاره الجماعة من عدم جواز الاتيان بالسجود فى اثناء الصلوة، و عليه فليات به بعد الصلوة على الاحوط، لو لم نقل بانه هو الاظهر.

تنبيه:

اعلم ان الظاهر ان من حكم فى صورة، ما لو اتم السورة ناسيا بشىء يحكم به بعينه فيما لو قرا آية السجدة فى الصلوة سهوا. سواء قراها فقط، او مع انضمام الغير، بل ذلك مقطوع به.

ص: 366


1- و هو الظاهر من بعض شروح الجعفرية و ما حكى عن الحلى من عبارته المتقدمة (منه).
2- و فى المسالك و لو لم يذكر حتى قرأ السجدة اومأ لها ثم قضاها بعد الصلوة (منه).
تذنيبان:

الأول: صرح فى الرياض و الروضة و المقاصد العلية بوجوب الايماء فى الصورة المذكورة، بدلا عن السجود، و هو المحكى عن صريح التذكرة و الدرة، و كذا الشهيد على ما نقله الشارح المحقق فى عبارته المتقدمة، خلافا لما حكاه فيها عن نهاية الاحكام، حيث حكم بالتخيير بين الايماء و القضاء، و ربما يظهر ذلك من اطلاق التذكرة ايضا، حيث قال: لو سها فى الفريضة فقرا عزيمة رجع عنها، ما لم يتجاوز النصف وجوبا على اشكال، فان تجاوزه ففى جواز الرجوع عنها اشكال فان منعناه قراها كملا ثم اومى، او يقضيها بعد الفراغ للسجدة لقول الصادق عليه السلام. ثم نقل رواية عمار فليتأمل جدا.

و يظهر من اطلاق عبارة الحلى التى قد نقلناها سابقا، عدم وجوب الايماء، بل اقتصر على قضاء السّجدة بعد الصلوة، و فى شرح الجعفرية: و ان ركع مضى فى صلوته، و يقضى السجود بعدها.

أقول: و يمكن الاستدلال على وجوب الايماء بما روى عن على بن جعفر فى كتاب المسائل، عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن الرّجل يكون فى صلوته فى جماعة، فيقرا انسان السجدة، كيف يصنع؟ قال: يومى براسه. قال: و سألته عن الرجل يكون فى صلوته فيقرا آخر السجدة. قال: يسجد اذا سمع شيئا من العزايم الاربع ثم يقوم، ثم يتم صلوته، الا ان يكون فى فريضة، فيومى براسه ايماء، المؤيد بما روى عن دعائم الاسلام، عن جعفر بن محمد، انه قال: من قرأ السجدة او سمعها من قار يقراها و كان يسمع قراءته فليسجد، فان سمعها و هو فى صلوة فريضة من غير الامام اومأ براسه، و ان قراها و هو فى الصلوة سجد و سجد معه من خلفه ان كان اماما، و لا ينبغى للامام ان يتعمد قراءة سورة فيها سجدة فى صلوة فريضة، و بعموم: الميسور لا يسقط بالمعسور، و على عدم وجوب الايماء بالاطلاقات و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و عموم ما دل على بطلان الصلوة بالزيادة.

ص: 367

و الانصاف ان المسئلة لا تخلو عن شوب اشكال، و لكن القول بالايماء هو الارجح، لمكان الخبر المعتضد بما مر، و لعلّه كاف فى تقييد الاطلاقات فى هذا المقام، و الاحوط هو اعادة الصّلوة بعد اتمامها.

الثانى: لو استمع الى آية السجدة سهوا، فحكم فى الرياض و الروضة و المقاصد العلية بوجوب الايماء، و قضاء السجدة بعد الصلوة، و هو المحكى عن الدرة و التذكرة، و عبارة التذكرة هكذا: لو سمع فى الفريضة فان اوجبناه بالسماع او استمع اومى، او قضا. و هذه العبارة كما ترى ظاهرة فى التخيير بين الايماء و قضاء السجدة، و كيف كان، فالاظهر ان هذه الصّورة كالامر الثانى فى الايماء و قضأ السجدة بعد الصلوة.

فرع:

صرح فى الرياض و الروضة و المقاصد العلية، بانه لو كان فى فريضة حرم عليه الاستماع، فان فعله او سمع اتفاقا و قلنا بالوجوب به او مالها براسه، و قضاها بعد الصلوة، و اسقط كلمة براسه فى الرياض و الروضة، و ربما يظهر من عبارة التذكرة المتقدمة التخيير بين الايماء و القضاء، و الاجود هو وجوب الايماء، و الاحوط كونه بالراس، و اما القضاء بعد الصلوة فهو الاحوط، لو لم نقل بانه هو الاظهر، و بالجملة حكم هذا الفرع كالامر الثانى.

الامر الخامس: لو كان يصلى مع امام للتقية، فقرأ العزيمة تابعه فى السجود،
اشارة

كما صرح به الشارح الفاضل فى الرياض و الروضة و المقاصد العلية، الاجود تقييده بما اذا لم يكن له مندوحة عن المتابعة، كما فعله بعضهم(1).

تذنيب:

و هل يصح صلوته اذا سجد معه ام لا(2)؟ فصرح الشارح الفاضل فى الكتب المتقدمة بالثانى، قال فى الرياض: للزيادة عمدا و عدم العلم، بكون مثل ذلك مغتفرا، غايته عدم وصفه بالتحريم، انتهى، و هو الاحوط.

السادس: يجوز قراءة العزايم فى صلوة النافلة اجماعا على الظاهر،
اشارة

و

ص: 368


1- و هو بعض مشائخنا (منه).
2- و استشكل هذا الحكم المحقق الثانى فى جامع المقاصد من غير ترجيح و الانصاف ان المسئلة مشكلة (منه).

استظهر غير واحد منهم عدم الخلاف فى المسئلة، و يدل عليه بعد المذكور الخبر الرابع المؤيد بالخبر التاسع و نحوه،(1) كرواية الدعائم المتقدمة، و الخبر الأول.

فروع:
الأول: اذا قرأ احدى العزايم فى النافلة، فيجب عليه السجود فورا على الاشهر

بل لم اجد مخالفا الا ما يحكى عن بعض، انه قال ان سجد جاز، و ان لم يسجد جاز، و يمكن الاستدلال عليه بالخبر الخامس، و فيه ان هذا الخبر مع ضعف سنده و اخصيته كيف يقاوم جملة من الأخبار المتقدمة الآمرة به بالخصوص، المعتضدة بالعمومات الآمرة، و بالشهرة المحكية، و المحققة و بفحوى بعض الأخبار المقيد المنع بالزيادة بالمكتوبة.

الثانى: اذا كانت السجدة فى وسط السورة،

فصرح الجماعة و منهم(2) المحقق، و المصنف فى التذكرة و القواعد و التحرير، و المحقق الثانى فى جامع المقاصد، و غيرهم، بانه يسجد عند موضع السجود، ثم يقوم فيتم السورة، و لا يحتاج الى اعادة الفاتحة.

المسئلة، و لعل الارجح هو ما اختاره الجماعة من الاتيان بالسجدة و قراءة الباقى.

قال بعض مشائخنا و هو حسن: اذا لم يفت مع ذلك الموالاة فى القراءة، و اما مع الفوات ففى الحكم بالاتمام كما هو مقتضى اطلاق كلامهم اشكال من فوات الموالاة التى هى شرط فى القراءة، و من عدم ظهور قائل بالتفصيل، و لكن السجود يجب الاتيان به بلا اشكال، انتهى.

أقول: ان كان المناط فى وجوب الموالاة هو الاجماع، فعدم تحققه فى المقام ظاهر، و ان كان المناط هو حمل الاوامر على الافراد الشايعة، فيشكل المسئلة، و لعل الارجح هو ما اختاره الجماعة من الاتيان بالسجدة و قراءة الباقى.

الثالث: اذا كانت السجدة فى آخر السورة،
اشارة

فصرح المحقق فى مختصر النافع و الشرايع، و المصنف رحمه اللّه فى القواعد و التذكرة، و المحقق الثانى فى جامع المقاصد و غيرهم(3)، بانه يقوم و يقرا الحمد استحبابا و يركع، خلافا للمحكى عن ظاهر الشيخ

ص: 369


1- و منه الخبر الاول (منه).
2- و منهم المحكى عن النهاية و الروضة و الوسائل (منه).
3- كالشارح المحقق و المحكى عن الوسائل (منه).

فى كتابى الحديث، فالوجوب و هو الظاهر من المصنف فى التحرير و فى المدارك، و لا بأس به، و قواه بعض مشائخنا كوالده، و للقائلين بالاستحباب الخبر الثانى و الرابع و التاسع و ظاهرها، و ان كان يفيد الوجوب، و لكن ينبغى ان يحمل على الاستحباب لمكان الخبر الخامس، و هو رواية وهب بن وهب، و فيه نظر، فالوجوب هو الاظهر الاحوط.

تذنيب:

ظاهر الاكثر كالأخبار هو الاقتصار على الحمد خاصة، و عن المبسوط او سورة اخرى او آية، و فى الذخيرة قال الشيخ: يقرأ الحمد و سورة او آية معها، انتهى، و لم اعثر على ما يدل عليه، فليكتف بالحمد خاصة.

الرابع: لو نسى السجدة حتى ركع، سجد اذا ذكر،

كما صرح به فى التذكرة و التحرير و الذخيرة و غيرها(1)، و يدل عليه الخبر السادس.

الخامس: اذا استمع فى النافلة الى آية السجدة، وجب عليه السجدة،
اشارة

و بذلك صرح فى القواعد و التذكرة و التحرير و جامع المقاصد و الشرايع و الرياض و الروضة و غيرها، و يدل عليه بعد العمومات، و منها رواية دعائم المتقدمة خصوص رواية على بن جعفر المتقدمة(2).

تذنيب:

و فى جامع المقاصد: لو قلنا بوجوب السجود على السامع، و ان لم يستمع اوجبناه ههنا، و نحوا منه فى الرياض و فى الروضة، و يسجد له فى محلّه، و كذا لو استمع فيها الى قار، او سمع على اجود القولين.

تنبيه:

لا اشكال فى انه لو استمع فى النافلة الى آية السجدة، و هو بعد لم يصل الى آخر السورة يسجد، ثم يقوم فيقرا الباقى، و اما اذا استمع اليها و هو قد اتم السورة و لم يركع، فهل

ص: 370


1- و منهم المحكى عن الوسائل (منه).
2- و يدل عليه ايضا ما روى عن على بن جعفر عن اخيه (ع) قال: سألته عن الرجل يكون فى صلوته فقرأ الم السجد فقال: يسجد اذا استمع شيئا من العزائم الاربع ثم يتوم فيتم صلوته (منه).

يقرا الحمد بعد ان سجد و قام ام لا؟ احتمالان: و ظاهر التحرير الأول، و الارجح العدم، لمكان الاطلاق، و عموم لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره.

السادس: لو اقتدى فى النافلة بامام لا يسجد، و لم يتمكن من السجود،

فصرح فى التحرير و التذكرة بانه يومى و يدل عليه الخبر الثالث و الرابع، المعتضد بالخبر السابع.

السابع: هل حكم النافلة الواجبة بنذر و شبهه حكم الفرائض ام لا،

بل هى باقية على ما كانت عليه؟ وجهان: ينشآن من اطلاق النصّ و الفتوى: فالأول، و من ان المتبادر منهما الصلوات الواجبة بالاصل لا بالعارض فتبقى العمومات المجوزة لذلك فى النافلة، كالفتوى سليمة عن المعارض فالثانى، اذ هى بذلك العارض لا يخرج عن اطلاق اسم النافلة عليها، و لعلّه الارجح وفاقا لبعض مشائخنا، و ان كنت مضطربا فى ذلك، لمكان القول بان الاطلاقات المجوزة لذلك فى النافلة نصا و فتوى ايضا لا تشمل المقام، فقل اما تقول بوقوع التعارض بين الأخبار المانعة لذلك فى الفريضة، و بين الأخبار المحوزة له فى النافلة، ام لا، فعلى الأول فلا ريب ان التعارض بينهما من تعارض العمومين من وجه، و الترجيح مع الأخبار المجوزة لمكان اعتضادها بما دل على فورية سجود التلاوة، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و اصالة بقاء الصحة، و قوله (ع): الصلوة ما افتتحت عليه، و اطلاق الامر بالصلوة، و اصالة البراءة، و اطلاق الأخبار الآمرة بالسورة، و على الثانى فليؤخذ بالعمومات المشار اليها من غير معارض.

الثامن: هل يلحق بالفرائض اليومية غيرها من الصلوات الواجبة بالاصالة، كالكسوفين و الآيات، ام لا؟

وجهان: و الاولى ارجح، لمكان جملة من الأخبار المتقدمة، كفتوى الطائفة.

التاسع: الظاهر عدم الخلاف فى جواز قراءة السّورة المشتملة على السجود المستحب فى الصلوات مطلقا،

كما استظهر عدم الخلاف فيه بعض مشائخنا، نعم، لو قرأها فى الفريضة، او استمع اليها، فلا يسجد فيها، لفحوى

ص: 371

ما دل على المنع من الاتيان بسجود التلاوة فى الفريضة، بل جملة من الادلة المانعة عامة، اما لو قراها فى النافلة، او استمع اليها، فهل يسجد فيها ام لا؟ وجهان: من اطلاق قوله (ع): من زاد فى صلوته فعليه الاعادة، و من عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و الترجيح مع الجواز لاعتضاد دليله بما مر اليه الاشارة، و لعل الاحوط هو ترك السجود.

حرمة سورة يفوت الوقت بقراءته
اشارة

(و) كذا يحرم اى سورة (ما يفوت الوقت بقرائته) اما باخراج الفريضة الثانية على تقدير قرائتها فى الاولى، كالظهرين، او باخراج بعض الفريضة عن الوقت، كما لو قرا سورة طويلة يقصر الوقت عنها، و عن باقى الصّلوة مع علمه بذلك، لاستلزام ذلك الاخلال بفعل الصّلوة فى وقتها المامور به اجماعا محقّقا، و محكيا فتوى و نصا، كتابا و سنة عمدا، فيتوجه عليه النهى، و لو مقدمة، و يعضده ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصّلوة فى الزيادات عن عامر بن عبد الله، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من قرا شيئا من ال حم فى صلوة الفجر، فاته الوقت، و فى خبر آخر: لا تقرا فى الفجر شيئا من آل حم، و عدم تاتى نية القربة مع ذلك، مع انها شرط فى العبادة، و لم اجد مخالفا فى هذا الحكم، الا من صاحب المدارك، و من ديدنه المتابعة، كالشارح المحقق، حيث فرعا المسئلة كالمحدث القاسانى على وجوب اكمال السورة، و تحريم الزايد، مع عدم قولهم بهما، و التقريب ان مع القول باستحباب السورة لا يلزم الخروج عن الوقت، لمكان جواز القطع، و كذا مع القول بجواز الزيادة، لمكان العدول الى سورة قصيرة، و عدم اضرار ما اتى به من القراءة، و فيه ما عرفته من القول بوجوب السورة، و تحريم الزايد، مضافا الى ما مر هنا، و اما ما ذكره الشارح المقدس بقوله: بل يمكن الصّحة ايضا، بعيدا على تقدير تحقق ضيق الوقت، بحيث لا يسع لتلك السورة و لا بغيرها، فيصير الوقت ضيقا، و ضيق الوقت لا يجب فيه السورة، فيصح، الا انه ارتكب الحرام فى اسقاطها، و تضييع الوقت الواجب صرفه فى القراءة، و لكن لما لم يكن القراءة محسوبة منها، فلا يبطل الصلوة بالنهى عنها، و يحتمل الابطال، لان النهى اخرجها عن كونها عبادة، و انها

ص: 372

حينئذ يصير كالكلام الاجنبى فتامل فيه لما تقدم، انتهى فيحتاج الى تامل.

و بالجملة لا شبهة فى لابديّة ترك ما يفوت بقراءته الوقت، بل عدم جوازه للخبر المتقدم فافهم، بل و عدم صحة العبادة لعدم تاتى نية القربة فى الجملة، مع اعتضادها بالنهى المتقدم اليه الاشارة، و بعدم الخلاف بين الطائفة على الظاهر فى عدم جواز المذكور، و المخالف انما هو من متاخرى متاخرى الطائفة و لا اعتناء بشأنه.

فرعان:
الأول:

صرح فى الرياض و المقاصد العلية و جامع المقاصد و غيرها، بانه لو قرأ تلك السورة الموصوفة ناسيا، عدل اذا تذكر و ان تجاوز النصف، كما فى المقاصد العلية و غيرها، محافظة لفعل الصلوة فى وقتها.

الثانى:

صرح فى جامع المقاصد و الرياض و المقاصد العلية، بانه لو ظن السعة فشرع فى سورة طويلة، ثم تبين الضيق، وجب العدول الى غيرها، و ان تجاوز النصف، قال فى الأول بعد المذكور محافظة على فعل الصلوة فى وقتها.

حرمة قول آمين
اشارة

(و) كذا يحرم (قول آمين) فى آخر الحمد على الاشهر الاظهر، بل ادعى عليه المصنف رحمه اللّه فى التحرير و التذكرة، و السيّد ان فى الانتصار و الغنية اجماع الامامية كما عن الشيخين، و نهاية الاحكام، و نهج الحق و ظاهر المنتهى بل فى الامالى من دين الامامية الاقرار بانه لا يجوز قول آمين بعد فاتحة الكتاب، و فى جامع المقاصد بعد اكثر الاصحاب قائلون بالتحريم، بل كاد يكون اجماعا، و فى الفقيه: و لا يجوز ان يقال بعد فاتحة الكتاب آمين، لان ذلك كان يقوله النصارى، و فى التحرير و المشايخ الثلاثة منا يدعون الاجماع على تحريمها، و ابطال الصلوة بها، خلافا للمحكى عن الاسكافى، فقال بالكراهة، و مال اليه المحقق فى التحرير و تبعه الشارح المقدس، و صاحب المفاتيح، و حكى هذا القول الشيخ مفلح فى غاية المرام عن ابى الصلاح، فلننقل اولا جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام فنقول:

الأول: ما رواه الكافى فى باب قراءة القرآن فى الصحيح على الصحيح لمكان

ص: 373

ابراهيم، عن جميل عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا كنت خلف امام فقرأ الحمد و فرغ من قراءتها، فقل انت: الحمد لله رب العالمين، و لا تقل: امين.

الثانى: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن معوية بن وهب، قال: قلت لابى عبد الله (ع): أقول آمين اذا قال الامام: غير المغضوب عليهم و لا الضالين؟ قال: هم اليهود و النصارى، و لم يجب فى هذا.

الثالث: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى القوى لمكان محمد بن سنان عن محمد الحلبى، قال سألت ابا عبد الله (ع)، أقول اذا فرغت من فاتحة الكتاب آمين؟ قال: لا. و روى عن المحقق هذه الرواية من جامع احمد بن محمد بن ابى نصر، عن عبد الكريم عن محمد الحلبى.

الرابع: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن جميل، قال: سألت ابا عبد اللّه عن قول الناس فى الصلوة جماعة، حين يقرا فاتحة الكتاب آمين، قال:

احسنها و اخفض الصّوت بها.

الخامس: ما روى عن كتاب دعائم الاسلام: و روينا عنهم انهم قالوا: ابتدأ بعد بسم اللّه الرحمن الرحيم فى كل ركعة بفاتحة الكتاب، الى ان قال: و حرموا ان يقال بعد فاتحة الكتاب آمين، كما يقول العامة. قال جعفر بن محمد (ع):

انما كانت النصارى تقولها، و عنه عن آبائه ثم قال: قال رسول الله (ص): لا يزال امتى بخير و على شريعة من دينها حسنة جميلة، ما لم يتخطأوا القبلة باقدامهم، و لم ينصرفوا قياما كفعل اهل الكتاب، و لم يكن حجة آمين.

السادس: ما عن الطبرسى فى مجمع البيان، عن الفضيل بن يسار، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا قرات الفاتحة، و قد فرغت من قرائتها و انت فى الصلوة، فقل الحمد لله رب العالمين.

السابع: ما رواه الصدوق فى العلل، فى باب علة الاقبال على الصلوة، عن محمد بن على ما جيلويه، قال: حدثنا على بن ابراهيم عن ابيه، عن حماد عن حريز، عن زرارة عن ابى جعفر عليه الصلوة و السلام، قال: عليك بالاقبال فى صلوتك

ص: 374

و ساق الحديث الى ان قال: و لا تقولن اذا فرغت من قرائتك: آمين، فان شئت الحمد لله رب العالمين. الحديث.

اذا عرفت ذلك، فاعلم انه يدل على المشهور بعد الاجماعات المحكية المتقدمة الخبر الأول و الثالث و الخامس و السابع، المؤيد بالخبر السادس، و لو فى الجملة.(1) و اما الاستدلال للمشهور، بانه قد نقل عن النبى (ص): ان هذه الصلوة لا يصلح فيها شىء من كلام الادميين، و التأمين من كلامهم، لانها ليست بقرآن و لا دعاء، و انما هى اسم للدعاء، و الاسم غير المسمى، مردود بعدم تسليم كونها اسما للدعاء، بل هى دعاء، كقولك اللهم استجب قال نجم الائمة المحقق الرضى: و ليس ما قال بعضهم ان صه مثلا اسم للفظ اسكت، الذى هو دال على معنى الفعل، فهو علم للفظ الفعل، لا لمعناه، بشىء، لان العربى القح ربما يقول: صه مع انه ربما لا يخطر فى باله لفظ اسكت، و ربما لم يسمعه اصلا. و لو قلت: انه اسم لاصمت، او امتنع، و كف عن الكلام، او غير ذلك مما يؤدى هذا المعنى، لصح. فعلمنا منه ان المقصود، المعنى لا اللفظ، انتهى.

و رده بعض الأجلاء قال: و فيه اولا انه مع تسليمه انما يتم لو كان معنى آمين منحصرا فى اللهم استجب لفظا او معنى، و ليس كذلك، بل لها معان أخر لا يتم على تقديرها ما ذكره. قال: فى الصدوق: آمين بالمد(2) و القصر، و قد تشدد الممدود، و يمال ايضا عن الواحدى فى البسيط، اسم من اسماء الله تعالى، أو معناه اللهم استجب. او كذلك مثله،(3) فليكن او كذلك فافعل، انتهى.

و قال ابن الاثير: هو اسم مبنى على الفتح، و معناه اللهم استجب لى. و قيل معناه فليكن، يعنى الدعاء، و قال فى المغرب: معناه استجب، و قال صاحب الكشاف: انه صوت، سمى به الفعل الذى هو استجب، كما ان رويدا، حيّهل، و

ص: 375


1- و من المستدلين لهذا المصنف رحمه اللّه فى التذكرة (منه).
2- و فى المنتخب آمين بالمد كلمه ايست كه در اجابت دعا استعمال كنند يعنى قبول كن دعا را يا چنين باد (منه).
3- و لا يكون كلمة مثله فى نسخة من القاموس عندى و لكنى لا اعتمد عليها لمكان الغلط (منه).

هلّم، اصوات سميت به الافعال، التى هى امهل، و اسرع، و اقبل، انتهى.

و قال فى كتاب المصباح المنير: و امين بالقصر فى الحجاز، و المد اشباع بدليل انه لا يوجد فى العربية كلمة على فاعيل، و معناه اللهم استجب.

و قال ابو حاتم: و معناه كذلك. و عن الحسن البصرى: انه اسم من اسماء اللّه تعالى.

أقول: هذه جملة من كلمات اساطين اللغة و ارباب العربية، الذين عليهم المعول، و هى متفقة فى ان احد معانيه اللهم استجب، او استجب، او غيرهما من الالفاظ المذكورة، التى ليست بدعاء البتة، و ترجيح كلام المحقق المشار اليه على كلامهم محل نظر، على ان اللازم مما ذكره المحقق المذكور لو تم عدم وجود هذا القسم، الذى هو اسم الفعل بالكلية، فان كلامه هنا جار فى جميع اسماء الافعال التى وضعت بازائها، فهى حينئذ بمقتضى ما ذكره من قبيل الالفاظ المترادفة، مع انه لا خلاف بين اهل العربية، فى ان اسم الفعل قسم من الافعال المذكورة فى كلامهم، و المبحثون عنها فى كتبهم. و ثانيا: ان الظاهر من هذه الأخبار التى وردت بالمنع و النهى عن التامين، لا وجه لتصريحها بذلك، الا من حيث كونه كلاما اجنبيا خارجا عن الصلوة، مبطلا لها متى وقع فيها، و الا فالنهى عنه، مع كونه دعاء، كما ادعاه و استفاضة الأخبار بجواز الدعاء فى الصلوة، بل استحبابه مما لم يعقل له وجه، انتهى كلام بعض الأجلاء.

أقول: و الذى يخطر ببالى ان كلمة آمين سواء كانت موضوعة كلمة استجب او لمعناها، يصدق عليها الدعاء، اذا قصد القارى بها ذلك، اما على الثانى فواضح، و اما على الأول فلان الاسم و ان كان غير المسمى، و لكن اذا قصد القارى من الاسم مسماه، و من المسمى معناها، و كان قصده من قراءة الاسم لكلمة آمين مثلا الابتهال و المسئلة من اللّه تبارك و تعالى فى ان يستجيب دعواه، فلا مهرب من القول بصدق الدعاء عليه، و ان شئت فراجع الى كتب اللغة فى معنى الدّعاء، حتى يظهر لك ذلك كمال الظهور، و يعضد المذكور دعاء العشرات المروية فى مهج الدعوات، المتضمن لقوله (ع): آمين آمين عشر مرات، اى ثم تقول آمين آمين عشر مرات، و قد وقع ايضا فى زبور آل محمد (ص)، فى الدعاء الذى يدعو به السّجاد زين العابدين لولده (ع)، و بطور آخر نرى فى موارد

ص: 376

الاستعمالات، و نشاهد بالوجدان ان الصحيح بان المتكلم بكلمة امين انما يقصد بها من الله تبارك ان يستجيب ما سأله منه تعالى، و يعطى ما طلب عنه تعالى، و عليه فلا شك فى صدق الدعاء عليه، سواء قلت بانها موضوعة للفظ اللهم استجب او لمعناه(1)، و بما ذكر ظهر ان منع كون التامين دعاء عن الاكثر ليس فيه وجاهة. و اما ما ذكره بعض الأجلاء بقوله فيه، اولا انه مع تسليمه انما يتم لو كان معنى آمين منحصرا الى آخره، ففيه انه على تقدير على عدم الانحصار ايضا، يكون المراد من تلك الكلمة فى هذه المقامات و الوارد هو المعنى المذكور، اى اللهم استجب، و ان شئت فغير عبارتك، فقل ان المقام قرينة فى تعيين المعنى، و ان المراد منها المعنى المشار اليه.

و اما ما ذكره بقوله: و ثانيا ان الظاهر ان هذه الأخبار الى آخره، فله جواب اصلناه على اهل الكمال، و اما الاستدلال للمشهور ايضا بما نقل عن النبى (ص): انما هى التسبيح و التكبير و قراءة القرآن. و انما للحصر، و ليس التأمين(2) احدها، فمردود بان الخبر مخصص بالدعاء فعله التامين، و اما الاستدلال(3) له بانه عمل كثير خارج عن الصلوة، ففيه ما ترى، و اما الوجهان اللذان ذكرهما المصنف رحمه اللّه فى التذكرة بقوله: و لانه يستدعى سبق دعاء، و لا يتحقق الا مع قصده، فعلى تقدير عدمه يخرج التامين عن حقيقته فيلغو، و لان التامين لا يجوز الا مع قصد الدّعاء، و ليس ذلك شرطا اجماعا، اما عندنا فللمنع مطلقا، و اما عند الجمهور فللاستحباب مطلقا، فمردود(4)، بان الدعاء باستجابة الدعاء لا يلزم ان يكون متعلقا بما قبله، و لو تعلق به جاز، سواء قصد به الدعاء ام لا، لان عدم القصد بالدعاء لا يخرجه عن كونه دعاء(5).

ص: 377


1- و سيجىء فى بحث القنوت ايضا دعاء يشتمل على كلمة آمين و قد امران يقنت به (منه).
2- المستدل فى التذكرة (منه).
3- هذا الاستدلال محكى عن السيّد بن زهرة (منه).
4- الشارح المحقق.
5- قال ابن فهد فى المهذب فان قيل جاز ان يقصد بالفاتحة الدعاء لتضمننا ذلك فيصلح للتأمين حينئذ لوقوعها موضعها فالجواب القصد ليس بواجب اذ لم يقل به احد و القائل بها قائل بالاستحباب مطلقا و لم يقيده بالقصد و ايضا فاذا قصد بالقراءة الدعاء فقط كان داعيا لا قاريا و ان قصد القراءة خرجت عن كونها تامينا و ان قصدهما معا كان مستعملا للمشترك فى كل معينيه و قد بين بطلانه فى موضعه انتهى، و فيه ما ترى (منه عفى عنه).

و اما الاستدلال له بما عن التحرير و جملة من كتب المصنف رحمه اللّه بان معناها اللهم استجب، و لو نطق بذلك ابطل صلوته، فكذا ما قلم مقامه فمردود ايضا بما ذكره فى الذخيرة كالمدارك و غيره، بان الدعاء فى الصلوة جايز، بلا خلاف، و هذا دعاء عام فى طلب استجابة الدعاء، فلا وجه للمنع منه.

و بالجملة، جعل هذه الوجوه دليلا لا وجاهة فيه، نعم، هى لا تخلو عن تاييد، و انما الدليل القوى المعتبر الاجماعات المحكية، و الأخبار المشار اليها، و للمجوز الخبر الرابع، و فيه ان اقل مراتب الاستحسان الاستحباب، و هو مخالف للاجماع، اذ المجوز يحكم بالكراهة، كذا افاده بعض الاجلة. و فيه انه وجيه لو كان المراد بالكراهة هنا المصطلح عليه بين الطائفة، و اما اذا كان المراد منها اقل ثوابا فلا، فافهم، فالاجود هو حمله على التقية كما صنعه غير واحد من الطائفة، اذا طبق الجمهور على الاستحباب، كما ذكره فى التذكرة و غيرها(1)، و يعاضده الخبر الثانى بتقريب ما ذكره المحقق البهائى فى الحبل المتين، و لنعم ما ذكره حيث قال: و قد تضمن الحديث السابع عشر مشروعية قول آمين فى الصلوة، فان عدوله (ع) عن جواب السؤال عن قولها الى تفسير المغضوب عليهم و لا الضالين، يعطى التقية، و ان بعض المخالفين كان حاضرا فى المجلس، فاوهمه (ع) ان سؤال معوية انما هو عن المراد بالمغضوب عليهم و لا الضالين، و ربما حمل قوله (ع): هم اليهود و النصارى على التشنيع على المخالفين، و المراد ان الذين يقولون آمين فى الصلوة هم اليهود و النصارى، اى مندرجون فى عدادهم، و منخرطون فى الحقيقة فى سلكهم، انتهى.

و بالجملة، لا شبهة فى اجودية حمل الخبر الرابع على التقية، بل قال البهائى - و لنعم ما قال: - و ربما فهمت التقية من طرز الكلام كما لا يخفى، انتهى، هذا مضافا الى ان ما احسنها كما يحتمل ان يقرء بصيغة التعجب كذا يحتمل ان يكون جملة منفية، بل لعله المتعين، اذ على الأول لا يكون للامر بخفض الصوت وجه ظاهر بخلاف الثانى لمكان احتمال كونه شرح من كلام الراوى فيكون خفض الصوت للتقية، و يؤيده ان الخبر الأول المتضمن

ص: 378


1- و هو غاية المرام و الانتصار (منه).

للنهى صريحا قد رواه راوى هذا الخبر، و هو جميل، و اما الاستدلال للجواز بما تمسك به العامة من رواية ابى هريرة، ان رسول الله (ص) قال: اذا قال الامام (غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ اَلضّٰالِّينَ) فقولوا: آمين، ففيه ما ذكره فى التذكرة بانا نمنع صحة الرواية فان عمر شهد عليه، انه عدو اللّه و عدو المسلمين، و حكم عليه بالجنابة، و اوجب عليه عشرة الاف دينار، الزمه بها بعد ولايته البحرين، و مثل هذا لا يسكن الى روايته قال و لان ذلك من القضايا المشهورة التى تعم بها البلوى، فيستحيل انفراد ابى هريرة بنقلها، انتهى.

و بالجملة لا شبهة فى ارجحية المشهور بين الطائفة، فخذ الرواية المشهورة و دع الشاذ النادر المخالف له الموافق للعامة، فان الرشد فى خلافهم البتة، و لنقل بالحرمة.

(و) هل تبطل الصلوة بها (اختيارا) ام لا؟ و الحق الأول، بلا خلاف اجده من القائلين بالحرمة، الا من السيد السند فى المدارك، حيث قال: وفد ظهر من ذلك كله، ان الاجود التحريم، دون الابطال، و تمسك فى ذلك بان النهى انما يفسد العبادة اذا توجه اليها، او الى جزء منها، او شرط لها، و هو هنا انما يتوجه الى امر خارج عن العبادة، فلا يقتضى فسادها، انتهى. و فيه انه احداث قول ثالث، كما فى الذخيرة و غيرها، و استظهره بعض الاجله، هذا مضافا الى شمول كثير من الاجماعات المحكية للابطال ايضا، كالانتصار، و التحرير و عن المنتهى، و غيرها. قال فى الأول: و مما انفردت به الامامية ايثار ترك لفظ آمين بعد قراءة الفاتحة، لان باقى الفقهاء يذهبون الى انها سنة، دليل ما ذهبنا اليه اجماع الطائفة على ان هذه اللفظة بدعة، قاطعة للصّلوة. و قال الثانى: قول آمين حرام، يبطل به الصلوة، سواء جهر بها أو أسر فى آخر الحمد او قبلها، اما ما كان أو ماموما، و على كل حال، و اجماع الامامية عليه.

فرعان:
الأول: صرح فى التذكرة و التحرير تعميم الحكم بالنسبة الى الامام و الماموم و المنفرد،

و يدل على التعميم اطلاق جملة من الأخبار المتقدمة، و ادعى فى التحرير عليه اجماع الامامية، كما عرفته من عبارته المنقولة.

الثانى: عن الاكثر تحريم القول بكلمة آمين، و بطلان الصلوة بها مطلقا،

سواء وقعت

ص: 379

بعد الحمد او قبله، بل لم اجد مفصلا ظاهرا بين آخر الحمد و غيره و يدل عليه عموم اجماع التحرير، المؤيد بذيل الخبر الخامس، و بجملة من الوجوه المتقدمة، و فى التذكرة قال الشيخ: آمين يبطل الصلوة، سواء وقعت بعد الحمد او بعد السّورة، او فى اثنائهما، و هو جيد للنهى عن قوة قولها مطلقا، و كذا افتى الشيخ مفلح فى غاية المرام.

فائدة:

حيث عرفت ان القول بكلمة آمين انما هو من بدع العامة العمياء، فاعلم انهم اختلفوا، فعن الشافعى و احمد و اسحق و داود يجهر الامام بها، لانه تابع للفاتحة، و عن ابى حنيفة و الثورى لا يجهر لانها دعاء مشروع فى الصلوة، فاستحب اخفاؤه كالدعاء فى التشهد، و عن مالك روايتان: هذا احدهما، و الثانية لا يقولها الامام لانه (ع) قال: اذا قال الامام (وَ لاَ اَلضّٰالِّينَ) فقولوا: آمين فدلّ على ان الامام لا يقولها، فعن الشافعى قولان الجديد الاخفاء و هو المحكى عن الثورى و ابى حنيفة، و القديم الجهر، و هو المحكى عن احمد و اسحق و ابى ثور و عطا من التابعين، و اذا اسر بالقراءة اسر به اتفاقا منهم على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر(1)، و عن الشافعية استحباب التامين عقيب قراءة الحمد مطلقا للمصلى و غيره، و قيل(2): و فيه لغتان: المد مع التخفيف، و القصر، و لو شدد عمدا بطلت صلوته اجماعا.

تنبيه:

لو كانت حال تقية جاز للمصلى ان يقولها. و بذلك صرّح فى التذكرة و غيرها، و الدليل على ذلك كثير، فلا وجه للاطالة، فلذا قيد المصنف الحكم بالاختيار، و فى الرياض بعد الحكم بالجواز: بل قد يجب اذا خاف ضررا من تركه عليه، او على غيره من المؤمنين، و على كل حال، لا يبطل الصلوة تركه حينئذ لعدم وجوبه عندهم، و لانه فعل خارج عن الصلوة، انتهى فافهم.

مستحباب القراءة
الجهر بالبسملة
اشارة

(و يستحب الجهر بالبسملة) فى مواضع (الاخفات) مطلقا، اما ما كان او منفردا، فى الاوليين كان ام فى الاخيرتين على المشهور، على ما ادعاه الجماعة،

ص: 380


1- كالتذكرة (منه).
2- و مؤكدة (منه).

خلافا لما حكاه ابن ادريس عن بعض اصحابنا من القول باختصاص ذلك بالامام، قال فى المختلف: و اظن ان المراد بذلك اى البعض الذى حكاه الحلى هو ابن الجنيد، لانه افتى بذلك فى كتاب الاحمدى، و للمحكى عن الحلى، فخصه بالاوليين، و للمحكى عن الحلبى فقال بالوجوب فى اوليتى الظهرين، فى كل من الحمد و السورة، و للمحكى عن القاضى، فاوجب الجهر بها و اطلق، و ربما يظهر من السيد المرتضى و الصدوق المصير اليه حيث عن الأول فى الجمل: و تفتتح القراءة ببسم اللّه الرحمن الرحيم يجهر بها فى كلّ صلوة جهر او اخفات، قيل(1)و قريب منه كلام الشيخ فى الجمل، و قال الثانى فى النهاية: و اجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فى جميع الصلوات، و اجهر بجميع القراءة فى المغرب و العشاء الاخرة و الغداة، و فى الامالى: من دين الامامية الاقرار بانه يجب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فى الصلوة عند افتتاح الفاتحة و عند افتتاح السورة بعدها، و هى آية من القرآن. و عن بعض دعوى كون ذلك مشهورا بين المتقدمين، و ان القول بالاستحباب انما حدث بين المتأخرين، و يظهر من بعض المحققين من متاخرى المتأخرين الميل الى هذا القول: فلننقل اولا جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام فنقول:

الأول: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن صفوان، قال:

صليت خلف أبى عبد الله (ع) اياما، فكان يقرا فى فاتحة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم فاذا كانت صلوة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم، و اخفى ما سوى ذلك.

الثانى: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الحسن كالصحيح أو الصحيح لمكان عبد اللّه بن يحيى الكاهلى عنه، قال: صلى بنا ابو عبد الله عليه السلام فى مسجد بنى كاهل، فجهر مرتين ببسم اللّه الرحمن الرحيم، و قنت

ص: 381


1- شرح المفاتيح. (منه)

فى الفجر و سلم واحده مما يلى القبلة.

الثالث: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن حنان بن سدير. قال: صليت خلف ابى عبد الله (ع)، فتعوذ باجهار، ثم جهر ببسم اللّه الرّحمن الرحيم.

الرابع: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن ابى حمزة قال: قال على بن الحسين عليهما السلام: يا ثمالى ان الصلوة اذا اقيمت جاء الشيطان الى قرين الامام، فيقول اهل ذكر ربه؟، فان قال: نعم، ذهب و ان قال: لا، ركب على كتفيه، فكان امام القوم حتى ينصرفوا. قال: فقلت: جعلت فداك، أليس يقرؤن القرآن؟ قال: بلى، ليس حيث تذهب يا ثمالى، انما هو الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.

بيان:

عن الوافى، ان المراد بقرين الامام الملك الموكل به، قال بعض الأجلاء:

الظاهر انما هو الشيطان الموكل به، فان لكل مكلف ملكا و شيطانا موكلين به، هذا يهديه، و هذا يغويه، انتهى.

أقول: و كلاهما محتمل.

الخامس: ما رواه الكافى فى باب قراءة القرآن، عن صفوان الجمال، قال:

صليت خلف ابى عبد الله (ع) اياما، و كان اذا كانت صلوة لا يجهر فيها جهر ببسم الله الرّحمن الرحيم، و كان يجهر فى السّورتين جميعا.

السادس: ما رواه الكافى ايضا فى كتاب الروضة فى الحسن او الصحيح عن سليم بن قيس، عن على (ع) فى خطبة طويلة، يذكر فيها احداث الولاة الذين كانوا قبله، قال: قد عملت الولاة قبلى اعمالا خالفوا فيها رسول الله (ص)، الى ان قال: ارايتم لو امرت بمقام ابراهيم (ع) فرددته الى الموضع الذى وصفه فيه رسول الله (ص)، و ساق الحديث الى ان قال: و الزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، الحديث.

السابع: ما رواه الصدوق فى العيون فى باب اخلاق الرضا (ع) فى رواية رجاء بن ضحاك، ان الرضا (ع) كان يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم فى جميع

ص: 382

صلوته بالليل و النهار.

الثامن: ما رواه ايضا فى العيون فى باب ما كتبه الرضا (ع) للمامون (لع) من محض الاسلام و شرائع الدين، عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن على بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، قال: سأل المامون على بن موسى الرضا (ع) ان يكتب له محض الاسلام على الايجاز و الاختصار، فكتب (ع): ان محض الاسلام...، ثم ساق الحديث الى ان قال: و الاجهار ببسم الله الرحمن الرحيم فى جميع الصلوات سنة، الحديث.

التاسع: ما روى عنه ايضا فى الخصال بسنده الى الاعمش، عن جعفر بن محمد فى حديث شرايع الدين، و الاجهار ببسم اللّه الرحمن الرحيم فى الصلوة واجب.

العاشر: ما عن كشف الغمة، انه قال: قال ابو حاتم السجستانى: روى عبد العزيز بن الخطاب، عن عمر بن شمر عن جابر، قال: اجمع آل الرسول (ص) على الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم، و ان لا يمسحوا على الخفين. قال ابن خالويه: هذا مذهب الشيعة و مذهب اهل البيت، انتهى.

الحادى عشر: ما رواه الشيخ فى المصباح عن ابى الحسن الثالث (ع)، انه قال: ان علامات المؤمن خمس، صلوة الخمسين، و زيارة الاربعين، و التختم فى اليمين، و تعفير الجبين، و الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم.

الثانى عشر: ما روى عن كتاب تاويل الآيات الناظرة، نقلا عن تفسير محمد بن العباس بن ماهيار، بسنده فيه الى ابى بصير، قال: سأل جابر الجعفى ابا عبد الله (ع) عن تفسير قوله عزّ و جلّ: (وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرٰاهِيمَ) فقال: ان الله لما خلق ابراهيم كشف له عن بصره، فنظر فرآى نورا الى جنب العرش، و ساق الخبر الى ان قال: فقال الهى ارى نورا قد احدق بهم، و هو لا يحصى عددهم الا انت، قيل: يا ابراهيم هؤلاء شيعتهم، شيعة على بن ابى طالب. فقال ابراهيم: و بما تعرف شيعته؟ فقال: بصلوة الاحدى و الخمسين، و الجهر ببسم اللّه الرحمن

ص: 383

الرحيم، و القنوت قبل الركوع، و التختم باليمين، فعند ذلك قال ابراهيم: اللهم اجعلنى من شيعة امير المؤمنين (ع)، قال: فاخبره اللّه فى كتابه (وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرٰاهِيمَ).

الثالث عشر: ما روى عن الشيخ حسن بن سلمان فى كتاب المختصر، نقلا من كتاب السيد حسين بن كيش، باسناده الى الصادق (ع)، قال: اذا كان يوم القيامة تقبل اقوام على نجائب، ينادون باعلى اصواتهم، الحمد لله الذى انجزلنا وعده، الحمد لله الذى اورثنا ارضه، نتبؤ من الجنة حيث نشاء، قال: فتقول الخلائق: هذه زمرة الانبياء، فاذا بالنداء من عند اللّه عزّ و جلّ: هذه شيعة على بن ابى طالب، و هو صفوتى احسن عبادى و خيرتى، فتقول الخلائق: الهنا و سيدنا بم نالوا هذه الدرجة؟ فاذا بالنداء من قبل اللّه عزّ و جلّ: نالوها بتختمهم باليمين، و صلواتهم احدى و خمسين و اطعامهم المسكين، و تعفيرهم الجبين، و جهرهم فى الصلوة ببسم اللّه الرحمن الرحيم.

الرابع عشر: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح - عن عبيد اللّه و محمد ابنى على الحلبيين، عن ابى عبد الله (ع)، انهما سألاه عمن يقرا بسم اللّه الرحمن الرحيم حين يريد يقرا فاتحة الكتاب؟ قال: نعم، ان شاء سرا، و ان شاء جهرا، فقال: افيقرأها مع السورة الاخرى؟ فقال: لا.

اذا عرفت ذلك. فاعلم ان للقول الأول وجهان:

الأول: الاجماع، المحكى(1) عن الخلاف و غيره من كتب الجماعة،(2) المعتضد بالشهرة، التى استدل بها فى رد القول المحكى عن الاسكافى المصنف فى المختلف كما عن غيره، و فى جامع المقاصد بعد نقل جملة من الاقوال المتقدمة، و الكل مدفوع بانتفاء الدليل، و مخالفة المشهور، و فى المختلف لنا انه قول اكثر علمائنا، فيكون راجحا على غيره.

الثانى: جملة من الأخبار:

منها: الخبر الرابع عشر، لمكان ترك الاستفصال، و كون مقتضى الخبر

ص: 384


1- و فى التذكرة يستحب بالبسملة فى مواضع الاخفات فى اول الحمد و اول السورة عند علمائنا (منه).
2- كالمعتبر و ظاهر التذكرة و كنز العرفان (منه).

التخيير بين الجهر و الاخفات فى البسملة، و لو كانت القراءة مما يجب فيها الجهر غير ضاير، اذ العام المخصص فى الباقى حجة، و اقتضاء ذيله لعدم وجوب السورة على فرض التسليم غير ضاير ايضا، اذ هو كالعام المخصص فيما بقى حجة، فلا يضر ذلك، كالقول بان مقتضاه التخيير بين الجهر و الاخفات، و اين هذا من استحباب الأول، لمكان عدم القول بالفصل، كما استظهره بعض مشائخنا، اذ الظاهر ان كلّ من قال بالتخيير قال باستحباب الجهر.

و منها: الخبر الحادى عشر و ما ضاهاه، حيث ساق الاجهار به سياق المستحبات بلا خلاف، قاله بعض الاجله، مع اشعاره به من وجه آخر.

و منها: الخبر الثامن، اذ لعل الظاهر منه كون المراد بالنسبة هنا هو المصطلح عليه بين الطائفة، و ان نقل بثبوت ذلك الاصطلاح فى عصر مولانا الرضا (ع)، او نقول بان المراد منها ما لم يكن ثبوته من كلام اللّه عزّ و جلّ.

و منها: الخبر السابع، المعتضد بجملة من الأخبار المتقدمة، و بحديث:

لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و للقاضى جملة من الأخبار.

و منها: جملة من الأخبار المتقدمة الدالة على مداومتهم (ع) بالجهر، و فيه انا لا نسلم دلالة المداومة على الوجوب، كيف و مداومتهم على المندوبات مما ليس فيه مرية.

و منها: الخبر السادس، و التاسع، و العاشر المعتضد بالخبر الرابع، و بالشهرة المحكية، و باجماع الامالى المتقدم اليه الاشارة، و فيه ان تلك الأخبار مع قطع النظر عن كلام فى سندها، معارضة بما هو اقوى منها، و هو ما تقدم اليه الاشارة هذا مضافا مع كثرة استعمال لفظ الوجوب فى المتاكد استحبابه فى اخبار الائمة عليه السلام، قاله بعضهم، مع كونه أعم من الوجوب بالمعنى المصطلح عليه الآن، لغة قاله بعض الاجلة و بالجملة لفظ الوجوب ليس بصريح فى المصطلح عليه الآن و ظهوره فيه على فرض التسليم لا يجدى لما مر اليه الاشارة، و اما اجماع الامالى فمع قطع النظر عن المناقشة فى لفظ الوجوب بما مرت اليه الاشارة، موهون بمصير الاكثر الى خلافه، سيما المتأخرين، اذ هم مطبقون على خلافه، قاله بعض الاجلة

ص: 385

بل لم يظهر من القدماء ايضا موافق له عدا القاضى اذ لو كان الموافق لذكره الاصحاب فى طى نقل الاقوال و لم نجد ذلك من كلامهم و انما نقله بعض متأخرى المتأخرين مع انه غير جازم به بل يظهر منهم ان الصدوق ايضا غير موافق للقاضى، اذ لم اجد من نسب اليه ذلك الا من ذلك البعض.

قال فى جامع المقاصد: قال فى الذكرى: و قد صرح باستحبابه فى جميع الصلوات ابن بابويه، و المرتضى فى الجمل، و الشيخ فى النهاية و الخلاف و المبسوط، و خصّ ابن ادريس استحباب الجهر بالبسملة بما يتعين فيه القراءة، و ضعفه ظاهر، لان اطلاق الأخبار بغير معارض مع تصريح الاصحاب حجة عليه، الى ان قال: و اوجب ابن البراج الجهر فى الاخفاتية مطلقا، و اوجبه ابو الصلاح فى اوليى الظهر و العصر فى الحمد و السورة، و الكل مدفوع بانتفاء الدليل، و مخالفة المشهور.

و فى المختلف اوجب ابن البراج الجهر بها فيما تخافت فيه و اطلق و اوجب ابو الصلاح الجهر بها فى اوليى الظهر و العصر، فى ابتداء الحمد و السورة التى يليها، و المشهور الاستحباب، لنا الاصل براءة الذمة من الوجوب، و لانها جزء السورة، التى يجب الاخفات فيها، فيتعين فيها المساواة، لكن صرنا الى الاستحباب عملا بقول الاصحاب، انتهى، هذا مضافا الى انه لعلّ الظاهر من عبارة الفقيه ان ترك الجهر بالبسملة فيما يخافت فيه لا يوجب اعادة الصلوة اصلا، و عليه فلو حملنا الامر على ظاهره يلزم حمله على الوجوب التعبدى المحض، و لا ريب ان حمل الامر على الاستحباب سيما فى كلامه ارجح من ذلك. و بالجملة، لا شبهة فى عدم جواز الاعتماد باجماع الامالى، لما مر اليه الاشارة، و لما عن الحلى من دعوى الاجماع على صحة الصلوة بترك الاجهار، و بالجملة، ارجحية القول المشهور مما ليس فيه مرية، فلا اعتناء بشان هذا القول، كقول الحلبى، اذ لم اجد ما يدل عليه سوى مداومتهم (ع) و ظاهر بعض الأخبار المتقدمة بتقريب ان الاصل فى الاخيرتين انما هو التسبيح، و فيه ما تقدم اليه الاشارة من عدم دلالة المداومة على الوجوب، و من قيام الادلة على الاستحباب بقول مطلق فلا مرية فى ضعف هذا القول الشاذ كقول الحلى، اذ لم نجد ما يدل عليه سوى ما ذكره المصنف رحمه اللّه فى المختلف، قال: احتج ابن

ص: 386

ادريس بان الصلوة اما جهرية او اخفاتية، فالاخفاتية الظهر و العصر، و الجهر بالبسملة فى الركعتين الاوليين مستحب، لان فيها يتعين القراءة، و اما الاخريان فلا يتعين فيهما القراءة و لا خلاف فى ان الصلوة الاخفاتية لا يجوز الجهر فيها بالقراءة، و البسملة من جملة القراءة و انما ورد فى الصلوة الاخفاتية التى يتعين فيها القراءة و لا يتعين الا فى الاوليين فحسب و ايضا طريقة الاحتياط يقتضى وجوب ترك الجهر بالبسملة فى الاخيرتين، لانه لا خلاف فى صحة الصلوة مع ترك الجهر، و فى صحة صلوة من جهر فيها خلاف. و ايضا لا خلاف فى وجوب الاخفات فى الاخيرتين، فمن ادعى استحباب الجهر فى بعضها و هو البسملة، فعليه الدليل، قال: و قول الشيخ باستحباب الجهر فى الموضعين، يريد فيه الظهر و العصر و لو اراد الاخيرتين من كل فريضة لما قال فى الموضعين بل فى المواضع. و ايضا فلا خلاف فى سقوط الذم عمن ترك الجهر، و يخشى من الجهر لخوف الذم، فيكون تركه اولى. و ايضا فقد روى زرارة عن الباقر (ع) ان الاخيرتين لا قراءة فيهما.

قال فى المختلف: و الجواب انه لا يلزم من عدم التعيين عدم استحباب الجهر بالبسملة فيهما، و الاحتياط معارض باصالة براءة الذمة عن وجوب الاخفات فى البسملة، و باقى ادلته كموارد لهذين. و قوله: ان مراد الشيخ بالموضعين الظهر و العصر، ليس بواضح، و يمكن ان يكون مراده قبل الحمد و بعدها، انتهى.

أقول: لا ريب فى عدم مقاومة هذا القول لما هو مشهور بين الطائفة اذ ذلك مع قطع النظر عن كونه شاذا،(1) كما ذكره بعض الاجله، تخصيص لما نص عليه الاصحاب، و دلت عليه الروايات بلا مخصص، و دليل اذ لم يثبت اجماع على وجوب الاخفات فى الاخيرتين مطلقا، حتى فى البسملة، و اما عدم الخلاف الذى ادعاه، فموهون بمصير اكثر الاصحاب، لو لم نقل عامتهم على خلافه.

و بالجملة، لا اعتناء بشان هذا القول كقول الاسكافى، اذ لم نجد ما يدل عليه، سوى ما اشار اليه فى المختلف، بان الاصل وجوب المخافتة بها، فيما تخافت فيه، لانها بعض الفاتحة، خرج عنه ما اذا كان اماما، لرواية صفوان فيبقى التعدد على الاصل.

ص: 387


1- و يظهر من بعض الأجلاء الميل على ما ذكره ابن ادريس (منه).

و قال فى المختلف بعد ان استدل للمختار بانه قول اكثر علمائنا، فيكون راجحا على غيره، و بعد ذكر هذا الدّليل بما لفظه: و الجواب المنع من عموم وجوب المخافتة، انتهى.

أقول: لا ريب فى عدم وجاهة هذا القول الشاذ، كما صرح به بعض الاجله اذ هو تخصيص للروايات و كلام الاصحاب بلا دليل، فليترك الاقوال النادرة، و ليعمل بما هو مشهور من شعائر الشيعة من الجهر بالبسملة، كما ذكره غير واحد من الطائفة، و ينادى بذلك حسنة سليم بن قيس المتقدمة، و لا تتوهم ان قولنا بكون ذلك من شعائر الشيعة، ربما ينافيه ما عن الشافعى، و عمرو بن الزبير، و ابن عباس، و ابن عمر، و ابو هريرة، و عطاء و طاوس، و سعيد بن جبير، و مجاهد من القول باستحباب الجهر بها قبل الحمد و السورة فى الجهرية و الاخفاتية، اذ المحكى عن الثورى، الاوزاعى، و ابى حنيفة، و احمد، و ابى عبيد عدم الجهر بها بحال، بل نقله الجمهور عن على (ع)، و ابن مسعود، و عمار مستدلا بان انسا قال: صليت خلف النبى (ص) فلم اسمعه يجهر بها، و فيه(1) ما ترى. و عن النخعى: جهر الامام بها بدعة، و عن مالك: المستحب ان لا يقراها. و عن ابن ابى ليلى، و الحكم، و اسحق: ان جهرت فحسن، و ان اخفيت فحسن. و بالجملة، الظاهر ان ترك الجهر كان مقررا فى زمان الولاة، التى كانت قبل مولانا على (ع) و بعده، و لو فى الجملة. فلذا قال على (ع) فى رواية سليم بن قيس الهلالى المروية فى روضة الكافى ما قال: فلما تمكن الائمة عليهم السلام لاظهار ذلك الحق، و رفع تلك البدعة، و لو فى الجملة، اظهروه فأخذوه شيعتهم، و جعلوه من شعارهم، كما ترى من سيرتهم.

بقى فى المقام شىء، و هو ان الاحتياط فى الاخيرتين هل يقتضى الاجهار بالبسملة ام الاخفات بها؟ قال بعض الاجلة: و ربما يتردد فى الاحتياط بالاجهار بها فى الاخيرتين، لمعارضة وجهه من الخروج عن شبهة القول بالوجوب بمثله، من شبهة القول بالحرمة كما عرفته من الحلى، مع تردد ما فى شمول الاطلاقات بالاجهار، وجوبا او استحبابا، نصا او اجماعا، منقولا لهما، و لو لا ما قدمناه من عدم دليل على وجوب الاخفات فيهما عدا الاجماع

ص: 388


1- و فى التذكرة بعد نقل الرواية و لا حجة فيه لصغره او بعده (منه).

الغير معلوم الثبوت فى محل النزاع، الا بدعوى الحلى الموهونة بلا شبهة، كما عرفته، لكان المصير الى قوله لا يخلو عن قوة، و ان اعتضد خلافه بالشهرة، انتهى.

أقول: و الانصاف ان ترجيح الاحتياط لا يخلو عن اشكال من الشهرة المحكية، الدالة على كون اطلاق الوجوب مشهورا بين قدماء الطائفة المعتضدة بما مر اليه الاشارة فالاجهار، و من ان الاصل فى الاخيرتين انما هو التسبيح، لا الحمد، و ان كانت قرائته بدلا عن التسبيح جايزة، و عليه فيتقوى و لو فى الجملة عدم انصراف الاطلاقات الى الاخيرتين فالاخفات، مضافا الى ما مر فى كلام بعض الاجلة، كما تقدم عن قريب اليه الاشارة، و لعل الاحتياط فى جانب الاجهار، لكثرة الادلة الدالة عليه بقول مطلق.

فرع: لم اجد مخالفا فى وجوب الجهر بالبسملة فيما يجهر فيه،

و ربما يظهر من النهاية المخالفة، حيث قال: و يستحب ان يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم فى جميع الصلوات، و ان كان مما لا يجهر بالقراءة فيها فان قراها فيما بينه و بين نفسه لم يكن به بأس، غير ان الافضل ما قدمناه، انتهى. و هو ضعيف جدا.

و فى المختلف: اتفق الموجبون للجهر بالقراءة على وجوبه فى البسملة فيما يجهر فيه.

و فى التذكرة: يجب الجهر بالبسملة فى مواضع الجهر، و يستحب فى مواضع الاخفات فى اول الحمد و اول السورة عند علمائنا، لانها آية من السورة تتبعها فى وجوب الجهر، و اما استحبابه مع الاخفات الى آخره.

الترتيل
اشارة

(و) يستحب (الترتيل)(1) اجماعا من العلماء كافة،(2) نقله غير واحد، و يدل عليه بعد ذلك ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن على، عن ابي عبد اللّه البرقى، و ابى احمد يعنى به محمد بن ابى

ص: 389


1- قال فى صراح اللغة ترتيل هموار و آرميده و يبدا خواندن قوله تعالى وَ رَتِّلِ اَلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً كلام رتل بفتحتين سخن هموار، ثغر رتل رسته دندان هموار، رجل رتل بكسر گشاده ميانهاى دندان و فى المنتخب ترتيل هموار و آرميده و يبدا خواند و سخن رو نظم تأليف خوب دادن.
2- عن ابن عباس لأن اقرء البقرة ارتلها احبّ الىّ من اقرء القرآن كله (منه).

عمير على الظاهر، عن بعض اصحابنا، عن ابى عبد الله (ع)، قال: ينبغى للعبد اذا صلى ان يرتل فى قراءته، فاذا مر باية فيها ذكر الجنة و ذكر النار سأل اللّه الجنة، و تعوذ بالله من النار، و اذا مر بيا ايها الناس، و بيا ايها الذين امنوا، يقول: لبيك ربنا. و ما رواه الكافى فى باب فى كم يقرا القرآن عن على بن ابى حمزة، عن ابى عبد الله (ع). انه قال لابى بصير:

ان القرآن لا يقرا هذرمة،(1) و لكن يرتل ترتيلا، و اذا مررت باية فيها ذكر الجنة فقف عندها، و اسأل اللّه عزّ و جلّ الجنة، و اذا مررت باية فيها ذكر النار فقف عندها، و تعوذ بالله من النار. و كذا روى على فى ذلك الباب عنه (ع) قريبا من ذلك، و رواية حماد الطويلة المتقدمة فى اوايل الكتاب.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: عن الصحاح الترتيل فى القراءة الترسل فيها، و التبين بغير نعى.

و عن القاموس رتل الكلام ترتيلا، احسن تأليفه، و ترتل فيه ترسل.

و عن النهاية ترتيل القراءة التأتى فيها، و التمهل، و تبين الحروف و الحركات، تشبيها بالثغر المرتل، و هو المشبه بنور الاقحوان(2). و عن المغرب الترتيل فى الأذان و غيره، ان لا يعجل فى ارسال الحروف، بل يثبت فيها، و يبينها تبيينا، و يوفيها حقها من الاشباع من غير اسراع، من قولهم ثغر مرتل، و رتل مفلج مستوى النسبة حسن التنضيد.

و عن الكشاف: ترتيل القرآن قراءته على ترسل و توأدة، تبيين الحروف و اشباع الحركات، حتى يجئ المتلو منه تشبيها بالثغر المرتل، و هو المفلج المشبه بنور الاقحوان،

ص: 390


1- عن النهاية، الهذرمة: السرعة فى الكلام و المشى (منه). و فى المنتخب هذّ بالفتح و تشديد ذال بشتاب پريدن و شتاب رفتن و شتاب خواندن (منه). و فى المنتخب نثر بالفتح پراكنده و پراكندن (منه).
2- قيل الثغر لغة المتبسم ثم اطلق على الثنايا و ما تقدم من الاسنان و المفلح بالتحريك تباعد بين الثنايا و الرباعيات و قال فى مجمع البحرين و منه المنفلحات اللواتى يفعلن ذلك باسنانهن فى التحسين و منه لعن اللّه المنفلحات للحس و رجل افلج الاسنان و امرأة فلجى الاسنان و فى وصفه (ص) كان مفلج الاسنان كل ذلك بمعنى انفراجها و الثغر الالص المتقارب الاضراس قال فى القاموس اللصص تقارب المنكبين و تقارب الاضراس و هو الص (منه).

و ان لا يهذّه هذّا، و لا يسرده سردا، حتى يشبه المتلو فى تتابعه الثغر الالص.

و روى الكافى فى باب ترتيل القرآن عن عبد اللّه بن سليمان قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن قول اللّه عزّ و جلّ: (وَ رَتِّلِ اَلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) قال: قال امير المؤمنين صلوات الله عليه: بينه تبيانا، و لا تهذه هذّ الشعر، و لا تنثره نثر الرمّل، و لكن افزعوا قلوبكم القاسية، و لا يكن همّ احدكم آخر السورة.

و قال فى التحرير: و يعنى بالترتيل فى القراءة تبينها من غير مبالغة، و به قال الشيخ، و ربما كان واجبا اذا اريد به النطق بالحروف بحيث لا يندمج بعضها فى بعض.

و عن المنتهى نحوه، و فى نهاية الاحكام: و يعنى به بيان الحروف و اظهارها، و لا يمد بحيث يشبه الغناء.

و قال فى الذكرى: هو حفظ الوقوف، و اداء الحروف.

و قال فى مجمع البيان: اى بينه بيانا، او اقرءه على هنيئتك، و قيل معناه: ترسل فيه ترسلا، و قيل تثبت فيه. و روى عن امير المؤمنين (ع) فى معناه قال: بينه بيانا، و لا تنثره الى آخر ما تقدم.

و روى ابو بصير عن ابى عبد الله (ع) فى هذا: هو ان تتمكث فيه و تحسن به صوتك، انتهى.

قال فى النفلية: هو تبيين الحروف بصفاتها المعتبرة من الهمس و الجهر، و الاستعلاء، و الاطباق و الغنة و غيرها، ثم ذكر الوقف. و جعله الشهيد الثانى عطفا على التبيين، حتى يصير من تتمة تفسير الترتيل، ثم ذكر تفسير التام و الحسن، و كونه عند فراغ النفس، بما لفظه: و من هنا يعلم ان مراعات صفات الحروف المذكورة و غيرها، ليس على وجه الوجوب كما يذكره علماء فنه، مع امكان ان يريدوا تاكيد الفعل كما اعترفوا به فى اصطلاحهم على الوقف الواجب، ثم قال: و لو حمل الامر بالترتيل على الوجوب، كان المراد ببيان الحروف اخراجها من مخارجها على وجه يتميز بعضها عن بعض، بحيث لا يدمج بعضها فى بعض، و بحفظ الوقوف مراعاة ما يخل بالمعنى، و يفسد التركيب، و يخرج عن اسلوب القرآن، الذى هو معجز بغريب اسلوبه و بلاغة تركيبة.

ص: 391

و قال فى الروضة: و هو لغة: الترسل فيها و التبيين بغير نعى، و شرعا.

قال فى الذكرى: هو حفظ الوقوف، و اداء الحروف، و هو المروى عن ابن عباس، و قريب منه عن على (ع)، الا انه قال: و بيان الحروف بدل ادائها، و قال ايضا بعد قول الشهيد: و الترتيل فيه اى فى الأذان ما لفظه: ببيان حروفه و اطالة وقوفه من غير استعجال.

و قال فى الرياض: و هو لغة الترسيل فيها، و التبيين بغير نعى، قاله الجوهرى.

و اختلف العبارات عنه شرعا، فقال المصنف فى المنتهى: هو تبينها من غير مبالغة.

و فى النهاية: هو بيان الحروف و اظهارها، و لا يمد بحيث يشبه الغناء، و لو ادرج و لم يرتل و اتى بالحروف بكمالها صحت صلوته. و تعريف المنتهى تبع فيه شيخه المحقق فى التحرير. و هذه التعريفات يناسب المعنى اللغوى، و الاستحباب.

و فى الذكرى: هو حفظ الوقوف، و اداء الحروف، و هو مروى عن ابن عباس و على (ع)، الا انه قال: و بيان الحروف بدل ادائها، و هذا التعريف لا يجامع ذكر الوقوف على مواضعه بعد ذلك، لدخوله فيه.

و قال فى المسالك: للترتيل تفسيرات:

أحدها: ما ذكره المصنف رحمه اللّه فى التحرير: انه تبيين الحروف من غير مبالغة، و نقله عن الشيخ ايضا، و المراد به الزيادة على الواجب، الذى يتحقق به النطق بالحروف من مخارجها، ليتم الاستحباب.

الثانى: انه بيان الحروف و اظهارها، و لا يمدها بحيث تشبه الغناء،

و هو تفسير الفاضل فى النهاية، قال: و لو ادرج و لم يرتل، و اتى بالحروف بكمالها صحت صلوته، و هو قريب من الأول، و هما معا موافقان لكلام اهل اللغة، قال فى الصحاح: و الترتيل فى القراءة الترسل فيها و التبيين بغير نعى.

الثالث: انه حفظ الوقوف و اداء الحروف.

ذكره فى الذكرى، و هو المنقول عن ابن عباس، و على (ع)، الا انه قال: و بيان الحروف، و الا و لان انسب لعبارة

ص: 392

الكتاب، للاستغناء بالتفسير الثالث عن قوله: و الوقوف على مواضعه.

و قال فى المدارك: و الترتيل لغة الترسل و التبيين، و حسن التاليف. و فسره فى الذكرى بانه حفظ الوقوف و اداء الحروف، و عرفه فى التحرير بانه تبيين الحروف من غير مبالغة. قال و ربما كان واجبا اذا اريد به النطق بالحروف من مخارجها بحيث لا يندمج بعضها فى بعض، و هو حسن.

و قال فى كنز العرفان على ما حكى: قيل هو تبيين الحروف و اخراجها من مخارجها، يوفيه حقها من الحركات و الاشباع. و عن ابن عباس هو القراءة على هنيئتك، و عن على (ع) بينه تبيانا، و عن الرضا (ع) انه قال: اذا مررت باية فيها ذكر الجنة، فاسأل اللّه تعالى الجنة، و اذا مررت باية فيها ذكر النار فتعوذ بالله من النار. و قيل المراد التخويف به الى قرائته بصوت حزين. و يؤيده رواية ابى بصير عن الصادق (ع) قال: هو ان تتمكث فيه، و تحسن به صوتك.

و التحقيق ان الغرض من الترتيل، تدبر القرآن فى معانية، و الانقياد عند اوامره، و الانزجار عند زواجره.

و قال فى جامع المقاصد بعد نقل عبارة الذكرى و المنتهى: فالترتيل هو ما زاد على القدر الواجب من التبيين. و قال ايضا فى حاشية المتن: المراد به حفظ الوقوف، و اداء الحروف، اى كمال ادائها.

و قال على بن ابراهيم فى تفسيره: بيّنه تبيانا، و لا تنثره نثر الرمل، و لا تهذه هذّ الشعر، و لكن افزع به القلوب القاسية.

و قال الشيخ البهائى فى الاثنى عشرية، و هو حفظ الوقوف، و بيان الحروف، كما روى عن امير المؤمنين (ع) و فسر الأول بالوقف التام و الحسن، و الثانى بالاتيان بصفاتها المعتبرة من الهمس و الاستعلاء، و الاطباق و غيرها.

و قال فى الحبل المتين: و الترتيل تبيين الحروف، و عدم ادماج بعضها فى بعض. ماخوذ من قولهم ثغر رتل و مرتل، اذا كان مفلّجا. و عن امير المؤمنين (ع)، انه حفظ الوقوف و بيان الحروف، و عن ذلك الكتاب ايضا: الترتيل

ص: 393

التأنيّ، و تبيين الحروف، بحيث يتمكن السامع من عدها، ماخوذ من قولهم ثغر رتل و مرتل، اذا كان مفلّجا، و به فسر فى قوله تعالى: (وَ رَتِّلِ اَلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً)، و عن امير المؤمنين (ع)، انه حفظ الوقوف و بيان الحروف، اى مراعاة الوقف التام، و الحسن و الاتيان بالحروف على الصفات المعتبرة، من الجهر و الهمس، و الاستعلاء و الاطباق، و الغنة و امثالها. و الترتيل بكل من هذين التفسيرين مستحب، و من حمل الامر فى الاية على الوجوب، فسر الترتيل باخراج الحروف من مخارجها على وجه يتميز، و لا يندمج بعضها فى بعض.

و قال فى شرح الجعفرية: و نعنى به تبيين الحروف و اظهارها، و فسر بعضهم الترتيل انه حفظ الوقوف و اداء الحروف، بحيث يتمكن السامع من عدها.

و قال فى المفاتيح: و هو حفظ الوقوف و بيان الحروف، كما فى الخبر.

و قال التقى المجلسى رحمه اللّه على ما حكى: الترتيل الواجب هو اداء الحروف من المخارج، و حفظ احكام الوقوف بان لا يقف على الحركة، و لا يصل بالسكون، فانهما غير جايزين باتفاق القراء و اهل العربية. و الترتيل المستحب هو اداء الحروف بصفاتها المحسنة لها، و حفظ الوقوف التى استحبها القراء و بينوها فى تجاويدهم.

و الحاصل انه ان حملنا الترتيل فى الاية على الوجوب كما هو دابهم فى اوامر القرآن، فليحمل على ما اتفقوا على لزوم رعايته من حفظ حالتى الوصل و الوقف، و اداء حقهما من الحركة و السكون، او الاعم منه و من ترك الوقف فى وسط الكلمة اختيارا، و منع الشهيد من السكون على كل كلمة، بحيث يخل بالنظم، فان ثبت تحريمه كان ايضا داخلا فيه، و لو حمل الامر على الندب او الاعم كان مختصا او شاملا لرعاية الوقف على الآيات مطلقا، كما ذكره جماعة من اكابر اهل التجويد، و يشتمل ايضا على المشهور رعاية ما اصطلحوا عليه من الوقف اللازم، و التام و الحسن، و الكافى فى الجايز، و المجوز، و المرخص، و القبيح، لكن لا يثبت استحباب رعاية ذلك عندى، لان تلك الوقوف من مصطلحات المتأخرين، و لم تكن

ص: 394

فى زمان امير المؤمنين، فلا يمكن حمل كلامه عليه، الا ان يقال: غرضه رعاية الوقف على ما يحسن بحسب المعنى، على ما يفهمه القارى، و لا ينافى ذلك حدوث تلك الاصطلاحات بعده، و يرد عليه ايضا: ان هذه الوقوف انما وضعوها على حسب ما فهموه من تفاسير الآيات، و قد وردت اخبار كثيرة كما سياتى فى ان معانى القرآن لا يفهمها الا اهل البيت، الذين تنزل عليهم القرآن، و يشهد له انا نرى كثيرا من الايات كتبوا فيها نوعا من الوقف بناء على ما فهموه، و وردت الأخبار المستفيضة بخلاف ذلك المعنى، كما انهم كتبوا الوقف اللازم فى قوله سبحانه: (وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللّٰهُ) على آخر الجلاله، لزعمهم ان الراسخين فى العلم لا يعلمون تاويل المتشابهات. و قد وردت الأخبار المستفيضة فى ان الراسخين هم الائمة عليه السلام، و هم يعلمون تاويلها، مع ان المتأخرين من مفسرى العامة و الخاصة رجحوا فى كثير من الآيات تفاسير لا توافق ما اصطلحوا عليه فى الوقوف، و لعل الجمع بين المعنيين لورود الأخبار على الوجهين، و تعميمه بحيث يشمل الواجب و المستحب من كل منهما، حتى انه يراعى فى الوقف ترك قلة المكث، بحيث ينافى التثبت و التأنّى، و كثرة المكث، بحيث ينقطع الكلام و يتبدد النظام فيكره، او يصل الى حد يخرج كونه قاريا فيحرم، على المشهور اولى و اظهر، تحريا للفايدة، و رعاية لتفاسير العلماء و اللغويين، و اخبار الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين، و اللّه يعلم حقايق كلامه، انتهى.

أقول: اذا عرفت ذلك، فاعلم ان للترتيل تفسيرات:

أحدها: ما ذكره فى التحرير، من انه تبيين الحروف من غير مبالغة، و نقله عن الشيخ ايضا، و تبعه المصنف رحمه اللّه فى المنتهى، و عليه فالمراد به الزيادة على القدر الواجب، تحقيقا لمعنى الاستحباب.

و ثانيها: ما ذكره المصنف رحمه اللّه فى نهاية الاحكام، من انه بيان الحروف و اظهارها، و لا يمد بحيث يشبه الغناء، و هما قريبان موافقان لكلام اهل اللغة، و هو ظاهر اخبار محمد بن ابى عمير، و على بن ابى حمزة، و عبد اللّه بن

ص: 395

سليمان المتقدمة.

و ثالثها: ما اختاره فى الذكرى، من انه حفظ الوقوف و اداء الحروف، و هو المنقول عن ابن عباس، و مولانا على (ع)، الا انه قال: و بيان الحروف. و تبعه فيه من تبعه ممن تقدم، نقل كلامه.

الرابع: ما ذكره فى كنز العرفان، و يعضده رواية ابى بصير المتقدمة فى كلام مجمع البيان، بل لعل خبرى ابن ابى عمير، و على بن ابى حمزة ايضا لا يخلو ان عن تاييد، و يمكن ان لا يجعل ما حققه فى كنز العرفان تفسيرا رابعا، و كيف كان، فالظاهر ان المعانى المذكورة اذا راعاها القارى فى القراءة، لكان عاملا بالاستحباب، و اما ان المراد بالترتيل الواقع فى الاية اى معنى من المعانى المذكورة، فيحتاج الى تفصيل ما، و هو ان الامر لو حمل على الوجوب فالمراد به التنطق بالحروف من مخارجها، بحيث لا يندمج بعضها فى بعض، و ان حملنا الامر على الاستحباب، فالمراد منه هو ما ذكره اهل اللغة، اى التبيين و التأنى.

و عن جملة من اصحابنا و غيرهم انهم حملوا الاية عليه، و قد عرفت ان رواية عبد اللّه و غيرها ظاهرة فيه.

قال بعض الأجلاء: روى الخاص و العام عن امير المؤمنين، و كذا عن ابن عباس، تفسيره اى الترتيل بحفظ الوقوف و اداء الحروف، و ان كنت لم اقف على هذه الرواية مسندة فى شىء من كتب الأخبار، الا انها فى كلامهم، و على رؤس اقلامهم فى غاية الاشتهار. و فى بعض الروايات و بيان الحروف، و تمسك به اصحاب التجويد، و فسروه بهذا الوجه الذى سمعته من كلام شيخنا الشهيد الثانى، و شيخنا البهائى، و تبعهما الشيخان المذكوران، و جمع ممن تاخر عن شيخنا الأول من الاصحاب فى تفسيرهم الحديث بذلك، حيث فسره على قواعدهم و مصطلحهم.

و الاظهر عندى هو ما ذكره اهل اللغة، لاعتضاده بالأخبار المتقدم ذكرها،

ص: 396

و عدم ثبوت الخبر الدال على ما ذكره اهل التجويد، و ان تبعهم فيه من تبعهم من اصحابنا رضوان اللّه عليه، و يحتمل ان يكون الخبر من طرق العامة، و ان استسلفه اصحابنا فى هذا المقام، انتهى.

أقول: قد عرفت ان الاظهر هو حمل الاية على تقدير حمل الامر على الاستحباب على المعنى اللغوى، المعتضد بما مر، و اما حملها على ما ذكره فى الذكرى، ففى النفس منه شىء، و ان جاز القول باستحباب العمل بما ذكره فى الذكرى و دل عليه الرواية، لمكان جواز المسامحة، نعم، لو خالف رواياتنا للقواعد المستحسنة التى ذكرها القراء، كالوقف فى بعض المواضع مثلا، فالاحوط هو عدم العمل بما بينوه، و قد تقدم فى كلام المجلسى طاب ثراه ما يعاضد ذلك فراجع.

الوقوف على مواضعه
اشارة

(و) يستحب (الوقوف على مواضعه)، اما عدم وجوب الوقف، فلانا لم نجد من الاصحاب من قال به، بل الظاهر اتفاقهم على عدم الوجوب، و عن جمع دعوى الاجماع عليه، و فى مجمع الفائدة: و ما يوجد فى عبارات القراء من الوقف واجب و لازم و قبيح و جايز، الظاهر انهم لا يريدون بها المعنى الشرعى، و قد اشار اليه الجزرى بقوله: و ليس فى القرآن من وقف وجب، و لو أرادوا ايضا ما وجب علينا تقليدهم مع اتفاق الاصحاب و وجود الروايات، و قال بعض المحققين فى جملة كلام له: لعدم خلاف من واحد، فى صحة القراءة مع ترك الوقف الجايز و المطلق و الحسن، بل ترك الوقف اللازم، و ما ذكره قبيحا او لازما، لا يعنون به المعنى الشرعى، كما صرح به محققوهم، انتهى.

و بالجملة، لا شبهة فى عدم وجوب الوقف مطلقا، لما مر، و لما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح عن على بن جعفر، عن اخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرّجل يقرا فى الفريضة بفاتحة الكتاب، و سورة اخرى فى النفس الواحد. قال: ان شاء قرا فى نفس، و ان شاء غيره، المعتضد بما رواه ايضا فى المكان المتقدم، عن اسحق بن عمار، عن جعفر عن ابيه (ع)، ان

ص: 397

رجلين من اصحاب رسول الله (ص) اختلفا فى صلوة رسول الله (ص) فكتب الى ابى بن كعب: كم كانت لرسول الله (ص) من سكنة، قال: كانت له سكتتان، اذا فرغ من ام القرآن و اذا فرغ من السورة. و ما رواه الكافى فى باب ترتيل القرآن(1) عن محمد بن الفضيل، قال:

قال ابو عبد الله (ع): يكره ان يقرا قل هو اللّه احد بنفس واحد. و روى ايضا فى باب قراءة القرآن عن محمد بن يحيى، باسناده له عن ابى عبد الله (ع) نحوه، الا ان فيه بدل بنفس، فى نفس. و يدل عليه ايضا عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة، و الاطلاقات، و اصالة البراءة، و اصالة الصحة، و غيرها. و انه لو كان واجبا لاشتهر لتوفر الدّواعى و مسيس الحاجة، و التالى باطل.

و قول القراء حيث قسموا الوقف الى الواجب و القبيح، ليس بحجة، هذا مضافا الى انهم لا يعنون بذلك المعنى الشرعى، كما صرح به محققوهم، على ما نقل عنهم.

قال الشارح الفاضل: و لا يتعين الوقف فى موضع و لا يقبح، بل متى شاء وقف و متى شاء وصل مع المحافظة على النظم، و ما ذكره القراء قبيحا او واجبا لا يعنون به معناه الشرعى، و قد صرح به، انتهى.

و اما استحباب الوقوف على مواضعه، فيقف على التام المفسر بالذى لا يكون لكلام قبله تعلق بما بعده لفظا و لا معنى، ثم الحسن المفسّر بالذى يكون له تعلق من جهة اللفظ دون المعنى، ثم الجايز على ما هو مقرر عند القراءة، فقد صرح به الجماعة، بل لم اجد مخالفا الا ما يظهر من التقى المجلسى طاب ثراه، و قد تقدم نقل كلامه، و ربما يظهر من بعض متاخرى المتأخرين(2) الميل اليه، و عللوا للاستحباب بان به يسهل الفهم، و يحسن النظم.

أقول: و الاجود هو القول بالاستحباب، لمكان التسامح المعتضد بما مر، و برواية محمد بن الفضيل، الا فى موضع يظهر من اخبارنا ما ينافى ما قالوه فيه.

فروع:
الأول: لا يستحب تطويل الإمام كثيرا

صرح المصنف رحمه اللّه فى التذكرة، و المحقق الثانى فى جامع

ص: 398


1- و التقريب ما ذكره بعض المحققين من ان الكراهة ظاهرة فى عدم الحرمة و ان كانت بمعناها اللغوى (منه).
2- و هو الشيخ يوسف (منه).

المقاصد. كما عن نهاية الاحكام، بانه لا يستحب التطويل كثيرا، فيشق على من خلفه، و زاد الأول لقوله (ع): من ام الناس فليخفف. و يستحب للمنفرد الاطالة. و لو عرض لبعض المامومين عارض يقتضى خروجه، استحب للامام التخفيف. قال (ع): انى لأوم قوما فى الصلوة، و ان اريد ان اطول فيها، فاسمع بكاء الصبى، فاتحوز فيها كراهية ان يشق على ابيه.

الثانى: قال فى المقاصد العلية: لو انقطع النفس فى وسط الكلمة لم يقدح، لكن يجب الابتداء من اولها،

و عن والد البهائى ايضا انه صرح بذلك، و الحكم بوجوب الابتداء لا يخلو عن اشكال، الا ان يقال باختلاله بالنظم، و أمر الاحتياط واضح.

الثالث: في السكوت المفرط في الصلاة

صرح الشهيدان كما عن غيرهما بانه لو وقف فى اثناء الكلمة بحيث لا يعد قاريا، او سكت على كل كلمة، و زاد ثانيهما، او على اكثر الكلمات، قالا بحيث يخل بالنظم، و قال ثانيهما: و يصير كاسماء العدد و الحروف، قالا بطلت الصلوة، و زاد ثانيهما: لان الركن الاعظم فى القرآن نظمه، لان يتجاوز(1)عن كلام المخلوقين، و يصير معجز الا بمفرده و مركبه و عربيته، لمساواته الغير فى ذلك، هذا مع العمد، اما مع النسيان فتبطل القراءة لا غير، ما لم يخرج عن كونه مصليا، لان تلك القراءة تصير كالكلام الاجنبى، انتهى.

و عن ابن جمهور: لا يصح الوقف فى اثناء الكلمة، لان ذلك مخل بالمعنى المقصود من الكلمة، فيلزم الاهمال النافى للاعجاز، مع انه لو فعل يخرج عن كونه قاريا عرفا، فيخل بالموالاة.

و عن جامع المقاصد: لو وقف فى اثناء الكلمة نادرا، لم يقدح فى صحة القراءة، انتهى.

أقول: لو لم يقدح الوقف فى اثناء الكلمة بالنظم فالاجود هو الصحة، لمكان الاطلاقات، و اصالة البراءة، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره.

الرابع: صرح الجماعة بكراهة قراءة التوحيد بنفس واحد،
اشارة

و يدل عليه رواية

ص: 399


1- يجتاز ط خ (منه).

محمد بن الفضيل المتقدمة.

تذنيب:

قال الشارح المقدس بعد نقل الرّواية الدالة: على كراهة قراءة قل هو الله احد بنفس واحد: و لا يبعد كون مثله و اطول كذلك، بل بالطريق الاولى و الظاهر انه كذلك اكثر احكام القراءة التى ما ثبت وجوبها شرعا، مثل الاخفاء و الاظهار و الغنة و غيرها، و قال بعض المحققين بعد نقل الخبر الدال على الكراهة المذكورة: و الاولى ان لا يقرا مقدارها من غيرها ايضا بنفس واحد، و لعله كذلك، بل لعل اقل منها كذلك لاستحباب الترتيل.

الخامس: اذا وقف على الحركة او وصل بالسكون فقد صرح التقى المجلسى رحمه الله كما تقدم نقل كلامه بعدم الجواز،

مدعيا عليه اتفاق القراء و اهل العربية، و تبعه بعض متاخرى المتأخرين.(1) و استدل لذلك بان الأول يستلزم زيادة الحركة، و الثانى نقصها، فيشملها ما دل على عدم جوازهما، و فيه نظر واضح، فليعمل بالاطلاقات، و بعموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، يا صالتى الصحة و البراءة، و انه لو كان واجبا لاشتهر لعموم البلوى و مسيس الحاجة، و التالى باطل بلا مرية.

و اما الاتفاق الذى حكاه المجلسى رحمه اللّه فهو على تقدير التسليم غير مجد، اذ ليس حجية الاجماع المحكى الا لاجل افادته المظنة، و عليه فلو حصل للناظر له مظنة قوية بان مراعاة ذلك مما له دخل فى العربية، بحيث لو اخل به ليخرج الكلام عن العربية، لكان للقول المذكور على تقدير حجية مطلق الظن وجه و انى ذلك، و كيف ذلك، فانظر الى عرف العرب، حتى تقطع بفساد ذلك، اذ الغالب على السنتهم هو اهمال تلك القاعدة، و بطور آخر مجرد اتفاق القراء ليس بحجة، لان الظاهر ان دابهم ليس منحصرا فى بيان ماله دخل فى اصل العربية، بحيث لو اختل لاختلت، بل دابهم هو اعم منه و من بيان ما يحصل به الفصاحة و البلاغة، شدة و ضعفا لو لم نقل انحصار دابهم فى بيان اصل الفصاحة و البلاغة، و عليه فاجماعهم ليس حجة فى افادة الوجوب. و اما من عداهم من اهل

ص: 400


1- و هو السيد على و السيد مهدى الغروى على ما حكى عنهما (منه).

العربية فاتفاقهم على تقدير التسليم لا يغنى من الجوع، اذ نرى حين نراجع الى العرف صدق العربية على تقدير الاخلال بذلك، و هذا يكفى فى المقام بلا مرية مع انا لم نجد احدا من اصحابنا صرح بذلك، الا ذلك الفاضل، و من تقدم، مع انهم فى مقام بيان الواجبات الشرعية فى القراءة، و قد ذكروا وجوب مراعاة التشديد، و اخراج الحروف من المخارج.

و بالجملة لا وجه لتخصيص العموم و تقييد الاطلاقات بمجرد ادعاء عادل بان القراء و اهل العربية اتفقوا على كذا، بل لا بد للشخص ان يطالب بالدليل الذى دل على ذلك، و لا ريب فى فقدانه فى المقام، فان قلت: الدليل عليه ان شأن الفقيه انما هو بيان حكم المسائل الشرعية فقط فهم المتبع و المرجع فى ذلك فقط، و اما فى تشخيص ما ليس حكما شرعيا فلا بد للشخص من الرّجوع الى من كان هو من اهل الخبره، بالنسبة الى مقصوده مثلا الفقيه، يقول: لا بد ان يكون القراءة عربية، و يجب لمن يضر به الصيام ان يفطر، و ان يكون النقدان فى المعامله الكذائية خالصين، فلا بد ان يراجع المكلف الى العرب و الطبيب و الصراف، اذ هم اهل الخبرة فى ذلك، كاللغوى فى المسايل اللغوية.

و عليه فاذا اتفقوا فى شىء، فلا يجوز للمكلّف المخالفة قلت: الآن جئت بالحق، فنحن نسلم تلك القاعدة، و لا يجوز لنا المخالفة فى شىء فنقول: اذا قال الفقهاء بوجوب اخراج الحروف من المخارج، فنحكم بان من لم يعرف المخارج فلا بد له ان يراجع الى القراء، و ما نحن فيه ليس كذلك، اذ هم لم يبينوا لنا بانه يجب اخذ كلّ شىء اتفقت القراء فيه، حتى تقول بان هذا الموضع مما اتفق فيه القراء، فلا بد لك ان تعمل بما وقع اتفاقهم عليه، و كذا الكلام فى اجماع من عدا القراء من اهل العربية، فلو اتفق العرب بان من لم يراع تلك القاعدة الكذائية فى كلامه لم يات بالعربى، و لم يصدق على كلامه انه كلام عربى، فنحن نقول اذا بوجوب مراعاة تلك القاعدة، لان الفقهاء قالوا: يجب ان يكون القراءة عربية، و لكن من اين ذلك الاتفاق، و ان كنت فى شك، فراجع الى عرف العرب، حتى يظهر

ص: 401

لك بطلان ذلك ظهورا تاما، و على تقدير تسليم الاتفاق فى الجملة مما شاة فمن اين ظهر ان اتفاقهم هذا؟ انما وقع على تلك الكيفية الخاصة التى يخرج الكلام باهمالها عن مسمى كونه عربيا، فلم لا يجوز ان يكون اتفاقهم لمكان الفصاحة او الافصحية، او لامور أخر؟ و كون الاصل فى اتفاقهم ذلك غير مسلم، اذ مرجع ذلك الاصل الغلبة، و هى غير مسلمة بلا مرية.

و عليه فلا دليل يدل على لزوم الاخذ بما اتفقوا عليه بقول مطلق، و لم اجد متّفقها فضلا عن الفقيه قد قال بذلك و افتى به، فلو قال فلا اعتناء بشانه اصلا، اذ لم يجب لنا التقليد، بل انما نتبع الادلة، و نتبع مساحة قد احاط بها الدليل، فتبين بما ذكر ان مجرد اتفاق القراء و اهل العربية و نحوهما ليس دليلا على وجوب متابعتهم. فتلخص من ذلك اصلا متينا، و قاعدة شريفة لها ثمرات عديدة، و قد تقدم منافى المباحث السابقة اليها اشاره اجمالية، فاغتنم ما ذكرت لك هنا، و كن من الشاكرين، و الحمد لله رب العالمين و المنة.

قراءة قصار السور فى الظهرين و المغرب و...

(و) يستحب قراءة (قصار) السور من (المفصل فى الظهرين و المغرب، و متوسطا فى العشاء، و مطولاته فى الصبح) على المشهور، على ما ادعاه الجماعة قال الشارح الفاضل: المسموع كون المفصل من سورة محمد (ص) الى آخر القرآن، سمى بذلك لكثرة الفصول بين سوره، و قصاره من الضحى الى آخر، و فسر التوسط من عم الى الضحى، و الطويل من الأول الى عم قال و فى بعض كتب اللغة: ان المفصل من الحجرات او من الغاشية(1) او الأنفال، او (ق): و قيل غير ذلك، و الله أعلم.

و قال المحقق الثانى فى جامع المقاصد: المفصل من سورة محمد (ع) الى آخر القرآن، فطو اله الى عم، و متوسطا الى الضحى، و قصاره الى آخر القرآن، سمعناه مذاكرة. و فى كلام الاصحاب ما يرشد اليه، و قال فى القاموس: المفصل

ص: 402


1- الجاثية خ ل.

كمعظم من القرآن من الحجرات الى اخره فى الاصح، او من الجاثية او القتال، او (ق) عن النووى: او الصافات، او الصف، او تبارك عن ابن ابى الصيف، او انا فتحنا عن الدرمارى، او سبح اسم ربّك، عن القركاح، او الضحى عن الخطابى و سمى لكثرة الفصول بين سوره.

و قال فى مجمع البحرين على ما حكى: و فى الحديث فصلت بالمفصل، قيل سمى لكثرة ما يقع فيه من فصول التسمية بين السور، و قيل لقصر سوره، و اختلف فى اوله، فقيل: من سورة (ق) و قيل من سورة محمد (ص)، و قيل: من سورة الفتح، و عن الثورى: مفصل القرآن من محمد (ص) الى آخر القرآن، و قصاره من الضحى الى آخره، و مطولاته الى عم، و متوسطاته الى الضحى.

و فى الخبر المفصل ثمان و ستون سورة، انتهى.

أقول: لا يخفى عليك ان استحباب القراءة فى الصلوة بسور المفصل على النهج المسطور لم اجد له مستندا فى اخبارنا، كما اعترف بذلك جملة من محققى متاخرى المتأخرين، و منهم صاحب المدارك، حيث قال: المشهور بين الاصحاب انه يستحب القراءة فى الصلوة بسور المفصل، و هى من سورة محمد (ص) الى آخر القرآن، فيقرأ مطولاته فى الصبح، و هى من سورة محمد (ص) الى عم، و متوسطاته فى العشاء، و هى من سورة عمّ الى الضحى، و قصاره فى الظهرين و المغرب، و هى من سورة الضحى الى آخر القرآن، و ليس فى اخبارنا تصريح بهذا الاسم و لا تحديده، و انما رواه الجمهور عن عمر بن الخطاب، انتهى.

فاذن الاولى هو الرجوع الى الأخبار الواردة عنهم، و هى كثيرة، فلننقل جملة منها:

الأول: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: قلت: لابى عبد الله (ع): القراءة فى الصلوة فيها شىء موقت؟ قال:

لا، الا الجمعة يقرا بالجمعة و المنافقين. قلت له: فاى السور يقرا فى الصلوات؟ فقال: اما الظهر و العشاء الاخرة يقرا فيهما سواء، و العصر و المغرب سواء، و

ص: 403

اما الغداة فاطول، فاما الظهر و العشاء الاخرة فسبح اسم ربك الاعلى، و الشمس و ضحها، و نحوهما، و اما العصر و المغرب فاذا جاء نصر الله، و الهكم التكاثر، و نحوهما، و اما الغداة فعم يتساءلون، و هل اتيك حديث الغاشية، و لا اقسم بيوم القيمة، و هل اتى على الانسان حين من الدّهر.

الثانى: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن ابان عن عيسى بن عبد اللّه القمى، عن ابى عبد الله (ع)، قال: كان رسول الله (ص) يصلى الغداة بعم يتساءلون، و هل اتيك حديث الغاشية، و لا اقسم بيوم القيمة و شبهها و كان يصلى الظهر بسبح، و الشمس و ضحها، و هل اتيك حديث الغاشية و شبهها، و كان يصلى المغرب بقل هو اللّه احد، و اذا جاء نصر الله و الفتح، و اذا زلزلت، و كان يصلى العشاء الاخرة بنحو ما يصلى فى الظهر، و العصر بنحو من المغرب.

الثالث: ما فى كتاب الفقه الرضوى، و قال العالم (ع): اقرا فى صلوة الغداة المرسلات، و اذا الشمس كورت، و مثلهما من السور، و فى الظهر اذا السماء انفطرت، و اذا زلزلت، و مثلهما، و فى العصر و العاديات، و القارعة، و مثلهما، و فى المغرب و التين، و قل هو اللّه احد، و مثلهما، و فى يوم الجمعة و ليلة الجمعة سورة الجمعة و المنافقين.

الرابع: ما رواه ابن طاوس فى كتاب فلاح السائل، بسنده فيه عن محمد بن الفرج، انه كتب الى الرجل (ع) يسأله عما يقرا فى الفرائض، و عن افضل ما يقرا فيها، فكتب (ع) اليه: ان افضل ما يقرا انا انزلناه فى ليلة القدر، و قل هو اللّه احد.

الخامس: ما رواه الكافى فى باب قراءة القرآن عن ابى على بن راشد، قال:

قلت لابى الحسن (ع): جعلت فداك، انك كتبت الى محمد بن الفرج تعلمه ان افضل ما يقرا فى الفرائض بانا انزلناه و قل هو اللّه احد، و ان صدرى ليضيق بقرائتهما فى الفجر، و قال (ع): لا يضيق صدرك بهما. فان الفضل و اللّه فيهما.

السادس: ما روى عن الشيخ فى كتاب الغنية، و الطبرسى فى الاحتجاج،

ص: 404

انه كتب محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميرى الى صاحب الزمان (ع) فيما كتبه، و سأله عما روى فى ثواب القرآن فى الفرائض و غيرها: ان العالم (ع) قال: عجبا لمن لم يقرا فى صلوته انا انزلناه فى ليلة القدر كيف يقبل صلوته. و روى: ما زكت صلوة لم يقرا فيها بقل هو اللّه احد. و روى: من قرا فى فرائضه الهمزة اعطى من الثواب قدر الدّنيا. فهل يجوز ان يقرأ الهمزة و يدع هذه السورة التى ذكرناها، مع ما قد روى انه لا تقبل صلوة و لا تزكو الاّ بهما، هذا سؤال الحميرى. و ذكر بعد التوقيع: الثواب فى السورة على ما قد روى و اذا ترك سورة مما فيها الثواب، و قرا قل هو اللّه احد و انا انزلناه لفضلهما اعطى ثواب ما قرا و ثواب السورة التى ترك، و يجوز ان يقرا غير هاتين السورتين، و يكون صلوته تامة، و لكنه يكون قد ترك الافضل.

السابع: ما رواه الكافى فى باب فضل القرآن فى الصحيح عن يعقوب بن شعيب، عن ابى عبد الله (ع)، قال: كان ابى - صلوات اللّه عليه - يقول: قل هو اللّه احد ثلث القرآن، و قل يا ايها الكافرون ربع القرآن. و روى ايضا فى الباب المتقدم عن منصور بن حازم، عن ابى عبد الله (ع) قال: من مضى به يوم واحد فصلى فيه بخمس صلوات، فلم يقرا فيها بقل هو اللّه احد، قيل له: يا عبد اللّه لست من المصلين.

و روى فى التهذيب فى باب كيفية الصلوة عن محمد بن ابى طلحة، عن ابى عبد الله (ع)، قال: قرات فى صلوة الفجر بقل هو اللّه احد و قل يا ايها الكافرون، و قد فعل ذلك رسول الله (ص). و روى ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن منصور بن حازم، قال: امرنى ابو عبد الله (ع) أن أقرأ المعوذتين فى المكتوبة.

و روى ايضا فى الباب المتقدم عن صابر مولى سام، قال: امّنا ابو عبد الله (ع) فى صلوة المغرب، فقرأ المعوذتين. و روى الصدوق فى كتاب ثواب الاعمال بسنده عن الحسين بن ابى العلاء، عن ابى عبد الله (ع)، قال: من قرأ قل يا ايها الكافرون و قل هو اللّه احد فى فريضة من الفرائض غفر اللّه له و لوالديه و ما ولدا، و

ص: 405

ان كان شقيا محى من ديوان الاشقياء، و اثبت فى ديوان السعداء، و احياه الله سعيدا، و اماته شهيدا، و بعثه شهيدا. و فى رواية ابن اذينة المروية فى الكافى فى باب النوادر، الواقع بعد باب صلوة من اراد ان يدخل باهله، ثم اوحى الله عزّ و جلّ اليه: اقرا يا محمد نسبة ربك تبارك و تعالى قل هو اللّه احد الى آخر السورة، و ساق الحديث الى ان قال: ثم اوحى اللّه اى فى الركعة الثانية بعد قراءة الحمد: اقرا انا انزلناه فانها نسبتك و نسبة اهل بيتك الى يوم القيمة.

الثامن: ما رواه الصدوق فى العيون، فى باب ذكر اخلاق الرضا (ع)، عن تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشى رضى اللّه عنه، عن ابيه عن احمد بن على الانصارى، عن رجاء ابن الضحاك، قال فى جملة حديث له: كانت قراءته اى الرضا (ع) فى جميع المفروضات فى الاولى الحمد و انا انزلناه، و فى الثانية الحمد و قل هو الله، الا فى صلوة الغداة و الظهر و العصر يوم الجمعة، فانه كان يقرا فيها بالحمد و سورة الجمعة و المنافقين، و كان يقرا فى صلوة العشاء الاخرة ليلة الجمعة فى الاولى الحمد و سورة الجمعة، و فى الثانية الحمد و سبح اسم ربك، و كان يقرا فى صلوة الغداة يوم الاثنين و يوم الخميس فى الاولى الحمد و هل اتى على الانسان، و فى الثانية الحمد و هل اتيك حديث الغاشية.

و عن العيون ايضا بسنده عن ابى الحسن الصايغ عن عمه، قال خرجت مع الرضا (ع) الى خراسان، قال: فما زال فى الفرائض على الحمد و انا انزلناه فى الاولى، و الحمد و قل هو اللّه فى الثانية.

و قال الصدوق فى الفقيه فى باب وصف الصلوة، و افضل ما يقرا فى الصلوة فى اليوم و الليلة، فى الركعة الاولى الحمد و انا انزلناه، و فى الثانية الحمد و قل هو اللّه احد، الا فى صلوة العشاء الاخرة ليلة الجمعة، الى ان قال: و فى صلوة الغداة يوم الاثنين و يوم الخميس فى الركعة الاولى الحمد و هل اتى على الانسان، و فى الثانية الحمد و هل اتيك حديث الغاشية، فان من قراهما فى صلوة الغداة يوم الاثنين و يوم الخميس وقاه اللّه شر اليومين.

ص: 406

و حكى من صحب الرضا (ع) الى خراسان، لما اشخص اليها، انه كان يقرا فى صلوته بالسور التى ذكرناها، فلذلك اخترناه من بين السور بالذكر فى هذا الكتاب. و قال ايضا بعد صفيحات و انما يستحب ان يقرا فى الاولى الحمد و انا انزلناه، و فى الثانية الحمد و قل هو اللّه احد، لان انا انزلناه سورة النبى (ص) و اهل بيته - صلوات اللّه عليهم اجمعين - فيجعلهم المصلى وسيلة الى الله تعالى ذكره، لانه بهم وصل الى معرفة الله، و يقرا فى الثانية سورة التوحيد، لان الدعاء على اثره مستجاب، فيستجاب بعده القنوت، انتهى.

أقول: قد صرح الجماعة و منهم الشهيدان بان العمل بالخبر الأول اولى من العمل بما تضمنه المتن، و هو جيد، لما عرفت من عدم عثورنا على مستند دال عليه من اخبارنا، و ان كان العمل به ايضا لمكان الشهرة المحكية فى كلام الجماعة و التسامح فى ادلة الاستحباب و الكراهة ليس ببعيد.

(و) قراءة سورة (هَلْ أَتىٰ) عَلَى اَلْإِنْسٰانِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ (فى صبح الاثنين) و صبح (الخميس)،

قاله الشيخ و من تبعه، بل قاله المشهور على ما ذكره بعض الأجلاء، و زاد الصدوق قراءة الغاشية فى الركعة الثانية، كما تقدم فى نقل كلامه، و قال: ان من قراهما فى صبحى اليومين وقاه اللّه شرهما. و فى التحرير: يستحب فى غداة الاثنين و الخميس هل اتى و الغاشية، و يدل عليه الخبر الثامن المتقدم هناك، و عن ابى على بن شيخنا ابى جعفر الطوسى فى كتاب المجالس، فى الصحيح على ما قيل عن على بن عمر العطار، قال: دخلت على ابى الحسن العسكرى يوم الثلاثاء فقال: لم ارك امس، قال: كرهت الحركه يوم الاثنين.

قال: يا على من احب ان يقيه اللّه شر يوم الاثنين، فليقرا فى اول ركعة من صلوة الغداة هَلْ أَتىٰ عَلَى اَلْإِنْسٰانِ، ثم قرا ابو الحسن: فَوَقٰاهُمُ اَللّٰهُ شَرَّ ذٰلِكَ اَلْيَوْمِ وَ لَقّٰاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً).

و عن الصدوق فى كتاب ثواب الاعمال، بسنده عن عمر بن جبير العزرمى، عن ابيه عن ابى جعفر (ع)، قال: من قرأ «هَلْ أَتىٰ عَلَى اَلْإِنْسٰانِ» فى كل

ص: 407

غداة خميس زوجه اللّه تعالى من الحور العين ثمانمائة عذراء و اربعة آلاف ثيّب و حوراء من الحور العين، و كان مع محمد (ص).

(و) قراءة سورة الجمعة (و الا على ليلة الجمعة فى العشاءين)،

قاله الاكثر، كما ادعاه الجماعة(1) خلافا للمحكى عن الشيخ فى الجمل و الاقتصاد، حيث قال: تقرا فى ثانية المغرب قل هو اللّه احد، و عن ابن ابى عقيل حيث قال: يقرا فى ثانية العشاء الآخرة ليلة الجمعة سورة المنافقين، و يدل على الأول ما رواه التهذيب فى باب العمل فى ليلة الجمعة فى القوى، عن ابى بصير قال: قال ابو عبد الله (ع)(2)(سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى) و فى الفجر سورة الجمعة و قل هو الله و فى الجمعة سورة الجمعة و المنافقين.

و ما روى عن الحميرى فى كتاب قرب الاسناد، عن احمد بن محمد بن ابى نصر البزنطى، عن الرضا (ع) انه قال: يقرا فى ليلة الجمعة الجمعة و سبح اسم ربك الاعلى، و فى الغداة بالجمعة و قل هو اللّه احد. و قد تقدم فى رواية رجاء بن ابى الضحاك ان الرضا (ع) كان يقرأ فى صلوة العشاء الاخرة ليلة الجمعة فى الاولى الجمعة، و فى الثانية سبح اسم ربك الاعلى و يدل على الثانى ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، عن ابى الصباح الكنانى، قال: قال ابو عبد الله (ع): اذا كان ليلة الجمعة فاقرا فى المغرب سورة الجمعة و قل هو اللّه احد و اذا كان فى العشاء الآخرة فاقرا سورة الجمعة(3) و المنافقين، فاذا كان صلاة الغداة يوم الجمعة فاقرا بسورة الجمعة و قل هو اللّه احد.(4) و رواية قرب الاسناد الاتية عن قريب ان شاء اللّه. و على الثالث ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن حريز و ربعى، رفعاه الى ابى جعفر (ع) قال: اذا كانت ليلة الجمعة يستحب ان يقرا فى العتمة سورة الجمعة و اذا جاءك المنافقون و فى صلوة الصبح مثل ذلك،(5) و فى صلوة العصر مثل ذلك.

أقول: و لما كان المقام مقام استحباب، اذ لم اجد احدا من الاصحاب قد نقل قولا

ص: 408


1- و فى الانتصار عليه الاجماعى.
2- اقرء فى ليلة الجمعة الجمعة.
3- و سبح اسم ربك الاعلى.
4- اذا كان صلاة الجمعة فاقرء سورة الجمعة و المنافقين فاذا كان صلاة العصر يوم الجمعة فاقرء بسورة الجمعة و قل هو اللّه احد.
5- و فى صلوة الجمعة مثل ذلك (منه).

بالوجوب هنا عن احد منهم، فلا مشاحة فى اختلاف الروايات، و لكن العمل بالمشهور اولى، لمكان الاجماع المحكى و غيره، و جعله المرتضى من منفردات الامامية، و قراءة سورة الجمعة و التوحيد فى صبحها اى صبح الجمعة على الاشهر كما ادعاه بعض ممن تأخر و ذهب الصدوق فى الفقيه و السيد فى الانتصار الى استحباب قراءة المنافقين فى الركعة الثانية بل ادعى الثانية عليه اجماع الامامية، و انه مما انفردت به، و يدل على الأول رواية ابى بصير و ابى الصباح، و ما رواه الكافى فى باب القراءة يوم الجمعة فى الصحيح عن الحسين بن ابى حمزة، قال: قلت لابى عبد الله (ع): بما اقرا فى صلوة الفجر يوم الجمعة؟ فقال: اقرا فى الاولى بسورة الجمعة، و فى الثانية بقل هو اللّه احد، ثم اقنت حتى يكونا سواء.

و على الثانى مرفوعة حريز و ربعى المتقدمة، و ما رواه الصدوق فى العلل فى باب العلة التى من اجلها قرا سورة الجمعة و المنافقين فى يوم الجمعة، عن ابيه عن سعد بن عبد اللّه عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز عن زرارة بن اعين عن ابى جعفر (ع) فى حديث طويل، يقول: اقرا سورة الجمعة و المنافقين، فان قراءتها سنة فى يوم الجمعة فى الغداة و الظهر و العصر، و لا ينبغى لك ان تقرا بغيرهما فى صلوة الظهر - يعنى الجمعة - اماما كنت او غير امام.

و عن كتاب الفقه الرضوى: اقرا فى صلوة الغداة يوم الجمعة سورة الجمعة فى الاولى، و فى الثانية المنافقون، و روى قل هو اللّه احد، و روى فيهما بالجمعة و سبح اسم ربك الاعلى.

و عن الحميرى فى كتاب قرب الاسناد عن على بن جعفر، عن اخيه (ع) قال: قال:

يا على بم تصلى فى ليلة الجمعة؟ قلت: بسورة الجمعة و إِذٰا جٰاءَكَ اَلْمُنٰافِقُونَ. فقال رايت ابى يصلى ليلة الجمعة بسورة الجمعة و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، و فى الفجر بسورة الجمعة و سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى، و فى الجمعة بسورة الجمعة و إِذٰا جٰاءَكَ اَلْمُنٰافِقُونَ.

أقول: و لما كان المقام مقام استحباب فلا بأس فى العمل بكلا القولين.

(و) قراءة (الجمعة و المنافقين فى الظهرين) يوم الجمعة، (و) فى صلوة ( الجمعة) على الاشهر، كما ادعاه غير واحد ممن تاخر، و قال الصدوق فى الفقيه: و لا يجوز ان

ص: 409

يقرا فى صلوة الظهر يوم الجمعة بغير سورة الجمعة و المنافقين، فان نسيتهما او واحدة منها فى صلوة الظهر، و قرات غيرهما ثم ذكرت، فارجع الى سورة الجمعة و المنافقين، ما لم تقرا نصف السورة فان قرأت نصف السورة فتمم السورة و اجعلهما ركعتين نافلة، و سلم فيهما، و اعد صلوتك بسورة الجمعة و المنافقين. و قد رويت رخصة فى القراءة فى صلوة الظهر بغير سورة الجمعة و المنافقين، لا استعلمها و لا افتى بها، الا فى حال السفر و المرض و خفية فوت حاجة، و ظاهر كلامه كما ترى وجوب السورتين فى ظهر يوم الجمعة، و هو المحكى عن الحلبى و لكن سيجىء منا، ان الظاهر ان مراده بصلوة الظهر ما يعم الظهر و الجمعة، و عليه فلا يقول بالاختصاص كالحلبى، على ما سياتى ان شاء اللّه، و قال المرتضى على ما حكى: اذا دخل الامام فى صلوة الجمعة، وجب ان يقرا فى الاولى بالجمعة و فى الثانية بالمنافقين، يجهر بهما، لا يجزيه غيرهما، و ظاهر السيد كما ترى فى عبارته هذه وجوب السورتين فى صلوة الجمعة، مع انه قال فى الانتصار: و مما انفردت به الامامية استحباب ان يقرا ليلة الجمعة بسورة الجمعة و سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى فى المغرب و فى العشاء الآخرة و فى صلوة الغداة بسورة الجمعة و المنافقين، و كذلك فى صلوة الجمعة المقصورة، و فى الظهر و العصر اذ اصلاهما من غير قصر. و باقى الفقهاء يخالفون فى ذلك، الا ان الشافعى يوافق الامامية فى استحباب السورتين فى صلوة الجمعة خاصة، و الحجة فى ذلك اجماع الطائفة الى آخره.

و كيف كان، فالاقوى هو المشهور، فلننقل جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام.

منها: رواه الكافى فى باب القراءة يوم الجمعة فى الصحيح، عن منصور بن حازم، عن ابى عبد الله (ع)، قال: ليس فى القراءة شىء موقت الا الجمعة، يقرا بالجمعة و المنافقين. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح على الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع)، قال: انّ اللّه اكرم بالجمعة المؤمنين فسنها رسول الله (ص) بشارة لهم، و المنافقين توبيخا للمنافقين، و لا ينبغى تركها، فمن تركها متعمد افلا صلوة له. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح على الصحيح عن الحلبى، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن القراءة فى الجمعة اذا صليت وحدى اربعا اجهر بالقراءة؟ فقال: نعم، و قال: اقرا بسورة

ص: 410

الجمعة و المنافقين يوم الجمعة. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن محمد بن مسلم، عن احدهما (ع)، فى الرجل ان يقرا بسورة الجمعة فى الجمعة فيقرا قل هو اللّه احد؟ قال: يرجع الى سورة الجمعة.

قال الكلينى بعد ذلك: و روى ايضا يتمها ركعتين، ثم يستانف. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح على الصحيح عن عمر بن يزيد، قال ابو عبد الله (ع): من صلى الجمعة بغير الجمعة و المنافقين اعاد الصلوة فى سفر او حضر. قال الكافى و روى لا بأس فى السفر ان يقرا بقل هو اللّه احد.

و منها: ما رواه التهذيب فى باب العمل فى ليلة الجمعة فى الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: قلت لابى عبد الله (ع): القراءة فى الصلوة فيها شىء موقت؟ قال: لا، الا فى الجمعة، يقرا فيها بالجمعة و المنافقين. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن الحسين بن عبد الملك الاحول، عن ابيه عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: من لم يقرا فى الجمعة الجمعة و المنافقين فلا جمعة له، و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن على بن يقطين، قال: سألت ابا الحسن الأول (ع) عن الرجل يقرا فى صلوة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمدا قال: لا بأس بذلك. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن محمد بن سهل الاشعرى، عن ابيه قال: سألت ابا الحسن (ع) عن الرجل يقرا فى صلوة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمدا، قال: لا بأس. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن على بن يقطين، قال: سألت ابا الحسن (ع) عن الجمعة فى السفر ما اقرا فيها؟ قال: اقراهما بقل هو اللّه احد. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن صباح بن صبيح، قال: قلت لابى عبد الله (ع): رجل اراد ان يصلى الجمعة، فقرا بقل هو الله احد، قال: يتمها ركعتين، ثم يستانف.

و منها: الخبر الأول و الثالث المؤيد بالخبر الثامن المتقدم كلهم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و قصار المفصل.

و منها: رواية ابى بصير و ابى الصباح و حريز المتقدمات فى شرح قول

ص: 411

المصنف رحمه الله: و الجمعة و الاعلى و العشائين و منها رواية زرارة المؤيدة برواية على بن جعفر المتقدمتين فى شرح قول المصنف رحمه اللّه و سورة الجمعة و التوحيد فى صبحها.

و منها: عن كتاب الفقه الرضوى: و تقرا فى صلوتك كلّها يوم الجمعة و ليلة الجمعة سورة الجمعة و المنافقين و سبح اسم ربك الاعلى، و ان نسيتهما او فى واحدة منهما فلا اعادة عليك، و ان ذكرتهما تكمل من قبل ان تقرا نصف السورة فارجع الى سورة الجمعة و ان لم تذكرها الا بعد ما قرات نصف سورة فامض فى صلوتك.

و منها: ما رواه التهذيب فى باب العمل فى ليلة الجمعة فى الزيادات فى الصحيح على الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: سألته عن الجمعة فقال: و ساق الخبر الى ان قال: ثم ينزل فيصلى بالناس، ثم يقرا بهم فى الركعة الاولى بالجمعة و فى الثانية بالمنافقين. و ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال:

سمعته يقول: فى صلوة الجمعة لا بأس بان تقرا فيها بغير الجمعة و المنافقين اذا كنت مستعجلا. و ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن يحيى الازرق بيّاع السابرى، قال: سألت ابا الحسن (ع) قلت: رجل صلى الجمعة فقرا سبح اسم ربك و قل هو اللّه احد، قال: اجزأه.

و بالجملة الأخبار فى المسئلة كثيرة، و دلالة اكثرها على الرجحان، مما ليس فيه مرية، و ظاهرها و ان كان يفيد الوجوب، و لكن لا بد من الحمل على الاستحباب لمكان الصارف،(1) و ذلك اما بالنسبة الى صلوة الجمعة فلصحيحة على بن يقطين المتقدمة، كرواية سهل الاشعرى المعتبرة و لو بالشهرة، كرواية بيّاع السابرى المعتضدة بصحيحة عبد اللّه بن سنان اذ الاستعجال اعم من الضرورة المبيحة و غيرها، و اما بالنسبة الى صلوة الظهر فلرواية على بن يقطين المتقدمة، و هذه الرواية كرواية عمر بن يزيد، و قوله فى رواية سماعة المروية فى الفقيه فى باب وجوب الجمعة: صلوة الجمعة مع الامام ركعتان، فمن صلى وحده فهى اربع ركعات. و رواية عمران الحلبى المتقدمة هناك، تنادى بان الظهر يطلق عليه الجمعة حقيقة او مجازا شايعا، و عليه فيمكن جريان جملة من الصارفات المتقدمة

ص: 412


1- و اما الأخبار النافية للحقيقة فلا يصلح لمعارضة المشهور اذ نفى الحصة متعذر بالامرية فلتحمل على نفى الكمال فى المقام جمعا بين الادلة. منه عفى عنه.

هنا ايضا، فتدبر.

و اما الأخبار الدالة على الاستحباب بالنسبة الى عصر يوم الجمعة فكثيرة.

منها: اطلاق صحيحة الحلبى المتقدمة المعتضدة برواية الفقه الرضوى.

و منها: رواية ربعى المتقدمة فى شرح قول المصنف: و الجمعة و الاعلى فى العشاءين، و لا ينافيها رواية كنانى المتقدمة لمكان الاستحباب.

و منها: رواية زرارة المتقدمة فى شرح قول المصنف: و سورة الجمعة و التوحيد فى صبحها، و متن الخبر كالصريح فى الاستحباب، سيما ما يتقاطر من قوله (ع) ثانيا: و لا ينبغى لك الى آخره. و قد تقدم فى شرح قول المصنف: و قصار المفصل الى آخره فى رواية رجاء بن ابى الضحاك ما تقدم.

و بالجملة، لا شبهة فى عدم وجوبها فى الظهرين و الجمعة، لما مر، و حذرا عن لزوم العسر و الحرج المنفيين فى الشريعة، قاله بعض الاجلة، و ان ذلك لو كان واجبا لاشتهر كقراءة الحمد لمسيس الحاجة، و التالى باطل بالبديهة. فلذا نقول ان ما ذكره الصدوق فى الامالى بقوله: من دين الامامية الاقرار بانه يجب ان يقرا فى صلوة الظهر يوم الجمعة سورة الجمعة و المنافقين، فبذلك جرت السنة، يحتمل باحتمال ظاهر ان يعنى الاستحباب المؤكد، اذ ذلك لو كان كذلك لما خفى عن معاصريه و مقاربى عصره من الفقهاء العظام، مع انهم اتفقوا على الاستحباب، حتى قال المرتضى فى الانتصار ما قال، و قد تقدم كلامه، و لو حمل على الوجوب بالمعنى المصطلح عليه بين الطائفة فلا ريب فى ضعفه، لما دل على الوجوب بالنسبة الى الظهر بخصوصها، بل يمكن الاستدلال على عدم الوجوب بالنسبة الى صلوة الظهر، بالأخبار الدالة على عدم الوجوب بالنسبة الى صلوة الجمعة، و ذلك اما لما مر اليه الاشارة، فافهم، أو لمكان الاولوية، قاله بعض الاجله كغيره،(1) او لان الصدوق بمقتضى ظاهر عبارته المتقدمة و ان كان قائلا بالوجوب بالنسبة الى صلوة الظهر خاصة، و لكن الظاهر ان مراده ما يشمل صلوة الجمعة ايضا، و عليه فاذا ابطلنا الوجوب بالنسبة الى صلوة الجمعة فنحكم فى

ص: 413


1- و هو المحقق الثانى (منه).

الظهر ايضا بعدم الوجوب، لانعقاد عدم القول بالفرق على الظاهر بعد الحلبى ان قلنا ان عبارته مختصه بالظهر او مطلقا، ان قلنا انه ايضا كالصدوق، و لم يحضرنى كتابه حتى احقق الحق، و لكن قال المصنف رحمه اللّه فى المختلف: الأول وجوب السورتين فى ظهر يوم الجمعة. و هو الظاهر من كلام الصدوق رحمه الله، و هو قول ابى الصلاح، و المشهور الاستحباب لنا الاصل براءة الذمة من الواجب.

فيصار اليه، ما لم يظهر دليل اقوى منه، و لان وجوب السورتين فى الظهر يستلزم وجوبها فى الجمعة، و التالى باطل، فالمقدم مثله، اما الملازمة فظاهرة للاجماع على اولوية السورتين فى الجمعة، و اما بطلان التالى فلما رواه على بن يقطين فى الصحيح، ثم نقل الصحيحة المتقدمة. و ظاهر هذه العبارة فى بادى النظر ربما تنادى بانهما قائلان بالوجوب فى الظهر خاصة، و لكن المتعمق لعله يفهم منها عدم الاختصاص، لمكان دليله الثانى فافهم.

فكيف كان، فالصدوق لا يقول بالاختصاص، لما سيظهر، و اما الحلبى فان كان كالصدوق فعدم القول بالفرق يظهر غاية الظهور، و الا فلا يضر ايضا، كما هو واضح، و سيجئ فى عبارة المحقق الثانى ان الحلبى كالصدوق، فان قلت: من اين ظهر لك ان ما قاله الصدوق من القول بالوجوب على ما يقتضيه ظاهر عبارته ليس مختصا بصلوة الظهر بل يعمها و الجمعة؟ قلت: ظهر ذلك لى من كلامه فى باب وجوب الجمعة. فان كنت فى شك فراجع الى هناك، و يعضده رواية زرارة المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و قراءة سورة الجمعة و التوحيد فى صبحها، فراجع. هذا مضافا الى بعده فى نفسه، مع ان المحققين و الشهيدين نسبوا اليه ما فهمناه، قال المحقق الثانى فى جامع المقاصد: اوجب ابن بابويه السورتين فى الجمعة و ظهرها، و اختاره ابو الصلاح، و اوجبهما المرتضى فى الجمعة، انتهى و كذا فى الرياض نسب القول بوجوبهما فى الظهر و الجمعة اليهما، و قال فى غاية المرام: قال السيد المرتضى و ابو الصلاح و محمد بن بابويه بوجوب قراءة الجمعة و المنافقين فى الجمعة و ظهرها، انتهى. فظهر

ص: 414

بما ذكر ان ما اعترضه فى المدارك و غيره على المحقق من ان الصدوق ليس بقائل بالوجوب فى صلوة الجمعة، مع انه نسب اليه القول بالوجوب بالنسبة اليها ايضا ليس كما ينبغى.

و بالجملة الظاهر عدم وجود القول باختصاص الوجوب بالظهر، و اللّه هو العالم، فقد ظهر بما مر ان القول المشهور هو الاقوى و الاظهر.

(وَ اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ سورة واحدة، و كذا الفيل و لِإِيلاٰفِ)

على المشهور بين قدماء الطائفة، بل لم اجد فيهم مخالفا، بل نسبه غير واحد الى المشهور بقول مطلق، بل فى ظاهر التحرير كما عن غيره عليه الاجماع، بل جعله فى الامالى من دين الامامية الذى يجب الاقرار به، حيث قال: دين الاماميه هو الاقرار الى ان قال: و لا يكن السورة ايضا لِإِيلاٰفِ او أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ، او وَ اَلضُّحىٰ او أَ لَمْ نَشْرَحْ، لان ايلاف و أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ سورة واحدة، و وَ اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ سورة واحدة، فلا يجوز التفرد بواحدة منها فى ركعة فريضة، فمن اراد ان يقرا بها فى الفريضة فليقرا لِإِيلاٰفِ و أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فى ركعة، و وَ اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ فى ركعة. و فى الاستبصار:

لان هاتين السورتين اى وَ اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ سورة واحدة، عند آل محمد عليهم السلام، و ينبغى ان يقراهما موضعا واحدا، و لا يفصل بينهما ب بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ فى الفرائض.

و فى التهذيب: و عندنا انه لا يجوز قراءة هاتين السورتين، اى وَ اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ الا فى ركعة، و فى الانتصار: و لا يجوز افراد كل واحد من سورة وَ اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ عن صاحبتها، و كذلك مع افراد سورة الفيل عن لِإِيلاٰفِ قُرَيْشٍ، و الوجه فى ذلك مع الاجماع المتردد الى آخره، و نسبه المحقق فى الشرايع، و الطبرسى فى مجمع البيان كما عن غيرهما(1)، الى رواية الاصحاب، و الروايات المتعلقة بالمسئلة مستفيضة.

منها: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن زيد الشحام، قال: صلى بنا ابو عبد الله (ع) الفجر، فقرا اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ فى ركعة.

ص: 415


1- كما المحكى عن الشيخ فى التبيان (منه).

و منها: ما عن المصنف فى المنتهى، و المحقق فى التحرير، عن كتاب البزنطى، عن المفضل قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: لا تجمع بين السورتين فى ركعة الا اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ، و الفيل و لِإِيلاٰفِ قُرَيْشٍ.

و منها: ما روى عن الفقه الرضوى حيث قال (ع): و لا تقرا فى صورة صلوة الفريضة اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ، و أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ و لِإِيلاٰفِ، الى ان قال: لانه روى ان وَ اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ سورة واحدة، و كذلك أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ و لِإِيلاٰفِ سورة واحدة، الى ان قال: فاذا أردت قراءة بعض هذه السور فاقرا وَ اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ، و لا تفصل بينهما، و كذلك أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ و لِإِيلاٰفِ.

قال الصدوق فى كتاب الهداية: قال الصادق (ع): لا تقرا بين القراءة سورتين فى الفريضة فأما فى النافلة فلا بأس و لا تقرأ فى الفريضة بشىء من العزائم الاربع، و هى سجدة لقمان و حم السجدة، و النجم، و سورة اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، و لا بأس ان تقرا بها فى النافلة، و موسع عليك اى سورة قرات فى فرائضك الا اربع سور، و هى وَ اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ فى الركعة، لانهما جميعا سورة واحدة، و لِإِيلاٰفِ و أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فى ركعة لانهما جميعا سورة واحدة، و لا تنفرد بواحد من هذه الاربع السور فى ركعة فريضة.

و قال فى مجمع البيان:(1) روى اصحابنا ان اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ سورة واحدة، و كذا سورة أَ لَمْ تَرَ و لِإِيلاٰفِ قُرَيْشٍ (2). قال: و روى العياشى عن ابى العباس عن احدهما (ع)، قال: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ و لِإِيلاٰفِ سورة واحدة. قال: و روى ابى بن كعب انه لم يفصل بينهما فى مصحفه، انتهى. و روى(3) عن كتاب القراءة لاحمد بن محمد بن سنان، انه روى البرقى عن القاسم بن عروة، عن ابى العباس، عن مولانا الصادق (ع). و محمد بن على بن محبوب، عن ابى جميلة عنه (ع)، قال: اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ سورة واحدة. و البرقى عن القاسم بن عروة، عن شجرة اخى بشير النبال، عنه (ع)، ان أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ و لِإِيلاٰفِ سورة واحدة. و محمد بن على بن محبوب عن ابى جميلة مثله، و ضعف الاسانيد

ص: 416


1- الشيخ ابى على الفضل الطبرسى: مجمع البيان ج 10 ص 507: طبعة الاسلامية طهران عام 1373 هجرية.
2- الشيخ ابى على الفضل الطبرسى: مجمع البيان ج 10 ص 507: طبعة الاسلامية طهران عام 1373 هجرية.
3- رواه محمد الباقر المجلسى طاب ثراه. (منه)

مجبور بالشهرة العظيمة، و الاجماعات المحكية، و صراحة جملة منها على المطلب بيّنة.

و حيث ان الجماعة المتأخرة لم يطلعوا الا على الخبرين الاولين، اعترضوا على المشهور، بانهما غير دالين على الوحدة.

قال فى التحرير: و لقائل ان يقول لا نسلم انهما سورة واحدة، بل لم لا يكونان سورتين؟ و ان لزم قراءتهما فى الركعة الواحدة على ما ادعوه، و نطالب فى الدلالة فى كونهما سورة واحدة، و ليس فى قرائتهما فى الركعة الواحدة دلالة على ذلك، و قد تضمنت رواية المفضل تسميتها سورتين، و نحن قد بينا ان الجمع بين السورتين فى الفريضة مكروه، فتستثنيان من الكراهة انتهى. و تبعه صاحب المدارك و غيره(1)، و ظاهرهم التامل فى المنع، و احتمال جواز الاكتفاء بالضحى فقط، كالم نشرح، و كذا الفيل و لايلاف، و فيه ما تقدم اليه الاشارة من الأخبار و الاجماعات المتجاوزة عن حد الاستفاضة التى كل واحد منها فى المقام حجة مستقله لمكان الشهرة المطلقه كما ادعاه غير واحد من الطائفة، بل المحققة بالنسبة الى قدماء الطائفة، بل ظهور عدم الخلاف بالنسبة اليهم، اذ الظاهر ان اول من صدر المخالفة المحقق، و تبعه من المتأخرين الجماعة التى لم يقفوا الا على الخبرين المتقدم اليهما الاشارة، زعما منهم انحصار دليل القدماء فيهما، و لم يعلموا ان مستند القدماء تلك الأخبار المستفيضة، المعتضدة بما مر اليه الاشارة. فكيف تصح المخالفة، نعم اعترف الشارح الفاضل بدلالتهما على وجوب قرائتهما معا فى الركعة الواحدة، حيث قال فى الرياض: و فى دلالة هاتين الروايتين على كون كل اثنين سورة واحدة نظر، اذ لا اشعار فيهما بذلك، و انما يدلان على وجوب قرائتهما معا، و هو اعم من المدعى، بل رواية المفضل واضحة فى كونهما سورتين، اذ الاستثناء حقيقة فى المتصل، غاية ما فى الباب كونهما مستثنيان من القرآن المحرم او المكروه، و يؤيده الاجماع على وصفها فى المصحف سورتين، و الامر فى ذلك سهل، فان الغرض من ذلك على التقديرين وجوب قرائتهما معا

ص: 417


1- و هو البهائى و الذخيرة. (منه)

فى الركعة الواحدة، و هو حاصل، انتهى.

و انت خبير بان الظاهر انه لم يقف الاعلى الخبرين، و عليه ففى دلالتهما على الوجوب نوع خفاء، و ان كان مناطه هو غيرهما من الاجماعات المحكية، ففى القول بعدم كونها سورتين نوع خفاء، فتدبر.

و اما الاستثناء الواقع فى رواية المفضل، فوجهه انها لما كانت بصورة اربع سور فى المصاحف مضبوطه، و فى الالسن مشهورة، فلذا عبر عنها بما عبر فيها، و لا تتوهم ان هذا الضبط و الاشتهار يهدمان ما بيناه، اذ هما قد نشئا من فعل عثمان (لع)، و اى عبرة بفعله، بل بفعل القراء ايضا فى هذا المقام الذى قد ذكر آل الرسول (ص) فيه ما ذكروا، و بينوا لشيعتهم ما بينوا، و ادعوا ما ادعوا. و بالجملة لا شبهة فى ضعف هذا القول، بعدم كونها سورتين، و تجويز الانفراد بواحد منها فى الركعة.

و اما ما رواه شيخ الطائفة فى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى المرسل كالصحيح، لمكان ابن ابى عمير عن زيد الشحام، قال: صلى ابو عبد الله (ع) فقرا فى الاولى و الضحى و فى الثانية ا لم نشرح لك صدرك، ففيه انه محمول على التقية او النافلة، كما ذكره شيخ الطائفة و غيره. و اما ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن زيد الشحام، قال: صلى بنا ابو عبد الله (ع) فقرأ بنا بالضحى و الم نشرح، فقال فى الصافى: ليس فى هذا الخبر انه قراهما فى ركعة او ركعتين، فاذا كان هذا الراوى بعينه قد روى هذا الحكم بعينه، و بين انه قراهما فى ركعة واحدة، فحمل هذه الرواية المطلقه على ما يطابق ذلك اولى، انتهى.

أقول: و يمكن حمله على التقية، و اما ما ذكره الشارح المحقق بان حمل الشيخ خلاف ما يتبادر منه، ففيه ان حمل الشيخ بانضمام ما بينه قريب، و لكن يرد عليه ان هذا الراوى بعينه قد روى رواية دالة على انه (ع) قد قراهما فى ركعتين، فالحمل على هذه دون هذه تحكم، كذا قيل(1)، و فيه نظر، اذ هذه الرواية تشتمل على قوله: صلى بنا، و كذا الرواية

ص: 418


1- فى حاشية الوجيزة. (منه)

المشتملة على انه (ع) قرأهما فى ركعة، بخلاف الرواية المشتملة على الركعتين، لمكان قوله: صلى ابو عبد الله (ع)، و عليه فلا ريب فى اقربية ما صنعه شيخ الطائفة، و عدم صحة نسبة التحكم اليه بلا مرية.

ثم نقل ذلك الفاضل عن بعض الفضلاء كلاما لا يخلو نقله عن تفرج، حيث قال: و من الغرائب ما وقع لبعض الفضلاء المحققين، الذى تبركت بلقائه - افاض الله على تربته شبآبيب الغفران - فى تعليقاته على شرح اللمعة، حيث كتب فى حاشية الحاشية عند ذكر صحيحة الشحام المذكورة فى صدر البحث(1)، و عنى بها قول الشحام فى صحيحته التى نقلناها ايضا فى صدر المسئلة: صلى بنا ابو عبد الله (ع) الفجر فقرا الضحى، و ا لم نشرح فى ركعة: حمل الشيخ رحمه الله هذه الرواية على النافلة، و لا يخفى عليك منافرته لقوله: صلى بنا فتدبر انتهى. و غرابته كنار على منار، و لعلّ وجه التدبر انه يمكن صرف قوله: صلى بنا عن الظاهر و هو ظاهر فتدبر انتهى وجه التفرج.

ان الشيخ انما حمل على النافلة الخبر الذى نسبنا ذلك بعد نقله اليه، و هو قول الشحام: صلى ابو عبد الله (ع) فقرا فى الاولى و الضحى و فى الثانية الم نشرح لك صدرك. و بالجملة لا شبهة فى ارجحية القول المشهور، لما مر اليه الاشارة المؤيد بارتباط المعنى بين السورتين، كما ذكره غير واحد، و بعدم الفصل بينهما فى مصحف ابن مسعود، كما فى الحبل المتين، و ابى بن كعب كما تقدم فى عبارة مجمع البيان،(2) و بما عن الاخفش و الزجاج ان الجار فى قوله عزّ و علا: (لِإِيلاٰفِ قُرَيْشٍ) متعلق بقوله جلّ شانه: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ).

و الى هنا تم الجزء السابع من موسوعة البرغانى فى فقه الشيعة حسب تجزئتنا بحمد اللّه و له الشكر و به تم كتاب الصلوة فى الماهية فى السّور التى تقرأ فى الفرائض، و قد بذلنا غاية الجهد فى تصحيحه و تحقيقه و مقابلته للنسخة الاصلية

ص: 419


1- و كتب فى تحت بعض الفضلاء مير سيد محمد ملا باشى. (منه)
2- انظر مجمع البيان ج 10 ص 507 طبعة طهران الاسلامية عام 1373 هجرية.

المخطوطة بخط المصنف رضوان الله عليه و قد خرج بعون اللّه و منّه خاليا عن الاغلاط (الا ما زاغ عنه البصر) و يتلوه الجزء الثامن فى كتاب الصلوة فى العدول من سورة الى سورة ان شاء الله تعالى.

فنشكره تعالى على ما وفقنا لذلك، و نسال اللّه العلى القدير ان يديم توفيقنا الاخراج بقية الاجزاء و اللّه ولى التوفيق.

ص: 420

محتويات الكتاب

فى كيفية الصلاة اليوميه 3

واجبات الصلاة 7

فى القيام 11

فى النية 78

فى التنبيه بتلاوة القرآن 103

فى بطلانها بقصد الرياء 105

فى تكبيرة الاحرام 106

فى القراءة 153

من هو محمد بن اسماعيل 186

فى القراءات السبع 245

فى القرّاء السبع 273

فى البسملة 333

فى الموالاة فى القراءة 335

فى حرمة العزائم فى الفرائض 356

فى جواز قراءة العزيمة فى النافلة 368

فى حرمة قراءة ما يفوّت الوقت 373

فى قول آمين 375

فى الجهر بالبسملة 380

فى الترتيل 390

فى الوقف 397

فى السور التى تقرأ فى الفرائض 402

ص: 421

تعريف مرکز

بسم الله الرحمن الرحیم
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
(التوبه : 41)
منذ عدة سنوات حتى الآن ، يقوم مركز القائمية لأبحاث الكمبيوتر بإنتاج برامج الهاتف المحمول والمكتبات الرقمية وتقديمها مجانًا. يحظى هذا المركز بشعبية كبيرة ويدعمه الهدايا والنذور والأوقاف وتخصيص النصيب المبارك للإمام علیه السلام. لمزيد من الخدمة ، يمكنك أيضًا الانضمام إلى الأشخاص الخيريين في المركز أينما كنت.
هل تعلم أن ليس كل مال يستحق أن ينفق على طريق أهل البيت عليهم السلام؟
ولن ينال كل شخص هذا النجاح؟
تهانينا لكم.
رقم البطاقة :
6104-3388-0008-7732
رقم حساب بنك ميلات:
9586839652
رقم حساب شيبا:
IR390120020000009586839652
المسمى: (معهد الغيمية لبحوث الحاسوب).
قم بإيداع مبالغ الهدية الخاصة بك.

عنوان المکتب المرکزي :
أصفهان، شارع عبد الرزاق، سوق حاج محمد جعفر آباده ای، زقاق الشهید محمد حسن التوکلی، الرقم 129، الطبقة الأولی.

عنوان الموقع : : www.ghbook.ir
البرید الالکتروني : Info@ghbook.ir
هاتف المکتب المرکزي 03134490125
هاتف المکتب في طهران 88318722 ـ 021
قسم البیع 09132000109شؤون المستخدمین 09132000109.