موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب_: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد
سایر عناوین: المسماة ب_: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد / إرشاد الأذهان إلی أحکام الإیمان. شرح
نویسنده:
برغانی، محمدصالح بن محمد
سایر نویسندگان
محقق:
شهیدی صالحی، عبدالحسین
تعداد جلد: 8
زبان: عربی
ناشر: مجمع هماهنگی مؤسسات اسلامی. نمايشگاه دائمی کتاب - تهران - ایران
کد کنگره: / ع 8 الف 4022 182/3 BP
محرر رقمی : میثم حیدری
ص: 1
موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب_: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد
سایر عناوین: المسماة ب_: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد / إرشاد الأذهان إلی أحکام الإیمان. شرح
نویسنده: برغانی، محمدصالح بن محمد
ص: 2
الصورة

ص: 3
الصورة

ص: 4
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
و به نستعين
الحمد لله رب العالمين، و الصلوة و السلام على اشرف العالمين، محمد و آله الطيبين الطاهرين.
اما بعد:
فهذا هو المجلد الثانى من كتاب غنيمة المعاد فى شرح الارشاد، تأليف أفقر الخلق الى عفو ربه الغنى، محمد صالح بن محمد البرغانى، عاملهما الله بالحسنى، و رزقهما خير الآخرة و الاولى.
قال المصنف طاب مضجعه.
و هو لغة الدعاء، قال الله تعالى: (وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ )، و عن الجوهرى: من الله الرحمة و هى فى العرف اشهر من ان يتوقف فهم معناها على تعريف لفظى فى كونها حقيقة شرعية خلاف مشهور مقرر فى الاصول، و الاقوى الثبوت فى الجملة، و عن جماعة من نقلة اللغة منهم ابن الأثير فى النهاية انهم ذكروا من جملة معانيها اللغوية: العبادة المخصوصة، و فى اثبات الحقيقة بذلك نظر لان دابهم جمع المعانى المستعمل فيها اللفظ، و الاستعمال اعم من الحقيقة و المجاز بلا شبهة، هذا مضافا الى ان اهل اللغة لم يعرفوا ذلك المعنى الا من قبل الشرع، فكيف يمكن جعله من المعانى اللغوية.
ص: 5
و النصوص الواردة فى فضلها و عقاب تاركها، و انها افضل الاعمال البدنية فى الكتب الأربعة و غيرها، اكثر من ان تحصى، فلنورد شطرا منها.
منها ما رواه الكافى فى باب فضل الصلوة فى الصحيح عن معوية بن وهب قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن افضل ما يتقرب به العباد الى ربهم و احب ذلك الى الله عز و جل و ما هو؟ فقال: ما اعلم شيئا بعد المعرفة افضل من هذه الصلوة، الا ترى ان العبد الصالح عيسى بن مريم عليهما السلام قال و اوصانى بالصلوة و الزكوة ما دمت حيا.
قال شيخنا المجلسى طاب رمسه فى البحار: بعد المعرفة اى معرفة الله او معرفة الامام، فانها المتبادر منها فى عرفهم عليهم السلام، او الاعم منهما و من ساير المعارف الدينية، و الاول يستلزم الاخيرين غالبا، و لذا يطلقونها فى الاكثر و الاخير هنا اظهر، انتهى.
اقول و يعضد المعنى ما رواه قدس سره فى الكتاب المذكور فى اواخر باب فضل الصلوة عن المحاسن عن عبد الله بن الصلت عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: بنى الاسلام على خمسة اشياء على الصلوة و الزكوة و الحج و الصوم و الولاية، قال زرارة: فاى ذلك افضل ؟ قال: الولاية(1) افضل لانها مفتاحهن و الوالى هو الدليل عليهن قلت: ثم الذى يلى ذلك فى الفضل ؟ قال: الصلوة ان رسول الله (ص) قال الصلوة عمود دينكم، قال قلت: ثم الذى يليه فى الفضل ؟ قال: الزكوة لانه قرنها بها و بدء بالصلوة قبلها، و قال رسول الله (ص) الزكوة تذهب بالذنوب، قلت: فالذى يليه فى الفضل ؟ قال: الحج و ساق الحديث الى
ص: 6
ان قال: قلت ثم ماذا يتبعه، قال: الصوم، قلت: و ما بال الصوم صار آخر ذلك اجمع ؟ قال: افضل الاشياء ما اذا انت فاتك لم يكن منه توبة دون ان ترجع اليه فتؤديه بعينه، ان الصلوة و الزكوة و الحج و الولاية ليس شىء يقع مكانها دون ادائها، و ان الصوم اذا فاتك او قصرت و سافرت فيه اديت مكانه ايا ما غيرها، و جبرت ذلك الذنب بصدقه و لا قضاء عليك، و ليس مثل تلك الأربعة شىء ليجزيك مكانه غيره.
و سنورد عن مجالس الشيخ خبرا يؤيد المعنى الاول كالمروى عن كتاب الفقه الرضوى و اعلم ان افضل الفرايض بعد معرفة الله عز و جل الصلوة الخمس و قال المحقق المجلسى ايضا فى ذيل الكلام المتقدم: و العبارة يحتمل معنيين احدهما ان المعرفة افضل الاعمال، و بعدها فى المرتبة ليس شىء افضل من الصلوة، و الحاصل انها افضل العبادات البدنية، و الثانى ان الاعمال التى يأتى بها العبد بعد تحصيل المعارف الخمس الصلوة افضل منها، اذ لا فضل للعمل بدون المعرفة حتى يكون للصلوة او تكون افضل من غيرها، مع انه يقتضى ان يكون لغيرها ايضا، و قال الشيخ البهائى زاد اللّه فى بهائه: ما قصده (ع) من افضلية الصلوة على غيرها من الاعمال، و ان لم يدل عليها منطوق الكلام، الا ان المفهوم منه بحسب العرف ذلك كما يفهم من قولنا: ليس بين اهل البلد افضل من زيد، افضليته عليهم و ان كان منطوقه نفى افضليتهم عليه، و هو لا يمنع المساواة، هذا و فى جعله (ع) قول عيسى على نبينا و آله و عليه السلام و اوصانى بالصلوة الآية، مؤيد الافضلية الصلوة بعد المعرفة على غيره من الاعمال، نوع خفاء، و لعل وجهه ما يستفاد من تقديمه (ع) ما هو من قبيل الاعتقادات فى مفتتح كلامه، ثم اردافه ذلك بالاعمال البدنية و المالية و تصديره لها بالصلوة، مقدما لها على الزكوة يبعد ان يكون التأييد لمجرد تفضيل الصلوة على غيرها من الاعمال من غير ملاحظة تفضيل المعرفة عليها، و يؤيده عدم ايراده عليه السلام صدر الآية فى صدر
ص: 7
التأييد، و الآية هكذا: (قٰالَ إِنِّي عَبْدُ اَللّٰهِ آتٰانِيَ اَلْكِتٰابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبٰارَكاً أَيْنَ مٰا كُنْتُ وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلاٰةِ وَ اَلزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا)، انتهى كلام البحار.
اقول ما ذكره البهائى طاب رمسه فى جواب ما اورده، من ان ظاهر الخبر يقتضى نفى افضلية غير الصلوة عليها، و المطلق ثبوت افضليتها على غيرها واحدهما غير الآخر، فان نفى وجود الافضلية منها لا يمنع المساواة و معها لا يتم المطلق، حق، و يؤيده ان السؤال فى الخبر عن افضل ما يتقرب به العبد و احبه الى الله عز و جل، فلو لم يحمل على المعنى الذى ذكره الشيخ المشار اليه للزم عدم مطابقة الجواب السؤال.
و يؤيده ايضا ما رواه فى البحار فى الباب المتقدم عن مجالس الشيخ باسناده عن زريق عن ابى عبد الله (ع) قال قلت له: اى الاعمال افضل بعد المعرفة ؟ قال: ما من شىء بعد المعرفة يعدل هذه الصلوة و لا بعد المعرفة و الصلوة شىء يعدل الزكوة، و لا بعد ذلك شىء يعدل الصوم، و لا بعد ذلك شىء يعدل الحج، و فاتحة ذلك كله معرفتنا و خاتمته معرفته الخبر.
قال بعض الاجلاء: ظاهر الخبر ان الصلوة افضل مطلقا سواء كانت اول وقتها او فى وقت الاجزاء، الا انه روى عنه (ع) افضل الاعمال الصلوة فى اول وقتها ان يقيد به اطلاق هذا الخبر، عملا بقاعدة وجوب حمل المطلق على المقيد، و على هذا لا يتم المدعى.
و اجيب بان الخبر الاول دل على انها افضل مطلقا وقعت فى اول الوقت او آخره، و الخبر الآخر دل على كونها فى اول الوقت افضل الاعمال، و لا منافاة بينهما ليحتاج الى الحمل المذكور، فان الصلوة مطلقا اذا كانت افضل من غيرها من العبادات كان الفرد الكامل منها افضل الاعمال قطعا، بالنسبة الى باقى افرادها الى غيره.
و منها ما رواه الكافى فى باب فضل الصلوة عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): مثل الصلوة مثل عمود الفسطاط
ص: 8
اذا ثبت العمود نفعت الاطناب و الأوتاد و الغشاء، و اذا انكسر العمود لم ينفع طنب و لا وتد و لا غشاء.
عن الفيروزآبادى الطنب بضمتين حبل طويل يشد به سرادق البيت او الوتد، و الغشاء الغطاء.
و الظاهر انه (ع) شبه الايمان بالخيمة و الصلوة بعمودها، و ساير الاعمال بساير ما تحتاج اليها، لبيان اشتراط الايمان بالاعمال و مزيد اشتراطه بالصلوة، او انه (ع) شبه مجموع الاعمال بالخيمة مع جميع ما تحتاج اليها و الصلوة بالعمود، لبيان انها العمدة من بينها.
روى التهذيب فى الزيادات فى باب فضل الصلوة عن عيسى عن عبد الله الهاشمى عن ابيه عن جده عن على (ع) قال: قال رسول اللّه (ص) ان عمود الدين الصلوة و هى اول ما ينظر فيه من عمل ابن ادم، فان صحت نظر فى عمله و ان لم تصح لم ينظر فى بقية عمله. و روى فى البحار عن كتاب الحسين بن عثمان عن رجل عن ابى عبد الله (ع) قال: ان اول ما يحاسب عليه العبد الصلوة فاذا قبلت قبل ساير عمله، و اذا ردت عليه رد عليه ساير عمله.
و روى الكافى فى باب من حافظ على صلوته عن ابى بصير قال سمعت ابا جعفر (ع) يقول: كل سهو فى الصلوة يطرح منها، غير ان الله يتم بالنوافل، ان اول ما يحاسب العبد به الصلوة فان قبلت قبل ما سواها، ان الصلوة اذا ارتفعت فى وقتها رجعت الى صاحبها و هى بيضاء مشرقة تقول حفظتنى حفظك الله، و اذا ارتفعت فى غير وقتها بغير حدودها رجعت الى صاحبها و هى سوداء مظلمة تقول ضيعتنى ضيعك الله.
و كان المعنى ان ما ذهل عنه فى صلوته و لم يقبل عليه بقلبة فهو لا يرفع له و لا يحسب منها، غير ان الله سبحانه يتمه بالنوافل، و سيجئ ان شاء الله للمقام
ص: 9
زياده بسط فانتظر.
منها ما رواه الكافى فى باب فضل الصلوة عن زيد الشحام عن ابى عبد الله (ع)، قال سمعته يقول: احب الاعمال الى الله عز و جل الصلوة، و هى آخر وصايا الانبياء، فما احسن الرجل يغتسل او يتوضأ، فيسبغ الوضوء ثم يتنحى حيث لا يراه انيس، فيشرف عليه و هو راكع او ساجد، ان العبد لو سجد فاطال السجود، نادى ابليس لعنه الله: يا ويله اطاع و عصيت و سجد و ابيت.
و عن الوافى فى بعض نسخ الكافى ابليس مكان انيس و هو تصحيف، و فى بعض نسخ الفقيه انسى، و فى بعض نسخ الفقيه فيشرف الله عليه باثبات لفظ الجلالة، و لكل وجه، و ان كان اثبات الجلالة و الانسى اوجه، و المستتر فى يشرف بدون الجلاله يعود الى الانسى و الانيس، و الغرض على التقادير ابعاد العبد عن شائبة الرياء.
و روى فى الكافى فى الباب المتقدم عن الوشأ قال: سمعت الرضا (ع) يقول: اقرب ما يكون العبد من الله عز و جل و هو ساجد، و ذلك قوله: (وَ اُسْجُدْ وَ اِقْتَرِبْ ).
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن يزيد بن خليفة قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: اذا قام المصلى الى الصلوة نزلت عليه الرحمة من اعنان(1) السماء الى اعنان الارض، و حفت به الملائكة، و ناداه ملك: لو يعلم هذا المصلى ما فى الصلوة ما انفتل.
و روى فى البحار عن ثواب الاعمال عن محمد بن موسى بن المتوكل عن على بن الحسين السعدآبادى عن احمد بن ابى عبد الله عن ابيه عن ابن ابى
ص: 10
عمير عن جميل عن ابى عبد الله (ع) قال: للمصلى ثلاث خصال اذا قام فى صلوته يتناثر عليه البر من اعنان السماء الى مفرق رأسه، و تحف به الملائكة من تحت قدميه الى اعنان السماء، و ملك ينادى: ايها المصلى لو تعلم من تناجى ما انفتلت.
و روى الكافى ايضا فى الباب المتقدم عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله (ص): اذا قام المؤمن فى صلوة نظر الله اليه، او قال: اقبل الله عليه حتى ينصرف و اظلته الرحمة من فوق راسه الى افق السماء، تحفة من حوله الى افق السماء، و وكل به ملكا قائما على راسه يقول له: ايها المصلى لو تعلم من ينظر اليك و من تناجى ما التفت و لا زلت من موضعك ابدا.
و منها ما رواه المشايخ الثلاثة الكلينى و الشيخ فى الكافى و التهذيب مسندا و الصدوق فى الفقيه مرسلا فى باب فضل الصلوة عن ابى عبد الله (ع) قال:
صلوة فريضة خير من عشرين حجة، و حجة خير من بيت مملوء ذهبا يتصدق منه حتى يفنى.
قال بعض الاجلاء: الحجة المرة من الحج بالكسر على قياس و الجمع حجج كسدره و سدر، قال: ثعلب: قياسه الفتح و لم يسمع من العرب.
اقول: و هذا الخبر بحسب ظاهره لا يخلو من اشكالات.
منها ان الحجة مشتملة على صلوة فريضة و هى ركعتا الطواف، و ان كانت الحجة ندبة فان الصلوة فيها واجبة، فيلزم تفضيل الشىء على نفسه بمراتب.
و منها انه قد ورد افضل الاعمال احمزها، و اجيب عن ذلك بوجوه اظهرها ثلاثة: اولها ان تحمل الفريضة على اليومية لانها الفرد المتبادر، و يحمل حديث افضلية الحج على الصلوة غير اليومية، و حديث افضل الاعمال احمزها على ما عدا الصلوة اليوميه، او على ان المراد افضل كل نوع من الاعمال
ص: 11
احمزها ذلك النوع، مثلا الوضوء فى الحرّ و البرد، و الحج ماشيا و راكبا، و الصوم و للصلوة فى الصيف و الشتاء و نحو ذلك.
و ثانيها ان يراد بالفريضة اليومية، و ان يراد بالحج المتطوع به، دون حجة الاسلام اذ لا تعدد فيها حتى يوزن متعددها بشىء، و الصلوة التى فى الحج المتطوع ليست بفريضة حيث لم يفرض الله تعالى ابتداء، و انما جعلها المكلف على نفسه باحرامه للحج فصارت شرطا لصحة حجه، و على هذا فيكون الغرض من الحديث الحث على المحافظة على الصلوة المفروضه فى طريق الحج بالاتيان بها بشروطها و حدودها و حفظ مواقيتها، فان كثيرا من الحاج يضيعون فرائضهم اليومية فى طريقهم الى الحج، اما بتفويت اوقاتها، او بأدائها على المركب، او فى المحمل، او بالتيمم، او مع عدم الطهارة فى الثوب او البدن، او نحو ذلك، تهاونا بها و استخفافا بشأنها، و الثواب انما يترتب للحاج على حجته المندوبة مع عدم الاخلال بشىء من صلواته اليومية، و الا فالصلوة المفروضة التامة فى الجماعة بل فى البيت افضل من حجة يتطوع بها.
و ثالثها انه يحتمل ان يكون ذلك مختلفا باختلاف الاحوال و مقتضيات الحال فى الاشخاص، كما روى انه (ص) سئل: اى الاعمال افضل ؟ فقال:
الصلوة لاول وقتها، و سئل ايضا مرة اخرى: اى الاعمال افضل ؟ فقال: بر الوالدين، و سئل ايضا اى الاعمال افضل ؟ فقال: حج مبرور، فخص كل سائل بما يليق بحاله من الاعمال، فيقال: ان السائل الاول كان عاجزا عن الحج و لم يكن له والدان، فكان افضل بحسب حاله الصلوة، و الثانى كان له والدان محتاجان فجعل الا فضل له برهما، و هكذا الثالث.
و منها ما رواه التهذيب فى الزيادات فى فضل الصلوة و الكافى فى باب من حافظ على صلوته فى الحسن كالصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: بينا رسول الله (ص) جالس فى المسجد اذ دخل رجل فقام يصلى فلم يتم ركوعه و لا سجوده، فقال (ص): نقر كنقر الغراب لئن مات هذا و هكذا صلوته ليموتن
ص: 12
على غير دينى.
و روى فى الكافى ايضا فى الباب المتقدم فى الحسن كالصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: قال: لا تتهاون بصلوتك فان النبى (ص) قال عند موته:
ليس منى من استخف بصلوته، ليس منى من شرب مسكرا لا يرد على الحوض و الله.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن ابى بصير قال: قال ابو الحسن الاول (ع): انه لما حضرا بى الوفاة قال لى: يا بنى انه لن ينال شفاعتنا من استخف بالصلوة.
و روى ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: اذا ادى الرجل صلوة واحدة تامة قبل جميع صلواته و ان كان غير تامات.
و ان افسدها كلها لم يقبل منه شىء منها و لم تحسب له نافله و لا فريضة، و انما يقبل النافلة بعد قبول الفريضة، و اذا لم يؤد الرجل الفريضة لم تقبل منه النافلة، و انما جعلت النافلة لتتم بها ما افسد من الفريضة.
و روى ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن العيص بن القاسم قال: قال ابو عبد الله (ع): و الله انه لياتى على الرجل خمسون سنة و ما قبل الله منه صلوة واحدة، فاى شىء اشد من هذا؟ و الله انكم لتعرفون من جيرانكم و اصحابكم من لو كان يصلى لبعضكم ما قبلها منه، لاستخفافه بها ان الله عز و جل لا يقبل الا الحسن، فكيف يقبل ما يستخف به ؟
و روى ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن ابان بن تغلب قال: صليت مع ابى عبد الله (ع) المغرب بالمزدلفة، فلما انصرف اقام الصلوة و صلى العشاء الآخرة لم يركع بينهما، ثم صليت معه بعد ذلك بسنة فصلى المغرب ثم قام فتنفل باربع ركعات، ثم اقام فصلى العشاء الآخر ثم التفت الى فقال: يا ابان هذه الصلوة الخمس المفروضات من اقامهن و حافظ على مواقيتهن، لقى الله يوم القيمة و له عنده عهد يدخله به الجنة، و من لم يصلهن لمواقيتهن و لم يحافظ عليهن فذاك اليه، ان شاء عذبه.
ص: 13
و روى ايضا فى باب فضل الصلوة فى الحسن كالصحيح عن حفص بن البخترى عن ابى عبد الله (ع) قال: من قبل الله منه صلوة واحدة لم يعذبه، و من قبل منه حسنة لم يعذبه.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن الحسين بن سيف عن ابيه قال حدثنى من سمع ابا عبد الله (ع) يقول: من صلى ركعتين يعلم ما يقول فيها انصرف و ليس بينه و بين الله عز و جل(1) (اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاٰتِهِمْ سٰاهُونَ ) قال: هو التضييع.
و روى فى التهذيب فى الزيادات فى باب فضل الصلوة عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال قال رسول الله (ص): ما من صلوة يحضر وقتها الا نادى ملك بين يدى الله تعالى: ايها الناس قوموا الى نيرانكم التى اوقدتموها على ظهوركم فاطفؤها بصلوتكم.
و روى فى الكافى فى باب من حافظ على صلوته عن السكونى عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): لا يزال الشيطان ذعرا من المؤمن حافظ على الصلوة الخمس، فاذا ضيعهن تجرءا عليه فادخله فى العظائم.
و روى ايضا فى باب الخشوع فى الصلوة عن زرارة قال قال ابو جعفر (ع) اذا قمت فى الصلوة فعليك بالاقبال على صلوتك، فانما لك منها ما أقبلت عليه الحديث.
لا يقال المستفاد من جملة من الآيات(2) القرانية و الاخبار المتقدمة و نحوها من الاخبار الكثيرة: ان صلوة من يغفل عما يقول ليست مقبولة الا بقدر ما اقبل عليه منها، و نحوها ايضا ما ورد من عدم قبول صلوة شارب الخمر الى
ص: 14
اربعين يوما، و الفقهاء لم يشترطوا حضور القلب فى جميع الصلوة، فكيف التوفيق ؟ و ايضا المصلى فى صلوته و دعائه مناج لربه كما هو معلوم، و قد ورد فى الخبر ايضا، و لا شك ان الكلام مع الغفلة ليس بمناجاة، فاى سؤال فى قوله اهدنا الصراط المستقيم ؟ اذا كان القلب غافلا و لا شك ان المقصود من القراءة و الأذكار الحمد و الثناء و التضرع و الدعاء، و المخاطب هو الله تعالى و قلب العبد بحجاب الغفلة محجوب عنه فلا يراه و لا يشاهد، بل هو غافل عن المخاطب و لسانه يتحرك بحكم العادة، فما ابعد هذا عن المقصود بالصلوة التى شرعت لتصيقل القلب و تجديد ذكر الله و رسوخ عهد الايمان بها؟ هذا حكم القراءة و الذكر.
و اما الركوع و السجود فالمقصود التعظيم بهما قطعا، و التعظيم كيف يجتمع مع الغفلة ؟ و اذا خرج عن كونه تعظيما لم يبق الا مجرد حركة الظهر و الراس، و ليس فيه من المشقة ما يقصد به الامتحان به، ثم يجعل عماد الدين و الفاصل بين الكفر و الاسلام، و يقدم على ساير العبادات، و يجب القتل بسبب تركه على الخصوص.
لانا نقول لا ريب فى ان حضور القلب هو روح الصلوة و الصلوة اذا كانت خالية عن الروح بالكلية فلا ريب فى بطلانها، خلا فالبعض العلماء، و اذا كانت مشتمله عليه و لو عند التكبير فلا ريب فى صحتها و اجزائها، و ان لم يكن مقبولا بالقبول الكامل، و هذا اجماعى كما صرح به غير واحد منهم، قال بعض الاجلاء المقبول(1)من العبادة ما يترتب عليه الثواب فى الآخرة و يقرب الى الله زلفى، و الاجزاء ما يسقط التكليف عن العبد و ان لم يثبت عليه، و الناس مختلفون فى تحمل التكليف، و التكليف انما هو بقدر حوصلة الخلق و قابليتهم و سعتهم و قصورهم، فلا يمكن ان يشترط عليهم جميعا احضار القلب فى جميع الصلوة، فان ذلك معجز عنه
ص: 15
كل البشر الاّ الأقلين، و اذا لم يكن اشتراط الاستيعاب للضرورة فلا مرد له، الا ان يشترط منه ما ينطلق عليه الاسم و لو فى اللحظة الواحدة، و اولى اللحظات التكبير و التوجه فاقتصر على التكليف بذلك، و نحن مع ذلك نرجو ان لا يكون حال الغافل فى جميع صلوته مثل حال التارك بالكلية، فانه على الجملة اقدم على الغفل ظاهرا و احضر القلب لحظة، و كيف لا و الذى صلى مع الحدث ناسيا صلوته باطله عند الله، و لكن له اجر ما بحسب فعله و على قدر قصوره و عذره، الى ان قال: و حاصل الكلام ان حضور القلب هو روح الصلوة، و ان اقل ما يبقى به الروح الحضور عند التكبير فالنقصان منه هلاك، و بقدر الزيادة عليه ينبسط الروح فى اجزاء الصلوة، و كم من حى لا حراك به قريب من الميت، فصلوة الغافل فى جميعها الا عند التكبير حى لا حراك به انتهى، كلامه.
اقول تحقيق الكلام بحيث يكشف الستر عن المقام، ان يقال: اتفق الاصحاب(1) فى ان صلوة من نوى عند التكبير بالنية المعهودة صحيحة و مجزية مبرئة للذمة ما لم يعرض لها مبطل من خارج، و ان كان بعدها غافلا عما يقول ؟ و انما الكلام فى ان الاجزاء هل هو مستلزم للقبول كما عن المشهور؟ فيكون المراد من القبول الوارد فى الاخبار النافية لقبول صلوة من يغفل عما يقول، هو القبول الكامل، فيصير النفى متوجها الى القيد ام لا؟ بل هو مغاير له، و لا تلازم بينهما، فقد تكون العبادة مجزية صحيحة و ان لم تكن مقبوله، كما ذهب اليه المرتضى علم الهدى على ما حكاه الشيخ البهائى فى الاربعين، و يستفاد منه فيه الميل اليه، فيكون المراد من الاخبار النافيه لقبول صلوة من يغفل هو عدم القبول بالكلية فلا يترتب عليها ثواب بالكلية، و الحق هو المشهور و لنا انه لا خلاف بين العقلاء فى ان السيد اذا امر عبده امرا ايجابيا بعمل من الاعمال و وعده الاجر على ذلك العمل فامتثل العبد ما امره به مولاه فاتى به، فانه
ص: 16
يجب على السيد قبوله منه و الوفاء بما وعده، فلو رده عليه و منعه الاخير الذى وعده مع انه لم يخالف فى شىء مما امره به، فانهم لا يختلفون فى لوم السيد و نسبته الى خلاف العدل، سيما اذا كان السيد ممن يمتدح بالعدل و الاكرام و الفضل و الانعام، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فان الاوامر الايجابية قد اتى بها كما هو المفروض، و الاخلال بالاقبال الذى هو روح العبادة لا يوجب الرد، لانه الامر به انما هو امر استحبابى، و بطور اخر الاخبار قد دلت على قبول ما اقبل عليه، و لا ريب فى ان المصلى عند التكبيرة مقبل على الله و قلبه متوجه اليه و له حضور قلب، و ان كان فى باقى اجزائها غافلا يقول، فيكون صلوته مقبولة و مثابا عليها فى الجملة، سيما اذا قلنا بان النية عبارة عن الاحضار بالبال و انها داخلة فى الصلوة، فهذه الصلوة مع كونها مجزية متصفة بالقبول، فالقول بانه يمكن ان يكون العبادة مجزية غير متصفة بالقبول و ترتب الثواب، بمعزل عن التحقيق فليتنبّه جدا.
و قد يستدل لذلك بوجهين اخرين:
احدهما ان الصحة المعبر عنها بالإجزاء ان تفسر بما هو المشهور من انها عبارة عن موافقة الامر و امتثاله، و حينئذ فلا ريب فى ان ذلك موجب للثواب، و على هذا فالصحة مستلزم للقبول، و ان تفسر بما اسقط القضاء كما هو المرتضى عند المرتضى و عليه بنى ما ذهب اليه فى المسئلة، و فيه انه يلزم القول بترتب القضاء على الاداء، و هو خلاف ما يستفاد من الاخبار، و خلاف ما صرح به غير واحد من محققى علمائنا الابرار من ان القضاء يتوقف على امر جديد و لا يترتب له على الادآء.
و ثانيهما انه لا خلاف بين اصحاب القولين المذكورين فى ان هذه العبادة المتصفة بالصحة و الاجزاء مسقطه للعقاب المترتب على ترك العبادة، و مع فرض عدم القبول بالكلية بحيث يعود العمل الى مصدره كما كان قبل الفعل فكأنه لم يفعل شيئا بالمرة و لا يعقل اسقاطها العقاب اذ ارجاع العمل عليه على الوجه
ص: 17
المذكور يوجب بقاءه تحت عهدة التكليف، فكيف يتصور سقوط العقاب حينئذ و اللازم من ذلك ان سقوط العقاب انما يترتب على القبول كما هو ظاهر لذوى العقول، و حينئذ فيستلزم الثواب البتة، فافهم الوجهين و تدبر فيهما.
و للقول الآخر ما اشار اليه البهائى طاب ثراه فى الاربعين(1) حيث قال لعل المراد بعدم قبول صلوة شارب الخمر اربعين يوما، عدم ترتب الثواب عليها فى تلك المدة، لا عدم اجزائها فانها مجزية اتفاقا، فهو يؤيد ما يستفاد من كلام السيد المرتضى علم الهدى انار الله برهانه، من ان قبول العبادة امر مغاير للاجزاء، فالعبادة المجزية هى المبرئة المخرجة عن عهدة التكليف، و المقبولة هى ما يترتب الثواب عليها و لا تلازم بينهما و لا اتحاد كما يظن، و ما يدل على ذلك قوله تعالى: (إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اَللّٰهُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ )، مع ان عبادة غير المتقين مجزية اجماعا، و قوله تعالى حكاية عن ابراهيم و اسمعيل عليهما السلام: (رَبَّنٰا تَقَبَّلْ مِنّٰا)، مع انهما لا يفعلان غير المجزى، و قوله تعالى: (فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمٰا وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ اَلْآخَرِ)، من ان كلا منهما فعل ما امر به من القربان.
و قوله (ص): ان من الصلوة لما يقبل نصفها و ثلثها و ربعها، و ان منها لما تلف كما يلف الثواب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها، و التقريب ظاهر.
و لان الناس لم يزالوا فى ساير الاعصار و الامصار، يدعون الله تعالى بقبول اعمالهم بعد الفراغ منها، و لو اتحد القبول و الاجزاء لم يحسن هذا الدعاء الا قبل الفعل كما لا يخفى، فهذه وجوه خمسة تدل على انفكاك الاجزاء عن القبول.
ثم قال طاب رمسه: و قد يجاب عن الاول بان التقوى على مراتب اولها التبرء عن الشرك، و عليه قوله تعالى: (وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ اَلتَّقْوىٰ ) قال المفسرون: هى قول لا اله الا الله.
و ثانيها التجنب عن المعاصى.
ص: 18
و ثالثها التنزه عما يشغل عن الحق جل و علا، و لعل المراد بالمتقين اصحاب المرتبة الاولى، و عبادة غير المتقين بهذا المعنى غير مجزية و سقوط القضاء لان الاسلام يجبّ ما قبلة.
و عن الثانى بان السؤال قد يكون للواقع و الغرض منه بسط الكلام مع المحبوب و عرض الافتقار لديه، كما قالوه فى قوله تعالى: (رَبَّنٰا لاٰ تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا) على بعض الوجوه.
و عن الثالث بانه تعبير بعدم القبول عن عدم الاجزاء و لعله لخلل فى الفعل.
و عن الرابع انه كناية عن نقص الثواب و فوات معظمه.
و عن الخامس بان الدعاء لزيادة الثواب و تضعيفه.
ثم قال طاب ثراه: و فى النفس من هذه الاجوبة شىء، و على ما قيل فى الجواب عن الرابع ينزل عدم قبول صلوة شارب الخمر عند غير السيد المرتضى رضى الله عنه، انتهى.
اقول قد عرفت ما هو الحق عندنا، و هذه الادله بعد ان عرفت ما استدللناه على ما ذهبنا اليه، لا تغنى من الجوع بلا ريب و شبهة.
ما اشتمل عليه خبر ابى بصير المتقدم فى ذيل التوضيح من قوله: كل سهو فى الصلوة يطرح منها غير ان الله يتم بالنوافل، قد ورد نحوه فى جملة من الاخبار، كما رواه التهذيب فى باب احكام السهو فى الزيادات فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) قال: ان العبد ليرفع له من صلوته نصفها و ثلثها و ربعها و خمسها، فما يرفع له الا ما قبل منها بقلبه، و انما امروا بالنوافل ليتم لهم بها ما نقصوا من الفريضة.
و ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن ابى بصير قال عبد الله (ع): يرفع للرجل من الصلوة ربعها او ثلثها او نصفها و اكثر بقدر ما سهى، و لكن الله
ص: 19
تعالى يتم ذلك بالنوافل.
و ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن ابى حمزة الثمالى قال: رايت على بن الحسين عليهما السلام يصلى فسقط رداؤه عن منكبه، قال: فلم يسوه حتى فرغ من صلوته، قال: سألته عن ذلك، فقال: ويحك اتدرى بين يدى من كنت ؟ ان العبد لا يقبل منه صلوة الا ما اقبل منها، فقلت جعلت فداك: هلكنا، فقال: كلا ان الله يتم ذلك بالنوافل.
و ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن أبى بصير قال: قال رجل لابى عبد الله (ع) و انا اسمع: جعلت فداك انى كثير السهو فى الصلوة، فقال: و هل يسلم منه احد؟ فقلت: ما اظن احدا اكثر سهوا منى، فقال ابو عبد الله (ع): يا ابا محمد ان العبد يرفع له ثلث صلوته و نصفها و ثلاثة ارباعها و اقل و اكثر على قدر سهوة فيها، و لكنه يتم له بالنوافل، فقال له ابو بصير: ما ارى النوافل ينبغى ان تترك على حال، فقال ابو عبد الله (ع): اجل لا.
قال الشارح الفاضل فى شرح الرسالة النفلية عند ذكر مصنفها بعض(1)الاخبار المشار اليها ما صورته: و اعلم ان ظاهر الخبر يقتضى ان النوافل تكمل ما فات من الفريضة بسبب ترك الاقبال بها و ان لم يقبل بالنوافل، بل متى كانت صحيحة، اذ لو لا ذلك لاحتاجت النوافل حينئذ الى مكمل آخر و يتسلسل، و يبقى حينئذ حكم النافله التى لم تقبل بها عدم قبولها فى نفسها، و عدم ترتب اصل الثواب او كثيرها عليها، و ان حصل بصحيحها جبر الفريضة، مع الثواب الجزيل عليها، و لو اقبل بها تضاعف الثواب و يتم القرب و الزلفى، انتهى كلامه.
اقول روى المحقق المجلسى طاب ثراه فى البحار فى البحار فى باب علل الصلوة عن العلل و العيون عن عبد الواحد بن عبدوس عن على بن محمد بن قتيبة فى علل
ص: 20
فضل بن شاذان عن الرضا (ع) قال: فان قال: فلم جعل أصل الصلوة ركعتين ؟ و لم زيد على بعضها ركعة، و على بعضها ركعتان ؟ و لم يزد على بعضها شىء، قيل: لان اصل الصلوة انما هى ركعة واحدة لان اصل العدد واحد فاذا انقصت من واحد فليست هى صلوة، فعلم عز و جل ان العباد لا يؤدون تلك الركعة الواحدة التى لا صلوة اقل منها بكمالها و تمامها و الاقبال، عليها فقرن اليها ركعة ليتم بالثانية ما نقص من الاولى، ففرض الله عز و جل اصل الصلوة ركعتين، ثم علم رسول الله (ص) ان العباد لا يؤدون هاتين الركعتين بتمام ما امر و انه كماله، فضم الى الظهر و العصر و العشاء الآخرة ركعتين ركعتين ليكون فيها تمام الركعتين الاوليين، علم ان صلوة المغرب يكون شغل الناس فى وقتها اكثر للانصراف الى الاوطان(1) و الاكل و الوضوء و التهيئة للبيت، فزاد فيها ركعة واحدة ليكون اخف عليهم، و لان تصير ركعات الصلوة فى اليوم و الليلة فردا، ثم ترك الغداة على حالها لان الاشتغال فى وقتها اكثر و المبادرة الى الحوائج فيهما اعم، و لان القلوب فيها اخلا من الفكر لقلة معاملات الناس بالليل، و لقلة الاخذ و الاعطاء، فالانسان فيها اقبل على صلوته منه فى غيرها من الصلوات، لان الفكر قد تقدم العمل من الليل.
قال بعض الأجلاء بعد نقل ما تقدم نقله عن الشارح الفاضل ما صورته: و عندى أنه محل نظر، نشأ عن الغفلة و عدم التأمل فى الاخبار الواردة فى المقام، و ذلك فان الظاهر منها ان ذلك انما هو على جهة التوسعة للمكلف لو اخل بالاقبال فى صلوته، فانه يمكن تدارك ذلك بالنوافل، و المستفاد من الاخبار باعتبار ضم بعضها الى بعض، ان لهذا التدارك مراتب اولها ان يتدارك ما سها به فى الركعة الاولى و اخل به من الاقبال فيها كلا او بعضا فى الركعة الثانية، و ان فاته ذلك فانه يتدارك فى الركعتين الاخيرتين، و ان فاته ذلك فانه يتدارك ذلك بالاقبال على النوافل، يدلك على ما ذكرناه ما رواه الصدوق فى كتابى العلل و العيون فى حديث علل
ص: 21
الفضل بن شاذان المروية عن الرضا (ع) حيث قال: انما جعل اصل الصلوة ركعتين و زيد على بعضها ركعة و على بعضها ركعتين، ثم ذكر الخبر الذى تقدم نقله عن البحار، و قال: و الاخبار بضم الركعات الزائدة على الثنتين الاوليين لذلك غير هذا الخبر كثيرة، و انت اذا ضممت هذه الاخبار الى اخبار هذا المقام وجدت الحاصل منها ما ذكرناه من ارادة التوسعة على العباد فى تدارك ما يحصل منهم من السهو و الغفلة، و حينئذ فاذا اهملوا التدارك فى جميع هذه المراتب فقد قصروا فى حق انفسهم، و صاروا حقيقين بالرد و عدم القبول، اذ لا اعظم من هذه التوسعة، لان المراد ما توهمه - قدس سره - من ترتب التكميل على كل نقص فى العبادات، فكل ناقص منها يحتاج الى مكمل فيلزم التسلسل لو لم يلزم ما ذكره، ثم انه لا يخفى ان الغرض من التكميل، انما هو متى كانت الفريضة كلا او بعضا لم يقبل عليها، فانه لا يثاب عليها على الاول و يثاب على ما اقبل عليه منها على الثانى، و التكميل انما يحصل بشىء فيه ثواب يسد هذا النقص فى جميع الفريضة او بعضها، و النصوص قد دلت على ان ما لا يقبل عليه من العبادة فريضة او نافلة و لا ثواب عليه، و بذلك قد اعترف ايضا - قدس سره - فى كلامه المذكور فكيف يعقل من النافلة التى لم يقبل فيها و لا قبول لها ان تكون مكمّلة للفريضة، فانه لا ثواب عليها على هذا التقدير ليكمل به ناقص الفريضة، و لا يعقل للتكمل معنى غير ما ذكرناه، صحيحة زرارة و قوله فيها: و ان افسدها كلها يعنى الفريضة و النافلة بعدم الاقبال فيهما لم يقبل منه شىء منها و لم تحسب له فريضة و لا نافله الحديث، و بالجملة فكلام شيخنا المذكور - نور الله ضريحة - لا يخلو من الغفلة عن ملاحظة الادلة فى المقام، انتهى كلامه.
اقول لا ريب و لا شك فى ان كل عاقل غير غافل و لا ذاهل اذا جعل عقله المستقيم حاكما، يفهم من الاخبار المشار اليها خصوصا روايتا ابى بصير و ابى حمزة، ما فهمه الشارح الفاضل طاب مضجعه.
ص: 22
و الذى صار منشأ لاعتراض ذلك الفاضل على ما فهمه الشارح الفاضل بما عرفته، هو رواية الفضل المتقدمة و هى مع كون النافلة غير مذكورة فيها لا تغنى من جوع، لان تلك العلل الواردة فى امثال هذه الاخبار ليست علل مستقلة، بل نكات واردة كما لا يخفى على(1) المتتبع، بل يظهر ذلك من تلك الرواية ايضا و يرشدك الى ما قلناه، ما رواه المجلسى طاب ثراه فى البحار فى باب علل الصلوة عن العلل عن احمد بن محمد بن العطار عن ابيه عن ابى محمد العلوى الذى باسناده رفع الحديث الى الصادق (ع) قال قلت له: لم صارت المغرب ثلاث ركعات و اربعا بعدها ليس فيها تقصير فى حضر و لا سفر؟ فقال: ان الله عزّ و جلّ انزل على نبيه صلى الله عليه و آله لكل صلوة ركعتين فى الحضر، فاضاف اليها رسول الله (ص) لكل صلوة ركعتين فى الحضر و قصر فيها فى السفر، الا المغرب بلغه مولد فاطمه (ع) فاضاف اليها ركعه شكر لله عز و جل، فلما ان ولد الحسن (ع) اضاف اليها ركعتين شكر الله عز و جل، فلما ان ولد الحسين (ع) اضاف اليها ركعتين شكر الله عزّ و جلّ ، فيقال:
للذكر مثل حظ الانثيين، فتركها على حالها فى الحضر و السفر.
و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن العلل عن على بن حاتم عن القاسم بن محمد عن حمدان بن الحسين عن الحسين بن الوليد عن عبد الله بن حماد عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع)، قال قلت: لاى علة اوجب رسول الله (ص) صلوة الزوال ثمان قبل الظهر و ثمان قبل العصر؟ و لاى عله رغب فى وضوء المغرب كل الرغبة ؟ و لاى علة اوجب الاربع الركعات من بعد المغرب ؟ و لاى علة كان يصلى صلوة الليل فى آخر الليل و لا يصلى فى اول الليل ؟ قال:
لتأكيد الفرائض لان الناس لو لم يكن الاّ أربع ركعات الظهر لكانوا مستخفين بها حتى كاد يفوتهم الوقت، فلما كان شيئا غير الفريضة اسرعوا الى ذلك
ص: 23
لكثرته، و كذلك التى من قبل العصر ليسرعوا الى ذلك لكثرته، و ذلك لانهم يقولون: ان سوّفنا و نريد ان نصلى الزوال، يفوتنا الوقت، و كذلك الوضوء فى المغرب يقولون حتى نتوضأ يفوتنا الوقت فيسرعوا الى القيام، و كذلك الاربع ركعات التى من بعد المغرب، و كذلك صلوة الليل ليسرعوا الى القيام الى صلوة الفجر، فلتلك العلة وجب هذا هكذا.
فتدبر فى المقام، مع انا لو بنينا على ما ذكره يلزم صلوة من يغفل عما يقول فيما عدا الركعة الاولى، و كان فى الركعة الاولى مقبلا على الله سبحانه مقبوله تامة، و هو خلاف ظاهر الاخبار المعتبرة الكثيرة بل صريحها، ثم ان ما ذكره فى ذيل «ثم لا يخفى» فاسد من وجوه:
اما اولا فلان قوله: و التكميل انما يحصل بشىء فيه ثواب يسد هذا النقص فى جميع الفريضة او بعضها، غير وجيه لانه لم لا يجوز ان لا يكون للشىء فى نفسه ثواب ؟ و لكن اذا انضم الى شىء جعل مكملا له، فتنبه جدا.
و اما ثانيا فلان النصوص الدالة على ان ما لا يقبل عليه من العبادة ليست بمقبولة، لا يكون المراد منها عدم القبول مطلقا المراد عدم القبول الكامل، لما بينا سابقا و اقمنا عليه الادلة، فيكون لتلك العبادة ثواب فى الجملة.
و العجب من ذلك الفاضل الباحث انه بعد اعتراضه هذا باسطر يصرح بذلك، فكيف غفل عنه هنا مع ان المتبادر من تلك النصوص لعله هو الفريضة، فالنافلة غير داخلة، و مع ذلك يمكن ان يقال: ان الاخبار النافية للقبول بقول مطلق، انما هو اذا لم يقبل على العمل مطلقا و المصلى عند التكبيرة مقبل عليه سبحانه فعمله مقبول بقدر اقباله كما دل عليه الخبر بل الاخبار، فهو مثاب فى عمله فى الجملة، فيصح ان تكون النافلة المفروضة مكملة للفريضة المزبورة.
هذا مضافا الى ان العقل يابى ان يقول بان النافلة صحيحة و مع ذلك لان معنى المستحب هو ما يثاب على فعله و لا يعاقب على تركه، فعلى هذا لو فرضنا شمول النصوص المشار اليها للنافلة ايضا لوجب التخصيص، فافهم.
ص: 24
و اما ثالثا فلانه لا يظهر من كلام الشارح الفاضل الاعتراف بما ذكره لانه بين العبارة التى صارت منشا لهذا التوهم على سبيل الترديد، على الشارح الفاضل ان التسلسل الذى ادعاه، وجهه غير ظاهر و ان كان وجهه خفى، و لكن فيه ايضا خدشة ظاهرة فافهم.
و بالجملة الذى يظهر لى بعد امعان النظر و الفكر فى الاخبار المذكورة، هو ان المعنى الذى ذكره الشارح الفاضل هو المستفاد من الاخبار الكثيرة، و اما رواية الفضل المتقدمة فهى لذلك غير منافية، اما لعدم ذكر النافلة فيها، او لان المستفاد منها هو بيان ان حضور القلب فى الركعة الاولى مما لا بد منه، و مع فقده لا بد ان يتدارك فى باقى الركعات على النحو المذكور فى الرواية، و هذا المعنى لا ينافى ما يستفاد من الاخبار الماضية، لانه يظهر منها و ممّا ضاهاها ان حضور القلب فى كل الركعات مطلوب للشارع، و الحاصل انه يظهر بعد ضم الاخبار بعضها الى بعض ان حضور القلب كما هو مطلوب فى الركعة الاولى كما يستفاد من رواية الفضل، فهو مطلوب فى ساير الركعات ايضا، ولكن طلب الشارع بالنسبة الى الاول اتم و اهم.
فلنرجع الى ما كنا فيه فنقول: و منها ما رواه فى البحار فى باب فضل الصلوة عن الخصال عن محمد بن جعفر بن بندار عن ابى العباس الحمادى عن صالح بن محمد عن على بن الجعد عن سلام بن المنذر عن ثابت النباطى عن انس عن النبى (ص) قال: حبّب الى من الدنيا ثلاث: النساء و الطيب و جعلت قرة عينى فى الصلوة.
و روى ايضا فى الباب المتقدم منه عن الحسن بن على بن محمد العطار عن محمد بن احمد بن مصعب عن احمد بن محمد بن غالب عن تيار(1) مولى انس عن النبى (ص) قال: حبّب الىّ من دنياكم النساء و الطيب و جعل قرة
ص: 25
عينى فى الصلوة.
قال فى البحار بعد نقلهما: قال الصدوق رحمه الله: ان الملحدين يتعلقون بهذا الخبر، يقولون ان النبى (ص) قال حبّب الى من دنياكم النساء و الطيب و اراد ان يقول الثالث فندم و قال و جعل قرة عينى فى الصلوة، و كذبوا لانه (ص) لم يكن مراده بهذا الخبر الا الصلوة وحدها، لانه قال عليه الصلوة و السلام ركعتين يصليهما(1) المتزوج افضل عند الله من سبعين ركعة يصليها غير متزوج، و انما حبّب اليه النساء لاجل الصلوة، و هكذا قال ركعتين يصليها متعطر افضل من سبعين ركعة يصليها غير متعطر، و انما حبّب اليه الطيب ايضا لاجل الصلوة، ثم قال (ع): و جعل قرة عينى فى الصلوة لان الرجل لو تطيب و تزوج ثم لم يصل لم يكن له فى التزويج فضل و لا ثواب.
اقول ما ذكره رحمه الله جيد متين، لكنه انما يستقيم على رواية ليس فيها ثلاث، و اما على رواية ذكر فيها الثلاث فلا يستقيم ما ذكره - قدس سره - و ليت شعرى اى الحاد فيما ذكروه! و لعله نسب اليهم الالحاد من جهة اخرى علمها منهم، و انما ارتكبوا هذا فى رواية ليس فيها لفظ الثلاث ايضا، لان الصلوة ليست من امور الدنيا بل من امور الآخره و افضلها، و لو كان المراد ما يقع فى الدنيا فلا وجه ظاهر التخصيص تلك الامور بالذكر، و يمكن ان يقال: المراد به مما يقع فى الدنيا مطلقا، و الغرض بيان ان الاولين من اللذات الدنيوية اهم و افضل من سايرها، و الاخير من العبادات الدينية اهم من سائرها، و الحاصل انى احب من اللذات هذين، و من العبادات هذا.
و يحتمل وجها اخر بان يقال: قرة العين فى الصلوة ايضا من اللذات
ص: 26
التى يحصل للمقربين فى الدنيا و ان كانت الصلوة من الاعمال الاخروية، فان التذاذ المقربين بالصلوة و المناجاة أشهى عندهم من جميع اللذات، فلذا عده صلى الله عليه و آله من لذات الدنيا، بل يمكن ان يقال: انما عده (ص) فى تلك الامور اشعارا بان التذاذه (ص) بالنساء و الطيب ايضا من تلك الجهة، اى لان الله تعالى رضيهما و اختارهما، لا للشهوة النفسانية، و قد مر و سياتى تحقيق منا يقتضى ان التذاذهم عليهم السلام بنعيم الجنة ايضا من تلك الجهة، و لو كان النار و العياذ بالله دار الاخيار و مرضيا للعزير الجبار لكانوا طالبين لها: فلذاتهم فى الدارين مقصورة على ما اختاره لهم مولاهم، و لا يذعن بهذا الكلام حق الاذعان الا من سعد بالوصول الى مقامات المحبين، رزقنا الله نيل ذلك و ساير المؤمنين. ثم اعلم ان القربا لضم ضد الحر، و العرب تزعم ان دمع الباكى من شدة السرور بارد، و من الحزن حارّ، فقرة العين كناية عن السرور و الظفر بالمطلوب، يقال: قرت عينه تقرّ بالكسر و الفتح قرة بالفتح و الضم.
و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب فرض الصلوة عن مسعدة بن صدقة انه قال: سئل ابو عبد الله (ع): ما بال الزانى لا نسميه(1) كافرا؟ و تارك الصلوة نسميه(2) كافرا، و ما الحجة فى ذلك ؟ فقال: لان الزانى و ما اشبه انما يفعل ذلك لمكان الشهوة و انها(3) تغلبه، و تارك الصلوة لا يتركها الا استخفافا بها، و ذلك لانك لا تجد الزانى ياتى بالمراة الا و هو مستلذ لإتيانه اياها قاصدا اليها، و كل من ترك الصلوة قاصد التركها فليس يكون قصده لتركها اللذة، فاذا نفيت اللذة(4) وقع الاستخفاف، و اذا وقع الاستخفاف وقع الكفر.
ص: 27
و رواه فى البحار فى باب فضل الصلوة عن قرب الاسناد عن هرون بن مسلم عن مسعدة بن صدقه بادنى تغيير فى المتن.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن قرب الاسناد بالإسناد المتقدم عن ابن صدقه قال: قيل لابى عبد الله (ع): ما فرق بين من نظر الى امراة فزنى بها او خمرا فشربها؟ و بين من ترك الصلوة ؟ حيث لا يكون الزانى و شارب الخمر مستخفا كما استخف تارك الصلوة، و ما الحجة فى ذلك ؟ و ما العلة التى تفرق بينهما؟ قال: الحجة ان كل ما انحلت نفسك فيه و لم يدعك اليه داع و لم يغلبك عليه غالب شهوة مثل الزنا و شرب الخمر، فانت دعوت نفسك الى ترك الصلوة و ليس ثم شهوة فهو الاستخفاف بعينه، و هذا فرق ما بينهما.
و روى ايضا عن العلل عن ابيه عن هرون مثل الخبرين معا و روى ايضا فى الباب المتقدم عن ثواب الاعمال عن محمد بن موسى بن المتوكل عن عبد الله بن جعفر الحميرى عن محمد بن الحسين بن ابى الخطاب عن الحسن بن محبوب عن جميل بن صالح عن بريد عن ابى جعفر (ع) قال: قال رسول الله (ص): ما بين المسلم و بين ان يكفر الا ان يترك الصلوة الفريضة متعمدا، و تهاون بها فلا يصليها.
و روى ايضا عن المحاسن عن محمد بن على بن محبوب مثله.
و روى ايضا عن ثواب الاعمال عن محمد بن على ما جيلوية عن على بن ابراهيم عن ابيه عن عبد الله بن ميمون عن ابى عبد الله (ع) عن جابر قال: قال رسول الله (ص): ما بين الكفر و الايمان الا ترك الصلوة.
قال فى البحار بعد نقل خبر بريد: لعل المعنى ان الانسان يكفر بشىء يسير كترك الصلوة، اى ليس بين الاسلام و الكفر فاصلة كثيرة يلزم تحقق امور كثيرة حتى يكفر، بل يحصل بترك الصلوة ايضا، او المعنى ان المرتبة المتوسطة بين الايمان و الكفر ترك الصلوة اى تارك الصلوة ليس بمؤمن لاشتراط الاعمال
ص: 28
فيه، و لا كافر يستحق القتل و الخلود بل، هو فى درجة متوسطة، و على التقديرين لعل ذكر الصلوة على المثال، و الاحتمالان جاريان فى الخبر الاتى اى خبر عبد الله المتقدم، و يويد الثانى ما رواه فى الكافى فى الصحيح عن ابن سنان قال سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يرتكب الكبيرة من الكباير فيموت، هل يخرجه ذلك من الاسلام ؟ و ان عذب كان عذابه كعذاب المشركين ام له مدة و انقطاع ؟ فقال: من ارتكب من الكباير فزعم انها حلال اخرجه ذلك من الاسلام و عذب اشد العذاب، و ان كان معترفا انه اذنب و مات عليه اخرجه من الايمان و لم يخرجه من الاسلام و كان عذابه اهون من عذاب(1) الاول.
و قال ايضا بعد رواية قرب الاسناد الثانية اعلم ان تارك الصلوة مستحلا كافرا اجماعا كما ذكره فى المنتهى، ثم قال: و لو تركها معتقدا لوجوبها لم يكفرو ان استحق القتل بعد ترك ثلاث صلوات و التعزير فيهن، و قال احمد فى رواية:
يقتل لاحدا بل لكفره، ثم قال: و لا يقتل عندنا فى اول مرة و لا اذا ترك الصلوة و لم يعزر، و انما يجب القتل اذا تركها مرة فعزر، ثم تركها ثانية فعزر، ثم تركها ثالثة فعزر، فاذا تركها رابعة فانه يقتل و ان تاب، و قال بعض الجمهور يقتل باول مرة، انتهى.
و حمل تلك الاخبار على الاستحلال بعيد، اذ لا فرق حينئذ بين ترك الصلوة و فعل الزنا، بل الظاهر انه محمول على احد معانى الكفر التى مضت فى كتاب الايمان و الكفر، و هو مقابل للايمان الذى يطلق على يقين لا يصدر معه عن المؤمن ترك الفرائض و فعل الكباير بدون داع قوى، و هذا الكفر لا يترتب عليه وجوب القتل و لا النجاسة و لا استحقاق خلود النار، بل استحقاق الحد و التعزير فى الدنيا و العقوبة الشديدة فى الآخرة و قد يطلق على فعل مطلق
ص: 29
الكباير و ترك مطلق الفرايض، و على هذا المعنى لا فرق بين ترك الصلوة و فعل الزنا.
قوله: ان ما ادخلت الظاهر ان خبران مقدر بقرينة ما بعده و ما قبله، او قوله فهو الاستخفاف(1) خبره، و قوله: و انت دعوت معترض بين الاسم و الخبر قال بعض(2) الفضلاء فى رواية مسعدة بن صدقة المروية فى الفقيه المتقدمة ما صورته: يدل ظاهرا على ان تارك الصلوة كافر و ان لم يكن مستحلا، اذ لو اعتبرا لاستحلال لا يبقى بين ترك الصلوة و فعل الزنا مع الاستحلال فرق، و قال بعض الاجلاء بعد ان نقل بعض الروايات المتقدمة ما صورته، المفهوم من كلام الاصحاب رضى الله عنهم حمل الكفر هنا على غير المعنى المشهور المتبادر منه، و ذلك فان الكفر فى الاخبار اطلاقات عديدة احدها كفر الجحود، و هذا مما لا خلاف فى ايجابه للقتل و ثبوت الارتداد به فى الدين، و ثانيها كفر النعمة و عدم الشكر عليها، و منه فقوله عز و جل حكاية عن سليمان على نبينا و عليه السلام: (لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ )، و قوله تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ) و غيرهما من الايات، و ثالثها كفر البراءة كقوله سبحانه حكاية عن ابراهيم (ع) (كَفَرْنٰا بِكُمْ وَ بَدٰا بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدٰاوَةُ وَ اَلْبَغْضٰاءُ )، يعنى تبرئنا منكم، و قوله تعالى حكاية عن ابليس و تبريه عن اوليائه فى الآخرة: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمٰا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ). و رابعها الكفر بترك ما امر الله تعالى من كباير الفرايض و ارتكاب ما نهى عنه من كبائرا لمعاصى كترك الزكوة و الحج و الزنا، و قد استفاضت الروايات بهذا الفرد، و الكفر بهذا المعنى يقابله الايمان الذى هو عبارة عن الاقرار باللسان و الاعتقاد بالجنان و العمل بالاركان
ص: 30
و الكافر بهذا المعنى و ان اطلق عليه الكفر الا انه مسلم تجرى عليه احكام الاسلام فى الدنيا، و اما فى الآخرة فهو من المرجئين لامر الله اما يعذبهم و اما يتوب عليهم.
هذا على ما اخترناه وفاقا لجملة من متقدمى اصحابنا كالصدوق و الشيخ المفيد رحمه الله.
و اما على المشهور بين اصحابنا رحمهم الله من عدم اخذ الاعمال فى الايمان، فانه عندهم مؤمن و ان كان يعذب فى الآخرة ثم يدخل الجنة و تناله الشفاعة، و من الاخبار الصريحة فيما ذهبنا اليه ما رواه فى الوافى عن عبد الرحمن القصير قال: كتبت مع عبد الملك بن اعين الى ابى عبد الله (ع) اسئله عن الايمان، فكتب الى مع عبد الملك: سالت - رحمك الله - عن الايمان، و الايمان هو الاقرار باللسان و عقد فى القلب و عمل بالاركان، و الايمان بعضه من بعض و هو دار و الاسلام دار و الكفر دار، فقد يكون العبد مسلما قبل ان يكون مؤمنا، و لا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما، و الاسلام قبل الايمان و هو يشارك الايمان، فاذا أتى العبد كبيرة من كباير المعاصى او صغيرة من صغاير المعاصى التى نهى الله عنها، كان خارجا من الايمان ساقطا عنه اسم الايمان، فان تاب و استغفر عاد الى دار الايمان، و لا يخرجه الى الكفر الا الجحود و الاستحلال، و الاستحلال ان يقول للحلال هذا حرام و للحرام هذا حلال و دان بذلك، فعندها يكون خارجا من الايمان و الاسلام و داخلا فى الكفر، و كان بمنزله من دخل الحرم ثم دخل الكعبة، و احدث فى الكعبة حدثا و اخرج من الكعبه و الحرم فضربت عنقه و صار الى النار.
و اصرح من ذلك دلالة على ان مرتكب الكباير انما يخرج من الايمان الى الاسلام دون ان يكون كافرا بالمعنى المتبادر، صحيحة ابن سنان قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يرتكب الكبيرة الى ما تقدم فى نقل كلام البحار.
اقول حمل الكفر على المعنى المتبادر منه قوى بحسب الدليل. و ظاهر كلام صاحب الوسايل طاب ثراه اليه يميل، حيث قال: باب ثبوت الكفر و الارتداد
ص: 31
بترك الصلوة الواجبة جحودا لها و استخفافا، و فى الهداية للصدوق على ما حكى: الدعائم التى بنى عليها الاسلام ست: الصلوة و الزكوة و الصوم و الحج و الجهاد و الولاية و هى افضلهن، و من ترك واحدة من هذا الخمس عمدا متعمدا فهو كافر، لان الاخبار المتقدمة و غيرها من الاخبار الداله على كفر تارك الصلوة لذلك كفيل، و لكن فيه ان شريعة محمد (ص) سهلة سمحة و بعث (ص) عليها بلا ريب و شبهه، كما دل عليه الاجماع و الكتاب و السنة، و انا لو بنينا على ان تارك الصلوة كافر بالمعنى المتبادر لكان ذلك منافيا لها بلا ريبة، لان الصلوة الصحيحة فى غاية الندرة و لا فرق بين من صلى صلوة باطله و بين من تركها بالكلية فتدبر.
هذا مضافا الى ان التارك لها ليس بكافر حقيقى باجماع الشيعة، على الظاهر المصرح به فى بعض(1) العبائر، و يؤيده ان تارك الصلوة لو كان كافرا بالمعنى المتبادر لاشتهر، لانه من الامور العامة البلوى، و التالى بالمبسوط بالبديهة، مع انا نرى العلماء قديما و حديثا فى الاعصار و الامصار انهم لا يعاملون مع التاركين(2) للصلوة معاملة المشركين و ساير الكفار، فليقل: ان المراد بالاخبار المذكورة هو المبالغة فى حق الصلوة و ان مرتبتها فوق مرتبة ساير الطاعات، روى المحقق المجلسى - طاب مضجعه - فى البحار فى باب فضل الصلوة عن المحاسن عن ابيه عن ابن بكير عن عبيد بن زرارة قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن قول الله عز و جل: (وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ )، قال:
ترك الصلوة(3) الذى اقربه، قلت: فما موضع ترك العمل حتى يدعه اجمع ؟ قال: منه الذى يدع الصلوة متعمد الا من سكر و لا من علة.
ص: 32
رواه فى الكافى فى الموثق ايضا و بسند آخر ايضا الى قوله: من ذلك ان يترك الصلوة من غير سقم و لا شغل.
و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب فرض الصلوة فى الصحيح عن زرارة بن اعين قال: قلت لأبى جعفر (ع):(1) اخبرنى عما فرض الله تعالى عن الصلوة،(2) فقال: خمس صلوات فى الليل و النهار قلت(3) له:
هل سما هن الله و بينهن فى كتابه ؟ فقال: نعم قال الله عز و جل لنبيه (ص):
(أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ ) و دلوكها زوالها، ففى ما بين دلوك الشمس الى غسق الليل اربع صلوات سماهن الله و بينهن و وقتهن، و غسق الليل انتصافه، ثم قال: (وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً) فهذه الخامسة، و قال فى ذلك: (أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ طَرَفَيِ اَلنَّهٰارِ)، و طرفاه المغرب و الغداة، و زلفا من الليل و هى صلوة العشاء الآخرة، و قال: (حٰافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوٰاتِ وَ اَلصَّلاٰةِ اَلْوُسْطىٰ )، و هى صلوة الظهر و هى اول صلوة صلاها رسول الله (ص)، و هى وسط صلوتين بالنهار صلوة الغداة و صلوة العصر، و قال فى بعض القراءة حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى صلوة العصر و قوموا لله قانتين فى الصلوة الوسطى، و قيل(4) انزلت هذه الآية يوم الجمعة و رسول الله (ص) فى سفر فقنت فيها و تركها على حالها فى السفر و الحضر، و اضاف للمقيم ركعتين و انما وضعت الركعتان اللتان اضافهما النبى (ص) يوم الجمعة للمقيم لمكان الخطبتين مع الامام، فمن صلى يوم الجمعة فى غير جماعة فليصلهما اربعا كصلوة الظهر فى ساير الايام.
و هذا الخبر مروى فى الكافى ايضا فى باب فرض الصلوة.
و فى التهذيب فى باب فضل الصلوة بتغيير ما سيجىء اليه الاشارة.
ص: 33
روى المحقق المجلسى طاب ثراه فى كتاب البحار فى باب انواع الصلوة عن العلل عن ابيه عن سعد بن عبد الله (ع) عن احمد بن محمد بن على بن حديد و ابن ابى نجران معا، عن حماد عن حريز عن زرارة قال: سئل ابو عبد الله (ع) عما فرض الله عز و جل من الصلوة، و ساق الحديث مثل ما مر الى قوله: و هى وسط صلوتين بالنهار صلوة الغداة و صلوة العصر، و قال فى بعض القراءة حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى و صلوة العصر و قوموا لله قانتين فى صلوة العصر، قال: و انزلت هذه الآية يوم الجمعة و رسول الله (ص) فى سفر فقنت فيها و تركها على حالها و اضاف للمقيم ركعتين، و انما وضعت الركعتان اللتان اضافهما رسول الله يوم الجمعة لمكان الخطبتين، فمن صلاها وحده فليصلها اربعا كصلوة الظهر فى ساير الايام، قال: و وقت العصر يوم الجمعة فى وقت الظهر فى ساير الايام.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن معانى الاخبار عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن احمد بن محمد بن عيسى عن عبد الرحمن بن ابى نجران و الحسين بن سعيد معا عن حماد عن حريز عن زرارة قال: سالت ابا عبد الله (ع) عما فرض الله جل جلاله من الصلوة ؟ فقال: خمس صلوات فى الليل و النهار، و ساق الحديث مثل ما مر الى قوله: و هى وسط صلوتين بالنهار صلوة الغداة و صلوة العصر، و قوموا لله قانتين فى صلوة الوسطى.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن دعائم الاسلام عنه (ع) مثله، الا انه قال: و الصلوة الوسطى و هى صلوة الجمعة، و الظهر فى ساير الايام.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن تفسير على بن ابراهيم عن أبيه عن النظر بن سويد عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع)، انه قرأ حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى و صلوة العصر و قوموا لله قانتين، قال: اقبال الرجل على صلوته و مخالفته(1) حتى لا يلهيه و لا يشغله عنها شىء.
ص: 34
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن معانى الاخبار عن على بن عبد الله الوراق و على بن محمد بن الحسن المعروف بابن مقبرة القزوينى معا عن سعد بن عبد الله بن ابى خلف عن سعد بن داود عن مالك بن انس عن زيد بن اسلم عن القعقاع بن حكيم عن ابى يونس مولى عايشة زوجة النبى (ع) قال:
امرتنى عايشه ان اكتب لها مصحفا و قالت: اذا بلغت هذه الآية فاكتب حافظوا على الصلوات الوسطى و صلوة العصر و قوموا لله قانتين، ثم قالت عايشة:
سمعتها و الله من رسول الله (ص).
و روى ايضا بالاسناد المتقدم عن سعد بن داود عن احمد بن الصباح عن محمد بن عاصم عن الفضل بن ركين عن هشام بن سعد عن زيد بن اسلم عن ابى يونس قال كتبت لعايشه مصحفا فقال: اذا مررت بآية الصلوة فلا تكتبها حتى امليها عليك، فلما مررت بها املتها على حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى و صلوة العصر.
و روى ايضا فى الباب المتقدم منه بالاسناد المتقدم عن سعد بن داود عن ابى زهر عن مالك بن انس عن زيد بن اسلم عن عمرو بن نافع قال: كنت اكتب مصحفا لحفصة زوجة النبى (ص)، فقالت: اذا بلغت هذه الآية فاكتب:
حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى صلوة العصر.
قال الصدوق رحمه الله هذه الاخبار حجة لنا على المخالفين، و صلوة الوسطى صلوة الظهر.
و روى فى الباب المتقدم منه عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن ابن ابى عمير عن ابى المعزا عن ابى بصير قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: صلوة الوسطى صلوة الظهر، و هى اول صلوة انزل الله على نبيّه (ص).
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن مجمع البيان عن على (ع) قال:
الصلوة الوسطى صلوة الجمعة يوم الجمعة، و الظهر ساير الايام.
ص: 35
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن تفسير العياشى عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) قال قلت له: الصلوة الوسطى ؟ فقال: حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى و صلوة العصر و قوموا لله قانتين، و الوسطى هى الظهر، و كذلك كان يقرؤها رسول الله (ص).
و روى ايضا فى الباب المتقدم منه عن زرارة و محمد بن مسلم انهما سألا ابا جعفر (ع) عن قول الله حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى، قال: صلوة الظهر و فيها فرض الله الجمعة.
و روى ايضا منه عن ابن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: الصلوة الوسطى الظهر.
و روى ايضا فى الباب المتقدم منه عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (ع) قال: صلوة الوسطى هى الوسطى من صلوة النهار و هى الظهر، و انما يحافظ اصحابنا على الزوال من اجلها.
و نقل طاب ثراه فى الباب المتقدم عن فلاح السائل انه قال: الذى تعتقد انه اقرب الى الصحة و الصواب ان اول صلوة فرضت على العباد صلوة الظهر، و انها هى الصلوة الوسطى و كانت ركعتين، و الأخبار فى انها اول صلوة فرضت و انها كانت ركعتين كثيرة فلا حاجة الى ذكره لظهورها عند القدوتين من المصطفين و اما انها الوسطى فاننى رويت من كتاب عمر بن اذينه فيما رواه عن زرارة و محمد بن مسلم قالا سمعنا ابا جعفر (ع) و سألا عن قول الله: (حٰافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوٰاتِ وَ اَلصَّلاٰةِ اَلْوُسْطىٰ )، فقال:
هى صلوة الظهر و فيها فرض الله الجمعة، و فيها الساعة التى لا يسئل الله فيها عبد مسلم خيرا الا اعطاه اياها، و رويت عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) قال: كتب لإمرأة الحسن بن على مصحفا فقال: الحسن للكاتب لما بلغ هذه الآية حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و صلوة العصر و قوموا لله قانتين، و رويت من كتاب ابراهيم الخراز عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى و صلاة العصر و قوموا لله قانتين، رواه ايضا الحاكم
ص: 36
النيسابورى من الجزء الثانى من تاريخ نيسابور من طريقتهم فى ترجمه احمد بن يوسف السلمى باسناده الى ابن عمر قال: امرت حفصه بنت عمران يكتب لها مصحف، فقالت للكاتب: اذا اتيت على آية الصلوة فارنى حتى امرك ان تكتبه كما سمعته من رسول الله (ص) فلما اذنها(1) امرته ان يكتب: حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى و صلوة العصر.
و روى ابو جعفر بن بابويه فى كتاب معانى الاخبار فى باب معنى الصلوة الوسطى مثل هذا الحديث عن عايشه، و ذكر عبد الله بن سليمان الاشعث السجستانى فى الجزء الاول من كتاب جمع المصاحف، ستة احاديث ان ذلك كان فى مصحفها، و ثمانى احاديث انه كان كذلك فى مصحف حفصه، و روى حديثين ان ذلك كان كذلك فى مصحف ام سلمه.
قال فى البحار: و ذكر الشيخ المعظم محمد بن على الكراجكى فى رسالته الى ولده فى فضل صلوة الظهر من يوم الجمعة، ما هذا لفظه: لصلوة الظهر يا بنى من هذا اليوم شرف عظيم، و هى اول صلوة فرضت على سيدنا رسول الله (ص)، و روى انها الصلوة الوسطى التى ميزها الله تعالى فى الامر بالمحافظة على الصلوات، فقال: جل من قائل: (حٰافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوٰاتِ وَ اَلصَّلاٰةِ اَلْوُسْطىٰ ) و روى الكراجكى ما قدمناه من حديث زرارة و محمد بن مسلم.
اقول: و وجدت فى كتاب من الاصول عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: صلوة الوسطى صلوة انزلها الله على نبيه (ع)، و رايت فى كتاب تفسير القرآن عن الصادقين عليهما السلام من نسخة عتيقة مليحة عندنا الان، اربعة احاديث بعدة طرق عن الباقر و الصادق (ع): ان الصلوة الوسطى صلوة الظهر، و ان رسول الله (ص) كان قرا حافظوا على الصلوة و الصلوات الوسطى و صلوة العصر. و فيه حديثان آخران بعد ذكر احاديث قلت انا: و ذهب ابو جعفر محمد بن بابويه فى كتاب معانى الاخبار الى ان الصلوة الوسطى صلوة الظهر، و اورد فى ذلك اخبارا من الطريقين، و روى ايضا فى كتاب مدينة
ص: 37
العلم عن ابى عبد الله (ع) ان الصلوة الوسطى صلوة الظهر و هى اول صلوة فرضها الله على نبيه (ص)، انتهى كلام البحار.
روى الصدوق فى الفقيه فى باب علّه وجوب خمس صلوات فى خمس مواقيت عن الحسن بن على بن ابى طالب (ع) انه قال: جاء نفر من اليهود الى رسول الله (ص) فسأله اعلمهم عن مسائل، فكان مما سأله انه قال: اخبرنى عن الله عز و جل لاى شىء فرض عز و جل هذه الخمس الصلوات، فى خمس مواقيت على امتك فى ساعات الليل و النهار؟ فقال: النبى (ص): ان الشمس عند الزوال لها حلقة تدخل فيها فاذا دخلت فيها زالت الشمس، فسبح كل شىء دون العرش بحمد ربى عز و جل و هى الساعة التى يصلى علّى فيها ربى جل جلاله، فرض الله على و على امتى فيها الصلوة، و قال: اقم الصلوة لدلوك الشمس الى غسق الليل و هى الساعة التى فيها يؤتى بجهنم يوم القيمة، فما من مؤمن يوافق تلك الساعة ان يكون ساجدا او راكعا او قائما الا حرم الله جسده على النار، و اما الصلوة العصر فهى الساعة التى اكل آدم (ع) فيها من الشجرة فاخرجه الله عز و جل من الجنة، فأمر الله عز و جل ذريته بهذه الصلوة الى يوم القيمة، و اختارها لامتى فهى من احب الصلوات الى الله عز و جل و اوصانى ان احفظها من بين الصلوات الخبر.
و رواه الصدوق فى مجالسه و علله مسندا كما سيجئ فى بيان اول وقت الظهر اليه الاشارة ان شاء الله مع توضيحه، و انما نقلناه هنا ايضا لفايدة ستظهر.
و روى فى البحار فى باب انواع الصلوة عن فقه الرضا (ع) قال العالم (ع) صلوة الوسطى العصر.
اختلف العلماء فى ان المراد بالصلوة الوسطى ماذا؟ و قال بكل من الفرائض الخمس قائل، الا ان اصحابنا لم يقولوا بغير الظهر و العصر، كما صرح به غير واحد من الطائفة، فقال: فى الخلاف انها الظهر و هو المشهور من
ص: 38
اصحابنا كما صرح به بعض الاجلاء، و هو المحكى عن زيد بن ثابت و عايشه و عبد الله بن شداد، و قال السيد المرتضى علم الهدى انها العصر و تبعه جماعة من اصحابنا، و هو المحكى عن ابى هريرة و ابى ايوب و ابى سعيد و عبيدة السلمانى و الحسن و الضحاك و ابى حنيفة و اصحابه و احمد.
اقول المشهور هو المنصور للاخبار الكثيرة المتقدمة و منها صحيحة زرارة المتقدمه، و للاجماع الذى حكاه فى الخلاف شيخ الطائفة المعتضدة بالشهرة قيل فى مقام التعليل لانها بين صلوتين بالنهار، و لانها فى وسط النهار.
و لانها تقع فى شدة الحر و الهاجرة(1) وقت شدة تنازع الانسان الى النوم و الراحة، فكانت اشق و افضل العبادة احمزها، و ايضا الامر بمحافظة ما كان اشق و افضل العبادة احمزها، و ايضا الامر بمحافظة ما كان اشق انسب و اهم، و لانها اول صلوة فرضت، و لانها فى الساعة التى تفتح فيها ابواب السماء فلا تغلق حتى يصلى الظهر، و يستجاب فيها الدّعاء، قيل: و لانها بين البردين صلوة الصبح و صلوة العصر، و قيل لانها بين نافلتين متساويتين، كما نقل عن ابن الجنيد انه علل به، و قيل روى الجمهور عن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله (ص) يصلى الظهر بالهاجرة، و لم يكن يصلى صلوة اشد على اصحاب رسول الله (ص) منها فنزلت آلاية، رواه ابو داود.
و روى الترمذى عن عايشه عن رسول الله (ص)، انه قرا حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى و صلوة العصر.
قال فى المنتهى: و العطف يقتضى المغايرة، لا يقال: الواو زايدة كما فى قوله تعالى: (وَ لٰكِنْ رَسُولَ اَللّٰهِ وَ خٰاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ )، لانا نقول الزيادة منافية للاصل، فلا يصار اليها الا لموجب، و المثال الذى ذكروه نمنع زيادة الواو فيه، بل هو للعطف على بابها.
ص: 39
و قال فى مجمع البيان الظهر هو المروى عن الباقر و الصادق (ع).
اقول و للمناقشة فى جملة من تلك الادلة مجال، و لكنها للتاييد صالحة، و بالجملة الادلة فى المسئلة بحمد اللّه كثيرة، و الاخبار المعنية بانها الظهر من الطريقين الموالف و المخالف مروية، قال المحقق المجلسى طاب ثراه فى البحار فى باب تحقيق منتصف الليل و منتهاه و مفتتح النهار شرعا و عرفا فى جملة كلام له ما صورته: و اما الآيات فالاولى قوله تعالى: (حٰافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوٰاتِ وَ اَلصَّلاٰةِ اَلْوُسْطىٰ )، وجه الاحتجاج بها ان الاصل فى كلام الحكيم ان يكون مفهوما مفيدا ينتفع به المخاطب، و اجمعت الطائفه المحقه على حصر الصلوة الوسطى فى صلوة الظهر و العصر، فلو اريد بها العصر لم نستفد من الآية شيئا اذ كونها وسطى بين الصلوات او بين الصلوتين مشترك بين جميعها فلا يتميز عندنا، و ان قلنا ان وجه التسمية لا يلزم اطراده، و لو قلنا بانها الظهر لكونها بين صلوتى النهار كما ورد فى الخبر يحصل لنا فائدة من الآية، و لا يكون ذلك الا بكون صلوة الفجر من صلوة النهار،؟ و بوجه آخر و هو ان المتبادر من الوسطى المتوسطة بين شيئين من جنسها، فلو لم يقيد بقيد تشترك فيها جميع الصلوات فلا بد من التقييد، اما بكونها وسطى بين صلوات الليل او صلوات النهار، او صلوات الليل و صلوات النهار، الاولى باطلة بالاجماع المتقدم، و الثانية لا تستقيم الا بكون صلوة الفجر من صلوة النهار، و كذا الثالثة لأن ما سوى العصر من محتملاتها خارجة بالاجماع، و العصر انما يتخصص بهذا الوصف اذا قلنا انها بين صلوتى ليل و صلوتى نهار.
و يمكن المناقشة فيه بوجوه اكثر مندفعة بالتأمل الصادق.
و قال ايضا فى باب انواع الصلوة بعد نقله جملة من الروايات المتقدمة ما صورته: لعل المراد بالوسطى اى العظمى كما قال تعالى: (وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)، و يمكن ان يكون لأنها بين صلوتين فى نهار واحد و انها عند وسط النهار و قد تعجبت كيف خفى تعظيم صلوة الظهر و انها هى الصلوة الوسطى
ص: 40
مع الاتفاق على انها اول صلوة فرضت، و ان الجمعة المفروضة تقع فيها، و ان الساعة المتضمنة بالاجابة فيها، و انها وقت فتح ابواب السماء، و انها وقت صلوة الاوابين، مع الرواية بان صلوة العصر معطوفة عليها غيرها، انتهى.
و للسيد المرتضى وجوه:
الاول: ما مضى نقله عن الفقه الرضوى، و فيه ان تلك الرواية غير صالحة للمعارضة لوجوه عديدة فالظاهر انها محمولة على التقية.
الثانى: رواية الحسن بن على صلوات الله و سلامه عليهما المتقدمة، و هى ايضا كسابقها، ان الامر بالمحافظة لا يستلزم ان تكون هى الوسطى المأمور بها فى الآية بل يجوز ان يكون منضمة اليها فى المحافظة، كما دلت عليه جملة من الاخبار المتقدمة، و بالجمله هى غير صالحة للمعارضة لوجوه غير مخفية على من له ادنى دربة.
الثالث: صحيحة زرارة المتقدمة المنقوله اولا، و التقريب ان صلوة العصر الواقع فى قوله (ع) و قال فى بعض القراءة حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى صلوة العصر تفسير لصلوة الوسطى، فيكون المراد منها العصر.
و فيه نظر اما اولا فلان اول تلك الصحيحة صريح فى انها الظهر و الاخذ به اولى، لاحتمال ان يكون و قال فى بعض القراءة الواقعة فى ذيل الصحيحة الى آخره من كلام الراوى، و ان كان الا ظهر انه من كلام الامام (ع) قال فى البحار: قوله و قال فى بعض القراءة الظاهر انه من كلام الامام (ع) و يحتمل ان يكون من كلام الراوى بقرينه ان الصدوق اسقطه فى معانى الاخبار، و قال بعض الاجلاء قوله فى الخبر و قال فى بعض القراءة يحتمل ان يكون من كلام الامام (ع)، و هو الاقرب، و يحتمل ان يكون من كلام الراوى، انتهى.
و فى تفسير الصافى فى نقل هذا الحديث عن الكافى و التهذيب هكذا:
و قال (ع) و فى بعض القراءات حافظوا على الصلوات و الصّلوة الوسطى و صلوة العصر و قوموا لله قانتين الى آخر ما مر فاذا كان من المحتملات ان يكون المذكور
ص: 41
من كلام الراوى فيدخل فيه الوهن فيكون الاخذ بما لا وهن له اولى.
و اما ثانيا فلان كلمة الواو قبل صلوة العصر فى التهذيب موجودة كما فى العلل كما عرفت، فلا يصح التمسك بهذا الخبر، مع انك عرفت فى نقل كلام الصافى انه نقل عن الكافى ايضا مع الواو، هذا مضافا الى ان الاظهر عند المتتبّع الناظر فى الاخبار ان حذف الواو من تلك الكتب سهو من المصنفين و النساخ(1) من اول الامر ثم جرى عليه النقل، و الدليل على ذلك استفاضة الاخبار من الطرفين العامة و الخاصة الدالة على نقل هذه القراءة بنقل الواو كما مضت اليها الاشارة، و على السهو ايضا استظهر بعض الاجلاء.
قال فى البحار: ثم ان النسخ مختلفة ههنا، ففى التهذيب و صلوة العصر كما فى العلل، و فى الفقيه و الكافى بدون الواو، و قد قرئ فى الشواذ بهما، قال فى الكشاف: فى قراءة ابن عباس و عايشة مع الواو، و فى قراءة حفصه بدونها، فمع الواو اورده (ع) تأييدا و بدونها تبهيما(2) للتقية و هو من الراوى كما اومأنا اليه، انتهى.
و بالجملة هذا الدليل فى غاية الوهن بالنسبة الى هذا القول، و اما بالنسبة الى القول الاول فوجيه بلا شبهه، فصار هذا دليلا للاول لا عليه.
الرابع: ما اشار اليه بعض(3) الاجلة قال: و احتج السّيد باجماع الشيعة، و المخالفون بما رووا عن النبى (ص) انه قال يوم الاحزاب: شغلونا عن الصلوة الوسطى صلوة العصر ملأ الله بيوتهم و قبورهم نارا، و روى فى الكشاف عن صفيه انها قالت لمن كتب لها المصحف: اذا بلغت هذه فلا تكتبها حتى امليها عليك كما سمعت من رسول الله (ص) يقرا، فاملت عليه و الوسطى الوسطى صلوة
ص: 42
العصر، و بانها تقع فى حال اشتغال الناس بمعاشهم فيكون الاشتغال بها اشق، و قال(1) ايضا: و نقله الجمهور، عن على (ع) قالوا لانها بين صلوتى ليل و صلوتى نهار و فيه نظر، اما الاجماع المحكى عن السيد فمع معارضة بالاجماع المحكى عن الشيخ و الاخبار الكثيرة المتقدمه، لا يصلح للحجية لعدم جابر لها لان الشهرة و لو محكية فى جانب القول الاول، و اما ساير الادلة فلا معنى لاضاعة الوقت بالتعرض لها بلا شبهة و لا ريبة.
و قال بعض المخالفين: هى المغرب لانها تاتى بين بياض النهار و سواد الليل، و لانها متوسطة فى العدد بين الرباعيه و الثنائية، و لانها لا تتغير فى السفر و الحضر مع زيادتها على الركعتين فيناسب التاكيد و لان الظهر هى الاولى اذ قد وجبت اولا فتكون المغرب هى الوسطى.
و قال بعضهم: هى العشاء لانها متوسطة بين صلوتين لا تقصران، او بين ليلية و نهارية، و لانها اثقل صلوة على المنافقين كما روى.
و قال بعضهم: هى الصبح لتوسطها بين صلوتى الليل و صلوتى النهار، و بين الظلام و الضياء، و لانها لا تجمع مع اخرى فهى منفردة بين مجتمعين، و لمزيد فضلها لشهود ملائكة الليل و ملئكة النهار عندها، و لانها تاتى فى وقت مشقة من برد فى الشتاء و طيب النوم فى الصيف، و فتور الاعضاء و كثرة النعاس و غفلة الناس و استراحتهم، فكانت معرضة للضياع فخصت لذلك بشدة المحافظة و به قال مالك و الشافعى على ما حكى، قال: و لذا عقبه بالقنوت فانه لا يشرع عنده فى فريضة الا الصبح، الا عند نازلة فيعم.
و قيل: هى مخفيه مثل ليلة القدر و ساعة الاجابة و اسم الله الاعظم، لئلا يتطرق التساهل الى غيرها بل يهتم غاية الاهتمام بكل منها، فيدرك كمال الفضل فى الكل.
ص: 43
قال فى البحار بعد نقل هذا القول: و الظاهر الجمعة و الظهر انما ابهم بعض الابهام لتلك الفايده و غيرها، مما قيل فى اخفاء امثالها، انتهى.
قال الشيخ البهائى فى الاربعين فى الحديث الثلاثين فى جملة كلام له:
فهذه عشرة اقوال فى ماهية الكبيرة و ليس على شىء منها دليل تطمئن به النفس و لعل فى اخفائها مصلحة لا تهدى اليه عقولنا كما فى اخفاء ليلة القدر و الصلوة الوسطى و غير ذلك، انتهى.
و حكى عن بعض ائمة الزيدية: انها الجمعة فى يومها و الظهر فى غيرها و يدل عليه رواية مجمع البيان المتقدمة.
و عن السيّد الداماد انه قال: الفرايض اليومية الحضرية يوم الجمعة خمس عشرة ركعة، و فى ساير الايام سبع عشرة ركعة، و هى فى السفر احدى عشرة ركعة، فهى من حيث صلوة الجمعة متوسطة بحسب العدد بين السفرية و الحضرية فى غير يوم الجمعة، فهذا وجه ثالث لكون الجمعة هى الوسطى، و قوله و قوموا للّه قانتين فى صلوة الوسطى ايضا، يؤكد هذا القول لمزيد اختصاص الجمعة بالقنوت لان فيها قنوتين فليتعرف، انتهى.
قال بعض الاجلاء بعد نقله جملة من الاخبار المتقدمه: و من جميع هذا الاخبار يظهر ان المراد بالصلوة الوسطى صلوة الظهر، و المفهوم منها ايضا ان هذه القراءة قد اسقطها اصحاب الصدر الاول حين جمعوا القران، و لهذا ان هؤلاء المذكورين يتلافون نقلها فى مصاحفهم لعلمهم ثبوتها عنه (ص)، و قد عرفت من روايتى على بن ابراهيم و العياشى ان تلك القراءة ايضا ثابتة عن اهل البيت (ع). الدلالة الاولى على ان الصادق (ع) كان هكذا يقراها، و دلالة الثانية على ان الرسول (ص) كان هكذا يقراها.
قوله (ع) انزلت هذه الآية يوم الجمعة، الظاهر ان الغرض من هذا بيان ان القنوت انما امر به فى ذلك الوقت فى الصلوة الوسطى فى الركعتين الاوليين اللتين صلاّها يوم الجمعة و هو فى السفر، كما يدل عليه قوله (ص) و قوموا لله
ص: 44
قانتين فى صلوة الوسطى.
و اما قوله: و تركها على حالها فى السفر و الحضر، اى ترك هاتين الركعتين فى ذلك الوقت من هذا اليوم على حالها فى السّفر من غير زيادة لوجوب القصر فى السّفر، و فى الحضر لانها تصلى جمعة، و اضاف للمقيم الغير المصلى للجمعة او المقيم يعنى فى غير يوم الجمعة ركعتين، و الاول اظهر كما يشعر به تتمة الخبر، ثم علل وضع الركعتين عن المقيم المصلى جمعة بالنسبة الى المقيم الغير المصلى جمعة، بان الخطبتين قائمة مقامهما، و حينئذ فما توهمه بعض الافاضل من الاشكال فى هذا المجال ناش عن عدم التأمل فى اطراف المقال.
و منها ما رواه التهذيب فى الزيادات فى باب فضل الصلوة عن ابى بصير عن ابى جعفر (ع) قال قال رسول الله (ص): لو كان على باب احدكم نهر فاغتسل فى كل يوم منه خمس مرات، اكان يبقى من الدرن شيئى ؟ قلنا: لا، قال: ان مثل هذه الصلوة كمثل النهر الجارى، كلما صلى صلوة كفرت ما بينهما من الذنوب.
قال الشيخ البهائى فى الاربعين بعد ان نقل الخبر المروى عن النبى (ص). و هو قوله: ما من صلوة يحضر وقتها الا نادى ملك بين يدى الناس:
قوموا الى نيرانكم التى اوقدتموها على ظهوركم فاطفؤها بصلوتكم، ما صورته: قوله (ص) فاطفؤها بصلوتكم، صريح فى ان الصلوة تكفر الذنوب و تسقط العقاب المتوعد عليها، و القران يدل عليه قال سبحانه و تعالى: (إِنَّ اَلْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئٰاتِ )، و المراد بها الصلوات لسوق الآية، و قد ورد ذلك فى احاديث متكثرة من طرق العامة و الخاصة.
روى ابو حمزة الثمالى عن احدهما (ع) عن امير المؤمنين على (ع) عن النبى (ص) قال: و الذى بعثنى بالحق بشيرا و نذيرا ان احدكم يقوم من وضوئه فتساقط عن جوارحه الذنوب، فاذا استقبل الله بوجهه و قلبه و لم ينفتل و عليه
ص: 45
من ذنوبه شيئ كيوم ولدته امّه، انما منزلة الصلوة الخمس لامتى كنهر جار على باب احدكم، فما يظن احدكم لو كان على جسده درن ثم اغتسل فى ذلك النهر خمس مرات، اكان يبقى فى جسده درن ؟ و كذلك و الله الصلوات الخمس لامتى.
و روى فى سبب نزول قوله تعالى: (إِنَّ اَلْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئٰاتِ ) ان رجلا من الصحابه اصاب من امرأة قبلة، فاتى النبى (ص) فاخبره، فانزل اللّه تعالى (أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ طَرَفَيِ اَلنَّهٰارِ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ إِنَّ اَلْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئٰاتِ )، فقال الرّجل ألى هذا؟ فقال (ص): لجميع امتى كلهم.
و لا يخفى ان هذه الذنوب التى وردت الاخبار بان الصلوة مكفرة لها، مخصوصة بما عدا الكباير، و فى كثير من الاحاديث تصريح بذلك، كما روى عن النبى (ص) انه قال: ان الصّلوات كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، و عنه (ص): ما من امرئ مسلم تحضره صلوة مكتوبة، فيحسن وضوءها و خشوعها و ركوعها الا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، و عنه (ص) ان الصلوات(1)الخمس و الجمعة الى الجمعة كفارات لما بينهن ما لم تغش الكباير، و الروايات بذلك متظافرة، فينبغى حمل الذنوب فى الرواية الاولى على الصغاير، و ان كان قوله (ص) كيوم ولدته امه ظاهرا فى العموم كما لا يخفى انتهى.
اقول روى فى البحار فى باب فضل الصلوة عن تفسير الامام قال (ع): قال رسول الله (ص): من صلى الخمس كفر الله عنه من الذنوب ما بين كل صلوتين و كان كمن على بابه نهر جار يغتسل فيه خمس مرات، لا تبقى عليه من الذنوب شيئا الا الموبقات، التى هى جحد النبوة او الامامة او ظلم اخوانه المؤمنين، او ترك التقية حتى يضر بنفسه و اخوانه المؤمنين.
قال البهائى طاب ثراه ايضا بعد الكلام المتقدم: ما ورد من ان اجتناب
ص: 46
الكباير مكفر للصغاير كما قال سبحانه: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً)، لا تنافى ما تضمنته الاحاديث السابقة من كون الصغاير مكفرة بالصلوة، فلعل كلا منهما مكفر لنوع منها، و ان لكل منهما مدخلا فى التكفير، فهو بهذا الاعتبار مكفر فى الجملة، و لا يمكن ان يحمل الصغاير التى تكفرها الصلوة على الصغاير الصادرة ممن لا يجتنب الكباير، لان ما فى قوله (ص):
ما اجتنب الكباير، و ما لم تؤت كبيرة، و ما لم تغش الكباير، ظرفية، فالمعنى ان الصلوة مكفرة ما بينهن وقت اجتناب الكباير، فمن لم يجتنبها تكون صغايره غير مكفرة بالصلوة، و هذا ظاهر لا سترة فيه.
و منها ما رواه فى البحار فى باب فضل الصلوة عن مجالس الشيخ عن جماعة من اصحابه عن ابى المفضل عن رجاء بن يحيى العبرتائى عن محمد بن الحسن بن شمون عن عبد الله بن عبد الرّحمن الاصم عن الفضيل بن يسار عن وهب بن عبد الله عن ابى حرب بن ابى الاسود الدؤلى عن ابيه عن ابى ذر رضى الله عنه قال: قال رسول الله (ص) فيما اوصى اليه: يا ابا ذر: ان الله جعل قرة عينى فى الصلوة و حبّبها الى، كما حبب الى الجائع الطعام، و الى الظمآن الماء، و ان الجائع اذا اكل الطعام شبع، و ان الظمان اذا شرب الماء روى، و انا اشبع من الصلوة، يا ابا ذر: ان الله بعث عيسى بن مريم بالرهبانية و بعثنى بالحنيفة السمحة، و حبب الى النساء و الطيب و جعلت فى الصلوة قرة عينى، يا ابا ذر:
ما دمت فى الصلوة فأنك تقرع باب الملك، و من يكثر قرع باب الملك يفتح له، يا ابا ذر: ما من مؤمن يقوم الى الصلوة الا تناثر عليه البر ما بينه و بين العرش، و وكّل به ملك ينادى يا بن آدم لو تعلم ما لك فى صلوتك و من تناجى ما سئمت و ما التفت، يا ابا ذر: ما من رجل يجعل جبهته فى بقعة من بقاع الارض الا شهدت له بها يوم القيمة، يا ابا ذر: ما من صباح و لا رواح الا و بقاع الارض ينادى بعضها بعضا: يا جارة هل مرّ بك اليوم ذاكر للّه عز و جل او عبد وضع جبهته عليك ساجد الله، فمن قايلة لا و من قائلة نعم، فاذا قالت نعم اهتزت و
ص: 47
انشرحت و ترى ان لها الفضل على جارتها.
و روى ايضا فى البحار فى الباب المتقدم عن دعائم الاسلام عن على (ع) قال: اوصيكم بالصلوة التى هى عمود الدين و قوام الاسلام فلا تغفلوا عنها.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن الخصال عن محمد بن ابراهيم بن اسحق الطالقانى عن احمد بن محمّد بن سعيد عن المنذر بن محمد عن جعفر(1) عن ابان الاحمر عن الحسنين بن علوان عن عمر بن ثابت عن ابيه حمزة بن حبيب قال: سئل النبى (ص) عن الصلوة، فقال (ص): الصلوة من شرائع الدين و فيها مرضاتك الرب عز و جل، و هى منهاج الانبياء و للمصلى حب الملائكة و هدى و ايمان و نور المعرفة و بركة فى الرزق و راحة للبدن(2) و كراهة للشيطان(3)و سلاح على الكافر، و اجابة للدعاء و قبول للاعمال، و زاد للمؤمن(4) من الدنيا الى الآخرة، و شفيع بينه و بين ملك الموت، و انس فى قبره، و فراش تحت جنبه و جواب لمنكر و نكير، و تكون صلوة العبد عند المحشر تاجا على وجهه، و لباسا على بدنه، و سترا بينه و بين النار، و حجة بينه و بين الرب جل جلاله، و نجاة لبدنه من النار، و جوازا على الصراط، و مفتاحا للجنة، و مهورا للحور العين، و ثمنا للجنة، بالصلوة يبلغ العبد الى الدرجة العليا، لان الصلوة تسبيح، و تهليل و تحميد و تكبير و تمجيد و تقديس و قول و دعوة.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن فلاح السائل من تاريخ الخطيب عن ابن مسعود عن النبى (ص) قال: تحترقون تحترقون فاذا صليتم الفجر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فاذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فاذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فاذا صليتم المغرب غسلتها، ثم
ص: 48
تحترقون تحترقون فاذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم حتى تغتسلوا.
عن الجزرى فى حديث المظاهر احترقت اى هلكت، و الاحراق الا هلاك و هو من احراق النار، و منه الحديث: اوحى الى ان احرق قريشا اى اهلكهم.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن مجالس المفيد عن احمد بن محمد بن الحسن بن الوليد عن ابيه عن محمد بن الحسن الصفار عن العباس بن معروف عن على بن مهزيار عن اسمعيل بن عباد عن الحسن بن محمد عن سليمان بن سابق عن احمد بن محمد عن عبد الله بن لهيعه عن ابى الزبير عن جابر بن عبد الله الانصارى قال: خطبنا رسول الله (ص) فحمد الله و اثنى عليه، ثم قال:
ايها الناس بعد كلام تكلم به: عليكم بالصلوة عليكم بالصلوة فانها عمود دينكم، كابدوا الليل بالصلوة، و اذكروا الله كثيرا يكفر سيّئاتكم، انما مثل هذه الصلوات الخمس مثل نهر جار بين يدى باب احدكم يغتسل منه فى اليوم خمس اغتسالات، فكما ينقى بدنه من الدرن بتواتر الغسل فكذا ينقى من الذنوب مع مداومة الصلوة فلا يبقى من ذنوبه شيئ، ايها الناس ما من عبد الا و هو يضرب عليه بخرايم معقودة، فاذا ذهب ثلثا الليل و بقى ثلثه اتاه ملك فقال له: قم فاذكر الله فقد دنا الصبح، قال: فان هو تحرك و ذكر الله انحلت عنه عقده، و ان هو قام فتوضا و دخل فى الصلوة انحلت عنه العقد كلهن، فيصبح حين يصبح قرير العين.
قال فى البحار: قال الجوهرى: كابدت الامر اذا قاسيت شدته، قوله بخرايم فى بعض النسخ بالحاء المهملة و الزاى، و فى بعضها بالخاء المعجمة، و فى بعضها بالجيم و الراء المهمله، و قال فى القاموس: خرمه يخرمه شدة، و الضرس شد خرامه، و الخرمة بالضم ما يخرم به، و قال: خزم البعير جعل فى جانب منخرة الخزامة ككتابة، و خزامة النعل بالكسر سير رقيق يخزم بين الشراكين،
ص: 49
و فى الصحاح: الخزم بالتحريك شجر يتخذ من لحائه الحبال الواحدة خزمه، و قال: الجريمة الذنب، انتهى.
فالمعنى: يحمل على ظهره حزم الخطايا التى اكتسبها، او الجرائم التى اكتسبها، او يعقد فى انفه خزامة الاثام و ما يلزمه منها، و كل ذلك كناية عما يستحقه و يلزم عليه من العقوبات بسبب ارتكاب السيئات.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن العلل عن محمد بن الحسن بن منيل عن محمد بن يحيى عن صلحة بن زيد عن الصادق (ع) عن ابيه عن على (ع) قال:
ان الانسان اذا كان فى الصلوة فان جسده و ثيابه و كل شىء حوله يسبّح.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن العيون عن محمد بن على بن الشاه عن ابى بكر بن عبد الله عن عبد الله بن احمد الطائى عن ابيه عن الرضا (ع)، و عن احمد بن ابراهيم الجوزى عن ابراهيم بن مروان عن جعفر بن محمد بن زياد عن احمد بن عبد اللّه الهروى عنه (ع)، و عن الحسين بن محمد الاسنانى عن على بن محمد بن مهروية القزوينى عن داود بن سليمان عن الرضا عن آبائه (ع) قال قال رسول الله (ص): من ادى فريضة فله عند الله دعوة مستجابة.
و روى ايضا منه بتلك الاسانيد عنه (ع) قال قال رسول الله (ص): لا تزال امتى بخير ما تحابّوا و تهادوا، و ادّوا الامانة، و اجتنبوا الحرام، و وقروا الضيف، و اقاموا الصلوة و اتو الزكوة، فاذا لم يفعلوا ابتلوا بالقحط و السنين.
و روى ايضا منه بتلك الاسانيد عنه عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله (ص): اذا كان يوم القيمة يدعى بالعبد فاول شىء يسئل عنه الصّلوة، فان جاء بها تامة و الا زخّ فى النار.
و روى ايضا عن صحيفة الرضا (ع) مثله.
و روى ايضا عن جامع الاخبار قال قال رسول الله (ص): الصلوة عماد الدين فمن ترك صلوة متعمد افقد هدم دينه، و من ترك اوقاتها يدخل الويل و الويل واد فى جهنم كما قال الله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاٰتِهِمْ
ص: 50
سٰاهُونَ )، و قال النبى (ص) حافظوا على الصلوات فان الله تبارك و تعالى اذا كان يوم القيمة ياتى بالعبد فاول شىء يسئل عنه الصلوة فان جاء بها تامة و الازخّ فى النار.
عن النهاية انه قال فيه مثل اهل بيتى مثل سفينة نوح من تخلف عنها زخ فى النار، اى دفع و رمى، يقال: زخّه يزخّه زخا.
و روى ايضا عن الجامع قال النبى (ص): لا تضيعوا صلوتكم، فان من ضيع صلوته حشره الله مع قارون و فرعون و هامان لعنهم الله و اخزاهم، و كان حقا على الله ان يدخله النار مع المنافقين، فالويل لمن لم يحافظ على صلوته.
و قال (ص): من ترك صلوته حتى تفوته من غير عذر فقد حبط عمله ثم قال: بين العبد و بين الكفر ترك الصلوة.
و قال (ص): لا يزال الشيطان يرغب من بنى آدم ما حافظ على الصّلوات الخمس، فاذا ضيعهن تجرأ عليه و اوقعه فى العزائم.
و قال (ص): من ترك صلوة لا يرجو ثوابها و لا يخاف عقابها فلا ابالى ا يموت يهوديا او نصرانيا او مجوسيا.
و منها ما رواه فى البحار ايضا فى الباب المتقدم عن مجالس الصدوق عن محمد بن ابراهيم الطالقانى عن احمد بن عقدة عن محمد بن احمد بن صالح التميمى عن ابيه عن احمد بن هشام عن منصور بن مجاهد عن الربيع بن بدر عن سوار بن منيب عن وهب عن ابن عباس قال قال رسول الله (ص): ان الله تبارك و تعالى و كل ملكا يسمى سنخاييل ياخذ البروات للمصلين عند كل صلوة من رب العالمين جل جلاله، فاذا اصبح المؤمنون و قاموا و توضؤا و صلّوا صلوة الفجر اخذ من الله عز و جل براءة لهم مكتوب فيها: أنا اللّه الباقى، عبادى و امائى فى حرزى جعلتكم و فى حفظى و تحت كنفى صيرتكم و عزّتى لاخذلتكم و انتم مغفور لكم ذنوبكم، الى الظهر فاذا كان وقت الظهر فقاموا و توضؤا و صلوا اخذ
ص: 51
لهم من الله عز و جل البراءة الثانية، مكتوب فيها: انا الله القادر، عبادى و امائى بدلت سيئاتكم حسّنات و غفرت لكم السيئات، و احللت برضاى عنكم دار الجلال، فاذا كان وقت العصر فقاموا و توضؤا و صلوا اخذ لهم من الله عز و جل البراءة الثالثة، مكتوب فيها: انا الجليل جل ذكرى و عظم سلطانى، عبيدى و امائى حرمت ابدانكم على النار، و اسكنتكم مساكن الابرار، و دفعت عنكم برحمتى شر الاشرار، فاذا كان وقت المغرب فقاموا و توضؤا و صلوا اخذ لهم من الله عزّ و جلّ البراءة الرابعة، مكتوب فيها: انا الله الجبار الكبير المتعال، عبيدى و امائى سعد(1) ملائكتى من عندكم بالرضا، و حق على ان ارضيكم و اعطيكم يوم القيمة منيتكم، فاذا كان وقت العشاء فقاموا و توضؤا و صلوا اخذ من اللّه عز و جل لهم البراءة الخامسه، مكتوب فيها: انى انا الله لا اله غيرى و لا رب سواى عبادى و امائى فى بيوتكم تطهرتم، و الى بيوتى مشيتم، و فى ذكرى خضتم، و حقى عرفتم، و فرايضى اديتم، اشهد يا سخائيل و ساير ملائكتى انى قد رضيت عنهم، قال فينادى سخائيل بثلاثة اصوات كل ليلة بعد صلوة العشاء: يا ملائكة اللّه ان اللّه تبارك و تعالى قد غفر للمصلين الموحدين، فلا يبقى ملك فى السموات السبع الا استغفر للمصلين و دعا لهم بالمداومة على ذلك، فمن رزق صلوة الليل من عبد او امة قام لله عز و جل مخلصا فتوضا وضوءا سابغا و صلى لله عز و جل بنية صادقه و قلب سليم و بدن خاشع و عين دامعه، جعل الله تبارك و تعالى خلفه تسعة صفوف من الملائكة فى كل صف ما لا يحصى عددهم الا الله تبارك و تعالى، احد طرفى كل صف بالمشرق و الاخر بالمغرب، قال فاذا فرغ كتب، له بعددهم درجات، قال منصور: كان الربيع بن بدر اذا حدث بهذا الحديث يقول: اين انت يا غافل عن هذا الكرم ؟ و اين انت عن قيام هذا الليل ؟ و عن جزيل هذا الثواب و عن هذه الكرامة ؟.
ص: 52
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن نهج البلاغة عن امير المؤمنين (ع) انه قال فى كلام يوصى اصحابه: تعاهدوا امر الصلوة و حافظوا عليها و استكثروا منها و تقربوا بها، فانها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، لا تسمعون الى جواب اهل النار حين سئلوا ما سلككم فى سقر قالوا لم نك من المصلين، و انها لتحّت الذنوب حت الورق، و تطلقها اطلاق الربق، و شبّهها رسول اللّه (ص) بالحمّة (1) تكون على باب الرجل فهو يغتسل منها فى اليوم و اللّيلة خمس مرات فما عسى ان يبقى عليه من الدرن ؟ و قد عرف حقها رجال من المؤمنين الذين لا يشغلهم عنها زينة متاع و لا قرة عين من ولد و لا مال، يقول الله سبحانه: (رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ وَ إِقٰامِ اَلصَّلاٰةِ وَ إِيتٰاءِ اَلزَّكٰاةِ ) و كان رسول الله (ص) نصبا بالصلوة بعد التبشير له بالجنه، لقول الله سبحانه و امر اهلك بالصلوة و اصطبر عليها، فكان يامر بها اهله و يصبر عليها نفسه.
قال فى البحار الحت نثر الورق من الغصن، و الربق جمع الربقة و هى فى الاصل عروة فى حبل يجعل فى عنق البهيمة او يدها تمسكها ذكره الجزرى، اى تطلق الصلوة الذنوب كما تطلق الحبال للعقده، و قال فى العين: الحمة عين ماء حار، و قيل التاء فى اقامة عوض عن العين الساقطه للاعلال، فان اصله اقوام مصدر اقوم كقولك اعرض اعراضا، فلما اضيف اقيمت الاضافة مقام حرف التعويض فاسقطت التاء.
قوله (ع): و يصبر عليها نفسه، اى يحبس، قال تعالى: (وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ).
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن مجالس الصدوق عن محمد بن موسى عن محمد بن جعفر الاسدى عن سهل بن زياد عن عبد العظيم الحسنى عن ابى
ص: 53
الحسن العسكرى (ع) قال: لما كلم الله عز و جل موسى بن عمران (ع)، قال موسى: الهى ما جزاء من صلى الصلوة لوقتها؟ قال: اعطيه سؤله و ابيحه جنتى.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن العياشى عن زرارة و حمران عن ابى جعفر و ابى عبد الله فى قوله: (وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ ) قال: انما عنى بها الصلوة.
و روى ايضا فى الباب المتقدم منه عن ادريس القمى قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الباقيات الصالحات ؟ فقال: هى الصلوة فحافظوا عليها.
و بالجمله الاخبار فى المقام اكثر من ان تحصى، و فيما ذكرناه كفاية لمن هداه الله.
فلنرجع الى ما كنا فيه فنقول.
(و النظر) فى هذا الكتاب يقع (فى المقدمات) كذكر اقسامها و كمياتها و كثير من شرايطها (و) فى (الماهية) و هى ذات الصلوة (و اللواحق) و هى ما يلحق الماهية من الاحكام كالبحث عما يفسدها و كيفية تلافيها و ما يلحقها من النقص بسبب الخوف و السّفر.
(النظر الاول فى المقدمات و فيه مقاصد
و هى واجبة و مندوبه) لانها عبادة و لا تكون بالذات الا راجحة.
(فالواجبات) بالحصر المستفاد من تتبع الادلة الشرعية (تسع) على المشهور، و الشهيد طاب ثراه عدّها سبعة بادراج الكسوف و الزلزلة فى الايات، و هو الاسدّ لعدم لزوم جعل قسم الشىء قسيما له.
الاولى الصلوات الخمس (اليومية) اداء و قضاء، سميت بذلك لتكررها فى كل يوم، و نسبتها الى اليوم دون اليوم دون الليل اما تغليبا او لان معظمها سيما الصلوة الوسطى فى اليوم، او لكونه مذكرا فكان بالنسبة اولى.
(و) الثانية صلوة (الجمعة) و عدّها قسما براسه لمغايرتها للظهر و ان كانت بدلا منها، و لم يثبت كونها ظهرا مقصورة.
ص: 54
(و) الثالثة (العيدان).
(و) الرابعة (الكسوف) العارض للشمس او القمر.
(و) الخامسة صلوة (الزلزله).
(و) السادسة (الايات).
(و) السابعة صلوة (الطواف).
(و) الثامنة صلوة (الاموات) و لعل فى ادخالها فى المقام اختيار اطلاق الصلوة عليها بطريق الحقيقة الشرعية، كما عن صريح الذكرى و ظاهر الحلى، و عن المشهور انه على سبيل المجاز، و استدل لهم بعدم التبادر او تبادر ذات الركوع و السجود، او ما قام مقامها منها عند الاطلاق، و هو امارة المجاز، و بان نفى الصلوة عما لا فاتحة لها و لا طهور، و الحكم بتحليلها التسليم ينافى الحقيقة و للحلى عدم صحة السلب عرفا، و دلالة بعض النصوص على كونها صلوة على ما قيل.
و الذى يدون فى فكرى الفاتر و يترجح فى نظرى القاصر، هو القول بما اختاره صاحب السرائر، و عدم التبادر او تبادر الغير لا يصلح لاثبات القول المشهور بعدم ثبوت عدم صحة السلب كما هو الظاهر، كالحديثين النافيين للصلوة عما لا فاتحة فيها و لا طهور، لان بعد القول بان اسامى العبادات موضوعة للاعم من الصحيح و الفاسد كما هو الحق، يكون بطلان التمسك بهما فى المقام فى غاية من الظهور.
نعم المتبادر من اطلاق هو ذات الركوع و السجود، و عليه فلا يصح التمسك للمشهور بحديث تحليلها التسليم كما لا يخفى على من له ادنى فهم و شعور.
و يعضد ما اخترناه ما رواه المحقق المجلسى طاب ثراه فى البحار فى كتاب الصلوة فى باب انواع الصلوة عن الخصال عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن حماد عن حريز عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: فرض
ص: 55
الله عز و جل الصلوة و سن(1) رسول الله (ص) الصلوة على عشرة اوجه: صلوة الحضر و صلوة السفر و صلوة الخوف على ثلاثة اوجه و صلوة الكسوف للشمس و القمر و صلوة العيدين و صلوة الاستسقاء و الصلوة على الميّت.
و رواه الكافى ايضا فى باب فرض الصلوة.
و الاخبار التى يظاهرها معاضدة للمقام كثيرة فلا نطول المقام بذكرها.
فان قلت: الاعتضاد بالحديث فى الموضوعات الاستنباطية كالمقام غير وجيه، لان المعتبر فيها اما القطع او الظن الذى ثبت اعتباره بالخصوص، و لا دليل يدل على اعتبار الحديث فيها.
قلت: الحق هو اعتبار الظن مطلقا فيها الا ما ثبت عدم اعتباره بالخصوص، كيف لا و لو بنينا على ما ذكره المعترض للزم انسداد باب اللغات كلا او فى اكثر المواضع، كما لا يخفى على الماهر و تمام الكلام و تفصيله يطلب من علم الاصول، و ليس هنا مقامه.
(و) التاسعة (المنذور) اى كل صلوة يلتزمه الانسان و (شبهه) من العهد و اليمين، و منه التحمل عن الغير على ما ذكره غير واحد منهم كصلوة الاحتياط، لكونها غير اليوميه مع احتمال دخولها فيها لكونها مكملة لما يحتمل فواتها منها، و قد يكون بعض هذه الاقسام مندوبا كما يجئ ان شاء الله اليه الاشارة.
(و المندوب) من الصلوات (ما عداه) اى ما عدا ما ذكر من الصلوات و هى اقسام كثيرة و تاتى الى ذكر بعضها ان شاء الله تعالى الاشارة.
(فاليومية خمس) صلوات بعد ان كانت خمسين فخفّفها الله تعالى عن هذه الامة ليلة المعراج الى خمس، كما ورد فى الاخبار المستفيضة، و منها الخبر المروى فى الفقيه فى باب فرض الصلوة: و ابقى ثواب الخمسين لاية المضاعفة، كما فى الحديث الاخر المروى فى ذلك الباب ايضا.
ص: 56
روى فى البحار فى باب علل الصلوة عن مجالس الصدوق عن الحسن بن محمد بن سعيد عن فرات بن ابراهيم عن محمد بن احمد الهمدانى عن الحسن بن على الشامى عن ابيه عن ابى جرير عن عطاء الخراسانى رفعه عن عبد الصمد بن غنم قال: لما اسرى بالنبى (ص) و انتهى حيث انتهى فرضت عليه الصلوة خمسون صلوة، قال: فاقبل فمر على موسى (ع)، فقال يا: محمد كم فرض على امتك ؟ فقال: خمسون صلوة، قال: ارجع الى ربك فاسئله ان يخفف عن امتك فانى كنت فى بنى اسرائيل فلم يكونوا يطيقون الا دون هذا، فلم يزل يرجع الى ربه عز و جل حتى جعلها خمس صلوات، قال: ثم مر على موسى (ع) فقال: كم فرض على امتك ؟ قال: خمس صلوات، قال: ارجع الى ربك فسئله(1) ان يخفف عن امتك، قال: قد استحييت من ربى مما ارجع اليه.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن العلل و مجالس الصدوق و التوحيد عن محمّد بن محمّد بن عصام عن الكلينى عن على بن محمد علان(2) عن محمد بن سليمان عن اسمعيل بن ابراهيم عن جعفر بن محمد التميمى عن الحسين بن علوان بن عمر بن خالد عن زيد بن على (ع) قال: سألت ابى سيد العابدين (ع) فقلت له:
يا ابه اخبرنى عن جدنا رسول الله (ص) لما عرج به الى السماء و امره ربه عزّ و جل بخمسين صلوة، كيف لم يسئله التخفيف عن امته حتى قال له موسى بن عمران ارجع الى ربك فاسئله التخفيف فان امتك لا تطيق ذلك ؟ فقال يا: بنى ان رسول الله (ص) لا يقترح على ربه عز و جل و لا يراجعه فى شىء يامره به، فلما سأله موسى (ع) ذلك و صار شفيعا لامته اليه، لم يجز له رد شفاعة اخيه موسى (ع)، فرجع الى ربه عز و جل و سأله التخفيف الى ان ردّها الى خمس صلوات، قال فقلت: يا ابه فلم لم يرجع الى ربه عز و جل و لم يسئله التخفيف بعد خمس صلوات ؟ فقال يا: بنى اراد (ع) ان يحصل لامته التخفيف مع اجر خمسين صلوة
ص: 57
لقول الله عز و جل من جاء بالحسنة فله عشر امثالها، ا لا ترى انه (ع) لما هبط الى الارض نزل عليه جبرئيل (ع) فقال يا: محمد ان ربك يقرأك السلام و يقول:
انها خمس بخمسين، ما يبدل القول لدى و ما انا بظلام للعبيد.
و الاخبار الدالة على نفى وجوب الزايد عن الخمس كثيرة، و اليه ذهب علماء الاسلام على ما ادعاه غير واحد من الطائفه، الا ما يحكى عن ابى حنيفة من القول بوجوب الوتر، و عن بعض العامة انه قال قلت لابى حنيفة: كم الصلوة ؟ قال:
خمس، قلت: فالوتر فرض قلت لا ادرى تغلط فى الجمله او التفصيل(1).
و اما ما رواه التهذيب فى اواخر باب فضل الصلوة فى الزيادات عن عبيد عن ابيه عن الباقر (ع) انه قال: الوتر فى كتاب على (ع) واجب، فمؤول على التأكيد، قيل: و قد يحتج على عدم وجوب الوتر بالاجماع على تحقق الصلوة الوسطى،(2) و لو كان واجبا لانتفت.
الاولى من الصلوات الخمس (الظهر) قدمها لكونها هى الصلوة الوسطى، و هى اول صلوة فرضت كما مضى الكلام فى ذلك تفصيلا، فراجع.
(و) الثانيه (العصر) روى فى البحار فى باب فضل الصلوة عن ثواب الاعمال عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد عن ابى عبد الله البرقى عن ابن فضال عن ابى بكير عن محمد بن هرون عن ابى عبد الله (ع) قال: من ترك صلوة العصر غير ناس لها حتى تفوته وتره الله اهله و ماله يوم القيمة.
عن الفقيه فيه من فاتته صلوة العصر فكانما وتر اهله و ماله اى نقص، يقال: وترته اذا نقصته فكانك جعلته وترا بعد ان كان كثيرا، و قيل هو من الوتر الجناية التى يجنيها الرجل على غيره من نهب او سبى، فشبه ما يلحق من فاتته
ص: 58
صلوة العصر بمن قتل حميمه او سلب اهله و ماله، و يروى بنصب الاهل رفعه فمن نصب جعله مفعولا ثانيا لوتر فاضمر فيها مفعولا لم يسم فاعله عائدا الى الذّى فاتته الصلوة، و من رفع لم يضمرو اقام الاهل مقام ما لم يسم فاعله لانهم المصابون الماخوذون، فمن رد النقص الى الرجل نصبهما و من رده الى الاهل و المال رفعهما انتهى، و الظاهر أنّ المراد فوتها مطلقا و احتمال ان يكون المراد فوت وقت الفضيلة بعيد.
(و) الثالثه (العشاء) روى فى البحار فى الباب المتقدم عن العلل عن ابيه عن على بن ابراهيم عن ابيه عن صفوان بن يحيى عن موسى بن بكر عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: ملك موكل يقول: من نام عن العشاء الى نصف الليل فلا انام الله عينه.
و روى فى باب وقت العشاءين عن ثواب الاعمال عن محمد بن الحسن عن الحسين بن الحسن بن ابان عن الحسين بن سعيد عن النظر بن سويد عن موسى بن بكر مثله.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن المحاسن عن احمد بن محمد عن الحسين بن سعيد مثله، و فيه عينيه.
و روى الفقيه فى باب مواقيت الصلوة مرسلا مثل ما فى العلل.
فلا انام الله عينه، و هو دعاء بنفى الصحة و فراغ البال، فان من به وجع او حزن يرتفع نومه، او بنفى الحيوة فان النوم من لوازمها و لعل الاول اظهر.
(و كل واحدة) من هذه الثلاثة (اربع ركعات فى الحضر و نصفها فى السفر) بحذف الركعتين الاخيرتين بلا خلاف.
(و) الرابعة (المغرب) و هو (ثلاث) ركعات (فيهما) اى فى السفر و الحضر بلا خلاف.
(و) الخامسة (الصبح) و هو (ركعتان كذلك) اى سفرا و حضرا بلا خلاف
ص: 59
(و نوافلها) اى نوافل اليومية اربع و ثلاثون ركعة (ثمان ركعات قبل الظهر و ثمان قبل العصر و اربع بعد المغرب و ركعتان من جلوس) تسميان بركعتى الوتيرة (و تعدان بركعة بعد العشاء و احدى عشر ركعة صلوة الليل) و الاطلاق على سبيل التغليب، لانها اسم للاكثر، و الا فصلاة الليل منها ثمان كما سياتى تفصيله ان شاء الله تعالى و (ركعتا الفجر) فهذه اربع و ثلاثون ركعة و هو المشهور بين الاصحاب، بل عن جماعة منهم بعد نقل ما فى العبادة و نسبته الى الاصحاب:
لا نعلم به مخالفا بل نفى غير واحد منهم الخلاف فيه.
قال فى الحبل المتين: كون النوافل اربعا و ثلاثين مما لا خلاف فيه بين الاصحاب.
و قال فى البحار: و هذا مما لا خلاف فيه بين الاصحاب كما ذكره اكثر، انتهى.
بل الشيخ فى الخلاف و علم الهدى فى الانتصار ادعيا الاجماع عليه، كما عن الصيمرى حيث قال بعد نقل ما فى العبارة: اطبق الاصحاب فى كتب الفتاوى عليه، ثم نقل جملة من الاخبار المخالفة لما ذكر، و قال: و لم يعمل بها احد من الاصحاب، و عن الصدوق فى الامالى انه جعل من دين الاماميه ان نافلة العصر ثمان قبلها، و المغرب اربع بعدها، و العشاء ركعتان من جلوس تعدان بركعة و هى وتر لمن لا يلحق الوترا اخر الليل، انتهى.
فلنذكر جملة من الاخبار الموافقة لذلك و المخالفة، ثم نتكلم فى كيفية ما يستفاد منها، فنقول و بالله التوفيق.
ما رواه الكافى فى باب صلوة النوافل فى الحسن كالصحيح او الصحيح لمكان ابراهيم بن ابراهيم عن فضيل بن يسار عن ابى عبد الله (ع) قال:
الفريضة و النافله احد و خمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمه جالسا يعدان بركعة و هو قائم، الفريضة منها سبع عشرة ركعة، و النافلة اربع و ثلاثون ركعة.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الحسن، كالصحيح عن الفضيل
ص: 60
بن يسار و الفضل بن عبد الملك و بكير قالوا: سمعنا ابا عبد الله (ع) يقول: كان رسول الله (ص) يصلى من التطوع مثلى الفريضة، و يصوم من التطوع مثل الفريضة.
ما رواه التهذيب فى باب المسنون من الصلوات فى السفر فى الصحيح عن الحرث النصرى عن ابى عبد الله (ع) قال سمعته يقول: صلوة النهار ست عشرة ركعة ثمان اذا زالت الشمس و ثمان بعد الظهر و اربع ركعات بعد المغرب، يا حارث لا تدعها فى سفر و لا حضر، و ركعتان بعد العشاء كان ابى يصليهما و انا قائم، و كان رسول اللّه (ص) يصلى ثلاث عشرة ركعة من الليل، و رواية الشيخ الخبر بطريق اخر كما فى الباب المتقدم ايضا فيه على بن حديد، لا يكون اضطرابا مضعفا له كما توهم و ذلك واضح.
ما رواه التهذيب فى باب المسنون من الصلوات فى كالصحيح(1) عن سليمان بن خالد عن ابى عبد الله (ع) قال: صلوة النافله ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر، و ست ركعات بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر، و اربع ركعات بعد المغرب، و ركعتان بعد عشاء الاخرة يقرا فيها مائة آية قائما او قاعدا و القيام افضل و لا تعدهما من الخمسين، و ثمان ركعات من اخر الليل تقرا فى صلوة الليل بقل هو الله احد و قل يا ايها الكافرون فى الركعتين الاولتين، و تقرا فى سايرها ما احببت من القرآن، ثم الوتر ثلاث ركعات تقرا فيها جميعا قل هو الله احد و تفصل بينهن بتسليمه، ثم الركعتين اللتين قبل الفجر تقرا فى الاولى منهما قل يا ايها الكافرون و فى الثانية قل هو الله احد.
ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم بسند فيه سهل بن زياد عن احمد بن محمد بن ابى نصر قال قلت لابى الحسن (ع): ان اصحابنا يختلفون فى صلوة التطوع بعضهم يصلى اربعا و اربعين، و بعضهم يصلى خمسين، فاخبرنى بالذى تعمل به انت كيف هو حتى اعمل بمثله ؟ فقال: اصلى واحدة و خمسين ركعة، ثم قال: امسك و عقد بيده الزوال ثمانية، و اربعا بعد الظهر، و اربعا قبل العصر، و ركعتين بعد المغرب، و ركعتين قبل العشاء الاخرة، و ركعتين
ص: 61
بعد العشاء من قعود تعد بركعة من قيام، و ثمان صلوة الليل، و الوتر ثلاثا، و ركعتى الفجر، و الفرايض سبع عشرة ركعة فذلك احد و خمسون ركعة.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم باسناد فيه محمد بن عيسى عن يونس عن اسمعيل بن سعد الاحوص القمى قال قلت للرضا (ع): كم الصلوة من ركعة ؟ قال: احد و خمسون ركعة.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن حماد بن عثمان قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن صلوة رسول الله (ص) بالنهار، فقال: و من يطيق ذلك، ثم قال: و لكن ا لا اخبرك كيف اصنع انا؟ فقلت: بلى، فقال: ثمان ركعات قبل الظهر، و ثمان بعدها، قلت فالمغرب ؟ قال: اربع بعدها، قلت:
فالعتمة ؟ قال: كان رسول اللّه (ص) يصلى العتمة ثم ينام، و قال بيده هكذا فحركها، قال ابن ابى عمير: ثم وصف كما ذكر اصحابنا.
ما رواه الكافى فى باب صلوة النوافل فى الحسن بابراهيم عن الحلبى قال: سألت ابا عبد الله (ع) هل قبل العشاء الاخرة و بعدها شىء؟ قال: لا غير انى اصلى بعدها ركعتين، و لست احسبها من صلوة الليل.
ما رواه الكافى ايضا فى الباب المتقدم فى الموثق عن حنان قال:
سأل عمرو بن حريث ابا عبد الله (ع) و انا جالس فقال له: جعلت فداك اخبرنى عن صلوة رسول الله (ص)، فقال: كان النبى (ص) يصلى ثمان ركعات الزوال، و اربعا الاولى، و ثمانى بعدها، و اربعا العصر، و ثلاثا المغرب، و اربعا بعد المغرب، و العشاء الاخره اربعا، و ثمانى صلوة الليل، و ثلاثا الوتر، و ركعتى الفجر، و صلوة الغداة ركعتين، قلت: جعلت فداك و ان كنت اقوى على اكثر من هذا، يعذّبنى اللّه على اكثر الصلوة ؟ فقال: لا و لكن يعذب على ترك السنة.
ما رواه التهذيب فى باب المسنون من الصلوات فى الصحيح عن شعيب عن ابى بصير قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن التطوع باللّيل و النهار؟
ص: 62
فقال: الذى يستحب ان لا يقصر عنه ثمان ركعات عند زوال الشمس، و بعد الظهر ركعتان، و قبل العصر ركعتان، و بعد المغرب ركعتان، و قبل العتمة ركعتان، و من السحر ثمان ركعات، ثم يؤتر و الوتر ثلاث ركعات مفصولة، ثم ركعتان قبل صلوة الفجر، و احب صلوة الليل اليهم(1) آخر الليل.
ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب صلوة رسول الله (ص) قال قال ابو جعفر الباقر (ع): كان رسول الله (ص) لا يصلى من النهار(2)شيئا حتى تزول(3) النهار فاذا زال(4) صلى ثمانى(5) ركعات و هى صلوة الاوابين، يفتح فى تلك الساعة ابواب السماء و يستجاب الدعاء و تهبّ الرياح و ينظر الله تعالى الى خلقه، فاذا كان الفىء(6) ذراعا صلى الظهر اربعا و صلى بعد الظهر ركعتين اخريين، ثم العصر اربعا اذا فاء الفى ذراعا ثم لا يصلى بعد العصر شيئا حتى تؤب الشمس، فاذا آبت الشمس و هو ان تغيب صلى المغرب ثلاثا و بعد المغرب اربعا ثم لا يصلى شيئا حتى يسقط الشفق، فاذا سقط الشفق صلى العشاء ثم اوى رسول الله (ص) الى فراشه و لم يصل شيئا حتى يزول نصف الليل، فاذا زال نصف الليل صلى ثمانى(7) ركعات، و اوتر فى الربع
ص: 63
الاخير من الليل بثلاث ركعات فقرا فيهن فاتحة الكتاب و قل هو الله احد و يفصل بين الثلاث بتسليمه، و يتكلم و يامر بالحاجة و لا يخرج من مصلاة حتى يصلى الثالثه يوتر فيها و يقنت فيها قبل الركوع، ثم يسلم و يصلى ركعتى الفجر قبيل الفجر و عنده و بعيده، ثم يصلى ركعتى الصبح الفجر اذا اعترض الفجر و اضاء حسنا، فهذه صلوة رسول اللّه (ص) التى قبضه اللّه عز و جل عليها.
ما رواه التهذيب فى باب المسنون من الصلوات فى الحسن عن يحيى بن حبيب قال: سألت الرضا (ع) عن افضل ما يتقرب به العباد الى الله تعالى من الصلوات ؟ قال: ستة و اربعون ركعة فرائضه و نوافله، قلت:
هذه رواية زرارة، قال: او ترى احدا كان اصدع(1) بالحق منه.
ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن زرارة قال: قلت لابى جعفر (ع): انى رجل تاجر اختلف و اتجر فكيف لى بالزوال و المحافظة على صلوة الزوال و كم تصلى ؟ قال: ثمان ركعات اذا زالت الشمس و ركعتين بعد الظهر و ركعتين قبل العصر فهذه اثنتا عشرة ركعة، و تصلى بعد المغرب ركعتين، و بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشر ركعة منها الوتر و منها ركعتا الفجر فتلك سبع و عشرون ركعة، سواء الفريضة و انما هذا كله تطوع و ليس به فروض ان تارك الفريضة كافر، و ان تارك هذا ليس بكافر و لكنها معصية، لانه يستحب اذا عمل الرجل عملا من الخير ان يدوم عليه.
قال فى الحبل المتين: و الضمير فى قوله (ع) و لكنها معصية، يعود الى ما دل عليه الكلام السابق، اى ان هذه الخصلة معصية و لعل اطلاق المعصية عليها للمبالغة و تغليظ الكراهة، او لان ترك النوافل بالمرة معصية حقيقة لما
ص: 64
فيه من التهاون بامر الدين، كما قاله الاصحاب من انه لو أصر اهل البلد على ترك الاذان قوتلوا، و كذا لواصر الحجاج ترك زيارة النبى (ص)، و ما فى آخر الحديث التاسع من قوله (ع) و لكن يعذب على ترك السنة، محمول على هذا، انتهى.
اقول يمكن ان يكون المراد من المعصية خلاف الطاعة، فكما ان الطاعة الواجب خلافها معصية حرام، فكذلك الطاعة المستحبة خلافها معصية مكروهة، لان العصيان مخالفة الامر المستحب ربما يسمى عصيانا، و بذلك صرح بعض المحققين ايضا، قيل و منه قوله تعالى: (وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ ) لانه تعالى امره بالامر الارشادى ترك اكل الشجرة المعهودة كى لا يخرج من الجنة، فنهيه هذا نهى ارشادى و الارشاد يستحب امتثاله، و يشهد على ما ذكرناه تعليله بقوله لانه يستحب اذا عمل الى آخره اذ لا شبهة فى كون ذلك مستحبا.
ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم فى الموثق كالصحيح بابن بكير عن زرارة قال قلت لابى عبد الله (ع): ما جرت به السنة فى الصلوة ؟ فقال: ثمان ركعات الزوال و ركعتان بعد الظهر و ركعتان قبل العصر، و ركعتان بعد المغرب و ثلاث عشرة ركعة من آخر الليل منها الوتر، و ركعتا الفجر، قلت:
فهذه ما جرت به السنة ؟ قال: نعم، فقال ابو الخطاب: افرايت ان قوى فزاد؟ قال: فجلس و كان متكيا فقال: ان قويت فصلّها كما كانت تصلى و كما ليست فى ساعة من النهار فليست فى ساعة من الليل، ان الله عز و جل يقول: (وَ مِنْ آنٰاءِ اَللَّيْلِ فَسَبِّحْ ).
قال بعض الاجلاء: روى فى الفقيه عن الصيقل عن ابى عبد الله (ع) قال:
انى لا مقت الرجل ياتينى فيسألنى عن عمل رسول الله (ص) فيقول ازيد، كانه يرى ان رسول الله (ص) قصر فى شىء، و انى لا مقت الرجل قد قرا القران ثم يستيقظ من الليل فلا يقوم حتى اذا كان عند الصبح قام يبادر بصلوته.
ص: 65
الظاهر ان مقت الاول لما يفهم من كلامه من انه بزيادة فى الصلوة ما كان ياتى به (ص)، كانه يريد ان يفوقه و يعلوا عليه بالزيادة، و هو ان لم يكن كفرا فهو جهل محض، لان العبرة ليس بكثرة الصلوة بل بالاقبال عليها الذى هو روح العبادة، و الاتيان بها على اكمل وجوهها، و من ذالذى يروم بلوغه فى المقام الاول و كذا فى المقام الثانى حتى انه روى انه كان يقوم فى الصلوة على اطراف اصابعه حتى تورمت قدماه لإجهاد نفسه فى العبادة حتى عاتبه الله تعالى على ذلك رافة فقال: (طه مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ )، و كان يقيم(1) الليل انصافا فيقوم فى صلوة الليل بطوال السور، و كان اذا ركع يقال لا يدرى متى يرفع و اذا سجد يقال متى يرفع، و نحو ذلك.
و الظاهر ان المقت الثانى لمزيد الكسل عن صلوة الليل اذا كان ممن يقرأ القران و يحفظ سورة و تلاوتها، ينته فى وقت صلوة الليل فلا يقوم اليها حتى اذا فاجأه الصبح قام مبادرا بها يصليها بعجلة و قله توجه و اقبال و يزاحم بها الفريضة فى وقتها.
و قال بعد نقل خبر زرارة: هذا الخبر مؤيد لما قدمناه فى بيان مقت الصادق (ع) لمن سأل عن عمل رسول الله (ص) فيقول ازيد، و حاصل كلامه ان هذا العدد و ان قل فى النظر الا انه صعب من حيث الاقبال و الخشوع فيه و تفريقه فى الساعات المذكورة و المداومة عليه و نحو ذلك، مما تقدم انتهى و هو جيد.
ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم فى الحسن او الصحيح لمكان الحسن بن على بن بنت الياس عن عبد الله بن سنان قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: لا تصل اقل من اربع و اربعين ركعة، قال: و رواية يصلى بعد العتمه اربع ركعات.
ص: 66
ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم فى القوى لمكان محمد بن سنان عن ابن ابى عمير قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن افضل ما جرت به السنة من الصلوة ؟ قال: تمام الخمسين.
ما رواه الكافى فى باب صلوة النوافل فى الصحيح عن حماد بن عثمان قال: سألته عن التطوع بالنهار، فذكر انه يصلى ثمان ركعات قبل الظهر و ثمان بعدها.
ما رواه الكافى ايضا فى باب التطوع فى السفر فى الصحيح عن الحرث بن المغيره قال قال ابو عبد الله (ع): اربع ركعات بعد المغرب لا تدعهن فى حضر و لا سفر.
ما رواه التهذيب فى باب نوافل الصلوة فى السفر فى الصحيح عن الحرث بن المغيرة قال قال لى ابو عبد الله (ع): لا تدع اربع ركعات بعد المغرب فى السفر و لا فى الحضر، و كان ابى لا يدع ثلاثة عشر ركعة بالليل فى سفر و لا حضر.
ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات عن زرارة قال:
سمعت ابا جعفر (ع) يقول: كان رسول الله (ص) لا يصلى من النهار شيئا حتى تزول الشمس، فاذا زال النهار قدر نصف اصبع صلى ثمانى ركعات، فاذا فاء الفئ ذراعا صلى الظهر ركعتين و يصلى قبل وقت العصر ركعتين، فاذا فاء الفئ ذراعين صلى العصر و صلى المغرب حين تغيب الشمس فاذا غاب الشفق دخل وقت العشاء و آخر وقت المغرب إياب الشفق دخل وقت العشاء، و آخر وقت العشاء ثلث الليل، و كان لا يصلى بعد العشاء حتى ينتصف الليل ثم يصلى ثلاث عشرة ركعة منها ركعتى الفجر قبل الغداة، فاذا طلع الفجر و اضاء صلى الغداة.
ما رواه التهذيب فى اواخر باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح عن الحجال عن ابى عبد الله (ع): قال كان ابو عبد الله (ع) يصلى ركعتين بعد العشاء يقرا فيهما بمائة آية و لا يحسب بهما، و ركعتين
ص: 67
و هو جالس يقرا فيهما بقل هو الله احد و قل يا ايها الكافرون، فان استيقظ من الليل صلى صلوة الليل و اوتر و ان لم يستيقط حتى يطلع الفجر صلى ركعة فصارت شفعا، و احتسب بالركعتين اللتين صلاهما بعد العشاء وترا.
قال بعض الاجلاء و فى بعض نسخ الحديث صلّى ركعتين فصارت شفعا، و فى بعضها فصارت سبعا، و الظاهر ان الاخير تصحيف، انتهى.
و ربما اشكل فى صحة تلك الرواية متمسكا بان الحجال يروى عن الصادق (ع) بالواسطة فتدبر.
ما رواه الكافى فى باب النوادر الواقع فى اواخر كتاب الصلوة عن الفضل بن ابى قرّة رفعه عن ابى عبد الله (ع) قال: سئل عن الخمسين و الواحد ركعة فقال: ان ساعات النهار اثنتى عشرة ساعة و ساعات الليل اثنتى عشرة ساعة، و من طلوع الفجر الى طلوع الشمس ساعة، و من غروب الشمس الى غروب الشفق غسق، فلكل ساعة ركعتان، و للغسق ركعة.
ما رواه المحقق المجلسى - نور الله ضريحه - فى البحار فى باب انواع الصلوة و المفروض و المسنون منها عن الخصال عن احمد بن محمد العجلى و احمد بن الحسن القطان و محمد بن احمد السنانى و غيرهم من مشائخه عن احمد بن يحيى بن زكريا عن بكر بن عبد الله بن حبيب عن تميم بن بهلول عن ابى معوية عن الاعمش قال قال الصادق (ع): صلوة الفريضة الظهر اربع ركعات، و العصر اربع ركعات، و المغرب ثلاث ركعات، و العشاء الآخرة اربع ركعات، و الفجر ركعتان، فجملة الصلوة المفروضة سبع عشرة ركعة، و السنة اربع و ثلاثون ركعة منها اربع ركعات بعد المغرب لا يقصر(1) فيها فى سفر و لا حضر، و ركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة تعدان بركعة، و ثمان فى السحر و هى صلوة الليل، الشفع ركعتان، و الوتر ركعة، و ركعتا الفجر، و ثمان ركعات قبل
ص: 68
العصر.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن العيون عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس عن على بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان فيما كتب الرضا (ع) للمأمون مثله.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن تحف العقول مثله.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن المحاسن عن محمد بن اسمعيل رفعه الى ابى عبد الله (ع) قال قال رسول الله (ص): اوصيك يا على فى نفسك بخصال فاحفظها، الى ان قال: و السادسة الاخذ بسنتى فى صلوتى و صومى و صدقتى، فاما الصلوة فالخمسون ركعة فى الليل و النهار، الى ان قال:
و عليك بصلوة الليل يكررها اربعا، و عليك بصلوة الزوال، و عليك برفع يديك الى ربك و كثرة تفليه الحديث.
ما رواه فى الباب المتقدم عن كتاب صفات الشيعة عن محمد بن موسى بن المتوكل عن محمد بن يحيى عن موسى بن عمران عن عمه الحسين بن يزيد النوفلى عن على بن سالم عن ابيه عن ابى بصير قال قال الصادق (ع) شيعتنا اهل الورع و الاجتهاد و اهل الوفاء و الامانة و اهل التزهد و العبادة، اصحاب الاحدى و خمسين ركعة فى اليوم و الليلة، القائمون بالليل الصائمون بالنهار، يزكون اموالهم و يحجون البيت و يجتنبون كل محرم.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن مجمع البيان عن محمد بن الفضيل عن ابى الحسن فى قول الله تعالى: (وَ اَلَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلَوٰاتِهِمْ يُحٰافِظُونَ ) قال: اولئك اصحاب الخمسين صلوة من شيعتنا.
اطلقت الصلوة على الركعة مجاز.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن المصباح للشيخ عن ابى محمد الحسن بن على العسكرى (ع) قال: علامات المؤمن خمس و عدّ منها
ص: 69
صلوة الاحدى و خمسين.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن اختيار الرجال للكشى عن حمدويه بن نصير عن محمّد بن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرّحمن عن محمد بن عبد الله بن زرارة و عن محمد بن قولوية و الحسين بن بندار عن سعد بن عبد الله عن هرون بن الحسن بن محبوب عن محمد بن عبد الله بن زرارة و ابنيه الحسن و الحسين عن عبد الله بن زرارة عن ابى عبد الله (ع) قال فى حديث طويل: و عليك بالصلوة الستة و الاربعين، و عليك بالحج ان تهل بالافراد و تنوى الفسخ اذا قدمت مكة، ثم قال: و الذى اتاك به ابو بصير من صلوة احدى و خمسين و الاهلال بالتمتع بالعمرة الى الحج و ما امرناه به من ان يهل بالتمتع فلذا عندنا معان و تصاريف، لذلك ما يسعنا و يسعكم و لا يخالف شىء منه الحق و لا يضاره.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن مجالس الشيخ عن الحسين بن عبيد الله الغضايرى عن على بن محمد العلوى عن محمد بن احمد المكتب عن احمد بن محمد الكوفى عن على بن الحسن بن فضال عن ابيه عن ابى الحسن الرضا (ع) قال: ان الله عز و جل فرض على الناس فى اليوم و الليله سبع عشرة ركعة من اتى بها لم يسئل الله عز و جل عما سواها، و انما اضاف رسول الله (ص) اليها مثليها ليتم بالنوافل ما يقع فيها من النقصان، و ان الله عزّ و جل لا يعذب على كثرة الصلوة و الصوم و لكنه يعذب على خلاف السنة.
قال فى البحار: على خلاف السنه اى تبديلها بان يزيد عليها او ينقص منها معتقدا ان العمل بهذه الكيفية و هذا العدد فى تلك الاوقات مطلوب بخصوصه، كصلوة الضحى و امثالها من البدع، و الا فالصلوة خير موضوع.
و فى التهذيب فى رواية اخرى و لكن يعذب على ترك السنة، و المراد به ايضا ما ذكرنا، و ما قيل ان المراد ترك جميع السنن فهو بعيد و مستلزم للقول بوجوب كل سنة بالوجوب التخييرى، و تخصيص التخيير بما اذا كان بين اشياء
ص: 70
محصورة، او القول بانه انما يعاقب لما يستلزمه من الاستخفاف و الاستهانة بها، فلا يخلو كل منهما من تكلف.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (ع) انه ذكر الفريضة سبع عشرة ركعة فى اليوم و الليلة ثم قال: و السنة ضعفا ذلك جعلت وفاء للفريضة، ما نقص العبدا و غفل او سها عنه من الفريضة اتمها بالسنة.
و عنه (ع) ان سائلا سأله عن صلوة السنة، فقال: للسائل لعلك تزعم انها فريضة ؟ قال: جعلت فداك ما اقول فيها الا بقولك، فقال: هذه صلوة كان على بن الحسين عليهما السلام ياخذ نفسه بقضاء ما فات منها فى ليل او نهار، و هى مثلا الفريضة، الى ان قال و عنه (ع) قال: ما احب ان اقصر عن تمام احدى و خمسين ركعة فى كل يوم و ليلة قيل: و كيف ذلك ؟ قال: ثمان ركعات قبل صلوة الظهر و هى صلوة الزوال و صلوة الاوابين حين تزول الشمس قبل الفريضة، و اربع قبل صلوة العصر ثم صلوة الفريضة و لا صلوة بعد ذلك حتى تغرب الشمس، و يبدأ فى صلوة المغرب بالفريضة ثم يصلى بعدها صلوة السنة اربع ركعات، و بعد العشاء ركعتين من جلوس تعدان بركعة لان صلوة الجالس لغير علة على النصف من صلوة القائم، ثم صلوة الليل ثمان ركعات، و الوتر ثلاث ركعات، و ركعتا الفجر قبل صلوة الفجر فذلك اربع و ثلاثون ركعة مثلا الفريضة، و الفريضة سبع عشرة ركعة فصار الجميع احدى و خمسين ركعة فى كل يوم و ليله.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن مجالس الشيخ، فى وصية النبى (ص) الى ابى ذر بسنده المتقدم فى فضل الصلوة، يا ابا ذر: ايّما رجل تطوع فى يوم باثنتى عشرة ركعة سوى المكتوبة كان له حقا واجبا بيت فى الجنة.
قال فى البحار: يحتمل ان يكون المراد بعض النوافل اليومية او غيرها
ص: 71
من التطوعات.
ما رواه فى اواخر الباب المتقدم عن فقه الرضا (ع) قال عليه السلام: اعلم يرحمك ان الفريضة و النافلة فى اليوم و الليلة احدى و خمسون ركعة، الفرض منها سبع عشرة ركعة فريضة، و اربع و ثلاثون ركعة سنّة، الظهر اربع ركعات، و العصر اربع ركعات، و المغرب ثلاث ركعات، و العشاء الآخرة اربع ركعات، و الغداة ركعتان فهذه فريضة الحضر، و صلوة السفر الفريضة احدى عشرة ركعة الظهر ركعتان، و العصر ركعتان، و المغرب ثلاث ركعات و العشاء، الآخرة ركعتان، و النوافل فى الحضر مثلا الفريضة لان رسول الله (ص) قال:
فرض على ربى سبع عشرة ركعة، ففرضت على نفسى و اهل بيتى و شيعتى بازاء كل ركعة ركعتين لتتم بذلك الفرائض ما يلحقه من التقصير و الثلم، منها ثمان ركعات قبل زوال الشمس و هى صلوة الاوابين، و ثمان بعد الظهر و هى صلوة الخاشعين و اربع ركعات بين المغرب و العشاء الآخرة و هى صلوة الذاكرين، و ركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس تحسب ركعة من قيام و هى صلوة الشاكرين، و ثمان ركعات صلوة الليل و هى صلوة الخائفين، و ثلاث ركعات الوتر و هى صلوة الراغبين و ركعتان عند الفجر و هى صلوة الحامدين، و النوافل فى السفر اربع ركعات ببعد المغرب، و ركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس، و ثلاثة عشرة ركعة صلوة الليل مع ركعتى الفجر، و ان لم يقدر بالليل قضاها بالنهار او من قابله(1) فى وقت صلوة الليل، او من اول الليل.
فمنها ما يدل على انها اربع و ثلاثون، و هذا هو المشهور بين الاصحاب، بل مما لم يظهر فيه مخالف كما تقدم.
ص: 72
و منها: ما دل على انها ثلاث و ثلاثون، باسقاط الوتيره بعد العشاء.
و منها: ما دل على انها تسع و عشرون، باسقاط اربع قبل العصر و الوتيرة.
و منها: ما دل على انها سبع و عشرون، باسقاط الركعتين من نافلة المغرب ايضا.
و الوجه فى الجمع هو الحمل على اختلاف مراتب الفضيلة، و الامر بالاقل لا يوجب نفى استحباب الاكثر قاله غير واحد منهم، و قوله (ع): و هذا جميع ما جرت به السنة، فى الخبر الرابع عشر لذلك غير مناف، لما ذكره الشيخ فى التهذيب بانه يجوز ان يكون قد سوغ لزرارة الاقتصار على هذه الصلوات لعذر كان فى زرارة، و استدل على هذا التأويل بالخبر الثالث عشر.
اقول و لعلّه لا يخلو عن بعد كالحمل على السنة الاكيده التى لا مرتبة بعدها فى النقصان لمكان آخر الخبر، و لعل الاخير بالنسبة الى الاول اقرب، و بالجملة لا نسلّم مخالفة هذه الاخبار الدالة بحسب ظاهرها على النقصان عما عليه المشهور، للاخبار المعمولة و يرشدك الى ما قلناه ذيل الخبر الثامن و العشرين و لو سلّم لكان اللازم طرحها لعدم ظهور قائل بها كما اعترف به جماعة، و مخالفتها للاجماعات المحكية المعتضدة بعدم ظهور الخلاف بل بظهور عدم الخلاف بل الاجماع على الظاهر.
بقى الاشكال نصا فى موضعين: احدهما ان اكثر الاخبار دل على انه (ص) لم يكن يصلى الوتيرة التى بعد العشاء، و انه كان بعد صلوة العشاء ياوى الى فراشه الى نصف الليل، و اظهر منها ما رواه الصدوق فى كتاب العلل عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) فى حديث فى الوتيرة قال فقلت: هل صلى رسول الله (ص) هاتين الركعتين ؟ قال لا: قلت: و لم ؟ قال: لان رسول الله (ص) كان ياتيه الوحى و كان يعلم انه هل يموت فى هذه الليلة ام لا، و غيره لا يعلم، فمن اجل ذلك
ص: 73
لم يصلهما و امر بهما، مع ان رواية الفضيل(1) و البقباق و بكير دلت على انه (ص) يصلى من التطوع مثلى الفريضة، و هذا لا يكون الا بضم الوتيرة حتى يتم المماثلة و ان يكون بازاء كل ركعة من الفريضة ركعتان من النافلة.
و اما ما اجاب به فى الوافى من حمل اخبار انه كان بعد صلوة العشاء ياوى على فراشه، ان المراد بالعشاء و نافلتها، ففيه انه و ان تم له فى هذه الاخبار مع بعده الا انه لا يتم فى خبر العلل الذى ذكرناه.
و ما اجاب به فى الوسائل ايضا من الجمع بينهما بانه كان يصليها تارة و يترك تارة، فى غاية البعد و لا سيما من خبر العلل كما لا يخفى، انتهى.
اقول و لعل المراد من رواية ابى بصير هذه هو ان النبى (ص) لما كان عالما بانه يبقى فى هذه الليلة و يدرك الوتر فلذا لم يصلهما، بخلاف غيره فانه لا يعلم ببقائه فى الليلة و ادراكه الوتر، و ذلك لان الظاهر ان الوتيرة بدل من الوتر فمن علم انه يدرك الوتر فى وقتها فلا يحتاج الى الوتيرة، و من صلاها فبلغت اليه حادثة بحيث لم يصل الوتر قد مضى على الوتر، و يرشدك الى ما ذكرناه ما نقله المحقق المجلسى فى باب انواع الصلوة من الهداية حيث قال:
الصلوة فى اليوم و الليلة احدى و خمسون ركعة الفريضة منها سبعة عشر ركعة و ما سوى ذلك سنة و نافلة، فاما الفريضة: فالظهر اربع ركعات و المغرب ثلاث ركعات و العشاء الآخرة اربع ركعات و الغداة ركعتان، و اما السنة و النافلة فاربع و ثلاثون ركعة منها نافلة الظهر ستة عشرة ركعة ثمان قبل الظهر و ثمان بعدها قبل العصر و نافلة المغرب اربع ركعات و بعد العشاء الآخرة ركعتان من جلوس تعدان بركعة، فان احدثت بالرجل حدثا قبل ان يبلغ آخر الليل و يصلى الوتر يكون قد مضى على الوتر، و صلوة الليل ثمان ركعات و الشفع ركعتان و الوتر ركعة و ركعتا الفجر فهذه اربع و ثلاثون ركعة.
ص: 74
و ما رواه الكلينى - طاب مضجعه - فى اصول الكافى فى كتاب الحجة فى باب التفويض الى رسول الله (ص) و الى الائمة فى امر الدين فى الحسن كالصحيح او الصحيح بابراهيم بن هاشم عن فضيل بن يسار قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول لبعض اصحاب قيس الماصر، و ساق الحديث الى ان قال: تم سن رسول الله (ص) النوافل اربعا و ثلاثين ركعة مثلى الفريضة فاجاز الله عز و جل له ذلك، و الفريضة و النافلة احدى و خمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعدان بركعة مكان الوتر الحديث.
و ما رواه بعض الاجلاء عن الصدوق فى كتاب العلل بسنده عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يبيتنّ الا بوتر، قال قلت: يعنى الركعتين بعد العشاء الآخرة ؟ قال: نعم فانهما تعدان بركعة فمن صلاهما ثم حدث به حدث الموت مات على وتر، و ان لم يحدث به حدث الموت صلى الوتر فى آخر الليل، و الخبر الحادى و العشرون غير خال عن تأييد لذلك، كالخبر الذى رواه بعض الاجلاء عن العلل، بسند ليس فى رجاله من يتوقف فيه الا محمد بن عيسى المشترك بين العبيدى و الاشعرى، عن حمران عن ابى جعفر (ع) قال: قال رسول الله (ص): لا يبيتن الرجل و عليه وتر، فتأمل جدا.
و بالجملة الذى يظهر من الروايات بعد ضم بعضها الى بعض هو ما ذكرناه و اما الاشكال الذى اورده الفاضل الذى تقدم نقل كلامه، ففيه ما ترى لان التطوع غير منحصر بالرواية و غير مختص بها، لم لا يجوز ان يكون (ص) غير مصل للوتيرة و مع هذا كان تطوعه ضعف الفريضة بانضمام صلوات أخر، و الخبر الحادى عشر لذلك غير مناف، لانه يحتمل ان يكون ما ذكر فى الخبر هو ما كان يصنع (ص) فى آخر عمره، الا تنظر الى الخبر التاسع و ما اشتمل عليه من انه (ص) كان يصلى بعد الظهر ثمان ركعات، و كذلك رواية الفقه الرضوى، و بالجملة لا نعلم منافاة فى المقام، هذا مضافا الى ان الوتر لما كان واجبا عليه
ص: 75
صلى الله عليه و آله، و ان المراد من الفريضة الواقعة فى قوله (ع): انه يصلى من التطوع مثلى الفريضة لما كان هو الفرايض الخمس المعهوده على الظاهر، و ان الغفيلة ايضا لما كانت من الصلوة المستحبة المنصوصة كما سيجىء اليها الاشارة، فيحتمل ان يكون (ص) من المصلين لها، فحينئذ يتم المماثلة، مع انه على تقدير ان يكون المراد من الفريضة هو الصلوات المفروضة عليه (ص) ايضا، يمكن تتميم المماثلة لانه يستحب بين العشاءين ركعتان آخرتان ايضا يقرا فى الاولى الحمد و اذا زلزلت ثلاث عشر مرة و فى الثانية الحمد و قل هو الله احد خمس عشر مرة كما سيجئ الى ذلك الاشارة، و ما ذكر انما يتم اذا كان الواجب عليه (ص) من الركعات الثلاث التى بعد الثمان هو ركعة واحدة منهن، و اما اذا كان الواجب عليه (ص) الركعات الثلاث بجملتها فيمكن تتميم المماثلة ايضا على بعض الاعتبارات كما لا يخفى.
نعم روى التهذيب فى باب فضل شهر رمضان عن محمد بن سليمان قال: ان عدة من اصحابنا اجتمعوا على هذا الحديث، منهم يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع)، و صباح الحذاء عن اسحق بن عمار عن ابى الحسن (ع)، و سماعة بن مهران عن ابى عبد الله (ع)، قال محمد بن سليمان: و سألت الرضا (ع) عن هذا الحديث فاخبرنى به، و قال هؤلاء جميعا سالنا عن الصلوة فى شهر رمضان كيف هى و كيف فعل رسول الله (ص)؟ فقالوا جميعا: انه لمّا دخلت اول ليلة من شهر رمضان صلى رسول الله (ص) المغرب ثم صلى اربع ركعات التى كان يصليهن بعد المغرب فى كل ليلة ثم صلى ثمانى ركعات فلما صلى العشاء الآخرة و صلى الركعتين اللتين كان يصليهما بعد العشاء الآخرة و هو جالس فى كلّ ليلة قام، الى ان قال: فلما اقام بلال لصلوة العشاء الآخرة خرج النبى (ص) فصلى بالناس، فلما انفتل صلى الركعتين و هو جالس كما كان يصلى ليلة الحديث.
فعلى هذا يشكل الجمع بين هذا الخبر و بين خبر العلل المتقدم، و لا
ص: 76
يحضرنى الان شىء(1) و اللّه هو العالم.
قال بعض الاجلاء فى ذيل كلامه الذى تقدم نقله: و ثانيهما ما تضمنه خبر زرارة فى وصف صلوة رسول الله (ص) من الاقتصار على تسع و عشرين بترك الوتيرة، و اربع ركعات من الثمان التى بعد الظهر، و كذلك مرسلة الفقيه التى قبض عليها، مع ان جملة من الاخبار الواردة فى وصف صلوته انما اختلفت فى الوتيرة خاصة فاكثرها دال على عدمها و امّا ما عداها فلا، و منها الرواية الثانية من الروايات التى قدمناها(2) و الرابعة و هى رواية حنان و رواية كتاب الفقه الرضوى، فانها قد اشتركت فى الدلالة على صلوة ثمان بعد الظهر كما استفاضت به الاخبار، و حمل الخبرين الدالين على السقوط على كون ذلك فى آخر عمره كما احتمله البعض لا يخلو من الاشكال، لانه ان كان عن نسخ فكيف استفاضت الاخبار عنهم (ع) بفعلها، و ان كان عن ضعف و علة بالنسبة اليه (ص) فبعده اظهر من ان ينكر، انتهى.
حمل ما دل على السقوط على كون ذلك فى آخر عمره كما احتمله البعض غير بعيد، لانه يمكن ان يقال لما كان للثمان التى قبل الظهر لها فضائل كثيرة كما يظهر للمتتبع فى اخبارهم (ع)، و كان المسلمون فى اواخر عمره الشريف (ص) قد كثروا و كانوا محتاجين الى الوعظ و السؤال عنه (ص) غاية الاحتياج،
ص: 77
فلذا اوقع (ص) للنقص فى الثمان التى بعد الظهر تحصيلا للاهمّ و لم يكن عن نسخ و لا عن ضعف و علة، مع احتمال فى الاخير.
قال ابى رضى الله عنه فى رسالته الى: اعلم يا بنى ان افضل النوافل ركعتا الفجر، و بعدهما ركعة الوتر، و بعدها ركعة الزوال، و بعدها نوافل المغرب، و بعدها صلوة الليل، و بعدها تمام نوافل النهار.
و قال فى المدارك افضل الروابط صلوة الليل لكثرة ما ورد فيها من الثواب، و لقول النبى (ص) فى الوصية و عليك بصلوة الليل ثلاثا، رواه معوية بن عمار فى الصحيح عن الصادق (ع)، ثم صلوة الزوال لقول النبى (ص) فى الوصية بعد ذلك: عليك بصلوة الزوال ثلاثا، ثم نافلة المغرب لقوله (ع) فى رواية الحرث بن المغيرة: اربع ركعات لا تدعهن فى حضر و لا سفر، ثم ركعتا الفجر لما روى عن على (ع) انه قال فى قوله تعالى: و قران الفجر كان مشهودا: ركعتا الفجر يشهدهما ملائكة الليل و ملائكة النهار، و فى السند و الدلالة نظر، و قال الشيخ فى الخلاف: ركعتا الفجر افضل من وتر باجماعنا.
و نقل عن ابى عقيل لما عد النوافل و ثمانى عشرة ركعة بالليل منها نافلة المغرب و العشاء ثم قال: بعضها اوكد من بعض و اوكدها الصلوات التى تكون بالليل لا رخصه فى تركها فى سفر و لا حضر.
و قال فى البحار قال فى التحرير ركعتا الفجر افضل من الوتر، ثم نافلة المغرب، ثم صلوة الليل، و ذكر روايات تدل على فضل تلك الصلوات.
و قال فى الذكرى بعد نقلها و نعم ما قال: هذه التمسكات غايتها الفضيلة اما الافضلية فلا دلالة فيها عليها انتهى، نعم يمكن ان يقال الترغيب فى صلوة الليل اكثر من غيرها، لكن ينبغى للمتدبر المتبع لسنة نبية (ص) ان لا يترك شيئا منها الا لعذر مبين، و الله الموفق و المعين، انتهى.
اقول و عن الفقه الرضوى انه قال (ع): و اعلم ان افضل النوافل ركعتا
ص: 78
الفجر، و بعدها ركعتا الوتر، و بعدها ركعتا الزوال، و بعدها نوافل المغرب، و بعدها صلوة الليل، و بعدها نوافل النهار، فظهر بما ذكر مستند الصدوق و ابيه.
ذهب جماعة من الاصحاب منهم المحقق طاب ثراه فى التحرير بان الوتر التى هى عبارة عن الركعات الثلاث كما سياتى تحقيقه، المشهورة فى كلام الاصحاب بركعتى الشفع و مفردة الوتر، قنوتات ثلاث احدها فى ركعتى الشفع و الثانى فى مفردة الوتر قبل الركوع و الثالث فيها ايضا بعد الركوع، و خالف فى ذلك جماعة فقالوا بان القنوت فى الوتر التى هى عبارة عن الثلاث انما هو فى الثالثة و ان فى الاوليين المسماتين بركعتى الشفع لا قنوت فيها، و استدل على استحباب القنوت فى ركعتى الشفع باطلاق الاخبار الدالة على ان القنوت فى كل ركعتين من الفريضة و النافلة فى الركعة الثانية، و فى بعضها ايضا بزيادة قبل الركوع، و منها ما رواه الكافى فى باب القنوت فى الحسن كالصحيح بابراهيم عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: القنوت فى كل صلوة فى الركعة الثانية قبل الركوع.
اقول و يدل على ذلك بالخصوص ما رواه بعض الاجلاء عن كتاب عيون الاخبار عن رجاء بن الضحاك الذى حمل الرضا الى خراسان فى حديث وصف صلوته (ع) قال: فيصلى ركعتى الشفع يقرا فى كل ركعة منها الحمد و قل هو الله احد ثلاث مرات و يقنت فى الثانية الحديث.
قال بعض الاجلاء و صرح شيخنا البهائى رحمه الله فى حواشى كتاب مفتاح الفلاح بان القنوت فى الوتر التى هى عبارة عن الثلاث انما هو فى الثالثة، و ان فى الاوليين المسماتين بركعتى الشفع لا قنوت فيهما، و استدل على ذلك بصحيحة عبد الله بن سنان عن ابى(1) عبد الله (ع) قال: القنوت فى المغرب
ص: 79
فى الركعة الثانية، و فى العشاء و الغداة مثل ذلك، و فى الوتر فى الركعة الثالثة، ثم قال قدس سرّه: و هذه الفائدة لم يتنبه عليه(1) علماؤنا، انتهى.
و ظاهر كلامه شهرة القول باستحباب القنوت فى ركعتى الشفع حتى انه لم يحصل فيه مخالف قبله، و هو كذلك الا انه قد سبقه الى ما ذكره السيّد السند قدس سره فى المدارك و الظاهر انه لم يقف عليه، حيث قال فى اوايل كتاب الصلوة فى الفوايد التى قدّمها: الثامنة يستحب القنوت فى الوتر فى الركعة الثالثة، لقوله (ع) فى صحيحة ابن سنان فى القنوت و فى الوتر فى الركعة الثالثة انتهى، و قد ذكر فى الفايدة السابعة الركعتين الاوليين من الوتر و ذكر القراءة فيهما و لم يتعرض للقنوت، ثم ذكر فى الثامنة التى بعدها كما نقلناه، و هو ظاهر فى تخصيصه القنوت بالثامنة من الثلاث.
و جرى على منواله الفاضل الخراسانى و هو الاظهر عندى، و عليه اعمل، انتهى كلامه.
قال الشيخ احمد بن اسمعيل الجزائرى المجاور فى النجف الاشرف حيا و ميتا، على ما حكى فى جواب من سأله عن صلوة الشفع، هل فيها قنوت ام لا؟ فاجاب باستحباب القنوت فيها، و استدل بما قدمناه دليلا للقول المشهور، و اما صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: القنوت ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم قال: و قد تراءى لبعض الفضلاء عدم الاستحباب و لعلّه من جهة ما ورد من صحة اطلاق الوتر على الثلاث، و تعريف المبتداء باللام يشعر باختصاص القنوت فى المواضع الاربعة، و قد ذكر انه فى الركعة الثالثة فيدل على ان الثانية ليس فيها قنوت، و هذا باطل و راى فاسد بالاجماع، و دلالة الاخبار على استحباب القنوت فيما عدا الاربعة المذكورة من الفرائض و النوافل كما هو واضح بلا شك و لا شبهة، فتعين المصير الى حملها على تاكد الاستحباب فى الاربعة
ص: 80
المذكورة لا نفيه عما سواها، مع انه يمكن ان يكون التنصيص على الثالثة لانه فرد خفى لانها مفردة مفصولة، و قد اشتهر ان القنوت انما يكون فى كل ركعتين لا انه يستحب فى ثانية الشفع، او لجواز حملها على ما اذا صلى الوتر موصولة و لو على ضرب من التقية كما فى ورد فى بعض الاخبار، فلا تنافى استحبابه فى الشفع عند صلوتها مفصولة، انتهى.
قال بعض الاجلاء بعد نقله: و هى فى محل نظر من وجوه، احدها قوله:
و لعله من جهة ما ورد من صحة الاطلاق الوتر على الثلاث، فانه يؤذن بندور هذا الاطلاق، و انه لا حقيقة له، و ان الوتر حقيقة انما تطلق على هذه المفردة، و ان الاطلاق الشايع فى الاخبار و اعصار الأئمة (ع) انما هو فى التعبير بركعتى الشفع و مفردة الوتر، كما عبر به كثير من الاصحاب رضى الله، و هو غلط محض، بل الامر بالعكس كما لا يخفى على الممارس للاخبار و المتلجلج فى تيّار تلك البحار، فان الذى استفاضت به الاخبار هو اطلاق الوتر على الثلاث و لم يوجد فيها ما يخالف ذلك، سوى رواية رجاء بن ضحاك المتقدمة، و به صرح السيد السند فى المدارك ايضا فقال: ان المستفاد من الروايات الصحيحه المستفيضة ان الوتر اسم للركعات الثلاث لا الركعة الواحدة الواقعة بعد الشفع، كما يوجد فى عبارات المتقدمين انتهى، و هو كذلك فان جملة من الاخبار الواردة فى احكام صلوة الوتر و انها مفصولة و ما يقرا فيها، قد اشتملت على اطلاقها على الثلاث، و قد حضرنى منها ما يقرب من ثلاثة عشر حديثا منها الاحاديث المتقدمة فى المقام، و لو لا انها تاتى فى محالها لسردناها فى هذا المقام، و لم اقف على خلاف ذلك الا فى الرواية المذكورة، و هى لشذوذها و ضعفها لا تبلغ قوة معارضة خبر واحد من هذه الاخبار، انتهى.
اقول ما ذكره طاب ثراه بان المستفاد من الروايات المستفيضة هو اطلاق الوتر على الركعات الثلاث حق، و قد حضرنى منها عشرون حديثا ظاهرا فى اطلاقها على الثلاث، بل اكثرها صريحة فى ذلك، فمن انكر الاطلاق فقوله غير
ص: 81
مسموع.
و اما ما ذكره بانه لم يوجد فى الاخبار ما يخالف ذلك سوى رواية رجاء بن الضحاك، ففيه نظر من وجهين:
الاول: ان رواية رجاء بن الضحاك غير دالة على ان المعصوم (ع) اطلق على الركعتين الاوليين من الثلاث اسم الشفع، نعم فيها و هذا غير المدعى فافهم.
الثانى: ان ما زعمه بانه ليس فى الاخبار ما اشتمل على الاطلاق الشفع على الركعتين الاوليين سوى رواية رجاء، غير وجيه لمكان الخبر الثالث و العشرين المشتمل على رواية الخصال و العيون و تحف العقول، و رواية العيون حسنة بل لا يبعدان تعد من الصحاح.
و عن الفقه الرضوى انه (ع) قال: و تقرأ فى ركعتى الشفع سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ و فى الثانية قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ و فى الوتر قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ.
قال فى البحار فى باب تحقيق منتصف الليل: المعتبر عن معوية بن عمار قال سمعت ابا عبد الله (ع) يقول فى قوله تعالى وَ بِالْأَسْحٰارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قال:
فى الوتر فى آخر الليل سبعين مرة، و روى عن طريق المخالفين عن ابن عمر و ابن عباس ان النبى (ص) قال: الوتر ركعة من آخر الليل انتهى، و المشهور بين الاصحاب ايضا اطلاقها على الركعة الواحدة الاخيرة، و يطلقون على الاوليين الشفع كما فى تلك الاخبار.
و بالجملة اطلقت الوتر فى الاخبار على الركعة الاخيرة و على الثالث و لم يظهر صيرورتها اسما للركعات الثلاث، فما فى المدارك و الذخيرة من الحكم بكونها اسما للركعات الثلاث غير وجيه، نعم غاية ما يمكن ان يقال هنا ان اطلاق الوتر فى الروايات لعله منصرف الى الثلاث، كما ان اطلاقها فى كلام الاصحاب منصرف الى الثلاث، كما ان اطلاقها فى كلام الاصحاب منصرف الى الركعة الاخيرة، بل يمكن ادعاء كونها حقيقة فيها فى عرف المتشرعة.
ص: 82
قال فى المفاتيح: و المراد بالوتر الركعات الثلاث اللاتى بعد الثمان، كما يستفاد من الروايات، و قال بعض المحققين بعد ان عنون ذلك الكلام اقول:
يوجد فى الاخبار اطلاقه على الركعة الواحدة الاخيره منها ايضا مكررا، و عند المتشرعة ايضا يطلق عليها على سبيل الحقيقة و الحقيقة الشرعية ثابته فعلى طريق الحقيقة عند المتشرعة كما لا يخفى، و على تقدير عدم الثبوت فالمجاز الشرعى على طريقة الحقيقة عند المتشرعة، نعم الظاهر امثال المقام هو الثلاث ركعات، انتهى.
اقول يظهر الثمرة فى كونها اسما للركعات الثلاث الواحدة الاخيرة فى مقامين:
الأول: انك ستسمع ان من فاتته صلوة الليل فقام قبل الفجر فصلى الوتر و سنة الفجر، كتب له صلوة الليل كما فى الخبر، فعلى الاول لا بد ان يصلى الثلاث فلو ادرك الواحدة لم يكتب له صلوة الليل، و على الثانى الواحدة، و يمكن ان يقال على كلا التقديرين لا بد ان يصلى الثلاث لانك قلت: ان اطلاق الوتر ينصرف اليه فى الاخبار، و فيه نظر.
الثانى: ان من نذر صلوة الوتر الموظفة يخرج عن العهدة بالاتيان بالركعة الاخيرة على الاخير، و لا على الاول، و اما ما ذكرناه من انه لم يظهر لنا انها هل هى اسم للواحدة او الثلاث فلا بد فى المقامين من الاتيان بالثلاث، اما فى الاول فلما عرفت، و اما فى الثانى فللبراءة اليقينيه التى لا تحصل الا بالاتيان به.
فائدة: ذكر الشيخ الجليل ابو على الطبرسى فى كتاب مجمع البيان من تعليل تسمية الفاتحة بالسبع المثانى، بانها تثنى قراءتها فى كل فرض و نقل، و اورد عليه بان هذه الكلية منتقضة بصلوة الوتر.
اقول: و ظنى ان هذا الايراد غير وارد عليه، لان الذى يظهر بالتتبع فى اخبار الال عليهم صلوات الله ذى الجلال، ان هذه الركعات الثلاث اللاتى
ص: 83
بعد الثمان هى صلوة واحدة، و ان لم يظهر من الاخبار فى ان اسمها هل هو واحد و هو الوتر، او يكون اسم الركعتين الاوليين الشفع و اسم الاخير الوتر، فانظر الى ما رواه الكافى فى باب صلوة النوافل عن الحسن الصيقل عن ابى عبد الله (ع) قال قلت له: الرجل يصلى الركعتين من الوتر ثم يقوم فينسى التشهد حتى يركع و يذكر و هو راكع ؟ قال: يجلس من ركوعه فيتشهد ثم يقوم فيتم. قال قلت: ا ليس قلت فى الفريضة اذا ذكره بعد ما ركع مضى ثم سجد سجدتى السهو بعد ما ينصرف، يتشهد فيهما؟ قال: ليس النافلة مثل الفريضة.
و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن ابى ولاد حفص بن سالم قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن التسليم فى ركعتى الوتر، فقال: نعم و ان كانت لك حاجة فاخرج و اقضها ثم عد و اركع ركعة.
و روى الصدوق ايضا فى الفقيه فى باب دعاء قنوت الوتر قال: و روى عن ابى ولاد حفص بن سالم الحناط انه قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: لا بأس بان يصلّى الرجل ركعتين من الوتر ثم ينصرف فيقضى حاجته، ثم يرجع فيصلى ركعة، و لا ما بين ان يصلى الرجل الركعتين من الوتر يشرب الماء و يتكلم و ينكح، و يقضى ما يشاء من حاجته، و يحدث وضوء ثم يصلى الركعة قبل ان يصلى الغداة، و الى الخبر الرابع و العاشر و الحادى عشر و غيرها فافهم ما اسسناه فى المقام.
فانك اذا تتبعت فى الاخبار ثم تفكرت و تامّلت فى مفادها، تقول: ان المذكور هو التمام من غير نقض يرد عليه و لا ابرام و اسأل من الله الاعتصام.
قال بعض الاجلاء الذى تقدم نقل كلامه بعد نقل كلام الشيخ احمد، فى ذيل ذلك الكلام عاطفا عليه و معترضا على كلام الشيخ المذكور، ما صورته: و ثانيها قوله و تعريف المبتداء الى آخر ما يتعلق به، فان فيه ان الاستدلال بالخبر المذكور على كون القنوت فى ثالثة الوتر لا الثانية لا توقف على هذا الكلام، حتى انه يسجل عليه بانه كلام باطل و راى فاسد بالاجماع و دلالة الاخبار، و نحو
ص: 84
ذلك مما اطال به فان احدا لم يدّع من الرواية المذكورة اختصاص القنوت بهذه المواضع الاربعة، فلا وجه للتطويل به بالكلية، بل وجه الاستدلال انما هو ما سلمه و وافق عليه من دلالة هذه الاخبار على استحباب القنوت و تاكده فى هذه الثلاث و النافلة، فان مقتضاه انه هو الموظف شرعا فى هذه المواضع المذكورة فى الخبر، و متى ثبت توظيفه فى هذه المواضع من الفرائض المذكورة و النافلة، فغيره يحتاج الى الدليل، فكما انه لا دليل على غير الثانية من الفرائض، كذلك لا دليل على غير الثانية من الوتر، الا ما يتراءى من اطلاق الاخبار المشار اليها انفا، و رواية عيون الاخبار.
فاما اطلاق الاخبار فيقيده بهذه لانها ظاهرة فى تخصيص القنوت فى الوتر بالثلاثة، و مما يؤيد ذلك باوضح تأكيد و يؤيده باظهر تأييد، بناء على ما عرفت من الوتر فى الاخبار الدالة على ان ذلك فى عرفهم (ع)، عبارة عن الثلاث جملة و افوه من الاخبار الدالة على انه يدعو فى قنوت الوتر بكذا و يستغفر كذا و كذا مرة، و يستحب فيه كذا و يدعو بعد رفع راسه منه بكذا، و كان امير المؤمنين (ع) يدعو فى قنوت الوتر بكذا، و كان على بن الحسين يدعو فى قنوت الوتر بكذا، و امثال ذلك.
فانه متى كان الوتر اسما للثلاث كما ذكرنا انه المستفاد من الاخبار، فلو كان فيها قنوتان كما يدعيه الخصم لم يحسن هذا الاطلاق فى جملة هذه الاخبار، و لكان ينبغى ان يقيد و لو فى بعضها بالقنوت الثانى.
و اما رواية كتاب العيون فهى ضعيفة قاصرة عن معارضة الصحيحة المؤيدة بهذه الاخبار المشار اليها، على ان التحقيق ان يقال و هو الاقرب من الخبر المذكور و اليه يشير كلام المعترض الا انه لم ياته من وجهه، بان المراد انما هو الخبر عن المبتدإ، و كذا قوله فى الركعة الثالثة بالنسبة الى الوتر، و قوله فى المغرب ظرف لغو، و كذا فيما عطف عليه، فيكون الخبر دالا على حصر القنوت ففى ثانية الفرائض المذكورة و ثالثة الوتر، و هو حصر اضافى بالنسبة الى غير هذه
ص: 85
الركعات، يمضى ان القنوت فى الثانية لا الاولى و لا الثالثة و كذا فى الوتر فى الثالثة لا فى الاولى و لا الثانية، لان الحصر حقيقى على الوجه الذى ذكره ليتم ما سجل به و اكثر من التشنيع، فانه مبنى على جعل خبر المبتدإ قوله فى المغرب و هكذا فى باقى افراد المذكورة، و ان يكون الحصر حقيقيا فانه باطل كما اشرنا اليه انفا، و بينا صحة الاستدلال على ذلك التقدير، و ما ذكرناه من هذا الوجه اظهر فى الاستدلال بالخبر المذكور، لا انه من حيث الحصر يتضمن النفى لغير هذا المواضع المذكور.
و ثالثها قوله مع انه يمكن ان يكون التنصيص على الثالثة انتهى، فان فيه مع الاغماض عما فيه من التكليف و البعد يتم لو النحصر الدليل فى هذه الرواية، و قد عرفت فيما قدمنا انه ظاهر جملة من الاخبار، بل هو مشتهر(1) فيها غاية الاشتهار، و ما عداه فهو فيها على العكس من الاستتار، و ان اشتهر فى كلام علمائنا الابرار، الا انه من قبيل رب مشهور لا اصل له، و رب متاصل غير مشهور.
و ابعد من ذلك جملة ايضا، الخبر على ما اذا صلى الوتر موصولة و لو على ضرب من التقيه، فانه بمحل من التكلف البعيد و التمحل الشديد، و ما الحامل على هذه التكلفات المتعسفة و التمحلات المنسلفة مع ظهور الخبر فى المراد، و غفلة الاصحاب عن الحكم المذكور، و عدم تنبههم له و حكمهم بخلاف لا يوجب ذلك، فكم لهم من غفلة عن الاحكام المودعة فى الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار، و الظاهر ان منشأ الشبهة فى المقام هو دلالة الاخبار على فصل الركعتين الاوليين من الوتر، و جواز وقوع البطلان قبل الثالثة، فجعلوهما بهذا التقريب صلوة منفصلة يحكم عليها بما يحكم على ساير النوافل، و لهذا استدلوا(2) على استحباب القنوت فيها بما دل على القنوت فى كل ركعتين من النوافل، و المفهوم من الاخباران الثلاث صلوة واحدة مسماة بالوتر كما سميت
ص: 86
الفرايض كل باسم مثل الظهر و العصر و نحوهما، غاية الامر ان الشارع جوّز الفصل فيها، و الانسان مخير من الفصل و الوصل كما هو مقتضى الجمع بين الاخبار، و متى ثبت كونها صلوة واحدة فليس فيها الا قنوت واحد كساير الصلوات و ان جعل محله فى الثالثة منها انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
اقول و المسئلة بعد محل اشكال، ينشأ من رواية رجاء بن الصحاك المنجبرة بالشهرة محكية كالعمومات الامرة بالقنوت فى كل ركعتين فريضة او نافلة، منها ما رواه الكافى فى باب القنوت عن الحرث بن المغيرة قال قال ابو عبد الله (ع):
اقنت فى كل ركعتين فريضة او نافلة قبل الركعتين.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم ايضا فى الحسن كالصحيح بابراهيم عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: القنوت فى كل صلوة فى الركعة الثانية قبل الركوع و بما دل على المسامحة فى ادلة السنن و الكراهة.
و من صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة المعتضدة بما تقدم النافية بما يستفاد منها لشمول ما دل على المسامحة فيهما لنحو المقام، و لعل الاظهر الاحوط هو ترك القنوت فى الثانية كما استظهره جملة من الفحول المتقدم اليهم الاشارة، بل اختاره المشهور على ما نسبه بعض المحققين كغيره، بل عليه الاجماع على ما ادعاه الفاضل الكامل اعنى فتح الله الكعبى القباتى، فى رسالته التى الفها فى شرح حديث رجاء ابن ابى الضحاك، حيث قال فيها فى جملة كلام له: الثانية فى القنوت فى الشفع و المشهور بل الاجماع و منطوق الروايات التى اطلعت عليها انه فى الثالثة لا غير، و فى متن الحديث الذى نحن نتكلم فيه، انه (ع) قنت فى ثانية الشفع بعد القراءة و قبل الركوع، فيحتمل ان يكون ذلك و هما من الراوى، لانه لما كان يرى الامام (ع) يقنت فى كل ثانية من الفرايض و النوافل فظن انه قنت فى هاتين الركعتين ايضا، فحكاه على ما ظنه، و انما قلنا ذلك لما رواه ابن سنان فى الصحيح عن ابى عبد الله (ع) انه قال:
القنوت فى الوتر فى الركعة الثالثة، و الحمل يفيد الحصر فالاحوط تاخير القنوت
ص: 87
الى الركعة الثالثة حذرا من التشريع، انتهى.
بقى فى المقام شىء، و هو ان ما ذكر الجماعة المتقدم اليها الاشارة من استحباب القنوت الثالث الذى بعد الرفع من الركوع، فلم اجد له من الاخبار خبرا و لا من الادلة اثرا، بل المستفاد من الاخبار عموما و خصوصا هو كون القنوت فيها انما هو قبل الركوع، و روى الصدوق فى الفقيه فى باب دعاء قنوت الوتر فى الصحيح عن معوية بن عمار انه سأل ابا عبد الله (ع) عن القنوت فى الوتر قال: قبل الركوع، قال: فان نسيت اقنت اذا رفعت راسى، قال: لا.
قال الصدوق بعد نقل الخبر: حكم من ينسى القنوت حتى يركع، ان يقنت اذا رفع راسه من الركوع، و انما منع الصادق (ع) من ذلك فى الوتر و الغداة خلافا للعامة لانهم يقنتون فيهما ذلك بعد الركوع، و انما اطلق ذلك فى ساير الصلوات لان جمهور العامة لا يرون القنوت فيها.
و روى الكافى فى باب القنوت فى الصحيح عن يعقوب بن يقطين قال:
سألت عبدا صالحا (ع) عن القنوت فى الوتر و الفجر و ما يجهر فيه قبل الركوع او بعده، فقال: قبل الركوع حين تفرغ من قراءتك.
نعم روى الكافى فى باب السّجود و التسبيح و الدعاء، عن احمد بن عبد العزيز قال: حدثنى بعض اصحابنا قال: كان ابو الحسن الاول (ع) اذا رفع راسه من آخر ركعة الوتر قال: هذا مقام من حسناته الدعاء الى آخره و لعل هؤلاء الجماعة ارادوا بالقنوت الدعاء كما يشير اليه كلام التذكرة حيث قال: و يستحب فى المفردة من الوتر القنوت قبل الركوع و بعده، لان الكاظم (ع) كان اذا رفع راسه من آخر ركعة الوتر قال: هذا مقام من حسناته نعمة منك الى آخر الدعاء، انتهى.
و لا ننكر ذلك لانه لا مشاحة فى الاصطلاح، و العمل بهذا الخبر و امثاله فى مقام الاستحباب متبع، و اما نحن ننكر كلامهم اذ ارادوا من القنوت القنوت المعهود الشرعى، بان كان يستحب فيه ما يستحب فى القنوت من رفع اليد حيال
ص: 88
الوجه.
و بالجملة نحن نقول بما رواه الكافى فى باب القنوت عن محمد بن اسمعيل عن الفضل بن شاذان عن ابن ابى عمير عن معوية بن عمار عن ابى عبد الله (ع) قال:
ما اعرف قنوتا الا قبل الركوع، و اما الدعاء بعد ركوع الوتر بالماثور فمن قال به و واظب عليه يكون مصيبا و ماجورا.
قال فى المدارك بعد الكلام، فى استحباب الاستغفار فى قنوت الوتر سبعين مرة: و يستحب الدعاء فيه لاخوانه المؤمنين باسمائهم و اقله اربعون.
و روى الكلينى فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: دعاء المرء لاخيه بظهر الغيب يدرّ الرزق و يدفع المكروه.
و فى الحسن عن هشام بن سالم عن ابى(1) عبد الله (ع) قال: من قدم اربعين من المؤمنين ثم دعا استجيب له.
اقول لا ريب فى استحباب الدعاء للاخوان و كذا الاربعين من الاخوان.
كما ورد فى عدة اخبار زيادة على ما ذكره، الا انه لا تقييد فيها بوقت مخصوص من صلوة او غيرها، و اما الروايات الواردة فى قنوت الوتر على تعددها و كثرتها فلم يتضمن شىء منها استحباب الدعاء للاربعين، بل و لا الاخران بقول مطلق و لعل من ذكر ذلك من اصحابنا رضى الله عنهم نظر الى كون هذا الوقت من افضل الاوقات و انه مظنة للاجابة، فذكر هذا الحكم فيه، و الا فلا اعرف لذكره فى خصوص هذا الموضع وجها مع خلو الاخبار عنه، و كيف كان فالعمل ما ذكرناه لا باس به.
و اما ما نقل عن بعض مشائخنا المعاصرين من المبالغة فى الدعاء للاربعين فى هذا القنوت، حتى انه ياتى به بعد الفراغ من الركعة لو اخل به، فالظاهر انه
ص: 89
و هم من الناقل لما عرفت، انتهى.
اقول و نسبته الى الوهم و هم بعد ما ذكره فى ذيل، و لعل هذا مضافا الى انه روى عن النبى (ص) انه دعا فى قنوته لقوم باعيانهم و على آخرين باعيانهم فافهم.
يستحب فى قنوت الوتر الاستغفار سبعين مرة، للاخبار المستفيضة المروية فى كتب الاخبار، و ينبغى ان تعد الاستغفار بيدك اليمنى و تنصب يدك اليسرى، لصحيحة عبد الله بن ابى يعفور المروية فى الفقيه فى باب القنوت.
و ان يقول سبع مرات: هذا مقام العائذ بك من النار، للتاسّى بالنبى (ص) كما فى الصحيحة المتقدمة، قال الشيخ البهائى فى مفتاح الفلاح، و لو بلغت بالاستغفار المائة كان افضل، انتهى.
و ان تقول بما رواه الفقيه فى الباب المتقدم عن ابى حمزة الثمالى قال:
كان على بن الحسين (ع) يقول فى آخر وتره و هو قائم: رب أسأت و ظلمت نفسى و بئس ما صنعت، و هذه يداى جزاء بما صنعتا(1) قال: ثم يبسط يديه جميعا قدام وجهه و يقول: و هذه رقبتى خاضعة لما اتت، قال: ثم يطأطئ راسه و يخضع برقبته، ثم يقول: و ها انا ذا بين يدك فخذ لنفسك الرضا من نفسى، حتى ترضى لك العتبى لا اعود لا اعود، قال: و كان و اللّه اذا قال لا اعود لم يعد.
و يستحب ايضا ان يقول: العفو العفو ثلثمائة مرة، لفعل على بن الحسين عليه السلام، على ما رواه الفقيه فى الباب المتقدم.
و ان يدعوا بما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن معروف بن حرّبوز عن احدهما قال: فى قنوت الوتر لا اله الاّ اللّه الحليم الكريم الى آخر الحديث، و روى الكافى فى باب صلوة النوافل فى الحسن كالصحيح بابراهيم عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع)، انه سئل عن القنوت فى الوتر هل فيه شىء موقت
ص: 90
يتبع و يقال ؟ فقال: لا، اثن على الله عز و جل و صل على النبى (ص) و استغفر لذنبك العظيم، ثم قال كلّ ذنب عظيم.
و بالجملة المستحبات فى تلك الصلوات كثيرة، و الاشتغال بغيرها اولى، لانه قد صنفت فى المقام كتب كثيرة، منها: مفتاح الفلاح و المصباح، و التسامح فى ادلة السنن مما يجوز لنا الاخذ بها اذا لم يكن الامر دايرا بين الواجب و الحرام، و نسئل من الله تبارك و تعالى ان يوفقنا ان نكتب فى ذلك كتابا مفردا، نعم نتعرض فى المقام على جملة اخرى منها ايضا فى مطاوى الامور الآتية ان شاء الله.
فلا باس بنقلها، منها ما رواه الكافى فى باب قراءة القران فى الحسن كالصحيح عن معاذ بن مسلم عن ابى عبد الله (ع) انه (ص) قال: لا تدع ان تقرا بقل هو الله احد و قل يا ايّها الكافرون فى سبع مواطن: فى الركعتين قبل الفجر، و ركعتى الزوال، و ركعتين بعد المغرب، و ركعتين من اول صلوة الليل، و ركعتى الاحرام و الفجر اذا صبحت بها، و ركعتى الطواف، قال الكافى: و فى رواية اخرى انه تبدا فى هذا كلّه بقل هو اللّه احد و الركعة الثانية بقل يا ايها الكافرون، الا فى الركعتين قبل الفجر فانه تبدا بقل يا ايها الكافرون ثم تقرأ فى الركعة الثانية بقل هو الله احد.
و منها: ما رواه الكافى ايضا فى الباب المتقدم عن صفوان الجمال قال:
سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: صلوة الاوابين الخمسون كلها بقل هو الله احد.
بيان: ورد فى عدة من الأخبار و منها الخبر الثانى و الثلاثون، ان صلوة الاوابين(1)
ص: 91
هى نافلة الزوال، و ظاهر هذا الخبر على انها مجموع الخمسين، قال بعض الاجلاء: و ظاهر هذا الخبر يدل على ان صلوة الاوابين مجموع الخمسين نوافلها و فرايضها، و هو غريب لم يسمع به غيره من الاخبار و لا فى كلام الاصحاب، قيل: و لعل المراد بالاوابين الذين يصلون الخمسين فان من يصلى الزوال يبعد ان لا يصلى البواقى، و المراد بالحديث اما استحباب قراءة هذه السورة فى كل ركعة من الخمسين، او فى كل صلوة منها و لو فى احدى الركعتين، و لعل الثانى اقرب ينافى توظيف جملة من الصور فى الفرايض و النوافل.
و منها: ما رواه الكافى ايضا فى الباب المتقدم عن ابى هرون المكفوف قال: سأل رجل ابا عبد الله (ع) و انا حاضر، كم يقرا فى الزوال ؟ فقال ثمانين آية، فخرج الرجل، فقال: يا ابا هرون هل رايت اعجب من هذا الذى سألنى عن شىء، فاخبرته عن تفسيره ؟ هذا الذى يزعم اهل العراق انه عاقلهم، يا ابا هارون: ان الحمد سبع آيات و قل هو الله احد ثلاث آيات فهذه عشر آيات، و الزوال ثمان ركعات فهذه ثمانون آية.
يدل الخبر على انه يجب الرجوع اليهم (ع) فى مجملات الاخبار و متشابهاتها، و يرد على هذا الخبر بحسب الظاهر اشكالان، لم ار من الاصحاب من تعرض لهما:
الاول: ان الخبر يدل على ان قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ ثلاث آيات، و الحال انه اكثر.
الثانى: ان ما اجاب الصادق (ع) للسايل ان كان من المتشابهات، فكان عليه (ع) ان يوضحه له، و للجواب عن الاخير مجال احلناه على اهل الكمال و اما الجواب عن الاول فلا يحضرنى الان شىء.
و منها: ما رواه التهذيب فى اوايل باب كيفية الصلوة عن محسن الميثمى عن ابى عبد الله (ع) قال: تقرأ فى صلوة الزوال فى الركعة الاولى الحمد و قُلْ
ص: 92
هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، و فى الركعة الثانية الحمد و قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ ، و فى الركعة الثالثة الحمد و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ و آية الكرسى، و فى الركعة الرابعة الحمد و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ و آخر البقرة آمَنَ اَلرَّسُولُ الى اخرها، و فى الركعة الخامسة الحمد و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ و الخمس آيات من آل عمران إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ الى قوله لاٰ تُخْلِفُ اَلْمِيعٰادَ، و فى الركعة السادسة الحمد و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ و ثلاث آيات المسخرة إِنَّ رَبَّكُمُ اَللّٰهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ الى قوله إِنَّ رَحْمَتَ اَللّٰهِ قَرِيبٌ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ ، و فى الركعة السابعة الحمد و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ و الايات من سورة الانعام وَ جَعَلُوا لِلّٰهِ شُرَكٰاءَ اَلْجِنَّ الى قوله وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ، و فى الركعة الثامنة الحمد و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ و آخر سورة الحشر من قوله لَوْ أَنْزَلْنٰا هٰذَا اَلْقُرْآنَ عَلىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خٰاشِعاً الى اخرها، فاذا فرغت قل: اللهم مقلب القلوب و الابصار ثبت قلبى على دينك، و لا تزغ قلبى بعد اذ هديتنى، و هب لى من لدنك رحمة انك انت الوهاب سبع مرات، ثم تقول استجير بالله من النار سبع مرات.
و منها: ما رواه التهذيب ايضا فى اوائل باب كيفية الصلوات فى الزيادات عن عبد الخالق عن ابى عبد الله (ع)، انه كان يقرأ فى الركعتين بعد العتمة بالواقعة و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ.
و رواه ايضا بسند صحيح فى باب كيفية الصلوة عن ابن ابى عمير قال: كان ابو عبد الله يقرا فى الركعتين بعد العتمة الواقعة و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ.
و منها: ما روى عن الصدوق فى المجالس عن ابيه عن الحسن بن احمد عن مالكى عن منصور بن العباس عن محمد بن ابى عمير عن هشام بن سالم عن زيد الشحام عن ابى عبد الله (ع) قال: من قرا فى الركعتين الاوليين من صلوة الليل ستين مرة بقل هو الله احد فى كل ركعة ثلاثين مرة، انفتل و ليس بينه و بين اللّه عز و جل ذنب.
و روى التهذيب فى اواخر باب كيفية الصلوة مرسلا قال: و روى ان من قرأ فى الركعتين الاوليين من صلوة الليل فى كل ركعة منها الحمد مرة و قل هو
ص: 93
الله احد ثلاثين مرة، انفتل و ليس بينه و بين الله عز و جل ذنبا الا غفر له.
و منها: ما رواه الشيخ فى المصباح مرسلا قال: و روى انه يقرا فى الركعة الاولى من نافلة المغرب سورة الجحد، و فى الثانية سورة الاخلاص، و فيما عداه ما اختاره، قال: و روى أنّ ابا الحسن العسكرى (ع) كان يقرأ فى الركعة الثالثة الحمد و اول الحديد الى قوله و هو عليم بذات الصدور، و فى الرابعة الحمد و آخر الحشر.
و منها: ما رواه الكافى فى باب صلوة النوافل عن ابن سنان قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الوتر، ما يقرا فيهن جميعا؟ قال: ب قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، قلت: فى ثلاثهن ؟ قال: نعم.
و منها: ما رواه التهذيب فى باب صلوة الليل قال: و روى ان من قرا فى الوتر بالمعوذتين و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، قيل له ابشر يا عبد الله و ترك.
و منها: ما رواه التهذيب فى آخر باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن يعقوب بن يقطين قال: سألت العبد الصالح (ع) عن القراءة فى الوتر و قلت: ان بعضا روى قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ فى الثلاث، و بعضا روى المعوذتين و فى الثالثه قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، فقال: اعمل بالمعوذتين و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، و التسليم فى الركعتين بين الثلاث ركعات لا يجوز تركه.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن عبد الرحمن ابن الحجاج قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن القراءة فى الوتر؟ فقال: كان بينى و بين ابى باب فكان اذا صلى يقرأ فى الوتر ب قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ فى ثلاثهن، و كان يقرأ قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ فى الوتر، فاذا فرغ منها قال كذلك الله، و كذلك الله ربى.
و منها: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن الحرث عن المغيرة عن ابى عبد الله (ع) قال: كان ابى (ع) يقول قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ ثلث القران، و كذا يجب ان يجمعها فى الوتر ليكون القرآن كلّه.
ص: 94
و منها: ما رواه التهذيب فى اواخر باب كيفية الصلوة فى الزيادات عن ابى الجارود عن ابى عبد الله (ع) قال سمعته يقول: كان على (ع) يوتر بتسع سور.
و منها: ما رواه فى المصباح على ما حكى قال: روى ان النبى (ص) كان يصلى فى الثلاث ركعات بتسع سور فى الاولى أَلْهٰاكُمُ اَلتَّكٰاثُرُ و إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ و إِذٰا زُلْزِلَتِ و فى الثانية الحمد و اَلْعَصْرِ و إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اَللّٰهِ و إِنّٰا أَعْطَيْنٰاكَ اَلْكَوْثَرَ، و فى المفردة فى الوتر يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ و تَبَّتْ و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ.
قال بعض الاجلاء: يمكن حمل رواية ابى الجارود على هذا الرواية ان ثبت كونها من طرقنا، و حينئذ فترجع الروايتان الى رواية واحدة.
و منها: ما روى عن كتاب الفقه الرضوى قال (ع): و تقرا فى ركعتى الشفع سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ ، و فى الثانية قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ ، و فى الوتر قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ.
و منها: ما رواه التهذيب فى اواخر باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن ابن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: اقرا فى ركعتى الفجر باى سورتين احببت ؟ فقال: اما انا فاحب ان اقرأ فيهما ب قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ و قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ .
قال فى مفتاح الفلاح: و تقرا فى الاولى بعد الحمد الجحد، و فى الثانية التوحيد انتهى، اقول: و يدل عليه ما رواه التهذيب فى اواخر باب كيفية الصلوة عن يعقوب بن سالم البزاز قال قال ابو عبد اللّه (ع): صلهما بعد الفجر و اقرأ فيهما الاولى قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ و فى الثانية قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ.
هنا فوايد الاولى دلت رواية معاذ بن مسلم مع المرسلة التى بعدها و رواية الميثمى، على ان السنة فى الركعتين الاوليين من صلوة الزوال ان يقرأ فى الركعة الاولى بالتوحيد و الثانية بالجحد، و يدل على هذا ايضا عن الفقه الرضوى بعد
ص: 95
ذكر صلوة الليل: و اقرا فى الركعة الاولى بفاتحة الكتاب و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ و فى الثانية بقل يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ و كذلك فى ركعتى الزوال و فى الباقى ما احببت، و رواية ابى هرون الدالة على استحباب قراءة التوحيد فى الركعات الست الباقية كرواية الميثمى، و اشتمالها على الزيادة غير ضاير لما عرفت.
الثانية: دلت رواية معاذ مع المرسلة التى بعدها، على استحباب التوحيد فى الركعة الاولى و الجحد فى الثانية، و المرسلة المنقولة عن المصباح المتقدمة على العكس، و العمل برواية معاذ اولى لما ذكره بعض الاجلاء من ان عمل الاصحاب على الرواية المذكورة فى جميع ما تضمنته، مضافا على انها مسنده صحيحة او حسنة، نقلها الاكثر منهم، و ضعف ما عارضها بالارسال، و قلة الناقل لها.
قال البهائى فى مفتاح الفلاح: انه يقرا فى الاوليين بعد الحمد التوحيد ثلاثا فى الاولى و القدر فى الثانية، و قال: و ان شئت قرات فى الاولى الجحد و فى الثانية التوحيد، و ما ذكره ثانيا يكون مستنده المرسلة المشار اليها.
و دلت المرسلة التى نقلها عن العسكرى (ع)، على استحباب الايتين بعد الحمد فى الركعتين الاخيرتين.
الثالثة: دلت رواية عبد الخالق و صحيحة ابن ابى عمير، على استحباب قراءة الواقعة فيهما مع التوحيد، و فى الخبر الحادى و العشرين دلالة على ان الصادق (ع) يقرا فيهما ب قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ و قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ .
الرابعة: حكم الركعتين الاوليين من صلوة الليل، دلت رواية معاذ على استحباب التوحيد و الجحد، و دلت المرسلة التى فى ذيل رواية معاذ على تقديم التوحيد الفقه الرضوى، و دلت رواية زيد الشحام على استحباب سورة التوحيد ثلاثين مرة فى كل من الركعتين، كالمرسلة المروية فى التهذيب التى نقلناها فى ذيله، قال فى الفقيه فى باب صلوة الليل: ثم صل ركعتين تقرا فى الاولى الحمد و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ و فى الثانية الحمد و قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ ، و تقرا فى الست
ص: 96
الركعات بما اجبت، و ان شئت طولّت و ان شئت قصّرت، و روى ان من قرا فى الركعتين الاوليين من صلوة الليل فى كل ركعة منها الحمد مرة و قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ ثلاثين مرة، انفتل و ليس بينه و بين الله عز و جل ذنب الا غفر له.
و قال الشيخ البهائى فى مفتاح الفلاح: و الافضل ان تقرا فيها بعد الحمد سورة التوحيد ثلاثين مرة، و فى الثانية سورة الجحد، و فى الركعات الست الباقية السور الطوال مثل سورة الانعام و الكهف و الانبياء و يس و الحواميم و ما اشبهها فى الطوال، و عن الذكرى انه نقل عن الرسالة و النهاية انه يقرأ فى اوليى صلوة الليل فى الاولى التوحيد و فى الثانية الجحد، و قال فى موضع: قدم الجحد و روى العكس و كذا فى الكتاب المذكور عن الشيخ المفيد رحمه الله و ابن البراج، فى اوليهما ثلاثون مرة التوحيد و فى الثانية ثلاثون مرة الجحد، و ابن ادريس فى كل ركعة منهما بعد الحمد ثلاثون مرة التوحيد، قال: و قد روى ان فى الثانية الجحد و الاول اظهر، قال فى الذكرى على ما نقل بعد نقل ما ذكرناه قلت: الكل حسن و البحث فى الافضليّه للمتهجد ان يعمل بجميع الاقوال فى مختلف الاحوال و قال بعض الاجلاء و ظاهر كلام الذكرى حمل رواية الثلاثين على سعة الوقت، و رواية التوحيد و الجحد على ضيقه، كما يومى اليه قوله مختلف الاحوال و هو جيد انتهى، و ما استجوده لا يخلو عن قوة.
الخامسة: فى حكم الوتر بعض الروايات المتقدمة دل على التوحيد فى الثلاث، و آخر على المعوذتين فى الاوليين و التوحيد فى الثالثة، و آخر على ان فى كل منها ثلاث سور على النحو المفضل فى الخبر، و الاخر على ان فى الاولى سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ و فى الثانية قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ و فى الثالثة قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ.
قال بعض الاجلاء: و اكثر الاخبار على التوحيد فى الثلاث ثم المعوذتين فى الاوليين و التوحيد فى الثالثة، و باقى الروايات لا يخلو من شذوذ.
قال فى مفتاح الفلاح: و تقرا فيها اى فى مفردة الوتر بعد الحمد التوحيد ثلاثا و المعوذتين.
ص: 97
السادسة: دلت رواية ابن سنان الاخيرة، و رواية يعقوب بن سالم، و رواية معاذ، و المرسلة التى فى ذيلها، على استحباب الجحد فى الاولى من نافلة الصبح و التوحيد فى الركعة الثانية.
روى الشيخ فى المصباح عن هشام بن سالم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من صلى بين العشاءين ركعتين يقرا فى الاولى الحمد و قوله تعالى: وَ ذَا اَلنُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغٰاضِباً الى قوله وَ كَذٰلِكَ نُنْجِي اَلْمُؤْمِنِينَ و فى الثانية الحمد و قوله: وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ اَلْغَيْبِ لاٰ يَعْلَمُهٰا الى آخر الاية، فاذا فرغ من القراءة رفع يديه و قال: اللّهمّ انّى اسئلك بمفاتح الغيب التى لا يعلمها الا انت ان تصلى على محمّد و آل محمّد و ان تفعل فى كذا و كذا و تقول: اللّهم انت ولّى نعمتى و القادر على طلبتى تعلم حاجتى و اسئلك(1) بحق محمد(2) و آله عليه و عليهم السلام لما قضيتها لى و سأل(3) الله حاجته اعطاه الله ما سأل.
و عن السيد العابد رضى الدين بن طاوس فى كتاب فلاح السائل باسناده عن هشام بن سالم مثله، و زاد: فان النبى (ص) قال: لا تتركوا ركعتى الغفلة و هما بين العشاءين.
و روى الصدوق طاب مضجعه فى الفقيه فى باب ثواب التنفل فى ساعة الغفلة مرسلا قال قال رسول الله (ص)، قيل و فى كتاب العلل مسندا فى الموثق عن سماعة عن جعفر بن (ع) محمد عن ابيه قال قال رسول الله (ص): تنفلوا فى ساعة الغفلة و لو بركعتين خفيفتين فانهما تورثان دار الكرامة، قال و فى خبر آخر دار السلامة و هى الجنة، و ساعة الغفلة ما بين المغرب و العشاء الاخرة.
ص: 98
و روى التهذيب فى آخر باب فضل الصلوة عن وهب، او عن السّكونى، عن جعفر عن ابيه قال قال رسول الله (ص): تنفلوا فى ساعة الغفلة و لو بركعتين خفيفيتن فانهما يورثان دار الكرامة، قيل: يا رسول اللّه، و ما ساعة الغفلة ؟ قال: ما بين المغرب و العشاء، و عن ابن طاوس انه روى ايضا هذه الرواية فى كتاب فلاح السّايل، و زاد: قيل يا رسول اللّه و ما معنى خفيفتين ؟ قال: تقرأ فيهما الحمد وحدها، قيل: يا رسول الله فمتى اصلها؟ قال: ما بين المغرب و العشاء.
و روى الصدوق فى الفقيه فى باب كراهية النوم بعد الغداة عن جابر عن ابى جعفر (ع) قال: ان ابليس يبت جنود(1) الليل من حين تغيب الشمس الى مغيب الشفق، و يبت جنود النهار من حين يطلع الفجر الى مطلع الشمس و ذكر ان نبى الله (ص) كان يقول: اكثروا ذكر الله عز و جل فى هاتين الساعتين، و تعوذوا بالله من شر ابليس و جنوده، و عوّدوا صغاركم فى هاتين الساعتين فانهما ساعتا غفلة.
اذا عرفت فاعلم ان المقام يقتضى ذكر فوائد.
الاولى: ذهب بعض الاصحاب على ما نقل عنه انه يكفى فى اداء هذه الوظيفة الاتيان بنافلتى المغرب، و خالف فى ذلك جماعة من الاصحاب فانهم عدوهما ركعتين مستقلتين كالاربع الموظف للمغرب، بل نسب بعض الاجلاء ذلك الى ظاهر الاصحاب قال: حيث انهم ذكروا فى هذا المقام هذه الصلوة المخصوصة زيادة على نافلة المغرب.
اقول يمكن ان يستدل للاول بوجهين: الاول اطلاق الامر بالتنفل فى ساعة الغفلة، الثانى رواية الصدوق المروية اولا عن الفقيه مرسلا و عن العلل مسندا موثقا و للمشهور ذيل رواية فلاح السائل المروية اولا، اقول و المشهور هو
ص: 99
الا قوى، قال بعض الاجلاء ورد فى خبر تعيين صلوة معيّنه بقراءة خاصة و كيفية يفارق بها كيفية نافلتى المغرب الموظفة يعطى تقييد الاطلاق بهذه الصلوة الخاصة الزائدة على نافلتى المغرب، و لا ريب ان الاحتياط فى تحصيل هذه الفضيلة، و انما يتم بما ذكرناه، و هو ظاهر الاصحاب ايضا.
و قال بعض المحققين و هو فى مقام دفع ما توهمه البعض المشار اليه سابقا ما صورته: و لا يخفى توهمه، لانه (ص) اتى بلفظ ركعتين نكرة فى سياق الاثبات الظاهر عدم كونه بعضا من الموضاف المعهود، مضافا الى عدم تعيين ذلك فى كونه اى واحد من الركعتين المعهودتين، مع ان من كلمات العموم يشمل من اتى بنافلة المغرب ايضا، و يسمى هذه الصلوة بالغفيلة، و ان الشيخ قال مقدما على ما ذكرنا عنه: يستحب التنفل بين المغرب و العشاء بما يتمكن من الصلوة، و هى التى ساعة الغفلة، فما روى من الصلوة فى هذا الوقت ما رواه هشام بن سالم عن الصادق (ع) الى آخر ما ذكرنا عنه، ثم اتى بصلوات آخرى كل واحدة ركعتان هذا الوقت، فظهر منه ان الغفيلة غير منحصرة فى الصلوة المذكورة.
الثانية: قال بعض الاجلاء ما ورد فى الرواية المنقولة من كتاب فلاح السائل من تفسير الخفيفتين بالاقتصار على الحمد وحدها، مع ما عرفت من رواية هشام بن سالم من استحباب قراءة الايتين المذكورتين، لعلّه محمول على ضيق الوقت او الاستعجال لحاجة او نحو ذلك، و ظاهر شيخنا الشهيد فى الذكرى ان هاتين الركعتين فى هذه الرواية غير ركعة الغفيلة المذكورة فى رواية هشام بن سالم، حيث قال: يستحب ركعتان ساعة الغفلة و قد رواها الشيخ، ثم نقل الرواية المشتملة على الركعتين الخفيفتين، ثم قال: و يستحب ايضا بين المغرب و العشاء ركعتان تقرا فى الاولى بعد الحمد وَ ذَا اَلنُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغٰاضِباً الى آخره، الى ان قال: فان الله يعطيه ما يشاء، و الظاهر عندى ان الركعتين المذكورتين فى الرواتين، انما هو صلوة واحدة و ان اختلف القراءتان
ص: 100
كما ذكرنا انتهى، اقول: ما اختاره الشهيد هو الاظهر و الله يعلم.
الثالثة: قال الشيخ البهائى فى مفتاح الفلاح بعد ان نقل روايتى جابر و وهب او السكونى المتقدمتين ما لفظه: و لا يخفى ان الظاهر ان المراد بين المغرب و العشاء ما بين وقت المغرب و وقت العشاء، عنى ما بين غروب الشمس و غيبوبة الشفق، كما يرشد اليه الحديث السابق، لا ما بين الصلوتين، و قد ورد فى الاحاديث الصحيحة ان اول وقت العشاء غيبوبة الشفق، و من هذا يستفاد ان وقت اداء ركعتى الغفله ما بين الغروب و ذهاب الشفق، فاذا خرج ذلك صارت قضاء، انتهى.
اقول هذا الكلام يعطى ان وقت ركعتى الغفله من غروب الشمس الى غروب الشفق، و الاظهر ان وقتهما بين صلوتى المغرب و العشاء، بمعنى ان ياتى بهما بينهما قبل ذهاب الشفق، من الاخبار السّابقة، و رواية جابر التى استدل بها على ما ذهب اليه غير مغنيه من جوع، لان غاية ما تدل عليه ان ابتداء التسمية من ذلك الوقت، و لا دلالة فيها على كون الصلوة من ذلك للوقت، و مجرد كون هذه الصلوة تصلى فى ساعة الغفلة لا يستلزم جواز تقديمها على الفريضة، سيما مع ورود النصوص بالمنع من النافلة بعد دخول الفريضة كما سياتى الى ذلك الاشارة، مع انها بين الفريضتين واقعه فى ساعة الغفله المذكورة كما تقدم اليه الاشارة.
و بالجملة بعد ضم النصوص بعضها الى بعض ما ذكرناه، و كان البهائى متفردا فيما ذهب اليه لانى لم اجد من الاصحاب من يحذوه حذوه، قال بعض الاجلاء: و الظاهر من الاخبار ان وقتهما انما هو بين الصلوتين، و ان كانت ساعة الغفلة ممتدة من غروب الشمس، و لعل السّر فى تخصيصها بما ذكرناه من حيث الاخبار المانعة من التطوع بعد دخول الفريضة.
الرابعة: قال بعض الاجلاء بعد ان نقل عبارة مفتاح الفلاح المتقدمة ما صورته: المفهوم من الاخبار اختصاص القضاء بالرواتب اليومية بعد فوات اوقاتها، و صرح شيخنا المتقدم ان هاتين الركعتين
ص: 101
يقتضيان بعد فوات وقتهما، و لم اقف له على دليل و لا قائل سواه - قدس سره - و لعل منشأه ما ذهب اليه من حيث التوقيت، الا ان مجرد ذلك لا يوجب القضاء، فانه كما يتوقف الاتيان بها فى ذلك الوقت على دليل، كذلك يتوقف القضاء على الدليل الاشهر الاظهر، و مجرد فوات الاداء لا يستلزم القضاء، كما عليه المحققون من اصحابنا رضى الله عنهم، انتهى.
اقول و ما اختاره البهائى هو الاظهر، لان الاطلاقات او العمومات الامرة بالقضاء تشمل لما نحن فيه، و التقييد او التخصيص يحتاج الى دليل واضح، و من تلك الاخبار ما رواه الكافى فى باب تقديم النوافل و تاخيرها فى الحسن كالصحيح بابراهيم بن هاشم عن مرازم قال: سأل اسمعيل بن جابر ابا عبد الله (ع) فقال:
اصلحك الله ان على نوافل كثيرة فكيف اصنع ؟ فقال: اقضها، فقال: له انها اكثر من ذلك، قال: اقضها الخبر.
الخامسة: قال بعض الاجلاء: نقل الشيخ الطبرسى فى كتاب تفسير مجمع البيان عن ابن عباس فى تفسير قوله تعالى سبحانه حكاية عن موسى على نبينا و آله و عليه السلام: (وَ دَخَلَ اَلْمَدِينَةَ عَلىٰ حِينِ غَفْلَةٍ )، من ان دخوله كان فيما بين المغرب و العشاء، انتهى.
و فيه اشارة الى ما دل عليه هذا الخبر ان ثبت النقل المذكور انتهى، تأمل فيه.
السادسة: قال بعض الاجلاء فى الدعاء المذكور فى القنوت: لما قضيتها لى يجوز قراءتها بالتشديد و التخفيف، فعلى تقدير التشديد يكون لما بمعنى الا يعنى الا قضيتها لى، و على تقدير التنقيف تجعل ما زائدة للتأكيد و اللام فيه جواب القسم و التقدير تقضيتها لى، كذا فى كتاب مجمع البيان.
و قال البهائى فى مفتاح الفلاح لما قضيتها بالتشديد بمعنى الا، يقال:
اسئلك لما فعلت كذا، اى ما اسئلك الا فعل كذا، و قد يقرأ بالتخفيف ايضا فلا حاجة الى تأويل فعل المثبت بالمنفى، و يكون لفظه ما زائدا، و قد قرئ
ص: 102
بالوجهين قوله تعالى: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّٰا عَلَيْهٰا حٰافِظٌ).
على ما حكى عن الصادق (ع) عن آبائه عن رسول الله (ص) قال: اوصيكم بركعتين بين العشاءين تقرا فى الاولى الحمد و اذا زلزلت ثلاث عشرة مرة، و فى الثانية الحمد و قل هو الله احد خمس عشر مرة، فانه من فعل ذلك كل شهر كان من الموقنين، فان فعل ذلك فى كل سنة كان من المحسنين، فان فعل ذلك فى كل يوم كان من المخلصين، فان فعل ذلك كل ليلة زاحمنى فى الجنة و لم يحص ثوابه الا الله تعالى.
و يستفاد منه استحباب الركعتين الموصوفتين فى ساعة الغفلة بين الصلوتين، قال البهائى طاب ثراه فى مفتاح الفلاح، و غيره فى غيره: و مما يستحب فعله فى ساعة الغفلة ركعتان تقرا فى الاولى بعد الحمد الزلزال ثلاث عشر مرة، و فى الثانية بعد الحمد التوحيد خمس عشر مرة انتهى، و فيه ما ترى فى الرواية، فلا بد ان يعين الوقت بنحو ما عيناه، و يستفاد من الرواية ايضا استحباب الاتيان بهما فى اليوم ايضا و لا باس به.
ان ابا الحسن الاول (ع) كان اذا اهتم ترك النافلة، و روى التهذيب فى باب المسنون من الصلوات فى الموثق عن معمر بن خلاد عن ابى الحسن الرضا (ع): ان ابا الحسن (ع) كان اذا اغتم ترك الخمسين، قال الشيخ فى التهذيب بعد نقله قوله (ع) ترك الخمسين، يريد به تمام الخمسين لان الفرايض لا يجوز تركها على كل حال، انتهى.
اقول ذكر غير واحد منهم و منه الذكرى بان النافلة قد تترك لعذر و منه الهم و الغم، مستدلا بالرّوايتين المتقدمتين، و ربما يؤيده ما رواه الكافى فى باب تقديم النوافل عن على بن سعيد او غيره عن احدهما (ع) قال قال النبى (ص): ان للقلوب اقبالا و ادبارا، فاذا قبلت فتنفلوا، و اذا ادبرت فعليكم بالفريضة، و مثله قال مولانا على (ع) فى نهج البلاغة: ان للقلوب اقبالا و ادبارا
ص: 103
فاذا قبلت فاحملوها على النوافل، فاذا ادبرت فاقتصروا بها على الفرايض لأن الهم و الغم موجبان لادبارها.
و قال جماعة الاولى ان لا يترك النافلة بحال لأن فى الروايتين ضعف، و ورد الترغيب البالغ و الحث الاكيد على فعلها، و اتو الاعتضاد ما ذكروا بما رواه الكافى فى باب تقديم النوافل، و التهذيب عنه فى باب المسنون من الصلوات عن عبد الله بن سنان قال قلت لأبى عبد الله (ع): رجل عليه من صلوة النوافل ما لا يدرى ما هو من كثرته، كيف يصنع ؟ قال: فليصل حتى لا يدرى كم صلى من كثرته، فيكون قد قضى بقدر عمله، قلت: فانه لا يقدر على القضاء من كثرة شغلة، فقال:
ان كان شغله فى طلب معيشة لا بد منها، او حاجة لاخ مؤمن فلا شىء عليه، و ان كان شغله الدنيا يشاغل بها عن الصلوة، فعليه القضاء و الا لقى الله مستخفا متهاونا مضيعا لسنة رسول الله (ص) الحديث.
و عدّ غير واحد منهم هذه الرواية صحيحة، و فى طريقها على بن عبد الله عن عبد الله بن سنان و على بن عبد الله مشترك بين الثقة و غيره، و يمكن ان يكون وجه التصحيح هو كون المطلق الى الثقة المشهور.
و التحقيق عندى ان يقال فى المسئلة: ان كان مراد الارباب القول الأول ان الآتى بالنافلة مع الهم يترتب عليه الاثم فلا نسلم ذلك، بل نقول انه لو اتى بها يترتب عليه الثواب للاخبار الكثيرة الامرة بها بقول مطلق، و ان كان مراد الارباب القول الثانى ان النافلة فى صورة الهم و الغم مطلوب بطلب مؤكد بحيث لا فرق فى شدة الطلب بين كون الشخص متّصفا بهما و بين عدمه، فلا نسلّم ذلك للاخبار المتقدمة، و بالجملة الاولى فى الصورة المذكورة الاتيان بها و لكن التأكيد فيها اقل.
عن ابيه عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن احمد الاشعرى عن ابراهيم بن اسحق عن ابى هاشم الخادم قال قلت لأبى الحسن الماضى (ع): لم جعلت صلوة الفريضة و السنة خمسين ركعة، لا يزاد فيها و لا ينقص منها؟ قال:، ان
ص: 104
ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة، فجعل لكل ساعة ركعتين، و فيما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس ساعة، و ساعات النهار اثنتا عشرة ساعة، فجعل لكل ساعة ركعتين، و ما بين غروب الشمس الى سقوط الشفق غسق، فجعل للغسق ركعة.
قال فى البحار بعد نقل المذكور: هذا اصطلاح شرعى للساعات، و هى مختلفة باختلاف الاصطلاحات، فمنها مستوية و منها معوجة الى غير ذلك، و الركعة التى جعلت للغسق لعلها ركعتا الوتيرة، فانهما تعدان بركعة.
و فى الخصال ليس قوله فجعل للغسق ركعة، و فيه مكان الشفق القرص فالمراد سقوطه بالكلية بذهاب الحمرة المشرقية، و ما فى العلل فى الموضعين اظهر و أوضح.
و فى الكافى ايضا كذلك. و قال السيد الداماد رحمه الله: كون كلّ من الليل و النهار اثنتى عشره ساعه اما بحسب الساعات المعوّجة او بحسب الساعات المستويه، فى خطّ الاستواء او فى الافاق المائله ايضا، عند تساوى الليل و النهار، و ذلك اذا ما كان المدار اليومى للشمس معدل النهار، و اما اخراج ما بين طلوع الفجر و طلوع الشمس من الليل و النهار و اعتبار زمانه على حياله ساعة برأسها، فقد ورد به بعض الاخبار عنهم صلوات الله عليهم، و من ذلك ما رواه جماعة من مشيخة علمائنا رضوان الله عليهم عن مولانا الصادق (ع):
ان مطران النصارى سال اباه الباقر (ع) عن مسائل عديدة عويصة، منها الساعة التى ليست هى من ساعات الليل و لا من ساعات النهار اية ساعة هى ؟ فقال عليه السلام: هى الساعة التى بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس.
فاستشكل ذلك من باعه فى تتبع العلوم و تعرف المذاهب قاصر، زاعما ان هذا امر لم ينعقد عليه اصطلاح و لم يذهب اليه ذاهب اصلا، و لعل مزجاة من بضاعة المتمهر حسبك لازاحة هذه المرية، اليس هذا الاصطلاح منقولا فى كتب اعاظم علماء الهيئة عن حكماء الهند، و اليس الاستاذ ابو ريحان البيرونى فى القانون المسعودى ذكر ان براهمة الهند ذهبوا الى ان بين طلوع الفجر و
ص: 105
طلوع الشمس، و كذلك ما بين غروب الشمس و غروب الشفق غير داخل فى شىء من الليل و النهار، بل ان ذلك بمنزلة الفصل المشترك بينهما، و اورد ذلك الفاضل البيرجندى فى شرح زيج الجديد و فى شرح التذكرة، ثم ان ما فى رواياتنا عن ائمتنا المعصومين صلوات اللّه عليهم، و ما عليه العمل عند اصحابنا رضى الله تعالى عنهم اجماعا، هو ان زمان ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس من النهار و معدود من ساعاته، و كذلك زمان غروب الشمس الى ذهاب الحمرة من جانب المشرق فان ذلك امارة غروبها فى افق الغرب، فالنهار الشرعى فى باب الصلوة و الصوم و فى ساير الابواب من طلوع الفجر المستطير الى ذهاب الحمرة المشرقية، و هذا هو المعتبر و المعمول عليه عند اساطين الالهيين و الرياضيين من حكماء اليونان، و ثاوذوسيوس بنى اساس الاصطلاح فى كتاب المساكن عليه، و حكم ان مبدأ النهار عند ظهور الضياء و اختفاء الكواكب الثاقبة و منتهاه حين اختفاء الضياء و اشتباك النجوم.
و العلامة الشيرازى قطب فلك التحصيل و التحقيق، شارح حكمة الاشراق و كليات القانون، اظهر فى كتبه نهاية الادران، و التحفة و الاختيارات المظفرية ان اول الليل فى اصطلاح الشرع و عند علماء الدين مجاوزة الشمس افق الغرب حين تذهب الحمرة المشرقية و تستبين الظلمة فى جانب المشرق، و ما ذكره ان هو الا مذهب الامامية، و اما اصحاب الاحكام من المنجمين فالنهار عندهم محدود فى طرفى البداء و المنتهى مركز الشمس من افق المشرق و غروبه فى افق المغرب، و زمان ظهور جرم الشمس الى طلوع مركزها محسوب عندهم من الليل، و زمان غروب المركز الى اختفاء الجرم ايضا كذلك ليتعرف، انتهى.
و ينبغى فى المقام التنبيه لامرين:
الاول: خبر العلل كما ترى قد تضمن السؤال عن الخمسين، مع ان الجواب يشتمل على احدى و خمسين، فلعله قد وقع فى السؤال سهو باسقاط احدى، او وقع السهو من احد الرواة، او كان السؤال كذلك، فتنبه المعصوم
ص: 106
عليه السلام للسائل فى جوابه (ع)، و اما ما رواه فى الخصال باسقاط قوله فجعل للغسق ركعة، فحينئذ الجواب مطابق للسؤال، و لكن يبقى الاختلاف بينه و بين خبر العلل و الخبر الثانى و العشرين، و وجه الجمع ما عرفت.
الثانى: يشعر الخبر الثانى و العشرون و خبر العلل و الخصال، بان ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس لا من ساعات النهار و لا من ساعات الليل، مع ان صلوة الفجر من ساعات النهار اتفاقا كما حكاه غير واحد منهم، و نظير هذه الاخبار قد ورد فيما رواه جملة من اصحابنا على ما قيل، منهم السيد الزاهد رضى الدين بن طاوس فى كتاب الامان من اخطار الاسفار و الازمان، فى حديث الباقر (ع) مع قسيّس النصارى حيث قال له القسيس اخبرنى: عن ساعة ليست من ساعات الليل و لا من ساعات النهار، فقال (ع): هى ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس، يهداء فيه المبتلى(1) و يرقد فيها الساهر و يفيق فيها المغمى عليه، جعلها الله فى الدنيا رغبة للراغبين و فى الآخرة للعالمين لها دليلا واضحا، و حجابا مانعا على الجاحدين المتكبرين التاركين لها الحديث.
و روى فى البحار فى باب تحقيق منتصف الليل، عن تفسير على بن ابراهيم عن ابيه عن اسمعيل بن ابان عن عمر بن ابان الثقفى قال: سأل النصرانى بالشام الباقر (ع) عن ساعة ما هى من الليل و لا هى من النهار، اىّ ساعة هى ؟ قال ابو جعفر (ع): ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس، قال النصرانى: اذا لم يكن من ساعات الليل و لا من ساعات النهار، فمن بنى اى الساعات هى ؟ فقال ابو جعفر (ع): من ساعات الجنة و فيها تفيق مرضانا، فقال النصرانى: اصبت.
قال البهائى طاب ثراه فى اوائل مفتاح الفلاح ما لفظه: و هاهنا اشكال، و هو انه قد روى جماعة من علمائنا عن الصادق (ع)، ان رجلا من النصارى سال اباه الباقر (ع) عن الساعات التى ليست من ساعات الليل و لا من ساعات النهار،
ص: 107
فقال (ع): هى الساعة التى بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس، و لا يخفى ان هذا ينافى ما نقل اصحابنا عليه الاجماع من ان صلوة الصبح من صلوة النهار، و انه لم يخالف فى ذلك الا سليمان بن مهران الاعمش حيث عدها من صلوة الليل، مستدلا بقول النبى (ص) صلوة النهار عجماء اى اخفاتيه، الى ان قال: و يمكن التفصى عن هذا الاشكال بان الرواية قد وردت بان ذلك السايل كان قسيّسا من علماء النصارى، و انه سأل الباقر (ع) عن مسائل عديدة لم تكن معروفة الا بين اكابر علمائهم، و هذه المسئلة من جملتها، فلعل الامام (ع) اجاب السائل على ما يوافق عرفه و اعتقاده، و ذلك لا ينافى كون النهار حقيقة شرعية فيما بين طلوع الفجر و غروب الشمس، و اما ما استدل به الاعمش من قول النبى (ص) صلاة النهار عجماء، فقد اجاب عنه علماؤنا قدس الله ارواحهم بانه من قبيل تغليب الاكثر على الاقل، او انه عليه الصلوة و السلام جعل صلوة الصبح من صلوة الليل مبالغة فى التغليس بها، فقد روى انه صلى الله عليه و آله يغلس لها حتى انه كان اذا فرغ منها انصرف النساء و هن لا يعرفن من الغلس، انتهى.
اقول جواب البهائى طاب ثراه انما يتمشى على خبر النصارى، و اما بالنسبة الى خبر ابى هاشم و الخبر الثانى و العشرين فليس بجيد الظلمه، و اما ما افاده السيد الداماد رزقه الله اقصى السعادة يوم التناد، فغايته هو ثبوت الاصطلاح بذلك ردا على من انكر القول به، و ان لم يذهب اليه ذاهب، و اما الجواب عن الخبرين المتقدم اليهما الاشارة فلم يتعرض له.
و يمكن ان يجاب بما افاده بعض الاجلاء طاب ثراه، و هو ان الساعة و ان كانت من النهار الا انها بما كانت اشرف ساعاته كما يستفاد من كلام الباقر (ع) فى جواب النصرانى، و يدل عليه الامر بالتعقيب بالدعاء فيها، و كراهة النوم فيها كراهة مؤكدة و نحو ذلك، جعلت مفصولة مستقلة و افردت بالذكر على حده، تنويها بشانها و علو رتبتها على غيرها من الساعات.
ص: 108
الشمس قبل الظهر، و ست ركعات بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر، و ربما يستدل عليه لابن الجنيد فيما ذهب اليه على ما نقل، من ان الزايد على الركعتين ليس للعصر حيث قال: يصلى قبل الظهر ثمان ركعات و ثمان ركعات بعدها منها ركعتان نافلة العصر.
اقول: و يمكن ان يستدل عليه برواية عمار بن موسى الآتية عن قريب اليها الاشارة فانتظر، و نقل عن القطب الراوندى انه نقل عن بعض اصحابنا انه جعل الست عشرة للظهر، قال فى الحبل المتين بعد ذكر ما نقله القطب: و الظاهر ان المراد بالظهر وقته كما يلوح من الروايات لا صلوته، و قال ايضا قبل كلامه هذا: و قوله (ع) فى الحديث التاسع ثمانى ركعات الزوال، و فى الحديث الرابع ثمانى ركعات اذا زالت الشمس، يعطى بظاهره ان هذه النافلة للزوال لا لصلوة الظهر، و ليس فيما اطلعنا عليه من الروايات دلالة على ان الثمان التى قبل العصر نافلة العصر، انتهى.
اقول: قد عرفت فى الامر الثانى ان الصدوق فى الهداية جعل نافلة الظهر ست عشرة ركعة فراجع، و بالجملة الاخبار خالية عن التعيين للظهر او العصر او غيرهما بالنحو المفصل فى كلام كثير من الاصحاب، فما ذهب اليه المشهور من المتأخرين بل القدماء ايضا، ما قيل من ان نافلة الظهر ثمان ركعات و كذا نافلة العصر، لا اجد له وجها يعتد به كمختار الهداية و اما ما قيل بان ظاهرها(1) التعيين، فهو اعلم بما ادعاه.
و الخبر الرابع ايضا غير دال على ما ذهب اليه الاسكافى كما ترى، نعم يظهر من الرواية عن الفضل بن شاذان الآتية فى شرح قول المصنف و تسقط نوافل الظهرين و الوتيرة، ان الوتيرة مضافة الى صلوة العشاء، و يمكن ان يقال ادنى الملابسة فى الاضافه يكفى و هى انها تفعل بعد العشاء، و يؤيد ذلك ما دل عليه آخر
ص: 109
ذلك الخبر و غيره من عدم كونها من الخمسين، و يستفاد ايضا من موثقه عمار بن موسى المروية فى التهذيب فى باب المواقيت ان نافلة العصر للظهر، و صرح فيها ايضا ان لكل صلوة مكتوبة نافلة ركعتين الا العصر فانها تقدم نافلتها فتصير ان قبلها، و هى الركعتان اللتان تمت بهما الثمان بعد الظهر، فكيف كان فالاولى فى النية الاقتصار على ما ندب اليه هذا الوقت من غير اضافة الى صلوة، كما قاله غير واحد من الطائفة.
قال بعض المحققين و فى الذكرى ان معظم الاخبار و المصنفات خالية عن التعيين للعصر و غيرها، اقول: فى الاخبار اختلاف شديد فى تعيين ذلك، و المستفاد منها كون ثمانى منها قبل الظهر و ثمانى بعدها و قبل العصر، فالاقتصار فى نيتها على ملاحظة الامتثال بها متجه، و قصدها على النحو المشهور غير مضر ايضا، اذا كان المراد الاضافة على حسب المقرر عند الفقهاء و المشهور منهم، او مطلقا من غير تخصيص الشرع، و ما يستفاد من الاخبار، انتهى.
اقول و هذا الكلام لا يخلو عن مناقشة، فالاولى هو عدم الاضافة الى الفريضة كما عرفت.
تذنيب قد يقال فائدة الخلاف فى اعتبار ايقاع الست قبل القدمين او المثل ان جعلناها للظهر، و فيما اذا نذر نافلة العصر فان الواجب الثمان على المشهور، و ركعتان على قول ابن الجنيد، قال فى المدارك، و يمكن المناقشة فى الموضعين: اما الاول فبان مقتضى النصوص اعتبار ايقاع الثمان التى قبل الظهر قبل القدمين او المثل، و الثمان التى بعدها قبل الاربعة او المثلين، سواء جعلنا الست منها للظهر او العصر، و اما الثانى فلان النذر يتبع قصد الناذر، فان قصد الثمانى او الركعتين وجب، و ان قصد ما وظفه الشارع للعصر امكن التوقف فى صحة النذر، لعدم ثبوت الاختصاص انتهى، و استحسنه فى البحار.
و قال بعض المحققين بعد نقل المذكور: و الامر كما ذكره ان قصد الاختصاص الثابت من الشرع و لم يكتف بالثبوت بهذا القدر من الاشتهار بين
ص: 110
الاصحاب، و اما اذا قصد الاختصاص المشهور بينهم او مطلقا و اكتفى فى الثبوت بذلك فظهر الثمرة.
كما صرح به جملة من الاصحاب، لما رواه فى باب كيفية الصلوة عن ابى العلاء الخفاف عن جعفر بن محمد عليه السلام قال من صلى المغرب ثم عقب و لم يتكلم حتى يصلى ركعتين كتبتا له فى عليين، فان صلى اربعا كتبت له حجة مبرورة و الرواية و ان كانت دالة على استحباب عدم التكلم، و ترك المستحب ليس بمكروه حقيقة و ذاتا و لكن اذا قلنا بان ترك المستحب مكروه مسامحة، فليس ببعيد، لان الاتى بضد المستحب تارك للاولى و هو فعل المستحب فعدم الاتيان بهذا الضد اولى، و استدل على ذلك فى المدارك ايضا بما رواه التهذيب فى الباب المتقدم عن ابى الفوارس قال:
نهانى ابو عبد الله (ع) ان اتكلم بين الاربع ركعات التى بعد المغرب، قال: و كراهة الكلام بين الاربع يقتضى كراهة الكلام بينهما و بين المغرب بطريق اولى، و فيه نظر الجواز اختصاص الكراهة بالكلام بين الاربع، و ان جاز التكلم بينها و بين الفريضة بان يجعل الاربع مرتبطة بعضها ببعض كانها صلوة واحدة.
يكره الكلام بين نافلة المغرب لرواية ابى الفوارس المتقدمة، بل رواية ابى العلاء الخفاف ايضا دالة على ذلك، قال بعض المحققين فى رواية الخفاف: و الظاهر ان المراد ان صلى اربعا كذلك اى لم يتكلم كتب الى آخره كما فهمه الفقهاء ظاهرا و افتوا به، قال: و المستفاد كراهة الكلام بغير الذكر و الدعاء و غيرهما من التعقيب.
و تأخيره الى ان يفرغ من النافلة، و احتج له فى التهذيب برواية ابى العلاء السابقة، و هى كما ترى بالدلالة على خلافه اشبه كما صرح به بعض الاجلاء، قال فى المدارك قال الشهيد فى الذكرى: الافضل
ص: 111
المبادرة بها يعنى نافلة المغرب قبل كل شىء سوى التسبيح، و نقل عن المفيد مثله، و استدل عليه بان النبى (ص) فعلها كذلك فانه لما بشر بالحسن (ع) صلى ركعتين بعد المغرب شكرا، فلما بشر بالحسين (ع) صلى ركعتين و لم يعقب حتى فرغ منها، و مقتضى هذه الرواية اولوية فعلها قبل التسبيح ايضا، الا انها مجهولة السند و معارضة بالاخبار الصحيحة المتضمنة للامر بتسبيح الزهراء (ع) قبل ان يثنى المصلى رجليه من صلوة الفريضة، انتهى.
قال بعض الاجلاء بعد نقل ذلك: ظاهر قوله و استدل عليه ان المستدل هو الشهيد رحمه الله و ليس كذلك بل ظاهر الذكرى ان المستدل انما هو الشيخ المفيد رحمه الله، و اختيار الذكرى الذى نقله عنه متاخر عن هذا النقل و الاستدلال، و ذلك فانه فى الذكرى صرح اولا بان وقت نافلة المغرب بعدها حتى يذهب الشفق المغربى، قاله الشيخ رحمه الله فى النهاية، ثم نقل احتجاج التحرير على ذلك الى ان قال: و قال المفيد تفعل بعد التسبيح و قبل التعقيب كما فعلها النبى (ص) لما بشر بالحسن (ع) فانه صلى ركعتين شكرا، فلما بشر بالحسين عليه السلام صلى ركعتين و لم يعقب حتى فرغ منها، و ابن الجنيد: لا يستحب الكلام و عمل شىء بينهما و بين المغرب، و بالجملة التوقيت بما ذكره الشيخ رحمه الله لم نقف عليه، الى ان قال: و لو قيل بامتداد وقتها بوقت المغرب امكن، لانها تابعة لها و ان كان الافضل المبادرة بانها قبل كل شىء سوى التسبيح انتهى.
و بذلك يظهر ما فى نقل السيد قدس سره من الاجمال الموجب للوقوع فى الاشكال، ثم انه لا يخفى ان الرواية الواردة فى تعليل النوافل بولادة الحسين عليه السلام لا اشعار فيها بهذه الزيادة التى ذكرها و هى قوله و لم يعقب حتى فرغ منها، و بدونها لا يتم ما ذكره، و هذه صورة الخبر على ما نقل فى كتاب الاخبار برواية الصدوق و الشيخ رحمه الله عنه، و نقله فى الذكرى ايضا متقدما على هذا الموضع: و سئل الصادق (ع) لم صارت المغرب ثلاث ركعات الى آخر
ص: 112
ما نقله التهذيب فى باب كيفية الصلوة ثم قال: و اما ما اجاب به فى المسالك بناء هذه الزيادة فهو محل نظر ايضا.
اما اولا فلان الطعن فيها بضعف السند لا يقوم حجة على المتقدمين، مع انه انما استند فى حكمه بكراهة الكلام بين المغرب و نافلتها الى خبر ضعيف ايضا و لم يطعن فيه بالضعف.
و اما ثانيا فانا لم نقف فى شىء من الاخبار على ان الرسول (ص) كان يسبح بعد الصلوة هذا التسبيح الذى علمه فاطمه (ع) و اشتهر بتسبيحها (ع)، و ترادفت النصوص بفضله و استحبابه بعد الصلوة، و بالجملة فغاية ما يفهم من الاخبار انه بعد امره لفاطمة (ع) شاع استحبابه، و اما انه فعله (ص) فغير معلوم من الاخبار، نعم ما ذكره جيد بالنسبة الى غيره لاستفاضة الاخبار بما ذكره من استحبابه قبل ان يثنى المصلى رجليه من جلوسه للتشهد، انتهى.
اقول و فى كشف الغمة على ما نقل: ان الجواد (ع) صلى المغرب فقرا فى الاولى الحمد و اذا جاء و فى الثانية الحمد و قل هو الله احد ثم صلى الثالثة و تشهد و سلم، ثم جلس هنيئة يذكر الله تعالى، و قام من غير ان يعقب فصلى النافلة اربع ركعات و عقب بعدها و سجد سجدتى الشكر.
قال بعض المحققين بعد نقله: و هذا يصلح ان يكون دليل المفيد رحمه الله و الذكرى ايضا فتأمل، لكن فى رواية جابر بن ابى ضحاك ان الرضا عليه السلام كان اذا صلى المغرب جلس فى مصلاه يسبح الله و يكبره و يحمده و يهلله ما شاء الله، ثم يسجد سجدتى الشكر ثم يرفع راسه، و لم يتكلم حتى يقوم و يصلى اربع ركعات بتسليمتين، و لا مانع للكل و لكن الاولى متابعة المشهور فى الفتوى انتهى، و ما ذكره من الحكم بالتخيير وجيه و لكن الاولى تقديم التسبيح.
عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: من قال فى آخر سجدة من النافلة بعد المغرب ليلة الجمعة، و ان قال كل ليلة و هو افضل: اللهمّ انّى
ص: 113
اسئلك بوجهك الكريم و اسمك العظيم ان تصلى على محمّد و ان تغفر لى ذنبى العظيم، سبع مرات انصرف و قد غفر له.
و رواه التهذيب ايضا فى باب كيفية الصّلوة عن عبد اللّه بن سنان عن عمر بن يزيد عن الصّادق (ع)، و لكن ليس فيه قوله (ع): و ان قال كل ليلة و هو افضل.
و عن الشهيد فى الذكرى و يستحب ان يقال فى السجدة بعد السبع ليلة الجمعة سبع مرات: اللهم انى اسئلك الى آخره، و هو و هم منه لان المستند هو هذه الرواية.
روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة عن حفص الجواهرى قال: صلى بنا ابو الحسن على بن محمد عليهما السلام صلوة المغرب فسجد سجدة الشكر بعد السابعة، فقلت له: كان ابآؤك يسجدون بعد الثلاثة، فقال:
ما كان احد من آبائى يسجد الا بعد السبعة.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن الجهم بن ابى جهمه فقال: رايت ابا الحسن (ع) موسى بن جعفر (ع) و قد سجد بعد الثلاث الركعات من المغرب، فقلت له: جعلت فداك رايتك سجدت بعد الثلاث، فقال: و رايتنى ؟ فقلت: نعم، قال: فلا تدعها فان الدعاء فيها مستجاب.
و روى الطبرسى فى الاحتجاج عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميرى عن صاحب الزمان (ع)، انه كتب اليه يسئله عن سجدة الشكر بعد الفريضة فان بعض اصحابنا ذكر انها بدعه، فهل يجوزان يسجدها الرجل بعد الفريضة، فان جاز ففى صلوة المغرب هى بعد الفريضة، او بعد الاربع ركعات النافلة، فاجاب (ع):
سجدة الشكر من الزم السنن و اوجبها، و لم يقل هذه السجدة بدعة، الا من من اراد ان يحدث فى دين الله بدعة، فاما الخبر المروى فيها بعد صلوة المغرب و الاختلاف فى انها بعد الثلاث او بعد الاربع، فان فضل الدعاء و التسبيح بعد الفرايض على الدعاء بعقب النوافل كفضل الفرايض على النوافل، و السجدة
ص: 114
دعاء و تسبيح فالافضل ان تكون بعد الفرض، و ان جعلت بعد النوافل ايضا جاز.
قال فى المدارك: قال فى المنتهى: سجود الشكر فى المغرب ينبغى ان يكون بعد نافلتها، لما رواه الشيخ عن حفص الجواهرى قال: صلى بنا ابو الحسن عليه السلام صلوة المغرب الحديث، و فى السند ضعف، مع انه روى جهم بن ابى جهم قال: رايت ابا الحسن موسى (ع) و قد سجد بعد الثلاث الحديث، و الظاهر ان المراد به سجدة الشكر و الكل حسن ان شاء الله.
قال بعض المحققين بعد نقلهما: و الكل حسن الا ان الاول اى خبر حفص الجواهرى موافق للفتوى و لعلّه اولى ايضا، و قال بعض الاجلاء بعد نقل كلام المدارك: و ظاهر كلامه اخيرا هو التخيير بين الامرين، و بذلك صرح فى الذكرى ايضا فقال: فى موضع سجدتى الشكر بعد المغرب روايتان يجوز العمل بهما، احدهما رواية حفص الجواهرى، و الثانية رواية جهم.
اقول لا يخفى ان القول بالتخيير هنا لا يخلو عن اشكال، حيث ان ظاهر كل من الخبرين يدافع الاخر، فان ظاهر الاول استحباب السجود بعد السابعة و انه هو الموظف خاصة لفعله (ع) ذلك، و لانكاره على الراوى بانه لم يسجد احد من آبائى الا بعد السابعة، و ظاهر الخبر الثانى حيث راه يسجد بعد الثالثة.
و قوله (ع): فلا تدعها فان الدعاء فيها مستجاب، هو كون ذلك هو السنة الموظفة هنا، فكيف يتم القول بالتخيير فيهما كما ذكروه ؟ و الاظهر عندى وفاقا للمحدث الكاشانى فى الوافى، هو حمل الرواية الاولى اى رواية حفص على التقية كما يشعر به قول الكاظم (ع): و رأيتنى، و كانه كان يستخفى بذلك، و يؤيده ما ورد فى توقيعات صاحب الامر عجل الله نصره و ظهوره، من انها بعد الفريضة افضل، و جمع بعض الاصحاب بين الخبرين، بحمل الاول الدال على انها بعد السبع على الجواز، و الثانى على الافضل و يدل عليه خبر التوقيع، و
ص: 115
الظاهر انه لم يطلع عليه و ليته كان حيا فاهديه اليه، الا انك قد عرفت ان الخبر الاول لا يخلو عن منافرة لذلك، حيث انه (ع) مع فعله ذلك انكر ان احدا من آبائه لم يسجد الا بعد السبع، و لا يبعد ملاحظة التقية فى التجويز بعد السبع فى التوقيع المذكور، انتهى.
اقول و رواية كشف الغمة المتقدمة معاضدة لرواية حفص، كما ان رواية رجاء بن ابى ضحاك المتقدمة معاضدة لرواية جهم كالتوقيع، و الذى يقرب عندى هو القول بالتخيير، و الاشكال الذى اورده بعض الاجلاء غير وجيه، لان الرجوع الى الاصل بعد تعارض الروايتين و عدم المرجح متعين، نعم الاولى بل الاحوط هو العمل برواية جهم و الله هو العالم.
فى ذكر جملة من الاصحاب ان الجلوس فى الركعتين اللتين بعد العشاء افضل من القيام، لورود جملة من النصوص بالجلوس فيها منها الخبر الاول، و الخامس، و الثالث و العشرون، و الثلاثون، و الثانى و الثلاثون المؤيد بالخبر الحادى و العشرين، من ذلك ايضا ما اورده بعض الاجلاء قال:
روى الصدوق فى كتاب العلل بسنده عن ابى عبد الله القزوينى قال قلت لابى جعفر محمد بن على الباقر (ع): لاى علة تصلى الركعتان بعد العشاء الآخرة من قعود؟ فقال: ان الله فرض سبع عشرة ركعة فاضاف اليها رسول الله (ص) مثليها، فصارت احدى و خمسين ركعة فتعد هاتان الركعتان من جلوس بركعة.
و عن المفضل عن ابى عبد الله (ع) قال قلت: اصلى العشاء الآخرة فاذا صليت صليت ركعتين و انا جالس، فقال: اما(1) انها واحدة و لو مت مت على وتر.
و روى الكشى رحمه الله فى كتاب الرجال عن هشام البرقى عن الرضا (ع) قال: ان اهل البصرة سألونى فقالوا: ان يونس يقول من السنة ان يصلّى
ص: 116
الانسان ركعتين و هو جالس بعد العتمة، فقلت: صدق، يونس.
اعلم ان هنا خبر ان دالان على افضلية القيام، احدهما الخبر الرابع، و ثانيهما الخبر الثالث، و التقريب فيه مواظبته (ع) على القيام فيهما، و صلوة ابيه عليه السلام و هو قاعد لا ينافى ذلك، لكونه ثقيل البدن و يشق عليه القيام، و يدلّ عليه ما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره، عن حنان بن سدير عن ابيه قال قلت لابى جعفر (ع): اتصلى النوافل و انت قاعد؟ فقال: ما اصليها الا و انا قاعد، منذ حملت هذا اللحم و بلغت هذا السنّ .
اقول قد اضطرب كلام جملة من الفحول فى الجمع بين هذين الخبرين و بين الاخبار المتقدمة، جملة منهم رجحوا الاخبار المتقدمة، و الشارح الفاضل فى الروضه و بعض المحققين رجحا هذين الخبرين، و المحقق البهائى فى الحبل المتين و بعض الاجلاء توقفا فى المسئلة، و بعضهم(1) جمعا بينها بجواز الاتيان بها من قعود و من قيام، و اعترضه بعض الاجلاء بان محل البحث و تصادم الاخبار فى الافضل لا فى أصل الجواز.
و فى المدارك بعد نسبة افضلية الجلوس الى جمع من الاصحاب و استدلاله لهم بالخبر الثانى و الخامس قال: و يمكن القول بالفضيلة القيام فيهما، ثم استدل لذلك بالخبر الرابع، و قال: و فى الطريق عثمان عيسى و هو واقفى، و بالخبر الثالث بالتقريب المتقدم، و قال: لكن فى السند نظر تقدمت الاشارة اليه.
اقول: سند الخبر الثالث و ان كان فى الكافى فى باب النوافل ضعيفا، و لكن فى التهذيب صحيح كما عرفت، و العجب من السيّد المشار اليه انه فى المكان الذى اشار هنا اليه ذكر صحة هذا السّند، و مع هذا كيف تكلم بهذا الكلام ؟ قال فى المكان الذى اشار هنا اليه بعد نقل الخبر المذكور: و فى الطريق على بن الحديد، و قال الشيخ فى الاستبصار انه ضعيف جدا لا نعولّ على ما ينفرد به،
ص: 117
و قد روى هذه الرواية الشيخ فى التهذيب بطريق آخر عن احمد بن محمّد بن عيسى عن على بن النعمان عن هذا فتكون صحيحة، لكن قيل ان مثل ذلك يسمى اضطرابا و انه مضعف للخبر، و فيه بحث ليس هنا محله انتهى، فتأمل.
قال فى الروضة بعد قول الشهيد: و يجوز قائما، ما صورته: هو افضل على الاقوى للتصريح به فى الاخبار، و عدم دلالة ما دل على فعلهما جالسا على افضلية بل غايته الدلالة على الجواز، مضافا الى ما دل على افضلية القيام فى النافلة مطلقا.
و قال بعض المحققين: ذكر جمع من الاصحاب ان الجلوس فى الوتيرة اولى لكونها مكان الركعة الواحدة و بدلها كما فى الاخبار، لكن فى بعضها ان القيام اولى، و منه ما مر فى رواية الحرث بن المغيرة: كان ابى (ع) يصليهما و هو قاعد و انا قائم، فان المواظبة على القيام فى خلاف طريقة ابيه دليل تام على رجحان القيام مضافا الى العمومات الاخر، و ابوه (ع) كان رجلا بادنا يشق عليه القيام و كونها مكان الركعة لا يقتضى رجحان كونها جالسة، لجواز ان يكون ثواب القيام فيها ثوابا خارجا عن ماهيتها بازاء القيام و المشقة التى فيه.
و قال بعض الاجلاء: الجمع بين اخبار المسئلة لا يخلو عن اشكال، و يمكن ترجيح الاخبار الاولة اى ما دل على الجلوس باوفقية البدلية، لان الركعتين من جلوس تعدان بركعة قائما بخلاف صلوتهما قائما فانه ربما حصلت الزيادة على العدد، و يؤيد ذلك ما رواه فى العلل عن ابى عبد اللّه القزوينى المتقدم، الا انه يتوقف على وجود محمل للخبرين المذكورين، و لا يحضرنى الان لهما محمل يحملان عليه، انتهى.
اقول ما ذكره فى الروضة من قوله: و عدم دلالة ما دل على فعلهما جالسا الى آخره غير وجيه كما لا يخفى على الناظر فى الاخبار بعين الانصاف، الا تنظر الى الخبر الاول و ما ضاهاه من تقييده (ع) الوتيرة فقط من بين النوافل بالجلوس، بل يظهر من ذلك ان فعلها قائما ليس بشرعى، لان احكام الشرع
ص: 118
تعبدية و فعلها قائما غير ثابت من الشريعة، و الخبر الرابع لذلك غير مناف لان الظاهر ان هاتين الركعتين اللتين يقرأ فيهما بمائة آية ليستا صلوة الوتيرة بل هما صلوة على حده كالغفيلة، و يدل على ذلك الخبر الحادى و العشرون، بل الخبر الخامس عشر ايضا، بدلالة واضحة، و بما ذكر ظهر حال الخبر الثالث.
و بالجملة الذى يترجح فى نظرى القاصر و يدون فى فكرى الفاتر، هو عدم جواز الاتيان بالوتيرة قائما، للخبر الاول و الخامس و الحادى و العشرين و الثالث و العشرين و الثلاثين و الثانى و الثلاثين، و يدل على ذلك ايضا روايتا فضيل بن يسار و ابى بصير المتقدمتان فى الامر الثانى، كرواية محمد بن سليمان المتقدمة فى ذلك الامر ايضا، و يدل عليه ايضا الاخبار المتقدمة فى صدر هذه المسئلة من رواية ابى عبد الله القزوينى و دلالتها على ذلك تامة كما لا يخفى، و رواية المفضل، و رواية هشام المشرقى، و دلالتها ايضا تامة، و لا اظنك فى مرية ايها المتفطن بعد التفكر فى الاخبار المذكورة بعين الانصاف، فى ان تلك الاخبار دالة على ان بناء الوتيرة انما هو على الجلوس،(1) فالقيام فيها موقوف على الاذن من الشارع و لم يثبت، هذا مضافا الى كون النوافل ضعف الفريضة كما فى النصوص انما يتم على ما اخترناه، و اما الركعتان اللتان دل الخبر الحادى و العشرون على استحبابهما و استحباب القراءة فيهما بمائة آية، فيجوز فعلهما قائما و جالسا، و لكن الاول افضل للخبر الثالث و الرابع.
و الحاصل ان الناظر البصير و الناقد الخبير، اذا ضم بعض الاخبار المتقدمة الى بعض، و امعن النظر فى عباراتها و ما تفيد بصريحها و اشاراتها، يظهر له ان التحقيق الذى قلته هو الحق الحقيق بالاتباع فى المقام، و ان غفلت عنه اقوام، فلا تعارض بين الاخبار عند التأمل الصّادق فى مضامينها و النظر فى قراين احوالها و مفاهيمها، و الجامعون بينها بنحو ما عرفت قد عجلوا من التكلف
ص: 119
البعيد و التحمل الشديد، و ما الحامل على هذه التكلفات المتعسفة و التحملات المنسلفة ؟ و لعلها نشات من عدم التدبر فى جميع اخبار المسئلة، و عدم التفكر فى المعارضة و المناقضة، كما لا يخفى على المتأمل المنصف دون المكابر المتعسف.
قال بعض الأجلاء: ما تضمنه خبر الحجال(1) من صلوة الصادق (ع) ركعتين بعد العشاء يقرأ فيهما بمائة آية، ثم ركعتين من جلوس، و انه متى لم يدرك صلوة الليل و الوتر فى آخره اضاف اليها ركعة كما فى بعض الاخبار او ركعتين كما فى الرواية الاخرى، و احتسب بها مع ما قدمه وترا، لا يخلو عن الاشكال، قال شيخنا المفيد رحمه الله فى الذكرى بعد نقل الخبر المذكور بالرواية المشتملة على لفظ الركعة ما صورته: و فيه ايماء الى جواز تقديم الشفع فى اول الليل، و هو خلاف المشهور، نعم فى خبر زرارة(2) عنه (ص): من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتّن حتى يوتر، و هذا يمكن حمله على الضرورة، و فى المصباح يستحب فى القواعد و النهاية حتى، فى نافلة شهر رمضان و هو مشهور بين الاصحاب رضى الله عنهم، و الذى فى رواية زرارة عن(3) ابى جعفر (ع):
و ليكن آخر صلوتك الوتر وتر ليلتك، و لكنه فى سياق الوتر لا وتيرة، و نسب ابن ادريس الرواية بالركعتين الى الشذوذ فى المختلف لا مشاحة فى التقديم و التاخير لصلاحية الوقت للنافلة.
اقول ما ذكره من ان الخبر ايماء الى جواز تقديم الشفع و انه خلاف المشهور، صحيح و لكنه بهذا التقريب يجب حمله على التقية، لان المنقول عن العامة انهم يستحبون تقديم الوتر فى اول الليل، فان انتبهوا فى آخر الليل
ص: 120
و صلوا صلوة الليل او تروا، فصلوا و ترين فى ليلة واحدة، و الا احتسبوا بما قدموه، و الاخبار قد نفت عليهم فعل وترين فى ليلة واحدة الا ان يكون احدهما قضاء.
و مما يشير الى ذلك ما فى صحيحة الحلبى(1) قال سألت ابا عبد الله عليه السلام: هل قبل العشاء الآخرة او بعدها شىء؟ قال: لا، غير انى اصلى بعدها ركعتين و لست احسبهما صلوة الليل، قال فى الوافى: فيه رد على العامة، فانهم ابدعوا وترا بعد صلوة العشاء، يحسبونه من صلوة الليل، فان اسيتقظوا اعادوها فيقضون وترين فى ليلة.
و قال فى الوافى ايضا فى ذيل خبر الحجال: لعل المراد انه صلى ركعة فصارت مع اللتين صلاهما جالسا شفعا فتصيران نافلة الفجر، فقوله: و احتسب بالركعتين، بيان لعدهما واحدة لتصيرا مع هذه شفعا، و فى بعض النسخ صلى ركعتين، فيكون المراد فصارت صلوته هذه شفعا، و هى مع الصلوة التى صلاهما جالسا يحسب بصلوة الوتر لانهما تعدان بواحدة، و ربما يوجد سبعا مكان شفعا، و كانه تصحيف انتهى، و لا يخلو من اضطراب و تناقض، و الذى يقرب عندى فى معنى الخبر المذكور ان الركعتين اللتين صلاهما (ع) بعد العشاء بلا فصل و قرا فيهما بمائة آية، هما ركعتا الوتيرة بقرينة قراءة مائة الآية التى قد ورد فى غير هذا الخبر استحبابها فيها، و قرينة قوله: و لا يحتسب بهما، يعنى من صلوة الليل كما تقدم ذكره.
و اما الركعتان من جلوس اللتان بعدهما، فان الغرض منها انه متى لم يستيقظ حتى يطلع الفجر، فانه يضيف اليها ركعة من قيام كما فى احدى الروايتين، او ركعتين يعنى من جلوس كما فى الرواية الاخرى، و يحتسب بذلك عن صلوة الفجر.
و اما قوله: و احتسب بالركعتين، فهو راجع الى الوتيرة، بقرينة قوله
ص: 121
اللتين صلاهما بعد العشاء فانهما اللتان يحتسب بهما عن الوتر، لما عرفت من ان من جملة التعطيلات فى الوتيرة هو قيامها مقام الوتر فى آخر الليل لو مات و لم يوتر، و مورد ذلك الخبر: و ان كان الموت، الا ان ظاهر هذا الخبر فوات الوقت ايضا، و كيف كان فالحكمان المذكوران لا يخلوان من غرابة، و لعل ذلك من جملة الرخص الواردة فى الشريعة، و مما يؤيده هذا الخبر باعتبار دلالتة على الزيادة على الوتيرة بعد العشاء الآخرة، ما تقدم فى حسنة عبد الله بن سنان قال: سمعت ابا عبد الله (ع) الى ان قال: و روايته يصلى بعد العتمة اربع ركعات، و قد تقدم النقل عن صاحب الوافى انه حملها على غير الرواتب و انه قضاء لها، و الظاهر حملها على ما دل عليه هذا الخبر، و كذلك الخبر الذى نقله فى الذكرى عن الشيخ فى المصباح الا ان خبر المصباح تضمن الركعتين من قيام، و الخبر الذى نحن فيه من جلوس، و خبر ابن سنان مجمل انتهى كلام بعض الاجلاء.
اقول تحقيق الكلام فى المقام يقع فى مقامات.
الاول: قوله: اقول: ما ذكره من ان فى الخبر ايماء الى جواز تقدم الشفع و انه خلاف المشهور، صحيح و لكنه بهذا التقريب يجب حمله على التقية الى آخره غير وجيه:
اما اولا: فلان الحمل على التقية خلاف الاصل، و ما الداعى على ارتكابه مع اعتضاد ذلك الخبر بالخبر الخامس عشر، بل بالخبر الرابع، بل بالخبر الثالث.
و اما ثانيا: فلان الايماء المشار اليه غير ظاهر عندنا، و سنحقق ما هو الظاهر عندنا بملاحظة ذلك الخبر.
و اما ثالثا(1) فلاحتمال ان يكون المراد من لفظ الشفع الواقع فى الرواية
ص: 122
هو الشفع الذى يتصف العدد به، كما يقال هذا العدد شفع، و يؤيده ان اطلاق كلمة الشفع على الركعتين الاوليين من الثلاث قليل، بل كثيرا ما يطلق على الثلاث الوتر كما مضى تحقيقه فتامل جدا.
الثانى: ما ذكره فى الذكرى من دلالة خبر زرارة على ما ذكره ايضا، حتى انه تأوله بحمله على الضرورة، غير وجيه لان المراد من الوتر هو الوتيره كما يظهر ذلك من خبر ابى بصير المتقدم فى الامر الثانى و من غيره، و بذلك يحمل ايضا قوله (ع): و ليكن آخر صلوتك الوتر وتر ليلتك، و ان كانت الرواية فى سياق الوتر.
الثالث: الا ظهر ان الركعتين اللتين دل عليهما الخبر الحادى و العشرون و غيره، انما تصليان قبل الوتيره كما يشعر بذلك الخبر المشار اليه، فما ذكره فى المصباح من كون مكانها بعد الوتيرة غير وجيه بحسب الظاهر، و هو اعلم بما قاله، و لعله راى رواية دالة على ما ذكره فلا يرد انكار الحلى، و اما نسبة الرواية بالركعتين الى الشذوذ، فغير وجيه لمكان الخبر الخامس عشر، بل الرابع و الثالث بتقريب ما عرفت.
الرابع: قوله: و الذى يقرب عندى فى معنى الخبر الى آخره، غير وجيه كما لا يخفى على الناظر فى ذلك الخبر و غيره بعين الانصاف، و لعل المراد من قوله: قد ورد فى غير هذا الخبر استحبابها فيها، هو الخبر الرابع، و قد عرفت ما يدل عليه.
و بالجملة انى بعون اللّه لا ارى اشكالا فى الخبر الحادى و العشرين مطلقا، و ذلك لان ظاهر الخبر ان الصادق (ع) كان يصلى بعد العشاء ركعتين، و يقرا فيهما بمائة آية، ثم كان يصلى ركعتى الوتيرة قاريا فى احديهما قل هو اللّه احد و فى اخريهما قل يا ايها الكافرون، فان كان مستيقظا من الليل كان يصلى صلوة الليل، فان لم يكن مستيقظا حتى يطلع الفجر كان يصلى ركعة او ركعتين على اختلاف و يحتسبها شفعا، و يحتسب بالوتيرة مفردة الوتر، فما
ص: 123
العيب فى ذلك ؟ اليس احكام الشرع من الاحكام التعبدية، فلم لا يجوز ان يكون الركعة التى اتى بها بعد الفجر، او الركعتين على اختلاف قائمة مقام ركعتى الشفع ؟ ما ذلك الا استبعاد واضح، و ليس مدرك لائح، فنحن بتوفيق الربّ الرّحيم، لا نحتاج الى التكلفات التى عرفتها، و التحملات الشديدة التى لا تقبلها الاذهان المستقيمة و العقول السليمة، فارتفعت الاشكالات الواردة فى مسئلتنا، من مناقضة الاخبار و غيرها بحذافيرها، لمكان الاحاطة بالاخبار الواردة فى المسئلة، و التفكر فى مناطيقها، و مفاهيمها، و هذا التحقيق من خصا يصنا فى هذا المقام بتوفيق الملك العلام.
كل النوافل يسلم فيها على الركعتين الا مفردة الوتر و صلوة الاعرابى، على ما هو المعروف من مذهب الاصحاب، بل عن الشيخ فى الخلاف و ابن ادريس دعوى الاجماع عليه، و هنا صلوة اخرى ذكرها بعض الاصحاب يفعل منها بتسليم واحد اكثر من ركعتين سيجئ ذكرها ان شاء الله، و منع فى ظاهر من الزيادة على الركعتين اقتصارا على ما نقل عن النبى (ص) و اهل بيته عليهم السلام، و قال فى الخلاف ان فعل خالف السنه، و احتج باجماعنا، و بما رواه ابن عمران: ان رجلا سأل رسول الله (ص)، فقال: صلوة الليل مثنى مثنى، فاذا خشى احدكم الصبح صلى ركعة واحده يوتر له ما قد صلى، ثم نقل عن ابن عمر عنه (ص) قال: صلوة الليل و النهار مثنى مثنى ثم قال: فدل على ان ما زاد على مثنى لا يجوز، و ظاهر كلامه فى الكتابين عدم مشروعيته و انعقاده.
و هل يجوز الركعة الواحدة فى غير الوتر؟ منع منه فى الخلاف و التحرير اقتصارا على المتفق عليه من فعل النبى (ص)، و لرواية مسعود عن النبى (ص) انه نهى عن البتيرا يعنى الركعة الواحدة، و قد ذكر الشيخ رحمه الله فى المصباح عن زيد بن ثابت صلوة الاعرابى(1) عند ارتفاع نهار الجمعه عشر
ص: 124
ركعات، و يقرا فى الركعة الاولى الحمد مرة و الفلق سبعا، و فى الثانية بعد الحمد الناس سبعا، و يسلم و يقرا آية الكرسى سبعا، ثم يصلى ثمان ركعات بتسليمتين، و يقرا فى كل ركعة الحمد مرة و النصر مرة و الاخلاص خمسا و عشرين مرة، ثم يدعوا بالمرسوم، و لم يذكر سندها و لا وقفت لها على سند من طريق الاصحاب، قال ابن ادريس: قد روى رواية فى صلوة الاعرابى و ان صحت لا تعدّى لان الاجماع على ركعتين بتسليمة انتهى ما ذكره فى الذكرى.
قال بعض الاجلاء بعد نقل كلام الذكرى: و الاظهر فى الاستدلال على الحكم المذكور هو ما اشاروا اليه، مما ملخّصه ان العبادات توقيفية متلقاه من صاحب الشرع، و الذى ثبت و صح عنه ان كل ركعتين بتسليمة خرج منها الوتر بالنصوص المستفيضة، و يزيده تأكيدا ما رواه عبد الله بن جعفر الحميرى فى كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده، على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن الرجل يصلى النافلة، يصلح له ان يصلى اربع ركعات لا يسلم بينهن ؟ قال: لا، الا ان يسلم من كل ركعتين، و ما رواه ابن ادريس فى مستطرفات السرائر، نقلا عن كتاب حريز بن عبد الله عن ابى بصير قال قال ابو جعفر (ع) فى حديث: و افصل بين كل ركعتين نوافلك بالتسليم، و اما صلوة الاعرابى فلم يثبت طريقها من طريق الاصحاب كما اعترف به شيخنا المذكور و غيره، و الخبر الوارد بها عامى لا يمكن تخصيص ما علم به من الاخبار.
و قال فى الدروس: كل النوافل تصلى ركعتين بتشهد و تسليم، الا الوتر و صلوة الاعرابى و هى عشر ركعات كالصبح و الظهرين كيفية و ترتيبا، و لم استثبت
ص: 125
فى اخبارنا، و وقتها عند ارتفاع نهار الجمعة، و الاقرب عدم شرعية الركعة الواحدة فى غير الوتر، انتهى.
أقول الكلام هنا يقع فى مقامين.
الأول: أعلم ان المفردة الوتر تشهد و تسليم بانفراده، اجماعا منا على الظاهر المستظهر فى جملة من العبائر انتهى، و النصوص بذلك مستفيضة.
منها ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن سعد بن سعد الاشعرى عن ابى الحسن الرضا (ع) قال: سألته عن الوتر أ فصل ام وصل ؟ قال: فصل، و يعضده كون العبادة توقيف، و لا يصلح للمعارضة ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن يعقوب بن شعيب قال:
سألت ابا عبد الله (ع) عن التسليم فى ركعتى الوتر؟ فقال: ان شئت سلمت و ان شئت لم تسلم، و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن معوية بن عمار قال: قلت لأبى عبد الله (ع) فى ركعتى الوتر، فقال: ان شئت سلمت و ان شئت لم تسلم، و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن كردوية الهمدانى قال: سألت العبد الصّالح عن الوتر؟ فقال صله، لوجوه شتى.
قال شيخ الطائفة بعد نقلها: هذه الروايات ليست منافية لما ذكره لانها تضمنت التخيير فى التسليم، و من يقول يصلها فانه لا يجوز التسليم فيها على وجه، و اذا كان فيها الاختيار فنحن نحمله على التسليم المخصوص، و هو ان عندنا من قال السلام علينا و على عباد الله الصالحين فى التشهد فقد انقطعت صلاته، فان قال بعد ذلك السّلم عليكم و رحمة الله و بركاته جاز، و ان لم يقل جاز ايضا، فكان التخيير انما يتناول هذا الضرب من التسليم، و لو كان فيها صريح بالنهى عن التسليم لم يجب العمل بها لأن ما اتيناه فى وجوب التسليم من الأخبار اكثر، و لا يجوز العدول عن الاكثر الى الاقل الا لدليل يمنع منه، و يجوز ان يكون هذه الأخبار خرجت على طريق التقية لانها موافقة لمذهب العامة، و
ص: 126
ما يخرج على هذا الوجه لا يجب العمل به، انتهى.
قال بعض الاجله و حمل التسليم فى الصّحيحين عن التسليم المستحب، يعنى السلام عليكم لا بعد فيه، سيما مع شيوع اطلاقه على الصيغة المزبوره فى النصوص و الفتاوى اطلاقا شايعا، بحيث يفهم كون الاطلاق عليها حقيقيا و على غيرها مجازيا، و حينئذ التخيير فيها لا يفيد جواز الوصل فى الوتر اصلا، لاحتمال تعين لزوم الفصل بالصيغة الاخرى، انتهى.
و يحتمل ان يقال فى رواية كردويه: انها غير صريحة فى المعارضة بل و لا ظاهرة فيها، لاحتمال ان يقرا قوله (ع) صله بكسر اللام و تشديده لا بالسّكون، هذا مضافا الى ان الصحيحين الدالين على التخيير ليس مذهب لاحد كما صرح به بعض الاجلة، لان من اوجب الوصل لا يجوّز الفصل فيه، و من اوجب الفصل لا يجوز الوصل، و بالجملة هذه الاخبار غير صالحة للمعارضة فلا بد اما من تاويلها على معنى لا ينافى المختار، او الحمل على التقية، لان المرجحات المنصوصه و غيرها فى جانب ما اختاره المشهور المخالف للعامة.
الثانى: كل النوافل عدا صلوة الاعرابى يسلم فيها على الركعتين، اجماعا على الظاهر المصرح به فى غير واحد من العبائر، و يدل عليه بعد اعتضاده بتوقيفية العبادة و قوله (ص) صلوا كما رايتمونى اصلى، المستفيضة الواردة من طرق الخاصة و العامة التى مضت الى جمله منها الاشارة، و منها النبوى بين كل ركعتين تسليمة، و اما الصلوة التى ذكرها الشيخ فى المصباح و السيد رضى الدين طاووس فى تتماته على ما حكى عنهما الروضة يفعل منها بتسليم واحد اكثر من ركعتين، فلعدم اشتهارها و جهالة سندها لا يعتنى بها، و فيه نظر لما ستعرف.
قال فى الروضة بعد قول الشهيد و لصلوة الاعرابى ترتيب الظهرين بعد الثنائيه و شرحه له بان لصلوة الاعرابى من التشهد و التسليم ترتيب الظهرين بعد الثنائية فهى عشر ركعات بخمس تشهدات و ثلاث تسليمات كالصبح و الظهرين
ص: 127
ما صورته: و بقى صلوة اخرى ذكرها الشيخ فى المصباح و السيد رضى الدين طاووس فى تتماته يفعل منها بتسليم واحد ازيد من ركعتين، ترك المصنف و الجماعة استثناءها لعدم اشتهارها و جهالة طريقها، و صلوة الاعرابى توافقها فى الثانى دون الاول، فان قلت، هل يجوز العمل بالرواية الوارده فى صلوة الاعرابى التى لم يثبت كونها من طرقنا، عملا بما دل على المسامحة فى ادلة السنن و الكراهة من الروايات المستفيضة و غيرها؟ قلت: اطلاق الروايات المرخصة للمسامحة فى السنن و ان كان شاملا للعمل بالروايات الواردة من طريق العامة ايضا، و لكن العمل بالرواية الواردة فى صلوة الاعرابى لا يخلو عن اشكال، لمكان الاخبار المتقدمة الغير المرخصة للتسليم فى اكثر من الركعتين فتأمل جدا.
قال فى المدارك: صلوه الاعرابى عشر ركعات كالصبح و الظهرين كيفية و ترتيبا، و وقتها يوم الجمعة عند ارتفاع النهار، و لم يثبت لها طريق فى اخبارنا، الا أنّ احاديث السنن يتسامح فيها.
صلوة الضحى بدعة اجماعا منا على الظاهر المصرح به فى عبائرهم جماعة و منهم الخلاف و المنتهى، و الاخبار بذلك مستفيضة، منها ما رواه التهذيب فى باب فضل شهر رمضان عن زرارة و ابن مسلم و الفضل قالوا: سئلنا هما عن صلوة فى رمضان نافلة بالليل جماعة ؟ فقالا: ان النبى (ص) كان اذا صلى العشاء الاخرة و ساق الحديث الى ان قالا: فقام فى اليوم الرابع على منبره فحمد الله و اثنى عليه ثم قال: ايها الناس ان الصلوة بالليل فى شهر رمضان النافلة فى جماعة بدعة، و صلوة الضحى بدعة، الا فلا تجمعوا ليلا فى شهر رمضان لصلوة الليل، و لا تصلوا صلوة الضحى فان ذلك معصية، الا و ان كل بدعة ضلالة و كل ضلالة سبيلها الى النار، ثم نزل و هو يقول: قليل فى سنة خير من كثير فى بدعة.
و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب نوادر الصلوة الواقع فى آخر كتاب الصلوة فى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع) انه قال: ما صلى
ص: 128
رسول الله (ص) الضحى قط، قال فقلت: ا لا تخبرنى انه كان يصلى فى صدر النهار اربع ركعات ؟ قال: بلى انه كان يصلى و يجعلها من الثمان التى بعد الظهر.
روى الصدوق ايضا فى الباب المتقدم عن بكير بن اعين عن ابى جعفر (ع) قال: ما صلى رسول الله (ص) الضحى قط.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن عبد الواحد بن المختار الانصارى عن ابى جعفر (ع)، قال: سألته عن صلوة الضحى ؟ قال: اول من صليها قومك انهم كانوا من الغافلين، فيضلونها و لم يصلها رسول الله (ص)، و قال: ان عليا (ع) مرّ على رجل و هو يصليها فقال على (ع): ما هذه الصلوة ؟ قال ادعها يا امير المؤمنين ؟ فقال على (ع): اكون انهى عبدا اذا اصلى.
و روى فى البحار فى باب صلوة الضحى عن العيون عن تميم بن عبد الله بن تميم القرشى عن ابيه عن احمد بن على الانصارى عن رجاء بن ابى الضحاك عن الرضا (ع) قال: ما رايته صلى الضحى فى سفر و لا حضر.
و روى فى الكافى فى باب تقديم النوافل عن سيف بن عميرة رفعه قال: مر امير المؤمنين (ع) برجل يصلى الضحى فى مسجد الكوفه، فغمز جنبه بالدرة و قال: نحرت صلوة الاوابين نحرك الله، قال: فاتركها؟ قال فقال: أرأيت الذى ينهى عبدا اذا صلى، فقال ابو عبد الله (ع): و كفى بانكار على (ع) نهيا.
و روى فى الكافى ايضا فى الباب المتقدم فى الحسن كالصحيح بابراهيم عن زرارة و الفضيل عن ابى جعفر (ع) و ابى عبد الله (ع): ان رسول الله (ص) قال: صلوة الضحى بدعة.
و روى الكافى ايضا فى الباب المتقدم عن معوية بن وهب قال: لما كان يوم فتح مكه ضربت على رسول الله (ص) خيمة سوداء من شعر بالابطح، ثم افاض عليه الماء من جفنة يرى فيها اثر العجين، ثم تحرى القبله ضحى فركع ثمان ركعات لم يركعها رسول الله (ص) قبل ذلك و لا بعد.
ص: 129
و روى فى البحار فى باب صلوة الضحى عن الاختصاص عن احمد بن محمد بن يحيى العطار عن عبد اللّه بن جعفر الحميرى عن محمد بن الوليد الخزاز عن يونس بن يعقوب قال: دخل عيسى بن عبد اللّه القمى على ابى عبد الله (ص) فلما انصرف قال لخادمه: ادعه فانصرف عليه فأوصاه باشياء، ثم قال: يا عيسى بن عبد الله ان الله يقول و امر اهلك بالصلوة، و انك منا اهل البيت، فاذا كانت الشمس من ههنا مقدارها من ههنا من العصر فصل ست ركعات، قال ثم ودعه و قبل ما بين عينى(1) و انصرف قال يونس بن يعقوب فما تركت الست ركعات منذ سمعت ابا عبد اللّه يقول ذلك لعيسى بن عبد الله.
و روى ايضا عن رجال الكشى عن حمدويه بن نصير عن محمد بن الحسين بن ابى الخطاب عن احمد بن محمد بن ابى نصر البزنطى عن يونس بن يعقوب قال: و حدثنى محمد بن عيسى بن عبد الله عن يونس بن يعقوب مثله.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن دعائم الاسلام عن ابى جعفر (ع) انه قال لرجل من الانصار سأله عن صلوة الضحى، فقال: ان اول من ابتدعها قومك الانصار، سمعوا قول رسول الله (ص) صلوة فى مسجدى تعدل الف صلوة، فكانوا ياتون من ضياعهم ضحى فيدخلون المسجد فيصلون، فبلغ ذلك رسول الله (ص) فنهاهم عنه.
قال بعض الاجلاء بعد نقل رواية معوية بن وهب ما صورته: حمله فى الوافى على ما دل عليه صحيح زرارة المتقدم، من كون ذلك من نافلة الظهر التى يجوز تقديمها صدر النهار، و فيه (ص) كان مسافرا فرضه التقصير فكيف يصلى نوافل الظهر؟ و الاظهر عندى حمل هذه الصلوة على الشكر لله سبحانه، و فى التوفيق للفتح، كما يشير اليه قوله لم يركعها قبل ذلك و لا بعد، و قال ايضا بعد رواية الاختصاص فالظاهر حملها على التقية، او الاتقاء على الرجل
ص: 130
المذكور، لئلا يتضرر بترك ذلك، و على ذلك يحمل قول امير المؤمنين (ع):
ا رايت الذى ينهى عبدا اذا صلى، فانه (ع) غير متمكن حسب الواقع عن زجرهم عن بدع الثلاثة المتقدمين، و ربما احتجوا عليه بالاية المذكورة و يشير الى ما ذكرناه قول ابى عبد الله (ع) فى مرفوعة سيف بن عميرة: و كفى بانكاره نهيا، فانه ظاهر فى ان انشاده (ع) الاية للتجويز و انما هو لما ذكرناه، و بالجملة فان غمزه (ع) بالدرة و دعاءه عليه بان ينحره الله يعنى يذبحه ظاهر فى التحريم، و لكنّ الرّجل لما كان جاهلا غبيّا او معاندا شقيا، راجع فى السؤال مرة ثانية فلم ير (ع) المصلحة فى اظهار ذلك له زيادة على ما قدمه انتهى، و ما ذكره جيد.
و بالجملة لا شبهة فى كونها بدعة لما تقدم اليه الاشارة، و الخبر الموهم للتجويز اما محمول على الاتقاء او التقية، و الخبر المروى فى البحار فى الباب المتقدم عن التوحيد للصدوق عن جعفر بن على بن احمد عن عبد الله بن الفضل عن محمد بن يعقوب الجعفرى عن محمد بن شجاع عن الحسن بن حماد عن اسمعيل بن عبد الجليل عن ابى البخترى عن الصادق (ع) عن ابيه فى حديث امير المؤمنين (ع) فى صفين: نزل فصلى اربع ركعات قبل الزوال الحديث، غير ظاهر فى المعارضة، فلا وجه لعدة من المعارضات.
قال فى البحار بعد نقل رواية سيف بن عميرة المتقدمة قوله (ع) ا رايت الذى الى آخره: الظاهر انه قال (ع) ذلك تقية، فانه قد ورد فى الاخبار انهم كانوا يعارضونه (ع) عند نهيه عنها بهذه الاية، او المعنى انى اذا قلت لا تفعل لا تقبل منى و تعارضنى بالاية، و على التقديرين ازال الصادق (ع) ما يتوهم منه من التجويز بان انكار امير المؤمنين (ع) اولا كان كافيا فى انزجاره و علمه بحرمة الفعل، اذ الضرب و الزجر و الاهانة لا تكون الا على الحرام، لكن السائل لما كان غبيّا او مخاصما شقيا، و اعاد السؤال، لم ير (ع) المصلحة فى التصريح و اعادة النهى، و اما جواب معارضتهم فهو انه لا ينافى ما دلت الاية عليه من استحباب الصّلوة فى كل وقت، ان يكون تعيين عدد مخصوص فى وقت
ص: 131
معين بغير نص و حجة بدعة محرمة، كما اذا هلل رجل عند الضحى عشر مرات مثلا من غير قصد تعين يكون ماجورا مثابا، و اذا فعلها معتقدا انها بهذا العدد المعين فى هذا الوقت المخصوص مستحبة مطلوبة، يكون مبتدعا ضالا سبيله الى النار.
و اما حديث عيسى بن عبد الله، فالظاهر انه (ع) امره بذلك تقية او اتقاء او ابقاء عليه لئلا يتضرر بترك التقية، و كذا فعل امير المؤمنين (ع) يوم صفين اما للتقية او لغرض آخر يتعلق بخصوص هذا اليوم من صلوة حاجة او مثلها، اذ كون صلوة الضحى بدعة من المتواترات عند الامامية لا خلاف بينهم فيه، قال الشيخ فى الخلاف: صلوة الضحى بدعة لا يجوز فعلها، و خالف جميع الفقهاء فى ذلك فقالوا انها سنة، و قال الشافعى: اقل ما يكون فيها ركعتان و افضله اثنتا عشره ركعة و المختار ثمان ركعات، ثم قال: دليلنا اجماع الفرقه، و ايضا روى عن النبى (ص) انه قال: صلوة الضحى بدعة، و قال فى المنتهى: صلوة الضحى بدعة عند علمائنا، خلافا للجمهور فانهم اطبقوا على استحبابها، لنا ما رواه الجمهور عن عايشة قالت: ما رايت النبى (ص) يصلى الضحى قط، و سألها عبد الله بن شقيق: اكان رسول الله (ص) يصلى الضحى ؟ قالت ؟ لا الا ان يجئ من مغيبه، و عن عبد الرحمن بن ابى ليلى قال: ما حدثنى احد قط انه راى النبى (ص) يصلى الضحى الا امّ هانى فانها حدثت ان النبى (ص) دخل بيتها يوم فتح مكة فصلى ثمان ركعات ما رايته قط صلى صلوة اخف منها.
و روى احمد فى مسنده قال: راى ابو بكر ناسا يصلون الضحى، فقال: انهم ليصلون صلوة ما صلاها رسول الله (ص) و لا عامة اصحابه، ثم قال: لا يقال الصلوة مستحبة فى نفسها فكيف حكمتم بكونها غير مستحبة، لانا نقول بالصلوة من حيث انها نافلة مشروعة فى هذا الوقت كان بدعة، اما اذا اوقعها على انها نافلة مبتداة فلا يمنع، و هى عندهم ركعتان و اكثرها ثمان، و فعلها وقت اشتداد الحر، انتهى.
ص: 132
و العامة رووا عن ام هانى ثمان ركعات، و عن عايشه اربع ركعات، فما زادوا عن انس اثنتى عشرة ركعة، و قال الآبى فى شرح صحيح مسلم: الاحاديث كلها متفقه و حاصلها ان الضحى سنة و اقلها ركعتان و اكملها ثمان ركعات، و بينهما اربع و ست، و روى مسلم فى صحيحه عن زيد بن ارقم قال: خرج رسول الله (ص) على اهل قبا و هم يصلون الضحى، فقال: صلوة الاوابين اذا رمضت الفصال، قال فى النهاية هو ان تحمى الرمضاء و هى الرمل فتبرك الفصال من شدة حرها و احراقها اخفافها انتهى و الفصال ككتاب جمع الفصيل و هو ولد الناقة.
اقول حمل المخالفون صلوة الاوابين على صلوة الضحى، و استدلوا بهذا الخبر على استحباب ايقاعها عند شدة الحر، و الظاهر انه شبيه هذا الخبر، و كان غرضه (ص) منعهم عن صلوة الضحى و ان نافلة الزوال هى صلوة الاوابين وقتها عند زوال الشمس عند غاية اشتداد الحر، فلم قدمتموها و ابطلتموها؟
قال فى البحار فى باب صلوة الضحى بعد ان روى عن العياشى عن الاصبغ بن نباته قال: خرجنا مع على (ع) فتوسط المسجد فاذا ناس يتنفلون حين طلعت الشمس، فسمعته يقول: نحروا صلوة الاوابين نحرهم الله قال قلت: فما نحروها؟ قال: عجلوها، قال قلت: يا امير المؤمنين ما صلوة الاوابين ؟ قال: ركعتان.
ما صورته: النحر الطعن فى منحر الابل، اى ضيعوا صلوة الاوابين، و هى نافلة الزوال بتقديمها على وقتها، فانهم تركوا بعض الثمان ركعات من نافلة الزوال و ابدعوا مكانها، صلوة الضحى، فكانهم نحروها و قتلوها او قدموها نحرهم الله اى قتلهم اللّه، قال فى النهاية: فى حديث على (ع) انه خرج و قد بكروا بصلوة الضحى، فقال: نحروها نحرهم اى صلوها فى اول وقتها فى نحر الشهر و هو اوله، و قوله نحرهم الله يحتمل ان يكون دعاء عليهم بالنحر و الذبح لانهم غيروا وقتها، انتهى.
ص: 133
قوله ركعتان، اى التى قدموها ركعتان فانهما اقل صلوة الضحى او صلوة الاوابين هى نافلة وقت الزوال، و هى ركعتان و ست ركعات أخر نافلة الظهر كما يظهر من بعض الاخبار، او المعنى ان صلوة الاوابين هى التى يكتفى المخالفون منها بركعتين فان نافلة الزوال عند بعضهم ركعتان، او قال ذلك تقية.
قاله غير واحد منهم، و يدل عليه ما رواه التهذيب فى اواخر باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن معوية بن وهب قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: اما يرضى احدكم ان يقوم قبل الصبح و يوتر و يصلى ركعتى الفجر و تكتب له بصلوة الليل، و المراد بالوتر هو الركعات الثلاث لما عرفت من ان الشايع فى الروايات هو اطلاقها عليها.
و الدعاء بما رواه التهذيب فى اواخر باب كيفية الصّلوة عن سليمان بن خالد.
(و تسقط نوافل الظهرين و الوتيرة فى السفر) اما سقوط نوافل الظهرين فاجماعى على الظاهر و عن صريح كثير من العبائر ادعاء الاجماع عليه، و النصوص مع ذلك مستفيضة: منها ما رواه التهذيب فى باب فرض صلوة السفر فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: الصلوة فى السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شىء، الا المغرب ثلاث.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن حذيفة بن منصور عن ابى جعفر و ابى عبد الله (ع) انهما قالا: الصلوة فى السّفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شىء.
و منها: ما رواه ايضا فى باب نوافل الصلوة فى السفر عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: الصلوة فى السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شىء، الا المغرب فان بعدهما اربع ركعات لا تدعهن فى حضر و لا سفر، و ليس عليك
ص: 134
قضاء صلوة النهار، و صل صلوة الليل و اقضه.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن ابى يحيى الحناط قال:
سألت ابا عبد الله (ع) عن صلوة النافلة بالنهار فى السّفر، فقال: يا بنى لو صلحت النافلة فى السفر تمت الفريضة.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن صفوان بن يحيى قال: سألت الرضا (ع) عن التطوع بالنهار و انا فى السفر، فقال: لا و لكن تقضى صلوة الليل بالنهار و انت فى سفر.
و اما الوتيرة فالمشهور على سقوطها، بل عن ابنى زهرة و ادريس ادعاء الاجماع عليه، و عن النهاية انه اختار العدم كما عن الامالى مدعيا انه من دين الامامية الذى يجب الاقرار به، حيث قال: من دين الامامية الاقرار بانه لا يصلى فى السفر من نوافل النهار شىء، و لا يترك من نوافل الليل شىء.
للثانى وجوه: الاول الخبر الثانى و الثلاثون المتقدم فى المسئله السابقه، المشتمل على قول مولانا الرضا (ع) فى فقهه: و النوافل فى السفر اربع ركعات بعد المغرب و ركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس و ثلاثة عشر ركعة صلوة الليل مع ركعتى الفجر، الى آخره.
الثانى: ما رواه الصدوق طاب ثراه فى الفقيه فى باب علة التقصير عن الفضل بن شاذان، و فى العيون فى باب العلل التى ذكر الفضل بن شاذان عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابورى العطار، قال حدثنى ابو الحسن على بن محمد بن قتيبة النيسابورى، قال قال ابو محمد الفضل بن شاذان، و عن الحاكم ابو محمد جعفر بن نعيم بن شاذان رحمه الله عن عمه ابى عبد الله محمد بن شاذان، قال قال الفضل بن شاذان النيسابورى فى العلل التى سمعها من الرضا (ع): فان قال فما بال العتمة مقصرة و ليس يترك ركعتاها؟ قيل ان تلك الركعتين ليستا من الخمسين و انما هى زيادة فى الخمسين تطوعا ليتم بها بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من النوافل.
ص: 135
قال الشارح الفاضل فى الروضة بعد نقل الخبر: و قواه فى الذكرى لانه خاص و معلل الا ان ينعقد الاجماع على خلافه، و نبه بالاستثناء على دعوى ابن ادريس الاجماع عليه، مع ان الشيخ فى النهاية صرح بعدمه فما قواه فى محله.
و قال سبطه فى المسالك بعد نقل الخبر، و قواه فى الذكرى قال لانه خاص معلل و ما تقدم خال منهما الا ان ينعقد الاجماع على خلافه، و هو جيد لو صح السند لكن فى الطريق عبد الواحد بن عبدوس و على بن محمد القتيبى و لم يثبت توثيقهما، فالتمسك بعموم الاخبار المستفيضة الدالة على السقوط اولى انتهى.
اقول: لا وجه لعدم الاعتماد على الرواية المشتملة عليهما، لان عبد الواحد هذا اما ثقة كما يستفاد عن الفاضل (ع ب) رحمه الله حيث ذكره فى خاتمة قسم الثقات، و قد عقدها لمن لم ينص على توثيقه بل يستفاد من قرائن أخر، قال: و هذا الرجل لم يذكر فى كتب الرجال و هو من المشايخ الذين ينقل عنهم الصدوق من غير واسطة، و هو فى طريق الرواية المتضمنة لايجاب ثلاث كفارات على من افطر على محرم و قد وصفها النهاية فى التحرير بالصحة و تبعه الشارح محتجا بذلك، و يكون من المشائخ الذين ينقل عنهم الصدوق بغير واسطة مع تكرر ذلك فانه يظهر منه الاعتماد عليه.
و اما ما اشار اليه التقى على ما حكى بقوله: ذكر الصدوق حديثا من طريقه فى العيون، ثم ذكر ذلك الخبر من طريق آخر، ثم ذكر ان حديث عبد الواحد عندى اصح، فهو توثيق له ففيه ما فيه، و العجب من السيّد المشار اليه انه كيف تكلم بهذا الكلام مع انه قال فى كتاب الصوم فى مسئلة الافطار على محرم و بيان الخلاف فى وجوب كفارة واحدة او ثلاث، بعد ان نقل الرواية التى استدل بها الصدوق رحمه الله على الثلاث عن عبد الواحد بن عبدوس النيسابورى عن على بن محمد بن قتيبة، و نقل عن الفقيه فى المختلف ان عبد الواحد بن عبدوس لا يحضرنى الان حاله فاذا كان ثقة فالرواية صحيحة يتعين العمل بها ما صورته:
ص: 136
عبد الواحد بن عبدوس و ان لم يوثق صريحا لكنه من مشائخ الصدوق المعتبرين الذين اخذ عنهم الحديث، فلا يبعد الاعتماد على روايته، انتهى.
قال بعض الاجلاء بعد نقل ذلك: ما ذكره فى عبد الواحد بن عبدوس من الاعتماد على حديثه، حيث انه من مشائخ الاجازة هو المشهور بين اصحاب هذا الاصطلاح، فانهم صرحوا بان مشائخ الاجازه يعد حديثهم فى الصحيح و ان لم ينقل توثيقهم فى كتب الرجال، لان اعتماد المشائخ المتقدمين على النقل عنهم و اخذ الاخبار عنهم و التلمذ عليهم، يزيد على قولهم فى كتب الرجال فلان، انتهى.
او حسن كما اختاره بعض(1) الاجله لرواية الصدوق عنه و قد اكثر من الرّواية عنه و كثيرا اما يذكره مترضيا، و فى النقد عدّه من مشايخه.
و اما على بن محمد بن قتيبة، فهو ايضا اما ثقة كما يستفاد من الحاوى حيث جعله فى خاتمة قسم الثقات مع ما عرفت من طريقته، و مشكا و غيرهما، قال فى المدارك بعد ذكر ما تقدم نقله عنه فى كتاب الصوم: لكن فى طريق هذه الرواية على بن محمد بن قتيبة و هو غير موثق بل و لا ممدوح مدحا يعتد به، قال بعض الاجلاء بعد نقل ذلك عنه: المفهوم من الكشى فى كتاب الرجال انه من مشائخه الذين اكثر النقد عنهم، و لهذا كتب بعض مشائخنا المعاصرين على كلام السيد فى هذا المقام ما صورته: صحيح النهاية فى الروضة فى ترجمة يونس بن عبد الرحمن طريقين فيهما على بن محمد بن قتيبة، و اكثر الكشى الرواية عنه فى كتابه المشهور فى الرجال، فلا يبعد الاعتماد على حديثه لانه من مشائخه المعتبرين الذين اخذ الحديث عنهم، و الفرق بينه و بين عبد الواحد بن عبدوس تحكّم لا يخفى، و سؤال الفرق متجه، بل هذا اولى بالاعتماد، لا يراد العلامة رحمه الله له فى القسم الاول من الروضة، و تصحيحه حديثه فى ترجمة
ص: 137
يونس، فتأمل و انصف، انتهى.
اقول و يؤيده ما ذكره شيخنا المذكور بان العلامة فى المختلف بعد ذكره حديث الافطار على محرم، لم يذكر التوقف فى صحه الحديث الا من حيث عبد الواحد بن عبدوس، و قال: ان كان ثقه فالحديث صحيح، و هو يدل على توثيقه لعلى بن محمد بن قتيبة، حيث انه مذكور معه فى السّند كما لا يخفى انتهى فافهم.
او حسن كما اختاره بعض(1) الاجله، فظهر ان الرواية المشتملة عليه مما يصلح للاعتماد عليها.
الثالث: الاجماع المحكى عن الامالى.
الرابع: ما اشار اليه بعض المحققين من ان الوتيرة عوض عن الوتر فكما لا يترك الوتر فى السّفر فكذا الوتيرة.
الخامس: الاصل.
السادس: رواية رجاء بن ضحاك المروية عن العيون، المتضمنة لفعل مولانا الرضا (ع) فى السفر على ما حكى، المؤيدة بروايتى ابى بصير و حمران المتقدمتين فى المسئلة السّابقة فى الامر الثانى، و بما ذكره بعض الاجلاء قال:
و روى فى العلل عن زرارة فى الصحيح قال قال ابو جعفر (ع) من كان يؤمن باللّه و اليوم الاخر فلا يبيتن الا بوتر، و روى هذه الرواية الشيخ فى التهذيب فى الصحيح عن زرارة عنه (ع): و بالخبر الثامن المتقدم فى المسئلة السابقه.
للاول وجهان: الاول صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة، و ما ضاهاها من الاخبار المؤيدة بالخبر التاسع عشر المتقدم فى المسئلة السابقه، و التقريب انها لو كانت غير ساقطه فى السفر لكان له (ع) ان يبين ذلك، فتأمل جدا.
الثانى: الاجماعان المحكيان المتقدم اليهما الاشارة، و الانصاف ان المسئلة محل اشكال، فللتوقف فيها مجال، كما هو ظاهر مختصر النافع و غيره
ص: 138
كما عن المقداد و الصيمرى و التحرير و غيرهم، لا يقال لم ترجح ما اختاره الشيخ فى النهايه مع ان الاخبار الخاصة الحاكمة على العام المعتضدة بالاجماع المحكى و الاصل و غيرهما فى جانبه، لانا نقول الاخبار المتقدمة الدالة على ما اختاره النهاية قاصرة السند على الظاهر، و اما خبر الفضل فهو و ان كان مما يجوز الاعتماد عليه فى الجملة، و لكن الاعتماد عليه فى المقام محل اشكال لندرة القائل به، لان المشهور كما عرفت على خلافه، بل المحكى عن الشيخ أيضا أنّه قد رجع عنه فى الحائريّات، و الجمل، و العقود، و المبسوط، كظاهر الشهيد فى الدروس و اللمعة و الروضة و المسالك ايضا كالمشهور، بل يمكن ان يقال ان الذكرى ايضا متردد فى المسئلة لمكان قوله: الا ان ينعقد الاجماع على خلافه، نعم بعض(1) متأخرى المتأخرين ممن ولى عصرنا ذهب كالنهاية، و لكن لا يعتنى على مخالفته فى المقام، و لتعارضه بعموم الاخبار الدالة على المذهب، المشهور، و تقديم الخاص على العام المعتضدين بالشهرة محل اشكال، فكيف اذا كانت عظيمة، و بالاجماعين المحكيين المعتضدين بالشهرة القديمة و الحديثه.
و اما الاجماع المحكى فى الامالى على ما عرفت فهو موهون، بمصير الاكثر على خلافه، مع ان عباره الامالى المتضمنة لذلك اذا انضمت الى الخبر الثامن المتقدم فى المسئلة السابقه تورث و هنا ما للاستدلال بها فى المقام.
و اما الاستدلال بان الوتيرة عوض عن الوتر، فكما لا تترك فى السفر فكذا عوضها فهو اوهن من بيت العنكبوت مع انه اوهن البيوت، فبما ذكر ظهر حال الاصل المتبع فى المسائل لو لم يخصصه دليل.
و اما التمسك للقول بالاستحباب، بما دل على التسامح فى ادلة السنن، فغير وجيه، لاحتمال ان يكون المراد بالسقوط المذكور فى المتن و نحوه من عبائر الجماعة هو التحريم، كما هو ظاهر النصوص و الفتاوى على ما ذكره بعض الاجلة قال: و صريح الشيخ فى كتابى الحديث عدم الاستحباب، فيكون فعله بقصد
ص: 139
القربة تشريعا محرما انتهى، و حيث جاء احتمال التحريم، فلا تسامح قولا واحدا على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر.
و اما الخبران المرويان فى التهذيب فى باب نوافل الصلوة فى السفر، المجوز ان لقضاء نوافل النهارية بالليل، احدهما صحيحة معوية بن عمار قال قلت للصادق (ع): اقضى صلوة النهار بالليل فى السفر، قال: نعم، فقال له اسمعيل بن جابر: اقضى صلوة النهار بالليل فى السفر، فقال: لا قال انك قلت نعم، فقال: ان ذلك يطيق و انت لا تطيق.
و ثانيهما رواية سدير قال قال ابو عبد الله (ع): كان ابى يقضى فى السفر نوافل النهار بالليل و لا يتم صلوة فريضة.
فمع معارضتهما بخبرى عمر بن حنظله و سيف التمار المرويين فى الباب المتقدم، النافيين لاستحباب القضاء و رجحانه كخبر ابى بصير المتقدم، المعتضدين بما يستفاد من ظاهر النصوص و الفتاوى كما عرفت، ليس فيهما دلالة على مشروعيتها نهارا حتى يجعل ذلك دليلا على ان المراد بالسقوط حيث يطلق الرخصة فى الترك، و رفع تاكيد الاستحباب هذا مضافا الى ان رواية ابى يحيى المتقدمة الدالة على عدم صلاحية النافلة فى السفر كعدم صلاحية الفريضة، فيه ناطقه بعدم رجحان فعلها فيها، اما لشهادة السياق على ذلك، او لان عدم الصلاح مرادف للفساد لغة و عرفا، و القول بان عدم الصلاحية بالاضافة الى الفريضة للتحريم اجماعا، فليس بالاضافة الى نافلتها كذلك غير وجيه فى المقام، لان شهادة السياق كافية كما لا يخفى على المصنف.
فان قلت: على ما ذكرت لا بد لك ان تترجح فى المسئلة ما رجحه الماتن من القول بالسقوط، فلا معنى للتوقف فيها.
قلت: المسئلة مع ذلك اشكال كما لا يخفى على الماهر المصنف فلا بد من الاخذ بالاحتياط.
و يقتضى الترك فرعان: الاول ربما يستفاد من المروى فى التهذيب فى
ص: 140
باب فرض صلوة السفر فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال:
سألته عن الصلوة تطوعا فى السفر؟ قال: لا تصل قبل الركعتين و لا بعدها شيئا نهارا، المؤيد بروايتى ابى يحيى الحناط و صفوان بن يحيى المتقدمتين، كون السقوط مختصا بالنوافل النهارية دون الليلية، و هو ظاهر الاصحاب بلا خلاف بينهم اجده فى غير الوتيرة.
و يدل على عدم سقوط نافلة المغرب، زيادة على خبر ابى بصير المتقدم فى هذه، الخبر الثامن عشر و التاسع عشر و الثالث و العشرون المتقدم فى المسئلة السابقه، كخبر ابى الحرث المروى فى التهذيب فى باب نوافل الصّلوة فى السّفر.
و يدل على عدم سقوط ثلاث عشرة ركعة الباقيه، الخبر التاسع عشر المتقدم فى المسئلة السابقه، كخبر ابى بصير المتقدم فى هذه المسئلة، و خبر سيف التمار المروى فى التهذيب فى باب نوافل الصلوة فى السّفر، و يدل عليه ايضا ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الصحيح عن محمد بن مسلم قال قال لى ابو جعفر عليه السلام: صل صلوة الليل و الوتر و الركعتين فى المحمل، و يدل على ذلك ايضا غير واحد من الاخبار المروية فى التهذيب فى باب الصلوة فى السفر فى الزيادات فراجع فانا لا نطيل المقام بذكرها، و بالجملة المسئلة واضحة بحمد الله.
بقى الكلام فى الغفيلة و ما ضاهاها من النوافل المنصوصة الليلية و هى من غير الرواتب و الظاهر هو عدم السقوط، قال بعض المحققين فى جملة كلام له فى الوتيرة، بعد نقل خبر الفضل بن شاذان المتقدم فى هذه المسئلة ما صورته: لا شك فى ان القصر ليس الا فى الخمسين، كما هو صريح هذا الخبر و الظاهر من باقى الاخبار و الفتاوى، و قال ايضا: و الذى يظهر من الاخبار و الفتاوى ان الساقط هو الراتبه، انتهى.
و بالجملة الظاهر هو عدم السقوط لخبر الفضل المتقدم، و اطلاق رواية
ص: 141
ابى بصير و غيرها معتضد لذلك، و رواية عبد الله بن سنان المتقدمة و نحوها، اما غير شامله لامثال هذه الصلوة و مخصصة بالخبر المتقدم المعتضد بما مر، و برواية محمد بن مسلم المتقدمه فى اول الفرع الثانى.
قال فى المدارك: قال فى الذكرى يستحب صلوة النوافل المقصورة فى الاماكن الاربعة، لانه من باب اتمام الصلوة المنصوص عليه، و نقله الشيخ نجيب الدين محمد بن نما عن شيخه محمد بن ادريس، و لا فرق بين ان يتم الفريضة اولا، و لا بين ان يصلى الفريضة خارجا و النافلة فيها او يصليهما معا فيها.
قلت: ما ذكره رحمه الله من استحباب النافلة فى تلك الاماكن جيد، اما مع التمام فظاهر، و اما مع القصر فلان الروايات المتضمنة لكون الصلوة فى السفر ركعتين ليس قبلهما و لا بعدهما شىء، مخصوص(1) بغير تلك الاماكن، سواء قلنا بتعين الاتمام او جوازه، فبقى الروايات المتضمنة لفعل النافلة قبل تلك الفرايض او بعدها سالمة عن المعارض.
اما تسويته بين صلوة الفريضة خارجا عنها، و النافلة فيها، و صلوتهما معا فيها، فمشكل، خصوصا مع تاخر النافلة عن الفريضة لتعين قصر الفريضة مع وقوعها فى غير تلك الاماكن المقتضى لسقوط النافلة، انتهى.
اقول ما استجوده جيد، كما ذهب اليه جماعة، و يدل عليه ايضا مضافا الى ما مر ما يظهر من غير واحد من الاخبار الآتية فى بحث صلوة المسافر ان شاء الله، من قولهم (ع): و اكثر الصلوة، و تفريعهم الاتمام على فضيلة الصلوة فيها.
اما التسوية بين الحكمين الذين اشار اليهما، فمشكل كما تفطن عليه السيد طاب مضجعه.
ارشاد فيه سداد قال المحقق الشيخ حسن طاب ثراه فى كتاب المنتقى، بعد نقل رواية زرارة المتقدمة، و هى قول ابى جعفر (ع): من كان يؤمن بالله
ص: 142
و اليوم الاخر فلا يبيتن الا بوتر، ما صورته: قلت هذا الخبر محمول على المبالغة فى كراهة ترك الوتر فى كل ليلة، و فهم منه بعض الاصحاب ارادة التقديم فى اول الليل كما ورد فى جملة من الاخبار، و سياتى فى بابها، فحمله على الضرورة و فيه تكلف ظاهر مع عدم الحاجة اليه، فان المبيت بغير وتر صالح لارادة اخلاء الليل من الوتر، و لو مجازا فان بابه واسع، و القرينة على ارادة هذا المعنى من الكلام واضحة، و ان استبعد ذلك بالنظر الى ظاهر اللفظ، فالوجه حينئذ حمله على التقية، كما احتمله بعض الاصحاب.
و قال الفاضل الشيخ محمد بن المحقق المذكور على ما يقال فى شرح قول الصدوق فى الفقيه فى باب فرض الصلوة: و اما الركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس فانهما تعدان بركعة، فان اصاب الرجل حدث قبل ان يدرك آخر الليل و يصلى الوتر يكون قد بات(1) على الوتر، فاذا ادرك آخر الليل صلى الوتر بعد صلوة الليل، و قال النبى (ص): من كان يؤمن بالله و اليوم الاخر فلا يبيتن الا بوتر، كاتبا على صدر هذه العبارة: كان المصنف اراد بيان معنى الحديث الوارد بعد هذا الكلام، و هو قول النبى (ص): من كان يؤمن بالله و اليوم الاخر فلا يبيتن الا بوتر، و حاصل كلامه ظاهر غير انه بعيد المناسبة بسياق الحديث كما لا يخفى على المتامل، و يخطر بالبال ان يكون المراد بقوله: فلا يبيتن الا بوتر، صلوة العشاء لانها الخامسة و هى وتر بالنسبة الى العدد، و قد ورد فى روايات كثيرة تسمية العشاء بالوتر، انتهى.
اقول بعد وجود رواية ابى بصير المتقدمة فى المسئلة السابقه فى الامر الثانى، الكاشفة عن هذا الاجمال من كون المراد من الوتر هو الوتيرة، لا معنى للحمل على التقية، او الحمل على تقديم الوتر فى اول الليل ضرورة نظرا الى ما ورد من جواز تقديم صلوة الليل لذوى الاعذار، او الحمل على ان المراد الاتيان
ص: 143
به فى جزء من الليل و ان كان فى اخره، و ان معنى المبيت على الوتر ان لا ينقضى الليل الا و فيه وتر، او الحمل على ان المراد بالوتر هو صلوة العشاء.
و اما الدعوى بان كثيرا من الرّوايات مشتملة على تسمية العشاء وترا، فانا لم نقف بعد التتبع على اشارة الى ذلك فى خبر، فضلا عن الاخبار، كما اعترف بذلك بعض الاجلاء ايضا.
قال بعض الاجلاء بعد نقل كلام الفاضل الشيخ محمد المذكور: و كان منشاء الاستبعاد عنده فى حمل الوتر فى الحديث النبوى على قائله الصلوة، على الركعتين بعد العشاء المذكورتين فى كلام المصنف، هو دلالة الخبر بحسب ظاهره على كفر تاركه، فاستبعد انطباق الخبر على الركعتين المذكورتين، و تحمل لحمله على صلوة العشاء، و لم يتفطن رحمه الله الى ان هذه العبارة و امثالها كثيرا ما يذكرونها (ع) فى المستحبات لمزيد التاكيد عليها، كما ورد فى الاخبار من انه لا يحل لامراة تؤمن بالله و اليوم الاخر ان تدع عانتها زيادة على عشرين يوما، و ورد لعن من بات على سطح غير محجر، و من سافر وحده، و من بات فى بيت وحده، و نحو ذلك، و ما افاده طاب ثراه جيّد.
اجمع علماؤنا بل المسلمون على ما ذكره غير واحد من الطائفة، على ان كل صلوة من الصّلوات الخمس موقتة بوقت لا يجوز التقدم عليه و لا التاخر عنه، و النصوص على ذلك كثيرة، و المشهور بين الاصحاب بل كاد ان يكون اجماعا ان لكل صلوة وقتين اولا و اخرا مطلقا و لو كانت مغربا، خلافا لما حكاه فى المختلف عن ابن البراج انه قال: و فى اصحابنا من ذهب الى انه لا وقت للمغرب الا واحد و هو غروب القرص فى افق المغرب، و هو مع جهالته مخالف للنصوص المعتبرة المتجاورة عن حد الاستفاضة، الدالة على المشهور عموما و خصوصا:
ص: 144
منها: ما رواه الكافى فى باب المواقيت فى الصحيح عن معوية بن عمار او ابن وهب قال قال ابو عبد الله (ع): لكل صلوة وقتان، و اول الوقت افضلهما.
و منها: ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق عن اسمعيل بن جابر عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن وقت المغرب ؟ قال: ما بين غروب الشمس الى سقوط الشفق.
و بالجملة الاخبار النافية لذلك القول كثيرة، و سيجئ فى طى المباحث اليها الاشارة ان شاء الله تعالى.
و لعلّ مستند القول الاخر، ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الصحيح عن اديم بن الحر قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول:
ان جبرئيل امر رسول الله (ص) بالصلوة كلها، فجعل لكل صلوة وقتين الا المغرب فانه جعل لها وقتا واحدا.
و ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، و الكافى باب وقت المغرب فى الصحيح عن زيد الشحام قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن وقت المغرب ؟ فقال: ان جبرئيل (ع) اتى النبى (ص) لكل صلوة بوقتين غير صلوة المغرب فان وقتها واحد، و وقتها وجوبها قيل اى سقوطها كقوله سبحانه فاذا وجبت جنوبها و الضمير راجع الى الشمس بقرينة المقام.
و ما رواه الكافى فى الباب المتقدم فى الصحيح عن زرارة و الفضيل قالا: قال ابو جعفر (ع): ان لكل صلوه وقتين غير المغرب فان وقتها وجوبها و وقت فوتها سقوط الشفق، قال الكافى بعد ذكرهما: و روى ايضا ان لها وقتين آخر وقتها سقوط الشفق، و ليس هذا مما يخالف الاول ان لها وقتا واحدا، لان الشفق هو الحمرة و ليس بين غيبوبة الشمس الا شىء يسير، و ذلك ان علامة غيبوبة الشفق بلوغ الحمرة القبلة و ليس بين بلوغ الحمرة القبلة و بين غيبوبتها الا شىء قدر ما يصلى الانسان صلوة المغرب و نوافلها اذا صلاها على توده و سكون، و قد
ص: 145
تفقدت ذلك غير مرة، و لذلك صار وقت ضيّقا.
و مثله قال التهذيب و قال انما نفى بالخبرين سعة الوقت، قال بعض الاجلاء: و حمل اصحابنا - رضى الله عنهم - هذه الاخبار على افضلية الاسراع بها فى اول الوقت بها، و قال فى كتاب الوافى بعد نقل كلام الكافى اقول: و الذى يظهر لى من مجموع الاخبار و التوفيق بينها، ان مجموع هذا الوقت الاول للمغرب، و اما الوقت الثانى لها من سقوط الشفق الى ان يبقى مقدار اربع ركعات الى انتصاف الليل، و انما ورد نفى وقتها الثانى فى بعض الاخبار لشدة التاكيد و الترغيب فى فعلها فى الوقت الاول، زيادة على الصلوة الاخر، حتى كان وقتها الثانى ليس وقتا لها الا فى الاسفار و المضطرين و ذوى الاعذار انتهى، و سيجئ ان شاء الله ما يقتضى المقام من التفصيل فانتظر.
فذهب الاكثر و منهم المرتضى و ابنا جنيد و ادريس و الفاضلان و جمهور المتاخرين الى ان الوقت الاول للفضيلة و الثانى للإجزاء، و المحكى عن الشيخين و ابنى عقيل و البراج و ابى الصلاح ان الوقت الاول للمختار و الثانى للمضطرين و روى الاعذار، و تبعهم من المتاخرين المحدث الكاشانى، قال فى المبسوط: و العذر اربعة: السفر و المطر و المرض و شغل مضر تركه بدينه و دنياه، و الضرورة خمسة: الكافر يسلم، و الصّبى يبلغ، و الحايض تطهر، و المجنون، و المغمى عليه يفيقان.
ثم نتكلم فيما يرد عليها من النقص و الابرام
ما رواه الكافى فى باب المواقيت باسناد فيه محمد بن عيسى عن يونس عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: سمعته يقول:
لكل صلوة وقتان و اول الوقت افضله، و ليس لاحد ان يجعل آخر الوقت وقتا الا فى عذر من غير علة.
ص: 146
قوله: من غير علة، بدل من قوله: فى عذر، قاله بعض الاصحاب.
ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب مواقيت الصلوة مرسلا عن الصادق (ع) انه قال: اول الوقت رضوان الله تعالى، و آخره عفو الله، و العفو لا يكون الا من ذنب.
ما رواه التهذيب فى آخر باب اوقات الصلوة عن ربعى فى الضعيف عن ابى عبد الله (ع) قال: انا لنقدم و نؤخر، و ليس كما يقال من اخطار وقت الصلوة فقد هلك، و انما الرخصة للناسى و المريض و المدنف و المسافر و النايم فى تاخيرها.
ذكر هذه المعذورات خرج مخرج التمثيل لا الحصر، فلا ينافى ما تقدم فى كلام الشيخ رحمه الله، قاله بعض الاجلاء.
ما رواه التهذيب المتقدم فى الصحيح عن عبد الله (ع) قال:
لكل صلوة وقتان و اول الوقتين افضلهما، و وقت صلوة الفجر حين ينشق الفجر الى ان يتجلل(1) الصبح السماء، و لا ينبغى تاخير ذلك عمدا، و لكنه وقت من شغل او نسى او سهى او نام، و وقت المغرب حين تجب الشمس الى ان تشبك النجوم، و ليس لاحد ان يجعل آخر الوقتين وقتا الا من عذرا و علة.
ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم عن ابراهيم الكرخى قال: سألت ابا الحسن موسى (ع): متى يدخل وقت الظهر؟ قال: اذ ازالت الشمس فقلت متى يخرج وقتها؟ قال: من بعد ما يمضى من زوالها اربعة اقدام، ان وقت الظهر ضيق ليس كغيره، قلت: فمتى يدخل وقت العصر؟ فقال: ان آخر وقت الظهر هو اول وقت العصر، فقلت: فمتى يخرج وقت العصر؟ فقال وقت العصر الى ان تغرب الشمس و ذلك من علة و هو تضييع، فقلت له: لو ان
ص: 147
رجلا صلى الظهر بعد ما يمضى من زوال الشمس اربعة اقدام، اكان عندك غير مؤدلها؟ فقال: ان كان تعمد ذلك ليخالف السنة و الوقت لم تقبل، منه كما لو ان رجلا أخر العصر الى ان قرب ان تغرب الشمس متعمدا من غير علة لم تقبل منه، ان رسول الله (ص) قد وقت للصّلوات المفروضات اوقاتا و حد لها حدودا، فى سنة للناس، فمن رغب عن سنة من سنة الموجبات، كان مثل من رغب عن فرايض الله.
ما رواه الكافى فى باب من حافظ على صلوته فى الصحيح عن داود بن فرقد قال قلت لابى عبد الله (ع): قوله تعالى: (إِنَّ اَلصَّلاٰةَ كٰانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً)، قال كتابا ثابتا و ليس ان عجلت قليلا بالذى يضرك ما لم تضيع تلك الاضاعة، فان الله عز و جل يقول لقوم: (أَضٰاعُوا اَلصَّلاٰةَ وَ اِتَّبَعُوا اَلشَّهَوٰاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا).
اريد بالتعجيل و التاخير اللذان يكونان فى طول اوقات الفضيلة و الاختيار، لا اللذان يكونان خارج الوقت، و اريد باضاعة التاخير عن الوقت بلا عذر، قاله بعض المحدثين، و استجوده بعض الاجلاء.
ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق عن ابى بصير قال قال ابو عبد الله (ع): ان الموتور اهله و ماله من ضيع صلوة العصر، قلت: و ما الموتور؟ قال: لا يكون له اهل و لا مال فى الجنة، قلت: و ما تضييعها؟ قال: يدعها حتى تصفرا و تغيب.
و روى فى الفقيه فى باب مواقيت الصلوة قال و قال ابو جعفر (ع) لابى بصير: ما خدعوك فيه من شىء فلا يخدعونك فى العصر، صلها و الشمس بيضاء نقيه، فان رسول الله (ص) قال: الموتور اهله و ماله من ضيع صلوة العصر، قيل: و ما الموتور اهله و ماله ؟ قال: لا يكون له اهل و لا مال فى الجنة، قيل: و ما تضييعها؟ قال: يدعها و الله حتى تصفرا و تغيب الشمس.
ص: 148
ما رواه المحقق المجلسى طاب ثراه فى كتاب البحار فى باب اوقات الصلوة عن فقه الرضا قال (ع): اعلم ان لكل صلوة وقتين اول و آخر، فاول الوقت رضوان الله، و اخره عفو الله، و نروى ان لكل صلوة ثلاثة اوقات اول و اوسط و اخر، فاول الوقت رضوان الله، و اوسطه عفو الله، و اخره غفران الله، و اول الوقت افضله، و ليس لاحد ان يتخذ اخر الوقت وقتا، و انما جعل آخر الوقت للمريض و المعتل و للمسافر، و قال: ان الرجل قد يصلى فى وقت و ما فاته من الوقت خير له من اهله و ماله، و قال: اذا زالت الشمس فتحت ابواب السماء فلا احب ان يسبقنى احد بالعمل، لانى احب ان تكون صحيفتى اول صحيفة يرفع فيها العمل الصالح، و قال: ما يامن احدكم الحدثان فى ترك الصلوة و قد دخل وقتها و هو فارغ، و قال الله عز و جل: (اَلَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلَوٰاتِهِمْ يُحٰافِظُونَ )، قال: يحافظون على المواقيت، و قال: (اَلَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلاٰتِهِمْ دٰائِمُونَ )، قال:
يداومون على اداء الفرايض و النوافل فان فاتهم بالليل قضوا بالنهار، و ان فاتهم بالنهار قضوا بالليل، و قال: انتم رعاة الشمس و النجوم و ما احد يصلى صلوتين و لا يؤجرا جرين غيركم لكم اجر فى السر و اجر فى العلانية.
و روى طاب ثراه فى باب الحث على المحافظة على الصلوات عن الرضا ايضا قال (ع): حافظوا على مواقيت الصلوة فان العبد لا يامن الحوادث، و من دخل عليه فريضة فقصر عنها عمدا متعمدا فهو خاطئ من قول الله: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاٰتِهِمْ سٰاهُونَ )، يقول عن وقتهم يتغافلون، و اعلم ان افضل الفرايض بعد معرفة الله جل و عزّ الصلوات الخمس، و اول الصلوات الظهر، و اول ما يحاسب العبد عليه الصلوة فان صحت له الصلوة صحت له ما سواها و ان ردت ردت ما سواها، و اياك ان تكسل عنها، او تتوانى فيها، او تتهاون بحقها، او تضيع حقها(1) و حدودها، او تنقرها نقرا لديك، او تستخف بها،
ص: 149
او تشتغل عنها بشىء من عرض الدنيا، او تصلى بغير وقتها، و قال رسول الله (ص): ليس منى من استخف بصلوته لا يرد عليّ الحوض لا و الله، و قال العالم عليه السلام: ان الرجل يصلى و ما فاته من الوقت الاول خير من ماله و ولده.
و روى فى باب وقت فريضة الظهرين و نافلتهما عن فقه الرضا (ع) ايضا قال (ع): اول صلوة فرضها الله، و ساق الحديث الى ان قال: و اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلوة، و له مهلة فى التنفل و القضاء و النوم و الشغل الى ان يبلغ ظل قامته قدمين بعد الزوال، فاذا بلغ ظل قامته قدمين بعد الزوال، فقد وجب عليه ان يصلى الظهر فى استقبال القدم الثالث، و كذلك يصلى العصر اذا صلى فى آخر الوقت فى استقبال القدم الخامس، فاذا صلى بعد ذلك فقد ضيع الصلوه، و هو قاض للصلوه بعد الوقت و ساق الحديث الى ان قال (ع): و جاء ان لكل صلوة وقتين اول و آخر كما ذكرناه فى اول الباب، و اول الوقت افضلهما و انما جعل آخر الوقت رخصة للضعيف لحال علته و نفسه و ماله، و هى رحمة للقوى الفارغ لعلة الضعيف و المعلول الحديث، و قال (ع) فى موضع آخر: اول وقت زوال الشمس الى ان يبلغ الظل قدمين و اول وقت العصر الفراغ من الظهر ثم الى ان يبلغ الظل اربعة اقدام، و قد رخص للعليل و المسافر منهما الى ان يبلغ ستة اقدام و للمضطر الى مغيب الشمس.
ما رواه الكافى فى باب من حافظ على صلوته فى الصحيح عن ابان بن تغلب عن ابى عبد الله (ع) فى حديث قال: يا ابان هذه الصلوة الخمس المفروضات، من اقامهن و حافظ على مواقيتهن لقى الله يوم القيمة و له عنده عهد يدخله به الجنة، و من لم يصلهّن لمواقتيهن و لم يحافظ عليهن فذاك اليه ان شاء غفر له و ان شاء عذبه.
ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب فضل الصلوة مرسلا قال: و دخل رسول الله (ص) المسجد و فيه ناس من اصحابه، فقال: تدرون ما قال
ص: 150
ربكم ؟ قالوا: الله و رسوله اعلم، فقال: ان ربكم يقول: ان هذه الصلوات الخمس المفروضات من صلاهن لوقتهن و حافظ عليهن لقينى يوم القيمة و له عندى عهد ان ادخله به الجنة، و من لم يصلّهّن لوقتهن و لم يحافظ عليهن فذاك الى ان شئت عذبته و ان شئت غفرته.
ما رواه فى الكافى فى باب من حافظ على صلوته عن ابى بصير عن ابى جعفر (ع) انه قال: الصلوة اذا ارتفعت فى وقتها رجعت الى صاحبها و هى بيضاء مشرقه، تقول حفظتنى حفظك الله، و اذا ارتفعت فى غير وقتها بغير حدودها رجعت الى صاحبها و هى سوداء مظلمه، تقول ضيعتنى ضيعك الله.
ما رواه فى باب المواقيت فى الزيادات فى الصحيح عن معوية بن وهب عن ابى عبد الله (ع) قال: اتى جبرئيل رسول الله (ص) بمواقيت الصلوة، اتاه حين زالت الشمس فامره فصلى الظهر، ثم اتاه حين زاد الظل قامة فامره فصلى العصر، ثم اتاه حين غربت الشمس فامره فصلى المغرب، ثم اتاه حين سقوط الشفق فامره فصلى العشاء، ثم اتاه حين طلع الفجر فامره فصلى الصبح، ثم اتاه من الغد حين زاد من الظل قامة فامره فصلى الظهر، ثم اتاه حين زاد الظل قامتان فامره فصلى العصر، ثم اتاه حين غربت الشمس فامره فصلى المغرب، ثم اتاه حين سقط الشفق فامره فصلى العشاء، ثم اتاه حين طلع الفجر فامره فصلى الصبح، ثم اتاه من الغد حين زاد من الظل قامة فامره فصلى الظهر، ثم اتاه حين زاد الظل قامتان فامره فصلى العصر، ثم اتاه حين غربت الشمس فامره فصلى المغرب، ثم اتاه حين ذهب ثلث الليل فامره فصلى العشاء، ثم اتاه حين نور الصبح فامره فصلى الصبح، ثم قال: ما بينهما وقت.
و روى ايضا فى المكان المتقدم عن معوية بن ميسره عن الصادق (ع) قال:
بدل القامة و القامتين، ذراع و ذراعين.
و روى ايضا فى المكان المتقدم عن مفضل بن عمر قال قال ابو عبد الله (ع):
ص: 151
نزل جبرئيل (ع) على رسول الله (ص) و ساق الخبر مثل الاول، و ذكر بدل القامة و القامتين، قدمين و اربع اقدام.
ما رواه المجلسى طاب ثراه فى باب الحث على المحافظة على على الصلوات عن مجالس الصدوق عن الحسين بن ابراهيم تاتانه عن على بن ابراهيم عن ابيه عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (ع) قال: من صلى الصلوات المفروضات فى اول وقتها فاقام حدودها، رفعها الملك الى السماء بيضاء نقيه و هى تهتف به حفظك الله كما حفظتنى، و استودعك الله كما استودعتنى ملكا كريما، و من صلاها بعد وقتها من غير علة فلم يقم حدودها، رفعها الملك سوداء مظلمه و هى تهتف به ضيعتنى ضيعك الله كما ضيعتنى، و لا رعاك الله كما لم ترعنى الحديث.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن مجالس ابن الشيخ فيما كتب امير المؤمنين (ع) لمحمد بن ابى بكر: ارتقب وقت الصلوة فصلّها لوقتها، و لا تعجل بها قبله لفراغ و لا تؤخرها عنه لشغل، فان رجلا سأل رسول الله (ص) عن اوقات الصلوة، فقال رسول الله (ص): اتى جبرئيل (ع) وقت الصلوة حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الايمن، ثم اتانى وقت العصر فكان ظل كل شىء مثله، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس، ثم صلى العشاء الآخرة حين غابت الشفق، ثم صلى الصبح فاغلس بها و النجوم مشتبكه، فصل لهذه الاوقات و الزم السنة المعروفه و الطريق الواضح، ثم انظر ركوعك و سجودك فان رسول الله (ص) كان اتم الناس صلوة و اخفهم عملا فيها، و اعلم ان كل شىء من عملك تبع لصلوتك فمن ضيع الصلوة فانه لغيرها اضيع.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن قرب الاسناد عن احمد بن اسحق بن سعد عن بكر بن محمد الازدى قال قال ابو عبد اللّه: لفضل الوقت الاول على الاخير خير للمؤمن من ولده و ماله.
و روى فى الباب المتقدم عن ثواب الاعمال عن محمد بن موسى ابن المتوكل
ص: 152
عن عبد الله بن جعفر الحميرى عن احمد بن محمد عن العباس بن معروف عن الازرى مثله، ثم قال: و فى حديث آخر قال الصادق (ع): فضل الوقت الأول على الأخير كفضل الآخرة على الدنيا.
ما رواه فى التهذيب فى أواخر باب الصلوة فى السفر فى الزيادات فى الصحيح عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا صليت فى السفر شيئا من الصلوات فى غير وقتها، فلا يضرك.
ما رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة عن داود بن فرقد عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضى مقدار ما يصلى المصلى اربع ركعات، فاذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر و العصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلى المصلى اربع ركعات، فاذا بقى مقدار ذلك فقد خرج مقدار الظهر، و بقى وقت العصر حتى تغيب الشمس.
و روى التهذيب فى الباب المتقدم عن داود عن بعض اصحابنا ايضا عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب حتى يمضى مقدار ما يصلى المصلى ثلاث ركعات، فاذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب و العشاء الآخرة حتى يبقى من انتصاف الليل مقدار ما يصلى المصلى اربع ركعات فاذا بقى مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب، و بقى وقت العشاء الآخرة الى انتصاف الليل.
ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم باسناد لا يخلو عن اعتبار، لمكان موسى بن بكر الذى يروى عنه الاجلة كابن المغيرة و فضالة و صفوان و غيرهم و يكون كثير الرواية مع كونها مقبولة مفتى بها، و عن ابن طاووس فى سنده هو فيه طعن على العبيدى و ابن سنان و لم يطعن عليه، و عن المختلف فى باب
(1) المصلى خ ل.
ص: 153
توريث الامام الملاعنة جميع مال ولدها وصف حديثه بالصحة، و عن الكافى فى باب ميراث الولد مع الزوج حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة قال دفع الى صفوان كتابا لموسى بن بكر فقال: هذا سماعى عن موسى بن بكر و قراته عليه، و فيه فى كتاب الخلع قال: و كان جعفر بن سماعة يقول: يطبعها الطلاق و يحتج برواية موسى بن بكر عن العبد الصالح (ع) قال: على (ع) الحديث قيل: و فيما ذكر شهادة واضحة على وثاقته و جلالته، عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: وقت صلوة الغداة ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس.
ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (ع) فى قوله تعالى: (أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ ) قال: ان الله افترض من اربع صلوات، اول وقتها من زوال الشمس الى انتصاف الليل، منها صلوتان اول وقتها من عند زوال الشمس الى غروب الشمس الا ان هذه قبل هذه، منها صلاتان اول وقتهما من غروب الشمس الى انتصاف الليل الا ان هذه قبل هذه.
و روى العياشى فى تفسيره عن عبيد بن زرارة مثله، على ما نقله فى البحار فى باب وقت العشاءين.
و ليس فى طريق هذه الرواية من يتوقف فيه الا الضحاك بن زيد، فانه غير مذكور فى كتب الرجال بهذا العنوان، لكن قال السيد فى المدارك: الظاهر انه ابو مالك الثقة كما يستفاد من النجاشى، و الشارح المحقق نفى عنه البعد، قال:
و يؤيده ايراد المصنف و غيره هذه الرواية من الصحاح، و كتب بعض المحققين فى حاشية المدارك بعد قوله كما يستفاد من النجاشى ما لفظه: فانه قال: الضحاك ابو مالك الحضرمى و حكم بكونه ثقة فى الحديث، و الشيخ ايضا صرح بأن الضحاك ابو مالك الحضرمى، بل الظاهر انه لا ينبغى التأمل فى انه ابو مالك الثقة، انتهى.
قال تلميذه ابو على رحمه الله فى رجاله: و قول صاحب المدارك انه ابو
ص: 154
مالك لا دليل عليه، و فى استفادة ذلك من كلام النجاشى رحمه الله كما ظنه نظر واضح، و ان قواه الاستاد (العلامة)، انتهى.
أقول و الحكم بالاتحاد و ان كان غير خال عن الاشكال، كيف و ما سمعنا من عبارة النجاشى لذلك خبرا، و ما وجدنا فيها اثرا، و لكن القول به لا يخلو عن رجحان ما، لانه لو كان ابن زيد غير ابى مالك لكان لعلماء الرجال ان يذكروا فى كتبهم الرجالية عنوانين، و ان يشيروا الى ذلك و لو فى الجملة، سيما اذا كانت الرواية المشتملة عليه مذكورة فى التهذيب الذى هو من الكتب الأربعة، فى كتاب الصلوة فى أوائله، و لما لم نجد فى كتبهم لذلك اثرا فنحكم بالاتحاد.
فان قلت: لو كان ابن زيد هو ابو مالك لكان لعلماء الرجال ان يشيروا فى كتبهم الرجالية الى ذلك، حذرا من ان لا يعده الناظر من المهملات المطروحات الذين لم يذكروهم فى كتبهم الرجالية.
قلت: هذا و ان كان محتملا و لكن الظن الحاصل من الاول أكثر، و لعل العمل على نحو هذه الظنون فى الرجال متعين، فاذن الظاهر ان الرواية صحيحة، و يعضد صحة هذه الرواية ان الراوى عن ابن زيد هو ابن ابى نصر، و هو كما فى العدة لا يروى الا عن ثقة، مضافا الى اجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنه.
ما رواه التهذيب ايضا فى اوايل الباب المتقدم باسناد فيه القسم بن عروة عن عبيد بن زرارة قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن وقت الظهر و العصر؟ فقال: اذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و العصر جميعا الا أن هذه قبل هذه، ثم انت فى وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس.
و هذه الرواية فى موضعين من الباب المتقدم بادنى تفاوت فى المتن، و لا تخلو عن اعتبار لرواية الاجلاء عن القسم بن عروة، قال بعض المحققين فى شرح الارشاد للمقدس الاردبيلى، قيل: هو ممدوح و قد وصف المصنف يعنى العلاّمة الخبر الذى هو فيه بالصحة، و الظاهر ان مراده من القيل ابن داود، الى ان
ص: 155
قال: هو كثير الرواية و اكثرها مقبولة، و يروى عنه ابن ابى عمير، و الحسين بن سعيد كذلك، و كذا ابن ابى نصر و حماد و العباس بن معروف و البرقى و ابوه و ابن فضال، و مضى فى الفضل بن شاذان عدة فى جملة من روى عنه على وجه يشير الى كونه من اصحابنا المعروفين، بل و نباهته ايضا، انتهى.
و فى القواعد: رواية البرقى و ابيه عنه من امارات الاعتماد مشكل، فراجع الى اهل الرجال فيما قالوا من انهما ممن اكثر الرواية عن الضعفاء و المجاهيل.
و البهائى طاب مضجعه، عد فى بحث المواقيت فى الفصل الثالث هذه الرواية من الصحاح.
و قال بعض الأصحاب: لا ادرى وجه عدّ روايته فى الصحيح، مع انه غير معلوم الحال على وجه يقتضى لذلك.
اقول و لعل وجه التصحيح هو تصحيح المصنف طاب ثراه كما عرفت فتأمل.
قال الشارح المحقق: و رواها الصدوق فى الفقيه بطريق فيه الحكم بن المسكين و هو غير مصرح بالتوثيق، الا ان له اصل رواه ابن ابى عمير عن الحسن بن محبوب عنه، و هذا مما يوجب قوة لنقله.
و قال بعض المحققين: يروى عنه ابن ابى عمير، و الحسن بن محبوب، و الحسن بن على بن فضال، و محمد بن الحسين بن ابى الخطاب، و غيرهم من الأجلة، و هو كثير الرواية و مقبولها، و صاحب كتب متعددة.
ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم فى المعتبر، لمكان القاسم المتقدم، عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (ع) قال:
اذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلوتين الى نصف الليل الا ان هذه قبل هذه، و اذا زالت الشمس دخل وقت الصلوتين الا ان هذه قبل هذه.
ما رواه التهذيب ايضا فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت له: يكون اصحابنا فى المكان مجتمعين، فيقوم بعضهم يصلى الظهر و بعضهم يصلى العصر، قال:
ص: 156
كله واسع.
ما رواه فى المكان المتقدم فى الموثق عن زرارة قال لابى عبد الله (ع): الرجلان يصليان فى وقت واحد، و احدهما يعجل العصر و الآخر يؤخر الظهر، قال: لا باس.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الموثق عن محمد بن مسلم قال: ربما دخلت على ابى جعفر (ع) و قد صليت الظهر و العصر، فيقول: صليت الظهر، فاقول: نعم و العصر، فيقول ما صليت الظهر، فيقوم مترسلا غير مستعجل، فيغسل او يتوضّا ثم يصلى الظهر ثم يصلى العصر، و ربما دخلت عليه و لم اصل الظهر فيقول: قد صليت الظهر، فاقول: لا، فيقول: قد صليت الظهر و العصر.
ما رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة فى الصحيح عن معمر بن يحيى قال سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: وقت العصر الى غروب الشمس.
قال الشارح المحقق بعد عده الخبر حسنا ما صورته: و بعضهم عد هذه الرواية من الصحاح، مع ان فى طريقها ثعلبة بن ميمون و ليس فى شانه ما يتخيل فيه التوثيق، الا ما نقل الكشى عن حمدويه عن محمد بن عيسى من توثيقه، و الاعتماد على مجرد ذلك مشكل، انتهى.
اقول انت اذا نظرت الى كلام النجاشى و الروضه و الكشى فلا اظنك حينئذ فى مرية من ركاكة هذا الاعتراض.
قال بعض متاخرى المتاخرين فى رجاله بعد ان نقل المدايح التى فى النجاشى و الروضة و الكشى، و سننقل جملة منها ان شاء الله ما لفظه: و فى (تعق) فى الوجيزه: ثقه.
قلت: هو من اعاظم الثقات و الزهاد و العباد و الفقهاء الامجاد و ربما يتأمل فى وثاقته لعدم ذكرها بلفظها، و ما فى الكشى الظاهر انه من محمد بن عيسى
ص: 157
و هذا التوثيق فى غاية الركاكة، و لعمرى ان النجاشى لم يكن يدرى بأنه سيجئ من يقنع بمجرد ثقة، بل بمجرد رجحانه، و لا يكفيه جميع ما ذكر، على أنّ محمد بن عيسى من الثقات الاجله مع ان ذكر الكشى ذلك ليس مجرد حكاية، بل هو فى مقام الاعتماد و الاعتداد، و احتمل بعض ان يكون هو ثقة الى آخره من كلام الكشى، قال: و هو خلاف الظاهر.
أقول و احتمل فى الحاوى كونه من كلام القواعد و النهاية، و لا يخفى ان المتأمل فى وثاقته متأمل فى وثاقه محمد كما يظهر من كلامه، و عليه فلا كلام معه، و اما ساير الاوصاف السابقة عن النجاشى فلا تفيد اكثر من الحسن، و الوثاقه ماخوذ فيها مضافا الى العدالة الضبط، نعم على القول بوثاقة محمد كما هو الصحيح لا مجال للتوقيف فى وثاقته، ان قلنا بكون التعديل من باب الأخبار و الظنون الاجتهادية، و قد ذكره فى الحاوى مع ما عرفت من طريقته فى الثقات، انتهى.
قوله: و لا يخفى ان المتأمل فى وثاقته الى آخره، لا يخفى ما فيه فافهم.
و بالجملة هذه الرواية صحيحة بلا شبهة، فلا وجه لعده من الحسان و التأمل فى كون ثعلبه ثقه، و لعمرى انه لا تعجب ممن يكفى فى الرجال بالظنون الاجتهادية، و يكفيها فى الحكم بالتصحيح كيف يتكلم بنحو هذا الكلام ؟ انه مع ما يرى ما نقله النجاشى و الروضة و الكشى من المدايح، منها ما نقله بعضهم بانه كان وجها فى اصحابنا و كان قاريا فقيها نحويا لغويا راوية و كان حسن العمل كثير العبادة و الزهد و زاد آخر و قال:
كان فاضلا متقدما معدودا فى العلماء و الفقهاء الاجلة فى هذه العصابة سمعه هرون الرشيد يدعو فى الوتر فاعجبه، و قال آخر: حمدويه عن محمد بن عيسى ان ثعلبة بن ميمون مولى محمد بن قيس الانصارى، و هو ثقة خير فاضل مقدم معلوم معدود فى العلماء و الفقهاء الاجله من هذه العصابة.
ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم فى المعتبر عن زرارة قال قال ابو جعفر (ع): احب الوقت الى الله عزّ و جلّ اوله، حين يدخل وقت الصلوة فصل الفريضة، فان لم تفعل فانك فى وقت منها حتى تغيب الشمس.
ص: 158
ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن زرارة قال قلت لابى جعفر (ع): اصلحك الله وقت كل صلوة اول الوقت افضل او وسطه او اخره ؟ فقال: اوله، قال رسول الله (ص): ان الله يحب من الخير ما يعجل.
ما رواه التهذيب ايضا فى باب العمل فى ليلة الجمعة و يومها فى الصحيح عن زرارة قال سمعت ابا جعفر (ع) يقول: ان من الامور امورا مضيقة و امورا موسعة، و ان الوقت وقتان، الصلوة مما فيه السعة فربما عجل رسول الله (ص) و ربما اخر، الا صلوة الجمعة من الامر المضيق انما لها وقت واحد حين تزول الشمس، و وقت العصر يوم الجمعة و وقت الظهر فى ساير الايام.
ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات باسناد فيه على بن يعقوب الهاشمى الراوى عنه احمد بن على بن فضال، الذى عن العدة ان الطائفة عملت بما رواه بنو فضال، عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (ع) قال: لا يفوت الصلوة من اراد الصلوة، لا يفوت صلوة النهار حتى تغيب الشمس، و لا صلوة الليل حتى يطلع الفجر، و لا صلوة الفجر حتى تطلع الشمس.
ما رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة عن داود الصرمى قال كنت عند ابى الحسن الثالث يوما فجلس يحدث حتى غابت الشمس، ثم دعا بشمع و هو جالس يتحدث، فلما اخرج من البيت نظرت و قد غاب الشفق قبل ان يصلى المغرب، ثم دعا بالماء فتوضأ و صلى.
قال الشارح المحقق: و فى الطريق داود الصرمى و هو غير موثق، و لعل فى نقل احمد بن محمد بن عيسى عنه اشعارا ما، بحسن حاله فى الجملة، انتهى.
اقول و فى (تعق) ظاهر اخباره بل صريحها كونه من الشيعة، و ربما يظهر من الشيخ اعتماد لانه كثيرا ما يطعن فى الروايات التى هو بالشذوذ و غيره
ص: 159
و لا يطعن من جهته اصلا، انتهى.
أقول قال الشيخ طاب ثراه فى التهذيب فى باب اللباس بعد ذكر رواية هو فى سندها: فهذا حديث شاذ ما رواه الا داود الصرمى، و مع تفرده بروايته مختلف، الى آخره.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم باسناد فيه القسم بن محمد الجوهرى الذى يروى عنه الحسين بن سعيد، قال الشارح المحقق و لعل فيه اشعارا بحسن حاله فى الجملة، عن عمر بن يزيد قال قلت لأبى عبد الله (ع) اكون مع هؤلاء و انصرف من عندهم عند المغرب، فامر بالمساجد فاقيمت الصلوة فان انا نزلت اصلى معهم لم استمكن من الاذان و لا من الاقامة و افتتاح الصلوة، فقال: ائت منزلك و انزع ثيابك، و ان اردت ان تتوضأ فتوضأ و صل، فانك فى وقت الى ربع الليل.
ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن عمر بن يزيد قال قلت لأبى عبد الله (ع): اكون فى جانب المصر فتحضر المغرب و انا اريد المنزل، فان اخرت الصلوة حتى اصلى فى المنزل كان امكن لى و ادركنى المساء، أفأصلى فى بعض المساجد؟ فقال: صل فى منزلك.
ما رواه التهذيب ايضا فى باب المواقيت فى الزيادات عن عمر بن يزيد قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن وقت المغرب ؟ فقال: اذا كان ارفق بك و امكن لك فى صلوتك و كنت فى حوائجك فلك الى ربع الليل، فقال قال لى و هو شاهد فى بلده، قال الشارح المحقق فى طريق هذه الرواية محمد بن عمر بن يزيد و هو غير موثق فى كتب الرجال، الا ان له كتابا يرويه ابن الوليد عن ابن الصفار عن محمد بن عبد الحميد عنه، و فيه اشعار بحسن حاله.
ما رواه التهذيب ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن ابن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: ان نام رجل او نسى ان يصلى المغرب و العشاء الآخرة فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلى كليهما فليصلهما، و ان
ص: 160
خاف ان تفوته احديهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، و ان استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن شعيب عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: ان نام رجل و لم يصل صلوة المغرب و العشاء الآخرة او نسى، فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما، و ان خشى ان تفوته احديهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، و ان استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصل الفجر ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس فان خاف ان تطلع الشمس فيفوته احدى الصلوتين فليصل المغرب و يدع العشاء الآخرة حتى تطلع الشمس و يذهب شعاءها، ثم ليصلها.
ما رواه التهذيب ايضا فى باب اوقات الصلوة عن بكر بن محمد عن ابى عبد الله (ع) قال: سأله سائل عن وقت المغرب، قال:
ان الله تعالى يقول فى كتابه لابراهيم (ع): (فَلَمّٰا جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ رَأىٰ كَوْكَباً) فهذا اول الوقت، و آخر ذلك غيبوبة الشفق، و اول وقت العشاء ذهاب الحمرة و آخر وقتها الى غسق الليل نصف الليل.
و بعضهم عد هذه الرواية صحيحة، مع ان فى طريقها على بن الصلت و لعله حمله على على بن الريان بن الصلت الاشعرى، او ظهر ذلك له من كلام (مشكا) و الله هو العالم.
ما رواه التهذيب ايضا فى باب المواقيت فى الزيادات عن الحسن بن محمد بن سماعة عن محمد بن زياد عن هرون بن خارجة عن ابى بصير عن ابى جعفر (ع) قال: قال رسول الله (ص): لو لا انى اخاف ان اشق على امتى لاخرت العتمة الى ثلث الليل، و انت فى رخصة الى نصف الليل و هو غسق الليل، فاذا مضى الغسق نادى ملك من رقد عن صلوة المكتوبة بعد نصف الليل فلا رقدت عيناه.
قال الشارح المحقق: و فى طريقها ابن سماعة الثقة الواقفى، و محمد بن
ص: 161
زياد المشترك يبعد ان يكون المراد به ابن عمير، و هرون بن خارجة الصيرفى الثقة و الظاهر اتحادهما كما يظهر من كتاب النجاشى فى ترجمة مراد بن خارجه اخى هرون هذا، انتهى.
اقول كون المراد من محمد هو ابن ابى عمير لا يخلو عن بعد، و الحمل على ابن زياد العطار الثقة غير بعيد لما سيجىء ان شاء الله فى اوائل بحث اللباس اليه الاشارة، و اما الحكم بالاتحاد بين ابن خارجه الانصارى و ابن خارجة الصيرفى فقريب وفاقا لجماعة، قال بعض المحققين: الظاهر اتحاد هرون بن خارجة الكوفى الصيرفى مع ابن الانصارى، خلافا لظاهر الشيخ فى مراد بانه مراد بن خارجة الانصارى هذا، و يروى عنه جعفر بن بشير، اقول: جزم فى الوسيط باتحادهما، و قيل لما صرح فى مراد و هو الظاهر من الحاوى ايضا.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الموثق عن معلى بن عثمان عن معلى بن خنيس عن ابى عبد الله (ع) قال: آخر وقت العتمة نصف الليل.
ما رواه ايضا فى باب اوقات الصلوة عن الاصبع بن نباتة قال قال امير المؤمنين (ع): من ادرك من الغداة ركعّة قبل طلوع الشمس فقد ادرك الغداة تامة، و فى السند ضعف.
ما روى فى التحرير على ما قيل قال: روى الاصحاب عن رسول الله (ص) قال: لا يفوت صلوة الليل حتى يطلع الفجر.
ما رواه التهذيب فى اواخر باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح عن على بن يقطين قال: سألت ابا الحسن (ع) عن الرجل لا يصلى الغداة حتى تسفر و تظهر الحمرة و لم يركع ركعتى الفجر، ايركعهما او يؤخرهما؟ قال: يؤخرهما.
ما رواه المحقق المجلسى - طاب مضجعه - فى كتاب بحار الانوار فى كتاب الصلوة فى باب الاوقات عن العياشى عن زرارة قال: قلت
ص: 162
لابى جعفر (ع) قول الله: (إِنَّ اَلصَّلاٰةَ كٰانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً)، قال: يعنى كتابا مفروضا، و ليس يعنى وقتها، ان جاز ذلك الوقت ثم صلاّها لم يكن صلوته(1) مؤداة، لو كان ذلك كذلك لهلك سليمان بن داود حين صلاها لغير وقتها و لكنه متى ما ذكرها صلاها.
و رواه الصدوق فى الفقيه فى باب فرض الصلوة عن زرارة و الفضيل و فيها ليس يعنى وقت فوتها ان جاز الى آخره.
قال فى البحار: قوله ان جاز ذلك الوقت، بيان و تفسير للتوقيت، قوله (ع): تكن صلوة مؤداه، اى صحيحا مثابا عليها و ان كان قضاء فلا تكون الصحة مخصوصة بالوقت المعين، و يحتمل ان يكون النفى تعينه وقت الفضيلة و الاختيار فهو بيان لتوسعة الوقت، و حينئذ يكون وقت مؤداه بالمعنى الاصطلاحى و يحتمل الأعم منهما.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن العياشى عن منصور بن حازم قال: سمعت ابا عبد الله (ع) و هو يقول: ان الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، قال: لو كانت موقوتا لهلك الناس و لكان الامر ضيقا، و لكنها كانت على المؤمنين كتابا موجوبا.
ما رواه عن العياشى ايضا فى الباب المتقدم عن زرارة قال: سألت ابا جعفر (ع) عن هذه الاية ان الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، فقال: ان للصلوة وقتا و الامر فيه واسع يقدم مرة و يؤخر مرة، الا الجمعة فانما هو وقت واحد، و انما عنى الله كتابا موقوتا اى واجبا، يعنى بها انها الفريضة.
ما رواه فى الباب المتقدم عن العياشى عن زرارة عن ابى جعفر (ع): ان الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، قال: لو عنى انها فى وقت لا تقبل الا فيه كانت مصيبة،(2) و لكن متى اديتها فقد اديتها.
ص: 163
و فى رواية اخرى عن زرارة عن ابى جعفر (ع) فى قول الله ان الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا قال:(1) يعنى بذلك وجوبها على المؤمنين، و ليس لها وقت من تركه افراط، و لكن لها تضييع.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن السرائر من كتاب حريز قال قال ابو جعفر (ع): أعلم ان اول الوقت ابدا افضل، فجعل الخبر ما استطعت، واجب الاعمال الى الله تعالى ذكره ما دام عليه العبد و ان قل.
ما رواه ايضا فى باب الحث على الصلوات عن الخصال عن العطار عن ابيه عن احمد بن محمد البرقى عن محمد بن على الكوفى عن محمد بن سنان عن عمر بن عبد العزيز عن الخيبرى عن يونس بن ظبيان و المفضل بن عمر معا عن ابى عبد الله (ع): قال خصلتان من كانتا فيه و الا فاغرب ثم اغرب ثم اغرب، قيل: و ما هما؟ قال:
الصلوة فى مواقيتها و المحافظة عليها و المواساة.
و روى ايضا عن كتاب الاخوان للصدوق باسناده عن المفضل بن عمر مثله.
قال فى البحار: و الا فاغرب، اى مستحق لان يقال له اغرب اى ابعد كما يقال سحقا و بعدا، او اقيم الامر مقام الخبر اى هو غارب و بعيد عن الخير، و يمكن ان يقرا على صيغه افعل التفضيل اى هو ابعد الناس من الخبر، و الأول افصح و اظهر، قال الجوهرى: غرب عنى فلان يغرب و يعذب اى بعد و غاب و ابل غريب لا تروح على الحى و هو جمع غارب، و فى الحديث من قرا القران فى اربعين ليلة غرّب، اى بعد عهده بما ابتداه منه.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن الخصال عن الخليل بن احمد عن ابى القاسم البغوى عن على بن الجعد عن شعبة عن الوليد بن الغنزار عن ابى عمرو الشيبانى عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله (ص): اى الاعمال احب الى اللّه عزّ و جلّ؟ قال: الصلوة لوقتها.
ما رواه طاب ثراه ايضا فى الباب المتقدم منه فى خبر
ص: 164
الاعمش بالسند المتقدم عن الصادق (ع) قال: الصلوة تستحب فى اول الاوقات.
ما رواه ايضا فى باب وقت فريضة الظهرين عن الهداية قال الصادق (ع): اول الوقت زوال الشمس و هو وقت الأول و هو افضلها، و قال (ع): اذا زالت فتحت ابواب السماء فلا احب ان يسبقنى احد بالعمل، انى احب ان تكون صحيفتى اول صحيفة يكتب فيها العمل الصالح، و قال (ع): ما يامن احدكم الحدث فى ترك الصلوة و قد دخل وقتها و هو فارغ، فاول وقت الظهر من زوال الشمس الى ان تمضى قدمان، و وقت العصر من حين يمضى قدمان من زوال الشمس الى ان تغيب الشمس، و قال: لفضل الوقت الأول على الاخر كفضل الاخرة على الدنيا.
اذا عرفت ذلك فاعلم انه استدل بعض الأجلاء لارباب القول الثانى، بالخبر الأول و الثانى الى الثامن، ثم قال: فهذه جملة من الأخبار العلية المنارة واضحة على القول المذكور، و لم نقف فى الأخبار على ما يعارضها صريحه، و غاية ما ربما يتوهم منه المنافاة اطلاق بعض الأخبار القابل للتقييد بهذه الأخبار، كاخبار امتداد وقت الظهرين الى الغروب.
و اما ما ذكره فى المدارك و قبله غيره ايضا، من الاستدلال على ما ذهبوا اليه بالأخبار الدالة على افضلية اول الوقتين، فلا منافاة كما اوضحه المحدث الكاشانى فى كتاب الوافى، حيث قال بعد نقل صحيحة عبد الله بن سنان و نعم ما قال: و المستفاد من هذا الخبر و ما فى معناه، ان الوقت الأول للمختار و الثانى للمضطر، كما فهمه صاحب التهذيب و شيخه المفيد، و يؤيده اخبار اخر ياتى ذكرها، و لا ينافى ذلك كون الأول افضل و كون الثانى وقتا، لان ما يفعله المختار افضل مما يفعله المضطر ابدا، و كما ان العبد بقدر التقصير متعرض للمقت من مولاه، كذلك بقدر حرمانه عن الفضايل مستوجب للعبد عنه، نعم اذا كان اللّه هو الذى عرضه للحرمان فلا يعاتبه عليه، لان ما غلب الله فالله اولى بالعذر، و الوقت الثانى اداء للمضطر و ان كان ماشيا او قائما فالوقت فى حقه حين تيقظه او تذكره، و ذلك لانه غير مخاطب بتلك الصلوة فى حال النوم و النسيان، فان الله لا يكلف نفسا الا ما آتاها الى اخره.
ص: 165
أقول و مما يؤيد ما ذكرناه و يؤيد ما سطرناه، ثم نقل الخبر التاسع و العاشر و الحادى عشر، و قال: و التقريب فى هذه الأخبار ان المراد بهذه المواقيت المامور بالمحافظة عليها هى الاوقات الاوايل: و هى اوقات الفضايل بلا ريب و لا اشكال، و هى التى يتصف فيها الصلوة بمزيد الشرف و الكمال و القبول من حضره ذى الجلال، و ان الاوقات الاخيرة متى لم يكن التاخير اليها ناشئا عن عذر من تلك الأعذار المذكور جملة منها فى الأخبار، فصار صاحبها مستوجبا لمزيد البعد منه سبحانه كما دلت عليه هذه الأخبار، و انه داخل تحت المشية، بمعنى انه ليس ممن يستحق بعمله ذلك الجزاء بالثواب، و ما اعده تعالى على تلك العبادة من الأجر الذى لا تحيط به الألباب، بل هو من المرجئين لأمر الله ان شاء عذبه بتقصيره و تأخيره الصلوة عن ذلك الوقت، و ان شاء عفى عن تقصيره بكرمه و رحمته، و هذا ما تضمنه حديث الفقيه المتقدم من ان آخر الوقت عفو الله و العفو لا يكون الا عن ذنب، و الا جايز ان يحمل هذا الوقت الأخير الذى جعل صاحبه تحت المشية على خارج الوقت، الذى هو المشهور عندهم، و هو ما بعد غروب الشمس بالنسبة الى الظهرين مثلا، كما ربما يتوهمه بعض معكوسى الأذهان، و من ليس من فرسان هذا الميدان فانه لو كان كذلك لم يحكم على صاحبه بانه تحت المشية، بل يجب الحكم عليه بالفسق بل الكفر كما دلت عليه الأخبار المتقدمة، من ان تارك الصلوة عمدا كافر فهو مستحق لمزيد النكال و العذاب، كما لا يخفى على ذوى الألباب.
و مما يؤيد ذلك تأييد او يعليه تشهيد الأخبار الواردة فى وضع الاوقات و اشارة جبرئيل (ع) بها النبى (ص)، فانها انما تضمنت اوايل الاوقات خاصة دون اواخرها، ففى موثقة معوية بن وهب عن ابى عبد الله (ع)، ثم نقل الخبر الثانى عشر، و قال: و نحو هذه الرواية و غيرها ايضا، و الظاهر ان وضع هذه الأوقات فى اول الأمر للمكلفين، ثم حصلت الرخصة لذوى الاعذار و الاضطرار بالوقت الثانى بعد ذلك، كما سيأتى بيانه ان شاء اللّه تعالى.
و بذلك يجمع بين هذه الأخبار و بين الأخبار الدالة على الوقتين، بحمل ما دل على الثانى على ذوى الأعذار و الاضطرار، و تخرج الأخبار المتقدمة شاهدا على ذلك.
ص: 166
و من الأخبار الدالة على ما اخترناه ايضا جملة من الأخبار الصحاح الدالة على ان وقت الظهر من زوال الشمس الى أن يذهب الظل قامة، و وقت العصر الى ان يذهب قامتين، و الاصحاب و ان حملوها على اوقات الفضيلة جمعا بينها و بين ما دل على ان لكل صلوة وقتين، و الأخبار الدالة على امتداد الوقتين الى الغروب، فليس باولى من حملنا لها على المختار، و حمل ما عارضها على ذوى الأعذار و الاضطرار، بل ما ذكرناه هو الاولى، لتأييده بما عرفت من الأخبار، و لا سيما روايات وضع الاوقات، و روايات دخول اصحاب الوقت الثانى تحت المشية.
و اما ما أجاب به جملة من اصحابنا منهم شيخنا الشهيد فى الذكرى عمّا رواه الصدوق من قوله (ص): اول الوقت رضوان الله و آخره عفو الله، من جواز توجيه العفو بترك الاولى، مثل عفى الله عنك.
و زاد الفاضل الخراسانى انه يمكن الجواب بانه يجوز ان يكون المراد الصلوة فى آخر الوقت يوجب غفران الذنوب و العفو عنها، ففيه اولا ان تتمة الخبر تنادى بان العفو لا يكون الا عن ذنب، و هو صريح فى كون التأخير موجبا للتأثيم، فكيف يحمل العفو على ترك الاولى ؟ و قياس الخبر على الآية قياس مع الفارق، لظهور قرينة المجاز فى الآية من حيث عصمته، و صراحة الخبر فيما ذكرناه، باعتبار تتمته، و ابعد من ذلك الاحتمال الثانى فانه مما لا ينبغى ان يصغى اليه و لا يعرج فى مقام التحقيق عليه.
و ثانيا الأخبار التى قدمناها الدالة على ان من لم يحافظ على ذلك الوقت، كان لله فيه المشية ان شاء غفر له و ان شاء عذبه بتقصيره فى التأخير الى الوقت الأخير، فانه صريح فى استحقاق العقوبة بالتأخير لغير عذر الى الاوقات الأخيرة، و من الأخبار الدالة على الحث على الوقت الأول ايضا زيادة على ما قدمناه، و ان التأخير عنه الى الثانى لغير عذر موجب لتضييع، ما رواه الصدوق فى كتاب المجالس فى الموثق عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (ع)، ثم نقل الخبر الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر و السادس عشر، و قال: أقول:
المراد بغير وقتها يعنى غير وقت الفضيلة و هو الوقت الأول، لان السفر احد
ص: 167
الأعذار، و يظهر من جملة من الأخبار ما ذكر فى المقام و ما لم يذكر و لا سيما الخبر الأخير، ان اكثر اطلاق لفظ الوقت انما هو هذا المعنى اعنى الوقت الاول خاصة الا مع القرينة الصارفة عنه، و قد استفيد من الأخبار المذكورة فى المقام بضم بعضها الى بعض، ان المراد بالوقت المرغب فيه هو الذى يكون للعبد فيه عهد عند الله سبحانه بايقاع الصلوة، انما هو الوقت الاول، و ان ترتب الفضل فيه ايضا اولا فاولا و هو الوقت الذى اول ما فرض، و ان كان الثانى وقتا فى الجملة، و ان التأخير الى الثانى ان كان لضرورة او عذر فلا اشكال و لا ريب، فى كونه وقتا و انه غير مؤاخذ بالتأخير، و ان كان فضله اقل و ثوابه انقص، و ان كان لا كذلك فهو تضييع للصلوة، و ان وقعت فيه اداء و اسقطت القضاء، الاّ صاحبها تحت المشية بسبب تقصير فى التأخير، فان شاء الله عفى عنه و قبل منه و ان شاء عذبه.
و ملخصه ان وقتية هذا الوقت الثانى اولا و بالذات، انما لاصحاب الاعذار و الاضطرار و رخصة لهم من حيث ذلك، و ان اجتزئت لغيرهم مع استحقاقهم البعد و المؤاخذة من الله سبحانه، الا ان يعفو بفضله و كرمه.
و الى ما ذكرنا يشير كلام الرضا (ع) فى كتاب الفقه حيث قال: و انما جعل آخر الوقت للمعلول، فصار آخر الوقت رخصة للضعيف لحال علته و نفسه و ماله و هى رحمة للقوى و الفارغ لعله الضعيف و المعلول، ثم اطال بذكر بعض النظاير و مرجعه الى ما ذكرناه، و بذلك يظهر لك قوة ما اخترناه، و ان كان خلاف المشهور لظهوره من الأخبار كالنور على الطور، انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
أقول و الذى يترجح فى نظرى القاصر و يدور فى فكرى الفاتر، ان ما اختاره المشهور هو المنصور و لنا وجوه:
المعتضد بالشهرة العظيمة التى قال بعض الأجلة فى شأنها انها كادت تكون من المتأخرين اجماعا، بل اجماع فى الحقيقة.
ص: 168
المعتضد بما تقدم اليه الاشاره، و المراد من الاستحباب الوارد فى الخبر هو المعنى المصطلح عليه من الطائفة.
كما ذكرنا فى اول الباب، و اول الوقت افضلها، و انما جعل آخر الوقت رخصة للضعيف لحال علته و نفسه و ماله، و هى رحمة للقوى الفارغ لعلة الضعيف و المعلول.
و ها انا انقل النظائر التى ذكرها (ع) فى ذيل هذا الكلام، و قد تركته هناك، قال (ع): و ذلك ان الله فرض الفرايض على اضعف القوم قوة ليسعى منها(1) الضعيف و القوى، كما قال الله تعالى: (فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ )، و قال:
(فَاتَّقُوا اَللّٰهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ )، فاستوى الضعيف الذى لا يقدر على اكثر من شاة و القوى الذى يقدر على اكثر من شاة، الى اكثر القدرة فى الفرايض، و ذلك لان لا يختلف الفرايض و لا تقام على حد، و قد فرض الله تبارك على الضعيف ما فرض الله على القوى، و لا يفرق عند ذلك بين القوى و الضعيف، فلما لم يجز ان يفرض على الضعيف المعلول فرض القوى الذى هو غير معلول، لم يجز ان يفرض على القوى غير فرض الضعيف فيكون الفرض مجهولا، ثبت الفرض عند ذلك على اضعف القوم ليستوى فيها القوى و الضعيف رحمة من اللّه للضعيف لعلته فى نفسه، و رحمة منه للقوى لعلة الضعيف، و يستتم الفرض المعروف المستقيم عند القوى و الضعيف الحديث.
و لا ريب فى دلالته على ما ذهب اليه المشهور، كما لا يخفى على من له ادنى فهم و شعور.
و هى ظاهرة
ص: 169
فى الكراهة قاله غير واحد من الطائفة.
و هو كالصريح فى عدم الحرمة، لانها باعثة للعقاب بلا شبهة، و اذا كان العبد غير معاقب على فعل شىء، و ان كان به مستحقا للعقاب، فلا يكون ذلك الشىء من الاشياء المحرمة، لعدم صدق الحد المقرر عندهم - رضوان الله عليهم - للحرام عليه بلا ريبه، فالمراد منه تاكد الكراهة فى التأخير كاستحباب التقديم، و لا ينافى ذلك لفظ الذنب الوارد فى قوله (ع): فى ذيل ما تقدم: و العفو لا يكون الا من ذنب، لاطلاقه على ترك كثير من المستحبات، الا تنظر الى الخير الثالث عشر المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و نوافلها ثمان ركعات قبل الظهر الى آخره، من قوله (ع): فى النوافل ان تارك هذا ليس بكافر و لكنها(1) معصية، لانه يستحب اذا عمل الرجل عملا من الخير ان يدوم عليه.
هذا مضافا الى ان الذنب هو ما يحصل من المخالفة لامر الامر، فكما ان ما يحصل من مخالفة الامر الواجب يصير باعثا للعقاب، فكذا ما يحصل من مخالفة الامر المندوب و ارتكاب النهى المكروه، يصير باعثا لحرمان الثواب و توجه نوع من العتاب.
و الحاصل ان التاخير عن الوقت الاول لما كان مكروها فى الغاية، فمن أخر الصلوة الى الوقت الآخر مخالف لمولاه، لانه نهاه عن التأخير فيحصل عليه لذلك ذنب، كيف لا و الذنب موضوع لما يحصل بالمخالفة مطلقا، و لو كان ما خالفه مكروها، و يرشدك الى ما ذكرناه كتب الادعية الواردة عن اهل بيت العصمة سلام الله عليهم و منها الزّبور لال محمّد صلى اللّه عليه و آله الصحيفة الكاملة، المملوة من اطلاقهم الذنب على ما يحصل من ترك الاولى و لو فى الجملة، لانهم (ع) عالمين
ص: 170
بعصمتهم بلا ريب و لا شبهة.
لا يقال غاية ما يستفاد من الأدعية المروية عنهم هو الاطلاق، و الاطلاق اعم من الحقيقة و المجاز، لأنا نقول اللفظ المستعمل فى المعنيين اللذين لهما قدر مشترك، الأصل ان يكون موضوعا له كما حققناه فى الاصول.
فان قلت: هذا مسلم اذا لم يكن احد المعنيين المستعمل فيه اللفظ متبادرا، و معه الأصل ان يكون موضوعا للمعنى المتبادر، فالأصل فيما نحن فيه ان يكون الذنب موضوعا لما يحصل من ارتكاب الفعل المحرم لأن المتبادر منه ذلك.
قلت: سلمنا ذلك، و لكن لا يصلح سلب الذنبية عمن اتى بالفعل المكروه، كيف لا و العتاب يتوجه عليه بالاتيان به، و لو لم يكن عليه ذنب مطلقا، لما حسن توجه العتاب عليه.
توضيح المطلب(1) ان السلطان اذا قال انه لا ذنب للعبد الفلانى مطلقا
ص: 171
ثم عاتبه و لامه على شىء، لذمه العقلاء، و ليس ذلك الا لكون الذنب موضوعا لما يحصل عن مخالفة المحبوب و لو كان حبّا استحبابيّا، و بالجملة من تدبر فى الآيات القرآنية و الأدعية و الآثار المروية عن المعصومين (ع)، يقول المذكور هو المنصور بحيث لا يأتيه نقص و لا قصور، و ذيل الخبر الثالث عشر المتقدم فى شرح قول المصنف: و نوافلها انتهى من تعليله (ع) العصيان المترتب على ترك النافلة، بقوله: لأنه يستحب، الى آخره، لذلك كالنور على الطور، و قد تقدم فى البيان المتقدم بعد نقل هذا الخبر ما ينفعك فراجع، و ذيل الخبر التاسع المتقدم هناك لا يخلو عن تأييد فراجع.
و اذا لم يصح سلب الذنبية عن الآتى بالفعل المكروه يتعين العمل بالأصل الاول، لان عدم صحة السلب من اقوى امارات الحقيقة، فظهر بما ذكرنا انا اذا حملنا الخبر الثانى على تأكد الاستحباب فى اول الوقت و تأكد كراهة التأخير، لا ينافيه لفظ الذنب الواقع فى ذيله.
و يظهر من المفيد فى المقنعة انه قال بمضمون هذه الرواية، حيث قال:
و لا ينبغى لأحد ان يؤخر الصلوة عن اول وقتها، و هو ذاكر لها، غير ممنوع منها، فان اخرها ثم اخترم فى الوقت قبل ان يؤديها كان مضيعا لها، و ان بقى حتى يؤديها فى آخر الوقت عفى عن ذنبه فى تأخيرها، فنسبة القول بالمنع اليه ليس فى مكانه.
و يرشدك الى ذلك ما ذكره الشيخ فى التهذيب فى شرح هذا الكلام، ما صورته، و ليس لاحد ان يقول ان هذه الأخبار انما تدل على ان اول الأوقات أفضل، و لا تدل على انه يجب فى اول الوقت، لأنه اذا ثبت انها فى اول الوقت افضل و لو لم يكن هناك منع و لا عذر، فانه يجب ان يفعل، و متى لم يفعل و الحال على ما وصفناه استحق اللوم و التعنيف.
و لم يرد بالوجوب ههنا ما يستحق بتركه العقاب، لأن الوجوب على ضروب عندنا، منها ما يستحق بتركه العقاب، و منها ما يكون الاولى فعله و لا يستحق
ص: 172
بالاخلال به العقاب، و ان كان يستحق به ضرب من اللوم و العتب، و عن النهاية انه قال فيها لا يجوز لمن ليس له عذر ان يؤخر الصلوة من اول وقتها الى آخره مع الاختيار، فان آخرها كان مهملا لفضيلة عظيمة و ان لم يستحق العقاب، لان الله تعالى قد عفى له عن ذلك، و نحوه عن القاضى فى شرح الجمل، و بهذا يظهر قوة ارادة المانعين من المنع ما يوافق المختار، كما يرشدك اليه هذه العبارات المشتملة على المنع، الصريحة فى المواثقة للمشهور، و بما ذكر ظهر و نص ما ينقل عن الشارح الفاضل.
قال بعض الاجلاء: وجدت فى بعض الكتب المشتملة على جملة من رسائل شيخنا الشهيد الثانى، و جملة من الاسئله و اجوبتها و الظاهر انها ايضا له قدس سره، هذه صورة سؤال و جواب بهذه الكيفية:
مسئلة: قيل ان تاخير الصلوة الى آخر الوقت لا يجوز الا لذوى الاعذار، فهل غيرهم على هذا القول يجتمع الاداء و الاثم ام لا؟ فان كان الاول فقد اجتمعا، و ان كان الثانى فقد ورد: اول الوقت رضوان الله و آخره عفو الله، فعلى ما يحمل الخبر؟.
الجواب المشهور بين المتأخرين اشتراك وقت الفرضين على الوجه الاول، الذى فصلوه جمعا بين الاخبار و ان دل بعضها على ذلك و بعضها على اختصاص كل واحده بوقت مع الاختيار، بحمل هذه على الفضيلة، و خالف جماعة فحكموا باختصاص جواز التأخير بذوى الاعذار، و عليه من آخر لا لعذرا ثم، و يبقى اداء ما دام وقت الاضطرار باقيا، و الخبر الذى ذكرتموه ظاهر فى هذا القول، لان العفو يقتضى حصول الذنب، و اصحاب القول الاول على المبالغة فى الكراهة و نقصان الثواب انتهى فتأمل جدا.
كالخبر السابع عشر و الثامن عشر و التاسع عشر و العشرين و ما ضاهاها من الاخبار المتقدمة و غيرها، و الاخصية غير ضايرة لمكان الاجماع المركب، و هذه الاخبار و ان كانت مطلقه قابلة
ص: 173
للتقييد بالاخبار الدالة على المنع بحسب الظاهر، و لكن المكافأة مفقودة، لرجحان الاخبار المطلقة بالاصل و الشهرة العظيمة و موافقة الكتاب و الاجماعات المحكية و غيرها مما تقدم اليه الاشارة.
و ما دل على المنع غير قابلة للتقييد لما مر.
و المفاضلة يقتضى الرجحان مع التساوى فى الجواز قاله غير واحد منهم، لا يقال قوله (ع) فى آخر الخبر الاول: و ليس لاحد الى آخره، يقتضى المصير الى المنع، لا نقول لا بد له من تاويل، و هو ان يكون المراد سلب الاباحة بالمعنى الاخص و هو ما تساوى طرفاه.
فان قلت: اوّل صدر الخبر، و ابق الذيل على حاله.
قلت: ذلك و ان امكن بان يكون الصلوة فى آخر الوقت لعذر انقص فضلا من الواقعة فى اوّله، و لكن عدم تأويل الصدر هو الاولى للاصل و الشهرة و الاجماعات المحكية و غيرها و لسبقه، اذ به يظهر ان الثانى على طريق الاول.
و حاصل الكلام فى هذا المقام ان الناظر البصير و الناقد الخبير، اذا نظر فى جميع الاخبار المتقدمة واحدا بعد واحد، و غيرها من الاخبار التى لا يكاد ان تحصى، المروية فى الكتب الاربعة و غيرها، و تأمل فى مضامينها ثم تدبر فى قرائن احوالها و مفاهيمها، يظهر له صحة ما ندعيه، و ان ما ذكره الخصم كما نقلنا جميع كلامه و ما اطال به من نقضه و ابرامه، ليس شىء فيه، بل جل الاخبار التى استند اليها دلالة لها على ما يدعيه و لا صراحة فيما يعنيه، بل الظاهر منها عند امعان النظر فى عباراتها و ما تفيد بصريحها و اشاراتها، انها منطبقة مع الاخبار الدالة على المشهور كما لا يخفى على المتأمل المصنف دون المكابر المتعسف.
نعم استحباب الاتيان بها فى اول الاوقات مؤكد فى الغاية، بحيث يقرب
ص: 174
ان يصل الى درجة الوجوب، روى فى البحار فى باب الحث على المحافظة على الصلوات عن ارشاد القلوب للديلمى قال: كان على (ع) يوما فى حرب صفين مشتغلا بالحرب و القتال، و هو مع ذلك بين الصفين يراقب الشمس، فقال: له ابن عباس: يا امير المؤمنين، ما هذا الفعل ؟ قال: انظر الى الزوال حتى تصلى، فقال ابن عباس، و هل هذا وقت صلوة ؟ ان عندنا لشغل بالقتال عن الصلوة، فقال (ع): على ما نقاتلهم انما نقاتلهم على الصلوة، قال: و لم يترك صلوة الليل قط حتى ليلة الهرير، و التأخير مكروه فى الغاية بحيث يقرب ان يلحق بالمحرمات، للخبر الثالث و التاسع و العاشر و ما ضاهاها، و امر الاحتياط واضح.
قال فى المفاتيح بعد تقويته مذهب الشيخين: ثم المستفاد من المعتبرة ان ادنى عذر كاف فى التأخير انتهى، و عبارة المبسوط على ما عرفت سابقا ايضا ناظرة الى ذلك.
اقول و يمكن ان يستنبط ذلك من الخبر الثالث و الثلاثين و الثانى و الثلاثين و الثلاثين المؤيد بالخبر الحادى و الثلاثين على اشكال، و سيجئ ان شاء الله ما له دخل فى المقام.
و حيث عرفت ان لكل صلوة وقتين (فاول وقت) صلاه (الظهر اذا زالت الشمس) بلا خلاف بين الاصحاب، بل علماء الاسلام على ما ذكره بعض الاجلة، بل عليه الاجماع محققا و محكيا فى عبائر جماعة، و منهم فى المنتهى، و المختلف طاب مضجعه فى التحرير، بل قال بعض المحققين: انه ضرورى الدين، و النصوص بذلك كثيرة متجاوزة عن حد الاستفاضة بل متواترة، و قد مضى الى جملة منها الاشارة، هذا مضافا الى ما دلت عليه الآية من قوله سبحانه أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ الى آخره، و الدلوك هو الزوال للغة و الاخبار، منها الرواية المتقدمة فى قبيل بيان صلوة الوسطى، و اما رواية سعيد الاعرج و اسمعيل عبد الخالق و يعقوب بن شعيب و غيرها المروية فى التهذيب فى اوايل المواقيت فى الزيادات،
ص: 175
الدالة على ان وقت الظهر ما بعد الزوال بقدم او ذراع او نحو ذلك، فانها محمولة على وقت المتنفل او غيره كما سيأتى تفصيل الكلام ان شاء الله فانتظر.
زوال الشمس عبارة عن ميلها عن وسط السماء، و انحرافها عن دائرة نصف النهار المارة بقطبى الافق و بقطبى معدل النهار، نحو المغرب.
روى فى النهاية فى باب علة وجوب خمس صلوات مرسلا عن الحسن بن على، و فى المجالس له و العلل على ما نقله فى البحار فى باب علل الصلوة عن محمد بن على ما جيلوية عن عمه عن احمد بن محمد البرقى عن على بن الحسين الرقى عن عبد الله بن جبله عن معوية بن عمار عن الحسن بن عبد الله عن أبيه عن جده الحسن بن على عليهما السلام قال: جاء نفر من اليهود الى رسول الله (ص) فسأله اعلمهم من مسائل، فكان فيما سأله: اخبرنى عن الله لأي شىء وقت هذه الصلوات فى خمس مواقيت على امتك، فى ساعات الليل و النهار؟ قال النبى (ص): ان الشمس اذا طلعت عند الزوال لها حلقة تدخل فيها فاذا دخلت فيها زالت الشمس فيسبح كل شىء دون العرش لوجه ربى، و هى الساعة التى يصلى علىّ فيها ربى، ففرض الله عز و جل علىّ و على امتى فيها الصلوة، و قال اقم الصلوة لدلوك الشمس الى غسق الليل، و هى الساعة التى يؤتى فيها بجهنم يوم القيمة، فما من مؤمن يوفق تلك الساعة ان يكون ساجدا او راكعا او قائما، الاّ حرّم الله جسده على النار الحديث.
يحتمل ان يكون المراد بالحلقة دائرة نصف النهار، و لا ريب انها مختلفة بالنسبة الى البقاع و البلاد لمكان اختلاف دائرة الافق، فعلى هذا تختلف اوقات صلوات اهلها، فالمراد بقوله (ص): فيسبح كل شىء، على ما ذكره بعض الأجلة تسبيح اهل كل بقعة عند بلوغها الى نصف نهارها، و يكون ابتداء التسبيح عند بلوغ نصف نهار اول بلد من المعمورة.
ص: 176
و اما صلوة الله على النبى (ص) فى تلك الساعة، فاما ان يعتبر فيها نصف نهار بلده، او يقال بتكررها من ابتداء نصف النهار من أول المعمورة الى ان يخرج من جميع انصاف النهار لها.
و اما الاتيان بجهنم فى تلك الساعة، فالمراد بلوغ نصف نهار المحشر تقديرا، اذ ليس للشمس فى القيمة حركة كما يظهر من الأخبار، صرح به بعض الأجلة، او يقال جميع ذلك اليوم لمحاذاه الشمس بسمت رأسهم بمنزلة الزوال فالمعنى انه لما كانت الشمس يوم القيمة مسامتة لرؤس اهلها لا تزول، فينبغى فى الدنيا اذا صارت بتلك الهيئة ان يذكروا اهوالها و شدايدها، التى من جملتها احضار جهنم فيها، قيل و المراد بكل شىء دون العرش عنده او تحته، او العرش و ما دونه، كما قيل فى قول امير المؤمنين (ع) سلونى عما دون العرش او كل شىء عند عرش علمه تعالى اى جميع المكنونات، قيل: و انما يسبح الله كل شىء دون العرش عند الزوال مع اياه فى كل وقت على الدوام، لظهور النقص بالزوال و الانحطاط و الهبوط للشمس التى هى رئيس السماء و واهب الضياء، بأمر الله سبحانه و طاعته، و هى مما يعبد من دون الله، و هى اعظم كوكب فى السماء جسما و نورا، و يسبح الله عند ذلك عما يوجب النقص و الافول، قال الخليل (ع) لما افلت: (لاٰ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ حَنِيفاً وَ مٰا أَنَا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ ).
و انما يصلى الله على نبيه (ص) فى تلك الساعة، لتسبيحه (ص) اياه فى تلك الساعة زيادة على غيرها من الساعات، و ليشار بذلك الى انه ليس لارتفاع منزلته (ص) النحطاط و لا لصعوده الى جنابه سبحانه هبوط، و علة فرض الصلوة فى تلك الساعة هى علة التسبيح.
و المراد بالظل فى مبحث الاوقات هو المأخوذ من المقياس القائم عمودا على سطح الافق
ص: 177
المسمى بالظل الثانى و المستوى و المبسوط، لا المأخوذ من المقياس المنصوب على موازاة سطح الافق المسمى بالظل الاول و المعكوس و المنتصب.
ذلك ان الشمس اذا طلعت وقع لكل شاخص قائم على سطح الارض، بحيث يكون عمودا على سطح الافق ظل فى جانب المغرب، ثم لا يزال ينقص كلما ارتفعت الشمس، حتى تبلغ كبد السماء و تصل الى دائرة نصف النهار المارة بقطبى الافق و بقطبى معدل النهار كما ذكرنا سابقا، و تقاطع دائرة الافق على نقطتين يدعى احديهما نقطه الجنوب و هى التى فى تلك الجهة، و الاخرى نقطة الشمال، و يقال للخط الواصل بينهما خط نصف النهار و خط الزوال و خط الجنوب و الشمال، و قطباها لمرورها بقطبى المعدل و الافق نقطتا المشرق و المغرب، و حينئذ فيكون ظل الشاخص(1) المذكور واقعا على خط نصف النهار و هناك ينتهى نقصان الظّل المذكور، و قد لا يبقى للشاخص ظل اصلا فى بعض البلاد، و اذا بقى الظل فمقداره مختلف باختلاف البلاد و الفصول، فكلما كان بعد الشمس عن مسامة رؤس اهل البلد اكثر، كان الظل فيها اطول، فاذا مالت عن وسط السماء و انحرفت عن دائرة نصف النهار الى المغرب، فان لم يكن بقى ظل حدث حينئذ فى جانب المشرق، و كان ذلك علامة الزوال، و ان كان قد بقى اخذ فى الزيادة حينئذ فيكون ذلك علامة الزوال ايضا، و اما الظل الاول فهو ضد للظل الثانى، لان الشمس اذا طلعت يبتدى الظل الاول و يكون الثانى فى نهاية طوله، ثم لا يزال يتزايد الاول شيئا فشيئا بحسب ارتفاع الشمس و يتناقص الثانى كذلك، و اذا بلغت الشمس دائرة نصف النهار يكون الاول فى غاية طوله الممكن له فى ذلك اليوم، و الثانى فى نهاية قصره حتى لو كانت على سمت الراس ينعدم الثانى بالكلية، و ينتهى الاول الى اقصى الغايات، ثم بعد ذلك
ص: 178
يأخذ الاول فى التناقص و الثانى فى التزايد، الى ان ينعدم الاول عند وصول الشمس الى افق الغرب و يبلغ الثانى نهايته فى الطول.
و بالجملة المراد بالظل هنا هو المبسوط كما اشرنا اليه، و هو الذى ورد فى الأخبار، مثل ما رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة مرفوعا عن سماعة قال قلت لأبى عبد الله (ع): جعلت فداك متى وقت الصلوة ؟ فاقبل يلتفت يمينا و شمالا كأنه يطلب شيئا، فلما رأيت ذلك تناولت عودا فقلت: هذا تطلب، قال: نعم فأخذ العود فنصبه بخيال الشمس، ثم قال: ان الشمس اذا طلعت كان الفئ طويلا ثم لا يزال ينقص حتى تزول، فاذا زالت الشمس زادت فاذا استبينت الزيادة فصلّ الظهر، ثم تمهل قدر ذراع و صل العصر.
و ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم عن على بن ابى حمزة قال:
ذكر عند ابى عبد الله (ع) زوال الشمس قال فقال ابو عبد الله (ع): تأخذون عودا طوله ثلاثه اشبار و ان زاد فهو ابين، فيقام فما دام ترى الظل ينقص فلم تزل، فاذا زاد الظل بعد النقصان فقد زالت.
و ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب معرفة زوال الشمس مرسلا عن الصادق عليه السلام انه قال: تبيان زوال الشمس ان تأخذ عودا طوله ذراع و اربع اصابع فتجعل اربع اصابع فى الأرض فاذا نقص الظل حتى يبلغ غايته ثم زاد فقد زالت الشمس، و تفتح ابواب السماء و تهب الرياح و تقضى الحوائج العظام.
و الذى يستفاد من هذه الأخبار من استعلام الزوال بان ينصب مقياسا و يقدر ظله عند قرب الشمس من الاستواء، ثم يصبر قليلا و يقدر فان كان دون الاول او بقدره فالى الان لم تزل، و ان زاد فقد زالت، مبنى على الغالب بالنسبة الى البلاد و الزمان، و الا فقد عرفت ان الظل قد ينعدم فى بعض البلاد، و عليه فاستعلامه انما هو فى الحدوث بعد الانعدام.
و المصنف طاب ثراه تبع هذه الروايات الواردة فى الغالب، و قال فى استعلام الزوال (المعلوم بزيادة الظل بعد نقصه) و لم يقل بظهور الظل فى
ص: 179
جانب الشرق و نحوه من الالفاظ الشاملة للقسمين كغيره، و هذا الطريق عام النفع بالنسبة الى العالم و العامى، الا انه انما يعلم به زوال الشمس بعد زمان طويل كما صرح به الشارح الفاضل و غيره.
حكى عن المصنف طاب ثراه انه جعل فى المنتهى عدم نقص الظل علامة للزوال، و فيه نظرا ما اولا فلان الظل عند قرب الزوال جدا ربما لا يحسّ بنقصانه و يرى كانه واقف لا يزيد و لا ينقص كما صرح به فى الحبل المتين و غيره، فلا يكفى عدم ظهور النقص فى الحكم بالزوال، هذا مضافا الى ما دلّ على ان للشمس قبيل الزوال لها ركود، مثل ما رواه الصدوق - طاب مضجعه - فى الفقيه فى باب ركود الشمس فى الصحيح عن حريز بن عبد الله انه قال: كنت عند ابى عبد الله عليه السلام، فسأله رجل فقال له: جعلت فداك ان الشمس تنقضى ثم تركد ساعة من قبل ان تزول، فقال: انها امر تزول او لا تزول.
و ما رواه الفقيه ايضا فى الباب المتقدم قال: و سئل الصادق (ع) عن الشمس كيف تركد كل يوم، و لا يكون لها يوم الجمعة ركود؟ قال: لأن الله عز و جل جعل يوم الجمعة اضيق الايام، فقيل له: و لم جعله اضيق الأيام ؟ قال: لأنه لا يعذب المشركين فى ذلك اليوم لحرمته عنده.
و ما رواه الكافى فى آخر باب فضل يوم الجمعة عن محمد بن اسمعيل بن بزيع عن الرضا (ع) قال قلت له: بلغنى ان يوم الجمعة اقصر الأيام، قال: هو كذلك، قلت: جعلت فداك كيف ذاك ؟ قال: ان الله تبارك و تعالى يجمع ارواح المشركين تحت عين الشمس فاذا ركدت الشمس عذّب الله ارواح المشركين بركود الشمس ساعة، فاذا كان يوم الجمعة لا يكون للشمس ركود دفع الله عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة فلا يكون للشمس ركود.
اللهم الا ان يقال بما نقله المحقق المجلسى عن بعض، قال فى البحار فى باب اوقات الصلوة بعد ان روى عن الاختصاص للمفيد عن محمد بن احمد
ص: 180
العلوى عن احمد بن زياد عن على بن ابراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن ابى الصباح الكنانى قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن قول الله أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللّٰهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ وَ اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ وَ اَلنُّجُومُ وَ اَلْجِبٰالُ وَ اَلشَّجَرُ وَ اَلدَّوَابُّ الى آخر الآية، فقال: ان للشمس اربع سجدات، و ساق الخبر، الى ان قال: و امّا السجدة الثانية فانها صارت فى وسط القبة و ارتفع النهار، ركدت قبل الزوال، فاذا صارت بحذاء العرش ركدت و سجدت، فاذا ارتفعت من سجودها زالت عن وسط القبة، فتدخل وقت صلوة الزوال، ما صورته: و الركود السّكون و الثبات، و اول هنا بعدم ظهور حركتها بقدر يعتد بها عند الزوال، و عدم ظهور زيادة الظل حينئذ، اذ لو قيل بالركود حقيقة عند زوال الشمس فى كل بلد يلزم سكونها دائما، اذ كل نقطة من مدار الشمس محاذية لسمت رأس افق من الآفاق، و تخصيص الركود بافق خاص كمكة او المدينة مع بعده، يستلزم سكونها فى البلاد الاخرى بحسبها فى اوقات اخرى، فان ظهر مكة يقع فى وقت الضحى فى بلد آخر، فيلزم ركودها فى ضحى ذلك البلد، و هو فى غاية البعد و السكوت عن تلك الأخبار البعيدة عن ظواهر العقول، و التسليم اجمالا لما قصد المعصوم بها على تقدير ثبوتها احوط و اولى، انتهى.
و اما ثانيا فلان المستفاد من اللغة، و الاخبار منها خبر سماعة، و خبر على بن ابى حمزة المتقدمان، كالمرسلة، و رواية الاختصاص، و كلام علمائنا الأبرار، ان الزوال انما يحصل بعد ذلك و هو ميلها عن الدائرة الى جهة المغرب، فكيف يصح ما ذكره من الاكتفاء فى ثبوت الزوال بعدم النقص ؟ و بهذا ظهر خطاء الفاضل محمود بن محمد بن عمر الچغمينى ايضا حيث قال فى كتابه فى الهيئة كالفاضل على القوشجى ما صورته: و اذا انتهى الظل نهايته عند غاية ارتفاع الشمس فهو اول وقت الظهر، و العجب من شارحه انه قال بعد ما ذكر:
و فيه نظر، لأن اول وقته بعيد الزوال بالاتفاق، و يعرف بميل الظل عن خط نصف النهار ان كان مستخرجا، او بحدوثه ان لم يبق فى نصف النهار، او ازدياد على ما كان ان بقى
ص: 181
انتهى.
و الخطاء انما نشأ من توهم كون الزوال اسما لبلوغ الشمس الى دائرة نصف النهار، و هو خطاء واضح مخالف لللغة و الآثار، و العامة ليست مخالفة للخاصة فى ذلك، بل هما معا قائلان بان اول وقت الظهر هو الدلوك المفسر بالزوال بل قد عرفت ان بعض المحققين جعل من ضرورى الدين كون الزوال اول وقت الظهر.
روى الصدوق فى الفقيه فى باب معرفة زوال الشمس فى الصحيح عن عبد الله بن سنان، و التهذيب فى اواخر باب المواقيت فى الزيادات معلقا عنه عن ابى عبد الله (ع) قال: تزول الشمس فى نصف من حزيران على نصف قدم، و فى النصف من تموز على قدم و نصف، و فى النصف من آب على قدمين و نصف، و فى النصف من ايلول على ثلاثة اقدام و نصف، و فى النصف من تشرين الأول على خمسة و نصف، و فى النصف من تشرين الآخر على سبعة و نصف، و فى النصف من كانون الاول على تسعة و نصف، و فى النصف من كانون الآخر على سبعة و نصف، و فى النصف من شباط على خمسة و نصف، و فى النصف من آذار على ثلاثة و نصف، و فى النصف من نيسان على قدمين و نصف، و فى النصف من ايّار على قدم و نصف، و فى النصف من حزيران على نصف قدم.
و روى فى البحار فى اواخر باب اوقات الصلوة عن الخصال عن أبيه عن احمد بن ادريس عن محمد بن احمد بن يحيى بن عمران الأشعرى عن الحسن بن موسى الخشاب عن الحسن بن اسحق التميمى عن الحسن بن اخى الضبى عن عبد الله بن سنان مثله.
و روى ايضا فى المكان المتقدم عن المناقب لابن شهر آشوب عن عبد الله بن سنان مثله.
ص: 182
قال المحقق المجلسى فى البحار: قوله (ع) على نصف قدم، اى تزول الشمس بعد ما بقى من الظل نصف قدم، و القدم على المشهور سبع الشاخص فان الأكثر يقسمون كل شاخص بسبعة اقسام و يسمون كل قسم قدما، بناء على ان قامة الانسان المستوى الخلقة تساوى سبعة اضعاف قدمه.
قال فى المنتهى: اعلم ان المقياس قد يقسم مرة باثنى عشر قسما، و مرة بسبعة اقسام او ستة و نصف، و مرة بستين قسما، فان قسم باثنى عشر قسما سميت الأقسام اصابع فظله ظل الأصابع، و ان قسم بسبعة اقسام او ستة و نصف سميت اقداما، و ان قسم بستين قسما سميت اجزاء، ثم قال رحمه الله: الظاهر ان هذه الرواية مختصة بالعراق و ما قاربها، كما قاله بعض علمائنا (رض) لأن عرض البلاد العراقية يناسب ذلك، و لان الراوى لهذا الحديث و هو عبد الله بن سنان عراقى، فالظاهر انه (ع) بين علامة الزوال فى بلاده، انتهى.
أقول و هذا الحمل جيد كما استجوده جملة من علمائنا الأبرار، اذ لا يلزم ان تكون القاعدة المنقولة عنهم (ع) فى تلك الأمور عامة شاملة لجميع البلاد و العروض و الآفاق، بل يمكن ان يكون الغرض بيان حكم بلد الخطاب او بلد المخاطب، او غيرهما مما كان معهودا بين الامام و بين رواية من البلاد التى كان عرضها اكثر من الميل الكلى، اذ ما كان عرضه مساويا للميل ينعدم فيه الظل يوما واحدا حقيقة و بحسب الحسّ اياما، و ما كان عرضه اقل ينعدم فيه الظل يومين حقيقة و اياما حسا.
و اورد المحقق المجلسى على الرواية امورا ثم تفصّى عنها بجواب لا أرى كثير فائدة فى ذكرهما، و ها أنا اذكر واحدا من ايراداته: و هو ان ظل الزوال يزداد من اول السرطان الى اول الجدى، و ينقص من اول الجدى الى اول السرطان يوما فيوما، و شهرا فشهرا على سبيل التزايد و التناقص، بمعنى ان ازدياده و انتقاصه فى اليوم الثانى و الشهر الثانى، ازيد من ازدياده و انتقاصه فى اليوم الاول و الشهر الاول، و هكذا فى الثالث بالنسبة الى الثانى، و فى الرابع
ص: 183
بالنسبة الى الثالث، حتى ينتهى الى غاية الزيادة و النقصان التى هى بداية الآخر، و من هذا القبيل حال ازدياد الساعات و انتقاصها فى ايام السنة و لياليها.
و وجه الجميع ظاهر على الناقد الخبير فكون ازدياد الظل فى ثلاثة اشهر قدما قدما، و فى الثلاثة الاخرى قدمين قدمين كما فى الرواية، خلاف ما تحكم به الدراية انتهى، و لا يخفى جودته، و لا يحضرنى الان جوابا شافيا، و بالجملة الاعتماد على الرواية مشكل و الله هو العالم.
قال السيد الداماد قدس سره: الشمس فى زماننا هذا درجة تقويمها فى النصف من حزيران بحسب التقريب الثالثة من سرطان، و فى النصف من تموز الثانية من الاسد، و فى النصف من آب الاولى من السنبلة، و فى النصف من ايلول الثانية من الميزان، و فى النصف من تشرين الاول الأولى من العقرب، و فى النصف من تشرين الآخر الثالثة من القوس، و فى النصف من كانون الاول الثالثة من الجدى، و فى النصف من كانون الآخر الخامسة و فى النصف من شباط الخامسة من الحوت، و فى النصف من آذار الرابعة من الحمل، و فى النصف من نيسان الرابعة من الثور، و فى النصف من ايار الرابعة من الجوزاء و هذا الامر التقريبى ايضا متغير على مر الدهور تغييرا يسيرا.
مما يعلم به الزوال، ما اشار اليه المصنف طاب ثراه بقوله: (او ميل الشمس الى الحاجب الايمن للمستقبل) لقبلة اهل العراق، كما قيده غير واحد منهم، و مما يدل على هذه العلامة من الاخبار الخبر الرابع عشر المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: المقصد الثانى فى اوقاتها، المشتمل على قوله (ص): اتانى جبرئيل (ع) وقت الصلوة حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الايمن، قاله بعض الاجلاء، و فيه ما ترى بحسب بادى النظر.
و اما بحسب النظر الدقيق، فلعل المتبادر منه ما ذكره، سيما اذا انضم الى ما رواه فى البحار فى اواخر باب الحث على المحافظة على الصلوات عن كتاب
ص: 184
الغارات لابراهيم بن الثقفى باسناده عن ابن نبانه قال: قال على (ع) فى خطبته: الصلوة لها وقت و ساق الحديث، الى ان قال (ع): و وقت صلوة الظهر اذا كان القيظ يكون ظلّك مثلك، و اذا كان الشتاء حين تزول الشمس من الفلك و ذلك حين تكون على حاجبك الايمن، مع شروط الله فى الركوع و السجود الحديث.
و عن الشيخ فى المبسوط انه قال: و قد روى ان يتوجه الى الركن العراقى اذا استقبل القبلة و وجد الشمس على حاجبه الايمن، علم انه قد زالت.
و بالجملة الظاهر ان هذه العلامة انما تتم بالنسبة الى اطراف العراق الغربية، ممن يكون قبلتهم نقطه الجنوب، اذ يكون دائرة نصف النهار حينئذ بين العينين، فاذا زالت الشمس عن دائرة نصف النهار نحو المغرب مالت بالضرورة الى الحاجب الايمن، و اما اطراف العراق الشرقية و ما والاها ممن تميل قبلتهم عن نقطة الجنوب نحو المغرب، فعند ميل الشمس الى الحاجب الايمن يكون قد مضى من الزوال مقدار غير قليل، و ان كان ذلك فى اواسط العراق اقل لقلة انحرافهم نحو المغرب بالنسبة الى الأطراف الشرقيه.
قال فى الحبل المتين: و المذكور فى كتب الاصحاب ان الزوال يعرف بامور:
الاول: ميل الشمس الى الحاجب الايمن لمن استقبل قبلة عراق العرب، اعنى اطراف العراق الغربية كالموصل و ما والاها، مما يساوى طولهم طول مكة شرفها الله تعالى، فان قبلتهم الجنوب، و اما اطرافها الشرقية كالبصرة و ما والاها مما يزيد طولهم على طول مكة كثيرا، فعند ميل الشمس الى الحاجب الايمن لمن يستقبل قبلتهم، يكون قد مضى من الزوال مقدار غير قليل، لان قبلتهم منحرفة الى المغرب كثيرا، فان علامتهم جعل الجدى على الخد الايمن، نعم يمكن جعل ذلك علامة للزوال فى اواسط العراق كالكوفة و ما والاها، لا يزيد طولهم عن طول مكة الا بشىء يسير، فان عند ميل الشمس على ذلك النحو لا يكون قد مضى من الزوال مقدار يعتد به، فلا يبعدان يجعل ذلك علامة هناك، انتهى.
ص: 185
قد يقال: ما ذكره من ان ذلك يمكن جعله علامة للزوال فى اواسط العراق ايضا كالكوفه و ما والاها، لانه عند ميل الشمس الى الحاجب الايمن لمن يستقبل قبلتهم لا يكون مضى من الزوال قدر معتد به، فبعيد جدا، لان انحراف اوساط العراق نحو المغرب كما ذكره شيخنا الشهيد الثانى ازيد من انحراف الشامى نحو المشرق، و من المقرّب ان انحراف الشامى نحو المشرق قدر ثلث قوس ما بين نقطة الجنوب و المشرق، كما ذكره فى شرح الالفية، و من المعلوم ان من انحرف قدر ثلث القوس المذكور، فضلا عما زاد عنها نحو المغرب، يكون عند ميل الشمس الى حاجبه الايمن، قد مضى من الزوال قدر معتد به فتدبر.
قال الشارح الفاضل بعد نقل المتن ما صورته: و هذه العلامة لا يعلم بها الزوال الا بعد مضى زمان كثير، لاتساع جهة القبلة بالنسبة الى البعيد و من(1) ثم قيدها المصنف فى النهاية و المنتهى بمن كان بمكة اذا استقبل الركن العراقى، ليضيق المجال و يتحقق الحال و الامر باق بحاله فان الشمس لا تصير على الحاجب الايمن لمستقبل الركن العراقى الا بعد زمان كثير، بل ربما امكن استخراجه للبعيد فى زمان اقل منه لمستقبل الركن، و التحقيق انه لا حاجة الى التقييد بالركن، لما ذكرناه، و لان البعيد اذا استخرج نقطة الجنوب باستخراج نصف النهار، صار المشرق و المغرب عن يمينه و يساره، كما هو احد علامات العراقى، و ان كان فى هذه العلامة بحيث تقف عليه فى محله ان شاء الله تعالى.
فاذا وقف الانسان على سمت هذا الخط، ظهر له ميل الشمس اذا مالت فى زمان قصير يقرب من زيادة الظل بعد نقصه، و اما اذ اعتبر البعيد قبلة العراق بغير هذه العلامة، خصوصا بالنظر الدقيق الذى يخرج به سمت القبلة، فان الزوال لا يظهر الا بعد مضى ساعات من وقت الظهر، كما لا يخفى على من
ص: 186
امتحن ذلك.
و قريب من ذلك اعتباره باستقبال الركن العراقى، فانه ليس موضوعا على نقطة الشمال، حتى يكون استقباله موجبا لاستقبال نقطة الجنوب و للوقوف على خط نصف النهار كما لا يخفى، انتهى.
و قد ذكر طريق العمل بها من الاصحاب جماعة منهم المصنف طاب ثراه و المفيد قدس الله روحه، قال المصنف فى المنتهى على ما حكى: تسوى موضعا من الارض خاليا من ارتفاع و انخفاض، و تدير عليه دائرة باى بعد شئت، و تنصب على مركزها مقياسا مخروطا محدد الراس، يكون نصف قطر الدائرة بقدر ضعف المقياس على زوايا قائمة، و يعرف ذلك بان يقدر ما بين رأس المقياس و محيط الدائرة من ثلثه، فان تساوت الابعاد فهو عمود، ثم ترصد ظل المقياس قبل الزوال حتى يكون خارجا من محيط الدائرة نحو المغرب، فاذا انتهى رأس الظل الى محيط الدائرة يريد الدخول فيه، فعلم عليه علامة، ثم ترصد بعد الزوال قبل خروج الظل من الدائرة، فاذا اراد الخروج عنه علم علامة، و تصل ما بين العلامتين بخط مستقيم، و تنصف ذلك الخط، و تصل بين مركز الدائرة و منتصف ذلك الخط بخط، فهو نصف النهار.
هذه صورة الدائرة الهندية
ص: 187
فاذا القى القياس ظله على هذا الخط الذى قلنا انه خط نصف النهار، كانت الشمس فى وسط السماء لم تزل، فإذا ابتدأ رأس الظل يخرج عنه فقد زالت الشمس انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
و لو نصف القوسين الحادثين من قطع خط نصف النهار لدائرة، و وصلت بينهما بخط يقاطع خط نصف النهار، على اربع زوايا قوائم كل منها ربع المحيط، كان ذلك الخط خط المشرق و المغرب، فيتصل احد طرفيه بنقطة مشرق الاعتدال، و الآخر بنقطه مغربه، و سيأتى فى بحث القبلة الاحتياج الى هذه الدائرة ان شاء الله تعالى.
و ينبغى التنبيه لامرين:
الاول: ما ذكره المصنف طاب ثراه من كون المقياس بقدر ربع قطر الدائرة، كغيره من الجماعة، غير وجيه، بل كان الاولى و الأسد أن يقول: ان يكون المقياس بحيث يدخل ظله الدائرة قبل الزوال و يخرج بعده، اما وجه الاولوية فلما سيظهر ان شاء الله تعالى فى التنبيه الآتى، و اما وجه الاسدية فلئلا يرد عليه ان ذلك ليس مطردا فى كل البلاد، اذ ربما يجب فى بعضها ان يكون اقصر من ربع القطر ليتم العمل، كما اذا كان عرض البلاد اربعين درجة و دقيقتين مثلا، فان المقياس المساوى طوله لربع قطر الدائرة، لا يدخل ظله فى الدائرة اصلا فى ذلك البلد عند كون الشمس فى اول الحد، بل لا بد ان يكون اقصر من الربع كما لا يخفى على من نظر فى حد اول الظل.
الثانى: قوله طاب ثراه فى آخر كلامه: فاذا ابتدا رأس الظل يخرج عنه فقد زالت الشمس، صريح فى الحكم بالزوال عند ابتداء ميل الظل عن خط نصف النهار جهة المشرق، و بمثله ذكر الشارح الفاضل و غيره، و هذا انما يستقيم اذا كانت الشمس صاعدة من اول الجدى الى آخر الجوزاء، و اما اذا كانت هابطه من اول السرطان الى آخر القوس فلا، لان الحكم بالزوال حينئذ موقوف على مضىّ زمان صالح، و لا يجوز المبادرة بالصلوة عند ابتداء الليل المذكور، و ذلك لان
ص: 188
الشمس كل آن فى مدار، فلا يكون الظلان حال كون الشمس فى نقطتين متساويتى البعد عن دائرة نصف النهار متساويين فى الطول، بل الظل فى الاولى اطول منه فى الثانية تاره و اقصر منه آخرى، اذ الشمس ما دامت فى النصف الصّاعد تكون فى النقطه الثانية اقرب الى سمت الرأس منها فى النقطة الاولى، فيكون الظل حينئذ اقصر منه حين كونها فى النقطة الاولى، فلا يخرج حتى يتجاوز الشمس النقطة الثانية، و ما دامت فى النصف الهابط تكون فى النقطة الثانية ابعد عن سمت الرأس منها فى النقطة الاولى، فيكون الظل حينئذ اطول منه حين كونها فى النقطة الاولى، فيخرج قبل وصول الشمس الى النقطة الثانية.
و من هذا يظهر ان خط نصف النهار المستخرج، ينحرف يسيرا الى جانب المشرق عن خط نصف النهار الحقيقى، اذا عملت الدائرة الهندية حال كون الشمس صاعدة، و الى جانب المغرب اذا عملت حال كونها هابطة، فالحكم فى الصّورة الاولى بدخول وقت الزوال عند ابتداء ميل الظل عن خط نصف النهار المستخرج صحيح لامرية فيه، بل الحكم بذلك عند انطباق وسط الظلّ على ذلك الخط صحيح ايضا، للقطع بان الظل قد مال عن خط نصف النهار الحقيقى حينئذ، و اما فى الصّورة الثانية اعنى صورة الهبوط، فلا يصح الحكم بالزوال الا بعد مضى مقدار من الزمان يحكم فيه بميل الظل عن خط نصف النهار الحقيقى، فقد استبان لك ان اطلاق الحكم بالزوال فى الصورتين معا بابتداء ميل الظل عن خط نصف النهار المستخرج، غير مستقيم، و الصواب تخصيصه بما اذا عملت الدائرة و الشمس صاعدة، نعم لو عمل بنوع من التعديل، او عملت الدائرة فى يوم يكون الشمس فى نصف نهاره فى احدى نقطتى الانقلاب فى الصورتين معا، لكن تحققه لا يخلو من اشكال.
و القول بانه على هذا، كيف يستقيم اطلاق جماعة من الفقهاء و غيرهم عمل الدائرة الهنديه لاستعلام القبلة من دون تخصيص بوقت ؟ و كيف لم يلتفتوا الى التعديل الذى ذكره بعض علماء الهيئة ؟ و لا خصوا عمل الدائرة بيوم الانقلاب،
ص: 189
مع ان المدار فى ذلك على استخراج خط نصف النهار بالدائرة المذكورة، و هو على ما ذكرت منحرف فى الحقيقة عن خط نصف النهار الحقيقى، فكيف جاز لهم التعويل هناك و لم يجز هنا؟.
غير وجيه فان قبلة البعيد هى الجهة لا العين، و الجهة امر متسع لا يخرج المصلى عنها بالميل اليسير، فلم يحصل بتعويلهم على ذلك الخط المستخرج خلل فيما هو مقصودهم من استقبال الجهة الحكم بدخول وقت الزوال، فانه ليس من هذا القبيل فتأمل جدا.
لو كان المقياس طويلا بحيث يدخل ظله فى الدائرة عند غاية قرب الشمس فى وسط السماء، فيجوز المبادرة بالصلوة عند خروج الظل عن خط نصف النهار المستخرج بتمامه، سواء عملت الدائرة ما دامت الشمس صاعدة او هابطة، اما فى الصورة الاولى فواضح غاية الايضاح، و اما فى الصورة الثانية فلان الظل اذا كانت الشمس فى النقطة الثانية، و ان كان اطول منه حين كونها فى النقطة الاولى، و لكن لقلة حركة الشمس فى ذلك الزمان اليسير ليس قصر المفضل منه فاحشا، بل يكاد ان لا يدرك عند النظر الدقيق ايضا، فحينئذ اذا لم يبادر المصلى بالصلوة عند ابتداء رأس الظل بالخروج، بل تأمل حتى يخرج الظل بتمامه عن خط نصف النهار المستخرج، ثم شرع فى الصلوة لكان صلوته واقعة فى الوقت قطعا، فافهم ذلك و اغتنم هذا ما وعدناك سابقا.
و هو مذكور فى بعض كتب الفروع ايضا، و ذلك بان يستعلم ارتفاع الشمس عند قرب الزوال آنا بعد آن، فما دام ارتفاعها فى الزيادة لم تزل، و اذا شرع فى النقصان آن الزوال، و العمل المشهور فى ذلك ان تضع درجة الشمس على خط وسط السماء فى الصفحة المعمولة لعرض البلد، ثم تنظر ارتفاع المقنطرة الواقعة عليها حينئذ، و تنقص منه درجة او اقل، فاذا بلغ الارتفاع الغربى مقدار الباقى فقد زالت الشمس.
ص: 190
و طريقه ان يعلق شاقو لا على ارض مستوية قبيل الزوال، و تخط على ظل خيطه خطا بعد سكون اضطرابه، و تستعلم الارتفاع الشرقى للشمس فى ذلك الوقت و تحفظه، ثم تستعلم ارتفاعها الغربى، فاذا بلغ ذلك المقدار، خط على ظل الخيط خطا آخر، فان قاطع الخط الاول كما هو الغالب، فالخط المنصف للزاوية خط نصف النهار، و ان اتصلا خطا واحدا فهو خط الاعتدال، و المقاطع له على قوائم خط نصف النهار، و لا يخفى عليك جريان مباحث الدائرة الهندية هنا، فلا تغفل.
و اسهل الطرق فى استخراج خط نصف النهار، و هو غير محتاج الى شىء من الات الارتفاع، ان تخط على ظل خيط الشاقول عند طلوع الشمس خطا و عند غروبها آخر، و تكمل العمل كما عرفت، و هذا العمل اخف مؤنة من ساير الاعمال، ذكره بعض الافاضل.
اقول و يمكن ايضا استعلام خط نصف النهار بنوع من التحقيق، و ذلك بان تسوى الارض غاية التسوية، و قد ذكروا لها غير(1) وجه واحد شهرتها عند البنائين تغنى عن ذكرها، و يقام مقياس فى ذلك السّطح على زوايا قائمة، فما دام الظل ينتقص لم تصل الشمس الى دائرة نصف النهار، و اذا شرع فى الزيادة فقد زالت الشمس، و اذا لم ير له بالنظر الدقيق زياده و نقصان فالشمس حينئذ فى دائرة نصف النهار، فتخط حينئذ باستقامة الظل خطا فهذا الخط هو خط نصف النهار، و الأسدّ ان يعمل ذلك فى يوم الجمعة، حذرا من الأخبار المتقدمة الدالة على ان للشمس فى غير يوم الجمعة قبل الزوال لها ركود، فافهم و و اغتنم.
ص: 191
و حيث عرفت ذلك فاعلم ان الوقت المختص بالظهر، بمعنى عدم صحة وقوع العصر فيه، من زوال الشمس (الى ان يمضى) من الزمان (مقدار ادائها) تامة الافعال و الشروط باقل واجباتها، بحسب حال المكلف باعتبار كونه مقيما و مسافرا، خائفا صحيحا و مريضا، سريع القراءة و الحركات و بطيئها، مستجمعا بعد دخول الوقت لشرائط الصلوة و فاقدها، فان المعتبر مضى قدر ادائها و تحصيل شرائطها المفقودة، فان اتفق خلوه منها جميعا: بان كان محدثا، او عاريا، او نجس الثوب و البدن و المكان، بطئ القراءة و الحركات، و نحو ذلك، كان وقت الاختصاص مقدار تحصيل هذه الشرائط و فعل الصلوة، و لو اتفق كونه متطهرا خاليا ثوبه و بدنه و مكانه من النجاسة، عالما بالقبلة و نحو ذلك، كان وقته قدر اداء الصلوة خاصة.
(ثم) بعد مضى هذا المقدار من الزوال (تشترك) الظهر فى الوقت (مع العصر) بمعنى امكان صحة العصر قبل الظهر و لو ناسيا، اذ مع الذكر يجب تقديم الظهر، كما سيجئ اليه الاشارة، (الى ان يبقى للغروب مقدار اداء العصر) على الوجه المتقدم (فيختص) العصر (به) و القول بالاختصاص على الوجه المذكور هو المشهور بين الاصحاب، بل فى المدارك هو المعروف من مذهب الاصحاب بل عن السرائر الاجماع عليه، كما فى كنز العرفان، خلافا للمحكى عن الصّدوقين، حيث ذهبا الى اشتراك الوقت بين الظهرين من اوله الى آخره، و يظهر من الشارح المحقق الميل اليه.
قال المصنف طاب ثراه فى المختلف: لا خلاف فى ان زوال الشمس اول وقت الظهر، و انما الخلاف فى انه من حين الزوال يشترك الوقت بينهما و بين العصر، او يختص الظهر من اول الزوال بمقدار اداء اربع ركعات للحاضر و ركعتين للمسافر؟ فالاول اختيار ابى جعفر بن بابويه، و باقى علمائنا على الثانى، و هو الحق عندى، قال السيد المرتضى فى جواب المسائل الناصريه:
الذى يذهب اليه أنّه اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر بلا خلاف ثم يختص اصحابنا بانهم يقولون اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر معا الا ان الظهر قبل العصر، قال: و تحقيق هذا الموضع انه اذا زالت الشمس
ص: 192
دخل وقت الظهر بمقدار ما يؤدى اربع ركعات، فاذا خرج هذا المقدار من الوقت اشترك الوقتان، و معنى ذلك انه يصح ان يؤدى فى هذا الوقت المشترك الظهر و العصر بطوله على ان الظهر متقدمة، ثم لا يزال فى وقت منهما الى ان يبقى الى غروب الشمس مقدار اداء اربع ركعات، فيخرج وقت الظهر و يخلص هذا المقدار للعصر، كما خلص الوقت الاول للظهر، و على هذا التفسير الذى ذكره السيّد يزول الخلاف، انتهى كلام المختلف.
قال الشارح و نقل ابن ادريس عن بعض الاصحاب و بعض الكتب، انه اذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و العصر، الا ان هذه قبل هذه، ثم انكره و جعله ضد الثواب(1) و اعترض المحقق و بالغ فى انكار كلامه، استناد الى ان ذلك مروى عن الائمة عليهم السلام فى اخبار متعددة، على ان فضلاء الاصحاب رووا ذلك و افتوا، فيجب الاعتناء بالتأويل لا الاقدام بالطعن، و هذا الكلام من المحقق يدل على اشتهار ذلك بين فضلاء الاصحاب.
ثم قال المحقق: و يمكن ان يتاول ذلك من وجوه، و ذكر وجوها من التأويل و ساذكرها، انتهى.
للمشهور وجوه:.
كالاجماع المحكى فى كنز العرفان.
اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر، حتى يمضى مقدار ما يصلى المصلى اربع ركعات، فاذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر و العصر، حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلى المصلى اربع ركعات، فاذا بقى مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر، و بقى وقت العصر حتى تغيب الشمس.
ص: 193
المشتمل على قول الصادق (ع): اذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و العصر جميعا، الا ان هذه قبل هذه، ثم انت فى وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس، كما فى احدها و قوله (ع): و منها صلاتان اول وقتهما من عند زوال الشمس الى غروب الشمس، الا ان هذه قبل هذه، كما فى آخر، و قوله (ع):
و اذا زالت الشمس دخل وقت الصلوتين الا ان هذه قبل هذه، كما فى آخر.
ان نام رجل او نسى ان يصلى المغرب و العشاء الآخرة، فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلى كليهما فليصلهما، و ان خاف ان تفوته احديهما فليبدأ بالعشاء الآخرة.
قيل و متى ثبت ذلك فى العشاءين، ثبت فى الظهرين، لعدم القائل بالفصل، و بمضمونه ايضا يدل الخبر الخامس و الثلاثون.
قال: سألته عن رجل نسى الظهر، و ساق الحديث الى ان قال قلت:
فان نسى الاولى و العصر جميعا ثم ذكر ذلك عند غروب الشمس ؟ فقال: اذا كان فى وقت لا يخاف فوات احدهما فليصل الظهر ثم ليصل العصر، و ان هو خاف ان يفوته احديهما فليبدأ بالعصر و لا يؤخرها فتفوته، فيكون قد فاتتاه جميعا، و لكن يصلى العصر فيما قد بقى من وقتها، ثم ليصل الاولى بعد ذلك على اثرها.
عن اسمعيل بن همام عن ابى الحسن (ع) انه قال فى الرجل يؤخر الظهر حتى يدخل وقت العصر: انه يبدا بالعصر ثم يصلى الظهر.
و ما رواه التهذيب فى باب الحيض فى الزيادات فى الصحيح عن معمر بن يحيى قال: سألت ابا جعفر (ع) عن الحايض تطهر عند العصر تصلى الاولى ؟ قال: لا انما تصلى الصلوة التى تطهر عندها.
ص: 194
و ما رواه فى المكان المتقدم ايضا فى القوى عن محمد بن مسلم عن احدهما عليه السلام قال قلت: المراة ترى الطهر عند الظهر فتشغل فى شانها حتى يدخل وقت العصر؟ قال: تصلى العصر وحدها، فان ضيعت فعليها صلاتان.
و ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا طهرت الحايض قبل العصر صلّت الظهر و العصر، فان طهرت فى آخر وقت العصر صلّت العصر، و نحوه روايته الاخرى المروية فى ذيل هذا الخبر.
و ما رواه فى المكان المتقدم فى الصحيح عن ابى همام عن ابى الحسن عليه السلام فى الحايض: اذا اغتسلت فى وقت العصر تصلى العصر ثم تصلى الظهر.
ما صورته:
لنا ان القول باشتراك الوقت حين الزوال بين الصلوتين، يستلزم المحال فيكون محالا، و الملازمة ظاهرة، و بيان صدق المقدمة الاولى انه يستلزم لاحد محالين اما تكليف ما لا يطاق او خرق الاجماع، و اللازم بقسميه باطل اتفاقا، فالملزوم مثله بيان استلزامه لاحدهما ان التكليف حين الزوال، اما ان يقع بالعبادتين معا، او باحديهما، اما لا بعينها، او بواحدة معيّنة، الاول يستلزم تكليف ما لا يطاق اذ لا يتمكن المكلف من ايقاع فعلين متضادين فى وقت واحد، و الثانى يستلزم خرق الاجماع، اذ لا خلاف بان الظهر مرادة بعينها حين الزوال، لا لانها احد الفعلين، و الثالث يستلزم اما المطلوب او خرق الاجماع، لان تلك المعيّنة ان كانت هى الظهر ثبت الاول، و ان كانت العصر ثبت الثانى، و لان الاجماع واقع على ان النبى (ص) صلى الظهر اولا و قال: صلوا كما رايتمونى اصلى، فلو لم يكن وقتا لها لما صح منه (ع) ايقاعها فيه.
لا يقال هذان الدليلان على خلاف محل النزاع فلا يستمعان، بيانه ان المراد بالاشتراك ليس هو ايقاع العبادتين فى وقت واحد فان هذا محال، بل
ص: 195
صلاحية الوقت لايقاع كل من العبادتين و الاجتزاء بايتهما وقعت، سواء كانت الظهر مطلقا او العصر مع النسيان كما تذهبون فيما بعد الاربع، فان الاشتراك لو كان مفسرا بما ذكرتم لما امكنكم المصير اليه بعد الاربع ايضا، و اذا كان المراد ذلك انتفت الاستحالتان اذ ليس فى ذلك تكليف بالمحال و لا خرق اجماع، و اما فعل النبى (ص) فانا نقول به، لانه عندنا وقت لاحد الفريضتين مع النسيان و للظهر عينا مع الذكر، و السهو على الرسول محال، لانا نقول اشتراك الوقت على ما فسرتموه فرع وقوع التكليف بالفعل، و نحن قد قسمنا التكلف الى ما يستلزم المطلوب او المحال، و هو الجواب عن الثانى.
فان ضروره الترتيب تقتضى الاختصاص.
عن قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر اخيه (ع) قال: سألته عن وقت الظهر؟ قال: نعم اذا زالت الشمس فقد دخل وقتها، فصل اذا شئت بعد ان فرغت من تسبيحك، و سألته عن وقت العصر متى هو؟ قال: اذا زالت الشمس قدمين صليت الظهر، و السبحة بعد الظهر، فصل العصر اذا شئت، و قريب منه الخبر الخمسون المتقدم فى اول المقصد فراجع.
من انه لا معنى لوقت الفريضة، الا ما جاز ايقاعها فيه و لو على بعض الوجوه، و لا ريب ان ايقاع العصر عند الزوال على سبيل العمد ممتنع، و كذا مع النسيان على الاظهر، لعدم الإتيان بالمامور به على وجهه، و انتفاء ما يدل على الصحة مع المخالفة، و اذا امتنع وقوع العصر عند الزوال مطلقا، انتفى كون ذلك و قتالها، ثم نقل رواية داود بن فرقد المتقدمة تأييدا.
و استدل بعض الاجلاء للقول الاخر بجملة من الاخبار، منها ما رواه الصدوق فى باب المواقيت فى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع) انه قال:
ص: 196
اذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر و العصر، فاذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب و العشاء الآخرة.
و منها الخبر التاسع عشر و العشرون و الحادى و العشرون المتقدم فى اول المقصد.
و منها ما رواه الفقيه ايضا فى الباب المتقدم عن مالك الجهنى انه سأل ابا عبد الله (ع) عن وقت الظهر، فقال: اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلوتين، فاذا فرغت من سبحتك، فصل الظهر متى بدا لك.
و روى التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات عن مالك الجهنى قال:
سألت أبا عبد الله (ع) عن وقت الظهر؟ فقال: اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلوتين.
و منها ما رواه التهذيب ايضا فى المكان المتقدم عن الصباح بن السبابة عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين.
و منها ما رواه التهذيب ايضا فى المكان المتقدم عن سفيان بن السمط عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين.
و منها ما رواه التهذيب ايضا فى المكان المتقدم عن منصور بن يونس عن العبد الصالح (ع) قال سمعته يقول: اذا زالت الشمس فقد دخل الصلاتين.
و منها ما رواه الكافى فى آخر باب وقت المغرب و العشاء الآخرة، عن اسمعيل بن مهران، قال: كتبت الى الرضا (ع): ذكر اصحابنا انه اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر، و اذا غربت دخل وقت المغرب و العشاء الآخرة، الا ان هذه قبل هذه فى السفر و الحضر، و ان وقت المغرب الى ربع الليل، فكتب: كذلك الوقت، غير ان وقت المغرب ضيق، و آخر وقتها ذهاب الحمرة و مصيرها الى البياض فى افق المغرب.
قال بعض الأجلاء بعد نقل هذه الأخبار: هذا ما حضرنى من الأخبار الدالة على القول المذكور، و هى ظاهرة الدلالة واضحة المقالة فى الاشتراك من
ص: 197
اول الوقت الى آخره، انتهى.
روى فى البحار فى باب وقت فريضة الظهرين عن دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (ع) قال: اذا زالت الشمس دخل وقت الصلوتين الظهر و العصر، و ليس يمنع من صلوة العصر بعد صلوة الظهر الاقضاء السبحة التى بعد الظهر و بعد العصر فان شاء طول الى ان يمضى قدمان و ان شاء قصر.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن الهداية قال الصادق (ع): اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلوتين، الا ان بين يديها سبحة، فان شئت طولت و ان شئت قصرت.
قال المصنف رحمه الله فى المختلف: احتج ابن بابويه رحمه الله بقوله تعالى أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ ، و المراد بالصلوة هنا اما الظهر و العصر معا، او المغرب و العشاء معا، اذ ليس المراد احديهما و الا لامتد وقتها من الدلوك الى الغسق، و هو باطل بالاجماع، انتهى.
أقول: الذى يترجح فى نظرى القاصر و يدوّن فى فكرى الفاتر، هو القول المشهور لقوة ما يدل عليه، و ان كان بعض ما استدل بهم فى غاية من الوهن كما سيظهر ان شاء الله، و ضعف ما تمسك به المخالف و الاعتراض على الدليل الثانى بأنه ضعيف السند فلا يصح الاعتماد عليه، غير وجيه، لانجباره بالشهرة القديمة و الحديثة المحققة و المحكية.
و القول بان هذا الدليل معارض باخبار كثيرة دالة على اشتراك الوقت اوهن من بيوت العنكبوت مع انه اوهن البيوت، لان المكافأه التى هى شرط المعارضة فى المقام مفقودة، لان حمل مطلقات الأخبار على مقيداتها من القواعد المقرره، الحاكم عليها العرف و العادة، مع ان بعض الأجلة قال: ان فى هذه الأخبار المطلقة اشعار بالاوقات الخاصة.
و القول بأنه يمكن تأويل هذا الخبر بان يقال: المراد بوقت الظهرين فى قوله: فقد دخل وقت الظهر حتى يمضى مقدار اربع، الوقت المختص بالظهرين
ص: 198
عند الظهرين لا مطلقا، و الاضافة لا يقتضى اكثر من ذلك، و كذا المراد بوقت العصر فى آخر الخبر، الوقت المختص بالعصر عند التذكر، اذ يجوز ان يكون مقدار اداء العصر من آخر الوقت مختصا بالعصر فى صورة العلم و التذكر، و هذا لا ينفى الاشتراك مطلقا، بعيد بارد لا يلتفت اليه.
قال فى كنز العرفان بعد ان نقل قوله تعالى: (فَاصْبِرْ عَلىٰ مٰا يَقُولُونَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِهٰا وَ مِنْ آنٰاءِ اَللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَ أَطْرٰافَ اَلنَّهٰارِ لَعَلَّكَ تَرْضىٰ )، ما صورته: قال المفسرون المراد من الآية اقامة الصلوات الخمس فى هذه الاوقات، فقبل طلوع الشمس اشارة الى الفجر، و قبل غروبها اشارة الى الظهرين لكونهما فى النصف الأخير من النهار، و من آناء الليل اشارة الى العشاءين و آناء الليل ساعاته، الى ان قال: فى الآية نص صريح بسعة الوقت للصبح و الظهرين، لأنه ذكر اواخر اوقاتها، و ليس مرادنا بالتوسعة الا أن الصبح يمتد الى قبل طلوع الشمس، و ان الظهرين يمتد وقتهما الى قبل غروبها، و أما العشاء ان فان جعل الليل ظرفا لهما صريح باتساع وقتهما.
سؤال: ما ذكرتم من اتساع الوقت هنا و فيما تقدم، صريح فى مذهب ابن بابويه، فان الوقت مشترك بين الفرضين من ابتدائه الى انتهائه الا ان هذه قبل هذه، و انتم لا تقولون بذلك، بل تقولون ان الوقت مختص من اوله بالظهر قدر أدائها و من آخره بالعصر قدر ادائها، و كذا المغرب و العشاء.
جواب: لا ريب ان ظاهر هذا الكلام، بل و ظاهر اكثر روايات اهل البيت يقتضى الاشتراك، و الدليل و البحث و الاجماع يقتضى الاختصاص، و حينئذ يجب الجمع و التوفيق بوجوه:
الأول: ان يراد بالاشتراك ما بعد الاختصاص و قبله.
الثانى: انه لما لم يكن للظهر وقت مقدر، بل اى وقت اديت فيه فهو مختص بها، فانها لو كانت تسبيحه كصلوة الشدة كانت العصر بعدها، و ايضا لو ظن دخول الوقت فصلى و لم يكن دخل حين ابتدائه ثم دخل قبل اكمالها
ص: 199
بلحظة، فان اكثر الأصحاب يفتون بالصحة، و حينئذ يصلى العصر فى اول الوقت الا ذلك القدر فلقلة الوقت و عدم ضبطه غبر فى الآيات و الروايات بالاشتراك.
الثالث: ان ذلك مطلق قابل للتقييد فيقيد لما رواه داود بن فرقد، ثم نقل الرواية و قال: و يمكن ايضا ان يكون قوله فى الآية السابقة (فَسُبْحٰانَ اَللّٰهِ حِينَ تُمْسُونَ ) الى آخره اشارة الى الوقت المختص، لان الامساء حال الدخول فى المساء و كذا الاصباح و الاظهار، فيقيد به اطلاق غيرها من الآيات انتهى، فتدبر فيما ذكره اخيرا.
قال فى التحرير بعد ما تقدم نقله عنه فى طى نقل كلام الشارح المحقق:
و يمكن ان يتاول ذلك من وجوه:
أحدها ان الحديث تضمن: (الا ان هذه قبل هذه)، و ذلك يدل على ان المراد بالاشتراك ما بعد الاختصاص.
الثانى انه لم يكن للظهر وقت مقدر، بل اى وقت فرضت وقوعها فيه امكن فرض وقوعها فيما هو اقل منه، حتى لو كانت الظهر تسبيحه كصلوة شدة الخوف كانت العصر بعدها، و لأنه لو ظن الزوال و صلى ثم دخل الوقت قبل اكمالها بلحظه، امكن وقوع العصر فى اول الوقت الا ذلك القدر، فلقلة الوقت و عدم ضبطه كان التعبير عنه بما ذكر فى الرواية، من الخص العبارات و احسنها.
الثالث ان هذا الاطلاق مقيد برواية داود بن فرقد، و اخبار الأئمة (ع) و ان تعددت فى حكم الخبر الواحد.
قال الشارح المحقق بعد نقل كلام التحرير هذا ما صورته: و لا يخفى ان ارتكاب التأويل و العدول عن الظاهر، انما يستقيم عند معارض اقوى، و وجوه فيما نحن بصدده ممنوع، و رواية داود بن فرقد لعدم صحتها غير ناهضة باثبات المطلوب، و ما ذكره اولا من ان قوله: الا ان هذه قبل هذه، دال على ان المراد بالاشتراك ما بعد وقت الاختصاص محل تأمل.
و قد يقال: دخول الوقتين باول الزوال، لا ينافى اختصاص الظهر من
ص: 200
اول الوقت مقدار أدائها، اذ المراد بدخول الوقتين دخولهما موزعين على الصلوتين، كما يشعر به قوله (ع): الا ان هذه قبل هذه. و لا يخفى ان ظاهر هذه الأخبار اشتراك مجموع الوقت بين الصلوتين، و التوزيع خلاف الظاهر، و مقتضى قوله (ع): الا ان هذه قبل هذه. وجوب الترتيب و هو غير مناف للاشتراك المطلق، و لو كان ذلك منافيا للاشتراك يلزم اختصاص الوقت بالظهر ما لم تؤد، و لا اختصاص له بالوقت الاول، و يلزم من ذلك نفى اشتراك الوقت مطلقا، على ان ظاهر العبارة غير موجودة فى كثير من الأحاديث الدالة على الاشتراك، كصحيحة محمد بن احمد بن يحيى، و رواية زرارة و الصباح و سفيان و منصور و مالك، انتهى.
أقول: اما القدح فى سند رواية داود، على ما اشار اليه المحقق اولا بما محصله امران: احدهما ان غاية ما دل عليه هذه العبارة وجوب الترتيب، و هو مما لا خلاف فيه، الا انه انما ينصرف الى الذاكر بعين ما قالوه فى الوقت الذى اتفقوا على اشتراكه، و ثانيهما بانه لو كان ذلك منافيا للاشتراك المطلق، لزم اختصاص الوقت بالظهر ما لم يؤدها، و لا اختصاص له بمقدار ادائها.
ففيه، اما على الأول، فلان قوله (ع): الا ان هذه قبل هذه. ظاهر بان كون الزوال وقتهما انما يكون بهذا النحو اى بعنوان كون احديهما قبل الاخرى لا مطلقا، فلو وقعت على خلاف الترتيب المذكور و لو سهوا لم تكن هى موافقة لأمر الشارع، لان العبادات توقيفية، و اما الأحاديث الدالة على الاشتراك الغير الشاملة لهذه العبارة، فمقيدة بالأخبار الشاملة لها لوجوب حمل المطلق على المقيد، و اما ما ذكره بان هذه العبارة انما ينصرف الى الذاكر فغير ممنوع كما صرح به جماعة.
و اما قوله بعين ما قالوه فى الوقت الى آخره، ففيه انا لا نقول ان هذه الأخبار منصرفة الى الذاكر حتى نتمسك بها فى الوقت، الذى نقول على اشتراكه بل نقول ان انصراف هذه الأخبار الى الذاكر غير ظاهر، و نتمسك فى الحكم
ص: 201
بالاشتراك فى الوقت الذى نحكم به برواية ابن فرقد و الاجماع المحكى و غيرهما من الأدلة.
و اما على الثانى، فلانّا نقول لو لم يكن لنا شىء من الأدلة الدالة على الاشتراك فى الوقت الذى نحكم به من الاجماع و الرواية و غيرهما، لكنّا قائلين باختصاص الوقت بالظهر ما لم يؤدها ما لم يبلغ آخر الوقت فافهم وجه التقييد، و لكنّا غير فارقين بين اول الوقت و وسطها، لمكان هذه الأخبار المشتملة على قوله (ع): الا ان هذه قبل هذه. الاّ انّ الأدلة لنا كثيرة.
و بما ذكر ظهران من استدل بهذه الأخبار على القول المخالف للمختار فقد اوقع نفسه فى ميدان خارج عن المضمار، لما عرفت من ان الخبر المشتمل على نحو العبارة المتقدمة على القول المشهور واضح المنارة.
نعم ما ذكره فى الذكرى بعد ان نقل بعض الأخبار المتقدمة، ثم قال:
و فهم بعض من هذه الأخبار اشتراك الوقتين، و بمضمونها غير ابنا بابويه، و نقله المرتضى فى الناصرية عن الأصحاب، حيث قال: يختص اصحابنا بأنهم يقولون:
اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر معا الا ان الظهر قبل العصر قال: و تحقيقه، ثم نقل كلام المرتضى كما قدمناه، و نقل قول المصنف رحمه الله بعده: انه على هذا يزول الخلاف، ثم نقل تأويل المحقق الذى ذكرناه، ما صورته: قلت: و لأنه يطابق مدلول الآية فى قوله تعالى: (أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ )، الى آخره، و ضرورة الترتيب تقتضى الاختصاص، مع دلالة رواية داود بن فرقد المرسلة ثم ساق الروايه غير وجيه، لما اشار اليه غير واحد منهم، بانه لم يعلم من الآية وجوب الترتيب بين الظهرين، غايه ما يستفاد منها التكليف بالصلوتين او الصلوات الأربع بالكل فى الوقت المحدود، و لا يلزم من ذلك وجوب الترتيب، بل دلالة الآية على الاشتراك اظهر، سواء كان المراد بالصلوة الظهرين، او الصلوات الأربعة.
ص: 202
اما على الاول فلان المستفاد منها ثبوت التكليف بالصلوتين فى الوقت المحدود، ثبت وجوب الترتيب فى صورة التذكر بدليل من خارج، فعند عدم التذكر كان اطلاق الآية بحاله من غير تقييد.
و اما على الثانى فلان الظاهر اشتراك الوقت بين الصلوات الاربعة الا ما خرج بالدليل، فلهذا جعل المصنف فى المختلف الآية من ادلة الصدوق.
و قال الشارح الفاضل بعد ان استدل للمشهور: و فى دلالة الآية نظر، قد يقال: حمل الآية على مجرّد التوزيع اولى من حمله على الاشتراك، لاستلزامه ارتكاب التخصيص البعيد، و حينئذ فلا يتم دلالتها على الاشتراك.
اقول: و كيف كان فالاعتماد على الآية لاثبات القول المشهور محل تأمل، فالدليل التاسع كالدليل الحادى عشر لأنه لا يخلو من نوع مصادرة، و قضية الاشتراك من اول الوقت على القول به جار على مقتضى الاشتراك المتفق عليه، و هو ما بعد مضى قدر الاربع فبعين ما يقال ثمة يقال فيما نحن فيه.
و لا ريب ان الوقت المتفق على اشتراكه لا يجوز تقديم العصر فيه عمدا، فلو قدمها نسيانا او بناء على انه صلى الظهر فانها تقع صحيحه اتفاقا، كذا فيما نحن فيه، و سيأتى الفروع التى فرعها الاصحاب ان شاء الله، و تعلم بملاحظتها صحة ما ذكرناه، فهذا الدليل بملاحظة ما ذكر صار هباء منثورا كالسابع و الثامن، لأن المصنف رحمه الله ان اراد عدم التكليف مع الذكر، فالخصم ايضا قائل به و لا ضرر فيه، و ان اراد عدم التكليف بقول مطلق، فان ذلك لم يظهر من دليله و لم يأت عليه.
قال بعض المحققين بعد قول المفاتيح و ظاهر الصدوق اشتراك تمام الوقت فى كل بين الظهرين، ما صورته: فانا لم نجد هذا الظهور من عبارة الصدوق اصلا، غير انه روى فى الفقيه روايه عبيد بن زرارة المتقدمة، و مجرد هذا لا ظهور له فيما ذكر، مع اتيانه بالأخبار الدّالة على اختصاص العصر من آخر الوقت بمقدار ادائها، فى باب قضاء الصلوات، مثل رواية الحلبى فيمن نسى
ص: 203
الظهر و العصر ثم ذكر عند غروب الشمس، لأنه ان كان فى وقت لا تخاف فوت احديهما فليصل الظهر ثم ليصل العصر، و ان خاف ان يفوته احديهما فليبداء بالعصر و لا يؤخرها فيكون قد فاتتاه جميعا، و كذلك روى فى العشاءين، مع ان رواية عبيد و امثالها لا دلالة لها على الاشتراك المذكور اصلا، لو لم نقل بدلالتها على الاختصاص.
ثم ذكر وجه دلالتها على الاختصاص، و قال: و اما ما تضمن دخول الوقتين بمجرد الزوال مثلا، من دون ذكر عبارة: الا ان هذه قبل هذه فمقيد به لوجوب حمل المطلق على المقيد، مع ان الأخبار متواترة فى تقدم الظهر على العصر، و هى يكشف بعضها عن بعض. و مما ذكرنا ظهر فساد النسبة الى الصدوق، و فساد الاستدلال بالاخبار المذكوره، مع ان السيد فى مسائل الناصرية قال: يختص اصحابنا الى آخر ما تقدم، انظر الى انه رحمه الله نسب ما ذكره الى اصحابنا، و قال: و يختص اصحابنا الى آخره، مع انه راى الفقيه بالبديهة، الى ان قال: و يدل عليه ايضا ما اشرنا اليه من الأخبار الصريحة، فى ان مع خوف فوت احدى الصلوتين يبدا بالعصر لا بالظهر فيكون قد فاتتاه جميعا، نقلنا من الفقيه و غيره و يدل عليه الأخبار الصحيحة و الحسنة، الدالة على ان الحايض اذا طهرت فى وقت العصر تصلى العصر لا غيرها.
و قال بعض الاجلاء: و اما ما استدلوا اى المشهور به من رواية الحلبى و نحوها، ففيه انه و ان اشتهر فى كلامهم نسبة القول بالاشتراك من اول الوقت الى آخره، الى الصدوق رحمه الله، و فرعوا على ذلك جملة من الفروع الا ان معلومية ذلك من كلام الصدوق غير ظاهر، حيث انه لم يصرح بهذا القول و انما نسبوه اليه باعتبار نقله جملة من الروايات المتقدمة، و صريح كلامه بالنسبة الى آخر الوقت يوافق كلام الاصحاب، فانه قال فى باب احكام السهو فى الصلوة ما صورته:
و ان نسيت الظهر و العصر ثم ذكرتهما عند غروب الشمس فصل الظهر ثم صل العصر ان كنت لا تخاف فوت احديهما، فان خفت ان يفوتك احديهما فأبدا
ص: 204
بالعصر و لا تؤخرها فيكون قد فاتتك جميعا، ثم صل الاولى بعد ذلك على اثرها، و حينئذ فالخلاف لو سلم انما فى اول الوقت خاصة.
بقى الكلام بالنسبة الى من نقل عنه القول بذلك غيره، فهل هو على حسب ما ذكرناه عن الصدوق او مطلقا كل محل، نعم يبقى الاشكال فى الاخبار، حيث ان ظاهر الاخبار التى قدمناها امتداد الاشتراك الى آخر الوقت، و بموجبه انه لو لم يبق من الوقت الا بقدر اربع ركعات فانه يختص بالظهر، و رواية المذكورة و نحوها تدفعه، و ربما صارت هذه الأخبار قرينة على ارتكاب التأويل فى اول الوقت فى تلك الأخبار الدالة على الاشتراك مطلقا، فأنها و ان كانت لا معارض لها بالنسبة الى اول الوقت، الا ان المعارض بالنسبة الى آخره موجود كما عرفت، و بالجملة فالمسئلة لا تخلو من شوب الاشكال، فان الخروج عما عليه جل الاصحاب مع تأييده بما عرفت مشكل، و القول بتخصيص الاشتراك بأول الوقت دون آخره، كما هو المفهوم من الأخبار بالتقريب الذى مع عدم ذهاب احد عليه فيما اعلم اشكل، و الاحتياط بحمد الله سبحانه واضح، انتهى.
أقول ربما يظهر من الشارح المحقق ان آخر الوقت مختص بالعصر فى صورة التذكر، حيث قال فى جواب صحيحة اسمعيل و نحوها: ان غاية ما يستفاد منها اختصاص آخر الوقت بالعصر فى صورة التذكر مطلقا، و لا يلزم من ذلك نفى الاشتراك مطلقا، انتهى.
و قال فى طى الكلام على رواية ابن فرقد، ما يشعر بذلك، كما تقدم ذلك فى بيان دفع الاعتراضات على الرواية المزبورة.
و بالجملة المسئلة بحمد الله واضحة و الادلة الناطقه على القول المشهور كثيرة، منها الاجماع المحكى المتقدم اليه الاشارة، المعتضد بالشهرة العظيمة، بل بعدم ظهور الخلاف، اذا قلنا بان عبارة الصدوق غير ظاهرة فى المخالفة، و انضم اليه ما اشار اليه فى المختلف بقوله: و باقى علمائنا على الثانى، بل بملاحظة هذا يمكن دعوى ظهور عدم الخلاف، لأن اخبار عبيد من الادلة
ص: 205
للمختار كما تقدم اليه الاشارة، فبقى للمخالف الأخبار العامة و هى كما عرفت مقيدة بالادلة المتقدمة خاصة.
فما ذكره بعض الاجلاء بانه لا معارض للاخبار الدالة على الاشتراك بالنسبة الى اول الوقت، ليس فى مكانه، لأن الدليل الأول و الثانى المعتضدين بساير الادلة يهدمان بناء هذا القول عن بنيانه، هذا مضافا الى ما رواه فى البحار فى باب اوقات الصلوة عن العلل و العيون عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس عن على بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان فيما رواه من العلل عن الرضا (ع): فان قال: فلم جعلت الصلوات فى هذه الاوقات و لم تقدم و لم تؤخر؟ قيل: لأن الاوقات المشهورة المعلومة التى تعم اهل الارض فيعرفها الجاهل و العالم اربعة، الى ان قال: و زوال الشمس مشهور معلوم تجب عند الظهر، و لم يكن للعصر وقت معلوم مشهور مثل هذه الاوقات الاربعة، فجعل عند وقت الفراغ من الصلوة التى قبلها الحديث.
قال بعض المتأخرين على ما حكى بعد نقله عن بعضهم القول باشتراكه باجمعه استنادا الى ظاهر الأخبار المطلقة بدخول الوقتين اذا زالت الشمس، و ضعف المتضمن للاختصاص من الطرفين مع انتفاء القول بالفضل، و يدفعه ان اطلاق دخول الوقتين مجاز على التقديرين، اما على تقدير الاختصاص ففى الاسناد باعتبار القرب بين دخولهما و عدم الحد المعروف المنضبط بينهما، فكانهما بالزوال يدخلان معا، و اما على تقدير الاشتراك و فى لفظ الوقتين بارادة الواحد المشترك اذ لا تعدد حينئذ حقيقة، و العلاقة واضحة و لا ترجيح للمجاز الثانى قطعا، بل اما ان يرجح الأول او يكونا متساويين، و لا يتم التعلق بذلك الاطلاق فى القول بالاشتراك، الا اذا ثبت رجحان مجازه، و مع انتفاء صلاحيته للدلالة على الاشتراك يجب الوقوف فى اثبات التوقيت من الأول و الآخر مع موضع اليقين، و هو ما بعد القدر المختص من الأول بالنسبة الى الظهر انتهى
ص: 206
قال الشارح المحقق طاب ثراه بعد نقله: و فيه نظر لأن اكثر الأخبار الدالة على الاشتراك خالية عن لفظ الوقتين بل فيها وقت الصلوتين، كصحيحة محمد بن احمد بن يحيى و غيرها، و ايضا الظاهر ان المجاز الثانى راجح على الاول فى امثال هذه المقامات، التى تعلق الغرض ببيان الحكم الشرعى، اذ لا يقع بسببه اختلاف فى الحكم، غاية ما يلزم منه مسامحة فى التأدية، و الأمر فيه هين بخلاف المجاز الاول، فانه يقع بسببه اختلاف الحكم، نعم لا يبعد رجحان المجاز الاول فى غير هذه المواضع، انتهى.
أقول ما ذكره الشارح المحقق بان الظاهر ان المجاز الثانى راجح على الاول فى امثال هذه المقامات، فهو حق لا يشوبه شىء، و اما التعليل الذى ذكره لذلك بقوله اذ لا يقع بسببه اختلاف فى الحكم الى آخره، فغير وجيه، و كان الأسدّ ان يقول: لقضاء العرف بذلك.
و قال طاب ثراه ايضا بعد الكلام المتقدم: ثم قوله على تقدير انتفاء صلاحيته للدلالة يجب الوقوف فى اثبات التوقيف على موضع اليقين، مما يمكن المناقشة فيه، اذ هو موقوف على تحقيق ان ايقاع الصلوة فى الوقت المعين، هل هى من الخصوصيات المتقومة لماهية الصلوة، ام هو من شرائطه ؟ و كان الأقرب الثانى و على الاول لما ذكره وجه، بناء على ان وقوع التكليف بالصلوة يستدعى العلم بالبراءة، و على الثانى لا يتم كلامه، الا اذا قلنا بأن المراد بالصلوة المأمور به فى اسقاط الشرع بالصلوة هى معه بشرائط(1) الصحة لا الماهية المطلقة، اذ على هذا التقدير نقول التكليف بماهية الصلوة مطلق لا يتقيد بالاشتراط بشىء الا بحسب اقتضاء الدليل، و الدليل لم يقتض تقييدا زايدا على ايقاع الفعل فيما بين الزوال و الغروب، و يمكن دفعه بان النصوص دلت على وجوب ايقاع الصلوة فى وقت معين معلوم عند الشارع، و اشتراط صحتها به، فهى مقيدة
ص: 207
للتكليف بمطلق الصلوة، فمطلق الصلوة المأمور به مقيد بالصلوة المتحققة فى وقتها المقدر شرعا، و تحصيل البراءة اليقينية يتوقف على تحصيل الضرر المنتفى على ما حققناه فى موضعه، نعم لو كان منشأ التقييد مجرد الاجماع، كان التقييد مقتدرا بقدره، و لقائل ان يستدل بالآية على الاشتراك، و حينئذ لا يتم هذا الكلام على التقديرين، لكن فى الاستدلال بالآية نظر اشرنا اليه، انتهى.
أقول: بعض ما ذكره طاب ثراه لا يخلو من مناقشة، لأنه لقائل ان يقول:
على تقدير ان يكون اسامى العبادات موضوعة للأعم من الصحيح و الفاسد، لا نسلم ان يكون العمل بالدليل موقوفا على ظهور عدم المعارض كما ذهب اليه بعض الأجلة، بل يكفى عدم ظهور المعارض كما عن ظاهر المشهور، فحينئذ فما ذكره بقوله: و يمكن دفعه الى آخره، غير وجيه، فتأمل جدا فانه دقيق، و ان كنت فى بادئ النظر تستوحش منه، و كيف كان فالمسئلة بحمد الله واضحة، و عن شوب الاشكال خالية.
ثم ظهر وقوع العصر فى الوقت المختص بالظهر فعلى القول بالاشتراك تصح العصر و يصلى الظهر بعدها، لأن غايته الاخلال بواجب و هو الترتيب، سهوا او بناء على ما جوزه الشارع من العمل بالظن، و لا ضير فيه، و على القول بالاختصاص تبطل العصر و يجب اعادتها بعد الظهر
فانه يتعين عليه الاتيان بالعصر، و لو صلى ثم تبين الخطاء و لم يبق من الوقت الا مقدار ركعة مثلا، فحينئذ يجب عليه الاتيان بالظهر اداء على القول بالاشتراك حسب.
قال بعض الأجلاء بعد نقل ذلك: و لا يخلو من شوب الارتياب فان من ظن ضيق الوقت الا عن اداء اربع ركعات او تيقن ذلك، فانه على القول
ص: 208
بالاشتراك فالواجب عليه الاتيان بالظهر، لقولهم (ع): الا ان هذه قبل هذه و اما على القول بالاختصاص، فالواجب الاتيان بالعصر، كما دلت عليه رواية الحلبى المتقدمة، و كذا لو لم يبق من الوقت الا بقدر اداء ركعة، فانها تختص بالظهر اداء على القول بالاشتراك، و بالعصر على القول بالاختصاص، انتهى.
أقول يظهر من الشارح المحقق ان آخر الوقت مختص بالعصر فى حالة الذكر، كما تقدم اليه الاشارة فعليه لا يرد هذا الكلام، و لكنى لم اجد غيره ان يحذو حذوه، و عبارة الصدوق على ما عرفت غير دالة، بل لعلها دالة على العدم و هو طاب ثراه اعلم بما ذكره.
و بالجملة على الفرض المذكور ليس صلوة الظهر اداء على المشهور.
فانه يجب عليه الاتيان بالمغرب اولا ثم العشاء على القول بالاشتراك و يتعين العشاء على القول بالاختصاص.
ثم تبين الخطأ و وقوعها فى الوقت المختص بالعصر على القول المشهور، فانه يجب قضاء العصر خاصة بناء على القول بالاشتراك، و قضاؤهما معا بناء على الاختصاص، و الله هو العالم بحقايق الاشياء.
فعن السيد المرتضى و ابن الجنيد و ابن زهرة و ابن ادريس و سلار و جمهور المتأخرين، انه يمتد وقت الفضيلة الى ان يصير ظل كل شىء مثله، و وقت الاجزاء الى ان يبقى للغروب مقدار اداء العصر.
قال المصنف فى المختلف و قال الشيخ فى المبسوط: اذا زالت الشمس دخل وقت فريضة الظهر، و يختص به مقدار ما يصلى فيه اربع ركعات، ثم يشترك الوقت بعده بينه و بين العصر، الى ان يصير ظل كل شىء مثله، و روى
ص: 209
حتى يصير الظل اربعة اسباع الشخص المنتصب، ثم يختص بعد ذلك بوقت العصر الى ان يصير ظل كل شىء مثليه، فاذا صار كذلك فقد فات وقت العصر، هذا وقت الاختيار، و اما وقت الضرورة فهما مشتركان فيه الى ان يبقى من النهار مقدار ما يصلى فيه اربع ركعات، فاذا صار كذلك اختص بوقت العصر الى ان تغرب الشمس، و فى اصحابنا من قال: ان هذا ايضا وقت الاختيار الا ان الاول افضل، و افتى فى الخلاف بمثل ذلك، و كذا فى الخصال و قال فى النهاية: آخر وقت الظهر لمن لا عذر له، اذا صارت الشمس على اربعة اقدام و قال فى الاقتصار اخره اذا زاد الفىء اربعة اشياء الشخص او يصير ظل كل شىء مثله، و هو اختياره فى المصباح، و قال الشيخ فى عمل يوم و ليلة: اذا زاد الفئ اربعة اسباع الشخص، و قد جعل فى المبسوط اربعة اسباع الشخص رواية و لم يتعرض لهذه الرواية فى الخلاف و الجمل، و افتى فى النهاية و عمل يوم و ليلة بهذه الرواية و لم يتعرض لظل المماثل، و افتى فى الاقتصاد بأحدهما لا يعينه، و قال المفيد: وقت الظهر بعد زوال الشمس الى ان يرجع الى الفئ سبعى الشاخص، و قال ابن ابى عقيل: اول وقت الظهر زوال الشمس الى ان ينتهى الظل ذراعا واحدا او قدمين من ظل قامته بعد الزوال، فان جاوز ذلك فقد دخل الوقت الآخر، مع انه حكم ان الوقت الآخر لذوى الأعذار، فان أخر المختار الصلوة من غير عذر الى اخر الوقت، فقد ضيع صلوته و بطل عمله و كان عند آل محمد (ص) اذا صلاها فى آخر وقتها قاضيا لا مؤديا للفرض فى وقته.
و قال ابن البراج: آخر الوقت ان يصير ظل كل شىء مثله، و قال ابو الصلاح:
آخر وقت المختار الافضل ان يبلغ الظل اربعة اسباعة، و آخر وقت المضطر ان يصير الظل مثله، و للشيخ فى التهذيب قول آخر، هو ان اخر وقت الظهر اربعة اقدام و هى اربعة اسباع الشخص، و به قال السيد المرتضى فى المصباح، ثم قال فى المختلف: و الذى نذهب اليه ما اختاره السيد المرتضى اولا، اى القول المشهور، انتهى.
ص: 210
أقول لا بدّ اولا من نقل جملة من الأخبار المتعلقه بالمقام و لو فى الجملة، فنقول.
ما رواه التهذيب فى اوايل باب اوقات الصلوة فى الصحيح على الصحيح لمكان الوشاء عن احمد بن عمرو هو ابن ابى شعبه الحلبى الثقه عن ابى الحسن (ع) قال: سألته عن وقت الظهر و العصر؟ فقال: وقت الظهر اذا زاغت الشمس الى ان يذهب الظّل قامه، و وقت العصر قامه و نصف الى قامتين.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن احمد بن محمد و هو ابن ابى نصر قال: سألته عن وقت صلوة الظهر و العصر؟ فكتب: قامة للظهر و قامة للعصر.
ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم باسناد فيه محمد بن عيسى عن يونس عن يزيد بن خليفه قال: قلت لأبى عبد الله (ع) ان عمر بن حنظله اتانا عنك بوقت، فقال: ابو عبد الله (ع) اذن لا يكذب علينا، قلت: ذكر انك قلت ان اول صلوة افترضها الله على نبيه (ص) الظهر، و هو قول الله عز و جل: (أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ )، فاذا زالت الشمس لم يمنعك الا سبحتك، ثم لا تزال فى وقت الى ان يصير الظل قامة و هو آخر الوقت، فاذا صار الظل قامة دخل وقت العصر فلم تزل فى وقت العصر حتى يصير الظل قامتين، و ذلك المساء قال: صدق.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الموثق عن زرارة قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن وقت صلوة الظهر فى القيظ، فلم يجبنى، فلما ان كان بعد ذلك، قال لعمر بن سعيد بن هلال: ان زرارة سألنى عن وقت صلوة الظهر فى القيظ فلم اخبره فخرجت من ذلك، فأقراه منى السلام و قل له: اذا كان ظلك مثلك فصل الظهر، و اذا كان ظلك مثليك فصل العصر.
ما رواه فى باب المواقيت فى الزيادات عن محمد بن حكيم قال:
سمعت العبد الصالح (ع) يقول: ان اول وقت الظهر زوال الشمس و آخر وقتها قامة من الزوال، و اول وقت العصر قامة و آخر وقتها قامتان، قلت: فى الشتاء و
ص: 211
الصيف سواء؟ قال: نعم.
ما رواه التهذيب ايضا فى باب اوقات الصلوة عن ابراهيم الكرخى قال: سألت ابا الحسن موسى (ع) متى يدخل وقت الظهر؟ قال: اذا زالت الشمس، فقلت: متى يخرج وقتها؟ قال: من بعد ما يمضى من زوالها اربعة اقدام، ان وقت الظهر ضيق ليس كغيره، قلت: فمتى يدخل وقت العصر؟ فقال: وقت العصر الى ان تغرب الشمس و ذلك من علة، و هو تضييع، فقلت له:
لو ان رجلا صلى الظهر بعد ما يمضى من زوال الشمس اربعة اقدام، كان عندك غير مؤدلها؟ فقال: ان كان تعمد ذلك ليخالف السنة و الوقت لم تقبل منه، كما لو ان رجلا أخر العصر الى ان تغرب الشمس متعمدا من غير علة لم تقبل منه، ان رسول الله (ص) قد وقع للصلوات المفروضات اوقاتا، و حد لها حدودا، فى سنة للناس، فمن رغب عن سنة من سننه الموجبات، كان مثل من رغب عن فرائض الله.
ما رواه التهذيب فى باب الحيض فى الزيادات فى الموثق عن الفضل بن يونس قال: سألت ابا الحسن الأول (ع)، قلت: المراة ترى الطهر غروب الشمس، كيف تصنع بالصلوة ؟ قال: اذا رأت الطهر بعد ما يمضى من زوال الشمس اربعة اقدام فلا تصلى الا العصر، لأن وقت الظهر دخل عليها و هى فى الدم، و خرج عنها الوقت و هى فى الدم، فلم يجب عليها ان تصلى الظهر؟ و ما طرح الله عنها من الصلوة و هى فى الدم اكبر، قال: و اذا رات المراة الدم بعد ما تمضى من زوال الشمس اربعة اقدام، فلتمسّك عن الصلوة فاذا طهرت من الدم فلتقض الظهر، لأن وقت الظهر دخل عليها و هى طاهر، و خرج عنها وقت الظهر و هى طاهر، فضيعت صلوة الظهر، فوجب عليها قضاوها.
ما رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة فى كالصحيح او الصحيح لمكان محمد بن سنان عن ابن مسكان عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال:
سألت عن وقت الظهر؟ فقال: ذراع من زوال الشمس، و وقت العصر ذراع
ص: 212
من وقت الظهر، فلذلك اربعة اقدام من زوال الشمس.
و قال زرارة قال لى ابو جعفر (ع) حين سألت عن ذلك: ان حايط مسجد رسول الله (ص) كان قامة، فكان اذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر، و اذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر، ثم قال: اتدرى لم جعل الذراع و الذراعان ؟ قلت: لم جعل ذلك ؟ قال: لمكان النافلة، فان لك ان تتنفّل من زوال الشمس الى ان يمضى الفئ ذراعا، فاذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال بدأت بالفريضة و تركت النافلة.
قال ابن مسكان: و حدثنى بالذراع و الذراعين سليمان بن خالد، و ابو بصير المرادى، و حسين صاحب القلانس، و ابن ابى يعفور، و من لا احصية منهم
ما رواه ايضا فى باب المواقيت فى الزيادات فى الصحيح عن الفضل بن يسار و زرارة و بكير ابنى اعين، و محمد بن مسلم، و بريد بن معوية العجلى، قال: قال ابو جعفر و ابو عبد الله (ع): وقت الظهر بعد الزوال قدمان، و وقت العصر بعد ذلك قدمان، و هذا اول وقت الى ان يمضى اربعة اقدام للعصر.
ما رواه التهذيب فى المكان المتقدم عن على بن حنظلة قال:
قال ابو عبد الله (ع): فى كتاب على (ع) القامة ذراع و القامتان ذراعان.
و روى ايضا فى باب اوقات الصلوة عن على بن حنظلة قال: قال لى ابو عبد الله (ع): القامة و القامتين و الذراع و الذراعين فى كتاب على (ع).
ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم عن على بن ابى حمزة قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: القامة هى الذراع.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن على بن ابى حمزة عن ابى عبد الله (ع)، قال له ابو بصير: كم القامة ؟ قال: فقال: ذراع ان قامة رحل رسول الله (ص) كانت ذراعا.
ما رواه الفقيه فى باب مواقيت الصلوة فى الصحيح عن
ص: 213
زرارة: انه سأل الباقر (ع) عن وقت الظهر؟ فقال: ذراع من زوال الشمس، و وقت العصر ذراعان من وقت الظهر، فذاك اربعة اقدام من زوال الشمس، ثم قال: ان حايط مسجد رسول الله (ص) كان قامة، فكان اذا مضى منه ذراع صلى الظهر، و اذا مضى منه ذراعان صلى العصر، ثم قال: اتدرى لم جعل - ذلك ؟ قال: لمكان النافلة، لك ان تتنفل من زوال الشمس الى ان يمضى ذراع، فاذا بلغ فيئك ذراعا بدأت بالفريضة و تركت النافلة، فاذا بلغ فيئك ذراعين بدأت بالفريضة و تركت النافلة.
ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق عن زرارة قال: سمعت ابا جعفر (ع) يقول: كان حايط مسجد رسول الله (ص) قامة، فاذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر، فاذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر، ثم قال: اتدرى لم جعل الذراع و الذراعان ؟ قلت: لا، قال: من اجل الفريضة اذا دخل وقت الذراع و الذراعين، بدأت بالفريضة و تركت النافلة.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن اسمعيل الجعفى عن ابى جعفر (ع) قال: كان رسول الله (ص) اذا كان الفئ فى الجدار ذراعا صلى الظهر، و اذا كان ذراعين صلى العصر، قلت: الجدران تختلف منها قصير و منها طويل، قال: ان جدار مسجد رسول الله (ص) كان يومئذ قامة، و انما جعل الذراع و الذراعان، لئلا يكون تطوع فى وقت فريضة.
ما رواه فى المكان المتقدم عن اسمعيل الجعفى عن ابى جعفر (ع) قال: أتدرى لم جعل الذراع و الذراعان ؟ قال قلت: لم ؟ قال:
لمكان الفريضة، لئلا يؤخذ من وقت هذه و يدخل من وقت هذه.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الموثق عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: اتدرى لم جعل الذراع و الذراعان ؟ قلت: لم ؟ قال:
لمكان الفريضة، لك ان تتنفل من زوال الشمس الى ان تبلغ ذراعا، فاذا بلغت
ص: 214
ذراعا بدأت بالفريضة و تركت النافلة.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الموثق عن زرارة عن ابى عبد الله (ع) قال: وقت الظهر على ذراع.
ما رواه فى المكان المتقدم فى الموثق عن يعقوب بن شعيب عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن وقت الظهر؟ فقال: اذا كان الفئ ذراعا قلت: ذراعا من اى شىء؟ قال: ذراعا من فيئك، قلت: فالعصر؟ قال: الشطر من ذلك، قلت هذا شبر! قال: او ليس شبر كثيرا.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الموثق عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال: كان رسول الله (ص) يصلى الظهر على ذراع و العصر على نحو ذلك.
ما رواه فى المكان المتقدم فى الموثق عن عبيد عن زرارة قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن افضل وقت الظهر؟ قال: ذراع بعد الزوال، قال قلت: فى الشتاء و الصيف سواء؟ قال: نعم.
ما رواه التهذيب فى المكان المتقدم فى الصحيح عن عبد الله بن محمد و الظاهر انه الحجال الثقة، قال: كتبت اليه: جعلت فداك روى اصحابنا عن ابى جعفر (ع) و ابى عبد الله (ع) انهما قالا: اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين، الا ان بين يديهما سبحة ان شئت طولت و ان شئت قصرت، و روى بعض مواليك عنهما ان وقت الظهر على قدمين من الزوال و وقت العصر على اربعة اقدام من الزوال، فان صليت قبل ذلك لم يجزك، و بعضهم يقول يجزى، و لكن الفضل فى انتظار القدمين و الاربعة اقدام، و قد احببت جعلت فداك ان اعرف موضع الفضل فى الوقت، فكتب: القدمان و الأربعة اقدام صواب جميعا.
ما رواه التهذيب فى المكان المتقدم فى الموثق عن سعيد الأعرج عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن وقت الظهر، اهو اذا زالت
ص: 215
الشمس ؟ فقال: بعد الزوال بقدم او نحو ذلك، الا فى السفر او يوم الجمعة، فان وقتها اذا زالت.
ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب صلوة رسول الله (ص)، مرسلا عن الباقر (ع) انه قال: كان رسول الله (ص) لا يصلى من النهار شيئا حتى تزول النهار، فاذا زال صلى ثمانى ركعات، الى ان قال:
فاذا كان الفئ ذراعا صلى الظهر اربعا و صلى بعد الظهر ركعتين اخراوين، ثم صلى العصر اربعا اذا فاء الفئ ذراعا، الخبر.
ما رواه الكافى فى باب بناء مسجد النبى (ص) فى الحسن بابراهيم عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) انه قال: و كان جدار مسجد النبى (ص) قبل ان يظلل قامة و كان اذا كان الفئ ذراعا و هو قدر مربض عنز صلى الظهر، و اذا كان ضعف ذلك صلى العصر.
ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات عن محمد بن الفرج قال: كتبت اسأل عن اوقات الصلوة، فأجاب: اذا زالت الشمس فصل سبحتك، و احب ان يكون فراغك من الفريضة و الشمس على قدمين ثم صل سبحتك و احب ان يكون فراغك من العصر و الشمس على اربعة اقدام، فان عجل بك امر فابدا بالفريضتين و اقض بعدهما، فاذا طلع الفجر فصل الفريضة ثم اقض بعد ما شئت.
ما رواه فى المكان المتقدم فى الموثق عن سليمان بن خالد عن ابى عبد الله (ع) قال: العصر على ذراعين، فمن تركها حتى تصير على ستة اقدام فذلك المضيع.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن المثنى انه قال:
قال ابو بصير قال لى ابو عبد الله (ع): صل العصر يوم الجمعة على ستة اقدام.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (ع) قال: صل العصر على اربعة اقدام.
ص: 216
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن سليمان بن جعفر قال: قال الفقيه: آخر وقت العصر ستة اقدام و نصف.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن صفوان الجمال عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت العصر متى اصليها اذا كنت فى غير سفر؟ قال:
على قدر ثلثى قدم بعد الظهر.
ما رواه فى البحار فى باب وقت الظهرين عن فقه الرضا (ع) انه قال: وقت الظهر زوال الشمس، و آخره ان يبلغ الظل ذراعا او قدمين من زوال الشمس فى كل زمان، و وقت العصر بعد القدمين الاولين الى قدمين آخرين و ذراعين، لمن كان مريضا او معتلا او مقصرا فصار قدمان للظهر و قدمان للعصر، فان لم يكن معتلا من مرض او من غيره و لا تقصير و لا يريد ان يطيل التنفل، فاذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلوتين، و ليس يمنعه منها الا السبحة بينهما و الثمان ركعات قبل الفريضة، و الثمان بعدها، فان شاء طول الى القدمين و ان شاء قصر، الى ان قال: فاذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلوة، و له مهلة فى الشغل و القضاء و النوم و التنفّل الى ان يبلغ ظل قامته قدمين بعد الزوال، فاذا بلغ ظل قامة قدمين بعد الزوال فقد وجب عليه ان يصلى الظهر فى استقبال القدم الثالث، و كذلك يصلى العصر اذا صلى فى آخر الوقت فى استقبال القدم الخامس، فاذا صلى بعد ذلك فقد ضيع الصلوة، و هو قاض للصلوة بعد الوقت، الى ان قال: و انما يمتد وقت الفريضة بالنوافل، فلو لا النوافل و علة المعلول لم يكن اوقات الصلوة ممدودة على قدر اوقاتها، فلذلك تؤخر الظهر ان احببت، و ان تعجل العصر ان لم يكن هناك نوافل و لا علة تمنعك ان تصليهما فى اوّل وقتهما، و تجمع بينهما فى السفر اذ لا نافلة تمنعك من الجمع.
و قد جاءت احاديث مختلفه فى الاوقات، و لكل حديث معنى و تفسير ان اول وقت الظهر زوال الشمس و آخر وقتها قامة رجل قدم و قدمان، و جاء على
ص: 217
النصف من ذلك و هو احب الى، و جاء آخر وقتها اذا تم قامتين، و جاء اول وقت العصر اذا تمّ الظل قدمين، و آخر وقتها اذا تم اربعة اقدام، و جاء اول وقت العصر اذا تم الظل ذراعين، و جاء لهما جميعا وقت. مرسل قوله: اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلوتين، و جاء ان رسول الله (ص) جمع بين الظهر و العصر، ثم بين العشاء و العتمة من غير سفر و لا مرض، و جاء ان لكل صلوة وقتين اول و آخر كما ذكرنا فى اول الباب، و اول الوقت افضلها، و انما جعل آخر الوقت للمعلول، الى ان قال: و انما سمى ظل القامة قامة، لأن حايط مسجد رسول الله (ص) قامة انسان، فسمى ظل الحايط ظل قامة و ظل قامتين و ظل قدم و ظل قدمين و ظل اربعة اقدام و ذراع، و ذلك انه مسح بالقدمين كان قدمين، و اذا مسح بالذراع كان ذراعا، و اذا مسح بالذراعين كان ذراعين، و اذا مسح بالقامة كان قامة اى هو ظل القامة، و ليس هو بطول القامة سواء مثله، لأن ظل القامة ربما كان قدما و ربما كان قدمين، ظل مختلف على قدر الأزمنة و اختلافها باختلافها، لأن الظل قد يطول و ينقص لاختلاف الازمنة، و الحايط المنسوب اليه ممسوحا به طال الظل ام قصر الحديث.
و قال فى موضع آخر: اول وقت الظهر زوال الشمس، الى ان يبلغ الظل قدمين، و اول وقت العصر الفراغ من الظهر، ثم الى ان يبلغ الظل اربعة اقدام، و قد رخص للعليل و المسافر منهما ان يبلغ ستة اقدام، و للمضطر الى مغيب الشمس.
ما رواه فى الكافى فى باب وقت الظهرين عن ذريح فى الحسن كالصحيح او الصحيح لمكان ابراهيم قال قلت لأبى عبد الله (ع): متى اصلى الظهر؟ فقال: صل الزوال ثمانية، ثم صل سبحتك طالت او قصرت، ثم صل العصر.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن ابن مسكان عن الحرث بن المغيرة و عمر بن حنظله و منصور بن حازم قالوا: كنا نقيس الشمس
ص: 218
بالمدينة بالذراع فقال ابو عبد الله (ع): الا انباتكم بابين من هذا؟ اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر، الا ان بين يديها سبحة، و ذلك اليك ان شئت طولت و ان شئت قصرت.
و رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة و فيه: و ذلك اليك فان انت خففت سبحتك فحين تفرغ من سبحتك، و ان انت طولت فحين تفرغ من سبحتك.
الخامس و الثلاثون: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم عن عمر بن حنظلة عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر، الا ان بين يديها سبحة، و ذلك اليك ان شئت طولت و ان شئت قصرت.
ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم عن عيسى بن ابى منصور قال: قال لى ابو عبد اللّه (ع): اذا زالت الشمس فصليت سبحتك فقد دخل وقت الظهر.
و ما رواه ايضا فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق عن سماعة بن مهران قال قال ابو عبد الله (ع): اذا زالت الشمس فصل ثمانى ركعات ثم صل الفريضة اربعا، فاذا فرغت من سبحتك فصل العصر.
الثامن و الثلاثون: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب مواقيت الصلوة عن مالك الجهنى انه سأل ابا عبد الله (ع) عن وقت الظهر، فقال: اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلوتين، فاذا فرغت من سبحتك فصل العصر متى بدا لك.
ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الصحيح عن محمد بن احمد بن يحيى قال: كتب بعض اصحابنا الى ابى الحسن عليه السلام: روى عن آبائك القدم و القدمين و الأربع و القامة و القامتين و ظل مثلك و الذراع و الذراعين، فكتب (ع): لا القدم و لا القدمين، اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلوتين، و بين يديها سبحة و هى ثمان ركعات، فان شئت طولت و ان شئت قصرت، ثم صل الظهر فاذا فرغت كان بين الظهر و العصر سبحة، و
ص: 219
هى ثمان ركعات فان شئت طولت و ان شئت قصرت، ثم صل العصر.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن ابى بصير قال: ذكر ابو عبد الله (ع) أول الوقت و فضله، فقلت: كيف اصنع بالثمانى ركعات ؟ قال:
خفف ما استطعت.
ما رواه الكافى فى باب وقت الظهر و العصر، و التهذيب فى باب اوقات الصلوة عنه عن يونس عن بعض رجاله عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عما جاء فى الحديث، ان صل الظهر اذا كانت الشمس قامة و قامتين و ذراعا و ذراعين و قدما و قدمين من هذا و من هذا، فمتى هذا؟ و كيف هذا؟ و يكون الظل فى بعض الاوقات نصف قدم، قال: انما قال:
ظل القامه، و لم يقل قامة الظل، و ذلك ان ظل القامة يختلف مرة يكثر و مرة يقل، و القامة قامة ابدا لا تختلف، ثم قال: ذراع و ذراع و ذراعان و قدم و قدمان، فصار ذراع و ذراعان تفسير القامة و القامتين، فى الزمان الذى يكون فيه الظل قامة ذراعا، و ظل القامتين ذراعين، فيكون ظل القامة و القامتين و الذراع و الذراعين متفقين فى كل زمان معروفين، مفسرا احدهما بالآخر مسددا به، فاذا كان الزمان يكون فيه ظل القامة ذراعا كان الوقت ذراعا من ظل القامة، و كانت القامة ذراعا من الظل، و اذا كان ظل القامة اقل او اكثر، كان الوقت محصورا بالذراع و الذراعين.
فنقول: قال المحقق المجلسى رحمه الله و انار الله برهانه فى كتاب البحار فى باب وقت فريضة الظهرين ما لفظه: اعلم ان الشمس اذا طلعت كان ظلها طويلا ثم لا يزال ينقص حتى تزول، فاذا زالت زاد، ثم قد تقرر ان قامة كل انسان سبعة اقدام باقدامه تقريبا، و ثلاث اذرع و نصف بذراعه، و الذراع قدمان تقريبا، فلذا يعبر عن السبع بالقدم، و عن طول الشاخص الذى يقاس به الوقت بالقامة، و ان كان غير الانسان، و قد جرت
ص: 220
العادة بان تكون قامة الشاخص الذى يجعل مقياسا لمعرفة الزوال ذراعا، و كان رحل رسول الله (ص) الذى كان يقيس به الوقت ايضا ذراعا، فلأجل ذلك كثيرا ما يعبر عن القامة بالذراع و عن الذراع بالقامة، و ربما يعبر عن الظل الباقى عند الزوال من الشاخص بالقامة، و كأنه كان اصطلاحا معهودا.
و قال المحدث الكاشانى طاب ثراه فى الوافى بعد ان نقل الخبر الحادى و الأربعين: الشمس اذا طلعت كان ظلها طويلا ثم لا يزال ينقص حتى تزول، فاذا زالت زاد، ثم قد تقرر ان قامة كل انسان سبعة اقدام باقدامه، و ثلاثة اذرع و نصف بذراعه، و الذراع قدمان، فلذلك يعبر عن السبع بالقدم، و عن طول الشاخص الذى يقاس به الوقت بالقامة، و ان كان فى غير الانسان، و قد جرت العادة بأن يكون قامة الشاخص الذى يجعل مقياسا لمعرفة الوقت ذراعا، كما يأتى الاشارة اليه فى حديث تعريف الزوال، و كان رحل رسول الله (ص) الذى كان يقيس به الوقت ايضا ذراعا، فلأجل ذلك كثيرا ما يعبر عن القامة بالذراع، و عن الذراع بالقامة، و ربما يعبر عن الظل الباقى عند الزوال من الشاخص بالقامة ايضا، و كأنه كان اصطلاحا معهودا، و بناء هذا الحديث على ارادة هذا المعنى كما ستطلع عليه، ثم ان كلا من هذه الألفاظ قد يستعمل لتعريف اول وقتى فضيلة الفريضين، كما فى هذا الحديث، و قد يستعمل لتعريف آخر وقتى فضيلتيهما كما يأتى فى الأخبار الأخر، فكلما يستعمل لتعريف الأول فالمراد به مقدار سبعى الشاخص، و كلما يستعمل لتعريف الآخر فالمراد به مقدار تمام الشاخص، ففى الاول يراد بالقامة و الذراع، و فى الثانى بالعكس، و ربما يستعمل لتعريف الآخر لفظه مثل مثلك و ظل مثليك، و يراد بالمثل القامة، و الظل قد يطلق على ما يبقى عند الزوال خاصة، و قد يطلق على ما يزيد بعد ذلك، فبحسب الذى يقال له الفئ اذا رجع، لأنه كان اولا موجودا ثم عدم ثم رجع، و قد يطلق على مجموع الأمرين، ثم ان اشتراك هذه الألفاظ بين هذه المعانى، صار سببا لاشتباه الأمر فى هذا المقام الى آخر ما ذكره.
ص: 221
و قال فى الحبل المتين: السبحة النافلة، و المراد من الفئ فى الحديث الرابع اى خبر الثالث عشر المتقدم، ما يحدث من ظل الشاخص بعد الزوال، و هو مشتق من فاء اذا رجع، و المراد من القامة قامة الانسان و قد تفسرها بالذراع، و ياباه قوله (ع): فاذا بلغ فيئك ذراعا، و المراد بالقدم فى الحديث الخامس اى الخبر التاسع المتقدم سبع الشاخص، لما اشتهر من ان طول كل شخص سبعة اقدام باقدامه، الى ان قال: و المراد من الذراع القدمان كما تضمنه بعض الأخبار، فلا منافاة بين التوقيت بالذراع تارة و بالقدمين اخرى.
خلافا لبعض الأصحاب فاختصوا ذلك بذوى الاعذار، و قد عرفت ان الاول هو المشهور المنصور، و ان الأدلة الدالة عليه كالنور على الطور، و ان ما استند اليه الخصم فى غاية من القصور.
فالمشهور بين الأصحاب ان الوقت الاول للظهر الذى هو وقت الفضيلة على المشهور المنصور، او الاختيار على القول المزيف، من الزوال الى مضى مثل الشاخص اى يصير الظل الحادث بعد الزوال مماثلا لقامة الشاخص، خلافا لمن تقدم فى اول المسئلة، و هو الشيخ فى النهاية و غيره.
قال بعض المحققين: و كون امتداده الى ان يصير الفئ مثل الشاخص هو المشهور، كاد ان يكون اجماعيا، لكن الشيخ فى النهاية قال بامتداده الى اربعة اقدام، الا انه رجع عنه فى المبسوط و الخصال و الخلاف، فلا اعتداد به اصلا، و ما نقل عن المفيد من امتداده الى قدمين، فمراده نهاية وقته لأداء النافلة قبلها كما ستعرف، انتهى.
و استدل غير واحد منهم للمشهور بالخبر الاول و الثانى، و التقريب ان اجرائهما على ظاهرهما من كون ذلك اخر الوقت مطلقا خلاف الاجماع، و لا يمكن
ص: 222
الحمل على كون ذلك وقت الاختيار لما ذكرنا من الدلايل على امتداد وقت الاختيار الى الغروب، فيجب الحمل على كون ذلك وقت الفضيلة.
و اعترض عليه بعض الأجلاء طاب ثراه قال: و فى هذا الاستدلال عندى اشكال، حيث ان مبنى الاستدلال على حمل القامة على قامة الشخص، و المفهوم من الأخبار ان لفظ القامة الواردة فيها انما هو بمعنى الذراع، و القامتين بمعنى الذراعين، فمن ذلك ما رواه التهذيب عن ابى بصير عن الصادق (ع) انه قال له: كم القامة ؟ ثم نقل الخبر الثانى عشر و الحادى عشر و العاشر المشتمل على روايتى على بن حنظلة، و قال قال فى الوافى: تفسير القامة بالذراع انما يصح اذا كان قامة الشاخص ذراعا، فيفسر احدهما بالآخر كما دلّ عليه حديث ابى بصير لا مطلقا كما زعمه صاحب التهذيب، او اريد به فى زمان يكون فيه الظل الثانى بعد نقصانه ذراعا، و يراد بالقامة قامة الظل الباقى لا قامة الشخص كما دل عليه حديث اول الباب.
أقول: من المحتمل قريبا بل هو الظاهر ان المراد باللام فى القامة و القامتين فى هذه الأخبار العهد، و تكون اشارة الى ما قدمناه من الأخبار الدالة على تحديد وقت الظهر بالقامة، و وقت العصر بالقامتين، بمعنى ان القامة الواردة فى تلك الأخبار المراد منها الذراع لا قامة الشخص، و به يظهر ان حمل القامة فى تلك الأخبار على قامة الشخص ليكون دليلا على امتداد وقت الفضيلة بامتداد المثل، لا وجه له، انتهى.
أقول حمل القامة الواقعة فى الخبرين على المعنى الذى ذكره قريب بتقريب ما تقدم، فعليه فالخبر الخامس ايضا محمول عليه كالخبر الثانى عشر المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: المقصد الثانى فى اوقاتها، المشتمل على رواية معوية بن وهب، فان حمل القامة فيها على الذراع متعين، كما ينادى بذلك روايتا معوية بن ميسرة و مفضل بن عمر المتقدمتان هناك بعد نقل رواية ابن وهب، و لو سلم عدم ظهور المعنى المذكور لاجل تطرق المناقشات فى الاخبار
ص: 223
المستدل عليها للمذكور، فلا اقل من الاحتمال المتساوى للمعنى الذى فهمه المشهور، و معه يسقط الاستدلال.
نعم لا يمكن حمل القامة على الذراع فى جميع الأخبار المشتملة عليها، لمكان الخبر الثانى و الثلاثين و الخامس عشر و الخامس و العشرين و الرابع عشر و الثالث عشر و الثامن بل الثالث، لما قيل انما ايماء، انّما يترتب على قامة الشاخص دون الذراعين فتأمل، المؤيد بالخبر التاسع عشر، نعم يمكن ان يستدل للمشهور بالخبر الثالث و الخبر الرابع عشر المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله:
المقصد الثانى فى اوقاتها، و لكن الانصاف ان الاستناد الى الاول محل اشكال و قد ظهر وجهه، و لو سلم فحمل الخبرين على التقية اظهر، حيث انه هو المعمول عليه عند العامة قديما و حديثا على ما ذكره بعض الاجلاء.
و بما ذكر ظهر حال ما رواه المجلسى رحمه الله فى باب اوقات الصلوة فى حاشية منسوبة اليه، عن المجازات النبوية عن النبى (ص) فى عهده لعماله على اليمن: و صل العصر اذا كانت ظل كل شىء مثله و كذلك ما دامت الشمس حية، الحديث، قال المحقق المجلسى فى كتاب البحار بعد ما تقدم نقله عنه ما صورته: ثم انه لما كان المشهور بين المخالفين تأخير الظهرين عن اول الوقت بالمثل و المثلين، فلذا اختلف الأخبار فى ذلك ففى بعضها اذا صار ظلك مثلك فصل الظهر، و اذا صار مثليك فصل العصر، و فى بعضها ان آخر وقت الظهر المثل، و آخر وقت العصر المثلان، كما ذهب اليه اكثر المتأخرين من علمائنا، و فى بعضها ان وقت نافلة الزوال قدمان و وقت فريضة الظهر و نافلة العصر بعدهما قدمان، و وقت فضيلة العصر اربعة اقدام و فى بعض الأخبار و فى بعضها قدمان، و فى بعضها قدمان و نصف، و فى كثير منها انه لا يمنعك من الفريضة الا سبحتك ان شئت طولت و ان شئت قصرت، و الذى ظهر لى من جميعها ان المثل و المثلين انما وردا تقية لاشتهارهما بين المخالفين، و قد اولوهما فى بعض الأخبار بالذراع و الذراعين تحرجا عن الكذب، او المثل و المثلان وقت للفضيلة
ص: 224
بعد الذراع و الذراعين و الاربع، اى اذا اخروا الظهر عن اربعة اقدام فينبغى ان لا يؤخروها عن السعة و هى المثل، و اذا اخروا العصر عن الثمانية فينبغى ان لا يؤخرها عن الأربعة عشر اعنى المثلين، فالاصل فى الاوقات الاقدام لكن لا بمعنى ان الأظهر لا يقدم على القدمين، بل بمعنى ان النافلة لا توقع بعد القدمين، و كذا نافلة العصر لا يؤتى بعد الاربعة اقدام، فاما العصر فيجوز تقديمها قبل مضى الأربعة اذا فرغ من النافلة قبلها بل التقديم فيها أفضل.
و اما آخر وقت فضيلة العصر فله مراتب: الاولى ستة اقدام، و الثانية ستة اقدام و نصف، و الثالثة ثمانية اقدام، و الرابعة المثلان على احتمال، فاذا رجعت الى الأخبار الواردة فى هذا الباب لا يبقى لك ريب فى تعين هذا الوجه فى الجمع بينها، و مما يؤيد ذلك هذا الخبر اى الخبر الحادى و الأربعون، انتهى.
و استحسنه بعض الأجلاء و بما ذكر ظهر ما يرد على الخبر الرابع لو استدل به للمشهور، مع كونه اخص من المدعى، و اشتماله على خلاف المدعى حيث دلّ على الصلوة بعد مضى المثل كالخبر المروى فى البحار فى باب وقت فريضة الظهرين عن الاختيار(1) عن حمدوية عن محمد بن عيسى عن القاسم بن عروة عن ابن بكير قال: دخل زرارة على ابى عبد الله (ع)، قال: انكم قلتم لنا فى الظهر و العصر على ذراع و ذراعين، ثم قلتم ابردوا بها فى الصيف، فكيف الابراد بها؟ و فتح الراحة ليكتب ما يقول فلم يجبه ابو عبد الله (ع) بشىء، فاطبق الراحة، فقال: انما علينا ان نسئلكم و انتم اعلم بما عليكم و خرج، و دخل ابو بصير على ابى عبد الله (ع) فقال: ان زرارة سألنى عن شىء فلم اجبه و قد ضقت من ذلك، فاذهب انت رسولى اليه، فقل: صل الظهر فى الصيف اذا كان ظلك مثلك و العصر اذا كان مثليك، و كان زرارة هكذا يصلى فى الصيف، و لم
ص: 225
اسمع احدا من اصحابنا يفعل ذلك غيره و غير ابن بكير.
قال فى البحار بعد نقل الخبر: هذا الخبر مؤيد لما مر من استحباب تأخير العصر ايضا، و الأصحاب خصوا الحكم بالظهر و لا يخلو من قوة فان الخروج عن الأخبار الكثيرة الدالة على فضيلة اول الوقت بمجرد ذلك مشكل، مع احتمال التقية ايضا، بل الحكم فى الظهر ايضا مشكل كما عرفت.
و لعل مضايقته (ع) عن بيان الحكم بما يؤيده ايضا اشتهار الرواية و الحكم بين المخالفين، قال محى السنة فى شرح السنة بعد ان روى عن ابى هريرة باسانيد ان رسول الله (ص) قال: اذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فان شدة الحرّ من فيح جهنم، و قال: اشتكت النار الى ربها، فقالت: رب اكل بعضى بعضا فاذن لها بنفسين نفس فى الشتاء و نفس فى الصيف، فاشد ما تجدون من الحر فمن حرها، و اشد ما تجدون من البرد هريرها: معنى الابراد انكسار حر الظهيرة، و هو ان يفئ الافياء و ينكسر وهج(1) الحر فهو برد بالاضافة الى حر الظهيرة و قوله: من فيح جهنم، قال الخطّابى: معناه سطوع حرها و انتشاره، و اصله فى كلامهم السعة و الانتشار، يقال مكان افيح اى واسع، ثم قال: و اختلف اهل العلم فى تأخير صلوة الظهر فى شدة الحر، فذهب ابن المبارك و احمد و اسحق الى تأخيرها و الابراد بها فى الصيف و هو الأشبه بالاتباع، و قال الشافعى تعجيلها اولى الا ان يكون امام مسجد ينتابه الناس من بعد فانه يبردها فى الصيف فاما من صلى وحده او جماعة فى مسجد بفناء بيته لا يحضره الا من بحضرته، فانه يعجلها لأنه مشقة عليهم فى تعجيلها، ثم روى عن ابى ذر رضوان الله عليه باسانيد قال:
كنا مع النبى (ص) فى سفر فأراد المؤذن ان يؤذن للظهر، فقال النبى (ص) ابرد، حتى رأينا فئ التلول، فقال النبى (ص): ان شدة الحر من فيح جهنم فاذا اشتد الحر فابردوا بالصلوة، ثم قال و فيه دليل على ان الابراد اولى و ان
ص: 226
لم يأت من بعد، فان النبى (ص) امره مع كونهم مجتمعين فى السفر، انتهى.
و حمل بعض الأفاضل الخبر على بلد يكون ظل الزوال فيه حال الصيف خمسة اقدام مثلا، فاذا صار مع الزيادة الحاصلة بعد الزوال مساويا للشخص يكون قد زاد قدمين فيوافق الأخبار الأخر، و هو محمل بعيد، مع انه لا يستقيم فى العصر.
و فى تنزيل الجمعة منزلة الظهر على القول به فيها، وجهان الأقرب الاقتصار على مورد النص للأخبار الدالة على ضيق وقت الجمعة، و خالف فى ذلك فى التذكرة فحكم بشموله لها، انتهى.
أقول و سيأتى الكلام ان شاء الله فى الأحاديث الواردة فى الابراد، و كيف كان فبعد تسليم دلالة الخبر على المدعى و انطباقه عليه مما شاة فالحمل على التقية او الابراد اظهر، و حاصل الكلام ان الذى يظهر لى من الاخبار الواردة فى هذا المقام ان الوقت الاول للظهر من الزوال الى مضى القدمين او الذراع، و انه مع الاشتغال بالنافلة يزاحم بفريضة الظهر القدم الثالث، كما يرشد اليه الخبر الثانى و الثلاثون و الخبر السادس و العشرون و الخامس و العشرون و الرابع و العشرون و الثانى و العشرون و الحادى و العشرون و العشرون و التاسع عشر و الثامن عشر و الخامس عشر و الرابع عشر و الثالث عشر و التاسع و الثامن المؤيد بالخبر السابع عشر و السادس عشر، بل الاول و الثانى و الخامس بل الثالث، و غير ذلك من الأخبار، منها ما رواه فى البحار فى باب وقت فريضة الظهرين عن قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده عن على بن جعفر عن اخيه قال:
سألته عن وقت الظهر؟ قال: نعم اذا زالت الشمس فقد دخل وقتها، فصل اذا شئت بعد ان تفرغ من تسبيحتك(1) و سألته عن وقت العصر متى هو؟ قال:
اذا زالت الشمس قدمين صليت الظهر و السبحة بعد الظهر، فصل العصر اذا شئت.
ص: 227
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (ع) قال: اذا زالت الشمس دخل وقت الصلوتين الظهر و العصر، و ليس يمنع من صلوة العصر بعد صلوة الظهر الاقضاء السبحة التى بعد الظهر و قبل العصر، فإن شاء طول الى ان يمضى قدمان و ان شاء قصر.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم عن الهداية قال قال الصادق (ع):
ما يأمن احدكم الحدث فى ترك الصلوة و قد دخل وقتها و هو فارغ، فأول وقت الظهر من زوال الشمس الى ان تمضى قدمان، و وقت العصر من حين تمضى قدمان من زوال الشمس الى ان تغيب الشمس، و قال: فضل الوقت الاول على الآخر كفضل الآخرة على الدنيا، و يدل على ذلك ايضا جملة من الاخبار الواردة فى نزول جبرئيل (ع) بالاوقات و قد تقدمت فى الخبر الثانى عشر المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: المقصد الثانى فى اوقاتها، و هذه الأخبار التى اشرنا اليها و ان كان فى دلالة جملة منها مناقشة، و لكن الظاهر من مجموعها بعد ضم بعضها الى ما ذكرناه، نعم ربما ينكر هذا الجمع الخبر السادس، و ما رواه فى البحار فى باب وقت فريضه الظهرين عن منتهى المطلب انه قال: روى ابن بابويه فى كتاب مدينة العلم فى الصحيح عن الحسن بن على الوشاء قال سمعت الرضا عليه السلام يقول: كان ابى ربما صلى الظهر على خمسة اقدام، و لكن الجواب عن الاخير بحيث لا ينافى ما ذكرناه واضح.
و اما عن الأول فيمكن ان المستفاد منه و من الخبر السابع مضى وقت فضيلة الظهر بمضى الاربعة اقدام، و هذا لا ينافى جملة من الأخبار المتقدمة، لجواز ان يكون للظهر وقتا فضيلة على سبيل الترتيب فى الافضلية، اما الخبران المرويان فى التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات عن ابى بصير، المشتملان على قول الصادق (ع): الصلوة فى الحضر ثمانى ركعات اذا زالت الشمس ما بينك و بين ان يذهب ثلث القامة، فاذا ذهب ثلثا القامة بدات بالفريضة، فما فاتها غير ظاهرة لما تقدم اليه الاشارة.
ص: 228
اذا عرفت تعيين الوقت الأول بما ذكرناه من الأدلة، و عرفت احتجاج المشهور و ضعفه، فاعلم انه نقل عن الشيخ فى الخلاف الاحتجاج على ما ذهب اليه من انتهاء وقت الاختيار بصيرورة ظل كل شىء مثله، بوجوه:
الأول: ان الاجماع منعقد على ان ذلك اول وقت الظهر، و ليس على ما زاد عليه دليل، و فيه نظر، لانا قد بينا الادلة الدالة على كون الزايد وقتا، فى التذنيب المتقدم فى شرح قول المصنف: المقصد الثانى فى اوقاتها، بما لا مزيد عليه.
الثانى: الخبر الرابع و اجيب بمنع الدلالة على المدعى، بل هو بالدلالة على نقيضه اشبه، لأن امره (ع) بالصلوة بعد المثل يدل على عدم خروجه.
أقول قد عرفت ما هو الظاهر عندنا، من معنى الخبر من الحمل على التقية او الابراد، فلا يصح التمسك به.
الثالث: الخبر الأول و الثانى و الخامس و رواية ابن وهب المتقدمة فى الخبر الثانى عشر المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: المقصد الثانى فى اوقاتها، و الجواب هو ما عرفت سابقا فلا نعيده.
و للشيخ على ما ذهب اليه فى بعض كتبه، و نسبه الى الرواية فى بعض آخر، من انتهاء الوقت باربعة اقدام، وجهان:
الأول: الخبر السادس، قال الشارح المحقق: و الجواب الطعن فى السند لجهالة ابراهيم الكرخى، مع ان ظاهر قوله (ع): آخر وقت الظهر هو اول وقت العصر، خلاف ما اتفق عليه الاصحاب، سلمنا لكن يحمل على وقت الفضيلة، و لعل فى قوله: و ان كان تعمد ذلك ليخالف السنة و الوقت، اشعار بذلك، و حينئذ فالمراد بقوله: آخر وقت الظهر اول وقت العصر، ان آخر وقت فضيلة الظهر اول الوقت المختص بالعصر من غير مشاركة الظهر باعتبار الفضيلة انتهى.
أقول: بعضهم حكم بحسن حال ابراهيم، و يروى عنه ابن ابى عمير فى الصحيح، و كيف كان فالرواية محمولة على الفضيلة، لما قدمنا من الادلة الدالة
ص: 229
على امتداد بقوله مطلق.
الثانى: الخبر السابع، و اجاب عنه المصنف رحمه الله بوجوه ثلاثة:
الأول: ضعف السند، لأن الفضل واقفى و فيه نظر لأن الموثق على الاقوى حجة.
الثانى: انها منفية بالاجماع، اذ لا خلاف بيننا ان آخر وقت الظهر بعد ما مضى من الوقت اربعة اقدام، لم يجب عليها صلوة الظهر، فادعاء الاجماع مع مخالفة الشيخ محل تأمل انتهى، و فيه نظر.
الثالث: انه علق الحكم على الطهارة بعد اربعة الاقدام، فيحمل على انه اراد بذلك ما اذا خلص الوقت للعصر، و لا يخفى بعد هذا التأويل و اوسط الوجوه اوسطها، فعليه فالمراد من وقت الظهر هو وقت الفضيلة، كما تقدم اليه الاشارة.
و قد اجاب بعضهم بانه معارضة بموثقة عبد الله بن سنان، و هى ما رواه التهذيب فى باب الحيض فى الزيادات عنه عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر و العصر الحديث.
و فى معنى هذه الرواية ما رواه التهذيب ايضا فى المكان المتقدم عن ابى الصباح الكنانى عن الصادق، و عن داود الزجاجى عن الباقر (ع)، و عن عمر بن حنظلة عن الشيخ، قال ذلك البعض: و هى اى موثقة ابن سنان اوضح سندا، اذ ليس فى طريقها من يتوقف فيه، الا على بن الحسن بن فضال، و قال النجاشى فى تعريفه انه كان فقيه اصحابنا بالكوفه و وجههم و ثقتهم و عارفهم بالحديث المسموع قوله فيه، سمع منه شيئا كثيرا و لم نعثر على زلة فيه، قال الشارح المحقق رحمه الله بعد نقل ذلك فى جملة كلام له: و التحقيق انه وقع التعارض بين رواية الفضل و رواية ابن سنان، و يمكن الجمع بينهما اما بحمل الاولى على التقية، و اما بحمل الثانية على الاستحباب، و يؤيد رواية الفضل حسنه معمر بن يحيى و موثقة محمد بن مسلم ثم نقل الروايتين اللتين قد نقلناهما فى شرح قول المصنف
ص: 230
رحمه الله: ثم تشترك مع العصر الى ان يبقى للغروب، الى آخره.
و قال الشيخ فى التهذيب و الاستبصار: حمل تلك الروايات اى رواية عبد الله بن سنان و ما فى معناها على الاستحباب، و على هذا فالمراد بالعصر فى خبرى معمر بن يحيى و محمد بن مسلم، الوقت المختص بالعصر على جهة الفضيلة و الاختيار، و هو ما بعد اربعة اقدام على احد قولى الشيخ و هذا الوجه فى طريق الجمع حسن، ان رأينا حجية رواية الفضل، لان حملها على التقية بعيد، اذ لم يظهر موافقة العامة لمدلولها، بل المشتهر بينهم خلافا، و ان قدحنا فى حجية الرواية المذكورة كان التعويل على رواية ابن سنان، لاعتضادها بالآية و بالأخبار الكثيرة و بالشهرة و لما دل على وجوب الصلوات على المكلفين خرج عنه الحايض فى زمان حيضها فيبقى غيرها داخلا فى التكليف، و على هذا فالمراد بالعصر فى خبرى معمر و محمد بن مسلم الوقت المختص بالعصر و الظاهر عندى حجية الرواية المذكورة و صحة التعويل عليها، و على كل تقدير فالرواية مختصة بالحايض، فلا يعم غيرها، و حينئذ فالمراد بقوله: وقت الظهر دخل عليها و هى حايض، وقت الفضيلة لا الاجزاء، و حينئذ يظهر من هذه الرواية و من رواية ابراهيم الكرخى، ان للظهر وقتى فضيلة على سبيل الترتيب فى الأفضلية.
و قال بعض الأجلاء فى جملة كلام له: نعم يبقى الاشكال فى الرواية المذكورة اى الخبر السابع، من حيث دلالتها على خروج وقت الظهر فى الحيض بعد الأربعة اقدام، و العلاّمة قد ادعى الاجماع على ان آخر وقت الظهر للمعذور قبل الغروب بمقدار العصر، و به طعن فى هذه الرواية و تنظر فيه بعضهم بان الشيخ رحمه الله صرح فى التهذيب و الاستبصار بان الحايض اذا طهرت بعد ما مضى من الوقت اربعة اقدام، لم يجب عليها صلوة الظهر، فادعاء الاجماع على خلافه مع مخالفة الشيخ محل تأمل.
أقول و مما يدل على ما دلت عليه الرواية المذكورة من الحكم المذكور، حسنة
ص: 231
معمر بن يحيى و موثقة محمد بن مسلم، ثم نقل الروايتين المتقدمتين، و قال: الا انه يمكن حمل هاتين الروايتين على الوقت المختص بالعصر، فلا يكون سبيلهما سبيل تلك الرواية، و بالجملة فان رواية الكرخى لا اشكال فيها، و انما الاشكال فى رواية الفضل بن يونس، لما دلت عليه من ان اول وقت الظهر انما هو مضى الاربعة اقدام، و بعده يخرج حتى بالنسبة الى ذوى الاعذار كالحيض، و لا يحضرنى فى ذلك محمل غير التقية، و به صرح الفاضل الخراسانى فى الذخيرة و زاد مع ذلك احتمال حمل رواية ابن سنان على الاستحباب، و الاظهر هو العمل برواية ابن سنان لاعتضادها بالأخبار المستفيضة، الدالة على وجوب الصلوة و اختلاف الوقت، سيما لذوى الاعذار الى الغروب، و حمل تلك الرواية على التقية و ان لم يعلم بها الآن قائل منهم، لما قدّمناه فى المقدمة من مقدمات الكتاب من انه لا يشترط فى الحمل عليها وجود قائل منهم، و لما علم من الأخبار من انه لا منشأ للاختلاف فى اخبارنا الا التقية، و لما تطابقت فتوى علمائنا و تظافرت اخبارنا بما دلت عليه رواية ابن سنان، وجب حمل ما يخالفها على ذلك.
و اما ما ذهب اليه الشيخ رحمه الله بما قدمنا نقله عنه، من العمل بالرواية المذكورة، فهو مما لا يلتفت اليه فى معارضة الأخبار المشار اليها المعتضدة بعمل الطائفة قديما و حديثا، و منهم الشيخ فى غير الكتابين المذكورين، انتهى.
أقول: و العجب من الأشخاص العاملين بالموثقات الغير العاملين بالاجماعات المحكية كالشهرة، كيف لم يجمعوا بين الخبرين المتعارضين المتقدم اليهما الاشارة ؟ بحمل مطلقهما على مقيدهما، و كيف كان فالظاهر عندى هو العمل برواية ابن سنان المتقدمة، و حمل الوقت المشتمل عليه الخبر السابع على الفضيلة لما تقدم من الأدلة الدالة على الامتداد مطلقا، مضافا الى الاجماع المحكى هنا فى كلام المصنف رحمه الله، الدال على بقاء وقت المعذور الى قبل الغروب بمقدار العصر، و مخالفة الشيخ فى خصوص الحايض غير ضايرة لوجوه عديدة، فظهر بما ذكر ان الخبر السابع لنا لا علينا كما تقدم اليه الاشارة
ص: 232
و اشتماله على ما لا نقول به غير ضاير لأنه كالعام المخصص فيما بقى حجة.
فإن قلت: اذا عملت باطلاق رواية عبد الله بن سنان، فباى طريق تجمع بينها و بين هذا الخبر؟ قلت: لم يقم دليل على وجوب الجمع، فالحوالة الى قائله (ع) اولى، و اما حمله على التقية التى ذكره بعض الاجلاء، فلى فيه توقف لعدم ظهور قائل منهم، نعم لو لم نشترط فى الحمل عليها وجود قائل منهم، لكان ذلك الحمل متعينا و لكن قد عرفت ان لى فيه تأملا و توقفا.
و لا بأس ببسط الكلام فى هذا المقام لكثرة الفوائد المرتبة عليه، فنقول:
المعروف من الأصحاب قديما و حديثا على الظاهر المصرح به فى كلام بعض المحققين ان كون الحكم تقية، انما هو اذا كان موافقا لمذهب العامة كلهم او بعضهم، و خالف فى ذلك بعض الأخباريين فجوز كونه تقية، و ان لم يكن موافقا لمذهب احد من العامة، بل بمجرد تكثير المذاهب فى الشيعة كى لا يعرفوا فيؤخذوا و يقتلوا.
و للأخير جملة من الأخبار، و قد أشار اليها بعض الأجلاء، قال فى جملة كلام له: فصاروا محافظة لانفسهم و شيعتهم يخالفون بين الأحكام و ان لم يحضره احد من اولئك الأنام، فتراهم يجيبون فى المسئلة الواحدة باجوبة متعددة و ان لم يكن فيها قائل من المخالفين، كما هو ظاهر لمن تتبع قصصهم و اخبارهم و تحرّى سيرهم و آثارهم، و حيث ان اصحابنا رضوان الله عليهم خصوا الحمل على التقية بوجود قائل من العامة، و هو خلاف ما أدى اليه الفهم الكليل و الفكر العليل من اخبارهم (ص)، رأينا ان نبسط الكلام بنقل جملة من الأخبار الدالة على ذلك، لئلا يحملنا الناظر على مخالفة الأصحاب من غير دليل و ينسبنا الى الضلال و التضليل.
فمن ذلك ما رواه فى الكافى فى الموثق عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال:
سألته عن مسئلة فأجابنى فيها، ثم جاء رجل آخر فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابنى، ثم جاء آخر فأجاب بخلاف ما اجابنى و أجاب صاحبى، فلما خرج
ص: 233
الرجلان قلت: يابن رسول الله رجلان من اهل العراق من شيعتكم، قد ما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما اجبت به صاحبه! فقال: يا زرارة ان هذا خير لنا و لكم، فلو اجتمعتم على امر لصدقكم الناس علينا و لكان اقل لبقائنا و بقائكم، قال ثم قلت لأبى عبد الله (ع): شيعتكم لو حملتموهم على الاسنة او على النار لمضوا، و هم يخرجون من عندكم مختلفين، قال: فأجابنى بمثل جواب أبيه.
و من ذلك ما رواه الشيخ فى التهذيب فى الصحيح على الظاهر عن سالم ابى خديجة عن ابى عبد الله (ع)، قال: سأله انسان و أنا حاضر فقال: ربما دخلت المسجد و بعض اصحابنا يصلى العصر و بعضهم يصلى الظهر، فقال:
انا امرتهم بهذا، لو صلوا على وقت واحد لعرفوا فأخذوا برقابهم.
و ما رواه الشيخ فى كتاب العدة مرسلا عن الصادق (ع) انه سئل عن اختلاف اصحابنا فى المواقيت، فقال: انا خالفت بينهم.
و ما رواه فى الاحتجاج بسنده فيه عن حريز عن ابى عبد الله (ع) قال قلت له: انه ليس شىء اشد على من اختلاف اصحابنا، قال ذلك من قبلى.
و ما رواه فى كتاب معانى الأخبار عن الخزاز عمن حدثه عن ابى الحسن عليه السلام قال: اختلاف اصحابى لكم رحمة، و قال اذا كان ذلك جمعتكم على امر واحد، و سئل عن اختلاف اصحابنا فقال: انا فعلت ذلك بكم، و لو اجتمعتم على امر واحد لاخذ برقابكم.
و ما رواه فى الكافى بسنده فيه عن موسى بن اشيم قال: كنت عند ابى عبد الله (ع) فسأله رجل عن آية من كتاب الله فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما اخبر به الاول، فدخلنى فى ذلك ما شاء الله الى ان قال: فبينما انا كذلك اذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما اخبرنى و اخبر صاحبى، فسكنت نفسى و علمت ان ذلك منه تقية، قال ثم التفت الى و قال: يابن اشيم ان الله فوض الى سليمان بن داود، فقال: هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب، و فوض الى نبيه (ص) فقال: ما أتاكم
ص: 234
الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا، فما فوض الى رسول الله (ص) فقد فوض الينا.
الأول: ان الحكم اذا لم يكن موافقا لمذهب احد من العامة يكون رشدا و صوابا، لما ورد فى الأخبار ان الرشد فى خلافهم، فما لم يذهبوا اليه كيف هذا تقية ؟ لان المراد من الرشد و الصواب، ما هو فى الواقع رشد و صواب لا من جهة التقية و دفع الضرر، و الا فجميع ما ذهب اليه العامة يصير رشد او صوابا، و ايضا اذا كان رشدا، فلم حكمت بانه تقية مخالف لمذهب الشيعة.
الثانى: انه غير خفى على من له ادنى اطلاع و تأمل، ان العامة بأدنى شىء كانوا يتهمون الشيعة بالرفض، و اذيتهم انما كانت بالتهمة غالبا، و هذه كانت طريقتهم المشتهرة فى الأعصار و الأمصار، فكيف يكون الحال اذا رأوا انهم يفعلون فعلا لا يوافق مذهبا من مذاهبهم و لا يقول به احد منهم، اذ لا شبهة فى انهم كانوا يتهمون، مع ان مذهب مالك رئيسهم الاقدم الاعظم فى ذلك الزمان و غيره، و الأئمة كانوا يأمرون بمثل التكتف و ادون منه كما لا يخفى على متتبع الأخبار، و كانوا يبالغون فى احترازهم مع اسباب التهمة، فكيف كانوا يأمرون بما لم يوافق مذهبا من مذاهبهم حال التقية ؟ بل غير خفى ان العامة ما كانوا مطلعين بمذهب الشيعة فى ذلك الزمان من الخارج الا نادرا، و كانوا كلما يرون مخالفا لمذهبهم يعتقدون ان مذهب الشيعة و يبادرون بالاذية، و ما كانوا يصبرون الى ان يروا ما يخالف ذلك منه او من غيره من الشيعة، مع ان رواية من غيره كيف تنفع ؟ هذا سيما اذا كان موافقا لمذهب اهل السنة كلهم او بعضهم بل لو كان الكل مخالفا لمذهبهم و رواه منه لا ينفع لان الكل خلاف الحق عندهم و هم ربما كانوا يؤذون من هو سيّئ عندهم جزما بمخالفته للحق، فكيف غيره ؟
الثالث: ان الحق عندنا واحد و الباقى باطل، و ما ذا بعد الحق الا الضلال ؟ و فى المثل الكفر ملة واحدة، فاى داع الى مخالفة التقية و ارتكاب
ص: 235
الخطر الذى هو اعظم الاجل بتحقق التقية التى هى اخف و اسهل فتأمل.
الرابع: ان التقية اعتبرت لاجل ترجيح الخبر الذى هو الحق على الذى ليس بحق و رشد، على ما يظهر من الأخبار و ما عليه الفقهاء فى الاعصار و الامصار، و هذا الفاضل المتوهم ايضا اعتبر ما ادعاه من التقية التى توهمها لاجل الترجيح و بنى عليه المسئلة الفقهية، فاذا لم يكن موافقا لمذهب احد من العامة فباى نحو يعرف انه هو التقية حتى يعتبر فى مقام التراجيح، و يقال ان معارضته حق و مذهب الشيعة.
فأن قلت: اذا راينا المعارض مشهورا بين الاصحاب، يحصل الظن بانه مذهب الشيعة.
قلت: على تقدير التسليم يكفى مجرد الشهرة، فلا حاجة الى اعتبار التقية، لأن الفرض ظهور مذهب الشيعة، و الشهرة مرجح على حده، فعلى هذا لو لم يوجه الخبر الذى توهم منه ما توهم لا يضر فتأمل انتهى، ما افاده بعض المحققين فى هذا المقام.
أقول: المذكورات و ان كانت غير خالية عن مناقشة سيما بعضها، و لكنها معاضدة بأنه لا ريب انه يحصل للطبع منافرة ما اذا لاحظ الخلافات الوارده، فلا يميل المخالف الى قبول المذهب، فلذا يحكى ان ابا الحسين الهروى العلوى، رجع عن الحق و ترك المذهب لما راى اختلاف الاحاديث، نعم رواياتهم سلام اللّه عليهم الموافقة لمذهب العامة كلا او بعضا خارجة عن ذلك و موافقة لما يحكم به العقل، كما يظهر وجهه من الروايات المتقدمة، و فيه نظر يظهر وجهه من النظر الى ديباجة التهذيب، عند ذكر رجوع ابى الحسين المتقدم، و الانصاف ان المسئلة محل اشكال، و للتوقف فيها مجال.
و كيف كان فالعمل انما هو على رواية ابن سنان كما مضى، و احتج المصنف رحمه الله فى المختلف للمفيد بالخبر الثامن و التاسع، و اجاب بعض المتأخرين بمنع دلالة الروايتين على خروج وقت الظهر بذلك، بل مقتضى صحيحة زرارة
ص: 236
عن ابى جعفر (ع) استحباب تأخير الظهر الى ان يصير الفئ على قدمين من الزوال، فإنه قال: ان حايط مسجد رسول اللّه (ص) كان قامة و كان اذا مضى الى آخره، و الظاهر ان ذلك هو مراد المفيد و ان كان عبارته مجملة، و هو الذى فهمه الشيخ فى التهذيب فإنه قال بعد نقل كلامه: وقت الظهر على ثلاثة اضرب، من لم يصل شيئا من النوافل و وقته حين تزول الشمس بلا تأخير، و من صلى النافلة فوقتها حين صارت قدمين او سبعين او ما اشبه ذلك، و وقت المضطر تمتد الى اصفرار الشمس، و بالجملة فالقول بخروج وقت الظهر بصيرورة الفئ على قدمين مقطوع بفساده.
و احتج فى المختلف لأبن ابى عقيل بالخبر الثامن، و ما رواه محمد بن حكيم قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: القامة هى الذراع، و قال له ابو بصير: كم القامة ؟ فقال: ذراع، ان قامة رحل رسول الله كانت ذراعا.
أقول: و الظاهر انه قد اسقط فى البين شىء، و المنظور هو الخبر الخامس المفسّر بالخبر الثانى عشر، و أجيب عن هذا الاستدلال أيضا بما يرجع الى ما قدمناه عن بعضهم فى الجواب عن كلام المفيد، فصار فذلكة الكلام فى هذا الوقت ان الوقت الأول للظهر يخرج بمضى الاربعة اقدام لرواية الكرخى و الفضل بن يونس، هذا اذا كان ممن يتنفل، و الا فالوقت الأول من الزوال الى مضى القدمين او الاربعة على احتمال، كما تقدم الادلة الدالة.
هو ان الافضل ايقاع الفريضة بعد الفراغ من النافلة، و ان كان قبل بلوغ القدمين و الاربعة، و مقتضى اخبار الاقدام و الاذرع هو تأخير الفريضة الى تام القدمين و الاربعة، و ان كان قد فرغ قبل ذلك فى الجمع بينهما لا يخلو عن اشكال.
و عن المحقق الشيخ حسن فى كتاب المنتقى الميل الى العمل باخبار التحديد بالاقدام و الاذرع، و ان الافضل عنده تأخير الفريضة، و ان اتم النافلة الى القدم
ص: 237
الثالث.
و الخامس كما عن الاسكافى ايضا قال طاب ثراه فى الكتاب المذكور بعد ذكر الأخبار المشار اليها: اذا تبين ان المراد من التقدير بالذراع و الذراعين ما قد علم، و كذا من القدمين و الاربع، فيردّ عليهما مع ساير ما فى معناهما، ان الأخبار الكثيرة المتضمنة لدخول الوقت بزوال الشمس، لتعارضها و خصوصا حديث محمد بن يحيى السابق، حيث نفى اعتبار القدم و القدمين من ذلك، و كذلك الأخبار الدالة على ترجيح اول الوقت مطلقا.
و يجاب بأن المراد من الوقت الداخل بزوال الشمس وقت الاجزاء، و ما بعد القدم و القدمين وقت الفضيلة فى الجملة، و قد وقع التصريح بهذا فى بعض الأخبار السابقة، فاذا ثبت ذلك حمل الأخبار الواردة برجحان اول الوقت على ارادة الأول ما بعد دخول وقت الفضيلة، لا من ابتداء الوقت، فيبقى الكلام فى الجزء النافى لاعتبار القدم و القدمين، و قد ذكر الشيخ رحمه الله انه انما نفى ذلك لئلا يظن انه وقت لا يجوز غيره، و هو متجه، و يحتمل ان يكون ايضا واردة على جهة التقية، لما هو معروف من حال اكثر اهل الخلاف فى انكار ذلك و العمل بخلافه، انتهى.
أقول: و فيه نظر:
اما اولا فلانه من الظواهر ان المراد بالوقت الأول للظهرين، فى الأخبار الدالة على ان لكلّ صلوة وقتين و اول الوقت افضله، ما بعد الزوال لا ما بعد الذراع.
و اما ثانيا فللأخبار الدالة على استحباب مزاحمة الفريضة فى الذراع و الذراعين، و منها الخبر السادس و العشرون و الاربعون و الحادى و الثلاثون، و منها ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات عن ذريح المحاربى عن ابى عبد اللّه (ع) قال: سأل ابا عبد الله (ع) اناس و انا حاضر، فقال: اذا زالت الشمس فهو وقت لا يحبسك فيها الا سبحتك تطيلها او تقتصرها، فقال
ص: 238
بعض القوم: انا نصلى الاولى اذا كانت على قدمين، و العصر على اربعة اقدام، فقال ابو عبد الله (ع): النصف من ذلك احب الى.
و ما رواه فى البحار فى باب وقت صلوة الظهرين عن كتاب محمد بن المثنى عن جعفر بن محمد بن شريح عن ذريح المحاربى، انه كان جالسا عند ابى عبد الله (ع) فدخل عليه زرارة بن اعين، فقال: يا ابا عبد الله انى اصلى الاولى اذا كان الظل قدمين، ثم اصلى العصر اذا كان الظل اربعة اقدام، فقال ابو عبد الله (ع): ان الوقت فى النصف مما ذكرت، انى قدرت لمولّيى جريده فليس يخفى عليهم الوقت.
و بالجملة الأخبار الدالة على فساد هذا القول كثيرة، بحيث لو اردنا ان نذكرها ليطول المقام جدا، و منها الخبر الثامن و الرابع عشر و السادس و العشرون و السابع و العشرون و السادس و الاربعون و التاسع و الاربعون و الخمسون، المتقدم كلها فى التذنيب الواقع فى شرح قول المصنف رحمه الله:
المقصد الثانى فى اوقاتها.
و الحاصل ان من استقصى الأخبار الواردة فى بحث مواقيت الكتب الاربعة و البحار، يقطع بفساد هذا القول بلا شك.
قال بعض الاجلاء: ما نقله هذا الفاضل عن الشيخ فى معنى رواية محمد بن احمد بن يحيى و استوجهه، فهو بعيد غاية البعد، و انما المعنى فيها و المراد منها هو انه لما كان سؤال السائل يعطى انه فهم من هذه الأخبار كما فهمه هذا المحقق و غيره ممن تقدم ايضا، كما اشارت اليه رواية عبد الله بن محمد المتقدمة، من ان اول وقت فضيلة الظهر انما هو بعد مضى المدة المذكورة، كما ينادى به ظاهر تلك الأخبار، نفاه (ع) فى هذا الخبر و جعل الفضيلة بعد الفراغ من النافلة طالت او قصرت، و فيه اشارة الى انه ليس الغرض من التحديد بالذراع و الذراعين ما توهمه السائل مما ذكرنا، و انما الغرض من ذلك ما ذكره (ع) فى جملة من الأخبار، من بيان الوقت الذى يختص به النافلة بحيث لا يجوز الاتيان
ص: 239
بها، هذا هو ظاهر معنى الرواية المذكورة.
و اما ما احتمله على التقية، باعتبار ان العامة لا يقولون بالاقدام، ففيه ايضا ان العامة لا يقولون بما افتى به (ع) فى الرواية من تعجيل الصلوتين فى أقل من مقدار الاقدام المذكورة، فانهم يعتبرون التفريق بين الفرضين فى المثل و المثلين كما هو الان معمول عليه بينهم، انتهى.
و بعض افاضل متأخرى المتأخرين قد رجح العمل بالأخبار الأخر الدالة على التحديد بالنافلة، و تأول الأخبار الدالة على التحديد بالاقدام، فحمل اخبار الرسول (ص) الدالة على ظاهرا على تأخيره الصلوة الى مضى القدر المذكور فى تلك الاخبار، على استيعاب الوقت بالنافلة و الاطالة فيها لغرض انتظار حصول الجماعة، او انه يفرغ قبل ذلك و لكنه اجتماع الناس بهذا المقدار، او ينتظر فراغ الجماعة من النوافل بهذا المقدار.
أقول: ربما يستفاد من بعض الأخبار ان المسارعة بالفريضة فى اول وقتها، أفضل من انتظار الاجتماع، و هو ما رواه فى البحار فى باب الحث على المحافظة على الصلوات، عن القطب الراوندى و كتاب الخرايج و الجرايح عن ابراهيم بن موسى القزاز قال: خرج الرضا (ع) يستقبل بعض الطالبين، و جاء وقت الصلوة فمال الى قصر هناك، فنزل تحت صخرة، فقال: اذّن، فقلت: تنتظر يلحق بنا اصحابنا، فقال: غفر الله لك لا تؤخرن صلوة عن اول وقتها الى آخر وقتها من غير علة عليك، ابدا باوّل الوقت، فاذنت و صلينا.
قال المحقق المجلسى رحمه الله فى ذيل هذا الخبر: يدل على انه لا ينبغى التأخير لانتظار الرفقة للجماعة ايضا، و قال طاب ثراه فى باب الحث على المحافظة على الصلوات بعد نقل خبر ما صورته: يدل على افضلية اول الوقت مطلقا و استثنى منه مواضع:
الاول: تأخير الظهر و العصر للمتنفل بمقدار ما يصلى النافلة، و اما غير المتنفل فاول الوقت له افضل، هذا هو المشهور بين الأصحاب، و ذهب بعض
ص: 240
المتأخرين الى استحباب تأخير الظهر مقدار ما يمضى من اول الزوال ذراع من الظل، و فى العصر ذراعان مطلقا، و قيل الى ان يصير ظل كل شىء مثله، و الاول اظهر، و ما ورد من الاخبار بان النبى (ص) كان يصلى الظهر على ذراع و العصر على ذراعين، محمول على انه (ص) كان يطيل النوافل بحيث يفرغ فى ذلك الوقت، او كان ينتظر الجماعة و اجتماع الناس، و ما ورد ان وقت الظهر على ذراع و ما يقرب منه، فمحمول على الوقت المختص الذى لا يشترك النافلة معها فيه و كذا المثل، انتهى.
أقول و كيف كان فالذى يظهر عندى هو ترجيح الأخبار الدالة على التحديد بالنافلة، لاعتضادها بما تقدم اليه الاشارة، و من ذلك الاخبار الدالة على فضيلة التخفيف فى النافلة و مزاحمة الفريضة لها فى ذلك المقدار، كالأخبار الدالة على فضيلة ما قرب من الزوال، هذا مضافا الى اعتضادها بعمل الأصحاب قديما و حديثا على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، بل نقف على قائل يقول بترجيح اخبار الاقدام سوى المحقق المذكور و الاسكافى، و سيأتى فى التذنيب الواقع فى الأمر الثانى ما له دخل تام فى المقام فانتظر.
لو قلنا بمقالة المشهور من امتداد فضيلة الظهرين الى المثل و المثلين، فهل المماثلة بين ظل الشاخص الحادث من الزوال و بين قامة الشاخص او هى بينه و بين الظل الاول، و هو الباقى منه عند الزوال ؟ ذهب الاكثر على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر الى الاول، و اختار التهذيب الثانى، و تبعه المحقق فى الشرايع، و استدل للاول بالخبر الرابع و الاول و الثانى و الثالث كالخبر الرابع عشر المتقدم فى اوائل المقصد و هو خبر المجالس، و استدل للثانى بالخبر الحادى و الاربعين، ورد الأخير جماعة من المتأخرين بضعف الاسناد و الدلالة.
قال فى الحبل المتين فى جملة كلام له: و بما تقرر من اختلاف الظل طولا و قصرا عند الزوال، يظهر ان ما ذهب اليه الشيخ فى التهذيب من ان المماثلة
ص: 241
انما هى بين الفئ الزايد، و الظل الأول الباقى حين الزوال، لا بينه و بين الشخص ليس ما ينبغى، فانه يقتضى اختلافا فاحشا فى الوقت، بل يقتضى التكليف بعباده يقصر عنها الوقت، كما اذا كان الباقى شيئا يسيرا جدا، بل يستلزم الخلو عن التوقيت فى اليوم الذى تسامت الشمس فيه رأس الشخص لانعدام الظل الأول حينئذ.
و اما الرواية التى استدل بها - قدس سره - و هى رواية صالح بن سعيد عن يونس عن بعض رجاله عن ابى عبد الله (ع)، فضعيفة السند متهافتة المتن قاصرة الدلالة، فلا تعويل عليها اصلا، و المحقق فى الشرايع و افق الشيخ على ان المماثلة بين الفئ و الظل الأول، و جعل بينه و بين الشاخص قولا، و هو كما ترى، اللهم الا ان يخصّ ببعض البقاع و الازمان مع ضعفها، و قال فى المدارك: و هذه الرواية ضعيفة بالارسال و جهالة صالح بن سعيد و متنها متهافت مضطرب لا يدل على المطلق، و ايضا فان قدر الظل الأول غير منضبط و قد ينعدم فى بعض الاوقات، فلو نيط الوقت به لزم التكليف بعبادة موقته فى غير وقت، او فى وقت يقصر عنها، و هو معلوم البطلان، انتهى.
أقول و المشهور هو الاظهر، نعم يمكن ان يقال: ان المتبادر من جملة من الأخبار التى استدل بها للمشهور، هو اعتبار المماثلة بين الشاخص و بين مجموع ما كان باقيا حين الزوال و ما حدث بعده، و لكن ينفيه الخبر الاول لمكان قوله الى ان يذهب الظل قامة، بناء على ما فهمه المشهور من ان المراد بالقامة قامة الشاخص، و به صرح فى الحبل المتين قال: و اما انتهاء الوقت الاول بمماثلة الفئ لقامة الشخص، فقد يستدل عليه بالحديث الثامن و العاشر، و عنى بهما الخبر الأول و الثانى قال: اذ الظاهر ان قوله (ع): الى ان يذهب الظل بمعنى ان يزيد، و ان قوله (ع): قامة للظهر، المراد به ان ما بين الزوال الى زيادة الظل بمقدار قامة الشخص وقت للظهر، و ليس المراد بالظل مجموع ما كان باقيا حين الزوال و ما حدث بعده، فإن الذى يبقى عند الزوال مختلف فى
ص: 242
فى البلدان، بل فى البلد الواحد باختلاف الفصول، ففى الصيف قد يكون شيئا يسيرا اقل من عشر الشاخص بكثير، بل يعدم، و فى الشتاء قد يكون مساويا للشاخص بل قد يكون ازيد منه بكثير على ما يقتضيه اختلاف البلدان فى العرض، فكيف يستقيم التحديد؟ و فى بعض الأخبار تصريح بهذا الاختلاف، كما فى الحديث الذى رواه عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) قال: تزول الشمس فى النصف من حزيران على نصف قدم الحديث، و قد تقدم فى بيان استعلام الزوال.
قال بعض الاجلاء بعد نقل الخبر الحادى و الاربعين فى جملة كلام له: و جملة من متأخرى المتأخرين قد تصد و التصحيح معناه و تكلفو التشييد مبناه، كالمحدث الكاشانى فى الوافى، و لا باس بنقل كلامه فى المقام فانه جيد ينجلى به غشاوة الابهام عن بعض موضع الخبر، و ان بقى الباقى فى الاكمال، قال قدس سرّه بعد ذكر الخبر المذكور: لا بد من تمهيد مقدمة ينكشف بها نقاب الارتياب عن هذا الحديث، و من ساير الاحاديث التى نتلوها عليك فى هذا الباب و ما بعده من الابواب، فنقول و باللّه التوفيق: ان الشمس اذا طلعت، ثم ساق الكلام كما تقدم نقله عنه فى ذيل نقل الخبر المتقدم، و قال: ثم ان اشتراك هذه الالفاظ بين هذه المعانى صار سببا لاشتباه الامر فى هذا المقام، حتى ان كثيرا من اصحابنا عدوا هذا الحديث مشكلا لا ينحل، و طائفة منهم عدوه متهافتا ذا خلل، و انت بعد اطلاعك على ما اسلفناه لا احسبك تستريب فى معناها، الا انه لما صار على الفحول خافيا فلا بأس ان نشرحه وافيا، نقابل به الفاظه و عباراته، و نكشف به عن رموزه و اشاراته، فنقول و الهداية من اللّه:
تفسير الحديث على وجهه، و الله اعلم، ان يقال ان مراد السائل انه ما معنى ما جاء فى الحديث من تحديد اول وقت فريضة الظهر و اول فريضة العصر، تارة بصيرورة الظل قامة و قامتين، و اخرى بصيرورته ذراعا و ذراعين، و اخرى
ص: 243
قدما و قدمين، و جاء من هذا القبيل من التحديد مرة و من هذا اخرى، فمتى هذا الوقت الذى يعبر عنه بالفاظ متباينة المعانى ؟ و كيف يصح التعبير عن شىء واحد بمعانى متعددة ؟ مع ان الظل الباقى عند الزوال، قد لا يزيد على نصف القدم، فلا بد من مضى مدة مديدة حتى تصير مثل قامة الشخص، فكيف يصح تحديد اول الوقت بمضى هذه المدة الطويلة من الزوال ؟ فاجاب (ع): بان المراد بالقامة التى يحدبها اول الوقت التى هى بازاء الذراع، ليس هى قامة الشخص الذى هو شىء ثابت غير مختلف، بل المراد به مقدار ظلها الذى يبقى على الارض عند الزوال، الذى يعبر عنه بظل القامة، و هو يختلف بحسب الازمنة و البلاد، مرة يكثر و مرة يقل، و انما يطلق عليه القامة فى زمان يكون مقداره ذراعا، فاذا زاد الفئ اعنى الذى يزيد من الظل بعد الزوال بمقدار ذراع حتى صار مساويا بالظل فهو اول الوقت للظهر، و اذا زاد ذراعين فهو اول الوقت للعصر.
و اما قوله (ع): فاذا كان ظل القامة أقل او أكثر كان الوقت محصورا بالذراع فمعناه أن الوقت حينئذ انما ينضبط بالذراع و الذراعين خاصة دون القامة و القامتين، و اما التحديد بالقدم فأكثر ما جاء فى الحديث فانما جاء بالقدمين و الاربعة اقدام، و هو مساو للتحديد بالذراع و الذراعين، و ما جاء نادرا بالقدم و القدمين فانما اريد بذلك تخفيف النافلة و تعجيل الفريضة طلبا لفضل اول الوقت فالأول، و لعل الامام (ع) انما لم يتعرض للقدم عند تفصيل الجواب و تبيينه، لما استشعر من المسائل عدم اهتمامه بذلك و انه انما كان اكثر اهتمامه بتفسير القامة، و طلب العلة فى تأخير اول الوقت الى ذلك المقدار.
و فى التهذيب فسر القامة فى هذا الخبر بما يبقى عند الزوال من الظل سواء كان ذراعا او اقل او اكثر، و جعل التحديد بصيرورة الفئ الزايد مثل الظل الباقى كائنا ما كان، و اعترض عليه بعض مشائخنا طاب ثراهم بانه يقتضى اختلافا فاحشا فى الوقت، بل يقتضى التكليف بعبادة يقصر عنها الوقت، كما اذا كان الباقى شيئا يسيرا جدا، بل يستلزم الخلو عن التوقيت فى اليوم الذى تسامت فيه الشمس رأس الشخص لانعدام الظل الاول حينئذ و نعنى بالعبادة
ص: 244
النافلة لأن هذا التأخير عن الزوال انما هو للاتيان بها كما ستقف عليه.
أقول: اما الاختلاف الفاحش فغير لازم، و ذلك لأن كل بلد و زمان يكون الظل الباقى شيئا يسيرا، فأنما يزيد الفئ فيه زمان طويل لبطئه حينئذ فى التزايد، و كل بلد و زمان يكون الظل الباقى فيه كثيرا، فانما يزيد الفئ فيه زمان يسير لسرعته فى التزايد حينئذ فلا يتفاوت الامر فى ذلك، و اما انعدام الظل فهو امر نادر و لا يكون الا فى قليل من البلاد، و فى يوم يكون الشمس فيه متسامتة لرؤس اهله لا غير، و لا عبرة بالنادر.
نعم يرد على تفسير صاحب التهذيب امران: احدهما انه غير موافق لقوله (ص): فإذا كان ظل القامة اقل او اكثر كان الوقت محصورا بالذراع و الذراعين، لأنه على تفسيره يكون دائما محصورا بمقدار ظل القامة كائنا ما كان، و الثانى انه غير موافق للتحديد الوارد فى ساير الأخبار المعتبرة المستفيضة كما سياتى ذكرها، بل يخالفه مخالفة شديدة كما يظهر عند الاطلاع عليها و التأمل فيها، و على المعنى الذى فهمناه من الحديث لا يرد عليه من هذه المؤاخذات، الا انه يصير جزئيا مختصا بزمان خاص و مخاطب مخصوص، و لا باس بذلك.
ان قيل: اختلاف النافلة فى الطول و القصر بحسب الازمنة و البلاد، و تفاوت جداول وقتى الفريضتين التابع لذلك لازم على اى التقادير، و لما ذكرت من سرعة تزايد الفئ تارة و بطئه اخرى، فكيف ذلك ؟
قلنا: نعم ذلك كذلك و لا باس بذلك، لأنه تابع لطول اليوم و قصره كساير الاوقات فى الايام و الليالى انتهى كلامه.
قال فى البحار بعد نقل الخبر الثانى و الثلاثين ما صورته: قوله: و آخره ان يبلغ الظل ذراعا، اى و آخر الوقت الذى يمكن تأخير الفريضة فيه للنافلة، و لعلة اخرى كما سياتى تفسيره، و كذا الاربعة الاقدام وقت يجوز تأخير العصر عنه للنافلة و غير ذلك، و لم يذكر آخر وقت الفريضتين هنا، و هذا الخبر مع ما فيه من الاضطراب فى الجملة، قريب مما روى فى الكافى و التهذيب ثم نقل الخبر
ص: 245
الحادى و الأربعين، و قال: و لنمهد لشرح هذا الحديث مقدمة تكشف الغطاء عن وجوه ساير الأخبار الواردة فى هذا المطلب مع اختلافها و تعارضها. اعلم ان الشمس، و ساق كما تقدم نقله عنه فى ذيل الخبر الحادى و الأربعين، و قال:
ثم انه لما كان المشهور بين المخالفين، و ساق كما تقدم نقله عنه فى المقام الثانى الواقع فى ذيل الخبر الحادى و الأربعين، و قال: لنرجع الى حله قوله (ع) ان صل الظهر، لعل ذكر الظهر على المثال و يكون القامتان و الذراعان و القدمان للعصر كما هو ظاهر ساير الأخبار، و يمكن ان يكون وصل اليه الخبر بجميع تلك المقادير فى الظهر، قوله: من هذا؟ بفتح الميم فى الموضعين، اى من صاحب الحكم الأول ؟ و من صاحب الحكم الثانى ؟ او استعمل بمعنى ما، و هو كثيرا و بكسرها فى الموضعين اى سألته من هذا التحديد، و فيه بعد ما قوله و قد يكون الظل، لعل السايل ظن ان المعتبر فى المثل و الذراع و هو مجموع المختلف و الزايد، فقال: قد يكون الظل المختلف نصف قدم، فيلزم ان يؤخر الظهر الى ان يزيد الفئ ستة اقدام و نصفا، و هذا كثير، او انه ظن ان المماثلة انما تكون بين الفئ الزايد و الظل فاستبعد الاختلاف الذى يحصل من ذلك بحسب الفصول، فان الظل المختلف قد يكون فى بعض البلاد و الفصول نصف قدم و قد يكون خمسة اقدام، و حاصل جوابه (ع) ان المعتبر فى ذلك هو الذراع و الذراعان من الفئ الزايد و هو لا يختلف فى الأزمان و الأحوال، ثم بين (ع)، سبب صدور اخبار القامة و القامتين، و منشأ توهم المخالفين و خطائهم فى ذلك فبين ان النبى (ص) كان جدار مسجده قامة و فى وقت كان ظل ذلك الجدار المختلف عند الزوال ذراعا، قال اذا كان الفئ مثل ظل القامة فصلوا الظهر، و اذا كان مثليه فصلوا العصر، او قال مثل القامة، و كان غرضه ظل القامة لقيام القرينه بذلك، فلم يفهم المخالفون ذلك و عملوا بالقامة و القامتين، و اذا قلنا القامة و القامتين تقية، فمرادنا ايضا ذلك، فقوله (ع): متفقين فى كل زمان، يعنى به انا لما فسرنا ظل القامة بالظل الحاصل فى الزمان المخصوص الذى صدر
ص: 246
فيه الحكم عن النبى (ص)، و كان فى ذلك الوقت ذراعا فلا يختلف الحكم باختلاف البلاد و الفصول، و كان اللفظان مفادهما واحدا مفسرا احدهما اى ظل القامة بالاخرى بالذراع.
و اما التحديد بالقدم، فاكثر ما جاء فى الحديث فانما جاء بالقدمين و الاربعة اقدام، و هو مساو للتحديد بالذراع و الذراعين، و ما جاء نادرا بالقدم و القدمين، فانما اريد بذلك تخفيف النافلة و تعجيل الفريضة طلبا لفضل اول الوقت فالاول، و لعل الامام (ع) انما يتعرض للقدم عند تفصيل الجواب و تبيينه لما استشعر من المسائل عدم اهتمامه بذلك، و انه انما كان اكثر اهتمامه بتفسير القامة و طلب العلة فى تأخير اول الوقت الى ذلك المقدار، و ربما يفسر هذا الخبر بوجه آخر، و هو ان السائل ظن ان غرض الامام من قوله: صل الظهر اذا كانت الشمس قامة، ان اول وقت الظهر وقت ينتهى الظل فى النقصان الى قامة او قامتين او قدم او قدمين او ذراع او ذراعين، فقال: كيف تطرد هذه القاعدة ؟ و الحال ان فى بعض البلاد ينتهى النقص الى نصف قدم، فاذا عمل بتلك القواعد يلزم وقوع الفريضة فى هذا الفضل قبل الزوال، فأجاب (ع) بأن المراد بالشمس ظلها الحادث بعد الزوال، بدليل انه قوله (ع): صل الظهر اذا كانت الشمس قامة، يدل على ان هذا الظل يزيد و ينقص فى كل يوم، و اذا كان المراد الظل المتخلف فهو فى كل يوم قدر معين لا يزيد و لا ينقص، ثم حمل كلامه عليه السلام على ان الأصل صيرورة ظل كل شىء مثله، لكن لما كان الشاخص قد يكون بقدر ذراع و قد يكون بقدر ذراعين، او بقدر قدم او قدمين، فلذا قيل:
اذا كان الظل ذراعا، اى فى الشاخص الذى يكون ذراعا، و هكذا و قوله فاذا كان الزمان يكون فيه ظل القامة ذراعا، حمله على ان المعنى انه اذا كان الشاخص ذراعا و كان الظل المتخلف ذراعا، فبعد تلك الذراع بحسب الذراع المقصود، و ان كان المتخلّف اقل من الذراع فبعده بحسب الذراع، و الذراع الذى هو الظل الزايد ذراع ابدا لا يختلف، و انما يختلف ما يضم اليه من الظل المتخلف، و لا
ص: 247
يخفى بعد هذا الوجه، و ظهور ما ذكرنا، على العارف باساليب الكلام المتتبع لأخبار ائمة الانام عليهم السلام.
و فى التهذيب فسر القامة فى هذا الخبر بما يبقى عند الزوال من الظل، سواء كان ذراعا او اقل او اكثر، و جعل التحديد بصيرورة الفئ الزايد مثل الظل الباقى كائنا ما كان، و اعترض عليه بأنه يقتضى اختلافا فاحشا الوقت، بل يقتضى التكليف بعبادة يقصر عنها الوقت اذا كان الباقى شيئا يسيرا جدا، بل يستلزم الخلو عن التوقيت فى اليوم الذى تسامت فيه الشمس رأس الشخص، لانعدام الظل الأول حينئذ و يعنى بالعبادة النافلة، لأن هذا التأخير من الزوال، انما هو للاتيان بها.
أقول: و يرد عليه ايضا أنه يأبى عنه قوله: فاذا كان ظل القامة اقل او اكثر كان الوقت محصورا بالذراع و الذراعين، لأنه على تفسيره يكون محصورا بمقدار ظل القامة كاينا ما كان، و ايضا ينافى ساير الأخبار الواردة فى هذا الباب، و على ما حملنا عليه يكون جامع بين الأخبار المختلفة الواردة فى هذا الباب، و يؤيده ما رواه الشيخ عن الصادق (ع) انه قال له ابو بصير: كم القامة ؟ فقال: ذراع ان قامة رحل رسول الله (ص) كانت ذراعا، و عنه (ع) قال: القامة هى الذراع، و عنه (ع) قال: القامة و القامتين الذراع و الذراعين فى كتاب على عليه السلام، و نصبهما على الحكاية انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
أقول: و حيث عرفت ما هو الظاهر عندنا، فالاطالة فى المقام و التعرض لما يرد على المذكورات من النقص و الابرام، لا فائدة كثيرة فيه.
على الظاهر المصرح به فى التحرير و المنتهى، و النصوص بذلك كثيرة، و قد مضى الى كثير منها الاشارة.
و منها ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الصحيح عن زرارة، قال قلت لأبى جعفر (ع): بين الظهر و العصر حد معروف ؟ فقال:
ص: 248
لا.
قال فى الحبل المتين: قال شيخنا فى الذكرى: ان نفى الحد بينهما يؤيد ان التوقيت للنافلة انتهى و لا باس به انتهى، و سيأتى لذلك زيادة تحقيق فأنتظر.
للنصوص المستفيضه المتقدم الى جملة منها الاشارة، و هو المشهور بين الطائفة كما صرح به بعض الاجلة، و هل يستحب التأخير الى ان يصير الظل اربعة اقدام، او يصير ظل كل شىء مثله ؟ قال فى البحار: فظاهر اكثر الأخبار عدمه كما عرفت، و ذهب اليه جماعة من المحققين، و ذهب المفيد و ابن الجنيد و جماعة الى استحباب التأخير الى ان يخرج فضيلة الظهر و هو المثل او الاقدام، و جزم الشهيد فى الذكرى استحباب التفريق بين الصلوتين، و قد عرفت ان التفريق يتحقق بتوسط النافلة بينهما انتهى.
أقول لا بد اولا من نقل جملة من الأخبار فى المقام، ثم نقل كلام جملة من علمائنا الاعلام، ثم التعرض لما يرد عليها من النقض و الابرام، فنقول: و من جملة تلك الأخبار ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق كالصحيح عن زرارة عن ابى عبد الله (ع)، قال: صلى رسول الله (ص) بالناس الظهر و العصر حين زالت الشمس، فى جماعة من غير علة، و صلى بهم المغرب و العشاء الآخرة قبل الشفق، من غير علة فى جماعة، و انما فعل ذلك رسول الله (ص)، ليتسع الوقت على امته.
و منها ما رواه فى الكافى فى باب الجمع بين الصلوتين عن صفوان الجمال قال: صلى ابو عبد الله (ع) الظهر و العصر عند ما زالت الشمس باذان و اقامتين، و قال: انى على حاجة فتنفلوا.
و منها ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن عباس الناقد قال: تفرق ما كان
ص: 249
فى يدى و تفرق عنى حرفائى، فشكوت ذلك الى ابى عبد الله (ع)، فقال لى:
اجمع بين الصلوتين الظهر و العصر ترى ما تحب.
و هذه الرواية مروية فى الكافى ايضا فى باب الجمع بين الصلوتين، الا انه فيه بدل ابى عبد اللّه (ع) ابى محمد (ع).
و منها ما رواه ايضا فى المكان المتقدم و الكافى فى باب الجمع بين الصلوتين عن محمد بن حكيم عن ابى الحسن (ع)، قال: سمعته يقول: اذا اجتمعت بين الصلوتين فلا تطوع بينهما.
و روى ايضا فى الكافى فى باب الجمع بين الصلوتين عن محمد بن حكيم قال: سمعت ابا الحسن (ع) يقول: الجمع بين الصلوتين اذا لم يكن بينهما تطوع فإذا كان بينهما تطوّع فلا جمع.
و منها ما رواه التهذيب فى المكان المتقدم عن معبد بن ميسرة قال: قلت لأبى عبد الله (ع): اذا زالت الشمس فى طول النهار، للرجل ان يصلى الظهر و العصر؟ قال: نعم، و ما احب ان يفعل ذلك كل يوم.
و منها ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن زرارة قال: قلت لأبى عبد الله عليه السلام: اصوم فلا اقيل حتى تزول الشمس، فاذا زالت الشمس صليت نوافلى ثم صليت الظهر ثم صليت العصر ثم نمت، و ذلك قبل ان يصلى الناس، فقال:
يا زرارة اذا زالت الشمس فقد دخل الوقت، و لكنى اكره لك ان تتخذه وقتا دائما.
و منها ما رواه فى البحار فى باب وقت فريضة الظهرين عن دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (ع) قال: اذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين الظهر و العصر، و ليس يمنع من صلوة العصر بعد صلوة الظهر الا قضاء السبحة التى بعد الظهر و قبل العصر، فان شاء طول الى ان يمضى قدمان و ان شاء قصر.
و عن ابى جعفر (ع) انه خرج و معه رجل من اصحابه الى مشربة ام ابراهيم، فصعد الشربة ثم نزل، فقال للرجل: زالت الشمس ؟ قال: انت اعلم
ص: 250
جعلت فداك، فنظر فقال: قد زالت، و اذن و قام الى نخلة فصلى صلوة الزوال و هى السنة قبل الظهر، ثم اقام الصلوة و تحول الى نخلة اخرى و اقام الرجل عن يمينه فصلى الظهر اربعا، ثم تحول الى نخلة اخرى فصلى صلوة السنة بعد الظهر اربع ركعات، ثم اذن و صلى اربع ركعات ثم اقام الصلوة و صلى العصر اربعا، و لم يكن بين الظهر و العصر الا السبحة.
قال فى البحار: ايضاح: يدل ذلك الخبر على استحباب ايقاع نافلة الزوال بين الأذان و الاقامة، و على جواز ايقاع الامام الاذان و الاقامة معا، بل رجحانه، و على رجحان قيام المقتدى اذا كان واحدا عن يمين الامام، و على ان الأربع اولى من الثمان ركعات بين الظهرين للظهر، و الاربع الأخيرة للعصر، و على استحباب ايقاع الأربع الأخيرة بين الأذان و الاقامة، و على انه يتحقق التفريق المستحب و الموجب لاعادة الاذان بتوسط النافلة بين الفريضين، و على استحباب تفريق الفرايض و النوافل الأمكنة، و قد وردت العلة بانها تشهد للمصلى يوم القيمة، انتهى.
أقول: ربما ينافى الحكم باستحباب الاتيان بالنوافل بين الأذان و الاقامة، ما رواه فى التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع)، قال: قال لى رجل من اهل المدينة: يا أبا جعفر مالى لا أراك تتطوع بين الأذان و الاقامة كما يصنع الناس ؟ قال قلت: انا اذا اردنا ان نتطوع، كان تطوعنا فى غير وقت فريضة، فاذا دخل وقت الفريضة فلا تطوع، فتأمل.
و منها ما رواه فى البحار ايضا فى باب وقت فريضة الظهرين عن قرب الأسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن وقت الظهر، قال: نعم اذا زالت الشمس فقد دخل وقتها، فصل اذا شئت بعد ان تفرغ من تسبيحتك(1) و سألته عن وقت العصر، متى هو؟ قال: اذا
ص: 251
زالت الشمس قدمين صليت الظهر، و السبحة بعد الظهر فصل العصر اذا شئت.
و منها ما رواه فى باب الحث على المحافظة على الصلوات، عن كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفى، عن يحيى بن صالح عن مالك بن خالد عن عبد الله بن الحسن عن عباية قال: كتب امير المؤمنين (ع) الى محمد بن أبى بكر: انظر صلوة الظهر فصلها لوقتها، لا تعجل بها عن الوقت لفراغ، و لا تؤخرها عن الوقت لشغل، فان رجلا جاء الى رسول الله (ص) فسأله عن وقت الصلوة، فقال (ص): اتانى جبرئيل (ع) فأرانى وقت الصلوة، فصلّى الظهر حين زالت الشمس، ثم صلّى العصر و هى بيضاء نقية، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الصبح فاغلس به و النجوم مشتبكة، كان النبى (ص) كذا يصلى قبلك، فان استطعت - و لا قوة الا بالله - ان تلتزم السنة المعروفة، و تسلك الطريق الواضح الذى اخذوا، فافعل لعلك تقدم عليهم غدا، ثم قال: و اعلم يا محمد ان كل شىء تبع لصلوتك، و اعلم ان من ضيع الصلوة فهو لغيرها اضيع.
و منها ما رواه فى البحار فى باب اوقات الصلوة عن نهج البلاغة من كتابه (ع) الى امرائه فى الصلوة: اما بعد فصلوا بالناس الظهر حين تفئ الشمس مثل مربض العنز، و صلوا بهم العصر و الشمس بيضاء حيّة فى عضو من النهار حين يسار فيها فرسخان، و صلوا بهم المغرب حين يفطر الصايم و يدفع الحاج، و صلوا بهم العشاء حين يتوارى الشفق الى ثلث الليل، و صلوا بهم الغداة و الرجل يعرف وجه صاحبه، و صلوا بهم صلاة اضعفهم، و لا تكونوا فتانين.
قال فى البحار: مربض العنز بكسر الباء و قد يفتح، محل بروكها، فان اريد عرضه فهو قريب من الذراع و القدمين، و ان اريد الطول فهو قريب من خمسة اقدام، و الاول اوفق بساير الأخبار، و الثانى بتتمة الخبر اذ فيه شوب تقية و فى النهاية: فيه انه كان يصلى العصر و الشمس حية اى صافية اللون لم يدخل
ص: 252
التغيّر بدنوّ المغيب، كانه جعل مغيبها لها موتا، و اراد تقديم وقتها، و قال الجوهرى: عضو و العضو واحد الأعضاء، و عضّيت الشاء تعضية اذا جزّيته اعضاء او فرّقته، و فى النهاية: فيه انه دفع عن عرفات اى ابتداء السير و دفع نفسه منها و نحاها، او دفع ناقته و حملها على السير، و لا تكونوا فتانين اى تفتنون الناس و تضلونهم بترك الجماعة بسبب اطالة الصلوة، فانها مستلزمة لتخلف الضعفاء و العاجزين و المضطرين، رووا عن النبى (ص) انه قال: يا معاذ اياك ان تكون فتانا للمسلمين، و فى اخرى: افتّان انت يا معاذ!.
و روى فى البحار فى حاشية منسوبة اليه فى ذلك المكان، عن المجازات النبوية عن النبى (ص) فى عهده لعماله على اليمن: و صل العصر اذا كان ظل كل شىء مثله، و كذلك ما دامت الشمس حية، و العشاء اذا غاب الشفق الى ان يمضى كواهل الليل، ثم قال و قال السيد: المراد بحيوة الشمس كونها فى بقية من الأحمرار من قبل ان يفضى الى الاصفرار، و قال: المراد بكواهل الليل اوايله، تشبيها لها بالمطايا السايرة التى تتقدم اعناقها و هواديها.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم عن الذكرى نقلا من كتاب عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع): ان رسول الله (ص) كان فى السفر يجمع بين المغرب و العشاء، و الظهر و العصر، و انما يفعل ذلك اذا كان مستعجلا، قال و قال (ع): و تفريقها أفضل.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم عن العياشى عن زرارة انه قال ابو عبد الله (ع) فى جملة حديث: و اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلوتين ليس نفل الا السبحة التى جرت به السنة امامها الحديث.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم عن العياشى ايضا عن محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال فى صلوة المغرب فى السفر: لا يضرك ان تؤخر ساعة ثم تصليها ان(1) احببت ان تصلى العشاء الآخرة، و ان شئت مشيت ساعة الى
ص: 253
ان يغيب الشفق، ان رسول الله (ص) صلى الهاجرة(1) و العصر جميعا، و المغرب و العشاء الآخرة جميعا، و كان يؤخر و يقدم، ان الله تعالى قال: (إِنَّ اَلصَّلاٰةَ كٰانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً)، انما عنى وجوبها على المؤمنين لم يعن غيره، انه لو كان كما يقولون لم يصل رسول الله هكذا و كان اعلم و اخبر، و لو كان خير الأمر به محمد رسول الله (ص)، و قد فات الناس مع امير المؤمنين (ع) يوم صفين صلوة الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة، فأمرهم على امير المؤمنين فكبروا و هللوا و سبحوا رجالا و ركبانا، لقول الله فان خفتم فرجالا او ركبانا فأمرهم عليّ صنعوا ذلك.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم عن العلل و العيون عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس عن على بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان فيما رواه من العلل عن الرضا (ع): فان قال: فلم جعلت الصلوات فى هذه الاوقات و لم تقدم و لم تؤخر؟ قيل: لان الاوقات المشهورة المعلومة التى تعم اهل الأرض فيعرفها الجاهل و العالم اربعة، الى ان قال: و زوال الشمس مشهور معلوم تجب عنده الظهر، و لم يكن للعصر وقت معلوم مشهور مثل هذه الاوقات الاربعة فجعل وقتها عند الفراغ من الصلوة التى قبلها، و علة اخرى ان الله عز و جل احب ان يبدأ الناس فى كل عمل اولا بطاعته و عبادته، الى ان قال: فاذا كان نصف النهار و تركوا ما كانوا فيه من الشغل، و هو وقت يضع الناس فيه ثيابهم و يستريحون و يشتغلون بطعامهم و قيلولتهم، فامرهم ان يبدأوا اولا بذكره و عبادته فاوجب عليهم الظهر، ثم يتفرغوا لما احبوا من ذلك، فاذا قضوا و طرهم و ارادوا الانتشار فى العمل لآخر النهار، بدؤا ايضا بعبادته ثم صاروا الى ما احبوا من ذلك فاوجب عليهم العصر، ثم ينتشرون فيما شاؤا من مرمة دنياهم، الى ان قال: فان قال: فلم اذا لم يكن للعصر وقت مشهور مثل تلك الاوقات،
ص: 254
اوجبها بين الظهر و المغرب، و لم يوجبها بين العتمة و الغداة أو بين الغداة و الظهر؟ قيل: لأنه ليس وقت على الناس اخف و لا ايسر و لا احرى ان يعم فيه الضعيف و القوى بهذه الصلوه، من هذا الوقت، و ذلك ان الناس عامتهم يشتغلون فى اول النهار بالتجارات و المعاملات و الذهاب فى الحوائج و اقامة الاسواق فارادان لا يشغلهم عن طلب معاشهم و مصلحة دنياهم، و ليس يقدر الخلق كلهم على قيام الليل و لا يشعرون به و لا ينتبهون لوقته لو كان واجبا، و لا يمكنهم ذلك، فخفف الله تعالى عنهم و لم يجعلها فى أشد الاوقات عليهم، و لكن جعلها فى اخف الاوقات عليهم، كما قال الله عز و جل: (يُرِيدُ اَللّٰهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاٰ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ).
قال فى البحار بعد نقله: يدل على ان وقت العصر بعد الفراغ من الظهر، فيدل على اختصاص اول الوقت بالظهر، و لو حمل على الفضل(1) لعله محمول على غير المتنفّل او المراد العصر و نافلتها على الترتيب، و فى العلل بعد ذلك: الى ان يصير الظل من كل شىء اربعة اضعافه، و هو غريب مخالف لساير الأخبار، و لذا اسقطه فى العيون، و لعله كان اربعة اسباعه، مع انه ايضا لا يستقيم كثيرا، و يمكن ان يكون المراد به الظل الذى يحدث بعد الزوال الى ان يفرغ من الفرضين، او من الظهر و نافلتها، او غالبا يكون بقدر قدم، فاذا ضوعف ثلاث مرات يكون مع الاصل اربعا يكون ثمانية اقدام، او اربع مرات حقيقة فيقرب من المثلين، او يكون المراد ما يحدث من الظل بعد الفراغ من الظهر و نوافلها، فيكون قدمين تقريبا، فاذا حملت الاضعاف على الامثال يستقيم من غير تكلف، و بناء جميع الوجوه على ارجاع ضمير اضعافه الى الظل لا الشىء، و يدل الخبر ايضا على ان وقت القيلولة بين الظهرين، و على استحباب التفريق بين الصلوتين فى الظهرين و العشاءين.
ص: 255
و منها ما رواه فى المكان المتقدم عن دعائم الاسلام انه قال: و روينا عن جعفر بن محمد (ع) انه رخص فى الجمع بين الصلوتين بين الظهر و العصر و بين المغرب و العشاء فى السفر، و مساجد الجماعة فى الحضر اذا كان عذر من مطرا و ظلمة، يجمع بين الصّلوتين باذان واحد و اقامتين يؤخر و يصلى الأولى فى آخر وقتها و الثانية فى اول وقتها، و ان صلاهما جميعا فى وقت الاولى منهما او فى وقت الآخرة منهما، أجزأه ذلك اذا جمعهما.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم عن العلل عن محمد بن الحسن بن الوليد عن الحسين بن حسن بن ابان عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن موسى بن بكر عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قول اللّه عز و جل: (إِنَّ اَلصَّلاٰةَ كٰانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً)، قال: موجبا انما يعنى بذلك وجوبها على المؤمنين، و لو كانت كما يقولون لهلك سليمان بن داود حين أخر الصلوة حتى توارت بالحجاب، لأنه لو صلاها قبل ان تغيب كان وقتا، و ليس صلوة اطول وقتا من العصر.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم عن قرب الاسناد عن محمد بن عيسى اليقطينى عن عبد الله بن ميمون القداح عن الصادق (ع) عن ابيه عليهما السلام انه كان يامر الصبيان يجمعون بين الصلوتين الاولى و العصر، و المغرب و العشاء، ما داموا على وضوء قبل ان يشتغلوا.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم منه عن الحسين بن طريف عن الحسين بن علوان عن الصادق (ع) قال: رايت ابى و جدى القاسم بن(1) محمد يجمعان مع الائمة المغرب و العشاء فى الليلة المطيرة، و لا يصليان بينهما شيئا.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم منه بهذا الاسناد عن الصادق (ع) عن ابيه عن على (ع) قال: كان رسول اللّه يجمع بين المغرب و العشاء فى الليلة
ص: 256
المطيرة، فعل ذلك مرارا.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم عن الخصال عن محمد بن على ما جيلويه عن عمه محمد بن القاسم عن محمد بن على القرشى عن محمد بن زياد البصرى عن عبد الله بن عبد الرحمن المداينى عن ابى حمزة الثمالى عن ثور عن ابيه سعيد بن علاقه عن امير المؤمنين (ع) قال: الجمع بين الصلوتين يزيد فى الرزق.
و منها ما رواه فى المكان المتقدم عن مجالس ابن الشيخ عن ابيه عن محمد بن مخلد عن عثمان بن احمد بن عبد الله عن الحسن بن مكرم عن عثمان بن عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابى الطفيل عن معاذ بن جبل، ان رسول الله (ص) جمع بين الظهر و العصر، و المغرب و العشاء، عام تبوك.
و منها ما رواه عن العلل عن الحسين بن احمد بن ادريس عن ابيه عن احمد بن محمد بن عيسى عن على بن الحكم عن اسحق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ان رسول الله (ص) صلى الظهر و العصر مكانه من غير علة و لا سبب، فقال له عمرو كان أجرأ القوم عليه: احدث فى الصلوة شىء؟ قال: لا، و لكن اردت ان اوسع على امتى.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم منه عن احمد بن يحيى العطار عن ابيه عن احمد بن عيسى عن محمد بن سنان عن عبد الملك القمى عن ابى عبد الله (ع) قال قلت: اجمع بين الصلوتين من غير علة ؟ قال: قد فعل ذلك رسول اللّه (ص)، اراد التخفيف عن امته.
و منها ما رواه منه عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد بن عيسى عن على بن الحكم عن عبد اللّه بن بكير عن زرارة عن ابى عبد اللّه (ع) قال:
صلى رسول الله (ص) بالناس الظهر و العصر حين زالت الشمس فى جماعة من غير علة، و صلى بهم المغرب و العشاء الآخرة بعد سقوط الشفق من غير علة فى جماعة، و انما فعل ذلك رسول اللّه (ص) ليتسع الوقت على امته.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم منه عن على بن عبد اللّه الورّاق و على بن
ص: 257
محمد بن الحسن بن مغيره معا عن سعد بن عبد اللّه عن العباس بن سعيد بن سعيد الازرق عن ذحرب ابى حرب عن سفيان بن عينية عن ابى الزبير عن ابن جبير عن ابن عباس قال: جمع رسول الله (ص) بين الظهر و العصر من غير خوف و لا سفر، فقال: اراد ان لا يحرج(1) احد من امته.
و روى ايضا منه بهذا الاسناد عن العباس عن ابن عون بن سلام عن وهب بن معوية عن ابى الزبير عن ابن جبير عن ابن عباس مثله.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم منه بهذا الاسناد عن العباس عن سويد بن سعيد عن محمد بن عثمان عن الجمحى عن الحكم بن ابان عن عكرمة عن ابن عباس، و عن نافع عن ابن عمر، انّ النبى (ص) صلى بالمدينة مقيما غير مسافر جميعا(2) و تماما جمعا.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم منه عن الوراق و ابن مغيره معا عن سعد عن محمد بن عبد الله بن ابى خلف عن ابى يعلى بن الليث عن اخيه محمد بن الليث عن عون بن جعفر المخزومى عن داود بن قيس الفراء عن صالح عن ابن عباس، ان رسول الله (ص) جمع بين الظهر و العصر و المغرب و العشاء من غير مطر و لا سفر، قال فقيل لابن عباس: ما اراد به ؟ قال: اراد التوسع لامته.
و منها ما رواه منه عن الوارق عن ابى خيثمه زهير بن حرب عن اسمعيل بن عليه عن ليث عن طاوس عن ابن عباس، ان رسول الله (ص) جمع بين الظهر و العصر و المغرب و العشاء فى السفر و الحضر.
قال فى البحار بعد نقل جملة من الأخبار المتقدمة: اعلم ان الذى يستفاد من الأخبار، ان التفريق بين الظهر و العصر و بين المغرب و العشاء افضل من الجمع بينهما، و انما جمع رسول اللّه احيانا لبيان الجواز و للتوسعة على الامة، و قد جوز للصبيان و اشباههم من اصحاب العلل و الحوائج، لكن التفريق يتحقق
ص: 258
بفعل النافلة بينهما و لا يلزم اكثر من ذلك، و يجوز ان يأتى فى اول الوقت بالنافلة ثم بالظهر ثم بنافلة العصر ثم بها، و لا يلزمه تأخير الفرضين و لا نوافلهما الى وقت آخر، بل انما جعل الذراع و الذراعان لئلا تزاحم النافلة الفريضة، و لا يوجب تأخيرها عن وقت فضيلتها، و اما التقديم فلا حرج فيها، بل يستفاد من بعضها انه افضل، و قد ورد فى خبر رجاء بن الضحاك، ان الرضا (ع) كان لا يفرق بين الصلوتين الظهر و العصر بغير النافلة و التعقيب، لكنه كان يؤخر العشاء الى قريب من ثلث الليل.
و ما ورد من انه سبب لزيادة الرزق، لعله محمول على هذا النوع من الجمع، بأن يأتى بالفرضين و النوافل فى مكان واحد، ثم يذهب الى السوق لئلا يصير سببا لتفرق حرفائه، او جوزوا ذلك لمن كان حاله كذلك للعذر، فجوزوا له ترك النافلة لما رواه الكلينى عن عباس الناقد بسند فيه جهاله قال: تفرق ما كان بيدى و تفرق عنى حرفائى، فشكوت ذلك الى ابى محمد (ع)، فقال: اجمع بين الصلوتين الظهر و العصر ما تحب.
و بسند فيه جهالة عن محمد بن حكيم قال سمعت ابا الحسن (ع) يقول:
الجمع بين الصلوتين اذا لم يكن بينهما تطوع، فاذا كان بينهما تطوع فلا جمع، بسند فيه ضعيف عن محمد بن حكيم عن ابى الحسن (ع) قال سمعته يقول: اذا جمعت بين الصلوتين فلا تطوع بينهما.
و قال فى المنتهى: لا يستحب تأخير العصر لما قدّمناه من استحباب التعجيل، و هو قول عمر(1) بن مسعود و عايشه و ابن المبارك و اهل المدينة و الاوزاعى و الشافى و اسحق و احمد، و روى عن ابن شبرمه و ابى قلابه ان تأخيرها افضل و هو قول اصحاب الراى، ثم نقل الأخبار و قال: و فى الصحيح عن زرارة قال قلت لأبى جعفر (ع): بين الظهر و العصر حد معروف ؟ فقال: لا، و اذا لم يكن بينهما حد معين كان وقت العصر حين الفراع من الظهر، فيكون فعلها فيه اولى.
ص: 259
و قال فى الذكرى: لا خلاف عندنا فى جواز الجمع بين الظهر و العصر حضرا و سفرا للمختار و غيره، و رواه العامة عن على (ع) و ابن عباس و ابن عمر و ابن موسى و جابر و سعد بن ابى وقاص و عايشة، ثم نقل نحوا مما مر من الأخبار من صحاحهم، تم قال: نعم الاقرب استحباب تأخير العصر الى ان يخرج وقت فضيلة الظهر، اما المقدر بالنافلتين و الظهر، و اما المقدر بما سلف من المثل و الاقدام و غيرهما، لأنه معلوم من حال النبى (ص) حتى ان رواية الجمع بين الصلوتين تشهد بذلك، و قد صرح به المفيد رحمه الله فى باب غسل الجمعة قال و الفرق بين الصلوتين فى ساير الايام مع الاختيار و عدم العوارض افضل، و ثبتت السنة به، الا فى يوم الجمعة و ظهرى عرفة و عشائى المزدلفة، و ابن الجنيد حيث قال: لا يختار ان يأتى الحاضر بالعصر عقيب الظهر التى صلاها مع الزوال الا مسافرا او عليلا او خائفا ما يقطعه عنها، بل الاستحباب للحاضر ان يقدم بعد الزوال و قبل فريضة الظهر شيئا من التطوع، الى ان تزول الشمس قدمين او ذراعا من وقت زوالها، ثم يأتى بالظهر و يعقبها بالتطوع من التسبيح او الصلوة الى ان يصير الفئ اربعة اقدام او ذراعين، ثم يصلى العصر، و لمن اراد الجمع بينهما من غير صلوة ان يفصل بينهما بمائة تسبيحه، و الاصحاب فى المعنى قائلون باستحباب التأخير، و انما يصرح بعضهم به اعتمادا على صلوة النافلة بين الفريضتين، و قد رووا ذلك فى احاديثهم كثيرا، مثل حديث اتيان جبرئيل عليه السلام بمواقيت الصّلوة رواها معوية بن وهب و معوية بن ميسرة و ابو خديجه و المفضل بن عمر و ذريح عن ابى عبد الله (ع)، و عن الحلبى عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: كان رسول الله (ص) يصلى الظهر على ذراع و العصر على نحو ذلك، ثم اورد الروايات فى ذلك الى ان اورد رواية عبد الله بن سنان الآتية من كتابه، و قال: هذا نص فى الباب، و لم اقف على ما ينافى استحباب التفريق من رواية الاصحاب سوى ما رواه عباس الناقد، و هو ان صح امكن تأويله بجمع لا يقتضى طول التفريق، لامتناع ان يكون ترك النافلة بينهما مستحبا او قلة
ص: 260
على ظهرى الجمعة، و اما باقى الأخبار فمقصورة على جواز الجمع و هو لا ينافى استحباب التفريق.
قال الشيخ: كل خبر دل على افضلية اول الوقت محمول على الذى يلى وقت النافلة، و بالجملة كما علم من مذهب الامامية جواز الجمع بين الصلوتين مطلقا، علم منه استحباب التفريق بينهما بشهادة النصوص و المصنفات بذلك، و اورد على المحقق نجم الدين تلميذ جمال الدين بن يوسف بن حاتم الشامى المشفرى، و كان ايضا تلميذ السّيدين ابنى طاوس، ان النبى (ص) كان يجمع بين الصلوتين فلا حاجة الى الاذان للثانية اذ هو للاعلام، و للخبر المتقدم لأن عند الجمع بين الصلوتين يسقط الاذان، و ان كان يفرق فلم ندبتم الى الجمع و جعلتموه افضل ؟ فاجابه المحقق: ان النبى (ص) كان يجمع تارة و يفرق اخرى، ثم ذكر الروايات كما ذكرنا، و قال: انما استحب فيها الجمع فى الوقت الواحد اذا اتى بالنوافل و الفرضين فيه، لأنه مبادرة الى تفريغ الذمة من الفرض، حيث ثبت دخول وقت الصلوتين، ثم ذكر خبر عمر بن حريث عن الصادق (ع)، و سأله عن صلوة رسول اللّه (ص)، فقال: كان النبى (ص) يصلى ثمان ركعات ثم يصلى اربعا الاولى، و ثمان بعدها و اربعا العصر، و ثلاثا المغرب و اربعا بعدها، و العشاء اربعا، و ثمانى الليل، و ثلاثا الوتر، و ركعتى الفجر، و الغداة ركعتين.
ثم قال: معظم العامة على عدم جواز الجمع بين الصلوتين لغير عذر، ثم رد عليهم بما روى فى صحاحهم من اخبار الجمع، الى ان قال: و روى مالك ان النبى (ص) جمع بين الصلوتين فى السفر و هو دليل الجواز، و لا يحمل على انه صلى الاولى آخر وقتها و الثانية اوله، لأنّ ذلك لا يسمّى جمعا، و ابن المنذر من ائمة العامة لما صح عنده احاديث الجمع ذهب الى جوازه، انتهى كلامه المتين حشره اللّه مع الشهداء الأولين، و ينبغى ان يحمل عليه كلام العلامة قدس الله روحه، انتهى.
قال فى المدارك: و ذهب جمع من الاصحاب الى استحباب تأخير العصر
ص: 261
الى ان يخرج وقت فضيلة الظهر و هو المثل او الاقدام، و ممن صرح بذلك المفيد رحمه الله فى المقنعة فانه فى باب غسل الجمعة الفرق بين الصلوتين، و فى ساير الايام مع الاختيار و عدم العوارض افضل، قد ثبت السنة به الا فى يوم الجمعة فان الجمع بينهما افضل، و قريب من ذلك عبارة ابن الجنيد فانه قال:
لا يختار، ثم نقل كلامه المتقدم الى قوله: ثم يصلى العصر، و قال: و هو مضمون رواية زرارة، الا ان اكثر الرّوايات يقتضى استحباب المبادرة بالعصر عقيب نافلتها من غير اعتبار الاقدام و الاذرع، و جزم الشهيد فى الذكرى باستحباب التفريق بين الفريضتين، و احتج عليه بأنه معلوم من حال النبى (ص)، ثم قال: و بالجملة كما علم من مذهب الامامية جواز الجمع بين الصلوتين مطلقا، علم منه استحباب التفريق بينهما بشهادة النصوص و المصنفات بذلك و هو حسن، لا يمكن ان يقال ان التفريق يتحقق بتعقيب الظهر و فعل نافلة العصر، ثم قال فى الذكرى: و اورد على المحقق نجم الدين، ثم ذكر الايراد المتقدم مع جوابه، و قال: و يمكن الجواب عنه ايضا بأن الاذان انما يسقط مع الجمع بين الفرضين، اذا لم يات المكلف بالنافلة بينهما، اما مع الاتيان بها فيستحب الاذان للثانية كما سيجئ بيانه ان شاء الله انتهى كلام المدارك.
او لا بد من تأخير العصر حتى يمضى وقت فضيلة الظهر؟ و هى كما عرفت اما المثل و هو المشهور او القدمان و الفريضة او اربعة اقدام كما اخترناه، او لا بد من تأخيرها حتى يمضى الذراعان مطلقا و لو لم نقل انهما وقت فضيلة المشهور بين الاصحاب على الظاهر المصرح به فى كلام غير واحد الاول، و ذهب جمع من الاصحاب الى الثانى على ما حكاه السّيد فى المدارك، قال بعض المحققين بعد
ص: 262
قول المفاتيح و حدّ اى التفريق المستحب بأن يؤتى بالثانية بعد انقضاء وقت فضيلة الاولى، ما صورته: و هذا الحد من جماعة من الاصحاب، حيث اعتبروا خروج وقت الفضيلة مثل ان يأتى بالعصر بعد ما مضى من الفئ قامة و صيرورة ظل كل شىء مثله، كما هو الظاهر من اخبار كثيرة، و هو اوفق بكلام الجماعة، او انقضاء سبعى الشاخص من الفئ، كما هو الظاهر من الأخبار المعتبرة، و كلام جماعة، انتهى.
أقول: و الذاهب الى القول الثانى من الاصحاب على ما وجدناه هو الشهيد فى الذكرى كما عرفت سابقا من نقل كلامه، من قوله: الاقرب استحباب تأخير العصر الى ان يخرج وقت فضيلة الظهر، اما المقدر بالنافلتين و الظهر، و اما المقدر بما سلف من المثل و الاقدام و غيرهما، و اما المفيد رحمه الله فذهابه فى المقنعة فى باب غسل الجمعة الى هذا القول غير ظاهر، بل الظاهر من عبارته المتقدمة هو الذهاب الى القول الأول، و اما ابن الجنيد فعبارته صريحة فى عدم ذهابه الى القول الثانى، كيف و قد تقدم فى الأمر الأول انه كالمشهور يقول بامتداد الفضيلة الى المثل، نعم القائل بالقول الثالث كالمحقق الشيخ حسن فى كتاب المنتقى كما تقدم اليه الاشارة.
و بما ذكر ظهر عدم وجاهة ما صنعه فى الذكرى حيث نقل كلامهما، لتوهم موافقتهما له، و اقتفاه فى ذلك صاحب المدارك و من يحذو حذوه فعدوهما من ارباب القول الثانى، من غير بصيرة و تدبر فى عنوان المسئله، فلذا خالفنا هم فى العنوان بما ترى، للقول الثالث ظواهر جملة من الأخبار، منها الخبر الثامن و التاسع و الثالث عشر و الرابع عشر و السادس عشر و السابع عشر و العشرون و الثانى و العشرون و الرابع و العشرون و الخامس و العشرون المؤيد بالخبر السابع و العشرين و السادس و السابع، و لم اجد للثانى دليلا ينطق على العنوان المذكور فى المسئلة.
للاشخاص القائلين بامتداد فضيلة الظهر الى المثل، جملة من الأخبار
ص: 263
منها الخبر الرابع و رواية زرارة المتقدمة فى المقام الثانى المتقدم فى الامر الأول المروية فى البحار عن الاختيار، و الخبر مروى عن المجازات النبوية المتقدم هناك، و الخبر الرابع عشر المتقدم فى شرح قول المصنف: المقصد الثانى فى اوقاتها، و فيه ان هذه الأخبار مع ان فى دلالة بعضها مناقشة غير ناهضة لذلك، و قد بيّنا الوجه فيما سبق فراجع.
و لمن قال بامتداد وقت فضيلة الظهر الى اربعة اقدام، الأخبار التى ذكرناها للقول الثالث، و فيه ما ستعرف.
و للمشهور وجهان.
الأول: جملة من الأخبار، منها الخبر السادس و العشرون و الثانى و الثلاثون و الثالث و الثلاثون و السابع و الثلاثون و التاسع و الثلاثون المؤيد بالخبر الثامن و الثلاثين، و منها روايتا دعائم الاسلام المتقدمتان فى ذيل التذنيب المتقدم المؤيد برواية على بن جعفر المتقدمة هناك، كرواية المتقدمة فى قبيلة النافية للحد بين الظهرين، و منها ما رواه العياشى عن زرارة المتقدمة فى المكان المتقدم.
الثانى: قوله تعالى: (وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ )، و قوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرٰاتِ )، لا يقال: يعارض المذكورات الاخبار الدالة على القول الثالث لأنا نقول الأخبار التى استندنا بها للقول الثالث لا تصلح لمعارضة ما دل على المشهور لوجوه:
الأول: ان الأخبار الدالة على المشهور معتضدة بالشهرة، فليقل: ان التوقيت الوارد فى الأخبار الدالة على القول الثالث للنافلة، كما يرشدك اليه الخبر الثامن و الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر و السابع عشر المعتضد بالخبر السادس عشر.
الثانى: انها معارضة بالأخبار الدالة على مزاحمة الفريضة للنافلة فى الذراعين، و منها الخبر السادس و العشرون و الحادى و الثلاثون و الثانى و الثلاثون
ص: 264
المؤيد بالخبر الاربعين، و منها روايتا ذريح المحاربى المتقدمتان فى التذنيب الأول الواقع فى الأمر الأول، و منها رواية الهداية الواقعة فى الأمر الأول فى قبيل ما احتجه الشيخ فى المختلف لما ذهب اليه، و هذه الأخبار مقدمة لوجوه عديدة.
الثالث: انها معارضة بالأخبار الدالة على فضيلة اول الوقت منها الخبر الثامن و الخبر السادس و العشرون المشتمل على قول ابى جعفر (ع): احب الوقت الى اللّه عز و جل اوله حين يدخل وقت الصلوة فصل الفريضة، و السابع و العشرون و المشتمل على سؤال زرارة و عن ابى جعفر (ع): اول الوقت افضل او وسطه او آخره ؟ و جوابه (ع) له: اوله قال رسول الله (ص): ان الله يحب من الخير ما يعجل، و السادس و الاربعون المشتمل على قول ابى جعفر (ع): اعلم ان اول الوقت افضل فعجل الخير ما استطعت، و التاسع و الاربعون و الخمسون المتقدم كلّهم فى التذنيب الواقع فى شرح قول المصنف رحمه الله: المقصد الثانى فى اوقاتها، و منها ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات عن سعد بن مسعد قال: قال الرضا (ع): يا فلان اذا دخل الوقت عليك فصّلهما فانك لا تدرى ما يكون، و منها ما رواه المجلسى فى البحار فى باب الحث على المحافظه على الصلوات من ثواب الاعمال عن ابيه عن سعد بن عبد اللّه عن احمد بن محمد عن ابن محبوب عن سعد بن ابى خلف عن ابى الحسن موسى عليه السلام قال: الصلوات المفروضات فى اول وقتها اذا أقيم حدودها، اطيب ريحا من قضيب الاس(1) حين يؤخذ من شجرة فى طيبه و ريحه و طراءته فعليكم بالوقت الأول، و رواه غيره ايضا فى غيره، من الجواهرى شىء طرىّ او غضّ بيّن الطراوة، و قال قطرب طروّ اللحم و طرىّ طراوه و طراءه، و بالجملة من تدبر فى جميع الأخبار الواردة فى هذا المضمار لا يبقى له شك و لا ريب فى
ص: 265
ترجيح ما هو المشهور(1) بين علمائنا الاخيار.
فان قلت: ظاهر جملة من الأخبار الدالة على القول الثالث، هو مداومة النبى (ص) على ايقاع العصر بعد الذراعين، لمكان لفظة كان الظاهرة فى الاستمرار، فما وجه الجمع بينهما و بين الأخبار الداله على المشهور؟
قلت: لم يقم لنا دليل على وجوب الجمع، فالإحالة عليهم صلوات الله عليهم اولى، نعم تصدى بعض متأخرى المتاخرين لوجه الجمع بوجوه اكثرها بعيدة باقراره.
و القريب منها وجهان.
الأول: ان ما دل على أنّ النبى (ص) كان يصلى الظهر على ذراع و العصر على ذراعين، مبنى على انه (ص) كان يطيل النوافل بحيث يفرغ فى ذلك الوقت لغرض انتظار الجماعة، او يقال انه (ص) قد يفرغ قبل ذلك الوقت لكن ينتظر اجتماع الناس بهذا المقدار، او ينتظر فراغ الجماعة من النوافل بهذا المقدار.
و فيه اولا ان المستفاد من رواية الخرايج و الجرايح المتقدم فى التذنيب الأول الواقع فى الأمر الأول، ان المسارعة بالفريضة فى اول وقتها افضل من انتظار الاجتماع، و ثانيا ما ذكره لا يتمشى فى العصر الواقعة بعد اجتماع الناس فتدبر.
ص: 266
الثانى: ان الأفضل الاتيان بهما عند الفراغ من النوافل، و بعده فى الفضيلة الاتيان بهما عند الذراع و الذراعين، قال ذلك البعض و هو غير بعيد الوجه.
أقول: و الانصاف ان ذلك ايضا بعيد، لفظة كان الظاهرة فى استمراره صلى اللّه عليه و آله فى الاتيان بهما بعد الذراع و الذراعين.
قال بعض الاجلاء: و الاظهر عندى ان منشأ هذا الاختلاف فى الأخبار، انما هو التقية التى هى اصل كل محنة فى الدين و بلية، الى ان قال: و بقى الكلام فى ان التقية فى اىّ الطرفين من هذه الأخبار؟ و لعل الاقرب كونها فى اخبار التحديد بالاقدام و الاذرع، و ذلك اولا من حيث اعتضاد اخبار التحديد بالنافلة بعمل لاصحاب قديما و حديثا، و لم نقف على قائل يظاهر ترجيح اخبار الاقدام سوى المحقق الشيخ حسن فى كتاب المنتقى.
أقول: قد عرفت ان الاسكافى ايضا قائل بنحو ما قاله المحقق المذكور، قال اى بعض الاجلاء: و ثانيا من حيث اعتضادها بأخبار استحباب تخفيف النافلة و اخبار افضلية ما قرب من اول الوقت، و ثالثا ان الاقرب الى جادة الاحتياط، و قد عرفت ان الحمل على التقية لا يتوقف على وجود القائل بذلك من العامة، و ان اشتهر بين اصحابنا رضى الله عنهم تخصيص الحمل على التقية بذلك ان اخبارهم يرده، فان المستفاد من الأخبار ان منشأ التقية انما هو من حيث اتفاقهم على امر واحد، و اجماع كلمتهم على ذلك يوجب الاخذ برقابهم و دخول الضرر عليهم، و اذا كانت كلمتهم متفرقة و قولهم عن الامام مختلفة هانوا فى نظر العدوّ و نسبوهم الى عدم الدين و المذهب، فلم يعبئوا بهم، انتهى.
أقول: قد عرفت ان لى فى الحمل على التقية مع عدم ظهور قائل منهم توقف: نعم يمكن ان يقال موافقة احد من العامة، لكل من الأخبار الدالة على القول الثالث، و الأخبار الداله على المشهور و ان كانت غير ظاهرة و لكن باب الاحتمال منسد، فنقول: لما كان احتمال موافقة الأخبار الدالة على المشهور
ص: 267
لمذهب احد من العامة، اضعف من احتمال موافقة الأخبار الدالة على القول الثالث لمذهب احد منهم، فالقول بتقديمها عليها غير بعيد، هذا لو قلنا بثبوت الاحتمال فى الأخبار الدالة على المشهور.
و اما اذا نفينا الاحتمال كما لا يخلو عن قوه، فالأمر اظهر فتخرج من هنا قاعده كليه، و هى ان الخبرين المتعارضين المتكافئن اذا تحقق احتمال التقية فى احدهما، و لم يتحقق ذلك الاحتمال فى الآخر فلا يبعد ترجيح ما لا يذهب الاحتمال فيه على الآخر، و اذا تحقق الاحتمال فى كليهما و لكن الاحتمال فى احدهما اظهر من الآخر، فلا يبعد ترجيح ما لا يذهب فيه الاحتمال الاظهر، و ان لم يظهر بالخصوص ذهاب احد من العامة الى مضمون احد من الخبرين فى الفرضين، و اغتنم ذلك.
فان قلت: ما تقول فى رواية زرارة المتقدمة فى اوائل التذنيب المتقدم المشتمل على قول زرارة للصادق (ع): اصوم فلا اقيل حتى تزول الشمس صليت نوافلى ثم صلّيت الظهر ثم صلّيت نوافلى ثم صليت العصر ثم نمت ذلك قبل ان يصلى الناس، و على جوابه (ع): يا زرارة اذا زالت الشمس فقد دخل الوقت، و لكنى اكره لك ان تتخذه وقتا دائما، فانها منافيه للاخبار الداله على المشهور.
قلت: لعل الكراهية(1) المذكورة لأجل عدم حضوره فى صلوة الناس و عدم متابعته لهم تقية، او لما ذكره بعض متأخرى المتأخرين قال: لعل وقت فضيلة الفريضة زمان الفراغ من النوافل، اذا اتى بها مقتصدا غير مستعجل، و الكراهية المذكورة و الخبر باعتبار مسارعة زرارة و استعجاله التام، حيث فرغ من الصلوات قبل ان يصلى الناس انتهى، و الأول اظهر، سيما بعد ملاحظة خبر الاربعين، و بما ذكر ظهر حال رواية معبد بن ميسرة المتقدمة الواقعة فى قبيل رواية زرارة هذه.
ص: 268
فان قلت: كون التفريق بين الصلوتين مستحبا مما لا شبهة فيه، و يدل عليه مضافا الى الاجماع كثير من الأخبار المتقدمة فى التذنيب، فما الحمل فى روايتى سعيدين علاقة و عباس الناقد؟.
قلت: يمكن ان يكون وجه التأويل فيهما هو ما مضى فى كلام البحار، و تذكر و الله هو العالم.
ما نقله صاحب الذكرى من ايراد تلميذ جمال الدّين على المحقق بقوله (ص): ان النبى ان كان يجمع بين الصلوتين فلا حاجة للاذان للثانية اذ هو للاعلام، و الخبر المتضمن انه عند الجمع بين الصلوتين يسقط الاذان، و ان كان يفرق فلم ندبتم الى الجمع و جعلتموه افضل ؟ غير وجيه، و ذلك لأن ظاهر كلامه هو القول بأن الجمع الموجب لسقوط الاذان هو الجمع بين الصلوتين فى وقت واحد، و هو المثل او غيره من غير تفرق الناس، و ان فصلتا بالنافلة، و ان التفريق هو عبارة عن الاتيان بالعصر فى وقت آخر غير وقت الذى اتى بها الظهر، و هو المثل الثانى او غيره، لا شك ان ذلك مخالف للاخبار المتلقاة بالقبول عند علمائنا الابرار، لأن المستفاد على وجه لا يقبل الانكار، هو ان الجمع و التفريق المترتب عليه سقوط الاذان و عدمه، انما هو باعتبار الاتيان بالنافلة و عدمه و لو فى وقت واحد، فالأول يسمى تفريقا و الثانى جمعا، مع صدقه كما سيأتى تفصيله فى بحث الاذان.
و اما ما علله لذلك بأن الاذان للاعلام، و مع اجتماع الناس لا حاجة اليه، فمدفوع بالاطلاقات المستفادة من الأخبار الكثيرة الدالة على استحباب الاتيان بالاذان و الاقامة، فى اول الصلوة لكل مصل منفردا كان او جامعا ذكرا كان او انثى او مملوكا، كالاذان فى اوايل الاوقات الذى يأتى به المؤذن على المنارة، و هذا الاذان الذى يستحب ان يأتى به فى اول الصلوة هو الذّى يسقط للجمع بين الصلوتين، و عدم الفصل بالنافلة، نعم لو لم ينتظر الناس احدا
ص: 269
لكان الاكتفاء بالاقامة قويا، و ما رواه التهذيب فى باب الاذان و الاقامة فى الموثق كالصحيح عن الحسن بن على بن فضال عن عبد الله بن بكير عن الحسن بن زياد قال قال ابو عبد الله (ع): اذا كان القوم لا ينتظرون احدا اكتفوا باقامة واحدة، قال بعض الافاضل: اذا اطلق الحسن بن زياد فالظاهر انه العطّار، فان الظاهر الغالب اطلاق الصيقل مقيدا به، كما يظهر بالتتبع التام انتهى، و يمكن ان يقال: لا نسلم ان لا يكون الاذان فى هذا الفرض ايضا مستحبا، بل لو قيل بالاستحباب كما نقول فى مطلق الجمع الذى من افراده يوم الجمعة لم يكن بعيدا، و الانصاف ان القول بالاستحباب فى هذا الفرض لا يخلو عن اشكال، و الاحوط هو الترك كمطلق الجمع، و التفضيل يطلب فى بحث الاذان و الاقامة، و بالجملة ما اورد هذا الفاضل من التعليل باطلاقه، غير وجيه كفهمه معنى الجمع و التفريق.
قال بعض الاجلاء: و ملخص كلام المحقق الواقع فى جواب هذا المورد، هو ان النبى (ص) كان يجمع بين الصلوتين فى وقت واحد تارة و يفرق فى وقتين تارة، و نحن انما استحببنا الجمع فى وقت واحد و ندبنا اليه، بالاتيان بالفرضين و النوافل كلا دون التفريق و التأخير الى المثل الثانى، لما ثبت من دخول الوقتين بالزوال، فصار الذمة مشغولة بهما و المبادرة الى تفريغ الذمة من الواجب امر مندوب اليه و محثوث عليه، و هو مشعر بموافقته للسائل فى سقوط الاذان فى الصورة المذكورة، حيث جعله جمعا تفريقا من شان الجمع سقوط الاذان فيه، كما ذكره السائل، انتهى.
أقول: القول بظهور عبارة المحقق فى مطابقته لهذا المورد فى معنى الجمع و التفريق محل اشكال، و بالجمله لو كان المحقق موافقا للمورد فى معناهما فالايراد الايراد.
لكونه مسارعة الى المغفرة و استباقا الى الخير، و لعموم الادلة الدالة على فضيلة اول
ص: 270
الوقت، كما مضى الى كثير منها الاشارة فى مطاوى الابحاث السّابقة.
للاخبار المستفيضة، و منها الخبر الثانى و الثلاثون، و جملة من الأخبار المتقدمة فى التذنيب المتقدم.
فعن المرتضى انه يمتد وقت الفضيلة الى ان يصير الفئ قامتين، و وقت الاجزاء الى الغروب، و هو المحكى عن الاسكافى و ابنى ادريس و زهرة و جمهور المتأخرين، و عن المفيد القول بامتداد وقتها للمختار الى أن يتغير لون الشمس باصفرارها للغروب، و للمضطر و الناسى الى الغروب، و عن الشيخ فى الخلاف آخره اذا صار كل شىء مثليه، و عنه فى المبسوط آخره اذا صار ظل كل شىء مثليه للمختار و للمضطر الى غروب الشمس، و هو المنقول عن ابن البراج و ابى الصلاح و ابن حمزة و ظاهر سلار و عن ابن عقيل ان وقته الى ان ينتهى الظل ذراعين بعد زوال الشمس، فإذا جاوز ذلك دخل فى الوقت الآخر، مع انه زعم ان الوقت الآخر للمضطر، و عن المرتضى فى بعض كتبه يمتد حتى يصير الظل بعد الزيادة ستة اسباعه للمختار، و احتج فى المختلف للمفيد بالخبر الثلاثين، قال: و احتج المفيد بما رواه سليمان بن جعفر فى الصحيح ثم ساق الرواية، ثم قال: و هو الى اشارة الاصفرار لان الظل الى آخر النهار يقسم سبعة اقدام، و قال بعض الأجلاء:
الظاهر ان المراد بستة اقدام و نصف هنا، يعنى بعد المثل الاول ليتحقق ما ذكره من الاصفرار انتهى، ثم حمله فى المختلف على ان ذلك وقت الفضيلة.
أقول: و قد عرفت بما لا مزيد عليه ان وقت الاجزاء ممتد الى الغروب، و اما وقت الفضيلة فهو ممتد الى الذراعين، و انه مع الاشتغال بالنافلة يزاحم القدم الخامس بجملة من الأدلة التى اقمناها للوقت الاول للظهر، فراجع و اضف اليها الخبر السابع و العشرين و التاسع و العشرين، و دون ذلك فى الفضل ستة و نصف، كما دل على ذلك الخبر الثلاثون و الخبر السابع و العشرون دل على
ص: 271
ان من تركها حتى تصير على ستة اقدام فذلك المضيع، و الخبر الثامن و العشرون مشتمل على قول الصادق (ع) لأبى بصير: صل العصر يوم الجمعة على ستة أقدام، و قد عرفت من نقل كلام البحار انه قال: و اما اخر فضيلة العصر فله مراتب: الاولى ستة اقدام، و الثانية ستة اقدام و نصف، و الثالثة ثمانية اقدام، و الرابعة المثلان على احتمال انتهى.
اقول و العجب منه طاب ثراه انه لم ترك الذراعين، و بالجملة قال المحقق عطر الله مرقده فى التحرير و نعم ما قال: هذا الاختلاف فى الأخبار دلالة الترخيص و امارة الاستحباب.
كما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب مواقيت الصلوة فى الصحيح عن معوية بن وهب عن ابى عبد الله (ع) انه قال: كان المؤذن يأتى النبى (ص) فى الحر فى صلوة الظهر، فيقول له رسول الله (ص): ابرد ابرد، قال الصدوق بعد نقله:
قال مصنف هذا الكتاب يعنى عجّل عجّل و اخذ ذلك من التبريد، و روى بعض الأصحاب عن طرق العامة عن النبى (ص) انه قال: اذا اشتد الحر الى وقوع الظل الذى يمشى الساعى فيه الى الجماعة، فابردوا بالصلوة فان شدة الحر من فيح جهنّم، و روى فى البحار فى باب وقت الظهرين عن منتهى المطلب انه قال:
روى ابن بابويه فى كتاب مدينة العلم فى الصحيح عن معوية بن وهب عن ابى عبد الله (ع) قال: كان المؤذن يأتى النبى (ص) فى الحر فى صلوة الظهر، فيقول (ص): ابرد ابرد، و روى فى المكان المتقدم عن اربعين الشهيد باسناده عن الصدوق عن والده عن سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد بن عيسى عن معوية مثله، و روى ايضا فى المكان المتقدم عن منتهى المطلب انه قال روى ابن بابويه فى كتاب مدينة العلم فى الصحيح عن الحسن بن على الوشاء قال: سمعت الرضا (ع) يقول: كان ابى ربما صلى الظهر على خمسة اقدام، و روى فى الباب المتقدم عن اختيار الرجال للكشى عن محمد بن ابراهيم الوراق
ص: 272
عن على بن محمد بن يزيد عن بنان بن محمد عن ابن ابى عمير عن هشام بن سالم عن محمد بن ابى عمير قال: دخلت على ابى عبد الله (ع)، فقال: كيف تركت زرارة ؟ فقلت: تركته لا يصلى العصر حتى تغيب الشمس، قال: فانت رسولى اليه، فقل له: فليصل فى مواقيت اصحابه فانىّ قد حرفت(1) قال فأبلغته ذلك، فقال:
انا و اللّه اعلم انّك لم تكذب عليه و لكن امرنى بشىء فأكره ان ادعه.
قال فى البحار: قوله فانى قد حرفت، أقول النسخ ففى بعضها بالحاء المهمله و الفاء على بناء المجهول من التفعيل اى غيرت عن هذا الراى، فانى امرته بالتأخير لمصلحة و الان قد تغيرت المصلحة، و يؤيده ان فى بعض النسخ صرفت بالصّاد المهملة بهذا المعنى، و فى بعضها بالحاء و القاف كناية عن شدة التأثير و الحزن اى حزنت لفعله ذلك، و فى خبر آخر من اخبار زرارة فخرجت من الحرج و هو الضيق، و على التقادير الظاهر ان قول الرّاوى حتى تغيب الشمس، مبنى على المبالغة و المجاز، اى شارفت الغروب.
و روى ايضا فى باب الحث على المحافظة على الصلوات عن كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفى باسناده عن ابن نباته قال قال على (ع) فى خطبته:
الصلوة لها وقت فرضه رسول اللّه (ص) لا تصلح الا به، فوقت صلوة الفجر حين يزائل المروء ليله و يحرم على الصيام طعامه و شرابه، و وقت صلوة الظهر اذا كان القيظ يكون ظلك مثلك، و اذا كان الشتاء حين تزول الشمس من الفلك و ذلك حين تكون على حاجبك الايمن، مع شروط الله فى الركوع و السجود، و وقت العصر تصلى و الشمس بيضاء نقية، قدر ما يسلك الرجل على الجمل الثقيل فرسخين قبل غروبها الحديث.
قال فى البحار: يدل على استحباب تأخير الظهر عند شدة الحر كما مر، و يمكن حمله على التقية ايضا، تكون على حاجبك الايمن اى عند استقبال نقطة
ص: 273
الجنوب او القبلة، فان قبلتهم قريبة منها قدر ما يسلك الرجل اى بقى ربع اليوم تقريبا، فانهم جعلوا ثمانية فراسخ لمسير الجمل بياض اليوم، و هذا قريب من زيادة الفئ قامة اى سبعة اقدام، اذ فى اواسط المعمورة فى اول الحمل و الميزان عند استواء الليل و النهار يزيد الفئ سبعة اقدام فى ثلاث ساعات و دقايق، و يزيد و ينقص فى ساير الفصول، و لا يبعد حمل هذا ايضا على التقية بجريان عادة الخلفاء قبله على التأخير اكثر من ذلك، فلم يمكنه (ع) تغيير عادتهم اكثر من هذا.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن العلل عن ابى الهيثم عبد الله بن محمد عن محمد بن على الصانع عن سعيد بن منصور عن سفيان عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن ابى هريرة قال: قال رسول الله (ص): اذا اشتد الحر فأبردوا بالصلوة، فان الحرمن فيح الجهنم، و اشتكت النار الى ربّها فاذن لها فى نفسين نفس فى الشتاء و نفس فى الصيف، فشدة(1) ما يجدون من الحر من فيحها و ما يجدون من البرد من زمهريرها.
قال فى البحار بعد ذلك: قال الصدوق معنى قوله فابردوا بالصلوة اى عجلوا بها، و هو مأخوذ من البريد(2) و تصديق ذلك ما روى انه ما من صلوة يحضر وقتها الا نادى ملك: قوموا الى نيرانكم التى اوقدتموها على ظهوركم، فاطفئوها بصلوتكم، ثم قال المجلسى طاب ثراه: ظاهر الخبر استحباب تأخير صلوة الظهر عن وقت الفضيلة فى شدة الحر، و هذا الخبر ضعيف، لكن روى الصدوق فى الفقيه فى الصحيح عن معوية بن وهب عن ابى عبد الله (ع) قال: كان المؤذن الخبر، و لا استبعاد فى كون التأخير فى الحر افضل توسيعا للامر و دفعا للحرج لكن لما كان مخالفا لساير الأخبار، و موافقا لطريقة المخالفين، حمله بعضهم على التقية، و بعضهم اوله كالصدوق.
ص: 274
و قال فى المنتهى: لا نعلم خلافا بين اهل العلم، فى استحباب تعجيل الظهر فى غير الحر، قالت عايشة: ما رأيت احدا اشد تعجيلا للظهر من رسول الله (ص)، اما فى الحر فيستحب الابراد بها، ان كانت البلاد حارة و صليت فى المسجد جماعة، و به قال الشافعى، ثم نقل الروايتين من طريق الخاصة و العامة، ثم قال: و لأنه موضع ضرورة فاستحب التأخير لزوالها، اما لو لم يكن الحر شديدا، او كانت البلاد باردة، او صلى فى بيته، فالمستحب فيه التعجيل، و هو مذهب الشافعى، خلافا لأصحاب الرأى و احمد، انتهى.
و اما تأويل الصدوق رحمه الله، و فى اكثر النسخ، و هو مأخوذ من البريد، و فى بعضها من التبريد، و البريد الرسول المسرع و الأخذ منه بعيد، و اما التبريد و الابراد فقال فى القاموس: ابرد دخل فى آخر النهار، و ابرده جاء به باردا، و الأبردان الغداة و العشى، و قال فى النهاية: فى الحديث ابردوا بالظهر فالابراد انكسارا لوهج و الحر، و هو من الابراد الدخول فى البرد، و قيل معناه صلوها فى اول وقتها من برد النهار و هو اوله، و فى المغرب: الباء للتعدية، و المعنى ادخلوا صلوة الظهر فى البرد اى صلوها اذا سكنت شدة الحر انتهى.
و قد يقال فى توجيه كلام الصدوق انه صلى الله عليه و آله امر بتعجيل الأذان و الاسراع فيه كفعل البريد فى مشيه، اما ليتخلص الناس من شدة الحر سريعا، و يتفرغوا من صلوتهم حثيثا، و اما ليعجل راحة القلب و قرة العين، كما كان النبى (ص) يقول: ارحنا يا بلال، و كان يقول: قرة عينى فى الصلوة، قيل يعنى ابرد نار الشوق و اجعلنى ثلج الفؤاد بذكر ربى.
و قيل الباء للسببية، و الابراد الدخول فى البرد، و المعنى ادخلوا فى البرد و سكتوا عنكم الحر بالاشتغال بمقدمات الصلوة، من المضمضة و الاستنشاق و غسل الأعضاء، فانها تسكن الحر، و قال فى النهاية: فيه شدة الحر من فيح جهنم، الفيح سطوع(1) الحر و فورانه و يقال بالواو، و فاحت القدر تفوح و تفيح اذا غلت، و
ص: 275
قد اخرجه مخرج التنبيه و التمثيل، اى كانه نار جهنم فى حرها، انتهى.
و قال بعضهم: اشتكاء النار مجاز من كثرتها و غليانها، و ازدحام اجزائها بحيث يضيق عنها مكانها، فيسعى كل جزء فى افناء الجزء الآخر و الاستيلاء على مكانها، و نفسها لهبها، و خروج ما ينزل مأخوذ من نفس الحيوان فى الهواء الدخانى، الذى تخرجه القوة الحيوانية، و ينقى منه حوالى القلب.
و قوله: اشد ما يجدون من الحر، خبر مبتداء محذوف، اى فى ذلك اشد و تحقيقه ان احوال هذا العالم عكس امور ذلك العالم و اثارها،، فكما جعل المستطابات و ما يستلذ بها الانسان فى الدنيا، اشباه نعيم الجنان و من جنس ما اعد لهم، فليكونوا أميل اليها و ارغب فيها، و يشهد لذلك قوله تعالى: (كُلَّمٰا رُزِقُوا مِنْهٰا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قٰالُوا هٰذَا اَلَّذِي رُزِقْنٰا مِنْ قَبْلُ )، كذلك جعل الشدايد المولمة و الاشياء الموذية انموذجا لاحوال الجحيم و ما يعذب به الكفرة و العصاة، ليزيد خوفهم و انزجارهم عما يوصلهم اليه، فما يوجد من السموم المهلكة فمن حرها، و ما يوجد من صراصر المجمده فمن زمهريرها، و هو طبقة من طبقات الجحيم انتهى كلام البحار.
قال الشيخ فى المبسوط على ما حكى: اذا كان الحر شديدا فى بلاد حارة، او ارادوا ان يصلوا جماعة فى مسجد، ان يبردوا بصلوة الظهر قليلا، و لا يؤخروا الى آخر الوقت، انتهى.
أقول: يمكن ان يستدل لهذا الحكم ايضا بالخبر الرابع، و رواية زرارة المروية فى البحار عن اختيار الرجل المتقدم فى المقام الثانى الواقع فى الامر الثانى، و النصوص كما ترى مطلقة غير مقيدة بقيد، فالتقييد الظاهر من عبارة الشيخ و غيره، غير ظاهر الوجه.
قال بعض الاجلاء: و قيدوا ايضا ذلك بقيود، منها كون الصلوة فى جماعة، و كونها فى المسجد، و فى البلاد الحارة فى شدة الحر، و الاصل فى هذه القيود ما قاله الشيخ رحمه الله فى المبسوط ثم نقل عبارته المتقدمة، و قال: و النصوص
ص: 276
كما ترى خاليه من هذه القيود، الا ان قرائن الحال فى صحيحة معوية بن وهب، تشير الى بعض ما ذكروه، و اما الخبران الاخيران اى الخبر الرابع و رواية زرارة المروية فى الاختيار، فهما بالدلالة على العدم اشبه كما لا يخفى، انتهى.
قال الشارح الفاضل بعد نقل اعتبار المسجد و كون البلاد حارة عن الشيخ و الظاهر عدم اعتبارهما اخذا بالعموم، انتهى.
أقول: و يمكن ان يستنبط القيود المتقدمة من الخبر الذى نقلناه بعد صحيحة معوية بن وهب المنقولة اولا، و لكن الخبر عامى لا يصلح لتقييد الاطلاق الأخبار السالفه، و بالجملة لا أرى وجها يعتد به فى وجه تقييدهم للاطلاقات.
قال بعض الاجلاء: يمكن ان يكون نظرهم الى استفاضة الاخبار بافضلية الصلوة فى اول الوقت، و لعله الاظهر، و فيه انهم قد استثنوا من ذلك جملة من المواضع و لم يختلفوا فى ذلك، فما بالهم اختلفوا فى هذا الموضع بخصوصه ؟ على ان اخباره صريحة ظاهرة فى ذلك، و لا معارض لها فى البين، سوى ما عرفت مما ارتكبوا تخصيصه بحمل المواضع المتقدمة، مع ان جملة من تلك المواضع خال من الدليل كما نبهنا عليه.
و يمكن ان يقال ان هذه الأخبار محمولة على التقيه لوجود القائل على مضمونها من العامة، و لعله الاظهر، كما ينادى بذلك روايتا زرارة اى الخبر الرابع و رواية الاختيار المتقدمة فى المقام الواقع فى الامر الثانى، لانهم عليهم السلام على ما ذكره بعض الاجلاء، كثيرا ما يخصون زرارة باحكام ينفرد بها عن الشيعة اتقاء عليه، مثل خبر الاهلال بالحج، و خبر النوافل، و الا فاختصاص زرارة بالملازمة على ذلك و ابن بكير، دون جملة الشيعة الموجودين يومئذ، كما صرح به حديث الكشى، لا وجه له ظاهر الا ما قلناه، و لعل فى سكوته (ع) عن جوابه، و الارسال اليه باطنا بذلك، ما يشير الى ما قلناه، و رواية محمد بن ابى عمر المتقدمة سابقا المنقوله عن اختيار الرجال، لذلك معاضدة، و بما ذكر ظهر ان الاشكال الحاصل من تخصيص الاصحاب باستحباب الابراد بصلوة الظهر خاصة،
ص: 277
مع انّ المستفاد من روايتى زرارة هو الابراد فى الظهر و العصر، غير وارد علينا.
قال بعض الاجلاء: الاصحاب انما صرحوا باستحباب الابراد بصلوة الظهر خاصة بالشروط التى ذكروها، الظاهر كما قدمناه من خبرى زرارة هو الابراد فى الظهر و العصر، و هو مشكل، اذ الخروج عن مقتضى الأخبار المستفيضة، بمثل هذين الخبرين، سيما مع عدم ذهاب احد اليه، لا يخلو من بعد، انتهى.
بقى الكلام فى التأويل الذى ذكره الصدوق لقوله (ص): ابرد من جعله بمعنى عجل، قال فى الذكرى على ما نسب و هو غريب لعدم مساعدة اللغة عليه كالعرف، و اما التوجيهات التى ذكرت لكلام الصدوق فبعيده، قال بعض الاجلاء و لعل الحامل للصدوق رحمه الله فى ارتكاب هذا التأويل البعيد و كذا من مال الى كلامه، و وجهه هو شهرة هذا القول عند العامة، و لهذا ان بعض الاصحاب نقل عن الصدوق رحمه الله حمل صحيحة معوية على التقية، و فيه ان كلام العامة ايضا مختلف فى ذلك، انتهى.
أقول: كلام العامه و ان كان مختلفا كما مر فى ذيل نقل روايه زرارة المنقوله عن الاختيار فى المقام الثانى الواقع فى الامر الثانى، و لكن ذلك غير ضاير، لان وجود قايل من العامة و لو كان واحدا يكفى فى الحمل على التقية، و بالجمله الاحتياط هو المحافظة على اوايل الاوقات الا مع مشقة شديدة، و الله هو العالم.
و فى تنزيل الجمعة منزلة الظهر وجهان، قال الشارح المحقق: الاقرب لا، اقتصار للحكم على مورد النص، و للاخبار الدالة على ضيق وقت الجمعة، و ادعاء عموم النص توهم، و خالف فى ذلك المصنف رحمه الله فى التذكرة، انتهى
أقول: و ما ذكره الشارح المحقق هو الاحوط.
(و اول المغرب اذا غربت الشمس) بلا خلاف اجده، بل عليه الاجماع فى كلام غير واحد منهم، كالمعتبر و غيره(1) و فى المنتهى: هو قول كل من يحفظ عنه
ص: 278
العلم لا نعرف فيه خلافا، و الأخبار الدالة عليه متجاوزة عن حد الاستفاضة بل لعلها متواترة، كما سيجئ الى شطر منها الاشارة، و بالجمله لا اشكال و لا خلاف فى ذلك، و انما الخلاف فيما يتحقق به الغروب، فالمشهور بين الاصحاب انه انما يعلم بزوال الحمرة المشرقية عن قمة الراس ناحية المغرب، و المصنف طاب ثراه اختار هذا القول حيث عقب الغروب بقوله (المعلوم بغيبوبة الحمرة المشرقية) قال فى التحرير و عليه عمل الاصحاب، و قال الشيخ فى المبسوط علامة غيبوبة الشمس هو انه اذا راى الآفاق و السماء مصحية و لا حائل بينه و بينها، و رآها قد غابت عن العين علم غروبها، و فى اصحابنا من قال: يراعى زوال الحمرة من ناحيه المشرق و هو الاحوط، فاما على القول الأول اذا غابت عن النظر و راى ضوءها على جبل يقابلها، او مكان عال مثل منارة الاسكندرية و شبهها، فانه يصلى و لا يلزمه حكم طلوعها بحيث طلعت، و على الرواية الاخرى لا يجوز ذلك حتى تغيب فى كل موضع تراه و هو الاحوط، و يظهر منه ان الاعتبار عنده بغيبوبة القرص، و اليه ذهب فى الاستبصار على احد الوجهين فى الجمع بين الأخبار، و هو مختار علم الهدى و ابن الجنيد و ابن بابويه فى كتاب علل الشرايع، و ظاهر اختياره فى الفقيه حيث نقل احاديث الدالة عليه، و اختاره بعض المتأخرين.
و قال ابن ابى عقيل: اول وقت المغرب سقوط القرص، و علامة سقوط القرص ان يسود افق السماء من المشرق، و ذلك اقبال الليل و تقوية الظلمة فى الجو و اشتباك النجوم، و لعلّه اراد ما يقرب القول الأول، هذا على ما نقله بعض الافاضل.
و قال بعض الاجلة بعد نقل ما اختاره المشهور ما صورته: خلافا للاسكافى و الصدوق فى العلل و المبسوط، فعلامة الغروب غيبتها عن الحس بالغروب و يحتمله كلام الديلمى و المرتضى و القاضى فى بعض كتبهما، لجعل الوقت، سقوط القرص و ليس نصا فيه، انتهى.
ص: 279
أقول: و نسب الشارح المحقق و غيره هذا القول الى الاستبصار بقول مطلق، كظاهر الصدوق فى الفقيه و ستعرف ما يرد على ذلك، فالواجب اولا بسط جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام فنقول.
ما رواه الكافى فى باب وقت المغرب و العشاء عن ابن ابى عمير عمن ذكره عن ابى عبد الله (ع) قال: وقت سقوط القرص و وجوب الافطار، ان تقوم بحذاء القبلة و تتفقد الحمرة التى ترتفع من المشرق، اذا جازت قبة الرأس الى ناحية المغرب، فقد وجب الافطار و سقط القرص.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم بطريقين عن القاسم بن عروة عن بريد بن معوية عن ابى جعفر (ع) قال: اذا غربت الحمرة من هذا الجانب يعنى من المشرق، فقد غابت الشمس من شرق الارض و غربها.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن على بن احمد بن اشيم عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (ع)، قال سمعته يقول: وقت المغرب اذا ذهبت الحمرة من المشرق، و تدرى كيف ذلك ؟ قلت: لا، قال: لأن المشرق مطل على المغرب هكذا، و رفع يمينه فوق يساره، فاذا غابت ههنا ذهبت الحمرة من ههنا.
روى فى البحار فى باب وقت العشاءين عن العلل عن ابيه عن محمد بن احمد بن يحيى الاشعرى، عن احمد بن احمد عن على بن احمد عن بعض اصحابنا رفعه قال ابو عبد الله (ع) يقول: وقت المغرب الخبر.
قال فى البحار: اطل عليه اشرف، ذكره فى القاموس، و المراد بالمشرق ما يقع عليه شعاع الشمس من كرة البحار فى جانب المشرق، و بالمغرب محل غروب الشمس من تحت الافق، اذ بعد الانحطاط عن الافق بزمان تذهب الحمرة عن المشرق، و اشرافه عليه ظاهر بهذا الوجه، اذ احدهما تحت الافق و الآخر فوق الافق.
ما رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة عن محمد بن على قال:
ص: 280
صحبت الرضا (ع) فى السفر، فرايته يصلى المغرب اذا اقبلت الفحمة من المشرق، يعنى السواد.
ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق عن احمد بن الحسن الذى قيل ان الطائفة عملت بما رواه بنو فضال، عن على بن يعقوب عن مروان بن مسلم عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (ع) قال: انما امرت ابا الخطاب ان يصلى المغرب حين زالت الحمرة، فجعل هو الحمرة التى من قبل المغرب، فكان يصلى حين يغيب الشفق.
ما رواه الكافى فى كتاب الحج فى باب الافاضة من عرفات فى الموثق عن يونس بن يعقوب قال قلت لأبى عبد الله (ع): متى الافاضة من عرفات ؟ قال: اذا ذهبت الحمرة، يعنى من الجانب الشرقى.
ما رواه التهذيب فى الكتاب المتقدم فى الباب المتقدم فى الموثق عن يونس بن يعقوب قال قلت لأبى عبد الله (ع): متى تفيض من عرفات ؟ فقال: اذا ذهبت الحمرة من ههنا، و اشار بيده الى المشرق و الى مطلع الشمس.
ما رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة عن زرارة عن أبى جعفر عليه السلام قال: و اذا غابت الشمس دخل الوقتان، المغرب و العشاء الآخرة.
ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح عن عبد الله بن سنان قال سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: وقت المغرب اذا غربت الشمس، فغاب قرصها.
ما رواه الكافى فى باب وقت المغرب فى الحسن كالصحيح عن زرارة قال: قال ابو جعفر (ع): وقت المغرب اذا غاب القرص، فان رأيت بعد ذلك و قد صليت، فاعد الصلوة و مضى صومك و تكف من الطعام ان كنت اصبت منه شيئا.
ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات عن عبد
ص: 281
الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: وقت المغرب من حين تغيب الشمس الى ان تشتبك النجوم.
ما رواه ايضا فى باب اوقات الصلوة عن على بن حكم عمن حدثه عن احدهما، انه سئل عن وقت المغرب ؟ فقال: اذا غاب كرسيها، قلت: و ما كرسيها؟ قال: قرصها، فقلت: متى يغيب قرصها؟ قال: اذا نظرت اليه فلم تره.
ما رواه فى باب المواقيت فى الزيادات عن الصباح بن سبابة و ابى اسامة قالا: سألوا الشيخ عن المغرب فقال بعضهم: جعلنى الله فداك تنتظر حتى يطلع كوكب ؟ فقال: خطّابية ان جبرئيل نزل على محمد (ص) حين سقط القرص.
ما رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة عن عمر بن ابى نصر قال سمعت ابا عبد الله (ع) يقول فى المغرب: اذا توارى القرص كان وقت الصلوة و افطر.
قال الشارح المحقق: و فى طريق هذه الرواية موسى بن جعفر البغدادى، و هو غير موثق لكنه لم يستثن من رجال نوادر الحكمة، و لعل فى ذلك اشعارا بحسن حاله، و فى طريقها ايضا الوشاء و هو ممدوح، اقول بل الظاهر انه ثقه.
ما رواه فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق عن اسمعيل بن جابر عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن وقت المغرب، قال: ما بين غروب الشمس الى سقوط الشفق.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن جارود قال: قال لى ابو عبد الله (ع): يا جارود ينصحون و لا يقبلون، فاذا سمعوا بشىء نادوا به او حدثوا بشىء اذاعوه، قلت مسوا بالمغرب قليلا، فتركوها حتى اشتبكت النجوم، فأنا الآن اصليها اذا سقط القرص.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن حريز عن
ص: 282
ابى اسامة او غيره قال: صعدت مرة جبل ابى قبيس و الناس يصلون المغرب، فرايت الشمس لم تغب خلف الجبل عن الناس، فلقيت ابا عبد الله (ع) فأخبرته بذلك فقال لى: فلم فعلت ذلك ؟ بئس ما صنعت، انما تصليها اذا لم ترها خلف جبل غابت او غارت، ما لم يتجلاها سحاب او ظلمة تظلها،، فأنما عليك مشرقك و مغربك و ليس على الناس ان يبحثوا.
قال الشارح المحقق: و رواه الصدوق فى الفقيه(1) عن ابى اسامة بطريق فيه ضعف، لكن ايراد فى ذلك الكتاب قرينة الاعتماد، مع ان الظاهر ترديد الثقة و غيره، مشعر بأن الراوى مما يوثق بقوله، و بالجملة هذا الخبر معتبر و ان لم يبلغ حد الصحة، انتهى فتدبر.
أقول روى فى البحار فى باب وقت العشاءين عن مجالس الصدوق عن محمد بن الحسن بن الوليد عن الحسين بن الحسن بن ابان عن الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن زيد الشحام او غيره، مثله.
ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب المواقيت فى القوى عن(2)سماعة بن مهران قال: قلت لأبى عبد الله (ع) فى المغرب: انا ربما صلينا و نحن نخاف ان تكون الشمس خلف الجبل، و قد سترنا منها الجبل، فقال لى: ليس عليك صعود الجبل.
و روى فى البحار فى باب وقت العشاءين عن مجالس الصدوق عن ابيه و ابن الوليد معا عن سعد بن عبد الله عن موسى بن الحسن و الحسن بن على معا عن احمد بن هلال عن ابن ابى عمير عن جعفر بن عثمان عن سماعة، مثله الا ان فيه بدل و قد سترنا منها الجبل او قد سترها منا الجبل.
ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الصحيح عن ابن ابى عمير عن محمد بن حكيم عن شهاب بن عبد ربه قال: قال
ص: 283
ابو عبد الله (ع): يا شهاب انى احب اذا صليت المغرب ان ارى فى السماء كوكبا.
ما رواه فى المكان المتقدم فى الموثق عن يعقوب بن شعيب عن ابى عبد الله (ع) قال: قال لى: مسوا بالمغرب قليلا، فإن الشمس تغيب من عندكم قبل ان تغيب من عندنا.
ما رواه فى باب اوقات الصلوة عن ابى اسامة الشحام قال: قال رجل لأبى عبد الله (ع): اخّر المغرب حتى يستبين النجوم ؟ قال: فقال: خطّابيه ان جبرئيل (ع) نزل بها على محمد (ص) حين سقط القرص.
روى فى البحار فى باب وقت العشاءين عن العلل عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن ابن ابى عمير عن ابراهيم بن عبد الحميد عن ابى اسامة الشحام، مثله.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن اختيار الكشى عن حمدويه و ابراهيم ابنى نصير عن الحسن بن موسى عن ابن عبد الحميد، مثله.
قال فى البحار: خطابية اى بدعة ابتدعها ابو الخطاب، و هو رجل غال ملعون على لسان الصادق (ع)، اسمه محمد بن مقلاص و كان صاحب بدع و اهواء.
ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق عن الحسن بن محمد بن سماعة عن محمد بن زياد عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: قال: وقت المغرب من حين تغيب الشمس الى ان تشتبك النجوم.
ما رواه فى المكان المتقدم فى الموثق او كالصحيح لمكان ابان بن عثمان عن اسمعيل بن الفضل الهاشمى عن ابى عبد الله (ع) قال:
كان رسول الله (ص) يصلى المغرب حين تغيب الشمس، حيث يغيب حاجيها،
ص: 284
و عن الصحاح حواجب الشمس نواحيها.
ما رواه فى المكان المتقدم عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: وقت المغرب حين تغيب الشمس.
ما رواه التهذيب فى باب الصلوة على الاموات من الزيادات فى الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (ع) قال:
سألته عن صلوة الجنايز اذا احمرت الشمس، ايصلح ام لا؟ فقال: لا صلوة فى وقت صلوة، و قال: اذا وجبت الشمس فصل المغرب، ثم صلى على الجنايز.
ما رواه فى باب المواقيت فى الزيادات عن عبد الله بن وضاح قال: كتبت الى العبد الصّالح يتوارى القرص و يقبل الليل، ثم يزيد الليل ارتفاعا و تستر عنا الشمس، و ترتفع فوق الليل حمرة، و يؤذن عندنا المؤذنون، فأصلى حينئذ و افطران كنت صائما، او انتظر حتى تذهب الحمرة التى فوق الجبل ؟ فكتب الى: ارى لك ان تنتظر الى ان تذهب الحمرة و تأخذ بالحايطة لدينك.
و روى هذا الخبر فى الاستبصار فى باب وقت المغرب عن عبد الله بن صباح.
قال الشارح المحقق بعد نقل الخبر عن ابن صباح: و لا يخفى ان الخبر على هذا الوجه، منقول فى الصافى و التهذيب بدل عبد الله بن صباح عبد الله بن وضاح و هو ثقة، و يدل قوله: و يرتفع فوق الليل، فوق الجبل و هو احسن، أقول: عندنا نسختان من التهذيب فى احديهما و يرتفع فوق الليل كما نقلنا، و فى الآخرى بدل الليل الجبل.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن محمّد بن شريح عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن وقت المغرب ؟ فقال: اذا تغيرت الحمرة فى الافق و ذهبت الصفرة، و قبل ان تشتبك النجوم.
ما رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة عن اسمعيل
ص: 285
بن همام قال: رأيت الرضا (ع) و كنا عنده لم يصل المغرب حتى ظهرت النجوم قام فصلى بنا على دار ابن ابى محمود.
ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح عن احمد بن محمد بن عيسى عن على بن الصلت عن بكر بن محمد عن ابى عبد الله (ع) قال: سأله سائل عن وقت المغرب ؟ قال: ان الله تعالى يقول فى كتابه: (فَلَمّٰا جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ رَأىٰ كَوْكَباً)، فهذا اول الوقت، و آخر ذلك غيبوبة الشفق، و اول وقت العشاء ذهاب الحمرة، و آخر وقتها الى غسق الليل نصف الليل.
و رواية ايضا فى باب المواقيت، بأدنى تفاوت غير مخلّ .
ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب الوقت الذى يحل فيه الافطار قال قال ابى رضوان الله عليه فى رسالته الى: يحلّ لك الافطار اذا بدت ثلاثة انجم، و هى تطلع مع غروب الشمس، و هى رواية ابان عن زرارة.
أقول روى التهذيب فى باب الزيادات الواقع فى آخر كتاب الصيام فى الصحيح عن زرارة قال: سألت ابا جعفر (ع) عن وقت افطار الصيام، قال: حين تبدوا ثلاثة انجم.
ما رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة عن محمد بن ابى حمزة عمن ذكره عن ابى عبد اللّه (ع) قال: ملعون ملعون من أخر المغرب طلب فضلها.
روى فى البحار فى باب وقت العشاءين عن العلل عن ابيه و ابن الوليد معا عن محمد بن العطار عن محمد بن احمد الاشعرى عن احمد بن محمد عن على بن احمد عن محمد بن ابى حمزة عمن ذكره عن ابى عبد الله (ع) قال:
ملعون من أخر المغرب طلبا لفضلها.
ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات عن على بن الريان قال: كتبت اليه: الرّجل يكون فى الدار يمنعه حيطانها النظر الى حمرة المغرب و معرفة مغيب الشفق و وقت صلوة العشاء الآخرة، متى
ص: 286
يصليها و كيف يصنع ؟ فوقع (ع): يصليها اذا كان على هذه الصفة عند قصر النجوم، و العشاء عند اشتباكها و بياض مغيب الشفق.
و روى فى البحار فى باب وقت صلوة العشاءين عن السرائر من كتاب المسائل برواية احمد بن محمد بن عياش الجوهرى و رواية عبد الله بن جعفر الحميرى عن مسائل على بن الريان، قال كتبت الى ابى الحسن (ع): رجل يكون فى الدار يمنعه حيطانها من النظر الى حمرة المغرب و معرفة مغيب الشفق و وقت صلوة العشاء، متى يصليها و كيف يصنع ؟ فوقع (ع): يصليها اذا كانت على هذه الصفة، عند اشتباك و المغرب عند قصر النجوم و بياض مغيب الشفق.
فى البحار فى التهذيب بعد نقل الرواية، قال محمد بن الحسن: معنى قصر النجوم بيانها، و فى الكافى قصر النجوم بيانها، و فى بعض نسخة نضرة النجوم فى الموضعين، و فى القاموس: القصر اختلاط الظلام، و قصر الطعام قصورا نما و غلا و نقص و رخص، و فى مصباح اللغة، قصرت الثوب بيضته، فلعل ما ذكراه اما مأخوذا من المعنى الاخير او من النمو، ثم اعلم ان نسخ الحديث من لفظ الخبر مختلفة، ففى الكافى يصليها اذا كان على هذه الصفة عند قصر النجوم و المغرب عند اشتباكها و بياض مغيب الشفق، و فى التهذيب يصليها اذا كان على هذه الصفة عند قصر النجوم و العشاء عند اشتباكها و بياض مغيب الشفق، و هو اصوب مما فى الكتابين و اوفق بساير الأخبار، كما لا يخفى، انتهى.
ما رواه فى باب اوقات الصلوة عن يزيد بن خليفه قال قلت لأبى عبد الله (ع): ان عمر بن حنظله اتانا عنك بوقت، قال فقال ابو عبد الله عليه السلام: اذن لا يكذب علينا، قلت قال: وقت المغرب اذا غاب القرص الا ان رسول الله (ص) كان اذا جدّبه السير اخر المغرب و يجمع بينها و بين العشاء، فقال: صدق، وقت العشاء حين يغيب الشفق الى ثلث اليل و وقت الفجر حين يبدو حتى يضئ.
ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الصحيح عن
ص: 287
ذريح قال قلت لأبى عبد الله (ع): ان اناسا من اصحاب ابى الخطاب يمسون بالمغرب حتى تشتبك النجوم، قال: أبرأ الى الله ممن فعل ذلك متعمدا.
ما رواه فى البحار فى باب وقت العشاءين عن مجالس الصدوق عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد بن عيسى و موسى بن جعفر البغدادى معا عن عبد الله بن الصلت عن الحسن بن على بن فضال عن داود بن ابى يزيد عن الصادق (ع): اذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم منه عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن العباس بن معروف عن على بن مهزيار عن الحسن بن سعيد عن على بن النعمان عن داود بن فرقد قال:
سمعت ابى يسأل ابى عبد الله (ع): متى يدخل وقت المغرب ؟ فقال: اذا غاب كرسيها، قال: و ما كرسيّها؟ قال: قرصها، قلت: متى يغيب قرصها؟ قال:
اذا نظرت اليه فلم تره.
قال فى البحار: لعل الضمير فى كرسيها راجع الى الشمس بمعنى الضوء، فإنه يطلق على الجرم و على الضوء و عليهما معا فشبه قرص الشمس بكرسى الضوء لتمكنه فيه، و نقل الشارح المحقق هذا الخبر فى الذخيرة بقوله: و ما رواه ابن بابويه فى كتاب المجالس فى الصحيح عن داود بن فرقد ثم نقل الخبر، و قال: و فى الصحيح عن داود بن ابى يزيد قال قال الصادق جعفر بن محمد (ع): اذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن مجالس الصدوق عن محمد بن الحسن بن الوليد عن الحسين بن الحسن بن ابان عن الحسين بن سعيد عن ابن ابى عمير عن محمد بن يحيى الخثعى قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: كان رسول الله (ص) يصلى المغرب و يصلى معه حى من الانصار، يقال لهم بنو سلمه منازلهم على نصف ميل، فيصلون معه ثم ينصرفون
ص: 288
الى منازلهم، و هم يرون مواضع نبلهم.
قال فى البحار: و مواضع نبلهم اى سهامهم، و يدل على استحباب التعجيل بالمغرب، و ظاهره دخول الوقت بغيبوبة القرص، و هذا الخبر رواه المخالفون ايضا عن جابر و غيره قال: كنا نصلى المغرب مع النبى (ص) ثم نخرج نتناضل حتى ندخل بيوت بنى سلمه، ننظر الى مواقع النبل بين الاسفار(1).
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن المجالس عن جعفر بن على بن الحسن الكوفى عن جده الحسن بن على بن عبد اللّه بن المغيرة عن ابن بكير عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (ع)، قال: سمعته يقول: صحبنى رجل كان يمسى بالمغرب و يغلس بالفجر، فكنت انا اصلى المغرب اذا وجبت الشمس و اصلى الفجر اذا استبان لى الفجر، فقال لى الرّجل: ما يمنعك ان تصنع مثل ما اصنع، فإن الشمس تطلع على قوم قبلنا و تغرب عنا و هى طالعة على آخرين بعد قال فقلت: انما علينا ان نصلى اذا وجبت الشمس عنا، و اذا طلع الفجر عندنا، ليس علينا الا ذلك، و على اولئك ان يصلوا اذا غربت عنهم.
فى البحار: يمسى بالمغرب اى يوقعها فى المساء بعد دخول الليل، و قال الجوهرى: الغلس ظلمة آخر الليل و التغليس السير بغلس، يقال غلست المساء اذا وردناه بغلس، و كذلك اذا فعلنا الصلوة بغلس.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن المجالس عن ابيه و محمد بن الحسن بن الوليد و احمد بن محمد العطار كلهم عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين بن ابى الخطاب عن موسى بن بشار عن المسعودى عن عبد الله بن الزبير عن ابان بن تغلب و الربيع بن سليمان و ابان بن ارقم و غيرهم قالوا: اقبلنا من مكة حتى اذا كنا بواد الاخضر، اذا نحن برجل يصلى و نحن
ص: 289
ننظر الى شعاع الشمس، فوجدنا فى انفسنا، فجعل يصلى و نحن ندعوا عليه.
صلى ركعة و نحن ندعوا عليه و نقول: هذا فى شباب اهل المدينة، فلما اتيناه اذا هو ابو عبد اللّه جعفر بن محمد (ع)، فنزلنا و صلينا معه و قد فاتتنا ركعة، فلما قضينا الصلوة قمنا اليه فقلنا: جعلنا فداك هذه الساعة تصلى ؟ فقال: اذا غابت الشمس فقد دخل الوقت.
و فى البحار: فى القاموس: الاجفر موضع بين الخزيميّه و فيد، و قال وجد عليه يجد و يجد وجدا وجده و موجده غضب و به وجدا فى الحب فقط و كذا فى الحزن لكن بكسر ماضيه، و المراد بشعاع الشمس الحمرة المشرقية كما يدل عليه آخر الخبر.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن مجالس الصدوق عن ابيه عن محمد بن يحيى العطار عن سهل بن زياد عن هرون مسلم(1) عن ابن ابى عمير عن على بن اسمعيل عن زيد الشحام قال: سمعت ابا عبد اللّه (ع) يقول: من أخر المغرب حتى تشتبك النجوم من غير علة، فأنا الى الله منه برئ.
قال فى البحار: اشتباك النجوم كثرتها، قال فى النهاية فى حديث مواقيت الصلوة: اذا اشتبكت النجوم اى ظهرت جميعا و اختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها، و لعله محمول على ما اذا أخر معتقدا عدم ايقاعها قبل ذلك كما كان مذهب ابى الخطاب، او طلبا لفضلها كما قيد به فى ساير الأخبار، او اذاعة و تركا للتقية، فان العامة ينكرون التأخير اشد الانكار، او على من داوم على ذلك تهاونا بالسنة و عدولا عنها، و يمكن حملها على التقية ايضا.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم بعد الخبر المتقدم عن الاحتجاج عن الكلينى رفعه عن الزهرى قال: طلبت هذا الامر طلبا شاقيا حتى ذهب لى فيه مال صالح، فرفعت الى العمرى فخدمته و لزمته، فسألته بعد ذلك عن صاحب الزمان، فقال: ليس الى ذلك وصول، فخضعت له، فقال:
بكّر بالغداة، فوافيت فأستقبلنى شاب من احسن الناس وجها و اطيبهم ريحا و فى
ص: 290
كمه شىء كهيئة التجار، فلما نظرت اليه دنوت من العمرى فأومى اليه، فعدلت اليه و سألته فأجابنى عن كل شىء اردت، ثم مر ليدخل الدار و كانت من الدور التى لا يكترث بها، فقال العمرى: ان اردت ان تسأل فأنك لا تراه بعد ذا، فذهبت لا سأل فلم يستمع و دخل الدار، و ما كلمنى بأكثر من ان قال: ملعون ملعون من أخر العشاء الى ان تشتبك النجوم، ملعون ملعون من أخر الغداة الى ان تقتضى النجوم، و دخل الدار.
قال فى البحار: لعل المراد بالعشاء هنا المغرب، و يحمل على ما حمل عليه الخبر السابق.
ما رواه ايضا عن قرب الاسناد عن احمد بن اسحق بن سعد عن بكر بن محمد الازدى قال:(1) سألت ابا عبد الله (ع) عن وقت صلوة المغرب ؟ فقال اذا غاب القرص، ثم سألته عن وقت صلوة العشاء الآخرة ؟ قال: اذا غاب الشفق، قال و اية الحمرة ؟ قال و قال بيده هكذا.
فى البحار: قال بيده هكذا اى اشار بيده الى ناحية المغرب و استعمال القول فى الفعل شايع.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن قرب الاسناد عن سندى بن محمد عن صفوان الجمال عن ابى عبد الله (ع)، قال قلت: ان معى شبه الكرش المنثور فاؤخر صلوة المغرب حتى عند غيبوبة الشفق ثم اصليهما جميعا، يكون ذلك ارفق(2) بى فقال: اذا غاب القرص فصل المغرب، فإنما انت و مالك لله عز و جل.
و روى ايضا منه عن محمد بن خالد الطيالسى عن صفوان، مثله.
قال فى البحار: قال فى القاموس: الكرش بالكسر و ككتف لكل مجتر بمنزلة المعدة للانسان و عيال الرجل و صغار ولده و الجماعة، و فى الصحاح و كرش
ص: 291
الرجل ايضا عياله من صغار ولده يقال هم كرش منثورة اى صبيان صغار، و تزوج فلان فلانة فنثرت له كرشها و بطنها اذا كثر ولدها له، و الكرش ايضا الجماعة من الناس انتهى، و المراد هنا كثرة العيال او كثرة الجمال كما يشهد به حاله، و آخر الخبر ايضا، و الغرض انى لكثرة عيالى محتاج الى العمل، و لكثرة جمالى و خوف انتشارها و تفرقها لا اقدر على تفريق الصلوتين، فنهى (ع) عن تأخير المغرب لذلك، و فيه دلالة ما على مرجوحية الجمع.
ما رواه فى الباب المتقدم عن قرب الاسناد عن محمد بن الحسين عن احمد بن الميثم عن الحسين بن ابى العرندس قال: رأيت ابا الحسن موسى (ع) فى المسجد الحرام فى شهر رمضان، و قد اتاه غلام له اسود بين ثوبين ابيضين، و معه قلة و قدح، فحين قال المؤذن اللّه اكبر صب له فنا و له و شرب.
قال فى البحار: ظاهره دخول وقت المغرب بغيبوبة القرص، اذ مؤذنهم يؤذن عند ذلك، و نقل الراوى ذلك ايضا يدل عليه كما لا يخفى و يمكن حمله على التقية.
ما رواه فى الباب المتقدم عن العلل عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن معوية بن حكيم عن عبد الله بن المغيرة عن ابن مسكان عن ليث عن ابى عبد الله (ع) قال: كان رسول الله (ص) لا يؤثر على صلوة المغرب شيئا اذا غربت الشمس حتى يصليها.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن اختيار الرجال للكشى عن محمد بن مسعود عن ابن المغيرة عن الفضل بن شاذان عن ابن ابى عمير عن حماد عن حريز عن زرارة قال قال يعنى ابا عبد الله (ع): ان ابا الخطاب كذب على و قال: انى أمرته ان لا يصلى هو و اصحابه المغرب حتى يروا كوكبا كذا له القندانى و اللّه ان ذلك لكوكب(1) ما اعرفه.
ص: 292
قال فى البحار اى ما اعرفه بهذا الوصف او بهذا الاسم، و لعله كان كوكبا خفيا لا يظهر الا بعد اشتباك النجوم كالسهى.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن الاختيار عن محمد بن مسعود عن على بن الحسن عن معمر بن خلاد قال: قال ابو الحسن (ع): ان ابا الخطاب افسد(1)اهل الكوفه، فصاروا لا يصلون المغرب حتى يغيب الشفق، و لم يكن ذلك انما ذلك(2) للمسافر و صاحب العلة.
ما رواه فى الباب المتقدم عن دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد عن آبائه (ع): ان اول وقت المغرب غياب الشمس، و هوان يتوارى القرص فى افق المغرب، لغير مانع من حاجز يجحز دون الافق مثل جبل او حايط او غير ذلك، فاذا غاب القرص فذلك اول وقت صلوة المغرب، و ان حال حائل دون الافق فعلامته ان يسود افق المشرق، و كذلك قال جعفر بن محمد (ع).
و روى عن رسول الله (ص) انه قال: اذا اقبل الليل من ههنا و اومى الى جهة المشرق. و سمع ابو الخطاب ابا عبد الله (ع) و هو يقول: اذا سقطت الحمرة من ههنا و اومى بيده الى المشرق فذلك وقت المغرب، فقال ابو الخطاب لاصحابه، لما احدث ما احدثه، وقت صلوة المغرب ذهاب الحمرة من افق المغرب، فلا تصلوها حتى تشتبك النجوم، و روى ذلك لهم عن ابى عبد الله عليه السلام فبلغه ذلك (ع)، فلعن ابا الخطاب و قال: من ترك صلوة المغرب عامدا الى اشتباك النجوم فأنا منه برئ، و روينا عن ابى عبد اللّه (ع) قال:
وقت العشاء الآخرة غياب الشفق، و الشفق الحمرة التى تكون فى افق المغرب بعد غروب الشمس، و آخر وقتها ان ينتصف الليل.
قال فى البحار ما ذكره من حمل اخبار ذهاب الحمرة على صورة الاشتباه
ص: 293
و عدم السّبيل الى تيقّن استتار القرص، وجه جمع بين الأخبار اختيار المؤلف، و لعل الحمل على الاستحباب احسن.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن فقه الرضا (ع) قال: اول مغرب سقوط القرص، و علامة سقوطه ان يسود افق المشرق، و آخر وقتها غروب الشفق، و هو اول وقت العتمة، و سقوط الشفق ذهاب الحمرة، و آخر وقت العتمة نصف الليل و هو زوال الليل، و قال فى موضع آخر: وقت المغرب سقوط القرص الى مغيب الشفق، و وقت عشاء الآخرة الفراغ من المغرب ثم الى ربع الليل، و قد رخص للعليل و المسافر فيهما الى انتصاف الليل، و للمضطر الى قبل طلوع الفجر، و الدليل على غروب الشمس ذهاب الحمرة من جانب المشرق، و فى الغيم سواد المحاجر، و قد كثرت الروايات فى وقت المغرب و سقوط القرص و العمل من ذلك على سواد المشرق الى حد الراس.
قال فى البحار: فى القاموس: المحجر كمجلس و منبر الحديقه، و من العين ما دار بها و بدا من البرقع، او ما يظهر من نقابها و عمامته اذا اعتم، و ما حول القرية،
اذا عرفت ذلك فاعلم ان جملة من متأخرى المتأخرين كصاحب المدارك و صاحب الذخيرة و الشيخ البهائى و المحقق المجلسى و المحدث الكاشانى مالوا الى ما اختاره المبسوط.
قال الأول فى جملة كلام له: و لا ريب ان الاحتياط اعتبار ذهاب الحمرة، و ظهور النجوم، و ان كان القول بالاكتفاء بغروب الشمس لا يخلو من قوة.
و قال الثانى: و عندى القول الاوسط اى قول المبسوط اقرب.
و قال الثالث فى الحبل المتين: و بالجمله فكلام المبسوط غير بعيد الا انه لا خروج عما عليه جماهير الاصحاب، سيما مع كونه سبيل الاحتياط.
و قال الرابع فى البحار: و الأخبار المعتبرة الكثيرة تدل على القول الثانى و هو استتار القرص، و لعل الاكثر انما عدلوا عنها لموافقتها لمذهب العامة، فحملوها على التقية و تأويلها بذهاب الحمرة فى غاية البعد، لكن العمل بها و
ص: 294
حمل ما يعارضها على الاستحباب وجه قوى به يجمع بين الأخبار، و يؤيده بعض الروايات، و ان العمل بالمشهور احوط.
و قال الخامس فى المفاتيح: و يعرف المغرب باستتار القرص و غيبته عن النظر مع انتقاء الحايل على الاصح، وفاقا للاسكافى و جماعة، انتهى.
و اما نسبه غير واحد منهم الى الاستبصار و الفقيه من ذهابهما الى مختار المبسوط فغير وجيه، بل الظاهر من كلامهما هو الموافقة للمشهور.
و ذلك لأن الشيخ فى الاستبصار بعد ان نقل جملة من الأخبار المتقدمة الدالة على دخول وقت المغرب بسقوط القرص، قال: فاما ما رواه ثم نقل الخبر العشرين و السادس و العشرين و الثامن و العشرين و التاسع و العشرين المتقدم كلها فيما سبق ههنا، و الخبر الثلاثين المتقدم فى شرح قول المصنف المقصد الثانى: فى اوقاتها، و قال: فالوجه فى هذه الأخبار احد شيئين.
احدهما ان يكون انما امرهم ان يمسوا بالمغرب قليلا، او يحتاطوا التيقن بذلك سقوط الشمس، لأن حدها غيبوبة الحمرة من ناحية المشرق لا غيبوبتها عن العين، يدل على ذلك ما رواه ثم نقل الخبر الثانى و الثالث و الرابع و الخامس، و قال: فأما ما رواه ثم نقل الخبر السابع عشر و الثامن عشر، و قال:
فلا تنافى بين هذين الخبرين، و بين ما اعتبرناه فى غيبوبة الشمس من زوال الحمرة من ناحية المشرق، لأنه لا يمتنع ان يكون قد زالت الحمرة عنها.
الى ان قال: و الوجه الثانى فى الأخبار التى قدمناها، ان تكون مخصوصه بصاحب الاعذار و من له حاجه لا بد منها، يدل على ذلك ثم نقل جمله من الأخبار، منها الخبر الثالث و الثلاثون، المتقدم فى اوايل المقصد، و منها الخبر المشتمل على قول الصادق (ع): لا باس ان كان صائما افطر و ان كانت له حاجه قضاها ثم صلى، بعد سؤال عمار عنه (ع): عن صلوة المغرب اذا حضرت هل يجوز ان يؤخر ساعة ؟ و منها الخبر لطلحة المشتمل على قول الباقر (ع): ان النبى (ص) كان فى الليلة المطيرة يؤخر من
ص: 295
المغرب و يعجل من العشاء فيصليهما جميعا، و يقول من لا يرحم لا يرحم، و منها خبر الحسين بن يقطين قال: سألته (ع) عن الرجل تدركه صلوة المغرب فى الطريق ايؤخرها الى ان يغيب الشفق ؟ قال: لا باس بذلك فى السفر فأما فى الحضر فدون ذلك شيئا.
و قال: فهذه الأخبار كلها دالة على ان هذه الاوقات لاصحاب الاعذار، لأنها مقيدة بالموانع من السفر و الحوائج و ما يجرى مجراه، و يزيد ذلك بيانا ما رواه ثم نقل الخبر الرابع و الاربعين، و رواية سعيد بن جناح عن بعض اصحابنا عن الرضا (ع)، ان أبا الخطاب كان افسد عامّة اهل الكوفة، و كانوا لا يصلون حتى يغيب الشفق، و انما ذلك للمسافر و الخائف و لصاحب الحاجة، و رواية جميل بن دراج قال: قلت لأبى عبد الله (ع): ما تقول فى الرجل يصلى المغرب بعد ما يسقط الشفق ؟ فقال: لعلة لا بأس، قلت: فالرجل يصلى العشاء الآخرة قبل ان يسقط الشفق، فقال: لعلة لا بأس، و قال: فاما ما رواه ثم نقل الخبر التاسع عشر، و قال فوجه الاستحباب ان يتأنى الانسان فى صلوته و يصليها على تؤده، فانه اذا فعل ذلك يكون فراغه منها عند ظهور الكواكب، و يحتمل ان يكون مخصوصا بمن يكون فى موضع لا يمكنه اعتبار سقوط الحمرة من المشرق بان يكون بين الحيطان العالية او الجبال الشاهقة، فان من هذه صفته ينبغى له ان يستظهر فى ذلك بمراعاة الكواكب، يدل على ذلك ما رواه ثم نقل الخبر الثانى و الثلاثين، و انت خبير بان هذه العبارة ظاهرة فى مطابقة المشهور، و الحكم بصراحة عبارته لموافقة المشهور افراط، كما ان الحكم بموافقته فيما ذكره فيها للمبسوط تفريط.
و اما الفقيه فانا لم نجد فيه ما يدل على ذلك، نعم صرحوا ان منشاء النسبة هو نقله بعض الأحاديث الدالة عليه، و هو يعطى ذهابه الى ما يستفاد منها، بناء على ما قدمه فى اول كتابه من انه لا يروى فيه الا ما يفتى به و يحكم بصحته، و فيه نظر سيظهر وجهه ان شاء الله.
ص: 296
هذا مضافا الى انه روى فيه ايضا ما ينافى القول المذكور، و هو الخبر التاسع و العشرون، و هو كالصريح فى عدم الاعتبار بغيبوبة الشمس عن النظر، و اشتراط شىء زائد من ظهور كوكب، بل جعله بعض الأجلة صريحا فى افادة ذلك، بل عن بعض الأفاضل انه جعله من ادلة المشهور، قال: لان ذهاب الحمرة الشرقية يستلزم رؤية كوكب غالبا.
أقول بل الانسب بما ذكر ان يجعل مذهبه فى الفقيه ظهور ثلاثة انجم لمكان الخبر الثلاثين الذى رواه فى الفقيه، و افتى به والده فى الرسالة، و اما من جعل الوقت سقوط القرص كالمرتضى و الديلمى و القاضى فمخالفتهم للمشهور غير ظاهرة، لما سيظهر وجهه ان شاء الله، بل يمكن التأمل فى مصير المبسوط اليه ايضا لأنه و ان حكم اولا بما حكى عنه، الا انه بعد نقله المشهور حكم بأنه الأحوط، و الاحتياط فى كلامه ليس نصا فى الاستحباب، فيحتمل الوجوب بناء على طريقته المستمرة من استدلاله بالاحتياط فى العبادة لايجاب كثير من الامور التى يدعى وجوبها فيها، قاله بعض الأجلة و فيه نظر.
و بالجملة لا ريب فى نادرية هذا القول، و اما دليلهم على ما ذهبوا اليه فهو ما اشار اليه الشارح المحقق طاب ثراه، حيث قال بعد حكمه باقربية قول المبسوط: و يدل عليه الأخبار الكثيرة، ثم نقل الخبر الثامن و التاسع و العاشر و الحادى عشر الى الخبر الثالث و العشرين، و كذا نقل الخبر الخامس و العشرين و السادس و الثلاثين المشتمل على روايتى ابنى فرقد و يزيد، و الثامن و الثلاثين و التاسع و الثلاثين، و كذا نقل الخبر الثانى عشر المشتمل على قوله (ع): ثم اتى حين غربت الشمس فامره فصلى المغرب، المتقدم فى اوائل المقصد، و الخبر السابع عشر و الخبر التاسع عشر و الخبر الحادى و العشرين المتقدم كلهم هناك، و قال: و فى رواية عمر بن حنظلة عن الصادق (ع)، تصديق ان وقت المغرب اذا غاب القرص و عنى بها الخبر الثالث و الثلاثين، قال: و بالجملة
ص: 297
من تأمل هذه الأخبار و انعم(1) النظر فيها، يعلم ان المستفاد منها ما اخترناه و ما دل منها من ان اول المغرب سقوط القرص او غروب الشمس او استتار القرص متواترة معنى، و لا خفاء فى ان المفهوم منها بحسب اللغة و العرف ما ذكرناه، و لا يفهم احد منها ذهاب الحمرة المشرقية، و من المستبعدان يقال ان المعصومين عليهم السلام بينوا الوقت و حدوده فى هذه المواقع الكثيرة بعبارات يفهم منها خلاف المعنى المقصود لغة و عرفا، و لم يصرحوا بالمعنى المقصود، و بالجملة العدول عن ظاهر هذه الأخبار المعتمدة من غير ضرورة و معارض قوى خلاف مقتضى القواعد الصحيحة، و ستعرف ضعف المعارض انتهى كلامه طاب رمسه.
أقول: و فيه نظر، اما اولا فلان المراد بسقوط القرص و غيبوبة الشمس، ليس هو خفاؤها عن اعيننا قطعا، بل المراد هو سقوطها عن الافق المغربى، على ما صرح به غير واحد من المتأخرين، و ان كان لى فيه تأمل كما سيظهر، و عليه نبّه الشارح الفاضل طاب ثراه ايضا، قال بعد ان نقل الخبر الثانى و الاول و هو موافق للاعتبار، فان المراد سقوط القرص و غيبوبة الشمس سقوطه عن الافق المغربى لاخفائها عن اعيننا، لأن ذلك يحصل بسبب ارتفاع الارض و الماء و نحوهما، فان الافق الحقيقى غير مرئى غالبا، كان المراد بطلوعها طلوعها على الافق لا عينا، لاختلاف الارض فى الارتفاع و الانخفاض، و من ثم اعتبر اهل الميقات لها مقدار فى الطلوع يعلم به و ان لم يشاهدها، فكذلك القول فى معناها لعدم الفرق، كما ورد به النص عن ائمة الهدى و اهل البيت (ع) الذين هم ادرى بما فيه، انتهى.
أقول ا لا ترى انا اذا فرضنا فى صورة اختفاء الشمس عن اعيننا، وجود منارة طويلة فى غاية الطول كانت عليها اشعة الشمس، لكان العرف قاضيا بعدم
ص: 298
غروب الشمس، و لو كان مجرد الاختفاء عن النظر كافيا فى صدق الغروب، لما كان ذلك كذلك، و الشارح المحقق لم يرض بما ذكره الشارح الفاضل حيث قال بعد نقل كلامه: و لا يخفى ضعف هذا الكلام، اما اولا فلما عرفت من الكلام فى صحة الروايتين، و اما ثانيا فلان غيبوبة الشمس عن الافق الحقيقى فى الارض المستوية حسا انما يتحقق بعد غيبوبتها عن الحس بمقدار دقيقه تقريبا، و هذا اقل من ذهاب الحمرة المشرقية بكثير، فموافقة الخبر للاعتبار منظور فيه، انتهى
و اعترض بعض الاجلة عليه حيث قال بعد نقل ما افاده الشارح الفاضل من موافقة الخبر للاعتبار ما صورته: و اما ما يقال عليه من ان غيبوبة الشمس عن الافق الحقيقى فى الارض المستوية المحقق ما تقدم فى كلام الشارح المحقق، فمنظور فيه اولا بأن فيه اعترافا برفع اليد عن المفهوم اللغوى و العرفى، و اعتبار شىء زايد عليه و لو دقيقه، و معه لا يتوجه الاستدلال بالأخبار المزبورة بالتقريب المتقدم، و ثانيا بأن كون غيبوبتها عن الحس بمقدار دقيقه اقل من ذهاب الحمرة، و ان كان صحيحا الا انه لما كان مجهولا غير مضبوط، لا يمكن احالة عامة المكلفين و لا سيما العوام منهم عليه، لا جرم وجب احالته امر مضبوط و هو ذهاب الحمرة من افق المشرق، او بدو النجم و نحو ذلك، و على هذا فيكون ذهاب الحمرة علامة لتيقن الغروب، كما صرحت به جملة من النصوص انه نفس الغروب انتهى كلامه.
أقول و فيه نظر اما اولا فلان فى كلام الشارح المحقق ليس اعترافا برفع اليد عن المفهوم اللغوى و العرفى، حتى يتوجه عليه بأن معه لا يتوجه الاستدلال بالأخبار التى ذكره لما اختاره، و ذلك لأن غرضه من الكلام المذكور انما هو نفى كون الخبر الذى يرى عدم صحته موافقا للاعتبار، فما ابعد بين هذا الكلام و ذلك الاعتراض، و اما ثانيا فلان الظاهر ان مع وجود الحمرة فى جانب الشرق قد تجاوزت الشمس عن الافق الحقيقى للبلد، فحينئذ للشارح المحقق ان يقول: و كان الانسب بالاعتبار هو جعل الحمرة المشرقية علامة للغروب عن الافق الحقيقى،
ص: 299
ذهابها عن قمة الرأس، دليلا عليه، فانحصار الامر المضبوط فى ذهاب الحمرة من افق الشرق غير وجيه، كما فعله ذلك الفاضل المعترض، نعم يمكن ان يقال ان غرض الشارح الفاضل من كون الخبر المتقدم للذى يرى حجيته موافقا للاعتبار، هو مجرد التيقن بتجاوز الشمس عن الافق الحقيقى عند تجاوز الحمرة عن قمة الراس لا انحصار التيقن بذلك على ذلك، على هذا لا يرد عليه ما اورده الشارح المحقق رحمه الله فتأمل جدا.
و الذى يقتضيه التحقيق فى المقام و ان غفل اقوام، ان يقال: لما كان دخول وقت المغرب موقوفا على غروب الشمس و سقوط القرص، و كانت دائرة الافق مطلقا سواء كانت حقيقية او حسية، بالنسبة الى البلاد مختلفه، لمكان اختلاف دائرة نصف النهار بالنسبة الى البقاع و البلاد، فيجوز الحكم بمجاوزة الشمس عن الافق الحقيقى بالنسبة الى بلد، مع الحكم بعدم تجاوزها عنه بالنسبة الى بلد آخر، و كذلك الحال فى الحسى، فحينئذ لا بد من النظر، و ان مراد الشارع من سقوط القرص و غروبه ما ذا؟
فنقول: هنا احتمالات:
احدها ان يكون مرادهم (ع) من غروب الشمس، هو غروبها و زوالها عن الافق الحسّى، بمعنى ان اهل كلّ بلد اذا سقط القرص عن دائرة افقهم الحسية يحكمون بغروب الشمس و دخول وقت المغرب، و فيه ما عرفت و ستعرف.
و ثانيها ان يكون مرادهم سلام الله عليهم منه، هو غروبها عن الافق الحقيقى، بمعنى ان اهل كل بلد اذا غاب القرص عن افقهم الحقيقى، يحكمون بغروب الشمس و دخول وقت المغرب، و فيه ان تنزيل اطلاق كلام الشارع عليه بعيد فى الغاية، لعدم كون الافق الحقيقى محسوسا، بل هذا اصطلاح نشأ من علماء الهيئة، فاحالة العرف على نحو هذا الامر الاعتبارى و لو كان حقيقيا، يستنكره العقول السليمة، و مستبعد فى الغاية، بل فاسد قطعا، لأن حمل كلامهم عليهم السلام على هذا دون غيره ترجيح من غير مرجح، هذا مضافا الى استلزامه
ص: 300
للعسر و الحرج المنفيين شرعا او عقلا، فتأمل.
و ثالثها ان يكون المراد المعنى المفهوم عند العرف، و هذا وجيه فى الغاية، فلا بد حينئذ من تعيين ما يفهمه العرف و سقوط القرص، فنقول: الذى يظهر لى من العرف انهم لا يحكمون بغروب الشمس اذار او شعاعها فى قلل الجبال او التلال او رؤوس المنارات، حتى لو فرضنا وجود منارة طويلة بحيث كانت بالغة فى الطول غايته، و كانت عليها اشعة الشمس لا يحكمون بغروبها، بل يحكمون بعدمه، و نعلم ايضا منهم اذا علموا ان شعاع الشمس قد خرج من قلل الجبال و التلال و رؤس المنارات يحكمون بالغروب يقينا، و نعلم ايضا منهم ان حكمهم اثباتا و نفيا غير مقصور بالنسبة الى افقهم، بمعنى ان شعاع الشمس اذا خرج عن قلل الجبال الواقعة فى افق بلد، و لكن كان هو موجودا فى قلل الجبال الواقعة فى افق بلد(1) آخر، لا يحكم اهل البلد الأول بغروب الشمس بل يحكمون بعدمه، لا يقال انا نراهم أنّهم اذا لم يروا شعاع الشمس فى قلل الجبال الواقعة فى انظارهم يحكمون بغروبها، مع انهم لا يعلمون بخروج الشعاع عن قلل الجبال الواقعة فى ساير البقاع، لأنا نقول حكمهم بذلك على فرض التسليم ليس بعنوان الجزم و اليقين قطعا، ا لا ترى ان فى الفرض المذكور اذا فرضنا ذهابه الى مكان عال و اطلع على وجود شعاعها فى قلة جبل مثلا، لا يحكم بالغروب بل يحكم بعدمه كما اشرنا اليه، هذا ما ظهر لنا منهم، فعلى هذا لا بد فى اليقين بغروب الشمس من اليقين بعدم وجود شعاع الشمس فى قلل الجبال و التلال و روؤس المنارات، الواقعة فى شرق البلد(2) و غربها، فحينئذ اذا كانت الحمرة موجودة
ص: 301
فى جانب الشرق لا يحصل العلم بغروبها عن الغرب، و ان كان العلم بغروبها عن الشرق حاصلا، و اما اذا تجاوزت الحمرة عن قمة الرأس فالعلم بغروبها عن شرق البلد و غربها حاصل بلا ريبة، كما لا يخفى على من له ادنى درايه، و الخبر الثانى لذلك كفيل كغيره من جملة من الأخبار الماضية.
فعلى هذا صار التكلم بأن الخبر الأول موافق للاعتبار جديرا لنا، لا للشارح الفاضل، لمكان قوله بأن المراد بغيبوبة الشمس هو سقوطها عن الافق الحقيقى، فلذا احتاج كلامه الى التوجيه الذى ذكرناه حذرا من ورود ايراد الشارح المحقق طاب ثراه، فافهم ما حققناه فى المقام و اغتنم ذلك، فانك ان تصفحت كلام القول لم تجد هذا التحقيق بالتفصيل الذى ذكرناه.
و اما الأخبار المنافية له بحسب الظاهر فسيجئ التكلم فيها و انها محموله على ما ذا؟ و ما يقال على المشهور من انه لا فرق بحسب الاعتبار بين طلوع الشمس و غروبها، فلو كان وجود الحمرة المشرقيه دليلا على عدم غروب الشمس، و بقائها فوق الارض بالنسبة الينا، كان وجود الحمرة المغربية دليلا على طلوع الشمس و وجودها فوق الارض بالنسبة الينا، من دون تفاوت، فغير وجيه، لما عرفت من انا لا نقول بأن وجود الحمرة المشرقيه دليل على بقاء الشمس فى الافق الغربى للمصلى، بل نقول ان معه لا يحصل القطع بالغروب، الذى هو معيار فى صحة الصلوة، حتى يقطع استصحاب عدم الغروب به، فعلى هذا لا يرد النقض بظهور الحمرة عند الطلوع فى افق الغرب، لأن مقتضى ذلك حصول الشك بذلك فى طلوع الشمس على الافق المشرقى، و لا يقطع به استصحاب بقاء الوقت، بل بظهور الحسّى، و بالجمله ظهر بما ذكر ان اكثر الأخبار التى نقلها الشارح المحقق، لما اختاره للمشهور، لا على المشهور.
و اما ثانيا فلان هذه الأخبار على تقدير تسليم دلالتها، من قبيل المجملات و المطلقات، و الخبر الأول و الثالث و الخامس و السادس و السابع الوارد ان فى الافاضة من العرفات المحدودة بغروب الشمس، و السادس و العشرون و الثامن
ص: 302
و الاربعون و السابع و الاربعون المعتضد بالخبر التاسع و العشرين و الثامن و العشرين و السابع و العشرين و العشرين و الرابع و الثانى، من المفسرات و المقيدات فيجب حمل المطلقات على المقيدات بلا شبهة.
قال الشارح المحقق: و قال الشهيد فى الذكرى: كل خبر فيه غيبوبة القرص، محمول على ذهاب الحمرة للمطلق على المقيد، و الجواب ان هذا الحمل انما يتعين اذا انحصر طريق الجمع فيه، و انما يصح اذا لم يكن فى المقام حمل اقرب منه، و غير خاف ان القاء الأخبار الصحيحة الواضحة الدالة على ان الوقت استتار القرص، و ارتكاب تأويل الاستحباب فيما رواه، مما ليس مثلها فى القوة و الصحة، اقرب، انتهى.
أقول و هذا القول فاسد، كالقول بعدم مكافأتها للاخبار المعارضه، لاستفاضتها بل تواترها معنى و صحة اكثرها، و ذلك لأن اخبارنا منجبرة بالشهرة العظيمة التى كادت ان تكون اجماعا، بل لعلها من المتأخرين اجماعا فى الحقيقة قاله بعض الاجلة، هذا مضافا الى ان اخبارنا ايضا متجاوزة عن حد الاستفاضة، بل و قريبة من التواتر ايضا، و بالجملة لا ريب فى ان حمل مطلقات تلك الاخبار و ان كثرت، على مقيداتها و ان قلت، اقرب من حمل المقيدات على الاستحباب، كما هو القاعدة المرعية فى ابواب الفقه، المسلمة عند الكل، سيما اذا كانت معتضدة بالشهرة العظيمة.
قال الشارح المحقق فى المحقق فى التحرير اورد رواية ابن شريح و ابن اشيم ثم قال: و ابن اشيم ضعيف، و الرواية مرسلة لكنها معتضدة باحاديث كثيرة، يعضدها عمل الاصحاب و الاعتبار، و انت خبير بما فيه، انتهى.
أقول انت خبير بما فى عبارة الشارح المحقق، و ذلك لأن الأخبار المعتضدة بعمل اكثر الاصحاب و ان قلت و ضعف سندها، مقدمة على الاخبار التى يعارضها سيما اذا كانت الأخبار المعارضة لها صحيحة بحسب الاسانيد، و كثيرة بحسب التعداد، و الادلة على ذلك كثيرة، ليس المقام مقام ذكرها.
ص: 303
و اما كون اخبارنا موافقة للاعتبار، فقد عرفت وجهه، فالاعتراض المذكور ليس له وجه اصلا، و الحاصل ان ما اختاره مع كونه سبيل الاحتياط هو المنصور، و ان ما استند اليه الخصم فى غاية من القصور، لما عرفت من ان الادلة على الأول كالنور على الطور.
و منها ما رواه الكافى فى باب صلوة النوافل عن ابان بن تغلب قال: قلت لأبى عبد الله (ع): اى ساعة كان رسول الله (ص) يوتر؟ فقال: على مثل مغيب الشمس الى صلوة المغرب.
و يزيده ايضاحا ان الأخبار الدالة على المذهب المجتبى، مخالفة لما عليه العامة العمياء، كما صرح به جماعة و منهم المصنف طاب ثراه المنتهى و التذكرة فقال: مشيرا الى قول و هو قول الجمهور: فالأخذ بخلافهم رشد لنا كما ينادى بذلك اخبار.
و يدل على مخالفة ما يدلّ على المشهور للجمهور، جملة من الأخبار المتقدمة ايضا: منها الخبر التاسع و الثلاثون، ا لا تنظر الى استبعاد الراواة، و الدعاء عليه، اذ يظهر شيوع فساد ذلك عندهم، حتى انهم دعوا عليه و زعموه من شباب المدينة، اى من شباب العامة.
و منها الخبر السادس عشر لدلالة الأمر بالامساء قليلا على المذهب المنصور، و لما رأى (ع) انهم نادوا به و اذاعوه، قال: فأنا الان انتهى، و هو كالصريح فى ان فعله للتقية، كما نبه عليه بعض الاجلة.
و منها الخبر السادس و العشرون و هو صريح فى ان المؤذنين يومئذ كانوا يؤذنون قبل ذهاب الحمرة، و لا ريب انهم كانوا من العامة، و قد عرفت ان الخبر المذكور ايضا يدل على القول المشهور، كما استند اليه له غير واحد منهم، قال الشارح المحقق طاب مضجعه بعد ان ذكر ان المصنف عارض الأخبار الدالة على ما اختاره المبسوط بهذا الخبر ما صورته: و الجواب ان حمل هذا الخبر على الاستحباب حمل واضح، و لعلّ فى قوله (ع): ارى لك ان تنتظر فى فصل الراوى
ص: 304
هى بين مواردة القرص و اقبال الليل و ذهاب الحمرة، و اختياره (ع) احد الأمرين من غير بيان لعدم المغايرة، اشعار بذلك انتهى، و فيه ما فيه.
قال بعض الاجلة بعد نقل الخبر السادس عشر و الخبر السادس و العشرين ما صورته: و هذه الرواية كسابقها دليل على المختار اى المشهور، و ان استدل بالاولى و هذه على خلافه، لفعله (ع) فى الأولى و تخصيصه لراوى هذه بقوله: ارى لك انتهى، الظاهر فى الاستحباب، و الا لعمم و ما عبر بلفظ الاحتياط، و قد عرفت ما فى فعله (ع) من كونه للتقية، و تخصيص الرأى لعله بل الظاهر انه من جهة عمله بعدم ابتلائه بالتقية، او معرفته سبيل الاخلاص عنها، و لفظ الاحتياط ليس نصا و لا ظاهرا فى الاستحباب، لان ذلك انما هو باصطلاح المتأخرين بين الأصحاب، و الا فالاحتياط هو الاستظهار و الأخذ بالأوثق لغة بل و فى كلمة متقدمى الأصحاب، انتهى.
و بالجملة لا شبهة فى فساد ما ذكره الشارح المحقق فى المقام، انتهى.
و منها الخبر السابع عشر لمكان الاستنكار الراوى، و قوله (ع): لم فعلت ذلك ؟ بئس ما صنعت، و ما قاله (ع) فى آخر الخبر له، انما هو لأجل التقية و عدم وصول الضرر منهم اليه.
قال المجلسى طاب ثراه فى البحار بعد نقل هذا الخبر اولا و الخبر الثامن عشر ثانيا ما صورته: ظاهر هذا الخبر و الخبر المتقدم الاكتفاء بغيبوبة الشمس خلف الجبل، و ان لم تغرب عن الافق، و لعله لم يقل به احد، و ان كان ظاهر الصدوق القول به، لكن لم ينسب اليه هذا القول، و يمكن حمله على ما اذا غابت عن الافق الحسّى، لكن يبقى ضوؤها على روؤس الجبال، كما نقلنا عن الشيخ فى المبسوط، و لعل الشيخ حملهما على هذا الوجه و ليس ببعيد جدا، و الاولى الحمل على التقية، و قال الوالد قدس سره فى الخبر الأول: الظاهر ان ذمه على صعود الجبل، لانه كان غرضه منه اثارة الفتنة بان يقول انهم يفطرون و يصلون و الشمس لم تغب، و كان مظنة ان يصل الضرر اليه و الى غيره، فنهاه (ع)
ص: 305
لذلك، و يمكن ان يكون المراد بقوله (ع) فانما عليك مشرقك و مغربك، انك لا تحتاج الى صعود الجبل، فانه يمكن استعلام الطلوع و الغروب بظهور الحمرة او ذهابها فى المشرق، او عنه للغروب و عكسه للطلوع، و هذا الوجه جاء فى الخبر الأخير ايضا، و قال الجوهرى: غارت الشمس تغور غيار اغربت، و قال:
جلل الشىء تجليلا عم، و المجلل السحاب الذى يجلل الارض بالمطر اى يعم انتهى كلام البحار.
و لا يخفى جودة ما ذكراه، من حملهما على التقية كالخبر الثانى عشر، و العجب من الشارح المحقق رحمه الله حيث نقل الخبر السابع عشر و الثامن عشر بين الأخبار التى استدل اليها فيما اختاره، مع انهما لا ينطبقان على شىء من القولين، اما المشهور فظاهر، و اما القول الآخر فلما ذكره بعض الاجلاء من انه لا خلاف بين اصحاب هذا القول، كما صرح به غير واحد من اصحابنا ايضا، فى انه لا بد فى سقوط القرص الذى يجعل وقتا للغروب على هذا القول من انتفاء الحائل بين الناظر و بين غروب الشمس من افق تلك البلاد، و لا ريب فى ان جبل ابى قبيس حائل انتهى فتأمل.
و بالجملة استناد ارباب القول المزيف الى هذين الخبرين كالخبر الثانى عشر، لا وجه له.
و اما ما احتمله فى البحار، من حملها على ما اذا غابت من الافق الحسى و لكن يبقى ضوؤها على روؤس الجبال، فهو على تقدير تسليمه ايضا لا ينفع لغير واحد منهم، لمكان تحديدهم الغروب بعدم بقاء شىء من الشعاع على روؤس الجدران و قلل الجبال، قال فى المدارك قال فى التذكرة: و هو اى الغروب ظاهر فى الصحارى، و اما فى العمران و الجبال فيستدل عليه بأن لا يبقى شىء من الشعاع على روؤس الجدران و قلل الجبال و هو حسن.
و قال الشارح المحقق بعد نقل كلام التذكره: و هو حسن و ان امكن المنازعة فيه انتهى، و هو خلاف ما دلت عليه تلك الأخبار، فكيف يستدل بها؟ نعم
ص: 306
على الاحتمال المتقدم لا ضير للمبسوط الاستدلال بها لا لهؤلاء الجماعة المخالفة للمبسوط مع زعمهم موافقتهم له، (إِنَّ هٰذٰا لَشَيْ ءٌ عُجٰابٌ )، فعليه فالظاهر ان مختار هؤلاء قول محدث، اذ ليس فى المسئلة على ما اطلعنا عليه الا قول المبسوط الذى يرجع اليه قول الاسكافى، على الظاهر المصرح به فى المختلف حيث قال بعد نقل كلام المبسوط و نسبته الى الاستبصار ما صورته: و الى هذا القول ايضا اشار ابن الجنيد فانه قال: غروب الشمس وقوع اليقين بغيبوبة قرصها عن البصر من غير حائل بينها، و لم يعتبر الحمرة انتهى، و قول المشهور و قول العمانى، و القول المحكى عن الصدوقين، فى المقنع و الرسالة، من بدو ثلاثة انجم مع احتمال ارجاع كلامهما الى ما عليه القوم كما سيظهر، و اما المرتضى و من يوافقه فهو اما موافق للمشهور او المبسوط، قال فى المختلف: و سئل المرتضى فى المسائل الواردة من ميافارقين: اول صلوة المغرب سقوط القرص، ام اذا بدت ثلاثة انجم لا ترى بالنهار؟ فأجاب: اذا غربت الشمس دخل وقت صلوة المغرب من غير مراعاة لطلوع النجوم، و هذه العبارة كما عرفت ليس فيها خلاف بينهم، نعم هى منافية لمذهب الصدوقين، و الانصاف فى المقام ان الحكم بحدوث هذا القول من هؤلاء الجماعة لا يخلو عن اشكال.
احتج ابن ابى عقيل على ما نقل عنه المصنف رحمه الله فى المختلف، بالخبر الثامن و العشرين، و اجاب عنه بأنه حكاية حال، فلعل الامام (ع) فعل ذلك لعذر لا انه وقت موظف، و يدل عليه ما رواه ذريح فى الصحيح ثم نقل الخبر الرابع و الثلاثين، قيل: و لا يخفى ان رواية محمد بن على اى الخبر الرابع انسب بمذهبه.
أقول و لا يخفى وضوح الجواب، مع احتمال ارجاع كلامه الى ما عليه القوم بوجه قوىّ فى الغلبة، و اما الصدوقان فلهما الخبر الثلاثون و لا يخفى عدم مقاومته لشىء مما ذكرناه للمشهور من وجوه شتى، مع ان الظاهر عدم مخالفتهما لما عليه القوم، اذ مع ذهاب الحمرة عن قمة الرأس تبدوا ثلاثة انجم مع عدم الحائل من
ص: 307
غيم و نحوه لبعض الناظرين الذين فى ابصارهم حدة، فعلى هذا اليه القول بدخول الوقت بالنسبة اليه دون غيره بعيد فى الغاية، فافهم.
و بالجملة لا ينبغى التأمل فى القول المشهور، للأخبار المتقدمة المعتضدة بما مرت اليه الاشارة، و عدم مكافأة الأخبار الدالة على حصول الغروب بمجرد الاستتار باطلاقها للاخبار المفصلة المتقدمة المنجبرة بالشهرة و غيرها مع احتمال ارجاعها اليها بوجه قريب كما مرت الاشارة اليه، بل الاستدلال بها للمشهور كما مرت الاشارة اليه ايضا، و موافقة ما استند اليه الخصم لمذهب العامة، و مخالفة ما استند اليه المشهور لمذهب الجمهور، فحمله على التقية هو الوجه المنصور، كما لا يخفى على الناظر فى الأخبار المتقدمة بعين الانصاف، و اجتنب العصبية و الاعتساف.
قال بعض الاجلاء طاب مضجعه: و الذى ظهر لى فى معنى الأخبار، و رزقنى الله سبحانه فهمه منها ببركة الائمة الابرار، هو انه لما كان وقت المغرب عند العامة جميعا فى جميع الامصار و جملة الاعصار و الادوار، عبارة عن مجرد غيبوبة القرص عن النظر مع عدم الحائل، و كان الوقت عندهم عليهم السلام انما هو عبارة عن زوال الحمرة المشرقية كما عليه جل شيعتهم قديما و حديثا، فربما افتوا بما يوافق العامة صريحا كالاخبار التى قدمناها صريحه فى القول المشهور، و ربما عبروا بعبارة مجملة يحتمل الامرين كالاخبار الصحاح التى قدمنا نقلها عن المدارك و نحوها، مع ما ورد فى بعض اخبارهم من تفسير الغيبوبة الكاشف عن هذا الاجمال، و ربما عبروا عن مذهبهم بعبارات تشير اليه، و ان كانت غير ظاهرة الدلالة عليه، كما تضمنته هذه الأخبار الاخيرة، مثل الأمر بالأخذ بالاحتياط فى رواية عبد الله بن وضاح، و مثل التعليل فى رواية يعقوب بن شعيب، بعد الأمر بالتسمية بأن الشمس تغيب من عندكم قبل ان تغيب من عندنا، و انما العلة الحقيقية هى انتظار زوال الحمرة المشرقية، و ربما عللوه بانتظار ظهور كوكب او ثلاثة كواكب كما فى روايتى شهاب بن عبد ربه و بكر بن محمد، و روايتى زرارة،
ص: 308
فهذه العلل كلها انما خرجت مخرج التقية للتحاشى عن التصريح بمخالفة القوم، باعتبار ما تضمنته المقامات و الاوقات، حيث انها لا تقتضى اظهار مذهبهم الواقعى، فيجعلونه فى هذه القوالب التى لا يستنكرها المخالف لو سمعها، و يزيدك بيانا لما ذكرنا خبر جارود و شكايته (ع) من اولئك القوم انه اسر اليهم و نصحهم فى الباطن ان يمسوا بالغروب، يعنى انتظار زوال الحمرة دون العمل مجرد غيبوبة القرص، فاذاعوا سرّه و حد ثوابه حتى افرطوا فى التسمية، و اخروها الى اشتباك النجوم، فلما عرف (ع) ظهور ذلك منهم لا علاج انه اظهر مخالفة ما امرهم به اولا سرا، فصار يصلى على خلاف ما امرهم، ليعلم الناس كذبهم عليه و منه يظهر الوجه فى حديث الجماعة الذين رأوه فى طريق مكة يصلى و هم ينظرون الى شعاع الشمس، كما تقدم انه لهذا السبب فعل ذلك و أمر به، هذا هو الوجه الوجيه فى هذه الأخبار، كما لا يخفى على من نظر بعين الفكر و الاعتبار انتهى كلامه المتين حشره الله مع الأئمة الطاهرين.
و قال السيد الداماد رزقه الله اقصى السعادة يوم التناد: ثم ان ما فى اكثر رواياتنا عن أئمتنا المعصومين صلوات الله عليهم، و ما عليه العمل عند اصحابنا رضوان الله عليهم اجماعا، هو ان زمان ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس من النهار و معدود من ساعاته، و كذلك زمان غروب الشمس الى ذهاب الحمرة من جانب المشرق، فان ذلك امارة غروبها فى افق المغرب، فالنهار الشرعى فى باب الصلوة و الصوم فى ساير الأبواب، من طلوع الفجر المستطير الى ذهاب الحمرة المشرقية، و هذا هو المعتبر و المفعول عليه عند اساطين الآلهيين، و الرياضيين من حكماء يونان، انتهى.
و بالجملة المسئلة بحمد الله واضحة لا سترة فيها،
و لعل منشأ جعله الأخير احتياطا، هو الخبر الثامن و العشرون و فيه ما عرفت سابقا، مضافا الى انه معارض بالأخبار المعمول
ص: 309
عليها، الدالة على فضيلة اول الوقت خصوصا فى المغرب، اذ المستفاد من غير واحد منها، انه ليس لها الا وقت واحد و هو وقت وجوب الشمس فتأمل هذا، و معارض ايضا بالأخبار الدالة على ذم تأخيرها الى ظهور النجوم، كالخبر الثالث عشر و السادس عشر و الحادى و العشرين و الرابع و العشرين و الأربعين و الحادى و الأربعين و السابع و الأربعين، و معارض ايضا بالخبر السابع و العشرين و الخامس و الأربعين، و بالجملة تلك الرواية غير معمول عليها قطعا، فلا بد من تأويلها اما بصورة العذر، او فعله (ع) لبيان الجواز، و اما الخبر التاسع عشر و التاسع و العشرون و الثلاثون فقد عرفت الوجه فيهم، و فى الغالب انه بزوال الحمرة يرى بعض النجوم لاكثر الناظرين، نعم كون ذهاب الحمرة هو الاحتياط للدين، مما لا شبهة فيه كما اشرنا اليه سابقا.
و ما نقله عن النهاية فى حديث مواقيت الصلوة: اذا اشتبكت النجوم اى ظهرت جميعا و اختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها، قال الشارح المحقق طاب ثراه: لا يخفى ان المراد باشتباك النجوم، ظهور الجميع او كثرة اختلاط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها قاله ابن الأثير، و قال فى الحبل المتين: و الظاهر ان اشتباك النجوم فى الحديث السابع كناية عن ذهاب الحمرة المغربية، كما ان الظاهر ان رؤية الكوكب فى الحديث الحادى عشر كناية عن ذهاب الحمرة المشرقية، انتهى.
فان قلت: التحقيق هو جواز تأخير المغرب الى ان يبقى لانتصاف الليل مقدار اداء العشاء من غير عذر، فما وجه التأويل فى خبر الأربعين و الحادى و الأربعين و ما ضاهاهما من الأخبار المتقدمة ؟ قلت: الوجه هو ما تقدم نقله عن البحار من قوله طاب ثراه فى ذيل الخبر الأربعين: و لعله محمول على ما اذا اخر معتقدا عدم جواز ايقاعها قبل ذلك، كما كان مذهب ابى الخطاب، او طلبا لفضلها كما قيد به فى ساير الأخبار، او اذاعة و تركا للتقية فان العامة ينكرون
ص: 310
التأخير اشد الانكار، او على من داوم على ذلك تهاونا بالسنة و عدولا عنها، و يمكن حملها على التقية ايضا انتهى، و لعلّ الاولين هما الأظهر.
و حيث عرفت ان اول وقت المغرب هو الغروب، فاعلم ان الوقت المزبور مختص بها (الى ان يمضى مقدار ادائها) على الوجه المقرر فى الظهر (ثم يشترك الوقت بينها و بين العشاء) على المشهور بين الطائفة المحققة، و منهم علم الهدى و الشيخ فى الاستبصار و الجمل، و ابن بابويه و ابن الجنيد و ابو الصلاح و ابناء زهرة و حمزة و ادريس و البراج و ساير المتأخرين، و نسبه المصنف رحمه الله فى المنتهى الى ابن عقيل ايضا، مع انه فى المختلف نسب اليه القول الآتى قال فى المختلف قال الشيخان: اول وقتها اى العشاء غيبوبة الشفق و هو الحمرة المغربية و هو اختيار ابن ابى عقيل و سلار انتهى، و هو احد قولى المرتضى على ما نقله بعض المتأخرين.
قال الشارح المحقق: و صرح الشيخ فى النهاية بجواز تقديم العشاء قبل الشفق فى السفر و عند الاعذار، و جوز فى التهذيب تقديمه اذا علم او ظن انه اذا لم يصل فى هذا الوقت لم يكن منه بعده، و لم يذكر شيئا من ذلك فى المبسوط، و لعلّه مراد له، انتهى.
أقول: و المشهور هو الأقرب لوجهين:
منها الخبر السابع عشر المتقدم فى اوائل المقصد، و هو رواية داود بن فرقد، قال بعض المحققين: و هذه الرواية منجبرة بين الأصحاب، مع انها صحيحة الى ابن فضال و هو احد ممن اجتمعت العصابة على قوله.
و منها الخبر التاسع عشر و الحادى و العشرون المتقدمتان هناك ايضا.
و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب مواقيت الصلوة فى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع) انه قال: اذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب و العشاء الآخرة.
ص: 311
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم قال: و قال الصادق (ع): اذا غابت الشمس فقد حل الافطار و وجبت الصلوة، و اذا صليت المغرب فقد دخل وقت العشاء الآخرة الى انتصاف الليل.
و منها ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق كالصحيح عن زرارة عن ابى عبد الله (ع) قال: صلى رسول الله (ص) بالناس الظهر و العصر حين زالت الشمس فى جماعة من غير علة، و صلى بهم المغرب و العشاء الآخرة قبل الشفق من غير علة فى جماعة، و انما فعل ذلك رسول الله (ص) ليتسع الوقت على امته.
و منها ما رواه فى المكان المتقدم فى الموثق عن اسحق بن عمار قال:
سألت ابا عبد الله (ع): يجمع بين المغرب و العشاء فى الحضر قبل ان تغيب الشفق من غير علة ؟ قال: لا بأس.
و يؤيد الأخبار المذكورة، ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن اسمعيل بن مهران قال: كتبت الى الرضا (ع): ذكر اصحابنا انه اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر، و اذا غربت دخل وقت المغرب و عشاء الآخرة الا ان هذه قبل هذه فى السفر و الحضر، و ان وقت المغرب الى ربع الليل، فكتب:
كذلك الوقت، غير ان وقت المغرب ضيق و اخر وقتها ذهاب الحمرة و مصيرها الى البياض فى افق المغرب.
و ربما استدل ايضا لهذا القول بجملة من الروايات، منها ما رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة فى الموثق عن عبيد الله و عمران و ابنى على الحلبيين، قالا: كنا نختصم فى الطريق فى الصلوة صلوة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق و كان منا من يضيق بذلك صدره، فدخلنا على ابى عبد الله (ع) فسألناه عن صلوة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق، فقال: لا بأس بذلك، قلنا: و أى شىء الشفق ؟ فقال: الحمرة.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح عن ابى عبيدة قال سمعت
ص: 312
ابا جعفر (ع) يقول: كان رسول الله (ص) اذا كان ليلة مظلمة و ريح و مطر، صلى المغرب ثم مكث قدر ما يتنفل الناس، ثم اقام مؤذنه ثم صلى العشاء ثم انصرفوا.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح عن عبد الله الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال: لا بأس ان تؤخر المغرب فى السفر حتى يغيب الشفق، و لا بأس بان تعجل العتمة فى السفر قبل ان يغيب الشفق.
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الحسن كالصحيح عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال: لا بأس بان يعجل عشاء الآخرة فى السفر، قبل ان يغيب الشفق.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم عن اسحق البطيحى قال: رأيت ابا عبد الله (ع) صلى العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق ثم ارتحل.
و من هذا القبيل ايضا ما رواه فى الباب المتقدم فى الموثق عن جميل بن دراج قال قلت لأبى عبد الله (ع): ما تقول فى الرجل يصلى المغرب بعد ما يسقط الشفق ؟ فقال: لعلة لا بأس، قلت: يصلى العشاء الآخرة قبل ان يسقط الشفق، فقال: لعلة لا بأس.
و صاحب المدارك بعد ان نقل رواية عبيد الله و عمران، و رواية ابى عبيدة و رواية عبيد الله، قال: وجه الدلالة انه لو لا دخول وقت العشاء قبل ذهاب الشفق، لما جاز تقديمها عليه مطلقا، كما لا يجوز تقديم المغرب على الغروب، و تنظر فيه بعض الأجلاء اولا بأنه من البعيد بل المقطوع ببطلانه عدم اطلاع الشيخين على الأخبار المستفيضة الدالة على دخول الوقتين بغروب الشمس، الا ان هذه قبل هذه و نحوهما، مما دل على جواز صلوة العشاء قبل غيبوبة الشفق و ابعد منه و اشد بطلانا اطراحها و القاؤها بالكلية بعد الوقوف عليها، و لا محمل لها على تقدير هذا القول بالمرة، و ثانيا بان الشيخ فى النهاية قد جوز تقديم العشاء قبل غيبوبة الشفق فى السفر و عند الأعذار، حيث قال بعد ان ذكر اولا
ص: 313
ان وقت العشاء الآخرة سقوط الشفق و آخره ثلث الليل، و يجوز تقديم عشاء الآخرة قبل سقوط الشفق فى السفر و عند الأعذار و لا يجوز ذلك مع الاختيار، و قال الشيخ المفيد رحمه الله فى المقنعة: و لا بأس بان يصلى العشاء الآخرة قبل مغيب الشفق عند الضرورات، و جوز فى التهذيب تقديمها اذا علم او ظن انه ان لم يصل فى هذا الوقت لم يتمكن منها بعده، و كلامه هذا يدل على كون هذا الوقت الذى نقل عنه فى المسئلة، انما اريد به الوقت الموظف لذوي الاختيار دون ذوى الأعذار، هذا هو الذى تطبق عليه الأخبار الجارية فى هذا المضمار، فمرجع كلاميهما الى ان هذا الوقت الموظف ليس لهم التقديم عليه العذر، و حينئذ فلا يرد عليه الاستدلال بما نقلناه عن المدارك من الأخبار، فانها صريحة فى اصحاب الأعذار، انتهى.
أقول: لا يخفى ان الصراحة التى ادعاها فى موثقة عبيد الله و عمران ممنوعة، بل لعلها ظاهرة فى العكس على اشكال، و بالجملة لا شبهة فى حقية مذهب المشهور للنصوص المستفيضة التى قيل فى شأنها انها كادت تكون متواترة بل لعلها متواترة، و احتمال عدم جواز التقديم عليه الا لعذر، كما ذكره بعض هؤلاء مدفوع بموثقتى عمار و زرارة، اللتين هما صريحتان فى دفعه.
فمن قال بالاشتراك عند الفراغ من الظهر قال به عند الفراغ من المغرب،
منها الخبر التاسع و العشرون المتقدم فى المسئلة السابقة هو رواية بكر بن. (هكذا فى الأصل).
و منها الخبر الثالث و الثلاثون المتقدم هناك.
و منها ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات عن زرارة عن الباقر (ع): اذا غاب الشفق دخل وقت العشاء، و آخر وقت المغرب اياب الشفق، فاذا آب الشفق دخل وقت العشاء، و آخر وقت العشاء ثلث الليل.
ص: 314
و يمكن ان يستدل عليه ايضا بما رواه فى البحار عن العلل و العيون عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس عن على بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان فيما رواه من العلل عن الرضا (ع): فان قيل فلم جعلت الصلوة فى هذه الاوقات و لم تقدم و لم تؤخر؟ قيل: لان الاوقات الى ان قال: فاذا جاء الليل و وضعوا زينتهم و عادوا الى اوطانهم، ابتدؤا اولا بعبادة ربهم ثم يتفرغون لما احبوا من ذلك، فاوجب عليهم المغرب، فاذا جاء وقت النوم و فرغوا مما كانوا به مشتغلين احب ان يبدؤا اولا بعبادته و طاعته، ثم يصيرون الى ما شاؤا ان يصيروا اليه من ذلك، فيكونوا قد بدؤا فى كل عمل بطاعته و عبادته فاوجب عليهم العتمة الحديث.
و لا اجماع على ما قبله فوجب الاحتياط، لئلا يصلى قبل دخول الوقت.
و الا لزم تكليف ما لا يطاق، و اداء المغرب غير منضبط فلا يناط به وقت العبادة، و الجواب عن الاول انها اما محمولة على التقية، لان المصنف رحمه الله فى المنتهى على ما نسب حكى القول المذكور عن الجمهور كافة، او محمولة على الفضيلة جمعا بينها و بين المعتبرة المستفيضة المتقدمة، و اما الجواب عن الوجهين الأخيرين فظاهر.
و يستمر الوقت مشتركا بينهما (الى ان يبقى لانتصاف الليل مقدار العشاء فيختص بها) فلا يصح فعل المغرب فيه مطلقا،
هو المشهور بين الأصحاب، و هو المحكى عن المرتضى فى الجمل و ابنا زهرة و ادريس و الجنيد و ساير المتأخرين، و عن الشيخ انه قال فى اكثر كتبه: اخره غيبوبة الشفق المغربى للمختار و ربع الليل مع الاضطرار، و هو المحكى عن ابن حمزة و الحلبى، و عن الخلاف اخره غيبوبة
ص: 315
الشفق و اطلق،(1) و به قال ابن البراج على ما حكى، و عن الشيخ المفيد: رحمه الله آخر وقتها غيبوبة الشفق، و هو الحمرة فى المغرب، و المسافر اذا جدبه السير عند المغرب فهو فى سعة من تأخيرها الى ربع الليل، و عن علم الهدى فى المسائل الناصرية: آخر وقتها مغيب الشفق الذى هو الحمرة و روى ربع الليل، و حكى بعض اصحابنا ان وقتها يمتد الى نصف الليل، و عن ابن ابى عقيل اول وقت المغرب سقوط القرص، و علامته ان يسود افق السّماء من المشرق، و ذلك اقبال الليل و تقوية الظلمة فى الجو و اشتباك النجوم، فان جاوز ذلك باقل قليل حتى يغيب الشفق فقد دخل فى الوقت الآخر، و عن ابن بابويه وقت المغرب ان كان فى طلب المنزل فى سفر الى ربع الليل، و كذا المفيض من عرفات الى جمع، و عن سلار يمتد وقت العشاء الأول الى ان يبقى لغياب الشفق الاحمر مقدار ثلاث ركعات، و نقل عنه فى المنتهى على ما حكى ان آخر الوقت غيبوبة الشفق، و عن المنتهى ايضا عنه عن الشيخ ان آخره للمختار ذهاب الشفق و للمضطر الى ما قبل نصف الليل باربع، و نقله عن السيّد فى المصباح، و عن بعض العلماء يمتد وقت المضطر حتى يبقى للفجر وقت العشاء، و اختاره فى التحرير، و عن الشيخ فى المبسوط انه نقل عن بعض الاصحاب قولا بامتداد وقت المضطر الى طلوع الصبح، حكاه الشارح المحقق قال فى المدارك، و حكى فى المبسوط عن بعض علمائنا قولا بامتداد وقت المغرب و العشاء الى طلوع الفجر، انتهى.
و عن ابن البراج انه حكى عن بعض الاصحاب قولا بان للمغرب وقتا واحدا عند غروب الشمس، قال فى التهذيب فى جملة كلام له: و الذى يكشف عما ذكرناه انه لا يجوز تاخير المغرب عن غيبوبة الشمس الا عن عذر ما ثبت انه مامور فى هذا الوقت، الأمر عندنا للفور، فيجب ان يكون الصلوة عليه واجبة فى هذه الحال، فقال بعض الأجلاء: قال فى المدارك: و المعتمد امتداد وقت الفضيلة الى
ص: 316
ذهاب الشفق، و الاجزاء للمختار الى ان يبقى الانتصاف قدر العشاء، و للمضطر الى ان يبقى قدر ذلك من الليل، و هو اختيار المصنف فى التحرير.
أقول الظاهر ان اول من ذهب صريحا الى امتداد العشاءين الى طلوع الفجر للمضطر، هو المحقق فى التحرير و تبعه صاحب المدارك و شيده، و قد تبعه فى هذا القول جملة ممن تأخر عنه كما هى عادتهم غالبا، انتهى.
أقول قال الشارح المحقق فى الذخيرة و المحقق المجلسى فى البحار: و عن بعض العلما، يمتد وقت المضطر حتى يبقى للفجر وقت العشاء، و اختاره المحقق فى التحرير، و زاد فى البحار و نقله الشيخ فى المبسوط عن بعض الاصحاب.
و على هذا كون المحقق هو اول من ذهب الى ما ذهب، محل نظر فتدبر.
ما رواه التهذيب فى الزيادات فى باب الصلوة فى السفر فى اواخره فى الصحيح عن ابان بن عثمان عن عمر بن يزيد قال قال ابو عبد الله (ع):
وقت المغرب فى السفر الى ربع الليل، و رواه الكافى ايضا فى باب وقت العشاءين.
ما رواه الكافى فى آخر باب وقت الصلوة فى السّفر فى الصحيح عن ابان عن عمر بن يزيد قال قال ابو عبد الله (ع): وقت المغرب فى السفر الى ثلث الليل، قال الكافى و روى ايضا الى نصف الليل.
ما رواه فى اواخر باب وقت الصلوة فى السفر فى الزيادات فى الموثق عن ابى بصير قال قال ابو عبد الله (ع): انت فى وقت من المغرب فى السفر الى خمسة اميال من بعد غروب الشمس.
ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن اسمعيل بن جابر قال: كنت مع ابى عبد اللّه (ع) حتى اذا بلغنا بين العشاءين، قال: يا اسمعيل امض مع
ص: 317
الثقل و العيال حتى الحقك، و كان ذلك عند سقوط الشمس فكرهت ان انزل فاصلى و ادع العيال، و قد امرنى ان اكون معهم، فسرت ثم لحقنى ابو عبد الله عليه السلام فقال: يا اسمعيل هل صليت المغرب بعد؟ فقلت: لا، فنزل عن دابته فاذن و اقام و صلى المغرب و صليت معه، و كان من الموضع الذى فارقته فيه الى الموضع الذى لحقنى ستة اميال.
ما رواه ايضا فى باب اوقات الصلوة فى الصحيح عن عبد اللّه الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال: لا بأس ان تؤخر المغرب فى السفر حتى تغيب الشفق، و لا بأس بان تعجل العتمة فى السفر قبل ان تغيب الشفق.
ما رواه ايضا فى باب المواقيت فى الزيادات عن القسم بن سالم عن ابى عبد الله (ع) قال: ذكر ابو الخطاب فلعنه: ثم قال: انه لم يكن يحفظ شيئا حدثته ان رسول اللّه (ص) غابت له الشمس فى مكان كذا و كذا و صلى المغرب بالشجرة، و بينهما ستة اميال، فأخبرته بذلك فى السفر فوضعه فى الحضر.
ما رواه فى باب اوقات الصلوة عن على بن يقطين قال: سألته عن الرجل تدركه صلوة المغرب فى الطريق، ايؤخرها الى ان يغيب الشفق ؟ قال: لا بأس بذلك فى السفر، و اما فى الحضر فدون ذلك شيئا.
ما رواه فى الباب المتقدم فى الموثق عن عمار بن موسى الساباطى عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن صلوة المغرب اذا حضرت هل يجوز ان تؤخر ساعة ؟ قال: لا بأس ان كان صايما افطر، و ان كان له حاجة قضاها.
ما رواه ايضا فى باب الحيض فى الزيادات عن ابى الصباح الكنانى عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب و العشاء، و ان طهرت قبل ان تغيب الشمس صلت الظهر و العصر.
ما رواه فى المكان المتقدم عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد
ص: 318
الله (ع) قال: اذا طهرت المراة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر و العصر، و ان طهرت من آخر الليل فلتصل المغرب و العشاء.
ما رواه فى المكان المتقدم عن داود الزجاجى عن ابى جعفر (ع) قال: اذا كانت المراة حائضا فطهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر و العصر، و ان طهرت فى الليل صلت المغرب و العشاء الآخرة.
ما رواه فى المكان المتقدم عن عمر بن حنظلة عن الشيخ قال:
اذا طهرت المراة قبل طلوع الفجر صلت المغرب و العشاء، و ان طهرت قبل ان تغيب الشمس صلت الظهر و العصر.
ما رواه فى البحار فى باب وقت العشاءين عن السرائر عن كتاب محمد بن على بن محبوب عن الحسين عن احمد القروى عن ابان عن ابى بصير عن ابى جعفر (ع) قال: لدلوك الشمس زوالها، و غسق الليل بمنزلة الزوال من النهار.
ما رواه فى الباب المتقدم عن العلل عن ابيه عن على بن ابراهيم عن ابيه عن صفوان بن يحيى عن موسى بن بكر عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: ملك موكل يقول: من نام عن العشاء الى نصف الليل، فلا انام الله عينه.
و روى ايضا عن ثواب الاعمال عن محمد بن الحسن عن الحسين بن الحسن بن ابان عن الحسين بن سعيد عن النظر بن سويد عن موسى بن(1) مثله.
و روى ايضا عن المحاسن عن احمد بن محمد عن الحسين بن سعيد مثله، و فيه عينيه.
و روى الصدوق فى الفقيه فى باب المواقيت مرسلا عن الباقر (ع) انه قال:
ملك موكل يقول من بات(2) عن العشاء الآخرة الى نصف الليل، فلا انام الله
ص: 319
عينه.
ما رواه فى الباب عن الهداية قال الصادق (ع) اذا غابت الشمس فقد حل الافطار و وجبت الصلوة، و وقت المغرب اضيق الاوقات و هو من(1) حين غيبوبة الشفق، و وقت العشاء من غيبوبة الشفق الى ثلث الليل.
ما رواه فى الباب المتقدم عن العياشى عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم عن ابى جعفر و ابى عبد الله (ع)، عن قوله: (أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ )، قال جمعت الصلوة(2) كلهن و دلوك الشمس دلوكها(3) و غسق الليل انتصافه، و قال: انه ينادى مناد من السماء كل ليلة اذا تنصف الليل: من رقد عن صلوة العشاء الى هذه السّاعة، فلا نامت عيناه.
ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات عن ابى بصير عن ابى جعفر (ع) قال: قال رسول الله (ص): لو لا انى اخاف ان اشق على امتى لاخرت العتمة الى ثلث الليل، و انت فى رخصة الى نصف الليل و هو غسق الليل، فاذا مضى الغسق نادى ملكان: من رقد عن صلوة المكتوبة بعد نصف الليل، فلا رقدت عيناه.
ما رواه التهذيب ايضا فى المكان المتقدم فى الموثق عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال: العتمة الى ثلث الليل، او الى نصف الليل و ذلك التضييع.
ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب المواقيت قال: و روى فيمن نام عن العشاء الآخرة الى نصف الليل، انه يقضى و يصبح صائما عقوبة، و انما وجب ذلك عليه لنومه عنها الى نصف الليل، و عن الوافى فى باب المواقيت
ص: 320
ستاتى هذه الرواية مسنده فى كتاب الصايم.
ما رواه التهذيب فى اواخر باب المواقيت فى الزيادات فى الصحيح عن ابن مسكان رفعه الى ابى عبد الله (ع) قال: من نام قبل ان يصلى العتمة فلم يستيقظ حتى يمضى نصف الليل، فليقض صلوته و ليستغفر الله.
اذا عرفت ذلك فاعلم ان للمشهور وجوها:
المعتضد بالشهرة العظيمة التى قال بعض الأجلة فى شانها انها كادت تكون اجماعا، بل هى من المتأخرين اجماعا فى الحقيقة، بل مطلقا كما عن السرائر و الغنية، انتهى.
فيثبت امتداد وقت المغرب الى نصف الليل، لعدم القائل بالفصل على ما ذكره المحقق و المصنف انتهى.
منها الخبر السابع عشر و هو رواية داود بن فرقد، و التاسع عشر، و الحادى و العشرون، و هما روايتا عبيد المتقدمتان فى شرح قول المصنف طاب ثراه: المقصد الثانى فى اوقاتها، و يعضدها الأخبار الدالة على ان لكل صلوة وقتين اولهما افضلهما، و استدل بعضهم لهذا القول بصحيحة زرارة المتقدمة فى المباحث السابقة المشتملة على قول ابى جعفر (ع): ففيما بين زوال الشمس الى غسق الليل اربع صلوات سمّاهنّ الله و بيّنهن و وقّتهن، و غسق الليل انتصافه، و تنظر فيه الشارح المحقق بانه لا يمكن حمل الخبر على ان مجموع الوقت وقت لمجموع الصلوات الاربع الا بارتكاب التخصيص، و ليس الحمل على ان المجموع وقت للمجموع و لو على سبيل التوزيع ابعد منه.
و حينئذ تسقط الدلالة للقائل بامتداد وقت المغرب الى ذهاب الشفق، جملة من الروايات:
منها الخبر الحادى عشر و الخامس عشر و الثانى و العشرون و السابع و
ص: 321
العشرون و التاسع و العشرون و الرابع و الثلاثون المتقدم كلهم فى شرح قول المصنف رحمه الله: المعلوم بغيبوبة الحمرة المشرقية.
و منها صحيحة زرارة و الفضيل المتقدمه فى شرح قول المصنف رحمه الله:
المقصد الثانى فى اوقاتها، قبل التذنيب.
و منها الخبر الخامس عشر.
و منها رواية زرارة المتقدمه فى قبيل شرح قول المصنف رحمه الله: هذا، فى شرح قوله: ثم يشترك الوقت بينها و بين.
و منها رواية اسمعيل بن مهران المتقدمة هناك ايضا، و فيه ان هذه الأخبار غير صالحة لمعارضة الادلة المتقدمة المنجبرة بالشهرة، فلتحمل اما على التقية كما عن المنتهى انه حكاه عن جماعة من العامة و منهم اصحاب الراى و هم اصحاب ابى حنيفة، او على الفضيلة جمعا بينها و بين الأخبار.
و منها زيادة على ما اقمناه للقول المشهور، الخبر الأول و الثانى الى السابع المؤيد بالخبر الثامن.
و منها موثقة جميل المتقدمة فى المسئلة السابقه قبل قول المصنف هذا.
و منها الخبر الثلاثون و هو رواية داود الصرمى و الخبر الحادى و الثلاثون المتقدم كلهم فى شرح قول المصنف: المقصد الثانى فى اوقاتها.
و منها الخبر الثالث و الثلاثون المؤيد بالخبر الثامن و العشرين المتقدمان فى شرح قول المصنف: المعلوم بغيبوبة الحمرة المشرقيه.
و بالجملة لا ينبغى التشكيك فى جواز التأخير عن الشفق، و حمل النصوص الدالة على عدمه على التقية او الفضيلة، بل يحتمل قريبا حمل اطلاق كلام ارباب تلك النصوص على الثانى او على الاختيار، كيف لا و ظاهر المدارك الاجماع على عدم بقاء تلك النصوص على ظاهرها، حيث قال بعد نقل روايتى اسمعيل بن جابر و على بن يقطين الدال احداهما على كون وقت المغرب ما بين غروب الشمس الى سقوط الشفق، و ثانيهما على نفى الباس عن تأخيرها عن سقوط
ص: 322
الشفق فى السفر ما لفظه: و هما محمولان اما على وقت الفضيلة او الاختيار اذ لا قايل بان ذلك آخر الوقت مطلقا، انتهى.
و اما الجماعة القائلون بان آخره غيبوبة الشفق للمختار و ربع الليل للمضطر، فلها التمسك بالنصوص المتقدمة المانعة على الاطلاق، و النصوص المجوزة للتاخير الى ربع الليل، اذا لجمع بينهما يقتضى حمل النصوص الاولة على الوقت الاختيارى و الثانية على الاضطرارى، و فيه ان فى ذلك اطراحا للادلة الدالة على المشهور من الأخبار و غيرها، مع انها معتضدة بالشهرة العظيمة كادت تكون اجماعا، فلتحمل الأخبار المذكورة على اختلاف مراتب الفضل.
و بالجملة الذى يظهر لى فى المسئلة بعد ضم الأخبار بعضها الى بعض، ان وقت الاجزاء ممتد الى ان يبقى لانتصاف الليل بمقدار اداء العشاء للمختار و المضطر، و لما دلت الأخبار كما بينا فى اول المقصد ان لكل صلوة وقتين الأول للفضيلة و الثانى للاجزاء على المشهور المنصور، او الأول للمختار و الثانى لاصحاب الاعذار على القول المزيف، فالوقت الأول للمغرب بالنسبة الى المختار ممتد الى غيبوبة الشفق، و الثانى منها الى ان يبقى لانتصاف الليل بمقدار اداء العشاء، و اما بالنسبة الى ذوى الاعذار فالوقت الأول ممتد الى ربع الليل كما دلت عليه جملة من الأخبار المتقدمه او الثلث كما يدل عليه الخبر الثانى و اما الوقت الثانى بالنسبة اليهم فكالمختار.
هذا و ربما يستفاد من الخبر الحادى و الثلاثين و الثانى و الثلاثين و الثالث و الثلاثين المتقدمة كلها فى شرح قول المصنف: المقصد الثانى فى اوقاتها، بعد ضم بعضها الى بعض، ان الصلوة اذا كانت فى موضع امكن للمصلى و ارفق، فالافضل هو تحصيل ذلك ما لم يذهب ربع الليل فتأمل.
هذا ما ظهر لنا من الأخبار الواردة فى هذا المضمار، و الله اعلم و رسوله و الأئمة الاطهار، و بما حررناه ظهر عدم وجاهة الاقوال المتقدمه، و ان تمسك اربابها ببعض الأخبار السابقة.
ص: 323
نعم بقى فى المقام شىء لا بد من التنبيه له، و هو ان للمعتبر لما ذهب اليه من امتداد وقت المضطر الى ان يبقى من الليل قدر العشاء، ما اشار اليه فى المدارك حيث قال: و لنا على الحكم الثالث اعنى امتداد وقتهما للمضطر الى ان يبقى من الليل قدر العشاء ما رواه الشيخ فى الصحيح عن عبد الله بن سنان: ثم نقل الخبر الرابع و الثلاثين المتقدم فى اوايل المقصد، و قال: و اجاب العلامة فى المنتهى عن هذه الرواية بحمل القبليّة على ما قبل الانتصاف و هو بعيد جدا، لكن لو قيل باختصاص هذا الوقت بالنايم و الساهى كما هو مورد الخبر كان وجها قويا، و قال الشارح المحقق: و اما ما ذكرنا من امتداد وقت الاضطرار الى ما قبل طلوع الفجر بمقدار العشاء، فيدل عليه... ثم نقل الخبر الرابع و الثلاثين و الخامس و الثلاثين المتقدمين فى اوائل المقصد، و الخبر العاشر، و قال: و قد يجاب عن الثالث بالحمل على الاستحباب، و لا يخفى ان الخبرين غير دالين على التعميم، و كذا الخبر الثالث، فلو قيل باختصاص الحكم بالنايم و الساهى و الحايض قصر الحكم على مورد الخبر لم يكن بعيدا، الا ان يثبت عدم القائل بالفصل، و حينئذ يتجّه التعميم، و يؤيد ما رواه الشيخ عن عبيد بن زرارة... ثم نقل الخبر التاسع و العشرين المتقدم فى اوايل المقصد، و قال: لكنه ضعيف السّند، و لا يخفى انه يمكن حمل هذه الأخبار على التقية لموافقتها لمذهب العامة، انتهى.
و لا يخفى ان الخبر التاسع و الحادى عشر و الثانى عشر ايضا يحذو حذو تلك الأخبار، كالخبر الاربعين المتقدم فى اوايل المقصد، و الخبر الثامن و الأربعين المتقدم فى شرح قول المصنف: المعلوم بغيبوبة الحمرة المشرقيه، و العجب منهما انهما لم يتعرضا لذكرها فى هذا المضمار و لو على سبيل التّأييد، نعم الظاهر عدم عثورهما على بعض منها حين التاليف.
و كيف كان فالظاهر عندى ان الأخبار المذكورة لا يصحّ الاستناد اليها فى تأسيس الحكم المذكور لوجوه:
الأول: انها مخالفة للأخبار الدالة على المشهور، المعتضدة
ص: 324
بالاجماعات المحكية التى كلّ واحد منها حجة مستقله، و بالشهرة العظيمة التى كادت ان تكون اجماعا، فهى بالتقديم اولى.
الثانى: انها مخالفة للقران و كلما خالف القران فهو زخرف و يضرب به عرض الحايط، و ذلك لأن المراد بغسق الليل الواقع فى قوله تبارك و تعالى:
(أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ )، للأخبار المستفيضة الواردة عن اهل بيت العصمة عليهم الصلوة و السلام، منها الخبر التاسع عشر و السادس و الثلاثون المتقدمان فى اوائل المقصد، و منها الخبر السابع عشر المؤيد بالخبر الثالث عشر، و منها الأخبار المتقدمة فى قبيل بيان صلوة الوسطى، الوارده فى تفسير الآية المتقدمة، و منها ما رواه فى البحار فى باب وقت العشاءين عن السرائر مما استطرفه من كتاب احمد بن محمد بن ابى نصر البزنطى عن الفضيل عن محمد الحلبى عن ابى عبد الله (ع) فى قوله اقم الصلوة الى آخره، قال: دلوك الشمس:
زوالها، و غسق الليل: انتصافه، و قران الفجر: ركعتا الفجر، و اما ما يحكى(1) عن جماعة من المفسرين بان غسق الليل: ظلمة(2) اوّله، فلا ينبغى ان يلتفت اليه.
الثالث: ان الأخبار قد استفاضت ان لكل صلوة وقتين و اول الوقت افضلهما، و هذان الوقتان بناء على المشهور المنصور، الأول منها للفضيلة و الثانى للاجزاء، و على القول المزيف الأول للمختار و الثانى لاصحاب الاعذار، فالقول بالوقت الثالث خارج عن هذا المضمار، اذ ارباب هذا القول يجعلون الأول للفضيلة، و الثانى للاجزاء، و الثالث اى من انتصاف الليل الى الفجر للاضطرار، و لا ريب فى كون ذلك منافيا لما دلت عليه تلك الأخبار.
الرابع: انها منافية للأخبار المستفيضة الدالة على ذم النايم عن صلوة العتمة الى الانتصاف، و امره بالقضاء بعده، و امره بصيام الغد عقوبة و امره بالاستغفار، و منها الخبر الرابع عشر و السادس عشر و السابع عشر و الخبر العشرون المؤيد بالخبر الثامن
ص: 325
عشر، و فى حسنة عبد الله بن المغيرة او الصحيحة المروية فى الكافى فى آخر باب من نام عن الصلوة او سهى عنها عمن حدثه عن ابى عبد اللّه (ع) فى رجل نام عن العتمة فلم يقم الا بعد انتصاف الليل، قال: يصليها و يصبح صائما، و قد ذهب الى وجوب الصوم هنا جماعة، و منهم المحكى عن علم الهدى مدعيا عليه اجماع الامامية و سيأتى انشاء الله تفصيل المسئلة فى المقام اللايق بها.
قال بعض الأجلاء: الأخبار الواردة فى الاوقات على تعددها و انتشارها، لم يتضمن شيئا منها الاشارة الى هذا الوقت فضلا عن التصريح به، و قد عرفت و ستعرف اشتمالها على جملة الاوقات اختياراتها و ضروريها، و غاية ما دلت عليه بالنسبة الى العشاءين امتدادهما الى الانتصاف، و هو غاية الاضطرار او الاجزاء، فلو كان هنا وقت آخر لاشير اليه فى شىء منها، انتهى.
أقول و هذا الكلام لا يخلو عن مناقشة، لمكان الخبر الثامن و الاربعين المتقدم فى شرح قول المصنف: المعلوم بغيبوبة الحمرة المشرقيه، و التاسع و العشرين و الاربعين المتقدمين فى اوائل المقصد.
و بالجملة الظاهر عندى عدم مقاومة تلك الأخبار التى استند اليها ارباب هذا القول، للأخبار المتقدمة اليها الاشارة المنجبرة بالجوابر العديدة المتقدمة الى جملة منها الاشارة.
و منها ان تلك الأخبار موافقة لمذهب العامة، لأن ذلك مذهب ائمتهم الاربعة على ما ذكره غير واحد من الطائفة، على اختلاف بينهم فى ذلك فبعضهم جعل هذا الوقت للمضطر و هو الشافعى و احمد على ما حكاه فى التحرير، و بعضهم جعله وقتا للمختار و هو ابو حنيفة و مالك على ما حكاه فيه ايضا، بخلاف اخبارنا فانها مخالفة لمذهبهم، و الرشد فى خلافهم، فيتعين الاخذ بتلك الأخبار الموافقة للشهرة و الكتاب، و حمل ما يخالفها على التقية، كما صرح بذلك غير واحد من الطائفة.
قال الشارح الفاضل رفع الله مقامه فى الجنة ما صورته: و للاصحاب ان
ص: 326
يحلموا الروايات الدالة على الامتداد الى الفجر على التقية، لاطباق الفقهاء الاربعة عليه، و ان اختلفوا فى كونه آخر وقت الاختيار او الاضطرار، و هو محل حسن فى الخبرين المتعارضين اذا امكن حمل احدهما عليها كما ورد به النص عنهم عليهم السلام، و قال بعض الأجلاء: و ظهور التقية فى الأخبار المذكورة، و مخالفة ظاهر الكتاب، مما لا مجال لانكاره، فلا وجه للاعتماد.
قال المحقق طاب ثراه فى التحرير: قال الشافعى و مالك و احمد: اذا طهرت قبل الغروب يلزمها الفريضتان، و لو طهرت قبل الفجر بركعة يلزمها المغرب و العشاء، لما رواه الاثره و ابن المنذر باسناديهما عن عبد الرّحمن بن عوف و عبد الله بن عباس انهما قالا فى الحايض تطهر قبل الفجر بركعة: تصلى المغرب و العشاء، فاذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر و العصر جميعا، و عن احمد بن المنذر ان القدر الذى تعلق به الوجوب ادراك تكبيرة الاحرام، و عن الشافعى قدر ركعة، لأنه القدر الذى روى عن عبد الرحمن و ابن عباس، ثم استدل فى المعتبر على بطلان ما ذهبوا اليه و اطال، الى ان قال: و ما ذكره جمهور من قصة عبد الرحمن و ابن عباس لا حجة فيه، لجواز ان يكون ما قالاه اجتهادا، على انا نحمل ذلك على الاستحباب، و قد ورد فى اخبار اهل البيت ما يماثله، ثم نقل رواية ابى الصباح، و رواية عبيد بن زرارة، و رواية عمر بن حنظله، و ظاهره كما ترى حمل هذه الروايات على الاستحباب، تفصيّا من الاشكال الوارد فى المقام، و هو التكليف بعبادة لا يسعها، كما ذهب اليه العامة هذا كلامه فى بحث الحيض ذكره بعض الأجلاء قال: و فى مبحث الاوقات استند اليها فى الدلالة على امتداد وقت المضطر الى قبل الفجر، و اتخذه مذهبا، مع مخالفة رواياته كما عرفت لجملة روايات الاوقات الواردة فى الباب، و مضادتها لايات الكتاب، و موافقتها للعامة، و بالجملة فان كلامه فى مبحث الحيض، مخالف لكلامه فى مبحث الاوقات.
ص: 327
و هو المحكى عن المرتضى و سلار و ابناء زهرة و ادريس و بابويه و الجنيد و جمهور المتأخرين، قال فى المختلف قال المفيد: آخره ثلث الليل، و هو قول الشيخ فى النهاية و الخصال و الخلاف و الاقتصاد، و قال فى المبسوط، آخره ثلث الليل، و لا يجوز تاخيره الى آخر الوقت الا لعذر، و قد رويت رواية ان آخر وقت العشاء الآخرة ممتد الى نصف الليل، و الاحوط ما قدمناه، و هذا يدل على ان وقت المضطر عنده ثلث الليل، و قال ابن حمزة كقوله فى المبسوط، و قال ابن ابى عقيل: اول وقت عشاء الآخرة مغيب الشفق، و الشفق الحمرة لا البياض فإن جاوز ذلك حتى دخل ربع الليل فقد دخل فى الوقت الاخير، و قال ابن البراج كقول المفيد، و نقل الشيخ فى المبسوط عن بعض علمائنا ان آخره للمضطر طلوع الفجر، انتهى.
و قال بعض الأجلاء: و نقل عنه انه قال فى موضع من كتاب الخلاف:
لا خلاف بين اهل العلم فى ان اصحاب الاعذار اذا ادرك احدهم قبل الفجر الثانى مقدار ركعة انه يلزمه العشاء الآخرة، و قد تقدم اخبار المحقق و صاحب المدارك لهذا القول، فتبعهما جملة من متاخرى المتأخرين، انتهى.
أقول: و الاقرب هو المشهور، للأخبار الكثيرة الداله عليه، منها الخبر السابع عشر، و التاسع عشر، و الحادى و العشرون، و السادس و الثلاثون و السابع و الثلاثون، و الثامن و الثلاثون، المتقدم كلهم فى شرح قول المصنف: المقصد الثانى فى اوقاتها، و منها الأخبار الواردة فى تفسير قوله تعالى: (أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ ) الى آخره، المتقدم فى قبل بيان صلوة الوسطى، و منها الخبر السابع و الاربعون، المتقدم فى شرح قول المصنف: المعلوم بغيبوبة الحمرة المشرقية، و منها مرسلة الفقيه المتقدمة فى شرح قوله: ثم يشترك الوقت بينها و بين العشاء، و منها الخبر السادس عشر، و السابع عشر، المؤيد بالخبر الثامن عشر و الثالث عشر، و يؤيده الأخبار الدالة على ذم النايم عن صلوة العتمة الى الانتصاف، و امره بالقضاء بعد
ص: 328
الانتصاف، و امره بصيام ذلك اليوم عقوبة، و امره بالاستغفار، و منها الخبر الرابع عشر، و السادس عشر، و التاسع عشر، و العشرون، و يؤيده ايضا ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات عن ذريح عن ابى عبد الله (ع) و ساق الحديث الى ان قال: و صل العتمة حين ذهب ثلث الليل، ثم قال: ما بين هذا الوقتين وقت و افضل الوقت اوله، ثم قال: قال رسول الله (ص): لو لا انى اكره ان اشق على امتى لاخرتها الى نصف الليل، و ما رواه فى البحار فى باب وقت العشاءين عن العلل عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن سعيد عن احمد بن عبد الله القروى عن ابان بن عثمان عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): لو لا ان اشق على امتى لاخرت العشاء الى نصف الليل، فتدبر(1) جدا.
و يعضده ايضا ما رواه فى البحار فى الباب المتقدم عن قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن العلوى عن جده على بن جعفر عن اخيه (ع) قال: سألته عن القوم يتحدثون حتى يذهب الثلث الأول من الليل و اكثر، ايهما افضل يصلون العشاء جماعة، او فى غير جماعة ؟ قال: يصلونها جماعة افضل، فى البحار، يدل على عدم خروج وقت العشاء بمضى ثلث الليل.
و اما الأخبار الدالة على بقاء الوقت الى ثلث الليل، فهى ايضا مستفيضة، منها الخبر الثانى عشر المشتمل على رواية ابن وهب و ابن ميسرة و ابن عمر المتقدمة فى اوائل المقصد، و منها الخبر الثالث و الثلاثون المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: المعلوم بغيبوبة الحمرة المشرقيه، و منها الخبر الخامس عشر، و منها رواية زرارة المتقدمة فى شرح قول المصنف: ثم يشترك الوقت بينها و بين العشاء، و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب مواقيت الصلوة عن معوية بن عمار قال: و فى رواية معوية بن عمار: وقت العشاء الآخرة الى ثلث الليل، قال
ص: 329
الصدوق: و كأنّ الثلث هو الاوسط و النصف آخر الوقت، و منها ما رواه فى البحار عن نهج البلاغة من كتابه (ع) الى امرائه فى الصلوة: اما بعد فصلوا بالناس الظهر... و ساق الخبر الى ان قال: و صلوا بهم العشاء حين يتوارى الشفق الى ثلث الليل، و يؤيده ما رواه الكافى فى باب وقت العشاءين عن ابى بصير عن ابى جعفر (ع) قال: قال رسول الله (ص): لو لا ان اشق على امتى لاخرت العشاء الى ثلث الليل، قال الكافى و روى ايضا الى نصف الليل، و ما رواه فى البحار فى باب وقت العشاءين عن العلل عن محمد بن الحسن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن الحسين بن ابى الخطاب عن الحسن بن على بن فضال عن ابى المعزا عن سماعة عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): لو لا نوم الصبى و علة الضعيف، لاخرت العتمة الى ثلث الليل، فتأمل.
و فى صحيحة ابن سنان المروية فى التهذيب فى باب اوقات الصلوة قال:
سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: أخر رسول الله (ص) ليلة من الليالى العشاء الآخرة ما شاء الله، فجاء عمر فدق الباب، فقال: يا رسول الله (ص) نام النساء نام الصبيان، فخرج رسول الله (ص) فقال: ليس لكم ان تؤذونى و لا تأمرونى، انما عليكم ان تسمعوا و تطيعوا.
و بالجمله الأخبار دائرة بين وقتين: ذهاب الثلث و النصف، و لما اخترنا بقاء وقتها الى النصف مطلقا للمختار و المضطر، فليحمل الأخبار الدالة على الثلث على الفضيلة، و اما من يجعل النصف لاصحاب الاعذار فيقول: ان الثلث للاختيار.
و الحاصل انه لما كان لكل صلوة وقتان، احدهما للفضيلة على ما اخترناه، او الاختيار كما زيفناه، و ثانيهما للاجزاء على المختار، او الاضطرار على القول الآخر، فالوقت الفضيلة للعشاء من ذهاب الشفق الى ثلث الليل، و الاجزاء من الثلث الى النصف و من بعد صلوة المغرب الى ذهاب الحمرة المغربية، اذا حملنا الأخبار الدالة على كون ابتداء وقت العشاء ذهاب الحمرة على الفضيلة كما هو الاقرب، دون التقية، و اما اذا حملناها على التقية فيدخل هذا ايضا فى
ص: 330
وقت الفضيلة، و لا نحتاج الى تخصيص قوله (ع): و اول الوقت افضله بشىء، و فيه نظر.
نعم روى فى البحار فى باب وقت العشاءين عن فقه الرضا (ع) قال فى جملة كلام له: و آخر وقت المغرب غروب الشفق، و هو اول وقت العتمة، و سقوط الشفق ذهاب الحمرة، و آخر وقت العتمة نصف الليل، و قال فى موضع آخر: وقت المغرب سقوط القرص الى مغيب الشفق، و وقت عشاء الآخرة الفراغ من المغرب ثم الى ربع الليل، و قد رخص للعليل و المسافر الى انتصاف الليل، و للمضطر الى قبل طلوع الفجر الحديث، و قد تقدم بتمامه فى الخبر الثامن و الأربعين المتقدم فى شرح قول المصنف: المعلوم بغيبوبة الحمرة المشرقية، و ما ذكره اخيرا يدل على ان وقت الفضيلة هو الربع، و الجمع بينه و بين اخبار الثلث يقتضى الحمل على اختلاف مراتب الفضيلة، و لكن ينافى ذلك الأخبار الواردة عنهم بانه (ص) قال: لو لا ان اشق على امتى لاخرت العتمة الى ثلث الليل، على احتمال سيجئ اليه الاشارة ان شاء الله.
بقى فى المقام شىء، و هو ان صاحب البحار رحمه الله قال فيه فى جملة كلام له: و لعل الاقوى امتداد وقت الفضيلة الى ثلث الليل، و وقت الاجزاء للمختار الى نصف الليل، و وقت المضطر الى طلوع الفجر، فلو أخر المختار عن نصف الليل اثم، و لكنه يجب عليه الاتيان بالعشاءين قبل طلوع الفجر اداء، و ما اخترناه فى الجمع اولى بما اختاره الشيخ من القول باستحباب القضاء اذا زال عذر المعذور بعد نصف الليل، حيث قال فى المبسوط: و فى اصحابنا من قال الى طلوع الفجر.
فأما من يجب عليه القضاء من اصحاب الاعذار و الضرورات، فاذا نقول ههنا عليه القضاء، و اذا لحق قبل الفجر مقدار ما يصلى ركعة او اربع ركعات صلى العشاء الآخرة، و اذا لحق مقدار ما يصلى خمس ركعات صلى المغرب ايضا معها استحبابا، و انما يلزمه وجوبا اذا لحق قبل نصف الليل بمقدار ما يصلى فيه اربع ركعات، او قبل ان يمضى ربع مقدار ما يصلى ثلاث ركعات المغرب، انتهى.
ص: 331
مع انه قال بهذا الفرق فى ساير اوقات الاختيار و الاضطرار، و قال فى موضع من الخلاف: لا خلاف بين اهل العلم فى ان اصحاب الاعذار اذا ادرك احدهم قبل طلوع الفجر الثانى مقدار ركعة، انه يلزمه العشاء الآخرة، فان قيل: ظاهر الآية انتهاء وقت العشاءين بانتصاف الليل لقوله تعالى: (إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ )، و اذا اختلف الأخبار يجب العمل بما يوافق القران، قلنا اذا امكننا الجمع بين ظاهر القران و الأخبار المتنافية ظاهرا، فهو اولى من طرح بعض الأخبار و حمل الآية على المختارين الذين هم جل المخاطبين و عمدتهم يوجب الجمع بينهما و عدم طرح شىء منها و ايضا لو قال تعالى الى طلوع الفجر، لكنا نفهم منه جواز التأخير عن نصف الليل اختيارا، فلذا قال: الى غسق الليل.
و اما حمل اخبار التوسعة على التقية كما فعله الشهيد الثانى قدس الله روحه، حيث قال: و للاصحاب ان يحملوا الرّوايات الدالة على الامتداد الى الفجر على التقية، لاطباق الفقهاء الاربعة عليه، و ان اختلفوا فى كونه آخر وقت الاختيار او الاضطرار، فهو غير بعيد، لكن اقوالهم تكن منحصرة فى اقوال الفقهاء الاربعة، و عندهم فى ذلك اقوال منتشره، و الحمل على التقيه انما يكون فيما اذا لم يكن محل آخر ظاهر به يجمع بين الأخبار، و ما ذكرنا جامع بينها، و بالجمع المسئلة لا تخلو من اشكال، و الاحوط عدم التأخير عن تتمة الليل بعد تجاوز النصف، و عدم التعرض للاداء و القضاء، انتهى.
أقول: و فيه نظر: اما اولا، فلان ما اشار اليه بقوله: اذا امكننا الجمع بين ظاهر القران انتهى، باطلاقه غير وجيه، نعم نقول بوجوبه اذا ساعده العرف، و كان مقتضى مكالمتهم ذلك كما حققناه فى الاصول، و اما مساعدة العرف فى المقام فمحل اشكال كما لا يخفى على الدقيق.
و اما ثانيا، فلأن ما اشار اليه بان الحمل على التقية انما يكون فيما اذا لم يكن محل ظاهر به يجمع بين الأخبار، وجيه لو ثبت اظهرية ذلك المحمل على الحمل على التقية، و لكن المقام فى جانب العكس من ذلك، و معه يتجه الحمل
ص: 332
عليها، و اما كون احتمال التقية اظهر، فلما بيّناه فى المسئلة السابقة.
و بالجملة الوجه الّذى جمع به بين ظاهر الآية و الأخبار المنافية لها، ياباه الأخبار الواردة فى تفسيرها المعتضدة بالشهرة بين الطائفة المحقة، المخالفة لمذهب العامة.
و اما ما ادعاه من انتشار مذهبهم ان صح، فلا ريب ان الاكثر و الجمهور منهم انما هو على القول بالامتداد الى الفجر كما عرفت من كلام التحرير، و مثله عن المصنف فى المنتهى، و ان اختلفوا فى كونه آخر وقت الاختيار او الاضطرار، و معه لا وجه لهذا الكلام، على انه لا يشترط فى الحمل عليها اطباقهم على قول، بل اذا كان منهم قائل فى زمان صدور الرواية لكفى فى الحمل عليها، بل مطلقا على اشكال، بل و لو يكن منهم قائل ايضا على اشكال تام كما مضى اليه الاشارة، و اما لو استند فى ذلك القول الى ما فى الفقه الرضوى المتقدم اليه الاشارة من قوله عليه السلام: و وقت عشاء الآخرة الفراغ من المغرب ثم الى ربع الليل، و قد رخص للعليل و المسافر فيهما الى انتصاف الليل، و للمضطر الى قبل طلوع الفجر، ففيه ان قوله (ع): و للمضطر الى قبل طلوع الفجر، محمول على ما حملت عليه تلك الأخبار المتقدمة فى المغرب، على ان حكمه (ع) بالترخص للعليل بالتأخير الى انتصاف الليل، لا يوافق ما ذكروه، فانهم جعلوا التحديد الى نصف الليل للمختار كما هو المختار، و جعلوا وقت الامتداد(1) الى الفجر وقتا لاصحاب الاعذار و الاضطرار، و كلامه لا ينطبق على شىء من القولين.
قال بعض الأجلاء: قد عرفت فيما تقدم من استفاضة الأخبار، ان لكل صلوة
ص: 333
وقتين، و مقتضى ذلك اى ما اختاره البحار، القول ان لكل من صلوتى العشاءين ثلاثة اوقات، و الأخبار بما ذكرناه مستفيضة، انتهى.
أقول: قد عرفت تفصيل الكلام فى المسئلة السابقة، قال الشارح المحقق طاب ثراه قال فى التحرير: فيه لنا روايات، منها ما روى الاصحاب عن رسول الله (ص) قال: لا يفوت صلوة الليل حتى يطلع الفجر ثم نقل رواية ابى بصير و ابن سنان و موثقة ابن سنان، قال: و مثل معناه عن داود الجرجانى عن ابى عبد الله عليه السلام، قال فى الذكرى بعد نقل هذه الروايات: و قال الشيخ فى موضع من الخلاف: لا خلاف بين اهل العلم فى انّ اصحاب الاعذار اذا ادرك احدهم قبل طلوع الفجر الثانى مقدار ركعة، انه يلزمه العشاء الآخرة، ثم قال: و جوابه المعارضة بالأخبار السابقة و الشهرة المرجحة، و يويّدها مرفوع ابن مسكان الى ابى عبد اللّه عليه السلام انه قال: من نام قبل ان يصلى العتمة فلم يستيقظ حتى يمضى نصف الليل، فليقض صلوته فليستغفر الله، و كذا رواية النوم عن العشاء نصف الليل، المتضمنة للقضاء و صوم الغداة، و لا يخفى ان مجرد المعارضة لا يقتضى الاطراح الا عند عدم امكان الجمع، و الأمر ههنا ليس كذلك، و مثل الشهرة المخالفة لما نقل الاجماع عليه غير كاف فى الترجيح، و اعترف رحمه الله باستقامة سند رواية ابن سنان و وضوح دلالته، لكن قال: انه مطروح بين الاصحاب و للتامل فيه مجال، انتهى.
أقول: و فيه اولا ان ما ذكره من وجوب الجمع باطلاقه، غير صحيح، و ان اشتهر فى كلامهم من ان الجمع بين الدليلين اولى من الطرح، و ذلك لانا لم نجد دليلا يدل عليه باطلاقه، نعم فيه تفصيل ليس هنا مقام ذكره.
و اما ثانيا فلانه لا شك فى مرجحية الشهرة لو لم نقل بحجيتها، و ان خالفها الاجماع المحكى، و ذلك لأن المناط فى حجية الاجماعات المحكية هو حصول المظنة، و مع مخالفته للشهرة لم نجد دليلا يدل على حجيته، و اما الشهرة فلا ريب فى حصول المظنة منها مطلقا، فلم لا تجعل مرجحة لأن المناط اما الظن او التعبّد، و كلاهما
ص: 334
فى الصورة المذكورة موجودان.
لا يقال: كيف يحصل الظن منها؟ مع ان مثل الشيخ الذى هو رئيس الطائفة، قد ادعى الاجماع على خلافها، و نقل بعض الرّوايات المعتبرة سندا فى مقابلها، قلت: لا ريب فى حصول الظن فى هذه الشهرة لأن اكثر القدماء و المتأخرين، و منهم الشيخ المدعى للاجماع المتقدم على خلاف هذا القول مع كثرة ديانتهم و ورعهم و تقواهم و فحصهم فى المسائل، بل و مع احتمال اطلاع من تأخر عن الشيخ على ذلك الاجماع و مخالفتهم له، و ليس ذلك الا لعدم الاعتناء بشانه.
و بالجملة المنصف الخبير و الناقد البصير، اذا تأمل و تدبر فى الاشخاص الذاهبين الى خلاف هذا القول، و لاحظ فى كيفية استنباطهم المسائل، لا يبقى له ريب فى حصول الظن منها، بل لو قيل ان الظن من هذه الشهرة المخالفة للاجماع المحكى، اقوى من الظن الحاصل منها، اذا لم يكن بذلك البعيد، سيما اذا كان المدعى للاجماع فى غير واحد من كتبه مخالفا له، و اما اذا وجدت روايات مخالفة للشهرة، فلا ريب فى ان ذلك ايضا لا يورث و هنا فى الظن الحاصل منها، بل انها تورث قوة للظن الحاصل منها، سيما اذا كانت الروايات معتبرة بحسب السند، و موجودة فى الكتب الاربعه فى الابواب المناسبة لعنوان المسئلة، بل الروايات المخالفة لها كلما كانت اكثر عددا و اصح سندا، كان الظن الحاصل منها اشد قوة كما لا يخفى على المتأمل النبيه و الناظر بعين الانصاف فيه.
و بما ذكر ظهر ايضا عدم وجاهة ما اشار اليه الشارح المحقق بقوله: و اعترف رحمه الله باستقامة الى آخره، و تأمله فيه، و بالجملة المسئلة بحمد الله لا سترة فيها.
كرواية ابى بصير عن ابى جعفر (ع) قال رسول الله (ص): لو لا انى اخاف ان اشق على امتى لاخرت العتمة الى ثلث الليل و انت فى رخصة الى نصف الليل و هو غسق الليل،
ص: 335
و صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال سمعته يقول: أخر رسول الله (ص) ليلة من الليالى العشاء الآخرة ما شاء الله فجاء عمر فدق الباب فقال:
يا رسول الله نام النساء نام الصبيان، فخرج رسول الله (ص) فقال: ليس عليكم ان تؤذونى و لا تأمرونى، انما عليكم ان تسمعوا و تطيعوا، و قال فى البحار بعد نقل رواية ابى بصير المتقدمة فى المقام الثانى المشتملة على قول رسول الله (ص): لو لا ان اشق على امتى لاخرت العشاء الى نصف الليل، ما صورته: قال فى النهاية:
اى لو لا ان اثقل عليهم من المشقة و هى الشدة انتهى، و لو لا يدل على انتفاء الشىء لثبوت غيره، و تحقيقه انها مركبة من لو و لا، و لو يدل على انتفاء الشىء لانتفاء غيره، فيدل ههنا على انتفاء التأخير لانتفاء نفى المشقة، و نفى النفى اثبات، فيكون التأخير منتفيا لثبوت المشقة، و المشقة ههنا ليست بثابته، فلا بد من مقدار اى لو لا خلاف المشقة او توقعها بسبب هذا الفعل، لفعلت، و الخبر يدل على استحباب تأخير العشاء عن اول وقت الفضيلة، و هو مناف لما مر من الأخبار الدالة على كون اول الوقت افضل، فيمكن تخصيصها به كما خصص بغيره مما مر، و يمكن حمله على التقية لاشتهاره بين العامة، كما رواه احمد و الترمذى و ابن ماجة قال قال رسول الله (ص): لو لا ان اشق على امتى لامرتهم ان يؤخروا العشاء الى ثلث الليل او نصفه، و قال محيى السنة من فقهائهم: اختار اهل العلم من الصحابة و التابعين فمن بعدهم، تاخير العشاء، و ذهب الشافعى فى احد قوليه الى تعجيلها، لكن رووا التعجيل عن عمر، كما ورد فى اخبارنا معارضة النبى (ص) فى ذلك، و قال فى الذكرى بعد ايراد بعض الأخبار الدالة على استحباب التأخير، و ظاهر الاصحاب عدم هذا الاستحباب، لمعارضة اخبار افضلية اول الوقت صرح به فى المبسوط، و قال المرتضى لما قال الناصر: افضل الاوقات اولها فى الصلوات كلها، هذا صحيح و هو مذهب اصحابنا، و الدليل على صحته بعد الاجماع، ما رواه ابن مسعود عن النبى (ص) و سأله عن افضل الاعمال، فقال: الصلوة فى اول وقتها، و مثله رواية ام فروه عن النبى (ص)، و
ص: 336
لأن فى تقديمها احتياطا للفرض، و للتأخير تغريرا به لجواز المانع، و حينئذ نقول ما اختاره النبى (ص) جاز ان يكون لعذر او لبيان الجواز، انتهى كلام البحار.
و قال بعض الأجلاء بعد نقل كلام المدارك: و فيه عندى نظر، و ان كان قد تقدمه فى ذلك الشهيد رحمه الله فى الذكرى، و الوجه فى ذلك ان غاية ما تدل عليه الرواية الاولى، انه (ص) اخبر انه لو لا خوف المشقة على امته بجعل فضيلة العشاء فى التأخير الى ان يمضى ثلث الليل، لكن لما كان فيه مشقة عليهم لم يفعله و لم يامر به، لأن لو لا تدل على انتفاء الشىء الذى هو الجزاء، لثبوت غيره الذى هو الشرط، و هذا لا يدل على استحباب التأخير على ذلك المقدار، حتى يكون منافيا لما دل على فضيلة اول الوقت، بل هو بالدلالة على خلافه اشبه، لانه (ص) لم يشرعه و لم يامر به، و انما هو مجرد خبر اراد به اظهار الشفقة عليهم، و بيان سعة الشريعة و انها مبنية على السهولة و السماحة، و لو استلزم هذا الكلام ما ذكر، للزم على رواية نصف الليل كما تقدم فى رواية العلل، استحباب تأخير العشاء الى بعد الانتصاف، الذى قد استفاضت الأخبار بخروج الوقت به.
و بالجملة فان الغرض من الخبر انما هو ما ذكرنا، فلا دلالة فيه على استحباب التأخير، ان لم يكن فيه دلالة على العدم، نعم آخر الثلث هو آخر وقت الفضيلة او الاختيار على القولين المتقدمين، و ما بعده الى الانتصاف هو وقت الاجزاء على المشهورا و ذوى الاعذار على المختار، و اما الرواية الثانية فالظاهر تاخيره (ص) تلك الليلة بخصوصها دون ساير الليالى انما كان لعذر، يشير الى ذلك قوله (ص): من الليالى، لا ان ذلك كان مستمرا منه (ص) او اكثريا منه، حتى يتوهم منه ما ذكره، و ربما كان التفاتهم فيما فهموا من الخبر الأول الى انه لو لا خوف المشقة لا وجب التأخير و جعل ذلك فرضا عليهم، و لكنه لاجل الرافة لهم لم يوجبه، و هى تومى الى استحباب ذلك، و فيه ان حمل الخبر على الوجوب بعيد غاية البعد، عن مفاد الأخبار المستفيضة المتكاثرة المتقدمة الصريحة الدالة فى خروج وقتها بعد مضى قدر الثلث، و لا سيما اخبار نزول جبرئيل (ع) بالاوقات
ص: 337
الدالة على ان وقتها غيبوبة الشفق و آخره حين ذهب ثلث الليل، الا ان يقال انه كان يريد ذلك فى هذه الفريضة بخصوصها، و الاقرب انه انما اراد جعل ذلك وقت فضيلة لها لا وقت وجوب، و لكنه للعلة المذكورة لم يجعله، انتهى.
قال المصنف فى المختلف بعد اختيار ان آخر وقت العشاء نصف الليل ما صورته: لنا قوله تعالى: إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ ، الى ان قال: و ما رواه ابو بصير عن ابى جعفر (ع) قال: قال رسول الله (ص): لو لا اننى اخاف ان اشق على امتى لاخرت العتمة الى ثلث الليل، و انت فى رخصه الى نصف الليل و هو غسق الليل، فاذا مضى الغسق ينادى ملكان: من رقد عن صلوة المكتوبة بعد نصف الليل فلا رقدت عيناه، وجه الاستدلال من وجهين: احدهما انه (ع) جعل تأخير العتمة الى ثلث الليل افضل، بقوله: لو لا اننى اخاف ان اشق على امتى لاخرت العتمة الى ثلث الليل، و لو لا افضليته لما قال ذلك، و لو كان آخر وقت المختار او مطلقا لما تم ذلك انتهى، أقول: و الاقرب عندى هو استحباب المبادرة بالعشاء بعد ذهاب الشفق، للأخبار المستفيضة الدالة على فضيلة اول الوقت، و للآية الدالة على مسارعة المغفرة، خرج منهما، و للاجماع الذى حكاه علم الهدى المؤيد بما اشار اليه فى الذكرى من ان ظاهر الاصحاب عدم هذا الاستحباب، و قد تقدم نقلهما فى نقل كلام البحار، و اما ما استفاده المدارك من قوله (ص): لو لا ان اشق على امتى الى آخره: فلى فيه توقف، و ان وافقه جماعة، بل لعله الاظهر هو دلالته على العدم، لما اشار اليه بعض الأجلاء المتقدم نقل كلامه، و اما استفادة ذلك من صحيحة ابن سنان المتقدمة فبعيد فى الغاية، بل لعل المتدبر فى متنها يفهم منها ما ينافى ذلك، و يجعلها دليلا لنا، لمكان قوله: ليلة من الليالى المشعر بأن تأخيره (ص) فى تلك الليلة، انما هو لاجل بيان اصل الجواز او لعذر فافهم.
و يدل عليه غير واحد من الأخبار، منها موثقة عبيد الله و عمران ابنى على الحلبيين المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: ثم يشترك الوقت بينها و بين العشاء
ص: 338
و منها ما رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة عن عمران بن على الحلبى قال سألت ابا عبد الله (ع): متى تجب العتمة ؟ قال: اذا غاب الشفق و الشفق الحمرة، فقال عبيد الله: اصلحك الله انه يبقى بعد ذهاب الحمرة ضوء شديد معترض، فقال ابو عبد الله (ع): ان الشفق هو الحمرة، و ليس الضوء من الشفق و المنقول عن ابى حنيفة انه البياض و لا اعتناء به اصلا.
و كرهه الشيخ فى الحبل المتين استنادا الى حجة ضعيفة، و كذلك تسمية الصبح بالفجر، و ينفيه روايه عبد الله بن سنان الآتية، و زعم بعض العامة كراهة تسميتها الغداة، و يكرهون تسمية المغرب بالعشاء، و كل ذلك لم يثبت انتهى، أقول: فى الأخبار المجوزة لتسمية العشاء عتمة كتسمية الصبح بالفجر مستفيضة، و اما كراهة تسمية المغرب بالعشاء فغير ثابتة كما اشار اليه الشارح المحقق.
فلا نطيل المقام بذكره.
(و اول) وقت صلوة (الصبح اذا طلع الفجر الثانى المعترض) باجماع علماء الاسلام، على ما ادعاه غير واحد من الطائفة، و المراد بالفجر الثانى هو البياض فى الافق الذى لا يزال فى زيادة، و يسمى الصّادق لأنه صدقك عن الصبح، و سمى صبحا من قولك رجل اصبح اذ اجتمع لونه بياضا و حمرة، و يقابله الفجر الأول المسى بالكاذب، لعدم دلالته على الصبح واقعا، و هو الذى يبدو كذنب السّرحان مستدقا مستطيلا الى فوق، و عن النبى (ص): لا يغرنكم الفجر المستطيل، كلوا و اشربوا حتى يطلع الفجر المستطير.
منها ما رواه ثقة الاسلام فى الكافى فى باب وقت الفجر عن على بن مهزيار
ص: 339
قال: كتب ابو الحسن بن الحصين الى ابى جعفر الثانى (ع) معى: جعلت فداك قد اختلف موالوك فى صلوة الفجر، فمنهم من يصلى اذا طلع الفجر الأول المستطيل فى السّماء، و منهم من يصلى اذا اعترض فى اسفل الافق و استبان، و لست اعرف افضل الوقتين فاصلى فيه، فان رأيت أن تعلمنى افضل الوقتين و تحده لى و كيف اصنع مع الفجر و الفجر لا يتبيّن معه حتى يحمر و يصبح، و كيف اصنع مع الغيم، و ما حد ذلك فى السّفر و الحضر فعلت ان شاء الله، فكتب (ع) بخطه و قرأته: الفجر يرحمك الله هو الخيط الابيض المعترض ليس هو الابيض صعدا، فلا تصل فى سفر و لا حضر حتى تبينه، و ان الله تبارك و تعالى لم يجعل خلقه فى شبهة من هذا، فقال: (كُلُوا وَ اِشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اَلْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ اَلْفَجْرِ)، فالخيط الابيض هو المعترض الذى يحرم به الاكل و الشرب فى الصوم، و كذلك هو الذى يوجب به الصلوة.
و منها ما رواه فى التهذيب فى باب اوقات الصلوة فى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: كان رسول الله (ص) يصلى ركعتى الصبح و هى الفجر اذا اعترض الفجر و اضاء حسنا.
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن على بن عطيه فى الحسن كالصحيح عن ابى عبد الله (ع) قال: الصبح هو الذى اذا رايته معترضا كانه بياض سورا.
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن هشام بن الهذيل عن ابى الحسن الماضى (ع)، قال: سألته عن وقت صلوة الفجر، فقال: حين يعترض فتراه مثل نهر سورا.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم ايضا عن يزيد بن خليفة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: وقت الفجر حين يبدو حتى يضيئ، الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة و سيأتى الى جملة منها الاشارة و بالجملة لا اشكال و لا خلاف فى الحكم المذكور نصا و فتوى.
ص: 340
و انما الخلاف فى (آخره) فالمشهور بين الاصحاب انه (طلوع الشمس) و هو المحكى عن المرتضى و المفيد و الشيخ فى الجمل و الاقتصار و سلار و الحلبى و ابناء زهرة و ادريس و البراج و جمهور المتأخرين، و عن ابن ابى عقيل: آخره للمختار طلوع الحمرة المشرقية و للمضطر طلوع الشمس، و هو المحكى عن ابن حمزة و الشيخ فى المبسوط، و عن الخلاف: وقت المختار الى ان يسفر الصبح، و هو قريب من مذهب ابن ابى عقيل، لأن اسفار الصبح اضاءة اشراقه.
ما رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة فى الموثق عن عمار بن موسى الساباطى عن ابى عبد الله (ع)، فى الرجل اذا غلبته عينه او عاقه امر: ان يصلى المكتوبة من الفجر ما بين ان يطلع الى ان تطلع الشمس، و كذلك فى المكتوبة خاصة فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم و قد جازت صلوته.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الحسن او الصحيح عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال: الفجر حين ينشق الفجر الى ان يتجلل الصبح السماء، و لا ينبغى تاخير ذلك عمدا، لكنه وقت لمن شغل او نسى او نام.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن عاصم بن حميد عن ابى بصير المكفوف قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الصايم متى يحرم عليه الطعام ؟ فقال: اذا كان الفجر كالقبطية البيضاء قلت: فمتى تحل الصلوة فقال:
اذا كان كذلك، فقلت: ألست وقت من تلك الساعة الى ان تطلع الشمس ؟ فقال:
لا انما نعدها صلوة الصبيان، ثم قال: انه لم يكن يحمد الرجل ان يصلى فى المسجد ثم يرجع فينبه اهله و صبيانه.
ما رواه الصدوق فى الفقيه فى كتاب الصوم فى باب وقت الذى يحرم فيه الاكل و الشرب فى الحسن او الصحيح عن عاصم بن حميد عن ابى بصير ليث المرادى قال: سألت ابا عبد الله (ع) فقلت: متى يحرم الطعام على الصائم و يحل الصلوة صلوة الفجر؟ فقال: اذا اعترض الفجر و كان كالقبطية البيضاء، فثم
ص: 341
يحرم الطعام على الصائم و يحل الصلوة صلوة الفجر، قلت: افلسنا فى وقت الى ان يطلع شعاع الشمس ؟ قال: هيهات اين تذهب تلك صلوة الصبيان.
و عن صاحب المنتقى انه قد جعل اختلاف المشايخ الثلاث فى أبى بصير بالاطلاق من بعض، و التقييد بالثقة من آخر، و بالضعيف من ثالث، موجبا للعلة فى الخبر المذكور، فقال: انّه لا وثوق مع هذا الاختلاف بصحة ما فى كتاب الفقيه من التفسير ليتم حسنه، قال بعض الأجلاء بعد نقل ذلك: قد اشتهر فى كلام جماعة من المحدثين تعيين ابى بصير مع الاطلاق، و تفسير بليث المرادى متى كان الراوى عنه عاصم بن حميد او عبد الله بن مسكان، و بمقتضى ذلك يجب ان يحمل ما ذكره الكافى من الاطلاق على المرادى الثقة، و يترجح به كلام صاحب الفقيه، مضافا الى ما علم من السّهو الزايد فى متون الأخبار و اسانيدها، فيتقوى الاعتماد على الخبر المذكور و تزول العلة، انتهى.
أقول: لا وجه اوّلا فى الحكم بالاتحاد بما فى التهذيب و الفقيه فتدبر، هب لكن التحقيق ان المرادى و المكفوف كليهما ثقتان، فلا وجه للحكم بالضعف.
ما رواه فى البحار فى باب وقت صلوة الفجر عن دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (ع): اول وقت صلوة الفجر اعتراض الفجر فى افق المشرق، و آخر وقتها ان يحمر افق المغرب، و ذلك قبل ان يبدو قرن الشمس من افق المشرق بشىء، و لا ينبغى تاخيرها الى هذا الوقت لغير عذر، و اول الوقت افضل، و فى البحار، بيان: احمرار المغرب غريب و قد جرت انه اذا وصلت الحمرة الى افق المغرب يطلع قرن الشمس.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن فقه الرضا (ع) قال (ع): اول وقت الفجر اعتراض الفجر فى افق المشرق، و هو بياض كبياض النهار(1) و آخر وقت الفجر ان تبدوا الحمرة فى افق المغرب، و قد رخص للعليل و المسافر و المضطر الى قبل طلوع الشمس.
السابع: ما رواه ايضا فى اواخر باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى
ص: 342
الصحيح عن على بن يقطين قال: سألت ابا الحسن (ع) عن الرجل لا يصلى الغداة حتى تسفر و تظهر الحمرة و لم يركع ركعتى الفجر، ايركعهما ايؤخرهما؟ قال: يؤخرهما.
اذا عرفت ذلك فاعلم ان للمشهور جملة من الأخبار: منها الخبر الثامن (1) عشر و التّاسع و العشرون(2) المتقدمان فى اوائل المقصد، و منها الخبر التاسع و الثلاثون المتقدم هناك، و هو رواية اصبغ بن نباتة، و منها الخبر التاسع، قال فى المدارك: وجه الدلالة ان ظاهر الخبر امتداد الوقت الى ما بعد الاسفار و ظهور الحمرة، و كل من قال بذلك قال بامتداده الى طلوع الشمس، و بعضهم عده من المؤيدات.
احتج الشيخ على ما ذكره فى المختلف بجملة من الأخبار، منها الخبر الرابع المتقدم فى اوائل المقصد، و هو صحيحة عبد الله بن سنان، و منها الخبر الثانى و الثالث، قيل و يؤيده ما رواه عن يزيد بن خليفه، ثم نقل روايته المتقدمة فى قبيل قول المصنف هذا، قال فى المختلف، و الجواب انه ليس هذا الحمل اولى من حمل احاديثه على الاستحباب و الفضيلة، و يدل عليه قوله (ع): و لا ينبغى تأخير ذلك عمدا، و لو كان محرما لقال: و لا يجوز او لا يحل.
و قال بعض الافاضل: منع دلالة روايتى عبد الله بن سنان و الحلبى على خروج وقت الاختيار بذلك، فان لفظ لا ينبغى ظاهر فى الكراهة و الشغل(3)
ص: 343
المسوغ معه جواز التأخير اعم من الضرورى، فأقصى ما تدلان عليه خروج وقت الفضيلة بالاسفار، و اما رواية ابى بصير فحملها على الفضيلة حمل قريب، و هو اولى من اطراح ما ذكرنا من الادلة، مع اعتضادها بالشهرة، و كذا رواية يزيد بن خليفة، انتهى.
أقول: لا يخفى عليك ان هذه الأخبار كغيرها من الأخبار، المتقدمة فى المباحث الماضيه الى جملة منها الاشارة، دالة على ان الحكم فى هذه الصلوة كغيرها من الصّلوات فى ان لها وقتين، اولهما من طلوع الفجر الى الاسفرار،(1) و الثانى الى طلوع الشمس، لا يقال: ان المستنبط من الخبر الرابع و الثانى المشتمل على رواية ابن وهب و ابن ميسره و ابن عمر المتقدمين فى اوائل المقصد، و الخبر الثانى و رواية يزيد بن خليفه المتقدمة فى قبيل قول المصنف هذا و ان كان هو كون الوقت الأول للصبح هو طلوع الفجر الثانى الى اسفرار الصبح كرواية ذريح المروية فى باب المواقيت فى الزيادات عن ابى عبد الله (ع) المشتملة على قوله (ع): اتى جبرئيل رسول الله (ص) فأعلمه مواقيت الصلوة، فقال: صل الفجر حين ينشق الفجر:
و ساق الخبر الى ان قال: ثم اتاه من الغد فقال: اسفر بالفجر، الى ان قال ثم قال:
ما بين هذين الوقتين وقت و افضل الوقت اوله، و لكن المستفاد من الخبر السادس هو كون الوقت الأول من انشقاق الفجر الى ان تبدو الحمرة فى افق المغرب، لانا نقول الترجيح مع الأخبار الاولة مع امكان حمله على معنى لا ينافيها، لمكان الخبر السادس فافهم، و يمكن حمله على تفاوت مراتب الفضيلة.
و بالجمله يستفاد من الأخبار ان للصبح وقتين، اولهما للفضيلة و الثانى للاجزاء على المشهور المنصور، و على القول المزيف اولهما للمختار و الثانى لاصحاب الاعذار، و قد اقمنا الادلة على ما اخترناه من كون الوقت الأول للفضيلة و الثانى للاجزاء، فى اوايل المقصد بما لا يزيد عليه فراجع.
ص: 344
لا بمعنى الاسفار الذى هو وقت لذوى الاعذار، بل بمعنى الاضاءة فى الجملة المقابلة للتغليس، و من اخرى استحباب التغليس، فالجمع بينهما لا يخلو عن اشكال ما، فالواجب اولا ذكر جملة من الأخبار المتعلقه بالمقام، فنقول:
منها ما رواه فى البحار فى باب وقت صلوة الفجر عن الهداية قال: قال الصادق عليه السلام حين سئل عن وقت الصبح فقال: حين يعترض الفجر و يضئ حسنا.
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن كتاب العروس باسناده عن الرضا عليه السلام انه قال: صل صلوة الغداة اذا طلع الفجر و اضاء حسنا، و صل صلوة الغداة يوم الجمعة اذا طلع الفجر فى اول وقتها.
و منها الخبر الرابع المشتمل على قوله (ع): اذا اعترض و كان كالقبطية البيضاء.
و منها صحيحة زرارة المشتملة على قوله (ع): اذا اعترض الفجر و اضاء حسنا، المتقدمة فى قبيل قول: المصنف هذا.
و منها حسنة على بن عطية المتقدمة هناك المشتملة على قوله (ع):
الصبح هو الذى اذا رايته معترضا كانه نباض سورا.
و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب وصف الصلوة قال: و سئل يحيى بن اكثم القاضى ابا الحسن الأول (ع) عن صلوة الفجر، يجهر فيها بالقراءة و هى من صلوات النهار؟ و انما يجهر فى صلوة الليل، فقال: لأن النبى (ص) كان يغلس بها فقر بها من الليل.
قال بعض الافاضل فى حاشية الفقيه: الظاهر ان لفظ الأول وقع سهوا من النساخ، لتصريح الصدوق فى العلل لأن السؤال وقع عن ابى الحسن الثالث (ع)، و الغرض من السؤال انه روى عن النبى (ص): ان صلوة النهار عجماء، اى كلّها اخفات، فلم جهر فى صلوة الصبح ؟ فاجاب (ع): ان النبى
ص: 345
(ص) كان يفعلها فى الظلمة اول الصبح و لهذا الحق بصلوات الليل فى انها جهار.
و منها ما رواه الكافى فى باب وقت الفجر عن اسحق بن عمار قال قلت لأبى عبد الله (ع): اخبرنى بافضل المواقيت فى صلوة الفجر، فقال: مع طلوع الفجر، ان الله يقول: (إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً)، يعنى صلوه الفجر تشهده ملائكة الليل و ملائكة النهار، و اذا صلى العبد الصبح مع طلوع الفجر اثبتت له مرتين اثبتها ملائكة الليل و ملائكة النهار.
و منها ما رواه فى البحار فى باب وقت صلوة الفجر عن مجالس الشيخ عن الحسين بن عبيد الله الغضايرى عن هرون بن موسى التلعكبرى عن محمد بن همام عن عبد الله بن جعفر الحميرى عن محمد بن خالد الطيالسى عن زريق الخلقاتى عن ابى عبد الله (ع)، انه كان يصلى الغداة يغلس عند طلوع الفجر الصادق، اول ما يبدأ قبل ان يستعرض،(1) و كان يقول: و قران الفجر ان قران الفجر كان مشهودا، ان ملائكة الليل تصعد و ملائكة النهار تنزل عند طلوع الفجر، فانا احب ان تشهد ملائكة الليل و ملائكة النهار صلوتى الخبر.
و منها ما نقل عن الذكرى انه روى عن النبى (ص) كان يصلى الصبح فتنصرف النساء و هن متلفعات بمر و طهن لا يعرفن من الغلس(2).
اذا عرفت ذلك فاعلم انه قال الشارح المحقق بعد ان نقل رواية ابى بصير و رواية على بن عطية و غيرها ما لفظه: و المستفاد من كثير منها ظهور الاضاءة و الوضوح فى الجملة، و يحمل عليه الباقى حملا للمطلق على المقيد، و لا يمكن الجمع بحمل المطلق على الاجزاء و المقيد على الفضيلة، لأنه ينافيه رواية ابى بصير السابقة، و بعض الأخبار الدالة على ان افضل الاوقات لصلوة الفجر مع طلوع
ص: 346
الفجر، و الصحيح ان اعتبار الاضاءة و الوضوح فى الجملة احتراز عن الفجر الأول، فتدبر.
و قال بعض الأجلاء بعد نقل الأخبار المتقدمة: و لعل وجه الجمع بين هذه الأخبار هو ان الافضل ما دلت عليه هذه الأخبار الاخيرة، من التغليس للعلة المذكورة فى بعضها، و لما دل على افضلية اول الوقت، و حمل الأخبار الاولة على استحباب التأخير لمن لا يدرك الفرق بين الفجرين الا بذلك، و يشتبه عليه الحال فى مبدأ الأمر، لكن ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة الداله على انه (ص) كان يصلى الصبح اذا اعترض الفجر فأضاء حسنا، ربما نافر ذلك الا ان يخص ببعض الاوقات التى يحصل فيها الاشتباه لا دائما.
و جمع فى المنتقى بين الأخبار المذكورة، بحمل مطلق الأخبار على مقيدها، قال: و الذى يقتضيه القواعد هنا حمل الأخبار على المقيدة.
أقول: فيه ان ما ذكره جيد بالنسبة على ما عدا حديث المجالس، حيث تضمن اول ما يبدو و قبل ان يستعرض، و لكن العذر له واضح حيث لم يطلع عليه، انتهى.
أقول: و الذى يترجح عند العبد هو العمل بالأخبار الاخيرة، لاعتضادها بالأخبار المستفيضة الدالة على فضيلة اول الوقت، و قد تقدم الى كثير منها الاشارة.
و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب عله وجوب خمس صلوات مرسلا عن الحسن بن على (ع) انه قال: جاء نفر من اليهود الى رسول الله (ص) فسأله اعلمهم عن مسائل فكان مما سأله انه قال: اخبرنى عن الله عز و جل لاى شىء فرض الله عز و جل هذه الخمس الصلوات فى خمس مواقيت على امتك فى ساعات الليل و النهار؟ فقال النبى (ص):... ثم ساق الخبر الى ان قال (ص): و اما صلوة الفجر فان الشمس اذا طلعت تطلع على قرن(1) شيطان، فأمرنى ربى عز و جل ان اصلى قبل طلوع الشمس صلوة
ص: 347
الغدوة، و قبل ان يسجد لها الكافر، ليسجد امتى لله عز و جل، و سرعتها احب الى الله عز و جل، و هى الصلوة التى تشهدها ملائكة الليل و ملائكة النهار معا، بل يمكن ادعاء كون هذا الخبر كالنص فى المطلب.
و منها ما رواه ايضا فى آخر باب فضل الصلوة قال: قال الصادق (ع):
كان رسول الله (ص) يقول من حبس نفسه على صلوة فريضة ينتظر وقتها، فصلاها فى اول وقتها فاتم ركوعها و سجودها و خشوعها ثم مجد الله عز و جل و عظمه و حمده حتى يدخل وقت الصلوة الاخرى، لم يلغ بينهما كتب الله له كأجر الحاج المعتمر، و كان من اهل عليين.
و اما الاخبار الاولة فمنافاتها للاخيرة غير ظاهرة، بل لعل الظاهر هو كون المراد منها هو عدم الاتيان بصلوة الصبح، و عدم الحكم بدخول وقته حتى يتيقن بدخوله، و ذلك انما يتيسر فى صورة الاضاءة و لو فى الجملة، و بالجملة الظاهر هو حمل الأخبار الدالة على الاضاءة فى الجملة على صورة التيقن بالفجر، و الاتيان بالصلوة فى هذه الحالة دون الاتيان بها فى ظلمة آخر الليل، استنادا الى ان الشمس تطلع على قوم قبلنا كما هو كان دابا لبعض الناس على ما يستفاد من بعض الأخبار و هو الخبر الثامن و الثلاثون المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: المعلوم بغيبوبة الحمرة المشرقية، المشتمل على قول الصادق (ع) على ما حكاه عبيد بن زرارة: صحبنى رجل كان يمشى بالمغرب و يغلس بالفجر، فكنت انا اصلى المغرب اذا وجبت الشمس، و اصلى الفجر اذا استبان لى الفجر، فقال لى الرجل: ما يمنعك ان تصنع مثل ما اصنع ؟ فان الشمس تطلع على قوم قبلنا و تغرب عنا و هى طالعة على آخرين بعد، قال فقلت: انما علينا ان نصلى اذا وجبت الشمس عنا و اذا طلع الفجر عندنا، ليس علينا الا ذلك، و على اولئك ان يصلى اذا غربت عنهم.
و انت اذا تأملت فى هذين الخبر لا يبقى لك اشكال فى الاخبار الأولة، اذ هو كالمفسر لها، لمكان قوله: و اصلى الفجر اذا استبان لى الفجر، كيف لا
ص: 348
و الاستبانة لا تحصل الا مع الاضاءة فى الجملة، فالمسئلة بحمد الله غير مشكلة، اذ ظهر عدم المنافاة بين التغليس و الاضاءة فى الجملة.
و سورى على وزن بشرى موضع بالعراق من ارض بابل، المراد بنباضها نهرها كما فى رواية هشام بن الهذيل عن الكاظم عليه السلام، و قد سأله عن وقت صلوة الصبح، فقال: حين يعترض الفجر كانه نهر سورا، و قال فى حاشية الكتاب على ما حكى: النباض بالنون و الباء الموحدة و آخره ضاد معجمة و اصله من نبض الماء اذا سال، و ربما قرئ بالباء الموحدة و الياء المثناة من تحت انتهى، و ظاهر كلامه ان الرواية المشهورة بين المحدثين بالنون و الباء.
و قال ايضا فى الكتاب المذكور: و القبطية بكسر القاف و اسكان الباء الموحده و تشديد الياء، المنسوبة الى القبط ثياب تتخذ بمصر، انتهى.
و عن كتاب المصباح المنير: القبط بالكسر نصارى مصر الواحد قبطى على غير القياس، و القبطى بالضم ثوب من كتان رقيق يعمل بمصر نسبة الى القبط على غير القياس، فرقا بين الانسان و الثوب، و ثياب قبطيه بالضم ايضا، وجبة قبطية، و الجمع قباطى.
عن كتاب مجمع البحرين: فى الحديث الفجر الصادق هو المعترض كالقباطى بفتح القاف و تخفيف الموحدة قبل الالف و تشديد الياء بعد الطاء المهملة: ثياب بيض رقيقة تجلب من مصر، واحدها قبطى بضم القاف نسبته الى القبط بكسر القاف، و هم اهل مصر، و التعبير فى النسبة هنا للاختصاص كما فى الدّهرى بالضم نسبة الى الدّهر بالفتح، و هذا التعبير انما اعتبر فى الثياب فرقا بين الانسان و غيره، فأما فى الناس فيبنى على اعتبار الاصل، فيقال: رجل قبطى و جماعة قبطية بالكسر لا غير، انتهى.
قال فى الحبل المتين: تجلل الصبح السّماء بالجيم بمعنى انتشاره فيها
ص: 349
و شمول ضوئه لها(1).
المسمى بالصبح الصادق، دون الاول المستدق المستطيل الذى يتوسط بينه و بين الافق ظلمة و هو المسمى بالصبح الكاذب، و نحن نقدم لتحقيق هذا المقام كلاما اورده العلامة قدس الله روحه فى المنتهى، و نشرحه بما يتضح به هذا المبحث غاية الايضاح، ثم نعود بعد ذلك الى ما نحن بصدده، و هذا
ص: 350
البحث و ان لم يكن من وظيفة الفقيه من حيث هو فقيه، الا انا اقتفينا فى ذلك اثر العلامة اخلده الله دار الكرامة، قال طاب ثراه: اعلم ان ضوء النهار من ضياء الشمس، و انما يستضئ بها ما كان كمدا فى نفسه كثيفا فى جوهره كالارض و القمر و اجزاء الارض المتصله و المنفصلة، و كلما يستضئ من جهة الشمس فانه يقع له ظل من ورائه، و قد قدّر الله بلطيف حكمته دوران الشمس حول الارض، فإذا كانت تحتها وقع ظلها فوق الارض على شكل محروط، و يكون الهواء مستضيئا بضياء الشمس محيطا بجوانب ذلك بالمخروط، فيستضئ نهايات الظل بذلك الهواء المضيئ، لكن ضوء الهواء ضعيف، اذ هو مستعار فلا ينفذ كثيرا فى اجزاء المخروط، بل كلما ازداد بعدا ازداد ضعفا، فاذن متى تكون فى وسط مخروط يكون فى اشد الظلام، فاذا غربت الشمس من الافق الشرقى، مال مخروط الظل عن سمت الراس، و قربت الاجزاء المستفيضة من حواشى الظل بضياء الهواء من البصر، و فيه ادنى قوة فيدركه البصر عند قرب الصباح، و على هذا كلّما ازدادت الشمس قربا من الافق، ازداد ضوء نهايات الظل قربا من البصر، الى ان تطلع الشمس، و اوّل ما يظهر الضوء عند قرب الصباح، يظهر مستدقا مستطيلا كالعمود و يسمى الصبح الكاذب(1) و الاول، و يشبه بذنب السرحان لدقته و استطالته، و يسمى الاول لسبقه على الثانى، و الكاذب لكون الافق مظلما اى لو كان بصدق انه نور الشمس لكان المنير مما يلى الشمس دون ما يبعد منه، و يكون ضعيفا دقيقا، و يبقى
ص: 351
وجه الارض على ظلامه بظل الارض، ثم يزداد هذا الضوء الى ان ياخذ طولا و عرضا فينبسط فى عرض الافق كنصف دائرة، و هو الفجر الثانى الصادق لانه صدقك عن الصبح و بيّنه لك، و الصبح ما جمع بياضا و حمرة، ثم يزداد الضوء الى أن يحمر الافق، ثم يطلع الشمس انتهى كلامه اعلى الله مقامه.
و قوله طاب ثراه: انما يستضئ بها ما كان كمدا فى نفسه كثيفا فى جوهره، ناظرا الى ما ذهب اليه جماعة من ان الهواء الصافى من الشوايب لا يتكيف بالضوء، و انما يتكيف به الهواء المخالط للاجزاء البخاريه و الدخانية، اعنى كرة البخار التى فيها يتحقق الصبح و الشفق.
و حكمه طاب ثراه بمخروطية شكل ظل الارض، مبنى على ما قام عليه البرهان فى محلّه، من ان الشمس اعظم من الارض، و انه متى استضاءت كرة صغرى من كرة عظمى كان المضيئ الصغرى بكثير من نصفها، و المظلم اقل منه، و يكون ظلها مخروطيا.
و قوله: لكن ضوء الهواء ضعيف اذ هو مستعار فلا ينفد كثيرا الى آخره، يريد به ان الهواء لما كان تكيفه بالضوء بواسطة مخالطة الاجزاء البخارية القليلة الكثافة، لم يكن شديد الضوء، و انه كلما ازداد بعدا عنا ازداد الضوء ضعفا فى الحس، الى ان ينعدم بالكلية، و لذلك لا يرى فى اواسط الليل شىء من ذلك الضوء اصلا.
و اما قوله: و اول ما يظهر الضوء عند قرب الصباح يظهر مستدقا مستطيلا... الى قوله: لكون الافق مظلما فهو متضمن لحكمين: الأول استطاله الصبح الكاذب و الثانى كون ما بينه و بين الافق مظلما، و هذان الأمران معلومان بالمشاهدة، و السبب فيهما هو ان مخروط الظل اذا زاد ميله نحو الافق المغربى، بقرب الشمس من الافق المشرقى، ازداد الضوء المحيط به قريبا الى الناظر، و اول ما يرى منه ما هو اقرب اليه، و هو موقع خط خارج من بصره عمود اعلى الضلع الذى يلى الشمس من ضلعى المثلث، الحاصل من قطع المخروط بسطح ما ربسهمه و مركزى الارض و الشمس، و
ص: 352
انما كان هذا الموقع اقرب الى الناظر، لأن هذا العمود اقصر الخطوط الخارجة من البصر منتهية الى الضلع المذكور، فانه وتر حاده فى كل مثلث يحدث منه و من خط شعاعى ينتهى الى ذلك الضلع، و هذا الخط وتر قائمة و الزاوية العظمى يوترها الضلع الاطول، فأول ما يرى من ذلك الضلع المواضع التى هى موقع العمود المذكورة، و مواقع الخطوط الشعاعية، التى هى اقرب اليه دون البعيدة عنه، لزيادة موقعها عن البصر، فلذلك يرى الفجر الكاذب مستطيلا، و القطعة التى بينه و بين الافق المظلمه، ثم اذا ازداد قرب الشمس استنارت تلك القطعة و اعترض الضوء، و هو الفجر الصادق انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
أقول: و فيه نظر: اما اوّلا فلان البرهان المذكور، لا دلالة فيه على كون الفجر الكاذب مستطيلا بوجه من الوجوه، بل فيه دلالة على انه لا بد ان يرى مستديرا او طويلا و عريضا، على سبيل منع الخلو،(1) و ذلك لأن اول ما يرى من سطح المخروط، هو المواضع التى هى موقع العمود و مواقع الخطوط الشعاعية التى هى اقرب اليه دون البعيدة عنه، لزيادة موقعها عن البصر، و ذلك يقتضى ما ذكرناه لتساوى اطراف موقع العمود بالنسبة الى الناظر فى القرب و البعد،(2)
ص: 353
نعم لو كانت النقاط الواقعه فى فوق ذلك الموقع و فى تحته، اقرب اليه بالنسبة الى النقاط الواقعة فى يمينه و يساره، لكان ما فرعه على ذلك البرهان، بقوله:
فلذلك يرى الفجر الكاذب مستطيلا، حقا و لكن ذلك ليس كذلك لما عرفت البرهان الذى اقامه غير واحد من علماء ذلك الفن، على الشيئين اللذين اشار اليهما هذا الفاضل مثبت لاحدهما و لا يثبت الآخر، بل يثبت ما ينافيه، بل الحاذق المتدبر اذا تدبر فى وجه ظهور الضوء عرضا فى الصبح الصادق، يظهر له اعتراض آخر فى ذلك البرهان، فتدبر فى ذلك، فانى قد عرضت هذه الشبهة فى اصفهان حفّت بالامان، على غير واحد من العلماء، فلم اسمع جوابا شافيا، بل اعتقد فى غير واحد منهم بورودها و حقيتها، بل سمعت يوما من استادى دام ظله العالى الذى كان مشهورا غاية الاشتهار فى فن الهيئة الهندسه، و كنت اقرا عنده التحرير المنسوب الى اقليدس، يمدحتى فى سبقه ذهنى الى انشاء هذا الاعتراض على هذا البرهان، الذى استند اليه علماء ذلك الفن و كتبوه فى كتبهم، ثم اخرج سلمه اللّه تعالى رسالة للقاضى بن كاشف الدين محمد اليزدى، فى بيان اختلاف الصبح و الشفق، و قال: ان هذه الشبهة تعرضها هذا الفاضل، و نظرت اليها الفن فاذا هو ايضا اوردها بلا تفاوت يعتد بها، و ذكر بالفارسية ما حاصله: انى ما سمعت من العلماء المشاهير فى ذلك الفن جوابا شافيا، بل كان اعتقاد اكثرهما بورودها، و اما ثانيا فلان القدر الذى يكفى فى البرهان هو قطع المخروط بسطح مار بسهمه منتهيا الى سطح الارض، فلا نحتاج الى ان نفرض مروره بمركزى الارض و الشمس فافهم ذلك، و اما ما يقال: من ان جميع ما ذكره مبنى على قواعد علماء الهيئة و الفلك، الا ان اخبار اهل البيت (ع) ترده، كما لا يخفى على من احاط بها خبرا من مظانها، سيما بالنسبه الى ما يدعونه من ان السماء محيطة بهذه الارض التى نحن عليها، و انها كالكرة فى بطنها، و الشمس تجرى فى السماء بين تحتنا، و ان نور القمر مستفاد من نور الشمس و نحو ذلك، ففيه كلام ليس هنا موضع ذكره.
(و وقت نافلة الظهر اذا زالت الشمس الى ان يزيد الفئ) الحاصل
ص: 354
للشاخص بعد الزوال بمقدار (قدمين) اى سبعى الشاخص، على الاشهر كما صرح به جمع من المتأخرين، و عن الشيخ فى الخصال و المبسوط و الخلاف: وقت نافلة الظهر من الزوال، الى ان يبقى لصيرورة الفئ مثل الشخص، بمقدار ما يصلى فيه فريضة الظهر، و عن الحلى القول بامتداده الى ان يصير ظل كل شىء مثله، و هو المحكى عن التحرير(1) و التذكرة، و نقل جماعة و منهم الشرايع قولا بامتداده بامتداد وقت الفريضه، قال فى المختلف قال الشيخ فى النهايه: وقت نوافل الظهر من عند زوال الشمس الى ان يصير الفئ على قدمين، و قال فى المبسوط، فاما اوقات النوافل المرتبة فانه تصلى نوافل الزوال من بعد الزوال، الى ان يبقى الى آخر الوقت مقدار ما يصلى فيه فريضة الظهر، مع انه جعل اول وقت الظهر فيه للمختار اذا صار ظل كل شىء مثله، و بالاول قال ابن حمزة، و قال ابن الجنيد يستحب للحاضر ان يقدم بعد الزوال و قبل فريضة الظهر شيئا من التطوع، الى ان تزول الشمس قدمين او ذراعا من وقت زوالها، ثم ياتى لفريضة الظهر.
و قال ابن ادريس اذا صار ظل كل شىء مثله، خرج وقت النافلة، و كلا القولين عندى حسن، لأن النافلة قد تطول و قد تقصر، بكثرة الدعاء و قلته، انتهى.
أقول: و المشهور هو الاظهر للأخبار المستفيضة القريبة من التواتر، بل قال بعض المحققين انها بالغة حد التواتر، و منها الخبر الثامن عشر و الثالث عشر و الرابع عشر و السادس عشر و السابع عشر المتقدم كلهم فى شرح قول المصنف رحمه الله: ثم تشترك مع العصر الى ان يبقى للغروب مقدار اداء العصر، المؤيد بجملة من الأخبار المتقدمه هناك، و منها الخبر الثانى و الثلاثون المتقدم هناك، فان الأخبار المذكورة متطابقة الدلالة على جعل مقدار الذراع و الذراعين و القدمين و الاربعة اقدام وقتا للنافلة، فاذا مضى الذراع و القدمان اختص الوقت بفريضة الظهر، كما اذا مضى الذراعان و الاربعة اقدام اختص بالعصر، و لا يجوز مزاحمة
ص: 355
النافلة لهما فيهما.
و المحقق فى التحرير استدل على ما ذهب اليه من الامتداد بامتداد المثل، ببعض الأخبار المشار اليها، و هو صحيحة زرارة المشتملة على قول الباقر (ع):
ان حايط مسجد رسول الله (ص) كان قامة، و كان اذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر، و اذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر، ثم قال: اتدرى لم جعل الذراع و الذراعان ؟ قلت: لم جعل ذلك ؟ قال: لمكان النافلة، لك ان تتنفل من زوال الشمس الى ان يمضى ذراع، فاذا بلغ فيئك ذراعا بدأت بالفريضة و تركت النافلة ثم قال: و هذا يدل على بلوغ المثل و المثلين، لأن التقديران الحايط ذراع، فحينئذ ما روى من القامة و القامتين جار هذا المجرى، و يدل عليه ما روى على بن حنظلة عن ابى عبد الله (ع) قال: فى كتاب على (ع) القامة ذراع، و عنه قلت:
كم القامة ؟ قال: ذراع، ان قامة رحل رسول الله (ص) كانت ذراعا، قال: فبهذا الاعتبار يعود اختلاف كلام الشيخ لفظيا، انتهى.
و فيه انه على تقدير تسليم دلالة الروايتين على ما ادعاه، من كون المراد من القامة هو الذراع، ايضا لا يتم ما ذكره، لأن قوله (ع) فى آخر الخبر: فاذا بلغ فيئك ذراعا بدات بالفريضة ظاهر فى ان الذراع المعتبر انما هو من قامة الانسان و ان المراد بالقامة هو قامة الانسان، بل جعله غير واحد منهم صريحا فى ذلك.
و بالجملة لا وجه لحمل القامة فى الخبر المذكور على الذراع لأجل الروايتين المتقدمتين و ما ضاهاهما، و قد نقلناها فى شرح قول المصنف رحمه الله: ثم تشترك مع العصر، لما عرفت من جواز الاستناد اليها فى المقام، مضافا الى ان الخبر الثانى و الثلاثون المتقدم هناك، المشتمل على قوله (ع): و انما سمى ظل القامة قامة لان حايط مسجد رسول الله (ص) قامة انسان، معارض صريح لتلك الأخبار كظاهر الخبر التاسع عشر المتقدم هناك، المؤيد بغيره من الأخبار المتقدمة هناك ايضا.
و اما الاستدلال على هذا القول بالخبر الرابع المتقدم هناك، المشتمل
ص: 356
على قول الصادق (ع) لزرارة: اذا كان ظلك مثلك فصل الظهر، و اذا كان ظلك مثليك فصل العصر، بتقريب ان الأمر بتأخير الفرضين الى المثل و المثلين ليس الا لأجل نافلتهما، فغير وجيه، لما عرفت فيما سبق من ان الظاهر من هذا الخبر و نحوه هو الحمل على التقية.
و اما ما يستفاد من كلام الشيخ المتقدم نقله عن المبسوط و الخصال و الخلاف، من استثناء ايقاع قدر الفرضين من المثل و المثلين، فلم اجد له من الأدلة اثرا، و لا من الأخبار خبرا.
قال بعض الأجلاء طاب ثراه: ظاهر عبارة الشيخ المتقدم عن الخصال و المبسوط و الخلاف، استثناء قدر ايقاع الفريضة من المثل و المثلين، و اعترضه فى الذكرى، و كذا فى المدارك، بان الأخبار لا تساعده، فان ظاهر الأخبار استيثار النافلة بجميع المثل و المثلين، اقول: قد عرفت انه ليس فى الأخبار ما يدل على توقيت النافلة بالمثل و المثلين، و انما الموجود فيها التوقيت بالذراع و الذراعين و القدمين و الأربعة اقدام، قولهما ان ظاهر الأخبار استيثار النافلة بجميع المثل و المثلين، فرع وجود الأخبار المذكورة، نعم هو ظاهر اخبار الذراع و الذراعين، فان ظاهرهما انه لو لم يصل النافلة، حتى بقى الوقت المذكور قدر الفريضة، فانه يصلى فيه النافلة حتى بقى من الوقت المذكور قدر الفريضة فانه يصلى فيه النافلة دون الفريضة، و ان وقت الفريضة انما هو بعد مضى هذا المقدار، انتهى فتأمل.
و للقول بامتداده بامتداد وقت الفريضة، المستفيضة الدالة على ان لكل من الظهرين سبحة بين يديهما، طولت او قصرت من دون تعيين مقدار لها اصلا من القدمين و الأربعة اقدام، و قد نقلناها فى شرح قول المصنف رحمه الله: ثم تشترك مع العصر الى ان يبقى، انتهى.
و الجواب: ان اخبارنا مقيدة لاطلاق(1) هذه الأخبار، و حمل المطلق
ص: 357
على المقيد قاعدة مطردة، لا يقال: ان ظاهر الخبر التاسع و الثلاثين المتقدم هناك، عدم اعتبار القدم و القدمين و الأربع و الذراع و الذراعين و القامة و القامتين و ظل مثلك اصلا، سيما الأولين، فما تقول فى ذلك ؟ لأنا نقول الخبر المذكور غير صالح لمعارضة الأخبار الدالة على المشهور، و اما اولا فلأنه (ع) نفى القدم و القدمين، لا انه نفى القدمين و الأربعة اقدام، و اخبارنا لخصوصيتها مقيدة لهذا الخبر لمكان اطلاقها، و اما ثانيا فلان الظاهر كما يستفاد من الأخبار، هو ان السائل توهم رجحان تأخير الفرضين عن المقادير الواقعة فى السؤال، فهو (ع) بيّن خطاء توهمه، فعليه فلا ريب فى تقييد اخبارنا ايضا، و بالجملة هذا الخبر لا يصلح لمعارضة الأخبار المشهورة لوجوه عديدة.
و الشارح المحقق جمع بين الأخبار الدالة على هذا القول و الأخبار الدالة على المشهور، بوجهين: احدهما حمل المطلق على المقيد، و الثانى حمل الأخبار الدالة على المشهور على الأفضلية، و ما دل على التوسعة على الجواز ثم قال: و الأخير اقرب، و يدل عليه حسنة محمد بن مسلم الآتية عند شرح قول المصنف رحمه الله: و النوافل ما لم يدخل وقتها، و موثقة سماعة الآتية هناك انتهى.
أقول: ما استقر به غير قريب، للخبر الثانى و الثلاثين المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: ثم تشترك مع العصر، الى آخره، المشتمل على قول الرضا عليه السلام: فاذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلوة، و له مهلة فى التنفل و القضاء و النوم و الشغل، الى ان يبلغ ظل قامته قدمين بعد الزوال، فاذا بلغ ظل قامته قدمين بعد الزوال، فقد وجب ان يصلى الظهر فى استقبال القدم الثالث، و كذلك يصلى العصر اذا صلى فى آخر الوقت فى استقبال القدم الخامس، فتأمل جدا.
و الخبر الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر و السادس عشر و الثامن المتقدم كلهم هناك، المنجبر بالشهرة العظيمة القديمة و الحديثة.
ص: 358
و اما الخبران اللذان استدل بهما، فهما غير دالين على ما يدعيه، كما يأتى فى مقامه الاشارة اليه ان شاء الله تعالى، و ينفى هذا القول ايضا الأخبار الواردة بمنع النافلة فى وقت الفريضة، و سيأتى تفصيل الكلام بعون الله و حسن توفيقه، فانتظر.
(فان خرج) الوقت الموظف للنافلة (و لم يتلبس) بها (قدم الظهر ثم قضاها) اى النافلة بعدها، اى بعد الظهر (و ان تلبس) فى الوقت الموظف للنافلة بالنافلة (و لو بركعة اتمها ثم صلى الظهر) و هذا الحكم ذكره الشيخ و اتباعه على ما قيل، بل لم اجد فيه مخالفا ظاهرا، بل استظهر بعض الأجلاء عدم الخلاف فيه، و يدل عليه ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق عن عمار بن موسى الساباطى عن ابى عبد الله (ع) قال: للّرجل ان يصلى الزوال ما بين زوال الشمس الى ان يمضى قدمان، فان كان قد بقى من الزوال ركعة واحدة او قبل ان يمضى قدمان، اتم الصلوة حتى يصلى تمام الركعات و ان مضى قدمان قبل ان يصلى ركعة، بدء بالاولى و لم يصل الزوال الا بعد ذلك، و للرجل ان يصلى من نوافل الاولى ما بين الاولى الى ان يمضى اربعة اقدام، فان مضت الاربعة اقدام و لم يصل من النوافل شيئا، فلا يصلى النوافل و ان كان قد صلى ركعة فليتم النوافل حتى يفرغ منها، ثم يصلى العصر.
و قال: للرجل ان يصلى ان بقى عليه شىء من صلوة الزوال، الى ان يمضى بعد حضور الاولى نصف قدم، و للرجل اذا كان قد صلى من نوافل الاولى شيئا قبل ان يحضر العصر، فله ان يتم نوافل الاولى الى ان يمضى بعد حضور العصر مثل نصف قدم، بعد حضور الاولى فى الوقت سواء.
و الخبر المذكور كما ترى صريح فى الحكم المذكور بالنسبة الى نافلة العصر، و اما بالنسبة الى نافلة الظهر، فحكم غير واحد منهم بصراحته بالنسبة اليها ايضا، و اخر بقصوره عن افادة الحكم بالنسبة اليها حتى انه اتم الحكم بالنسبة اليها بعدم القايل بالفرق، قال بعض الأجلة: و فى الخبر نوع اجمال فى نافلة
ص: 359
الظهر، لكن يدفع بعدم القائل بالفرق، و بظهور قوله (ع): فان كان مضى قدمان قبل ان يصلى ركعة بدء بالاولى فيه، الى ان قال: و من الجايز ان يكون فيه سهو من الاعلام، و تكون العبارة قد صلى مكان قد بقى و يكون او سهوا كذكره بعض الأفاضل، و فيه اعتراف بقصور الصدر عن افادة الحكم نافلة الظهر كما ذكرناه، و به صرح فى الذخيرة، و من هنا ينقدح ما فى المدارك من دعوى صراحة الخبر فى الحكمين، و لعله انما نشأ من اقتصاره على الشرطية التى دلت عليه، و لم يذكر الشرطية الاخرى و هى قوله: فان كان قد بقى، الى آخره، و الاجمال انما نشأ منها، انتهى.
أقول: و القول بصراحة الخبر فى الحكمين قريب، كما حكم بها غير واحد منهم، و ذلك اما بالنسبة الى العصر فواضح باعترافهم، و اما بالنسبة الى الظهر فلأن المنصف المتدبر فى الخبر حق التدبر يقول بلا ريب: ان المراد منه هو هذا، للرجل ان يصلى من نوافل الزوال ما بين زوال الشمس الى ان يمضى قدمان، فان كان قد بقى من وقت نوافل الزوال ركعة واحدة، و قوله (ع): او قبل ان يمضى قدمان، تفسير له، او ترديد من الراوى، اتم الصلوة، اى نوافل الزوال حتى يصلى تمام الركعات اى الثمان، و ان مضى قدمان قبل ان يصلى ركعة، بدء بصلوة الظهر و لم يصل نوافل الزوال الا بعد ذلك، و الانصاف ان الحكم بالصراحة مشكل، و لكن الحكم بكالصراحة مما لا محيص عنه، و اما الأخبار الدالة على ان بعد مضى الذراع و الذراعين، لا بد من الاتيان بالفريضة، فمحمولة على صورة عدم التلبس بالنافلة حملا للمطلق على المقيد، و اطلاق العبارة كغيرها يقتضى عدم اشتراط التخفيف فى المزاحمة، ان المحكى عن الحلى و التحرير جماعة اشتراطه، و النص الذى هو مستند الحكم خال عن هذا القيد قاله غير واحد منهم.
أقول: قد عرفت ان فى ذيله اشتراط المزاحمة، بان يمضى بعد القدمين نصف قدم فى الظهر، و بعد الأربعة اقدام قدم فى العصر، و هذا يمكن ان يكون
ص: 360
مستندا لهم فى الحكم المذكور، فتدبر.
قال بعض المحققين: يظهر من النص مطلوبية التخفيف فيها، لان مضى نصف القدم فى الشتاء فى غاية السرعة فتأمل، انتهى.
قال بعض الأجلاء: و انت خبير بان النص المذكور خال من قيد التخفيف الا ان الظاهر انه لا بأس بما ذكروه محافظة على المسارعة الى فضيلة وقت الفريضة، فانه كلما قرب من اول الوقت كان افضل.
و قال بعض الأجلة، بعد ان ذكر ان بعضهم استند فى الحكم المذكور بان فيه محافظة على المسارعة الى فعل الواجب، ما صورته: و هو حسن ان كان اشتراط التخفيف لمجرد الفضل، و ان كان المقصود به حرمة النافلة مع عدم فلا تفيدها المحافظة على السنن، اذ غايتها اثبات الفضل بناء على جواز تأخير الفريضة عن وقت الفضيلة اختيارا، كما هو الاشهر الاقوى، نعم لو قلنا بالمنع عنه كما هو مذهب الشيخين و غيرهما، اتجه ذلك، كما لو قلنا بحرمة النافلة فى وقت الفريضة، و عدم حجية الموثقة، فانه حينئذ يجب الاقتصار فى المزاحمة المزبورة المخالفة للاصل، على هذا التقدير، على القدر المجمع عليه، و اطلاق الموثق لا عبرة به، لعدم حجيته مع عدم معارضة الاطلاق خصوص النصوص المانعة عند مزاحمة نافلة الظهرين لهما بعد خروج وقتهما، و فيها الصبح و غيره، خرج عنها القدر المتفق عليه، و هو المزاحمة مع التخفيف، و بقى الباقى، و من هنا يتوجه اثبات شرطية التخفيف بناء على الاصل المتقدم.
و لو قلنا بحجية الموثق، اذ هو حيث لم يعارضه اقوى منه عددا و سندا و اعتضادا بالاصول فتأمل جدا، و كيف كان فلا ريب ان التخفيف احوط و اولى، انتهى.
أقول: و فيه اولا ان ما اشار اليه بقوله: نعم لو قلنا بالمنع عنه كما هو مذهب الشيخين و غيرهما اتجه ذلك، غير وجيه، كيف و ارباب هذا القول لم يذهبوا
ص: 361
بأجمعهم(1) الى المنع عنه بعد القدمين، نعم المفيد رحمه الله و ابن ابى عقيل ذهبا الى ذلك كما اشرنا اليه فى مكانه، فكل من قال بالمنع عن التأخير فى الوقت الاول لا يلزمه ما اشار اليه، بل يلزمه مع ذلك ان يفسر الوقت الأول بالقدمين لا المثل و اربعة اقدام، كالشيخ و غيره فتدبر، و ثانيا ان ما اشار اليه بقوله: و من هنا يتوجه اثبات شرطية التخفيف بناء على الاصل المتقدم و لو قلنا بحجية الموثق الى آخره، غير وجيه ايضا، لأن الخاص مقدم على العام بلا ريب، أقول: و يمكن ان يستدلّ لهذا الحكم بالخبر(2) الاربعين المتقدم، فى شرح قول المصنف رحمه الله: ثم تشترك مع العصر الى ان يبقى للغروب الى آخره، و هو رواية ابى بصير قال: ذكر ابو عبد اللّه (ع) اول الوقت و فضله فقلت: كيف اصنع بالثمانى ؟ قال: خفف ما استطعت.
و بالجمله ان كان مراد المشترطين للتخفيف، هو القول باستحبابه فلا ريب فى ذلك، لما تقدم اليه الاشارة و ان كان مرادهم منه هو الوجوب، فالقول به لا يخلو عن اشكال، لعدم نهوض الدليل عليه سوى ذيل الموثقة المتقدمة كما اشرنا اليه، و فى النفس من دلالته على ذلك شىء.
قال الشارح المحقق قال فى التحرير: و هذه الرواية سندها جماعة من الفطحية، لكن يعضدها انه محافظه على سنة لم يتضيق وقت فريضتها، و هو حسن و يعضده موافقة مضمونها للاطلاقات المذكورة مع عدم معارضة مما يعتد به، لكن فى تتمة الخبر تقييد للحكم المذكور، قال فى الذكرى بعد نقل هذه التتمة: و لعلّه
ص: 362
اراد بحضور الاولى و العصر، ما تقدم من الذراع و الذّراعين و المثل و المثلين و شبهه، و يكون للمتنقل ان يزاحم الظهر و العصر بما بقى من النوافل، ما لم يمض القدر المذكور، فيمكن ان يحمل لفظ الشىء على عمومه، فيشمل الركعة و ما دونها و ما فوق، فيكون فيه بعض مخالفة للتقدير بالركعة، و يمكن حمله على الرّكعة فما فوقها، فيكون مقيدا لها بالقدم و النصف، و يجوز ان يريد بحضور الاولى مضى نفس القدمين المذكورين فى الخبر، و بحضور العصر الاقدام الاربع، و يكون المزاحمة المذكورة مشروطة بان لا يزيد على نصف قدم فى الظهر بعد القدمين، و لا على قدم فى العصر بعد الاربع، انتهى.
أقول: و كيف كان فلا ريب ان التخفيف احوط و اولى، و المراد به كما ذكروه الاقتصار على اقل ما يجزئ فيها، كقراءة الحمد وحدها و تسبيحة واحدة فى محلها، حتى عن بعض المتأخرين، انه لو تأدى التخفيف بالصلوة جالسا اثره على القيام، قال: لاطلاق الأمر بالتخفيف.
قال فى الدروس: الاقرب انها مع المزاحمة اداء، و هو جيد، قال بعض الأجلة: و هل هى اداء؟ قيل الاقرب ذلك تنزيلا لها منزلة صلاة واحدة ادرك ركعة منها، و لا يبعد هذا ان اشترطنا قصد الاداء، و الا كما هو الاقوى فيكفى قصد القربة مطلقا انتهى، أقول: بعد وجود الموثقة لا يحتاج المقام الى التعليل المذكور، فأفهم.
قال الشارح الفاضل رحمه الله: لو ظن خروج وقت النافلة قبل اكمال ركعة، حيث لا طريق الى العلم فشرع فى الفريضة، ثم تبين السّعة، فالظاهر انه يصليها بعدها اداء لبقاء وقتها، قال بعض الأجلة: و فيه نظر، و يأتى على المختار كفاية قصد القربة هنا ايضا، ان لم يحصل الاشكال فى اصل فعلها، كما اذا كانت نافلة العصر و صليت فى وقتها بعد فريضتها، و يشكل فيما لو كانت نافلة فى وقت فريضة لم يعلم استثناؤه، لاختصاص المستثنى لها من النص و الفتوى بحكم
ص: 363
التبادر، بفعلها فى وقتها قبل فريضتها لا مطلقا، و هو وجه النظر الذى قدمناه فتأمل جدا.
قال بعض الأجلة: و هل يختص الحكم بجواز المزاحمة بما عدا يوم الجمعة او صلوتها، او يعمها ايضا؟ اطلاق النص و الفتوى الاخير،(1) و اختصاصه بما عدا صلوة الجمعة بحكم التبادر يقتضى الاختصاص بما عداها، سيما مع كثرة الأخبار بضيقها، و هذا احوط و اولى، و قال الشارح الفاضل رحمه الله، و استثنى بعض الاصحاب من ذلك يوم الجمعة، لدلالة الأخبار على تضيق الجمعة و ان لها وقتا واحدا، حين يزول الشمس، فيترك ما بقى من النافلة و يصلى الفريضة، قيل و يصلى النافلة بعدها اداء كما لو صليت قبلها، و هل يختص بذلك الجمعة، او الصلوة يوم الجمعة ؟ خبر زرارة عن الباقر (ع) دل على الأول، و ظاهر خبر اسمعيل بن عبد الخالق عن الصادق (ع) على الثانى انتهى، أقول: الخبران مرويان فى التهذيب فى باب العمل فى ليلة الجمعة و يومها فراجع فيه، فان فيما استفاده منها فيه مناقشة، و كيف كان فألاحوط هو اختصاص الحكم بما عداها.
قال بعض المحشين للكتاب: قوله: و ان تلبسه بركعة اتمها، الظاهر ان الركعة تتم بالسجود، و لا يشترط الرّفع منه، أقول و سيجئ تفصيل الكلام فى مسئلة من ادرك ركعة من الوقت فقد ادركه ان شاء الله، فانتظر.
(و) وقت (نافلة العصر بعد الفراع من الظهر الى ان يزيد الفئ اربعة اقدام) على الاشهر كما ادعاه غير واحد ممن تأخر، و قيل الى ان يصير ظل كل شىء مثليه، و قيل يمتد بامتداد الفريضة (فان خرج) وقتها (قبل تلبسه) منها (بركعة صلى العصر و قضاها) بعدها (و الا) اى و ان لم يكن الخروج قبل تلبسه بركعة بل
ص: 364
انما خرج بعد صلوته ركعة فصاعدا (اتمها) مخففة اداء و بنية القربة، ثم صلى العصر، و المستند فى هذا الاحكام قد مر فلا نعيده (و يجوز تقديم النافلتين) اى نافلتى الظهرين (على الزوال فى يوم الجمعة خاصة) اما جواز تقديم النافلتين فى يوم الجمعة فسيجئ بيانه ان شاء الله فى باب صلوة الجمعة، و اما عدم جواز تقديمهما على الزوال فى غير الجمعة فهو المشهور بين الطائفة المحقة، خلافا لجملة من متأخرى الطائفة فجوزوه، و منهم الشهيد طاب ثراه، و الشارح المحقق و المحدث الكاشانى و ظاهر المدارك، و للشيخ فى التهذيب فانه جوز التقديم لمن علم انه ان لم يقدمها اشتغل عنها و لم يتمكن من قضائها، قال: فاما مع عدم القدرة فلا يجوز تقديمها، للمشهور ان الصلوة وظيفة شرعية يتوقف شرعيتها على ثبوت ذلك عن الشارع، و الذى ثبت عنه هو كونها بعد الزوال، و من الأخبار الدالة على ذلك مضافا الى الأخبار المتقدمة المستفيضة الدالة على ان للنافلة المذكورة وقتا محدودا معينا، و ان اختلف فى تقديره من الذراع و الذراعين فما دونها، ما رواه الكافى فى باب التطوع فى وقت الفريضة، فى الحسن كالصحيح عن ابن اذينة عن عدة من اصحابنا، انهم سمعوا ابا جعفر (ع) يقول: كان امير المؤمنين (ع) لا يصلى من النهار حتى تزول الشمس، و لا من الليل بعد ما يصلى العشاء الآخرة حتى ينتصف الليل، الخبر الحادى و العشرون المتقدمان فى شرح قول المصنف رحمه الله: و نوافلها ثمان ركعات قبل الظهر، كالخبر الثالث و الرابع و الخامس و التاسع و العاشر و الثالث عشر المتقدم كلهم هناك، و غير ذلك من الأخبار الكثيرة فلا نطيل المقام بذكرها.
لا يقال: يعارض ما ذكر جملة من الأخبار، الاول: ما رواه الكافى فى صلوة النوافل فى الصحيح عن حماد بن عثمان قال: سألته عن التطوع بالنهار، فذكر انه يصلى ثمان ركعات قبل الظهر و ثمان بعدها.
الثانى: ما رواه الكافى ايضا فى باب تقديم النوافل عن محمد بن مسلم قال: سألت ابا جعفر (ع) عن الرجل يشتغل عن الزوال، يعجل من اول
ص: 365
النهار؟ فقال: نعم اذا علم انه يشتغل فيعجلها فى صدر النهار كلها.
الثالث: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام قال قال: اعلم ان النافلة بمنزلة الهدية، متى ما أتى بها قبلت.
الرابع: ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات، فى الحسن كالصحيح لمكان ابراهيم، عن محمد بن عذافر قال قال ابو عبد الله (ع): صلوة التطوع بمنزلة الهدية متى ما اتى بها قبلت، فقدم منها ما شئت و أخر منها ما شئت.
الخامس: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن على بن الحكم عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (ع) قال قال لى: صلوة النهار ست عشرة ركعة اى النهار شئت، ان شئت فى اوله، و ان شئت فى وسطه، و ان شئت فى آخره.
السادس: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن سيف بن عبد الأعلى قال:
سألت ابا عبد الله (ع) عن نافلة النهار، قال: ست عشرة ركعة متى ما نشطت، ان على بن الحسين (ع) كانت له ساعات من النهار يصلى فيها، فاذا شغله ضيعة او سلطان، قضاها، انما النافلة مثل الهدية متى ما أتى بها قبلت.
السابع: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن القاسم بن الوليد الغسّانى عن ابى عبد الله (ع) قال قلت له: جعلت فداك صلوة النهار صلوة النوافل كم هى ؟ قال: ست عشرة اى ساعات النهار شئت ان تصليها صليتها، الا انك اذا صليتها فى مواقيتها افضل.
الثامن: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن اسمعيل بن جابر قال: قلت لأبى عبد الله (ع): انى اشتغل، قال: فاصنع كما تصنع صل ست ركعات اذا كانت الشمس فى مثل موضعها صلوة العصر يعنى ارتفاع الضحى الاكبر و اعتد من الزوال.
التاسع: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب نوادر الصلوة الواقع فى آخر كتاب الصلوة فى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع) انه قال: ما صلى
ص: 366
رسول الله (ص) الضحى قط، قال فقلت: الا تخبرنى انه كان يصلى فى صدر النهار اربع ركعات، قال: بلى انه كان يصلى و يجعلها من الثمان التى بعد الظهر.
لأنا نقول: هذه الأخبار غير صالحة للمعارضة، و ذلك لان اخبارنا معتبرة بحسب السند و كثيرة بحسب العدد، و معتضدة بالشهرة العظيمة التى لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف، بل لم يظهر لنا دعوى احد منهم الى جواز التقديم بقول مطلق من القدماء، نعم قد عرفت ان جماعة من المتأخرين ذهبوا الى ذلك و لكن الظاهر عدم الاعتداد بخلافهم، قال بعض المحققين فى شرح المفاتيح:
و ما فعله المصنف اوفق للجمع بين الأخبار، بل صريح بعض الأخبار، ثم نقل الخبر السادس و قال: لكنه خلاف ما أفتى به الجميع، الا الشيخ فى التهذيب فانه جواز التقديم لمن علم انه إن لم يقدمها، اشتغل عنها و لم يتمكن من قضائها، و لا ينفع الاستدلال كذلك للشيخ، الى آخر ما ذكره.
و عن الذكرى انه بعد ان ذكر روايات التحديد بالاقدام و الاذرع، قال: ثم هنا روايات غير مشهورة فى العمل، ثم ساق جملة من هذه الأخبار، الى أن قال:
قلت قد اعترف الشيخ - رحمه الله - بجواز تقديمها عند الضرورة، و لو قيل بجوازه مطلقا كما دلت عليه هذه الأخبار، غاية ما فى الباب انه مرجوح كان وجها، انتهى.
قال بعض(1) الأجلاء بعد ان استظهر ما ذكره الشيخ لأخبار التحديد بالأذرع و الاقدام ما صورته: فان هذه الأخبار صحيحة مستفيضة صريحة فى ان للنافلة وقعا معينا محدودا، لا يقدم عليه و لا يؤخر عنه، الا ان يكون على جهة القضاء، و الترجيح لو ثبت التعارض لهذه الأخبار لما ذكرنا من صحتها و استفاضتها و صراحتها، و اعتضادها بعمل الطائفة قديما و حديثا، حيث انه
ص: 367
لم يقل بظاهر هذه الأخبار المخالفة قائل، و لم يذهب اليه ذاهب، و اعتضادها ايضا بصحيحة ابن اذينة، و روايتى زرارة، و حينئذ فيجب ارتكاب التأويل فيما عارضها، بان يحمل المتقدم على الرخصة فى مقام العذر كما ذكره الشيخ رحمه الله، انتهى.
و بالجملة لا شبهة فى ان الروايات المخالفة مع استفاضتها، غير معمول عليها عند جماهير الأصحاب، فتكون شاذة، و ورد عنهم (ع) دع الشاذ النادر هذا مضافا الى ان الخبر الاول غير ظاهر فى المخالفة، لعدم ظهور كون المراد من الظهر فى المقام هو الزوال، بل لعل الظاهر هو كون المراد منها هو صلوة الظهر، و معه لا يقبل ان يعد فى عداد المعارضات، فتدبر، كالخبر الثالث لان القبول لا يستلزم الاداء، بل يترتب مع كل من الاداء و القضاء، و بذلك ينكسر صورة الخبر الرابع و السادس، سيما مع ملاحظة ذيل الخبر السادس، و هو قوله:
و اذا شغله ضيعة، الى آخره.
قال الكافى بعد نقل خبر ابن اذينة المتقدم ما صورته: معنى هذا انه ليس وقت صلوة فريضة و لا سنة، لان الاوقات كلها قد بينها رسول الله (ص)، فاما القضاء قضاء الفريضة و تقديم النوافل و تأخيرها، فلا بأس انتهى.
و اما الخبر الثامن فحمله على التقية غير بعيد، لمكان الصلوة الضحى المعمولة عند العامة كما مضى تفصيلها فى مقامها، فتدبر، و بذلك ظهر حال الخبر التاسع، مضافا الى انه يعارضه بخصوصه رواية زرارة و مرسلة الصدوق، و هما الخبر الحادى عشر و العشرون، المتقدمان فى شرح قول المصنف رحمه الله:
و نوافلها ثمان ركعات، الى آخره، المشتملان على قول الباقر (ع): كان رسول الله (ص) لا يصلى من النهار شيئا حتى تزول النهار، و لفظه كان ظاهرة فى الاستمرار، و ينافى ايضا عموم جملة من الأخبار المتقدمة، ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات عن محمد بن الفرج قال: كتبت اسئل عن اوقات الصلوة، فاجاب: اذا زالت الشمس فصل سبحتك و احب ان يكون فراغك من
ص: 368
الفريضة و الشمس على قدمين، ثم صل سبحتك، و احب ان يكون فراغك من العصر و الشمس على اربعة اقدام، فان عجل بك امر فابدا بالفريضتين و اقض بعدهما، نعم الخبر السابع و الخامس و الثانى يكون معارضتهم لأخبار فى غاية من الوضوح، و لكن لم يظهر قائل بمضمون الخبر السابع من القدماء و متقدمى المتأخرين، فلا اعتبار به اصلا، سيما اذا لاحظ ضعف سنده، و معارضته للاخبار المعتبرة القريبة من التواتر، المعتضدة بالشهرة العظيمة، و اما الخبر الخامس فيعارضه الخبر الثانى، و القاعدة الداخلية و الخارجية مقتضية لحمله على الخبر الثانى، فافهم.
فبقى فى المقام الخبر الثانى فالعمل به ايضا مشكل، لندرة القائل به بل الظاهر عدم القائل به باطلاقه، لأن التهذيب قيد مضافا الى العلم باشتغال فى وقتها، عدم التمكن من قضائها، هذا مضافا الى عدم صحة سنده، لمكان حمزة الليثى، و ان كان الراوى عنه حماد بن عيسى المجمع على تصحيح ما يصح عنه و السند اليه صحيح، و معارضة للأخبار الكثيرة المعمول عليها.
لا يقال: التسامح فى أدلة السنن مما يجوز ان تعمل بمضمونه، لأنا نقول:
الاستناد اليها فى المقام مشكل، لان المستفاد من الأخبار الموقتة بالاقدام و الأذرع، هو حذر التقديم، و هذه القاعدة غير جارية مع احتماله فافهم، مع انا لو عملنا بهذا الخبر لكان الأخبار الدالة على قضاء النوافل مخصصة به، مع كونه غير صالح للمعارضة، فتدبر، نعم لو عمل به عامل فلا بد له ان يقتصر على مفاد الخبر، و هو تخصيص الحكم بنافلة الزوال و العلم بالاشتغال، و الحاصل ان الاعتماد به مع عدم ذهاب احد الى ما يستفاد منه حتى التهذيب لما عرفت، مشكل فى الغاية، كالقول به مع التقييد بعدم التمكن من القضاء، سيما مع معارضته بما تقدم اليه الاشارة، فاذن مختار المشهور هو المنصور، و ليعلم ان ما اختاره التهذيب لا يكاد ان يتحقق فى الخارج بالنسبة الى جماهير الناس ان لم نقل كلّه، اذ العلم بعدم التمكن من ادائها فى وقتها و قضائها مخالف للعادة،
ص: 369
فليس فى النزاع معه ثمرة يعتد بها.
(و يزيد فيه) اى فى اليوم الجمعة (اربع ركعات) كما سيجئ بيان ذلك ان شاء الله تبارك و تعالى.
(و) وقت (نافلة المغرب بعدها الى ذهاب الحمرة) المغربية على المشهور بين الطائفة كما ادعاه جماعة، بل فى المدارك هذا مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا، بل عن المنتهى و المعتبر دعوى الاجماع عليه، خلافا للشهيد فاستوجه بقاءها ببقاء الفريضة، و تبعه من المتأخرين جماعة، قال فى الدروس:
و وقت نافلة المغرب بعد فراغها الى ذهاب الحمرة المغربية، فى المشهور بين المتأخرين و لا يزاحم بها، و لو قيل بامتدادها كوقت الفريضة(1) كان وجها، نعم تقديمها افضل، انتهى.
أقول: و المشهور هو الأقرب، للاجماعين المحكيين، و للنصوص المانعة عن فعل النافلة فى وقت الفريضة، خرج منها ما عدا المغرب من الرواتب فى اوقاتها المضروبة، و كذا نافلة المغرب الى ذهاب الحمرة المغربية بالاجماع المحقق، و يبقى ما عداها، و منه نافلة المغرب بعدها، مندرجا تحتها، و لا دليل على الخروج، هذا مضافا الى ان عموم التعليل الوارد لتحديد نوافل الظهرين بوقت، و هو ما اشتمل عليه روايتا اسمعيل الجعفى من قوله: و انما جعل الذراع و الذراعان لئلا يكون تطوع فى وقت فريضة، كما فى أحدهما، و قوله: أتدرى لم جعل الذراع و الذراعان ؟ قلت: لم ؟ قال: لمكان الفريضة، لئلا يؤخذ من وقت هذه و يدخل فى وقت هذه، يقتضى التحديد هنا ايضا، و لاحد لها الا ما ذكره الأصحاب من ذهاب الحمرة.
قال المحقق طاب ثراه فى التحرير: و يدل عليه اى ما اختاره المشهور، وقت يستحب فيه تأخير العشاء، و كان الاقبال على النافلة حسنا، و عند ذهاب
ص: 370
الحمرة يقع الاشتغال بالفرض فلا يصلح للنافلة، و يؤيد ذلك ما روى عمر بن حريث عن ابى عبد الله (ع) قال: كان النبى (ص) يصلى ثلاثا للمغرب و اربعا بعدها، و يدل على ان آخر وقتها ذهاب الحمرة، ما روى من منع النافلة فى وقت فريضة و روى ذلك جماعة منهم محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) قال: اذا دخل وقت الفريضة فلا تطوع قال السيد - طاب مضجعه - فى المدارك بعد نقل ذلك: و فيه نظر اذ من المعلوم ان النهى عن التطوع وقت الفريضة، انما يتوجه الى غير الروايات، للقطع باستحبابها فى اوقات الفرايض، و الا لم يشرع نافلة المغرب عند من قال بدخول وقت العشاء بعد مضى مقدار ثلاث ركعات من اول وقت المغرب، و لا نافلة الظهرين عند الجميع، و قوله انه عند ذهاب الحمرة يقع الاشتغال بالفرض، فلا يصلح للنافلة، دعوى خالية من الدليل، مع ان الاشتغال بالفرض قد يقع قبل ذلك عند المصنف و من قال بمقالته، و مجرد استحباب تأخير العشاء عن اول وقتها الى ذهاب الحمرة، لا يصلح للفرق، انتهى.
أقول: و فيه نظر، لان للمحقق ان يقول: مقتضى العموم هو المنع مطلقا، خرج عنه ما خرج بدليل و لا دليل على خروج ما نحن فيه عنه، و ليس ذلك الا كالعام و الاطلاق المخصص و المقيد و هما فيما بقى حجة، و بالجملة هذا الاعتراض فى غاية من السخافة، نعم ما اشار اليه اخيرا لا يخلو عن وجاهة، و بالجملة الأدلة على القول المشهور لائحة.
و اما القول الآخر فله وجهان:
الأول: ما رواه شيخ الطائفة فى التهذيب فى كتاب الحج فى باب نزول المزدلفة، فى الصحيح عن ابان بن تغلب قال: صليت خلف ابى عبد الله (ع) المغرب بالمزدلفة، فقام فصلى المغرب ثم صل العشاء الآخرة و لم يركع فيما بينهما، ثم صليت خلفه بعد ذلك بسنة، فلما صلى المغرب قام فتنفل بأربع ركعات، و قد يجاب عن ذلك، بانه معارض بالنصوص المانعة عن التنفل بين العشاءين اذا جمع بينهما فى المزدلفة، روى التهذيب فى الباب المتقدم فى
ص: 371
الصحيح عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (ع) قال: صلوة المغرب و العشاء بجمع باذان واحد و اقامتين و لا تصل بينهما شيئا، و قال: هكذا صلى رسول الله (ص).
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن عنبسة بن مصعب قال: قلت لأبى عبد الله (ع): اذا صليت المغرب بجمع اصلى الركعات بعد المغرب ؟ قال: لا، صلّ المغرب و العشاء ثم تصلى الركعات بعد.
أقول: لا ريب و لا شك فى رجحان ترك نافلة المغرب، اذا صلى المغرب فى المزدلفة، كما سيأتى فى كتاب الحج ان شاء الله اليه الاشارة، فدار الأمر فى رواية ابان المتقدمة بين شيئين: احدهما حمل الأربع ركعات التى أتى (ع) بها على الراتبة المعهودة، و الثانى حملها على غير الراتبة من الغفيلة و غيرها، فلا ريب ان الثانى اولى كما لا يخفى على من له ادنى دربة، هذا مضافا الى ان الرواية غير صريحة فى انه (ع) أتى بها فيها، و الى ان الاتيان بها فيها يحتمل ان يكون مع وجود الحمرة المغربية، فتأمل جدا، و بالجملة لا ريب فى ان هذه الرواية لا تصلح لمعارضة ما دل على المشهور، لوجوه عديدة.
الثانى: ما أشار اليه بعض الاجلاء حيث قال: الأظهر فى الاستدلال على ما اختاروه، ما ورد فى الأخبار من الحث و التاكيد على نافلة المغرب، و انها تصلى سفرا و حضرا، مع ما ورد فى الأخبار من امتداد وقت المغرب فى السفر الى ثلث الليل و نحوه كما تقدم، فانه يظهر من ضم هذه الأخبار بعضها الى بعض، ان النافلة يمتد بامتداد الفريضة، على انه يكفينا فى الدلالة على الامتداد، اطلاق الأخبار الدالة على استحباب هذه النافلة بعد المغرب، و عدم دليل على التوقيت و التحديد بغروب الشفق انتهى، و فيه نظر لما اشار اليه بعض الأجلة حيث قال: و النصوص الدالة على استحباب نافلة المغرب بعدها، و ان كانت معتبرة مستفيضة شاملة لما بعد الحمرة، الا ان شمولها بالاطلاق، و هو غير معلوم الشمول لنحو المقام، بعد ورودها لاثبات استحباب النافلة من دون نظر
ص: 372
الى وقتها بالمرة، و ان هى حينئذ الا كالنصوص الدالة على استحباب باقى النوافل الراتبة، من دون تقييد فيها بوقت المرة، مع انها مقيدة باوقات خاصة اتفاقا فتوى و رواية، و من هنا يظهر مؤيد اخر لما عليه الأصحاب، من توقيت نافلة المغرب بذهاب الحمرة، لا بقائها ما دام وقت الفريضة، لبعد اختصاصها من بين الرواتب بالبقاء الى وقت الفريضة انتهى، و بالجملة لا ينبغى التشكيك فى ضعف ما اختاره هؤلاء الجماعة، و قوة ما اختاره جماهير الطائفة المحقة.
(و ان ذهبت) الحمرة (و لم يكمل اشتغل بالعشاء) على الأشهر، كما ادعاه بعض من تأخر، خلافا للمحكى عن الحلى فيتم الاربع بالتلبس بشىء منها قبل ذهاب الشفق، و هو ضعيف لعموم ادلة تحريم النافلة فى وقت الفريضة، و عدم ظهور ما يصير باعثا على تقييده، و مقتضى اطلاق العبارة كغيرها(1) هو البداءة بالعشاء فى المفروض مطلقا، خلافا للشهيدين و غيرهما، فقيدوا الحكم بما اذا لم يكن شرع فى ركعتين منها، و الا فيكملها خاصة اولتين كانتا ام اخيرتيها تمسكا بالنهى عن ابطال العمل، و بان الصلوة على ما افتتحت عليه.
أقول: تحقيق المقام ان يقال: انا اذا قلنا بكراهة القطع مطلقا كما عليه بعض، او فى النافلة خاصة كما عليه آخر، فلا يخلو اما نقول بان الأدلة الدالة على تحريم النافلة فى وقت الفريضة شاملة لنحو المقام اولا، و على الاول فلا ريب فى عدم وجاهة ما قيدوه، اذ ذلك لم يعارضه حرمة، و قد يعارضه فى المسئلة لعموم ادلة تحريم النافلة فى وقت الفريضة، و على الثانى كما لا يخلو عن وجاهة، فما قيدوه وجيه سيما اذا قلنا بحرمة قطع النافلة، كما عليه بعض الطائفة.
لا يقال كيف حكمت على وجاهة عدم شمول الأدلة الدالة على تحريم النافلة فى وقت الفريضة لنحو المقام ؟ مع ان عموم الأخبار المانعة شاملة.
ص: 373
لأنا نقول: تلك الأدلة مختصة بحكم التبادر، بابتداء النوافل فى وقت الفريضة لا عدم وقوعها فيه مطلقا، فان قلت: كيف تدعى جريان التبادر فيما ادعيت ؟ مع ان من تلك الأدلة ما يدل على الحكم المذكور بنحو العموم الاستغراقى لمكان النكرة الواقعة فى سياق النفى، قلت: العموم انما هو بالنسبة الى افراد المنفى من اقسام النافلة، و التبادر الذى ادعيناه انما هو بالنسبة الى جهة القضية، فجهته غير جهة الاطلاق الذى لا بد من الاخذ بما يتبادر منه، فافهم.
فاذن المختار عندنا هو التقييد بنحو ما قيدوه، سواء قلنا بكراهة قطع النافلة او حرمته، نعم لو قلنا بشمول الأدلة الدالة على تحريم النافلة فى وقت الفريضة لنحو المقام، و قلنا بحرمة قطع النافلة فالحكم لا يخلو عن اشكال، كما لو علم قبل الشروع فيها بمزاحمتها الفريضة فى الأثناء، لقوة احتمال شمول أدلة حرمة النافلة فى وقت الفريضة لمثل هذا، كما ذكره بعض الأجلة قال: مع احتمال منعه ايضا انتهى، أقول: و لعل القول بما اختاره المقيدون فى الفرض الاول، و بما اختاره المطلقون فى الفرض الثانى، لا يخلو عن قوة.
(و) وقت ركعتى (الوتيرة بعد العشاء) اجماعا، و يدل عليه النصوص المتواترة المتقدمة الى جملة منها الاشارة، فى شرح قول المصنف رحمه الله: و نوافلها ثمان ركعات، الى آخره، (و تمتد بامتدادها) بلا خلاف على الظاهر، بل عليه الاجماع عن صريح المنتهى و ظاهر التحرير، قال الشارح الفاضل بعد قول المصنف هذا لتبعيتها للفريضة: فعلى هذا لو انتصف الليل و لم يأت بها صارت قضاء، فلا فرق حينئذ بين خروج الوقت قبل شروعه فيها و بعده للاطلاق و يحتمل الفرق و التفضيل، بخروجه قبل اكمال ركعة منها و بعده فيتمها، على الثانى دون الأول.
حكم الشيخان و المحقق و الشهيد و غيرهم باستحباب جعل الوتيرة خاتمة لنوافله، قال الشارح المحقق: ذكر الشيخان و اتباعهما انه ينبغى ان يجعلهما
ص: 374
خاتمة نوافله، و مستنده غير معلوم، و قال فى المدارك: و اما استحباب جعلهما خاتمة للنوافل التى يريد ان يصليها تلك الليلة، فذكره الشيخان و اتباعهما و لم اقف على مستنده، نعم روى زرارة عن ابى جعفر (ع) انه قال: و ليكن آخر صلوتك وتر ليلتك، و هو لا يدل على المدعى، انتهى.
قال بعض الأجلة: و فى المصباح يستحب ان يصلى بعد ركعتى الوتيرة ركعتين من قيام، و انكرها ابن ادريس استسلافا، لان الوتيرة خاتمة النوافل كما صرح به الشيخان فى المقنعة و النهاية حتى فى نافلة شهر رمضان، و هو مشهور بين الأصحاب رضوان الله عليهم، و الذى فى رواية زرارة عن ابى جعفر (ع): و ليكن اخر صلوتك وتر ليلتك، و لكنه فى سياق الوتر لا الوتيرة، و نسب ابن ادريس الرواية بالركعتين الى الشذوذ فى المختلف لا مشاحة فى التقديم و التأخير لصلاحية الوقت للنافلة، انتهى.
أقول: رواية زرارة هذه مروية فى الكافى فى باب تقديم النوافل و هى هكذا: قال (ع): اذا اجتمع عليك وتران او ثلاثة او اكثر من ذلك، فاقض ذلك كما فاتك تفصل بين كل وترين بصلوة، لان الوتر الاخر لا تقدمن شيئا قبل اوله الاول فالاول، تبدأ اذا انت قضيت صلوة ليلتك ثم الوتر، قال: و قال ابو جعفر عليه السلام: لا وتران فى ليلة الا واحدهما قضاء، و قال: ان اوترت من اول الليل و قمت فى آخر الليل فوترك الاول قضاء، و ما صليت من صلوة فى ليلتك كلها فلتكن قضاء الى آخر صلوتك، فانها لليلتك و ليكن آخر صلوتك الوتر وتر ليلتك، و حمل الوتر الواقعة فى آخرها على الوتيرة غير بعيد، كما يظهر ذلك من ملاحظة وقت ركعتى الفجر، بعد ملاحظة روايتى ابى بصير و حمران المتقدمتين فى الأمر الثانى الواقع فى شرح قول المصنف: و نوافلها ثمان ركعات قبل الظهر، الى آخره، و رواية زرارة المتقدمة فى الأمر السابع عشر المتقدم هناك ايضا، و رواية ابى بصير هكذا قال ابو عبد الله (ع): من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتن الا بوتر، قال قلت: يعنى الركعتين بعد العشاء الآخرة، قال: نعم فانهما
ص: 375
تعدان بركعة، فمن صلاهما ثم حدث به حدث الموت مات على وتر، و ان لم يحدث به حدث الموت صلى الوتر فى آخر الليل.
و بالجملة لما كان حمل الوتر الواقعة فى آخر الخبر على مفردة الوتر غير وجيه، لمكان وقت ركعتى الفجر المنافى لقوله (ع): و ليكن آخر صلوتك، الى آخره، فليحمل على الوتيرة، كما اطلق الوتر عليها فى الأخبار المتقدمة، فظهر بما ذكر مستند الشيخين و من تبعهما فيما ذكراه، و عدم وجاهة ما ذكره فى المدارك و غيره، من عدم دلالة الخبر على المدعى.
تنبيه: مقتضى اطلاق الخبر هو استحباب جعلهما خاتمة للنوافل التى يريد ان يصليها تلك الليلة مطلقا، سواء كانت مستحبة مطلقة من غير اختصاص ببعض الأزمنة ام لا، كما تكون مختصة ببعض الأزمنة، كنوافل ليالى شهر رمضان و غيرها من الليالى التى ورد الأمر بالنافلة فيها بخصوصها، و هو ايضا مشهور بين الأصحاب، على نسبة بعض العبائر المتقدم نقلها(1).
و لكن ينافى ذلك ما رواه التهذيب فى باب فضل شهر رمضان عن اسحق بن عمار عن ابى الحسن، و سماعة بن مهران عن ابى عبد الله (ع)، قال محمد بن سليمان: و سألت الرضا (ع) عن هذا الحديث فأخبرنى به، و قال: هؤلاء جميعا سألنا عن الصلوة فى شهر رمضان كيف هى ؟ و كيف فعل رسول الله (ص) فقالوا جميعا: انه لما دخلت اول ليلة من شهر رمضان، صلى رسول الله (ص) المغرب ثم صلى اربع ركعات التى كان يصليهن بعد المغرب فى كل ليلة، ثم
ص: 376
صلى ثمانى ركعات، فلما صلى العشاء الآخرة و صلى الركعتين اللتين كان يصليهما بعد العشاء الآخرة و هو جالس فى كل ليلة، قام فصلى اثنتى عشرة ركعة، ثم دخل بيته الى ان قال: فلما كان ليلة تسع عشرة من شهر رمضان، اغتسل حين غابت الشمس، الى ان قال: فلما اقام بلال بصلوة العشاء الآخرة، خرج النبى (ص) فصلى بالناس، فلما انفتل صلى الركعتين و هو جالس كما كان يصلى كل ليلة، ثم قام فصلى مائة ركعة، الى ان قال: فلما فرغ من ذلك صلى صلوته التى كان يصلى كل ليلة فى آخر الليل و اوتر، فلما كان ليلة عشرين من شهر رمضان، فعل كما كان يفعل ذلك من الليالى فى شهر رمضان ثمانى ركعات بعد المغرب و اثنتى عشرة ركعة بعد العشاء الآخرة، فلما كانت ليلة احدى و عشرين، الى ان قال: و صلى فيها مثل ما فعله فى ليلة تسع عشرة، فلما كانت فى ليلة اثنين و عشرين، زاد فى صلوته قبل فصلى ثمانى ركعات بعد المغرب، و اثنين و عشرين ركعة بعد العشاء الآخرة، فلما كانت ليلة ثلاث و عشرين اغتسل ايضا فى ليلة تسع عشرة(1) كما اغتسل فى ليلة احدى و عشرين، ثم فعل مثل ذلك فسألوه عن صلوة الخمسين ما حالها فى شهر رمضان ؟ فقال: كان رسول الله (ص) يصلى هذه الصلوة، و يصلى صلوة خمسين على ما كان يصلى فى غير شهر رمضان و لا ينقص منها شيئا.
و بالجملة لا شبهة فى استحباب جعل الوتيرة خاتمة نوافله فى غير شهر رمضان، و بالرواية المتقدمة، و اما فى شهر رمضان فالعمل بتلك الرواية محل اشكال، لمكان خبر اسحق المتقدم، الدال بحسب الظاهر، على استمراره (ص) على الاتيان بالوتيرة بعد العشاء قبل النوافل فى شهر رمضان، و حيث كان الوقت صالحا للنافلة، فلا مشاحة فى التقديم و التأخير، و قوله (ع) و ليكن اخر صلوتك الوتر انتهى، ليس للوجوب قطعا بل للاستحباب، فليعمل بمضمونه فيما اذا لم يعارضه شىء، و هو غير شهر رمضان، و ليترك او يتوقف او عمل بجواز التقديم و التأخير، من غير رجحان فى احدهما فى شهر رمضان، و القول بان
ص: 377
شهر رمضان كغيره، عملا برواية زرارة مشكل كما اشرنا سابقا، و اشكل منه هو جعله ضدا لغيره، عملا برواية اسحق بن عمار المتقدمة، سيما بعد ملاحظة كونها معارضة بجملة من الأخبار الدالة على عدم كونه (ع) مصليا لصلوة الوتيرة، منها رواية ابى بصير عن الصادق (ع) فى حديث فى الوتيرة قال: فقلت: هل صلى رسول الله (ص) هاتين الركعتين ؟ قال: لا، الخبر و قد تقدم هذا الخبر مع تفصيل تام فى الأمر الثانى، الواقع فى شرح قول المصنف رحمه الله: و نوافلها ثمان، الى آخره.
و اما ما اشار اليه فى المصباح، من انه يستحب ان يصلى بعد ركعتى الوتيرة ركعتين من قيام، فلا وجه له كما حققناه فى شرح قول المصنف رحمه الله:
و نوافلها ثمان، الى آخره، فى ذيل الأمر السابع عشر.
(و وقت صلوة الليل بعد انتصافه) اجماعا ظاهرا و محكيا فى عبائر جماعة و منهم المنتهى و التحرير و غيرهما(1) و المحكى عن الخلاف و المرتضى، و فى امالى الصدوق من دين الامامية الاقرار بانه لا يجوز صلوة الليل من اول الليل لا فى السفر، و اذا قضاها الانسان فهو افضل من ان يصليها من اول الليل، و يدل عليه بعد الاجماع المتقدمة توقيفية العبادة، فيجب الاقتصار فى وقتها على ما تيقن ثبوته من الشريعة، و ليس ذلك الا بعد الانتصاف، روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن فضيل عن احدهما (ع): ان رسول الله (ص) كان يصلى بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة.
و روى ايضا فى الباب المتقدم فى الموثق كالصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: كان رسول الله (ص) اذا صلى العشاء الآخرة، آوى الى فراشه لا يصلى شيئا الا بعد انتصاف الليل، لا فى شهر رمضان و لا غيره.
ص: 378
و روى الصدوق فى الفقيه فى باب وقت صلوة الليل عن عبد الله(1) بن زرارة عن ابى عبد الله (ع) انه قال: كان رسول الله (ص) اذا صلى العشاء آوى الى فراشه، فلم يصلّ شيئا حتى ينتصف الليل.
و من هذا القبيل ايضا، الخبر الحادى عشر و الخبر العشرون المتقدمان فى شرح قول المصنف رحمه الله: و نوافلها ثمان ركعات، الى آخره.
و يدل ايضا على الحكم المذكور، الخبر الثالث عشر المتقدم هناك، المشتمل على قول الباقر (ع) لزرارة: و تصلى بعد المغرب ركعتين، و بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر و منها ركعتا الفجر، كالمرسل المروى فى الفقيه فى باب وقت صلوة الليل قال و قال ابو جعفر (ع): وقت صلوة الليل ما بين نصف الليل الى آخره، و روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: انما على احدكم اذا انتصف الليل ان يقوم فيصلى صلاته جملة واحدة ثلاث عشرة ركعة، ثم ان شاء جلس فدعا، و ان شاء نام، و ان شاء ذهب حيث شاء.
و يدل عليه ايضا الأخبار الآتية اليها الاشارة، المجوزة لفعلها قبل الانتصاف لعلة، فانها ظاهرة فى ان التقديم رخصة لأجل العذر، لا انه وقت لها، و اما بعض الأخبار الذى يوهم كونه وقتا لها، فغير صالح للمعارضة لوجوه شتى.
(و كلما قرب من الفجر كان افضل) بلا خلاف ظاهرا، بل عن الخلاف و التحرير و المنتهى و الناصريات ان عليه اجماع الامامية، و فى مفتاح الفلاح: و قد اجمع علماؤنا على ان اول وقتها انتصاف الليل، و انه كلما قربت من الفجر الثانى كان افضل، و يدل عليه مضافا الى الاجماعات المحكية الأخبار المستفيضة، منها ما رواه التهذيب فى اواخر باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح عن
ص: 379
اسمعيل بن سعد الأشعرى قال: سألت ابا الحسن الرضا (ع) عن ساعات الوتر قال: احبها الى الفجر الاول، و سألته عن افضل ساعات الليل، قال: الثلث الباقى، و سألته عن الوتر بعد فجر الصبح، قال: نعم قد كان ابى ربما وتر بعد ما انفجر الصبح.
و منها ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن مرازم عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت: متى اصلى صلوة الليل ؟ فقال: صلّها آخر الليل، قال: قلت: فانى لا استنبه، قال: استنبه مرة فتصليها و تنام فتقضيها، فاذا هممت بقضائها بالنهار استنبهت.
و منها الخبر الرابع، و العاشر، و الرابع و الثالث و العشرون، المشتمل على رواية الخصال و العيون و تحف العقول المتقدم كلها فى شرح قول المصنف رحمه الله: و نوافلها ثمان ركعات، الى آخره.
و منها ما رواه فى البحار فى باب تحقيق منتصف الليل، عن التهذيب و ثواب الأعمال عن ابى عبد الله (ع) قال: ان كان الله عز و جل قال: (اَلْمٰالُ وَ اَلْبَنُونَ زِينَةُ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا) ان الثمان ركعات يصليها العبد آخر الليل زينة الآخرة.(1)
و منها ما اشار اليه فى الباب المتقدم، قال فى جملة كلام له: و كذا قوله تعالى: (إِنَّ نٰاشِئَةَ اَللَّيْلِ )، فانه قد ظهر من الأخبار، و اقوال المفسرين، انه نزل فى صلوة الليل و وقتها الى طلوع الفجر، و قال الطبرسى: و المروى عن ابى جعفر و ابى عبد الله (ع)، انهما قالا: هى القيام فى آخر الليل الى صلوة الليل.
و منها ما رواه الكافى فى باب وقت الفجر عن سليمان بن حفص المروى،
ص: 380
عن ابى الحسن العسكرى (ع) قال: اذ انتصف الليل، الى ان قال: فاذا بقى ثلث الليل ظهر ماض من قبل المشرق فاضاءت له الدنيا، فيكون ساعة ثم يذهب و هو وقت صلوة الليل، ثم يطلع الفجر الصادق من قبل المشرق، قال: و من اراد ان يصلى صلوة الليل فى نصف الليل، فذلك له.
و منها ما رواه الكافى فى باب صلوة النوافل فى الصحيح عن معوية بن وهب قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن افضل ساعات الوتر، فقال: الفجر اول ذلك.
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الموثق كالصحيح عن ابن بكير قال: قال ابو عبد الله (ع): ما كان يحمد الرجل ان يقوم من آخر الليل فيصلى صلوته ضربة واحدة، ثم ينام و يذهب.
و منها ما رواه فى الذكرى قال: و روى ابن ابى قرة عن زرارة: ان رجلا سأل امير المؤمنين (ع) عن الوتر اول الليل، فلم يجبه، فلما كان بين الصبحين خرج امير المؤمنين الى المسجد، فنادى: اين السائل عن الوتر؟ ثلاث مرات، نعم ساعة الوتر هذه، ثم قام فاوتر.
الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التى يجدها المتتبع، و لو كانت دلالتها فى الجملة، و اختصاص بعض ما تقدم بالوتر غير ضاير، لعدم فارق، قاله بعض الأجلة، و استدل فى التحرير على ذلك ايضا بقوله تعالى: (وَ بِالْأَسْحٰارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ )، و المستغفرون بالاسحار و السحر ما قبل الفجر على ما نص عليه اهل اللغة، قاله بعض، اقول عن الفيروزآبادى: السحر قبيل الصبح و السحرة بضم السحر الاعلى، روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن معوية بن عمار قال سمعت ابا عبد الله (ع)، يقول: فى قول الله عز و جل: (وَ بِالْأَسْحٰارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) فى الوتر فى آخر الليل سبعين مرة.
فان قلت: انه يعارض ذلك ما يستفاد من جملة من الأخبار، منها ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح عن معوية بن وهب،
ص: 381
قال سمعت ابا عبد الله (ع) يقول و ذكر صلوة النبى (ص) قال: كان يأتى بطهور فيخمر عند رأسه، و يوضع سواكه تحت فراشه، ثم ينام ما شاء الله، فاذا استيقظ جلس ثم قلب بصره فى السماء ثم تلا الآيات من آل عمران: (إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ ) الآية، ثم يستن و يتطهر ثم يقوم الى المسجد فيركع اربع ركعات على قدر قراءته ركوعه و سجوده على قدر ركوعه، يركع حتى يقال: متى يرفع رأسه ؟ و يسجد حتى يقال: متى يرفع رأسه ؟ ثم يعود الى فراشه، فينام ما شاء الله، ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران و يقلب بصره فى السماء ثم يستن فيتطهر، و يقوم الى المسجد فيصلى اربع ركعات كما ركع قبل ذلك، ثم يعود الى فراشه فينام ما شاء الله، ثم يستيقظ فيجلس فيتلوا الآيات من آل عمران، و يقلب بصره فى السماء ثم يستن و يتطهر، و يقوم الى المسجد فيوتر و يصلى الركعتين، ثم يخرج الى الصلوة.
و منها ما رواه فى الكافى فى باب صلوة النوافل فى الحسن كالصحيح بابراهيم، عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال: ان رسول الله (ص) كان اذا صلى العشاء الآخرة امر بوضوئه و سواكه يوضع عند رأسه مخمّرا، فيرقد ما شاء الله ثم يقوم فيستاك و يتوضا و يصلى اربع ركعات، ثم يرقد، ثم يقوم فيستاك و يتوضأ و يصلى اربع ركعات، ثم يرقد حتى اذا كان فى وجه الصبح قام فاوتر، ثم صلى الركعتين، ثم قال: لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ، قلت: متى كان يقوم قال: بعد ثلث الليل، و قال فى حديث آخر: بعد نصف الليل، قال و فى رواية اخرى: يكون قيامه و ركوعه و سجوده سواء، و يستاك فى كل مرة قام من نومه، و يقرء الآيات من آل عمران (إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ ) الى قوله: (إِنَّكَ لاٰ تُخْلِفُ اَلْمِيعٰادَ).
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن عمر بن يزيد، انه سمع ابا عبد الله (ع) يقول: ان فى الليل لساعة ما يوافقها عبد مسلم، يصلى و يدعو الله فيها، الا استجيب له فى كل ليلة، قلت: اصلحك الله، فاى ساعة
ص: 382
هى من الليل ؟ قال: اذا مضى نصف الليل، فى السدس الاول من النصف الباقى.
و روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن عمر بن يزيد، انه سمع ابا عبد الله (ع) يقول: ان فى الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم، يصلى و يدعو الله، الا استجاب له فى كل ليلة، قلت: اصلحك الله، فاية ساعة من الليل ؟ قال: فاذا مضى نصف الليل(1) الى ثلث الباقى.
و عن الاسكافى يستحب الاتيان بصلوة الليل فى ثلاثه اوقات، لقوله: (وَ مِنْ آنٰاءِ اَللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَ أَطْرٰافَ اَلنَّهٰارِ)، قلت: هذه الأخبار لا تصلح لمعارضة الأدلة المتقدمة من الاجماعات المحكية و الأخبار الكثيرة، لوجوه عديدة، و اما ما أشار اليه الشارح المحقق بانه يمكن الجمع بين الروايات بان يقال آخر الليل أفضل بالنسبة الى من يجمع بينها دون من يفرق، و يكون التفريق فى اوقات ثلاث افضل تأسّيا بالنبى (ص)، فغير وجيه لعدم شاهد على هذا الجمع، مع ان فتوى الأصحاب و ادلتهم من الاجماعات و الأخبار مطلقة.
و بالجملة لا شبهة فى ارجحية هذه الكلية الواقعة فى العبارة، الواقع عليها اجماع الامامية، على ما ادعاه جماعة حد الاستفاضة، و عدم مقاومة ما يعارضها و لو كان فى حد ذاته قويا، و الذى يقتضيه الانصاف فى المسئلة ان تمامية الكلية الواردة فى المتن بالنصوص مشكلة، لعدم عثورنا على نص يدل عليه بواحد من الدلالات الثلاث المعروفة، و ان كان يمكن تتميمها بادعاء الاجماع المركب، فاذن العمدة فى هذه الكلية هو اجماع الامامية.
كما هو ظاهر النصوص و اكثر الفتاوى و صريح جملة منها، خلافا للمرتضى فقيده بالأول، قال
ص: 383
فى الذكرى: و لعله نظر الى جواز ركعتى الفجر حينئذ، و الغالب ان دخول وقت صلوة يكون بعد خروج وقت اخرى، و دفعه بانهما من صلوة الليل كما فى الأخبار الآتية، و ظاهر ان ما قبل طلوع الفجر الثانى من الليل، مضافا الى ما سيأتى من ان محل ركعتى الفجر قبله و معه و بعده.
و قال الشارح المحقق: المشهور بين الأصحاب ان آخر وقت صلوة الليل طلوع الفجر الثانى، و المنقول عن المرتضى ان اخره طلوع الفجر الاول، ثم نقل كلام الذكرى، و قال: و فيه نظر الأخبار الكثيرة على جوازها الى آخر الليل، و الظاهر ان ما قبل طلوع الفجر الثانى من الليل، انتهى.
أقول: قد عرفت فى نقل كلام مفتاح الفلاح، انه ادعى على ذلك اجماع الامامية، قال بعض الأجلاء: ضعف ما ذكره السيد اظهر من ان يحتاج الى البيان، لما سيجئ من الأخبار النيرة البرهان، و نعم ما قال.
بل صار هذا حقيقة عرفية، خلافا لبعض الأصحاب فصرح بان المعتبر تنصيف ما بين طلوع الشمس و غروبها، و له جملة من الأخبار منها ما رواه الفقيه فى باب معرفة زوال الليل، قال: سأل عمر بن حنظلة أبا عبد الله (ع)، فقال له: زوال الشمس نعرفه بالنهار، كيف لنا بالليل ؟ فقال:
لليل زوال كزوال الشمس، فقال: فبأى شىء نعرفه ؟ قال: بالنجوم اذا انحدرت.
و منها ما رواه فى البحار فى باب تحقيق منتصف الليل، عن محمد بن ادريس فى آخر السرائر، نقلا من كتاب محمد بن على بن محبوب، عن الحسين عن احمد القروى عن ابان عن ابى بصير، عن ابى جعفر (ع) قال: دلوك الشمس زوالها، و غسق الليل بمنزلة الزوال من النهار.
و لا يخفى ما فيهما، اذ التشبيه الوارد فى الخبرين، لا يلزم ان يكون تشبيها فى جميع الأمور، و على التحقيق و التدقيق، حتى يلزم ان يكون المعتبر فيه
ص: 384
الوسط بين الغروب و الطلوع، بل يمكن ان يكون التشبيه للانتصاف العرفى، و بالجملة لا شبهة فى عدم نهوضهما لاثبات ما اختاره، كالاستدلال بان فى بعض الأخبار وقع التعبير عن الانتصاف بزوال الليل، و ذلك واضح، كيف لا؟ ا لا تنظر الى ما رواه الفقيه فى باب صلوة رسول الله (ص)، عن ابى جعفر (ع) قال: كان رسول الله (ص)، و ساق الخبر الى ان قال: ثم آوى رسول الله (ص) الى فراشه و لم يصل شيئا حتى يزول نصف الليل، فاذا زال نصف الليل صلى ثمان ركعات، و اوتر فى الربع الأخير من الليل بثلاث ركعات، الى آخره، فانه كيف يكون علينا، مع انه قال و اوتر فى الربع الأخير من الليل، و معلوم ان آخر صلوة الوتر طلوع الفجر الثانى فتدبر.
و بالجملة الذى يظهر من الآيات القرآنية، و الأخبار، هو ما عليه الأصحاب و هذا التوهم لا شاهد له عرفا و لا كتابا و لا سنة، بل كل واحد من المذكورات كاف لدفعه، بل فساده بديهى.
قال المحقق المجلسى انار الله برهانه فى كتاب البحار فى باب تحقيق منتصف الليل و منتهاه، و مفتتح النهار شرعا و عرفا و لغة و معناه، ما صورته:
اعلم ان بعض اصحابنا فى زماننا، جدد النزاع القديم الذى كان فى بعض الازمان السابقة، و اضمحل لوضوح الحق فيه، و اتفق الخاص و العام فيه على امر واحد، و هو الخلاف فى معنى الليل و النهار شرعا و عرفا بل لغة، هل ابتداء النهار من طلوع الفجر، او طلوع الشمس ؟ و عندنا انه لا يفهم فى عرف الشرع، و لا فى العرف العام، و لا بحسب اللغة، من اليوم او النهار الا ما هو من ابتداء طلوع الفجر، و لم يخالف فى ذلك الا شرذمة قليلة قد انقرضوا، نعم بعض اهل الحرف و الصناعات، لما كان ابتداء عملهم من طلوع الشمس قد يطلقون اليوم عليه، و بعض اهل اللغة لما راوا هذا الاصطلاح ذكروه فى كتب اللغة، و يحتمل ان يكون كلامهما بحسب اللغة حقيقة، و كذا المنجمون قد يطلقون اليوم على ما بين الطلوع الى الغروب، و على ما بين الطلوع الى الطلوع، و على ما
ص: 385
بين الغروب الى الغروب، و على ما بين الزوال الى الزوال، و كذا النهار على المعنى الأول، و الليل على ما بين غروب الشمس الى طلوعها، لكن لا ينبغى ان يستريب عارف بقواعد الشريعة و اطلاقاتها، فى انه لا يتبادر فيها مع عدم القرينة من النهار، الا ما هو مبدأ من طلوع الفجر و كذا اليوم بأحد المعنيين، و قد يطلق اليوم على مجموع الليل و النهار و لا من الليل الا ما يختتم بالفجر و اما النهار و اليوم و ابتداء الليل، فهو اما غيبوبة القرص او ذهاب الحمرة المشرقية.
و لنذكر بعض كلمات اهل اللغة و المفسرين و الفقهاء من الخاصة و العامة ثم لنشر الى بعض الآيات و الأخبار الدالة على هذا المطلب، لاراءة الطالبين للحق سبيل التحقيق، فان استيفاء جميع الدلائل و البراهين، و التعرض لما استدل به بعض افاضل المعاصرين، لا يناسب هذا الكتاب، و فى بالى ان ساعدنى التوفيق ان افرد لذلك رسالة تتضمن اكثر ما يتعلق بهذا المرام، و الله الموفق و المعين.
فأما كلمات القوم، فقال الشيخ الطبرسى، ثم نقل كثيرا من كلمات القوم، و كثيرا من الآيات و الأخبار.
و منها ما أشار اليه بقوله التهذيب فى الصحيح عن ابى الحسن (ع)، قال: سألته عن الصلوة بالليل فى السفر فى اول الليل، فقال: اذا خفت الفوت فى آخره.
و فى الموثق عن ابى عبد الله (ع) قال: لا بأس بصلوة الليل فيما بين اوله و آخره، الا ان افضل ذلك بعد انتصاف الليل.
و عن الحسين بن على بن بلال قال: كتبت اليه فى وقت صلوة الليل، فكتب: عند زوال الليل و هو نصفه افضل، فان خاف فاوله و آخره جايز، ثم قال: هذه الأخبار تدل على ان وقت صلوة الفجر الثانى بالاتفاق، و الخبران
ص: 386
الأخيران يدلان ظاهرا على ان نصف الليل هو نصف الزمان الممتد من الغروب الى طلوع الفجر، اذ ذكر الانتصاف بعد ذكر الأول و الآخر، لا يفهم منه الا كونه منتصف ما بينهما، لا سيما الأخير، لارجاع الضماير الى امر واحد، و يفهم منه ان زوال الليل لا يراد به الزوال عن دائرة نصف النهار، الى ان قال:
و اما الأخبار الموهمة بخلاف ما ذكرنا فمنها... ثم نقل جملة من الاخبار و عدّ منها رواية ابن حنظلة اولا و رواية السرائر ثانيا، المتقدمة اليهما الاشارة، و قال اقول: ان الخبر الاول غير صحيح باطلاقه،(1) فلا بد فيه من تخصيص ببعض الكواكب، فنخصها بكواكب تنحدر فى منتصف ما بين الغروب و طلوع الفجر، مع انه ظاهر انه امر تقريبى، اذ تعيين كواكب مخصوصة كلّ ليلة لا يتيسر لاكثر الخلق، مع ان الانحدار لا يتبين لهم الا بعد مضىّ زمان من التجاوز عن دائرة نصف النهار، و فى مثل ذلك لا يؤثر التقدم و التأخر بقدر نصف ساعة او ثلثيها او اكثر من ذلك بقليل، و يمكن ان يكون هذا التحديد لاستعلام اول صلوة الليل، بل هو الظاهر و روعى فى ذلك الأخبار بحصول الجزم او الظن القوى بانتصاف الليل، و لا يحصل شىء منهما قبل الانحدار، الا لمن كان له آلة يستعلم الوقت، كالاسطرلاب و امثاله، و تحصيل امثالها متعسر على غالب الناس، و يمكن ان يقال الخبر يدل على مطلوبنا بهذا الوجه، بل يمكن ان يدعى ذلك بوجه آخر، و هو ان اكثر الكواكب لا تظهر للأبصار، الا بعد مضى زمان من غروب الشمس، فاذا حملت على الكواكب التى كانت عند ظهورها على الافق، فهى تصل الى دائرة نصف النهار بعد مضى كثير من انتصاف الليل، و لو حملت على ان يقدر انها كانت عند الغروب على الافق، فهذا مما لا يهتدى اليه اكثر العوام بل الخواص ايضا، فلا بد من حملها على ما كانت ترى فى البلدان فى بدو ظهورها، فوق الأبنية و الجدران(2) و الظاهر فى امثالها انها تصل الى
ص: 387
دائرة نصف النهار قبل انتصاف الليل، و المعهود عندهم،(1) فعلى هذا يمكن حمله على ان الغرض بيان آخر وقت العشاءين ايضا.
و اما التشبيه الوارد فى الخبرين فلا يلزم ان يكون تشبيها فى جميع الامور و على التحقيق و التدقيق، حتى يلزم ان يكون التشبيه للانتصاف العرفى، او لوصول امثال تلك الكواكب التى ذكرنا الى دائرة نصف النهار، او لكونه مبدأ وقت صلوة معين، و غير ذلك من جهات التشبيه، فظهر انه ليس فى هاتين الروايتين ايضا دلالة على مطلوبهم، لا سيما مع معارضة الآيات و الأخبار السافلة و مع تسليم دلالتهما على ان المعتبر فى انتصاف الليل ذلك، لا يلزم ان يحمل كل ما ورد من الأحكام معلقة بلفظ النهار او اليوم او الليل، على هذا الوقت، مع ما مر من النصوص الصحيحة و الأقوال الصريحة.
و قال الشهيد رحمه الله فى الذكرى: روى محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (ع) قال: كان رسول الله (ص) اذا صلى الآخرة آوى الى فراشه ثم لا يصلى شيئا الا بعد انتصاف الليل، و مثله عن ابى جعفر (ع) و قال: حتى يزول الليل و اذا زال الليل صلى ثمانى ركعات و اوتر فى الركعة الأخيرة ثم يصلى ركعتى الفجر قبل الفجر و عنده و بعيده، قلت: عبر بزوال الليل عن انتصافه كزوال النهار، ثم نقل رواية عمر بن حنظلة المتقدمة، ثم قال: و الظاهر انه عنى انحدار النجوم الطوالع عند غروب الشمس، و الجعفى اعتمد على منازل القمر الثمانية و العشرين المشهورة، فانه قال انها مقسومة على ثلثمائة و اربعة و ستين يوما، لكل منزل ثلاثة عشر يوما، فيكون الفجر مثلا بسعد الاخبية ثلاثة عشر يوما، ثم ينتقل الى ما بعده و هكذا، فاذا جعل القطب الشمالى بين الكتفين، نظر ما على الرأس و بين العينين من المنازل، فيعد منها الى منزلة الفجر، ثم يؤخذ لكل منزلة نصف سبع، قال: و القمر يغرب فى ليلة الهلال على نصف سبع
ص: 388
من الليل ثم يتزايد كذلك الى ليلة اربع عشر، ثم يتأخر ليلة خمس عشرة نصف سبع، و على هذا الى آخره، و قال: و هذا تقريب، انتهى كلام الذكرى.
و ظاهر كلامه - قدس سره - و ما نقله عن الجعفى، و ان كان موهما لكون المعتبر عندهما منتصف ما بين الشمس و طلوعها، لكن لتصريحهم مع ساير القوم فى مواضع، و نقلهم الاجماع على معنى الليل و النهار، لا بد من حمل كلامهم على ما يرجع الى ما ذكرنا فى الخبرين، و قد ذكروا انه على التقريب لا التحقيق، و قد ذكر الشيخ الشهيد بعد ذلك، اخبارا صريحة فيما ذكرنا، على انهما لو صرحا بذلك ايضا لم يكن فى كلامهما حجة.
ثم اعلم ان ما ذكره الشيخ الشهيد، و تبعه شيخنا البهائى نور الله ضريحهما، من تخصيص النجوم المذكورة فى الخبر، بالنجوم التى طلعت عند غروب الشمس، انما يستقيم اذا كان كل افق من الآفاق منصفا لمدارات جميع الكواكب و ليس كذلك، بل هذا مخصوص بافق خط الاستواء، اذ فى الآفاق المائلة باعتبار قلة ميل معدل النهار عن سمت الرأس و كثرته، و قرب مدارات الكواكب بالنسبة الى المعدول و بعده عنه، يختلف اختلافا فاحشا، ففى اواسط المعمورة اذا اتفق طلوع كوكب غروب الشمس، فربما وصل قبل انتصاف الليل الى نصف النهار قريبا من ساعة، كفرد الشجاع، و ربما وصل قبله قريبا من ساعتين كالشعراء اليمانية، و ربما تأخر وصوله الى نصف النهار عن الانتصاف بساعة و نصف تقريبا، كالسماك الرامح و رأس الجوزاء و فم الفرس، او بساعتين تقريبا كالنسر الطاير و العيوق و نير الفكة، او بثلاث ساعات تقريبا كالنسر الواقع او اربع ساعات كالردف، و ربما اتفق وصول بعض الكواكب القريبة من القطب الشمالى نصف النهار بعد طلوع الشمس، فلا بد على طريقتهم من تخصيص آخر و هو ان يكون الكواكب قوس نهار، موافقة لقوس ليل درجة الشمس من منطقة البروج او قريبا منه، كالسماك الا عزل بالنسبة الى بعض درجات اواخر الحمل.
و حمل كلام الامام (ع)، فى بيان القاعدة التى تحتاج اليها عامة الخلق،
ص: 389
على معنى لا يعرفه الا اوحدى الناس فى هذا الفن، فى غاية البعد، و هذا يؤيد ما ذكرنا انه مبنى على التقريب و التخمين، لاستعلام اول صلوة الليل، فيسقط الاستدلال به على ما توهموه كما عرفت، و ربما يحمل على الكواكب التى كانت معروفة عند العرب، و كانوا يعرفون بالتجارب طلوعها و غروبها و وصولها الى نصف النهار، و يكون الغرض تنبيههم على انه يمكن استعلام الأوقات، بامثال ذلك بعد تحصيل التجربة، و فيه ايضا ما فيه.
و ذكر بعض افاضل الأذكياء لذلك علامات فقال: علامة زوال الليل فى اوائل الحمل طلوع الرّدف، و فى اواسطه انحدار السّماك الاعزل، و فى اواخره طلوع النسر الطاير و غروب الشعراء الشامية و العيوق.
و فى اوائل الثور انحدار السماك الرامح، و فى اواسطه غروب فرد الشجاع و فى اواخره طلوع فم الفرس و انحدار نير الفكة و عنق الحية و غروب قلب الأسد.
و فى اوائل انحدار رأس الجوزاء، و فى اواسطه انحدار قلب العقرب، و فى اواخره اشراف النسر الواقع على الانحدار.
و فى اوائل السرطان انحدار النسر الواقع، و فى اواسطه غروب السماك الاعزل، و فى اواخره انحدار النسر الطاير.
و فى اوايل الاسد طلوع العيوق و انحدار الردف، و فى اواسطه طلوع الثريا و غروب الرامح، و فى اواخره طلوع عين الثور و انحدار فم الفرس و غروب عنق الحية.
و فى اوائل السنبلة اشراف نير الفكة على الغروب، و فى اواسطه غروب نير الفكة، و فى اواخر طلوع يد الجوزاء اليمنى و رجلها اليسرى.
و فى اوايل الميزان غروب رأس الجوزاء، و فى اواسطه طلوع الشعراء اليمانية، و فى اواخره اشراف النسر الطاير على الغروب.
و فى اوائل العقرب غروب النسر الطاير، و فى اواسطه طلوع قلب الأسد و غروب النسر الواقع، و فى اواخره طلوع فرد الشجاع.
ص: 390
و فى اوائل القوس انحدار عين الثور و غروب الفرس، و فى اواسطه انحدار العيوق و رجل الجوزاء اليسرى و غروب الردف، و فى اواخره انحدار يد الجوزاء اليمنى.
و فى اوايل الجدى انحدار اليمانية، و فى اواسطه انحدار الثانية و طلوع الرامح، و فى اواخره طلوع الاعزل و نير الفكة.
و فى اوائل الدلو اشراف رجل الجوزاء اليسرى على الغروب.
و فى اوائل الحوت طلوع الواقع و غروب رجل الجوزاء اليسرى، و فى اواسطه غروب عين الثور، و فى اواخره غروب اليمانية و يد الجوزاء اليمنى.
و هذا كله مبنى على اخذ الليل من غروب الشمس الى طلوعها، لكن قد عرفت انه على هذا التقريب لا يظهر التفاوت بين المعنيين كثيرا، و الجعفى رحمه الله جعل بناء استعلام زوال الليل تارة على منازل القمر المعروفة بين العرب، و لعله حمل الخبر عليه، و تارة على غروب القمر و طلوعه، اما الأول فلان العرب قسموا مدار القمر ثمانية و عشرين قسما، و ضبطوا حدود تلك الأقسام بكواكب، و سموها منازل القمر، و هى التى اشتملت عليها هذه الأبيات بالفارسية:
اسماء منازل قمر نزد عرب *** شرطين و بطين است ثريّا دبران
هقعه هنعه ذراع نثره پس طرف *** جبهه زبره صرفه و عوّا(1) پس از آن
پس سماك(2) و غضر و زبانا(3) اكليل *** قلب(4) و شرله نعايم و بلده بدان
ص: 391
سعد ذابح سعد بلع سعد سعود باشد *** پس سعد اخبيه چارمشان
از فرغ مقدم بمؤخر رسيد *** آنكه برشا رسد كه باشد پايان
و مدة قطع الشمس تلك المنازل ثلاثمائة و خمسة و ستون يوما و شئ، فاذا قسمت على المنازل، يقع بازاء كل منزل ثلاثة عشر يوما و شىء، فاذا حصل الاطلاع على منزل الشمس من تلك المنازل، يمكن استخراج ما مضى من الليل و ما بقى منه، بملاحظة الطالع و المنحدر و الغارب من تلك المنازل تقريبا، بادنى تأمل، اذ عند غروب الشمس يكون المنزل السابع من المنزل الذى فيه الشمس على نصف النهار، و الرابع عشر على المشرق، و فى كل نصف سبع من الليل يتفاوت بقدر منزل، فيكون التفاوت فى ربع الليل بقدر ثلاثة منازل و نصف، و فى نصف الليل بقدر سبعة منازل، و على هذا القياس.
و هذا ايضا تقريبى لاختلاف مدار الشمس و القمر، و جهات أخر، فلو حملنا الخبر عليه حملنا النجوم على نجوم المنزل الذى يكون مقابلا للمنزل الذى فيه الشمس، و اما الثانى و هو بناء على غروب القمر(1) فى اوائل الشهر و طلوعه
ص: 392
فى اواخره، و ضابطه ان يضرب عدد ماضى من اول الشهر الى الرابع عشر، او من الخامس عشر الى الثامن و العشرين، فى الستة، و قسمة الحاصل على السبعة فالخارج فى الاول قدر الساعات المعوجة الماضية من الليل الى غروب القمر، و فى الثانى قدر الساعات المذكورة الى طلوعه مثاله، اذا ضربنا الأربعة فى الستة حصل اربعة و عشرون، فاذا قسمنا على السبعة، خرج ثلاثة و ثلاثة اسباع، فيكون غروب القمر فى الليلة الرابعة و طلوعه فى الثامنة عشر، بعد ثلاثة ساعات و ثلاثة اسباع ساعة، و كذا اذا قسمنا الحاصل من ضرب الخمسة فى الستة و هو الثلاثون، على السبعة خرج اربعة و سبعان، فغروب القمر فى الليلة الخامسة و طلوعه فى التاسعة عشر بعد اربع ساعات و سبعى ساعة، و هكذا.
و هذا ايضا تقريبى للاختلاف بحسب كثرة الزمان، بين خروج الشعاع و اول ليلة الغرة، و قلته و غيرهما.
فذلكة: لا أراك ايها المتفطن اليقظان، بعد ما احطت خبرا بقوة ما اسسنا
ص: 393
عليه بياننا(1) من انواع البرهان، و وهن ما بنوا عليه كلامهم من البنيان، و قد اتينا على بنيانهم من القواعد، و جعلنا مطاوى كلامنا مشحونة بصنوف الفوائد تستريب فى ان الليل و النهار و اليوم فى اصطلاح الشرع و العرف العام بل فى اصل اللغة ايضا، لا يتبادر منها الا ما ينتهى الى طلوع الفجر، او يبتدى منه، مع انا لم نستقص فى استخراج الدلايل و نقل كلام الأوائل، و لا فى نقل الأخبار و ذكر الآثار، لانا اكتفينا بذكر البعض، لتنبيه اولى الالباب عما يؤدى الى الاسهاب و الاطناب، و ايضا لم نكن نعدّ لذلك بابا عند طرح الكتاب و رسم الأبواب، و انما سنح لنا ذلك بعد ما رأينا الاختلاف، فى الأمر الذى لم نكن نجوز الخلاف فى مثله، لا سيما من سدنة العلم و اهله، و هل يقول احد من اهل العرف و الشرع اذا اتاه قبل طلوع الشمس: طرقتك ليلا، او اتيتك البارحة، و شاع بين الناس يقولون: هل قمت الليلة ؟ فيجيب غلبنى النوم فلم انتبه الا بعد الفجر، و من تتبع ذلك فى محاورات الناس، لا يحتاج الى الرجوع الى كتاب او التمسك بخطاب.
و ما يقال من ان قاطبة الناس يقولون: استوى الليل و النهار، و صار النهار كذا ساعة، و مضى من النهار ساعة او ساعتان، و لا يتبادر الى الأذهان الا اليوم من طلوع الشمس، فمعلوم ان هذا انما هو لا يفهم الا باصطلاح المنجمين، و بناء الآلات المعدة لاستعلام الساعات عليه، و لذا نرى من لا يالف تلك الاصطلاحات اذا سألته: كم مضى من اليوم ؟ لا يفهم الا ما مضى من طلوع الفجر، كما سمعنا و عهدنا من عراق العرب، و البلاد البعيدة من تلك الاصطلاحات الجديدة، و كذا استواء الليل و النهار ايضا مأخوذ من المنجمين و مبنى على اصطلاحهم.
و اما الفقهاء و اهل اللسان، فهم لا يفهمون من كلامهم الا ما ذكرنا، و لذى ترى الفقهاء يقولون: وقت صلوة الليل من النصف الى آخر الليل، و الوتر
ص: 394
كلما أقرب من آخر الليل افضل، لا يفهمون من ليلة الجمعة و ليلة العيد و ليلة القدر و امثالها الا ما قبل الفجر، و كذا يوم الجمعة و يوم العيد و يوم الغدير و امثالها، يظهر لك ذلك بالرجوع الى كتب الفقه و الدعاء و غيرها، و اذا قال فقيه او غيره: افعل ذلك فى الليلة الفلانية، هل يفهم احد الا ايقاعه قبل الفجر؟ و اذا قال: افعل اليوم الفلانى، هل يفهم احد الا ان ابتداءه الفجر؟ و لعمرى لا يحتاج هذا الى الافصاح و الايضاح، و هو ابين من الفجر و الصباح.
فظهر مما قررنا ان نصف الليل و ثلثه و ربعه و سدسه و امثالها، انما هى بالمقايسة الى الليل المنتهى الى الفجر، و اذا علق عمل بالليل او نصف الليل او ثلثه او ربعه او آخره و امثال ذلك، كمبيت المشعر و منى و عند الزوجة، او صلوة الليل و الوتر و احياء الليالى الشريفة، و اشباه ذلك، او آخر الليل فانما ينتهى وقته الى الفجر الثانى، الا مع قيام قرينة على المجاز، و كذا اذا علق عمل باليوم او النهار، كالاغسال و الأعمال المتعلقة بالايام الشريفة، فابتدا وقته الفجر، و اذا نذر رجل ان يعمل عملا فى النهار، لا يحنث بايقاعه قبل طلوع الشمس، و اذا نذر ان يعمله فى الليل يحنث بايقاعه بعد الفجر، و كذا كل ما يبتنى على هذا الخلاف، و ما يتعلق بالليالى و الأيام، هذا ما حضر لى و خطر ببالى، فى تحقيق الحق فى هذا المقام، و الله تعالى يعلم حقايق الأحكام و حججه الكرام عليهم الصلوة و السلام، و نسئل الله العفو عن الزلل و الخطل فى القول و العمل، و الصفح عن الخطاء و التقصير، فانه ولى ذلك و هو على كل شىء قدير، انتهى كلامه المتين حشره الله مع الأئمة الطاهرين، و انما نقلناه بطوله لكثرة الفوائد المترتبة عليه.
(فان طلع) الفجر الثانى (و قد صلى اربعا) من صلوة الليل (اكملها) على المشهور بينهم، كما ادعاه غير واحد منهم، بل لم اجد فيه مخالفا اصلا، و فى المدارك: هذا مذهب الاصحاب لا اعلم فيه مخالفا، و يدل عليه ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة، عن ابى جعفر الأحول محمد بن النعمن، قال: قال ابو
ص: 395
عبد الله (ع): اذا كنت صليت اربع ركعات من صلوة الليل قبل طلوع الفجر، فاتمّ الصلوة طلع او لم يطلع.
و ما روى عن كتاب الفقه، ان كنت صليت من صلوة الليل اربع ركعات فاتمّ الصلوة طلع الفجر او لم يطلع، و ضعف السند منجبر بعمل الأصحاب كما صرح به جماعة.
و اما ما رواه التهذيب فى باب المتقدم عن يعقوب البزاز، قال قلت له:
أقوم قبل الفجر بقليل فاصلى اربع ركعات، ثم اتخوف ان ينفجر الفجر، أبدأ بالوتر او اتم الركعات ؟ قال: لا بل اوتر و اخر الركعات حتى تقضها فى صدر النهار، فمع الوهن فى سنده لمكان الاضمار و غيره، غير معلوم المنافاة لما مر، حتى يحتاج ان يحمل على الأفضلية او التخيير، لان مورد الخبر الاول من صلى اربعا و طلع الفجر، كما هو محل المسئلة، و مورد الأخير من صلاها و خشى طلوعه و لم يطلع بعد، فلو قدم الثمان ركعات يتخوف ان يطلع، و لم يوقع الوتر فى الليل فلو اخرها و اتى بالوتر اولا كان آتيا بها فى الليل، فأمره (ع) بتقديم الوتر، و الاتيان بها ليلا، و تأخير الركعات حتى يقضيها، و هذا ليس من محل المسئلة فى شىء.
و بالجملة ليس بين الخبرين منافاة كما صرح به جماعة، و ان كان ظاهر التهذيب و غيره فهم المنافاة، حيث حملوا الاول على الجواز، و الثانى على الفضيلة.
و يدل ايضا على ما يدل عليه هذا الخبر، من تقديم الوتر لتدرك فى الليل، ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم ايضا فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع)، قال: سألته عن الرجل يقوم اخر الليل، و هو يخشى ان يفاجئه الصبح، ايبدء بالوتر؟ او يصلى الصلوة على وجهها؟ حتى يكون الوتر اخر ذلك، قال: بل يبدء بالوتر، و قال: انا كنت فاعلا ذلك.
و روى التهذيب فى اواخر باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن معوية بن
ص: 396
وهب قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: اما يرضى احدكم ان يقوم قبل الصبح و يوتر و يصلى ركعتى الفجر، و تكتب له بصلوة الليل.
الأول: يتحقق الاربع باكمال السجدة الأخيرة من الرابعة، على ما صرح به غير واحد منهم، فلا يشترط الرفع منه.
الثانى: ذكر جماعة من الأصحاب فى المقام ايضا التخفيف، و فسره بعضهم بالاقتصار بالحمد و اقل الأذكار، و القول به لا يخلو عن قوة، اقتصارا فيما خالف الأخبار الناهية عن الاتيان بالنافلة فى وقت الفريضة على القدر(1) المتيقن ربما يعضد ثبوته هنا ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم عن عبد الله بن الوليد الكندى، عن اسمعيل بن جابر او عبد الله بن سنان، قال قلت لأبى عبد الله (ع): انى اقوم اخر الليل و اخاف الصبح، قال: اقرا الحمد و اعجل اعجل، و قد مضى فى الكلام فى التخفيف فى نافلة الظهرين ما ينفعك فى المقام.
الثالث: و من جملة صلوة الليل التى لا بد من اتمامها فى الفرض المفروض الشفع و الوتر، كما صرح به غير واحد من العبائر.
الرابع: لا فرق فى الاتمام بين ان يكون التأخير لضرورة و غيرها، كما صرح به فى المسالك.
الخامس: صرح فى الدروس بان هذه الصلوة اداء، و قد مضى منافى الكلام فى نافلة الظهرين ما ينفعك فى المقام.
(و الا) اى و ان لم يكن قد صلى منها اربعا، سواء كان قد شرع فيها او لم يشرع، تركها (و صلى ركعتى الفجر) قبل الفريضة، حتى تطلع الحمرة المشرقية
ص: 397
فيشتغل بالفريضة على الأشهر، على ما ادعاه بعض ممن تأخر، و ظاهر العبارة المحكية عن التحرير فى الصورة الاولى، ادعاء الاجماع على البدأة بالفريضة، حيث قال فى التحرير: و لو طلع الفجر و لما يكمل اربعا، بدا بالفريضة و هو مذهب علمائنا، و لو طلع الفجر و لم يصلّ ، ففيه روايتان: احدهما يتم النافلة مزاحما بها الفريضة، روى ذلك جماعة منهم عمر بن يزيد، و نقل الرواية الآتية هنا ان شاء الله، و الاخرى يبدا بالفجر، و نقل ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصيح عن عمرو بن يزيد عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن صلوة الليل و الوتر بعد طلوع الفجر، فقال: صلها بعد الفجر حتى يكون فى وقت تصلى الغداة فى آخر وقتها، و لا تعمد ذلك كل ليلة، و قال: اوتر ايضا بعد فراغك منها، ثم قال: و اختلاف الفتوى دليل التخيير،(1) انتهى.
أقول: روى التهذيب فى باب المتقدم عن عمر بن يزيد، قال قلت لابى عبد الله (ع): اقوم و قد طلع الفجر، فأن انا بدات بالفجر صليتها فى اول وقتها، و ان بدات فى صلوة الليل و الوتر، صليت الفجر فى وقت هؤلاء، فقال: ابدا بصلوة الليل و الوتر، و لا تجعل ذلك عادة.
و روى ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن اسمعيل بن جابر قال قلت لأبى عبد الله (ع): اوتر بعد ما طلع الفجر، قال: لا.
و روى ايضا فى الباب المتقدم عن اسحق بن عمار قال: قلت لأبى عبد اللّه عليه السلام: اقوم و قد طلع الفجر، و لم اصل صلوة الليل، فقال: صل صلوة الليل و اوتر، و صلى ركعتى الفجر.
و روى ايضا فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الصحيح عن اسمعيل بن الاشعرى عن ابى الحسن الرضا (ع)، قال: و سألته عن الوتر بعد فجر الصبح، قال: نعم قد كان ابى ربما اوتر ما انفجر الصبح.
ص: 398
و روى ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن سليمان بن خالد قال: قال لى ابو عبد الله (ع): ربما قمت و قد طلع الفجر، فأصلى صلوة الليل و الوتر و الركعتين قبل الفجر، ثم اصلى الفجر، قال قلت: افعل انا ذا، قال: نعم و لا يكون منك عادة.
و روى ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن ابن ابى عمير عن ابراهيم بن عبد الحميد عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (ع) و اظنه اسحق بن غالب:
اذا قام الرّجل من الليل فظنّ ان الصبح قد اضاء، فاوتر ثم نظر فراى ان عليه ليلا، قال: يضيف الى الوتر ركعة، ثم يستقبل صلوة الليل، ثم يوتر بعده.
و روى ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح على الصحيح لمكان الوشاء عن عبد اللّه بن سنان قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: اذا قمت و قد طلع الفجر فابدا بالوتر، ثم صل الركعتين، ثم صل الركعات اذا اصبحت.
و جملة من هذه الروايات كما ترى تدل على جواز الاتيان بصلوة الليل بعد الفجر و ان لم يتلبس منها بشىء، و لكن العمل بها مشكل، نظرا الى جملة من الأخبار: منها المرسل المروى فى الفقيه فى باب وقت صلوة الليل، قال و قال ابو جعفر (ع): وقت صلوة الليل ما بين نصف الليل الى آخره، اذ لو ساغ فعلها بعده، لما كان آخرا لها.
و منها صحيحة سعد بن سعد الآتية عن قريب اليها الاشارة، روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات عن المفضل بن عمر عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: فأذا انت قمت و قد طلع الفجر، فابدا بالفريضة فيه، و لا تصلّ غيرها، فاذا فرغت فاقض مكانك الخبر.
و منها الخبر التاسع الآتى فى شرح قول المصنف: و وقتهما بعد طلوع الفجر الأول، اليه الاشارة.
و منها مفهوم رواية الاحول المتقدم، المعتضدة برواية ابن سنان او اسمعيل بن جابر المتقدمة فى قبيل المتن، هذا و بالأخبار الكثيرة الناهية عن
ص: 399
الاتيان بالنافلة فى وقت الفريضة، المعتضدة بالشهرة المحكية المحققة، مع كونه موافقا للاحتياط المطلوب فى امثال هذه المقامات جدا.
و بالجملة و الظاهر عندى هو البدأه بالفريضة اذا لم يتلبس من صلوة الليل باربع ركعات، سواء لم يتلبس بما دون الأربع بشىء، كما يدل عليه ما أشرنا اليه، او تلبس به، كما يدل عليه مضافا الى ما ذكر الاجماع المحكى فى التحرير، و اما رواية اسمعيل بن جابر المتقدمة، الناهية عن الاتيان بالوتر بعد طلوع الفجر، فقد استند اليها فى الحكم المذكور بعض الأصحاب، حيث قال:
بعد نقلها: و اذا امتنع الوتر بعد الفجر امتنع ما قبله بطريق اولى، و منع الأولوية بعضهم و الانصاف انها قابلة للاعتضاد، بل للاستناد اليها، مع انه لا قايل بالفرق جدا، قاله بعض الأجلة.
و اما الأخبار المتقدمة المنافية، فالجمع على التحقيق غير واجب بقول مطلق تعبدا، حتى نحتاج ان نحملها على الرخصة، كما فعله فى التهذيب شيخ الطائفة حيث قال: هذه الأخبار رخصة فى جواز تأخير صلوة الغداة عن اول الوقت الى آخره، و يجوز ذلك اذا كان تأخيرها انما يكون للاشتغال بشىء من العبادات، و الافضل ما ذكرناه، ان يصلى الغداة فى اول وقتها، ثم يقضى صلوة الليل، انتهى.
او التخيير كما فعله جماعة، او حمل الأخبار الناهية على اتخاذ ذلك عادة، و المجوزة على الرخصة لو اتفق ذلك له فى بعض الاوقات، كما فعله بعض الأجلاء و المبسوط و الصدوق و المنتهى، و ان كان الأخير قريبا كما لا يخفى على المتتبع فى الأخبار، الناظر فيها بعين الاعتبار.
قد يقال: يمكن تقييد الأخبار المجوزة، بما ادرك اربعا فى الليل، للاتفاق على الجواز حينئذ، او حمل الفجر فيها على الأول، و هما و ان بعدا، الا انهما اولى من الجمع الذى ذكروه جدا، فان فيه ايثارا للأخبار المرجوحة و طرحا للأخبار المشهورة، و لا كذلك الجمع الذى ذكرناه، و هو مع ذلك اوفق للنصوص
ص: 400
المستفيضة، المانعة عن النافلة فى وقت الفريضة، و نسب بطريقة الاحتياط اللازم المراعاه، فى نحو العبادات التوقيفيه، فلا معدل عما ذكره الاصحاب، و لا مندوحة سيما مع احتمال الأخبار المرخصة.
اعلم إن كلام التحرير فى استناده على تقديم الفريضة على النافلة، بما نقلناه لا يخلو عن مناقشة، لمكان حمله قوله (ع): صلها بعد الفجر، على بعد صلوة الفجر، و ظاهر الخبر ينافى ذلك، اذ الظاهر أنّ تلك الرّواية ايضا من قبيل اختها، لا يقال:
على هذا يكون الأخبار المجوزة كثيرة، فلم لا تحكم بالجواز؟ قلت: مخالفة المشهور فى امثال هذه المقامات امر دونه خرط القتاد، سيما مع ملاحظة كثرة الأخبار المجوزة، و اعتبار سند كثير منها، و كونها موجودة فى الكتب المتداولة فى الابواب المذكوره فيها احوال النوافل، و كون المشهور موافقا للاحتياط، و غيره من الاشياء التى لو اشرنا اليها ليطول المقام جدا، و قد اشرنا الى جملة منها فى هذه المسئلة و غيرها من المباحث السابقة.
و من المرجحات للعمل بما يدل على المشهور فى المقام، القاعدة التى اشرنا اليها فى اواخر الأمر الثانى قبيل التذييل الواقع فى شرح قول المصنف رحمه الله: ثم تشترك مع العصر الى ان يبقى للغروب اداء العصر، فراجع لمكان تطرق احتمال التقيه فى الأخبار المرخصة، فالعمل على المشهور هو المنصور.
و ينبغى التنبيه على امرين:
الأول: قال الشارح الفاضل طاب ثراه: و هل يقطع الركعتين لو كان فى اثنائهما؟ او يكملهما؟ الاطلاق يقتضى الأول و النهى عن ابطال العمل الذى اقله الكراهة فى النافلة يقتضى الثانى، و قد سبق فى نافلة المغرب اكمالها، و هنا لم يصرحوا بشىء، و الوجهان ايتان فى نافلة الظهرين قبل اكمال ركعة انتهى.
أقول: الظاهر عندنا هو ما اسفلناه فى نافلة المغرب، فى شرح قول المصنف رحمه الله: و ان ذهبت و لم يكملها اشتغل بالعشاء، فانه بحسب الدّليل لا فرق بينها، فراجع.
ص: 401
الثانى: اذا تلبس منها باربعة و طلع الفجر، فهل الافضل له الاتيان بما بقى منها مخففة كما ذهب اليه غير واحد، او تركها و قضاؤها بعد صلوة الفجر، و الاتيان بصلوة الفجر فى اول الوقت، كما ذهب اليه شيخ الطائفة ؟ فى التهذيب مستدلا برواية يعقوب البزاز المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: فان طلع و قد صلى اربعا الى آخره، و لعل الاخير هو الاظهر، كما لا يخفى على الناظر فى الأخبار، المتأمل فيها بعين الاعتبار.
روى التهذيب فى اواخر باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح عن سعد بن سعد عن ابى الحسن الرضا (ع) قال: سألته عن الرجل يكون فى بيته، و هو يصلى، و هو يرى ان عليه ليلا، ثم يدخل عليه الآخر من الباب، فقال: قد اصبحت، هل يعيد الوتر ام لا؟ او يعيد شيئا من صلوته ؟ قال: يعيد ان صلاها مصبحا، قال الشيخ بعد نقله: انما ينبغى له الاعادة اذا صلاها مصبحا، لأنه اذا اصبح فيكون قد تضيق وقت الفرض، فلا يجوز له ان يصلى نافلة، فاذا صلاها كان عليه اعادتها لأنه صلاها فى غير وقتها.
تمّ بعون الله تعالى و توفيقه الجزء الثالث من كتاب موسوعة البرغانى فى فقه الشيعة و يليه الجزء الرابع و اوله فى وقت ركعتى صلاة الفجر
ص: 402
كتاب الصلاة: فى فضلها 5
فى حضور القلب 15
فى التوجه فيها 17
فى فضلها 25
حكم مرتكب الكبائر 29
معنى الايمان 31
الصلوات اليومية 33
الصلاة الوسطى 35
فى فضلها 45
فى تارك الصلاة 51
فى فضلها 53
الصلوات الواجبة 55
الصلوات اليومية 57
النوافل 61
الوتر 83
القنوت فى الوتر 89
ما يقراء من السور فى الصلاة 93
ما يقراء من السور فى الوتر 95
صلاة الغفيلة 99
وقت صلاة الغفيلة 101
فى الغفيلة 103
فى النوافل 105
فى سجدة الشكر 115
فى صلاة الوتيرة 117
فى صلاة الاعرابى 125
فى بطلان صلاة الضحى 129
النوافل فى السفر 135
فى صلاة الوتيرة 137
صلاة الغفيلة 141
فى صلاة الوتيرة 143
ص: 403
فى وقت صلاة المغرب 145
فى اوقات الصلوات 147
فى معرفة الزوال 177
فى الزوال 181
فى معرفة الزوال 187
معرفة نصف النهار 189
فى معرفة الزوال 191
فى وقت الظهرين 193
فى معرفة وقت الظهرين 213
فى وقت الظهرين 215
فى معرفة وقت الظهرين 221
فى تفسير القامة 223
فى وقت الظهرين 225
فى علة اختلاف اقوال الامام (ع) 235
فى وقت الظهرين 237
فى الجمع بين الظهرين، او بين العشائين 257
استحباب التفريق بين الصلاتين 261
جواز الجمع بين الظهرين، او العشائين 263
فى وقت الظهرين 265
فى التفريق بين الظهرين 269
فى وقت الظهرين 271
فى وقت العصر 273
فى وقت الظهرين 275
فى وقت صلاة الظهر 277
فى وقت صلاة المغرب 279
فى وقت العشائين 287
فى معرفة الغروب 297
فى معرفة وقت صلاة العشاء 311
فى وقت العشاء 313
فى وقت العشائين 317
فى آخر وقت العشائين 327
فى وقت العشاء 329
فى وقت العشائين 331
فى وقت العشاء 335
فى وقت صلاة الصبح 339
فى تعيين الفجر 341
فى معرفة الفجر 343
فى صلاة الصبح 345
فى معرفة الفجر 347
فى وقت صلاة الظهر 355
فى وقت الظهرين 357
فى وقت الظهرين و نوافلهما 359
فى وقت نوافل الظهرين 367
فى وقت نافلة المغرب 371
فى وقت نافلة العشاء 375
فى نافلة الوتيرة 377
فى وقت نوافل الليل 379
كيفية معرفة منتصف الليل 389
فى وقت نافلة الليل 395
ص: 404