موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد المجلد 8

هویة الکتاب

موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد

سایر عناوین: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد / إرشاد الأذهان إلی أحکام الإیمان. شرح

نویسنده: برغانی، محمدصالح بن محمد

سایر نویسندگان

محقق: شهیدی صالحی، عبدالحسین

تعداد جلد: 8

زبان: عربی

ناشر: مجمع هماهنگی مؤسسات اسلامی. نمايشگاه دائمی کتاب - تهران - ایران

کد کنگره: /ع 8 الف 4022 182/3 BP

محرر رقمی : میثم حیدری

ص: 1

مقدمة التحقيق

اشارة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه رب العالمين و السلام على سيدنا السفراء الالهيين و افضل بريته و خير خلقه محمد (ص) و عترته الطاهرين المعصومين و اللعن الدائم على اعدائهم اجمعين الى يوم الدين آمين.

و بعد: فهذا هو الجزء الثامن من موسوعة البرغانى فى فقه الشيعة حسب تجزئتنا و شرع المؤلف (قدس سره) فى العدول من سورة الى سوره و انتهى الكلام فى بعض الادعية المأثورة.

فنشكره تعالى على ما وفقنا لنشر هذا الجزء من تراثنا الزاخر و ثمرة عظيمة من ثمار امتنا الاسلامية و كما اكرر اعتذارى الى القراء الكرام بسبب تأخير هذا الجزء و ذكرت اسباب التأخير فى الجزء السابع.

نسأل اللّه تعالى القدير التوفيق لاخراج بقية الاجزاء الباقية و هو المستعان.

حفيد المؤلف عبد الحسين الشيخ حسن الصالحى

سلخ رمضان المبارك 1411 ه، ق

قزوين:

المصادف: 1370/1/26 ه، ش

ص: 1

اعتذار

وقعت فى الجزء السابع من هذه الموسوعة صفحة 102 فى سطر 24 اى السطر الاخير كلمتين هما (راجعة الى مسئلة) حيث يكون الجملة هكذا.

(لكانت المسئلة راجعة الى مسئلة الضميمة فى كتاب الطهارة...)

و نترك أمر تصحيحها الى القارئ اللبيب ان يصححها بنفسه.

المحقق

ص: 2

تتمة كتاب الصلاة

تتمة النظر الثاني في الماهية

اشارة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا و نبيّنا اشرف الانبياء و المرسلين محمد بن عبد اللّه (ص) و على اهل بيته الطاهرين و اوصيائه المعصومين.

و بعد، فهذا هو الجزء الثامن من كتاب موسوعة البرغانى فى فقه الشيعة حسب تجزئتنا...

تتمة المقصد الأول في كيفية الصلاة اليومية

تتمة واجبات الصلاة سبعة
تتمة الرابع من واجبات الصلاة القراءة
فائدة: حكى بعضهم عن ظاهر التذكرة انه ادعى الاجماع على كون وَ اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ سورة واحدة،

كالفيل و لِإِيلاٰفِ، و انت خبير بان اول كلام التذكرة و ان كان كذلك، حيث قال: اَلضُّحىٰ و أَ لَمْ نَشْرَحْ سورة واحدة، لا تفرد احدهما عن الاخرى فى الركعة الواحدة، و كذا الفيل و لِإِيلاٰفِ عند علمائنا، و لكنه قال فى ذيل تلك المسئلة المعنونة: و هل تعاد البسملة؟ الاقرب ذلك، الى ان قال: و قال الشيخ فى التبيان: لا تعاد، لانها سورة واحدة، و الاجماع على انها ليست آيتين من سورة واحدة، و الاولى ممنوعة، و ان وجبت قراءتهما، و هذه العبارة كما ترى دالة على ذهابه على القول بمنع الاتحاد، و عليه فهذا الاجماع لعلّه انما وقع على قوله: لا تفرد احدهما عن الاخرى فى الركعة الواحدة فافهم.

(و يجب البسملة بينهما) وفاقا للحلى و جماعة من متاخرى الطائفة بل كثير منهم، قاله بعض الاجلة، خلافا للمحكى عن الشيخ فى التبيان، كالاستبصار و تبعه المحقق قضاء لحق الوحدة، و لان الشاهد على الواحدة اتصال المعنى، و البسملة تنفيه، و ذيل الرضوى المتقدم، و ما عن مصحف ابى و ابن مسعود من عدم فصلهما بينهما فى مصحفهما، المؤيد بما رواه الكافى فى آخر باب النوادر، الواقع بعد باب فضل القرآن، و قبل كتاب الروضة، فى الصحيح عن عبد الله بن فرقد، و المعلى بن خنيس، قالا: كنا عند ابى عبد الله (ص) و معنا ربيعة الراى، فذكرنا القرآن، فقال ابو عبد الله (ع): ان

ص: 3

كان ابن مسعود لا يقرا على قرائتنا فهو ضال(1). فقال ربيعة: ضال؟ فقال: نعم، ضال. ثم قال ابو عبد اللّه (ع): اما نحن فنقرا على قراءة ابّى. و بما عن المجمع من ان الاصحاب لا يفصلون بينهما، و كذا عن التبيان، قال المحقق فى التحرير: ان كانتا سورتين فلا بد من اعادة البسملة، و إن كانتا سورة واحدة فلا اعادة، للاتفاق على انها ليست آيتين من سورة، و للمتن و من تابعه ثبوتها بينهما تواترا، و كتبها فى المصحف وعدها جزء من تجريد هم اياه عن النقط و الاعراب، و يعضده الاحتياط، اذعن التحرير عدم الخلاف فى صحة الصلوة بالاعادة فيهما، و ذكرها لا ينافى الوحدة، كما أن تركها لا ينافى التعدد، لمكان النمل و البراءة، و لا نسلم كونها منافية لاتصال المعنى، فافهم.

و اما الرضوى فهو غير دال على كونها فصلا بينهما، فافهم. و لا حجة فى مصحف ابى و ابن مسعود بعد كتبها فى المصاحف اجماعا، نقله بعضهم. و اما الخبر فالاعتماد عليه مشكل، لان عبد الله غير مصرح به بمدح، و اما المعلّى فهو مختلف فيه، و اما ما فى المجمع و التبيان و التحرير ففيه المنع. و الانصاف ان المسئلة محلّ اشكال، و ان كان قول الشيخ لا يخلو عن قوة، لما مرّ و المناقشات اكثرها مما ليس فيه وجاهة، و لعل الاحوط هو الاتيان بها، و احوط منه عدم قرائتهما فى الصلوة الواجبة.

فى العدول من سورة الى اخرى
اشارة

(و يجوز العدول عن سورة الى غيرها ما لم يتجاوز النصف الا) اذا كان شروعه (فى التوحيد و الجحد فلا) يجوز (ان يعدل عنهما) و ان لم يتجاوز نصفهما، بل و ان لم يبلغ اليه (الا الى) سورتى (الجمعة و المنافقين).

الأخبار المتعلقة بالمقام
اشارة

أقول: تنقيح هذا المقام يستدعى نقل الأخبار المتعلقة به اولا، فنقول:

الاول:

ما رواه الكافى فى باب قراءة القرآن فى الصحيح، عن عمرو بن ابى نصر، قال: قلت لابى عبد الله (ع): الرجل يقوم فى الصلوة، فيريد ان يقرا سورة، فيقرا قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ و قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ. فقال: يرجع من كل سورة فقال:

يرجع من كل سورة الا من قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، و قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ.

ص: 4


1- الكافى: ج 2 ص 634 طهران منشورات مكتبة الصدوق سنة 1381 هجرية.
الثانى:

ما رواه ايضا فى باب القراءة يوم الجمعة، فى الصحيح عن محمد بن مسلم، عن احدهما (ع)، فى الرّجل يريد ان يقرا بسورة الجمعة فى الجمعة، فيقرا قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ. قال: يرجع الى سورة الجمعة. قال الكافى: و روى ايضا يتمها ركعتين، ثم يستانف. و روى التهذيب فى باب العمل فى ليلة الجمعة فى الصحيح، عن صباح بن صبيح، قال: قلت لابى عبد الله (ع): رجل اراد ان يصلى الجمعة، فقرأ ب قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ. قال: يتمها ركعتين، ثم يستانف.

الثالث:

ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الصحيح، عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا افتتحت صلوتك ب قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، و انت تريد ان تقرا غيرها، فامض فيها و لا ترجع، الا ان تكون فى يوم جمعة، فانك ترجع الى الجمعة و المنافقين منها.

الرابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الموثق كالصحيح، عن عبيد بن زرارة، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل أراد ان يقرا فى سورة، فاخذ فى اخرى، قال: فليرجع الى السورة الاولى، الا ان يقرا ب قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ قلت: رجل صلى الجمعة فاراد ان يقرا سورة الجمعة، فقرا قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، قال:

يعود الى سورة الجمعة.

الخامس:

ما رواه التهذيب ايضا فى اواخر باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الصحيح، على ما قيل عن الحلبى، قال: قلت لابى عبد الله (ع): رجل قرافى الغداة سورة قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، قال لا بأس و من افتتح بسورة ثم بدا له ان يرجع فى سورة غير فلا بأس الا قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، و لا يرجع منها الى غيرها، و كذلك قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ، قال الشارح المحقق بعد نقل تلك الرواية: و هذه الرواية جعلها جماعة من الاصحاب منهم المصنف فى المنتهى من الصحاح، و للتوقف فيه مجال، لان فى طريقه احمد بن محمد بن عيسى، عن ابن مسكان، و الحال ان احمد و من كان فى طبقته بل من كان فوقها لا يروون عن ابن مسكان، الا بواسطة، و كثيرا ما يكون الواسطة محمد بن سنان، و ملاحظة هذه المقدمة مضافا الى ما علم من طريقة الشيخ من اسقاط بعض الوسائط فى اثناء الاسانيد احيانا، يوجب الشك فى

ص: 5

اتصال اسناد هذا الخبر، فلا يبقى الوثوق بصحة الخبر، انتهى.

أقول: و يمكن ان يقال: هذا لا يصير باعثا لعدم الاعتماد بالخبر، لمكان جواز القول بان كتاب ابن مسكان كان مقطوع به عند احمد، و لكن بعد فى النفس منه شىء، و حكم بعض المحققين ايضا بضعف الخبر، قال: لان فى طريقهما احمد بن محمد عن ابن مسكان، و لا يخفى ان بينهما واسطة، انتهى.

نعم، ربما يقوى جانب الاعتماد بملاحظة ان محمد بن سنان معتمد عليه، فالرواية المشتملة عليه قوية، لو لم نحكم بصحتها، كما مضى فى المجلد الثانى من كتاب الصلوة الى تفصيل حال الرجل الاشارة، فراجع اليه.

السادس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن عبيد الله بن على الحلبى، و ابى الصباح الكنانى، و ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، فى الرّجل يقرأ فى المكتوبة بنصف السورة ثم ينسى، فياخذ فى اخرى، حتى يفرغ منها ثم يذكر، قبل ان يركع. قال: يركع و لا يضره.

السابع:

ما رواه ايضا فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح عن عبد الله بن بكير الموثق المجمع على تصحيح ما يصح عنه، عن عبيد بن زرارة، عن ابى عبد الله (ع)، فى الرّجل يريد ان يقرا السورة فيقرا غيرها. فقال: له ان يرجع ما بينه و بين ان يقرا ثلثيها.

الثامن:

ما عن الحميرى فى قرب الاسناد، عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر، قيل: رواه على بن جعفر فى كتاب المسائل ايضا عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن رجل اراد سورة فقرا غيرها، هل يصلح له ان يقرا نصفها ثم يرجع الى السورة التى اراد؟ قال: نعم، ما لم يكن قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ و قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ. و سألته عن القراءة فى الجمعة بم يقرا؟ قال: بسورة الجمعة و اذا جاءك المنافقون، و ان اخذت فى غيرهما و ان كان قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ فاقطعها من اولها فارجع اليهما.

و عبارة كتاب المسائل فى السؤال الأول هكذا على ما قيل: هل يصلح له

ص: 6

بعد ان يقرا نصفها ان يرجع؟ الى آخر ما هنا.

التاسع:

ما نقله بعض الأجلاء عن الذكرى نقلا عن كتاب نوادر البزنطى، عن ابن العباس فى الرّجل، عن أبى عبد الله (ع) يريد ان يقرا السورة، فيقرا فى اخرى، قال: يرجع الى التى يريد، و ان بلغ النصف. قال بعض الأجلاء، و هذه الرواية نقلها فى البحار عن الذكرى، الا ان فيها عن ابى العباس عن ابى عبد الله (ع) فى الرجل الى آخره، و الذى وقفنا عليه من نسخ الذكرى التى عندنا هو ما نقلناه.

العاشر:

ما عن الفقه الرضوى، قال: و قال العالم (ع): لا تجمع بين سورتين فى الفريضة، و سئل عن رجل يقرا فى المكتوبة نصف السورة ثم ينسى، فياخذ فى الاخرى حتى يفرغ منها، ثم يذكر قبل ان يركع. قال: لا بأس به، و تقرا فى صلوتك كلها يوم الجمعة و ليلة الجمعة سورة الجمعة و المنافقين و سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى، و ان نسيتها او واحدة منها فلا اعادة عليك، فان ذكرتها من قبل ان تقرا نصف سورة فارجع الى سورة الجمعة، و ان لم تذكرها الا بعد ما قرات نصف سورة فامض فى صلوتك.

الحادى عشر:

ما عن على بن جعفر فى كتاب المسائل عن اخيه (ع)، قال:

سألته عن الرجل يفتتح السّورة فيقرا بعضها، ثم يخطئ فياخذ فى غيرها حتى يختمها، ثم يعلم انه قد أخطأ، هل له ان يرجع فى الذى فتح و ان كان قد ركع و سجد؟ قال: ان كان لم يركع فليرجع ان احب، و ان ركع فليمض.

الثانى عشر:

ما عن كتاب دعائم الاسلام، قال: و روينا عن جعفر بن محمد عليه السلام، انه قال: من بدأ فى القراءة فى الصلوة بسورة ثم راى ان يتركها و ياخذ فى غيرها، فله ذلك، ما لم ياخذ فى نصف السورة الاخرى، الا ان يكون بدا ب قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، فانه لا يقطعها، و كذلك سورة الجمعة و سورة المنافقين فى الجمعة، لا تقطعهما الى غيرها، و ان بدأ ب قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ فليقطعها و يرجع الى سورة الجمعة او سورة المنافقين فى صلوة الجمعة يجزيه خاصة.

بسط الكلام فى مقامات:
اشارة

اذا عرفت ذلك فنقول: تحقيق المقام يقتضى بسط الكلام فى مقامات:

الأول: يجوز العدول من سورة الى أخرى فى الجملة،

ما لم يبلغ النصف على المشهور

ص: 7

بل لم اجد فيه مخالفا، بل فى شرح الجعفرية جواز الرجوع اذا لم يبلغ النصف امرا جماعى بين المتأخرين من اصحابنا، و يدل عليه بعد المذكور اكثر الأخبار المتقدمة، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و الاطلاقات، و الاصل. و فى جامع المقاصد فى جملة كلام له: و يمكن الاحتجاج بظاهر قوله تعالى: «لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» فى الانتقال من سورة الى اخرى، ابطال للعمل، فيكون منهيا عنه، خرج من ذلك ما دون النصّف، فيبقى داخلا فى العموم، فيكون بلوغ النصّف كافيا فى منع الرجوع.

الثانى: لا يجوز العدول اذا تجاوز عن النصّف على المشهور بينهم،

بل عن الجماعة عليه الاجماع، و فى المفاتيح: اما بعد التجاوز عن النصّف فلا يجوز العدول عندهم مطلقا، و لم اجد لهم فى ذلك مستندا، و فى الموثق ثم نقل الخبر السابع، و قال: و فى رواية يرجع الى التى يريد، و ان بلغ النصف، انتهى.

و ظاهره كما ترى التامل فيما ذكره الاصحاب تبعا لبعض متأخرى المتأخرين، بل اعترف جماعة منهم ايضا غيره بعدم وجود نص فى ذلك، و الحق هو المشهور، لما مر، و للخبر العاشرو الثانى عشر المنجبر ضعفهما بالشهرة و غيرها،(1) و لما كانا فى غير الكتب الأربعة، فلا ايراد على الجماعة النافية للمستند لعدم عثورهم عليهما،(2) و اما الخبر السابع فلا يصلح للمعارضة من وجوه عديدة، لو تعرضنا لها ليطول المقام، فليحمل على الشروع فى الثلث الثانى، كما صنعه بعضهم، او يطرح. و اما الاستدلال للمشهور بآية «لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» فمشكل جدا، و الاجود جعلهما مؤيدة. و ببالى انه قد مضى منافى

ص: 8


1- و فى جامع المقاصد و قال ابن ادريس و جماعة منهم المصنف فى النهاية بانه يكفى بلوغ النصف فى عدم جواز العدول و ليس فى الأخبار ما يصلح دليلا على ذلك فان موثقة عبيد بن زرارة ثم نقل الخبر السابع لا تدل من وجهين احدهما اعتبار الثلثين و الثانى ان موردها من اراد ان يقرء السورة فقرأ غيرها و حق هذا ان يجب عليه الرجوع ما لم يركع لان ما اتى به لا يعد قراءة الصلوة الا ان يحمل على من قصد سورة ثم ذهل فقصد أخرى انتهى. و فيه ما سيظهر ان شاء الله تعالى (منه).
2- و قال بعضهم فى حاشية النهاية بعد نقل الموثوقة و الظاهر جواز العمل بها و ان كان المشهور احوط (منه).

المباحث السابقة تفصيل الكلام فى كيفية دلالة تلك الاية، و بالجملة، الاعتماد عليها مشكل جدا، و كيف كان، فالمسئلة واضحة.

الثالث: هل المعتبر فى جواز العدول هو عدم بلوغ النصّف ام لا؟

بل المعتبر هو عدم تجاوز النصّف، و عليه فيجوز العدول اذا بلغ النصف، قولان: ذهب الى اولهما الحلى و الشهيد ان فى الذكرى و الدروس، و المقاصد العلية و الرياض، و البهائى فى الاثنى عشرية، و المحقق الثانى كما عن الصدوق فى الفقيه و الجعفى و الاسكافى، بل نسبه فى الذكرى الى الاكثر، و فى الجعفرية الى الاشهر، و فى غيرهما(1) الى المشهور، و الى ثانيهما الشيخان و الفاضلان و غيرهم و هو الظاهر من الشهيد فى الالفية، بل نسبه الشارح المحقق كغيره(2) كما عن غيرهما(3) الى المشهور، و نسب المحقق الثانى فى جامع المقاصد الى المصنف فى نهاية الاحكام الذهاب الى القول الأول، و لكن قيل:(4) انى وجدت كلامه موافقا للقول الثانى، و ليس عندى ذلك الكتاب، حتى ابين الحق، و كيف كان، فللاول قوله تعالى: «لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» خرج ما خرج بدليل، و لا دليل على خروج ما نحن فيه عنه، فيبقى عموم المنع سالما عن المعارض، و الخبر العاشر، و للاخرين اطلاق جملة من الأخبار المتقدمة، و خصوص الخبر الثامن، و التاسع، و الثانى عشر، و اطلاق الامر بالصلوة و القراءة، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و اصالة البراءة، و اصالة الصحة، و عموم الخبر السّابع، و يحتمل ترجيح هذا القول لكثرة الادلة الدّالة عليه، و عدم مقاومة ما يدل على القول الاخر لها، و ان انضم اليه رواية منصور بن حازم المتقدمة فى مقامه، المتضمنة لقوله (ع): لا تقرا فى المكتوبة باقل من سورة، و لا باكثر. لمكان كون التعارض بينها و بين بعض من الادلة الدالة على هذا القول من قبيل تعارض العام و الخاص، و الاخير مقدم، فيترجح ما اخترناه، و كذا لو انضم اليه ما ذكره بعض الأجلاء، بان الفقه الرضوى لمكان اعتماد الصدوقين عليه و افتائهما بعباراته، لا يقصر عن غيره من كتب الأخبار، و قد نبهنا فى غير موضع، على ان كثيرا من الاحكام التى ذكرها المتقدمون، و لم يصل

ص: 9


1- و هو المفاتيح (منه).
2- و هو ما رأيته فى بعض حواشى نهاية الاحكام (منه).
3- و هو البحار (منه).
4- و هو الشارح المحقق (منه).

دليلها الى المتأخرين، فاعترضوا عليهم بعدم وجود الدّليل، و قد وجدنا ادلتها فى هذا الكتاب و هذا منها فان عبارة الصدوق هنا كما ترى موافقة لعبارة الكتاب، و ان كان انما رتبها على الظهر خاصة، بناء على مذهبه فى وجوب السورتين فيها، و اما كتاب دعائم الاسلام، فاخباره صالحة للتاييد البتة، انتهى. و ذلك واضح.

و الانصاف ان المسئلة محل اشكال، فالاحتياط لا يترك، فليعمل بالقول الأول.

الرابع: المشهور بين الاصحاب - كما صرح غير واحد - انه لا يجوز العدول عن سورتى التوحيد و الجحد الى غيرهما،
اشارة

سوى ما سياتى ان شاء اللّه بل متى شرع فيهما وجب اتمامها: قال: فى الانتصار: و مما انفردت به الامامية حظر الرجوع عن سورة الاخلاص، و روى قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ ايضا، اذا ابتدأ بها، و ان كان له ان يرجع عن كل سواه الى غيرها، و الوجه فى ذلك مع الاجماع الذى مضى، ان شرف هاتين السورتين، و عظيم ثواب فاعلهما لا يمنع ان يحمل لهما هذه المزية، و هى المنع من الرجوع من كل واحدة بغير(1) الابتداء بها، انتهى.

و خالف فى ذلك المحقق فى التحرير، فذهب الى الكراهة، و توقف فيه المصنف فى المنتهى و التذكرة، و ان كان ظاهره هنا و فى القواعد و التحرير القول بالحرمة، و ظاهر الشارح المحقق ايضا التوقف فى المسئلة. و الاقوى عندى هو القول المشهور للخبر الأول، و الثالث، و الرابع، و الخامس، و الثامن، و الثانى عشر، و دلالة تلك الأخبار على المنع واضحة، كالاجماع المحكى المعتضد بالشهرة، التى كادت ان تكون اجماعا، لو لم نقل بكونها اجماعا. قاله بعض المحققين. فما ذكره الشارح المحقق بقوله: و الاصل فى هذا الباب الرّوايتان السابقتان، اعنى رواية عمرو بن ابى نصر، و رواية الحلبى، لكن دلالتهما على التحريم ليس بواضح، فهو من جملة تشكيكاته الواهية، لانه مبنى على الظاهر على قوله من عدم دلالة الاوامر و النواهى فى اخبار الائمة (ع) على الوجوب و التحريم، و عدم وجاهته غير مخفى على من له ادنى دربه، كما ازلنا فى الاصول عنه الغشاوة، هذا مضافا الى كون النواهى هنا معتضدة بالشهرة، و مثل هذه

ص: 10


1- بعد خ ل.

عنده محمول على الحرمة، و الى عدم انحصار الاصل فى هذه المسئلة بالروايتين كما مضى اليه الاشارة.

و بالجملة هذا الكلام ليس فيه وجاهة، كاستدلال التحرير بقوله تعالى:

«فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ» قال: و لا تبلغ الرّواية فى تخصيص القرآن، اذ يرد عليه ان هذه الأخبار لمكان كثرتها عددا و اعتبارها سندا توجب تخصيص عموم الكتاب بلا ريبة، كيف لا، و هم يخصصون الآيات بما هو اقل عددا من هذه الأخبار، هذا مضافا الى تطرق الوهن الى هذه الاية، كما مضى فى وجوب قراءة سورة كاملة اليه الاشارة، و الى أنّ فاقرؤا صيغة امر، و هى حقيقة فى الوجوب، فكيف تكون دليلا على جواز العدول، الذى ليس مدلول العبارة مطابقة و لا تضمنا و لا التزاما، فليتأمل.

و بالجملة لا شبهة فيما هو المشهور بين الطائفة، مع كونه احوط فليعمل به.

فرع:

اذا قلنا بتحريم العدول، فخالف و عدل الى غيرهما، فهل تبطل صلوته، كما صرح به بعضهم ام لا؟ وجهان: للاول ان النهى راجع الى جزء العبادة، اذا النهى عن الرّجوع عنهما الى غيرهما نهى فى الحقيقة عن قراءة غيرهما، مع انه مامور باتمامها، فعند العدول عنهما و قراءة غيرهما يكون آتيا بالمنهى عنه تاركا بالمأمور به، فيكون باقيا تحت العهدة، فتبطل عبادته حينئذ، و هو جيّد.

الخامس: المشهور بين الاصحاب - كما صرح به الجماعة - انه يجوز العدول عن التوحيد و الجحد الى الجمعة و المنافقين فى الجملة،
اشارة

قال الشارح المحقق:

يجوز العدول عن التوحيد و الجحد الى الجمعة و المنافقين، ما لم يتجاوز النصف، او لم يبلغه على المشهور بين الاصحاب، و ربما يتوهم عدم الخلاف فيه، انتهى.

أقول: و فى مجمع الفائدة: اما جواز العدول عن الجحد و التوحيد الى الجمعتين فى الجمعة، بل استحبابه ايضا ما لم يتجاوز النصف، فالظاهر عدم الخلاف، انتهى. و يظهر من المحقق فى الشرايع المخالفة، حيث قال فى احكام

ص: 11

الجمعة: و اذا سبق الامام الى قراءة سورة، فليعدل الى الجمعة و المنافقين، ما لم يتجاوز نصف السّورة الا فى سورة الجحد و التوحيد. و هو المحكى عن ظاهر اطلاق الاسكافى، و ظاهر عبارة الانتصار المتقدمة ايضا عموم المنع، و كيف كان، فالمشهور اقوى، لنا الخبر الثانى و الثالث، و الرابع و الثامن، و الثانى عشر، و الاخصية غير ضايرة، لعدم القائل بالفصل، كما صرح به بعض المحققين.

و فى جامع المقاصد: و عدم ذكر الجحد فى الروايات غير قادح للمساواة بينهما عند الاصحاب، و كذا فى الرياض و شرح الجعفرية و غيرهما(1). فظهر بما ذكر ان ما يظهر من بعض متاخرى المتأخرين(2) من الفرق بين التوحيد فالجواز، و الجحد فالعدم، لا ينبغى ان يلتفت اليه، هذا مضافا الى انه يمكن الاستدلال على المختار ببعض الأخبار ايضا، كالخبر الثامن المعدود من الصحاح، المشتمل على قوله (ع): و ان اخذت فى غيرهما و ان كان قُلْ هُوَ اَللّٰهُ فاقطعها من اولها، فارجع اليهما، و يمكن اجراء القياس بطريق اولى ايضا للمختار، لمكان كون الأخبار المانعة عن الاخلاص اكثر و كونه ثلث القرآن، بخلاف الجحد فانه ربعه كما فى بعض الأخبار، و عن بعض انه استند فى ذلك الحكم الى الاولوية، و لعل وجهها ما ذكرنا، و الاولى جعلها من المؤيدات، و كيف كان، فالمسئلة بحمد الله واضحة لكثرة الادلة الدالة عليها، فهى لمكان اخصيتها مقدمة على بعض الأخبار المانعة بعمومها، و ذلك واضح.

تنبيه:

يستفاد من ظاهر صحيحة صباح بن صبيح المنقولة فى ذيل الخبر الثانى ان من اراد ان يصلى الجمعة، فقرا قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، فعليه اتمام الصلوة، ثم استينافها. و الظاهر ان وجه الاستيناف هو القراءة بالجمعة و المنافقين.

قال فى الفقيه: و لا يجوز ان يقرا فى صلوة الظهر يوم الجمعة بغير سورة الجمعة و المنافقين، فان نسيتهما او واحدة منهما فى صلوة الظهر، و قرات غيرهما، ثم ذكرت، فارجع

ص: 12


1- و هو شيخ محمد بن شيخ نصر فى شرح الالفية (منه).
2- و هو الشيخ يوسف فى الحدائق (منه).

الى سورة الجمعة و المنافقين ما لم تقرأ نصف السورة، فان قرات نصف السورة فتمم السورة، و اجعلهما ركعتين نافلة، و سلم فيهما، و اعد صلوتك بسورة الجمعة و المنافقين.

و قال فى المختلف بعد نقل ذلك الكلام: و الكلام هنا يقع فى مقامين:

الأول: فى وجوب السّورتين فى ظهر يوم الجمعة، و هو الظاهر من كلامه رحمه الله، و هو قول ابى الصلاح، و المشهور الاستحباب، لنا الاصل الى ان قال:

المقام الثانى: فى الرجوع عن نية الفرض الى النقل للناسى، و هذا شئ ذهب اليه اكثر علمائنا، كالشيخ و غيره، و منع ابن ادريس من ذلك، لنا ان فى ذلك ادراكا كالفضيلة قراءة السورتين، و ما رواه صباح بن صبيح فى الصحيح الى آخره، احتج ابن ادريس بقوله تعالى: «وَ لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» و الجواب: ان نية النفل ليس ابطالا للعمل، انتهى.

أقول: قد عرفت ان مراد الصدوق من صلوة الظهر ماذا؟ و عليه فظاهر عبارته هو العدول الى الجمعتين فى صلوة الجمعة، ما لم تقرا نصف السورة، و مع قرائته لا بد من العدول الى النفل، ثم الاستيناف، سواء كان تلك السورة التى شرع فيها التوحيد او الجحد او غيرهما، و هذا خلاف ما يستفاد من اطلاق الأخبار المتقدمة، الدالة على العدول من التوحيد اليهما، أو الى الجمعة، اذ مقتضاها جواز العدول مطلقا، و لو تجاوز عن نصفها. و لم اجد مقيد الها، و ان قيل الظاهر ان المشهور بجواز العدول عن سورة التوحيد و الجحد هنا الى سورة الجمعة و المنافقين بشرط عدم بلوغ النصف، او تجاوزه، اذ فى النفس فى حجية الشهرة على تقدير تحققها شىء، مع ان كثير من عباراتهم - على ما صرح به بعض الأجلاء - مجملة لا تفيد ذلك، و اما الاستدلال لذلك بالخبر العاشر، ففيه ان ذلك انما يجدى لو اجبر ضعفه الشهرة، و تحققها فيما اشتمل عليه غير ثابت. نعم، استدل لذلك المحقق الثانى فى جامع المقاصد، و الشارح الفاضل فى الرياض بشىء لا بأس بنقله، حتى يظهر لك ما يرد عليه.

قال الأول فى جملة كلام له: يجوز العدول عن التوحيد و الجحد الى

ص: 13

الجمعة و المنافقين، بشرط ان لا يبلغ النصف، و ان يكون شروعه فيهما نسيانا، الى ان قال: و يدل على اعتبار عدم بلوغ النصف مضافا الى ما سبق، ما روى صحيحا عن الصادق (ع)، ثم نقل صحيحة صباح بن صبيح المتقدمة، و قال: فان حملها على عدم بلوغ النصف للجمع بينها و بين ما سبق من الأخبار اولى، لان العدول من الفريضة الى النافلة لغير ضرورة غير جايز، لانه فى حكم الابطال المنهى عنه. انتهى. و عنى بقوله ما سبق قوله تعالى: «لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» بتقريب ان الانتقال من سورة الى اخرى ابطال للعمل، فيكون منهيا عنه، خرج من ذلك ما دون النصف بالاجماع، فيبقى الباقى داخلا فى العموم، فيكون بلوغ النصف كافيا فى منع الرجوع.

و قال الثانى: و انما اعتبروا فى التوحيد و الجحد عدم بلوغ النصف، جمعا بين ما دل على جواز العدول منهما، كصحيحة محمد بن مسلم و غيرها، و بين ما روى عن الصادق (ع)، ثم نقل صحيحة صباح، و قال: فان العدول من الفريضة الى النافلة بغير الضرورة غير جايز، لانه فى حكم ابطال العمل المنهى عنه فحملت هذه الرواية على بلوغ النصف، و الأول محمول على عدمه لما مر، انتهى.

و فيه اولا: ان الجمع بين الروايات لا ينحصر فى ذلك، بل يمكن الجمع بينهما بالتخيير، كما هو ظاهر الكافى و صريح غيره. و عليه فان كان دليل من عرف او لغة او غيرهما قد دل على تعيين واحد منهما فهو المتبع، و مع عدمه فكيف يجوز ترجيح احدهما؟ و لا نسلم ان الجمع بين الدليلين باى وجه اتفق اولى من الطرح، كما ابسطنا ذلك فى مقامه.

و ثانيا: انه مخالف لما عليه الاصحاب، قاله بعض الأجلاء، قال: فان العدول الى النافلة عندهم غير مقيد ببلوغ النصف، بل يجوز مطلقا تبعا لاطلاق النص.

و ثالثا: ان قوله: ان العدول الى النافلة بغير ضرورة جايز، مردود، لمكان صحيحة صباح على اشكال ما فى دلالتها، و لكن يمكن رفعه. و من هذا القبيل العدول لاستدراك الجماعة، و قطع الفريضة، لتدارك الأذان و الاقامة.

و رابعا: ان الاستدلال لذلك بقوله تعالى: «لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» فيه ما مر اليه الاشارة،

هنا مسائل
اشارة

فظهر بما ذكر ان هنا مسائل فلنفصلها، و لنبين حكمها:

ص: 14

الاولى: ان جواز العدول من التوحيد و الجحد الى سورة الجمعة و المنافقين هل هو مشروط بعدم بلوغ النصف، او عدم تجاوزه، ام يجوز مطلقا؟

صرح الجماعة بجواز العدول ما لم يبلغ النصف، بل استظهر بعض الأجلاء كونه مشروطيته بعدم بلوغ النصف، او عدم تجاوزه مشهورا، و فى مجمع الفائدة: و اما عدم جواز الرجوع عنها مع التجاوز فلا ارى له دليلا، و ظاهرهما يقتضى الجواز، فغير بعيد، لو لم يكن خلاف الاجماع، و الظاهر لا اجماع، بل الخلاف فيه يقتضيه ظاهر بعض العبارات، حيث عمموا، انتهى.

و فى الذخيرة(1): ثم اعتبار النصف فى جواز العدول من السورتين فى يوم الجمعة مصرح به فى كلام كثير من الاصحاب، مجمل من غير تصريح فيه بذلك الى ان قال: فحملت هذه الرواية - اى رواية صباح - على بلوغ النصف، و الأول على عدمه، و هذا هو التفصيل الذى صرح به ابن بابويه، و ابن ادريس، انتهى.

و ذهب جماعة من متاخرى المتأخرين الى الجواز مطلقا، و ان تجاوز عن النصف، للأول الخبر العاشر، و ما يقتضيه الجمع بين رواية صباح و بين اطلاق الأخبار المجوزه بحمل الاولى على بلوغ النصف، و الاخرى على عدم بلوغه، و عموم قوله تعالى: «لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ»، و للثانى اطلاق الأخبار المجوزة و المسئلة محل اشكال، و الاحوط عدم العدول عنهما اليهما اذا بلغ النصف.

الثانية: لا اشكال فى عدم وجوب النقل الى النفل،

و عن المنتهى عليه الاجماع، و انما الكلام فى جواز ذلك فى مورد صحيحة صباح، فعن الاكثر نعم، و عن الحلى المنع، هنا بناء على اصله الغير الاصيل من عدم العمل بخبر الواحد مع تحريم قطع الصلوة الواجبة، و الاحوط هو العمل بقوله، اذ لم يظهر ان الموجب للسورتين يوجب هذا. قاله بعضهم(2)، و فيه اشكال، فراجع الى عبارة الصدوق فى الفقيه.

و كيف كان، الاظهر عندى جواز العدول الى النفل فى مورد الخبر، و

ص: 15


1- عبارة الذخيرة هذه مغلوطة فراجع الى ذخيرة اخرى (منه).
2- و هو مجمع الفائدة و فى الحدائق جعله الاحوط من غير ترديد (منه).

الاستيناف بالسورتين لمكان صحيحة صباح المتقدمة و هى، و ان كان فى دلالتها نوع مناقشة، و لكن الظاهر انها مدفوعة لمكان الاعتضاد بفهم الاصحاب.

الثالثة: اذا قلنا بجواز العدول الى السّورتين و الى النفل،

و الاستيناف بهما، فهل الافضل النقل الى النفل و الاستيناف بهما او الى السورتين؟ فيه اشكال، و لم يظهر بعد للعبد ترجيح.

السادس: صرح الجماعة و منهم المحقق الثانى، و الشارح الفاضل بان جواز العدول من السورتين الى السورتين مشروط بكون قرائتهما على وجه النسيان،

فمع التعمد لا يجوز له الرجوع عنهما، و استدل فى جامع المقاصد و شرح الجعفرية بأن مورد روايات الرجوع هو النّاسى، انتهى.

و عليه فيجب العمل باطلاق الأخبار المانعة، و زاد فى جامع المقاصد، و قال: و يؤيده صحيحة على بن يقطين، قال سألت ابا الحسن الأول عن الرجل يقرأ فى صلوة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمدا. قال: لا بأس بذلك.

أقول: و الظاهر ان منشاء توهمهم هو قوله فى الخبر الثانى و ما ضاهاه، يريد ان يقرا سورة الجمعة فى الجمعة، فيقرا قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، اذ ظاهرها ان القصد كان بسورة الجمعة، و ان قراءة التوحيد انما وقع سهوا، ففيه ان هذه العبارة كما تحتمل ذلك، كذلك الحمل على العامد ايضا، بان يكون قد قصد اولا الى سورة الجمعة، ثم بدا له فقصد الى التوحيد، قاله غير واحد(1)، هذا مضافا الى ان العبرة بعموم الجواب، لا خصوص السؤال، و الى عموم الخبر الثامن و الثانى عشر.

و بالجملة لا نسلم كون الأخبار ظاهرة فى النسيان بظهور يصرف اللفظ عن اطلاقه، حتى يقال: لا بد من الخروج عن الأخبار المانعة، بقدر يدل عليه الدليل و ليس ذلك الا النسيان، لانه المتيقن، بل قيل ان الخبر الثامن فى العامد اظهر، فالقول بالاطلاق اظهر، وفاقا لجماعة ممن تأخر(2)، بل قيل: ان هذا هو مقتضى كلام الاكثر.

ص: 16


1- و هو الشارح المحقق و الحدائق (منه).
2- و هو الشارح المحقق و الحدائق و الشارح المقدس و غيرهم (منه).
السابع: صرح الجماعة بان العدول منهما اليهما ثابت فى صلوة الجمعة و ظهرها،
اشارة

و منهم المحقق الثانى، و الشهيد الثانى، و المصنف رحمه الله فى التذكرة، و المحكى عن المنتهى، و المحقق، و ابن ادريس، و الصدوق فى الفقيه، و هو الظاهر من الالفيه و الاثنى عشرية، بل نسبه بعض المحققين إلى المشهور، بل فى الذخيرة المذكور فى كثير من عبارات الاصحاب فى هذه المسئلة ظهر الجمعة، و فى كثير منها اجمال، و الظاهر اشتراك الحكم عندهم بين الظهر و الجمعة بلا خلاف فى عدم الفرق بينهما.

و فى جامع المقاصد: و صرح الشيخ و ابن ادريس بظهر الجمعة و هو يقتضى كون الجمعة كذلك بطريق اولى. و فى التحرير فانه لا ينتقل عنهما، اى من التوحيد و الجحد الا فى ظهر الجمعة فانه ينتقل الى الجمعة و المنافقين، و ربما يظهر من الشارح الفاضل تعميم الحكم بالنسبة الى صلوة العصر من يوم الجمعة ايضا، كما صرح به المصنف فى التذكرة، بل عن الجعفى تعميم الحكم فى صلوة الجمعة و صبحها و العشاء ليلة الجمعة، حيث قال: و ان اخذت بسورة و بدالك فى غيرها فاقطعها، ما لم تقرا نصفها، الاّ قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، و قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ، و ان كنت فى صلوة الجمعة و الصبح يومئذ و العشاء ليلة الجمعة فاقطعها(1)، و خذ فى سورة الجمعة و اذا جاءك المنافقون، خلافا لبعض متاخرى المتأخرين(2)، فحكم باختصاص ذلك بصلوة الجمعة، مستدلا بان الأخبار المانعة عن العدول عن الجحد و التوحيد الى غيرهما باطلاقها شاملة لسورتى الجمعة و المنافقين و غيرهما، و القدر المتيقن من الرّوايات المخصصة لها المجوزة للعدول عنهما، انما هو بالنسبة الى صلوة الجمعة، اذ هى مورد تلك الأخبار، و فيه نظر، لمكان الخبر الثالث المشتمل على قوله (ع): الا ان تكون فى يوم جمعة، فانك ترجع الى الجمعة و المنافقين منها. اذ اليوم يعم صلوة الجمعة و الظهر، بل العصر ايضا على اشكال، لمكان ما ذكره بعض المحققين فى شرح المفاتيح، بان المتبادر انما هو الجمعة و

ص: 17


1- فاقطعهما ظ.
2- و هو صاحب الحدائق (منه).

الظهر، و اما العصر فليس مثلهما فى التبادر، لو لم نقل بمرجوحيتها لان الاحتمال لا يكفى الاستدلال بعد تحقق الراجح فى الفهم، اى ما يكون الظاهر ارادته على اى تقدير. قال: و مما يعين ما ذكرناه فهم المصنف بحيث لا يكاد يتحقق خلافه، مع ان الظاهر مما دل على حرمة العدول وجود داع عظيم شرعا الى عدم العدول، و ليس فى الشرع اهتمام فى قراءة الجمعة و المنافقين فى العصر، بحيث يقابل الداعى على عدم العدول او يقاربه، بل بينهما بون بعيد بخلاف الجمعتين كما عرفت من وجود لا صلوة، و انه عليه الاعادة و غير ذلك.

و بالجملة ليس فيما دل على جواز العدول عموم ظاهر قوى، بحيث يخرج به عما دل على عدم جواز العدول، فظهر حال ما نقل عن الجعفى من تعميم الحكم فى صلوة الجمعة و صبحها و العشاء ليلة الجمعة، انتهى.

أقول: و يعضده الخبر الثانى عشر، لكن الظاهر منها عدم التعميم بالنسبة الى صلوة الظهر ايضا، و فيه ما فيه، و بالجملة، الذى يقتضيه الجمع بين الادلة هو القول بجواز العدول عنهما اليهما فى الجمعتين، بل العصر ايضا على احتمال، و لكن الاحوط فيها عدم العدول عنهما.

قال الشارح المقدس: فالاحتياط هو الترك فى العصر، بل فى الظهر ايضا، الا انه مذكور فى عبارات الاصحاب، مثل المصنف فى المنتهى، و الصدوق فى الفقيه، و اما العصر فما اذكر الآن انها مذكورة فى غير كلام الشارح، انتهى.

أقول: قد عرفت انها مذكورة فى كلام التذكرة ايضا، و اما صبح الجمعة و ان كان مقتضى الصحيحة هو الجواز، و لكن الحكم به مشكل، فالاحتياط مطلوب، و اما الجواز بالنسبة الى عشاء ليلة الجمعة فلا ريب فى فساده، و ان انضم اليه اطلاق الخبر العاشر.

وهم و تنبيه:

الذاهب(1) فى المسئلة الى عدم التعميم و اختصاص جواز العدول عنهما اليهما بصلوة الجمعة، قد ذكر فى هذه المسئلة بان مورد الأخبار انما هو صلوة

ص: 18


1- و هو الشيخ يوسف فى الحدائق (منه).

الجمعة، قال: و ليس فيها ما ربما يوهم خلاف ذلك، الا قوله فى رواية الحلبى، الا ان يكون فى يوم الجمعة، و يجب حمله على صلوة الجمعة، كما صرحت به بقيّة اخبار المسئلة، حملا للمطلق على المقيد، انتهى.

أقول: لحمل المطلق على المقيد شروط مقررة، منها كونهما متعارضين، و عليه فلا شك فى انه ليس بين صحيحة الحلبى و بين الأخبار السابقة تعارض، حتى نحتاج الى الحمل المذكور، فليعمل بكليهما. و اما الخبر الثانى عشر و هو خبر الدعائم، فهو باعترافه انما يصلح للتأييد، و المعارضة فرع المقاومة.

الثامن: مقتضى الخبر الأول و الرابع و الخامس و الثامن و التاسع و الثانى عشر هو جواز العدول عن سورة الجمعة و المنافقين ايضا الى غيرها،

كساير السور فى غير يوم الجمعة، و اما فى الجمعتين و ان كان مقتضى بعض تلك الأخبار هو الجواز ايضا، و لكن بعد ضم بعض الأخبار الى بعضها يظهر فى ذلك اشكال تام، فالاحوط فيهما عدم العدول عنهما الى غيرهما، لو لم نقل بانه هو الاظهر، بل الاحوط فى العصر من يوم الجمعة ايضا ذلك، بل فى صبحها ايضا، بل فى عشاء ليلة الجمعة ايضا.

التاسع: مقتضى الخبر الخامس جواز العدول عن سورة قصدها اولا ثم بدا له فى قصد غيرها،

كما ان مقتضى الخبر السادس و الحادى عشر هو الجواز عن سورة قصدها فينسيها، فيجر به الذهول و النسيان الى ان يدخل فى غيرها من غير قصد، بل مقتضى الخبر السادس هو الجواز ايضا عن سورة قصدها فنسيها، فتعمد العدول الى غيرها، لان قوله ثم ينسى فياخذ فى اخرى، كما يحتمل ان يكون ان المراد منه فينسى ما هو فيه، فيشرع فى اخرى بطريق السهو و النسيان، كذا يحتمل ان يكون المراد منه فينسى ما هو فيه، فيعمد الى الدخول فى اخرى، و كذا مقتضى اكثر الأخبار المتقدمة هو الجواز فيما اذا قصد الى سورة و دخل فى اخرى بغير قصد، و كذا مقتضى الخبر الخامس هو الجواز فيما لو كان شروعه لا بطريق القصد، فيبد و له فى اثنائها العدول الى اخرى لم تكن مقصودة،

ص: 19

فليحكم بالجواز فى جميع تلك الصور(1).

العاشر: قال فى التذكرة لو وقفت على آية من السورة، وجب العدول عنها الى سورة اخرى،

و ان يتجاوز النصف تحصيلا لسورة كاملة. و قال بعضهم(2): و يجوز عند الضرورة مطلقا بلا خلاف.

أقول: لا ريب فى لزوم العدول، حينئذ لمكان الضرورة، و وجوب تحصيل سورة كاملة.

روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح عن معوية بن عمار، عن ابى عبد الله (ع)، قال: من غلط فى سورة فليقرا «قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ» ثم ليركع. و اما ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن زرارة، قال: قلت لابى جعفر (ع): رجل قرأ سورة فى ركعة فغلط، أيدع المكان الذى غلط فيه فيمضى فى قرائته، او يدع تلك السورة و يتحول منها الى غيرها؟ فقال: كل ذلك لا بأس به، و ان قرا آية واحدة فشاء ان يركع بها ركع. فمحمول اما على النافلة او على التقية، نعم، لو قلنا بعدم وجوب السورة لما كان وجه للقول باللزوم، و الحكم باللزوم المذكور غير مختص بسورة دون سورة، بل العدول حينئذ ثابت، و لو كان المعدول عنه التوحيد و الجحد.

و اما الأخبار المانعة عن العدول عنهما فغير شاملة لما نحن فيه على الظاهر، و فى الذخيرة: و لو تعسر الاتيان ببقية السورة للنسيان او حصول ضرر بالاتمام جاز العدول مطلقا، كما صرح به الاصحاب ترجيحا للاخبار الدالة على رجحان قراءة السورة الكاملة فى الصلوة، و حملا للاخبار المانعة من العدول على افراد الغالبة، بل يجب العدول حينئذ على القول بوجوب السورة، و وجهه ظاهر، و كذا لو ظن سعة الوقت لسورة طويلة ثم بان فساد الظن، انتهى.

و الحكم بالوجوب موقوف على القول بوجوب مقدمة الواجب، و الا فالاجود هو

ص: 20


1- و فى جامع المقاصد و لو تعسر الاتيان بالباقى للنسيان انتقل مطلقا و مع الانتقال يعيد البسملة اراد بقوله مطلقا التوحيد و الجحد و غيرهما تجاوز النصف ام لا و مثله ما لو شرع فى سورة لظن سعة الوقت لها فتبين صيغة عنها ايضا مطلقا و كذا خوف فوت الرفقة و نزول ضرورته وجوبا فى هذه المواضع لما فيه من تحصيل الواجب و دفع الضرر، انتهى (منه).
2- و هو صاحب المفاتيح (منه).

التعبير باللزوم، فافهم.

الحادى عشر: هل عدم جواز العدول عن التوحيد و الجحد بمجرد الدخول،

و عن ساير السور ببلوغ النصف، او التجاوز، يعم الفريضة و النافلة ام يختص بالفريضة؟ ظاهر كلام بعضهم الثانى، حيث قال: فاذا قرا الانسان فى الفريضة سورة بعد الحمد و اراد الانتقال الى غيرها جاز ذلك، ما لم يتجاوز نصفها، الا سورة الكافرين و الاخلاص، فانه لا ينتقل فيهما، الا صلوة الظهر يوم الجمعة، انتهى(1). بل نسبه بعض المحققين الى ظاهر كلام الاصحاب، بناء على انّهم اوردوه فى جملة احكام الفرائض، قال: و ربما لم يظهر من الأخبار ايضا ازيد من الفريضة.

أقول: مقتضى جملة من الأخبار المتقدمة هو العموم، فليحكم به مع كونه احوط، الا ان يكون المستحب موظفا بكيفية خاصة من السورة، و لعل الاحوط فيه ايضا ذلك، سواء نسى ارادة الموظفة و دخل فى غيرها عمدا او سهوا، ثم تذكر أم لا. اذا جوزنا ذلك، فافهم(2).

الثانى عشر: لما كانت البسملة جزء من السورة، فهى لا محالة مرعية فى حساب النصف فلا تغفل.

اعلم ان المراد بالعدول على الظاهر المصرح به كلام بعض المحققين، هو رفع اليد عما قرا، و البناء على انه ليس بقراءة الصلوة الموظفة.

و مع العدول يعيد البسملة
اشارة

(و) عليه فلا بد له (مع العدول) ان (يعيد البسملة) كما عن الفقهاء.(3) و فى حاشية المتن للمحقق الثانى: لا نعرف خلافا فى وجوب اعادة البسملة اذا عدل، حيث يجوز العدول بين القائلين بوجوب السورة بعد الحمد فى الاوليين، انتهى.

و يظهر من بعض متاخرى المتأخرين المخالفة، و لا وجه لها، و ذلك لان القارى اما ياتى بمجرد البسملة، او ينضم اليها بعض من السورة ايضا، و على التقديرين اما يقصد بها السورة المعينة، ام لا، هذه اربع صور، و لا بد من الحكم بوجوب اعادتها لو انضم اليها غيرها

ص: 21


1- و فى المقاصد العلية و لوارتج على القارئ اوضاق الوقت عن اكمال الصلوة بتلك السورة وجب العدول مطلقا (منه).
2- و فى التحرير و لوقرء سورة فغلط جازله العدول مطلقا لرواية زرارة الصحيحة عن الباقر (ع) و رواية معوية بن عمار عن الصادق (ع) (منه).
3- نسب اعادتها الى الفقهاء بعض المحققين فى شرح المفاتيح (منه).

من السورة مطلقا، لما عرفت من معنى العدول، و كونها جزء للسورة، و اما لو اتى بمجرد البسملة من غير قصد فلا معنى للعدول حينئذ، لعدم تعيين المعدول عنه و اليه، و اما لو اتى بمجرد ها مع قصد سورة معينة، فلا بد حينئذ ايضا من القول بوجوب الاعادة، لما مر فى معنى العدول. و بالجملة القول بوجوب اعادتها وجيه فى الغاية، فلو لم يات بها ثانيا لم تكمل السورة بلا شبهة. و اما الاستدلال لوجوب اعادتها بما مبناه انها لا يتعين كونها من سورة الا بالقصد، ففيه مناقشة، كما سيجئ ان شاء الله اليها الاشارة.

تنبيه:

قال المحقق الثانى فى جامع المقاصد: و انما يجب البسملة، و القصد اذا لم يكن مريدا تلك السورة التى انتقل اليها قبل ذلك، و لم يكن قد قرا بعضها، اما معه فلا يجب، بل ينتقل الى موضع قطع، لمقطوعة البزنطى عن ابى العباس، فى الرجل يريد ان يقرا السورة فيقرا فى اخرى، قال: يرجع الى التى يريد، و ان بلغ النصف. و من ذلك يعلم ان بلوغ النصف انما يمنع الانتقال فى التى لم يكن مريد الها، و ان قلت: قد سبق انه لوقرا خلال القراءة غيرها نسيانا انقطعت الموالاة، و وجبت اعادة القراءة، فكيف لم يجب هنا؟ قلت: لما كان فى نيته ان ذلك من قراءة الصلوة لم يكن من غيرها، و هكذا فى نظائره، انتهى.

أقول: و فيه نظر، اذ اية دلالة فى ذلك الخبر لذلك المطلب، اذ ظاهره انه اراد سورة و لم يقراها، فشرع فى غيرها، ثم بدا له قراءة ما اراده اولا، مع انى لم اجد احدا قد فصل فى منع بلوغ النصف للرجوع هذا التفصيل، نعم، قد كان الاجود بل الصواب له الاستدلال لذلك المطلب بالخبر الحادى عشر المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يجوز العدول الى آخره، لمكان الاولوية، و الانصاف ان فى الاستدلال بذلك ايضا مناقشتين، اصلنا احدهما على اهل الكمال، و ثانيهما ان اطلاق فليرجع، انما ينفع فى البناء على ما قرا، لو كان المعصوم (ع) فيه فى صدد بيان الحكم و انشائه، و ليس هنا كذلك بل هو (ع) فى صدد بيان اصل جواز الرجوع، فافهم. نعم، يمكن الاستدلال على جواز البناء على ما قطع بعموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و الاطلاقات بل لو انضم اليه قوله (ع): من زاد فى صلوته فعليه الاعادة، لكان دليلا على

ص: 22

وجوب البناء عليه، و اضرار ما تخلله فى الموالاة ممنوع، لعدم تحقق الاجماع هنا، و فيه نوع مناقشة. فراجع الى بحث الموالاة.

و الانصاف ان المقام محل اشكال، و ان كان القول بجواز البناء على ما قطع لا يخلو عن قوة، و لو لم يرجع، و بناء اعلى ما قرأه نسيانا و اتمه، فهل يحكم بصحة صلوته ام لا؟ فيه اشكال، و لعل الأول لا يخلو عن قوة ما.

بقى فى المقام شئ، و هو ان المحقق الثانى قال قبل كلامه المتقدم باسطر:

يجوز العدول عن التوحيد و الجحد الى الجمعة و المنافقين، بشرط ان لا يبلغ النصف، و ان يكون شروعه فيهما نسيانا الى آخره، فكيف كان قال هنا: و من ذلك يعلم ان بلوغ النصف انما يمنع الانتقال فى التى لم يكن مريدا لها نعم، لو كان عبارته ههنا هكذا: و من ذلك يعلم ان بلوغ النصف انما يمنع الانتقال فى التى لم يكن قد شرع فيها، لكان لها وجه، فافهم. و الحاصل من الكلام ان من قراء بعض سورة ثم نسى و قرأ بعض سورة اخرى، فيجوز له البناء على ما قطع، و عدم البناء عليه، بل اتمام التى شرع فيها سهوا، و كذا لو قرا اتمام السورة الاخرى كما يدل عليه الخبر الحادى عشر المتقدم فى شرح قول المصنف: و يجوز العدول الى آخره، و لو فى الجملة، قان قلت: لو شرع فى سورة ثم سها، و شرع فى غيرها و لم يتمه، ثم تذكر، فهل الاحوط فى هذا ماذا؟ قلت: ما شرع فيه ثانيا لا يخلو اما يكون مضرا بالموالاة العرفيه ام لا، و على الثانى فالأحوط هو البناء على ما قطع، و على الأول فاما نحكم بوجوب مراعاة الموالاة العرفية مطلقا حتى فى هذا المقام، ام لا، فعلى الأول لا بد من الحكم باستيناف ما قرأه اولا، و عدم البناء على ما قراه اولا اصلا، و على الثانى فهل الاحوط هو البناء على ما قطع، او استيناف ما قراه اولا، او البناء على ما قراءه ثانيا و اتمامه اوجه.

و كذا يعيدها لو قرأها بعد الحمد من غير قصد سورة
اشارة

(و كذا يعيدها) اى البسملة (لو قراها) بعد قراءة (الحمد من غير قصد سورة) معينة و انما يعيدها (بعد القصد) هذا الحكم متفق عليه بين القائلين

ص: 23

بوجوب السورة، قاله المحقق الثانى فى تعليقته على الكتاب، خلافا لجماعة من متاخرى المتأخرين، و منهم من يرى وجوب السورة للاكثر ان البسملة صالحة لكل سورة، فلا تتعين لاحدى السور الا بالتعيين، و هو القصد بها الى احدها، فبدونه يعيدها بعد القصد، و فيه ان البسملة من الاجزاء المشتركة بين السور، و التمييز بين السور انما يتحقق ببقية الاجزاء المختصة ببعضها، و لا دليل على انه يشترط ان يتميز بسملة هذه السّورة عن بسمله اخرى، و لو تم ما ذكروه يلزم ان يحتاج كل كلمة مشتركة بين السورتين الى القصد، مثل الحمد لله - مثلا - و الظاهر، انه لم يقل به احد، فليسكت عما سكت به الله. و عن مولانا على (ع)(1):

ان الله حد حدودا فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تنقضوها، و سكت عن اشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها، رحمة من الله لكم فاقبلوها.

و عن مجالس المفيد بسنده عنه (ع)، قال: رسول اللّه (ص): ان الله حد لكم حدودا فلا تعتدوها، و فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها، و سن لكن سننا فاتبعوها، و حرم عليكم حرمات فلا تنتهكوها، و عفى لكم عن اشياء رحمة غير نسيان فلا تتكلفوها.

و بالجملة، نية الصلوة كافية لاجزائها اجماعا، كما صرح به غير واحد، و لو فعلت حالة الغفلة و الذهول، و عليه فلو جرى لسانه ابتداء على سورة من غير قصد، او قصد سورة فقرا غيرها سهوا، صحت الصلوة، و لم يجب عليه العدول الى سورة اخرى، و ان تذكر قبل الركوع، للاصل و الاطلاقات، و عموم قوله (ع):

لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و ما يظهر من جملة من الأخبار المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يجوز العدول الى آخره.

تنبيه:

ربما يظهر من بعض تفريعا تهم الاتية - ان شاء الله - ان مراد هم بوجوب تعيين البسملة بالنسبة الى السورة انما هو فيما اذا قراها، كان متحيرا فى انه يختار بعدها أية سورة، فلو اختار بعدها سورة، فهذا هو الذى حكموا بفساده، و عليه فلو قرأ البسملة و

ص: 24


1- رواية فى خطبة على (ع) (منه).

كان فى قلبه ما يميل الى سورة معينة لو خلى و طبعه، ثم قرا تلك السورة لكان قراءته صحيحة عند هم ايضا، اذ هى حينئذ معينه و مميزه، و اوقعت البسملة لاجلها، و ان لم يكن الشخص شاعرا بذلك نظير ما مر فى الاستدامة الحكمية فى النية. و بما ذكر ظهران غالب صور صدور البسملة عن المكلف معين عنده، و ان لم يكن متذكرا لذلك، الا ترى انهم بعد فراعهم يشرعون فى السورة بلا تردد و تحير.

و بالجملة، الذى يترجح فى نظرى القاصر، و يدون فى فكرى الفاتر هو ما اختاره الجماعة المتأخرة من عدم وجوب قصد التعيين فى البسملة، لمكان الإطلاقات، و العمومات، و ظاهر الأخبار المتقدمة اليها الاشارة. فالمصلى اذ اقرا بعد الحمد البسملة، ثم اختار سورة، و ضمها اليها، لكان آتيا بالمامور به، نعم، لو قصد بها سورة معينة، ثم اختار بعد قرائتها اخرى، لكان ذلك عدولا بلا شبهة، فعليه اعادة البسملة لما اختاره ثانيا، فانقدح بذلك ان المصلى اذا قرأ مجرد البسملة بقصد التوحيد و الجحد لم يجز له الرجوع الى غيرهما، الا ما استثنى(1)، و يشهد بذلك العرف ايضا كاللغة، لانها جزء السورة عند الشيعة، و اعلم ان جماعة من الموجبين فى البسملة لقصد سورة معينة قد ذكروا تفاصيل ملحقة بهذه، حيث قالوا: لا يجب فى الحمد القصد بالبسملة لها لتعينها ابتداء، فيحمل اطلاق النية على ما فى ذمته، و كذا لو عين له سورة معينة بنذر او شبهه، او ضاق الوقت الا عن اقصر سورة، او لا يعلم الا تلك السورة، فانه يسقط القصد كالحمد، لان السورة لما كانت متعينة بتلك الاسباب، اقتضت نية الصلوة ابتدأ قرائتها فى محلها، كما اقتضت ايقاع كل فعل فى محلّه، و ان لم يقصده عند الشروع فيه(2)، قالوا: و محل القصد حيث يفتقر اليه عند الشروع فى قراءة السورة. و عليه فهل يكفى القصد المتقدم على ذلك فى جملة الصلوة، بل قبلها كما عن الشهيد فى بعض فتاويه، و عن غيره نفى البعد عنه ام لا؟ و فى جامع المقاصد: لا أعلم فيه شيئا يقتضى الاكتفأ و لا عدمه، ثم جعل العمل بالاحتياط هو الوجه، وجهان: من ان السورة كاللفظ المشترك، يكفى فى تعيين احد افرادها القرينة، و هى

ص: 25


1- و هو الجمعة و المنافقين (منه).
2- و فى جامع المقاصد لان ما فى الذمة لما صار متعينا كان مقصودا من اول الصلوة (منه).

حاصلة فى الجميع فالاول، و من عدم المخاطبة بالسورة فلا يؤثر قصدها فالثانى. هذا على مذاقهم. و اما نحن فلا نحتاج الى شئ من تلك التكلفات، قال فى الرياض: و لو كان معتادا قراءة سورة فالوجهان، و الاجتزاء هنا بعيد، انتهى.

و تردد فيه فى جامع المقاصد، ثم جعل الوجه هو العمل بالاحتياط، و لو جرى لسانه على بسمله و سورة فهل يجزى كما استقربه الشهيد و المحقق الثانى فى الجعفرية و ظاهر جامع المقاصد ام لا؟ وجهان: و استدل الشهيد بالخبر السادس المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يجوز العدول الى آخره، المتضمن انه لو قرأ نصف سورة ثم نسى فقرا فى اخرى حتى فرغ منها، ثم تذكر قبل الركوع يجزيه. قال فى جامع المقاصد: و ظاهر هذا انه لا فرق بين ان يعلم قصده بالبسملة الى السورة الاخرى وقت نسيانه، و بين ان يجهل الحال، و لا بعد فى ذلك، فان غايته الشك فى القصد بالبسملة بعد تجاوز محلّها، و حقه ان لا يلتفت مع ظاهر الرواية. و فى الرياض بعد نقل الرّواية: و هو يتم مع الشك فى قصد الثانية فى حالة الذهول عن الاولى، فانه لا يجب الالتفات لفوات محله، اما مع العلم بعدمه، كما هو بعض محتملات الرواية، لكونها اعم من ذلك، فلا يتجه العمل به، لان عموم الرّواية مخصص بالقاعدة المقتضيه لوجوب القصد، و لا يرد انه حال الذهول غير مخاطب بالوجوب، لان غايته ترك آية من السورة، فيجب العود اليها و الى ما بعدها، ما لم يركع، و يمكن توجيه الاجزاء بوجه آخر، و هو انك علمت ان نية الصّلوة ابتداء يقتضى ايقاع الفعل فى محله، و لا يحتاج الاجزاء الى نية، نعم، يجب ان لا ينوى بها ما يخالفها، و من جملة مقتضيات الصلوة ان يكون البسملة للسورة التى يقرا بعدها، و هذا او ان لم يجز مع العلم، بل لا بد من نية خاصة لدليل خارج، الا انه مع النسيان ينصرف البسملة الواقعة من غير قصد معين الى السورة الواقعة بعدها كذلك، لاقتضاء نية الصلوة ابتداء ذلك، و

(1) و فى الاثنى عشرية الثالث عدم قراءة البسملة قبل تعيين السورة بغير الملتزم بواحدة و معتادها و من لا يحفظ لسواها و من جرى لسانه عليها غير قاصد بالبسملة سواها و القاصد يرجع الى المقصوده لا غير ان كانت الجحد او التوحيد الى الجمعتين فى الجمعتين و غيرهما اليها او غيرها قبل النتصيف و يعده و يعيد البسملة فى الجميع، انتهى.

ص: 26

حينئذ فلا يجب العود اليها و لا الى غيرها. و يبقى هذا التعليل معتضدا بعموم الرّواية السّالفة، و هذا متجه، انتهى.

أقول: قد عرفت ان الدليل الخارج الذى ذكره لا يغنى من الجوع، فليعمل باطلاق الرّواية كغيرها، و ليسكت عما سكت اللّه، و لا تتكلف بنحو تلك التكلفات.

وهم و تنبيه:

قال الشارح المحقق: اعلم ان قراءة البسملة بغير قصد، لما لم يكن من القراءة المعتد بها، كانت من قبيل قراءة الشئ الخارج فى خلال القراءة، فيكون موجبة لبطلان الصلوة، او بطلان القراءة على راى المصنف، كما مر فى مسئلة الموالاة، فالاكتفاء بمجرد اعادة البسملة محل اشكال، و كأنه لهذا قد حكم الشهيد فى البيان ببطلان الصلوة فى صورة العمد، و قد يتكلف فى دفع الاشكال بان المصلى لما كان فى نيته ان ذلك من قراءة الصّلوة، لم يكن من غيرها، فلا تقدح فى الموالاة كما لو اعاد اية للاصلاح. و يؤيده ما رواه البزنطى عن ابى العباس، فى الرجل يريد ان يقراء السورة فيقرا فى اخرى، قال: يرجع الى التى يريد و ان بلغ النصف. و الرواية مقطوعة. و قال الشارح الفاضل فى الرياض: بقى فى المسئلة اشكال، و هو ان حكمه باعادة البسملة لو قراها من غير قصد بعد القصد، ان كان بعد قرائتها اولا عمدا، لم يتجه القول بالاعادة، بل ينبغى القول ببطلان الصّلوة، للنهى عن قرائتها من غير قصد، و هو يقتضى الفساد، و ان كان قراها ناسيا، فقد تقدم القول بان القراءة خلالها نسيانا موجب لاعادة القراءة من رأس، فالقول باعادة البسملة و ما بعدها لا غير، لا يتم على تقدير العمد و النسيان، و لذا ينبغى القطع بفساد القراءة على تقدير العمد، للنهى، و هو الذى اختاره الشهيد رحمه الله فى البيان، و حمل الاعادة هنا على قرائتها ناسيا، و قد تكلف لدفع الاشكال، بان المصلى لما كان فى نيته ان ذلك من قراءة الصلوة، لم يكن من غيرها، و لا يقدح فى الموالاة كما لو اعاد آية او كلمة للاصلاح، و يؤيده ما رواه البزنطى عن ابى العباس، فى الرّجل الى آخره، لكن الرواية مقطوعة، و مادة

ص: 27

الاشكال غير متحسمة، انتهى.

أقول: و فيه اولا ان اى نهى هنا بما ورد بما ذكره، و اى حديث دل على ما سطره، حتى يكون مورثا لبطلان الصلوة على تقدير القراءة عمدا، نعم، غاية ما يمكن ان يقال: انه مامور بالقصد الى البسملة، و الامر بالشىء يقتضى النهى عن ضده الخاص، و فيه مع قطع النظر عن عدم كونه مامورا بالقصد، كما مرت الاشاره اليه، انه اى الشارح الفاضل فى كتابه المشار اليه لم يذهب الى اقتضاء الامر النهى عن الضد الخاص، على ما نسب اليه، كما هو الحق.

و ثانيا: ان ما ذكره بناء على تقدير القراءة ناسيا من تقدم القول بأن القراءة خلالها موجب لاعادة القراءة من راس، ففيه ما ذكره بعض الأجلاء، بانه غفلة عجيبة من مثله قدس سره، قال: فان محل البحث هنا انما هو الاتيان بالبسملة بعد الحمد و القراءة بتلك البسملة بغير قصد، و اللازم من البسملة و القراءة بغير قصد - بناء على دعواه - وجوب القصد هو اعادة ما قراه بعد القصد، و الذى تقدم فى مسئلة وجوب الموالاة انما هو القراءة فى خلال آيات الحمد، و اين هنا من ذاك؟ فلم يذكر فيما تقدم حكم القراءة بين سورة الحمد و السورة التى بعدها، و غاية ما يلزم هنا هو قراءة القرآن فى الصلوة، و هو مما لا خلاف بينهم فى جوازه، و لا تعلق له بمسئلة وجوب الموالاة، التى هى عبارة ان لا يقرا خلال الفاتحة و السورة غيرهما، و جميع ما فرعه انما هو من فروع وجوب الموالاة. و مذهب الشهيد الذى نقله انما هو فى الموالاة - كما قد منا نقله - و ما نحن فيه ليس فى مسئلة الموالاة فى شئ، و جميع ما ذكر ظاهر بحمد اللّه، لا ستر عليه، انتهى.

أقول: ان كان دليل وجوب الموالاة هو الاجماع، ففى تحققه فى المقام ما فيه، و ان كان هو انصراف اطلاق الامر بالقراءة اليها، فعدم جريانه فى المقام ممّا لا شبهة فيه، فلينظر الى عرض الدّليل و طوله، ثم ليحكم بما احاط به.

فائدة:

قال الشهيد فى الذكرى بعد ما صرح بوجوب ان يقصد بالبسملة سورة

ص: 28

معينة: اما لو جرى لسانه على بسملة و سورة، فالاقرب الاجزاء، لرواية ابى بصير السابقة، و لصدق الامتثال، و روى البزنطى عن ابى العباس فى الرجل، يريد ان يقرا السورة فيقرا فى اخرى. قال: يرجع الى التى يريد و ان بلغ النصف. قال:

قلت: هذا حسن، و يحمل كلام الاصحاب و الروايات على من لم يكن مريدا غير هذه السورة، لانه اذا غير ما اراده لم يعتد به، و لهذا قال: يرجع. فظاهره تعين الرجوع، انتهى.

قال بعض الأجلاء بعد نقله: و حاصله الفرق بين ما اذا قصد سورة فيبد و له فى قصد غيرها و بين ما اذا قصد سورة فنسيها، فتعمد العدول الى غيرها، و الاجزاء فى الصورة الاولى، لما ذكره دون الثانية، اعنى ما تعلق القصد بغيرها نسيانا، فان كلامه - قدس سره - يعطى وجوب العدول عنها، و لو ذكرها قبل الركوع، لرواية البزنطى المذكورة، حيث جعل ظاهرها تعيين الرجوع، و اظهر منها فى الدلالة على ذلك موثقة عبيد بن زرارة، و عنى بها الخبر الرابع المتقدم فى شرح قول المصنف: و يجوز العدول الى آخره، قال: لتضمنها الامر بالرجوع، و قد جعل - قدس سره - محل جواز العدول و عدمه فى الروايات، و كلام الاصحاب، ما اذا تعلق قصده بغير السورة التى قراها، كما فى الصورة الاولى، و فيما ذكره - قدس سره - من جميع ذلك نظر:

اما اولا: فلأن ما دلّ على الاجزاء و عدم تعين الرجوع فى الصورة الاولى قائم بعينه فى الصورة الثانية، لموافقة الاصل، و حصول الامتثال، و لرواية ابى بصير التى اوردها دالة على الاجزاء فى الصورة الاولى، و هى صحيحة الحلبى و الكنانى، و ابى بصير، من حيث الاشتراك صح نسبتها الى كل من الثلاثة، فان ظاهرها بل صريحها تعلق القصد و الارادة بغير ما قراءه ناسيا. و العجب منه كيف استدل بها على الاولى، مع انها صريحة الدلالة على الثانية.

و اما ثانيا: فلانه لو كان تعلق القصد بغير هذه السورة موجبا لعدم الاعتداد بها - كما ذكره - حتى وجب لاجله العدول عنها الى ما قصده اولا،

ص: 29

لم يكن فرق فى ذلك بين بلوغ النصف و ما قبله و ما بعده، بل و لو فرغ من السورة قبل الركوع، فانه يجب فى جميع ذلك الرجوع مطلقا، بمقتضى ما ذكره من عدم الاعتداد، مع دلالة رواية البزنطى التي اوردها دالة على تعيين الرّجوع على عدم جواز الرجوع بعد تجاوز النصف، و دلالة موثقة عبيد بن زرارة على عدم جوازه بعد الثلثين، كما هو ظاهر.

و اما ثالثا: فلدلالة الروايات على ان الرجوع فى هذه الصور على سبيل الجواز و التخيير، دون الوجوب و التعيين، كما هو ظاهر موثقة عبيد بن زرارة المذكورة، حيث قال فيها: ان يرجع ما بينه و بين ثلثيها، و نحوه صحيحة على بن جعفر، و عنى بها الخبر الثامن المتقدم هناك، فان مفادها الجواز دون الوجوب، و صحيحته الثانية، و عنى بها الخبر الحادى عشر المتقدم هناك صريحة فى التخيير، حيث قال: فليرجع ان احب. و حينئذ، فيحمل ما دل على الامر بالرجوع صريحا او ظاهرا على الاستحباب دون الايجاب.

و اما رابعا: فلانه لو كان الحكم فى هذه السورة وجوب الرجوع، لما ذكره من عدم الاعتداد، لم يكن لاستثناء سورتى التوحيد و الجحد من ذلك وجه، لاشتراك الجميع فى عدم الاعتداد الموجب لتعيين المعدول اليه حينئذ، مع دلالة اكثر الروايات الدالة على هذا الحكم، على استثناء هاتين السورتين منه، و وجوب المضى فيهما، و عدم جواز الرجوع، كما عليه الاصحاب.

و بالجملة فالظاهر من الروايات استحباب العدول من كل سورة دخل فيها بغير قصد، غير السورتين المذكورتين، و ان جاز له المضى فيها، اذ هو الظاهر مما تضمنته من الامر بالرجوع صريحا او ظاهرا. و ظاهر الاصحاب ايضا الاتفاق على جواز الرجوع هنا دون وجوبه، انتهى.

أقول: قد عرفت ما هو الحق عندى فى المقامات السابقة، و اما التخصيص الذى اشار اليه فى الذكرى، فغير وجيه، لما اشار اليه بعض الأجلاء، الذى نقلنا كلامه، و ان كان فى بعض ما ذكره مناقشة واضحة، فلا نطيل الكلام بذكرها لوضوح المسئلة، و للّه المنة.

ص: 30

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: يستحب الاستعاذة قبل القراءة فى الركعة الاولى من كل صلوة بلا خلاف اجده،
اشارة

الا ما عن الشيخ ابى على بن الشيخ الاعظم ابى جعفر الطوسى فانه قال بوجوب التعوذ و هو شاذ، بل على خلافه الاجماع على الظاهر المحكى عن الخلاف، و مجمع البيان(1)، و المنتهى، و الذكرى و غيرها،

جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام
اشارة

فلننقل اولا جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام، فنقول:

الأول:

ما رواه الكافى فى باب افتتاح الصلوة فى الصحيح على الصحيح، عن ابى عبد الله (ع)، بعد ذكر التوجه، ثم تعوذ من الشيطان الرجيم، ثم اقرا فاتحة الكتاب.

الثانى:

ما رواه ايضا فى باب قراءة القرآن، عن فرات بن احنف، عن ابى جعفر (ع)، قال: سمعته يقول: فى اول كتاب نزل من السماء بسم الله الرحمن الرحيم، فاذا قرات بسم الله الرحمن الرحيم، فلا تبالى ان لا تستعيذ، و اذا قرات بسم الله الرحمن الرحيم سترتك فيما بين السماء و الارض.

الثالث:

ما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الموثق، او كالموثق لمكان عثمان بن عيسى، عن سماعة، قال: سألته عن الرجل يقوم فى الصلوة فينسى فاتحة الكتاب، قال: فليقل استعيذ بالله من الشيطان الرحيم، ان الله هو السميع العليم، ثم ليقرءها ما دام لم يركع الخبر.

الرابع:

ما عن الذكرى عن ابى سعيد الخدرى، ان النبى (ص) كان يقول قبل القراءة: اعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

الخامس:

ما رواه فى الذكرى عن البزنطى، عن معوية بن عمار، عن الصادق (ع) فى الاستعاذة، قال: اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

السادس:

ما عن الحميرى فى قرب الاسناد، عن حنان بن سدير فى الموثق على ما قيل قال: صليت خلف ابى عبد الله (ع) المغرب، فتعوذ باجهار اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، و اعوذ بالله ان يحضرون، الحديث.

ص: 31


1- و قال فى مجمع البيان: و الاستعاذة عند التلاوة مستحبة غير واجبة بلا خلاف فى الصلوة و خارج الصلوة (منه).

قيل: و هذه الرواية نقلها فى الذكرى ايضا عن حنان بن سدير مثله، الا انه لم يذكر لفظ المغرب.

السابع:

ما رواه فى شرح النفلية عن هشام بن سالم، عن ابي عبد الله عليه السلام: استعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، اعوذ بالله ان يحضرون، ان الله هو السميع العليم.

الثامن:

ما عن تفسير الامام العسكرى قال (ع): اما قولك الذى ندبك الله اليه، و امرك به عند قراءة القرآن: اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم الخبر.

الخبر التاسع:

ما عن الفقه الرضوى فى سياق ذكر تكبيرات الافتتاح و ادعيتها: ثم افتتح الصلوة و ارفع يديك. ثم ذكر تكبيرات الافتتاح، الى ان قال:

اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرّحيم.

العاشر:

ما عن دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (ع)، قال: تعوذ بعد التوجه من الشيطان الرّجيم، تقول اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، الحديث.

اذا عرفت ذلك فاعلم: ان القول بالاستحباب هو الاظهر، لجملة من الاجماعات المحكية، و الأخبار المستفيضة فعلا و امرا، و الاجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظيمة، التى كادت ان تبلغ الاجماع، لو لم نقل به، اوجبت صرف الاوامر كتابا كقوله تعالى: «فَإِذٰا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ مِنَ اَلشَّيْطٰانِ اَلرَّجِيمِ»، و سنته، كما مضى اليها الاشارة الى الاستحباب كالخبر الثانى،(1) و اما كون محلها الركعة الاولى فى كل صلوة لا مطلقا، فهو اجماعى على ما حكى عن صريح المنتهى و ظاهر الذكرى و غيرهما، و فى جامع المقاصد: و انما يستحب فى اول ركعة قبل القراءة عند جميع علمائنا، انتهى. فاطلاق الآية مخصّص بذلك، و يعضده المذكور، ما ذكره بعضهم، من ان ذلك هو الظاهر من الأخبار، حيث لم يستفد عنها الشرعية الا فيها، مع ان القصد هو التعوذ من الوسوسة، و هو حاصل فى اول ركعة، فيكتفى به فى الباقى، كذا فى المنتهى و غيره، و زاد فى الأول: فاستدل بالنبوية العامية، انه (ص) اذا نهض صلى الركعة الثانية، استفتح بقراءة الحمد. و عن

ص: 32


1- و فى الذكرى بعد ان نقل عن ابى على القول بالوجوب للامرية و هو غريب لان الامر هنا للندب اتفاقا و قد نقل فيه والده فى خلاف الاجماع، انتهى (منه).

البحار: و لو لا الأخبار الكثيرة لتأتىّ القول بوجوب الاستعاذة فى كل ركعة تقرا فيها، بل فى غير الصلوة عند كل قراءة، و لكن الأخبار الكثيرة تدل على الاستحباب، و تدل بظاهرها على اختصاصه بالركعة الاولى، و الاجماع المنقول، و العمل المستمر مؤيد، و من مخالفة ولد الشيخ يعلم الاجماع الذى ينقله والده - قدس الله روحهما - و هو اعرف بمسلك ابيه، انتهى(1).

أقول: اما ما ذكره من دلالة الأخبار الكثيرة بظاهرها على الاستحباب، ففيه نوع مناقشة، نعم، ظاهر الخبر الثانى عدم الوجوب، و اما ما ذكره بقوله: و من مخالفة ولد الشيخ الى آخره، ففيه ما ترى، و ابعد بين هذا القول و بين القول بالعمل بالاجماع المحكى، و لو كان المخالف نفس المدعى، و بالجملة المسئلة بحمد الله واضحة فلا وجه للاطالة.

فروع:
الأول: المشهور فى كيفيتها،

على ما ذكره بعض الأجلاء(2): اعوذ بالله من الشيطان الرّجيم، و عن شرح النفلية بعد ذكر مصنفها لها: و هذه الصيغة محل وفاق، رواها ابو سعيد الخدرى عن النبى (ص)، و عن الشيخ المفيد رحمه الله انه قال فى كيفيتها: اعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، و عن ابن البراج فيها: اعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، ان الله هو السميع العليم، و بعضهم(3) جعل الأول و الثانى كليهما مشهورين، و للاول الخبر الرابع، و ما عن الغوالى بسنده الى ابن مسعود(4)، قال:

ص: 33


1- و هو محمد سعيد اللاهجى فى كتاب القراءة (منه).
2- قيل لا خلاف فى استحباب الاستعاذة كلما شرع فى القراءة و انما الخلاف فى كيفيتهما بين القراء و المشهور بين علماء الشيعة واحد من الصورتين الاول اعوذ بالله من الشيطان الرجيم و هو الاشهر من الآتى بين الشيعة و العامة و الثانى اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم و فى بعض اخبار الشيعة بعد ذلك و اعوذ بالله ان يحضرون و فى آخر استعيذ بالله من الشيطان الرجيم فقط و فى بعضها ان الله هو السميع العليم و فى بعضها يدل استعيذ اعيذ و فى بعضها اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ان الله هو الفتاح العليم و الوجهان اشهروا ولى، انتهى (منه).
3- و هو صاحب المفاتيح و يظهر من شرحه ايضا (منه).
4- رواه فى شرح المفاتيح (منه).

قرات على رسول الله (ص)، فقلت: اعوذ بالله السميع العليم فقال (ص) لى: يابن ام عبد، قل اعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنية جبرائيل(1)، و كذا يدل عليه خطبة مولانا على (ع) يوم الفطر، كخطبته فى يوم الاضحى، كما رواهما الفقيه فى باب صلوة العيدين، و للمفيد الخبر الخامس و الثامن و التاسع و العاشر، و لم اجد للقاضى خبرا. و فى خطبة على (ع) على ما رواه الفقيه فى باب وجوب الجمعة، اعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ان الله هو الفتاح العليم. و عن خطبته الاخرى: استعيذ بالله من الشيطان الرجيم و لا بأس بالعمل بكل روايات المسئلة، و ان كان العمل بالقول الأول و الثانى اولى.

الثانى: يستحب الاسرار بها و لو فى الجهرية،

قاله الاكثر. كما فى جامع المقاصد و الذكرى، و عن الخلاف عليه الاجماع، و الخبر السادس محمول على الجواز، و فى البحار لم ار مستندا للاسرار، و الاجماع لم يثبت، و الرواية اى الخبر السادس تدل على استحباب الجهر، خصوصا للامام، لا سيما فى المغرب، اذ الظاهر اتحاد الواقعة فى الروايتين، و يؤيده عموم ما ورد فى اجهار الامام فى ساير الأذكار، الا ما اخرجه الدّليل.

نعم، ورد فى صحيحة صفوان قال: صليت خلف ابى عبد اللّه (ع) اياما، فكان يقرا فى فاتحة الكتاب: بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ، فاذا كان صلوة لا يجهر فيها بالقراءة، جهر ب بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ، و اخفى ما سوى ذلك، فانه يدل على استحباب الاخفات فى الاستعاذة، لان قوله ما سوى ذلك يشملها، و يمكن ان يقال لعله لم يتعوذ فى تلك الصلوة و الاستدلال موقوف على الاتيان بها، و هو بعيد، اذ تركه (ع) الاستعاذة فى الصلوة متوالية بعيد، لكن دخولها فيما سوى ذلك غير معلوم، اذ يحتمل ان يكون المراد ما سوى ذلك من القراءة، او من الفاتحة، بل هو الظاهر من السياق، و الا فمعلوم انه كان يجهر بالتسبيحات و التشهدات و القنوتات، و ساير الأذكار، و الاستعاذة ليست بداخله بالقراءة، و لا فى الفاتحة، بل هى من مقدماتها، انتهى.

و استجوده بعض الأجلاء، و فيه نظر، بل الحق هو المشهور، لمكان الاجماع المحكى المعتضد بالشهرة العظيمة، التى لم يظهر مخالفها من قدماء الطائفة و المتقدم من المتأخرين.

ص: 34


1- و فى شرح المفاتيح بعد نقل رواية الغوالى و هذه اقرب على ما ظهر من القرآن (منه).
الثالث: الاولى هو الاتيان بها بعده،

لمكان الخبر الأول و التاسع و العاشر، المعتضد بظاهر بعض الأخبار المتقدمة، و بذلك صرح بعضهم.

الرابع: قال فى جامع المقاصد: فلو نسيه - اى التعوذ - لم يتداركه بعد فوات محله،

انتهى. و قد دل الخبر الثالث على استحباب قرائته لو نسى الحمد، و تذكر قبل الركوع قبلها معها.

الخامس: اختصاص التعويذ بالإمام

قال فى جامع المقاصد: و الظاهر ان دعاء التوجه مشترك بين الامام و الماموم و المنفرد، و اما التعوذ فالمفهوم من قولهم: امام القراءة اختصاصه بمن يقرا، انتهى. و هو جيد.

السادس: قال الشارح الفاضل فى شرح النفلية: و المعنى فى اعوذ و استعيذ واحد.

قال الجواهرى: عذت بفلان و استعذت به اى لجأت اليه و فى استعيذ موافقة للفظ القرآن، الا ان اعوذ فى هذا المقام ادخل فى المعنى، و اوفق لامتثال الامر الوارد بقوله:

فاستعذ، لنكتة دقيقة، و هى ان السين و التاء شأنهما الدالة على الطلب فورد فى الامر ايذانا بطلب التعويذ، فمعنى استعيذ اى اطلب منه ان يعيذك، فامتثال الامر ان يقول اعوذ بالله، اى التجأ اليه، لان قائله متعوذ قد عاذ و التجأ، و القائل استعيذ ليس بعائذ، انما طالب العياذ به، كما يقول استخر الله اى طلب خيرته، و استقل اى اطلب اقالته، و استغفره اى اطلب مغفرته، لكنها هنا قد دخلت فى فعل الامر فى امتثاله، بخلاف الاستعاذة، و بذلك يظهر الفرق بين الامتثال بقوله: استغفر الله، دون استعيذ بالله، لان المغفرة انما تكون من الله فيحسن طلبها، و الالتجاء يكون من العبد، فلا يحسن طلبه، فتدبر ذلك، فانه لطيف.

و يظهر منه ان كلام الجوهرى ليس بذلك الحسن، ورده شيخنا ابو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحرانى - عطر الله مضجعه - فى كتاب الفوائد النجفية، (1)

ص: 35

بقوله: لا يخفى على المتأمل البصير، ان ما افاده الشيخ - قدس سره - من النكتة التى سماها دقيقه ظاهرة الاختلال، كما لا يخفى على ارباب الكمال، لانه اذا كان استعذ اطلب منه ان يعيذك، فامتثال الامر بقوله استعيذ ظاهر لاسترة عليه، لان معناه اطلب من الله ان يعيذنى، لان السين و التاء شانهما الدلالة على الطلب، كما لا يخفى. و اما الامتثال بقوله اعوذ بالله فغير ظاهر، الا ان يجعل هذه الجملة مرادا بها الطلّب و الدّعاء، فاما اذا ابقيت على ظاهرها من الأخبار بالالتجاء الى الله، فظاهره عدم تحقق الامتثال بها، لما علمت، و من العجب قوله: لان قائله متعوذ قد عاذ و التجأ، و القائل استعيذ ليس بعائذ، و انما هو طلب العياذة، فانه كلام متهافت مختل النظام، اذ ظاهر ان القائل باللفظين اراد طلب الاعاذة منه سبحانه، لكن دلالة اللفظ الثانى عليه ظاهرة، قضية السين و التاء. و ما دلالة الاول فبناء على ارادة الانشاء لا الأخبار، و الامتثال فى الأول اوضح قطعا، و كانه بنى ما ذكره على ان معنى استعيذ اطلب الالجاء الى الله تعالى، فان معنى استعيذ بالله اى اطلب منه ان يعيذك، فلا يكون الاول امتثالا للثانى، و لا يخفى ما فيه من التحكم، و التحمل لظهور انه اذا كان معنى الامر ما ذكره استحب مثله فى استعيذ ضرورة، و ما اعجب من يحكم فيفصل بين الفعلين فى المعنى الماخوذ فيهما، ليترتب عليه ما تخيله من عدم صلاحية الأول للامتثال، فتامل فى المقام، و بالله سبحانه الاعتصام، انتهى.

أقول: و كلتا الصيغتين صحيحتان جايزتان، و هذه الوجوه الاعتبارية غير صالحة للترجيح بعد ورود النص، فالاشتغال بالغير اولى، و ان كان لى فى النكتة و الرد كلام طويل الذّيل على ما يتغلغل فى خاطرى الآن، بحيث يكاد ان تامرنى نفسى باظهارها، و لكن لما كان الاشتغال بالاهم اولى، فلذا اصلناه على اهل الكمال.

الثاني: استحباب السّكوت بعد الفراغ من الحمد و السورة
اشارة

السابع: صرح الجماعة باستحباب السّكوت بعد الفراغ من الحمد و السورة، لما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات، فى المعتبر عن اسحق بن عمار، عن جعفر عن ابيه عليهما السلام: ان رجلين من اصحاب رسول الله (ص) اختلفا فى صلوة رسول الله (ص)، فكتب الى ابى بن كعب: كم كانت لرسول الله (ص) من سكتة؟ قال:

كانت له سكتتان، اذا فرغ من ام القرآن، و اذا فرغ من السورة. و فى رواية حماد الطويلة

ص: 36

المتقدمة فى اوائل الكتاب، ثم قرا الحمد بترتيل و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، ثم صبر هنيئة بقدر ما يتنفس و هو قائم، ثم قال: الله اكبر و هو قائم.

و فى التذكرة: يستحب ان يسكت قليلا بعد الحمد و بعد السورة. و به قال عروة بن الزبير لقول الباقر (ع): ان رجلين اختلفا، ثم نقل مضمون رواية اسحق بن عمار المتقدمة، و قال: و لان المقتضى للسكوت عقيب الحمد مقتض له بعد السورة.

قال الشافعى، و الاوزاعى، و احمد، و اسحق: سكت بعد تكبيرة الافتتاح، و بعد الفاتحة، لان سمرة بن جندب حدث انه حفظ عن رسول الله (ص) سكتة اذا كبر، و سكته اذا فرغ من قراءة الفاتحة، فانكر عليه عمر، فكتبا فى ذلك الى ابى بن كعب، فكان فى كتابه اليهما ان سمرة قد حفظ، و حديثنا اولى، لان اهل البيت عليهم السلام اعرف، و كره ذلك اصحاب الراى، انتهى.

و عن الصدوق فى الخصال، عن الخليل عن الحسين بن حمدان، عن اسمعيل بن مسعود، عن يزيد بن ذريع، عن سعيد بن ابى عروية، عن قتاده، عن الحسن، ان سمرة بن جندب و عمران بن حصين تذاكرا، فحدث سمرة انه حفظ عن رسول اللّه (ص) سكتتين، سكتة اذا كبر و سكتة اذا فرغ من قراءته عند ركوعه، ثم ان قتاده ذكر السكتة الاخيرة اذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم و لا الضالين، اى حفظ ذلك سمرة، و انكره عليه عمران بن حصين، قال: فكتبا فى ذلك الى ابى بن كعب، و كان فى كتابه اليهما او فى رده عليهما: ان سمرة قد حفظ.

قال الصدوق رحمه الله: ان النبى (ص) انما سكت بعد القراءة لئلا يكون التكبيرة موصلا بالقراءة، و ليكون بين القراءة و التكبير فصل، و هذا يدل على انه لم يقل: آمين بعد فاتحة الكتاب سرا و لا جهرا، لان المتكلم سرا او علانية لا يكون ساكتا، و فى ذلك حجة قوية للشيعة على مخالفيهم فى قولهم آمين بعد الفاتحة، و لا قوة الا بالله، انتهى.

ص: 37

أقول: و اما الاختلاف بين ما فى التذكرة و الخصال، فتراه، و اما ما ذكره بعض الأجلاء ظاهر كلام الصدوق ان السكوت الذى اشتمل عليه خبر حماد ليس مستحبا من حيث هو، و انما هو من حيث استحباب اظهار همزة الله فى التكبير، و لو لزم سقوطها، لانها همزة وصل، و النصوص دالة على قطعها، و القطع لا يكون الا مع السكوت قبلها، ففيه مناقشة، اذ كلام الصدوق متهافت، ذيله يدل على شئ، و صدره على آخر، فكيف يظهر منه شئ كالرواية التى نقلها، و اما ما ذكره بعض الأجلاء ايضا بان الذى يقرب عندى فى هذا المقام ان السكوت المستحب انما هو ما دل عليه خبر حماد، و اما ما عدا ذلك من كونه بعد التكبير او بعد الفاتحة، فالظاهر انه قول الجمهور، و ظاهر رواية الخصال انها عامية، و رجالها من العامة، و حديث اسحق بن عمار لا دلالة فيه على ذلك، اذ لم يكن فيه اشارة الى الدلالة على العدم، و ذلك لان عدوله (ع) عن الافتاء بذلك، كما فى جملة الاحكام الشرعية، التى يخرج عنه الى الاخبار بما نقل فى الخبر، نوع اشارة الى ما قلناه، و ان قصده (ع) حكاية ما عليه العامة حسب ما تضمنه حديث الخصال، و ان اختلف الحديثان فى السكتة الاخرى، اما انها بعد الحمد، او بعد تكبيرة الاحرام، ففيه ما ترى، فليعمل بظاهر رواية اسحق، كما عليه الاكثر، و لا تذهب الى خلاف ظواهر الاحاديث، كان تحملها على التقية، الا مع قيام الدليل و القرينة، و انتفائها فى المقام ظاهر.

تذنيبان:
الأول: استحب فى الذكرى السكوت عقيب الحمد فى الاخيرتين،

و كذا عقيب التسبيح.

الثانى: قد قدر فى رواية حماد السكتة بعد السورة بقدر نفس،

و لا بأس به فى الحمد ايضا. و فى الدروس: و السكوت عقيب الفاتحة و السورة بقدر نفس.

الثالث: كراهة قراءة السورة الواحدة فى الركعتين
اشارة

الثامن: المشهور بين الاصحاب على ما ذكره بعضهم كراهة قراءة السورة الواحدة فى الركعتين، استنادا الى رواية على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع)،

ص: 38

قال: سألته عن الرجل يقرا سورة واحدة فى الركعتين من الفريضة، و هو يحسن غيرها، فان فعل فما عليه؟ قال: اذا احسن غيرها فلا يفعل، و ان لم يحسن غيرها فلا بأس.

تذنيب:

و عن جملة من الاصحاب استثناء سورة التوحيد عن الحكم المذكور، لما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة عن زرارة، قال: قلت لابى جعفر (ع): اصلى ب قُلْ هُوَ اَللّٰهُ؟ فقال:

نعم، قد صلى رسول الله (ص) فى كلتا الركعتين ب قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، لم يصل قبلها و لا بعدها، ب قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ اتم منها(1). و فى الذكرى بعد نقل الخبر، قلت: تقدم كراهة ان يقرا السورة الواحدة فى الركعتين، فيمكن ان يستثنى من ذلك قُلْ هُوَ اَللّٰهُ لهذا الحديث، و لاختصاصها بمزيد الشرف، او فعله (ص) لبيان جوازه، انتهى(2).

و فى رواية حماد الطويلة ثم قرا الحمد بترتيل، و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، الى ان قال و صلى ركعتين على هذا.

الرابع: في من أراد أن يتقدم من موضعه

التاسع: روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات عن على بن ابراهيم، عن ابيه عن النوفلى، عن السكونى عن ابى عبد الله (ع)، انه قال فى الرجل يصلى فى موضع، ثم يريد ان يتقدم قال: يكف عن القراءة فى مشيه حتى يتقدم الى الموضع الذى يريد، ثم يقرا. و فى الذكرى: هذا الحكم مشهور بين الاصحاب، و هذا الكف واجب؟ توقف فيه بعض المتأخرين، و الاقرب وجوبه، لظاهر الرواية، و ان القرار شرط فى القيام، انتهى(3).

و عن المنتهى: اذا اراد الرجل ان يتقدم فى صلوته سكت عن القراءة، ثم تقدم، لانه فى تلك الحال غير واقف. و يؤيده ما رواه الشيخ، و ذكر الرواية، و فى التذكرة: لو اراد

ص: 39


1- قال فى التحرير يجوز ان يقرء السورة الواحدة فى الركعتين مكررا لها فيهما و ان يقرء فيهما سورتين متساويتين و ان يقرأ فى الثانية السورة التى تلى السورة التى قرأها فى الاولى و بغيرها من المتقدمات عليها و المتأخرات، انتهى (منه).
2- روى فى الكافى فى باب فضل القرآن عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (ع) قال من مضى به يوم واحد فصلى فيه بخمس صلوات فلم يقرأ منها ب قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ قيل يا عبد الله لست من المصلين (منه). الكافى ج 2 ص 622: مكتبة الصدوق طهران 1381 هجرية.
3- قال فى الدروس يستحب تطويل قراءة ركعة الاولى سورة و قيل هما سواء (منه).

المصلى التقدم خطوة او خطوتين و التأخر كذلك، سكت عن القراءة حالة التخطى، لانها ليست حالة القيام، بل حالة المشى، و هل ذلك على سبيل الوجوب؟ يحتمل ذلك ان سلبنا القيام عنه، و الا مستحبا، انتهى.

و قد تقدم فى بحث القيام ما يعنيك هنا فراجع، و امر الاحتياط واضح، و الاحوط ايضا ان يجرر جليه، و لا يرفعهما. و فى جامع المقاصد: و يؤيده الخروج عن هيئة المصلى بالقيام على قدم واحدة.

الخامس: من واجبات الصلوة (الركوع)
اشارة

و هو لغة: الانحناء قال الشاعر:

لا تهين الفقير علك ان تر *** كع يوما و الدهر قد رفعه

و شرعا: انحناء مخصوص، ففيه تخصيص للمعنى اللغوى، و وجوبه ثابت بالضرورة من الدين و الأخبار المروية عن الائمة الطّاهرين عليهم السلام، (و هو ركن) بلا خلاف، نقله بعضهم، بل ذلك اجماعى نقله فى التذكرة و الدروس (تبطل الصلوة بتركه عمدا و سهوا) اجماعا، الا ما حكى عن المبسوط من القول بعدم بطلانها بتركه فى الاخيرتين من الرباعية سهوا، ان ذكره بعد السجود، نظرا الى ان الناسى فيهما يحذف السجود و يعود اليه. و عليه فلو فسر الركن بانه ما تبطل الصلوة بتركه بالكلية لم يكن متنافيا لذلك، لان الآتى بالركوع بعد السجود لم يتركه فى جميع الصلوة، و لعلّه لذا صرح بعدم الخلاف من غير استثناء للشيخ الجماعة، على ما حكى، او لشذوذه و معلومية نسبه، او لنفيه فى الحقيقه ركنية السجود، بمعنى عدم البطلان بزيادته، لا ركنية الركوع. نعم، عن المبسوط انه حكى قولا من بعض الاصحاب، بان من نسى سجدتين من ركعة أية ركعة كانت حتى ركع فيما بعدها، اسقط الركوع، و اكتفى بالسجدتين بعده، و جعل الركعة الثانية اوله، او الثالثة ثانية، او الرابعة ثالثة. و عن بعض انه افتى به ابن سعيد فى الركعتين الاخيرتين خاصة، و سيجئ تحقيق ذلك فى محله ان شاء الله.

و بالجملة، الحق هو القول بان الاخلال به مطلقا مبطل للصلوة، و يدل عليه من النصوص ما رواه الكافى فى باب السهو فى الركوع، فى الصحيح عن رفاعة، عن ابيعبد الله (ع) قال: سألته عن رجل نسى ان يركع حتى يسجد و يقوم، قال: يستقبل. و ما رواه التهذيب فى باب

ص: 40

تفصيل ما تقدم ذكره، فى الصحيح عن صفوان، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، قال:

اذا ايقن الرجل انه ترك ركعة من الصلوة، و قد سجد سجدتين و ترك الركوع، استانف الصلوة. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن صفوان عن اسحق بن عمار، قال:

سألت ابا ابراهيم (ع)، عن الرجل ينسى ان يركع، قال: يستقبل حتى يصنع كل شئ من ذلك موضعه. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى القوى، عن ابى بصير، قال: سألت ابا جعفر (ع) عن رجل نسى ان يركع، قال: عليه الاعادة. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع)، قال: الصلوة ثلاثة اثلاث: ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن عبد الله بن سنان، قال: قال ابو عبد الله (ع): ان الله فرض من الصلوة الركوع و السجود، الا ترى لو ان رجلا دخل فى الاسلام لا يحسن ان يقرا القرآن، اجزاه ان يكبر و يسبح و يصلى. و ما رواه الفقيه فى باب احكام السهو فى الصحيح، عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، انه قال: لا تعاد الصلوة الا من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود. الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة.

و اما بطلان الصلوة بزيادته مطلقا، فلم اجد من النصوص ما يدل عليه بالخصوص، اللهم الا ان يكون اجماعا، و يجئ ان شاء الله فى مقامه اليه الاشارة، فانتظر. و قال فى الرياض بعد عنوانه المتن بما لفظه: كنظايره من الاركان، و ان كان الامر لا يتم مطلقا لصحة الصلوة مع زيادته فى بعض الموارد. و فى مجمع الفائدة: و اما بطلان الصلوة بزيادته حتى يتم معنى الركن عند الاصحاب، فما اذكر الآن ما يدل عليه، كما فى غيره الذى مرّ يفتح الله علينا، انتهى.

و ربما يستدل على الركنية بمعنى بطلان الصلوة بزيادته، و تركه عمدا و سهوا، بان الركوع جزء للصلوة، و الاصل فى كل جزء هو الركنية، الا ان يثبت من الشرع عدمها، و ذلك لان الهيئة المنقولة من الشرع لا يجوز مخالفتها، كيف و لو وقعت المخالفة بان نقص جزء من اجزائها، او زاد عليها، او قدم المؤخر او أخر المقدم، لم يكن الهيئة هى الهيئة المنقولة، فلم يكن الآتى بها آتيا بما طلب

ص: 41

منه، و ان كانت المخالفة المذكورة جهلا او سهوا او نسيانا، فيكون تلك العبادة باطلة، لعدم تحقق الامتثال بها، و ان لم يكن المكلف مقصرا، فان عدم التقصير لا يستلزم الامتثال جزما، غاية ما فى الباب ان لا يكون مؤاخذا فى نسيانه.

أقول: الاصل المذكور انما ينفع اذا ثبتت الجزئية بعنوان الاطلاق، و عليه فليس فى التمسك به حلاوة كثيرة.

تنقيح الكلام: ان المثبت للجزئية اما الاجماع او اللفظ، و على الأول فلا بد ان ينظر فيه، فان تحقق بعنوان الاطلاق و الكلية فليحكم بالركنية، و الا فلا، بل لا بد من الاقتصار فى قدر تحقق و ثبت، و على الثانى فلا يخلو اما ان يكون اللفظ المثبت للجزئية من الالفاظ الخطابية و التكليفية، كقوله اكبر او اقرا او اركع مثلا، بعبارة اخرى من الالفاظ التى ينصرف الى كون المكلّف عالما و متفطنا، ام لا، و على الأول فلا بد ان يحكم بالجزئية فى حالة العمد، و اما فى حالة السهو فلا يحكم بها، الا ان ينتفى الماهية بانتفائها، بمعنى ان لا يصدق الماهية فى العرف عند انتفائها، فحينئذ نحكم بها بعنوان الاطلاق، و على الثانى - كما فيما نحن فيه لمكان - قوله (ع): الصلوة ثلاثة اثلاث، ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود، المعتضد بعموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، فليحكم بالجزئية، بعنوان الاطلاق، بمعنى ان الاخلال بها عمدا و سهوا موجب للبطلان، اذ قد ثبت ان الركوع جزء للصلوة من حيث هى هى، مع قطع النظر عن علم المكلّف و سهوه، و تفطنه و عدم تفطنه، و كذا لا بد ان يحكم ببطلان الصلوة مع زيادة هذا الجزء عمدا، لما ياتى عن قريب. و اما الحكم بالبطلان لو زاده سهوا حتى يتم معنى الركنية، فدون اثباته خرط القتاد، لمكان صدق الماهية، و كون اسامى العبادات موضوعة للاعم من الصحيحة و الفاسدة. نعم، يمكن ان يستدل لبطلان الصلوة بزيادة الركوع مطلقا، و لو كانت سهوا، بما رواه الكافى فى باب من سها فى الاربع و الخمس، فى الصحيح على الصحيح، لمكان ابراهيم عن زرارة و بكير ابنى اعين، عن ابى جعفر (ع)، قال: اذا استيقن انه زاد فى صلوته

ص: 42

المكتوبة لم يعتد بها، و استقبل صلوته استقبالا، اذا كان قد استيقن يقينا. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الكافى لصحيح، لمكان ابان بن عثمان عن ابى بصير، قال: قال ابو عبد الله (ع): من زاد فى صلوته فعليه الاعادة، خرج منها ما خرج بدليل، و لا دليل على خروج ما نحن فيه عنهما، و لا يعارضهما قوله (ع):

لا تعاد الا من خمسة الى آخره، اذ الركوع واحد من الخمسة، لا يقال المتبادر من هذا الحديث هو الاعادة فى صورة الاخلال بالخمسة لا الزيادة، و عليه فيتحقق التعارض بينه و بينهما، فلا بد من التوقف حينئذ لمكان كون التعارض من تعارض العمومين من وجه، لانا نقول على فرض التسليم مما شاة الترجيح فى جانب الحديثين فى هذا المقام، لمكان الاجماع المحكى و غيره على الركنية، و الظاهر ان مرادهم من الركن هو فساد الصلوة بزيادته و نقصانه عمدا و سهوا، كما سيجئ تفصيله فى مقامه الا ما خرج بدليل كزيادة الركوع مثلا فى بعض المواضع(1).

و يجب الركوع فى كلّ ركعة مرة و يجب فيه الانحناء
اشارة

(و) يجب الركوع (فى كلّ ركعة مرة) الا فى صلوة الآيات اجماعا، (و يجب فيه الانحناء) اجماعا (بقدر ما تصل راحتاه) عينى (ركبتيه) اجماعا. من العلماء كافة، الا ابى حنيفة، على ما حكاه الشارح المحقق عن الفاضلين و الشهيد و غيرهم، و اما ابو حنيفة فانه اكتفى باصل الانحناء، على ما حكاه المصنف رحمه الله فى التذكرة، و لهم وجوه:

الأول: التأسى بالنبى (ص).

الثانى: صحيحة حماد الطويلة المتضمنة لقوله: ثم ركع و ملاء كفيه من ركبتيه مفرجات.

الثالث: ما رواه الكافى فى باب الركوع فى الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، انه قال: اذا اردت ان تركع، و ساق الحديث الى ان قال: و تمكن راحتيك من ركبتيك، و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، و بلغ اطراف اصابعك عين الركبة، و فرج اصابعك اذا وضعتها على ركبتيك، الحديث.

الرابع: ما رواه ايضا فى باب القيام و القعود، فى الصحيح عن زرارة عن

ص: 43


1- كبعض صوب صلوة الجماعة (منه).

ابى جعفر (ع)، انه قال فى جملة كلام له: و تمكن راحتيك من ركبتيك، و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، و بلغ اطراف اصابعك عين الركبة، و فرج اصابعك اذا وضعتها على ركبتيك، فان وصلت اطراف اصابعك فى ركوعك الى ركبتيك، أجزأك ذلك، و احب الى ان تمكن كفيك من ركبتيك فتجعل اصابعك فى عين الركبة، و تفرج بينها، الحديث(1).

الخامس: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، عن على عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: فاذا ركعت فالقم ركبتيك كفيك.

السادس: ما عن المصنف رحمه الله فى المنتهى، و المحقق فى التحرير، عن معوية بن عمار، و محمد بن مسلم و الحلبى، قالوا: و بلغ باطراف اصابعك عين الركبة، فان وصلت اطراف اصابعك فى ركوعك الى ركبتيك، اجزاك ذلك، و احب ان تمكن كفيك من ركبتيك، فاذا اردت ان تسجد فارفع كفيك بالتكبير، و خر ساجدا.

أقول: هذه جملة من الادلة التى وجدناها فى المقام، و بعضها كما ترى لا يخلو عن مناقشة، و لكن الامر فيها هين. توضيح المسئلة ان يقال: لا يجزى الانحناء الذى لا يبلغ معه رؤوس الاصابع الى الركبتين اجماعا نصا و فتوى، و هل يجزى ما يبلغ معه رؤوسها اليهما اولا؟ بل يجب ان يكون بحيث يتمكن معه من وضع راحتيه عليهما، اختلف الاصحاب فيه، فصرح فى المسالك بالأول، بل عن البحار انه مذهب الاكثر.

و يظهر من المتن، و التذكرة، و مختصر النافع، و الدروس، و الالفية، و اللمعة، و كنز

ص: 44


1- قال فى الحبل المتين و بلع فى قوله (ع) باطراف اصابعك عين الركبة باللام المشددة و العين المهملة من البلع اى اجعل اطراف اصابعك كانها بالعة عين الركبة و هذا كما سيجئ فى بحث الركوع من قوله (ع) تلقم باطراف اصابعك عين الركبة اى تجعل عين الركبة كاللقمه لاطراف الاصابع و ربما يقرء و بلغ بالعين المعجمة و هو تصحيف و قوله (ع) فان وصلت اطراف اصابعك الى آخره صريح فى عدم وجوب الانحناء الى ان تصل الراحتان الى الركبتين و فى كلام شيخنا الشهيد الثانى طاب ثراه ان الظاهر الاكتفاء ببلوغ الاصابع و استند الى هذا الخبر و معلوم ان المراد باطراف الاصابع الا نامل و اما حملها على اطرافها المتصلة براحة الكف بعيد جدا، انتهى (منه).

العرفان، و الجعفرية، و جامع المقاصد، و شرح الجعفرية، و الاثنى عشرية، الثانى.

و فى النهاية: و املاء كفيك من ركبتيك.

و فى المصباح: و يضع يديه على عينى ركبتيه، و يلقهما كفيه مفرجا اصابعه.

و فى الشرايع: ان ينحنى بقدر ما يمكن وضع يديه على ركبتيه.

و فى الروضة: و المعتبر جزء من باطنه اى الكف لا جميعه و لا روؤس الاصابع.

و فى الرياض: و المراد بالراحة الكف، و منها الاصابع، و يتحقق بوصول جزء من باطن كل منهما لا بروؤس الاصابع.

و فى المقاصد العلية: و المراد بالكف ما يشمل الاصابع، فانه مرادف للراحة، فيكفى امكان وصول جزء من باطن كل منهما، لا بروؤس الاصابع.

و فى التحرير: يجب الانحناء فيه الى حيث يتمكن من وضع يديه على ركبتيه.

و فى المفاتيح: و قدره الواجب ما يمكن معه وضع اليدين على الركبتين اجماعا و للصحيح.

و فى الذخيرة: و اعلم ان اكثر عبارات الاصحاب دال على ان المعتبر وصول شئ من باطن كل من اليدين الى محاذاة الركبتين، بحيث يتمكن من وضعه عليها.

و بعضها كعبارة المنتهى و الذكرى دال على وجوب بلوغ اليد من غير تقييد، و هو يتحقق بوصول روؤس الاصابع، و صرح المدقق الشيخ على و الشارح الفاضل، بان وصول شىء من روؤس الاصابع غير كاف، و اثباته لا يخلو عن اشكال، لظهور صحيحة زرارة، و الرواية المنقولة فى التحرير و هى فى خلافه، و اثبات اجماع من عدا ابى حنيفة عليه، لا يخلو عن اشكال لاختلاف عبارات الاصحاب فى نقله فما نقل فى التحرير و التذكرة تنطبق عليه، و المذكور فى المنتهى و الذكرى نقل اجماع عدا ابى حنيفة على وجوب وصول اليد، و لعل فى عبارة المنتهى و الذكرى مسامحة فى التعبير، و المراد ما ذكر فى غيرهما، بناء على ان الذى يقع فى الخاطر من وصول اليد وصول شئ من الراحة، و يشعر بذلك الادلة التى ذكر فى الكتابين، سيما الذكرى، فانه قال فيه بعد نقل قول الباقر (ع) فى صحيحة زرارة: و تمكن راحتيك من ركبتيك. و هو دليل على الانحناء هذا القدر، لان الاجماع على عدم وجوب

ص: 45

وضع الراحتين، فاذن لا معدل عن العمل بما ذكره المدققان، لتوقف البراءة اليقينيه عليه، و لا تعويل على ظاهر الخبر، اذا خالف فتاوى الفرقه، انتهى.

و قريب من تلك العبارة فى الغاية، ما ذكره بعض متاخرى المتأخرين(1)، بل هو عينها، الا ماندر، و قال بعض مشائخنا: و صرح فى جامع المقاصد بان المعتبر هو ان ينحنى بحيث يتمكن من وضع راحتيه عليهما، و يظهر منه دعوى الاجماع، كما يظهر من اكثر عبارات الاصحاب، و العبارات الدالة على الاكتفاء بوصول روؤس الاصابع ليست من ذلك صريحة، و انما تدل باطلاقها على ذلك، و يمكن تنزيلها على عبائر الاكثر، و يشهد له ان اكثر الاصحاب لم يشيروا الى الخلاف من هذه الجهة، نعم، عبارة المسالك صريحة فى كفاية وصول روؤس الاصابع، و لكن لا حجة فيها، و التاويل فى عبائر الاكثر، و العبارة التى تضمنت دعوى الاجماع على مذهبهم بعيد جدا، و بالجملة الحجة على عدم كفاية وصول روؤس الاصابع الاجماعات المحكية، المعتضدة بالشهرة العظيمة، و الاحتياط. و بهذا يندفع التمسك باطلاق الامر بالركوع على كفاية وصول روؤس الاصابع، مع امكان دعوى انصرافه الى ما عليه الاكثر، لانه المتبادر. و كذا يندفع به عموم قوله (ع) فى صحيحة زرارة: لا تعاد الصلوة الا من خمسة:

الظهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود، و غيره، انتهى.

أقول: ما اختاره الشارح الفاضل فى المسالك محلّ اشكال، فالقول بوجوب الزيادة عن القدر المذكور هو الاحوط، و لست أقول بوجوب الانحناء بحيث يتمكن من وضع كفيه على عينى الركبتين، بل أقول بكفاية ان ينحنى بحيث يتمكن من وضع جزء من باطن اليدين لا بروؤس الاصابع على عينى الركبتين، فانظر الى عبارة الرياض و الروضة و المقاصد العلية، و يشهد على ذلك الدليل الرابع، المتضمن لقول الباقر (ع): و احب الىّ ان تمكن كفيك من ركبتيك، فتجعل اصابعك فى عين الركبة.

أقول: و الانصاف ان رد المسالك ايضا محل اشكال، لمكان اعتضاد ما اختاره فيه بالخبر الرابع و السادس، المعتضدين بالشهرة، المدعاة فى كلام البحار، و اما الاجماع المحكى عن التحرير و التذكرة الا من ابى حنيفة على وصول الكفين أو الراحتين الى الركبة،

ص: 46


1- و هو مولانا هادى شارح المفاتيح (منه).

فمعارض بالاجماع المحكى عن المنتهى و الذكرى على بلوغ يديه الى ركبتيه، الصادق بوصول روؤس الاصابع الى الركبة، هذا مضافا الى جواز القول بان التساهل قد وقع فى عبارتى التحرير و التذكرة، انما مقصود هما هو الرد على ابى حنيفة، و يعضد ذلك ان التحرير استدل بالخبر السادس، و صراحته على كفاية بلوغ روؤس الاصابع واضح، و اما ما ذكره الشارح المحقق فى الذخيرة من ان الذى يقع فى الخاطر الى آخر ما تقدم، ففيه انه لا ريب فى صدق بلوغ اليد ببلوغ اطراف الاصابع، نعم، لو كان فيهما وضع اليد، لكان لما ذكره حلاوة، و اما استدلال الشهيد بصحيحة زرارة و قوله: و هو دليل على الانحناء هذا المقدار، ففيه ان ذلك لا يغنى من جوع ما وقع فى الخاطر، لما ذكره بعض الأجلاء، بان استدلال الشهيد انما وقع فى مقام الاستدلال على اصل الانحناء ردّ اعلى ابى حنيفة، و الا فالرواية المذكورة صريحة، كما عرفت فى ان هذه الكيفية انما هى على جهة الفضل و الاستحباب، فيما ذكر، ظهر حال ما نسبه الى فتاوى الفرقه مع انك قد عرفت الشهرة المدعاة فى كلام البحار.

و بالجملة، الذى يقتضيه الاحتياط فى المسئلة هو ان ينحنى بحيث يتمكن معه ان يجعل عينى الركبة كاللقمة بين يديها، و ان كان ما اختاره فى المسالك لا يخلو عن رجحان ما، و الله أعلم(1).

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: لا يجب فى الركوع وضع اليد على الركبتين اجماعا،

نقله الشهيد فى الذكرى و شقيقه فى المقاصد العلية، بل هو مستحب اجماعا، نقله الشارح المحقق عن الجماعة، و منهم الفاضلان، و يدل عليه بعد ذلك جملة من الادلة السابقة.

الثانى: لو انخنس و اخرج ركبتيه،

و صار بحيث لو مدّ يداه نالتا ركبتيه، لم يكن ركوعا

ص: 47


1- و اما العبائر المتضمنة لدعوى الاجماع فغير صالحة لرد ما رجحناه اما عبارة المنتهى و الذكرى فعدم منافاتهما ظاهرة و اما عبارة التذكرة و غيرها فيمكن القول بان مقصود هم انما هو الرد على ابى حنيفة القائل بكفاية مطلق الانحناء و ادعاء الاجماع انما وقع على دفع ذلك فتأمل. و بالجملة مقتضى الدليل هو ما استظهرناه و لم يظهر بعد ما يهدمه سيما بعد ملاحظة الشهرة المدعاة فى البحار و الله هو العالم بحقايق احكامه و نوابه العالمون بمعالم حلاله و حرامه منه عفى عنه.

وفاقا لجماعة(1)، حملا للاوامر على الافراد المتبادره، بل لم اعثر على مخالف فى ذلك، و كذا الكلام لو جمع بين الانحناء و الانخناس، بحيث لو لا الانخناس لم يبلغ الراحتان، قاله بعضهم(2).

الثالث: قال بعض الاجلة: و هل يشترط فى الانحناء قصد الركوع،
اشارة

حتى لو انحنى لا له ثم ركع بقصده، لم يكن زاد ركوعا ام لا؟ وجهان: ظاهر جماعة الأول، بل قيل لا خلاف فيه(3)، و لهم الخبر(4): رايت ابا الحسن (ع) يصلى قائما، و الى جنبه رجل كبير يريد ان يقوم و معه عصاله، فاراد ان يتناولها فانحط (ع)، و هو قائم فى صلوته، فناول الرجل العصا، ثم عاد الى صلوته. و قريب منه اطلاق نحو الموثق: لا بأس ان تحمل المراة صبيتها و هى تصلى، او ترضعه و هى تتشهد. و عليه فلو هوى لسجدة العزيمة و غيرها فى النافلة، او لقتل الحية او لقضاء حاجة، فلما انتهى الى حد الركوع و اراد ان يجعله ركوعا لم يجزه، فان الاعمال بالنيات، و لكل امرئ ما نوى، فيجب عليه الانتصاب ثم الهوى للركوع. و لا يكون ذلك زيادة ركوع. صرح بذلك الشهيد فى الذكرى وفاقا للتذكرة و نهاية الاحكام، و فيها: و لا فرق بين العامد و الناسى، على اشكال قيل من حصول هيئة الركوع، و عدم اعتبار النية لكل جزء، كما فى التحرير و المنتهى و التذكرة، غايته ان لا ينوى غيره، و فيه نظر، انتهى.

أقول: الكلام هنا يقع فى مقامين:
الأول: هل يشترط فى الانحناء للركوع ان يكون المصلى قاصدا للركوع فى انحنائه،

و متذكر اله، حتى لو انحنى و لم يكن متفطنا بذلك، بل يكون فكره مشغولا بشىء آخر، لم يكن ذلك ركوعا ام لا؟ و التحقيق ان يقال: ان قام الشخص للصّلوة، و كان الباعث و الداعى له هو الله، ثم كبر و شرع فى اقامة الصلوة، فصلوته صحيحة مبرئة للذمة، و ان كان فى اثنائها ذاهلا، و كان فكره مشغولا بشئ آخر، اذ الداعى موجود حينئذ، و ليست النية الا الداعى على التحقيق، و من يدعى الزيادة على ذلك، بان يكون المصلى فى افعال الصلوة مستشعرا

ص: 48


1- و فى الدروس فلو وصل الكفان على الركبتين بالانخناس او بمشاركة الانحناء اياه لم يكف (منه).
2- و هو الشارح المحقق (منه).
3- قيل و عد جماعة من الاصحاب كراهة اشياء آخر فى الركوع وعد منها الانخناس الذى يكون معه تمام الانحناء الواجب قال و هو تقويس الركبتين (منه).
4- و هو الذخيرة (منه).

بالافعال، و متفطنا لها، فعليه اقامة البرهان.

و عليه، فالمصلى اذا انحنى للركوع فيحكم بصحة ركوعه، و ان لم يكن مستشعرا بذلك(1).

الثانى: لو قصد بهويه غير الركوع،

كما لو انحنى لقتل حية، او لسجدة تلاوة مثلا، فاذا بلغ حد الراكع ندم، فهل يجوز ان يجعله ركوعا، و يبرء ذمته بذلك ام لا؟ كما ذكره الجماعة، وجهان: ينشآن من ان المطلوب من الاوامر هو الطبيعة، و قد حصلت فالاول، و من ان الداعى لذلك الانحناء و الباعث له ليس الصلوة و لا فعل من افعاله، بل هو شىء آخر، و هو قتل الحية مثلا، فكيف يجوز ان يحسب ذلك من افعال الصلوة، و انما الاعمال بالنيات و لكل امرئ ما نوى فالثانى(2). و المسئلة عندى محلّ تردد، قال فى التذكرة: يجب ان لا يقصد بهويه غير الركوع، فلو قرا آية سجدة، فهو ليسجد ثم بلغ حد الراكعين، و اراد ان يجعله ركوعا، لم يجز، بل يعود الى القيام ثم يركع، لان الركوع الانحناء، و لم يقصده. و قال بعض الأجلاء: يجب ان يقصد بهويه الركوع، فلو هوى لسجدة العزيمة فى النافلة، او هوى لقتل حية، او لقضاء حاجة، فلما انتهى الى حد الراكع، اراد ان يجعله ركوعا، و كذا لو هوى للسجود ساهيا، فلما وصل الى قوس الراكع ذكر، فاراد ان يجعله ركوعا، فانه لا يجزى، و يجب عليه الرجوع و الانتصاب ثم الهوى بقصد الركوع، فان الاعمال بالنيات، و لا يلزم من ذلك زيادة ركوع، لان الاول ليس بركوع، و الظاهر انه لا خلاف فى الحكم المذكور، انتهى.

الرابع: قال فى المسالك: و المعتبر امكان وصول اليدين معا،

فلا يكفى احديهما اختيارا، نعم، لو تعذرت احديهما لعارض فى احد الشقين كفت الاخرى، انتهى. و هو جيد، حملا للاوامر على الافراد الشايعة المتبادر الى الأذهان.

اعلم ان الذكر واجب فى الركوع اجماعا محققا و محكيا فى عبائر الجماعة حد

ص: 49


1- قال فى الدروس و يجب ان يقصد بهوية الركوع فلو هوى بقصد غيره لم يعتد به و وجب الانتصاب ثم الركوع، انتهى (منه).
2- و فى الجعفرية و يجب ان لا يقصد بهويه عن الركوع فلو قصد غيره كقتل حية لم يعتد به و وجب الانتصاب ثم الركوع و لذا قال فى شرح الجعفرية (منه).

الاستفاضة، وفاقا للمحكى عن احمد و اسحق و داود من العامة، الا انه قال اذا تركه عمدا لا تبطل صلوته. و عن الشافعى و ابى حنيفة و مالك القول بعدم الوجوب.

فى وجوب الذكر فى الركوع
اشارة

(و) كيف كان، فالذى اطبق عليه اصحابنا بنا هو القول بانه يجب (الذكر فيه) و النصوص بذلك مع ذلك مستفيضة، بل لعلها متواترة، و لا يتعين فيه لفظ مخصوص بل يكفى الذكر مطلقا من تسبيح او تهليل او تكبير. او غيرها من الاذكار (على راى) الشيخ فى المبسوط و الخصال و الحليّين الاربعة، اعنى الفاضلين و الحلى و سبطه يحيى بن سعيد فى الجامع على ما حكى عنهم، و ان كان ظاهر المصنف هنا نوع تردد فى ذلك، و اختاره المحقق الثانى، و الشارحون اعنى الفاضل، و المحقق، و المقدس فى الرياض، و الروضة، و المسالك، و المقاصد العلية و الذخيرة، و الكفاية، و مجمع الفائدة، و فخر المحققين فى الحبل المتين و الاثنى عشرية، و غيرهم من متاخرى المتأخرين، و فى امالى الصدوق: من دين الامامية الاقرار بان القول فى الركوع و السجود ثلاث تسبيحات، و خمس احسن، و سبع افضل، و تسبيحه تامة تجزى من الركوع و السجود للمريض و المستعجل، فمن نقص من الثلاث التسبيحات فى ركوعه او فى سجوده تسبيحة، و لم يكن بمريض و لا مستعجل فقد نقص ثلث صلوته، و من ترك تسبيحتين فقد نقص ثلثى صلوته، و من لم يسبح فى ركوعه و سجوده فلا صلوة، له الا ان يهلل او يكبر، او يصلى على النبى صلى الله عليه و آله بعدد التسبيح، فان ذلك يجزيه، انتهى. خلافا للمشهور، على ما ذكره الجماعة، و منهم المحكى عن السيد و المرتضى، و الشيخ فى الخلاف و النهاية، و ابى الصلاح و القاضى و سلار و ابن حمزة و ابن الجنيد، فذهبوا الى تعيين التسبيح، و هو الظاهر من المحقق فى الشرايع و مختصر النافع، و الشهيد طاب مرقدهما.

جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام
اشارة

فلننقل قبل الخوض فى الاستدلال جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام فنقول:

الأول:

ما رواه الكافى فى باب ادنى ما يجزى من التسبيح فى الركوع، فى الصحيح على الصحيح عن هشام بن الحكم، قال: قال ابو عبد الله (ع): ما من كلمة اخف على اللسان منها، و لا ابلغ من سبحان الله. قال: قلت: يجزينى فى الركوع و السجود ان أقول مكان التسبيح: لا اله الاّ اللّه و الحمد للّه و اللّه اكبر؟ قال: نعم، كل ذا ذكر الله. قال: قلت: الحمد

ص: 50

لله و لا اله الا الله قد عرفناهما، فما تفسير سبحان الله؟ قال: انفة الله، اما ترى ان الرجل اذا اعجب من الشىء قال: سبحان الله.

الثانى:

ما روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات، فى الصحيح عن هشام بن الحكم، عن ابى عبد الله (ع)، قال: قلت له: يجزى مكان التسبيح ان أقول فى الركوع و السجود: لا اله الا الله و الحمد لله و الله اكبر؟ فقال: نعم، كل هذا ذكر الله. و روى ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح، عن هشام بن سالم، عن ابى عبد الله (ع) مثله.

الثالث:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن مسمع ابى السيار الممدوح عن رجال النجاشى، شيخ بكر بن وايل بالبصرة، و وجهها و سيد السامعة، و كان اوجه من اخيه عامر بن عبد الملك، الى ان قال: و روى عن ابى عبد الله (ع) و اكثر، و اختص به، و قال له ابو عبد الله (ع): انى لاعدك لامر عظيم يا ابا سيار، انتهى. قيل: و ربما يظهر من الأخبار شفقة خاصة منهم (ع) بالنسبة اليه، و حديث تولية العوض و اكتسابه اربعمائه الف درهم، و اتيانه خمسها الى الصادق (ع)، و قوله (ع): و جميع ما اكتسبت مالنا، و قوله: احمل الجميع اليك. و تحليله (ع) جميعها له مشهور. و فى غير موضع مذكور، و يظهر منه ايضا نباهته، و فيه من امارة الجلالة و القوة مثل كثرة الرواية و غيرها، انتهى. بل الثقة كما عن الوجيزة، و عن الكشى عن (معد) انه قال: سألت (عل) عن مسمع كردين ابى سيار، فقال: هو ابن مالك من اهل البصرة، و كان ثقه، و لعلّه لذا عدّ هذا الخبر جماعة من الصحاح، بناء على ان التوثيق من باب الظنون الاجتهادية، او من باب الخبر، و الموثق منه حجة.

و فى الذخيرة بعد نقل توثيق (عل) و ابن فضال: فطحى، و لا يبعد تصحيح الخبر، كما فعله صاحب المدارك، و صاحب حبل المتين، لجلالة شان بن فضال، و الاعتماد التام على نقله، انتهى.

أقول: و يمكن ان يقال: ان ذلك لا يخلو عن اشكال، و لو على راى من يجعل التعديل من باب الظنون، او الرواية، و يعمل بالموثق لعدم ظهور ارادة

ص: 51

العدل الامامى، او فى مذهبه، او الاعم، او مجرد الوثوق بقوله، و لم يظهر اشتراط العدالة فى قبول الرواية، اللهم الا ان يقال: اذا كان الامامى المعروف كمعد يسأل عن رجل، و يقول ثقة على الاطلاق، فهو ظاهر فى الامالى، مضافا الى ما يظهر من روايته، على ما قيل من التعرض للوقف و الناووسية و غيرهما فى مقام جوابه، و افادته له فتامل(1). و يمكن ايضا ان يقال: ان الظاهر من رجال النجاشى و الروضة و غيرهما كون المسمع هذا اماميا، و عليه، فلا بد لمكان قول (عل) الحكم بان الرجل ما دل عادل امامى عن ابى عبد الله (ع)، قال: يجزيك من القول فى الركوع و السجود ثلاث تسبيحات، او قد رهن مترسلا. و ليس له و لا كرامة ان يقول سبّح سبّح سبّح(2).

الرابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن مسمع عن ابيعبد الله (ع)، قال: لا يجزى الرجل فى صلوته اقل من ثلاث تسبيحات اوقد رهن.

الخامس:

ما رواه الكافى فى باب الركوع، و ما يقال فيه فى الصحيح، عن هشام قال:

سألت ابا عبد الله (ع): يجزى عنى ان أقول مكان التسبيح فى الركوع او السجود: لا اله الا الله و الله اكبر؟ قال: نعم.

السادس:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات، عن عقبة بن عامر، انه قال: لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم، قال لنا رسول الله (ص): اجعلوها فى ركوعكم فلما نزلت سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى قال لنا رسول الله (ص) اجعلوها فى سجودكم. و روى الصدوق فى كتاب العلل فى باب العلة التى من اجلها صار التكبير فى الافتتاح سبع تكبيرات، عن ابيه عن احمد بن ادريس، عن محمد بن احمد عن يوسف بن الحرث، عن عبد الله بن يزيد المنقرى، عن موسى بن ايوب الغافقى، عن عقبة بن عامر نحوه. و قال الصدوق فى الفقيه فى باب وصف الصلوة: و انما يقال فى الركوع سبحان ربى العظيم و بحمده، و فى السجود سبحان ربى الاعلى و بحمده، لانه لما انزل الله تبارك و تعالى:

«فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ *» قال النبى (ص) اجعلوها فى ركوعكم، فلما انزل الله عزّ و

ص: 52


1- كما يظهر ذلك فى ترجمة ابان بن عثمان فراجع (منه).
2- و عن الوافى كأنّهم يقولون هذه الكلمة ثلثا فى ركوعهم و سجودهم و هى اما بالضم مخفف سبحان بحذف المزيدتين و اما فعل ماضى مجهول يعود المستتر فيه على الله (منه)

جلّ «سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى» قال النبى (ص) اجعلوها فى سجودكم.

السابع:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن القاسم بن عروة، عن هشام بن سالم. قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن التسبيح فى الركوع و السجود. فقال: تقول فى الركوع: سبحان ربى العظيم، و فى السجود سبحان ربى الاعلى، الفريضة من ذلك تسبيحة، و السنة ثلاث، و الفضل فى سبع.

الثامن:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: قلت له: ما يجزى من القول فى الركوع و السجود؟ فقال ثلاث تسبيحات فى ترسل، و واحدة تامة تجزى.

التاسع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن على بن يقطين، عن ابى الحسن الأول (ع)، قال: سألته عن الركوع و السجود، كم يجزى فيه من التسبيح؟ فقال: ثلاثة، و يجزيك واحدة اذا امكنت جبهتك من الأرض.

العاشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن الحسين بن على بن يقطين، عن ابى الحسن الأول (ع)، قال: سألته عن الرّجل، يسجدكم يجزيه من التسبيح فى ركوعه و سجوده؟ فقال ثلاث، و يجزيه واحدة.

الحادى عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن معاوية بن عمار، قال: قلت لابى عبد الله (ع): اخف ما يكون من التسبيح فى الصلوة؟ قال ثلاث تسبيحات مترسلا، تقول: سبحان الله سبحان الله سبحان الله.

الثانى عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الموثق عن سماعة، قال سألته عن الركوع و السجود، هل نزل فى القرآن؟ فقال: نعم، قول الله عزّ و جلّ:

«يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَ اُسْجُدُوا»، فقلت: كيف حد الركوع و السجود؟ فقال: اما ما يجزيك من الركوع فثلاث تسبيحات، تقول: سبحان الله سبحان الله ثلاثا، و من كان يقوى على ان يطول الركوع و السجود فليطول ما استطاع، يكون ذلك فى تسبيح الله و تحميده و تمجيده و الدعاء و التضرع، فان اقرب ما يكون العبد الى ربه و هو ساجد، فاما الامام فاذا قام بالناس، فلا ينبغى ان يطول

ص: 53

بهم، فان فى الناس الضعيف، و من له الحاجة، فان رسول الله (ص) كان اذا صلى بالناس خفف بهم.

الثالث عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن داود الابرازى، عن ابى عبد الله (ع)، قال: ادنى التسبيح ثلاث مرات و انت ساجد، لا تعجل بهنّ.

الرابع عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى القوى، عن ابى بصير، قال:

سألته عن ادنى ما يجزى من التسبيح فى الركوع و السجود، فقال: ثلاث تسبيحات.

الخامس عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن ابى بكر الحضرمى، قال: قلت لابى جعفر (ع): اى شئ حد الرّكوع و السجود؟ قال: تقول سبحان ربى العظيم و بحمده، ثلاثا فى الركوع، و سبحان ربى الاعلى و بحمده ثلاثا فى السجود، فمن نقص واحدة نقص ثلث صلوته، و من نقص اثنتين نقص ثلثى صلوته و من لم يسبح فلا صلوة له.

السادس عشر:

ما رواه الصدوق فى العيون فى باب العلل التى ذكر الفضل بن شاذان، عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن على بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (ع)، فان قال: فلم جعل التسبيح فى الركوع و السجود؟ قيل: لعلل: منها ان يكون العبد مع خضوعه و خشوعه، و تعبده و تورعه، و استكانته و تذللّه، و تواضعه و تقربه الى ربّه مقد ساله، ممجد اله، مسبحا معظما شاكر الخالقه و رازقه، فلا يذهب به الكفر الفكر و الامانى الى غير الله.

السابع عشر:

ما رواه الكافى فى باب النوادر، الواقع بعد باب صلوة من اراد ان يدخل باهله فى الصحيح على الصحيح، عن ابن اذينة، عن ابى عبد الله (ع)، و ساق الخبر الى ان قال: اوحى الله اليه اركع لربّك يا محمد، فركع، فاوحى الله اليه و هو راكع قل: سبحان ربى العظيم و بحمده، ففعل ذلك ثلاثا، الى ان قال: فخر رسول الله (ص) ساجدا، فاوحى الله عزّ و جلّ اليه قل: سبحان ربى الاعلى و بحمده، ففعل (ع) ذلك ثلاثا، الحديث.

و روى الصدوق فى العلل فى باب علل الوضوء، باسنادين عن عمر بن اذينه و غيره، عن ابى عبد الله (ع)، و ساق الخبر الى ان قال: قال رسول الله (ص):

ص: 54

فنظرت الى عظيمة ذهبت لها نفسى، و غشى على، فالهمت ان قلت: سبحان ربى العظيم و بحمده، الى ان قال حتى قلتها سبعا الى ان قال: فمن اجل ذلك صار فى الركوع سبحان ربى العظيم و بحمده، الى ان قال: فالهمت ان قلت: سبحان ربى الاعلى و بحمده، لعلو ما رايت، فقلتها سبعا، الى ان قال: فصار السجود فيه سبحان ربى الاعلى و بحمده، الحديث.

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان الارجح عندى هو القول بكفاية مطلق الذكر، لاصالة البراءة، و اطلاق الامر بالقراءة و الركوع، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة، و نفى الخلاف المحكى المعتضد بالشهرة المتأخرة، على ما حكاه بعض الاجلة، و جملة من الأخبار، منها الخبر الأول و الثانى و الخامس، و ليس الدليل اخص من المدعى، لمكان الذكر المخصوص فيها، اما لان الظاهر ان كل من جوز هذا الذكر جوزه مطلقا، قاله بعضهم، و فى الرياض: متى اجزء ذلك اجزاء مطلق الذكر، لعدم القائل بالفرق، انتهى. و فيه ان الفارق موجود، كما سيظهر، و لعله لم يعتن بشانه، اولان قوله (ع): نعم كل هذا ذكر الله، بمنزلة التعليل، كما صرح به الجماعة، فيدل على اجزاء مطلق الذكر، و بما ذكر، ظهران ما حكى عن الجامع و النهاية من القول بجواز هذا الذكر المذكور فى الصحاح خاصة، بدلا من التسبيح ليس بشىء(1).

و منها: الخبر الثالث و الرابع، اذ قد رهن اعم من ان يكون من تسبيحة كبرى، او مطلق الذكر، و هذا التقريب اولى من ما ذكره بعضهم لوجهه، بانه ليس المراد من القدر التسبيح، و الا لزم التخيير بين الشئ و نفسه، و هو باطل.

و اما التعليل(2) لهذا القول، بان المقتضى لوجوب التسبيح و هو التعظيم موجود فى الذكر المطلق، فكان مجزيا، عملا بمساواة العلة فى الصورتين، ففيه ما ترى، كالقول(3) بان وجوب التسبيح عينا حرج وضيق، فيكون منفيا،

أدلة من قال بوجوب التسبيح في الركوع
اشارة

و للاخرين وجوه:

ص: 55


1- و فى النهاية و ان قال بد لا من التسبيح لا اله الله اكبر، كان جايزا و النسخة كما ترى مغلوطة و اظن ان الذكر المذكور فيها هو الذكر الذى اشتمل عليه الخبر الخامس و عليه فهذه النسبة لا يخلو عن شئ ليست النسخة الصحيحة عندى حتى احكم بعنوان الجزم (منه).
2- علله فى المختلف.
3- ذكره فى التهذيب و المختلف (منه).
الأول: الاجماع المحكى عن الغنية و الانتصار،

و الخلاف عليه المعتضد بالشهرة المحكية فى كلام الجماعة، و فيه انه معارض بما حكى عن الحلى المتقدم اليه الاشارة، مع اعتضاده بما مر من الشهرة المتأخرة و غيرها، و الشهرة المتقدمة و ان كان فى مقام المعارضة اسد من الشهرة المتأخرة، و لكن ذلك فى المقام غير نافع، لمكان كلام الامالى المعتضد بما ذكره الشيخ فى المبسوط و الخلاف و غيرهما، و الحليون الاربعة، و غيرهم من اساطين محققى الطائفة، و ان النافى للخلاف فى اجزاء مطلق الذكر هو الحلى، الذى هو فحل الطائفة، و لم يكسر سورة اجماعاته، كما كسر سورة اجماعاتهم، لمكان الكثرة، و ان بعضهم ربما يختار ما يخالفه، فتدبر، و غير ذلك مما سياتى ان شاء اللّه اليه الاشارة.

الثانى: ان البراءة اليقينية انما يحصل بالتسبيح،

فيجب، و فيه نظر، لمكان ما تقدم من الادلة.

الثالث: قوله تعالى: «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ»

و التقريب ما عن كثير من المفسرين: ان المعنى قل سبحان ربى العظيم المعتضد بالخبر السادس، و الامر ظاهر فى الوجوب العينى، و لا شئ من التسبيح بواجب عينا فى غير الصلوة اتفاقا، نقله فى غاية المراد على ما نسب، و عليه فليس محلّه الا الركوع و السجود اتفاقا، نقله بعضهم(1)، اذ التسبيح فى الاخيرتين واجب تخييرا، مع ان اللفظين متغايران، و فيه انا نمنع من كون المراد من قوله تعالى: فسبح الى آخره، هذا لاحتمال ان يكون المراد هو التنزيه، و اصالة عدم التقييد بالركوعين لذلك معاضدة، كالقول بان الغالب فى اطلاق اللفظ ارادة معناه، و قول كثير من المفسرين المعنى المشار اليه لا ينهض حجة، لعدم معلومية حجية كلامهم، كالخبر السّادس لمكان ضعف السند، مع وجود ما يرجح حمله على الاستحباب، و هو

ص: 56


1- و هذا الدليل محكى عن الجماعة منهم المرتضى و ابن زهرة حيث قال الاول فى الانتصار و الذى يدل على وجوب التسبيح كل آية من القرآن اقتضت بظاهرها الامر بالتسبيح و عموم الظاهر يقتضى دخول احوال الركوع فيه، و من اخرج هذه الاحوال منه فيحتاج الى دليل و الثانى فى الغنيه و ايضا فكل اية فى القرآن يقتضى بظاهرها الامر بالتسبيح يدل على ذلك لان عموم الظاهر يقتضى دخول الركوع و السجود فيه و من اخرج ذلك احتاج على دليل، انتهى (منه).

الادلة المتقدمة.

الرابع: ان النبى (ص) سبح بلا خلاف،

نقله بعضهم(1) على ما نسب، و لمكان ما عن الذكرى عن العامة، عن حذيفة ان النبى (ص) كان يقول فى ركوعه: سبحان ربى العظيم و بحمده، فيجب ذلك على امته ايضا، اما لاصالة وجوب التاسى، او لقوله (ص):

صلوا كما رأيتمونى اصلى، و فيه نظر.

الخامس: جملة من الأخبار.

منها: الخبر الخامس عشر، و التقريب ان نفى الصحة هو اقرب المجازات الى نفى الماهية، و فيه بعد تسليم ذلك، انه يستلزم التقييد فى اطلاق الرواية، لمكان صحة صلوة من ترك التسبيح سهوا، و لا كذلك نفى الكمال، و عليه فلكل من احتمالى نفى الصحة و نفى الكمال وجه رجحان، و وجه مرجوحية، فيجبئ التوقف، فيسقط الاستدلال، مع ان الادلة المتقدمة مما يرجح نفى الكمال، و ان سنده ضعيف، فكيف يقاوم تلك الادلة، و انه يحتمل ان يريد نفى الصلوة مع عدم التسبيح و بدله، و يعاضده عبارة الامالى المتقدمة.

و منها: رواية حماد الطويله المتضمنة لقوله: ثم سبح ثلاثا بترتيل، و قال:

سبحان ربى العظيم و بحمده، الى ان قال ثم قال: - اى مولانا الصادق (ع) - يا حماد هكذا اصل. و فيه ما مر فى المباحث، السابقة اليه الاشارة فلا وجه للاطالة على انه سياتى ان شاء اللّه عدم وجوب ذلك التسبيح ثلاث مرات، فانتظر.

و منها: الخبر التاسع، و فيه ان السؤال وقع فيه عن التسبيح، قاله فى التذكرة، و قال آخر(2): فانا نقول بموجبها، لان الفريضة صادقة بالواجب التخييرى، و لا ريب ان الواحدة تعد ذكرا، فيجب تخييرا جمعا بين الأخبار.

و منها: الخبر الثامن، و فيه اما لان الاجزاء حكم يترتب على الاتيان بالمامور به على وجهه، سواء كان واجبا اوند با، قاله بعضهم(3)، و اما لان المسئول عنه ما يجزى من القول فى الركوع و السجود، و لا دلالة فيه على تحتم ذلك، قاله آخر(4).

ص: 57


1- و هو الشيخ (منه).
2- جامع المقاصد (منه).
3- و هو المختلف (منه).
4- و هو جامع المقاصد (منه).

و منها: الخبر الحادى عشر، و فيه ان السؤال وقع عن اخف التسبيح، قاله فى التذكرة، و فى الذخيرة: لا دلالة فيها على عدم اجزاء غير التسبيح، و قوله: اخف محمول على مرتبة يكون لها فضيلة ما، جمعا بينه و بين ما دل على جواز الاقتصار على اقل مما ذكر فيه. و فى الرياض: لا صراحة فيها بان ذلك اخف الواجب، فيحمل على اخف المندوب، فانه اعم منهما، اذ لم يبين فيه الفرد المنسوب اليه الا خفية.

و منها: الخبر السادس عشر، و فيه المنع بان المراد من الجعل هو الوجوب، قاله بعضهم.

و منها: جملة من الأخبار التى تقرب تلك الأخبار. و الذى يقتضيه الانصاف، انه وقع التعارض بين هذه الأخبار و الأخبار الدالة على المذهب المنصور، و دلالة الأخبار الدالة على المختار اقوى من دلالة تلك الأخبار، فلا بد من العمل بها، و حمل ما يخالفها اما على الاستحباب، كما صنعه بعضهم، او على الوجوب التخييرى كما صنعه آخر.

و قال آخر: المستفاد من اخبار المسئلة بعد ضم بعضها مع بعض، ان الاصل فى ذكر الركوع و السجود هو التسبيح، و ان غيره من الأذكار مجز عنه، و يمكن ان ينزل على هذا كله، كل من عين التسبيح بارادتهم كونه الاصل، و ان ذكر بعضهم انه لا صلوة لمن لا يسبح، لاحتمال ارادته نفى الصلوة مع عدم التسبيح و بدله، ا لا ترى الى الصدوق انه قال فى الامالى: انه من دين الامامية الا قرار بان القول فى الركوع و السجود ثلاث تسبيحات. الى ان قال: و من لم يسبح فلا صلوة له، الا ان يهلل او يكبرا و يصلى على النبى (ص) بعدد التسبيح، فان ذلك يجزيه. و على هذا فلا خلاف - و الحمد لله -، انتهى.

و فيه ان الجمع المذكور محتمل جدا، و لكن جعل النزاع لفظيا دونه خرط القتاد، هذا اذا اوجبنا الجمع بين الأخبار، و الا فالامر اظهر، فلا نحتاج الى الجواب عن الأخبار بنحو ما عرفته. فان جملة منه لا تخلو عن بعد، نعم، جملة منه قريب سيما حمل الأخبار المتضمنة للاوامر على الاستحباب. و بالجملة، الاظهر من الأخبار هو اجزاء مطلق الذكر، و ان كان الاحوط هو التسبيح.

تذنيبان:
اشارة

ص: 58

الأول: على القول بكفاية مطلق الذكر،

كما هو المختار، فهل يكفى مطلقه، و لو مقدار تسبيحه صغرى، ككلمة لا اله الا الله وحدها، كما هو ظاهر معظم القائلين بكفاية مطلق الذكر، و الخبر الأول و ما ضاهاه، و بذلك صرح بعضهم(1)، ام يتعين منه مقدار ثلاث صغريات، او واحدة كبرى، كما هو ظاهر الصدوق فى الامالى، و قد تقدم نقل كلامه، و اختاره بعض متاخرى المتأخرين(2)، و هو الظاهر من الخبر الثالث و الرابع، و لو فى الجملة؟ وجهان: ينشآن من اعتضاد اطلاق النص بالشهرة العظيمة فالأول: فينبغى حمل الخبرين على الاستحباب، و من ان الخبرين خاصان، و الخاص حاكم على العام، و مقدم عليه، خصوصا اذا اعتضد بكلام الامالى، الذى جعله الصدوق من دين الامامية فالثانى، و امر الاحتياط واضح.

الثانى: قيد الجماعة الذكر بالمتضمن للثناء عليه تعالى،

الثانى: قيد الجماعة(3) الذكر بالمتضمن للثناء عليه تعالى، و اطلقه اخرى(4)، و لا يخلو عن قوة، كما صرح به بعضهم، لمكان اطلاق النص المقتضى لاجزاء كلما صدق عليه ذكر الله، و ان كان الاحوط هو مراعاة الأول، بل يمكن ارجاع الكلامين الى شئ واحد، و جعل النزاع لفظيا، و كيف كان، فالاقوى هو اجزاء مطلق ذكر الله، نعم، قد عرفت فى عبارة الامالى، انه انما ذكر التكبير و التهليل و الصلوة على النبى (ص)، و مقتضاه كفاية الصلوة على النبى بعدد التسبيح فقط، و الاحوط عدم الاقتصار عليه، بل الاتيان بذكر الله، كما هو ظاهر النص.

فروع:
الأول: اختلف القائلون بوجوب التسبيح فى اقل ما يجزى منه على اقوال:
الأول: هو قول: سبحان ربى العظيم و بحمده، ثلاث مرات،

و قد حكاه التذكرة عن بعض علمائنا.

الثانى: الصورة بحالها، و لكن مرة واحدة،

و هو المحكى عن الشيخ فى النهاية، و

ص: 59


1- و هو بعض مشايخنا (منه).
2- و هو صاحب الرياض (منه).
3- و هو الحلى و العلامة فى المختلف و الشهيد الثانى و السيورى فى التنقيح و المحقق الثانى على ما حكى عنهم (منه).
4- و هو التحرير و التذكرة و القواعد و لروضة و الحبل المتين و الكفاية و المفاتيح و الرياض على ما حكى عنهم (منه).

الديلمى(1).

أقول: و لم اجد كتاب الديلمى، و لكن قال الشيخ فى النهاية هكذا: و اقل ما يجزى من التسبيح فى الركوع تسبيحه واحدة، و هو ان يقول: سبحان ربى العظيم و بحمده، و الا فضل ان يقول ثلاث مرات، و ان قاله خمسا او سبعا كان افضل، و ان قال ثلاث مرات: سبحان الله اجزاه ايضا، و ان قال بد لا من التسبيح: لا اله الا الله، الذاكر جايزا، و هذه العبارة كما ترى تنافى النسبة من وجهين، نعم، قال فى المصباح هكذا: ثم يقول سبع مرات: سبحان ربى العظيم و بحمده، او خمسا او ثلاثا، و الاجزاء يقع بمرة واحدة، ثم يرفع راسه.

الثالث: وجوب الثلاث على المختار، و الواحدة على المضطر

ما نقله بعضهم عن الحلبى، قال فى المختلف و الذكرى على ما حكى: و ابو الصلاح اوجب الثلاث على المختار، و على المضطر واحدة، و فى المهذب القول الثانى، ثلاث كبر على المختار، و واحدة على المضطر، و هو مذهب الحسن و التقى، و فى المدارك:

و نقل عن ابى الصلاح اوجب التسبيح ثلاث مرات على المضطر، و قال: افضله سبحان ربى العظيم و بحمده، و يجوز سبحان الله، و ظاهره ان المختار لو قال: سبحان ربى العظيم ثلاثا كانت واجبة. و فى الذخيرة قال الشهيد رحمه الله: و ظاهره ان المختار لو قال:

سبحان ربى العظيم و بحمده، ثلاثا كانت واجبة، يعنى التخييرى، انتهى.

الرابع: كفاية مطلق التسبيح،

حكاه فى الذخيرة، و المهذب عن الانتصار، قال السيد فيه: و مما ظن انفراد الامامية، القول بايجاب التسبيح فى الركوع و السجود، الى ان قال: و الذى يدل على وجوبه بعد اجماع الطائفة كل آية من القرآن، الى ان قال: و مخالفونا يروون عن النبى (ص) انه لما نزل «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ» قال (ع): اجعلوها فى ركوعكم، و لما نزل «سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى» قال (ع): اجعلوها فى سجودكم. و ظاهر الامر على الوجوب، انتهى.

و فى دلالة هذه العبارة على المعنى المنسوب الى الكتاب المذكور نوع تامل، و نسب بعضهم ما نسب الى الانتصار الى ظاهر الغنيه و الخلاف ايضا، قال: و ظاهره دعوى الاجماع، عليه.

ص: 60


1- و عن الديلمى انه قال: تقول سبحان ربى العظيم و بحمده ثلثا و الخمس افضل و الواحدة واجبة، انتهى (منه).
الخامس: التخيير بين واحدة كبرى و ثلاث صغريات،
اشارة

و هى سبحان الله، و هو المحكى عن الجماعة، و منهم ظاهرا بنى بابويه، على ما حكاه فى المهذب و المدارك، و منهم المحقق و الشهيد، و ظاهر التهذيب، قال الصدوق فى الفقيه ثم قال: سبحان ربى العظيم و بحمده، ثلاث مرات، و ان قلتها خمس فهو احسن و ان قلتها سبعا فهو افضل، و يجزيك ثلاث تسبيحات، تقول: سبحان الله سبحان الله سبحان الله، و تسبيحة تامة(1) تجزى للمريض و المستعجل، للقول الأول جملة من الأخبار.

منها: الخبر الثالث عشر، و الرابع عشر، و السابع عشر.

و منها: الخبر الخامس عشر، و التقريب ان المراد من نقص الصلوة فساده.

و منها: رواية حماد الطويلة.

و منها: صحيحة زرارة المروية فى الكافى فى باب الركوع، عن ابى جعفر عليه السلام انه قال: اذا اردت ان تركع، فقل و انت منتصب: الله اكبر، ثم اركع و قل: اللهم... و ساق الدعاء الى ان قال: سبحان ربى العظيم و بحمده، ثلاث مرات فى ترتيل، الحديث.

و منها: ما روى عن ابراهيم بن محمد الثقفى فى كتاب الغارات، عن عباية قال كتب امير المؤمنين (ع) الى محمد بن ابى بكر: انظر ركوعك و سجودك، فان النبى (ص) كان اتم الناس صلوة، و احفظهم لها، و كان اذا ركع قال: سبحان ربى العظيم و بحمده، ثلاث مرات، و اذا رفع صلبه قال: سمع الله لمن حمده اللهم لك الحمد ملاء سمواتك، و ملاء ارضك، و ملاء ما شئت من شئ، فاذا سجد قال: سبحان ربى الاعلى و بحمده، ثلاث مرات. و فيه.

اولا: ان هذه الأخبار معارضة بالاجماع المحكى عن الخلاف و هى، حيث قال الأول: اقل ما يجزى من التسبيح فيهما تسبيحه واحدة، و ثلاث افضل من الواحدة و قال داود و اهل الظاهر: الثلاث فرض، دليلنا اجماع الفرقه، و قال الثانى:

يستحب ان يقول فى ركوعه: سبحان ربى العظيم و بحمده، و فى السجود: سبحان

ص: 61


1- و التسبيحة التامة هى سبحان الله و يحتمل الكبرى و ان كان بعيدا (منه).

ربى الاعلى و بحمده، ذهب اليه علماؤنا اجمع، و الاجماع المحكى اولى بالترجيح لمكان الشهرة العظيمة، التى لا يبعد معها دعوى شذوذ هذا القول، بل هو شاذ بلا ريبة.

و ثانيا: انها معارضة بالأخبار الكثيرة، منها الخبر السابع، و الثامن، و التاسع، و العاشر، و الحادى عشر، و الثانى عشر. و ما رواه الصدوق فى كتاب الهداية فى باب الركوع و السجود مرسلا عن الصادق (ع) انه قال: سبح فى ركوعك ثلاثا تقول: سبحان ربى العظيم و بحمده، ثلاث مرات، و فى السجود سبحان ربى الاعلى و بحمده ثلاث مرات، لان الله عزّ و جلّ لما انزل على نبيه (ص) «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ *» قال النبى (ص):

اجعلوها فى ركوعكم، فلما، انزل الله «سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى» قال: اجعلوها فى سجودكم، فان قلت: سبحان الله سبحان الله اجزاك(1)، و تسبيحة واحدة تجزى للمعتل و المريض و المستعجل، الى غير ذلك من الأخبار، و لا ريب انها مقدمة.

و ثالثا: انها مع قطع النظر عن سند بعضها، بحسب الدلالة غير مقاومة للاخبار المخالفة، كما لا يخفى عليه من له ادنى دربة.

و رابعا: ان هذا القول لو كان حقا لكان الواجب ان يشتهر، لمكان توفر الدّواعى و مسيس الحاجة، و التالى باطل، فكذا المقدم، فليحمل الأخبار الدالة عليه على الاستحباب كما يومى اليه بعضها.

و للقول الثانى الخبر السابع، و الخبر الخامس عشر، و التقريب فيه ان المراد من قوله (ع): من لم يسبح المذكور فى الرواية.

و فيه اولا: ان القائل به نادر، مع ان المستفاد من عبارة المنتهى دعوى الاجماع على خلافه، و فى التذكرة يستحب ان يقول ثلاث مرات. سبحان ربى العظيم و بحمده، اجماعا.

و اما ثانيا: فلان كلمة «و بحمده» غير موجود فى الخبر السابع، فلا ينطبق على المدعى، كما ان كلمة «لم يسبح» عام، فلا وجه للتخصيص، فتدبر.

ص: 62


1- و فى نسخة الهداية التى عندى ذكر سبحان الله مرتين و لكن روى تلك الرواية بعض الاجلاء عنها و ذكر سبحان الله ثلاث مرات (منه).

و اما ثالثا: فلان الخبر الحادى عشر و الثانى عشر المعتضدين بجملة من الأخبار السابقة صريحان فى رد هذا القول و ان اعتضد هذا القول، بما رواه الصدوق فى كتاب العلل، فى باب العلة التى من اجلها صار التكبير، فى الافتتاح سبع تكبيرات، عن على بن حاتم، عن القاسم بن محمد، عن حملان بن الحسين، عن الحسن بن الوليد عن الحسين بن ابراهيم، عن محمد بن زياد، عن هشام بن الحكم، عن ابى الحسن بن موسى عليه السلام، و ساق الحديث الى ان قال: فلما ذكر اى الرسول (ص) ما راى من عظمة الله ارتعدت فرايصه، فانبرك على ركبتيه، و اخذ يقول: سبحان ربى العظيم و بحمده، فلما اعتدل من ركوعه قائما، نظر اليه فى موضع اعلى من ذلك الموضع.

خرّ على وجهه، و هو يقول: سبحان ربى الاعلى و بحمده، فلما قالها سبع مرات سكن ذلك الرّعب، فلذلك جرت به السّنة، و بما عن كتاب الفقه الرضوى قال (ع):

فاذا ركعت فمد ظهرك، و لا تنكس راسك، و قل فى ركوعك بعد التكبير:

اللهم لك ركعت، ثم ساق الدعاء الى ان قال: بعد تمامه سبحان ربى الاعلى و بحمده ثم ساق الكلام فى السجود الى ان قال: سبحان ربى الاعلى و بحمده.

و بالجملة، هذا القول مما لا ينبغى الاعتناء به، سيما بعد ما عرفت ما نسبوه الى الشيخ فى النهاية.

و للقول الثالث الخبر الخامس عشر، و فى الكافى: و ربما كان مستنده، ثم ساق هذا الخبر، و فيه:

اولا: انه لا تصريح فى الخبر لحكم المضطر.

و ثانيا: ان معنى نقصان ثلث الصلوة و ثلثيها انما نقص ثوابها، كما لا يخفى على من له ادنى تتبع فى الأخبار، نعم، انما يدل على وجوب تسبيح واحد، و اين هذا من المدعى، نعم، كان الاظهر هو الاستدلال لهذا القول برواية الهداية المتقدمة، هذا اذا كان كلمة (سبحان الله) مذكورة فيها ثلاث مرات، كما نقله بعض الأجلاء، و لعله الاظهر، و بالجملة هذه الرواية على المذكور

ص: 63

منطبقة على القول المسطور. و فيه ان هذه الرواية مع قطع النظر عن سندها معارضة بالخبر السابع و الثامن و التاسع و العاشر، المعتضد بجملة من الأخبار، مع ندرة القائل به، بل يستفاد من المنتهى دعوى الاجماع على خلافه.

و بالجملة، لا اعتناء بشان هذا القول، و ان اعتضد بالخبر الثالث عشرو الرابع عشر، و لو فى الجملة، فليطرح البتة.

و للقول الرابع الخبر التاسع و العاشر، على ما اشار اليه فى الذخيرة، حيث قال بعد اختياره هذا القول: و استدلاله له بهما ما لفظه: فانهما دالتان على جواز الاكتفأ بواحدة، و تحمل الأخبار المعارضة لهما على الاستحباب، جمعا بين الادلة، و فيه ان الظاهر ان المراد بالواحدة هو التسبيحة الكبرى، و بالثلاث هو الصغريات، اما لان جعل كل منهما فى قالب الاجزاء يقتضى كونهما فى مرتبة واحدة، او لما يومى اليه الخبر الثامن، قال بعض الأجله بعد نقل الخبر الثامن: الظاهر ان المراد بالواحدة التامة التسبيحة الكبرى، و بالثلاث الصغريات، فان جعل كل منهما فى قالب الاجزاء يقتضى كونهما فى مرتبة واحدة، انتهى. هذا مضافا الى النصوص المانعة عن ثلاث صغريات. و بالجملة الذى يظهر من النصوص بعد ضم بعضها الى بعض هو القول الخامس، و ذلك لان الخبر السابع و الثامن و التاسع و العاشر المعتضد بجملة من الأخبار، يدل على اجزاء التسبيحة الكبرى، و الخبر الثامن الى الخبر الرابع عشر و رواية الهداية المعتضدة بغيرها، يدل على اجزاء الصغرى ثلاثا. فاذن المعتمد عندى على القول بتعيين التسبيح هو القول الخامس، و الله هو العالم.

تذنيبان:
الأول: اذا اختار التسبيحة الكبرى،

فهل يجب الاتيان بلفظة و بحمده كما عن الجماعة ام لا؟ كما ذهب اليه جماعة أخرى، وجهان: من خلو بعض النصوص عنها فالثانى، و من اثباتها فى اخرى فالأول، و القول بالاستحباب هو الاوجه، و عن التحرير اسنده الى الاصحاب مؤذنا بدعوى الاجماع، و فى الذخيرة:

ص: 64

و لا يخفى ان مقتضى هذه الرّواية اى رواية الحضرمى استحباب سبحان ربى العظيم و بحمده، و نقل فى المنتهى اجماع الاصحاب عليه، انتهى. و ان كان الاحوط هو الأول.

الثانى: يجزى الاتيان بواحدة صغرى فى حال الضرورة،

و عن المنتهى دعوى الاجماع عليه.

الفرع الثانى: قال فى الجعفرية: و يجب فى المذكور الموالاة و كونه بالعربية مع الامكان،

و ترتيبه و فى شرحها بعد ذكر الموالاة، يعنى تتابع الفاظه عرفا تأسيّا بالنبى (ص)، فلو سكت فى اثنائه سكوتا يخرجه عن الحد المتعارف بطل، انتهى. و كان الاجود له الاستدلال لذلك بالعمل بالمتبادر من الأخبار، و قال ايضا بعد ذكر العربية: لعموم قوله (ع): صلوا كما رايتمونى اصلى، و وجوب التأسى، فلو اتى بالترجمة مع قدرته على العربية بطل، انتهى.

و فى الاستدلال نظر، و ان كان الاحوط هو ما حكما به، قال: و تجوز الترجمة مع الاضطرار، ثم يجب التعلم، و يجب فيه مراعاة الاعراب.

الثالث: قال فى الحبل المتين: و معنى سبحان ربى العظيم و بحمده،

انزه ربى عن كل ما لا يليق بعز جلاله تنزيها، و انا متلبس بحمده على ما وفقنى له من تنزيهه و عبادته، كانه لما اسند التسبيح الى نفسه خاف ان يكون فى هذا الاسناد نوع تبجّح، بانه مصدر لهذا الفعل، فتدارك ذلك بقوله: و انا ملتبس بحمده، على ان صيرنى اهلا لتسبيحه، و قابلا لعبادته، على قياس ما قاله جماعة من المفسرين فى قوله تعالى حكاية عن الملائكة: «وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ» فسبحان مصدر بمعنى التنزيه، كغفران، و لا يكاد يستعمل الا مضافا منصوبا بفعل مضمر كمعاذ الله، و هو هنا مضافا الى المفعول، و ربما جوز كونه مضافا الى الفاعل، و الواو فى و بحمده حالية، و ربما جعلت عاطفة، و سمع الله لمن حمده، بمعنى استجاب لكل من حمده، و عدى باللام لتضمنه مع الاصغاء و الاستجابة، و الظاهر انه دعاء، لا مجرد ثناء كما يستفاد مما رواه المفضل عن الصادق (ع)، قال: قلت

ص: 65

له: جعلت فداك علمنى دعاء جامعا فقال: احمد الله، فانه لا يبقى احد يصلى الا دعالك، يقول: سمع الله لمن حمده، انتهى كلامه، رفع فى الخلد مقامه.

فى وجوب الطمأنينة فى الركوع
اشارة

(و) يجب فيه (الطمأنينة) اجماعا، كما فى التذكرة و عن الناصريات و الغنية و التحرير و المنتهى و غيرها: و كفى بذلك حجة، مضافا الى ما ذكره فى الذكرى:

روى ان رجلا دخل المسجد و رسول الله (ص) جالس فى ناحية، فصلى ثم جاء فسلم عليه، فقال (ع): و عليك السلام ارجع فصل، فانك لم تصل، فرجع فصلى، ثم جاء فقال له مثل ذلك، فقال له الرجل فى الثالثة: علمنى يا رسول الله (ع)، فقال: اذا قمت الى الصلوة فاسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، ثم اقر ما تيسر، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تستوى قائما، ثم افعل ذلك فى صلوتك كلها.

و روى ثقة الاسلام فى الكافى فى باب من حافظ على صلوته فى الصحيح على الصحيح، لمكان ابراهيم عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، قال: بينا - رسول الله (ص) جالس فى المسجد اذ دخل رجل فقام يصلى، فلم يتم ركوعه و لا سجوده، فقال (ص): نقر كنقر الغراب، لئن مات هذا و هكذا صلوته، ليموتن على غير دينى.

و عن البرقى انه روى فى المجالس عن ابن فضال، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة نحوه. و قد جعله بعض الأجلاء، من الادلة، و الاجود جعله من المعاضدات.

و عن الخلاف الاجماع على ركنيتها، و عن المنتهى بعد نقل الركنية عنه: ان عنى بها ما بيناه فهو فى موضع المنع على ما سياتى من عدم افساد الصلوة بتركه سهوا، و ان اطلق عليه اسم الركن بمعنى انه واجب اطلاق الاسم الكلّ على الجزء فهو مسلم، انتهى، و هو حسن.

(بقدره) اى، بقدر الذكر الواجب اجماعا على الظاهر المحكى عن الجماعة و منهم التحرير و المنتهى، و كفى بذلك حجة، و فى جامع المقاصد: اذ لا يعتد به.

اى بالذكر الواجب من دونها اى الطمأنينة عندنا، انتهى.

ص: 66

و اما الاستدلال لذلك، بان الذكر الواجب يتوقف عليه، ففيه انه انما يتم اذا لم يزد فى الانحناء على قدر الواجب، و الا فيمكن الجمع بين مسمى الطمأنينة و الذكر، حين الرّكوع مع عدمه.

و ينبغى التنبيه لامور:
الأول: الطمأنينة، بضم الطاء و سكون الهمزة بعد الميم، هى سكون الاعضاء و استقرارها،

و ان شئت قل: هى السّكون حتى يرجع كل مستقره و ان قل، قيل و عن بعض، و هو معنى قول النبى (ص) فى الخبر المروى فى قرب الاسناد للحميرى: اذا ركع فليتم ركوعه.

الثانى: لو كان مريضا لا يتمكن من الطمأنينة سقطت عنه بلا خلاف،
اشارة

كما ذكره بعض الأجلاء، و لا اشكال، لان الضرورات تبيح المحذورات، و ما غلب الله عليه فهو اولى بالعذر، انما الخلاف فى انه لو تمكن من مجاوزة الانحناء اقل الواجب، و الابتداء بالذكر عند بلوغ حده، و اكماله قبل الخروج عنه، فهل يجب ذلك كما عن بعض، و استحسنه فى الذخيرة، و جعله فى المدارك اولى، ام لا؟ كما عن آخر، و استقر به الشهيد فى الذكرى، حيث قال: بعد ذكر الطمأنينة اولا و يجب كونها بقدر الذكر الواجب، لتوقف الواجب عليها، و لا يجزى عن الطمأنينة مجاوزة الانحناء القدر الواجب، ثم العود الى الرفع مع اتصال الحركات، لعدم صدقها حينئذ، نعم، لو تعذرت اجزء زيادة الهوى، و يتبدى بالذكر عند الانتهاء الى حد الراكع، و ينتهى بانتهاء الهوى، و هل يجب هذا الهوى لتحصيل الذكر فى حد الراكع؟ الاقرب لا للاصل، فحينئذ يتمّ الذكر رافعا راسه، انتهى.

أقول: قد ظهران دليل الشهيد هو الاصل، و للاول ان الذكر فى حال الركوع واجب، و الطمأنينة واجبة اخرى، و لا يسقط احد الواجبين بسقوط الاخر، و القول الأول هو الاجود، مع كونه احوط.

تذنيب:

قال فى الرياض: قد تقدم انه لو امكن ايقاعه اخذا فى الزيادة عن اقل

ص: 67

الراكع و راجعا اليه وجب، و لو امكنه فعله راكعا متزلزلا و نازلا على ذلك الوجه قدم اقلهما حركة، فان تساويا تخير، فان تعذر به اتى به رافعا، انتهى.

الثالث: يجب الاتيان بالذكر الواجب بعد بلوغه حد الراكع،
اشارة

كما صرح به الجماعة، بل لم اجد فيه مخالفا، و استظهر بعض مشائخنا عدم الخلاف فيه. و عليه فلو شرع فى الذكر الواجب قبل بلوغه حد الراكع، لم يجزئه، و ان اتمه بعد بلوغه ذلك، و هل تفسد بذلك صلوته كما هو ظاهر اطلاق التذكرة، حيث قال:

يجب ان ياتى بالذكر فى الطمأنينة، فلو شرع فيه قبل انتهائه فى الهوى الواجب، او شرع فى الرفع قبل اكماله بطلت صلوته، ام لا؟ وجهان: و التحقيق هو التفصيل بان يقال: ان اتفق ذلك سهوا وجب عليه التدارك بعد بلوغه حد الراكع، لمكان الاصل، و الاطلاقات، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، قيل(1): و لا يبعد دعوى عدم الخلاف، فيما ذكرناه، و لعلّ عبارة التذكرة غير منصرفة الى محل البحث، انتهى. و ان اتفق ذلك سهوا، و تفطن بعد بلوغه حد الراكع، فلم يتداركه اصلا، بطلت صلوته. كما قاله غير واحد، لعدم اتيانه بالمأمور به على وجهه، و كذا لا بد من الحكم بالفساد، اذا اتفق ذلك عمدا، و لم يتداركه اصلا، و انما الاشكال فيما لو اتفق عمدا و تداركه حين الركوع، فمقتضى اطلاق جامع المقاصد و الجعفرية هو الفساد، و اختاره فى الرياض، و هو الظاهر من شرح الجعفرية. و يستفاد من جملة من العبائر الصحة.

قال فى الدروس: لو اتى بالذكر قبل اكمال الهوى، او اتمه بعد رفعه عامدا بطل، فان تداركه صح، ما لم يخرج عن حد الراكع.

و عن الذكرى: و يجب ان ياتى بالذكر الواجب حال طمأنينة، فلو شرع فيه قبل الطمأنينة او اتمه بعدها عامدا بطلت صلوته، الا ان يعيده، حيث يمكن العود.

و فى القواعد: و لو شرع فى الذكر الواجب قبل انتهاء الركوع، او شرع فى النهوض قبل اكماله عامدا، و لم يعده، بطلت صلوته.

ص: 68


1- و هو بعض مشائخنا (منه).

و فى الذخيرة: و لو اتى بالذكر من دون اكمال الهوى، او رفع قبل اكماله، فان تداركه صح، كما صرح به المصنف و الشهيد رحمه الله، و يتحقق التدارك فى الاخير بالاتيان به مطمئنا قبل الخروج عن حد الراكع، و منعه الشارح الفاضل استنادا الى كون ذلك منهيا عنه، و فيه منع، انتهى.

أقول: و المسئلة عندى محل اشكال، ينشأ من الاطلاقات، و عموم قوله (ع):

لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، فالصحة. و من عموم قوله (ع): من زاد فى صلوته فعليه الاعادة، فالفساد. و الاحوط هو التدارك، و اتمام الصلوة ثم اعادتها.

تذنيبان:
الأول: لو شرع فى الذكر الواجب و هو ناهض، لم يجزئه اذا حصل تمامه بعد خروجه عن مفهوم الركوع ان كان عمدا،

لعدم اتيانه بالمامور به على وجهه، فصلوته باطلة، و ان كان ذلك سهوا، فهو كمن سها عن الذكر راسا.

الثانى: الصورة بحالها، و لكن اتمه قبل خروجه عن حد الراكع،

فهل يفسد بذلك صلوته، كما هو ظاهر التذكرة ام لا؟ وجهان: و الحق هو التفصيل، بان يقال ان فعل ذلك عمدا و لم يتدارك حتى خرج عن حد الراكع، فصلوته فاسدة، لعدم اتيانه بالمامور به على وجهه، فان فعله عامدا و تداركه قبل الخروج عن حد الراكع، فظاهر المحقق الثانى هو الفساد، و يستفاد من جملة من العبائر الحكم بالصحة، و المسئلة محلّ تردد، و مراعاة الاحتياط بنحو ما تقدم اولى، و ان فعل ذلك سهوا، و تذكر قبل الخروج عن حد الراكع، وجب التدارك على الوجه المعتبر، فان اخل حينئذ به فالظاهر بطلان الصلوة، قاله المحقق الثانى فى جامع المقاصد، قال: مع احتمال الاجزاء بالمأتى به هنا لأن الناسى معذور، انتهى. و ان لم يتذكر حتى خرج عن حد الراكع مضى فى صلوته، كما صرح به فى جامع المقاصد، لعموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره و الاطلاقات.

(و) يجب (رفع الراس منه)، اى من الركوع اجماعا على الظاهر المحكى عن الجماعة، و يدل عليه بعد ذلك الخبر المتقدم فى طمأنينة الركوع، و ما رواه فى

ص: 69

الكافى فى باب الركوع، و ما يقال فيه عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، قال:

اذا رفعت راسك من الركوع فاقم صلبك، فانه لا صلوة لمن لا يقيم صلبه. و عن الفقه الرضوى: و اذا رفعت راسك من الركوع فانتصب قائما، حتى ترجع مفاصلك كلها الى المكان، ثم اسجد. و فى رواية حماد الطويلة: ثم استوى قائما، فلما استمكن من القيام، قال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر و هو قائم، و رفع يديه حيال وجهه، ثم سجد، الحديث.

و اما ما نقله فى غاية المرام عن الموجز، حيث قال: لا تبطل المندوبة الا كلما تبطل المكتوبة خمسة اشياء.

الأول: ترك السورة عمدا.

الثانى: ترك رفع الراس من الركوع، قاله فى الموجز.

الثالث: ترك الطمأنينة فى رفع الراس من الركوع.

الرابع: الشك فى الاوليين.

الخامس: زيادة الركن سهوا، و لا يحرم قطعها بخلاف المكتوبة، انتهى.

فممّا لا يعتنى به لمخالفته لاطلاق النص و الفتوى.

في وجوب الطمأنينة قائما
اشارة

(و الطمأنينة قائما) بلا خلاف، قاله غير واحد، بل عن الجماعة عليه الاجماع، و يدل عليه بعد ذلك جملة من الأخبار المتقدمة، و عن الشيخ فى الخلاف القول بركنيتها مدعيا عليه الوفاق، ورد بقوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره و كيف كان، فالمشهور على خلافه، بل لعلّه شاذ، و سياتى فى مقامه اليه الاشارة ان شاء اللّه.

فروع:
الأول: لاحد لهذه الطمأنينة،

بل يكفى مسماها، و هو ما يحصل به الاستقرار و السكون بلا خلاف اجده، و يدل عليه عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و الاطلاقات.

الثانى: لا فرق فى ذلك بين الفريضة و النافلة

ظاهر الأخبار ككلام الاصحاب، انه لا فرق فى ذلك بين صلوتى

ص: 70

الفريضة و النافلة، خلافا للمحكى عن المصنف رحمه الله فى نهاية الاحكام، حيث قال: لو ترك الاعتدال فى الرفع من الركوع او السجود فى صلوة النفل عامدا لم تبطل صلوته، لانه ليس ركنا فى الفرض، فكذا فى النفل، و اختاره فى التذكرة ايضا، حيث قال: لو ترك الاعتدال عن الركوع و السجود فى صلوة النفل صحت صلوته، و يكون قد ترك الافضل.

و للشافعية وجهان: و فيه ما ترى، مع انا لم نسمع موافقا له من الاصحاب، الا ما تقدم فى نقل كلام غاية المرام، و الظاهر ان قولهما هذا متروك، و الحق هو العموم، قال بعض الأجلاء: جميع ما يجب فى الفريضة فهو شرط فى صحة النافلة، فلا معنى للتخصيص بهذا الموضع، الا ان يمنع وجوبه فى الفريضة، و هو - اى العلامة - لا يقول به، بل صرح فى جميع كتبه بخلافه، نعم، خرج من ذلك السورة على القول بوجوبها فى الفريضة، بدليل خاص، و غيرها يحتاج الى دليل، و ليس. و قوله: انه ليس ركنا الى آخره، مزيف لا معنى له عند المحصل. و قال فى الدروس: لو ترك الطمأنينة عمدا فى النافلة، فالوجه البطلان، و كذا ترك كل ما يبطل الفريضة، الا السورة و الشك فى العدد، و الزيادة سهوا، و ان كان ركنا على الظاهر، انتهى.

أقول: و كان له استثناء القيام ايضا، لما مر فى موضعه فى كتابه.

الثالث: قال فى جامع المقاصد: و يجب ان لا يطيلها بحيث يخرج عن كونه مصليا،

و فى الذكرى حكى عن بعض متاخرى الاصحاب انه لو طولها عمدا بذكر او قراءة بطلت صلوته، لانها واجب قصير، فلا يشرع فيها الطويل، ثم رده بالأخبار الدالة على الحث على ذكر الله و الدعاء فى الصلوة من غير تقييد بمحل مخصوص، و كلامه متجه، و يلوح من كلام المبسوط الأول، انتهى.

و فى الدروس بعد حكمه باستحباب التسميع بعد الانتصاب، و ذكر بعض الادعية المتقدمة بما لفظه: و الاقرب ان تطويل الدعاء ههنا غير مستحب، فلو فعله فالاقرب عدم البطلان، مادام اسم الصلوة.

ص: 71

فى الانحناء فى الركوع
اشارة

(و لو عجز) المصلى (عن الانحناء) الى حد الركوع، اتى بالممكن منه، قاله الجماعة، بل لم اجد مخالفا، و لهم ان الزيادة على المقدور بالنسبة اليه ممتنعة، فيكون التكليف بها منفيا، و يجب الاتيان بالمقدور، لانه بعض الواجب، و فيه ان وجوب الجزء تبعى، فاذا انتفى وجوب الكل المتبوع ينتفى وجوب التابع، و اثبات وجوب آخر بالنسبة اليه اصالة يحتاج الى دليل، قاله بعضهم، و ان شئت قل وجوب المقدمة مع انتفاء وجوب ذيها مما نفته الادلة، مع ان وجوبها وجوب عقلى بمعنى لابدية الاتيان بها، قضاء لمعنى المقدمة، و لهم ايضا قوله (ع): الميسور لا يسقط بالمعسور. و فيه ما اشرنا اليه فى المباحث السابقه، و ابسطناه فى اللمعات، على ما هو ببالى، و استدل ايضا بقوله (ع): اذا امرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم. و فيه ما ابسطناه فى اللمعات. و استدل ايضا بالاية، لان الركوع فى اللمعة بمعنى الانحناء، و لم يثبت حقيقة شرعية للفظ الركوع حتى يحمل عليه، و ما ذكره جماعة من العلماء ان الركوع حقيقه شرعية فى الانحناء الخاص، لم يثبت، فيجب مطلق الانحناء مهما امكن. قاله الشارح المحقق، ثم قال: لكن هذا الاستدلال مبنى على ان الحقيقه الشرعية اذا لم تثبت يجب حمل الكلام على المعنى اللغوى او العرفى ان ثبت، بناء على ان الاصل عدم النقل، و فى عموم هذا الحكم تأمل، و فى تفصيله متعلق بفن آخر، و مع ذلك القدر المستفاد من هذا الدليل وجوب مطلق الانحناء لا الانحناء بحسب الممكن، فلا يتم الاستدلال بمجرد الاية على المدعى، انتهى.

أقول: يرد فى اصل الاستدلال بالاية، ان المراد من لفظ اركعوا اما المعنى الشرعى او اللغوى او كلاهما، فعلى الأول لا يتم الاستدلال به هنا، كالمعنى الثالث، للزوم استعمال اللفظة الواحدة فى معناها الحقيقى و المجازى، و فيه ما سمعته فى الاصول، و على الثانى ايضا لا يتم الاستدلال به، اذ الامر دائر بين تقييده الى الفرد النادر، و بين القول بان المراد منه بالنسبة الى العاجز عن الانحناء الى حد الركوع شئ، و بالنسبة الى غير العاجز شئ آخر، و دونهما

ص: 72

خرط القتاد.

و بالجملة الاستدلال بالاية هنا محل اشكال، فاتمام المسئلة بتلك الادلة فيه ما فيه و الاحتياط فيها مطلوب جدا، سيما بعد عدم ظهور خلاف فيها، بل ظهور العدم، اذ لم اعثر على مخالف، و لا نقل خلاف، مع ان ديدنهم فى الكتب الاستدلالية ما تعرفه.

هنا امران:
الأول: لو امكنه الانحناء الى أحد الجانبين،

فعن ظاهر المبسوط الوجوب و اختاره فى التذكرة.

الثانى: لو افتقر الى ما يعتمد عليه فى الانحناء وجب،

كما صرح فى التذكرة و لو بعوض، كما صرح فى جامع المقاصد و الرياض، توصلا الى الواجب بحسب المقدور، و لو عجز عن الانحناء اصلا، و لو بالاعتماد على شئ (اوماء) براسه ان امكن، و الا فبعينيه بلا خلاف، قاله بعض الاجلة. و قد تقدم فى بحث القيام رواية ابراهيم الكرخى و غيرها، مما يعينك هنا فلا وجه للاطالة.

و الراكع خلقة او لعارض يزيد انحناءا يسيرا)
اشارة

(و الراكع خلقة)، او لعارض كالمرض، (يزيد) انحناء (يسيرا) وجوبا عند المصنف هنا، و فى القواعد و ظاهر التحرير، و المحقق فى الشرايع، و الشهيدين و المحقق الثانى و غيرهم(1)، و استحبابا على قول اختاره المحقق فى التحرير، كما عن الشيخ رحمه الله، و هو الظاهر من التذكرة، للاول ان الفرق بين القيام و الركوع واجب، اذ هو المعهود من صاحب الشرع الفرق بينهما، و لا دليل على السقوط، و قوله (ع): فاتوا منه ما استطعتم، و للثانى ما ذكره فى التذكرة و المدارك، ان ذلك حد الركوع فلا يلزمه الزيادة.

أقول: مرجع هذا الدليل هو الاصل، و هذا القول اى القول بعدم الوجوب هو الاقرب، لمكان الاصل و الاطلاقات، و لكن الاحتياط مما ينبغى تركه البتة.

فرعان:
اشارة

ص: 73


1- و هو صاحب الذخيرة (منه).
الأول: قال فى جامع المقاصد: لو امكن نقص الانحناء حال القيام باعتماد و نحوه تعين قطعا،

فيجزى ذلك الانحناء للركوع حينئذ، لحصول الفرق و اختاره الشارح الفاضل فى الرياض، و لا يخلو عن اشكال، لما مر فى بحث القيام، و ان كان الاحوط لعله ما ذكراه فتأمل جدا.

الثانى: لو كان انحناؤه الضرورى الى اقصى مراتب الركوع،

بحيث لو زاد يسيرا خرج عما يعد ركوعا، سقط اعتبار الفرق، محافظة على الركن، قاله فى الرياض، و تردد فيه فى جامع المقاصد، و الحق الأول.

(و ينحنى طويل اليدين) و قصيرهما و مقطوعهما (كالمستوى)، بلا خلاف اجده، بل استظهر فى الذخيرة عدم الخلاف، قيل(1) المستفاد من كلماتهم انه مما لا خلاف فيه انتهى، حملا للاوامر على الغالب، و لمكان الاستقراء،

و تسقط الطمأنينة مع العجز
اشارة

(و تسقط الطمأنينة مع العجز) بلا خلاف اجده، و قد سبق ما يفى ببيانه.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: قال فى جامع المقاصد: قوله فان افتقر الى ما يعتمد عليه، وجب،

يعود الى الطمأنينة و الرفع جميعا، اى فان لم يقدر على الطمأنينة الا بالاستعانة بشئ يعتمد عليه وجب ذلك، من باب المقدمة، و لو افتقر الى عوض وجب بذله، و ان زاد عن ثمن المثل اذا كان مقدورا، ما لم يضر بحاله، و كذا القول فى الرفع اذا لم يقدر عليه الا بالاعتماد، و لو افتقر فى طمأنينته الى ذلك فكذلك، انتهى.

و هو جيد.

و فى المدارك قوله: و لو افتقر فى انتصابه الى ما يعتمده وجب، لا ريب فى وجوب تحصيله و لو بالاجرة من باب المقدمة، كما فى مطلق القيام.

الثانى: لو سقط المصلى و وقع على الأرض بغير اختياره بعد القراءة و قبل الركوع، اعاده اجماعا،

قاله فى شرح الجعفرية: لعدم اتيانه بالمامور به على وجهه.

الثالث: الصورة بحالها، و لكن كان السقوط بعد الركوع و قبل طمأنينته،

ص: 74


1- و هو بعض مشايخنا (منه).

فهل يجزى كما عن المحقق، و استقواه فى الجعفرية ام لا؟ كما فى شرحها. قال يقوم حينئذ منحنيا الى حد الراكع، تحصيلا لما فات من الطمأنينة.

فى المسئلة اشكال، كما فى الدروس و التحرير و التذكرة، قال فى الاخير: لو ركع و لم يطمئن فسقط، احتمل اعادة الركوع، لعدم الاتيان به على وجهه، و عدمها لان الركوع حصل، فلو اعاد زاد ركوعا.

الرابع: الصورة بحالها، و لكن كان بعد الركوع و الطمأنينة معا،

فهل يجزى كما فى الدروس و الجعفرية و التحرير و غيرها عن الشيخ(1)؟ ام لا كما فى التذكرة و غيرها؟ وجهان: للاول ما ذكره فى التحرير: ان محل القيام قد فات فلا يحتاج اليه، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و اطلاق الامر بالصلوة، و للثانى ما ذكره فى شرح الجعفرية: ان الانتصاب عن الركوع كان واجبا عليه، و الاصل بقاء ذلك. و لا نسلم ان السقوط المذكور مسقط له، و انه قد فات محله، انتهى.

و فى التذكرة: و لو منعه العلة عن الانتصاب سجد، فان زالت العلة قبل بلوغ جبهته الأرض فانه يرفع و ينتصب و يسجد، لزوال العلة قبل الشروع فى الركن.

و فى المبسوط: يمضى فى صلوته، و ليس بجيد، لان الانتصاب و الطمأنينة واجبان، و ان زالت بعد الوضع سقط، لانه شرع فى السجود، انتهى.

أقول: و المسئلة محلّ اشكال، اذ كما يمكن تقوية الثانى بما ذكره فى شرح الجعفرية و غيرها، كذا يمكن تقوية القول الأول، بان ما دل على وجوب الرفع لا ينصرف الى محلّ البحث. و عليه فالاصل الذى ادعاه فى شرح الجعفرية فيه نوع مصادرة، كالاصل الذى يدعى للقول الثانى، بانه قبل زوال العذر لم يكن واجبا، بل كان عنه ساقطا، فكذا بعده، لان المفروض انه بعد لم يسجد، و يمكن له القيام، و ذلك(2) اذا لسقوط بعد لم يتحقق، و انما يتحقق اذا تجاوز عن المحل يقينا، و العذر باق، و لعل القول الأول لا يخلو عن قوة، و الاحتياط فى المقام

ص: 75


1- فى المبسوط (منه).
2- تعليل لوجه المصادرة (منه).

مطلوب جدا.

فى التكبير للركوع
اشارة

و (يستحب التكبير له)، اى للركوع على المشهور بين الاصحاب، بل لم اجد فيه مخالفا، الا من المحكى عن العمانى، فاوجبه و الديلمى، فاوجب تكبير الركوع و السجود و القيام و القعود. و فى التذكرة: هذا التكبير ليس بواجب عند اكثر علمائنا، و اكثر اهل العلم، الى ان قال: و قال بعض علمائنا بالوجوب، و به قال اسحق و داود، عن احمد روايتان، و عن الشيخ فى المبسوط انه نقل القول بوجوب تكبير الركوع عن بعض علمائنا، و كيف كان، فالمشهور هو الاقوى لوجهين:

الأول: الاجماع المحكى فى الذكرى، حيث قال: قد استقر الاجماع على خلاف قول ابن ابى عقيل و سلار، و يعضده الشهرة العظيمة التى ادعى معها شذوذ المخالف بعض الاجلة.

الثانى: ما رواه الصدوق فى العلل فى باب علل الشرايع، و اصول الاسلام عند عبد الواحد ابى(1) محمد بن عبدوس، عن ابى الحسن على بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (ع): فان قال: فلم جعلت خمس تكبيرات دون ان تصير اربعا اوستا؟ قيل: انما الخمس اخذت من الخمس الصلوات فى اليوم و الليله، و ذلك انه ليس فى الصلوة تكبيرة مفروضة الا تكبيرة الافتتاح، فجمعت التكبيرات المفروضات فى اليوم و الليلة، فجعلت صلوة على الميت، الخبر.

و ما رواه الكافى فى باب الركوع فى الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: اذا اردت ان تركع فقل و انت منتصب: الله اكبر، ثم اركع. الحديث. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح على الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام، قال: اذا اردت ان تركع و تسجد، فارفع يديك و كبر، ثم اركع و اسجد. و فى صحيحة حماد السالفة فى وصف صلوة الصادق (ع)، انه رفع يديه حيال وجهه، و قال: اللّه اكبر، و هو قائم ثم ركع. الحديث. و الخبر الرابع، و هو قوية ابى بصير المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يتخير فى السبع ايتها شآء الى آخره، المؤيّد ببعض الأخبار المتقدم هناك، و لا ريب ان المستفاد من

ص: 76


1- ابن خ ل (منه).

هذه الأخبار - بعد ضم بعضها الى بعض - هو الاستحباب، فما عن الفقه الرضوى:

اعلم ان الصلوة ثلث وضوء، و ثلث ركوع، و ثلث سجود، و ان لها اربعة الاف حد، و ان فروضها عشرة ثلاثة منها كبار و هى تكبيرة الاحرام، و الركوع، و السجود، و سبعة صغار، و هى القراءة، و تكبير الركوع، و تكبير السجود، و تسبيح الركوع، و تسبيح السجود، و القنوت، و التشهد. لا يغنى من الجوع، اذ لا بد فى المعارضة من المقاومة.

و بالجملة، قول المخالف ساقط عن درجة الاعتبار، و يستحب كون التكبير للركوع (قائما)، لروايتى زرارة و حماد المتقدمتين فى قبيل المتن.

فرع:

فهل يجوز ان يهوى بالتكبير، كما عن الشيخ فى الخلاف، ام لا، كما هو ظاهر المتن و نحوه من العبائر؟ بل المشهور كما فى الرياض، و فى المدارك: اما استحباب كون التكبير للرّكوع فى حال القيام، فهو مذهب الاصحاب؟ وجهان ينشآن من ان المستفاد من اطلاق رواية زرارة الاخيرة المتقدمة فى قبيل المتن، و ما رواه فى التذكرة من قوله (ع): لا يتم صلوة احد من الناس حتى يكبر ثم يركع حتى يطمئن. هو كون التكبير للركوع مستحبا مطلقا، و لا يعارضه رواية زرارة الاوله، و رواية حماد المتقدمتان فى قبيل المتن، لمكان جواز القول بان اداءه قائما مستحب آخر فالاول، و من ان المستفاد من الخبرين و المتبادر من غيرهما، هو كونه مستحبا فى وقت القيام قبل الهوى للركوع فالثانى. و لعلّه هو الاقوى، و عليه فاذا كبرها و يا، و قصد استحبابه بهذه الكيفية، فهل يأثم كما ذكره المحقق الثانى فى حاشية المتن ام لا؟ و الأول اقوى، و عليه، فهل تبطل صلوته كما ذكره المحقق المذكور فى الموضع المزبور ام لا؟ وجهان: نعم، ان قصد بالتكبير فى الهوى كونه ذكر الله، و انه حسن فى كل حال فلا بأس به، و لكنه غير مؤد للتكبير المستحب للركوع، فما عن الجماعة بعد ذكر قول الخلاف: ان اراد الجواز المطلق فهو متجه، و ان اراد المساواة فى الفضيلة فممنوع لعلة، ينظر الى ما بيناه قال فى الرياض: كون التكبير فى حالة القيام هو المشهور بين الاصحاب. و

ص: 77

قال الشيخ فى الخلاف: يجوز ان يهوى به، و هو حسن، لان ذكر الله مستحب، و لا منع منه على حال، الا انه دون الأول فى الفضل، (رافعا يديه) على الاشهر الاظهر، و قد مضى تفصيله فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يستحب رفع اليدين بها الى شحمتى الأذنين، فراجع الى هناك، و فى رواية حماد الطويله السابقه فى وصف صلوة الصادق (ع): انه رفع يديه حيال وجهه و قال: الله اكبر، و هو قائم ثم ركع. و فى صحيحة معوية بن عمار المروية فى التهذيب فى باب كيفية الصلوة: رايت ابا عبد الله (ع) يرفع يديه اذا ركع، و اذا رفع راسه من الركوع، و اذا سجد، و اذا رفع راسه من السجود، و اذا اراد ان يسجد الثانية. و فى صحيحة ابن مسكان المروية فى الباب المتقدم ايضا، عن ابى عبد الله (ع)، فى الرجل يرفع يده كلما اهوى للركوع و السجود، و كلما رفع راسه من ركوع او سجود، قال: هو العبودية. و فى رواية زرارة المروية فى الباب المتقدم عن ابى عبد الله عليه السلام، انه قال: رفع يديك فى الصلوة زينتها. و فى الذكرى عن كتاب الحسين بن سعيد، باسناده عن على (ع)، رفع اليدين فى التكبير هو العبودية.

تنبيه:

المشهور بين الاصحاب على ما ذكره بعضهم(1)، ان استحباب الرفع انما هو فى حال التكبير، و انه ليس فى حال الرفع من الركوع تكبير، و لا رفع يد، بل عن التحرير رفع اليدين بالتكبير مستحب فى كل رفع و وضع، الا فى الرفع من الركوع، فانه يقول سمع الله لمن حمده من غير تكبير، و لا رفع يد، و هو مذهب علمائنا، انتهى.

فى رفع اليدين فى التكبير للركوع
اشارة

أقول: و ظاهر روايتى زرارة و ابن مسكان المتقدمتين، هو استحباب رفع اليدين عند الرفع من الركوع. و فى الذكرى بعد نقلهما و ظاهرهما مقارنة الرفع للرفع، و عدم تقييد الرفع بالتكبير، فلو ترك التكبير فظاهرهما استحباب الرفع، و الحديثان اوردهما فى التهذيب، و لم ينكر منهما شيئا، و هما يتضمنان رفع اليدين عند رفع الراس من الركوع، و لم اقف على قائل باستحبابه، الا ابنى

ص: 78


1- و هو الذخيرة (منه).

بابويه، و صاحب(1) الفاخر، و نفاه ابن ابى عقيل و الفاضل، و هو ظاهر ابن الجنيد، و الاقرب استحبابه، لصحة سند الحديثين، و اصالة الجواز، و عموم ان الرفع زينة الصلوة و استكانة من المصلّى، و حينئذ يبتدى بالرفع عند ابتداء رفع الراس، و ينتهى بانتهائه، و عليه جماعة من العامة، انتهى.

و فى الحبل المتين نفى عنه الباس، و ظاهر المدارك و الذخيرة يومى الى الاستحباب.

أقول: و القول بالاستحباب مشكل فى الغاية، اذا عراض المشهور عن الخبرين مع كونهما بحسب السند صحيحين، و بحسب الدلالة واضحين. و فى التهذيب فى الباب واردين، ينبئ ان فى العمل بهما شيئا فى البين، كما لا يخفى على من له ادنى بصيرة فى القلب و العين. الا تنظر الى ديانتهم و تقويهم و نظرهم فى المسائل، ثم فتويهم، فان هذين الخبرين لو كانا مما يجوز العمل بهما كيف يطرحونهما الى قفاهم، مع انّك تراهم يعملون فى الواجبات و المحرمات بخبر ضعيف، اذا اعتضد بما تعلمه، و فى المستحبات و المكروهات به، بل بفتوى فقيه واحد، و لو لم يعتضد بما تعلمه.

و عليه فعدم عملهم بهما فى المقام، ليس الا لان فيهما ايراد كلام، هذا مضافا الى اجماع التحرير المعتضد بالشهرة، و هو مقدم على الخبرين بلا ريبة، سيما اذا كانت الرواية بحسب العدد عن الواحدة متجاوزة، و بحسب السند المعتبرة، و بحسب الدلالة واضحة، و فى واحد من الكتب الأربعة واردة، و فى الباب مثبتة، فاياك و العمل بهما، فانهما على الظاهر صدرا من جراب النورة، لان المحكى عن الشافعى انه قال باستحباب رفع اليدين اذا قام من الركوع، خلافا لابى حنيفة، بل ربما يستفاد من المحكى عن كتاب المنتظم للشيخ أبى الفرج بن الجوزى فى مقام الطعن على ابى حنيفة، حيث عد فيه جملة من المسائل التى خالف فيها ابو حنيفة روايات الصحاح باجتهاده، قال: الخامس تعين رفع اليدين فى الركوع، و عند الرفع منه، و قال ابو حنيفة: لا يسن، و فى الصحيحين

ص: 79


1- الجعفى.

من حديث ابن عمران، النبى (ص) كان اذا افتتح الصلوة رفع يديه حتى يحاذى منكبيه، و اذا اراد ان يركع، و بعد ما رفع راسه من الركوع، الى ان قال: و قد رواه عن رسول الله (ص) نحوا من عشرين صحابيا، انتهى. شهرة الحكم عندهم، و اتفاق من عدا ابى حنيفة على الحكم المذكور، لمكان تخصيصه بالمخالفة، نعم، ربما يستفاد من التذكرة ان الثورى و ابن ابى ليلى موافقان لابى حنيفة، كما ان الاوزاعى و احمد و اسحق و ابا ثور موافقون للشافعى، و هو المروى عن مالك، و كيف كان، فلا ريب فى شهرة الحكم عندهم، و عليه فاليؤخذ بالشهرة بين الاصحاب، و خالف العامة، فان الرشد فى خلافهم بلا ريبة.

تذنيب:

عن بعض المحدثين كالسيد نعمة الله الجزائرى فى رسالته التحفه، و عبد الله بن الحاجى صالح البحرانى فى بعض اجوبة المسائل، القول باثبات التكبير مصاحبا للرفع من الركوع، مستدلا بالخبرين المشار اليهما، بل عن الأول ادعاء صراحة الخبرين فيه، و ادعى الثانى ظهور الخبرين فى التكبير، فهما قائلان بالرفع و التكبير، ان هذا لشئ عجيب، لان الخبرين ليس فيهما ذكر التكبير، فكيف يكونان ظاهرين فيه، فضلا عن الصراحة. و عن الثانى انه قد اطال الاستدلال على ما ادعاه، و عمدة ما استدل به على ما قيل(1)، التلازم بين الرفع و التكبير، قال: لما يثبت استحباب الرفع، ثبت استحباب التكبير لعدم انفكاك الرفع من التكبير شرعا اذ لم يعهد من الشارع رفع بدون التكبير. و انما ذكر الملزوم(2)، و هو الرفع مع ارادة التكبير، لان التكبير لازم للرفع، تنبيها على تأكّدة و لزومه له بخلاف العكس، انتهى.

أقول: هذه الدعوى ممنوعة، و ليست فى احكام الله الا مجازفة ظاهرة، اذ لم اجد ما يدل عليها شيئا من الادلة الأربعة، نعم، ظاهر دليله هذا ان الدليل عليها هو الاستقراء، و فيه نظر، اذ اى دليل دل على حجيته مع مخالفته للاجماع المحكى المعتضد بالشهرة، ان كان الدليل هو ما دل على حجية مطلق المظنة، ففى المقام غير نافع، لمكان حصول

ص: 80


1- و هو الحدائق (منه).
2- و كان الاقرب له جعل الملزوم هو التكبير لا الرفع كما لا يخفى فتأمل (منه).

المظنة من الاجماع، المحكى المعتضد بالشهرة، بل تلك المظنة اقوى من المظنة الحاصلة من الاستقراء الكائن فى المقام، بل هو فى المقام ليس مورثا للمظنة اصلا، مع انّ فى النفس من حجية الاستقراء اذا لم يكن معتضدا بشئ شيئا، و لعمرى ان الأخباريين فى مقام الطعن على المجتهدين ربما يذكرون اشياء لا يليق ان يخاطب بها على جاهل، ثم فى مقام العمل و ترجيح المسائل ربما يتمسكون باشياء لا يرجع الى حاصل، و لا يتفوه بها من هو مجتهد صرف، فكيف ظنك بتمسكهم بما هو دائر على روؤس اقلامهم، من نحو عدم ظهور الخلاف، او ظهور عدمه، او الاجماع البسيط او المركب. و لذا قيل ان الأخباريين مجتهدون من حيث لا يدرون. الا تنظر الى راسهم و رئيسهم صاحب الحدائق، كيف تمسك فى جزئيات المسائل فى غير مقام بما ينكره، و لا يقول به، و من ذلك ما ذكره فى قبيل هذه المسئلة التى نحن فيها باسطر، بعد قوله بان الامر الذى هو حقيقة فى الوجوب، يدل على وجوب التكبير للركوع، بما لفظه: و لو لا اتفاق الاصحاب قديما و حديثا - الا ابن ابى عقيل مع امكان ارجاع كلامه الى ما ذكروه - لكان القول بالوجوب متعينا، انتهى.

نعم، ربما يمكن ان يستدل لاستحباب التكبير هنا بعموم الخبر السابع الاتى فى شرح قول المصنف رحمه الله، و بحول الله و قوته، و لكن امر الاحتياط واضح.

فى ردّ الركبتين الى الخلف فى الركوع

(و) يستحب (رد الركبتين) الى خلف، بلا خلاف اجده، و يدل عليه صحيحة حماد الطويلة السالفه فى وصف صلوة الصادق (ع)، ثم ركع و ملأ كفيه من ركبتيه منفرجات، و رد ركبتيه الى خلفه، حتى استوى ظهره، حتى لو صب عليه قطرة من ماء اودهن لم تزل، لاستواء ظهره، و مدعنقه و غمض عينيه ثم سبح ثلاثا بترتيل، فقال: سبحان ربى العظيم و بحمده، ثم استوى قائما، فلما استمكن من القيام، قال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر و هو قائم، و رفع يديه حيال وجهه ثم سجد الحديث.

استحباب تسوية الظهر و مد العنق و الدعاء
اشارة

و عن الشافعى القول بنصب ركبتيه (و تسوية الظهر، و مد العنق و الدعاء) بلا خلاف اجده، و يدل على الاولين ما تقدم. روى الكافى فى باب الركوع فى

ص: 81

الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، قال: اذا اردت ان تركع، فقل و انت منتصب: الله اكبر، ثم اركع، و قل: اللّهم لك ركعت، و لك اسلمت، و بك آمنت، و عليك توكلت، و انت ربى خشع لك قلبى، و سمعى و بصرى و شعرى و بشرى و لحمى و دمى و مخى و عصبى و عظامى، و ما اقلته قدماى، غير مستنكف و لا مستكبر، و لا مستحسر، سبحان ربى العظيم و بحمده، ثلاث مرات، فى ترتيل، و تصف فى ركوعك بين قدميك، تجعل بينهما قدر شبر، و تمكن راحتيك من ركبتيك، و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، و بلّغ اطراف اصابعك عين الركبة، و فرج اصابعك اذا وضعتها على ركبتيك، و اقم صلبك، و مد عنقك، و ليكن نظرك بين قدميك، ثم قل: سمع الله لمن حمده - و انت منتصب قائم - الحمد لله رب العالمين، اهل الجبروت و الكبرياء، و العظمة لله رب العالمين. تجهر بها صوتك، ثم ترفع يديك بالتكبير، و تخر ساجدا.

و روى ايضا فى باب القيام و القعود فى الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر عليه السلام، و ساق الحديث الى ان قال: فاذا ركعت فصف فى ركوعك بين قدميك، يجعل بينهما قدر شبر، و تمكن راحتيك من ركبتيك، و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، و بلغ اطراف اصابعك عين الركبة، و فرج اصابعك اذا وضعتها على ركبتيك، فان وصلت اطراف اصابعك فى ركوعك الى ركبتيك، اجزاك ذلك، و احب اليّ ان تمكن كفيك من ركبتيك، فتجعل اصابعك فى عين الركبة، و تفرج بينهما، و اقم صلبك، و مد عنقك، و ليكن نظرك الى ما بين قدميك، فاذا اردت ان تسجد فارفع يديك بالتكبير، و خرسا جدا، الحديث.

و عن كتاب الفقه الرضوى: فاذا ركعت فالقم ركبتيك راحتيك، و تفرج بين اصابعك، و اقبض عليهما. و قال ايضا فى موضع آخر على ما قيل: فاذا ركعت فمد ظهرك، و لا تنكس راسك، و قل فى ركوعك بعد التكبيرة: اللهم لك ركعت، و لك خشعت، و بك اعتصمت، و لك اسلمت، و عليك توكلت، انت ربى خشع لك قلبى، و سمعى و بصرى و شعرى و بشرى و مخى و لحمى و دمى و عصبى و عظامى، و جميع

ص: 82

جوارحى، و ما اقلت الأرض منى، غير مستنكف و لا مستكبر لله رب العالمين، لا شريك له، و بذلك امرت، سبحان ربى العظيم و بحمده. ثلاث مرات، و ان شئت خمس مرات، و ان شئت سبع مرات و ان شئت السبع، فهو افضل. و يكون نظرك فى وقت القراءة الى موضع سجودك، و فى وقت الركوع بين رجليك، ثم اعتدل حتى يرجع كل عضو منك الى موضعه، و قل: سمع الله لمن حمده بالله اقوم و اقعد، اهل الكبرياء، و العظمة لله رب العالمين، لا شريك له و بذلك امرت. ثم كبر و اسجد.

و روى الكافى فى باب الركوع فى الصحيح عن محمد بن اسمعيل بن بزيع، قال: رايت ابا الحسن (ع) يركع ركوعا اخفض من ركوع كل من رايته يركع، و كان اذا ركع جنح بيديه. و روى ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن على بن عقبة، قال: رآنى ابو الحسن (ع) بالمدينة و انا اصلى، و اتمدد فى ركوعى، فارسل الى لا تفعل.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: فى معنى مد عنقك فى الركوع

روى الصدوق فى العلل فى باب علة مد العنق، عن على بن حاتم، عن ابراهيم بن على، عن احمد بن محمد الانصارى، عن الحسين بن على العلوى، عن ابى حكيم الزاهد، عن احمد بن عبد الله، قال: قال رجل لامير المؤمنين (ع):

ما معنى مد عنقك فى الركوع؟ قال: تاويله آمنت بواحد انيّتك و لو ضربت عنقى. و قال فى الفقيه فى باب وصف الصلوة: و سأل رجل امير المؤمنين (ع) فقال: يابن عم خير خلق الله، ما معنى مدّ عنقك فى الركوع؟ فقال: تاويله آمنت بك و لو ضربت عنقى.

الثانى: قال فى الدروس: و يستحب زيادة الانحناء حتى يستوى الظهرو الراس و الا سافل،

و لا بأس به، لما يظهر من جملة من الأخبار المتقدمة بعد ضم بعضها الى بعض، و فى التذكرة: يستحب ان يجعل راسه و عنقه حيال ظهره، و يمد عنقه محاذيا ظهره، لان النبى (ص) كان اذا ركع لم يرفع راسه، و لم يصومه، و لكن بين ذلك. و فى جامع المقاصد قوله: ورد ركبتيه الى خلفه و تسوية

ص: 83

ظهره و مد عنقه موازيا لظهره، لانه ابلغ فى الخضوع. الى ان قال: و روى عن النبى (ص) انه كان يستوى فى الركوع، بحيث لو صب الماء على ظهره لاستمسك، و مثله عن على (ع).

الثالث: ما دل عليه صحيحة حماد من استحباب التغميض حال الركوع،

مناف لما دل عليه صحيحتا زرارة و الفقه الرضوى، المتقدمات من استحباب النظر الى ما بين القدمين، كما عن المشهور، و ربما جمع بينهما بالتخيير، كما عن ظاهر المنتهى، و اختاره المدارك و الذخيرة، و الى ذلك اشار الشيخ رحمه الله فى النهاية، حيث قال: و غمض عينيك، فان لم تفعل فليكن نظرك الى ما بين رجليك، كذا نسب الى بعض الأجلاء. و فى هذه النسبة نوع مناقشة، و لعلّه لهذه نسب اليه القول باستحباب التغميض بعض الاجلة، قال و تبعه الحلى(1) و عن الذكرى: لا منافاة، لان الناظر الى ما بين قدميه يقرب صورته من صورة المغمض. و فى الحبل المتين بعد نقله: و كلامه هذا يعطى ان اطلاق حماد التغميض على هذه الصورة التشبيه به مجاز، و ربما يترآى من كلامه (ره) معنى آخر، و هو ان صورة الناظر الى ما بين قدميه، لما كانت شبيهة بصورة المغمض ظن حماد رحمه الله ان الصادق (ع) كان مغمضا، و هذا المعنى لا يخلو من بعد، و الاظهر هو الأول، انتهى.

و الاولى هو العمل بصحيحتى زرارة، لمكان التعدد، و قوة الدلالة، و الشهرة المحكية، و الاعتضاد باطلاق النهى عن التغميض.

الرابع: قال فى الحبل المتين: و المراد بالصف بين القدمين فى الركوع،

ان لا يكون احدهما اقرب الى القبلة من الاخر، و فى جامع المقاصد و يستحب ان يصف فى ركوعه بين قدميه، لا يقدم احديهما على الاخرى، و يجعل قدر شبر، و قد تضمنه صحيحة زرارة عن الباقر (ع)، و فى التحرير: يستحب ان يصف فى ركوعه بين قدميه، لا يقدم احداهما على الاخرى.

فى التسبيح فى الركوع
اشارة

(و) يستحب (التسبيح ثلاثا)، بلا خلاف اجده، بل عليه الاجماع فى التذكرة،

ص: 84


1- و عن المحقق و يمكن تقديم العمل برواية حماد بما عرف من وجوب تقديم الخاص على العام و فيه نظر (منه).

كما عن غيرها، و يدل عليه كثير من الأخبار المتقدمة، (او خمسا) بلا خلاف اجده، و اما ما يظهر من الشارح المحقق حيث قال: و اما خصوص الخمس، فلم اطلع على رواية عليه، انتهى، فلا اعتناء بشانه، و يدل عليه رواية الفقه الرضوى المتقدمة عن قريب، (او سبعا) بلا خلاف على الظاهر، و يدل عليه جملة من الأخبار المتقدمة.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: اختلف الاصحاب فى استحباب الاتيان بالتسبيح زايد على السبع،
اشارة

فالذى يستفاد من جملة من العبائر، بل قيل نسب الى الاكثر عدم الاستحباب، و ان السبع نهاية الكمال. و فى الدروس: و يستحب تثليثه و تخميسه و تسبيعه، و لم يتعده اكثر الاصحاب.

و فى جامع المقاصد و المدارك: ظاهر هذه العبارة و كثير من العبارات ان السبع نهاية الكمال، و حكم الجماعة و منهم التحرير و جامع المقاصد و المدارك و الذخيرة و غيرهم، باستحباب ما يتسع له العزم، و لا يحصل به السّآمه. و فى التذكرة: و افضل منه خمسا، و الاكمل سبعا، و ان زاد فهو افضل. ثم نقل رواية ابان الآتية. للاول الخبر السابع المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و الذكر فيه على راى، و للثانى الخبر الثانى عشر المتقدم هناك، و ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح، عن ابان بن تغلب قال: دخلت على ابى عبد الله (ع) و هو يصلى، فعددت له فى الركوع و السجود ستين تسبيحه.

و روى الكافى فى الموثق عن ابن بكير المجمع على تصحيح ما يصح عنه، عن حمزة بن حمران و الحسن بن زياد، قالا: دخلنا على ابى عبد الله (ع) و عنده قوم، فصلى بهم العصر، و قد صلينا، فعدد ناله ركوعه سبحان ربى العظيم اربعا او ثلاثا و ثلاثين مرة. و قال احدهما فى حديثه: و بحمده فى الركوع و السجود سواء. و هذا القول هو الاظهر، و القول بانه يحتمل ان يكون اتيان الصادق (ع) بالزائد على السبع من باب الذكر، الذى ليس محلّ كلام، لا من باب التوظيف، مردود بان الظاهر هو الثانى، كما فهمه الجماعة، و القول بان غاية ما يستفاد من

ص: 85

الخبرين استحباب عدد خاص، و ليس فيهما الدلالة على استحباب ما يتسع له العزم، غير وجيه. اذ الظاهر عدم القائل بالفصل، كما استظهره بعض مشائخنا.

تذنيب:

و فى الدروس: و فى رواية ابان عن الصادق (ع) ثلاثون مرة و فى رواية حمزة بن حمران اربع او ثلاث و ثلاثون، و هو حسن، للمنفرد مع اقبال القلب، و للامام ان رضى المامومون و انحصر فلا يتجاوز الثلاث.

و فى جامع المقاصد: و الوجه استحباب ما لا يحصل معه السأم، الا ان يكون اماما، كما ذكره فى التحرير اما الامام فيستحب له التخفيف، فيقتصر على الثلاث، و لو انحصر المامومون و علم منهم حب الاطالة استحب له التكرار.

و فى المدارك: قال فى التحرير: و الوجه استحباب ما يتسع له العزم، و لا يحصل به السآمة، الا ان يكون اماما، فان التخفيف اليق، لئلا يلحق السآمة، و قد روى ان النبى (ص) كان اذا صلى بالناس خفف بهم، الا ان يعلم منهم الانشراح لذلك، و هو حسن، انتهى.

أقول: القول باستحباب التخفيف للامام هو الاقوى، كما صرح به الجماعة، و يظهر من الأخبار، الا مع حب المامومين الاطالة، فيطول كما يستفاد من رواية حمزة المتقدمة، و عليه فمع عدم العلم بعدم حبهم الاطالة يقتصر على الثلاث، و فى التذكرة: ان النبى (ص) كان اذا ركع قال: سبحان ربى العظيم ثلاث مرات الى ان قال: و حكى الطحاوى عن الثورى انه كان يقول: ينبغى للامام ان يقول سبحان ربى العظيم و بحمده خمسا، حتى يدرك الذى خلفه ثلاثا. و انكره الشافعى، لان النبى (ص) قاله ثلاثا، و لان الماموم يركع مع الامام، فما امكن الامام امكن الماموم، و عن المصنف رحمه الله فى المنتهى: يستحب للامام التخفيف فياتى بثلاث تسبيحات. لنا ما رواه الجمهور عن عقبة بن عامر، قال: كان رسول الله (ص) اذا ركع، قال: سبحان ربى العظيم، ثلاث مرات، و اذا سجد قال: سبحان ربى الاعلى ثلاث مرات. و من طريق الخاصة ما رواه الشيخ عن

ص: 86

سماعة، و لانه ربما يشق على الماموم التطويل، و لا ينافى هذا ما رويناه عن ابى عبد الله (ع)، انه صلى بقوم سبح اربعا و ثلاثين، لانه محمول على من كان يقدر على ذلك، انتهى.

و يدل عليه ايضا اطلاق جملة من الأخبار المتقدمة، و ما تقدم من رواية ابراهيم فى كتاب الغارات، فى وصف صلوة النبى (ص)، انه كان اتم الناس صلوة و احفظهم لها، و كان اذا ركع قال: سبحان ربى العظيم و بحمده، ثلاث مرات، الى ان قال: فاذا سجد قال: سبحان ربى الاعلى و بحمده ثلاث مرات، و غير ذلك من الأخبار.

الثانى: ظاهر الاصحاب كظاهر بعض الأخبار المتقدمة عدم استحباب الاتيان بالتسبيحة اربع مرات،

اوست مرات. و حكم الجماعة باستحباب ما يتسع له العزم، منصرف الى بعد الاتيان بالسبع جدا، نعم، ربما يستفاد من رواية الفقه الرضوى، استحباب التسع، و عدم استحباب الثمان، و الحق بعدم التجاوز عن السبع هو الاطلاق، اذ لم اعثر على مصرح بذلك، و ان كان الاحوط و الاولى هو عدم الاقتصار على الثمان.

الثالث: ظاهر الاصحاب و جملة من الأخبار عدم استحباب الاتيان مرتين،

بل ظاهر الجماعة(1) ان الاولى تركه، و لا بأس به، لرواية الحضرمى المتقدمة. و فى الدروس: و يكره النقص عن الثلاث مطلقا، الا لضرورة، انتهى.

الرابع: هل يستحب فى غير التسبيحة الكبرى الاتيان بالزايد على القدر الواجب،

لم اجد مصرحا بذلك، و الاقوى هو القول بالاستحباب مطلقا، لرواية سماعة المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و الذكر فيه مطلقا على راى، و هى الخبر الثانى عشر.

الخامس: عن الذكرى: لو شك فى العدد بنى على الاقل.
السادس: اذا كرر التسبيح، و اتى بالقدر الزايد على المجزى،

فهل يوصف الجميع بالوجوب، اولا؟ بل يكون الواجب الواحد من المكررات، و المستحب

ص: 87


1- و هو الشهيد ان و المحقق الثانى (منه).

الباقى، و عن الجماعة اختيار الثانى، و هو الاقوى، و قد مضى تفصيله فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يتخير فى الزايد بين الحمد وحدها، و اربع تسبيحات فى الامر الرابع بما لا مزيد عليه، فراجع الى هناك.

تنبيه:

قال فى الدروس: و يستحب تثليثه و تخميسه و تسبيعه، و لم يتعده اكثر الاصحاب، و فى رواية ابان عن الصادق (ع) ثلاثون مرة، انتهى.

قيل بعد نقل رواية ابان المتقدمة: و ما ذكره الشهيد فى الدروس بقوله: و فى رواية ابان الى آخره، فغلط، و كانه من النساخ، انتهى.

أقول: و هذا الايراد انما يتوجه لو كان الحديث هكذا: فعددت له فى كل من الركوع و السجود. و ليس كذلك، و عليه فمعنى الدروس محتمل، فلا تغفل، و ليعلم ان السجود يشترك مع الركوع فى اكثر مما ذكر.

استحباب قول سمع الله لمن حمده عند الرفع
اشارة

(و) قول (سمع الله) لمن حمده (عند الرفع) من الركوع، اماما كان او ماموما، او منفردا اجماعا، نقله فى المنتهى، و اسنده المحققان فى التحرير و جامع المقاصد الى علمائنا.

مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، و يدل عليه بعد ذلك اطلاق روايتى حماد و زرارة المتقدمتين.

كرواية مفضل الآتية فى الامر الرابع، نعم، ربما يستفاد من الخبر المروى فى الكافى فى باب الركوع، و ما يقال فيه فى الصحيح عن جميل بن دراج، قال: سألت ابا عبد الله (ع)، فقلت: ما يقول الرجل خلف الامام اذا قال سمع الله لمن حمده؟ قال: يقول: الحمد لله رب العالمين، و يخفض من صوته(1). عدم شمول الماموم، اذ الظاهر ان الضمير من قوله اذا قال سمع الله يرجع الى الامام، و اما ارجاعه الى الماموم، و ان كان محتملا، و عليه فلا ينافى مدلول الخبر لما ادعى عليه الاجماع، و لكنه يقتصر فى الذكر بعد السمعلة على لفظ الحمد لله رب العالمين. الاّ انّه بعيد و يعضده صحيحة زرارة المتقدمة المتضمنة لقوله (ع): تجهر صوتك، لرواية ابى بصير المتقدمة فى المباحث السابقة، المتضمنة لقول الصادق (ع): ينبغى للامام ان يسمع من خلفه كلما يقول، و

ص: 88


1- الصوت خ ل (منه).

لا ينبغى لمن خلفه ان يسمعه شيئا مما يقول. و مما يدل على شمول ذلك للماموم، ما نقله شيخنا الشهيد فى الذكرى عن الحسين بن سعيد، انه روى باسناده الى محمد بن مسلم عن الصادق (ع): اذا قال الامام: سمع الله لمن حمده، قال من خلفه: ربنا لك الحمد، و ان كان وحده اما ما او غيره قال: سمع الله لمن حمده الحمد لله رب العالمين. قال الشارح المحقق: و لو قيل باستحباب التحميد خاصة للماموم، لم يكن بعيدا. لما رواه الكلينى عن جميل، ثم نقل رواية جميل المتقدمة، و استحسنه فى المدارك.

أقول: و لا بأس بالعمل بكلتا الروايتين، لان المقام مقام استحباب.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: فى الذكر فى القيام بعد الركوع

قد تضمنت صحيحة زرارة بعد السمعلة الحمد لله رب العالمين، اهل الجبروت و الكبرياء، و العظمة لله رب العالمين. و رواية الفقه الرضوى بعد السمعلة بالله اقوم، الى آخر ما تقدم. و نقل فى الذكرى عن الحسين بن سعيد، انه روى باسناده الى أبى بصير، عن الصادق (ع): سمع الله لمن حمده، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، بحوله و قوته اقوم و اقعد، اهل الكبرياء و العظمة بعد السمعلة. قال: و هو مذهب علمائنا، ثم نقل عن الشافعى يقول: الامام و الماموم ربنا و لك الحمد، و عن احمد روايتان: أحدهما: كما قال الشافعى، و الثانية لا يقولها المنفرد، و فى وجوبها عليه روايتان، و عن ابى حنيفة: الماموم دون الامام.

و انكر فى التحرير على ما حكى ذلك، مستندا الى خلو اخبارنا منه، و ان المنقول فيها ما ذكره الشيخ، و عن الذكرى. و الذى انكره فى التحرير يدفعه قضية الاصل، و الخبر حجة عليه، و طريقه صحيح، و اليه ذهب الفاخر، و اختاره ابن الجنيد، و لم يقيده بالماموم، و حكى فى المدارك و الذخيرة عن الشيخ، انه قال: و لو قال: ربنا و لك الحمد لم يفسد صلوته، لانه نوع تحميد، لكن المنقول عن اهل البيت اولى، انتهى.

ص: 89

قيل: و جعل فى المنتهى تركه اولى، مؤذنا بنسبته الى الاصحاب.

أقول: و التذكرة ايضا، كما سياتى، جعل تركه اولى، و الظاهر ان الشيخ و التحرير لم يطلعا كالمصنف رحمه الله على الخبر الذى رواه فى الذكرى، و قد تقدم. و من المحتمل قريبا حمل الخبر المذكور على التقية لموافقته لما عليه العامة.

و فى التذكرة: و قال الشافعى: يقول بعده - اى التسميع -: ربنا لك الحمد ملء السموات، الى ان قال: و رووه عن على (ع) اماما او ماموما او منفردا.

و به قال عطا و ابن سيرين و اسحق، و قال ابو حنيفة و مالك: يقول الامام: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد. و يقول الماموم: ربنا لك الحمد. لا يزيد عليه.

قال الشيخ: و لو قال: ربنا لك الحمد، لم تفسد صلوته، و هو جيد، لانه نوع تحميد، لكن المنقول عن اهل البيت عليهم السلام اولى.

و قال الطحاوى: خالف للشافعى الاجماع فيما قاله، انتهى كلام التذكرة.

تذنيبان:

الأول: اعلم ان الخبر المنقول عندنا، ربنا لك الحمد، بدون الواو، كما صرح به غير واحد، و العامة مختلفون فى ثبوتها و سقوطها، فمنهم من اسقطها، لانها زيادة لا معنى لها، كذا حكى، و هو المحكى عن الشافعى، و عن اكثرهم القول بثبوتها.

قال فى التذكرة: لانها قد تزاد لغة، انتهى.

قيل(1): فمنهم من زعم انها واو العطف، و المعطوف ههنا مقدر، و الواو يدل عليه، و تقديره: ربنا حمدناك و لك الحمد، فيكون ذلك ابلغ فى الحمد، و زعم بعضهم أن الواو قد يكون مقحمة فى كلام العرب، و هذا منها، لورود اللفظين فى الأخبار الصحاح عندهم.

و الظاهر ان اثباتها جايز لغة، لان الواو قد يزاد فى كلام العرب، كما ذهب اليه الاخفش و الكوفيون و جماعة. و قال ابن هشام فى المغنى: و الزيادة

ص: 90


1- الذخيرة (منه).

ظاهرة فى قوله:

فما بال من اسعى لا جبر عظمه *** سفاها و ينوى من سفاهته كسرى

و قوله:

و لقد رمتيك فى المجالس كلّها *** فاذا و انت تعين من يبغينى

اعلم ان الذى وجدت فى الكافى فى رواية زرارة هكذا: الحمد لله رب العالمين، اهل الجبروت و الكبرياء، و العظمة لله رب العالمين، باسقاط الالف من لفظة الله، و كذا فى النسختين الحاضرتين من التهذيب عندى.

قال فى الحبل المتين: اعلم ان النسخ فى هذا الحديث مختلفة، و الموجود فى التهذيب الذى بخط والدى قدس الله روحه، و هو نقله من نسخة الاصل التى بخط المؤلف - نور الله مرقده - هكذا: الحمد لله رب العالمين اهل الجبروت و الكبرياء، و العظمة لله رب العالمين. باسقاط الالف من لفظة الله.

و فى الذكرى هكذا: الحمد لله رب العالمين، اهل الجبروت و الكبرياء، و العظمة رب العالمين، من دون لفظه لله.

و ذكر شيخنا الشهيد الثانى رحمه الله، انه وجد فى نسخة النفلية الذى بخط المصنف - طاب ثراه - هكذا: الله رب العالمين، باثبات الالف، فعلى النسخة الاولى و هى التى نقلتها هنا، بجواز ان يجعل لفظ العظمة مرفوعا، و ما بعده خبره، و ان يقرا بالجر عطفا على ما قبله، و يجعل ما بعده خبر مبتداء محذوف، تقديره ذلك رب العالمين. و على الثانية يجوز ان يجعل اهل الجبروت مرفوعا بالابتداء، و رب العالمين خبرا عنه، و ان يجعل مجرورا بالبدلية مما قبله، و رب العالمين خبرا عن محذوف. و على الثالثة يجوز رفع الله بالابتداء، على ان يكون الله رب العالمين جملة براسها منقطعة عما قبلها.

الامر الثانى: المشهور بين الاصحاب - على الظاهر المصرح به فى غير واحد من العبائر - انه ياتى بالسمعله بعد الاستقرار قائما،

قيل(1): و كلام العلامة و المحقق دال على ان ذلك اجماعى بينهم، انتهى خلافا للمحكى عن صريح الحلبى و ابن زهرة، و ظاهر

ص: 91


1- و هو صاحب الذخيرة (منه).

ابن ابى عقيل(1) و الحلى، فقالوا بالاتيان بها فى حال ارتفاعه، و باقى الأذكار بعد انتصابه، و روايتا زرارة و حماد حجتان عليهم و عليه ففى عبارة المتن نوع مسامحة.

الثالث: قال فى التذكرة: لو عكس فقال: من حمد الله سمع له،

لم يات بالمستحب، لانه خلاف المنقول.

و فى جامع المقاصد بعد القول بعدم اتيانه بالمستحب، و هل تبطل به الصلوة؟ فيه نظر، و لا شبهة فى البطلان لو اعتقد شرعيته، انتهى. فتدبر.

الرابع: اعلم ان سمع من الافعال المتعدية الى المفعول بانفسها

قال الله تعالى: «سَمِعْنٰا فَتًى يَذْكُرُهُمْ» «سَمِعْنٰا مُنٰادِياً يُنٰادِي لِلْإِيمٰانِ» «يَوْمَ يَسْمَعُونَ اَلصَّيْحَةَ» و قد عدى هنا باللام، و لعله من باب التضمن، و هو ان يشرب لفظ معنى لفظ آخر، فيعطى حكمه، و فايدته ان يؤدى كلمة مؤدى كلمتين، فسمع هنا ضمن معنى استجاب، فعدى بما يعدى به و هو اللام، كما ان قوله تعالى: «لاٰ يَسَّمَّعُونَ إِلَى اَلْمَلَإِ اَلْأَعْلىٰ» ضمن معنى يصغون، فعدى بالى.

و عن ابن الاثير: سمع الله لمن حمده، اى اجاب حمده و تقبله، يقال: سمع الله دعائى، اى اجب، لان غرض السّائل الاجابة و القبول، و منه الحديث: اللهم انى اعوذ بك من دعاء لا يسمع، اى لا يستجاب و لا يعتد به، فكانه غير مسموع. و منه الحديث سمع سامع بحمد الله، و هو حسن بلائه علينا، اى ليسمع السامع و ليشهد الشاهد حمدنا الله، انتهى.

و هذه اللفظة تحتمل اللفظ للدعاء و الثناء، و الاظهر الأول.

روى الكلينى فى كتاب الدعاء فى اول باب التحميد و التمجيد، باسناده الى المفضل، قال: قلت لابى عبد الله (ع): جعلت فداك علمنى دعاء جامعا، فقال لى: احمد الله، فانه لا يبقى احد يصلى الا دعا لك، يقول: سمع الله لمن حمده و هذا يرجح ما اخترناه، بل ربما يقال: هذا نص على انه دعاء لاثناء.

الخامس: يستفاد من رواية زرارة، استحباب الجهر بها،

و لعلّه لغير الماموم، كما

ص: 92


1- و عن الشافعى يبتدئ عند ابتداء الرفع و له قول آخر بقول سمع الله لمن حمده و هو راكع فاذا انتصب قال: ربنا لك الحمد (منه).

قاله الجماعة(1)، اذ يستحب له الاخفات فى جميع اذكاره كما مضى ما يدل عليه.

السادس: و فى التذكرة: لو عطس فقال الحمد لله رب العالمين،

و نوى المستحب بعد الرفع جاز، لان انضمام هذه النية لم يعين شيئا من المقصود.

و فى جامع المقاصد: و لو عطس عند رفعه، فقال: الحمد لله ربّ العالمين و نوى بذلك التحميد عند العطسه، و المستحب بعد الرفع جاز، لانها عبادة ذات سببين.

و يكره الركوع و يديه تحت ثيابه

(و يكره الركوع و يديه تحت ثيابه)، بل يكون بارزة اوفى كمّه، كما عن المبسوط و كثير من الاصحاب، و لم اجد له مستندا، نعم، روى التهذيب فى اوائل باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس، فى الزيادات فى الموثق عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (ع): قال:

سألته عن الرجل يصلى فيدخل يديه(2) فى ثوبه قال: ان كان عليه ثوب آخر ازار او سراويل فلا بأس، و ان لم يكن فلا يجوز له ذلك، و ان ادخل يدا واحدة و لم يدخل الاخرى فلا بأس. و هو غير مطابق لما ذكروه، لعدم اختصاصه بالركوع، و نفيه الباس اذا كان عليه ازارا و سراويل. نعم، عن الاسكافى انه جوز ادخالهما تحت الثياب للمؤتزرا و المتسرول. و الخبر يدل عليه(3)، و عن الحلبى: و يكره ادخال اليدين فى الكمين او تحت الثياب. و لم اجد ما يدل عليه، بل عن الجماعة(4) القول باستحباب كونهما بارزتين او فى الكمين. و اما الاستدلال لمطلق الكراهة، بما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الزيادات، فى الصحيح عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع)، قال: سألته عن الرجل يصلى، و لا يخرج يديه من ثوبه. فقال: ان اخرج فحسن، و ان لم يخرج فلا بأس. فمع قطع النظر عن عدم اختصاصه بالركوع ليس له دلالة واضحة تطمئن به النفس و كيف كان، فالقول بالكراهة هو الاولى، لمكان المسامحة المجوزة للعمل بفتوى فقيه فى الاستحباب و الكراهة، اذ لم يكن الامر محتملا للوجوب و الحرمة، فكيف بفتوى الجماعة.

و ينبغى التنبيه على امور:
اشارة

ص: 93


1- و هو الشهيدان و المحقق الثانى (منه).
2- يده خ ل (منه).
3- قال الاسكافى لو ركع و يداه تحت ثيابه جاز ذلك اذا كان عليه مئزرا و سراويل (منه).
4- و منهم صاحب الدروس (منه).
الأول: فى ذكر النبى و آله فى الركوع و السجود

روى الكافى فى باب السجود باسناد معتبر عن عبد الله بن سليمان قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يذكر النبى (ص) و هو فى الصلوة المكتوبة، اما راكعا او ساجدا، يصلى و هو على تلك الحال. قال: نعم، ان الصلوة على نبى الله (ص) كهيئة التكبير و التسبيح و هى عشر حسنات، يبتدرها ثمانية عشر ملكا أيّهم يبلغها اياه، و روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح عن الحلبئ، قال: قال ابو عبد الله (ع): كلما ذكرت الله عزّ و جلّ به و النبى (ص) فهو من الصلوة.

قال فى الذكرى: و يجوز الصلوة على النبى (ص) فى الركوع و السجود، بل يستحب، ففى الصحيح عن عبد الله بن سنان، قال: سألت ابا عبد الله (ع)، ثم نقل الخبر الأول بادنى تغيير غير مخل، ثم قال: و عن الحلبى عنه (ع): كلما ذكرت الله عزّ و جلّ و النبى فهو من الصلوة، انتهى.

أقول: روى الكافى فى باب السجود، عن محمد بن ابى حمزة عن ابيه، قال:

قال ابو جعفر (ع): من قال فى ركوعه و سجوده و قيامه: صلى الله عليه و آله، كتب الله له بمثل الركوع و السجود و القيام.

و عن الصدوق فى كتاب ثواب الاعمال، عن محمد بن ابى حمزة، عن ابيه قال: قال ابو جعفر (ع): من قال فى ركوعه و سجوده و قيامه: اللهم صلّ على محمد و آله، كتب الله له ذلك بمثل الركوع و السجود و القيام. قيل بعد نقله: و نحوه روى الشيخ فى التهذيب، الا ان فيه: و صلى الله على محمد و آل محمد، انتهى.

أقول: روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات فى الصحيح عن اسحق بن عمار، عن ابى بصير قال: قلت لابى عبد الله (ع): اصلى على النبى (ص) و انا ساجد؟ فقال: نعم، هو مثل سبحان الله و الله اكبر.

أقول: و كان الاولى بالاستدلال على الحكم المذكور، هو هذه الأخبار، و كيف كان، فلا شبهة فى استحباب الصلوة عليه (ص) فيهما. و فى الامالى الذى يبين فيه وصف دين الامامية: فمن نقص الثلاث التسبيحات فى ركوعه او فى سجوده تسبيحة، و لم يكن بمريض و

ص: 94

لا مستعجل، فقد نقص ثلث صلوته، و من ترك تسبيحتين فقد نقص ثلثى صلوته، و من لم يسبح فى ركوعه و سجوده فلا صلوة له، الا ان يهلل او يكبرا و يصلى على النبى (ص) بعدد التسبيح، فان ذلك يجزيه. و قد مضى تلك العبارة فى مقامها.

الثانى: يستحب للامام رفع صوته بالذكر فى الركوع

الثانى: يستحب للامام رفع صوته بالذكر فى الركوع(1)، و الرفع ليعلم الماموم، لما سبق من استحباب اسماع. الامام للمامومين، اما الماموم فيستر، و اما المنفرد فمخير، الا التسميع فانه جهر على اطلاق الرواية، قاله فى الذكرى، و هو جيد، و اشار بالرواية الى رواية زرارة السابقة المتضمنة على قوله (ع): تجهر بها صوتك.

الثالث: فضيلة طول اللبث فى الركوع و السجود

روى عن مستطرفات السرائر، من كتاب الحسن بن محبوب، عن بريد العجلى، قال: قلت لابى جعفر (ع): ايهما افضل فى الصلوة، كثرة القرآن او طول اللبث فى الركوع و السجود؟ قال: فقال: كثرة اللبث فى الركوع و السجود افضل. او ما تسمع لقوله تعالى: «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ» انما عنى باقامة الصلوة طول اللبث فى الركوع و السجود. قلت: فايهما افضل كثرة القراءة او كثرة الدعاء؟ فقال: كثرة الدعاء افضل ا و لا تسمع لقوله تعالى لنبيه (ص): «قُلْ مٰا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لاٰ دُعٰاؤُكُمْ».

الرابع: قال فى التذكرة: لا ينبغى المد فى التكبير،

بل يوقعه جزما، و به قال ابو حنيفة و الشافعى فى القديم، لقوله: التكبير جزم، اى لا يمد، و لانّه ربما غير المعنى. و فى الجديد للشافعى: يمد الى تمام الهوى، لئلا يخلو جزء من صلوته عن الذكر.

و فى جامع المقاصد: لا ينبغى مد التكبير قصد البقائه ذاكرا الى تمام الهوى، لما روى عن النبى (ص) انه قال: التكبير جزم.

الخامس: و فى جامع المقاصد: و يستحب رفع اليدين به للقاعد و المضطجع،

كما يستحب للقائم، و فى التذكرة: لو صلى قاعدا او مضطجعا رفع يديه. و به قال الشافعى، لان القعود ناب مناب القيام.

السادس: و فى التذكرة: لو نسى الرفع لم يعد التكبير،

لانه هيئة له، فيسقط بفوات محلّه.

.

ص: 95


1- و فى التذكرة يستحب للامام رفع صوته بالذكر فى الركوع و الرفع (منه)
السابع: عن الجماعة القول بكراهة القراءة فى الركوع و السجود،

قال فى الدروس: يكره قراءة القرآن فى الركوع و السجود. و فى التذكرة: و لا يستحب ان يقرأ فى ركوعه و سجوده و تشهده، بل يكره. قال به(1) الشيخ فى المبسوط. و به قال الشافعى و احمد، لان عليا (ع) قال:(2) لا، انى نهيت ان اقرأ راكعا او ساجدا اما الركوع فعظموا فيه الرب، و اما السجود فاكثروا فيه من الدّعاء، فانه قمن ان يستجاب لكم.

و فى التحرير: لا يستحب القراءة فى الركوع و لا فى السجود اجماعا. و عن المنتهى: لا يستحب القراءة فى الركوع و السجود، و هو وفاق لما رواه على (ع): ان النبى (ص) نهى عن قراءة القرآن فى الركوع و السجود، رواه الجمهور و لانها عبادة فيستفاد كيفيتها من صاحب الشرع، و قد ثبت انه لم يقرا فيهما، فلو كان مستحبا لنقل فعله، و قال: يستحب ان يدعو فى ركوعه، لانه موضع اجابة لكثرة الخضوع فيه.

و عن الذكرى: كره الشيخ القراءة فى الرّكوع، و كذا تكره عنده فى السجود و التشهد. و قد روى العامة عن على (ع) عن النبى (ص) انه قال: الا انى نهيت أن أقرا راكعا و ساجدا، و لعله ثبت طريقه عند الشيخ رحمه الله، و قد روى فى التهذيب قراءة المسبوق مع التقية فى ركوعه: و روى عن حماد عن الصادق عليه السلام فى الناسى حرفا من القرآن لا تقرأ راكعا بل ساجدا، انتهى.

أقول: الظاهر عدم عثورهم على خبر غيره، و الحال انه روى عن الحميرى فى كتاب قرب الاسناد، عن ابى البخترى عن الصادق عن على (ع)، قال: لا قراءة فى الركوع و السجود، انما فيها المدحة لله عزّ و جلّ، ثم المسئلة، فابتدؤا قبل المسئلة بالمدحة لله عزّ و جلّ، ثم اسألوا بعد.

و عن الخصال، عن السكونى عن الصادق (ع)، عن آبائه عن على (ع)، ثم قال: سبعة لا يقرؤن القرآن: الراكع، و الساجد، و فى الكنيف، و الحمام، و الجنب و النفساء، و الحايض. و يحتمل حمل الخبرين على التقية، و يعضدها كون راويهما

ص: 96


1- له ظ (منه).
2- ألا ط (منه).

من رجال العامة. و كيف كان، فالاولى ترك ذلك فيهما، سيما اذا قلنا بانه يكفى فى الحكم بالاستحباب، و الكراهة رواية عامية، كما ابسطنا ذلك فى اللمعات.

قال بعض الأجلاء: قال ابن الجنيد: لا بأس بالدعاء فيهما، يعنى الركوع و السجود، لامر الدين و الدنيا من غير ان يرفع يديه فى الركوع عن ركبتيه، و لاعلى(1) الأرض فى سجوده. و روى فى كتاب معانى الأخبار عن محمد بن هرون الزنجانى، عن على عن عبد العزيز، عن القاسم بن سلام، رفعه قال: قال رسول الله (ص): انى قد نهيت عن القراءة فى الركوع و السجود، فاما الركوع فعظموا الله فيه، و أما السجود فاكثرن(2) فيه الدعاء، فانه قمن يستجاب لكم، انتهى.

و بالجملة القول بعدم الاستحباب هو الاظهر، لنقل الاجماع، مضافا الى هذه الأخبار المفيدة للكراهة، فليقل بها ايضا كما مر.

الثامن: يستحب ان يضع يديه على عينى ركبتيه مفرجات الاصابع اجماعا،
اشارة

كما فى التذكرة، و عن المنتهى: و يدل عليه رواية حماد و روايتا زرارة المتقدمات.

و اما ما روى عن الحميرى فى كتاب قرب الاسناد بسنده عن على بن جعفر، قال بعض الأجلاء: و رواه على بن جعفر فى كتابه عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن تفريج الاصابع فى الركوع، أسنة هو؟ قال: من شاء فعل، و من شاء ترك.

فلا يصلح للمعارضة جدا، فليئوّل او يترك.

تذنيب:

قال فى القواعد: و لا يجوز التطبيق، و هو وضع احد الراحتين على الاخرى فى الركوع بين رجليه. و حكى فى التذكرة عن عبد الله بن مسعود، و صاحبيه الاسود بن يزيد و عبد الرحمن بن الاسود، انهم قالوا: اذا ركع طبق يديه، و جعلهما بين ركبتيه، مستدلا بان ابن مسعود رواه عن النبى (ص)، قال فى التذكرة: و هو مدفوع بالنقل عنه (ع)، انه كان اذا ركع وضع راحته على ركبتيه، و فرج بين اصابعه. و من طريق الخاصة رواية حماد عن الصادق (ع): ثم ركع و ملأ كفيه من ركبتيه مفرجات. و بانه منسوخ، قال مصعب بن سعيد ابى وقاص: صليت

ص: 97


1- عن ط (منه).
2- وا ط (منه).

الى جنب ابى فطبقت يدى و جعلتهما بين ركبتى، فضرب فى يدى، و قال لى: يا بنى انا كنا نفعل ذلك فامرنا ان نضرب بالاكف على الركب، انتهى.

أقول: عدّ الشهيد التطبيق فى الدروس كما عن الذكرى من مكروهات الركوع، قال فى الذكرى: و لا يحرم على الاقرب، و هو قول ابى الصلاح و الفاضلين، و ظاهر الخلاف و ابن الجنيد التحريم، و حينئذ يمكن البطلان للنهى عن العبادة و الصحة، فان النهى عن وصف خارج، انتهى(1).

و فيه ما ترى، اذ لم اعثر فى الأخبار على النهى الذى ادعاه، و كيف كان، فالاولى و الاحوط هو ترك التطبيق.

التاسع: قال الشارح المحقق: ذكر جماعة من الاصحاب كراهة اشياء فى الركوع كالتبذيخ،

و هو ان يقب الظهر و تطاطئى الراس، و الانخناس الذى يكون معه تمام الانحناء الواجب، و هو تقويس الركبتين و الراجع الى وراء و التطبيق و هو جعل احد الكفين على الاخرى ثم ادخالها بين ركبتيه و ظاهر الخلاف و ابن الجنيد التحريم، و التناذخ، و هو تسريج الظهر اى جعله كالسرج، و اخراج الصدر، انتهى.

أقول: الكراهة انما تتمشى اذا كان الانحناء المعتبر فى الركوع حاصلا، كما مضى اليه الاشارة.

العاشر: يستحب التجافى،

بمعنى ان لا يضع شيئا من اعضائه على شىء، الا اليدين اجماعا، نقله فى جامع المقاصد، و يدل عليه رواية حماد فى وصف صلوة الصادق (ع)، المتضمنة لقوله: و لم يضع شيئا من بدنه على شئ منه فى ركوع و لا سجود و كان مجنحا(2).

الحادى عشر: يكره فى الركوع نكس الراس،

و التمدد، لروايتى على بن عقبه و الرضوى، و قد تقدم الادلة فى شرح قول المصنف رحمه الله، و تسوية الظهر، و الثانية هناك فى شرح قول المصنف رحمه الله: و الذكر فيه مطلقا على راى.

الثانى عشر: يستحب فى وضع اليدين على الركبتين البداءة باليمين،

كما

ص: 98


1- و فى الدروس و يكره التطبيق و هو وضع اليدين مطبقتين بين الركبتين و لا يحرم على الاقوى (منه).
2- المراد بالتجنيح بالمرفقين ابعادهما عن البدن بحيث يصيران كالجناحين (منه).

صرح به غير واحد، لروايتى زرارة المتقدمتين.

الثالث عشر: لو لم يمكن وضع احدى اليدين على الركبة لعذر،

يستحب وضع الاخرى، على ما ذكره فى جامع المقاصد، قال: لانه فعل تعلق بهما، فلا يسقط عن احديهما بحصول العذر فى الاخرى، و لا بأس به.

الرابع عشر: فى حكم المرأة فى الركوع

روى الكافى فى باب القيام و القعود، فى الصحيح عن زرارة، قال: اذا قامت المراة جمعت بين قدميها، و لا تفرج بينهما، و تضم يديها الى صدرها لمكان ثدييها، فاذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها، لئلا تطاطئ كثيرا، فترفع عجيزتها، الحديث.

قال فى الحبل المتين: و ما تضمنه الحديث الخامس من قوله (ع): فاذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها، لئلا تطاطئ كثيرا، يعطى ان انحناء المراة فى الركوع اقل من انحناء الرجل. و قال شيخنا فى الذكرى: يمكن ان يكون الانحناء مساويا، و لكن تضع اليدين على الركبتين حذرا من ان تتطأطأ كثيرا بوضعهما على الركبتين، و تكون بحالة يمكنها وضع اليدين على الركبتين، هذا كلامه، و لا يخفى ما فيه، فانها اذا كانت بحالة يمكنها وضع اليدين على الركبتين، كان تطاطؤها مساويا لتطاطؤ الرجل، فكيف تجعل وضع اليدين فوق الركبتين، احترازا عن عدم التطاطؤ كثيرا، اللهم الا ان يقال ان امره - (ع) - بوضع يديها فوق ركبتيها انما هو التنبيه على انه لا يستحب لها زيادة الانحناء على القدر الموظف، كما يستحب ذلك للرجل، انتهى.

أقول: لا يخفى ان اليدين لو خليتا و طبعهما اذا وضعتا فوق الركبتين قليلا بطريق الاستطالة لا التجنيح، يمكن للشخص مع هذه الانحناء ان يصلهما الى الركبتين، و لو بجزء منهما لا برؤس الاصابع بطريق المد، و خلاف الطبع، كما لا يخفى على المجرب، و عليه فما ذكره فى الذكرى حق لا يشوبه ريبة فتامل.

و بطور اوضح، لما كان المستحب للرجل القام عينى الركبتين و ابلاعهما، فهذا يستدعى زيادة انحراف، كما لا يخفى، بخلاف ما لو وضعت اليدان فوق

ص: 99

الركبتين قليلا، مع امكان ايصالهما و لو بجزء منهما لا بروؤس الاصابع، بل روؤس الاصابع على المختار الى الركبتين، فان هذا لا يستدعى زيادة انحناء، كما لا يخفى على من قام فى حين تأليف هذا المكان من مكانه و جرّب هذا، ثم كتب ما رواه من انحنائه فى العملين و بطور آخر، لما كان المستحب للرجل ابلاع عينى الركبتين، بل تجنيح العضدين، و فتح الابطين، و اخراج الذراعين عن الجنبين كما فى الدروس، و يستفاد من صحيحة محمد بن اسمعيل المتقدمة فهذا يستدعى انحناء كثيرا جدا، بخلاف ما لو وضعتا فوق الركبتين قليلا، مع امكان ايصالهما، و لو قصرا الى الركبتين، فان هذا يستدعى انحناء قليلا كما لا يخفى، و بهذا يتضح ما ذكره البهائى رحمه الله تعالى.

السادس: من واجبات الصلاة السجود
اشارة

(السادس:) من واجبات الصلوة (السجود)، و هو لغة الخضوع و الانحناء، قاله الجماعة، و شرعا وضع الجبهة على الأرض او ما انبتت مما لا يؤكل و لا يلس، قاله بعضهم(1)، و فيه تأمل و هو خضوع خاص و انحناء خاص، و السجدة بالفتح الواحدة، و بالكسر الاسم على ما صرح به بعضهم، طاب مرقده، (و يجب فى كل ركعة سجدتان) اجماعا محققا، و محكيا بل ضرورة من الدين، كما نص بعضهم، و استظهر آخر و يدل عليه المعتبرة (هما معا ركن، تبطل الصلوة بتركهما عمدا او سهوا) اجماعا، نقله فى التذكرة و التحرير كما عن المنتهى و غيرها، و هو الحجة مضافا الى قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة، و عد منها السجود، و قوله (ع):

الصلوة ثلاثه اثلاث، ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود، و قد مضى الخبران فى المباحث السابقه، و الى انه جزء للصلوة قطعا، و الاخلال بالجزء يستلزم الاخلال بالكل، و عليه الاخلال بالسجود يستلزم عدم الاتيان بالمامور به، فيبقى المكلف تحت العهدة، و اما بطلان الصلوة بزيادتهما فللخبرين المتقدمين فى اوائل بحث الركوع، الحاكمين بالاعادة لمن زاد فى صلوته، خرج منهما ما خرج بدليل، و لا دليل على خروج ما نحن فيه. خلافا للمحكى عن الشيخ رحمه الله فقال بركنيتهما فى الاوليين و ثالثة المغرب دون الاخيرتين، بناء على ان الناسى

ص: 100


1- الحدائق (منه).

فيهما لا يعيد الصلوة، و سيجئ تحقيق ذلك فى مقامه ان شاء اللّه.

و لا تبطل الصلاة بترك احديهما
اشارة

(و لا) تبطل الصلوة (بترك احديهما) سهوا على الاشهر الاظهر، بل عن التذكرة و الذكرى الاجماع عليه، و هو الحجة مضافا الى الأخبار التى ننقلها فى محلها ان شاء اللّه تعالى، خلافا للمحكى عن الكلينى و ظاهر العمانى فتبطل بالاخلال بها مطلقا، استنادا الى رواية ضعيفه، و هى رواية المعلى بن خنيس الآتية فى مقامها ان شاء اللّه لا تصلح لمعارضة المشهور جدا، كما سيجئ تفصيل الكلام فى محلّه ان شاء اللّه تعالى، و للمحكى عن الشيخ فى ظاهر التهذيب و محتمل الاستبصار فوافق العمانى، اذا كانت من الاوليين، و الاصحاب اذا كانت من الاخيرتين، و عن والد الصدوق و الاسكافى فحكما بالبطلان فى الركعة الاولى و عدمه فيما عداها، و سيجئ تحقيق المطلب فى مقامه - بعون الله و حسن توفيقه - فانتظر.

فرع:

لا تبطل الصلوة بزيادة احديهما سهوا على الاشهر، على ما ادعاه بعضهم، خلافا للمحكى عن الكلينى و السيد فى الجمل و الحلبيين(1) و الحلى، فتبطل بالزيادة و لهم الخبران المتقدم اليهما الاشارة، و الاقوى هو المشهور، لما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره الكافى فى الصحيح، لمكان ابان بن عثمان عن منصور بن حازم، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن رجل صلى فذكر انه زاد سجدة، فقال: لا يعيد صلوته من سجدة، و يعيدها من ركعة. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الموثق، عن عبيد بن زرارة، قال سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل شك فلم يدر اسجد ثنتين ام واحدة، فسجد اخرى ثم استيقن انه قد زاد سجدة فقال: لا و الله لا تفسد الصلوة زيادة سجدة، و قال: لا يعيد صلوته من سجدة، و يعيدها من ركعة. و هذا لمكان اخصيتهما مقدمان على الخبرين، مع اعتضاد الخاصين بالشهرة العظيمة، التى كادت ان تكون من المتأخرين اجماعا فى الحقيقة، قاله بعض الاجلة. و فى الرياض فى جملة كلام له: مع ان الزام ما

ص: 101


1- و هما ابو الصلاح و ابو زهرة (منه).

ذكر يستلزم بطلان الصلوة بزيادة السجدة الواحدة، لتحقق المسمى، و لم يقل به احد انتهى، و يبطل الصلوة بزيادة احديهما عمدا بلا خلاف اجده، بل الظاهر انه اجماعى، و يدل عليه الخبر ان المتقدم اليهما الاشارة، الحاكمان بالاعادة لمن زاد فى صلوته.

فائدة:

يرد على المشهور القائل بان الركن مجموع السجدتين اشكال، و هو انه على هذا يلزم بطلان الصلوة بفوات السجدة الواحدة، لفوات الكلّ بفوات الجزء، و هو كما ترى. و اجاب الشهيد بان الركن مسمى السجود، و هو الامر الكلى الصادق بالواحدة و بمجموعهما، و لا يتحقق الاخلال به الا بتركهما معا، لحصول المسّمى بالواحدة: و فيه:

اولا: ان فيه خروجا عن محل البحث، اذ الكلام مبنى على كون الركن مجموع السجدتين، لا ان الركن المسمى، فانه قول آخر.

و ثانيا: لزوم البطلان ايضا بزيادة السجدة الواحدة، لحصول المسمى، و هو كما ترى، و يمكن القول بان الركن المفهوم المردد بين السجدة الواحدة بشرط لا، و السجدتين بشرط لا، و ثلاث سجدات بشرط لا، و هذا القول و ان كان خارجا عن محلّ البحث، و لكنه معنى يندفع به الاشكال، لان ترك الركن حينئذ انما يكون بعدم تحقق السجدة مطلقا، و اذا سجد اربع سجدات او اكثر لم يتحقق الركن، اللهم الا ان يورد عليه، بانهم جعلوا بطلان الأربع فما زاد لزيادة الركن، و بهذا التقرير يلزم البطلان بتركه، لا بزيادته، و يمكن ايضا ان يقال لدفع الاشكال بان الركن احد الأمرين من سجدة واحدة بشرط لا، او سجدتين لا بشرط شئ، فاذا سجد سجدة واحدة سهوا فقد اتى بفرد من الركن، و كذا اذا اتى بهما، و لا ينتفى الركن الا بانتفاء الفردين بان لا يسجد اصلا، و اذا سجد ثلاث سجدات لم يات الا بفرد واحد من الركن، و هو الاثنان، و اما الواحدة الزائدة فليست فردا له، لكونهما مع اخرى، و ما كان فرد اله كان بشرط لا، و اذا اتى باربع فما زاد

ص: 102

اتى بفردين من الاثنين.

و اما اندفاع الاشكال بالقول بكون الاولى منهما ركنا و الثانية واجبة، كما يدل عليه خبر المعراج، حيث ورد فيه ان الأول كان بامره تعالى، و الثانى من قبله (ص)، فمردود بما ذكره بعضهم، بانه على تقدير تسليم دلالة خبر المعراج على ذلك، لا ينفع فى دفع الشبهة، بل تزيد المفسدة، اذ لا يعقل حينئذ زيادة الركن اصلا، لان السجدة الاولى لا تتكرر الا ان يفرض انه سها عن الاولى و سجد اخرى بقصد الاولى، فيلزم زيادة الركن بسجدتين ايضا، مع انه يلزم اذا سجد الف سجدة بغير هذا الوجه لم يكن زاد ركنا، على انه لو اعتبرت النية فى ذلك يلزم بطلان صلوة من ظن انه سجد السجدة الاولى، و سجد بنية الاخيرة، فظهر له بعد الصلوة ترك الاولى. و لم يقل به احد، انتهى.

أقول: و الحق فى دفع الاشكال هو ما تقدم، و مع ذلك فالاظهر ان يقال:

ان الاشكال غير وارد على الأخبار، لمكان كونها عن ذكر الركن خالية، و اما ايراده على كلام الاصحاب - رضوان الله عليهم - فبعد تصريحهم بحكم السجود صارت قاعدتهم الكلية فى المقام مقيدة، و مثل هذا فى كلامهم غير عزيز، فلا طائل تحت تلك المناقشات، بعد ظهور المراد. و بطور آخر لو قلنا بركنية المجموع، لا بد ان يستثنى من ذلك فوات السجدة الواحدة سهوا، و لو قلنا بركنية المسمى، لا بد من استثناء زيادة السجدة الواحدة سهوا، فبعد ظهور المراد لا وجه لاضاعة الوقت و القرطاس و المداد.

فى ما يسجد عليه
اشارة

(و يجب فى كل سجدة وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه)، و قد تقدم بيانه فى بحث المكان، بما لا مزيد عليه فراجع الى هناك.

فرع:

يكفى فى وضعها المسمى و ما يصدق عليه الاسم على المشهور بين الاصحاب، خلافا للصدوق فى الفقيه، كما عن المقنع و الحلى، فاوجبوا مقدار الدرهم، و يستفاد من ظاهر والد الصدوق ايضا القول بذلك، كما يظهر من الفقيه من باب

ص: 103

ما يسجد عليه، و اختاره فى الدروس، و فى موضع من الذكرى قيل و ابن ادريس قد صدر المسئلة بما اذا كان فى جبهته علة، فكانه يرى ان الاجتزاء بالدرهم مع تعذر الاكثر.

جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام
اشارة

أقول: فلننقل اولا جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام.

الأول:

ما رواه الصدوق فى باب ما يسجد عليه فى الصحيح عن زرارة، عن احدهما (ع)، قال: قلت له: الرجل يسجد و عليه قلنسوة او عمامة، فقال: اذا مسّ شىء من جبهته الأرض فيما بين حاجبيه و قصاص شعره فقد اجزأ عنه.

الثانى:

ما رواه فى الباب المتقدم فى الموثق عن عمار الساباطى، عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: ما بين قصاص الشعر الى طرف الانف مسجد، فما اصاب الأرض منه فقد اجزأك، قال فى الفقيه بعد ذلك: و روى زرارة عنه (ع) مثل ذلك، و طريقه الى زرارة صحيح.

الثالث:

ما رواه ايضا فى باب صلوة المريض فى الصحيح، عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، قال: سألته عن المريض كيف يسجد؟ فقال: على خمره او على مروحة او على سواك يرفعه اليه، هو افضل من الايماء، انما كره(1) من كره السجود على المروحة من اجل الاوثان التى كانت تعبد من دون الله، و انا لم نعبد غير الله قط فاسجدوا على المروحة و على السواك و على عود.

الرابع:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة عن زرارة، عن ابى جعفر عليه السلام، قال: سألته عن حد السجود. قال: ما بين قصاص الشعر الى موضع الحاجب، ما وضعت منه اجزأك.

الخامس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الزيادات، فى الموثق عن مروان بن مسلم و عمار الساباطى، قال: ما بين قصاص الشعر الى طرف الانف مسجد، اى ذلك اصبت به الأرض اجزأك.

السادس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن بريد عن ابى جعفر (ع)، قال: الجبهة الى الانف، اى ذلك اصبت به الأرض فى السجود اجزأك، و

ص: 104


1- اكره خ ل (منه).

السجود عليه كلّه افضل.

السابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الزيادات فى الصحيح عن على بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر (ع)، قال: سألته عن المرأة تطول قصتها، فاذا سجدت وقعت بعض جبهتها على الأرض، و بعض يغطيه الشعر، هل يجوز ذلك؟ قال: لا، حتى تضع جبهتها على الأرض.

الثامن:

ما رواه الكافى فى باب وضع الجبهة فى الصحيح، على الصحيح لمكان ابراهيم، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: الجبهة كلّها من قصاص شعر الراس الى الحاجبين موضع السجود، فايما سقط من ذلك الى الأرض اجزأك مقدار الدرهم، و مقدار طرف الانملة.

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان الاشهر هو الاظهر، لمكان الاطلاقات، و جملة من الأخبار المتقدمة و اماما ذكره فى الذكرى بقوله: و الاقرب ان لا ينقص فى الجبهة عن درهم لتصريح الخبر و كثير من الاصحاب به، فيحمل المطلق من الأخبار و كلام الاصحاب على المقيد.

فعن مثله طاب ثراه غريب، اما اولا فلان المشهور على المسمى، و المخالف ليس الا ما عرفته، فاطلاق الكثير عليهم مما يهدمه الوجدان(1)، و اما ثانيا فلانا لم نجد على ما ادعاه من الخبر، نعم، قد يقال: ان المستند لعله الخبر الثامن، و التقريب ان قالب استعمال الاجزاء فى اقل الواجب، و فيه انه على هذا يلزم اشتمال الخبر على الحكمين المتناقضين لمكان قوله (ع):

و مقدار طرف الا نملة، و هو دون الدرهم، فليقل بعد استعمال الاجزاء فى اقل الواجب هنا، بل المقصود منه انما هو بيان الفرد الذى به يتحقق الامتثال من غير ملاحظة شئ، و اما حمله على الاستحباب، كما صنعه غير واحد، فلعلّه لا يخلو عن بعد، فافهم.

و اما الاستدلال لهم بالخبر السابع، ففيه مع قطع النظر عن عدم كون التحديد بالدرهم فيه اصلا، ان ظاهره اعتبار جميع الجبهة، و هو خلاف الاجماع نقله غير واحد، و الأخبار، فليحمل على الاستحباب كما يدل عليه الخبر السادس،

ص: 105


1- و فى التذكرة لا يجب استيعاب الجبهة بالوضع بل يكفى المسمى مع التمكن لان النبى (ص) سجد باعلى جبهته (منه).

او يحمل قوله (ع) لا على الكراهة، لا يقال: كيف ادعى الاجماع، و الحال انه قال فى الحبل المتين: و ما تضمنه الحديث من عدم الاكتفاء بوقوع بعض جبهة المراة على الأرض، يدلّ بظاهره على ما يعطيه كلام ابن الجنيد من وجوب وضع كل الجبهة على الأرض، فان فيه اجزاء مقدار الدرهم، بما اذا كان بالجبهة علة. و فى المفاتيح اوجب الاسكافى تمام الجبهة انتهى، لانا نقول على فرض تسليم ذلك و ظهوره من كلام الاسكافى مما شاة، لا يضر ذلك فى نقل الاجماع، و ان انضم اليه الحلى، و ذلك واضح عند من عرف معنى الاجماع.

و بالجملة عدم مقاومة الخبر فى مقابلة الأخبار المتقدمة و غيرها غير ظاهر لا سترة فيه(1). و اما حمله على ما دون الدرهم، و الامر بوضع قدر الدرهم، فليس باولى من الحمل على ما دون المسمى، و الامر بوضع المسمى فتامل(2).

و بالجملة اظهرية قول المشهور مما لا شبهة فيها فليحكم به، و امر الاحتياط واضح.

تذنيبان:
الأول: اعلم ان المراد بالمسمى هو العرفى،

و عليه فاذا كان على الفراش الصوف مثلا مقدار حبة من خردل مثلا ترابا، و سجد عليه، فلا يكفى وفاقا لبعض المحققين، بل لا بد ان يكون فيه منه شئ يعتد به عرفا، حملا للنصوص على الافراد المتبادرة.

الثانى: هل يشترط فى مقدار الدرهم كونه متصلا

قال فى الحبل المتين: ثم على تقدير ثبوتها اى ثبوت دعوى الصدوق و من وافقه، هل يشترط فى مقدار الدرهم كونه متصلا ام يكفى كونه متفرقا، كما لو سجد على السبحة و الحصاء الصغار و نحوهما؟ لا يحضرنى الان كلام فى ذلك لاحد من اصحاب هذا القول، و لا ريب ان الاتصال احوط، انتهى.

أقول: روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات، فى الموثق عن يونس بن يعقوب، قال: رايت ابا عبد الله (ع) يسوى الحصى فى موضع سجوده بين السجدتين، و رواه الصدوق ايضا فى الفقيه فى باب ما يسجد عليه، بعد

ص: 106


1- و لم نجد احدا نسب الى الاسكافى ما نسباه اليه (منه).
2- و فى المقاصد العلية لا خلاف فى عدم وجوب استيعاب الجبهة بالسجود و ان كان افضل لما فيه من زيادة الخشوع (منه).

نقل ما كتب اليه ابوه فى الرساله المشتمل على قوله: و يجزيك فى وضع الجبهة من قصاص الشعر الى الحاجبين مقدار درهم الى آخره، باسطر قليله، مع ان ديدنه فى الفقيه ما تعرفه، لمكان نظرك فيما قاله فى اول كتابه فتدبر. و روى ايضا بعد نقل ذلك الخبر، عن على بن بجيل انه قال: رايت جعفر بن محمد (ع) كلما سجد فرفع راسه، اخذ الحصا من جبهته فوضعه على الأرض.

(و) يجب (عدم علو موضع الجبهة عن الموقف بازيد من لبنة) بفتح اللام و كسر الباء او كسر الأول و سكون الثانى، اما عدم جواز ارتفاع موضع السجود عن الموقف بما يزيد عن قدرها فاجماعى على الظاهر المحكى عن كثير من العبائر، و اما تأمل المدارك فليس بشئ، و عن الذكرى الاسناد الى الاصحاب، و فى جامع المقاصد:

لا بد ان يكون موضع جبهته مساويا لموقفه او زايدا عليه بمقدار لبنة موضوعة على اكبر سطوحها لا ازيد، عند جميع اصحابنا. و فى الحبل المتين و الذخيرة و المدارك و غيرها: المعروف بين الاصحاب ذلك، و يدل عليه بعد ذلك ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصّلوة فى الحسن عن عبد الله بن سنان، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن السجود على الأرض المرتفع. فقال: اذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس. و فى الكافى فى باب وضع الجبهة على الأرض، بعد نقل رواية عبد الله بن سنان الآتية، و فى حديث آخر فى السّجود على الأرض المرتفعه قال: اذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن رجليك قدر لبنة فلا بأس. و اما ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن عبد الله بن سنان قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن موضع جبهة الساجد، ايكون ارفع فى مقامه؟ فقال: لا، و لكن ليكن مستويا، فلا يصلح للمعارضة، لمكان كون الاولين خاصين، و تقدمه على العام مما ليس فيه مرية، سيما بعد ملاحظة كونهما ايضا معتبرين فى الغاية، و لو بالشهرة للعظيمة، بل ظهور عدم الخلاف.

و اما ما ذكره بعض الاجلة حيث قال: بل الاحوط التساوى بين المسجد و الموقف، بحيث لا يزيد بقدر اللبنة ايضا، بل ربما قيل بوجوبه، انتهى(1).

ص: 107


1- و لعل المعنى من هذه العبارة هو صاحب المدارك (منه).

و عليه فالخلاف متحقق فشاذ على تقدير التسليم بلا مرية، فلا معنى للاعتناء به، مضافا الى كونهما معتضدين بالاجماعات المحكية المعتضدة بعمل الشيعة قديما و حديثا وجيلا بعد جيل، مع ان المساواة لو كانت واجبة، لاشتهرت لمكان عموم البلوى و مسيس الحاجة، و كون دلالتهما من حيث المفهوم الشرط غير ضاير، لان الحق انه حجة، و ضعف المفهوم منجبر بالتعدد، و ما مضى اليه الاشارة، و كون المعارض لهما صحيحا بحسب السند. و عليه فليقدم عليهما مما لا يصغى اليه، اذ الخبر و لو كان ضعيفا فى الغاية اذا اعتضد بعمل الطائفة، مقدم على المعارض مطلقا، و لو كان بحسب العدد مائه، و بحسب السند صحيحا فى الغاية، كما مضى منافى المباحث السابقة الاشارة، فكيف ظنك بما اذا كان الخبر حسنا، اذ ليس فى سند رواية عبد الله بن سنان الاولى من يتوقف فيه الا النهدى، و صاحب المدارك و ان قال فيه انه مشترك بين جماعة، منهم من يثبت توثيقه، و عليه فيتوقف فى السند. و لكنه لم يتفطن ان الظاهر كونه هيثم بن ابى مسروق، الذى نقل الكشى عن حمدويه عن اصحابنا انه فاضل، و عن المصنف انه صحح الطريق الى ثوير بن ابى فاخته، و الى محمد بن بجبيل، و الى ابى ولاد الحناط، و هو فيه و يروى عنه الثقات كمحمد بن على بن محبوب، و محمد بن الحسن الصفار، و سعد بن عبد الله. و فيه دلالة على حسن حاله، مضافا الى مامر، و انما حكمنا بكون النهدى هو هذا؟ لمكان رواية محمد بن على بن محبوب عنه.

و اما القول بان المفهوم انما هو ثبوت الباس عن الزايد عن اللبنة، و هو كما يحتمل الحرمة كذا يحتمل الكراهة، ففيه ان الباس فى اللغة العذاب، و عليه فظاهر فى الحرمة، اذا النقل خلاف الاصل بلا شبهة، الا اذا دل على خلافه الادلة، و هى فى المقام مفقودة، و على فرض التسليم، فالاجماعات المحكية المعتضدة بما مرّ اليه الاشارة قرينة على ارادة الحرمة و آية قرينة اقوى من الاجماعات المحكية المعتضدة بالاشياء المتقدمة، فليحمل الخبر المعارض على الاستحباب، الذى عن الجماعة كونه من المجازات المشهورة، بالنسبة الى الاوامر التى فى الوجوب ظاهرة، كالكراهة بالنسبة الى النواهى الظاهرة فى الحرمة

ص: 108

مع كون الراوى للمعارض و نقضيها هو عبد الله بن سنان، و هو ايضا مما يعاضد الحمل المذكور بلا شبهة، كالرواية المروية فى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن عاصم بن حميد، عن ابى بصير، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يرفع موضع جبهته فى المسجد. فقال: انى احب ان اضع وجهى فى موضع قدمى. و كرهه، و عن البحار انه رواها من كتاب عاصم بن حميد نحو المذكور، الا انه قال:

فى مثل قدمى. و يكره ان يضعه. و يمكن ان يرفع المنافاة، و بين روايتى ابن سنان المتقدمتين بان يقال: المساواة: المامورة فى الرواية الاخيرة ليست فى المساواة الحقيقية اجماعا، لما ترى من عمل الشيعة، و لانتفاء الحرج فى هذه الشريعة، و عليه فالمراد هو المساواة العرفية، اذ ليست الاقربية الاعتبارية معتبرة، و عليه فلا يضر فيها ارتفاع موضع الجبهة عن موضع الرّجل بقدر اللبنة، لمكان صدق المساواة العرفية، نعم، ربما لا يصدق فى العرف المساواة اذا كان موضع السجود خاصة، او مع ما يقرب منه مرتفعا بقدر اللبنة مثلا، و كان الموقف و محل القعود مثلا مستويا، و لكن ذلك غير ضاير، لمكان الاجماع المركب على الظاهر، و مقلوبيته غير مسموعة، اذ جانب الاثبات مقدم بلا مرية، و عبارة التذكرة ايضا شاهدة على كون ذلك المقدار غير ضاير فى صدق المساواة، حيث قال المصنف رحمه الله: فيها لا يجوز ان يكون موضع السجود اعلى من موقف المصلى بالمعتد اختيارا عند علمائنا لقول الصادق (ع)، ثم نقل صحيحة ابن سنان الاخيرة، و قال: و لانه يخرج عن الهيئة المشروعة، و يجوز العلو بمقدار لبنة، لانه لا يعد علوا، و لعدم التمكن من الاحتراز عنه، اذ علو ذلك غالب، و بذلك ايضا صرح فى شرح الجعفرية حيث قال:

و يجوز ارتفاعه بمقدار غير معتد به، و هو مقدار لبنة، لانه لا يعد ذلك علوا عرفا.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: المراد من اللبنة هو اللبنة المعتادة فى زمان صدور الرواية عن الامام (ع)،

لانصراف الاطلاق اليه، و قدرها الاصحاب على ما ذكره بعض الأجلاء و غيره باربع اصابع، قال الأول: و يؤيده اللبنة الموجودة الان فى ابنية بنى

ص: 109

عباس فى سرّ من راى، فان الآجر الذى فى ابنيتها بهذا المقدار تقريبا، انتهى

و المراد باربع اصابع هو المضمومة، كما صرح الجماعة، و نسب الى الاصحاب.

الثانى: الحق الجماعة من متاخرى الطائفة بالارتفاع الانخفاص،

و منهم الشهيدان، خلافا للمحكى عن بعضهم، فقال بجواز الانخفاض مطلقا، كما عن المصنف فى نهاية الاحكام، و اختاره بعض مشائخنا، و قال: يستفاد ذلك من الجماعة، بل قال بعض الأجلاء انه ظاهر كلام المتقدمين، بل نسبه بعض المحققين الى ظاهر الفقهاء، بل فى التذكرة: و يجوز العلو بمقدار لبنة، لانه لا يعد علوا، و لعدم التمكن من الاحتراز عنه، اذ علو ذلك غالب، و لقول الصادق عليه السلام، ثم نقل حسنة ابن سنان المتقدمة، و قال: و لو كان مساويا او اخفض جاز اجماعا، انتهى.

للاولين ما رواه التهذيب فى باب صلوة المضطر، فى الزيادات فى الموثق عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن المريض، أيحل له ان يقوم على فراشه و يسجد على الأرض؟ قال: فقال: اذا كان الفراش غليظا قدر آجرة او اقل، استقام له ان يقوم عليه و يسجد على الأرض، فان كان اكثر من ذلك فلا. و للاخر ما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد، فى الزيادات فى الصحيح عن صفوان، عن محمد بن عبد الله، عن الرضا (ع) فى حديث قال: قلت: فيصلى وحده فيكون موضع سجوده اسفل من مقامه؟ فقال: اذا كان وحده فلا بأس. و اطلاق الامر بالسجود و اطلاق الامر بالصلوة، و عموم قوله (ع) لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و اطلاق الاجماع المحكى فى التذكرة، كما تقدم فى نقل العبارة المعتضد بما تقدم اليه الاشارة، و هذا القول لعله لا يخلو عن قوة، و لا يعارض تلك الادلة موثقة عمار المتقدمة، التى ربما يزعم كونها لمكان خصوصيتها مقدمة على تلك الأدلة، اذ المتبادر من الاجماع المحكى هو شمول ما لو كان الانخفاص ازيد من اللبنة، كما لا يخفى على من تامل فى سوق عبارة التذكرة، و يعاضد المذكوران انخفاض موضع السجود كارتفاعه، اذ من ذكر هذا الحكم انما هو الشهيد عليه الرحمة، و

ص: 110

تبعه من تبعه، و لم ينقل من كلام من تقدم عليه من قدماء الطائفة، و لم اجد فيه كما نص عليه فى الذخيرة، هذا مضافا الى ان الموثقة حاكمة بالصحة اذا كان غلظة الفراش قدر آجرة، و هذا كما يحتمل ان يكون موقفه تحت الفراش و مسجده مساويا، كذا يحتمل ان يكون مسجده منخفضا او مرتفعا عنه. و عليه فمقتضى الموثقة هو الحكم بالصحة مطلقا، لمكان ترك الاستفصال، و لا يمكن ان يقال بان الغالب مساواتهما، اذ ذلك ممنوع بلا شبهة، بل لعل الغالب هو العكس بل ذلك يقينى لاحتياج المستقيم الى تعمّل غالبا، بخلاف المعوج. و على ذلك فيتم المطلق لمكان الاجماع المركب على الظاهر، فالموثقة لنا لا علينا، و ادعاء مغلوبية الاجماع المركب، لمكان النهى الوارد فى آخر الموثقة، و ان امكن، و عليه فتصير علينا لا لنا، و لكن ما ادعينا ارجح، لمكان اعتضاده بما مر اليه الاشارة، هذا مضافا الى احتمال ورود النهى فى الموثقة مورد الارشاد، كما يشعر به قوله (ع):

استقام. اذ النهى عن الفعل بهذه المادة قليل، فافهم.

و بالجملة، الاظهر عندى هو جواز الانخفاض مطلقا، و لو كان ازيد من اللبنة، لمكان الادلة المتقدمة التى لا يقوم فى مقابلها الموثقة، التى قال فى جامع المقاصد انها فيما ذهب اليه الشهيد صريحة، و انضم اليها قوله (ع): و لكن ليكن مستويا. كما فى صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة، قال: الامر للوجوب، الا ما اخرج الدليل، انتهى.

أما عدم مقاومة الموثقة فلما عرفت، و اما الصحيحة فلان الاجماع المعتضد بما مر صالح للتقييد بلا مرية، مع ان فى دلالتها ما عرفت. هذا على تقدير حمل الامر على الوجوب، و الا فالامر اوضح، و لكن الاحتياط مما لا ينبغى تركه البتة.

الثالث: صرح الشهيد باجراء الحكم المذكور فى حالتى الارتفاع و الانخفاض،

بالنسبة الى الموقف و الجبهة فى بقية المساجد ايضا، و جعله فى الرياض اولى، و فى الذخيرة: و اعتبر الشهيد رحمه الله ذلك فى بقية المساجد، و لم اجده فى كلام من تقدم عليه، الا ان المصنف فى النهاية قال: يجب تساوى

ص: 111

الاعالى و الاسافل، او انخفاض الاعالى. و هو ظاهر فيما ذكره، و الاحتياط فيه، و ان كان اثبات وجوبه محلّ اشكال، مع ان التقريب الذى اشرنا اليه يقتضى نفيه، انتهى.

و عنى بالتقريب اطلاق الامر بالسجود. و فى الاثنى عشرية: يتحقق السجود بوضع مجموع الاعضاء السبعة على الأرض غير متفاوتة المحال بازيد من لبنة.

أقول: لعل مستند الشهيد هو حسنة عبد الله بن سنان المتقدمة، و اما بالنسبة الى الانخفاض فلم اجد ما يدل عليه، و الاحتياط فيما ذكره، خصوصا بالنسبة الى الارتفاع.

الرابع: قال فى الرياض: و لا فرق فى ذلك بين ما لو كان الارتفاع و الانخفاض بسبب البناء و الفراش و نحوهما،

الرابع: قال فى الرياض(1): و لا فرق فى ذلك بين ما لو كان الارتفاع و الانخفاض بسبب البناء و الفراش و نحوهما،

او من اصل الأرض كالمنحدرة، لاطلاق النصوص و الفتاوى، انتهى. و هو جيد بالنسبة الى الارتفاع، و اما انسحابه فى عدم الانخفاض على القول باعتباره فمشكل، لعدم العموم فى النص الذى هو مستنده، كما صرح بذلك فى الذخيرة، اللهم الا ان يتم بالاجماع المركب فتامل.

الخامس: لو وقعت الجبهة على موضع مرتفع عن القدر الذى يجوز السجود عليه،
اشارة

جاز له رفع الراس و وضع الجبهة على موضع الجواز، على ما حكى عن الاكثر، بل فى المدارك هو المشهور، بل لم اجد فيه مخالفا الا من المدارك فقال بجرّ الجبهة، و جعله فى الذخيرة احوط.

جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام
اشارة

فلننقل جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام:

الأول:

ما رواه التهذيب(2) فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات فى الصحيح عن الحسين بن حماد، الذى يورى عنه الاجلة، و منهم ممن اجمعت عليه العصابة و عن المجلسى الحكم بحسنه، لان للصدوق طريقا اليه، قال: قلت لابى عبد الله

ص: 112


1- انظر الرياض ج 1 ص 168-171 الطبعة الحجرية عام 1307 هجرية.
2- تهذيب الاحكام: ج 2 ص 312: دار الكتب الاسلامية طهران.

عليه السلام: اسجد فيقع جبهتى على الموضع المرتفع. قال: ارفع راسك ثم ضعه.

الثانى:

ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، عن الحسين بن حماد، قال:

سألت ابا عبد الله (ع) عن الرّجل يسجد على الحصى قال: يرفع راسه حتى يستمكن.

الثالث:

ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، فى الصحيح عن ابن مسكان، عن حسين بن حماد عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت له: اضع وجهى على حجرا و على شئ مرتفع، احول وجهى الى مكان مستو؟ قال: نعم، جرّ وجهك على الأرض من غير ان ترفعه.

الرابع:
اشارة

ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، فى الصحيح عن معوية بن عمار، قال: قال ابو عبد الله (ع): اذا وضعت جبهتك على نبكة فلا ترفعها، و لكن جرها على الأرض.

بيان:

قال فى الحبل المتين: النبكة بالنون و الباء الموحدة واحدة النبك، و هى اكمة محددة الراس، و النباك التلال الصغار.

الخامس:

ما روى عن الشيخ فى كتاب الغيبة، و الطبرسى فى الاحتجاج، قيل(1)رواه فى كتاب الغيبة عن محمد بن احمد بن داود القمى، قال: كتب عبد الله بن محمد بن جعفر الحميرى الى الناحية المقدسة يسأل عن المصلى، يكون فى صلوة الليل فى ظلمة، فاذا سجد يغلط بالسجادة، و يضع جبهته على مسح او نطع، فاذا رفع راسه وجد السجادة، هل يعتد بهذه السجدة ام لا يعتد بها؟ فوقع (ع):

ما لم يستو جالسا فلا شئ عليه فى رفع راسه لطلب الخمرة.

السادس:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات فى الصحيح عن على بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر (ع)، قال: سألته عن الرجل يسجد على الحصى، و لا تمكن جبهته من الأرض، قال يحرك جبهته حتى يمكن، فينحى الحصى عن جبهته، و لا يرفع راسه. و الاقوى عندى هو القول المشهور، للخبر الأول، و

ص: 113


1- صاحب الحدائق (منه).

لا يعارضه الخبر الثالث و الرابع، اذ هما اما محمولان على ما اذا لم يكن المرتفع ازيد من اللبنة، كما عن الاكثر، او على الاستحباب كما نفى فى الذخيرة عنه البعد، و عليه فالخبر الأول محمول على الجواز المطلق، فالمراد من الامر فيه هو الارشاد.

فان قلت: لا بد من الجمع من شاهد لغة او شرعا او عرفا، فما الشاهد فى هذا الجمع؟

قلت: الشاهد هو الشهرة، فان قلت: مقتضى قوله (ع): من زاد فى صلوته فعليه الاعادة، هو عدم جواز رفع الراس، بل تعين جر الجبهة، اذ جواز ذلك اجماعى على الظاهر، بخلاف الأول، اذ صاحب المدارك و من يحذو حذوه مخالف، قلت: الدليل على التخصيص موجود، و هو ما اشرنا اليه، فان قلت: كيف تدعى كون جواز الجر اجماعيا، و الحال ان مقتضى الخبر الأول هو وجوب رفع الراس، و يعضده ما ذكره بعض الأجلأ، المفهوم من كلام الاصحاب، من غير خلاف يعرف، الا من صاحب المدارك و من تبعه كالفاضل الخراسانى، انه لو وقعت جبهته حال السجود على ما لا يصح السجود عليه، مما هو ازيد من لبنة ارتفاعا او انخفاضا او غيره، مما لا يصح السجود عليه، فانه يرفع راسه و يضعه على ما يصح السجود عليه، و ان كان مما يصح السجود، و لكنه لا على الوجه الاكمل، و اراد تحصيل الفضيلة و ما هو الافضل فى السجود، فانه يجر جبهته و لا يرفعها، لئلا يلزم زيادة سجودثان، انتهى.

قلت: الظاهر من الامر، و ان كان كما ذكرت، و لكنه محمول على الجواز عند الاصحاب، كما يظهر بالتتبع، اذ هم بين مصرح بالتخيير بين الرفع و الجر الى موضع الجواز، كما فى الرياض و غيره، بل نسبه الاخير الى الاكثر، و بين مفتى بوجوب الجرّ الى موضع الجواز، و هو المدارك و من يحذو حذوه، و بين حاكم بجواز الرّفع، و هو التحرير و جامع المقاصد و غيرهما، بل فى المدارك هو المشهور. و عليه فمراد بعض الأجلاء بقوله: يرفع راسه، كما تقدم، و التذكرة بقوله: رفع راسه، هو

ص: 114

جواز الرفع لا الوجوب، و يعضد المذكور انى لم اجد من نقل فى المسئلة خلافا من هذه الجهة، و استدل الجماعة و منهم التذكرة و جامع المقاصد لجواز الرفع بعدم تحقق زيادة سجود هنا، لان الوضع الأول ليس بسجود، و عليه فالسجود حقيقه فى وضع الجبهة بما يساوى الموقف فصاعدا الى قدر اللبنة.

و فيه ان ذلك انما يحسن لو لم يكن السجود صادقا عرفا على ما اذا وضع جبهته بما هو ازيد من اللبنة مطلقا، و هو فى محل المنع، اذ لم يثبت حقيقة شرعية له فيه، و اثباتها بما دل على المنع عن الوضع على الزايد على اللبنة غير وجيه، اذ يمكن ان يكون وجه المنع بعض واجبات السجود، لا نفسه. و يمكن ان يقال: قد دل الأخبار - ككلام الاصحاب - بان السجود الذى يكون موضع الجبهة اعلى من الموقف بلبنة ليس مطلوبا للشارع، سواء كان وجهه عدم صدق السجود معه، او فوات بعض ما هو شرط فى صحته. و عليه ففى الفرض المفروض لا يلزم زيادة سجود شرعى. و فيه ان هذا الدّليل على هذا التقدير ليس فيه مزيد حلاوة، اذ حلاوته انما كانت ظاهرة اذا كان هنا حديث دال على بطلان الصلوة بزيادة السجدة، اذ يكون لك عليه ان تقول: ان مراد الشارع من السجدة هو السجدة التى وضعها و قرّرها، و عليه فالساجد على الزائد على اللبنة بالنسبة الى موقفه لم يصدر منه زيادة سجدة، لو رفع راسه، بخلاف ما لو سجد على المساوى، او ما لم يبلغ حد المنع، فانه لو رفع راسه قد صدر منه سجدة قررها الشارع، و وضعها فتبطل الصلوة لزيادة السجدة الشرعية، فتدبر جدا. و ذلك الحديث كما ترى مفقود، فانحصر الامر فى الاجماع، و فى حديث: من زاد فى صلوته فعليه الاعادة، اما الأول فلا نسلم ان يكون واقعا على بطلان الصلوة بزيادة السجدة مطلقا، حتى ينفع لك فى المقام بان هذا ليس بسجود، اذ المحقق منه امر معنوى وجدانى، و المحكى منه انما يجدى اذ اعتضد بالشهرة. و عليه فعدم نفعه فى المقام بديهى، مع انا لم نجد اجماعا محكيا الا بحسب ظاهر عبارته على شئ ينصرف الى محل البحث.

ص: 115

و اما الثانى: فلعدم حلاوة الاستدلال به بديهى، اذ المناط حينئذ هو صدق الزيادة لا السجود، و بالجملة الاستناد فى المسئلة على هذا الدليل محل اشكال، نعم يصلح للتاييد للخبر الأول، و بالجملة الاظهر عندى هو جواز الرفع، و لكن الاحوط جر الجبهة فلا ينبغى تركه.

السادس: لو وقعت الجبهة على ما لا يصح السجود عليه،

مع كونه مساويا للموقف او مخالفا بقدر المجزى، فهل يجوز رفعها و وضعها ثانيا على ما يصح السجود عليه، كما هو ظاهر التذكرة و صريح بعض الأجلاء الذى تقدم نقل كلامه، بل ظاهر كلامه انه المفهوم من كلام الاصحاب ام لا؟ بل يجرها الى موضع الجواز كما صرح به الشارح الفاضل فى الرياض، و سبطه فى المدارك، و المحقق الثانى فى جامع المقاصد، و غيرهم، بل نسبه بعضهم الى الاكثر؟ وجهان: ينشآن من ان ذلك لا يعد سجودا شرعيا، فرفع الراس منه و وضعه الى ما يصح السجود عليه غير ضاير، سيما بعد ملاحظة الخامس، اذ العام المخصص فيما بقي حجة فالاول، و من ان رفع الراس فى الصلوة زيادة، و الشارع (ع) قد قال: من زاد فى صلوته فعليه الاعادة، خرج عنه ما خرج بدليل، و لا دليل على خروج ما نحن فيه، سيما بعد اعتضاده بالخبر السادس و ما ضاهاه، الذى لا يقوم الخبر المخالف فى مقابله سندا و عددا فالثانى، و هو الاظهر مضافا الى كونه احوط.

السابع: لو وقعت جبهته على مرتفع ليس بازيد عن الموقف بلبنة،

و كان مما يصح السجود عليه، و اراد تحصيل الفضيلة بان يجعلها على موضع مستوى، فيتعين عليه جرها، و لا يجوز له الرفع - بلا خلاف اجده - و يدل عليه الخبر الثالث و ما ضاهاه.

الثامن: لو وقعت جبهته على ما هو ازيد من اللبنة،
اشارة

بالنسبة الى الموقف، او على شئ لا يصح السجود عليه، و لو كان مساويا، او حيث لا يبلغ المنع، و لم يكن له جر الجبهة، او حيلة تصحح سجوده من غير رفع راس، فيتعين عليه رفع الراس و السجدة ثانيا بلا خلاف اجده، و يدل عليه عدم حصول المامور به، و

ص: 116

عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و غيرهما.

فائدة:

ما اشتمل عليه الخبر الخامس من تقييد جواز الرفع بما اذا لم يستو جالسا، لا اعرف له الآن وجها.

وهم و تنبيه:

قال فى الحبل المتين بعد نقل حسنة عبد الله بن سنان المتقدمة فى بعيد المتن، مبدلا لفظة بدنك - بالباء ثم النون - بلفظة يديك باليائين المثناتين من تحت، و لعله كان فى نسخته كذلك بما لفظه: و هذه الرواية مع كونها غير نقية السند فهى غير دالة على جواز ارتفاع موضع الجبهة عن موضع القيام بقدر اللبنة، لكن المعروف بين علمائنا رضوان الله عليهم جواز ارتفاعه عنه بذلك القدر فما دونه، و عدم جواز الزائد، الى ان قال: و قوله (ع): و لكن ليكن مستويا. أقول: و عنى بذلك ما تقدم من صحيحة عبد الله بن سنان، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن موضع جبهة الساجد، أيكون ارفع من مقامه؟ فقال: لا، و لكن ليكن مستويا. قال: قد استدل به بعض الاصحاب على استحباب مساواة المسجد للموقف، و هو كما ترى، فان الظاهر ان مراده (ع) باستواء موضع الجبهة كونه خاليا عن الارتفاع و الانخفاض فى نفسه، لا كونه مساويا للموقف.

و قد روى ما يدل على استحباب استوائه، روى يونس بن يعقوب قال: رايت ابا عبد الله (ع) يستوى الحصا فى موضع سجوده بين السجدتين، انتهى. و هو كما ترى اذ كون الصحيحة ظاهرة فيما ذكره بعض الاصحاب مما ليس فيه مرية، فلا معنى لمنع الظهور فيما ذكره بعض الاصحاب بلا شبهة قضاء للسياق، نعم، يمكن المناقشة من وجه آخر، و هو ان المراد بالمساواة هو العرفية، و عليه فلا يضر التفاوت بقدر اللبنة، مع ان مراد ذلك البعض غير ذلك، فتامل.

ص: 117

و اما ما ذكره بقوله: فهى غير دالة على جواز ارتفاع الجبهة عن موضع القيام بقدر اللبنة، فوجيه، على الكيفية التى نقل بها الرواية، ولكنى لم اعثر على نقلها على الكيفية المسطورة فى الحبل المتين و غيره، و لعلها سهو من قلمه، و ان قيل ربما يوجد فى بعض النسخ بيائين مثناتين من تحت، يعنى تبديل كلمة بدنك بالبأثم النون بلفظه يديك باليائين، فلا يفيد العلو على الموقف، فالاستدلال به لذلك مشكل، و ان اتفق لجمع، انتهى.

و بالجملة الاظهر فى كيفية الرواية هو ما نقلناه، لما عرفت بانى لم اعثر على الكيفية التى نقلها فى الحبل المتين فى سواه، و الله هو العالم.

(و الذكر فيه مطلقا على راى) و الترجيح فى هذه المسئلة كالترجيح فى الركوع فانهما متحدان فى امثال هذه المباحث، و فى المدارك و الذخيرة و غيرهما: و البحث فى هذه المسئلة كما تقدم فى الركوع خلافا و استدلالا و مختارا، و فى التذكرة:

يجب فيه الذكر، و الخلاف فيه كالركوع، و فى التحرير: يجب الذكر فى كل واحدة، كما قلنا فى الركوع، و الخلاف فيه كالخلاف هناك، و الاولى فيه التسبيح ثلاثا، و افضل منه خمسا و اكمله سبعا، انتهى.

و بالجملة لم اجد فارقا بينهما. مع ان الأخبار المتقدمة يعمّهما، فالفارق خارق للاجماع المركب على الظاهر، مع ان الأخبار الباعثة لترجيح مارجحه فى الركوع هى بعينها باعثة لذلك فى السجود ايضا.

فى المساجد السبعه
اشارة

(و السجود على سبعة اعضاء: الجبهة و الكفين و الركبتين و ابهامى الرجلين) بلا خلاف اجده، الا ما عن المرتضى و الحلى، فجعلا عوض الكفين المفصل عند الزندين، فلا اعتناء بهما اصلا، لمكان الاجماع المحكى على خلافهما فى التذكرة و الذكرى، و جامع المقاصد. و عن الخلاف: و عن بعض انه مما لا خلاف فيه، هذا مضافا الى ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات فى الصحيح، عن زرارة قال: قال ابو جعفر (ع): قال رسول الله (ص): السجود على سبعة أعظم: الجبهة، و اليدين، و الركبتين، و الا بهامين و ترغم بأنفك ارغاما. فاما الفرض

ص: 118

فهذه السبعة، و اما الارغام بالانف فسنة من النبى (ص).

و فى رواية حماد الطويلة المتقدمة فى وصف صلوة الصادق (ع): و سجد على ثمانية أعظم الجبهة، و الكفين، و عينى الركبتين، و انامل ابهامى الرجلين، و الانف. فهذه السبعة فرض. و وضع الانف على الأرض سنة، و هو الارغام، هذا على ما نقله فى الفقيه. و لكنه فى الكافى و التهذيب: و سجد على ثمانية أعظم:

الكفين، و الركبتين، و انامل ابهامى الرجلين، و الجبهة، و الانف. و قال: سبعة منها فرض يسجد عليها، و هى التى ذكرها الله فى كتابه فقال: «وَ أَنَّ اَلْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلاٰ تَدْعُوا مَعَ اَللّٰهِ أَحَداً» و هى الجبهة، و الكفان، و الركبتان، و الابهامان، و وضع الانف على الأرض سنة.

و عن عبد الله بن جعفر الحميرى فى كتاب قرب الاسناد، عن محمد بن عيسى عن عبد الله بن ميمون القداح، عن جعفر بن محمد (ع) قال: يسجد ابن آدم على سبعة أعظم: يديه، و رجليه، و جبهته.

و عن الفضل بن الحسن الطبرسى فى كتاب مجمع البيان قال: روى ان المعتصم سأل ابا جعفر بن على بن موسى الرضا (ع) عن قوله: «وَ أَنَّ اَلْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلاٰ تَدْعُوا مَعَ اَللّٰهِ أَحَداً» قال: هى الاعضاء السبعة التى يسجد عليها. قال بعض الأجلاء بعد نقله: و هذه الرواية التى اشار اليها فى كتاب مجمع البيان، هى ما رواه العياشى فى تفسيره عن ابى جعفر الثانى (ع) انه سأله المعتصم عن السارق من اى موضع يجب ان يقطع؟ فقال: ان القطع يجب ان يكون من مفصل اصول الاصابع، فيترك الكف. قال: و ما الحجة فى ذلك؟ قال:

قال رسول الله (ص): السجود على سبعة اعضاء: الوجه، و اليدين، و الركبتين، و الرجلين، فاذا قطعت اليدين من الكرسوع او المرفق لم يبق له يد يسجد عليها. و قال الله: «أَنَّ اَلْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلاٰ تَدْعُوا» - يعنى بها هذه الاعضاء السبعة التى يسجد عليها - «فَلاٰ تَدْعُوا مَعَ اَللّٰهِ أَحَداً» و ما كان لله فلا يقطع الخبر.

ص: 119

و فى كتاب الفقيه فى وصية امير المؤمنين (ع) لابنه محمد بن الحنفية: قال الله: «وَ أَنَّ اَلْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ» يعنى بالمساجد الوجه و اليدين و الركبتين و الابهامين، انتهى.

و اما القول الآخر فلم نقف له على دليل اصلا، و ربما يستفاد من المحكى عن جماعة من القدماء المخالفة هنا من وجه آخر، حيث جعلوا عوض الابهامين اصابع الرجلين، كما عن كلام جماعة منهم، او اطرافهما. كما عن كلام آخرين، و لم نعثر لهما على مستند عدا ما عن القاضى فى شرح الجمل، من نقل الاجماع على الأول فى ظاهر كلامه، و ما ورد فى بعض الأحبار من لفظ الرجلين، و الأول مع عدم صراحته، بل و لا ظهوره كما لا يخفى على المراجع لكلامه موهون، بمصير الاكثر، بل الكل على خلافه، قاله بعضهم(1). و معارض باجود منه دلالة و عددا، و الثانى محمول على الأخبار الخاصة المتقدمة المعتبرة المعتضدة بالشهرة العظيمة، و غيرها من المرجحات العديدة.

و اما ما روى عن طريق الجمهور(2)، عن ابن عباس، ان النبى (ص) امر ان يسجد على سبع: يديه، و ركبتيه، و اطراف اصابعه، و جبهته، و عن الغوالى عنه (ص): و اسجد على سبعة اليدين، و الركبتين، و اطراف اصابع الرجلين، و الجبهة، فلا يغنى من الجوع.

فروع:
الأول: كفاية المسمى في كل المساجد

كما يكفى فى الجبهة المسمى، كما عرفت تفصيل الكلام فيه بما لا مزيد عليه، كذا يكفى المسمى فيما عداها من هذه الاشياء المعدودة، كما هو الظاهر من كلام الاصحاب، من غير خلاف يعرف، قاله بعض الأجلاء. بل نفى فى المقاصد العلية عنه الخلاف، و فى المدارك: و لا نعرف فى ذلك خلافا. و فى الذخيرة: و لم اجد قائلا بخلاف ذلك، نعم، يستفاد من المصنف رحمه الله فى المنتهى التردد فى ذلك، مع انه صرح فى التذكرة و التحرير بما ذكرناه. قال فى المنتهى: هل يجب استيعاب جميع الكف بالسجود؟ عندى فيه تردد، و الحمل على الجبهة

ص: 120


1- و هو الرياض (منه).
2- رواه فى التذكرة (منه).

يحتاج الى دليل، لورود النص فى خصوصية الجبهة، و التعدى بالاجزاء فى البعض يحتاج الى دليل، انتهى، و فيه انه لو تم لما انحصر اشكاله فى الكف، بل يعم ساير المساجد. و عليه فليس للتخصيص وجه، هذا مع ان خبر العياشى المتقدم ربما ينادى بخلافه.

و بالجملة، هذا التردد ليس له وجه، و الاقوى هو المشهور، لنفى الخلاف المعتضد بما مرّ، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و الاطلاقات.

الثانى: المراد من الكفين

لا تتوهم ان فى بعض الأخبار لفظ الكفين، و فى آخر اليدين، و كذا فى جملة من العبائر الأول، و فى اخرى كالجعفرية و الدروس و النهاية الثانى، و عليه فيحصل تعارض بين الأخبار، فلا بد من الجمع، اذ المراد من الكف هو اليد.

قال فى القاموس: الكف اليدا و الى الكوع.

و قال بعض المحققين: الكفان يشتملان الاصابع. و قال فى الرياض: و المراد بالكفين ما يشمل الاصابع فيجرى وضع احدهما، و عليه فما عبربه فى المسالك بقوله: و لا يجب الجمع بين الاصابع و الكف، بل يجزى المسمى من كل منهما، و جامع المقاصد بقوله: و لا يجب الجمع بين الكف و الاصابع، بل ما يقع عليه اسم الوضع من احدهما، اذا صدق وضع شئ من اليد. نعم، يستحب، صرح به فى الذكرى، ليس فيه مزيد حلاوة، اذ يمكن ان يقال: انه على التغاير، كما تومى اليه العبارتان، يمكن الجمع بين الأخبار، يحمل ما اشتمل على اليدين على الكفين، لمكان الاخصية.

الثالث: صرح الجماعة و منهم الشهيدان و المصنف فى نهاية الاحكام بعدم الاجتزاء بظاهر الكفين،

بل نقله فى الذكرى عن الاكثر، بل لم اجد فيه مخالفا، و يدل عليه بان ذلك هو المعهود من الائمة (ع) و المسلمين فى الاعصار و الامصار قديما و حديثا.

ص: 121

و عليه فلا بد من حمل المطلقات على ما هو المعهود المتكرر، و عليه فلا يقبل التعارض قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، هذا مضافا الى كونه احوط.

الرابع: عن المصنف فى النهاية انه نقل عن ظاهر علمائنا - الا المرتضى - وجوب تلقى الأرض بباطن راحتيه،

قيل: و ينظر فيه المصنف فى المنتهى.

أقول: الحق عدم الوجوب، لمكان الاطلاقات، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره.

الخامس: عن المرتضى و الاسكافى و الحلى تجويز القاء زنديه،

قيل: و ينظر فيه المصنف فى المنتهى و فى التذكرة، و هل يجب ان يلقى الأرض ببطون راحته، او يجزيه القاء زنديه؟ ظاهر كلام الاصحاب الأول، و كلام المرتضى الثانى.

السادس: يجوز الاكتفاء فى الابهامين بالظاهر و الباطن وفاقا للجماعة،

لمكان الاطلاق، و العموم المتقدم، مع عدم ظهور المقيد. و اما ما فى عبارة الحلى فى السرائر، حيث قال: و يكون السجود على سبعة أعظم: الجبهة، و مفصل الكفين عند الزندين، و عظمى الركبتين، و طرفى ابهامى الرجلين، و الارغام بطرف الانف مما يلى الحاجبين من السنن الاكيده. فالظاهر انه اراد به الاستحباب، قاله بعض الأجلاء، و كيف كان، فالاقوى ما ذكرناه.

السابع: لو تعذر السجود على الابهامين اجتزأ على باقى الاصابع،

وفاقا للجماعة. و فى الذكرى: لو تعذر السجود عليهما لعدمهما او قصرهما اجزء على بقية الاصابع. و فى الذخيرة: و هو حسن.

الثامن: هل يجزى روؤس اصابع اليدين،

لمكان صدق المسمى ام لا؟ كما فى المسالك قال: لانها حد الباطن، وجهان: و الاحوط الاخير.

التاسع: يجب الاعتماد على مواضع الاعضاء بالقاء ثقلها عليها على المشهور،

قاله بعضهم، بل لم اجد فيه مخالفا، و يدل عليه كونه هو المتبادر من الامر بالسجود عليها، و يعضده سيرة المسلمين فى الاعصار و الامصار قديما و حديثا، و

ص: 122

الخبر الثانى و السادس المتقدمان فى شرح قول المصنف رحمه الله، و عدم علو موضع الجبهة فى الامر الخامس و الخبر التاسع المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله فى بحث الركوع، و الذكر فيه على راى، و غير ذلك من الأخبار المتفرقة فى جزئيات المسائل، كالسجود على الوحل و الثلج و نحوهما بحيث لو تعرضنا لنقلها ليطول المقام.

منها: ما رواه الكافى فى باب ما يسجد عليه فى الصحيح، عن على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن الرجل يصلى على الرطبه الناطبه، قال: فقال: اذا الصق جبهته بالأرض فلا بأس. و كذا يؤيده ما اشار اليه بعضهم من ان المقصود من الأمر بالسجود هو تحصيل تمام الخشوع، و من الظاهر انه لا يحصل بدون التمكين، و آخر من ان الطمأنينة الواجبة فى السجود لا تحصل الا بالتمكين، و عليه فلو سجد على نحو الصوف و القطن يجب ان يعتمد عليهما حتى يثبت الاعضاء، نعم لا يجب المبالغة فى الاعتماد بحيث يزيد على ثقل الاعضاء، كما صرح به الجماعة، لمكان الاطلاقات، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره.

العاشر: صرح الجماعة بانه يجب ان يجافى بطنا عن الأرض،
اشارة

فلواكب على وجهه و مديديه و رجليه و وضع جبهته على الأرض منبطحا لم يجزءه، و استدل الجماعة بعدم كون ذلك سجودا.

أقول: الكلام هنا يقع فى مقامين:
الأول: لواكب على وجهه و مد يديه و رجليه و وضع اليدين و الابهامين و الركبتين على الأرض،

او على شئ آخر، و الجبهة على ما يصح السجود عليه، فالظاهر عدم الاجزاء، لكونه مخالفا للهيئة المشاهدة من الائمة (ع) و المسلمين فى الاعصار و الامصار قديما و حديثا، مع ان ذلك لو كان جايزا لتواتر لمكان عموم البلوى و مسيس الحاجة و يعضده الاستدلال المتقدم.

قال بعض الأجلاء: و هذه الكيفية لا تسمى سجودا، و انما يسمى نوما على

ص: 123

وجهه انبطاحا، انتهى فتدبر.

الثانى: لو الصق بالأرض بطنه بالأرض و وضع باقى المساجد عليها،

مع كونه على الهيئة المتداولة المشهورة فى السجود، فالاظهر هو الصحة، وفاقا لبعض الأجلاء، لمكان الاطلاقات، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، نعم، الافضل له عدم الصاق بطنه بها، لمنافاته للخشوع المستدعى لفراغ البال و توجه النفس.

الحادى عشر: لو تعذر وضع بعض المساجد وضع الباقى،

كما صرح غير واحد، عملا بالاستصحاب المؤيد بقوله (ع): الميسور لا يسقط بالمعسور، و قوله (ع): اذا امرتكم بشىء فاتوا منه ما استطعتم، و قوله (ع): ما لا يدرك كله لا يترك كله. و كذا يدل عليه ان الامر قد تعلق بالسبعة المعدودة فى الرواية، و مع تعذر واحد منها لا يسقط الامر بالنسبة الى الاخر، اذ لم يثبت ان للهيئة المركبة مدخلية فى تعلق الامر، فتدبر.

الثانى عشر: اذا وضع شيئا من الاعضاء السبعة عدا الجبهة على الارض،
اشارة

ثم رفعه عمدا قبل الشروع فى الذكر، فهل يفسد بذلك صلوته مطلقا، ام لا مطلقا، او الأول اذا كان بعد وضع الجبهة، و الثانى اذا كان قبله؟ احتمالات اقربها الثانى، وفاقا لبعضهم(1) كما عن غيره، لمكان الاطلاقات، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و ان ذلك لو كان مفسد النقل عنهم (ع)، لمكان توفر الدواعى.

تذنيبان:
الأول: لا يفسد بالمذكور سجوده ايضا،

لعين ما مر، نعم يجب عليه وضعه ثانيا.

الثانى: هل المتصف بالوجوب هو السابق او اللاحق،

الذى يستمر عليه حتى يتحقق رفع الراس؟ وجهان: و الاخير اقرب، وفاقا لبعضهم، كما عن غيره، لكونه هو المتبادر من الامر بالوضع، و عليه فالاول لغو، و لا يخفى عليك ان بانضمام النية الى الأول او الثانى او كليهما او لا مطلقا ينشعب فروع كثيرة.

ص: 124


1- المفاتيح (منه).

فالتعرض لتفصيلها كانه للوقت اضاعة، لمكان الاهم، فعليك بالاستخراج، و لكن ليكن فى مد نظرك ان المقصود من الأوامر هو الطبيعة.

الثالث عشر: لو وضع شيئا من السبعة على الأرض،
اشارة

فهل يجب وضع الباقى فورا بلا مهلة ام لا؟ و الاظهر الثانى، لمكان الاطلاق و العموم المتقدم، و ان كان الاحوط الأول.

تذنيب:

هل يجوز التفاحش فى التاخير؟ و الاظهر العدم، لعدم كونه متبادرا من الاطلاق، بل المتبادر هو الغير.

الرابع عشر: لا يجزى وضع الانف عن الجبهة عند علمائنا اجمع،

قاله فى التذكرة، خلافا للمحكى عن ابى حنيفة، فحكم بالاجزاء، مستدلا بان الانف و الجبهة عضو واحد، و هذا ايضا من جزافاته الواهية.

فى الطمأنينة فى السجود
اشارة

(و) يجب (الطمأنينة فيه) اى فى السجود (بقدر الذكر) اجماعا، نقله الجماعة و منهم التذكرة، و هو الحجة، و قد تقدم فى طمأنينة الركوع ان النبى (ص) قال للاعرابى: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تستوى قائما، و قد تقدم هناك ايضا فى رواية زرارة ان النبى (ص) قال لرجل لم يتم ركوعه و لا سجوده:

نقر كنقر الغراب، لئن مات هذا و هكذا دينه ليموتن على غير دينى.

و عن البرقى فى المحاسن قال: و فى رواية عبد الله بن ميمون القداح عن ابى عبد الله (ع)، قال: ابصر على بن ابى طالب (ع) رجلا ينقر صلوته، فقال:

منذ كم صليت بهذه الصلوة؟ فقال الرجل: منذ كذا و كذا، فقال: مثلك عند الله كمثل الغراب اذا ما نقر، لومت متّ على غير ملة ابى القاسم محمد (ص)، ثم قال (ع):

اسرق الناس من سرق صلوته، و جعل الروايتين بعض الأجلاء دليلا على المطلق، و الاولى جعلهما من المعاضدات.

و فى الحبل المتين: قوله (ص): نقر كنقر الغراب، لئن مات هذا و هكذا صلوته ليموتن على غير دينى، يدل على وجوب الطمأنينة فى الركوع و السجود،

ص: 125

لا يدرى كيف لم يستدلوا به الاصحاب قدس سرهم على ذلك، و التجاؤا تارة الى الاستدلال بما تضمنه الحديث الرابع من قوله (ع): و اقم صلبك، و مد عنقك، و دلالته على ذلك كما ترى، و اخرى الى الاستدلال بحديث ضعيف عامى، و هو ما رواه من ان رجلا دخل المسجد و رسول الله (ص) جالس فى ناحية الى آخره، انتهى فتدبر.

و كيف كان، فالمسئلة بحمد الله واضحة، و عن الشيخ القول بركنيتها، و سيجئ تحقيقه ان شاء الله فى مقامه.

فرعان:
الأول: الطمأنينة واجبة فى حال الذكر،

و عليه فلو شرع فيه قبل وصول الجبهة الى الأرض، او رفع قبل انتهائه بطل السجود عند علمائنا اجمع، نقله فى التذكرة.

الثانى: لو لم يعلم الذكر الواجب فالظاهر وجوب الطمأنينة بقدره،

لعدم سقوط الواجبين بسقوط الاخر، وفاقا لبعضهم.

(و رفع الراس منه مطمئنا عقيب) السجدة (الاولى) اجماعا، نقله الجماعة، و هو الحجة، و فى رواية الاعرابى المتقدمة: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تستوى قائما، الخبر. و فى التذكرة: فاذا كمل الذكر وجب عليه رفع راسه و الطمأنينة فى الجلوس بين السجدتين، عند علمائنا اجمع. و به قال الشافعى و احمد، لقوله (ع) للاعرابى: ثم ارفع راسك حتى تطمئن، انتهى. و لا حد لهذه الطمأنينة بلا خلاف اجده، بل يكفى مسماها اتفاقا، قاله بعض الاجلة، و عليه فيكفى ان يزيد على السكون الضرورى بين الحركتين المختلفتين و لو يسيرا.

فى كيفية وضع الجبهة فى السجود
اشارة

(و العاجز عن السجود) بمرض و نحوه اقتصر على ما يتمكن منه، و عن ظاهر المنتهى و التحرير دعوى الاجماع عليه، فان عجز عن ذلك (يومى) براسه، فان تعذر فبعينيه، (و لو احتاج الى رفع شئ يسجد عليه فعل)، و قد مرّ تفصيل هذه الاحكام فى بحث القيام بما لا مزيد عليه فراجع الى هناك.

ص: 126

(و ذو الدمل) و الجرح و الورم و نحوها اذا لم يمكنه وضع الجبهة على الأرض (يحفر لها) حفيره، او يعمل بها شيئا مجوفا من طين او خشب او نحوهما، (ليقع السليم) من الجبهة (على الأرض فان تعذر) ذلك، اما لعدم امكان الفعل او لاستيعابه الجبهة (سجد على احد الجبينين، فان تعذر) السجود عليهما ايضا (فعلى ذقنه) على المشهور بين الاصحاب رضوان الله عليهم.

قال الشيخ فى المبسوط: ان كان هناك دمل او جراح، و لم يتمكن من السجود عليه، سجد على احد جانبيه، فان لم يتمكن سجد على ذقنه، و ان جعل لموضع الدّمل حفيرة يجعلها فيها كان جايزا.

و قال فى النهاية: فأن كان فى جبهته دمل او جراح لم يتمكن من السجود عليه، فلا بأس ان يسجد على احد جانبيه، فان لم يتمكن سجد على ذقنه، و قد اجزأ ذلك، و ان جعل موضع الدمل حفيرة و وضعه فيها لم يكن به بأس.

و قال ابن حمزة: يسجد على احد جانبيها، و ان يتمكن فالحفيرة، فان لم يتمكن فعلى ذقنه.

و قال على بن بابويه على ما نقله ابنه فى الفقيه، فى باب ما يسجد عليه فى الرسالة: و ان كان بجبهتك دمل فاحفر حفيرة، فاذا سجدت جعلت الدمل فيها، و ان كانت بجبهتك علة لا تقدر على السجود من اجلها، فاسجد على قرنك الايمن من جبهتك، فان لم تقدر عليه فاسجد على قرنك الايسر من جبهتك، فان لم تقدر عليه فاسجد على ذقنك، لقول الله عزّ و جلّ: «إِنَّ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذٰا يُتْلىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ سُجَّداً» الى قوله تعالى: «وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً» و تبعه ابنه الصدوق على ما نسبه غير واحد،

جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام
اشارة

فلننقل اولا ما وصل الينا من الأخبار.

الأول:

ما رواه الكافى فى باب وضع الجبهة على الأرض، فى الصحيح عن صفوان بن يحيى الثقه، المجمع على تصحيح ما يصح عنه، على ما عن الكشى، عن اسحق بن عمار، عن بعض اصحابه، عن مصادف قال خرج بى دمل، فكنت

ص: 127

اسجد على جانب، فراى ابو عبد الله (ع) اثره، فقال: ما هذا؟ فقلت:

لا استطيع ان اسجد من اجل الدمل، فانما اسجد منحرفا. فقال لى: لا تفعل، و لكن احفر حفيرة فاجعل الدمل فى الحفرة حتى تقع جبهتك على الأرض.

الثانى:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن على بن محمد، باسناد له قال:

سأله ابو عبد الله (ع) عمن بجبهته علة لا يقدر على السجود عليها، قال: يضع ذقنه على الأرض، ان الله عزّ و جلّ يقول: «يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ سُجَّداً».

الثالث:

ما رواه الثقة الجليل على بن ابراهيم، فى كتابه عن ابيه عن الصباح، عن اسحق بن عمار، قال: قلت لابى عبد الله (ع): رجل بين عينيه قرح، لا يستطيع ان يسجد عليها، قال: يسجد ما بين طرف شعره، فان لم يقدر سجد على حاجبه الايمن، فان لم يقدر فعلى حاجبه الايسر، فان لم يقدر فعلى ذقنه، قلت: على ذقنه؟ قال: نعم، اما تقرا كتاب الله عزّ و جلّ: «يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ سُجَّداً».

الرابع:

ما روى عن الفقه الرضوى قال (ع): اذا كان فى جبهتك علة لا تقدر على السجود، او دمل فاحفر حفيرة، فاذا سجدت فاجعل الدمل فيها، و ان كان على جبهتك علة لا تقدر على السجود من اجلها، فاسجد على قرنك الايمن، فان تعذر عليك فعلى قرنك الايسر، فان تعذر عليك فاسجد على ظهر كفك، فان لم تقدر عليه فاسجد على ذقنك، لقول الله عزّ و جلّ تبارك و تعالى:

«إِنَّ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذٰا يُتْلىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ سُجَّداً» الى

الرابع: قال فى جامع المقاصد و اعلم ان تعذر الحفيرة و فى معناها

الكلام هنا يقع فى مقامات:
اشارة

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان الكلام هنا يقع فى مقامات:

الأول: لو امكن لذى الدّمل و نحوه امساس شئ من جبهته بما يصح السجود عليه،

و لو بحفيرة يجب عليه ذلك على المشهور، بل فى المدارك نفى عنه الخلاف، و فيه نظر، لما ظهر من عبارة الشيخ من الحكم بالتخيير بين السجود على احد جانبيه، و مع تعذره فعلى الذقن، و بين الحفيرة، و ابن حمزة فحكم

ص: 128

بتقديم احد الجانبين على الحفيرة، و عن الجامع التخيير بين السجود على احد الجانبين و بين الحفيرة، و كيف كان، فالمشهور هو الاقوى، اذ امساس شئ من الجبهة بما يصح السجود عليه واجب، و هو يحصل بذلك، فيكون واجبا، و لو من باب المقدمة، هذا مضافا الى الخبر الأول و الرابع المعتضدين بالخبر الثالث، و ضعف السند مجبور بالشهرة العظيمة، التى قيل انها من المتأخرين، لعلها اجماع فى الحقيقة، و لم اجد للمخالف مستندا يقبل الذكر، فليعمل بالمشهور بين الطائفة، مع كونه احوط، لمكان شذوذية ابن حمزة، و اما الشيخ و صاحب الجامع، فيجوز ان و لو من باب التخيير.

الثانى: يجب السجود على احد الجبينين،
اشارة

عند تعذر السجود على شئ من الجبهة، على المشهور بين الاصحاب، بل الظاهر عدم الخلاف فيه، كما استظهره الجماعة، بل فى الرياض و جامع المقاصد: و لا خلاف فى تقديمهما على الذقن مع الامكان، و فى المدارك نسب ذلك الى علمائنا و اكثر العامة، و يدل عليه بعد ذلك الخبر الرابع المعتضد بالخبر الثالث، وجه الاعتضاد هو كون المراد من الجانب هو الجبين مجازا، كما استظهره بعض الأجلاء جمعا بين الخبرين، و جعله كغيره من الادلة فافهم، و يؤيد المذكور ما عن الفاضلين انهما احتجا لذلك، بانها مع الجبهة كالعوض الواحد، فيقوم احدهما مقامها، و بان السجود على احد الجبينين اشبه بالسجود على الجبهة من الايماء، و بان الايماء سجود مع تعذر الجبهة، فالجبين اولى.

فرع:

ظاهر الخبرين تقديم الايمن على الايسر، كما قاله الصدوقان، خلافا لصريح الجماعة، و المحكى عن ظاهر الاكثر، فالتخيير لمكان الاصل، و عدم الدليل على التخصيص، و اما الخبر الرابع فلمكان ضعفه سندا لا يقوم للتخصيص، سيما بعد مخالفته للشهرة، و الاحوط مراعاة مذهب الصدوقين.

وهم و تنبيه:

ص: 129

قال فى الذخيرة: و لا ترتيب بين الجبينين، لاطلاق الرواية، لكن الاولى تقديم الايمن خروجا عن خلاف ابنى بابويه، حيث أوجبا تقديم الايمن، انتهى. و فيه انه لم يذكر فى هذا البحث كغيره الا الخبر الأول و الثانى، و شئ منهما لم يذكر فيه الجبينان، بل انما نقل فى هذا الحكم بعد استظهاره عدم الخلاف فيه، و ذكره قاعدة الاحتياط احتجاج الفاضلين المتقدم نقله، فاى خبر هنا حتى يعتمد فى التخيير الى اطلاقه.

و بالجملة، كلامه هنا لا يخلو عن سهو ظاهر.

الثالث: يجب السجود على الذقن، عند تعذر السجود على شئ من الجبهة و الجبينين

بلا خلاف اجده الا عن الصدوقين، فعلى ظهر كفه، و الا فعلى الذقن، و الحق هو المشهور، للخبر الثانى المعتضد بالخبر الثالث، و ضعف سنده غير ضاير لشهرة مدلوله بين الاصحاب، قاله فى الذخيرة بل فى المدارك مضمونه مجمع عليه بين الاصحاب، و لا يعارضه الخبر الرابع، لمكان ضعفه و شذوذه، و استدل فى جامع المقاصد كما عن الفاضلين للمشهور بقوله تعالى: « يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ سُجَّداً» و التقريب انه اذا صدق عليه السجود، وجب ان يكون مجزيا فى الامر بالسجود، ورده فى الذخيرة بان المراد بالسجود بالمامور به غير هذا المعنى، بدليل عدم صحة الاجتزاء به فى حال الاختيار، فلا يحصل بذلك امتثال الامر بالسجود، انتهى.

أقول: لأصل هذا الاستدلال وجه صحة، لمكان الأخبار المتقدمة، و ما ورد ان للقرآن بطونا اصلناه على اهل الكمال.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: المراد بالذقن مجمع اللحيين،

صرح به الجماعة، و عليه فهل يجب كشفه لاجل السجود عليه، كما فى الرياض و المسالك، اذ اللحية ليست من الذقن فيجب الكشف، لتصل البشرة الى ما يصح السجود عليه، ام لا كما فى المدارك و فى الذخيرة؟ و لعله الاقرب لمكان اطلاق الخبر، بل الأخبار، و الاحوط هو الأول.

ص: 130

الثانى: صرح الجماعة بان المراد بالعذر هنا المشقة الشديدة،

التى لا يحتمل عادة، و ان امكن تحملها بعسر.

الثالث: لو تعذر جميع المذكورات اومأ مع رفع موضع السجود،

كما صرح غير واحد، و قد تقدم فى بحث القيام تفصيله فراجع الى هناك.

الرابع: قال فى جامع المقاصد و اعلم ان تعذر الحفيره و ما فى معناها بمنزلة استيعاب العذر الجبهة.
الخامس: قال فى المسالك: و لو زال الالم بعد كمال الذكر اجزاء،

و قبله يستدرك. و فى الدروس: و لو زال الم المساجد على الجبينين او على الذقن فان كان بعد الذّكر اجزاء، و الا استدراك.

السادس: قال المحقق الثانى فى حاشية الكتاب: قوله: و ذو الدّمل يحفر لها ليقع السليم على الأرض وجوبا،

من باب المقدمة، و لو تعذر وضع شئ من المساجد الا بمثل ذلك امكن قويا الوجوب، انتهى.

و القول بالوجوب و لو من باب المقدمة أقوى: تحصيلا للواجب المطلق مع الامكان.

و يستحب التكبير له
اشارة

(و يستحب التكبير له) اى للسجود عند علمائنا، قاله فى التذكرة، ثم نقل عن بعض علمائنا القول بوجوبه، و لعله الديلمى، فلا ريب فى كونه شاذا كما مر تفصيله فى بحث الركوع، و يدل على الرّجحان الصحاح المتقدمة فى شرح قول المصنف: و تسوية الظهر، و فى قبيله و الرضوى المتقدم هناك ايضا، (قائما) قبل السجود، ثم يهوى اليه، عند علمائنا، قاله فى التذكرة كما عن المنتهى و التحرير كون ذلك اختيار الاصحاب، و فى رواية حماد السابقة فى وصف صلوة الصادق عليه السلام: ثم كبر و هو قائم، و رفع يديه حيال وجهه ثم سجد. و فى رواية زرارة، ثم ترفع يديك بالتكبير و تخر ساجدا. و فى روايته الاخرى: فاذا اردت ان تسجد فارفع يديك بالتكبير و خر ساجدا. و قد تقدمت هذه الروايات فى بحث الركوع. و ظاهر تلك الصحاح كما ترى هو ما ذكرناه، و عليه فما عن العمانى بانه يبدا

ص: 131

بالتكبير قائما، و يكون انقضاء التكبير مع مستقره ساجدا، لا وجه له، و ان اعتضد بما رواه الكافى فى باب القيام و القعود عن معلى بن خنيس، عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: كان على بن الحسين (ع) اذا هوى ساجدا انكب و هو يكبر، اذ لا بد للمعارضة من المقاومة، و عدم صلاحية لها ظاهر من وجوه شتى، و ان ايد باطلاق الرضوى المتقدم فى بحث الركوع: ثم كبر و اسجد. و عليه فما عن الشيخ القول بالتخيير بين المختار و ما ذكره العمانى فليس له وجه.

فرعان:
الأول: صرح الجماعة و منهم الشهيد ان و المحقق الثانى بانه لو كبر فى هويه جاز،

و لكنه ترك الافضل، و فيه انهم ان ارادوا من الجواز لاجل كونه ذكر الله فلا بأس به، و ان ارادوا انه بهذه الكيفية مستحب، ففيه ما ترى، و الاظهر هو الأول، كما ينادى بذلك فى جامع المقاصد بقوله: و لو كبر فى هويه جاز و ترك الافضل، كما فى الركوع لكن يشترط ان لا يعتقد استحبابه على هذا الوجه.

الثانى: و عن الذكرى: و لا ينبغى مد التكبير قصد البقائه ذاكرا الى تمام الهوى،

لما روى عن النبى (ص) قال: التكبير جزم. و فى التذكرة: الاجود الاتيان به جزما موجزا، و للشافعى وجهان: احدهما: انه يستحب ان يمد مدّا لينتهى مع انتهاء الهوى، انتهى. و ما استجوده هو الاجود.

فى وضع الكفين قبل الركبتين على الارض
اشارة

(و السبق بيديه الى الأرض) قبل ركبتيه اجماعا، كما فى التذكرة، و عن المنتهى و الخلاف و فى جامع المقاصد هو مذهب اصحابنا، و يدل عليه روايتا حماد و زرارة، المتقدمتان فى اوائل الكتاب فى شرح قول المصنف رحمه الله: و الواجب سبعة، و ما رواه الصدوق فى العلل فى باب علة وضع اليدين الى الأرض فى السجود بسنده عن طلحة السلمى، عن ابى عبد الله (ع)، قال: قلت: لاى علة توضع اليدان الى الأرض فى السجود قبل الركبتين؟ قال: لان اليدين هما مفتاح الصلوة. و ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الصحيح عن محمد و هو ابن مسلم، قال: رايت ابا عبد الله (ع) يضع يديه قبل ركبتيه اذا سجد، و اذا

ص: 132

اراد ان يقوم رفع ركبتيه قبل يديه. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن الحسين بن ابى العلا، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يضع يديه قبل ركبتيه فى الصلوة؟ فقال: نعم. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: سئل عن الرجل يضع يديه قبل ركبتيه فى الصلوة؟ فقال: نعم، و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: سئل عن الرجل يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه؟ قال: نعم، يعنى فى الصلوة، و اما ما رواه التهذيب ايضا فى الباب فى الموثق او الصحيح لمكان سماعة عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، قال: لا بأس اذا صلى الرّجل ان يضع ركبتيه على الأرض قبل يديه. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الزيادات، فى كالصحيح لمكان ابان عن عبد الرّحمن بن ابى عبد الله، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن الرجل اذا ركع، ثم رفع راسه ابتدا فيضع يديه على الأرض ام ركبتيه؟ قال: لا يضره باى ذلك بدا هو مقبول منه. فمحمول على الجواز، اذ المقام مقام استحباب، و اما الحمل على الضرورة، و من لا يتمكن من تلقى الأرض بيديه لعلة او مرض، كما صنعه التهذيب فبعيد، و بما ذكر ظهر ان ما ذكره الصدوق فى الامالى حيث يصف دين الامامية بقوله: و لا يجوز وضع الركبتين على الأرض فى السجود قبل اليدين، لا وجه له اصلا، فليقل بالمشهور بين الطائفة.

فرع:

ظاهر الأخبار المتقدمة بل صريح بعضها هو استحباب وضع اليدين دفعة واحدة من غير ترتيب بينهما، قال: بعض الأجلاء: و فى رواية عمار انه يضع اليمنى قبل اليسرى، و نقل عن الجعفى و العمل بالمشهور اظهر، انتهى. و هو جيد لما مر.

فى ارغام الانف فى السجود
اشارة

(و الارغام بالانف) اجماعا على ما عن الجماعة، و فى المدارك أجمع علماؤنا على انه من السنن الاكيده، انتهى. و يدل عليه بعد المذكور روايتا حماد و زرارة المتقدمتان فى شرح قول المصنف، و السجود على سبعة اعضاء، و ما رواه الكافى فى

ص: 133

باب وضع الجبهة: على الأرض، عن عبد الله بن المغيرة، قال: اخبرنى من سمع ابا عبد الله (ع) يقول: لا صلوة لمن لم يصب انفه ما يصيب جبهته؟ و يعضده ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح، عن محمد بن يحيى، عن عمار عن جعفر عن ابيه (ع)، قال على (ع): لا يجزى صلوة لا يصيب الانف ما يصيب الجبينين. قيل(1): روى الصدوق فى كتاب الخصال فى الصحيح او الحسن بابراهيم بن هاشم، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: السجود على سبعة أعظم: الجبهة و الكفين، و الركبتين و الا بهامين، و ترغم بانفك.

اما المفروض فهذه السبعة، و اما الارغام فسنة، و لفظة السنة و ان كانت مشتركة بين ما ثبت وجوبه بالسنة و بين المستحب، خصوصا اذا قوبلت بالفرض، بل حينئذ يترجح المعنى الأول فافهم، و لكن المراد منها فى المقام المعنى الاخير، لما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات، عن محمد بن مصادف، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: انما السجود على الجبهة، و ليس على الانف سجود. و ضعف السند لمكان محمد بن مصادف المختلف فيه، مجبور بالشهرة، و الاجماعات المحكية، و الأخبار الظاهرة فى انحصار السجود على سبعة أعظم. و عليه فما قاله الصدوق فى الفقيه: الارغام سنة فى الصلوة، فمن تركه متعمدا فلا صلوة له، لا وجه له، ان اراد الوجوب، و ان اراد السنة المؤكدة فمرحبا بالوفاق.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: عن ظاهر الاصحاب ان المراد بالارغام المستحب فى هذا المقام، هو وضع الانف على الرغام،

و هو التراب او ما يصح السجود عليه، و بذلك صرح الجماعة، و فى المدارك: ذكر المتأخرون ان السنة فى الارغام تتأدى بوضع الانف على ما يصح السجود عليه، و ان لم يكن ترابا، و هو غير بعيد، انتهى.

و يستفاد من شيخنا البهائى رحمه الله ان الارغام بالانف غير السجود على الانف، و انهما سنتان، حيث قال فى الأربعين فى تفسير حديث حماد ما تضمنه

ص: 134


1- الحدائق (منه).

الحديث من سجوده على الانف: الظاهر انه سنة، مغايرة للارغام المستحب فى السجود، فانه وضع الانف على الرغام - بفتح الرّاء و هو التراب - فالسجود على الانف كما روى عن على (ع): لا يجزى صلوة لا يصيب الانف ما يصيب الجبين يتحقق بوضعه على ما يجوز السجود عليه، و ان لم يكن ترابا، و ربما قيل الارغام يتحقق بملاصقة الانف الى الأرض، و ان لم يكن معه اعتماد، و لهذا فسره بعض علمائنا بمماسة الانف التراب، و السجود يكون معه اعتماد فى الجملة، فبينهما عموم من وجه. و فى كلام شيخنا الشهيد ما يعطى ان الارغام و السجود على الانف امر واحد، مع انه عدّ فى بعض مؤلفاته كلا منهما سنة على حدة، ثم على تفسير الارغام بوضع الانف على التراب، هل يتأدّى سنة الارغام بوضعه على مطلق ما يصح السجود عليه، و ان لم يكن ترابا؟ حكم بعض اصحابنا بذلك: و جعل التراب افضل، و فيه ما فيه.

فليتأمل انتهى. و عنه فى ذكر وجه التأمل فى الحاشية انه قياس مع الفارق.

أقول: ما رجحه من المغايرة بين الارغام و السجود على الانف و ان كان بينهما عموما من وجه، ربما ينافيه ما يظهر من الأخبار، بعد ضم بعضها الى بعض، اذ الظاهر ان هذه التعبيرات فى الأخبار من نحو لفظ الارغام و الاصابة، انما خرج مخرج المسامحة فى التعبير، كما استظهره بعض الأجلاء، و الا فالمراد امر واحد، و هو وضع الانف على ما يصح السجود عليه من رغام و غيره، و ذكر الارغام انما هو من حيث افضلية السجود على الأرض بالجبهة، و الانف تابع لها فى ذلك، كما ينادى بذلك رواية عبد الله بن المغيرة المعتضدة برواية عمار، و يؤيد المذكور التعبير فى الخبرين بالاصالة، التى اعم من السجود الماخوذ فيه الاعتماد على ما يقال، فبمقتضى كلامه ينبغى ان يكون هذا قسما ثالثا، و ليس كذلك، بل انما هو مبنى على التوسع فى التعبير.

الثانى: يحصل السنة باصابة اى جزء من الانف اتفق،

كما صرح به الجماعة، لمكان اطلاق الأخبار المتقدمة، خلافا للحلى و المحكى عن المرتضى، فاعتبرا الطرف الاعلى من الانف الذى يلى الحاجبين، و لم نقف على ماخذهما، نعم، قال

ص: 135

بعض الأجلاء: و ربما يشير الى قول المرتضى رحمه الله، ما فى بعض الأخبار التى لا يحضرنى الان موضعها، عن بعض الاصحاب، من انه راى على بن الحسين (ع)، و عنده من ياخذ من لحم عرنينه، و العرنين طرف الانف الاعلى، و الظاهر ان الاخذ منه لكونه من كثرة السجود عليه قد مات لحمه، فيكون من قبيل الثفنات التى كانت فى يديه (ع) كالجبهة و الركبتين، انتهى.

أقول: روى الصدوق فى العيون فى باب جمل من اخبار موسى بن جعفر (ع) باسناده عن عبد الله بن الفضل، عن ابيه قال: احجب الرشيد، الى ان قال: و مضيت الى منزل ابى ابراهيم موسى بن جعفر (ع)، الى ان قال: فاذا انا بغلام اسود بيده مقصّ ياخذ اللحم من جبينه و عرنين انفه من كثرة سجوده، الخبر، ثم قال بعض الأجلاء المتقدم: و يمكن تأييد القول المشهور زيادة على اطلاق الأخبار بقوله (ع) فى كتاب الفقه الرضوى: و ترغم بانفك و منخريك فى موضع الجبهة. و التقريب ان المنخرين عبارة عن ثقبتى الانف، و الثقبان ممتدان من راس الانف الاسفل الى اعلاه، فاى جزء باشرته الأرض و نحوها حصلت به سنة الارغام، انتهى.

أقول: و فيه ما ترى. و بالجملة، الاطلاق هو الاظهر، و ان كان الاولى هو العمل بما ذكره السيد و الحلى، كما فى الرياض، و عن الاسكافى يماس الأرض بطرف الانف و خديه اذا امكن ذلك للرجل و المرأة.

الثالث: قال بعض الأجلاء: ظاهر الأخبار و كلام الاصحاب ان الارغام المستحب و السجود على الانف،

يشترط فيه ما يشترط فى الجبهة مما يصح السجود فيها عليه، فلا يجزى السجود به على ما يضع عليه ساير المساجد الباقية. و احتمل بعض مشائخنا المحققين من متاخرى المتأخرين الاكتفاء بما يضع عليه ساير المساجد. و الظاهر ضعفه، انتهى. و هو جيد.

فى الدعاء فى السجود
اشارة

(و الدعاء) فيه للدين و الدّنيا، و فى التذكرة: يستحب الدعاء امام التسبيح باجماع العلماء، لقوله (ع): و اما السجود فاجتهدوا بالدّعاء، فقمن ان يستجاب

ص: 136

لكم، انتهى.

روى الكافى فى باب السجود و التسبيح فى الصحيح، عن ابان عن عبد الرحمن بن سبابة، قال: قلت لابى عبد الله (ع): ادعو و انا ساجد؟ فقال: نعم، فادع للدنيا و الاخرة، فانه رب الدنيا و الاخرة. روى ايضا فى الباب المتقدم عن عبد الله بن هلال، قال: شكوت الى ابى عبد الله (ع) تفرق اموالنا، و ما دخل علينا. فقال: عليك بالدّعاء و انت ساجد، فان اقرب ما يكون العبد الى الله عزّ و جلّ و هو ساجد. قال: قلت: فادعو فى الفريضة و اسمى حاجتى؟ فقال: نعم، قد فعل ذلك رسول الله (ص)، فدعا على قوم باسمائهم و أسماء ابائهم، و فعله على (ع) بعده. و روى ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن محمد بن مسلم، قال: صلى بنا ابو بصير فى طريق مكه فقال - و هو ساجد و قد كانت ضلت ناقة لجمالهم -: اللهم رد على فلان ناقته قال محمد:

فدخلت على ابى عبد الله (ع) فاخبرته فقال: و فعل؟ قلت: نعم، قال: و فعل؟ قلت: نعم. قال: فسكت، قلت: فاعيد الصلوة؟ قال: لا.

و روى ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح على الصحيح، لمكان ابراهيم عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا سجدت فكبر، و قل: اللهم لك سجدت، و بك آمنت و لك اسلمت، و عليك توكلت، و انت ربى، سجد وجهى للذى خلقه، و شق سمعه و بصره، الحمد لله رب العالمين، تبارك الله احسن الخالقين، ثم قل: سبحان ربى الاعلى و بحمده. ثلاث مرات، فاذا رفعت راسك، فقل بين السجدتين: اللهم اغفر لى و ارحمنى و اجرنى،(1) و ادفع عنى، انى لما أنزلت الى من خير فقير، تبارك الله رب العالمين.

و روى ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن ابى عبيدة الحذاء، قال:

سمعت ابا جعفر (ع) يقول - و هو ساجد فى الركعة الاولى - أسألك بحق حبيبك

ص: 137


1- و اجبرنى خ ل.

محمد (ص) الا بدّلت سيّئاتى حسنات، و حاسبتنى حسابا يسيرا، ثم قال فى الثانية: اسألك بحق حبيبك محمد الاكفيتنى مؤنة الدنيا و كلّ هول دون الجنة، و قال فى الثالثة اسألك بحق حبيبك محمد لما غفرت لى الكثير من الذنوب و القليل و قبلت منى عملى اليسير، ثم قال فى الرابعة: اسألك بحق حبيبك محمد لما ادخلتنى الجنة، و جعلتنى من سكانها، و لما نجيتنى من سفعات النار، برحمتك و صلى الله على محمد و آله.

و قد تقدم ايضا فى شرح قول المصنف فى الركوع و الذكر فيه مطلقا، على راى فى الخبر الثانى عشر ما تقدم. روى الصدوق فى العلل، فى باب العلة التى من اجلها يستحب طول السجود، عن محمد بن الحسن عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن سعدان بن مسلم، عن ابى بصير، قال: قال ابو عبد الله (ع): يا ابا محمد عليك بطول السجود، فان ذلك من سنن الاوّابين. و روى ايضا فى الباب المتقدم عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد، عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع)، قال: حدثنى ابى عن جدى عن آبائه (ع)، ان رسول الله (ص) قال: اطيلوا السجود، فما من عمل اشد على ابليس من ان يرى ابن آدم ساجدا، لانه امر بالسجود فعصى، و هذا امر بالسجود فاطاع فيما امر.

و روى الكافى ايضا فى كتاب الدعاء، فى باب الدعاء للرزق، عن زيد الشحام، عن ابى جعفر (ع)، قال: ادع فى طلب الرزق فى المكتوبة و انت ساجد: يا خير المسؤولين و يا خير المعطين، ارزقنى و ارزق عيالى من فضلك، فانك ذو الفضل العظيم. الى غير ذلك من الأخبار التى لو تعرضنا لنقلها ليطول المقام جدا.

فرع:

قال فى الحبل المتين: و قوله (ع) فى الحديث الثالث و العشرين: و من كان يقوى على ان يطول الركوع و السجود فليطول، فليطول ما استطاع، قيده بعض علمائنا بما اذا لم يخرج فى العرف عن كونه مصليا و لا بأس به.

ص: 138

فى التسبيح فى السجود
اشارة

(و التسبيح ثلاثا، او خمسا، او سبعا)، و قد مر تفصيل الكلام فى ذلك فى بحث الركوع، فراجع الى هناك. (و التورك) بين السجدتين عند علمائنا اجمع، قاله فى التذكرة.

تنبيه:

المراد بالتورك ان يجلس على وركه الايسر، و يخرج رجليه جميعا من تحته، و يجعل رجله اليسرى على الأرض، و ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، و يفضى بمقعدته الى الأرض، وفاقا للشيخ و من تبعه من متاخرى الطائفة، بل لم نقف على نقل خلاف، الاعن المرتضى رحمه الله فى المصباح، و الاسكافى حيث قال الأول: يجلس مماسا بوركه الايسر مع ظاهر فخذه اليسرى للارض، رافعا فخذه اليمنى على عرقوبة الايسر، و ينصب طرف ابهام رجله اليمنى على الأرض، و يستقبل بركبتيه معا القبلة. و قال الثانى: فى الجلوس بين السجدتين يضع اليتيه على بطن قدميه، و لا يقدح على مقدم رجليه و اصابعهما، و لا يقعى اقعاء الكلب، و قال فى تورك التشهد: يلزق اليتيه جميعا و وركه الايسر و ظاهر فخذه الايسر بالأرض، فلا يجزيه غير ذلك، و لو كان فى طين، و يجعل بطن ساقه الايمن على رجله اليسرى، و باطن فخذه الايمن على عرقوبة الايسر، و يلزق طرف ابهام رجله اليمنى مما يلى طرفها الايسر بالأرض، و يأتى اصابعها عاليا عليها، و لا يستقبل بركبتيه جميعا القبلة.

أقول: و الذى وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالمقام، هو صحيحة حماد المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله فى اوائل هذا المجلد: و الواجب سبعة المتضمنة لقوله: ثم رفع راسه من السجود، فلما استوى جالسا قال: الله اكبر، ثم قعد على جانبه الايسر، و وضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، و قال: استغفر الله ربى و اتوب اليه، ثم كبر و هو جالس، و سجد الثانية، الخبر، و صحيحة زرارة المتقدمة هناك ايضا المتضمنة لقوله (ع): و اذا قعدت فى تشهدك فالصق ركبتيك بالأرض، و فرج بينهما شيئا، و ليكن ظاهر قدمك اليسرى على

ص: 139

الأرض و ظاهر قدمك اليمنى على باطن قدمك اليسرى، و الياك على الأرض، و طرف ابهامك اليمنى على الأرض، و اياك و القعود على قدميك، فتتاذى بذلك، و لا تكن قاعدا على الأرض فتكون انما قعد بعضك على بعض، فلا تصبر للتشهد و الدعاء، و هما كما ترى ظاهر ان التفسير الأول سيما الأخيرة كما لا يخفى.

تذنيب:

عن الشافعى و ابى حنيفة و احمد القول باستحباب الافتراش، و هو على ما ذكره فى التذكرة و غيرها ان يثنى رجله اليسرى فيبسطها، و يجلس عليها و ينصب رجله اليمنى و يخرجها من تحته، و يجعل بطون اصابعه الى الأرض معتمدا عليها، ليكون اطراف اصابعها الى القبلة.

و عن الذكرى: و لا يستحب عندنا الافتراش، الى ان قال: و يظهر من خبر زرارة عن الباقر (ع) كراهته، حيث قال: اياك و القعود على قدميك فتتاذى بذلك، و لا تكون قاعدا على الأرض، انما قعد بعضك على بعض.

فى الدعاء بين السجدتين

(الدعاء عنده)، اى عند التورك بين السجدتين بما مرّ فى صحيحة الحلبى المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و الدعاء، و صحيحة حماد المتقدمة فى قبيل المتن، و عن الفقه الرضوى: و قل بين سجدتيك: اللهم اغفرلى و ارحمنى، و اهدنى و عافنى، فانى لما انزلت الى من خير فقير. ثم اسجد الثانية.

و فى التذكرة: يستحب الدعاء بين السجدتين عند علمائنا اجمع، و عن المنتهى: اذا جلس عقيب السجدة الاولى دعا مستحبا، ذهب اليه علماؤنا،

فى الجلوس بعد السجدة الثانية

و يستحب ان يجلس بعد السجدة الثانية مطمئنا، و اسم هذه الجلسة (جلسة الاستراحة) و فضلها مجمع عليه بين الاصحاب، كما نقله بعضهم، و المشهور بينهم هو الاستحباب، خلافا للسيد فى الانتصار، فذهب الى الوجوب، مدعيا عليه الاجماع، و لا ريب فى ضعفه، اذ الشهرة على عدم الوجوب، بل عن المصنف رحمه الله فى نهج الحق الاجماع عليه، و لا ريب فى تقدمه عليه، لمكان اعتضاده بالشهرة دونه، و الحال ان حجية الاجماع المحكى انما هو من حيث افادته المظنة، و

ص: 140

عليه فكيف يكون الاجماع الذى حكاه السيد هنا حجة، مع انه لم ينقل له موافق؟ و اما ما ذكره الصدوق فى الفقيه بقوله: ثم ارفع راسك من السجدة الثانية، و تمكن من الأرض، و ارفع يديك و كبّر، ثم قم الى الثانية، الى آخره، فلعله اراد الاستحباب، اذ لم نجد من نقل خلافه هنا حاكما بكونه موافقا للسيد، نعم، بعض متاخرى المتأخرين(1) قال: لعل هذه العبارة ظاهرة فى الوجوب.

أقول: و لعل الظاهر عكسه، لما عرفت، مع ان سياق عبارته لعله يقتضى ذلك، لمكان ذكره الواجبات، و كثير من المستحبات على نهج واحد، فافهم.

و كيف كان، فالاقوى هو المشهور، لما مر و لما يظهر من الأخبار بعد ضم بعضها الى بعض، فلننقل جملة منها فى المقام:

منها: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن عبد الحميد بن عواض، عن ابى عبد الله (ع)، قال: رايته اذا رفع راسه من السجدة الثانية من الركعة الاولى، جلس حتى يطمئن ثم يقوم.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم معلقا عن سماعة، عن ابى بصير قال:

قال ابو عبد الله (ع): اذا رفعت راسك من السجدة الثانية من الركعة الاولى حين تريد ان تقوم، فاستو جالسا، ثم قم.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، معلقا عن على بن الحكم عن رحيم قال: قلت لابى الحسن الرضا (ع): جعلت فداك، اراك اذا صليت فرفعت راسك من السجود فى الركعة الاولى و الثانية و الثالثة تستوى جالسا، ثم تقوم، فتصنع كما تصنع؟ قال: لا تنظروا الى ما اصنع انا، اصنعوا ما تؤمرون.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن عبد الله بن بكير عن زرارة قال: رايت ابا جعفر و ابا عبد الله (ع) اذا رفعا رؤسهما عن السجدة الثانية نهضا و لم يجلسا.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الزيادات، عن الاصبغ بن نباته، قال: كان امير المؤمنين (ع) اذا رفع راسه من السجود قعد حتى يطمئن، ثم يقوم

ص: 141


1- و هو المحقق البهبهانى (منه). الاغا باقر المتوفى سنة 1205 هجرية.

فقيل له: يا امير المؤمنين كان من قبلك ابو بكر و عمر اذا رفعوا رؤسهم من السجود نهضوا على صدور اقدامهم كما ينهض الابل، فقال امير المؤمنين (ع): انما يفعل ذلك اهل الجفاء من الناس، ان هذا من توقير الصلوة.

و منها: ما روى عن كتاب زيد النرسى، قال: سمعت ابا الحسن (ع) يقول:

اذا رفعت راسك من آخر سجدتك فى الصلوة قبل ان تقوم، فاجلس جلسة ثم بادر بركبتيك الى الأرض قبل يديك، و ابسط يديك بسطا و اتك عليهما، ثم قم، فان ذلك وقار المؤمن الخاشع لرّبه، و لا تطيش من سجودك مبادرا الى القيام، كما يبطش هؤلاء الاقشاب فى صلوتهم.

و عن الصدوق فى كتاب الخصال بسند معتبر - على ما قيل - عن ابى بصير و محمد بن مسلم عن آبائه عليهم السلام قال: قال امير المؤمنين (ع): اجلسوا فى الركعتين حتى تسكن جوارحكم ثم قوموا، ان ذلك من فعلنا. و لا يخفى عليك ان المستفاد من هذه الأخبار بعد ضم بعضها الى بعض هو الاستحباب، سيما بعد ملاحظة قوله (ع): انما يفعل ذلك اهل الجفاء من الناس، ان هذا من توقير الصلوة. و قوله (ع): فان ذلك وقار المؤمن الخاشع لربه، الى آخره.

و لو لا امثال هذه الكلمات فى الأخبار، و لا الاجماع المحكى، و الشهرة، لكان قول المرتضى رحمه الله قويا لمكان الامر الظاهر فى الوجوب، الذى لا يعارضه الخبر الدال على جواز الترك فى المقام، لمكان الحمل على التقية المستنبطة من جملة من تلك الأخبار، و جمهور المخالفين، على انه يقوم و لا يجلس، و منهم المحكى عن مالك و الثورى و اسحق، و اصحاب الرأى، و الشافعى فى احد القولين، و احمد فى احدى الروايتين، بل لم اعثر من العامة على موافق لاصحابنا، الا ما عن الشافعى فى احد القولين، و احمد فى احدى الروايتين.

و بالجملة الاظهر عندى هو القول المشهور، و ان كان الاحوط هو قول المرتضى، فللمحتاط ان لا يتركه.

قال بعض الأجلاء: و قال ابن الجنيد: اذا رفع رأسه من السجدة الثانية

ص: 142

من الركعة الاولى و الثالثة حتى يماس الياه الأرض. او اليسرى وحدها يسيرا ثم يقوم جاز ذلك(1). و قال على بن بابويه: لا بأس ان لا يقعد فى النافلة، كذا فى الذكرى، انتهى.

أقول: و الحق هو القول بالاستحباب مطلقا و لو فى النافلة، لاطلاق الأخبار، و كلام الاصحاب.

الدعاء عند القيام من السجود او التشهد
اشارة

(و) ان يقول عند القيام (بحول الله و قوته). اعلم انه لا خلاف بين الاصحاب على ما صرّح به بعض الأجلاء، فى استحباب الدعاء عند القيام، و يدل عليه الأخبار الكثيرة،

جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام
اشارة

فلننقل اولا جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام:

الأول:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الصحيح عن عبد الله بن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا قمت من السجود قلت: اللهم ربى بحولك و قوتك اقوم و اقعد، و ان شئت قلت: و اركع و اسجد.

الثانى:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن محمد بن مسلم، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا قام الرجل من السجود، قال: بحول الله اقوم و اقعد

الثالث:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا جلست فى الركعتين الاوليين فتشهدت ثم قمت، فقل: بحول الله و قوته اقوم و اقعد.

الرابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن رفاعة بن موسى، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: كان على (ع) اذا نهض من الركعتين الاوليين قال: بحولك و قوتك اقوم و اقعد.

الخامس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن ابى بكر الحضرمى، قال: قال ابو عبد الله (ع): اذا قمت من الركعتين، فاعتمد على كفيك، و قل:

بحول الله اقوم و اقعد. فان عليا كان يفعل ذلك.

السادس:

ما روى عن دعائم الاسلام عن على (ع)، انه كان يقول اذا نهض من السجود الى القيام: اللهم بحولك و قوتك اقوم و اقعد.

ص: 143


1- و عن المعانى اذا اراد النهوض الزم اليته الارض ثم نهض معتمد اعلى يديه (منه).
السابع:

ما عن الطبرسى فى الاحتجاج، قال: كتب الحميرى و عن الشيخ فى كتاب الغيبة، انه رواه عن جماعة من مشائخه، عن محمد بن احمد بن داود القمى، عن محمد بن عبد الله الحميرى، انه كتب الى القائم (ع) يسأله عن المصلى اذا قام من التشهد الاولى الى الركعة الثالثة، هل يجب عليه ان يكبر؟ فان بعض اصحابنا قال لا يجب عليه التكبير، و يجزيه ان يقول: بحول الله تعالى و قوته اقوم و اقعد. فوقع (ع): ان فيه حديثين: اما احدهما فانه اذا انتقل من حالة الى حالة اخرى فعليه التكبير، و اما الاخر فانه اذا رفع راسه من السجدة الثانية فكبر، ثم جلس، ثم قام، فليس عليه فى القيام بعد القعود تكبير، و كذلك التشهد الأول يجرى هذا المجرى، و بايهما اخذت من جهة التسليم كان صوابا.

الثامن:

ما روى عن مستطرفات السرائر، نقلا من كتاب محمد بن على بن محبوب، بسنده عن سعد الجلاف، عن ابى عبد الله (ع)، قال: كان امير المؤمنين (ع) يبرأ من القدرية فى كل ركعة، و يقول بحول الله و قوته اقوم و اقعد.

التاسع:

ما روى عنه ايضا نقلا من كتاب محمد بن على بن محبوب عن عبد الله بن سنان فى الصحيح - على ما قيل - عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا قمت من السجود قلت: اللهم بحولك و قوتك اقوم و اقعد و اركع و اسجد.

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان الكلام هنا يقع فى مقامات:
الأول: عن المعتبر انه يقول الدعاء فى جلسة الاستراحة،

و الاكثر - كما صرح به بعض من تأخر - يقول ذلك عند الاخذ فى القيام، و هو المعتمد لظاهر جملة من الأخبار المتقدمة. قال فى الذكرى فى تعداد مستحبات السجود، و منها الدّعاء فى جلسة الاستراحة بقوله: بحول الله و قوته اقوم و اقعد و اركع و اسجد قاله فى المعتبر: و الذى ذكره على بن بابويه و ولده، و الجعفى و ابن الجنيد، و المفيد و سلار، و ابو الصلاح و ابن حمزة رحمه الله عليهم، و هو ظاهر الشيخ، ان هذا القول يقوله عند الاخذ فى القيام، و هو الاصح، ثم استدل بجملة من الروايات المتقدمة، كذا نقل عن الذكرى بعض الأجلاء، قال: و هو جيد.

ص: 144

الثانى: يتخير المصلى بين الادعية المذكورة فى الأخبار،

و به صرح بعض الأجلاء، اذ المقام مقام استحباب.

الثالث: اكثر الاصحاب - كما صرح به الجماعة - على عدم مشروعية التكبير عند القيام من التشهد الأول،

خلافا للمحكى عن المفيد عطر الله مضجعه، فقال:

انه يقوم عن التشهد بالتكبير.

أقول: روى الكافى فى باب افتتاح الصلوة فى الصحيح على الصحيح، لمكان ابراهيم عن معوية بن عمار، عن ابى عبد الله (ع)، قال: التكبير فى صلوة الفرض الخمس الصلوة خمس و تسعون تكبيرة، منها تكبيرة القنوت خمسة. و روى ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح على الصحيح، عن عبد الله بن المغيرة، و فسرهن فى الظهر احدى و عشرين تكبيرة، و فى العصر احدى و عشرين تكبيرة، و فى المغرب ست عشرة تكبيرة، و فى العشاء الاخرة احدى و عشرين تكبيرة، و فى الفجر احدى عشرة تكبيرة، و خمس تكبيرات القنوت فى خمس صلوة.

و روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن عبد الله بن المغيرة عن الصباح المزنى، قال: قال امير المؤمنين (ع): خمس و تسعون تكبيرة فى اليوم و الليلة للصلوات، منها تكبير القنوت.

و حيث عرفت ذلك، فاعلم ان المشهور هو المنصور لوجهين:

الأول: الخبر الثالث و الرابع و الخامس، المعتضد باطلاق جملة من الأخبار السالفة.

الثانى: قد دلت صحيحة معوية بن عمار، و صحيحة عبد الله بن المغيرة، و رواية صباح المزنى، بان التكبيرات منحصرة فى خمس و تسعين، خمس للافتتاح، و خمس للقنوت، و البواقى للركوع و السجود، فلو قام الى الثالثة بالتكبير لزاد اربعا، مع ان الاصل فى الحصر هو الحقيقى، فان قلت: ان المفيد - كما سياتى اليه - الاشارة لا يقول: تكبير القنوت، و عليه فلا ينقض الحصر قلت: يلزم عليه النقص من العدد بواحدة، و هذا افحش، لعدم جواز القول حينئذ بان الحصر اضافى فى هذا، مع

ص: 145

ان فى الأخبار تصريح بكون الخمس للقنوت، و اما المفيد فلم اعثر على ما يدل عليه، و اما الخبر السابع فمفاده التخيير، فكيف ينفع المفيد رحمه الله: و على فرض التسليم ايضا لا يقاوم ان يعارض ما اشرنا اليه، المعتضد بالشهرة المحققة و المحكية، و لا يعارض هذه الشهرة الشهرة التى يومى اليها الخبر السابع، لمكان قوله: فان بعض اصحابنا المومى بان مخالف البعض هو المشهور من وجوه شتى، منها انه اين الشهرة المحققة و المحكية؟ و اين المحكية و المؤمية؟ و اين مذهب المفيد و هذه العبارة، اذ المحكى عنه القول باستحباب هذا التكبير؟ و اين المعتضدة بالادلة الباهرة، و ما لا يكاد ان يوجد له دليل يقبل التقاوم؟ و اين السالمة عن المعارض و التى يعقبها ما ينافيها؟ و بالجملة العمل على المشهور مع كونه احوط و اولى.

تذنيبان:
الأول: يستفاد من هذه الروايات استحباب التكبير للقنوت،

كما هو المشهور على الظاهر المصرح به فى الذخيرة، و نفاه المفيد، قال فى الاستبصار: هذه الروايات التى ذكرها ينبغى ان يكون العمل عليها، و بها كان يفتى شيخنا المفيد رحمه الله قديما، ثم عنّ له فى آخر عمره ترك العمل بها، و العمل على رفع اليدين بغير تكبير. و الأول اولى لوجود الروايات بها، و ما عداها لست اعرف به حديثا اصلا.

أقول: و ليت شعرى كيف لم يسأله من ذلك و هو شيخه، و كان ذلك فى حياتهما، و من المعلوم ان مثل المفيد - طاب ثراه - لا يخرج عن هذه الأخبار من غير دليل؟ و كيف كان، فالاقوى هو المشهور، لما مرّ، و لم نقف للمفيد على ماخذ و الله هو العالم.

الثانى: صرح الجماعة بانه يستحب التكبير اذا استوى جالسا عقيب الاولى،

ثم يكبر للثانية قاعدا، ثم يسجد، ثم يكبر بعد جلوسه، لخبر حماد المتقدم فى اوائل هذا المجلد، المتضمن لقوله: ثم رفع راسه من السجود، فلما استوى

ص: 146

جالسا قال: الله اكبر، ثم قعد على جانبه الايسر، و وضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، و قال: استغفر الله ربى و اتوب اليه، ثم كبر و هو جالس، و سجد الثانية و قال كما قال فى الاولى، و لم يستعن بشئ من بدنه الى آخره، و استدل به لهذا المطلب فى التذكرة و جامع المقاصد و غيرهما و هو الرياض(1).

و عن الذكرى: أقول: لا يخفى عليك ان الظاهر ان مراده (ع) من قوله: و قال كما قال فى الاولى، هو ما قاله فى السجدة الاولى من الذكر، اعنى سبحان ربىّ الاعلى و بحمده ثلاث مرات، و عليه فلا وجاهة للاستدلال بهذه العبارة على انه (ع) كبر بعد رفعه من السجدة الثانية، نعم يمكن ان يستدل لاستحباب التكبير بعد الرفع من السجدة الثانية بعموم الخبر السابع، المشتمل على الخبرين، بل احدهما صريح فى المطلب، و برواية معوية بن عمار و عبد الله بن المغيرة و صباح المزنى المتقدمات عن قريب، لمكان بيان الاصحاب. نعم، ربما يستفاد من الخبر السّابع بان تكبير الرفع من السجدة الثانية قبل ان يستوى جالسا، و هو خلاف المفهوم من كلام الاصحاب على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، المعتضد باستقرار احوال ساير التكبيرات، و بالخبر الأول المتضمن عليه الخبر السابع، اذ المتبادر من قوله (ع): اذ انتقل من حالة اخرى فعليه التكبير. انما هو الحالة الاصلية و الهوىّ مقدمة فتامل. و بان حمادا لم يذكر فى خبره ذلك، فلو كان الصادق (ع) اتى به فى حال الهوى، لكان له ان يبين ذلك، سيما بعد ملاحظة بيانه فى ساير التكبيرات ما يخالفه، و لا تتوهم ان الصادق (ع) لم يات بالتكبير، لان حمادا لم يبينه، اذ الانصاف ان فى الخبر ايماء ما بذلك، فيصلح للتاييد لا الاستدلال، كما فعله الجماعة، و بان فى شرح الجعفرية قال: ان فى ذلك اتباعا لفعل النبى (ص) و اهل بيته (ع)، هذا مضافا الى ان القائم (ع) فى الخبر السابع قد خير بين الاخذ بالخبرين، و عليه فالاخذ بالخبر الأول منهما الذى يتبادر فيه ما عرفت المعتضدة بالشهرة التى لم ينقل لها مخالف اولى فتامل.

ص: 147


1- و هو الحدائق (منه).

و بالجملة، العمل انما هو على المشهور، و لو لم نسلم التبادر المذكور، لمكان اطلاقه.

فرع:

قال فى الدروس فى تعداد مستحبات السجود: و التكبير للرفع من الاولى معتدلا، ثم الهوى الى الثانية، ثم للرفع منها معتدلا، و لو فعله فى الهوى و الارتفاع كان ادون فضلا، انتهى. أقول: و الكلام فى ذلك كالكلام فى تكبيرة الركوع، فراجع الى هناك.

بقى هنا امران ينبغى التنبيه عليهما:
الأول: ان التورك بعد الجلوس للتكبير

ربما يستفاد من قول حماد فى وصف الصادق (ع): ثم رفع راسه من السجود، فلما استوى جالسا قال: الله اكبر، ثم قعد على جانبه الايسر، و وضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى الى آخره، ان التورك بعد الجلوس للتكبير. و فى البحار فى شرح حديث حماد، هو يوهم ان التورك بعد التكبير، و لم يقل به احد، و ليس فى رواية اخرى مثله، ثم احتمل عدم كون ثم للتراخى الزمانى، بل التراخى الرتبى و الترتيب المعنوى، و يعضد كون التكبير فى حال التورك اطلاق ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، معلقا عن على عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا جلست فى الصلوة فلا تجلس على يمينك، و اجلس على يسارك، فاذا سجدت فابسط كفيك على الأرض، فاذا ركعت فالقم ركبتيك كفيك. و المفهوم المستفاد من صحيحة زرارة المتقدمة فى اوائل هذا الكتاب، المتضمنة لقوله (ع)، بعد بيان التورك فى التشهد: و اياك و القعود على قدميك، فتتاذى بذلك، و لا تكن قاعدا على الأرض فتكون انما قعد بعضك على بعض، فلا تصبر للتشهد و الدعاء فافهم. و كيف كان، فالاولى الاتيان به متوركا.

الثانى: يستحب التورك فى جلسة الاستراحة،

قاله فى التذكرة و الدروس و غيرهما، و لا بأس به، لمكان المسامحة فى ادلة الاستحباب و الكراهة، حيث لم يكن الامر مرددا بين الوجوب و الحرمة، و قد ابسطنا تلك القاعدة فى اللمعات، و

ص: 148

يعضد المختار رواية ابى بصير المتقدمة، كالتعليل المفهوم من رواية زرارة، قال بعض الأجلاء: ظاهر الأخبار و كلام الاصحاب هو استحباب التورك فى جلوس الصلوة مطلقا، انتهى.

كيفية القيام
اشارة

(و الاعتماد على يديه عند قيامه سابقا برفع ركبتيه) اجماعا، كما فى التذكرة و جامع المقاصد، و عن المنتهى و فى الذخيرة: هذا مذهب الاصحاب، و الأخبار المتعلقه بالمقام كثيرة.

منها: صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و السبق بيديه، المتضمنة لقوله: رايت ابا عبد الله (ع) يضع يديه قبل ركبتيه اذا سجد، و اذا اراد ان يقوم رفع ركبتيه قبل يديه.

و منها: ما رواه الكافى فى باب القيام و القعود فى الصحيح على الصحيح، عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا سجد الرجل ثم اراد ان ينهض، فلا يعجن بيديه فى الأرض، و لكن يبسط كفيه، من غير ان يضع مقعدته على الأرض. و عن الوافى: لعلّ المراد بقوله (ع) من غير ان يضع مقعدته على الأرض، ترك الاقعاء.

و فى الحبل المتين: و العجن المنهى عنه فى الحديث، يراد به الاعتماد على ظهور الاصابع حال كونها مضمومة الى الكف، كما يفعله العجان حال العجن و قوله: من غير ان يضع مقعدته على الأرض، لعل المراد به ترك الاقعاء.

و منها: الخبر الخامس المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: بحول الله و قوته، المتضمن لقوله (ع): اذا قمت من الركعتين فاعتمد على كفيك و قل الى آخره.

و منها: ما عن الحميرى فى كتاب قرب الاسناد، عن عبد الله بن الحسن، عن جده على بن جعفر، عن اخيه (ع) قال: سألته عن القيام من التشهد من الركعتين الاوليين كيف يصنع، يضع ركبتيه و يديه على الأرض ثم ينهض، او كيف يصنع؟ قال: ما شاء صنع. و لا بأس.

ص: 149

و منها: ما روى عن كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (ع)، قال:

اذا أردت القيام من السجود، فلا تعجن بيديك، يعنى تعتمد عليها و هى مقبوضة، و لكن ابسطها، و اعتمد عليها و انهض قائما.

و منها: عن كتاب زيد النرسى، عن ابى الحسن موسى (ع)، انه كان اذا رفع راسه فى صلوته من السجدة الاخيرة جلس جلسة، ثم نهض للقيام، و بادر بركبتيه من الارض قبل يديه، فاذا سجد بادر بهما الأرض قبل ركبتيه.

و لا ريب ان المستفاد من هذه الأخبار بعد ضم بعضها الى بعض، هو استحباب ما ذكره المصنف رحمه الله.

تنبيه:

يستفاد من روايتى الحلبى و الدعائم كراهة العجن باليدين عند القيام، بان يقبضهما و يقوم معتمدا عليهما مقبوض الاصابع، و عليه فينبغى ان يبسطهما و يقوم عليهما.

و يكره الاقعاء بين السجدتين
اشارة

(و يكره الاقعاء) بين السجدتين على المشهور، بل عليه عامة من تاخر، قاله بعض، بل عن الخلاف عليه الاجماع، خلافا للمحكى عن الشيخ فى المبسوط و المرتضى، فذهبا الى عدم الكراهة قال الشيخ فى النهاية: و لا بأس ان تقعد متربعا او تقعى بين السجدتين، و لا يجوز ذلك فى حال التشهد.

و عنه فى المبسوط حيث ذكر الجلوس بين السجدتين و بعد الثانية:

الافضل ان تجلس متوركا، و ان جلس بين السجدتين و بعد الثانية مقعيا كان ايضا جايزا، و قال فى موضع آخر منه حيث عد التوّرك المسنونة: و لا يقعى بين السجدتين. و عبارته فى الكتابين كما ترى.

قال الصدوق فى الفقيه فى باب وصف الصلوة: و لا بأس بالاقعاء فيما بين السجدتين و لا بأس به بين الاولى و الثانية، و لا بين الثالثة و الرابعة، و لا يجوز الاقعاء فى موضع التشهدين، لان المقعى ليس بجالس انما يكون بعضه قد جلس على بعضه.(1)

ص: 150


1- بعض خ ل.

فلا يصير للدعاء و التشهد.

و عن الحلى: و لا بأس بالاقعاء بين السجدتين بين الاولى و الثانية، و الثالثة و الرابعة، و تركه افضل، و يكره اشد من تلك الكراهة فى حال الجلوس للتشهدين، و قد يوجد فى بعض كتب اصحابنا: و لا يجوز الاقعاء فى حال التشهدين، و ذلك يدل على تغليظ الكراهة لا الحظر، لان الشىء اذا كان شديد الكراهة قيل لا يجوز، و يعرف ذلك بالقرائن.

أقول: و المشهور هو الاقوى، للاجماع المحكى المعتضد بالشهرة، لما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة معلقا عن معوية بن عمار و ابن مسلم و الحلبى، قالوا:

لا تقع فى الصلوة بين السجدتين كاقعاء الكلب. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الصحيح، عن سماعة عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، قال:

لا تقع بين السجدتين اقعاء. و ما روى عن طريق العامة عن على (ع)، قال: قال رسول الله (ص): لا تقع بين السجدتين. و عن انس قال: قال رسول الله (ص):

اذا رفعت راسك من السجود فلا تقع كما يقعى الكلب.

و اما ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح، عن عبيد الله الحلبى، عن ابى عبد الله (ع)، قال: لا بأس بالاقعاء فى الصلوة فيما بين السجدتين. و ما روى عن الصدوق فى كتاب معانى الأخبار، عن عمر بن جميع، قال: قال ابو عبد الله (ع): لا بأس بالاقعاء فى الصلوة بين السجدتين، و بين الركعة الاولى و الثانية، و بين الركعة الثالثة و الرابعة، فاذا اجلسك الامام فى موضع يجب ان يقوم فيه فتجافى، و لا يجوز الاقعاء فى موضع التشهدين الا من علة لان المقعى ليس بجالس، انما جلس بعضه على بعض، و الاقعاء ان يضع الرجل اليتيه على عقبيه فى تشهده. فأمّا الاكل مقعيا فلا بأس، فان رسول الله (ص) قد اكل مقعيا. و ما روى عن الحلى فى مستطرفات السرائر، نقلا عن حريز عن زرارة، قال: قال ابو جعفر (ع): لا بأس بالاقعاء فيما بين السجدتين و لا ينبغى الاقعاء فى التشهدين، و انما التشهد فى الجلوس، و ليس المقعى بجالس،

ص: 151

فليس بمناف لما اخترناه، اذ المقام كراهة، و يمكن الحمل على التقية ايضا، كما سياتى اليه الاشارة فانتظر، و يعضد المختار ايضا العلة المستفاده من صحيحة زرارة المتقدمة فى اوائل هذا المجلد، المتضمنة لقوله (ع): و اياك و القعود على قدميك فتتاذى بذلك، و لا تكن قاعدا على الأرض فتكون انما قعد بعضك على بعض، فلا تصبر للتشهد و الدعاء.

فرع:

مقتضى اطلاق المتن و غيره و صريح الجماعة هو كراهة الاقعاء حال الجلوس مطلقا، بل نسبه بعض الأجلاء الى الاصحاب، قيل(1): و بالاطلاق صرح جماعة، و منهم الشيخ فى الخلاف، مع دعوى الاجماع، انتهى، و هو الحجة، مضافا الى اطلاق ما رواه الكافى فى آخر باب القيام و القعود، فى الصحيح عن حريز، عن رجل عن ابى جعفر (ع)، و ساق الحديث الى ان قال: و قال: لا تكفر، فانما يصنع ذلك المجوس، و لا تلثّم، و لا تحتفر، و لا تقع على قدميك، و لا تفترش ذراعيك.

و ما رواه ايضا فى باب الخشوع فى الصلوة، فى الصحيح على الصحيح عن زرارة قال: ابو جعفر (ع): اذا قمت فى الصلوة فساق الخبر الى ان قال: و لا تقع على قدميك، و لا تفترش ذراعيك، و لا تفرقع اصابعك، فان ذلك كله نقصان من الصلوة الخبر. و يعضده العلة المتقدمة المستفادة من صحيحة زرارة. و اما روايتا عمر بن جميع و الحلى فمحمولتان على الكراهة، لمكان الصارف المتقدم، مع ان فى سند الاولة ما تراه، و فى متن الاخيرة كلمة لا ينبغى، الظاهرة فى الكراهة عند غير واحد، او المشعرة بها، و قد تقدم ايضا فى كلام الحلى ما تقدم. و عليه فلو فرض مع ذلك مخالفة بعض العبائر المتقدمة، فلا اعتناء بها اصلا.

و فى الدروس: و يكره الاقعاء فى التشهد كراهة مغلظة، و قال الصدوق و الشيخ لا يجوز.

و بالجملة، الاقوى عندى اطلاق القول بالكراهة فى جلوس الصلوة، و الله هو العالم.

ص: 152


1- الرياض (منه). السيد على الحائرى المتوفى سنة 1231 هجرية.
فائدة:

قد اختلف اهل اللغة و الفقهاء رضوان الله عليهم فى كيفية الاقعاء، قال بعض الأجلاء: قال فى الصحاح: اقعى الكلب اذا جلس على استه مفترشا رجليه و ناصبا يديه، فقد جاء النهى عن الاقعاء فى الصلوة، و هو ان يضع اليتيه على عقبيه بين السجدتين، و هذا تفسير الفقهاء، و اما اهل اللغة فالاقعاء عندهم ان يلصق الرجل اليتيه بالأرض، و ينصب ساقيه و يتساند الى ظهره، قال قال ابن الاثير فى النهاية فيه: انه نهى عن الاقعاء فى الصلوة، الاقعاء ان يلصق الرجل اليتيه بالأرض و ينصب ساقيه و فخذيه و يضع يديه على الأرض، كما يقعى الكلب، و قيل هو ان يضع اليتيه على عقبيه بين السجدتين، و القول الأول. و منه الحديث انه (ع) اكل مقعيا، اراد انه كان يجلس عند الاكل على و ركيه مستوقرا غير متمكن. و قال فى القاموس: اقعى فى جلوسه، تساند الى ما وراءه، الكلب جلس على استه.

و قال المطرزى فى المغرب: الاقعاء ان يلصق اليتيه بالأرض، و ينصب ساقيه، و يضع يديه على الأرض، كما يقعى الكلب. و تفسير الفقهاء: ان يضع اليتيه على عقبيه بين السجدتين.

و قال فى كتاب المصباح المنير: اقعى اقعاء الصق اليتيه بالأرض و نصب ساقيه و وضع يديه على الأرض، كما يقعى الكلب.

و قال الجوهرى: الاقعاء عند اهل اللغة، و اورد نحو ما تقدم، و جعل مكان وضع يديه و يتساند على ظهره.

و قال ابن القطاع: اقعى جلس على اليتيه و نصب فخذيه، و اقعى الكلب جلس تلك الجلسة، انتهى ما نقله بعض الأجلاء.

أقول: و هذا كلام جملة من اهل اللغة متفقة على تفسيره باقعاء الكلب، و اما الفقهاء فاتفقوا على ما ذكره بعض الأجلأ على تفسيره، بان يعتمد بصدور قدميه على الأرض، و يجلس على عقبيه. و نسب فى التذكرة و المنتهى و التحرير هذا

ص: 153

التفسير الى الفقهاء. و فى الرياض: الاقعاء عندنا. ثم ذكر معنى الفقهاء، و قال: و له تفسيرات اخرى، و هذا هو المشهور منها، و قريب منه كلام المحقق الثانى فى جامع المقاصد، و فى التحرير بعد تفسير الفقهاء، و قال بعض اهل اللغة: هو ان يجلس على اليتيه ناصبا فخذيه، مثل اقعاء الكلب، و المعتمد الأول، لانه تفسير الفقهاء، و يحثهم على تقديره، قيل(1) بعد ذلك كذا فى المنتهى و قريب منه و فى الذكرى، انتهى.

أقول: يشهد على تفسير الفقهاء رواية عمر بن جميع، المعتضدة برواية زرارة، و بالعلة المستفادة من رواية اخرى لزرارة، كما مضى اليها الاشارة، و على تفسير اهل اللغة روايتا معوية بن عمار و انس، و الحق على تفسير الفقهاء هو القول بالكراهة مطلقا، كما مضى اليه الاشارة، لاطلاق بعض الأخبار المتقدمة، و على تفسير اهل اللغة هو القول بالكراهة بين السجدتين، لروايتى ابن عمار و انس، و اما القول بها بالنسبة الى ساير جلوس الصلوة على هذا التفسير فلم اجد ما يدلّ عليها، و ان كان الافضل هو الترك، لمكان استحباب التورك.

نعم، ربما يمكن الاستدلال عليها على ذلك، باطلاق رواية انس، هذا اذا قلنا بجواز المسامحة فى الاستحباب و الكراهة، و لو كان المثبت لهما رواية عامية، كما يخلو عن رجحان ما لعموم قوله (ع): اذا بلغكم شئ من الثواب، الاحاديث و الا فالقول بالكراهة على هذا التفسير للاقعاء مشكل.

تنبيه:

يمكن حمل الأخبار المجوزة للاقعاء بين السجدتين على التقية، و عن بعض شراح صحيح مسلم فى باب الاقعاء، بعد نقل حديث ابن عباس و انه سنة، اعلم ان الاقعاء ورد فيه حديثان، ففى هذا الحديث انه سنة، و فى حديث آخر النهى عنه، رواه الترمذى و غيره من رواية على (ع)، و ابن ماجه من رواية انس، و احمد بن حنيل من رواية سمرة و ابى هريرة، و البيهقى من رواية سمرة و انس، و

ص: 154


1- الحدائق (منه).

اسانيدها كلّها ضعيفة، و قد اختلف العلماء فى حكم الاقعاء و فى تفسيره اختلافا كثيرا لهذه الاحاديث، و الصواب الذى لا معدل عنه ان الاقعاء نوعان:

احدهما ان يلصق اليتيه بالأرض، و ينصب ساقيه و يضع يديه على الأرض كاقعاء الكلب، هكذا فسره ابو عبيدة معمر بن المثنى، و صاحبه ابو عبيد القاسم بن سلام و آخرون من اهل اللغة، و هذا النوع هو المكروه الذى ورد فيه النهى، و النوع الثانى ان يجعل اليتيه على عقبيه بين السجدتين، و حمل حديث ابن عباس عليه جماعات من المحققين، منهم البيهقى، و القاضى عياض، و آخرون، قال القاضى: قد ورد عن جماعة من الصحابة و السلف انهم كانوا يفعلونه. قال: و كذا جاء مفسرا عن ابن عباس: من السنة ان تمس عقبيك اليتيك.

فهذا هو الصواب فى تفسير حديث ابن عباس، و قد ذكرنا ان الشافعى نص على استحبابه فى الجلوس بين السجدتين.

و قال المصنف رحمه الله فى التذكرة: و يكره الاقعاء بين السجدتين، ثم ذكر تفسير الفقهاء و تفسير بعض اهل اللغة، و قال: و تفسير الفقهاء اولى، لان البحث على تقديره، و بالكراهة قال على (ع)، و ابو هريرة و قتادة و مالك و الشافعى و احمد و اصحاب الراى، و عليه العمل عند اهل العلم، و فعله ابن عمر، و قال: لا تقتدوا بى فانى قد كبرت، لان عليا (ع) قال: قال رسول الله (ص): لا تقع بين السجدتين، الى ان قال: و للشافعى قول آخر باستحبابه، لان طاووسا قال لابن عباس فى الاقعاء على القدمين، فقال: هى السنة. قال طاووس: رايت العبادلة بن عمر او ابن الزبير و ابن عباس يقعدون(1) بين السجدتين، و الاصح الأول.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: صرح الجماعة و منهم التذكرة و الدروس و الجعفرية و غيرها، بانه يجب عليه ان لا يقصد بهويه غير السجود،

فلو هوى لاخذ شئ او قتل حية او عقرب لم يجز، و عليه العود ثم الهوى تحصيلا لما يجب عليه، و فيه نظر اذ الظاهر ان الهوى مقدمة، فاى دليل دل على ان القصد المذكور مما ينافيها، مع ان

ص: 155


1- يقعون ظ (منه).

مقتضى الاطلاقات و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و هو الصحة، و منهم من جعل العود هو الاحوط، و فيه اشكال، لاطلاق قوله (ع):

من زاد فى صلوته فعليه الاعادة.

الثانى: لو هوى بغير قصد السجود ثم صار بصورة الساجد،

و قصد فى ذلك الحال السّجود، فهل يجزيه ام لا؟ فعليه العود. يستفاد من الجماعة الثانى، و الحق هو الأول، و على تقدير وجوب العود و الاتيان بالسجود ثانيا، فهل يبطل بذلك صلوته كما فى التذكرة و غيرها، و احتمله فى الدروس و الجعفرية لمكان الزيادة ام لا؟ وجهان: و الاخير اقرب، لعموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و الاطلاقات، و هما مقدمان على قوله (ع): من زاد فى صلوته فعليه الاعادة، لوجوه: منها بحسب السند، و منها من حيث العموم الاستغراقى اللغوى لمكان الحصر.

الثالث: لو اراد السجود فسقط من غير قصد اجزاته،

وفاقا لجماعة و منهم التذكرة و الدروس لما تقدم، و فى التذكرة: اذ لا يجب فى كل فعل تجديد قصد مقارن على التفصيل.

الرابع: لو صار ساجدا من غير قصد السجود،

و لا بقصد غيره، فالاقرب الاجزاء، وفاقا للجماعة و منهم التذكرة و الدروس لما تقدم، و فى التذكرة: لانه لم يخرج بذلك عن هيئة الصلوة و نيتها.

الخامس: لو هوى ليسجد فسقط عن بعض جسده،

ثم انقلب على وجهه، فمست جبهته الأرض، فهل يجزى كما صرح به بعض ام لا؟ وجهان: و الأول اقرب لما مر. و عن المنتهى التردد فى ذلك، استنادا الى خروجه عن هيئة الصلوة، و عدم ارادته بانقلابه السجود، بل انما اراد الانقلاب، قطع بذلك نية السجود فصار كما لو نوى بغسل يديه التبرد، و فيه ما ترى.

السادس: قال فى التذكرة: و لو سجد فعرض له الم القاه على جنبه،

ثم عاد للسجود، فان تطاول انقلابه لم يجزئه، و الا أجزأ لبقائه على النية و فى الدروس:

ص: 156

و لو زال الم المساجد على الجبينين او على الذقن فان كان بعد الذكر اجزاء، و الا استدرك.

السابع: يستحب ان يكون حال سجوده مجنحا - بالجيم ثم النون المشددة و الحاء المهملة - اى رافعا مرفقيه عن الأرض،
اشارة

جاعلا يديه كالجناحين، قاله بعض الأجلاء. و قال آخر: المراد بالتجنيح بالمرفقين ابعادهما عن البدن بحيث يصير ان كالجناحين، انتهى. و نقل عن استحبابه الاجماع، و يدل عليه جملة من الأخبار، و فى حديث حماد: و لم يستعن بشئ من بدنه(1) على شئ منه فى ركوعه و لا سجود، و كان مجنحا و لم يضع ذراعيه على الأرض.

أقول: و جعل بعضهم(2) قوله: و لم يضع ذراعيه على الأرض، عطفا تفسيريّا لقوله: و كان مجنحا، فافهم. و فى الرواية المتقدمة فى اوائل هذا المجلد، و لا تفترش ذراعيك افتراش السبع ذراعيه، و لا تضعن ذراعيك على ركبتيك و فخذيك، و لكن تجنح بمرفقيك، و روى الكافى فى باب السجود و التسبيح، عن حفص الاعور، عن ابى عبد الله (ع)، قال: كان على (ع) اذا سجد يتخوى كما يتخوى البعير الضامر، يعنى بروكه.

بيان:

عن النهاية فيه انه كان اذا سجد خوى، اى جافا بطنه عن الأرض، و رفعها و جافى عضديه عن جنبيه، حتى يخوى ما بين ذلك. و منه حديث على (ع) اذا سجد الرجل فليخو، و اذا سجدت المرأة فلتختفر.

و عن القاموس: خوى فى سجوده تخوية تجافى او فرج بين عضديه و جنبيه انتهى. و الظاهر ان المراد بالحديث هو التجنيح الذى دلت عليه الأخبار، كما صرح به بعض الأجلاء.

و عن البحار عن جامع البزنطى نقلا عن خط بعض الافاضل، عن الحلبى عن الصادق (ع)، قال: اذا سجدت فلا تبسط ذراعيك كما يبسط السبع ذراعيه، و لكن اجنح بهما، فان رسول الله (ص) كان يجنح بهما حتى يرى بياض

ص: 157


1- جسده خ ل (منه).
2- الحدائق (منه).

ابطيه.

قال الصدوق فى الفقيه فى باب وصف الصلوة: و يكون سجودك كما يتخوى البعير الضامر(1) عند بروكه(2)، و تكون شبه المعلق، لا يكون شئ من جسدك على شئ منه.

و عن الاسكافى انه قال: لو لم يجنح الرجل كان احب الى. و هذا غير وجيه لمكان الأخبار المتقدمة. و قال المصنف رحمه الله فى التذكرة: و يستحب التخوية فى السجود، بان يفرق بين فخذيه و ساقيه، و بين بطنه و فخذيه، و بين جنبيه و عضديه، و بين عضديه و ساعديه، و بين ركبتيه و مرفقيه، و يفرق بين رجليه، و سمى تخوية لانه القى الخوا بين الاعضاء، و هو للرجل دون المراة، بل تضم بعضها الى بعض، لان النبى (ص) كان اذا سجد فرج يديه عن جنبيه، و حجى و الحج الخاوى، و فرج بين رجليه، و قال (ع): اذا سجد احدكم فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب. و معناه ان يضعها بالأرض و لا يتجافى بهما. و من طريق الخاصة رواية حماد الى آخره.

الثامن: يستحب الاعتدال فى السجود اجماعا،

نقله فى التذكرة: و لعل المراد به عدم الميل الى احد الاعضاء، حتى يقع ثقل المائل ايضا عليه، قال بعد نقل الاجماع: لقوله (ع): اعتدلوا فى السجود. و قال الجمهور: لا ينبغى ان يجمع ثيابه و شعره فى سجوده، لان النبى (ص) راى رجلا يجمع ثيابه فى الصلوة فقال (ع): دعها فانها تركع بركوعك و تسجد بسجودك. و نهى ان يلفت منه الشعر و الثياب، اى يجمعها.

قال عطا: و كانوا يكرهون ان يسجد و هو عاقص شعره، و لعل النهى لما فيه من الفعل الذى ليس من الصلوة، انتهى.

التاسع: يستحب مماسة كفّيه الأرض حال سجوده،

كما صرح به غير واحد، لقوله (ع) فى صحيحة زرارة المتقدمة فى اوائل هذا المجلد: و ابسطهما على الأرض بسطا، و اقبضهما اليك قبضا، و ان كان تحتها ثوب فلا يضرك و ان افضيت

ص: 158


1- بروك بالضم: خفض شتر منتخب اللفه (منه).
2- ضامر باريك اندام منتخب اللغة (منه).

بهما الى الأرض فهو افضل. و روى الصدوق فى الفقيه فى باب وصف الصلوة عن اسمعيل بن مسلم، عن الصادق (ع) عن ابيه (ع)، انه قال: اذا سجد احدكم فليباشر بكفيه الأرض، لعل الله يدفع عنه الغلّ يوم القيمة، و روى ايضا عن السكونى عن ابى عبد الله (ع) عن ابيه، عن ابائه (ع)، ان النبى (ص) قال ضعوا اليدين حيث تضعون الوجه، فانهما يسجدان كما يسجد الوجه.

و اما ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات عن ابى حمزة، قال قال ابو جعفر (ع): لا بأس ان تسجد و بين كفيك و بين الأرض ثوبك. فمحمول على الجواز.

العاشر: يستحب ضم الاصابع بعضها الى بعض،
اشارة

مستقبلا بها القبلة، كما صرح به غير واحد، للمروى عن الفقه الرضوى، و ضم اصابعك وضعها مستقبل القبلة. و فى رواية حماد فى وصف صلوة الصادق (ع)، على ما رواه الكافى فى باب افتتاح الصلوة: ثم سجد و بسط كفيه مضمومتى الاصابع، بين يدى ركبتيه حيال وجهه. و فى صحيحة زرارة المتقدمة فى اوائل هذا المجلد: و لا تفرجن بين اصابعك فى سجودك، و لكن ضمهن جميعا.

و اما ما روى عن زيد النرسى فى كتابه، عن سماعة بن عمران، انه راى ابا عبد الله (ع) اذا سجد بسط يديه على الأرض بحذاء وجهه، و فرج حينئذ بين اصابع يديه، و يقول: انهما يسجدان كما يسجد الوجه. فلا يستطيع المقابلة فليطرح، او يحمل على الجواز، او العذر، او شئ آخر. و فى الدروس: و يستحب جعل يديه بحذاء اذنيه مضمومتى الاصابع، و رؤسهما الى القبلة.

تذنيب:

ظاهر الأخبار شمول الضم للاصابع الخمس بعضها الى بعض، و عن الاسكافى تفريق الابهام عنها، و نقله فى الحبل المتين عن بعض علمائنا، قال: و لم نظفر بمستنده.

أقول: و انا ايضا لم نظفر على ماخذه.

الحادى عشر: يستحب زيادة التمكن فى السجود لتحصيل اثره،

الذى

ص: 159

مدح الله بقوله عزّ و جلّ: «سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ اَلسُّجُودِ»، و بذلك صرح الجماعة. روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات عن السكونى، عن ابى عبد الله (ع)، قال: قال على (ع): انى لاكره للرجل ان ارى جبهته جلجاء، ليس فيها اثر السجود. و روى ايضا فى المكان المتقدم، عن اسحق بن الفضل، انه سأل ابا عبد الله (ع) عن السجود على الحصر و البوارى، فقال:

لا بأس، و ان يسجد على الأرض احب الى، فان رسول الله (ص) كان يحبّ ذلك ان يمكن جبهته من الأرض، فانا احب لك ما كان رسول الله (ص) يحبه.

و روى الصدوق فى العيون فى باب جمل من اخبار موسى بن جعفر (ع)، بسنده عن عبد الله بن الفضل، عن ابيه فى حديثه، انه دخل على ابى ابراهيم موسى بن جعفر (ع)، قال: فاذا بغلام اسود بيده مقص، ياخذ اللحم من جبينه و عرنين انفه من كثرة سجوده، و روى فى العلل فى باب العلة التى من اجلها سمى على بن الحسين (ع) السجاد، باسناده عن جابر بن يزيد الجعفى، قال:

قال ابو عبد الله (ع) جعفر بن محمد بن على(1) الباقر (ع): ان ابى على بن الحسين (ع)، الى ان قال: و كان اثر السجود فى جميع موضع سجوده، فسمى السجاد لذلك. و روى ايضا فى العلل فى باب العلة التى من اجلها سمى على بن الحسين (ع) ذا الثفنات، باسناده عن محمد بن اسمعيل بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن ابى طالب عن ابيه، عن آبائه عن محمد بن على الباقر (ع)، قال: كان لابى (ع) فى موضع سجوده آثار ناتئة، و كان يقطعها فى السنة مرتين، فى كل مرة ثفنات، فسمى ذا الثفنات لذلك.

الثانى عشر: قال فى التحرير: و يستحب ابراز اليدين دون غيرهما.

و قال بعض الأجلاء: و من المستحبات كشف باقى الاعضاء، قال فى المبسوط: و لم نقف على مستنده، و اما الجبهة فلا ريب فى وجوب كشفها. و قال فى الدروس: و و يستحب للرجل كشف باقى الاعضاء، اما كشف قدر الجبهة فواجب، انتهى.

ص: 160


1- بن على زايد ظ (منه).

أقول: لا بأس به، لمكان جواز التسامح.

الثالث عشر: صرح بعض الأجلاء بانه يستحب للمراة ان ترفع شعرها عن جبهتها،

و ان كان تصيب ببعضها الأرض، لزيادة التمكن. و فى الدروس: و يستحب ترك قصة(1) المراة على الجبهة، بل يستحب لها كشفها.

أقول: و يدل عليه الخبر السابع المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله:

و يجب فى كل سجدة وضع الجبهة، انتهى.

و عن الاسكافى: لا يستحب للمراة ان تطول قصتها، حتى يستر بعض شعرها جبهتها على الأرض او ما يسجد عليه. و بالجملة المستحب لها وضع جميع جبهتها على الأرض لذلك الخبر، بل يستفاد من الخبر السادس المتقدم هناك، انه يستحب للرجل ايضا ذلك.

الرابع عشر: يستحب ان يكون موضع جبهته مساويا لموقفه،

كما صرح به الجماعة، لصحيحة عاصم بن حميد المروية فى التهذيب فى باب كيفية الصلوة، عن ابى بصير قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل، يرفع موضع جبهتة فى المسجد. فقال: انى احب ان اضع وجهى فى موضع قدمى. و كرهه. و عن البحار انه رواها من كتاب عاصم بن حميد، الا انه قال: فى مثل قدمى و يكره(2) ان يضعه.

و عن الاسكافى: و لا يختار ان يكون موضع السجود الا مساويا لقيام المصلى من غير رفع و لا هبوط، و ان كان بينهما بقدر اربع مقبوضة جاز ذلك، مع الضرورة لا الاختيار، و لو كان علو مكان السجود كانحدار التل او مسيل الماء جاز، ما لم يكن فى ذلك تخوف، و قد ديح و ان تجاوز اربع اصابع لضرورة. و فى القواعد و التحرير:

يستحب مساواة موضع الجبهة للموقف او خفضه عنه.

قال فى جامع المقاصد و فى الذكرى: الافضل التساوى، و لو كان موضع الجبهة اخفض جاز. و قول الصادق (ع): انى احب ان اضع وجهى موضع قدمى، يلوح منه ذلك و لانه امكن للسجود. و علل فى الجامع لاستحباب الخفض، بانه يستلزم زيادة الانحناء المقتضى للمبالغة فى رفع الاسافل على الاعالى، المتضمن

ص: 161


1- القصة بالضم: شعر الناصية - ق (منه).
2- كره (منه).

لزيادة الخضوع، قال: و لا بد ان لا يزيد الانخفاض على مقدار اللبنة.

و صرح فى الدروس كما عن غيره باستحباب المساواة بين باقى المساجد ايضا.

الخامس عشر: توضيح ما فى صحيحة زرارة المتقدمة

و فى صحيحة زرارة المتقدمة، فى اوائل هذا المجلد: و لا تلصق كفيك بركبتيك، و لا تدنهما من وجهك، بين ذلك حيال منكبيك، و لا تجعلهما بين يدى ركبتيك، و لكن تحرفهما عن ذلك شيئا، و ابسطهما على الأرض بسطا، و اقبضهما اليك قبضا.

أقول: و لا ريب فى استحباب العمل بالمذكورات، و المراد بعدم الصاق الكفين بالركبتين، مباعدة طرفيهما المتصلين عنهما، قاله بعضهم، و الظرف اعنى بين ذلك متعلق بمحذوف، و التقدير و اجعلهما بين ذلك اى بين الركبتين و الوجه حيال المنكبين. و فى رواية حماد على ما رواه الكافى فى باب افتتاح الصلوة: ثم سجد و بسط كفيه مضمومتى الاصابع بين يدى ركبتيه حيال وجهه. و يستفاد منها استحباب جعل اليدين حيال الوجه، و العمل على رواية زرارة اولى. و فى التذكرة:

و يستحب وضعهما حالة السجود حيالة منكبيه مضمومتى الاصابع، مبسوطتين موجهتين الى القبلة. و هو مذهب العلماء، انتهى. و يمكن ان يقال: اذا وضع طول اليد حيال المنكب يصل شئ منها حيال الوجه ايضا، فتدبر.

و فى الدروس: و يستحب جعل يديه بحذاء اذنيه، و المراد من قوله (ع):

و لا تجعلهما بين يدى ركبتيك، اى لا تجعلهما فى نفس قبلة الركبتين، بل احرفهما عن ذلك قليلا. و اما ما فى رواية حماد، كما تقدم نقلها عن قريب من قوله: و بسط كفيه مضمومتى الاصابع بين يدى ركبتيه، فلعله لا ينافى ذلك، اذ المراد بكون الشئ بين اليدين كونه بين جبهتى اليمين و الشمال، و هو اعم من المواجهة الحقيقية، و الانحراف الى احد الجانبين، و يستعمل ذلك فى كل من المعنيين، فاستعمل فى احد الحديثين فى احد المعنيين، و فى الاخر فى الاخر.

ص: 162

و عن الكشاف فى تفسير قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ» حقيقة قولهم: جلست بين يدى فلان، ان يجلس بين الجهتين المتسامتين ليمينه و شماله قريبا منه، فسميت الجهتان يدين، لكونهما على سمت اليدين، مع القرب منهما، توسعا كما يسمى الشئ باسم غيره اذا جاوره و دناه، انتهى. و لعل المراد من قوله (ع): و اقبضهما اليك قبضا، هو ضم الكفين اليه عند الرفع من السجدة، ثم رفعهما بالتكبير. و عن على بن بابويه طاب ثراه:

اذا رفع راسه من السجدة الاولى، قبض يديه اليه قبضا، فاذا تمكن من الجلوس رفعهما بالتكبير. و قال ابنه رحمه الله فى الفقيه فى باب وصف الصلوة: ثم ارفع راسك من السجود، و اقبض يديك اليك قبضا، فاذا تمكنت من الجلوس فارفع يديك بالتكبير.

السادس عشر: تأويل السجدة الأولى و الثانية

قال الصدوق فى الفقيه فى باب وصف الصلوة: و سأل رجل امير المؤمنين (ع) فقال: له يا بن عم خير خلق الله، ما معنى السجدة الاولى؟ فقال(1): تاويلها: اللهم انك منها خلقتنا - يعنى من الأرض - و تاويل رفع راسك، و منها اخرجتنا، و السجدة الثانية و عليها تعيدنا، و رافع راسك و منها تخرجنا تارة اخرى، انتهى.

و عليه فيستحب له ان يخطر بباله ذلك، كما صرح به بعضهم.

السابع عشر: يستحب للمراة ان تبدا عند سقوطها للسجود بالقعود بالركبتين قبل اليدين،
اشارة

ثم تسجد لاطئة بالأرض(2)، فاذا كانت فى جلوسها ضمت فخذيها و رفعت ركبتيها من الأرض، فاذا نهضت انسلت انسلالا لا ترفع عجيزتها اولا، كما صرح به غير واحد، لصحيحة زرارة المتقدمة فى اوائل هذا المجلد، التى قال الشهيدان عليها عمل الاصحاب.

فائدة:

نقل فى التهذيب فى باب كيفية الصلوة تلك الصحيحة، عن الكلينى، و لكنه اسقط كلمة ليس الواقعة فى قوله: ليس كما يقعد الرجل، و نقلها فى الحبل المتين

ص: 163


1- قال خ ل (منه).
2- لاطئة بالارض: اى لاصقة بها (منه).

كما فى التهذيب، ثم قال: و الجلوس في قوله (ع): فاذا جلست فعلى اليتيها كما يقعد الرّجل، الظاهر ان المراد به الجلوس قبيل السجود و بين السجدتين، كما قاله والدى قدس الله روحه فى بعض تعليقاته، فيكون التورك مستحبا لها فى هذين الحالين، و ما يرى من جلوسها فى هذين الحالين، كجلوسها فى التشهد مما لم يثبت، بل هذا الحديث صريح فى ان جلوسها قبيل السجود مخالف لجلوسها فى التشهد، لقوله (ع): بدات بالقعود بالركبتين قبل اليدين، و ليس فى جلوسها فى التشهد قعود بالركبتين. و هذا و قد يوجد فى بعض نسخ التهذيب: بدأت بالقعود و بالركبتين، بالواو حينئذ لا تصريح بالمخالفة بين الجلوسين، الا ان الحديث على ما نقله شيخنا فى التذكرة، و العلامة فى المنتهى، حال عن هذه الواو. و اعلم ان هذا الحديث فى التهذيب على ما نقلناه، و فى كثير من نسخ الكافى هكذا: اذا جلست فعلى اليتيها، ليس كما يقعد الرجل. و هذه النسخة هى التى آثرها شيخنا طاب ثراه فى الذكرى، و قال: ان حذف لفظة ليس فى التهذيب سهو من الناسخين، ثم قال: و سرى هذا السهو فى التصانيف كالنهاية للشيخ و غيرها، و هو مع كونه لا يطابق المنقول فى الكلينى، لا يطابق المعنى، اذ جلوس المراة ليس كجلوس الرجل، لانها فى جلوسها تضم فخذيها، و ترفع ركبتيها من الأرض، بخلاف الرجل فانه يتورك، انتهى كلامه طاب ثراه.

و لا يخفى ما فيه من بعد انتهى كلام البهائى.

أقول: الظاهر ما ذكره فى الذكرى هو الحق الحقيق بالاتباع، اذ التهذيب انما نقل الحديث عن الكافى، و تلك الكلمة فى الكافى موجودة، و سهو الناسخين غير عزيز، و الله هو العالم.

و روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى كالصحيح لمكان عثمان بن عيسى، عن ابن ابى يعفور، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا سجدت المراة بسطت ذراعيها. و روى ايضا فى الباب، عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، قال سألته

ص: 164

عن جلوس المراة فى الصلوة. قال: تضم فخذيها. و روى ايضا فى الباب فى الموثق عن ابن بكير، عن بعض اصحابنا، قال: المراة اذا سجدت تضممت، و الرجل اذا سجد تفتح.

الثامن عشر: قال فى التذكرة: لو اخل بالسبعة، اى السجود بالاعضاء السبعة، او باحدها عمدا بطلت صلوته،

و ناسيا لا يعيد، لعدم وجوبه حينئذ، و فى التحرير: و لو اخل بالسجود على بعض هذه عمدا بطلت صلوته، عالما كان او جاهلا، و لا تبطل بالسهو. قال: و لو كان على بعض اجزائه مانع يمنع من السجود عليه سجد بباقى الاعضاء.

التاسع عشر: قال فى التذكرة: و لو ضم اصابعه الى كفه و سجد، ففى الاجزاء اشكال،

اقربه المنع، لانه (ع) جعل يديه مبسوطتين حالة السجود، الى ان قال: و يستحب ان يفرج بين رجليه فى السجود، لانه (ع) صلى كذلك، و به قال الشافعى.

العشرون: روى الكافى فى باب السجود و التسبيح فى الصحيح عن محمد بن اسمعيل،

قال: رايت ابا الحسن (ع) اذا سجد يحرك ثلاث اصابع من اصابعه واحدة بعد واحدة تحريكا خفيفا، كانه يعد التسبيح، ثم رفع راسه. قال فى الحبل المتين بعد نقله: رواه الصدوق فى عيون اخبار الرضا (ع)، و ربما يستفاد منه بثلاث تسبيحات السجود، و استحباب عدها بالاصابع، و هذا غير مشهور بين الاصحاب.

الحادى و العشرون: فى بيان سجدات القرآن،
فلننقل اولا الأخبار المتعلقة بالمقام،
اشارة

نم لنعطف الكلام على ما يظهر منها من الاحكام.

الأول:

ما رواه الكافى فى باب عزائم السجود، فى الصحيح كما قاله بعض الأجلاء، او المعتبر لمكان الجماعة عن عبد الله بن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، قال اذا قرأت شيئا من العزائم الأربع: حم السجدة، و تنزيل، و النجم، و اقر باسم ربك.

ص: 165

الثانى:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن ابى بصير، قال: قال: اذا قرئ شىء من العزائم الأربع فسمعتها، فاسجد، و ان كنت على غير وضوء، و ان كنت جنبا، و ان كانت المراة لا تصلى، و سائر القرآن انت فيه بالخيار، ان شئت لم تسجد.

الثالث:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح على الصحيح، لمكان محمد بن عيسى عن يونس، عن عبد الله بن سنان، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل سمع السجدة تقرا، قال: لا يسجد الا ان يكون منصتا القراءة(1)مستمعالها، او يصلى لها بصلوته، فاما ان يكون يصلى فى ناحية و انت فى ناحية اخرى، فلا تسجد لما سمعت.

الرابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن سماعة، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، قال: ان صليت مع قوم فقرء الامام «اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ» او شيئا من العزائم، و فرغ من قراءة و لم يسجد، فاوم ايماء، و الحايض تسجد اذا سمعت السجدة.

الخامس:

ما رواه ايضا فى اواخر باب السجود و التسبيح فى الصحيح عن ابى عبيدة الحذاء، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا قرأ أحدكم السجدة، فليقل فى سجوده: سجدت لك يا ربّ تعبدا و رقا، و لا مستكبرا عن عبادتك و لا مستنكفا، و لا مستعظما بل انا عبد ذليل خائف مستجبر.

السادس:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات فى الموثق عن سماعة، قال: و قال ابو عبد الله (ع): اذا قرات السجدة فاسجد، فلا تكبر حتى ترفع راسك.

السابع:

ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، فى الصحيح عن محمد، عن احدهما (ع) قال: سألته عن الرجل يقرا السجدة فينساها حتى يركع و يسجد، قال: يسجد اذا ذكر اذا كانت من العزائم.

الثامن:

ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، فى الموثق عن عمار بن موسى

ص: 166


1- لقرائته (منه).

الساباطى، عن ابى عبد الله (ع)، فى الرجل يسمع السجدة فى الساعة التى لا يستقيم الصلوة فيها قبل غروب الشمس و بعد صلوة الفجر، فقال: لا يسجد.

التاسع:

ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، فى الصحيح عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع)، قال: سألته عن الرجل يعلّم السورة من العزائم فتعاد عليه مرارا فى المقعد الواحد، قال: عليه ان يسجد كلما سمعها، و على الذى يعلّمه ايضا ان يسجد.

العاشر:

ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب وصف الصلوة مرسلا، قال: و قد روى انه يقال فى سجدة العزائم، لا اله الا الله حقا حقا، لا اله الا الله ايمانا و تصديقا، لا اله الا الله عبودية و رقا، سجدت لك يا رب تعبدا ورقا، لا مستنكفا عن عبادتك و لا مستكبرا، بل انا عبد ذليل خائف مستجير. ثم يرفع راسه ثم يكبر.

الحادى عشر:

ما رواه الصدوق ايضا فى العلل، فى باب العلة التى من اجلها سمى على بن الحسين (ع) السجاد، باسناده عن جابر بن يزيد الجعفى، قال: قال ابو عبد الله جعفر بن محمد بن على الباقر (ع): ان ابى على بن الحسين (ع) ما ذكر لله عزّ و جلّ نعمة عليه الا سجد، و لا قرأ آية من كتاب اللّه عزّ و جلّ فيها سجود الا سجد و بهما رفع الله عزّ و جلّ عنه سوء يخشاه او كيد كائدا لا يسجد، و لا فرغ من صلوة مفروضة الا سجد، و لا وقف لا صلاح اثنتين(1)الا سجد، و كان اثر السجود فى جميع مواضع سجوده، فسمى السجاد لذلك.

الثانى عشر:

ما روى عن الخصال بسند معدود من الصحاح، عن داود بن سرحان، عن ابى عبد الله (ع)، قال: ان العزائم اربع: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ، و النجم، و تنزيل السجده، و حم السجدة.

الثالث عشر:

ما رواه فى العلل فى باب العلة التى من اجلها يسجد من يقرا السجدة و هو على ظهر دابته حيث توجهت به، عن جعفر بن محمد بن مسرور رحمه الله، عن الحسين بن محمد بن عامر، عن عمه عبد الله بن عامر، عن محمد بن ابى عمير عن حماد عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن الرجل يقرا السجدة و

ص: 167


1- اثنين ظ (منه).

هو على ظهر دابته، قال: يسجد حيث توجهت به، فان رسول الله (ص) كان يصلى على ناقته، و هو مستقبل المدينة، يقول الله عزّ و جلّ: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ» قيل و رواه العياشى عن حماد بن عثمان، عن ابى عبد الله (ع) مثله.

الرابع عشر:

ما روى عن على بن جعفر فى كتاب المسائل، عن اخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون فى صلوته فى جماعة، فيقرا انسان السجدة، كيف يصنع؟ قال: يومى برأسه قال: و سألته عن الرجل يكون فى صلوته، فيقرا آخر السجدة، قال: يسجد اذا سمع شيئا من العزائم الأربع، ثم يقوم، ثم يتم صلوته، الا ان يكون فى فريضة فيومى براسه ايماء.

الخامس عشر:

ما روى عن مستطرفات السرائر، من كتاب النوادر لمحمد بن على بن محبوب، عن غياث بن جعفر، عن ابيه، عن على (ع) قال: لا تقضى الحايض الصلوة، و لا تسجد اذا سمعت السجدة.

السادس عشر:

ما روى عنه ايضا بسنده عن عمار الساباطى، قال: سأل ابو عبد الله (ع) عن الرجل اذا قرأ العزائم، كيف يصنع؟ قال: ليس فيها تكبير اذا سجدت، و لا اذا قمت، لكن اذا سجدت قلت ما تقول فى السجود.

السابع عشر:

ما روى ايضا نقلا من كتاب النوادر لاحمد بن محمد بن ابى نصر، عن الوليد بن صبيح، عن ابى عبد الله (ع)، قال فيمن قرا السجدة و عنده رجل على غير وضوء قال: يسجد.

الثامن عشر:

ما روى عنه ايضا من الكتاب المذكور فى الصحيح، على ما قيل عن الحلبى، قال: قلت لابى عبد الله (ع): يقرا الرجل السجدة و هو على غير وضوء؟ قال: يسجد اذا كانت من العزائم.

التاسع عشر:

ما روى عنه ايضا من الكتاب المذكور، عن العلا عن محمد بن مسلم، قال: سألته عن الرجل يقرا بالسورة فيها السجدة، فينسى فيركع، و يسجد سجدتين ثم يذكر بعد، قال: يسجد اذا كانت من العزائم، و العزائم اربع: الم تنزيل، و حم السجدة، و النجم، و اقرا باسم ربك. و كان على بن الحسين (ع)

ص: 168

يعجبه ان يسجد فى كل سورة فيها سجدة.

العشرون:

ما عن مجمع البيان، قال: روى عبد الله بن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال: العزائم: الم تنزيل، و حم السجدة، و النجم، و اقرا باسم ربك. و ما عداها فى جميع القرآن مسنون، و ليس بمفروض.

الحادى و العشرون:

ما عنه قال عن ائمتنا (ع): ان السجود فى صورة فصلت عند قوله: «إِنْ كُنْتُمْ إِيّٰاهُ تَعْبُدُونَ».

الثانى و العشرون:

ما عن غوالى اللئالى مرسلا، قال: و روى فى الحديث انه لما نزل قوله تعالى: «وَ اُسْجُدْ وَ اِقْتَرِبْ» سجد النبى (ص)، فقال فى سجوده:

اعوذ برضاك من سخطك، و بمعا فاتك من عقوبتك، و اعوذ بك منك، و لا احصى ثناء عليك، انت كما اثنيت على نفسك.

الثالث و العشرون:

ما عن المعتبر عن جامع البزنطى، عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع)، فيمن يقرا السجدة من العزائم، لا يكبر حين يسجد، و لكن يكبر اذا رفع راسه.

الرابع و العشرون:

ما عن دعائم الاسلام قال: مواضع السجود فى القرآن خمسة عشر موضعا، اولها آخر الاعراف، و فى سورة الرعد «وَ ظِلاٰلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصٰالِ»، و فى النحل «وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ»، و فى بنى اسرائيل «وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً»، و فى كهيعص «خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا»، و فى الحج «إِنَّ اَللّٰهَ يَفْعَلُ مٰا يَشٰاءُ»، و فيها «وَ اِفْعَلُوا اَلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»، و فى الفرقان «وَ زٰادَهُمْ نُفُوراً»، و فى النمل «رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ»، و فى تنزيل السجدة «وَ هُمْ لاٰ يَسْتَكْبِرُونَ» و فى ص «وَ خَرَّ رٰاكِعاً وَ أَنٰابَ»، و حم السجدة «إِنْ كُنْتُمْ إِيّٰاهُ تَعْبُدُونَ» و فى آخر النجم، و فى اذ السماء انشقت «وَ إِذٰا قُرِئَ عَلَيْهِمُ اَلْقُرْآنُ لاٰ يَسْجُدُونَ» و آخر اقرا باسم ربك.

و روينا عن ابى جعفر محمد بن على (ع)، قال: العزائم من سجود القرآن اربع، فى الم تنزيل السجدة، و حم السجدة، و النجم و اقرا باسم ربك، فهذه

ص: 169

العزائم لا بد من السجود فيها، و انت فى غيرها بالخيار، ان شئت فاسجد و ان شئت فلا تسجد. قال: و كان على بن الحسين (ع) يعجبه ان يسجد فيهن كلّهن، و عن جعفر بن محمد (ع) انه قال: من قرا السجدة او سمعها من قار يقراها و كان يسمع قراءته فليسجد، فان سمعها و هو فى صلوة فريضة من غير الامام او ماء براسه، و ان قراها و هو فى الصلوة سجد، و سجد معه من خلفه ان كان اماما. و لا ينبغى للامام ان يتعمد قراءة سورة فيها سجدة فى صلوة فريضة.

و عنه (ع) انه قال: و من قراء السجدة او سمعها سجد، اى وقت كان ذلك، مما تجوز الصلوة فيه اولا تجوز، و عند طلوع الشمس و عند غروبها، و يسجد و ان كان على غير طهارة، و اذا سجد فلا يكبر، و لا يسلم اذا رفع، و ليس فى ذلك غير السجود، و يدعو فى سجوده ما تيسر من الدعاء. و عنه (ع): اذا قرأ المصلى سجدة الخط(1) فسجد(2)، ثم قام فابتدا من وقف، فان كانت فى آخر السورة فليسجد، ثم يقوم فيقرا بفاتحة الكتاب و يركع و يسجد.

و عن ابى جعفر محمد بن على (ع)، انه قال: اذا قرات السجدة و انت جالس فاسجد متوجها الى القبلة، فاذا قراتها و انت راكب فاسجد حيث توجهت، فان رسول الله (ص) كان يصلى على راحلته، و هو متوجه الى المدينة بعد انصرافه من مكه، يعنى النافلة، قال: و فى ذلك قول الله عزّ و جلّ «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ».

اذ عرفت ذلك، فاعلم ان الكلام هنا يقع فى مقامات:
الأول: اعلم ان سجدات القرآن خمس عشرة بلا خلاف،

قاله بعض الأجلاء، بل عليه الاجماع فى التذكرة و الذكرى و غيرهما، قال فى الذكرى: اجمع الاصحاب على ان سجدات القرآن خمس عشر ثلاث فى المفصل، و هى فى النجم، و انشقت، و اقرا، و اثنتى عشرة فى باقى القرآن، و المنتهى: فى الاعراف، و الرعد، و النحل، و مريم، و بنى اسرائيل، و الحج فى موضعين، و الفرقان، و النمل، و الم تنزيل، و ص، و حم فصلّت، انتهى.

ص: 170


1- الحظ ظ (منه).
2- فيسجد ظ (منه).

و استدل لذلك فى التذكرة، ان عبد الله بن عمرو بن العاص قال اقرانى رسول الله (ص) خمس عشرة سجدة، ثلاث فى المفصل، و سجدتان فى الحج، و ذهب الصدوق فى الفقيه الى انه يستحب ان يسجد فى كل سورة فيها سجدة، و عليه فيدخل فيها آل عمران لقوله تعالى: «يٰا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اُسْجُدِي»، و غيرها، و ربما يومى اليه الخبر الحادى عشر و التاسع عشر، و لا بأس بمراعاة هذا القول، كما قاله بعض مشائخنا كغيره.

الثانى: يجب السجود فى اربع منها،

و هى سجدة لقمن، و حم السجدة، و النجم، و اقرا، اجماعا محققا و محكيا فى عبائر الجماعة، و يدل عليه جملة من الأخبار المتقدمة، و استدل غير واحد على وجوب السجدة فيما عدا تنزيل من هذه الأربع، يكون السجود فيها بصيغة الامر، و الامر للوجوب، و ربما يناقش فى ذلك، بان الامر بالسجود فى الاية انما يقتضى وجوبه فى الجملة، لا كلما تليت الاية و استمعت، و وجوب السجود فى الجملة مما لا كلام فيه، اذ منه سجود الصلوة، و ليس فى شئ من آيات العزائم ما يدلّ على وجوب السجود اذا تليت، او استمعت، بل انما تضمنت مطلق الامر بالسجود، كقوله جل شانه فى حم السجدة:

«لاٰ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لاٰ لِلْقَمَرِ وَ اُسْجُدُوا لِلّٰهِ اَلَّذِي خَلَقَهُنَّ»، و فى سورة النجم: « فَاسْجُدُوا لِلّٰهِ وَ اُعْبُدُوا»، و فى سورة اقرا: «وَ اُسْجُدْ وَ اِقْتَرِبْ»، و لا فرق فى تضمن الامر بالسجود بين هذه الآيات و بين قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَ اُسْجُدُوا» مثلا، و الحاصل ان مجرد تلاوة الآية المتضمنة للامر بالسجود و استماعها لا يوجب الاتيان بذلك الشئ كلّما تليت و استمعت، فان حكاية الامر ليست امرا، و هذا مما لا سترة فيه، و استدل بعضهم(1) على وجوب السجود فى صورة تنزيل، بانه تعالى حصر المؤمن بايته فى الذى اذا ذكر بها سجد، و هو يقتضى سلب الايمان ثم قال: فان قلت: المراد هنا بالمؤمنين الكمل، بدليل الاجماع، على انه لا يكفر تارك هذه السجدة متعمدا، كقوله تعالى: «إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ إِذٰا ذُكِرَ اَللّٰهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ» الاية، قلت: يكفيان(2) ان انتفاء كمال الايمان عند انتفاء السجود، و

ص: 171


1- الذكرى (منه).
2- يكفيان ظ (منه).

يلزم منه المطلق، لان تكميل الايمان واجب، ثم قال: فان قلت: لا نسلم وجوب تكميل الايمان مطلقا، بل انما يجب تكميله اذا كان بواجب، فلم قلتم: ان ذلك واجب، فانه محل النزاع، و اما تكميله بالمستحب فمستحب، كما فى وجل القلب، قلت: الظاهر ان فقد الكمال نقصان فى حقيقة الايمان، و خروج غير الوجل منه بدليل خارج لا يقتضى اطراد التكميل فى المندوبات، انتهى. و فيه ما ترى.

تنبيه: يستحب السجود فى غير الأربع من المواضع الخمس عشرة اجماعا، نقله الجماعة(1)، و يدلّ عليه غير واحد من الأخبار المتقدمة.

الثالث: يجب السجود على القارى و المستمع بلا خلاف،

قاله غير واحد، بل عليه وقع الاجماع، قاله الجماعة، و يدل عليه بعد ذلك غير واحد من الأخبار المتقدمة.

الرابع: اختلف الاصحاب فى وجوبه على السامع من غير اصغاء،

فذهب الشيخ الى عدم الوجوب مدعيا عليه فى المختلف الاجماع، و تبعه الجماعة، و منهم المحقق فى الشرايع، و المصنف رحمه الله فى التذكرة، و عن المنتهى قال فى التذكرة: اما السامع غير القاصد للسماع فيستحب فى حقه فى الجميع عندنا، انتهى. خلافا للحلى، فذهب الى الوجوب مدعيا عليه الاجماع، و اليه ذهب فى القواعد و التحرير و المسالك و جامع المقاصد، و عن الذكرى الميل اليه، بل نسبه فى الحبل المتين و غيره(2) الى الاكثر، و فى المدارك: و انا فى المسئلة من المتوقفين، و فى الحبل المتين: و سكت فى الخلاف عن ترجيح احد القولين فى ذلك فى محلّه، للاولين الخبر الثالث و الرابع و العشرون، المتضمن على قوله: و عن جعفر بن محمد (ع) انه قال: من قرا السجدة او سمعها من قار يقراها، و كان يسمع قراءته فليسجد، و للاخرين الخبر الثانى و الخبر الرابع عشر.

قال فى الذكرى: طريق الرواية التى ذكرها الشيخ و عنى بها الخبر الثالث محمد بن عيسى، عن يونس، مع انها تتضمن وجوب السجود اذا صلى بصلوة التالى لها، و هو غير مستقيم عندنا، اذ لا يقرا فى الفريضة عزيمة على الاصح، و

ص: 172


1- و منهم جامع المقاصد و الحدائق و الحبل المتين (منه).
2- الحدائق (منه).

يجوز القدوة فى بعض النوافل، كالاستسقاء و الغدير و العيدين، مع اختلال الشرائط سايغة، انتهى.

أقول: و المسئلة لا تخلو عن اشكال ينشاء من اجماع الخلاف المعتضد بعبارة التذكرة، و اخصية الخبرين الدالين على مفاده، و الخاص مقدم على العام بلا ريبة فالأول، و من اجماع الحلى المعتضد بالشهرة المحكية فالثانى، و لعل الاول لا يخلو عن قوة، لعدم ثبوت الشهرة المحكية، مع امكان القدح فى اصل الحكاية، اذ فى الحبل المتين و غيره(1) نسبا القول الثانى الى الاكثر، و لعله انقص من الشهرة، اذ الاكثرية متحققة اذا زاد احد الطرفين، و لو واحد فافهم.

و اما العامة فهم ايضا مختلفون فى المسئلة، اذ المحكى عن ابى حنيفة و ابن عمر و النخعى و اسحق و سعيد بن جبير، و نافع القول بالوجوب و عن الشافعى:

لا اؤكد عليه السجود، و ان سجد فحسن، و عن مالك و احمد: لا يستحب للسامع، و هو مروى عن عثمان و ابن عباس، و عمران الحصين، و الاحتياط واضح، و لا ينبغى تركه.

الخامس: لا اعرف خلافا فى ان موضع السجود فى العزائم الأربع بعد الفراغ من الاية الا من المحقق فى التحرير،

حيث قال: ان موضعه فى حم السجدة عند قوله تعالى: «وَ اُسْجُدُوا لِلّٰهِ» ناقلا ذلك عن الخلاف ايضا، قال فى الذكرى: ليس كلام الشيخ صريحا فيه. و لا ظاهرا، بل ظاهره ما قلناه، يعنى وجوب السجود عند «تَعْبُدُونَ»، لانه ذكر فى اول المسئلة ان موضع السجود فى «حم» عند قوله: «وَ اُسْجُدُوا لِلّٰهِ اَلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّٰاهُ تَعْبُدُونَ» ثم قال: و ايضا قوله: «وَ اُسْجُدُوا لِلّٰهِ اَلَّذِي خَلَقَهُنَّ»(2) امر و الامر يقتضى الفور عندنا، و ذلك يقتضى السجود عقيب الاية، و من المعلوم ان آخر الاية تعبدون، و لا تخل السجود فى اثناء الاية يؤدى الى الوقوف على المشروط دون الشرط، و الى ابتداء القارئ بقوله: اياه ان كنتم تعبدون و هو مستهجن عند القراءة، لانه لا خلاف فيه بين المسلمين، انما الخلاف فى تأخير السجود الى يسأمون، فان ابن عباس و الثورى

ص: 173


1- الحدائق (منه).
2- و فيه تأمل قد ظهر وجهه سابقا فتأمل (منه).

و اهل الكوفه و الشافعى يذهبون اليه، و الأول هو المشهور عند الباقين، فاذن ما اختاره فى التحرير لا قائل به، فان احتج بالفور، قلنا هذا القدر لا يخل بالفور، و الا لزم وجوب السجود فى باقى الآى العزائم، عند صيغة الامر و حذف ما بعده من اللفظ، و لم يقل به احد، انتهى كلامه، و هو كلام متين سيما بعد ملاحظة الخبر الحادى و العشرين، و هو كلام متين.

و فى الحبل المتين: و العجب من العلامه فى المنتهى كيف وافق المحقق على هذا النقل، فكانه طاب ثراه لم يراجع الخلاف، و اكتفى بالنقل من المعتبر. و عن البحار رايت فى بعض تعليقات شيخنا البهائى. قول بعض الاصحاب بوجوب السجود عند التلفظ بلفظ السجدة فى جميع السجدات الأربع، و لم ار هذا القول فى كلام غيره، و قد صرح فى الذكرى بعدم القول به فلعله اشتباه، انتهى.

أقول: و يؤيده عدم نقله فى الحبل المتين هذا القول، و كيف كان، فالاقوى عندى ما ذكره الاصحاب. روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات، فى الصحيح عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: من قرا «اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» فاذا ختمها فليسجد، الخبر. و دلالته على المختار كالخبر الحادى و العشرين و لو بضميمة الاجماع المركب واضحة، و يدل عليه ايضا الاصل، و تقريره ان الذمة قبل القراءة لم تكن مشغولة، و الاصل بقاء ذلك حتى يعلم الاشتغال، و ليس الا بعد تمام الاية، و يؤيده عبارة الدعائم المتقدمة، قال بعض الأجلاء: ظواهر الأخبار هو السجود عند ذكر السجدة، لتعلق السجود فى جملة منها على سماع السجدة، او قرائتها او استماعها، و المتبادر منها هو لفظ السجدة، و الحمل على تمام الاية يحتاج الى تقدير فى تلك العبارات، بان يراد اسماع آية السجدة الى آخرها، الا ان ظاهر الاصحاب الاتفاق على ان محل السجود بعد تمام الاية، ثم قال بعد نقل كلام البحار: لا ريب فى قوة هذا القول، بالنظر الى ما ذكرناه من التقريب، الا ان الخروج عما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل، سيما مع عدم اخلال ذلك بالفور الواجب فى المقام، انتهى.

ص: 174

أقول: و الحق ما جرى فى قلمه، مع انه خلاف ديدنه، اذ مخالفة الاصحاب امر فى غاية من الاشكال. و اما التبادر الذى ادعاه فغير مسلم، اذ التبادر الذى يعتمد عليه انما هو فى موضع يكون للمتبادر ظهور تام، بحيث يذهب الذهن اليه، و يصرف عن ما عداه، او يتوقف فيه، و على فرض التسليم فلا ريب فى ان تتمة الاية لا تنافى الفورية، و عليه فالاتيان بالسجود بعدها مما يبرء به الذمة، فليعمل به.

و بالجملة، لا ريب فى ترجيح ما ذكره الاصحاب مع كونه احوط. قال فى التذكرة: موضع السجود فى حم عند قوله تعالى: «وَ اُسْجُدُوا لِلّٰهِ اَلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّٰاهُ تَعْبُدُونَ» و به قال ابن عمرو الحسن البصرى، و مالك، و حكاه مسروق عن اصحاب ابن مسعود، لان الامر بالسجود فيها فيجب عندها و قال الشافعى:

الاية الثانية عند قوله: «وَ هُمْ لاٰ يَسْأَمُونَ» و به قال سعيد بن المسيب، و النخعى و الثورى، و ابو حنيفة و احمد، و هو مروى عن ابن عباس، لان تمام الكلام فى الثانية، فكان السجود عقيبها، و اولوية السجود عند الذكر راجحة عليه عند التتمة، فاما الاعراف فاخرها «وَ لَهُ يَسْجُدُونَ»، و الرعد «وَ ظِلاٰلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصٰالِ»، و النحل «وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ»، و بنى اسرائيل «وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً»، و مريم «خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا»، و الحج «يَفْعَلُ مٰا يَشٰاءُ» «وَ اِفْعَلُوا اَلْخَيْرَ»، و الفرقان «وَ زٰادَهُمْ نُفُوراً»، و النمل «رَبُّ اَلْعَرْشِ»، و الم تنزيل «وَ هُمْ لاٰ يَسْتَكْبِرُونَ»، و النجم «فَاسْجُدُوا لِلّٰهِ»، و الانشقاق «وَ إِذٰا قُرِئَ عَلَيْهِمُ اَلْقُرْآنُ لاٰ يَسْجُدُونَ»، و القلم(1)«وَ اُسْجُدْ وَ اِقْتَرِبْ».

السادس: الظاهر ان الطهارة من الحدث غير شرط فى هذا السجود،
اشارة

وفاقا لجماعة، لمكان اطلاق الامر بالسجود، و الخبر الثانى و السابع عشر و الثامن عشر و الرابع و العشرين، و عن ظاهر الاسكافى اعتبار الطهارة، و ليس بشئ. و فى التذكرة: هذا السجود ليس بصلوة و لا بجزء منها، فلا يشترط فيه ما يشترط فى الصلوة عند علمائنا، و به قال عثمان و سعيد بن المسيب و الشعبى عملا بالاصل، و قول الصادق (ع) فاسجدو ان كنت جنبا، و ان كانت المراة لا تصلى.

ص: 175


1- العلق خ ل (منه).
فرع: و هل يجوز للحائض ايضا السجود لو استمعت آية السجدة او تلتها،
اشارة

كما ذهب اليه الجماعة بل الاكثر؟ قاله بعضهم، بل المشهور. قاله فى جامع المقاصد ام لا؟ كما عن المقنعة و النهاية و الانتصار و الوسيلة، و المهذب لابن البراج فحرموه عليها، لاشتراطه بالطهارة، و عن المفيد نفى الخلاف عنه، و الحق الأول، لمكان عبارة التذكرة المتقدمة المعتضدة بالشهرة المحكية، و الخبر الثانى و الرابع، و ما رواه الكافى فى كتاب الطهارة، فى باب الحائض و النفساء تقرآن القرآن، فى الصحيح عن ابى عبيدة، قال: سألت ابا جعفر (ع) عن الطامث تسمع السجدة؟ قال: اذا كانت من العزائم فلتسجد اذا سمعتها. و اما الخبر الخامس عشر و ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات، بسند فيه ابان بن عثمان بن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن الحائض هل تقراء القرآن، و تسجد سجدة اذا سمعت السجدة؟ قال: تقرا و لا تسجد، فلا يصلحان لمعارضة ما تقدم، مع ضعف الأول سندا، فلا يقوم للمعارضة كالثانى، لعدم قوة سنده، فكيف يتقاومان لما هو المشهور بين الطائفة، المعتضد بعبارة التذكرة المتقدمة، مع كونه اكثر عددا و اصح سندا، و بالاطلاقات الامرة بالسجود معتضدا، فليطرح المخالف، او يحمل رواية عبد الرحمن اما على الاستفهام الانكارى، كما نفى البعد عنه بعض الأجلاء، بمعنى انه يجوز لها قراءة القرآن الذى من جملته العزائم، كما صنعه فى المهذب(1) حيث قال بعد ضمه صحة سندها، و لو سلم كان الخبر محمولا على المنع من قراءة العزائم، و كانه (ع) قال:

تقراء القرآن و لا تسجد، اى و لا تقراء العزيمة التى تسجد فيها، و اطلاق المسبب على السبب مجاز جايز، انتهى، او على السجدات المستحبة، كما فى جامع المقاصد و عن غيره، قال فى الأول: قوله (ع): تقرا و لا تسجد، محمول على السجدات المستحبة، بدليل قوله (ع): تقرا، او على التقية، قال فى التذكرة فى كتاب الطّهارة: يحرم عليها

ص: 176


1- لابن فهد (منه). الحلى المتوفى سنة 841 هجرية انظر الذريعه الى تصانيف الشيعة ج 23 ص 292-293.

سجود التلاوة لو سمعت العزائم، عند الشيخ و به قال الشافعى و مالك و ابو حنيفة و اكثر الجمهور، و قال فى كتاب الصلوة فى بحث السجود بعد حكمه بعدم اشتراط ما يشترط فى الصلوة فيه: و قال الشافعى و احمد و ابو حنيفة و مالك: تشترط الطهارة من الحدث و الخبث، و ستر العورة، و الاستقبال، لقوله (ع): لا يقبل الله صلوة بغير طهور، فيدخل فى عمومه السجود، انتهى.

و كيف كان، فلا شبهة فى عدم مقاومة هذين الخبرين الموافقين للعامة المخالفين للشمهور بين الطائفة، بما مر اليه الاشارة، و ان اعتضد فى بادى النظر بما تقدم فى عبارة التذكرة المتقدمة، من الرواية التى لا دلالة لها بحسب التحقيق على مفادهما من وجهين، لمكان كلمة القبول، و عدم مدخلية هذا السجود بالصلوة للأخبار التى تكون فى طرف الضد منها بلا شبهة، فليؤخذ بما يخالف جمهور العامة، فان الرشد فى خلافهم بلا ريبة، و ليؤخذ بما اشتهر بين الطائفة.

و بما ذكر ظهر حال ما حكى عن المفيد من نفى الخلاف، اذ ليس المناط فى حجيته الا المظنة، و عدم حصولها فى المقام مما ليس فيه مرية، هذا مضافا الى ما عن بعض من ان العبارة المحكية عن المفيد المتضمنة لدعوى الاجماع مختلفه النسخ، و ليس فى بعضها ذلك، و الى تعارضه بعبارة التذكرة، و الترجيح معها بلا شبهة.

تذنيبات:
الأول: هل يجب السجود عليها كما عن معظم القائلين بالجواز،

أو يستحب كما يستفاد من التهذيب و الاستبصار؟ و الحق هو الأول، للاخبار المتقدمة.

الثانى: هل يحرم عليها السجدات المستحبة اذا سمعتها او تلتها ام لا؟

عن ظاهر المعظم الثانى، و استفيد عن ظاهر بعضهم الأول، فى صورة الاستماع و الحق هو الثانى، اما لان الظاهر ان كلّ من جوز لها سجود العزائم الأربع جوز لها سجود غيرها، كما استظهره بعض مشائخنا، اولان المحكى عن المصنف رحمه الله القول بان علماءنا على ان الطهارة ليست شرطا فى سجود التلاوة، و قد تقدم فى عبارته فى التذكرة ما عرفته، و عليه فهل يستحب ذلك لها ايضا؟ الاجود

ص: 177

نعم.

الثالث: يستفاد من اطلاق الشيخ فى النهاية، كما عن اطلاق المهذب، حرمة السجود عليها اذا سمعت السجدة الواجبة من غير استماع،

و المعتمد خلافه اما لمكان اطلاق الأخبار، او لعدم الدّليل على الحرمة، وفاقا للمحكى عن المشهور، و عليه فهل يجب عليها ام لا؟ و الحق هو الارجاع الى النزاع المتقدم، فان قلنا بالوجوب بالنسبة الى السامع ايضا فكذلك هنا، و الا فلا، اذ لم اجد فى تلك المسئلة مفصلا بين الحائض و غيرها، فنحن لما اخترناه فى تلك المسئلة عدم الوجوب، فلا نجترئ ان نقول فى هذه المسئلة بالوجوب، اذ نخاف خرق الاجماع المركب المعتضد فى المقام بالاستقراء، و لو لا ذلك لكان القول بالوجوب هنا متعينا، لمكان اطلاق الأخبار مع اختصاص ما دل على التقييد هناك بالرجل.

السابع: لا يشترط السجود على الستر و الاستقبال و الخلو عن النجاسة بلا خلاف اجده،

بل فى ظاهر التذكرة عليه الاجماع، و عن ظاهر الكشف الاجماع فى الثانى، و يظهر من الجعفرية التردد فى ذلك، و ليس فى محلّه، و للاطلاق الامر بالسجود، و يدل على الثانى بالخصوص الخبر الثالث عشر، و اما الخبر الرابع و العشرون الفارق بين قرائته جالسا فالاشتراط، و راكبا فعدمه. فلا يصلح للحجية، فليحمل على الاستحباب او التقية، و على الثالث بالخصوص ان الحائض مامورة به، و هى لا تنفك من النجاسة مطلقا، قاله فى جامع المقاصد فافهم.

الثامن: لا يشترط السجود على التشهد و التسليم اجماعا،
اشارة

على ما يظهر من التذكرة و جامع المقاصد و غيرها، و يدل عليه بعد الاصل و الاطلاق، ظاهر جملة من الأخبار المتقدمة.

تذنيب:

صرح فى جامع المقاصد بعدم مشروعيتهما ايضا و هو جيد.

التاسع: لا يتوقف هذا السجود على التكبير للافتتاح،

بلا خلاف اجده،

ص: 178

بل فى ظاهر التذكرة عليه الاجماع، بل الظاهر عدم مشروعيته، و فى المدارك: و قد اجمع الاصحاب على عدم مشروعيّة تكبيرة الافتتاح فيه، كما لا يشرع التشهد و التسليم و يدل عليه بعد المذكور الخبر الأول و السادس و السادس عشر و الثالث و العشرون و الرابع و العشرون.

العاشر: صرح الجماعة باستحباب التكبير عند الرفع من السجدة،

خلافا للمحكى عن ظاهر الشيخ فى المبسوط و الخلاف، و التشهد فى الذكرى فالوجوب، و يحتمله الذخيرة، و عن الجامع: و الحق هو الاستحباب، لمكان الاصل و الاطلاق و عن ظاهر التذكرة: الاجماع عليه، و اما الخبر الأول و السادس و العاشر و الثالث و العشرون فمحمول على الاستحباب، لمكان الخبر السادس عشر المعتضد بالخبر الرابع و العشرين المتضمن بقوله (ع): و اذا سجد فلا يكبر و لا يسلم اذا رفع، و ليس فى ذلك غير السجود. و بالشهرة اذ عن معظم الاصحاب القول بعدم الوجوب، و بما مر اليه الاشارة، و بذلك يظهر ضعف ما ذكره الصدوق فى الامالى، حيث يصف دين الامامية بقوله: و اما سجدة العزائم فيقال فيها: لا اله الا الله حقا حقا، لا اله الا الله ايمانا و تصديقا، لا اله الا الله عبودية و رقا، سجدت لك يا رب تعبدا ورقا، لا مستنكفا و لا مستكبرا، بل انا عبد ذليل خائف مستجير. و يكبر اذا رفع راسه، انتهى، ان اراد الوجوب، و الا كما هو الظاهر، فمرحبا بالوفاق.

و فى الحبل المتين: لا كلام فى استحبابه.

الحادى عشر: لا بد فى وضع الجبهة فى هذا السجود على شئ بلا اشكال،

و عليه فهل يشترط ان تكون موضوعة على شئ يتوقف صحة سجود الصلوة عليه، كما عن بعض ام لا؟ كما اختاره الجماعة، وجهان: ينشآن من التعليل المستفاد من المروى فى الفقيه، فى باب علة النهى عن السجود على الماكول، فى الصحيح عن هشام بن الحكم، انه قال لابى عبد الله (ع): اخبرنى عما يجوز السجود عليه و عما لا يجوز. قال: السجود لا يجوز الاعلى الأرض، او على ما انبتت الأرض، الا ما اكل او لبس. فقال له: جعلت فداك، و ما العلة فى ذلك؟

ص: 179

قال: لان السجود خضوع للّه عزّ و جلّ، فلا ينبغى ان يكون على ما يؤكل او يلبس، لان ابناء الدنيا عبيد ما ياكلون و يلبسون، و الساجد فى سجوده فى عبادة الله تعالى، فلا ينبغى ان يضع جبهته فى سجوده على معبود ابناء الدّنيا، الذين اغتّروا بغرورها. فالأول، و من اطلاق الامر بالسجود المعتضد بالخبر الرابع و العشرين المتضمن لقوله (ع): و ليس فى ذلك غير السجود.

فالثانى هو الاقرب، اذ التعارض بين الاطلاق و الصحيحة من تعارض العمومين من وجه، و الترجيح مع الاطلاق بلا شبهة، و يظهر من الجعفرية و الحبل المتين التردد فى المسئلة، و ليس بشئ، لما عرفت، و يؤيده ما قاله بعض الأجلاء، بان مورد الخبر سجود الصلوة، و ما تضمنه من العلة لا يخفى انه ليس من قبيل العلل الحقيقيه التى يدور المعلوم مدارها وجودا و عدما، و يجب اطرادها، فان هذه العلل انما هى معرفات، و بيان حكمة شرعية، و مناسبة جلية للتقريب للافهام.

و بالجملة، فاصالة البراءة اقوى دليل فى المقام، حتى يقوم الدليل الصريح و البرهان الصحيح الموجب للخروج عنه، اذ لا تكليف الا بعد الاتيان، و لا حجة الا بعد البرهان، انتهى فتأمل.

و يؤيده ايضا ما فى التذكرة: هذا السجود ليس بصلوة، و لا بجزء منها، فلا يشترط فى الصلوة عند علمائنا.

الثانى عشر: هل يتوقف هذا السجود على وضع باقى الاعضاء كسجود الصلوة،

كما استقربه فى التحرير، و نفى عنه البعد فى الكفاية ام لا، كما اختاره الجماعة؟ وجهان ينشآن من ان السجود شرعا، هل هو مجرد وضع الجبهة على الأرض، او على شئ آخر، فيكون مشاركة بقية الاعضاء السبعة لها فى ذلك خارجا عن مفهومه الشرعى فالثانى، او انه حقيقة فى المجموع المركب فالأول، و الحق ما اختاره الجماعة، لمكان الاطلاق، اذ الظاهر صدق السجود، و لو لم يضع باقى الاعضاء على الطريقة المعهودة فى سجود الصلوة، نعم لو سجد على كيفية لم يصدق معها السجود فلا اشكال فى عدم الصحة، و عليه فالوجهان اللذان

ص: 180

اشرنا اليهما ليس فى اولهما حلاوة، اذ لقائل ان يقول ليس السجود حقيقة فى مجرد وضع الجبهة، و مع ذلك لا يجب الاتيان به على الكيفية المعهودة فى الصلوة، فافهم ذلك، و لا تغفل عنه.

و عليه فيرد على الحبل المتين المتردد فى المسئلة كالجعفرية، و المحكى عن غيرهما ما يرد، اذ هو فى الحبل المتين انما بنى وجه تردد على الوجهين، و كيف كان، فالاقوى عندى ما اختاره الجماعة.

الثالث عشر: يجوز الاختلاف فى هذا السجود بين الموقف و الجبهة و لو ازيد من لبنة،

كما اختاره فى جامع المقاصد و غيره(1)، لمكان الاطلاق، و ان كان الاحوط اعتبار ذلك، كما قاله فى المدارك، وجده فى المسالك.

و بالجملة الظاهر كفاية صدق السجود، و عدم اعتبار كيفية خاصة، فاسكت عما سكت الله عنه. و يؤيده الخبر الرابع و العشرون، و ان ذلك مما يتوفر الدواعى عليه، فلو اعتبر فيه كيفية خاصة لكان لهم - سلام الله عليهم - بيانها بلا شبهة.

الرابع عشر: لا يجب فيه مطلقا ذكر و لا دعاء،

بلا خلاف اجده، بل الظاهر اتفاقهم عليه، كما استظهره بعض مشائخنا، لمكان الاطلاق، و ما يظهر من الخبر الخامس، و العاشر، و السادس عشر، و الثانى و العشرين، و الرابع و العشرين، بعد ضم بعضها الى بعض، نعم يستحب الذكر فيه بما تيسر، و افضله الماثور، فليقرا ما اشتمل عليه جملة من الأخبار المتقدمة، و قد تقدم فى عبارة الامالى ما تقدم فراجع.

قال الصدوق فى الفقيه، فى باب وصف الصلوة: من قرا شيئا من العزائم الأربع فليسجد، و ليقل: الهى آمنا بما كفروا، و عرفنا منك ما انكروا، و اجبناك الى ما دعوا، الهى فالعفو العفو. ثم يرفع راسه و يكبر.

و عن المنتهى: يستحب ان يقول فى سجودة: آمنا بما كفروا، و عرفنا منك ما انكروا، و اجبناك الى ما دعوا، فالعفوا لعفو.

الخامس عشر: يجوز الاتيان به مطلقا،

و لو كان فى الاوقات المكروهة

ص: 181


1- و هو بعض مشايخنا (منه).

بلا خلاف اجده، بل عليه علماؤنا. قاله فى التذكرة، و هو الحجة المعاضدة بالخبر الرابع و العشرين. و بما ذكره فى المنتهى بان هذه السجدة ذات سبب فجاز فعلها، وقت النهى عن النوافل كقضاء النوافل الراتبه، و بالاطلاق الآمر بالسجود. و عليه فلا اعتناء بالخبر الثامن، الموهن بكون رواية عمار، فليحمل على التقية، اذ عن مالك انه كرّه قراءة السجدة فى وقت النهى، و عن ابى ثور و ابن عمر و سعيد بن المسيب و احمد فى رواية، و اسحق انه لا يسجد. مستد لا بقوله (ع) لا صلوة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، و لا بعد العصر حتى تغرب الشمس.

أقول: و كأن الله عزّ و جلّ اعمى قلوبهم، اذ فى الخبر الصلوة، و اين هذه من السجدة المزبورة.

السادس عشر: لا يقوم الركوع مقام السجود،

عند علمائنا. قاله فى التذكرة، اذ المامور به هو السجود لا الركوع.

السابع عشر: لا يشترط فى سجود المستمع كون التالى بالغا،

و لا رجلا، و لا مسلما، لاطلاق النص و الفتوى. و عليه فيسجد به، و لو كان صبيا، او مجنونا او انثى، او كافرا او خنثى.

الثامن عشر: يجوز الاتيان به على الراحلة،

و ان تمكن من النزول عنها كما صرح غير واحد، لمكان الاطلاق، و الخبر الثالث عشر و الرابع و العشرين.

و فى التذكرة: لا نعلم فيه خلافا، و قال ايضا: يجوز ان يؤدى هذا السجود - اى سجود الشكر - و التلاوة ايضا على الراحلة عندنا، خلافا للشافعى، لحصول المسمى. و روى فى التذكرة عن رسول الله (ص) انه قرأ عام الفتح، سجد فسجد الناس كلهم، منهم الراكب و الساجد فى الأرض، حتى ان الراكب يسجد على يده، و هذا ايضا من المعاضدات، لعدم وجوب وضع الجبهة فيه على الأرض او على ما انبتت.

التاسع عشر: ان لم يتمكن من السجود على الراحلة،

وجب النزول، كما صرح به غير واحد(1). عملا بالاطلاق و الاستصحاب، و فى التذكرة: و لا نعلم فيه خلافا.

ص: 182


1- و هو بعض مشايخنا و التذكرة و نهاية الاحكام (منه).
العشرون: ان لم يتمكن من السجود لا النزول،

فهل يومى ام لا؟ وجهان:

و الأول احوط.

الحادى و العشرون: لو قرا السجدة ماشيا سجد،

كما فى التذكرة، لاطلاق الامر بالسجود.

الثانى و العشرون: لو لم يتمكن الماشى منه او ماء،

كما فى التذكرة، بلا نقل خلاف. و هو الاحوط.

الثالث و العشرون: يجب السجود للعزائم الأربع فورا،

بلا خلاف اجده، بل الظاهر عدم الخلاف فيه، كما استظهره بعض الأجلاء و غيره(1). و فى المدارك و جامع المقاصد نسبه الى الاصحاب. قال بعض الأجلاء: و قد نقلوا الاجماع على ذلك، انتهى.

و يمكن استفادة ذلك من جملة الأخبار المتقدمة، فليقيد اطلاق الأخبار بالمذكور.

الرابع و العشرون: لو اخل بالفورية سهوا، فيجب الاتيان به بلا خلاف اجده،

بل استظهر بعضهم(2) عدم الخلاف فيه، و يدل عليه الخبر السابع المعتضد بالخبر التاسع عشر.

الخامس و العشرون: لو اخل بها عمدا، فيجب الاتيان بها ايضا،

عملا بالاستصحاب و الاطلاق الذى لم يثبت تقييده بالفورية، لاحتمال كونها واجبة على حده كما هو الظاهر.

السادس و العشرون: يستحب الاتيان بها لو اخل فى اول الوقت اذا كانت مستحبة،

كما صرح به بعضهم، لمكان الاطلاق و الاستصحاب.

السابع و العشرون: قال فى الذكرى: يجب قضاء العزيمة مع الفوات،

و يستحب قضاء غيرها، ذكره الشيخ فى المبسوط و الخلاف، لتعلق الذمة بالواجب و المستحب، قتبقى على المشتغل، و هل ينوى القضاء؟ و ظاهره ذلك، لصدق حد القضاء عليها.

و فى التحرير: ينوى الاداء لعدم التوقيت، و فيه منع لانها واجبة على

ص: 183


1- و هو بعض مشايخنا (منه).
2- و هو بعض مشايخنا (منه).

الفورية، فوقتها وجوب السبب، فاذا فات فقد فعلت فى غير وقتها، و لا نعنى بالقضاء الا ذلك، انتهى. و فيه ان الظاهر ان المراد من الوقت للشئ ما كان ظرفا له، بحيث يقع فيه كاليومية و ما ضاهاها، و عليه فالظاهر ان قراءة العزيمة سبب لوجوب السجود، كالاستطاعة بالنسبة الى الحج، كالزلزلة، كما عن المشهور و ستسمع تحقيقه فى مقامه ان شاء اللّه، فلا وقت لهذا السجود، اذ الاتيان به لا يقع الا بعد مضى القراءة و انقضائها، و قضية الوقت كما عرفت مقتضية لوقوع الموقت فى اثناء الوقت، فما رجحه فى التحرير و تبعه الجماعة هو المعتبر، هذا على القول بوجوب الاتيان بنية الاداء و القضاء، و الا كما هو الاقوى فلا يحتاج الى نيتها كما مضى تحقيقه فى مقامه.

الثامن و العشرون: يتعدد السجود بتعدد السبب مع تخلل السجود بلا اشكال،

و يدل عليه الخبر التاسع، و هل يتعدد بتعدده مع عدم تخلله؟ قال فى الذكرى: نعم، لقيام السبب و اصالة عدم التداخل، ورد هذا الاصل غير واحد، ثم نقل فى الذكرى الخبر التاسع، و هو غير دال على ما ادعاه، اذ غاية ما يدل عليه انه متى قراء السجدة وجب عليه السجود تحقيقا للفورية، و اما انه لو قرا مرارا متعددة من غير تخلل السجود، فهل الواجب عليه سجدة واحدة او سجدات متعددة بعدد القراءة؟ فلا دلالة فيه عليه، و يظهر من التذكرة التردد فى المسئلة فى صورة تكرير الاية فى مجلس واحد، و اما فى صورة طول الفصل بين القراءتين فالتكرار، قال فى التذكرة: لو كرر آية السجدة فى مجلس واحد و لم يسجد للمرة الاولى، احتمل الاكتفاء بسجدة واحدة، و به قال الشافعى، و وجوبهما معا، و لو سجد للاولى سجد للثانية ايضا، لوجود السبب، و قال ابو حنيفة: يكفيه الاولى. و للشافعى قولان: اظهرهما الأول، اما لو طال الفصل فانه يسجد مرة اخرى، و الركعة الواحدة فى الصلوة كالمجلسين.

الامر الثانى و العشرون: يستحب سجدة الشكر عقيب الصلوات المفروضات اجماعا،
اشارة

على ما يظهر من الجماعة. و اما ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الصحيح عن مرازم، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سجدة الشكر واجبة على كل

ص: 184

مسلم، تتم بها صلوتك، و ترضى بها ربك، و تعجب الملائكة منك، و ان العبد اذا صلى ثم سجد سجدة الشكر فتح الرب تعالى الحجاب بين العبد و بين الملائكة، فيقول: يا ملائكتى انظروا الى عبدى ادى قربتى(1)، و اتم عهدى، ثم سجد شكرا على ما انعمت به عليه، ملائكتى ما ذا له؟ قال: فقالت الملائكة: يا ربنا رحمتك، ثم يقول الرب تعالى: ثم ما ذا له؟ فتقول الملائكة: يا ربنا جنتك، فيقول الرب تعالى: ثم ما ذا له؟ فتقول الملائكة: يا ربنا كفاية مهمه، فيقول الرب تعالى: ثم ما ذا؟ فلا يبقى شئ من الخير الا قالته الملائكة، فيقول الله تعالى: يا ملائكتى ثم ما ذا له؟ فتقول الملائكة لا علم لنا، فيقول الله تعالى: لا شكرنه كما شكرنى، و اقبل اليه بفضلى، و اراه وجهى(2). فمحمول على تاكد الاستحباب، اذ الظاهر عدم قائل بالوجوب بين الاصحاب.

تنبيهات:
الأول: المراد من الوجه في قوله تعالى و أريه وجهي

قال الصدوق فى الفقيه فى باب سجدة الشكر بعد نقل رواية مرازم، بادنى تغيير لفظى حتى اوصلها الى قوله: و اقبل اليه بفضلى، و اريه وجهى، ما لفظه: قال مصنف هذا الكتاب، من وصف اليه تعالى ذكره بالوجه كالوجوه فقد كفر و اشرك، و وجهه انبياؤه و حججه صلوات الله عليهم، و هم الذين يتوجه بهم الانسان(3) الى الله عزّ و جلّ، و الى معرفته و معرفة دينه، و النظر اليهم فى يوم القيمة ثواب عظيم، يفوق كلّ ثواب، و قد قال الله عزّ و جلّ: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاٰلِ وَ اَلْإِكْرٰامِ» و قال الله: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ» يعنى فثم التوجه الى الله، و لا يجب ان ينكر من الأخبارا لفاظ القرآن.

الثانى: قال فى الحبل المتين: قوله (ع): فتح الرب تعالى الحجاب بين العبد و الملائكة، يدل على ان الانس محتجبون على نظر الملائكة،

و انهم

ص: 185


1- فيضى خ ل (منه).
2- رحمتى خ ل (منه).
3- العباد خ ل (منه).

لا يطلعون على احوالنا، الا برفع الله سبحانه الحجاب بيننا و بينهم.

الثالث: يستفاد من كثير من العبائر عدم اختصاص هذه السجدة بالفرايض،

بل يعمها و النوافل، كما صرح به بعضهم(1)، نعم، اقتصر فى التذكرة و غيرها بالفرائض، و هو لا يستلزم الاختصاص، و كيف كان، فالاقوى التعميم لاطلاق خبر مرازم المتقدم، مع فتوى المعظم على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، و الحال ان المقام مما يتسامح فيه لمكان الاستحباب.

الرابع: هل يشترط فى هذا السجود ان ينوى كونه للشكر على التوفيق لاداء الصلوة،

كما يشعر به عبارة بعض الأجلاء، و فى المدارك و جامع المقاصد و الحبل المتين ام لا؟ كما هو مقتضى اطلاق الاكثر، و صريح بعضهم؟ وجهان: و الثانى اقوى، و الأول احوط.

قال الصدوق فى من لا يحضره: و فى رواية ابى الحسن الاسدى رضى الله عنه، ان الصادق (ع) قال: انما يسجد المصلى سجدة بعد الفريضة ليشكر اللّه تعالى ذكره فيها، على ما منّ به عليه من اداء فرضه. و سيجئ فى التذنيب الواقع فى التذنيب الحادى و الثلاثين خبر عن الرضا (ع) فلا تغفل عنه.

الخامس: صرح فى جامع المقاصد و الجعفرية و المدارك و الحبل المتين و غيرها، بانه يستحب ان يكون بعد تعقيبه،

بحيث يجعل خاتمته، و اطلقه الجماعة، و فى التذكرة: يستحب عقيب الصلوة، و عن بعض يستحب عند الفراغ من الفرائض، و الأول اولى، و علل ذلك فى شرح الجعفرية بقوله: تاسيا بالنبى (ص) و آله عليهم السلام.

أقول: و مما يؤكد المذكور ما رواه الصدوق فى العيون فى آخر باب الأخبار التى رويت فى صحة وفاة ابى ابراهيم (ع)، بسنده عن احمد بن عبد الله الغروى، عن ابيه، قال دخلت على الفضل بن الربيع و هو جالس على سطح، فقال لى:

ادن منى، فدنوت حتى حاذيته، ثم قال لى: اشرف الى بيت فى الدار، فاشرفت، فقال: ما ترى فى البيت؟ قلت: ثوبا مطروحا، فقال: انظر حسنا، فتا ملت

ص: 186


1- و هو بعض مشايخنا (منه).

فنظرت فتيقنت، فقلت: رجل ساجد، فقال لى: تعرفه؟ فقلت لا، قال: هذا مولاك، قلت: و من مولاى؟ فقال: اتتجاهل علّى؟ فقلت: ما اتجاهل و لكنى لا اعرف لى مولى، فقال: هذا ابو الحسن موسى بن جعفر (ع)، انى اتفقده الليل و النهار، فلا اجده وقتا من الاوقات الاعلى الحالة التى اخبرك بها، انه يصلى الفجر فيعقب ساعة فى دبر صلوته الى ان تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجدا حتى تزول الشمس، و قد و كل من يترصد له الزوال، فلست ادرى متى يقول الغلام: قد زالت الشمس، اذ يثب فيبتدى الصلوة من غيران يحدث.

فاعلم انه لم ينم فى سجوده فلا غفل(1)، و لا يزال الى ان يفرغ من صلوة العصر، سجد سجدة فلا يزال ساجدا الى ان تغيب الشمس، فاذا غابت الشمس و ثب من سجدته فصلى المغرب، من غير ان يحدث حدثا، و لا يزال فى صلوته و تعقيبه الى ان يصلى العتمة، فاذا صلى العتمة افطر على شوىّ يؤتى به، ثم يجدد الوضوء ثم يسجد، ثم يرفع راسه فينام نومة خفيفة، الخبر.

و ما رواه ايضا فيه فى باب اختلاف الرضا (ع)، بسنده عن رجاء بن ابى الضحاك، انه قال بعثنى المامون فى اشخاص على بن موسى الرضا (ع)، الى ان قال: كان اذا اصبح صلى الغداة، فاذا سلم جلس فى مصلاه يسبح الله و يحمده و يكبّره و يهلله، و يصلى على النبى (ص) و آله حتى تطلع الشمس ثم يسجد سجدة يبقى فيها حتى يتعا لى النهار، ثم اقبل على الناس يحدثهم، الى ان قال: ثم يقيم و يصلى الظهر، فاذا سلم سبح الله و حمده و كبره ما شاء الله، ثم سجد سجدة الشكر يقول فيها مائة مرة: شكر الله، فاذا رفع راسه قام فصلى، الى ان قال: و صلى العصر فاذا سلم جلس فى مصلاه يسبح الله و يحمده و يكبره و يهلله ما شاء الله، ثم سجد سجدة الشكر، يقول فيها مائة مرة: حمد الله، فاذا غابت الشمس توضأ و صلى المغرب، الى ان قال: فاذا سلم جلس فى مصلاه يسبح الله تعالى و يحمده و يكبره و يهلله ما شاء الله، ثم يسجد سجدة الشكر ثم رفع راسه، و لم يتكلم حتى يقوم و يصلى اربع ركعات، الى ان قال: فيصلى العشاء الاخرة اربع ركعات، الى ان

ص: 187


1- اغفى خ ل (منه).

قال: فاذا سلم جلس فى مصلاه يذكر الله عزّ و جلّ و يسجد و يحمده و يكبره و يهلله ما شاء الله، و يسجد بعد التعقيب سجدة الشكر، ثم ياوى الى فراشه الخبر.

الثالث و العشرون: يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم و دفع النقم اجماعا،
اشارة

على الظاهر المتسفاد من الجماعة، و منهم التذكرة و المدارك و الحبل المتين و غيرهم(1)، و يدل عليه الخبر الحادى عشر، و ما رواه فى التذكرة و غيرها، ان النبى (ص) كان اذا جاءه شئ يسره خر ساجدا، و روى ايضا عن عبد الرحمن بن عوف، انه قال: سجد رسول الله (ص) فاطال، فسألناه، قال: اتانى جبرئيل فقال: من صلى عليك مرة صلى الله عليه عشرا، فخررت شكر الله. و عن على (ع) انه سجد يوم النهروان شكرا، لما وجد ذا الثدية قتيلا، و عنه (ص) انه لما اتى براس ابى جهل - لعنه الله - سجد لله شكرا، و يعضده ما اشار اليه بعضهم بان شكر المنعم واجب، و ابلغ انواعه السجود على ما روى، ان منتهى العبادة من ابن آدم السجود لله، و ان اقرب ما يكون العبد الى الله عزّ و جلّ اذا كان فى سجوده، لقوله تعالى: «وَ اُسْجُدْ وَ اِقْتَرِبْ».

أقول: روى الصدوق فى الفقيه فى باب سجدة الشكر، فى الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: من سجد سجدتى الشكر(2) و هو متوضئ، كتب الله له بها عشر صلوات، و محى عنه عشر خطايا عظام.

تنبيهات:
الأول: صرح الجماعة و منهم التذكرة و جامع المقاصد و الحبل المتين و غيرها،

باستحباب السجدة عند تذكر النعمة، و ان لم تكن مجددة، و فى التذكرة انما نسب الخلاف الى الجمهور، ثم استدل لمختاره، بان دوام النعمة أقول: و يدل عليه الخبر الحادى عشر. روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة، عن اسحق بن عمار، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: اذا ذكرت نعمة الله عليك، و كنت فى موضع لا يراك احد، فالصق خدك بالأرض، و ان كنت فى ملاء من الناس فضع يدك على

ص: 188


1- و هو المحكى عن المنتهى و الخلاف و الكشف (منه).
2- نعمة خ ل (منه).

اسفل بطنك، و احن ظهرك، و ليكن تواضعا لله، فان ذلك احب، و تري ان ذلك غمز وجدته فى اسفل بطنك(1).

و عن ثواب الاعمال، عن ذريح المحاربى، قال: قال ابو عبد الله (ع): ايما مؤمن سجد لله سجدة لشكر نعمه فى غير صلوة، كتب الله بها عشر حسنات و محى عنه عشر سيئات، و رفع له عشر درجات فى الجنان.

و عن البصائر عن معوية بن عمار، قال: كنت مع ابى عبد الله (ع) و هو راكب حماره، فنزل و قد كنا صرنا الى السوق، او قريبا من السوق، قال: فنزل و سجد، و اطال السجود و انا انتظره، ثم رفع راسه فقلت: جعلت فداك رايتك نزلت فسجدت، قال: انى ذكرت نعمة الله على، قال: قلت: قريب السوق و الناس يجيئون و يذهبون، قال: انه لن يرانى احد، الى غير ذلك من الأخبار.

و عن الذكرى تقييد ذلك بما اذا لم يكن قد سجد لها، و الاقرب مراعاة الاطلاق.

الثانى: عن نهاية الاحكام: لو تجددت النعمة فى الصلوة سجد بعد فراغه منها،

و فى التذكرة: لو تجددت عليه نعمة و هو فى الصلوة، فانه لا يسجد فيها، لان سبب السجود ليس منها. و به قال الشافعى، لكن لو قرأ فان سجد بها عنده فهل يسجد؟ وجهان: السجود لان سببه وجد فى الصلوة، و العدم لانها سجدة شكر، او ليست متعلقة بالتلاوة.

الثالث: صرح الجماعة و منهم التذكرة و جامع المقاصد و غيرها،

و عن الذكرى و البيان باستحباب سجود الشكر اذا راى مبتلى ببلية، او فاسقا، و فى الأول و الثانى فيستره عن المبتلى، لئلا يتاذى به. قيل و ظاهر البيان وجوب ذلك، و فى الثانى و لا بأس باظهاره للفاسق ان رجا توبته، و فى الأول: و يظهر للفاسق ليرجع عن فسقه. قيل و ظاهر بعضهم وجوب ذلك، و هو جيد، ان انحصر النهى عن المنكر فيه، لعموم ما دل على وجوب النهى.

الرابع: اذا تكثرت النعم فالاولى تعدد السجود بتعددها،

كما صرح به

ص: 189


1- و ربما يظهر من الخبر ان تركه السجود و فعله كذلك لخوف الرياء (منه).

بعضهم، لما روى عن عبد الله بن مسكان عن الصادق (ع)، ان رسول الله (ص) كان فى سفر يسير على ناقة له، اذ نزل فسجد خمس سجدات، فلما ركب قالوا:

يا رسول الله (ص) انا رايناك صنعت شيئا لم تصنعه، فقال: نعم استقبلنى جبرئيل فبشرنى ببشارات من الله عزّ و جلّ، فسجدت لله شكر الكل بشرى سجدة، قيل: و نحوه خبر ابى بصير.

الرابع و العشرون: ليس فى هذا السجود تكبيرة الافتتاح،

و لا تكبير السجود، و لا رفع اليدين، و لا التشهد و لا التسليم، وفاقا للجماعة، بل لم اجد فيه مخالفا لمكان الاصل و الاطلاق، نعم، اثبتت التكبير فى المبسوط لرفع راسه من السجود، قال بعض الأجلاء: و الظاهر انه حمله على سجدة التلاوة، كما عرفت من دلالة اخبارها على التكبير، و الاّ فاخبار سجدة الشكر على كثرتها لا تعرض فيها لذلك، كما لا يخفى على المتتبع، انتهى.

و لا يشترط فيه ايضا استقبال القبلة، و ستر العورة، و غيرها، قيل: و الظاهر انه مما لا خلاف فيه.

الخامس و العشرون: لا اشكال فى اشتراط وضع الجبهة على شئ تحصيلا لمفهوم السجود و عليه،

فهل يشترط وضعها على ما يصح السجود عليه فى الصلوة ام لا؟ و الحق هو الثانى، وفاقا للجماعة، لمكان الاصل و الاطلاق.

السادس و العشرون: هل يشترط فيه وضع الاعضاء السبعة كما اختاره فى الذكرى كما اختاره بعضهم؟

وجهان: و تردد فيه فى التذكرة، و الحق عدم وجوب وضعها على الكيفية المعتبرة فى سجود الصلوة، بل المناط هو صدقه كيف اتفق، نعم، الاحوط الاظهر عدم العمل بالافراد النادرة الغير المتبادرة من الاطلاق، و الاحوط مراعاة ما اختاره فى الذكرى، و الاظهر ما قلناه، و عليه فلا يعتبر فيه تساوى موضع الجبهة للموقف، فيجوز الاتيان به و لو كان مرتفعا بازيد من لبنة، او اخفض.

السابع و العشرون: يجوز الاتيان به على الراحلة،

وفاقا للجماعة، و ظاهر

ص: 190

التذكرة عليه الاجماع، نعم الاولى النزول، لمكان جملة من الأخبار المتقدمة.

الثامن و العشرون: يستحب ان يفترش ذراعيه و يلصق صدره بالأرض،

كما صرح به الجماعة، لما رواه الكافى فى باب السجود و التسبيح عن يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان، قال: رايت ابا الحسن الثالث (ع) سجد سجدة الشكر، فافترش ذراعيه، و الصق جؤجؤه و صدره و بطنه بالأرض، فسألته عن ذلك، فقال:

كذا يجب، و روى ايضا فى الباب المتقدم عن جعفر بن على، قال رايت ابا الحسن عليه السلام، و قد سجد بعد الصلوة فبسط ذراعيه على الأرض، و الصق جؤجؤه بالأرض فى دعائه، و يستفاد من الخبر الأول استحباب الصاق البطن ايضا، كما قاله الجماعة، و المراد بكلمة يجب(1)، تاكد الاستحباب، كما فى المدارك و جامع المقاصد، و اما اذا كانت نحب، بالنون ثم الحاء المهملة، كما فى بعض النسخ فالامر اوضح.

التاسع و العشرون: و يستحب فيه التعفير اجماعا،
اشارة

نقله فى التذكرة و المدارك و عن غيرهما، و فى التذكرة و غيرها: لان السجدة وضعت للتذلل و الخضوع بين يدى الرب، و التعفير ابلغ فى الخضوع و الذل.

أقول: و يدل على الاستحباب الأخبار، و سياتى الى جملة منها الاشارة.

فرع:

و هل يستحب وضع الخدين فقط على العفر و هو التراب، كما يستفاد من بعض الأجلاء، او الجبينين او كليهما يستفاد من غير واحد(2)؟ و عليه فهنا مستحبان: احدهما تعفير الخدين، و الاخر تعفير الجبينين، و الحق هو الثالث.

قال الصدوق فى الفقيه فى باب سجدة الشكر: روى اسحق بن عمار عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: كان موسى بن عمران (ع) اذا صلى لم ينتقل حتى يلصق خده الايمن بالأرض، و خده الايسر بالأرض، و قال ابو جعفر (ع): اوحى الله تبارك و تعالى الى موسى بن عمران (ع): اتدرى لما اصطفيتك بكلامى دون خلقى؟

ص: 191


1- نحب خ ل (منه).
2- منهم التذكرة و الذخيرة و المحكى عن التهذيب (منه).

قال موسى (ع): لا يا رب، قال: يا موسى انّى قلبت عبادى ظهرا و بطنا(1)، فلم اجد فيهم احدا اذل نفسا منك، يا موسى انك اذا صليت وضعت خديك على التراب. و رواه فى التهذيب فى باب كيفية الصلوة، الى قوله: و خده الايسر بالأرض، قال: و قال اسحق: رايت من آبائى من يصنع ذلك. قال محمد بن سنان يعنى موسى(2)فى الحجر فى جوف الليل.

و عن الشيخ ابى على ابن شيخنا الطوسى، فى كتاب المجالس بسنده عن جميل، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اوحى الله تعالى الى موسى بن عمران، اتدرى يا موسى لم انتخبتك من خلقى، و اصطفيتك بكلامى؟ فقال: لا يا رب، فاوحى الله تعالى اليه: انّي اطلعت الى الأرض فلم اجد احدا اشد تواضعا لى منك، فخر موسى ساجدا، و عفر خديه فى التراب، تذللا منه لربه عزّ و جلّ، فاوحى الله اليه ان ارفع راسك يا موسى، و مديدك فى موضع سجودك، و امسح بها وجهك، و ما نالته من بدنك، فانه امان من كل سقم وداء و كل افة و عاهة.

و روى الشيخ فى المصباح، عن ابى الحسن الثالث (ع)، انه قال: علامات المؤمن خمس: صلوة الخمسين، و زيارة الأربعين، و التختم فى اليمين، و تعفير الجبين، و الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.

قال بعض الأجلاء بعد نقل الخبر: و عندى فى ذلك اشكال، اى فى استحباب تعفير الجبين، اذ لم اقف فى اخبار السجود على تعددها و كثرتها على ما يدل عليه، و الاستدلال بهذا الخبر على ذلك غير ظاهر، اذ من المحتمل بل هو الظاهر ان المراد بالجبين انما هو الجبهة، كما مر نظيره فى باب التيمم من كثير هذا الاطلاق فى الأخبار، و يؤيده التعبير فى الخبر بالجبين مفردا، و المراد حينئذ انما هو استحباب السجود على الأرض، و جعل ذلك من علامات المؤمن، من حيث ان المخالفين لا يرون استحباب سجدة الشكر، كما عرفت، كما

ص: 192


1- لبطن ح ل (منه).
2- هو جد اسحق (منه).

جعل (ع) من جملة ذلك التختم باليمين، ردا على المخالفين الذين يستحبون التختم باليسار، و مثله الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فى مواضع اخفات القراءة، فانه فى مقام الرد عليهم، انتهى.

أقول: لا ضرورة لنا حتى نلتجى فى ان نحمل الخبر على هذا الحمل، فليعمل بظاهر اللفظ و ليحكم بالاستحباب.

قال فى جامع المقاصد: العفر بفتح العين المهملة و الفاء، هو التراب، و المراد به وضع الخدين على التراب، و به يتحقق تعدد سجود الشكر، لان عوده الى السجود بعد التعفير سجود آخر، و هو مستحب باتفاقنا، لانه موضع استكانة و تذلل، و قد ورد به النقل عن اهل البيت (ع)، و تتأدّى السنة بوضع الخدين على اى شئ كان، و ان كان الافضل وضعها على التراب، انتهى.

أقول: لم اعثر على حديث دل باستحباب وضع الخدين على اى شئ كان و لو غير التراب، و لعله لا بأس به تسامحا فى ادلة السنن، و فى الجعفرية: و يعفر بينهما خديه، و افضله الوضع على التراب. و عن الذكرى: و الظاهر تأدّى السنة بوضعها بما اتفق كالحصر و البورى، و ان كان الوضع على التراب افضل الظاهر من الأخبار، ككلام الاصحاب، كما ذكره بعض الأجلاء: ان سجود الشكر المندوب اليه يتأدّى بالمرة الواحدة، و ان كان التعدد بالفصل بتعفير الخدين افضل، اذ ظاهر كثير منها السجدة الواحدة، و صريح بعضها التعدد مع فصل التعفير بالخدين، كما سياتى ان شاء اللّه، و كذا الاصحاب ربما عبروا بسجدة الشكر، و ربما عبروا بسجدتى الشكر، و كلاهما منصوص، و التعدد مع توسط التعفير افضل بلا شبهة كما عرفت. يستحب فيه الدعاء، و افضله الماثور عن اهل البيت (ع). روى الكافى فى باب السجود و التسبيح، فى الصحيح عن عبد الله بن جندب، قال:

سألت ابا الحسن الماضى (ع) عما أقول: فى سجدة الشكر، فقد اختلف اصحابنا

ص: 193

فيه، فقال: قل و انت ساجد: اللّهم انى اشهدك و اشهد ملائكتك و انبياءك و رسلك انك الله ربى، و الاسلام دينى، و محمدا صلى الله عليه و آله نبيى، و عليا و فلانا الى آخرهم ائمتى، بهم اتولى و من اعدائهم اتبرأ، اللهم انى انشدك دم المظلوم، ثلاثا، اللهم انى انشدك بايوائك على نفسك الاولياء ليظفرنهم بعدوك و عدوهم، ان تصلى على محمد، و على المستحفظين من آل محمد، اللهم انى اسئلك اليسر بعد العسر، ثلاثا. ثم ضع خدك الايمن على الأرض، و تقول: يا كهفى حين تعيينى المذاهب، و تضيق عليّ الأرض بما رحبت، و يا بارئ خلقى رحمة بى، و قد كان عن خلقى غنيّا، صلّ على محمد و على المستحفظين من آل محمد. ثم ضع خدك الايسر، و تقول: يا مذّل كل جبار، و يا معزّ كل ذليل، قد و عزتك بلغ مجهودى ثلاثا، ثم تقول: يا حنان يا منان، يا كاشف الكروب العظام ثلاثا، ثم تعود الى السجود، فتقول مائة مرة: شكرا شكرا، ثم تسأل حاجتك تقضى ان شاء اللّه تعالى.

و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن سليمان بن حفص المروزى، قال: كتبت الى ابى الحسن (ع) فى سجدة الشكر، فكتب الى مائة مرة شكرا شكرا و ان شئت:

عفوا عفوا.

و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن محمد بن سليمان، عن ابيه قال:

خرجت مع ابى الحسن موسى بن جعفر (ع) الى بعض امواله، فقام الى صلوة الظهر، فلما فرغ خر لله ساجدا، فسمعته يقول بصوت حزين و تغر غرد موعه: رب عصيتك بسمعى، و لو شئت و عزتك لاصممتنى، و عصيتك بيدى، و لو شئت و عزتك لكنعتنى، و عصيتك برجلى و لو شئت و عزتك لجذمتنى، و عصيتك بفرجى، و لو شئت و عزتك لعقمتنى، و عصيتك بجميع جوارحى التى انعمت بها على، و ليس هذا جزاؤك منى. قال: ثم احصيت له الف مرة، و هو يقول العفو العفو قال: ثم الصق خده الايمن بالأرض، فسمعته و هو يقول بصوت حزين: بؤت اليك بذنبى، عملت سوء او ظلمت نفسى، فاغفر لى فانه لا يغفر الذنوب غيرك يا مولاى، ثلاث

ص: 194

مرات، ثم الصق خده الايسر بالأرض، فسمعته و هو يقول: ارحم من اساء و اقترف و استكان و اعترف. ثلاث مرات، ثم رفع راسه.

و بالجملة الأخبار المتعلقة بالمسئلة المتضمنة لادعيتهم (ع) فى سجدة الشكر كثيرة، فراجع الى الكافى فى الباب المتقدم و غيره، قيل: انشد على وزن اقعد، يقال: نشدت فلانا و انشده، اى قلت له: نشدتك الله، اى سألتك بالله، و المراد هنا اسألك بحقك ان تاخد بدم المظلوم، اعنى الحسين (ع)، و تنتقم من قاتليه، و من الاولين الذين اسسوا اساس الظلم و الجور، عليه و على ابيه و اخيه سلام الله عليهم اجمعين.

الايواء: بالياء المثناة التحتانية و اخره الف ممدودة، العهد، و على المستحفظين يقرا بالبناء للفاعل و المفعول معا، اى استحفظوا الامامة، اى حفظوها، و استحفظهم الله تعالى اياها، يا كهفى حين تعيينى المذاهب، اى يا ملجئى حين تتعبنى مسالكى الى الخلق، و تردد اتى اليهم، و تعيينى بيائين مثناتين من تحت، او بنونين اوليهما مشددة، و بينهما ياء مثناة تحتانية، و و تضيق على الأرض بما رحبت، اى سعتها، و ما مصدرية و الرحب السعة، و لو شئت و عزتك لاكمهتنى، اى لا عميتنى، و الاكمه الذى ولد اعمى، لكنعتنى بالنون و العين المهملة، اى لقبضت اصابعى، لجذمتنى بالجيم و الذال المعجمه، اى لقطعت رجلى، بؤت بالباء الموحدة المضمومة و الهمزة و اخره تاء مثناة، اى قررت فان قيل كيف يصدر عن المعصوم (ع) مثل هذا الدعاء، قلنا: ان الانبياء و الائمة (ع) لما كانت اوقاتهم مستغرقة فى ذكر الله، و قلوبهم مشغولة به جل شانه، فكانوا اذا اشتغلوا بلوازم البشرية من الاكل و الشرب و النكاح و ساير المباحات عدوا ذلك ذنبا و تقصيرا، كما ان الذين يجالسون الملك لو اشتغلوا وقت مجالسته و ملاحظته بالالتفات الى غيره، لعدوا ذلك تقصيرا، و اعتذروا منه و على هذا يحمل ما رواه ثقة الاسلام فى الكافى، عن الصادق (ع): ان رسول الله (ص) كان يتوب الى الله عزّ و جلّ كل يوم سبعين مرة. و كذا ما رواه العامة فى صحاحهم انه (ص)

ص: 195

قال: انه ليغان على قلبى، و انى لاستغفر بالنهار سبعين مرة، كذا افاده بعض الافاضل(1). و هو حسن، الا ان الاحسن هو عدم ذكر النكاح، بل الاكل و الشرب بعنوان الاطلاق، بل الاولى ان يقال: انهم سلام الله عليهم لما كانت اوقاتهم بذكر الله مستغرقة، فلو غفلوا عنه دقيقه او ساعة بنوم او شئ آخر مباح، لعدوا ذلك معصية، بل ربما يختلج بصدرى القول، بان الله يعاتب بل يتوجه عليهم مصيبة او بلاء، لو فعلوا ما كان الاليق لهم تركه، فتذكر معصية آدم (ع)، و توجه البلاء عليه، و كذا يعقوب و يوسف و زكريا عليهم السلام و لنعم ما قال بالفارسية.

چو محرم شدى غرّه بر خود مشو *** كه محرم بيك نقطه مجرم شود

تذنيب: و فى جامع المقاصد: روى الاصحاب ان ادنى ما يجزى فيه شكرا ثلاثا،

و كذا عن الذكرى، قال الصدوق فى الامالى حيث يصف دين الامامية و يسجد بعد فراغه من الدعاء سجدة الشكر، يقول فيها ثلاث مرات: شكر الله، لا يدعها الا اذا حضر مخالف للتقية.

و روى فى العلل فى باب علة سجدة الشكر، عن محمد بن ابراهيم بن اسحق الطالقانى رضوان الله عليه، عن احمد بن محمد بن سعيد الكوفى، عن على بن الحسن بن على بن فضال، عن ابى الحسن الرضا (ع)، قال: السجدة شكر الله تعالى ذكره، على ما وفق العبد من اداء فريضة، و ادنى ما يجزى فيها من القول ان يقال: شكر الله، شكر الله، ثلاث مرات، قلت: فما معنى قوله: شكر الله؟ قال:

يقول هذه السجدة منى شكر الله على ما وفقنى له من خدمته و اداء فرضه. و الشكر موجب للزيادة، فان كان فى الصلوة تقصير تمّ بهذه السجدة.

الثانى و الثلثون: التمسك بالسجود لرفع الهم

قال الصدوق فى الفقيه فى باب سجدة الشكر: و فى رواية ابراهيم بن عبد الحميد ان الصادق (ع) قال لرجل: اذا اصابك هم فامسح يدك على موضع سجودك، ثم امسح يدك على وجهك من جانب خدك الايسر، و على جبهتك الى جانب خدّك الايمن. قال: قال ابن ابى عمير:

ص: 196


1- و هو البهائى (منه).

كذلك وضعه لنا ابراهيم بن عبد الحميد، ثم قال: قل: بسم الله الذى لا اله الا هو عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم، اللهم اذهب عنى الغم(1) و الحزن ثلاثا، و بالخبر افتى فى الجعفرية و غيرها، لكن لم يقيده بالهم، بل قال فاذا رفع راسه مسح بيده على موضع سجوده، و امرها على وجهه الى آخره، و كذا فى المدارك، الا انه قيده بصورة الهم، كالخبر.

و عن الذكرى: يستحب اذا رفع راسه ان يمسح يده على موضع سجوده، ثم يمرها على وجهه من جانب خده الايسر، و على جبهته الى جانب خده الايمن، و قل: بسم الله الرحمن الرحيم، الدعاء كما تقدم. ثم قال: رواه الصدوق عن ابراهيم بن عبد الحميد، عن الصادق (ع)، فانه يدفع الهم، قال و فى مرفوع اليه:

اذا كان بك داء من سقم او وجع، فاذا قضيت صلوتك فامسح يدك على موضع سجودك من الأرض، و ادعوا بهذا الدعاء، و امّر يدك على موضع وجهك سبع مرات، تقول: يا من كبس الأرض على الماء، و سدّ الهواء بالسماء، و اختار لنفسه احسن الاسماء، صل على محمد و آل محمد، و افعل بى كذا و كذا، و ارزقنى و عافنى من كذا.

و عن المفيد فى القواعد: يضع باطن كفه الايمن على موضع سجوده، ثم يرفعها فيمسح بها وجهه، من قصاص شعر راسه الى صدغيه، ثم يمرها على باقى وجهه، و يمرها على صدره، فان ذلك سنة و سعادة ان شاء الله تعالى. و قد روى عن الصادقين انهما قالا: ان العبد اذا سجد امتد من عنان السماء عمود من نور الى موضع سجوده، فاذا رفع احدكم من السجود فليمسح بيده موضع سجوده، ثم يمسح بها وجهه و صدره، فانها لا تمر بداء الا نفته ان شاء الله تعالى.

أقول: قد تقدم فى رواية جميل المروية فى مجالس ابن الشيخ، المتضمنة لقول الصادق (ع) فاوحى الله اليه ان ارفع راسك يا موسى، و امدد يدك فى موضع سجودك، و امسح بها وجهك، و ما نالته من بدنك فانه امان من كل سقم وداء، و كلّ افة و عاهة.

ص: 197


1- اللهمّ خ ل (منه).
تنبيه: و عليك باطالة السجود،

فان الأخبار استفاضت باستحبابها. و روى الكافى فى باب فضل الصلوة عن زيد الشحام، عن الصادق (ع) فى حديث: ان العبد اذا سجد فاطال السجود نادى ابليس يا ويله،(1) اطاع و عصيت و سجدوا بيت و عن عبد الله بن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال: مرّ بالنبى (ص) رجل و هو يعالج بعض حجراته، فقال: يا رسول الله (ص) اكفيك؟ فقال: شانك فلما فرغ، قال له رسول الله (ص): حاجتك؟ قال: الجنة، فاطرق رسول الله (ص) ثم قال: نعم، فلما ولى قال له يا عبد الله اعنا بطول السجود. و عن عبد الحميد بن ابى العلا، قال: دخلت المسجد الحرام، ثم ساق الخبر الى ان قال: فاذا بابى عبد الله ساجدا، فانتظرته طويلا، فطال سجوده على فقمت فصلّيت ركعات و انصرفت، و هو ساجد فسألت مولاه متى سجد؟ فقال: من قبل ان تاتينا، فلما سمع كلامى رفع راسه. و فى كتاب العلل فى باب العلة التى من اجلها يستحب طول السجود، بسنده عن ابى بصير، قال: قال ابو عبد الله (ع): يا ابا محمد عليك بطول السجود، فانه من سنن الاوابين.

و روى ايضا فيه فى الباب المتقدم، عن ابى بصير عن الصادق (ع) عن آبائه (ع)، عن رسول الله (ص) انه قال: اطيلوا السجود، فما من عمل اشد على ابليس من ان يرى ابن آدم ساجدا، لانه امر بالسجود فعصى، و هذا امر بالسجود فاطاع فيما امر، الى غير ذلك من الأخبار، و قد تقدم ايضا ما يدل عليه فى شرح قول المصنف فى هذا المبحث و الدعاء، فراجع الى هناك.

السابع من واجبات الصلوة التشهد
اشارة

(السابع) من واجبات الصلوة (التشهد)، وجوبه ثابت بالاجماع محققا و محكيا فى عبائر الجماعة، بل بالضرورة من مذهبنا، و اخبارنا قاله بعض الاجلة.

في أصل وجوبه و الصلاة على النبي ص
اشارة

(و يجب عقيب كل ثنائية، و فى اواخر الثلاثية و الرباعية ايضا الشهادتان و الصلوة على

ص: 198


1- يا ويلاوه. خ ل.

النبى و آله عليهم السلام).

جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام
اشارة

أقول: لا بد اولا من نقل الأخبار المتعلقة بالمقام، ثم التعرض لما يظهر منها من الاحكام:

الأول:

ما رواه الكافى فى باب التشهد، عن بكر بن حبيب قال: سألت ابا جعفر (ع) عن التشهد، فقال: لو كان كما يقولون واجبا على الناس هلكوا، انما كان القوم يقولون ايسر ما يعلمون اذا حمدت الله اجزاء عنك.

الثانى:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن بكر بن حبيب، قال: قلت لابى جعفر (ع): اى شئ أقول: فى التشهد و القنوت؟ قال: قل باحسن ما علمت، فانه لو كان موقتا لهلك الناس.

الثالث:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن سورة بن كليب، قال: سألت ابا جعفر (ع) عن ادنى ما يجزى من التشهد، فقال: الشهادتان.

الرابع:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الصحيح عن عبد الله بن بكير الموثق الذى عليه حكاية اجماع العصابة، عن عبد الملك بن عمرو الاحول، عن ابى عبد الله (ع)، قال: التشهد فى الركعتين الاوليين: الحمد لله اشهد ان لا اله الا الله، وحده لا شريك له، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله، اللهم صل على محمد و آل محمد، و تقبل شفاعته فى امته، و ارفع درجته.

الخامس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن زرارة قال: قلت لابى جعفر (ع): ما يجزى من القول فى التشهد فى الركعتين الاوليين؟ قال:

ان تقول: اشهد ان لا اله الا الله، وحده لا شريك له، قلت: فما يجزى من تشهد الركعتين الاخيرتين؟ فقال: الشهادتان.

السادس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن حبيب الخثعمى، عن ابى جعفر (ع) يقول: اذا جلس الرجل للتشهد فحمد الله اجزأه.

السابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن احمد بن محمد بن ابى نصر، قال: قلت لابى الحسن (ع): جعلت فداك، التشهد الذى فى الثانية يجزى

ص: 199

ان اقول فى الرابعة؟ قال: نعم.

الثامن:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: قلت لابى عبد الله (ع): التشهد فى الصلوة؟ قال: مرتين، قال: قلت: و كيف مرتين؟ قال: اذا استويت جالسا فقل: اشهد ان لا اله الا الله، وحده لا شريك له، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله، ثم تنصرف، قال: قلت: قول العبد التحيات لله و الصلوات الطيبات لله، قال هذا اللطف من الدعاء يلطف العبد ربه.

التاسع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الزيادات فى الصحيح عن الفضيل و زرارة و محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع)، قال: اذا فرغ الرّجل من الشهادتين، فقد مضت صلوته. فان كان مستعجلا فى امر يخاف ان يفوته فسلم و انصرف اجزاك.

العاشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الزيادات فى الصحيح على الصحيح، لمكان ابراهيم عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا التفت فى صلوة مكتوبة من غير فراغ فاعد الصلوة اذا كان الالتفات فاحشا، و ان كنت قد تشهدت فلا تعد.

الحادى عشر:

ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، فى الموثق كالصحيح، عن زرارة قال: قلت لابى عبد الله (ع): الرجل يحدث بعد ما يرفع راسه من السجود الاخير، فقال: تمت صلوته، و انما التشهد سنة فى الصلوة، فيتوضأ و يجلس مكانه او مكانا نظيفا فيتشهد.

الثانى عشر:

ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، فى الرجل يحدث بعد ان يرفع راسه فى السجدة الاخيرة، و قبل ان يتشهد، قال ينصرف فيتوضا، فان شاء رجع الى المسجد، و ان شاء ففى بيته، و ان شاء حيث شاء قعد فيتشهد، ثم يسلم، و ان كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلوته.

الثالث عشر:

ما رواه فى باب كيفية الصلوة، فى الصحيح عن محمد عن

ص: 200

احدهما (ع)، فى الرجل يفرغ من صلوته، و قد نسى التشهد حتى ينصرف فقال:

ان كان قريبا رجع مكانه فتشهد، و الا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه، و قال: انما التشهد سنة فى الصلوة.

الرابع عشر:

ما روى عن المحاسن، عن ابن مسكان، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سئل عن رجل صلى الفريضة، فلما رفع راسه من السجدة الثانية من الرابعة احدث، فقال: اما صلوته فقد مضت، و اما التشهد فسنة فى الصلوة، فليتوضأ و ليعد الى مجلسه، او مكان نظيف فيتشهد.

الخامس عشر:

ما عن الفقه الرضوى، قال (ع): ادنى ما يجزى من التشهد الشهادتان.

السادس عشر:

ما عن الخصال عن ابى بصير و محمد بن مسلم، عن ابى عبد الله (ع) عن آبائه (ع)، قال: قال امير المؤمنين: اذا قال العبد فى التشهد الاخير و هو جالس: اشهد ان لا اله الا الله، وحده لا شريك له، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله، و ان الساعة اتية لا ريب فيها، و ان الله يبعث من فى القبور، ثم احدث حدثا فقد تمت صلوته.

السابع عشر:

ما عن قرب الاسناد عن على بن جعفر عن اخيه، قال: سألته عن رجل ترك التشهد حتى سلم، قال: ان ذكر قبل ان يسلم فليتشهد، و عليه سجدة السهو، و ان ذكر انه قال اشهد ان لا اله الا الله، او بسم الله اجزا فى صلوته، و ان لم يتكلم بقليل و لا كثير حتى سلم اعاد الصلوة.

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان الكلام هنا يقع فى مقامات:
الأول: وجوب التشهد فى كل ثنائية و فى غيرها،

بعد الثالثة ايضا فى الثلاثية، و الرابعة ايضا فى الرباعية اجماعى، و قد نقل الاجماع على ذلك الجماعة.

الثانى: يجب فى كل تشهد فى الصلوة الاتيان بالشهادتين: الشهادة بالتوحيد،

و الشهادة بالرسالة، بلا خلاف. قاله فى جامع المقاصد، بل عن الجماعة عليه الاجماع، و هو الحجة، و يدل عليه بعد ذلك جمله من الأخبار

ص: 201

المتقدمة.

و اما ما عن الصدوق فى المقنع: و ادنى ما يجزى من التشهد، ان يقول الشهادتين، او يقول بسم الله و بالله ثم يسلم، فضعيف جدا. و عن الذكرى: انه معارض باجماع الامامية، و اما الخبر السابع عشر فلا ينطبق عليه، مع انه يخالف الاجماع قطعا، من فساد الصلوة و لزوم اعادتها بترك التشهد شكا او نسيانا، قاله بعض الاجله. و بذلك ظهر حال الخبر: ان نسى الرجل التشهد فى الصلوة فذكر انه قال بسم الله فقط جازت صلوته، و ان لم يذكر شيئا من التشهد اعاد الصلوة.

و بالجملة لا شبهة فى عدم مقاومة الخبرين لما تقدم، فلا اعتناء بشانهما، و شان القول المتقدم كالمحكى عن صاحب الفاخر، حيث قال باجزاء شهادة واحدة فى التشهد الاول، لمكان شذوذيته، و انعقاد الاجماع على خلافه، كالأخبار.

و اما الخبر الخامس فمع عدم انطباقه على اطلاق العبارة المحكية غير مقاوم لما تقدم من وجوه شتى. روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة عن يعقوب بن شعيب، عن ابى عبد الله (ع) قال: التشهد فى كتاب على شفع، فليترك الخبر او يحمل على ما ذكره المحقق الشيخ حسن فى المنتقى، و استظهره بعض الأجلاء حيث قال: و لعلّ الغرض من السؤال استعلام كيفية التشهد، و انه هل يختلف فيه حكم الأول و الاخير؟ فاكتفى فى الجواب عن السؤال الأول بذكر كيفية الشهادة بالوحدانية، اعتمادا على ان كيفية الشهادة الاخرى التى تضم اليها منفردة معروفة، و جعل الجواب عن السؤال الثانى بشهادتين كناية عن الاتفاق فى الحكم بالنسبة الى القدر المجزى، و سيجئ التصريح بهذا المعنى فى خبر آخر، انتهى.

و عن التحرير: انه دال على القدر المذكور فيه، و ليس مانعا من وجوب الزيادة، فالعمل بما يتضمن الزيادة اولى. و عن المنتهى: انه اقتفاه فى ذلك، و كيف كان، فعدم مقاومة الخبر للاخبار الدالة على المختار واضح كالخبر الأول و

ص: 202

الثانى، فليحملا اما على الضرورة على ما عن الجماعة، او على ان المراد انما هو الاذكار الزايدة على اصل الشهادتين، المنقولة فى جملة من الأخبار زيادة على الشهادتين و الصلوة على النبى (ص) و آله (ع)، و المراد انه ليس شئ من تلك الاذكار واجبا متعينا، و الا لهلك الناس، حيث لا ياتون بها، و بطلت صلواتهم، و انما ياتون منها بايسر ما يعلمونه، و لو بمجرد اضافة الحمد للّه الى الشهادتين، و الصلوة لان المراد بذلك الشهادتان و عدم وجوبهما، و اضافة القنوت فى الخبر ظاهر فيما قلناه، كذا افاده بعض الأجلاء، و هو الاظهر. و اما جملة من الأخبار المتقدمة الحاكمة على صحة الصلوة بالحدث قبل التشهد، فاما محمولة على التقية كما عن الذكرى، حيث قال بعد ايراده لجملة من الأخبار المخالفة لما عليه الاصحاب، و منها بعض الأخبار المشار اليها: و لو حملت على التقية لكان انسب لانه مذهب كثير من العامة كالشافعى، و اهل العراق، و الاوزاعى، و مالك، اذ يقولون بعدم وجوب التشهد الثانى ايضا: مالك و ابو حنيفة و الثورى و الاوزاعى، و رووه عن علىّ (ع)، و سعيد بن المسيب، و النخعى و الزهرى انتهى او يقال بان المخالفة الكائنة فى هذه الأخبار ليست من جهة التشهد، لانه (ع) قد امر به فى الأخبار المذكورة، و انما تكون المخالفة من جهة الحكم بصحة الصلوة مع تخلل، و سيجئ فى مقامه ان شاء اللّه تحقيق تلك المسئلة، فانتظر.

و بالجملة المسئلة بحمد الله واضحة، فلا وجه للاطالة.

الثالث: يجزى الاتيان بالشهادتين بقوله: اشهد ان لا اله الا الله،
اشارة

وحده لا شريك له، و اشهد ان محمّدا عبده و رسوله. بلا خلاف، قاله بعض الاجله، بل عليه الاجماع فى الروضة و المدارك، و ظاهر غيرهما، و يدل عليه بعد ذلك غير واحد من الأخبار المتقدمة.

تذنيب:

صريح بعض، و ظاهر مختصر النافع و الدروس و اللمعة هو تعين الصورة المذكورة، كما عن العلامة، خلافا للمحقق الثانى و المحقق الأول فى الشرايع، و

ص: 203

ظاهر الصدوق فى الفقيه و الامالى و صريح التحرير: على اشكال، و التذكرة و صريح القواعد، و ظاهر الشيخ فى النهاية كما عن المبسوط و نهاية الاحكام، و المنتهى و البيان و الذكرى و الالفيه و ظاهر الغنية و التحرير: فلا يتعين عليه الصورة المذكورة و اختاره من المتأخرين الجماعة، و فى المدارك و الذخيرة و الكفاية و غيرها: المشهور بين الاصحاب ان التشهد الواجب انما يحصل بان يقول: اشهد ان لا اله الا الله و اشهد محمدا رسول الله. و نسب بعضهم الى الاكثر اجزاء الشهادتين مطلقا، و فى الذكرى: ظاهر الاصحاب و خلاصة الأخبار الاجتزاء بالشهادتين مطلقا، فعلى هذا لا يضر ترك وحده لا شريك له، و لا لفظ عبده، و عن الغنية يجب الشهادتان فى التشهدين بدليل الاجماع.

و فى امالى الصدوق حيث يصف دين الامامية: و يجزى فى التشهد الشهادتان، فما زاد فتعبد.

و فى جامع المقاصد قوله: الواجب اشهد ان لا اله الا الله، اشهد ان محمدا رسول الله، اللّهم صل على محمد و آل محمد. ظاهر العبارة انحصار الواجب من التشهد فيما ذكره، و ان كلما سواه مندوب، و به صرح فى المنتهى و هو ظاهر كلامه فى التذكرة، و تردد فى النهاية فى وجوب وحده لا شريك له، آخر الشهادة بالتوحيد، و الذى يظهر من كثير من عبارات الاصحاب عدم وجوب الزايد، انتهى.

أقول: و ما تردده فى نهاية الاحكام موجود فى التذكرة ايضا، فالفرق لما ليس فيه و جاهة، و كيف كان، فللاخيرين اطلاق الامر بالصلوة، و عموم قوله: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و اطلاق جملة من الأخبار، و للاول الخبر الثامن و الخامس، المعتضد ان بالخبر الرابع و السادس عشر، و توقف حصول البراءة اليقينية عليه.

أقول: و الذى يتراءى بالنظر الجليل، هو ترجيح القول الأول، لمكان اخصية خبريه المعتضدين بما مر، مع كون العام المخصص فيما بقى حجة، و احتمال

ص: 204

انصراف الاطلاق الى ما اختاروه، و لكن الذى يقتضيه النظر الدقيق هو ترجيح القول الاخر، لمكان الاطلاقات، و ليس كلها وارد فى بيان حكم آخر حتى يناقش فيها، لمكان الخبر الثالث و الخامس عشر، و الاطلاق المعتضد بالشهرة مقدم على غيره سيما اذا كان ظاهرا لغير متضمنا لما لا نقول به، كما سيظر ان شاء اللّه تعالى، و الشهرة محكية فى كلام الجماعة، و معتضدة بعبارة الذكرى و الغنية و الامالى المتقدمة، و بما رواه فى التهذيب شيخ الطائفة، فى باب كيفية الصلوة فى الموثق، عن ابى بصير عن الصادق (ع): اذا جلست فى الركعة الثانية فقل: بسم الله، و بالله، و الحمد لله، و خير الاسماء لله، اشهد ان لا اله الله، وحده لا شريك له، و ان محمدا عبده و رسوله.. الخبر، باسقاط كلمة اشهد فى الشهادة بالرسالة، على ما فى نسختين من التهذيب عندى، و كذا نقله فى التذكرة و التحرير، نعم. قيل فى بعض النسخ بزيادتها ايضا، أقول: المدار على النسخ المشهورة، و القول بان ظاهره الوجوب، و لا قائل به، و حمله على بيان ارادة الجواز ليس باولى من الحكم بسقوط اشهد، غير وجيه من وجهين.

احدهما: انا لا نحمل الحديث على الجواز، بل نحمله على الاستحباب كما سيظهر ان شاء الله، بل لا مهرب لاحد عنه، و يلزم منه عدم وجوب الاتيان بالكيفية المسطورة.

و ثانيهما: الكيفية التى يقول بها ارباب القول الأول، لما كانت فى نحو هذه الازمان مشهوره بحيث لا يكاد ان يسمع غيرها، فلعلّه لذا اسرع قلم نادر من كتاب التهذيب بكتابة تلك الكلمة، لمكان كونها فى ذهنه مقررة. و عليه فيقوى احتمال السقوط فى الغاية، و مما يعاضد المختار ايضا، ما رواه فى التهذيب فى اواخر باب احكام السهو فى الزيادات، عن الحسن بن الجهم، قال: سألت ابا الحسن (ع) عن رجل صلى الظهر او العصر، فاحدث حين جلس فى الرابعة، فقال: ان كان قال اشهد ان لا اله الا الله، و ان محمدا رسول الله (ص)، فلا بعيد، و ان كان لم يتشهد قبل ان يحدث فليعد. و السند لا يخلو عن اعتبار(1)،

ص: 205


1- و رواه ايضا فى اواخر باب التيمم (منه).

اذ ليس فيه من يتوقف فيه، الاّ عباد بن سليمان، مع انه يروى عنه الاجلة، و منها محمد بن احمد بن يحيى، الذى روى عنه فى هذا السند، مع ما قيل لم يستثن روايته، و كيف كان، فالاقوى عندى بعد ضم الأخبار بعضها الى بعض، و ملاحظة كلام الاصحاب، هو القول الثانى، و ان كان الاحوط هو القول الأول.

تنبيهات:
الأول: فهل يجوز على المختار ترك وحده لا شريك له و لفظ عبده،

كما يظهر من المحقق الثانى فى جامع المقاصد، و المصنف فى القواعد و فى التحرير على اشكال و الشهيد فى الالفية، و عن الذكرى و البيان و نفى عنه البعد فى الذخيرة و فى الجعفرية، و لو ترك وحده لا شريك له، او لفظ عبده، و اظهر المضمر فى رسوله اجزاء، انتهى ام لا؟ وجهان: و الأول اقرب، فما فى التذكرة: و فى وجوب وحده لا شريك له عقيب الشهادة بالتوحيد اشكال، ينشأ من حديث محمد بن مسلم عن الصادق (ع)، و قد سلف، و من اصالة البراءة، فليس فيه و جاهة، اذ عنى بالحديث الخبر الثامن، و قد عرفت ما فيه، و يعضد المختار رواية اسحق بن عمار الاتية فى شرح قول المصنف: و صورته السلام علينا الى آخره فى الامر السادس.

الثانى: هل يجوز على المختار ترك لفظ اشهد فى الشهادة بالرسالة،

كما يظهر من المصنف رحمه الله فى التحرير و القواعد، و الشارح المحقق فى الذخيرة و عن الاكثر ام لا؟ كما يستفاد من جامع المقاصد و الجعفرية و شرحها، و الشهيد فى الالفية، و ربما يستفاد من المقاصد العلّية ايضا، كما عن نهاية الاحكام، و فى التذكرة: لو حذف لفظ الشهادة ثانيا و الواو فانه لا يجزيه، و اما ما ذكره فى جامع المقاصد بان هذه الرواية - اى موثقة ابى بصير المتقدمة، المتضمنة لاسقاط تلك الكلمة - لا تنهض معارضه لغيرها من الأخبار المشهورة فى المذهب، فغير وجيه، لما عرفت من ان التحقيق عدم وجوب ما تضمنته تلك الأخبار، و عليه فتكون محمولة على الاستحباب، الذى هو اقرب المجازات، فاين بقى دلالتها النافعة فى المقام.

الثالث: هل يجوز على المختار ترك الواو العاطفه فى الشهادة الثانية

مع

ص: 206

الاتيان بلفظ اشهد، كما اختاره المصنف رحمه الله فى التذكرة و التحرير و القواعد، و عن نهاية الاحكام و الشارح المحقق فى الذخيرة حيث نفى عنه البعد، كما عن ظاهر الاكثر ام لا؟ كما يستفاد من الجعفرية و شرحها، و جامع المقاصد، وجهان: و الأول اقرب.

الرابع: هل يجوز على المختار اسقاط واو العطف من لفظ اشهد الثانى،

ام لا؟ كما صرح به فى التذكرة، و يستفاد من جملة من العبائر وجهان، و امر الاحتياط واضح.

الخامس: يجوز على المختار ترك لفظ عبده،

اذا ظهر المضمر فى رسوله، وفاقا للجماعة، و منهم الجعفرية، و عليه فهل يجوز مع تركه اضافة الرسول الى مضمر، كما يستفاد من التحرير و القواعد و الذخيرة، حيث نفى عنه البعد ام لا؟ كما يظهر من الجعفرية وجهان: و الاول اقرب.

السادس: لو عوض الشهادة بما يساويها فى المعنى او يقاربها،

كأن يقول: أعلم او اخبر عن علم، او اتيقن و ما شابهه فلا يجزيه، وفاقا للتحرير و التذكرة و الجعفرية و غيرهما، بل لا اجد مخالفا، بل استظهر بعضهم عدم الخلاف فيه، حملا للاوامر على الافراد المتبادرة.

السابع: لو عوض حرف الاستثناء بغيره مما يدل عليه كغير و سوى،

فالوجه عدم الاجزاء، وفاقا للتذكرة، قال: لانه خلاف المنقول. أقول: حملا للاوامر على الافراد المتبادره.

الثامن: لا يجوز تعويض الشهادة الاولى،

بقوله: اشهد ان الله احد، كما صرح فى التذكرة، و كذا لو قال: اشهد ان لا اله الا واحد، و ان الرسول محمد، قاله فى التحرير.

المقام الرابع: يجب فى التشهد الصلوة على محمد (ص) على المشهور بين الاصحاب،
اشارة

كما ادعاه الجماعة، بل عليه عامة متاخريهم، قاله بعض الاجلة، بل عليه الاجماع فى الخلاف و التذكرة و الذكرى و الحبل المتين و الاثنى عشرية، كما عن

ص: 207

الغنية و التحرير و المنتهى و كنز العرفان، و هو الظاهر من جامع المقاصد، قيل: و لم يذكره الصدوق اصلا، و لا والده فى التشهد الأول، و عن الاسكافى انه يجزى الشهادتان، اذ لم تخل الصلوة من الصلوة على محمد و آله، فى احد التشهدين.

أقول: و الحق هو المشهور، لمكان الاجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة المحققه و المحكية، و فى الحبل المتين: وجوب الصلوة على النبى و اله فى التشهد الأول و الثانى، مما انعقد عليه الاجماع بعد اولئك المشائخ الثلاثة، انتهى. و يدل عليه ايضا - و لو فى الجملة - قوله تبارك و تعالى «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً». و اما ما ذكره فى الذخيرة يجوز ان يكون المراد بالصلوة على النبى (ص) اعتناء باظهار شرفه، و تعظيم شانه، فلا يدل على المدعى، او يكون المراد الكلام الدال على الثناء عليه، و هو حاصل بالشهادة بالرسالة، فالظاهر بعده، و القول(1) بان الامر المطلق لا يقتضى التكرار، فغاية ما يلزم من الاية وجوب الصلوة عليه (ص) فى العمر مرّة غير وجيه، اذ عن الناصرية و المنتهى و الخلاف الاجماع على عدم وجوبها فى غير الصلوة، و اما الحمل على الاستحباب و ان امكن، و لكن التقييد اولى من المجاز، و استدل غير واحد على المطلب بما رواه الصدوق فى الفقيه فى كتاب الصوم، فى باب الفطرة فى الصحيح، عن ابى بصير و زرارة، قال ابو عبد الله (ع): ان من تمام الصوم اعطاء الزكوة يعنى الفطرة، كما ان الصلوة على النبى صلى الله عليه و آله من تمام الصلوة، لانه من صام و لم يؤد الزكوة فلا صوم له اذا تركها متعمدا، و لا صلوة له اذا ترك الصلوة على النبى و آله، ان الله عزّ و جلّ قد بدا بها قبل الصوم، قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى، وَ ذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى» و توجه النفى الى نفى الفضيلة خلاف الاصل و القاعدة، فاذا المراد منه نفى الصحة، و به يتم المطلوب و لو فى الجملة، و لعلك تتوهم ان فى دلالة الخبر نوع مناقشة، اذ التشبيه ربما اقتضى توجه النفى الى الفضيلة و الكمال، كقوله (ع):

لا صلوة لجار المسجد الا فى المسجد، لمكان الاجماع على عدم توقف صحة الصوم على اخراج الزكوة، قاله غير واحد(2)، و ان قيل يستفاد ذلك من بعضهم، و فيه

ص: 208


1- الذخيرة (منه).
2- الدروس و الذخيرة (منه).

عدم وجوب كون التشبيه من كل وجه اولا فتأمل، و كون حكم فى المشبه على نحو لا يوجب كونه فى المشبه به كذلك، لما ترى فى كون المبالغة و التجوز فى زيد كالاسد، يعنى فى الشجاعة فى جانب المشبه لا المشبه به، اذ هو متلبس بها حقيقه.

ثانيا، و ما ذكره بعض الأجلاء: نقل المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملى - رحمه الله - فى الوسائل عن الصدوق فى الفقيه، صحيحة زرارة و ابى بصير بما هذه صورته: قال: ان الصلوة على النبى (ص) و آله من تمام الصلوة، و لا صلوة له اذا ترك الصلوة على النبى و آله، و ذكر انه اقتطعه من حديث طويل، و ظنى ان وقفت عليه فى الكتاب المذكور، حين قراءة بعض الاخوان على الكتاب المذكور، و لكنى لا يحضرنى فى موضعه الآن، و هو اما يكون رواية لتلك الصحيحة بنحو آخر، او يكون حديثا آخر، انتهى.

ثالثا: و استدل ايضا بما رواه الكافى فى باب النوادر الواقع بعد باب صلوة من اراد ان يدخل باهله، فى الصحيح على الصحيح، لمكان ابراهيم عن ابن اذينه، عن ابى عبد الله (ع)، فى حديث طويل فى المعراج، قال فيه:

فى الركعة الثانية فلما ذهب ليقوم قيل: يا محمد اجلس فجلس، فاوحى الله اليه: يا محمد اذا ما انعمت عليك فسم باسمى، فالهم ان قال: بسم الله و باللّه، و لا اله الا الله، و الاسماء الحسنى كلها لله، ثم اوحى الله اليه: يا محمد صل على نفسك و على اهل بيتك، صلى الله عليّ و على اهل بيتى، و قد فعل، ثم التفتّ فاذا بصفوف من الملائكة و المرسلين و النبيين، فقيل: يا محمد سلم عليهم، فقال:

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، الخبر. و استدل عليه ايضا بما رواه الكافى فى كتاب الدعاء، فى باب الصلوة و على محمد و أهل بيته عن محمد بن هرون، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا صلى احدكم و لم يذكر النبى و آله فى صلوته، يسلك بصلوته غير سبيل الجنة.

أقول: و فى دلالته نوع مناقشة، و لكن يمكن دفعها، و كيف كان، فالمسئلة

ص: 209

بحمد الله واضحة، لمكان الاجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظيمة، المعينة لمقام الصلوة على النبى (ص) فى الصلوة، الدّالة عليها الأخبار المتقدمة، و غيرها من الأخبار الكثيرة، كالمروى عن ابى بصير، عن الصادق (ع): من صلى و لم يصل على النبى (ص) و تركه عامدا فلا صلوة له، و عن ابن مسعود عن النبى (ص): اذا تشهد احدكم فى صلوته، فليقل: اللّهم صل على محمد و آل محمد، الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة. و اما الاستدلال بما روى عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع)، قال: و الصلوة على النبى واجبة فى كل موطن، و عند العطاس و الذبايح و غير ذلك، و ما عن الاعمش عن الصادق (ع): الصلوة على النبى (ص) واجبة فى كل المواطن، و عند العطاس و الذبايح، فلا يخلو عن المناقشة. و هى اما لزوم استعمال اللفظ فى معناه الحقيقى و المجازى فى آن واحد، لمكان العطاس و الذبايح او لزوم حمل الوجوب على القدر المشترك بين المعنى المتعارف منه، و الاستحباب على طريق منع الخلو، و اما تخصيص لفظ الوجوب بحال التشهد و ان امكن، و لكن حمله على القدر المشترك اولى، اذ هذا التخصيص من قبيل تخصيص العام الى الاقل من النصف، و هذا فى المطلقات و ان كان جايزا، و لكن لا يرجح على المجاز، حتى ينفع المستدل، اذ لم نجد ما يدل على ارجحية التخصيص على المجاز بقول مطلق، بل الدليل على خلافة واضح السبيل.

و بالجملة، لا شبهة فى دلالة الأخبار مع انضمام الاجماعات المحكية على المطلب، لا يقال يعارض ذلك جملة من الأخبار المتقدمة، كالخبر الثالث و الخامس و غيرهما، لانا نقول: لا ريب ان الترجيح معنا، لما مر اليه الاشارة، مع امكان الحمل على ارادة بيان الواجب بالشروع فى اوله، اعتمادا على العلم بالباقى، و يكون المراد التنبيه ان الزيادة فى اوله و اخره غير واجبة، قاله فى جامع المقاصد، قال بعض الاجلة: مناقشات فى دلالة الأخبار المخالفة بما لفظه: و قوة احتمال ما قيل من ان الغرض منها بيان ما يجب من التشهد، و انما

ص: 210

يصدق حقيقة على التشهد مع احتمال الحمل على التقية، و على كون ترك الصلوة على محمد و آله للعلم بوجوبها من الكتاب، او لعدم اختصاص وجوبها بالتشهد، بل بوقت ذكره (ص) على القول به، و هذه الاحتمالات محتمله فى كلام الصدوقين ايضا، فلا خلاف كما يشعر به الاجماعات المحكية، و ما يحكى عن الصدوق فى اماليه انه قال: من دين الامامية الاقرار بانه يجزى فى التشهد الشهادتان و الصلوة على النبى و آله (ع)، انتهى.

أقول: ما ذكره بقوله: فلا خلاف، غير وجيه، لمكان الاسكافى فتدبر، و اما ما نسب الى امالى الصدوق من العبارة المتقدمة، فليس فى نسختى هكذا، بل فيها: و يجزى فى التشهد الشهادتان، فما زاد فتعبد، و التسليم فى الصلوة يجزى مرة واحدة، الى آخر ما ذكره، و هى كما ترى، و لعلها فيها تروكه، و لم يكن عندى غيرها، حتى ارجع اليه، و كيف كان، فالمسئلة بحمد الله واضحة، فلا وجه للاطالة فليقتصر على هذا.

تذنيب:

يجب الصلوة على آله عليهم السلام فى التشهد على الاشهر، بل لم اجد فيه مخالفا الا من ذكر فى الصلوة على النبى (ص) على الكيفية المسطورة فيها، و الاشهر هو الاظهر، لمكان الاجماع المحكى عليه فى التذكرة، و كنز العرفان، و الحبل المتين، و الاثنى عشرية و الذكرى، كما عن الغنية، و الخلاف، و التحرير، و المنتهى، و هو الظاهر فى جامع المقاصد، المعتضد بالشهرة العظيمة، و يدل عليه ايضا جملة من الأخبار. و قد تقدم الى بعضها الاشارة.

و منها: ما رايته فى كتاب لا اعرف مصنفه، و لكنه كتاب معتبر بما لفظه: اخبرنا ابو عبيد الله المرزبانى، قال: حدثنى عبد الواحد بن محمد الحضينى، قال:

حدثنى ابو على احمد بن اسمعيل، قال: حدثنى ايوب بن الحسن الهاشمى، قال: كان فى زمن الرشيد رجل من الانصار يقال له نفيع بن عبد العزيز، و كان عرّيضا، قال فحضر باب الرشيد يوما و معه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، و

ص: 211

حضر موسى بن جعفر عليهما السلام على حمار له، فتلقاه الحاجب بالبشر و الاكرام و اعظمه من كان هناك، و عجل له الأذن، فقال نفيع لعبد العزيز: من هذا الشيخ؟ قال: او ما تعرفه؟ قال: لا قال: هذا شيخ آل ابى طالب، هذا موسى بن جعفر عليهما السلام، فقال: ما رايت اعجز من هؤلاء القوم، يفعلون هذا برجل يقدّر(1) ان يزيلهم عن السرير، اما لئن خرج لا سؤنه(2)، فقال له عبد العزيز:

لا تفعل، فان هؤلاء أهل بيت قلما تعرض لهم احد فى خطاب الا و سموه فى الجواب و سما يبقى عاره عليه مدى الدهر، قال: و خرج موسى بن جعفر عليهما السلام فقام اليه نفيع الانصارى، فاخذ بلجام حماره ثم قال له: من انت؟ فقال:

يا هذا ان كنت تريد النسب، فانا بن محمد حبيب الله، ابن اسمعيل ذبيح الله، ابن ابراهيم خليل الله، و ان كنت تريد البلد(3)، فهو الذى فرض الله عزّ و جلّ على المسلمين و عليك ان كنت منهم الحج اليه، و ان كنت تريد المفاخرة، فو الله ما رضى مشركوا قومى مسلمى قومك اكفاء، حتى قالوا: يا محمد اخرج الينا اكفاءنا من قريش، و ان كنت تريد الصيت و الاسم، فنحن الذين امر الله تعالى بالصلوة علينا فى الصلوات الفرائض، فى قوله: اللهم صل على محمد و آله، و نحن آل محمد، خلّ عن الحمار. قال: فخلّى عنه، و يده ترتعد و انصرف بخزى. فقال له عبد العزيز:

الم اقل لك؟، انتهى.

و التقريب واضح فليقتصر على هذا، لمكان وضوح المسئلة، مع ان الظاهر ان كلّ من قال فى المسئلة الاولى بالوجوب، قال به فى هذه المسئلة ايضا، و عليه فانما افرزناها عنها لمكان اختصاص بعض الادلة.

تنبيهات:
الأول: لا اشكال فى حصول الصلاتين بقوله: اللّهم صل على محمد و آل محمد،

كما صريح الجماعة، و ظاهر آخرين، بل عليه الاجماع فى الروضة و المدارك، و عليه فما يقال من انه ربما يستفاد من الشهيد فى البيان: انه لا يجزى الا قوله:

اللهم صلّ على محمد و آله، فلا ينبغى ان يلتفت اليه، و عليه فهل يجب تلك

ص: 212


1- يقدر ح ل (منه).
2- لاى لاحزنه (منه).
3- فانا من البلد خ ل (منه).

الصورة كما عن ظاهر الجماعة، بل عن الاكثر، و فى الذكرى على ما حكى، و عبارة الصلوة فى الاشهر: اللهم صل على محمد و آل محمد، ام لا؟ كما اختاره الجماعة بل عن الاكثر وجهان: و الاخير اقرب، لمكان الاطلاق و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و عليه فيجوز ان يقول: اللّهم صلى على محمد و آله، كما يستفاد من الخبر المتقدم عن قريب و صلّى الله عليه و آله، و صلى الله على محمد و آله، و غيرها، نعم منع المصنف فى التذكرة كما عن غيره من ترك اسم محمد فى الصلوة عليه، قال فى التذكرة: يجب فى الصلوة ذكر اسم الرسول صلى الله عليه و آله، فلو قال: اللهم صلّ على الرسول لم يجزه، لانه سئل (ع) كيف يصلى عليك فقال: قولوا: اللهم صل على محمد و آل محمد، انتهى. و هو الاحوط، و ان كان فى القول بتعينه نظر، و قال فى التذكرة ايضا بعد ذلك باسطر: و لو اضاف الال الى المضمر فالوجه الاجزاء، و هذا يعطى عدم عمله بالخبر، و كيف كان، فالاقوى عندى عدم تعين الصورة المذكورة، نعم، الاحوط ترك الافراد النادرة.

الثانى: هل يجب الصلوة على النبى (ص) فى غير التشهد ايضا، ام لا؟
اشارة

اختلف الاصحاب، فيه أقول:

الأقوال
الأول: انها تجب كلما ذكر صلى الله عليه و آله،

و اليه ذهب صاحب كنز العرفان، و الشيخ البهائى فى مفتاح الفلاح، ناقلا عن الصدوق ايضا، و اختاره بعض متاخرى المتأخرين ايضا، كما عن الشيخ الحر فى الوسائل، و المحدث الكاشانى فى الوافى، و المدقق المازندرانى فى شرحه على اصول الكافى، و الشيخ عبد الله بن صالح البحرانى، و نفى فى المدارك عنه البعد.

الثانى: عدم الوجوب و هو للمعظم.
الثالث: ما ذكره فى الذخيرة قال: قال بعض المتأخرين: و يمكن اختيار الوجوب فى كل مجلس مرة ان صلى اجزا، و ان صلى ثم ذكر يجب ايضا،

كما فى تعدد الكفارة بتعدد الموجب اذا تخللت، و الا فلا، و هو ضعيف، و الظاهر انه لم يقل به سواه، انتهى.

ص: 213

أقول: و خير الاقوال اوسطها، للاصل، و الاجماع المحكى عليه فى التذكرة و الناصريات و الخلاف و عن التحرير و المنتهى، و انه لو كان واجبا لاشتهر لعموم البلوى و مسيس الحاجة، مع ان الامر بالعكس، لما عرفت من ذهاب معظمهم الى عدم الوجوب، مع ادعاء جماعة منهم الاجماع، هذا مضافا الى ما ترى من الادعية الماثورة عنهم، سلام الله عليهم من عدم ذكرهم المذكور فى كثير من المواضع فلا حظ الصحيفه و المصباح و غيرهما، فلو كان واجبا لذكر فيها البتة، و يؤيد المذكور عدم وجوب ذكر يدل على الثناء على الله تعالى عند ذكره عزّ و جلّ، فكذا النبى (ص)، لمكان الاولوية، و اما ما ذكره فى الذخيرة بقوله: و الاقرب عدم الوجوب، للاصل المضاف الى الاجماع المنقول، و عدم تعليمهن للمؤذنين و عدم ورودها فى اخبار الأذان، و عدم وجودها فى كثير من الادعية المضبوطة المنقولة عن الائمة الطّاهرين، مع ذكره (ص) فيها، و كذلك فى الأخبار الكثيرة، ففى بعضها مناقشة لمكان ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب الأذان و الاقامة، فى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: لا يجزيك عن الأذان الا ما اسمعت نفسك او فهمته، و افصح بالالف و الهاء و صل على النبى صلى الله عليه و آله كلما ذكرته، او ذكره ذاكر عندك فى اذان او غيره،

و للاولين وجوه:
الأول: الاية الشريفة،

و فيه اولا ان مقتضى اطلاقها وجوب الصلوة عليه (ص) فى العمر مرة، و لم يقل به احد من اصحابنا، و عليه فينبغى ارتكاب التاويل فيها، و هو يحصل بامرين: اما تقييدها باى وقت ذكر (ص) او بالتشهد، و حيث لا دليل على ترجيح احد الامرين، فيسقط الاستدلال فى البين، مع ان الترجيح فى جانب الثانى، كما نظرته بالعين.

و اما ثانيا: فلان ادلة المختار اقوى من اطلاق الاية بمراتب، مع انه لا بد فى المعارضة من المقاومة.

و اما ثالثا: فلان الامر بالتسليم عليه (ص) ليس للوجوب، فينبغى ان يكون الامر بالصلوة عليه كذلك مراعاة للسياق، قاله بعض مشائخنا. و مما يوهن

ص: 214

الاستدلال بها فى المقام، ما تقدم فى اوائل هذا المقام من المناقشة، و لو كانت موهونة فى كون المراد من كلمة صلوا الواقعة فى الاية هو المعنى المتعارف.

الثانى: ما ذكره فى كنز العرفان،

من كون ذلك دالا على التنويه(1) برفع شانه، و الشكر لاحسانه المامور بهما.

الثالث: ما اشار اليه فى الكتاب المذكور ايضا،

من انه لولاه لكان كذكر بعضنا، و هو منهى عنه فى آية النور(2)، و فيها ما ترى.

الرابع: جملة من الأخبار،

منها الخبر المتقدم عن قريب، و هو رواية زرارة، و منها ما رواه الكافى فى كتاب الدعاء، فى باب الصلوة على محمد (ص)، عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع)، قال: قال: اذا ذكر النبى (ص)، فاكثروا الصلوة عليه، فانه من صلى على النبى (ص) صلوة واحدة، صلى الله عليه الف صلوة فى الف صف من الملائكة، و لم يبق شىء مما خلقه الله الا صلى على العبد، لصلوة الله عليه و صلوة ملائكته، فمن لم يرغب فى هذا فهو جاهل مغرور، قد برئ الله منه و رسوله و أهل بيته.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن محمد بن هرون، عن ابى عبد الله (ع) قال: و قال رسول الله (ص): من ذكرت عنده و لم يصلّ على فدخل النار، فابعده الله. و قال: قال رسول الله (ص): من ذكرت عنده فنسى ان يصلى على، خطأ الله به طريق الجنة. الى غير ذلك من الأخبار، و قد اشتمل عبارة الكشاف على جمله منها، قال فى الكشاف على ما حكى: الصلوة على رسول الله واجبة، و قد اختلفوا، فمنهم من اوجبها كلما اجرى ذكره، و فى الحديث من ذكرت عنده فلم يصل على، فدخل النار، فابعده الله، و يروى انه قيل: يا رسول الله ارايت قول الله تعالى «إِنَّ اَللّٰهَ وَ مَلاٰئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ» فقال (ع):

هذا من العلم المكنون، و لو لا انكم سألتمونى عنه ما اخبرتكم به، ان الله و كل بى

ص: 215


1- التعظيم خ ل.
2- لا تجعلوا دعاء الرسول الى آخرة (منه).

ملكين، فلا اذكر عند عبد مسلم فيصلى على، الا قال ذلك الملكان: غفر الله لك، و قال الله و ملائكته جوابا لذينك الملكين: آمين، و لا اذكر عند عبد مسلم فلا يصلى على، الا قال: لاغفر الله لك، و قال الله و ملائكته لذينك الملكين: آمين.

و منهم من قال: يجب فى كل مجلس، و ان تكرر ذكره، كما قيل فى آية السجدة و تسميت العاطس، و كذلك فى كل دعاء فى اوله و اخره. و منهم من اوجبها فى العمر مرة، و كذا قال فى اظهار الشهادتين، و الذى يقتضيه الاحتياط الصلوة عند كل ذكر، لما ورد فى الأخبار، انتهى.

أقول: لا يخفى عليك ان هذه الأخبار لا تصلح لمعارضة الاجماعات المحكية، المعتضدة بالشهرة العظيمة، لمكان كونها نصا، و حمل الأخبار الظاهره فى الوجوب على النصّ متعين، و كيف كان، فلا شبهة فى ارجحية المشهور، و امر الاحتياط واضح.

تذنيبات:
الأول: هل يختص الوجوب على القول به، و الاستحباب على القول به باسمه العلمى، او يتعدى الى لقبه و كنيته، و كذا الضمير الراجع اليه؟

لم اقف من المتقدمين و اوائل المتأخرين على كلام فى ذلك. نعم، تعرض له جملة من متأخرى المتأخرين، قال فى مفتاح الفلاح: قول الباقر (ع) فى الحديث الأول، كلما ذكرته او ذكره ذاكر، يقتضى وجوب الصلوة عليه، سواء ذكر صلى الله عليه باسمه او بلقبه او بكنيته، و يمكن ان يكون ذكره صلى الله عليه و آله بالضمير الراجع اليه صلوات الله عليه و آله كذلك، و لم اظفر فى كلام علمائنا - قدس اللّه ارواحهم - فى ذلك بشئ، و الاحتياط يقتضى ما قلناه من العموم.

و قال المحدث الكاشانى فى خلاصة الاذكار: و لا فرق بين الاسم و اللقب و الكنية، بل الضمير على الاظهر، و قال بعض الأجلاء: و الذى يقرب فى الخاطر هو التفصيل، بانه ان ذكره باسمه العلمى، و النبى و رسول الله و ابى القاسم و نحو ذلك فهى ملحقة بالاسم العلمى، و ان كان غير ذلك من الالفاظ التى يراد منها و

ص: 216

ليست كذلك، مثل خير الخلق و خير البرية و المختار و نحو ذلك، فالظاهر العدم، و الظاهر ان الضمير من قبيل الثانى، و الاحتياط لا يخفى، انتهى.

أقول: و القول بالعموم هو الاظهر، لاطلاق الرواية مع كونه احوط.

الثانى: اذا صلّى على النبى (ص)، فهل يجب اتباعه بالصلوة على آله او عترته أو أهل بيته، او يستحب؟

و الاظهر هو الثانى. روى الكافى فى كتاب الدعاء فى باب الصلوة على محمد (ص)، عن ابن القداح عن ابى عبد الله (ع)، قال:

سمع ابى رجلا متعلقا بالبيت، و هو يقول: اللهم صل على محمد، فقال له ابى (ع): يا عبد الله لا تبترها، لا تظلمنا حقنا، قل اللهم صل على محمد و أهل بيته. و روى عن عبد الله بن سنان(1)، عن ابى عبد الله (ع)، قال: قال رسول الله (ص) ذات يوم لامير المؤمنين: الا ابشرك؟ فقال: بلى بابى انت و امى، فانك لم تزل مبشرا بكل خير، فقال: اخبرنى جبرئيل انفا بالعجب، فقال امير المؤمنين (ع): و ما الذى اخبرك يا رسول الله؟ قال: اخبرنى ان الرجل من امتى اذا صلى على و اتبع بالصلوة على أهل بيتى فتحت له ابواب السماء، و صلّت عليه الملائكة سبعين صلوة، و انه للذين خطأ ثم تحات عنه الذنوب كما تحات الورق من الشجر، و يقول الله تعالى: لبيك و سعديك يا ملائكتى، انتم تصلون عليه سبعين صلوة، و انا اصلى عليه سبعمائة صلوة، فاذا صلى على و لم يتبع بالصلوة على أهل بيتى، كان بينها و بين السماء سبعون حجابا، و يقول الله جلّ جلاله: لا لبيك و لا سعديك، يا ملائكتى تصعدوا دعاءه الا ان يلحق بالنبى عترته، فلا يزال محجوبا حتى يلحق بها أهل بيتى. و عنه (ص): لا تصلوا على الصلوة البتراء، فقالوا: و ما الصلوة البتراء؟ قال: تقولون اللهم صل على محمد، و تمسكون، بل قولوا: اللهم صل على محمد و آل محمد. قال بعض الأجلاء بعد نقله: رواه ابن حجر المتاخر فى صواعقه - احرقه الله بها - و هو من انصب النصاب المعاندين، و من افحش تعصباتهم انهم مع رواية هذه الأخبار، اجمعوا على عدم جواز الصلوة على غيره، صلى الله عليه و آله و غير الانبياء، بل صرح جملة

ص: 217


1- و كان مروى فى كتاب ثواب الاعمال (منه).

منهم بالمنع من ضم آله فى الصلوة اليه، كل ذلك عداوة و بغضا لهم، بل صرح بعضهم بالاعتراف بذلك، و انهم انما تركوها مراغمة للشيعة، حيث انهم يضمون أهل بيته اليه فى الصلوة عليه، انتهى.

أقول: و لنعم ما قال بالفارسية: ازان دم بريدها صد چندان.

قال فى الزام النواصب(1) بامامة على بن ابى طالب: ذكر العزالى و المتوكلى، و كانا امامى الشافعية ان تسطيح القبور هو المشهور، و لكن لما جعلته الرافضه شعارا، عد لنا عنه الى التسنيم، و ذكر الزمخشرى صاحب الكشاف، و هو من ائمة الحنفية فى تفسير قوله تعالى: «هُوَ اَلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلاٰئِكَتُهُ» انه يجوز بمقتضى هذه الاية ان يصلى على احاد المسلمين، لكن لما اتخذت الرافضه ذلك فى ائمتهم منعناه. و قال مصنف الهداية من الحنفية: ان المشروع التختم فى اليمين، لكن لما اتخذته الرافضه عادة جعلنا التختم فى اليسار، قال الرجل الكتابى الذى هداه الله الى الاسلام: لما وقفت على اقرارهم على انفسهم ان الشيعة عملوا بالمشروع، و انهم هم خالفوا المشروع لعمل الشيعة، علمت ان الحق فى طرف الشيعة، و شككت فى ايمان السنة، لان مخالفتهم للمشروع ان كان مع اعتقاد جوازه فقد كفروا، و ان كان مع اعتقادهم تحريمه فقد فسقوا، و ان الفاسق لا يقبل قوله فى شئ، فلا يجوز لمن يؤمن بالله و رسوله ان يتابع قوما تشهد علماؤهم على انفسهم بما يوجب الكفر و الفسوق، و يشهدون على خلفائهم بمثل ذلك، كما تقدم فى الأخبار الماضية فى هذه الرسالة، انتهى.

و نسأل الله تعالى الثبات على ولايتهم سلام الله عليهم، و الحشر فى زمرتهم، انه على ما يشاء قدير، و بالاجابة جدير.

الثالث: تتأدّى السنة بذكر الصلوة عليه و عليهم - سلام الله عليهم - كيف اتفق،

من قولك اللهم صل على محمد و آل محمد، و ارداف آله بضميره، او قولك صلى الله عليه و آله، او صلوات الله عليهم، و كذلك ابدال الال بعترته، او أهل بيته، كما يستفاد من ذلك من الادعية و الأخبار.

ص: 218


1- اسم رسالة لرجل كتابى هداه الله على الاسلام (منه).

و عليه فما روى انه لما نزلت آية «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» قيل: يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلوة عليك؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد و آل محمد كما صليت على ابراهيم و آل ابراهيم، و بارك على محمد و آل محمّد كما باركت على ابراهيم، انك حميد مجيد. فالظاهر ان المراد به بيان الفرد الاكمل من الصلوة عليه (ص).

الرابع: صرح بعض الأجلاء القائل بوجوب الصلوة عليه (ص) كلما ذكر،

بوجوب الفورية بالصلوة، حاكيا عن الصّالح المازندرانى ايضا فى شرح اصول الكافى قال: ظاهر قوله (ع) فى صحيحة زرارة: كلما ذكرته او ذكره ذاكر، وجوب الفورية.

الخامس: لو سمع ذكره (ص) فى حال الصلوة،

و اشتغل باتمام الصلوة، و لم يصل عليه فهل تبطل صلوته على القول بوجوب الصلوة عليه (ص) كلما ذكر، نظرا الى ان الامر بالشئ يستلزم النهى عن ضده، او عدم الامر به، ام لا كما اختاره بعض الأجلاء من ارباب هذا القول، حاكيا عن بعض مشاركيه ايضا وجهان و الاخير؟ الاخير هو الاظهر، لعدم قيام دليل صالح على القاعدتين، و ان كان اثما على هذا القول على ما صرح به بعض الأجلاء.

أقول: و يشكل هذا القول اذا كان الاتيان بها منافيا لبعض الواجبات فى الصلوة.

السادس: على القول بالاستحباب هل يجوز الاتيان بها فى الصلوة لو ذكره ذاكر؟

الاقرب نعم، اذا لم تخل باحد الواجبات، و يجوز الاتيان بها ابتداء من غير سبب ايضا مع الشرط المذكور، لمكان الاصل و اطلاق الامر بالصلوة، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و الاطلاقات الآمرة بالصلوة عليه (ص) و آله (ع).

السابع: قال بعض مشائخنا يستفاد من بعض الروايات استحباب الصلوة على اهل البيت عليهم السلام مطلقا،

و لو لم يذكر هناك اسم النبى (ص)، انتهى.

قال فى كنز العرفان بعد ادعاء اجماع المسلمين على مشروعية الصلوة على

ص: 219

الآل تبعا له (ص) بما لفظه: و هل يجوز الصلوة عليهم لا تبعا بل افرادا، كقولنا اللّهم صل على محمد، بل الواحد منهم لا غير ام لا؟ قال اصحابنا بجواز ذلك، و قال الجمهور بكراهته، لان الصلوة على النبى صارت شعارا له، فلا يطلق على غيره، و لاتهامه الرفض، و الحق ما قاله الاصحاب، لوجوه:

الأول: قوله تعالى مخاطبا للمؤمنين كافة: «هُوَ اَلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلاٰئِكَتُهُ» و هو نص فى الباب.

الثانى: قوله: «اَلَّذِينَ إِذٰا أَصٰابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قٰالُوا إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ» و لا ريب ان اهل البيت اصيبوا باعظم المصايب الذى من جملتها اغتصابهم مقام امامتهم.

الثالث: انه لما او فى ابو اوفى زكوته قال النبى (ص): اللهم صل على أبى أوفى و آل أبى أوفى فيجوز على اهل البيت بطريق الاولى.

الرابع: ان الصلوة عن الله بمعنى الرحمة، و يجوز الرحمة عليهم اجماعا، فيجوز مراد فها، لما تقرر فى الاصول انه يجوز اقامة احد المترادفين مقام الاخر، الى ان قال: قولهم: ان ذلك يوهم الرفض تعصب محض، و عناد ظاهر، نظير قولهم: من السنة تسطيح القبور لكن لما اتخذته الرافضة شعارا لقبورهم عدلنا عنه الى التسنيم، فعلى هذا كان يجب عليهم ان كل مسئلة قال بها الامامية ان يفتوا بخلافها، و ذلك هو محض النصب و العناد، نعوذ باللّه من هؤلاء المضله، و الآراء الفاسدة، انتهى.

أقول: لا ريب فى استحباب المذكور، كما يظهر من الادعية الماثورة عنهم (ع)، بل فى بعض ادعية ايام رمضان و الجمعة، ذكر بعد صلوته على النبى (ص) و بضعته (ع) و الائمة المعصومين، سلام الله عليهم اجمعين واحدا بعد واحد، ما لفظه: اللّهم صل على القاسم و الطّاهر ابنى نبيّك، اللهم صل على رقية بنت نبيّك، و العن من آذى نبيك فيها، اللهم صلّ على ام كلثوم بنت نبيّك، و العن من آذى نبيّك فيها، اللّهم صلّ على ذرية نبيك.

ص: 220

الثامن: يجوز الصلوة على غير النبى (ص) و الائمة من المؤمنين المتقين،

بان يقول: اللهم صل على زيد و عمرو - مثلا - كما عن الجماعة، و عن بعض العبائر قد استفيد من الاية و الرواية جواز الصلوة على غير النبى (ص)، كما ذهب اليه اصحابنا، و العامة و افقوا فى الدلالة، و خالفوا فى المدلول، لوجه غريب، و عن غاية المراد: و الصلوة عندنا جايزة على كل مؤمن، انتهى.

أقول: و يدل عليه الدعاء المتقدم، و الاصل كونه دعاء، و قد امر به، و لو بعنوان الاطلاق فى قوله تعالى: «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» و فى غيره من الآيات و الأخبار، و قوله تعالى: «هُوَ اَلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلاٰئِكَتُهُ» «أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ»، و ما عن غاية المراد: كبار السّلف كالباقر (ع) و الصادق (ع) و ابناهما، قد صلوا على كثير من اصحابنا فى النقل الصحيح، انتهى.

و بالجملة، لا ريب فى جواز المذكور، فما عن بعض اهل الخلاف من المنع من لفظ الصلوة على غير الانبياء، لا ينبغى ان يلتفت اليه.

التاسع: اذا ذكر اسم المؤمن من المتقى جاز، ان تقول عليه السلام كالائمة

كما صرح به بعض مشائخنا، و عن غيره قال الشهيد فى غاية المراد على ما حكى بعد التصريح بجواز تلفظ الصلوة: و عليه يدل قوله تعالى: «أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ» و كذا يجوز السلام - كعليه السلام - لعدم المانع، و للاتفاق على سلام عليكم، و لقوله تعالى: «سَلاٰمٌ عَلىٰ إِلْيٰاسِينَ» و بالجملة فانكار جواز هذين اللفظين جهل او تجاهل.

العاشر: قال بعض مشائخنا: روى عن معوية بن عمار، قال: ذكرت عند ابى عبد الله (ع) بعض الانبياء فصليت عليه،

فقال: اذا ذكر احد من الانبياء فابدا: بالصلوة على محمد و آله، و على جميع الانبياء. و ظاهره وجوب ذلك، و لكن الاستحباب و عدم الوجوب اظهر، لضعف سند الرواية، فلا يصح التعديل عليه فى اثبات حكم مخالف للاصل، و لعدم اشتهار الوجوب مع توفر الدواعى عليه.

التنبيه الثالث: ما المراد بآل محمد ص

صرح المحقق الثانى و الشارح الفاضل بان المراد بآل

ص: 221

محمد (ص) على (ع) و فاطمة (ع) و الحسنان، و يطلق على باقى الائمة (ع) تغليبا، قال الثانى للنقل، و الأول للنقل الثابت فى ذلك من طرقنا و طرق المخالفين، انتهى.

و خالف فى ذلك الجماعة، قال السيورى فى كنز العرفان: الذين تجب الصلوة عليهم فى الصلوة، و تستحب فى غيرها هم الائمة المعصومون، لا طباق الاصحاب على انهم هم الأول، و لان الامر مشعر بغاية التعظيم المطلق، الذى لا يستوجبه الا المعصوم، و اما فاطمة (ع) فتدخل ايضا لانها بضعة منه (ص). و قال الشارح المقدس فى مجمع الفائدة: و الظاهر ان المراد بآله (ص) الائمة مطلقا و فاطمة (ع) حقيقة لا تغليبا، يدل عليه وضع الآل لغة ثم عرفا ايضا، و بعض الأخبار ايضا، و لا تدل على الاختصاص بامير المؤمنين و فاطمة و ولديهما صلوات الله عليهم اجمعين، الروايات الواقعة فى بيان سبب نزول آية التطهير لانهم كانوا موجودين فى ذلك الزمان، و الحصر كان اضافيا، حيث يقول لبعض نسائه:

الى خير، و لهذا اثبت الاصحاب عصمتهم بالاية، فلا ينبغى قول المحقق الثانى و الشهيد الثانى به، انتهى.

أقول: و القول الاخير هو الاظهر، كما استقر به بعض مشائخنا، و يدل عليه الخبر المتقدم فى التذنيب الذى بينت فيه وجوب الصلوة على آله (ص) فى التشهد، و عن عمار قال: كنت عند ابى عبد الله (ع)، فقال رجل: اللهم صل على محمد و أهل بيت محمد، فقال ابو عبد الله (ع): يا هذا لقد ضيقت علينا، اما علمت ان اهل البيت (ع) خمسة الكساء، فقال الرجل: كيف أقول؟ قال:

قل: اللهم صل على محمد و آل محمد، فيكون نحن و شيعتنا قد دخلنا فيه. و فى التذكرة قال الناس: آل محمد هم بنو هاشم و بنو المطلب لانهم اهل النبى (ص)، و الآل منقلب عن اهل، فلو قال: و على اهل محمدأ جزأه عند بعض الجمهور، و كذا لو صغر فقال: اهيل و الحق عدم الاجزاء، لانه امر مشروع فيتبع فيه النقل، و قيل: آل محمد: من كان على دينه، لانه (ع) من آل محمد، فقال: كل تقى. و

ص: 222

لقوله تعالى: «أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اَلْعَذٰابِ» و الوجه ان الآل هنا المعصومون من اهل بيته، اذ لا تجب الصلوة على غيرهم.

الجلوس فى التشهد
اشارة

(و) يجب (الجلوس) فى التشهد بقدر الشهادتين و الصلوة على النبى و آله، اما وجوب الجلوس بقدر الشهادتين فلا خلاف فيه، قاله فى الذخيرة، بل عليه الاجماع فى عبائر الجماعة، و منهم المحقق الثانى و جامع المقاصد، و السيد فى المدارك و غيرهما من الجماعة(1)، و يدل عليه ايماء جملة من الأخبار مع الامر به فى بعضها، و يؤيده ان النبى (ص) و الائمة جلسوا حين الاتيان بالشهادتين، و و استمروا عليه كما صرح الجماعة، فيجب ذلك اما لوجوب التأسى مطلقا، او لأن مداومة المعصومين على فعل تدلّ على وجوبه، او لقوله: صلوا كما رأيتمونى اصلى او لان الفعل قد وقع بيانا للواجب، فيقيد الوجوب، اما وجوب الجلوس بقدر الصلوة على النبى و آله، فالظاهر انه قول كلّ من اوجبه فى الشهادتين، و حكم بوجوبه فى التشهد، قاله بعضهم(2)، ثم قال: بناء على ان لفظ التشهد قد صار حقيقة فى الشهادة بالتوحيد و الرسالة و الصلوة على النبى و آله، كما صرح به فى جامع المقاصد، و هو ظاهر نهاية الاحكام، و ظاهر المنتهى دعوى الاجماع على ذلك، انتهى.

أقول: و ادعاء الاجماع على ذلك يستفاد من جملة من العبائر، فالمسئلة بحمد الله واضحة، و يجب الجلوس فيه، (مطمئنا بقدره) بلا خلاف، قاله فى الذخيرة و استظهره بعضهم، بل عليه الاجماع فى صريح جامع المقاصد، و ظاهر التذكرة، و هو الحجة، قال بعض المحققين: يجب الجلوس فى التشهد و الصلوة على النبى (ص)، و الطمأنينة بقدر الكل، و هو اجماعى، و ظاهر الادلة، و فى المنتهى قال: ذهب اليه علماؤنا اجمع فى التشهد الأول و الثانى، و هو قول كل من اوجب التشهد.

فروع:
الأول: لا اشكال فى بطلان تشهده لو شرع فى الذكر الواجب حين رفع

ص: 223


1- و هم الرياض و الكشف و ظاهر التذكرة و المنتهى (منه).
2- و هو بعض مشايخنا (منه).

راسه من السجود، او نهض قبل اكماله و اتمه حين النهوض، ان كان متعمدا، كما لا اشكال فى بطلان صلوته فى الصورة المفروضه، ان اقتصر على التشهد المذكور، و اما اذا تداركه فى محله بان استانفه جالسا مطمئنا و اتمه كذلك، فهل يبطل بذلك صلوته كما يظهر من الجماعة ام لا؟ وجهان: و الأول اقرب، لظهور عبارة التذكرة فى دعوى الاجماع عليه، و يعضده ما ذكره بعضهم، بان ما فعله منهى عنه، و النهى يقتضى الفساد فتامل. و ان كان ناسيا يتداركه، ان كان محلّه باقيا، كما صرح به فى جملة من العبائر، و ان فات محلّه ففى جامع المقاصد: فالظاهر انه لا يقضيه بعد الصلوة. و فى الرياض: و هل يجب قضاؤه؟ الظاهر لا، وقوعه فى الجمل و المخل به انما هو بعض واجباته، و هى تقضى، و وجه القضاء ان عدم وقوعه على وجهه يصيره فى حكم المعدوم و ضعفه ظاهر.

الثانى: تسقط الطمأنينة عند الضرورة،
اشارة

كما لو صلّى ماشيا، وفاقا لجامع المقاصد و المقاصد العلية و غيرهما، كما يسقط عندها كما صرح الجماعة، و من الضرورة ما لو اقتضت التقية فعله، كما لو كان مسبوقا بركعة، فانه لا يتخلف فى ثالثه الامام عندهم، كما صرح به فى جامع المقاصد و المقاصد العلية. و عليه فليتشهد قائما على ما صرح فى الكتابين المشار اليهما.

تذنيب:

صرح بعضهم فى صورة العجز بانه لا يسقط عنه ما يقدر عليه، انتهى. و هو الاحوط. ثم قال: و هل يجب مراعاة الاقرب الى هيئة الجلوس اولا؟ فيه اشكال، و لعل الأول اقرب، انتهى.

أقول: الاحوط ما استقر به، و ان كان القول بتعينه مشكلا.

الثالث: صرح المحقق الثانى و غيره

الثالث: صرح المحقق الثانى و غيره(1)، بانه يشترط فى تشهد الصلوة المندوبة الجلوس و الطمأنينة.

الرابع: هل الاذكار المستحبه فى التشهد يشترط فيها الجلوس و الطمأنينة ام لا؟

وجهان: و الاحوط الأول، قال بعض المحققين: الجلوس حال

ص: 224


1- و هو بعض مشايخنا (منه).

مستحبات التشهد و الصلوتين غير واجب شرعى، بل واجب شرطى كالوضوء للنافلة الى ان قال: و بالجملة لا يجوز الاتيان بمستحبات التشهد و الصلوتين حال القيام و الاضطجاع او غيرها، كما لا يخفى، انتهى.

اعلم انه لا يجوز الاتيان بالشهادتين و لا بالصلوتين فى التشهد بغير العربى و عليه فلا يجزى الاتيان بترجمتها مع القدره، وفاقا للجماعة، و منهم المصنف و الشهيد ان و المحقق الثانى و غيرهم، بل الظاهر انه مما لا خلاف فيه، كما استظهره بعضهم، و يدل عليه مضافا الى ظهور عدم الخلاف، انه لو كانت الترجمة جايزة لاشتهر لعموم البلوى و مسيس الحاجة، و التأسى بصاحب الشرع، قاله فى جامع المقاصد و فى شرح الجعفرية: لعموم: صلوا كما رأيتمونى اصلى. و فيه تامل، و كيف كان، فالظاهر عدم الاشكال فى المسئلة.

التشهد بالعربيه
اشارة

(و) عليه (فالجاهل) بالعربية (يتعلم) وفاقا للجماعة، بل الظاهر عدم الخلاف فيه، كما استظهره بعضهم، و يدل عليه بعد ذلك توقف الاتيان بالمامور به، و هو الاتيان بالعربية بذلك، فيجب، و لو قدمه، و اما احتمال كونه واجبا مشروطا، و عليه فلا يجب، و لو مقدمة تحصيل المقدمات كالحج بالنسبة الى الاستطاعة، فبعيد عن الصواب، اما لان الاصل فى الامر افادته الوجوب على الاطلاق، او لمكان الاستقراء، اذ الواجب المطلق اكثر من الواجب المشروط.

فروع:
الأول: من لم يتمكن من الاتيان بالعربية او ضاق الوقت عنه،

فهل يجب عليه الاتيان بالترجمة، كما صرح به الجماعة ام لا؟ وجهان: و الأول اقرب، اذ لم اعثر من الجماعة، و منهم التذكرة على نقل خلاف فى المسئلة، مع ان ديدنهم ما تعلمه، و هو يشعر باعتقادهم الاتفاق فى المسئلة، و هو الحجة، و اما الاستدلال المحكى عن الكشف بعموم ما دلّ على وجوب الشهادتين و الصلوتين من النص و الفتوى فلا يخلو عن مناقشة، لجواز القول بانصرافه الى الغالب، و ليس منه محل البحث، و عليه فيصلح للتاييد كعموم عدم سقوط الميسور بالمعسور على اشكال.

ص: 225

الثانى: لو تمكن من الاتيان ببعض الاذكار كالشهادتين مثلا بالعربية دون غيره،
اشارة

فالاظهر وجوب الاتيان بالممكن، وفاقا لظاهر الجماعة، بل لم اعثر على مخالف، بل لعلّ الظاهر عدم الخلاف فيه، عملا باطلاق الامر الدال عليه المؤيد بقوله (ع): الميسور لا يسقط بالمعسور.

تذنيب:

صرح بعضهم كما عن غيره(1) بانه ياتى مع ذلك بترجمة الباقى و هو الاحوط لو لم نقل بانه هو الاظهر.

الثالث: من لم يتمكن من الاتيان بالعربية و لا بترجمتها فعن الجماعة القول بوجوب الجلوس بقدره حامد الله تعالى،
اشارة

قيل(2) يمكن منع وجوب ذلك كما يستفاد من التحرير و المنتهى و التذكرة و لكن الوجوب احوط فلا ينبغى تركه انتهى، للاول الخبر الأول و السادس المتقدمان فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يجب عقيب كل ثنائية الى آخره قال بعض الأجلاء بعد نقله عن الذكرى و الاقرب وجوب التحميد عند تعذر الترجمة للروايتين بما لفظه و انت خبير بان هذين الخبرين غير معمول عليهما عند الاصحاب و شيخنا الشهيد رحمه الله فى الكتاب المذكور حيث فهم منهما الاجتزاء بذلك عن التشهد الواجب حملهما على التقية و اما على ما حققناه فهما محمولان على الاذكار المستحبة و انه يجزى منها ما كان بهذا المقدار، و ايا ما كان فلا يتم الاستناد اليهما فى هذا الحكم كما لا يخفى انتهى أقول و عدم الوجوب اقرب و امر الاحتياط واضح.

تذنيب:

و على القول بوجوب التحميد فهل يلزم كونه بقدر الاذكار كما استفيد عن اكثر المصرحين بوجوبه او يكفى مسماه كما استفيد من جامع المقاصد وجهان و الاخير اقرب و الأول احوط فلا ينبغى تركه.

الرابع: من لم يتمكن من الذكر مطلقا

فهل يجب عليه الجلوس بقدر الذكر الواجب كما فى الرياض و المقاصد العلية و عن غيرهما(3) و نفى عنه البعد فى الذخيرة

ص: 226


1- و هو الكشف (منه).
2- و هو بعض مشايخنا (منه).
3- و هو جامع المقاصد (منه).

ام لا وجهان كما يستفاد من بعض الأجلاء و الأول لعله اقرب و فى الكتابين الاولين لانه اى الجلوس احد الواجبين و ان كان مقيدا مع الاختيار بالذكر.

فى كيفية التشهد
اشارة

(و يستحب التورك) بلا خلاف اجده، بل الظاهر عدم الخلاف فيه، بل عليه الاجماع فى صريح الغنية و ظاهر المنتهى، نقله بعضهم، و يدل عليه بعد ذلك صحيحة زرارة المتقدمة فى اوائل هذا المجلد، المؤيدة برواية ابى بصير المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و بحول الله تعالى و قوته، و قد تقدم فى السجود تفسير التورك، و كراهية الاقعاء فراجع الى هناك.

هنا امور:
الأول: مقتضى اطلاق النص و الفتوى و صريح التذكرة هو اجزاء الجلوس باى هيئة اتفق،

نعم لو كان من الافراد النادرة التى لا ينصرف اليه الاطلاق اصلا، فالاظهر الاحوط عدم اجزائه.

الثانى: قال بعض مشائخنا: و هل هو يختص استحباب التورك بالرجال اولا،

بل يعم الرجل و النساء؟ ظاهر اطلاق المعظم الثانى، انتهى.

أقول: ما نسبه الى اطلاق المعظم بعد لم يثبت عندى، نعم يستحب لها العمل بصحيحة زرارة المتقدمة فى اوائل هذا المجلد، التى عليها عمل الاصحاب، على ما حكى عن الشهيد المتضمنة لقوله: فاذا جلست فعلى اليتيها، ليس كما يقعد الرجل، و اذا سقطت للسجود بدأت بالقعود بالركبتين قبل اليدين، ثم تسجد لاطئة بالارض، فاذا كانت فى جلوسها ضمت فخذيها، و رفعت ركبتيها من الارض، و اذا نهضت الى آخره، و فى الدروس: المراة كالرجل فى جميع الافعال، الا ما سبق من انها تجمع بين قدميها، الى ان قال: و اذا جلست بين السجدتين او فى التشهد ضمت فخذيها و رفعت ركبتيها من الأرض.

الثالث: قال الصدوق فى الفقيه فى باب وصف الصلوة: و قال رجل لامير المؤمنين (ع) يابن عم خير خلق الله،

ما معنى رفع رجلك اليمنى و طرحك اليسرى فى التشهد؟ قال: تاويله اللهم امت الباطل، و اقم الحق. و ليعلم انه

ص: 227

لا يجب فى التشهد غير الشهادتين و الصلواتين من التحيات، و ساير الاذكار اجماعا، على الظاهر المستظهر فى بعض العبائر(1)، و عن المنتهى: التحيات ليست واجبة فى واحد من التشهدين، ذهب اليه علماؤنا اجمع، انتهى. و يدل عليه بعد ذلك عدم اشتهار الوجوب، مع ان المسئلة مما تعم به البلوى و تمس اليه الحاجة، و الاطلاقات، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و جملة من الأخبار المتقدمة فى اوائل بحث التشهد.

و بالجملة، لا شبهة فى عدم الوجوب. نعم يستحب (الزيادة فى الدعاء)، المنقول عن اهل البيت (ع). و زاد فى التذكرة: لانهم اعرف بمواقع الشرع و كيفيته، لانهم مهبط الوحى.

أقول: روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الموثق، عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع). قال: اذا جلست فى الركعة الثانية، فقل: بسم الله، و بالله، و الحمد لله، و خير الاسماء لله، اشهد ان لا اله الا الله، وحده لا شريك له، و ان محمدا عبده و رسوله، ارسله بالحق بشيرا و نذيرا بين يدى الساعة، و اشهد انك نعم الرب، و ان محمّدا نعم الرسول، اللهم صل على محمد و آل محمد، و تقبل شفاعته فى امته، و ارفع درجته. ثم تحمد الله مرتين او ثلاثا تقوم، فاذا جلست فى الرابعة قلت: بسم الله، و بالله، و خير الاسماء لله، اشهد ان لا اله الا الله، وحده لا شريك له، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله، ارسله بالحق بشيرا و نذيرا بين يدى الساعة، و اشهد انك نعم الرب، و ان محمدا نعم الرسول، التحيات لله، الصلوات الطاهرات الطيبات الزاكيات الغاديات الرايحات السابغات الناعمات لله، ما طاب وزكى و ظهر و خلص وصفى فلله، و اشهد ان لا اله الا الله، وحده لا شريك له، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله، ارسله بالحق بشيرا و نذيرا بين يدى الساعة، اشهد ان ربى نعم الرب، و ان محمد انعم الرسول، و اشهد ان الساعة آتية لا ريب فيها، و ان الله يبعث من فى القبور، و الحمد لله الذى هدانا لهذا، و ما كنا لنتهدى لو لا ان هدانا الله، الحمد لله رب

ص: 228


1- و هو بعض مشايخنا (منه).

العالمين اللّهم صل على محمد و آل محمد، و بارك على محمد و آل محمد، و سلم على محمّد و على آل محمد، و ترحم على محمد و على آل محمد، كما صليت و باركت و ترحمت على ابراهيم و على آل ابراهيم انك حميد مجيد، اللهم صل على محمد و على آل محمد، «اِغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ وَ لاٰ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنٰا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنٰا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» اللهم صل على محمد و آل محمد، و امنن على بالجنة، و عافنى من النار، اللهم صل على محمد و آل محمد، و اغفر للمؤمنين و المؤمنات، و لا تزد الظالمين الا تبارا، ثم قل: السلام عليك ايها النبى و رحمة الله و بركاته، السلام على أنبياء الله و رسله، على جبرئيل و ميكائيل و الملائكة المقربين، السلام على محمد بن عبد الله خاتم النبيين، لا نبى بعده، السلام علينا و على عباد الله الصالحين، ثم تسلم.

و روى عن الفقه الرّضوى: فاذا تشهدت فى الثانية فقل: بسم الله و بالله، و الحمد لله، و الاسماء الحسنى كلها لله، اشهد ان لا اله الا الله، وحده لا شريك له، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله، ارسله بالحق بشيرا و نذيرا، بين يدى الساعة، و لا تزيد على ذلك، ثم انهض الى الثانية، و قل اذا انتهضت: بحول الله اقوم و اقعد، الى ان قال: فاذا صليت الرابعة فقل فى تشهدها: بسم الله، و بالله، و الحمد لله، و الاسماء الحسنى كلّها لله، اشهد ان لا اله الا الله، وحده لا شريك له، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله، ارسله بالحق بشيرا و نذيرا بين يدى الساعة، التخيات لله، و الصلوات الطيبات الزاكيات الغاديات الرائحات التامات الناعمات المباركات الصالحات لله، ما طاب وزكى و طهر و نمى و خلص، و ما خبث فلغير الله اشهد انك نعم الرب، و ان محمدا نعم الرسول، و ان على بن ابى طالب (ع) نعم المولى، و ان الجنة حق، و الموت حق، و البعث حق، و ان الساعة آتية لا ريب فيها، و ان الله يبعث من فى القبور، الحمد لله الذى هدانا لهذا، و ما كنا لنهتدى لو لا ان هدانا الله، اللهم صلّ على محمد و آل محمد، و بارك على محمد و آل محمد، و ارحم محمدا و آل محمد، افضل ما صليت و باركت و رحمت و ترحمت و سلمت على ابراهيم و آل ابراهيم فى العالمين، انك حميد مجيد، اللهم

ص: 229

صل على محمد المصطفى، و على المرتضى و فاطمة الزهراء، و الحسن و الحسين و على الائمة الراشدين من آل طاها و ياسين، اللهم صل على نورك الانور، و على حبلك الاطول، و على عروتك الوثقى، و على وجهك الاكرم، و على جنبك الارحب، و على بابك الادنى، و على مسلك الصراط، اللهم صل على الهادين المهديين الراشدين الفاضلين، الطيبين الطاهرين، الاخيار الابرار، اللهم صل على جبرئيل و ميكائيل و اسرافيل و عزرائيل، و على ملائكتك المقربين، و انبيائك المرسلين، و رسلك اجمعين من اهل السموات و الارضين، و اهل طاعتك المتقين، و اخصص محمدا بافضل الصلوة و التسليم، السلام عليك ايها النبى و رحمة الله و بركاته، السلام عليك و على اهل بيتك الطيبين، السلام علينا و على عباد الله الصالحين، ثم سلم عن يمينك و ان شئت يمينا و شمالا، و ان شئت تجاه القبلة.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: صرح الجماعة باستحباب ان يقول فى افتتاح التشهد: ببسم الله و بالله،
اشارة

و الحمد لله، و خير الاسماء لله. و يدل عليه موثقة ابى بصير المتقدمة، و فى الذخيرة و غيرها(1): و اكثر الاصحاب افتتحوه بقولهم: بسم الله و باللّه و الاسماء الحسنى كلها للّه. و قال بعض الأجلاء: المشهور فى عبارات الاصحاب، كما ذكره الشيخ و غيره فى افتتاح التشهد ببسم الله و بالله و الاسماء الحسنى كلها لله، و رواية ابى بصير خالية من لفظ (الاسماء الحسنى كلّها لله) الا انها فى الفقه الرضوى، و الصدوق فى الفقيه قد عبر بهذه العبارة، و الظاهر انه اخذ ذلك من الكتاب المذكور، و الجماعة تبعوا الصدوق فى ذلك، انتهى.

أقول: ما نسبوه الى الاكثر لم اعثر على خبر يدل عليه، و لا يدل عليه الرضوى، لانهم لم يذكروا الحمد لله، نعم، ذكر الصدوق فى الفقيه فى افتتاح التشهدين «بسم الله و بالله و الحمد لله و الاسماء الحسنى كلّها لله» و عليه فيدل عليه الرضوى، و يستفاد من الخبر الرابع المتقدم فى شرح قول المصنف: و يجب عقيب كل ثنائيه الى آخره، استحباب افتتاح التشهد الأول بقوله: الحمد لله... و كيف

ص: 230


1- و هو الذكرى (منه).

كان، فالكل مستحب ان شاء اللّه، و لا يضر عدم اطلاعنا على مستند الاكثر فيما ذكروه، لان الظاهر ان لهم مستندا، فيجوز لنا المتابعة لمكان جواز المسامحة فى ادلة الاستحباب و الكراهة، و رواية ابن اذينة المتقدمة، المتضمنة على قوله (ع) فى حديث المعراج فى الركعة الثانية فالهم ان قال: بسم الله، و بالله، و لا اله الا الله، و الاسماء الحسنى كلها لله، ثم اوحى الله اليه يا محمد: صل على نفسك و على اهل بيتك، الخبر.

و فى التذكرة: الدعاء يستحب فى التشهد الأول ايضا كالثانى عند علمائنا.

تنبيه:

الخبر الرابع المتقدم فى شرح قول المصنف: و يجب عقيب كل ثنائية الى آخره، يتضمن على قوله (ع): التشهد فى الركعتين الاوليين: الحمد لله اشهد - الى آخره، و عليه، فهل يشمل هذا صلوة يكون لها تشهد و احد ايضا، كالصحيح؟ لا بل يختص بذات التشهدين وجهان: و الاولى فى ذات التشهد الواحد كالصحيح، اختيار موثقة ابى بصير و الرضوى، و ان كان القول بشموله ايضا لعله اظهر، و فى التذكرة:

يستحب عندنا تقديم التسمية، لما تقدم فى الاحاديث عن اهل البيت (ع).

الثانى: صرح الجماعة باختصاص التحيات بالتشهد الثانى،

و فى شرح الجعفرية: فلو اتى بها فى الاول و اعتقد شرعيته بطلت صلوته، و عن شرح النفلية اختصاص التحيات بالتشهد الثانى موضع وفاق من الاصحاب، فلا تحيات فى الأول اجماعا، فلو اتى بها لغير تقية معتقدا بشرعيتها مستحبا اثم، و احتمل البطلان و لو لم يعتقد استحبابها فلا اثم، من حيث الاعتقاد، و توقف المصنف فى التذكرة فى بطلان الصلوة متجه، لانها ثناء على الله تعالى، و عن الذكرى: لا تحيات فى التشهد الأول باجماع الاصحاب، غير ان ابا الصلاح قال فيه: بسم الله، و بالله، و الحمد لله، و الاسماء الحسنى كلها لله، لله ما طاب و زكى و نمى و خلص، و ما خبث فلغير الله. و تبعه ابن زهرة، و عن النفلية: و روى مرسلا عن الصادق (ع) جواز التسليم على الانبياء و نبينا (ص) و آله و عليهم فى التشهد الأول، و لم يثبت

ص: 231

قال الشارح: من حيث ارسال خبره، و عدم القائل به من الاصحاب.

أقول: لا اشكال فى عدم استحباب التحيات فى التشهد الأول، لعدم عثورنا على ما يدل عليه، بل الدليل على خلافه واضح كما عرفته، فان قلت: قال فى الدروس: يستحب التحيات فى التشهد الذى يسلم فيه لا فى الاول، و كذا قال فى الجعفرية و شرحها، و عليه فهل يستحب فى ذات التشهد الواحد كالصبح مثلا، اذ هو يسلم فيه ام لا؟ قلت: و الاقوى هو الثانى، لانا لم نجد خبرا يدل عليه، و عدم دلالة موثقة ابى بصير و الرضوى عليه واضح.

و بالجملة، يستحب اختتام التشهد الاخير بما اشتمل عليه، الموثقة و الرضوى، نعم يستفاد من المروى فى الكافى فى باب التشهد فى الصحيح، عن يعقوب بن شعيب، قال: قلت لابى عبد الله (ع): أقول فى التشهد: ما طاب فلله، و ما خبث فلغيره؟ فقال: هكذا كان يقول على (ع)، استحباب القول المذكور فى الصحيحة فى التشهد مطلقا.

الثالث: استحباب و تقبل شفاعته فى امته فى التشهد الأول
اشارة

قد اشتمل موثقة ابى بصير، على انه يستحب ان يقول بعد الصلوة على النبى (ص) و آله (ع) فى التشهد الأول: و تقبل شفاعته فى امته، و ارفع درجته، ثم يحمد الله مرتين او ثلاثا. و الخبر الرابع المتقدم فى شرح قول المصنف:

و يجب عقيب كل ثنائية الى آخره، على انه يستحب ان يقول فيه بعد الصلوتين:

و تقبل شفاعته، و ارفع درجته. و اما ما يفهم من الرضوى المتقدم من عدم مشروعية الزيادة على ما ذكره، فلا اعتناء به، سيما بعد ملاحظة عدم ذكر الصلوتين ايضا.

تذنيب:

هل يستحب هذا القول بعد الصلوة فى التشهد الاخير ايضا، ام لا؟ و الاقوى الثانى، لانا لم نعثر على خبر يدل عليه، و الاخبار المشار اليها مختصة بالأول.

تنبيه:

فهل يستحب هذا القول فى ذات التشهد الواحد، كالصبح بعد الصلوات

ص: 232

على النبى (ص) و آله، ام لا؟ وجهان: و ان كان القول باستحباب القول: و تقبل شفاعته و ارفع درجته، لا يخلو عن رجحان ما، نعم، لعلّ الاحوط قصد الشرعية، بل قصد كونه دعاء، و الله هو العالم بحقايق احكامه و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه.

الرابع: اعلم ان الظرف، اعنى بين يدى الساعة متعلق بارسله او بشيرا و نذيرا على سبيل الشارع،
اشارة

و المراد بين يدى الساعة امامها، و قريبا منها. روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، قال: قلت لابى عبد الله (ع): ما معنى قول الرجل: التحيات لله؟ قال: الملك لله. قيل: و التحية لغة ما يحيّى به من سلام و ثناء و نحوهما، و قد يفسر التحيات بالعظمة و الملك و البقاء. قال فى النهاية الاثيرية: التحيات جمع تحية، قيل اراد بها السلام يقال: حياك الله اى سلم عليك، و قيل التحية الملك، قيل البقاء، و انما جمع التحية لان ملوك الارض يحيّون بتحيات مختلفة، فيقال لبعضهم: ابيت اللعن، و لبعضهم: انعم صباحا، و لبعضهم: عش الف سنة، فقيل للمسلمين قولوا: التحيات للّه، اى الفاظ التى تدل على السلام و الملك و البقاء هى لله عزّ و جلّ، و التحية تفعله من الحيوة، و انما ادغمت لاجتماع الامثال، و الهاء لازمة لها، و التاء زايدة، انتهى.

و قيل التحيات لله تعالى السلام المؤمن المهمين الحى القيوم، يريد التحية بهذه الاسماء لله عزّ و جلّ، و قوله الصلوات لله، اى الرحمة على العباد، كقوله تعالى: «أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ» و قيل الصلوات الادعيه لله و الغاديات الكاينات وقت الغدو، و الرائحات الكائنة فى وقت الرواح، و هو من زوال الشمس الى الليل، و ما قبله الغدو، و السابغات الكاملات الوافيات و المراد من الناعمات ما يقرب من معنى الطيبات، و خلص بفتح اللام، كما ذكره ابن ادريس فى السرائر(1).

تذنيب:

ص: 233


1- و كذا نص فى الحبل المتين (منه).

اعلم ان الاشكال الوارد فى تشبيه الصلوة على نبينا (ص) مع المعطوفات الثلاث بالصلوة على ابراهيم و آل ابراهيم، مع المعطوفات بان المشبه به ينبغى ان يكون اقوى و اشد من المشبه، و الامر هنا بالعكس، فان درجة نبينا (ص) اقوى و اكمل و اتم و اكثر، مردود اما بان اشدية المشبه به ليست امرا لازما، لمكان تحقق التشبيه بدونها، كقول احد الاخوين لابيه: اعطنى دينارا كما اعطيت اخى دينارا، و قد يعد منه قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» او بانه (ص) لما كان من جملة آل ابراهيم، كما ان جماعة من الانبياء ايضا كانوا كذلك، فالصلوة عليه حاصلة اولا فى ضمن الصلوة على آل ابراهيم، و عليه فالغرض من التشبيه ان يختص نبينا و آله (ص) بصلوة اخرى على حده مماثله للصلوة التى عمتهم مع غيرهم، اذ لا ريب ان الصلوة العامة للكل من حيث العموم اقوى من الخاصة بالبعض، او بان الصلوة على ابراهيم من حيث الاقدمية اقوى، و هو كاف فى التشبيه، و ضعف بقول (ع): كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين، او بان المشبه انما هو الصلوة على الآل وحدهم، و عليه فقولنا و آل محمد، كما صليت كانه ابتداء كلام و ضعف بكونه خلاف المتبادر الى الافهام، كيف و سؤالهم انما هو عن كيفية الصلوة عليه - صلى الله عليه و آله - هذا مع عدم جريانه فى العبارة، التى نحن بصددها، الا بتكلف آخر، لتوسط الجمل المتعاطفه، او بان ابراهيم على نبينا و عليه السلام لما كان افضل من الانبياء قبله، كان الصلوة على نبينا و آله (ع) مثل تلك الصلوة، فلا جرم تكون افضل من الصلوة على جميع من قبله من الانبياء و غيرهم، و منهم ابراهيم و آله، و ضعف بعدم كونه حاسما لمادة الاشكال، الا اذا ثبت ان فضل الصلوة على ابراهيم على من قبله ازيد من فضل الصلوة على نبينا (ص) على من قبله، و اثباته متعسرا و متعذر.

الخامس: يجوز الدعاء فى التشهد و غيره،
اشارة

من احوال الصلوة كالركوع و السجود و نحوهما لكلّ ما يريد، ما لم يكن المطلوب محرما اجماعا، على ما حكى عن الجماعة(1). و فى التذكرة: و يجوز الدعاء فى التشهد، و فى جميع احوال الصلوة،

ص: 234


1- و منهم الرياض و الانتصار و ظاهر نهاية الاحكام (منه).

كالقنوت و الركوع و السجود و القيام قبل القراءة و بعدها، بالمباح من امر الدين و الدنيا عند علمائنا اجمع، سواء كان مما ورد به الشرع اولا، انتهى.

و يدل عليه بعد المذكور اطلاق قوله تعالى: «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» و قوله تعالى: «اُدْعُوا اَللّٰهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمٰنَ» فتامل و قوله تعالى: «وَ لِلّٰهِ اَلْأَسْمٰاءُ اَلْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا» و ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب وصف الصلوة، عن ابى جعفر الثانى (ع): لا بأس ان يتكلم الرجل فى صلوة الفريضة بكل شئ يناجى به ربه عزّ و جلّ، و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن الصادق (ع)، انه قال: كل ما ناجيت به ربك فى الصلوة فليس بكلام. و يعضده و لو فى الجملة الخبر الثانى المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يجب عقيب كل ثنائية الى آخره، و هو خبر بكر بن حبيب، و ما رواه فى التذكرة عن ابى هريرة، عن النبى (ص) انه قال:

اذا تشهد احدكم فليتعوذ من اربع: من عذاب النار، و عذاب القبر، و فتنة المحيا، و فتنة الممات، و فتنة المسيح الدجال، ثم يدعوا لنفسه ما بداله.

تنبيهات:
الأول: لا فرق فى جواز الدعاء فى احوال الصلوة بين الماثور و غيره،

كما صرح به فى التذكرة و غيرها، من جملة من العبائر، بل الظاهر عدم الخلاف فيه كما استظهره بعض مشائخنا، و يدل عليه بعد العمومات اطلاق دعوى الاجماع عن الخلاف و الانتصار، على جواز الدعاء فى احوال الصلوة، و يعضده عبارة التذكرة المتقدمة.

الثانى: يجوز فى الدعاء المذكور، ان يكون بغير العربية،

اى لسان كان، وفاقا للمشهور، كما صرح به فى جامع المقاصد، و عن غيره و فى التذكرة: يجوز الدعاء بغير العربية على قول اكثر علمائنا، و عند بعضهم لا يجوز، انتهى. خلافا للمحكى عن سعد بن عبد الله، فحكم بعدم الجواز، قال الشيخ فى النهاية:

لا بأس ان يدعو الانسان فى الصلوة، فى حال القنوت و غيره، بما يعرض له من الحوائج لدنياه و اخرته، مما اباحه الله تعالى و رغبه فيه، و ان كان ممن لا يحسن

ص: 235

الدعاء بالعربية، جاز له ان يدعو بلغته، اى لغة كانت، و هذه العبارة ايضا ظاهرة فى المخالفة، و المشهور هو الاحق بالاتباع لمكان الاصل، و العمومات، و اطلاق دعوى الاجماع على جواز الدعاء فى جميع احوال الصلوة فى الانتصار و الخلاف، و عن الكشف بعد الاشارة الى قول سعد: و لا نعرف له مستندا الا ما فى المختلف، من انه يتخلل صلوته دعاء بالفارسية، مع قوله (ص): صلوا كما رايتمونى اصلى. و فيه لو عمّ هذا لم يجز الدعاء بغير ما كان يدعو به، و لا فى شئ من اجزاء الصلوة غير ما سمع دعاؤه فيه، فان اجيب بخروج ذلك بالنصوص، قلنا:

فكذا غير العربى، للاتفاق على جواز الدعاء فيها باى لفظ، اريد من العربى من غير قصر على الماثور للعمومات، و هى كما تعم العربى تعم غيره، انتهى.

و بالجملة، لم اجد للمخالف دليلا صالحا، فالمشهور اقوى.

و فى جامع المقاصد: و نقل الاصحاب عن سعد بن عبد الله من فقهائنا، عدم جوازه مع القدرة، و هو المتجه، لان كيفية العبادة متلقاة من الشرع كالعبادة، و لم يعهد مثل ذلك، خصوصا اذا كان الدعاء فى المسجد، الا ان الشهرة بين الاصحاب حتى انه لم يعلم قائل بالمنع سوى سعد المذكور، مانعة من المصير اليه و سيجئ فى بحث القنوت ما ينفعك نفعاتا ما فانتظر.

الثالث: صرح المصنف فى التذكرة و غيره بان الدعاء افضل من تطويل القراءة،

و يدل عليه ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن معوية بن عمار، قال: قلت لابى عبد الله (ع): رجلين(1) افتتحا الصلوة ساعة واحدة، فتلا هذا القرآن فكانت تلاوته اكثر من دعائه، و دعا هذا اكثر فكان دعاؤه اكثر من تلاوته، ثم انصرفا فى ساعة واحدة، ايهما افضل؟ قال: كل فيه فضل، كل حسن قلت: انى قد علمت ان كلا حسن، و ان كلا فيه فضل. فقال: الدعاء افضل، ا ما سمعت قول الله عزّ و جلّ: «وَ قٰالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ اَلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ» هى و الله العبادة، ا ليست هى اشدهن؟ هى و الله اشدهن، هى و الله اشدهن.

ص: 236


1- رجلان خ ل (منه).
الرابع: صرح فى التذكرة كما عن نهاية الاحكام، بانه ينبغى للامام التطويل فى الدعاء،

و فى الأول ارفاقا بمن خلفه، اما المنفرد فيجوز له ان يطول، ما لم يخرجه ذلك الى السهو.

الخامس: صرح فى التذكرة بكراهة قراءة القرآن فى التشهد،

قال: لان كل ركن لا يشرع فيه القراءة كرهت فيه، كالركوع و السجود، انتهى فتدبر.

السادس: صرح المصنف رحمه الله فى التذكرة كما عن نهاية الاحكام و الخلاف بجواز الدعاء فى احوال الصلوة،

لمن شاء من اهله و اخوانه المؤمنين و الاطفال. و به صرح ايضا بعض متاخرى المتأخرين، و فى التذكرة: يجوز الدعاء لمن شاء من اهله و اخوانه و غيرهم من المؤمنين من النساء و الرجال و الصبيان. و به قال الشافعى، لعموم قوله تعالى: قُلِ اُدْعُوا اَللّٰهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمٰنَ «وَ لِلّٰهِ اَلْأَسْمٰاءُ اَلْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا»، و قال ابو هريرة: ان النبى (ص) لما رفع راسه من الركعة الاخيرة من الفجر، قال: اللهم انج الوليد بن الوليد، و سلمة بن هشام، و عباس بن ابى حنيفة،(1) و المستضعفين من المؤمنين، و اشدد وطاتك على مضر و رعل و ذكوان، و اجعل عليهم سنين كسنى يوسف. وقنت على (ع) فدعا فيه على قوم باعيانهم و اسمائهم، انتهى.

و عن نهاية الاحكام: يجوز الدعاء على الظالمين.

السابع: اذا كان المطلق مكروها، فهل يجوز الدعاء

كما صرح به بعضهم و حكاه عن ظاهر اطلاق الاصحاب ام لا؟ و الارجح الأول لمكان العمومات.

الثامن: اذا كان المطلق محرما، فهل يجوز الدعاء له ام لا؟

و على الثانى فهل تفسد بذلك الصلوة ام لا؟ وجهان: و الاحتياط فى المسئلة مطلوب، فلا يترك البتة. و فى التحرير فى مسئلة القنوت: و يجوز الدعاء بغير العربية، الى ان قال: نعم يحرم الدعاء بالمحرم اجماعا، و يجوز ان يدعو فيه للمسلمين عموما،

ص: 237


1- ربيعة خ ظ.

و لانسان معين، و ان يسأل المباح من امور الدنيا، انتهى.

الامر السادس: يجب فى الاذكار الواجبة فى التشهد بالترتيب،

فيبدا بالشهادة بالتوحيد، ثم بالرساله، ثم بالصلوة على النبى (ص)، ثم بالصلوة على آله، و عليه فلو عكس لم يجزه وفاقا للجماعة، بل لم اجد فيه مخالفا، و اماما حكى عن المفيد من قوله: ادنى ما يجزى فى التشهد اشهد ان لا اله الا الله، و ان محمدا صلى الله عليه و آله عبده و رسوله. فلا اعتناء به. و يدل على المختار، ان خلافه لو كان جايزا لاشتهر، لتوفر الدواعى و مسيس الحاجة فتدبر جدا. و اشتمال كثير من الأخبار على الترتيب، و ما اشار اليه فى التذكرة و غيرها فى مقام العلّه وقوفا على الماخوذ عن صاحب الشرع، و قال بعض المحققين فى علة وجوبه: لكون العبادة توقيفية، و الصادر من الرسول (ص) و الائمة (ع) هكذا، فيجب الاتباع، و لان المتبادر من اقوالهم ايضا ذلك بغير ضميمة الاجماع، او بضميمة، انتهى.

أقول: و الانصاف ان الوجوه المزبورة لا تخلو عن مناقشة، و لكن المستفاد من التذكرة و غيرها(1) عدم الخلاف فى المسئلة، لمكان عدم نقل الخلاف، الاعن الشافعى مع ان ديدنهم ما تعلمه، و عليه فاذا انضم هذا الى الوجوه المزبورة، يحصل للمجتهد ظن قوى فى المسئلة، فليحكم بوجوب الترتيب المذكور، اذ التحقيق ان مطلق الظن غير الظنون المستثناة التى تعلمها كالقياس حجه مع كونه احوط.

السابع: هل يجب فى التشهد الموالاة كما اختاره الجماعة ام لا؟
اشارة

كما اختاره بعض مشائخنا، وجهان: و الاخير اقوى، لمكان الاطلاقات، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و ما اشار اليه بعضهم من عدم التعرض لوجوبها فى شئ من الأخبار، و معظم كلمات علمائنا الابرار، مع توفر الدواعى عليه، و امر الاحتياط واضح.

تذنيب:

و فى شرح الجعفرية بعد قولها: و يجب موالاته ما لفظه: اتباعا لفعل النبى (ص) (ع)، و هى التتابع فى الفاظه، فلو سكت فى اثنائه سكوتا طويلا

ص: 238


1- و هو المنتهى و التحرير (منه).

ليقدح فى التتابع عرفا. و فى التذكرة: يجب فيه التتابع، فلو تركه لم يجزئه، و به قال الشافعى، انتهى.

أقول: الظاهر ان المراد بها هى الموالاة العرفيه، كما يظهر من شرح الجعفرية.

الثامن: صرح الشهيد طاب مضجعه فى الدروس، بانه يجب فى التشهد الاتيان بلفظه و معناه،

و عليه فيلزم بطلان الصّلوة لو اتى بالشهادتين و الصلوتين من غير التفات الى المعنى، و هذا غريب، فليسكت عما سكت الله. و امل راس قلمك و قل: لا يجب قصد المعنى فيه مطلقا، و لو اجمالا، لمكان الاطلاقات، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و ان ذلك لو كان واجبا لاشتهر، بل و تواتر، لمكان عموم البلوى و مسيس الحاجة، مع ان الامر كما ترى، اليس وجدت النصوص الصادره عن مشكاة النبوة عن هذا الحكم خالية، ككلمات الطائفة المحقة رضوان الله عليها! و بالجملة، هذا مخالف للاجماع المحقق، المستنبط من سيرة الشيعة، فليعرض عنه البتة، نعم، لا شك فى افضلية ما ذكره.

التاسع: لا يجب للامام ان يسمع من خلفه الشهادتين اجماعا،
اشارة

نقله فى التذكرة، و يدل عليه ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات عن على بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر (ع)، قال: سألته عن الرجل، له ان يجهر بالتشهد و القول فى الركوع و السجود و القنوت؟ قال: ان شاء جهر، و ان شاء لم يجهر، لمكان ترك الاستفصال، نعم، يستحب له ذلك، كما صرح به الجماعة، لما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، عن ابى بصير، قال: صليت خلف ابى عبد الله (ع)، فلما كان فى آخر تشهده، رفع صوته حتى اسمعنا، فلما انصرف قلت: كذا ينبغى للامام ان يسمع تشهده من خلفه، قال: نعم.

روى الكافى فى باب التشهد، فى الصحيح عن حفص البخترى، عن ابى عبد الله (ع)، قال: ينبغى للامام ان يسمع من خلفه التشهد و لا يسمعونه هم

ص: 239

شيئا.

تذنيب:

صرح بعضهم كما عن النهاية و نهاية الاحكام و الذكرى، انه يستحب للامام اسماع المامومين جميع ما ياتى به فى التشهد من الاذكار، و يدل عليه ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع)، قال: ينبغى للامام ان يسمع من خلفه كلّ ما يقول، و لا ينبغى لمن خلف الامام ان يسمعه شيئا مما يقول:

تذييل:

يستفاد من الخبرين كراهة اسماع الماموم الامام شيئا مما يقول. و فى النهاية: يستحب للامام ان يسمع من خلفه الشهادتين فى حال التشهد، و ليس على من خلفه ان يسمعه شيئا. و فى التذكرة: يستحب للامام ان يسمع من خلفه الشهادتين فى حال التشهد، و ليس على من خلفه ان يسمعه شيئا و فى التذكرة:

يستحب للامام ان يسمع من خلفه الشهادتين، و ليس على الماموم ذلك - و عن الذكرى: انه - اى الماموم - و ان المنفرد يتخير.

أقول: و الظاهر ان مراد التذكرة و الفقيه هو الكراهة، فالقول بها للماموم مطلقا هو المتبع.

العاشر: صرح بعضهم كما عن التحرير و المنتهى و التذكرة، بان تقديم «السلام علينا و على عباد الله الصالحين» على التشهدين مبطل للصلوة،
اشارة

و لا يخلو عن قوة، لما عن ظاهر المنتهى من دعوى الاجماع عليه، و لان التسليم خروج عن الصلوة، لما سياتى من قوله (ع): و تحليلها التسليم، و يلزم منه خروج الشهادتين، لوقوعها بعد التسليم، و لما يستفاد من ظاهر جملة من الأخبار الآتية ان شاء الله، و هو خبر الحلبى، و ابى كهمش، و ابن مسكان، و قد تمسك بها بعضهم فافهم، و لما رواه الصدوق فى العيون فى باب ما كتبه الرضا (ع) للمامون، بسنده عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (ع)، فى كتابه الى المامون

ص: 240

لعنه الله: و لا يجوز ان تقول فى التشهد الأول: السلام علينا و على عباد الله الصالحين لان تحليل الصلوة التسليم، فاذا قلت هذا فقد سلمت.

تذنيبان:
الأول: اذا قدم السلام المذكور على التشهدين،

و قصد به الدعاء، فهل تبطل الصلوة ايضا ام لا؟ وجهان: من اطلاق ما دل على افساده، و من امكان انصرافه الى غير محل البحث، فيبقى ما دل على جواز الدعاء سليما عن المعارض، فالاحوط هو الترك، و مع الفعل اعادة الصلوة.

الثانى: صرح بعضهم بان الظاهر ان تقديم «السلام عليكم و رحمة الله و بركاته» كتقديم السلام المذكور،

قال لظهور عبارة المنتهى دعوى الاجماع عليه.

أقول: و يدل عليه ايضا بعض الوجوه المتقدمة.

تنبيه:

روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات، باسناد معتبر بل صحيح، عن ميسر عن ابى جعفر (ع)، قال: شيئان يفسد الناس بهما صلوتهم، قول الرجل: تبارك اسمك، و تعالى جدك، و لا اله غيرك، و انما هو شئ قالت الجن بجهالة، فحكى الله عنهم، و قول الرجل: السلام علينا و على عباد الله الصالحين.

بيان:

يستفاد من الخبر بطلان الصلوة بقول الرجل تبارك الى آخره، فى التشهد و غيره، و حكم بعض مشائخنا بعدم الفساد، تمسكا بعموم ما دل على جواز الذكر فى الصلوة، قال: و لا يعارضه الخبر المذكور، لعدم معلومية اعتبار سنده، مع عدم ظهور قائل به.

أقول: الحق ان سند الخبر معتبر، بل صحيح، اذ فيه احمد بن ابى نصر الثقة، المجمع على تصحيح ما يصح عنه، عن ثعلبة بن ميمون، الذى لا يتامل فى وثاقته الا معكوسى الاذهان، و من ليس من فرسان هذا الميدان، عن ميسر الذى وثقه عل؟؟؟، مع ان الصحيح و التوثيق من باب الظنون الاجتهادية على التحقيق و

ص: 241

قد وثقه بعض اصحابنا ايضا، على ما حكى المهذّب، و لكن لا ينبغى ان يشك فى كونه حسنا للاخبار الواردة فى مدحه، و عليه فمن اين جاء عدم اعتبار السند، و ليس هذا القول الاغفلة واضحة ناشئة من سرعة القلم. و بالجملة الاحوط ترك القول المذكور فى الخبر، فمع القول اعادة الصلوة، و ربما استدل بعضهم به على بطلان الصلوة بتقديم السلام المذكور فيه على التشهدين، و لا يخلو عن وجه.

و مندوبات الصلوة ستة
اشارة

(و مندوبات الصلوة ستة:

الأول: التسليم
اشارة

الأول: التسليم)

الاختلاف في وجوبه و استحبابه
اشارة

على راى الشيخ فى النهاية و الخلاف، و الحلى فى السرائر، و المصنف فى التحرير و نهاية الاحكام، و التذكرة و القواعد و المختلف، و ظاهر المتن، و المحقق الثانى فى جامع المقاصد و حاشية المتن، و الشارحين فى الرياض و مجمع الفائدة و الذخيرة و الكفاية، و السيد فى المدارك، كما عن المفيد و القاضى و عن الذكرى انه حكاه عن اكثر القدماء، و عن غاية المراد انه حكاه عن اتباع الشيخ، قال: و هو ظاهر والد الصدوق، و عن الشكف انه حكاه عن ابن طاووس، و فى المدارك حكاه عن اكثر المتأخرين، و فى الذخيرة و غيرها عن جمهورهم، و فى الحبل المتين: و وافقهم مشائخنا المتاخرون عن عصر شيخنا الشهيد، خلافا للمحكى عن علم الهدى فى المسائل الناصرية و المحمدية، و ابن زهرة فى الغنية، و الشيخ فى المبسوط، و الديلمى فى المراسم، و الحلبى و العمانى و القطب الراوندى و صاحب الفاخر و صاحب البشرى و يحيى بن سعيد و ابن حمزة و الاسكافى و الصدوق و ابن جمهور فاختاروا الوجوب، و اختاره المحقق فى كتبه الثلاثة، و المصنف رحمه الله فى المنتهى، و ولده فى الايضاح، و الشهيد فى الدروس و الالفية و اللمعة، و البهائى فى الحبل المتين و الاثنى عشرية، و المحدث الكاشانى فى المفاتيح، و غيرهم من الجماعة، كما عن المحقق الشيخ على فى حاشية النافع و غيرها، و الشيخ الحر فى الوسائل و غيرهما، و نسبه بعض المحققين الى الاكثر، و على بن هلال الكركى العاملى فى بعض رسائلة الى الاشهر، و قال بعضهم: قيل و هو اشهر القولين.

جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام
اشارة

أقول: لا بد اولا من نقل جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام، ثم التعرض لما

ص: 242

يظهر عندى منها بتوفيق الملك العلام.

الأول:

ما رواه الصدوق فى الفقيه فى اوائل كتاب الطهارة، فى باب افتتاح الصلوة، مرسلا عن امير المؤمنين (ع)، انه قال: افتتاح الصلوة الوضوء، و تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم، و روى الكافى فى اوائل باب النوادر الواقع فى كتاب الطهارة، بعد باب الكسير و المجدور، عن على بن محمد، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الاشعرى، عن القداح، عن ابى عبد الله (ع)، عن رسول الله (ص) نحوه. قال فى المدارك: روى الشيخ و المرتضى و ابن بابويه مرسلا عن امير المؤمنين (ع) انه قال: قال رسول الله (ص): مفتاح الصلوة الطهور، و تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم.

الثانى:

ما رواه الصدوق فى العلل فى باب علل الشرايع، و اصول الاسلام عن عبد الواحد ابن محمد بن عبدوس، عن ابى الحسن على بن محمد بن قتيبة، عن ابى محمد الفضل بن شاذان، عن الرضا (ع): فان قال: فلم جعل التسليم تحليل الصلوة و لم يجعل بدلها تكبيرا او تسبيحا او ضربا آخر؟ قيل: لانه لما كان الدّخول فى الصلوة تحريم الكلام للمخلوقين، و التوجه الى الخالق، فان تحليلها كلام المخلوقين، و الانتقال عنها، و انما بدا بالمخلوقين فى الكلام اولا بالتسليم. و رواه فى العيون فى باب العلل التى ذكر الفضل بن شاذان فى آخرها، انه سمعها من الرضا على بن موسى (ع) مرة بعد مرة، هكذا: فان قال فلم جعل التسليم؟ و ساق الكلام كما تقدم، الى قوله: و التوجه الى الخالق كان تحليلها كلام المخلوقين، و الانتقال عنها و ابتداء المخلوقين بالكلام انما هو بالتسليم.

الثالث:

ما رواه الصدوق ايضا فى العيون، فى باب ما كتبه الرضا (ع) للمامون، عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن على بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، قال: سأل المامون على بن موسى الرضا (ع) ان يكتب له محض الاسلام، الى ان قال: و لا يجوز ان تقول فى التشهد الأول: السلام علينا و على عباد الله الصالحين، لان تحليل الصلوة التسليم، فاذا قلت هذا فقد سلمت.

ص: 243

الرابع:

ما رواه الصدوق ايضا فى العلل فى باب علة التسليم، عن على بن احمد بن محمد رضوان الله عليه، قال حدثنا محمد بن ابى عبد الله الاسدى الكوفى، عن محمد بن اسمعيل البرمكى، عن على بن العباس، عن القاسم بن ربيع الصحاف، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن العلة التى من اجلها وجب التسليم فى الصلوة، قال: لانه تحليل الصلوة، الى ان قال: قلت: فلم صار تحليل الصلوة التسليم؟ قال: لانه تحية الملكين.

الحديث.

الخامس:

ما رواه الصدوق ايضا فى الهداية، فى باب تحريم الصلوة مرسلا عن الصادق (ع)، انه قال: تحريم الصلوة التكبير، و تحليلها التسليم.

السادس:

ما روى عن الصدوق ايضا، فى كتاب معانى الأخبار، عن عبد الله بن الفضل الهاشمى، بسند معتبر - على ما قاله بعض الأجلاء - قال سألت ابا عبد الله (ع) عن معنى التسليم علامة الامن و تحليل الصلوة، و قلت: و كيف ذاك جعلت فداك؟ فقال: ان الناس فيما مضى اذا سلم عليهم وارد امنوا شره، و كانوا اذا ردوا عليه امن شرهم، و اذا لم يسلم عليهم لم يامنوه، و ان لم يردوا على المسلّم لم يا منهم، و ذلك خلق فى العرب، فجعل السلام علامة للخروج من الصلوة، و تحليلا للكلام، و امنا من ان يدخل فى الصلوة من يفسدها، و السلام اسم من اسماء الله عزّ و جلّ و هو واقع من المصلى على الملكين الموكلين.

السابع:

ما روى عن كتاب المناقب لابن شهر آشوب، عن ابى حازم قال:

سئل على بن الحسين (ع): ما افتتاح الصلوة؟ قال: التكبير، قال: ما تحليلها؟ قال: التسليم.

الثامن:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات باسناد فيه عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن ابى بصير، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول فى رجل صلى الصبح، فلما جلس فى الركعتين قبل ان يتشهد رعف، قال:

فليخرج فليغسل انفه، ثم ليرجع، فليتم صلوته، فان آخر الصلوة التسليم.

ص: 244

التاسع:

ما رواه التهذيب فى باب الصلوة فى السفر، فى الزيادات فى الصحيح، عن زرارة و ابن مسلم، قالا: قلنا لابى جعفر (ع): رجل صلى فى السفر اربعا ايعيد ام لا؟ قال: ان كان قرئت عليه آية التقصير و فسرت، فصلى اربعا اعاد، و ان لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا اعادة عليه.

العاشر:

ما رواه ايضا فى باب احكام السهو، فى الصحيح عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: اذا لم تدر اربعا صليت ام خمسا، ام نقصت ام زدت، فتشهد و سلم، و اسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة، تتشهد فيهما تشهدا خفيفا.

الحادى عشر:

ما رواه ايضا فى باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الصحيح، عن ابن ابى يعفور، قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الرجل صلى الركعتين من المكتوبة، فلا يجلس فيهما حتى يركع. فقال: يتم صلوته ثم يسلم، و يسجد سجدتى السهو و هو جالس قبل ان يتكلم.

الثانى عشر:

ما رواه ايضا فى باب صلوة الخوف، فى الزيادات فى الصحيح، عن زرارة و فضيل و محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع)، و ساق الخبر الى ان قال: فصار للاولين التكبير و افتتاح الصلوة، و للاخرين التسليم.

الثالث عشر:

ما رواه ايضا فى باب كيفية الصلوة، عن احمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقه، عن عمار بن موسى الساباطى، قال:

سألت ابا عبد الله (ع) عن التسليم ما هو؟ فقال: هو اذن.

الرابع عشر:

ما رواه ايضا فى باب احكام السهو، فى الزيادات فى الصحيح، عن على بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر (ع)، قال: سألته عن الرجل يكون خلف الامام، فيطوّل الامام التشهد، فياخذ الرجل البول، او يتخوف على شئ يفوت، او يعرض له وجع، كيف يصنع؟ قال: يتشهد هو و ينصرف و يدع الامام.

الخامس عشر:

ما رواه الكافى فى باب السهو فى الثلاث و الاربع، فى الصحيح على الصحيح عن زرارة، عن احدهما (ع)، قال: قلت له: من لم يدر فى اربع هو ام فى ثنتين، و قد احرز الثنتين. قال: يركع ركعتين، و اربع سجدات

ص: 245

و هو قائم بفاتحة الكتاب، و يتشهد، و لا شئ عليه، الخبر.

السادس عشر:

ما رواه التهذيب فى باب احكام السهو، فى الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل صلى ركعتين، فلا يدرى ركعتين هى ام اربع، قال: يسلم ثم يقوم فيصلى ركعتين بفاتحة الكتاب، و يتشهد و ينصرف، فليس عليه شىء.

السابع عشر:

ما رواه الكافى فى كتاب الحج فى باب ركعتى الطواف و وقتهما، فى الصحيح على الصحيح عن معوية بن عمار، قال: قال ابو عبد الله عليه السلام: اذا فرغت من طوافك فات مقام ابراهيم (ع)، فصل ركعتين، و اجعله اماما، و اقرا فى الاولى منهما سورة التوحيد قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، و فى الثانية قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ، ثم تشهد و احمد الله، و اثن عليه، و صلّ على النبى (ص)، و اسأله ان تتقبل منك، الخبر.

الثامن عشر:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات فى الصحيح، عن على بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر (ع)، قال: سألته عن امام قراء السجدة فاحدث قبل ان يسجد كيف، يصنع؟ قال: يقدم غيره فيتشهد و يسجد، و ينصرف هو، و قد تمت صلواتهم.

التاسع عشر:

ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن زرارة(1)، عن ابى جعفر (ع) قال: سألته عن الرجل يصلى، ثم يجلس فيحدث قبل ان يسلم، قال: تمت صلوته.

العشرون:

ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح على الصحيح، عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا التفت فى صلوة مكتوبة من غير فراغ، فاعد الصلوة اذا كان الالتفات فاحشا، و ان كنت قد تشهدت فلا تعد.

الحادى و العشرون:

ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، فى الموثق عنم غالب بن عثمان، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن الرجل يصلى المكتوبة، فتنقضى صلوته، و يتشهد ثم ينام قبل ان يسلم، قال: تمت صلوته، و ان كان رعافا فاغسله، ثم رجع فسلم.

ص: 246


1- و سند رواية زرارة كصحيح لمكان ابان (منه).
الثانى و العشرون:

ما رواه ايضا فى باب احكام السهو، فى الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، قال: سألته عن رجل صلى خمسا. فقال: ان كان جلس فى الرابعة قدر التشهد، فقد تمت صلوته.

الثالث و العشرون:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الزيادات فى الموثق عن يونس بن يعقوب، قال: قلت لابى الحسن (ع): صليت بقوم صلوة، فقعدت للتشهد، ثم قمت و نسيت ان اسلم عليهم. فقالوا: ما سلمت علينا. فقال: لم تسلم و انت جالس؟ قلت: بلى. قال فلا بأس عليك، و لو نسيت حين قالوا لك ذلك، استقبلهم بوجهك فقلت: السلام عليكم.

أدلة القول بوجوب التسليم
اشارة

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان الذى يترجح فى نظرى القاصر و يدون فى فكرى الفاتر هو القول بالوجوب لوجوه:

الأول: ان تحليل الصلوة الذى هو عبارة عن الخروج عن الصلوة واجب،

لما عن التنقيح من دعوى الاجماع عليه، و لا يكون الا بالتسليم، للخبر الأول، و ما ضاهاه، و ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب، و لو مقدمة، فيدفع القول بالاستحباب فلا يجوز القول بان كون التسليم محللا لا يستلزم وجوبه، على ان المتبادر من نفس نحو الخبر هو الوجوب الاصلى، بقرينة التقابل بالتكبير، و التقريب فى المقدمة الثانية، اما ما ذكره بعضهم بان التسليم قد وقع خبرا عن التحليل فيكون مساويا له، او اعم لاستحالة الأخبار بالاخص من الاعم، فلا يجوز حصول التحليل بغير التسليم، اواخر بان المصدر المضاف يفيد العموم، و عليه فيستفاد من الخبر ان كل محلل تسليم، اواخر بان الخبر اذا كان مفردا، كان هو المبتدأ، بمعنى الذى صدق عليه، انه تحليل للصلوة، يصدق عليه التسليم. و اما المناقشة فى الوجه الأول من هذه التقاريب بما ذكره فى الرياض و غيره، بان دعوى وجوب انحصار المبتداء فى الخبر غير تامة، فانه كما يجوز الأخبار بالمساوى و الاعم مطلقا، يجوز الأخبار بالاعم من وجه، كما فى قولك زيد قائم بالاخص مطلقا، كقولك: حيوان متحرك كاتب، فان المراد من الأخبار الاسناد فى الجملة، فلا

ص: 247

يجب تساوى الفردين فى الصدق، و لا فى المفهوم.

و فى الوجه الثانى منها، بما ذكره سبطه فى المدارك و غيره، بان الاضافة كما تكون للاستغراق تكون للجنس و العهد الذهنى و الخارجى.

و فى الوجه الثالث منها بالمنع منه فغير مغنية من الجوع، اذ ذو الفهم الصايب و الذوق الثاقب اذا تدبر فى تلك الأخبار، و تامل بعين الانصاف فى عباراتها، و ما يظهر من صريحها و اشاراتها، يرى ان المقصود منها انما هو بيان الحد الموجب لتحريم ما كان محللا قبل الدخول فى الصلوة، و تحليل ما كان محرما عند الدخول فيها، فبين (ع) ان الحد الأول الذى يحرم به ما كان محللا هو تكبيرة الاحرام، و الحد الثانى الذى يحل به ما كان محرما فى الصلوة هو التسليم و لا ريب ان هذا المعنى انما يتجه على افادة العموم و الاستغراق، فليكن هذا قرينة على التعيين، مع ان الاصل عدم العهد، و الجنس ايضا يرجع الى العموم، لمكان فهم العرف فى المقام.

و اما ما اشار اليه فى الذخيرة و غيرها(1)، بان التحليل قد يحصل بغير التسليم كالمنافيات، و ان لم يكن الاتيان بها جايزا، و حينئذ لا بد من تاويل التحليل بالتحليل الذى قدره الشارع، و حينئذ كما امكن ارادة التحليل الذى قدره الشارع على سبيل الوجوب، امكن ارادة التحليل الذى قدره على سبيل الاستحباب، و ليس للاول على الاخير ترجيح واضح، فغير وجيه، اذا فساد الصلوة و ابطالها غير التحليل، اذ معناه هو الاتيان بما به تحليل المنافى، فكيف يكون نفس المنافى؟ و هذا المعنى واضح للمصنف، خصوصا بعد ملاحظة تقابله بقوله (ع): تحريمها التكبير.

و بما ذكر ظهر ان ما ذكره بعضهم(2) بان الحديث متروك الظاهر لان التسليم ليس هو نفس التحليل، و عليه فلا بد من اضمار، و ليس اضمار الحصول اولى من اضمار الاستحباب، فلا ينبغى ان يلتفت اليه، مع انه اجاب ايضا بما هو مذكور فى المختلف، فراجع اليه.

ص: 248


1- و هو مجمع الفائدة (منه).
2- و هو المصنف فى المختلف (منه).

و اما المناقشة التى ذكرها الجماعة من الحكم بضعف سندها، فما لا يغنى من الجوع، اذ الأخبار بذلك - كما نقلنا اكثرها و اهملنا بعضها - متجاوزة عن حد الاستفاضة، و مكررة فى الاصول المعتمدة برواية اجلاء مشايخ العصابة، و عليه فالظن الحاصل منها لا يقصر عن خبر صحيح، كما لا يخفى على المصنف المتامل، فليحكم بالحجية، اذ المناط هو المظنه، لا التعبد على التحقيق، هذا مضافا الى كونها بحسب السند و فى بعض الطرق معتبرة، فراجع الى اوائل المجلد الأول من كتاب الصلوة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و تسقط نوافل الظهرين و الوتيرة فى السفر، حتى يظهر لك حال عبد الواحد، و على بن محمد، و قد تقدم ايضا فى نقل الخبر السادس ما تقدم، فان قلت: لم لا تقول: ان ضعفها بالشهرة المحكية منجبرة؟ قلت: لمانع ان يقول ان هذه الشهرة مع مخالفة من نراه لا يحصل منها المظنة المعتد بها، نعم الانصاف انها مؤيدة و معاضدة كالقول بان علم الهدى لا يعتمد الاعلى خبر قطعى السند، فاعتماده هنا عليها يدل على كونها قطعية، و انما جعلناه مؤيدة لتوجه المنع عليه، اذ يحتمل ان يكون استدلاله عليها من الزام العامة، كما يتفق هذا للجماعة، و منهم ابن زهرة، و الفاضلان و شيخ الطائفة، نعم، قد يقال: الظاهر من كلام السيّد هنا الاعتماد عليها لا الرد به على العامة، نعم، الظاهر من ابن زهرة ذلك، و كيف كان، فهذا يصلح للمعاضدة كقول بعض المحققين بان التتبع فى الأخبار يكشف عن كونها من الأخبار اليقينية الصدور، و المصنف فى المنتهى قال: لا يقال: هذا خبر مرسل، لانا نقول: لا نسلّم انه مرسل، و لو سلم فهؤلاء الثلاثة(1) هم العمدة فى ضبط الاحاديث، و لو لا علمهم بصحته لما ارسلوه، و حكموا بانه من قوله (ع)، و قال بعض المحققين: و رواها المحمدون الثلاثة رحمهم الله فى كتبهم، بل من غاية اعتمادهم بها رووها عن النبى (ص)، بعنوان انه قال ذلك، حاكمين به جازمين نعم، الكلينى منهم رواها عنه باسناده الى الصادق (ع)، لكن قال فى اول كتابه:

ان جميع ما يرويه من الاثار الصحيحة عن الصادقين (ع) على سبيل العلم و

ص: 249


1- اى المحاورة الثلاثة على الظاهر (منه).

اليقين، انتهى.

أقول: كون ذلك من المؤيدات، مما لا شبهة فيه، كقول المصنف فى المنتهى لا يقال هذا خبر مرسل من طرقكم، فلا يعمل به لانا نقول: لا نسلم انه مرسل، فان الامة تلقته بالقبول، و نقله الخاص و العام، و مثل هذا الحديث البالغ فى الشهرة قد يحذف راويه اعتمادا على شهرته، و قال بعض المحققين: هذه الرواية منجبرة بعمل الاكثر، بل المقبولية بحسب الظاهر، و المسلمية عند الكل، و لذا يستدلون بقوله: تحريمها التكبير، و مفتاحها الطهور. و مما ينادى بصحتها و كونها عن الرسول (ص)، و كون ذلك متلقى بالقبول، ثم نقل جملة من الروايات الدالة على كون التحليل هو التسليم، قال: و فى الغوالى ايضا روى تلك الرواية عن النبى (ص) بلا تامل، و لا تزلزل فى كونها عنه، انتهى.

أقول: و من المؤيدات - و لو ضعيفا - ما عن بعضهم بان المحمدين الثلاث رووه فى كتبهم، و الاصل حجية، كل ما كان فى كتبهم، و بالجملة الرواية الاولة و ما ضاهاها صالحة للحجية بلا مرية، فلا ينبغى التامل فى سندها و القائها فى وراء الظهر لهذا.

الثانى: الأخبار الكثيرة الآمرة به كالخبر العاشر و الحادى عشر المتقدمين هنا،

و رواية ابن اذينة المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يجب عقيب كل ثنائيه، و رواية زرارة، و محمد بن مسلم، و معمر بن يحيى، و اسمعيل و رواية ابى بصير المرويتين فى التهذيب، فى باب كيفية الصلوة، و روايتى ابن ابى يعفور، و روايتى الحسين بن ابى العلا و رواية سليمان بن خالد المرويات فيه ايضا، فى باب تفصيل ما تقدم ذكره، و رواية عبد الرحمن بن سبابة و ابى العباس، و روايتى ابى بصير و رواية الحسين بن ابى العلا، و رواية محمد بن مسلم، و رواية ابن ابى يعفور، و رواية ابن ابى عمير عن بعض اصحابه، و رواية زرارة، و رواية عبد الله بن سنان المرويات فيه ايضا، فى باب احكام السهو، و رواية الحلبى و رواية عمار المرويتين فى الباب المتقدم، فى الزيادات، و رواية الفضيل و زرارة و محمد بن

ص: 250

مسلم و رواية الحلبى المروية فيه ايضا، فى باب كيفية الصلوات فى الزيادات، الى غير ذلك من الأخبار التى لو تعرضنا لنقلها ليطول المقام جدا، و الامر للوجوب مطلقا، بل بعض من تلك الأخبار و هو رواية ابن اذينة متضمن لامر الله عزّ و جلّ به، و اوامر للوجوب بلا خلاف، على ما صرح به بعض الأجلاء، الا ما خرج بدليل.

و اما ما اشار اليه الشارح المحقق فى الذخيرة، بعد اشارته الى جملة من الأخبار الامرة بقوله: و الجواب ان دلالة الاوامر فى اخبارنا على الوجوب من غير قرينة تلتحق بها غير واضح، ففيه ما ذكره بعض الأجلاء، بان هذا الامر الذى تفرد به من بين كافة العلماء قديما و حديثا باطل، موجب لخروج قائله عن الدين من حيث لا يشعر، و الواجب حمل هذه الاوامر على الوجوب، كما عليه محققو الاصوليين، و دلت عليه الايات و الروايات، الى ان يظهر خلافه، و القول بان الامر فى اخبار الائمة (ع) قد استعمل فى الندب، بحيث صار من المجازات الراجحة المساوى احتمالها لاحتمال الحقيقه، غير وجيه، لما حققناه فى الاصول، على انه بعض الاوامر المتقدمة من اوامر الله عزّ و جلّ، و القول بان الامر بالتسليم فى تلك الأخبار، يختص بموارد خاصة، و عليه فالدليل اخص من المدعى، غير وجيه، لمكان الاجماع المركب، اذ الظاهر ان كلّ من قال بوجوب التسليم قال به مطلقا، كمن نفاه، و استظهره بعض مشائخنا ايضا، و فى الحبل المتين: و لنا ايضا ما تضمنه الحديث الرابع من امره (ع): من شك بين الاربع و الخمس بالتسليم، و لا خصوصية له بالشاك، فيعمه و غيره، اذ لا قائل بالفصل، و القول بان اطلاق الأخبار شامل للتسليم المستحب، و عليه فلا يمكن الحمل على الوجوب، لمكان استحباب ذلك التسليم، و لا على الاستحباب بالنسبة اليه، و الوجوب بالنسبة الى غيره، لمكان استعمال اللفظ فى حقيقته و مجازه. فينبغى الحمل على الندب، فيسقط به الاستدلال المذكور، غير وجيه. لان التقييد اولى من المجاز كما حقق فى محلّه.

الثالث: الخبر الرابع المتضمن لقول المفضل، و سؤاله عن الصادق (ع) عن العلة التى من اجلها وجب التسليم،

و تقريره (ع) بذلك، و جوابه بما اجاب،

ص: 251

المعتضد بدليل الخبر الثانى، و هو قوله (ع): و ابتداء المخلوقين بالكلام انما هو بالتسليم.

الرابع: الخبر الثامن، اذ المتبادر من قوله (ع): فان آخر الصلوة التسليم، كون التسليم هو الجزء الواجبى لا الندبى،

كما يقتضيه الامر ان المتقدمان فى قبيله، و اشتمال السند على الواقفين غير ضاير، اذ التحقيق انه بهما لا يخرج عن الحجية، و ليس المقام مقام التفصيل حتى تعاين ذلك. و ببالى انه قد تقدم فى بعض مجلدات الصلوة تحقيق حال عثمان بن عيسى، و تفصيل الكلام فيه، فلا معنى للاعادة، و كيف كان، فالسند اما موثق كما صرح به الجماعة، او قريب منه فى الغاية، فلا يصلح للحجية لمكان حجية مطلق المظنه المعتد بها، سيما فى علم الرّجال، مع انجباره هنا بفتوى الاكثر، قاله بعض المحققين.

و اما ما احتمله فى الرياض و الذخيرة من كون التسليم غاية خارجة عن المغيا. اعنى الصلوة، فلا يغنى من الجوع، مع ان آخر الشئ جزؤه لا غايته، الا ترى انه لا يقال: ان الليل آخر النهار؟ و اما ما ذكره المدارك و الذخيرة من متروكية ظاهره، اذ لا يعلم به قائل، فغير ضاير، لما ذكره بعض الأجلة، بانه حينئذ كالعام المخصص فيما بقى حجة، مع احتماله الحمل على ما يوجب المتروكية.

و اما القول بان حمل التسليم على غير التسليم على النبى (ص) لمكان استحبابه، ليس باولى من حمل الامر بالاتمام، و لفظ الاخر على القدر المشترك بين الواجب و الندب، فغير وجيه، لمكان ارجحية التقييد على المجاز، مع ان المتبادر من اطلاق لفظ التسليم غير التسليم على النبى (ص)، كما صرح به بعضهم.

و اما ما ذكره الشارحون - اعنى الفاضل و المقدس و المحقق فى الرياض و مجمع الفائدة و الذخيرة - بما حاصله انه لما كانت افعال الصلوة منها واجبة و منها مندوبة، فقوله (ع): آخر الصلوة التسليم، لا يدل على كونه واجبا، اذ لا دلالة للعام على الخاص، فغير وجيه، للتبادر الذى عرفته، الا تنظر الى ان قوله (ع):

فان آخر الصلوة التسليم، لمكان كونه تعليلا للامر بالاتمام، ينادى بان المراد

ص: 252

آخر المامور به هو التسليم، اذ الشهادتان و الصلوتان واجبان، كما اشرنا اليه، هذا مضافا الى انه على احتمال الاستحباب، كما يقوله المخالف، لا مخصص فى المقام، لمكان استحباب التعقيب بلا مرية، فتأمل.

قال بعض المحققين: قوله (ع): آخر الصلوة التسليم، ظاهر فى الوجوب، لظهوره فى كونه آخرها على اى حال، و اى وقت من الاوقات، و انه لا تتحقق صلوة بغير هذا الاخر، مع ان الصلوة واجبة قطعا، بل اوجب الواجبات، فاذا قيل آخر الواجب كذا، و يقال آخر الشئ الذى يعلم بالبديهة وجوبه كذا، يكون ظاهرا فى وجوبه، و ان كان فيها مستحبات ايضا، لان الاصل واجب، و المستحب عارض، و المتبادر من لفظ الاخر فى مثل هذا آخر ما هو الاصل، لا ما يعرضه كما يقال: آخر اجزاء الانساء كذا، لا نفهم منه العوارض، و ما ليس باصل، سيما اذا ذكر فى مقام الايجاب بالاتمام، فان لفظ الاخر ظاهر فى غاية الظهور فى آخر واجباتها، انتهى.

و بالجملة، كون الخبر ظاهرا فى المختار مما ليس فيه مرية.

الخامس: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى القوى،

لمكان محمد بن سنان عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا كنت اماما فانما التسليم ان تسلم على النبى (ص)، و تقول: السلام علينا و على عباد الله الصالحين، فاذا قلت ذلك، فقد انقطعت الصلوة، ثم تؤذن القوم فتقول و انت مستقبل القبلة:

السلام عليكم. و كذلك اذا كنت وحدك تقول: السلام علينا و على عباد الله الصالحين، فاذا قلت ذلك، فقد انقطعت الصلوة، ثم تؤذن القوم، فتقول و انت مستقبل القبله: السلام عليكم كذلك اذا كنت وحدك تقول: السلام علينا و على عباد الله الصالحين. مثل ما سلمت و انت امام، فاذا كنت فى جماعة فقل مثل ما قلت، و سلم على من يمينك و شمالك فان لم يكن على شمالك احد، فسلم على الذين على على يمينك، و لا تدع التسليم على يمينك و ان لم يكن على شمالك احد.

و التقريب ان مفهوم الشرط على التحقيق حجة، و عليه فيدل الخبر على عدم

ص: 253

عدم انقطاع الصلوة مع عدم ذكر التسليم المزبور، و هو المدعى،

و استدل ايضا بوجوه آخر:
الأول: الخبر التاسع،

و التقريب انه على تقدير عدم وجوب التسليم يحصل الخروج من الصلوة بمجرد الفراغ، و لو لم يسلم، و عليه فيقع الركعتان خارج الصلوة، فلا تكونا مبطلتين بها، مع ان الخبر قد دل على بطلانها، و عليه ايضا وقع اتفاقهم، كما صرح به بعضهم، و عليه فلا بد من القول بوجوب التسليم اذ حينئذ تقع الركعتان فى اثناء الصلوة، و لا اشكال فى الحكم بالبطلان، لما ياتى فى حكمه ان شاء الله تعالى، و ان شئت فغير العبارة و قل: لو لم يجب التسليم لما بطلت صلوة المسافر بالاتمام، و التالى باطل، فالمقدم مثله و اللازمة ظاهرة، و لقد تصدى بعضهم(1) لدفع النقض على القائل باستحباب التسليم، بما حاصله: بان اتيان المسافر بالزايد كما يتحقق بعد اتمام التشهد، كذا يتحقق بالاتيان به فى اثنائه، و عليه فيمكن دعوى بطلان صلوته بالاتمام مع الحكم بعدم وجوب التسليم، قال: لا يقال الحكم بالبطلان فى صورة الاتيان بالزايد فى اثناء التشهد، لا يكون مستندا الى نفس الاتيان بالزايد، بل بالاخلال بالتشهد، فما دلّ على ان الاتيان بالزايد يبطل من حيث هو كذلك، لا ينصرف الى الصورة المفروضة، بل الى غيرها، و هى صورة الاتيان بالزايد بعد اتمام التشهد، و عليه تتجه الملازمة، لانا نقول: لا نسلم ما ذكروا بالجملة، غاية ما يستفاد من الادلة ان الاتيان بالزايد مما يوجب فساد الصلوة، فلو فرض انحصار ذلك فى صورة الاتيان بالزايد بعد اتمام التشهد صحت الملازمة، و لكنه ممنوع، لا مكان فرض ذلك فى غير الصورة المذكورة، بل يلزم على القول بعدم وجوب التسليم عدم تحققه فى الصورة المفروضة، انتهى.

و فيه ما ترى، ثم قال: سلمنا قيام الدليل على الحكم ببطلان الصلوة فى صورة الاتيان بالزايد بعد اتمام التشهد بالخصوص، لكن لا نسلم الملازمة حينئذ ايضا، اذ القائل باستحباب التسليم، لا يدعى ان بعد اتمام التشهد يتحقق

ص: 254


1- و هو بعض مشايخنا (منه).

الخروج من الصلوة مطلقا، بل يقول ان الخروج من الصلوة يتحقق اما بالتسليم، او بنية الخروج، او بفعل المنافى، على ما اشار اليه الشهيد الثانى، فانه قال: ان الصلوة انما يتم عند القائل باستحباب التسليم بنية الخروج، او التسليم، او بفعل المنافى، و من الظاهر انه على هذا القول لا يتم الملازمة، لامكان فرض حصول فساد الصلوة بالاتيان بالزائد، مع دعوى عدم وجوب التسليم، و ذلك فيما اتم التشهد، و اتى بالزايد قبل تحقق شئ من الامور المذكورة، انتهى.

أقول: الدعوى المزبورة مما لم اعثر عليها على دليل، فلا ينبغى الاعتناء بها، و اما ما اجاب به المحقق الثانى فى جامع المقاصد، بعد نقل الشرطية بقوله:

و جوابه المنع من الملازمة، فان فعل الركعتين بقصد الاتمام، يقتضى الزيادة فى الصلوة، فالبطلان لذلك، لا لعدم التسليم، ففيه ما اشار اليه فى المدارك، بان الظاهر من مذهب القائل بالاستحباب، ان آخر افعال الصلوة التشهد، فلا يضر فعل المنافى بعده، كما صرح به الشيخ فى الصافى، و ابن ادريس فى مسئلة من زاد فى صلوته ركعة بعد التشهد، حيث اعترفا بعدم بطلان الصلوة بذلك، بناء على استحباب التسليم، و حينئذ يقوى الاشكال فى الفرق بين هذه المسئلة، و بين مسئلة الاتمام، انتهى.

أقول: يمكن ان يقال فى دفع ذلك الايراد، بانه لا يخلو اما وقعت الصلوة الاربع الركعات بقصد ارادة التمام من اول الامر عالما عامدا ام لا، بل قصد اولا الركعتين، كما هو المامور به شرعا، و لكن حصلت الزيادة على طريق العمد بعد الفراغ من الصلوة الواجبة عليه، فعلى الاول فصلوته باطلة، لحصول المخالفة، لان الشارع انما اوجب عليه ركعتين، و هو قد قصد الى مخالفته بقصده الاربع من اول الامر، و عليه فلا يحصل الاطاعة العرفية و الامتثال، و لا تتاتى ايضا نية القربة مع انها شرط للصحة على التحقيق. و هذا هو الذى دلت عليه الرواية، و وقع عليه اتفاق الطائفة، على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، و على الثانى فصلوته صحيحة، الا على القول بوجوب التسليم، اذ على القول باستحبابه لم

ص: 255

تحصل الزيادة فى اثناء الصلوة، بل حصلت بعد الفراغ منها، فلا منشأ للبطلان، و لا نسلم ان القائل بالاستحباب يقول هنا ببطلانها، و لعل المتبادر من الرواية ايضا غير هذا الفرض، و هذا التفصيل ايضا جار فى زيادة الركعة الخامسة، و اتمام المسافر الصلوة سهوا، فبذلك يندفع الاشكال بلا مرية.

و عليه فلا ينبغى عد الرواية من جملة الادلة الدالة على الوجوب، نعم هى عن التاييد غير خالية، و الى التفصيل المتقدم ذهب بعض الأجلاء، و اليه ينظر كلام المدارك، حيث قال بعد كلامه المتقدم: و يمكن ان يقال صلوة المسافر انما تبطل بالاتمام، اذا اوقعها المكلف او شيئا من افعالها الواجبة على ذلك الوجه، لا مع تجدده بعد الفراغ من الافعال.

الثانى: الخبر الثانى عشر،

و التقريب ما ذكره بعض المحققين، من ان التسليم قد جعل معاد لا لتكبيرة الافتتاح و مقابلا لها، و لو كان مستحبا لما صار كذلك، مع انه على الاستحباب ربما يحصل انكسار القلب، لو لم يحصل التشاح و التخاصم، و لا يصير بينهما و ربما كان الفرقه حينئذ انسب فتامل. ثم قال: و هذه الصحيحة من شواهد صحة حديث: مفتاحها التكبير الى آخره... فتامل، انتهى.

ورده فى الذخيرة حيث قال بعد نقل الخبر: و الجواب ان غاية ما يستفاد من ذلك تاكد الاستحباب حسب، انتهى.

و الانصاف ان الخبر من المعاضدات القوية للقول بوجوب، لو لم نقل بكونه دليلا مستقلا.

الثالث: الخبر الثالث عشر،

و التقريب ما ذكره بعضهم، بان الاذن معناه الرخصة، و لو كان الرخصة سابقة على التسليم حاصلة من الفراغ من التشهد لما اجاب (ع) كذلك، لاستحالة تحصيل الحاصل، انتهى. و عليه فما ذكره الشارح المحقق فى الذخيرة بعد نقل الخبر و الجواب، ان ظاهره اثبات الاذن للتسليم لا حصر فيه، على انه يجوز ان يكون المراد من الاذن الاعلام، انتهى.

ليس فيه حلاوة، مع ان التسليم ليس واجبا بالوجوب التخييرى عنده ايضا، و

ص: 256

القول باستحباب الأذن مما لم اعثر عليه على دليل، مع منافاته حينئذ لكون معناه هو الاعلام، مع كونه ضعيفا فى نفسه، لما ذكره بعضهم من وضوح كون المعنى الحقيقى المعروف للاذن هو الرخصة، و كونها حقيقة فى رفع المنع و الحرمة، سيما المقام للقطع بوفور الموانع على سبيل الحرمة.

أقول: و الانصاف ان الخبر ايضا من المعاضدات القوية، لو لم نقل بكونه من الادلة المستقله.

الرابع: قوله تعالى: «وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً»

و التقريب ما ذكره بعضهم، بان الامر للوجوب، و لا يجب فى غير الصلوة بالاجماع، فيجب فيها، و اما ما اجاب به عنه فى جامع المقاصد و غيره، بان الامر لا يقتضى التكرار، ففيه ما اشار اليه فى الرياض، بانه متى ثبت مطلقا، اذ لا قائل بالفرق، بل الاجماع منعقد على احد الامرين وجوبه مطلقا، انتهى. نعم، ربما يناقش عليه، اما بان المتبادر من الاية، ان المراد من التسليم الانقياد للنبى (ص) فى الامور، كما ورد فى بعض الأخبار، قاله فى المدارك، و جوزه فى الذخيرة و غيرها(1)، او المراد التسليم على النبى بقرينة العطف، و هو خلاف المدعى، قاله فى جامع المقاصد، كما عن المختلف و كنز العرفان، و احتمله فى المدارك و الذخيرة، او يكون المراد التسليم لاوامر الله و انقياد احكامه، كما احتمله فى الذخيرة، و فى الرياض: و اما الاية فدلالتها على المدعى ابعد من الجميع، لان المراد السلام على النبى (ص)، للسياق، و انتم لا تقولون به، و روى ابو بصير عن الصادق (ع)، ان المراد به التسليم للنبى (ص) فى الامور، و قيل: سلموا الامر لله تسليما، كما فى قوله تعالى: «وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»، انتهى.

و اما ما عن غاية المراد، بان اطلاق التسليم ينصرف الى المعهود، و هو الذكر فى آخر الصلوة، ففيه ما ترى، و كيف كان، فالذى يقتضيه الانصاف ان دلالة الاية على الطلب مشكلة، فلتذكر فى سياق المؤيدات.

الخامس: ان التسليم هو الاحوط،

فيجب الاتيان به، اذ لا بد فى رفع

ص: 257


1- و هو كنز العرفان و الكشف (منه).

اشتغال الذمة بالصلوة من اليقين به، و لا يتحقق الا بالتسليم، و رده الشارح المقدس - رحمه الله - بقوله: و الاحتياط ليس بدليل، مع انه لا يمكن اعتقاد ما ليس بثابت وجوبه، بل و قد يناقش فى امكان فعله ايضا على هذا الوجه، و كونه ممن لم يثبت عنده ذلك، يكون احتياطا، بل قد يكون خلاف الاحتياط، لانه قد يعترض بفعل شئ من العبادات على غير وجه اعتقد، و قد اشار الى مثله المصنف فى المنتهى فى بحث رفع اليد فى التكبير للاحتياط، و فى المحقق ايضا موجود مثله، نعم يمكن الاحتياط فى الفعل على طريق الشرطية، كما يقضى و يعاد و كساير العبادات على ما هو المشهور بين الاصحاب، و لكن على طريق الوجوب فلا مع انه قد يناقش فيه ايضا، بل الاحتياط فى مثله مشكل، الا انى اظن ان الاحسن هو الاكتفاء بالقربة فقط، بانه تردد فى النية و فيه ايضا قد يناقش، و لكن اظن امكانه و عدم الضرر به، فان مثل خبر حماد يدل على ان مجرد فعل المامور به يكفى حيثما فصل الواجب عن الندب، و ما قال افعله على وجهه فتامل، انتهى.

أقول: و فيه نظر، بل التحقيق ان التسليم احوط، كما صرح به الجماعة، و اعترف هو ايضا به اخيرا، كيف لا؟ و انت تنظر الى جواز الحكم بوجوب الصلوة الى اربع جهات، حيث تشتبه القبلة باعتبار الاحتياط، و الى الحكم بالوجوب مع ثبوت التكليف، و الشك فى المكلف به مع امكان الاجتماع، خصوصا على القول بعدم اشتراط نية الوجه، و كفاية القربة، و الحاصل ان الذى يقتضيه التحقيق، ان يقال: ان الحاكم بوجوب التسليم لاجل الاحتياط، و كذا كل ما يحكم بوجوبه لأجله له ان يقول لاثبات الاحكام الشرعية طرق مختلفة، مرة يثبت بالاجماع المحقق و العقل، فيعتقد بما يدلان عليه من الاحكام الخمسة(1) او العشرة(2)، فيجوز ان ينوى حين الفعل بما دلا عليه بلا شك و لا شبهة، و اخرى بالاستصحاب و ظواهر هذه الالفاظ، و منها الاجماع المحكى على القول بحجيته، و الكلام فيه ايضا كالكلام فى الأول بلا ريبة، و اخرى بالاحتياط، و هو اذا ثبت التكليف، و شك فى المكلف به، و امكن الجمع بين الاشياء المحتملة لتعلق التكليف به، و لم يكن هناك شئ دل

ص: 258


1- اى التكليفية.
2- اى التكليفية و الوضعية.

على حصول البراءة بشئ من الاشياء المحتملة، فحينئذ لا بد له من الاتيان بالاشياء المحتملة، ان كان التكليف وجوبيا، فله ان ينوى حين الاتيان بكل واحد منها: ان هذا مما لا بد لى من الاتيان به، فافعله تقربا الى الله عزّ و جلّ. و لا يمكن له حين الاتيان بكل واحد منها نية الوجوب، اذ الشئ الواجب فى نفس الامر على هذا الفرض مبهم، فلا يدرى اى هذا هو، فكيف ينويه؟ بل ليس ذلك الا التكليف بما لا يطاق، اللهم الا ان يحكم بوجوب مقدمة الواجب وجوبا شرعيا، او يعمل بالاوامر الامرة بالاحتياط، فحينئذ يمكن نية الوجوب الثانوى، فكيف كان، فالذى هو الحق عندى ان فى نحو الفرض يكفى نية القربة، لعدم وجوب نية الوجه، و على القول بوجوبه ايضا لا يمكن نيته الا بالشرط المتقدم، نعم، له ان ينوى ان هذا من الاشياء التى دلّ الدليل على لزوم الاتيان بها، فافعله لوجوبه قربة الى الله، على اشكال ما، و بالجملة، لا شبهة فى كونه هو الاحوط، نعم، ربما يقال بالمنع من وجوب الاحتياط هنا، اما على تقدير خروج التسليم عن الصلوة، و عدم توقفها عليه، و ان وجب. فواضح، لان الشك فى الوجوب حينئذ يرجع الى الشك فى اصل ثبوت التكليف، و قد تقرر ان الاصل هنا براءة الذمة، و اما على تقدير توقف الصلوة عليه، فان فرض وجوبه فلا ندفاع احتمال وجوبه بالعمومات، الدالة على عدمه، و لعله لذا تمسك الجماعة باصالة براءة الذمة فى نفى وجوبه.

أقول: توضيح المقام ان يقال: لو كان دليل وجوب التسليم منحصرا بهذا، لكان القول بعدم الوجوب متبعا لمكان الاطلاقات، اذ التحقيق ان اسامى العبادات موضوعة للاعم من الصحيحة و الفاسدة، و عموم قوله: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و غيرهما من ظواهر الالفاظ المنبئة عن الواقع، المتقدمة عن الاشياء التى انما يتمسك بها عند العجز عن تلك الظواهر، و من تلك الاشياء اصالة الاحتياط، و اما على تقدير وجود الادلة على الوجوب، كما مضى اليها الاشارة فلا نبالى فى عد ذلك من الادلة، و ان كان الانسب الاجود الاولى المنبئى باستقامة السليقه عده من المؤيدات و المعاضدات، لكن كثيرا من الاصحاب ربما

ص: 259

لا يلاحظ ذلك، اذ الامر فيه سهل.

قال فى جامع المقاصد: القول بوجوب التسليم احوط، و لا محذور فيه بوجه من الوجوه، لان التسليم يقع آخر الصلوة فلا يتصور فيه فساد.

و قال فى المسالك: وجوب التسليم احوط، و لا يقدح اعتقاده فى صحة الصلوة على تقدير الاستحباب، لخروجه عنها.

و قال فى المقاصد العلية: و لا ريب ان نية الوجوب به احوط، و لا يقدح ذلك فى الصلوة بوجه، لانه ان طابق الواقع و الا كان فعلا خارجا عن الصلوة، فلا يضر عدم مطابقة نية الوجوب به، بخلاف الافعال الداخلة فيها، فان نيتها لا بد ان تكون مطابقة لاعتقاد الفاعل، حذرا من زيادة واجب فى الصلوة، او ايقاع واجب بنية الندب، و لو اشترطنا فى الخروج من الصلوة على تقدير القول بندبية التسليم نية الخروج، او التسليم، او فعل المنافى - كما يظهر من المصنف فى بعض كتبه و جماعة - كان التسليم حينئذ بنية الوجوب كفعل المنافى، لا يقدح ايضا بوجه، انتهى.

أقول: و لا يخفى عليك ما يرد عليه من المناقشة، و ليس منشأها الاجعل النية هى الصورة المخطرة، لا الداعى، كيف لو جعلناها عبارة عن الداعى، فكيف يمكن اعتقاد وجوب ما يكون الارجح عنده عدمه، و كيف كان، فقد استبان لك ما هو التحقيق فى المقام فلا وجه للاطالة.

السادس: ان النبى (ص) و الائمة (ع) واظبوا على الاتيان بالتسليم،

كما صرح به الجماعة، فيجب اما لاصالة وجوب التأسى، او لكون فعله (ص) وقع بيانا للمجمل، او لقوله (ص): صلوا كما رأيتمونى اصلى، او لان المواظبة بنفسها تدل على الوجوب.

قال بعض المحققين: قال فى الغوالى: و فى الاحاديث الصحيحة ان النبى (ص) كان يقول: التسليم المخرج من الصلوة عقيب كل صلوته، و كان يواظب عليه، و كذلك فعل الائمة (ع)، و يجب متابعتهم من الاوامر الكثيرة فيه، و

ص: 260

لقوله (ص): صلوا كما رأيتمونى اصلى، و لكونه فى مقام بيان المجمل، او فى حكم ذلك، لعدم البيان القولى.

و فى الحبل المتين: و لنا ايضا مواظبة النبى (ص) على الخروج به من الصلوة، بحيث لم ينقل الينا خروجه بغيره اصلا، و قد قال (ص): صلوا كما رأيتمونى اصلى، و مواظبة ائمتنا - سلام الله عليهم - و قد قال الصادق (ع) بعد الاتيان به: يا حماد هكذا صل، خرج ما عداه مما علم استحبابه بدليل خاص، فبقى الباقى، و كذا مواظبة السلف من الصحابة و التابعين و غيرهم، حتى ادعى بعض علمائنا ان قول سلف الامة السلام عليكم، عقيب الصلوة، داخل فى ضروريات الدين، انتهى.

أقول: قد ناقش فى المقدمة الاولى الشارح الفاضل فى الرياض، و المحقق الثانى فى جامع المقاصد، حيث قال الأول: ثم من الذى يتتبع فعلهم (ع)، فعلم انهم لم يتركوا التسليم اصلا. و الثانى: ثم يقال: من الذى تتبع فعلهم الى آخره. و فيه مناقشة لخبر العدول بذلك، فافهم.

نعم، يمكن المناقشة فى المقدمة الثانية، لعدم صلاحية الوجوه لاثباتها، اما الا و لان فلعدم التسليم، و للمدعى اقامة الدّليل، و اما الثالث فلضعفه سندا و قصوره دلالة.

اما الأول: فلما ذكره بعضهم(1)، بانه خبر مرسل منقطع الاسناد، و ما شانه ذلك لا يكون حجة، قال: لا يقال قد استدل به اصحابنا فى مواضع عديدة، و هو امارة صحته فلا يقدح، لانا نقول: نمنع ان الاصحاب استدلوا به، و انما استدل به لالزام العامة، انتهى.

و اما الثانى: فاما لاحتمال كون صيغة: صلوا، صيغة ماض، و عليه فيكون اخبارا عن قضية، و مرجع الضمير اما الانبياء او الملائكة، الذين شاهدهم ليلة المعراج، و فيه مناقشة لمكان بعده كما يفهمه الوجدان، او لان ظاهر الرواية لزوم الاتيان بجميع الافعال التى أتى بها النبى (ص) فى صلوته، و هو خلاف الاجماع

ص: 261


1- و هو مذكور فى الوسائل (منه).

اذ منها الافعال المستحبة، و عليه فلتحمل على الرجحان المطلق، و فيه ايضا مناقشة، اذ التقييد اولى من المجاز، كما تقرر فى مقامه، و القول بان اولوية التقييد فى المقام غير مسلمة، للزوم ارتكاب تقييدين: احدهما تقييد نفس الرواية، و الثانى تقييد اطلاق الامر بالصلوة و باجزائها، بخلاف ما لو حملت الرواية على الرجحان المطلق، فانه لا يلزم منه الا مجاز واحد، و هو ان لم يكن اولى من التقييدين، فلا اقل من المساواة، و معه يسقط الاستدلال. غير وجيه، اذ المعهود من طريقة القوم ترجيح احتمال التقييد مطلقا، و لو كان متعددا على احتمال التجوز، الا ترى فى مقامات انهم يحملون الأخبار المطلقة على مقيد واحد و ان كان ظاهر الدلالة و قابلا للتجوز؟ او لان ظاهرها خلاف الاجماع. و عليه فيردد الامر بين التقييد و المجاز، و الأول و ان كان اولى فى اكثر الموارد من الثانى و لكن اولويته عنه فى المقام غير مسلمة، للزوم تخصيص عموم المماثلة الى الاقل من النصف، لمكان اكثرية الافعال المستحبة، و هذا التخصيص و ان كان جايزا فى العمومات التى ليست موضوعة للعموم لغة، بلا اشكال، و لكن مما يوهن ارجحية التقييد على المجاز، اذ لقائل ان يقول: ليس ارجحية التقييد الا لمكان المظنة الحاصلة من اغلبيته على المجاز، و هى فى التقييد التى قد قيدت الى الاقل من النصف غير مسلمة، و عليه فاما ان يكون المجاز ارجح منه، او يتساوى الامران، و عليه فيسقط الاستدلال، فتدبر. اولان حملها على المماثلة العامة اذا لم يكن ممكنا، لمكان الافعال المستحبة، فلتكن منصرفة الى المماثلة فى اصل الجنس، و لا بعد فيه، لمكان شيوعه. تقول: اكلت كما اكلت، و شربت كما شربت، و مشيت كما مشيت، و كتبت كما كتبت، الى غير ذلك من الامثله. و عليه فيسقط الاستدلال، اذ هذا الاحتمال لو لم يكن ارجح فلا اقل من المساواة، او لان حملها على الوجوب العينى فقط غير ممكن، لمكان السورة، و ذكر الركوع و السجود، و ما يقال فى الركعتين الاخيرتين و غيرها، و عليه فلا بد من حملها اما على المعنى الشامل للواجب العينى و التخييرى، او على الرجحان المطلق، و حيث لا ترجيح بين

ص: 262

الاحتمالين، فيسقط الاستدلال بها فى البين، فظهر بما ذكر كمال الظهور عدم صلاحية تلك الرواية القاصرة السند و الدلالة لاثبات ما سقناها اليه.

و اما الرابع: فلان المواظبة اعم من الوجوب، كما صرح به الجماعة، و العام لا يستلزم الخاص. و فى المدارك: و ليس ذلك بابلغ من المواظبة على رفع اليدين بتكبيرة الاحرام و نحوه، مع استحبابه اجماعا، كما حكاه فى التحرير. و قال ايضا فى مقام اثبات عدم وجوب الجهر بالبسمله: احتج الموجبون بانهم كانوا يداومون على الجهر بالبسملة، و لو كان مسنونا لا خلوا به فى بعض الاحيان، و الجواب المنع من ذلك، فانهم (ع) كانوا يحافظون على السنن، كما يحافظون على الواجبات، انتهى.

و بالجملة، لم اجد دليلا لاثبات هذا المسلك، كما ابطله الجماعة، بل عن الاكثر. و اما ما يقال من ان النقض بالمداومة على المستحبات، انما يتم لو ادعى المستدلون الملازمة العقلية بين المداومة و الوجوب، و اما اذا ارادوا كونها ظاهرة فى الوجوب، باعتبار ان الغالب فيما يداوم عليه، كونه واجبا، و لذا يحكم بكون الفعل لازما، اذا تحقق مداومته عادة، فلا يتم ذلك. لان وقوع خلاف الظاهر، و ثبوته بالدّليل لا يمنع من الظهور، و كونه اصلا فى مقام الشك، فغير وجيه، لعدم تسليم تلك الغلبة بالنسبة الى اهل العصمة - سلام الله عليهم - بل بالنسبة الى الخلص من شيعتهم ايضا.

و اما الخبر المروى فى العلل فى باب العلة التى من اجلها كان لا يصوم الحسن (ع) يوم عرفه، عن جعفر بن على، عن ابيه عن جده الحسن بن على الكوفى، عن جده عبد الله بن المغيرة، عن سالم عن ابى عبد الله (ع)، قال:

اوصى رسول الله (ص) الى على (ع) وحده، و اوصى على الى الحسن و الحسين جميعا، و كان الحسن امامه، فدخل رجل يوم عرفه على الحسن (ع) و هو يتغدى و الحسين (ع) صائم، ثم جاء بعد ما قبض الحسن (ع) فدخل على الحسين عليه السلام يوم عرفه و هو يتغذى، و على بن الحسين (ع) صائم، فقال له الرجل:

ص: 263

انى دخلت على الحسن (ع) و هو يتغذى و انت صايم، ثم دخلت عليك و انت مفطر، فقال: ان الحسن (ع) كان اماما، فافطر لئلا يتخذ صومه سنة، و ليتأسى به الناس، فلما انقبض كنت الامام، فاردت ان لا يتخذ صومى سنة، فيتأسى الناس بى، فغير صالح لاثبات ذلك، كما هو واضح.

و بالجملة الاستناد فى الحكم بوجوب التسليم الى هذا الدليل محل اشكال، فالصواب جعله من المؤيدات و المعاضدات.

السابع: ما ذكره بعض المحققين،

حيث قال: و يدل على مذهب الاكثر الروايات الكثيرة الدالة على كون السجود الفائت، و التشهد الفايت، و سجدة السهو، كل ذلك موضعها شرعا بعد التسليم، و لا معنى لكون امر واجب موضعه بعد امر مستحب على سبيل التحتم و التعيين، اذ على اختيار ترك المستحب اما يترك الواجب شرعا، و تركه جائز شرعا، و هو ايضا فاسد جزما، و اما ان يفعل من دون مراعاة الموضع المقرر شرعا، و هو ايضا فاسد جزما، و هو ايضا خلاف منطوق تلك الأخبار، بل ربما يحكمون بان سجدة السهو بعد التشهد قبل التسليم مذهب العامة، و كذا كونه للزيادة بعده، و للنقيصة قبله. و الروايات المذكورة هى الصحيحة المعتبرة المفتى بها عند الكل و الجل، و منهم القائلون باستحباب التسليم، بل فى هذه الروايات دلالة من جهة اخرى، مثل موثقة عمار فى نسيان السجدة، حيث قال: و لا يسجد حتى يسلم، فاذا سلم سجد. ثم نقل كثيرا من الروايات التى لو تعرضنا لنقلها ليطول المقام، ثم قال: و حمل جميع هذه الأخبار الصحاح و المعتبرة، التى لا تكاد تحصى، و كلها مفتى بها، على ان ما فيها انما هو اذا اتفق اختيار المكلف للتسليم، و انه اذا اتفق ان لم يسلم، يكون صلوة الاحتياط، و الجزء المنسى، و السجدة، و الصلوة الاتية بعد الاتيان بالمنسية، و غير ذلك وقتها بعد الفراغ من خصوص التشهد. بعيد غاية البعد، اذ لم يتحقق فى واحد مما لا تحصى الى ذلك اشارة، بل حمل واحد منها عليه بعيد، و خلاف الظاهر، فضلا عن المجموع و اجتماعها على البعد، سيما بعد

ص: 264

ملاحظة الاوامر الواردة فيها، بل و التاكيدات فى بعضها، مضافا الى السياق و القرائن الاخر، انتهى.

أقول: لا يخفى عليك ان هذا الدليل ايضا من الادلة المتينة، و باب المناقشة و ان كانت مفتوحة فى بادى النظر، و لكن الانصاف انها مسدودة.

الثامن: ما ذكره بعض المحققين ايضا بقوله: و يدل عليه ايضا عمومات ما ورد فى ان من شك فلم يدر ركعة صلى ام اثنتين،

يجب عليه الاعادة، فانها شاملة لصورة وقوع التشهد ايضا، و الاجماع و الأخبار ناهضان على عدم الاعتداد بهذا الشك فى مثل صلوة الفجر و القصر، خرج صورة وقوع التشهد و التسليم جميعا، بالاجماع و الأخبار، و بقى الباقى، بل فى صحيحة زرارة عن أحدهما (ع): ان من لا يدرى واحدة صلى ام ثنتين يعيد، الى ان قال: قلت:

فانه لم يدر فى ثنتين هو ام فى اربع. قال: يسلم، و يقوم فيصلى ركعتين ثم يسلم و لا شئ عليه، قوله (ع): يسلم و يقوم، ينادى بان الشك المذكور و ان وقع بعد الفراغ من التشهد، حكمه كذلك، بل ربما كان الظاهر منها خصوص الصورة المذكورة فى صحيحة الحسين بن ابى العلا عن الصادق (ع)، قال: اذا استوى و همه فى الثلاث و الاربع، سلم و صلى ركعتين بفاتحة الكتاب و هو جالس.

و فى صحيحة ابن مسلم عن الصادق (ع)، عن رجل صلى ركعتين، فلا يدرى ركعتان هى او اربع. قال: يسلم ثم يقوم فيصلى ركعتين. الحديث، الى غير ذلك، مع ما عرفت من الدلالة من وجوه أخر ايضا، مثل الامر بالتسليم، ثم القيام الى صلوة ركعتين، ثم الاتيان بهما اذ كلها واجبة، و الامر حقيقة فى الوجوب ايضا، و مع جميع ذلك عين الشارع موضع القيام الى الركعتين، و جعله بعد التسليم فى جميع الأخبار. و هكذا صدر فتاوى الفقهاء، و العمومات غير شاملة لصورة وقوع التشهد و التسليم جميعا، بالاجماع و الأخبار. الى ان قال: و يشهد عليه ايضا انهم فى مقامات الحاجة و الاستعجال امروا بالتسليم، و هى ايضا كثيرة، و لم يرفعوا اليد عنه. و هذا ايضا من مؤيدات بقاء الاوامر الكثيرة على

ص: 265

حقايقها و ظواهرها.

التاسع: ما اشار اليه بعضهم،

حيث قال: يدل عليه ان المسبوق اذا صار اما ما تقدم من يسلم بالمامومين، و ما ورد فى الوتر من لزوم التسليم بين ركعتيه و الثالثة، و استصحاب اعتبار الشك، و استصحاب كون المكلف واجبات الصلوة، و استصحاب تحريم منافيات الصلوة، و استصحاب اجراء احكام الصلوة.

العاشر: ان التكبير جزء من الصلوة لما عرفت فى مقامه،

فكذلك التسليم، لما عن السيد فى الناصريات، حيث قال: كلّ من قال ان التكبير من الصلوة، ذهب الى ان السلام واجب، و انه منها، و هذه الطريقة دلالة على وجوب السلام، و انه من الصلوة، انتهى.

و اما ما عن المختلف، فى دفع ما ذكره السيد، و الجواب المنع من الاجماع، فان المنكرين لوجوب التسليم حكموا كلهم او اكثرهم بكون التكبير من الصلوة، و لم يوجبوا التسليم، مدفوع بما اشار اليه بعضهم، بان اكثر القائلين بعدم وجوب التسليم قد نشا و ابعد السيد، فلا يقدح مخالفتهم لدعواه المزبورة، فتامل.

الحادى عشر: ما حكى عن الغنية، من قوله: يجب السلام على خلاف بين اصحابنا فى ذلك،

و يدل على ما اخترناه انه لا خلاف فى وجوب الخروج من الصلوة و اذا ثبت ذلك، و لم يجز بخلاف بين اصحابنا الخروج منها بغير التسليم من الافعال المنافيه لها، كالحديث و غيره - على ما يقول ابو حنيفة - ثبت وجوب السلام.

الثانى عشر: ما عن نهاية الاحكام، حيث قال: ذهب جماعة الى وجوب التسليم،

لانه ذكر فى احد طرفى الصلوة، فكان واجبا كالتكبير، انتهى.

أقول: و الانسب الاولى عدّ كثير من تلك الوجوه فى سياق المؤيدات و المعاضدات، كالعبارة المذكورة فى امالى الصدوق، حيث دين الاماميه، و هى هذه و التسليم فى الصلوة تجرى مرة واحدة مستقبلة القبلة، فانه يميل بنفسه الى يمينه، و من كان فى جمع من اهل الخلاف سلم تسليمتين، عن يمينه تسليمة، و

ص: 266

عن يساره تسليمة، كما يفعلون للتقية، هذا ما وجدناه من الادلة للقول بالوجوب.

و للقائلين بعدم الوجوب ايضا وجوه:
الأول: ما اشار اليه الجماعة من اصالة البراءة،

الأول:(1) ما اشار اليه الجماعة من اصالة البراءة، و فيه انه بما مر اليه الاشارة، و اما القول بان الاصل فى المقام الوجوب لا البراءة، كما اشار اليه فى المنتهى، فقال فى الجواب عنه بانه معارض بالاحتياط، ففيه نوع مناقشة، و لكن الامر فيها هين.

الثانى: ما اشار اليه بعضهم، بان النبى (ص) لم يعلّمه المسئى فى صلوته و لو كان واجبا لبينه له،

لانه لا يجوز تاخير البيان عن وقت الحاجة، و فيه انه (ص) كما لم يعلّمه التسليم لم يعلّمه التشهد ايضا، كجملة من الواجبات، فما هو جوابكم؟ فهو جوابنا على ان الخبر لا يصلح للحجية، لمكان ضعف سنده، هذا مضافا الى احتمال كون الخبر قبل ايجاب التسليم، كما احتمله الجماعة، و الى انه لعلّه كان يعرفه، لان عبارة التسليم متعارفة لا يكاد ان يخفى. و عن الناصريات: و هى انها فى مقام الجواب، قالا: ان الاعرابى كان يعرف التسليم، فلهذا لم يذكره، انتهى.

و اما القول بان الاعرابى ما يعرف ذلك، و كيف؟ و ما يعرفه الآن اجلة العلماء من العامة و الخاصة، ففيه ما ترى، و الى ان ملاحظة الخبر من اوله الى آخره - خصوصا آخره - ربما يكشف بانه (ص) لم يكن فى صدد بيان تعداد واجبات الصلوة بالنسبة اليه، بل بين (ص) له ما وجد صلوته ناقصا. و بالجملة هذه الحجة مما لا يعتنى بها.

الثالث: عموم قوله (ع) فى صحيحة زرارة المتقدمة فى المباحث السابقة: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره،

و فيه ان المخصص موجود، و هو ما تقدم.

الرابع: اطلاق الامر بالصلوة،

و فيه ما فى سابقه، مع احتمال انصرافه

ص: 267


1- فى ادلة القائلين بعدم وجوب التسليم.

الى الغالب، و هو المشتمل على التسليم.

الخامس: ما نقل عن المختلف و السرائر من الاستدلال، بما نقل عنه (ص) انما صلوتنا هذه تكبير و قراءة و ركوع و سجود،

و التقريب ان التسليم لو كان واجبا لكان منها، مع ان المستفاد من النبوى عدمه. و فيه:

اولا: انه ضعيف السند، هو منقول عن طريق العامة، على ما صرح به فى الذخيرة.

و ثانيا: انه غير واضح الدلالة، لما فى الذخيرة. و فيه بعد الاغماض عن السند ان حملها على الحصر الحقيقى، و ارتكاب التخصيص فيها بالتشهد و الحركات و السكنات، كالقيام من الركوع و الطمأنينة فيه، و الجلوس من السجدتين و نحوها، ليس اقرب من حملها على ان الحصر غير مراد، بل كان عبر (ع) عن الصلوة باعظم افعالها او باشرفها، كقوله تعالى: «إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ إِذٰا ذُكِرَ اَللّٰهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ» و كقوله (ع): الحج عرفه. و يجوز ان يكون الحصر اضافيا بالنسبة الى ما لا يجوز فعله فى الصلوة من الكلام و الاكل و نحوهما، انتهى.

و ثالثا: ان الدليل على التخصيص موجود و هو تقدم اليه الاشارة.

و رابعا؟ ان الملازمة ممنوعة، لجواز كونه واجبا خارجا.

السادس: ما ذكره فى التذكرة، بقوله: ان التسليمة الثانية ليست واجبة فكذا،

و فيه ما ترى.

السابع: ما اشار اليه الجماعة من انه لو كان واجبا لكان الحدث الواقع قبله مبطلا،

مع ان مقتضى الخبر التاسع عشر و ما ضاهاه عدم. قال فى الذخيرة بعد نقل الخبر التاسع عشر و العشرين و الحادى و العشرين: و ما رواه التهذيب فى كتاب الطهارة فى اواخر باب التيمم، و فى كتاب الصلوة فى اواخر باب احكام السهو، فى الزيادات عن الحسن بن الجهم، قال: سألت ابا الحسن (ع) عن رجل صلى الظهر و العصر فاحدث حين جلس فى الرابعة. فقال: ان كان قال:

اشهد ان لا اله الا الله، و ان محمدا رسول الله (ص)، فلا يعيد، و ان كان لم

ص: 268

يتشهد قبل ان يحدث فليعد، بما صورته وجه الاستدلال بهذه الأخبار الاربعة، ان المستفاد منها ان تخلل المنافى بين الصلوة و بين التسليم غير قادح فى صحتها، و الظاهر انه لم يقل به احد من القائلين بوجوب التسليم، كما قطع به جماعة من الاصحاب، منهم المصنف فى المختلف، لكن لا يخفى ان اثبات هذه المتقدمة لا يخلو عن اشكال، و قد حكى فى الذكرى عن صاحب الفاخر ان الحدث بعد شهادة الشهادتين قبل التسليم غير ضار، مع ان ظاهره القول بوجوب التسليم، و قد حكى بعض المتأخرين عن ابن بابويه، ان تخلل الحدث فى اثناء الصلوة بعد الفراغ من الاركان غير ضاير، و نطق به اخبار متعددة، مرّ ذكرها فى مبحث التشهد.

و هذا القول و ان لم يثبت التصريح به من الصدوق، الا ان اثبات نفى القايل به محل اشكال، انتهى.

أقول: و يمكن ايضا على تقدير وجوبه المنع من كونه جزء امن الصلوة، كما عن بعض. و عليه فلا يكون الحدث الواقع قبله فى اثنائها حتى يلزم فسادها، هذا مضافا الى انه على القول بكون التسليم واجبا و جزأ للصلوة، نمنع من كون تلك الأخبار دالة على وقوع الحدث او غيره فى اثناء الصلوة، حتى يلزم منه عدم وجوبه، اما الخبر التاسع عشر فلان مقتضاه هو عدم اضرار المنافى، الذى اشتمل عليه، و لو وقع قبل الشهادتين او الصلوتين، مع انكم لا تقولون به، فما هو جوابكم؟ فهو جوابنا.

و بالجملة ليس فى الخبر تصريح بوقوع الحدث قبل التسليم الواجب، بل دلالته على ذلك بالاطلاق، و عليه فلا بد من تقييده بصورة وقوع الحدث بعد التسليم الواجب، و قبل التسليم المندوب الواقع بعده، لما تقدم من الادلة المقيدة.

و منها: الاوامر الآمرة بالتسليم، التى لو حملناها على الاستحباب حذرا من هذا التقييد لكنا قائلين برجحان المجاز على التقييد، مع ان التحقيق ان

ص: 269

الاخير اولى مطلقا، و لو فى اوامر الائمة (ع)، و كان المجاز الاستحباب، خصوصا اذا كانت اولوية مؤكدة كالمقام، لمكان اعتضاد الامر بوجوه عديدة دالة على الوجوب، و بوروده فى الأخبار الكثيرة التى كثير منها صحيح السند، و مفتى به عند الكل او الجل(1)، و لزوم تقييد اطلاق الخبر ايضا، و لو حملت الاوامر على الاستحباب، لان مقتضاه عدم البطلان، و لو وقع المنافى المشتمل عليه قبل الصلوة على النبى (ص)، و هذا فاسد. و عليه فيجب التقييد بخلاف ما لو حمل الامر على الوجوب، و قيد الاطلاق بصورة وقوع الحدث قبل التسليم المندوب، و بعد التسليم الواجب، فلا يلزم الا محذور واحد، و هو تقييد الاطلاق.

و من الظاهر ان ارتكاب محذور واحد اولى من ارتكاب المتعدد، لا يقال على تقدير حمل الاوامر على الوجوب يلزم تقييدات متعددة فى اطلاق هذا الخبر، اذ مقتضى اطلاقها عدم اضرار المنافى المشتمل عليه، و لو وقع قبل الشهادة بالتوحيد، و ترى بطلانه، و كذا مقتضاه عدم اضراره، و لو وقع قبل الشهادة بالرسالة، و لا تقول به، و كذا مقتضاه عدم الاضرار، و لو وقع قبل الصلوة على النبى (ص)، و لا تقول به، و كذا مقتضاه عدم الاضرار و لو وقع قبل التسليم الواجب.

فهذه تقييدات متعددة، لانا نقول هذه التقييدات اكثرها مشترك الورود، نعم، اذا حمل الامر على الوجوب يلزم زيادة تقييد واحد، و لقائل ان يقول على هذا التقدير لا يلزم مع حمل الامر على الاستحباب ايضا لا محذور واحد، و هو المجاز الذى حصل من حمل الامر على الاستحباب، اذ قد نقص على ذلك من تقييدات اطلاق الرواية واحد، و هو التقييد الحاصل من وقوع المنافى بعد الصلواتين، و قبل التسليم الواجب. و عليه فالمحذور على التقديرين واحد، اللهم الا ان يقال على تقدير حمل الاوامر على الوجوب لا يحتاج الخبر الا على تقييد واحد، اعنى تقييد اطلاقه بما اذا وقع الحدث بعد التسليم الواجب، و قبل التسليم المندوب، و على تقدير حمل الاوامر على الاستحباب ايضا يحتاج الى تقييد واحد، و هو تقييد اطلاقه بما اذا وقع المنافى المشتمل عليه بعد الصلوتين و قبل التسليم، و

ص: 270


1- عطف على اعتضاد الامر (منه).

عليه فيلزم مع حمل الاوامر على الاستحباب، ارتكاب تعدد المحذور، بخلاف ما لو حملت على الوجوب، لمكان وحدة محذوره. و مرجع هذا القول الى مسئلة اصولية، و هى انه اذا دار الامر بين تقييد الاطلاق الى فرد يلزم منه خروج بعض افراده، و الى آخر يلزم منه خروج اكثر مما خرج من الأول، فهل الاصل يقتضى الأول ام لا؟ فمن يدعى ذلك الاصل، فعليه اقامة البرهان، و لم اجده. و عليه فالمذكور حق لا يشوبه شبهة، نظير تلك المسئلة ما ذكره المحقق الثانى، فى جامع المقاصد حيث منع فيما اذا دار الامر فى الاضمار بين ان يضمر لفظ لمعناه افراد كثيرة، و ان يضمر آخر لمعناه افراد قليله، من اجراء اصالة عدم زيادة الاضمار فى الثانى.

قال فى بحث اللباس: لو صلى فى المغصوب ناسيا للغصب، فالاقوى عند المصنف الحاقه بمن صلى فى المغصوب عالما بالمغصوب، فيكون صلوته باطله، الى ان قال:

وجه القوة ان الناسى مفرط، لقدرته على التكرار الموجب للتذكار، فاذا اخل به كان مفرطا، و لان لما علم كان حكمه المنع من الصلوة، و الاصل بقاء ذلك، و زواله بالنسيان يحتاج الى نص، و لم يثبت، لا يقال: قد روى انه (ص): رفع عن امتى الخطأ و النسيان... و الحقيقه متعذرة، لانهما واقعان لم يرتفعا، فيصار الى اقرب المجازات الى الحقيقه، و هو رفع جميع احكامها، لان رفع الحقيقة يستلزم رفع جميعها، او يقال: يراد برفعها القاء الفعل الحاصل معهما، فلو ثبت له شئ من الاحكام لم يصدق القاؤه، لانا نقول: نمنع ارادة العموم فى رفع جميع الاحكام، لانه يستلزم زيادة الاضمار مع الاكتفاء باقل، و لان صحة الصلوة فى المغصوب مع النسيان و زوال حكم المانع يقتضى ثبوت حكم له، فلا يصدق الرفع الكلى، و دليل الصحة مبنى عليه. كذا قرر المصنف.

و المسالك ان تقول: لا نسلم ان التكرار الموجب للتذكار يمنع عروض النسيان، و الوجد ان يشهد بخلافه، الى ان قال: و اماما استند به من استلزام زيادة الاضمار الى آخره، مردود، لان زيادة الاضمار الممنوع منها فى اللفظ، لا فى المدلول، فلو كان احد اللفظين اشمل و هما فى اللفظ سواء لم تحقق الزيادة

ص: 271

على ان زيادة الاضمار انما يلزم على تقدير ما يدعيه هو، فانه حينئذ يحتاج الى اضمار بعض الاحكام، و على ما قلناه يكفى اضمار الاحكام فقط، على ان الاقتصار على الاقل انما يجب اذا كانا بمرتبة واحدة، فلو اقتضى المقام الاكثر وجب المصير اليه، انتهى من كلام المحقق الثانى ما اردت نقله، لئلا تضطرب بملاحظة ما بينت لك اولا.

او بما ذكر رفع ايضا ما لعلك تتوهمه من لزوم زيادة التقييد فى اطلاق الامر بالصلوة، و فى عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، فافهم ذلك.

و بالجملة هذا الخبر غير صالح للمعارضة، لما مر اليه الاشارة، هذا مضافا الى ما ذكره بعضهم(1)، بان منطوق قال: سألته عن رجل يصلى ثم يجلس فيحدث قبل ان يسلم، قال: تمت صلوته، متضمن للفظ ثم، و هو للترتيب و المهملة، فيكون الصلوة قبل الحدث، انتهى. فتدبر. و الى كونه معارضا بالأخبار الدالة على عدم الفراغ من الصلوة الا بالسلام علينا و على عباد الله الصالحين.

و منها: رواية ابى بصير المتقدمة فى الدليل الخامس، الذى سقناه لوجوب التسليم المعتضد بالخبر الثالث و غيره.

و منها: ما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الموثق، او الصحيح عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا نسى الرجل ان يسلم فاذا ولى وجهه عن القبله و قال: السلام علينا و على عباد الله الصالحين، فقد فرغ من صلوته.

و منها: ما رواه ايضا فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات، فى الصحيح عن الحلبى، قال: قال ابو عبد الله (ع): كلما ذكر الله عزّ و جلّ به و النبى (ص) فهو من الصلوة، و ان قلت: السلام علينا و على عباد الله الصالحين فقد انصرفت.

و منها: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، عن ابى كهمش، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن الركعتين الاوليين جلست فيهما للتشهد، فقلت و انا جالس: السلام عليك ايها النبى و رحمة الله و بركاته انصرا فاهو؟ قال:

ص: 272


1- و هو المحكى عن التنقيح (منه).

لا، و لكن اذا قلت: السلام علينا و على عباد الله الصالحين فهو الانصراف.

و عن الحلى فى مستطرفات السرائر، من كتاب النوادر لمحمد بن على بن محبوب مثله، و لا ريب ان هذه الأخبار مقدمة على ذلك الخبر و ما ضاهاه، فليقيد بها اطلاقه، اذ من المعلوم المجزوم به المسلم عند الكل، ان اخبارهم (ع) يكشف بها عن بعض، و امروا برد متشابهاتها الى المحكمات، و الاجماع دال عليه، و المدار فى الفقه عليه، و كذا المدار عند الكل برد ظاهر اخبارهم الى الاظهر، فان العام يخصص، و المطلق يقيد، و الامر يحمل الى الاستحباب، كالنهى الى الكراهة.

و بالجملة هذه الأخبار فى مقام المعارضة مقدمة على الخبر و ما ضاهاه بلا مرية، فلا اعتناء باطلاقه، هذا مضافا الى احتمال كونه محمولا على التقية، اذ المحكى عن ابى حنيفة عدم وجوب التسليم، و عدم تعيين الخروج من الصلوة به، بل قال بعد حكمه بوجوب الخروج من الصلوة.

منها: يتحقق بكل ما ينافيها من عمل او حدث او غير ذلك، كطلوع الشمس او وجود الماء للمتيمم، و من هذا حكى عن المولى نظام، انه ضرط مكان التسليم فى مجلس السلطان خدا بنده، حين ما حكى صلوة ابى حنيفة بفعله، و صار هذا منشأ لرجوع السلّطان عن مذهب ابى حنيفة، و صار شافعيا على ما قيل، و بالجملة حمله على التقية قريب فى الغاية، لان ابا حنيفة ممن يتقى منه، بل ربما يشعر به عدم تصريحه (ع) بصحة الصلوة مع الحدث الواقع قبل التسليم، و اقتصاره على قوله: تمت. الغير الصريح فى ذلك، فليتأمل. و الى ان عجز الرواية ظاهر فى وجوب التسليم، اذ فيها بعد قوله: تمت صلوته، و ان كان مع امام فوجد فى بطنه اذى فسلم فى نفسه، و قام فقد تمت صلوته، و عليه فالعجز لرجحانه بالمرجحات العديدة، و بالجملة هذا الخبر لا يصلح، اما لمكان اطلاقه المقيد بما مر اليه الاشارة، المعتضد بما ذكره بعضهم من ان المعهود من لفظ التسليم هو خصوص السلام عليكم، حيث قال فى جملة كلام له: الذى ظهر على ان احدا من القدماء لم

ص: 273

يتامل فى كون تحليل الصلوة بتسليم، و انما تامل بعض منهم فى وجوب السلام عليكم الى آخره، بناء على ان التسليم المطلق - اى الذى يعبر عنه بلفظ التسليم على سبيل الاطلاق - هو خصوص السلام عليكم، و السلام علينا عندهم من جملة التشهد، كما هو صريح الموثق الطويل، المشهور المعمول عند الكل، و غيره من الأخبار و الاثار، و كان فى زمان الصادقين (ع) ايضا كذلك، يعنى كان المعهود من لفظ التسليم خصوص السلام عليكم، كما يظهر من الأخبار و الاثار، و منشأ هذه المعهودية و التعارف، كان اعتقاد العامة و بناؤهم و طريقتهم، حيث كانوا لا يعدون السلام علينا من التسليم المخرج عن الصلوة المحلل لها، و لذا اتفقوا على ذكره فى التشهد الأول ايضا، و ورد عن الائمة (ع)، ان ابن مسعود افسد على الناس صلواتهم، الى آخر ما ذكره بعض المحققين من المعاضدات لما ادعاه، فبنقله يطول المقام، او لحمله على التقية او لغيرهما من الوجوه المتقدمة، فقد استبان بما ذكر حال الخبر العشرين، مضافا اليه ما ذكره بعضهم من شيوع اطلاق التشهد على المشتمل على الشهادتين و الصلوتين و التسليمات، فلا يبعد دعوى ارادته هنا، خصوصا مع ملاحظة قوله (ع) من فراغ، فيكون المفروض فى الرواية عدم بطلان الصلوة بالالتفات الفاحش بعد الصلوة، فتامل، انتهى. و الحادى و العشرين مضافا اليه، ان ظاهر عجز هذه الرواية الامر بالتسليم، و خبر الحسن بن الجهم مضافا الى ان فى سنده ما فى سنده. و بالجملة قل فى جواب الخبر و ما ضاهاه: ان ظاهره عدم وجوب الصلوتين، فما هو جوابكم؟ فهو جوابنا و بالجملة الا اظنك ان تستريب فى القول بانه كيف يجوز التمسك بنحو هذه الأخبار فى مقابل الصحاح المعتبرة، الكثيرة التى كادت ان تكون غير محصورة، مع كونها عند الخصم حجة، فكيف القول بغلبتها عليها، و ليس ذلك الا مجازفة ظاهرة بينّة.

الثامن: الخبر الثانى و العشرون،

و التقريب ان التسليم لو كان واجبا لكانت الزيادة فى اثناء الصلوة، فتبطل، و اما القول فى الجواب عنه، بان غاية ما يستفاد منه نفى جزئية التسليم، و هو لا يستلزم عدم وجوبه فى الصلوة، ففيه مناقشة

ص: 274

نعم، الا نسب الاولى فى الجواب ان يقال مقتضى اطلاق الرواية صحة الصلوة اذا زاد ركعة قبل الاتيان بالشهادتين و الصلوتين، فيلزم ان لا تكونا واجبتين، لما قرر تموه فى وجه دلالة الخبر على عدم وجوب التسليم، فما هو جوابكم؟ فهو جوابنا، هذا مضافا الى ان الخبر موافق لمذهب ابى حنيفة، و من يحذو حذوه من العامة، القائلين بعدم وجوب الذكر فى التشهد، كما سيجئ الى تفصيل ذلك الاشارة، و ان الحق عدم العمل به، وفاقا للمشهور بين الطائفة، اذ لم اجدعا ملا على مضمونه، الا ما عن الاسكافى و الفاضلين. و عليه فينقدح ايراد آخر، و هو كون الخبر بين القدماء شاذا، فدع الشاذ النادر المخالف للمشهور الموافق للعامة، فلذا اعرض الشيخ عن العمل به، فقال فى المبسوط على ما حكى:

من زاد ركعة فى صلوته اعادها، فى اصحابنا من قال: ان كانت الصلوة رباعية فجلس فى الرابعة مقدار التشهد فلا اعادة عليه، و الأول هو الصحيح، لان هذا قول من يقول: ان الذكر فى التشهد ليس بواجب، و نحوه عنه فى الخلاف: و هذا القول الذى نقله الشيخ عن بعض اصحابنا اسنده فى المختلف الى ابن الجنيد، على ما قيل، هذا مضافا الى ما ذكره بعض المحققين، بان المستدل ايضا قائل بكون التسليم من جملة اجزاء الصلوة و داخل فيها، مع ان الوارد فى الأخبار ان من زاد فى صلوته فعليه الاعادة، و كما اخرج المستدل مضمون الصحيحة عن القاعدة اخرجه عنها وفاقى بين القائلين بعدم ضرر هذه الزيادة، فلا وجه للرد بها على قائل الوجوب، ثم قال: مضافا الى عدم دلالة الرواية، الا على الصحة فى الرباعية فالتمسك بها على استحباب السلام مطلقا يتوقف على عدم القائل بالفصل، و هو باطل لقول اكثرهم، و الاختصاص بالرباعية، و كون ركعة كما سيجئ، و بملاحظته يظهر عدم مناسبة الاستدلال بهذه الصحيحة على استحباب التسليم، بحيث لا يضر وقوع زيادة الصلوة قبله مطلقا، مع انك عرفت ان تخصيص الاخراج على تقدير الصحة دليل الاكثر، مع انه سيجئ فى محله ان الزيادة مبطلة مطلقا عند الاكثر، و ان القائل بالصحة فى خصوص مضمون الصحيحة قليل، انتهى.

ص: 275

و بعض ما ذكره و ان كان لا يخلو عن المناقشة، و لكنه للاعتضاد صالح بلا مرية، و يؤيده ايضا ما ذكره بعض مشائخنا، بان التشهد يمكن حمله فى الرواية على ما يعم التسليم، لشيوع استعماله، و معه تبطل هذه الحجة على عدم وجوب التسليم، لا يقال: ان ذلك مجاز، فلا يصار اليه الا مع القرينة، و ليست بموجودة هنا، فيجب الاخذ بالحقيقة، لانا نقول: لو سلم كون ذلك مجازا فهو من المجازات الراجحة، المساوى احتمالها لاحتمال الحقيقه، فلا يمكن حينئذ دعوى لزوم الاخذ بالحقيقة، انتهى.

و بالجملة، لا شبهة في عدم مقاومة هذا الخبر فى مقابلة ما تقدم اليه الاشارة من الادلة القوية المتينة، فضلا عن ان يغلب عليها.

التاسع: الخبر الخامس عشر،

و فيه انه عام، و ما دل على وجوب التسليم خاص، و العام غير صالح لمعارضة الخاص، مضافا الى ما ذكره بعض مشائخنا من شيوع استعمال لفظ التشهد فى المعنى الشامل للتسليم، بحيث صار من المجازات الراجحة المساوى احتماله لاحتمال الحقيقه، و معه لا يتجه الاستدلال به على استحباب التسليم، بل على بعض المذهب فى تعارضهما، يكون الخبر من ادلة الوجوب، و الى ما ذكره بعض المحققين بعد التنبيه بكون مفاده هو البناء على الاقل، و فيه انه على هذا، لو تم استدلالك لظهر ان عدم وجوب التسليم راى العامة، لان البناء على الاقل مذهبهم و شعارهم، كما ان البناء على الاكثر مذهب الشيعة و شعارهم، كما ستعرف.

و على هذا يترجح فى النظران ما دل على استحباب التسليم واردة على التقية، و ما دل على الوجوب هو الموافق للحق، و ورد فى الأخبار الامر بترك العمل بما هو موافق العامة، انتهى.

و بالجملة، لا شبهة فى عدم صحة الاستناد اليه، و بما ذكر ظهر حال الخبر السادس عشر، مضافا اليه ما استظهره فى الحبل المتين من ظهور كون الانصراف عبارة عن التسليم، لمكان رواية ابى كهمش المتقدمة، و ما ضاهاها.

ص: 276

العاشر: الخبر الرابع عشر المتقدم هنا،

و الخبر الثامن المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: السابع التشهد، و يجب الى آخره، و هو صحيحة محمد بن مسلم، قال: قلت لابى عبد الله (ع): التشهد فى الصلوة؟ قال:

مرتين، قال: قلت، و كيف مرتين؟ قال: اذا استويت جالسا فقل: اشهد ان لا اله الا الله، وحده لا شريك له، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله، ثم تنصرف.

قال: قلت: قول العبد: التحيات لله، و الصلوات الطيبات لله؟ قال: هذا اللطف من الدعاء، يلطف العبد ربه، و فيه ان الاستدلال بهما لو تم لدلا على عدم وجوب الصلوة على النبى و آله عليهم السلام، فما هو جوابكم، فهو جوابنا. هذا مضافا الى ان الاطلاق وارد فى بيان حكم آخر، و عليه فلا يفيد العموم.

اما الثانى: فهو مقرر فى الاصول، و اما الأول فلما اشار اليه بعض المحققين حيث قال فى جملة كلام له فى دفع التمسك بصحيحة محمد بن مسلم: بل لا نسلّم الدلالة على عدم وجوبه، و الحال ان الراوى لم يسأل الا عن كيفية التشهد، بناء على ما كان يرى من المسلمين الخلاف فيها، و منهم من اكتفى بالشهادة على التوحيد، فاجابه بان الشهادة فيه مرتان، ردا على من نفى الشهادة بالرسالة كما ورد فى الروايات الاخر ايضا عنهم (ع).

و منها: رواية يعقوب بن شعيب عنه، ان التشهد فى كتاب على (ع) شفع، فقال ابن مسلم: فقلت له: فكيف مرتين؟ لان المرتين كلام مجمل، يحتمل كون الشهادة بالتوحيد مرتين؟ فاجاب (ع): اذا استويت جالسا، فقل: اشهد ان لا اله الا الله، وحده لا شريك له، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله، ثم تنصرف.

فصرح (ع) بانه ما لم تشهد على الرسالة لا تنصرف، ردا على من اكتفى بالشهادة على التوحيد، و جواز الانصراف بعدها، فظهر ان نظر المعصوم (ع) الى وجوب كون الانصراف بعد الشهادة بالرسالة البتة، فلهذا لم يتعرض لوجوب الصلوة على النبى و آله اصلا، مع وجوبها عند الخصم جزما، و كون جواز الانصراف بعدها قطعا، لجعلها داخلة فى الصلوة، غير خارجة عنها جزما، و ان نقل عن شاذ منهم

ص: 277

ما يظهر منه القول بالخروج، و غير ظاهر ان احدا قال به، على انه على فرض القول به، ففساده ظهر مما مر، على انها ليست عنده باهون من قول: وحده لا شريك له، و قوله: عبده. لما عرفت، فكيف المعصوم (ع) ذكر هذا، و لم يتعرض للصلوة على النبى و آله اصلا؟ فيظهر منه على ذلك كونهما اهم منهما و من التسليم، و تتبع تضاعيف الأخبار و الاقوال يوجب القطع بخلافه.

و بالجملة لاخفاء على من له ادنى تامل، ان المعصوم (ع) لم يكن فى صدد بيان كون الانصراف باى نحو، و ان المراد منه ماذا؟ بل كلامه بالنسبة اليه فى مقام الاجمال، من دون تامل و استشكال، انتهى. هذا مضافا الى ان المتبادر من الاطلاق هو مرّة الاتيان بالتسليم، اذ كون المتعارف الشايع هو الانصراف به من الواضحات، و الى احتمال حمل لفظ التشهد فى خبر على بن جعفر على ما يشمل التسليم، كما صرح به بعض مشائخنا، قال: لشيوع استعماله فيه، بل يبعد دعوى صيرورته حقيقة فيه، فيكون الرواية من هذه الجهة من الادلة الدالة على وجوب التسليم، انتهى.

و الى معارضة الخبرين بالأخبار الدالة على ان الانصراف من الصلوة انما يحصل بالتسليم، و لا ريب فى كونها راجحة عليهما من وجوه شتى، و الى احتمال كون المراد من الانصراف التسليم، كما اشار اليه الجماعة(1)، و منهم البهائى فى الحبل المتين، قال بعض المحققين بعد جملة نقل من الأخبار، الدالة على حصول الانصراف بالتسليم.

و منها: رواية الحلبى، و ابى كهمش، و ابى بصير، فاذا كان المعصوم (ع) صرح بعدم الانصراف بالسلام عليك، مع كونه بعد الشهادتين و بعد الصلوة على النبى و آله، ما لم يتحقق السلام علينا، و ان الانصراف منحصر فيه، فكيف يحكم بكون الانصراف متحققا بالفراغ عن الشهادتين؟ و من المعلوم المجزوم به المسلم عند الكل، ان اخبارهم يكشف بعضها عن بعض، و امروا برد متشابهات اخبارهم الى المحكمات، و الاجماع واقع عليه، و المراد فى الفقه عليه من اوله و آخره، بل

ص: 278


1- و منهم الرياض (منه).

الظاهر من اخبارهم يرد الى الاظهر. و عليه ايضا المدار فى الفقه عند الكل، الى ان قال: على انا نقول: المعنى اللغوى(1) اذا كان حاصلا بمجرد الفراغ من الشهادتين، فلا معنى لامر المعصوم (ع) بتحصيله بعد الفراغ، فان تحصيل الحاصل من المحالات البديهية، و المعصوم (ع) لم يقل اذا فرغت من الشهادتين فقد انصرفت، كما قال ذلك فى السلام علينا مكررا، بل قال: قل: اشهد ان لا اله الا الله الى آخره، ثم قال: ثم تنصرف، بايجاد الانصراف و تحصيله و جعل قوله:

تنصرف، عطفا على قوله قل: اشهد الى آخره، و معلوم ان الامر حقيقة فى الوجوب، و جعل العطف باداة ثم، الدالة على التعقيب و الترتيب، بل التراخى ايضا، و لعل فيه اشارة الى كون الانصراف مطلوبا بعد امور آخر، مثل الصلوة على النبى و آله (ع)، و الدعاء له، بقوله: و تقبل شفاعته، و قوله: و ارفع درجته، و قول:

السلام عليك و غير ذلك، ان اتفق اختياره فى التشهد، و اين هذا من مطلوب المستدل، بل هذا ايضا يبطل رايه. الى ان قال: على انا نقول: المامور اما نفس التسليم كما قلنا و اثبتنا، او خصوص غير التسليم، و هو بديهى الفساد، او اعم منهما، و هو ايضا ظاهر الفساد، اذ كيف يامر بالمرجوح الشديد المرجوحية، مثل امره بالراجح الشديد الراجحية، من دون تفاوت بينهما اصلا، مع انه على هذا يصير التسليم واجبا بالوجوب التخييرى، و هذا بعينه مذهب ابى حنيفة، و من شناعاته، لا مذهب القائل بكفاية التشهد للخروج، على انا نقول: لو كان الراوى فهم من قوله: ثم تنصرف الخروج من الصلوة بمجرد الفراغ من الشهادتين، من دون اعتبار التسليم، لكان يسأل: فلم يسلمون و يلتزمون به، و لا ياتون بمناف الصلوة قبله، و يعاملون فيه معاملة جزء الصلوة؟ الا ترى ان المعصوم (ع) لما قال:

الشهادتان تكفيان فى التشهد، قال الراوى: قول العبد التحيات الى آخره، فاجاب: هذا اللطف من الدعاء يلطف العبد به ربه، فاذا كان من كلامه ان الشهادتين كافيتان لحصول الخروج عن الصلوة، من دون حاجة الى مخرج، و ان المصلى بعد اتمام الشهادتين خارج عن الصلوة، فيكون التسليم خارجا عنها،

ص: 279


1- اى بالنسبة الى الانصراف (منه).

لكان يسأل البتة، فما وجه التزام العبد بالتسليم، و اى ارتباط به للصلوة؟ تعقيب على انهم لا يعاملون فيه معاملة التعقيب اصلا، كما هو ظاهر، انتهى.

و بالجملة: لفظ الانصراف يجب حمله على التسليم، و ان لم يكن حقيقة فيه لغة و لا عرفا، و ذلك اما لاستعماله فيه، و الاصل فى الاستعمال الحقيقة فتأمل جدا، او لظهور خبر ابى كهمش المعتضد بغيره، انه حقيقة فيه، او لان الامر بالانصراف يقتضى الحمل على ذلك، و اما ما ذكره الشارح المحقق معترضا على الحبل المتين، القائل بان الانصراف فى قوله (ع): و ينصرف، الظاهر انه عبارة عن التسليم، كما يعطيه قوله (ع) فى صحيحة الحلبى، و يشهد له ما رواه ابو كهمش، بما لفظه: و ما ذكره من ان الانصراف عبارة عن التشهد(1) و التسليم، ففيه بعد ظاهر، اذ ليس هذا معنى الانصراف لغة و لا عرفا، و لم يثبت كونه حقيقة شرعية فيه، و ما ذكر من الخبرين لا يدل الا على ان الانصراف يتحقق بالتسليم، لا انه معناه، ففيه مناقشة قد ظهر وجهها، و اما القول بان التجوز فى لفظ الانصراف بالحمد على التسليم، ليس باولى من التجوز فى صيغة الامر بالحمل على الرخصة، بل هذا اولى، لشيوع استعمال الامر فى الرخصة، دون استعمال لفظ الانصراف فى التسليم، و لظهور ورود الامر هنا مورد توهم الخطر، فلا يفيد سوى الاباحة.

ففيه ان المرجح فى حمل لفظ الانصراف على التسليم كثير، كما تقدم اليه الاشارة، و منه رواية ابى كهمش و ما ضاهاها، و الورود مورد توهم الخطر بالنسبة الى قوله (ع): و على فرض التسليم، غاية الامر تساوى المجازين، و معه يسقط الاستدلال بهما فى البين. و بالجملة لا يصح الاستناد الى هذين الخبرين فى مقابلة ما دلّ على الوجوب من وجوه شتى، كما تقدم الى جملة منها الاشارة، و منها ان الخبر الرابع عشر على ما رواه الصدوق فى الفقيه، فى اواخر باب الجماعة، و الشيخ فى التهذيب فى اواخر باب فضل المساجد، فى الزيادات:

هكذا يسلم و ينصرف، و يدع الامام، و عليه فالظاهر ان السهو نشأ من قلم الشيخ

ص: 280


1- التسليم ظ (منه).

فى باب احكام السهو، فى الزيادات، اذ الفقيه اضبط، سيما اذا وافقه الشيخ، مع ان الثابت فى الكتابين ليس كالثابت فى كتاب واحد، خصوصا اذا كان الواحد احد الكتابين، و ورود غيره بمضمونه كروايتى الحلبى و زرارة، المروية اولهما قبل الخبر الرابع عشر بلا فصل، و ثانيهما فى الفقيه فى باب الجماعة عن الصادق عليه السلام، فى الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد، قال: يسلم و يمضى لحاجته ان احب، مع انه اوفق بالسؤال لمكان فرض تحقق التشهد فى الجملة من الامام، و انه يطول و الماموم ايضا تابعه، الا انه لا يتاتى منه الصبر، الى أن يتم التشهد و يسلم، على انه (ع) لم يستفصل فى الجواب، انه ان لم يات باقل الواجب من التشهد ياتى به، و عليه فالجواب بقوله: يسلم و ينصرف، و يدع الامام انسب، كما لا يخفى، و كيف كان، فالاستناد الى نحو الخبرين فى المقام مما لا يجترى عليه ذو عين، فلا وجه للاطالة.

الحادى عشر: الخبر التاسع المتقدم فى شرح قول المصنف: السابع التشهد و يجب الى آخره،

و هو صحيحة الفضيل و زرارة و محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع)، قال: اذا فرغ الرّجل من الشهادتين، فقد مضت صلوته، فان كان مستعجلا فى امر يخاف ان يفوته فسلم و انصرف اجزاه الى آخره.

و فيه اولا: ان غاية ما يستفاد منه عدم كون التسليم جزءا، و عليه فلا ينافى كونه واجبا خارجا، كما ذهب اليه بعضهم.

و ثانيا: انه كما يدلّ على عدم وجوب التسليم، كذلك على عدم وجوب الصلوة على النبى و آله (ع)، فما هو جوابكم، فهو بعينه جوابنا.

و اما ما اشار اليه الشارح المقدس فى مجمع الفائدة، بقوله: و لا يستبعد ادخال الصلوة على النبى (ص) فيها، اى فى هذا الخبر، و فى صحيحة زرارة المشتملة على قوله (ع): ان كان الحدث بعد الشهادتين، فقد مضت، لان فى العرف يقال التشهد، و يراد المجموع، و يجعل الفقهاء الصلوة من واجباته، فلا استبعاد فى الادخال و الافراد بدليل آخر، ففيه ان الموجود فى الخبرين لفظ

ص: 281

الشهادتين، و شموله للصلوة على النبى و آله (ص)، ممنوع هب، و لكن ليس سبيل السلام فى ذلك الا كسبيلها، و القول بالفرق غير مسموع، و عليه فالرواية من ادلة القول بوجوب التسليم.

و ثالثا: ان مفهوم الشرط فى قوله (ع): فان كان مستعجلا فى امر الى آخره، يقتضى عدم حصول الاجزاء بترك التسليم، و هو الفساد، و عليه فيلزم القول بوجوبه، و اما ما ذكره فى المدارك بان المراد بالاجزاء الاجزاء فى حصول الفضيلة و الكمال، كما يقتضيه اول الخبر، فغير وجيه، اذ صرف لفظ الاجزاء عن ظاهره الى الفضيلة بقرينة صدر الرواية، ليس باولى من صرف الصّدر عن ظاهره الى ظاهر الاجزاء، مع ان الصدر عن ظاهره مصروف، لمكان الصلوة على محمد و آله (ص)، و عليه فليس فيه قوة تامة يقوم بها فى مقابلة العجز، هذا مضافا الى ان القائل بالاستحباب لا يقول بكونه كالتعقيب، بل يقول بجزئيته للصلوة قطعا، قاله بعض المحققين.

و عليه فكما يمكن تقدير قيد الواجبات فى قوله (ع): مضت صلوته، كذا يمكن تقدير قيد الشديد من الواجبات، و زيادة الاضمار و ان كانت مخالفة للاصل كالاضمار، و لكنها بالقدر المتقدم فى المقام مطلوبة، لمكان وجوب الصلوة على محمّد و آله (ص)، و آخر الخبر: و المحذور الواحد اولى من المحذورين، و الى جواز حمل قوله (ع): مضت، على مجاز المشارفة الشايعة، لمكان القرينتين المتقدم اليهما الاشارة، و الى ان المراد لو كان اظهار عدم الوجوب، لكان المناسب ان يقول: لا بأس بتركه، لا ان يقول (ع) ما قال.

قال بعض المحققين: و لعل المراد فى هذه الصحيحة حال الماموم، كما يظهر من ملاحظة اخبار أخر، و اخبارهم يكشف بعضها عن بعض، فظهر فائدة الشرط فى قوله (ع): فان كان مستعجلا الى آخره، انتهى، و كيف كان فقد ظهر بما مرّ ان الخبر مما لا يصح للمخالف الاستناد اليه، بل هو من الادلة الدالة على الوجوب.

ص: 282

الثانى عشر: الخبر السابع عشر،

و التقريب ما ذكره فى المدارك، بان ظاهره عدم وجوب التسليم فى ركعتى الطواف، و لا قائل بالفصل و نحوه فى الذخيرة الا انّه استظهر عدم القائل بالفصل، و فيه اخصية الادلة الدالة على الوجوب اولا و عدم كون المعصوم (ع) فى بيان ذكر الواجبات كما يدل عليه عدم ذكره اياها، سوى قليل، و ذكر الجحد و التوحيد، و قوله: و احمد الله و اثن عليه، و صل على النبى (ص)، و اسأله ان تتقبل منك، اذ الظاهر ان المراد بقوله (ع): و احمد الله الى آخره، بعد صلوة الركعتين، كما صرح بعض الأجلاء ثانيا، و عدم ذكر وجوب الصلوة على النبى و آله فما هو جوابكم فهو جوابنا، و ان تمسك لمكان ضيق الخناق بقوله (ع): و صل على النبى (ص)، و انكرت ما ذكرناه سابقا، فنقول بان الصّلوة على آل النبى (ص) واجب، و غير مذكور فى الخبر، فما هو جوابكم فهو الجواب، و بقولك: و بان اطلاق التشهد على ما يشمل الصلوة على النبى (ص) و آله شايع، فنقول اطلاقه على ما يشمل التسليم كذلك، حتى قيل بانه مجاز مشهور، بل قال لا يبعد دعوى صيرورته حقيقة فيه ثالثا، فتدبر. و كونه معارضا بما دلّ على وجوب التسليم و الترجيح مع الاخير رابعا.

الثالث عشر: الخبر الثالث و العشرون،

و قد تمسك به فى المدارك، و فيه ما ذكره الشيخ البهائى - طاب ثراه - فى الحبل المتين بقوله: هو فى الحقيقة لنا لا عليه، فان قول يونس: بلى، فى جواب قول الامام (ع): الم تسلم و انت جالس؟ صريح فى وقوع التسليم منه، فان لفظة بلى، فى جواب الاستفهام عن النفى تفيد الاثبات، و بهذا يمتاز عن نعم، فانها تفيد تقرير النفى، و لهذا قالوا فى قوله تعالى: «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ» انهم لو قالوا: نعم، لكفروا، و قوله عليه السلام بعد ذلك: فلا بأس عليك، بالفاء فى قوة قوله (ع): اذا كنت قد سلمت فلا بأس عليك، كما لا يخفى على من له انس بالعربية، و هو يعطى انه لو لم يسلم لكان عليه بأس، و الذى يظهر من هذا الحديث ان يونس كان اتى بصيغة:

السلام علينا و على عباد الله الصّالحين، و لكن لم يسلم عليهم بالعبارة التى جرت

ص: 283

العادة بسلام الناس بعضهم على بعض بها، اعنى: السلام عليكم، قالوا له ما سلمت علينا. و قال بعض الأجلاء بعد نقل عبارة المدارك الدالة على استدلاله بهذه الموثقة، و اعتراضه عليه بان الموثق عنده ليس بحجة، بما لفظه: على ان المعنى فى هذه الرّواية، اعنى موثقة يونس ليس كما توهمه، بل هى بالدلالة على نقيص ما يدعيه اشبه، و ذلك ان الغرض من السّؤال انما هو، ان المصلى بعد ان صلى بالقوم و اتم صلوته و سلم، لم يلتفت الى القوم بوجهه و سلم عليهم، كما هو السنة يومئذ، و لا سيّما فى مقام التقية من التفات الامام الى المامومين بوجهه، و قوله:

السلام عليكم، و ان سلم لنفسه، و لهذا قال له الامام: الم تسلم و انت جالس؟ يعنى الم تات بتلك الصيغة و انت جالس، قال: بلى، فقال: لا بأس عليك.

لاتيانه بالواجب، و الذى اخل به امر مستحب، و هو الالتفات اليهم بوجهه، ثم قال: و لو نسيت السلام عليهم حتى قالوا لك، استقبلهم بوجهك فى مقامك ذلك، و قلت: السلام عليكم، و حينئذ الرواية عليه لا له.

الرابع عشر: الخبر الثامن عشر،

و قد تمسك به فى الذخيرة، و فيه ما عرفت، فلا وجه للاطالة.

الخامس عشر: ما عن الذكرى من ان التسليم لو وجب لكان جزءا من الصلوة،

و لو كان جزءا واجبا منها للزم عدم استحباب الايماء للماموم يمينا و شمالا، لما دل على كراهة الالتفات فى الصلوة يمينا و شمالا، و التالى باطل، لما دل على استحباب ذلك، فالمقدم مثله، فليزم منه عدم الوجوب، و فيه ما ترى.

هذا ما وجدنا من الادلة المسوقة للقول بعدم الوجوب، القابلة للذكر و لو جزئيا، و قد عرفت ما يرد عليها، و عليه فلا اظنك ان تستريب فى القول بالوجوب، لما عرفت من الادلة القوية المتينة الدالة عليه، و لما كانت المسئلة من المشكلات، كما صرح به فى الرياض، و فى مجمع الفائدة، فلذا اطلنا الكلام فيها، لئلا يغتر من لم يعض على المسئلة بضرس قاطع، و يزعم الظمأن ان الادلة الجارية للقول بعدم الوجوب ماء، و هو كما عرفت سراب لا مع.

ص: 284

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: هل التسليم على المختار جزء من اجزاء الصلوة كالتشهد ام لا؟
اشارة

بل واجب تعبدا، فذهب الجماعة و منهم المحكى عن السيد فى الانتصار، و المصنف فى المنتهى، و الشهيد فى البيان و غاية المراد، و العمانى و الحلبى، و ظاهر التحرير الى الأول، بل فى الذخيرة هو مذهب جمهور القائلين بالوجوب، و مشاهير قدمائهم، و قد صرح به من القائلين بالاستحباب المصنف فى التذكرة، و المحقق الثانى فى جامع المقاصد، على ما حكى عنه، و اختاره فى الذخيرة خلافا للمحكى عن الشهيد فى قواعده، و ابن جمهور فقالا بعدم الجزئية، و اختاره بعض الأجلاء من متاخرى المتأخرين، قال: و ممن يظهر منه الميل الى هذا القول الجعفى صاحب الفاخر، على ما نقله عنه فى الذكرى، من حكمه بعدم بطلان الصلوة بتخلل الحدث، مع قوله بوجوب التسليم، و به صرح الفاضل ابو الفاضل احمد بن طاووس الحسينى، صاحب كتاب البشرى، حيث نقل عنه ان التسليم واجب، و ان حصل الخروج من الصلوة قبله، بقوله: السلام علينا و على عباد الله الصالحين، و اليه ذهب المحدث الكاشانى فى المفاتيح، و المحدث الحر العاملى، انتهى.

و ربما يستفاد ذلك من الصدوق فى الفقيه ايضا، قال فى باب الجماعة قال - يعنى الصادق (ع) - افسد ابن مسعود على الناس صلوتهم بشيئين، بقوله: تبارك اسم ربك، و تعالى جد ربّك، و هذا شئ قالته الجن بجهالة، فحكاه الله تعالى عنها، و بقوله: السلام علينا و على عباد الله الصالحين يعنى فى التشهد الأول، و اما فى التشهد الثانى بعد الشهادتين فلا بأس به، لان المصلى اذا تشهد الشهادتين فى التشهد الاخير فقد فرغ من الصلوة، انتهى.

مع ان ظاهر كلامه فى باب وصف الصلوة و غيره وجوب حيث قال التسليم، قيل و به صرح بعض القائلين بالاستحباب.

أقول: و الاظهر عندى هو الأول، لما عن السيورى فى التنقيح من دعوى

ص: 285

الاجماع عليه، حيث قال: لان القائل قائلان انه اما واجب فهو جزء من الصلوة، و لهذا حصروا الواجب فى ثمانية، او غير واجب فيكون واحدا من مندوباتها، فالقول بكونه واجبا غير جزء خرق للاجماع، انتهى. بل يستفاد من بعضهم(1) ان الحاكى للاجماع هو الجماعة، حيث قال فى جملة كلام له: و هو لا يستلزم عدم وجوب السلام مطلقا، بل عدم وجوبه فى الصلوة، و هو لا ينافى وجوبه خارجا، كما هو راى بعض الاصحاب، و ان كان الاشهر الاظهر، بل المجمع عليه، كما ذكره جماعة خلافه، انتهى.

و يعضده ايضا ما تقدم فى الذخيرة، و جملة من الوجوه المتقدمة التى سقناها للقول بوجوب التسليم، و الأخبار الدالة على عدم حصول الفراغ الا بقول:

السلام علينا و على عباد الله الصالحين، و استقراء واجبات الصلوة، بل جملة منها كالاجماع المحكى حجة مستقلة، و للاخرين ما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره، فى الصحيح عن الحسين بن ابى العلاء، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلى الركعتين من المكتوبة، لا يجلس بينهما حتى يركع فى الثالثة، قال: فليتم صلوته، ثم يسلم و يسجد سجدتى السهو و هو جالس قبل ان يتكلم و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن سليمان بن خالد قال سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل نسى ان يجلس فى الركعتين الاوليين، فقال:

ان ذكر قبل ان يركع فليجلس، و ان لم يذكر حتى يركع فليتم الصلوة، حتى اذا فرغ فليسلم، و ليسجد سجدتى السهو. و جملة من الوجوه التى سقناها للقول بالاستحباب، و لا يخفى عليك ان هذه الوجوه غير صالحة لمعارضة ما دلّ على المختار، فلا وجه للاطالة.

فرع:

قال فى الحبل المتين: و يتفرع على الحكم بجزئيته او خروجه فروع:

منها: ما لو ظن دخول الوقت فصلى، ثم تبين دخوله فى اثناء التسليم مثلا، فان قلنا بجزئيته صحت صلوته، عند من يكتفى بدخول الوقت فى اثناء الصلوة

ص: 286


1- و هو الرياض (منه).

كالشيخ و المحقق و اتباعهما، عملا برواية اسمعيل بن رياح، و ان قلنا بخروجه بطلت، لوقوع الصلوة باجمعها خارج الوقت.

و منها: احتياجه الى نية مستقله، فان قلنا بجزئيته لم يحتج اليها، لا ندراجه تحت نية الصلوة كساير اجزائها المستحبه و الواجبة، و ان قلنا بخروجه افتقر الى النية لا محالة.

و منها: لو نذر لمن يكون متلبسا بالصلوة فى الوقت الفلانى، فصادف اشتغاله فى ذلك الوقت بالتسليم، فان كان جزءا استحق المنذور، و الا فلا.

الثانى: لا اشكال على المختار من كونه واجبا و جزء للصلوة فى بطلانها بتركه عمدا،
اشارة

كما صرح بعض مشائخنا، و عن المعانى و التجرير، و انما الكلام فى بطلانها بتركه سهوا، فظاهر من قال بركنيته، و هو علم الهدى، على ما حكى عنه هو البطلان، قيل(1): و ظاهر المنتهى انه ركن عند جمع، انتهى. خلافا للمحكى عن الجماعة، فحكموا بالصحة، و لهم اطلاق الامر بالصلوة، و عموم قوله (ع)، لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و للاول قوله (ع): تحليلها التسليم. فلا يختلف العمد و السهو معه.

أقول: و سيظهر فى شرح قول المصنف فى بحث الخلل: و لو نقصها او ما زاد سهوا اتم الصلوة، ان لم يكن تكلم الى آخره، ما يقتضيه التحقيق فانتظر البتة.

فرع:

قال فى المهذب البارع: لو ترك التسليم ناسيا، او انصرف من صلوته ظانا انه سلم، فان فعل المنافى عمدا و سهوا كالحدث، استانف لتحقق وقوعه فى الصلوة، و ان لم يبطلها الا مع التعمد كالكلام، فسلم و سجد للسهو، ان لم يطل الزمان، و ان طال بطلت للسهو خاصة.

أقول: و فيه ايضا تفصيل سيظهر فى بحث الخلل فى شرح قول المصنف: و لو نقصها او ما زاد سهوا الى آخره فانتظر.

الثالث: ذهب الشيخ المقداد فى كنز العرفان الى القول بوجوب السلام
اشارة

ص: 287


1- و هو بعض المحققين (منه).

عليك ايها النبى و رحمة الله و بركاته فى التشهد الاخير، وفاقا للمحكى عن الجعفى صاحب الفاخر، و فى كنز العرفان حكى ذلك عن بعض مشائخه المعاصر له، قيل: و فى الكشف، و عن العلل لمحمد بن ابراهيم اقل ما يجزى من السلام السلام عليك ايها النبى و رحمة الله و بركاته، و ما زاد على ذلك ففيه الفضل، انتهى، خلافا لصريح الجماعة و ظاهر آخرين، فذهبوا الى عدم الوجوب، بل الظاهر ان المعظم عليه، كما صرح به بعض مشائخنا، و هو الاقوى للاصل. و دعوى الاجماع عليه، قال فى كنز العرفان بعد نقله عن بعض مشائخه، القول بالوجوب بما لفظه: قيل عليه انه خرق الاجماع، لنقل العلامة الاجماع على استحبابه، و عن البيان اوجب صاحب الفاخر التسليم على النبى (ص)، و هو مسبوق بالاجماع، و ملحوق به، و محجوج بالرواية بندبه، و عن غاية المراد الكل ناصون على استحباب التسليم على النبى (ص) فى كتبهم، الا ما شذ من ظاهر قول الجعفى فى الفاخر، فالقول بوجوبه خرق للاجماع السابق، على استحبابه فى كل عصر، و لان الاصحاب ضبطوا الواجب و الندب فى الصلوة، و كلهم جعلوا من قبل الندب، انتهى.

و اما ما ذكره فى كنز العرفان فى الجواب عن العبارة التى نقلناها عنه، بما لفظه: و يمكن الجواب بمنع الاجماع على عدم وجوبه، و الاجماع المنقول على مشروعيته و راجحيته، و هو اعم من الوجوب و الندب، ففيه ما ترى(1)، كقوله فى الجواب عن الاستدلال للمعظم بضبط الاصحاب الواجبات فى الصلوة، و لم يعدّوه فيها، بما لفظه: بانه معارض بوجوب التسليم المخروج من الصلوة، فان كثيرا من الاصحاب لم يعدّه فى الواجبات، مع الفتوى بوجوبه، انتهى.

و يدل للمختار ايضا الاطلاق، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، المعتضد بما ذكره فى غاية المراد، على ما حكى، حيث قال فى مقام الاستدلال على المختار: و لان النبى (ص) لم يعلمه الاعرابى، و لا هو فى حديث حماد فى صفة الصلوة، فلو وجب لزم تاخير البيان عن وقت الحاجة، و هو

ص: 288


1- اذ الاستحباب قد صار مصطلى فيما تعلمه و عليه فكيف يجوز هذا القول؟ (منه).

باطل بالاتفاق، انتهى.

و اما ما ذكره فى كنز العرفان، فى دفع الأول، بان عدم النقل لا يدل على العدم، و فى دفع الثانى مع ان حديث حماد ليس فيه اشعار بالعبارة المتنازع فيها بالوجوب وجودا و عدما، مع امكان الدخول فى التشهد، لانه قال: فلما فرغ من التشهد سلم، فليست فيه زيادة وجاهة، بل كان الانسب له فى الجواب عن الأوّل بما اجبناه سابقا، حيث سقناه لاستحباب التسليم، و من الاجوبة المناسبة بعد الحكم بضعف السند، هو عدم كون النبى (ص) فيه فى صدد تعداد الواجبات، كما يظهر بالتدبر فى متنه، و انما حكمنا بعدا نسبية ما ذكره، لمكان ورود القول عليه، بان عدم النقل و ان لم يكن دالا على العدم بدلالة قطعيه، و لكنه ظاهر فيه، خصوصا اذا كان المقام مما تشتد به الحاجة، بل فى بعض المقامات ربما يفيد القطع ايضا، كما لا يخفى على المتدبر المنصف،

و للقائلين بالوجوب وجهان:
الأول: قوله تعالى: «وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» و التقريب ما نقله فى كنز العرفان،

عن بعض مشائخه السلام على النبى واجب، و لا شئ منه فى غير التشهد الاخير بواجب، ينتج انه فيه واجب، قال: و بيان المقدمتين تقدم، و عنى ببيان الاولى قوله تعالى: «سَلِّمُوا» الدّال على الوجوب، و الثانية الاجماع، و فيه ان دليل المعظم لمكان قوته يصرفه عن ظاهره الى الاستحباب، مع جواز القول بان المراد بالتسليم الانقياد لاوامره (ص)، كما يجوز القول بغيره، و قد تقدم الكلام فيه مفصلا فراجع اليه.

و اما الجواب المحكى عن غاية المراد، بان الاية لا تدل صريحا، و لو دلت لم تدل على الفورية، و لا على التكرار، و لا على كونه فى الصلوة، و لا على كونه آخرها، و لا كونه بصيغة مخصوصة، فرده فى كنز العرفان، بان سياق الكلام و قضية العطف يدل على ان المراد السلام على النبى (ص)، و الفورية و التكرار استفيدا من خارج الاية، و هو انه لما ثبت كونه جزءا من الصلوة، فكلما دلّ على فوريتها و تكرارها

ص: 289

يدلّ على فوريته و تكراره تضمنا، و لا قائل بالوجوب فى غير الصلوة، و لا فى غير التشهد الاخير، و لا بغير الصيغة، انتهى.

الثانى: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة،

فى القوى عن ابى بصير، عن ابى عبد اللّه (ع)، قال: اذا كنت اما ما فانما التسليم ان تسلم على النبى (ص)، و تقول: السلام علينا و على عباد الله الصالحين، فاذا قلت ذلك، فقد انقطعت الصلوة، و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الموثق عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع)، و ساق الخبر الى ان قال: فاذا جلست فى الرّابعة قلت: بسم الله، الى ان قال: ثم قل: السلام عليك ايها النبى و رحمة الله و بركاته، السلام على انبياء الله و رسله، السلام على جبرئيل و ميكائيل و الملائكة المقربين، السلام على محمد بن عبد الله خاتم النبيين لا نبى بعده، و السلام علينا و على عباد الله الصّالحين، ثم تسلم.

و ما رواه التهذيب فى باب احكام الجماعة، عن ابى بكر الحضرمى، قال:

قلت له: انى اصلى، فقال: سلم واحدة، و لا تلتفت قل: السلام عليك ايها النبى و رحمة الله و بركاته، السلام عليكم، و رواه فى باب فضل المساجد فى الزيادات ايضا و فيه نظر اذ الادلة الدالة على المعظم لمكان قوتها صارفة لحمل هذه الاوامر على الاستحباب، عن الجماعة انه مجاز مشهور بالنسبة الى اوامر الائمة (ع)، مع ان بعض هذه الاوامر مشتمل على ما ليس للوجوب اجماعا.

قال فى الذكرى: قال صاحب الفاخر: اقل المجزى من عمل الصلوة فى الفريضة تكبيرة الاحرام، و قراءة الفاتحة فى الركعتين، او ثلاث تسبيحات، و الركوع و السجود، و تكبيرة واحدة بين السجدتين، و الشهادة فى الجلسة الاولى او فى الاخيرة الشهادتان، و الصلوة على النبى و آله، و التسليم و السلام عليك ايها النبى و رحمة الله و بركاته.

و فى الذكرى بعد نقل ذلك: و هذا يشتمل على اشياء لا تعد من المذهب، منها التكبيرة الواحدة بين السجدتين، و منها القصر على الشهادة فى الجلسة

ص: 290

الاولى، و منها وجوب التسليم على النبى، و اما البدل عن القراءة فيريد به الاضطرار، صرح بذلك فى غير هذا الموضع، انتهى.

و بالجملة، لا شبهة فى عدم كونه واجبا، كما لا شبهة فى عدم كونه مخرجا عن الصّلوة، قيل: يستفاد من جماعة انه ليس محلّ خلاف.

أقول: حكى فى الذكرى على ما قيل عن الراوندى القول، بانه يخرج من الصلوة بقوله: السلام عليك أيها النبى و رحمة الله و بركاته، و لكنه مندوب، و ربما يستفاد من عبارة العلل لمحمد بن ابراهيم المتقدمة، كونه مخرجا، و كيف كان فلا ريب فى ضعفهما.

قال فى الحبل المتين: لا كلام فى عدم كون السلام عليك ايها النبى و رحمة الله و بركاته مخرجا من الصلوة، بل قال العلامة فى المنتهى: انه لا يعرف فيه خلافا بين القائلين بوجوب التسليم، و قال فى التذكرة: لا يخرج بقول السلام عليك ايها النبى و رحمة الله و بركاته عند القائلين بالوجوب، انتهى.

و بالجملة لا شبهة فى ذلك لذلك، لجملة من الادلة المتقدمة، فظهر بما مر ان هذا القول فى التشهد الاخير مستحب، كما صرح به الجماعة، و منهم المحكى عن التحرير و نهاية الاحكام و البيان، للاخبار المتقدمة، كبعض الاجماعات المحكية و مقامه بعد الصلوتين(1) بلا شبهة و لا ريبة.

فائدة:

قال الشيخ البهائى رحمه الله فى الحبل المتين فى بحث التسليم: و قد يستدل ايضا بان شيئا من التسليم واجب، و لا شئ من التسليم فى غير الصلوة بواجب، فشئ منه واجب فى الصلوة، اما الصغرى فلقوله تعالى: «وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» و اما الكبرى فبا لاجماع، و هذا الدليل مما اورده العلامة و غيره، و هو مشهور على السنة القائلين بوجوب التسليم، فان قلت: الحد الاوسط فى هذا القياس ان كان لفظ واجب ليكون ضربا ثالثا من الشكل الثانى لم يستقم، لان النتيجة فيه ليكون ضربا خامسا من الشكل الثالث، فكذلك ايضا لان نتيجة هذا

ص: 291


1- اى الصلوة على النبى و على آله... (منه).

الضرب سالبة جزئية، على ان الباقى من هذا القياس بعد اسقاط الحد الاوسط ليس هو المطلق، بل هو عنه بمراحل، و بالجملة فهو قياس محل، اذ ليس على و تيرة شئ من الاشكال الاربعة، قلت: خروجه عن و تيرة الاشكال الاربعة لا يوجب التسليم، و ثبت عدم وجوبه فى حال من الاحوال فى غير الصلوة، لزوم وجوبه فيها البتة، و كم من قياس ليس على النمط المالوف فى الاشكال الاربعة، بتغيير ما فى الحد الاوسط او ما شابه ذلك، و هو منتج نحو قولنا: زيد مقتول بالسيف، و السيّف آلة حديدية، بل ربما لا يوجد الحد الاوسط اصلا و مكرم عنه قول ثالث، نحو قولنا: كل ممكن حادث، و كل واجب قديم، فانه يلزم منه لا شئ من الممكن بواجب، و قال فى كتاب الطهارة فى الفصل الذى يبين فيه الاحداث الناقضة فى جملة كلام له: و اما ان يستدل على التزامه للمطلق، و ان لم يكن مستجمعا لشرائط القياس، كما قالوه فى نحو قولنا: زيد مقتول بالسيف، و السيف الّه حديدية، فانه لا شك فى انتاجه زيد مقتول بالة حديدية، مع عدم جريانه على وتيرة شئ من الاشكال الاربعة، و كما فى قولنا: زيد ابن عمرو و عمر و ليس فى البلد. و قال في حاشية هذا المقام: فانه اذا قام الدّليل فى بعض الصور على استلزام المطلق، لم يضر عدم استجماع شراط القياس، كما فى قولنا: كل ممكن حادث، و كل واجب قديم، اذ لا شك فى استلزامه ان لا شئ من الممكن بواجب، مع عدم استجماعه شرائط القياس، و قس عليه الاستدلال على وجوب التسليم، بقولنا شئ من التسليم واجب، و لا شئ منه فى غير الصلوة بواجب، انتهى.

أقول: ما ذكره - طاب ثراه - من جواز استلزام الدليل، و ان لم يكن مستجمعا لشرائط القياس فى الواقع، فهو ظاهر الفساد، و قولهم: زيد مقتول بالسيف الى آخره، فالحق انه مستجمع لشرائط القياس فى الواقع، نعم، لا يلزم ملاحظة ارجاعه الى احد الاشكال الاربعة، و على تقدير عدم استجماعه، نقول:

لا شك ان هذا الحكم مخصوص بهذا القياس، اعنى ما يكون متعلق محمول صغراه موضوعا فى الكبرى، لحكم العقل فيه بالانتاج ضرورة، و هذا لا يطرد فى غيره

ص: 292

بالبديهة، و اما ان يراد به جواز حكم العقل باستلزامه للنتيجة، و ان لم يلاحظ ارجاعه الى الاقيسة المنطقية مفصلا، فهو كما يشهد به الفطرة المستقيمة، لكن لا بد ان يكون مستجمعا للشرائط المعتبرة فى المنطق.

توضيح الكلام: انا اذا راجعنا الى وجداننا، و نظرنا فى احوال عامة الناس، نجد و نرى انه ربما يحكم بحقية نتيجة مع ان ترتيب دليله لم يتفق بحسب الظاهر على الكيفية المسطورة فى المنطق، و هذا لا يستلزم عدم كونه حقا، اذ هو بحسب الواقع مرتب على النحو المسطور فى المنطق، و المنتج ايضا عالم بذلك، و لكنه لا يستطيع ترتيبه، اما لمكان عدم علمه بالمنطق، او لمكان نقصان قوته المتصرفه، و لا تتوهم انه مع عدم علمه بالمنطق كيف يمكن له العلم المذكور، اذ ليس القواعد المنطقية الا ما هو دائر فى السنة الناس، و ليست ماخوذة الا منه، و لكن اهل المنطق بينوا تلك القواعد الدائرة بين عامة الناس فى ابواب، و امتازوا بينها بذكر كل منها فى باب، و الحاصل انه لا يلزم للنتيجة المقطوع بها من ملاحظة ارجاعه الى الاقيسة المنطقية، و ان كانت بحسب الواقع ماخوذة من واحدة منها، و اما ارجاع ما نحن فيه الى الاقيسة المتعارفة فظاهر، اذ هو يرجع الى قياس استثنائى، حاصله انه لو لم يكن التسليم واجبا اصلا و التالى باطل، فالمقدم مثله، اما الملازمة فلعدم وجوبه فى غير الصلوة بالاجماع، و اما البطلان التالى فلوجوبه فى الجملة، لقوله تعالى: «وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» و الامر حقيقة فيه، و كذا ارجاع قولهم:

كل ممكن حادث الى آخره اليها ظاهر، لان كبراه بمنزلة لا شئ من الواجب بحادث، فليقتصر على هذا، فان الاطالة فى ذلك خارجة عما نحن فيه.

كيفية التسليم
اشارة

(و صورته) اى صورة التسليم، على تقدير ندبه او وجوبه (السلام علينا و على عباد الله الصّالحين) او السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، و يخرج به من الصلوة.

أقول: شرح هذا الكلام يقتضى بسطه فى مقامات:
الأول: يتحقق الخروج من الصلوة بالسلام عليكم و رحمة الله و بركاته بلا خلاف،

قاله فى المقاصد العلية، بل عليه الاجماع فى عبائر الجماعة، و منهم

ص: 293

التذكرة و الذكرى و المسالك و الروضة و المقاصد العلية، كما عن التحرير و نهاية الاحكام، و المنتهى و المختلف، و يظهر من التذكرة كونه مجمعا عليه بين المسلمين، كما عن التحرير و نهاية الاحكام، و يعضده الشهرة العظيمة(1)، التى لم ينقل لها مخالف الا يحيى بن سعيد فى الجامع، حيث ذهب الى وجوب السلام علينا و على عباد الله الصالحين، و تعينها للخروج به من الصلوة، و عن الذكرى انكار ذلك و القول بانه خروج عن الاجماع من حيث لا يشعر قائله(2)، و يستفاد من التحرير ان المبسوط كالجامع فى هذا القول، حيث قال: و من الاصحاب من اوجب السلام علينا و على عباد الله الصّالحين، و جعله آخر الصلوة، و هو قول الشيخ فى المبسوط، و عن الشيخ انه خطأه فى هذه النسبة، و كيف كان، فالارجح هو المشهور، للاجماعات المحكية المعتضدة بما مر، و صدق لفظ التسليم عليه عرفا و لغة و شرعا، فتشمله العمومات الدالة على كون التسليم تحليل الصلوة، و الاوامر الامرة به بناء على ان كلّ تسليم واجب يكون محللا و مخرجا منها.

و ما رواه الصدوق فى العلل، فى باب علة التسليم بسنده عن المفضل بن عمر، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن العلة التى من اجلها وجب التسليم فى الصلوة قال: لانه تحليل الصلوة، قلت: فلاى علة يسلم على اليمين و لا يسلم على اليسار؟ قال: لان الملك الموكل يكتب الحسنات على اليمين، و الذى يكتب السيئات على اليسار، و الصلوة حسنات ليس فيها سيئات، فلهذا يسلم على اليمين دون اليسار قلت: فلم لا يقال: السلام عليك، و الملك على اليمين واحد، و لكن يقال: السلام عليكم؟ قال: ليكون قد سلم عليه و على من على اليسار، و فضل صاحب اليمين عليه بالايماء اليه، الخبر. و القول بان مقتضى مفهوم رواية الحلبى و ابى كهمش و خبرى ابى بصير المتقدمات فى شرح قول المصنف: الأول التسليم، هو انحصار المحلل فى السلام علينا و على عباد الله الصالحين، فغير وجيه، اذ الادلة المتقدمة على فرض تسليم تلك الدلالة فى تلك الأخبار مما يقيد اطلاق المفهوم بلا ريبة، و بالجملة لا شبهة فى كون هذه الصورة عن الصلوة مخرجة، و كونها لها

ص: 294


1- و فى الدروس و عليه الموجبون للتسليم (منه).
2- و هو الذخيرة (منه).

محلله، و للامتثال و الاتيان بالواجب من النسليم محصلة، الا تنظر - مع قطع النظر عما سبق - الى موثقة ابى بصير الطويلة، الامرة بها، و الى ما رواه المحقق فى التحرير نقلا عن جامع البزنطى، عن عبد الله بن ابى يعفور، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن تسليم الامام، و هو مستقبل القبلة، قال: يقول: السلام عليكم.

المؤيد بما رواه التهذيب فى باب احكام الجماعة، و فى باب فضل المساجد فى الزيادات، فى الصحيح او الحسن عن ابى بكر الحضرمى، قال: قلت له: انى اصلى بقوم، فقال: سلم واحدة، و لا يلتفت، قل: السلام عليك ايها النبى و رحمة الله و بركاته، السلام عليكم، و الى غير ذلك من الأخبار الاتية ان شاء الله.

الثانى: يتحقق الخروج من الصلوة بالسلام علينا و على عباد الله الصالحين وفاقا للمحقق فى الشرايع و التحرير و مختصر النافع،
اشارة

و المصنف و التذكرة و التحرير، و ظاهر القواعد، و الشهيد فى الدروس و اللمعة و الالفية، و البهائى فى ظاهر الحبل المتين، و السيد فى المدارك، و الشارحين فى الذخيرة و مجمع الفائدة، و ظاهر الروضة، و غيرهم من جماعة من متاخرى متاخرى الطائفة، كما عن يحيى بن سعيد و صاحب البشرى، و الشيخ فى التهذيب و المنتهى و الرياض و فى الدروس، و اكثر القدماء على الخروج بقوله: السلام علينا و على عباد الله الصالحين، و عليها معظم الروايات، مع فتويهم بندبيتها، انتهى.

بل نسبه فى المهذب البارع كما عن النكت الى الشهرة، و فى مجمع الفائدة هو راى المتأخرين، مثل المحقق و المصنف و الشهيد فى اكثر كتبه، انتهى.

و فى التذكرة: و للتسليم عبارتان السلام علينا و على عباد الله الصالحين، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، الى ان قال: و اما العبارة الثانية فعليها علماء الاسلام كافة، و منع الجمهور من الخروج بالاولى، و هو مدفوع بما تقدم.

اذا عرفت هذا و بايهما بدأ كان الثانى مستحبا، و كذا الأول عندنا، و اما الموجبون منافانهم اوجبوا الأول و استحبوا الثانى، خلافا للمحكى عن السيد و الحلبى، فذهبا الى تعيين السلام عليكم، للخروج، و نسب هذا القول الشارح المحقق فى

ص: 295

الذخيرة الى اكثر القائلين بوجوب التسليم، و فى الحبل المتين: و اما السلام علينا و على عباد الله الصّالحين، فاكثر القائلين بوجوب التسليم لا يجعلونها مخرجة، بل هى من التشهد، و فى المدارك: ذهب الاكثر الى تعيين السلام عليكم للخروج، و فى الدروس: ثم يجب التسليم آخر الصلوة، و صورته السلام عليكم و عليه الموجبون، و بعضهم اضاف: و رحمة الله و بركاته، و هو اولى، و ذكر فى البيان ان السلام علينا، لم يوجبه احد من القدماء، و ان القائل بوجوب التسليم يجعلها مستحبة، كالتسليم على الانبياء غير مخرجة من الصلوة، و القائل بندب التسليم يجعلها مخرجة، انتهى.

و القول الأول هو الاقوى لوجوه:
الأول: قوله (ع): و تحليلها التسليم،

الوارد فى الأخبار الكثيرة المتقدم الى جملة منها الاشارة، الصادق على العبارة المتقدمة ايضا، كما صرح به الجماعة و منهم التذكرة، و المهذب البارع، و بهذا استدل الجماعة، و سنده ايضا معتبر، كما تقدم اليه الاشارة، و اما ما ذكره السيد فى المدارك بعد ذكر الخبر، بان التعريف للعهد، و المعروف منه بين الخاصة و العامة السلام عليكم، كما يعلم من تتبع الاحاديث، حيث يذكر فيها الفاظ التسليم المستحبة، و السلام علينا و على عباد الله الصّالحين، ثم يقال: و يسلم المؤيد بما فى الجعفرية، بان فى بعض الأخبار و كلام جمع من الاصحاب انها لا تعد تسليما فغير وجيه، اما اولا: فلان الاصل عدم العهد، فليحكم بكونه للجنس، فيجئ الاطلاق الذى لا يحمل على المتعارف الشايع، الذى لم يعلم تقدمه عن زمان صدور الاطلاق، مع ان الاصل تاخره عنه، و اما ثانيا: فلانه على تقدير تسليم كون السلام عليكم شايعا متعارفا بين الخاصة و العامة، بحيث يعلم كون الخطاب عنه متاخرا، نقول: هنا قرينة دالة على كون التسليم المتضمن عليه الخبر شاملا لهذه العبارة ايضا، و القرينة هى المستفيضة المتقدمة، المصرحة بحصول الانصراف عن الصلوة عنها، و كونها محللة لها، الا تنظر الى الخبر الثالث المتقدم فى اوائل بحث التسليم، المتضمن لقول مولانا

ص: 296

الرضا (ع): و لا يجوز ان تقول فى التشهد الاول: السلام علينا و على عباد الله الصالحين، لان تحليل الصلوة التسليم، فاذا قلت هذا فقد سلمت.

الثانى: الأخبار المستفيضة المصرحة بحصول الانصراف عنه،

منها الرضوى المتقدم عن قريب و منها رواية ابى بصير المتقدمة فى الدليل الخامس، الذى سقناه لوجوب التسليم، و منها رواية ابى بصير، و رواية الحلبى، و رواية ابى كهمش المتقدمات فى الدليل السابع، الذى سقناه لعدم وجوب التسليم، و اما الاستدلال لذلك بما رواه التهذيب فى باب كيفية الصّلوة فى الزيادات فى الحسن او الصحيح، لمكان ثعلبة عن ميسر، عن ابى جعفر (ع)، قال: شيئان يفسد الناس بهما صلوتهم، قول الرّجل: السلام علينا و على عباد الله الصّالحين، فصالح للاعتضاد و التاييد، بل لعله بملاحظة الرضوى المتقدم يصلح لكونه دليلا مستقلا ايضا، خصوصا اذا اعتضد بما ذكره بعض المحققين، بان العامة لمكان اعتقادهم بعدم كون السلام علينا محللا و مخرجا، اتفقوا على ذكره فى التشهد الأول ايضا، بما ذكره الصدوق فى الفقيه فى باب الجماعة، قال: و قال ايضا (ع) - و عنى به الصادق (ع) -: افسد ابن مسعود على الناس صلوتهم بشيئين، بقوله تبارك اسم(1) ربك و تعالى جد ربك، و هذا شئ قالته الجن بجهالة، فحكاه(2) الله تعالى عنها، و بقوله: السلام علينا و على عباد الله الصّالحين، يعنى فى التشهد الأول و اما فى التشهد الثانى بعد الشهادتين فلا بأس به، لان المصلى اذا تشهد الشهادتين فى التشهد الاخير فقد فرغ من الصلوة.

الثالث: ما يدل على اتصاف السلام المفروض بالوجوب،

بناء على ان كلّ من اوجبه جعله محللا، قاله بعض مشائخنا، و اما القول بكون السلام علينا مما يحصل به تحليل الصّلوة، خروج عن الاجماع، لان الخروج عند العلماء فى امرين: اما قوله: السلام عليكم، او فعل المنافى، فما يكون غيرهما، و منه السلام علينا، لا يكون محللا عندهم فممنوع، كما عن التحرير و المنتهى، حيث قالا فى دفعه الاجماع ممنوع، و المنقول عن اهل البيت (ع) يدل على فساده، و قد صرح بما

ص: 297


1- اسمك خ ل (منه).
2- فحكى خ ل (منه).

ذكرناه الشيخ فى التهذيب، انتهى.

و القول بان النبى (ص) لم يخرج من الصّلوة الا بالسلام عليكم، فيتعين هو للخروج، لعموم ما دل على وجوب التأسى به (ص)، غير وجيه، اما لمنع المقدمة الاولى، او لمنع عموم وجوب التأسى، او لكون الادلة المتقدمة مخصصة له، و اما عبارة البيان المتقدمة المعتضدة بعبارة الدروس و غيرها فممنوعة، لما عرفت من ذهاب الفحول، و منهم صاحبه فى اللمعة التى هى آخر تصنيفه الى ما اخترناه من كون السلام المفروض مخرجا عن الصلوة، فلو كان ما ذكره فيه حقا، لما خفى على الفحول، و عليه فيها الرّسالة الالفية.

الرابع: يكون المصلى مخيرا فى امتثال الامر بين السلام علينا و على عباد الله الصالحين،

و بين السلام عليكم، فلو اتى بواحد منهما لا يحتاج الى الاخر وفاقا للشرايع و مختصر النافع و التذكرة و التحرير و القواعد و اللمعة و الدروس و الالفية و الروضة كما عن المنتهى و نهاية الاحكام و التنقيح و المبسوط، و اختاره من متاخرى المتأخرين الجماعة، و فى المهذب البارع، كما عن النكت دعوى الشهرة عليه، خلافا لصاحب البشرى، فذهب الى ان المكلف يخرج من الصلوة بقوله:

السلام علينا و على عباد الله الصالحين، و ان وجب الاتيان بالسلام عليكم بعد ذلك، حكاه عنه الجماعة، قال فى الذكرى على ما حكى: و قال صاحب البشرى السيد جمال الدّين طاووس، و هو مضطلع بعلم الحديث و طرقه و رجاله: لا مانع من ان يكون الخروج بالسلام علينا، و ان كان يجب السلام عليكم و رحمة الله و بركاته بعده، للحديث الذى رواه ابن اذينة عن الصادق (ع)، فى وصف صلوة النبى (ص) فى السماء، انه لما صلى امر ان يقول للملائكة: السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، الا ان يقال هذا فى الامام دون غيره، قال: و مما يؤكده رواية زرارة و محمد بن مسلم عن الباقر (ع)، قال: اذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلوته، و ان كان مستعجلا فى امر يخاف ان يفوته فسلم و انصرف اجزاءه، انتهى.

و لعلّ عبارته تنادى بكونه مترددا بالنسبة الى الماموم، و كيف كان، فما حكاه

ص: 298

الجماعة عنه قد اختاره السيد فى المدارك، و الشارح المحقق فى الذخيرة، و المحدث الكاشانى فى المفاتيح، و تبعهم بعض الأجلاء، قيل: و ذهب المحقق فى كتبه الثلاثة الى التخيير بين الصيغتين، و ان الواجب ما تقدم منهما، و انكره الشهيد فى الذكرى و البيان، فقال فى الذكرى: انه قول محدث فى زمان المحقق او قبله بزمان يسير، و نقل الايماء الى ذلك من شرح رسالة سلار، و قال فى موضع آخر: انه قوى متين، الا انه لا قائل به من القدماء، و كيف يخفى عليهم مثله لو كان حقا، مع انه قد قال بذلك فى الرسالة الا لفية و اللمعة الدمشقية، و هى من آخر مصنفاته، انتهى.

و يجئ خلاف من تقدم فى المقام الثانى الى هنا ايضا و لو بوجه، قال بعض المحققين: و ذهب المحقق الى التخيير بين الصيغتين، و ان الواجب ما تقدم منهما، و تبعه العلامة، ثم ذكر انكار الذكرى و البيان لذلك، و ما ذكره فى الذكرى، انه قول محدث المحقق، و قال: و فيما ذكره فى الذكرى و البيان نظر، اذ الظاهر من كلام الشيخ الاجماع على الخروج بالسلام علينا، و انه لا يجب بعده السلام عليكم، و كلام المنتهى ايضا صريح فى انه لا يعرف خلاف فى عدم الوجوب بعد التسليم، المحلل الشامل للسلام علينا، و جعل النزاع منحصرا فى تعيين عبارة السلام عليكم، و نسب الى السيد و ابى الصلاح تعيينها وجوبا، و كلام السيد صريح فى كون الوجوب التسليم، من حيث كونه تحليل الصلوة، و الكلينى و الصدوق كلامهما ظاهر فى ذلك، و كون السلام علينا، مخرجا، و انصرافا عن الصلوة، كغيرهما ممن رووا، لانهم رووا ذلك على وجه ظاهر فى عملهم، بل الظاهر اتفاق الشيعة على ذلك، و لذا تركوا ذكره فى التشهد الأول، و بالجملة ما صرح به الشيخ بقوله:

عندنا، و ما ظهر منه من عدم وجوب السلام عليكم بعد ذلك فى غاية الظهور، فى كون التخيير مذهب القدماء القائلين بوجوب التسليم ايضا، نعم، الظاهر منهم ان التسليم الواجب بالاصالة و المحلل للصلوة هو السلام عليكم، كما يظهر من الأخبار ايضا، نعم، لو ذكر السلام علينا مقدما عليه كما هو المتعارف من التشهد، يحصل

ص: 299

التحليل الواجب به البتة، و يتأدى به، و نظايره فى الشرع كثيرة، نعم تأدّيه بكون السلام عليكم مطلوبا ايضا، سيما فى الامام و الماموم، اذ المطلوبية اجماعية، بل من بديهيات الدين، لا نزاع فيه لاحد من المسلمين، و ظاهرة من الأخبار المتواترة، و منها الموثقة الطويلة، لكنه غير واجب، بعد ما ذكر المصلى السلام علينا، للاجماع الذى نقلنا عن المنتهى و الشيخ، و الأخبار ايضا ظاهرة فى عدم الوجوب حينئذ، مثل قولهم: ثم تنصرف، و قولهم: ثم تسجد بعد ما تنصرف، و امثاله فى الأخبار كثيرة، انتهى.

أقول: و ما اختاره المحقق و المصنف رحمه الله و غيرهما هو الاظهر، و تحقيقه يقتضى ذكر مقدمة، و هى انه لا يجب علينا و على عباد الله الصالحين، و السلام عليكم معا، بلا خلاف اجده، بل استظهر بعضهم وقوع الاتفاق عليه، بل نفى بعض الأجلة(1) القائل به، بل فى مجمع الفائدة، و قد نقل الاجماع على عدم وجوبهما معا فى الذكرى و النهاية و غيرهما، و فى التذكرة: و يجزى التسليمة الواحدة عند علمائنا اجمع، و فى الامالى حيث يصف دين الامامية: و التسليم فى الصلوة يجزى مرة واحدة مستقبلة القبلة، فانه يميل بانفه الى يمينه، و من كان فى جمع من اهل الخلاف سلم تسليمتين، عن يمينه تسليمة، و عن يساره تسليمة، كما يفعلون للتقية.

أقول: و يدل عليه بعد ذلك الاطلاقات، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و غيرهما.

اذا عرفت ذلك فاعلم ان لنا فيما رجحناه وجوها:
الأول: قوية ابى بصير المروية فى التهذيب،

فى باب تفصيل ما تقدم ذكره، قال: سألته عمن نسى ان يسجد سجدة واحدة، فذكرها و هو قائم، قال يسجدها اذا ذكرها ما لم يركع، فان كان قد ركع فليمض فى صلوته، فاذا انصرف قضاها و ليس عليه سهو. و قول ابى الحسن الماضى (ع): بنى على صلوته، ثم يسجد سجدتى السهو بعد انصرافه، كما فى رواية المعلى بن خنيس المروية فى الباب

ص: 300


1- و هو الرياض (منه).

المتقدم، و قول المصنف (ع): يتشهد و ينصرف، ثم يقوم فيصلى ركعة، كما فى رواية عمار المروية فى باب احكام السهو من التهذيب، و قوله (ع): و ان وقع رايك على الاربع فسلم و انصرف، و ان اعتدل و همك فانصرف وصل ركعتين و انت جالس كما فى رواية ابى العباس المروية فى الباب المتقدم، و قوله (ع): فاذا انصرفت فاتم ما ظننت انك نقضت، كما فى رواية عمار المروية فى الباب المتقدم، و قوله عليه السلام: اذا قمت فى الركعتين الاوليين و لم تتشهد، فذكرت قبل ان تركع، فاقعد و تشهد، و ان لم تذكر حتى ركعت، فامض فى صلوتك كما انت، فاذا انصرفت سجدت سجدتى السهو، لا ركوع فيهما، ثم تتشهد الذى فاتك، كما فى رواية على بن ابى حمزة المروية فى الباب المتقدم، فى الزيادات.

و قوله (ع): لا يعيد، و لا شئ عليه. بعد ان سأل محمد بن مسلم عنه فى الرّجل يشك بعد ما ينصرف من صلاته، كما هو مروى فى المكان المتقدم.

و قول الكاظم (ع): يتشهد هو و ينصرف، و يدع الامام. كما فى رواية على بن جعفر المروية فى المكان المتقدم.

و قول الباقر (ع): كلما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلوتك فامض و لا تعد كما فى رواية محمد بن مسلم المروية فى المكان المتقدم، الى غير ذلك من الأخبار.

و التقريب ان مقتضى رواية ابى بصير المتقدمة فى الدليل الخامس، الذى سقناه لوجوب التسليم، و رواية ابى بصير، و رواية الحلبى، و رواية ابى كهمش المتقدمات فى الدليل السّابع، الذى سقناه لعدم وجوب التسليم، هو تحقق الانصراف بالسلام علينا و على عباد الله الصّالحين، بل مقتضى رواية ابى كهمش هو كون السلام المفروض هو الانصراف، و لا ريب ايضا ان المتعارف فى الاعصار و الامصار هو تقديم السلام المذكور على السلام عليكم، كما يعاضده موثقة ابى بصير الطويلة، المتقدمة فى مقامه، كالفقه الرّضوى المتقدم هناك.

و عليه فلو كان يجب بعد السلام المفروض السلام عليكم، لكانوا عليهم السلام يامرون به البتة، و لا يسكتون عنه، مع انك ترى الأخبار كما نقلنا لك هنا. و عليه

ص: 301

فيظهر من الأخبار غاية الظهور، ان الواجب هو الانصراف، و الفراغ لا غير، و انه اذا وقع مسمى الانصراف لم يجب بعد ذلك شئ، و عليه فاذا ذكر المصلى السلام علينا و على عباد اللّه الصّالحين، فقد اشتمل الاوامر الامرة بالتسليم، و حصل تحليلها، و انصرف منها، و فرغ عنها، فلا يجب عليه معه السلام عليكم، لما عرفت من عدم وجوب تسليمتين فيها.

و لهذا قال مولانا الرضا (ع) فى الخبر الثالث المتقدم فى اوائل بحث التسليم: و لا يجوز ان تقول فى التشهد الأول السلام علينا و على عباد الله الصالحين، لان تحليل الصلوة التسليم، فاذا قلت هذا فقد سلمت، و عليه فيكون سبيل السلام علينا و على عباد الله الصالحين كسبيل السلام عليكم، فى كونه واجبا مخرجا عن الصلوة، و محللا لها و محصلا لامتثال الاوامر الامرة بالتسليم، من غير ان يحتاج الى شئ آخر، فيكون هذان السلاّمان واجبين تخييريين، و هو المطلق، و الذى ظهر لى فى وجه ما يترآى من تشتت الأخبار الباعث لاضطراب الاراء من التتبع فى الأخبار، و كلام الاصحاب هو ان التسليم المحلل للصلوة المخرج عنها، لما كان عند العامة العمياء منحصرا فى السلام عليكم، و لم يكن السلام علينا و على عباد الله الصالحين عندهم تسليما محللا مخرجا عنها، فارادوا سلام الله عليهم بيان خطأهم، فذكروا فى جملة من الأخبار ان بالسلام علينا يتحقق الانصراف عن الصلوة، و فى بعضها ان السلام المفروض هو الانصراف، تاكيد الدفع ما تقرر فى صدورهم من كون السلام المخرج المحلل منحصرا فى السلام عليكم، حيث كانوا و آداب الجمهور كذلك، بل لم يكتفوا على ذلك، و صرحوا (ع) فى بعضها ان السلام المذكور محلل للصلوة، فاذا قلته فقد سلمت، كما فى الرضوى المتقدم، حذرا من ان يحمل اصحابهم (ع) كلما يسمعوا منهم التسليم و الامر به على السلام عليكم فقط، بناء على كونه هو المتعارف الشايع عند اكثر المدعين للاسلام، و عليه فصار ما اختاره المدارك، و من يحذو حذوه هبأ منثورا، و القائل به خائبا مقهورا، فان اردت تفرجا فاعطف على قولنا، يحمل اصحابهم قولنا

ص: 302

يجئ صاحب المدارك و متابعوه، و يحملوا قولهم (ع) ان بالسلام علينا يتحقق الانصراف عن الصلوة، على ان المراد ان به يحصل الانصراف عنها و القطع عنها، و هو لا يستلزم الوجوب، فيجب بعده التسليم المحلل ايضا.

و بالجملة، قد ظهر من هذا الدّليل كون المصلى مخيرا فى امتثال الامر بالسلام بين الصيغتين المذكورتين، و هو المطلق.

الثانى: ان مقتضى الأخبار المتواترة الآمرة بالتسليم،

حصوله بكلّ ما يطلق عليه اللفظ، خرج منه ما عدا الصيغتين المشار اليهما بالدليل، و لم يقم دليل على خروجهما او احديهما عنه، و عليه فيكون الاتى بكل منهما اتيا بالطبيعة المامور بها، فيجئ التخيير و هو المطلق.

الثالث: عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره،

و التقريب واضح، لما عرفت من كونه جزءا، و ترك الجزء مما يوجب فساد العبادة.

الرابع: ان مقتضى المستفيضة هو حصول الانصراف عن الصلوة،

و الفراغ عنها بالسلام علينا و على عباد الله الصالحين، فيكون واجبا كالسلام عليكم، و عليه فيجئ التخيير لما عرفت فى المقدمة من عدم وجوب التسليمتين، و هو المطلق، و القول بان استلزام تحقق الانصراف لكون ما يحصل به واجبا ممنوع، لعدم الدليل عليه من النصّ الالهى، اذ لا تدل عليه آية، و لا من السنة، اذ لا تدل عليه رواية، و لا من العقل، اذ لا ضير فى كون التسليم المفروض مستحبا، و مخرجا عن الصلوة، و يكون السلام عليكم واجبا بعده. الا تنظر الى سقوط الوضوء الواجب بالمندوب منه فلا تتوحّش، و لا من الاجماع، اذ الجماعة و منهم صاحب المدارك قد صاروا الى كون التسليم المفروض مما يحصل به الانصراف عن الصلوة، و انه ليس بواجب، و ان قيل بوجوب التسليم غير وجيه، اما لانّ الظاهر من نفس هذه المستفيضة تحقق الامر بالتسليم بهذه الصيغة ايضا، او لان مقتضى الخبر الرابع المتقدم فى اوائل بحث التسليم هو كون علة وجوب التسليم، هو التحليل، و الحال ان مقتضى المستفيضة ما علمته، او لان التسليم الذى قد وقع خبرا عن التحليل فى الرواية

ص: 303

المشهورة، اعنى قوله (ع): تحليلها التسليم، اما يحمل على معنى يشمل السلام علينا و على عباد الله الصّالحين، و السلام عليكم، او على معنى يختص بالأول او بالثانى، فان كان الثانى فهو خلاف الحق، لما عرفت من حصول التحليل بالصيغة المزبورة، و الثالث فهو ايضا خلاف المستفيضة، فيبقى الأول، و عليه فلا ريب ان المراد من هذا التسليم الذى وقع خبرا عن التحليل فى الرواية المشهورة و من التسليم الذى قد امر به الأخبار الدالة على الوجوب، شئ واحد، فثبت المطلق، و اما ما ذكره بعضهم(1)، بان الظاهر ان الاستلزام متفق عليه بين القائلين بوجوب التسليم، المفتين به، و لم اجد احدا صار الى وجوب خصوص السلام عليكم، و الى عدم وجوب السلام علينا و على عباد الله الصالحين، و الى كونه مما يحصل به تحليل الصلوة، نعم، صار الى هذا جماعة، ممن صار الى القول بندب التسليم، و تكلم فى المسئلة على فرض وجوب التسليم، و هذا لا يقدح فى ظهور الاجماع على الاستلزام، كما لا يخفى، و ممن ظاهره الاعتقاد بالاستلزام الفاضلان فى التحرير و المنتهى و غيرهما، و الشهيد الثانى فى الروضة و الرياض، فغير وجيه لمكان صاحب البشرى و غيره، و اما ما ذكره بعد ذلك بقوله: و لو سلمنا ان الاستلزام غير متفق عليه بين اولئك، فلا اقل من انه مذهب معظمهم، و لا يبعد جعل مجرد هذا حجة، فللاعتضاد صالح بلا مرية، سيما اذا اعتضد بكلام بعض المحققين، الذى قد تقدم نقله فى اوائل هذه المسئلة، و بما ذكر ظهر ان ما ذكره الشهيد فى الذكرى و البيان مما لا اعتناء بشانه، سيما مع ذهابه الى المختار فى الرّسالة و اللمعة، التى هى من آخر تصنيفاته، على ما ذكره شقيقه فى الروضة، و لا تتوهم ان هذا الدليل و الدليل الأول واحد، اذ بينهما بون بعيد، فان قلت ما ذكرت فى هذا الدليل من كون مقتضى المستفيضة هو كون السلام علينا و على عباد الله الصالحين محللا للصلوة، غير مسموع، اذ غاية ما يستفاد منها هو كون الصيغة المزبورة مخرجه عنها، و قاطعة لها، و هذا لا يستلزم كونها محللة، الا تنظر الى ما ذكره بعض الأجلاء، بقوله: و انت خبير بان غاية ما يستفاد من الأخبار بالنسبة

ص: 304


1- و هو بعض مشايخنا (منه).

الى السلام علينا و على عباد الله الصالحين، هو كونها قاطعة للصلوة، اتاها و لا يستفاد منها وجوب الاتيان بها، اذ ليس بعد من هذه الأخبار الدالة على كونها قاطعة و مخرجة، الا مجرد حكايتها فى التشهد، المشتمل على المستحبات العديدة، و جعلها فى قرن ذلك، و الا فالاوامر التى ذكرنا دلالتها على وجوب التسليم، و الأخبار الدالة على انه محلل و اذن، و نحو ذلك انما وردت فى السلام عليكم خاصة، لا تعلق لشئ منها بالسلام علينا، ثم نقل رواية ابى بصير المتقدمة فى الدّليل الخامس، الذّى سقناه لوجوب التسليم، و قال فى الوافى بعد نقل هذا الخبر: و يستفاد من هذا الحديث و بعض الأخبار السابقة، ان اجزاء الصّلوة قول المصلّى السلام علينا و على عباد الله الصالحين، و به ينصرف عن الصلوة و بعد الانصراف عنها بذلك، ياتى بالتسليم الذى هو اذن و ايذان بالانصراف، و تحليل الصلوة، و هو قوله: السلام عليكم، و لما اشتبه هذا المعنى على اكثر متاخرى اصحابنا، اختلفوا فى صيغة التسليم المحلل اختلافا لا يرجى زواله، و الحمد لله على ما هدانا، أقول: و هو موافق لما قدمنا تحقيقه، و اوسعنا مضيقة، انتهى.

و عليه فلا يتم ما ذكرته فى الرواية المشهورة، لمكان اختيار الشق الثالث من الترديدات الثلاث، و ما فى قبيلها، قلت: قد سلمت ان مقتضى المستفيضة هو كون الصيغة المزبورة مخرجة عن الصلوة، و قاطعة لها، و يكون المصلى لها فارغا عنها، و عليه فلا بد لك من القول بكون السلام الواجب المحلل خارجا عن الصلوة، و هو خلاف الحق، لما عرفت من كونه جزءا لها، و عليه فصار ما ذكره هذان الفاضلان هباء منشورا، هذا مضافا الى ذيل الخبر الثامن، من المتقدم فى اوائل التسليم، المشتمل على قوله (ع): فان آخر الصلوة التسليم، و الى الرضوى المتقدم، المتضمن على قوله (ع): و لا يجوز ان تقول فى التشهد الأول السلام علينا و على عباد الله الصالحين، لان تحليل الصلوة التسليم، فاذا قلت هذا فقد سلمت، و الى ان هذا المعنى الذى ذكره هذان، مما لا يكاد ان يلج فى قلب العالم المتبحر،

ص: 305

فضلا عن العوام الذى يكون خطاباتهم سلام الله عليهم على مقتضى فهمهم، و ذلك لانهم ينظرون فى الأخبار الصادرة عنهم (ع) فى منافيات الصلوة، و فى كلام العلماء الناقدين لها، يرون ان ما يظهر من صريحها و اشاراتها و منطوقها و مفهومها، هو كون تحريم الاشياء التى اشتملت تلك الأخبار عليها، انما هو لمكان الصلوة، و لاجل وقوعها فيها، و كونها منافية لتوقيرها، الا تنظر الى كون تلك الاشياء محللة قبل التكبيرة، فبها تحرم اذ بها يدخل الشخص فى الصلوة، و عليه فاذا فرغ المصلّى بالسلام علينا و على عباد الله الصّالحين، و انصرف عنها به فلا معنى لتحريم الاشياء المحللة قبل التكبيرة، اذ ليس السبب فيه الا الصلوة، على ما يستنبط من الأخبار، و كلام الاصحاب كما عرفت، فبانصرام اجلها، و ذهاب وقتها، قد ذهبت و انصرفت، فلا معنى لبقاء المسبب بعد ذهاب سبيه.

و عليه فمقتضى المستفيضة بعد ملاحظة هذه الدقيقه، هو كون الصيغة المزبورة عن الصلوة مخرجة، و لها محللة، كما انها لامتثال الامر بالسلام باعثة، اذ التسليم المحلل هو الواجب، و الى ما ذكره بعض المحققين فى اوائل كلامه المتقدم، فى اوائل هذه المسئلة، و الى ان بعض تلك المستفيضة، و هو رواية ابى بصير متضمنة للأمر بالصيغة المزبورة، و الامر للوجوب، و حمله على العينى، و ان كان خلاف الحق، و لكن مع ذهابه يجئ الوجوب التخييرى، الراجح على الاستحباب، لمكان المرجحات المتقدمة.

و عليه فلا بد ان تكون محللة ايضا، لما عرفت من عدم وجوب التسليمتين، فقد ظهر بما ذكر ان لما رجحناه فى هذه المسئلة ادلة كثيرة، منها ما بيناه فيها فى عنوانات عديدة. و بالجملة قد ظهر من الادلة ان المصلى مخير فى امتثال الامر بالسلام بين السلامين المشار اليهما، فيكونا واجبين تخييريين، فلو اتى بواحد منهما لا يحتاج الى الاخر، و اما القول بان القول بالتخيير مما لا يصار اليه، لكونه حادثا، كما قاله الشهيد فيما تقدم من عبارته فى الذكرى و البيان، و شقيقه فى المسالك، حيث قال: اما السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، فمخرجه بالاجماع،

ص: 306

و اما السلام علينا و على عباد الله الصالحين، فعليها دلالة من الأخبار، الا ان القول بوجوبها حادث، فينبغى الاقتصار على موضع اليقين، و هو السلام عليكم الى آخره، ففيه اليه الاشارة، بل يكفيك فى رده ذهاب مثل المحقق و المصنف و من تبعهما الى ذلك، فلو كان هذا القول حادثا لما كان كذلك، بل الشهيد نفسه مع ما علم من انقياده الى المشهورات غالبا، و مصيره الى جهة الشهرة، قد صار الى ما صار اليه الى آخره، و من تابعه فى الالفيه فى اللمعة، التى هى من آخر تصنيفاته، على ما ذكره فى الروضة، قيل(1) و فى غاية المراد: اوجب فى المبسوط السلام علينا و على عباد الله الصالحين، و جعل السلام عليكم مستحبا، كذا نقله بعضهم، ثم ناقش فى هذه الحكاية، قال: و قال المرتضى و ابو الصلاح:

يتعين السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، و اجتزء ابن الجنيد و ابن ابى عقيل و ابن بابويه و المحقق فى التحرير بقول السلام عليكم، و المشهور الاجتزاء باى الصيغتين كان، انتهى.

و بالجملة، لا شبهة فى ضعف ما ذكره الشهيدان، كالاستدلال لوجوب السلام عليكم خاصة، بان به يحصل البراءة اليقينية لا بغيره، لما عرفت من الادلة القوية، التى لا يقاوم فى مقابلها هذا الاصل، الذى يتمسك به بعد العجز عنها، هذا مضافا الى ان القول بتعين السلام علينا موجود، كما تقدم اليه الاشارة، و ان قيل باضعفيته من هذا القول، و عليه فكيف يتيقن معه بحصول البراءة اليقينية، فتدبر.

و بالجملة، لا شبهة فى ضعف هذا الاستدلال، كالاستدلال(2) بذيل موثقة ابى بصير الطويلة، لمكان اشتمالها بعد السلام علينا، على قوله (ع): ثم تسلم، فليحمل على الاستحباب، الذى ربما يحكم بكونه مجازا مشهورا فى اوامر الائمة (ع) باعثا بمجرده لتردد الذهن فى الحمل على الوجوب، الذى هو الحقيقة، فما ظنك فى الحمل على الاستحباب، مع الادلة المتقدمة القوية.

و ينبغى التنبيه على امور:
اشارة

ص: 307


1- و هو بعض مشايخنا (منه).
2- و المستدل هو جامع المقاصد (منه).
الأول: يجوز الجمع بين السلام علينا و على عباد الله الصالحين،
اشارة

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، بلا خلاف اجده، و يدل عليه جملة من الأخبار المتقدمة و اما ما قيل بعد حكمه بعدم كون المسئلة مشكلة، و ان كان المستفاد من بعض الاشكال، فيها، فمما لا يعتنى به.

تذنيبات:
الأول: صرح بعضهم بانه لا فرق فى ذلك بين الفريضة و النافلة كذلك،

لاطلاق كلام الاصحاب، و للاستقراء، اذ الغالب اشتراكهما فى الاحكام، و لانه لو لم يجز ذلك فى النوافل لاشتهر فى النص و الفتوى، و التالى باطل، فالمقدم مثله، و لان المعهود من عمل الشيعة هو الجمع فى النافلة، كما صرح به بعضهم.

الثانى: اذا أخر فى الجمع السلام عليكم على السلام علينا و على عباد الله الصالحين،

فلا اشكال فى جوازه، لظهور اتفاق الاصحاب عليه، قال بعض الأجلة و الاحوط الجمع بينهما بتاخير السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، لجوازه بل استحبابه اتفاقا، كما حكاه بعض اصحابنا، و كونه متعارفا بين الشيعة، و موافقا للسيرة المستمرة، كما صرح به بعض المحققين، حيث قال: المتعارف بين المسلمين فى الاعصار و الامصار انهم يقولون: السلام علينا قبل السلام عليكم، تبعا لفعل النبى (ص) و الائمة (ع)، انتهى، و لموثقة ابى بصير الطويلة، المتقدمة فى شرح قول المصنف: و يستحب الزيادة فى الدعاء، و لرواية الفقه الرضوى المتقدمة هناك، و لقوية ابى بصير المتقدمة فى الدليل الخامس، الذى سقناه لوجوب التسليم.

و اما ما ذكره فى المدارك بعد نقل كلام الذكرى الاتى فى التذنيب الخامس، بقوله: و هو جيد، لكن قد يتطرق الى تقديم السلام علينا اشكال من حيث انه غير واجب بالاجماع، كما اعترف به، و قد ثبت كونه قاطعا للصلوة، فمع تقديمه يكون فاصلا بين اجزاء الصلوة على القول بوجوب التسليم، ففيه انه اى شئ صار باعثا له فى اختياره فى مسئلة تعيين السلام الواجب، بما اختاره حتى يقع فى هذا المقام، بما ترى من تكلمه بما يخالف الأخبار و الاتفاق، فاعتبروا يا

ص: 308

اولى الابصار، حتى لا تقولوا بان بالسلام علينا ينصرف المصلى عن الصلوة، و يفرغ عنها، و لكن لا يمتثل به الامر بالسلام، و بالجملة لا شبهة فى ضعف ما ذكره، نعم يمكن ان يقال فى دفع ما استشكله، بان للمنسلك بهذا المسلك ان لا يجعل السلام عليكم جزءا، و لكن لا ينفعه، لاقراره بجزئيته، و كيف كان، فلا اشكال بحمد الله فى المسئلة.

الثالث: لو أخر فى الجمع السلام علينا، على: السلام عليكم،

فالذى ذكره الجماعة - و منهم المصنف و المحقق و الشهيد فى اللمعة - هو الجواز، خلافا لما يستفاد من الشهيدين فى الذكرى و البيان و الرياض، فالعدم، و اليه يميل بعض، كغيره(1).

و فى الذكرى: لم يات به خبر منقول، و لا مصنف مشهور، سوى ما فى بعض كتب المحقق.

و فى البيان: لم يذكر ذلك فى خبر و لا مصنف، بل القائلون بوجوب التسليم و استحبابه يجعلونها مقدمة على السلام عليكم.

و فى الرياض: و الذى استفيد من بعض الأخبار، و اختاره جماعة تقديم السلام علينا، و تاخير السلام عليكم، دون العكس، انتهى.

أقول: و الأول هو الاظهر، اذ لم اجد دليلا على المنع، و ما ذكروه مما لا يغنى من الجوع، نعم، ربما يتوهم الناظر فى روايتى ابى بصير و الفقه الرضوى، المتقدمة اليهما الاشارة فى بادى النظر، ان الحق مع الجماعة الثانية، و لكن بعد التدبر يظهر انه ليس فيها دلالة.

الرابع: اذا جمع بينهما، فهل الواجب على القول به الأول مطلقا،
اشارة

كما ذكره المصنف و المحقق و الشهيد فى اللمعة و غيرهم، او الثانى اذا كان السلام عليكم كما يستفاد من القائل بكون الانصراف حاصلا من السلام علينا، و امتثال الامر بالسلام حاصلا من السلام عليكم، او يرجع الامر الى نظر المصلى، فما يقصد كونه واجبا فهو الواجب؟ احتمالات: و ما اختاره المحقق و متابعوه هو الاقوى،

ص: 309


1- و هو الرياض (منه).

لاطلاق قوله (ع): و تحليلها التسليم، كاكثر الاوامر الآمرة بالتسليم، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة، و لان مقتضى المستفيضة فى صورة تقديم السلام علينا هو حصول الانصراف، و التحليل به، بتقريب ما عرفته فيما تقدم، فلا بد ان يقال فى السلام عليكم ايضا، اذا قدم نحوه لعدم القائل بالفصل، و اما قلب ذلك فمما لا يتكلم به فى هذا المقام الا معكوسى الاذهان، و من ليس من فرسان هذا الميدان، و لظهور اتفاق جميع القائلين بالتخيير او معظمهم على ذلك، و فى التذكرة بعد ذكر السلامين: فبايهما بدا كان الثانى مستحبا، و كذا الأول عندنا، و اما الموجبون منافانهم اوجبوا الأول، و استحبوا الثانى، انتهى.

كلامه يشعر باتفاقهم على ذلك، لمكان الجمع المحلّى باللام.

فرع:

اذا كان الواجب هو الأول، فهل يوصف الثانى بالاستحباب كما هو صريح الفاضلين و الشهيد فى اللمعة ام لا؟ و الاقوى هو الأول، اذا كان الثانى السلام عليكم، لموثقة ابى بصير الطويلة، كالفقه الرضوى المتقدمتين فى شرح قول المصنف:

و الزيادة فى الدّعاء، و رواية ابى بصير المتقدمة فى الدليل الخامس الذى سقناه لوجوب التسليم، و اما اذا كان السلام علينا و على عباد الله الصالحين، فلم اعثر على ما يدل عليه، الا انى لم اجد من القائلين بالتخيير المجوزين(1) لذلك فارقا بين الصيغتين، و يعضده عبارة التذكرة المتقدمة فتأمل.

و فى المهذب البارع: اذا جمع بين الصيغتين اعتمد وجوب الاولى، و استحباب الثانية، و لو عكس بطلت الصلوة، انتهى.

الخامس: قال الشهيد فى الذكرى: الاحتياط في الدين الاتيان بالصيغتين جمعا بين القولين،

و ليس ذلك بقادح فى الصلوة بوجه من الوجه باديا بالسلام علينا و على عباد الله الصالحين، لا بالعكس، فانه لم يات به خبر منقول، و لا مصنف مشهور، سوى ما فى بعض كتب المحقق رحمه الله، و يقصد ندب السلام علينا، و وجوب الصيغة الاخرى الصيغتين، فالسلام عليكم و رحمة الله و بركاته مجزية

ص: 310


1- اى تأخير اسلام علينا (منه).

بالاجماع، انتهى.

و استجوده بعض الأجلاء، و كذا جعل بعض الأجلة الجمع على هذه الكيفية احوط، و فى الحبل المتين: و الاحوط الاتيان بالعبارتين معا خروجا من خلاف الشيخ فى المطلوب، حيث اوجب الاتيان بالعبارة الثانية، اعنى السلام علينا و على عباد الله الصالحين، و جعلها آخر الصلوة، و من خلاف الفاضل يحيى بن سعيد فى الجامع، حيث اوجب الخروج بها على التعيين، و ان قال شيخنا فى الذكرى: ان فى هذا القول خروجا عن الاجماع، من حيث لا يشعر قائله، و فى الذخيرة بعد نقل كلام الذكرى: و ما جعله الاحتياط مخالف لما اختاره فى اللمعة و الرسالة، و لقول المحقق و المصنف، و لقول يحيى بن سعيد، و الاحسن عندى الاتيان بهما جميعا، بالترتيب الذى ذكره، مع عدم نية الوجوب فى شئ منهما، بالاكتفاء بالقربة، و هذا الترتيب موجود فى رواية ابى بصير الطويلة، المذكورة فى التشهد و غيرها، و عن الكشف ان من الاصحاب من اوجب السلام علينا و على عباد الله الصالحين، و لا موافقة له، و اوجب بعضهم السلام على النبى (ص)، و لا موافق له، فان كان الاحتياط الجمع بين الصيغتين للخروج من الخلاف، كان الاحوط الجمع بين الصيغ الثلاث، و ان لا ينو الخروج بشئ منها، انتهى.

و جعل فى المسالك من قدم السلام علينا مع التسليم المستحب مقتصرا على موضع اليقين.

أقول: و يمكن ان يقال: ان كان فى الجمع يقدم السلام علينا و على عباد الله الصالحين، فيرد مناقشة صاحب المدارك المتقدمة فى التذنيب الثانى، و ان كان يؤخر فالامر اصعب، لمكان يحيى بن سعيد، و تلك المناقشة و ما تقدم فى التذنيب الثالث، و عليه فكيف يحصل القطع بالاتيان بالمامور به على وجه، فلا بد من تعيين ما هو الواجب اجتهادا، اللهم الا ان يكون ما يرد على القسمين او على احدهما مضعفا بطريق علمى، و كيف كان، فالجمع بتقديم السلام علينا ان

ص: 311

لم يكن احتياطا حقيقة، فقريب منه جدا، سيما بعد ملاحظة وروده فى الأخبار.

الامر الثانى: يجوز حذف و بركاته فى السلام عليكم و رحمة الله و بركاته،

بلا خلاف، قاله فى المنتهى، و عن ابن زهرة القول بوجوب ذكره، و نسبه فى المهذب البارع الى الشهيد، و الاقوى هو الأول، لعدم الخلاف المتقدم، المعتضد بفتوى المعظم، كما صرح به بعضهم، و اما استفادة ما نسب الى ابن زهرة من المتن و الشرايع و مختصر النافع و ما ضاهاها، فبعيد جدا، فلذا لم اعثر على من نسب اليهم ذلك، و اما القول بان دعوى عدم الخلاف ممنوعة، لوجود المخالف، فغير قادح، لمكان شذوذه، و يدل على المختار ايضا اطلاق الامر بالصلوة و التسليم، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، و اطلاق قوله (ع) فى الرواية المشهورة: و تحليلها التسليم، و قوية ابى بصير التى سقناها فى الدليل الخامس، الذى سقناه لوجوب التسليم، و رواية ابى بكر الحضرمى، و ابن ابى يعفور المتقدمتان فى شرح قول المصنف: و صورته السلام علينا فى المقام الأول، و المرتضوى المروى فى التذكرة و غيرها، ان عليّا (ع) كان يسلم عن يمينه و شماله: السلام عليكم، السلام عليكم، و القول بان ظاهر بعض تلك الأخبار وجوب الاقتصار على السلام عليكم، مع انه لا قائل به، و عليه فيجب الحمل على ارادة السلام عليكم مع ضميمة و رحمة الله و بركاته، فغير وجيه، سيما بعد ملاحظة كون الامر محمولا على الواجب المخير.

و اما ما رواه الكافى فى باب النوادر، الواقع بعيد باب صلوة من اراد ان يدخل باهله، فى الصحيح على الصحيح، لمكان ابراهيم عن ابن اذينة، عن الصادق (ع)، و ساق الخبر الى ان قال: ثم اوحى الله اليه يا محمد، صل على نفسك، و على اهل بيتك، الى ان قال: ثم التفت فاذا بصفوف من الملائكة و المرسلين و النبيين، فقيل: يا محمد سلم عليهم، فقال: السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، الخبر، فلا يصلح لمعارضة ما تقدم، مع انه مبنى على وجوب التأسى، و فيه ما فيه.

ص: 312

الثالث: يجوز حذف و رحمة الله ايضا،

وفاقا للمعظم، و خلافا للمحكى عن الحلبى، فاوجب السلام عليكم و رحمة الله خاصة، و فى المهذب البارع نسبه الى الشيخ فى المبسوط ايضا، و الحق هو الأول، فيجوز الاقتصار على السلام عليكم، و فى الدروس: و صورته السلام عليكم، و عليه الموجبون و بعضهم اضاف و رحمة الله و بركاته، و هو اولى، و عن البيان: الاكثر على الاجتزاء بالسلام عليكم، انتهى.

أقول: و يدل على المختار الأخبار المتقدمة اليها الاشارة، و هى كما تدل على عدم وجوب و بركاته، كذا تدل على عدم وجوب و رحمة الله، و فى المهذب البارع بعد الاشارة الى المختار: و هو المشهور فى الروايات المنقولة عن اهل البيت (ع)، و يؤيدها اصالة البراءة، انتهى، و يدل عليه ايضا ساير الادلة المتقدمة فى قبيل المسئلة، فلا وجه للاطالة.

و اما ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات باسناد فيه محمد بن احمد و هو العلوى، الذى قيل(1) يروى عنه الاجلة كمحمد بن على بن محبوب، و محمد بن احمد بن يحيى، و لم تستثن روايته، و يصحّح العلامة حديثه، و فى البلغه: صحح العلامة الروايات التى هو فى طريقها فى المختلف و المنتهى، كما نبه عليه فى المنتقى، و اقتفاه صاحب المدارك فى مباحث الحج، انتهى، و ربما قيل بتصحيح حديثه، لانه ماخوذ من الاصل المعروف، و فيه مناقشة.

أقول: و لعلّ تصحيح المصنف الروايات التى هو فى طريقها فى المختلف و المنتهى، كما عرفت فى البلغة، قد صار لعدّ الجماعة، و منهم الشارح المحقق فى الذخيرة، و السيد فى المدارك، هذه الرواية من الصحاح، و ان كان هذا الكلام لا يخلو عن مناقشة، لما تعلم من دأب صاحب المدارك و متابعيه، عن على بن جعفر، قال: رايت اخوتى موسى و اسحق و محمد بن ابى جعفر (ع) يسلمون فى الصلوة عن اليمين و الشمال: السلام عليكم و رحمة الله، السلام عليكم و رحمة الله، فلا يصلح للمعارضة مع ابتنائه على ثبوت وجوب التأسى مطلقا، و هو كما تعلمه،

ص: 313


1- و هو (منه).

هذا مضافا الى كون ما فيه غير واجب كما ستعرفه، فكيف يصلح للمعارضة، فضلا عن ان يغلب على ادلة المختار؟ نعم، هو الاحوط و الاولى، هو قول: السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، خروجا عن الخلاف، و لرواية ابن اذينة المتقدمة، و من المصرحين باستحبابه المصنف فى التذكرة، و فى المقاصد العلية، و اكثر الاصحاب على الاجتزاء بالسلام عليكم، و اضافة و رحمة الله و بركاته، بنية الوجوب اولى، و ان قلنا بصحته بدونها جعلا لذلك من باب الواجب المخير، و ان كان بعض افراده خيرا من بعض الاخر، فان الماهية الكلية المامور بها يشملها.

الرابع: لا يجوز ان يقول بدل السلام عليكم: عليكم السلام،

بلا خلاف اجده بل استظهر بعض مشائخنا عدم الخلاف فيه، بل قال المصنف فى التحرير: اما لو قال عليكم السلام فانه لا يجزئه قولا واحدا على القول بالوجوب، و هو الحجة، مضافا الى رواية ابن ابى بعفور المتقدمة اليها الاشارة، المعتضدة برواية ابى بصير، و المرتضوى و على بن جعفر المتقدم اليها الاشارة، و بما عن التحرير و المنتهى بانه خلاف المنقول، و خلاف تحية القرآن، و الاقتصار على المنقول و منطوق القرآن بناء على اليقين، فيقتصر عليه، و لان النبى (ص) نهى عنه، فقال لابن تميمة: و لا تقل عليك السلام، و عن الاخير انه زاد فقال: و من طريق الخاصة ما رواه الشيخ فى الموثق عن عثمان بن عيسى، عن ابى عبد الله قال: سألته عن الرّجل يسلّم عليه فى الصلوة، قال: يرد يقول: سلام عليكم، و لا يقول: عليكم السلام، فان رسول الله (ص) كان قائما فمر به عمار بن ياسر فسلم، فرد عليه النبى (ص) هكذا و اذا كان الاتيان بهذه الصيغة منهيا عنه فى الصلوة على سبيل الرد، فكذا فى التسليم، لانه قبله لم يخرج عن الصلوة، و الرّد كالابتداء انتهى، و كيف كان فالمسئلة بحمد الله واضحة.

الخامس: صرح الجماعة و منهم الذكرى و المهذب البارع و الذخيرة و جامع المقاصد و غيرهم، بعدم جواز سلام عليكم بحذف حرف التعريف،

خلافا للمصنف فى التذكرة كما عن نهاية الاحكام، فذهب الى الجواز اذا نوّن، و الى عدمه مع

ص: 314

عدمه، و عن التحرير التصريح بالجواز فى الصورة الاولى، للاول رواية ابن ابى يعفور المتقدمة، اذ فيها سألت ابا عبد الله (ع) عن تسليم الامام، و هو مستقبل القبلة، قال: يقول: السلام عليكم، المؤيدة برواية ابن اذينة، و رواية ابى بصير، و على بن جعفر و المرتضوى المتقدم اليها الاشارة، و قاعدة الاحتياط، و للاخر ما اشار اليه فى التذكرة، حيث قال: و لو قال: سلام عليكم منونا، فالاقرب الاجزاء، لان عليا (ع) كان يقول: سلام عليكم، عن يمينه و شماله، و ظاهر مذهب الشافعى العدم، لانه نقض الالف و اللام، و ليس بجيد، لانه نوّن، و هو يقوم مقامهما، و ما اشار اليه فى التحرير حيث قال: لو قال: سلام عليكم ناويا به الخروج، فالاشبه انه يجزى، لانه يقع عليه اسم التسليم، و لانها كلمة ورد فى القرآن صورتها، ورد ما فى الذكرى، و فيه بعد، لانه مخالف للمنقول عن صاحب الشرع، و لا نسلم صدق وقوع التسليم الشرعى عليه، و لا يلزم من وروده فى القرآن التعبد به فى الصلوة.

و فى جامع المقاصد: و دعواه صدق التسليم عليه متوقفة على الدليل، قيل اطلاق الامر بالتسليم ينصرف الى الغالب، و هو غير الصيغة المزبورة.

أقول: و الانصاف ان المسئلة محل اشكال، كما صرح به التحرير ينشأ من رواية ابن ابى يعفور، فلا، و صدق التسليم و الاطلاقات الامرة بالصلوة، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، فنعم، و لعل الأول لا يخلو عن قوة للرواية المذكورة، المعتضدة بما مرّ، و بظهور مصير المعظم اليه، كما استظهره بعضهم(1) مع كونه احوط.

السادس: لا يجوز ان يقول بدل السلام عليكم: السلام عليك،

على ما ذكره فى التذكرة، و عن نهاية الاحكام، و بذلك صرح غيره ايضا، بل لم اجد قائلا بجوازه، و يدل عليه بعض الوجوه المتقدمة، و الخبر الثانى عشر الاتى فى شرح قول المصنف رحمه الله: و الامام بصفحة وجهه الى آخره، نعم، ربما يستفاد عن اسحق بن عمار، عن موسى بن جعفر (ع)، و ساق حديث المعراج الى ان سجد النبى (ص) السجدة الثانية من الركعة الثانية، فقال (ع): ثم قال له: ارفع

ص: 315


1- و هو بعض مشايخنا (منه).

راسك، ثبتك الله، و اشهد ان لا اله الا الله، و ان محمدا رسول الله، و ان الساعة آتية لا ريب فيها، و ان الله يبعث من فى القبور، اللهم صل على محمد، و ترحم على محمد و آل محمد، كما صليت و باركت و ترحمت و مننت على ابراهيم و آل ابراهيم، انك حميد مجيد، اللهم تقبل شفاعته فى امته، و ارفع درجته، ففعل ذلك، فقال: يا محمد سلم، و استقبل رسول الله (ص) ربه تبارك و تعالى وجهه مطرقا، فقال: السلام عليك، فاجابه الجبار جلّ جلاله فقال: و عليك السلام يا محمد، بنعمتى قويتك على طاعتى، و بعصمتى اياك اتخذتك نبيا و حبيبا، ثم قال ابو الحسن (ع): الخبر، و لكن يعارضه صحيحة ابن اذينة المتقدمة، المبينة لكيفية المعراج، و امر الاحتياط واضح.

السابع: اذا اقتصر على السلام علينا و على عباد الله الصالحين،

فلا يجوز تغييره، وفاقا للجماعة، بل لم اجد فيه مخالفا، بل استظهر بعضهم(1) عدم الخلاف فيه، و عن نهاية الاحكام انه حكاه عن الموجبين للتسليم، و يدل عليه الأخبار الدالة على ان به يحصل الانصراف.

فروع:
الأوّل: لا يجزى الترجمة،
اشارة

كما صرح به جملة من العبائر لما تقدم.

تذنيب:

عن الذكرى القول بجواز ترجمة التسليم، مع ضيق الوقت و فى الجعفرية: و يجب عربيته مع الامكان وسعة الوقت، و فى شرحها لوجوب التأسى، فلو لم يقدر على العربية اتى بالترجمة، كما فى ساير الاذكار وجوبا، لعموم: فاتوا منه ما استطعتم، هذا مع ضيق الوقت، و اما مع السعة فيجب عليه التعلم، انتهى.

أقول: وجوب التعلم مع السعة مما لا ريب فيه، قضاء لحق الواجب المطلق و اما كفاية الترجمة مع الضيق فمما لا ريب فيه ايضا، و اما وجوب الاتيان بها معه، فاتمامه بالدليل لا يخلو عن اشكال، و فى دلالة قوله (ع): فاتوا منه ما استطعتم ما فيه، و امر الاحتياط واضح.

ص: 316


1- و هو بعض مشايخنا (منه).
الثانى: لا يجزى السلام علينا و على عباد الله المخلصين،
اشارة

او العابدين، او السلام على عباد الله الصالحين و علينا، كما صرح به فى التحرير و عن غيره لما تقدم.

تذنيب:

و فى التذكرة بعد حكمه فى صورة الاقتصار على السلام المذكور بعدم اجزاء النكس و الترجمة، و تبطل صلوته لو فعله عمدا، لانه كلام فى الصلوة غير مشروع، انتهى.

أقول: و الاجود لنا ان نقول لعدم اتيانه بالمامور به على وجهه فتفسد.

الثالث: عن المنتهى: يجوز ان ياتى بالتسليم المذكور باى كيفية اراد،

اذا قدم السلام عليكم قال: لانه يكون قد خرج من الصلوة.

أقول: ان اراد عدم بطلان الصلوة، بذلك فحسن، و ان اراد تادية التوظيف فغير وجيه.

الرابع: اذا قدم السلام المذكور عن السلام عليكم،

و غيره فقط، بان اتى بترجمته او نكسه او غيرهما من التغييرات، فالاجود ان صلوته باطلة، إذ المامور به هو الأول، و لم يات به على وجهه.

الامر الثامن: لا يجب فى التسليم نية الخروج عن الصلوة، وفاقا للجماعة بل لم اجد فيه مخالفا، الا ما عن الشهيد فى غاية المراد، فقال بالوجوب، و فى الذخيرة: و ربما يقال بالوجوب، و عن الشيخ فى المبسوط: من قال ان التسليم فرض فتسليمة واحدة يخرج من الصلوة، فينبغى ان ينوى بها ذلك، و كلامه غير صريح فى المخالفة، و كيف كان، فالاشهر هو ما اخترناه، و يدل عليه اطلاق الامر بالصلوة، و اطلاق الامر بالتسليم، و اطلاق قوله (ع): و تحليلها التسليم، و اطلاق المستفيضة الدّالة على ان بالسلام علينا و على عباد الله الصالحين يخرج عن الصلوة و ينصرف عنها، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، المؤيد بما فى التذكرة، و هل يجب نية الخروج عن الصلوة بالسلام؟ الاقرب العدم، لانه

ص: 317

فعل من افعال الصلوة فصار كساير الافعال، و عن المنتهى: و هل يجب عليه ان ينوى بالتسليم الخروج من الصلوة؟ لم اجد لاصحابنا فيه نصا، و الاقرب انه لا يجب نية الخروج، فانه جزء من الصّلوة، و لا ينافيه الالتفات فيه، لجواز اختصاصه بذلك، انتهى، و بما فى الذخيرة كما عن الذكرى، ان جميع العبادات لا يتوقف على نية الخروج، بل الانفصال منها كاف فى الخروج، فاخراج الصلوة منها تحكم و بما فيها ايضا ان مناط النية الاقدام على الافعال لا الترك، و اما ما ذكره بعضهم(1) توجه الوجوب بان نظم السلام يناقض الصلوة فى وضعه، من حيث هو خطاب للادميين، و من ثم تبطل الصّلوة بفعله فى اثناء الصلوة عامدا، فاذا لم يقترن به نية تصرفه الى التحليل، كان مناقضا للصلوة مبطلا لها، فاوهن من بيوت العنكبوت، مع انه اوهن البيوت، كالقول بان الاصحاب - و خصوصا المتأخرين - يوجبون على المعتمر و الحاج نية التحليل بجميع المحللات، فليكن التسليم كذلك لانه محل من الصّلوة بالنص.

و فى جامع المقاصد: و الفرق بين الصلوة و الحج ظاهر، لانها تعد فعلا واحدا، و لا يناط بعضها ببعض، و لهذا يفعل بنية واحدة، و لا يصح الا كذلك، بخلاف الحج، لانفصال كل فعل عن الاخر، و احتياجه الى نية بالاستقلال، انتهى.

و اما الاستدلال المذكور فى المهذب البارع، بان الخروج من الصلوة لا يتحقق الا به، و هو عمل واجب، فيجب فيه النية، لعموم: انما الاعمال بالنيات، ففيه ما ترى، كالاستدلال باصالة الاحتياط، فلا وجه للاطالة فى مسئلة قد سكت اللّه عنها.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: يستفاد من الذخيرة ان النزاع فى النية المزبورة انما يتفرع على القول بوجوب التسليم،

و لعل عبارة الشيخ فى المبسوط ايضا اليه مومية.

الثانى: عن بعض الاصحاب التصريح باستحباب نية الخروج من الصلوة

ص: 318


1- و هو الذخيرة و الذكرى (منه).

بالتسليم.

الثالث: و عن الذكرى: ان قلنا بوجوب نية الخروج فهى بسيط،

لا يشترط فيها تعيين ما وجب تعينه فى نية الصلوة، اذ الخروج انما هو عما نواه و تشخص، و يحتمل ان ينوى الوجوب و القربة لا تعيين الصلوة و الاداء، لان الافعال تقع على وجوه و غايات، فلا بد لها من معين، و ليس الا النية، و اما تعيين الصلوة و الاداء فيكفي فيه ما تقدم من نيتها، و ارادة الخروج عنها الان، انتهى.

قال بعض المحققين: هل يجب نية الخروج فى التسليم المخرج؟ الاظهر العدم، لظواهر الأخبار، بل بعضها فى غاية الظهور، الى ان قال: لكن الظاهر وجوب قصد الامتثال و التعيين، كما هو الحال فى ساير اجزاء الصلوة، انتهى. و فيه مناقشة.

الرابع: عن الذكرى: ان اعتبرنا نية الخروج و عين الخروج عن صلوة ليس متلبسا بها،

فان كان عمدا بطلت صلوته لفعلها، يناقضها و ان كان غلطا، ففيه اشكال، منشاؤه النظر الى قصده فى الحال، فتبطل الصلوة، و الى انه فى حكم الساهى، و الاقرب صحة الصلوة، ان قلنا بعدم نية الخروج، و لانها على ما افتتحت عليه، و ان قلنا بوجوب الخروج احتمل ذلك ايضا، صرفا للنية الى الممكن و ان الغالط كالقاصد الى ما هو بصدده، و ان كان سهوا فالاقرب انه كالتسليم فى اثناء الصلوة، فيجب له سجدة التسليم، ثم يجب التسليم ثانيا بنية الخروج، و لما قلنا: لا يجب نية الخروج، لا يضر الخطاء فى التعيين نسيانا كالغلط، اما العمد فيبطل على تقدير القول بوجوب نية الخروج، و القول بعده، و كذا لو سلم بنية عدم الخروج به، فانه يبطل على القولين.

الخامس: عن الذكرى: وقت النية على القول بوجوبها عند التسليم مقارنة،

فلو نوى الخروج قبل التسليم بطلت، لوجوب استمرار حكم النية، و لو نوى قبله الخروج عنده لم يبطل، لانه قضية الصلوة، الا انه لا تكفيه هذه النية، بل يجب عليه النية مقارنة، لا قبله.

ص: 319

السادس: عن الذكرى: هذه النية لا يجوز التلفظ بها قطعا،

لاشتمالها على الفاظ ليست من اذكار الصلوة، و كذا نية العدول فى اثناء الفريضة الى فريضة اخرى، لا يجوز التلفظ بها، و ان جاز التلفظ بالنية ابتداء.

السابع: عن الذكرى: لو تذكر فى اثناء صلوة سابقه وجب العدول اليها،

فالاقرب انه لا يجب تجديد نية الخروج، و لا حداث نية التعيين فى الخروج لهذه الصلوة، التى فرضه الخروج عنها، كما لا يجب فى الصلوة المبتداء التعيين، لان نية العدول صيرت التسليم بها، و هذا العدول انما يتم، لو قلنا بان التسليم جزء من الصلوة، و لو حكمنا بخروجه لم يجز قطعا.

الامر التاسع: صرح الجماعة و منهم الشهيد، و المحقق الثانى، بانه يجب الجلوس فى التسليم الواجب بقدره، بل لم اجد مخالفا، بل الظاهر اتفاق الاصحاب عليه، على ما استظهره بعض مشائخنا، و يدل عليه ما ترى من السيرة المستمرة، و لا يعارض المذكور الاطلاقات، لمكان انصرافها الى المذكور، اذ الائمة عليه السلام قد كانوا مداومين عليه بلا مرية، كساير المسلمين، و يؤيده اصالة وجوب التأسى، و قوله (ص): صلوا كما رأيتمونى اصلى، و مداومتهم (ع) عليه.

فرعان:
الأول: صرح فى به شرح الجعفرية، بانه لا يجب فى ذلك الجلوس هيئة خاصة،

بل يجوز على اى هيئة كان، و هو جيد، لمكان اصالة البراءة، و الاطلاقات و عموم: لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره.

الثانى: صرح فى شرح الجعفرية باستحباب التورك فيه،

و هو جيد، لما تقدم فى مقامه اليه الاشارة.

تذنيب:
اشارة

صرح الجماعة و منهم الشهيد، و المحقق الثانى، بانه يجب فى ذلك الجلوس الطمأنينة، و استظهر بعض مشائخنا وقوع الاتفاق عليه.

أقول: و تلك الدعوى لم تورث لى ظنا يعتد به، فاذن القول بالوجوب محل

ص: 320

تردد، بل لا يبعد القول بعدم الوجوب، الا انى لم اجد فارقا فرق بين الجلوس فالوجوب، و الطمأنينة فعدمه، و لكن يمكن ان يقال: ان الفقهاء لم يتكلموا فى المسئلة الا قليل منهم، فكيف يعلم عدم القائل بالفصل؟ و كيف كان، فالاحتياط فى المسئلة مطلوب.

فرع:

قال فى شرح الجعفرية: و يجب الطمأنينة بقدر التسليم مع الاختيار، و يسقط ذلك مع الاضطرار، اذ لا ضرر و لا ضرار فى الاسلام.

فائدة:

قال الشيخ فى التهذيب: فى باب كيفية الصلوة، بعد نقل جملة من الأخبار الدالة على كون ثلاث ركعات الوتر مفصولة، و روايتى يعقوب بن شعيب و معوية بن عمار الدالة على التخيير فى التسليم، و رواية كرواية الدالة على كونها موصولة بما لفظه: فان هذه الرّوايات ليست منافية لما ذكرناه، لانها تضمنت التخيير فى التسليم، و من يقول بوصلها فانه لا يجوز التسليم فيها على وجه، و اذا كان فيها الاختيار فنحن نحمله على التسليم المخصوص، و هو عندنا انّ من قال السلام علينا و على عباد الله الصالحين فى التشهد، فقد انقطعت صلوته، فان قال بعد ذلك السلام عليكم و رحمة الله و بركاته جاز، و ان لم يقل ايضا، فكان التخيير انما يتناول هذا الضرب من التسليم، و لو كان فيها صريح بالنهى عن التسليم، لم يجب العمل بها، لان ما اتيناه فى وجوب التسليم من الأخبار اكثر، و لا يجوز العدول عن الاكثر الى الاقل، الا الدليل يمنع منه، و يجوز ان يكون هذه الأخبار خرجت على طريق التقية، لانها موافقة لمذهب العامة، و ما يخرج على هذا الوجه لا يجب العمل به، و يحتمل ان يكون اراد بالتسليم ما يستباح بالتسليم من الكلام و غيره، و اجرى عليه هذه التسمية، لانه سبب فى اباحته، و هذا الكلام مما الانسان مخير فيه ان شاء يتكلم، و ان شاء ابتدأ فى الوتر من غير كلام.

و قال الشارح المحقق فى الذخيرة فى جملة كلام له: و اما على القول

ص: 321

باستحباب التسليم، فالظاهر ان الخروج عن الصلوة بالكلية انما يتحقق باحد التسليمين، و ان كان الخروج عن واجبات الصلوة يحصل عند الفراغ من الصلوة على النبى و آله، و بهذا يحصل الجمع بين الأخبار الدالة على ان الفراغ من الصلوة، انما يحصل عند الفراغ من التشهد، و بين ما دل على انه يحصل بالتسليم، و من هذا الباب ما رواه فى التهذيب عن ابى بصير عن الصادق (ع)، قال: اذا نسى الرّجل ان يسلم، فاذا ولى وجهه عن القبلة، و قال: السلام علينا و على عباد الله الصالحين، فقد فرغ من صلوته، و بهذا يحصل ايضا الجمع بين عبارات الاصحاب من القائلين بالاستحباب، فان الظاهر من عبارة المفيد و الشيخ ان الخروج من الصلوة انما يحصل بالتسليم، مع تصريح الشيخ فى الاستبصار بان آخر الصلوة الصلوة على النبى و آله (ص).

قال فى الذكرى: و هو ظاهر الباقين، و يلزم من ذلك بقاؤه فى الصلوة بدون الصيغتين و ان طال، ما لم يخرج عن كونه مصليا، او يأت بمناف، و لا استبعاد فى ذلك، و لا يلزم من ذلك تحريم ما يجب تركه، و لا ايجاب ما يجب فعله فى الصلوة، لجواز اختصاص ذلك بما قبل الفراغ من الواجبات، نعم، يبقى من اثار البقاء على الصلوة المحافظة على الشروط، و ثواب المصلى، و استحباب الدعاء، صرح بذلك كله الشهيد فى الذكرى، انتهى كلام الشارح المحقق.

و قال بعض المحققين فى جملة كلام له: و ظهر منه ان الشيخين الذين هما الاصل و العمدة فى القول باستحباب التسليم، كلامهما لا يخلو من غرابه، لظهوره فى انحصار التحليل للصلوة فى التسليم، و هذا ينادى بان كلما يصدر من المنافيات قبل التسليم يكون حراما، كصدوره فى الصلوة، و هذا كيف يجتمع مع استحبابه.

و فى الذخيرة جمع بينهما بان الخروج عن الصلوة بالكلية منحصر فى التسليم، بخلاف الخروج عن واجباتها، فانه بالصلوة على النبى (ص) يعنى بناء على ما صرح به فى الصافى، بان آخر اجزاء الصلوة هو الصلوة على النبى (ص)،

ص: 322

لكن عرفت ان كلامه فى المواضع الاخر ظاهرة فى كون آخرها نفس الشهادتين، و مع ذلك كلامه فى شرح كلام المفيد من عدم جواز ترك التسليم فى ركعتى الوتر يابى عما ذكر، لعل ظاهر كلام المفيد ايضا من ان مع الترك تصيران موصلّة بالثالثة، كما هو راى جماعة من العامة، اذ لو كان التشهد و الصّلوة على النبى (ص) مخرجا عن الصلوة، كيف يصير ان موصله و البناء على كون مرادهم وجوبه فى خصوص ركعتى الوتر تعبدا، او من جهة الرواية فى ذلك بخصوصه دون الفريضة فاسد، اذ لم يرد فى الوتر الا انهما ركعتان مفصولتان عن الثانية، و ما يؤدى هذا المؤدى، و ورد ايضا ان شئت سلمت، و ان شئت لم تسلم، و هذا عين مذهبهما فى الفريضة، بان الخروج عن نفس الرّكعتين يتحقق بالتشهد و الصلوة عليهم، فيكونان مفصولة،(1) فلا تعارض ما دل على التخيير فى التسليم، بل كل من المتعارضين يحقق الاخر، و يؤكد، و يشهد له بل يدلّ عليه، و فى بعض الأخبار و ان ورد الامر بالتسليم بعدهما، الا ان ما دل على التخيير يكشف عن كونه الامر المذكور، و ليس على الواجب، بعين ما قالا فى الفرايض، مع ان الامر الوارد فى الفرائض خرج عن حد الاحصاء، و مع ذلك محفوف بالقرائن الظاهرة فى الوجوب، بحيث لا تناسب حمل الامر بالتسليم، عن كون المراد الخروج عن الصلوة، و انه كفاية عنه. و فى المقام ليس كذلك، مع انه ظاهر ان الشيخ فى جمعه بين الاخبار هنا، بحمل ما دل على الوجوب على كون المراد حصول السلام علينا، و ما دلّ على التخيير خصوص السلام عليكم، و القول بان عندنا ان من قال: السلام علينا، خرج عن الصلوة، فان شاء قال بعد ذلك: السلام عليكم، و ان شاء لم يقل نظره، انما هو الى الأخبار الواردة فى الفرائض، بل القطع حاصل فى عدم ورود خبر فى ذلك، فى خصوص الوتر بحيث يجعله من خواصه، و لا فتوى من فقيه كذلك بالبديهة لم يرد فى الوتر مطلقا، و لم يعهد من احد من الشيعة اختصاص ما ذكره بالوتر، بل المعهود خلاف ذلك، بل الظاهر من الشيخ ان مراده القاعدة فى الصلوة من حيث هى هى، الا ترى انه قال فى التشهد و لم يقل فى تشهد هذه الصلوة،

ص: 323


1- لسر ظ (منه).

مضافا الى ما عرفت من ان الانصراف بالسلام انما هو ورد فى الفرائض، و ان لم يذكر بعد قولا بالتفصيل بين الوتر و الفرائض و سائر السنن، و ان اجزاء الصلوة المستحبة ماخوذة من الفريضة.

و بالجملة، لا خفاء فى كون نظر الشيخ الى ما ذكر، مع ان ملاحظة كلامه عند ما دل عليه بوجوب(1) القطع بكونه قائلا بمضمونها، و كون الخروج عن الفريضة لم يتحقق قبل السلام علينا، بل تحقق بعده، و لذا نسب فى المعتبر اليه القول بوجوب السلام علينا، و تعينه للخروج عن الصلوة، و الحمل بما حمل فى الذخيرة من ان الخروج عن الواجبات تحقق قبله، و ان اراد ان ياتى بالمستحبات بعد ذلك فالخروج عنها بالسلام علينا فيه ما فيه، لان السلام عليكم بعده البتة، كما لا يخفى على من له ادنى ملاحظة، فيصير السلام عليكم مثل تسبيح الزّهراء و غيره من التعقيبات بلا شبهة.

و قال فى الذخيرة بعد ما ذكر توجيهه: و ما ذكر من ان ظاهر كلام الشيخين انحصار الخروج عن الصلوة فى التسليم، قال فى الذكرى: هو ظاهر كلام الباقين الى آخر ما تقدم فيه ما فيه، لان حمل ما دل على انحصار التحليل فى التسليم فى الأخبار، و كلام الأخيار على ذلك فى غاية الاستبعاد، اذ لو حصل تحليل كلما حرم فعله قبل التسليم، لا يحصل تحليل شئ اصلا لبداهة استحالة تحصيل الحاصل، و كون التسليم آخر مستحبات الصلوة، شرطه الطهارة و الاستقبال و غيرهما، و يزيد ثواب الصلوة و غير ذلك اى مناسبة له بالتحليل، فضلا عن انحصار التحليل، و مع انه اى فرق بينه و بين التكبيرات الست من التكبيرات السبع، اذا جعل المصلى خصوص السابقة تكبيرة الاحرام، اذ التحريم لم يتحقق الا من السابقة، و قبلها لا يكون تحريم اصلا، و مع ذلك التكبيرات الست من مستحبات الصلوة. و ليست بتكبيرة الاحرام، و لم يعدها احد فيها، فضلا عن حصر

ص: 324


1- يوجب ظ خ.

الاحرام فيها، هذا مع انه منع من مساواة جميع اجزاء الصلوة فى جميع الاحكام، فباى جهة يحكم فى الفرض المذكور بكون التسليم جزء مستحبا من الصلوة دون التعقيبات، كما هو الحال فى المطالبة فى ذلك بالنسبة الى الاقامة و التكبيرات فيه.

و بالجملة، ما ذكر انما هو من مضعفات القول بالاستحباب، بحيث يومى ان القائل به غافل، انتهى كلامه، رفع فى الخلد مقامه.

أقول: و حيث عرفت تفصيل الكلام و تحقيقه بما لا مزيد عليه، فلا وجه للاعادة و الاطالة، و غرضنا من نقل هذا الكلام اظهار فوائد.

منها: ان يكون المختار فى قلبك اثبت.

و منها: ان لا تزعم التفصيل فى القول بالاستحباب فتامل.

اعلم انه لا يجب تكرير السلام مطلقا، و لو كان السلام عليكم، بلا خلاف اجده بل عليه الاجماع فى ظاهر التذكرة، حيث قال: و يجزى التسليمة الواحدة عند علمائنا اجمع، و به قال على (ع)، قال: يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، انتهى. هذا مضافا الى ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الصحيح عن زرارة، و محمد بن مسلم، و معمر بن يحيى، و اسمعيل عن ابى جعفر (ع)، قال:

يسلم تسليمة واحدة اما ما كان او غيره، و الى النبوى ان رسول الله (ص) كان يسلم تسليمة واحدة.

و يستحب ان يسلم المنفرد الى القبلة
اشارة

(و) اذا عرفت ذلك فاعلم انه (يستحب ان يسلم المنفرد الى القبلة) تسليمة واحدة، بلا خلاف اجده، بل فى المدارك و الذخيرة هذا مذهب الاصحاب، بل ظاهر الانتصار كونه اجماعيا، حيث قال: و مما انفردت به الامامية القول بان المنفرد و الامام يسلم تسليمة واحدة مستقبل القبلة، و ينحرف بوجهه قليلا الى يمينه و ان كان ماموما يسلم تسليمتين، واحدة عن يمينه، و الاخرى عن شماله، الا ان يكون جهة شماله خالية من احد، فيقتصر على التسليم عن يمينه، و لا يترك التسليم عن جهة يمينه على كل حال، و ان لم يكن فى تلك الجهة احد، و هذا الترتيب

ص: 325

لا يذهب الى مثله احد من الفقهاء، لان مالك يذهب الى انّ الامام يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، و المنفرد و الماموم يسلمان يمينا و شمالا.

و ابو حنيفة و اصحابه و الشافعى يذهبون الى ان التسليم على كل حال يمينا و شمالا، فالانفراد من الامامية بذلك الترتيب ثابت، و الحجة لنا الاجماع المتكرر ذكره، انتهى. هذا مضافا الى رواية عبد الحميد الاتية عن قريب كرواية ابى بصير، و اما ما روى عن دعائم الاسلام، عن جعفر بن محمد (ع)، قال: فاذا قضيت التشهد فسلم عن يمينك و عن شمالك، تقول: السلام عليكم و رحمة الله، فغير صالح للمعارضة، فليحمل على بعض صور الماموم، كما سياتى اليه الاشارة، و بالجملة المسئلة بحمد الله واضحة.

(و يشير بمؤخر) كمؤمن و هو طرف العين الذى يلى الصدغ قاله الجماعة، و فى المسالك مؤخر العين بضم الميم و سكون الهمزة و كسر الخاء، مثال مؤمن طرفها الذى يلى الصدغ نقيض مقدمها و هو الطرف الذى يلى الانف (عينيه الى يمينه و الامام) ايضا، يسلم تسليمة واحدة الى القبلة، و لكن يشير (بصفحة وجهه و الماموم) يسلم (عن الجانبين ان كان على يساره احد، و الافعن يمينه).

جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام
اشارة

أقول: لا بد اولا من نقل الأخبار المتعلقة بالمقام، ثم التعرض لما يظهر منها من الاحكام، فنقول:

الأول:

ما رواه الكافى فى باب التشهد، فى الركعتين فى الصحيح، عن مسكان الثقة الذى عليه حكاية اجماع العصابة، عن عنبسة بن مصعب، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يقوم فى الصف خلف الامام، و ليس على يساره احد كيف يسلم؟ قال: يسلم واحدة عن يمينه.

الثانى:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن عبد الحميد بن غواص، عن ابى عبد الله (ع) قال: ان كنت تؤم قوما اجزاك تسليمة واحدة عن يمينك، و ان كنت مع امام فتسليمتين، و ان كنت وحدك فواحدة مستقبل القبلة.

ص: 326

الثالث:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن منصور قال: قال ابو عبد الله (ع): الامام يسلم واحدة، و من وراءه يسلم اثنتين، فان لم يكن عن شماله احد سلم واحدة.

الرابع:
اشارة

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى القوى، لمكان محمد بن سنان، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا كنت اما ما فانما التسليم ان تسلم على النبى (ص)، و تقول السلام علينا و على عباد الله الصّالحين، فاذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلوة، ثم تؤذن القوم فتقول و انت مستقبل القبلة: السلام عليكم، و كذلك اذا كنت وحدك، تقول: السلام علينا و على عباد الله الصالحين، مثل ما سلمت و انت امام، فاذا كنت فى جماعة، فقل مثل ما قلت و سلم على من على يمينك و شمالك، فان لم يكن على(1) شمالك احد فسلم على الذين على يمينك، و لا تدع السلام على يمينك و ان لم يكن على شمالك احد.

بيان:

و عن الوافى قوله (ع) فى آخر الحديث: و ان لم يكن على شمالك احد، الظاهر انه كان على يمينك فسهى النسّاخ فكتبوا شمالك، و فى بعض النسخ: ان لم يكن - بدون الواو - و كانه نشأ اسقاطه مما راو من التهافت الناشى من ذلك السهو، و يؤيد ما قلناه ما ياتى من كلام الفقيه، انتهى. و استجوده بعض الأجلاء، و لعل الخبر الثامن الآتى مما يعاضده.

الخامس:

ما رواه الكافى فى باب التشهد فى الركعتين، فى الصحيح عن ابى بصير، قال: قال ابو عبد الله (ع): اذا كنت فى صف فسلم تسليمة عن يمينك و تسليمة عن يسارك، من يسلم عليك، و اذا كنت اماما فسلم تسليمة و انت مستقبل القبلة.

السادس:

ايضا ما رواه فى الباب المتقدم، فى كالصحيح لمكان عثمان بن عيسى عن سماعة، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا انصرفت من الصلوة فانصرف

ص: 327


1- من خ ل.

عن يمينك.

السابع:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات فى الصحيح على الصحيح، عن على بن جعفر، قال: رايت اخوتى موسى و اسحق و محمد ابنى جعفر (ع) يسلمون فى الصلوة عن اليمين و الشمال: السلام عليكم و رحمة الله، السلام عليكم و رحمة الله.

الثامن:

ما نقله بعض الأجلاء عن الحميرى فى قرب الاسناد، عن على بن جعفر عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن تسليم الرّجل خلف الامام فى الصلوة كيف؟ قال: تسليمة واحدة عن يمينك، ان كان عن يمينك واحد، او لم يكن.

التاسع:

ما عن التحرير نقلا عن جامع البزنطى، عن عبد الله بن ابى يعفور قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن تسليم الامام و هو مستقبل القبلة، قال: يقول:

السلام عليكم.

العاشر:

ما عن جامع البزنطى، عن عبد الكريم عن ابى بصير، قال: قال ابو عبد الله (ع): اذا كنت وحدك فسلم تسليمة واحدة عن يمينك.

الحادى عشر:

ما عن الفقه الرضوى، حيث قال (ع) بعد سياق التشهد الطويل كما تقدم، و ذكر السلام علينا و على عباد الله الصالحين فى اخره، ثم سلم عن يمينك، و ان شئت يمينا و شمالا، و ان شئت تجاه القبلة.

الثانى عشر:

ما رواه الصدوق فى العلل فى باب علة التسليم فى الصلوة، عن على بن احمد بن محمد رضوان اللّه عليه، عن محمد بن ابى عبد الله الاسدى الكوفى، عن محمد بن اسمعيل البرمكى، عن على بن العباس، عن القاسم بن الرّبيع الصحاف، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن العلة التى من اجلها وجب التسليم فى الصلوة، قال: لانه تحليل الصلوة، قلت: لاى علّة يسلم عن اليمين و لا يسلم على اليسار؟ قال: لان الملك الموكل يكتب الحسنات على اليمين، و الذى يكتب السيئات على اليسار، و الصلوة حسنات ليس فيها سيئات، فلهذا يسلم على اليمين دون اليسار، قلت:

ص: 328

فلم لا يقال: السلام عليك، و الملك على اليمين واحد، و لكن يقال: السلام عليكم؟ قال: ليكون قد سلم عليه و على من على اليسار، و فضل صاحب اليمين عليه بالايماء، قلت: فلم لا يكون الايماء فى التسليم بالوجه كله، و لكن كان بالانف لمن يصلى وحده، و بالعين لمن يصلى بقوم؟ قال: لان مقعد الملكين من ابن آدم الشدقين، فصاحب اليمين على الشدق الايمن، و تسليم المصلى عليه ليثبت له صلوته فى صحيفته، قلت: فلم يسلم الماموم ثلاثا؟ قال: تكون واحدة ردا على الامام، و تكون عليه و على ملكيه، و تكون الثانية على من على يمينه من الملكين الموكلين به، و تكون الثالثة على من على يساره و ملائكته(1) الموكلين به، و من لم يكن على يساره احد لم يسلم على يساره، الا ان يكون يمينه الى الحايط و يساره الى المصلى معه خلف الامام، فيسلم على يساره، قلت: فتسليم الامام على من يقع؟ قال: على ملائكته و المامومين، يقول لملائكته اكتبا سلامة صلوتى ممّا يفسدها، و يقول لمن خلفه: سلمتم و آمنتم و أمنتم من عذاب الله عزّ و جلّ، قلت: فلم صار تحليل الصلوة التسليم؟ قال: لانه تحية الملكين، و فى اقامة الصلوة بحدودها ركوعها و سجودها و تسليمها سلامة للعبد من النار، و فى قبول صلوة العبد يوم القيمة قبول ساير اعماله، فاذا سلمت له صلوته سلمت جميع اعماله(2)، و ان لم تسلم صلوته وردت عليه، رد ما سواها من الاعمال الصالحة.

الثالث عشر:

ما رواه التهذيب فى باب احكام الجماعة، عن ابى بكر الحضرمى قال: قلت له: انى اصلى بقوم، فقال: سلم واحدة، و لا يلتفت قل: السلام عليك ايها النبى و رحمة الله و بركاته، السلام عليكم.

الرابع عشر:

ما رواه ايضا فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات، عن عبد الله بن يحيى الكاهلى، قال: صلى بنا ابو عبد الله (ع) فى مسجد بنى كاهل، فجهر مرتين بسم الله الرحمن الرحيم، وقنت فى الفجر و سلم واحدة مما يلى القبلة.

اذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام هنا يقع فى مقامات:
الأول: لا اشكال فى استحباب الايماء للمنفرد،
اشارة

لمكان اجماع الانتصار

ص: 329


1- ملكيه خ ل (منه).
2- احواله خ ل (منه).

المتقدم اليه الاشارة، المعتضد بالشهرة العظيمة، و جملة من الأخبار المتقدمة، و انما الاشكال فى كيفيته، فاختلفوا فيها على اقوال:

الثانى: انه يومى بمؤخر عينه الى يمينه، و هو للشيخ فى النهاية، و الفاضلين و الشهيدين فى الدروس و اللمعة و الرياض و المحقق الثانى فى الجعفرية و غيرهم، و نسبه الجماعة و منهم المسالك الى المشهور.

الثالث: ما نقله بعض الأجلة، حيث قال بعد نسبه القول الأول الى المشهور خلافا للمبسوط: فتجاه القبلة.

الرابع: انه يميل بانفه الى يمينه، و هو للصدوق فى الفقيه، و المقنع و ظاهر الامالى.

الخامس: انه يومى بطرف الانف، و هو المحكى عن الاقتصاد.

السادس: انه يومى بالوجه قليلا، و هو للانتصار كما عن السرائر، و جمل العلم و العمل.

للاول وجوه:

الأول: الشهرة، و التقريب ما ذكره فى الرياض بعد نسبته ذلك الى الشيخ و الجماعة، بقوله: لكن دلائل السنن يتساهل فيها، فيمكن الرجوع الى قولهم فى ذلك، و اما ما ذكره الشارح المقدس بقوله: و اعلم انه لا ينبغى الاكتفاء فى الفتوى بمجرد ما ذكره بعض الاصحاب، مثل الايماء بمؤخر العين، لقوله فى النهاية مع تركه فى المبسوط للتساهل فى سنن المستحبات، مع حسن الظن بانهم لا يقولون مثله عن راى، لانه لا بد من دليل، و قد لا يكون ما اعتقدوه دليلا عند المفتى، نعم، لا يبعد العمل بالسنن المنقول مع عدم صحة سنده للرواية المعتبرة، المشهورة بين العامة و الخاصة، و يمكن تعميمها مع عدم العلم بالمستفيد و ظهور عدم الفتوى بغير الخبر. ففيه ان الشهرة على الظاهر المصرح به فى عباير الجماعة حد الاستفاضة فى المقام موجودة، و النفس تكاد ان تحكم بحجيتها اذا حصل منها ظن يعتد به، من دون تزلزل و تردد فى الواجب و الحرمة، فكيف ظنك

ص: 330

فى المستحب و الكراهة، اللذين ربما تكفى فيهما فتوى فقيه واحد، لمكان عموم: من بلغه شئ من الثواب الى آخره، الوارد فى الأخبار، هذا و سيجئ ماله تاييد فانتظر.

الثانى: الخبر العاشر المؤيد بالخبر السادس، و فيه ان دلالته ضعيفة كما اشار اليه الجماعة.

الثالث: انما الايماء بمؤخر العين ليس فيه كثير التفات و انحراف عن القبلة كما فى الايماء بالوجه قليلا، و بالانف و طرفه، فيكون اولى، و فيه ايضا المناقشة، و لم اجد للثانى دليلا، و للثالث الخبر الثانى عشر، و عبارة الامالى الواصفة لدين الامامية، حيث قال: و التسليم فى الصلوة تجزى مرة واحدة مستقبلة القبلة، فانه يميل بانفه الى يمينه، و من كان فى جمع من اهل الخلاف سلم تسليمتين، عن يمينه تسليمة، و عن يساره تسليمة، كما يفعلون للتقية، و لم اجد للرابع دليلا، و للخامس اجماع الانتصار المتقدم اليه الاشارة، و الخبر العاشر المعتضد بالخبر السادس، و التقريب ان المتبادر هو التوجه بالوجه، و فيه تامل، و جمع بعض الأجلاء بين الخبر الدال على التسليم على يمينه، و الأخبار الدالة على تسليمه مستقبل القبلة بالتخيير.

أقول: و الانصاف ان المسئلة مشكلة، و ان كان القول الأول لا يخلو عن رجحان ما.

تنبيه:

عن الكشف انه قيد العين باليمين، و فى المتن و الشرايع ثناها بقولهما عينيه:

المقام الثانى: يستحب للامام ان ياتى بالسلام عليكم مرة واحدة مطلقا،
اشارة

بلا خلاف اجده، الا ما حكى عن الاسكافى، من ان الامام ان كان فى صف سلم عن جانبيه، و الحق هو المشهور لاجماع الانتصار، المعتضد بالشهرة العظيمة، التى لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف، بل هو شاذ قطعا، و للخبر الثانى و الثالث

ص: 331

و الرابع و الخامس و التاسع و الثالث عشر و الرابع عشر، المعتضد بالخبر الثانى عشر، و اما الخبر السابع فغير صالح للمعارضة من وجوه عديدة.

تنبيهان:
الأول: المشهور هو استحباب الايماء للامام بصفحة الوجه الى يمينه،

بل لم اجد فيه مخالفا الاّ عن الصدوق فى الفقيه، و عن المقنع حيث قال: و تميل بعينك الى يمينك ان كنت اماما، و عن المبسوط فكما مرّ، و ربما يشير الى المخالفة عبارة الامالى المتقدمة، و كيف كان، فالاشهر اقوى، لاجماع الانتصار المعتضد بالشهرة العظيمة، و بحمله من الأخبار المتقدمة الامرة باستقبال القبلة، و كون التسليم عن يمين. و التقريب ما ذكره بعض المحققين بقوله: و الجمع بين استقبال القبلة، و كون التسليم عن يمين، انما يتحقق بالايماء بصفحة الوجه او مؤخر العينين، و لعل اختيار الصفحة فيهما من جهة ما ظهر من الأخبار، من كون كل منهما يسلم على الاخر، فلا بد ان يصير الايماء بالصفحة، حتى يظهر على الاخر فى الجملة انه يسلم عليه، او يرد عليه، و قال بعض الأجلاء فى فرض الماموم الاتى ان شاء الله: ليس المتبادر من هذه الالفاظ المذكورة فى الأخبار، من قولهم سلم على من على يمينك و شمالك، و قولهم: تسليمة واحدة عن يمينك، و نحو ذلك الا التوجه بالوجه كلا او بعضا نحو اليمين و الشمال، فان العرف قاض بان من قصد خطاب شخص توجه اليه بوجهه، و اما الاكتفاء فى ذلك بمجرد النية و القصد، فبعيد غاية البعد، انتهى.

أقول: و مما يقرر هذا الجمع ما رواه التهذيب فى باب احكام السهو فى الزيادات، فى الموثق عن يونس بن يعقوب، قال: قلت لابى الحسن (ع):

صليت بقوم صلوة فقعدت للتشهد، ثم قمت و نسيت ان اسلم عليهم. فقالوا: ما سلمت علينا. فقال: الم تسلم و انت جالس؟ قلت: بلى. قال: فلا بأس عليك، و لو نسيت حين قالوا لك ذلك استقبلهم بوجهك، فقلت: السلام عليكم.

و جمع بعض الأجلاء بين الخبر الدال على انه يسلم مستقبلا، و الدال على

ص: 332

انه يسلم تسليمة واحدة عن يمينه بالتخيير، و هذا الجمع و ان كان يعاضده الخبر الحادى عشر، و لكن المشهور ارجح، و اما ما اختاره الصدوق فغير صالح للمعارضة و ان اعتضد بالخبر الثانى عشر، لوجوه عديدة.

الثانى: قال فى المسالك: و ينبغى ان يكون الايماء بالصفحة بعد التلفظ بالسلام عليكم الى القبلة،

جمعا بين وظيفتى الايماء و الاستقبال بافعال الصلوة، على تقدير كونه منها.

و فى الروضة بعد قوله: و الامام يومى بصفحة وجهه يمينا، بمعنى انه يبتدى به الى القبلة، ثم يشير بباقيه الى اليمين بوجهه.

و فى الرياض بعد ان استدل لتسليم الامام تسليمة واحدة الى القبلة بالخبر الرابع، و لاشارته بصفحة وجهه بالخبر الثانى، بما لفظه: و ربما استشكل الجمع بين الروايتين، لتنافى مقتضاهما، و يمكن الجمع بجعل اول التسليم الى القبلة، و آخره الى اليمين، او بان الايماء الى اليمين لا ينافى الاستقبال، فيكون الغرض من ذكر الاستقبال الرد على من يجعل الايماء بتمام الوجه، كما يفعله العامة، نعم، وقع فى عبارة الذكرى من الاشكال مما يندفع بذلك، حيث قال:

الايماء الى القبلة بشىء من صيغتى التسليم المخرج من الصلوة بالراس و لا بغيره اجماعا، و انما المنفرد و الامام يسلمان تجاه القبلة بغير ايماء، و امّا المأموم فالظاهر انه يبتدى به مستقبل القبلة، ثم يكلمه الى الجانب الايمن و الايسر، فعلى هذا يكون الايماء لهما بعد الفراغ من التسليم، و هو مخالف لقولهم من كون الايماء بالتسليم، و كذا استشكل على كلام الذكرى المحقق الثانى فى جامع المقاصد، بقريب مما ذكره الشارح الفاضل، و قال الشارح المحقق بعد نقل كلام الذكرى، و استشكل الشارح الفاضل كلامه و قال: فعلى هذا يكون الايماء اليهما بعد الفراغ من التسليم، و هو مخالف لقولهم من كون الايماء بالتسليم، و هو ضعيف فان المستفاد من كلامه ان يكون الايماء اليهما بعد الشروع فى التسليم، و يصرح به كلامه، حيث قال ما نقلنا عنه بلا فصل، و فيه دلالة على استحباب التسليم، او

ص: 333

على ان التسليم و ان وجب لا يعد جزءا من الصّلوة، اذ يكره الالتفات فى الصلوة عن الجانبين، و يحرم ان استلزم استدبارا، انتهى.

أقول: و كيف كان، فالذى يظهر من كلمات المعظم - كما استظهره بعض مشائخنا ايضا - هو صدور الايماء حال التلفظ مطلقا، قال بعض مشائخنا: و يحتمل قويا الحاق التقدم و التاخر اليسيرين بها، انتهى. فلذا التجاء بعض الأجلاء فى دفع الاشكال الى ما تراه، حيث قال: و اما الاستشكال فى الانحراف حال التسليم يمينا و شمالا، من حيث كراهة الانحراف فى الصلوة، بناء على القول بكونه جزءا واجبا، فيمكن الجواب عنه بما ذكره فى الذكرى من تخصيص اخبار الكراهة باخبار التسليم مستثنى من الحكم المذكور، بدليل خارج، انتهى. و يعضده موثقة. يونس المتقدمة عن قريب، و يمكن ان يقال فى دفع الاشكال المذكور فى كلام بعض الأجلاء بان المستحب انما هو الايماء بالوجه قليلا، كما هو صريح الانتصار، المتضمن لدعوى الاجماع، و عليه فلا يلزم الالتفات المكروه فافهم.

المقام الثالث: يستحب للماموم فيما اذا اتى بالسلام عليكم ان ياتى به مرة،
اشارة

كالامام و المنفرد اذا لم يكن على يساره احد، و لا حايط على المشهور بين الطائفة، بل لم اعثر على مخالف الا ما ربما يستفاد من اطلاق مختصر النافع، كما عن اطلاق التحرير من استحباب التسليمتين له هنا ايضا، و ربما يمكن تنزيل كلامه على غير محل البحث، لندوره، و كيف كان، فالاقوى هو الاشهر، لدعوى الاجماع فى الانتصار، كما عن الخلاف و الغنية المعتضدة بالشهرة العظيمة، التى لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف، بل لعلّه شاذ غير معتنى به بلا مرية، و للخبر الأول و الثالث و الرابع و الثامن و الثالث عشر، المعتضد بالخبر الرابع عشر و السادس. و اما اطلاق الخبر الثانى و الخامس و السابع فغير صالح للمعارضة لوجوه عديدة، منها ان الخبر الثالث و ما ضاهاه لمكان بيانه مما لا يقاوم فى مقاومة الاطلاق، المخالف للشهرة و الاجماعات المحكية.

فرع:

ص: 334

لا اشكال فى الفرض المذكور فى استحباب الايماء له الى اليمين فى الجملة، و يدل عليه اجماع الانتصار، و من وافقه فيه، و جملة من الأخبار المتقدمة، بل لم اعثر فى ذلك على خلاف، و انما الكلام فى ان الايماء الى اليمين، هل لا بد ان يكون بصفحة وجهه، كما هو صريح الشرايع و اللمعة و القواعد و غيرهم، كما عن البيان؟ و ادعى الجماعة و منهم الشارح الفاضل فى الروضة عليه الشهرة، ام لا؟ كما هو ظاهر اطلاق الجماعة، قيل: و فى الانتصار و النهاية و الغنية و المنتهى و الارشاد و الدروس و الذكرى و الكفاية اطلق استحباب الايماء، و لم يقيده بصفحة الوجه، و ادعى فى الانتصار و الخلاف و الغنية الاجماع، انتهى.

أقول: اما عبارة الانتصار فقد عرفتها، و قال الشيخ فى النهاية: و ان كنت ماموما سلمت عن يمينك مرة، و عن يسارك مرة اخرى، اذا كان على يسارك انسان فان لم يكن عن يسارك احدأ جزات عن يسارك.

و قال فى التذكرة: و الامام يومى بصفحة وجهه، و الماموم كالامام ان لم يكن على يساره احد، و ان كان على يساره غيره سلم تسليمتين بوجهه يمينا و شمالا.

و قال فى التحرير: و الماموم يسلم بوجهه مرتين يمينا و شمالا ان كان على يساره غيره، و الا اقتصر على يمينه.

و قال فى الدروس: و الماموم يسلم مرتين عن جانبه،(1) و ان لم يكن عن يساره احد و لا حايط اجتزاء بيمينه.

و قال فى مختصر النافع: و السنة ان يسلم الماموم تسليمتين بوجهه يمينا و شمالا.

و قال فى الجعفرية: و الماموم يسلم مرتين ان كان على يساره احد، قيل: و لو حايط يمينا و شمالا، و الا اقتصر على الواحدة.

و قال فى جامع المقاصد: و اما المأموم فانه يسلم عن يمينه مرة، ان لم يكن على يساره غيره، و الا سلم مرتين عن يمينه و يساره بصيغة السلام عليكم، انتهى.

أقول: و الاحوط الاولى التقييد بصفحة الوجه، اما للشهرة المحكية، او لان

ص: 335


1- جانبيه ظ (منه).

الايماء بصفحة الوجه هو اظهر الافراد المحتملة، لان يندرج تحت اطلاق النصوص و الفتاوى، المصرحة بانه يومى عن يمينه، فليتقصر عليه اخذا بالمتيقن، فافهم. او لان بذلك لا يحصل تقييد ما دل على حرمة الاستدبار و كراهة الالتفات، و اما الايماء بمؤخر العين فهو و ان كان كذلك ايضا، الا انه فرد خفى، فتدبر.

و كيف كان، فقد ظهر ان الاحوط بل الاظهر هو المذكور، فلا وجه للاطالة.

تذنيبان:
الأول: صرح بعضهم بانه لا فرق فى جميع ذلك، بين ان يكون على يمينه احدا و حايط اولا،

و هو كذلك لاطلاق النص و الفتوى، و صريح الخبر الثامن و لو فى الجملة، و اطلاق الاجماع المحكى.

الثانى: صرح بعضهم بانه لا فرق فى جميع ذلك، بين ان يكون السلام المذكور واجبا او مستحبا،

و لا بأس به لمكان الاطلاقات نصا و فتوى.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: اذا كان على يسار الماموم آخر بالغ،
اشارة

فيستحب له الاتيان بالتسليم المذكور مرتين على الاشهر، بل فى الانتصار كما عن الخلاف و الغنية عليه الاجماع و هو الحجة، مضافا الى الخبر الثانى و الثالث و الرابع و الخامس المعتضد بالخبر السابع. و اما ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن زرارة و محمد بن مسلم و معمر بن يحيى و اسمعيل، عن ابى جعفر (ع)، قال: يسلم تسليمة واحدة اماما كان او غيره. فغير صالح للمعارضة من وجوه عديدة، خلافا للصدوق حيث قال فى الفقيه: و ان كنت خلف امام فاتم به فسلم تجاه القبلة واحدة ردا على الامام، و تسلم على يمينك واحدة و على يسارك واحدة، الا ان لا يكون على يسارك انسان، فلا تسلم على يسارك، الاّ ان تكون بجنب الحائط فتسلم على يسارك، و لا تدع التسليم على يمينك كان احد او لم يكن. و نحوه عنه فى المقنع، و ربما كان مستنده الخبر الثانى عشر، و فيه ما ترى.

و بالجملة، هذا القول مما لا يعتنى به، و ربما كان عبارة الامالى المتقدمة فى المقام الأول، ان مشروعية المختار انما يكون لاجل التقية، و فيه نظر، و

ص: 336

بالجملة الحق هو المشهور، كما ظهر من الادلة، فلا وجه للاطالة.

فرع:

يستحب ان يكون الايماء فى كل من التسليمتين يمينا و شمالا بصفحة وجهه، اذ لم اجد فارقا بين هذه الصّورة و بين صورة خلو يسار الماموم، و قد عرفت ان الايماء فى الاخيرة انما يكون بصفحة الوجه، فكذا هنا. فالفرق خرق للاجماع المركب على الظاهر، مع ان الادلة المتقدمة جارية هنا ايضا.

تنبيه:

مقتضى اطلاق النص و الفتوى و صريح بعضهم، انه لا فرق فى جميع ذلك بين ان يكون على يمينه احد او حايط، ام لا، و بين ان يكون التسليم المذكور واجبا ام لا، و اما ما ربما يستفاد من الخبر الثانى عشر من المخالفة، فلا اعتناء به فى مقابلة ما مر.

الثانى: اذا كان على يسار المامور امام آخر غير بالغ،

فهل حكمه حكم البالغ كما هو صريح بعضهم و ظاهر الجماعة ام لا؟ وجهان: و الأول اقوى، لظهور الاتفاق عليه، و اطلاق جملة من الأخبار المتقدمة، و اطلاق اجماع الانتصار، كما عن اطلاق اجماع الخلاف و الغنية.

الثالث: اذا كان على يسار الماموم انسان غير ماموم،

فهل حكمه حكم الماموم كما هو صريح المسالك ام لا؟ وجهان: من اطلاق النصوص و الفتاوى فالاول، و من امكان ارجاعهما الى غير محل البحث فالثانى، و الأول ارجح.

الرابع: اذا لم يكن على يسار الماموم احد،

بل كان فيه حايط فهل حكمه حكم ما لو كان على يساره احد، كما عن الصدوقين، و تبعهما الجماعة و منهم الشهيدان، و المحقق الثانى مستدلا بما فى الذكرى، بان الصدوقين جليلان لا يقولان الا عن ثبت، و عن جامع المقاصد بعد نقل مذهب الصدوقين: و من ذلك لا يصدر عن الرّاى، فلا بأس باتباعهما للتسامح فى مدار المندوبات، ام لا؟ كما عن المعظم اذ هم جعلوا الشرط فى استحباب التسليمتين للماموم وجود احد او

ص: 337

انسان فى يساره، و فى كلام جماعة دعوى الاجماع عليه؟ و من الظاهر ان ذلك لا يصدق على الحائط، قاله بعض مشائخنا، ثم استقر به، و هو الاقوى، اذ التسامح فى ادلة السنن و الكراهة انما يقبل اذا انتفى احتمال الوجوب او الحرمة، و اما معه كما فى المقام بالنسبة الى الثانى فلا، فليتأمل مع كونه احوط فليقتصر عليه.

الخامس: قال فى الذكرى: اما الماموم فالظاهر انه يبتدى مستقبل القبلة ثم يكمله بالايماء الى الجانب الايمن و الايسر،

و عن الكشف: الظاهر انه يبتداء عند ضمير الخطاب.

أقول: قد تقدم عبارة المسالك ايضا، فالحق عندى ما تقدم فى التنبيه الثانى، الواقع فى المقام الثانى.

السادس: يستفاد من الشرايع و القواعد و غيرهما ان التسليم على اليمين مقدم على اليسار،

و ربما يستفاد من اطلاق مختصر النافع و التذكرة و الجعفرية و الانتصار و غيرها عدم وجوب الترتيب، و تقتضيه جملة من الأخبار المتقدمة، فلا بأس، و اما ما ربما يستفاد من الخبر الثانى عشر، فمما لا يصلح للمعارضة لوجوه عديدة، و امر الاحتياط واضح.

السابع: عن الذكرى انه نقل عن المفيد و سلار، انه يستحب عند ذكر النبى (ص) بالتسليم عليه الايماء الى القبلة بالراس،

قال: و هو حسن فى البلاد التى يكون قبره (ص) فى قبلة المصلى.

الثامن: صرح الجماعة و منهم الشهيد ان و المحقق الثانى و المدارك و الذخيرة، بانه يستحب ان يقصد المنفرد بالخطاب الانبياء و الائمة و الحفظة،

و زاد فى الدروس و المسالك الملائكة.

و فى الجعفرية: و ان قصد الملائكة اجمعين كان حسنا، قال فى شرحها لاستحباب التسليم عليهم.

و فى اللمعة: و ليقصد المصلى الانبياء و الملائكة و الائمة و المسلمين من الانس و الجن.

ص: 338

و فى الروضة: بعد ذلك بان يحضرهم بباله و يخاطبهم به، و الا كان تسليمه بصيغة الخطاب لغوا، و ان كان مخرجا عن العهدة، انتهى.

أقول: لا ريب فى عدم وجوب المذكورات، كما صرح به الجماعة، و اما استحبابها فلا بأس به فى ادلة السنن، و يعضده الخبر الثانى عشر، و لو فى الجملة، و فى المسالك لذكر بعضهم فى التسليم المندوب، و حضور بعض، و مقتضى اطلاق كلامهم عدم الفرق بين كون الصيغة المذكورة واجبة او مندوبة، و لا بين كون الصلوة واجبة او مندوبة.

التاسع: صرح الجماعة و منهم الجعفرية و المدارك و الذخيرة، بانه يستحب ان يزيد الامام على الانبياء و الائمة و الحفظة المامومين ايضا،

و لا بأس به.

و فى المسالك: و يستحب ان يقصد المنفرد بتسليمه الانبياء و الائمة و الملائكة و الحفظة و الامام، ذلك مع اضافة المامومين ايضا، و يعضد ما ذكره الجماعة - و لو فى الجملة - الخبر الثانى عشر، و فى الفقيه فى باب وصف الصلوة، قال رجل لامير المؤمنين (ع): فما معنى قول الامام: السلام عليكم؟ فقال: ان الامام يترحم عن الله عزّ و جلّ، و يقول فى ترحّمه لاهل الجماعة: امان لكم من عذاب الله يوم القيمة.

و فى صحيحة ابن اذينة المتقدمة، فى شرح قول المصنف: و يجب عقيب كل ثنائية الى آخره، فى حديث المعراج: ثم التفت فاذا بصفوف من الملائكة و المرسلين و النبيين، فقيل: يا محمد سلم عليهم، فقال: السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

العاشر: هل يجب على الماموم اذا علم ان الامام قصده بسلامه،
اشارة

ان يقصده بسلامه ايضا، كما عن بعض ام لا؟ كما هو المشهور، وجهان: من عموم قوله تعالى: «وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ» الاية فالأول، و من الاصل المعتضد بالشهرة العظيمة، و بالوجوب لوجب على الماموم اسماعه، و هو يستلزم الاجهار بالرد غالبا، فيلزم استمرار مامومى المعصومين (ع) على الاجهار برد التسليم، و هو شىء لم نجد شيئا

ص: 339

يومى اليه، مع ان العادة قاضية بتواتره او اشتهاره، و من عدم اشتهاره مع ان العادة قاضية به، و اما الاية فغير صالحة لاثباته، اما لما مر، او لانه لا يعد تسليم الصلوة تحية، قاله فى جامع المقاصد، و قال فى الذكرى: انه لا يقصد به التحية، و انما الغرض الايذان بالانصراف من الصلوة، كما مرّ فى خبر ابى بصير، و عنى به الخبر الرّابع، و جاء فى خبر عمار و عنى به رواية عمار بن موسى المروية فى التهذيب فى باب كيفية الصلوة، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن التسليم ما هو؟ فقال: اذن، و يعضده الخبر الثانى عشر، و عن البيان: الظاهر ان رد السّلام غير واجب، لعدم قصد المصلى التحية المحضه، و فى مجمع الفائدة: و غير ظاهر تسمية ذلك تحية، بل هو تسليم الصلوة، او لان المستفاد منها وجوب التسليم، لا قصد الرد به، قاله فى الذخيرة فالثانى.

و المسئلة عندى محلّ تردد، نعم، لو كانت المسئلة كثيرة الدوران لكان القول الثانى متعينا، و لكن الامر ليس كذلك، لمكان عدم حصول العلم للماموم بذلك غالبا، فالاحتياط لا يترك.

فرع:

اذا لم يعلم الماموم ان الامام قصده، فلا يجب عليه قصده بسلامه، للاصل المعتضد بما مر، و لا يعارضه الاية للشك فى تحقق الشرط.

تقرير:

اذا ظن الماموم بذلك، فالاقوى ايضا عدم الوجوب لما مر، و اما الاية فغير صالحة للمعارضة، اذ المتبادر منها هو صورة العلم.

الحادى عشر: قال فى جامع المقاصد: و يقصد الماموم بالاولى الرد على الامام استحبابا، و بالثانية الانبياء و الائمة و الحفظة و المامومين.
اشارة

و قال فى الجعفرية: يقصد الماموم باوليهما الرد على الامام استحبابا، و بالثانية الانبياء و الائمة و الحفظة و الملائكة و المامومين.

و قال فى الرياض: و يستحب ان يقصد الماموم بالاولى الرد على الامام، و

ص: 340

بالثانية ما قصده الامام اى الانبياء و الائمة و الحفظة و المؤمنين. و احتمال وجوب رد الماموم آت فى رد الماموم على ماموم آخر.

و قال فى المسالك: و يقصد الماموم بالاولى الرد على الامام، و بالثانية يقصد الامام، و لو اضاف الجميع الى ذلك مسلمى الانس و الجن جاز، و لو ذهل عن هذا القصد فلا بأس.

و قال فى المدارك: يستحب ان يقصد المصلى بالتسليم التسليم على الانبياء و الائمة و الحفظة، و يريد الامام المامومين، و الماموم الرد على الامام و من على جانبيه. و فى الأخبار دلالة على ذلك.

و قال فى الذخيرة: و يستحب القصد بالتسليم الى الانبياء و الائمة و الحفظة و المامومين،(1) لذكر اولئك مع استحباب السلام عليهم، و حضور هؤلاء، و يزيد الامام المامومين، و الماموم الرد على الامام و من على جانبيه، قيل و فى الأخبار دلالة على ذلك.

و قال فى الدروس: و المؤتم ينوى بالاولى الرد على الامام، و يقصد بالثانية المامومين.

و قال فى الذكرى: يستحب ان يقصد الامام التسليم على الانبياء و الائمة و الحفظة و المامومين، لذكر اولئك و حضور هؤلاء، و الصيغة صيغة خطاب، و الماموم يقصد باولى التسليمتين الرد على الامام، فيحتمل ان يكون على سبيل الوجوب، لعموم فاذا حييتم الى آخره، و يحتمل ان يكون على سبيل الاستحباب، لانه لا يقصد به التحية، الى ان قال: و الوجهان ينسحبان فى رد الماموم على ماموم آخر.

و روى العامة عن سمرة قال: امرنا رسول الله (ص) ان نسلم على انفسنا و ان يسلم بعضنا على بعض. و على القول بوجوب الرد يكفى بالقيام به واحد، فيستحب

ص: 341


1- زايد خ ظ.

للباقين، و اذا اقترن تسليم الماموم و الامام اجزأ و لا رد هنا، و كذلك اذا اقترن تسليم المامومين لتكافؤهم فى التحية، و يقصد الماموم للثانية الانبياء و الحفظة و المامومين. و اما المنفرد فيقصد بتسليمه ذلك، و لو اضاف الجميع الى ذلك قصد الملائكة اجمعين و من على جانبيه من مسلمى الجن و الانس كان حسنا، ثم قال: و قال ابن بابويه: يرد الماموم على الامام بواحده، ثم يسلم عن جانبيه تسليمتين و كانه يرى ان التسليمتين ليستا للرد، بل هما عبادة محضة متعلقة بالصلوة، و لما كان الرد واجبا فى غير الصلوة لم يكف عنه تسليم الصلوة، و انما قدم الرد لانه واجب مضيق، هو حق لادمى، و الاصحاب يقولون: ان التسليمة تؤدى وظيفتى الرد و التعبد به فى الصلوة، كما سبق مثله فى اجتزاء العاطس فى حال رفع راسه من الركوع بالتحميد عن العطسة، و عن وظيفة الصلوة، و هذا يتم حسنا على القول باستحباب التسليم، و اما على القول بوجوبه، فظاهر الاصحاب ان الاولى من الماموم للرّد على الامام، و الثانية للاخراج من الصلوة، و لهذا احتاج الى التسليمتين و يمكن ان يقال: ليس استحباب التسليمتين فى حقه، لكون الاولى ردا و الثانية مخرجة، لانه اذا لم يكن على يساره احد اكتفى بالواحدة عن يمينه، و كانت محصّلة للرد و الخروج من الصلوة، و انما شرعية الثانية، ليعم السلام من الجانبين لانه بصيغة الخطاب، فاذا وجهه الى احد الجانبين اختص به، و بقى الجانب الاخر بغير تسليم، و لما كان الامام غالبا ليس على جانبيه احد، اختص بالواحدة و كذلك المنفرد، و لذا حكم ابن الجنيد بما تقدم من تسليم الامام اذا كان فى صف عن جانبيه.

و قال فى اللمعة: و ليقصد المصلى الانبياء و الملائكة و الائمة و المسلمين من الانس و الجن، و الماموم الرد على الامام.

و قال فى الروضة فى شرح هذا: و يقصد الماموم مع ما ذكر الرد على الامام، لانه داخل فيمن حياه، بل يستحب للامام قصد المامومين به على الخصوص مضافا الى غيرهم، و لو كانت وظيفه الماموم التسليم مرتين، فليقصد بالاولى الرد على الامام

ص: 342

و بالثانية مقصده.

و قال الشيخ على ما حكاه فى التحرير: ينبغى ان ينوى بالتسليم الأول الخروج من الصلوة، و بالثانى التسليم على الملائكة او على من يساره.

و قال فى التحرير: لو نوى بالتسليم الخروج من الصلوة، و الرد على الملكين و على من خلفه ان كان اماما، و على من معه ان كان ماموما، لم يكن به بأس، و نحوه عن المنتهى مع زيادة قوله: لنا ان المقصد هو الخروج، و التسليم على الصّالحين لا ينافيه.

و ما رواه الجمهور عن جابر بن سمرة ان النبى (ص) قال: انما يكفى احدكم ان يضع يده على فخذه ثم يسلم على اخيه من على يمينه و شماله، رواه مسلم.

و قال فى التذكرة: من قال ان التسليم فرض، فتسليمة واحدة يخرج من الصلوة، فينبغى ان ينوى بها ذلك، و الثانية ينوى بها للسلام على الملائكة، و على من فى يساره، انتهى.

أقول: الكلام هنا يقع فى مقامين:
الأول: اذا لم يكن فى يسار الماموم احد، فقد عرفت ان له تسليمة واحدة،

و عليه فلا يخلو اما يعلم بان الامام قصده بسلامه ام لا، فعلى الاول فعليه ان يقصد بتسليمه الرد عليه، كما يجوز ان يضم اليه نية الخروج، و تحية الحفظة و الانبياء و الائمة و ساير المامومين، بل مطلق الملائكة و مؤمنى الانس و الجن لاستحباب التسليم عليهم، و عدم اضرار ذلك فى تسليم الصلوة بشئ، و يعضده - و لو فى الجملة - الخبر الثانى عشر لو قصد فى تسليمه هذا خصوص الرد، و قصد به عدم كونه تسليم الصلوة، لكان اجتزاء الامر بالتسليم فى الصلوة بهذا مشكلا، بل الاقوى الاتيان به مرة اخرى، تحصيلا للامر بالتسليم، هذا اذا لم يكن قد قدم السلام علينا، و اما معه فالامر واضح، و على الثانى فيجوز له به قصد الامام و ساير من تقدم، نعم، يشترط فى صورة انحصار تسليم الصلوة به، ان لا يقصد عدم كونه تسليم الصلوة، و ذلك واضح.

ص: 343

الثانى: اذا كان فى يساره انسان فقد عرفت ان له تسليمتين،

و عليه فلا يخلو اما يعلم بان الامام قصده بسلامه ام لا، فعلى الأول فالذى تقدم فى كلام الذكرى، ان ظاهر الاصحاب ان الاولى للرد على الامام، و الثانية للاخراج من الصلوة، فلا بأس، به كما لا بأس ان ينضم الى نية الخروج الاشخاص المتقدمة، و على الثانى فلا بأس ان يقصد بالاولى تسليم الصلوة و الخروج عنها، و الامام و من على يمينه من الملائكة و المامومين، و بالثانية من على يساره من الملائكة و المامومين، بل قصد الامام و ساير الاشخاص المتقدمة ايضا فى التسليمتين لم يكن به بأس.

الثانى من مندوبات الصلوة التوجه بسبع تكبيرات

(الثانى) من مندوبات الصلوة (التوجه بسبع تكبيرات بينها ثلاثة ادعية، احديها تكبيرة الافتتاح)، و قد مضى شرح هذا الكلام فى بحث تكبيرة الاحرام بما لا مزيد عليه، فراجع الى هناك، و جعل التوجه بالسبع مستحبا كون تكبيرة الاحرام واجبة مما لا ضرر فيه، اذ المستحب انما هو الهيئة الاجتماعية، و ذلك لا يستلزم استحباب كل جزء من اجزائها.

الثالث من مستحبات الصلوة القنوت
اشارة

(الثالث) من مستحبات الصلوة (القنوت)، قيل و يطلق فى اللغة على خمسة معان: الدعاء، و الطاعة، و السكون، و القيام فى الصلوة، و الامساك عن الكلام.

نص عليه فى القاموس، و ذكر ابن الاثير معان أخر: كالخشوع، و الصلوة، و العبادة، و القيام، و طول القيام. و قال الجوهرى: القنوت الطاعة هذا هو الاصل و منه قوله تعالى: «اَلْقٰانِتِينَ وَ اَلْقٰانِتٰاتِ»، ثم سمى القيام فى الصلوة قنوتا، و قريب منه كلام ابن فارس، و القنوت فى اصطلاح الفقهاء الدعاء فى اثناء الصلوة فى محل معين، سواء كان معه رفع اليدين ام لا، و ربما يطلق على الدعاء مع رفع اليد.

(و يستحب) القنوت على المشهور بين الطائفة، بل لم اجد فيه مخالفا الا الصدوق، حيث قال فى باب وصف الصلوة: و القنوت سنة واجبة، من تركها متعمدا فى كل صلوة فلا صلوة له. قال الله عزّ و جلّ: «وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ» يعنى مطيعين داعين. و عن الهداية و المقنع: من ترك قنوته متعمدا فلا صلوة له. و فى الامالى حيث يصف دين الامامية: و فرائض الصلوة سبع: الوقت، و الطهور، و التوجه، و

ص: 344

القبلة، و الركوع، و السجود، و الدعاء، و القنوت فى كل صلوة فريضة و نافلة فى الركعة الثانية قبل الركوع و بعد القراءة.

و عن الشيخ سليمان بن عبد الله البحرانى ايضا، انه ذهب الى القول بالوجوب. و فى المختلف: قال ابن ابى عقيل: من تركه متعمدا بطلت صلوته، و عليه الاعادة، و تركه ساهيا لم يكن عليه شئ، انتهى.

و هذا الكلام من المختلف يعطى كون العمانى مخالفا مطلقا، و لكن نسب اليه فى الحبل المتين و غيره الذهاب الى وجوبه فى الجهرية، و فى الحبل المتين:

و بما ذكر ظهر ان القول بما قال به ذانك الشيخان اى الصدوق و العمانى الجليلان غير بعيد عن جادة الصواب، و الاحتياط فى الدين يقتضى عدم الاخلال بالقنوت فى شئ من الصلوات المفروضات، انتهى.

و كيف كان، فالحق هو المشهور، لدعوى الاجماع عليه فى الانتصار و التذكرة، كما عن الخلاف و المنتهى و نهج الحق للمصنف، و هو الحجة. و اما النصوص فهى و ان كانت بحسب الظاهر مختلفة، و لكن ما يدل منها على المختار ارجح، لمكان المرجحات العديدة، منها التقية التى هى الاصل و العمدة فى اختلاف الأخبار، كما صرح بها جملة، منها: لعنة الله على من صار باعثا لتلك المحنة،

فلننقل جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام،
اشارة

حتى يظهر لك حقيقة الامر.

الأول:

ما رواه ثقة الاسلام فى الكافى، فى باب القنوت، فى الموثق عن محمد بن مسلم، قال: سألت ابا جعفر (ع) عن القنوت فى الصلوات الخمس، فقال: اقنت فيهن جميعا. قال: و سألت ابا عبد الله (ع) بعد ذلك عن القنوت، فقال لى: اما ما جهرت به و لا تشك.

الثانى:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الموثق عن ابى بصير، قال سألت ابا عبد الله عن القنوت، فقال: فيما يجهر فيه بالقراءة، قال: فقلت له: انى سألت اباك عن ذلك، فقال: فى الخمس كلها، فقال: رحم الله ابى ان اصحاب ابى اتوه فسألوه، فاخبرهم بالحق، ثم اتونى شكاكا فافتيتهم بالتقية.

ص: 345

الثالث:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن الحرث بن المغيرة، قال: قال ابو عبد الله (ع): اقنت فى كل ركعتين فريضة او نافلة قبل الركوع.

الرابع:

ما رواه فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن القنوت، قال: فى كل صلوة فريضة او نافلة.

الخامس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن يونس عن وهب بن عبد ربه، عن ابى عبد الله (ع)، قال: من ترك القنوت رغبة عنه فلا صلوة له.

السادس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن صفوان الجمال قال: صليت خلف ابى عبد الله (ع) اياما، فكان يقنت فى كل صلوة يجهر فيها و لا يجهر.

السابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن محمد بن مسلم قال: قال:

القنوت فى كل صلوة فى الفريضة و التطوع.

الثامن:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح على الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: القنوت فى كل صلوة فى الركعة الثانية قبل الركوع.

التاسع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن زرارة، قال:

قلت لابى جعفر (ع): رجل نسى القنوت فذكره و هو فى بعض الطريق، فقال:

يستقبل القبلة ثم ليقله، ثم قال: انى لاكره للرّجل ان يرغب عن سنة رسول الله (ص) او يدعها.

العاشر:
اشارة

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن ابن اذينة، عن وهب و لعلّه ابن عبد ربه الثقة، لمكان الخبر الخامس عن ابى عبد الله (ع)، قال: القنوت فى الجمعة و العشاء و العتمة و الوتر و الغداة، فمن ترك القنوت رغبة عنه فلا صلوة له.

بيان:

ص: 346

المراد بالعشاء هنا المغرب، كما صرح بعضهم.

الحادى عشر:

ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، فى الموثق عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر، قال: القنوت فى كل ركعتين فى التطوع او الفريضة، ثم قال: قال الحسن: و اخبرنى عبد الله بن بكير عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال:

القنوت فى كل الصلوات، قال محمد بن مسلم: فذكرت ذلك لابى عبد الله، فقال:

اماما لا تشك فيه فما جهر فيه بالقراءة.

الثانى عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن عبد الملك بن عمر، و قال:

سألت ابا عبد الله عن القنوت قبل الركوع او بعده؟ قال: لا قبله و لا بعده.

الثالث عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن سعد بن سعد الاشعرى، عن ابى الحسن الرضا (ع) قال: سألته عن القنوت، هل يقنت فى الصلوات كلها ام فيما يجهر فيها بالقراءة؟ قال: ليس القنوت الا فى الغداة و الجمعة و الوتر و المغرب.

الرابع عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الموثق عن يونس بن يعقوب، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن القنوت، فى اى الصلوات اقنت؟ فقال:

لا تقنت الا فى الفجر.

الخامس عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن احمد بن محمد بن ابى نصر، عن ابى الحسن الرضا (ع)، قال: قال ابو جعفر (ع): فى القنوت ان شئت فاقنت، و ان شئت لا تقنت. قال ابو الحسن (ع): اذا كان التقية فلا تقنت، و انا اتقلد هذا.

السادس عشر:
اشارة

ما رواه ايضا فى باب تفصيل ما تقدم ذكره، و فى الصافى فى آخر باب قضاء القنوت، فى الصحيح عن احمد بن محمد عنه، قال: قال ابو جعفر عليه السلام: فى القنوت فى الفجر، ان شئت فاقنت، و ان شئت فلا تقنت و قال:

هو اذا كانت تقية فلا تقنت، و انا اتقلد هذا.

بيان:

ص: 347

الظاهر ان ضمير عنه، راجع الى الرضا (ع)، لمكان الخبر المتقدم، و لكن يظهر من لفظة لى ما شكره، اللهم الا ان يقال بكونها زايدة، لمكان سهو الكتاب فتامل جدا.

السابع عشر:

ما رواه التهذيب ايضا فى باب العمل فى ليلة الجمعة، فى الزيادات فى الموثق عن سماعة، قال: سألت عن القنوت فى الجمعة، فقال: اما الامام فعليه القنوت فى الركعة الاولى، الى ان قال: فمن صلى من غير امام وحده فهى اربع ركعات، بمنزلة الظهر، فمن شاء قنت فى الركعة الثانية قبل ان يركع، و ان شاء لم يقنت، و ذلك اذا صلى وحده.

الثامن عشر:

ما رواه فى العيون، فى باب ما كتبه الرضا للمامون، عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن على بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، قال: سأل المامون عن على بن موسى الرضا (ع)، ان يكتب له محض الاسلام على الايجاز و الاختصار، فكتب (ع): ان محض الاسلام... الى ان قال: و القنوت سنة واجبة فى الغداة و الظهر و العصر و المغرب و العشاء الاخرة الحديث.

التاسع عشر:

ما روى عن الصدوق فى كتاب الخصال، بسنده فيه عن الاعمش، عن الصادق (ع)، قال: القنوت فى جميع الصلوات سنة واجبة فى الركعة الثانية قبل الركوع و بعد القراءة. و قال فرائض الصلوات سبع: الوقت، و الطهور، و التوجه، و القبلة، و الركوع، و السجود، و الدعاء.

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان للصدوق و من تابعه وجوها:
الأول: قوله تعالى: «وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ»،

و فيه ان حمل الاية على المعنى المتنازع فيه فرع القول بثبوت الحقيقة الشرعية مطلقا، حتى فى لفظ القنوت، و فى الاية، و فيه من الاشكال ما لا يخفى، و اما ما عن مجمع البيان، انه قال: قال ابن عباس: معناه داعين، و القنوت هو الدعاء فى الصلوة حال القيام، و هو المروى عن ابى جعفر و ابى عبد الله (ع)، ففيه مع تضمن الفاتحة للدعاء، فالتخصيص مما

ص: 348

لا وجه له، انه روى على بن ابراهيم فى تفسيره، عن ابيه عن النصر بن سويد، عن ابن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: فى هذه الاية اقبال الرجل على صلوته، و محافظته حتى لا يلهيه و لا يشغله عنها شئ.

و قال بعض الأجلاء: روى العياشى عن زرارة عن ابى جعفر (ع) فى قول الله: «قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ» قال: مطمئنين راغبين. و روى العياشى ايضا عن عبد الله ابن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، فى قوله تعالى: «قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ» قال: اقبال الرّجل على صلواته و محافظته على وقتها. و قال: و فى رواية سماعة: «قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ» قال: هو الدعاء. انتهى كلام بعض الأجلاء.

و هذه الأخبار سوى الاخير مما يعارض المعنى الذى رواه فى مجمع البيان و يعضده اختلاف المفسرين، اذ عن بعض: طائعين، و عن آخر: خاشعين، و عن آخر:

ساكتين. و عن الكشاف «قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ»: ذاكرين الله فى قيامكم، و القنوت ان تذكروا الله قائمين، و عن عكرمة كانوا يتكلمون فى الصلوة، فنهوا. و عن مجاهد:

هو الركود، و كف الايدى و البصر.

و روى انه اذا قام احدهم الى الصلوة هاب الرحمن ان يمد بصره، او يلتفت او يقلّب الحصى، او يحدث نفسه بشئ من امور الدنيا.

و اما الجواب عن الاية باحتمال اختصاصها بالصلوة الوسطى، فغير وجيه، و ان كان فى الفقيه فى باب فرض الصلوة ما يدل على كونها نازلة فيها، اما لمكان عدم القائل بالفصل، كما صرح به بعضهم، او لان العبرة بعموم اللفظ لا خصوص المحمل. و بالجملة لا نسلم كون الاية ظاهرة فى المدعى، و على فرض التسليم، نقول: لا بد من صرف الامر عن ظاهره الى الاستحباب، الذى قد دلت عليه الاجماعات المحكية، المعتضدة بالشهرة العظيمة، كالأخبار، و منها الخبر الخامس عشر، و السادس عشر، و السابع عشر، لمكان كونها ظاهرة فى التخيير، فى حال عدم التقية.

و منها: الخبر الثانى عشر.

ص: 349

و منها: ما يستفاد من قرائن الفاظ جملة من الأخبار المتقدمة، اذ الظاهر من تخصيص الصلوات الجهرية بذلك، كما فى بعضها، و التشريك بين الفريضة و النافلة، كما فى آخر، و تخصيص بعض الصلوات الجهرية كما فى آخر، ان ذلك مبنى على اختلاف الافراد فى الفضل و الكمال.

و منها: الخبر التاسع، اذ الظاهر منه هو الاستحباب فافهم.

الثانى: ظواهر جملة من الأخبار الآمرة المتقدمة،

و فيه ما عرفته.

الثالث: الخبر الخامس و العاشر،

و فيه ان المقدر يحتمل ان يكون الكمال لا الصحة، كقولهم (ع): لا صلوة لجار المسجد الا فى المسجد، و اقربية الاخير غير نافع فى المقام، لمكان المرجحات الكثيرة، و على تقدير تسليم كون المقدر هو الثانى، نقول يحتمل تقييد نفى الصحة بمن ترك القنوت رغبة عنه، كالعامة العميأ، و يعضده التقييد بقوله: رغبة، اذ الاصل فى القيود هو الاحترازية، و لعله اقرب، و عليه ففيهما دلالة على الاستحباب، و جواز الترك من غير رغبة، و لعل كلام الصدوق فى المقنع و الهداية لمكان قوله: متعمدا، مشعر بذلك كالموثق المروى فى التهذيب، فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات، عن عمار عن ابى عبد الله (ع) قال: ان نسى الرجل القنوت فى شئ من الصلوة حتى يركع، فقد جازت صلوته، و ليس له ان يدعه متعمدا، لمكان الأخبار الامرة بالاتيان به بعد الركوع حينئذ، فتدبر.

و لعل كلامه فى الامالى حيث يصف دين الامامية: و الجماعة يوم الجمعة فريضة واجبة، و فى ساير الايام سنة، من تركها رغبة عنها و عن جماعة المسلمين من غير علة فلا صلوة له، مما يؤيد المشار اليه، و عليه فمخالفته للمشهور فيهما غير ظاهرة، و كذا فى الامالى، لانه فيه مبين لمكان القنوت، و كذا فى الفقيه، اما لمكان قوله متعمدا فى كل صلوة، المشعر بذلك، او لما ذكره بعض الأجلة، بان سياق كلامه ظاهر فى الاستحباب.

قال بعض الأجلاء بعد نقل كلام الفقيه: على انه نسبة القول بالوجوب الى

ص: 350

الصدوق بمجرد العبارة المتقدمة لا تخلو عن اشكال، لامكان حمله على الاستحباب كما حملت عليه الرواية الواردة بذلك، لان عادة المتقدمين غالبا التعبير بمتون الأخبار، و ان كان المراد منها خلاف ظواهرها، فبعين ما يقال فى الأخبار من التاويل يجرى فى كلامهم ايضا، و لهذا ان بعض اصحابنا ذكر ان القائل بالوجوب غير معلوم، كما ذكره المحقق الاردبيلى، و قبله المحقق فخر الملة و الدين الشيخ احمد بن متبع البحرانى فى كتاب ايات الاحكام، انتهى.

و فى التذكرة: القنوت سنة، ليس بفرض عند علمائنا، و قد يجزى فى بعض عبارات علمائنا الوجوب، و القصد شدة الاستحباب، انتهى. و عليه فانحصر المخالف الذى يعتد به فى العمانى فهو شاذ بلا مرية، فلا اعتناء به اصلا، خصوصا على النقل الاخير، لمكان الخبر الثانى المصرح بكونه مبينا على التقية، و بما ذكر ظهر ان الخبر الثامن عشر و التاسع عشر لا يصلحان للمقاومة، فليحملا على تاكد الاستحباب.

و بالجملة، قد ظهر بما مر ان المشهور المخالف للعامة، المنطبقة على الأخبار الكثيرة، و على الاجماعات المحكية، المعتضدة بالشهرة القريبة من الاجماع بل لعلها اجماع فى الحقيقة هو المنصور، فليحمل الأخبار الظاهرة فى الوجوب، اما مطلقا، او فى الجملة على الاستحباب، الذى هو المجاز المشهور فى اوامر الائمة عند غير واحد من الطائفة، و النافية اما على الجواز، كما لا مهرب عنه فى بعضها، و هو الخبر الخامس عشر و ما ضاهاه، او على التقية كما ينادى اليها جملة منها، اذ المحكى عن الثورى و ابى حنيفة انه غير مسنون. قيل: و رواه الجمهور عن ابن عباس، و ابن عمر و ابن مسعود و ابى الدرفا.

و عن الشافعى انه مستحب فى الصبح خاصة، دون باقى الصلوات، الا ان ينزل نازلة فيقنت فى الصلوة كلّها ان شاء الامام، و هو المحكى عن مالك، و ابن ابى ليلى، و الحسن بن صالح بن حى، و عن الشافعى انه رواه عن الخلفاء الاربعة، و انس قيل: و هو مذهب الحسن البصرى.

ص: 351

و عن ابى يوسف: اذا قنت الامام فاقنت معه.

و عن احمد: القنوت للائمة يدعون للجيوش، و ان ذهب اليه ذاهب فلا بأس.

و عن اسحق: هو سنة عند الحوادث لا تدعه.

و عن ابى حنيفة: القنوت مكروه الا فى الوتر.

و عن مالك و الشافعى: انما يستحب فى الوتر فى النصف الاخير من رمضان.

و محل القنوت (عقيب قراءة الثانية، قبل الركوع)، على المشهور بين الطائفة، بل لم اجد مخالفا، الا ما قيل بان ظاهر المحقق فى التحرير الميل الى التخيير بين فعله قبل الركوع و بعده، و ان كان الأول افضل، و عن بعض من تاخر انه استحسنه، و الحق هو المشهور، لدعوى الاجماع عليه فى ظاهر التذكرة و المنتهى كما عن الخلاف و نهج الحق، و هو الحجة، مضافا الى النصوص المستفيضة.

و منها: الخبر الثالث، و الثامن، و السابع عشر، و التاسع عشر.

و منها: ما رواه الكافى فى باب القنوت فى الصحيح، عن معوية بن عمار، عن ابى عبد الله (ع)، قال: ما اعرف قنوتا الاقبل الركوع.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن يعقوب بن يقطين، قال: سألت عبدا صالحا صلوات الله عليه عن القنوت فى الوتر و الفجر، و ما يجهر فيه قبل الركوع او بعده؟ فقال: قبل الركوع حين تفرغ من قرائتك.

و منها: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الموثق عن سماعة، قال: سألته عن القنوت فى اى صلوة هو؟ فقال: كل شئ يجهر فيه بالقراءة فيه قنوت، و القنوت قبل الركوع و بعد القراءة.

و منها: ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن ابى ايوب الخزاز، عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع)، قال: سأله بعض اصحابنا و انا عنده عن القنوت فى الجمعة، فقال له: فى الركعة الثانية، الى ان قال: كل قنوت قبل الركوع الا الجمعة، فان الركعة الاولى فيها قبل الركوع.

و منها: ما روى عن الحسن بن على بن شعبة فى كتاب تحف العقول عن

ص: 352

الرضا (ع)، فى كتابه الى المامون قال: كل القنوت قبل الركوع و بعد القراءة، و اما ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم، عن اسمعيل الجعفى و معمر بن يحيى، عن ابى جعفر (ع)، قال: القنوت قبل الركوع، و ان شئت فبعد، فحمله الشيخ على حال القضاء او التقية على مذهب بعض العامة فى صلوة الغداة.

أقول: و الحمل على التقية اظهر، اذ المحكى عن الشافعى انه بعده، و عن مالك و ابى حنيفة و الاوزاعى و ابن ابى ليلى انه قبله، و كيف كان، فهذا الخبر بحسب السند لا يصلح لمعارضة ما تقدم، لوجوه عديدة، فليعمل بالأخبار الكثيرة الموافقة للاجماع، المحكى المعتضد بالشهرة العظيمة، القريبة من الاجماع، بل لعلها اجماع فى الحقيقة، و لا فرق فى المختار بين الفرائض و النوافل، بلا خلاف اجده. و اما فى مفردة الوتر فالحق انه ليس فيها بعد الركوع قنوت بالمعنى المتعارف، بل انما يستحب فيه الدعاء بالماثور، و قد تقدم الكلام فى ذلك، فى المجلد الأول من الصلوة، فى شرح قول المصنف: و نوافلها ثمان ركعات قبل الظهر الى آخره، فى اواخر الامر الرابع، فراجع الى هناك.

فى دعاء القنوت
اشارة

(و) يستحب ان (يدعو) فيه (بالمنقول). روى الكافى فى باب القنوت، فى الصحيح على الصحيح، عن سعد بن ابى خلف، عن ابى عبد الله، قال: يجزيك فى القنوت: اللهم اغفر لنا و ارحمنا و عافنا و اعف عنا فى الدنيا و الاخرة انك على كل شئ قدير.

و روى التهذيب فى باب العمل فى ليلة الجمعة، عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع)، قال: القنوت يوم الجمعة فى الركعة الاولى بعد القراءة، و تقول و فى القنوت: لا اله الا الله الحليم الكريم، لا اله الا الله العلى العظيم، لا اله الا الله ربّ السموات السبع و رب الارضين السبع، و ما فيهن و ما بينهن و ما تحتهن و رب العرش العظيم، و الحمد لله رب العالمين، اللّهم صلّ على محمّد كما هديتنا به، اللهم صل على محمد كما اكرمتنا به، اللّهم اجعلنا ممن اخترت(1)لدينك، و خلقته لجنتك، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك

ص: 353


1- اخترته خ ل (منه).

رحمة انك انت الوهاب.

و عن الفقه الرّضوى قال (ع): و قل فى قنوتك بعد فراغك من القراءة قبل الركوع: اللهم انت الله لا اله الا الله الحليم الكريم، لا اله الا الله العلى العظيم، سبحانك رب السموات السبع و رب الارضين السبع، و ما فيهن و ما بينهن و رب العرش العظيم، بالله ليس كمثله شئ، صل على محمد و آل محمد، و اغفر لى و لوالدى و لجميع المؤمنين و المؤمنات، انك على ذلك قادر. ثم اركع.

و روى الصدوق فى العيون فى باب ذكر اخلاق الرضا (ع)، بسنده عن رجاء بن ابى الضحاك فى حديث نقل الرضا (ع) الى خراسان، فقال فيه: و كان قنوته فى جميع صلوته: رب اغفر و ارحم و تجاوز عما تعلم انك انت الاعز الاكرم.

تنبيهات:
الأول: ذكر الشيخ و اكثر الاصحاب - على ما صرح به الجماعة - ان افضل ما يقال فى القنوت كلمات الفرج. و عن الحلى روى انها افضله،

و اعترف جملة من محققى المتأخرين بانهم لم يقفوا فى ذلك على خبر يدل عليه، و فى مجمع الفائدة:

المشهور بين الاصحاب ان افضل القنوتات كلمات الفرج، و ما رايت فيه شيئا، نعم روى ذلك فى الفقيه فى قنوت الوتر، و فى التهذيب فى قنوت الجمعة، و لا يبعد فهم العموم عنه، انتهى.

و فى المدارك و الذخيرة: و صورتها: لا اله الا الله الحليم الكريم، لا اله الا الله العلى العظيم، سبحان الله رب السموات السبع، و رب الارضين السبع، و ما فيهن و ما بينهن، و رب العرش العظيم، و الحمد لله رب العالمين. روى ذلك زرارة فى الحسن عن ابى جعفر. و فى المدارك بعد ذلك: و ذكر المفيد رحمه الله و جمع من الاصحاب انه يقول قبل التحميد: و سلام على المرسلين. و سأل عنه المصنف فى الفتاوى فجوزه، لانه بلفظ القرآن، و لا ريب فى الجواز، لكن جعله فى اثناء كلمات الفرج مع خروجه عنها، ليس بجيد.

و قريب منه فى الذخيرة.

ص: 354

أقول: روى الكافى فى باب تلقين الميت، فى الصحيح على الصحيح لمكان ابراهيم عن زرارة، عن ابى جعفر (ع) قال: اذا ادركت الرجل عند النزع فلقنه كلمات الفرج: لا اله الا الله الحليم الكريم... الى آخر ما فى المدارك، و ليس فى هذه الرواية قوله: و سلام على المرسلين، كما ذكر الى آخره، و لكن روى الصدوق فى اول باب غسل الميت عن الصادق (ع)، ان رسول الله (ص) دخل على رجل من بنى هاشم، و هو فى النزع فقال له: قل: لا اله الا الله الحليم الكريم، لا اله الا الله العلى العظيم، سبحان الله رب السموات السبع، و رب الارضين السبع، و ما فيهن و ما بينهن و ما تحتهن، و رب(1) العرش العظيم، و سلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين. فقالها: فقال رسول الله (ص):

الحمد لله الذى استنقذه(2) من النار. ثم ذكر الصدوق بعد ذلك بلا فصل: و هذه الكلمات هى كلمات الفرج.

و قال فى الهداية فى باب غسل الميت: الميت يلقن عند موته كلمات الفرج، و هى: لا اله الا الله الحليم الكريم، لا اله الا الله العلى العظيم، سبحان الله رب السموات السبع، و رب الارضين السبع، و ما فيهن و ما بينهن، و رب العرش العظيم، و سلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين.

و عن الفقه الرضوى: قال (ع): و يستحب تلقين كلمات الفرج، و هى: لا اله الا الله الحليم الكريم... و ساقها كما فى الهداية، و بالجملة الأخبار فى ضبط كلمات الفرج مختلفة، و الاولى هو العمل بصحيحة زرارة، لمكان صحة السند و ذكر كلمات الفرج.

الثانى: ليس فى القنوت شئ معلوم لا يجوز التجاوز عنه،

اجماعا نقله فى التذكرة و غيره(3). روى الكافى فى باب القنوت فى كالصحيح او الصحيح، لمكان ابان عن اسمعيل بن الفضل، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن القنوت و ما يقال فيه.

ص: 355


1- و هو خ ل.
2- انفذه خ ل.
3- و هو بعض المحققين فى شرح المفاتيح (منه).

فقال: ما قضى الله على لسانك، و لا أعلم له شيئا موقتا.

و روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة عن بكر بن حبيب، قال: قلت لابى جعفر (ع): اى شئ أقول: فى التشهد و القنوت؟ قال: قل باحسن ما علمت، فانه لو كان موقتا لهلك الناس. و روى ايضا فى الباب المتقدم بالسند المتقدم، عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن ابى عبد الله (ع) قال: القنوت فى الفريضة الدعاء و فى الوتر الاستغفار. و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن ابى بصير قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن ادنى القنوت. فقال: خمس تسبيحات.

و روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة، عن ابى بكر بن ابى سمال، عن ابى عبد الله (ع)، قال: قال لى: فى قنوت الوتر اللهم اغفر لنا و ارحمنا و عافنا و اعف عنا فى الدنيا و الاخرة. و قال: يجزى من القنوت ثلاث تسبيحات.

و روى الصدوق فى الفقيه، فى باب وصف الصلوة فى الصحيح، عن الحلبى انه سأل ابا عبد الله (ع) عن القنوت فيه قول معلوم؟ فقال: اثن على ربك، و صل على نبيك، و استغفر لذنبك. قال الصدوق فى الفقيه فى الباب المتقدم: و ادنى ما يجزى من القنوت انواع:

منها: ان تقول: رب اغفر و ارحم و تجاوز عما تعلم، انك انت الا عز الاجل الاكرم.

و منها: ان تقول: سبحان من دانت له السموات و الارض بالعبودية.

و منها: ان تسبح ثلاث تسبيحات، و لا بأس ان تدعو فى قنوتك و ركوعك و سجودك و قعودك للدنيا و الاخرة، و تسمى حاجتك ان شئت.

و قال فى الامالى حيث يصف دين الامامية: و يجزى من القول فى القنوت:

رب اغفر و ارحم، و تجاوز عما تعلم، انك انت الاعز الاجل الاكرم. و يجزى منه ايضا ثلاث تسبيحات و ان احب المصلى ان يذكر الائمة عليهم السلام فى قنوته، و يصلى عليهم فيجملهم.

و عن الذكرى: افضل ما يقال فيه كلمات الفرج قال ابن ادريس: و روى انها

ص: 356

افضله، و قد ذكره الاصحاب. و فى المبسوط و المصباح و هى افضل. و روى سعد بن ابى خلف عن الصادق (ع)، ثم ساق الرّواية كما تقدم، ثم قال: و عن ابى قال: سألته عن ادنى القنوت. قال: خمس تسبيحات، و قال ابن عقيل و الجعفى و الشيخ: اقله ثلاث تسبيحات. و اختار ابن ابى عقيل الدعاء بما روى عن امير المؤمنين (ع) فى القنوت: اللهم اليك شخصت الابصار، و نقلت الاقدام، و رفعت الايدى، و مدّت الاعناق، و ان دعيت بالالسن و اليك سرهم و نجويهم فى الاعمال، ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق، و انت خير الفاتحين، اللّهم انا نشكوا اليك غيبة نبينا، و كثرة عدونا، و قلة عددنا، و تظاهر الاعداء علينا، و وقوع الفتن بنا، ففرج ذلك اللّهم بعدل تظهره، و امام حق تصرفه، اله الحق امين رب العالمين قال: و بلغنى ان الصادق (ع) كان يامر شيعته ان يقنتوا بهذه بعد كلمات الفرج.

قال ابن الجنيد: و ادناه رب اغفر و ارحم، و تجاوز عما تعلم، قال: و الذى استحب فيه ما يكون فيه حمد الله و الثناء عليه، و الصلوة على رسول الله (ص)، و الائمة، و ان يتخير لنفسه من الدعاء و للمسلمين ما هو مباح له، انتهى كلام الذكرى.

و عن البحار بعد نقل ذلك عنه: و أقول: ليس آمين فى هذا الدعاء فى ساير الرّوايات، كما سياتى، و الاحوط تركه لما عرفته، قال بعض الأجلاء بعد نقل ذلك: بل الواجب تركه، لما عرفت فى القراءة من بطلان الصلوة بهذه اللفظة، انتهى.

و فيه مناقشة، و ان كان الاحوط، لعلّه ما ذكره فى الذخيرة، يجوز الدعاء فى القنوت لما سنح للدين و الدنيا، ذكر الاصحاب.

أقول: و عن مستطرفات السرائر، نقلا عن نوادر محمد بن على بن محبوب، عن عبد الله بن هلال، قال: قلت لابى عبد الله (ع): ان حالنا قد تغيرت، قال: فادع فى صلوتك الفريضة. قلت: ايجوز فى الفريضة فاسمى حاجتى للدين و الدنيا؟ قال: نعم، فان رسول الله (ص) قد قنت فدعا على قوم باسمائهم و

ص: 357

اسماء آبائهم و عشايرهم، و فعله على (ع) من بعده.

و عن الكشى فى كتاب الرجال، عن ابراهيم بن عقبة، قال: كتبت الى العسكرى (ع): جعلت فداك، قد عرفت هؤلاء الممطوره، فاقنت عليهم فى الصلوة قال: نعم، اقنت عليهم. المراد بالممطورة الواقفية، كما قال شيخنا البهائى فى مقدمات مشرق الشمسين من تسمية الواقفة يومئذ بذلك. يعنى الكلاب التى اصابها المطر، مبالغة فى نجاستهم، قاله بعض الأجلاء.

و عن الذكرى: يجوز الدعاء للمؤمنين باسمائهم، و الدعاء على الكفرة و المنافقين، لان النبى (ص) دعا فى قنوته على قوم(1) باعيانهم، و على آخرين باعيانهم، كما روى انه قال اللهم انح الوليد بن الوليد، و سلم بن هاشم، و عياش بن ربيعة، و المستضعفين من المؤمنين، و اشدد و طأتك على نظر، و دعل، و ذكوان.

و قنت امير المؤمنين (ع) فى صلوة الغداة، فدعا على ابى موسى الاشعرى، و عمرو بن العاص، و معوية، و ابى الاعور و اشياعهم، قاله ابن ابى عقيل، انتهى.

و عن كتاب محمد بن المثنى، عن جعفر بن محمد بن شريح، عن ذريح المحاربى، قال: قال الحرث بن المغيرة النصرى لابى عبد الله (ع): ان ابا معقل المزنى حدثنى عن امير المؤمنين (ع)، انه صلى بالناس المغرب فى الركعة الثانية، و لعن معاوية، و عمرو بن العاص و ابا موسى الاشعرى، و ابا الاعور السّلمى قال الشيخ (ع): صدق فالعنهم.

و فى التحرير: يستحب ان يدعو فيه بالمنقول و الا فيما شاء، و اقله ثلاث تسبيحات. الى ان قال: نعم، يحرم الدعاء بالمحرم اجماعا، و يجوز ان يدعو فيه للمسلمين عموما، و لانسان معين، و ان يسأل المباح من امور الدنيا. و فى الدروس:

و اقل القنوت البسملة ثلاثا و سبحان الله خمسا او ثلاثا.

الثالث: اختلف الاصحاب فى لزوم العربية في القنوت على قولين:
الأول: انها غير لازمة،

و يجوز بالفارسية، و هو لرئيس المحدثين فى الفقيه،

ص: 358


1- لقوم ظ (منه).

و المصنف و الشهيد فى الدروس، و المحقق الثانى و الشارح المقدس فى مجمع الفائدة، و المحدث الكاشانى فى المفاتيح و غيرهم، كما عن محمد بن الحسن الصفار، و كنز العرفان، و المحقق فى التحرير، و الفاضل الهندى فى الكشف، حاكيا عن الاكثر، و حكاه الجماعة عن الشيخ فى النهاية، و عبارته فيها هكذا: لا بأس ان يدعو الانسان فى الصلوة فى حال القنوت و غيره، بما يعرض له من الحوائج لدنياه و آخرته، مما اباحه الله تعالى، و رغبّه فيه، و ان كان ممن لا يحسن الدعاء بالعربية، جاز له ان يدعو بلغته اى لغة كانت، انتهى.

و نسبه المحقق الثانى الى الشهرة، التى لم يعلم من مخالفها سوى سعد حيث قال: و نقل الاصحاب عن سعد بن عبد الله من فقهائنا عدم جوازه مع القدرة و هو المتجه، لان كيفية العبادة متلقاة من الشرع كالعبادة، و لم يعهد مثل ذلك خصوصا اذا كان الدعاء فى المسجد، الا ان الشهرة بين الاصحاب، حتى انه لا يعلم قائل بالمنع سوى سعد المذكور، مانعة من المصير اليه.

و قال فى التذكرة فى طى تعديد مستحبات التشهد: يجوز الدعاء بغير العربية، على قول اكثر علمائنا، و عند بعضهم لا يجوز الدعاء بالعربية و غيرها و به قال الصدوق.

الثانى: انها لازمة،

و هو المحكى عن سعد بن عبد الله، و استقربه بعض الاجلاء، و اليه يميل بعض المحققين، و يظهر من جماعة من متاخرى المتأخرين(1)التوقف فى المسئلة، قال الصدوق فى الفقيه، فى باب وصف الصلوة: و ذكر شيخنا محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد رضوان الله عليه، عن سعد بن عبد الله، انه كان يقول: لا يجوز الدعاء فى القنوت بالفارسية، و كان محمد بن الحسن الصفار يقول: انه يجوز، و الذى يقول به: انه يجوز لقول ابى جعفر الثانى (ع): لا بأس ان يتكلم الرجل فى صلوة الفريضة بكل شئ يناجى به ربه عزّ و جلّ، و لو لم يرد هذا الخبر ايضا لكنت اجيزه بالخبر الذى روى عن الصادق (ع)، انه قال: كل شئ مطلق، حتى يرد فيه نهى، و النهى عن الدعاء بالفارسية فى الصلوة غير موجود،

ص: 359


1- و منهم التذكرة و الذخيرة و الحبل المتين (منه).

و الحمد لله، انتهى.

أقول: و الاقوى هو الأول لوجوه:
الأول: قوله تعالى: «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»

و القول بانه خطاب شفاهى يختص بمن توجه اليه، و من الظاهر انه من العرب، و الغالب فى العرب الدعاء بالعربية، فاطلاق القول المشار اليه منصرف الى الغالب، غير وجيه. اما لان الاية الشريفة وردت فى مقام الامتنان، و عليه فتفيد العموم بالنسبة الى جميع اللغات، او لانها تعم الدّعاء الملحون و غيرها، و لا قائل على الظاهر بالفصل بجواز اللحن و عدم جواز غير العربى. قاله بعض مشائخنا، و اما القول بان الدعاء الملحون غير مقبول مطلقا، فيجب ان لا يقبل الدعاء بغير العربى، فيلزم تخصيص عموم الاية، ففيه ان الخبر المستند اليه فى عدم قبول الدّعاء الملحون، اعنى ما ورد عن الجواد الآتى ان شاء اللّه فى الفائدة، غير صالح لذلك، اما لعدم معلومية اعتبار سنده، و قد حكم بعضهم بتضعيفه، او لما ذكره ابن فهد كما سياتى اليه الاشارة، عن قريب هذا مضافا الى ان عدم القبول و عدم الصعود الى الله عزّ و جلّ لا يستلزم عدم الاجزاء، فتامل جدا.

الثانى: اطلاق الامر بالصلوة و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره.
الثالث: جملة من الأخبار.

منها: رواية اسمعيل بن الفضل المتقدمة فى اوائل التنبيه الثانى.

و منها: صحيحة الحلبى المتقدمة هناك، و بها استدل الشارح المقدس حيث قال: و الظاهر انه يجوز الدعاء فيه، و ساير احوالها للدين او الدنيا باى لسان كان، لعموم الأخبار الصحيحة، الدالة على الدعاء و الثناء و الاستغفار.

و منها: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح، عن على بن مهزيار، قال: سألت ابا جعفر (ع) عن الرجل يتكلم فى صلوة الفريضة بكل شئ يناجى ربه، قال: نعم، و قد تقدم فى نقل عبارة الفقيه، رواية عن ابى

ص: 360

جعفر الثانى قريبة بهذا المضمون.

و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب وصف الصلوة، عن الصادق (ع):

كل مانا جيت به ربك فى الصلوة، فليس بكلام. يريد ليس بكلام مبطل. كما عن التحرير و المنتهى و كنز العرفان.

و روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات عن على بن ابراهيم، عن ابيه عن حماد بن عيسى، عن بعض اصحابه، عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: كلما كلمت الله به فى صلوة الفريضة فلا بأس، و ليس بكلام. و يعضد تلك الأخبار حديث كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى، كما تقدم فى نقل عبارة الفقيه، و ضعف سند بعضها مجبور بالشهرة المحققه، و المحكية.

و اما ما اورده بعض الأجلاء على صحيحة ابن مهزيار المتقدمة، بان الظاهر ان المراد انما هو التكلم بكل شئ من المطالب الدينية و الدنيوية، لاعتبار اللغات المختلفة، و لا يخفى ان هذا المعنى ان لم يكن هو الاقرب، و الاظهر من هذا الخبر، فلا اقل من ان يكون مساويا لما ذكروه فى الاحتمال، و به لا يتم الاستدلال، كما لا يخفى على من عرف الرّجال بالحق لا الحق بالرجال، فقد رده بعض مشائخنا بقوله: هذا الاحتمال بعيد عن الظاهر، فلا يصار اليه. سلمنا تساوى الاحتمالين فيها، و لكن يرجح الاحتمال الذى يصح مذهب المعظم باستدلال جماعة من محققى الاصحاب بها عليه، انتهى.

و اما القول بان ملاحظة حال السائل لكونه عربيا، تدل على كون المراد اللغة العربية، ففيه ما ترى، و اما القول بان اكثر الأخبار المذكورة تختص بصورة المناجات، فلا دلالة فيها على جواز غير العربى فى غيرها، فغير قادح، لان الظاهر ان لا قائل بالفصل بين الصورتين، قاله بعض مشائخنا.

و اما القول بان غاية ما يستفاد من اكثر الأخبار المزبورة جواز المناجات فى احوال الصلوة بغير العربى، و هو يستلزم حصول وظيفة القنوت بغيره، فقد رده بعض مشائخنا، بان الظاهر ان لا قائل بالفصل بين الامرين، فلا يقدح ذلك.

ص: 361

أقول: قد عرفت فى التنبيه الثانى انه ليس فى القنوت شئ معلوم، لا يجوز التجاوز عنه، و عليه فيظهر لك الجواب عن هذا القول بوجه آخر،

للقول الاخر ايضا وجوه:
الأول: ما اشار اليه بعض الأجلاء،

بان العبادة توقيفية، يجب الوقوف فيها على ما رسمه صاحب الشريعة، و علم منه بقول او فعل او تقرير، و شئ من الثلاثة لم يعلم منه هنا، و لو تم ما ذكره للزم ايضا جواز الذكر فى الركوع و السجود بالفارسية، بناء على الاكتفاء بمطلق الذكر، و لا الظن هذا القائل يلزمه، و قد صرح شيخنا فى الذكرى بذلك، فقال: و اما الاذكار الواجبة فلا يجوز مع الاختيار.

أقول: و فيه ان المراد من قوله يجب الوقوف فى العبادة على ما علم من صاحب الشريعة بشئ من الثلاثة، ان كان فى كل حكم من الاحكام، و كلّ جزئى من جزئيات المسائل، بمعنى ان للشارع ان يبين، و لو بالفعل او التقرير حكم كل مسئلة مسئلة بالخصوص ففيه انه خروج من الدين من حيث لا يشعر قائله، اذ اكثر الاحكام قد ثبت بعنوان العمومات و الاطلاقات، و قالوا (ع): نحن نلقى عليكم الاصول، على ما هو ببالى. و فى صحيحة عبد الاعلى مولى آل سام، المروية فى التهذيب فى باب صفة الوضوء، فى الزيادات قال: قلت لابى عبد الله (ع): عثرت فانقطع ظفرى، فجعلت على اصبعى مرارة، كيف اصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا و اشباهه من كتاب الله عزّ و جلّ: «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» امسح عليه، و ان كان المراد هو العلم الشرعى فى العبادة بشئ من الثلاثة، و لو كان القول بعنوان العمومات و الاطلاقات، ففيه ان فيما نحن كذلك اذهم (ع) قالوا:

لا تعاد الصلوة الا من خمسة الى آخره، فعلينا ان نستخرج الفروع منه، فنقول لو كان الدعاء بالفارسية مبطلا للصلوة، لكان هو ايضا موجبا للاعادة كالخمسة الى آخره، و التالى باطل، للعموم المتقدم، فالمقدم مثله و الملازمة بينة، هذا مضافا الى الأخبار المتقدمة، كالاية، و اما النقض بالاذكار الواجبة، ففيه ان الدليل من اجماع او غيره لو لم يكن قائما فيها لكنا قائلين بالجواز فيها ايضا، و لكن الدليل

ص: 362

منعنا عنه نعم، لعلك قد رايت فى بعض المقامات، انا لا نستوحش من نحو هذا الدليل، فانما هو لمكان وجود دليل آخر يطمئن قلبنا به، فذكرنا ذلك لاجل الاعتضاد و التقوية.

الثانى: ان المعصومين (ع) لم ياتوا بغير العربى،

بل اقتصروا عليه، و داوموا عليه، فيجب اما لاصالة وجوب التأسى، او لقوله (ص): صلوا كما رأيتمونى اصلى، او لان المداومة تدل على الوجوب. و فيه بعد تسليم المقدمة الاولى ما ترى.

الثالث: ما ذكره بعض المحققين،

بان الامر العام البلوى الشديد الحاجة سيما مثل الصلوة لو صح العجمية فيها اختيارا، لاقتضى العادة اشتهاره كاشتهار الشمس، سيما مع كون المكلفين اغلبهم غير العرب، بل لا يصير العرب فى جنبهم الا قليلا غاية القلة، و فيه ان الشهرة لو لم تكن فى جانب الجواز، لكان هذا الدليل مورثا للمظنة، و لكن معها لا يعتنى به بلا مرية، كيف لا؟ «هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ».

و بالجملة لما كان المخالف سعد بن عبد الله الجليل، فاجاب العلماء للعوام بالاحتياط خروجا عن خلافه، فلذا اشتهر بينهم ما تعلمه، و نظير ذلك فى ابواب الفقه كثير بلا ريبة.

الرابع: الوجوه التى اشار اليها بعض الاجلة،

كاصالة عدم كونها العبادة، و فيه ما ترى، و اصالة بقاء الذمة تحت العهدة، و فيه انها نافعة بعد العجز عن الادلة المبينة لواقع المسئلة، و اما مع عدمه كما فيما نحن فيه، فلا، بلا مرية، و عموم ما دل على عدم جواز التكلم فى الصلوة الشامل له، و لا مخرج عنه، و فيه ان المخرج موجود، و هو ما تقدم اليه الاشارة، خصوصا مرسلة الفقيه: كل ما ناجيت به ربك فى الصلوة فليس بكلام، المعتضدة بالشهرة.

الخامس: ما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد فى الزيادات،

عن السكونى عن جعفر عن ابيه، عن آبائه (ع) قال: نهى النبى (ص) عن رطانة الاعاجم فى المساجد، و روى الكافى فى باب بناء المساجد، عن مسمع ابى سيار

ص: 363

عن ابى عبد الله (ع)، مثله. و التقريب ان الرطانة اذا كانت فى المساجد التى هى محال الصلوة منهيا عنها، ففى الصلوة بطريق اولى، و فيه مع النظر عن ضعف السند، ان الخبر محمول على الكراهة، كما تقدم فى المجلد الثانى من كتاب الصلوة، فى باب المساجد اليه الاشارة، و انّى ذلك من المطلب؟ هذا مضافا الى ان الرطانة و ان كانت مفسرة بالكلام بالاعجمية كما عن القاموس، و لكن عن الوافى الرطانة - بفتح الراء و كسرها - و المراطن كلام لا يفهمه الجمهور، و انما هو مواضعة بين اثنين او جماعة، و العرب تخص بها غالبا كلام العجم، انتهى. و هذا مما يوهنه فتامل.

و بالجملة، قد ظهر بما مرّ ان المشهور هو الاقوى، فلذا قال بعض مشائخنا القول بجواز القنوت بغير العربى، و كذا الدعاء به فى احوال الصلوة. فى غاية القوة، و عليه يجوز الدعاء الملحون فيها، و كذا يجوز اللحن فى الاذكار المستحبة بل يستفاد من جماعة من الاصحاب عدم اشتراط العربية فيها، و لكن الاحوط ترك غير العربى و اللحن مطلقا، انتهى.

و قد تقدم ايضا فى مسئلة التشهد فى شرح قول المصنف رحمه الله: و الزيادة فى الدعاء فى الامر الخامس فى التنبيه الثانى ما ينفعك فراجع الى هناك فان قلت: ما ذكرته هناك كان كافيا عن التكلم بهذه المسئلة فى هذا المقام، فكان لك التكلم فى احد المقامين، فلم فعلت كذلك، و تكلمت فى كلا المقامين؟ قلت:

انما فعلنا كذلك جريا على و تيرة المصنف رحمه الله فى التذكرة و غيره، حيث تكلما فى كلا المقامين، و ان كان الانصاف ان الانسب ما ذكرته، اذا كان يمكن ترتيب المسئلتين على نحو لا يحتاج الى تلك الاطالة، لكن الامر فى ذلك سهل بلا مرية فكيف كان، فالمسئلة بحمد الله مبينه، و لكن الاحتياط فيها مطلوب بلا شبهة.

فرعان:
الأول: هل على المختار من جواز التكلم بغير العربى يختص ذلك بالفارسية ام يعم ساير اللغات ايضا؟

صرح الشارح المقدس بالثانى، كما تقدم فى نقل عبارته،

ص: 364

و هو الاظهر، لمكان عموم الدليل، و ظهور عدم القائل بالفصل.

الثانى: هل على المختار يختص الجواز بان يدعو بلغته،

ام يجوز ان يدعو بغير لغته ايضا، كما اذا كان الشخص فارسيا يدعو بالتركية التى اكتسبها، و لو فى الجملة؟ مقتضى الاطلاقات هو الثانى، و يظهر من الشيخ فى النهاية كما تقدم نقل عبارته الأول، و الثانى ارجح، بل لعل الظاهر عدم القائل بالفصل، و اما تعبير الشيخ بما عبر به، فلعله مبنى على الغالب.

تنبيه:

يظهر من الشيخ فى النهاية - كما تقدم نقل عبارته - اختصاص تجويز غير العربى بصورة العجز عن العربية، و عليه فلم يظهر كونه مخالفا لسعد، على الطريق الذى حكى عن سعد فى جامع المقاصد، كما تقدم نقل كلامه، لمكان قوله: مع القدرة، و عليه ففى ما نسب الجماعة الى الشيخ فى النهاية فيه ما فيه، نعم، يمكن القول بان الصدوق فى الفقيه حكى عن سعد عدم الجواز، بعنوان الاطلاق، و عليه فالشيخ فى النهاية يكون مخالفا له، لكن يرد على الجماعة بان الشيخ فى النهاية على هذا النقل، و ان كان مخالفا لسعد، لكنه ليس موافقا للمشهور، اذ هم يجوزون غير العربى بقول مطلق، تبعا لما نقله الصدوق فى الفقيه عن الصفار، فافهم ذلك.

فائدة جيدة:

قال ابن فهد فى اوائل عدة الدّاعى، و هو فى صدد بيان عدم اجابة الدعاء فى بعض الاحيان بما لفظه: او لعلمه سبحانه بان المقصود للعبد من دعائه هو اصلاح حاله، فكان ما طلبه ظاهرا غير مقصود له مطلقا، بل يشترط نفعه له، فالشرط المذكور حاصل فى نيته، و ان لم يذكره بلسانه، بل و ان لم يخطر بقلبه حالة الدعاء هذا الشرط، فهو كالاعجمى الذى لقن لفظا لا يعرف معناه، او سمع لفظا توهمه علما على شئ، ثم طلبه من عارف بقصده، فانه يعطيه ما علم قصده اليه، لا ما دل ظاهر لفظه عليه، و هذا هو معنى الدعاء الملحون، الذى

ص: 365

لا يقبله الله سبحانه، على ما ورد فى بعض الأخبار، فان قلت: قد ورد عن ابى جعفر الجواد (ع) انه قال: ما استوى رجلان فى حسب و دين قط، الا كان افضلهما عند الله عزّ و جلّ آدبهما، قال: قلت: جعلت فداك، قد علمت فضله عند الناس و المجالس، فما فضله عند الله عزّ و جلّ، قال: بقراءة القرآن كما انزل و دعاءه عزّ و جلّ من حيث لا يلحن، و ذلك ان الدعاء الملحون لا يصعد الى الله عزّ و جلّ و يقرب منه قول الصادق (ع) نحن قوم فصحاء اذا رويتم عنا فاعربوها. فان كان المراد من هذين الحديثين ما دل عليه ظاهرهما، فكثير اما نرى من اجابة الدعوات غير المعربات، و كثيرا ما نشاهد من اهل الصلاح و الورع، و من يرجى اجابة دعائهم لا يعرفون شيئا من النحو، و ايضا اذا لم يكن دعاؤه مسموعا فلا فايدة فيه، فلا يكون مامورا به، لانتفاء فايدته حينئذ، و لا يتوجه الامر بالدعاء الا الى حذاق النحاة، بل النحوى ايضا ربما يلحن فى بعض الادعية، لا فتقارها الى الاضمار، و التقدير و الحذف، و اشتغال حالة الدعاء بالخشوع، و التوجه الى الله سبحانه عن استحضار عدالة النحو و قوانينه، و كل هذه الامور باطلة، خلاف المشاهدة من العالم و ضد المعلوم من اخبارهم (ع) و وصاياهم، فانهم دلّوا على كلّ شئ يتعلق بمصالح العباد، و قد ذكروا فى آداب الدعاء و شروطه امورا كثيرة ستقف عليها فى هذا الكتاب ان شاء الله تعالى. و لم يذكروا الاعراب و لا معرفة النحو فيها، و اذا لم يكن المراد منها ذلك، فما معناهما؟

فاعلم - ايدك الله - انه لما كان الواقع خلاف ما دل عليه ظاهر الخبرين عدل الناس الى تاويلهما، فبعض قال: الدعاء الملحون دعاء الانسان على نفسه فى حال ضجره بما فيه ضررها، و استشهد على ذلك بقوله تعالى: «وَ لَوْ يُعَجِّلُ اَللّٰهُ لِلنّٰاسِ اَلشَّرَّ اِسْتِعْجٰالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ» قال المفسرون: اى و لو يعجل اللّه للناس الشرّ، اى اجابة دعائهم فى الشر اذا دعوا به على انفسهم و اهاليهم، عند الغيظ و الضجر و استعجلوه، مثل قول الانسان: رفعنى الله من بينكم، استعجالهم بالخير، اى كما يعجل الله لهم اجابة الدعوة بالخير اذا

ص: 366

استعجلوه، لقضى اليهم اجلهم، لفرغ من اهلاكهم، و لكن الله سبحانه و تعالى لا يعجل لهم الهلاك، بل يمهلهم حتى يتوبوا، و بعضهم قال: الدعاء الملحون دعاء الوالد على ولده فى حال ضجره منه، لان النبى (ص) سأل الله عزّ و جلّ ان لا يستجيب دعاء محب على حبيبه، و بعضهم قال: الذى لا يكون جامعا لشرائطه، و الكل بمعزل عن التحقيق، لان مقدمة الخبر لا تدل على ذلك، لان الكلام ورد فى معرض مدح النحو، بل التحقيق ان نقول: اما الخبر الأول فالمراد من قوله (ع):

ان الله تعالى لا يقبل(1) الدعاء الملحون، اى لا يسمعه ملحونا، و يجازى عليه جاريا على لحنه، مقابلا له بما دل ظاهر لفظه عليه، بل يجازى على قصد الانسان من دعائه، كما سمع بعضهم يقول عند زيارته للمعصومين(2) (ع): و اشهد انك قتلت و ظلمت و غصبت - بفتح اول الكلمة - و من المعلوم بالضرورة ان هذا الدعاء لو سمع منه جاريا على لحنه لحكمنا بارتداده، و وجوب تعزيره، و لم يقل به احد، فدلّ على ذلك ان الدّعاء لا يجزى على ظاهر لفظه، اذا كان المقصود منه غير ذلك، و يدلّ عليه ايضا اجماع الفقهاء - أعلى الله سبحانه درجاتهم - على ان انسانا لو قذف آخر بلفظ لا يفيد القذف فى عرف القائل، لم يكن قاذفا، و لا يتوجه عليه عقوبة، و ان كان ذلك اللفظ مقيد اللقذف فى عرف غيره، فعلم ان اعراب الالفاظ مقيد اللقذف فى عرف غيره، فعلم ان اعراب الالفاظ فى الدعاء ليس شرطا فى اجابته و الاثابة عليه، بل هو شرط فى تمامية فضيلته، و كمال منزلته، و علو مرتبته.

و خرج قوله (ع): و دعاءه الله من حيث لا يلحن مخرج المدح، و ذلك ان الدعاء اذا لم يكن ملحونا كان ظاهر الدلالة فى معناه، و الالفاظ الظاهرة الدلالة فى معانيها افضل من الالفاظ المتأوله، و لهذا كانت الحقيقه افضل من المجاز، و المبين افضل(3) من المجمل، و ايضا فانه افصح و الفصاحة مرادة فى الدعاء، خصوصا اذا كان منقولا عن الائمة (ع)، ليدل على فصاحة المنقول عنه، و فيه اظهار لفضيلة المعصوم (ع)، و ايضا فان اللفظ اذا كان معربا لم ينفر عنه طبع السامع، اذا كان نحويا، و اذا سمعه ملحونا نفر طبعه عنه، و ربما تالّم منه.

ص: 367


1- لا يسمع خ ل (منه).
2- للمعصوم خ ل (منه).
3- اولى ح ل (منه).

قيل سمع الاعمش رجلا يتكلم، و يلحن فى كلامه، فقال: من هذا الذى يتكلم و قلبى منه يتالّم.

و روى ان رجلا قال لرجل: اتبيع هذا الثوب؟ قال: لا عافاك الله، فقال:

لقد علمت لو تعلمون، قل: لا و عافاك اللّه.

و روى ان رجلا قال لبعض الاكابر و قد سأله عن شئ، فقال: و اطال الله بقاك. فقال: ما رايت واوا احسن موقعا من هذه، فقوله (ع): ان الدعاء الملحون لا يصعد الى الله، اى لا يصعد اليه ملحونا، يشهد عليه الحفظة بما يوجبه اللحن، اذا كان مغير اللمعنى، و يجازى عليه كذلك، بل يجازيه على قدر قصده و مراده من دعائه، و يؤيد ذلك ما رواه محمد بن يعقوب، عن على بن ابراهيم عن ابيه، عن النوفلى عن السّكونى، عن ابى عبد الله قال: قال النبى (ص): ان الرجل الاعجمى من امتى ليقرأ القرآن بعجميته، فترفعه الملائكة على عربية مع.

انا نجد فى ادعية اهل البيت (ع) الفاظا لا نعرف معانيها، و ذلك كثير، فمنها اسماء و اقسامات، و منها(1) اغراض و حاجات، و فوائد و طلبات، فنسأل من اللّه بالاسماء، و نطلب منه بتلك الاشياء، و نحن غير عارفين بالجميع، و لم يقل احد انّ مثل هذا الدّعاء اذا كان معربا(2) يكون مردودا،(3) مع ان فهم العامى لمعانى الالفاظ الملحونة اكثر من فهم النحوى لمعانى دعوات عربية لم يقف على تفسيرها و لغاتها، بل عرف مجردا عرابها، بل اللّه سبحانه يجازيه على قدر قصده، و يثيبه على نيته، لقوله (ص): انما الاعمال بالنيات، و قوله (ع): نية المؤمن خير من عمله، و هذا نص فى الباب، لان الجزاء وقع على النية، فانتفع به الداعى، و لو وقع على العمل الظاهر لهلك، لقوله (ع): ان سين بلال شين.

و جاء رجل الى امير المؤمنين فقال: يا امير المؤمنين ان بلالا كان يناظر

ص: 368


1- منه خ ل.
2- غير معرّب خ ل.
3- ملحونا خ ل.

اليوم فلانا، فجعل يلحن فى كلامه، و فلان يعرب و يضحك من بلال، فقال امير المؤمنين (ع): يا عبد الله انما يراد اعراب الكلام و تقويمه لتقويم الاعمال و تهذيبها ما ينفع فلانا اعرابه و تقويمه لكلامه، اذا كانت افعاله ملحونة اقبح لحن، و ما ذا يضر بلال لحنه فى كلامه اذا كانت افعاله مقومة احسن تقويم، و مهذبة احسن تهذيب.

فقد يثبت بهذا الحديث ان اللّحن قد يدخل فى العمل، كما يدخل فى اللفظ، و ان الضرر فيه عايدا لى وقوعه فى العمل دون اللفظ. و اما الخبر الثانى فالمراد به فى الاحكام، و هذا مثل قول النبى (ص): نصر اللّه(1) عبد اسمع مقالتى فوعاها، فادّاها كما سمعها، فرب حامل علم فقه ليس بفقيه. لان الاحكام تتغير بتغير الاعراب فى الكلام، الا ترى الى قوله (ع) حين سأل: انا نذبح النّاقة و الشاة و فى بطنها الجنين انلقيه ام ناكله؟ قال: كلوه ان شئتم، فان ذكاة الجنين ذكاة أمه. فبعض الناس روى ذكاة الثانى بالرفع. فيكون معناه ان ذكاة امّه تبيحه، و هى كافية ان تذكّيه، و بعض رواها بالنصب فيكون معناه ان ذكاة الجنين مثل ذكاة امّه، فلا بد من تذكيته(2) له بانفراده و لا تبيحه ذكاة امه، فافهم ذلك، فانه من مقاص الفهم و دقيق العلم، انتهى كلامه، رفع فى الخلد مقامه.

أقول: و فيما افاده رحمه الله، و ان كان فى بعضه نوع مناقشة، و لكن الامر فيها سهل، و بالجملة القول بجواز اللحن فى الاذكار المستحبة قوى فى الغاية، و عليه فيجوز لمن ياتى بها بالعربية - مثلا - ان لا يراعى الاعراب، و ياتى به غلطا، و لو كان مغير اللمعنى، و ان لا يخرج الحروف عن مخارجها المقررة، نعم، ربما يشكل اذا خرجت الكلمة باللحن عن العربية مطلقا، بمعنى ان لا يصدق عليها انها عربية غلط، سواء دخلت به فى ساير اللغات، ام لا، و ان كان الامر فى الاخير اشكل فى الغاية كالأول، اذا لم يكن للملحن مرادا، فالاحتياط فيهما لا يترك البتة، و الاحوط عدم اللحن بقول مطلق.

ص: 369


1- رحم اللّه عن خ ل.
2- تذكيته بانفراده خ ل.
فى قنوت صلاة الجمعة
اشارة

(و فى) صلوة (الجمعة) قنوت فى الركعة الاولى قبل الركوع، (و قنوت آخر بعد ركوع الثانية) على المشهور بين الاصحاب كما (ادعاه كثير منهم) و منهم المحكى عن الشيخ و الصدوق فى المقنع، و سلار و ابن البراج و ابن حمزة، و المحقق و المصنف فى اكثر كتبه، و الشهيد ان و جماعة من متاخرى متاخرى الطائفة، و عن المحقق انه نسبه الى المفيد فى قواعده، خلافا للصدوق فى الفقيه، و الحلى فهو(1) فيها كغيرها فى وحدته و محلّه.

قال فى الفقيه فى باب وجوب الجمعة: قال ابو جعفر الباقر (ع) لزرارة بن اعين: انما فرض اللّه على الناس من الجمعة الى الجمعة خمسا و ثلثين صلوة، منها(2) صلوة واحدة فرضها اللّه فى جماعة، و هى الجمعة، و وضعها عن تسعة:

عن الصغير، و الكبير، و المجنون، و المسافر، و العبد، و المرءة، و المريض، و الاعمى، و من كان على رأس فرسخين، و القراءة فيها جهاروا لغسل فيها واجب، و على الامام فيها قنوتان: قنوت فى الركعة الاولى قبل الركوع، و فى الركعة الثانية بعد الركوع. و من صلاها وحده فعليه قنوت واحد فى الركعة الاولى قبل الركوع، و تفرد بهذه الرواية حريز عن زرارة، و الذى استعمله و افتى به و مضى عليه مشائخى - رحمهم اللّه - هو ان القنوت فى جميع الصلوات فى الجمعة و غيرها فى الركعة الثانية بعد القراءة و قبل الركوع.

و قال ابن ادريس فى السرائر على ما حكى: و محلّه بعد القراءة و قبل الركوع، و هو قنوت واحد فى الصلوة، و روى ان فى الجمعة قنوتين، و الاظهر الأول لان هذا مروى عن طريق الاحاد، و القنوت الواحد مجمع على استحبابه، انتهى.

و للمصنف رحمه الله فى المختلف فجعل لها قنوتا واحدا فى الركعة الاولى قبل الركوع، و اختاره السيد فى المدارك، حاكيا عن المفيد و جمع من الاصحاب، و نسبه غير واحد الى ظاهر الاسكافى ايضا، قال بعض الأجلاء: و قال شيخنا المفيد

ص: 370


1- اى القنوت (منه).
2- فيها.

فى القواعد على ما نقله عنه غير واحد من الاصحاب: ان فى الجمعة قنوتا واحدا فى الركعة الاولى قبل الركوع، انتهى.

و امّا الحلبى و العمانى فلم يظهر من كلامهما بظهور يعتد به الذهاب الى أنّ لها قنوتين فى كلتا الركعتين قبل الركوعين.

قال فى المختلف: و قال ابن ابى عقيل: و يقنت فى الركعتين جميعا، و لم يفصل فى باب الجمعة موضعه فيهما، بل قال فى باب القنوت: كل القنوت قبل الركوع بعد الفراغ من القراءة، و هو يدل على انه فيهما معا قبل الركوع، و كذا قال ابو الصلاح، فانه ذكر فى الجمعة و يقنت فى الركعة الاولة و الثانية، و لم يبين موضعه. و قال فى تعديد المنسوبات:(1) و اما القنوت فموضعه بعد القراءة من الركعة الثانية و قبل الركوع. و قال بعض الأجلاء: و لعل الاقرب حمل كلامهما على القول المشهور، لعدم الدليل على كون القنوتين قبل الركوع فى كل من الركعتين، انتهى.

قال فى المختلف: قال السيد المرتضى فى الجمل: و على الامام ان يقنت فى صلوة الجمعة، و اختلف الرواية فى قنوت الامام فى صلوة الجمعة، فروى انه يقنت فى الاولى قبل الركوع، و فى الثانية بعد الركوع، و لم ينص على شئ منها، انتهى.

و ظاهر السيّد التوقف،

فلننقل اولا جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام:
الأول:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الصحيح عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سأله بعض اصحابنا و انا عنده عن القنوت فى الجمعة، فقال له: فى الركعة الثانية. فقال له: قد حدثنا به بعض اصحابنا انّك قلت فى الركعة الاولى. قال: فى الاخيرة، فلما راى غفلة منه فقال: يا ابا محمّد فى الاولى و الاخيرة. فقال ابو بصير بعد ذلك: اقبل الركوع او بعده؟ فقال له

ص: 371


1- المسنونات ظ.

ابو عبد اللّه (ع): كل قنوت قبل الركوع الا الجمعة، فان الركعة الاولى فيها قبل الركوع، و الاخيرة بعد الركوع.

و روى فى باب العمل فى ليلة الجمعة فى الصحيح، عن ابى بصير، قال:

سأل عبد الحميد ابا عبد اللّه (ع) و انا عنده عن القنوت فى يوم الجمعة، قال: فى الركعة الثانية، فقال له: قد حدثنا بعض اصحابنا انك قلت فى الركعة الاولى، فقال: فى الاخيرة، و كان عنده ناس كثير، فلما راى غفلة منهم، قال: يا ابا محمّد فى الركعة الاولى، فقال و فى الاخيرة. قال: قلت: جعلت فداك، قبل الركوع او بعده؟ قال: كل القنوت قبل الركوع الا الجمعة، فان الركعة الاولى القنوت فيها قبل الركوع، و الاخيرة بعد الركوع.

الثانى:

ما رواه ايضا فى باب العمل فى ليلة الجمعة، فى الزيادات فى الموثق عن سماعة، قال: سألته عن القنوت فى الجمعة، فقال: اما الامام فعليه القنوت فى الركعة الاولى بعد ما يفرع من القراءة قبل ان يركع، و فى الثانية بعد ما يرفع راسه من الركوع قبل السجود، و انما صلوة الجمعة مع الامام ركعتان، فمن صلى من غير امام وحده فهى اربع ركعات، بمنزلة الظهر، فمن شاء قنت فى الركعة الثانية قبل ان يركع، و ان شاء لم يقنت، و ذلك اذا صلى وحده.

الثالث:

ما رواه ايضا فى باب العمل فى ليلة الجمعة، فى الصحيح عن سليمان بن خالد، عن ابى عبد الله (ع)، قال: القنوت يوم الجمعة فى الركعة الاولى.

الرابع:

ما رواه ايضا المتقدم، عن عمر بن حنظلة، قال: قلت لابى عبد الله عليه السلام: القنوت يوم الجمعة. فقال: انت رسولى اليهم فى هذا، اذا صليتم فى جماعة ففى الركعة الاولى، و اذا صليتم وحدانا ففى الركعة الثانية.

الخامس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الموثق عن ابى بصير، قال:

القنوت فى الركعة الاولى قبل الركوع.

السادس:

ما رواه الكافى فى باب القنوت فى صلوة الجمعة، فى الصحيح عن

ص: 372

معوية بن عمار، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول فى قنوت الجمعة: اذا كان اما ما قنت فى الركعة الاولى، و ان كان يصلى اربعا ففى الركعة الثانية قبل الركوع.

السابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: القنوت قنوت يوم الجمعة فى الركعة الاولى، يقول فى القنوت:

لا اله الا اللّه الحديث.

الثامن:

ما رواه التهذيب فى باب العمل فى ليلة الجمعة، فى الزيادات فى الصحيح، عن عمر بن يزيد، عن ابى عبد اللّه (ع)، قال: اذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا فى جماعة، و ليلبس البرد و العمامة و يتوكأ على قوس او عصا، و ليقعد قعدة بين الخطبتين، و يجهر بالقراءة، و يقنت فى الركعة الاولى منهما قبل الركوع.

التاسع:

ما رواه ايضا فى باب العمل فى ليلة الجمعة، عن عبد الملك بن عمرو، قال: قلت لابى عبد اللّه (ع): و قنوت الجمعة فى الركعة الاولى قبل الركوع، و فى الثانية بعد الركوع؟ فقال لى: لا قبل و لا بعد.

العاشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن داود بن الحصين، قال:

سمعت معمر بن ابى رباب يسأل ابا عبد اللّه (ع) و انا حاضر عن القنوت فى الجمعة. فقال: ليس فيها قنوت.

الحادى عشر:

ما رواه بعض الأجلاء عن كتاب الخصال، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن ابى نجران و الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللّه، عن زرارة بن اعين، عن ابى جعفر (ع)، قال: انما فرض اللّه عزّ و جلّ من الجمعة الى الجمعة خمسا و ثلاثين صلوة، فيها صلوة واحدة فرضها الله فى جماعة،... و ساق الخبر كما تقدم فى نقل كلام العلامة، الى قوله: و فى الثانية بعد الركوع.

اذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور هو الاقوى لوجهين:
اشارة

ص: 373

الأول: ما عن الخلاف من دعوى خبر الاجماع عليه،

و يعضده الشهرة.

الثانى: جملة من الأخبار منها الخبر الحادى عشر،

و قد تقدم فى نقل كلام الصدوق فى الفقيه ايضا، و اما ما ذكره السيّد فى المدارك، بعد نقل عبارة الصدوق المتقدمة، و ما ذكره - رحمه الله - من رواية زرارة يصلح سندا للقول الأول، لو كانت متصلة. فالظاهر ان مراده لو كانت متصلة بالامام، و انه يحتمل ان يكون ذلك قول زرارة، فتكون الرواية مقطوعة موقوفة عليه. و فيه ان احتمال كون الرواية مقطوعة من ملاحظة كلام الصدوق المتقدم بعيد فى الغاية، كما اعترف به غير واحد من الطائفة، فما ظنك بذلك بعد ملاحظة الخبر الحادى عشر.

و منها الخبر الأول الذى لو لم يكن فى المسئلة الا هو، لكان كافيا و مبينا، لكون الأخبار المنافية صادرة من جراب النورة، و اما ما ذكره فى المدارك بكونه ضعيف السند، لاشتراك ابى بصير بين الثقة و الضعيف، ففيه ما حققناه فى بعض فوائدنا المتعلقة بالرجال، من ان السند بذلك لا يخرج عن الصحة، بما لا مزيد عليه، فلا نعيده هنا، مع ان فى الخبر ما يشهد بعدم كونه الاعمى المكفوف، لمكان قوله: فلما راى غفلة من الناس، فقال: يا ابا محمد، اذ يظهر انه راى الصادق (ع) انه لما راى غفلة من الناس توجه اليه، فقال: يا ابا محمد، و الاعمى المكفوف كيف يدرك ذلك؟ و يؤيده قوله: يا ابا محمد تكنية الاسدى به غير ثابت، هذا مضافا الى اعتضاده بالشهرة.

و منها الخبر الثانى، و للصدوق عموم الأخبار الدالة على كونه قبل الركوع، كما مضى الى جملة منها فى شرح قول المصنف رحمه الله: عقيب قراءة الثانية الى آخره الاشارة، و فيه ان المخصص للعموم، و هو الأخبار الدالة على المختار، كالأخبار الدالة على مذهب المصنف فى المختلف، و الاجماع المحكى المعتضد بالشهرة العظيمة، المخالف للعامة، كما يستفاد من الخبر الأول فى المقام موجود، فليحمل العموم و الاطلاق على المختار، و للمصنف فى الخلاف و من تابعه الخبر الثالث: الى الخبر الثامن، و فيه ان تلك المستفيضة غير صالحة لدفع

ص: 374

المختار بلا مرية، و ذلك لانها امّا ليست صريحة و لا ظاهرة فى النفى عن الثانية، لمكان قوة احتمال ورودها لبيان القنوت المخصوص بالجمعة، و عليه فلا ينافى استحبابه فيها فى الركعة الثانية، قاله بعض الأجلة، او لأن الأخبار الدالة على المختار اقوى من هذه دلالة، و للمشهور موافقة، و للاجماع المحكى مطابقة، فليعمل بها، و ليحمل هذه اما على جواز الترك، او على تفاوت مرتبة الاستحباب و اما الخبر التاسع و العاشر فغير مقاومين للمختار من وجوه عديدة، منها ان ظاهرهما حيث ينفى الرجحان مخالف لاجماع الطائفة، فليحملا على جواز الترك، قال فى التهذيب بعد نقلهما: يحتمل ان يكون اراد (ع) ليس فيها قنوت فرضا، لان القنوت عندنا سنة، و ليس اذا نفى كونه فرضا ينتفى ان يكون سنة، و يحتمل ان يكون اراد (ع) ليس فيها قنوت موظف، و انما هو شئ يقول الانسان على ما يجرى على لسانه من تحميد اللّه و تمجيده و الصّلوة على محمّد و آله، و يحتمل ان يكون اراد (ع) ليس فيها قنوت، اذا كانت الحال تقية و خوف.

فرعان:
الأول: و حيث عرفت تعدد القنوت، فهل هو ثابت على الاطلاق، كما عن ظاهر الاكثر، و منهم الخلاف مدعيا عليه الوفاق، ام يختص ذلك بالامام،

كما عن النهاية و المراسم و التحرير و التذكرة و الهداية و المبسوط و الكافى و المهذب و الوسيلة و الاصباح و الجامع، و ان لم ينفهما ما خلا الأربعة الأول عن غيره، و عن بعض النفى نص المعتبر و التذكرة، و ظاهر الاولين؟ وجهان: للاوّل الاجماع المحكى المتقدم اليه الاشارة، و اطلاق الخبر الأول المعتضد باطلاق الخبر الثانى، و ما ضاهاه، و لو فى الجملة، بل يمكن جعله دليلا مستقلا بملاحظة عدم القول بالفرق على الظاهر بين الاولى و الثانية، و عليه فالخبر الرابع كالنص فى ذلك، و للثانى و السادس، و الثامن، و الحادى عشر، و الحق هو الأول، لقوة دليله و ضعف دليل الثانى. اما الخبر الثانى فهو بالدلالة على نقيضه لعله اشبه، لمكان قوله:

و ذلك اذا صلى وحده. و كذا الخبر السّادس، لمكان تقابل الشرطية الثانية،

ص: 375

اعنى قوله: و ان كان يصلى اربعا الى آخره، و اما الخبر الثامن فليس ظاهرا فى النفى عن غير الامام بلا مرية. و اما الخبر الحادى عشر، فلعله ايضا بالدلالة على النقيض اشبه، لمكان التتمة المنقوله فى الفقيه، و اشتمالها على ما لا نقول به اعنى كونه القنوت للمنفرد فى الركعة الأولى قبل الركوع غير ضائر، لانها حينئذ كالعام المخصص فيما بقى حجة، هذا مضافا الى بعد ان يقنت الامام و يسكت من خلفه، كما صرح به بعض الأجلة.

الثانى: اذا صلى اربعا فليس فيه الا قنوتا واحدا فى الركعة الثانية قبل الركوع مطلقا،

سواء كان اماما او ماموما، او منفرد الذيل الخبر السادس، و يدل عليه ايضا غير واحد من الأخبار المتقدمة، و لو فى الجملة، و لم اجد فى ذلك الحكم مخالفا، و اما ذيل رواية زرارة المروية فى الفقيه كما تقدم فى نقل كلامه، فلم اجد به عاملا، بل لعله دليل على المطلب، و لو فى الجملة، اذ العام المخصص فيما بقى حجة. و بالجملة الحكم المذكور مما ليس فيه مرية، و يعضده ما نرى من سيرة الشيعة فى الاعصار و الامصار.

و فى التذكرة: الامام ان صلاها جمعة قنت قنوتين، و غيره يقنت مرة، و ان كان فى جماعة لقول الصادق (ع): كل القنوت قبل الركوع الا الجمعة، فان القنوت فى الاولى قبل الركوع، و فى الاخيرة بعد الركوع.

و فى التحرير: الذى يظهر ان الامام يقنت قنوتين اذا صلى جمعة ركعتين و من عداه يقنت مرة جامعا او منفردا، انتهى.

تنبيه:

مقتضى المتن انّ القنوت الأول للجمعة فى الركعة الثانية ايضا قبل الركوع، و فيه ما ترى، و ليس مراد المصنف ايضا قطعا، و لعله تخيل ان تعيين محل القنوت فى الثانية يقتضى كون محل القنوت الاولى فى الاولى، و كيف كان، فالعبارة عن القصور غير خالية.

ص: 376

فى من نسى القنوت
اشارة

(و لو نسيه) اى نسى القنوت(1) قبل الركوع (قضاه بعد الركوع)، و الظاهر عدم الخلاف فى استحباب الاتيان به حينئذ، كما استظهره غير واحد. و فى المنتهى: لا خلاف عندنا فى استحباب الاتيان بالقنوت بعد الركوع مع نسيانه قبله و اما انه هل هو اداء او قضاء؟ ففيه تردد، ثم قرب كونه قضاء.

و فى الحبل المتين: تلافى القنوت بعد الركوع لناسيه قبله ممّا لا خلاف فيه بين اصحابنا.

و فى المدارك: قوله و لو نسيه قضى بعد الركوع، هذا مذهب الاصحاب، لا أعلم فيه مخالفا، انتهى. و يدل عليه بعد ذلك اخبار عديدة منها ما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره، فى الصحيح عن محمد بن مسلم و زرارة بن اعين، قالا: سألنا ابا جعفر (ع) عن الرجل ينسى القنوت حتى يركع. قال:

يقنت بعد الركوع، فان لم يذكره فلا شئ عليه.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن محمد بن مسلم، سألت ابا عبد اللّه (ع) عن القنوت ينساه الرجل. فقال: يقنت بعد ما يركع، و ان لم يذكر حتى ينصرف فلا شئ عليه.

و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الموثق لمكان الحسن بن على بن فضال، عن عبيد بن زرارة، قال: قلت لابى عبد الله (ع): الرجل ذكر انه لم يقنت حتى يركع. قال: فقال: يقنت اذا رفع راسه.

و اما ما رواه التهذيب، فى باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الصحيح، عن معوية بن عمار، قال: سألته عن الرجل ينسى القراءة حتى يركع، ايقنت؟ قال: لا. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن محمد بن سهل، عن ابيه قال: سألت ابا الحسن (ع) عن رجل نسى القنوت فى المكتوبة. قال: لا اعادة عليه.

و اما ما رواه ايضا فى باب كيفية الصّلوة، فى الزيادات عن احمد بن الحسن

ص: 377


1- و فى التذكرة و لو ترك القنوت ناسيا لم يعد اجماعا لقول الصادق (ع) ثم نقل رواية عمار الاتية. (منه)

عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقه، عن عمار عن ابى عبد الله (ع)، قال:

ان نسى الرجل القنوت فى شئ من الصّلوة حتى يركع، فجازت صلوته، و ليس عليه شئ، و ليس له ان يدعه متعمدا. فمحمول على نفى الوجوب، و عدم بطلان الصّلوة بتركه، كما يفصح به الاخير، و يحتمل فى بعض تلك الأخبار الحمل على التقية، كما ذكره شيخ الطائفة و غيره، و كذا الكلام فيما رواه ايضا فى اواخر باب كيفية الصلوة، عن عمار عن ابى عبد الله (ع)، عن الرجل ينسى القنوت فى الوتر او غير(1) الوتر، قال: ليس عليه شئ. و قال: ان ذكره و قد اهوى الى الركوع قبل ان يضع يديه على الركبتين فليرجع قائما، و ليقنت ثم يركع، و ان وضع يده على الركبتين فليمض فى صلوته، و ليس عليه شئ.

نعم، لعل الاحوط فى خصوص الوتر عدم الاتيان به بعد الركوع، بعد نسيانه قبله، لما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب دعاء قنوت الوتر فى الصحيح، عن معوية بن عمار، انه سأل ابا عبد اللّه (ع) عن القنوت فى الوتر، قال: قبل الركوع، قال:

فان نسيت اقنت اذا رفعت راسى؟ فقال لا:

قال فى الفقيه بعد نقله حكم من ينسى القنوت حتى يركع: ان يقنت اذا رفع راسه من الركوع، و انما منع الصادق (ع) من ذلك فى الوتر و الغداة خلافا للعامة، لانهم يقنتون فيهما(2) بعد الركوع، و انما اطلق ذلك فى ساير الصلوات لان جمهور العامة لا يرون القنوت فيها، انتهى.

و انت خبير بان الخبر الذى ذكره لم يشتمل الاعلى الوتر خاصة، فضم الغداة الى ذلك، امّا سهو من قلمه، او من قلم الناسخين، او سقط من الخبر المذكور، او الخبر وصل اليه بذلك، و لم يذكره هنا، او لاجل ما فهمه من العلة التدارك. و كيف كان، فالحكم فيما عدا الوتر ما عرفته، و اما فيه فالاحوط عدم الاتيان به بقصده.

ص: 378


1- او غيرها.
2- فيما ذلك.

نعم يستحب فيه الدّعا بالماثور.

فروع:
الأول: صرح الجماعة بان القنوت حينئذ يؤتى به بنية القضاء،

لمكان فوات محلّه، و لعله الاقوى، و امّا خلو المعتبرة عن التعرض لنية القضاء فلا يصير باعثا للتردد فى المسئلة، و لعل السرّ فيه عدم وجوب التعرض لنية الاداء و القضاء، كما هو الاقوى و الارجح. و عليه فلا ثمرة فى المسئلة يعتد بها.

الثانى: قال الشيخ فى النهاية: من ترك القنوت ناسيا ثم ذكر فى الركوع قضاه بعد الركوع استحبابا،

فان لم يذكر الا بعد الدخول فى الركعة الثالثة مضى فى صلوته، ثم قضاه بعد الفراغ من الصلوة.

و قال استاذه فى المقنعة: و من نسيه فلم يفعله قبل الركوع فليقضه بعده، و ان لم يذكره حتى يركع الثالثة قضاه بعد فراغه من الصلوة.

و فى الرياض: قال الشيخ و الاصحاب: و لو نسيه حتى ركع من الثالثة قضاه بعد فراغه من الصّلوة، انتهى.

روى التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره، بعد ذكر قول المقنعة هذا فى الصحيح، عن ابى بصير، قال: سمعته يذكر عند ابى عبد اللّه (ع) قال: فى الرجل اذا سها فى القنوت قنت بعد ما ينصرف و هو جالس.

و فى الرياض بعد استدلاله للشيخ بهذه الرواية: و لا دلالة فى الخبر على كون الذكر بعد ركوع الثالثة، فلو قيل بشموله ما بعد الدخول فى سجود الثانية امكن به، انتهى. و هو جيد، كما استحسنه بعض الأجلة، ثم قال: سيما مع التصريح به فى الرضوى، و ان ذكرته بعد ما سجدت فاقنت بعد التسليم، انتهى.

و فى الدروس: و يقضيه الناسى بعد الركوع، ثم بعد الصلوة و هو جالس.

الثالث: لو لم يذكره حتى انصرف من محله،

قضاه فى الطريق مستقبل القبلة وفاقا للجماعة،(1) لما رواه الكافى فى باب القنوت فى الصحيح عن زرارة، قال:

ص: 379


1- كالروضة و الرياض و الدروس. (منه)

قلت لابى جعفر (ع): رجل نسى القنوت فذكره و هو فى بعض الطريق، فقال:

يستقبل القبلة ثم ليقله، ثم قال: انى لا كره للرجل ان يرغب عن سنة رسول اللّه (ص) او يدعها(1).

الرابع: اذا ذكره حين اهوى الى السجود،

فلعل الاحوط الاتيان به بعد الصلوة و هو جالس، لرواية ابى بصير المتقدمة.

الخامس: قال بعض المحققين: و ان تذكر بعد ما قام و قبل الدخول فى المشى فى الطريق،

فلعل الاولى الجلوس فى موضع صلوته و التدارك حينئذ، سيما اذا قام و لم يمشى بعد اصلا، انتهى.

السادس: قال المصنف رحمه الله فى التحرير: و لو نسيه حتى ركع فى الثالثة،

ففى قضائه بعد الصلوة قولان، و ظاهره وجود قول بالمنع،(2) قيل و هو للشيخ فى المبسوط على ما حكاه عنه فى المنتهى، و اختاره.

أقول: و القول باستحباب القضاء مطلقا قوى فى الغاية، كما اختاره الجماعة لصحيحة ابى بصير المتقدمة، كالرضوى و فحوى صحيحة زرارة المتقدمين.

و فى التذكرة: و لو لم يذكر حتى ركع فى الثالثة قضاه بعد فراغه من الصلوة، لفوات محله و هو الثانية، و لقول الصادق (ع)، ثم نقل صحيحة ابى بصير المتقدمة.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: يستحب التكبير للقنوت،

كما مضى فى شرح قول المصنف: و بحول اللّه و قوته الى تفصيله الاشارة، خلافا للمفيد، و يستحب رفع اليدين بالتكبير، كما مضى فى شرح قول المصنف: و يستحب رفع اليدين بها الى شحمتى الاذنين الى تفصيله الاشارة.

ص: 380


1- و فى الحبل المتين و قوله (ع): ليقله، يعطى بظاهره انه (ع) اراد بالقنوت فى قوله: نسى القنوت الدعاء، الا رفع اليدين بالدعاء، و لا المركب منهما، و يجوز ان يكون (ع) سلك طريقة الاستخدام، انتهى. و الاول اظهر، و فى قوله: انه (ع) اراد الى آخره، مناقشة اذ القنوت فى كلام السائل فتأمل. (منه)
2- و هو الرياض. (منه)
الثانى: يستحب رفع اليدين تلقاء وجهه مبسوطين،
اشارة

يستقبل بباطنهما السّماء، و ظهورهما الأرض، قاله الاصحاب على ما ذكره الجماعة، بعد حكمه باستحباب ذلك و نسبه الى الاصحاب: و روى عبد الله بن سنان، عن الصادق (ع):

و ترفع يديك حيال وجهك، و ان شئت تحت ثوبك، و تتعلق بباطنهما السّماء، و نحوه فى الذخيرة.

أقول: لم اقف على رواية عبد الله بن سنان بهذه الصورة،(1) و الذى وقفت عليه انما هو ما رواه الصدوق فى باب دعاء قنوت الوتر، و التهذيب فى اواخر باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن عبد الله بن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، قال:

تدعو فى الوتر على العدو، و ان شئت سميتهم، و تستغفر و ترفع يديك فى الوتر حيال وجهك، و ان شئت تحت ثوبك، و لكن كفى بهما ناقلا، لانهما جليلان.

و روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات عن على بن محمد بن سليمان، قال: كتبت الى الفقيه، اسأله عن القنوت، فكتب: اذا كانت ضرورة شديدة فلا ترفع اليدين، و قل ثلاث مرات: بسم الله الرحمن الرحيم. و مفهومه دالّ على استحباب الرفع، و يؤيده ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، عن عمار الساباطى قال: قلت لابى عبد الله (ع): اخاف ان اقنت و خلفى مخالفون، فقال رفعك يديك يجزى. يعنى رفعهما كانك تركع.

و فى التذكرة: و قد بينا استحباب رفع اليدين بالقنوت، و به قال الشافعى، لان انسا قال: رايت النبى (ص) كلما صلى الغداة رفع يديه، يدعو على الذين قتلوا القراء ببئر معونة، و قال ايضا فى مقام اخرى فى جملة كلام له: و لما رواه احمد بن حنبل، ان رسول الله (ص) كان قال: الصلوة مثنى مثنى، و تشهد فى كل ركعتين، و تضرع و تخشع ثم تضع يديك ترفعهما الى ربك، مستقبلا بباطنهما وجهك، فتقول: يا رب يا رب.

ص: 381


1- و رواها بعض المحققين ايضا بهذه الكيفية. (منه)

أقول: روى الصدوق فى باب دعاء قنوت الوتر مرسلا عن ابى حمزة الثمالى، قال: كان على بن الحسين (ع) يقول فى آخر وتره و هو قائم: رب اسأت و ظلمت نفسى، بئس ما صنعت، و هذه يداى جزاى بما صنعتا. قال: ثم يبسط يديه جميعا قدام وجهه، و يقول: و هذه رقبتى خاضعة لك، لما اتت. قال: ثم يطأطئ راسه و يخضع برقبته، ثم يقول: و ها اناذا بين يديك، الخبر. قال بعض الأجلاء بعد نقله: و مفهوم هذا الخبر انه انما يبسط يديه جميعا قدام وجهه عند قوله: و هذه يداى، مع انّ هذا الدّعاء فى قنوت الوتر، الذى يستحب التطويل فيه بالدعاء، و الادعية المروية فيه، و الموظفة له طويلة، و هذا الكلام انما هو فى آخره، كما صرح به فى الخبر، و دلالة هذا الخبر على ان بسط يده انما هو فى هذه الحال مشعر بكونهما فى وقت القنوت، ليستا كذلك، بل هو خلاف كلام الاصحاب رضوان الله عليهم فى هذا الباب، انتهى.

أقول: و يمكن ان يقال: انه ليس فى هذا الخبر ذكر القنوت، بل الموجود فيه انما هو يقول فى آخر وتره، و عليه فلا منافات، و كيف كان، فما قاله الاصحاب على ما صرّح به الجماعة هو المتبع، لمكان التسامح فى ادلة السنن، و رواية عبد اللّه المتقدمة، و ان كانت كما فى الفقيه و التهذيب لمكان عدم القائل بالفرق، قاله بعض الأجلة، قال مضافا الى اطلاق الخبر: المروى عن معانى الأخبار المرغبة ان تستقبل براحتيك السماء، و تستقبل بهما وجهك. و اما ما قيل بان فى المعتبر حكى قولا بجعل باطنهما الى الأرض، فلا اعتناء بشانه فى مقابلة المختار، كما لا اعتناء بما عن المفيد من القول برفع يديه حيال(1) صدره.

فرع:

هل رفع اليدين شرط فى القنوت ام لا؟ وجهان: و الاخير هو الاقوى، فلذا عدوه من مستحباته، و يدل عليه ظاهر رواية زرارة المروية فى الكافى فى باب

ص: 382


1- و عن التحرير انه خير بين المشهور و ما نقله عن بعض و فيه ما فيه. (منه)

القنوت.

تنبيه:

فهل رفع اليدين تلقاء الوجه و كون بطنهما الى السماء مستحب واحد، ام اصل الرفع مستحب، و هذه من مستحباته؟ وجهان: و الاخير اقرب، المفهوم رواية علّى بن محمد المتقدمة، و لم يثبت اجماع على اتحاد التكليف، حتى تقول ان رواية محمّد بن سنان تقيده، فافهم ذلك، فانه دقيق، و لعل الاقرب رواية عمار المتقدمة ايضا للمختار، معاضده صدره.

الثالث: حكى عن الحلى انه يفرق الابهام عن الاصابع،

الثالث: حكى عن الحلى انه يفرق الابهام عن الاصابع،(1) و لعله لا بأس به لمكان جواز التسامح، و لو بفتوى فقيه، مع عدم القول بالحرمة.

الرابع: عن المنتهى: هل يستحب ان يمسح وجهه بيديه عند الفراغ من الدعاء؟

قيل: نعم، و لم يثبت. و عن الذكرى: و يمسح وجهه بيديه، و يمرها على لحيته و صدره، قاله الجعفى، و هو مذهب بعض العامة.

و فى التذكرة: فاذا فرغ من القنوت استحب الشافعى مسح وجهه بيديه، لان ابن عباس روى قول النبى (ص): اذا دعوت اللّه فادع اللّه ببطون كفيك، و لا تدع بظهورهما، فاذا فرغت فامسح راحتيك على وجهك. و لا يستحب مسح غير الوجه، انتهى.

أقول: عن الطبرسى فى الاحتجاج، عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميرى، و نحوه عن قرب الاسناد، انه كتب الى صاحب الزمان (ع) يسأله عن القنوت فى الفريضة، اذا فرغ من دعائه ان يرد يده على وجهه و صدره، للحديث الذى روى ان اللّه عزّ و جلّ اجل من ان يرد يدى عبد صفرا، بل يملاها من رحمته، ام لا يجوز؟ فان بعض اصحابنا ذكر انه عمل فى الصلوة، فاجاب (ع): ردّ اليدين من القنوت على الراس و الوجه غير جايز فى الفرايض، و الذى عليه العمل

ص: 383


1- و به قال الدروس و غيره و هو مجمع الفائدة (منه).

فيه اذا رجع يده فى قنوت الفريضة، و فرغ من الدّعاء، ان يرد بطن راحته مع صدره تلقاء ركبتيه، على تمهيد و يكبر و يركع. و الخبر صحيح. و هو فى نوافل النهار و الليل دون الفرائض، و العمل به فيهما افضل.

قال بعض الأجلاء: ما اشتمل عليه الخبر من التفصيل، و ان كان غير مشهور بين الاصحاب، الا ان العمل به متيقن،(1) اذ لا معارض له فى ذلك، فيخص الاستحباب بالنافلة، و يكره ذلك فى الفريضة، انتهى، و لا بأس به.

الخامس: يستحب الجهر به فى الجهرية و الاخفاتية على المشهور،
اشارة

على ما ادّعاه الجماعة، و يدل عليه ما رواه الصدوق فى باب وصف الصلوة، فى الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، انه قال: القنوت كله جهار.

قال بعض الأجلاء بعد نقله: و رواه ابن ادريس فى مستطرفات السرائر من كتاب حريز، نقلا عن زرارة مثله، و باسناده عن ابى بكر بن ابى السمال، قال:

صليت خلف ابى عبد الله (ع) الفجر، فلما فرغ من قرائته فى الثانية جهر بصوته نحوا عما كان يقرا، قال: اللهم اغفر لنا و ارحمنا، و عافنا و اعف عنا فى الدنيا و الاخرة، انّك على كلّ شئ قدير، انتهى.

و اما ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، عن علّى بن يقطين قال: سألت ابا الحسن الماضى عن الرجل، هل يصلح له ان يجهر بالتشهد، و القول فى الركوع و السجود و القنوت؟ قال: ان شاء جهر و ان شاء لم يجهر. و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الزيادات، فى الصحيح عن على بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر (ع)، قال: سألته عن الرجل له ان يجهر بالتشهد، و القول فى الركوع و السجود و القنوت؟ قال: ان شاء يجهر و ان شاء لم يجهر. و عن الحميرى فى قرب الاسناد، عن عبد الله ابى الحسن، عن جده على بن جعفر مثله، فمحمول على الجواز، خلافا للمحكى عن المرتضى و الجعفى، فقالا بانه تابع للصلوة فى الجهر و الاخفات، و اختاره المصنف رحمه الله فى القواعد، و لهم عموم ما ورد من

ص: 384


1- متعين ظ.

انّ صلوة النهار عجماء، و صلوة الليل جهر، و فيه بعد تسليم السندان الخاص مقدم على العام، هذا مضافا الى ان الجهر و الاخفات فيه، انما يكون فى القراءة خاصة كما هو المعروف بين المسلمين، فضلا عن العلماء، قاله بعض المحققين، ثم قال:

مع انّ التخصيص باخراج النصف لا يرضى به المحققون، و يمنعه الدليل، فضلا عن التخصيص بازيد منه ثم ازيد، بل لا يبقى غير امرين، انتهى.

و فيه مناقشة، و كيف كان، فحكم المسئلة بحمد الله واضح. و عن الاسكافى:

يستحب ان يجهر به الامام ليؤمن من خلفه على دعائه. قال بعض الأجلاء: ان اراد بقوله ليؤمن خلفه على دعائه، لفظ آمين فقد تقدم القول فيه، و انه مبطل للصلوة، و ان اراد الدعاء بالاستحبابة، فلا بأس به، الا انه لا ينافى استحباب ذلك للمنفرد ايضا، انتهى.

أقول: و ما ذكره من بطلان الصلوة بهذه اللفظة فى هذا الموضع، و ان كان فيه مناقشة كما تقدم تحقيقه، و لكن الاحوط ما ذكروه.

و فى الدروس: و لا يؤمن فيه، و جوز ابن الجنيد تامين الماموم فيه، و هو شاذ، انتهى.

و بالجملة الاقوى هو المشهور بين الطائفة.

فرع:

الافضل للماموم الاخفات به على المشهور، على ما ادعاه الجماعة، و يدل عليه ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: ينبغى للامام ان يسمع من خلفه كلما يقول، و لا ينبغى لمن خلفه ان يسمعه شيئا مما يقول. و اما ذكره الشارح بان فيه تاملا، لان كلا من الخبرين يصلح لان يكون مخصصا للاخر، و الترجيح يحتاج الى دليل، غير وجيه، لمكان الشهرة التى هى من اقوى المرجحات.

و بالجملة، المسئلة بحمد الله واضحة.

السادس: قال فى الدروس: و عند التقية لا يرفع يديه.

ص: 385

أقول: و يدل عليه رواية على بن محمد بن سليمان المتقدمة فى الامر الثانى كرواية عمار.

السابع: صرح غير واحد باستحباب تطويل القنوت،

و يدل عليه ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب دعاء قنوت الوتر، مرسلا عن رسول الله (ص)، انه قال: اطولكم راحة يوم القيمة فى الموقف. قيل بعد نقل ذلك عن الفقيه: و رواه فى كتاب المجالس عن احمد بن زياد الهمدانى، عن على بن ابراهيم عن ابيه، عن صفوان، عن ابى ايوب، عن ابى بصير عن الصادق (ع)، عن آبائه (ع)، عن ابى ذرّ، عن رسول الله (ص)، و قال ايضا: ورد عنهم (ع): افضل الصلوة ما طال قنوتها. و رواه الصدوق فى طّى حديث طويل، فى كتاب معانى الأخبار، و عن الذكرى: ورد عنهم (ع) افضل الصلوة ما طال قنوتها. قال و روى على بن اسمعيل الميثمى، فى كتابه باسناده الى الصادق (ع)، قال: صل يوم الجمعة الغداة بالجمعة و الاخلاص، و اقنت و انت فى الثانية بقدر ما قمت بالركعة الاولى.

قال بعض الأجلأ: و ينبغى ان يستثنى من ذلك صلوة الجماعة، الا مع حكم المامومين لذلك، لما استفاض فى الأخبار من استحباب الاسراع فيها.

الرابع من مستحبات الصلوة شغل النظر قائما الى مسجده)
اشارة

(الرابع) من مستحبات الصلوة (شغل النظر قائما الى مسجده) بلا خلاف قاله بعض الأجلة، و يدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة فى اوايل ماهية الصلوة، المتضمنة لقول ابى جعفر (ع): و ليكن نظرك الى موضع سجودك، ما رواه الصدوق فى باب القبلة، فى الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر (ع): و ليكن نظرك الى موضع سجودك، فقم منتصبا، فان رسول الله (ص) قال: من لم يقم صلبه فلا صلوة له، و اخشع ببصرك الله، و لا ترفعه الى السماء، و ليكن حذاء وجهك فى موضع سجودك.

و ما عن كتاب الفقه الرضوى، قال (ع): و يكون بصرك فى موضع سجودك ما دمت قائما. و قد تقدم فى بحث القيام ايضا الى المسئلة الاشارة.

(و قانتا الى باطن كفيه) على المشهور، قاله بعض الأجلة، و نسبه

ص: 386

فى جامع المقاصد و غيره(1) الى الاصحاب، و قال بعض المحققين: و ربما قيل بتفريق الكفين حتى يقع النظر الى موضع السجود حال القيام، و نظر القائل المذكور الى الأخبار الصحاح، الدالة على كون النظر الى موضع السجود، فانها باطلاقها تشمل المقام، انتهى.

أقول: و استدل بعضهم(2) للمشهور بان النظر الى السماء مكروه، لرواية زرارة المتقدمة فى قبيل المتن، و التغميض ايضا مكروه، لما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات، عن مسمع عن ابى عبد الله (ع)، عن، أمير المؤمنين عليه السلام: انّ النبى (ص) نهى ان يغمض الرجل عينيه فى الصلوة، فتعين شغله الى باطن الكفين.

و فى الذخيرة بعد نقل المتن: لم اطلع على رواية تدل بمنطوقها عليه، قال فى التحرير: ذكر ذلك بعض الاصحاب، و هو بناء على انّ القانت يجعل باطن كفيه الى السماء، و النظر الى السماء فى الصلوة مكروه، رواه زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: اجمع بصرك، و لا ترفعه الى السماء، و تغميض العين كذلك، فتعين شغلها بما يمنعها من النظر الى ما يشغل، و لا بأس به، انتهى.

أقول: و فى الاستدلال المذكور مناقشة، لمكان ما نقلناه عن بعض المحققين و ان كان لا بأس بالعمل على المشهور تسامحا فى ادلة السنن، قال بعض الأجلاء و اما ما ذكروه من استحباب النظر اليهما، فظاهر كلام المحقق فى التحرير، و الشهيد فى الذكرى، يدل على وجود النص به، انتهى.

(و راكعا الى بين رجليه) على المشهور بينهم، قاله غير واحد، و قد تقدم فى بحث الركوع فى شرح قول المصنف: و تسوية الظهر الى تفصيل المسئلة الأشارة، فراجع الى هناك.

(و ساجدا الى طرف انفه و متشهدا الى حجره)، قاله الاصحاب، على

ص: 387


1- و هو الذخيرة فى بحث القنوت. (منه)
2- و هو المنتهى على ما حكى. (منه)

ما قاله الجماعة،(1) و منهم يدل عليه ما روى عن كتاب الفقه الرضوى، قال (ع):

و يكون بصرك فى وقت سجودك الى انفك، و بين السجدتين فى حجرك، و كذلك فى وقت التشهد. و علل ايضا بانه ابلغ فى الخشوع و الاقبال على العبادة.

فرع:

و عن الذكرى فى تعداد مستحبات السجود، و منها ان يكون نظره فى حال جلوسه فيما بين السجدتين الى حجره، قاله المفيد و سلار، و اطلق ابن البراج: ان الجالس ينظر الى حجره، انتهى.

أقول: و يدل عليه الرضوى المتقدم.

الخامس من مستحبات الصلوة وضع اليدين قائما على فخذيه بحذاء ركبتيه

(الخامس) من مستحبات الصلوة (وضع اليدين قائما على فخذيه بحذاء ركبتيه) على المشهور، بل قاله الاصحاب، قاله بعض المحققين، و قد تقدم دليل ذلك فى بحث القيام فراجع الى هناك، و ظاهر التذكرة عليه الاجماع، حيث قال:

فى تعداد المندوبات الأول وضع اليدين حالة القيام على فخذيه، مضمومتى الاصابع، محاذيا بهما عينى ركبتيه، عند علمائنا لانه ابلغ فى الخضوع، و لقول الباقر (ع) الى آخره.

(و قانتا تلقاء وجهه) لما مرّ فى بحث القنوت، فراجع الى هناك.

(و راكعا على ركبتيه) اجماعا، و قد تقدم فى بحث الركوع الى ذلك الاشارة، فراجع الى هناك.

(و ساجدا بحذاء اذنيه) و قد تقدم فى بحث السجود الى تفصيل المسئلة الاشارة، فراجع الى هناك، و فى التذكرة: و يستحب وضعهما حالة السجود حيالة منكبيه، مضمومتى الاصابع، مبسوطتين موجهتين الى القبلة، و هو مذهب العلماء (و متشهدا على فخذيه) على المشهور، كما فى الذخيرة، و نسبه بعض المحققين الى الاصحاب، بل ظاهر التذكرة ان عليه الاجماع، حيث قال: و

ص: 388


1- و منهم الرياض و الذخيرة. (منه)

يستحب وضعهما حال الجلوس للتشهد و غيره على فخذيه، مبسوطتين مضمومتى الاصابع بحذاء عينى ركبتيه، عند علمائنا، لان رسول الله (ص) كان اذا قعد يدعو يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، و يده اليسرى و يشير باصبعه. و نحوه من طريق الخاصة، و وافقنا الشافعى و احمد فى اليسرى و فى اليمنى. ثلاثة اقوال للشافعى ان يقبض اصابعهما الا المسبحه، و هو مروى عن عمرو بن الزبير، ففى وضع الابهام وجهان: على حرف راحته اسفل من المسبحه، كانه قابض على ثلاثة و خمسين، و على حرف اصبعه الوسطى، و ان بقبض الخنصر و البنصر، و يجعل الوسطى مع الابهام خلفه، و يشير بالمسبحة متشهدا، انتهى.

أقول: و فى الرياض: و تفرد ابن الجنيد بانه يشير بالسبابه فى تعظيم اللّه عزّ و جلّ، كما يفعله العامة، انتهى. و العمل بالمشهور اولى.

السادس من مستحبات الصلوة التعقيب
اشارة

(السادس) من مستحبات الصلوة (التعقيب) و استحبابه اجماعى بين العلماء كما حكاه الجماعة، و الأخبار الدالة عليه متواترة، قال الله تعالى: «فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ»، و عن مجمع البيان: معناه فاذا فرغت من الصلوة المكتوبة، فانصب الى ربّك فى الدعاء، و ارغب اليه فى المسئلة. عن مجاهد و قتادة و الضحاك و مقاتل و الكلبى و هو المروى عن ابى جعفر و ابى عبد الله (ع)، و قال الصادق (ع): هو الدعاء فى دبر الصلوة و انت جالس، انتهى.

و عن كتاب دعائم الاسلام، عن جعفر بن محمد (ع)، انه قال: فى قول اللّه: «فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ»، قال: الدّعاء بعد الفريضة، اياك ان تدعه، فان فضله بعد الفريضة كفضل الفريضة على النافلة.

و عن قرب الاسناد، عن هرون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن ابى عبد الله (ع)، قال: كان ابى يقول: فى قوله تبارك و تعالى: «فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ» فاذا قضيت الصلوة بعد ان تسلم، و انت جالس فانصب فى الدعاء من امر الاخرة و الدنيا، فاذا فرغت من الدعاء فارغب الى الله عزّ و جلّ، فى ان يتقبلها منك.

ص: 389

و روى الكافى فى باب التعقيب، فى الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، قال: الدعاء بعد الفريضة افضل من الصلوة تنفلا، و زاد فى الفقيه: و بذلك جرت السنة.

بيان: لعل المراد بالتنفل غير الرواتب،

كما قاله غير واحد، لما عرفت من الأخبار المتواترة الدالة عليها، و قد مضى فى نافلة المغرب انه لا ينبغى تركها فى سفر و لا حضر. و روى الكافى ايضا فى الباب المتقدم، عن منصور بن يونس، عمن ذكره عن ابى عبد الله (ع)، قال: من صلى صلوة فريضة و عقب الى اخرى فهو ضيف اللّه، و حق على اللّه ان يكرم ضيفه.

و روى الصدوق فى الفقيه، فى باب التعقيب فى الصحيح عن هشام بن سالم انه قال لابى عبد الله (ع): انى اخرج و احب ان اكون معقبا، فقال: ان كنت على وضوء فانت معقب. و روى ايضا فى الباب المتقدم مرسلا عن النبى (ص) انه قال:

قال اللّه جلّ جلاله: يا بن آدم اذكرنى بعد الغداة ساعة، و بعد العصر ساعة، اكفيك ما اهمك. و روى ايضا فى الباب المتقدم، مرسلا عن الصادق (ع)، قال:

الجلوس بعد صلوة الغداة فى التعقيب و الدعاء حتى تطلع الشمس ابلغ فى طلب الرزق من الضرب فى الأرض. و روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الصحيح عن الوليد بن صبيح، عن ابى عبد الله (ع)، قال: التعقيب ابلغ فى طلب الرزق من الضرب فى البلاد، يعنى بالتعقيب الدعاء بعقيب الصلوة.

بيان: المراد بالضرب فى البلاد السفر للتجارة،

مع ما ورد ان تسعة اعشار الرزق فى التجارة، و لعل السبب فى كونه ابلغ منها، هو انّ التاجر يتكل على طلبه و سعيه وجده و اجتهاده، و المعقب انما يتكل على اللّه عزّ و جلّ، نعم، من كان للّه كان اللّه له.

و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن عبد اللّه بن محمد، عن ابى عبد الله (ع)

ص: 390

قال: ما عالج الناس شيئا اشد من التعقيب.

بيان: قيل المعالجة المزاولة و المداومة،

فكان المراد انهم لا يزاولون عملا اشق عليهم منه، او المراد انه لا دواء انفع لادوائهم منه.

و روى الفقيه فى باب التعقيب عن امير المؤمنين (ع)، انه قال: اذا فرغ احدكم من الصلوة فليرفع يديه الى السماء، و لينصب فى الدعاء فقال ابن سبا:

يا امير المؤمنين اليس اللّه عزّ و جلّ فى كل(1) مكان، فقال: بلى. قال: فلم يرفع يديه الى السماء؟ فقال: او ما يقرأ: «وَ فِي اَلسَّمٰاءِ رِزْقُكُمْ وَ مٰا تُوعَدُونَ» فمن اين يطلب الرزق الا من موضعه؟! و موضع الرزق و ما وعد اللّه عزّ و جلّ السماء.

بيان: قيل المراد بالسماء السحاب،

و بالرزق المطر، لانه سبب الاقوات، و ما توعدون اى من الثواب، لان الجنة فوق السماء السابعه، او لان الاعمال و ثوابها مكتوبة مقدرة فى السماء.

و الحاصل انه لما كان تقدير الرزق و اسبابه فى السماء، و المثوبات الاخروية و تقديرها فى السماء، ناسب رفع اليد اليها فى طلب الامور الدنيوية و الاخروية فى التعقيب و غيره، و ابن سبا هذا هو الذى كان يزعم انّ امير المؤمنين (ع) اله فاستتا به امير المؤمنين (ع) ثلاثة ايام، فلم يتب و احرقه.

و روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن احدهما (ع)، قال: الدعاء دبر المكتوبة افضل من الدعاء دبر التطوع، كفضل المكتوبة على التطوع.

و روى الكافى فى باب التعقيب، عن الحسن(2) بن المغيرة، انه سمع ابا عبد الله (ع) يقول: ان فضل الدّعاء بعد الفريضة، على الدعاء بعد النافلة،

ص: 391


1- بكل.
2- الحارث بن.

كفضل الفريضة على النافلة. قال: ثم قال: ادعه، و لا تقل: قد فرغ من الامر، فان الدعاء هو العبادة، انّ اللّه عزّ و جلّ يقول: «إِنَّ اَلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ» و قال: «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»، و قال: اذا اردت ان تدعو اللّه عزّ و جلّ فمجّده، و احمد و سبّحه و هلله، و اثن عليه و صل على النبى (ص)، ثم سل تعط.

و روى عن كتاب فلاح السائل، باسناده الى محمد بن على بن محبوب، عن الصادق (ع) عن آبائه (ع)، قال: قال رسول الله (ص): من جلس فى مصلاه ثانيا رجله، و كل اللّه به ملكا، فقال له: ازدد شرفا يكتب لك الحسنات، و يمحى عنك السيئات، و يثبت لك الدرجات حتى تنصرف.

و عن دعائم الاسلام مثله، الا ان فيه ثانيا رجليه.

و روى عن الصدوق فى المحاسن، بسنده عن عمير بن مامون العطاردى، قال: رايت الحسن بن على (ع)، يقعد فى مجلسه حين يصلى الفجر حتى تطلع الشمس، و سمعته يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول: من صلى الفجر ثم جلس فى مجلسه يذكر اللّه عزّ و جلّ حتى تطلع الشمس، ستره اللّه عزّ و جلّ من النار، ستره الله عزّ و جلّ من النار، ستره اللّه عزّ و جلّ من النار ثلاثا.

و روى عن العياشى فى تفسيره، عن الحسين بن مسلم، عن ابى جعفر (ع) قال: قلت له: جعلت فداك انهم يقولون: ان النوم مكروه لان الارزاق تقسم فى ذلك الوقت، فقال الارزاق موظوفة مقسومة، و للّه فضل يقسمه من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، و ذلك قوله: «وَ سْئَلُوا اَللّٰهَ مِنْ فَضْلِهِ» ثم قال: و ذكر اللّه بعد طلوع الفجر ابلغ فى طلب الرزق من الضرب فى الأرض، الى غير ذلك من الأخبار...

فائدة: اختلفت العبارات فى معنى التعقيب،

فلننقل اولا جملة منها، فنقول:

قال فى القاموس: التعقيب الجلوس بعد الصلوة للدعاء.

و قال فى المصباح المنير: و التعقيب فى الصلوة الجلوس بعد قضائها لدعاء او

ص: 392

مسئلة.

و قال الجوهرى: التعقيب فى الصلوة الجلوس بعد ان يقضيها لدعاء او مسئلة و نحوه.

قال ابن فارس فى المجمل، و فى النهاية الاثيرية فيه: من عقب فى صلوته فهو فى صلوة، اى اقام فى مصلاه بعد ما يفرغ من الصلوة. كذا نقل عنهم بعض الأجلاء.

و قال فى الحبل المتين: لم اظفر فى كلام اصحابنا - قدس اللّه ارواحهم - بكلام شاف فيما هو حقيقه التعقيب شرعا، بحيث لو نذرا لتعقيب لانصرف اليه، و لو نذر لمن هو مشتغل بالتعقيب فى الوقت الفلانى لاستحق المنذور، اذا كان مشتغلا به فيه، و قد فسره بعض اللغويين كالجوهرى و غيره بالجلوس بعد الصلوة لدعاء او مسئلة، و هذا يدل بظاهره على ان الجلوس داخل فى مفهومه، و انه لو اشتغل بعد الصلوة قائما او ماشيا او مضطجعا لم يكن ذلك تعقيبا.

و فسره بعض فقهائنا بالاشتغال عقيب الصلوة بدعاء او ذكرو ما اشبه ذلك، و لم يذكر الجلوس، و لعل المراد بما اشبه الدعاء و الذكر البكاء من خشية الله تعالى، و التفكر فى مصنوعاته، و التذكر بجزيل آلائه، و ما هو من هذا القبيل، و هل يعد الاشتغال بمجرد تلاوة القرآن بعد الصلوة تعقيبا؟ لم اظفر فى كلام الاصحاب بتصريح فى ذلك، و الظاهر انه تعقيب، اما لو ضم اليه الدعاء فلا كلام فى صدق التعقيب على المجموع المركب منهما، و ربما يلوح ذلك من بعض الأخبار و ربما يظن دلالة بعضها على اشتراط الجلوس فى التعقيب، كما روى عن امير المؤمنين (ع) انه قال: قال رسول الله (ص) ايما امرئ مسلم جلس فى مصلاه الذى صلى فيه الفجر يذكر اللّه حتى تطلع الشمس، كان له من الاجر كحاج رسول الله (ص)، فان جلس فيه حتى يكون ساعة تحل فيها الصلوة، فصلى ركعتين او اربعا غفر له ما سلف، و كان له من الاجر كحاجّ بيت الله.

و ما روى عن الصادق (ع)، عن آبائه عن امير المؤمنين (ع)، انه قال: من

ص: 393

صلى فجلس فى مصلاه الى طلوع الشمس، كان له سترا من النار. و غيرهما من الاحاديث المتضمنة للجلوس بعد الصلوة، و الحق انه لا دلالة فيها على ذلك بل غاية ما تدل عليه كون الجلوس مستحبا ايضا، اما انه معتبر فى مفهوم التعقيب فلا، و قس عليه عدم مفارقة مكان الصلوة، و فى رواية الوليد بن صبيح، عن ابى عبد الله (ع)، قال: التعقيب الى آخره، و هذا التفسير اعنى تفسير التعقيب بالدعاء عقيب الصلوة، لانه لعله من الوليد بن صبيح او من بعض رجال السند، و اكثرهم من اجلاء اصحابنا، و يعطى باطلاقه عدم اشتراطه بشئ من الجلوس، و الكون فى المصلى و الطهارة و استقبال القبلة، و هذه الامور انما هى شروط كماله، فقد ورد ان المعقب ينبغى ان يكون على هيئة التشهد فى استقبال القبلة و التورك، و اما ما رواه هشام بن سالم قال: قلت لابى عبد الله (ع): انى اخرج و احب ان اكون معقبا، فقال: ان كنت على وضوء فانت معقب. فالظاهر ان مراده عليه السلام ان لمستديم الوضوء مثل ثواب المعقب، لا انه معقب حقيقه، و هل يشترط فى صدق اسم التعقيب شرعا اتصاله بالصلوة، و عدم الفصل الكثير بينه و بينها؟ الظاهر نعم، و هل يعتبر فى الصلوة كونها واجبة، او يحصل حقيقه التعقيب بعد النافلة ايضا؟ اطلاق التفسيرين السابقين يقتضى العموم، و كذلك اطلاق رواية ابن صبيح و غيرها، و التصريح بالفرايض فى بعض الروايات لا يقتضى تخصيصا بها، و الله أعلم.

و قال فى الذكرى: قد ورد ان التعقيب يكون على هيئة التشهد فى استقبال القبلة، و فى التورك، فان ما يضر بالصلوة يضر بالتعقيب.

و قال فى البحار: و ربما احتمل بعض الاصحاب كون محض الجلوس بعد الصلوة بتلك الهيئة تعقيبا، و ان لم يقرأ دعاء و لا ذكر اولا قرآنا، و هو بعيد، بل الظاهر تحقق التعقيب بقراءة شئ من الثلاثة بعد الصلوة، او قريبا منها عرفا على اى حال كان، و الجلوس و الاستقبال و الطهارة من مكملاته. نعم، ورد فى بعض التعقيبات ذكر بعض الشرايط، فيكون شرطا فيها بخصوصها فى حال

ص: 394

الاختيار، و ان احتمل ان يكون فيها ايضا من المكملات، و يكون استحبابه فيها اشد فى غيرها، و الافضل رعاية شروط الصلوة فيه مطلقا، مع الامكان.

و عن الشهيد فى النفلية: و وظايفه عشره: الاقبال عليه بالقلب، و البقاء على هيئة المتشهد، و عدم الكلام اى قبله و خلاله - كما ذكره فى الشرح - و الحدث، بل الباقى على طهارته معقب و ان انصرف، و عدم الاستدبار و عدم مزايلة المصلى - اى مفارقته - و كل مناف صحة الصلوة او كمالها.

قال فى الشرح: هذا كله من وظايف الكمال، و الا فانه يتحقق بدونها.

و قال فى المفاتيح: و هو فى اللغة عبارة عن الجلوس بعد الصلوة لدعاء او مسئلة، و فسره فقهاؤنا بالاشتغال عقيب الصلوة بدعاء او ذكرو ما اشبه ذلك، و لم يذكر الجلوس، و المراد بما اشبه الدعاء البكاء من خشية الله، و التفكر فى عجايب مصنوعاته، و التذكر بجزيل آلائه، و ما هو من هذا القبيل، انتهى.

آداب التعقيب
اشارة

أقول: اذا عرفت ذلك فاعلم ان تفسير التعقيب بالاشتغال عقيب الصلوة بدعاء او ذكرا و ما اشبه ذلك، كما عن بعض فقهائنا، هو الاصح، و يساعده العرف، و عليه فلا يشترط فيه امور، بحيث انتفى بانتفائها، و ان كانت من المستحبات و المكملات:

الأول: الجلوس،

و ذكر نقلة اللغة فى تفسيره لا يدل على كونه شرطا فيه، او جزء المعناه لغة، اذ ليس عادتهم الاّ ذكر ما استعمل فيه اللفظ، و الاستعمال اعم من الحقيقة، نعم، لو ذكر و اللفظ معنى واحدا، فالظاهر كونه حقيقه فيه، و ما نحن فيه ليس كذلك، اذ هم ذكروا له معانى متعددة، و ان كنت قائلا بأنهم اذا ذكروا للفظ معانى متعددة، فالظاهر فيما يذكرونه، اولا ففيما نحن فيه ليس كذلك ايضا، فراجع الى كتبهم، هذا مضافا الى ان اهل اللغة ما كانوا يعرفون الصلوة الشرعية، لانها من مستحدثات الشرع، فلا يكون المعنى الذى ذكروه معنى لغويا، فافهم.

و بالجملة، مجرد ذكر نقلة اللغة الجلوس لا يدل على كونه معتبرا فى

ص: 395

مفهومه لغة، و كون اللفظ حقيقه لغوية، فيما يتضمنه و عليه فاعتبارهم اياه فيه، لعله بالنظر الى غالب استعمالات المتشرعة، و الحاصل ان التعقيب اذا لم يضف الى شئ - كالصلوة مثلا - فهو فى اللغة حقيقه فى جعل الشئ فى عقب(1) شئ، و اذا أضيف الى الصلوة، فقد خصص عند اهل الشرع الشئ الأول الدعاء او الذكر او نحوهما، و اما كونه مخصصا عندهم بالجلوس ايضا، فلم يظهر بعد عند العبد، فمن يدعى ذلك فعليه باقامة الدليل، و قد عرفت ان كلام نقلة اللغة ليس دليلا على ذلك، و يعضد المختار اطلاق ذيل صحيحة الوليد بن صبيح المتقدمة، كصحيحة هشام بن سالم المتقدمة، فظهر بما ذكر انه لو اشتغل بعد الصلوة بالدعاء - مثلا - قائما او ماشيا او مضطجعا او مستلقيا، لكان معقبا.

الثانى: الاستقبال،

لعدم الدليل عليه مع صدق التعقيب فى العرف بدونه، و يعضده اطلاق الخبرين المتقدم اليهما الاشارة.

الثالث: الطهارة لعدم الدليل عليها،

و اما صحيحة هشام المتقدمة فغير دالة على اعتبارها فى مفهومه، كما لا يخفى، و يعضده اطلاق ذيل رواية الوليد المتقدمة.

الرابع: ستر العورة لعدم الدليل عليه،

و يؤيده اطلاق ذيل رواية الوليد المتقدمة،

هنا امور:
الأول: هل يشترط فى صدق اسم التعقيب شرعا اتصاله بالصلوة،

و عدم الفصل الكثير بينه و بينها؟ الظاهر نعم، وفاقا لبعضهم لمكان العرف.

الثانى: هل يحصل حقيقة التعقيب بعد النافلة ايضا،

ام يختص بالفرايض؟ ذهب بعضهم الى الأول، و هو الاظهر، لمكان العرف و اطلاق غير واحد من الأخبار المتقدمة، و ذكر الفرايض فى بعض الأخبار المتقدمة لا يقتضى التخصيص بها، كما لا يخفى، و يعضد المختار روايتا محمد بن مسلم و الحسن بن المغيرة

ص: 396


1- تعقيب چيزيرا عقب چيزى كردن فى منتخب و فى القاموس عقبه تعقيبا جاء بعقبه. (منه)

المتقدمتان.

الثالث: هل يعد الاشتغال بمجرد تلاوة القرآن بعد الصلوة تعقيبا ام لا؟

صرح غير واحد بالأول، و لى فى ذلك تامل.

الرابع: هل الاعتراف بالذنوب و تعديد آلاء اللّه و نحوه،

داخل فى التعقيب كما صرح به بعضهم ام لا؟ و الحق الأول، لمكان العرف.

الخامس: هل يعد التفكر و التذكر فى صفات الله و نعمائه و آلائه و نحوها الخاليان عن الذكر و الدّعاء تعقيبا ام لا؟

وجهان.

السادس: هل يعد مجرّد البكاء لله خوفا او شوقا او طعما تعقيبا؟

وجهان، و ان كان فضله عظيما و ثوابه جسيما.

السابع: قال فى الحبل المتين: و ما تضمنه اى ما تضمنه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة من تفضيل الفريضة على النافلة، مما لا كلام فيه،

و ان كانت الفريضة اقل مشقة، فصلوة ركعتى الصبح مثلا افضل من صلوتك الف ركعة بافلة، و لا اختصاص لذلك بالصلوة، بل الواجب افضل من الندب مطلقا، الا موارد يسيرة ربما استثنيت من ذلك، و قد دل على تفضيل الواجب على الندب الحديث القدسى المشتهر بين الخاصة و العامة، ما يتقرب اليّ عبدى بشئ احب مما افترضت عليه الحديث. و قد رواه حجة الاسلام محمد بن يعقوب الكلينى - قدس سره - فى الكافى، بسند صحيح، و رواه العامة ايضا فى صحاحهم.

و بالجملة، فهو من الاحاديث المتفق على صحتها من الطرفين، و به يتخصص ما روى عن النبى (ص)، من ان افضل الاعمال احمزها، انتهى.

افضل التعقيب تسبيح الزهراء (ع)
اشارة

(و افضله) اى افضل التعقيب (تسبيح الزهراء عليها السلام) بلا خلاف اجده و يدل عليه غير واحد من الأخبار الاتية ان شاء الله، و قد استفاضت الأخبار بالحث عليه، و فضله(1) بالتعقيب، الا انها لا تخلو من الاختلاف فى ترتيبه،

ص: 397


1- فى.
جملة من الأخبار
اشارة

فلننقل اولا جملة منها:

الأول:

ما رواه الكافى فى باب التعقيب، فى الصحيح عن عبد الله بن سنان، قال: قال ابو عبد الله (ع): من سبح تسبيح فاطمة الزهراء (ع) قبل ان يثنى رجليه من صلوة الفريضة، غفر اللّه له، و يبدأ بالتكبير.

الثانى:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن ابن ابى نجران، عن رجل عن ابى عبد الله (ع)، قال: من سبح اللّه فى دبر الفريضة تسبيح فاطمة الزهراء عليه السلام مائة مرة، و اتبعها بلا آله الا اللّه، غفر الله له.

الثالث:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن ابى هرون المكفوف، عن ابى عبد الله (ع) قال: يا أبا هرون انا نامر صبياننا بتسبيح فاطمة (ع)، كما نامرهم بالصلوة فالزمه، فانه لم يلزمه عبد فيشقى.

الرابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن صالح بن عقبة، عن عقبه عن ابى جعفر (ع)، قال: ما عبد اللّه بشئ من التحميد افضل من تسبيح فاطمة (ع) و لو كان شئ افضل منه لنحله رسول الله (ص) فاطمة عليها السلام.

الخامس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن ابى خالد القماط، قال:

سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: تسبيح فاطمة (ع) كل يوم فى دبر كل صلوة احب الى من صلوة الف ركعة فى كل يوم.

السادس:

ما رواه فى اصول الكافى، فى باب ذكر اللّه عزّ و جلّ كثيرا، عن زرارة بن اعين، عن ابى عبد الله (ع)، قال: تسبيح فاطمة الزهراء (ع) من الذكر الكثير، الذى قال اللّه عزّ و جلّ: «اُذْكُرُوا اَللّٰهَ ذِكْراً كَثِيراً».

السابع:

ما رواه ايضا فى باب الدّعاء عند النوم، عن هشام بن سالم، عن ابى عبد الله (ع) قال: تسبيح فاطمة الزهراء (ع) اذا أخذت مضجعك، فكبر الله اربعا و ثلاثين، و احمده ثلاثا و ثلاثين، و سبح(1) ثلاثا و ثلاثين، و تقرأ آية الكرسى،

ص: 398


1- سبحه خ ل.

و المعوذتين، و عشر آيات من اوّل الصافات، و عشرا من آخرها.

الثامن:
اشارة

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن داود بن فرقد، عن اخيه ان شهاب بن عبد ربه، سأله(1) ان يسال ابا عبد الله (ع)، و قال: قل له: ان امراة تفز عنى فى المنام، بالليل، فقال: قل له: اجعل مسباحا فكبر اللّه اربعا و ثلاثين تكبيرة، و سبح اللّه ثلاثا و ثلاثين، و احمد الله ثلاثا و ثلاثين، و قل: لا آله الا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيى و يميت و يميت و يحيى، بيده الخير، و له اختلاف الليل و النهار، و هو على كل شئ قدير، عشر مرات.

بيان:

قال بعض الأجلاء: المسباح ما يسبح به، و يعد به الاذكار.

التاسع:

ما رواه ايضا فى فروع الكافى، فى باب التعقيب فى الصحيح، عن محمد بن عذافر، قال: دخلت مع ابى على ابى عبد الله (ع)، فسأله ابى عن تسبيح فاطمة (ع)، فقال: اللّه اكبر حتى احصاها أربعا و ثلاثين، ثم قال:

الحمد للّه حتى بلغ سبعا و ستين، ثم قال سبحان اللّه حتى بلغ مائة، يحصيها بيده جملة واحدة.

العاشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، قال فى تسبيح فاطمة الزهراء (ع) يبدأ بالتكبير اربعا و ثلاثين، ثم التحميد ثلاثا و ثلاثين، ثم التسبيح ثلاثا و ثلاثين.

الحادى عشر:

ما رواه التهذيب فى باب فضل شهر رمضان عن المفضل بن عمر، عن ابى عبد اللّه (ع)، و ساق الحديث الى ان قال: فاذا سلمت فى الركعتين، فسبح تسبيح فاطمة (ع)، و هو الله اكبر اربعا و ثلاثين مرة، و سبحان اللّه ثلاثا و ثلاثين مرة، و الحمد للّه ثلاثا و ثلاثين مرة، فو اللّه لو كان شئ افضل منه لعلمه رسول اللّه (ص) اياها.

ص: 399


1- سألت خ ل. (منه)
الثانى عشر:

ما رواه الصدوق فى الفقيه، فى باب ما يقول الرجل اذا آوى الى فراشه، فى الصحيح عن العلا عن محمد بن مسلم، قال: قال لى ابو جعفر عليه السلام: اذا توسد الرجل يمينه، فليقل: بسم الله الى ان قال: ثم يسبّح تسبيح فاطمة الزهراء (ع).

الثالث عشر:

ما رواه ايضا فى باب وصف الصلوة، مرسلا عن امير المؤمنين عليه السلام، انه قال لرجل من بنى سعد: الا احدثك عنى و عن فاطمة الزهراء عليه السلام، انها كانت عندى فاستقت بالقربة حتى اثر فى صدرها، و طحنت بالرحى حتى مجلت(1) يداها، و كسحت(2) البيت حتى اغبرت ثيابها، و اوقدت تحت القدر حتى دكنت(3) ثيابها، فاصابها من ذلك ضر شديد، فقلت لها: لو اتيت اباك فسلينه(4) خادما يكفيك حرما(5) انت فيه من هذا العمل، فاتت النبى (ص) فوجدت عنده حداثا،(6) فاستحيت فانصرفت، فعلم (ع) انها قد جاءت لحاجة، فغدا علينا و نحن فى لحافنا،(7) فقال: السلام عليكم، فسكتنا و استحيينا لمكاننا، ثم قال (ع): السلام عليكم فسكتنا، ثم قال: السلام عليكم فخشينا ان لم نرد عليه ان ينصرف، و قد كان يفعل ذلك، فيسلم ثلاثا فان اذن له و الا انصرف، فقلنا: و عليك السلام يا رسول الله ادخل، فدخل و جلس عند رؤسنا، فقال:(8) يا فاطمة ما كانت حاجتك امس عند(9) محمد فخشيت ان لم

ص: 400


1- قوله مجلت يداها بفتح الجيم و كسرها اذا حصل فيها من شدة العمل تفاطه و هى التى يقال لها بالفارسية آبله.
2- اى كنسته.
3- اى اسودت.
4- فسئلته خ ل.
5- ضرّ خ ل.
6- احداثا خ ل.
7- لفاعنا خ ل.
8- ثم قال خ ل.
9- من خ ل.

نجبه ان يقوم، فاخرجت راسى فقلت: انا و الله اخبرك يا رسول الله، انها استقت بالقرية حتى اثر فى صدرها، و جرت بالرحى حتى مجلت يداها، و كسحت البيت حتى اغبرت ثيابها، و اوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فقلت لها: لو اتيت أباك فسالته(1) خادما يكفيك حرّ(2) ما انت فيه من هذا العمل. قال: افلا اعلمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ اذا اخذ تمامنا مكما فكبرا اربعا و ثلاثين تكبيرة، و سبّحا ثلاثا و ثلاثين تسبيحة، و احمدا ثلاثا و ثلاثين تحميده، فاخرجت فاطمة عليه السلام رأسها، فقالت قد رضيت عن الله و عن رسوله، رضيت عن الله و عن رسوله.

الرابع عشر:

ما روى عن البحار، عن مشكوة الانوار، قال: دخل رجل على ابى عبد الله (ع) و كلمه فلم، يسمع كلام ابى عبد الله (ع)، و شكى اليه ثقلا فى اذنه، فقال له: ما يمنعك، و اين انت من تسبيح فاطمة (ع)، فقال له: جعلت فداك، و ما تسبيح فاطمة؟ قال: تكبر اللّه اربعا و ثلاثين، و تحمد الله ثلاثا و ثلاثين، و تسبح اللّه ثلاثا و ثلاثين تمام المائة.

الخامس عشر:

ما روى عن كتاب الفقه الرضوى: و تسبح تسبيح فاطمة (ع)، و هو اربعة و ثلاثون تكبيرة، و ثلاث و ثلاثون تسبيحة، و ثلاث و ثلاثون تحميدة.

اذا عرفت ذلك، فاعلم انه قال فى المختلف: المشهور فى تسبيح الزهراء (ص) تقديم التكبير، ثم التحميد، ثم التسبيح، ذكره الشيخ فى الفقيه و المبسوط، و المفيد فى القواعد، و سلار و ابن البراج و ابن ادريس، و قال على بن بايويه، و سبح تسبيح فاطمة (ع)، و هو اربع و ثلاثون تكبيرة. و ثلاث و ثلاثون تسبيحة، و ثلاث و ثلاثون تحميدة. و هو يشعر بتقديم التسبيح على التحميد، و كذا قال ابنه ابو جعفر و ابن الجنيد و الشيخ فى الاقتصاد.

و قال البهائى رحمه الله فى مفتاح الفلاح: و اعلم ان المشهور استحباب

ص: 401


1- فسئلتنيه خ ل.
2- ضرّ خ ل.

تسبيح الزهراء فى وقتين: احدهما بعد الصلوة، و الاخر عند النوم، و ظاهر الرواية الواردة به عند النوم يقتضى تقديم التسبيح على التحميد، و ظاهر الرواية الصحيحة الواردة فى تسبيح الزهراء (ع) على الاطلاق، يقتضى تاخيره عنه.

و لا بأس ببسط الكلام فى هذا المقام، فنقول: قد اختلف علماؤنا قدس الله ارواحهم فى ذلك، مع اتفاقهم على الابتداء بالتكبير، لصراحة صحيحة ابن سنان عن الصادق (ع) فى الابتداء به، و المشهور الذى عليه العمل فى التعقيبات تقديم التحميد على التسبيح.

و قال رئيس المحدثين و ابوه و ابن الجنيد بتاخير عنه. و الروايات عن ائمة الهدى - سلام الله عليهم - لا تخلو بحسب الظاهر من اختلاف، و الرواية المعتبرة التى ظاهرها تقديم التحميد، شاملة باطلاقها لما يفعل بعد الصلوة، و ما يفعل عند النوم، و هى ما رواه ثم نقل الخبر الثالث عشر، و قال: و لا يخفى ان هذه الرواية غير صريحة فى تقديم التسبيح على التحميد، فان الواو لا يفيد الترتيب و انما هى لمطلق الجمع على الاصح، كما بين فى الاصول نعم، ظاهر التقديم اللفظى يقتضى ذلك، و كذا الرواية السابقة غير صريحة فى تقديم التحميد على التسبيح، فان لفظة ثم فيها من كلام الراوى، فلم يبق الا ظاهر التقدير اللفظى ايضا، فالتنافى بين الروايتين انما هو بحسب الظاهر، فينبغى حمل الثانية على الاولى، لصحة سندها و اعتضادها ببعض الروايات الضعيفة، كما رواه. ثم نقل الخبر العاشر، و قال: و هذه الرواية صريحة فى تقديم التحميد، و هى مؤيدة لظاهر لفظ الرواية الصحيحة، فتحمل الرواية الاخرى على خلاف ظاهر لفظها، ليرتفع التنافى بينهما كما قلنا، فان قلت: يمكن العمل بظاهر الروايتين معا، بحمل الاولى على الذى يفعل بعد الصلوة، و الثانية على الذى يفعل عند النوم و حينئذ لا يحتاج الى صرف الثانية عن ظاهرها، فلم عدلت عنه، و كيف لم تقل به، قلت: لانى لا(1) اجد قائلا بالفرق بين تسبيح الزهراء (ع) فى الحالين، بل

ص: 402


1- لم.

الذى يظهر بعد التتبع، ان كلا من الفريقين القايلين بتقديم التحميد و تاخيره، قائل به مطلقا، سواء وقع بعد الصلوة او قبل النوم، فالقول بالتفصيل احداث قول ثالث فى مقابل الاجماع المركب. و اما ما يقال من ان احداث القول الثالث انما يمتنع اذ الزم منه رفع ما اجمعت عليه الامة، كما يقال فى رد البكر الموطؤة بعيب مجانا، لاتفاق الكل على عدمه بخلاف ما ليس كذلك، كالقول بفسخ النكاح ببعض العيوب الخمسة دون بعض، لموافقة كل من الشطرين فى شطر، و كما نحن فيه، اذ لا مانع منه، مثل القول بصحة بيع الغايب، و عدم قتل المسلم بالذمى، بعد قول احد الشطرين بالثانى، و نقيض الأول و الشطر الثانى بعكسه فجوابه ان هذا التفصيل انما يستقيم على مذهب العامة، اما على ما قرره الخاصة من ان حجة الاجماع مسبّبه عن كشفه عن دخول المعصوم فلا، اذ مخالفته حاصلة، و ان وافق القائل كلا من الشطرين فى شطر، و قس عليه مثال البيع و القتل، انتهى.

أقول: الكلام هنا يقع فى مقامين:
الأول: اتفق الاصحاب على الظاهر المصرح به فى بعض العباير على تقديم التكبير فى...

الأول: اتفق الاصحاب على الظاهر(1) المصرح به فى بعض العباير على تقديم التكبير فى تسبيح مولاتنا فاطمة - عليها السلام - على التحميد و التسبيح، و يدل على ذلك جملة من الأخبار المتقدمة.

الثانى: اختلفوا فى تقديم التحميد على التسبيح، او العكس،

فالمشهور صرح به الجماعة على الأول، بل فى الحبل المتين عمل جمهور الاصحاب على توسط التحميد، خلافا لمن تقدم فى كلام المختلف، فقدموا التسبيح، و الحق هو الأول، لمكان الخبر السابع و التاسع و العاشر و الرابع عشر، و لا يقاوم لمعارضة ذلك الخبر الثامن و الحادى عشر و الثالث عشر، و لا يقاوم لمعارضة، اما لاعتضاد الأخبار الدالة على المختار بالشهرة العظيمة، او لان منها ما هو صريح فى المطلب، لمكان الخبر العاشر، المعتضد بالشهرة، بل الخبر التاسع.

ص: 403


1- و استظهر ذلك الاتفاق بعض الأجلاء ايضا. (منه)

و اما ما تقدم فى مفتاح الفلاح، من عدم كونه صريحا فى المطلوب، لان لفظة ثم فيه من كلام الراوى، فغير مسموع، اذ لفظ ثم و ان كان من كلام الراوى، لكن الراوى حكى فعل الامام (ع)، لبيان كيفية التسبيح التى سأل عنها ابوه، و لا ريب ان فعله (ع) فى بيان الكيفية حجة ظاهره فى الترتيب على النحو المذكور فى الخبر، كذا افاده بعض الأجلاء.

أقول: و يمكن ان يقال ان غاية ما يستفاد من الخبر ان الامام (ع) فى بيان الكيفية قدم التحميد على التسبيح، و هذا و ان كان صريحا فى جواز تقديم التحميد، و لكنه فى عدم جواز تقديم التسبيح ليس بصريح، و عليه فيحتمل ان يكون مراد البهائى ان الخبر ليس بصريح فى تقديم التحميد على التسبيح، بمعنى ان يكون صريحا فى نفى جواز تقديم التسبيح، حتى يكون صريحا فى نفى ما ذهب اليه الصدوقان و من وافقهما، فتدبر.

و كيف كان، فهذا الخبر صريح فى جواز تقديم التحميد كالخبر العاشر، و الأخبار المخالفة فى طرف الضد من ذلك، كله مع احتمال حملها على التقية، كما احتملها بعض الأجلاء، قال: و يؤيده ان حديث على مع فاطمة (ع)، و ان رواه فى الفقيه مرسلا، الا ان ظاهر سنده فى العلل ان رجاله انما هم من العامة و ابن الاثير فى نهايته قد شرح جملة من الفاظه.

و روى الشيخ ابو على بن الشيخ الطوسى فى مجالسه عن حمويه، عن ابى الحسين، عن ابى خليفه، عن محمد بن كثير، عن شعبة، عن الحكم، عن ابى ليلى، عن كعب بن عجره، قال: معقبات لا يخيب قائلهنّ او فاعلهنّ، تكبر اربعا و ثلاثين و تحمد ثلاثا و ثلاثين...

قال السيد الرضى بن طاووس فى فلاح السائل: رايت فى تاريخ نيشابور فى ترجمة ابن عبد الرحيم، ان النبى (ص) قال، و ذكر نحوه.

قال فى البحار: رواه العامة عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن ابى ليلى، عن كعب بن عجره مثله، الا انهم قدموا فى روايتهم التسبيح على

ص: 404

التحميد، و التحميد على التكبير، و لذا قالوا بهذا الترتيب.

قال فى شرح السنة: اخرجه مسلم، ثم نقله عن الانى فى اكمال الاكمال، و شرح لفظ معقبات، انتهى كلام بعض الأجلاء.

و بالجملة، لا ريب فى ارجحية ما هو المشهور بين الطائفة، فالعمل عليه بلا شبهة. و اما ما تقدم فى نقل كلام مفتاح الفلاح فى ضمن: فان قلت الى آخره ففيه مع قطع النظر عما اجابه فى ضمن، قلت: ان هذا الجمع مما ليس فيه وجاهة، لمكان ما ورد من تقديم التسبيح فى اخبار التعقيب ايضا، و من تقديم التحميد فى اخبار النوم ايضا، فانظر الى الخبر السابع و الحادى عشر.

تنبيهات:
الأول: قوله فى الخبر الأول: قبل ان يثنى رجليه،

لعل المراد به قبل ان يحول ركبتيه عن جهة القبلة و ينصرف عنها، من قوله: ثنى عنان مركبه، اذا حوله الى غير الجهة التى كان اليها، كذا قاله فى الحبل المتين، و عن الوافى: يثنى مثل يرمى يعطف، و لعلّ المراد تحويل ركبتيه عن جهة القبلة و الانصراف عنها، انتهى.

قيل: و يحتمل ان يكون المراد قبل ان يحول رجليه عن هيئة التشهد.

أقول: و لعله الاظهر.

الثانى: الاولى وصل تسبيح الزهراء (ع) بعضه ببعض،

كما صرح به بعض المحققين، و يدل عليه ما روى الكافى فى باب التعقيب، عن محمد بن جعفر، عمن ذكره عن ابى عبد الله (ع)، انه كان يسبح تسبيح فاطمة فيصله و لا يقطعه. قيل: و لعل المراد المتبادر من ساير الأخبار.

الثالث: يستحب اعادته اذا وقع فيه الشك،

كما صرح به بعض المحققين، و يدل عليه ما رواه الكافى ايضا فى الباب المتقدم، عن محمد بن احمد، رفعه قال: قال ابو عبد الله (ع): اذا شككت فى تسبيح فاطمة - عليها السلام - فاعد و عن الوافى انه حمله بالاتيان بما شك فيه، و هو بعيد لا داعى اليه، كما صرح به بعضهم.

ص: 405

الرابع: الافضل ان يكون التسبيح بالتربة الحسينية،

على مشرفها افضل السلام و التحية، لما تقدم فى المجلد الثانى من كتاب الصلوة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يشترط وقوع الجبهة فى السجود على الأرض الى آخره، اليه الاشارة.

و عن الشيخ فى المصباح: روى عن الصادق (ع) من دار الحجر من تربة الحسين (ع)، و استغفر ربّه مرة، كتب الله له سبعين مرة، و ان امسك السبحة بيده و لم يسبح بها، ففى كل حبة منها سبع مرات. قال بعض الأجلاء: قال فى مكارم الاخلاق على ما نقله فى البحار من مسموعات السيد ابى البركات المشهدى:

روى ابراهيم بن محمد الثقفى، ان فاطمة (ع) بنت رسول الله (ص) كانت سبحتها من خيط صوف مفتل، معقود عليه عدد التكبيرات، فكانت (ع) تديرها بيدها، تكبر و تسبح الى ان قتل حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه سيد الشهداء، فاستعلمت تربته، و عملت التسابيح، فاستعملها الناس، فلما قتل الحسين (ع) عدل بالامر اليه، فاستعملوا تربته لما فيها من الفضل و المزية و فى كتاب الحسن بن محبوب ان ابا عبد الله (ع) سئل عن استعمال التربتين من طين قبر(1) حمزة و الحسين (ع)، و التفاضل بينهما، فقال هو السبحة التى من قبر الحسين (ع)، تسبح بيد الرجل من غير ان يسبح.

و روى انّ حور العين اذا ابصرت بواحد من الاملاك يهبط الى الارض لامرنا، يستهدين منه السبح و الترب من طين قبر الحسين (ع). و روى عن الصادق (ع) انه قال: من ادارها مرة واحدة بالاستغفار او غيره كتب له سبعين مرة، فان السجود عليها يخرق الحجب السبع، انتهى.

الخامس: يستحب الاتيان بتسبيح فاطمة (ع) بعد النافلة ايضا،

لمكان الخبر الخامس و غيره من الأخبار، و بالتعميم ايضا صرح بعضهم، و هو ظاهر الباقين.

السادس: يستحب اتباع تسبيح فاطمة (ع) فى دبر الفريضة بالتهليل،

ص: 406


1- قيل المراد من طين القبر التراب القريب منه و يتفاوت فى الفضيلة قربا و بعدا و ما اخذ من قرب قبره (ع) بعد وضعه هناك افضل على الظاهر. (منه)

لمكان الخبر الثانى.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: قال فى الحبل المتين: المشهور انه اذا فرغ عن التسليم كبر ثلاث تكبيرات،
اشارة

رافعا بها يديه واضعا لهما فى كل مرة على فخذيه او قريبا منهما، و هذه التكبيرات الثلاث هى مفتتح التعقيب.

و قال مجمع الفائدة: و اما رفع اليدين بثلاث تكبيرات بعد صلوة، فهو مشهور بين الاصحاب، و موجود فى الكتب، و ما رايت سنده.

قال فى المنتهى: مسئلة و افضل ما يقال ما نقل عن اهل البيت (ع)، و هو انه اذا سلم كبر ثلاثا يرفع يديه الى شحمتى اذنيه قبل ان يثنى رجليه.

قال فى الجعفرية: و ليبدأ فى التعقيب بالتكبير ثلاثا رافعا يديه فى كل منها الى اذنيه، و يقول الى آخره.

و قال فى المفاتيح: و يستحب ان يبدأ بثلاث تكبيرات رافعا بها كفيه حيال وجهه، مستقبلا بظهرهما وجهه و ببطنهما القبلة، واضعا لهما فى كل مرة على فخذيه، او قريبا منهما. قيل بعد نقله كل ذلك مما قاله الاصحاب.

و قال فى الذكرى على ما حكى: قال الاصحاب: يكبر بعد التسليم ثلاثا، رافعا بها يديه كما تقدم، و يضعهما فى كل مرة الى ان تبلغ فخذيه او قريبا منهما.

و قال المفيد: يرفعهما حيال وجهه مستقبلا بظاهرهما وجهه، و بباطنهما القبلة، ثم يخفض يديه الى نحو فخذيه، و هكذا ثلاثا، انتهى.

أقول: روى عن السيد بن طاووس فى كتاب فلاح المسائل، عن ابى محمد جعفر بن احمد القمى، باسناده عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، قال: اذا سلمت فارفع يديك بالتكبير ثلاثا. عن ابى محمد المذكور باسناده عن المفضل بن عمر، قال: قلت لابى عبد الله (ع): لاى علة يكبر المصلى بعد التسليم ثلاثا؟ قال: ان رسول الله (ص) لما فتح مكه صلى باصحابه الظهر عند الحجر الاسود، فلما سلم رفع

ص: 407

يديه و كبر ثلاثا، و قال: لا اله الا اللّه وحده، انجز وعده، انجز وعده، و نصر عبده، و اعز جنده، و غلب الاحزاب وحده، فله الملك و له الحمد، يحيى و يميت، و هو على كل شئ قدير، ثم اقبل على اصحابه فقال: لا تدعوا هذا التكبير و هذا القول، فانه من فعل ذلك بعد التسليم، و قال هذا القول، كان قد ادى ما يجب عليه من شكر الله تعالى على تقوية الاسلام و جنده.

و روى الصدوق فى العلل، فى باب العلة التى من اجلها يكبر المصلى بعد التسليم ثلاثا، و يرفع بها يديه، عن على بن محمد رحمه الله عن حمزة بن القسم العلوى، عن جعفر بن محمد بن مالك الفزارى الكوفى، عن محمد بن الحسين بن زيد الزيات، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، قال: قلت لابى عبد الله (ع): لاى علة يكبر المصلى بعد التسليم ثلاثا يرفع بها يديه؟ فقال:

لان النبى (ص) (ع) لما فتح مكه صلّى باصحابه الظهر عند الحجر الاسود، فلما سلم رفع يديه و كبر ثلاثا، و قال: لا اله الا الله وحده وحده وحده، انجزو عده و نصر عبده، و اعز جنده، و غلب الاحزاب وحده، فله الملك، و له الحمد، يحيى و يميت، و هو على كل شئ قدير. ثم اقبل على اصحابه، فقال: لا تدعوا هذا التكبير و هذا القول فى دبر كل صلوته(1) مكتوبة، فان من فعل ذلك بعد التسليم، و قال هذا القول كان قد ادى ما يجب عليه من شكر الله تعالى ذكره على تقوية الاسلام و جنده.

و عن الفقه الرضوى: فاذا فرغت من صلوتك فارفع يديك و انت جالس فكبر ثلاثا، و قل: لا اله الا اللّه الدّعاء.

فرع:

يستحب هذه التكبيرات فى عقيب النافلة ايضا، لاطلاق رواية زرارة المتقدمة، بل يستحب هذا الدعاء المذكور ايضا فيها، لاطلاق الفقه الرضوى.

الثانى: قال فى الجعفرية: و يدعو رافعا يديه لنفسه و لوالديه و لاخوانه و للمؤمنين،

و يسأل الجنة، و يستعيذ من النار، و يمسح بهما وجهه و صدره عند الفراغ.

و قال فى مجمع الفائدة: و ينبغى رفع اليدين ثم المسح على الوجه.

ص: 408


1- صلوة خ ل (منه).

أقول: روى الصدوق فى الفقيه فى باب التعقيب، عن امير المؤمنين (ع)، انه قال: اذا فرغ احدكم من الصلوة، فليرفع يديه الى السماء، و لينصب فى الدعاء.

فقال ابن سبأ: يا امير المؤمنين اليس اللّه عزّ و جلّ بكل(1) مكان؟ قال: بلى، قال: فلم يرفع يديه الى السماء؟ فقال او ما تقرأ: وَ فِي اَلسَّمٰاءِ رِزْقُكُمْ وَ مٰا تُوعَدُونَ فمن اين يطلب الرزق الا من موضعه، و موضع الرزق و ما وعد الله عزّ و جلّ السماء.

و روى فى العلل عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن القسم ابن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله، عن ابيه، عن آبائه (ع)، قال: امير المؤمنين (ع): اذا فرغ احدكم من الصلوة فليرفع يديه... الى آخر ما تقدم.

و قال الصدوق فى الفقيه فى الباب المتقدم: و قال ابو جعفر (ع): ما بسط عبده يديه(2) الى اللّه عزّ و جلّ. الا و استحيى اللّه ان يردها صفرا، حتى يجعل فيها من فضله و رحمته ما يشاء، فاذا دعا احدكم فلا يرد يديه حتى يمسح بهما على راسه و وجهه. و فى خبر على وجهه و صدره.

الثالث: استحباب رفع اليدين فوق الرأس

روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح، عن صفوان بن مهران الجمال، قال: رايت ابا عبد الله (ع) اذا صلى ففرغ من صلوته، رفع يديه جميعا فوق راسه. و رواه الفقيه فى باب التعقيب بادنى تغيير غير مخل.

قال فى مجمع الفائدة بعد نقل الخبر المذكور: فلو فهم القربة - كما هو الظاهر - كان ذلك مستحبا مطلقا للامام و الماموم. و ظاهر المنتهى اختصاصه بالامام حيث قال: و يستحب له - اى للامام - اذا فرغ من صلوته، ان يرفع يديه فوق راسه تبركا، و ذكر الرواية، انتهى(3).

ص: 409


1- فى كل.
2- يده.
3- و هو الظاهر من التحرير ايضا حيث قال يستحب له اى للامام اذا فرغ من صلوته ان يرفع يديه فوق راسه تبركا و ان ينصرف عن يمينه. (منه)

قيل:(1) و الظاهر ان رفع اليدين لاجل الدعاء، و يسمى بالابتهال كما فهمه الصدوق ظاهرا، لا كما فهمه بعض اصحابنا من مجرد الرفع، فينبغى ان يدعو حين رفعهما فوق الراس بقبول الصلوة و غيره، انتهى.

أقول: و الانسب جعل مجرد رفع اليدين فوق الراس مستحبا مطلقا، و لو ماموما او منفردا او اماما، نسبه القيل الى الصدوق، فهو فى الفقيه ذكر رواية صفوان هذه، و لم يذكر شيئا، و هذا لا يدل على ما ذكره بشئ من الثلاث.

الرابع: قال البهائى فى الحبل المتين و غيره فى غيره: و ليكن فى جميع ذلك اى فى جميع التعقيب جالسا متوركا مستقبلا للقبلة،

ملازما لمصلاه مستديما طهارته، مجتنبا كلما يبطل الصلوة او ينقض ثوابها، فقد ورد ان كلما يضر بالصلوة يضر بالتعقيب.

الخامس: يستحب ان ياتى فى التعقيب بالموجبتين اى سؤال الجنة،

و التعوذ من النار، لما رواه الكافى فى باب التعقيب، فى الصحيح على الصحيح، عن زرارة قال: قال ابو جعفر (ع): لا تنسوا الموجبتين او قال: عليكم بالموجبتين فى دبر كل صلوة. قلت: و ما الموجبتان؟ قال: تسال الله الجنة، و تعوذ بالله من النار.

و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن داود العجلى مولى ابى المعزا، قال:

سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: ثلاثا اعطين سمع الخلايق: الجنة، و النار، و الحور العين، فاذا صلى العبد و قال: اللّهم اعتقنى من النار، و ادخلنى الجنة و زوجنى الحور العين، قالت النار: ان عبدك قد سألك ان تعتقه منى فاعتقه، و قالت الجنة: يا رب ان عبدك قد سألك اياى فاسكنه، و قالت الحور العين: يا رب ان عبدك قد خطبنا اليك فزوجه منا، فان هو انصرف من صلوته و لم يسأل الله شيئا من هذا قلن الحور العين: ان هذا العبد فينا لزاهد، و قالت الجنة: ان

ص: 410


1- فى حاشية الفقيه.

هذا العبد فىّ لزاهد، و قالت النار: ان هذا العبد فىّ لجاهل.

و روى عن الخصال بسنده عن عايد الاحمسى، عن ابى عبد الله (ع) قال:

اربعة اعطوا سمع الخلايق: النبى (ص)، و حور العين، و الجنة، و النار، فما من عبد يصلى على النبى (ص)، او يسلم عليه، الا بلغه ذلك و سمعه، و ما من احد قال: اللهم زوجنى من الحور العين، الا سمعنه، و قلن: يا ربنا ان فلانا قد خطبنا اليك فزوجنا منه، و ما من احد يقول: اللهم ادخلنى الجنة، الا قالت الجنة: اللهمّ اسكنه فى، و ما من احد يستجير بالله من النار، الا قالت النار: يا رب اجره منى.

السادس: فى نبذة اخرى مما تستحب بعد الصلوة،
اشارة

و جملة من التعقيبات الماثورة عن ائمتنا - عليهم السلام - فانها و ان كانت كثيرة فى الغاية، و لكن لا بأس هنا بايراد شئ منها تيمنا و تبركا.

روى محمد بن يعقوب فى اصول الكافى، فى باب فضل القرآن، عن يعقوب بن شعيب، عن ابى عبد الله (ع) قال: لما امر الله عزّ و جلّ هذه الايات ان يهبطن الى الارض، تعلقن بالعرش، و قلن: اى رب الى اين تهبطنا الى اهل الخطايا و الذنوب؟ فاوحى الله عزّ و جلّ اليهن: ان اهبطن فوعزتى و جلالى لا يتلوكن احد من آل محمد و شيعتهم فى دبر ما افترضت عليه، الا نظرت اليه بعينى المكنونة فى كل يوم سبعن نظرة، اقضى له فى(1) كل نظرة سبعين حاجة و قبلته على ما فيه من المعاصى، و هى ام الكتاب، و شهد الله انه لا اله الا الله الا هو، و آية الكرسى، و آية الملك.(2)

ص: 411


1- مع.
2- عن مجمع البيان عن على بن ابيطالب (ع) قال: سمعت نبيّكم (ع) على اعواد المنبر و هو يقول: من قرء آية الكرسى فى دبر صلوة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة الا الموت، و لا يواظب عليها الا صديق او عابد، و من قراها اذا اخذ مضجعه امنه على نفسه و جاره و جار جاره. (منه) مجمع البيان ج 2 ص 360: طبعة الاسلامية طهران سنة 1373 هجرية.

و روى ايضا فى باب التعقيب عن الحسين بن ثوير و ابى سلمة السراج، قالا:

سمعنا ابا عبد الله (ع) و هو يلعن فى دبر كل مكتوبة اربعة من الرجال و اربعا من النساء فلان، و فلان و فلان و معوية، و يسميهم و فلانه و فلانه و هندا و ام الحكم اخت معوية.

و روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة عن جابر، عن ابى جعفر (ع)، قال:

اذا انحرفت عن صلوة مكتوبة، فلا تنحرف الا بانصراف لعن بنى امية. و روى ايضا فى الباب المتقدم، مرسلا عن امير المؤمنين (ع)، انه قال: من احب ان يخرج من الدنيا و قد تخلص من الذنوب كما يتخلص الذهب الذى لا كدر فيه، و لا يطلبه احد بمظلمة، فليقل فى دبر كل صلوة نسبة الرب اثنى عشر مرة، ثم يبسط يديه فيقول:

اللهمّ انى اسالك باسمك المكنون المخزون، الطهر المبارك، و اسالك باسمك العظيم و سلطانك القديم، ان تصلى على محمد و آل محمد، يا واهب العطايا، يا مطلق الاسارى، يا فكاك الرقاب من النار، و اسألك ان تصلى على محمد و آل محمد، و ان تعتق رقبتى من النار، و تخرجنى من الدنيا آمنا، و تدخلنى الجنة سالما، و ان تجعل دعائى اوله فلاحا، و اوسطه نجاحا، و آخره صلاحا، انك انت علام الغيوب. ثم قال امير المؤمنين (ع): هذا من المخبيات(1) مما علمنى رسول الله (ص)، و امرنى ان اعلمه الحسن و الحسين (ع).

و رواه فى الفقيه ايضا الا ان فيه فى دبر الصلوات الخمس، و ادخال لفظة ان فى كلمتى تخرجنى و تدخلنى.

قال بعض الأجلاء بعد نقله: و رواه الصدوق فى معانى الأخبار فى الصحيح، عن ابراهيم بن هاشم، و احمد بن محمد بن عيسى معا، عن على بن الحكم، عن ابيه عن الاصبغ بن نباته، عن امير المؤمنين (ع)، كما هنا، الا انه قال: الطاهر الطهر، و قال بعد قوله: القديم: يا واهب العطايا، يا مطلق

ص: 412


1- اى المخفيات.

الاسارى، يا فكاك الرقاب من النار، صل على محمد و آل محمد، و فك رقبتى من النار، و اخرجنى من الدنيا آمنا. و ادخلنى الجنة سالما، و اجعل دعائى...

الى آخر ما هنا.

و روى التهذيب ايضا فى باب كيفية الصلوة، عن سلام المكى، عن ابى جعفر (ع) قال: اتى رجل الى النبى (ص) يقال له شيبة الهذيلى، فقال: يا رسول اللّه انى شيخ قد كبر سنى، و ضعف قوتى عن عمل قد(1) عودته نفسى، من صلوة و صيام و حج و جهاد، فعلمنى يا رسول الله كلاما ينفعنى الله به، و خفف على يا رسول الله. فقال: اعد فاعاد ثلاث مرات، فقال له رسول الله (ص): ما حولك شجرة و لا مدرة الا و قد بكت من رحمتك، فاذا صليت الصبح فقل عشر مرات:

سبحان الله العظيم و بحمده، لا حول و لا قوة الا بالله العلى العظيم. فان الله يعافيك بذلك من العمى و الجنون و الجذام و الفقر و الهرم. فقال يا رسول الله هذا للدنيا، فما للاخرة؟ فقال: تقول فى دبر كل صلوة: اللهمّ اهدنى من عندك، وافض على من فضلك، و انشر على من رحمتك، و انزل على من بركاتك. قال: فقبض عليهن بيده، ثم مضى قال: فقال رجل لابن عباس: شد ما قبض عليها خالك.

قال: فقال النبى (ص): اما انه ان وافى بها يوم القيمة لم يدعها متعمدا، فتح الله له ثمانية ابواب من ابواب الجنة، يدخل من ايها شاء.

بيان:

قد يقال المراد بقبضهن من عدّهن بالاصابع و ضمها لهن.

أقول: و يمكن القول بان ذلك مبالغة فى حفظه لهذه الكلمات، كانها من قبيل شئ وضع فى يده فضم عليه بيده. و قيل فى قوله: خالك، اى صاحبك، يقال: انا خال هذا الفرس اى صاحبه. و قيل: يحتمل ان يكون عبد الله بن عباس منتسبا من جانب الام الى هذيل.

ص: 413


1- كنت.

و روى التهذيب ايضا، فى الباب المتقدم، عن محمد بن سليمان الديلمى، قال: سألت ابا عبد الله (ع) فقلت له: جعلت فداك، ان شيعتك تقول: ان الايمان مستقر و مستودع، فعلمنى شيئا اذا قلته انا استكملت الايمان. قال: قل فى دبر كل صلوة فريضة: رضيت بالله ربا، و بمحمد نبيا، و بالاسلام دينا و بالقرآن كتابا، و بالكعبة قبلة، و بعلى وليا و اماما، و بالحسن و الحسين و الائمة صلوات عليهم، اللهمّ انى رضيت بهم ائمة، فارضنى لهم، انك على كل شئ قدير.

و روى ايضا فى الباب المتقدم عن محمد الواسطى، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: لا تدع فى دبر كل صلوة: اعيذ نفسى و ما رزقنى ربى باللّه الواحد الاحد الصمد، حتى تختمها و اعيذ نفسى و ما رزقنى ربى برب الناس، حتى تختمها.

و روى ايضا فى الباب المتقدم، فى الموثق عن ابن بكير، قال: قلت لابى عبد الله (ع): قول الله عزّ و جلّ: «اُذْكُرُوا اَللّٰهَ ذِكْراً كَثِيراً» ماذا الذكر الكثير؟ قال: ان تسبح فى دبر المكتوبة ثلاثين مرة. و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن ابى بصير، قال: قال ابو عبد الله (ع): ان رسول الله (ص) قال لاصحابه ذات يوم: ارايتم لو جمعتم ما عندكم من الثياب و الآنية، ثم وضعتم بعضه على بعض، ترونه تبلغ السماء؟ قالوا: لا يا رسول الله. فقال: يقول احدكم اذا فرغ من صلوته: سبحان الله، و الحمد لله، و لا آله الا الله، و الله اكبر. ثلاثين مرة وهن يدفعن الهدم و الغرق و الحرق و التردى فى البئر، و اكل السبع، و ميته السوء، و البلية التى نزلت على العبد فى ذلك اليوم قيل:(1) و روى(2) الصدوق فى المجالس فى الصحيح عن هشام بن سالم، عن ابى عبد الله (ع)، قال: من صلى صلوة مكتوبة ثم سبح فى دبر صلوته ثلاثين مرة، لم يبق على بدنه شئ من الذنوب الا تناثر(3)قال: و روى فى خبر آخر فى الكتاب المذكور، عن الحارث بن المغيرة النظرى،

ص: 414


1- و هو الحدائق (منه).
2- و موئر (منه).
3- الشيخ يوسف البحرانى: الحدائق الناضرة ج 8 ص 528: النجف دار الكتب الاسلامية.

قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: من قال: سبحان الله، و الحمد لله، و لا اله الا الله، و الله اكبر اربعين مرة دبر كل صلوة فريضة، قبل ان يثنى رجليه، الا اعطى ما سأل. و روى الكافى فى باب التعقيب، عن على بن مهزيار، قال: كتب محمد بن ابراهيم الى ابى الحسن (ع): ان رايت يا سيدى ان تعلمنى دعاء ادعو به فى دبر صلواتى، يجمع الله الىّ به خير الدنيا و الاخرة، فكتب (ع): تقول: اعوذ بوجهك الكريم، و عزتك التى لا ترام، و قدرتك التى لا يمتنع منها شئ، من شرّ الدنيا و الاخرة، و من شر الاوجاع كلها.

و روى ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح على الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: ابا جعفر (ع) عن التسبيح، فقال: ما علمت شيئا موظفا(1) غير تسبيح فاطمة عليه السلام، و عشر مرات بعد الغداة تقول: لا اله الا الله، وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيى و يميت، و يميت و يحيى، بيده الخير و هو على كل شئ قدير.

و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن محمد بن مروان، عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: تمسح يدك اليمنى على جبهتك و وجهك فى دبر المغرب و الصلوات، و تقول: بسم الله الذى لا اله الا هو، عالم الغيب و الشهادة، الرحمن الرحيم، اللهمّ انى اعوذ بك من الهم و الحزن و السقم و العدم و الصغار و الذل و الفواحش ما ظهر منها و ما بطن.

و روى ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح على الصحيح، عن زرارة، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اقل ما يجزيك من الدعاء بعد الفريضة ان تقول: اللهّم انى اسألك عافيتك فى امورى كلها، و اعوذ بك من خزى الدنيا و عذاب الاخرة.

و روى الفقه الرضوى، انه قال (ع): اذا فرغت من صلوتك، فارفع يديك و انت جالس، فكبر ثلاثا، و قل: لا اله الا الله، وحده لا شريك له، انجز وعده، و

ص: 415


1- موصوفا خ ل (منه).

نصر عبده، و هزم الاحزاب وحده، و اعز جنده وحده، فله الملك، و له الحمد يحيى و يميت، بيده الخير و هو على كلّ شئ قدير. و تسبح تسبيح فاطمة (ع)، و هو اربع و ثلاثون تكبيرة، و ثلاث و ثلاثون تسبيحة، و ثلاث و ثلاثون تحميدة، ثم قل:

اللهمّ انت السلام و منك السلام و لك السلام، و اليك يعود السلام سبحان ربك رب العزة عما يصفون، و سلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين، و تقول:

السلام عليك ايها النبى و رحمة الله و بركاته، السلام على الائمة الراشدين المهديّين من آل طاها و ياسين، ثم تدعو بما بدالك من الدعاء بعد المكتوبة.

و روى ايضا، عن قرب الاسناد، عن احمد بن محمد البزنطى، قال: قلت للرضا (ع): كيف الصلوة على رسول الله (ص) دبر المكتوبة؟ و كيف السلام عليه؟ فقال: السلام عليه يقول: السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة الله و بركاته، السلام عليك يا محمد بن عبد الله السلام عليك يا خيرة الله السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا امين الله، اشهد انك رسول الله، و اشهد انك محمد بن عبد الله، و اشهد انك قد نصحت لامتك، و جاهدت فى سبيل ربك، و عبدته حتى اتاك اليقين، فجزاك الله يا رسول الله افضل ما جزا نبيا عن امته، اللهم صل على محمد و آل محمد، افضل ما صليت على ابراهيم و آل ابراهيم، انك حميد مجيد.

و روى محمد بن يعقوب فى اصول الكافى، فى باب الدعاء فى ادبار الصلوات، عن هلقام بن ابى هلقام، قال: اتيت ابا ابراهيم (ع)، فقلت له:

جعلت فداك، علمنى دعاء جامعا للدنيا و الاخرة، و اوجز فقال: قل فى دبر الفجر الى ان تطلع الشمس: سبحان الله العظيم و بحمد الله، استغفر الله، و اساله من فضله. قال هلقام: لقد كنت من اسوء اهل بيتى حالا، فما عملت حتى اتانى ميراث من قبل رجل، ما ظنت ان بينى و بينه قرابة، و انى اليوم لمن ايسر اهل بيتى، و ما ذلك الا لما علمنى مولاى العبد الصالح (ع).

و روى ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح على الصحيح، لمكان ابراهيم عن

ص: 416

معوية بن عمار، قال: من قال فى دبر الفريضة: يا من يفعل ما يشاء، و لا يفعل ما يشاء احد غيره. ثلاثا ثم سال اعطى ما سال. و روى ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح على الصحيح، عن سيف بن عميره، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: جاء جبرئيل (ع) الى يوسف و هو فى السجن، فقال له: يا يوسف قل فى دبر كل صلوة اللهّم اجعل لى فرجا و مخرجا، و ارزقنى من حيث احتسب و من حيث لا احتسب. و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن احمد بن محمد بن خالد - على الظاهر - عن بعض اصحابه، رفعه قال: من قال بعد كل صلوة و هو آخذ بلحيته بيده اليمنيى: يا ذالجلال و الاكرام، ارحمنى من النار. ثلاث مرات و بيده(1)اليسرى مرفوعة بطنها الى مايلى(2) السماء، ثم يقول: اجرنى من العذاب الاليم، ثم يؤخر يده عن لحيته، ثم يرفع يده و يجعل بطنها مما يلى السماء، ثم يقول: اجرنى يا عزيز يا كريم يا رحمن يا رحيم، و يقلب يديه و يجعل بطونهما مما يلى السماء، ثم يقول: اجرنى من العذاب الاليم، ثلاث مرات: صلّى اللّه على محمد و الملائكة و الروح. غفر له و رضى عنه، و وصل بالاستغفار له حتى يموت جميع الخلايق الا الثقلين و الجن و الانس. و قال: اذا تفرغت من تشهدك فارفع يديك و قل: اللهم اغفر لى مغفرة عزما لا تغادر ذنبا، و الا ارتكب بعدها محرما ابدا، و عافنى معافاة لا بلوى بعدها ابدا، و اهدنى هدى لا اضل بعده ابدا، و انفعنى يا رب بما علمتنى و اجعله لى و لا تجعله على، و ارزقنى كفافا و رضنى به يا رباه، و تب على يا الله يا الله يا الله، يا رحمن يا رحمن يا رحمن، يا رحيم يا رحيم يا رحيم، ارحمنى من النار ذات السعير، و ابسط على من سعة رزقك، و اهدنى لما اختلف فيه من الحق باذنك، و اعصمنى من الشيطان الرجيم، و ابلغ محمدا صلى الله عليه و آله عنى تحية كثيرة و سلاما، و اهدنى بهداك، و اغننى بغناك، و اجعلنى من اوليائك المخلصين، و صلى الله على محمد و آل محمد امين،

ص: 417


1- يده خ ل (منه).
2- مايل خ ل (منه).

قال: من قال هذا بعد كل صلوة رد الله عليه روحه فى قبره، و كان حيا مرزوقا ناعما مسرورا الى يوم القيمة.

و روى ايضا فى الباب المتقدم عن محمد بن الفرج قال: كتب الى ابو جعفر بن الرضا (ع) بهذا الدعاء و علمنيه، و قال: من قال فى دبر صلوة الفجر لم يلتمس حاجة الا تيّسرت له، و كفاه اللّه ما اهمه: بسم اللّه و صلى الله على محمد و آله،(1) و افوض امرى الى الله ان الله بصير بالعباد، فوقاه الله سيئات ما مكروا، لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين، فاستجبنا له و نجيناه من الغم و كذلك ننجى المؤمنين، حسبنا الله و نعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من اللّه و فضل لم يمسسهم سوء، ما شاء الله لا حول و لا قوة الا بالله العلى العظيم، ما شاء الله لا ما شاء الناس، ما شاء الله و ان كره(2) الناس، حسبى الرب من المربوبين، حسبى الخالق من المخلوقين، حسبى الرازق من المرزوقين، رضيت بالله ربا، و بمحمد نبيا، و بالاسلام دبنا، و بالقران كتابا، و بفلان و فلان ائمة، اللهم وليك فلان، فاحفظه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و من فوقه و من تحته و امدد له فى عمره، و اجعله القائم بامرك، و المنتصر لدينك، و اره ما يحب، و تقربه عينه فى نفسه و ذريته و فى اهله و ماله و فى شيعته و فى عدوه، و ارهم منه ما يحذرون و اره منهم(3) ما يحب و تقربه عينه، و اشف صدورنا و صدور قوم مؤمنين، الى غير ذلك مما هو مذكور فى مظانه، فانا لو اردنا استقصاءها ليطول المقام جدا، فليرجع الى ما جمعه جملة من اصحابنا كالشيخ فى هذا الباب،(4) فان لهم فيه كتبا مبسوطة و مما يناسب جعله خاتمة لهذا المجلد، ما رواه الكافى فى كتاب الدعاء، فى باب الدعاء، فى ادبار الصلوات عن محمد بن الفرج، قال: كتب الى ابو جعفر ابن

ص: 418


1- و آل محمد، خ ل (منه).
2- اكره، خ ل (منه).
3- فيهم، خ ل (منه).
4- و مما جمعه كتاب مصباح المتهجد الذى ما رايت نظيرا. و هو الشيخ الطائفة ابى جعفر محمد الطوسى (385-460) هجرية انظر الذريعة الى تصانيف الشيعة ج 21 ص 118 بيروت دار الاضواء.

الرضا (ع)، و ساق الحديث الى ان قال: قال: و كان النبى (ص) يقول اذا فرغ من صلوته: اللهم اغفر لى ما قدمت و ما اخرت، و ما اسررت و ما اعلنت، و اسرا فى على نفسى، و ما انت أعلم به منى، اللهم انت المقدم و انت المؤخر، لا اله الا انت بعلمك الغيب و بقدرتك على الخلق اجمعين، ما علمت الحيوة خير الى فاحينى، و توفنى اذا علمت الوفاة خير الى، اللهم انى اسألك خشيتك فى السر و العلانية، و كلمة الحق فى الغضب و الرضا، و القصد فى الفقر و الغنا، و اسألك نعيما(1) لا ينفد، و قرة عين لا تنقطع، و اسألك الرضا بالقضاء، و بركة الموت بعد العيش و برد العيش بعد الموت، و لذة المنظر(2) الى وجهك، و شوقا الى رؤيتك و لقائك، من غير ضراء مضرة و لا فتنة مظلة، اللهم زينا بزينة الايمان، و اجعلنا هداة مهديين،(3) اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم انى اسألك عزيمة الرشاد، و الثبات فى الامر و الرشد، و اسألك شكر نعمتك، و حسن عافيتك، و اداء حقك، و اسألك يا رب قلبا سليما، و لسانا صادقا، و استغفرك لما تعلم، و اسألك خير ما تعلم، و اعوذ بك من شر ما تعلم، فانك تعلم و لا نعلم، و انت علام الغيوب. و ليكن هذا آخر الكلام فى المجلد الرابع من كتاب غنيمة المعاد فى شرح الارشاد، و نسأل الله سبحانه التوفيق لاتمامه، و الفوز بسعادة اختتامه، بمحمد و آله صلوات اللّه عليهم اجمعين و قد وقع الفراغ من تاليفه فى عصر يوم السبت و هو العاشر من شهر جمادى الأخر من شهور سنة سبع و عشرين بعد الماتين و الالف من الهجرة النبوية (ص) على يد مؤلفه الفقير الى ربه الكريم الغنى محمد صالح بن محمد البرغانى عفى عنهما بمنه و كرمه آمين رب العالمين فى القرية المزبورة و يتلوه صلوة الجمعة و الحمد للّه اولا و آخر او ظاهرا و باطنا.

و الى هنا - بحمد اللّه - تم الجزء الثامن من موسوعة البرغانى فى فقه الشيعة حسب تجزئتنا و به تم كتاب الصلوة فى بعض الأدعية المأثورة، و قد بذلنا

ص: 419


1- نعمة خ ل (منه).
2- النظر خ ل (منه).
3- مهتدين خ ل (منه).

غاية الجهد فى تصحيحه و تحقيقه و مقابلته للنسخة الاصلية المخطوطه بخط المصنف قدس روحه الشريف، و قد خرج بعون اللّه و منّه خاليا عن الاغلاط الا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر و يتلوه الجزء التاسع و هو المقصد الثانى: فى صلوة الجمعة و وجوبها فى الجملة ثابت بالكتاب و السنة المتواترة و اجماع الامة ان شاء اللّه تعالى.

و نحمد اللّه رب العالمين على ما وفقنا لذلك، و نسأل اللّه العلى القدير أن يديم توفيقنا لاخراج بقية الاجزاء و اللّه المستعان.

ص: 420

محتويات الكتاب

مقدمة المحقق 3

فى العدول من سورة الى اخرى 4

فى الاستعاذة 31

فى السكوت 36

فى الركوع 40

فى وجوب الذكر فى الركوع 50

فى وجوب الطمأنينة فى الركوع 66

فى الانحناء فى الركوع 72

فى التكبير للركوع 76

فى رفع اليدين فى التكبير للركوع 78

فى ردّ الركبتين الى الخلف فى الركوع 81

فى كيفية الركوع 83

فى التسبيح فى الركوع 84

ص: 421

فى الذكر فى القيام بعد الركوع 89

فى ذكر النبى و آله فى الركوع و السجود 94

فى ما يكره فى الركوع و السجود 96

فى حكم المرأة فى الركوع 99

فى السجود 100

فى ما يسجد عليه 103

فى موضع السجود 104

فى المساجد السبعه 118

فى الطمأنينة فى السجود 125

فى كيفية وضع الجبهة فى السجود 127

فى ما لو تعذّر السجود على الجبهه 130

فى وضع الكفين قبل الركبتين على الارض 132

فى ارغام الانف فى السجود 134

فى الدعاء فى السجود 137

فى التسبيح فى السجود 139

فى الدعاء بين السجدتين 140

فى الجلوس بعد السجدة الثانية 143

الدعاء عند القيام من السجود او التشهد 145

التكبير المستحب 146

كيفية القيام 149

فى الاقعاء 150

فى التجيح فى السجود 156

بسط الكفين على الارض فى السجود 159

فى سجدات القرآن 165

ص: 422

فى سجدة الشكر 185

التشهد 198

الصلاة على محمد و آل محمد فى التشهد 212

الجلوس فى التشهد 223

التشهد بالعربيه 225

فى كيفية التشهد 228

الدعاء فى التشهد 234

فى التسليم 242

كيفية التسليم 295

فى القنوت 344

فى دعاء القنوت 354

الدعاء بغير العربيه فى القنوت 360

فى قنوت صلاة الجمعة 370

فى من نسى القنوت 377

التكبير للقنوت 380

رفع اليدين فى القنوت 381

الجهر او الاخفات فى القنوت 384

تطويل و النظر الى محل السجود 386

موضع النظر فى حالات الصلاة 387

فى التعقيب 389

آداب التعقيب 395

تسبيح الزهراء (ع) 397

فى التكبيرات الثلاث بعد الصلاة 407

قراءة بعض الآيات و الادعية بعد الصلاة 409

ص: 423

الصورة

ص: 424

الصورة

ص: 425

الصورة

ص: 426

الصورة

ص: 427

الصورة

ص: 428

تعريف مرکز

بسم الله الرحمن الرحیم
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
(التوبه : 41)
منذ عدة سنوات حتى الآن ، يقوم مركز القائمية لأبحاث الكمبيوتر بإنتاج برامج الهاتف المحمول والمكتبات الرقمية وتقديمها مجانًا. يحظى هذا المركز بشعبية كبيرة ويدعمه الهدايا والنذور والأوقاف وتخصيص النصيب المبارك للإمام علیه السلام. لمزيد من الخدمة ، يمكنك أيضًا الانضمام إلى الأشخاص الخيريين في المركز أينما كنت.
هل تعلم أن ليس كل مال يستحق أن ينفق على طريق أهل البيت عليهم السلام؟
ولن ينال كل شخص هذا النجاح؟
تهانينا لكم.
رقم البطاقة :
6104-3388-0008-7732
رقم حساب بنك ميلات:
9586839652
رقم حساب شيبا:
IR390120020000009586839652
المسمى: (معهد الغيمية لبحوث الحاسوب).
قم بإيداع مبالغ الهدية الخاصة بك.

عنوان المکتب المرکزي :
أصفهان، شارع عبد الرزاق، سوق حاج محمد جعفر آباده ای، زقاق الشهید محمد حسن التوکلی، الرقم 129، الطبقة الأولی.

عنوان الموقع : : www.ghbook.ir
البرید الالکتروني : Info@ghbook.ir
هاتف المکتب المرکزي 03134490125
هاتف المکتب في طهران 88318722 ـ 021
قسم البیع 09132000109شؤون المستخدمین 09132000109.