موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد المجلد 4

هویة الکتاب

موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد

سایر عناوین: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد / إرشاد الأذهان إلی أحکام الإیمان. شرح

نویسنده: برغانی، محمدصالح بن محمد

سایر نویسندگان

محقق: شهیدی صالحی، عبدالحسین

تعداد جلد: 8

زبان: عربی

ناشر: مجمع هماهنگی مؤسسات اسلامی. نمايشگاه دائمی کتاب - تهران - ایران

کد کنگره: /ع 8 الف 4022 182/3 BP

محرر رقمی : میثم حیدری

ص: 1

اشارة

موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد

نویسنده: برغانی، محمدصالح بن محمد

ص: 2

موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد

سایر عناوین: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد / إرشاد الأذهان إلی أحکام الإیمان. شرح

نویسنده: برغانی، محمدصالح بن محمد

ص: 3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

ص: 4

مقدمة المحقق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه و اشرف بريّته سيد النبيين و خاتم المرسلين محمد (ص) و آله الطاهرين.

و بعد: يمر عام واحد على اصدار الجزء الاول و الثانى و الثالث من هذه الموسوعة الخالدة، الذى قام بمشروعه الحاج احمد الصالحى حفظه الله، و نقدم الجزء الرابع الى ارباب الفضيلة و الفقهاء و المحققين.

و كما يطيب لى سلفا أن أرفع آيات الشكر و الثناء الى جميع حجج الاسلام و الاساتذة الذين شجعونى و ابرزوا عواطفهم و مشاعرهم الطيبة نحوى، حين نشر الجزء الأول و الثانى و الثالث من هذه الموسوعة الخالدة، فمنهم من كتب لنا رسائل حول المقدمة و نهج التحقيق، و منهم من آزرنى باظهار مشاعره شفاها، و ذهب الآخرون من اصحاب الفضيلة و ارباب القلم الى نشر مقالات فى الصحف و المجلات.

كما انتهز هذه الفرصة لا قدم شكرى و امتنانى الى سيدنا آية الله العظمى فقيه اهل البيت (ع) الحاج السيد شهاب الدين الحسينى المرعشى النجفى دام ظله الوارف لارسال النسخة الخطّية الاصلية من المجلد الثانى لكتاب غنيمة المعاد فى شرح الارشاد الينا الى قزوين و قد اعتمدنا على هذه النسخة ايضا حين التصحيح.

كما و اقدم اعتذارى الى القراء الكرام اذا وجدوا اخطاء مطبعية فى الاجزاء الثلاث من هذه الموسوعة، و نأمل من ارباب الفضيلة و العلماء و المحققين ان يفطنوا اليها و يصححوها بانفسهم، راجين من الله التوفيق لاتمام ساير مجلداته و العمل مستمر بالتحقيق و التصحيح و الله المستعان.

حفيد المؤلف

عبد الحسين الصالحى

قزوين - محرم الحرام 1407

ص: 5

الصورة

ص: 6

الصورة

ص: 7

تتمة كتاب الصلاة

تتمة النظر الأول في المقدمات

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، و الصلوة و السلام على اشرف النبيين

محمد و آله الطيبين الطاهرين، فهذا هو المجلد الرابع من

كتاب موسوعة البرغانى فى فقه الشيعة...

اما بعد:

تتمة المقصد الثاني في أوقاتها

فى وقت ركعتى الفجر
اشارة

و (وقتهما) اى ركعتى الفجر (بعد) طلوع (الفجر الاول) وفاقا للمحكى عن المرتضى و الشيخ فى المبسوط، و اليه مال المحقق فى الشرايع و خلافا للمحكى عن الشيخ فى النهاية فوقتهما عند الفراغ من صلوة الليل، و ان كان ذلك قبل طلوع الفجر الاول، و اختاره اكثر المتأخرين، بل عامتهم على ما ذكره غير واحد منهم، الا من ندر كما عن ابناء بابويه و

ص: 8

ادريس و البراج، بل عن ظاهر الغنية و السرائر الاجماع عليه، قال ابن بابويه: كلما قرب من الفجر كان افضل، و عن التحرير عن تأخيرهما حتى يطلع الفجر الاول افضل.

جملة من الاخبار المتعلقة بالمقام
اشارة

أقول: لا بد اولا من نقل جملة من الاخبار المتعلقة بالمقام، ثم التعرض لما يرد عليها من النقض و الابرام:

الأول:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة عن احمد بن محمد بن ابى نصر قال سألت الرضا (ع) عن ركعتى الفجر فقال احشوا بهما صلوة الليل.

الثانى:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن احمد بن محمد بن ابى نصر قال قلت لابى الحسن (ع) ركعتى الفجر اصليهما قبل الفجر او بعد الفجر فقال قال ابو جعفر (ع) احسن بهما صلوة الليل و صلهما قبل الفجر.

الثالث:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن محمد بن مسلم قال سمعت ابا جعفر (ع) يقول صل ركعتى الفجر و بعده و عنده.

الرابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن محمد بن حمران عن ابن ابى يعفور قال سألت ابا عبد الله (ع) عن ركعتى الفجر متى اصليهما فقال قبل الفجر و معه و بعده.

الخامس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى القوى لمكان محمد بن سنان عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) قال صلهما مع الفجر و قبله و بعده.

السادس:

ما رواه فى الباب المتقدم فى اواخر الزيادات عن اسحق بن عمار قال سألت ابا عبد الله (ع) عن الركعتين اللتين قبل الفجر قال قبل الفجر و معه و بعده قلت فمنى ادعها حتى اقضيها قال اذا قال المؤذن قد قامت الصلوة.

السابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الحسن كالصحيح او الصحيح عن زرارة قال قلت لابى جعفر (ع) الركعتان اللتان قبل الغداة اين موضعهما، قال قبل طلوع الفجر فاذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة.

الثامن:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن على بن مهزيار قال قرأت فى كتاب رجل الى ابى جعفر (ع) الركعتين اللتين قبل صلوة الفجر من صلوة الليل هى

ص: 9

ارض صلوة النهار و فى اى وقت اصليها فكتب بخطه احشوها فى صلوة الليل حشوا.

التاسع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: سألته عن ركعتى الفجر: قبل الفجر او بعد الفجر؟ فقال:

قبل الفجر، انهما من صلوة الليل ثلاث عشرة ركعة فركعة صلوة الليل، اتريد ان تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان، ا كنت تطوّع؟ اذا دخل عليك وقت الفريضة فابدا بالفريضة.

العاشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح على الصحيح عن سليمان بن خالد قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الركعتين قبل الفجر، قال:

اتركعهما حين تترك الغداة، انهما قبل الغداة.

الحادى عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن حماد بن عيسى عن محمد بن ابى حمزة بن بيض، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن اول ركعتى الفجر، فقال: سدس الليل الباقى.

الثانى عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح على الصحيح عن ابى بكر الحضرمى قال: سألت ابا عبد الله (ع) فقلت: متى اصلى ركعتى الفجر؟ و هو الذى تسميه العرب الصديع.

الثالث عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى القوى عن يعقوب بن سالم البزار قال ابو عبد الله (ع): صلهما بعد الفجر، و اقرأ فيهما فى الاولى قل يا ايها الكافرون، و فى الثانية قل هو الله احد.

الرابع عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن ركعتى الفجر، فقال: قبل الفجر صلهما و مع الفجر و بعد الفجر.

الخامس عشر:

ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال ابو عبد الله (ع): صلهما بعد ما يطلع الفجر.

السادس عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى القوى عن اسحق بن

ص: 10

عمار عمن اخبره (ع) قال: صل الركعتين ما بينك و بين ان يكون الضوء حذ رأسك، فان كان بعد ذلك فابدأ بالفجر.

السابع عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن الحسين ابن ابى العلا قال: قلت لأبى عبد الله (ع): الرجل يقوم و قد نور بالغداة، قال: فليصل السجدتين اللتين قبل الغداة، ثم ليصل الغداة.

الثامن عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن ابى بصير قال: قلت لأبى عبد الله (ع): متى اصلى ركعتى الفجر؟ فقال يا ابا محمد ان الشيعة اتوا ابى مسترشدين فأفتاهم بمر الحق، و اتونى شكاكا فأفتيهم بالتقية.

التاسع عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المسنون من الصلوات فى الصحيح عن ابن بكير عن زرارة قال: قلت لأبى عبد الله (ع): ما جرت به السنة فى الصلوة؟ فقال: الى ان قال: ثلاث عشرة ركعة من آخر الليل، منها الوتر و ركعتا الفجر.

العشرون:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع) انه قال: و بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر و منها ركعتا الفجر.

الحادى و العشرون:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن الحرث النصرى عن ابى عبد الله (ع)، قال سمعته يقول: الى ان قال: و كان رسول الله (ص) يصلى ثلاث عشرة ركعة من الليل.

الثانى و العشرون:

ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب صلوة رسول الله (ص) مرسلا عن ابى جعفر (ع)، فى وصف صلوة رسول الله (ص): و يصلى ركعتى الفجر قبيل الفجر و عنده و بعيده، ثم يصلى ركعتى الصبح و هو الفجر، اذا اعترض الفجر و اضاء حسنا الحديث.

الثالث و العشرون:

ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الموثق عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال قلت: ركعتى الفجر من صلوة الليل هى؟

ص: 11

قال: نعم.

الرابع و العشرون:

ما رواه فى البحار فى اوائل باب انواع الصلوة عن الخصال عن احمد بن محمد العجلى و احمد بن الحسن القطان و محمد بن احمد السنانى و غيرهم من مشايخه، عن احمد بن يحيى بن زكريا عن بكير عن عبد الله بن حبيب عن تميم بن بهلول عن ابى معوية عن الاعمش، قال قال الصادق (ع) و ساق الحديث، الى ان قال: و ثمان ركعات فى السحر و هى صلوة الليل، و الشفع ركعتان، و الوتر ركعة، و ركعتا الفجر بعد الوتر الحديث.

الخامس و العشرون:

ما رواه ايضا فى اواخر الباب المتقدم عن فقه الرضا عليه السلام، و ساق الخبر الى ان قال: و ثمان ركعات صلوة الليل و هى صلوة الخائفين، و ثلاث ركعات الوتر و هى صلوة الراغبين، و ركعتان عند الفجر و هى صلوة الحامدين.

السادس و العشرون:

ما رواه ايضا فى باب وقت صلوة الفجر و نافلتها عن مجالس الشيخ، عن الحسين بن عبيد الله الغضايرى عن هرون بن موسى التلعكبرى عن محمد بن همام عن عبد الله بن جعفر الحميرى عن محمد بن خالد الطيالسى عن زريق الخلقانى عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا طلع الفجر فلا نافلة.

السابع و العشرون:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (ع) قال: وقت صلوة ركعتى الفجر بعد الفجر، و عنه (ع) ايضا قال: لا بأس ان تصليهما قبل الفجر.

اذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور هو المنصور لوجوه: الاول: الاجماعان المحكيان عن ظاهر الغنية و السرائر، المعتضدان بالشهرة العظيمة.

الثانى: الأخبار الكثيرة، منها الخبر الاول، و الثانى، و الثالث، و الرابع، و الخامس، و السادس، و السابع، و الثامن، و التاسع، و العاشر، و الرابع عشر، و التاسع عشر، و العشرون، و الحادى و العشرون، و الثانى و العشرون

ص: 12

و الثالث و العشرون، و السادس و العشرون.

الثالث: الخبر الرابع و العشرون.

الرابع: رواية زرارة المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و وقت صلوة الليل بعد انتصافه، المشتملة على قول ابى جعفر (ع): انما على احدكم اذا انتصف الليل ان يقوم فيصلى صلوته جملة واحدة، ثلاث عشرة ركعة ثم ان شاء جلس فدعا، و ان شاء نام، و ان شاء ذهب حيث شاء، و رواية الفضيل المتقدمة هناك للمرتضى طاب ثراه و موافقيه.

امران:

الاول: الخبر الثالث عشر و الخامس عشر، بحمل الفجر فيهما على الفجر الاول، ليناسب الأخبار السابقة، و فيه: اولا ان الخبر الثانى عشر ينافى هذا الحمل، لان الصديع هو الصبح، و اما ثانيا فلعدم مقاومتهما لما مرّ سند او دلالة اما الاول فواضح، و اما الثانى فلاحتمال كون المراد من المرجع هو صلوة الغداة و يراد بالفجر هو الثانى كما هو المتبادر عند الاطلاق، و على تقدير تسليم كون الظاهر من المرجع هو النافلة، فلا ريب ان المتبادر من الفجر ليس هو الاول فحينئذ اما ان يحكم باجماله لمكان الاول و الثانى فيضعف الدلالة لعدم ما يرجح الاول، او ببيانه فى الثانى كما تقدم من انه المتبادر عند الاطلاق، فحينئذ اما يكون الأمر محمولا على الرخصة لمكان توهم الخطر، فيكون سبيل الخبرين سبيل الأخبار المرخصة لفعلهما بعد الفجر و معه و قبله، اى لا خطر فى صلوتهما بعد طلوع الفجر الثانى اولا، بل على ظاهره فيتعين الحمل على التقية، لأنه مذهب اكثر العامة، كما صرح به جماعة و ينادى بها الخبر الثامن عشر من الأخبار المتقدمة، و بذلك ظهر حال الخبر الثانى عشر.

الثانى: الخبر السادس عشر، و الخامس و العشرون، و السابع و العشرون بتقريب ما مر، المؤيد بالخبر السابع عشر، و فيه نظر من وجوه عديدة، هى غير مخفية على من له ادنى دربة، و قد اشرنا الى جملة منها الاشارة فلا نطوّل المقام

ص: 13

بذكر الباقى.

و يمكن ان يستدل لمن جوز تقديمهما على الفجر الاول رخصة، كالمصنف طاب ثراه هنا كما يأتى و القواعد و المحقق فى الشرايع، بالخبر السابع و العشرين بتقريب ما مرّ، و لكن فيه ما فيه، و هنا قول آخر يحكى عن الاسكافى من حيث قال: لا استحب صلوة الركعتين قبل سدس الليل من آخره، و يدل عليه الخبر الحادى عشر، و فيه انه لا يقاوم ما تقدم لوجوه عديدة فليحمل على الفضيلة، و لعل عبارة الاسكافى ايضا لذلك مومية، قاله بعض الأجلة، و بالجملة لا ريب فى قوة ما اختاره المشهور، و ان ما يخالفه فى غاية من القصور.

فرعان:
الاول: ذكر الشيخ و جماعة من الأصحاب، ان الافضل اعادتهما بعد طلوع الفجر الاول اذا صلاهما قبله،

استنادا الى ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن حماد بن عثمان قال قال ابو عبد الله (ع): ربما صليتهما و على ليل، فان قمت و لم يطلع الفجر اعدتهما.

و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الموثق عن زرارة قال سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: انى لا اصلّى صلوة الليل فافرغ من صلوتى و اصلى الركعتين، فانام ما شاء الله قبل ان يطلع الفجر، فان استيقظت عند الفجر اعدتهما.

قال فى المدارك: لا يخفى ان هاتين الروايتين انما تدلان على استحباب الاعادة لمن صلى هاتين الركعتين، و عليه قطعه من الليل اذا نام بعدهما، فلا يتم الاستدلال بهما على الاستحباب مطلقا، انتهى.

أقول: لا يخفى ان الرواية الاولى ليست ظاهرة فى صورة تخلل النوم بظهور يعتد به، و ان كان ذلك كافيا فى توجه الاعتراض، و استند اليهما بعض الأجلة اخذا بدلالة الفحوى، قال: و هما و ان لم يقع التصريح فيهما بكون الفجر الأول وقت الاعادة، لكنه ظاهر سيما الموثق، لظهوره فى وقوع الاعادة عند الفجر الذى هو الثانى و عنده القريب منه، و هو الفجر الاول، انتهى.

ص: 14

أقول: يمكن ان يقال: ان المتبادر من الموثقة هو استحباب الاعادة بعد الفجر الثانى، فلا يتمشى الاستدلال بها على ما نحن فيه، كما قال بعض فى حاشية القواعد بعد قوله: و يجوز تقديمهما بعد صلوة اليل فتعاد استحبابا، ما صورته: المتبادر من العبادة استحباب اعادتهما بعد الفجر، و يلوح من رواية زرارة ان المراد بعد الفجر الثانى انتهى، و كيف كان فلا ريب فى استحباب الاعادة بعد الفجر الأول، خروجا عن شبهة الخلاف، و تسامحا فى ادلة السنن.

الثانى: قال فى التهذيب المتقدم: و يستحب ان لا ينام الانسان بعد هاتين الركعتين،

و يشتغل بالدعاء و التسّبيح، فان النوم فى هذا الوقت مكروه، ثم نقل ما رواه عن سليمان بن حفص المروزى قال قال ابو الحسن الاخير: اياك و النوم بين صلوة الليل و الفجر، و لكن ضجعة بلا نوم، فان صاحبه لا يحمد على ما قدم من صلوته.

و قال الشارح المحقق: و يستفاد من هاتين الروايتين، اى الروايتين المتقدمتين فى الفرع الأول، عدم كراهية النوم بعد صلوة الليل، و قطع الشيخ و المصنف بالكراهة، لما رواه ثم نقل رواية سليمن المتقدمة، و قال: و فى الطّريق ضعف، و قال فى المدارك: و ربما استفيد، الى آخر ما ذكره الشارح المحقق، ثم قال: لكن العمل بمضمونها اولى.

أقول: لا باس بالعمل بتلك الرّواية و الروايتان غير منافيتين لها، اما الأول فلعدم ذكر تخلل النوم فيه، لأن فى نسختين من التهذيب عندى كالمدارك هكذا: فان قمت و لم يطلع الفجر الى آخره، نعم فى الذخيرة على ما فى نسختى:

فان نمت بدل فان قمت، قال بعض الأجلاء بعد ان نقل بالنون: و فى بعض النسخ فان قمت بالقاف مكان النوم انتهى.

و على هذا يتوجه ما وجهه بحسب النظر الجليل، و اما بحسب النظر الدقيق فلا منافاة بين تلك الأخبار، لمكان عدم ظهور اصرارهما (ع) على النوم المزبور، فلا ضيرفى ارتكابه احيانا لبيان الجواز، مع انه يمكن ان يقال فى التعليق على

ص: 15

الشرط ما يقال، و بهذا ظهر حال الخبر الثانى، فالعمل على الخبر الثالث متعين، و ضعف السند غير ضاير، لمكان التسامح.

آخر وقت نافلتى الفجر
اشارة

(و يمتد) وقت نافلتى الفجر (الى ان تطلع الحمرة المشرقية فان طلعت و لم يصلهما بدا بالفريضة) على المشهور بين الاصحاب، بل عليه عامة المتأخرين على ما صرح به بعض المتأخرين، بل عن ظاهر الغنية و السرائر الاجماع عليه، خلافا للمحكى عن الاسكافى و الشيخ فى التهذيبين فوقتهما الى الفجر الثانى، و اختاره بعض متاخرى المتأخرين، و لهم وجهان:

الأول: الأخبار الكثيرة الدالة على عدم جواز النافلة بعد دخول وقت الفريضة، كما سياتى ان شاء الله تعالى اليها الاشارة، خرج ما خرج بدليل و بقى الباقى.

الثانى: جملة من الأخبار: منها الأخبار المتقدمة، الدالة على ادخالهما فى صلوة الليل، كما فى جملة منها، او على كونها من صلوة الليل كما فى اخرى، كالخبر التاسع و الثالث و العشرين المتقدمين فى قبيل قول المصنف هذا.

و منها الخبر التاسع، و السابع، و العاشر، و السادس عشر، و الثامن عشر، و السادس و العشرون، المتقدم كلها فى قبيل قول المصنف هذا.

و للمشهور ايضا وجهان: الأول الاجماعان المحكيان المعتضدان بالشهرة العظيمة، التى كادت ان تكون من المتأخرين اجماعا، بل لعلها اجماع فى الحقيقة، قاله بعض الأجلة.

الثانى: جملة من الأخبار: منها الخبر الثالث، و الرابع، و الخامس، و السادس، و الرابع عشر، المتقدمة كلها فى قبيل قول المصنف هذا، بناء على ان المراد بالفجر هو الثانى، كما مر من انه هو المتبادر عند الاطلاق، و اما البعدية فهى و ان كانت مستمرة الى ما بعد طلوع الحمرة، الا ان الصحيحة المروية فى التهذيب فى اواخر باب كيفية الصلوة(1) عن على بن يقطين قال: سألت ابا الحسن

ص: 16


1- من الزيادات.

عليه السلام عن الرجل لا يصلى الغداة حتى تسفر و تظهر الحمرة، و لم يركع ركعتى الفجر، ايركعهما ا يؤخرهما؟ قال: يؤخرهما، تقييدها عليها.

و منها الخبر الثانى و العشرون المتقدم هناك، لمكان قوله: و بعيده، فتدبر.

و منها الخبر السادس عشر و الثانى عشر و السّابع عشر، المتقدمة كلها هناك.

و منها الخبر الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر و الخامس و العشرون، المتقدمة كلها هناك.

و منها الخبر السابع و العشرون المتقدم هناك ايضا.

و الاقوى عندى هو القول المشهور، و اما الأخبار الدالة على المذهب المزيف، فلا تقاوم ما يدل على المذهب المختار من الأخبار و الاجماعات المحكية، فلتحمل على الفضيلة، و حمل الفجر الواقع فى اخبارنا على الفجر الأول و ان كان ممكنا، فيترجح الأخبار الاوله، و لكنه بعيد فى الغاية، مع عدم منفعة فى هذا الحمل، الا بعد ارتكاب مخالفة اخرى للظاهر، مع تقييد البعدية بالمستمرة الى الفجر الثانى خاصة.

و اما حمل اخبارنا على التقية، فهو و ان كان حسنا بالنسبة الى جملة، و لكن جملة اخرى منها غير قابله له، كالأخبار المجوزة للاتيان بها قبل الفجر و عنده و بعده او بعيده، لأن مذهب جمهور هم على ما نسب على هاتين الركعتين، لا يصليان الا بعد طلوع الفجر الثانى، و من اخبارهم المنقوله فى ذلك، ما نقل عن المنتهى مما رواه الجمهور عن حفصة ان الرسول (ص) كان اذا اذن المؤذن و طلع الفجر، يصلى الركعتين لا قبله و لا معه، و تلك النصوص اباحت جميع ذلك، و القول بان مراده (ع) تقية السائل فى فعلها بعده بعيد، نعم الاحوط تركهما بعد الفجر و قضاؤها بعد الفريضه، قاله بعض الأجله، و لعل الاحوط هو عدم ذكر القضاء ان اوقعهما قبل الحمرة المشرقيه، بل مجرد قصد القربة بناء على كفايته

ص: 17

فى العبادة، كما هو التحقيق المختار عند جماعة من متأخرى الطايفة، فتدبر.

بقى فى المقام شىء يحسن التنبيه عليه، و هو ان المحكى عن شيخنا الشهيد فى الذكرى، الميل الى القول بامتداد ركعتى الفجر بامتداد الفريضة، مستدلا بصحيحة سليمان بن خالد قال: سألت ابا عبد الله عن الركعتين قبل الفجر، قال:

تتركهما حين يترك الغداة فانهما قبل الغداة، و فى التهذيب ا تركعهما كما فى نسخه، او باسقاط الاستفهام كما فى اخرى، كما تقدم فى الخبر العاشر المتقدم فى شرح قول المصنف هذا، قال الشهيد و يظهر منه امتداد هما و ليس ببعيد، و قد تقدم رواية فعل النبى (ص) اياهما قبل الغداة، فالاداء اولى، فالامر بتأخيرهما عن الاقامة او عن الاسفار، جاز كونه لمجرد الفضيلة لا توقيتا، انتهى.

و عن المحدث الكاشانى فى كتاب المعتصم، انه نفى عنه البعد، بعد ان اختار مذهب الاكثر، و فيه: اولا ان الاولوية ممنوعة، و ثانيا بما اشار اليه بعض الأجلة، بأن ظاهر معنى خبر سليمان انه ان يتركهما حين ترك الفرض، اى انما يصيران قضاء اذا صارت الفرض قضاء، او انهما يتركهما اذا ادّى فعلها الى ترك الفرض، قال اما على خط الشيخ فالظاهر هو التقديم على الفجر الثانى، سيما و انه روى فى رواية اخرى، بدل حين يترك الغداة حين ينور الغداة، فتدبر.

و قال بعض الأجلاء: و انت خبير بأن قوله (ع): و تركعهما حين تركع الغداة، لو حمل على الخبر كما ادعوه و جعلوه محل الاستدلال، للزم منه المنافاة لقوله انهما قبل الغداة، بل الظاهر انه فى مقام الاستفهام الانكارى، ليلايم قوله انهما قبل الغداة، مؤكد ابانّ، و الا فاى ملازمة بين الأمر بفعلهما حين الغداة، و بين ما بعده من الكلام المؤكد الدال على انهما قبل الغداة، و يويد ما قلناه ان الشيخ فى الاستبصار، نظم هذه الرّواية فى سلك ما اختاره من الروايات الدالة على انتهاء الوقت بطلوع الفجر الثانى، انتهى.

و بالجملة الاستناد الى مثل هذه الرواية المختلفة النسخ و الاولوية المذكورة، فيه تكلف شديد، و بعيد عن ظاهر السياق بما لا نهاية له و لا مزيد،

ص: 18

سيما فى مقابلة ما قدمناه من الادلة الكثيرة، المعتضدة بالشهرة العظيمة.

فرع:

لو ظهرت الحمرة بعد الشروع فيهما، فهل يقطع و يشرع فى الفريضة ام لا؟ و الظاهر عندى هو ما مر فى نافلة المغرب.

و (يجوز تقديمهما على الفجر) الأول لما مر، قال الشارح الفاضل طاب ثراه و الظاهر عدم الفرق فى جواز التقديم، بين من صلى صلوة الليل و غيره كما يقتضيه الاطلاق، و ان كان يعتبر بعضهم بكون اول وقتها بعد صلوة الليل، باختصاص التقديم بمصليها، انتهى.

أقول: و لعل القول بالاطلاق هو الاظهر، عملا باطلاق جملة من الرّوايات المتقدمة، و عدم ظهور ما يخصصه، نعم ان صلى صلوة الليل فلا بد ان يصليهما بعد الوتر، و لا يجوز الاتيان بهما قبلهما.

فائدة:

قال الشيخ البهائى فى الحبل المتين، حشره الله مع الأئمة المتقين: و قوله (ع) فى الحديث الحادى عشر، و اشار به الى الخبر التاسع المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و وقتهما بعد طلوع الفجر، و هو صحيحة زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: سألته عن ركعتى الفجر، قبل الفجر، انهما من صلوة الليل ثلاث عشرة ركعة صلوة الليل، اتريد ان تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان، اكنت تطوع؟ اذا دخل عليك وقت الفريضة فابدا بالفريضة.

اتريد ان تقايس، بالبناء للمفعول، اى تريد ان يستدل لك بالقياس، و يجوز قراءته بالبناء للفاعل، ا تريد ان تستدل انت بالقياس، و لعلّه لما علم ان زرارة كثيرا ما يبحث مع المخالفين و يبحثون معه، فى امثال هذه المسائل، اراد ان يعلّمه طريق الزامهم، حيث انهم قائلون بالقياس، او ان عرضه (ع) تنبيه زرارة على اتحاد حكم المسئلتين، و تمثيل مسئلة لم يكن يعرفها بمسئلة هو عالم بها، و مثل ذلك قد يسمى مقايسة، و ليس مقصوده (ع) القياس المصطلح.

ص: 19

و هذا الحديث نص فى ان من عليه قضاء من شهر رمضان، لا يشرع له صوم النافلة، و ستسمع الكلام فيه فى كتاب الصوم ان شاء اللّه تعالى، و الجار و المجرور الأول فى قوله (ع): لو كان عليك من، خبر كان و الثانى اسمها، و لا تصنع الى ما اشتهر من ان الجار و المجرور لا يقع مبتداء و لا قائما مقام المبتداء، فان الحق جوازه فى من التبعيضيّة، ا لا ترى الى ما قاله بعض المحققين فى قوله تعالى: «وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ»، ان مِنَ اَلنّٰاسِ مبتداء. و مَنْ يَقُولُ خبره و ان ابيت ذلك هنا، و فرقت بين ما نحن فيه و بين الآية الكريمة، فاجعله صفة محذوف، اى شىء من شهر رمضان.

و قال المحقق الشيخ حسن فى كتابى المنتفى بعد نقله لصحيحة زرارة قلت: ينبغى ان يعلم ان الغرض فى هذا الحديث، من ذكر التطوع بالصوم لمن عليه شىء من قضاء شهر رمضان، معارضة بما علمه (ع) من زرارة، و هى مجادلة قياس ركعتى الفجر على غيرهما من النوافل المتعلقه بالفرايض، حيث ان الوقت فيها متحد مع وقت الفريضة، فتكون ركعتا الفجر بعد طلوع الفجر و دخول وقت الفريضة، و حاصل المعارضة ان اشتغال الذمة بالصوم الواجب مانع من التطوع به، فيقاس عليه حكم ركعتى الفجر، و يقال ان دخول وقت الفريضة بطلوع الفجر يمنع الاشتغال بالتطوع، فلا مساغ لفعلها بعد الفجر، و المطلوب بهذه المعارضة بيان فساد القياس، لا التنبيه على الوجه الصحيح فيه، فان الأخبار الكثيرة الدالة على جواز فعلها بعد الفجر تنافيه، و سنوردها، و احتمالها التقية كما ذكره الشيخ رحمه الله فى جملة وجوه تأويلها، غير كاف فى المصير الى تعيين التقديم، مع عدم صراحة اخباره فيه، اذ هى محتملة لا رادة ارجحيته على التأخير، فيكون الجمع بين الأخبار بالحمل على التخيير، مع رجحان التقديم اولى، و حينئذ يتعين حمل المعارضة الواقعة فى هذا الخبر على ما ذكرناه، انتهى.

وقت نافلة الليل
اشارة

اعلم انه لا يجوز ان تقدم صلوة الليل على الانتصاف، لما مر فى توقيتها به،

ص: 20

الا لشاب يمنعه رطوبة رأسه عن القيام اليها فى وقتها، و مسافر يمنعه جدا لسيّر، على المشهور بين الاصحاب، فيجوز لهما حينئذ تقديمها عليه، بل نسب بعض الأجلة الى المشهور، جواز تقديمها عليه لمطلق ذوى الاعذار، المحتمل منعها لهم عن فعلها فى الوقت، قال و فى الخلاف الاجماع عليه، بل عليه عامة من تأخر، عدا الفاضل فى المختلف و التحرير، لكنه فيه توقف، و فى الأول صرح بالمنع، وفاقا للمحكى(1) و زرارة من القدماء، انتهى.

أقول: لزرارة وجهان:

الأول: ما اشار اليه بقوله: كيف تقضى صلوة قبل وقتها ان وقتها بعد انتصاف الليل، و سيأتى ذلك فى ذيل رواية محمد بن مسلم.

الثانى: ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة معلقا، عن حماد بن عيسى، عن معوية بن وهب، عن ابى عبد الله (ع)، قال قلت: ان رجلا من مواليك من صلحائهم، شكا الىّ ما يلقاه من النوم، فقال: انى اريد القيام للصلوة بالليل فيغلبنى النوم حتى اصبح، فربما قضيت صلوتى الشهر المتتابع و الشهرين اصبر على ثقله، قال: قرة عين له و اللّه، و لم يرخص له فى الصلوة فى اول الليل، و قال:

القضاء بالنهار افضل، قلت: فان من نسائنا ابكار الجارية تحب الخير و اهله، و تحرص على الصلوة، فيغلبها النوم حتى ربما قضت، و ربما ضعفت من قضائه، و هى تقوى عليه اول الليل، فرخص لهن فى الصّلوة اول الليل اذا ضعفن و ضيعن القضاء.

للمشهور وجهان:

الأول: الاجماع المحكى عن الخلاف المعتضد بالشهرة، و فى امالى الصدوق من دين الامامية الاقرار بأنه لا يجوز صلوة الليل من اول الليل الا فى السّفر، و اذا قضاها الانسان فهو افضل من ان يصليها من اول الليل.

ص: 21


1- عن الحلّبى.

الثانى: جملة من الأخبار: منها ما رواه الصدوق فى باب وقت صلوة اللّيل، و فى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن ليث المرادى قال:

سألت ابا عبد الله (ع) عن الصّلوة فى الصيف و الليالى القصار، صلوة الليل فى اول الليل، فقال: نعم نعم ما رأيت و نعم ما صنعت، و زاد ابن بابويه قال:

و قال: و سألته عن الرجل يخاف الجنابة فى السفر اوفى البرد، فيجعل صلوة الليل و الوتر فى اول الليل، فقال: نعم.

و منها ما رواه التهذيب فى اواخر باب الصلوة فى السفر فى الزيادات فى الصحيح، عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) قال: ان خشيت ان لا تقوم فى آخر الليل، و كانت بك علة او اصابك برد، فصل و او تر من اول اللّيل، فى السفر.

و منها ما رواه فى المكان المتقدم فى الصحيح عن ابان بن تغلب قال:

خرجت مع ابى عبد الله (ع) فيما بين مكة و المدينة، فكان يقول: اما انتم فشاب تؤخرون، و اما انا فشيخ اعجلّ، و كان يصلى صلوة الليل اول الليل.

و منها ما رواه فى المكان المتقدم فى القوى لمكان محمد بن سنان، عن الحلبى قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن صلوة الليل و الوتر فى اول الليل فى السفر، اذا تخوفت البرد و كانت علة، فقال: لا بأس انا افعل ذلك.

و رواه ايضا فى اواخر باب تفصيل ما تقدم ذكره، و فيه بدل و كانت او كانت.

و منها ما رواه فى المكان المتقدم فى الصحيح عن عبد الرحمن بن ابى نجران قال: سألت ابا الحسن (ع) عن الصلوة بالليل فى السّفر فى المحمل، قال:

اذا كنت على غير القبلة، فاستقبل القبلة ثم كبر وصل حيث ذهب بك بعيرك، قلت: جعلت فداك فى اول الليل، فقال: اذا خفت الفوت فى آخره.

و منها ما رواه فى المكان المتقدم فى الصحيح عن محمد بن ابى عمير عن جعفر بن عثمان عن سماعة عن ابى عبد الله (ع) قال: لا بأس بصلوة الليل فيما

ص: 22

بين اوله الى آخره، الا ان افضل ذلك بعد انتصاف الليل.

و رواه ايضا فى اواخر باب كيفية الصلوة فى الزيادات.

و منها ما رواه فى المكان المتقدم فى الموثق عن سماعة قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن وقت صلوة اللّيل فى السفر، فقال: من حين تصلى العتمة، الى ان ينفجر الصّبح.

و منها ما رواه التهذيب فى اواخر باب كيفية الصلوة فى الزيادات عن الحسين بن على بن بلال قال: كتب اليه فى وقت صلوة الليل، فكتب: عند زوال و هو نصفه افضل، فان فات فأوله و آخره جايز.

و منها ما رواه ايضا فى المتقدم عن محمد بن عيسى، قال: كتبت اليه اسئله:

يا سيدى، روى عن جدك انه قال: لا باس بأن يصلى الرّجل صلوة الليل فى اول الليل، فكتب: فى اى وقت صلى فهو جايز ان شاء اللّه.

و منها ما رواه فى النهاية فى باب وقت صلوة الليل من اول الليل، فى المحل و الوتر و ركعتى الفجر.

و منها ما رواه التهذيب فى اواخر باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الموثق عن الطاهرى عن على بن رباط عن يعقوب بن سالم عن ابى عبد الله (ع) قال:

سألته عن رجل يخاف الجنابة فى السفرا و البرد، ايعجل صلوة الليل و الوتر فى اول الليل؟ قال: نعم.

و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن محمد بن حمران عن ابى عبد اللّه عليه السلام قال: سألته عن صلوة الليل اصليها اول الليل، قال: نعم انى لا فعل ذلك، فاذا اعجلنى الجمّال صليتها فى المحمل.

و منها ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح عن حماد بن عيسى عن شعيب عن ابى بصير عن ابى عبد اللّه (ع) قال: اذا خشيت ان لا تقوم آخر الليل او كانت بك علة او اصابك برد، فصل صلوتك و اوتر من اول الليل.

و منها ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح عن يعقوب الاحمر قال: سألته

ص: 23

عن صلوة الليل فى الصيف فى الليالى القصار فى اول الليل، فقال: نعم ما رايت و نعم ما صنعت، ثم قال: ان الشاب يكثر النوم، و انا امرك به.

و منها ما رواه فى الباب المتقدم عن على بن سعيد قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن صلوة الليل و الوتر فى السفر من اول الليل اذا لم يستطع ان يصلى فى آخره، قال: نعم.

و منها ما رواه فى الذكرى قال: روى محمد بن ابى قرة باسناده الى ابراهيم بن سبابة قال: كتب بعض اهل بيتى الى ابى محمّد (ع) فى صلوة المسافر اول الليل صلوة الليل، فكتب: فضل صلوة المسافر من اول الليل كفضل صلوة المقيم فى الحضر من آخر الليل.

و بالجمله الأخبار فى هذا الباب كثيرة، قال ابن بابويه فى باب وقت صلوة اللّيل: و كلما روى عن الاطلاق فى صلوة الليل من اول الليل، فانما هو فى السّفر لأن المفسر من الأخبار يحكم على المجمل، و فيه نظر، لأن فى الأخبار السابقة ما هو واضح الدلالة على تسويغ التقديم فى غير السّفر ايضا، و الذى يترجح فى نظرى القاصر و يدون فى فكرى الفاتر، هو القول بجواز التقديم مع العذر مطلقا، للأخبار المتقدمة و غيرها.

و اما الدليلان اللذان اقامهما زرارة و موافقوه، فيتوجه المنع باطلاق اولهما، و دلالة ثانيهما، لمكان كلمة افضل و ذيله الدال على الجواز، و هو و ان كان ظاهره الاختصاص بصورة خوف فوت القضاء، كما عن التذكره قيل: و ربما يفهم من المختلف و المنتهى ايضا، و لكن مقتضى الجمع بين الأخبار، و ضم بعضها الى بعض، و التفكر فى مدلولالتها، و ما تفيده بصريحها و اشاراتها، هو ما ذكرناه، نعم قول التذكره احوط.

و اما ما يظهر من الشارح المحقق الميل الى القول بجواز التقديم عن الانتصاف مطلقا، و لو مع عدم العذر، مستدلا بجملة من الأخبار، فغير وجيه فى الغاية، لما تقدم من الادلة القوية المتينة فى شرح قول المصنف: و وقت صلوة

ص: 24

الليل بعد انتصافه.

قضاء صلوة الليل بعد فوات وقتها افضل من تقديمها
اشارة

و بالجمله القول لجواز التقديم فى صورة العذر قوى بحسب الادلة، و مع ذلك (قضاء صلوة الليل) بعد فوات وقتها (افضل من تقديمها) على انتصاف الليل اتفاقا فتوى و نصا، و منه زيادة على رواية معوية بن وهب المتقدمة، ما رواه التهذيب فى الزيادات فى الصحيح، عن محمد و هو ابن مسلم عن احدهما (ع) قال قلت: الرجل من امره القيام بالليل، يمضى عليه الليلة و الليلتان و الثلاث لا يقوم، فيقضى احبّ اليك، ام يعجل الوتر اول الليل؟ قال: لا بل يقضى و ان كان ثلاثين ليلة.

و ما رواه ايضا فى باب كيفية الصلوة، عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الرجل لا يستيقظ من آخر الليل، حتى يمضى لذلك العشر و الخمس عشرة، فيصلى اول الليل احب اليك، ام يقضى؟ قال: لا بل يقضى احب الى، انى اكره ان يتخذ ذلك خلقا، و كان زرارة يقول: كيف تقضى صلوة لم يدخل وقتها؟ انما وقتها بعد نصف الليل.

و ما روى عن قرب الاسناد عن الرجل يتخوف ان لا يقوم من الليل، ايصلى صلوة الليل اذا انصرف من العشاء الآخرة، فهل يجزيه ذلك، ام عليه قضاء؟ قال: لا صلوة حتى يذهب الثلث الأول من الليل، و القضاء بالنهار افضل.

فروع:
الأول: وقت التقديم على القول بجوازه النصف الأول من الليل،

فلا يجوز تقديمهما على الغروب، لتصريح النص و الفتوى باول الليل، و لا يعارضهما رواية قرب الاسناد المصرحه بمضى الثلث الأول، لضعف سنده، نعم العمل بها اولى.

الثانى: هل يشترط على القول بجواز التقديم تأخيرها عن العشاءين ام لا؟

وجهان، بل قولان، ذهب الى الأول بعض الأجلة، و الى الثانى الشارح الفاضل، و له اطلاق النصّ و الفتوى، للأول: عموم ما دل على المنع عن فعل النافلة، فى وقت الفريضة، الا فى المواضع المستثناة و لم يعلم كون هذا منها، مع

ص: 25

كون الضّرورة متقدرة بقدرها، و رد اطلاق النصّ و الفتوى بان المتبادر منهما كونه بعد العشاءين، و الاقرب عندى هو القول الأول: لما مرّ، و لما رواه الشيخ فى اواخر باب الصّلوة فى السّفر فى الزيادات فى الموثق عن سماعة قال: سألت ابا عبد اللّه عليه السلام عن وقت صلوة الليل فى السّفر، فقال: من حين تصلى العتمة الى ان ينفجر الصبح.

الثالث: لا اشكال فى ان المراد بصلوة الليل المتقدمة، الاحد عشر ركعة

لاطلاق صلوة على الثلاث الوتر اطلاقا شايعا، مع التصريح فى جمله من النصوص المتقدمة بتقديم الوتر، و انما الاشكال فى تقديم ركعتى الفجر، ذهب الشارح الفاضل الى العدم، و الجواز كما صرّح به بعض الأجله، لا طلاق صلوة الليل عليهما اطلاقا شايعا، و ان كنت شاكا فى ذلك، فانظر الى الأخبار المتقدمة فى شرح قول المصنف: و وقتهما بعد الفجر الأول.

و منها موثقة ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال قلت: ركعتى الفجر من صلوة الليل هى؟ قال: نعم.

الرابع: لو قدمها ثم انتبه فى الوقت، او زال العذر، فهل يشرع فعلها ثانيا ام لا؟

وجهان، بل قولان، و استظهر الشارح الفاضل الأول مع احتماله الثانى، و نسب الثانى الى ولد المصنف طاب ثراه فى بعض فتواه، للاول ان التقديم انما شرع للضرورة و قد زالت، و للثانى حصول الامثال و عدم النصّ، و لعل الثانى لا يخلو عن قوة، مع كونه احوط.

الخامس: هل ينوى فيها مع التقديم الاداء ام لا بل ينوى التعجيل؟

ذهب الاصحاب الى الثانى، و اختاره بعض المعاصرين، و لا يخلو عن قوة لعدم كونه وقتا حقيقيا لها، و احتمل الشارح الفاضل(1) الأول قال: لأن جميع الليل قد صار وقتا لها، و لا معنى للاداء الا ما فعل فى وقته، انتهى.

ص: 26


1- و سيأتى فى شرح قول المصنف رحمه الله: و اول الوقت الا ما يستثنى ما له دخل فى المقام. (منه).

و فيه نظر لما اشار اليه بقوله: و يحتمل العدم، لأنه ليس وقتا حقيقيا، و لهذا اطلق عليها نية التقديم، فينوى فيها التعجيل لا الاداء، انتهى.

و اما ركعتا الفجر اذا قدمتا عليه، فهل ينوى فيهما ايضا التعجيل او الاداء؟ ذهب الشارح الفاضل الى الثانى، مستدلا بأن وقتهما بعد صلوة الليل على المشهور، و فيه نظر و لعل الاظهر هو الأول.

و تقضى الفرائض الفائتة فى كل وقت

(و تقضى الفرائض) الفائتة (فى كل وقت) حتى الاوقات الخمسة المكروهة، على الاشهر الاظهر، و سيأتى الكلام فى ذلك مفصلا ان شاء اللّه، فانتظر، (ما لم يتضيق الحاضرة) فتقدم بلا خلاف، على ما صرح به جماعة، بل عليه الاجماع عن جملة من العبائر، و يدل عليه بعد ذلك و الاصل و المعلومات السليمة عن المعارض، الأخبار الكثيرة الآتية فى المباحث الآتية اليها الاشارة.

و منها ما رواه التهذيب فى اواخر باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الصحيح او الحسن كالصحيح لمكان ابراهيم، عن زرارة عن ابى جعفر (ع) انه سأل عن رجل بغير طهور اونسى صلوة لم يصلها اونام عنها، فقال: يقضيها اذا ذكرها فى اى ساعة ذكرها من ليل او نهار، فاذا دخل وقت الصلوة و لم يتم ما قد فاته، فليمض، ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة التى قد حضرت، و هذا أحق بوقتها، فليصلّها، فاذا قضاها فليصلّ ما فاته فيما قد مضى، و لا يتطوع بركعة حتى يقضى الفريضة كلها.

و تقضى النوافل فى كل وقت
اشارة

(و) تقضى (النوافل) ايضا فى كل وقت، و لو قال تصلى كان اجود، قاله الشارح الفاضل طاب ثراه، و اعترض عليه الشارح المقدس طاب مضجعه، بأنه غير واضح لأنه اطول، و لأنه حينئذ لا يفيد جواز قضاء النوافل، و قد يكون المراد التصريح به لأنه غير واضح، او قد يتوهم انه كيف يقضى النافلة مع ذهاب وقتها، و لانه حينئذ يفيد عدم كراهة النافلة المبتداءة ايضا، فى الاوقات الخمسة المكروهة، مع انه سيذكر كراهتها انتهى. فليتأمل (ما لم يدخل وقتها) اى وقت الفرايض فتقدم عليها، الا اذا كانت راتبة لم يخرج وقتها المضروب لها، و الا فيقدم عليها ايضا وجوبا، وفاقا للنافع و الشرايع و القواعد و المقنعة و غيرها، كما عن المبسوط و

ص: 27

الفقيه و الاقتصاد و الخصال و العقود و التحرير و الاصباح و الجامع و محتمل المهذب، و نسبه جماعة الى المشهور، و فى الرياض الى المشهور بين المتأخرين بل اسنده المحقق فى التحرير الى علمائنا، مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، و خلافا للشهيدين و جماعة من متأخرى المتأخرين، فاختارو الجواز، بل فى الدروس اسنده الى المشهور حيث قال: و الاشهر انعقاد النافلة فى وقت الفريضة اداء كانت النافلة او قضاء.

جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام
اشارة

أقول: لا بد اولا من نقل جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام، ثم الخوض فى هذا البحر القمقام، فنقول:

الأول:

ما رواه شيخنا الشهيد طاب ثراه فى الذكرى فى الصحيح على ما نقل عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: قال رسول الله (ص): اذا دخل وقت صلوة مكتوبة فلا صلوة نافله حتى يبداء بالمكتوبة، قال: فقدمت الكوفة فأخبرت الحكم بن عتيبة و اصحابه، فقبلوا ذلك منى، فلما كان فى القابل لقيت ابا جعفر عليه السلام، فحدثنى ان رسول الله (ص) عرس فى بعض اسفاره فقال: من يكلؤنا؟ فقال: بلال انا، فنام و ناموا حتى طلعت الشمس، فقال: يا بلال ما ارقدك؟ فقال: يا رسول الله (ص) اخذ نفسى ما اخذ انفاسكم، فقال رسول اللّه (ص) فتحولوا عن مكانكم الذى اخذتكم فيه الغفله، و قال: يا بلال اذّن، فأذن، فصلى رسول الله (ص) ركعتى الفجر ثم قام فصلى بهم الصبح، ثم قال: من نسى شيئا من الصلوة فليفعلها(1) اذا ذكرها، فان الله عز و جل يقول: «أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِذِكْرِي»، قال زرارة: فحملت الحديث الى الحكم و اصحابه، فقال: نقضت حديثك الأول، فقدمت ابا جعفر فأخبرته بما قال القوم، فقال: يا زرارة ا لا اخبرتهم انه قد فات الوقتان جميعا! فان ذلك كان قضاء من رسول الله (ص).

الثانى:

ما رواه جماعة كالشارح الفاضل، و سبطه، و الشيخ البهائى، و الشارح المحقق، قيل: و الظاهر ان من تأخر عن الشهيد الثانى رحمه الله انما

ص: 28


1- فليصلّها خ ل.

اخذه عنه فى الصحيح على ما قالوا، عن زرارة قال: قلت لأبى جعفر (ع): اصلى نافلة و علىّ فريضة او فى وقت فريضة، قال: لا انه لا يصلى نافلة فى وقت فريضة، ارايت لو كان عليك من شهر رمضان اكان لك ان تتطوع حتى تقضيه؟ قال: قلت: لا، قال: فكذلك الصلوة، قال: فيقا يسنى و ما كان يقا يسنى.

الثالث:

ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الحسن عن نجيه قال قلت لأبى جعفر (ع): يدركنى الصلوة فأبداء بالنافلة؟ قال: فقال: لا ابدا بالفريضة، و اقض النافلة.

الرابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن زياد بن ابى عتاب عن ابى عبد الله (ع) قال سمعته يقول: اذا حضرت المكتوبة فابدا بها، فلا يضرّك ان ترك ما قبلها من النافلة.

الخامس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الموثق عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) قال: قال لى رجل من اهل المدينة: يا ابا جعفر ما لى لا اراك متطوّع بين الاذان و الاقامة كما يصنع الناس؟ قال قلت: انا اذا اردنا ان نتطوع كان تطوعنا فى غير وقت فريضة، فاذا دخل وقت الفريضة فلا تطوع.

السادس:

ما رواه ايضا فى باب تفصيل ما تقدم ذكره، عن ابى بكر الحضرمى عن جعفر بن محمد (ع) قال: اذا دخل وقت صلوة مفروضة فلا تطوع.

السابع:

ما رواه فى الباب المتقدم عن اديم بن الحر قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: لا يتنفل الرجل اذا دخل وقت فريضة، قال: و قال: اذا دخل وقت فريضة فابدا بها.

الثامن:

ما رواه ابن ادريس فى مستطرفات السرائر، عن ابى جعفر (ع) قال: لا تصل من النافلة شيئا فى وقت فريضة، فانه لا يقضى نافلة، فاذا دخل وقت الفريضة فابدا بالفريضة، قال و قال ابو جعفر: انما جعلت القدمان و الاربع الاذرع و الذراعان وقتا، لمكان النافلة.

التاسع:

ما رواه فى الخصال باسناده عن على (ع) فى حديث الاربع مائه

ص: 29

قال: لا يصلى الرجل نافلة فى وقت الفريضة الا من عذر، و لكن يقضى بعد ذلك اذا أمكنه القضاء، قال الله تعالى: اَلَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلاٰتِهِمْ دٰائِمُونَ، الى ان قال: لا يقضى النافلة فى وقت الفريضه، ابدأ بالفريضه ثم صل ما بدا لك.

العاشر:

ما رواه الكافى فى باب التطوع فى وقت الفريضة فى الحسن كالصحيح او الصحيح، عن محمد بن مسلم، قال: قلت لأبى عبد الله (ع): اذا دخل الفريضة، أتنفّل او ابدا بالفريضة؟ فقال: ان الفضل ان تبدا بالفريضه، و انما أخرت الظهر ذراعا من عند الزوال، من اجل صلوة الاوابين.

الحادى عشر:

ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق عن سماعة قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يأتى المسجد و قد صلى اهله، ايبتدى بالمكتوبة او يتطوع؟ فقال: ان كان فى وقت حسن فلا باس بالتطوع قبل الفريضة، و ان كان خاف الفوت من اجل ما مضى من الوقت، فليبدا بالفريضة و هو حق الله، ثم ليتطوع ما شاء الأمر موسع ان يصلى الانسان فى اول وقت الفريضة، و الفضل اذا صلى الانسان وحده ان يبدا بالفريضة، اذا دخل وقتها، ليكون فضل اول الوقت للفريضة، و ليس بمحظور عليه ان يصلى النوافل من اول وقت الى قريب من آخر الوقت.

و رواه الكافى ايضا فى باب التطوع فى الفريضة مضمرا بتفاوت ما، و فيه: ثم ليتطوع بما موسع ان يصلى الانسان فى اول دخول وقت الفريضة النوافل، الا ان يخاف فوت الفريضة.

الثانى عشر:

ما رواه الكافى فى باب التطوع فى الفريضة، و التهذيب فى الزيادات فى الموثق عن اسحق بن عمار، قال قلت: اصلى فى وقت فريضة نافلة؟ قال: نعم، فى اول الوقت اذا كنت مع امام تقتدى به، فاذا كنت به وحدك فابدا بالمكتوبة.

الثالث عشر:

ما رواه التهذيب فى باب احكام فوات الصلوة فى الصحيح، عن عبد الله بن مسكان و محمد بن النعمان الاحول، عن عبد الله (ع) قال: اذا

ص: 30

دخل المسافر مع اقوام حاضرين فى صلوتهم، فان كانت الاولى فليجعل الفريضة فى الركعتين الاوليين، و ان كانت العصر فليجعل الاوليين نافلة و الاخيرتين فريضة.

الرابع عشر:

ما رواه الكافى فى باب الرجل يصلى وحده ثم يعيد فى الجماعة فى الصحيح، عن سليمان بن خالد قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل دخل المسجد و افتتح الصّلوة، فبينما هو قائم يصلى اذ اذن المؤذن و اقام الصلوة، قال: فليصل ركعتين ثم يستانف الصلوة مع الامام، و لتكن الركعتان تطوعا.

الخامس عشر:

ما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره فى الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الرّجل يفوته صلوة النهار، قال: يقضيها ان شاء بعد المغرب، و ان شاء بعد العشاء.

السّادس عشر:

ما رواه فى الباب المتقدم فى الحسن كالصحيح، عن الحلبى قال: سئل ابو عبد الله (ع) عن الرجل فاتته صلوة النهار، متى يقضيها؟ قال: متى شاء، ان شاء بعد المغرب، و ان شاء بعد العشاء.

السابع عشر:

ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح عن شعيب عن ابى بصير قال: ابو عبد الله (ع): ان فاتك شىء من تطوع النهار و الليل، فاقضه عند زوال الشمس، و بعد الظهر عند العصر، و بعد المغرب، و بعد العتمه، و من آخر السحر.

الثامن عشر:

ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات، عن محمد بن يحيى بن حبيب قال: كتبت الى ابى الحسن الرضا (ع): يكون علىّ الصلوة النافلة، متى اقضيها؟ فكتب: فى اى ساعة شئت من ليل او نهار.

التاسع عشر:

ما رواه فى المكان المتقدم فى الصحيح عن حسان بن مهران قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن قضاء النوافل، قال: ما بين طلوع الشمس الى غروبها.

العشرون:

ما رواه التهذيب فى باب احكام الصلوة عن الحسين بن

ص: 31

ابى العلا عن ابى عبد الله (ع) قال: اقض صلوة النهار اى ساعة شئت من ليل او نهار، كل ذلك سواء.

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان للأولين وجهان: الاول المشتمل على قول الباقر (ع): ا تريد ان تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان، اكنت تطوع؟ اذا دخل عليك وقت الفريضة، فابدأ بالفريضة.

و منها صحيحة زرارة المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و تقضى الفرايض فى كل وقت انتهى، المشتملة على قول الباقر (ع): و لا يتطوع بركعة حتى يقضى الفريضة.

و منها الخبر الأول الى الخبر التاسع.

و منها الخبر الثامن، و الثالث عشر، و الرابع عشر، و الخامس عشر، و السادس عشر، و السابع، و الثانى و الثلاثون، المتقدمة كلها فى شرح قول المصنف رحمه الله: ثم تشترك مع العصر الى ان يبقى للغروب مقدار اداء العصر فيختص به.

و منها ما رواه التهذيب فى باب الصلوة على الأموات فى الزيادات فى الصحيح، عن على بن جعفر (ع)، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: سألته عن صلوة الجنائز اذا احمرت الشمس، ايصلح ام لا؟ فقال: لا صلوة صلوة و قال:

اذا اوجبت الشمس فصل المغرب ثم صلّ على الجنائز، فافهم.

الثانى: الاجماع المحكى فى كلام التحرير، المعتضد بالشهرة.

و للأخير ايضا وجهان: الأول الاصل، الثانى جملة من الأخبار، منها الخبر العاشر الى الخبر السابع عشر، المؤيدة باطلاق جملة من الأخبار، منها الخبر الثامن عشر الى العشرين، و منها روايات عديدة بالنسبة الى قضاء صلوة الليل و قضاء صلوة الوتر، يجدها المتتبع فى اخبارهم بادنى تتبع، فنحن لو تعرضنا لنقلها ليطول المقام.

و لا ينافيها الأخبار الدالة على القول الأول، لما اشار اليه ارباب هذا

ص: 32

القول، بانها محمولة على الكراهة، جمعا بين الأخبار.

قال فى المدارك بعد نقله جملة من الأخبار الدالة على المذهب الاول:

و يمكن حمل هذه الروايات على الأفضلية، كما يدل عليه حسنة محمد بن مسلم، ثم نقل الخبر العاشر و الحادى عشر، الى قوله: الامر موسع، الى آخره، و قال و يمكن الجمع بينهما ايضا، بتخصيص النهى الواقع عن التنفل بعد دخول وقت الفريضة، بما اذا كان المقيم قد شرع فى الاقامة، كما يدل عليه صحيحة(1) عمر بن يزيد، انه سأل ابا عبد الله (ع) من الرواية التى يرون انه لا ينبغى ان يتطوع فى وقت فريضة، ما حد هذا الوقت؟ قال: اذا اخذ المقيم فى الاقامة، فقال له:

الناس يختلفون فى الاقامة، قال: المقيم الذى يصلى معه لا يصلى.

يقال: هذه الأخبار لا يصح الاستناد اليها، لما اشار اليه بعض الأجلة، بأنها مخالفة للشهرة بل الاجماع، اذ لم نجد قائلا بها عدا الشهيد رحمه الله و من تبعه، و لم نعرف قائلا بها قبله من الطائفة، و لعله لذا ادعى المحقق فى التحرير عليه اجماع الطائفة.

لأنا نقول: لا نسلم انها مخالفة للشهرة القديمة، و كيف و الشهيد فى الدروس كما عرفت ادعى عليه الشهرة، فلو لم يكن هذا القول مشهورا قبله بين الطائفة، لما كان مدعيا عليها لها بلا شبهة، و على تقدير التنزل، فلا شك ان القدر المتيقن من هذا الكلام، هو كونه قولا لجماعة كثيرة قبله من الطائفة، و عليه فما وجه هذا الاجماع؟ الذى ادعاه بعض الأجلة، مستندا بانا لم نعرف قائلا قبله، فصار هذا الاجماع هباء منثورا، و المستند اليه فى المقام خائبا مقهورا.

و بالجملة لم يظهر بما ذكر عدم جواز الاعتماد على هذه الأخبار، لما كشفنا عنه نقاب الاستتار، و الذى يترجح فى نظرى القاصر، و يدون فى فكرى الفاتر، هو القول الأول الذى هو الاشهر، على ما ادعاه جماعة ممن تأخر، للاجماع

ص: 33


1- مروية فى آخر باب فضل المساجد و الصلوة فيها و فضل الجماعة من الزيادات.

المحكى و الأخبار المتقدمة، و حملها على الكراهة، كما زعمه الشهيدان و جماعة جمعا بين الأخبار، و ان كان حسنا بحسب النظر الجليل، و لكن بحسب النظر الدّقيق ليس فيه حلاوة، لعدم امكان حمل غير واحد من اخبارنا على الكراهة، و منها الصحيحان المتقدمان لزرارة، المانعان عن التطوع فى وقت الفريضة، المشتملان على التنظير و المقايسة بصوم النافلة لمن عليه صوم فريضة، و المنع عنه منع تحريم اتفاقا قاله بعض الأخبار، فيكون المنع هنا كذلك بحكم السياق، و بيان التنظير و المقايسة، فكيف يمكن حملها على الكراهة؟ فلتحمل الأخبار المخالفة على التقية كما يومى اليه هذان الصحيحان المتضمنان لقياس الصلوة بالصوم، كيف لا و المنصف المتدبر اذا تأمل فيهما، يظهر له انّ المعصوم (ع) انما اراد من المقايسة المذكورة، ان يعلم زرارة طريق الزام العامة جدلا معهم، حيث انهم قائلون بالقياس، و اثبات ما هم عليه سلام الله عليهم.

و مما يدل على كون مذهب العامة العمياء هو ما اشرنا اليه، الخبر الخامس الا تنظر الى قوله: كما يصنع الناس، فان المراد بهم هو العامة، كما لا يخفى على من له ادنى تتبع فى الاحاديث المروية عن ائمتنا سلام الله عليهم، و بالجمله الناظر البصير و الناقد الخبير، اذا ضم هذه الأخبار الثلاثة الى بعض، و امعن النظر من عباراتها، و ما تفيد بصريحها و اشاراتها، ظهر له صحة ما ندعيه، من كون مذهب هؤلاء العبدة للاصنام، و فى ذلك الزمان، هو الجواز فى المقام، بحيث لا يعتريه القصور و لا يداخله الفتور، و عليه فلتحمل الأخبار المجوزة على التقية البتة، فان الرشد فى خلافهم بلا شبهة، و خذ ما هو المشهور بين الطائفة كما نسبه جماعة، و لا تنظر الى اسناد الدروس فى مقابلة اسناد هؤلاء الجماعة، كما اوضحناه لك فى اول المسئله، مضافا الى ما نسبه شقيقه فى الرياض، كما تقدم اليه الاشارة، نعم هو راد للقول بكون من قبله مطبقا فى المنع، كما كشفنا سابقا عنه الغشاوة.

و الحاصل ان القول بالمنع الموافق للمشهور المخالف للعامة، متعين فى المسئلة، سيما مع ملاحظة كون كثير من اخباره صحيحة، و عن حد الاستفاضة

ص: 34

متجاوزة، بل من التواتر قريبة، هذا مضافا الى التعليلات الواردة فى جملة منها، الظاهرة، باتم ظهور فى الحرمة، كقوله (ع) لزرارة فى تحديد نوافل الظهرين بالذراع و الذراعين: اتدرى لم جعل الذراع و الذراعان؟ قلت: لا، قال: من اجل الفريضة، اذا دخل وقت الذراع و الذراعين، بدات بالفريضة و تركت النافلة، كما فى الموثقة، و قوله (ع): و انما جعل الذراع و الذراعان لئلا يكون تطوع فى وقت فريضة، كما فى رواية اخرى، و قوله (ع) لا سمعيل الجعفى: ا تدرى لم جعل الذراع و الذراعان؟ قال: قلت: لم؟ قال: لمكان الفريضة، لئلا يؤخذ من وقت هذه، و قريب من الموثقه الاولة، موثقة اخرى لزرارة.

لأن المفهوم من هذه التعليلات، ان بعد مضى الذراع و الذراعين، ليس لك ان تتنفل، كما اوضحناه فى مقامه فراجع البتة، بخلاف اخبار المخالف، فانها بحسب العدد عن اخبارنا قاصرة، و بحسب الدلالة ليست صريحة، بل يمكن القدح فى اصل دلالتها ايضا.

اما الخبر العاشر، فلان الظاهر بالوقت المسئول عنه و المفروض دخوله، انما هو الوقت للفريضة بعد مضى وقت النافلة من الذراع او الذراعين، كما لا يخفى ذلك على المتتبّع فى الأخبار الواردة فى المواقيت، فمعنى الرواية، اذا دخل هذا الوقت المذكور، فهل يجوز الى التنفل ام لا؟ قال (ع): الفضل ان تبدأ بالفريضة، و النافلة هنا لا فضل فيها لخروج وقتها، و متى كانت لا فضل فيها فلا يشرع له الاتيان، لأنها عبادة، و بالجمله لا فرق بين الفضل و الافضلية، نعم لو كان مكان الأول الثانية، لما كان ذلك الكلام جاريا فى الرواية، و لكن الأمر كما ترى، فليتأمل.

و اما الخبر الحادى عشر، فلان الظاهر ان المراد بقوله (ع): ان كان فى وقت حسن، هو بقاء وقت الراتبة، فعليه فلا اشكال فيه، الى قوله: الأمر موسع، فيكون لنا لا علينا.

قال فى الحبل المتين: قوله: ان كان فى وقت حسن، اى متسع، يعطى

ص: 35

باطلاقه جواز مطلق النافلة فى وقت الفريضة، الا ان يحمل التطوع على الرواتب، و يكون فى قول السائل: و قد صلوا اهله الفريضة، نوع ايماء خفى الى ذلك، فان قد تقرب الماضى الى الحال كما قيل، ثم كتب فى الحاشية على ما حكى ما صورته:

فيفهم منه انه لم يمض من صلوتهم، الى وقت مجئى ذلك الرجل الا زمان يسير، فالظاهر عدم خروج وقت الراتبه بمضى ذلك الزمان اليسير، انتهى.

و اما معنى قوله (ع): الأمر موسع انتهى: فمعناه على الظاهر انه يجوز ان يصلى الانسان فى اول وقت الفريضة، اى الوقت الحقيقى لها، النوافل لبقاء وقتها.

و اما قوله: و الفضل الى آخره. فمعناه ان الانسان اذا صلى وحده، و دخل عليه وقت الفريضة اى الوقت المعين لها، بعد مضى وقت النافله فليبد ابا لفريضة، لخروج وقت النافلة، و ليكون قد صلى الفريضة فى اول وقت فضيلتها، و ليس بمحظور عليه ان يصلى النوافل من اول الوقت، اى الوقت المقرر لها، الى قريب من آخر الوقت، و فى هذا الخبر اشارة الى انه اذا صلى مع امام، فانه يجوز له مزاحمة وقت الفريضة بها، لانتظار الجماعة، فيكون هذا مستثنى كغيره، ذكره بعض الأجلاء، و عليه فحمل الوقت الواقع فى الخبر الثانى عشر، على الوقت الذى هو بعد مضى وقت النافلة حمل قريب فى الغاية، كيف لا و حمله على الوقت الحقيقى الذى هو اول الزوال تنافيه الادلة الباهرة المتقدمة فى مقامها، الدالة على استحباب النافلة فيه للمنفرد و غيره، فكيف يؤمر المنفرد بترك النافلة؟ بل المراد ما ذكرناه، انه يجوز مزاحمة النافلة للفريضة فيه لانتظار الجماعة، و الصحيحة(1)المتقدمة فى كلام المدارك لذلك معاضدة، و ذلك لأن الظاهر ان المزاحمة المزبورة، انما جوزت لانتظار الجماعة، و مع اخذ المقيم فى الاقامة يزول ذلك، فيبقى النهى بحاله و هو عدم جواز الاتيان بها فى وقت الفريضة.

ص: 36


1- و هى صحيحة عمر بن يزيد.

قال بعض الأجلة بعد نقل هذه الصحيحة(1): انى لم اجد قائلا بهذا التفصيل، و ان احتمله بعضهم فى مقام الجمع بين الأخبار المختلفة، لكن فتواه اطلاق القول بالكراهة، انتهى.

أقول: و كيف كان فالظاهر عندى ان هذا الاستثناء المتقدم اليه الاشارة وجيه، للاخبار المتقدمة اليها الاشارة، و لم يظهر لى كونها مخالفة لاجماع الطائفة و ذكر غير واحد من الأصحاب، من المواضع التى يستحب تأخير الصلوة عن اول وقتها، انتظار الامام و المأموم الجماعة، كما سيأتى اليه الاشارة.

و بذلك ظهر حال الخبر الثانى عشر، و انه لا يجوز لهم الاستناد اليه كالخبر الثالث عشر، و ذلك لأن النافلة فيه، ان اريد بها الفريضة المعادة فلا ربط بها بموضع المسئلة، كالخبر الرابع عشر، لكون هذه النافلة، مستثناة اجماعا، ذكره بعض الأجلة، و ان اريد بها النافلة الحقيقية، لدل حينئذ على جواز الجماعة فى النافلة، و هو ايضا خلاف الاجماع، على الظاهر المحكى عن ظاهر الجماعة، كما سيأتى ان شاء الله اليه الاشارة، فتكون الرواية لذلك شاذة، فتدبر.

و اما ما أشار اليه بعض الاجلاء، قد حافى جواز استنادهم الى الخبر الخامس عشر و السابع عشر، بما لفظه: يمكن ان يقال باستثناء النوافل المقضية من ذلك بهذه الأخبار، و توضيح ذلك انه لا نافلة بعد دخول وقت الفضيلة الفريضة مطلقا راتبة او مبتداءة او مقضية، و اما ما قبل هذه الاوقات، مما اشتمل على وقت الفريضة، فانه يجوز القضاء فيه بهذه الأخبار، دون النافلة المبتداءة، عملا بعموم صحاح زرارة فى منع النافلة المبتداة، و حينئذ فمعنى قضاء نوافل النهار بعد المغرب، يعنى قبل دخول وقت فضيلة العشاء، و يؤيده ان المتبادر من البعدية، هو البعدية القريبة.

قوله فى رواية ابى بصير: فاقضه عند زوال الشمس، يعنى قبل زوال الشمس

ص: 37


1- اى صحيحة عمر بن يزيد.

او بعده قبل دخول وقت الفضيلة، و بعد الظهر عند العصر، يعنى قبل دخول فضيلة العصر، و على هذا يحمل اطلاق الأخبار المتقدمة، فلا يخلو عن غرابة.

و الأجود ان يقال فى الخبر الخامس عشر و السادس، ان مقتضى قاعدة ترك الاستفصال، المقتضى للعموم فى المقال، و ان كان هو جواز قضاء النافلة ايضا بعد المغرب، و لكن غاية العموم هو الظهور، فيصرف عنه بالأدلة الدالة على المذهب المشهور، فيختصان بالفرائض، هذا اذا لم نقل بمقالة المشهور القائل بالمضايقة فى اوقات الفرائض الفايتة، و لزوم تقديمها على الحاضر، لدلالتهما على هذا التقدير على جواز فعل الحاضرة قبل الفايتة، و لم يقولوا، و الا فما تقدمناه من كون تلك الأخبار قاصرة عن المقاومة لاخبارنا، من وجوه عديدة فيه كفاية.

و الانصاف ان هذه الأخبار الثلاثه، ظاهرة الدلالة فى مذهب هؤلاء الجماعة كالخبر المروى عن الحميرى فى كتاب قرب الأسناد باسناده عن على بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال: و سألته عن الرجل نسى صلوة الليل و الوتر، و بذكر إذا أقام فى صلاة الزوال؟ ابتدأ بالزوال، فاذا صلّى صلاة الظهر، صلّى صلاة الليل، و اوتر بينه و بين صلوة العصر، او متى احب، فلتحمل على التقية كغيرها من الأخبار، اذا قلنا بكونها فى مذهبهم ظاهرة.

و اما استنادهم الى الخبر الثامن عشر و التاسع عشر و العشرين و ما ضاهاها فانه اوهن من بيوت العنكبوت مع انه اوهن البيوت، و ذلك لأن اخبارنا خاصة و العام لا يقاوم الخاص بلا شبهة.

و اما استناد بعض المجوزين على الاستدلال على ذلك، بمواضع منها ما ورد من انه متى تلبس المصلى بركعة من نوافل الزوال، فانه يتمها، و ان خرج وقتها، و منها ما تلبس باربع ركعات من صلوة الليل ثم طلع الفجر، فانه يزاحم بهما الفريضة، و منها ما ورد من جواز ايقاع صلوة الليل كما لا بعد الفجر ابتداء، بالنسبة الى من اعتادها ثم تغلبه عيناه عنها فى بعض الاوقات حتى يطلع الفجر، فانه يصليها مخففة، فان هذه المواضع كلها تدل على جواز ايقاع النافلة فى وقت الفريضة

ص: 38

ففيه مضافا الى تطرق المنع فى الأخير كما تقدم اليه الاشارة، انه لا يسمن و لا يغنى من جوع، اذ من الواضحات ان التخصيص اذا تطرق فى بعض افراد العام، لا يستلزم رفع اليد عن الباقى، و من الافراد المخصصة الغفيلة و غيرها مما تقدم فى مقامه اليه الاشارة، فراجع و تذكر، و بالجملة قول المشهور هو المنصور، مع كونه احوط.

و ينبغى التنبيه لامور:
الأول: اختلف الأصحاب فى جواز التنفل لمن عليه قضاء فريضة،
اشارة

فالأكثر على ما ادعاه جماعة ممن تأخر، على المنع من ذلك، و منهم المصنف رحمه الله، و عن اكثر المتأخرين، خلافا للمحكى عن ابن بابويه و الاسكافى، فقالا بالجواز، و اليه ذهب الشهيدان و الشارح المحقق.

للأولين وجوه: الأول: قوله تعالى: أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِذِكْرِي، المفسر فى الأخبار بذكر الصلوة الفايتة.

الثانى: الروايات الدالة على وجوب ترتب الحاضرة على الفايتة، و انه يجب تأخير الحاضرة الى ان يتضيق، و اذا اوجب ذلك فى الفريضة التى هى صاحبة الوقت ففى نافلتها بطريق اولى، و اولى منه فى غير نافلتها.

الثالث: جملة من الأخبار: منها ما حكى عن المبسوط و الخلاف، انهما رويا مرسلا عن النبى (ص) انه قال: لا صلوة لمن عليه صلوة.

و منها كصحيحة زرارة المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و تقضى الفرائض فى كل وقت، الى آخره، المشتمل على قول الباقر (ع): و لا يتطوع بركعة حتى تقضى الفريضة كلها.

و منها الخبر الثانى.

و منها ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الصحيح، عن يعقوب بن شعيب عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس، ايصلى حين يستيقظ، او ينتظر حتى ينبسط الشمس؟

ص: 39

فقال: يصلى حين يستيقظ، قلت: يوتر او يصلى الركعتين؟ قال: بل يبدا بالفريضة و للاخرين جملة من الأخبار: منها ما رواه التهذيب فى المكان المتقدم فى الصحيح عن الحسين بن عثمان عن سماعة عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع)، قال:

سألته عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس، فقال: يصلى ركعتين ثم يصلى الغداة.

و منها ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع)، قال: سمعته يقول: ان رسول الله (ص) رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتى آذاه حرّ الشمس، ثم استيقظ فعاد ناديه ساعة و ركع ركعتين، ثم صلى الصبح، و قال: يا بلال مالك؟ فقال بلال: ارقدنى الذى ارقدك يا رسول الله (ص)، قال: و كره المقام، و قال نمتم بوادى شيطان.

بيان:

عن ابن الأثير: النادى هم القوم المجتمعون.

و منها الخبر الأول.

لا يقال: هذه الأخبار على فرض تسليم دلالتها اخص من المدعى، لأنا نقول: لا ضير فى ذلك، لعدم القائل بالفرق، على الظاهر المصرح به فى الرياض و الأقرب عندى هو القول المشهور، للأدلة المتقدمة، و المناقشة و ان كانت متطرقة فى بعضها، و لكنه للتأييد صالح بلا شبهة.

و اما ما أشار اليه الشارح المحقق طاب ثراه، فى الجواب عن الخبر الثانى بقوله: المتبادر من وقت الفريضة و دخول وقت الفريضة، وقت الأداء و دخوله، فلا ينتهض حجة فى حكم القضاء، و قوله: على فريضة، و ان كان ظاهرا فى العموم بالنسبة الى الأداء و القضاء، لكن وقوع الرواية على هذا الوجه غير معلوم، لمكان الترديد، و على هذا فالمراد بقوله (ع): لو كان عليك من شهر رمضان، الأداء لا القضاء، فلا يخفى ما فيه من التكليف الشديد، و البعد عن رحاق اللفظ، و سياق الكلام بما لا نهاية له و لا مزيد، كما هو ظاهر على ذوى الافهام، و من له

ص: 40

ادنى معرفة باساليب الكلام، اذ الترديد باوفى قول السائل (و علىّ فريضة او فى وقت فريضة) صريح فى مغايرة الاول للثانى، فالمراد بالاول القضاء او الاعم منه، و بالثانى الأداء خاصة.

و اما جوابه (ع): لا تصلى نافلة فى وقت فريضة، و الفايتة كما يأتى ان شاء الله وقتها ساعة ذكرها، و اما التنظير بشهر رمضان، و ان المراد عدم جواز التطوع بالصوم، لمن عليه قضاء شهر رمضان، فهو اجماعى على الظاهر المصرح به فى غير واحد من العبائر، و مستند الاصحاب انما هو هذه الرواية، على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، و بالجملة ما ذكره المحقق المذكور، و تكلفه فى الخبر المشار اليه تكلف بعيد، و تمحل غير سديد، و لو تطرق مثل هذا التأويل البعيد للأخبار، لم يبق دليل يمكن به الاستدلال، الا و لقايل فيه مقال و بذلك ينسدّ بالكلية باب الاستدلال، فليعمل البتة بما يتبادر الى الأذهان السليمة و العقول المستقيمة، من رحاق الكلام و ما يدل عليه السياق الذى به النظام و بالجملة هذا الخبر ظاهر باتمّ ظهور فى القول المشهور، ان لم نقل بكونه نصا.

و يمكن الاستدلال للقائلين فى المسئلة السابقة بالحرمة، بالاجماع المركب من هذه المسئلة، اذ كل من قال هناك بالحرمة افتى هنا ايضا بها، و خالف هنا كل من قال هناك بالكراهة، و بالجملة لم اعرف قائلا بالفرق بين المسئلتين فيما اجده، و به صرح شيخنا فى الرياض، قاله بعض الأجلة.

أقول: قال الصدوق فى الفقيه فى اوائل باب قضاء صلوة الليل: و اقض ما فاتك من صلوة الليل، اى وقت شئت، من الليل او نهار، ما لم يكن وقت فريضة انتهى، مع انه نسب اليه فى هذه المسئلة ما عرفت، و كيف كان فلا ريب فى قوة ما اختاره المشهور.

و اما الأخبار المتقدمة الدالة على المذهب المزيف، فمحمولة على التقية، اذ العامة رووا ذلك عن ابى قتادة و جماعة من الصحابة، على ما ذكره فى الذكرى كما سيأتى الاشارة، مضافا الى ما يأتى من تطرق الوهن اليها من جهة العصمة.

ص: 41

و اما ما ذكره فى التهذيب شيخ الطائفة، بعد نقل خبر ابى بصير و عبد الله بن سنان ما صورته: فهذان الخبران المعنى فيهما، انه انما يجوز التطوع ركعتين، ليجتمع الناس الذين فاتتهم الصلوة ليصلوا جماعة، كما فعل النبى (ص)، فاما اذا كان الانسان وحده فلا يجوز له ان يبدأ بشىء من التطوع اصلا، فلعله لا يخلو عن بعد.

الثانى: قال شيخنا الشهيد فى الذكرى بعد ذكر الخبر الأول: ان فيه فوايد:

منها استحباب ان يكون للقوم حافظ اذا ناموا، صيانة عن هجوم ما يخاف منه.

و منها ما تقدم من ان الله تعالى انام نبيّه (ص)، ليعلم امته و لئلا يعيّر بعض الامة بذلك، و لم اقف على راد لهذا الخبر، من حيث توهم القدح فى العصمة

و منها ان العبد ينبغى ان يتفأل بالمكان و الزمان، بحسب ما يصيبه فيهما من خير و غيره، و لهذا تحول النبى (ص) الى مكان آخر.

و منها استحباب الاذان للفائته كما يستحب للحاضرة، و قد روى العامة عن ابى قتاده و جماعة من الصحابة فى هذا الصورة، ان النبى (ص) امر بلالا فاذن فصلى ركعتى الفجر، ثم امره فاقام فصلى الفجر.

و منها استحباب قضاء السنن.

و منها جواز فعلها لمن عليه قضاء، و ان كان قد منع منه اكثر المتأخرين.

و منها شرعية الجماعة فى القضاء كالاداء.

و منها وجوب قضاء الفايته، لفعله (ص) وجوب التأسى به، و قوله:

فليصلهما ان وقت قضائها ذكرها.

و منها ان المراد بالآية ذلك.

و قال بعض الأجلاء: قد اهمل شيخنا هنا شيئا هو ظهر الاشياء من الرواية، اما غفلة او لمنافاته لما اختاره فى المسئلة، و هو المنع من صلوة النافلة اذا دخل وقت المكتوبة، كما صرح به (ع) فى صدر الخبر، و اكده بالفرق بينه و

ص: 42

بين القضاء، و اما قوله قدس سره: و منها جواز فعلها يعنى السنن لمن عليه قضاء، فهو ممنوع اذا قضى ما دل عليه الخبر، خصوص جواز ركعتى الفجر فى هذه المادة، و قضية الجمع بينه و بين ما قدمنا من الأخبار، قصر هذا الخبر على مورده، و استثناء هذا الموضع من المنع رخصه، اما مطلقا كما ذكره المحدث الكاشانى، او لانتظار الجماعة كما ذكره الشيخ رحمه الله، فلا دلالة فيه على الجواز مطلقا، كما زعمه رحمه الله، انتهى.

أقول: قد عرفت دفع هذا الكلام، لمكان عدم القايل بالفرق، و اما ما أشار اليه بقوله: و اما ما يقال فى امثال هذه المقامات، من ان هذه الأخبار قد دلت على الجواز فى هذا الموضع، و يضم اليه انه لا قايل بالفرق، فيتم فى الجميع، فكلام ظاهرى لا يعول عليه، و تخريج شعرى لا يلتفت اليه، فلا يلتفت اليه، اذ ذلك قول بعض معكوسى الأذهان، و من ليس من فرسان هذا الميدان، و المقام يمنعنا ان نرخى عنان القلم ساعة فى هذا المضمار، و نذكرما وقفنا عليه من الآثار، و نميز القشر من اللباب، و تحقق ما هو الحق فيها و الصواب، اذ لكل شىء مقام ينبغى ان يذكر فيه، و مقام ذلك فى الاصول، فلو تعرضنا لبسطها فى هذا المقام لم نتخلص عن اعتراض الفحول.

قال المحقق المذكور عاطفا على الكلام المزبور: و اما قوله: و ان كان قد منع منه اكثر المتأخرين، مشيرا الى ان الخلاف فى ذلك انما هو من المتأخرين، ففيه ما سيأتيك فى كلام الشيخ المفيد قدس سره، من الدلالة على ان المنع هو الذى عليه عصابة الحق، ثم العجب كل العجب من اصحابنا رضوان الله عليهم مع اجماعهم و اتفاقهم على عدم جواز السهو على النبى (ص)، حتى انهم لم ينقلوا الخلاف فى ذلك، الا عن ابن بابويه و شيخه ابن الوليد، و قد طعنوا عليهما فى ذلك و شنعوا عليهما اتم التشنيع، حتى صنّفوا فى ذلك الرسائل، و منها رسالة الشيخ المفيد قدس سره و ربما نسب الى السيد المرتضى رحمه الله و هى عندى و فيه امر يقتضى منه العجب من القدح فى ابن بابويه رضوان الله عليه، فكيف

ص: 43

تلقوا هذه الأخبار بالقبول؟ و اعتمدوا على ما فيها من القول؟ فى مثل هذا الحكم المخالف لاعتقاداتهم، فمن كلامه فى تلك الرسالة المشار اليها ما صورته: و الخبر المروى ايضا فى نوم النبى (ص) عن صلوة الصبح، من جملة الخبر عن سهوه (ص) فى الصلوة، فانه من اخبار الآحاد التى لا توجب علما و لا عملا، و من عمل عليه فعلى الظن يعتمد فى ذلك بدون اليقين، و قد سلف قولنا فى نظير ذلك، ما يغنى من اعادته فى هذا الباب، مع انه يتضمن خلاف ما عليه عصابة الحق، لانهم لا يختلفون فى ان من فاتته صلوة فريضة فعليه ان يقضيها فى اى وقت ذكرها من ليل او نهار، ما لم يكن الوقت مضيقا لصلوة فريضة حاضره، فاذا حرم ان يؤدى فريضة قد دخل وقتها ليقضى فرضا قد فاته، كان حظ النوافل عليه قبل قضاء ما فاته من الفرض اولى، هذا مع ان الاخبار عن النبى (ص) قال:

لا صلوة لمن عليه صلوة، يريد لا نافله لمن عليه صلوة فريضة، انتهى، و هو جيّد كما لا يخفى على الفطن النبية.

و قال شيخنا البهائى رحمه الله فى كتاب الحبل المتين، بعد نقله فيه صحيحتى ابن سنان و زرارة المذكورتين ما صورته: و ربما يظن تطرق الضعف اليها، لتضمنهما ما يوهم القدح فى العصمة، لكن قال شيخنا فى الذكرى انه لم يطلع على راد لهما من هذه الجهة، و يعطى تجويز الاصحاب صدور ذلك و امثاله من المعصوم، و للنظر فيه مجال واسع، انتهى.

أقول: و قد عرفت صراحة كلام شيخنا المفيد رحمه الله، فى رد الأخبار المذكورة، فكيف يدعى انه لا راد لهما، و عدم اطلاعه لا يدل على العدم، و بالجملة فمقتضى عدم تجويز السهو عليه (ص) كما هو ظاهر اتفاقهم، رد هذه الأخبار و نحوها، او حملها على التقية، كما يشير اليه ما نقله من رواية العامة الخبر المذكور عن ابى قتادة و جماعة من الصحابة، اذ لا يخفى ما بين الحكمين من التدافع و التناقض، لكنهم من حيث قولهم بهذا الحكم، و اختيارهم له، يغمضون النظر عما فى ادلته من تطرق القدح، و يتسترون بالأعذار الواهية، كما

ص: 44

لا يخفى على من مارس كلامهم، كما نبهنا عليه فى غير مقام، انتهى كلام بعض الأجلاء.

أقول: و من الأخبار الدالة على نومه (ص) عن صلوة الغداة، ما رواه الكافى فى باب من نام عن الصلوة فى الصحيح عن سعيد الأعرج، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: نام رسول الله (ص) عن الصبح، و الله عز و جل انامه حتى طلعت الشمس عليه، و كان ذلك رحمة من ربك للناس، الا ترى لوان رجلا نام حتى طلع الشمس، لعيّره الناس و قالوا لا تتورع لصلوتك، فصارت اسوة و سنة، فان قال رجل لرجل: نمت عن الصلوة، قال: قد نام رسول الله (ص)، فصارت اسوة و رحمة رحم الله سبحانه بها هذه الامة، و بهذا الخبر يصير الفائدة الثانية التى اشار فى الذكرى كما مضت، متينا فى الغاية.

و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى كالصحيح، عن سماعة بن مهران قال:

سألته عن رجل نسى ان يصلى الصبح حتى طلعت الشمس، قال: يصليها حين يذكرها، فان رسول الله (ص) رقد عن صلوة الفجر حتى طلعت الشمس، ثم صلاها حين استيقظ، و لكنه تنحى عن مكانه ذلك ثم صلى.

الثالث: قوله فى الخبر الأول عرس بالمهملات و تشديد الراء،

اى نزل فى آخر الليل للاستراحة، و يكلؤنا بالهمزة اى يحرسنا، و لفظه ما فى قوله (ص):

ما ارقدك؟ استفهامية، و يحتمل على بعد كونها تعجبية، اى ما اكثر نومك، و يحتمل ان يقرأ النفس الواقع فى قول بلال اخذ بنفسى بفتح الفاء اى الصوت فيكون انقطاع الصوت كناية عن النوم، اى ارقدنى الذى ارقدكم، و الضمير فى قال من نسى شيئا من الصلوة، الى آخره، يحتمل عوده الى النبى (ص) و هو ظاهر كلام الذكرى و يحتمل عوده الى الامام، بان يكون حكاه زرارة عنه (ع) و قوله الى الحكم هو بن عتيبة بالعين المهملة المضمومة و التاء الفوقانية و الياء المثناة التحتانية و الباء الموحدة، و هو رجل عامى ندوم و كان تبريا و من فقهاء العامة، كما عن على، قوله نقضت حديثك، يريد به انك قد نقلت اولا انه اذا

ص: 45

دخل وقت صلوة مكتوبة، فلا صلوة نافلة حتى تبدأ بالمكتوبة، و هو ينافى ما نقلته ثانيا، من صلوة النبى (ص) ركعتى الفجر قبلها، فبين (ع) ان الحديث الأول فى غير القضاء، و ان المراد اذا دخل وقت الأداء.

و يكره ابتداء النوافل فى خمسة مواطن
اشارة

(و يكره ابتداء النوافل) فى خمسة مواطن: ثلاثه تعلق النهى فيها بالزمان (و هى عند طلوع الشمس) حتى ترتفع و تذهب الحمرة، و يستولى سلطانها بظهور شعاعها، فانه فى ابتداء طلوعها ضعيف، كما تنادى به التجربة و البرهان (و) عند (غروبها) اى ميلها الى الغروب، و هو اصفرارها حتى يكمل الغروب بذهاب الحمرة المشرقية (و قيامها) فى وسط النهار، و وصولها الى دائرة نصف النهار (الى ان يزول) الشمس من تلك الدائرة المعلومة، بزيادة الظل ان لم يكن الشمس فى سمت رأس المقياس، و بحدوثه ان كانت فيه، و الكراهة ثابتة فى جميع الايام (الا فى يوم الجمعة) اذ لا تكره فيها عند قيام الشمس

و وقتان تعلق النهى فيهما بالفعل و هما (بعد) صلوة (الصبح) حتى تطلع الشمس (و) بعد صلوة (العصر) حتى تغرب، و هذه الخمسة و ان امكن جعلها ثلاثه، لاتصال ما بعد الصبح بالطلوع، و ما بعد العصر بالغروب الاّ أن اختلاف السبب بالفعل و الوقت، صار سببا لذلك.

و ما ذكره المصنف رحمه الله، من الحكم بالكراهة فى الاوقات الخمسة المذكورة، مشهور بين الطائفة، بل لعله عليه عامة متأخريهم، على الظاهر المصرح به فى عبائر الجماعة، قاله بعض الأجلة، بل عن الغنية الاجماع عليه.

قال المرتضى قدس سره: و مما انفردت به الامامية، كراهة صلوة الضحى فان التنفل بالصلوة بعد طلوع الشمس الى وقت زوالها محرم، الا فى يوم الجمعة خاصة، و قال فى اجوبة المسايل الناصرية: لا بأس بقضاء الفرائض عند طلوع الشمس و عند استوائها او عند غروبها، قال: و هذا عندنا صحيح، و عندنا انه يجوز ان يصلى فى الاوقات المنهى عن الصلوة فيها، كل صلوة لها سبب متقدم و انما لا يجوز ان يبتدى فيها بالنوافل.

ص: 46

و عن ابن الجنيد انه قال: ورد النهى عن رسول الله (ص)، عن الابتداء بالصلوة عند طلوع الشمس و غروبها و قيامها نصف النهار، الا يوم الجمعة فى قيامها.

و عن الجعفى كراهة الصلوة فى الاوقات الثلاثه الا القضاء.

و عن المفيد انه جزم بكراهة النوافل المبتداءة و ذات السبب، عند الطلوع و الغروب، و قال: ان من زار احد المشاهد عند طلوع الشمس او غروبها، اخر الصلوة حتى تذهب حمرة الشمس عند طلوعها، و صفرتها عند غروبها.

و قال فى المقنعة: لا بأس ان يقضى الانسان نوافله بعد صلوة الغداة الى ان تطلع الشمس، او بعد صلوة العصر الى ان يتغير الضوء بالاصفرار، و لا يجوز ابتداء النوافل و لا قضاء شىء فى الفرائض، عند طلوع الشمس، و لا عند غروبها.

و عن الخلاف الاوقات التى تكره فيها الصلوة الخمسة، وقتان تكره الصلوة لأجل الفعل، و ثلاثه لأجل الوقت، فما كره لاجل الفعل: بعد صلوة الفجر الى طلوع الشمس، و بعد العصر الى غروبها، و ما كره لاجل الوقت ثلاثه: عند طلوع الشمس، و عند قيامها، و عند غروبها، و الاول انما يكره ابتداء الصلوة فيه نافلة، فاما كل صلوة لها سبب من قضاء فريضة، او نافلة، او تحية مسجد، او صلوة زيارة، او صلوة احرام، او صلوة طواف، او نذر، او صلوة كسوف، او جنازة، فانه لا بأس به و لا يكره، و اما ما نهى فيه لأجل الوقت، فالايام و البلاد و الصلوات فيها سواء، الا يوم الجمعة، فان له ان يصلى عند قيامها النوافل.

ثم قال: و من اصحابنا من قال التى لها سبب مثل ذلك.

و قال فى الفقيه: من فاته شىء من صلوة النوافل، فليقضها اى وقت شاء، من ليل او نهار، ما لم يكن وقت فريضة، او عند طلوع الشمس، و غروبها، فانه يكره صلوة النوافل فى هذين الوقتين، و قد وردت رواية بجواز النوافل فى الوقتين الذين ذكرناهما، فمن عمل بها لم يكن مخطأ، لكن الأحوط ما ذكرناه، و صرح بكراهة النوافل اداء و قضاء من غير استثناء، على ما حكى.

ص: 47

و عن ابن ابى عقيل: لا نافلة بعد طلوع الشمس الى الزوال، و بعد العصر الى ان تغيب الشمس، الا قضاء السنة فانه جايز فيهما، و الا يوم الجمعة.

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان المحكى عن علم الهدى، الذهاب الى التحريم فى الثلاثة الاول، مدعيا على الأول منها الاجماع، فى صريح الانتصار، و ظاهر الناصرية، و زاد فيها الخامس، و قال فيهما بامتداد الحرمة فى الاول الى الزوال و ظاهر العمانى ايضا الحرمة بعد طلوع الشمس الى الزوال، و بعد العصر الى غيبوبة الشمس، و ظاهر الاسكافى التحريم فى الثلاثة الاول، و ظاهر المقنعة ايضا التحريم فى الاولين، و ان كان المحكى عنه فيهما القول بالكراهة، و ذهب بعض المحققين كغيره الى القول بعدم الكراهة.

الأخبار الواردة فى المقام
اشارة

و السبب فى هذا الاختلاف هو اختلاف الأخبار الواردة فى المقام، و ها انا اذكر ما وقفت عليه من الأخبار، ثم اذكر ما يترجح عندى.

الأول:

ما رواه الكافى فى كتاب الطهارة فى باب وقت الصلوة على الجنايز فى الصحيح، عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) قال: يصلى على الجنازة فى كل ساعة، انها ليست بصلوة ركوع و لا سجود، و انما تكره الصلوة عند طلوع الشمس و عند غروبها، التى فيها الخشوع و الركوع و السجود، لأنها تغرب بين قرنى شيطان، و تطلع بين قرنى شيطان.

الثانى:

ما رواه ايضا فى كتاب الصلوة فى باب الساعات التى لا يصلى فيها، عن ابراهيم بن هاشم رفعه قال: قال رجل لأبى عبد الله (ع): الحديث الذى روى عن ابى جعفر (ع): ان الشمس تطلع بين قرنى الشيطان، قال:

نعم ان ابليس اتخذ عرشا بين السماء و الارض، فاذا طلعت الشمس و سجد فى ذلك الوقت الناس، قال ابليس لشياطينه: ان بنى آدم يصلون لى.

الثالث:
اشارة

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن الحسين بن اسلم قال:

قلت لأبى الحسن الثانى (ع): أكون فى السوق، فاعرف الوقت، و يضيق علىّ ان ادخل فاصلى، قال: ان الشيطان يقارن الشمس فى ثلاثة احوال: اذا ذرّت،

ص: 48

و اذا كبدت، و اذا غربت، فصل بعد الزوال، فان الشيطان يريد ان يوقعك على حد يقطع بك دونه.

بيان:

ذرت اى طلعت، و كبدت اى وصلت الى كبد السماء، اى وسطها.

الرابع:

ما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره، فى الموثق عن محمد بن يحيى عن ابى عبد الله (ع) قال: لا صلوة بعد الفجر حتى تطلع الشمس فان رسول الله (ص) قال: ان الشمس تطلع بين قرنى الشيطان، و تغرب بين قرنى شيطان، و قال: لا صلوة بعد العصر حتى يصلى المغرب.

الخامس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن معوية بن عمار عن ابى عبد الله (ع) قال: لا صلوة بعد العصر حتى المغرب، و لا صلوة بعد الفجر حتى طلع الشمس.

السادس:

ما رواه فى الباب المتقدم عن ابى الحسن على بن بلال قال:

كتبت فى قضاء النافلة من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، و من بعد العصر الى ان تغيب الشمس، فكتب: لا يجوز ذلك الا للمقتضى و اما لغيره فلا.

قال بعض الأجلاء: يعنى لا يجوز الصلوة فى هذين الوقتين، الا لمن يقضى نافلة او فريضة.

السابع:

ما رواه فى الباب المتقدم عن محمد بن الفرج قال: كتبت الى العبد الصالح اسئله عن مسائل، فكتب الى: وصل بعد العصر من النوافل ما شئت و صل بعد الغداة من النوافل ما شئت.

الثامن:

ما رواه فى باب العمل فى ليلة الجمعة و يومها فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع)، قال: لا صلوة نصف النهار الا الجمعة

التاسع:

ما رواه الصدوق قدس سره فى الفقيه عن الحسين بن زيد فى حديث المناهى، عن جعفر بن محمد عن آبائه قال: و نهى رسول الله (ص)

ص: 49

عن الصلوة عند طلوع الشمس و عند غروبها، لأن(1) الشمس تطلع بين قرنى شيطان، و تغرب بين قرنى شيطان.

و روى فى مجالسه فى مناهى النبى (ص) على ما نقله فى البحار: انه نهى عن الصلوة فى ثلاث ساعات: عند طلوع الشمس، و عند غروبها، و عند استوائها.

العاشر:
اشارة

ما رواه فى البحار فى باب الأوقات المكروهة، عن العلل عن محمد بن على ماجيلويه، عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن احمد بن يحيى الأشعرى، عن احمد بن يحيى عن ابن اسباط عن الحسين بن على عن سليمان بن جعفر الجعفرى قال: سمعت الرضا (ع) يقول: لا ينبغى لأحد ان يصلى اذا طلعت الشمس، لانها تطلع بقرنى شيطان، فاذا ارتفعت وصفت فارقها، فيستحب الصلوة ذلك الوقت، و القضاء و غير ذلك، فاذا انتصف النهار قارنها، فلا ينبغى لاحد ان يصلى فى ذلك الوقت، لان ابواب السماء قد غلقت، فاذا زالت الشمس و هبت الريح فارقها.

بيان:

قال فى البحار: وصفت اى عن كدورة الابخرة، التى تحول بيننا و بينها عند قربها من الافق، فلذا يتغير لونها، و يحتمل ان يكون مقارنة الشيطان لها عند قرب الزوال، لانها عند ذلك فى نهاية الارتفاع و الضياء، فيكون تسويل الشيطان لعبدتها بهذا الوجه اكثر، و اشد، فلما زالت حصلت فيها الافول و الانحطاط، الذى هو علامة كونها مخلوقة مدبرة، فينتقص استيلاء الشيطان و تنحل شبهه، فكأنه يفارقها.

الحادى عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن السرائر، من جامع احمد بن محمد بن ابى نصر البزنطى، عن على بن سليمان عن محمد بن عبد الله

ص: 50


1- ليس هذه العلة فى الموضع الذى ذكره من الفقيه.

بن زرارة عن محمد بن الفضيل البصرى قال: قلت لأبى الحسن (ع): ان يونس كان يفتى الناس عن آبائك عليهم السلام، انه لا بأس بالصلوة بعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس، و بعد العصر الى ان تغيب الشمس، فقال: كذب - لعنه الله - على ابى، او قال على آبائى.

الثانى عشر:

ما رواه فى الباب المتقدم عن كتاب زيد النرسى عن على بن مزيد قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: ان الشمس تطلع كل يوم بين قرنى الشيطان، الا صبيحه ليلة القدر.

الثالث عشر:
اشارة

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن المجازات النبوية، عن النبى (ص): فاذا طلع حاجب الشمس فلا تصلوا حتى تبرز، و اذا غاب حاجب الشمس فلا تصلوا حتى تغيب.

بيان:

قال السيد: المراد بحاجب اول ما يبدو من قرصها، فكأنه (ص) شبه الشمس عند صعودها من خدبة الارض، بالطالع من وراء سترة تستره، فأول ما يبدو منه وجهه، و اول ما يبدو من مخاطيط وجهه حاجبه، ثم بقية وجهه، ثم ساير جسده، شيئا شيئا و جزأ جزأ، و كأنه (ص) نهى عن الصلوة عند ظهور بعض الشمس للعيون، حتى يظهر جميعها، و عند مغيب بعضها حتى يغيب جميعها، و قد يجوز ان يكون حاجب الشمس ههنا معنى اخر، و هوان يراد به ما يبدو من شعاعها قبل ان يظهر جرمها، و كذلك ما يغيب قرصها، فاقام ذلك لها مقام الحاجب، لانه يدل عليها و يظهر بين يديها، فكانه (ص) نهى عن الصلوة قبل ان يظهر قرص الشمس، بعد الشعاع الذى يظهر قبل طلوعها، و كذا فى الغروب، و الصلوة المراد ههنا صلوة التطوع دون صلوة الفرض، ا لا ترى أن اول ما يظهر قرص الشمس ليس بوقت لشىء من الصلوات المفروضات.

الرابع عشر:
اشارة

ما رواه فى الباب المتقدم منه عنه (ص)، و قد ذكر صلوة العصر: و لا صلوة بعدها حتى يرى الشاهد.

ص: 51

بيان:

قال السيد: المراد بالشاهد هو النجم، و العرب يسمون الكوكب شاهد الليل، كانه يشهد بادبار النهار و اقبال الظلام.

الخامس عشر:

ما رواه فى الباب المتقدم عن مجموع الدعوات لمحمد بن هرون التلعكبرى فى وصف صلوة للاستخارة عن الصادق (ع)، و فيها: فتوقف الى ان تحضر صلوة مفروضة، او صلها بعد الفرض، ما تكن الفجر و العصر، فاما الفجر فعليك بعدها بالدعاء الى ان تبسط الشمس ثم صلها، و اما العصر فصلها قبلها الخبر.

السادس عشر:

ما رواه فى باب علل الصلوة عن مجالس الصدوق و علله عن محمد بن على ماجيلويه، عن عمه عن احمد بن محمد بن البرقى، عن على بن الحسين الرقى، عن عبد الله بن جبله، عن معوية بن عمار، عن الحسين بن عبد الله، عن ابيه عن جده الحسن بن على (ع)، قال: جاء نفر من اليهود الى رسول الله (ص)، فسأله اعلمهم عن مسائل، الى ان قال النبى (ص): و اما صلوة الفجر فان الشمس اذا طلعت تطلع على قرنى شيطان، فامرنى الله عز و جل ان اصلى صلوة الفجر قبل طلوع الشمس، و قبل ان يسجد لها الكافر، فتسجد امتى لله، و سرعتها احب الى الله، الخبر.

السابع عشر:

ما رواه فى باب الاوقات المكروهة، عن الاحتجاج عن محمد بن جعفر الاسدى قال: كان فيما ورد على من محمد بن عثمان العمرى قدس الله روحه، فى جواب مسائلى الى صاحب الزمان (ع): اما ما سألت عنه من الصلوة عند طلوع الشمس و عند غروبها، فلان كان كما يقول الناس: ان الشمس تطلع بين قرنى شيطان، و تغرب بين قرنى شيطان، فما ارغم انف الشيطان شىء مثل(1) الصلوة، فصلها و ارغم الشيطان.

ص: 52


1- بشىء افضل من الصلوة فصلها و ارغم انف الشيطان ففيه. خ ل.

و روى ايضا عن اكمال الدين عن محمد بن احمد السنانى، و على بن احمد بن الدقاق، و الحسين بن ابراهيم المؤدب، و على بن عبد الله الوراق قالوا:

حدثنا ابو الحسين محمد بن جعفر الاسدى، قال: كان فيما ورد على الشيخ ابى جعفر محمد بن عثمان العمرى، فى جواب مسائلى الى صاحب الدار عليه السلام، و ذكر الحديث بعينه.

الثامن عشر:

ما رواه فى الذكرى قال: روى عن النبى (ص) ان الشمس تطلع و معها قرن الشيطان، فاذا ارتفعت فارقها، و اذا استوت قارنها، فاذا زالت فارقها، فاذا ادنت للغروب قارنها، فاذا غربت فارقها، و نهى عن الصلوة فى هذه الاوقات، قال بعض الأجلاء: و الظاهر ان الخبر من طريق العامة، حيث انه غير موجود فى كتب اخبارنا، انتهى.

أقول: اذا عرفت ذلك فاعلم ان للمشهور اكثر الاخبار المتقدمة، و ظاهر اكثرها، و ان كان التحريم فيترجح مذهب العمانى و الاسكافى، كالسيد علم الهدى و المفيد، لكن الاجماع المحكى عن المختلف و الغنية المعتضد بالشهرة العظيمة التى كادت تكون اجماعا، اوجب صرف النهى و ما فى معناه فى النصوص الى الكراهة، هذا مضافا الى التعبير عن المنع فى الخبر العاشر بكلمة لا ينبغى الظاهرة فى الكراهة، على ما ذكره غير واحد من الطايفة، و بالجملة لا اعتناء فى المقام شيئان القول بالحرمة مضافا الى عدم كون كلامهم نصا فيها، قال الشارح المقدس: و يفهم فى بعض العبارات، عدم الجواز، مثل كلام الشيخ المفيد، و لكن يعبر عن المكروه كثيرا كالصدوق، و نقل عن السيد ذلك فى ارتفاع النهار، و حمل على صلوة الضحى، و قال الشهيد فى الذكرى مخاطبا للسيد بما ذكره فى الانتصار، و كانه عنى به يعنى بالتنفل صلوة الضحى، لذكرها من قبل(1).

ص: 53


1- و ما ذكره طاب ثراه لا يتم فيما ذكره فى اجوبة المسائل الناصرية لعدم ذكر صلوة الضحى فيها و لتصريحه فيها بالنوافل المبتداة و انه لا يجوز ان يبتدا بالنوافل فى هذه الاوقات، فتدبر. (منه)

و قال بعض المحققين: و نقل عن السيدان ان التتفل بالصلوة بعد طلوع الشمس الى الزوال محرم، الا يوم الجمعة، و غير خفى ان ما ذكره لا دخل له فى المقام، بل الظاهر ان مراده الرد على العامة، فى بدعتهم فى احداث صلوة الضحى.

و قال بعض الأجلة: و كلام العمانى و الاسكافى ليس نصا فى التحريم، و كذا كلام السيد، لاحتمال نفى الجواز فيه نفى الجواز الذى لا كراهة فيه كما يستعمل كثيرا فى عبارات القدماء، انتهى.

و يظهر من الصدوق التوقف فى المسئلة، حيث قال فى الفقيه فى باب قضاء صلوة الليل: و قد روى نهى عن الصلوة عند طلوع الشمس و عند غروبها، الا انه روى لى جماعة من مشائخنا عن ابى الحسين محمد بن جعفر الاسدى، انه ورد فيما ورد فى جواب مسائله عن محمد بن عثمان العمرى قدس سره: و اما ما سألت، ثم اورد الرواية كما قدمناه، و هو الخبر السابع عشر تغيير غير مخل، و قال فى التهذيب بعد ان اورد جملة من الأخبار المتضمنة للكراهة: و قد روى فى الصلوة عند طلوع الشمس و عند غروبها، و نقل الرواية بعينها، و قال فى المدارك بعد نقل كلام الفقيه: و لو لا قطع الرواية ظاهر التعين المصير الى ما تضمنه، و حمل اخبار النهى على التقية لموافقتها لمذهب العامة و اخبارهم، و قد اكثر الثقة الجليل ابو جعفر محمد بن محمد بن النعمان فى كتابه المسمى بافعل لا تفعل، من التشنيع على العامة فى روايتهم ذلك عن النبى (ص)، و قال:

انهم كثيرا ما يخبرون عن النبى (ص) بتحريم شىء بعلة و تلك العلة خطاء، لا يجوز ان يتكلم به النبى (ص)، و لا يحرم الله من قبلها شيئا، فمن ذلك ما اجمعوا عليه من النهى عن الصلوة فى وقتين، عند طلوع الشمس حتى يلتئم طلوعها و عند غروبها، و لو لا ان علة النهى انها تطلع و تغرب بين قرنى الشيطان، لكان ذلك جايزا، فاذا كان آخر الحديث موصولا باوله، و آخره فاسدا، فسد الجميع، و هذا جهل من قائله، و الانبياء لا تجهل، فلما بطلت هذه الرواية بفساد آخر

ص: 54

الحديث، ثبت ان التطوع جايز فيها، انتهى.

أقول: ما اشار اليه من كون الرواية مقطوعة، يهدمه ما نقلناه عن كتاب اكمال الدين و اتمام النعمة، و عدم ذكر توثيق المشايخ المذكورين فى كتب الرجال، غير قادح، لان التحقيق هو صحة الرواية كما اشار اليه غير واحد من الطائفة، قال المحقق المجلسى عطر الله مرقده فى البحار: و الظاهر صحة الرواية، لان قول الصدوق رحمه الله روى لى جماعة من مشائخنا، يدل على استفاضتها عنده، و المشايخ الأربعة الذين ذكرهم فى اكمال الدين، و ان لم يوثقوا فى كتب الرجال، لكنهم من مشائخ الصدوق و يروى عنهم كثيرا، و يقول غالبا بعد ذكر كل منهم رضى الله عنه، و اتفاق هذا العدد من المشائخ على النقل، لا يقصر عن نقل واحد قال فيه بعض اصحاب الرجال: ثقة، فلا يبعد حمل اخبار النهى مطلقا على التقية و الاتقاء، لاشتهار الحكم بين المخالفين، و اتفاقهم على اضرار من صلى هذه الاوقات، ثم نقل كلام المفيد فى كتاب افعل لا تفعل على نحو ما مر.

أقول: ما أشار اليه من حمل اخبار النهى على التقية، قريب فى الغاية، و مال اليه من محققى متأخرى المتأخرين جماعة، سيما بعد ملاحظة اطلاق الخبر السابع، قال بعض المحققين، بعد ذكر جملة من الأخبار المانعة: لكن لا يخفى ما فيها من التعارض و الموافقة لطريقة العامة، فانهم فى غاية التشديد فى المنع يؤذون غاية الاذية، بل ربما يقتلون بالاتهام بالتشيع، فكان اللازم على الأئمة عليهم السلام منع الشيعة عن الصلوة فى هذه الاوقات اشد منع، مع ان التعليلات المذكورة فيها يناسب طريقة العامة بلا شبهة، فانهم رووا هذه الرواية بهذه التعليلات، و ذكروا ان الشيطان يدنى رأسه من الشمس فى هذه الاوقات، ليكون الساجد للشمس ساجدا له، و فيها ما لا يخفى على اولى الالباب، فان الشيطان على فرض ان يكون له قرن يطلع و يغرب الشمس بينه، كيف يناسب هذا منع بنى آدم عن الصلوة قربة الى الله، بل المناسب الأمر بها حينئذ، كما ورد عنهم (ع)، انتهى.

ص: 55

و مع ذلك فلعل الأحوط، عدم الخروج عما نطقت به الروايات المتكاثرة الواردة فى الباب، و قال به جماهير الأصحاب، سيما مع ملاحظة التسامح فى ادلة الاستحباب و الكراهة، و اما استثناء نوافل يوم الجمعة، فهو ايضا مشهور بين الطائفة، بل لم اجد فيه مخالفا ظاهرا، بل عن المنتهى و الناصرية عليه اجماع الطائفة، و هو الحجة مضافا الى الخبر الثامن و غيرها من الأخبار، قال الشارح المقدس بعد ذكر ذلك الاستثناء: و كأنه لا خلاف فيه، و ليس الاستثناء مقيدا بمشروعية صلوة الجمعة كما يفهم من الرواية، و هو جيد.

و ليعلم ان كراهة الصلوة فى الاوقات الخمسة المذكورة، هل هى عامة؟ او مخصصة (بما عدا ذى السبب) كصلوة الطواف، و الاحرام، و الزيارة، و الحاجة، و الاستخارة، و الاستسقاء، و التحية، و الشكر، و قضاء النوافل، و نحو ذلك فالمشهور بين الأصحاب، على الظاهر المصرح به فى غير واحد من العبائر، هو الثانى، بل عليه عامة متأخريهم قاله بعض الأجلة، بل عن الناصرية عليه الاجماع، و هو الحجة المخصصة لا طلاق النصوص المانعة، مضافا الى عموم الاخبار المجوزة لقضاء النافلة فى اى وقت شاء. منها الخبر الثامن عشر، و العشرون، المتقدمان فى شرح قول المصنف رحمه الله: و النوافل ما لم يدخل وقتها، و الى الخبر التاسع عشر المتقدم هناك، و الى الخبر السادس و السابع، و ما رواه فى التهذيب فى اواخر باب تفصيل ما تقدم ذكره عن ابى عبد الله بن ابى يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام، فى قضاء صلوة الليل و الوتر تفوت الرجل، ايقضيها بعد صلوة الفجر و بعد العصر؟ قال: لا بأس بذلك.

و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن جميل بن دراج قال: سألت ابا الحسن الاول (ع)، عن قضاء صلوة الليل بعد الفجر الى طلوع الشمس، قال:

نعم و بعد العصر الى الليل، فهو من سرّ آل محمد المخزون.

و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن احمد بن النضر و احمد بن ابى نصر فى بعض اسانيديهما، قال: سئل ابو عبد الله (ع) عن القضاء

ص: 56

قبل طلوع الشمس و بعد العصر، فقال: نعم فاقضه، فانه من سرّ آل محمد عليهم السلام.

و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن سليمان بن هرون قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن قضاء صلوة الليل بعد العصر، قال: اى ساعة شئت، من ليل او نهار، كل ذلك سواء.

و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن ابن ابى يعفور قال:

سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: صلوة النهار يجوز قضاؤها اى ساعة شئت، من ليل او نهار.

و ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب قضاء صلوة الليل قال: و قال الصادق عليه السلام: قضاء صلوة الليل بعد الغداة و بعد العصر، من سرّ آل محمد المخزون.

و بذلك ظهر ان ما حكى عن الشيخين فى المقنعة و النهاية، من الحكم بكراهة قضاء صلوة النافلة فى الاوقات الثلاثة، اى عند الطلوع و الغروب و القيام غير وجيه فى الغاية، سيما بعد ملاحظة اشعار الاخبار الدالة على ان القضاء بعد الفجر و بعد العصر من سرّ آل محمد المخزون، على كون المنع من القضاء فى هذين الوقتين محمولا على التقية و يدل على عدم شمول المنع لغير ما ذكر من ذوات الاسباب، عموم ادلتها عند حصولها او اطلاقها، فانظر الى ما ورد فى صلوة الاحرام و الطواف، و هو ما رواه التهذيب فى اواخر باب تفصيل ما تقدم ذكره، عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: خمس صلوات يصليهن فى كل وقت: صلوة الكسوف، و الصلوة على الميت، و صلوة الاحرام، و الصلوة التى تفوت و صلوة الطواف، من الفجر الى طلوع الشمس، و بعد العصر الى الليل.

و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن معوية بن عمار قال:

سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: خمس صلوات لا تترك على كل حال: اذا طفت بالبيت، و اذا اردت ان تحرم، و صلوة الكسوف، و اذا نسيت فصل اذا ذكرت

ص: 57

و الجنازة.

و رواهما الكافى فى باب الصلوة التى تصلى فى كل وقت.

و ما رواه الكافى فى الباب المتقدم فى الحسن كالصحيح او الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: اربع صلواة يصليهن الرجل فى كل ساعة: صلوتك فاتتك فمتى ما ذكرتها اديّتها، و صلوة ركعتى طواف الفريضة، و صلوة الكسوف و الصلوة على الميت، هؤلاء تصليهن فى الساعات كلها.

و اما ما رواه فى البحار فى الباب الاوقات المكروهة، عن قرب الاسناد عن الحسن بن طريف و على بن اسمعيل و محمد بن عيسى جميعا عن حماد بن عيسى قال: رأيت ابا الحسن موسى (ع) صلّى صلوة الغداة، فلما سلم الامام قام فدخل الامام الطواف، فطاف اسبو عين بعد الفجر قبل طلوع الشمس، ثم خرج من باب بنى شيبة و مضى و لم يصل، فلعل ترك صلوة الطواف فى هذا الوقت محمول على التقية، كما ان قران الطوافين ايضا محمول عليها، قاله غير واحد منهم.

و بالجملة لا ريب فى كون الاخبار المانعة، مخصصة بروايات ذوات الاسباب قال شيخنا فى الذكرى: و الاقرب على القول بالكراهة، استثناء ماله سبب، لان شرعيته عامة، و اذا تعارض العمومان وجب الجمع، فالحمل على غير ذوات الاسباب وجه جمع، فان مثل قول النبى (ص): اذا دخل احدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين، يشمل جميع الاوقات، و كذا كل سبب، فان النص عليه شامل، انتهى.

و القول بانه لقائل ان يقول: كما يجوز ان يخصص عموم تلك الاخبار بهذه فلم لا يجوز العكس؟ بابقاء اخبار المنع على عمومها، و تخصيص هذه الاخبار بها، بان يقال: انه يؤتى بذوات الاسباب متى وجد السبب، الا فيما اذا كان فى احد هذه المواقيت، لا بد لترجيح احد الحملين على الآخر من مرجح غير وجيه، لمكان الاصل و الشهرة و حكاية الاجماع المتقدمة، سيما مع احتمال تطرق التقية الى الأخبار المانعة كما عرفت، و اعتضاد اخبارنا بعموم ما دل على

ص: 58

رجحان الصلوة فى كل وقت، و مع وهنها بتخصيص قضاء النوافل عنها كما مرّ، و كذا الفرائض مطلقا كما هو المشهور بين الطائفة، لوجهين:

الاول: الاجماع المحكى فى التحرير و المنتهى، كما عن الناصرية و ظاهر التذكرة.

الثانى: بعد اوامر المسارعة الى المغفرة و الخيرات، و الى نقل الموتى الى مضاجعهم، و فحوى ما دل على استثناء قضاء النوافل، و احتمال فوات الوقت اذا اخرت، نحو صلوة الكسوف، جملة من الأخبار منها:

الأخبار الآمرة بقضاء الفرائض متى ذكرها، كما سيأتى فى مقامها اليها الاشارة، و منه ما رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره، عن نعمان الرازى قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل فاته شىء من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس و عند غروبها، قال: فليصل حين ذكره.

و منها الخبر السادس.

و منها رواية ابى بصير و معوية بن عمار و زرارة المتقدمة.

و منها خصوص نصوص صلوة طواف الفريضة، كالخبر المروى فى التهذيب فى كتاب الحج فى اواخر باب الطواف، عن ميسر عن ابى عبد الله (ع) قال:

صل ركعتى طواف الفريضة، بعد الفجر كان او بعد العصر.

و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن ركعتى طواف الفريضة، قال: لا تؤخرهما ساعة اذا طفت فصل.

و غيرهما من النصوص المستفيضة، و منها خصوص النصوص فى صلوة الجنازة، كالخبر الاول، و ما رواه الكافى فى باب وقت الصلوة على الجنايز عن محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبد الله (ع): هل يمنعك شىء من هذه الساعات عن الصلوة على الجنايز؟ فقال: لا.

و ما رواه التهذيب فى باب الصلوات على الاموات فى الزيادات فى الصحيح، عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) قال: تصلى على الجنازة فى

ص: 59

كل ساعة، انها ليست بصلوة ركوع و لا سجود، و انما نكره الصلوة عند طلوع الشمس و عند غروبها، التى فيها الخشوع و الركوع و السجود، لانها تغرب بين قرنى شيطان، و تطلع بين قرنى شيطان.

و ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح عن عبيد الله الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال: لا بأس بصلوة الجنائز حين تغيب الشمس و حين تطلع، انما هو استغفار.

و منها خصوص ما ورد فى صلوة الكسوف فى الساعة التى تنكسف عند طلوع الشمس و عند غروبها.

و اما الاخبار الواردة بكراهة قضاء الفرائض، فى بعض هذه الاوقات، كرواية الحسن بن زياد الصيقل، و رواية ابى بصير(1) المروية كلها فى التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات، فغير صالحة لمكافأة اخبارنا المشهورة، المعتضدة بالاجماعات المحكية، و بمخالفة العامة، فلتحمل على التقية البتة، كرواية عبد الرحمن بن ابى عبد الله (ع)، المروية فى التهذيب فى باب الصلوة على الاموات(2) الناهية، عن صلوة الجنايز حين تصفر الشمس و حين تطلع، قال الشارح الفاضل: و انما يكره ذات السبب لاختصاصه بورود النص على فعلها فى هذه الاوقات، او فى عموم الاوقات، و الخاص مقدم انتهى، و فيه مناقشة اصلناها على اهل الكمال.

و ينبغى التنبيه على امور:
الاول: ظاهر العبارة كغيرها، تعلق النهى بالنوافل بعد زمانى الفجر و العصر،
اشارة

لا بعد صلوتيهما، و خالف فى ذلك المشهور على ما ادعاه جماعة،

ص: 60


1- و قد تقدم منا ايضا ان روايتى ابى بصير و ابن سنان الدالتين على امتداد وقت الصلوتين الى قبل الفجر انما خرجتا مخرج التقية فى ذلك فعليه فيصير الحمل الذى ذكرناه متأكدا فى الغاية. (منه).
2- من الزيادات.

فذهبوا(1) على ان الكراهة انما هى بعد صلوتيهما، بل عن بعض الأصحاب قاطعون به، مؤذنا بنقل الاجماع، و لعله ظاهر الشهيد فى الذكرى، حيث نقل عن بعض العامة انه جعل النهى معلقا على طلوع الفجر، لما روى ان النبى (ص) قال: ليبلغ شاهدكم غائبكم لا يصلوا بعد الفجر الا سجدتين، و لعموم قوله: لا صلوة بعد الفجر، و اجاب عن ذلك: ان الحديث الاول لم نستثبته، و اما الثانى فنقول بموجبه، و يراد به صلوة الفجر، توفيقا بينه و بين الأخبار انتهى.

اقول لظاهر العبارة جملة من الأخبار، منها الرابع و الخامس، و منها الخبر السادس و الخبر الحادى عشر، اللذان كالصريحين بالنسبة الى زمان الفجر، بل الاول منها نص فيه، و للمشهور الخبر الرابع عشر و الخامس عشر، و المشهور عندى هو الاقرب.

فرع:

لو صلى فى هذا الوقت قبل الفريضة، لم يتعلق بها الكراهة من هذه الجهة على المشهور، نعم لو قيل بجواز النافلة فى وقت الفريضة كما هو احد القولين، يتعلق بها الكراهة، لان كل المجوزين قائلون بها، و لكنها ليست من هذه الجهة، بل من جهة اخرى غير ما نحن فيه، و اما القائلون فى تلك المسئلة بالحرمة كما رجحنا هاثمة، فليس لهذه المسئلة عندهم ثمرة.

تذنيب:

و الظاهر تعليق الحكم على صلوة المصلى نفسه، لا على الصلوة فى الجملة، و ان كان من غيره، كما اشار اليه بعض الأجلاء.

الثانى: ما دلت عليه جملة من الأخبار المتقدمة،

من تعليل الكراهة حال الطلوع و الغروب، بان الشمس تطلع بين قرنى شيطان، قد ذكروا فى

ص: 61


1- و من الذاهبين الخلاف لما عرفت من فرقه بين ما كان الكراهة لأجل الوقت او لأجل الفعل يعنى فعل الصلوة فى هذين الوقتين لا من حيث الزمان كالصلوة بعد صلوة الفجر و صلوة العصر. (منه).

معناه وجوها، قال فى البحار: قال فى النهاية: فيه الشمس تطلع بين قرنى الشيطان، اى ناحيتى رأسه و جانبيه، و قيل: القرن القوة اى حين تطلع يتحرك الشيطان و يتسلط، فيكون كالمعين لها، و قيل: بين قرنيه اى امنية الاولين و الآخرين، و كل هذا تمثيل لمن يسجد للشمس عند طلوعها، فكان الشيطان سول له ذلك سجد لها، فكان الشيطان مقترن بها، و قال فى القاموس: قرن الشيطان و قرناه امته و المتبعون لراية، او قوته و انتشاره او تسلطه.

و قال الطيبى فى شرح المشكوة: فيه وجوه:

احدها انه ينتصب قائما فى وجه الشمس عند طلوعها، ليكون طلوعها بين قرنيه اى فوديه، فيكون مستقبلا لمن يسجد للشمس فتصير عبادتهم له فنهوا عن الصلوة فى ذلك الوقت مخالفة لعبدة الشيطان.

و ثانيها ان يراد بقرنيه حزباه اللذان يبعثهما لاغواء الناس.

و ثالثها انه من باب التمثيل، شبه الشيطان فيما يسوّل لعبدة الشمس و يدعوهم الى معاندة الحق، بذوات القرون التى تعالج الاشياء و تدافعها بقرونها.

و رابعها ان يراد بالقرن القوة، من قولهم انا مقرن له اى مطيق، و معنى التنبيه تضعيف القوة، كما يقال: مالى بهذا الامر يد و لا يدان، اى لا قدرة و لا طاقة، انتهى ما فى البحار.

و عن الذكرى قيل قرن الشيطان حزبه، و هم عبدة الشمس يسجدون لها فى هذه الاوقات، و قال بعض العامة: ان الشيطان يدنى رأسه من الشمس فى هذه الاوقات، ليكون الساجد للشمس ساجدا له، انتهى.

أقول: الخبر الثانى و السادس عشر، للمعنى الذى ذكره فى النهاية الأثيرية معاضدان.

الثالث: لو صلى الصبح و العصر منفردا،

ثم اراد الاعادة جماعة ليحصل فضيلتها، فهل يتصف صلوته هذه بالكراهة بناء على القول بها، ام لا؟ و عن

ص: 62

الذكرى انه صرح بالثانى، و علله بأن لها سببا، و بما روى ان رسول اللّه (ص) صلى الصبح فلما انصرف رأى رجلين فى زاوية المسجد، فقال لهم: لم تصليا معنا،؟ فقالا:

كنا قد صلينا فى رحالنا، فقال (ص): اذا جئتما فصليا معنا، و ان كنتما قد صليتما فى رحالكما، لكنها لكما سبحه.

قال بعض الأجلاء بعد نقل كلام الذكرى هذا: اما ما علله به اختياره لعدم الكراهة، من ان هذه النافلة ذات سبب، فلا اعرف له وجها، اذ الصلوة فرادى ليست علة لاستحباب الاعادة جماعة، بل لا تعلق لها بها و لا ربط بينهما بالكلية، و انما العلة هو امر الشارع بذلك فى هذا المقام، الا ترى ان صلوة الزيارة لما كانت العلة فيها الزيارة، بمعنى أنّ الشارع جعلها لاجلها و ناط بها، و كذلك صلوة تحية المسجد و نحو ذلك، صارت من ذلك ذات سبب، و اما الخبر الذى اورده انه عامى، حيث لم اقف فى كتب اخبارنا.

و بالجملة فالظاهر بناء على القول بكراهة النافلة المبتداة بعد هاتين الصلوتين، هو كراهة هذه الصلوة، و تخصيص اخبارها الدالة على مشروعيتها، و استحبابها مطلقا بهذه الأخبار ممنوع، انتهى.

أقول: و فيه نظر: اما اولا فلانه لا وجه لمنع كون تلك الصلوة ذات سبب، كيف و سبيلها ليس الا كسبيل صلوة التحية و الزيارة و ما ضاهاهما، و ذلك لأن صلوة الزيارة و التحية للمسجد، كما ان العلة فيهما الزيارة و المرور فى المسجد، كذا تلك الصّلوة فان العلة فيها صلوة الجماعة القائمة، و ليس مراد الشهيد على الظاهر الا ما ذكرناه، فالسبب الذى بيّنه و اعترض عليه لا وجه له اصلا، و اما ثانيا فلان الرواية المتقدمة بالشهرة، فلا ضير فى العمل بها و ان كانت عامية، سيما مع اعتضادها بعمومات الأخبار الدالة على استحباب الاعادة جماعة لو صلى(1) منفردا، كما

ص: 63


1- قال فى التحرير: استحبّ اعادة الصلوة الواجبة جماعة لمن صلى منفردا و ان كان فى اوقات النهى كالصبح و العصر و المغرب و لا فرق بين مكه و غيرها فى الكراهية و لا بين الصيف و الشتاء عملا بالعموم. (منه)

يأتى ان شاء الله فى مقامها اليها الاشارة، فتأمل، فاذن مختار الشهيد طاب ثراه هو المختار.

الرابع: قال فى الذكرى: لو عرض السبب فى هذه الاوقات،

كان اراد الاحرام او دخل المسجد او زار مشهدا، لم يكره الصلوة لصيرورتها ذات سبب، لان شرعية هذه الامور عامة، و لو تطهر فى هذه الاوقات جاز ان يصلى ركعتين و لا يكون هذا ابتداء، للحث على الصلوة عقيب الطهارة، و لان النبى (ص) روى انه قال لبلال: حدثنى بارجى عمل عملته فى الاسلام، فانى سمعت دق عليك بين يدى فى الجنة، قال: ما عملت عملا و ارجى عندى من اننى لم اتطهر طهورا فى ساعة من ليل او نهار، الا صليت بذلك الطهور ما كتب لى ان اصلى و اقره النبى (ص) على ذلك، انتهى.

قال بعض الاجلاء بعد نقله: اما ما ذكره بالنسبة الى ذوات الاسباب، فقد تقدم الكلام فيه، و اما ما ذكره من ان من تطهر فى هذه الاوقات و صلى فانه لا يصدق على صلوته هذه انها نافلة مبتداة، فلا يخفى ما فيه، و ما استند عليه من الحث على الصلوة عقيب الطهارة، ففيه كما ورد استحباب الصلوة بعد الطهارة كذا ورد الحث على الصلوة ايضا بقول مطلق، و انها خير موضوع، من شاء استقل و من شاء استكثر، و ورد ان الرجل ليصلى الركعتين تطوعا، يريد بهما وجه الله عز و جل، فيدخله الله به الجنة، و نحو ذلك، و بالجملة فالحث على الصلوات، و الامر بها، لا ينافى الكراهة، باعتبار عروض بعض اسبابها، الا ترى ان صلوة الفريضة مع ما هى عليه من الوجوب، حتى صرحت الأخبار بكفر تاركها، يعرض لها الكراهة باعتبار بعض الا مكنة و الازمنة و الاحوال، مثلا، و اما ما ذكره من الخبر فهو عامى خبيث، و كذب بحث صريح، لتضمنه دخول بلال الجنة قبل النبى (ص)، و قد مر ما فيه من المفاسد، فى مقدمات كتابنا سلاسل الحديد فى تقييد ابن ابى الحديد، فالاستدلال به من مثل المشار اليه عجيب، انتهى.

اقول الظاهر ان غرض الشهيد هو بيان كون الصلوة عقيب الطهارة من

ص: 64

ذوى الاسباب، كما هو الظاهر، اذ ليس سبيلها الا كصلوة التحية و نحوها، فالامر الوارد على استحباب الصلوة بعد الطهارة، يصيرها ذات سبب، بخلاف الاخبار الواردة على الحث على الصلوة بقول مطلق، و انها خير موضوع، و بالجملة اذا ظهر للشخص دليل من اجماع محكى او غيره، يدل على استثناء ذوات الاسباب، فلا وجه لامثال هذه الكلمات اصلا، اذ لا ريب فى كون امثال تلك الصلوات من ذوات الاسباب، و الا فللشخص مطالبة الدليل فى كل من المستثنيات، و القبول فى ذى الدليل و عدمه فى عدمه.

الخامس: قال فى الذكرى ايضا: ليس سجود التلاوة صلوة،

فلا يكره فى هذه الاوقات، و لا يكره التعرض لسبب وجوبه او استحبابه، و كذا سجود الشكر، اما سجود السهو، ففى رواية عمار عن ابى عبد الله (ع): لا يسجد سجدتى السهو حتى يطلع الشمس و يذهب شعاعها، و فيه اشعار بكراهة مطلق السجدات.

السادس: قال فى الذكرى: لو أتم المسافر بالحاضر فى صلوة الظهر،

تخيّر فى جمع الظهر و العصر، او الاتيان بالظهر فى الركعتين الاوليين، فيجعل الأخيرتين نافلة، و لوأ تم فى العصر فالظاهر التخيير ايضا، و يأتى على قول من عمم كراهة النافلة، ان يقدم فى الاوليين النافلة و يجعل العصر فى الاخيرتين، و قد روى ذلك محمد بن النعمان عن الصادق (ع)، قال الشيخ انما فعل ذلك لانه يكره الصلوة بعد العصر، انتهى.

قال بعض الاجلاء ما ذكره من ان الاظهر التخيير، و ان الكراهة انما تتجه على القول الذى ذكره، ظاهر فى ان النافلة عنده ليست من النوافل المبتداة، و انما هى من ذوات الاسباب كما تقدم منه فى الموضعين المتقدمين، و فيه ما عرفت فانه لا وجه لدخول هذه النافلة فى ذوات الاسباب، بل الكراهة فيها متجه، كما ذكره الشيخ رحمه الله على كونها مبتداة، بقى الكلام فيما دلت اخبار هذه المسئلة من التخيير متى أتم المسافر بالحاضر، بين ان يجعل الاوليين هى

ص: 65

الفريضة و الاخيرتين نافلة، او العكس، و كذا صرّح به الاصحاب مع تصريحهم بتحريم الجماعة فى النافلة، الاّ ما استثنى، و لم يذكروا هذا الموضع فيما استثنوه، و لا يحضرنى الآن وجه الجواب من هذا الاشكال، انتهى.

أقول: قد مضى منافى مسئله صلوة النوافل فى وقت الفريضة ما ينفعك فى المقام، و سيجئى ان شاء الله فى المقام اللايق بها زيادة بسط ان شاء الله فانتظر.

السابع: قال بعض الأجلاء بعد نقل الخبر الثالث: قال فى الوافى،

و لعل مراد الراوى ان اشتغالى بأمر السوق، يمنعنى ان ادخل موضع صلوتى فأصلى فى اول وقتها، فأجابه (ع) بأن وقت الغروب من الاوقات المكروهه للصلوة، كوقتى الطلوع و القيام، فاجتهد ان لا تؤخر صلوتك اليه، و يحتمل ان يكون مراده انى اعرف ان الوقت قد دخل، الا انى لم استيقن به يقينا تسكن نفسى اليه، حتى ادخل موضع صلوتى فأصلى لا صلى على هذه الحال، ام اصبر حتى يتحقق لى الزوال؟ فأجاب (ع) بأن وقت وصول الشمس الى وسط السماء، و هو وقت مقارنه الشيطان لها كوقتى طلوعها و غروبها، فلا ينبغى لك ان تصلى حتى يتحقق لك الزوال، فان الشيطان يريد ان يوقعك على حد يقطع بك سبيل الحق دونه، اى يحملك على الصلوة قبل دخول وقتها، لكيلا تحسب لك تلك الصلوة، انتهى.

أقول: الظاهر بعد ما ذكره اخيرا عن حاق سياق الخبر المذكور، و الاظهر هو الأول، لكن بهذا التقريب، و هو ان السّائل سأل انه يدخل عليه الوقت فى السّوق و يعرفه و يحققه، لكن تأخير الصلوة الى ان يفرغ و يمضى الى منزله يوجب ضيق الوقت، فهل الا فضل ان يصلى فى السوق فى اول الوقت، او يؤخر الى ان يأتى المنزل و ان ضاق الوقت؟ فأمر (ع) بالاتيان بها فى اول الوقت، و الغرض من سوق هذا الكلام، الدال على مقارنة الشيطان للشمس فى هذه الاوقات الثلاثه، بيان اضلال الشيطان للناس فى هذه الاوقات الثلاثه، زيادة على ما هو عليه فى جميع الاوقات، اما فى وقت الطلوع فلما تقدم، و اما وقت القيام و وقت الغروب فانه حيث كان وقت الصلوة بعد هذين الوقتين بلا فصل، فانه يحضر هو

ص: 66

و جنوده لاغوائهم و اضلالهم عنها بما امكنه، فربما سول لك التأخير الى ان تدخل منزلك و موضع مصلاك، ليقطع بك دون الزوال و فضيلته انتهى كلام بعض الأجلاء

أقول: مراد السائل على الظاهر، هو انى اكون فى السوق فاعرف وقت الزوال، و يضيق على ان ادخل موضع صلوتى، فاصلى فى اول وقتها اما لاشتغالى بامر السوق، او لأجل متابعة هوى النفس الامارة بالسوء، فاجابه (ع)، بان الشيطان فى هذه الاوقات الثلاثه، و منها وقت القيام، يحضر هو و جنوده لاضلال الناس، بتقريب ما مر، فصل بعد الزوال بلا فصل، و لا تتبع هوى نفسك التى اعانها الشيطان، عن قريب زيادة على ساير الاوقات و هو وقت قيام الشمس، فان الشيطان يريد ان يوقعك على حد يقطع بك سبيل الحق دونه، و الله هو العالم بحقايق الامور.

الثامن: قال الشارح الفاضل: اعلم انه كان يغنى قيد الابتداء،

عن استثناء ماله سبب، كما صنع الشهيد و غيره، فانهم يحترزون بالمبتداء عن ذات السبب، و اعترض عليه الشارح المقدس رحمه الله: بان المتبادر من ابتداء النوافل، احداث فعلها، و هو اعم، غاية ما يمكن فهم كونه غير القضاء بقرينة ما مر و لا يفهم منه كونه غير ذات السبب بوجه، و اكتفاء البعض بمعونة قرينة ليس بحجة عليه، مع انه لا ينبغى التعرض بمثل هذا، اذ غايته ان يكون للتوضيح.

التاسع: قال الشارح الفاضل بعد ما نقلنا عنه: و يمكن الاحتراز بالابتداء هنا عن الاستدامة،

بان يدخل عليه احد هذه الاوقات و هو فى اثناء نافلة لا سبب لها، فانه لا يكره له قطعها لكونه مكروها، فيعارض الكراهتان، و يرجع الى الأصل، اولان المنهى عنه الصلوة لا بعضها.

العاشر: قال بعض الأجلاء: قال فى الذكرى: لو اوقع النافلة المكروهة

العاشر: قال بعض الأجلاء: قال فى الذكرى: لو اوقع النافلة المكروهة(1).

ص: 67


1- قال فى التحرير: اما قضاء النوافل فى هذه الاوقات فليس بمكروه الى ان قال: اما الفرايض فلا يكره اجماعا و كذا المنذورة سواء اطلق النذر او قيده، انتهى. (منه)

فى هذه الاوقات، فالظاهر انعقادها ان لم نقل بالتحريم، اذ الكراهة لا تنافى الصحة كالصلوة فى الا مكنة المكروهة، و توقف فيه الفاضل من حيث النهى، قلنا:

ليس نهى تحريم عندكم، و عليه يبتنى نذر الصلوة فى هذه الاوقات، فعلى قولنا ينعقد، و على المنع جزم الفاضل بعدم انعقاده، لانه مرجوح، و لقايل ان يقول بالصحة ايضا، لانه لا يقصر عن نافلة لها سبب، و هو عنده جايز، و لأنه جوز ايقاع الصلوة المنذورة مطلقا، فى هذه الاوقات، انتهى.

أقول: و يمكن ان يكون توقف الفاضل، نظرا الى ظاهر النهى، و انه حقيقة فى التحريم، و ان كان خلاف المشهور بينهم، و خلاف ما نسبه اليه بقوله:

ليس بنهى تحريم عندكم، فان اقواله فى اكثر المسائل متعددة، و عليه يحمل ايضا جزمه بعدم انعقاد النذر المذكور كما نقله عنه، و بالجملة فان جميع ما ذكره من البطلان و عدم انعقاد النذر، انما يتم مع الاخذ بظاهر النهى، فلعل العلامة فى هذا الموضع اختار خلاف ما صرح به هو و غيره، مما عليه القول المشهور من الجواز على كراهية.

اول الوقت افضل من غيره
اشارة

(و اول الوقت افضل) من غيره، و قد مضى فى شرح قول المصنف طاب ثراه:

المقصد الثانى فى اوقاتها، شرح هذا الكلام بما لا مزيد عليه فراجع البتة، و العقل ايضا حاكم بذلك، قال الشارح المقدس: و هذه الفضيلة ثابتة لجميع الصلوات، فى جميع الاوقات (الا ما يستثنى) من تضاعيف كتب الفقه، و هو مواضع:

جواز تأخير الصلاة في مواضع
الاول: تأخير الظهرين للمتنفل الى بعد النافله، او الذراع و الذراعين،

على الخلاف المتقدم، و عن بعض فى العصر تأخيرها الى مضى المثل ايضا، بناء على ما تقدم من ان فضيلتها بعد المثل الاول، و قد مضى تمام الكلام فى ذلك فى شرح قول المصنف طاب ثراه: ثم تشترك مع العصر الى ان يبقى للغروب مقدار اداء العصر فيختص به، فى الامر الاول فى التذنيب الاول، و فى الامر الثانى فى التذنيب، فراجع البتة.

الثانى: تأخير الظهر للابراد،

و قد مضى فى الامر الرابع الواقع فى

ص: 68

شرح قول المصنف رحمه الله: ثم تشترك مع العصر، الى آخره، مرّ تفصيل الكلام بما لا مزيد عليه، فراجع البتة.

الثالث: تأخير المغرب الى ذهاب الحمرة المشرقية بناء على القول بدخول وقتها باستتار القرص عن عين الناظر،

جمعا بين اخبار المسئلة، و قد عرفت ما فيه، فيما قدمناه من تحقيق المسئلة المذكورة، بما لا مزيد عليه، فراجع.

الرابع: يستحب تأخير المغرب و العشاء للمفيض من عرفات الى ان يأتى المزدلفة،

و هى المشعر الحرام، و ان مضى ربع الليل اجماعا، نقل عن المنتهى و يدل على ذلك جملة من الأخبار، و سيأتى ان شاء الله تعالى فى كتاب الحج اليها الاشارة.

و منها ما رواه التهذيب فى كتاب الحج فى باب نزول المزدلفة فى الصحيح، عن محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: لا تصلى المغرب حتى تأتى جمعا، و ان ذهب ثلث الليل.

الخامس: المستحاضة تؤخر الظهر و المغرب الى آخر وقتهما،

لتجمع بينهما و بين العصر و العشاء، و الكلام فى ذلك يطلب من بحث الاستحاضة.

السادس: تأخير العشاء الى ذهاب الحمرة المغربية،

و قد مر تمام الكلام فيه فراجع.

السابع: المشتغل بقضاء الفرائض الفائتة،

يستحب له تأخير الاداء الى آخر الوقت، على المشهور بين المتأخرين، و سيأتى تحقيق تلك المسئلة ان شاء الله تعالى.

الثامن: تأخير الصبح حتى يكمل نافلة الليل،

اذا ادرك منها اربعا، ذكره غير واحد منهم، و قد مر ما هو الظاهر عندى، فى شرح قول المصنف رحمه الله: و الا صلى ركعتى الفجر، فى الامر الثانى فراجع البتة.

قال بعض الأجلاء: و عندى فى عد هذا الموضع فى هذا المقام نظر، لان الظاهر من الأخبار ان ذلك انما هو على جهة الرخصة، لا انه الا فضل، كما

ص: 69

هو المراد فى المقام، و الا لعد ايضا من صلى ركعة من نوافل الزوال، قبل دخول وقت الفريضة المحدودة بالقدمين، ثم دخل عليه الوقت فانه يزاحم به الفريضة، رخصه كما تقدم، مع انهم لم يعدوه فى هذا المقام، انتهى فتدبر.

التاسع: تأخير الصايم للمغرب اذا نازعته نفسه للافطار،

او كان ثمة من ينتظره للافطار، و سيأتى الكلام فى كتاب الصوم ان شاء الله تعالى، فى ذكر الأخبار الواردة فى المسئلة، و منها:

ما رواه التهذيب فى كتاب الصوم، فى باب علامة فرض الصيام فى الصحيح او الحسن كالصحيح، عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال: سئل عن الافطار قبل الصلوة او بعدها، فقال: ان كان معه قوم يخشى ان يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم، و ان كان غير ذلك فليصل و ليفطر.

العاشر: الظاهر ان دخول الوقت،

حيث لا طريق له الى العلم، فان الا فضل له التأخير، حتى يحصل العلم به، لما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق عن ابن بكير عن ابيه عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت له: انى صليت الظهر فى يوم غيم، فانجلت فوجدتنى صليت حين زال النهار فقال: لا تعد و لا تعد(1) فان نهيه (ع) عن العود مع نهيه عن الاعادة، انما هو لما قلناه، و ان كانت صلوته صحيحة، قاله بعض الأجلاء.

و اما الاستدلال عليه بصحيحة على بن جعفر، فغير وجيه، و بالجملة الظاهر هو الاستحباب لما ذكرنا، و خروجا عن شبهة خلاف الاسكافى و غيره كما سيأتى ان شاء الله اليه الاشارة.

الحادى عشر: المدافع للاخبثين،

فان الافضل التأخير حتى يخرجهما لما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات فى الصحيح عن هشام بن

ص: 70


1- قال الشيخ فى التهذيب بعد نقل الخبر المذكور: الوجه فى هذا الخبر انما نهاه عن المعاودة الى مثله لان ذلك فعل من لا يصلى النوافل و لا ينبغى الاستمرار على ترك النوافل و انما يسوغ ذلك عند العوارض و العلل على ما بيناه. (منه)

الحكم عن ابى عبد الله (ع) قال: لا صلوة لحاقن و لا لحاقنه، و هو بمنزلة من هو فى ثوبه، و ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن ابى بكر الحضرمى عن ابيه عن ابى عبد الله (ع) قال: ان رسول اللّه (ص) قال: لا تصل و انت تجد شيئا من الاخبثين، و ما رواه الفقيه فى باب فيمن ترك الوضوء عن النبى (ص) مرسلا قال (ص): ثمانية لا يقبل الله لهم صلوة: العبد الابق الى ان قال و الزبين، و هو الذى يدافع البول و الغايط الحديث.

قال بعض الأجلاء: الحاقن بالنون حابس البول، و الحاقب بالباء حابس الغايط.

الثانى عشر: تأخير صلوة الليل الى آخره،

و قد مضى ما يدل عليه، قال بعض الأجلاء: تأخير صلوة الليل الى الثلث الاخير من الليل، أقول قد مضى ما يدل عليه ايضا.

الثالث عشر: تأخير مريد الاحرام،

الفريضة الحاضرة حتى يصلى نافلة الاحرام، قال بعض الأجلاء: هكذا ذكروه، و هو مبنى عندهم على الجمع فى وقت الفريضة، بين الفريضة و سنة الاحرام، و المستفاد من الأخبار، ان الاحرام اما دبر الفريضة ان اتفق ذلك فى وقت الفريضة، و الا بعد سنة الاحرام ان لم يتفق ذلك، و اما الجمع بين الفريضة و سنة الاحرام كما ذكروه، فلا وجود له فى النصوص، و حينئذ فلا وجه لعد هذا الموضع فى جمله هذه الافراد، انتهى.

أقول: يأتى تفصيل الكلام فى كتاب الحج ان شاء الله تعالى فانتظر.

الرابع عشر: تأخير ركعتى الفجر الى طلوع الفجر الأول،

و قد مر تفضيل الكلام فيه فراجع.

الخامس عشر: تأخير من فرضه التيمم الصلوة الى آخر الوقت،

على القول بجواز التيمم مع السعة.

السادس عشر: تأخير السلس و المبطون الظهر و المغرب للجمع،

و تفصيل الكلام يطلب من كتاب الطهارة.

ص: 71

السابع عشر: تأخير ذوات الاعذار،

كفا قد السترا و الظاهر منه مثلا، و فاقد الطهورين، او فاقد القبله، او نحو ذلك، الصلوة الى آخر الوقت عند رجاء زوال العذر، لو قيل بعدم الوجوب كالمشهور، و الا فمن يقول بالوجوب كما عن السيد و سلارو الا سكافى، فلا يتمشى المذكور، و ذلك واضح.

الثامن عشر: قضاء صلوة الليل،

فى صورة جواز التقديم، كما ذكره بعض الاصحاب، أقول: الظاهر انه لا وجه لعد هذا الفرد فى جمله هذه الافراد، لأن مبنى الكلام على استحباب تأخير الصّلوة من اول وقتها الموظف لها شرعا، و قضاء صلوة الليل هنا انما كان افضل، بالنسبة الى تقديمها على الانتصاف، لا بالنسبة الى وقتها المعين لها، فلا يكون مما نحن فيه فى شىء، و اما عن الشهيد الثانى فى شرح النفلية، حيث ان شقيقه عدّ هذا الفرد فى هذا المقام، من التعليل بأن وقت اول صلوة الليل مع هذه الأخبار، من اول الليل، و القاضى يؤخرها عنه فى الجملة و ان كان يفعلها فى خارج الوقت، فلا يخلو من تكلف، فان غاية ما تدل عليه الأخبار كما صرح به بعض الأجلاء، و هو ان الرخصة فى التقديم لمن يحصل له العذر عن الاتيان بها فى وقتها الموظف، و دلت على ان قضاءها افضل من تقديمها، بمعنى ان كلا الأمرين جايز، و ان كان القضاء افضل، و هذا لا يدل على كون اول الليل وقتا لها فى هذه الصّورة، فلذا قلنا فى شرح قول المصنف رحمه الله: و قضاء صلوة الليل افضل من تقديمها، فى الفرع الخامس انه مع التقديم ينوى التعجيل لا الاداء فراجع.

التاسع عشر: تأخير الوتيرة ليكون الختم بها،

الا فى نافلة شهر رمضان على قول، كذا عده غير واحد منهم فى الباب، و قد مضى تفصيل الكلام فى شرح قول المصنف رحمه الله: و ركعتى الوتيرة بعد العشاء و تمتد بامتدادها، بما لا مزيد عليه فراجع.

العشرون: تأخير المربية ذات الثوب الواحد،

الظهرين الى آخر الوقت لتغسيل ثوبها، و تصلى اربع صلوات فى ثوب طاهر، او نجاسة خفيفة قال بعض

ص: 72

الأجلاء، و انت خبير بأن الرواية الواردة فى المسئلة، مطلعة فى غسل الثوب، و هذا التفصيل انما وقع فى كلامهم، و اثبات الحكم بذلك لا يخلو عن الاشكال، أقول: تفصيل الكلام مع الترجيح، يطلب من كتاب الطهارة.

الحادى و العشرون: تأخير المسافر الذى دخل عليه الوقت فى السّفر،

الصلوة الى ان يدخل فيتم، و يدل عليه صحيحة محمد بن مسلم، و سيأتى تفصيل الكلام فى ذلك ان شاء الله فانتظر.

الثانى و العشرون: تأخير الصبح عن نافلته اذا لم يصل قبله فافهم.

الثانى و العشرون: تأخير الصبح عن نافلته اذا لم يصل قبله فافهم(1).

الثالث و العشرون: انتظار الامام او الماموم او كثرة الجماعة،

أقول: اما انتظار المامومين للامام، فقد تقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و النوافل ما لم يدخل وقتها، ما يدل عليه فراجع، و اما انتظار الامام لماموم او كثرة الجماعة، فينا فيه رواية ابراهيم بن موسى القزاز الواقعة فى التذنيب الأول الواقع فى الأمر الأول، الواقع فى شرح قول المصنف رحمه الله: ثم تشترك مع العصر الى ان يبقى، انتهى فراجع.

الرابع و العشرون: ما اذا كان التأخير مشتملا على الاتيان بالصلوة على وجهها،

من التوجه و الاقبال و فراغ البال، و يدل عليه الخبر الحادى و الثلاثون، و الثانى و الثلاثون، و الثالث و الثلاثون، المتقدم كلهم فى شرح قول المصنف رحمه الله: المقصد الثانى فى اوقاتها، فراجع.

الخامس و العشرون: تأخير الصلوة لقضاء حاجة المؤمن،

قال الشارح المحقق: و لا شك انه اعظم من النافلة، بل لا يبعد استحباب تأخير الفريضة ايضا لها، أقول: و يمكن ان يستدل على استحباب تأخير الفريضة لقضاء حاجة المؤمن، بروايتى ابى احمد و ابان بن تغلب، المرويتين فى التهذيب فى كتاب الحج فى باب الطواف، على اشكال، لمكان القول بأن الطواف غير محدود بوقت، فليتامّل،

ص: 73


1- اشارة الى ما سبق فى مقامه فراجع. (منه)

و على استحباب تأخير النافلة بفحوى المذكور، و برواية عبد الله بن سنان المروية فى الكافى فى باب تقديم النوافل، فراجع.

و لا يجوز تأخيرها عن وقتها و لا تقديمها عليه

(و لا يجوز تأخيرها عن وقتها) بلا خلاف اجده، بل عليه الاجماع محققا و محكيا (و لا تقديمها عليه) اجماعا محققا و محكيا، فى غير واحد من العباير، و النصوص به مع ذلك مستفيضة منها: ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الموثق عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: من صلى فى غير وقت فلا صلوة له.

و منها ما رواه فى المكان المتقدم فى الموثق عن محمد بن الحسن العطار عن ابيه عن ابى عبد الله (ع) قال: لان اصلى الظهر فى وقت العصر، احب الى من ان اصلى قبل ان تزول الشمس، فانى اذا صليت قبل ان تزول الشمس لم يحتسب لى، و اذا صليت فى وقت العصر حسبت لى.

و منها ما رواه فى المكان المتقدم عن عبد الله بن سليمان مثله.

و منها ما رواه فى المكان المتقدم فى كالصحيح لمكان ابان عن زرارة عن ابى جعفر (ع) فى رجل صلى الغداة بليل، غره من ذلك القمر، و نام حتى طلعت الشمس، فاخبر انه صلى بليل، قال: يعيد صلوته.

و منها غير ذلك من الأخبار، و سيأتى غير واحد منها الاشارة.

و اما ما رواه التهذيب فى اواخر باب الصلوة فى السفر فى الزيادات فى الصحيح عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا صليت فى السفر شيئا من الصلوات فى غير وقتها، فلا يضرك.

و رواه ايضا فى باب تفصيل ما تقدم ذكره، فلفظ الوقت محمول على وقت الفضيلة، كما لا يخفى على المتتبع فى الأخبار بعين الاعتبار، و حمل الخبر على خروج الوقت فيكون قضاء، لا يخلو عن بعد، و قد تقدم منا ان اطلاق الوقت على الوقت الاول شايع فى الأخبار، فلا اشكال فى الخبر اصلا، هذا مضافا الى احتمال كونه محمولا على التقية، قال المصنف رحمه الله فى المنتهى: لا يجوز

ص: 74

الصلوة قبل دخول وقتها، و هو قول اهل العلم كافة، الا ما روى عن ابن عباس فى مسافر صلى الظهر قبل الزوال يجزيه، و بمثله قال الحسن و الشعبى، لنا الاجماع على ذلك، و خلاف هؤلاء لا اعتداد به، و قد انقرض ايضا فلا تعويل عليه.

و يجتهد فى الوقت اذا لم يتمكن من العلم
اشارة

(و يجتهد فى الوقت اذا لم يتمكن من العلم)

هنا مسئلتان:
الاولى لا يجوز التعويل على الظن عند التمكن من العلم،
اشارة

قال فى المدارك لا نعلم فيه مخالفا، اقول: بل عن صريح جماعة ان عليه اجماع الامامية، نعم ربما يظهر من الشيخين فى المقنعة و النهاية المخالفة، حيث قال فى المقنعة:

من ظن ان الوقت قد دخل فصلى، ثم علم بعد ذلك انه صلى قبله، اعاد الصلوة الا ان يكون الوقت دخل و هو فى الصلوة لم يفرغ منها بعد، فيجزيه ذلك و قال فى النهاية: لا يجوز لاحد ان يدخل فى الصلوة، الا بعد حصول العلم بدخول وقتها، او يغلب ظنه على ذلك، و ربما نسب المخالفة الى ظاهر المصنف ايضا و بعض كتبه، و كيف كان فلنذكر اولا جملة من الأخبار المتعلقة بالمسئلة، ثم لنتعرض فى حجاج الطرفين، فنقول:

جملة من الأخبار المتعلقة بالمسئلة
الاول:

ما رواه التهذيب فى باب(1) وقت اوقات الصلوة فى الصحيح، عن ابن ابى عمير عن اسمعيل بن رياح عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا صليت و انت ترى انك فى وقت، و لم يدخل الوقت، فدخل الوقت و انت فى الصلوة، فقد أجزأت عنك.

الثانى:

ما رواه ايضا فى باب الاذان و الاقامة فى الزيادات فى الصحيح عن ذريح المحاربى قال قال ابو عبد الله (ع): صل الجمعة باذان هؤلاء، فانهم اشد شىء مواظبة على الوقت.

الثالث:

ما رواه فى المكان المتقدم عن محمد بن خالد القسرى قال:

ص: 75


1- تفصيل ما تقدم ذكره على ما رأيناه.

قلت لأبى عبد الله (ع): اخاف ان نصلى يوم الجمعة قبل ان تزول الشمس، فقال: انما ذاك على المؤذّنين.

و روى ايضا فى باب العمل فى ليلة الجمعة فى الزيادات، باسناد آخر عنه مثله.

الرابع:

ما رواه ايضا فى زيادات باب الاذان و الاقامة، عن عيسى بن عبد الله الهاشمى عن ابيه عن جده، عن علّى (ع) قال: المؤذن مؤتمن، و الامام ضامن.(1)

الخامس:

ما رواه شيخنا المجلسى انار الله برهانه فى البحار، فى باب اوقات الصلوة، عن العياشى عن سعيد الاعرج قال: دخلت على ابن عبد الله عليه السلام و هو مغضب، و عنده نفر من اصحابنا، و هو يقول: تصلون قبل ان تزول الشمس، قال و هم سكوت، قال فقلت: اصحلك الله ما نصلى حتى يؤذن مؤذن مكة، قال: فلا باس اما انه اذا اذن فقد زالت الشمس، ثم قال: ان الله يقول:

«أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ»، فقد دخلت اربع صلوات فيما بين هذين الوقتين، و افرد صلوة الفجر فقال: «وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً»، فمن صلى قبل ان تزول الشمس، فلا صلوة له.(2)

السادس:

ما رواه فى الباب المتقدم عن قرب الاسناد، عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر قال: سألته عن رجل صلى الفجر فى يوم غيم او فى بيت، و اذن المؤذن، و قعد فاطال الجلوس، حتى شك، فلم يدر هل طلع الفجر ام لا؟ فظن ان المؤذن لا يؤذن حتى يطلع الفجر: اجزاه اذانهم

السابع:

ما رواه فى الباب المتقدم عن العيون، عن ابيه عن على بن ابراهيم عن محمد بن عيسى عن احمد بن عبد اللّه القروى، عن ابيه قال: دخلت على الفضل بن الربيع و هو جالس على سطح، فقال: لى ادن منى، فدنوت منه

ص: 76


1- الغفو و الاغفاء النوم او النعاس. (منه)
2- شواء گوشت بريان شده.

حتى حاذيته، ثم قال لى: اشرف الى البيت فى الدار فاشرفت، فقال لى:

ما ترى؟ قلت: ثوبا مطروحا، فقال: انظر حسنا، فتأملت و نظرت فتيقنت، فقلت رجل ساجد الى ان قال فقال: هذا ابو الحسن موسى بن جعفر (ع)، انى اتفقده الليل و النهار، فلم اجده فى وقت من الاوقات، الا على الحالة التى اخبرك بها، ان يصلى الفجر فيعقب ساعة فى دبر صلوته الى ان تطلع الشمس ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجدا حتى تزول الشمس، و قد و كل من يترصد له الزوال، فلست ادرى متى يقول له الغلام قد زالت الشمس اذ يثب فيبتدئ الصلوة من غير ان يحدث وضوءا، فاعلم انه لم ينم فى سجوده و لا اغفا، فلا يزال الى ان يفرغ من صلوة العصر، فاذا صلى العصر سجد سجدة فلا يزال ساجدا الى ان تغيب الشمس، فاذا غابت الشمس و ثب من سجدته، فصلى المغرب من غير ان يحدث حدثا، و لا يزال فى صلوته و تعقيبه الى ان يصلى العتمة، فاذا صلى العتمة افطر على شوىّ (1) يؤتى به، ثم يجدد الوضوء ثم يسجد ثم يرفع رأسه، فينام نومة خفيفة، ثم يقوم فيجدد الوضوء، ثم يقوم فلا يزال يصلى فى جوف الليل حتى يطلع الفجر، فهذا دابه منذ حول الى الحديث.

الثامن:

ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب الاذان و الاقامة مرسلا، قال قال ابو جعفر (ع) فى حديث المؤذن: و له من كل من يصلى بصوته حسنة.

التاسع:

ما رواه فى الباب المتقدم مرسلا ايضا، عن الصادق (ع) فى المؤذنين: انهم الامناء.

العاشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن عبد الله بن على عن بلال فى حديث، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: المؤذنون امناء المؤمنين، على صلواتهم و صومهم و لحومهم و دمائهم.... الحديث.

الحادى عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، قال كان لرسول الله

ص: 77


1- اندك چيزى اورده شود. (منه)

(ص) مؤذنان احدهما بلال و الآخر ابن ام مكتوم، و كان ابن ام مكتوم اعمى، فكان يؤذن قبل الصبح، و كان بلال يؤذن بعد الصبح، فقال النبى (ص): ان ابن مكتوم يؤذن بليل، فاذا سمعتم اذانه فكلوا و اشربوا حتى تسمعو اذان بلال.

الثانى عشر:

ما عن المفيد فى المقنعة قال: و روى عن الصادقين (ع) أنهما قالا: قال رسول الله (ص): يغفر للمؤذن مد صوته و بصره، و يصدقه الى ان قال و له بكل من صلى باذانه حسنة.

الثالث عشر:

ما رواه فى البحار فى باب اوقات الصلوة، عن كتاب المسائل باسناده عن على بن جعفر عن اخيه موسى (ع)، فى الرجل يسمع الاذان فيصلى الفجر، و لا يدرى طلع ام لا، غير انه يظن لمكان الاذان انه طلع، قال: لا يجزيه حتى يعلم انه طلع.

و رواه فى الذكرى ايضا، عن ابن ابى قره باسناده الى على بن جعفر عنه بادنى تغيير غير مخل.

الرابع عشر:

ما رواه التهذيب فى باب العمل فى ليلة الجمعة، فى القوى لمكان محمد بن سنان عن ابن مسكان المجمع على تصحيح ما يصح عنه، عن عبد الرحمن بن عجلان قال قال ابو جعفر (ع): اذا كنت شاكا فى الزوال فصل الركعتين، و اذا استيقنت الزوال فصل الفريضة.

الخامس عشر:

ما رواه الكافى فى باب وقت الفجر عن على بن مهزيار قال: كتب ابو الحسن ابن الحسين الى ابى جعفر الثانى (ع)، معى: جعلت فداك قد اختلف موالوك فى صلوة الفجر، فمنهم من يصلى اذا طلع الفجر الاول المستطيل فى السماء، و منهم من يصلى اذا اعترض فى اسفل الافق و استبان، و لست اعرف افضل الوقتين فاصلى فيه، فان رأيت ان تعلمنى افضل الوقتين و تحده، و كيف اصنع مع القمر و الفجر لا يتبين معه حتى يحمر(1) و يصبح، و

ص: 78


1- يجهر خ ل.

كيف اصنع مع الغيم، و ما حد ذلك فى السفر و الحضر؟ فعلت ان شاء الله، فكتب عليه السلام بخطه و قراته: يرحمك الله هو الخيط الابيض المعترض، ليس هو الابيض صعدا، فلا تصل فى سفر و لا حضر حتى تبيّنه، فان الله تبارك و تعالى لم يجعل خلقه فى شبهة من هذا، قال: «وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اَلْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ اَلْفَجْرِ»، فالخيط الابيض هو المعترض الذى يحرم به الاكل و الشرب فى الصوم، و كذلك هذا الذى توجب به الصّلوة.

اذا عرفت ذلك فاعلم ان للمشهور وجوها:

الأول: الاجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظيمة.

الثانى: الخبر الثالث عشر، و الرابع عشر، و الخامس عشر.

الثالث: اصالة عدم حجية الظن حتى تثبت، و لم تثبت.

الرابع: ان المكلف مأمور بالصّلوة فى الوقت، و التكليف اليقينى يقتضى البراءة اليقينيه، قاله الشارح المحقق و غيره، فتدبر.

الخامس: ما اشار اليه فى المنتهى، بأن العلم يؤمن معه الخطاء، و الظن لا يؤمن معه ذلك، و ترك ما يؤمن معه الخطاء قبيح عقلا، ورد بانّ العقل لا يقضى بقبح التعويل على الظن هنا، بل لا ياباه لو قام عليه دليل، أقول: يمكن ان يقال: ان مراد المصنف انه ثبت التكليف بشىء، و لم يظهر من الشارع دليل على كفاية الظن فيه، و امكن الوصول الى العلم، فان العقل يحكم بقبح العمل بالظن فى المقام، اذ يؤدى ذلك الى تحريم الحلال و تحليل الحرام.

و للشيخين جملة من الأخبار، منها الخبر الأول الى الخبر الثانى عشر، قال بعض الأجلاء بعد نقله الأخبار المتقدمة الواردة فى الاذان، ما صورته: و هذه الأخبار كلها كما ترى ظاهرة الدلالة متعاضدة المقالة، فى جواز الاعتماد على المؤذنين و غيرهم، كما يدل عليه الحديث الاخير، و اشار به الى الخبر السابع قال: و لا يخفى ان غاية ما يفيده هذه الأخبار، رواية اسمعيل ابن رياح المتقدمة، و هى الخبر الأول، ثم قال: الا انه روى الشيخ رحمه الله عن على بن جعفر عن

ص: 79

أخيه موسى (ع)، ثم نقل الخبر الثالث عشر، و قال: و هى ظاهرة فى عدم جواز التعويل على الاذان، و بها استدل فى المدارك على القول المشهور، و أنت خبير بان ما قابلها من الأخبار المتقدمة اكثر عدا و اصح سندا، و حينئذ يتعين ارتكاب فى هذه الروايات، اما بان يحمل على عدم الوثوق بالمؤذن، او على الفضل و الاستحباب، كما هى القاعدة المطردة عندهم فى جميع الابواب.

و ظاهر المحقق فى التحرير الميل الى الاعتماد الى اذان الثقة، الذى يعرف منه الاستظهار، لقول النبى (ص): المؤذنون امناء، و لان الاذان شروع للاعلام بالوقت، فلو لم يعول عليه لم تحصل الغاية من شرعيته، و اعترضه الشهيد رحمه الله و غيره بانه يكفى فى صدق الامانة تحققها بالنسبة الى ذوى الاعذار، و شرعية الاذان للاعلام لتقليدهم خاصة، و لتنبيه المتمكن من الاعتبار.

و فيه نظر اما اولا فانه تقييد لاطلاق الأخبار المتقدمة، بغير دليل سوى مجرد دعويهم الاتفاق على اشتراط العلم، و اما ثانيا فان الدليل غير منحصر فيما ذكره المحقق من التعليلين المذكورين، ليتم ما قالوه بالجواب عنهما، بل ظاهر صحيحة ذريح، و رواية محمد بن خالد، و نحوهما من الروايات المتقدمة هو العموم لذوى الاعذار و غيرهم، و هو اظهر من ان يحتاج الى مزيد بيان، و بذلك يظهر لك ما فى جمود صاحب المدارك على كلام الشهيد رحمه الله هنا، و اعتضاده به، و تردد الفاضل الخراسانى فى الذخيرة بعد نقله، فانه لا وجه له، بعد ما عرفت من الأخبار التى قدمناها، و ظهورها فى العموم، و لكنهم لعدم اعطاء التتبع و التأمل حقهما فى الأخبار، جرى ما جرى لهم فى امتثال هذا المضمار.

و اما ما نقله ابن ادريس فى مستطرفات السرائر من كتاب نوادر البزنطى، عن عبد الله بن عجلان قال قال ابو جعفر (ع) ثم نقل الخبر الرابع عشر، و قال:

فلا منافاة فيه لما ذكرناه، اذ غاية ما دل عليه، هو عدم جواز الصلوة مع الشك

ص: 80

فى الوقت، و جوازها مع اليقين، و لا دلالة فيها على التخصيص به، و عدم جواز الاعتماد على الظن الحاصل بالاذان و نحوه بل هو مطلق بالنسبة الى ذلك فيجب تقييده بما ذكرناه من الأخبار، الى ان قال: و اما ما فى حديث على بن مهزيار، و قول ابى جعفر فيه الفجر هو الخيط، ثم نقل موضع الحاجة من الخبر الخامس عشر، و قال: فان ظاهر سياق الخبر، انه مع الاشتباه و عدم تبين الفجر الصادق من الكاذب، لا يجوز له الصلوة حتى يتبين لكم ذلك، الا ان تبيّنه، كما يكون برؤيته بنفسه، كذلك يكون بسماع الاذان، كما ينادى به قوله فى مرسلة الفقيه: فكلوا و اشربوا حتى تسمعوا اذان بلال، و هو ظاهر اطلاق باقى الأخبار، و حاصل المعنى هو الرخصة فى الاكل و الشرب، حتى يتبين الفجر باحد الامرين المذكورين انتهى كلامه رفع مقامه.

أقول: الذى يقتضيه القواعد فى المقام، هو ان يقال: لا ريب فى وقوع التعارض بين الأخبار الواردة فى المسئلة، و يمكن الجمع بينها بوجوه:

الأول: ابقاء الأخبار الدالة على المشهور على حالها و حمل باقى الاخبار على صورة عدم التمكن من العلم.

الثانى: حمل الأخبار المانعة على الاعتماد على الاذان بصريحها او اطلاقها، على اذان غير الثقة، و المجوزة على اذان الثقة.

الثالث: حمل المانعة على الفضل و الاستحباب، و المجوزة على الجواز، و الترجيح مع الاول لكونه اوفق بالاصول المرعية، و الشهرة العظيمة التى لا ييعد معها دعوى شذوذ المخالف، بل منع بعض الأجلة شمول اطلاق الشيخين بكفاية المظنة لنحو الصورة المفروضة، قال: بل الظاهر بحكم التبادر عدمه، و بالاجماعات المحكية عن فحول الطائفة، هذا مضافا الى ان الأخبار المستدل بها على مذهب الشيخين اكثر غير ناهضة، لمكان الاخصية، و عدم القائل بالفصل ممنوع لمكان ما اختاره المحقق فى التحرير، حيث مال الى الاعتماد على اذان الثقة، الذى يعرف منه الاستظهار، مستدلا بما مر نقله من كلام بعض الأجلاء،

ص: 81

ورده على الذكرى بما عرفت من نقل كلامه، او هن من بيوت العنكبوت، كما لا يخفى على من له ادنى اطلاع بالقواعد الاجتهادية المرعية، فلا نطول المقام بذكرها.

وهم و تنبيه:

قال بعض الأجلاء طاب مضجعه: قال فى المدارك بعد اعتراضه على كلام التحرير، المتقدم بما قدّ منا نقله عن الشهيد رحمه الله ما صورته: نعم لو فرض افادة العلم بدخول الوقت، كما قد يتفق كثيرا فى اذان الثقة الضابط، الذى يعلم منه الاستظهار فى الوقت، اذا لم يكن هناك مانع، جاز التعويل عليه قطعا، و يدل عليه صحيحة ذريح، ثم اورد الصحيحة المذكورة و عقبها برواية محمد بن خالد القسرى.

أقول: لا يخفى ما فيه على الفطن النبيّه، اما اولا فلان ما ذكره من افادة اذان الثقة الضابط للعلم، ينافى ما ذكروه فى الاصول، بالنسبة الى الأخبار المروية عن الأئمة (ع)، بنقل الثقاة العدول المجمع على فضلهم و ورعهم و عدالتهم، من ان غاية ما يفيده رواياتهم هو الظن، دون العلم، و هذا احد المعارك العظام بين الاصوليين و الأخباريين، كما حقق فى محلّه، و اما ثانيا فان ما زعمه من دلالة الخبرين المذكورين على افادة العلم، لا اعرف له وجها، نعم يستفاد من الأول حصول الظن الراجح، انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.

أقول: و فيه نظر: اما اولا فلان المنافاة التى اوردها لا وجه لها اصلا، لأن صاحب المدارك قدس سره لم يدع الكلية، و مع ذلك قيد الثقة بما قيد، هذا مضافا الى ان الفرق بين ما ذكره رحمه الله هنا، و ما ذكروه رضوان اللّه عليهم فى الاصول، كثير لا يسع المقام ذكر الجميع، و من وجوه الفرق: نقل الثقات الأخبار التى رووها بالكتابة، و احتمال السهو و النسيان، فى الراوى الكاتب، و ناقل النسخه، و الناظر، و مغلوطية النسخه، مما ليس فيه ريبة، و منها كون كثير من الروايات موثقا بالقرائن و الامارات، التى لا يفيد اكثرها الا المظمنه، و بالظنون

ص: 82

الاجتهادية، بخلاف المقام فان الغالب كون ثقة المؤذن معلوما او مظنونا بالظن القوى، الذى لا يقبل ان يقاس بالمظنه السابقة لمكان ضعفها، و منها كون الأخبار المتعارضة، بل نقل الثقات العدول كثيرة، و لا ريب ان بملاحظة المتعارضين لا يحصل العلم غالبا بكونهما من المعصومين (ع)، و اما ثانيا فان ما ذكره بقوله: فان ما زعمه من دلالة الخبرين المذكورين على افادة العلم لا اعرف له وجها، نعم يستفاد من الأول حصول الظن الراجح لا اعرف له وجها، و ذلك لأن صاحب المدارك رحمه الله قال: ان العلم لو حصل من اذان الثقة، جاز التعويل عليه، و يدل على جواز التعويل هذان الخبران، و لا ريب فى دلالتهما على ما ذكره، لأن قوله (ع): صل الجمعة باذان هؤلاء الى آخره، مطلق سواء حصل من اذانهم العلم بالوقت او المظنة، و على الثانى سواء كان طريقا الى العلم ام لا، و دلالة المطلق على افراده مما لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه، خرج منه فرد بالدليل و بقى الباقى.

الثانية: المشهور بين الاصحاب، جواز التعويل على الامارات المفيدة للمظنه، كصنعة و درس و قراءة و امثالها،

و عدم وجوب الصبر الى حصول اليقين، عند عدم التمكن من العلم لغيم(1) او نحوه.

و عن الاسكافى ليس للشاك يوم الغيم و لا غيره، ان يصلى الا عند تيقنه بالوقت، و صلوته فى آخر الوقت مع اليقين خير من صلوته مع الشك.

و عن السيّد المرتضى لا يصح الصلوة قبل الوقت، سواء كان جهلا او سهوا، و لا بد من ان يكون جميع الصلوة واقعة فى الوقت المضروب لها، فان صادف شىء من اجزائها ما هو خارج الوقت، لم يكن مجزية، و بهذا يفتى محصلوا اصحابنا و محققوهم، و قد وردت روايات به، و ان كان فى بعض كتب اصحابنا ما يخالف ذلك من الرواية.

ص: 83


1- و فى المسالك: و لا فرق فى ذلك بين الاعمى و الممنوع من العلم بحبس او غيم او غيرهما و هو جيد. (منه)

و عن ابى عقيل من صلى صلوة فرض او سنة قبل دخول وقتها، فعليه الاعادة ساهيا كان او معتمدا، فى اى وقت كان، الا سنن الليل فى السفر.

و الى قول الاسكافى مال السيد فى المدارك.

للمشهور وجهان:

الأول: الاجماع المحكى عن التنقيح المعتضد بالشهرة العظيمة.

الثانى: جملة من الأخبار، منها الأخبار المتقدمه فى المسئلة الاولى، التى استدل بها ارباب القول المزيف، و منها الخبر الأول، و منها ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات او فى باب القبله، فى الموثق او كالموثق لمكان عثمان بن عيسى، و ان كان الاظهر الأول، عن سماعة قال: سألته عن الصلوة بالليل و النهار، اذا لم ير الشمس و لا القمر و لا النجوم، قال: تجتهد رايك و تعمد القبله جهدك، و القول بأن المراد انما هو الاجتهاد فى القبلة خاصة، فيكون العطف تفسيريا، غير وجيه، لمكان اولوية التأسيس، و اطلاق قوله: اجتهد رايك، بالنسبة الى الوقت و القبله.

و منها ما رواه ايضا فى كتاب الصّوم فى باب حكم السّاهى عن ابى الصباح الكنانى قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل صام ثم ظن ان الشمس قد غابت، و فى السماء غيم فأفطر، ثم ان السحاب انجلى فاذا الشمس لم تغب، فقال: قد تم صومه و لا يقضيه.

و منها ما رواه فى الباب المتقدم عن زيد الشحام عن ابى عبد الله (ع)، عن رجل صائم ظن ان الليل قد كان و ان الشمس قد غابت، و كان فى السماء فأفطر، ثم ان السحاب انجلى، فاذا الشمس لم تغب، فقال: تم صومه و لا يقضيه.

و منها ما رواه باب الزيادات من كتاب الصوم فى الصحيح، عن فضاله عن ابان عن زرارة قال: سألت ابا جعفر (ع) الى ان قال و قال لرجل ظن ان الشمس قد غابت فأفطر ثم ابصر الشمس بعد ذلك، قال: ليس عليه قضاء، و

ص: 84

الاختصاص بالصوم غير ضاير، لمكان عدم القول بالفرق، قاله بعض الاجله(1)كغيره.

و منها ما رواه كتاب الصوم فى باب حكم السّاهى فى الصحيح عن زرارة قال قال ابو جعفر (ع): وقت المغرب اذا غاب القرص، فان رايته بعد ذلك و قد صليت، اعدت الصلوة، و قد مضى صومك(2) و تكف عن الطعام ان كنت قد اصبت منه شيئا، و رواه ايضا فى باب المواقيت فى الزيادات، فليتأمل.

و منها ما رواه الكافى فى باب وقت الصلوة فى يوم الغيم فى الصحيح او الحسن كالصحيح، عن ابى عبد الله الفرا عن ابى عبد الله (ع) قال: قال له رجل من اصحابنا: ربما اشتبه الوقت علينا فى يوم الغيم، فقال: اتعرف هذه الطيور التى عندكم بالعراق يقال لها الديكه، قلت، نعم، قال: اذا ارتفعت اصواتها و تجاوبت،(3) فقد زالت الشمس، او قال: فصله، و فى الفقيه فى باب المواقيت فعند ذلك فصل.

و منها ما رواه الكافى فى الباب المتقدم عن الحسين بن مختار عن رجل قال قلت لأبى عبد اللّه (ع): انى رجل مؤذن، فاذا كان يوم الغيم لم اعرف الوقت، فقال: اذا صاح الديك ثلاثة اصوات ولاء، فقد زالت الشمس و قد دخل وقت الصلوة.

و منها ما رواه فى البحار فى باب الحث على المحافظة على الصلوات، عن العيون، عن ابيه عن احمد بن ادريس عن احمد عن ابراهيم بن حمويه عن محمد بن عيسى بن عبيد عن الرضا (ع) قال: فى الديك الابيض خمس خصال من خصال الانبياء (ع): معرفته باوقات الصلوات، و الغيره، و السخاء، و الشجاعة، و كثرة الطروقه.

ص: 85


1- و هو صاحب الرياض و شارح المفاتيح. (منه)
2- و القول بانه يحتمل ان يراد بمضى الصوم فلا ينبغى ان يلتفت اليه جدا. (منه)
3- تجاوبوا جاوب بعضهم بعضا. الصدوق. (منه)

و منها رواية ابن بكير عن ابيه، المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله الا ما يستثنى.

و للاسكافى ايضا وجهان:

الاول: الاصل، و العمومات الناهية عن العمل بالمظنة.

الثانى: جملة من الأخبار، منها الاخبار التى استند اليها ارباب القول المشهور فى المسئلة الاولى، و منها ما رواه شيخنا المجلسى رحمه الله فى البحار فى باب اوقات الصلوة، عن تفسير النعمانى باسناده عن الصادق (ع)، عن آبائه عن امير المؤمنين عليهم السلام، فى حديث طويل: ان الله تعالى اذا حجب عن عبادة عين الشمس التى جعلها دليلا على اوقات الصلوة، فموسع عليهم تأخير الصلوة، ليتبين لهم الوقت بظهورها و يستيقنوا انها قد زالت.

أقول: و فيها نظر، اما فى الاول فلما تقدم من الادلة المخصصة، و اما فى الثانى فلما تقدم من كون تلك الأخبار محمولة على صورة امكان العلم، هذا فى غير خبر النعمانى، و اما فيه فلوجهين: احدهما ضعف السند و لا جابر له، و ثانيهما ضعف الدلالة لمكان قوله: فموسع.

و اما القول فى مقام المناقشة، بانه يدل على التأخير حتى تطلع الشمس، مع انها ربما لا تطلع فى ذلك اليوم بالكلية، فله جواب اصلناه على اهل الكمال

و بالجملة لا ريب و لا تأمل فى قوة ما اختاره المشهور، لان الادلة الدالة عليه من اخبار الاذان، و صياح الديكة، و الاجماع المنقول المعتضد بما مر، و غيرها، كالنور على الطور، بحيث لا يعتريه الفتور، و القول المخالف له فى غاية من القصور، كما لا يخفى على من له ادنى فهم و شعور، و امر الاحتياط واضح.

فرعان:
الاول: هل يجوز الاعتماد على شهادة العدلين؟

فعن ظاهر الأكثر الجواز، و فى العدل الواحد عدم الجواز، و عن ظاهر المبسوط عدم جواز التعويل على الغير مع المانع مطلقا، قال الشارح المقدس رحمه الله بعد حكمه

ص: 86

بعدم الاكتفاء بالعدل(1) الواحد مع امكان العلم ما لفظه: و اما اذا كانا عدلين(2)فالظاهر الجواز، لانه حجة شرعية، و يعلم ذلك من قول الأصحاب، و مما قيل فى الاصول ايضا ان العمل حينئذ على العلم، لان الدليل الدال على قبولهما علم من الكتاب، او السنة المتواترة، و الاجماع، فلا يبعد ذلك، و ان كان الواحد ايضا كذلك لا فرق(3)، و ذلك ايضا غير بعيد، سيما اذا كان ضابطا عارفا صاحب احتياط تام، حتى انه قد يحصل العلم، انتهى.

أقول: و الأحوط هو ما ذكره فى المبسوط فلا يترك.

الثانى: ظاهر الصدوق فى الفقيه هو الاعتماد على اصوات الديوك اذا ارتفعت و تجاوبت،

و مال اليه الشهيد فى الذكرى، و نفى الشارح المحقق عنه البعد، و عن المصنف رحمه الله انه نفاه فى التذكرة، قال الشهيد: و هو محجوج عليه بالخبرين، اقول: لا ريب ان مورد الكلام هو عدم امكان تحصيل العلم، و عليه فلو حصل من اصواتها الظن بدخول الوقت، فلا ريب ايضا فى اعتباره(4)، اذ

ص: 87


1- و فى المسالك يجوز لمن تعذر عليه العلم الرجوع الى العدل العارف المخبر عن علم و الى المؤذن العدل و لا يجوز مع امكان العلم على المشهور. (منه).
2- قال الشارح المحقق و هل يجوز الاعتماد على شهادة العدلين ظاهر اكثر الاصحاب ذلك لكونها شهادة اعتبرها الشارع لكن فى اثبات ذلك كليه اشكال و اما الاعتماد على شهادة العدل الواحد فالظاهر عدم جوازه لفقد الدليل و مفهوم آية تثبت غير ناهض باثباته نعم اذا انضم اليها قراين يوجب العلم صح التعويل عليه و كان خارجا عن محل النزاع. (منه)
3- بلا فرق ظ خ.
4- و فى التحرير لو اخبره عدل بوجوب الوقت فان لم يكن طريق سواه و الاخبار عن علم بنى عليه لا فادته الظن و لو كان طريق علمى لم يعول على قوله و ان كان الأخبار عن اجتهاد لم يقلد و اجتهد و لو سمع الاذان من ثقة عارف و لم يتمكن من العلم رجع اليه و الا فلا انتهى. أقول و لو قدر رجحان اجتهاد غيره فى نفسه على اجتهاد نفسه لا يجوز له العمل باجتهاد نفسه لامتناع العمل بالمرجوح مع وجود الراجح. (منه)

التحقيق كفاية مطلق الظن فى المقام، كما يستنبط من الأخبار المتقدمة، و اما اذا لم يحصل منها الظن، فالامر لا يخلو عن اشكال، و الاحتياط لا يترك البتة.

فان انكشف فساد ظنه و قد فرغ من الصلوة قبل الوقت اعادها
اشارة

و حيث عرفت جواز الاعتماد على الظن مع عدم امكان العلم (فان انكشف فساد ظنه و قد فرغ) من الصلوة (قبل الوقت اعادها) اجماعا فتوى و نصا، على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، و يدل عليه جملة من الأخبار، منها خبر ابى بصير، و خبر العطار، و خبر عبد الله بن سليمان المتقدم كلهم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و لا يجوز تأخيرها عن وقتها و لا تقديمها عليه.

و منها خبر زرارة المتقدم هناك، المشتمل على قول الباقر (ع): يعيد صلوته، فى رجل صلى الغداة بليل غره من ذلك القمر، و نام حتى طلعت الشمس فاخبر انه صلى بليل، و اعترض الشارح المحقق على التمسك به. بانه ظاهر فى صورة التمكن من العلم، و فيه نظر لانه متمكن من العلم بالتأخير، لا حين ارادة الصلوة، فسبيل ضوء القمر كالغيم.

و منها ما رواه فى البحار فى باب اوقات الصلوة عن دعائم الاسلام، عن امير المؤمنين و ابى جعفر و ابى عبد الله صلوات الله عليهم انهم قالوا: من صلى صلوة قبل وقتها لم تجزه، و عليه الاعادة، كما ان رجلا لو صام شعبان لم يجزه من رمضان، و بالجملة الأخبار كثيرة.

(و ان دخل) الوقت و (هو متلبس) بالصلوة (و لو) فى آخر افعالها كما لو كان (فى التشهد) ان لم نقل بوجوب التسليم، او فى اثناء التسليم الواجب، ان قلنا بوجوبه (اجزأه) على الأشهر، كما ادعاه غير واحد ممن تأخر، خلافا للمحكى عن السيد المرتضى، و الاسكافى، و العمانى، فاوجبوا الاعادة كما وقعت بأسرها قبل الوقت، و اختاره المصنف رحمه الله فى المختلف و السيد فى المدارك و الشارح المقدس، و ظاهر التحرير التوقف فى المسئلة.

للمشهور وجهان:

الأول: الخبر الاول المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يجتهد

ص: 88

فى الوقت، الى آخره، المنجبر قصور سنده او ضعفه، بالشهرة الظاهرة و المحكية، فلا وجه للتوقف من جهة السند، بل لو حكم بكونه اقوى من الصحيح لم يكن بذلك البعيد، مع ان ابن ابى عمير ممن اجمعت العصابة و ممن لا يروى الا عن الثقة على ما يقال، اذ قوله (ع): و انت ترى ظاهر فى الظن.

الثانى: ما اشار اليه بعضهم بانه متعبد بظنه، خرج منه ما اذا لم يدرك شيئا من الوقت بالاجماع فيبقى الباقى، و اعترض عليه المدارك و الشارح المحقق بان التعبد بالظن لا يكفى فى سقوط التكليف بالصلوة فى وقتها، لاختلاف الامرين.

أقول: و فيه نظر، اذ مقتضى جملة من الأخبار المتقدمة، الدالة على الاجتزاء بالظن فى الوقت، هو خروج المصلى عن عهدة التكليف بالوقت و الصلوة و الخاص مقدم على العام و حاكم عليه، فلا وجه للاعتراض المذكور، تمسكا بتعارض الامرين و اختلافهما، اذ مطلق التعارض لا يصير باعثا على التوقف.

و للآخرين وجوه:

الاول: اشتغال الذمة يستدعى البراءة اليقينية، و انما تحصل اذا وقعت بتمامها فى الوقت.

الثانى: انه مأمور باتيانها فى الوقت، و ورد النهى عنها قبله، فتفسد.

الثالث: فى موثقة ابى بصير المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و لا يجوز تأخيرها عن وقتها و لا تقديمها عليه، المشتملة على قول الصادق (ع):

من صلى فى غير وقت فلا صلوة له، مع ضعف الخبر الذى تمسك به المشهور بجهالة الراوى، و فى الجميع نظر: اما فى الاول فلمنع الحصر، كيف لا و قد عرفت من الادلة ما عرفت، فمعها يحصل البراءة، و اما فى الثانى فلأن الوقت الامرة على اتيانها فيه الا و امران اريد به الوقت النفس الامرى فهو، كيف لا و قد عرفت كفاية الظن، و ان اريد به ما هو فى ظن المكلف، فقد خرج عن العهدة، و امتثل بايقاعها فى الوقت، و لم يوقعها قبله حتى يتعلق بها النبى فتفسد، و

ص: 89

بما ذكره ظهر حال الوجه الثالث، سيما مع كونه عاما، و ما يدل على المشهور خاصا، و الخاص مقدم بلا شبهة، و الحكم بضعف سند رواية اسمعيل غير وجيه لما مر.

و الحاصل ان الشخص مكلف بايقاع الصّلوة فى وقتها المعلوم او المظنون، بمقتضى الاطلاق المتقدمة اليها الاشارة، فمتى صلاها فى احدهما كان ممتثلا، و امتثال الأمر يقتضى الاجزاء، كما برهن فى الاصول، خرج منها لو وقعت كملا قبل الوقت، و بقى الباقى على الصحة، و من الباقى ما لو وقعت سوى الجزء الاخير خارجة عنه، هذا مضافا الى ان لهذا الفرد و ما يوافق من الافراد الغير الواقعة فى خارج الوقت كملا، دليلا بخصوصه، و ما هو ما تقدم اليه الاشارة. و يؤيده صحة ما اذا ادرك فى الآخر ركعة، و دعوى الخروج بالادلة معكوسة، لما علمت، و الاحوط هو الاتمام ثم الاعادة، و لا ينبغى للمحتاط تركه، لما يستفاد من عبارة علم الهدى المتقدمة فى قول المصنف رحمه الله: و يجتهد فى الوقت الى آخره، من كون المذهب المزيف، مذهب محققى اصحابنا و محصليهم.

تنبيه:

قال بعض المحققين: اعلم ان مورد الخلاف، ما اذا وقع فى ظنه، على ما ذكره المحققون، لكن فى نسبة الخلاف الى ان الجنيد نظر ظاهر، لأنه لم يجوز العمل بالظن بل اوجب تحصيل العلم بالوقت، فالصلوة مع الظن عنده فاسدة مطلقا، و يمكن اخذ مورد الخلاف اعم من الظن و الجزم، و كذا يمكن شمول الرواية الصورة الجزم بدخول الوقت ايضا، مع كشف فساده، و كذلك افتى المشايخ الثلاثه بل و غيرهم ايضا ممن عمل بها، فعلى هذا يستقيم جعل ابن الجنيد ممن خالف هنا، انتهى.

في بطلان الصلاة قبل وقتها
اشارة

(و لو صلى قبله) اى قبل الوقت (عامدا او ناسيا او جاهلا بطلت صلوته) بلا خلاف، على ما ذكره غير واحد منهم، اذا لم تصادف شيئا من الوقت، و يدل عليه موثقة ابى بصير و غيرها من الأخبار، و اما اذا صادفت شيئا

ص: 90

منه او وقعت بتمامها فيه،

فتحقيق الكلام فى ذلك يقع فى مقامات:
الاول: فيما اذا صادفت شيئا من الوقت

فالمشهور على الظاهر المصرح به فى كلام جماعة، هو البطلان مطلقا، بل عن المصنف رحمه الله فى التذكرة دعوى الاجماع عليه كذلك، و يدل عليه عدم صدق الامتثال المقتضى لبقاء المكلف تحت العهدة، سيما مع العمد، لان النهى فى العبادات موجب للفساد، كما برهن عليه فى الاصول، خلافا للمحكى عن النهاية(1) و المهذب و الكافى و البيان فتصح، لكن الاخيرين قالا بها فى الناسى، و عن اولهما انه زاد الجاهل ايضا، قال الشيخ فى النهاية: و من صلى الفرض قبل دخول الوقت عامدا او ناسيا ثم علم بعد ذلك، وجب عليه اعادة الصلوة، فان كان فى الصلوة لم يفرغ منها بعد ثم دخل وقتها، فقد اجزات عنه، و لا يجوز لاحد ان يدخل عليه فى، الصلوة الا بعد حصول العلم بدخول وقتها، او ان يغلب على ظنه ذلك انتهى.

و لا يخفى ما فيه من التدافع بين طرفى كلامه، لان قضية قوله: و لا يجوز لاحد، الى آخره، بطلان صلوة العامد، و ان دخل عليه الوقت فى اثنائها كما هو المختار، و مقتضى صدر كلامه صحة صلوته اذا دخل عليه الوقت فى اثنائها، و لذا حمله فى الذكرى على ان مراده بالمتعمد الظان، لانه يسمى متعمدا للصلوة قال فى المدارك: و لا بأس به جمعا بين الكلامين، و حمله فى المختلف على رجوع تفصيله الى الناسى دون المتعمد، قال بعض الأجلاء: و لا بأس به ايضا، صونا لكلامه رحمه الله عن التناقض.

و كيف كان فللقائلين بالصحة وجوه:

الأول: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب فيمن ترك الوضوء، مرسلا عن النبى (ص) قال: وضع عن امتى تسعة اشياء: السهو، و الخطاء، و النسيان، و ما اكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون الحديث، و فيه ان المراد على

ص: 91


1- قال بعض المحققين بعد نقل كلام النهاية هذا ربما يظهر من كلامه ان العلم و الظن بدخول الوقت واجب للدخول فى الصلوة لا شرط لصحتها. (منه)

الظاهر وضع المؤاخذة و العقاب، و الا فهو واقع، و عليه فلا وجه للاستناد عليه هذا مضافا الى ما ذكره بعض الا فاضل، بان المراد بالسهو كما يظهر من الأخبار، اذا كان مع النسيان، هو الشك، لتحصيل المغايرة.

الثانى: ادراك الوقت فى البعض منزلته فى الكل و فيه انه ممنوع على اطلاقه.

الثالث: رواية اسمعيل بن رياح، المتقدمة فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يجتهد فى الوقت، الى آخره، و هى الخبر الاول، ورد بضعف السند و عدم جابر له فى المقام، و فيه نظر اما اولا فلما مرّ فى شرح قول المصنف رحمه الله: و ان دخل و هو متلبس، الى آخره، من الحكم على اعتبار سنده، و اما ثانيا فلأن الحكم بعدم وجود ما يجبره فى المقام غير وجيه، كيف لا و الشهرة التى مضت فى شرح قول المصنف رحمه الله هناك، جابرة له، فيصح الاستناد عليه فى المقام ايضا.

فان قلت: هذا انما يصح اذا جعلنا الشهرة قرينة لصدق الصدور، و التحقيق خلافه، لما بين فى مقامه من ان الغرض من العمل بالرواية الضعيفة المنجبرة بالشهرة، ليس هو الرواية، بل الاعتماد انما هو على الشهرة، و انما نعتمد عليها فى تلك الصورة دون غيرها، دفعا لما يقال بان المشهور على القول بعدم حجيتها، فيلزم من القول بحجيتها عدم حجيتها، بان(1) الشهرة فى المقام اى مقام مطابقتها للرواية و لو كانت ضعيفة غير ثابتة، فنقول بحجيتها فى المقام، و عليه فكيف يمكن الاستناد الى تلك الرواية فى هذا المقام المخالف للمشهور؟ و ادعاء كون الشهرة الواقعة فى مسئلة اخرى جابرة لضعفها؟

قلت: ما ذكرت من عدم كونها قرينة لصدق الصدور، غير وجيه باطلاقه، و التحقيق عندى هو التفصيل، بان يقال اذا ظهر من التتبع للمجتهد بان استناد

ص: 92


1- بيان للدفع. (منه)

المشهور فى افتائهم فى مسئلة معيّنة على شىء انما هو الرواية المعيّنه، فيجوز الاستناد عليها و لو كانت ضعيفة، فى مسئلة اخرى، و لو كانت مخالفة للمشهور، اذ هذه الشهرة قرينة لصدق الصدور، كما لا يخفى على من له ادنى فهم و شعور، و اما اذا لم يظهر من التتبع استندوا عليه فى حكمهم، فما ذكرته حق لا يشوبه شك و ريبة، و الظاهر ان ما نحن فيه من قبيل الأول، و ان كنت شاكا فتتبع كلماتهم فى مسئله دخول الوقت، و الظان متلبّس بالصلوة، و الصواب هو الاعتراض عليه بان تلك الرواية مخصوصة بالظان، لأن قوله (ع): و انت ترى، بمعنى تظن كما يظهر على من تدبّر فيها بعين الانصاف، و عليه فالقياس عندنا حرام بالبديهة، فلا وجه للاستناد عليها فى المقام بلا ريبة.

الثانى: فيما لو اتفق وقوعها كما فى الوقت و كان ناسيا،

و المراد به ناسى مراعاة الوقت، و عن الذكرى جعله اعم منه و ممن جرت منه الصلوة حال عدم خطور الوقت بالبال، و بذلك صرح بعض المحققين، و لا باس بهما، فالذى يظهر من شيخنا الشهيد رحمه الله فى الذكرى هو القول بالبطلان، قال فى الكتاب المذكور: لو صادف الوقت صلوة الناسى او الجاهل بدخول الوقت او بالحكم، ففى الاجزاء نظر من حيث عدم الدّخول الشرعى، و من مطابقة العبادة ما فى نفس الأمر، و الأول اقوى.

و فى الدروس كما عن البيان اختيار الصحة و هو الاظهر، وفاقا لجماعة ممن تأخر، لوقوع الصلوة فى الوقت، و التكليف بمراعاة الوقت انما هو لاجل ان يقع الصلوة فيه، فالغرض الاصلى و المقصود الكلى هو وقوعها فيه، فاذا حصل ذلك باىّ وجه اتفق، فقد حصل مراد الشارع، و ان لزم الاخلال بالمراعاة، اذ المراعاة ليست واجبا ذاتيا يترتب على تركه الاثم و البطلان، لمكان الاصل، و انما هى من باب المقدمة، فظهر توجه المنع على ما ذكره فى الذكرى من ان دخوله غير شرعى

الثالث: فيما لو اتفق وقوعها كملا فى الوقت و ان كان جاهلا،
اشارة

فالكلام هنا يقع فى مقامين:

ص: 93

الأول: ان يكون عالما بوجوب مراعاة الوقت،

و لكنه كان جاهلا بدخول الوقت، فالذى اختاره جماعة هو القول بالصحة خلافا لاخرين فاختاروا البطلان، و هو الاقرب، اذ هو معه بحكم الشاك او عينه، فالأخبار الناهية عن الدخول متعلقة به، و منها الخبر الثالث عشر، المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله:

و يجتهد فى الوقت الى آخره، المشتمل على قول موسى بن جعفر (ع): لا يجزيه حتى يعلم انه طلع، و منها الخبر الرابع عشر المتقدم هناك، المشتمل على قول ابى جعفر (ع): و اذا استيقنت الزوال فصل الفريضة، و منها الخبر الخامس عشر المتقدم هناك.

الثانى: ان يكون جاهلا بوجوب مراعاة الوقت،
اشارة

قد صرح فى الذكرى بالبطلان، و تبعه من متأخرى المتأخرين جماعة، و يظهر من الدروس كما عن البيان الحكم بالصّحة، و اختاره الشارح المقدس، و تلميذه صاحب المدارك، و غيرهما، فالذى يقتضيه المقام هو ارخاء عنان القلم فى المقامين، و اخراج اللب من القشر فى البين.

الأول: الجاهل بالحكم الشرعى، هل هو معذورام لا؟
اشارة

ذهب المشهور كما صرح به غير واحد منهم الى الثانى، و عن جمع من المتأخرين و متأخريهم الذهاب الى القول الأول، حتى عن بعض متأخرى المتأخرين الحكم بصحة صلوة العوام كيف كانت.

للمشهور وجوه:
الأول: الاجماع المحكى عن بعض شراح الجعفرية،

حيث قال: نعم الجاهل غير معذور مطلقا اجماعا، و يعضده الشهرة المحققه المحكية، قال فى المدارك فى بحث المكان: اما الجاهل بالحكم فقد قطع الاصحاب بانه غير معذور، لتقصيره فى التعلم الى آخره، و هذا ايضا يعاضد الاجماع المذكور كبعض العبائر الآتية.

ص: 94

الثانى: ما اشار اليه فى المنتهى،

الثانى: ما اشار اليه(1) فى المنتهى،

فى بحث لباس المصلى، بعد الحكم ببطلان الصلوة فى الثوب المغصوب لو كان عالما بالغصب، او علم الغصب و جهل التحريم لم يكن معذورا، الا أن التكليف لا يتوقف على العلم بالتكليف و الا لزم الدّور المحال، و قال الفاضل الهندى فى الكشف، فى بحث اللباس، فى جملة كلام له: لكنه نص فى التحرير و المنتهى على ان جاهل الحكم لا يعذر، لأن التكليف لا يتوقف على العلم، و الا لزم الدّور، يعنى جاهله مع التنبيه لتقصيره، لا الغافل.

الثالث: ما اشار اليه بعض الاصحاب،

قال فى الذكرى: لا يجوز التعويل فى الوقت على الظن الا مع تعذر العلم، ثم قال: و اما الجاهل فقد صرّح المرتضى ببطلان صلوته، و الحقه ابو الصلاح بالناسى، و يمكن تفسيره بجاهل دخول الوقت، فيصلى لامارة على دخوله، اولا لامارة، بل لتجويز الدخول، و بجاهل اعتبار الوقت فى الصّلوة، و بجاهل حكم الصلوة قبل الوقت، فان اريد الأول فهو معنى الظان و قد مر، و إن اريد باقى التفسيرات فالاجود البطلان لعدم الدخول الشرعى فى الصلوة، و توجه الخطاب على المكلف بالعلم بالتكليف، فلا يكون جهله عذرا و الا لارتفع المواخذه على الجاهل.

و قال فى المختلف: لو جامع او افطر جاهلا بالتحريم، قال ابن ادريس:

لا يجب عليه شىء، الى ان قال: و الا قوى عندى تعلق الحكم به، لنا انه تعمد الفطر، و الجهل ليس عذرا، و الا لزم سقوط التكاليف عن الجاهلين.

الرابع و الخامس: ما يستفاد من جملة من العبائر،

قال فى الذكرى بعد الحكم ببطلان الصلوة فى المغصوب: و لو جهل الحكم لم يعذر لأنه جمع بين الجهل و التقصير، و قال ايضا فى بحث التكلم فى الصّلوة فى جملة كلام له: و لو جهل كون الحرام مبطلا فالظاهر البطلان، لأنه مكلف بترك الحرام و جهله تقصير

ص: 95


1- و حاصل الاشارة ان الجاهل بين قاصر و مقصّر و الأول معذور و هو المراد من جميع ادلة المعذورية و لو بوجه من التأويل و الثانى غير معذور و هو المراد من جميع ادله عدم المعذورية كذلك و ما خالف حد الكليتين فبدليل خارج الله اعلم. (منه)

منه، و كذا الكلام فى جميع منافيات الصلوة لا يخرجها الجهل بالحكم عن المنافاة، و قال ايضا بعد الحكم بأن الاخلال بما يتوقف عليه الصلوة مبطل لها: لا فرق بين العامد و الجاهل بالحكم، لأنه ضم جهلا الى التقصير، و قد استثنى الاصحاب الجهر و الاخفات، و قال فى جامع المقاصد بعد قول المصنف رحمه الله و يجب الطهارة بماء مملوك مباح: و جاهل الحكم لا يعذر، المراد به الحكم التكليفى المتعلق بالغصب، كتحريم التصرف فى المغصوب، او الحكم الوضعى كبطلان الطهارة به، لأنه مخاطب بالتعليم على الصور، قتقصيره لا يعدّ عذرا، و استدل ايضا فى بحث بطلان الصّلوة الساتر المغصوب، و بطلانها بالكلام على عدم معذورية الجاهل بنحو ما ذكر.

و قال الشارح الفاضل بعد المتن فى جمله كلام له: و يضم الثانى اى الجاهل جهلا الى تقصيره، و قال ايضا بحث اللباس فى جملة كلام له: فيبطل صلوة العالم بالغصب و ان جهل الحكم اى حكم المغصوب، بطلان الصلوة لوجوب التعليم على الجاهل، فيكون قد جمع بين الجهل و الغصب فى التعليم، فلا يكون تركه عذرا، و قال ايضا بعد قول المصنف رحمه الله و تبطل فى المكان المغصوب:

مع علم المصلى بالغصبية و ان جهل الحكم، فان جاهل الحكم هنا كالعالم، لوجوب التعليم عليه، فجهله بالحكم الواجب عليه يعلمه تقصير منه، مستند الى تفريطه فلا يعذر عذرا.

و قال ابن جمهور فى المسالك الجامعية، فى الكلام فى اباحة المكان للمتوضىء فى جملة كلام له: لا جاهل الحكم فانه غير معذور، لتمكنه من الاستعلام، فالاخلال استند اليه(1).

و قال بعض شراح الجعفرية بعد قول الماتن فى تعداد مبطلات الصلوة: و تعمد ترك واجب فعلا و كيفية و زيادة و لو جهلا، لأن الجاهل مقصر

ص: 96


1- و كذا صرح بأن الجاهل كالعامد فى المقاصد العلية و والد البهائى فى شرح الالفيه. (منه)

فلا يكون معذورا، و قال ايضا، و اعلم انه لو جهل المصلى الحكم على معنى ان المصلّى لا يعلم ان الصلوة فى المغصوب غير جائزة، لم يكن معذورا، لأنه جمع بين الجهل و التقصير فى التعليم.

و قال الفاضل الهندى فى كشف اللثام: قول المصنف رحمه الله: و لو جهل غصبية الماء صحت طهارته، و جاهل الحكم و هو بطلان الطهارة، لا يعذر لاقدامه على المعصية عامدا، و ارتكابه المنهى عنه، و انتفاء الدليل على عذره، و قال ايضا فى الكتاب المذكور بعد قول المصنف رحمه الله و لو صلى فى المكان المغصوب عالما بالغصب اختيارا بطلت، و ان جهل الحكم الوضعى و الشرعى اى التحريم، كانت صلوته باطلة لوجود العلة، لانها صلوة لم يردها الشارع، و ان لم يأثم اذا كان غافلا.

و قال المصنف رحمه الله فى المنتهى: لو فعل المفطر جاهلا بالتحريم، فالوجه الفساد لأن له طريقا الى العلم، و التفريط ثابت من جهته فلا يسقط عنه الحكم.

و قال فى التحرير: من اخل بواجب عمدا بطلت صلوته، شرطا كان كالطهارة و القبلة و ستر العورة، او جزأ منها سواء كان ركنا كالركوع، او غير ركن كالقراءة و تسبيح الركوع و السّجود، او كيفية كالطمانينة، عالما كان او جاهلا، لأن الاخلال بالشرط يلزم الاخلال بالمشروط، فلو صحت مع الاخلال لم يكن شرطا، و الاخلال بالجزء اخلال بالحقيقة المجموعة من الاجزاء، فلا يكون المخل به اتيا بكمال صلوة، و كذا كيفية الافعال عدا الجهر و الاخفات.

و قال الشارح الفاضل بعد قول المصنف رحمه الله فى مبطلات الوضوء كلّ من اخل بواجب عمدا او جهلا، او من صفاتها او شرائطها او تروكها الواجبة بطلت، لأن الاخلال بالجزء اخلال بالكل، و بالشرط اخلال بالمشروط.

و قال بعض الافاضل(1) فى حاشية الروضة: قوله و لو جاهلا بحكمه،

ص: 97


1- و الظاهر انه هو الفاضل الهندى. (منه)

اى المغصوب الشرعى، و هو حرمة التصرف فيه، او الوضعى و هو بطلان الصلوة، بان الجاهل بالحكمين و ان كان يعذر فى بعض المواضع، من حيث انه لا اثم عليه، و الجاهل بالشرعى قد يعذر، و من حيث عدم ترتب ما يترتب على العالم الا ان الجهل لا ينفع فى الحكم الوضعى من حيث الحكم، فان المبطل فى الشرع مبطل مطلقا، لا يدفع ابطاله الجهل و لا السهو و لا النسيان، و هو الذى ذكرناه اولى مما اشتهر فى التعليل، من ان الجهل تقصير فلا تعذر معه، اذ ربما لم يكن تقصيرا، كما اذا لم يخطر هنا الحكم بباله اصلا ليستعمله، او لم يجعل من يسئله عنه او لم يتيسر له السؤال.

و قال فى الكشف فى الكلام فى الوقت فى جملة كلام له: و اما الجاهل ففى الرّسالات و كتب المصنف بطلان صلوته، لأن الوقت شرط و الجهل لا يخرجه عن الشرطية.

و قال بعض الاعلام(1) فى شرح قول المحقق: من علم النجاسة فى ثوبه او بدنه و صلى عامدا اعاد، و اطلاق النص و كلام الاصحاب يقتضى عدم الفرق فى العالم بالنجاسة، بين العالم بالحكم و عدمه، فعليه الاعادة فى الوقت، و القضاء فى خارجه، اما للاول فلعدم الاتيان بالمامور به على وجهه، فعليه الاتيان مع امكانه، و الجهل غير موجب للاتيان كذلك، و ان سلم القول بمعذوريته، بمعنى عدم توجه الخطاب اليه، و عدم مؤاخذته الا أنّ ذلك لا يوجب ما امر به.

و قال فى المدارك فى شرح قول المحقق فى بحث ما يخل الصلوة: و كذا لو فعل ما يجب تركه او ترك ما يجب فعله، جهلا بوجوبه، الا الجهر و الاخفات فى موضعها، الوجه فى مساواة الجاهل للعامد فى ذلك عدم تحقق الامتثال مع الاخلال بالواجب فى الحالين، و ان افترقا بالاثم و عدمه.

و قال بعض شراح الجعفرية فى جملة كلام له: لأن الامتثال فى التكاليف الشرعية لا يحصل الا باتباع كل فعل على وجهه، و ذلك لا يحصل الا باتباع

ص: 98


1- صاحب الرياض.

العلم، فلا يكون الجاهل معذورا اصلا، الا فى كيفية الجهر و الاخفات، و بما نقل ظهر دليل(1) آخر و سنشير اليه فى الوجه التاسع.

السادس: ان الاطاعة العرفية واجبة لقوله تعالى: «أَطِيعُوا اَللّٰهَ»،

و غير ذلك و الاطاعة العرفية مع الجهل لا تتحقق.

السابع: اطبقت الادلة عقلية و نقلية،

على ان الحجة منحصرة فى قول من لا يجوز الخطاء عليه، و لذا قلنا باشتراط العصمة فى الرسول (ص) و الامام (ع)، ثبت من قول الحجة (ع)، جواز العمل بالظن الحاصل من قول المجتهد الحى الجامع للشرايط، فعل الجاهل على ظنه او شكه او وهمه لا دليل على صحته، و بطور آخر ورد فى الأخبار عدم جواز الرجوع الى غير الأئمة (ع)، و انه لا يجوز العمل بالرأى و الظنون و تقليد غير المعصوم (ع)، سوى الفقهاء لأن تقليدهم فى الحقيقة للمعصوم (ع)، لمكان امرهم (ع) به فلا دليل على صحة ما يعلمه الجاهل، و بطور آخر التكاليف باقية بالضرورة، و سبيل العلم اليها مسدود، و لا دليل على العمل بالظن الا ظن المجتهد، لقضاء الاجماع و الضرورة بذلك، و المقلد للزوم اختلال نظام العالم، لو اوجبنا الاجتهاد على الجميع.

الثامن: شغل ذمة الجاهل يقينى،

فلا بد من البراءة اليقينية و لم تحصل.

التاسع: ان التكليف يستدعى الامتثال،

و لا يتحقق الامتثال الاّ بالاتيان بالمطلوب كما هو هو، و الجاهل لا يعلم انه ممتثل.

العاشر: ان النية شرط فى صحة العبادة على المشهور المنصور،

و الجاهل حين فعله كيف ينوى التقرب الى الله تعالى، مع انه لا يعلم ان هذا الفعل مقرب اليه تعالى، لانه لا يعلم ان هذا الفعل الذى يفعله هو الذى امره الله تعالى، كيف و اذا علم ذلك يكون عالما، و المفروض خلافه، فيجى البطلان.

الحادى عشر: اذا قال السيد لعبده: لا اعاقبك الا ان تعلم تكليفى و تخالفه،

ثم اعطاه طومارا و قال: كلفتك فى هذا الطومار بتكليفات لو تركتها و

ص: 99


1- ظهر من كلام المدارك و بعض شراح الجعفريه.

خالفت لا عاقبك، فعليك بفتح الطومار و العمل بما فيه، فلا شك فى انه لو قصر فى فتح الطومار، و عمل بما بدا لنفسه من الظنون و الاستحسانات العقلية الناشئة من التقليد للآباء و الامهات و غيرهما، لكان للسيد ان يعاقبه و لا يجعله التقصير فى فتح الطومار و تحصيل قراءة ما فيه داخلا فى عدم العلم بالتكليف، لان العلم الاجمالى بالتكليف علم به لا عدم علم به، و عليه فكيف يكون الجاهل معذورا فى تقصيره بترك معرفة تفصيل الامور، التى يعلم وجوبها اجمالا، و ذلك لان من ضروريات دين الاسلام بحيث يعرفها كل خاص و عام من اهل الاسلام و غيره.

ان فى دين الاسلام واجبات و محرمات فى غاية الكثرة، بل يعلمون بعنوان التفرقة ان فيه من الواجبات الوضوء و الغسل و التيمم و الصلوة و الزكوة و الصوم و الحج و غسل النجاسات من الثوب و البدن، و غير ذلك من الضروريات للدين او المذهب.

الثانى عشر: قوله تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ»،

و قوله تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ (1) وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ».

الثالث عشر: جملة من الأخبار،

منها ما ورد فيها انه لا عمل الا بالفقه و المعرفة، و منها ما اشار اليه بعض الافاضل حيث قال: و مما يدل على القول المشهور... ثم نقل ما رواه فى اصول الكافى فى باب فرض العلم عن يونس عن بعض اصحابه قال: سئل ابو الحسن (ع): هل يسع الناس ترك المسئلة عما يحتاجون اليه؟ فقال: لا، و ما رواه(2) ايضا فى باب سؤال العالم فى الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم و بريد العجلى قال قال ابو عبد الله (ع) لحمران بن اعين فى شىء سأله: انما يهلك الناس لأنهم لا يسئلون، و ما رواه ايضا فى الباب

ص: 100


1- بناء على افادة حذف المتعلق للعموم.
2- و رواه فى البحار ايضا عن المحاسن عن ابيه عن موسى بن القاسم عن بعض اصحابها، الخبر. (منه)

المتقدم عن مؤمن الطاق عن ابى عبد الله (ع) قال: لا يسع الناس حتى يسألوا و يتققهوا و يعرفوا امامهم، و يسعهم ان ياخذوا بما يقول و ان كان تقية، و الباب عن يونس عمن ذكره عن الصادق (ع) قال: قال(1) رسول الله (ص): اف لرجل لا يفرّغ نفسه من كل جمعه، لا مرد ينه فيتعاهده و يسئل عن دينه، قال و التقريب فيها ظاهر، فانه لو كان الجاهل معذورا مطلقا، لصح جميع ما اتى به من العبادات، و حينئذ فيسعه ترك المسئلة، و الأخبار مصرحة بخلافه، فان المراد بقولهم (ع): لا يسع الناس(2) بترك المسئله و ترك التفقه، انه لا تصح اعمالهم الا اذا كانت عن معرفة و تفقه و سؤال و فحص، قال: و مما يدل عليه ايضا الأخبار المستفيضة بالأمر بطلب العلم و التفقة فى الدين، و من تلك الأخبار... ثم نقل ما رواه فى(3) الكافى فى باب فرض العلم عن زيد عن الصادق (ع) قال: قال

ص: 101


1- روى فى البحار عن المحاسن باسناده عن الصادق (ع) عن آبائه (ع) عن الرسول (ص): اف لكل مسلم لا يجعل فى كل جمعه يوما يتفقه فيه امر دينه و يسئل عن دينه. قال: و روى بعضهم او لكل رجل مسلم و لعل المراد بالجمعه الاسبوع تسمية للكل باسم الجزء. (منه)
2- روى فى البحار عن المحاسن عن ابيه عن يونس عن ابى جعفر الاحول عن الصادق (ع) قال: لا يسع الناس حتى يسئلوا و يتفقهوا. (منه) روى فى البحار عن بشير الدهقان عن الصادق (ع) قال لا يسع الناس حتى يسئلوا و يتفقهوا الخبر بعينه. (منه)
3- و روى فى روضة الواعظين عن على (ع) فى جملة كلام له فان بالعلم تهتدى الى ربك الخبر، و روى فى البحار عن محاسن المفيد باسناده الى ابن زياد عن الصادق (ع) و قد سئل عن قول الله تعالى: (قُلْ فَلِلّٰهِ اَلْحُجَّةُ اَلْبٰالِغَةُ) فقال: ان الله تعالى يقول للعبد يوم القيمة اكنت عالما؟ فان قال: نعم قال له: افلا عملت بما علمت و ان قال: كنت جاهلا قال له: افلا تعلمت حتى تعمل فيفحمه و ذلك الحجة البالغة و روى ايضا عن امالى الشيخ باسناده عن النبى (ص) انه قال فى جملة كلام له: به اى بالعلم يطاع الرب و يعبد و به توصل الارحام و به يعرف الحلال و الحرام العلم امام العمل و العمل تابعه يلهمه السعداء و يحرمه الاشقياء فطوبى لمن يلهمه الله منه حظه. (منه)

رسول الله (ص): طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة(1)، و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن ابان بن تغلب عن الصادق (ع): وددت ان اصحابى ضربت رؤسهم بالسّياط حتى يتفقهوا، وجه التقريب ان وجوب تحصيل العلم ليس الا للعمل به، كما استفاضت به الأخبار، قال: و منها ما رواه فى الكتاب المذكور ثم نقل ما رواه فى باب استعمال العلم عن هشام بن البريد، انه جاء رجل الى على بن الحسين (ع) فسأله عن مسائل، الى قوله: فقال: مكتوب فى الانجيل لا تطلبوا علم ما لا تعلمون، و لما تعلموا ما علّمتم فان العلم اذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه الا كفرا، و لم يزدد من الله الا بعدا، قال: فلو كان الجاهل معذورا مطلقا، و عباداته و اعماله صحيحة، لم يكن للامر بطلب العلم و التفقه فى الدين معنى بالكلية.

أقول: و احتجوا ايضا بالأخبار الدالة على الرجوع الى العلماء، مثل مقبولة عمر بن حنظلة و غيرها، و بمثل الأخبار الحاكية ان اصحاب الأئمة، اذا كانوا يسئلونهم: عمن نأخذ معالم ديننا؟ كانوا يقولون: عن زرارة او يونس بن عبد الرحمن مثلا، و لم يجوزوا الرجوع الى غيرهم، بل انهم (ع) نهوا عن تقليد العام المتابع لهواه فضلا عن غير العالم، و امروا بالرجوع الى العادل الزاهد، و نحو ذلك.

و للآخر وجهان.
الأول: ما اشار اليه بعض الأفاضل قال: و مما يدل عليه اخبار مستفيضة متفرقة فى جزئيات الاحكام،

فمن ذلك ما ورد فى احكام الحج، و منه خبر عبد الصمد(2) بن بشير عن ابى عبد الله (ع) قال: جاء رجل يلبى حتى دخل المسجد و هو يلبى، و عليه قميصه، فوثب اليه اناس من اصحاب ابى حنيفة، فقالوا: شق قميصك و اخرجه من رجليك، فان عليك بدنة و عليك الحج من قابل و

ص: 102


1- و رواه فى البحار ايضا فى غير واحد من الأخبار. (منه)
2- الخبر مروى فى التهذيب فى باب صفة الاحرام بسند صحيح. (منه)

حجك فاسد، فطلع ابو عبد الله (ع)، فقام على باب المسجد فكبر و استقبل الكعبة، فدنى الرجل من ابى عبد الله (ع)، و هو ينتف شعره و يضرب وجهه، فقال له ابو عبد الله (ع): اسكن يا عبد الله، فلما كلمه و كان الرّجل اعجميا، قال ابو عبد الله (ع) ما تقول؟ قال: كنت رجل اعمل بيدى، فاجتمعت لى نفقة فجئت اجح، لم اسئل احدا عن شىء، فأفتونى هؤلاء ان اشق قميصى و انزعه من قبل رجلى، و ان حجى فاسد و ان علّى بدنة، فقال له: متى لبست قميصك ابعد ما لبيت ام قبل؟ قال: قبل ان البى، قال: فأخرجه من رأسك، فانه ليس عليك بدنة، و ليس عليك الحج من قابل، اىّ رجل ركب امرا بجهالة فلا شىء عليه، طف بالبيت اسبوعا و صل ركعتين عند مقام ابراهيم (ع)، و اسع بين الصفا و المروة و قصر من شعرك، فاذا كان يوم التروية فاغتسل و اهل بالحج و اصنع كما يصنع الناس.

و التقريب فيه انه مع تصريحه بمعذورية الجاهل بوجه كلّى و قاعدة مطردة، تضمن صحة ما فعله قبل القاء الامام، من الاغتسال و الاحرام و التلبية و نحوها، مع اخباره بانه لم يسئل احدا عن شىء من الاحكام التى اتى بها، و لهذا وقع، و امره عليه السلام ان يصنع كما يصنع الناس من واجب او مستحب، مع عدم المعرفة بشىء من ذلك.

و منه... ثم نقل ما رواه التهذيب فى الحج فى باب الكفارة فى الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: من لبس ثوبا لا ينبغى له لبسه، او اكل طعاما لا ينبغى له اكله، و هو محرم، ففعل ذلك ناسيا او جاهلا، فليس عليه شىء، و من فعله متعّمدا فعليه دم شاة.

و ما رواه الكافى فى باب من جاوز ميقات ارضه فى الصحيح عن ابن ابى عمير جميل عن بعض اصحابنا عن احدهما (ع)، فى رجل نسى ان يحرم او جهل و قد شهد المناسك كلها و طاف و سعى، قال: يجزيه نيّته، اذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه، و ان لم يهل الخبر.

ص: 103

و من ذلك ما ورد فى الصيام... ثم نقل ما رواه الكافى فى الصيام فى باب من صام فى السفر بجهالة فى الصحيح عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال:

قلت له: رجل صام فى السفر، فقال: ان كان بلغه ان رسول الله (ص) نهى عن ذلك فعليه القضاء، و ان لم يكن بلغه فلا شىء عليه، قال: و بمضمونها بالنسبة الى الصيام فى السفر بجهالة، صحيحة العيص، و صحيحة ابى بصير، و صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله البصرى.

أقول: روى الاولين الكافى فى الباب المتقدم، و الاخير التهذيب فى الصيام فى باب حكم المسافر.

و من ذلك ما ورد فى النكاح فى العدة، كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى ابراهيم (ع) قال: سألت عن الرجل يتزوج المراة فى عدتها بجهالة، اهى ممن لا تحل له ابدا؟ قال: لا، اما اذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضى عدتها، و قد يعذر الناس فى الجهالة بما هو اعظم من ذلك، فقلت:

باى الجهالتين يعذر: بجهالته ان يعلم ان ذلك محرم عليه؟ ام بجهالته انها فى عدة؟ فقال: احدى الجهالتين اهون من الاخرى، الجهالة بان الله حرم ذلك عليه، و ذلك انه لا يقدر على الاحتياط معها، فقلت: فهو فى الاخرى معذور، قال: نعم اذا انقضت عدتها فهو معذور فى ان يتزوجها.

أقول: رواه الكافى فى النكاح فى باب المراة التى تحرم على الرّجل.

قال: و بمضمونه روايات عديدة و من ذلك ما ورد فى الحدود، كموثقة عبد الله بن بكير عن ابى عبد الله (ع)، فى رجل شرب خمرا على عهد ابى بكر و عمر و اعتذر بجهله، فسألا امير المؤمنين (ع) عن حكمه، فأمر (ع) من يدور به على مجالس المهاجرين و الانصار، و قال: من كان تلى عليه آية التحريم فليشهد عليه ففعلوا به ذلك، فلم يشهد احد فخلّى عنه.

و مرسلة الحذاء قال قال ابو جعفر (ع): لو وجدت رجلا من العجم اقر بجهله الاسلام، لم ياته شىء من التفسير، زنا او سرق او شرب خمرا، لم اقم عليه

ص: 104

الحد اذا جهله، الا ان تقوم عليه البينة، انه قد اقر بذلك و عرفه.

أقول: روى الأول الكافى فى الحدود فى باب ما يجب فيه الحد فى الشراب، و الثانى الكافى ايضا فى الحدود فى باب من زنا او سرق، و بمضمون ذلك فى باب الحدود روايات عديدة فى سقوط الحد، عمّن اتى ما يوجبه جهلا، و من ذلك ما ورد فى الصلوة فى السفر تماما، كصحيحة زرارة و محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) قالا: و اما فيمن صلى فى السفر اربعا ايعيد ام لا؟ قال: ان كان قرات عليه آية التقصير و فسرت له اعاد، و ان لم تكن قرات عليه و لم يعلمها فلا اعادة عليه، و رواية منصور بن حازم عن ابى عبد الله (ع) قال: سمعته يقول:

اذا اتيت بلدة فان نويت المقام عشرة أيّام فأتّم الصلوة، فان تركه رجل جاهل فليس له اعادة.

أقول: روى الأول الفقيه فى باب الصلوة فى السفر، و الثانى التهذيب فى باب صلوة فى السفر فى الزيادات.

قال و من ذلك ايضا ما ورد فيمن جهر فى موضع الاخفات و اخفت فى موضع الجهر، و من ذلك ايضا ما رواه الصدوق فى كتاب التوحيد بسنده عن عبد الا على بن اعين قال: سألت ابا عبد الله (ع) عمن لا يعرف شيئا، هل عليه شىء؟ قال: لا.

و ما رواه فى الفقيه و التوحيد فى الصحيح عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): رفع عن امتى تسعة: و عدّ منها، ما لا يعلمون، و مما يؤكد ذلك ما روى ايضا: انه ما اخذ الله على الجهال ان يتعلموا حتى اخذ على العلماء ان يعلموا، رواه فى الكافى، و قوله: ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم، و قوله: ان الله يحتج على العباد بما اتاهم و عرفهم(1)، الى غير ذلك من الأخبار التى يقف عليها المتتبع.

ص: 105


1- و استدل ايضا بقولهم (ع) من علم مما علم كفى ما لم يعلم. (منه)

أقول: روى الكافى فى باب بذل العلم، عن طلحة بن زيد عن الصادق عليه السلام: قرات فى كتاب على (ع)، ان الله لم ياخذ على الجهال عهدا بطلب العلم، حتى اخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال، لأن العلم كان قبل الجهل.

و قد استندوا الى روايات أخر ايضا، مثل ما ورد فى حكاية عمار، على ما رواه الفقيه فى باب التيمم، انه اصابه جنابه فتمعك فى التراب، فقال له رسول الله (ص): كذلك يتمرغ الحمار، افلا صنعت كذا؟ فعلمه التيمم، و مثل ما ورد فى حكاية براء بن معرور، حيث تطهر بالماء و صار بهذا ممدوحا، مع انه لم ياخذه من الشارع، و نحو ذلك.

الثانى: صعوبة حصول العلم بالمجتهد و شرايطه و عدالته،

سيما مع الاشكال فى معنى العدالة، و الكاشف عنها، و المثبت لها، للاطفال فى اول البلوغ، و للنسوان، و لكثير من العوام، مع ان الشريعة سمحة سهله، قال السيد نعمة الله طاب مضجعه فى شرح كتاب غوالى اللئالى، بعد نقل عدم معذورية الجاهل عن الشهيدين: و يلزم على هذا بطلان عبادة اكثر الناس، خصوصا فى هذه الامصار و ما قاربها، و ذلك ان وجود المجتهد فى كل صقع و كل بلد متعذر، لأن صروف الليالى اذهبت العلماء، و لا بقى من يرجع الى قوله الا القليل، فى بلد من البلدان او صقع من الاصقاع، و اذا كان المقلد فى اقاصى البلدان كيف يتمكن من الوصول الى المجتهد فى اكثر اوقاته؟ فيلزم الخروج على الخلق الى ان قال: و الناس فى الاعصار السابقه و اللاحقة، كانوا يتعلمون العبادات و احكامها من الواجبات و السنن بعضهم من بعض، من غير معرفة باجتهاد و لا تقليد، و العلوم فى جميع الاعصار حتى فى اعصار الأئمة، كانوا يصلون و يصومون على ما اخذوا من الاباء و من حضرهم من العلماء، و ان لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد، على ان الصلوة الما موربها شرعا ما كان يتفق الا من آحاد العلماء، ا لا ترى الى حماد لا يحسن ان يصلى، فقام (ع) فصلى ركعتين تعليما له، هذا مع ان

ص: 106

حماد امن اجلّ اهل الرواية من اصحاب الأئمة (ع)، فما ظنك بصلوة غيره لو اوقعها بحضور أحدهم عليهم السلام؟ على ان الصلوة اذا وقعت على نهج الصواب، و كانت مأخوذة من اهل الايمان، فما السبب على بطلانها هنا؟ و شىء آخر، و هو انهم صرحوا بأنه لا فرق بين تارك الصلوة و بين من اوقعها على غير الوجه المطلوب، و لو باخلال بحرف من القراءة او حركة او ذكر او قيام او قعود، الى غير ذلك مما حرروه فى كتبهم، و انت اذا تتبعت عبادات عوام المذهب سيما فى الصلوة، ما تجد احدا منهم الا و الخلل فى عباداته، خصوصا الصلوة و لا سيما القراءة فيلزم بطلان صلوتهم كلها، فيكونون معتمدين فى ترك الصلوة مدة اعمارهم، بل مستحلين تركها، لانهم يرون ان الصلوة المشروعة هى ما اتوا به، و قد حكمتم ببطلانها، فهذه هى الداهية العظمى، و المصيبة الكبرى، على عوام مذهبنا مع تكثرهم و وفورهم.

فان قلت: فما المخلص من هذه البلية العامة؟

قلت: قد استفاض فى الأخبار عن النبى و اهل بيته عليهم السلام: الناس فى سعة ما لم يعلموا، فمن كان جاهلا للأصل او جاهلا للحكم، يكون داخلا تحت عموم الخبر، فيعذر فى جهله حتى يعرف الحكم فيطلبه، فحينئذ فيكون الاولى ان يجعل المناط هكذا: الجاهل معذور الا ما قام الدليل عليه، و الاكثر عكسوا الكلية و قالوا: الجاهل كالعامد الا ما خرج بالدليل، فلزم ما تقدم من الضيق و الحرج، و للنظر الى ما حررناه وردت الأخبار المتضمنة لقولهم (ع): ما أخذ الله على الجهال ان يتعلموا حتى اخذ على العلماء ان يعلموا الى ان قال و الحاصل ان الجهال معذورون، حتى تأتى اليهم علوم الاحكام و المعرفة بها من علماء الدين.

و قال الشارح المقدس قدس سره، بعد حكمه بانه متى ترك الاجتهاد عامدا عالما بوجوب الاجتهاد، فمعلوم بطلان صلوته اذا لم يكن فى الوقت، و اما اذا وقعت فى الوقت تماما فيحتمل الصحة و البطلان، و الظاهر البطلان الا

ص: 107

مع تجويز المصلى عدم تكليفه بالاجتهاد، و تجويزه دخول الوقت و دخل فوافق، فالظاهر الصحة حينئذ، و الناسى بالطريق الاولى للامتثال، و عدم النهى حال الفعل، و كذا الجاهل بالوجوب و الوقت لما مر، و اما الجاهل بدخول الوقت مع العلم بالوجوب، فالظاهر البطلان ما لفظه: و بالجملة كل من فعل ما هو فى نفس الامر و ان لم يعرف كونه كذلك، ما لم يكن عالما بنهيه وقت الفعل حتى لو اخذ المسائل من غير اهله، بل لو لم يأخذ من احد و ظنها كذلك و فعل، فانه يصح ما فعله، و كذا فى الاعتقادات و ان لم يأخذها عن ادلتها، فانه يكفى ما اعتقده دليلا و اوصله الى المطلوب و لو كان تقليدا، كذا يفهم من كلام منسوب الى المحقق نصير الملة و الدين قدس سره العزيز، و فى كلام الشارع اشارات اليه مثل مدحه جماعة للطهارة بالحجر و الماء مع عدم العلم، و صحة حج من مر بالموقف، و غيرها مما يدل عليه الاثر، ستطلع عليه ان تأملت مثل قوله (ع) لعمار حين غلط فى التيمم: ا لا فعلت كذا؟ فانه يدل على انه لو فعل كذا الصح، مع انه ما كان يعرف، و فى الصحيح من نسى ركعة ففعلها، و استحسنه (ع) مع عدم العلم، و الشريعة السهلة السمحة تقتضيه، و ما وقع من فعله (ص) مع الكفار، من الاكتفاء بمجرد قولهم بالشهادة، و كذا فعل الائمة مع من قال بهم مما يفيد اليقين فتأمل، و كذا جميع احكام الصوم و القصر و التمام و جميع مسائل فلو اعطى زكوته للمؤمن مع عدم العلم لصح، فتأمل و احفظ، و قال تلميذه السيد السند قدس سره فى المدارك بعد ان نقل شطرا من ذلك: و هو فى غاية الجودة انتهى.

أقول اذا عرفت ذلك، فاعلم ان تفصيل المقام يقتضى بسط الكلام فى مواضع:
الاول: اذا كان الشخص غافلا ذا هلا عن وجوب الرجوع الى المجتهد فى كل مسئلة،

و كان معتقدا بان احكام الدين هو ما علمه ابوه او امه او معلمه، و لا يختلج بباله احتمال سواه، كاكثر اطفال العوام فى اوائل بلوغهم، و نسوانهم

ص: 108

بل اكثر رجالهم، فلا ريب فى معذوريته، بمعنى عدم ترتب العقاب عليه، لان تكليف الغافل الذاهل مما منعت منه الادلة العقلية و النقلية، فالقول به خروج عن مذهب الامامية، و ذهاب الى القول بتكليف ما لا يطاق، فلا ريب فى قبحه، فهل يجب عليه القضاء مطلقا او لا مطلقا؟ او الاول ان لم يطابق الواقع؟ و الثانى ان طابقه؟ اوجه و الا ظهر هو الثانى، لان الامر يقتضى الاجزاء و تكليفهم فى هذا الحين ليس الا ذلك، و يعضده جملة من الأخبار المتقدمة، التى اقمناها على القائلين بالمعذورية.

لا يقال: يعارض ما ذكرت الادلة المتقدمة، التى اقمتها للمشهور من الأخبار و غيرها، مضافا الى كثير من الأخبار التى اجملت ذكرها هناك، و نقل جملة منها شيخنا المجلسى رحمه الله فى البحار فى باب العمل بغير علم.

كقول الصادق (ع): العامل على غير بصيرة كالساير على غير الطريق، و لا يزيده سرعة السير من الطريق الا بعدا، كما فى رواية طلحة بن زيد.

و قوله (ع): لا يقبل الله عز و جل عملا الا بمعرفة، و لا معرفة الا بعمل...

الخبر، كما فى رواية الحسن بن الصيقل.

و قول على (ع): اياكم و الجهالة من المتعبدين، و الفجار من العلماء، فانّهم فتنة كل مفتون، كما فى خبر ابن صدقه.

و قول على بن الحسين (ع): و لا عمل الا بنية، و لا عبادة الا بتفقه...

الخبر، كما فى خبر الثمالى.

و قول النبى (ص): لا قول الا بعمل، و لا قول و لا عمل الا بنية، و لا قول و عمل و نية الا باصابة السنة، كما فى خبر ابى الصلت.

و قوله (ص): لا قول الا بعمل، و لا عمل الا بنية، و لا عمل و لا نية الاّ باصابة السنة، كما فى خبر ابى عثمان العبدى.

و قوله (ص): من عمل على غير علم كان ما يفسد اكثر مما يصلح، كما فى رواية ابن فضال عما رواه.

ص: 109

و قول ابى عبد الله (ع): العامل على غير بصيرة كالساير على السراب بقيعة، لا يزيده سرعة سيره الا بعدا، كما فى مرسلة موسى بن بكر.

و قول مولانا على (ع): المتعبد على غير فقه كحمار الطاحونة، يدور و لا يرح، و ركعتان من عالم خير من سبعين ركعة من جاهل، لان العالم تأتيه الفتنة فيخرج منها بعلمه، و تأتى الجاهل فتنسفه نسفا، و قليل العمل مع كثير العلم خير من كثير العمل مع قليل العلم، و الشك و الشبهة، كما فى مرسلة الاختصاص.

و قوله (ع): فالناظر بالقلب العامل بالنصر، يكون مبتدأ عمله، ان يعلم اعمله عليه ام له؟ فان كان له مضى فيه، و ان كان عليه وقف عنه، فان العامل بغير علم كالساير على غير طريق، فلا يزيده بعده عن الطريق الا بعدا من حاجته، و العامل بالعلم كالسائر على الطريق الواضح، فلينظر ناظرأ ساير هوام راجع؟ كما فى نهج البلاغة.

و قول الصادق (ع): احسنوا النظر فيما لا يسعكم جهله، و انصحوا لأنفسكم، و جاهدوها فى طلب معرفة ما لا عذر لكم، فان لدين الله تعالى اركانا لا ينفع من جهلها شدة اجتهاده فى طلب ظاهر عبادته، و لا نصر من عرفها فدان بها حسن اقتصاده، و لا سبيل لاحد الى ذلك الا بعون من الله عز و جل، كما فى كنز الكراجكى.

و روى ايضا فى البحار(1) فى بشير الدهقان عن الصادق (ع) انه قال:

لا خير فيمن لا يتفقه من اصحابنا، يا بشير ان الرجل منكم اذا لم يستغن بفقهه احتاج اليهم، فاذا احتاج اليهم ادخلوه فى باب ضلالتهم، و هو لا يعلم.

و روى عنه (ع) انه قال له رجل: جعلت فداك، رجل عرف هذا الأمر لزم بيته و لم يتعرف الى احد من اخوانه، قال فقال: كيف يتفقه هذا فى دينه؟

و روى(2) ايضا عن المحاسن فى وصية المفضل بن عمر قال: سمعت ابا

ص: 110


1- فى باب العلوم التى امر الناس بتحصيلها. (منه)
2- فى الباب المتقدم. (منه)

عبد الله يقول: تفقهوا فى دين الله و لا تكونوا اعرابا، فان من لم يتفقه فى دين الله لم ينظر الله اليه يوم القيمة، و لم يزك له عملا.

و روى(1) ايضا عن روضة الواعظين عن النبى (ص) انه قال فى جملة كلام له: اما علمت ان الله يطاع بالعلم، و خير الدنيا و الآخرة مع العلم، و شر الدنيا و الآخرة مع الجهل.

لأنا نقول: الادلة المتقدمة لا تنافى ما ذكرناه، و ذلك لان جملة منها غير جارية فى الفرض الذى فرضناه، و هو عدم كونه مقصرا اصلا، و اما الاجماع المحكى فالمتبادر منه لكلام المشهور غير المفروض، و اما الاخبار فمع ورد المناقشة فى كثير منها، اكثرها غير شاملة للجاهلين الغافلين رأسا، على ما فرضناه، بل مختصة بالمتفطنين، و بالجملة كون الجاهلين المفروضين، مخاطبين بهذه الخطابات اول الكلام.

و اما قولهم (ع): لا عمل الا بالفقه و المعرفة و باصابة السنة، و امثالها، فمع قطع النظر عن تطرق المناقشة، بان المقدر هو الكمال لا الصحة، و تسليم السند يرد ان المفروض ان هذا الشخص لا يحتمل البطلان فيما يفعله، مقتبسا عن ابيه او امه او معلمه او غيرهم، و لا يختلج بباله انه لا بد ان يرجع فى المسائل الى المجتهد، فهو عارف بتكليفه و فقيه، فلو كلف مع ذلك الرجوع الى المجتهد لكان تكليفا بما لا يطاق، هذا مضافا الى جملة من الأخبار المتقدمة، الدالة على كونه معذورا، فمعها لا يصح الاستناد الى هذه الاخبار المشار اليها، و الى ان هذه الأخبار لو سلم عمومها ظنية، و ما ذكرناه قطعى، و الظنى لا يعارض القطعى.

و حاصل الكلام انه لا ريب و لا شك، فى ان كل عاقل غير غافل و لا ذاهل، اذا جعل عقله المستقيم حاكما، يجد و يرى كالشمس فى وسط السماء، ان العقاب على الفعل او الترك، انما يتبع العلم و لو كان اجماليا، فدعوى كون من

ص: 111


1- فى باب مذاكرة العلم.

قلد غير من هواهل للتقليد فى الأحكام الشرعية، ما ثوما مطلقا و لو كان جاهلا غير مقصر اصلا، خارجة عن حد الاعتدال، و قائله بجواز تكليف الغافل و لا ريب فى قبحه.

فان قلت: هذا الفرض غير واقع.

قلت: هذا نزاع فى الصغرى، و نحن نتكلم على فرض ثبوتها، مع ان هذه الدعوى تشبه المكابرة، اذ نحن نشاهد الفضلاء الفحول و المجتهدين فى المنقول و المعقول، ربما غفلوا عما يلزمهم معرفته فى الفروع و الاصول، فضلا عن الاطفال و النسوان و ضعفاء العقول، و عن مكان الصحارى و البرارى و الرساتيق، الذين ليس لهم حظ فى احكام الله و الرسول، كما لا يخفى على من تتبع احوالهم، و كثيرا ما رأينا الصلحاء الذين ليس همتهم الا معرفة الدين، و تحصيل الشرع باليقين، و كان شغلهم مجالسة العلماء، و التردد فى ابواب العرفاء، و المسئلة عن مسائل عباداتهم، ثم ظهر لهم انهم غفلوا عن السؤال عن بعض ما هو من واجبات عباداتهم، المكررة فى كل يوم و ليلة، و كانوا يعملون بشىء من احكامها على سبيل ظنهم، من دون اخذ من العالم، لاجل عدم تفطنهم بالسؤال و غفلتهم عن حقيقة الحال، و ربما كان مخالفا لرأى مجتهده ايضا، فكيف يدعى عدم تحقق فرض الغفلة.

و مما يؤيد ما ذكرنا و يؤكد ما سطرناه، انهم لا يحكمون بكفر منكر الضروريات اذا امكن فى حقه الشبهة، فاذا جوزنا الشبهة فى الضروريات، فكيف الغفلة فى النظريات و الامور الخفية، نعم الغفلة فى الامور العامة البلوى لمن زاول الشريعة و خالط اهلها بعيدة، كما يشير اليه بعض(1) الروايات الآتية ان شاء

ص: 112


1- و مما يؤيد ذلك تأييدا و يعليه تشييدا ما ذكره بعض الا فاضل ورد فى اخبار ان المستضعفين من المخالفين ممن يرجى لهم الفوز بالجنة و ان دلت الآية الشريفة على انهم من المرجئين لأمر الله الا ان ظاهر جملة من الاخبار ان عاقبة امرهم الى الجنة بل قال شيخنا المجلسى على ما نقله عنه السيد نعمة الله رحمه الله فى بعض فوائده ان المستضعفين و الكفار ممن لم تقم الحجة عليهم من عوامهم و من بعد عن بلاد الاسلام ممن يرجى النجاة ثم قال السيد بعد نقل ذلك عنه و هذا القول و ان لم يوافقه الاكثر الا انه غير بعيد ممن تتبع الأخبار. (منه).

الله تعالى.

و محصول الكلام ان الجاهلين الغافلين الغير المتفطنين رأسا، اذا وقعوا العبادة التى اخذوها من آبائهم و اسلافهم مثلا، معتقدين ان هذا هو أقصى ما كلفوا به و ما هو مطلوب منهم، فالظاهر صحتها، وفاقا لبعض الأجلة كغيره.

الثانى: إذا سامح مع علمه بوجوب تحصيل المعرفة بالأحكام فهل هو معاقب أم لا؟

اذا تفطن الشخص، و حصل له العلم الاجمالى بوجوب تحصيل المعرفة بالاحكام، عن المجتهد الجامع للشرايط لا عن غيره، و سامح و عمل باى ظن حصل له، و ما اخذ مسائله عنه، فهل هو معاقب مطلقا؟ ام لا مطلقا؟ ام الأول مع عدم مطابقة الواقع؟ و الثانى مع مطابقته؟ و التحقيق هو الأول، وفاقا للمشهور، و يدل عليه كثير من الادله المتقدمة من الأخبار و غيرها، مضافا الى الآيات القرانية، كقوله تعالى: «آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللّٰهِ تَفْتَرُونَ».

لا يقال: هو غير عالم بتفصيل الاحكام، فكيف يترتب العقاب مع الجهل؟ لانا نقول: العلم الاجمالى(1) كاف فى صحة التكليف، كما ينادى بذلك الدليل الحادى عشر و غيره، هذا مضافا الى ما(2) روى بسند معتبر على ما قيل، عن الصادق (ع)، ان رجلا جاء اليه فقال له: ان لى جيرانا لهم جوار يغنين و يضربن بالعود، فربما دخلت المخرج فاطيل الجلوس استماعا منى لهن، فقال له:

تفعل، فقال: و الله ما هو شىء آتيته برجلى انما هو سماع باذنى، فقال الصادق عليه السلام: انت اما سمعت الله يقول: إِنَّ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ اَلْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ

ص: 113


1- و لذلك ترى الفقهاء لحصول العلم الاجمالى لهم باختلاف الادلة و تعارضها و اشتغال الذمة بشىء غير مبين يكون العمل بأصل البراءة عندهم مشروطا بالتفحص عن الادلة بقدر الوسع. (منه)
2- قيل رواه المشايخ الثلاثة. (منه)

مَسْؤُلاً، و قال الرجل: كانى لم اسمع بهذه الآية من كتاب الله عز و جل من عربى و لا عجمى، لا جرم انى قد تركتها و انى استغفر الله، فقال له الصادق (ع):

قم فاغتسل وصل ما بدا لك فلقد كنت مقيما على امر عظيم، ما كان اسوءا حالك لو مت على ذلك، استغفر الله و اسئله التوبة من كل ما يكره، فانه لا يكره الا القبيح فالقبيح دعه لاهله فان لكل اهلا.

و يؤيده ما روى فى الصحيح على ما قيل عن ابى عبيدة عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن امراة تزوجت رجلا و لها زوج، قال فقال: ان كان زوجها الأول مقيما معها فى المصر التى هى تصل اليه و يصل اليها، فان عليها ما على الزانى المحصن من الرجم الى ان قال كانت جاهله بما صنعت، قال فقال:

اليس هى فى دار الهجرة؟ قلت: بلى، قال: فما من امراة اليوم من نساء العالمين، الا و هى تعلم ان المراة المسلمة لا يحل لها ان تزوج زوجين، قال:

و لو ان المراة اذا فجرت قالت لم ادر لو جهلت ان الذى فعلت حرام، و لم يقم عليها الحد، لتعطلت الحدود.

و يدل عليه ايضا و ما روى فى الحسن بابراهيم على ما قيل، عن ابى ايوب عن يزيد الكناسى قال: سألت ابا جعفر (ع) عن امراة تزوجت فى عدة: ليس لزوجها عليها الرجعة، فان عليها حد الزانى غير المحصن الى ان قال قلت:

ارايت ان كان ذلك منها بجهالة، قال فقال: ما من امراة اليوم من نساء العالمين الا و هى تعلم ان عليها عدة فى طلاق او موت، و لقد كن نساء الجاهلين يعرفن ذلك، قلت: فان كانت تعلم ان عليها عدة، و لا تدرى كم هى؟ فقال: اذا علمت ان عليها العدة لزمتها الحجة، فتسل حتى تعلم.

و بالجمله لا ينبغى التأمل فيما ذكرناه، لوفور الادلة عليه، بل الادلة الاربعة دالة عليه كما يظهر مما سبق.

الثالث: اذا تفطن و حصل له العلم الاجمالى بوجوب الاخذ عن العالم

ص: 114

الربانى، و سامح و ما اخذ عنه، فاوقع ما يزعمه عبادة، و اتفق مخالفتها(1)للواقع، فهل يحكم بالبطلان ام لا؟ فالتحقيق هو الحكم الأول، فيعيد فى الوقت و يقضى فى خارجه، وفاقا للمشهور، بل لم اجد مخالفا صريحا فى ذلك، و يدل عليه الادلة المتقدمة من الأخبار و غيرها، و المناقشة و ان امكنت فى بعضها، و لكنها لا تخرجه عن التاييد.

الرابع: الصورة بحالها، و اتفق موافقه ما اتى به للواقع، فهل يحكم بالصحة او البطلان؟

المشهور الى الثانى، و ذهب الشارح المقدس و تلميذه فى المدارك الى الأول.

للمشهور الادلة المتقدمة، و ما اشار اليه الشارح المحقق طاب ثراه حيث قال، بعد نقل نبذ من كلام الشارح المقدس المتقدم اليه الاشارة، ما لفظه، و عنده ان ما ذكره منظور فيه، مخالف للقواعد المقررة العدلية، و ليس المقام محل تفصيله، أقول: اجمالا ان احد الجاهلين ان صلى فى الوقت، و الآخر فى غير الوقت، فلا يخلو اما ان يستحقا العقاب، او لم يستحقا اصلا، او يستحق احدهما دون الآخر، و على الأول يثبت المطلوب، لأن استحقاق العقاب انما يكون لعدم الاتيان بالمامور به على وجهه، و على الثانى يلزم خروج الواجب عن كونه واجبا، و لو انفتح هذا الباب لجرى الكلام فى كل واحد واحد من افعال الصلوة، و يفضى الأمر الى ارتفاع جل التكاليف، و هذا مفسدة واضحة لا يسوغ لاحد الاجتراء عليه، و معلوم فساده ضرورة، و على الثالث يلزم خلاف العدل، لاستوائهما فى الحركات الاختيارية الموجبة للمدح او الذم، و انما حصل مصادفة الوقت و عدمه بضرب من الاتفاق، من غير ان يكون لاحد منهما فيه ضرب من التعمل و السعى، و تجويز مدخلية الاتفاق الخارج عن المقدور فى استحقاق المدح و الذم مما هدم

ص: 115


1- قال بعض المحققين فى شرح المفاتيح فى بحث نية الصلوة فى جمله كلام له لعدم معذورية الجاهل لم يطابق عمله الواقع اجماعا من جميع العلماء و ان ناقش بعض من تأخر فى خصوص صورة اتفاق الموافقة فتدبر انتهى و هذا ايضا حجة اخرى مستقله. (منه)

بنيانه البرهان، و عليه اطباق العدلية فى كل زمان، و اما الاشارات التى ذكرها، فكل منها قابل للتاويل، فيشكل الاعتماد عليها و التعويل، و ليس المقام محل التفصيل، هذا ظاهر التحقيق و ان كان الاشكال فيه و فى نظايره ثابتا، انتهى كلامه رحمه الله.

و للشارح المقدس و موافقيه، ان الآتى بالعبادة الموافقه لنفس الأمر يكون اتيا بالمامور به، غاية الأمر انه لم يعرف ذلك، و هو غير ضاير، لأن المعرفة ليست جزء اللمامور به و لا شرطا لصحته، لعدم ثبوت ذلك، بل و ثبوت العدم، كما ظهر من تيمم عمار، و طهارة بعض الانصار، و غير ذلك مما مر فى كلام الشارح المقدس اليه الاشارة.

لا يقال: يعارض ما ذكر الادلة المتقدمة التى استند اليها المشهور، لانا نقول: تلك الادلة غير صالحة للمعارضة.

اما الأول فلان العبادة التى حكى عليها الاجماع، هى كون الجاهل غير معذور، و نحن بذلك، و ذلك لأن الله تبارك و تعالى كما يظهر من الأخبار و غيرها، يعاقبه على ترك التعلم و لا يقبل له عذرا، و هذا اذا قلنا بحجية الاجماع المحكى، و الا فالأمر اوضح من ان يذكر، فليتأمل جدا.

و اما الثانى فلانا نقول بموجبه من الله يعاقبه على ترك التعليم، فلا دور، و هذا لا يستلزم الحكم بفساد ما اتى.

و اما الثالث فلان المراد بالعلم الواقع فى قوله بالعلم بالتكليف، ان كان هو التفصيلى فهو اول الكلام، و ان كان الاجمالى فلا نسلم عدم صحة ما اتى به، و ان كان مواخذ فى ترك العلم التفصيلى، فبما ذكر ظهر الجواب عن قوله ايضا لعدم الدخول الشرعى الى آخره.

و اما الرابع و الخامس فمع عدم انطباق جملة من تلك العبائر على مفروض المسئله، يظهر الجواب عنها مما مر، و ان غيرت الاسلوب فى بعض تلك العبائر، و قلت: ان التعلم شرطى فبا نتفائه ينتفى المشروط، فنقول: لا نسلم كونه شرطا

ص: 116

للصحة، فعليك باقامة البرهان.

و اما السادس فلانه على تقدير تسليم وجوبها و عدم صدقها مع الجهل، لا يغنى من جوع، و للمستدل ان يبين كونها شرطا للصحة.

و اما السابع فلانا نسلم كونه معاقبا حيث لم يعمل بقول من يجوز العمل على قوله، و هذا لا يستلزم الفساد فى مفروض المسئلة.

و اما الثامن(1) فلا يصح ان يقابل مع ما ذكرناه، لانا فى مقام كشف الواقع لا العمل، فافهم فانه دقيق.

و اما التاسع فلان المطلق على المفروض قداتى به، و المعرفة ليست جزءا او شرطا لصحة المامور به، حتى بانتفائها ينتفى المشروط، نعم هو معاقب لترك المعرفة.

و اما العاشر فلانه فرق ظاهر بين نية التقريب و حصول التقريب، و لا ريب ان صحة العبادة انما هى مشروطة بالأول لا الثانى، و عليه فلا ريب ان الجاهل ينوى التقريب و ان كان التقريب غير حاصل له، نعم اذا فرض كونه متذكرا حين النية، انه لم ياخذ مسائل العبادة التى يريد ان ياتى بها عمن يجوز الاخذ عنه، بل انما اطاع هوى نفسه، لكان ما ذكر وجيها، و لكن الغالب هو انهم ياتون بها و ينوون التقريب من غير تدبر و تفكر فى ذلك، و الحاصل ان هذا الدليل اخص من المدعى، و لا يشمل اكثر الافراد، و ان كان مستند جماعة من متأخرى المتأخرين فى الحكم بالبطلان بقول مطلقا، عليه فافهم.

و اما الحادى عشر فانا نقول بموجبه من كونه معاقبا لتقصيره، و هذا غير ما نحن فيه، كما عرفت.

و اما الثانى عشر فنقول فيه بما اشرنا اليه فى الحادى عشر و غيره، هذا فى الآية الاولى.

ص: 117


1- و بعبارة اخرى ما ذكرناه اجتهادى و هذا تعبدى فالاول مقدم على الثانى. (منه)

و اما فى الثانية فنقول: على فرض تسليم افادة حذف المتعلق للعموم، لا نسلم كون عموم المتعلق فى الآية بحيث يشمل ما نحن فيه، اليس ذلك موكولا الى فهم العرف، اقرا قوله تعالى فى سورة الزمر: «أَمَّنْ هُوَ قٰانِتٌ آنٰاءَ اَللَّيْلِ سٰاجِداً وَ قٰائِماً يَحْذَرُ اَلْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ»، ثم راجع الى وجد انك فانظر هل يسبق الى ذهنك ان العالم عباداته صحيحة، فالجاهل لا بد ان يكون عباداته غير صحيحة، لأن الله تعالى قال: «هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ» الى آخره، و ظنى انك لا تستريب فى عدم كون ذلك مفهوما من تلك الآية، و الله هو العالم بحقايق الامور.

و اما الثالث عشر فالجواب: انا نقول بموجب تلك الأخبار من وجوب التعليم و ان تاركه معاقب، و لكن ذلك غير ما نحن فيه، يبقى الاشكال فى مثل قولهم: لا عمل الا بالفقه و المعرفة و باصابة السنة و امثالهما، و يمكن الجواب بعد تسليم السند ان التقدير هو الكمال، او المقبول لو قلنا بان نفى القبول لا يستلزم نفى الاجزاء، لا الصحة، و بما ذكر ظهر الجواب عن كثير من الأخبار، التى اوردناها فى الموضع الأول.

و اما الجواب عن رواية بشير الدهقان المتقدم هناك، فنقول ان عدم التذكية لا يستلزم عدم الاجزاء، هذا مضافا الى ان فى مرسلة الاختصاص و ما ضاهاها من الأخبار، تاييدا على اجزاء عبادة الجاهل، كالاخبار المتقدمة التى استند اليها القائلون بالمعذورية.

و اما الدليل الذى بينه الشارح المحقق، رد اعلى الشارح المقدس القائل بالفرق بين من وقع صلوته فى الوقت و وافقت للواقع فالصحة، و بين من لم تقع صلوته فى الوقت و خالفت للواقع فالبطلان، فنقول فى رده، انا نختار الشق الاول قوله: فعلى الاول يثبت المطلق، لأن استحقاق العقاب انما يكون لعدم الاتيان بالمامور به على وجهه، ففيه ان استحقاق العقاب انما يكون لتركها التعليم، فلم يلزم ثبوت المطلق.

ص: 118

فان قلت: نحن نغير التقدير و نقول هكذا: ان صلى احد الجاهلين فى الوقت، و الآخر فى غير الوقت، فلا يخلو اما ان يستحقا العقاب من جهة هذا المامور به، الذى اتيا به فى الوقتين المذكورين، او لم يستحقا الى آخر ما ذكره، و الظاهر ان مراده ايضا ذلك، الا انه ترك التقييد فتوجه عليه ما توجب، قلت:

فحينئذ نختار الشق الثالث، و لزوم خلاف العدل غير مسلم، لانهما يعلمان اجمالا ان للشارع مطلوبات و مبغوضات، و الشارع لا يرضى الا بان ياتيا بما هو مطلوب له، و علما ايضا ان للشارع مطلوبا آخر، و هو علمهما بما امرا به، و بما يكون للشارع مطلوبا او مبغوضا، فقصرا فى التعليم الذى هو مطلوبه، الذى يصلهما الى ما يكون مطلوبه الآخر، و اتيا من با بين آخرين فاتفق لاحدهما ان اتى بالمطلوب و وجده، و للاخر لم يتفق ذلك، فالذى اتفق له ان اتى به ليس للامران يكلفه ثانيا، لأنه اتى بمطلوبه و ان كان بمصادفة الاتفاق، و له ان يكلف الآخر بالاتيان به ثانيا، لمكان عدم اتيانه به، الا ترى انه اذا كان هناك مظلما مملوا بالخزف و المرجان مثلا، و قال السيد لعبدين من عبيده: ان مطلوبى المرجان الذى هو فى ذلك المكان، و كذا مطلوبى هو ان تذهبا فى ذلك المكان مع السراج، حتى تتميز بين المرجان و الخزف، فذهبا الى ذلك المكان من غير سراج، فارسلا ايديهما فجاء فى يد احدهما مرجان و فى يد الآخر خزف، من غير شعورهما بذلك، فاتيا الى سيدهما و اعطياه ما اخذاه، و لا اظنك ان تستريب فى ان السيد يعاقبهما فى ترك السراج، و لكن لا يقول للآتى بالمرجان انك لم تات بمطلوبى كما يقول للآتى بالخزف ذلك، بل له ان يامر للاتى بالخزف ثانيا ان ياتى بمطلوبه، و ليس له ان يامر ذلك على من اتى بالمرجان، لمكان اعتراضه بان اتيت بمطلوبك، فما معنى امرك ثانيا اياى؟ هذا اذا قلنا بان العلم واجب غيرى، و اما اذا قلنا بان الغرض منه ليس الا لوصول بالمطلوب، فيكون مقدمة و لم يتعلق به المطلوبية رأسا، كما فى ساير المقدمات فيكون الأمر اظهر.

و بالجملة لا نسلم عدم مدخلية الاتفاق بقول مطلق، نعم لو ثبت ان

ص: 119

الطبايع المأمور بها او المنهى عنها، ليست مطلوبة للشارع بقول مطلق، بمعنى انها بانفرادها ليست تمام المطلق، بل هى جزء للمطلوب، و بانضمام العلم تصير مطلوبة تامة، و بعبارة اخرى مطلوب الشارع هو الطبايع لا مطلقا، بل من حيث ان يأتى بها من باب العلم، فلو اتى بها من غير ذلك الباب لم يكن آتيا بمطلوبه، لكان الدليل المذكور وجها فى الغاية، و انى لهم باثبات ذلك.

و يعضد ما ذكرناه جملة من الأخبار المتقدمة، و منها رواية عبد الصمد بن بشير، و ما اشار اليه بعض الأجلاء رحمهم الله قال: لو كان الاتفاق الخارج لا مدخل له فى الصحة فى الاحكام الشرعية على الاطلاق، كما زعمه، لما اجزاء صوم آخر يوم شعبان من اول يوم من شهر رمضان، متى ظهر كونه منه بعد ذلك، و يسقط القضاء عمن افطر يوما من شهر رمضان لعدم الرؤية، ثم ظهرت الرؤية فى البلاد المتقاربة، او مطلقا على الخلاف فى ذلك، و لوجب الحد على من زنى بامراة ثم ظهر كونها زوجته، و لصح شراء من اشترى شيئا من يد أحد من المسلمين، ثم ظهر كونه غصبا، و لوجب القضاء و الكفارة على من افطر يوم الثلاثين من شهر رمضان، ثم ظهر كونه من شوال، و لوجب القود والدية على من قتل شخصا عدوانا ثم ظهر كونه ممن له قتله قودا، و لوجب العوض على من غصب مالا و تصرف فيه ثم ظهر كونه له، الى غير ذلك من المواضع التى يقف عليها المتتبع و اللوازم كلها باطلة اتفاقا، قال: فان قيل ان هذه الاحكام المعترض بها، انما صير اليها لقيام الدليل عليها، قلنا: قيام الدليل عليها دليل على ان الاتفاق واقعا مما له دخل فى المدح و الذم و الصحة و الفساد، كما هو المدعى انتهى فافهم.

و القول بعد اختيار الشق الثالث من الترديدات(1) التى مضت فى كلام الشارح المحقق بانه متى قام الدليل من خارج على معذورية الجاهل و صحة

ص: 120


1- و الراد هو صاحب الحدائق. (منه)

عبادته اذا طابقت الواقع، فهذا الاستبعاد العقلى غير مسموع، و ان اشتهر بينهم ترجيح الدليل العقلى على النقل، الا ان ما نحن فيه ليس منه غير مسموع، لأنه على تقدير حكم العقل بان ذلك خلاف العدل، لا وجه للتخصيص بالبديهة لمكان وجود البرهان على عدم جوازه فى الدليل العقلى، و هذا الدليل الذى قام على معذورية الجاهل مع المطابقة على ما ادعاه، ان كان عقليا فيهدمه القول بعد جواز التعارض فى القطعيات، و ان كان نقليا كما هو الظاهر لمكان استدلاله على المعذورية، برواية عبد الصمد بن بشير المتقدمة، و قطعيا، فيجىء ما تقدم فى العقلى المحض، و ان كان ظنيا فلا ريب فى عدم مقاومته للعقلى، لان التعارض بين القطعى و الظنى مما هدم بنيانه البرهان.

و بالجملة بعد تسليم القول بان الاتفاق الخارج لو كان له مدخلية فى الصحة و عدمها، ليلزم خلاف العدل، لا وجه لامثال هذه المقالات، و القول بان المدح و الذم على هذه الحركات الاختيارية، ان كان من الله سبحانه فاستواؤهما فيه ممنوع، اذا يجاب الحركات للذم و المدح ليس لذاتها، و انما هو لموافقة الامر و عدمها تعمدا او اتفاقا، و حينئذ فمقتضى ما قلناه من قيام الدليل على صحة عبادة الجاهل اذا صادف الوقت، فانه تصح عبادة من صادفت صلوته الوقت فيكون حركاته موجبة للمدح، بخلاف ما لم يصادف، فانها تكون موجبة للذم لعدم المصادفة الموجبة للصحة، فله وجه صحة و وجه فساد، يظهر كلاهما مما مر، فتدبر كى لا تغفل.

و القول بان ما ذكره منقوض بما وقع الاتفاق عليه نصا و فتوى، من صحة عبادة الجاهل بوجوب التقصير تماما، مع كونها غير مطابقة للواقع، فاذا كان الجهل عذرا مع عدم المطابقة، فبالاولى ان يكون عذرا مع المطابقة، فله جواب اصلناه على اهل الكمال.

و اما القول بانه معارض ايضا بما صرح به الاصحاب، كما نقل عن شيخنا الشهيد الثانى فى شرح الرسالة، من ان من صلى بالنجاسة جاهلا بها، و ان

ص: 121

صح صلوته ظاهرا، الا انها غير صحيحة و لا مقبولة واقعا، لفقد شرطها واقعا، فانه يذم بمقتضى ما ذكره ايضا خلاف العدل لاستواء حركات هذا المصلى، مع حركات من اتفق كون صلوته فى طاهر واقعا فى الذم و المدح، فكيف تقبل احديهما دون الاخرى؟ اذ كل منهما قد بنى على ظاهر الطهارة فى نظره، و انما حصلت الطهارة الواقعية فى احديهما بضرب من الاتفاق، و الفرض ان الاتفاق الخارج لا مدخل له، و مثل ذلك فيمن توضأ بماء نجس واقعا مع كونه طاهرا فى الظاهر فان بطلان طهارته و عبادته، دون من توضأ بماء طاهر ظاهرا و واقعا، مع اشتراكهما فيما ذكره من الحركات و السكنات، و كون الطهارة و النجاسة واقعا بنوع من الاتفاق، خلاف العدل، و الاصحاب يقولون به.

فللشارح المحقق جواب عنه كما لا يخفى على المتفطن العارف بقاعدة المنع و غيره.

و اما الرد على الدليل المذكور بان الغرض من التكليف بالمراعاة كما تقدم آنفا، و اعترف هو به قدس سره، الاتيان بما كلف به حسب نفس الامر، و من صادفت صلوته الوقت يصدق عليه انه اتى بالمأمور به، و امتثال الامر يقتضى الاجزاء، و عين ما ذكره فى الناسى من قوله، لانا نقول جار فيما نحن فيه، فله وجه صحة، لان الشارح المحقق قال: و لو وقعت صلوة الناسى بتمامها فى الوقت ففيه وجهان: اقربهما الصحة، لانه اتى بالمأمور به فتكون مجزئه، لا يقال: كان الواجب مراعاة الوقت و لم تحصل، فلم يأت بالمأمور به على وجهه، لانا نقول:

وجب عليه المراعاة من باب المقدمة، حال ملاحظة وجوب الاتيان بها فى الوقت، على وجه الامتثال و الا طاعة، اما عند الذهول عن هذه المقدمة، فله الاتيان بها فى وقتها متقربا ممتثلا من دون ملاحظة الوقت و مراعاته، فلا يكون المراعاة مقدمة للفعل مطلقا، انتهى فليتأمل.

و حاصل الكلام فى المقام ان يقال: ان اكثر الطبايع المأمور بها، كالصلوة

ص: 122

مثلا ليست هى بنفسها مطلوبة(1) للشارع، مع قطع النظر عن جميع الحيثيات تعليلية كانت او تقييدية، حتى لو أتى بها فى اىّ طريق كان لكان اتيا بالمطلوب بل الطلب انما تعلق بها مع انضمام حيثية، ككون المصلى متطهرا و ما ضاهاها من الأشياء التى تكون شرطا لصحتها، و كذا الكلام فى كثير من الطبايع المبغوضة، و عليه فالشارح المحقق و موافقوه، يزعمون ان العلم بمسائلها ايضا من شرايط الصحة، فلو اتى بها من غير علم تحكم بالبطلان، كما لو لم يأت بها اصلا، و اما نحن فنمنع ذلك فنقول: ان للمدعى اقامة البرهان، نعم هو مطلوب آخر للشارع، و اما البرهان الذى اقامه الشارح المحقق، ردا على القائل بالصحة فى صورة الموافقة، و الفساد فى صورة المخالفة، ففيه ان من حكم بحقية ذلك البرهان، لا بد له ان ينفى الاشياء التى هى شرط للصحة بقول مطلق، لجريان ذلك البرهان فى كل منها، مثلا لو احتلم الشخص و لم يعلم به فتوضأ و صلى بلا عروض مانع اصلا، لاستوائهما فى الحركات الى آخر البرهان، و هذا مما هدم بنيانه الدليل، و عليه فهذا البرهان ليس الا مجرد القال و القيل، و لا يهدى الضال الى سبيل.

و محصول الكلام ان البرهان المذكور غير وجيه، لوجهين: احدهما النقض الاجمالى و قد مضى اليه الاشارة و ثانيهما النقض التفصيلى، و هو انا نختار الشق الثالث، و لزوم خلاف العدل غير وجيه، بعد علم المأمور و لو اجمالا، ان للشارع مطلوبات لا بد من الاتيان بها، نعم اذا كانا من جميع الوجوه مساويين، و صار الآمر باغتا لمصادفة الاتفاق لاحدهما دون الآخر، و عاقب من لم يصادف الاتفاق دون المصادف له، لكان ذلك منافيا للقواعد العدلية بلا شك و لا شبهة

ص: 123


1- و بطور آخر يمكن ان يتعلق امر الشارع بمهية الصلوة كما يمكن ان يتعلق بالمهية المركبة اعنى الصلوة مع الطهور و امثاله من الاشياء التى لا يرضى الشارع بتركها و لا ريب ان الامر لم يتعلق بالمهية الاولة مع قطع النظر عن جميع الحيثيات بل تعلق بالمهية المركبة و عليه فالشارح المحقق بزعمه ان تلك المهية المركبة المأمور بها احد اجزائها العلم المشار اليه و نحن نمنع ذلك فافهم. (منه)

و هذا التحقيق يليق ان يكتب بالنور فى صفحات: خدود الحور، و العجب من غير واحد من متأخرى المتأخرين، كيف اشدوا فى الحكم بالبطلان عليه، و لم يتفطنوا الى ثمراته التى ليسوا من الاكلين لها، مع عدم قبوله لتطرق التخصيص عليه(1)لمكان البرهان عليه.

و الذى يقتضيه الانصاف ان تلك المسئلة بعد محل اشكال، و ان شمرنا لاتمام مذهب الشارح المقدس و موافقيه و بسطنا القيل و القال، كما عرفت بما لا مزيد عليه فى هذا المجال، بل لو اعطى التأمل حقه فى هذا المضمار، لكان مذهب المشهور هو واضح المنار، و ذلك لمكان ما ورد من قولهم (ع)، لا عمل الا بالفقه و المعرفة و باصابة السنة، و المناقشة التى اشرنا اليها من ان التقدير هو الكمال او القبول واهية، لأن الانصاف ان نفى الصحة هو اقرب المجازات الى نفى الحقيقة، و القول بان كلمة المعرفة كثيرا ما تستعمل فى معرفة الامام (ع)، غير ضائر لمكان لفظ الفقه، مع انه يمكن ان يمنع كثرة الاستعمال بحيث يمنع التمسك بها فى المقام، و بالجمله الظاهر من هذا الحديث هو لزوم العلم بمسائل العمل الذى ياتى به، بحيث لو قصر فيه لم يحكم بصحة ما اتى به.

و المناقشة فى السند على فرض التسليم واهية لمكان جبره بالشهرة العظيمة و غيرها من الوجوه العديدة، هذا مضافا الى الاجماع المحكى المتقدم اليه الاشارة، المعتضد بالشهرة القريبه من الاجماع، و المناقشة التى اشرنا اليها سابقا غير مسموعة، لأن التخصيص خلاف الاصل، حتى فى العبائر التى نقل عليها اجماع الطائفة، مع ان تعليله الذى اشار اليه بعد نقل الاجماع، صريح فى ان مراده نفى الصحة ايضا، حيث قال فى شرح الجعفرية فى جملة كلام له: نعم الجاهل غير معذور مطلقا اجماعا، لأن الامتثال فى التكاليف الشرعية لا يحصل الا باتباع كل فعل على وجهه، و ذلك لا يحصل الا بالعلم، فلا يكون الجاهل

ص: 124


1- اذ هؤلاء يحكمون بكون ذلك برهانا عقليا و يسلمونه. (منه)

معذورا اصلا، الا فى كيفية الجهر و الاخفات، انتهى.

و الى الدليل العاشر، و كونه اخص من المدعى، بتقريب ما اشرنا اليه سابقا، غير ضاير، لمكان الاجماع المركب على الظاهر، اذ كل من قال بالصحة قال بها مطلقا كعكسها، على ما وجدنا و العلم عند الله، و المعارضة بالمثل لا يتكلم بها الا معكوسى الاذهان، و من ليس من فرسان هذا الميدان، اذ جانب الاثبات فى امثال هذه المقامات مقدم على ساير الجهات، كما ينادى بذلك البرهان، و لا يقتضى المقام ذكره حتى تشاهده بالعيان، مع انا لو قلنا ان معنى القربة هو موافقة ارادة الله تعالى، بمعنى ان الاتيان بالصلوة مثلا انما هو لاجل انها مرادة لله و موافقة لرضاه لا غير، لكان الدليل مثبتا لتمام المدعى، من غير احتياج الى تجشم الاجماع المركب.

و الى الدليل السادس و التاسع و المناقشة التى اوردناها عليها لعلها مدفوعة، لاكثرية الواجبات الشرطية بالنسبة الى الواجبات التعبدية، و التحقيق ان الاستقراء حجة لافادته المظنة، و الاقتصار على حجية الظن المخصوص غير وجيه، لمكان الادلة و لا يقتضى المقام ذكرها، اذ مقامها فى الاصول بلا شبهة فتأمل.

و بهذا ظهور وجاهة الاستدلال على المطلب بكثير من الأخبار المتقدمة، و يعضد المذكور ساير الادلة المتقدمة اليها الاشارة، و الى ان العبادة التى بها الجاهل لا يخلو من ثلاثه اوجه: لأنها اما فاسدة عند جميع الفقهاء، او صحيحة عند بعضهم و فاسدة عند آخر، او صحيحة عند الجميع، فان كان الاولى فهى فاسدة عن الجميع، على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، و ان اتفق كونها صحيحة بحسب الواقع، لانا مكلفون بالتكليفات الظاهريه المعبر عنها بالنفس الأمر الثانوى، لا الاحكام الواقعية المعبر عنها بالنفس الأمر الاولى و نعنى بالاول(1) ما يظن المجتهد كونه حكم الله الواقعى، و اما الثانى فلعلها

ص: 125


1- اى التكليفات الظاهريه. (منه)

ايضا تكون فاسدة عند الجميع، قاله بعض المحققين، لأن الجاهل لم يقلد القائل بالصحة، و القايل بالصحة انما يقول بها لنفسه و لمن قلده، و لذا يحكم بالفساد للقايل بالفساد و من قلده، و يحتمل ان يكون صحيحة عند القائل بالصحة و فاسدة عند القايل بالفساد، لكن لا ينفعه قول القائل بالصحة ما لم يقلده، اذ لا وجه للحكم بالصحة و ترجيحه على الفساد مع عدم التقليد اصلا، فتدبر.

فان كان الثالث فلا دليل على حجية ذلك الظن، لأن الذى ثبت كونه حجة هو ظن المجتهد و المقلد له، فليتأمل.

و بطور آخر اسد و امتن، و هو انه لا ريب ان المعروف من الفقهاء، هو بطلان العبادة المفروضة من الجاهل المفروض، فاعتقاد الشارح المقدس و تلميذه بالصحة، كيف يتصوران ينفع الجاهل الذى لا يعرف انها صحيحة فى الشرايع؟ غاية ما فى الباب انه يزعمها، فان كان هذا الزعم كافيا للصحة عنده و محصلا لبراءة ذمته، فليكن ما خالفت للواقع ايضا صحيحة و للذمة مبرئة، اذ الظن المذكور موجود فى المزبور ايضا و زنا بوزن و مثلا بمثل، بل ربما كان الثانى عنده ارجح، و لبراءة ذمته انجح، و لنيل مطلوبه عنده افلح.

و بطور آخر لا ريب و لا شك فى ان المكلف اذا لم يعلم انه ممتثل، لا بد له من الاتيان بالفعل ثانيا و ثالثا و هكذا، حتى يعلم ذلك، كيف و لو لم يكن كذلك ليلزم هدم الدين كما لا يخفى على المتدبرين، و عليه فلا بد من معرفة كون الفعل الذى اتى به موافقا للواقع، و هذه المعرفة غير حاصلة له جزما، فلا يتصف عمله بالصحة، و ان قلد فيما بعد المجتهد القائل له ان عملك ان طابق الواقع و هذه المعرفة صحيحا و ذلك واضح.

فان قلت: مرادنا من مقالتنا المذكوره، ان الجاهل المزبور اذا قال للمجتهد المذكور: انى اتيت بصلوتى مثلا على هذه الكيفية، ثم نظر المجتهد فراى ان الصلوة التى وصفها(1) له موافق لرايه و يفتى بما اتى به، فيفتى بالصحة.

ص: 126


1- اما حكاية عمار فانه اذا جعل المدلول انك لو صنعت كذا من غير الاخذ من الشرع لكان صحيحا و لم يكن عليك شىء ليلزم ان لا يكون عليه عقاب فى ترك التعلم الذى فريضة على كل مسلم و مسلمة و هذا باطل بالضرورة و بالجملة الظاهر من الخبر ان عمار لم يكن جاهلا بلزوم السؤال و غافلا عن حقيقة الحال و عار يا عن العلم بالتفصيل و الاجمال و الا فلا معنى للتنديم و التوبيخ على الجاهل و الغافل رأسا لما أشرنا سابقا و عليه فالتوبيح عليه انما يرجع على تقصيره مع تفطنه بالسؤال حتى يفعل صحيحا مع ان استعمال هذا اللفظ و ما فى معناه شايع فى العرف فى ارادة بيان ما هو حقيق بان يفعل نعم لو فرض كون عمار غافلا يحتاج عن وجوب السؤال و عدم منافاة، توجه التوبيخ عليه و عدم شيوع نحو العبادة فى العرف على المعنى المتقدم فتأمل لكان المعنى الذى فهموا منه صحيحا و لكنه غير ضائر لنا اذ نحن ايضا كما عرفت نقول بالصحة فى الفرض المذكور و اما حكاية الطهارة بالماء فلما قيل ان اتفاق مطابقة ورود الشرع على مقتضى فعلهم يكشف عن حسن ذلك الفعل بالذات و وجود المصلحة فيه و ان كان مقصود هم من ذلك التنظيف لا التطهير الشرعى او ان ظنهم او هم الى هذا الأخبار باعتقاد انه حكم الله مع عدم تقصيرهم فى تحصيل المعرفة فصاروا ممدوحين بهذا الفعل لمطابقته للمصلحة الواقعية و بما يظهر الجواب عن ساير النظاير. (منه)

قلت: الجاهل المذكور حين الفعل المزبور، لم يكن عالما بان المجتهد المذكور يحكم بصحة صلوته، كيف لا و لو كان فى الوقت المزبور عالما بالمذكور و بنى على تقليده، يخرج عن مفروض المسئلة و يحكم بصحتها، كما يحكم بفسادها لو قلد غيره من القائلين بالفساد، فاذا لم يكن حين الفعل عالما بذلك، لم يكن فى ذلك الوقت ممتثلا، و عليه فكيف يتصور ان ما حكم به المجتهد فيما بعد كون صلوته صحيحة، صار باعثا لصدق الامتثال، مع انه يمكن ان يقال: لو قلد الشخص المذكور المجتهد المزبور، و حكم له بما مر يخرج عن مفروض المسئلة، اذ هو حينئذ عالم لا جاهل، و فيه نوع مناقشة اصلناها على اهل الكمال(1).

ص: 127


1- قال بعض المحققين فى جملة كلام له الامام الذى سلم فى الركعتين فقام فأضاف اليها ركعة و المعصوم (ع) قال كنت تصوب فعلا فان قيامه و اضافة الركعة ان كان بالاخذ من القاعدة الشرعية فلا دخل له فى المقام لانه كان مجتهدا و تصوب (ع) اجتهاده و هو الظاهر من الخبر و ان كان ذلك من غير الاخذ من الشرع لا جرم يكون بمجرد الرأى و الاستحسان و الاختراع فيكون المعصوم (ع) قد حكم بكون هذه الامور حجة حتى فى العبادات الموقوفة على النص بل يكون اقوى من الحجة الشرعية، انتهى. (منه)

و اما الأخبار التى استندوا اليها ارباب القائلين بالمعذورية، فعدم مقاومتها لما بيناه غير مخفية على من له ادنى دربة، من وجوه عديدة، و اما النظاير التى أشار اليها الشارح المقدس، فالجواب عنها بملاحظة ما مر واضح لا نطول المقام بذكرها، مع ان الظاهر ان بعضها من الأحكام الوضعية، و العلم و الجهل لا مدخل لها بلا شبهة.(1)

و الانصاف ان المسئلة بعد محل اشكال، و ان كان المشهور اقرب الى الصواب، مع كونه احوط،

بقى فى المقام اشياء يحسن التنبيه عليها:
اشارة

ص: 128


1- قال بعض المحققين فى جملة كلام له و اما ما ذكره من الاشارات فمع ان الاشارة لا تعارض الادلة النصيّة بل القطعية لو تمت على الفحوى الذى ذكرت لاقتضت انهم (ع) جوزوا فى العبادات التوقيفية الاخذ بكل ظن يحصل باى نحو يحصل و فى اىّ قدر من القصور يكون الشخص و هذا مخالف لاجماع جميع المسلمين و جميع المليّين فضلا عن الشيعة و مناف للادلة الكثيرة الواضحة المسلمة عند الكل بل يحصل منها القطع كما لا يخفى و بالجملة التمسك بامثال ما ذكر فى غاية الغرابة و اما حكاية الانصار فلأنهم احدثوا فى الدين ما لم يكن و غيروا و بدلوا كما انهم غيروا القبلة فى الدفن فى بيت المقدس الى الكعبة لكن الله تعالى امضاه بعد ذلك و جعله شرعا بعده فهل يجوز لنا الآن التشريع فى الدين بناء على ذلك لا شك فى انه لو فعلنا لعذبنا قطعا من جهة التشريع و من جهة بقاء النجاسة و عدم صحة الصلوة و غير ذلك مما يترتب على النجاسة و اما حكاية عمار فلأن العبادات توقيفية لا يمكن فعلها من غير الظهور من الشرع قطعا و محال جزما فلو كان فعل التيمم كما قال (ص) لكان فعله بتعليم الشرع بلا شبهة مع ان قوله (ع) افلا صنعت هكذا توبيخ و تقريع و لا شك ان ذلك انما يتوجه الى فعله الاختيارى و فعله التيمم كذلك بغير اطلاع من الشرع كان محالا فالتوبيخ يرجع الى التعلم و ان كان فعله بالقياس الى سببه فان المراد بالتوبيخ على سببه و اما تصحيح فعل الركعة فلانه انما فعله بقاعدة شرعية عنده البتة اذ لا يمكن التغيير و التصرف فى العبادة بمحض الجعل و لذا قام ففعل بقصد القربة و اطمان بان هذه تقربه الى الله تعالى و بان ذمته برئت مع انه كان امام القوم و المعصوم (ع) قال له كنت اصوب فعلا من المؤمنين و علل بما علل فظهر انه صح اجتهاده و مستنده و اما السلف فلا شك فى انهم فى الأعصار و الأمصار كانوا يأمرون بتحصيل المعرفة فى الدين و العبادة، انتهى. (منه)
الأول: اعلم ان الكلام فى المعاملات، ليس كالكلام فى الواجبات و المحرمات و المباحات و مهية العبادات و كيفيتها،

اذ فى الاسباب الشرعيه كالعقود و الجنايات و نحوهما يترتب الاثار، اعنى الصحة و الفساد و نحوهما من الاحكام الوضعية على الاسباب، و ان لم يكن المكلف عالما بترتبها، لا يتوقف على العلم بان الشارع رتب هذا على ذلك، و مرادنا بالواجبات و المحرمات ايضا غير التوصليات، كيف لا و الواجبات التوصلية ايضا لا يضر جهالة كون الاثار مترتبة عليها عن الشارع، فعليك بالتفرقه فى مواقع الاحكام.

و بطور آخر: ما ذكرناه ليس مختصا بالواجبات و المحرمات، بل اذا صدر منهم معامله فاسدة جهلا منهم فى فسادها، فلا شك فى كونها فاسدة و لا ينفعهم جهلهم بالفساد و زعمهم الصحة، و كذلك الكلام فى الصحة.

الثانى: لا يسدّ ابواب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر بالنسبة اليهم

و لعلك تظن ان ما اشرنا اليه سابقا من عدم توجه الذم الى الغافل رأسا، و كون عباداته صحيحة، يقتضى سد ابواب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر بالنسبة اليهم، فلا يجب نهيهم عن الافعال الشنيعه و لا امرهم بالعبادات الصحيحة، و هذا الظن واه بلا ريب و لا شبهة، اذ الاحكام و الاعمال و الاداب، لها اثار و خواص بهما يرتقى نفس الانسان الى درجات الكمال، و باستعمالها يحصل القرب الى الملك المتعال: و لطف ذى الجلال يقتضى ابلاغ ذلك بحسب وسع عباده، كما ينادى بذلك ما نشاهد فى بعث الرسل، حيث انهم عليهم السلام فى اول زمان بعثتهم لم يبلغوا جميع الاحكام الى جميع المكلفين، بل ابلغوها متدرجا كالاشخاص، كما هو مقتضى حكمته تعالى، و من لم يكمل عليه الحجة منهم فى زمانهم (ع) فلا سبيل للمؤاخذة عليهم، فكما ان النبى (ص) او الوصى سلام الله عليهما اذا اطلعا على غفلة شخص عما جاء النبى (ص) به، لكان الواجب عليهما تنبيهه و ارشاده، فكذا الامرون بالمعروف و الناهون عن المنكر، يجب عليهم تنبيه هؤلاء و ارشادهم الى طريقة الحق، لأنه هو مقتضى اللطف، و لا يستلزم ذلك كون ترك تلك الطريقة و سلوك غيرها بمقتضى اجتهاده و بذل

ص: 129

مجهوده معصية، حتى لا يكون ردعه من باب النهى عن المنكر.

قال بعض الاجلة و نعم ما قال: ان مقتضى اللطف تبليغ العمل الذى له خاصية و اثر بذاته لتحصيل الكمال، و ما يعمله المكلف بمقتضى و سعه، و ان لم يكن عليه مؤاخذه، لكن لا يترتب على عمله الاثر الذى يترتب على العمل الصحيح الموافق لارادة الشارع، و ان كان لا يخلو عن اثر و ثواب ايضا، لئلا يلزم الحيف و الجور، و الفرق بين ما ياتى بالعمل على حدوده، و من لا ياتى بتمام حدوده، مع اشتراكهما فى عدم التقصير فى التحصيل، لا يوجب الظلم و الحيف، و انما يوجب الحيف و الظلم ان قلنا بخلو عمل الناقص عن الاجر رأسا، و نحن لا نقول به، و ينتهى الكلام فى هذا فى الغالب، الى تفاوت الاستعدادات و تفاوت العمل بسبب تفاوت الاستعداد، و تفاوت الآخر لذلك لا يوجب ظلما، و الا فلا بد ان لا يتفاوت حال المعصوم (ع) من حال مؤمن لم يقصر فى تحصيل واجباته بحسب طاقته، و هو كما ترى، و لتفصيل هذا الكلام محل آخر، و ينتهى الكلام فيه الى الخوض فى لجج مسائل القدر، و هو منهى عنه، انتهى.

أقول: حيث انتهى الكلام الى هنا، حصل لى شوق الى ان نرخى عنان القلم ساعة فى هذا المضار، و نخرج هذا المطلب عن حيّز الاستتار، و لكن استتارها اولى من البروز، اذ الاستعدادات مختلفه، بعضها غير قابلة لاستماع الرموز، بل ربما استمعوا ليحكموا بدارا بالتفسيق بل التكفير، فاذن ليس سبيله الا كسبيل الدم المفرح للحياة ما دام فى حيّز الكمون، و مع الظهور لا يقبل الا التطهير.

الثالث: وجوب القضاء عليهم
اشارة

لعلك تتوهم ان ما اشرنا اليه سابقا، من عدم وجوب القضاء على من ياتى بالعبادات معتقدا ان ذلك هو اقصى ما كلف به، و لا يختلج بباله احتمال سواه مطلقا، و لو كان ما اتى به مخالفا للواقع، ينافيه ما رواه زرارة فى الصحيح على ما رواه التهذيب فى باب احكام الصلوة عن ابى جعفر (ع)، قال: و متى ما ذكرت صلوة فاتتك صلها... الحديث، و نحوه من الاخبار المفيده لذلك المعنى اذ ليس سبيله الا كسبيل النائم و الناسى، فكما يجب عليهما القضاء لهذا الحديث

ص: 130

فكذا فيما نحن فيه، و هذا التوهم فاسد غير مغن من جوع، اذ كون سبيله كسبيل المجنون و الصغير، هو الذى يحكم به العرف المتبع فى امثال المقامات، بعد ملاحظهتم الحديث المذكور.

توضيح الكلام فى هذا المقام ان يقال: لما كان وجوب القضاء موقوفا على صدق الفوات، اذا لقضاء على التحقيق انما يثبت بدليل جديد، و هذا الخبر و ما ضاهاه من الأخبار المشتملة على لفظ الفوات و الحكم بالقضاء، هو الذى يمكن ان يصير قاعدة كلية، مع قطع النظر عن الادلة المختصه بالمقامات الخاصة، فحينئذ نقول: لا ريب و لا شك فى صحة اطلاق الفوات عند اهل العرف، لمن كان مستعدا لتعلق التكليف به ثم فات منه كالنائم و الناسى، كما لا يصح على الظاهر الاطلاق المذكور على من لم يكن كذلك كالمجنون و الصغير، الا ترى انه يقال فى العرف للتاجرا لما لك للقينة الطالب للاسترباح، اذا منع من سفر خاص: فات منه هذا الربح، بخلاف الفقير الذى ليس فى هذا الصدد، و عليه فنقول: ان الغافل المذكور اذا اتى بما يزعمه انه غاية ما كلف به، و لا يختلج فى باله احتمال سواه، فخرج عن عهدة تكليفه، اذ ليس تكليفه الا ذلك كما اشرنا اليه سابقا، لمكان تكليف ما لا يطاق لو كلف بسواه، فلم يفت منه ما كان مكلفا به عرفا، فبقى وجوب القضاء فى خارج الوقت بلا دليل، و وزانه و زان المجتهد و المقلد له اذا ظهر لهما بعد الوقت، بسبب تجديد رأى المجتهد المذكور، فساد ما فعلا فى الوقت، فكما يحسب العمل المذكور لهما و عدم مطابقة الواقع لا يضربهما، فكذلك الجاهل المشار اليه و زنا بوزن و مثلا بمثل.

و بالجمله لا يجب عليه القضاء كما لا يجب عليه الاعادة، لمكان اقتضاء الأمر الاجزاء، و ما كان مامورا به قد فعله، و القول بانه مأمور بذلك ما دام متصفا بصفة الجهل، لم نجد عليه دليلا تركن النفس اليه.

وهم و تنبيه:

قد يفرق فى مثل الجنون و فاقد الطهور و الحايض و الناسى و النائم حيث

ص: 131

يحكم على بعضها بالقضاء دون البعض، بين فقد الشرط و وجود المانع، بان عدم الفوت عن الجنون مثلا، لعدم الشرط فلم يتعلق به شىء حتى يصدق الفوت، و كذلك فاقد الطهور على القول به، بخلاف النايم و الناسى، فان النوم و النسيان ما نعان، و الشرط غير مفقود و هو التكليف، و هذا الوهم فاسد اذ ليس كون النوم مانعا مثلا، باولى من كون اليقظه شرطا، و ليس انتساب سقوط التكليف الى فقدان الشرط، باولى من انتسابه الى وجود المانع، فكما ان الحايض يمكن ان يكون سقوط صلوتها لاجل عدم الطهارة، فكذا يمكن ان يكون لاجل وجود الحيض، فالصواب هو الرجوع الى فهم العرف، و ان اطلاق الفوات فى العرف ينزل على اىّ شىء، كما اشرنا اليه، فما ثبت فيه الاطلاق فيحكم بالقضاء، و ما ثبت عدمه فعدمه، و ما شك فيه فلا يثبت القضاء.

و بالجمله ما ذكرناه هو مقتضى القاعدة المشار اليها، فليعمل عليها، الا ان يثبت التخصيص فى خصوصيات المقامات.

الرابع: قال سبط الشهيد الثانى فى المدارك فى شرح قول المحقق: اذا اخل المصلى بازالة النجاسة عن ثوبه او بدنه اعاد فى الوقت و خارجه الى آخره،

ما لفظه: و اطلاق كلام الاصحاب يقتضى انه لا فرق فى العالم بالنجاسة، بين ان يكون عالما بالحكم الشرعى او جاهلا، بل صرح العلامة و غيره بان جاهل الحكم عامد، لأن العلم ليس شرطا للتكليف، و هو مشكل لقبح تكليف الغافل، و الحق انهم ان اراد و ابكون الجاهل كالعامد، انه مثله فى وجوب و ان ارادوا انه كالعامد فى وجوب القضاء، فهو على اطلاقه مشكل، لأن القضاء فرض مستانف، فيتوقف على الدليل فان ثبت مطلقا او فى بعض الصور، ثبت الوجوب و الا فلا، و ان ارادوا انه كالعامد فى استحقاق العقاب فمشكل، لأن تكليف الجاهل بما هو جاهل به، تكليف بما لا يطاق، نعم هو مكلف بالبحث و النظر اذا علم وجوبهما بالعقل او الشرع، فياثم بتركهما لا بترك ذلك المجهول، كما هو واضح.

و قال الشارح المحقق طاب ثراه بعد نقل جملة من الكلام المذكور، ما

ص: 132

صورته: و بالجمله الظاهر ان التكليف متعلق بمقدمات الفعل، كالنظر و السعى و التعليم و الا لزم تكليف الغافل، و التكليف بما لا يطاق، و العقاب يترتب على ترك النظر، لكن لا يبعد ان يكون متضمنا لعقاب التارك مع العلم، و لا يخفى انه يلزم على هذا ان لا يكون الكفار مخاطبين بالاحكام، و انما يكون مخاطبين بمقدمات الاحكام، و هذا خلاف ما قرره الاصحاب.

و تحقيق هذا المقام من المشكلات، و الغرض الفقهى متعلق بحال الاعاده و القضاء، و هما ثابتان فى المسئله المذكورة، بعموم الأخبار السابقة، انتهى.

أقول: قد مضى منا من ان الجاهل يطلق على معنيين: احدهما على الغافل الذى لا يعلم ان للشارع اوامر و نواهى، لا بد للمكلف ان ياخذهما عمن يجوز الاخذ عنه، و لا يختلج بباله ذلك اصلا، و ثانيهما على الجاهل الذى يعلم اجمالا ان للشارع مطلوبات و مبغوضات، لا بد من اخذهما عمن يجوز الاخذ عنه، و لكنه لمتابعة هوى نفسه، غير عارف بتفاصيل الاحكام و لا يتعب نفسه فى اخذ المسائل عمن يجوز له الاخذ عنه، فحينئذ نقول: الاشكال الذى اورده صاحب المدارك بقوله: و ان ارادوا انه كالعامد فى استحقاق العقاب، فمشكل الى آخره، حق لو اريد به المعنى الأول للتعليل الذى اشار اليه، و باطل لواريد به المعنى الثانى لتوجه المنع على التعليل الذى اشار اليه، لأنه يمكن له الاخذ عنه، و يطيق عليه و الاهمال انما نشأ من جهته، فيتوجه العقاب البتة كما ينادى بذلك الدليل الحادى عشر فراجع،(1) و كذلك الكلام فى توجه الاحكام الى الكفار، فانا لو فرضنا وجود كافر لا يعلم النبى (ص) و ما جاء به، و لم يقرع سمعه ذلك و غافل بحت عن ذلك، فكونه مكلفا بالاحكام او بمقدماتها اول الكلام، فللمدعى اقامة الدليل بل الدليل على خلافه واضح السبيل، و هو قبح التكليف بما لا يطاق، و اما اذا قرع سمعه انه ادّعى محمد صلى الله عليه و آله مثلا النبوة، و اتى باوامر و نواهى، فأهمل

ص: 133


1- و الايجاب بالاختيار لا ينافى، نعم ما قيل بالفارسيه كركدن كاهل بود تقصير صاحب خانه چيست. (منه)

و اطاع هو نفسه و لم يذهب عنده او عند وصيه و نائبه حتى يظهر له حقيقته (ص)، فيطيع ما اتى (ص) به من التكليفات و الاحكام، فلا ريب فى توجه العقاب عليه على ترك كل امر و الاتيان بكل نهى، فلا يكون ذلك تكليفا بما لا يطاق، بلا شبهة و لا ريب، اذ هو يطيق على ذلك، و الاهمال انما نشأ من جهته، فله قبول الاسلام و الاتيان بالاوامر و الانتهاء عن النواهى، فظهر كون الكفار مخاطبين بالاحكام الا نادرا منهم بل اندر، و هو من لم يقرع سمعه ما اشرنا اليه، و هو كما لا يكون مكلفا بالاحكام كذا لا يكون مكلفا بمقدماتها، كما لا يخفى.

فبما ذكر انفتح لك باب الاعتراض على كلام صاحب المدارك و الشارح المحقق، فأنت مختار، و ليعلم ان القول بتعلق التكليف بمقدمات الفعل باطلاقه غير وجيه، لأن مقدمة الواجب عند العبد غير واجب شرعى، بل العقل يحكم بلا بدّية الاتيان بها، كما بسطناه فى الاصول بما لا مزيد عليه، فليس المقام قابلا للذكر، فان كنت طالبا فراجع هناك، نعم قد يتعلق طلب الشارع على بعض المقدمات، و يعاقب على تركه بخصوصه، فافهم.

الخامس: قال الشارح المحقق رحمه الله فى شرح قول المصنف رحمه الله: يجب معرفة واجب افعال الصلوة من مندوبها،

فى جملة كلام له ما لفظه: ثم لو كان المكلف مستجمعا للشرائط المصححه لتكليفه بالمعرفه المذكورة، و هو عاجز عن تحصيل المعرفة المذكورة، فالظاهر انه يجب عليه حينئذ الاتيان بالصلوة بحسب ما زعمه و ظنه من افعالها و كيفياتها، و حينئذ فان طابق الواقع اتفاقا، فهل يجب عليه القضاء أم لا؟ المشهور بين المتأخرين نعم، و ظاهر الدليل لا، لأن ايجاب القضاء متعلق بفوات الصلوة الواقعية و لم يتحقق، و لو كان فى سعة الوقت متمكنا عن تحصيل المعرفة المذكورة فخالف، و لم يحصل حتى ضاق الوقت عنه، فالظاهر وجوب الصلوة بالوجه المذكور عليه، و هل يسقط القضاء لو طابق الواقع؟ الظاهر من الدليل ذلك، و ان كان هذا الحكم ههنا اخفى من السابق كما يظهر بالتأمل و التدقيق، و المشهور خلاف ذلك، انتهى.

ص: 134

أقول: انظر الى هذا التحقيق كيف ناقض نفسه بجريان البرهان المتقدم اليه الاشارة، و بتكلمه هنا بهذا الكلام، و لذا قلنا سابقا انهم يعتمدون عليه حيث ينظرون الى اسلوبه و طريقته المحيلة، و فى مقام اخذ الثمرة عنه يهربون عنه، كالدنيا بلا شك و لا شبهة، و لذا اتينا بنيانه من القواعد، و بينا هناك ما يترتب عليه من المفاسد، و شمرنا عليه باتيان النقض الاجمال و التفصيل، و قلنا ان ما يزعم بحسب الظاهر دليلا وزانه وزان ظاهر الحية ليس بحسب الواقع بدليل، و لا يشفى العليل، فليس هو الا مجرد القال و القيل.

السادس: قد عرفت من نقل كلام السيد نعمه الله رحمه الله انه، استبعد القول بعدم معذورية الجاهل،

بلزوم ذلك بطلان عبادة اكثر العوام، و حاصل كلامه انه لو كان الاخذ من الفقيه بغير واسطة او واسطه شرطا للزوم فساد عبادة اكثر العوام، و كيف يجوز الحكم بذلك؟ فهذا الاستبعاد واه بلا شبهة، اذ وزانه كوزان من يستدل على حلية الغيبة بانها لو كانت حراما يلزم كون اكثر الناس عاصين، و بالجمله لا شبهة فى عدم وجاهة هذا الاستدلال، كالاستدلال على بطلان ما ادعى الفقهاء من عدم جواز التقليد فى اصول الدين، و ادعوا الاجماع عليه، ما ذكره بعض المحققين و اقاموا البراهين بان ذلك يستدعى كفر العوام، و هو باطل قطعا لما اشار اليه بعض المحققين بأن كثيرا من العوام ياخذون الدين بالدليل، و الدليل على القدر الذى يدخلون فى الايمان و يطمئنون عليه، فى غاية السهو له و لم يشترط اكثر من ذلك، فان دفع الشكوك و الشبهات واجب كفائى شأن المجتهد اتفاقا، و اما الباقون فأكثرهم ليس لهم عقيدة صحيحة ربما يعتقدون حتمية الرب تعالى، او كونه فى سمت السماء، او كونه فى جهة اخرى.

او كونه فى ظرف العالم، او غير ذلك، و ربما لا يعرفون الرسول (ص) او معنى النبى و الرسول (ص)، او انه كان معصوما او انه ادمى او ملك او غير ذلك، و كذا الامام (ع) لا يدرون معنى الامامة و لا يعرفون اشخاصهم، و كذا العدل و المعاد و ربما يعتقدون اعتقادات الصوفيه او الجبرية و غير ذلك، و اما الباقون فكثير منهم

ص: 135

مستضعفون و المستضعف ليس بكافر قطعا، سيما المستضعفين من الشيعة، و المستضعف صنفان: صنف من جهة عقله و صنف من جهة عدم تمكنه من تحصيل الدليل و المعرفة، و اما غير المستضعفين فلم يقل احد من الفقهاء بانهم كفار مع كونهم من الشيعة، بل يكون مثل المستضعف واسطة بين الايمان و الكفر، و داخلا فى فرق الشيعة، انتهى.

هذا مضافا الى ان رواية(1) ابراهيم بن ابى البلاد، المروية فى الكافى فى باب المسئله فى القبر، ظاهرة فى عدم جواز التقليد فيه فراجع، و القول بانه لا خفاء فى صعوبة العلم الذى اعتبروه، سيما بالنسبة الى النساء و الاطفال فى اوائل بلوغهم، فانهم كيف يعرفون المجتهد و عدالته و عدالة المقلد و الوسايط، مع انهم ما يعرفون العدالة، و معرفتهم اياها و اخذهم عنهم فرع العلم بعدالتهم و معرفة العدالة للمقلد ما يحصل غالبا الا بمعرفة المحرمات و الواجبات، و هم الان ما حصلو شيئا، و ليس بمعلوم لهم العمل بالشياع بان فلان عدل مع عدم معرفتهم العدالة، بل و لا بالعدلين، و لا بالمعاشرة، و تحقيقهم ذلك كله بالدليل لا يخفى صعوبته، غير وجيه لما اشار اليه بعض المحققين حيث قال فى جملة كلام له: و اما انهم كيف يعرفون المجتهد الى آخره، ففيه انه شبهة و مطالعة اوردت على نفى امكان التقليد مطلقا، و لا وجه للتعرض لخصوص العدالة، فان الاجتهاد له شروط كثيرة لا يعرفها إلا المجتهدون الماهرون، و العدالة اسهل من الكل، و الجواب ان العلم العادى او اللغوى يحصل بكون رجل ماهرا فى الفقه طبيبا لعلاج الجهل فى مسائله، و ان لم يكن له وقوف فى الفقه اصلا، كما هو الحال فى ساير العلوم و الصناعات، و كما جرت الحال فى خصوص الفقه اصلا، كما هو

ص: 136


1- لمكان اشتمال تلك الرواية على قول الكاظم (ع) و يقال للكافر من ربك؟ فيقول الله. فيقال من نبيك؟ فيقول محمد فيقال ما دينك؟ فيقول الاسلام فيقال من اين علمت ذلك؟ فيقول سمعت الناس يقولون فقلته فيضر بانه بمرز به لو اجتمع عليها الثقلان الانس و الجن لم يطيقوها قال فيذوب كما يذوب الرصاص ثم يعيد ان فيه الروح فيوضع قلبه بين لوحين من نار فيقول يا رب اخر قيام الساعة. (منه)

الحال فى ساير العلوم و الصناعات، و كما جرت الحال فى خصوص الفقه ايضا، فى اعصار الأئمة (ع) و الامصار الى الان، و انه على ذلك كان المدار بلا شبهة و غبار، فيظهر من الاجماع ان الأئمة (ع) كانوا راضين بذلك و اقروا بل امروا كذلك، و كذا يظهر من احاديثهم الصريحة فى جواز التقليد، و غيرهما من الادلة الدالة عليه، و يظهر من تلك الاحاديث انهم (ع) ما جوزوا تقليد كل واحد و العمل بكل ظن، ما جوزوا الا تقليد الفقيه العادل الزاهد فى الدنيا، المخالف لهواه، العارف باحكام الشرع، الناظر فى الحلال و الحرام، الى غير ذلك، بل صرح فى رواية الاحتجاج بحرمة تقليد العالم الذى ليس كذلك، فاذا كانوا ما جوزوا الاخذ من كل عالم، فكيف يجوز الاخذ عن كل جاهل، بل و بكل ظن، و ايضا اذا كانوا يسئلون عمن ناخذ معالم ديننا؟ كانوا يقولون: عن فلان، اى رجل خاص، و ما كانوا يرخّصون الاخذ من كل احد و من اى ظن كان، بل ربما يبالغون فى ان الحكم الشرعى و معالم الدين، لا بد ان ياخذ من انفسهم (ع) لا غير، انتهى.

أقول: لا ريب فى عدم وجاهة الايراد المذكور، و وجاهة ما اشار اليه المجيب المزبور، اذ اى صعوبة فى معرفة المجتهد الجامع للشرايط، بالسؤال عن العلماء و الطلبه، حتى يحصل العلم، فان قابليه النساء و الاطفال الكمالات و صنايع دقيقه و امثالها فى غاية الظهور، و عند السعى و الجهد يحصلونها و هى اصعب مما ذكر بمراتب شتى، بل دفع الاخلاق الردية المهلكه و تصحيح النفس بالجهاد الاكبر اصعب بمراتب عديدة، بل التكليفات الظاهرية اكثرها اصعب، و من جهة القابلية كلفهم الله تعالى، و لو فرض ان احدا لم تكن له قابلية، فلا شك فى عدم كونه مكلفا بما هو فوق طاقته، اجماعا من الشيعة، بل العامة ايضا لا يرضون به، على ما ذكره بعض المحققين.

و بما ذكر ظهر المنع الوارد على كلام السيد نعمة الله، الذى نقلناه سابقا، حيث ادعى لزوم الحرج على الخلق لو كان الاخذ عن المجتهد واجبا، و ظهر ايضا ما يرد على قوله: و الناس فى الاعصار السابقة الى آخره، و اما قوله الصلوة المامور

ص: 137

بها شرعا ما كان يتفق الا من احد العلماء الى آخره، فان اراد بالنسبة الى ما يطلب فيها من اقبال القلب و الخشوع، و الخضوع فمسلم، و لكنه ليس من محل البحث فى شىء، و ان اراد بالنسبة الى استكمال الواجبات و خلوها من البطلان، فهو ممنوع اشد المنع، و اى اشكال يوجب تعذر الاتيان بها كذلك، بعد معرفة احكامها المودعة فى كتب الفقهاء اجتهادا او تقليدا، حتى يتعذر الاتيان بها الامن احاد العلماء، و اما حديث حماد فالظاهر انه ليس على ما فهمه قدس سره اذ الظاهر من قوله (ع) لا تحسن ان تصلى، و توبيخه له لما فعل بين يديه انما هو بالنسبة الى الاداب المستحبة و الحدود المندوبة، كما هى فى صلوته (ع) تعليما لحماد، كما لا يخفى ذلك على من راجع الرواية، و ان كان قد سبقه الى هذا الوهم الشارح المقدس طاب ثراه، فى بحث(1) الجاهل بالقصر و الاتمام، و هو لا يخلو عن غفلة.

السابع: اذا كان الشخص عالما بوجوب الاخذ عمن يجوز الاخذ عنه كالمجتهد مثلا، و لكن لم يتمكن من ذلك و لا يمكنه ان يصير مجتهدا ايضا،

فيكفى له الاخذ بالاحتياط، بان بذل جهده بقدر وسعه فى تحصيله ثم يعمل به، لأن الله تعالى لا يكلف فوق الوسع، و لا يجب عليه القضاء و لا اعادة على ما يقضيه التحقيق كما مضى اليه الاشارة، قال بعض الافاضل: اذا لم يكن الوصول الى المجتهد الحى، او لم يكن، لم يسقط التكاليف بالبديهة عن المقلدين، لبقائها بالضرورة من الدين و الأخبار المتواترة متعددا، و لم يمكن الجمع بينهما، يتعين العمل باحدهما تخييرا، الا ان يكون احدهما هو المشهور فيترجح لهم اختياره، لأن ما اجتمع عليه الافكار السليمة ابعد عن الخطاء، و كذا الحال لو كان احد الفقهاء عندهم اعلم و اعرف و

ص: 138


1- حيث قال الشارح المقدس هناك فى جمله كلام له و فعلهم الصلوة فى صدر الاسلام و بعده بما وصل اليهم ثم الأخبار بانه فعل كذا فان كان موافقا قبلت و الاردت و لا يرد شىء بانه كذلك و لكن انت فعلت من غير علم فلا يصح و عدم الأمر بالقضاء لمن عملوها مثل حماد و غيره و قد اسلفنا الأخبار المشيره فى ذلك مثل طهاره اهل قبا و فعل عمار فى التيمم و فى عدم الاعادة بالنقصان و غير ذلك من الأخبار. (منه)

اوفق، و ان لم يجدوا الا قولا واحدا تعين العمل لهم به عينا و لا محيص لهم عنه، كما عرفت من البداهة، و هذا ليس بتقليد، بل من باب الاحتياط اللازم، انتهى.

الثامن: تأكيد الشرع على ايجاب طلب العلم و الفقاهة و المعرفة

قال بعض المحققين حشره الله تعالى مع الأئمة الطاهرين:(1)

اعلم يا اخى ان الله تعالى و رسوله (ص) و الأئمة عليهم السلام، قد اكثروا فى ايجاب طلب العلم و الفقاهة و المعرفة، و الاقتصار فى الاخذ من الشرع، و غير ذلك مما اشرنا، و اكدوا غاية التأكيد و شددوا نهاية التشديد، كى يصح عباداتهم و اعمالهم، و لا يزيد كثرة سيرهم زيادة العبد عن الطريق فيضلوا و يهلكوا، و كذا فعل الفقهاء فى كل عصر و مصر، و مع ذلك ترى العوام يسامحون فى الدين و اعمالهم و عباداتهم مخالفة لنهج الشرع، فكيف يجوز تسهيل ما شدده الله تعالى و الحجج عليهم السلام، و رفع التاكيد فيما اكدوا، و تجرئة العوام و تعزيرهم الى ان قال: و من العجائب ان بعض الأخباريين يصرح بانه لا يجوز فى المسائل الشرعية ان يستند الى غير المعصوم (ع)، و لا يكتفى فيها بالاستناد الى الاجماع و غيره من ادلة المجتهدين، و يشنع على من يكتفى بها، و انه ليس المعصوم (ع)، و لا يكتفى فى الشرعيات بغير نصه، و مع ذلك يكفى للعامى الجاهل ان يستند الى رايه و استحسانه، او يستند الى قول كل عامى فاسق، او بغير ذلك مما ليس بنص المعصوم (ع)، و اين قول العامى الفاسق من اجماع جميع الفقهاء، و اين ظن

ص: 139


1- و قال فى مقام آخر فى جملة كلام على ان الرسول (ص) و الأئمة (ع) بالغوا و اكثروا فى المبالغة فى وجوب طلب العلم و الفقه فى الدين و ان لا يسامح احد فيه اصلا و بعدهم الفقهاء ايضا بالغوا و شددوا و اكدوا و اكثروا من المواعظ كى يكون عباداتهم و عقايدهم على وفق الحق و الصواب و الرشد و مع جميع هذا يسامح العوام غاية المسامحة فلا يعرفون الدين و احكامه و العبادات و غيرها كلها فاسدة بالنحو الذى تشاهد منهم فاذا سمعوا ان كل ظن يحصل لهم من اى طريق يكفى اذا وافق الواقع فيطمئنون اذا بظنونهم الفاسدة قطعا و يخربون الأمر بالمرة لانهم يظنون ان ظنونهم مطابقة للواقع فيرفعون اليد عن تحصيل المعرفة بالمرة و الله يستر هذه الشكوك عليهم حفظا لدينهم و عباداتهم و غيرها، انتهى. (منه)

الجاهل و رايه من ادلة المجتهدين انتهى فتأمل، أقول هذا ما تيسر لنا من الكلام فى هذا المقام، و الله تعالى هو العالم بحقايق الاحكام، و اهل الذكر عليهم السلام.

المقام الثانى: اذا قلنا بمعذورية الجاهل مطلقا، او مع مطابقة عباداته للواقع، فهل يجوز فيما نحن فيه،

و هو ما لو اتفق وقوعها(1) كملا فى الوقت، و كان جاهلا بوجوب مراعاة الوقت بعدم المعذورية، فيحكم بالبطلان او المعذورية فيحكم بالصحة؟ وجهان ينشان من ملاحظة الخبر الثالث عشر، و هو رواية على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) فى الرجل يسمع الاذان فيصلى الفجر و لا يدرى طلع ام لا؟ غير انه يظن لمكان الاذان انه طلع، قال: لا يجزيه حتى يعلم انه طلع، و الرابع عشر المشتمل على قول ابى جعفر (ع): و اذا استيقنت الزوال فصل الفريضة، المتقدمين فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يجتهد فى الوقت اذا لم يتمكن من العلم، و من اطلاق الأخبار الدالة على معذورية، و حيث تقدم منا اختيار القول بعدم المعذورية بقول مطلق، فلا محيص لنا فى المقام الاّ القول بالبطلان، سيما بعد ملاحظة الخبرين المذكورين مع كونه احوط.

و لو صلى العصر قبل الظهر ناسيا اعاد
اشارة

(و لو صلى العصر قبل الظهر ناسيا) و لم يتذكر حتى فرغ من الصلوة (اعاد) الصلاة (ان كان) صلاها جميعا (فى) الوقت (المختص) بالظهر (و الا) اى و ان لم يكن صلاها جميعا فى الوقت المختص بالظهر، بان وقعت فى الوقت المشترك(2) بين

ص: 140


1- اى الصلوة.
2- و ما يدل على صحة العصر فى الوقت المشترك قبل الظهر نسيانا هو ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الصحيح عن صفوان عن ابى الحسن عليه السلام قال سألته عن رجل نسى الظهر حتى غربت الشمس و قد كان صلى العصر فقال كان ابو جعفر او كان ابى عليهما السلام يقول اذا امكنه ان يصليها قبل ان يفوته المغرب بدا بها و الا صلى المغرب ثم صلاها بتقريب ان كون صلوة العصر واقعة فى الوقت المختص من الفروض النادره البعيدة فاذن الظاهر ان صلوة العصر التى اوقعها كانت على الطريقة المتعارفه بينهم و يظهر من الأخبار انهم كانوا يفرقون بين الظهر و العصر و يفصلون بينهما كثيرا. (منه)

الفريضتين (فلا) اعادة، بل يصلى الظهر بعدها اداء، هذا على المختار، و اما على القول بالاشتراك كما عن ابنى بابويه، فيصح صلوته على التقديرين، و قد مضى تحقيق تلك المسئله مشروحا فراجع.

و اما اذا لم يفرغ منها و تذكر، عدل بنيته سواء كان فى المختص او المشترك بلا خلاف، قاله بعض الاجله، و يدل عليه بعد ذلك و الاجماع المنقول، جملة من الأخبار، منها: ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الصحيح او الحسن كالصحيح لمكان ابراهيم، عن الحلبى قال سألت ابا عبد الله (ع)، عن رجل امّ قوما فى العصر، فذكر و هو يصلى انه لم يكن صلى الاولى، قال: فليجعلها الاولى التى فاتته، و ليستانف بعدها صلوة العصر، و قد قضى القوم صلوتهم.

و منها ما رواه ايضا فى باب احكام الصلوة فى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: ان نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها و انت فى الصلوة او بعد فراغك، فأنوها الاولى ثم صلّ العصر، فانما هى اربع الى ان قال: و ان كنت قد صليت العشاء الاخرة و نسيت المغرب، و ان كنت ذكرتها و قد صليت من العشاء الاخرة ركعتين او قمت فى الثالثه فانوها المغرب، ثم سلم ثم قم فصل العشاء الآخرة... الحديث.

قال بعض المحققين: و ظاهرها جواز العدول بعد الفراغ ايضا، الا انه خلاف المعروف من الاصحاب، و الأخبار الصحاح التى هى المعمول بها عند الاصحاب و ستعرفها، و لذا حملها الشيخ على ان المراد بالفراق ما قارب الفراق، و قال بعض الاجله: و ظاهر الصحيحة جواز العدول مع الفراق من الفريضة، و لا قائل به احد، و حملها الشيخ فى الخلاف على ان المراد بالفراق ما قاربه، و لا باس به حذرا من مخالفة الاجماع، و عملا بما دل على ان الصلوة على ما افتتحت، خرج ما خرج بالنص و الاجماع، و بقى الباقى.

ص: 141

و منها ما رواه فى باب المواقيت فى الزيادات فى القوى(1) لمكان محمد بن سنان عن الحلبى قال: سألته عن رجل نسى ان يصلى الاولى حتى صلى العصر قال: فليجعل صلوته التى صلى الاولى، ثم ليستانف العصر، و الظاهر عدم الفرق بين الظهرين و العشاءين فى وجوب العدول، اذا ذكر فى الاثناء، لرواية زرارة المتقدمة، ما رواه فى المكان المتقدم عن الحسن بن زياد الصيقل قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل نسى الاولى حتى صلى ركعتين من العصر، قال: فليجعل الاولى و ليستانف العصر، قلت: فانه نسى المغرب حتى صلى ركعتين من العشاء ثم ذكر، قال: فليتم صلوته ثم ليقض بعد المغرب، قال قلت له: جعلت فداك قلت:

حين نسى الظهر ثم ذكر و هو فى العصر يجعلها الاولى ثم يستانف، و قلت لهذا يتم صلوته ثم ليقض بعد المغرب، فقال: ليس هذا مثل هذا، ان العصر ليس بعدها صلوة و العشاء بعدها صلوة، فمع عدم صحة سنده، لا يقاوم رواية زرارة المشهورة بين الاصحاب، فالظاهر انه محمول على التقية، على ما ذكره بعض المحققين.

تنبيه:

قال الشارح الفاضل بعد حكمه بصحة تقديم صلوة العصر على الظهر ناسيا اذا دخل المشترك و هو فيها، ما لفظه: و انما فرض المصنف المسئلة فى الظهرين لعدم ورود الحكم فى العشاءين غالبا، فانه لو سهى و صلى العشاء فى المختص بالمغرب فدخل المشترك و هو فيها، فيصح كما تقدم، نعم لو فرض سهوه عن افعال يقابل الركعة الاخيرة، بحيث يقع العشاء بجملتها صحيحة فى الوقت المختص بالمغرب، بطلت كالعصر، و كذا لو كانت مقصوره، انتهى.

و فيه نظر لأنه لا وجه للحكم بصحة تقديم صلوة العصر و العشاء ناسيا اذا دخل المشترك و هو فيها، و قد مضى تفصيل الكلام فى ذلك، فى شرح قول

ص: 142


1- و ظاهر هذه القوية ايضا ينادى على جواز العدول بعد الفراغ و لكنه اما مخصص او محمول على عدم جواز الفراغ من الصلوة. (منه)

المصنف رحمه الله: و لو صلى قبله عامدا او ناسيا الى آخره، فراجع.

لا يقال: قولهم: من ادرك ركعة من الوقت فقد ادرك الوقت، بحكم صحة الصلوة المذكورة اذا وقعت ركعة منها فى المشترك، فلا معنى للحكم بالبطلان بقول مطلق، لانا نقول: ما ذكر غير وجيه، و ان اشتهيت تفصيل الكلام فى ذلك، فاستمع لما يتلى عليك: اعلم ان من ادرك ركعة من آخر الوقت مع الشروط، فقد ادرك الصلوة تامة، و يجب عليه الاتيان بها، هذا الحكم اجماعى كما صرح به جماعة، بل اجماع اهل العلم عليه على ما صرح به غير واحد(1) منهم، و الاصل فيه ما رواه فى البحار عن الذكرى انه قال: روى عن النبى (ص) انه قال: من ادرك ركعة من الصلوة فقد ادرك الصلوة، و عن على (ع): من ادرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس فقد ادرك العصر، و ما رواه التهذيب فى باب اوقات الصلوة عن الاصبغ بن نباتة قال قال امير المؤمنين (ع): من ادرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد ادرك الغداة تامة، و ما روى فى الباب المتقدم(2)فى الموثق عن عمار بن موسى الساباطى عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس، فليتم و قد جازت صلوته.

و فى المدارك: و هذه الروايات و ان ضعف سندها الا ان عمل الطائفة عليها، و لا معارض لها فتعيّن العمل بها، و قال بعض المحققين: السند فى هذه الأخبار منجبر باجماع الكل انتهى، و القول بان مورد روايتى الاصبغ و عمار، انما هو صلوة الصبح خاصة، و المدعى اعم فلا يصح الاستناد اليهما، كالخبر

ص: 143


1- و ربما يوهم عبارة الصدوق فى الفقيه بالمخالفة حيث قال فى باب احكام السهو و من فاتته الظهر و العصر جميعا ثم ذكرهما و قد بقى من النهار بمقدار ما يصليهما جميعا بدأ بالظهر ثم بالعصر و ان بقى من النهار بمقدار ما يصلى احديهما بدأ بالعصر و بقى من النهار بمقدار ما يصلى ست ركعات بدأ بالظهر فتأمل جدا. (منه)
2- سيجئى ان شاء الله فى بحث صلوة الكسوف فى شرح قول المصنف رحمه الله و كذا الرياح و الاخاويف نقل خبرا بهذا المضمون من ادرك ركعة من الوقت فقد ادرك الوقت. (منه).

المتقدم المروى عن على (ع) غير وجيه لمكان الاجماع المركب.

فروع:
الأول: انما يتحقق ادراك الركعة برفع الراس من السجدة الثانية،

او بعد تمام ذكرها، لأنه المصطلح عليه عند المتشرعة كما صرح به فى بعض العبائر، و بذلك يتم المطلوب كما لا يخفى على الماهر، فما عن المحقق فى المسائل البغدادية، فى مسئلة الشك بين الاربع و الخمس فيما اذا عرض الشك بعد الركوع و قبل السجود، حيث قال بعد حكمه بالصحة ما لفظه: لأن الركعة واحدة الركوع و عند ايقاع الركوع تسمى ركعة، و ليس تسميتها ركعة مشروطا بالاتيان بالسجدة، لأن الركعة واحدة الركوع جنس كالسجدة و السجود و الركبه و الركوب، و عن الشهيد فى الذكرى انه احتمل الاجتزاء بالركوع للتسمية لغة و عرفا و لانه المعظم، لا وجه لهما، هذا مضافا الى ان مقتضى الآية و الأخبار الدالة على الاوقات، لزوم ادراك المجموع فى الوقت، خرج ما خرج بالاجماع و بقى الباقى، قاله بعض المحققين، فافهم.

الثانى: اختلفوا فى كون تلك الصلوة اداء و قضاء،
اشارة

على اقوال ثلاثة:

الأول: انها اداء باجمعها، و هو المحكى عن ظاهر المشهور، و اختاره الشيخ فى الخلاف و من تأخر عنه على ما قيل، مدعيا فى الخلاف عليه الاجماع، قال على ما حكى: ان الاصحاب لا يختلفون فى ان من ادرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس يكون مؤديا فى الوقت، قال: و روى عن النبى (ص) من ادرك ركعة من الصبح قبل ان تطلع الشمس فقد ادرك الصبح، و من ادرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس فقد ادرك العصر، قبل ان تغرب الشمس، قال: و كذلك روى عن ائمتنا (ع).

الثانى: ان جميعها قضاء، و هو المحكى عن السيد المرتضى رضى الله، معللا بان آخر الوقت يختص بالركعة الأخيرة، فاذا وقعت فيه الاولى وقعت فى غير وقتها، و لا نعنى بقضاء العبادة الا ذلك.

ص: 144

الثالث: ان ما قع منها فى الوقت اداء، و ما وقع فى خارجه قضاء، و هو المحكى عن جماعة، و مستندهم ان ما صادف الوقت و وقع فيه فيكون اداء، لوجود معنى الاداء فيه، و ما وقع بعد خروجه(1) يكون قضاء لأنه ليس القضاء الا ما وقع بعد خروج وقته، و الا قوى عندى هو القول الأول، لظاهر النصوص المتقدمة و الاجماع المحكى المتقدم اليه الاشارة، و تظهر فائدة الخلاف فى النية، و امرها هين.

وهم و تنبيه:

قال فى الذكرى: ان ثمرة الخلاف تظهر ايضا فى الترتيب على الفايته السابقه، فعلى القضاء يترتب دون الاداء، و هو فى غاية الوهن، اذ وجوب تقديم الصلوة التى قد ادرك من وقتها مقدار ركعة مع الشرائط اجماعى، على الظاهر المصرح به فى غير واحد من العبائر.

الثالث: لو ادرك خمس ركعات قبل الغروب او قبل انتصاف الليل،

لزمه الفرضان بلا خلاف اجده، لأن الركعة الاولى من الخمس المذكور للفريضة الاولى، فيصدق ادراك ركعة من الوقت، فتصادم الفريضة الثانية بثلاث ركعات، و هكذا فى الفريضة الثانية، فانها يبقى لها ركعة من الخمس بها يحصل ادراك الوقت، فيجب الاتيان بالفرض المذكور، سواء زاحم وقت الفريضة التى بعدها، كما فى العصر التى بعدها المغرب، او وقع فى خارج الوقت كما فى العشاء، و لو ادرك اربعا من آخر وقت العشاء، و الاظهر وفاقا لظاهر الاكثر، ان المغرب لا يزاحم العشاء فيه، و ان بقى منه ركعة للعشاء، لما تقدم فى مقامه من الادلة على اختصاص هذا المقدار بالعشاء، فما نقل فى الذكرى عن بعض الاصحاب تبعا لبعض العامة، وجها بوجوب المغرب و العشاء بادراك الاربع، و ذكر انه مخرج

ص: 145


1- قال الشارح الفاضل: و كذا لا يجوز تأخير شىء من الصلوة الواجبة عن وقتها و ان بقيت اداء كمدرك ركعه منه فان ذلك بحكم التغليب و الا فالركعات الباقيه خارجة عن الوقت مع وجوب فعلها فيه و الاخلال بالواجب حرام. (منه)

على ادراك الخمس من الظهرين، او هن من بيت العنكبوت مع انه اوهن البيوت، نعم لو قلنا بما نسب الى الصدوق، من القول باشتراك الوقتين مطلقا، لكان المذكور وجيها، و لكن قد عرفت انه خلاف التحقيق.

الرابع: قد عرفت ان النصوص المتقدمة انما رتب الحكم المذكور المفقودة على ادراك ركعة،

و لكن ظاهر الاصحاب رضى الله عنهم الاتفاق على تقييد ذلك بادراك جميع الشرايط، من الطهارة و غيرها.

الخامس: لا اشكال فى ان من ادرك من آخر الوقت مقدار اداء ركعة مع الشرايط المفقوده،

مخففة بمعنى ان يقتصر فيها على الواجب، و اهمل فى الاتيان بها يجب عليه القضاء، و اما لو ادرك مقدار الركعة المذكوره، و شرع فى الاتيان بها و طول فى القراءة او غيرها بحيث خرج الوقت و هو لم يكمل الركعة و لم يتمها، فيتسع دائرة الكلام فى ذلك، و الاحوط هو الاتمام، و لعل غاية الاحتياط هى القضاء ايضا بعده، فليتأمل.

السادس: لو ادرك من اول الوقت مقدار ركعة، ثم جن او عرض الحيض او نحو ذلك من الموانع، فهل يجب عليه القضاء ام لا؟
اشارة

و الاقوى هو الثانى، اذ المتبادر من الأخبار المذكورة الادراك من آخر الوقت، بل غير واحد منها صريح فى ذلك، مع ان الفرق بين الآخر و الاول واضح، لتمكن المكلف فى آخر الوقت من اتمام الصلوة بغير مانع، بخلاف اول الوقت اذ لا سبيل الى ذلك، قاله غير واحد منهم، و اما القضاء فهو تدارك ما فات و ان كان بفرض جديد كما هو الاقوى، و هنا لم يتحقق الفوت كما اوضحنا ذلك عن قريب، و لم اجد منهم من ذهب الى الاولى، اذ المحكى عن ظاهر الصدوق و المرتضى و الاسكافى اعتبار ادراك اكثر الصلوة، فلم يظهر قول بالقضاء مع ادراك ركعة من اول الوقت، و بالجملة الاشكال فى عدم وجوب القضاء فى الفرض المذكور، كما لا اشكال و لا خلاف على الظاهر فى وجوبه اذا حصل احد الاعذار المانعة من الصلوة، كالجنون و الحيض و الاغماء و نحوها، بعد مضى مقدار اداء الفريضة بشروطها، لعموم ما دل على وجوب القضاء، بل

ص: 146

الاشهر الاظهر انه لو لم يمض ذلك المقدار فلا قضاء، و ان كان اكثر الصلوة خاليا عن الموانع، فكيف القول بوجوبه اذا كان اقلها(1) او نصفها(2) خاليا عنها.

تذنيب:

قال بعض الأجلاء: قد اشرنا سابقا ان المعتبر اخف صلوة يقتصر فيها على الواجب، و حينئذ فلو طول فى صلوته ثم جن او عرض الحيض او نحو ذلك من الموانع، وجب القضاء ان حصل من ذلك اخف صلوة يؤتى بها، و لو كان فى احد الاماكن الاربعة، التى يتخير فيها بين القصر و الاتمام، فهل يكتفى بالقصر لأنه لو قصر لادائهما لاداها، و يتعلق الحكم بما قصد و نواه، وجهان جزم فى الذكرى بالاول، و لو قيل بالثانى لكان غير بعيد انتهى، فتامل جدا، اذا عرفت ذلك فاعلم ان كلامهم كصريح غير واحد من الأخبار، و ظاهر بعضها، انما يحكم بصحة الصلوة اذا وقعت الركعة الاولى منها فى آخر الوقت، و اما اذا وقعت الركعة الأخيرة فى الوقت المشترك فلا دلالة فى صحة تلك الصلوة فى شىء، و ذلك واضح.

في قضاء الصلوات الفوائت
اشارة

(و الفوايت) من الفرايض اليومية (يترتب) فى القضاء، بمعنى انه اذا اجتمع فى ذمة المكلف فريضتان فصاعدا، يترتب اللاحقه منها على السابقة، فيقدم السابقة فى القضاء على لاحقها و هكذا (كالحواضر) باجماعنا الظاهر المصرح به فى جملة من العبائر. (فلو صلى المتأخرة) فى الفوات قبل المتقدمة فيه، عامد الم يصح، و لو كان ناسيا (عدل) منها الى المتقدمة قولا واحدا، على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر (مع الامكان) و هو حيث لا يتحقق زيادة ركوع، كما اذا لم يركع فى الثالثه و المتقدمة الصبح، او فى الرابعة و المتقدمة المغرب، قاله جماعة، و سيجىء تفصيل تلك المسائل فى بحث القضاء ان شاء الله تعالى، فانتظر البتة (و لا يترتب الفائتة) من الصلوة اليومية (على الحاضره) منها (وجوبا على رأى) الصدوقين على ما حكى عنهما، و مشهور المتأخرين، خلافا لاكثر القدماء، فذهبوا الى القول

ص: 147


1- فى غير صلوة الغداة.
2- فى صلوة الغداة.

بوجوب الترتيب المذكور مطلقا، بل ربما نسبه جماعة الى المشهور بقول مطلق، بل قيل ان عليه عامة قدماء اصحابنا، الا الصدوقين و هما نادران.

أقول: و فى اختصاص الاستناد بالصدوقين مناقشة(1) تظهر ان شاء الله فلا تغفل، بل عدم وجوب تقديم الفايته على الحاضرة مع سعة وقتها مطلقا، سواء كانت الفائتة متحدة او متعددة ليومه ام لا، اجماع اصحابنا على ما حكى عن جماعة حد الاستفاضة، كالشيخ طاب ثراه فى الخلاف، و المفيد طاب رمسه فى بعض رسائله، و الحلى طاب مضجعه فى السرائر فى بحث مواقيت الصلوة، و ابن زهرة طاب مقامه فى الغنية، و ظاهر علم الهدى طابت تربته فى بعض مسائله، و للمحقق فقال:

بالفرق بين الفائتة الواحدة فيجب التقديم و المتعددة فلا، و اليه مال سبط الشهيد فى المدارك، و المصنف رحمه الله فى المختلف قال بعد ان نقل جملة من العبائر الدالة على المضايقه و المواسعة، و ما نقل عن والده رحمه الله و اكثر من عاصره من المشايخ، من القول بجواز فعل الحاضرة فى اول وقتها، و اولوية الاشتغال بالفائتة الى ان يتضيق الحاضره، ما لفظه: و الاقرب عندى التفصيل، و هو ان الصلوة الفائتة ان ذكرها فى يوم الفوات، وجب تقديمها على الحاضره ما لم يتضيق وقت الحاضرة، سواء تعددت او اتحدت، و يجب تقديم سابقها على لاحقها، و ان لم يذكرها حتى يمضى ذلك اليوم، جاز له فعل الحاضرة فى اول وقتها، ثم يشتغل بالقضاء سواء اتحدت الفايته او تعددت، و يجب الابتداء بسابقها على لاحقها، و الاولى تقديم الفايته الى ان يتضيق الحاضرة، انتهى.

و لعل مراده من اليوم، ما يعم النهار و الليلة المستقبلة، ليتاتى تعدد الفايته مع تذكره فى يوم الفوات، و سعة وقت الحاضرة.

أقول: فعلى هذا يصير الاقوال فى المسئلة اربعة، و الذى يظهر لى باتباع قاعدة اللفظ، ان الاقوال فى المسئله خمسة، لأن الصدوق فى الفقيه

ص: 148


1- لمكان ما ذكره محمد بن احمد بن مسلم و الواسطى و ستطلع على كلامهما. (منه)

حكم بالمواسعة الا اذا كانت الفائته صلوة الظهر، و لم يتذكر بها حتى غربت الشمس، فلا بد ان يبتدا بها ما لم يفت المغرب، كما سننقل كلامه فى الأمر الأول الواقع فى ذيل المسئله فانتظر البتة،

جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام
اشارة

فلنذكر اولا جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام، ثم لنتعرض فى تفصيل الادلة و ما يرد عليها من النقض و الابرام، فنقول:

الأول:

ما رواه شيخ الطائفه فى التهذيب فى باب احكام(1) الصلوة عن الكلينى رحمه الله، و هو رواه فى الكافى فى باب من نام عن الصلوة فى الصحيح على الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال: اذا نسيت الصلوة او صليتها بغير وضوء، و كان عليك قضاء صلوات، فابدا باولهن فاذن لها و أقم ثم صلها، ثم صل ما بعدها باقامة، اقامة لكل صلوة، و قال: قال ابو جعفر (ع): و ان كنت قد صليت الظهر و قد فاتتك الغداة، فذكرتها فصل الغداة اى ساعة ذكرتها، و لو بعد العصر و متى ذكرت صلوة فاتتك صليتها و قال: ان نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها و انت فى الصلوة او بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر، فانما هى اربع مكان اربع، و ان ذكرت انك لم تصل الاولى و انت فى صلوة العصر و قد صليت منها ركعتين، فانوها الاولى ثم صل الركعتين الثانيتين، و قم فصل العصر، و ان كنت قد ذكرت انك لم تصل العصر حتى دخل وقت المغرب، و لم تخف فوتها فصل العصر ثم صل المغرب، و ان كنت قد صليت المغرب، فقم فصل العصر، و ان كنت قد صليت من المغرب ركعتين، ثم ذكرت العصر فانوها العصر ثم قم فاتمها ركعتين ثم سلم، ثم صل المغرب، و ان كنت قد صليت العشاء الآخرة و نسيت المغرب، فقم فصل المغرب، و ان كنت ذكرتها و قد صليت من العشاء الآخرة ركعتين او قمت فى الثالثه فانوها المغرب ثم سلم، ثم قم فصل العشاء الآخرة، و ان كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صليت الفجر، فصل العشاء الآخرة، و ان كنت ذكرتها و انت فى الركعة الاولى او فى الثانية من الغداة، فانوها العشاء ثم قم فصل الغداة،

ص: 149


1- فوات.

و اذن و اقم، و ان كانت المغرب و العشاء الآخرة قد فاتتاك جميعا، فابدا بهما قبل ان تصلى الغداة ابدا بالمغرب ثم صل العشاء الآخرة، فان خشيت ان تفوتك الغداة ان بدات بهما، فابدا بالمغرب ثم بالغداة ثم صل العشاء الآخرة، فان خشيت ان تفوتك الغداة ان بدات بالمغرب فصل الغداة ثم صل المغرب و العشاء ابدا باولهما، لأنهما جميعا قضاء ايّهما ذكرت فلا تصلهما الا بعد شعاع الشمس، قال قلت: لم ذاك؟ قال: لأنك لست تخاف فوتها.

الثانى:

ما رواه الكافى فى(1) الباب المتقدم باسناد لا يخلو عن اعتبار لمكان القاسم بن عروة، عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: اذا فاتتك صلوة فذكرتها فى وقت اخرى، فان كنت تعلم انك اذا صليت التى فاتتك كنت من الاخرى فى وقت، فابدا بالتى فاتتك فان الله عز و جل يقول: أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِذِكْرِي، و ان كنت تعلم انك اذا صليت التى فاتتك، فاتتك التى بعدها، فابدا بالتى انت فى وقتها فصلها، ثم اقم الاخرى.

الثالث:

ما رواه الكافى ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح او الحسن كالصحيح لمكان ابراهيم، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، انه سئل عن رجل صلى بغير طهور، او نسى صلوات لم يصلها، او نام عنها، فقال: يقضيها اذا ذكرها، فى اى ساعة ذكرها من ليل او نهار، فاذا دخل وقت الصلوة و لم يتم ما قد فاته، فليقض ما لم يتخوف ان يذهب وقت هذه الصلوة التى قد حضرت، و هذه احق بوقتها فليصلها فاذا قضاها، فليصل ما فاته مما قد مضى، و لا يتطوع بركعة حتى يقضى الفريضة كلها.

الرابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم باسناد فيه ضعف، عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل نسى صلوة حتى دخل وقت صلوة اخرى، فقال: اذا نسى الصلوة، او نام عنها، صلى حين يذكرها، و ان

ص: 150


1- رواه التهذيب فى باب تفصيل ما تقدم ذكره عن عبيد بن زرارة بادنى تفاوت. (منه)

ذكرها و هو فى صلوة بدا بالتى نسى، و ان ذكرها مع امام فى صلوة المغرب اتمها بركعة ثم صلى المغرب، ثم صلى العتمه بعدها، و ان كان صلوة العتمه وحده فصلى منها ركعتين ثم ذكر انه نسى المغرب اتمها بركعة، فيكون صلوته للمغرب ثلاث ركعات، ثم يصلى العتمه بعد ذلك.

الخامس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح على الصحيح، عن صفوان بن يحيى عن ابى الحسن (ع)، قال: سألته عن رجل نسى الظهر حتى غربت الشمس، و قد كان صلى العصر، فقال: كان ابو جعفر (ع)، او كان ابى (ع) يقول: ان امكنه ان يصليها قبل ان تفوته المغرب بدا بها، و الا صلى المغرب ثم صلاها.

السادس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح او الحسن كالصحيح، عن الحلبى قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل ام قوما فى العصر، فذكر و هو يصلى انه لم يكن صلى الاولى، قال: فليجعلها الاولى التى فاتته و ليستانف بعد صلوة العصر و قد(1) مضى القوم بصلوتهم.

السابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن ابى بصير قال: سألته عن رجل نسى الظهر حتى دخل وقت العصر، قال: يبدا بالظهر، و كذلك الصلوات يبدا بالتى نسيت، الا ان تخاف ان يخرج وقت الصلوة فتبدا بالتى انت فى وقتها، ثم تقضى التى نسيت.

الثامن:

ما رواه التهذيب فى باب القبله عن الطاطرى و هو على بن الحسن الموثق، و عن العدة ان الطائفة عملت بما رواه الطاطريون، عن محمد بن زياد و لا يبعد ان يكون ابن العطار الثقة لما ياتى فى اوائل بحث اللباس، عن حماد و هو ابن عثمان الثقة المجمع على تصحيح ما يصح عنه، عن عمرو بن يحيى قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل صلى على غير القبله ثم تبينت له القبله، و قد دخل وقت

ص: 151


1- قضى القوم صلوتهم. خ ل.

صلوة اخرى، قال: يعيدها قبل ان يصلى هذه التى قد دخل وقتها.

التاسع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم بالسند المتقدم عن معمر بن يحيى قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن رجل صلى على غير القبله ثم تبين له القبله، و قد دخل وقت صلوة اخرى، قال: يصليها قبل ان يصلى هذه التى دخل وقتها، الا ان يخاف فوت التى قد دخل وقتها.

العاشر:

ما روى كتاب قرب الاسناد بسنده الى على بن جعفر عن اخيه موسى (ع)، قال: سألت عن رجل نسى العشاء، ثم ذكر بعد طلوع الفجر، كيف يصنع؟ قال: يصلى العشاء ثم الفجر، قال: و سألته عن رجل نسى الفجر حتى حضرت الظهر، قال: يبدا بالفجر ثم يصلى الظهر، كذلك كل صلوة بعدها صلوة.

الحادى عشر:

ما رواه التهذيب فى باب تقصيل ما تقدم ذكره عن الطاطرى عن ابى زياد عن زرارة و غيره عن ابى جعفر (ع)، قال: سئل عن رجل صلى بغير طهور، او نسى صلوات لم يصلها او نام عنها، قال: يصليها اذا ذكرها فى اى ساعة ذكرها، ليلا كان او نهارا.

الثانى عشر:

ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح عن معوية بن عمار قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: خمس صلوات لا تترك على كل حال، اذا طفت بالبيت، و اذا اردت ان تحرم، و صلوة الكسوف، و اذا نسيت فصل اذا ذكرت، و الجنازة

الثالث عشر:

ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات عن يعقوب بن شعيب عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس، ايصلى حين يستيقظ او ينتظر حتى تنبسط الشمس؟ فقال: يصلى حين يستيقظ، قلت: يوترا و يصلى الركعتين؟ قال: بل يبدا بالفريضة.

الرابع عشر:

ما رواه فى آخر ذلك الباب فى الصحيح على الصحيح عن زرارة و الفضيل عن ابى جعفر (ع) انه قال: متى استيقنت او شككت فى وقت صلوة انك لم تصلها، او فى وقت فوتها صليتها، فان شككت بعد ما خرج وقت الفوت فقد دخل حايل فلا اعادة عليك، من شك حتى تستيقن، فان استيقنت، فعليك ان تصليها فى

ص: 152

اى حال كنت.

الخامس عشر:

ما رواه فى باب الصلوة فى السفر فى الزيادات باسناد لا يخلو عن اعتبار لمكان موسى بن بكر خصوصا الراوى عنه فى هذا السند فضالة بن ايوب، و فى الكشى قال بعض اصحابنا انه ممن اجمع اصحابنا على تصحيح ما يصح عنهم و تصديقهم، عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: اذا نسى الرجل صلوة او صلاها بغير طهور، و هو مقيم او مسافر فذكرها، فليقض الذى وجب عليه لا يزيد على ذلك و لا ينقص، من نسى اربعا فليقض اربعا، مسافرا كان او مقيما، و ان نسى ركعتين صلى ركعتين اذا ذكر، مسافرا كان او مقيما.

السادس عشر:

ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات فى الصحيح عن ابن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: ان نام رجل او نسى ان يصلى المغرب و العشاء الآخرة، فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلى كليهما، و ان خاف ان تفوته احديهما فليبدا بالعشاء، و ان استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء، قبل طلوع الشمس.

السابع عشر:

ما رواه فى المكان المتقدم فى الصحيح عن شعيب عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: ان نام رجل و لم يصل صلوة المغرب و العشاء الآخرة، او نسى، فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلى كلتيهما فليصلهما، و ان خشى ان تفوته احديهما فليبدا بالعشاء الآخرة، و ان استيقظ بعد الفجر فليبدا فليصل الفجر ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس، فان خاف ان تطلع الشمس فيفوته احدى الصلوتين فليصل المغرب و يدع العشاء الآخرة حتى تطلع الشمس، و يذهب شعاعها ثم ليصلها.

الثامن عشر:

ما رواه فى المكان المتقدم عن الحسن بن زياد الصيقل قال:

سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل نسى الاولى حتى صلى ركعتين من العصر، قال:

فليجعل الاولى و ليستانف العصر، قلت: فانه نسى المغرب حتى صلى ركعتين من العشاء ثم ذكر، قال: فليتم صلوته ثم ليقض بعد المغرب، قال قلت له: جعلت

ص: 153

فداك، قلت حين نسى الظهر ثم ذكر و هو فى العصر يجعلها الاولى ثم يستانف، و قلت لهذا يتم صلوته ثم ليقض بعد المغرب، فقال: ليس هذا مثل هذا، ان العصر ليس بعدها صلوة، و العشاء بعدها صلوة.

التاسع عشر:

ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الموثق عن عمار بن موسى الساباطى عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الرجل يفوته المغرب حتى تحضر العتمة، فقال: ان حضرت العتمه و ذكر ان عليه صلوة المغرب، فان احب ان يبدا بالمغرب بدا، و ان احب ان بدا بالعتمه ثم صلى المغرب بعد.

العشرون:

ما رواه ايضا فى باب احكام السهو فى الزيادات باسناد فيه ارسال، عن جميل بن دراج عن ابى عبد الله (ع)، قال قلت له: يفوت الرجل الاولى و العصر و المغرب، و ذكرها عند العشاء الآخرة، قال: يبدا بالوقت الذى هو فيه، فانه لا يامن الموت، فيكون قد ترك صلوة فريضة فى وقت قد دخلت، ثم يقضى ما فاته الاولى فالاولى.

الحادى و العشرون:

ما روى عن كتاب قرب الاسناد باسناده عن على بن جعفر (ع) قال: و سألته يعنى الكاظم عن رجل نسى المغرب حتى دخل وقت العشاء الآخرة، قال: يصلى العشاء ثم المغرب، و سألته عن رجل نسى العشاء فذكر قبل طلوع الفجر كيف يصنع؟ قال: يصلى العشاء ثم الفجر، و سألته عن رجل نسى الفجر حتى حضر الظهر، قال: يبدا بالظهر ثم يصلى الفجر كذلك كل صلوة بعدها صلوة.

الثانى و العشرون:

ما نقله الشارح المحقق عن الرساله المنسوبة الى على بن موسى بن طاوس، المصنفه فى هذه المسئله عن كتاب الصلوة للحسين بن سعيد ما هذا لفظه: صفوان عن عيص بن القاسم قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل نسى او نام عن الصلوة حتى دخل وقت صلوة اخرى، فقال: ان كانت صلوة الاولى فليبدا بها، و ان كانت صلوة العصر فليصل العشاء ثم يصل العصر.

الثالث و العشرون:

ما نقله السيد المذكور عن اصل عبيد بن على الحلبى

ص: 154

الذى قيل انه عرض على الصادق (ع)، ما هذا لفظه: و من نام اونسى ان تصلى المغرب و العشاء الآخرة، فان استيقظ قبل الفجر بمقدار ما يصليهما جميعا فليصلهما، و ان استيقظ بعد الفجر فليصل الفجر ثم يصلى المغرب ثم العشاء.

الرابع و العشرون:

ما نقله ايضا عن الكتاب المذكور: و خمس صلوات يصلين على كل حال متى ذكره و متى ما احب، صلوة فريضة نسيها يقضيها مع غروب الشمس و طلوعها، و صلوة ركعتى الاحرام، و ركعتى الطواف، و الفريضة كسوف الشمس عند طلوعها و غروبها.

الخامس و العشرون:

ما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات عن عمار عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتى تطلع الشمس و هو فى سفر، كيف يصنع ايجوز له ان يقضى بالنهار؟ قال: لا يقضى صلوة نافلة و لا فريضة فى النهار، و لا يجوز له و لا يثبت له، و لكن يؤخرها فيقضيها بالليل.

السادس و العشرون:

ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الموثق عن عمار عن ابى عبد الله (ع) قال فى خبر طويل: فاذا اردت تقضى شيئا من الصلوة مكتوبة او غيرها، فلا تصل شيئا حتى تبدا فتصلى قبل الفريضة التى حضرت ركعتين نافلة لها، ثم اقض ما شئت، و فى آخر الخبر المذكور، و عن الرجل يكون عليه صلوة فى الحضر، هل يقضيها و هو مسافر؟ قال: نعم يقضيها بالليل على الارض، فاما على الظهر فلا.

السابع و العشرون:

ما رواه فى المكان المتقدم فى الصحيح عن سعد بن سعد قال: قال الرضا (ع) يا فلان اذا دخل الوقت عليك فصلها، فانك لا تدرى ما يكون.

الثامن و العشرون:

ما رواه فى المكان المتقدم فى الموثق او الحسن او القوى لمكان على بن خالد عن عمار عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الرجل اذا غلبته عينه، او عاقه امر ان يصلى الفجر ما بين ان يطلع الفجر الى ان تطلع الشمس، و ذلك فى المكتوبة خاصة، فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس

ص: 155

فليتم الصلوة و قد جازت صلوته، و ان طلعت الشمس قبل ان يصلى ركعة فليقطع الصلوة و لا يصلى، حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها.

التاسع و العشرون:

ما رواه العامة على ما حكى عن النبى (ص) انه قال:

من فاتته صلوة فوقتها حين يذكرها، و عنه (ص) قال: من نام عن صلوة او نسيها، فليقضها اذا ذكرها فذلك وقتها.

الثلاثون:

ما روى عن المبسوط و الخلاف عن النبى (ص) انه قال: لا صلوة لمن عليه صلوة.

اذا عرفت ذلك فاعلم ان بعض متأخرى المتأخرين من القائلين بالمضايقة، قد تعجب فى الغاية من الذاهبين الى المواسعة، زعما منه ان الادلة الباهرة فى جانبه، و ان للقائلين بالمواسعة ليس لهم دليل يعتد به، و ها انا أذكر ما يمكن الاستدلال به له اولا و اشيده تشيدا، ثم اردفه بما يهدمه هدما حتى يرى ان ادلته الباهرة بحسب النظر الجليل، ليست بحسب الواقع و النظر الدقيق باهرة.

أدلة قول المشهور

فنقول: اعلم ان لمشهور القدماء وجهين: الأول الاجماعات المحكية المتجاوزة عن حد الاستفاضه، المعتضدة بالشهرة القديمة، و القول بان الاجماع ممنوع مع مخالفة من ذكر من القائلين بالمواسعة غير وجيه، اذ ليس الاجماع الا اتفاق جماعة يحصل به العلم بقول المعصوم (ع)، فلو خلى من فقهائنا لم يضر على ما هو التحقيق، فما ظنك بخلو قليل منهم مع ان الخلاف غير مانع من تحقق ما هو ضرورى دينا او مذهبا، كخلاف الاسكافى فى حرمة القياس، فما ظنك بالاجماع لو كان لما كان مخفيا على الصدوق، يظهر جوابه مما مر، هذا مضافا الى انه لو تم هذا لزم استحالة تحقق الاجماع المنقول بخبر الواحد، لاستلزامه اطلاع جميع الفقهاء على تحقق ذلك الاجماع، و هذا بديهى الفساد مخالف لوفاق الكل، و بالجمله الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة اذا حصل منه المظنة، لما دل على حجية خبر الواحد، و لم يشترط احد فيه اتفاق جميع الفقهاء على العمل به و الفتوى بمضمونه و ان لا يظهر خلاف.

ص: 156

الثانى: جملة من الأخبار، منها الخبر الاول المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و النوافل ما لم يدخل وقتها، المتضمن على قول الرسول او ابنه الباقر عليهما سلام الله تعالى: من نسى شيئا من الصلوة فليصلها اذا ذكرها فان الله عز و جل يقول: أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِذِكْرِي الحديث.

و منها الخبر الثانى، و هذان الخبران قد دلا على تفسير الآية بالفائته كما ترى، فلا معدل عنهما الى ما ذكره بعض المفسرين الذين قال الله تعالى فيهم و فى امثالهم: «قُتِلَ اَلْخَرّٰاصُونَ»، فصار ما أشار اليه السيد السند فى المدارك بقوله: و الظاهر تناول الآية للحاضرة و الفائتة، و ذكر المفسرون ان معنى قوله:

لذكرى، ان الصلوة تذكر بالمعبود و تشغل اللسان و القلب بذكره، و قيل: ان المراد لذكرى خاصة لا ترائى بها و لا تشبهها بذكر غيرى، و قيل: ان المراد لانى ذكرتها فى الكتب و امرت بها، و هذه الوجوب كلها آتية فى مطلق الصلوة الحاضرة و الفايتة، هباء منثورا و القائل به خائبا مقهورا، على ان المستفاد من كلام امين الاسلام الطبرسى فى مجمع البيان، ان اكثر المفسرين على خلاف الوجوه المذكورة، فانه روى فى الكتاب المذكور عن الباقر (ع)، ان معنى الآية أقم الصلوة متى ذكرت ان عليك صلوة، كنت فى وقتها ام لم تكن، و نسبه الى اكثر المفسرين، ثم قال: و يعضده ما رواه انس ان النبى (ص) قال: من نسى صلوة فليصلها اذا ذكرها لا كفارة لها غير ذلك، و قرأ اقم الصلوة لذكرى، و رواه مسلم فى الصحيح، انتهى.

و حينئذ لا مجال للحمل على هذه الاحتمالات و ضرب الصفح عن الروايات، و الظاهر ان ما نقله عن المفسرين مأخوذ عن تفسير البيضاوى، فانه ذكر على ما قيل هذه الاحتمالات، ثم قال فى آخرها: او لذكر صلوتى لما روى عنه (ع) قال:

من نام عن صلوة او نسيها فليصلها اذا ذكرها، ان الله تعالى يقول: أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِذِكْرِي.

ثم العجب من السيد فى ذكره هذه الاحتمالات المأخوذة عن البيضاوى

ص: 157

على الظاهر، و اهماله الاحتمال الأخير الراد عليه، و القول بان الأمر غير دال على الفورية على التحقيق، فلا يتم دلالة الآية على المطلب المذكور، غير وجيه، لانها دالة على تعيين زمان المأمور به، و هو ساعة الذكر فالاخلال به يوجب الاخلال بالمأمور به، و القول بالمضايقة انما نشأ من ذلك لا يخفى على المتدبر المتعمق، اذ ليس وزانه الا كوزان قوله و لتصم يوم الجمعة، و لتصل وقت الزوال، و لتقرأ لى القرآن اذا غربت الشمس، و امثالها من الواجبات الموقتة، و القول بان الحقيقة غير مرادة اذ لا يمكن الاتيان بها فى زمان التذكر غير ضائر، اذ اقرب المجازات مع تعذر الحقيقة متعين، فيجب الاتيان بها بعد مبدأ التذكر بلا فصل يعتد به، على ان هذا المعنى هو المنساق الى الأذهان السليمة فى امثال تلك العباير، فلا وجه للاعتراض اصلا.

و اما ما أشار اليه الشارح المحقق طاب ثراه بعد ان اجاب عن الآية المذكورة بان حمل الآية على المعنى الذى ذكروه خلاف الظاهر، و للآية معانى كثيرة ذكرها المفسرون، و اكثر اظهر مما ذكروا فكيف يتعين الحمل عليه؟ ثم ذكر جملة من الوجوه العليلة، بما لفظه: فان قلت قد علل (ع) فى روايتى زرارة السابقين وجوب الفايتة عند التذكر و البدأة بها بالآية، و هذا يقتضى حمل الآية على ما ذكروا، فما الوجه فيما قلتم؟ قلت: ينبغى ان يحمل الخبران على ان التعليل تعليل لوجوب الاتيان بالفايتة، كانه (ع) قال يجب الاتيان بالفايتة لأن الله تعالى امر باقامة الصلوات و منها الفايتة التى لم يؤدها، فيجب عليه اداؤها عند التذكر، و هذا الوجه فى صحيحة زرارة مستقيم من غير تكلف، و اما اجراؤها فى الخبر الآخر فلا يصفو عن شوب التكلف، الا ان ارتكابه أهون من حمل الآية على خلاف الظاهر، فهو اوهن من بيت العنكبوت، من وجوه عديدة مع انه اوهن البيوت، و القول فى الخبر الثانى بان الأمر فى قوله: فابدأ بالتى فاتتك الى آخره، ظاهر فى الوجوب بناء على المختار من كون حقيقة فيه، و الأصل فى الاستعمال هو الحقيقة، و حيث ثبت وجوب تقديم الفايتة على الحاضرة فى

ص: 158

السعة، يثبت وجوب الفورية ايضا بضميمة الاجماع المركب، فان كل من قال بوجوب تقديم الفوايت على الحاضرة قال بالفورية: لا يساعد التتبع لمكان القول بان محل النزاع هو وجوب التقديم مع قطع النظر عن حكاية الفورية و الاشتباه انما نشأ من كون مذهب علمائنا هؤلاء، على ما قيل ان الامر بالشىء يقتضى النهى عن ضده، فتأمل.

و كون مذهب جملة منهم الأمر يدل على الفور حتى قال شيخ الطائفة فى التهذيب فى باب المواقيت فى جملة كلام له: انه مأمور فى هذا الوقت بالصلوة، و الأمر عندنا على الفور، عن المنتهى انه صرح بان محل النزاع هو وجوب الترتيب، ثم قال جماعة من علمائنا ضيق الأمر فى ذلك، و شددوا على المكلف غاية التشديد، حتى حرم السيد و اخرون الاشتغال بغير الفايتة الا الضرورى، و لا حظ عبارة الماتن هنا و فى التحرير و القواعد و غيرها.

و بالجملة الاستدلال على الفورية و المضايقة، بقوله (ع) هذا لا يخلو عن اشكال، نعم هو يدل على وجوب الترتيب، و فيه نظر ايضا لما سيجىء مفصلا فانتظر، و القول بان كلمة فا حقيقة فى التعقيب بلا مهلة، فيدل قوله (ع): فابدا بالتى فاتتك الى آخره، على الفورية غير وجيه، لان التحقيق ان الفاء الجزائية ليست حقيقة فيه، و ان اشتهيت تفصيل الكلام فى ذلك فاستمع لما يتلى عليك، بعد تمهيد مقدمة، و هى ان المراد بالتعقيب الترتيب بلا مهلة كما صرح به جماعة، لانه المتبادر منه عند الاطلاق، و التعقيب فى كل شىء بحسبه و المرجع فيه الى العرف، فرب فعلين يعد الثانى عقيب الاول عادة، مع ان بينهما ازمانا كثيرة، كما فى قوله تعالى: «خَلَقْنَا اَلنُّطْفَةَ عَلَقَةً»(1)، و بما ذكر صرح جماعة،

ص: 159


1- قال فى القاموس و ترد الفاء عاطفة و تفيد الترتيب و هو نوعان: معنوى كقام زيد فعمر و ذكرى و هو عطف مفصل على مجمل نحو فازلهما الشيطان عنهما فأخرجهما مما كانا و التعقيب و هو فى كل شىء بحسبه كتزوج فولدله و بينهما مدة الحمل و بمعنى ثم نحو: ثُمَّ خَلَقْنَا اَلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا اَلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا اَلْمُضْغَةَ عِظٰاماً فَكَسَوْنَا اَلْعِظٰامَ لَحْماً، انتهى. (منه)

و منهم المحكى عن نجم الأئمة و الشهيد الثانى و المحقق البهائى و صاحب غاية البادى و فخر المحققين و السيد عميد الدين و صاحب الجوامع و الحاجبى و ما يحكى عن الدمامينى انه قال فى شرح المعنى، فالذى يظهر من كلام جماعة ان استعمال الفاء فيما تراخى زمان وقوعه عن الأول، سواء قصر فى العرف اولا، انما هو بطريق المجاز فغير وجيه، و التحقيق هو ما عرفت، و لننقل ايضا بعض من عبائر القوم، ثم لنشرع فيما هو التحقيق عندى، فنقول:

قال بعض الافاضل قال شيخ الطائفة فى التهذيب و الخلاف: لا خلاف ان الفاء يوجب التعقيب، و فى الجوهرى الفاء للتعقيب باجماع اهل اللغة و فى التهذيب الفاء للتعقيب، لنا اجماع اهل اللغة، و فى المنتهى الفاء للتعقيب و اجمع عليه اهل العربية، و نحوه ما فى النهاية، و قال السيد عميد الدين: و الدليل على انها موضوعة للتعقيب اجماع اهل اللغة عليه و اجماعهم فى ذلك و امثاله حجة، و قال فخر الاسلام فى شرح المبادى: و ذهب بعض من لا تحقيق له الى انه ليس له لنا اجماع اهل اللغة، و قال الفاضل المازندرانى: الفاء للتعقيب بلا مهلة باجماع النحاة على ذلك، و قال بعض اصحابنا: و الذى يدل على ان الفاء للتعقيب اجماع اهل اللغة، و قال الرازى لنا على انه للتعقيب باجماع اهل اللغة، و قال البيضاوى:

الفاء للتعقيب اجماعا، و قال العبرى: و الدليل على كونها لذلك اجماع النحاة على ذلك، و قال الاصفهانى: هذا مما اجمع الادباء على نقله من ائمة اللغة، انتهى.

و حكى عن الفراء و الغزالى الى القول بعدم افادتها الترتيب مطلقا، و عن بعض عدم افادتها التعقيب مطلقا، قال فى (ه): و ذهب المرتضى الى انها تفيد الترتيب و خالف فى انها تفيد التعقيب من غير تراخ، بل قال: ذلك موقوف الى الدليل انتهى، و عن الحزمى عدم افادته اياه فى البقاء و الامطار، و قال فى الجوهرى بعد حكمه بانها للتعقيب: و منهم من جعلها للتراخى ايضا.

اذا عرفت ذلك، فنقول: لا اشكال فى افادة الفاء للترتيب بلا مهلة اذا

ص: 160

كانت عاطفة، نحو جاءنى زيد فعمرو، و اكرم زيدا فعمرا، للاجماعات المحكية المعتضدة بالتبادر، فالقول بالمنع مطلقا او فى الجمله ضعيف، و الاستعمال فى خلاف الترتيب لو سلم، غير صالح للمعارضة، لأنه اعم من الحقيقة، كصحة التقييد بالتعقيب مع وجود الفاء ان سلمت، و انما الاشكال فى افادتها ذلك اذا كانت جزائية، فالذى يستفاد من اطلاق العبائر المتقدمة المتضمنة لدعوى الاجماع، كونها ايضا للتعقيب بلا مهلة، و هو المحكى عن المصنف و السيد عميد الدين و نجم الأئمة و جماعة من العامة، و اختاره ايضا ابن زهرة فى الغنية فقال: الفاء للتعقيب سواء كانت عاطفة او جزاء، و الشيخ فى التهذيب فانه بعد ان استدل على وجوب الترتيب فى الوضوء بكون الواو فى قوله تعالى: «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ فَاغْسِلُوا» الى آخره موجبة للترتيب قال: و يدل الآية ايضا من وجه آخر، و هو انه قال: «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ فَاغْسِلُوا» الى آخره، فاوجب غسل الوجه عقيب القيام الى الصلوة، بدلالة الفاء فى قوله فاغسلوا، و لا خلاف ان الفاء توجب التعقيب الى قال فان قال قائل على هذه الطريقة: ان الفاء فى الآية فى هذا الموضع ليست للتعقيب بل هى للجزاء، و الفاء التى توجب التعقيب مثل قول القايل: اضرب زيدا فعمرا، و الفاء فى الأية تجرى فى الجزاء مجرى قول القايل: اذا جاء زيد فاكرمه، و الفرق بين الفاءين، ان الفاء اذا دخلت للجزاء لا يصح قطع الكلام عنها، و اذا كانت للتعقيب يصح قطع الكلام، ا لا يرى انه يصح فى قولك اضرب زيدا فعمرا، ان يقتصر على قولك اضرب زيدا، و لا يصح فى قولك اذا جاء زيد فاكرمه الاقتصار على الشرط فقط، قلنا لا فرق بين الفاءين فى اللغة، لأنه لا اشكال فى ان الفاء فى اللغة يقتضى التعقيب بعد ان لا تكون من نفس الكلمة، و لا فرق فى اقتضائها ما ذكرنا بين ان يكون جزاء او عطفا، لأن قول القائل اذا دخل زيد فاعطه درهما، الفاء فيه موجبة للتعقيب، و ان كان جزاء، لأنه حين وقع منه الدخول استحق الاعطاء، كما انه فى قول القائل اضرب زيدا فعمرا، اذا وقع الضرب بزيد يجب ان يوقعه بعمرو، فكيف يظن الفرق بين الفاءين، و عنه فى الخلاف ايضا انه استدل بالوجهين الذين ذكرهما فى

ص: 161

التهذيب كما عن الذكرى، فتدبر.

و لهم مضافا الى ما ذكر وجهان: الأول: انها لو لم تكن للتعقيب لما صح دخولها على الجزاء اذا كان اسما، نحو من جاءنى فله درهم و التالى باطل لما تقرر فى العربية من لزوم دخول الفاء عليه حينئذ، فالمقدم مثله، بيان الملازمة انها لو لم تكن للتعقيب، لكانت لغيره فينا فى ما ثبت من وجوب حصول الجزاء عقيب الشرط، فلا يصح دخولها عليه، و فيه نظر لان ما ثبت هو تحقق وجوب الجزاء عقيب الشرط، و اين هذا من المطلق، فكيف يتصور المنافاة.

الثانى: الاجماعات المحكية المتقدمة، فانها باطلاقها شاملة لمحل البحث، و فيه نظر اذا المحكى عن الاكثر القبول بان الفاء الجزائية لا تفيد التعقيب بلا مهلة، و منهم المحكى عن المحقق الثانى و المحقق الخونسارى، و صاحب الكشف و التفتازانى و ظاهر الشهيد الثانى، فلا يجوز التمسك بها، هذا مضافا الى احتمال تنزيل اطلاق العبائر المتضمنة لدعوى الاجماع على غير محل البحث، و المنصور هو ما اختاره هؤلاء الجماعة، اذ ليس فى قولك ان جاءك زيد فاكرمه، و اذا دخل الوقت فتوضأ، و اذا توضأت فصل، دلالة على لزوم الاتيان بالاكرام و الوضوء و الصلوة عند المجىء و الدخول و الوضوء فورا، بحيث لو أخر الاكرام لم يكن ممتثلا و كان عاصيا، نعم يستفاد فى نحو قولك ان جاءك زيد فاكرمه، تحقق وجوب الاكرام و الخطاب الالزامى به عند مجيئه، و لعل القائلين بدلالة الفاء الجزائية على الفورية، ارادوا هذا المعنى(1) و لكن قد يقال: ان هذا المعنى لم يستفد من لفظ الفاء، بل من الجملة الانشائية، و ذلك لان الخطاب الطلبى اذا لم يكن معلقا على شىء، نحو اكرم، كان متوجها الى المطلق حين التكلم، و ان كان معلقا نحو ان جاءك زيد فاكرمه، لم يكن منجزا و متوجها اليه حينه، بل انما يتوجه اليه بعد حصول المطلق عليه، و الوجه فى هذا واضح فافهم.

و بالجملة ليس التعقيب بلا مهلة متبادرا من الاطلاق، فلا دليل يدل عليه

ص: 162


1- و لعل عبارة التهذيب المتقدمة لذلك معاضده فراجع. (منه)

مع صدق الامتثال، و عدم توجه الذم اليه مطلقا مع التراخى، فى نحو قولك ان جاءك زيد فاكرمه، و القول بان صدق الامتثال مع التراخى لا ينافى افادة الفاء للفورية، بل لعله لاجل ان زوال الفورية لا يستلزم زوال التكليف، كما حققناه فى الاصول، وفاقا لبعض من ان الأمر على القول بكونه(1) للفور، لو أخر لم يسقط عن المامور التكليف به، شطط من الكلام، من وجهين اصلاناهما على اهل الكمال، و قبول مدخولها قيدى الفور و التراخى، فيصح ان يقال فى المثال: فاكرمه فورا او بعد مدة من غير تأكيد و لا تجوز، و القول بان نفى التأكيد رأسا على تقدير التقييد بالفورية غير مسلم، نعم مراتب التأكيد شدة و ضعفا مختلفة، كما ان التقييد بالتراخى لا يستلزم التناقض مع افادته الفورية، لأنه من باب تعارض النص و الظاهر، فيوؤل بما يرجع الى النص، كما فى قولك رأيت اسدا فى الحمام، مجازفة ظاهرة.

فلنرجع الى ما كنا فيه فنقول: قد ظهر بما ذكر ان من استدل على فورية القضاء، بان كلمة فاء الواقعة فى قوله (ع) فابدا بالتى فاتتك الى آخره، حقيقة فى التعقيب بلا مهلة، فقدا خطاء، نعم يمكن ان يقال هنا قرينة دالة على ان المراد بها فيه اى فيه الخبر الثانى هو التعقيب بلا مهلة، و هى تعليله (ع) بالاية بتقريب ما عرفت، فتذكر.

و منها الخبر الأول و هو دال على الأمر بالقضاء ساعة الذكر، و على وجوب العدول عن صاحبة الوقت متى ذكر الفايته فى اثنائها، و وجوب تأخير صاحبة الوقت الى آخر وقتها ما لم يتم القضاء، فهذا الخبر يدل على وجوب تقديم الفايته على الحاضرة و المضايقة و القول بان فى هذا الخبر ما يمنع من حمل الاوامر فيها على الوجوب، و ان كانت كثيرة و متاكدة و هو قوله (ع) و ايّهما ذكرت فلا تصلهما الى آخره، غير وجيه، اذ هو كما تضمن تقديم الفائتة على الحاضرة، كذا تضمن تقديم الفايته السابقة على اللاحقه، و الثانى لا تأمل لاحد من يعتنى بشان خلافه

ص: 163


1- و لا تتوهم ان وجها واحدا منها هو منع قوله: لأن الأمر على القول بكونه للفور الى آخره، ذلك فى الجملة مسلم. (منه)

فى وجوبه، بل فى عبائر جماعة عليه الاجماع فكذا الأول، عملا بالسياق فلا يجوز رفع اليد عن الوجوب و الحمل على الاستحباب لأجل المانع الضعيف، الذى ذكرت، هذا مضافا الى ان المانع الذى ذكرته، ليس بمانع من حمل الاوامر على وجوب تقديم الفايته على الحاضرة، كما لا يمنع من وجوب تقديم الفايته السابقة على اللاحقه، فان قلت: ان ما ذكر لا ينافى القول بوجوب تقديم الفايته على الحاضرة، و لكنه ينافى القول بالمضايقة و الفورية، و قد ذكرت ان الخبر المذكور يدل عليها ايضا، قلت: ذلك كذلك بحسب بادى النظر، و لكن الظاهر بل المقطوع به عند المتعلق، ان هذا المنع انما وقع منه (ع) من باب جراب النورة، اتقاء من العامة على شيعتهم، حيث انهم ليشددن النهى عن الصلوة فى الاوقات الخمسة، و منها الوقت المزبور، كيف لا و اجماع اصحابنا على ما وقع فى جملة من العباير، منعقد على عدم كراهة القضاء فى الاوقات المذكورة، و احاديثهم بذلك ناطقة، و من الرواة لها زرارة الراوى لهذا الخبر فراجع الى شرح قول المصنف رحمه الله:

و يكره ابتداء النوافل عند طلوع الشمس الى آخره، حتى يظهر لك ما ذكرناه، و لا تهمل البتة.

هذا مضافا الى ان التعليل الواقع لذلك، و هو قوله (ع)، لأنك لست تخاف فوتها، مما يؤيد ما ذكرناه تاييدا و يعليه تشييدا، لمكان عمومه، فافهم فانه دقيق، و بالجملة لا شبهة فى كون قوله (ع): ايهما ذكرت، الى آخر الخبر من باب جراب النورة، فدلالة الخبر على وجوب التقديم و المضايقة فى غاية الظهور، كما لا يخفى على من له ادنى فهم و شعور، و لهذا قال الشيخ بعد نقله فى الخلاف على ما حكى: جاء هذا الخبر مفسرا للمذهب كله.

و منها الخبر الثالث و الرابع و السادس، و تلك الأخبار كما تدل على وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة، كذا تدل على المضايقة و الفورية بتقريب ما عرفت، على اشكال ما فى السادس فافهم.

و منها الخبر الخامس و السادس و السابع و الثامن و التاسع و العاشر، و

ص: 164

تلك الروايات دالة على وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة، و اما دلالتها على الفورية فلا يخلو عن اشكال، فافهم.

و منها الخبر الحادى عشر و الخامس عشر و هما ايضاد الان على المضايقة كالخبر الثالث عشر و الرابع عشر فافهم.

و منها الخبر الثانى عشر و هو ايضا يدل على المضايقة، كروايتى زرارة و نعمان المتقدمتين فى شرح قول المصنف رحمه الله: عدا ذى السبب، و القول (1) فى الخبر الثانى عشر و ما ضاهاه، من انه لا يدل على الوجوب المضيق حيث انه اشتمل على صلوة الكسوف و الجنازة و الاحرام، و لم يقل احد بوجوب تقديمها، مدفوع بان محل الاستدلال انما هو تقييد الصلوة الفائتة و توقيتها بساعة الذكر، لا ان احدا يدعى المضايقة فى هذه الصلوات المذكورة، قال بعض الأجلاء: و ان شئت فقل فى الجواب ما اشار اليه بعض الافاضل، من انه ان قام الدليل على اخراج بعض افراد العام من عموم ذلك الحكم، فانه لا ينافى اثبات الحكم لما عداه مما لم يقم على خروجه دليل، فكذلك ما نحن فيه.

و منها الخبر الثلاثون يدل بالالتزام على وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة و المناقشة فى السند بالارسال غير وجيهة، لانجباره بالشهرة العظيمة القديمة، و بالاجماعات المحكية و غيرهما، مما مرت اليه الاشارة، و القول بجواز كون التقدير نفى الكمال غير صحيح، لأن اقرب المجازات هو كون النفى متعلقا بالصحة لا الكمال، و التوهم بان ايراد مثل هذا الكلام فى نفى الكمال شايع شيوعا تاما، و عليه فياتى الشك فى كون الظاهر هو نفى الصحة غير جيد، لتطرق المنع عليه، و القول بان تخصيص الصلوة فى قوله (ع): من عليه صلوة بالقضاء، لا وجه له لعمومها بالنسبة الى القضاء و الاداء، فيمكن حملها على الاداء، فيكون المعنى لا صلوة قضاء لمن عليه صلوة اداء، او يكون المعنى لا صلوة مطلقا لمن كان فى

ص: 165


1- القائل الذكرى. (منه)

وقت الصلوة، و يؤيد ذلك ما رواه على(1) بن جعفر عن اخيه موسى (ع) قال:

سألته عن صلوة الجنايز اذا احمرت الشمس ايصلح اولا؟ قال: لا صلوة فى وقت صلوة، و قال: اذا وجبت الشمس فصل المغرب ثم صل على الجنازة، غير مستقيم اذ الاجماع منعقد على جواز الفايته فى وقت الحاضرة، على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر(2)، و القول بانه يحتمل ان يكون المراد لا صلوة لمن عليه صلوة، على سبيل التضييق حذرا عن ارتكاب التخصيص، لا يساعده الدليل لما سيظهر، و القول بان الصلوة اعم من الاداء و القضاء، و تخصيصه باحدهما ترجيح من غير مرجح، فيجمل على المعنى الاعم و يخصص الصلوة المنفى بالنافلة، و حينئذ يكون النفى محمولا على الافضلية، جمعا بينها و بين ما دل على جواز النافلة فى وقت الفريضة، غير وجيه، لما عرفت من ان التحقيق هو عدم جواز النافلة لمن عليه صلوة مطلقا.

و منها الخبر التاسع و العشرون و التقريب ما مر.

أدلة القائلين بالمواسعة
اشارة

و للقائلين بالمواسعة وجوه:

الأول ما اشار اليه الشارح المحقق حيث قال: لنا اطلاق الآيات الدالة على وجوب اقامة الصلوة المختصة الشاملة لكل وقت،

الا ما اخرج بالدليل، و قوله تعالى: «أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ»، و الأخبار الدالة على ذلك كقوله (ع): اذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و العصر، الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الموافقه لها فى المعنى، و اوضح منها دلالة صحيحة سعد بن سعد، و هى الخبر السابع و العشرون.

الثانى: جملة من الأخبار،

منها الخبر السادس عشر، و السابع عشر، الى الخبر السادس و العشرين، و منها الخبر الثامن و العشرون، و منها الخبر الأول المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و النوافل ما لم يدخل وقتها، المتضمن على نوم النبى (ص) حتى طلعت الشمس، و اتيانه بقضاء ركعتى الفجر قبل قضاء

ص: 166


1- هذا الخبر مروى فى التهذيب فى باب الصلوة على الاموات فى الزيادات. (منه)
2- كالذخيرة.

فريضة الصبح، و روايتا ابى بصير و عبد الله بن سنان المتقدمتان هناك، حيث اشتمل الأول بعد سؤال ابى بصير عن الصادق (ع) عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس على قوله (ع): يصلى ركعتين ثم يصلى الغداة، و ثانيهما على قوله (ع): ان رسول الله (ص) رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتى اذاه حرّ الشمس، ثم استيقظ فعاد نايه ساعة و ركع ركعتين ثم صلى الصبح، و ما رواه الشارح المحقق عن ابن طاوس فى بعض مصنفاته عن حريز بن عبد الله عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، قال قلت له: رجل عليه دين من صلوة، قام يقضيه فخاف ان يدركه الصبح، و لم يصل صلوة ليلته تلك، قال: يؤخر القضاء و يصلى صلوة ليلته تلك، و منها الخبر الخامس عشر المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و النوافل ما لم يدخل وقتها، و هو صحيحة محمد بن مسلم قال: سألته عن رجل يفوته صلوة النهار، قال: يقضيها ان شاء بعد المغرب و ان شاء بعد العشاء، و الخبر السادس عشر المتقدم هناك و هو حسنة الحلبى قال: سئل ابو عبد الله (ع) عن الرجل فاتته صلوة النهار متى يقضيها؟ قال: متى ما شاء، ان شاء بعد المغرب، و ان شاء بعد العشاء.

الثالث: تسويغ الاصحاب الاذان و الاقامة للقاضى مع استحبابهما،

و قد رووه بطرق متعددة، منها الخبر الأول، و منها الخبر المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و النوافل ما لم يدخل وقتها، و منها صحيحة محمد بن مسلم المروية فى التهذيب فى باب فوات الصلوة.

الرابع: قضية الاصل فالعمل عليه متعين،

حتى يثبت الخروج عنه.

الخامس: ما اشار اليه غير واحد منهم، و هو لزوم العسر و الحرج المنفيين بالكتاب و السنة،

بل بالعقل على ما قيل، قال الشارح المحقق رحمه الله: و مما يؤيد المطلوب من القول بالمضايقة على الوجه الذى ذكروا، يتضمن حرجا عظيما و عسرا بالغا و مشقة شديدة، لأنه يحتاج الى ضبط الاوقات و معرفة الساعات، و الرصد لأخر كل صلوة، و حفظ بقية الوقت عن النقصان، بفعل الفريضة الحاضرة، و

ص: 167

ضبط انصاف الليل و معرفتها، و معرفة طلوع الشمس و غروبها، و ضبطها بحيث يتحقق اتمام الحاضرة عنده، و لا شك فى كون هذه الاشياء من اعظم الحرج و اشد العسر و الضيق، فيكون منفيا بالآية، و كذلك ما ذكره جماعة منهم الاقتصار على اقل ما يتحقق به التعيش، يتضمن حرجا و عسرا عظيما و تعطيلا فى الامور و تفويتا للاغراض، و قد يدعى الاجماع من فقهاء الاعصار و الامصار على بطلان ذلك، قاله المحقق و المصنف، انتهى.

و يمكن للقائلين بالمضايقه و الجواب عن هذه الادلة: اما عن الأول فبعد تسليم القول بشمولها لموضع البحث، ان الآيات و الأخبار التى اشرت اليها عامة، و الادلة على المذهب المذكور خاصة، فلتكن عليها مقدمة كما مقتضى القاعدة المرعية، هذا مضافا الى ان صحيحة سعد بن سعد التى حكم باوضحيتها من ساير الأخبار المطلقة، منافية لما لا يابى ان نقول به، و هو استحباب تقديم الفايته و الى ان العلة التى تشتمل عليها و هو قوله (ع) فانك لا تدرى ما يكون، غير مختصة بالحاضرة بل هى عامة، و كون وقت الفايته هو ساعة الذكر، مما دلت عليه الادلة، فعليه فلا بدّ من القول فى الفايته ما يقال فى الحاضرة، فكيف يجوز التمسك بالصحة؟ فافهم.

و اما عن الثانى فنقول: اما اجمالا: فلانه لا ريب أن الأخبار الدالة على وجوب تقديم الفايته كثيره، و بالاجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة القديمة التى هو ارجح من الشهرة الحديثة بوجوه عديدة، لا يليق المقام ذكرها، معاضدة و بالآية المفسرة بتفسير اهل العصمة مؤيدة، كالادلة الدالة على المواسعة، فهى فى طرف الضد من ذلك كلّه.

و اما تفصيلا فبان يقال: قد تقدم الجواب عن الخبر السادس عشر و السابع فى شرح قول المصنف رحمه الله: الى ان يبقى لانتصاف الليل مقدار العشاء الى آخره، فراجع، و تقدم ايضا هنا فى بيان وجه الاستدلال بالخبر الأول، ما ينفعك فى رد الخبر السابع عشر، حيث اشتمل على قوله (ع): و يدع العشاء

ص: 168

الآخرة حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها ثم ليصلها.

و اما الخبر الثامن عشر فمع قطع النظر عن عدم صحة سنده، لا يقاوم ما اشرنا اليه من وجوه عديدة، منها انه حكم فى العصر بالعدول و فى العشاء بعدمه، و قد عرفت فى شرح قول المصنف رحمه الله: و لو صلى العصر قبل الظهر ناسيا الى آخره، ان هذا غير صحيح، لمكان صحيحة زرارة المعمولة عند الطائفة.

فليحمل هذا الخبر على التقية، سيما بعد ملاحظة تعليله الذى ينادى انه وقع منه (ع) من باب جراب النورة، و منها حكمه بوجوب العدول فى العصر، و ليس ذلك الا لأن الوقت وقت للفايته، و ظهور الاجماع المركب يكفينا فى اتمام المسئلة، اذا لتفصيل المذكور على ما ذكره بعض المحققين ليس مذهبا لاحد من الشيعة، و القول بانه مقلوب لمكان قوله فى العشاء: يتم صلوته، غير وجيه لوجوه كثيرة غير مخفية على من له ادنى دربة.

و اما الخبر التاسع عشر، فلان المراد من وقت العتمة ان كان هو الوقت المختص بها كما هو الظاهر من اللفظ، فلا وجه بتجويز فعل المغرب حينئذ، اذ هو مخالف للاخبار المتواترة و غيرها من الادلة، كما تقدم هنا و فى بحث وقت العشاء مرّ اليها الاشارة، و ان كان المراد الوقت المشترك، فمع انه لا وجه لجعله خصوص وقت العتمة من دون شائبة شركه المغرب، منافى لما اقمنا فى مقام عليه الادلة، من وجوب تقديم المغرب حينئذ، فكيف يحكم بالتخيير فليحمل الخبر على التقية، و اما ما اشار اليه الشارح المحقق من ان فوات المغرب محمول على فوات المغرب السابقة، لئلا يكون مدلول الخبر مخالفا للمشهور المدعى عليه الاجماع، فلا يخفى بعده عن سياق العبارة، هذا مضافا الى ان التسوية بين التقديم، و التأخير لا وجه لها، لاتفاق الشيعة على ما صرح به فى بعض العبائر، على عدم التسوية، بل التقديم اما واجب او مستحب، فافهم.(1) و الى ان الانسب حينئذ

ص: 169


1- يظهر وجهه مما سيأتى.

كان ان يسئل انه بعد ما صلى المغرب ذكر ان عليه مغرب سابقه على يومه، فتأمل

و بالجمله لا اعتماد على الخبر المذكور، سيما بعد ملاحظة ان روايه عمار، و تطرق الخلل الى رواياته مشهور لا يقبل الاستتار، و عن المحدث الكاشانى فى الوافى فى موضع منه، بعد نقل بعض اخبار المخالفة و بعد ان تكلف فى تاويله ما صورته: هذا مع ما فى روايته من الطعن المشهور، و ما فى رواياتهم من الخلل و القصور، و فى موضع آخر بعد نقل بعض رواياته: و لو كان الراوى غير عمار لحكمنا بذلك، إلا ان عمارا ممن لا يوثق بأخباره، و فى موضع آخر، بعد ان نقل عنه حديثا دالا على المنع من الصلوة متى اكل اللبن حتى يغسل يديه و يتمضمض، ما صورته:

هذا مع ما فى اخبار عمار من الغرائب، انتهى.

و اما الخبر العشرون فنقول بمضمونه، اذ فوات المغرب انما يتحقق اذا دخل الوقت المختص بالعشاء، و مع ضيق وقت الحاضرة تقدم على الفايته بلا اشكال و لا خلاف، هذا مضافا الى عدم صحة سنده بالارسال.

و اما الخبر الحادى و العشرون فقد ظهر الجواب عن ما اجاب (ع) عن سؤاله الأول، و اما ما اجاب (ع) عن سؤاله الاخير فمع عدم جواز حمل قوله (ع) يبدا بالظهر على الوجوب و الاستحباب، باعترافهم لمكان قولهم باستحباب تقديم الفائتة، لم يظهر صحة سنده، مضافا الى عدم وضوح قوله: كذلك كل، الى آخره، فكيف يجوز الاعتماد عليه؟

و اما الخبر الثانى و العشرون فمع قطع النظر عن تهافت متنه، ان الفرق بين الاولى و العصر لا يتمشى على مذهبنا، و انما يتمشى على مذهب العامة و اصولهم على ما ذكره بعض الأجلاء.

و اما الخبر الثالث و العشرون فالجواب عنه كالجواب عن الخبر السادس عشر و السابع عشر، فلتحمله على التقية.

و اما الخبر الرابع و العشرون فلانه يمكن ان يقال: ان الغرض من قوله متى ما احب، هو الرد على العامة القائلين على كراهة الصلوة فى الاوقات الخمسة،

ص: 170

و ينادى على ذلك قوله بعد ذلك صلوة فريضة نسيها يقضيها مع غروب الشمس و طلوعها، و قوله: و الفريضة كسوف الشمس الى آخره، لا ان الغرض بيان جواز الاتيان بالفائتة مطلقا ان شاء، و جواز عدم الاتيان بها كذلك ان لم يشا، هذا مضافا الى ان ما ذكرناه بخصوصيتها يقيد هذا الاطلاق، على فرض الدلالة.

و اما الخبر الخامس و العشرون فهو مخالف للكتاب و السنة و الاجماع، فليس فى الاستدلال به الا تكثير السواد و اضاعة القرطاس و المداد، و هذا ايضا من المؤيدات لما تقدم من نقل كلام الوافى، القائل باشتمال اخبار عمار على الغرائب.

و اما الخبر السادس و العشرون فلم ارقائلا و لا عاملا على الكيفية التى اشتمل عليها، فهو ايضا من غرائب اخبار عمار، و اما الخبر المذكور فليقيد باخبارنا الخاصة.

و اما الخبر الثامن و العشرون فينادى قوله (ع): و لا يصلى حتى تطلع انتهى، على كونه محمولا على التقية، كما ظهر ذلك مما سبق اليه الاشارة، و اما الأخبار الدالة على تقديم قضاء نافلة الفجر على صلوته، فقد ظهر الجواب عنها فى شرح قول المصنف رحمه الله: و النوافل ما لم يدخل وقتها، و اما رواية ابن طاوس فقوله: عليه دين من صلوة، اعم من ان يكون تلك الصلوة فائتة منه نفسه او التحمل عن الغير، و كذا يحتمل ان يكون فريضة او نافلة، فليقيد باخبارنا الخاصة، و يظهر من شرح قول المصنف رحمه الله: و النوافل ما لم يدخل وقتها، ما ينفعك فى المقام فراجع البتة.

و اما صحيحة محمد بن مسلم و حسنة الحلبى، فالمستدل بهما لا يقول بما يظهر منهما، و هو التخيير الظاهر فى تساوى الفردين اباحة و رجحانا، فلتطرحا او تحملا على التقية، و قدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و النوافل من لم يدخل وقتها، ما ينفعك فراجع.

و اما الجواب عن الوجه الثالث، فلان الاذان و الاقامة من توابع الصلوة و مستحباتها، فيكون الوقت الواقع بازائها خارجا عن محل النزاع، سيما بملاحظة

ص: 171

كون ذلك اجماعا على ما صرح به غير واحد من العبائر.

و اما عن الوجه الرابع فلقيام الدليل فى المقام، فيجب الخروج عنه.

و اما الجواب عن الوجه الخامس، فقد اشار اليه بعض الافاضل، بان العسر و الحرج ان بلغا الى حد يمتنع معه عند العقل التكليف به لمحاليته، فلا ريب فى عدم جوازه، و لا يقول به احد حتى نحو المرتضى و الحلى، و ان لم يبلغ الى هذا الحد، و لا يستحيل عند العقل التكليف معه فلا ضير فيه بعد ثبوته من الشرع، كصبر المرءة الكثيرة الشهوة عن التزويج مع غيبة زوجها، و قد ثبت ايضا فيما نحن فيه بالكتاب، و السنة المتظافرة، و الاجماعات المحكية، انتهى.

أقول: و فيه نظر اذ الاصل المذكور غير قابل للتخصيص، بامثال هذه الادلة التى غايتها افادة المظنة، و ان اشتهيت ان تعرف ذلك فنقول:

تحقيق الكلام فى المقام يقتضى بسطه فى مقامات:
الأول: اعلم انه لا ريب و لا اشكال فى انه اذا شك فى تكليف الزامى يلزم منه الحرج و العسر، فالاصل عدمه مطلقا،
اشارة

و ان كان مقتضى الاستصحاب و العمومات ثبوته، و يدل عليه الكتاب و السنة و الاجماع، على الظاهر المصرح فى غير واحد من العبائر، و المراد بالحرج على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، هو ما فوق الوسع الى منتهى الطاقة، و المراد بالطاقة على ما قيل ما فوق الوسع ما لم يصل الى الامتناع العقلى او العادى، كما لا اشكال فى عدم جواز التكليف بما فوق الطاقة، و هو التكليف بما لا يطاق، و جواز التكليف بالوسع و هو ما دون الطاقة، و يدل عليهما الادلة الاربعة، و انما الاشكال فى ان نفى الحرج و العسر هل هو اصل شرعى او عقلى؟ فلا يجوز الخروج عنه مطلقا، لعدم جواز التخصيص فى العقليات، فالذى يستفاد عن ظاهر اكثر الاصحاب هو الأول، و ذهب بعض متأخرى المتأخرين الى الثانى، و اختاره بعض افاضل المعاصرين.

للأولين ان العقل اذا فرض وقوعه، لا يفهم من ذلك ترتب مفسدة او محال، فلم لا يجوز التكليف به.

ص: 172

و للثانى وجوه: الأول: ان العقلأ يقبحون سيدا يكلف عبده بتكليف شاق و يوبخونه على ذلك، و لو لا عدم جواز ذلك لما صح منهم ما ذكرناه.

الثانى: إنّ التكليف بما يفضى الى الحرج، مخالف لما عليه اصحابنا، من وجوب اللطف على الله سبحانه، فان الغالب ان صعوبة التكليف المنتهية الى حد الحرج تبتعد عن الطاعة، و تقرب من المعصية بكثرة المخالفة.

الثالث: ان الله الرحيم الرؤف ارحم بعباده و ارأف من ان يكلفهم بما لا يتحملونه غالبا، من الامور الشاقة، و قد قال اللّه تعالى فى كتابه الالهى: «لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا»، لا يقال: لوصح ما ذكر لما كان واقعا فى هذه الشريعة، من التكاليف الشاقة كساير الشرايع، و التالى باطل، فالمقدم مثله، اما بيان الملازمة فلما تقدم من عدم جواز التخصيص فى العقليات، و اما بيان بطلان التّالى فلمكان الحج و الجهاد و الزكوة بالنسبة الى بعض الناس، والدية على العاقله و نحوها، لأنا نقول ما ذكر ليس من الحرج فى شىء، فان العادة قاضية بوقوع مثلها، و الناس يرتكبون مثل ذلك من دون تكلف، و من دون عوض او عوض يسير كالمحارب للحمية و المقاتله الواقعة عن عساكر السلاطين، كما نرى ذلك و نشاهده فى كل دهر و اوان، و بالجملة ما جرت العادة بالاتيان بمثله و المسامحة فيه و ان كان عظيما فى نفسه كبذل النفس و المال الكثير، فليس ذلك من الحرج فى شىء على ما صرح به بعض الأجلة، نعم تعذيب النفس، و تحريم المباحات، و المنع من جميع المشتبهات حرج و ضيق، و مثله منتف.

فان قلت: ما تقول فى مجاهدة النفس فى تحصيل الاخلاق الحسنة، و دفع الصفات السيئة كالكبر و الرياء و نحوهما، مع انها واجبة فى الشريعة، و هى فى غاية المشقة، كما يومى اليه قوله (ص): رجعنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر.

قلت: مجاهدة النفس و تحصيل الاخلاق و ان كان فى غاية المشقة، و لكن يمكن للانسان تسهيل ذلك بالتفكر و التدبر فى كتب الوعظ و الاخلاق، و فى

ص: 173

الاحاديث المروية عن الأئمة، و فى الآيات و الاثار الواردة، الدالة على ان الرزق من قبل الله تعالى، و ان الرفعة؟ و الذلة بيده تعالى دون الخلق، و ان الله تعالى خلقه من ماء مهين، و انه فى كل الحالات حامل للفضلات، القاطعة لمادة الكبر، كخروجه من المبالين، و اغتذائه فى الرحم بدم الحيض، و انه سيورد الى دار لا يكون له ناصر الا الله، و امثال ذلك، و وزان ذلك وزان الاوامر المستحبة المستغرقة للاوقات بل يزيد عليها، فكما انها ليست من الحرج فى شىء لمكان جواز الترك، فكذا ما ذكر، هذا و الذى يترجح فى نظرى القاصر و يدون فى فكرى الفاتر، هو التفصيل فى المسئلة المذكورة، بان يقال: يصح و التكليف بما فيه حرج عقلا ان كان نادرا و قليلا، و لا يصح ان كان كثيرا، او لنا على الأول ما تمسك به الاولون، و على الثانى ما تمسك به الآخرون، لا يقال: دليل الآخرين يجرى على الأول ايضا، فيكيف يصح القول بذلك؟ لأنا نقول: انا نمنع من ذلك.

اما الدليل الأول فلا تقبيح العقلاء انما يسلم اذا كان كل التكليف الصادرة من السيد الى العبد او اكثرها او كثير منها شاقة، و اما اذا كان كلها سهلة الا نادرا منها فلا، و ذلك واضح عند من راجع الى وجدانه و ارسل زمام التفكر ساعة فى ميدانه، و ان كنت محتاجا الى بيان مثال تعرفه، فانظر الى الطبيب المعالج لبعض الامراض كبعض اقسام الجنون مثلا، بالمنع عن الاكل و الشرب فى شهور بل فى سنين، الا بقدر ما يمسك به الرمق، تحصيلا لصحة المزاج، و لو خالفه المريض يذمونه العقلاء غاية المذمة، و كذلك النادر الشاق ان يصلهم الى منفعة عظيمة، لا يصلون اليها الا بتحمل تلك المشقة، فلا ندرك قبحه بل ندرك حسنه، و انه منه تعالى احسان بالنسبة اليهم، بل ربما لا ندرك القبح(1) لو كلفهم المنع الحقيقى على ذلك التكليف الشاق، و لا يعطهم بذلك اجرا فى الآخرة اصلا،

ص: 174


1- بل ربما لا ندرك القبح لو كان ذلك المكلف بالتكليف الشاق الغير المعطى للاجر بعد اتيان العبد به السيد المجازى فما ظنك بالسيد الحقيقى. (منه)

لمكان حقه عليهم، و احسانه اليهم و ابتدائه بالنعم بالنسبة اليهم، على اشكال(1).

و اما الدليل الثانى فلا، لا نسلم كون ما ذكرناه منافيا للطف الواجب عليه تعالى، و يدل على ذلك وجهان:

الأول: النقض الاجمالى، بيانه ان ذلك لو كان كذلك، لما وقع التكليف بما فيه الحرج و العسر فى الشرايع السابقة، و التالى باطل فالمقدم مثله، اما بيان الملازمة فلما تقدم من عدم جواز التخصيص فى العقليات، و اما بطلان التالى فلمكان ما يستفاد من الكتاب، كقوله تعالى: «(2)رَبَّنٰا وَ لاٰ تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً كَمٰا حَمَلْتَهُ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِنٰا رَبَّنٰا وَ لاٰ تُحَمِّلْنٰا مٰا لاٰ طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ وَ اُعْفُ عَنّٰا» الآية، و قوله تعالى(3): «وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ اَلْأَغْلاٰلَ اَلَّتِي كٰانَتْ عَلَيْهِمْ» الآية،(4) و السنة المستفيضة كقول السجاد (ع) فما هكذا كانت سنة فى التوبة لمن كان قبلنا لقد وضع عنا ما لا طاقة لنا و لم يكلفنا

ص: 175


1- وجه الاشكال هو ما ذكره المحقق الطوسى فى التجريد حيث قال و ايجاب المشقة فى شكر المنعم قبيح قال القوشجى فى شرح هذا الكلام ذهب ابو القاسم البلخى على ان ايجاب هذه التكاليف وقع شكر اللنعم التى انعم الله تعالى بها فلا يستحق المكلف بها ثوابا فبين المصنف بطلانه ايجاب المشقه فى شكر المنعم قبيح عند العقلاء اذ يقبح عقلا ان ينعم الانسان على غيره نعمة ثم يكلفه و يوجب عليه شكره على تلك النعمة من غير ان يصل اليه ثواب و القبيح لا يصدر من الله تعالى فتعين ان يكون ايجاب التكاليف لاستحقاق الثواب و علل الطوسى رحمه الله لذلك ايضا بقوله و لقضاء العقل به مع الجهل و قال الشارح القوشجى دليل آخر على بطلان هذا المذهب تقريره ان العقل يقضى لوجوب شكر المنعم مع الجهل بالتكاليف الشرعية و قضاء العقل مع الجهل بالتكاليف يوجب الحكم بان التكاليف ليست شكرا أقول فيه منع ظاهر. (منه).
2- فى سورة البقرة.
3- فى سورة الاعراف.
4- اول الآية هكذا الذين يتبعون النبى الامى الذى يجدونه مكتويا عندهم فى التوراة و الانجيل يامرهم بالمعروف و ينهيهم عن المنكر و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث و يضع. الى آخره. (منه)

الا وسعا و لم يجشمنا الا يسرا و لم يدع لاحد حجة و لا عذرا، كما فى صحيفته فى دعاء التحميد، و قول النبى (ص): بعثت بالحنفية السمحة السهلة، و كقول مولانا الصادق (ع) قال: كان بنو اسرائيل اذا اصاب احدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، و قد وسع الله عليكم باوسع ما بين السماء و الارض، و جعل لكم الماء طهورا فانظروا كيف تكونون، كما فى صحيحة داود بن فرقد المروية فى التهذيب فى باب الاحداث الموجبة للطهارة فى الزيادات، و فيه نوع مناقشة يظهر وجهها مما سيأتى.

الثانى: النقض التفصيلى، و هو ان التكليف بما يفضى الى الحرج، انما يكون منافيا للطف الواجب عليه تعالى، اذا كان فرض صدوره منه تعالى مستلزما للقبح عليه سبحانه، و ما نحن فيه ليس كذلك، تفصيل الكلام و تحقيق المقام يقتضى ان نرخى عنان القلم ساعة فى هذا المضمار، و نخرج ما هو فى حيّز الاستتاربعون الملك الطيف الجبار، فنقول: لا ريب و لا اشكال فى انه يجب على الله تعالى ان يعطى المكلفين، ما هو من شرائط الامكان، كالقدرة و منها الالات التى لا يمكن الاتيان بالمامور به الا بها، و لا ريب ايضا فى انه لا يجب عليه تعالى ان يلجاهم على فعل المكلف به، اذ ليس بسبب التكليف الا الاختيار، كما ينادى بذلك العقل و النقل، كقول زين العابدين (ع) فى زبور آل محمد (ص) و دعاء التحميد: و الحمد لله الذى ركب فينا الات البسط، و جعل لنا ادوات القبض، و متعنا بارواح الحيوة، و اثبت فينا جوارح الاعمال، و غذانا بطيبات الرزق، و اغنانا بفضله و اغنانا بمنه، ثم امرنا ليختبر طاعتنا، و نهانا ليبتلى شكرنا الى آخره، فكيف يجوز القول بالالجاء؟ و انما الكلام فى ان الله تعالى بعد اعطائه المكلفين ما هو من شرائط الامكان، من نحو القدرة، اذ اعلم انهم لا ياتون بالتكاليف، التى يمكن لهم الاتيان بها، الا بفعل من قبله تعالى، مما يقربهم الى الطاعة و يبعدهم عن المعصية، فهل يجب عليه تعالى ذلك الفعل ام لا؟ و هذا المراد باللطف عند الامامية.

و بطور آخر اللطف على قسمين: لطف محصل، و هو ما يحصل عنده الطاعة

ص: 176

من المكلف على سبيل الاختيار، و لولاه لم يطع، مع تمكنه فى الحالين، و لطف مقرب الى الطاعة و يبعد عن المعصية، و لا حظ له فى التمكين و لا يبلغ الالجاء، اى حد الاضطرار فى استدعاء المطلوب به، فخرج منه الالة و ان كانت مقربة الى الطاعة و مبعدة عن المعصية، لأن لها حظا فى التمكن، و اعتبر عدم بلوغ حد الالجاء، لأن الالجاء ينافى التكليف، و اللطف لا ينافيه، و انما نقول بوجوب اللطف لتوقف غرض المكلف الأمر عليه، فانه لو لم يجب مع توقف الغرض عليه، لزم ان يكون المكلف الحكيم ناقضا لغرضه، و اللازم باطل فالملزوم مثله، اما الملازمة فظاهرة، فأن المريد لفعل من غيره اذا علم انه لا يفعله الا بفعل يفعله المريد من غير مشقة فلو لم يفعله كان ناقضا لغرضه ضرورة، كمن دعا غيره الى طعام، و هو يعلم انه لا يجيبه الا بعد ارسال عبده عنده، و لا مشقة له فى ارساله، فان لم يرسل العبد اليه يعده العقلاء سفيها ناقضا لغرضه، و اما بطلان اللازم، فلان نقض الغرض لحكم العقلاء بذلك، و هو قبيح عقلا، و الواجب منزه من القبايح، فان كان اللطف من فعله تعالى وجب عليه تعالى فعله، و ان كان من المكلف وجب ان يشعر به، و ان كان من غيرهما فيشترط فى التكليف العلم به.

قال العلامه طاب ثراه فى الباب الحادى عشر: الخامس فى انه تعالى يجب عليه اللطف و هو ما يقرب الى الطاعة و يبعد عن المعصية، و لا حظ له فى التمكين و لا يبلغ الجاء، لتوقف غرض المكلف عليه، فان المريد لفعل من غيره، اذا علم انه لا يفعله الا بفعل يفعله المريد من غير مشقة، فلو لم يفعله لكان مناقضا لغرضه و هو قبيح عقلا.

قال بعض الافاضل فى شرح هذا الكلام: ما يتوقف عليه ايقاع الطاعة و ارتفاع المعصية، تارة يكون التوقف عليه لازما، و بدونه لا يقع الفعل، و ذلك القدرة و الالة، و تارة لا يكون كذلك، بل يكون المكلف باعتبار المتوقف عليه ادعى و اقرب الى فعل الطاعة و ارتفاع المعصية، و ذلك هو اللطف، نقول لا حظ له فى التمكين، اشارة الى القسم الأول، كالقدرة فانها ليست لطفا فى الفعل، بل شرطا فى امكانه،

ص: 177

و قوله و لا يبلغ الالجاء لأنه لو بلغ الالجاء لكان منافيا للتكليف، اذا تقرر هذا فاعلم ان اللطف تارة يكون من فعل الله تعالى فيجب عليه، و تارة يكون من فعل المكلف فيجب عليه تعالى اشعاره به و ايجابه عليه، و تارة من فعل غيرهما فيشترط فى التكليف العلم به، و ايجاب الله ذلك الفعل على ذلك الغير، و اثابته عليه، و انما قلنا بوجوب ذلك كله على الله، لأنه لولا ذلك لكان ناقضا لغرضه، و نقض الغرض قبيح عقلا، و بيان ذلك ان المريد من غير فعل من الافعال، و يعلم المريد ان المراد منه لا يفعل المطلوب، الا مع فعل يفعله المريد مع المراد منه، نوع ملاطفة او كاتبة او ارسال اليه او السعى اليه و امثال ذلك، من غير مشقة عليه فى ذلك، فلو لم يفعل ذلك مع نصبهم قصد ارادته، لعده العقلاء ناقضا لغرضه و ذموه على ذلك، و كذا نقول فى حق البارى تعالى، مع ارادته ايقاع الطاعة و ارتفاع المعصية، لو لم يفعل ما يتوقفان عليه لكان ناقضا لغرضه، و نقض الغرض قبيح، تعالى الله عنه.

قال المحقق الطوسى فى التجريد: و اللطف واجب محصل الغرض به، فان كان من فعله تعالى وجب عليه تعالى، و ان كان من المكلف وجب على الله تعالى ان يشعر به و يوجبه عليه، و ان كان من غيرهما شرط فى التكليف بالملطوف فيه العلم بالفعل.

و قال الشارح القوشجى: اللطف ما يقرب العبد الى الطاعة و يبعده عن المعصية، بحيث لا يؤدى الى الالجاء، و هو واجب عند المعتزلة، و اختاره المصنف و احتج عليه بان اللطف يحصل به غرض المكلف فيكون واجبا، و الالزم نقض الغرض، بيان الملازمة ان المكلف اذ اعلم ان المكلف لا يطيع الا باللطف، فلو كلفه من دونه كان ناقضا لغرضه، كمن دعا غيره الى طعامه و هو يعلم انه لا يحضر الا ان يستعمل معه نوعا من التادب، فاذا لم يفعل الداعى ذلك النوع من التادب، كان ناقضا لغرضه، انتهى.

أقول: تنقيح الكلام فى ذلك ان يقال: لما كان فى التقريب الى مالك رقاب

ص: 178

العباد، منفعة عظيمة للعباد، بل هو بنفسه عينها و اعلاها و اسناها كما ينادى بذلك العقل و النقل، كقوله تعالى: «وَ رِضْوٰانٌ مِنَ اَللّٰهِ أَكْبَرُ» الآية، و لم يمكن الوصول الى تلك المرتبه، الا بارتكاب اشياء حسنة و الانزجار عن اشياء قبيحه، فلذا صار غرض ارحم الراحمين ان يأتى عباده بتلك الاشياء الحسنة، و ان ينزجروا عن الاشياء القبيحه، حتى يبلغوا الى الدرجه المشار اليها، و لما كان ذلك الغرض غير حاصل له تعالى، الا بان يرسل اليهم من يعلمهم ذلك، اذ عقولهم ناقصة، فلذا اوجب عليه تعالى ارسال الرسل، لكيلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، و لما كان ايضا من الواجب ان يكون لما بينه الرسول (ص) من الاشياء الحسنة و القبيحة، و وجوب الاتيان بالاوله او استحبابه، و وجوب الانتهاء عن الثانية، حافظا لئلا يغلب الفاسقون الراغبون الى اللهو و اللعب، و الى الاتيان بالاشياء السهله و ما ليس فيه بالنسبة الى انفسهم مشقه، و يستقبحوا ما هو حسن فى الواقع، و يستحسنوا ما هو قبيح فيه، فلذا قلنا معاشر الامامية انه يجب على الله تعالى نصب الامام، بالشروط المقررة فى الكتب الكلامية، لئلا يكون تعالى ناقضا لغرضه، فصار الرسول و الامام مقربين الى الطاعة و مبعدين عن المعصية، ثم بعد ان اقامهما الله تبارك و تعالى، و بينا الاشياء الحسنة و القبيحة، و ما يترتب عليهما من الجنة و النار و التقرب و التبعد، فهل يجب عليه تعالى ان لا يكلفهم بما فيه مشقة بالنسبة اليهم؟ اذ لو كلفهم به ليبعدون عن الطاعة، و يقربون الى المعصية بكثرة المخالفة، لأن رغبة الطباع الى الاشياء السهله و تنفرهم عن الاشياء المشكلة كالطبيعة الثانية بالنسبة اليهم، اولا يجب ذلك؟ بل يجوز ان يكلفهم بما فيه مشقة، لأجل ان يصلهم الى مرتبة لا ينالوها الا بان ياتوا به، و المنصور هو الثانى، اذ ظهر بما امرنا انما اوجبنا اللطف عليه تعالى، للزوم القبح عليه لولاه، و هو لزوم نقض غرضه، و المذكور لا نفهم قبحه اصلا بل ربما نفهم حسنه، بل ربما لو امرهم اللّه تعالى بما فيه مشقة تامة، و لم يعدهم بما يترتب عليه من الجزاء، لكان العقل لا يدرك قبحه، لمكان حقه تعالى عليهم، فكيف

ص: 179

ظنك بما اذا وعدهم بما يترتب عليه من المثوبات و التفضلات التى لم تر عين و لم تسمع اذن؟ فتأمل.

و بالجمله غرض الله هو حصول التقريب، و بسبب اتيانهم بذلك الشاق يحصل لهم التقريب التام، و ان كان اكثرهم بسؤ اختيارهم و غلبة هوى انفسهم ربما يتركونه و لا ياتون به، و لم يقم دليل على انه يجب عليه تعالى ان لا يامرهم بشىء حسن شاق، حذرا من مخالفتهم.

و بطور آخر كما ان الغرض من التكاليف هو حصول التقريب، لذا يكون الغرض منها هو الاختيار و الامتحان، حتى يعلمو انهم من المطيعين ام من العاصين، فأمرهم سبحانه باشياء و نهاهم عن اخرى، و قال ان اتيتم بالاوامر او انتهيتم عن المناهى فأتتم من المطيعين فيحصل لكم التقريب و الجنة، و ان ابيتم عن الاوامر و اتيتم بالمناهى فأنتم من العاصين فلا يحصل لكم التقريب، فيترتب عليكم دخول الجحيم، و لا ريب فى ان مطلق التكاليف مشقة للانفس، و الطباع متنفرة عن ما فيه تحمل بالنسبة اليهم، فلذا ترى الفساق اكثر من العباد و العاصين اكثر من المطيعين، فلو كان واجبا عليه تعالى ان لا يكلفهم بما يحصل منهم التخالف غالبا، لكان عليه تعالى ان لا يكلفهم اصلا، لما عرفت، و ذلك بديهى البطلان، فلا بد لك ان تقول نحن لا نقول بذلك، بل نقول ان التكاليف و ان كان كلها و بالاعلى الانفس، و لكن منها يسرة و منها عسرة، و التخلف و ان كان واقعا بالنسبة الى كليهما عن اكثر الناس، و لكن التخلف فى الثانى اكثر، فينا فى غرض الحكيم، فلا بد ان لا يامر به اذ لو امر لكان مقربا الى المعصية، قلت: مع جريان الدليل الذى ذكرت فى كليهما، اى منافاة فى ذلك لغرض الحكيم اليس غرضه هو الاختيار، فبذلك يحصل الاختيار كالتقريب، و لم يقم دليل انه يجب عليه تعالى فى دار الاختيار، ان يرفع الموانع التى بها لا تطيع النفوس الشقية، بل الدليل على خلافه واضح السبيل.

هذا مضافا الى انه لو كان كذلك، لكان الواجب عليه تعالى، ان يعطى

ص: 180

ما علقه المكلف القادر على نفسه اطاعة الله عليه، بان لا يطيعه حتى يعليه الله ذلك، و تلك الجرأة على الله مما دل العقل و النقل على فساده، و بالجملة فساد ما ذكر اكثر من ان يحصى، فلا نطول المقام بذكره.

فصار فذلكة الكلام فى المقام، ان القول بوجوب اللطف، انما هو لأجل حصول القبح و النقص عليه سبحانه لولاه، فصار القول به وجودا و عدما، دائرا مدار الدليل المذكور، فاذن لا وجه فيما نحن فيه للقول بان التكليف بما فيه حرج ينافى اللطف الواجب عليه تعالى، لعدم جريان الدليل المذكور فيه.

وهم و تنبيه:

و لعلك تتوهم ان ما اشرنا اليه سابقا، من عدم جواز التخصيص فى العقليات، ينا فيه ما ثبت من الشرع من التمكين من القصاص و الحد و امثالهما، مع ان دفع الضرر المظنون واجب عقلا، و هذا الوهم فاسد، اذ البرهان الدال على وجوب دفع الضرر المظنون، لم يشمل المقام حتى يكون القول بما ذكر من باب التخصيص، و ذلك اما بحسب النظر الجليل، فلغلبة المصلحة على المفسدة فى امثال المقامات، و العقل معها لا يحكم بوجوب التحرز، بل ربما يحكم بوجوب الارتكاب، و بذلك ايضا جرت عادة العقلاء، كما يظهر ذلك من امر الاب بحجامة ولده، حيث يتوقف صحة مزاجه عليها، و هو يبكى و الأب يضحك، و قد حقق ان ترك الخير الكثير لاجل الشر القليل شر كثير، و اما بحسب النظر الدقيق فلان حكم العقل انما هو لاجل الضرر و الشر، و هما منفيان رأسا، الا تنظر الى عرف العقلاء، حيث يفرقون بين مدى السكين على موضع للجرح من غير ترتب نفع عليه، و بين مدية على الظهر لاجل الحجامة و حصول النفع، و يطلقون فى الاول الضرر و الفساد دون الثانى، و للجواب عن الأخير مجال اصلناه على اهل الكمال.

و بالجملة ما احاط به الدليل العقلى و كان داخلا فى حصنه، فلا يجوز تخصيصه بلا شبهة، و اما ما يترا اى فى بادى النظر انه من التخصيص، فليس فى

ص: 181

الحقيقة كذلك، لعدم كونه من اهل ذلك الحصن، و بنحو ذلك ايضا يجاب عن الاعتراض الوارد على الدليل الدال على حجية مطلق الظن فى الاحكام الشرعية حيث يقال ان الدليل العقلى غير قابل للتخصيص، مع ان ذلك الدليل مخصص لخروج الظن المستفاد من القياس، عنه بالسنة و الاجماع، فظهر بما ذكر انّ التكليف بما فيه حرج، لا ينافى اللطف الواجب عليه تعالى، نعم لو كان التكليف المتوجه الى المكلفين كثيرا، و كان الكل مفضيا الى الحرج، لكان القول بالمنافاة قويا، للزوم القبح المشار اليه.

و اما الجواب عن الدليل الثالث، فيظهر وجهه مما مر، فلا نطول المقام بذكره، فظهر بما ذكر ان ما رجحناه من التفصيل، هو الحق الحقيق بالمقام، و ان غفل عنه اقوام.

المقام الثانى: على القول بجواز التكليف بما فيه حرج عقلا، فهل وقع فى الشرائع السابقة على شريعة نبينا محمد (ص) ام لا؟
اشارة

وجهان، و يدل على الاول قوله تعالى: «رَبَّنٰا وَ لاٰ تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً كَمٰا حَمَلْتَهُ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِنٰا»، و قوله سبحانه: «وَ اَلْأَغْلاٰلَ اَلَّتِي كٰانَتْ عَلَيْهِمْ»، و قوله (ص) بعثت بالحنفية، الى آخره، اذ هو (ص) فى مقام الامتنان، و ما ورد فى الأخبار فى بيان التكاليف الشاقة التى كانت على بنى اسرائيل، و قد تقدم صحيحة داود ابن فرقد الدالة على ذلك، كما قاله السجاد فى صحيفته، فلاحظ، و يدل على الثانى قول موسى (ع) لنبينا (ص) فى حديث المعراج: فان امتك لا تطيق، رواه الفقيه فى باب فرض الصلوة، و يؤيده ما ورد من بيان بسطة الاولين فى الأعمار و الاجسام، و شدة شكيمتهم و طاقتهم على تحمل شدائد الامور، فعليه فما كان حرجا بالنسبة الينا لم يكن حرجا حيث شرع، فيختلف الحال باختلاف اهلها، و المنصور هو الأول، لقوة ما يدل عليه، سيما بملاحظة ان فى حديث المعراج شيئا ربما يوهن التمسك به، مضافا الى ساير وجوه المناقشات، و هو قول موسى (ع) تعليلا لسؤال التخفيف لمكان عدم طاقتهم: فانى جئت الى بنى اسرائيل بما افترض

ص: 182

الله عز و جل عليهم، فلم يأخذوا به شيئا، و لم يقروا عليه فلا، الخبر... فتدبر.

تنبيه:

الذى يظهر من الآيات القرآنية، ان التكليفات الشاقة الواردة على بنى اسرائيل، انما صيروا بانفسهم(1) باعثين لها، و الا فارحم الراحمين لم يكلفهم اولا الا وسعا، كما اشار اليه بقوله: «لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا»، فلاحظ اوائل سورة البقرة، ثم سورة المائدة، ثم غيرهما من السور المشتملة على قصصهم.

الثالث: هل يجوز الخروج عن ذلك الأصل كما فى ساير العمومات ام لا؟
اشارة

لا اشكال على ما اشرنا سابقا، فى ان الاصل هو نفى الحرج فى شريعتنا، و انما الاشكال فى انا اذا قلنا بجواز التكليف بما فيه حرج عقلا، فهل يجوز الخروج عن ذلك الأصل كما فى ساير العمومات ام لا؟ احتمالان ذهب جماعة الى اولهما، و للثانى ما يستفاد من الكتاب و السنة عموما و خصوصا، كقوله تعالى: لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا، و قوله تعالى: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، و قوله: «يُرِيدُ اَللّٰهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاٰ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ»، و قوله: «رَبَّنٰا وَ لاٰ تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً كَمٰا حَمَلْتَهُ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِنٰا»، و قوله سبحانه: «وَ اَلْأَغْلاٰلَ اَلَّتِي كٰانَتْ عَلَيْهِمْ»، و قوله تعالى: «يُرِيدُ اَللّٰهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ اَلْإِنْسٰانُ ضَعِيفاً»، و قوله: «مٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ»، و قوله (ص): دين محمد حنيف، و قوله (ص): بعثت بالحنيفية السهلة السمحة، و قول الصادق (ع): ان الله اكرم من ان يكلف الناس ما لا يطيقون،(2) كما فى رواية هشام المعدودة من الصحاح، و قوله (ع): ما كلف الله العباد الا ما يطيقون، و انما كلفهم فى اليوم و الليلة خمس صلوات، و كلفهم فى كل مأتى درهم خمسة دراهم، و كلفهم صيام شهر رمضان فى السنة، و كلفهم

ص: 183


1- قال تعالى: (كُلُّ اَلطَّعٰامِ كٰانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرٰائِيلَ إِلاّٰ مٰا حَرَّمَ إِسْرٰائِيلُ عَلىٰ نَفْسِهِ) (منه)، و فى اواخر سورة النساء: (فَبِظُلْمٍ مِنَ اَلَّذِينَ هٰادُوا حَرَّمْنٰا عَلَيْهِمْ طَيِّبٰاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ كَثِيراً).
2- و التقريب من ان الظاهر من الطاقة الواردة فى الخبر هو اليسر بل ربما يقال ان الظاهر صدق عدم الطاقة و القدرة حقيقة فى صورة التعسر و لزوم الحرج. (منه)

حجة واحدة، و هم يطيقون اكثر من ذلك، انما كلفهم دون ما يطيقون، كما فى روايته الاخرى(1) المعدودة من الصحاح، و كقوله (ع) فى رواية ابى بصير المعدودة من الموثقات، بعد ان سأله انا نسافر فربما بلينا من الغدير من المطر، يكون الى جانب القرية، فتكون فيه العذرة، و يبول فيه الصبى، و تبول فيه الدابة و تروث: ان عرض فى قلبك منه شىء، فقل: هكذا، يعنى اخرج الماء بيدك، فان الدين ليس بمضيق، فان الله عز و جل يقول: «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ».

و كقول الصادق (ع) ايضا: ما امر العباد الا بوسعهم و كل شىء امر الناس باخذهم فهم متسعون له فهو موضوع عنهم، و لكن الناس لا خير فيهم، كما فى رواية محمد بن على الحلبى المعدودة من الموثقات.

و قوله (ع) فى رواية عبد الاعلى المعدودة من الحسان: يعرف هذا و اشباهه من كتاب الله عز و جل،: «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»، امسح عليه بعد ان سأله عبد الاعلى: عثرت فانقطع ظفرى، فجعلت على اصبعى مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟

و كقوله (ع) انما يصام يوم الشك من شعبان، و لا يصوم من شهر رمضان، لانه قد نهى ان ينفرد الانسان للصيام فى يوم الشك، و انما ينوى من الليلة انه يصوم من شعبان، فان كان من شهر رمضان اجزاء عنه بتفضل الله عز و جل و انما قد وسع الله على عباده، و لو لا ذلك لهلك الناس، كما فى رواية سماعة المعدودة من الموثقات.

ص: 184


1- و فى الوسائل عن الخصال بسنده عن اسمعيل بن مهران عن الصادق (ع) و الله ما كلف الله العباد الا دون ما يطيقون انما كلفهم فى اليوم و الليلة خمس صلوات و كلفهم فى كل الف درهم خمسة و عشرين درهما و كلفهم فى السنة صيام ثلاثين يوما و كلفهم حجة واحدة و هم يطيقون اكثر من ذلك و فى الوسائل ايضا عن محاسن البرقى عن على بن الحكم عن هشام بن سالم عن الصادق (ع) قال ما كلف الله العباد الا ما يطيقون و ساق الخبر كما فى المتن الى قوله و هم يطيقون اكثر من ذلك ثم قال الحديث (منه).

و قوله (ع) فى رواية ابى بصير، بعد ان سأله عن الجنب يجعل الركوا و الوتر فيدخله اصبعه فيه: ان كانت يده قذرة، و ان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه، هذا مما قال الله تعالى: «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ».

و كقوله (ع): يضع يده و يتوضأ ثم يغتسل، هذا مما قال الله تعالى: «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»، بعد ان سأله محمد بن الميسر(1) عن الرجل الجنب ينتهى الى الماء القليل فى الطريق، و يريد ان يغتسل منه و ليس معه اناء يغرف به و يداه قذرتان، و قوله (ع): لا باس، ما جعل عليكم فى الدين من حرج، بعد ان سأله الفضيل بن يسار فى الرجل الجنب يغتسل فينتضح من الماء فى الاناء، على ما روى عن الوافى عن النيسابوريين عن حماد عن ربعى عن الفضيل.

و كقول على (ع) حيث سئل ايتوضّأ من فضل وضوء جماعة المسلمين احب اليك ام توضأ من ركو ابيض و خمر: لا بل من فضل وضوء جماعة المسلمين، فان احب دينكم الى الله الحنيفة السمحه السهلة.

و كقول الصادق (ع) فى رواية حمزة الطيار: ما امر الا بدون سعتهم، و كل شىء امر الناس به فهم متسعون له، و كل شىء لا يتسعون له فهو موضوع عنهم، و لكن الناس لا خير فيهم.

و كقول على (ع) فى الحرز اليمانى المنسوب اليه (ع)، فى مقام الاعتراف بالنعم: فما ايسر ما كلفتنى به من حقك.

و كقول السجاد (ع) فى الصحيفة فى دعاء التحميد: فما هكذا كانت سنة فى التوبة لمن كان قبلنا، لقد وضع عنا ما لا طاقة لنا به، و لم يكلفنا الا وسعا، و لم يجشمنا الا يسرا، و لم يدع لاحد منا حجة و لا عذرا.

و كالرواية التى رواها احمد بن محمد بن ابى نصر حيث قال: سألته عن

ص: 185


1- مسير كما خ ل.

الرجل يأتى السوق فيشترى جبة فرو، و لا يدرى اذكية هى ام غير ذكية، ا يصلى فيها؟ قال: نعم ليس عليكم المسئله، ان ابا جعفر (ع) كان يقول: ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم، ان الدين اوسع من ذلك.

و قول احدهما (ع)، على ما روى عن العياشى انه رواه فى تفسير آية لا يكلف الله نفسا الا وسعها: لا يكلف الله نفسا فيما افترض عليها الا وسعها، اى ما يسعه قدرتها فضلا و رحمة.

و فى دعاء العديله: مكن اداء المامور، و سهل سبيل اجتناب المحظور، لم يكلف الطاعة الا دون الوسع و الطاقة.

الى غير ذلك من الأخبار التى يجدها المتتبع.

و يدل على الأول ما ورد فى شريعتنا، من القول بالجهاد و الحج، و التمكين من القصاص و الحد، و الدية على العاقلة، و الزكوة و الخمس بالنسبة الى بعض الناس، و تهذيب الاخلاق، و كف المراة الكثيرة الشهوة نفسها عن الزنا مع غيبة زوجها، و امثالها، و الذى يترجح فى نظرى القاصر الكليل و يدون فى فكرى الفاتر العليل، هو الاحتمال الثانى المناسب لرحمة الجليل و فضله الجميل، اذ الناظر البصير و الناقد الخبير، اذا تدبر فى الآيات و الأخبار المتقدمتين، و امعن النظر فى عباراتهما، و ما يظهر بصريحمها و اشاراتهما، يظهر له صحة ما ندعيه، و ان القول بخلاف ذلك لا لب فيه، و لقد اجاد بعض الافاضل حيث ترنم رأس قلمه فى هذا المقام، بما لفظه من الكلام: نفى الحرج فى هذا الدين امر لا ريب فيه، و ليس المراد ان الاصل نفى الحرج، و ان الخروج عنه جايز، كما فى ساير العمومات الواردة فى الشريعة، اما على تقدير اختصاص رفع الحرج بهذه الشريعة فظاهر، و الالزم ان يكون مساوية لغيرها فى الاشتمال على الحرج، و الفرق بالقلة و الكثرة تعسف شديد، و اما على العموم فلا جماع المسلمين على ان الحرج منفى فى هذا الدين، انتهى كلامه المتين حشره الله مع الأئمة الطاهرين.

و بالجمله انظر الى ما ذكره السجاد (ع) فى الصحيفة، و ما قاله الصادق

ص: 186

عليه السلام لهشام، و للملقّب بالطيار اعنى الحمزة، و ما قاله نبينا (ص) و هو فى مقام الامتنان: بلا شبهة بعثت الى آخره، و الى غيرهما من الأخبار المتقدمة، و الى الآيات القرانية، سيما الآية المصدرة بكلمة الارادة، بشرط ان تتذكر ما ذكره على (ع) فى آية التطهير، من استدلاله بها على عصمة سيدتنا فاطمة (ع)، لبعض الخلفاء الغاصب لفدك عليه اللعنة، فانك بعد ملاحظة ما ذكر، لا تستريب ايها المتفطن اليقظان البتة،(1) و اما ما استند اليه ارباب القول الثانى فغير مغن من جوع، بفضل الله و رحمته لما مر سابقا، من ان ما جرت العادة بالاتيان بمثله، كالجهاد و الحج و الزكوة و الخمس بالنسبة الى بعض الناس، و الدية على العاقلة و امثالها، فليس من الحرج، هذا مضافا الى ان بعض الامثله المتقدمة، كتهذيب

ص: 187


1- روى الصدوق فى العلل فى باب العلة التى من اجلها امر خالد بن الوليد بقتل امير المؤمنين (ع) عن ابيه قال حدثنا على بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابى عمير عمن ذكره عن ابى عبد الله (ع) قال لما منع ابو بكر فاطمة (ع) فدكا و اخرج وكيلها جاء امير المؤمنين (ع) الى المسجد و ابو بكر جالس و حوله المهاجرون و الانصار فقال يا ابا بكر لم منعت فاطمة ما جعله رسول الله (ص) لها و وكيلها فيه منذ سنين فقال ابو بكر هذا فئ للمسلمين فان اتت بشهود عدول و الا فلا حق لها فيه قال يا ابا بكر تحكم فينا بخلاف ما تحكم فى المسلمين قال لا قال اخبرنى لو كان فى يد المسلمين شىء فادعيت و انا فيه من كنت تسئل البينه قال اياى كنت اسئل قال فاذا كان فى يدى شىء فادعى فيه المسلمون تسئلنى فيه البينة قال فسكت ابو بكر فقال عمر هذا فئ المسلمين و لسنا من خصومتك فى شىء فقال امير المؤمنين (ع) لأبى بكر يا ابا بكر تقربا لقران قال بلى قال فأخبرنى عن قول الله عز و جل إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً افينا او فى غيرنا نزلت قال فيكم قال فأخبرنى لو ان شاهدين من المسلمين شهدا على فاطمه (ع) بفاحشه ما كنت صانعا قال كنت اقيم عليها الحد كما اقيم على نساء المسلمين قال كنت اذا عند الله من الكافرين قال و لم قال لأنك كنت ترد شهادة الله و تقبل شهاده غيره لأن الله عز و جل قد شهد لها بالطهارة فاذا رددت شهادة الله و تقبل شهاده غيره كنت عند الله من الكافرين فبكى الناس و تفرقوا و دمدموا الى آخر الحديث. (منه)

الاخلاق و كف المراة الكثيرة الشهوة نفسها عن الزنا مع غيبة زوجها، و امثالهما، يمكن للمكلف تسهيله بملاحظة كتب الوعظ و الأخبار و الآيات، و باستعمال الجوع الذى يقطع مادة الشهوة، كما فصلنا ذلك سابقا، فراجع، بل بملاحظة ذلك يسهل الكل.

و اما القصاص و الحد، فالتحقيق ان يقال لما ارتكب المكلف ما نهى الله تعالى عنه، من الاشياء الباعثة لهما صار ذلك باعثا لأن يتعلق عليه الخطاب الالهى، الدال عليهما، و ليس لله تبارك و تعالى ان لا يامر بهما بذلك، لأن القصاص و كثيرا من موارد الحدود من حقوق الناس، و عدالته تقتضى الامر بهما، نعم هو مامور بعد ارتكاب النهى المذكور بالتوبة، و هى تصير باعثة لغفران ما ارتكبه من حقه تعالى، و لا حرج فى ذلك فى شىء.

و ان شئت فامل رأس القلم دقيقه فى هذا المقام، ثم استمع لما يتلى عليك من الكلام، و هو ان التكاليف الصادرة من الحكيم على الاطلاق، المتوجهة الى المكلفين، ان كانت من الاشياء التى بها يحصل النظام، و لولاها لاختل، فلا ضير فى كونها شاقة كالقصاص و الحدود و ما ضاهاهما، و ان لم تكن كذلك، و ان كان مقتضى العقل هو جواز التكليف بما فيه حرج فى الجملة، و لكن الأخبار المتقدمة كالآيات، منعت منه فى شريعتنا، لا يقال: ما ذكرته تخصيص فى الآيات و الأخبار المتقدمة، فقبل الاصل المذكور التخصيص كساير العمومات، لأنا نقول امثال هذه التخصيصات، التى لولاها ليلزم القبح و النقص عليه تعالى، لا نزاع لاحد فيها فهى مفروغة عنها، فظهر بما ذكر ان الاشياء التى استند اليها الخصم لا دلالة لها على ما يدعيه و لا صراحة فيما يعنيه، و ان الذى اشرت اليه هو الحق الحقيق بالاتباع فى المقام، و ان غفلت عنه اقوام، و لعل عذرهم، مع انهم لا حظوا الآيات و الأخبار المتقدمة، عدم التأمل الصادق فى مضامينها و النظر فى قرائن احوالها و مفاهيمها، و الا فالمعنى الذى اشرنا اليه ظاهر من تلك الأيات و الأخبار، بظهور غير قابل للانكار، كما هو واضح المنار بل كالشمس فى نصف

ص: 188

النهار، و لما كانت المسئلة المذكورة، اى مسئلة العسر و الحرج، لم يعطها احد من الاصحاب حقها من التحقيق، و لم يلج احد منهم فى لجج هذا المضيق، فلذا ارخينا عنان القلم ساعة فى هذا المضمار، و ذكرنا اكثر ما وقفنا عليه من الآيات و الأخبار، و غيرهما من الادلة التى ربما يتمسك بها فى الباب، و ميزنا القشر من اللباب، و حققناه ما هو الحق فيها و الصواب، بتوفيق الملك الوهاب.

و حيث عرفت ذلك فلنعطف عنان القلم الى ما كفا فيه، فنقول: قد ظهر بما ذكر ان ما ذكره بعض الافاضل المتقدم اليه الاشارة، مجيبا عن الدليل الخامس بما مر اليه الاشارة غير وجيه، اذ ما ذكره فى تخصيص الاصل المذكور، لا ينهص بالمعارضة و لا ينوء بالمناقضة، و لا يشفى العليل و لا يبرد الغليل، اذ ليس غاية ما تدل عليه الادلة الدالة على المضايقة، الا المظنة و هى غير قابلة لتخصيص الاصل المذكور، بلا ريب و لا شبهة كما كشفنا نقاب ابهامه و تقشعنا غياهب ظلامه، بالنحو الذى يذعن عليه المتأمل المنصف دون المكابر المتعسف، هذا مضافا الى تطرق الوهن الى الاجماعات المحكية، بما اشار اليه الشارح المحقق فى الذخيرة، حيث قال: و القول بالمواسعة كان مشهورا بين القدماء ايضا، نقل السيد الجليل رضى الدين على بن موسى بن طاوس فى بعض الرسائل المنسوبة اليه المصنفه فى هذه المسئلة، من كتاب مفاخر المختصه من تخير الاحكام تأليف ابى الفضل محمد بن احمد بن مسلم، الذى ذكر فى خطبته، انه ما روى فيه الا ما اجمع عليه و صح من قول الأئمة (ع) عنده، ما هذا لفظه: الصلوات الفائتات يقضين ما لم يدخل عليه وقت صلوة، فاذا دخل عليه وقت صلوة بدأ بالتى دخل وقتها، و قضى الفائتة متى احب، و نقل ابن طاوس ايضا فى الرسالة المذكورة، عن كتاب النقض على من ظهر الخلاف لأهل بيت النبى (ص) املاء ابى عبد الله الحسين بن ابى عبد الله بن على المعروف بالواسطى، ما هذا لفظه: مسئلة من ذكر صلوة و هو فى اخرى، قال اهل البيت عليهم السلام: يتم التى فيها و يقضى ما فاته، و به قال الشافعى، ثم ذكر خلاف المخالفين، و قال فيه ايضا: ان سأل سائل و

ص: 189

قال: اخبرونا عمن ذكر صلوة و هو فى اخرى، ما التى يجب عليه؟ قال: يتم التى هو فيها و يقضى ما فاته، ثم ذكر خلاف المخالفين، و استدل عليه بما روى عن الصادق (ع)، و نقل بعض الروايات الدالة على ذلك، انتهى كلام الشارح المحقق.

و بالشهرة المتأخره، و الى الروايات بما سيجئ اليه الاشارة، هذا مضافا الى ان القائلين بالمضايقه كانوا يضيقون الأمر بالنحو المنقول عن علم الهدى و الحلى، حيث نقل عن الأول فى المسائل الرسية انه قال فى جملة كلام له: فان محتاجا الى تعيشّ يسد به جوعته و ما لا يمكنه دفعه من خلته، كان ذلك الزمان مستثنى من اوقات القضاء، كاستثناء الحاضرة عند التضيق، و لا يجوز له الزيادة على مقدار الزمان الذى لا بد منه فى طلب ما يمسك به الرمق، و حكم من عليه نفقة فى وجوب تحصيلها، كحكم نفقته فى نفسه، فاما فرض يومه و ليلته فى زمان التعيش، فلا يجوز ان يصلى الا فى آخر الوقت، كما قلناه، فان الوجه فى ذلك لا ييعر باباحة التعيش، و اما النوم فيجزى ما يمسك الحيوة منه، فى وجوب التشاغل به مجرى ما يمسك الحيوة من القضاء، و تحصيله، و نحوا منه عن ابن ادريس فى السرائر، فكاد ان يلحق بالتكليف بالمحال، بل لعله تكليف به، و ذلك اذ لا ريب و لا شك و لا تأمل فى ان كل عاقل غير غافل و لا ذاهل، اذا جعل عقله المستقيم حاكما، يجد و يرى ان من ضعف بكثرة الجوع، تتزايد قوته بتزايد الاكل فمن اكل نصف لقمة من الطعام مثلا، يحصل له بسببه قوة، فمن اكل لقمة يحصل له بسببها قوة زايده على قوته الاوله، و هكذا ما لم يصل الى حد الافراط، و بالجمله تتزايد بتزايده و زنا بوزن و مثلا بمثل و كذا الكلام فى النوم، فان من ضعف بكثرة السهر تتزايد قوته بتزايد النوم، فمن نام رابعة او ثالثه او ثانية او دقيقة او ساعة مثلا، يحصل له بسببها قوة و تتزايد بتزايده، طابق النعل بالنعل، و انه لا يعلم حقيقة اقل القدر الذى به يمسك الرمق من النوم و الاكل، بحيث يتاتى به الاتيان بالصلوة، الا الله تعالى، او من علمه تعالى، اذ كما يمكن ان يفرض

ص: 190

تحصيل القوة التى بها يمسك الرمق منهما، و يتاتى له بها الاتيان بالصلوة بساعة و بلقمه مثلا، كذا يمكن فرض المذكور بساعة الاربع، او بساعة و نصف، او بساعتين مثلا، كاللقمه فكيف يمكن له التحصيل بان هذا اقل ما يمكن به الاتيان بالصلوة، كلا ثم كلا ليس ذلك الا التكليف بالمحال.

فان قلت: هو يجوز القول بان المراد هو تحصيل المظنه بذلك؟ قلت:

على فرض تسليم كون مرادهم مما ذكروا ذلك، يجرى ما ذكرناه فى ذلك ايضا، و زنا بوزن، بل لعل الأمر فى ذلك افحش، فتدبر كى لا تغفل، فلذا قد يدعى الاجماع من فقهاء الاعصار و الامصار، على بطلان ذلك كما تقدم فى الدليل الخامس اليه الاشارة.

فان قلت: بين لى ما يجب القول به فى المسئلة المعنونة.

قلت: تحقيق القول فى ذلك، يقتضى تمهيد مقدمتين: احديهما ان من قال من قدماء اصحابنا، بوجوب تقديم الفايته على الحاضرة، هل قال بالفورية ام لا؟ و الذى يظهر من غير واحد من المتأخرين هو الأول، و ها انا أنقل جملة من العبائر، ثم اذكر ما يظهر عندى فى ذلك، قال بعض الأجلاء قال فى المبسوط: ان علم ان عليه قضاء وادى فريضة الوقت فى اوله، فانه لا يجزيه، و قال الشيخ المفيد رحمه الله: من فاتته صلوة لخروج وقتها، صلاها كما فاتته، و لم يؤخر ذلك الا ان يمنعه تضيق فرض حاضره، و قال السيد المرتضى رحمه الله فى الجمل: كل صلوة فاتت وجب قضاؤها فى حال الذكر لها من ساير الاوقات، الا ان يكون فى آخر وقت فريضة حاضرة، و يخاف فيه من التشاغل بالفائتة فوت الحاضرة، فيجب حينئذ الابتداء بالحاضرة و التعقيب بالماضية، و اوجب فى المسائل الرسية الاعادة لو صلى الحاضرة فى اول وقتها، او قبل تضيق وقتها، و منع فيها من الاشتغال بغير القضاء فى الوقت المتسع، و منع من التكسب بالمباح، و كل ما يزيد على ما يمسك به الرمق، و من النوم الا بقدر الضرورة، التى لا يمكن الصبر عنها، و تبعه ابن ادريس فى ذلك فصرح فى السرائر بنحوه، و قال ابن ابى عقيل: من نسى صلوة

ص: 191

فرض صلاها اى وقت ذكرها، الا ان يكون فى وقت صلوة حاضرة يخاف ان بدا بالفايته فاتته الحاضرة، فانه بيدا بالحاضرة، لئلا يكونا جميعا قضاء، و قال ابن الجنيد رحمه الله: وقت الذكر لما فات من الفروض وقت القضاء، ما لم يكن آخر فريضه يخشى ان ابتدا بالقضاء فاتته الصلوة التى هو فى وقتها، فان لم يكن يخشى ذلك بدا بالفايته و عقب بالحاضرة وقتها.

و قال ابن البراج: لو صلى الحاضرة و الوقت متسع و هو عالم بذلك، لم ينعقد و عليه ان يقضى الفايته ثم ياتى بالحاضرة، و قال ابو الصلاح: وقت الفائتة حين الذكر، الا ان يكون آخر فريضة حاضرة، يخاف بفعل الفايته فوتها، فليزم المكلف الابتداء بالحاضرة و يقضى الفائت، و ما عدا ذلك من ساير الاوقات فهو وقت للفايت، و لا يجوز التعبد فيه بغير القضاء، من فروض حاضر و لا نفل.

و قال سلار: و كل صلوة فاتت بعمدا و تفريط، يجب فيها القضاء على الفور، و ان فات سهوا وجب قضاؤه وقت الذكر.

و قال ابو جعفر بن بابويه: اذا فاتتك صلوة فصلها اذا ذكرت، فان ذكرتها و انت فى وقت فريضة اخرى، فصل التى أنت فى وقتها ثم صل الصلوة الفائتة، قال: و ان نمت عن الغداة حتى طلعت الشمس فصل الركعتين، ثم صلوة الغداة، قاله فى المقنع، و فى الفقيه، و قال ابوه: ان فاتتك فريضة فصلها اذا ذكرت، و ان ذكرتها و انت فى وقت فريضة اخرى فصلّ التى انت فى وقتها، ثم صل صلوة الفائتة انتهى كلامه.

و قال المصنف رحمه الله فى الذكرى على ما حكى: اكثر علمائنا على وجوب الترتيب، ثم قال جماعة ضيق الأمر فى ذلك و شددوا على المكلف غاية التشديد، حتى حرم السيد و اخرون الاشتغال بغير الفائتة الا الضرورى، و عن المنتهى ايضا انه خرج ان محل النزاع هو وجوب الترتيب، و قال فى التحرير فى بحث المواقيت من فاتته فريضة فوقتها حين يذكرها، ما لم يتضيق الحاضرة، و لو ذكرها فى اول وقت الحاضرة، استحب تقديمها على الحاضرة، سواء اتحدت الفايته او تعددت،

ص: 192

و قيل بالوجوب، و لو ذكر فى اثناء الحاضرة عدل نيته استحبابا او وجوبا على الخلاف، مع امكان العدول، و قال ايضا فيه فى بحث القضاء: الخامس: يجب قضاء الفائته فى الفرائض مع الذكر، اتحدت او تعددت وجوبا موسعا على الاقوى، السادس: الحواضر تترتب اجماعا و كذا الفوائت الى ان قال و هل يتقدم الفائتة على الحاضرة مع سعة الوقت وجوبا او استحبابا؟ الا قوى عندى الا خير، فلو دخل فى الحاضرة مع سعة الوقت و عليه فايتة عمدا، صحت صلوته، و ان كان ناسيا فكذلك، لكن يستحب له العدول اذا ذكر مع بقاء وقته و لو قبل التسليم.

و قال فى الدروس: و وقت القضاء الذكر الا ان يتضيق الحاضرة، و الاصح تخيير بين القضاء و الاداء مع سعة وقت الحاضرة، و القضاء افضل، و اكثر الاصحاب على وجوب الفورية و تأخير الحاضرة، و هو احوط.

و قال فى الحبل(1) المتين: وجوب القول بالمضايقة هو مذهب اكثر متقدمى اصحابنا رضى الله عنهم، حتى ان المرتضى رضى الله عنه منع فى بعض رسائله، من اكل ما يفضل عما يمسك الرمق، و من نوم يزيد على ما يحفظ الحيوة، و من تعيّش يزيد على قدر الضرورة، و من الاشتغال بجميع المباحات و المندوبات و الواجبات الموسعة، قبل القضاء الى ان قال و ذهب الصدوقان و اكثر المتأخرين الى التوسعة فى القضاء.

و قال الشارح المحقق: ذهب اكثر المتقدمين من الاصحاب الى وجوب الفور فى القضاء، فاوجبوا تقديم الفايته على الحاضرة، سواء تعددت او اتحدت، ما لم يتضيق وقت الحاضرة، فمنهم من صرح ببطلان الحاضرة اذا اتى بها فى سعة الوقت مع تذكر الفائتة، و هم المرتضى و ابن البراج و ابو الصلاح و الشيخ فى المبسوط و ابن ادريس، و منهم من لم يصرح بذلك، كالمفيد و ابن ابى عقيل و ابن الجنيد و الشيخ فى النهاية و الخلاف، و بالغ السيد المرتضى فى المسائل الرسيه

ص: 193


1- و قال فى حاشية منه على الكلام المذكور و به قال الشيخان و ابن الجنيد و ابن البراج و ابن عقيل و ابو الصلاح و المرتضى و ابن ادريس و اتباعهم. (منه)

الى ان قال و ذهب ابنا بابويه الى المواسعة المحضة، و اليه ذهب اكثر المتأخرين.

قال المصنف فى المختلف: و هو مذهب والدى، و اكثر من عاصرناه من المشايخ، لكن عنذ المتأخرين تقديم الفائتة مستحب، و عند ابنى بابويه تقديم الحاضرة مستحب.

و قال صاحب الحدائق: قد اختلف كلام الاصحاب رضى الله عنهم فى ذلك فالمتقدمون منهم على قولين: القول بالفورية و هو مذهب الاكثر، الا انهم بين مصرح ببطلان الحاضرة لو قدمها مع سعة الوقت، و بين مطلق، و القول بالمواسعة و هو مذهب الصدوقين، و ظاهر النقل عنهما استحباب تقديم الحاضرة فى السعة و المتأخرون منهم على اقوال ثلاثة: فالمشهور بينهم هو ما ذهب اليه الصدوقان من المواسعة، الا انهم يستحبون تقديم الفايته، ثم نقل مذهب المحقق و المختلف، و قال فى المفاتيح اكثر القدماء على وجوب تقديم الفايته على الحاضرة ما لم يتضيق وقتها، و منهم من صرح ببطلان الحاضرة لو قدمها مع ذكر الفايته الى ان قال و الصدوقان على المواسعة المحضة حتى انهما استحبا تقديم الحاضرة مع السعة الى ان قال و اكثر المتأخرين على المواسعة و استحباب تقديم الفائته، الى ان يتضيق الوقت، و هو الاصح جمعا بين الأخبار، و دفعا للحرج و العسر.

و قال المفيد على ما حكى فى رسالته التى الفها فى نفى السهو عن النبى (ص) فى تضعيف الخبر الوارد بسهوه (ص): مع انه يتضمن خلاف ما عليه عصابة الحق، لانهم لا يختلفون فى ان من فاته صلاة فريضة، فعليه أن يقضيها فى اى وقت ذكرها من ليل او نهار، ما لم يكن الوقت مضيّقا لصلوة فريضة حاضرة.

و قال الحلى فى السرائر فى آخر بحث المواقيت: و من فاتته صلوة فريضة فليقضها اى وقت ذكرها من ليل او نهار، ما لم يتضيق وقت صلوة فريضة حاضره، فان تضيق وقت صلوة حاضرة بدابها ثم بالتى فاتته، فان كان قد دخل فى الصلوة الحاضرة قبل تضيق وقت الصلوة الفايته، و قد صلى منها شيئا قبل الفراغ منها،

ص: 194

فالواجب عليه العدول بنيته الى الصلوة الفائته، ثم صلى بعد الفراغ منها الصلوة الحاضرة، و على هذا اجماع اصحابنا منعقد، و عن المرتضى فى بعض مسائله انه بعد ان سأله السائل عن حكم المسئله و ما يتفرع عليها قطعا بالاجماع عليه قائلا: اذا كان اجماعنا مستقرا بوجوب تقديم الفائت من فرائض الصلوة، على الحاضر منها الى ان يبقى الى وقته مقدار فعله، فالقول فيمن صلى حاضرا...

الى آخر ما سئل، لم ينبه رحمه الله عنه بفساد قطعه، و عدم الاجماع، بل اقره على ذلك، و اجاب بما اجاب.

اذا عرفت ذلك، فاعلم انه يظهر من جملة من تلك العبائر و صريح بعضها، ان للقدماء قولين: القول بالفورية و القول بالمواسعة، فليس منهم من قال بوجوب تقديم الفايته دون الفورية، و عليه فمن قال بوجوب تقديم الفايته، لا بد له من القول بالفورية لمكان الاجماع المركب، و يظهر من بعض المحققين(1) من متاخرى المتأخرين، انه يمكن القول بوجوب تقديم الفايته دون القول بالفورية، اذ الاجماع المركب غير ثابت لمكان عبارة التذكره و المنتهى، و كون مذهب هؤلاء ان الأمر بالشىء يقتضى النهى عن ضده، و ان الأمر عند جماعة منهم على جهة الفور.

أقول: و يمكن ان يؤيد ذلك بعبارة غير التذكره و المنتهى ايضا، من بعض من العبائر المتقدمه، و بغيره كعبارة الماتن هنا، و المحقق فى مختصر النافع، و ما ماثلهما، و الذى يقضيه الانصاف ان من فصل بالنحو المذكور، و ان لم يصح عندى القول بأنه خارج للاجماع المركب قطعا، و لكن الظاهر انه كذلك، و الله هو العالم بحقايق الامور.

تنبيه:

الثمرة بين القولين انما تظهر اذا كان الوقت متسعا، و تذكر بالفايته و كان الوقت اوسع من الاتيان بجميع الفايته و الحاضرة، فانه يجوز على القول بوجوب

ص: 195


1- و هو المحقق البهبهانى. (منه)

تقديم الفائتة دون الفورية، التأخير الى ان لا يبقى من الوقت الا بقدرهما، و على القول بالفورية لا يجوز ذلك، و هذا واضح، و ثانيهما ان القول بالمضايقة و الفورية، هل يستلزم الحرج ام لا؟ و الذى صرح به جماعة هو الأول، قال السيد فى المدارك: قال فى المعتبر: و لو قالوا ادعى المرتضى ان اوامر الشرع على التضيق، قلنا: يلزمه ما علمه، و اما نحن فلا نعلم ما ادعاه على ان القول بالتضييق يلزم منه ما عليه صلوة كثيرة، ان ياكل شبعا او ينام زايدا على الضرورة او يتعّيش لاكتساب قوت يومه له و لعياله، و ان كان معه درهم ليومه حرم عليه الاكتساب حتى يخلو يده، و التزام ذلك مكابرة صرفه، و التزام سوفسطائى، و لو قيل: قد اشار ابو الصلاح الحلبى الى ذلك، قلنا: فنحن نعلم من المسلمين كافة ما ذكره، فان اكثر الناس يكون عليهم صلوات كثيره، فاذا صلى الانسان منهم شهرين فى يومه استكثره الناس.

و قال بعض الأجلاء معترضا على الكلام المذكور ما لفظه: ما ذكره فى التحرير من ان القول بالتضييق يلزم منه منع من عليه صلوة كثيرة الى آخره، فانه ممنوع و انما اللازم منه وجوب المبادرة الى إيقاعها فى اى وقت ذكرها، مقدمة على غيرها كساير الواجبات الفورية، كما دلت عليه الأخبار المعتمده، نعم ياتى ما ذكره على قول من يذهب ان الأمر بالشىء يستلزم النهى عن ضده الخاص، فانه يلزم منه المنع من جميع ما ذكره، و هذا ليس مختصا بما نحن فيه، بل هو فرع القول بتلك المسئله فى كل مامور به فورا، و لعل بعض من قال بالمضايقة، يذهب فى تلك المسئلة الاصولية الى القول بأن الأمر بالشىء يستلزم النهى عن ضده الخاص، فصرح هنا بما نقله، و حينئذ فما اطال به من تعديد تلك الالزامات، و قوله بعد ذلك ان التزام ذلك مكابرة صرفه الى آخره، غير وارد على القول بالمضايقة، و انما هو ناشىء عن تلك المسئله الاصولية، و تصريح المرتضى بما شنعوا عليه، لعله انما نشأ عن هذا القول فى تلك المسئله، فانها مما طال فيها بينهم النزاع و الجدال، و اكثروا فيها من القيل و القال، و ضعف فيه الرسائل و اكثروا

ص: 196

فيها من الدلائل.

و بالجمله فان الذى دلت عليه الآية، و الروايات المتقدمة باصرح دلالة، هو القول بوجوب القضاء حين الذكر فتصير من قبيل الاوامر الواجبة الفورية، كالامر بالحج، و الأمر بقضاء الدين بعد الحلول عند المطالبة و التمكن من الاداء، و نحو ذلك من الأوامر الموجبة لتاثيم المكلف بالاخلال بها مع التمكن، و اما انه لا يجوز له الاكل و الشرب و نحو ذلك من الاضداد الخاصة، كما اطالوا به التشنيع على هذا القول، تطويل بغير طائل و تشنيع لا يرجع الى حاصل، لان ذلك فرع ذلك القول فى المسئله الاصوليه، فان كل من قام عنده الدلائل فيها على ذلك القول، فله ان يفرع ما ذكروا امثاله و الا فلا، و لا خصوصية له بهذه المسئله، و بذلك يظهر ما فى كلام جملة المتأخرين التابعين للمحقق فى التشنيع كما تقدم الاشارة اليه فى كلام الذكرى و كذا غيره، ثم قال ايضا: ما ذكره المحقق المذكور من ان اكثر الناس عليهم صلوة كثيرة، و انه اذا صلى الانسان شهرين فى يوم استكثر الناس، فانه كلام لا طائل تحته و لا ثمرة تترتب عليه، و ذلك فانه اذا قام الدليل فى تلك المسئلة الاصولية على ما ذهبوا اليه، من استلزام الأمر بالشىء النهى عن ضده الخاص كما ذهب اليه طائفة من اصحابنا، منهم العلامة و المحقق الاردبيلى رحمه الله و غيرهما، و نفى عنه البعد السيد فى المدارك، لزم وجوب الاتيان بالفوايت و المنع مما عداها، و لو بان يقضى سنة كامله فى يوم، و استكثار الناس ذلك لا مدخل له فى الاحكام الشرعية اذا قامت الادلة عليها، ثم اى ناس تريد باولئك الناس؟ فان اراد العامة الذين هم من النسناس، فلا حجة فيه و لا عبرة به، و ان اراد منهم المرجع فى الاحكام الشرعية، فهم يفرعون ذلك على تلك المسئله الاصولية، على ان القائل ان يمنع صحة تلك الدعوى، اذ من البعيد تعمد ترك الفرائض و الصلوات او نسيانها على وجه يصل الى حد الكثرة من واحد، فضلا عن كثير من الناس، لا عن الاكثر، هذا كله على تقدير ثبوت المدعى فى تلك المسئلة الاصولية، و الا فمع عدم الثبوت كما هو المشهور و المؤيد المنصور، و ان النهى إنما يستلزم النهى عن الضد

ص: 197

العام، لا يلزم شيئا مما ذكروه، على انهم قد صرحوا فى وجوب ازالة النجاسة عن المسجد و قضاء الدين، و نحوهما من الواجبات الفورية بنحو ذلك، و قد منعوا من الصلوة الا فى آخر الوقت، و من كل ضد خاص ينافى الاشتغال بذلك المامور به، بناء على ما اختاروه فى تلك المسئله الاصولية، و ما نحن فيه كذلك.

و قال ايضا رادا على كلام الشارح المحقق المتقدم فى الدليل الخامس اليه الاشارة ما صورته: و اما ما ادعاه من الحرج العظيم فى ضبط الاوقات و معرفة الساعات، و ضبط انتصاف الليل و طلوع الشمس و غروبها، فهل هو الا رد على الشارع، من حيث لا يشعر قائله، حيث انه جعل هذه الاوقات حدود الفرائض و الصلوات، و جعلها مناطا للاداء و القضاء، و اختصاص الفريضة الثانية من آخره و الاولى من اوله بمقدارها، و نحو ذلك، و الامر فى المقامين واحد، و الحرج ليس دائرا مدار ما تنفر فيه النفوس البشرية، و يستقله الطباع الانسانية، و ان اقتضته الادلة الشرعية، و الا لسقطت جملة من التكاليف الشاقه، كالجهاد و الحج فى الايام الصائفه و نحو ذلك، لنفور النفوس منه.

و اما ما ذكره من لزوم الحرج بالاقتصار على اقل ما يتعيش به، فقد عرفت انه ليس لوازم هذه المسئله انتهى كلامه رحمه الله.

أقول: و فيه نظر من وجوه:

الأول: ما ذكره من القول بعدم جواز الاكل و الشرب و ما ما ثلهما من الاضداد الخاصة، انما نشاء من القول بان الأمر بالشىء يقتضى النهى عن ضده الخاص، و ان كان حقا(1) و لكن ذلك لا يغنى من الجوع اذ لو لم نقل فى تلك المسئلة ايضا بالاقتضاء ليلزم حرج الذى بينوه، و ذلك لأنه على القول بالمضايقة الاتيان بالفوايت واجب فورى، فلو اشتغل بالاكل و الشرب و المشى، و نحوها من الاشياء المنافية للاتيان بها من غير ضرورة، لكان تار كالمامور به

ص: 198


1- لأن عدم الجواز ظاهر فى الحرمة و هى انما يترتب لو قيل بالاقتضاء. (منه)

بسببهم من غير ضرورة، و ترك المامور به حرام بلا شبهة، فلا بد من ترك ما يؤدى الى فعل الحرام، باللابدية العقلية على الاقوى، خلافا لكثير منهم فحكموا بالوجوب، و بالجملة لا شبهة فى ترتب الاثم لو اشتغل بما ينافى معه الاتيان بالمامور به، و ان كان الاثم بسبب ترك المامور به و عدم الاتيان به، نعم لو قيل باقتضاء الأمر بالشىء النهى عن ضده، لكان ههنا إثمان: احدهما ينشاء من ترك المامور به، و الآخر من ارتكاب الضد، لمكان النهى المقتضى لذلك كاقتضائه للفساد لو كان الضد عبادة، و كيف كان فلا ريب فى كون التكليف بذلك حرجا، بل لعله يفضى الى التكليف بما لا يطاق، اذ لا بد له ان لا يأكل و لا ينام زائدا على قدر الضرورة، لانهما تدريجيان و الزائد على قدر الضرورة مما ينافى الاتيان بالمامور به، فلا بد من ذلك، و المنافاة و ان كانت ثابته فى القدر الضرورى منهما ايضا، و لكن الادلة العقلية و النقلية، قد دلت على وجوب الاتيان بهما بالقدر المذكور، ليس ذلك الا التكليف بما لا يطاق، لما عرفته فى قبيل المقدمة الاولى فراجع البتة.

و كذا لا بد ان لا يكتسب زائدا على قدر، و لا يمشى و لا يقعد و لا يتكلم زائدا على قدرها، كغيرها من المباحات المنافية للاتيان بها، و كذا لا بد ان لا ياتى بالمستحبات المنافية للاتيان بها، لأن ما يؤدى فعله الى ترك الواجب، لابد من تركه و لو كان مستحبا، الا ما صرح بدليل من الشرع، كالاذان و الاقامة.

و بالجمله لا شبهة فى لزوم المذكور على القول المزبور، و لنعم ما ذكره المحقق المتقدم نقل كلامه، ان التزام ذلك مكابرة معرفة و التزام سوفسطائى، فما ذكره المعترض المذكور بان تلك الالزامات، انما هو ناشىء عن القول بان الأمر بالشىء يقتضى النهى عن ضده، تسكيت للنفس الجائعه بما لا ينفعها، و تزيين للمراة العجوز بما لا يحسنها، اذا المتكلم فى مقدمة الواجب لو لم يقل بانها واجبة شرعية فلا مهرب له عن القول بأنها واجبة عقلية، و كذا القول فى مقدمة الحرام، فبارتكاب ما ينافى للاتيان بالقضاء، يترتب الاثم لمكان ترك الواجب، فكيف يحكم العقل بجواز ارتكابه، بل حاكم بعدم جواز ارتكابه، و ان كان ذلك الحكم من العقل

ص: 199

لأجل عدم تطرق الاخلال الى ذى المقدمة، لا ان يكون المقدمة بنفسها محبوبة، فعليه فلا ريب فى افضاء ذلك الى الحرج، و ان قلنا بان الأمر بالشىء لا يقتضى النهى عن ضده الخاص كما هو الحق، بل الى التكليف بما لا يطاق، اما افضاء الاكل و الشرب اليه فلما عرفت، و اما الفضاء التكسب اليه فلان القدر الذى يحكم به العقل منه، هو ما ينسد به ضرورياته من الاكل و الشرب و ما ضاهاهما و قد عرفت انه لا يمكن للمكلف ان يعرف اقل القدر الذى به ينسد جوعه و عطشه منهما، فلا يمكن له ان يعرف القدر الضرورى منه، و كذا الكلام فى نظايره.

و الحاصل ان ما ذكره هو المعترض و اطالة تطويل بغير طايل، و كلام مبسوط لا يرجع الى حاصل، نعم يرد على المحقق ان سوق كلمة التحريم حيث قال حرم عليه الاكتساب الى آخره، لا وجه له، لأن التحقيق ان الأمر بالشىء لا يقتضى النهى عن ضده، بل كان عليه ان يعبر بعبارة تدل على اللابدية العقلية.

الثانى: ما ذكره بقوله: ما ذكره المحقق المذكور من ان اكثر الناس عليهم صلوة كثيرة، و انه اذا صلى الانسان شهرين فى يوم، استكثره الناس، فانه كلام لا طائل تحته، الى آخر ما ذكره، كلام لا طائل تحته و لا ثمرة تترتب عليه، و ذلك لما عرفت سابقا من ان الادلة الدالة على انتفاء الحرج فى شريعة نبينا محمد (ص)، غير قابلة للتخصيص بامثال هذه الادلة، فراجع.

الثالث: ما ذكره بقوله: اى ناس تريد باولئك الناس؟ فان اراد العامة الذين هم من النسناس، فلا حجة و لا عبرة به الى آخره، فكلام ظاهرى لا يسمع اليه و تخريج شعرى لا يلتفت اليه، اذ مراده من الناس هو اهل العرف المرجع فى امثال هذه الامور، و العقلاء الذين لا يرد كلامهم فى امثال هذه الأمور، و ذلك لأن الحرج الذى نفاه الاحاديث المروية عن الأئمة الاطياب، كالايات الوارده فى الكتاب، انما يحكم معناه بما يفهمونه و يدور على السنتهم و يثبتونه، كما لا يخفى على المنصف الماهر، دون المتعسف المكابر.

ص: 200

الرابع: ما ذكره بقوله: على ان لقائل ان يمنع صحة تلك الدعوى، اذ من البعيد تعمد ترك الفرائض و الصلوات انتهى، انما نشأ من الانزواء، و حسن الظن بالناس، و عدم التبع فى احوالهم، المنبىء بأنهم لقلة مبالاتهم بامر الدين من النسناس، اذ لا يخفى على من له ادنى تتبع فى البلاد و الصحارى و الامصار، و ادنى اطلاع باحوال النسوان و الشباب و الكبار، ان كثيرا منهم سيما المكارى و اهل البوادى و الصحارى، يتركون الصلوة رأسا، و لا ياتون بها اصلا، و اما غيرهم من اهل البلاد المعتبرة و الامصار المشهورة، و ان كانوا ياتون بها و لكنهم غير عارفين باكثر مسائلها، و بما بينه الشارع (ع) من مقدماتها و مقارناتها، الا نادرا منهم تمكنهم من الاخذ عمن يجوز الاخذ عنه، و علمهم اجمالا بان الشارع (ع) امر باشياء و نهاهم عن اخرى، لا بد ان يحصلا مع انهم (ع) قالوا: لا عمل الا بالفقه و المعرفة و باصابة السنة، و اقرب المجازات هو نفى الصحة بلا شبهة، فهم غير معذورين بلا ريبة، و ان اتفق موافقه عباداتهم للواقع فلا يكون عباداتهم صحيحة، كما كشفنا - فى شرح قول المصنف رحمه الله: و لو صلى قبله عامدا او ناسيا او جاهلا بطلت صلوته، - عنه الغشاوة بما لا مزيد عليه، فراجع البتة، اذ لو تتبعت كتب القوم لم تريهم ان يفصلوا مسئلة ان الجاهل بالحكم الشرعى هل هو معذور ام لا، بالنحو الذى فصلناه ثمة، فانك ان راجعت هناك يظهر لك فساد ما ذكره هذا المعترض باتم ظهور، بحيث لا يكاد ان يخفى على من له ادنى فهم و شعور.

الخامس: ما ذكره بقوله: على انهم قد صرحوا فى وجوب ازالة النجاسة عن المسجد، و قضاء الدين و نحوهما من الواجبات الفورية الى آخره، فلا يشفى العليل و لا يبرد الغليل، اذ وجوب ازالة النجاسة عن المسجد، و ان كان واجبا فوريا كقضاء الدين مع التمكن و المطالبة و نحوه، و لكن لا يلزم منه الحرج المنفى، و لا التكليف بما لا يطاق الغير المرضى، و ان قلنا بان الأمر يقتضى النهى عن ضده الخاص، اذ غاية ما يتمادى التطهير هو ساعة او ساعتان مثلا، و عدم كون

ص: 201

ذلك(1) حرجا، و ان منع من الاكل و الشرب و ما ما ثلهما مما يحكم به بداهة الوجدات، بل ضعفاء العقول و النسوان و الصبيان.

فان قلت: اذا راى الشخص نجاسة فى المسجد و لم يمكن له ازالتها عنه، بسبب كثرة الجوع او العطش مثلا، الا بان ياكل او يشرب حتى يسند هما، فعلى ما بينت سابقا لا بد له من الاقتصار على القدر الضرورى منهما، و لا يمكن له ان يعرف ذلك، فالتكليف به تكليف بما لا يطاق، فما هو جوابك فهو جوابنا.

قلت: ما ذكرت على فرض وقوعه، لا يسمن و لا يغنى من الجوع، اذ يمكن له الجمع بينهما بحيث يشتغل بازالة النجاسة و بانسداد جوعه و عطشه، فلا يكونا ضدين، و على فرض كونهما ضدين ايضا فى الجمله، يمكن له ان يجمع ما يزيد(2) عن قدر الضرورة منهما مع الاشتغال بازالة النجاسة فتعمق، و ما ذكر لا يجرى فى الصلوة، و ذلك واضح.

هذا مضافا الى انه يمكن له ان يامر اخر بازالتها ان كان، و الى ان امثال ما ذكر لا يكاد ان يقع، كما اذا كان ضعفه بسبب كثرة السهر لا يمكن له بدون النوم ان يطهرها عنه، و ان يحمل الخطابات الشرعيه عليه، بل ربما يشبه تلك الفروض المذكوره، بالفروض التى تفرضه السوفسطائى، و اما الصلوة الفائته، فقد عرفت اذ ذمة اكثر الناس بها مشغولة، بل مدة عمرهم لم ياتوا بصلوة صحيحة، فلا بد لهم من الاتيان بها، و تترتب عليهم على القول بالمضايقة ما عرفت.

السادس: ما ذكره بقوله: و اما ما ادعاه من الحرج العظيم فى ضبط الاوقات و معرفة الساعات الى آخره، فمن العجب العجاب كما لا يخفى على ذوى الالباب، اذ جعل الشارع هذه الاوقات حدودا للفرائض و الصلوات، و جعلها مناطا للاداء و القضاء، و اختصاص الفريضة الثانية من آخره و الاولى من اوله بمقدارها، و ان كان حقا و صدقا، و لكن لا حرج فى ذلك اصلا، لمكان و سعة

ص: 202


1- هذا مضافا الى عدم كون وجوب ازالة النجاسة عن المسجد واجبا عينيا فافهم. (منه)
2- بأن تجمع مع الازالة منهما ما يحتمل ان لا يكون من الضرورى. (منه)

الوقت، بل ربما يمضى عمر المكلف و لا يحتاج الى الترصد لوقت المختص بالثانية، نعم يستحب له الترصد لاول الوقت، لأن يأتى فيه بالصلوة او النوافل، و ذلك ليس من الحرج فى شىء، مع انه لو كان من الحرج ايضا لكان غير ضاير، لمكان الاستحباب و جواز الترك الساد لكل باب، بخلاف ما يلزم على القول بالمضايقه من الاشياء التى بينه الشارح المحقق فى الذخيره، كما تقدم فى الدليل الخامس اليه الاشارة، فان الحرج اللازم عليه مما ليس فيه شك و لا شبهة، كما لا يخفى على من له ادنى دربة، فظهر سقوط قوله، و الأمر واحد فى المقامين من البين، كما لا يخفى على من له ادنى بصيرة فى العين.

السابع: ما ذكره بقوله: و الا لسقطت جملة من التكاليف الشاقة، كالجهاد و الحج فى الايام الصائفة، فقد عرفت جوابه، اذ للجهاد شروط مقررة و ضوابط مرعيه، و مع ملاحظتها لا حرج فيه، لجريان العادة بارتكاب مثله، بل ربما يرتكبون بما هو اشق منه.

و بالجمله قد عرفت سابقا على نهج التفصيل، فراجع فان طول الكلام مما يورث للمطالع سرعة النعاس، و يجعل ذهب ذهنه من النحاس، فظهر بما ذكران التكليف بما لا يطاق من اللوازمات للقول بالمضايقة، فضلا عن الحرج، و ان ما اشار اليه هذا المعترض لا ينهض بالمعارضة و لا ينوء بالمناقضة، كما نقلنا جميع كلامه، و ما اطال به من نقضه و ابرامه، وارد فنا بما يكشف عن نقاب ابهامه و غياهب ظلامه.

تذنيب:

لو قلنا بوجوب الترتيب و تقديم الفايتة على الحاضرة، و لم نقل بالفورية فهو ايضا يستلزم الحرج و التكليف بما لا يطاق، اذا كانت الفوايت كثيرة كما هى الغالب، و يظهر وجهه مما مر فلا نطول المقام بذكرها، فافهم.

اذا عرفت المقدمتين فنقول: الذى يترجح فى نظرى القاصر فى هذه المسئله المعنونه، و يدون فى فكرى الفاتر هو القول بالمواسعة، لمكان استلزام القول بالمضايقة الحرج المنفى فى هذه الشريعة، الذى لا يقبل التخصيص بنحو الادلة المتقدم اليها الاشارة، و ان كانت بذاتها قوية فى الغاية، بل التكليف

ص: 203

بما لا يطاق الحاكم على نفيه الادلة العقلية التى لا تقبل التخصيص بقول مطلق، كما كشفنا عنه الغشاوة، فصار القول بالمضايقه هباء منثورا، و القائل به خائيا مقهورا، فتعجب بعض فضلأ العصر، الناشىء من القول بالمواسعة، تمسكا بقاعدة الحرج من العجب العجاب، و الله هو الهادى الى الصواب.

و لعلك تقول: ان الادلة الباهرة من الكتاب و السنة و الاجماعات المحكية، فى جانب القول بالترتيب و المضايقة، و لا يعارضها الا الحرج او التكليف بما لا يطاق، المنفى بالادلة، فليقل بوجوب تقديم الفايته و المبادرة اليها، فى ساعة الدين ما لم يلزم الحرج، اذ الشريعة سمحة سهلة، و عليه فأنت عملت بكلا الدليلين، و ما خصّصت قاعدة الحرج فى البين.

فنقول: هذا القول لا يرجع الى حاصل كما لا يخفى على الماهر، لأنه كيف يمكن للمكلف تحصيل القدر الذى به يتحقق الحرج، بحيث يقف عليه و لا يعرج، فان قلت: يحصل فهم ذلك عن العرف، قلت: الكلام فى ان العرف لا يمكن لهم تشخيص ذلك، اذ لو قالوا ان صلوة الشهرين فى يوم واحد حرج، نسئل عنهم ما تقولون فى صلوة الشهرين الا صلوة صبح واحد مثلا فى يوم، فليس لهم الجواب الصواب كما لا يخفى على ذوى الالباب، هذا مضافا الى ان الادلة الدالة على القول بالمواسعة ايضا، كثيرة باهرة منها الخبر السادس عشر و السابع عشر، و اشتمالهما على ما لا نقول به غير ضاير، لأنهما كالعام المخصص فى ما بقى حجة، و منها الخبر الحادى و العشرون، و اما ما اشرنا فى رده سابقا فغير مغن من الجوع بلا شبهة، لأن مع تعذر الحمل على الوجوب و الاستحباب، ياتى الجواز كما لا يخفى على من له ادنى انس بالقواعد المرعيه، و منها الخبر الرابع و العشرون و المناقشة التى أشرنا اليها واهية، كما لا يخفى على الماهر بقواعد الألفاظ و الأصول المعمولة، و منها ذيل الخبر السادس و العشرين، و كون رواية عمار غير ضايره، لأن التحقيق ان كثرت تهافت رواياته، لا يخرجها عن الحجية بقول مطلق، لمكان حصول المظنه و لو فى الجمله و منها

ص: 204

الخبر الخامس عشر، و السادس عشر، المتقدمان فى شرح قول المصنف طاب ثراه: و النوافل ما لم يدخل وقتها، و التخيير و ان كان ظاهرا فى تساوى الفردين اباحة و رجحانا، و لكن مع التعذر لا بد من الحمل على الجواز بلا شبهة، مع انه يأتى فى الأمر الأول الواقع فى ذيل المسئله ما ينفعك، فانتظر البتة.

و كون صلوة النهار اعم من الفريضة و النافله، غير ضاير لما بيناه من ان العام المخصص فى ما بقى حجة، و يؤيدها ساير الأخبار و الادله كما تقدم اليها الاشارة، و لا يعارضها الأخبار الدالة على القول بالمضايقة، اذ جملة من تلك الأخبار فى المطلب صريحة، فيكون التعارض بين تلك الأخبار و الأخبار الدالة على المضايقة من قبيل تعارض النص و الظاهر، و النص مقدم بلا شبهة، فليحمل الأخبار الدالة على المضايقة، اما على الاستحباب، و يؤيده ما اشار اليه جماعة، من ان الاوامر الصادره عن الأئمة (ع)، قد استعملت فى الاستحباب، بحيث صارت فيه من المجازات المشهورة، كالنهى فى الكراهة او التقية كما احتملها الشارح المحقق فى الذخيره، و لعلها ارجح كما سياتى اليه الاشارة، فعليه فتصير اخبارنا معتضدة بالأخبار الآمرة بالاخذ بما يخالف العامة، اذ الرشد فى خلافهم بلا ريبة، و يمكن ايضا حمل النصوص المقيدة للقضاء بساعة الذكر، بان الغرض منها بيان مبدأ الوجوب، و لا الاجماعات المحكية المتعضدة بما مرت اليه الاشارة لمكان وهنها بالشهرة المتأخره، و هى و ان كانت لا تعارض الشهرة القديمة، و لكنها فى خصوص المقام عليها غالبة، لمكان و هن الشهرة القديمة، بما نقله السيد الجليل ذو المقامات و الكرامات رضى الدين بن على بن طاوس فى رسالته التى صنفها فى المسئله على ما نقله الشارح المحقق فى الذخيره، و قد تقدم اليه الاشارة، و بخلاف الصدوقين الذين هما من اجلأ الطائفة.

و لست أقول: ان كل واحد من المذكورات يخرجها عن الحجية، بل أقول:

ان بملاحظة جميع المذكورات لا يحصل منها المظنة، فلا يشملها ما دل على حجتيها من الادلة، هذا مضافا الى انا لو فرضنا انها من الاشياء التى من

ص: 205

شانها ايراث المظنة، فقد عرفت ان المظنة، غير ناهضة لتخصيص ما اصلناه من القاعدة.

و بالجمله لا شبهه فى رجحان القول بالمواسعة، المخالفة لما ذهب اليه العامة، اذ مذهب اكثرهم على ما ذكره بعض المحققين هو القول بالمضايقه فلعلّ ذلك صار سببا فى ذكرهم (ع) ذلك فى اخبارهم الصحاح الكثيرة المعتبرة، اتقاء(1) على الشيعة، كما هو الحال فى منعهم عن الصلوة فى الاوقات المكروهة، و يرشد الى هذا ذيل صحيحة زرارة الطويلة، فانظر البتة.

بقى الكلام فى ضعف القولين الاخيرين، و هما ما ذهب اليه المحقق، و تبعه صاحب المدارك، و ما ذهب اليه المصنف رحمه الله فى المختلف، فنقول: للمحقق و من تبعه على وجوب تقديم الفائته الواحدة، الخبر الخامس و هو صحيحة(2)صفوان، و على جواز تقديم الحاضرة على الفوايت المتعدده الخبر السادس عشر، قال: و هذه الرواية مع صحتها صريحة فى المطلوب، فان اقل مراتب الامر الاباحة، و ثم للترتيب و لا يمكن حمله على ضيق الوقت، لدفعه بقبلية طلوع الشمس، و الجواب اما عن الثانى فلانا نقول بمضمونه، و اما عن الأول فمع انه يمكن ان يقال: ان المراد تقديم الفايته، اذا لم تزاحم زمان فضيلة الحاضرة، و لعل فى الخبر اشعارا بذلك، ففيه اشعار بالمواسعة، معارض بالخبر الحادى و العشرين و الثانى و العشرين، فليحمل على الاستحباب او التقية(3) هذا مضافا الى ان تخصيص المضايقة بالفائتة الواحدة، قول غير معروف الا عن المحقق و صاحب المدارك، بل على خلافه اجماع القدماء، بل و المتأخرين ايضا، قاله بعض الأجله، فاذن لا اعتماد

ص: 206


1- و يمكن القول بأن الاوامر الواردة واردة فى مقام توهم الخطر كالصحيحة فتأمل. (منه)
2- و لا يظهر من صحيحة صفوان كون الحكم مختصا بالواحده بشرط الوحدة بل لا اشعار فيه اصلا غاية الامران السؤال وقع عن نسيان الظهر فاجاب بما اجاب و هذا ايضا مما يورث و هنا ما لاستدلال المحقق. (منه)
3- و ما اختاره المحقق ايضا الخبر التاسع عشر فراجع ثم افهم. (منه)

على هذا القول بلا شك و لا شبهه:

و للمصنف رحمه الله على ما اختاره من تقديم فائته اليوم و ان تعددت، الخبر الأول و الخامس قال: لا يقال هذا الحديث اى الخبر الأول يدل على وجوب الابتداء بالقضاء فى اليوم الثانى، لأنه (ع) قال: و ان كانت المغرب و العشاء قد فاتتاك جميعا، فابد ابهما قبل ان تصلى الغداة، ان كان الأمر للوجوب، و الاسقط الاستدلال، به لأنا نقول جاز ان يكون للوجوب فى الأول دون الثانى لدليل، فانه لا يجب من كونه للوجوب مطلقا، كونه للوجوب فى كلّ شىء، ثم قال: و لأن كل صلوة متأخره، يجب اداؤها بعد المتقدمة عليها، لوجوب الترتيب، و لانه ظهر يوم مثلا فيجب بعد صبحه، لا يقال: انما يجب ذلك لو بقى وقت الصبح اذا ما خرج و صارت قضاء فى الذمة، فلم قلتم بوجوب التقديم، لانا نقول التقديم واجب فى نفسه، و ايقاع الغداة فى وقتها واجب آخر، و لا يلزم من فوات الواجب الثانى فوات الأول، انتهى.

أقول: قد ظهر الجواب عنه بما مر، و اماما(1) اطال به فتطويل بغير طايل، و كلام لا يرجع الى حاصل، فهو بالاعراض عنه حقيق، كما لا يخفى على اولى التحقيق، هذا مضافا الى ان هذا القول شاذ فى الغاية، بل اشذ من مذهب المحقق و صاحب المدارك، اذ لم نعرف قائلا سواه، بل الظاهر اطباق القدماء و المتأخرين على خلافه.

و بالجمله قد ظهر مما حررناه، ان اللازم بالاتباع: اما القول بالمضايقه مطلقا، او المواسعة مطلقا، و اما تفصيل اصحاب هذين القولين فلا دليل عليه فى البين، و لا اثر له فى الأخبار و لا عين، بل الادلة فى رده ظاهرة من الطرفين، فلا يليق ان يعتمد عليه كتفصيل ثانى الصدوقين، و الخبر الخامس و هو صحيحة

ص: 207


1- قال الشارح المحقق ما ذكره من تقديم المقدمه ان اراد انه واجب بتبعية وجوبها فى وقتها المضروب لها شرعا فمسلم لكن يلزم وجوب التقديم عنه خروج الوقت و ان اراد انه واجب استقلالا فممنوع، و اى دليل عليه و من هنا ظهر سقوط قوله لأنه ظهر يوم فيجب بعد صبحه. (منه)

صفوان و ان كان يخرجه و لو فى الجمله عن الشين، و لكنه يهدمه المناقشات الواردة عليه، و منها عدم ظهور قائل سواه فى البين، مع احتمال ان ينزل كلامه بما لا يخالفه اول الصدوقين، و ان الثانى منهما هو الواضح المنار على معنى صحيح للعيار، و ان اشتهر الأول منهما فى كلام مقدمى علمائنا الأبرار، هو من قبيل رب مشهور لا اصل، و رب متاصل غير مشهور، و امر الاختيار غير مخفى على من له ادنى فهم و شعور.

و ينبغى التنبيه على امور.
الأول: قال الشارح المحقق: وقع الأمر بتقديم الفايته فى عدة من الأخبار،

و حملها المتأخرون على جهة الاستحباب، و قد وقع الأمر بتقديم الحاضرة فى عدة من الأخبار، و عمل بها ابنا بابويه و جماعة من المتقدمين، و الجمع بين الروايات فى غاية الاشكال، فيمكن ترجيح الأول ترجيحا لأخبار زرارة على غيرها، لكون زرارة من اعاظم الفضلاء النقاد الضابطين، مع اشتهار تلك الأخبار بين الطائفة جدا، و يمكن ترجيح الثانى، و حمل ما دل على تقديم الفايته على التقية، لكون ذلك مذهب اكثر العامة، مع اعتضاد تقديم الحاضره بما دل على فضيلة اول الوقت، و يمكن القول بالتخيير، و هذا يرجع الى ان يقال: الأمر فى تلك الأخبار مستعملة فى الرخصة و الا باحة الصرفة، او يخص ما دل على تقديم الفايته بصورة لا يزاحم زمان فضيلة الحاضرة، اولا يوجب فوات زمان فضلها، و يخص ما دل على تقديم الحاضرة بما عدا ذلك، و فيه بعد يظهر عند التأمل فى الأخبار، و مع ذلك لا يجرى فى بعض الأخبار، فتدبر جدا، انتهى.

أقول: نسب بعض الى ظاهر الصدوقين، القول بوجوب تقديم الحاضرة، و آخر استحبابه، و آخر استحباب تقديم الفائتة، فلا بد من نقل ما وجدناه من كلامهما، حتى يظهر حقيقة الأمر، فنقول: قال فى الفقيه فى باب قضاء صلوة الليل: و ان فاتتك فريضة فصلها اذا ذكرت، فان ذكرتها و انت فى وقت فريضة اخرى، فصل التى انت فى وقتها ثم صل الصلوة الفايته، و قال ايضا فى باب احكام

ص: 208

السهو فى الصلوة، و ان نسيت الظهر حتى غربت الشمس، و قد صليت العصر، فان امكنك ان تصليها قبل ان يفوتك المغرب فابدا بها، و الا فضل المغرب، ثم صل بعد الظهر، و ان نسيت الظهر فذكرتها و انت تصلى العصر، فاجعل التى تصليها الظهر ان لم تخش ان يفوتك وقت العصر، ثم صل العصر بعد ذلك، فان خفت ان يفوتك وقت العصر فابدا بالعصر، و ان نسيت الظهر و العصر ثم ذكرتهما عند غروب الشمس، فصل الظهر ثم صل العصر ان كنت لا تخاف فوت احديهما، فان خفت ان يفوتك احديهما فابدا بالعصر، و لا تؤخرها فيكون قد فاتتك جميعا، ثم صل الاولى بعد ذلك على اثرها، و متى فاتتك صلوة فصلها اذا ذكرت، فان ذكرتها و انت فى وقت فريضة اخرى فصل التى انت فى وقتها، ثم صل صلوة الفائتة.

و قال ايضا فى الباب المتقدم: و ان نمت عن الغداة حتى تطلع الشمس، فصل الركعتين ثم صل الغداة، حتى ذلك عن المقنع ايضا، و قال ابوه: ان فاتتك فريضة فصلها اذا ذكرت، و ان ذكرتها و انت فى وقت فريضة اخرى، فصل التى انت فى وقتها، ثم صل صلوة الفايته، انتهى.

أقول الذى يحكم به قاعدة اللفظ، ان الصدوق قائل بوجوب تقديم الحاضرة على الفائتة مطلقا، الا اذا كانت الفائته ظهرا، و لم يذكر بها حتى غربت الشمس فيجب عليه الابتداء بالظهر ما لم يفت المغرب، و الا فياتى بالمغرب ثم بالظهر، و ان اباه قائل بوجوب تقديم الفائتة بقول مطلق، و يوافقه ما اشار اليه احمد بن محمد بن مسلم، فى تأليفه الذى ذكر فى خطبته، انه ما روى فيه الا ما اجمع عليه و صح من قول الأئمة (ع) عنده، حيث قال: الصلوات الفايتات يقضين ما لم يدخل عليه وقت صلوة، بدا بالتى دخل وقتها و قضى الفائتة متى احب، نقله الشارح عن ابن طاوس عنه كما تقدم اليه الاشارة.

و كيف كان فالظاهر ان القائلين بالمواسعة على قولين: الاول القول باستحباب تقديم الفائتة، و هو المشهور بين متاخرى الطايفه، الثانى القول بوجوب تقديم الحاضرة او استحبابه، و هو للقدماء الذاهبين الى القول بالمواسعة

ص: 209

و الذى يظهر لى ان القول بوجوب تقديم الحاضرة لا وجه له اصلا، و ان كان يستفاد من ظاهر عبارة الصدوقين و غيرهما كما مرت اليه الاشارة، و يظهر من الشارح المحقق ادعاء الاجماع على جواز الفايته فى وقت الحاضره، بل حمل كلامهم على الاستحباب محمل قريب فى الغاية، فلذا نسب الى الصدوقين القول باستحباب تقديم الحاضرة، و كيف كان فالترجيح بين المذهبين مشكل فى النهاية، اذ الادلة، فى الطرفين متناقضة، اذ كما يدل على استحباب تقديم الفايته اخبار الفاضل العلامه و النحرير الفهامه، اعنى العالم الذى من اعاظم الفضلأ الظابطين، زرارة التى لا بد ان تحمل على الاستحباب بعد تعذر الحقيقة، مع كون اخباره مشهورة بين الطائفة، و موافقه للاحتياط المامور به فى الأخبار المستفيضة، المحصل لبراءة الذمة، و كون الحمل على التقية مخالفة للاصول المعمول عند كثير من الطائفه، كذا يدل على استحباب تقديم الحاضرة، الأخبار الدالة على فضيلة اول الوقت، ثم ما قاربه، المؤيدة بالاعتبار و كون ما دل على تقديم الفايته، فليحمل على(1) التقية، سيما بعد ملاحظة ما ظهر من الصدوقين، و احمد بن محمد بن مسلم و الواسطى، و لعل القول باستحباب تقديم الحاضرة لا يخلو عن قوة، لأن المظنة المسببه من ملاحظة ما ذكره احمد بن مسلم و الواسطى، المؤيدة بعبارة الصدوقين، المخالفة لمذهب العامة التى يكون الرشد فى خلافهم بلا شبهه، اكثر هذا اذ اكنا فى صدد كشف نفس الأمر، و اما بحسب ما يحوم حوله المحتاطون فلا ريب ان تقديم الفائتة هو الاحوط، و الله هو العالم بحقايق احكامه، و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه.

الثانى: لو قلنا بالمضايقه و قدمت الحاضرة على الفايته،

مع الذكر وسعة

ص: 210


1- و يؤيد ما رواه على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن صلوة الجنايز اذا احمرت الشمس أيصلى اولا؟ قال لا صلوة فى وقت صلوة و قال اذا وجبت الشمس فصل المغرب ثم صل على الجنازه و هذا الخبر مروى فى التهذيب فى باب الصلوة على الاموات فى الزايدات فتأمل. (منه)

وقت الحاضرة، فهل يحكم بالصحة، ام لا؟ قولان اكثر القدماء المحكى لنا كلامهم على الثانى، و منهم المرتضى و الحلى.

للاول ان المطلق من الاوامر ليس الا المهية، و يمكن للمكلف الاتيان بالمامور به فى ضمن المقدمة المباحة، و لكنه بسوء اختياره اوجده فى ضمن المقدمة المنهى عنها، فيحصل الامتثال، و القول بان امر الحكيم انما يتعلق، اذا لم يحصل بسبب ايجاد المامور به معصية، و ما نحن فيه ليس كذلك، انما يتكلم به بعض معكوسى الاذهان، و من ليس من فرسان هذا الميدان، اذ بعد تسليم تعلق الاوامر بالمهية لا يلزم قبح على الحكيم بلا شبهه، ا لا ترى ان السيد ان قال لعبده: ان مطلوبى و محبوبى هو المرجان المودع فى البيت الكذائى، و لكن اعلم ان لهذا البيت سبيلين، و يمكن لك الاتيان بالمرجان فى ايهما شئت، و لكن واحدا منهما، و هو هذا السبيل المشخص المعين مبغوضى، فلو اتى العبد بالمرجان المحبوب من السبيل المبغوض، لا اظنك ان تستريب فى ان السيد لا يعاقبه الا على اتيانه بالسبيل المبغوض، و اما بالنسبة الى المرجان فهو ممتثل و ات بمحبوبه، نعم لو كان السبيلان كلاهما مبغوضين للسيد، لكان المذكور حقا، اذا لم يمكن للعبد ان ياتى بالمامور به الا بارتكاب المعصية، و ما ذكر واضح على التأمل المنصف دون المكابر المتعسف.

و للثانى وجوه:

الأول: ان الأمر بالشىء يقتضى النهى عن ضده الخاص، و الحاضرة ضد خاص للقضاء المامور بالمضيق، فيفسد لأن النهى فى العبادات موجب للفساد كما برهن عليه فى الاصول.

الثانى: ما اشار اليه فى الحبل المتين و غيره، بان الأمر بالشىء يستلزم عدم الأمر بضده، فيفسد الحاضرة لعدم الأمر، و الصحة فى العبادات عبارة عن موافقة الأمر، و فيهما نظر لما بيناه فى الاصول.

الثالث: الخبر الثلاثون و هو قوله (ع) فى الخبر المرسل: لا صلوة لمن عليه

ص: 211

صلوة، و القول بان الاستدلال عليه انما يحسن لو كان لضعف سنده، بالقياس الى محل البحث جابر، و القدر الثابت من مجبوريته بنحو الشهرة القديمة، انما هو بالقياس الى لازمه، اعنى وجوب تقديم الفايته و تأخير الحاضرة، و اما بالقياس الى الحكم الوضعى المستفاد من ظاهر منطوقه، اعنى نفى الامتثال و الصحة، ففى ثبوت الجابر من نحو الشهرة و الاجماعات المنقولة، حتى بالنسبة اليه محل تامل، بل ظاهر عبارات مدعى الاجماع لا يفيدا زيد من دعواه على وجوب تقديم الفايته، و اين هذا من بطلان الحاضرة لو قدمت على الفايته، فلا يخلو عن تامل، و قد مر فى شرح قول المصنف رحمه الله: و لو صلى قبله عامدا او ناسيا او جاهلا بطلت صلوته ما ينفعك فى المقام فراجع، و القول بان المسئلة محل اشكال، فيجب الاعادة مع بقاء الوقت من باب الاحتياط، و اما القضاء فلا يجب للشك فى صدق الفوات، المترتب عليه الأمر بالقضاء، و لكن الاولى مراعاة القضاء ايضاء، فلا يخلو عن مناقشة اذ لو كان القضاء كثيرا بحيث اذا بقى عن الوقت بقدر الحاضرة لم يخرج ذمة المكلف عنه، فحينئذ القول بترك القضاء الفورى و الاتيان بالحاضرة من باب الاحتياط، لا يخلو عن حزازة لاحتمال ترتب الاثم على ترك القضاء حينئذ، فاين الاحتياط المحصل للبراءة اليقينية، و كذا الكلام فى قضاء الحاضرة فى بعض الصور، فليتأمل جدا.

و بالجمله الاظهر عندى البطلان، للمرسل المتقدم، بل فى الغنية الاداء قبل تضيق وقته، و هو ذاكر للفايت لم يجز، بدليل الاجماع المشار اليه.

الثالث: لو قدمت الحاضرة على الفائته مع سعة وقتها ساهيا،

فلا يحكم بفسادها، قولا واحدا قاله بعض الاجله.

المقصد الثالث فى الاستقبال

يجب استقبال الكعبة مع المشاهدة و جهتها مع البعد

اشارة

(المقصد الثالث فى الاستقبال: يجب استقبال الكعبة مع المشاهدة و جهتها مع البعد فى فرائض الصلوات)

شرح هذا الكلام يقتضى بسطه فى مقامات:
الاول: قيل القبلة فى اللغة الحالة التى عليها الانسان حال استقبال الشىء،

ثم نقلت فى العرف الى ما يجب استقبال عينه او جهته فى الصلوات المفروضه،

ص: 212

انتهى.

و للاصحاب اختلاف كثير فى تعريف الجهة، بعد اتفاق الكل على ما ذكره غير واحد منهم، على ان فرض البعيد رعاية العلامات المقررة، و التوجه الى السمت الذى عيّنه رعاية تلك العلامات، و عليه فالاختلاف المذكور و ان لم يكن له فائدة كثيرة، لمكان جواز تعريفها بأنها ما يكون العامل بالعلامات المقررة متوجها اليها، لكن هذا القدر غير كاف فى شرح حقيقتها، لكونه من قبيل تعريفها بما يجب استقباله فى الصلوة، و هو كالرد الى الجهاله، اذ الغرض شرح حقيقه ذلك الشىء الذى يجب استقباله، فلذا يعول الفقهاء رضى الله عنهم على تعريفها بذلك، و اورد و اما يشرح ماهيتها فى الجمله، فعرفها المصنف طاب ثراه فى المنتهى، و المحقق فى التحرير، بالسمت الذى فيه الكعبة، و قد يفسر السمت هنا بامتداد معترض فى احد جوانب الافق، و عرفها فى التذكره بأنها ما يظن انه الكعبة، حتى لو ظن خروجه عنها لم تصح، قد يقال: الظاهر انه اراد بما يظن انه الكعبة ما يظن اشتماله عليها، و يؤيده قوله: حتى لو ظن خروجه عنها.

و عرفها الشهيد الأول فى الذكرى، بالسمت الذى يظن كون الكعبة فيه، و قال الشيخ على فى شرح القواعد: الذى ما زال يختلج بخاطرى، ان جهة القبله هى المقدار الذى شأن البعيد ان يجوز على كل بعض منه ان يكون هو الكعبة، يحيث يقطع بعدم خروجها عن مجموعه، و قال فى المسالك: المراد بالجهة القدر الذى يجوز على كل جزء منه كون الكعبة فيه، و يقطع بعدم خروجها عنه، لامارة يجوز التعويل عليها شرعا، و عرفها بعضهم بأنها قوس من الافق، يجوز على كل خط خارج من جهة الساجد منتهيا اليه، ان يمر بالكعبة.

و عرفها المحقق البهائى بأنها اعظم سمت يشتمل على الكعبة قطعا او ظنا، بحيث يتساوى نسبة اجزائه الى هذا الاشتمال، من غير ترجيح.

أقول: ليفرض دائرة (ا) افقا من الافاق العراقية كالكوفه مثلا، و المصلى على مركزها نقطة (ء) و قد اوردته الدلائل او الامارات الى ان قبلة الكوفه فى

ص: 213

جانب الجنوب، اما بالسفر منها الى مكة و تدبر الطريق، او للعمل بالامارات

المعرفة لاهل العراق، كجعل الجدى على المنكب الايمن، و المغرب و المشرق على اليمين و اليسار، و لنفرضه قاطعا او ظانا وقوع الكعبة فى امتداد (ب ح) بحيث يجوز على كل جزء منه ان يكون فى الكعبه، و يقطع بعدم خروجها عن مجموعه، فخط (ب ح) هو السمت الذى هو عبارة عن جهة القبله على التعريفات الخمسة، الاول و السابع، فاذا استقبل المصلى اى جزء من اجزائه، كان مستقبلا للقبلة، سواء كان الخط الخارج من موضع سجوده منتهيا اليه على قوائم، كخط (ءه) او على حواد كخطى (ءب ءح) و من ثم حكموا باتساع الجهة و اغتفار يسيرا لانحراف.

و لكن فيه مناقشة يظهر وجهها مما سيأتى، و ربما نزلوا ما يتراآى من التخالف بين علامات قبلة العراق على ذلك، كما سيأتى اليه مع ما يرد اليه الاشارة، فانتظر.

و اما على التعريف السادس، فسمت القبله اعنى جهتها، هو قوس (ط ى) و وجه عدم حمل الجهة فى التعريفات الأول على هذا القوس ظاهر، لظهور ان الكعبة غير واقعة على محيط الافق الحسى، و لو اريد بالافق ما ينصف الارض فقط، لم يلزم وقوعها على محيطه ايضا، و انما يتحقق ذلك فى بلد يكون غاية ميل افقه عن افق مكة بقدر ربع الدور، ثم لا يخفى ان مرور الخط المذكور فى التعريف السادس بالكعبة، انما يتحقق فى موضع يكون الكعبة واقعة فوق افقه، و الا فالخط ينتهى اليه مع انه غير ماربها، لكونها واقعة فى خارجه، و هذا واضح.

و لا يخفى ايضا ان الباعث على اشتراط جامع المقاصد و المسالك، ان يجوز على كل بعض من ذلك المقدار، ان يكون هو الكعبة، للمحافظة على طرد التعريف، لصدقه بدونه على مقدار يقع او يظن عدم وقوع الكعبة فى بعض اجزائه.

ص: 214

كمجموع خط (ر ح) فانه يقع بعدم خروج الكعبه عن مجموعه، مع انه ليس بمجموعه الجهة، و انما الجهة بعضه، اعنى خط (ب ح) فلا يجوز استقبال شىء من اجزاء خط (ر ب) و لا خط (ح ح) و هو ظاهر.

و اما سبب تقييد هما بالقطع بعدم خروج الكعبة عن مجموع ذلك المقدار، فلانه لو لا هذا القيد لصدق التعريف على خط (ه ح) مثلا، فانه يجوز على كل جزء منه ان يكون هو الكعبة، مع انه بعض الجهة لا نفسها، فان الجهة يبطل الصلوة بالخروج عنها، و ليس خط (ه ح) كذلك.

و من هذا يظهر عدم ما نعية التعريف السادس، لصدقه على قوس (ك ى) مثلا، و ليعلم انه اذا حصل القطع بعدم خروج الكعبة عن سمت معين، كسمت (ر ح) مثلا، و جوز على كل بعض من ابعاضه، كخطوط (ر ب، ب ح، ح ح) اشتماله عليها، فلا يخلو اما ان يكون جميع تلك الابعاض متساوية الاقدار، فى احتمال هذا الاشتمال من غير ترجيح، او يكون اشتمال بعضها كامتداد (ب ح) مثلا، ارجح فى ظنه من ساير الاجزاء، و على الأول، لا ريب فى ان مجموع ذلك هو الجهة فى حقه، و ان ذمته تبرأ باستقبال اى بعض من الابعاض شاء.

و اما على الثانى فوجهان: احدهما: ان يكون حكمه كالأول من غير تحتم استقبال الاجزاء الراجحة الاشتمال، و الثانى: ان يجب عليه تخصيص الاستقبال بتلك الاجزاء، فلا تصح صلوته الى الاجزاء المرجوحة الاشتمال، و هو الا قوى لوجهين: الأول: قبح التعويل على المرجوح مع احتمال الراجح، قاله بعض الأجله، الثانى: ما رواه التهذيب فى باب القبله، فى الموثق عن سماعة قال:

سألته عن الصلوة بالليل و النهار، اذا لم ير الشمس و لا القمر و لا النجوم، قال:

تجتهد رايك و تعمد القبله جهدك، و وجه الدلالة واضح، و من ثم حكموا بوجوب رجوع من فرضه التقليد فى القبله الى اعلم المجتهدين.

و عليه فما يستفاد من تعريف جامع المقاصد و المسالك، لا وجه له، و ايضا يرد عليهما ان ما اشترطاه من القطع بعدم خروج الكعبة عن ذلك المقدار، يعطى ان

ص: 215

من لم يقدر على تحصيل القطع المذكور، بل جوز على كل واحد من المقادير الاربع فى جوانب الافق ان يكون فيه الكعبه، لكن كان وقوعها فى واحد معين منها، ارجح فى نظره من وقوعها فيما عداه، لم يكن ذلك المقدار المظنون وقوع الكعبة فيه جهة فى حقه، لأنه غير قاطع بعدم خروج الكعبة عنه، و هو كما ترى، و الحق ان كونه جهة فى حقه، مما لا ينبغى الامتراء فيه.

و ليعلم ايضا ان المحقق الثانى فى جامع المقاصد، اعترض على تعريف المصنف رحمه الله فى التذكره، بان البعيد لا يشترط فى صحة صلوته ظن محاذاة الكعبة، و بان الصف المستطيل يحكم بخروج بعضهم عنها، فليزم بطلان صلوتهم، و اظهر(1) منه من يصلى بعيدا عن محراب النبى (ص)، بازيد من مقدار الكعبه.

قال الشارح الفاضل، بعد حكمه باستلزام ذلك التعريف، بطلان صلوة بعض الصف المستطيل، الذى يزيد طوله على مقدار بعد الكعبة، للقطع بخروج بعضه عنها، فضلا عن ظن كل واحد انه مستقبل القبله، ما لفظه: فان قيل: القطع بخروج بعضه متعلق بافراد المجموع، على الاشاعة لا على التعيين، فلا ينافيه ظن كل واحد على التعيين انه مستقبل القبله، قلنا: الظن لا بد من استناده الى مثيره له، بحيث يجوز الركون اليه شرعا، و هذا القطع ينافيه، انتهى.

أقول: هذا الكلام لا يخلو عن نوع مصادرة فتامل.

ثم قال: و لو قيل: ان هذا لا يتحقق مع البعد، لأن الجرم الصغير كلما ازداد الانسان عنه بعدا اتسعت جهة المحاذاه، فاذا كان بقدر شخص واحد بحيث يخرج عنه شخص ثان عند القرب منه، امكن محاذاتهما له مع البعد عنه، بل محاذاة العشرة مثلا، فليكن الصف المستطيل كذلك، قلنا: هذا تحقق امر الجهة بغير المعنى الذى ذكره، اذ التحقيق ان محاذاة القوم للجرم الصغير

ص: 216


1- قوله و اظهر منه الى آخره، فيه ما سيأتى فى بيان استحباب التياسر. (منه)

عن مقدارهم ليست الى عينه، لأنا نفرض خطوطا خارجة من مواقفهم نحوه، بحيث تخرج متوازيه، فانها لا تلتقى ابدا، و ان خرجت الى غير النهاية، و حينئذ فانما يقع على الجرم المقابل منها مقدار وسعة من القوم لا الجميع، و الا لزم خروج الخطوط عن كونها متوازية، هذا خلف، و مما يدل على كون ذلك معتبرا، ان العلامات المنصوبة من الشارع للقبله موجب امتثالها صحة الصلوة، و ان لم يخطر ظن كون ذلك الى نفس الكعبة، فان كان ذلك غير كاف لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة او وقت الخطاب، و ان كان كافيا لم يكن ظن ذلك معتبرا، انتهى.

و فيه نظر من وجهين: يظهر وجه(1) احدهما من منع كون الموازاة الحقيقيّة معتبرة، و ثانيهما مما سيأتى.

ثم ان المحقق الثانى ارجع(2) تعريف الذكرى الى تعريف التذكرة، و ظاهر كلامه انه حمل السمت فيه على الخط المتوهم امتداده من المستقبل، فى الصوب الذى يستقبله و هو كما ترى، و الظاهر ان مراد التذكره ما بيناه بعد تعريفه، و ان المراد بالسمت فى تعريف الذكرى هو الامتداد المعترض لا الطولى و كيف يظن بالمصنف و الشهيد القول بان عين الكعبه قبلة للبعيد؟ مع انهما مصرحان فى كتبهما بخلافه، بل لم يذهب احد من علمائنا على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، الى ذلك، و انما هو مذهب بعض العامة على ما قيل، و بهذا يظهر وجه النظر الثانى، الذى وعدناك هناك، فتامل.

و لنعلم ايضا ان ثمرة تقييد لك بقوله: لامارة يجوز التعويل عليها شرعا هى اخراج الجهات الاربع للمتحير، و قد صرح رحمه الله بذلك حيث قال: احترزنا بالقيد

ص: 217


1- و يرد عليه ايضا ان العلامات للقبله ليست من الشارع (ع) الا علامة واحدة و هى الجدى مع انها لاثبات ذلك غير ناهضه كما سيأتى اليه الاشارة فانتظر البتة. (منه)
2- حيث قال بعد نقل كلام التذكره و ما ذكره لا يكاد يخرج عن كلام التذكره لأن الظاهر ان مراده بالسمت ما يسامته المصلى و يحاذيه عند توجهه اليه و قد عرفت ان ظن كون الكعبه فيه غير شرط. (منه)

الاخير عن فاقد الامارات، بحيث يكون فرضه الصلوة الى اربع جهات، فانه يجوز على كل من الجهات الاربع كون الكعبة فيه، و يقطع بعدم خروجها عنه، لكن لا لامارة شرعية، و كذا ضال الكعبة فى جهتين او ما زاد، انتهى، و مراده رحمه الله بالقطع المذكور: القطع بعدم خروج الكعبة عن مجموع الجهات الاربع، لا ما يعطيه ظاهر العبارة.

فان قلت: كل واحد من الجهات الاربع جهة القبلة فى المتحير، فكان الواجب ادراجها فى التعريف لا اخراجها، قلت: لعله لما لم تبرأ الذمة بالتوجه الى واحدة بعينها، لم يجعلوها جهة، فان الجهة ما تبرا الذمة من الاستقبال بالتوجه اليها.

هذا و قال فى الرياض، بعد نقل ما عرفه المحقق الثانى: و هذا التعريف اجود من جميع ما سلف، لكن ينتقض فى طرده بفا قد العلامات اصلا، فانه يجوز على جزء من جميع الجهات انه الكعبه، فليزم اكتفاؤه بصلوة واحدة الى اى جهة شاء، و كذا من قطع بنفى جهة او جهتين و شك فى الباقى، فانه يصدق عليه التعريف، و لا شىء من ذلك يطلق عليه جهة القبلة، فالاسد حينئذ ان يزاد فى التعريف (كون التجويز لامارة يجوز التعويل عليها شرعا) فيخرج منه ما ذكره، انتهى.

و قد يقال: ان المحقق الثانى اراد بالمقدار السمت على ما مر تفسيره، فلم يحتج الى ذلك القيد، اذ لا قطع للمتحير بعدم خروج الكعبة عنه، فيسلم طرد ما ذكره، و الانصاف انه لا يخلو عن نوع مناقشة، فافهم.

و قال البهائى طاب ثراه، فى بيان القيودات التى ذكرها فى التعريف السابع: انما اعتبرنا فيه اعظم سمت، لئلا ينتقض طرده ببعض اجزاء الجهة، و لم نقتصر على الظن، كما فى التذكره و الذكرى، لئلا ينتقض عكسه بالسمت الذى يقطع بعدم خروج الكعبة عنه، و لا على القطع كما فى تعريفى الشيخ على و المسالك، لئلا ينتقض بالجهة المظنون كون الكعبة فيها، عند العجز عن تحصيل القطع

ص: 218

بذلك، و اما قيد الحيثيه فلا خراج سمت يكون اشتمال بعض اجزائه على الكعبة ارجح، اذ الحق ان الجهة حينئذ ليست مجموع ذلك السمت، بل بعضه، اعنى الاجزاء التى يترجح اشتمالها على الكعبة، بشرط تساوى نسبة الرجحان الى جميعها، فلا يجوز للمصلى استقبال الاجزاء المرجوحة الاشتمال عليها، خلافا للمستفاد من تعريف الشيخ على و المسالك، انتهى.

و انت خبير بان هذا التعريف باعتبار قيد الحيثية المذكورة، يفيد انحصار الجهة فى منتصف السمت المذكور، اذ لا ريب فى ان وسطه ارجح من طرفيه، و هو كما ترى، فافهم، و مع ذلك فلعله من اجود التعريفات.

الثانى: اختلف الاصحاب فى تعيين ما يجب استقباله،
اشارة

بعد اتفاقهم على انه الكعبه فى الجمله، فأكثر المتأخرين على انها هى القبله لمن تمكن من العلم بها من غير مشقة كثيرة عادة، كالمصلى فى بيوت مكه، و جهتها لمن لا يتمكن له العلم بها، اما بالبعد عنها او بسبب مرض و حبس و نحوهما، وفاقا للمحكى عن كثير من القدماء، كالمرتضى و الحلى او الحلبى و الاسكافى، خلافا للمحقق فى الشرايع، و المحكى عن جماعة من القدماء، منهم الشيخان و سلار و ابن البراج و ابن حمزة، فذهبوا الى ان الكعبة قبلة لمن كان فى المسجد، و المسجد قبلة لمن كان فى الحرم، و الحرم قبلة لمن كان خارجا عنه، و نسبه فى الذكرى الى اكثر الاصحاب، و نسبه فى المختلف الى ابن زهرة ايضا، و لعله فى غير الغنية، اذ قال هو فيها: القبله هى الكعبة، فمن كان مشاهدا لها وجب عليه التوجه اليها، و من شاهد المسجد الحرام و لم يشاهد الكعبة وجب عليه التوجه اليه، و من لم يشاهده توجه نحوه، بلا خلاف و الظاهر انه لا خلاف بين الفريقين فى وجوب التوجه الى الكعبة للمشاهد، و من بحكمه، و ان كان خارج المسجد، قيل و قد صرح به من اصحاب القول الثانى الشيخ فى المبسوط، و ابن حمزة فى الوسيله، و ابن زهرة فى الغنية، و نقل المحقق الاجماع عليه، لكن ظاهر كلام الشيخ فى النهاية و الخلاف، يخالف ذلك، فاذن التعويل عليه بمثل ذلك الاجماع، لكن مشكل، انتهى.

ص: 219

و فيه نظر، اذ الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة، فلا معنى للاشكال، لأجل ما يتراآى من ظاهر ما يحكى عن الخلاف و النهاية و الاقتصاد و المصباح و مختصره و المراسم، مع ان المحكى عن المبسوط و الجمل و العقود و المهذب و الوسيله و الاصباح، الاشتراط فى استقبال المسجد ان لا يشاهد الكعبة و لا يكون بحكمه، و فى استقبال الحرم ان لا يشاهد المسجد و لا يكون بحكمه، و هو مطابق لما ادعى عليه الاجماع، فلا معنى للقدح اصلا، سيما بعد ملاحظة تعدده، اذ عن التذكره ايضا انه حكى الاجماع على ذلك، كالفاضل المقداد فى كنز العرفان، هذا مضافا الى امكان تنزيل اطلاق ما مر من العباير عليه، فحينئذ يرتفع الخلاف، و بعدم الخلاف صرح غير واحد منهم(1).

و بالجمله يظهر من الأخبار الكثيرة المتواترة، بأن الله جعل الكعبة قبلة، منها: ما رواه الكافى فى باب وقت الصلوة فى يوم الغيم، فى الحسن كالصحيح، عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته هل كان رسول الله (ص) يصلى الى بيت المقدس؟ قال: نعم، قلت: اكان يجعل الكعبه خلف ظهره؟ فقال: اما اذا كان فى مكة فلا، و اما اذا هاجر الى المدينة فنعم، حتى حول الى الكعبة.

و منها ما رواه على بن ابراهيم القمى، باسناده الى الصادق (ع): ان النبى (ص) صلى بمكة الى بيت المقدس ثلاث عشرة سنة، و بعد هجرته (ص) صلى بالمدينة سبعة اشهر، ثم وجهه الله تعالى الى الكعبة، و ذلك ان اليهود كانوا يعيرون رسول الله (ص)، و يقولون له: انت تابع قبلتنا تصلى الى قبلتنا، فاغتم رسول الله (ص)، و خرج فى جوف الليل ينظر الى افاق لسماء، ينتظر من الله تعالى فى ذلك امرا، فلما اصبح و حضر وقت صلوة الظهر، كان فى مسجد بنى سالم قد صلى من الظهر ركعتين، فنزل جبرائيل فأخذ بعضده و حوله الى الكعبة، و انزل عليه: «قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي اَلسَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا فَوَلِّ وَجْهَكَ

ص: 220


1- و هو الفاضل الرضى القزوينى فى قبلة الافاق و ابن زهرة فى الغنية. (منه)

شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» و كان قد صلى ركعتين الى بيت المقدس، و ركعتين الى الكعبة.

و قال الصدوق فى الفقيه فى باب القبله: و صلى رسول الله (ص) الى البيت المقدس، بعد النبوة ثلاث عشرة سنة بمكه، و تسعة عشر شهرا بالمدينة، ثم عيرته اليهود، فقالوا له: انك تابع لقبلتنا، فاغتم لذلك غما شديدا، فلما كان فى بعض الليل، خرج (ع) يقلب وجهه فى آفاق السماء، فلما اصبح صلى الغداة، فلما صلى من الظهر ركعتين، جاءه جبرئيل (ع) فقال له: «قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي اَلسَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ» الآية، ثم اخذ بيد النبى (ص) فولى وجهه الى الكعبة، و حول من خلفه وجوهم، حتى قام الرجل مقام الرجل، فكان اول صلوته الى بيت المقدس و آخرها الى الكعبة، و بلغ(1) الخبر مسجدا بالمدينة، و قد صلى اهله من العصر ركعتين، فحولوا نحو القبله(2) فكان (3) أول صلوتهم الى بيت المقدس و آخرها الى الكعبة، فسمى ذلك المسجد القبلتين، فقال المسلمون: صلوتنا الى بيت المقدس تضييع يا رسول الله، فانزل الله عز و جل: «وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ»، يعنى صلوتكم الى بيت المقدس.

و قد اخرجت الخبر فى ذلك على وجهه، فى كتاب النبوة.

و منها ما رواه التهذيب فى باب القبله، عن معوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت له: متى صرف رسول الله (ص) الى الكعبة؟ قال بعد رجوعه من بدر.

و منها ما رواه فى الباب المتقدم، عن ابى بصير، عن احدهما فى حديث قال: فقلت له: الله امره ان يصلى الى بيت المقدس؟ قال: نعم الا ترى ان الله تعالى يقول: وَ مٰا جَعَلْنَا اَلْقِبْلَةَ اَلَّتِي كُنْتَ عَلَيْهٰا إِلاّٰ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ اَلرَّسُولَ

ص: 221


1- فبلغ خ ل.
2- الكعبه خ ل.
3- فكانت خ ل.

مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلىٰ عَقِبَيْهِ وَ إِنْ كٰانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّٰ عَلَى اَلَّذِينَ هَدَى اَللّٰهُ وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ إِنَّ اَللّٰهَ بِالنّٰاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ، قال: ان بنى عبد الاشهل اتوهم و هم فى الصلوة، قد صلوا ركعتين الى بيت المقدس، فقيل لهم: ان نبيكم قد صرف الى الكعبة، فتحول النساء مكان الرجال، و الرجال مكان النساء، و جعلوا الركعتين الباقيتين الى الكعبة، فصلوا صلوة واحدة الى قبلتين، فلذلك سمى مسجد هم مسجد القبلتين.

الى غير ذلك من الأخبار، التى يضيق المقام عن ذكرها جدا، و يظهر منها ان كون المسجد و الحرم قبلة من جهة الكعبة، بل قال بعض المحققين: ان ذلك صار نظير الاقرار بربوبية الله، و رسالة محمد صلى الله عليه و آله، و امامة الأئمة، و عليه فمن خرج عن المسجد اذا رأى عين الكعبة و مع ذلك لا يصلى اليها، و تحول عنها الى جزء اخر من المسجد، مع تيقنه انه لا يصلى الى الكعبة، فالظاهر انه لا يتامل احد من المسلمين فى فساد هذه الصلوة، بعنوان اليقين، قاله بعض المحققين، قال: و كذلك الحال بالنسبة الى من صلى خارج الحرم، مع قطعه بأنه لا يستقبل المسجد و الكعبة، بل يصلى الى جهة اخرى، بل الكفار قاطعون بكون الكعبة هى القبله، فضلا عن المسلمين، فكيف يرضون بالصلوة المذكورة؟ و ما اظن ان الخصم ايضا يرضى بهذه الصلوة، على انه هذا كيف يصنع بالايات الواضحة الدلالة، و الأخبار المتواترة، فى كون الكعبة هى القبلة بعد بيت المقدس، و انها قبله من تخوم الارض الى عنان السماء، انتهى.

أقول: للاولين القائلين بأن قبلة المتمكن الكعبة، و غير المتمكن الجهة، مضافا الى ما ذكر، بالنسبة الى الشق الأول، من الاجماعات المحكية المعتضدة بنفى الخلاف، على ما قاله غير واحد منهم، وجهان:

الأول: الأخبار المتقدمة، و لما ضاهاها من الأخبار الكثيره.

الثانى: ما رواه فى البحار فى باب القبله، عن الاحتجاج، و تفسير العسكرى (ع)، فى احتجاج النبى (ص) على المشركين، قال: انا عباد الله

ص: 222

مخلوقون مربوبون، نأتمر له فيما امرنا، و نزجر عما زجرنا، الى ان قال: فلما امرنا ان نعبده بالتوجه الى الكعبة اطعنا، ثم امرنا بعبادته بالتوجه نحوها فى ساير البلدان التى تكون بها فاطعنا، فلم نخرج فى شىء من ذلك من اتباع امره.

و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن تفسير النعمانى، قال: تفسير النعمانى بالاسناد المذكور فى كتاب القران، عن امير المؤمنين (ع)، و ساق الخبر الى ان قال: و قال (ع) فى قوله تعالى: «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ» قال:

معنى شطره نحوه ان كان مرئيا، و بالدلائل و الاعلام ان كان محجوبا، فلو علمت القبلة لوجوب استقبالها و التولى و التوجه اليها، و لو لم يكن الدليل عليها موجودا، حتى تستوى الجهات كلها، فله ان يصلى باجتهاده حيث احب و اختار، حتى يكون على يقين من الدلالات المنصوبة و العلامات المثبوته، فان مال عن هذا التوجه مع ما ذكرناه، حتى يجعل الشرق غربا و الغرب شرقا، زال معنى اجتهاده و فسد اعتقاده، الى آخره.

و للاخرين ايضا وجهان.

الأول: الاجماع المحكى عن الشيخ.

الثانى: جملة من الأخبار، منها ما رواه التهذيب فى باب القبله، عن عبد الله بن محمد الحجال، عن بعض رجاله، عن ابى عبد الله (ع): ان الله تعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد، و جعل المسجد قبلة لاهل الحرم، و جعل الحرم قبلة لأهل الدنيا.

و رواه الفقيه ايضا، فى الباب المتقدم مرسلا، عنه (ع).

و رواه ايضا فى علله، عن ابيه، عن محمد بن يحيى عن الحسن بن الحسين اللؤلؤى، عن عبد الله بن محمد الحجال، الى آخره.

و منها ما رواه فى البحار فى باب القبله، عن العلل عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن على بن مهزيار، عن الحسن بن سعيد، عن ابراهيم بن ابى البلاد، عن ابى غرة،

ص: 223

قال: قال لى ابو عبد الله (ع): البيت قبلة المسجد، و المسجد قبلة مكه، و مكة قبلة الحرم، و الحرم قبلة الدنيا.

و منها ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، عن بشر بن جعفر الجعفى ابى الوليد، قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: البيت قبلة لأهل المسجد، و المسجد قبلة لأهل الحرم، و الحرم قبلة للناس جميعا.

و يدل عليه ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، عن على بن محمد، رفعه قال: قيل لأبى عبد الله (ع): لم صار الرجل ينحرف فى الصلوة الى اليسار؟ قال: لأن الكعبة ستة حدود: اربعة منها على يسارك، و اثنان منها على يمينك، فمن اجل ذلك وقع التحريف على اليسار.

و ما رواه ايضا عن المفضل بن عمر، انه سأل ابا عبد الله (ع) عن التحريف لاصحابنا ذات اليسار عن القبله، و عن السبب فيه، فقال: ان الحجر الاسود لما انزل به من الجنة، فوضع فى موضعه، جعل انصاب الحرم من حيث يلحقه النور نور الحجر، فهى عن يمين الكعبة اربعة اميال، و عن يسارها ثمانية اميال، كله اثنا عشر ميلا، فاذا انحرف الانسان ذات اليمين، خرج عن حد القبلة لقلة انصاب الحرم، و اذا انحرف ذات اليسار، لم يكن خارجا عن حد القبله.

و رواه الصدوق فى علله، عن الحسنين بن احمد بن ادريس، عن ابيه، عن محمد بن على الصيرفى، عن على بن حسان، عن عمه عبد الرحمن، عن المفضل بن عمر، قال: سألت ابا عبد الله (ع) الى آخره.

و ما رواه فى البحار عن فقه الرضا (ع): اذا اردت توجه القبله فتياسر مثلى ما تيامن، فان الحرم عن يمين الكعبة اربعة اميال، و عن يساره ثمانية اميال.

بيان:

اعلم ان اليمين الواقع فى اخبار الحج و غيرها، مبنى على جعل الكعبة بمنزلة الرجل المواجه لمن استقبل باب البيت، فان بابها بمنزلة وجهها، فيمينها

ص: 224

من جانب الحجر و الركن اليمانى، و يسارها من جانب الحجر و الميزاب، و المراد باليمين و اليسار فى هذا الخبر و خبر المفضل، يمين المستقبل و يساره، فلا تغفل قاله المحقق المجلسى فى حاشية البحار.

و حكى فى البحار عن نهاية الشيخ انه قال: من توجه الى القبله من اهل العراق و المشرق قاطبه، فعليه ان يتياسر قليلا، ليكون متوجها الى الحرم، بذلك جاء الاثر عنهم (ع)، و الا قوى عندى القول الأول، لخبر الاحتجاج، المؤيد بالخبر المروى عن تفسير النعمانى، المعتضد بالشهرة المتاخره المحققه و المحكية عن كلام جماعة، و هو نص فى الشقين بلا شبهة، هذا مضافا الى ما دل على الشق الأول من الاجماعات المحكية المعتضدة بعدم الخلاف، على ما قاله غير واحد منهم، و بالنصوص المتواترة الدالة على الكعبة هى القبلة، و بالاحتياط للاجماع على صحة الصلوة اليها، و الخلاف فى الصلوة الى المسجد و الحرم، مع اختلاف المسجد صغرا و كبرا، فى الازمان، و عدم انضباط ما كان مسجدا عند نزول الآية، قيل: و يدل على الشق الثانى ايضا، النصوص الدالة بان القبلة هى الكعبه، بناء على ان تعذر عينها للبعيد يوجب ارادة الجهة، مضافا الى ظهور جملة منها فى كونها مرادة، و هى ما دل على انه (ع) حول اليها و مضافا الى الأخبار الدالة على ان ما بين المشرق و المغرب قبلة، و هى ان اختص بالمضطر، الا انه صريح فى تعيين الجهة و لو فى الجملة، كما صرح به الشهيد عليه الرحمه، انتهى فافهم.

و كيف كان فلا ريب فى قوة القول بالجهة، و لا يعارضه ما دل على القول الثانى، لكون اخباره غير صالحة للحجية كاجماعه، لمكان عدم ما يجبرها، و الشهرة المحكية على تقدير تسليمها، معارضة بالشهرة المتاخره المحققه و المحكية عن كلام جماعة، فلا يمكن الاستناد اليها فى المقام بلا شبهة، هذا مضافا الى ان اعتبار العين مع البعد، يوجب بطلان صلوة بعض الصف المستطيل الذى يخرج عن سمت الكعبه، او سمت الحرم، قاله بعض الاجله.

ص: 225

و اما ما ذكره الشيخ فى الخلاف، حيث قال بعد استدلاله على مختاره بالنصوص و الاجماع، و بان المحذور فى استقبال عين الكعبة لازم لمن اوجب استقبال جهتها، فان لكل مصل جهة، و الكعبه لا يكون فى الجهات كلها، و لا كذلك التوجه الى الحرم، لأنه طويل يمكن ان يكون كل واحد متوجها الى جزء منه، غير مغن اذ الالزام فى الكعبه لازم فى الحرم، و ان كان طويلا، و اما المحذور فلا يلزم على ارباب الجهة، اذ هم يعنون بها السمت، الذى اقتضى التوجه اليه رعاية الامارات الشرعية، لا نفس الكعبة، و ذلك من الاتساع(1) بمكان، و سيجئى منا لهذا زيادة تحقيق فى بيان علامة القبلة العراقية، فانتظر البتة.

و الحاصل انك قد عرفت ان من يتمكن له المشاهدة للكعبة، ففرضه التوجه اليها بالاجماع، حكاه جماعة، و لا اظن ان يكون هو ايضا مخالفا فى ذلك، و اما فرض النائى، فان كان الشيخ و موافقوه يقولون انه يجب عليه التوجه الى عين الحرم، فلا شك فى فساده، اذ ليس ذلك الا التكليف بما لا يطاق، و مع التنزل العسر و الحرج، و لا ريب فى انتفائهما، و يوضح ذلك بانا اذا فرضنا ان يكون توجه المصلى فى الكوفة، التى هى اقرب من ساير البلاد العراقية بالنسبة الى الكعبة، على ما يقال، على نهاية حد يمين الحرم، و انحرف بسبب بقدر اصبع الى اليسار، فهذا التفاوت بين مقامه و مسجده، يستلزم ان يكون فى الامتداد الذى يكون مساحته ثمانية و اربعين ذراعا. مقداره اربعة و عشرون اصبعا، لمكان كون الامتداد المزبور ذراعا واحد(2) او عليه فيكون التفاوت فى ثمانية و اربعين فرسخا، فرسخا واحدا، فيكون التفاوت من الكوفه الى الحرم خمسة فراسخ تقريبا، لمكان كون المسافة بينهما ماتى و اربعين فرسخا تقريبا، على ما استخرج، و لا ريب

ص: 226


1- و بعبارة اخرى يتسع بقدر بعده بمعنى انه كلما ازداد بعدا ازداد جهة لما هو مشهور و فى الالسنة مذكور كلما ازداد الشىء بعد ازداد محاذاة فالجهة من الوسعة بمكان و لا كذلك القول بتعيين الحرم. (منه)
2- لأن امتداد الذراع هو اربعة و عشرون اصبعا. (منه)

ان هذا التفاوت ازيد من طول الحرم، فما ظنك بساير البلاد العراقية.

فبما ذكر ظهر حال الأخبار الدالة على التياسر، و عدم جواز الاستناد اليها فى المقام، و ان كان يقول ان الواجب عليه هو التعويل على الامارات المتفق عليها بينهم، لأهل كل اقليم، كما ادعى جماعة اتفاق الفريقين عليه، فلا ثمرة لهذا الخلاف.

و محصول الكلام انك قد عرفت ان مع امكان المشاهدة، كلهم يقولون بوجوب جعل البيت قبلة على الظاهر، و اما عند تعذرها و عدم امكان العلم بها، فيجب التعويل على الامارات اتفاقا على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، فاى ثمرة فى هذا الاختلاف؟ فلذا جمع الشهيد و من تبعه من الجماعة بين القولين، و حملوا كلامهم و الروايات على الجهة،(1) و ان ذلك ذكر على سبيل التقريب الى الافهام، اظهار السعة الجهة، و عبارة الخلاف لا اعتناء بشانها بلا شبهة.

قال قال الشارح المحقق رحمه الله: الظاهر ان الفريق الثانى ايضا متفقون على ان فرض النائى اعتبار الجهة، لا وجوب التوجه الى عين الحرم، و ان لم يصرحوا بذلك، للاتفاق على وجوب التعويل على الامارات، عند تعذر المشاهدة، و من الظاهر عند كل احد، ان الامارات لا تفيد العلم بالمقابله الحقيقية، خصوصيا مع تصريحهم بموافقة امارة البلاد المتباعدة، كالعراق و خراسان و غيرهما.

تذنيب:

و حيث عرفت ان الكعبة هى القبلة مع التمكن، فالمصلى بمكه يجب عليه مشاهدتها و الصلوة اليها، و لو بالصعود الى السطح، لقدرته على العلم، فلا

ص: 227


1- قال بعض المحققين ان ارادوا ارباب هذا القول ظاهر عباراتهم ففيه انه خلاف الاجماع و الادلة اليقينية فان اهل المدينة و اطرافها باجمعهم من الرسول و الصحابة و غيرهم كانوا يصلون بعلامة واحدة الى مكه بجعل القطب بين الكتفين على النهج المعلوم لا ان كل اربعة فراسخ منهم يصلون الى قبله غير قبلة الآخرين فكيف يكون قبلة جميعهم صحيحة مع كونهم متوجهين الى غير الحرم، انتهى. (منه)

يجوز له البناء على الظن، للادلة على حرمة العمل به، و بذلك صرح الاصحاب، قاله غير واحد منهم، بل الظاهر انه اجماعى كما يستفاد من غير واحد من العبائر و لو نصب محرابا بعد المعاينة جازت الصلوة اليه دائما، لمكان حصول العلم، و كذا الذى نشاء بمكه و تيقن الاصابة، و لا يكفى الاجتهاد بالعلامات، لأنه رجوع الى الظن مع امكان العلم، و هذا فاسد، نعم لو كان محبوسا لا قدرة له على استعلام العين، جاز له التعويل على الاجتهاد، و كذا من بنواحى الحرم.

و هل يكلف بالصعود على الجبال ليرى الكعبه ام لا؟ قولان، و الا قوى هو الأول، وفاقا للمحكى عن المصنف رحمه الله و الشيخ فى بعض كتبهما، حيث اوجبا الصعود مع القدرة، و ذهب صاحب المدارك الى الثانى، مستدلا بان فى التكليف بذلك حرجا، أقول: ان كان فيه حرج، فلا ريب فى حقية ما قاله، و الا فالدليل مع الأول.

الثالث: اعلم ان القبلة ليست نفس البنية الشريفة،

بل الفضاء المشغول بها النازل الى تخوم الارض الصاعد الى عنان السماء، فلو زالت البنية و العياذ بالله، صلى الى جهتها التى تشتمل على العين، كما يصلى من هو اعلى من الكعبة الى الجهة المسامتة للبنية، و كذا من هو أخفض من موضعها، بان يكون فى سرداب، و لا خلاف فى ذلك بين العلماء، قاله بعض الاجلة، بل وقع عليه الاجماع كما عن بعض، بل هو ضرورى الدين قاله بعض المحققين، و لعله كذلك لمكان عدم تسطيح الارض.

و فى رواية(1) عن الصادق (ع): اسباب البيت من الارض السابعة السفلى الى السماء السابعة العليا.

و روى التهذيب فى باب الزيادات الواقع فى قبيل باب العمل فى ليلة الجمعة، عن الطاطرى، عن محمد بن ابى حمزه، عن عبد الله بن سنان، عن ابى

ص: 228


1- رواها فى الفقيه.

عبد الله (ع)، قال: سأله رجل قال: صليت فوق ابى قبيس العصر، فهل يجزى ذلك و الكعبة تحتى؟ قال: نعم انها قبلة من موضعها الى السماء.

و روى ايضا فى اواخر باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، فى الزيادات فى الصحيح، عن ابن مسكان، عن خالد بن ابى اسمعيل او ابن اسمعيل، قال: قلت لأبى عبد الله (ع): الرجل يصلى على ابى قبيس، يستقبل القبله، قال: لا باس.

الرابع: قال فى الذكرى: ظاهر كلام الاصحاب، ان الحجر من الكعبة باسره،

و قد دل عليه النقل انه منها فى زمن ابراهيم و اسمعيل عليهما السلام، الى ان بنت قريش الكعبة، فاعوزتهم الالات فاختصروها بحذفه، و كان كذلك فى عهد النبى (ص)، و نقل (ع) الاهتمام بادخاله فى بناء الكعبة، و بذلك احتج ابن الزبير حيث ادخله فيها، ثم اخرجه الحجاج بعده و رده الى ما كان، و لأن الطواف يجب خارجه، و للعامة خلاف فى كونه من الكعبة باجمعه او بعضه او ليس منها؟ و فى الطواف خارجه، و بعض الاصحاب له فيه كلام ايضا، مع اجماعنا على وجوب ادخاله فى الطواف، و انما الفائدة فى جواز استقباله فى الصلوة بمجرده، فعلى القطع بانه من الكعبة تصح، و الا امتنع لأنه عدول من اليقين الى الظن.

و قال فى الدروس فى كتاب الحج: و سادسها ادخال الحجر فى طوافه، فلو طاف فيه او مشى على حايطه لم يجز، سواء قلنا بانه من البيت كما هو المشهور اولا كما فى رواية زرارة عن الصادق (ع)، و قطع به الصدوق، و فى المدارك جزم العلامة و الفقيه بجواز استقباله لأنه من الكعبة، أقول: و منع جملة من المتأخرين عن استقباله، لعدم كونه من الكعبة، و فى المدارك: المستفاد من النصوص الصحيحة، ان الحجر ليس من الكعبة، فلا يجوز استقباله فى الصلوة، انتهى

أقول: و منها(1) ما رواه الكافى فى اواخر باب حج ابراهيم و اسمعيل

ص: 229


1- و منها موثقة زرارة عن الصادق (ع) قال سألته عن الحجر هل فيه شىء من البيت قال لا و لا قلامة ظفر و موثقه يونس بن يعقوب انه قال للصادق (ع) كنت اصلى فى الحجر فقال لى رجل لا تصلى المكتوبة فى هذا الموضع فان فى الحجر من البيت فقال كذب صل فيه حيث شئت. (منه)

الواقع فى كتاب الحج، فى الصحيح عن معوية بن عمار، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام، عن الحجرا من البيت هو؟ او فيه شىء من البيت؟ فقال: لا و لا قلامة ظفر، و لكن اسمعيل دفن امه فيه فكره ان توطأ، فحجر عليه حجرا، و فيه قبور انبياء.

و اما ما ذكره فى التذكره، من النقل الذى دل على ان الحجر كان فى البيت، فى زمن ابراهيم و اسمعيل (ع): و له بابان شرقى و غربى، فهدمه السيل قبل مبعث النبى (ص) بعشر سنين، و اعادت قريش عمارته على الهيئة التى هو عليها اليوم، و قصرت الاموال الطيبه و الهدايا و النذر عن عمارته، فتركوا من جانب الحجر بعض البيت، و قطعوا الركنين الشاميين من قواعد ابراهيم (ع)، و ضيقوا عرض الجدار من الركن الاسود الى الشامى الذى يليه، فبقى من الاساس شبه الدكان مرتفعا، و هو الذى سمى الشاذ روان قال بعض الأجلأ: و هو مع مخالفته للنصوص، انما يدل على جزء من الحجر لا مجموعه، كما يستفاد من كلامهم، و الظاهر ان هذا الرواية انما هى من طرق المخالفين، فانهم رووا عن عايشه انها قالت: نذرت ان اصلى ركعتين فى البيت، فقال النبى (ص): صل فى الحجر فان فيه ستة اذرع من البيت، انتهى.

و كيف كان فيشكل الحكم بالدخول و كونه قبلة، فالاحوط عدم جريان احكام القبله و اداب داخل البيت عليه، و لو لم نقل بكونه اظهر، يجب الاستقبال فى فرائض الصلوة، يومية كانت او غيرها، الا صلوة الخوف، و عند الضرورة. إجماعا محققا و محكيّا و فى البحار: اكثر الاصحاب نقلوا الاجماع على وجوب الاستقبال فى فرائض الصلوات، يومية كانت او غيرها، إلا صلاة الخوف و عند الضرورة.

و فى المفاتيح: يجب استقبال القبله فى الفرائض كلها مع الاختيار بالكتاب و السنة و الضرورة من الدين، اما مع الاضطرار فلا، و يدل عليه مضافا الى الاجماع، ما رواه الفقيه فى باب القبلة، عن زرارة، عن ابى جعفر (ع): انه لا صلوة الا الى

ص: 230

القبلة، قال قلت: اين حد القبله؟ قال: ما بين المشرق و المغرب قبلة كله، قال قلت: فمن صلى لغير القبله يوم غيم فى غير الوقت، قال: يعيد، قال: و قال فى حديث آخر ذكره له: ثم استقبل القبله بوجهك، و لا تقلب بوجهك عن القبله فتفسد صلوتك، فان الله عز و جل يقول لنبيه (ص): «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» - الى ان قال - و قال (ع) لزرارة: لا تعاد الصلوة الا من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبله، و الركوع، و السجود.

و ما رواه فى البحار فى الباب المتقدم، عن تفسير على بن ابراهيم، فى تفسير قوله تعالى: «وَ لِلّٰهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»، قال العالم عليه السلام: فانها نزلت فى صلوة النافلة، فصلها حيث توجهت اذا كنت فى سفر و اما الفرائض فقوله: وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، يعنى الفرائض لا يصليها الا الى القبله.

و بالجمله الأخبار فى المسئله كثيرة، و لا نطول المقام بذكرها.

و اما الاشكال فى الاستدلال بالآية، بان غاية ما يستفاد منها عند التأمل وجوب التولية مطلقا، اما محلها و تكررها و عمومها فلا، و الصواب يستدل عليه بما دل على الشرطية، كقوله (ع) فى صحيحة زرارة، لا صلوة الا الى القبله، و يؤيده حديث: لا تعاد الصلوة الا من خمسة، غير وجيه لمكان خبر زرارة المتقدم و غيره، و كثرة الواجبات الشرطية بالنسبة الى الواجبات التعبدية، و الظن يلحق الشىء بالاعم الاغلب، فافهم.

و اما القول بان الاستدلال بالشرطية على الوجوب، انما يتم على القول بوجوب مقدمة الواجب، فلا يخلو عن وجاهة.

السادس: بطلان صلاة من استطال صفه حتى خرج عن الكعبة مع المشاهدة

قال بعض الأجلأ: قد صرح جملة من الاصحاب، منهم شيخنا فى الذكرى، بانه لو استطال صف المامومين مع المامومين مع المشاهدة، حتى خرج عن الكعبة، بطلت صلوة الخارج، لعدم اجزاء الجهة هنا، و لو استداروا صح للاجماع عليه عملا فى كل الاعصار السابقة، نعم يشترط ان لا يكون الماموم اقرب

ص: 231

من الامام انتهى و لا باس به، انتهى.

و يجب الاستقبال ايضا (عند الذبح) لما سيجئى فى محله ان شاء الله تعالى و (احتضار الميت) و قدمر تحقيقه و (دفنه و الصلوة عليه) و سيجئى تحقيقه ان شاء الله تعالى و (يستحب) الاستقبال (للنوافل) اجماعا على الظاهر، و يدل عليه قولهم (ع): افضل المجالس ما استقبل به القبله، و التأسى فان ذلك معلوم من فعل النبى (ص) و الأئمة عليهم، و قوله (ع): صلوا كما رايتمونى اصلى، كلام المصنف يحتمل للمعنيين، احدهما: ان يكون مراده الاستحباب مع الشرطية، نظير استحباب الطهارة، فعليه يصير قوله فيما بعد: و قيل الى غير القبله، من المزيفات عنده، و يؤيده كلمة قيل المشيرة الى التمريض.

و ثانيهما: ان يكون مراده معناه الظاهر، فيجوز الترك، و يؤيده قوله: و قيل الى غير القبله، حيث لم يشر الى قدحه، و كيف كان لا يظهر مذهبه هنا بظهور يعتدبه، الا بالنسبة الى استحباب الاستقبال فى النافلة، بمعنى استحقاقه للثواب بذلك.

جواز صلاة النافلة على الراحلة

اشارة

(و) يجوز ان (تصلى) النوافل (على الراحله) أقول: شرح هذا الكلام يقتضى جملة من الأخبار المتعلقه بالمقام، ثم بسطه فى مقامات، فنقول:

جملة من الأخبار المتعلقه بالمقام
الأول:

ما رواه التهذيب فى باب الصلوة فى الزيادات فى الصحيح، و الكافى فى باب التطوع فى السفر فى القوى، لمكان محمد بن سنان، عن الحلبى، انه سأل ابا عبد الله (ع) عن صلوة النافله على البعير و الدابة، فقال: نعم حيث كان متوجها، و كذلك فعل رسول الله (ص)، انتهى الخبر على ما فى التهذيب، و فى الكافى فقال: نعم حيث ما كنت متوجها، قلت: استقبل القبله اذا اردت التكبير، قال: لا و لكن تكبر حيث ما كان متوجها، و كذلك فعل رسول الله (ص)

الثانى:

ما رواه الكافى فى الباب المتقدم فى الصحيح او الحسن كالصحيح، لمكان ابراهيم عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن ابى عبد الله (ع)، فى الرجل يصلى النوافل فى الامصار، و هو على دابته حيث توجهت، به قال: نعم لا باس.

ص: 232

و رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم، عنه عن ابى الحسن (ع).

و رواه الفقيه ايضا فى باب الصلوة فى السفر، عنه عن ابى عبد الله (ع).

الثالث:

ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن حماد بن عثمان، عن ابى الحسن الأول (ع): فى الرجل يصلى النافلة، و هو على دابته فى الامصار، قال: لا بأس.

الرابع:

ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: قال لى ابو جعفر (ع): صل صلوة الليل و الوتر و الركعتين فى المحمل.

الخامس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن على بن مهزيار، قال: قرات فى كتاب لعبد الله بن محمد الى ابى الحسن (ع): اختلف اصحابنا فى رواياتهم عن ابى عبد الله (ع)، فى ركعتى الفجر فى السفر، فروى بعضهم ان صلهما فى المحمل، و روى بعضهم ان لا تصلهما الا على الارض، فاعلمنى كيف تصنع انت، لاقتدى بك فى ذلك، فوقع (ع): موسع عليك بايه عملت.

السادس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن ابراهيم الكرخى، عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت له: انى اقدر على ان اتوجه الى القبله فى المحمل، فقال: ما هذا الضيق؟ اما لك برسول الله اسوة؟

السابع:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن ابراهيم بن ميمون، عن ابى عبد الله (ع) قال: ان صليت و انت تمشى، كبرت ثم مشيت فقرات، فاذا اردت ان تركع اومأت بالركوع، ثم او مأت بالسجود، فليس فى السفر تطوع.

الثامن:

ما رواه ايضا فى باب نوافل الصلوة فى السفر فى الصحيح، عن سيف التمار، عن ابى عبد الله (ع) فى حديث: انما فرض الله على المسافر ركعتين لا قبلهما و لا بعدهما شىء، الا صلوة الليل على بعيرك حيث توجه بك.

التاسع:

ما رواه ايضا فى باب الصلوة فى السفر فى الزيادات فى الصحيح، عن عبد الرحمن بن ابى نجران، قال: سألت ابا الحسن (ع) عن الصلوة بالليل فى السفر فى المحمل، قال: اذا كنت على غير القبله فاستقبل القبله، ثم كبر وصل

ص: 233

حيث ذهب بك بعيرك، قلت: جعلت فداك فى اول الليل، فقال: اذ اخفت الفوت فى آخره.

العاشر:

ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن الحسن بن على، عن عبد الله بن المغيرة، و صفوان بن يحيى، و محمد بن ابى عمير، عن اصحابهم، عن ابى عبد الله (ع): فى الصلوة فى المحمل فقال: صل متربعا، و ممدود الرجلين، و كيف امكنك.

الحادى عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن ابى الحسن (ع) قال: سألته عن صلوة النافلة فى الحضر على ظهر الدابة، اذا خرجت قريبا من ابيات الكوفه، او كنت مستعجلا بالكوفه، فقال: ان كنت مستعجلا لا تقدر على النزول، و تخوفت فوت ذلك ان تركته و انت راكب، فنعم، و الا فان صلوتك على الارض احب الى.

الثانى عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن معوية بن وهب، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: كان ابى يدعو بالطهور فى السفر، و هو فى محمله، فيؤتى بالتور فيه الماء، فيتوضأ ثم يصلى الثمان و الوتر فى محمله، فاذا نزل صلى الركعتين و الصبح.

الثالث عشر:

ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح، عن معوية بن عمار، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا باس بأن يصلى الرجل صلوة الليل فى السفر و هو يمشى، و لا باس ان فاتته صلوة الليل ان يقضيها بالنهار و هو يمشى، يتوجه الى القبلة ثم يمشى، و يقرا فاذا اراد ان يركع حول وجهه الى القبله و ركع و سجد ثم مشى.

الرابع عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن يعقوب بن شعيب قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الصلوة فى السفر و انا امشى، قال: اوم ايماء و اجعل السجود اخفض من الركوع.

الخامس عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن حريز، عمن

ص: 234

ذكره، عن ابى جعفر (ع): انه لم يكن يرى باسا ان يصلى الماشى و هو يمشى، و لكن لا يسوق الابل.

السادس عشر:

ما رواه الكافى فى باب التطوع فى السفر فى الموثق، عن سماعة قال: سألته عن الصلوة فى السفر - الى ان قال - و ليتطوع بالليل ما شاء، ان كان نازلا، و ان كان راكبا فليصل على دابته و هو راكب، و ليكن صلوته ايماء، و ليكن رأسه حيث يريد السجود اخفض من ركوعه.

السابع عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن يعقوب بن شعيب قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يصلى على راحلته، قال: يؤمى ايماء، يجعل السجود اخفض من الركوع، قلت: يصلى و هو يمشى، قال: نعم، يؤمى ايماء، و ليجعل السجود اخفض من الركوع.

الثامن عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن صفوان، عن ابى الحسن الرضا (ع) قال: صل ركعتى الفجر فى المحمل.

التاسع عشر:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن ابى الحرث قال:

سألته يعنى الرضا (ع)، عن الاربع ركعات بعد المغرب فى السفر، يعجلنى الجمال فلا يمكننى الصلوة على الارض، هل اصليها فى المحمل؟ قال: نعم صلها فى المحمل.

العشرون:
اشارة

ما رواه الفقيه فى باب الصلوة فى السفر، عن سعيد بن يسار، انه سأل ابا عبد الله (ع) عن الرجل يصلى صلوة الليل و هو على دابته، اله ان يعطى وجهه و هو يصلى؟ قال: اما اذا قرا فنعم، و اما اذا اومى بوجهه للسجود، فليكشفه حيث اومأت به الدابة.

بيان:

قال بعض الأجلأ: قال فى الوافى: و ذلك لأن الايماء بالوجه، بدل من السجود الذى يشترط فيه كشف الجهة، بخلاف القراءة، و هو حسن، انتهى.

الحادى العشرون:

ما رواه التهذيب فى باب صلوة المضطر فى الصحيح،

ص: 235

عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا يصلى على الدابة الفريضة، الا مريض يستقبل به القبله، و يجزيه فاتحة الكتاب، و يصنع بوجهه فى الفريضه على ما امكنه، و يومى فى النافله ايماء.

الثانى و العشرون:

ما رواه فى البحار فى باب القبله، عن تفسير على بن ابراهيم، بعد قوله تعالى: «وَ لِلّٰهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»، قال العالم (ع): فانها نزلت فى صلوة النافلة، فصلها حيث توجهت اذا كنت فى سفر، و اما الفرايض فقوله: «وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»، يعنى الفرايض لا يصليها الا الى القبلة.

الثالث و العشرون:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن المعتبر، نقلا من كتاب احمد بن محمد بن ابى نصر، عن حماد بن عثمان، عن الحسين بن المختار عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الرجل يصلى و هو يمشى، قال: نعم، قال ابن ابى نصر: و سمعته انا من الحسين بن مختار.

الرابع و العشرون:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن فقه القران للراوندى، انه قال: روى عنهما (ع)، ان قوله تعالى: «وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»، فى الفرض، و قوله: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»، قالا هو فى النافلة.

الخامس و العشرون:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن الاسناد، و كتاب المسائل، عن على بن جعفر، عن اخيه (ع)، قال: سألته عن الرجل يلتفت فى صلوته، يقطع ذلك صلوته، قال: اذا كانت الفريضة و التفت الى خلفه فقد قطع صلوته، و ان كانت له نافلة لم يقطع ذلك صلوته، و لكن لا يعود.

السادس و العشرون:

ما رواه فى الباب المتقدم، عن نهاية الشيخ، عن الصادق (ع) فى قوله تعالى: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»، قال: هذا فى النوافل خاصة، فى حال السفر، و اما الفرائض فلا بد فيها من استقبال القبله.

السابع و العشرون:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن مجمع البيان، عن ابى جعفر، و ابى عبد الله عليه السلام، فى قوله تعالى: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا

ص: 236

فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»، انما(1) ليست بمنسوخة، و انما مخصوصة بالنوافل فى حال السفر.

الثامن و العشرون:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن العلل، عن جعفر بن محمد مسرور عن الحسين بن عامر بن محمد، عن عمه عبد الله، عن ابن ابى عمير، عن حماد، عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الرجل يقرا السجدة و هو على ظهر دابته، قال: يسجد حيث توجهت به فان رسول الله (ص) كان يصلى على ناقته، و هو مستقبل المدينة، يقول الله عز و جل: فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ.

و روى ايضا فى باب وجوب الاستقرار فى الصلوة، عن العياشى، عن حماد بن عثمان، عن ابى عبد الله (ع)، مثله، الا ان فيه: كان يصلى على ناقته النافلة و هو مستقبل المدينة.

التاسع و العشرون:

ما رواه ايضا فى باب القبلة، عن العياشى، عن حريز، قال ابو جعفر (ع): انزل الله هذه الآية فى التطوع خاصة: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ»، و صلى رسول الله (ص) ايماء على راحلته، اينما توجهت به، حيث خرج الى خيبر، و حين رجع من مكه، و جعل الكعبة خلف ظهره، قال:

قال زرارة: قلت لأبى عبد الله (ع): الصلوة فى السفر، السفينة و المحمل سواء، قال: النافلة كلها سواء، تومى ايماء اينما توجهت دابتك و سفينتك، و الفريضة تنزل لها عن المحمل الى الارض، الا من خوف فان خفت او مات، و اما السفينة فصل فيها قائما و توخ القبله يجهدك، ان نوحا (ع) قد صلى الفريضة فيها قائما متوجها الى القبله، و هى مطبقة عليهم، قال قلت: و ما كان علمه بالقبله فيتوجهها و هى مطبقة عليهم؟ قال: كان جبرئيل (ع) يقدمه نحوها، قال قلت:

فاتوجه نحوها فى كل تكبيرة، قال: اما النافلة فلا، ان ما يكبر فى النافله على غير القبله اكثر، ثم قال: كل ذلك قبلة للمستقبل، انه قال: فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ

ص: 237


1- انها خ ظ.

اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ.

الثلاثون:

ما رواه ايضا فى باب وجوب الاستقرار فى الصلوة، عن كشف الغمة، نقلا من كتاب الدلائل للحميرى، عن فيض بن المطر قال: دخلت على ابى جعفر (ع) و انما اريد ان اسئله عن صلوة الليل فى المحمل، قال: فابتدانى فقال:

كان رسول الله (ص)، يصلى على راحلته حيث توجهت به.

الحادى و الثلاثون:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن المحاسن، عن على بن النعمان، عمن ذكره، عن ابى عبد الله (ع)، فى الرجل يصلى و هو على دابة ملثما يومى، قال: يكشف موضع السجود.

الثانى و الثلاثون:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم منه، عن على بن الحكم عمن ذكره، قال: رأيت ابا عبد الله (ع) فى المحمل يسجد على القرطاس، و اكثر ذلك يومى ايماء.

الثالث و الثلاثون:

ما رواه فى الباب المتقدم، عن قرب الاسناد، عن محمد بن عيسى و الحسن بن ظريف و على بن اسمعيل كلهم، عن حماد بن عيسى، قال:

سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: خرج رسول الله (ص) الى تبوك، فقال: يصلى الى راحلته حيث توجهت به و يومى ايماء.

و روى عن اربعين الشهيد، باسناده عن الصدوق عن جعفر بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميرى، عن والده، عن محمد بن عيسى، عن حماد، مثله.

الرابع و الثلاثون:

ما رواه فى الباب المتقدم، عن قرب الاسناد، عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر بن محمد، عن ابيه، عن على عليهم السلام، ان رسول الله (ص) اوتر على راحلته فى غزاة تبوك، قال: و كان على (ع) يوتر على راحلته، اذا جد به السير.

الخامس و الثلاثون:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن المقنعه، قال: سئل عليه السلام عن الرجل يجد به السير، ايصلى على راحلته؟ قال: لا باس بذلك،

ص: 238

و يومى ايماء، و كذلك الما شى اذا اضطر الى الصلوة.

السادس و الثلاثون:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن فقه الرضا (ع)، قال (ع): اذا كنت فى السفينة، فحضرت الصلوة فاستقبل القبله - و ساق الحديث الى ان قال - و يجزيك فى النافله ان تفتتح الصلوة تجاه القبله، ثم لا يضرك دارت السفينة، لقوله تبارك و تعالى: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ» - الى ان قال - و اذا اردت ان تصلى نافلة و انت راكب، فاستقبل رأس دابتك حيث توجه بك، مستقبل القبله او مستدبرها، يمينا و شمالا الحديث.

السابع و الثلاثون:

ما رواه التهذيب فى باب نوافل الصلوة فى السفر، فى الصحيح عن صفوان الجمال، قال: كان ابو عبد الله (ع) يصلى صلوة الليل بالنهار، على راحلته اينما توجهت به.

الثامن و الثلاثون:

ما نقله عن المجمع فى باب القبله، فى تفسير قوله تعالى:

«فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا» الى آخره، قال: و فى المجمع قيل معناه باى مكان تولوا فثم الله يعلم و يرى، فادعوه كيف توجهتم، قال: و قيل نزلت فى التطوع على الراحلة حيث توجهت حال السفر، و هو المروى عن أئمتنا (ع).

التاسع و الثلاثون:

ما نقله عن الجوامع بعد ذلك، قال: و فى الجوامع لم يقيد بحال السفر، قال: و هو عنهم (ع)، و نحوه فى التذكره عن ابى عبد الله عليه السلام، و فى التحرير: استفاض النقل انها فى النافله، أقول: عن التبيان روى ذلك عن الباقر و الصادق (ع).

الأربعون:

ما رواه فى الباب المتقدم عن المجمع، انه قال: روى عن جابر انه قال: بعث النبى (ص) سرية كنت فيها، و اصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقال الطائفه منا: قد عرفنا القبله هى ههنا قبل الشمال، فصلوا او خطوا خطوطا، و قال بعضنا: القبله هى هنا قبل الجنوب، فخطوا خطوطا، فلما اصبحوا و طلعت الشمس اصبحت تلك الخطوط لغير القبله، فلما رجعنا من سفرنا سألنا

ص: 239

النبى (ص) عن ذلك فسكت، فانزل الله هذه(1) الآية قال: و ذكر فى الجوامع قريبا منه عن عامر بن ربيعه عن ابيه.

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان تحقيق الكلام فى هذا المقام، يقتضى بسطه فى مقامات.
الأول: يجوز ان يصلى النوافل فى السفر، على الراحلة حيثما توجهت و لو الى غير القبله،
اشارة

اجماعا ظاهرا و محكيا، عن التحرير و المنتهى و الذكرى و غيرهم، و يدل عليه بعد الاجماع، قوله تعالى: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»، و اكثر الأخبار المتقدمه.

تذنيب:

هل يتعين الاستقبال بتكبيرة الاحرام؟ كما عن الحلى ناقلا عن جماعة من الاصحاب الا من شذ، ام لا بل يستحب؟ كما ذهب اليه آخرون وجهان: للحلى الخبر التاسع المؤيد بالخبر الثالث عشر، و التاسع و العشرين، و السادس و الثلاثين، و فيه نظر لمكان ذيل الخبر الأول على ما نقلناه، كما عن الكافى المؤيد باطلاق اكثر الأخبار المتقدمة كالآية، فليحمل الخبر التاسع على الاستحباب، اذ لا تعارض بين النص و الظاهر، و لو لا الذيل المشار اليه، لكان قول الحلى بحسب الدليل قويا، و لا يمكن ان يحتج عليه بالاطلاق، اذ الخبر التاسع يهدمه هدما، فبما ذكر ظهر ما يرد على صاحب المدارك و من تابعه و هو الشارح المحقق، و العجب ان الشارح المحقق مع نقله الخبر الأول على ما فى الكافى، كيف لم يتشبث به لهدم ما ذهب اليه الحلى؟ و تشبث بما لا ينفعه من الاطلاقات، و لعل عذره فى عدم تمسكه فيه به هو محمد بن سنان الواقع فى سند الكافى، و الحق ان السند بسببه قوى لو لم نقل بصحته، لما سيظهر، و كيف كان فالاظهر عندى هو القول بالاستحباب، و ان كان الاحتياط فى جانب الحلى.

ص: 240


1- قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا الى آخره.
الثانى: يجوز ان يصلى النوافل فى الحضر على الراحلة حيثما توجهت،

و لوالى غير القبله، على ما اختاره الشيخ و عامة متاخرى الاصحاب، قاله بعض الأجله خلافا للمحكى عن العمانى و الحلى فى ظاهر كلامه، حيث خصّ صحة صلوة النافله على الراحلة بالسفر خاصة، للمشهور وجهان:

الأول: الاجماع المحكى عن الشيخ، المعتضد بالشهرة.

الثانى: الخبر الثانى و الثالث و الحادى عشر، المؤيد باطلاق جملة من الأخبار، منها الخبر السادس و الثلاثون، و ما ضاهاها، و باطلاق قوله تعالى:

«فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»، و التعارض بين الأخبار الآمره بالقبلة و هذه الأخبار، و ان كان العموم من وجه، و لكن الترجيح مع المشهور بلا شبهة.

و للعمانى وجوه: الأول: ان مقتضى الاصل و المستنبط من الأخبار، هو لزوم الصلوة الى القبلة مطلقا و لو نافلة، فلا بد من الاقتصار فيما خالفه على المجمع عليه، و هو السفر خاصة.

الثانى: مفهوم الشرط المتضمن له الخبر الثانى و العشرون، المؤيد بتقييد جملة من الأخبار المتقدمه.

الثالث: قوله تعالى: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا» الى آخره، بعد ملاحظة الخبر الثانى و العشرين و السادس و العشرين و السابع و العشرين و الثامن و الثلاثين.

و فى الكل نظر: اما فى الأول، فلان الخروج عنه بعد قيام الدليل لازم، و هو فى المقام موجود كما عرفت، و اما فى الثانى: فلان المفهوم لا يقاوم، لمعارضة المنطوق، سيما بعد احتمال كون القيد واردا مورد الغالب، و اما فى الثالث:

فلان ورود الآية فى السفر خاصة، لا يستلزم عدم المشروعية فى غيره.

هذا مضافا الى ورود جملة من الأخبار الدالة على انها نزلت فى مطلق النافلة، منها الخبر الرابع و العشرون، و التاسع و العشرون، و التاسع و الثلاثون، و الى صحيحة معوية بن عمار المروية فى الفقيه فى باب القبله، عن الرجل يقوم فى الصلوة، ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى انه قد انحرف يمينا او شمالا، فقال: له قد

ص: 241

مضت صلوته و ما(1) بين المشرق و المغرب قبلة، و نزلت هذه الآية فى قبلة المتحير: «وَ لِلّٰهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»، و احتمال كونه قوله: و نزلت هذه الآية من كلام الصدوق غير ضاير، اذ الظاهر لا يقول الا عن رواية، و روى التهذيب فى باب القبله عن محمد بن الحصين، قال: كتبت الى العبد صالح:

الرجل يصلى فى يوم غيم فى فلاة من الارض و لا يعرف القبله فيصلى حتى اذا فرغ من صلوته بدت له الشمس، فاذا هو قد صلى لغير القبله، يعتد بصلوته ام يعيدها؟ فكتب: يعيدها ما لم يفت الوقت، او لم يعلم ان اللّه يقول و قوله الحق: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ».

و بالجملة قد ورد فى القران قوله تعالى: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»، فليحمل على عمومه حتى يظهر المخرج، و لم يظهر، قال فى كنز العرفان: اعلم انه مهما تكثر الفائدة مع بقاء اللفظ على عمومه كان اولى، انتهى.

و قوله تعالى: «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ»، لا يعارض ما ذكر، لوجهين ما اصلنا هما على اهل الكمال، و بالجمله لا شبهة فى ارجحية المشهور.

المقام الثالث: هل يجوز صلوة النافلة ماشيا فى السّفر و الحضر مطلقا و لوالى غير القبله،

ام لا؟ المشهور على الأول، بل قيل عليه عامة من تأخر، خلافا لمن خالف فى المقام الثانى، و هو العمانى و الحلى فى ظاهر كلامه.

للمشهور وجهان: الأول: الاجماع المحكى عن ظاهر المنتهى، المعتضد بالشهرة الثانى: جملة من الأخبار منها الخبر الثالث و العشرون، لمكان ترك الاستفصال، و منها الخبر السابع و الخامس عشر، على اشكال فى دلالتهما على تمام المدعى سيما الاخير، و منها الخبر الثالث عشر حيث اشتمل على قوله: (ع):

و لا باس ان فاتته الى آخره، على اشكال جزئى فى دلالته على تمام المدعى، كذيل الخبر السابع عشر، و منها صدر الخبر الرابع عشر، و هما ايضا يدلان على

ص: 242


1- فما خ ل.

المدعى و لو فى الجمله، بل يمكن ان يقال: انا لم نجد قائلا يقول بجواز صلوة النافله ماشيا فى السفر دون الحضر، فبملاحظته ينطبقان على تمام المدعى، و يؤيدها اطلاق الآية المشار اليها.

و بالجملة قول المشهور هو المنصور، لما تقدم من الاجماع المحكى و الاخبار، فكلاهما مستقلان عمدتان فى الاستدلال، فما ذكره بعض الأجله بان العمد فى التعميم للماشى فى الحضر، هو الاجماع المنقول بل المحقق، لعدم قائل بالمنع عن صلوته فيه، مع تجويز صلوة الراكب فيه، فكل من صححها صحح صلوة الماشى حضرا، و كل من ابطلها ابطلها، و هو العمانى و الحلى فى ظاهر كلامه غير وجيه، و ان كان ما اشار اليه من الاجماع ايضا حجة اخرى، كالأخبار و اجماع المنتهى مستقلة.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: يكفى فى النافلة راكبا و ماشيا مطلقا، سواء كان فى السفر او الحضر، الايماء للركوع و السجود،
اشارة

و ليكن السجود اخفض من الركوع، للخبر السابع، و الرابع عشر، و السادس عشر، و السابع عشر، و العشرين، و الحادى و العشرين، و الثانى و الثلاثين، و الثالث و الثلاثين، و الخامس و الثلاثين، و لا يجب فى الايماء للسجود اذا صلى على الدابة، وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه، للخبر الحادى و العشرين، و ان كان الاولى، لعلّه ذلك لمكان الخبر الثانى و الثلاثين.

و بالجمله لا شبهة فى جواز الايماء للركوع و السجود، فى الفروض المزبورة، قال بعض الأجله: و لو ركع و سجد مع الامكان، كان اولى للصحيح انتهى، و لعله اراد منه الخبر الثالث عشر، و فيه مناقشة سيظهر.

تنبيه:

قال فى المسالك: و يوميان - اى الراكب و الماشى - للركوع و السجود براسيهما، ثم بالعينين، مع عدم امكان ما هو اتم منه.

الثانى: قال بعض الأجلاء: ان الافضل للماشى ان يحول وجهه الى

ص: 243

القبله،

و يركع و يسجد على الوجه الحقيقى فيهما، و مستنده هو المجمع بين الخبر الثالث عشر، و ركع و سجد ثم مشى على الركوع و السجود، على النهج الايماء، محمل قريب، لما يظهر بالتدبر فى سوق الخبر المذكور، و فى غيره من الأخبار الامره بالايماء فيهما، فحينئذ حمل الركوع و السجود الواقعين فيه على الوجه الحقيقى فيهما مشكل، نعم لا ريب فى افضلية الاستقبال فيهما للماشى.

الثالث: الافضل فى النافلة فى الحضر أن يكون على الأرض،

لمكان الخبر الحادى عشر، و اما فى السفر فظاهر الخبر الخامس هو التخيير، و الاستدلال على الأفضلية بالخبر الخامس و الثلاثين لا يخلو عن اشكال، لمكان احتمال الفريضة، نعم صلوة الوتر و ركعتى الفجر على الارض افضل، لمكان الخبر الثانى عشر، و الرابع و الثلاثين، و المراد بالوتر هو الركعات الثلاث، لما ظهر فى بحث النوافل.

و اما الاستدلال على الافضلية، بما رواه التهذيب فى باب المواقيت فى الزيادات، عن عمار فى حديث طويل: عن الرّجل يكون عليه صلوة فى الحضر، هل يقضيها و هو مسافر؟ قال: نعم يقضيها بالليل على الارض، فاما على الظهر فلا، فمشكل لما ذكره بعض الأجلأ، من انه يمكن حمله على الفريضة، قال: و تخصيص الليل بالقضاء لأنه وقت النزول و الاستراحة غالبا، قال: و لو حمل على النافلة، لأشكل الحكم فيه بمخالفة الاخبار المستفيضة بجواز النافلة على الدابة مطلقا، و تخصيص القضاء بالمنع غير مقبول، الا ان يحمل على متفردات عمار، فى اخباره بالاحكام المستغربة.

الرابع: يجوز ان يصلى فى المحمل متربعا،

و ممدود الرجلين و غيرهما من الحالات التى يتفق للراكب، لمكان الخبر العاشر.

الخامس: اذا صلى على الراحلة و مغطى الوجهه، فاذا اومئ للسجود فليكشفه،

لمكان الخبر العشرين و الحادى و الثلاثين، و هل يكشف عن موضع السّجود خاصة؟ كما يدل عليه الخبر الاخير، او عن مطلق الوجه؟ كما هو ظاهر الأول، و لعل الاولى هو الكشف عن مطلق الوجه.

هل يجوز النافلة الى غير القبلة

(و) قيل يجوز النافله (الى غير القبله) و لو لم يكن فى حال الرّكوب و

ص: 244

المشى، و هو مختار المحقق، و تبعه المتأخرون، كما عن ظاهر الخلاف، و صرّح جماعة بالمنع.

للأولين وجوه:

الأول: الأصل.

الثانى: قوله تعالى: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»، و لا ضرورة لحمله على حال السفر و الركوب، و لا على النسخ، و لا يعارضه آية: «فَوَلِّ وَجْهَكَ» الى آخره، لما دلّ على كونها فى الفريضة، و هو ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب القبله فى الصحيح، عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، انه قال: ثم استقبل القبلة بوجهك، و لا تقلب بوجهك عن القبلة فتفسد صلوتك، فان اللّه عز و جل يقول لنبيه (ص) فى الفريضه:

«فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» الحديث، و الخبر الثانى و العشرون، و الرابع و العشرون، المتقدمان فى قبيل المتن.

و القول بأن معنى الآية هو ما قاله صاحب الجوامع و صاحب الكشاف و البيضاوى، و هو ان مجموع ما فى جهة المشرق و المغرب لله، ففى اى مكان فعلتم التولية اى تولية وجوهكم شطر القبله، فثم جهة الله التى امر بها و رضيها، و المعنى:

انكم اذا منعتم ان تصلوا فى المسجد الحرام او فى بيت المقدس، فقد جعلنا لكم الارض مسجدا، فصلوا فى اى بقعة شئتم من بقاعها، و افعلوا التولية فيها، فان التولية لا يختص بمسجد و لا مكان، و يؤيد ذلك قوله تعالى فيما قبل الآية: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسٰاجِدَ اَللّٰهِ» الآية.

عدول عن ظاهر اللفظ بلا دليل، اذ اى دليل دل على ان معنى فاينما تولّوا: اىّ مكان تولوا وجوهكم الى القبله، مع انه ليس وجه الله ذلك المكان الذى وقعت التولية، بل ما وقعت التولية، فينا فى قوله: «فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ».

بل معنى الآية على ما يقتضيه قاعدة اللفظ و الله تعالى هو العالم: «وَ لِلّٰهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ» لا يختص به مكان دون مكان كالكعبة و غيرها، فباى مكان تولوا وجوهكم فثم جهة الله التى امر بها او رضيها، او فثم قبلة الله، و عن مجمع البيان:

ص: 245

الوجه و الجهة و الوجهة: القبله او ذات الله، فافهم.

و القول بأن معناها ما نقله البيضاوى، و هو ان المراد بأى مكان فعلتم التولية نحو المسجد الحرام، فهناك وجه الله اى ذات الله يعلم و يرى، فيكون المراد بالوجه الذات كما فى قوله تعالى: «كُلُّ شَيْ ءٍ هٰالِكٌ إِلاّٰ وَجْهَهُ»، و قوله: «يُرِيدُونَ وَجْهَهُ»، و قوله: «وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاٰلِ وَ اَلْإِكْرٰامِ»، لا يساعده قاعدة اللفظ لما مر.

و اما ما حكى عن مجمع البيان ناقلا عن بعض المفسرين و هو ان معناها بأى مكان تولوا، فثم اللّه يعلم(1) و يرى، فادعوه كيف توجهتم، فلا شاهد له، كالمحكى عن الطبرسى ايضا عن بعض المفسرين، من ان المراد فثم رضوان الله، اى الوجه الذى يؤدى الى رضوانه، كما يقال: هذا وجه الصّواب.

و القول بأن معناها هو ما نقله صاحب الكشاف عن بعضهم، و هو ان المراد فاينما تولوا للدعاء و الذكر، و لم يرد الصلوة، تحكّم.

و اما القول بما فى بعض التفاسير، حيث قال: قال مجاهد و الحسن: لما نزلت: «وَ قٰالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»، قالوا: اين ندعوه؟ فأنزل الآية، و قال ابو العاليه لما صرفت القبله قالت اليهود: ليست لهم قبله معلومة، فتارة يصلون هكذا، فنزلت، فغير مسموع، لما ذكره بعض بأنه تخصيص من غير دليل.

و ما قاله مجاهد و الحسن و ابو العاليه، غير ثابت.

و القول بأنها نزلت فى قوم غمت عليهم القبله، فصلوا الى انحاء مختلفه، فلما اصبحوا تبينّوا خطأهم، مع عدم ثبوته، و ان دل عليه الخبر الاربعون المتقدم فى قبيل المتن، المؤيد بما ذكر فى الفقيه فى باب القبله، بعد ذكر صحيحة معوية بن عمار، الذى يحتمل ان يكون من قول ابى جعفر، و ان يكون من قول الصدوق، لمكان معارضته بالأخبار المستفيضة المتقدمة، و ضعف سنده لا يضرنا لما مر.

ص: 246


1- قيل على هذا التفسير للوجه يحتمل ان يكون المراد باى مكان تولوا فثم اللّه اى يعلم و يعرف بالدلائل و الشواهد المنصوبة فى البلاد و العباد فى مشارق الارض و مغاربها انتهى فافهم. (منه)

و القول بأنه كان للمسلمين التوجه الى حيث شاؤا فى صلوتهم، كما فى مجمع البيان، او من الصخرة و الكعبة، كما فى الكبير و كتاب الراوندى، و فيه نزلت الآية ثم نسخت، غير ثابت، سيما بعد ملاحظة الخبر السابع و العشرين المتقدم فى قبيل المتن.

الثالث الخبر الخامس و العشرون المتقدم فى قبيل المتن.

و للاخرين ايضا وجوه:

الأول قول ابى جعفر (ع) فى صحيحة زرارة المروية فى الفقيه فى باب القبله: لا صلوة الا الى القبله.

الثانى ان المعلوم من فعل النبى و الأئمة عليهم السلام ذلك، فيكون واجبا لمكان التأسى.

الثالث ما اشار اليه بعض المحققين، من ان العبادات توقيفية، و لم يثبت صحة النافله الى غير القبله، و لو صحت الى غير القبلة لاقتضى العادة صدوره عن واحد من الشرع، و لو صدر لشاع و ذاع لتوفّر الدّواعى، و كثرا الصدور عن المكلفين، مع انه لم يظهر من طريق الأخبار، بل لو صليت الى غير القبله، لبادر المسلمون الى الانكار، كمبادرتهم فى الانكار على مرتكب خلاف الضرورة جدا.

أقول: و المناقشة و ان كانت جارية فى كل من هذه الادلة الثلاثه، و لكنه الانصاف ان المسئلة محل اشكال، و الاحتياط فى العبادات اقرب الى النجاة، فلا ينبغى تركه.

في عدم جواز الفريضة على الراحلة و الى غير القبلة

اشارة

(و لا يجوز ذلك) المذكور من الصلوة على الراحلة و الى غير القبله (فى الفريضة) اما الثانى فقد مر دليله، و اما الأول فيدل عليه بعد الاجماع المحكى عن التحرير و الذكرى من العلماء، جملة من الأخبار:

منها ما رواه التهذيب فى آخر باب صلوة المضطرين فى الزيادات، عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبى عبد الله (ع): ا يصلى الرجل شيئا من المفروض راكبا؟ قال: لا الا من ضرورة.

ص: 247

و منها الخبر الحادى و العشرون، المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و تصلى على الراحلة.

و منها ما رواه التهذيب فى اواخر باب السّفر فى الزيادات، عن ابن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: لا تصل شيئا من المفروض راكبا، قال النضر فى حديثه:

الا ان يكون مريضا.

و منها التهذيب ايضا فى اواخر باب صلوة المضطر فى الزيادات، عن منصور بن حازم قال: سأله احمد بن النعمان فقال: اصلى فى محملى و انا مريض، قال:

أما النافلة فنعم و اما الفريضة فلا، قال و ذكر احمد شدة وجعه فقال: انا كنت مريضا شديد المرض، فكنت امرهم اذا حضرت الصلوة ينيخوا بى، فأحتمل بفراشى فاوضع فاصلى، ثم احتمل بفراشى فاوضع فى محملى.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: مقتضى اطلاق المتن كغيره، و هو تعميم الحكم بالنسبة الى كل صلوة واجبة، حتى نحو الصلوة المنذوره،

و عدم الاختصاص بالصلوات الخمس اليومية، و به صرح المصنف فى التحرير، كما عن المنتهى و المبسوط، و تبعهما الشهيد فى الذكرى، حيث قال: لا تصح الفريضة على الراحلة اختيارا اجماعا، لاختلال الاستقبال، و ان كانت منذورة، سواء نذرها راكبا او مستقرا على الارض، لأنها بالنذر اعطيت حكم الواجب.

و تنظر فيه جمع، لمكان الأصل و عموم ما دل على وجوب الوفاء بالنذر، و ما رواه التهذيب فى باب السّفر فى الزيادات فى الصحيح، عن محمد بن احمد العلوى، الذى قيل فى شانه انه يروى عنه الأجله، كمحمد بن على بن محبوب، و محمد بن احمد بن يحيى، و لم تستثن روايته، و عن البلغه صحح العلامه الروايات التى هو فى طريقها فى المختلف، و المنتهى كما نبّه عليه فى المنتقى، و اقتضاه صاحب المدارك فى مباحث الحج، عن العمركى البوفكى، عن على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن رجل جعل لله عليه ان يصلى بكذا و كذا، هل يجزيه

ص: 248

ان يصلى ذلك على دابته و هو مسافر؟ قال: نعم.

و القول فى مقام الاعتراض على الاصل، و عموم ما دل على الوفاء بالنذر، بان ما دل على المنع خاص بالنسبة الى هذين فليقدم، غير وجيه، لمكان القول لأن التبادر و الغلبة حاكمان بأن المراد من الأخبار المانعة غير الصلوة المنذوره، هذا مضافا الى ان لفظ الفريضة يستعمل كثيرا فى النصوص، فيما استفيد وجوبه من الكتاب، لا السنة فالخمس اليومية هو المراد، فيبقيان سليمين عن المعارضة.

و القول بأن رواية منصور بن حازم المتقدمة، مشعرة بعموم الفريضة لكل صلوة واجبه، و لو بالتنبيه، غير وجيه، لمكان القول بأن رواية على بن جعفر المتقدمة، غير صالح للحجية، لمكان محمد بن احمد العلوى، غير وجيه لما تقدم اليه الاشارة.

و القول بأنها عامة بالنسبة الى حالتى الأختيار و الضرورة، فلتخصص بالاخيرة جمعا بين الادلة، غير وجيه، لما تقدم من ان عموم المنع حتى بالنسبة الى المنذورة غير ثابت، لمكان التبادر المتقدم اليه الاشارة.

و كيف كان فالذى يظهر عندى هو القول بالاشتراط، و عدم جواز الايقاع على الراحلة، فى مطلق الصلوات الواجبه بالاصل كاليومية و الايات، لاطلاق الاجماع المحكى المعتضد بعموم جملة من الأخبار، و لا يعارضه ما رواه فى البحار فى باب الاستقرار، عن قرب الاسناد، عن محمد بن عبد الحميد، عن الحسن بن على بن فضال، عن الفضل الواسطى قال: كتبت اليه: كسفت الشمس و القمر و انا راكب، قال فكتب الى: صل على مركبك الذى انت عليه، لوجوه عديدة، منها الكلام فى الفضل و الاضمار، و بالجواز عليها فى الصّلوة المنذورة الواجبة بالعارض، لرواية على بن جعفر المتقدمة، خصوصا مع وقوع النذر على تلك الكيفية، وفاقا لغير واحد من متاخرى الطائفه، بل ربما يشكل معها القول بأن الاحوط هو الترك، فافهم.

نعم لو نذر ايقاعها على الارض، فالاحوط عدم الاتيان بها على الراحله،

ص: 249

لو لم نقل بأنه هو الاظهر، فان قلت: يظهر من الشارح المقدس رحمه الله، عدم جواز التفصيل الذى فصلناه، حيث قال فى بيان صحة الاتيان بالفريضة على المعقوله من الدابة، بعد ذكر رواية على بن جعفر المتقدمة عن التهذيب، ما لفظه: و فى الطريق محمد بن احمد العلوى، ما اعرفه الان، لكنهم قالوا: طريقه فيه اليه صحيح، فيحتمل الصحة، و هى ظاهرة فى جواز صلوة النذور على الدابة، و لا فرق بين الفرائض، فاقل الحال ان يحمل المعقول للجمع، قلت: الاجماع المركب بعد لم يثبت عندى.

فان قلت: ما تقول فى اطلاق اجماع الذكرى؟ قلت: مناط حجيته هو المظنه، و هى فى المقام مفقودة.

الثانى لو امكن للراكب استيفاء الافعال على الدابة،

بأن كان امنا عن الحركة و الاضطراب و نحو هما من الموانع، كأن كانت الدابة معقولة، فهل يجوز الصلوة عليها ام لا؟ المشهور على الثانى قاله جماعة، و ذهب جماعة الى الأول، و هو المحكى عن الصادق فى الفقيه و التذكره.

للأولين اطلاق الأمر بالصلوة، و ردّه بأن الاطلاق ينصرف الى القرار المعهود، و هو ما كان على الارض و ما فى معناها، كالزورق(1) المشدود على الساحل، لأنه بمثابة السرير و تحركه سفلا و صعدا كتحرك السرير على وجه الارض، و ليست الدابة للقرار عليها، و بهذا الوجه تمسك الشهيد حيث اختار المنع.

أقول: الا وجه هو ان يبين الاعتراض هكذا: الاطلاقات منصرفة الى الافراد الشايعة المتعارفة لا النادرة، و لا ريب ان الصلوة على البعير المعقول مثلا من الافراد النادرة، و يمكن ان يقال: تحقق الشيوع المذكور فى اول امر وقع فى القران بالصّلوة ممنوع، فنحن نستدل باطلاقه، بل يمكن الاستدلال بالأوامر القرانيه الوارده فى اوائل الشريعة، و فيه نوع مناقشة احلناها على اهل الكمال، و

ص: 250


1- زورق بالفتح كشتى خورد، منتخب. (منه)

لكنها بعد التدبر و لو فى الجمله، مدفوعة على اشكال.

و للآخرين وجهان:

الأول: ما اشار اليه الشهيد رحمه الله، و قد تقدم اليه الاشارة.

الثانى: ما اشار اليه شقيقه فى الرّوض، و هو عموم قول الصادق (ع) فى صحيحة عبد الرحمن: لا يصلى على الدابة الفريضة الا مريض مستقبل به القبله، و هى الخبر الحادى و العشرون المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و تصلى على الراحلة، قال: و وجه عمومها الاستثناء المذكور، و كذا استدل بغيرها من الأخبار المانعة الشاملة للمعقولة و غيرها باطلاقها، و فيه نظر اذ الاستثناء لا يفيد الا عموما فى حالات المصلى لا المركوب، الا تنظر انه لو قدر الكلام هكذا: لا يصلى على الّدابة المعقولة، اولا يصلى عليها على جميع احوالها الا مريضا، لصح الكلام من غير قصور، فلا يكون دليلا على عمومها.

و اما القول بأن الدابة مطلقه شامله للمعقولة و غيرها، فلا بد من الحكم بعدم الصحة، فغير وجيه، اذ من الشروط الحمل المفرد المعروف على العموم هو تواطئ الافراد، و هو فى المقام مفقود، لعين ما مر فى رد دليل الأولين.

و الانصاف ان المسئلة لا تخلو عن اشكال، و ان كان القول بالجواز لا يخلو عن قوة، و امر الاحتياط واضح.

الثالث: قال الشارح المحقق: و توقف المصنف فى القواعد فى جواز الصلوة على الارجوحة المعلقة بين الحبال،

و استقرب جوازه فى التذكره، و منعه فى المنتهى، و اختاره الشهيد رحمه الله، نظرا الى التعليل السابق، و قد دل بعض الروايات الصحيحة على جواز الصلوة على الرف المعلق بين نخلتين، روى الشيخ فى الصحيح، عن جعفر، عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن الرجل يصلح له ان يصلى على الرف بين نخلتين، قال: ان كان مستويا يقدر على الصلوة عليه فلا بأس.

و قال الشارح المقدس رحمه الله: رايت خبرا صحيحا دالا على جواز

ص: 251

الفريضة فى مثل الا رجوحة،(1) ثم نقل صحيحة على بن جعفر المتقدمة، و قال:

و ترك التفصيل يدل على العموم، و قال فى الذكرى، و هذه تعطى جواز الصلوة فى الارجوحة، و قال فى الدروس: و فى الا رجوحه قولان،(2) اما الرف المعلق بين الحايطين او نخلتين، فجايز ما لم يضطرب المصلى عليه.

و قال فى البحار، بعد نقل حديث على بن جعفر المتقدم عن قرب الاسناد، عن عبد الله بن الحسن، عنه، عن اخيه (ع): يدل على جواز الصلوة على الرف(3) المعلق بين النخلتين، و قد روى فى ساير الكتب بسند صحيح، و هو يحتمل وجهين: احدهما: ان يكون المراد شد الرّف بالنخلتين، فالسؤال باعتبار احتمال حركتهما، و الجواب مبنى على انه يكفى الاستقرار فى الحال، فلا يضر احتمال، او على عدم ضرر مثل تلك الحركة، و ثانيهما: ان يكون المراد تعليق الرف بحبلين مشدودين بنخلتين، و فيه اشكال بعدم تحقق الاستقرار فى الحال، و الحمل على الأول اولى و اظهر، و يؤيده ما ذكره الفيروزآبادى فى تفسير الرف بالفتح انه شبه الطاق، و توقف العلامه فى القواعد فى جواز الصلوة على الارجوحة المعلقه بالحبال، و استقرب فى التذكره، و منعه فى المنتهى، و اختاره الشهيد، انتهى.

أقول: عن القاموس: الا رجوحة حبل يعلق و يركبه الصبيان، و هو معمول فى زماننا ايضا لأجل نوم الصبى، بأن يعلق حبل بين جذعين مثلا، ثم يفرق وسطه، و يعلق عليهما شىء من الفروش، و يلقى عليه الصبى فيحرك به فى الهواء صعودا و نزولا، و اما الرف فالظاهر انه غير الا رجوحه، و هو شبيه بالطاق يعلق بالنخلتين،

.

ص: 252


1- ارجوحه بالضم ريسمانى كه هر دو سر آن بدرختى يا جائى بندند و كودكان در آن ميان نشينند و اين طرف بدان طرف كشند من منتخب. أقول يقال لها بالفارسية ننو. (منه)
2- وجهان خ ل.
3- رف طاقى كه بر در عمارت كرده باشند بفارسى آنرا بر داره خانه كوبند من منتخب. (منه)

و لم اره فى زماننا.

و اما ما قاله بعض الأجلأ، بعد نقل تفسير الفيروزآبادى للرف بما تقدم فى كلام البحار، ما لفظه: الظاهر من تشبيهه بالطاق يعنى فى الانحناء، فتكون حديثه فى جانب السّفل، ليحصل القيام على باطنها، لا يخلو عن مناقشة، قال: و ينبغى ان يكون فيه عرض، يحصل فيه السجود و الركوع و الجلوس مع طمأنينة و استقرار، و اليه يشير قوله: اذا كان مستويا يقدر على الصلوة عليه، و الظاهران منشأ السّؤال انما هو من حيث كونه فى الهواء ليس على الارض، و ان امكن الاستقرار فيه، و الاتيان بالصلوة فيه على وجهها، انتهى.

و بالجمله ان امكن فى الا رجوحه او الرف المعلق بين نخلتين، استيفاء افعال الصلوة، و كان امنا من زوالهما عادة ثانى الحال، و الاقرب هو الجواز، و ان لم يمكن استيفاء افعالها، فالمنع متجه، و لا ينافيه صحيحة على بن جعفر بالنّسبة الى الرف، لما يظهر بالتدبر فى متنها.

الرابع: قال فى الدروس: و لو احتمل قوم سريرا عليه مصلى، و امن منهم الاضطراب و الانحراف، فألاقرب المنع.

أقول: ما ذكره هو الاحوط، و ان كان القول بالجواز لا يخلو عن قوة، لاطلاق الأمر، و انصرافه الى المتعارف الشايع مقبول لو صدر بعده، فلا نسلم قبلية الشيوع، بالنسبة الى الأوامر الصادرة فى اوائل الشريعة، فافهم.

في جواز الفريضة على الراحلة عند الضرورة

اشارة

(الا مع العذر كالمطاردة) و كالمرض المانع من النزول، و الخوف و غيرها من من الاعذار، اجماعا على الظاهر المحكى عن التحرير و المنتهى و غيرهما، و الأخبار بذلك بعد ذلك و الأصل، مستفيضة:

منها ما رواه التهذيب فى باب الصلوة فى السفر، فى الصحيح عن الحميرى قال كتبت الى ابى الحسن (ع): روى جعلنى اللّه فداك مواليك عن آبائك، ان رسول الله (ص) صلى الفريضة على راحلته فى يوم مطر، و يصيبنا المطر و نحن فى محالنا، و الارض مبتلّة و المطر يؤذى، فهل يجوز لنا يا سيدى ان نصلى فى هذه

ص: 253

الحالة، فى محالنا؟ او على دوابنا الفريضة ان شاء الله، فوقع (ع): يجوز ذلك مع الضرورة الشديده.

و منها ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح، عن جميل بن دراج، قال: سمعت ابا عبد اللّه (ع) يقول: صلى رسول الله (ص) الفريضة فى المحمل، فى يوم و حل و مطر.

و منها ما رواه فى المكان المتقدم عن محمد بن عذافر قال: قلت لأبى عبد الله (ع): رجل يكون فى وقت فريضة، يمكنه الارض من القيام عليها، و لا السجود عليها، من كثرة الثلج و الماء و المطر و الوحل، ايجوز له ان يصلى الفريضة فى المحمل؟ قال: نعم هو بمنزلة السفينه ان امكنه قايما و الا قاعدا، و كلما كان من ذلك فالله اولى بالعذر، يقول الله عز و جل: «بَلِ اَلْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ».

و منها ما رواه ايضا فى المكان المتقدم عن مندل بن على قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: صلى رسول الله على راحلته الفريضة فى يوم مطر.

و منها ما رواه فى البحار فى باب وجوب الاستقرار، عن الاحتجاج فيما كتب الحميرى الى القائم (ع)، الرجل يكون فى محمله و الثلج كثير بقامة رجل، فيتخوف ان ينزل فيغوص فيه، و ربما يسقط الثلج و هو على تلك الحال، و لا يستوى له ان يلبد شيئا منه لكثرته و تهافته، هل يجوز ان يصلى فى المحمل الفريضة؟ فقد فعلنا ذلك اياما، فهل علينا فى ذلك اعادة ام لا؟ فاجاب (ع): لا باس به عند الضرورة و الشدة.

و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن الاختصاص، عن ابراهيم بن عمر اليمانى، عن عبد الملك قال: سئل ابو عبد الله (ع) عن رجل يتخوف اللصوص و السبع، كيف بالصلوة اذ اخشى ان يفوت الوقت؟ قال: فليؤم براسه، و ليتوجه الى القبله، و تتوجه دابته حيث ما تتوجه به.

و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن المقنعة، قال: سئل (ع) عن الرجل يجد به السير، أيصلى على راحلته؟ قال: لا باس بذلك، و يومى ايماء، و كذلك الما شى اذا اضطر الى الصلوة.

و منها ما رواه فى الباب المتقدم عن فقه الرضا (ع)، قال (ع): اذا كنت

ص: 254

راكبا، او حضرت الصلوة، و تخاف ان تنزل من سبع او لصّ او غير ذلك، فليكن صلوتك على ظهر دابتك، و تستقبل القبله، و تؤمى ايماء ان امكنك الوقوف، و الا استقبل القبله بالافتتاح، ثم امض فى طريقك التى تريد، حيث توجهت به راحلتك مشرقا و مغربا، و تنحنى للركوع و السجود، و يكون السجود اخفض من الركوع، و ليس لك ان تفعل ذلك الا آخر الوقت، و قال (ع): و ان صليت فريضه على ظهر دابتك، استقبل القبله بتكبير الافتتاح، ثم امض حيث توجهت بك دابتك، تقرا، فاذا اردت الركوع و السجود استقبل القبله، و اركع و اسجد على شىء يكون معك، مما يجوز عليه السجود، و لا تصليها الا فى حال الاضطرار جدا، و تفعل فيها مثله اذا صليت ماشيا، الا انك إذا اردت السجود سجدت على الارض.

و منها جملة من الأخبار المتقدمه فى شرح قول المصنف رحمه الله: و لا يجوز ذلك فى الفريضة، الى غير ذلك من الأخبار، و المناقشه و ان كانت جارية فى بعضها، و لكن امرها فى المقام سهل.

و ينبغى التنبيه لأمور:
الأول يجوز الصلوة ماشيا للضرورة،
اشارة

كما عن الاصحاب كافة، و عن المصنف رحمه الله فى المنتهى ادعاء الاجماع(1) عليه، و هو الحجة مضافا الى الأصل، و النصوص عموما و خصوصا، منها خبر الفقه المتقدم، و منها جملة من الأخبار المتقدمه فى شرح قول المصنف رحمه الله: و تصلى على الراحلة، المجوزة لصلوة النافله ماشيا، فانها باطلاقها شاملة للفريضة ايضا، خرج ما خرج.

و منها ما رواه التهذيب فى باب صلوة الخوف، عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن قول اللّه عز و جل: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالاً أَوْ رُكْبٰاناً، كيف نصلى و ما تقول ان خاف من سبع او لصّ كيف يصلى؟ قال: كبر و يومى براسه.

ص: 255


1- و فى التحرير لا يجوز ان يصلى الفريضه ماشيا مع الاختيار و هو قول كل من يحفظ عنه العلم. (منه)

و منها عموم التعليل المستفاد من رواية محمد بن عذافر المتقدمة، و قوله عليه السلام: و كلما كان من ذلك فالله اولى بالعذر الى آخره، الى غير ذلك من الأخبار، المودعة فى باب صلوة الخوف و غيره.

تذنيب:

قال بعض الأجلاء: ثم انهم ذكروا: لو امكن الركوب و المشى فى الفريضة، و عدم امكان الاستقرار، احتمل التخيير، لظاهر قوله تعالى: «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالاً أَوْ رُكْبٰاناً»، و يترجح المشى بحصول ركن القيام، و يرجح الركوب لأن الراكب مستقر بالّذات و ان تحرك بالعرض، بخلاف الماشى، و الاجود تقديم اكثر هما استيفاء للافعال، و مع التساوى فالتخيير، انتهى.

و لا باس به، لكونه احوط و اولى.

الثانى هل يجب الاستقبال بقدر الامكان؟
اشارة

كما ذكره جماعة، لأن الضرورة تتقدر بقدرها، ام يكفى الاستقبال بتكبيرة الاحرام خاصة؟ لمكان اطلاق الأخبار، و ما رواه التهذيب فى باب صلوة الخوف فى الصحيح عن زرارة قال: قال ابو جعفر عليه السلام: الذى يخاف اللصوص و السبع، يصلى صلوة المواقفه ايماء على دابته، قال قلت: ارايت ان لم يكن المواقف على وضوء، كيف يصنع و لا يقدر على النزول؟ قال: تيمم من لبد سرجه او دابته و معرفة دابته، فان فيها غبارا، فيصلى و يجعل السجود اخفض من الركوع، و لا يدور الى القبله، و لكن اينما دارت دابته، غير انه يستقبل القبله بأول تكبيرة حين توجه، و رواية الفقيه المتقدمه.

وجهان(1) احوطهما اولهما، بل هو اظهر هما، و لا ينافيه الصحيحة و نحوها، اذ هى دالة على وجوب الاستقبال فى التكبيرة مع الامكان، فنتم الباقى بعدم القائل بالفرق، قاله بعض الأجله، قال: و لا ينا فيه تصريحها بعدم الوجوب فى غيرها، لاحتمال ورودها مورد الغالب من عدم الامكان فيه انتهى، فافهم.

ص: 256


1- متعلق بقوله: الثانى هل يجب الاستقبال قبل خمسة اسطر.

و اما ما يستفاد من بعض(1) متاخرى المتأخرين، من القول بالفرق، فلا اعتناء بشانه، و كيف كان فلا ريب فى ارجحية الأول، و سيأتى ان شاء الله لهذا تتمة، فى بحث صلوة الخوف.

تذنيب:

اعلم انه اذا لم يتمكن من الاستقبال مطلقا حتى فى التكبيرة، سقط قولا واحدا، قاله بعض الأجله، و عن المصنف رحمه الله فى المنتهى الاجماع لمكان الضرورة، و صرح جماعة بأن وجوب الاستقبال فى التكبيرة انما هو مع الامكان، و ادعوا عليه الاجماع، و منهم المحكى عن المنتهى و غيره، و يدل عليه الاعتبار ايضا.

فرع:

اذا تمكن من الاستقبال بقدر التكبيرة فقط، فهل يجب ان يستقبل بالتكبيرة او بغيرها من ساير الاجزاء و الاركان؟ و الاحوط هو الأول، و كذا اذا تمكن منه زايدا عنها، فألاحوط هو الاستقبال بها، مقدما على غيرها.

تنبيه:

لو كان طريقه الى خلاف القبله، و لم يمكنه صرف الدابة اليها لمكان الضرورة، لكن امكن له التوجه الى القبله بأن يركبها معكوسا و هى تمشى، فهل يجب التوجه حينئذ ام لا؟ و لعل الا قوى هو الأول، مع كونه احوط(2).

الثالث: هل يجب التاخير الى ضيق الوقت،

ام يجوز على السعة، مقتضى الاطلاقات نصا و فتوى الثانى، و الأول صريح رواية الفقيه المتقدمه، لكن بالنسبة الى الراكب، كرواية الاختصاص المتقدمه، و به صرح المحقق فى الشرايع، لكن بالنسبة الى الماشى، و هو الاوفق بالاحتياط، سيما بعد ملاحظة ما دل على اعتبار الاستقبال، فيجب تحصيله و لو بالتاخير من باب المقدمة.

ص: 257


1- و هو الشيخ يوسف صاحب الحدائق. (منه)
2- و يدل عليه اطلاق الأخبار الأمره بالاستقبال و خصوص رواية الاختصاص المتقدمة فافهم. (منه)
الرابع: قال السيد فى المدارك: و لو تعذر عليه الاستقبال،

قيل يجب عليه تحرى الاقرب الى جهة القبله فالاقرب، و كان وجهه ان للقرب اثرا عند الشارع، و لهذا افترقت الجهات فى الاستدراك لو ظهر خطا الاجتهاد، و قيل بالعدم للخروج عن القبله، فيتساوى الجهات، و لو قيل: يجب تحرى ما بين المشرق و المغرب دون باقى الجهات، لتساويها فى الاستدراك لو ظهر خطا الاجتهاد، لقولهم (ع): ما بين المشرق و المغرب قبلة، كان قويا، انتهى.

و فيه نظر، لمكان جملة من الأخبار المتقدمه، الأمرة بالتوجه حيثما توجه الدابة.

الخامس: قال فى المدارك: قال العلامه فى النهاية،

و لو لم يتمكن من الاستقبال، جعل صوب الطريق بدلا عن القبله، لأن المصلى لا بد ان يستمر على جهة واحده، لئلا يتوزع فكره، و لما كان الطريق فى الغالب لا ينفك من معاطف تلقاها السالك يمنة و يسرة، فيتبعه كيف كان للحاجة، و هو حسن، الا ان وجهه لا يبلغ حد الوجوب انتهى، و هو حسن.

السادس: فى حكم الصلوة فى السّفينة،
اشارة

و تحقيق الكلام فى ذلك يقع فى مقامين:

الأول: يجوز الصلوة فيها مع عدم التمكن من البر، اجماعا محققا و محكيا،

و يدل عليه بعد الاجماع، الأخبار المتجاوزة عن حد الاستفاضه، بل لعلها متواتره، منها ما رواه الكافى فى باب الصلوة فى السفينة، فى الصحيح عن حماد بن عثمان، عن ابى عبد الله (ع): انه سئل عن الصلوة فى السفينة، فقال: يستقبل القبله فاذا دارت و استطاع ان يتوجه الى القبله فليفعل، و الا فليصل حيث توجهت به، قال: و ان امكنه القيام فليصل قائما، و الا فليقعد ثم ليصل.

و منها ما رواه التهذيب فى باب الصلوة فى السفينة، فى الزيادات فى الصحيح، عن عبد الله بن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن صلوة الفريضه فى السفينة، و هو يجد الارض يخرج اليها، غير انه يخاف السبع و

ص: 258

اللصوص، و يكون معه قوم لا يجتمع رايهم على الخروج، و لا يطيعونه، و هل يضع وجهه اذا صلى او يومى ايماء او قاعدا او قائما؟ فقال: ان استطاع ان يصلى قائما فهوا فضل، و ان لم يستطع صلى جالسا، و قال: لا عليه الا يخرج، فان ابى سأله عن مثل هذه المسئله رجل، فقال: اترغب عن صلوة نوح.

و منها ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن ابى ايوب قال: قلت لأبى عبد الله (ع): انا ابتلينا و كنا فى سفينة، فامسينا و لم نقدر على مكان نخرج فيه، فقال اصحاب السفينة: ليس نصلى يومنا ما دمنا نطمع فى الخروج، فقال: ان ابى كان يقول: تلك صلوة نوح (ع)، او ما ترضى ان تصلى صلوة نوح؟ فقلت:

بلى جعلت فداك، قال: لا يضيقن صدرك، فان نوحا قد صلى فى السفينة، قال قلت: قائما او قاعدا؟ قال: بل قائما. قال: قلت: فانى ربما استقبلت القبله فدارت السفينة، قال: تحر القبله بجهدك، الى غير ذلك من الأخبار.

الثانى: هل يجوز الصلوة فيها مع الاختيار ام لا؟
اشارة

ذهب جماعة الى الأول، و منهم المحكى عن المصنف رحمه الله فى اكثر كتبه، و ابن بابويه، و ابن حمزة، و عن الحلبى و الحلى الثانى الا لضرورة، و اختاره الشهيدان، و كثير من الاصحاب، نصوا على الجواز، الا انهم لم يصرحوا، بكونه على وجه الاختيار، قاله فى الذكرى، و قال فى الدروس: و ظاهر الاصحاب ان الصلوة فى السفينة مقيدا بالضرورة، الا ان يكون مشدودة.

جملة من الأخبار المتعلقه بالمقام
اشارة

أقول: لا بد اولا من ذكر جملة من الأخبار المتعلقه بالمقام، فنقول:

الأول:

ما رواه الفقيه فى باب الصّلوة فى السفينة فى الصحيح، عن جميل بن دراج، انه قال لأبى عبد الله (ع): تكون السفينة قريبة من الجدّ، فاخرج و اصلى قال (ع): صل فيها، اما ترضى بصلوة نوح (ع)؟

الثانى:

ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الزيادات، عن جميل بن دراج قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الصلوة فى السفينة، فقال: ان رجلا اتى ابى فسأله، فقال: انى اكون فى السفينة و الجدد منى قريب، فاخرج فاصلى عليه،

ص: 259

فقال له ابو جعفر (ع): اما ترضى ان تصلى بصلوة نوح؟

الثالث:

ما رواه فى المكان المتقدم، عن الفضل بن صالح قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن صلوة فى الفرات، و ما هو اضعف منه من الانهار، فى السفينة، فقال: ان صليت فحسن، و ان خرجت فحسن.

الرابع:

ما رواه فى البحار فى باب وجوب الاستقرار، عن قرب الاسناد، عن عبد الله بن الحسن، عن على بن جعفر، عن اخيه (ع)، قال: سألته عن الرّجل يصلح له ان يصلى فى السفينة الفريضة، و هو يقدر على الجد، قال: نعم لا باس.

الخامس:

ما رواه ايضا فى الباب عن الهداية، سئل الصادق (ع) عن الرجل يكون فى السفينة و تحضر الصلوة، ايخرج الى الشط؟ فقال: لا، ايرغب عن صلوة نوح؟ فقال: صل فى السفينة قائما، فان لم يتهيا لك من قيام، فصلها قاعدا، فان دارت السفينة فدر معها و تحر القبلة جهدك، فان عصفت الريح و لم يتهيا لك ان تدور الى القبله، فصل الى صدر السفينة، و لا تجامع مستقبل القبله و لا مستدبرها.

السادس:

ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن فقه الرضا (ع)، قال (ع):

اذا كنت فى السفينة و حضرت الصلوة فاستقبل القبله، و صل ان امكنك قائما، و الا فاقعد اذا لم يتهيا لك فصل قاعدا، و ان دارت السفينة فدرمعها، و تحر الى القبله، و ان عصفت الريح فلم يتهيا لك ان تدور الى القبله، فصل الى صدر السفينة، و لا تخرج منها الى الشط من اجل الصلوة، و روى انك تخرج اذا امكنك الخروج، و لست تخاف عليها انها تذهب، ان قدرت ان تتوجه نحو القبله، و ان لم تقدر تلبث مكانك، هذا فى الفرض، و يجزيك فى النافله ان تفتح الصلوة تجاة القبله، ثم لا يضرك كيف دارت السّفينة، لقول الله تبارك و تعالى: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»، و العمل على ان تتوجه الى القبله و تصلى على اشدّ ما يمكنك فى القيام و القعود، ثم ان يكون الانسان ثابتا مكانه، اشد لتمكنه فى الصلوة من ان يدور لطلب القبله.

ص: 260

السابع:

ما رواه التهذيب فى باب الصلوة فى السفينة، عن الكافى، و هو ايضا رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح، على الصحيح لمكان ابراهيم، عن حماد بن عيسى قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يسئل عن الصلوة فى السفينة فيقول: ان استطعتم ان تخرجوا الى الجدد فاخرجوا، و ان لم تقدر و افصلوا قياما، فان لم تستطيعوا فصلوا قعودا و تحرّوا القبله.

الثامن:

ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم، عن على بن ابراهيم قال: سألته عن الصلوة فى السفينة، قال: يصلى و هو جالس اذا لم يمكنه القيام فى السفينة، و لا يصلى فى السفينة و هو يقدر على الشط، و قال: يصلى فى السفينة يحول وجهه الى القبله، ثم يصلى كيف ما دارت.

التاسع:

ما رواه فى البحار فى باب وجوب الاستقرار فى الصلوة، عن قرب الاسناد، عن محمد بن عيسى، و الحسن بن ظريف، و على بن اسمعيل، كلهم عن حماد بن عيسى، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: كان اهل العراق يسئلون ابى رضى الله عنه، عن الصلوة فى السفينة، فيقول: ان استطعتم ان تخرجوا الى الجد فافعلوا، فان لم تقدر و افصلوا قياما، فان لم تقدروا فصلوا قعودا و تحروا القبله.

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان للمجوزين، الخبر الأول الى الخبر السادس المؤيد باطلاق جملة من الأخبار الآمرة بالصلوة فيها.

و للمانعين وجوه:

الأول: الخبر السابع و الثامن و التاسع.

الثانى: القرار ركن من القيام، و حركة السفينة تمنع من ذلك، ان الصلوة فيها مستلزمه للحركات الكثيرة الخارجه عن الصلوة، و اجيب عن الأول بالحمل على الاستحباب، جمعا بين الادلة، و عن الثانى يمنع كون القرار ركنا مطلقا، لا بد لذلك من دليل، و عن الثالث بان تلك الحركات بالنسبة الى المصلّى حركة عرضية و هو ساكن، و لا نسلم منافاة الحركة العرضية الكثيرة للصلوة، لا بد لذلك

ص: 261

من دليل.

أقول: الحق ان يقال: اذا تمكن من الخروج عن السفينة و الصّلوة على الارض، فلا يخلوا ما ان يتمكن من الصلوة فى السفينة و الاتيان بها على وجهها، من الشرائط و الواجبات و الاركان، كالاستقبال و الاستقرار و نحوهما، ام لا، فعلى الأول يتخير بين الصلوة فى السّفينة و الصلوة على الارض، و على الثانى فالاحوط هو الخروج، فلا ينبغى تركه.

تنبيه:

قال فى الذكرى على ما حكى: اذا اضطر الى الفريضة على الراحلة او ماشيا او فى السفينة، وجب مراعاة الشرائط و الاركان مهما امكن، امتثالا لأمر الشارع، فان تعذر اتى بما يمكن، فلو امكن الاستقبال فى حال دون حال وجب بحسب مكنته، و لو لم يتمكن الا بالتحريم وجب، فان تعذر سقط.

و قال شقيقه فى الرياض: و لو اضطر الى الصلوة فيها، فكالدابة فى وجوب مراعاة الاستقبال، و استيفاء الافعال بحسب الامكان.

وهم و تنبيه:

لعل المستفاد من ذيل الخبر السادس، ان ثبات المصلى فى مكانه فى السفينة اولى من ان يدور لطلب القبله، و لو امكن له بسبب الدور تحصيلها، و ينافيه ما رواه التهذيب فى باب الصلوة فى السفينة، فى القوى لمكان محمد بن سنان، عن سليمن بن خالد الثقه على الاظهر، قال: سألته عن الصلوة فى السفينة، فقال: يصلى قائما، فان لم يستطع القيام فليجلس، و يصلى و هو مستقبل القبله، فان دارت السفينة فليدر مع القبله، ان قدر على ذلك، و ان لم يقدر فليثبت على مقامه، و ليتحر القبله بجهده، و صحيحة حماد بن عثمان المتقدمة فى المقام الأول: كصحيحة ابى ايوب المتقدمة هناك، و الخبر الخامس و السابع و الخبر التاسع، و ما رواه الكافى فى باب الصلوة فى السفينة فى الحسن كالصحيح او الصحيح، عن عبد الله بن المغيرة الثقه، و عن الكشى انه ممن اجمعت العصابة

ص: 262

على تصحيح ما يصح عنه، عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (ع)، انه سئل عن الصلوة فى السفينة، فقال: تستقبل القبله، فاذا دارت و استطاع ان يتوجه الى القبله فليفعل، و الا فليصل حيث توجهت، به قال: فان امكنه القيام فليصل قائما، و الا فليقعد ثم ليصل، و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم بالسند المتقدم، عن ابى عبد الله (ع)، فى الرّجل يكون فى السفينة فلا يدرى اين القبله؟ قال: يتحرى، فان لم يدر صلى نحو رأسها.

تذنيب: اذا دارت السفينة يدار الوجه الى القبلة أيضا
اشارة

قال الشيخ فى المقنعة، على ما نقله التهذيب: و يتوجه الى القبله فى السفينة، فتصلى قائما اذا قدرت و الا جالسا، و اذا دارت السفينة ادرت وجهك الى القبله، فان عدمت معرفة القبله، بعد توجهك بدورانها، اجزأك التوجه الأول، و درت معها حيث دارت، و اذا التبست القبله عليك فى النوافل، او بعد طلب علاماتها عليك، توجهت الى رأس السفينة، فصليت مصعده و منحدرة، و كيف دارت، انتهى.

أقول: تمام الكلام فى ذلك، يقتضى بسطه فى مقامات:

الأول: قد عرفت انه يجب الاستقبال بقدر الامكان و لو دارت السفينة،

و ان المعارض لا اعتناء بشانه، و اما الخبر الثامن، و ما رواه التهذيب فى باب الصلوة فى السفينة فى الزيادات، فى الصحيح عن معوية بن عمار، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الصلوة فى السفينة، فقال: تستقبل القبله بوجهك، ثم تصلى كيف دارت، تصلى قائما، فان لم تستطع فجالسا... الحديث، و ما رواه فى المكان المتقدم، فى الموثق عن يونس بن يعقوب، قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الصلوة المكتوبة فى السفينة، و هى تاخذ شرقا و غربا، فقال: استقبل القبله ثم كبر، ثم اتبع السفينة و در معها حيث دارت بك، فمحمول على صورة عدم امكان الاستقبال فى باقى الافعال، لمكان الأخبار المتقدمه.

و انما الكلام فى انه هل يكفى ادارة الوجه الى القبله، اولا بد معها من

ص: 263

ادارة البدن؟ ظاهر عبارة المقنعة، ينطق بالأول، و يدل عليه رواية معوية بن عمار المتقدمه، و الخبر الثامن، و يدل على الثانى قوية سليمان بن خالد، المعتضدة بجملة من الأخبار المتقدمه، بل يمكن جعلها دليلا مستقلا، و بالخبر السادس، فاذن القوى عندى هو الثانى، و يمكن حمل عبارة المقنعة كخبر الفقيه الى المختار.

الثانى: اذا لم يمكن معرفة القبله، فليصل الى رأس السفينة،
اشارة

كما يدل عليه كصحيحة عبد الله بن المغيرة، المتقدمة فى قبيل نقل كلام المقنعة، و الخبر الخامس و السادس.

فرع:

و هل ذلك على جهة الوجوب او الاستحباب؟ و الاحتياط لا يترك.

الثالث: اذا امكن الاستقبال بالنسبة الى التكبيرة فقط، فهل لا بد فى الباقى من غير التوجه الى رأس السفينة ام لا؟

احتمالان، ظاهر التحرير الأول، حيث قال المصنف فيه: المصلى فى السفينة يستقبل القبلة مع المكنه، و الا فبتكبيرة الاحرام، ثم يستقبل صدرها، انتهى.

و هذا وجيه ان لم يستلزم التوجه الى رأسها الدوران و الحركة المضرة، كأن كان الرأس تجاه القبله، و الا فالمسئلة محل تردد، و بما ذكر ظهر القول فى صورة تمكن الاستقبال، بالنسبة الى ساير اجزاء الصلوة، اذ لم يظهر فرق بين التكبيرة و بينها فى ذلك.

الرابع: اذا التبست القبله فى النوافل، فليتوجه الى رأس السفينة ثم ليصل،

لما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب الصلوة فى السفينة، فى الصحيح عن زرارة، انه سأل ابا جعفر (ع)، فى الرجل يصلى النوافل فى السفينة، قال:

يصلى نحو رأسها، و اما اذا امكن الاستقبال، فليكبر نحو القبله، ثم ليتوجه الى راس السفينة، و لا يضره حيث دارت، و لو الى غير القبلة، فلا يجب عليه ان يدور نحوها كالفريضة، لقوية سليمان بن خالد، المروية فى التهذيب فى باب الصّلوة

ص: 264

فى السفينة، قال: سألته عن الصلوة فى السفينة، فقال: ثم ساق الحديث - الى ان قال: و قال: يصلى النافله مستقبلا صدر السفينة، و هو مستقبل القبله اذا كبر، ثم لا يضره حيث دارت، و الاضمار غير ضاير، اذ المضمر كلما ازداد قوة و جلالة، نقص الاضمار و هنا و ضعفا، لأن الجليل لا يسئل عن غير المعصوم (ع) غالبا، و لا يكتفى بكل احد، و سليمان بن خالد ثقة على الاقوى، و عن الكشى كان قاريا فقيها وجها، و فى الارشاد فممن روى صريح النص بالامامة من ابى عبد الله عليه السلام على ابنه ابى الحسن موسى (ع)، من شيوخ اصحاب ابى عبد الله عليه السلام و خاصته و بطانته و ثقاته الفقهاء الصالحين، المفضل بن عمر، و عد منهم سليمان خالد.

و صحيحة زرارة المتقدمة المؤيدة بالخبر السادس، و قوية سليمان، يقيد ان اطلاق تلك الصحيحة المتقدمة.

و يدل على المطلب ايضا و لو فى الجمله، الخبر التاسع و العشرون، المتقدم فى شرح قول المصنف رحمه الله: و تصلى على الراحله، و يظهر منه انه يجوز الايماء فى نافلة السفر فى السفينة، لمكان قوله: الصلوة فى السفر فى السفينة و المحمل سواء، قال: النافلة كلها سواء، تومى ايماء، اينما توجهت دابتك و سفينتك.

الأمر السابع: قال فى التحرير: لا فرق بين الحمار و البعير و الفرس، و غيرها من اصناف الحيوانات،

طاهرة كانت او نجسة، ما لم يتعد نجاستها، فيجب التوقى بالحائل مع المكنة.

الثامن: و قال ايضا فى التحرير: لو صلى على الراحله اضطرارا،

فاحتاج الى النزول، نزل و تمم على الارض، و لو كان يتنفل على الارض، فاحتاج الى الركوب، ركب و اتم الصلوة، ما لم يحتج الى فعل كثير انتهى، فافهم.

اعلم ان مقتضى الاصول، و القواعد المرعية، و فتوى الاصحاب من غير خلاف ظاهر، هو وجوب تحصيل العلم بالقبلة، عينا او جهة مع الامكان، و لو بالقواعد

ص: 265

الرياضية، على ما ذكره غير واحد من متاخرى الطائفه، و لكن لى فيه تامل، كما سيجئ الى وجهه الاشارة، بناء على افادتها العلم، كما عن التحرير و المنتهى و الشهيدين.

و اما القول بافادتها المظنة، فهو بالنسبة الى العين مقبول بالنسبة الى اكثر قواعدهم، و أما بالنسبة الى الجهة، فالأمر كما ذكره الجماعة، بل لو قيل بحصول العلم، بالنسبة الى العين بالنسبة الى بعض قواعدهم، لا يجوز المسارعة فى تغليطه، كما يستانس ذلك بالرسالة التى صنفها العالم المدقق - اعنى المظفر - فى معرفة القبله، فتدبر جدا.

و اما ما اشار اليه السيد السند، فى المدارك بقوله: ثم ان المستفاد من الادلة الشرعية، سهولة الخطب فى امر القبله، و الاكتفاء بالتوجه الى ما يصدق عليه عرفا، انه جهة المسجد و ناحيته، كما يدل عليه قوله تعالى: «فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»، و قولهم (ع): ما بين المشرق و المغرب قبلة، وضع الجدى فى قفاك وصل، و خلو الأخبار عما زاد على ذلك، مع شدة الحاجة الى معرفة هذه العلامات، لو كانت واجبة، و احالتها على علم الهيئة مستبعد جدا، لأنه علم دقيق كثير المقدمات، و التكليف به لعامة الناس بعيد من قوانين الشرع، و تقليد اهله غير جايز، لأنه يعلم اسلامهم، فضلا عن عدالتهم.

و بالجملة فالتكليف بذلك مما علم انتفاؤه ضرورة، فغير وجيه، اما اولا: فلان قوله: المستفاد من الادلة الشرعية سهولة الخطب فى امر القبله، ربما ينافيه الأخبار المتضمنة على قولهم (ع): تعمد القبله جهدك، و ما ضاهاه، و فيه نوع مناقشة فافهم.

و اما ثانيا: فلان المستفاد من الآية الشريفة، ان الله تبارك و تعالى: اراد من المكلف شطر المسجد وجهته، و ليس معناها الا ما هو جهة واقعا، فلا بد للمستقبل ان يعلم بانه مستقبل بها مع امكانه كما يقتضيه قاعدة العقل و النقل.

و عليه فلا ادرى ما معنى قوله طاب ثراه: ثم ان المستفاد من الادلة

ص: 266

الشرعية، الاكتفاء بالتوجه الى ما يصدق عليه عرفا انه جهة المسجد و ناحيته، كما يدل عليه قوله تعالى: «فَوَلُّوا» الى آخره، ان كان مراده انه لا بد من المراجعة الى اهل العرف، فى معنى لفظ الجهة فممنوع، لكنه لا يغنى من جوع، كما لا يخفى على من له الى الفهم ادنى رجوع، و ان كان مراده ان ما يقال فى العرف: انه جهة المسجد، يكفى للتوجه، ففيه انهم لا يخلو اما جازمون فى الحكم المذكور، او ظانّون، فعلى الأول لا يخلو، اما يحصل للمراجع اليهم العلم ام لا، فعلى الأول اما يمكن للمراجع تحصيل العلم من غير جهة المراجعة اليهم ام لا، فعلى الأول الحكم بلزوم المراجعة اليهم، ترجيح من غير مرجح، و على الثانى و ان كان اللازم هو المراجعة اليهم، لكن لا مدخلية فى ذلك، لخصوص العرفية، و انهم اهل العرف، بل المناط هو تحصيل العلم، و يحصل من قولهم العلم فلذا يراجع اليهم.

و على الثانى: اى اذا لم يحصل للمراجع اليهم العلم، فلا يخلوا اما يمكن له تحصيل العلم بجهة من الجهات ام لا، و على الأول يلزم من القول بلزوم الرجوع اليهم، ترجيح المرجوح على الراجح، و على الثانى فالقول بلزوم الرجوع اليهم بخصوصهم، لا ارى له دليلا فى هذا المحال، بل هو بمنزلة الريح تهب من قلل الجبال.

و بما ذكر يظهر الكلام فى الشق الثانى، اى اذا كانوا ظانين فى الحكم، بل الأمر فيه افحش ثم افحش، و بالجمله الشقوق كثيرة فى الغاية، و اطالة الكلام فى بيانها للوقت اضاعه، و ملخصه انه قام الدليل على وجوب الرجوع، اليهم، اذا احتجنا فى ان المراد بالشطر ما ذا فى الجمله، و اما اذا احتجنا فى ان الشطر الواجب للمصلى ان يستقبله، هل هو ان الشطر واقع فى هذا الطرف او فى غيره فلم يقم دليل على لزوم المراجعة اليهم، من حيث انهم اهل العرف و اللسان، بل الدليل على خلافه احد من السنان، و الانصاف ان كلامه رحمه الله هذا وجه صحة، سيجئ فى بيان علامات قبلة العراق اليه الاشارة، فانتظر البتة.

ص: 267

و اما ثالثا فلانه لا ريب لكل فقيه، و لا شبهة له يعتريه، فى ان هيئة العبادات هى المحتاجه الى النصوص، و اما موضوعاتها سواء كانت صرفة او استنباطيه، فغير موقوفة على ورود الخبر عن اهل الخصوص (ع)، بل يرجعون فى كل منها الى من كان فيه ماهرا، و كان له فيه تسلط قاهر، فلذا ترى مراجعتهم الى اللغة، كالعرف فى معنى الالفاظ كالصعيد مثلا، و الى الطبيب فى تشخيص ضرر الوضوء و الغسل و الصوم - و الى الصّراف فى تشخيص النقد الزيف عن غيره و امثال ذلك.

و اما رابعا فلان عدم العلم باسلام علماء الهيئة او عدالتهم، لا يمنع من المراجعة اليهم بلا شبهة، اذ ذلك فضلا عن مخالفته للاجماع المحقق، مخالف لما يظهر من السيرة، الا ترى الى مراجعة الفقهاء فى مسئلة النحو الى النحاة، مع كون اكثرهم فاسقين، و فى مسئلة الطب الى الاطباء و لو كانوا كافرين، و فى مسئلة المساحة الخطأين و الجبر و المقابلة و نحوها، الى اهل الحساب و لو كانوا للاسلام معاندين، و بالجمله صحة المراجعة الى اصحاب الصناعات، البارعين فى فنهم، فيما اختص بصنايعهم، و لو كانوا غير معتمدين، مما اتفق عليه العقلاء فى كل عصر و زمان، و فى كل دقيقة و اوان، و السّر فى ذلك ان اهل كل صنعة و حرفة يصيبون فى تصحيح مصنوعاتهم، و يسددون مجارى الخلل بحسب كدهم و طاقتهم، و مقدار معرفتهم بفنهم، كيلا يسقط محلهم عند العقلاء و يشتهروا بقلة الوقوف و المعرفة فى امرهم عند العلماء و الازكياء، و بطور آخر مرتكز فى النفوس، و فى العادات محسوس، ان الطبايع المختلفة فى تصحيح مصنوعاتهم مجبولة، و يبذلون طاقتهم، و يوقعون انفسهم فى المشقة، و لو لم يكن لهم فى الايمان نصيب، او كانوا لجادة الشرك قريب، و عليه فيحصل من المراجعة اليهم العلم او المظنة، فلا نحتاج الى البحث عن اسلامهم او فسقهم او عدالتهم، بحيث لو لم يكونوا عادلين لسقط اعتبار كلامهم، بلا ريب و لا شبهة، و ليت شعرى كيف تعتمد الى كلام الجوهرى و الفيروز آبادى مثلا، فى المسائل اللغوية، فتتبعه فى جميع ما يلقيه اليك، من معانى الفاظ الكتاب و السنة، مع علمك بفسقهما، و الى فلان

ص: 268

اليهودى المطبب فى مسئلة الطب، فتحكم بوجوب الافطار، اذا قال ان المرض الفلانى يضره الصوم، و بان يصلى مستلقيا مؤميا، اذا قال ان المرض الفلانى يضره القيام و القعود فى الصّلوة، و ليس ذلك الا لاعتمادك على كلامه، و حصول الظن منه، لما بلغك من حذاقته فى فن الطب، فاذا كنت تقبل قول يهودى واحد، فبالاولى ان تقبل قول جماعة متكثرة من علماء الاسلام، و منهم نصير الملة و الدين جعل الله مقامه فى اعلا عليين، فيما يتعلق بفنهم، مع اطباق الخاص و العام على بلوغ حذاقتهم فى ذلك الفن، الى ما لا مزيد.

و من العجب العجاب ان صاحب المدارك كموافقيه، حكم بعد الاعتراض المذكور بوريقات، بجواز التعويل على قول الكافر الواحد، فى معرفة القبله، اذا أفاد ظنا، و لم يكن هناك طريق اليه سواه لكونه نوعا من التحرى، فكيف يقول فيما نحن فيه بما قال؟ فافهم.

و اما رابعا فلان الخبرين المشار اليهما، مع قطع النظر عن الكلام فى سندهما، مخالفان باطلاقهما للاجماع، كما ظهر و سيظهر، فليقيدا بما سيجئ ان شاء الله.

و اما خامسا فلانا نسلم كون التكليف بتعليم ما يستعلم به امر القبله، كالدائرة الهندية مثلا، لعامة الناس، بعيدا من قوانين الشرع، اذ ليس فيه حرج، الا ترى ان الدائرة الهندية مثلا، لا تتوقف الا على العلم بدائرة نصف النهار و الافق و على الخط الواصل بين مشرق الاعتدال و مغرب الاعتدال، و على الخط الواصل بين الجنوب و الشمال، و امثالها من الامورات الجزئية، كما مضى و سيأتى الى جملة منها الاشارة، فلا يحتاج الى استعلام تمام علم الهيئة او كثير منها، حتى يكون التكليف به لعامة الناس حرجا، و فيه نظر واضح.

و الذى يقضيه الانصاف فى تحقيق المقام، ان يقال: لا ريب و لا شك لمن كان عالما بعلم الهيئة و لو فى الجمله، ان تكليف عامة الناس، بتعليم ما يستعلم به امر القبله، حرج واضح، بل كاد ان يلحق بالتكليف بما لا يطاق، اذ المسائل بعضها

ص: 269

ببعض مربوطة، فلا بد من العلم بذلك، ان يقرأ الهيئة، ثم يقرا الدلائل الهندسيه و البرهانات المجسطيه، ثم يلتفت الى الاسطرلاب، و الى برهاناته المتدرجه فى كل باب، و عليه فلا بد من القول بعدم وجوب تعليم تلك الضوابط، جواز التقليد لأهله، اذا حصل للمقلد بقولهم العلم او المظنة، حيث يجوز العمل بها بالعين او الجهة، كما سيجئ فى بيان علامات العراق، اليه الاشارة فانتظر البتة.

و لو فقد علم القبلة عول على العلامات

اشارة

فلنرجع الى ما كنا فيه، فنقول: قد ظهر بما مر انه يجب تحصيل العلم بالكعبة (و لو فقد علم القبله) اى الكعبه (عول على العلامات) المنصوبة للدلالة عليها، المذكورة فى كتب الفقه و غيرها، المفيدة للعلم بالجهة (و يجتهد) فى تحصيل القبله بالظن (مع الخفاء) اى خفاء العلامات المفيدة للعلم، و لم اجد فى جواز الاكتفاء بالظن الحاصل، باى نحو كان من الامارات المفيدة له، مع عدم امكان العلم بالقبلة عينا او جهة، متحريا فى ذلك الاقوى فالاقوى، خلافا منهم الا ما يحكى عن المبسوط، حيث اوجب الصلوة الى اربع جهات، اذا فقد العراقى ما نصب له من العلامات، و هو مع عدم ظهوره فى المخالفة، لظهور اختصاصه بصورة فقد المظنة بالكلية، و لو من غير العلامات التى اشار اليها.

و لعل سبب عدم نقل غير واحد منهم بخلافه ذلك، محكى على خلافه الاجماع حد الاستفاضة، و من المدعين المفاتيح كما عن التحرير و المنتهى و التذكرة و التحرير، و عن بعض الأجله، و هل له الاجتهاد اذا امكنه الصّلوة الى اربع جهات؟ الظاهر اجماع المسلمين على تقديمه وجوبا على الاربع، قولا و فعلا، و ان فعل الاربع حينئذ بدعة، فان غير المشاهد للكعبه و من بحكمه ليس الا مجتهد او مقلدا، فلو تقدمت الاربع على الاجتهاد، لوجب على عامة الناس و هم غير هما ابدا، و لا قائل به... الى آخر ما قال.

و الأخبار مع ذلك مستفيضة:

منها ما رواه فى الكافى فى باب وقت الصلوة فى يوم الغيم، فى الصحيح عن زرارة، قال: قال ابو جعفر (ع): يجزى التحرى ابدا، اذا لم يعلم اين وجه القبله

ص: 270

و منها ما رواه فى الباب المتقدم فى الموثق، عن سماعة قال: سألته عن الصلوة بالليل و النهار، اذا لم تر الشمس و لا القمر و لا النجوم، قال: اجتهد رايك و تعمد القبله جهدك.

و منها ما رواه ايضا فى باب الرجل يصلّى بالقوم و هو على غير طهر، فى الحسن كالصحيح او الصحيح، عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) فى الاعمى يؤم القوم و هو على غير القبله، قال: يعيد و لا يعيدون، فانهم قد تحروا.

و يؤيده ما رواه ايضا فى باب وقت الصلوة فى يوم الغيم، فى الصحيح عن سليمان بن خالد، قال: قلت لأبى عبد الله (ع): الرجل يكون فى قفر من الارض فى يوم غيم، فيصلى لغير القبله ثم يصحى فيعلم انه صلى لغير القبله، كيف يصنع؟ قال: ان كان فى وقت فليعد صلوته، و ان كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده.

و ما رواه التهذيب فى باب القبله فى الصحيح، عن يعقوب بن يقطين، قال:

سألت عبدا صالحا (ع)، عن رجل صلى فى يوم سحاب على غير القبله، ثم طلعت الشمس و هو فى وقت، ايعيد الصلوة اذا كان قد صلى على غير القبله؟ و ان كان قد تحرى القبله بجهده اتجزيه صلوته؟ فقال: يعيد ما كان فى وقت، فاذا ذهب الوقت فلا اعادة عليه.

و اما ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن خراش عن بعض اصحابنا، عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت له: جعلت فداك ان هؤلاء المخالفين علينا، يقولون: اذا اطبقت علينا او اظلمت فلم نعرف السماء كنا و انتم سواء فى الاجتهاد، فقال: ليس كما يقولون، اذا كان ذلك فليصل لاربع وجوه.

ففيه كلام فى السند، لمكان الاضمار و الجهالة، و لا يصححه صحة الطريق الى ابن المغيرة، المجمع على تصحيح ما يصح عنه، كما عن الكشى، و ان كان يخرجه من الضعف الى نوع قوة، و مع ذلك لا يقاوم للادلة الكثيرة المتقدمة، فليحمل على ما سياتى اليه الاشارة.

و ينبغى التنبيه لأمور:
اشارة

ص: 271

الأول: اعلم ان المعمول من الرياح على اربع: الصبا و الشمال و الجنوب و الدبور،
اشارة

و الذى يظهر من المصنف رحمه الله فى هذا الكتاب و غيره، ان جملة منها من العلامات المفيدة للعلم بالجهة، كالعلامات النجومية و انها مقدمة على الامارات المفيدة للظن، لمكان عده فيما بعد جملة منها من العلامات، و جمع بينها و بين ساير العلامات الآتية المفيدة للعلم، و عدها جماعة من المتأخرين من العلامات المفيده للمظنة، قائلا بأنها قد يتفق المعرفة بها عند التحقيق، و لا يكاد ان يتحقق الامع العلم بالجهات الاربع، و معه يستغنى عن الاستدلال بالرياح.

و اما القول بأنه قد يتفق المعرفة بها الماهر بعلامات اخرى، كالحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و اثارة السحاب و نحوها، فمدفوع بان غاية ما يترتب على ذلك الظن بالجهة، و الانصاف انها غير مفيدة للعلم بالجهة فى الغالب، و ان كانت مفيدة له فى بعض الفروض، كما اذا حصل الاشتباه بالجهة بالبعد عن الموضع بالسير، مع العلم بعدم تغير الرّياح، عن تلك الجهة التى كانت فيها.

تنبيه:

و عدّ الشارج الفاضل، القمر ايضا من الامارات، حيث قال: و اما القمر، فانه يكون ليلة السابع من الشهر وقت المغرب، فى قبلة العراقى او قريبا منها، و ليلة الرّابع عشر منه نصف الليل، و ليلة الحادى و العشرين عند الفجر، الا ان ذلك كله تقريبىّ، لا يستمر على وتيرة واحدة، فلذلك لم يجز التعويل عليه، مع القدرة على الجدى و نحوه من العلامات الثابته.

الثانى: اذا اجتهد فاخبره غيره بخلاف اجتهاده،
اشارة

فعن المشهور، انه يعوّل على اجتهاده، و عن المنتهى العالم بجهة القبله لا يقلّد غيره بلا خلاف، و كذا المجتهد، و ذهب جماعة منهم المحقق و الشهيد، الى انه يعمل با قوى الظنين، و هو الارجح، لقبح التعويل على المرجوح و مع وجود الراجح، و للاخبار الدالة على التحرى.

ص: 272

تذنيب:

اذا فقد الامارات، فاخبر عادل بالقبله، فهل يبنى على قوله او يصلى الى اربع جهات؟ قولان: و اولهما اظهرهما، للاخبار الدالة على التحرى، و فى العمل بقول الفاسق و الكافر قولان، و اختار بعضهم العمل بقولهما ان افاد الظن، و لا يخلو ذلك عن قرب، قال فى المسالك: الاصح وجوب الصلوة الى اربع جهات، لفقد شرط التقليد، و وجوب شرط التثبت عند خبر الفاسق، فضلا عن الكافر، انتهى.

و فيه نظر، اما فى الأول: فلمكان ما دل على التحرى من الأخبار، اذ الاستخبار ممن يفيد قوله الظن نوع من التحرى، و اما فى الثانى: فلان المتبادر من الآية الشريفة، غير ما نحن فيه، كما لا يخفى على المتعلق، على انه بملاحظة التعليل الواقع فى آخرها، لا يبقى ريبة فى ان المراد منها غير ما نحن فيه، فتدبر.

الثالث: لو استغنى فى البلد عن اعتبار العلامات،

فهل يجب عليه التعلم؟ يبنى على ان تعلم علامات القبله، هل يجب عينا او كفاية؟ قيل: و كان الاكثر على الأوّل، و مال فى الذكرى الى وجوب التعلم عينا، عند عروض الحاجة، كارادة السّفر مثلا.

الرابع: اورد على كلام المصنف طاب ثراه شيئان:

الأول انه لم يسمّ التعويل على العلامات اجتهادا، و سمى التعويل على الامارات المفيدة للظن اجتهادا، كما دل عليه قوله: و يجتهد مع الخفاء، ثم قوله: فان فقد الظن و هذا اصطلاح خاص، فان المصنف رحمه الله و غيره،(1) يطلقون المجتهد فى القبله على كل من يعرف العلامات، سواء كانت علمية بالنسبة اليه، ام ظنية، بل اطلاقه على العالم بالعلامات القوية اكثر.

الثانى: جعل التعويل على العلامات المنصوبة للدلالة، مشروطا بفقد العلم

ص: 273


1- و فى الدروس القادر على العلم بالقبله ليس له الاجتهاد و القادر على الاجتهاد ليس له التقليد. (منه)

بالقبله، و مقتضاه كون العلامات غير مفيدة للعلم بالعين فهو حق الا انه يجب تخصيص العلم المذكور فى اول الكلام بالعلم بالعين، فيبقى العبارة خالية عن ذكر العلم بالجهة، التى هى قبلة البعيد، و البلوى بها اعم، لكثرة المكلف بها، و ان اراد انها غير مفيدة للعلم بالجهة، فهو ممنوع، بل هى محصله للعلم بالجهة قطعا، اذا انحرف على وجهها المعتبر، و الظاهر ان مراده هو الأول، كما يظهر من كلامه فى غير هذا الكتاب، فانه يذكر هو و غيره، ان القادر على العلم لا يكفى الاجتهاد، و يعنون بالمجتهد هنا العارف بادلة القبله المذكورة و غيرها، و القادر على الاجتهاد، لا تجزيه العمل بالعلامات المفيدة للظن بالجهة، كالرياح، فان علامة القطب مثلا يفيد العلم بالجهة، و للجواب عن بعض المذكورات مجال احلناه على اهل الكمال.

فان فقد الظن بالقبله صلى إلى اربع جهات كل فريضة

اشارة

(فان فقد الظن) بالقبله (صلى إلى اربع جهات كل فريضة) على المشهور بين الطائفه، كما ادعاه جماعة، بل عليه الاجماع، عن صريح الغنية، كما عن ظاهر التحرير و المنتهى و جامع المقاصد، و هو الحجة مضافا الى رواية خراش المتقدمة فى المسئله السابقه، المؤيدة بما رواه فى البحار، عن تفسير على بن ابراهيم، انه قال: صلوة الحيرة على ثلاثه وجوه: فوجه منها هو الرجل يكون فى مفازة لا يعرف القبله، يصلى الى اربعة جوانب، و الى الاصل، و هو لزوم الاتيان بالاربع من باب المقدمة، تحصيلا للامر المطلق بوجوب استقبال القبله، خلافا للمحكى عن المعانى و ظاهر الصدوق، فيصلى حيث شاء، و مال المصنف رحمه الله فى المختلف و الشهيد فى الذكرى و غيرهما من متاخرى الطائفة، و لهم ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب القبله، فى الصحيح كما ذكره جماعة، عن زرارة و محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) انه قال: يجزى المتخير ابدا اينما توجه اذا لم يعلم اين وجه القبله.

و ما ذكره بعض المحققين، بان الرواية بعد لم يظهر صحتها، لأن الصدوق رواها مرسلا، و لم يذكر طريقه الى زرارة و محمد بن مسلم، نعم ذكر طريقه الى زرارة

ص: 274

فقط، و هو صحيح، و الى ابن مسلم فقط، و هو مغاير لطريقه الى زرارة و غير محكوم بالصحة، فغير وجيه، لمكان كلمة ما الواقعة فى قول الصدوق: و ما رويته فى المشيخه، و هى مفيدة للعموم.

و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن معوية بن عمار، عن ابى جعفر (ع)، عن الرجل يقوم فى الصلوة، ثم ينظر بعد ما فرغ، انه قد انحرف عن القبله يمينا او شمالا، فقال له: قد مضت صلوته، و ما بين المشرق و المغرب قبلة، و نزلت هذه الآية فى قبلة المتحير «وَ لِلّٰهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ».

و ما رواه الكافى فى باب وقت الصّلوة فى يوم الغيم، فى الصحيح عن ابن ابى عمير الثقة المجمع على تصحيح ما يصح عنه، على ما نقل عن الكشى، عن بعض اصحابنا، عن زرارة، قال: سألت ابا جعفر (ع)، عن قبلة المتحير، فقال: يصلى حيث يشاء.

قال الكافى بعد ذا: و روى ايضا انه يصلى اربع جوانب.

و الا قوى عندى هو العمل بما هو المشهور بين الطائفه، لرواية خراش المتقدمه، و عدم صحة سندها غير ضاير، لما عرفت من كونها باعتباره قويه، لمكان صحة الطريق الى ابن المغيره المجمع على تصحيح ما يصح، و كون اطلاق متنها مخالفا للاجماع لا يخرجها عن الحجية، لأنها كالعام المخصوص فيما بقى حجة، هذا مضافا الى ان هنا اخبار ان، يمكن بهما الاستدلال، و هذا الاعتراض غير وارد، و هما مرسلة الكافى المتقدمة، و مرسلة الفقيه المروية فى باب القبله، حيث قال: و قد روى فيمن لا يهتدى الى القبلة فى مفازة، انه يصلى الى اربعة جوانب، المعتضدة بما فى تفسير على بن ابراهيم.

فاذن الأخبار فى المسئله كثيرة، و اما الاعتراض عليها بضعف السند فغير ضاير، لأنها بعد اعتبار سند بعضها كما عرفت، منجبرة بالشهرة العظيمة، و بالاجماعات المحكية حد الاستفاضة، التى كل منها حجة مستقله، كالاصل المتقدم

ص: 275

اليه الاشارة، و لا يعارضها الأخبار التى استند اليها الخصم، اذ التعارض فرع المقاومة، و الخبر المنجبر بالعمل اقوى من غيره من الأخبار بلا شك و لا شبهة، سيما اذا كان معارضه بحسب السند صحيحا، و بحسب العدد كثيرا، كما لا يخفى على الفقيه لا المتفقه، هذا مضافا الى تطرق القدح فى دلالة بعض الأخبار المنافية.

اما رواية محمد بن مسلم و زرارة، فلأن راويها قد روى بدل المتحير التحرى، على ما ذكره غير واحد منهم، و عليه فيحتمل كون الاصل هذا، قال بعض الا فاضل:

و فى نسخة الفقيه المتحير بدل التحرى، و الظاهر انه من النساخ، لما فى كتب الحديث و الفقه جميعا التحرى، انتهى.

و عليه فلا يصح الاعتماد عليه، و اما احتمال التعدد، بان كان الراوى قد روى بهذه و بالاخرى اخرى، فمدفوع بالاصل المعتضد بكونها متحدين سندا و متنا، غير ما وقع فيه الاختلاف.

و اما صحيحة، عمار، فلان محل الدلالة قوله: و نزلت هذه الآية فى قبلة المتحير الى آخره، و هو كما يحتمل كونه من تتمة الخبر، كذا يحتمل كونه من كلام الفقيه، بل قال غير واحد منهم، بكونه اظهر لمكان شهادة سياق الخبر، مع كونه مرويا فى التهذيب بدون هذه الزيادة، هذا مضافا الى ان الأخبار الدالة بان الآية المذكورة قد نزلت فى النافلة مستفيضة، و قد مضى فى شرح قول المصنف رحمه الله: و تصلى على الراحلة، اليها الاشارة، فراجع البتة.

فاذن الاعتماد على هذه الصحيحة، مشكل فى الغاية، مع ان اطلاقها مخالف لقواعد الامامية:

و بالجملة، لا شبهة فى ارجحية ادلة المشهور على غيره بمراتب، ثم لو سلم اعتبار الادلة المنافية، فلا ريب فى فساد ترجيحها على ادلة المشهور، و عليه فتورث فى المسئله شبهة، فلا بد من العمل بالاصل، فليعمل بما يحصل به البراءة

ص: 276

اليقينيه، و لا يعارضه فى المقام اصالة(1) البراءة، كما هو واضح على كل متفقه فضلا عن الفقيه.

و ربما يقال ان مقتضى الاصل هو لزوم فعل الاربع من باب المقدمه، و لا بأس به كما اعتمدنا سابقا اليه، فى مقام بيان الحجة، و القول عليه بانه يمكن تحصيل المامور به، بصلوات ثلاث جهات، ممنوع بعدم تحصيل القبله الواقعية بذلك، بل غايتها تحصيل ما بين المشرق و المغرب، و هو ليس بقبله، بل هى الجهة المخصوصة، التى لا يجوز الانحراف عنه الا فيما استثنى، و كون ما نحن فيه منه اول الكلام، و لا كذلك الصلوة الى اربع جهات، فانها و ان لم يحصل الجهة الواقعية كما هى، الا انّه يدفع الزايد عنها بعدم القائل به، قاله بعض الأجله.

و بالجمله لا وجه للاعتماد بما يخالف المشهور اصلا، سيما بملاحظة عدم ظهور من يوافقه من القدماء، سوى العمانى و هو شاذ، و اما الصدوق فكما انه روى فى باب القبله ما ينفعهم، فكذا روى فيه ما ينفع المشهور كما عرفت، فمن اين يحكم انه عمل بالأول لا الثانى؟ مع ان ما ذكره فى اول الفقيه مشترك، اللهم الاّ ان يقال قد حكى عنه القول بذلك، فلعلّه قد راى ذلك فى غير كتاب الفقيه من مصنفاته، او فهم لقرينة تكون مخفية علينا، و كيف كان فلا ريب ان المشهور هو المنصور، و للادلة الباهرة المتقدم اليها الاشارة.

و هنا قول آخر محكى عن ابن طاوس، و هو وجوب استعمال القرعة، اذ هى لكل امر مشكل، ورد بانّه لا اشكال هنا على كل من القولين السابقين، لاستناد كل منها الى حجة شرعية، ينتفى معها الاشكال بالمرة، و يمكن الجواب، بان عدم الاشكال انما هو بالنسبة الى من يرجح دليل احد القولين، و اما بالنسبة الى من كان فى نظره الدليلان متعارضين، فالاشكال ثابت فى البين، فتدبّر.

نعم يرد على صاحب المدارك طاب ثراه، انه مع اختياره القول الثانى، كيف

ص: 277


1- اذ مرجعه الى الاستصحاب و التعارض بينه و بين اصالة البراءة من تعارض العموم و الخصوص المطلق و الخاص مقدم. (منه)

ينفى الباس عن هذا القول، اذ مقتضاه البطلان لو صلى بدون القرعة، و لا كذلك القول الثانى، فان مقتضاه جواز الصّلوة الى اى جهة شاء، و لو من دون قرعة.

فان قلت: انك حكمت سابقا، بوجوب الاتيان بالاربع، لو كانت الادلة الدالة على المذهب الثانى مورثه فى المسئله شبهة، بحيث يقاوم فى مقابلة الادلة الدالة على المذهب الثانى مورثه فى المسئله شبهة، بحيث يقاوم فى مقابلة الادلة الدالة على المذهب المشهور، تحصيلا للبراءة اليقينية، فعلى ما ذكرت هنا من كون القرعة لكل امر مشكل، لا بد من القول باستعمالها فى المقام ايضا.

قلت: مقتضى اطلاق القول بأنها لكل امر مشكل، و ان كان ما ذكرت، و لكن يمنع من التمسك بها فى المقام السيرة الظاهره من الطائفه، حيث انه لم يقرر قاعدتهم القول بها فى العبادات، بل قاعدتهم فى امثال المقامات، هو تحصيل ما يحصل به البراءة اليقينية، و اما اشكال الذى اورد عليها المحقق الخونسارى، فهو شىء آخر لا دخل له فيما نحن فيه، و لبيان الذب عنه مقام آخر.

و ينبغى التنبيه لأمرين:
الأول: هل يجب فى الاربع كونها على خطين مستقيمين،

وقع احدهما على الآخر، بحيث يحدث عنهما اربع زوايا قوايم، او مطلقا كيف اتفق، او بشرط التباعد بينها، بحيث لا تكون بين كل واحدة و بين الاخرى، ما يعد قبلة واحدة، لقلة الانحراف؟ اقوال، الا ان اشهرها هو الأول، قاله بعض الأجله، و هو الاصح اقتصارا على المتبادر من النصوص و الفتوى، و المراد من تقاطعهما على قوايم اربع، هو العرفية، لا الحقيقية المعتبرة عند المهندسين.

الثانى: قال الشارح الفاضل: و يطرد الصلوة الى الاربع، على القول به، فى جميع الصلوات، حتى الجنازة،

و كذا تغسيل الميت، اما احتضاره، و دفنه فلا، و كذا الذبح و التخلى، انتهى.

(و مع التعذر) بنحو لص، و سبع، او ضيق وقت، عن الصلوات الاربع او نحوها (يصلى الى اى جهة شاء) ما قدر منها و لو واحدة، كما صرح به غير واحد،(1)

ص: 278


1- قال بعض الأجله و لا خلاف نصا و فتوى فى جوار الاقتصار عن الاربع بالمقدور منها او الواحدة فى صورة الضرورة. (منه)

او يصليها خاصة، و لو قدر على الزيادة، كما هو ظاهر المتن كغيره، و هو الاوفق بالاصل كالأول باصالة الاحتياط، فلا ينبغى تركه.

في تقليد الأعمى لمعرفة القبلة

اشارة

(و الاعمى يقلد) كالعامى الذى لا يتمكن من الاجتهاد اما مطلقا او لضيق وقت، كما عن الاسكافى و مشهور المتأخرين، و عن المبسوط جواز تقليد العدل العارف، و عن ظاهر الخلاف المنع من التقليد للاعمى و غيره، و وجوب الصلوة الى اربع جهات مع السعة، و التخيير مع الضيق، و له بان الاعمى و من لا يعرف امارات القبلة، اذ اصليا الى اربع جهات برئت ذمتهما بالاجماع، و ليس على براءة ذمتهما اذ اصليا الى واحدة دليل، و له على التخيير مع الضرورة، ان وجوب القول من غير لم يقم عليه دليل، و الصلوة الى جهات الاربع منفى، لكون الحال حال الضرورة فيثبت التخيير، و فيه نظر، و الاقوى هو المشهور، لما مر فى شرح قول المصنف رحمه الله: و يجتهد مع الخفاء، و عن الشيخ فى المبسوط جواز تقليد الصبى و المراة، و قال المصنف رحمه الله فى المختلف: و الوجه عندى اشتراط العدالة، و عن الشيخ المنع من قبول الفاسق و الكافر، و عن جماعة جواز الرجوع اليهم عند الوثوق و حصول الظن، و هو الاقرب كما مر.

و بالجمله يجوز الرجوع الى قول من يفيد قوله المظنة، مع عدم التمكن من الاجتهاد، متحريا فى ذلك الظن الاقوى فالاقوى، للاخبار الدالة على اجزاء التحرى و غيرها، لكون ذلك نوعا من التحرى، فلا وجه للاطالة و بيان الجزئيات و عليك باستخراجها.

و يطور آخر: مع تعذر العلم يجب الرجوع الى الظن، متحريا فى ذلك الاقوى فالاقوى، و عليه فتقليد المخبر عن علم، مقدم عن تقليد المخبر عن ظن، كتقليد الا عدل و الا علم و الا ضبط و الاكثر عددا عن غيرها، حتى لو اجتهد و اخبره عدل بخلاف اجتهاده، و فرضنا كون المظنة الحاصلة من قوله اقوى من الحاصلة باجتهاده، فالظاهر تقديم قول العدل، بل الظاهر تقديم قول الغير فى الفرض المذكور مطلقا، و لو كان فاسقا او كافرا.

ص: 279

تنبيه:

ربما يستدلّ فى المقام على وجوب التقليد للاعمى، و عدم وجوب الصلوة الى اربع جهات، بالأخبار الدالة على جواز امامته فى الصلوة، كقول الصادق عليه السلام: لا باس ان يؤم الاعمى القوم، و ان كانوا هم الذين يوجهونه، كما فى صحيحة عبد الله بن على الحلبى، المروية فى التهذيب فى باب احكام الجماعة، و قول على (ع): لا يؤم الاعمى فى الصحراء، الا ان يوجه الى القبله، كما فى رواية السكونى المروية فى الباب المتقدم، و قول ابى جعفر (ع): نعم اذا كان له من يسدده، بعد سؤال زرارة عنه، فى حديث: اصلى خلف الاعمى؟ و جعل بعض الأجلأ، مورد الأخبار المذكورة، فى صورة تكون القبله معلومة غير محتاجة الى الاجتهاد، لكنها بالنسبة الى الاعمى غير معلومة، فيحتاج الى من يسدده و يرشده، و استظهره عدم مخالفة الشيخ فى هذه الصورة، بل خصّ مخالفته فى صورة تكون القبله مجهولة، محتاجة الى الاجتهاد، و حكم بان هذا هو موضع النزاع فى المسئله، بمعنى انه هل يجوز للاعمى الرجوع الى من حصل القبلة باجتهاده، او يجب عليه الصلوة الى الاربع؟ قال: و الأخبار المذكورة لا دلالة لها على هذه الصورة، ثم قال: و بذلك يظهر ما فى كلام جملة من الاصحاب، منهم السيد السند فى المدارك و الفاضل الخراسانى فى الذخيره، من ان المراد بالتقليد هنا قبول قول الغير، سواء كان مستندا الى الاجتهاد او اليقين انتهى أقول: و فيه مناقشة.

يجوز ان يعول المصلى على قبلة اهل البلد مع عدم علم الخطأ

اشارة

(و) يجوز ان (يعول) المصلى على (قبلة) اهل (البلد مع عدم علم الخطأ) فيها بلا خلاف، قاله بعض الأجله، بل عليه الاجماع، عن التذكره، و فى المدارك جواز التعويل على قبلة المسلمين، اجماعى بين الاصحاب،

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: قال السيد فى المدارك: قال فى التذكره: و اطلاق كلامهم يقتضى انه لا فرق فى ذلك بين ما يقيد العلم بالجهة او الظن

و لا بين ان يكون

ص: 280

المصلى متمكنا من معرفة القبلة، بالعلامات المفيدة للعلم، او الاجتهاد المفيد للظن، او ينتفى الأمران، و ربما ظهر من قولهم: فان جهلها عول على الامارات المفيدة للظن، عدم جواز التعويل عليها للتمكن من العلم، الا اذا افادت اليقين، و هو كذلك لأن الاستقبال على اليقين ممكن، فيسقط اعتبار الظن، انتهى.

و تبعه فى ذلك الشارح المحقق و غيره، و فيه نظر:

اما اولا فلان مقتضى اطلاق الاجماع المحكى المعتضد بما مر، هو جواز الاعتماد على قبلة البلد مع عدم العلم بالغلط، و ان كانت مورثه للمظنة، مع امكان تحصيل العلم، و يعضده عبائر الاصحاب الدالة على جواز الاعتماد، ما لم يحصل العلم بالغلط، و ما يظهر من سيرة المسلمين، حيث انهم اذا حضروا فى مسجد يصلون بملاحظة محرابه، مع انه يمكن لهم تحصيل العلم بالجهة بالاستعلام الدائرة الهندية، اذ لا يخفى على ذى مسكه، انه يمكن استعلام الجهة بها، بتمادى ساعة او اقل، بان يستعلم مدخل الظل قبل الظهر فى نصفها او اقل، و مخرج الظل ايضا بعد الزوال كذلك، و لعل السّر فى ذلك الاجماع، هو العمل بفعل المسلم المحمول على الصحة فى الشريعة السهلة، كما يحكم بطهارة الجلود الماخوذة عن يد المسلم، و يصلى معها، مع ان الاصل عدم التذكية، فليعمل بما افتى به الطائفه من العمل بقبلة البلد، ما لم يظهر الغلط، و لا يعارضها قولهم: و ان جهلها عول على الامارات المفيدة للظن، اذ المتبادر منها غير المذكور، كما لا يخفى على من تدبّر فى كلامهم و امعن النظر فى مرامهم، و يمكن لصاحب المدارك القائل بعدم حجية الاجماع المحكى، و من يحذو حذوه، ان يتخلص عن هذا الاعتراض، فافهم.

و اما ثانيا فلان هذا الكلام منه اعتراف فى الحاجة الى الهيئة، اذ يحصل من الدائرة الهندية و نحوها العلم بالجهة، كما لا يخفى على من له ادنى دربه، مع انه انكر الاحتياج اليها، كما مضى اليه الاشارة.

الثانى: قبلة البلد، تشمل المنصوبة فى المساجد و القبور و الطرق و غيرها،

ص: 281

و اما نحو القبر و القبرين اذا كان فى المواضع المنقطع، فلا يجوز التعويل عليه، كالمحاريب المنصوبه فى الطرق النادر مرور المسلمين عليها، اذ المتبادر من نحو العبارة غيرهما، و اللام فى البلد للعهد، و المراد هو بلد المسلمين، فلو وجد محرابا فى بلد لا يعلم اهله، او كان مشتركا بين المسلمين و الكفار، لم يجز التعويل عليه، على القبور المجهولة، و اطلاق كلامهم يشمل ما لو كانت البلدة من الامصار العظيمة، او قرية من القرى، و فى الذكرى، لو كانت قرية صغيرة، نشأ فيها قرون من المسلمين، لم يجتهد فى قبلتها.

الثالث: قد ظهر مما مر جواز الاعتماد على قبلة البلد، و عدم وجوب الاجتهاد فلو اجتهد فى الجهة فى محاريب المسلمين، فهل يجوز التعويل على اجتهاده ام لا؟

قال الشارح المحقق: و الذى حكم به الاصحاب، عدم جواز الاجتهاد فى الجهة فى محاريب المسلمين، انتهى.

أقول: تحقيق الكلام، ان يقال: لو اجتهد فى الجهة فلا يخلوا ما يحصل له العلم بخطأهم فيها، فيجب عليه العمل بما علمه، او يحصل له المظنة، فيجب العمل باقوى الظنين، و لم يثبت بعد اجماع على عدم جواز العمل بظنه، الا قوى من المظنة الحاصلة بملاحظة المحاريب، فان قلت: كيف يمكن ان يكون ظنه اقوى من المظنة الحاصلة بملاحظة المحاريب؟ مع اتفاق المسلمين المتدينين، مع كثرتهم عليها، و عدمه كونه عشر معشار الاف منهم، فلا يمكن ان يحكم بكون ما فهمه اقرب الى الواقع، من ادراكات لا تحصى، قلت: هذا كلام فى الموضوع، و نحن نتكلم بعد فرض ثبوته، هذا هو الاجتهاد فى الجهة، كجهة المغرب مثلا، بان تجهد فيها الى جهة الشمال و نحوها.

و اما فى التيامن و التياسر فى تلك الجهة، فهل يجوز الاجتهاد فيه و العمل بما ادى اليه ام لا؟ و الا ظهر هو الأول، وفاقا لجماعة، قال الشارح الفاضل:

لامكان الغلط، بل وقع بالفعل فى كثير من البلاد مع مرور الاعصار، و صلوة الخلق

ص: 282

الكثيرة، كمسجد دمشق فى التياسر، و كثير من محاريب بلاد الشام كبلاد نافى التيامن، و بلاد خراسان فيه ايضا، و السّر فيه ان الخلق ربما تركوا الاجتهاد فى المحراب، لعدم وجوبه، و جواز تقليد المحراب، فيستمر لذلك الغلط المستند الى الواضع، انتهى.

و هو جيد فالقول بالمنع، استنادا الى ان احتمال اصابة الخلق الكثير، اقرب من احتمال اصابة الواحد، لا وجه له اصلا، كما هو غير مخفى على من تتبع البلدان، و جرب تدين الساكنين فيها، فى كل دهر و اوان، و لا شاهدا بلغ من العيان، حيث ان اكثرهم لقلة مبالاتهم بأمر الدين من النسناس، و بعضهم ربما يظهرون التدين بين الناس، و ياتون بالصّلوات فى اوقاتها، و لكن اذا تجسّسنا فى احوالهم، و فيما يجب عليهم من مسائل طهارتهم و صلوتهم، لم نجدهم الأجلة و ان كانوا من المظهرين كمّله، و نادر منهم ربما يريدون ان يخرجوا من حضيض الجهالة، الى اوج الكمال و المعرفة، فيسئلون من هؤلاء الفسقه الفجره المتلبس بلباس العلماء المهرة، الذين اذا تتبعنا فيهم نجد اعلاهم تدينا و اسناهم ورعا، من يعمل بقول الاموات، مع عدم فهمهم كثيرا حقيقة ما ارادوه من العبادة، فيفتون للمستفتى ما فهموا منها بلا ريبة.

و هذا ايضا صار باعثا فى الانحراف الى اليسار بكثير، المشاهد فى كثير من المساجد الواقعة، فى عراق العجم، فى القرى الصغيرة و الكبيرة، بل بعض الامصار العظيمه، بل فى كثير منها، لأن المستفتى المريد لبناء مسجد، استفتى من المفتى المذكور فى كيفية القبله حتى يبنى عليها مسجده، و هو نظر فى الشرايع و نحوه، و راى ان فيه هكذا، او اهل العراق و من والاهم يجعلون الفجر على المتكب الايسر، و المغرب على الايمن، و الجدى محاذى المنكب الايمن، و عين الشمس عند زوالها على الحاجب الايمن، و لم يفهم ان ما ذكره حق ام لا، و على الأول هل مراده عراق العرب او الاعم، فاخذ الاطلاق و افتى به، و المستفتى بتلك الكيفية قد بنى مسجده، فلما اراد آخر أن يعمّره، بنى على المحراب القديم، و صلى عليه المسلمون

ص: 283

جيلا بعد جيل، من غير تجديد دليل. او لما قرع سمعهم من جواز التعويل على قبلة البلد، ما لم يعلم انها بنيت على الغلط، و لا ريب ان كثيرا من بلاد العجم منحرف من الجنوب الى المغرب، بدرجات كثيرة كثلاثين و اربعين و نحوهما.

فاتضح بما ذكر ما ذكره الشارح الفاضل غاية الاتضاح، فصار التكلم بان اصابة الخلق الكثير اقرب من احتمال اصابة الواحد هباء منثورا، و القائل به خائبا مقهورا، سيما بملاحظة كثرة الكفار بالنسبة الى المسلمين، و كثرة العامة بالنسبة الى الطائفة المحقة، فافهم.

و بالجمله لا شبهة فى جواز الاجتهاد فى التيامن و التياسر، قال فى الذكرى:

و قد وقع فى زماننا اجتهاد بعض علماء الهيئة فى قبلة مسجد دمشق، و ان فيه تياسرا عن القبلة، مع انطواء الاعصار الماضية على عدم ذلك، و نقل عن عبد الله ابن المبارك انه امر اهل المر و بالتياسر بعد رجوعه من الحج.

(و المضطر) الى الصلوة (على الراحلة يستقبل) القبله فى جميع صلوته (ان تمكن و الا) فبما امكن و ان تعذر (فبالتكبير و الا) اى و ان لم يمكن الاستقبال فى شىء منها (سقط و كذا الماشى) و قد مضى فى شرح قول المصنف رحمه الله: و لا يجوز ذلك فى الفريضة الا مع العذر، كالمطاردة، شرح هذا الكلام بما لا مزيد عليه، فراجع هناك.

علامات القبله لبعض الجهات

اشارة

و قد جرت العادة بذكر شىء من علامات القبله لبعض الجهات، فى هذا الباب،

في قبلة اهل العراق
اشارة

فجرى المصنف رحمه الله على ذلك فقال: (و علامة) اهل (العراق) و (من والاهم) من البلاد التى وراءهم، بالنسبة الى جهة القبلة، اى من يقاد بهم فى طول بلدهم (جعل) مطلع (الفجر) و هو المشرق (على المنكب) و هو مجمع العضد و الكتف، على ما صرح غير واحد منهم كالفيروزآبادى (الايسر و المغرب على) المنكب (الايمن) و جعل (الجدى) مكبرا، على ما قاله غير واحد، و ربما صغر ليتميز عن البرج، و هو نجم مضىء فى جملة انجم، بصورة سمكه يقرب من القطب الشمالى من قطبى العالم، الجدى رأسها و الفرقدان ذنبها، قال الشارح الفاضل: و بينهما من كل جانب ثلاثه انجم، يدور حول القطب كل يوم و

ص: 284

ليلة دورة كاملة، انتهى، و فيه نظر لمكان الحركة الخاصة الثابتة للشمس على توالى البروج، فالصواب هو ذكر تقريبا بعد قوله دورة كاملة، فافهم، (بحذاء المنكب الايمن) و جعل (عين الشمس عند الزوال على الحاجب الايمن) مما يلى الانف، قاله جماعة، اذا استخرج الوقت بغير استقبال قبلة العراق، و هذه العلامات الثلاثه بهذا الاطلاق فى كتب الاصحاب مشهورة، و ليس مستند هم إلاّ مراعاة قوانين الهيئة، كيف لا و ليس النصوص عنهم (ع) بذلك واردة، الا بالنسبة الى العلامات الثانية، و هى ما رواه التهذيب فى باب القبله، عن محمد بن مسلم عن احدهما قال: سألته عن القبله، قال: ضع الجدى فى قفاك و صلّ.

قال الشارح المحقق: و الظاهر ان الرواية منقولة عن كتاب الطاطرى، و هو كتاب معتمد، و الخبر معمول بين الاصحاب.

و ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب القبله مرسلا، قال: و قال رجل للصادق (ع):

انى اكون فى السّفر، و لا اهتدى الى القبله بالليل، فقال: اتعرف الكوكب الذى يقال له(1) الجدى؟ قلت:(2) نعم، قال: اجعله على يمينك، و اذا كنت فى طريق الحج فاجعله بين كتفيك.

و ما رواه فى البحار فى باب القبله، عن العياشى، عن اسمعيل بن ابى زياد، عن جعفر بن محمد، عن ابائه (ع)، عن على بن ابى طالب (ع) قال: رسول الله (ص): وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، هو الجدى، لأنه نجم لا يزول، و عليه بناء القبله، و به يهتدى اهل البرّ و البحر.

و نحوه آخر مروى عنه ايضا فى تفسيره.

قالوا: و هى و ان كانت مطلقه، لكنها اختصت باهل العراق، بقرينة، الرواة لكونهم منهم.

ص: 285


1- لها خ.
2- قال خ.

أقول: لا يخفى عليك ان التقييد(1) باهل العراق، و ان كان وجيها فى الجمله، و لكن ارض العراق وسيعة، و لا يمكن بان المعصوم (ع)، اراد بيان كل بلد يصدق عليه العراق، بلا ريبة، اذ ذلك دعوى بغير دليل، و اما تقييد الخبر الذى اجماله اقل من غيره، و هو خبر محمد بن مسلم، على ان المراد هو بيان مصر الراوى، و هو الكوفه و ما يقاربه كبغداد و الحله و المشاهد المشرفه، و ان كان وجيها، و لكن ينافيه مراعاة قواعد الهيئة المورثة للعلم بالجهة، و ذلك لأن مقتضى جعل الجدى فى القفاء، هو كون نقطة الجنوب هى القبله، و ما استخرجوه هو كون قبلة تلك البلاد منحرفة عن الجنوب نحو الغرب، كما سيظهر ان شاء الله تعالى.

و عليه فالعمل بهذا الخبر ايضا لا يخلو عن الاشكال، فلذا ترى الاصحاب، انهم يذكرون المنكب الايمن بدلا عن القفا، تطبيعا بين النصوص و بين ما اقتضته قواعد الهيئة، فاذن العمدة فى تلك العلامات، هى مراعاة تلك القواعد.

و عليه فما ذكروه من العلامات لا يخلو عن اشكال، اذ مقتضى العلامة الاولى و الثالثه، هو كون القبله نقطة الجنوب، و الثانية هو كونها عنها منحرفة نحو الغرب، و هو المطابق لمعظم بلاد العراق، فلذا حمل بعض الأجله الأولى و الثالثه، على اطراف العراق الغربية كالموصل(2) بلاد الجزيرة، قال: فان قبلتها

ص: 286


1- و لا يخفى عليك ان المراد بالتقييد هو التقييد المصطلح عليه حتى يرد عليه ما يرد. (منه)
2- أقول سيظهر قبلة موصل منحرفه من الجنوب الى المشرق باربع درجات و اثنتين و خمس دقيقه فكيف تناسب. الجنوب اللهم الا ان يقال ليس لذلك قدر محسوس فتدبر جدا او يقال قبلته ليست بمنحرفه على ما ذكره هذا الجليل المعتضد بما ذكره الرضى طاب ثراه فى قبلة الافاق ما لفظه: بلكه قبله بعضى ازان مثل موصل عين جنوبست و قال فى موضع آخر فى جملة كلام له و بلدى كموافقت تمام در طول با مكه معظمه داشته باشد در ميان بلاد مشهوره بنظر نيامد بلكه بعضى از بلاد بسيار قريب الطول است كه نازل منزله موافق طول ميتواند شد مانند صنعاء دار الملك يمن در جانب جنوب مكه معظمه و موصل و ارزن الروم در جانب شمال آن بسبب آنكه هركدام در طول از مكه بچند دقيقه كمتر است انحراف قبله ان از شمال يا جنوب بجانب مشرق قدرى معتد به ندارد پس تعيين قبله اول بنقطه شمال و ثانيا بنقطه جنوب ميتوان كرد. و حكم فى الحبل المتين ايضا طول موصل يساوى طول مكه قال فقبلتها نقطه الجنوب لاتحاد دائرتى نصف نهار هما و لكن الظاهر من كلامه انه اعتمد على ذلك على ما استخرجه سلطان المحققين نصر الملة والدين قدس سره. (منه)

تناسب نقطة الجنوب، و العلامة الثانية على اوساط العراق، كبغداد و الكوفه و الحلة و المشاهد المقدسه، فانه ينحرف قبلتها عن نقطة الجنوب نحو الغرب، و امّا اطرافها الشرقية كالبصرة فهى اشد انحرافا، و يقرب منها بتبريز و اردبيل و قزوين و همدان، و ما والاها من بلاد خراسان، و امّا تنزيل اطلاق عبائر الاصحاب على ذلك، كما عن بعض فلا يخلو عن بعد.

و اما القول بان ذلك دليل على سهولة الأمر فى القبله، و اتساع الدائرة فيها، و انه لا ضرورة الى ما ذكره ارباب الهيئة، مضافا الى خلو النصوص من بيان العلامات بالكلية، الا بالنسبة الى الجدى، و قد عرفت حاله، و مع ذلك فقد ورد فى الصحيح و غيره: ان ما بين المشرق و المغرب قبله، سيما بملاحظة تأييد ذلك بقبور الأئمة (ع) فى العراق، من الاختلافات مع قرب المسافة بينهما، على وجه يقطع بعدم انحراف القبله فيه، مع استمرار الاعصار و الادوار من العلماء الابرار، على الصلوة عندها، و دفن الاموات، و نحو ذلك، و هو اظهر ظاهر فى التوسعة، فغير مغن عن الجوع.

و ان شئت توضيح ذلك، فانظر الى ما ذكره الشارح الفاضل رحمه الله فى روض الجنان، فى جملة كلام له: و اما توهم اغتفار التفاوت الحاصل بينها، اى بين العلامات الثلاث، و عدم تأثيره فى الجهة، ففاسد، لما تقدم فى تحقيق الجهة، من اعتبار تعين الكعبه او ظنها او احتمالها، و هذا القدر من التفاوت لا يبقى معه شىء منها، فان من كان بالموصل مثلا، و كان عارفا مجتهدا فى القبله يقطع بكونه اذا انحرف عن نقطة الجنوب نحو المغرب، بنحو ثلث ما بين الجنوب و

ص: 287

المغرب الاعتدالين، خارجا عن سمت القبله، و كذا من باطراف العراق الشرقيه كالبصرة، اذا استقبل خط الجنوب، و هذا امر لا يخفى على من تدبر قواعد القبله، و ما يتوقف عليه من المقدمات، و من طريق النص اذا كان جعل الجدى على الايمن يوجب مسامته جهة الكعبة فى الكوفة، التى بلد الراوى و نحوها، كيف يوجب مسامتها اذا كان بين الكتفين، لبعد ما بينهما بالنسبة الى بعد المسافة، فان الانحراف اليسير عن الشىء مع البعد عنه، يقتضى انحرافا فاحشا عنه عند محاذاته، فانا اذا فرضنا خطين من نقطة واحدة، لم يزالا يزدادان بعدا، كلما ازدادا امتدادا، كما لا يخفى، و ايضا فلو كان جعله بين الكتفين محصلا للجهة، كان الأمر بجعله على اليمين، لغوا خاليا عن الحكمة انتهى.

اقول: و الانصاف ان لهذا الكلام وجه صحة، كما سيجىء اليه الاشارة فانتظر، و ان بالغ الشارح الفاضل كما ترى فى ردّه.

و بالجمله لا بد فى جعل تلك العلامات، من العمل بما يقتضيه القواعد الرياضية، لما عرفت من انه يحصل منها العلم بالجهة، و قد عرفت ان العمل بالعلم ثم الظن الا قوى فالاقوى، مما ليس فيه مرية، فان العمل بالأخبار الواردة فى العلامة الثانية، ليس فيه وجاهة، اما خبر ابن مسلم فقد عرفت حاله، و اما مرسلة الفقيه فهى مع ضعفها مجملة، لعدم العلم بانه (ع) اراد قبلة اى بلد.

و اما ما اشار اليه الشارح الفاضل طاب ثراه، بعد نقل رواية ابن مسلم و المرسلة، ما لفظه: و طريق الجمع بين الروايتين، حمل الاولى على وضعه خلف الكتف الايمن، لأنه من جملة القفا، لوجوب حمل المطلق على المقيد، فغير وجيه من وجوه:

اما اولا فلعدم العلم بكون الراوى من اهل العراق، لأن كلمة رجل عامة.

و اما ثانيا فلان مقتضى جعل الجدى على المنكب الايمن، هو انحراف القبلة عن نقطة الجنوب نحو الغرب، كما مضى اليه الاشارة، و عليه فلو سلم كون الرجل الراوى من اهل العراق، و حمل الخبر على قبلته، فلا يصح ايضا بالنسبة الى

ص: 288

الموصل و الجزيرة و سنجار، لأن قبلتها تناسب نقطة الجنوب، على ما صرح به بعض الأجلة، و الحمل على ساير البلاد العراقية، مما يكون قبلته عن نقطة الجنوب نحو الغرب منحرفة، مما ليس فيه دليل حاسم لمادة الشبهة، و لا يجوز القول بان ساير البلاد العراقية هو المعظم، فيجب الحمل عليه، كما لا يخفى، فليتأمل جدا.

و اما ثالثا فلان التعارض بين الخبرين ليس من تعارض المطلق و المقيد، حتى يحمل الأول على الثانى، فافهم.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: قال الشارح الفاضل: و لما كان الجدى ينتقل عن مكانه مغربا و مشرقا و ارتفاعا و انخفاضا،

لم يكن علامة دائما، بل انما يكون علامة فى حال غاية ارتفاعه، بان يكون الى جهة السماء، و الفرقدان الى الارض، او غاية انخفاضه عكس الأول، كما بذلك قيده المصنف رحمه الله و غيره، اما اذا كان احدهما الى جهة المشرق و الاخرى الى المغرب، فالاعتبار بالقطب، و هو نجم خفى فى وسط الانجم التى هى بصورة السمكه، لا يكاد يدركه الا حديد البصر، و هو علامة دائما، كالجدى حال استقامته، اذ لا يتغير عن مكانه الا يسير الا يكاد يبين للحس، فلا يؤثر فى الجهة، و حركته اليسيرة دورة لطيفه حول قطب العالم الشمالى - الى ان قال - و انما شرط فى الجدى الاستقامة، لكونه فى تلك الحال على دائرة نصف النهار، فانها تمر بقطبى العالم، و يقطع الافق على نقطتين، هما نقطتا الجنوب و الشمال، فاذا كان القطب مسامتا له ايضا، لكونهما على دائرة واحدة، بخلاف ما لو كان منحرفا نحو المشرق و المغرب.

و قال الشارح المحقق بعد نقل ذلك: و التقييد الذى اعتبره رحمه الله مشهور، و ممن صرح بترجيح النجم المحقق و المصنف و الشهيد، و هو مذكور فى بعض كتب العامة، انتهى.

و نسب الشارح المقدس ايضا، ما ذكره الشارح الفاضل، الى المشهور بين

ص: 289

الفقهاء، و نقل ايضا عن خاله، الذى قال فى شانه: ما سمح الزمان بمثله بعد نصير الملّة و الدّين، من علماء هذا الفن من حكماء المسلمين و المتدينين، ان هذا اى ما قاله الشارح الفاضل، من التقييد و غيره، غلط ظاهر، لأن الجدى اقرب الى القطب الشمالى من تلك النجمه، و هو مبرهن فى كتب الهيئة، و ان ليس الجدى حال الاستقامة على القطب الشمالى، بل له اوضاع متعددة، و هو انما يكون على القطب و خط نصف النهار، حالكونه مائلا الى الغرب كثيرا، و هو ايضا معلوم بالبرهان، و من الاسطرلاب و غيره، و يؤيده انهم يجعلونه حال الاستقامة و عكسها، محاذيا للمنكب، فليزم كون قبلة العراق خط نصف النهار، مع انه معلوم، و هم صرحوا بأنها مائله عنه الى الغرب.

قال: و استخرجه سلمه اللّه فى الكوفه و النجف الاشرف، قال: انها مائلة عنه باثنتى عشره درجه تخمينا، و الذى علمنا به ان الجدى اقرب الى القطب من تلك النجمه، انا وضعنا قصبة و راينا منها الجدى فى اول الليل مثلا، و علمنا على تلك النجمة علامة يحاذيها، ثم نظرنا بعد نصف الليل بكثير، رايناه من تلك القصبة، و راينا تلك النجمة خرجت عن محاذاة تلك العلامة بكثير، تقريبا اكثر من ثلث دائرة، ثم نظرنا قريب الصباح، ما رايناه منها و قد وصلت تلك الى نصف دائرة كبيرة تقريبا، و هو واضح لمن جرب و تأمل، و اللّه الموفق للسداد و الصواب، و اليه المرجع و الماب، فلنختصر على هذا و ما نتوجه الى كلامه لعدم العلم، انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.

أقول: و فيه نظر.

اما اولا فلان ما ذكره بقوله: ان الجدى انما يكون على القطب و خط نصف النهار، حالكونه مائلا الى الغرب كثيرا، مما ياباه القواعد الرياضية، و ذلك لأن دائرة نصف النهار، ليست دائرة شخصيه، بل هى مختلفة كالافق باختلاف الامكنة، اذ هى دائرة عظيمة مارة بقطبى العالم، و الافق و هو دائرة عظيمة يكون احد قطبيه على سمت الراس، و الآخر على سمت القدم، و عليه فاذا كان مستقيما

ص: 290

لا محال يكون على دائرة نصف النهار، و اذا انحرف عن الاستقامة و مال الى الغرب و لو فى الجمله، يكون قد خرج عنها، و ذلك واضح فليتأمل(1).

و اما ثانيا فلان التأييد الذى اشار اليه، واضح الفساد، اذ قد عرفت انهم يزعمون انه فى هذه الحالة على دائرة نصف النهار، و عليه فجعله محاذيا للمنكب يقتضى انحراف القبله عن نقطة الجنوب انحرافا بينا، كما مضى اليه الاشارة، اذ فرق واضح بين جعله فى القفا، و بين جعله على المنكب الايمن، نعم على ما ذكراه، من كون الجدى اقرب الى القطب من تلك النجمه الخفية، يكون هو العلامة دائما، لا النجم الخفى المذكور، فلا وجه للتقييد بغاية الارتفاع و الانخفاض، و تغييره عن مكانه غير ضاير، اذ ذلك يسير لا يكاد يبين للحس.

الثانى: الإرشاد بالقواعد الرياضية المورثة للعلم بالجهة في الجملة
اشارة

قد عرفت ان العمدة فى العلامات المذكورة، هى الاعتماد على القواعد الرياضية المورثه للعلم بالجهة، فلنذكر هنا ما يرشدك اليها فى الجملة، فنقول: طول البلد هو قوس من المعدل، مبتداء من تقاطعه الفوقانى مع نصف نهار، مبدأ العمارات، الى تقاطعه الفوقانى مع نصف نهار البلد على التوالى، و مبدأ العمارات، هو الجزائر الست المسماة بجزائر الخالدات، و جزائر السعداء كما عن جمهور الحكماء اليونانيين، و هى الآن واغلة فى البحر، بعدها من ساحله عشر درجات على ما استخرج، و عند بعضهم يكون المبدأ هو ساحل ذلك البحر

و عن بعض حكماء الهند، انه اخذ المبدأ من جانب الشرق من موضع يقال له كنكذر، فعلى مذهبه يقيد التعريف على خلاف التوالى، و عرض البلد هو قوس من دائرة نصف النهار، الواقع بين قطب الافق و المعدل، او بين قطب المعدل

ص: 291


1- وجه التأمل انه يمكن ان يقال انه يفهم من كلام الشارح الفاضل ان الجدى انما يكون مستقيما اذا كان على جهة السماء و الفرقدان الى الارض او بالعكس و اما اذا كان احدهما مائلا الى جهة الشرق و الآخر الى الغرب فلا و عليه فيمكن ان يقال يجوز ان يكون الفرقدان على نصف النهار و بعد لم يصل الجدى اليها فتدبر. (منه)

و دائرة الافق من جانب لا اقرب منه، فان كان القطب الظاهر للمعدل فى ذلك البلد شماليا كما هو الغالب، فعرض البلد شمالى و الا فجنوبى.

و سمت القبله عند اهل الهيئة عبارة عن نقطة تقاطع افق البلد، و الدائرة المارة بسمتى رأس البلد و مكة فى جهتها، و الخط الواصل بين هذه النقطه و مركز الافق، هو خط سمت القبله، و هو سهم للقوس(1) الذى يبنى اساس المحراب عليها، فالمصلى اذا جعله بين قدميه ساجدا عليه، فيكون قد صلى على محيط دائرة ارضيه، مارة بما بين قدميه و موضع سجوده و وسط الكعبة زادها اللّه شرفا.

ثم البلد بالنسبة الى مكة لا يخلو عن ثمانية اقسام، لأنه اما يكون طوله و عرضه، كلاهما اقل من طولها و عرضها، او اكثر كذلك، او اقل طولا و اكثر عرضا، او بالعكس، او مساويا لها طولا و عرضه اقل، او اكثر او عرضا و طوله اقل، او اكثر، فان كان البلد اقل طولا، فمكه شرقيه عنه، سواء ساواها عرضا او زاد او نقص، و ان كان اكثر طولا، فهى غربية سواء تساويا عرضا او اختلفا، و ان ساوى مكة طولا، فقبلته نقطة الجنوب ان زاد عرضا، و كان شماليا، و نقطة الشمال، ان نقص، فكل بلد من هذا القبيل، اى يساوى طوله طول مكه كالموصل مثلا، على ما استخرج، فلا حاجة فى تعيين سمت قبلته الى مزيد عناية، لوقوعه مع مكه تحت نصف نهار واحد، فخط سمت قبلته خط نصف النهار، و قد مرت فى بحث الاوقات كيفية استخراجه، فالذى يفتقر الى العمل ستة اقسام فى الثمانيه، و القول(2)بان كان بلد يساوى عرضه عرض مكه، فهو ايضا غير محتاج فى تعيين سمت قبلة الى مزيد عناية، اذ قبلته نقطه مغرب الاعتدال ان زاد طولا، و نقطة مشرقه ان

ص: 292


1- و القوس الواقعة بين خط سمت القبله و خط الاعتدال او خط نصف النهار من جانب لا اقرب منه يسمى الأول قوس سمت القبله و الثانى قوس انحراف القبله. (منه)
2- و هو المنسوب الى كوشيار و الابرخس و ابن الاعلم. (منه)

نقص، لوقوعه مع مكة تحت اول سموت واحدة، فخط سمت قبلته خط المشرق و المغرب لا محه غير وجيه، اذ دائرة المشرق و المغرب المسماة بدائرة اول السموت، هى دائرة عظيمة تمر بسمتى الراس و القدم، اى قطبى الافق، و بنقطتى المشرق و المغرب، فغاية بعدها عن المعدل فى نقطتين، هما قطبا الافق.

فلو كان مكة ايضا تحت اول سموت البلد، و كان لهما اول سموت واحد، يلزم ان يكون غاية بعدها عن المعدل فى اربع نقاط، و هذا بديهى البطلان، اذ الدائرتان المذكورتان متقاطعتان فى نقطتين، هما نقطتا المشرق و المغرب.

و بطور آخر، يمتنع ان يكون اول سموت البلد مع اول سموت مكة متحدا، لعدم كون دائرة الافق من الدوائر الشخصية، بل هى باختلاف الا مكنة، فكيف حال المارة بقطبها، و عليه فيمر المدار اليومى الذى بعده عن المعدل بمقدار العرض، على سمتى رأسهما فيماس اول سموت البلد ذلك المدار على سمت رأسه و هناك غاية بعده عن المعدل، ثم يميل الى الغرب فيقع ذلك المدار على جهة شماله، و يلزم وقوع سمت رأس مكه فى شماله ايضا، فيكون سمت القبله فيه عن يمين المغرب للمتوجه اليه، ان زاد طوله على طول مكة، و عن يسار المشرق ان قل، فلا يكفى خط المشرق و المغرب، الذى فى سطح اول سموت البلد، لا ستخراج سمت قبلة ما ذكر، بل يحتاج الى عمل كما فى ساير الاقسام.

اذا عرفت ذلك، فاعلم ان الطرق المستخرجه لاستعلام سمت القبله كثيرة.

منها ما هو اخف مؤنه و اعمّ فائدة، و هو المشتهر بالدائرة الهندية، و العمل فيه بعد تسوية الارض، و رسم الدائرة، و استخراج خط الاعتدال و الزوال، و القاسمين لها ارباعا، على ما مر فى مباحث الاوقات، ان يقسم كل ربع تسعين قسما متساوية، اذ الدائرة منقسمة على ثلاثمائه و ستين جزأ متساويا، ثم يعد من نقطة الجنوب و الشمال بقدر ما بين الطولين الى المغرب، ان زاد طول البلد على طول مكه، و الى المشرق ان نقص، و من نقطة المشرق او المغرب، بقدر ما بين العرضين الى الشمال، ان نقص عرضه، و الى الجنوب ان

ص: 293

زاد عليه، و يخرج من منتهى الأجزاء الطولية، خطّا موازيا لخط الزوال، و من منتهى الأجزاء العرضية، خطا موازيا لخط الاعتدال، فيتقاطع الخطان فى داخل الدائرة غالبا، فصل بين مركزها و نقطة التقاطع، بخط منته الى محيطها، فهو على صوب القبله، و القوس الواقعه بين طرف الخط المذكور، و نقطة الجنوب او الشمال، من الجانب الاقرب، هى قوس انحراف القبله.

و لا يخفى ان هذه الطريقة لا تتمشى فى الاقسام الستة لابتنائها على مخالفة البلد لمكه طولا و عرضا معا، بل انما يتم فى اربع منها، و انها بالنسبة الى افادتها الجهة تحقيقية، نعم هى بالنسبة الى العين تقريبيّة، و ذلك لأن دوائر نصف النهار لمجموع البلاد، متقاطعة فى نقطتى الشّمال و الجنوب، اللتين هما قطبا المعدل، و بعد المرور يميل كل عن الاخرى، و غاية تباعد هما الى المعدل، ثم يميلان الى التقارب حتى يتلاقيا عند القطب، و دوائر اول السّموت لمجموع البلاد، لا بد ان تمر بنقطتى المشرق و المغرب.

و عليه فالخط المذكور، اى خط سمت القبله، ليس فى سطح دائرة مارة بسمت رأس مكه و البلد معا، اذ الخطان المتقاطعان المذكوران، ليسا فى سطحى نصف نهار مكه و اول سموتها، حتى يكون الأول منهما خط نصف النهار لمكه و خط زوالها، و الثانى خط المشرق و المغرب لها و خط اعتدالها، فيكون موضع تقاطع دائرتى نصف النهار مكه و اول سموتها، و معلوم انه فى سمت راسها، بل الخط الأول فى سطح دائرة صغيرة، موازية لنصف نهار البلد، مماسة لنصف نهار مكه، فى موضع تقاطعها مع المعدل، و هو غاية طولها، و موضع الملاقاة هو غاية بعد نصف نهار مكه، مع نصف نهار البلد، ثم يتقاربان الى ان يتلاقيا عند القطب كما عرفت.

فمكه اقرب الى نصف نهار البلد، بالنسبة الى تلك الصغيرة الموازية لنصف نهار البلد، لمكان اعتبار الموازاة فيها، و كون مكه ذا عرض، و الخط الثانى فى سطح دائرة صغيرة موازيه لأول سموت البلد، مماسة لواحد من المدارات اليومية، المار

ص: 294

بسمت رأس مكة، عند تقاطعه مع نصف نهار البلد، ثم يتباعد عن ذلك المدار، فمكه اقرب الى اول السّموت للبلد، من تلك الصّغيرة الموازية لمكان اخراج تلك الصّغيرة، بعد رد الفضل بين العرضين، و كونها موازية لأول سموت البلد، فسمت رأس مكه، داخل فى مربع ضلعاه من دائرة نصف نهار البلد و اول سموته، و ضلعاه الباقيان من الصغيرتين المذكورتين، و هذا اغلبى(1) لا كلّى، اذ قد يكون عرض مكه مساويا مع الواقع من نصف النهار لمكه، بين المعدل و اول سموت البلد، فنقطه سمت رأس مكه، واقعه على سطح اول سموت البلد، و قد يكون عرض مكه اكثر من الواقع من نصف نهارها، بين المعدل و اوّل سموت، فيكون النقطة المزبوره خارجة عن اول السموت، و واقعة على طرف القطب الظاهر، و اعلم ان التفاوت بين الطولين، اذا كان بقدر نصف الدور، فالبلد المذكور مع مكه، واقعان فى تحت نصف نهار واحد، فاذا كان عرضه شماليا، او كان عرضه جنوبيا، و لكن كان اقل من عرض مكه، فسمت القبله على طرف الشمال لنصف النهار من مركز الدائرة، و ان كان اكثر منه، فسمت القبله على طرف الجنوب لنصف النهار من مركز الدائرة، هذا اذا اعتبرنا الاقربية، و الا فالأمر مشكل، و ان كان عرضه جنوبيا، و لكن كان مساويا لعرض مكه فلا يتعين فيه سمت القبله.

و الذى يقتضيه القواعد انه مخير فى اى صوب توجه فهو مواجه لمكة.

و اعلم ان التفاضل بين الطولين، اذا كان تسعين جزءا او اكثر، او كان تقاطع نصف الظاهر لنصف نهار البلد مع المعدل، مقدما على تقاطع نصف الظاهر لنصف نهار مكه مع المعدل، بتسعين جزءا او اكثر، فلا تتمشى الدائرة المذكورة فيه، و ذلك واضح، و ربما احتيل لاستعلامه بما لو تعرضنا لتحقيقه ليطول المقام.

و ها انا انقل اربعة اشكال، حتى يكون الناظر على بصيرة:

ص: 295


1- اذ ذلك انما يتفق اذا كان عرض مكه اقل. (منه)

الأول: فى بلد كان طوله و عرضه، اقل من طول مكة و عرضها.

و الثانى: فى بلد كانا اكثر من طولها و عرضها.

و الثالث: فى بلد كان طوله اكثر و عرضه اقل.

و الرّابع: عكس الثالث، و مثال ما كان عرضه جنوبيا، او عديم العرض، او كان طوله اقل، الشكل الأول، و ان كان اكثر الشكل الثالث، و هذه صورة الاشكال:

و منها صدر الشمس حين مرورها بسمت رأس مكة، توضيح الكلام، ان بعد الدرجة الثامنة من الجوزاء، او الثالثة و العشرين من السّرطان، عن المعدل،

ص: 296

بمقدار عرض مكه، كما عن المحقق الطوسى و غيره، و عرض مكة على ما استخرجه احدى و عشرون درجه و اربعون دقيقه، فالشمس، حين كونها فيهما مارة بسمت رأس مكه، وقت انتصاف النهار، و عليه فاذا علمنا وصول الشمس الى نصف نهار مكه، فسمت ظلها حينئذ سمت القبله، و الطريق فى تحصيل العلم المذكور، ان يقال: لما كانت اجزاء المعدل ثلاثمائة و ستين جزءا، و كل منها ستون دقيقه، و كان زمان الدورة اعنى اليوم بليلته، اربعا و عشرين ساعة مستوية، كل منها ستون دقيقه، كان حصة كل خمسة عشر جزءا ساعة واحده، و حصة كل جزء اربع دقايق، و عليه فاذا اخذنا لما بين الطولين، حصة من الساعات و الدقائق، كان المجتمع زمان ما بين انتصاف النهار بمكه، و انتصافه بالبلد، فيرصد حين كون الشمس فى احدى الدرجتين المذكورتين، وقت مرورها بسمت رأسها، قبل نصف نهار البلد بذلك المقدار، ان كان طول مكه اكثر، و بعده ان كان اقل، فظل المقياس حينئذ مسامت للقبله، لكونه فى سطح دائرة ارتفاع الشمس، المارة بسمت رأس مكه.

فاذا جعل المصلى الظّل بين قدميه، و سجد عليه متوجها الى المقياس، يكون قد سجد على قوس من عظيمة ارضية، مارة بين قدميه و موضع سجوده، و مكه زادها اللّه شرفا، و هذه الطريقه لكونها مبنية على الاختلاف فى الطول، غير شاملة لغير الاقسام الستة.

و منها ان الشمس اذا تحولت الى سبع و اربعين دقيقه، من الدرجة الثامنة للجوزاء، اوالى ثلاث عشره دقيقه من الدرجة الثالثة و العشرين من السّرطان، تصل الى سمت رأس مكه، ففى كل يوم وصلت الى الجزءين المذكورين فليضع درجتها فى الاسطرلاب، على خط نصف النهار، فليحرك المرى بمقدار ما بين الطولين، على توالى اجزاء الحجرة، ان كان طول مكه اقل، و الا فعلى خلاف التوالى، فليلاحظ ان الدرجة قد وقعت على أية مقنطرة من مقنطرات الارتفاع، بعد استعلامه مقدار اوجهة، ثم ليضع مرى العضادة على ذلك الارتفاع المطلوب،

ص: 297

فلينتظر حتى وقع الشمس من الثقبه العليا على ثقبه السّفلى، ففى ذلك الوقت يكون منتصف ظل المقياس مسامتا لمكه، فاذا اقام المصلى على استقامة الظل مواجها للشمس، يكون مواجها لمكه.

و بالجمله الطرق كثيرة، فلو تعرضنا لجميعها، ليطول المقام جدا.

تذنيب:

اعلم انا نذكر مقدار انحراف البلد المعروفة فى هذا المقام، لئلا يحتاج الناظر فى هذا الكتاب الى الرجوع الى غيره، على ما نقله المحقق المجلسى طاب ثراه فى البحار، عن محققى علماء الهيئة، و فى ضمن كل بلد نذكر الخلاف الذى عثرنا عليه، فنقول:

اما البلاد المنحرفه عن نقطة الجنوب الى المغرب، فكثيرة:

منها اصفهان، فهو منحرف عن نقطة الجنوب الى اليمين باربعين درجه و عشرين دقيقه، و فى قبلة الافاق للرضى القزوينى بين انحرافه بتسع و ثلاثين درجه و كاشان باربع و ثلاثين درجه و احدى و ثلاثين دقيقه، و فى قبلة الافاق خمس و ثلاثين درجه، و يمكن رفع المنافاة، لأن ديدنه ذكر الدرج دون الدقايق، فاحفظه فانه يرفع المنافاة، و كثير من البلد الآتية.

و قزوين بسبع و عشرين درجة و اربع و ثلاثين دقيقه، و فى قبلة الافاق اسقط الدقايق.

و تبريز بخمس عشره درجة و اربعين دقيقة، و فى قبلة الافاق بست عشرة درجة.

و مراغه بست عشرة درجة و سبع عشر دقيقة، و فى قبلة الافاق خمس عشرة درجة.

و يزد بثمان و اربعين درجة و تسع و عشرين دقيقة، و فى قبلة الافاق اسقط الدقايق، كما هو ديدنه.

و قم باحدى و ثلاثين درجة و اربع و خمسين دقيقة، و فى قبلة الافاق

ص: 298

باثنين و ثلاثين درجه.

و استرآباد بثمان و ثلاثين درجه و ثمان و اربعين دقيقه، و فى قبلة الافاق بست و ثلاثين درجه.

و طوس و مشهد الرضا (ع) بخمس و اربعين درجه و ست دقايق، و فى قبلة الافاق بثلاث و اربعين درجه. درجه.

و نيسابور بست و اربعين درجه و خمس و عشرين دقيقه، و فى قبلة الافاق باربع و اربعين درجه.

و سبزوار باربع و اربعين درجه و اثنين و خمسين دقيقه، و فى قبلة الافاق باثنين و اربعين درجه.

و بغداد باثنتى عشرة درجة و خمس و اربعين دقيقه، و فى قبلة الافاق بثلاث عشرة درجه.

و الكوفة باثنتى عشرة درجه و احدى و ثلاثين دقيقه، و فى قبلة الافاق باسقاط الدقايق.

و سرّ من راى بسبع درجات و ست و خمسن دقيقه، و فى قبلة الافاق باسقاط الدقايق.

و المداين بثمان درجات و ثلاثين دقيقه.

و الحلّه باثنتى عشرة درجه.

و بحرين بسبع و خمسين درجه و ثلاث و عشرين دقيقه، و فى قبلة الافاق بستين درجة.

و الأحساء بتسع و ستين درجه و ثلاثين دقيقه، و فى قبله الافاق بثمان و ستين درجه.

و شيراز بثلاث و خمسين درجه و ثمان عشرة دقيقه، و فى قبلة الافاق باحدى و خمسين درجه.

و همدان باثنتين و عشرين درجه و ست عشرة دقيقه، و فى قبلة الافاق

ص: 299

باسقاط الدقايق.

و ساوه بتسع و عشرين درجه و ست عشرة دقيقه، و فى قبلة الافاق بثمان و عشرين درجه.

و تون بخمسين درجه و عشرين دقيقه، و فى قبلة الافاق بثمان و اربعين درجه.

و طبس باثنتين و خمسين درجه و خمس و خمسين دقيقه.

و تستر بخمس و ثلاثين درجه و اربع و عشرين دقيقه.

و اردبيل بسبع عشر درجه و ثلاث عشرة دقيقه، و فى قبلة الافاق باسقاط الدقايق.

و هرات باربع و خمسين درجه و ثمان دقايق، و فى قبلة الافاق باحدى و خمسين درجه.

و قاين باربع و خمسين درجه و دقيقه.

و سمنان بست و ثلاثين درجه و سبع عشرة دقيقه، و فى قبلة الافاق بسبع و ثلاثين درجه.

و دامغان بثمان و ثلاثين درجه.

و بسطام بتسع و ثلاثين درجه و ثلاث عشرة دقيقه.

و لاهيجان بثلاث و عشرين درجه.

و سارى باثنتين و ثلاثين درجه و اربع و خمسين دقيقه، و فى قبلة الافاق باحدى و ثلاثين درجه.

و آمل باربع و ثلاثين درجه و ست و ثلاثين دقيقه.

و قندهار بخمس و سبعين درجة، و فى قبلة الافاق بثمان و ستين درجه.

و الرّى بسبع و ثلاثين درجه و ست و عشرين دقيقه، و فى قبلة الافاق باحدى و ثلاثين درجه.

و كرمان باثنتين و ستين درجه و احدى و خمسين دقيقه، و فى قبلة الافاق

ص: 300

بثمان و خمسين درجة.

و بصره بثمان و ثلاثين درجه، و فى قبلة الافاق بست و ثلاثين درجه.

و واسط بعشرين درجه و اربع و خمسين دقيقه.

و الاهواز باربعين درجة و ثلاثين دقيقه.

و كنجه بخمس عشرة درجة و تسع و اربعين دقيقه.

و بردع بست عشرة درجه و سبع و ثلاثين دقيقه، و فى قبلة الافاق بردعه بثمان عشرة درجه.

و تفليس باربع عشرة درجه واحدى و اربعين دقيقه، و فى قبلة الافاق بست عشرة درجه.

و شيروان بعشرين درجه و تسع دقائق و كذا الشماخى، و فى قبلة الافاق الاخير باسقاط الدقائق.

و سجستان بثلاث و ستين درجه و ثمان عشرة دقيقه.

و طالقان بتسع و عشرين درجه و ثلاث و ثلاثين دقيقه.

و سرخس باحدى و خمسين درجه و اربع و خمسين دقيقه، و فى قبلة الافاق بسبع و اربعين درجه.

و مرو باثنتين و خمسين درجه و ثلاثين دقيقه، و فى قبلة الافاق باسقاط الدقائق.

و بلخ بستين درجه و ست و ثلاثين دقيقه، و فى قبله الافاق بتسع و خمسين درجه.

و بخارا بتسع و اربعين درجه و ثمان و ثلاثين دقيقه، و فى قبلة الافاق باسقاط الدّقائق.

و جنابد باثنتين و خمسين درجه و خمس و ثلاثين دقيقه.

و بدخشان باربع و ستين درجه و تسع دقائق، و فى قبلة الافاق باثنتين و ستين درجه.

ص: 301

و سمرقند باثنتين و خمسين درجه و اربع و خمسين دقيقه، و فى قبلة الافاق بتسع و اربعين درجه.

و كاشمر بثمان و خمسين درجه و ست و ثلاثين دقيقه، و فى قبلة الافاق باربع و خمسين درجه.

و خان بالغ بثلاث و سبعين درجة و ثلاثين دقيقه، و فى قبلة الافاق باحدى و سبعين درجه.

و غزنين بسبعين درجه و سبع و ثلاثين دقيقه.

و تبت بست و ستين درجه و ست و عشرين دقيقه، و فى قبلة الافاق باربع و ستين درجه.

و بست بثلاث و ستين درجه و ثلاثين دقيقه، و فى قبلة الافاق بخمس و ستين درجه.

و هرمور باربع و سبعين درجه، و فى قبلة الافاق باثنتين و سبعين درجه و لهاور بثمان و سبعين درجه و ست و عشرين دقيقه، و فى قبلة الافاق بثلاث و ثمانين درجة.

و دهلى بسبع و ثمانين درجة و ست و عشرين دقيقه، و فى قبلة الافاق بثلاث و ثمانين درجه.

و ترشينر بثمان و اربعين درجة و احدى عشرة دقيقه، و فى قبلة الافاق باسقاط الدقائق.

و خيعص بسبع و خمسين درجه و ثمان و اربعين دقيقه.

و ابهر باربع و عشرين درجه، و فى قبلة الافاق بخمس و عشرين درجه و كازران باحدى و خمسين درجه و ست و خمسين دقيقه.

و جرفادقان بثمان و ثلاثين درجة.

و خوارزم باربعين درجه.

و خجند بخمسين درجه، و فى قبلة الافاق بثمان و اربعين درجه.

ص: 302

و اما الانحرافات من الجنوب الى المشرق:

فالمدينة المشرفه منحرفة قبلتها عن نقطة الجنوب الى المشرق، بسبع و ثلاثين درجه و عشر دقائق، و فى قبلة الافاق بثمان و عشرين درجه.

و مصر بثمان و خمسين درجه و احدى و ثلاثين دقيقه، و فى قبلة الافاق بتسع و خمسين درجه.

و دمشق بثلاثين درجه و احدى و ثلاثين دقيقه، و فى قبلة الافاق بثمان و عشرين درجه.

و حلب بثمان عشرة درجه و تسع و عشرين دقيقه، و فى قبله الافاق بست عشرة دقيقه.

و قسطنطينيه بثمان و ثلاثين درجه و سبع عشر دقيقه، و فى قبلة الافاق بست و ثلاثين درجه.

و موصل باربع درجات و اثنتين و خمسين دقيقه.

و بيت المقدس بخمس و اربعين درجه و ست و خمسين دقيقه، و فى قبلة الافاق بسبع و اربعين درجه.

و اما ما كان من الشمال الى المغرب:

فبنارس بخمس و سبعين درجه و اربع و ثلاثين دقيقه.

و اكره بتسع و ثمانين درجه و دقيقه.

و سرنديب بسبعين درجه و اثنتى عشرة دقيقه، و فى قبلة الافاق بست و ستين درجه.

و چين بخمس و سبعين درجة، و فى قبلة الافاق باحدى و ثمانين درجه.

و سومنات بخمس و سبعين درجة و اربع و ثلاثين دقيقه، و فى قبلة الافاق و اما ما كان من الشمال الى المشرق:

فصنعاء بدرجه و خمس عشرة دقيقه.

و عدن بخمس درجات و خمس و خمسين دقيقه.

ص: 303

و جرمى دار ملك الحبشه بسبع و اربعين درجه و خمس و عشرين دقيقه، و فى قبلة الافاق بثلاث و خمسين درجه.

و ساير البلاد و المتوسطة بينهما، يعرف انحرافها بالمقايسه و التخمين، و اللّه هو الموفق و المعين.

فائدة:

اذا حصل التعارض بين ما نقلناه عن المحققين، و بين ما نقلناه عن قبلة الافاق، فالاول مقدم لأن المظنة فيه اكثر، و يعضده ما اشار اليه فى قبلة الافاق،(1) فى اوائل الركن الرابع، فراجع الى هناك.

الأمر الثالث: قال بعض الأجله: و المراد بجعل الجدى خلف المنكب الايمن، هو جعلها خلف الاذن اليمنى علوها، فتدبر.
الرابع: قد وضع بعضهم، لاطراف العراق الشرقيه كالبصرة، علامة هى جعل الجدى على الخد الايمن،

و فيه ان هذا يقتضى ان يكون قبلة البصرة هى نقطة مغرب الاعتدال، او ما يقاربه من جهة الشمال، و فساد هذا اظهر من ان يحتاج الى(2) البيان.

ص: 304


1- حيث قال فى جمله كلام بالفارسيه و چون در حال تحرير اين رساله هنوز ميسر نشده بود كه در صنعت كره مذكور و المراد بها ما صنعه لاستخراج القبله دقت و اهتمام تمام بعمل آمده باشد احتمال تفاوت قليل را با واقع معارض ايراد اين فوايد ندانست پس اگر بعد از تدقيق تفاوت قليلى ظاهر شود موجب قدح در حسن وضع اين آلت نتواند بود بلكه راجع بتقصير در صنعت و مسامحه در عمل شود و مع هذا در اصل مطلب كه تحصيل مقادير مذكوره است بعنوان تخمين قريب به تحقيق مضر نيست چه هر چند كمال وقت بكار رود تحصيل آن بعنوان تحقيق از مقدور بشر خارج باشد. (منه)
2- و العجب من الشيخ البهائى طاب ثراه انه مع تدر به فى الفن المذكور كيف حكم بموافقه ذلك لقواعد الهيئة ثم قال فى الحبل المتين و البصرة يزيد طولها على طول مكه بسبع درج ففى قبلتها زيادة انحراف الى المغرب عن قبلة بغداد فجعلوا علامتها وضع الجدى على الخد الايمن. (منه)
الخامس: قد عبّر جماعة من الاصحاب، عن المشرق و المغرب الواقعين فى العلامة الاولى، بمشرق الاعتدال و مغربه،

و السّر فى ذلك، انهم را و مشارق الارض و مغاربها مختلفه جدا، باختلاف الفصول، اذ البعد بين نهايتى كل منهما، يقرب من ثمانية و اربعين درجه ضعف الميل الكلى، على ما استخرج، و ذلك يقتضى جواز انحراف اهل الموصل مثلا، عن نقطة الجنوب فى جانبى المشرق و المغرب بهذا المقدار، و هو يستلزم اختلافا فاحشا فى جهة واحدة، و ربما يقال ان ترك التقييد، اولى و ادخل فى علامة العراق، من تقييدهما، لامكان الجمع بينها و بين الثانيه، بارادة جانب الشرق المايل عن نقطة الاعتدال نحو الجنوب و الجزء من المغرب المايل عن نقطة اعتداله نحو الشمال، فيتساوى العلامتان، و ترك التقييد لتوافق العلامة الثانيه، اولى من الاتيان به حتى يوافق الثالثه، لأن اكثر بلاد العراق عن نقطة الجنوب الى نحو الغرب منحرفه، و ان اختلف الانحراف فى الزيادة و النقصان.

و اما المسامتة لنقطة الجنوب، فهو نادر قليل، بل يكاد يدخل فى مسمى العراق، فانه على طرف حدوده، على ما قيل، فكان ذكر العلامة المفيدة لأكثر البلاد اولى، و القول فى مقام بيان الاولوية، ان النص قد ورد بالعلامة الثانية و ما عداها قد استخرجها الفقهاء من مواضع اخرى، فيكون حمل ما ظاهرة المخالفة للمنصوص عليه حيث يمكن، اولى من حمله على غيره، خصوصا و قد يطابق النص و الاعتبار الدقيق، على تحقق انحراف قبلة العراق، الاّ ما شذ، ففيه نوع تأمل كما ظهر وجهه سابقا.

و الذى يقتضيه الانصاف ان امثال هذه الكلمات مجازفة ظاهرة، اذ كما يمكن تقييد المشرق و المغرب بالاعتدالين، كذا يمكن القول بان المراد مشرق كل يوم و مغربه، و يؤيده ان ذلك امر يعرفه كل الناس، بخلاف الأول فانه لا يعرفه الا قليل منهم، اى القادرون على استخراج خط الاعتدال، هذا مضافا الى عدم كونه اضبط من ذلك، الا مع تدقيق تام، لأن استخراجه بالدائرة الهندية و

ص: 305

نحوها، تقريبى لابتنائه على موازاة مدارات الشمس للمعدل، و هذا التقريب قريب مما ذكرنا كما لا يخفى، فاى داع الى التقييد بما نقل معه القاعدة، و قد ذهب الى ذلك والد البهائى طاب ثراه، و عدّه البهائى متينا.

و كذا يمكن القول بان المراد مشرق الاعتدال، و آخر جزء المغرب المايل نحو الشمال، و بالعكس، و بان المراد مغرب الاعتدال، و آخر جزء من المشرق المايل نحو الجنوب، و امثال ذلك من التحريجات الواهية، بل الظاهر ان مبنى كلامهم هو السعة فى امر القبله، و مرادهم من المشرق و المغرب، هو طرف الشرق و الغرب، بقول مطلق.

و اما لزوم جواز الانحراف بمقتضى اطلاق كلامهم، بقدر ضعف الميل الكلى، فغير وجيه، اذ ذلك فرض نادر لا يشمله اطلاق كلامهم، فتامل، و كيف كان فالظاهر ان مبنى كلامهم هو التوسعة فى امر القبله، فان تم اجماعا، و الا كما هو الظاهر، فليحصل العلم بالقبله مع امكانه، و مع عدمه المظنة متحريا فى ذلك الاقوى فالاقوى، باى دليل و علامة كان.

و حيث جرى مضمار الكلام الى هنا، فلنرخه ساعة فى هذا المقام، فنقول:

لا ريب و لا تامل، فى ان لم يحصل قبلته، يجوز له تحصيلها بالقواعد الرياضيه كالدائره الهندية، فهل ذلك على طريق الوجوب، حتى يجب من باب المقدمة، ان ياخذ المسافرون و امثالهم، ممن يتفق لهم كثيرا فقدان قبلة اهل البلدان، حصّا و فرجالا و مقياسا، و يتعلموا عن البنائين كيفية تصفية الارض، و من الرياضيين كمية قوس الانحراف، و يستخرجوا القبلة من الدائرة الهندية مثلا، فى كل مكان نزلوا و لم يعلموا الجهة ام لا؟

وجهان ينشأن من ملاحظة الأخبار الدالة على التحرى فالاول، و من ما يظهر من سيرة المسلمين قديما و حديثا، حيث اذا سافروا الى امكنة قفراء لم يروها قط، لم يعلموا لاستعلام القبلة بما ذكر، بل يجاهدون فى الجمله، بان ينظروا يمينا و شمالا، و يشخصوا ابصارهم مشرقا و مغربا، حتى يحصل لهم مظنة، ثم يصلون،

ص: 306

مع انه يمكن لهم او لبعضهم تحصيل العلم بها بما ذكرت فالثانى، و يمكن ان يقال:

ليس صلوة المسلمين فى الامكنة التى فرضتها، من غير استعمال القواعد الرياضية، من جهة عدم وجوب تحصيل العلم لهم بالقبلة بتلك القواعد، بل لأجل كونهم عالمين بالجهة غالبا، بملاحظة المشرق و المغرب و الجدى و القمر و امثالها، حتى يقسمون بذات الله تعالى ان جهة الكعبة هذا، و يشيرون الى ربع دائرة او اقل او اكثر، ثم لما كان القوس التى اشاروا اليها، و احتملوا فى كل جزء منها ان يكون فيه الكعبة وسيعة، فاذا ارادوا الصلوة صلوا الى وسطها، لمكان كون المظنه بكون البيت فيه اكثر، كما لا يخفى على المتدرب المتعلق، و لا يجب عليهم حينئذ العلم بالعين، حتى يجب عليهم ان يستعملوا القواعد الرياضية، المورثه للعلم بها لو وجدت.

فتحصّل من هنا الجهة وسيعة فى الغاية، حتى يمكن ان يكون ثلث الدور او اكثر فى بعض الصّور، توضيح ذلك ان الشخص الخارج من مكه، متوجها الى قطر من الاقطار، اذا ذهب الى ان غاب عن نظره العين، و لم يعلم بانها فى اى جزء مخصوص يكون الجهة له قوس صغيرة من الدائرة، و لا يكون لها وسعة كثيرة، ثم كلما ازداد بعدا ازدادت وسعة، لأنه بسبب بعد المسافة يحتمل فى كل جزء منها ان يكون فيه الكعبة، حتى انه فى بعض الصّور يمكن ان يكون ثلث الدّور او اكثر، كما اشرنا اليه.

و هو اذا كان محتملا لكل جزء من ثلث الدورة مثلا، ان يكون فيه الكعبه، و لكنه قاطع بانها ليست فى الثلثين الآخرين منها، فاذا سئل عنه عن الجهة يقول بان جهة الكعبة فى هذه، و يشير الى ثلث الدور.

و بطور آخر كلما نقصت الامارات الهادية للكعبه و لو فى الجمله، ازدادت الجهة سعة، و كلما ازدادت ازدادت ضيقا، و عليه فهى باختلاف الاشخاص، يمكن ان تصير مختلفه، بمعنى ان تكون بالنسبة الى رجل ربع الدور، و بالنسبة الى آخر ثلثه، و كذا، و لعل الخبر الدال على ان بين المشرق و المغرب قبله، مؤيد

ص: 307

لذلك، فافهم.

فحيث كان له العلم بالجهة، و كانت وسيعة فى الغاية، فهل يجب عليه الصلوة الى جزء منها، الذى يكون المظنه لوقوع العين فيه اكثر، ام لا؟

الأوّل اظهر، لما دل على وجوب التحرى، من الأخبار المعتضدة بالاعتبار و الاثر، و لم يثبت لى من الادلة الاربعة، شىء دال على جواز الاتيان باى جزء من الجهة، سوى اطلاق قوله تعالى: «وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»، فهو مقيد بالأخبار الداله على التحرى، و بما ظهر من الآيات القرانية، و الاحاديث الصادره عن اهل بيت العصمة (ع)، و من تتبع كلام فقهاء الطائفة، من ان القبلة الحقيقية هى الكعبه، و هى المناط فيها، بلا شك و لا شبهه.

و امّا مع تعذر العلم بها، فانّما صارت الجهة هى المامور بها لاشتمالها عليها، و عليه فلا ريب فى ان مظنه وقوع الكعبه فى بعض اجزائها، اذ كانت اكثر، و مع ذلك صلى الى الاجزاء المرجوحة، يلزم ترجيح المرجوح على الراجح، و هو قبيح بلا شبهه.

فظهر بما ذكر، عدم الاحتياج غالبا الى القواعد الرياضية الموجبة للعلم بالجهة لعامة الناس، لمكان علمهم بالجهة بملاحظة الشرق و الغرب و القمر و امثالها، نعم لو ظهر لنا من الادلة شىء دال على انه يجب تقليل قوس الجهة، لكان القول بوجوب استخراجها عن قواعد الهيئة فيه متانة، لمكان ايراثها تضيق الجهة، و عدم ظهوره ظاهر، بل الدليل على خلافه واضح السّبيل، لمكان اطلاق الآية و غيرها، و سهولة الأمر فى القبله المناسبة للشريعة السمحه السهله، و للأخبار الواردة فى العلامة، فاحتفظ بما ذكرناه فى هذه السّطور، فانه يليق ان يكتب بالنور فى صفحات خدود الحور.

لأن بهذا يستخلص عما يرد على جملة من المتأخرين، حيث انهم يضيقون الأمر فى الجهة فى الغاية، حتى انه ربما يمنع من حصول العلم بها باستعمال القواعد الرياضية، و اكثرهم قد حكموا بحصوله بها عنها، فاوجبوا الرجوع اليها،

ص: 308

فلو عملوا بما افتوا لكان لهم و لمن يأخذ بقولهم، ان ياخذوا فى اكثر الاسفار و نحوها، حصا و مقياسا و فرجالا، و يتعلموا قوس انحرافات البلاد، و كيفية تصفية الارض، و نحوها من الاشياء المحتاجه اليها الدائرة الهندية، التى هى اسهل الطرق الى استعلام القبله، حتى يستخرجوا الجهة بها فى كل منزل، مع انا لم نسمع ذلك لا منهم و لا من مريديهم، هذا مضافا الى مخالفته للسّيرة، بل التكليف بذلك يكاد ان يلحق بالحرج، بل لعله حرج بالنسبة الى اكثر الناس سيما المسافرين، لابتناء تلك القواعد، على اشياء لو صرف بعضهم عمره لتعليمهما، لعلّه لم يكد ان يراها، لاعوجاج سليقته.

و بالجمله لا شبهة فى كون التكليف بذلك لعامة الناس، مما فيه حرج، فلا بد من القول بثلاثه اشياء: اما القول بجواز التكليف بما فيه حرج، و انه ثابت فى شريعة محمّد (ص)، و فيه انا قد بيّنا فى بحث الاوقات، الادلة الكثيرة الدالة على عدم وقوعه فى هذه الشريعة، و اجبنا من النقوض باجوبة متعددة، فراجع الى هناك البتة، مع انه على القول بجوازه ايضا، هو اصل متن يشكل فى الغاية تخصيصه بنحو هذه الادلة، التى لم يصرف الاوقات فى فكر نتايجها المنكرة، او القول بانه يجب التعليم و العمل بالنسبة الى من لم يكن فى شانه الحرج، و اما من كان فى شانه الحرج فلا، ففيه ان التفصيل المذكور مخالف لما يظهر من السيرة، اذ هم يتفقون بقاعدة الحرج، ما فيه حرج لكثير من الناس، و لا يفصلون أصلا، مع انه خرق للاجماع على الظاهر، او القول بانه واجب كفائى نظير وجود المجتهد، فيجب لهم ان يرسلوا شخصا ليتعلم فى الرّياضى، حتى يرجعوا الى قوله فى تلك المسئلة، ففيه مع انه مخالف للاجماع على الظاهر، غير محصل للمقلدين العلم بالجهة غالبا، فخرجت عما كنت فى صدده.

هذا مضافا الى انه على هذا القول، لا بد لأكثر المسافرين المتمكنين، ان ياخذوا مسددا و معلما معهم، حتى يرفعوا به خلتهم فى امر القبله، و امثال هذه التحريجات، مما لم يتفوه بها ذو مسكه.

ص: 309

فتحصل مما ذكرنا اشياء: الأول: ان الجهة وسيعة، و العلم بها ليس فيه صعوبة، بل يحصل بادنى ملاحظة، كملاحظة الشرق و الغرب و الجنوب و الشمال و امثالها، فلا يحتاج الى الرجوع الى القواعد الرياضية، المورثه لتضيق الجهة.

الثانى: ان الرجوع الى وسط القوس، التى يعبّر عنها بالجهة، واجب لما مرّ من الادلة.

الثالث: عدم وجوب تعيين الجزء من القوس، الذى يظن كون الكعبة فيه، بالقواعد الرياضية، لعدم دليل عليه، مضافا الى استلزامه الحرج، و كونه مخالفا للسيرة.

الرابع: اذا عين الجزء المظنون كون الكعبة فيه بقواعد الهيئة كالدائره الهندية مثلا، فيجب حينئذ الرجوع اليه، لقبح ترجيح المرجوح على الراجح، كما مر اليه الاشارة.

بقى فى المقام شىء، و هو انّا سلّمنا أنّ العلم بالجهة لأكثر الناس، فى اكثر الاوقات حاصل، و لا يجب الرجوع حينئذ الى القواعد المورثة لتضييقها، و لكن إذا اشتبه لمانع عليه الجهة و لم يعلم بها، و لكن حصل له المظنة بها، فهل يجب حينئذ الرجوع الى القواعد الرياضية المورثه للعلم بها ام لا؟ بل يكفى المظنه.

وجهان و الّذى يقتضيه التحقيق، انّ المفروض فرض نادر فى الغاية، بل يكاد ان يلحقه، اذ المتمكن لاستخراجها بقواعد الهيئة، المتوقفة على المقدمات لغير المخفية على اهل الخبره، يحصل له العلم بها بادنى التفاوت، بلا شك و لا شبهة، و لو قلنا على فرض المحال، بتحقيق المفروض المذكور، فالاحوط هو تحصيل العلم بها و عدم الاكتفاء بالمظنّة، اذا لم يستلزم حرجا.

نعم يمكن فرض الكلام، فى صورة تدخله فى حيّز الامكان و الوقوع، و ان كان فى غاية الندرة ايضا، و هو: اذا لم يكن بنفسه عالما بقواعد الهيئة و لو فى الجمله و حصل له المظنة بالجهة، و لكن امكن له ان يتعلم و يحصل له العلم بها، و الذى يقتضيه القواعد هو القول بوجوب التعلم، ما لم يستلزم حرجا، و لا تتوهم ان هذا الكلام مناف لما سبق، اذ بين المسئلتين بون بعيد، و يمكن ان يقال فى هذه الصورة: ان القدر الواجب عليه من التعليم، انما هو على قدر يحصل به العلم

ص: 310

بالجهة، و هذا سهل فى الغاية، فلا يحتاج الى تحصيل القواعد المشار اليها، بل الى بعض مقدماتها الذى يعرفه اكثر الناس، لو لم نقل كلهم، و امّا اذا لم يحصل له علم و لا مظنة بالجهة، فالصّلوة الى اربع جهات معينه، كما مضى اليه الاشارة.

السادس: اعلم ان مرادهم من العراق الذى بيّنوا له تلك العلامات، هو عراق العرب،

كما يظهر منهم،(1) و اما عراق العجم فلا يتمشى فيه العلامات المذكورة، الا الثانية فانها تناسب لأكثر بلادها، لأن ارض المنكب وسيعة، فيمكن التقييد بان لو رجع لا يرى الجدى، فيصير علامة لجملة من بلادهم، الّتى انحرافها عن نقطة الجنوب الى الغرب قليله، و بان لو رجع لرأى بعينه اليمنى فيصير الى جملة اخرى، التى انحرافها اكثر من الاولى، و بان لو رجع لراى بعينه اليسرى فيصير علامة بالنسبة الى جملة اخرى، التى انحرافها اكثر من الثانية و هكذا.

و يمكن لك بسهولة ان تجعل علامة لأكثر البلاد المشهورة، بعد ما عرفته من القواعد المتقدمه، بحيث كانت مطابقة لقواعد الهيئة، و لم تكن فيه مسامحات، كما هى واردة على العلامات التى بينها مشهور الطائفه، كان تلاحظ الشمس فى ايام مخصوصه، كاول الشتاء او الصيف او الربيع او الخريف مثلا، و كنت متوجها الى

ص: 311


1- فى بيان تقسيم العلامات بالنسبة الى بلاد العراق. (منه) () و فى المفاتيح بعد عده العلامات المذكوره مع زيادة القمر عقبها بقوله لأهل المشرق كعراق العرب و ما والاها. (منه) () ففى الحبل المتين فمنها لأهل المشرق كعراق العرب و ما والاها اربع علامات ثم ذكر الجدى و المشرق و المغرب و الشمس حين الزوال على النهج المحرر و القمر ليلة السابع من كل شهر عند غروب الشمس بين العينين و كذا ليلة احدى و عشرين عند طلوع الفجر و قد سبق فى شرح قول المصنف رحمه الله و لو فقد علم القبله عول الى آخره، الى هذا ايضا الاشارة و الاقوى انها ليست فى كثير من الاوقات مفيده للعلم بالجهة اللهم الا ان يكون الشخص عالما لجهات الاربع كساير العلامات ففى شانه يفيده لمكان كون الجهة بالنسبة اليه اوسع كما مضى فى المتن اليه الاشارة. (منه)

سمت القبله، و تراها انها محاذية فى وقت وصولها الى دائرة نصف النهار، او اول الزوال، لاى جزء من اجزاء بدنك، و تجعل ذلك علامة.

و كذا يمكن جعلها باعتبار مطالعها و مغاربها.

و كذا يمكن جعلها باعتبار المطالع و المغارب، بالنسبة الى ساير الكواكب المشهورة المرصودة، بل و غيرها ايضا.

و يمكن ايضا لمن كان له ادنى روية، ان يعرف سمت القبله من غير ان يحتاج الى تصفية الارض و المقياس و الجص و امثالها، مما يحتاج اليه الدائره الهندية، بحيث لا يخالف لما استخرج بدقة عن الضوابط المتقدمة، اما اصلا، او مخالفة كان لها قدر محسوس، و ذلك بان استعلم مقدار قوس الانحراف اولاّ، ثم قام فى مكان معين، و علّم على مطلع الشمس فى واحد من يومى الانقلابين، علامة من شجرا و مدرا و نحوهما، ثم علّم ايضا مغربها فى ذلك اليوم، بعلامة، ثم نصّف بالنظر المعتضد بالرؤية و الفكر، الواقع بين العلامتين من دائرة الافق فى جانب الجنوب، ان كان بلدك شماليا، و فى جانب الشمال ان كان جنوبيّا، فيحصل نقطة الجنوب او الشمال، ثم انظر الى مقدار انحراف بلدك فان كان ثلاثين جزءا من نقطة الجنوب الى الغرب مثلا، فاقسم ذلك الربع الذى استخرجته اثلاثا، و علم على الثلث الملقى للجنوب بعلامة و اجعلها قبلتك، و هكذا.

و لا يخفى عليك ان الافق الحسّى اذا لم يكن فيه وسعة، فهذا العمل اقرب الى التحقيق،(1) و اذا كان وسيعا جدا فتطرق الوهن اليه اكثر، الا ان يعمل بنوع من العمل بان يصل بين العلامتين بخط مستقيم بالنظر، ثم علم بدلهما شيئين آخرين قريبين الذين وقع الخط عليهما، بشرط ان يكون نسبة كل منهما الى المبدل منه، كنسبة الآخر الى اصله، بمعنى ان يكون المسافتان الواقعتان بين العلامات الاربع، متساويتين، بحسب المقدار، ثم نصف المسافة

ص: 312


1- و لا يخفى عليك ان هذا الطريق مقتبس عن الدائرة الهندية. (منه)

الواقعة بينهما و اعمل بما مر، و لا يضر فى ذلك عدم موازاة مدار الشمس للمعدّل، لعدم القدر المحسوس لذلك الاختلاف، مع ان الاختلاف الحاصل بالنسبة الى زمان المدخل او المخرج فى الدائرة الهندية، المشترك بين ذلك و بين القبلة المستخرجه، على طريق الدائرة الهندية، على النهج التدقيق.

و لا يخفى ايضا ان العمل المذكور انما يتمشى فى موضع، لا يكون بين مطلع الشمس و مغربها تفاوتا يعتد بها، كأن كان فى المطلع جبال عظيمة، و لم تكن فى المغرب، او كانت و لكن اصغر منها، الا ان يعمل بنوع من العمل، و ذلك واضح.

و الانصاف ان تقريبه هذا العمل، اكثر من الدائره الهندية المتداولة بمراتب.

السّابع: قال فى التحرير: اهل كل اقليم يتوجهون الى ركن من الاركان الاربعة،

فاهل العراق الى العراقى، و هو الذى فيه الحجر، و اهل الشام الى الشامى، و اهل الغرب الى الغربى، و اهل اليمن اليمانى، و قال: كل قوم من هؤلاء، لهم علامات وضعها الشارع لمعرفة القبله، ثم ذكر العلامات المتداولة فى الكتب الفقهية.

و فيه ان العلامات المقررة، سوى الجدى لأهل العراق، على ما زعم، و قد عرفت تفصيل الكلام فى ذلك، انما قررها الاصحاب عملا بالقواعد الرياضية، و لم نعثر عنهم (ع) فى تلك رواية واحدة، فنسبتها الى الشارع غير وجيه بلا شبهة، و يمكن لذلك نوع جواب بملاحظة ما اتفقوه على ما ذكره غير واحد منهم من ان فرض البعيد هو التوجه الى السمت، الذى عينه رعاية العلامات المقررة، و لكن فيه ايضا نوع مناقشة.

توضيح الكلام فى ذلك المقام، يقتضى ارخاء القلم ساعة فى هذا المضمار، فنقول: اعلم ان الكعبة زادها الله شرفا، مشتمله على اضلاع اربعة، واحدة منها و هو الذى فيه الحجر يسمّى بركن الحجر ثم الباب على ترتيب الطواف، واقع

ص: 313

بعد اربعة اذرع شرعية، و عرضه ايضا اربعة اذرع، و تتمة ذلك الضلع و هى من يمين الباب الى الركن الآخر، المسّمى بالعراقى عند بعض و الشامى عند آخر، ستة عشر ذراعا و شبر، فمجموع الضلع المذكور الذى هو طول الكعبة، اربعة و عشرون ذراعا و شبر، و الضلع الثانى، اى الواقع بين الركن المذكور و الركن الغربى، و فى وسطه الميزاب، اثنتان و عشرون ذراعا، و هو عرضها، و الضلع الثالث، و هو الواقع بين الركن الغربى المذكور، و بين الركن اليمانى، موافق للضلع الرابع، و هو من الركن اليمانى المذكور، الى ركن الحجر، احد و عشرون ذراعا و شبر، فيكون اقل من نظيره بشبر(1).

و اما وضعها بالنسبة الى الجهات، فهو ان ركن الحجر، مائل عن محاذاة مشرق الاعتدال الى الجنوب بقليل، بحيث وقع مشرق الاعتدال بين الباب و الحجر، فيحصل تصوير باقى الاركان بالمقايسة.

هذا على ما اشار اليه بعض(2) الأجله، قال: من الحجر الى الباب و هو قريب من السدس للضلع الطولى، موقع لتوجه بعض من بلاد الهند، كهلواره و ما حوله.

و فضاء الباب و هو ايضا قريب من السدس، موقع لتوجه اهل جين و دبيل و با نارس و منصوره سندوا كرود هلى و هرموز و تهامة و ما حولها.

ص: 314


1- قيل ما روى فى الكافى و الفقيه مرفوعا انه بنيان ابراهيم (ع) الطول ثلاثين ذراعا و العرض اثنتين و عشرين ذراعا و السمك تسعه اذرع فموجه مع انه وقعت التغييرات فبناء الكعبه بالنسبة الى ما فى السابق لمكان كون ارتفاع السمك الان زايدا على تسعة اذرع مع انه روى فى الكافى عن الصادق (ع) كانت الكعبة على عهد ابراهيم (ع) تسعة اذرع و كان لها بابان فبناها عبد الله بن الزبير فرفعها ثمانية عشر ذراعا فهدمها الحجاج و بناها سبعة و عشرين ذراعا الحديث فيمكن على تقدير صحة الرواية الاولى ان وقع التغيير فى طولها ايضا بعد ابراهيم (ع) و العلم عند الله. (منه)
2- و هو الرضى القزوينى فى قبلة الافاق. (منه)

و من الباب الى منتصف الضلع الذى هو منتهى السدس الثالث، موقع لتوجه اهل الأحساء و بها و رومولتان و قطيف و بحرين و قندهار و كشمير و بست و سيستان و كرمان و بدخشان و تبت و خان بالغ و شيراز و بلخ و فارياب.

و السدس الرابع موقع اهل هرات و ختن و بيش بالغ و يزد و قراقرم و ترشينر و تون و سمرقند و كاشمر و سرخس و كش و خجند و بخارا و رامهرمز و طوس و بناكت و المانع و سبزوار.

و السدس الخامس موقع اهل اصفهان و بصره و سمنان و كاشان و استرآباد و كركانج و قم و رى و سارى و قزوين و ساوه و لاهيجان و همدان.

و السدس السادس و هو المنتهى الى الركن الثانى، موقع اهل كوبا مدينه روس و شماخى و بلغار و باب الابواب و بردعه و تفليس و اردبيل و تبريز و بغداد و كوفه و سرّمن راى.

فموقع توجه اهل عراق العرب، قريب الى الركن الثانى جدا، و موقع توجه اهل عراق العجم ايضا، اقرب الى الركن المذكور من ساير الاركان، و هذا هو الوجه فى تسمية الركن المذكور بالعراقى.

و السدس الأول، من الركن العراقى الى الركن الغربى الذى هو الضلع العرضى، موقع لتوجه اهل موصل و ارزن الروم و ما حولهما.

و السدس الثانى منه توقع ارزنكان و حلب و ما حولهما.

و الثالث منه، و هو المنتهى الى الميزاب، الذى واقع فى منتصف الضلع المذكور، موقع انطاكيه و ملطيه و الرومية الكبرى و طرابلس الشام و دمشق و حمص و قسطنطنيه و قنسرين و المدينه المشرفه و قونيه و صور و عسقلان و بيت المقدس.

فظهر وجه تسمية الركن العراقى بالشامى، لأن موقع توجه بلاد الشام اقرب الى الركن المذكور من ساير الاركان.

و الرابع منه توقع لتوجه اسكندرية و مصر و اندلس.

و الخامس منه هو الموقع لطرابلس المغرب و قير و ان و ناهرت و قومص و

ص: 315

السوس الاقصى.

و السدس السادس منه، و هو المنتهى الى الركن الغربى، ليس محاذيا لشىء من البلاد المشهورة، و تسمية ذلك الركن بالركن الغربى، اما لأنه محاذى لقرب مغرب الاعتدال، او لكون موقع توجه اهل بلاد الغرب به، اقرب من ساير الاركان، كما ظهر.

و السدس الأول، من الركن الغربى الى الركن اليمانى، و هو الضلع الثالث، هو الموقع لتوجه اهل دنقله و اكثر بلاد النوبه.

و الثانى منه، موقع لتوجه اهل جرمى و ساير بلاد الحبشه.

و الثالث منه، ليس محاذيا لشىء من البلاد المشهوره.

و الرابع و الخامس و السادس منه، اى لنصف الاخير للضلع المذكور، موقع لتوجه بعض من بلاد اليمن، كالزبيد.

و السدس الأول، من الركن اليمانى الى ركن الحجر، و هو الضلع الرابع، هو الموقع لتوجه اهل صنعأ اليمن و ما حوله، فهذا الركن يحاذى لبلاد اليمن من جانبين، ففى اطلاق اليمانى عليه مناسبة تامة.

و الثانى و الثالث و الرابع و الخامس منه، ليس محاذيا لشىء من البلاد المشهورة.

و السدس السادس منه، و هو الذى ينتهى الى حجر الاسود، هو الموقع لتوجه اهل سومنات و سرنديب و ما حولهما هذا.

أقول: و عليه فما ذكره شاذان بن جبرئيل، فى رسالة القبله، من ان قبله ملتان و كابل و قندهار، واقعة بين الركن اليمانى و الحجر، ليس بمعتمد عليه، كالقول بان توجه اهل العراق الى ذكر الحجر، فلذا سمى الركن المذكور عراقيا، كما يظهر من عبارة التحرير المتقدمة، و الشرايع و غيرهما.

و اما ما ذكره الشارح الفاضل طاب ثراه، اصلاحا لما ذكره فى الشرايع، بما لفظه: قوله فاهل العراق الى العراقى، هذا على سبيل التقريب، و الا فاهل

ص: 316

العراق انما يستقبلون الباب و ما قار به، و اهل الشام يستقبلون ما بين الميزاب و الركن، و مع ذلك فالمعتبر عند المصنف فى البعيد استقبال الحرم، و عند آخرين الجهة، و هى اوسع من ذلك.

ففيه ما ترى، هذا مضافا الى ان المشاهدة حاكمه، بان ركن الحجر منحرف عن محاذاة مشرق الاعتدال، الى جهة الجنوب، فكيف يجوز امثال تلك الكلمات؟ فافهم.

الرسالة التى كتبها الشيخ الجليل ابو الفضل شاذان القمى قدس روحه، فى القبله
اشارة

و حيث طال الكلام فى المقام، فلنذكر ايضا الرسالة التى كتبها الشيخ الجليل ابو الفضل شاذان القمى قدس روحه، فى القبله، فى سنة ثمان و خمسين و خمسمائه، قال الشهيد نور الله ضريحه فى الذكرى: ذكر الشيخ ابو الفضل شاذان بن جبرئيل القمى، و هو من اجلاء فقهائنا، فى كتاب ازاحة العله فى معرفة القبله، و ذكر فصلا منه، و اشتبه على بعض(1) الاصحاب فتوهم انه تأليف فضل بن شاذان، و ليس كذلك لما صرح به الشهيد و غيره، قال قدس سره: سألنى الامير فرامرز بن على الجرجانى، املأ مختصر يشتمل على ذكر معرفه القبله، من جميع اقاليم الارض، مما ورد عن ائمة الهدى (ع)، فامتثلت مرسومه ادام الله نعمته، فاول ما ابتدأت بذكره وجوب التوجه الى القبله، ثم ذكرت بعد ذلك اقسام القبلة و احكامها، و ذكرت كيفية ما يستدل به اهل كل اقليم الى منتهى حدوده، على معرفة قبلتهم، ان شاء الله تعالى.

فصل: فى ذكر وجوب التوجه الى القبله،

قال اللّه تعالى لنبيه (ص): «قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي اَلسَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»، اى نحوه، و قال عز و جل: «وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ إِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَ مَا اَللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا تَعْمَلُونَ»،

ص: 317


1- و منه الرضى القزوينى. (منه)

فاوجب الله تعالى بظاهر اللفظ التوجه نحو المسجد الحرام لمن نأى عنه، و روى ابو بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن قول الله عز و جل: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً»، قال: امره ان يقيم وجهه للقبله خالصا مخلصا، ليس فيه شىء من عبادة الاوثان.

و عن ابى بصير قال: سألته (ع) عن قول الله عز و جل: «وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ»، قال: هذه القبله ايضا.

فوجه وجوب معرفة القبله، التوجه اليها فى الصلوات كلّها فرايضها و سننها مع الامكان، و عند الذبح و النحر، و عند احتضار الاموات و غسلهم، و الصلوة عليهم و دفنهم، و الوقوف بالموقفين، و رمى الجمار، و حلق الراس، لا وجه لوجوب معرفة القبله سوى ذلك.

فصل: فى ذكر اقسام القبله و احكامها،

المكلفون فى باب التوجه الى القبلة، على ثلاثة اقسام: منهم من يلزمه التوجه الى نفس الكعبة، فلا يحتاج الى تطلب الامارات و هو كل من كان مشاهدا، بان يكون فى المسجد الحرام، او يكون فى حكم المشاهد، بان يكون ضريرا، او يكون بينه و بين الكعبه حايل، او يكون خارج المسجد الحرام، بحيث لا يخفى عليه جهة الكعبة.

القسم الثانى: من يلزمه التوجه الى نفس المسجد الحرام، و هو كل من كان مشاهد المسجد الحرام، او فى حكم المشاهد، او غلب على ظنه جهته، ممن كان فى الحرم، و هذا القسم ايضا لا يحتاج الى تطلب الامارات، التى يحتاج اليها من كان خارج الحرم.

و القسم الثالث: من يلزمه التوجه الى الحرم، فهو كل من كان خارج الحرم و نائيا عنه، و هو الذى يحتاج الى تطلب الامارات، من ساير اقاليم الارض.

فصل: فى ذكر صرف رسول الله (ص) الى الكعبه من بيت المقدس،

قال معوية

ص: 318

بن عمار قلت لأبى عبد الله (ع): متى حرف رسول الله (ص) الى الكعبة؟ قال:

بعد رجوعه من بدر، و كان يصلى بالمدينة الى بيت المقدس سبعة اشهر، ثم اعيد الى الكعبة.

و عن ابى بصير قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن قول الله عز و جل: «وَ مٰا جَعَلْنَا اَلْقِبْلَةَ اَلَّتِي كُنْتَ عَلَيْهٰا إِلاّٰ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ اَلرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلىٰ عَقِبَيْهِ وَ إِنْ كٰانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّٰ عَلَى اَلَّذِينَ هَدَى اَللّٰهُ وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ إِنَّ اَللّٰهَ بِالنّٰاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ»، فقال (ع): ان بنى عبد الاشهل اتوهم و هم قد صلوا ركعتين الى بيت المقدس، فقيل لهم: ان نبيكم قد صرف الى الكعبة، فتحولت النساء مكان الرّجال و الرجال مكان النساء و جعلوا الركعتين الباقيتين الى الكعبة، و صلوا صلوة واحدة الى قبلتين، فلذلك سمى مسجدهم مسجد القبلتين، و هو بالمدينة قريبا من مصر(1) دومه.

فصل: فى ذكر من كان فى جوف الكعبة، او فوقها، او عرصتها، مع عدم حيطانها،

اذا كان الانسان فى جوف الكعبة، صلى الى اى جهة شاء، الا الى الباب فانه اذا كان مفتوحا لا يجوز التوجه الى جهته، و كذلك الحكم اذا كان فوقها، سواء كان السطح له سترة من نفس البناء، او كان مفروزا فيه،(2) او لم يكن له سترة ففى اى موضع وقف فيه جاز، اللّهم الا ان يقف الى طرف الحايط بحيث لا يبقى بين يديه جزء من بناء البيت، فانه لا يجوز حينئذ صلوته، لأنه يكون قد استدبر القبله، و يجوز لمن كان فوق الكعبه ايضا، ان يصلى مستلقيا متوجها الى البيت المعمور، الذى يسمى الضراح فى السماء الرابعه او الثالثه، على خلاف فيه، و تكون صلوته ايماء، و متى انهدم البيت - و العياذ بالله - جازت الصلوة الى عرصته، و ان وقف وسط عرصته و صلى، كان ايضا جايزا، ما لم يقف على طرف

ص: 319


1- بئر خ ل.
2- منه خ ل

قواعده، بحيث لم يبق بين يديه جزء من اساسه.

فصل: فى التوجه الى القبله من اربع جوانب البيت،

اعلم ان الناس يتوجهون الى القبله من اربع جوانب الارض، فاهل العراق و خراسان الى جيلان و جبال الديلم و ما كان فى حدوده، مثل الكوفه و بغداد و حلوان، الى الرى و طبرستان، الى جبل السابور، و الى ماوراء النهر الى خارزم الى الشاش، و الى منتهى حدود و من يصلى الى قبلتهم، من اهل الشرق، حيث يقابل المقام و الباب، و يستدل على ذلك من النجوم بتصيير بنات النعش خلف الاذن اليمنى و الجدى الى ضلع خلف منكبه الايمن، و الفجر موازيا لمنكبه الا يسر، و الشفق محاذيا لمنكبه الايمن، و الهنعه اذا طلعت بين الكتفين، و الدبور مقابله، و الصّبا على يمينه، و الجنوب على يساره او يجعل على الشمس عند الزوال على حاجبه الايمن، و على اهل العراق و من يصلى الى قبلتهم من اهل الشرق، التياسر قليلا.

و سئل الصادق (ع) عن التياسر فقال: ان الحجر الاسود لما انزل به من الجنة، و وضعه فى موضعه، جعل انصاب الحرم من حيث يلحقه نور الحجر الاسود، فهى عن يمين الكعبة اربعة اميال، و عن يسارها ثمانية اميال، كلها اثنا عشر ميلا، فاذا انحرف الانسان ذات اليمين خرج عن جهة القبله، لقلة انصاب الحرم، و اذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا عن حد القبله، و الانصاب هى الاعلام المبنية على حدود الحرم، و الفرق بين الحل و الحرم.

فصل: فى ذكر التوجه الى القبلة، من مالطة و شمشاط و الجزيره الى الموصل،

فصل: فى ذكر التوجه الى القبلة، من مالطة و شمشاط(1) و الجزيره الى الموصل، و ماوراء ذلك من بلاد آذربايجان و الابواب، الى حيث يقابل ما بين الركن الشامى الى نحو المقام، و يستدل على ذلك من النجوم بتصيير بنات نعش

ص: 320


1- سمياط خ ل.

خلف الاذن اليمنى، و العيوق اذ اطلع خلف الاذن اليسرى، و سهيل اذا تدلى(1) للمغيب بين العينين، و الجدى اذا طلع بين الكتفين، و الشرق على يد اليسرى، و الشمال على صفحة الخد الايمن، و الدبور على العين اليسرى.

فصل: فى ذكر التوجه الى القبله من الشام،

و التوجه الى القبله من عسفان و ينبع و المدينه و حر دمشق و حلب و حمص و حماء و آمد و ميا فارقين و اقلاد، و الى الروم و سماوه و الجزد او الى مدين شعيب، و الى الطور و تبوك و الدار، و من البيت المقدس و بلاد الساحل كلها، و دمشق، الى حيث يقابل الميزاب، الى الركن الشامى، و يستدل الى ذلك من النجوم، بتصيير بنات نعش اذا غابت خلف الاذن اليمنى، و الجدى اذا طلع خلف الكتف الايسر، و موضع مغيب سهيل على العين اليمنى، و طلوعه بين العينين، و المشرق على عينه اليسرى، و الصبا على خده الا يسر، و الشمال على الكتف الايمن، و الدبور على صفحة الخد الايمن، و الجوف مستقبل الوجه.

فصل: فى ذكر التوجه الى القبله، من بلاد مصر و الاسكندريه و القيروان بالهيوت الى البربر الى السوس الاقصى من المغرب،

و الى الروم و الى البحر الاسود، الى حيث يقابل ما بين الركن المغربى الى الميزاب، و يستدل على ذلك، بتصيير الصّليب اذا طلع بين العينين، و بنات نعش اذا غابت بين الكتفين، و الجدى اذا طلع على الاذن اليسرى، و المشرق على العين اليسرى، و الصّبا على المنكب الايسر، و الشمال بين العينين، و الدبور على اليد اليمنى، و الجنوب على اليسرى.

فصل: فى ذكر التوجه الى القبلة، من بلاد الحبشة و النوبة،

و التوجه الى القبله

ص: 321


1- اى اشرف على الغيبوبة.

من الصعيد الا على من بلاد مصر و بلاد الحبشه و النوبة و النحة(1) و الدعاوة و الدمانس و التكرور و الزيلع،(2) و من وراء ذلك من بلاد السودان، الى حيث يقابل ما بين الركن الغربى و الركن اليمانى، و يستدل على ذلك بتصيير الثريا و العيوق اذا طلعا على يمينه و شماله، و الشوله اذا غابت بين الكتفين، و الجدى على صفحة خد الايسر، و المشرق بين العينين، و الصبا على العين اليسرى، و الدبور على المنكب الايمن، و الجنوب على العين اليمنى.

فصل: فى ذكر التوجه الى القبله، من الصين و اليمن و التهائم و صعده الى صنعاء و عدن و حرمس الى حضرموت،

و كذلك الى البحر الاسود، الى حيث يقابل المستجار و الركن اليمانى، و يستدل على ذلك من النجوم، بتصيير الجدى اذا طلع بين العينين، و سهيل اذا غاب بين الكتفين، و المشرق بين الاذن اليمنى، و الصبا على صفحة الخد الايمن، و الشمال على العين اليسرى، و الدبور على المنكب الايسر، و الجنوب على مرجع الكتف اليمنى.

فصل: فى ذكر التوجه الى القبله من السند و الهند و غير ذلك،

و التوجه الى القبله من السند و الهند و ملتان و كابل و القندهار و جزيرة سيلان و ماوراء ذلك من بلاد الهند، الى حيث يقابل الركن اليمانى الى الحجر الاسود، و يستدل على ذلك من النجوم، بتصيير بنات نعش اذا طلعت على الخد الايمن و الجدى اذا طلع على الخد الايمن، و الثريا اذا غابت على العين اليسرى، و سهيل اذا طلع خلف الاذن اليسرى، و الشرق على اليد اليمنى، و الصبا على صفحة الخد الايمن و الشمال مستقبل الوجه، و الدبور على المنكب الايسر، و الجنوب بين الكتفين.

ص: 322


1- الطخة خ ظ.
2- الزيلع بلد بساحل بحر الحبشه. (منه)
فصل: فى ذكر التوجه الى القبله من البصره و غيرها،

و التوجه الى القبلة من البصرة و البحرين و اليمامه و الاحواز و خوزستان و فارس و سجستان الى التبت الى الصين، الى حيث يقابل ما بين الباب و الحجر الاسود، و يستدل على ذلك من النجوم، بتصيير النسر الطاير اذا طلع بين الكتفين، و الجدى اذا طلع على الاذن اليمنى، و الشوله اذا نزلت للمغيب بين عينين، و المشرق على اصل المنكب الايمن، و الصبا على الاذن اليمنى، و الشمال على العين اليمنى، و الدبور على الخد الا يسر، و الجنوب بين الكتفين.

فصل: فى ذكر من فقد هذه الامارات المذكورة فى معرفة القبله،

من فقد هذه الامارات، و من اشتبه عليه ذلك او كان محبوسا فى بيت بحيث لا يجد دليلا على القبله، صلى الصلوة الواحده الى اربع جهات، الى كل جهة مرة فى حال الاختيار، و مع الضرورة الى اى جهة شاء و لا يجوز استعمال الاجتهاد و التحرى فى طلبها على حال، و كذلك الحكم اذا كان الانسان فى بر او بحر، و اطبقت السماء بالغيم، فانه يصلى الصلوة الواحدة الى اربع جهات اربع مرات.

و قد تعلم القبلة بالمشاهدة، او بخبر عن مشاهدة يوجب العلم، او بان نصبها النّبى (ص) بمسجد قبلة المدينه و قبا، و فى بعض اسفاره و غزواته، و بنى مساجد معروفة الى الان، مثل: مسجد الفضيح، و مسجد الاعمى و مسجد الاجابه، و مسجد البغله، و مسجد الفتح، و سلع و غيرها من المواضع، التى صلى فيها النبى (ص)، و كالقبور المرفوعه بحضوره، مثل قبر ابراهيم بن رسول الله (ص) و فاطمه بنت اسد، و قبر حمزه سيد الشهداء، واحد و غيره، او بان نصبها احد الائمة (ع)، مثل: قبلة الكوفه، و البصرة و غير هما، او يحكم بأنهم صلوا اليها عليهم السلام، فان جميع ذلك تعلم القبله.

فصل: فى ذكر الغريب اذا دخل بلدة و هو لا يعلم القبلة، كيف يصلى؟

جاز له ان

ص: 323

يصلى الى قبلة تلك البلد، و اذا غلب على ظنه انها غير صحيحة، وجب عليه ان يرجع الى الامارات الداله على القبله، عند صلوته مع التمكن و زوال العذر، و ان ياخذ بقول عدل، و يجب على الانسان تتبع الامارات، كلما اراد ان يصلى اللّهم الا ان يكون قد علم ان القبلة فى جهة بعينها، ثم علم انها لم تتغير، جاز ان يتوجه اليها، من غير ان يجدد طلب الامارات.

فصل: فى ذكر من كان بمكه خارج المسجد الحرام، كيف يصلى؟

من كان بمكه خارج المسجد الحرام، او فى بعض بيوتها، وجب عليه التوجه الى جهة الكعبه مع العلم، سواء كان غريبا او قطنا، و لا يجوز له ان يجتهد فى بعض بيوتها، لأنه لا يتعذر عليه طريق العلم، و من كان وراء جبل من جبال مكة، و هو فى الحرم، و امكنه معرفة القبله من جهة العلم(1) يجز له ان يعمل على الاجتهاد، بل يجب عليه طلبها من جهة العلم، و من نأى عن الحرم، فقد قلنا له ان يطلب جهة الحرم مع الامكان فان كان له طريق يعلم منه، رجع الى الامارات التى ذكرنا، او عمل على غلبة الظن، فان فقد هذه الامارات، صلى الى اربع جهات، على ما ذكرناه، فان لم يتسع الوقت، اولا يتمكن من ذلك، يصلى الى اى جهة شاء.

فصل: فى ذكر من فقد هذه الامارات، و اراد ان يصلى الجماعة، متى لزم جماعة الصلوة الى اربع جهات لفقد الامارات،

جاز لهم ان يصلوا جماعة الى الجهات الاربع، و البصير اذا صلى الى بعض الجهات، ثم تبين له انه صلى الى غير القبله و الوقت باق، اعاد الصلوة، فان كان صلى بصلوته بصير آخر، و هو ممن لا يحسن الاستدلالات، او صلى بقوله و لم يصل معه، فان تقضى الوقت فلا اعادة على واحد منهما، الا ان يكون قد استدبر القبله، فانه يعيدها هو و كل من صلى

ص: 324


1- مقيما ساكنا فى الكعبه.

بقوله، على الصحيح من المذهب، و قال قوم من اصحابنا: انه لا يعيد، و الأول اصح.

فان كان فى حال الصلوة، ثم ظن بان القبلة عن يمينه او عن شماله، بنى عليه و استقبل القبله و تممها، فان كان مستدبر القبلة، اعاد من اولها بلا خلاف، فان كان صلى بصلوته اعمى انحرف بانحرافه، و اذا كانوا جماعة و قد فقدوا امارات القبلة، و ارادوا ان يصلوا جماعة، جاز لهم ان يقتدوا بواحد منهم، اذا تساوت ظنونهم فى قياس القبله، فان غلب فى ظن احدهم جهة القبلة، و تساوى ظن الباقين، جاز ايضا ان يقتدوا به، لأن فرضهم الصلوة الى اربع جهات مع الامكان، و الى جهة واحدة مع الضرورة، و هذه الجماعة متى اختلف ظنونهم فيها، و ادى اجتهاد كل واحد منهم الى ان القبله، فى خلاف جهة الآخر، لم يكن لواحد منهم الاقتداء بالآخر على حال، و تكون صلوتهم فرادى.

فان صلوها جماعة، ثم راى الامام فى صلوته اخطأ القبله، رجع الى القبله على ما فصلّناه، و المامومون ان غلب ذلك على ظنهم تبعوه فى ذلك، و ان لم يغلب على ظنهم، بنوا على ما هم عليه و تمموا صلوتهم منفردين، و كذلك الحكم فى بعض المامومين سواء من كان اعمى او كان بصيرا، الا انه لا يعرف استدلالات القبله او كان يحسن الا انه قد فقدها، جاز ان يرجع فى معرفة القبلة الى قول من يخبره بذلك، اذا كان عدلا، فان لم يجد عدلا يخبره بذلك، كان حكمه حكم من فقد الامارات، فى وجوب الصلوة عليه الى اربع جهات مع الاختيار، او الى جهة واحدة مع الاضطرار.

و يجوز للاعمى ان يقبل من غيره، و يرجع الى قوله، فى كون القبله فى بعض الجهات، سواء كان طفلا او بالغا، فان لم يرجع الى قول غيره، و صلى براى نفسه، و اصاب القبله كانت صلوته ماضية، و ان اخطأ القبله اعاد الصلوة، لأن فرضه ان يصلى الى اربع جهات، فان كان فى حال الضرورة كانت صلوته ماضية، و لا

ص: 325

يجوز له ان تقبل من الكفار، و لا مما(1) ليس على ظاهر الاسلام، و قول الفاسق لأنه غير عدل.

و اذا دخل الاعمى فى صلوته بقول واحد، ثم قال آخر القبلة فى جهة غيرها، عمل على قول اعدلهما عنده، فان تساويا فى العدالة، مضى فى صلوتة، لأنه دخل فيها بيقين و لا يرجع عنها الا بيقين مثله، و اذا دخل الاعمى فى الصّلوة بقول بصير، ثم ابصر و شاهد امارات القبلة و كان صحيحه، بنى على صلوته، و ان احتاج الى تأمل كثير و تطلب امارات و مراعاتها، استانف الصلوة، لأن ذلك عمل كثير فى الصلوة، و هو مما يطلب للصلوة، و فى اصحابنا من قال: انه يمضى فى صلوته، و الأول احوط.

فان دخل بصير فى الصلوة ثم عمى، فعليه ان يتمم صلوته، لأنه توجه الى القبله بيقين، ما لم ينحرف عن القبله، فان التوى(2) عنها التواء لا يمكنه الرجوع اليها بيقين، بطلت صلوته، و يحتاج الى استينا فها بقول من يسدده، فان كان له طريق رجع اليها و تمم صلوته، فان وقف قليلا ثم جاء من يسدده، جازت الصلوة و تممها.

و ان تساوت عنده الجهات، فقد قلنا انه يصلى الى اربع جهات مع الامكان و يكون مجزيا فى حال الضرورة، فان دخل فيها ثم غلب على ظنه ان جهة القبلة فى غير تلك الجهة، مال اليها و بنى عليه صلوته، ما لم يستدبر القبله، فان كان مستدبرها اعاد الصلوة.

فصل: فى ذكر استقبال القبله، لمن يصلى على الراحلة او فى السفينة او فى حال المسائفة و المطاردة:

اعلم ان المسافر لا يصلى الفريضة على الراحله مع الاختيار، فان لم يمكنه غير ذلك، جاز له ان يصلى على الراحلة، غير انه يستقبل القبله على

ص: 326


1- ممن خ ظ.
2- ميل كند و به بچه.

كل حال، و لا يجوز له غير ذلك، و اما النوافل فلا باس ان يصليها على الراحلة، و اما صلوة الجنازة، و صلوة الفرض، او قضاء الفريضة، او صلوة الكسوف، او صلوة العيدين، او صلوة النذر، فلا يصلى شيئا من ذلك على الراحله مع الاختيار، و يجوز مع الاضطرار، لعموم الأخبار، و المنع من ذلك على الراحله فى الامصار، مع الضرورة و الاختيار، و فعلها على الارض، و كذا فى السفينة اذا دارت، يدور معها بالعكس حيث تدور، فان لم يمكنه صلى على صدر السفينه، بعد ان يستقبل القبله بتكبيرة الاحرام.

و اما حال شدة الخوف و حال المطاردة و الغرق و المسايفه، فانه يسقط فرض استقبال القبله، و يصلى كيف شاء و تمكن منه ايماء، و يقتصر على التكبير، على ما ذكره اصحابنا فى كتبهم رضى الله عنهم، انتهى.

أقول انما او ردت الرساله بتمامها، لاشتهارها بين علمائنا المتأخرين و تعويلهم عليها فى احكام القبله، على ما ذكره بعض الأجله، قال: كتبها اى الرسالة الشيخ الجليل ابو الفضل شاذان بن جبرئيل قدس سره، فى القبله، فى سنة ثمان و خمسين و خمسمائة، و كثيرا ما يذكر الاصحاب عنه و يعولون عليه، و هو داخل فى اجازات اكثر الاصحاب، انتهى.

و ليكون نفعها اكثر، اذ لو تجزيناها و اقتصرنا منها على موضع المسئلة، لتطرق اليها كلامات، فلا يعم نفعها، و انت خبير بان جملة من العلامات التى ذكرها، مخالفه للتجربة و القواعد الهيئاويه، بل لا يوافق بعضها بعضا، و ترك التكلم فى ذلك اولى، لأن استيفاءه يستدعى بسطا زائدا لا يناسب الكتاب، مع انا ذكرنا اصولا، يمكن لك بها الجرح و التعديل.

و يستحب للعراقى التياسر قليلا الى يسار المصلى
اشارة

(و يستحب لهم) اى للعراقى (التياسر قليلا الى يسار المصلى) على المشهور بين الطائفه، على ما ادعاه جماعة كثيرة، و لهم مرفوعة على بن محمد، و رواية المفضل بن عمر، و ما فى فقه الرضا (ع)، المتقدمة فى المقام الثانى من المقامات الواقعه فى اول المقصد، المؤيده بما مضى هناك ايضا، من قول الشيخ

ص: 327

فى النهاية، و هو هذا: من توجه الى القبلة من اهل العراق و المشرق قاطبه، فعليه ان يتياسر قليلا، ليكون متوجها الى الحرم، بذلك جاء الاثر عنهم، خلافا لجماعة من متاخرى الطائفه، فمالوا الى العدم، قالوا و المستند ضعيف، مع ان البعد الكثير، لا يؤمن معه الانحراف الفاحش بالميل بسيرا.

أقول: و قد اوضحنا الاعتبار المذكور، ايضا حاتا ما فى المقام الثانى الواقع فى اول المقصد، فراجع البتة.

و يفهم من ظاهر الدروس و مختصر النافع، التوقف فى المسئلة و لا وجه له كقول الجماعة، اذ ضعف الأخبار على ما ذكروه غير ضاير، بعد انجبارها بالشهرة، بل لم نعثر على خلاف من قدماء الطائفه فى رجحان التياسر، و ان اختلفوا فى استحبابه، كما هو المشهور على ما عرفته، او وجوبه كما عن ظاهر جماعة و منهم شاذان بن جبرئيل، على ما عرفت من رسالته، و الشيخ فى النهاية، بل عن كثير من كتبه، و منها الخلاف مدعيا عليه اجماع الامامية، كما عن غيره ايضا، فاذن لا وجه لرد النصوص اصلا، و عليه فالقول بالاستحباب قوى بلا شبهة، و لا يعارضه الاجماع المحكى، لندرة القائل به، مع عدم نصّيته فى الوجوب، فيحتمل حمله على الاستحباب، فافهم.

و اما الاعتبار الذى ذكره جماعة من متاخرى الطائفه فمجازفه ظاهره، اذ ليس ذلك الاجتهاد فى مقابلة النصوص الواردة عن اهل الخصوص عليهم السلام.

و اما ما ذكره الجماعة، و منهم النافع، و المحقق الثانى، و الشهيد الثانى، و المحكى عن المنتهى، بان الحكم مبنى على ان قبلة البعيد هى الحرم، فغير مسموع، اذ ظاهر آخرين كالمصنف رحمه الله فى المتن و المختلف و التحرير، و المحكى عن القواعد و الذكرى و غير هما، اطراد الحكم على كل من القولين، لتصريحهم بهذا الحكم مع اختيارهم الجهة، قيل: و لعل وجهه ما ذكره فى الذكرى و غيره من ان القبله هى الجهة، و لا يخفى ما فيها من السعه، و مرجعه سهولة الأمر فى القبله، انتهى.

ص: 328

و اما القول بان الأخبار انما خرجت بناء على كون القبله فى حق البعيد هى الحرم، ففيه ما عرفت، من ان الثمرة بين القولين مفقودة، اذ كلهم يقولون: ان مع تعذر العلم بالكعبة يجب التعويل على الامارات، كما انه مع امكان المشاهدة يجب التوجه اليها، على ما قاله غير واحد منهم.

و عليه فليس المراد من تلك الأخبار، ان عين الحرم هى القبله للنائى، كيف؟ و لو كان المراد ذلك، لكان الحكم بالتياسر المتضمنة له تلك الأخبار، لذلك منافيا، لاستلزامه خروج المصلى عن التوجه اليها بلا شبهة، كما اوضحنا ذلك فى المقام الثانى، الواقع فى اول المقصد ايضاحا تاما، فراجع البتة.

فاذن المراد منها هو مجرد بيان التعليل للحكم المذكور، و عليه فلا ادرى معنى ما اشتمل عليه خبر المفضل من قوله (ع): فهى اى انصاب الحرم عن يمين الكعبة اربعة اميال، و عن يسارها ثمانية اميال، كله اثنى عشر ميلا، فاذا انحرف الانسان ذات اليمين، خرج عن القبله لقله انصاب الحرم، و اذا انحرف ذات اليسار، لم يكن خارجا عن حد القبله، اذ حد القبله ان كان هو الحرم فالقول بالخروج متوجه فى كلا الشقين، كما اوضحناه فى المقام الثانى، الواقع فى اول المقصد، و ان كان الجهة فالقول بعدمه ايضا متوجه فيهما.

فلذا ذكر المجلسى طاب ثراه، فى كتاب البحار فى جمله كلام له ما صورته: و الذى يخطر فى ذلك بالبال، انه يمكن ان يكون الأمر بالانحراف، لأن محاريب الكوفه و ساير بلاد العراق، اكثرها كانت منحرفة عن خط نصف النهار كثيرا، مع ان الانحراف فى اكثرها يسير، بحسب القواعد الرياضية، كمسجد الكوفه، فان انحراف قبلته الى اليمين، ازيد مما تقتضيه القواعد بعشرين درجه تقريبا، و كذا مسجد سهله، و مسجد يونس، و لما كان اكثر تلك المساجد مبنية فى زمن عمر، و ساير خلفاء الجور، لم يمكنهم القدح فيها تقية، فامروا بالتياسر، و عللوا بتلك الوجوه الخطابيه لاسكاتهم، و عدم التصريح بخطاء خلفاء الجور و امرائهم.

و ما ذكره اصحابنا من ان محراب مسجد الكوفه محراب المعصوم، لا يجوز

ص: 329

الانحراف عنه، انما يثبت اذ علم ان الامام (ع) بناه، و معلوم انه (ع) لم يبنه، او صلى اليه من غير انحراف، و هو ايضا غير ثابت، بل ظهر من بعض ما سنح لنا من الاثار القديمة، عند تعمير المسجد فى زماننا، ما يدل على خلافه، كما سياتى(1)ذكره، مع ان الظاهر من بعض الأخبار، ان هذا البناء غير البناء الذى كان فى زمان امير المؤمنين (ع)، هذا كلامه فى كتاب الصلوة.

و ذكر فى كتاب المزار، ما حاصله: لا يبعد ان يكون الأمر بالتياسر لأهل العراق، لكون المحاريب المشهورة المبنية فيها فى زمان خلفاء الجور، و لا سيّما المسجد الاعظم، كانت مبنيه على التيامن عن القبله، و لم يمكهنم اظهار خطأ هؤلاء الفساق، فامروا شيعتهم بالتياسر عن تلك المحاريب، و عللوه، لئلا يشتهر منهم الحكم بخطاء من مضى من خلفاء الجور.

قال: و يؤيده ما ورد فى وصف مسجد غنى، و ان قبلته لقاسطه، فهو يومى الى ان ساير المساجد فى قبلتها شىء، و مسجد غنى اليوم غير موجود.

و يؤيده ايضا ما رواه محمد بن ابراهيم النعمانى فى كتاب الغيبة عن ابن عقدة، عن على بن الحسن، عن الحسن و محمد ابنى يوسف، عن سعد بن مسلم، عن صباح المزنى، عن حارث بن الحصيرة، عن حبة العرنى، قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: كانى انظر الى شيعتنا بمسجد الكوفه، و قد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القران كما انزل، اما ان قائمنا اذا قام كسره و سوى قبلته، على انه لا يعلم بقاء البناء الذى كان على عهد امير المؤمنين (ع)، بل يدل بعض الأخبار على هدمه و تغيره، كما رواه الشيخ فى كتاب الغيبة: عن الفضل بن شاذان، عن على بن الحكم، عن الربيع بن محمد المسلمى، عن ابن طريف، اعن بنانه، قال: قال امير المؤمنين (ع) فى حديث له حتى: انتهى الى مسجد الكوفه، و كان مبنيّا بخزف و دنان و طين، فقال: ويل لمن هدمك، و ويل لمن سهل

ص: 330


1- فى اعمال مسجد الكوفه، من ظهور محراب تحت الصفّة مائلا الى اليسار، فى زمان الشاه الصّفى عباس، كما سياتى تفصيله فى كتاب المزار. (منه)

هدمك، و ويل لبانيك بالمطبوخ، المغير قبلة نوح، طوبى لمن شهد هدمك مع قائم اهل بيتى، اولئك خيار الأمة مع ابرار العترة، انتهى.

و اما القول بان مراعاة التقية، على تقدير ثبوت بناء المساجد على التيامن تقتضى امر الشيعة بمتابعة هؤلاء الفجره، كى لا يعرفوا فقتلوا الا ان يامروا بالمخالفة لهم، فيؤخذ برقابهم، ففيه انهم (ع) لم يامروا ان يخالفوهم فى امر القبله، حتى يؤخذ برقابهم، كيف و لو اخذوهم لكان لهم أن يقولوا: نحن و انتم سواء فى القبله، و انما نتياسر، لما روى بان للكعبة ستة حدود، الى آخر الخبر، فهم بملاحظه التعليل المذكور، يسكتون و يستحسنون، بل يعلمون كما هو مقتضى ديدنهم، كما لا يخفى على المتتبع فى سيرتهم و اعمالهم، حيث انهم يعللون الاحكام بتعليلات واهية عليلة، ثم يسندون الحكم الى ذلك التعليل، و يعلمون فى كل مقام وجد هذا التعليل، كما ينادى على ذلك مسئلة كراهة الصلوة فى الاوقات الخمسة، و بدعية صلوة الضححى، فراجع اليهما، و غير هما من المقامات الكثيرة.

و يعضده ما عرفت، من ان حد القبله ان كان هو الحرم، يلزم الخروج عنه بانحراف يسير، سواء فى ذلك التياسر و التيامن، و ان كان الأمر فى الثانى افحش، و ان كان الجهة، فلا يلزم الخروج، فالقول بعدمه فى التياسر لكثرة حدود يسار الكعبه، و به فى التيامن لقلة حدود يمينها، لا يحضرنى الآن فيه شىء. و عليه فيناسب ذلك التعليل(1) التعليلات العاميه، فيكون المعطى به عن جراب

ص: 331


1- قال فى البحار: و التعليل الوارد فى هذا الخبر، مما يصعب فهمه جدا، اذ لو فرض ان البعيد حصل عين الكعبه، و كان بالنسبة اليه القبله عين الحرم، كان انحرافه الى اليسار، مما يجعله محاذيا لوسط الحرم، و انى للبعيد تحصيل عين الكعبه، و على تقدير تسليمه، فبادنى انحراف يصير خارجا عن الحرم، بعيدا منه بفراسخ كثيرة، الا ان يقال: الجهة مما فيه اتساع كثير، و بالانحراف اليسير لا يخرج عنها، و كون الحرم من جهة اليسار اكثر، صار سببا مناسبا لاستحباب الانحراف من تلك الجهة، و فيه ايضا ما ترى. (منه)

النورة.

و يعضده ايضا ما اورده العلامة السعيد، سلطان العلماء و المحققين، نصير الدين الطوسى رحمه الله، على المحقق طاب ثراه، حين حضر بعض مجالس درسه، و جرى فيه هذه المسئله: بان التياسر امر اضافى، لا يتحقق الا بالاضافه الى صاحب يسار، متوجه الى جهة، و حينئذ اما أن يكون الجهة محصلة ام لا، و يلزم من الأول التياسر عما وجب التوجه اليه، و من الثانى عدم جواز التوجه الى ما ذكر قبلة، و تلخيصه ان التياسر ان كان الى القبله فواجب، او عنها فحرام.

و اما ما اجاب به المحقق، بان الانحراف عن القبله للتوسط فيها، لاتساعها من جانب اليسار، لأن انصاب القبله الى يسار الكعبه اكثر، و تلخيصه على طور آخر: ان الانحراف من القبله الى القبله، ثم كتب رحمه الله فى ذلك رسالة، و بعثها اليه فاستحسنها، و هى مذكورة فى المهذب لأبن فهد، و من ارادها فليرجع اليه، ففيه ما مر.

و الذى يقتضيه الانصاف، ان المسئله مشكلة، ينشأ من المذكور، فلا يجوز الانحراف، و من ان القبله لمن لا يتمكن من العلم هى الجهة، و هى كما مر وسيعة فى الغاية، فبا لانحراف اليسير لا يخرج عنها بلا شبهة، لما عرفت من ان وسط القوس المعبر عنها بالجهة، هو الذى لا بد للمصلى ان يتوجه اليه، مع ان الاصل عدم التقية.

فليعمل بما هو المشهور بين الطائفه المحقه، المعتضد بالاجماع المحكى المتقدم(1) اليه الاشارة، و بالأخبار المتقدمه، و هى و ان كانت بان قبلة البعيد هى الحرم، و لكنها للتاويل القريب قابلة، ففى مقام الاعتضاد معاضدة، و بما ايده بعض المحققين، بوقوع قبر على (ع) و الكاظمين (ع) موافقا للجنوب،

ص: 332


1- و ظهوره فى الوجوب غير ضاير اذ القدر المتيقن منه هو الرجحان. (منه)

و قبر الحسين (ع) منحرفا عنه بشىء يسير.

و ليقل بالاستحباب، الذى يتسامح فيه بما لا يتسامح فى غيره كالكراهة، حتى يعمل فيه فقيه من فقهائنا، على احتمال قريب، بل برواية عاميه، و لو كانت فى كتبنا غير مذكورة.

و فيه نظر، اذ التسامح فيهما انما يجوز، اذا لم يكن الأمر مرددا بين الواجب و الحرام، و عليه فالتمسك به فى المقام مشكل، و بان احكام الشرع من الاحكام التعبدية، فلا وجه لما يستبعده الواهمة.

و مع هذا كله نقول القول بالاستحباب، لا يخلو عن اشكال، فلعل الاحوط هو الترك، و الله هو العالم بحقيقة المسئله.

فرع:

المتيقن من الفتوى، هو القول بان الحكم بالتياسر القليل، انما هو فى عراق العرب(1) و أما عراق العجم فالحكم المذكور اشكل، فالاحوط هو الترك، و الله هو العالم بحقايق احكامه، و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه.

في قبلة أهل الشام

(و علامة الشام جعل بنات النعش) الكبرى و هى سبعة كواكب، اربعة منها نعش و ثلاث بنات (حال غيبوبتها) و هو انحطاطها و دنوها الى جانب الغرب (خلف الاذن اليمنى) اى جعل كل واحدة منها غايبة حلفها، لاختلاف انحطاطها (و) جعل (الجدى خلف الكتف الا يسر عند طلوعه) و هو غاية ارتفاعه، على ما قاله غير واحد، و كذا عند غاية انحطاطه.

قال الشارح الفاضل: و فى جعل الشامى له خلف الكتف، و العراقى خلف المنكب، اشارة الى ان انحراف العراقى عن نقطة الجنوب نحو المغرب، اكثر من

ص: 333


1- و قد عرفت بان المتبادر من العراق، الواقع فى كلامهم، هو عراق العرب، بل قيد بعضهم فى بيان ذكر العلامات الموضوعة لهم بالعرب، و ان شئته فلاحظ الحبل المتين، و غيره من كتب الجماعة، فى مقام يذكرون علامات العراق. (منه)

انحراف الشامى عنها نحو المشرق، و ان كان اشتركا فى اصل الانحراف، و الأمر فيه كذلك، و تبعه الشارح المحقق.

ففيه مناقشة: الا ترى الى الكوفه و ما قاربها، فان انحرافها عن الجنوب نحو الغرب باثنتى عشرة درجه، و الى طرابلس الشام فانها منحرفه عن الجنوب نحو الشرق بتسع و عشرين درجه، على ما استخرج فارجع الى ما اسلفناه، و انظر الى انحراف كثير من بلاد العراق، حتى يظهر لك ذلك غاية الايضاح، هذا مضافا الى انا وجدنا فى بعض النسخ، بدل الكتف المنكب، و الله هو العالم.

(و مغيب سهيل) (1) و هو كوكب مضىء من القدر الأول، اذا قرب بلوغ الشعرى اليمانى الى نصف النهار، فهو حينئذ قريب من الافق فى جانب الجنوب و هو من الكواكب التى هى صورة سفينة على عقب الجنوبى للسفينه و اول كوكب السفينه واقع على عقب الجنوبى للسفينه، و اول كوكب السفينه واقع على عقب صورة الكلب الاكبر، و كواكبها خمس و اربعون، و المراد بالشعرى، هو كوكبان مضيئان عظيمان، واقعان على طرق المجرة التى يقال لها بالفارسيه كهكشان، على عقب الجوزا، و بينهما رمحان و شىء تقريبا، و قدر الرمح ستة اذرع، و الذراع درجتان و ثلث على ما يقال.

و اما القول بان البعد بينهما خمس و عشرون درجه، فينا فيه ذلك كالقول بان القول بينهما ثلاثة ارماح و شىء، واحد منهما مائل الى الشمال، و الآخر الى الجنوب، و الاخير اعظم و اضوء من الأول، لمكان كونه من اعظم القدر الأول، و الأول له لون نارى و هو من اوسط القدر الأول، و قيل من اصغره، و يسمى الاعظم منهما و هو المايل الى الجنوب بالشعرى اليمانى، لمكان كون مغيبه فى جانب اليمن، و هو من كواكب الكلب الاكبر، الذى هو صورة شخص ذاهب على

ص: 334


1- و ليعلم ان سهيلا تطلق على الافق، منحرفا عن نقطة الجنوب تسعة و ثلاثين جزءا، من القوس التى بين نقطتى المشرق الجنوب، قاله فى الرياض. (منه)

عقب صورة الجبار، على اصطلاح المنجمين(1) و شاهين ترازو على اصطلاح العوام، و جوزا على اصطلاح آخر، و لذا يقال له كلب الجبار.

و كواكب صورة الكلب الاكبر ثمانية عشر كوكبا، و الشعرى اليمانى واقع على فمه، و الاصغر و هو الواقع على طرف الشمال بالشعرى الشامى، لكون مغيبه فى جانب الشام، و هو من صورة الكلب الاصغر، و مع كل منهما يجئى كوكب اصغر، على بعد ذراعين او ثلاث اذرع، و عن ابن الصوفى: البعد بين اليمانى و مرزمه ثلاث اذرع و نصف، و بين الشامى و مرزمه ذراعان، و كواكب الكلب الاصغر ليس الا الشعرى الشامى مع مرزمها، و تسميته بذلك لمشابهته بالكلبتين الاكبرين، اعنى اليمانى مع مرزمه، و يسمى اليمانى ايضا بالعبور، و الشامى بالغميضا.

و من خرافات العرب، ان اليمانى و الشامى، اختان لسهيل، و وقع بين الجوز او سهيل مزاوجه، فقتل سهيل الجوزا فى الليل، و فرّ الى الجنوب، و الشعرى اليمانى ذهبت عن عقبه حتى تجاوز عن المجرة، فلذا تسمى بالعبور، و الشعرى الشامى لمكان الفراق قد بكت حتى غضمت عيناه من الحزن، فلذا تسمى بالغميضأ، و يسمى الكوكبان الخارجان معهما بالمرزم كما عرفت، و مرزم اليمانى من القدر الثالث، و يسمى هو ايضا حسب بالكلب و مرزم الشامى من القدر الرابع، و انما بسطنا الكلام هنا، لتعرف الكوكب المذكور فى المتن على بصيرة، و المراد بالمغيب الواقع فى المتن، هو اخذ فى الانحطاط، و ميله عن دائرة نصف النهار، قاله غير واحد منهم.

(على العين اليمنى و طلوعه) و هو ظهوره عن الافق المرئى (بين العينين) و ربما توهم ان المراد بطلوعه غاية ارتفاعه، و هو غلط فاحش بيّن، كما لا يخفى على

ص: 335


1- اعلم ان المنجمين اعتبر و الاكثر الثوابت ست مراتب و يسمى كل مرتبه بالقدر و الشرق و العظم و كل قدر على ثلاث مراتب اعظم و اوسط و اصغر فمراتب الكواكب ثمانيه عشر و فضل كل مرتبه على مرتبه بعده يكون على قدر الاوسط من القدر السادس و جرم الأوسط للقدر السادس خمسة عشر نحو كرة الارض و نصفها كما ذكره بعضهم. (منه)

من له ادنى اطلاع على مصطلح القوم، هذا مضافا الى ان فيه غلطا من جهة العلم بالقبله، لأنه حينئذ يكون على دائرة نصف النهار، كما هو الشان فى غاية ارتفاع كل كوكب، فيكون جاعله بين العينين فى هذه الحالة، مستقبلا لنقطة الجنوب، و هذه ليست قبلة للشامى.

(و) جعل (الصبا) مقصورة مفتوحه الصاد، و هى ريح تهب ما بين مطلع الشمس فى حال الاعتدال الى الجدى، قاله غير واحد (على الخد الايسر و) جعل (الشمال) بفتح الشين، و محلها ما بين القطب و مغرب الاعتدال، قاله غير واحد (على الكتف الايمن) و يستفاد من هذه العلامات، ان قبلة الشامى منحرفة عن نقطه الجنوب نحو الشرق.

قال الشارح الفاضل: و بالتحرير المستفاد من هذه العلامات و غيرها، يعلم ان سمت قبلة الشامى على ثلث مقدار بين نقطة المشرق و الجنوب، بحيث يكون ثلثا ذلك المقدار على يسار المصلى، و ثلثه على يمينه نحو الجنوب.

في قبلة المغرب

(و علامة المغرب) و المراد بعض اهل الغرب، كالحبشه و النوبه، لأن البلاد المشهورة فى المغرب كقرطبه و القيروان و طرابلس الغرب و نحوها، قبلتها يقرب من نقطة المشرق، لمكان بعد الأول عنها ثلاث عشره درجه، و الثانى تسع درجات، و الثالث اربع عشرة درجه، و بعضها مائل عنها الى الشمال كطنجه مغرب، فان انحرافها عن مشرق الاعتدال نحو الشمال ست درجات، و سوس خمس عشرة درجه، و عليه فهى بعيدة عن هذه العلامات.

(جعل الثريا) المسمى عند العوام بالپروين، و هو ستة كواكب او سبعة، من كواكب صورة الثور، و واقع على شفير منكبه، و ربما قيل انه ذنب الحمل، و هو المنزل الثالث من منازل القمر، و ربما يسمى بالنجم، و نجوم الثريا، و هو تصغير الثروى من الثروه، قاله بعض، و لعل وجه التصغير هو كون كواكبه صغيرة (على اليمين) بان يجعله المصلى عند طلوعه على يمينه.

(و العيّوق) بالتشديد و هو نجم احمر مضئ من القدر الأول، يطلع عن

ص: 336

جانب شمال الثريا بعيد طلوعه فى اكثر المواضع، و لذا يسمى ايضا برقيب الثريا، و البعد بينهما و شىء، و وجه تسمية بذلك، ان العيوق من العوق بمعنى الوقايه، و لما كان رقيبا للثريا فكانه و قاية له عن الأمور، و هو واقع على المنكب الا يسر لذى العنان، المسمى بممسك الا عنه، و هو صورة رجل قائم قد اخذ باحد يديه عنانا، و بالاخرى سوطا، و كواكبه اربعة عشر، و واحد من كواكبه الذى هو من اعظم القدر الثالث كما عن بطلميوس، و من اوسط القدر الثانى كما عن ابن الصوفى، اذا نسب بالبصر مع العيوق و الدبر(1) ان، يحدث المثلث المنفرج الزاوية، و هو مشترك بين الكعب الايمن لذى العنان، و بين القرن الشمالى للثور، فلذا يسمى بكعب ذى العنان و قرن الثور.

(على الشمال، و الجدى على صفحة الخد الا يسر،

في قبلة أهل اليمن

و علامة اليمن جعل الجدى وقت طلوعه بين العينين، و سهيل عند) اول (مغيبه) و هو ميله عن دائرة نصف النهار، قال الشارح الفاضل: بل قبل اخذه فى المغيب، عند كونه على الدائرة (بين الكتفين) ليكون مقابلا للجدى عند طلوعه، لكونهما معا على دايرة نصف النهار، قاله الشارح الفاضل ايضا.

و فيه مناقشة، قد ظهر وجهها فى بيان علامات العراق، ثم قال: و اما اذا اخذ فى المغيب، يميل عن التوسط بين الكتفين، لمن جعل الجدى حال حال استقامته بين العينين، أقول: بملاحظة النظر السابق، يظهر ما يرد على كلامه ايضا.

(و الجنوب) بفتح الجيم، ريح مقابلة ريح(2) الشمال، جهتها ما بين نقطتى الجنوب و المشرق، قاله غير واحد، و قيل محل الجنوب ما بين مطلع سهيل

ص: 337


1- و الدّبران هو كواكب الدال، بل كشكل السبعه، على ارقام الهندسه، تطلع بعد الثريا، و البعد بينهما رمح. (منه)
2- و اما ريح الدبور فهو على ما يستفاد من بعض محلها من غروب الشمس الى الجنوب، و قيل من غروب الشمس الى سهيل. (منه)

الى مطلع الشمس فى الاعتدال (على مرجع الكتف الايمن) و هو مبدأ رجوعه قرب المفصل، و ربما يقال(1) هذه العلامات بعد المجمع بينها، يقتضى كون قبله اليمنى نقطه الشمال، فيكون مقابلة لنقطه مقاريب العراق كالموصل و ما ناسبها، و بعض الاصحاب، كالشهيد فى الالفيه، جعل اليمنى فى مقابلة الشامى.

و التحقيق ان عدن و ما والاها، تناسب العلامات المذكورة، لمناسبتها لمكه فى الطول، و نقصانها فى العرض، و اما صنعاء المشهور و ما ناسبها، فهى مقابلة الشامى كما ذكره الشهيد رحمه الله، و بالجمله قد ذكر مفصلا مقدار انحرافات البلاد المشهورة، فيمكن لك ان تعرف كيفية تلك العلامات، صحة و سقما و اطلاقا و تقييدا و اجمالا و بيانا، فلا وجه للاطالة.

في الصلاة وسط الكعبة

اشارة

(و المصلى فى) وسط (الكعبة) يكفيه ان (يستقبل أى) (جدر انها شاء) لا خلاف بين الاصحاب، فى جواز صلوة النافله فى وسط الكعبه، و كذا الفريضه حال الاضطرار، قاله غير واحد، بل عليه اتفاق اهل العلم، على ما عن المنتهى و التحرير و غيرهما.

و انما الكلام فى صلوة الفريضة فيه اختيارا، فذهب الاكثر كما نص عليه غير واحد، الى الجواز على كراهة، خلافا للخلاف و القاضى، و عن غير هما ايضا، فمنعوا عنها فيه.

للمشهور وجوه:

الأوّل: الاجماع المحكى عن السرائر، الدال على الجواز، المعتضد بالشهرة.

الثانى: ما رواه شيخ الطائفه فى الاستبصار، فى باب الصلوة فى جوف الكعبة، فى الموثق عن يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبى عبد الله (ع): اذا حضرت الصلوة المكتوبه، و انا فى الكعبة، ا فاصلى فيها؟ قال: صل، و رواه التهذيب

ص: 338


1- هو الشيخ على. (منه)

ايضا فى كتاب الحج، فى باب دخول الكعبه.

الثالث: قوله تعالى: وَ عَهِدْنٰا إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ اَلْعٰاكِفِينَ وَ اَلرُّكَّعِ اَلسُّجُودِ، فان الظاهر منها تعميم الاذن و الترخيص فى الركوع و السجود، فى اجزاء البيت باسرها.

الرابع: ان القبلة ليست مجموع البنية، بل نفس العرصة و كل جزء من اجزائها، اذ لا يتمكن محاذاة المصلى الا بقدر بدنه، و الباقى خارج عن مقابلته، و هذا المعنى يتحقق مع الصلوة فيها، كما يتحقق مع الصلوة فى خارجها.

و للشيخ و القاضى ايضا وجوه:

الأول: الاجماع الذى حكاه فى الخلاف.

الثانى: ان القبله هى الكعبه لمن شاهدها، فيكون القبله جملتها، و المصلى فى وسطها، غير مستقبل للجمله.

الثالث: ما رواه ايضا فى الاستبصار، فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن معوية بن عمار، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا تصل المكتوبة فى الكعبه، فان النبى (ص) لم يدخل الكعبه فى حج و لا عمرة، و لكنه دخلها فى الفتح فتح مكه، و صلى ركعتين بين العمودين، و معه اسامة بن زيد.

و رواه ايضا التهذيب فى باب الزيادات، الواقع فى قبيل باب العمل فى ليلة الجمعة و يومها، باسناد موثق لمكان الطاطرى، بادنى تغيير غير مخل، و فى باب دخول الكعبه، الواقع فى كتاب الحج، باسناد صحيح.

و ما رواه التهذيب فى اواخر باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، فى الزيادات، فى الصحيح عن محمد بن مسلم، عن احدهما (ع) قال: لا تصل المكتوبة فى الكعبة، و رواه الكافى ايضا فى باب الصلوة فى الكعبة، ثم قال: و روى فى حديث آخر: يصلى فى اربع جوانبها، اذا اضطر الى ذلك.

و ما رواه فى الاستبصار فى باب الصلوة فى جوف الكعبه، فى الصحيح عن محمد، عن احدهما (ع) قال: لا تصلح صلوة المكتوبة فى جوف الكعبة، و رواه

ص: 339

التهذيب ايضا فى باب الزيادات، الواقع فى قبيل باب العمل فى ليلة الجمعه، باسناد فيه ابو جميله.

و روى فى كتاب الحج، فى باب دخول الكعبه، فى الصحيح عن العلاء، عن احدهما قال: لا تصح صلوة المكتوبة فى جوف الكعبه، و اما اذا خاف فوت الصلوة، فلا باس ان يصليها فى جوف الكعبه.

و الذى يقتضيه النظر الجليل، هو القول بان الاشهر هو الاظهر، لما تقدم من الاجماع المحكى المعتضد بالشهرة العظيمه، و من الخبر الموثق المعتضد بالآية.

و اما الدليل الرابع، فالاستناد اليه لا يخلو عن اشكال، لمكان القول بان المستفاد من الآيات و الأخبار بحكم التبادر، هو التوجه الى جهة الكعبه، بان يكون الكعبه فى جهة مقابلة للمصلى، و ان لم يحصل المحاذات لكل جزء منها، نعم هو من المؤيدات.

و لا يعارض ما اخترناه، ما يدلّ على القول الآخر، اما الاجماع فلو هنه بمصير الاكثر الى خلافه، فلا دليل حينئذ على حجيّته، و لا يجبره كون المشهور موافقا للعامة، فعن المنتهى النسبة الى جماعة منهم، و منهم ابو حنيفة، فالاخذ بخلافهم هو الرّشد فى الغاية، و عليه فحمل الخبر المجوز على التقيه، موافقا للقاعدة، اذ الاصل هو العمل بما يقتضيه الادلة، و لو كانت موافقه للعامه.

نعم اذا تصادمت فى الطرفين الادلة القوية المتينة، فالحمل على التقيه مما يرجع منهما الدليل الذى لا يكون موافقا للعامه، فههنا ليس كذلك.

و اما الدليل الثانى، ففيه نوع مصادرة.

و اما الثالث فليحمل على الكراهة الشايعه فى اخبار الأئمة (ع)، المشعرة لها كلمة لا يصلح، الواقعة فى رواية محمد المتقدمه، على ما فى بعض طرق ذلك الخبر، بل جعلها الشيخ فى الاستبصار فى باب الصلوة فى جوف الكعبة، صريحة فيها، فراجع اليه البتة.

ص: 340

هذا مضافا الى رواية محمد بن عمار، و رواية سعيد الاعرج، و رواية اسمعيل بن همام، و رواية يونس، و روايتى معويه المروية فى التهذيب فى كتاب الحج فى باب دخول الكعبه، الدالة على جواز الصّلوة فيها، و لكن الانصاف ان حملها على التطوع حمل قريب، فليتأمل.

و كيف كان فمذهب المشهور بحسب النظر الجليل متين، و لكن الذى يقتضيه النظر الدقيق، هو القول الآخر، للأخبار المتقدمه، و حملها على الكراهة جمعا بين الأخبار، انما يكون وجيها، لو لم تكن نحو كلمة لا تصح فى الأخبار الناهيه، و اما معها لمكان صحيحه علاء بن رزين فلا، لعدم شاهد على الجمع المذكور حينئذ، لأن الصحة اما من الاحكام الوضعية، او من لوازمها العقلية، فهى اذا صدرت بكلمة لا غير مجتمعة مع الكراهة، و لم تستعمل فى الأخبار فى الكراهة كثيرا، حتى يصير ذلك شاهدا على الجمع المذكور، كما صار استعمال النواهى و الاوامر التكليفيه فيها فى الكراهة و الاستحباب، شاهدا على الجمع بحمل ما ظاهره الحرمة و الوجوب عليهما، فليعمل بالأخبار الكثيره المعتضده بالاجماع، المخالفة و ليحمل الموثقة المجوزة على التقية، و ساير الأخبار على النوافل، كما يظهر منها، مع كون المذكور المنصور موافقا للاحتياط، اللازم المراعاة فى العبادات التوقيفيه.

و ينبغى التنبيه لأمور:
الأول: التتمة التى فى الكافى الآمرة بالصلوة فى اربع جوانب البيت،

فى حال الاضطرار، لم اجد عاملا بها، و عن الذكرى: هذا اشارة الى ان القبلة انما هى جميع الكعبه، فاذا صلى فى الاربع فكانه استقبل جميع الكعبه، أقول:

ضعف سندها اغنانا عن التكلم فيها، مع عدم جابر لها.

الثانى: روى التهذيب بسنده،

عن محمد بن عبد الله بن مروان، قال: رايت يونس يسئل ابا الحسن (ع)، عن الرّجل اذا حضرته صلوة الفريضه و هو فى الكعبه، فلم يمكنه الخروج من الكعبة، استلقى على قفاه و صلى ايماء، و ذكر قول اللّه تعالى:

«فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»، و لم اجد عاملا بتلك الرواية ايضا، هذا مضافا الى عدم

ص: 341

صحة سندها، فلا يجوز العمل بها، و لعلها من المؤيدات للمانعين.

الثالث: هل يجوز النوافل بقول مطلق، ام يخص بما اشتملت عليه تلك الأخبار

قد ذكرنا سابقا بان جملة من الأخبار المجوزة، المروية فى كتاب الحج، محمولة على النوافل لما يظهر منها، و عليه فهل يجوز النوافل بقول مطلق، ام يخص بما اشتملت عليه تلك الأخبار(1)؟ وجهان، و الأول هو الاظهر، لا طلاق ما مر فى اول المسئله، و لعدم المنع هنا.

و ما اوردناه سابقا على الدليل الرابع للمشهور، بعد فى النفس منه شىء، سيّما بعد ملاحظة كون الأخبار المتقدمه مقيدة بالمكتوبة، و بالجمله القول بالاطلاق، مما ليس فيه شبهه.

الرابع: افضل جوانب جوف الكعبة ان يقف بين العمودين على البلاطة الحمراء

صريح المتن كغيره من العبائر الكثيرة، بل ظاهر كلمة الاصحاب على ما ذكره بعض الأجلاء، الاتفاق على ان الصّلوة فى جوف الكعبه انما هو باستقبال اى جدرانها شاء، و الصدوق فى الفقيه فى باب القبله، قد ذكر ما لفظه: و من صلى فى الكعبه صلى الى اى جوانبها شاء، و افضل ذلك ان يقف بين العمودين على البلاطه(2) الحمراء و استقبل الركن الذى فيه الحجر الاسود، و لا باس به على القول بالجواز و لو نافلة، لمكان التسامح فى ادلة السنن و الكراهة، الشامل ما دل عليه، لنحو فتوى هؤلاء الاشخاص، الذين ديدنهم اقتفاء الأخبار، المروية عن الأئمة الابرار.

الخامس: قد ظهر من كلام شاذان بن جبرئيل القمى فى الرساله، بان الباب اذا كان مفتوحا لا يجوز الصلوة اليه،

و صريح التحرير المخالفة فى ذلك حيث قال: و لو صلى جوفها و الباب مفتوح صحت صلوته، و ان لم يكن هناك عتبه مرتفعه، و تبعه غيره فى ذلك.

ص: 342


1- قال فى التحرير: تكره الفريضه جوف الكعبه، و يستحب فيها النافله، و قال فى مجمع الفائدة: و صحة المندوبة اظهر، لعدم المنع و الأخبار. (منه)
2- اشتهر انه محل ولادة امير المؤمنين (ع)، حتى بين العامه ايضا، قاله بعض الافاضل. (منه)

أقول: الاحوط هو ما ذكره الأول، و لكن قول المصنف و من واقفه هو الاظهر، لو قلنا بجواز الصلوة و لو نافلة فى جوفها، لمكان كون القبله فى الفضاء، كما مر اليه الاشاره.

في الصلاة على سطح الكعبة

اشارة

(و) المصلى (على سطحها يصلى قائما و يبرز بين يديه شيئا منها) و ان قل على الاشهر، على ما ادعاه غير واحد ممن تأخر، و منهم عن الحلى و المبسوط، و لكن قد يقال عبارته عن افادة الوجوب، لمكان تعبيره عن الأمر بالصلوة قائما بالجواز، الذى هو اعم منه قاصرة.

و اما القول بان جواز الصلوة قائما، يستلزم الوجوب، لمكان كون القيام شرطا مع الامكان، فمدفوع بان المذكور حسن، لو كان بناء الشيخ على ما ذكروه من حصول الاستقبال، المبرز من الكعبه، و اما على القول بان القبله انما هى مجموع قطر الكعبة، و لو بعضا مما يحاذيه المصلى، كما هو خيرته فى المسئله، فلا يستلزم الجواز الوجوب، لاحتمال كون المراد منه مطلق الرخصة، المسّببه من دوران الأمر بين فوات الاستقبال لو صلى قائما، او القيام و نحوه من الواجبات مستلقيا موميا، و حيث لا ترجيح فلم يبق الا التخيير.

و فيه ان الاستقبال على التقديرين غير محصل، المهذب مما شاة، و لكن القيام الغير المفوت لما عد الاستقبال من الواجبات، اقدم من الاستلقاء المفوت للقيام و الركوع و السجود و غيرها، خلافا للمحكى عن الشيخ فى الخلاف و النهاية، و القاضى و غير هما، فحكموا بوجوب ان يستلقى مؤميا الى البيت المعمور، و ربما نسب الى الصدوق ايضا، و لكن عبارته فى الفقيه هكذا: و من كان فوق الكعبه اضطجع، و اومى براسه الى البيت المعمور، و هى كما ترى، قال الشارح المحقق و غيره(1) ان ابن البراج قيد ذلك بعدم التمكن من النزول، و الا فعليه ان ينزل، أقول: و عليه فيصير مقيدا بحال الاضطرار.

ص: 343


1- و هو القاضى المتقدم. (منه)

و كيف كان فلهم وجهان: الأول: الاجماع المحكى فى الخلاف، الثانى: ما رواه التهذيب فى اواخر باب اللباس و المكان فى الزيادات، عن عبد السّلام، عن الرضا (ع)، قال فى الذى يدركه الصلوة و هو فوق الكعبه فقال: ان قام لم يكن له قبله، و لكن يستلقى على قفاه و يفتح عينيه الى السماء، و يعقد بقلبه القبله التى فى السماء البيت المعمور، و يقرأ فاذا اراد ان يركع غمض عينيه، و اذا اراد ان يرفع راسه من الركوع فتح عينيه، و السجود على نحو ذلك.

و فيهما نظر: اما الأول: فلوهنه بمصير الاكثر الى خلافه، و اما الثانى:

فلعدم صحة سنده، فكيف يقاوم الادلة الباهرة، الدالة على لزوم الافعال الواجبة، من القيام و الركوع و السّجود و غير هما بقول مطلق، و للشهرة العظيمة التى كادت ان تكون من المتأخرين اجماعا، بل قيل لعلها اجماع فى الحقيقه، أقول: و فى الرياض بعد نقل كلام الخلاف ما لفظه: استنادا اليه رواية لا ينهض حجة فى مقابلة المشهور، بل الاجماع، انتهى.

و بالجمله هذا القول ضعيف فى الغاية، و لم اجد لتقييد القاضى دليلا يعتد به، و الذى يقتضيه التحقيق فى المسئله ان يقال: انّ التبادر الذى ذكرناه فى الجواب عن الدليل الرابع للمشهور، فى المسئله السابقه، من ان التبادر من الادلة، هو التوجه الى قطر الكعبه، بان كانت واقعة فى جهة مقابلة للمصلّى، اما مسلّم ام لا، و على الأول فلا بدّ ان يقال بمقابلة المشهور، من وجوب القيام، و لكن فى حالة الاضطرار.

اما الأول: فلان استيفاء الافعال الواجبة معه اكثر كما مرّ، و اما التقييد فلمكان الذمه المستدعية للبراءة اليقنية، و على الثانى فليحكم بما حكم به المشهور، من غير تقييد للاطلاقات الامرة بالقيام و الركوع و السجود، من الوضعيات و غيرها، كالامرة بالقبله و الصلوة، و للذى يظهر عندى ان التبادر المذكور و ان كان له نوع ظهور، و لكن فى النفس بعد منه شىء، كما مضى منا الاشارة.

و عليه فليقل ايضا بمقالة من يحكم بالتبادر المذكور، و من الحكم بوجوب

ص: 344

القيام، و لكن فى حالة الاضطرار، كما ذهب اليه بعض الأجله قال: و حكى التصريح بعدم الجواز هنا الا مع الاضطرار، عن المهذب و الجامع، فلذا قال الشارح المحقق بعد ترجيحه: قال المشهور: و لو قيل: ان تمكن النزول وجب، تحصيلا للبراءة اليقينيه، و الاّ صلّى قائما لم يكن بعيدا، الا ان يثبت الاجماع على نفى هذا التفصيل.

أقول: الاجماع بعد لم يثبت لى، سيما بعد ما عرفت، فان قلت: فعلى ما انصفت من نفسك، من الكلام و التبادر، لا بذلك من القول بمقالة المشهور، قلت:

انا و ان لم نكن قائلا بان العمل بالعمومات و الاطلاقات، مشروط بعدم المعارض كما ذهب اليه بعض متاخرى المتأخرين، و لكن القول بانه يكفى فى العمل بهما عدم ظهور المعارض، كما عن المشهور، مما لا بد منه، و قد عرفت ان للتبادر المذكور نوع ظهور.

فان قلت: الظهور اما بلغ على درجة الحجيه ام لا، فعلى الأول فلا وجه للتردد، و على الثانى فلا اعتبار به، فوجوده كعدمه، و عليه فلم يظهر للعمومات معارض، فليعمل بها.

قلت: و ان كان فى بادى النظر، لما اشرت اليه نوع حلاوة، و لكن الذى يقتضيه التحقيق، ان الظهور مرة يبلغ الى مرتبة تطمئن به النفس، فلا شك فى حجيته و اعتباره، و اخرى يكون ضعيفا لا تطمئن اليه اصلا، فلا شك فى عدم حجيته، و اخرى يكون برزخا بين العالمين، و النفس بملاحظته تكون بين بين، و تقدم رجلها مرة و تؤخر اخرى اخرى، فهو ايضا يصير باعثا لتردد النفس فى العمل بالعمومات، و عليه فلا بد من العمل بما يقتضيه الاحتياط.

فان قلت: ما ذكرت خرق للاجماع المركب، اذ هم اما يقولون: بانه يكفى فى العمل بالعمومات عدم ظهور المعارض، او يقولون: باشتراط ظهور عدمه.

قلت: لم يثبت لى ما ادعيته، على ان ادعاء الاجماع نحو تلك المسائل، لا يخلو عن نوع اشكال، فافهم، و بالجمله قد ظهر لك ما اخترناه، فلا وجه للاطالة.

فرع:

ما يبرزه من الكعبة بين يديه، لا بد ان يراعى ذلك فى جميع احواله حتى

ص: 345

الركوع و السجود، فلو خرج بعض بدنه عنها، او ساواها فى بعض الحالات، كما لو حاذى راسه نهايتها حال السجود، بطلت صلوته، بلا خلاف اجده.

لو صلى باجتهاد او لضيق الوقت ثم انكشف فساده

و (لو صلى باجتهاد او لضيق الوقت) عن الصلوة، الى اربعة جوانب، او لاختيار المكلف لها، ان قلنا بتخير المتحيّر (ثم انكشف فساده) اى فساد الاجتهاد، او ما قام مقامه، اى تبين عدم اصابة القبله (اعاد مطلقا) وقتا و خارجا (ان كان مستدبرا) للقبلة، وفاقا لجماعة، و منهم الشيخان و سلار و ابو الصلاح و ابن البراج و ابن زهرة، و خلافا فالعلم الهدى، فحكم بالاعادة مع بقاء الوقت، و بعدمها مع عدمه، و اختاره جماعة كثيرة، و منهم المصنف رحمه الله فى المختلف و المحقق و الشهيد و المحكى عن الحلى و ظاهر الاسكافى و ابن بابويه، بل هو الاشهر بين ما تاخر، يل عليه عامتهم الا من ندر، قاله بعض الأجله لوجهين:

الأول: ان وجوب القضاء تكليف مستانف، فيتوقف على الدلالة، و لا دلالة

الثانى: جملة من الأخبار، منها ما رواه الكافى فى باب وقت الصلوة فى يوم الغيم، فى الصحيح عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا صليت و انت على غير القبله، فاستبان لك انك صليت على غير القبله، و انت فى وقت فاعد، فان فاتك الوقت فلا تعد.

و رواه التهذيب ايضا، بطريقين فى باب القبله، بادنى تغيير مخل.

و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب القبله، فى الصحيح عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، انه سئل الصادق (ع)، عن رجل اعمى صلى على غير القبله، فقال: فان كان فى وقت فليعد، و ان كان قد مضى الوقت فلا تعد(1)قال: و سألته عن رجل صلّى و هى متغيمّه، ثم تجلت(2) فعلم انه صلى على غير القبله، فقال: ان كان فى وقت فليعد، و ان كان الوقت قد مضى فلا يعد.

و منها صحيحتا سليمن و يعقوب، المتقدمتان فى شرح قول المصنف رحمه

ص: 346


1- تعيد خ ل.
2- انجلت خ ل.

الله: و يجتهد مع الخفاء.

و منها ما رواه التهذيب فى باب القبله، فى الصحيح عن زراره عن ابى جعفر (ع) قال: اذا صليت على غير القبله، فاستبان لك قبل ان تصبح انك صليت على غير القبله، فاعد صلوتك.

و يؤيده ما رواه ايضا فى آخر الباب المتقدم، عن محمد بن الحصين: قال كتبت الى عبد صالح (ع): الرجل يصلى فى يوم فلاة من الارض، و لا يعرف القبله، فيصلى حتى اذا فرغ من صلوته، بدت له الشمس، فاذا هو قد صلى لغير القبله، يعتد بصلوته ام يعيدها؟ فكتب: يعيدها ما لم يفته الوقت، او لم يعلم ان الله يقول و قوله الحق: فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ.

و للمتن و متابعيه وجهان:

الأول: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، فى الموثق عن عمار بن موسى الساباطى، عن ابى عبد الله (ع)، فى رجل صلّى على غير القبله، فيعلم و هو فى الصلوة قبل ان يفرغ من صلوته، قال: ان كان متوجها فيما بين المشرق و المغرب، فليحول وجهه الى القبله حين يعلم، و ان كان متوجها الى دبر القبله، فليقطع ثم يحول وجهه الى القبله، ثم يفتتح الصلوة.

و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن عمرو بن يحيى قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام، عن رجل صلى على غير القبله، ثم تبينّت له القبله، و قد دخل وقت صلوة اخرى، قال: يعيدها قبل ان يصلى هذه التى قد دخل وقتها.

و روى بعد الخبر المتقدم، عن معمر بن يحيى، عن ابى عبد الله (ع)، نحوه، لكن بدل يعيدها يصليها، و زاد فى آخره (الا ان يخاف فوت التى قد دخل وقتها).

و ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب القبله، فى الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر (ع) انه قال: لا صلوة الا الى القبلة، قال قلت: اين حد القبله؟ قال: ما بين المشرق و المغرب قبله كله، قلت: فمن صلى لغير القبله، او فى يوم

ص: 347

غيم فى غير الوقت، قال: يعيد.

و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن زرارة، ان ابا جعفر (ع) قال له: لا تعاد الصلوة الا من خمسة: الطّهور و الوقت، و القبله، و الركوع، و السجود.

الثانى: ان الصلوة مشروطة بالقبله اجماعا، و المشروط منتف عند انتفاء شرطه، فهى الى غير القبله فائتة، و من فاتته صلوة وجب عليه القضاء اجماعا نصا و فتوى، و انما لم يجب اعادة ما بين المشرق و المغرب، و لا قضاء ما صلى اليهما، للاتفاق عليهما نصا و فتوى، قاله بعض الأجله.

أقول: المشهور هو المنصور، لما دل عليه من الأخبار الكثيرة المعتبرة، المؤيدة باصالة البراءة، و لا يعارضها ما دل على القول الآخر، اما موثقة عمار، فمع قطع النظر من عدم مقاومة سندها للأخبار المتقدمه، يرد عليه ما ذكره جماعة:

بان مقتضاها انه علم و هو فى الصلوة، و هو دال على بقاء الوقت، و نحن نقول بموجبه، اذ النزاع انما هو فيما اذا علم بعد خروجه، و ما اشار اليه بعض الاجله بان ظاهرها بقرينة السياق، كون المراد بالاستدبار ما يعم التشريق و التغريب، و قضاء الصلوة معه خلاف الاجماع.

و اما روايتا معمر و عمرو، فبعيدتا الاغماض عن السند، مخالفتان للأجماع، لعدم تقييد هما بالاستدبار، بل تعمان له و للتشريق و ما دونهما.

و اما الجمع بينهما و بين الأخبار المتقدمة بحملهما على الاستدبار، و حملها على التشريق و التغريب، فانما يكون وجيها، اذا دل دليل على شرعية مطلق الجمع، و لم اجد ما يدل عليه، و ان كان فى السنتهم مشهور و فى كتبهم مسطور، ان الجمع بين الدليلين اولى من الطرح، نعم اذا كان للجمع شاهد لغة او عرفا او حديثا، لكان متبعا، و فيما نحن فيه لم اجد شاهدا على ذلك، مع انه يستلزم حمل المطلق على الفرد النادر، اذ الاستدبار الحقيقى قلما يتفق، سيما للمجتهد كما هو بعض افراد محل البحث، و لا يرد مثله على النصوص السابقه،

ص: 348

لعموم بعضها من حيث التعليل بقوله: فحسبه اجتهاده، و الواقع فيما رواه الكافى، فى باب الرجل يصلى بالقوم و هو على غير طهر، فى الصحيح على الصحيح، عن الحلبى، عن ابى عبد اللّه (ع): فى الاعمى يؤم القوم و هو على غير القبله قال: يعيد و لا يعيدون، فانّهم قد تحروا.

هذا مضافا الى انهما تدلان على تقديم الفائتة على الحاضرة، و لا نرى ذلك كما مضى مفصلا، فكيف تقاومان النصوص المتقدمه؟ مع ان بعض المحققين استظهر عدم تعدد هما، قال: لا تحاد السند و المتن، فيكون لفظ الميم ساقطا من النساخ، انتهى، فافهم، فلتطرحا او تحملا على من صلى على غير القبله من اجتهاد مع التمكن منه، او على الاستحباب، او يحمل قوله (ع): و قد دخل وقت صلوة اخرى، على صلوة مشتركة مع الصلوة الاولى فى الوقت كالظهرين و العشاءين، و لعل فى قوله (ع): يعيد، اشعارا بذلك.

و امّا صحيحة زرارة الاولى فلا تنافى الأخبار الاولة، لأن المراد بالاعاده، الاتيان بها ثانيا فى الوقت، قاله بعض الأجله.

و اما قوله (ع): لا صلوة الا الى القبله، و ان كان بمقتضى عمومه، حاكما بالقضاء فيما نحن فيه، و لكن النصوص المتقدمه لمكان خصوصيتها مخصصه له، و بهذا ظهر الجواب عن صحيحته الاخرى.

و اما الوجه الثانى، ففيه انا لا نسلم كون الصلوة مشروطة بالقبله بقول مطلقا، نعم هى مشروط بظن القبله او ما قام مقامه، و عليه فلا يجب القضاء، اذ هو على التحقيق بفرض جديد، و الأخبار الدالة عليه انما تدور مع صدق الفوت وجودا و عدما، ففى المقام لمكان صدق الامتثال المقتضى للاجزاء، يصدق عدم الفوت، المهذب مما شاة، فلا اقل من التّردد فى الصدق و عدمه، و عليه فليحكم باصالة البراءة المعمولة، فى كل مقام شككنا فى اصل التكليف، اذ المتبادر من الأخبار الحاكمه بالقضاء الدائرة مع صدق الفوت، انما هو اذا علمنا بصدق الفوت، او

ص: 349

نظنه بظن يعتد به، لو قلنا بحجيته فى نحو تلك الموضوعات(1).

و بالجمله: الاظهر عندى هو ما اختاره علم الهدى، و متابعوه من القدماء و المتأخرين، و ان كان الاحوط هو ما اختاره فى المتن.

في وجوب إعادة الصلاة فى الفروض المذكوره فى الوقت خاصة ان كان مشرقا او مغربا

اشارة

(و) يعيد الصلوة فى الفروض المذكوره (فى الوقت خاصة ان كان مشرقا او مغربا) فلا يعيد مع خروجه، اجماعا ظاهرا او محكيا فى المدارك كما عن الخلاف و الناصريه و السرائر و المختلف و التنقيح، و غيرها من كتب الجماعة، و يدل عليه الأخبار المتقدمه فى المسئله الماضية المعاضدة بان مع بقاء الوقت لم يخرج عن عهدة التكليف فيعيد، و مع خروجه لا امر، لأن القضاء بفرض جديد كما مرّ.

و اما ما رواه التهذيب فى باب القبله، فى الصحيح عن عبد الله بن المغيره الثقه المجمع على تصحيح ما يصح عنه، عن القاسم بن الوليد قال: سألته عن رجل تبين له و هو فى الصلوة، انه على غير القبله، قال: يستقبلها اذا ثبت ذلك، و ان كان فرغ منها فلا يعيدها، فمحمول على صورة انحراف يسير، بحيث لا يصل الى التشريق و التغريب و ضمير يستقبلها يرجع الى القبله لا الى الصلوة.

فرع:

قال فى الرياض بعد نقل المتن: هذا بالنسبة الى قبلة العراق، و لو قال:

ان كان يمينا او يسارا، ليشمل ساير الجهات كان اولى انتهى، فافهم.

(و لا يعيد ان كان بينهما) اتفاقا نقله فى الرياض و عن التنقيح و غيره ايضا ادعاء الاجماع عليه فى الظان، بل عن المنتهى و التحرير اجماع العلماء، و يدل عليه بعد المذكور و الاصل، جملة من الأخبار: منها الأخبار الداله على ان بين المشرق و المغرب قبلة كصحيحة معوية بن عمار، المروية فى الفقيه فى باب القبله، عن ابى جعفر (ع)، عن الرجل يقوم فى الصلوة ثم ينظر بعد ما فرغ، فيرى انه قد انحرف عن القبله يمينا او شمالا، فقال: له: قد مضت صلوته،

ص: 350


1- اى الموضوعات الصّرفه.

و ما(1) بين المشرق و المغرب قبلة.

و منها ما رواه فى البحار فى باب القبله، عن قرب الاسناد عن الحسن بن طريف عن الحسين بن علوان عن الصادق (ع)، عن ابيه (ع) ان عليا (ع) كان يقول: من صلى على غير القبلة، و هو يرى انه على القبله ثم عرف بعد ذلك، فلا اعادة عليه، اذا كان فيما بين المشرق و المغرب.

و ظهوره فى الظان غير ضاير فى التعميم، اذ لم اجد فاضلا بينه و بين ما اسلفناه، و لا ينافيه النصوص المتقدمة الحاكمه فى الوقت بالاعادة للصلوة الواقعة الى غير القبله كاطلاق عبائر كثير من قدماء الطائفه، كالشيخين و المرتضى و الحلى و ابن زهره على ما نقل قال فى القواعد: و من اخطأ القبلة او سها عنها، ثم عرف ذلك و الوقت باق اعاد، فان عرفه بعد خروج الوقت، لم يكن عليه اعادة فيما مضى، اللّهم الا ان يكون قد صلى مستدبر القبلة فيجب عليه حينئذ اعادة الصلوة، كان الوقت باقيا او منقضيا، انتهى لمكان الاجماعات المحكية، الموجبة لتقييد فتاويهم كالأخبار بالصورة الماضية.

و بالجمله كون مرادهم ما يلوح من ظاهر كلامهم، مع وجود هذه الأخبار و الاجماعات المحكية، بعيد فى الغاية، و بما ذكر حال النصوص الحاكمة بها بقول مطلق.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: هل الناسى كالظان فى الاحكام السابقه؟

عن الشيخين و جماعة نعم، و استظهره الشهيد، و عن الفاضلين لا، لكون ذلك مستندا الى تقصيره بخلاف الظان، و هذا التعليل عليل، و يمكن ان يقال بعدم وجوب القضاء مطلقا، لكونه بفرض جديد، و فى حديث رفع عن امتى الى آخره، لذلك نوع تاييد، مضافا الى الاخبار المتقدمه النافية له، و وجوب الاعادة فى الوقت على

ص: 351


1- فما خ ل.

الاولين، لعموم بعض الأخبار المتقدمة، و عدم وجوبها فى الثالث للأخبار الدالة على ان بين المشرق و المغرب قبله.

و الانصاف ان المسئله محل اشكال، لكون التعارض بين الأخبار عموما من وجه، مع انه سيجىء عند شرح قول المصنف رحمه الله: و الالتفات، ان شاء الله ما يدل على ان الالتفات مبطل، بقول مطلق من الأخبار، و الظاهر عدم الفرق بين السهو فى بعض الصلوة او جميعها فينسحب حكم البطلان(1) الثابت للأول فى الثانى، قاله بعض الأجله. و سيجئ فى شرح قول المصنف: و الالتفات، تفصيل الكلام فى هذه المسئله، فانتظر البتة.

الثانى: قيل اما جاهل الحكم فالاقرب انه يعيد مطلقا،

الا ما كان بين المشرق و المغرب، لأنه ضم جهلا الى تقصيره، و وجه المساواة الناس فى سعة ما لم يعلموا انتهى، و الاحوط هو الاعادة و القضاء مطلقا، لو لم نقل بانه هو الاظهر، لما تقدم فى عدم معذوريته فى بحث الاوقات.

الثالث: قال بعض المحققين: ما ذكره من عدم الاعادة فى الوقت مطلقا، انما هو بالنسبة الى الخاطئ بالاجتهاد او غير التمكن منه، لا تاركه مع امكانه، و لا المسامح فى التحرى،

لعدم تاتى قصد القربة منهما، انتهى.

أقول: ما حكم به حق، و لكن فى تعليله مناقشة، اذ فرق بين نية التقرب

ص: 352


1- هذا مضافا الى قوله (ع) فى صحيحة زرارة: لا صلوة الا الى القبله النافيه لصحة الصلوة الواقعة على غير القبله بقول مطلق، خرج ما خرج بدليل، قال بعض المحققين: لا يقال اكثر الأخبار الدالة على عدم وجوب الاعادة مطلقه، لأنا نقول الظاهر منها كون الشروع فى الصلوة على الوجه المشروع الا انه ظهر بعد الصلوة وقوعها على غير القبله، و انه لو لم يظهر ذلك لم يكن فيه ضرر، و جاهل الحكم غير داخل كالناسى، لأنهم قالوا استبان لك انك صليت الى غير القبلة او عملت ذلك، و لم يقولوا عرفت الحكم و المسئله او تذكرت الى ان قال: و يشهد ايضا قوله (ع) فى صحيحة سليمان: فحسبه اجتهاده مضافا الى ان نسيان المراعاة امر بعيد نادر فلا يحمل المطلقات عليه انتهى و فيه تأمل. (منه)

و حصول التقرب، فافهم.

الرابع: قال الشارح الفاضل طاب ثراه: المراد بالاستدبار الذى حكم المصنف باعادة المصلى اليه مطلقا،

ما قابل القبله، بمعنى ان اى خط فرض طرفه قبلة، يجوز الصلوة اليها، كان طرفه الآخر استدبارا، كما يدل عليه خبر عمار، و لو فرض وقوع خط آخر على هذا الخط، حيث يحدث عن جنبه زاويتان قائمتان، كان هذا الخط الثانى خط اليمين و اليسار، و لو فرض خط آخر واقع على الخط الأول، بحيث يحدث عنه زاويتان حادة و منفرجة، فما كان منه بين خط القبله و خط المشرق و المغرب، هو الانحراف المغتفر، و ما كان منه بين جهة الاستدبار و خط المشرق و المغرب، فالاجود انه ملحق بهما، لا بالاستدبار، و ان كان اقرب اليه، اقتصارا فى الاعادة مطلقا على القول بها، على مدلول الرواية و هو ما كان التى دبر القبله، انتهى.

أقول: القول بان قوله (ع): و ان كان متوجها الى دبر القبله، انما يختص بالفرض الذى اشار اليه الشارح الفاضل، و لا يشمل غيره من المفروضات بين اليمين و اليسار، على جهة الاستدبار، و لو كان قريبا الى طرف الخط المفروض، محل اشكال، كما سيظهر فانتظر.

و عليه فقوله: و ما كان بين جهة الاستدبار و خط المشرق و المغرب إلى آخره، مشكل كقوله: بان المراد بالمشرق و المغرب هو جهة اليمين و اليسار، الا ان يكون اجماعا، و الا فلم اجد من الأخبار ما يدل عليه.

و اما الاعتبار المنبعث من قولهم: بين المشرق و المغرب قبلة، و نحوه ليس المراد منه الا جهة اليمين و اليسار، اذ لا مدخلية لخصوص المشرقية و المغربية، مع انه على ذلك يلزم عدم مشاركة البلاد التى قبلتهم نقطة المشرق او المغرب، لهذه التوسعة المستنبطة من الحديث، و هذا مما ياباه العقل، فله نوع جواب، فتدبر.

و كذا يشكل القول بان المراد هو مشرق الاعتدال و مغربه، لمكان القول

ص: 353

بان المراد من المشرق و المغرب هو العرفى، و كيف كان فالاقوى عندى عدم وجوب القضاء مطلقا، و كذا الاعادة، اذا وقعت الصلوة بين المسافة الواقعة بين مطلع الشمس و مغربه، فى اول الجدى اذا كان البلد شماليا، او فى اول السرطان اذا كان جنوبيا، و اما فى غير ذلك فالاحوط هو الاعادة.

في ما لو تبين الاستدبار في أثناء الصلاة

اشارة

(و لو ظهر الخلل و هو فى الصلوة) استدار الى القبله (ان كان) الانحراف (قليلا) غير بالغ الى حد التشريق و التغريب، بلا خلاف على ما ذكره بعض الأجله، كما عن غيره، بل عليه الاجماع فى صريح المدارك، كما عن ظاهر التحرير، و هو الجهة، مضافا الى صريح موثقه عمار السابقه، المعتضدة بالأخبار الدالة على ان بين المشرق و المغرب قبلة، و رواية القسم بن وليد المتقدمه.

(و الا) و ان لم يكن الانحراف قليلا، كان بالغا الى حدّ التشريق و التغريب، او الاستدبار (استانف) بلا خلاف فى الثانى، على الظاهر المحكى عن المبسوط، و يدل عليه صريح موثقه عمار المتقدمة، بل ظاهر سياقها هو الدلالة على الاستيناف فى الصورة الاولى ايضا، وفاقا للشارح المقدس و غيره.

قال الأول بعد نقلها: و فى هذه دلالة على كون المشرق و المغرب دبرا، او كونهما متحدين مع الاستدبار فى الحكم، انتهى، و لم اجد مخالفا فى ذلك، الا ما يحكى عن المبسوط من القول بلزوم الاستدارة الى القبلة، نافيا للخلاف عنه قال فى المبسوط: فان كان فى خلاف الصلوة، ثم ظن ان القبله عن يمينه او شماله، بنى عليه و استقبل القبله و تممها، و ان كان مستدبرا القبله اعاد من اولها، بلا خلاف، و قال فيه ايضا: فان دخل - يعنى الاعمى - فيها ثم غلب على ظنه ان الجهة فى غيرها، مال اليها و بنى على صلوته، ما لم يستدبر القبله، انتهى.

و الأول اقرب، لقولهم: لا صلوة الا الى القبله، خرج منه ما خرج بدليل، و بقى الباقى و منه محل البحث مندرجا تحته، مضافا الى اعتضاده فى المقام بما يلوح من الموثقه. و اما عبارة المبسوط فلا اعتناء بشأنها، لمكان ندرتها، مع عدم صراحتها فى المخالفة، و احتمالهما الموافقة لما عليه الجماعة بل الاصحاب على

ص: 354

ما ذكره بعض الأجله.

فرع:

مقتضى اطلاق الموثقه، هو الاستيناف لو تبين فى اثناء الصلوة الاستدبار، و لو خرج الوقت، و يعضده قوله (ع) لا صلوة الا الى القبله، خرج ما خرج و بقى الباقى و منه محل البحث، فافهم.

و استشكل فى ذلك الشهيد فى الذكرى حيث قال: لو تبين فى اثناء الصلوة الاستدبار، او احدى الجانبين، و قد خرج الوقت، امكن القول بالاستقامة و لا اعادة، لدلالة فحوى الأخبار عليه، و يمكن الاعادة، لأنه لم يات بالصلوة فى الوقت، انتهى.

بل رجح شقيقه فى الرياض: عدم الاعادة، و الانحراف الى القبله، كما لو كان الانحراف بين المشرق و للمغرب، وفاقا لجماعة من متاخرى متاخرى الطائفه، و منهم المدارك و الذخيره و صاحب الرياض.

قال الاخير: الظاهر ان مراعاة الوقت، مقدمة على مراعاة القبله، و لذا يجب على الجاهل بها الغير المتمكن من الاجتهاد فيها، ان يصلى الى حيث شاء فى الجمله، او مطلقا، بل مقدمة على جل واجبات الصلوة، من الشرائط و الاجزاء انتهى، و استدل ايضا على المذكور، بانه دخل دخولا مشروعا، و الامتثال يقتضى الاجزاء.

أقول: و المسئلة عندى محل اشكال، و اتمام الصلوة على النهج الذى ذكروه ثم القضاء، هو الاحوط.

تنبيه:

اعلم ان الشارح الفاضل انما جرى حكمه ذلك فيمن ادرك ركعة من الوقت لا مطلقا، قال قدس سره فى الرياض: نعم لو تبين التيامن او التياسر بعد الوقت، فيمن ادرك منه ركعة، او المستدبر، على القول بالمساواة، امكن القول بالاستقامة و لا اعاده الى آخره، و قال والدى طاب ثراه و جعل الجنة

ص: 355

مثواه: هذا اى القول بالانحراف و عدم الاعادة، اذا كان الوقت باقيا بمقدار ركعة، و قد دخل فى الصلوة على الاستدبار و صلى ركعة، ثم ظهر انه قد صلى إلى غير جهة القبله، فلو انحرف الى القبله كان صلوته اداء، و لو استانف كان صلوته قضاء، فلذا مال اكثر المحققين الى البناء و الاداء، لا الى الاستيناف و القضاء، انتهى.

أقول: اما لو لم يدرك من الوقت ركعة، و قد خرج بعد الشروع فيها، و تبين الاستدبار، فالقول بالقطع فيه ايضا لا يخلو عن اشكال ما، فليحتط بما مر.

لا يتعدد الاجتهاد بتعدد الصلاة

اشارة

(و لا يتعدد الاجتهاد بتعدد الصلوة) الا اذا حصل شك فى الاجتهاد الأول، على الاشهر، على ما ادعاه بعض من تاخّر، و نقل فى المدارك عن الشيخ رحمه الله فى المبسوط، انه اوجب التجديد دائما لكل صلوة، ما لم يحضره الامارات، للسعى فى اصابة الحق، و لأن الاجتهاد الثانى ان خالف الأول وجب المصير اليه، لأن الاجتهاد لا يكون الا لامارة اقوى من الاولى، و اقوى الظنين اقرب الى اليقين، و ان وافقه تاكد اليقين، ثم قال فى المدارك بعد نقل ذلك: و هو جيد ان احتمل تغيير الامارات، و تبعه فى النقل و الترجيح المحقق.

و فيه نظر، اذ ظاهر النقل: ان جميع ما اشتمل عليه من الدعوى و الدليلين، عين كلام الشيخ فى المبسوط، مع انه ليس كذلك، اذ هذه صورة عبارة الكتاب المذكور: يجب على الانسان ان يتبع امارات القبله، كلما اراد الصلوة، اللهم ان يكون قد علم القبله فى جهة بعينها، او ظن ذلك بامارات صحيحة، علم انها لم تتغير، جاز حينئذ التوجه اليها، من غير ان يجدد اجتهاده فى طلب الامارات، انتهى.

مضافا الى ان مرجع هذا الكلام، الى ان التجديد مخصوص بصورة احتمال تغير الامارات لا مطلقا، كما هو ظاهر النقل المذكور، فلو علم انها لم تتغير سقط الاجتهاد، كما استجوده هذان الفاضلان، و قيدا به كلام الشيخ

ص: 356

بزعمهما، و لم يتفطنا انهما مع الشيخ انما يرتضعان من ضرع واحد.

و عن المصنف(1) طاب ثراه فى المنتهى انه قال: و لو صلى عن اجتهاد الى جهة، ثم اراد ان يصلى اخرى، قال الشيخ رحمه الله فى المبسوط: يعيد اجتهاده، الا اذا علم ان الامارات لم تتغير، و هو قول الشافعى و احمد، انتهى.

و هذا ايضا يشهد على بطلان ما نقله الفاضلان المتقدم اليهما الاشارة، و الذى يظهر لى من تتبع امارات الشارح المحقق فى الذخيره، انه انما وقع فى هذا البئر، بحبل صاحب المدارك طاب ثراه، اذ ديدنه هو الموافقه له فى كثير من المقامات، عبارة و فتوى، نعم الا بحاث الوارده عليه اقل من الواردة على المدارك، لمكان عدم خروجه عما يبنى عليه امره غالبا، و كذا هما طاب ثراه هما، قد نسبا فى الفرع المذكور فى المسئله السابقه، و هو لو تبين فى اثناء الصلوة الاستدبار و قد خرج الوقت، الى الشهيدين القول بالانحراف و عدم الاعادة، مع ان اولهما على ما قيل ما لم يصرح به الا فى الذكرى، و قد عرفت عبارته، الظاهرة فى التردد و الوقت، و احتمال كونه ذاكر اله فى غير الكتب المشهورة عنه، بعيد غاية البعد، قاله بعض الأجلاء.

أقول: و عليه فللمتدين التام، هو عدم النسبة الى احد منهم قولا الا بعد وجدانه فى كتابه، او سماع منه شفاها فى خطابه، و عدم الاشكال على نقل النقله، فلا كل تعويل و ان كانوا كمله، فالسهو و الغفله و الخطأ لوازم عادية للناس، و اختلاف النسخ واضح ليس به التباس، فمن هنا قال بعض الافاضل:

ان لهم ان لا يعتمد وافى الأخبار الا اخذها من الاصول، و لا يعولوا ما استطاعوا على ما عنها من النقول، حتى اذا وجدوا فى التهذيب عن محمد بن يعقوب خبرا، فلا يقتصروا عليه، بل ليجملوا له فى الكافى نظرا، فربما بما طغى فيه القلم اوزل، فعنّ خلاف فى المتن او السند جل او قل، و لقد رايت جماعة من

ص: 357


1- و قال ايضا فى التحرير لو صلى باجتهاد ثم حصلت اخرى قال الشيخ نعيد الاجتهاد الا ان يعلم عدم تغير الامارات. (منه)

الاصحاب، اخلدوا الى اخبار وجدوها فيه او فى غيره كما وجدوها، و اسندوا اليه اراءهم من غير أن ينتقدوها، و يظهر عند الرجوع الى الكافى او غيره، ان الاقلام اسقطت منها الفاظا او صحفتها، و ازالت كلمة او كلما عن مواضعها و حرفتها، و ما هو الا تقصير بالغ و زيغ عن الحق غير سايغ.

و بالجمله الاولى و الاحوط، عدم الاعتماد على مثل هذه النقول، و عليه بمراجعة المنقول، فان تكن النسخة عنده حاضرة، او كانت و لم يكن هى عنده معتمدة، لمكان كونها مغلوطه، فعليه ذكر ما حكى، او ما نقل او كلمة عن كما هو الجادة المستقيمة لطالب كل حق، او فنّ.

و كيف كان، فالقول بعدم تجدد الاجتهاد بتعدد الصلوة، الا ان يحدث شىء يوجب التجديد، قوى للاصل، و الاستصحاب، و اما الدليلان المتقدمان فى كلام المدارك، فلا اعتناء بهما، كيف؟ و لو قيل بما يدلان عليه، ليلزم الحرج العظيم، اذ هو جار فى المجتهد الذى رجح فى المسائل عنها، او يريد ان يعمل بها، بل لعله تكليف بما لا يطاق، و ترجيح البعض ترجيح من غير مرجح، و هو مستلزم للترجيح بلا مرجح، الذى شناعته اوضح من الأول.

و ينبغى التنبيه على امور:
الأول: لو تغير اجتهاد المجتهد فى اثناء الصلوة، فانه ينحرف الى القبله،

لو كانت صلوته بين المشرق و المغرب، او الى جهة الاستدبار اعادها، بلا خلاف اجده، و يدل عليه قولهم (ع): لا صلوة الا الى القبله.

قال المصنف طاب ثراه فى المنتهى: فلو تغير اجتهاده فى الصلوة فان كان منحرفا يسيرا استدار الى القبله و اتم، و الا اعاد، و ان كان مشرقا او مغربا او مستدبرا اعاد، ثم نقل عن بعض الجمهور الاعادة مطلقا، و قال: انه ليس بجيد، ثم عن آخرين: انه لا يرجع و يمضى على الاجتهاد الاول، قال: و هؤلاء عن التحقيق بمعزل، ثم قال: و لو تجدد يقين الجهة المخالف فى اثناء الصلوة استدار اليها، كاهل قبا لما استداروا الى القبله، و لا نعرف فيه خلافا انتهى.

ص: 358

فى القواعد: استدارة اهل قبا فى هذه المسئله، فيه مناقشة، اذا الاستدارة يومئذ انما هو لنسخ القبلة الاولى الى قبلة ثانيه، فيكون ما مضى من الصلوة وقع على قبلة صحيحة اصليه، و ما بعد النسخ كذلك، بخلاف ما نحن فيه، فان تغاير القبلتين، انما هو من حيث الاعتبار، باجتهاد المصلى و ظنه، و تغير اجتهاده و حصول ظن آخر، و انما هى قبلة واحدة يخطها المخطئ و يصيبها المصيب، فتدبر.

الثانى: و لو تغير اجتهاده بعد الصلوة، لم يلتفت و لم يعد ما صلاه، الا مع تبين الخطاء،

بلا خلاف يعتد به اجده، و فى المدارك قال فى المنتهى: و لا نعلم فيه خلافا، و فى الذخيره قال المصنف فى المنتهى: لا نعرف فيه خلافا، انتهى.

أقول: قد عرفت عبارة المنتهى، ان حكم تغير الاجتهاد بعد الفراغ فيها غير مذكور، و لعلّها و جداه فى مكان آخر من المنتهى، و اللّه هو العالم.

و كيف كان فلا شبهة فى اجزاء ما صلاه، و عدم الاعادة، للاصل، و صحيحة الحلبى على الصحيح، المروية فى الكافى فى باب الرجل يصلى بالقوم و هو على غير طهر، عن ابى عبد الله (ع): فى الاعمى يؤم القوم و هو على غير القبله، قال:

يعيد و لا يعيدون، فانهم قد تحروا، و مفهوم التعليل حجة، بلا شك و لا شبهة.

الثالث: لو خالف المجتهد اجتهاده، و صلى فصادف القبله فهل تصح صلوته ام لا؟
اشارة

وجهان بل قولان، ذهب الى الثانى السيّد فى المدارك، و تبعه الشارح المحقق، مستدلا بانه اقدم على المنهى، و النهى فى العبادة يستلزم الفساد، و عن المبسوط الذهاب الى الأول، و له ان المامور به هو التوجه الى القبله و قد اتى به، ورد بان المعتبر هو البناء على اجتهاده و لم يفعل، فيبقى فى عهدة التكليف، و الاحوط هو الثانى، لو لم نقل بانه هو الاظهر.

تنبيه:

ص: 359

قال فى المدارك فى بحث الاوقات: و لو صادف الوقت صلوة الناسى او الجاهل بدخول الوقت، ففى الاجزاء نظر: من حيث عدم الدخول الشرعى، و من مطابقه العبادة ما فى نفس الأمر، و صدق الامتثال، و الاصح الثانى. و به قطع شيخنا المحقق سلمه اللّه، قال: و كذا البحث فى كل من أتى بما هو الواجب فى نفس الأمر، و ان لم يكن عالما بحكمه و مثله القول فى الاعتقادات الكلاميه اذا طابقت نفس الأمر، فانها كافية و ان لم يحصل بالادلة المفردة، كما صرح به نصير الملة و الدين، انتهى كلامه اطال اللّه بقاءه، و لا باس به، انتهى كلام صاحب المدارك.

و عليه فيرد عليه فى المقام، ان المسئلتين من باب واحد، لاشتراكهما فى ان الدخول فى كلّ منهما، بحسب الظاهر ليس بشرعى، و لكن قد اتفقت مصادفة الصلوة فى الواقع، لما امر به الشارع، فان كانت المطابقة الواقعية مجزئه، كما ذكره فى تلك المسئله، فههنا كذلك، فلا معنى لرده على الشيخ فى المبسوط، و الا فلا فى الموضعين، فلا وجه لما صار اليه فى تلك المسئله، و يمكن الذب بان الفساد انما جاء لمكان النهى، و هو هناك غير ثابت، دون هنا فتدبر جدّا.

الرابع: لو اختلف المجتهدون، و هم العالمون بادلة القبله، ياتم بعضهم ببعض،
اشارة

على ما حكى عن الشيخ و المحقق و اكثر الاصحاب، و به قال المصنف فى التحرير، و عنه فى التذكره احتمال الصحة، لأن فرض كل منهم التعبد بظنه، فكانوا كالقائمين حول الكعبه، مستقبل كل واحد منهم جهة غير جهة الاخر، مع صحة الجميع جماعة، و ربما يفرق بتعدد الجهة فى المصلين حول الكعبه، بخلاف المجتهدين، للقطع بخطاء بعضهم، و ربما يدفع بان الخطاء انما هو فى مصادفة الصلوة بجهة الكعبه، لا للجهة التى يجب استقبالها، للقطع بان فرض كل منهم استقبال ما ادى اليه الاجتهاد، و ان كانت خلاف جهة الكعبه.

و بالجملة الحكم بالصحة بحسب الدليل، لا يخلو عن نوع قوة، و لكن العمل

ص: 360

بالاحتياط فى المقام لا ينبغى تركه، لمكان الشهرة و غيرها.

تذنيب:

و لعل المستفاد من كلامهم و ما جرى على رؤوس اقلامهم ان الحكم بالبطلان انما هو لو اختلفوا فى الاجتهاد فى الجهه، و اما لو اختلف الامام و الماموم فى التيامن و التياسر، فالحكم بالصحة هو المتجه، كما ذهب اليه من متاخرى الطايفه جماعة، لأن صلوة كل منهما صحيحة، و الشرط غير مفقود، لمكان وجود الجهة، و لقولهم (ع): ما بين المشرق و المغرب قبلة، و للاطلاقات الامرة بالصلوة و الجماعة، و عن المصنف رحمه الله فى التذكره، انه قوى عدم الجواز، بناء على ان الواجب اصابة العين، و فيه نظر.

قال الشهيد طاب ثراه فى الذكرى: اختلف المجتهدون صلوا فرادى لا جماعة، و قال ايضا: لو اختلف الامام و الماموم فى التيامن و التياسر، فالاقرب جواز الصّلوة، لأن صلوة كل منهما صحيحة مغنية عن القضاء، و الاختلاف هنا يسير، و لأن الواجب مع البعد الجهة هنا.

و قال ايضا فى موضع آخر: لو صلى باجتهاده الى جهة، او لضيق الوقت، ثم تبين الانحراف يسيرا، استقام بناء على ان القبلة هى الجهة، و لقول الصادق عليه السلام: ما بين المشرق و المغرب قبلة، و لو تبين الانحراف الكثير استانف، و ظاهر الاصحاب ان الكثير ما كان على سمت اليمين و اليسار، لرواية عمار، ثم نقل موثقه عمار المتقدمه، و هذا ايضا مما يعضد ما اشرنا اليه.

تنبيه:

ما ذكره الذكرى طاب ثراه هنا، ينافى بظاهره ما اختاره فى تعريف الجهة، من انها هى السّمت الذى يظن كون الكعبة فيه، قاله بعض الأجلاء، ففيه تأمل.

الخامس: لو قلد مجتهدا فاخبره بالخطاء، استدار ان كان توجهه بين المشرق و المغرب،

و الا استانف، وفاقا لغير واحد منهم، و الدليل على ذلك، قد

ص: 361

مضى اليه الاشاره.

السادس: لو صلى بقول واحد، فاخبره آخر بخلافه فى اثناء الصلوة،

فان تساويا عدالة مضى فى صلوته، و الا عمل بقول من كان المظنة بقوله اكثر، لما دل على وجوب التحرى من الخبر.

السابع: قال المصنف رحمه الله فى المنتهى على ما حكى: لو صلى الاعمى من غير تقليد بل برايه،

و لم يستند الى امارة يعلمها، فان اخطا اعاد، و ان اصاب قال الشيخ: لا يعيد، و قال الشافعى: يعيد، احتج الشيخ بانه امتثل بما امر به من التوجه نحو المسجد الحرام، فيكون مجريا، و لأن بطلان الصلوة حكم شرعى، فيقف على الدلالة و هى مفقودة، احتج الشافعى بانه لم يفعل ما امر به، و هو الرجوع الى قول الغير، فجرى عدم الاصابة، و كلاهما قويان، انتهى.

و ظاهر كلامه طاب مضجعه، هو التوقف فى هذه المسئله، و هو المحكى عن التحرير ايضا، حيث قال بعد نقل قول الشيخ: و عندى فى الاصابة تردد، و ظاهر كلام الاصحاب هنا هو ما نقله عن الشافعى، من ان دخوله فى الصّلوة غير مشروع، لكونه مامورا بالتقليد، فلا فرق بين اصابته و عدم اصابته.

أقول: الحكم بالبطلان بقول مطلق، كما عن المشهور، هو المنصور، اما لأنه اقدم على المنهى عنه، و النهى فى العبادة يستلزم الفساد، فيه نوع تامل، او لقولهم (ع): لا عمل بالفقه و المعرفة، و نحو ذلك من الأخبار، كما مضى فى بحث الاوقات، فى شرح قول المصنف طاب ثراه: و لو صلى قبله عامدا او ناسيا الى آخره، اليها الاشارة.

الثامن: لو صلى الاعمى مقلدا، ثم ابصر فى اثناء الصّلوة،

فان كان عاميا استمر على تقليده، لأن حكم العامى و الاعمى واحد فى الرجوع الى التقليد، و ان كان مجتهدا اجتهد، فان وافق ما استقبله فلا اشكال، و ان انحرف و ظهر انحرافه بين المشرق و المغرب استدار، و ان كان على محض المشرق المغرب او الاستدبار اعاد.

ص: 362

التاسع: لو دخل بصيرا فى الصلوة ثم عمى، اتم صلوته عملا بالاستصحاب،

فان انحرف عمدا عن السمت الذى صلى اليه، بطلت صلوته، فان اتفق ذلك و امكنه الاستقامة استقام، ما لم يكن قد خرج الى حد الابطال المتقدم، و ان لم يمكنه، فان اتفق من يسدده عول عليه، و ينتظره ان لم يستلزم الفعل الكثير.

العاشر: لو اجتهد و صلى، ثم شك فى اجتهاده بعد الصلوة، اعاد الاجتهاد لصلوة اخرى،

و لا يعيد الصلوة الماضية، لما مر اليه الاشارة، و لو كان فى الاثناء استمر، الا ان يقدر على تحصيل الظن عن اجتهاد، بدون فعل مناف، اما لو بان له الخطاء، و لم يعرف جهة القبله الا بالاجتهاد المحوج الى الفعل الكثير، فانه يقطع و يجتهد، لقولهم (ع): لا صلوة الا الى القبله.

و بالجمله: الفروع كثيره، و حيث ذكرنا لك الاصول فعليك باستخراج الفروع منها، فلا وجه للاطاله، و الحمد لله أولا و آخر، و قد فرغ مؤلفه الراجى، محمّد صالح بن محمد البرغانى، عن هذا المجلد، و هو المجلد الثانى من كتاب غنيمة المعاد فى شرح الارشاد، فى ليلة الخميس سابع عشر شهر شوال المكرم، من شهور خمس و عشرين بعد المأتين و الالف، 1225 من الهجرة النبويه (ص) و يتلوه بحث اللباس.

و فى نسخه ثانيه

قد تم الكتاب المستطاب، المسّمى بغنيمة المعاد، حسب أمر مصنّفه افحل الفحول اعلم العلماء، مولانا الحاجّ محمّد صالح، على يد مخلصه عبد الجواد بن حاجى محمّد، فى شهر رجب المرجّب، من شهور سنة 1246.

قد تّم بعون الله تعالى و توفيقه الجزء الرابع

من كتاب موسوعه البرغانى فى فقه

الشيعه و يليه الجزء الخامس

فى بحث اللباس

ص: 363

ص: 364

محتويات الكتاب

فى وقت ركعتى الفجر 8

فى وقت نافلة الليل 21

فى الساعات التى لا يصلّى فيها 47

فى الصلاة التى تصلّى فى كل وقت 57

كراهة الصلاة فى بعض الأوقات 65

الساعات التى لا يصلّى فيها 67

فى اوقات الصلوات 69

جواز تأخير الصلاة فى موارد 71

فى عدم جواز الصلاة قبل دخول الوقت 75

فى فضل المؤذن 77

فى الاعتماد على المؤذنين فى دخول الوقت 79

فى الاعتماد على اذان الثقة 81

فى معرفة الزوال 85

فى الاعتماد على اذان الثقة 87

ص: 365

فى البحث عن دخول الوقت 89

بطلان الصلاة قبل وقتها 91

فى ما يخلّ بالصلاة 95

فى وجوب تحصيل العلم 101

فى البحث عمن جهل الحكم 105

فى عمل الجاهل بالحكم 107

فى العمل بغير علم 109

فى من عمل بغير علم 111

فى العمل بغير علم 113

فى من صلى العصر قبل الظهر ناسيا 141

فى من ادرك ركعة من الوقت 145

فى قضاء الصلوات الفوائت 147

فى قضاء ما فات من الصلوات 151

فى ما يترتب على الفاء 161

فى قضاء ما فات من الصلوات 165

فى عدم التكليف بما يشق 173

فى اللطف الالهى 177

فى قضاء ما فات من الصلوات 189

فى تقديم القضاء على الحاضرة فى السعة 193

فى تقديم الفائتة على الحاضرة فى السعة 197

البحث فى القبلة 213

فى معرفة القبلة 215

فى القبلة 217

فى جواز صلاة النافلة على الراحلة 233

ص: 366

فى أداء النافلة على الراحلة 235

فى جواز اداء النوافل على الراحلة 237

فى اداء النافلة على الراحلة 239

فى جواز اداء النافلة ماشيا فى السفر و الحضر 243

فى القبلة 245

فى عدم جواز أداء الصلاة الواجبة على الراحلة 249

فى الصلاة على الأرجوحة او الرف المعلق 251

فى الصلاة على الراحلة او الرف او الا رجوحة 253

فى جواز أداء الفريضة على الراحلة عند الضرورة 255

فى اداء الفريضة على الراحلة 257

فى اداء الفريضة فى السفينة 259

فى ادائها فى السفينة 261

فى القبلة 267

فى معرفة القبلة 269

فى تحرى القبلة 271

فى تقليد الاعمى لمعرفة القبلة 279

فى العمل بقبلة البلد 281

فى تحرى القبلة 283

فى اختلاف قبلة البلدان المختلفة 287

فى قبلة اهل العراق 289

فى معرفة القبلة 291

فى كيفية معرفة القبلة 295

فى معرفة قبلة المدن المختلفة 299

فى معرفة قبلة المدن 301

ص: 367

فى معرفة قبلة المدن 303

فى معرفة القبلة 305

فى القبلة 313

فى من كان فى جوف الكعبة 319

فى التوجه الى القبلة من البلدان 321

فى من فقد امارات القبلة 323

فى قبول الاعمى من غير اتجاه القبلة 325

فى اداء الفريضة على الراحلة و ما شابه 327

فى القبلة 329

فى تياسر قبلة اهل العراق 331

فى قبلة اهل الشام 333

فى قبلة اهل اليمن 337

فى ادائها فى الكعبة 339

فى ادائها فى جوف الكعبة 341

فى ادائها على سطح الكعبة 343

فى من صلى لغير القبلة 347

فى من صلى الى غير القبلة 349

فى من صلى لغير القبلة 351

فى من صلى الى غير القبلة 353

فى ما لو تبين الاستدبار فى أثناء الصلاة 355

فى اعادة الاجتهاد فى القبلة 357

فى من صلى لغير القبلة 359

فى ادائها لغير القبلة 361

فى تقليد الاعمى فى القبلة 363

ص: 368

تعريف مرکز

بسم الله الرحمن الرحیم
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
(التوبه : 41)
منذ عدة سنوات حتى الآن ، يقوم مركز القائمية لأبحاث الكمبيوتر بإنتاج برامج الهاتف المحمول والمكتبات الرقمية وتقديمها مجانًا. يحظى هذا المركز بشعبية كبيرة ويدعمه الهدايا والنذور والأوقاف وتخصيص النصيب المبارك للإمام علیه السلام. لمزيد من الخدمة ، يمكنك أيضًا الانضمام إلى الأشخاص الخيريين في المركز أينما كنت.
هل تعلم أن ليس كل مال يستحق أن ينفق على طريق أهل البيت عليهم السلام؟
ولن ينال كل شخص هذا النجاح؟
تهانينا لكم.
رقم البطاقة :
6104-3388-0008-7732
رقم حساب بنك ميلات:
9586839652
رقم حساب شيبا:
IR390120020000009586839652
المسمى: (معهد الغيمية لبحوث الحاسوب).
قم بإيداع مبالغ الهدية الخاصة بك.

عنوان المکتب المرکزي :
أصفهان، شارع عبد الرزاق، سوق حاج محمد جعفر آباده ای، زقاق الشهید محمد حسن التوکلی، الرقم 129، الطبقة الأولی.

عنوان الموقع : : www.ghbook.ir
البرید الالکتروني : Info@ghbook.ir
هاتف المکتب المرکزي 03134490125
هاتف المکتب في طهران 88318722 ـ 021
قسم البیع 09132000109شؤون المستخدمین 09132000109.