موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد
سایر عناوین: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد / إرشاد الأذهان إلی أحکام الإیمان. شرح
نویسنده:
برغانی، محمدصالح بن محمد
سایر نویسندگان
محقق:
شهیدی صالحی، عبدالحسین
تعداد جلد: 8
زبان: عربی
ناشر: مجمع هماهنگی مؤسسات اسلامی. نمايشگاه دائمی کتاب - تهران - ایران
کد کنگره: /ع 8 الف 4022 182/3 BP
محرر رقمی : میثم حیدری
ص: 1
موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد
برغانی، محمدصالح بن محمد
ص: 2
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله أجمعين صلاة دائمة، الى القيامة قائمة، فهذا هو المجلد السادس من كتاب موسوعة البرغانى فى فقه الشيعة حسب تجزئتنا...
الأول: ظاهر أخبارنا و اطلاق كلام الأصحاب، عدم الفرق فى الحكم المذكور بين وجود الابل فى ذلك المكان و عدمه، و بذلك صرح المصنف رحمه الله فى المنتهى كما عرفت، معللا بانها بانتقالها عنه لا يخرج عن اسم المعطن اذا كانت تأوى اليه. أقول: الظاهر صدق المربط ايضا اذا كانت تأوى اليه، و ظاهر تعليله - طاب ثراه - انه لو كان ذلك الموضع انما اتفق بروكها فيه مرّة واحدة بحيث لم تعد اليه، لم يتعلق به الحكم، قاله بعض الأجلاء. أقول:
قد عرفت من نقل كلامه رحمه الله، انه صرح بذلك، لأنه قال: و المواضع التى تبيت فيها الابل فى سيرها او تناخ فيها لعلفها... الى آخر ما تقدم، أقول:
يشكل الأمر فى كلامه هذا مع حضور الابل، بناء على التعليل المتقدم اليه الاشاره كما أشار اليه فى البحار.
الثاني: يستفاد من أخبارنا المتقدمة بعد ضمّ بعضها الى بعض، زوال الكراهة اذا خاف على متاعه الضيعة، بعد ان يكنسه و يرشه، و كان الموضع قبل الرش يابسا.
الثالث: يظهر من خبر الفقيه، كراهة الصلوة فى الارحية، و لم يذكرها
ص: 3
الأكثرون على ما قاله فى البحار، و لا ريب ان الاجتناب احوط.
(و) تكره الصلوة (فى قرى النمل) و هى جمع قرية و هى مجتمع ترابها، قال فى القاموس: قرية النمل مجتمع ترابها. و لم أجد مخالفا فى المسئلة، و عبارة الخصال فى الخلاف غير ظاهر بظهور يعتد به، و يؤيد ذلك انى لم اجد أحدا أن ينقل خلافه فى المقام، و المستند فى الحكم المذكور رواية عبد اللّه بن الفضل السابقة، و ما رواه فى البحار عن المحاسن، عن ابن فضال، عن عبيس بن هشام عن عبد الكريم بن عمرو، عن الحكم بن محمد بن القاسم، عن عبد اللّه بن عطاء قال: ركبت مع ابى جعفر (ع)، و سار و سرت حتى اذا بلغنا موضعا، قلت:
الصلوة جعلنى اللّه فداك، قال: هذه أرض وادى النمل لا يصلى فيها، حتى اذا بلغنا موضعا آخر، قلت له مثل ذلك فقال: هذه الأرض مالحة لا نصلّى فيها.
قال فى البحار: بيان: يدل على كراهة الصلوة فى وادى النمل سواء وقعت الصلوة عند قراها ام لا، و المالحة هى السبخة، و فى بعض النسخ (نصلى) فى الموضعين بالنون و فى بعضها بالياء، فعلى الأول ظاهره اختصاص الحكم بهم عليهم السلام، فالمراد التحريم او شدة الكراهة، فلا ينافى حصول الكراهة فى الجملة لغيرهم ايضا، انتهى.
أقول: روى فى البحار عن العياشى، عن عبد اللّه بن عطاء، قال: ركبت مع ابى جعفر (ع)، فسرنا حتى زالت الشمس و بلغنا مكانا، قلت: هذا المكان الأحمر، فقال: ليس يصلى ههنا، هذه اودية النمال و ليس يصلى فيها، قال:
فمضينا الى ارض بيضاء، قال: هذه سبخة و ليس يصلى بالسباخ، قال: فمضينا الى ارض حصباء، قال: ههنا فنزل و نزلت... الخبر. و النهى محمول على الكراهة، للاجماع المحكى عن الغنية الصارف له غير ظاهرة اليها، و استدل ايضا للمطلب بعدم انفكاك المصلى من اذاها و قتل بعضها. و عن كتاب العلل لمحمد بن على بن ابراهيم، انه علل ذلك بان النمل ربما آذاه فلا يتمكن من الصلوة. و أشار اليه الصدوق ايضا، فى كتاب الخصال كما عرفت.
ص: 4
ما ذكره فى البحار بقوله: فعلى الأول ظاهره اختصاص... الى آخره، غير ممنوع لظهور احتمال ارادته (ع) من هذا الكلام نفسه و عبد اللّه بن عطاء، فلو منع عن الظهور فلا اقل من المساوى، فلا وجه لارتكاب ما ارتكبه الذى هو مخالف للأصل.
ظاهر الخبر الأخير، كراهة الصلوة فى وادى النمل مطلقا، و ان لم تقع عند قراها و حجرتها، كما أشار اليه فى البحار، و كذا ظاهره كراهتها فى وادى النمل مطلقا، و ان لم تكن النمل عند قراها.
(و) فى (مجرى المياه) و هو المكان المعد لجريانه فيه، و ان لم يكن فيه ماء، على ما ذكره جماعة، و لم اجد فى المسئلة مخالفا. و عبارة الخصال كما عرفت و ادعى المصنف رحمه اللّه فى المنتهى كما حكى، اجماعنا على الكراهة، قال:
تكره الصلوة فى مجرى المياه، ذهب اليه علماؤنا، انتهى.
و هو الحجة الصارفة للنهى الواقع فى رواية عبد الله بن الفضل المتقدمة الى الكراهة، كالاجماع المحكى عن الغنية، و ظاهر الخبر اعم من ان يكون الماء فيه موجودا ام لا مطلقا، قيل: فلو قصر الحكم على ما اذا كان موجودا، او يخاف هجومه فى حال الصلوة، لكان اظهر، انتهى.
أقول: لعل وجه ذلك، ان تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلية، فلا بد ان يقصر الحكم بما ذكر و فيه نظر، قال فى المنتهى على ما حكى: و هل يشترط فى الكراهة جريان الماء؟ عندى فيه توقف أقربه عدم الاشتراط، انتهى.
أقول: يمكن ان يقال: ان الكراهة مشروطة بعدم الجريان اذ معه لا يتمكن من الصلوة، و فيه نظر و الأخذ بالاطلاق لعله انسب، فلو امن من الجريان يحكم بالكراهة.
ص: 5
اعلم ان المصنف فى المنتهى على ما حكى، قال: تكره الصلوة فى السفينة لأنه يكون قد صلى فى مجرى الماء، و كذا لو صلى على ساباط تحته نهر يجرى او ساقيه، انتهى. أقول: فى ثبوت الحكم المذكور فى السفينة اشكال ينشأ من صدق الصلوة فى مجرى الماء كما ذكره المصنف رحمه اللّه، و ما رواه فى الكافى فى باب الصلوة فى السفينة، عن ابى هاشم الجعفرى قال: كنت مع أبى الحسن (ع)، فى دجلة فحضرت الصلوة، فقلت: جعلت فداك نصلى فى جماعة؟ قال فقال: لا يصلى فى بطن و اد جماعة. الدال على ان حكم الصلوة فى السفينة اذا كانت فى مجرى الماء، حكم اصل المجرى.
قيل: و لعل التخصيص بالجماعة وقع من حيث سؤال السائل عن الجماعة و من ان المتبادر من العبارة هو ايقاع الصلوة فى الأرض التى يجرى الماء فيها فعلا او قوة، باعتبار اعدادها لذلك، و لعل الاول اقوى فى المقام، و الاشكال فى الساباط اضعف، و لا يبعد ترجيح عدم الكراهة، كما صرح به بعض الأجلة.
قال المصنف طاب ثراه فى المنتهى كما حكى: و لا فرق بين الماء الطاهر و النجس فى ذلك، و هل تكره الصلوة على الماء الواقف؟ فيه تردد اقربه الكراهية، انتهى. أقول: اذا صدق على المحل انه مجرى الماء، فلا ريب فى الكراهية، و ان كان الماء واقفا فيه فى بعض الحالات.
قال الشارح المحقق و المدارك: و قيل تكره الصلوة فى بطون الاودية التى يخاف فيها هجوم السيل، و قال المصنف فى النهاية: فان امن السيل، احتمل بقاء الكراهية اتباعا لظاهر النهى، و عدمها لزوال موجبها، و لم اقف على النهى الذى ادعاه، انتهى.
و فى المدارك بدل: و لم اقف على النهى... الى آخره، و لم اقف على ما ادعاه من الاطلاق. أقول: فيه مناقشة، لأن النهى عن الصلوة فى الاودية، مذكور فى الفقيه فى الحديث المناهى، كما تقدّم نقله فى بيان كراهتها فى معاطن
ص: 6
الابل، و تذكر البتة.
و رواه فى كتاب المجالس، فى جملة المناهى المنقولة عنه (ص) قال:
و نهى ان يصلى الرجل فى المقابر، و الطرق، و الارحية، و الاودية، و مرا بض الابل، و على ظهر الكعبة.
و فى كتاب العلل لمحمد بن على بن ابراهيم قال: لا يصلى فى ذات الجيش و لا ذات الصّلاصل، و لا فى بطون الاودية - ثم ساق الكلام فى باقى المناهى و ذكر علل النهى، الى ان قال - و العلة فى بطون الاودية انها مأوى الحيات و الجن و السباع... الى آخره.
قال بعض الأجلاء: و كلامه فى جميع هذه العلل المذكورة فى هذا الكتاب و ان لم يسندها الى نص، الا ان الظاهر انه حيث كان من اصحاب الصدر الاول مثل ابيه و جده رضوان اللّه عليهم، الذين لا يقولون الا بالنصوص، كما وصل الينا فى اكثر ما ذكره من هذه العلل، فهو لا يقول الا بعد وصول نص اليه بذلك، انتهى.
و بذلك ظهر ايضا، ان ما جعله المصنف رحمه اللّه علّة للنهى محل مناقشة و الاخذ بالاطلاق اولى بلا ريبة، فيكره الصلوة فيها ان امن من السيل. اعلم انه يصدق على الاودية انها مجرى الماء، لأن المراد بالمجارى ما يحصل فيه الجريان من واد و غيره، فهذه فرد من افراد المسئلة. ثم اعلم ان الخبر المتقدم يدل على صدق الوادى على المجرى و ان كان متسعا لمكان الدّجلة.
(و) فى (ارض السبخة) بفتح الباء، اذا كانت نعتا للأرض، كقولك الأرض السبخة فبكسر الباء، كذا نقل عن الخليل فى كتاب العين.
قال الشارح الفاضل بعد قول المصنف هذا: بفتح الباء الموحدة واحدة السباخ، و هو الشىء الذى يعلو الأرض كالملح و يجوز كون السبخة بكسر الباء و هى الأرض ذات السباخ فيكون اضافة الأرض اليها من باب اضافة الموصوف الى صفته، كمسجد الجامع قيل: و الظاهر ان ما ذكره الخليل اقرب، و كيف كان، فالحكم بذلك هو المشهور بين الأصحاب، و المخالف هو المفيد فى المقنعة، فظاهره التحريم كالصدوق
ص: 7
فى العلل، حيث قال: باب العلة التى من اجلها لا تجوز الصلوة فى السبخة، و ظاهره فى الخصال تخصيص التحريم بالنبى (ص) و الامام.
و الأخبار المتعلقة بالمسئلة كثيرة: منها رواية عبد اللّه بن الفضل السابقة، فى بيان كراهة الصلوة فى الحمام. و منها روايتا المحاسن و العياشى المتقدمتان فى بيان كراهة الصلوة فى قرى النمل.
و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب المواضع التي تجوز الصلوة فيها فى الصحيح عن الحلبى عن ابى عبد اللّه (ع) قال: و كره الصلوة فى السبخة، الا ان يكون مكانا لينا تقع عليه الجبهة مستوية.
و منها ما رواه فى كتاب العلل، عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) قال:
سألته عن الصلوة فى السبخة فكرهه، لان الجبهة لا تقع مستوية عليها، فقلنا:
فان كانت ارضا مستوية قال: لا بأس.
و عن المعتبر، نقلا من كتاب احمد بن محمد بن ابى نصر، عن عبد الكريم عن الحلبى، مثله.
و منها ما رواه التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، فى الصحيح عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الصلوة فى السبخة، لم يكره؟ قال: لان الجبهة لا تقع مستوية، فقلت: ان كان فيها ارض مستوية، فقال لا بأس.
و منها ما رواه ابن بابويه فى كتاب العلل، عن ابيه، عن سعد بن عبد الله، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن على بن الحكم، عن ابان بن عثمان، عن الحسن بن سرى، قال قلت: لابى عبد اللّه (ع)، لم حرم اللّه الصلوة فى السبخة قال: لأن الجبهة لا تتمكن عليها.
و منها ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، فى الموثق عن سماعة قال:
سألته عن الصلوة فى السباخ، فقال: لا بأس.
ص: 8
و منها ما رواه فى البحار، عن المحاسن، عن ابيه، عن صفوان عن ابى عثمان عن المعلى بن خنيس، قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن السبخة أيصلى الرجل فيها؟ فقال: انما تكره الصلوة فيها، من اجل انها فتّك و لا يتمكن الرجل يضع وجهه كما يريد، قلت: أرأيت ان هو وضع وجهه متمكنا(1) فقال: حسن.
قال فى البحار بعد نقله: بيان: التفّتيك كناية من كونها رخوة نشّاشه، لا تستقر الجبهة عليها، لا تتمكن الجبهة عليها. قال فى القاموس: تفتيك القطن تفتيته.
و منها ما رواه فى البحار، عن كتاب المسائل لعلى بن جعفر، عن أخيه موسى (ع) قال: سألته عن الصلوة فى الأرض السبخة، أيصلى فيها؟ قال: لا الاّ أن يكون فيها نبت، الا ان يخاف فوت الصلوة فيصلى.
و هذه الأخبار كما ترى، بعضها فى المنع مطلق، و اخر فى الجواز كذلك، و اخر مفصل، و لا يمكن للمخالف ان يتمسك بالأخبار المانعة، لأن على خلافه الاجماع المحكى عن الغنية، و هو الحجة الصارفة للنهى الواقع فيها الى الكراهة كجملة من الأخبار المجوزة، و ظاهر الأخبار المفصلة هو ان العلة فى الكراهة عدم حصول كمال التمكن للجبهة فى الوقوع على الارض من حيث رخاوتها، و مع حصول التمكن بكسر الموضع فلا كراهة، و بذلك صرح جماعة من الطائفة، و ان كان مقتضى اطلاق كثير منهم عدم التفصيل فى المسئلة.
و ربما يظهر من كتاب العلل، لمحمد بن على بن ابراهيم بن هاشم، ان السبخة كراهة الصلوة فيها مخصوصة بموضع مخصوص، و لا بأس بنقل كلامه و ان يطول المقام، و لكن الفوائد المترتبة عليه كثيرة، قال: لا يصلى فى ذات الجيش و لا ذات الصلاصل، و لا فى وادى مجنة، و لا فى بطون الاودية، و لا فى السبخة و لا على القبور، و لا على جواد الطريق، و لا فى اعطان الابل، و لا على بيت النمل، و لا فى بيت فيه تصاوير، و لا فى بيت فيه نار او سراج بين يديك، و لا فى بيت فيه خمر، و لا فى بيت فيه لحم خنزير، و لا فى بيت فيه الصلبان، و لا فى بيت فيه ميتة، و لا فى بيت فيه دم، و لا فى بيت فيه ما ذبح لغير الله، و لا فى بيت فيه المنخنقه و
ص: 9
الموقوذة و المتردية و النطيحة، و لا فى بيت فيه ما ذبح على النصب، و لا فى بيت فيه ما اكل السبع الا ما ذكّيتم، و لا على الثلج، و لا على الماء، و لا على الطين، و لا على الحمام.
ثم قال: اما قوله: (لا يصلى فى ذات الجيش) فانها ارض خارجة من ذى الحليفة على ميل، و هى خمسة اميال، و العلة فيها انه يكون فيها جيش السفيانى فيخسف بهم و (ذات الصلاصل) مواضع بين مكة و المدينة، و نهى رسول الله (ص) أن يصلى فيه. و العلة فى (وادى مخبة) انه وادى الجن، و هو الوادى الذى صلى فيه رسول الله (ص)، لما رجع من الطائف فاستمعت الجن لقرائته و امنوا به، و هو قول اللّه عز و جل: وَ إِذْ صَرَفْنٰا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ اَلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ اَلْقُرْآنَ فَلَمّٰا حَضَرُوهُ قٰالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّٰا قُضِيَ وَلَّوْا إِلىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ و العلة فى (السبخة) انها ارض مخسوف بها.
و العلة فى (القبور) ان فيها ارواح المؤمنين و عظامهم، و علة اخرى انه لا يحلّ ان يوطأ الميت، لقول رسول الله (ص): من وطئ قبرا فكانما وطى جمرا و العلة فى (جواد الطريق) لما يقع فيها من بول الدواب و القذر، و العلة فى (اعطان الابل) انها قذرة يبال فى كل موضع منها. و العلة فى (حجرة النمل) ان النمل ربما اذاه، فلا يتمكن من الصلوة. و العلة فى (بطون الاودية) لأنها مأوى الحيات و الجن و السباع، و لا يأمن منها. و العلة فى بيت فيها (تصاوير) انّها تصاوير صوّرت على خلق اللّه جلّ و عزّ، و لا يصلّى فى بيت فيه ذلك تعظيما للّه عزّ و جلّ، و لا فى بيت فيه «نارا و سراج بين يديك» لأن النار تعبد، و لا يجوز أن يصلى و يسجد و نحوه اليه.
و العلة فى بيت فيه (صلبان) انها شركاء يعبدون من دون الله، فينزه الله تبارك و تعالى، ان يعبد فى بيت فيه ما يعبد من دون الله. و لا فى بيت فيه «الخمر و لحم الخنزير و الميتة و ما اهل لغير الله» و هو الذى يذبح لغير الله و لا فى بيت فيه (الموقوذة) و هى التى تضرب حتى تموت و لا فى بيت فيه
ص: 10
«ما اكل السبع الا ما ذكى» و لا فى بيت فيه «اَلنَّطِيحَةُ» و هى التى تناطح بها حتى تموت، و ما كانت العرب يذبحونها على (الانصاب) و هو القمار، و لا فى بيت فيه (بول او غايط) و العلة فى ذلك، و هذه الأشياء كلها و هذه البيوت، ان لا يصلى فيها، ان الملائكة لا يصلون، و لا يحضرون هذه المواضع قال الصادق (ع) اذا قام المصلى للصلوة نزلت عليه الرّحمة من اعفان السماء الى اعنان الأرض، و حفت به الملائكة، و نادته الملائكة، و يروى و ناداه ملك لو علم المصلى ما فى الصلوة ما انفتل، فاذا صلى الرجل فى هذه المواضع لم تحضره الملائكة، و لم يكن له من الفضل ما قال الصادق (ع) و ترفع صلوته ناقصة. و العلة فى (الحمام) لموضع القذر و الجن.
قال فى البحار بعد نقل ذلك: اشتمل كلامه على اشياء لم يذكر فى اخبار اخر و لا فى كلام غيره، و لما كان من اصحاب الأخبار، و فى اثبات الكراهة توسعة عند الأصحاب، فالاحتراز عنها احوط و اولى، و يظهر منه ان السبخة، كراهة الصلوة فيها مخصوصة بموضع مخصوص، و لعلها فيه آكد كراهته، انتهى.
أقول: يمكن ان يقال: كون الظاهر من عبارته هو الاختصاص غير ممنوع، لاحتمال ان يكون الأرض السبخة حيثما وجدت مخسوفا بها، فافهم.
قال فى البحار: و ظاهر الاكثر كراهة الصلوة فى ارض السبخة مطلقا، و الأظهر انه إن لم تستقر الجبهة اصلا، او كان الارتفاع او الانخفاض أزيد من المعفو فتحرم الصلوة اختيارا، و الافتكره. و مع الدق و الاستواء تزول الكراهة او تخف، و الاول اظهر، لما رواه الشيخ فى الموثق عن سماعة، قال: سألته عن الصلوة فى السباخ، فقال: لا بأس. و حملها الشيخ على موضع تقع فيه الجبهة مستوية، انتهى.
أقول: قد عرفت سابقا ما اقتضته الأخبار المفصلة، و لعل الاولى الاجتناب عنها مطلقا و لو دقت و استوت، كما ذهب اليه كثير من الطائفة.
روى فى البحار عن مجالس الشيخ، عن محمد بن عبدون، عن على بن
ص: 11
محمد بن الزبير، عن على بن الحسن بن فضال عن العباس بن عامر، عن احمد بن يحيى بن العلاء، قال: سمعت ابا جعفر (ع) يقول: لما خرج امير المؤمنين (ع) الى النهروان، و ظعنوا فى اول ارض بابل، حين دخل وقت العصر، فلم يقطعوها حتى غابت الشمس، فنزل الناس يمينا و شمالا يصلون، الا الاشتر وحده فانه قال: لا اصلى حتى ارى امير المؤمنين (ع) قد نزل يصلى فلما نزل قال: يا مالك ان هذه ارض سبخة و لا يحل الصلوة فيها فمن كان صلى فليعد الصلوة. قال: ثم استقبل القبلة فتكلم بثلاث كلمات ما هن بالعربية و لا بالفارسية، فاذا هو بالشمس بيضاء نقية، حتى اذا صلى بنا سمعنا لها حين انقضت خرير اكخرير المنشار. قال فى البحار بعد نقل ذلك: الخرير الصوت، و الامر بالاعادة لعله على الاستحباب، او كانوا صلوا مع عدم الاستقرار و كان الوقت واسعا.
و فى عدة الداعى: قال جويرية بن مسهر: خرجت مع امير المؤمنين (ع) نحو بابل لا ثالث لنا، فمضى و انا اسايره فى السبخة، فاذا نحن بالاسد جاثما(1)فى الطريق و لبوته(2) خلفه و اشبال(3) لبوته خلفها، فكبحت دابتى لا تاخر فقال:
اقدم يا جويرية فانما هو كلب الله، و ما من دابة الا الله آخذ بناصيتها لا يكفى شرها الا هو، و اذانا بالاسد قد اقبل نحوه يبصبص له بذنبه، فدنا منه فجعل يمسح قدمه بوجهه، ثم انطقه الله عز و جل فنطق بلسان طلق ذلق فقال:
السلام عليك يا امير المؤمنين و وصى خاتم النبيين، قال: و عليك السلام يا حيدره
ص: 12
قال: ما تسبيحك؟ قال أقول: سبحان ربى، سبحان الهى، سبحان من اوقع المهابة و المخافة فى قلوب عباده منى، سبحانه سبحانه.
فمضى امير المؤمنين (ع) و انا معه، و استمرت بنا السبخة و وافت العصر فاهوى فوتها، ثم قلت فى نفسى مستخفيا: ويلك يا جويرية انت اظنّ ام احرص من امير المؤمنين! و قد رأيت من امر الأسد ما رأيت! فمضى و انا معه حتى قطع السبخة، فثنى رجله و نزل عن دابته، و توجه فاذن مثنى مثنى و أقام مثنى مثنى، ثم تقمس بشفتيه و أشار بيده، فاذا الشمس قد طلعت فى موضعها من وقت العصر، و اذا لها صرير عند سيرها فى السماء، فصلى بنا العصر، فلما انفتل رفعت رأسى فاذا الشمس بحالها، فما كان الا كلمح البصر فاذا النجوم قد طلعت، فاذن و اقام و صلى المغرب، ثم ركب و اقبل علىّ فقال: يا جويرية، اقلت: هذا ساحر مفتر؟ و قلت: ما رأيت طلوع الشمس و غروبها أفسحر هذا أم زاغ بصرى؟ ساصرف ما القى الشيطان فى قلبك، ما رأيت من امر الأسد و ما سمعت من منطقه، الم تعلم ان الله عز و جل يقول: «وَ لِلّٰهِ اَلْأَسْمٰاءُ اَلْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا»، يا جويرية، ان رسول الله (ص)، كان يوحى اليه، و كان يوحى اليه و كان رأسه فى حجرى، فغربت الشمس و لم اكن صليت العصر، فقال لى: صليت العصر؟ قلت: لا، قال: اللهم ان عليّا فى طاعتك و حاجة نبيك، و دعا بالاسم الأعظم فردت علىّ الشمس، فصليت مطمئنا، ثم غربت بعد ما طلعت، فعلمنى - بابى و امى - ذلك الاسم الذى دعا به، فدعوت الان به، يا جويرية ان الحق اوضح فى قلوب المؤمنين من قذف الشيطان، فانى قد دعوت الله عزّ و جل ينسخ ذلك من قلبك، فماذا تجد؟ فقلت: يا سيدى قد محى من قلبى.
و انما نقلت الحديث بطوله، لأنى لم ارض نفسى ان انقل موضع الحاجة و اترك الباقى. و لا يخفى عليك، ان هذين الحديثين، يؤيدان ما ذهب اليه كثير منهم من عموم الكراهة.
(و) فى (الرمل) و يدل عليه ما رواه التهذيب فى باب كيفية الصلوة و صفتها
ص: 13
فى الزيادات، فى الصحيح عن محمد بن الحسين قال: كتب بعض اصحابنا الى ابى الحسن الماضى (ع)، يسئله عن الصلوة على الزجاج، قال: فلما نفذ كتابى اليه تفكرت و قلت: هو مما نبتت الأرض و ما كان لى ان اسئل عنه، فكتب الى: لا تصل على الزجاج، و ان حدثتك نفسك انه مما نبت الأرض، و لكنه من الملح و الرمل و هما ممسوخان.
قال فى الحبل المتين: و ما تضمنه الحديث العاشر، من تعليله (ع) المنع من السجود على الزجاج بكونه من الملح و الرمل، و هما ممسوخان، ربما يؤذن بالمنع من السجود على الرمل، و الحمل على الكراهة محتمل، و فى كلام كثير من الأصحاب تخصيص الرمل بكراهة السجود عليه بالمنهال، و لعل الاطلاق اولى، انتهى.
أقول: و لعل المخصص كان نظره فى وجه الكراهة، العلة المستفادة من الأخبار المفصلة المتقدمة فى السبخة، و هى عدم حصول كمال التمكن للجبهة، و لم يتفطن الى هذه الصحيحة المطلقة فى النهى، المراد منه فى المقام الكراهة، و قد تقدم تفصيل الكلام فى الخبر المذكور، فى عنوان قول المصنف رحمه الله: و لا يصحّ السجود على الصوف و الشعر و المستحيل من الأرض... الى آخره، و كيف كان فالاولى هو الاجتناب بلا شبهة.
(و فى البيداء) و قيل هو موضع مخصوص بين مكة و المدينة على ميل من ذى الحليفة، و انما سميت بذلك لأنها تبيد جيش السفيانى، و من ذلك ايضا سميت بذات الجيش، و عن بعض العلماء انها الشرف الذى امام ذى الحليفة مما يلى مكة، و فى المسئلة اخبار:
منها ما رواه التهذيب فى زيادات باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان فى الصحيح عن معوية بن عمار، عن ابى عبد الله (ع) قال: الصلوة تكره فى ثلاثة مواطن من الطريق: البيداء و هى ذات الجيش، و ذات الصلاصل، و ضجنان، و قال: لا بأس بان يصلى بين الظواهر، و هى الجواد جواد الطرق، و يكره ان
ص: 14
يصلى فى الجواد.
و منها ما رواه فى المكان المتقدم فى الصحيح، عن احمد بن محمد بن ابى نصر، قال:
قلت لأبى الحسن: انا كنا فى البيداء فى آخر الليل، فتوضات و استكت و انا أهم بالصلوة، ثم كانه دخل قلبى شىء، فهل يصلى فى البيداء فى المحمل؟ فقال:
لا تصل فى البيداء، قلت: و اين حد البيداء؟ قال: كان أبو جعفر (ع) اذا بلغ ذات الجيش جد فى المسير، و لا يصلى حتى يأتى معرس النبى (ص): قلت:
و اين ذات الجيش؟ فقال: دون الحفيرة بثلاثة اميال.
و منها ما رواه فى البحار عن المحاسن، عن ابن ابى عمير، عن حماد بن عثمان و عبد الرحمن بن الحجاج، و غيرهما عن ابى عبد اللّه (ع) قال: لا تصل فى ذات الجيش، و لا ذات الصلاصل و لا البيداء، و لا ضجنان.
و منها ما رواه التهذيب فى المكان المتقدم فى الصحيح، عن ايوب بن نوح، عن ابى الحسن الأخير (ع) قال: قلت له: تحضر الصلوة و الرجل بالبيداء فقال: يتنحّى بالجواد يمنة و يسرة و يصلى.
و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب المواضع التى تجوز الصلوة فيها، فى الصحيح عن على بن مهزيار، انه سأل ابا الحسن الثالث (ع)، عن الرجل يصير فى البيداء فتدركه صلوة فريضة، فلا يخرج من البيداء حتى يخرج وقتها، كيف يصنع بالصلوة؟ و قد نهى ان يصلى بالبيداء، فقال: يصلى فيها و يجتنب قارعة الطريق.
قال ابن ادريس: و البيداء، لانها ارض خسف، على ما روى فى بعض الأخبار ان جيش السيفانى يأتى اليها قاصدا مدينة الرسول (ص) فيخسف الله به تلك الأرض، و بينها و بين ميقات اهل المدينة الذى هو ذو الحليفة ميل واحد و هو ثلث فرسخ فحسب، قال: و كذلك تكره الصلوة فى كل ارض خسف، و لهذا كره امير المؤمنين (ع) الصلوة فى ارض بابل، انتهى.
و تظهر بعد ضم بعض الأخبار المتقدمة بعضها الى بعض الكراهة، و
ص: 15
الظاهر انها فى البيداء (و وادى ضجنان و ذات الصلاصل) اجماعى كما استظهر بعض المحققين ايضا، و عن المنتهى: تكره الصلوة فى ثلاثة مواطن بطريق مكة:
البيداء و هى ذات الصلاصل، و ضجنان، و قال: البيداء فى اللغة المفازة، و ليس ذلك على عمومه ههنا، بل المراد موضع معين، و قد ورد انها ارض خسف، روى ان جيش السفيانى يأتى اليها قاصدا مدينة الرسول (ص)، فيخسف الله تعالى بتلك الأرض، و بينها و بين ميقات اهل المدينة الذى هو ذو الحليفة ميل واحد، و ضجنان جبل بمكة، ذكره صاحب الصحاح، و الصلاصل جمع صلصال و هى الأرض التى لها صوت و دوى.
قال فى البحار، بعد نقل كلام المنتهى: و قيل انه الطين الحر المخلوط بالرمل، فصار يتصلصل اذا جف اى يصوت، و به فسره الشهيد رحمه الله، و نقله الجوهرى عن ابى عبيدة، و نحوا منه كلام الفيروزآبادى، و يوهم عبارة بعض الأصحاب ان كل ارض كانت كذلك كرهت الصلوة فيها، و هو خطأ لأنه قد ظهر من الأخبار و كلام قدماء الأصحاب، انها اسماء مواضع مخصوصة بين الحرمين.
و ورد فى بعض الأخبار النهى عن الصلوة فى ذات الجيش، و يظهر من بعضها انها البيداء كما اختاره الأصحاب، و عللوا التسمية بخسف جيش السفيانى فيها، و من بعضها انها مبداء البيداء للجائى من مكة، و من بعضها المغايرة فيحتمل التكرار على التأكيد، او الحمل على انها متصلة بالبيداء، و حكم بالاتحاد مجازا، انتهى.
قال فى القاموس: الصلصال الطين الحر خلط بالرمل و الطين، ما لم يجعل خزفا.
و قال بعض الأجلاء، بعد ان نقل ما فسره المنتهى لذات الصلاصل، و ما عن ابى عبيدة، ما صورته: ان كان المراد من هذه التفسيرات فى كلام اصحابنا رضوان الله عليهم، هو دوران الحكم بالكراهة مدارها، فانه مشكل، لان المفهوم من صحيحة معوية بن عمار المتقدمة، ان هذا الاسم لموضع مخصوص كالاسمين
ص: 16
الأخيرين المذكورين معه، فى هذا الطريق بين الحرمين، الا انى لم اقف على تعيينه فى الاخبار، و لا كلام احد من اصحابنا الابرار، انتهى.
و الذى وقفت من الأخبار المتعلقة بوادى ضجنان، ما رواه فى البحار عن بصاير الدرجات، عن احمد بن محمد عن الحسين بن سعيد، عن ابراهيم بن ابى البلاد، عن على بن المغيرة، قال: نزل ابو جعفر (ع) فى ضجنان، و ذكر حديثا يقول فى آخره: و انه ليقال انه واد من اودية جهنم.
و عن كتاب الخرايج و الجرايح، عن على بن المغيرة قال: لما نزل ابو جعفر عليه السلام وادى ضجنان، فسمعناه يقول ثلاث مرات: لا غفر الله لك، فقال له ابى:
لمن تقول جعلت فداك؟ قال: مربى الشامى لعنه الله، يجر سلسلة فى عنقه و قد دلع لسانه، يسئلنى ان استغفر له، فقلت له: لا غفر الله لك.
و عن عبد الملك القمى عن أخيه قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: بينا انا و ابى متوجهين الى مكة، فتقدم ابى فى موضع يقال له ضجنان، ان جائنى رجل فى عنقه سلسلة يجرها فاقبل الى، فقال: اسقنى، فسمعه أبى، فصاح أبى و قال: لا تسقه لاسقاه الله، فاذا رجل يتبعه حتى جذب سلسلة و طرحه على وجهه فى اسفل درك من النار، فقال أبى: هذا الشامى لعنه الله.
قال بعض الأجلاء: و المراد بالشامى فى الخبرين، هو معوية صاحب السلسلة التى ذكره الله تعالى فى سورة الحاقة.
قال بعض المحققين: و الظاهر ان الكراهة اجماعية اقول: و من الأخبار الواردة فى المقام ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب المواضع التى تجوز الصلوة فيها مرسلا، قال: و روى انه لا يصلى فى البيداء، و لا ذات الصلاصل، و لا فى وادى شقرة، و لا فى وادى ضجنان.
و ما رواه الكافى فى باب الصلوة فى الكعبة فى الصحيح عن احمد بن محمد، عن ابن فضال، عن بعض اصحابنا، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا تصلى فى
ص: 17
وادى الشقرة.
و ما رواه فى البحار عن المحاسن، عن ابن فضال عن ابن ابى جميلة، عن عمار الساباطى قال: قال ابو عبد الله (ع): لا تصلى فى وادى الشقرة، فان فيه منازل الجن.
قال فى البحار: قال الجوهرى: الشقر بكسر القاف شقايق النعمان الواحدة شقرة. او قال ابن ادريس: تكره الصلوة فى وادى الشقرة بفتح الشين و كسر القاف و هى واحد الشقر، موضع بعينه مخصوص، سواء كان فيه شقايق النعمان(1) او لم يكن، و ليس كل واد يكون فيه شقايق النعمان تكره فيه الصلوة، بل بالموضع المخصوص فحسب و هو بطريق مكة، لأن اصحابنا قالوا: تكره الصلوة فى طريق مكة باربعة مواضع من جملتها وادى الشقرة. و الذى ينبّه على ما اخترناه، ما ذكره ابن الكلبى فى كتاب الأوايل و اسماء المدن، قال زرود و الشقرة ابنتا يثر بن قابية بن مهلهل بن وام بن عقيل بن عوض بن آدم بن سام بن نوح، هذا آخر كلام ابن الكلبى النسابة، فقد جعل زرّود و الشقرة موضعين سميا باسم امراتين، و هو ابصر بهذا الشأن، انتهى.
و قال فى المنتهى: الشقرة بفتح الشين و كسر القاف واحدة الشقر و هو شقايق النعمان، و كل موضع فيه ذلك تكره الصلوة فيه، و قيل وادى الشقرة موضع مخصوص بطريق مكة ذكره ابن ادريس، و الأقرب الأول لما فيه من اشتغال القلب بالنظر اليه، و قيل هذه مواضع خسف، فتكره الصلوة فيها لذلك، انتهى.
و قال فى البحار بعد نقل ذلك: و الأظهر ما اختاره ابن ادريس و التعليل الوارد فى الخبر اى خبر المحاسن، مخالف لما ذكره الا بتكلف تام، انتهى.
و عن مجمع البحرين: فى الحديث: نهى عن الصلوة بوادى الشقرة، هو بضم الشين و سكون القاف و قيل بفتح الشين و كسر القاف موضع معروف فى طريق
ص: 18
مكة، قيل انه و البيداء و ضجنان و ذات الصلاصل، مواضع خسف، و انها من المواضع المغضوب عليها، انتهى.
أقول: و لعل الأظهر ما اختاره ابن ادريس لا المصنف رحمه الله، و وجه الكراهة هو ما ذكره (ع) فى حديث عمار المذكور، كما ذكره بعض و اللّه يعلم.
روى فى البحار عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن ابى مخنف عن عمه ابن مخنف، قال: انى لا نظر الى ابى مخنف بن سليم، و هو ساير عليا ببابل و هو يقول: ان ببابل ارضا قد خسف بها فحرك دابتك، لعلّنا ان نصلى العصر خارجا منها، قال: فحرك دابته و حرك الناس دوابهم فى اثره، فلما جاز جسر الصراة نزل فصلى بالناس العصر.
و عن عمر عن عبد الله بن يعلى بن مرة، عن ابيه، عن عبد خير قال: كنت مع على اسير فى ارض بابل، قال: و حضرت الصلوة صلوة العصر، قال: فجعلنا لا نأتى مكانا الا رأيناه اقبح من الآخر، قال: حتى اتينا على مكان احسن ما رأينا، و قد كادت الشمس ان تغيب، فنزل علىّ (ع) و نزلت معه، قال: فدعا الله فرجعت الشمس كمقدارها من صلوة العصر، قال: فصلينا العصر ثم غابت الشمس.
و روى فى البحار عن العلل، عن ابيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن احمد بن عبد اللّه القزوينى عن الحسين بن المختار القلانسى، عن ابى بصير، عن عبد الواحد المختار الأنصارى، عن ام المقدام الثقفية، قالت: قال لى جويرية بن مسهر: قطعنا مع امير المؤمنين على بن ابى طالب (ع) جسر الصراة(1) فى وقت العصر، فقال: ان هذه ارض معذبة، لا ينبغى لنبى و لا وصى نبى ان يصلى فيها، فمن اراد منكم ان يصلى
ص: 19
فليصل، فتفرق الناس يمنة و يسرة يصلون، فقلت: انا و اللّه لاقلّدن هذا الرجل صلوتى اليوم و لا اصلى حتى يصلى، فسرنا و جعلت الشمس تسفل، و جعل يدخلنى من ذلك امر عظيم، حتى وجبت الشمس و قطعنا الأرض، فقال: يا جويرية اذّن فقلت: تقول اذن و قد غابت الشمس، فقال: اذّن، فاذنت ثم قال لى: أقم فأقمت فلما قلت: قد قامت الصلوة، رأيت شفتيه تتحركان و سمعت كلاما كأنه كلام العبرانية فارتفعت الشمس حتى صارت فى مثل وقتها فى العصر، فصلى، فلما انصرفنا هوت الى مكانها و اشتبكت النجوم، فقلت: انا اشهد انك وصى رسول الله (ص) فقال:
يا جويرية ا ما سمعت اللّه عز و جل يقول فسبح باسم ربك العظيم فقلت: بلى، قال: فانّى سألت اللّه باسمه العظيم فردها على.
و روى عن بصائر الدرجات، عن احمد بن محمد مثله، قال فى البحار:
قوله: جسر الصراة، قال فى القاموس: الصراة نهر بالعراق، انتهى. و فى بعض النسخ: بالفرات و فى الفقيه و البصاير: نهر سورا، و فى القاموس: سورى كطوبى موضع بالعراق من بلد السريانيين، و موضع من اعمال بغداد و قد يمد و الظاهر انه كان مكان جسر الحلة، و مسجد الشمس هناك مشهور. و يدل على كراهة الصلوة فى كل ارض عذب اهلها.
و قال ابن ادريس رحمه اللّه فى السرائر: تكره الصلوة فى كل أرض خسف، و لهذا كره امير المؤمنين (ع) الصلوة فى ارض بابل، فلما عبر الفرات الى الجانب الغربى، وفاته لأجل ذلك اول الوقت، ردت له الشمس الى موضعها فى أول الوقت، و صلى باصحابه صلوة العصر، و لا يحل ان يعتقد ان الشمس غابت و دخل الليل و خرج وقت العصر بالكلية و ما صلى الفريضة، لأن هذا من معتقده جهل بعصمته (ع)، لأنه يكون مخلا بالواجب المضيق عليه، و هذا لا يقوله من عرف امامته و اعتقد عصمته، انتهى.
أقول «القائل صاحب البحار قدس سره»: قد مرّ الكلام فيه فى كتاب فضائله عليه السلام، و انه لا استبعاد فى ان يكون من خصايصهم (ع) عدم جواز الصلوة
ص: 20
فى تلك الاراضى مطلقا، و جواز تأخيرهم الصلوة عن الوقت كذلك مطلقا، او اذا علموا انهم يدعون و يرجع لهم الشمس، و الحاصل ان النبى (ص) اخبره بأمره تعالى، بانه يرد عليه الشمس، و امره بتأخير الصلوة لتظهر منه تلك المعجزة، انتهى.
أقول: و يؤيد بعض الأخبار السابقة، تأويل ابن ادريس رحمه الله، قال فى الدروس: و يكره الصلوة فى كل موضع خسف به او عذب اهله.
(و) كذا تكره الصلوة (بين المقابر) على الأشهر الأظهر، بل عليه عامة من تأخر، قاله بعض الأفاضل، و فى ظاهر المنتهى كما عن صريح الغنية عليه الاجماع، خلافا للمحكى عن الديلمى فافسد، و عن المفيد و الصدوق و الحلبى فلم يجوزوا الصلوة اليها، و حكى فى المختلف ذلك عن سلار ايضا، قال فى المقنعة:
لا يجوز الصلوة الى شىء من القبور، حتى يكون بينه و بينه حايل، و لو قدر لبنة او عنزة منصوبة او ثوب موضوع، ثم قال: و قد روى انه لا بأس بالصلوة الى قبلة فيها قبر امام، و الأصل ما قدمناه.
قال بعض المحققين فى جملة كلام له بعد ان نقل ذلك عن المفيد ما صورته: و لا يخفى ضعفه لما عرفت، و ان نسب عدم الجواز الى القبر الى الصدوق و ابى الصلاح ايضا، مع التأمل فى ظهور التحريم من كلامهم، بل ربما يظهر خلافه من كلام المفيد، فانه قال بعد ما ذكرنا بلا فصل: و يصلى الزاير مما يلى الرأس، و هو افضل من ان يصلى الى القبر من غير حايل بينه و بينه انتهى.
و قال الصدوق فى الفقيه فى باب المواضع التى يجوز الصلوة فيها: و اما القبور فلا يجوز ان تتخذ قبله و لا مسجدا، و لا بأس بالصلوة بين خللها ما لم يتخذ شيئا منها قبلة، و المستحب ان يكون بين المصلى و بين القبور عشرة اذرع من كل جانب.
و قال فى البحار: قال فى المنتهى: يكره الصلوة فى المقابر ذهب اليه
ص: 21
علماؤنا،(1) قال: و نقل الشيخ عن بعض علمائنا القول بالبطلان، و قال: تكره الصلوة الى القبوروان يتخذ القبر مسجدا يسجد عليه. و قال ابن بابويه: لا يجوز فيهما(2) و هو قول بعض الجمهور، ثم قال: لو كان بينه و بين القبر حايل او بعد عشرة اذرع، لم تكن بالصلوة اليه بأس، و قد مر ان ابا الصلاح حرمها و تردد فى البطلان، انتهى.
و الأخبار المتعلقة بالمسئلة مختلفة، فلنذكر جملة من الأخبار المتعلقة بها اولا و لو فى الجملة، ثم لنتكلم فيما يظهر منها، فنقول: و من الأخبار المتعلقة بالمسئلة، ما رواه التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، عن الكلينى فى الموثق، عن عمار الساباطى، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سالته عن الرجل يصلى بين القبور، قال: لا يجوز ذلك، الا أن يجعل بينه و بين القبور اذا صلى عشرة اذرع من بين يديه، و عشرة اذرع من خلفه، و عشرة اذرع عن يمينه، و عشرة اذرع عن يساره، ثم يصلى ان شاء.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم فى الزيادات، فى الصحيح على الصحيح عن على بن يقطين، قال: سألت ابا الحسن الماضى (ع)، عن الصلوة بين القبور، هل تصلح؟ قال: لا بأس.
و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب المواضع التى تجوز الصلوة فيها، فى الصحيح عن على بن جعفر، انه سأل أخاه موسى بن جعفر (ع)، عن الصلوة بين القبور، هل تصلح؟ فقال: لا بأس به. و روى فى البحار عن قرب الأسناد، عن عبد اللّه بن الحسن، عن جدّه على بن جعفر، عن أخيه (ع)، قال: سألته عن الصلوة بين القبور، قال: لا بأس.
و منها رواية عبد اللّه بن الفضل المتقدمة، فى بيان كراهة الصلوة فى الحمام.
و منها ما رواه الفقيه فى باب ذكر جمل من مناهى الرسول (ص) عن الحسين
ص: 22
بن زيد عن الصادق عن آبائه عن امير المؤمنين - عليهم السلام - قال: نهى رسول الله (ص) أن يجصّص المقابر و الطرق... الحديث. و فى حديث يونس بن ظبيان، عن ابى عبد الله (ع): ان رسول الله (ص) نهى أن يصلى على قبر، و يقعد عليه، و يبنى عليه.
و منها ما رواه التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان فى الصحيح عن محمد بن عبد اللّه الحميرى قال: كتبت الى الفقيه عليه السلام، اسئله عن الرجل يزور قبور الأئمة عليهم السلام، يجوز ان يسجد على القبر ام لا؟ و هل يجوز لمن صلى عند قبورهم، ان يقوم وراء القبر و يجعل القبر قبلة، و يقوم عند رأسه و رجليه، و هل يجوز ان يتقدم القبر و يصلى و يجعله خلفه ام لا؟ فأجاب و قرات التوقيع و منه نسخت: اما السجود على القبر فلا يجوز فى نافلة و لا فريضة و لا زيارة، بل يضع خده الايمن على القبر، و اما الصلوة فانها خلفه يجعله الامام، و لا يجوزان يصلى بين يديه لأن الامام لا يتقدم، و يصلى عن يمينه و شماله.
و منها ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الموثق المحتمل للصحيح، لمكان معوية بن حكيم، عن معمر بن خلاد، عن الرضا (ع) قال: لا بأس بالصلوة بين المقابر، ما لم يتخذ القبر قبلة.
و منها ما رواه فى البحار عن العلل، عن محمد بن موسى بن متوكل، عن على بن ابراهيم، عن ابيه، عن حماد، عن حريز، عن ابى جعفر (ع) قال: قلت له: الصلوة بين القبور، قال: صلّ بين خلالها، و لا تتخذ شيئا منها قبلة، فان رسول الله (ص) نهى عن ذلك، قال: لا تتخذوا قبرى قبلة و لا مسجدا، فان الله لعن اللذين اتخذوا قبور انبيائهم مساجد.
و منها ما رواه فى الفقيه مرسلا قال: قال النبى (ص): لا تتخذوا قبرى قبلة و لا مسجدا، فان اللّه عز و جل لعن اليهود لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. نقله بعض الأجلاء. و روى فى البحار، عن المنتهى من طرق العامة، عن ابن عباس و عايشة، قالا: لما حضر رسول الله (ص) الوفاة، كشف وجهه
ص: 23
و قال: لعن اللّه اليهود اتخذوا قبور انبيائهم و صلحائهم مساجدا، فلا تتخذوا القبور مساجد، انّى انها كم عن ذلك.
و منها ما رواه فى البحار عن مجالس الشيخ عن المفيد، عن ابراهيم بن الحسن بن جمهور، عن ابى بكر المفيد الجرجرائى، عن ابى الدنيا معمر المغربى عن امير المؤمنين (ع) قال: سمعت رسول الله (ص) قال: لا تتخذوا قبرى مسجدا و لا بيوتكم قبورا، و صلوا علىّ حيث ما كنتم، فان صلوتكم و سلامكم يبلغنى.
قال فى البحار بعد نقل الخبر: اقول: و رواه الكراچكى فى كنز الفوائد، عن اسد بن ابراهيم السلمى، و الحسين بن محمد الصيرفى معا، عن ابى بكر المفيد، و زاد فيه: و لا تتخذوا قبوركم مساجد.
و منها ما رواه فى البحار عن الاحتجاج قال: كتب الحميرى الى القايم (ع) يسئله عن الرجل يزور قبور الأئمة (ع)، هل يجوز ان يسجد على القبر ام لا؟ و هل يجوز لمن صلى عند بعض قبورهم (ع) ان يقوم وراء القبر و يجعل القبر قبلة، ام يقوم عند رأسه او رجليه، و هل يجوز ان يتقدم القبر و يصلى و يجعل القبر خلفه ام لا؟ فأجاب (ع): اما السجود على القبر فلا يجوز فى نافلة و لا فريضة و لا زيارة، و الذى عليه العمل ان يضع خده الايمن على القبر، و اما الصلوة فانها خلفه و يجعل القبر امامه، و لا يجوز ان يصلى بين يديه و لا عن يمينه و لا عن يساره لأن الامام صلى اللّه عليه لا يتقدم و لا يساوى.
و منها ما رواه فى البحار عن العيون، عن ابيه، عن سعد بن عبد الله، عن احمد بن محمد، عن الحسن بن على بن فضال، قال: رأيت ابا الحسن الرضا (ع) و هو يريد ان يودع للخروج الى العمرة، فاتى القبر من موضع رأس النبى (ص) بعد المغرب، فسلم على النبى (ص) و لزق بالقبر، ثم انصرف حتى اتى القبر، فقام الى جانبه يصلى فالزق منكبه الايسر بالقبر، قريبا من الاسطوانة المخلقة التى عند رأس النبى (ص)، فصلى ستّ ركعات او ثمان ركعات.
ص: 24
و منها ما رواه فى البحار عن كامل الزيارة.(1) عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميرى، عن ابيه، عن على بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله الاصم، عن محمد البصرى، عن ابى عبد الله (ع) قال:
سمعت ابى يقول لرجل من مواليه و سأله عن الزيارة فقال: من صلى خلفه صلوة واحدة يريد بها الله، لقى الله يوم يلقاه و عليه من النور ما يغشى له كل شىء يراه ... الخبر. قيل: مروى هذا الخبر فى حديث زيارة الحسين (ع).
و منها ما رواه فى البحار عن كامل الزيارة، بالاسناد المتقدم، عن الاصم عن هشام بن سالم، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اتاه رجل فقال له: يا بن رسول الله، هل يزار والدك؟ قال: فقال: نعم، و يصلى عنده، قال: و يصلى خلفه و لا يتقدم عليه.
و منها ما رواه فى البحار عن الكتاب المذكور، عن ابيه، و على بن الحسين و جماعة عن سعيد عن موسى بن عمر و ايوب بن نوح، عن عبد اللّه بن المغيرة عن ابى اليسع، قال: سأل رجل ابا عبد الله (ع)، و انا اسمع، قال: أذا أتيت قبر الحسين (ع) اجعله قبلة اذا صليت، قال: تنح هكذا ناحية.
و منها ما رواه فى البحار عن الكتاب المتقدم، عن على بن الحسين عن على بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن ابى نجران، عن يزيد بن اسحق، عن الحسن بن عطية، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا فرغت من التسليم على الشهداء، اتيت قبر ابى عبد الله (ع)، ثم تجعله بين يديك، ثم تصلى ما بدالك.
و منها ما رواه فى الكتاب المتقدم، عن على بن الحسين، عن على بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن فضال، عن على بن عقبة، عن عبيد اللّه الحلبى، عن ابى عبد الله (ع)، قال: قلت: انا نزور قبر الحسين (ع) كيف نصلى عليه(2)قال: تقوم خلفه عند كتفيه، ثم تصلى على النبى (ص) و تصلى على الحسين.
ص: 25
قال فى البحار: النسخ مختلفة، ففى بعضها: كيف نصلى عليه، و عليه بعضها: كيف نصلى عنده، فعلى الاول لا يناسب الباب، اذ الظاهر الصلوة و الدعاء لهما صلى اللّه عليهما، و على الثانى يحتمل ذلك و الصلوة المصطلحة فلا تغفل.
و منها ما رواه فى البحار عن الكتاب المذكور، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن ايوب بن نوح و غيره، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن ابى اليسع قال: سأل رجل ابا عبد الله (ع) و انا اسمع، من الغسل اذا أتى قبر الحسين (ع)، قال قال: اجعله قبلة اذا صليت؟ قال: تنح هكذا ناحية، قال:
آخذ من طين قبره و يكون عندى اطلب بركته؟ قال: نعم، او قال: لا بأس بذلك.
اذا عرفت ذلك فاعلم ان للديلمى جملة من الأخبار المتقدمة، اقواها موثقة عمار، و فيه انها معارضة بالأخبار المستفيضة المعتبرة، المتقدمة كصحيحتى على بن يقطين و على بن جعفر المتقدمتين، و غيرهما المعتضدة بالشهرة العظيمة، القريبة من الاجماع، و بالاجماعين المحكيين المتقدم اليهما الاشارة، اللذين كل واحد منهما حجة مستقلة، فلتحمل الموثقة و ما ضاهاها على الكراهة، و ان كانت خاصة، لأن كلمة (لا بأس) الواقعة فى الأخبار المجوزة، شاملة لصورتى كون التباعد بعشرة اذرع و عدمه.
و للمفيد و تابعيه، موثقة معمر بن خلاد و صحيحة زرارة او حسنة المتقدمتان و ماضاها هما. قال بعض الاجلاء فى جملة كلام له: قد عرفت دلالة صحيحة زرارة على جواز الصلوة فى خلال القبور، و المنع من اتخاذها قبلة. و مثله صحيحة معمر بن خلاد، و الأصحاب قد حملوها على الكراهة، جمعا بينها و بين صحيحتى على بن يقطين و على بن جعفر الدالتين على جواز الصلوة بين القبور، و لقائل ان يقول من جانب القوم بالتحريم: ان صحيحتى على بن يقطين و على بن جعفر، انما دلّتا على جواز الصلوة بين القبور، و هو اعم من التوجه اليه و عدمه، فغايتهما
ص: 26
الدلالة على ذلك بالاطلاق، و الصحيحتان المعارضتان قد فصّلتا، بالفرق بين الصلوة خلالها فانه جايز، و الصلوة اليها فانه محرم، و قضية القاعدة المقررة، حمل المجمل على المفصل و المطلق على المقيد، نعم قد ورد جواز الصلوة خلف القبر صريحا، بالنسبة الى قبور الأئمة (ع)، فيجب تخصيص الصحيحتين المانعتين من الصلوة خلف القبور بها، و ان لم يقل بها الشيخان المذكوران و من تبعهما و يبقى ما عدى قبور الأئمة، تحت النهى المقتضى للتحريم من غير معارض ظاهر فى المعارضة.
و بالجملة فالظاهر عندى بعد ضم الأخبار بعضها الى بعض فى هذه المسئلة، هو انه تجوز الصلوة الى قبور الأئمة (ع) على كراهة، و اما غير الأئمة (ع) فالظاهر التحريم. و اما موثقة عمار المتقدمة، فقد عرفت ان الأصحاب يحملونها على الكراهة، جمعا بينها و بين صحيحتى على بن يقطين و على بن جعفر، و يأتى على ما اخترناه من تخصيص الصحيحتين المذكورة بالصلوة خلال القبور من غير استقبال شىء منها، ثبوت الكراهة فى الصورة المذكورة دون صورة الاستقبال فهو باق على ظاهر النهى و التحريم المفهوم من قوله فى الخبر «لا يجوز» و حينئذ فقوله (لا يجوز) محمول على ظاهره بالنسبة الى صورة الاستقبال، و على الكراهة بالنسبة الى ما عدا ذلك، و ما يقال: من لزوم استعمال اللفظ الواحد فى حقيقته و مجازه، و هو ممنوع عند الاصوليين، مدفوع بما قدمنا فى غير موضع، بوجود ذلك فى الأخبار فى مواضع لا يخفى، و قد صرح بجواز ذلك ايضا الشهيد فى الذكرى، فى مسئلة الصلوة فى السنجاب و الحواصل، هذا و جملة من الاخبار المتقدمة ايضا محملة فى النهى عن الصلوة فى المقابر، و فى بعضها على القبر.
و بالجملة فانا لم نجد فى الأخبار معارضا صريحا لصحيحتى زرارة و معمر بن خلاد، الدالتين على النهى عن اتخاذ القبور قبلة، الا الأخبار الدالة على الصلوة خلف قبور الأئمة (ع)، و قد عرفت ان الشيخين المتقدمين و من تبعهما قد اطلقا الحكم بالتحريم، الا ان مقتضى التأمل فى الأخبار، يقتضى تخصيص
ص: 27
التحريم بغير قبور الأئمة (ع) كما اوضحناه. و الوجه فى استثناء قبورهم (ع) مزيد الشرف لها على غيرها، و الاحتياط لا يخفى، انتهى.
أقول: ما ذكره من ان المطلق لابد ان يحمل على المقيد، فيه ما لا يخفى، كيف و اطلاق صحيحتى على بن جعفر و على بن يقطين مشهور بين المتأخرين جدا، بل كاد ان يكون اجماعا، بل قيل انه اجماع من المتأخرين حقيقة، و قد مر نقله عن المنتهى ظاهرا و الغنية صريحا، مع رجحان الصحيحين المتضمنين عليه على موثقة معمر و كصحيحة زرارة سندا، مع قصور الأمرين دلالة، فان التوجه الى القبر اعم من اتخاذه قبله، كما ان اللباس المفهوم من احدهما اعم من التحريم، قاله بعض الطائفة.
و قال بعض المحققين بعد نقل موثقة معمر ما صورته: و لعل المراد من اتخاذ القبر قبلة، جعله مثل الكعبة كما هو الظاهر من الألفاظ، لا استقباله و جعله بين يديه متوجها بشطر الكعبة و المسجد الحرام، لما ذكره و لما ظهر من الاخبار السابقة من عدم الفرق بينه و بين الصور الأخر منعا و جوازا، بل يقتضى ظاهر صدور هذه الموثقة ايضا، و لما روى عن النبى (ص) لا تتخذوا قبرى قبلة و لا مسجدا، فان الله لعن اليهود لاتخاذهم قبور انبيائهم مساجد. فان اتخاذ القبر قبلة فى غاية الظهور فى جعله قبلة مثل الكعبة، و يؤيده قوله (ص) و لا مسجدا، انتهى.
أقول: و ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة ايضا، ينادى بما ذكر، و لكن السؤال الواقع فى صحيحة محمد بن عبد اللّه الحميرى، لعله ينافى ذلك. و كيف كان فما ذكره بعض المحققين المتقدم نقل كلامه، مما يوهن صورة موثقة معمر كعمومية الباس المفهوم من اختها، مع معارضتها مع معارضتهما زيادة على ما مر، بالنصوص الكثيرة الدالة على جواز الصلوة خلف قبر الامام، التى مضت الى جملة منها الاشارة، بل استحبابها كما يستفاد من بعضها بالنسبة الى الحسين (ع) بل مطلق الأئمة، و هى مع كثرتها عددا، و صحة بعضها سندا، و اعتضادا بالشهرة
ص: 28
العظيمة، و حكاية الاجماع المتقدمة، و الأخبار الماضية واضحة الدلالة سيما بعضها فى وقوع القبر فى القبلة.
و اما ما ذكره بعض الأجلاء المتقدم نقل كلامه، ان هذه الأخبار مستثناة من الأخبار المانعة، لدلالتها على الجواز بالنسبة الى قبور الأئمة، فلا حرمة بالنسبة الى قبورهم سلام اللّه عليهم، فلعل ذلك احداث قول ثالث.
قال بعض الأجلة، بعد ذكر التفصيل الذى حكم بعض الأجلاء به، و هو احداث قول ثالث لم يقل به القائلون بالحرمة، سيما المفيد فانه بعد المنع قال:
و قد روى انه لا بأس بالصلوة الى قبلة فيها قبر الامام، و الاصل ما قدمناه، و اعجب من ذلك انه قال بالكراهة الى قبورهم مطلقا، مع ان بعض الروايات صرحت بالاستحباب خلف قبر ابى عبد الله (ع)، انتهى.
و اما ما ذكره من جواز استعمال اللفظ فى حقيقته و مجازه، فيه ما لا يخفى، قال فى المسالك بعد اختياره ظاهرا فى المسئلة الكراهة: و استثنى بعض الأصحاب قبر النبى (ص) و الامام (ع)، فقد وردت رواية بجواز النافلة اليه، و فى الفريضة احتمال، انتهى.
أقول: خلاصة الكلام ان الكراهة متبعة فى قبور غير الائمة صلوات اللّه عليهم و اما قبورهم (ع) فالقول بعدم الكراهة لا يخلو عن قوة، سيما مشهد الحسين (ع) قال فى المنتهى كما حكى، بعد نقل رواية ابن عباس و عايشه المتقدمة و النبوى الذى بعدها: و ذلك محمول على الكراهة اذ القصد بذلك النهى عن التشبه بمن قدمنا، فى تعظيم بحيث تتخذ مساجد، و من صلى لا لذلك لم يكن قد فعل محرما، اذ لا يلزم من المساواة التحريم، كالسجود لله تعالى المتساوى للسجود للصنم فى الصورة، ثم قال: قال الشيخ: قد رويت رواية بجواز النوافل الى قبور الأئمة عليهم السلام، و الأصل الكراهية، و قال فى البحار: الجواز و عدم الكراهة فى قبور الأئمة لا يخلو من قوة، سيما مشهد الحسين (ع)، لما سيأتى من الاخبار و لا يبعد القول بذلك فى قبر الرسول (ص) ايضا، بحمل اخبار المنع على التقية،
ص: 29
لشهرة تلك الروايات عند المخالفين، و قول بعضهم بالحرمة، و يمكن القول بالنسخ فيها ايضا، او الحمل على ان يجعل قبلة كالكعبة، بان يتوجه اليه من كل جانب لكن هذا الحمل بعيد فى بعضها، او الحمل على ما اذا كان المقصود سجدة القبر او صاحبه، و يمكن القول بالفرق بين قبر النبى (ص) و قبور الأئمة (ع)، بالقول بالكراهة فى الأول دون الثانى، لان احتمال توهم المعبودية و السجودية او مشابهة من مضى من الامم فيه صلى اللّه عليه و آله اكثر، او لدفن الملعونين عنده (ص)، و قال ايضا بعد نقل الأخبار المتقدمة المنقولة عن كامل الزيارة: و الخبر الأول - اى رواية محمد البصرى المتقدمة - يدل على استحباب مطلق الصلوة خلف قبر الحسين صلوات اللّه عليه، فريضة كانت ام نافلة و كذا الرابع - اى رواية الحسن بن عطية - لكنه يحتمل التخصيص بصلوة الزيارة، و الثانى - اى رواية هشام بن سالم المتقدمة - يدل على استحبابها مطلقا خلف القبر، و عدم خصوصية الامام (ع) هنا ظاهر.
و اما الثالث و السادس - اى روايتا ابى اليسع المتقدمتان - فلعلهما محمولان على الاتقاء، لئلا يتضرر الشيعة بذلك، من المخالفين المانعين مطلقا، انتهى.
و بما ذكر ظهر وجه ما قويناه.
و اما الصلوة الى قبر النبى (ص)، فالانصاف ان القول بعدم الكراهة فيه مشكل. فان قلت: ربما يقال: ان المشهور فى كراهة الصلوة الواقعة خلف القبر اما ما كان او غيره. و الحال ان الشهرة كافية فى الحكم بالكراهة لقاعدة التسامح فلم لا تحكم بالكراهة؟ قلت: ما ذكر حسن، لو لا الأخبار النافية للكراهة اما مطلقا او بالنسبة الى بعض الأئمة، التى مضت الى جملة منها الاشارة، و معها لا معنى لهذا القول بلا ريبة.
و ينبغى التنبيه لأمور:
الأول: قال فى الحبل المتين، بعد نقل رواية الحميرى المنقولة فى التهذيب: و هذا الخبر يدل على عدم جواز وضع الجبهة على قبر الامام (ع)، لا فى الصلوة و لا فى الزيارة، بل يضع خده الايمن. و على عدم جواز التقدم على
ص: 30
الضريح المقدس حال الصلوة، لأن قوله (ع): يجعله الامام، صريح فى جعل القبر بمنزلة الامام فى الصلوة، فكما انه لا يجوز للمأموم ان يتقدم على الامام، بأن يكون موقفه اقرب الى القبلة من موقف الامام، بل يجب ان يتأخر عنه او يساويه فى الموقف يمينا او شمالا، فكذا هنا، و هذا هو المراد بقوله (ع): و لا يجوز أن يصلى بين يديه... الى آخره.
و الحاصل ان المستفاد من هذا الحديث، ان كلما ثبت للمأموم من وجوب التأخر عن الامام، و المساواة له، و تحريم التقدم عليه، ثابت للمصلى بالنسبة الى الضريح المقدس من غير فرق، فينبغى لمن صلى عنه رأس الامام (ع) او عند رجليه، ان يلاحظ ذلك، و قد نبهت على هذا جماعة من اخوانى المؤمنين، فى المشهد المقدس الرضوى على مشرفه السلام، فانهم كانوا يصلون فى الصفة التى عند رأسه عليه السلام صفين، فبينت لهم ان الصف الاول أقرب الى القبلة من الضريح المقدس على صاحبه السلام، و هذا مما ينبغى ملاحظته لمن يصلى فى مسجد النبى (ص)، و كذا فى ساير المشاهد المقدسة على ساكنيها افضل التسليمات.
و ربما يستفاد من هذا الحديث، المنع من استدبار ضرايحهم صلوات الله عليهم فى غير الصلوة ايضا، نظرا الى ان قوله (ع): لأن الامام لا يتقدم، عام فى الصلوة و غيرها، و هذا هو الذى فهمه العلامة فى المنتهى و حمل المنع منه على الكراهة، و قد دل ايضا على جواز الصلوة الى قبر الامام (ع) اذا كان فى القبلة أو بهذا يتخصص الحديث الخامس عشر اى موثقة معمر المتقدمة، و ظاهر كلام المفيد ابقاؤه على عمومه، انتهى.
أقول: ظاهر المشهور هو جواز الصلوة بين يدى القبر على كراهة، و يظهر من جماعة من متأخرى المتأخرين الميل الى عدمه، و منهم البهائى و البحار استنادا الى رواية الحميرى المروية فى التهذيب، و هو لا يخلو عن قوة، ان لم ينعقد الاجماع على جوازها بين يديه سلام اللّه عليه. قال بعض المحققين:
ص: 31
الظاهر اتفاقهم على ترك العمل بظاهرها من عدم جواز الصلوة مقدما على قبره انتهى.
و يدل على عدم الجواز ايضا، رواية هشام بن سالم المتقدمة، المنقولة فى البحار كرواية الحميرى المروية فى الاحتجاج، و حكم صاحب التحرير انتصارا للمفيد فى المنع من الصلوة الى القبر سلام اللّه على صاحبه، بضعف رواية الحميرى المروية فى التهذيب و بشذوذها و اضطراب لفظها، و لعل منشاء الضعف هو كون الخبر مكاتبة، او لأنّ الشيخ رواه عن محمد بن احمد بن داود و لم يبين طريقه اليه. و فيهما نظر لأن المكاتبة حجة، و عدم بيان طريقه اليه فى كتاب الحديث غير ضاير فى المقام، لأنه قال فى الفهرست فى ترجمته: اخبرنا بكتبه و رواياته جماعة منهم محمد بن النعمان و الحسين بن عبيد اللّه و احمد بن عبدون كلهم عنه، و هو ظاهر فى صحة طريقه اليه مطلقا، و لذا حكم بالصحة من الأصحاب جماعة. قال فى الوسيط، بعد ذكر كلام الفهرست و الشيخ، فى كتابى الحديث لم يبين طريقه، و ربما امكن تصحيحه من هنا، و كذا من تصحيحهم بطريق الشيخ الى أبيه، حيث هو فى الطريق.
و قال فى البحار بعد نقل رواية الاحتجاج المتقدمة: روى الشيخ فى التهذيب، هذه الرواية عن محمد بن احمد بن داود عن أبيه عن محمد بن عبد الله الحميرى. و قال شيخنا البهائى قدس اللّه روحه: الواسطة بين الشيخ و بين محمد الشيخ المفيد طاب ثراه، فالحديث صحيح، لأن الثلاثة ثقاة من وجوه اصحابنا. قال المحقق فى التحرير: انه ضعيف، و لعل السبب فى ذلك كونه مكاتبة انتهى، و ما ذكره قريب، لأن محمد بن احمد و ان لم ينص على توثيقه، لكن مدحه النجاشى مدحا يربو على التوثيق، حيث قال فيه: شيخ هذه الطائفة و عالمها و شيخ القميين فى وقته و فقيههم، حكى عبد اللّه الحسين بن عبيد الله انه لم أر احدا احفظ منه و لا افقه و لا اعرف بالحديث، و صنف كتابا، انتهى، انتهى كلام البحار.
ص: 32
أقول: لا ينبغى ان يشك فى توثيقه، لما عرفت. و عن الحاوى انه ذكره فى الثقاة، و عن الوجيزة ثقة، و عن والده فى حواشى نقد وثقه ابن طاووس على بن موسى فى الاقبال، فظهر بما ذكر ان الرواية صحيحة، فكلام التحرير ليس فى مكانه. و لعلّ منشأ الاضطراب هو كونها فى الاحتجاج هكذا: و اما الصلوة فانها خلفه و يجعل القبر امامه، و لا يجوز ان يصلى بين يديه و لا عن يمينه و لا عن يساره لأن الامام يتقدم و لا يساوى.
و فى التهذيب هكذا: و اما الصلوة فانها خلفه يجعله الامام، و لا يجوز أن يصلى بين يديه لأن الامام لا يتقدم، و يصلى عن يمينه و شماله، كما عرفت ذلك فى نقل الروايتين. او لكونها مكتوبة فى التهذيب الى الفقيه، و فى الاحتجاج الى صاحب الأمر (ع)، و الحق انهما ليسا من الاضطراب فى شىء، قاله بعض الأجلة.
الثانى: مقتضى رواية الحميرى المروية فى التهذيب فى جواز المساواة، و مقتضى روايته فى الاحتجاج هو عدمه، و عطف (يصلى عن يمينه) على (يصلى) او على (يتقدم) حتى يوافق خبر التهذيب لما فى الاحتجاج بعيد فى الغاية، و سقوط كلمة (لا) فى رواية الشيخ و ان كان محتملا، سيما بملاحظة السقط أقرب الى الزيادة، و ان الطبرسى اضبط من الشيخ على الظاهر، و لكن ذلك معارض بوجودها فى التهذيب الذى هو احد كتب الأربعة المشهورة المرجحة على غيرها، فالترجيح لما فيها البتة، و لو سلم عدم رجحانها على المعارض فى المقام، فليضف الى المرجح المذكور، القول بان رواية التهذيب صحيحة سندا، بخلاف رواية الاحتجاج فانها ضعيفة، قاله غير واحد من متأخرى المتأخرين و لى فى ذلك تأمل.
و مشهورة بين الأصحاب عملا، بل لم اجد قائلا بالمنع بينهم، عدا ما يحكى عن نادر من متأخرى المتأخرين، قيل: و ظاهرهم الاطباق على خلافه، و مطابقة بالنصوص الكثيرة المجوزة لا يقاعها فى زيارة الحسين و غيره من الأئمة (ع) بل يظهر من جملة منها انها أفضل من الصلوة خلفه كما هو صريح بعضها، فراجع
ص: 33
الى آداب و انظر الى الأخبار التى رواها المشايخ، فانا لا نطيل الكلام بذكرها.
فظهر بما ذكر عدم امكان الاستناد الى رواية الاحتجاج.
الثالث: قد عرفت ان مقتضى رواية الحميرى المروية فى التهذيب، عدم جواز الصلوة بين يدى الامام (ع)، فهل تلك الرواية دالة على عدم جوازها ايضا، اذا كان المصلى عند رأسه (ع) او رجليه، بحيث يكون موقفه اقرب الى القبلة من مدفنه (ع)، كما يظهر من البهائى طاب ثراه، ام لا؟ كما هو ظاهر المشهور.
فيه اشكال ينشأ من الذى ذكره البهائى رحمه الله، و من احتمال أن يكون المراد من الامام الواقع فى قوله «لأن الامام لا يتقدم» هو امام الأصل سلام الله عليه، بل هو الظاهر عند الاطلاق، و يؤيد المذكور ان فى خبر الاحتجاج على ما نقله فى البحار، مكتوب بعدم الامام صلى اللّه عليه، و على ما فى النسخة التى(1) مكتوب بعده عليه السلام، و قوله (ع) «يجعله الامام» ليس بصريح فى جعل القبر بمنزلة الامام فى الجماعة، حتى يقال: كما انه لا يجوز للمأموم ان يتقدم على الامام، بان يكون موقفه اقرب الى القبلة من موقف الامام، بل يجب ان يتأخر عنه او يساويه فى الموقف يمينا او شمالا، فكذا هنا، لاحتمال ان يقرأ الامام بفتح الهمزة فيكون المعنى منه نقيض الوراء، قال فى القاموس: و الامام نقيض الوراء كقدام.
فحينئذ لا يتم ما ذكره البهائى رحمه الله، من انه ينبغى للمصلى عند رأسه ان لا يكون موقفه اقرب الى القبلة من موقف الامام (ع)، نعم مقتضى الرواية عدم جواز الصلوة بين يديه، بان يجعل القبر خلفه كما عرفت.
فان قلت: اذا كان موقف المصلى عند رأسه او رجليه اقرب الى القبلة من مدفنه (ع)، يصدق ان المصلى مقدم عليه سلام اللّه عليه، و الحال ان الامام لا يتقدم. قلت: المتبادر من قوله «لأن الامام لا يتقدم» انما هو فى صورة كون
ص: 34
المصلى بين يدى القبر، بحيث اذا اخرج من مدفن الامام (ع) خط او خطوط بحذاء القبلة لوصل اليه، و ينادى على ذلك قوله (ع): «و لا يجوز ان يصلى بين يديه» و يعضد الجواز انه يصدق فى الفرض المذكور، انه صلى عن يمينه او شماله. و يؤيد المطلب سؤال الحميرى، لأن من الظواهر ان المراد من التقدم على القبر و جعله خلفه، هو ما عرفت اى كونه بين يديه، بحيث اذا خرج خط عن مدفنه بحذاء القبلة لوصل اليه.
فما نبهه البهائى فى المشهد المقدس الرضوى على صاحبه السّلام ليس بمكانه. و الانصاف ان المسئلة محل اشكال، لاحتمال ان يقال: ان قوله (ع)، «لأن الامام لا يتقدم» تعليل مؤيد برواية الاحتجاج، فلا يجدى القول بأن المتبادر منه هو كون المصلى بين يديه (ع) لمكان العموم،(1) و لاحتمال أن يقول اذا صلى عن يمينه او شماله بحيث كان موقفه اقرب الى القبلة من مدفنه، يصدق انه صلى عن يمينه او يساره، و هذا الاطلاق معتضد بالشهرة، بخلاف العموم المستفاد من التعليل، و لعل الجواز لا يخلو عن رجحان ما، و لكن الاحتياط مما ينبغى مراعاته فى المسئلة البتة.
الرابع: قال فى المسالك: لا فرق فى الكراهة بين القبر و القبرين و ان لم تصدق البينية فى الواحد، و قال المجلسى فى البحار و الشارح المحقق فى الذخيرة: و ألحق جماعة من الأصحاب بالقبور القبر و القبرين، و مستنده غير واضح، و زاد الأخير و قال: و ألحق بعضهم استدبار القبر الواحد، و كرهوا الصلوة الى القبر و عليه، و حرمه ابن بابويه. و قال بعض المحققين الحق جمع من الأصحاب بالقبور القبر و القبرين.
و عن العلامة المجلسى ان مستنده غير واضح، و هو كذلك، الا ان الظاهر انهم فهموا من قوله (ع): «ما لم يتخذ القبر قبلة» و عرفت ما فيه، و يمكن أن يكون
ص: 35
مستندهم نفس الشهرة، و استنباط العلة مع المسامحة فى ادلة الكراهة، انتهى. و عنى بقوله «و عرفت ما فيه» هو ما اورده على قوله (ع): (ما لم يتخذ القبلة قبلة) بما صورته: لعل المراد من اتخاذ القبر قبلة جعله قبلة مثل الكعبة ... الى آخر ما تقدم نقله. و قال بعض الأجلاء: الحق جمع من الأصحاب بالقبور القبر و القبرين. قال فى البحار: و مستنده غير واضح أقول: ان كان هو الالحاق بالنسبة الى الصلوة خلف القبر فانه صحيح، لأن الحكم تعلق باستقبال القبر، و لا يشترط فيه التعدد، و ان كان بالنسبة الى الصلوة على القبر فكذلك، و ان كان بالنسبة الى البينية فما ذكره رحمه اللّه من عدم وضوح المستند جيد، لأن مورد الأخبار القبور، انتهى. و هذا التفصيل جيد.
و اما ما نقله الشارح المحقق عن الصدوق انه حرّم الصلوة على القبر، فلعل مستنده رواية يونس بن ظبيان المتقدمة. قال بعض المحققين بعد نقل الرواية:
و هى محمولة على الكراهة لضعف السند مسامحة، و نقل فى بعض عن ابن بابويه القول بالتحريم، و كأنه حكم بذلك اخذا بظاهر الخبر، و فيه ما تقدم، انتهى.
أقول: و الحمل على الكراهة متعين فى الرواية، و كذا يدل على الكراهة عموم النهى عن الصلوة فى المقابر. قال الشارح الفاضل: و كما يكره الصلوة الى القبر، يكره عليه من غير تحريم، الا أن يعلم نجاسة ترابه باختلاطه بصديد الموتى لتكرر النبش و يوجب التعدى اليه او سجوده عليه، و قال ابن بابويه: يحرم انتهى.
الخامس: قال المصنف طاب ثراه فى المنتهى: لو بنى مسجد فى المقبرة لا تزول الكراهة، لأنها لا تخرج عن الاسم، انتهى. قال بعض المحققين بعد كلام المذكور: الحكم المذكور حرمة او كراهة، واضح فى المقابر التى تكون باقية على حالها، و لم يسلب عنها اطلاق الاسم فى العرف، فاما لو تغيرت و انهدمت و صارت مثل غيرها من الأراضى، و سلب عنها اطلاق الاسم فى العرف، فالظاهر عدم جريان الحكم المذكور فيها، اما على القول باشتراط بقاء المبدأ فظاهر، و
ص: 36
اما على القول بالعدم فلعدم ظهور اندراج مثل هذه الصورة فى الأخبار.
و قال بعض الأجلاء، بعد نقل كلام المصنف رحمه الله: و الظاهر ان مراده ان اتخاذ المسجد فى المقبرة لا يرفع كراهة الصلوة فيها من حيث المسجدية، الا ان ظاهر هذا الكلام يعطى جواز بناء المسجد فى المقبرة، و هو مشكل لما رواه فى الفقيه عن سماعة بن مهران قال: و سأله سماعة بن مهران عن زيارة القبور و بناء المساجد فيها، فقال: اما زيارة القبور فلا بأس بها و لا يبنى عندها مساجد، و يؤيده ان الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب، فى ان الأراضى المحبوسة على المنافع العامة، كالشوارع و المشارع و الطرق و المقابر و الأسواق و نحوها، لا يجوز التصرف فيها، على وجه يمنع الانتفاع بها فيما هى معدة له انتهى.
اعلم ان الكراهة فى الصلوة بين المقابر، انما تكون ثابتة (من دون حايل او بعد عشرة اذرع) و مع وجود واحد منهما يرتفع المنع مطلقا، بلا خلاف اجده فى ذلك فى الجملة بين الطائفة. و موثقة عمار المتقدمة، مصرحة بارتفاع المنع مع الثانى، و اما ارتفاعه مع الاول فلم اجد عليه من النص أثرا، الا انه لا اشكال فى زواله اذا كان الحائل مثل جدار او نحوه مما يخفى به القرب، و الا لزمت الكراهة، و ان حالت جدران متعددة مع انه لا خلاف فى زوالها حينئذ بين الطائفة، و اما تعميمه لكل حايل و لو عنزة كما فى كتب جماعة، و منها فى القواعد و الشرايع و اللمعة و الدروس و المقنعة و زيد فيها قدر لبنة او ثوب موضوع، و عن النهاية و زيد فيها ما اشبهها، ففيه اشكال.
قال فى المدارك: و قد قطع الأصحاب بزوال الكراهة او التحريم بالحايل و التّباعد، و المذكور فلا بأس به، قصرا لما خالف الأصل على موضع الوفاق، و نظرا الى ان ظاهر الأخبار المانعة ارتفاع الحايل بين المصلى و القبر، نعم فى الاكتفاء فيه بالعنزة و نحوها نظر، لانتفاء التسمية، و عدم الظفر بما يدل على الخصوص.
ص: 37
و قال فى البحار بعد نقل كلام المفيد المتقدم فى اول المسئلة: و على القول بالكراهة او الحرمة، الحكم برفعهما بالحوايل التى ذكرها مشكل، و لم نر مستنده و قال الشارح المحقق: اعلم ان الأصحاب ذكروا ان الكراهة تزول بالحايل او التباعد المذكور، و ان الحايل يحصل بالعنزة و نحوها، و مستند ذلك غير معلوم و قال بعض الاجلاء: قد عرفت من كلام الشيخ المفيد رحمه اللّه بعد حكمه بالتحريم، انه حكم بزواله بالحايل و لو لبنة او عنزة منصوبة او ثوب موضوع، و كذلك حكم الأصحاب بزوال الكراهة بذلك، و هو مشكل حيث انا لم نقف على مستنده.
و قال بعض المحققين: قد عرفت مما تقدم فى كلام المفيد، بعد حكمه بالتحريم انه حكم بزواله بالحايل، و لو قدر لبنه او عنزة منصوبة او ثوب موضوع، و ربما يظهر ذلك من غيره من الأصحاب ايضا، و هو جيد و ان كان مستنده الوفاق، و الا فللتأمل فيه مجال، حيث انا لم نقف على مأخذه، و لعلهم فهموا ذلك من الأخبار الواردة فى استحباب السترة و انها تنفع، لامثال ذلك. ما ذكر، و قد مرت فلاحظها.
و قال بعض الأصحاب، و هو فى مقام بيان الدليل على شمول الحايل للعنزة، ما صورته: قيل لعموم نصوص الحيلولية بها، و لم اجده، انتهى.
اعلم ان البعد المقدر فى المتن، لابد ان يكون من الجوانب الأربعة، كما دلت عليه موثقة عمار المتقدمة او ما سوى الخلف كما عن النهاية و المبسوط و المهذب و الوسيلة و الجامع و الاصباح و نهاية الأحكام و التذكرة قال بعض الأجلاء ورد فى موثقة عمار: ان زوال ذلك ببعد عشرة اذرع من الجوانب الأربعة اذا كانت الصلوة بين القبور، و اكتفى الشيخ بكون القبر خلف المصلى عن البعد، قال فى الرياض: و هو متجه مع عدم صدق الصلوة بين المقابر، كما لو جعل المقبرة خلفه و الا فقد تقدم اعتبار تأخر القبر عنه من خلفه عشرة اذرع، انتهى. و هو جيد انتهى. و ما جيده جيد.
ثم اعلم ان المقبرة اذا كانت يمين المصلى او يساره، و لم يكن البعد بينهما عشرة اذرع، فالظاهر عدم الكراهة لعدم وقوع الصلوة بين المقابر، و كذا يمكن
ص: 38
الحكم بعدمها اذا صلى فى خارجها، و كانت بحذاء قبلته، مع عدم وقوع الفصل بينهما بعشرة اذرع، و لكن اتفق عدم وقوع القبر بحذاء قبلته، او اتفق و لكن كان البعد بينهما عشرة اذرع.
(و) تكره الصلوة (فى بيوت النيران) و المراد بها على ما ذكره جماعة، المواضع المعدة لاضرام النار فيها، كالاتون و الفرن، لا ما وجد فيه نار مع عدم اعداد لها، كالمسكن اذا اوقدت فيه و ان كثر، و الحكم المذكور فيها مشهور بين الأصحاب، بلا خلاف فيه يظهر، الا ما يظهر من المقنعة فمنع عن الصلوة فيها، كما عن الديلمى و النهاية، و قد عرفت فى بيان كراهية الصلوة فى الحمام، ان أبا الصلاح لا يحل الصلوة فى بيوت النار مترددا فى الفساد، و هذا القول ضعيف جدا، لعدم ورود نص اجده فيها بالكلية.
نعم ذكر محمد بن على بن ابراهيم بن هاشم، فى كتابه العلل: و لا يصلى فى بيت فيه الصلبان - الى ان قال - و العلة فى بيت فيه صلبان انها شركاء يعبدون من دون الله، فينزه اللّه تعالى ان يعبد فى بيت فيه ما يعبد من دون الله، و هذا كما ترى لا دلالة له على الحرمة، بل و لا على الكراهة ايضا، على ما ذكره بعض الأجلة.
قال فى المدارك: و انما كرهت الصلوة فى هذه الأماكن، لأن فى الصلوة تشبها بعبادتها، كذا ذكره العلامة فى جملة من كتبه و هو ضعيف جدا، و الاصح اختصاص الكراهة بمواضع عبادة النيران، لأنها ليست موضع رحمة، فلا يصلح لعبادة اللّه سبحانه.
و قال الشارح المحقق: و علل - اى الحكم - بالكراهة بان فى الصلوة تشبها بعبادتها و فيه ضعف، و التخصيص بمواضع عبادة النيران غير بعيد، و المسئلة ان لم تكن اتفاقية كان للكلام عليها مجال. و قال بعض الأصحاب فى حاشية الكتاب: قوله: و بيوت النيران، اى التى تعبد فيها النار دائما او اكثرها، و يحتمل الاختصاص بالاولى، انتهى. و كيف كان فالقول بالمنع ضعيف جدا، لعدم
ص: 39
الدليل عليه، و القول بالكراهة أقوى، و عن الغنية الاجماع عليه. قال فى المسالك:
و لا فرق بين كون النار موجودة وقت الصلوة و عدمه، و الظاهر عدم كراهة الصلوة على سطحها.
(و) فى بيوت (الخمور) على الأشهر، بل لا خلاف فيه بين الناس يظهر، خلافا للمقنعة، كما عن الديلمى و النهاية فمنعوا عن الصلوة فيها، بل صرح الديلمى بالفساد على ما يحكى، و عن المقنع لا يجوز الصلوة فى بيت فيه خمر محصور فى آنية، قال: و روى انه يجوز.
قال فى الفقيه: و لا يجوز الصلوة فى بيت فيه خمر محصور فى آنية، و لعله طاب ثراه اخذ العبارة عن كتاب الفقه الرضوى، حيث قال: و لا تصل فى بيت فيه خمر محصور فى آنية، و هذا الخبر كالموثق المروى فى الكافى فى باب الصلوة فى الكعبة، و فى التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، و فى زياداته عن عمار الساباطى، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا تصل فى بيت فيه خمر او مسكر. و فى الكافى بدل «لا تصل» «لا يصلى» لا يصلح حجة للقول بالمنع، لمكان مرسلة المقنع المنجبرة بالشهرة العظيمة، التى قيل هى من المتأخرين اجماع فى الحقيقة، فتترجح عليهما، مضافا الى اعتضادها بالأصل و العمومات، فليحملا على الكراهة، و هو قوله (ع): لأن الملائكة لا تدخله، و هذه التتمة رواها فى التهذيب.
و العلة المذكورة وردت فى كثير من المكروهات، مثل البيت الذى فيه كلب او صورة انسان او اناء يبال فيه، هذا على القول بان الموثق حجة، و ان كان موثق عمار، و الا فالامر واضح، مع ان الكل افتوا بالكراهة سوى الصدوق، و هذا القدر يكفى للخروج عن الظاهر فى مثل المقام، مع انه يظهر من التتبع، كون المنع فى امثال المقام للكراهة، انتهى.
و يظهر من الموثقة الكراهة فى بيت فيه مسكر اىّ مسكر كان، كما صرح بها فى المذكور جماعة. قال فى المسالك: و الظاهر ان الفقاع كذلك. و قال بعض
ص: 40
المحققين: تشمل الرواية الفقاع المسكر ايضا بلا تأمل، و اما غير المسكر منه فلا، الاّ أن يقال: بان ما دل على كون الفقاع خمرا مجهولا و امثاله يشمله، و لذا حكم الفقهاء بكون الفقاع حراما نجسا يضرب شاربه الحد و ان لم يكن مسكرا، و فيه ان الظاهر فى المقام لعلّ ارادة المسكر منه، انتهى.
و مقتضى اطلاق الرواية، هو الحكم بالكراهة اذا وجد فى البيت المسمى من الخمر او المسكر، سواء كان معد الاحراز الخمر او المسكر ام لا، و فى كلام المصنف رحمه اللّه فى نهاية الأحكام اشعار بالتخصيص بالأول كما يحكى، و فى عطفها ههنا على بيوت النيران اشعار بذلك كما لا يخفى، و لا وجه له.
و ينبغى التنبيه لأمور:
الأول: قال بعض المحققين: و المراد ههنا الخمر و المسكر بالفعل، اى ما يشرب الخمار و شارب المسكر، فلا يشمل العنب الذى غلى اونش بمجرد الغليان و النشيش، و ان حرم شربه لذلك، فلا مانع من الصلوة فى بيت يتخذ فيه الخلّ و الدبس من العنب او التمر او غيرهما، و المتعارف اتخاذهما فى البيوت، و لذا قال فى الفقيه: لا يجوز الصلوة فى بيت فيه خمر محصور فى آنية.
الثانى: قال فى المدارك: و منع الصدوق فى الفقيه من الصلوة فى بيت فيه خمر محروز فى آنية، مع انه حكم بطهارة الخمر، و استبعده المتأخرون لذلك و لا بعد فيه بعد ورود النص به انتهى. قال بعض الأجلاء بعد ذلك: فيه ان استبعاد المتأخرين ذلك، يرجع الى الجمع بين هذين الحكمين، و هو قوله بالكراهة مع قوله بطهارة الخمر، و هو فى محلّه، و ذلك فانه متى كان الخمرة طاهرة فسبيلها سبيل الأشياء الطاهرة فى البيت، فلا مناسبة للمنع من الصلوة و الحال هذه، و هذا المنع انما يلايم القول بالنجاسة، فكلامهم فى الحقيقة يرجع الى الاعتراض عليه فى ذهابه الى طهارة الخمر، اذ لو كان طاهرا كما يدّعيه، لما حكم (ع) بالكراهة هنا، اذ لا يعقل للحكم بالكراهة هنا مناسبة على هذا التقدير، انتهى.
ص: 41
و فيه نظر واضح، لأن حكم الشرع تعبدّى بلا شبهة، فالقول بطهارتها لا يصير باعثا للقول بان سبيلها سبيل الأشياء الطاهرة فى البيت، لم لا يجوز أن يكون الباعث على الكراهة صفة الاسكار الموجودة فيه، كما تشعر به الموثقة، فافهم.
(و) فى بيوت (المجوس) على الأشهر، بل لا خلاف فيه يظهر، الا من المقنعة كما عن الديلمى و النهاية فمنعوا عن الصلوة فيها، بل صرح الديلمى بالفساد على ما يحكى، و للمشهور صريح الخبر و فحواه، المروى فى التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، فى الزيادات عن ابى جميلة، عن أبى عبد الله (ع) قال: لا تصل فى بيت فيه مجوسىّ، و لا بأس ان تصلى فى بيت فيه يهودى او نصرانى. و نحوا منه رواه فى الكافى فى باب الصلوة فى الكعبة، عن أبى عبد الله (ع). و هذا الخبر لضعف سنده محمول على الكراهة.
و ربما استدل بعض الأجلاء للمطلوب، بالنصوص الآمرة برش بيت المجوسى ثم الصلوة فيه: منها: ما رواه التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، فى الصحيح عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الصلوة فى البيع و الكنايس و بيوت المجوس، فقال: رش و صلّه(1).
و منها ما رواه الكافى فى اول باب الصلوة فى الكعبة، عن على بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلوة فى البيع و الكنايس فقال: رش و صل.
و منها ما رواه فى التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان فى الصحيح عن شعيب بن يعقوب، عن ابى بصير، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلوة فى بيوت المجوس، فقال: رش و صل.
أقول: الاولى الاستدلال لما ذكره المصنف بهذه الأخبار، ان قلنا بدلالتها على الكراهة، و ان كان لى فيه تردد، و اما خبر أبى جميلة فيدل على
ص: 42
كراهتها فى البيت الذى فيه المجوسى، و ان لم يكن بيته، بل من حيث مجرد حضوره فيه، قيل و لهذا لم يذكر الرش هنا، و مقتضى الأخبار المتقدمة اذا قلنا بدلالتها على الكراهة، هو كراهة الصلوة فى بيته، و ان لم يكن حتى يرشه، و مع الرش فالظاهر انه لا كراهة. قال بعض الأجلاء: و قد قطع الأصحاب بزوال الكراهة بالرش، انتهى.
قال المصنف رحمه اللّه فى المنتهى على ما حكى عنه: تكره الصلوة فى بيوت المجوس، لأنها لا تنفك عن النجاسات، و يؤيده ما رواه ابو جميلة عن ابى عبد الله عليه السلام الحديث ثم قال: و لا بأس بالصلوة فى البيت اذا كان فيه يهودى او نصرانى، لأنهم اهل الكتاب ففارقوا المجوس. و يؤيده رواية أبى جميلة.
و لو اضطر الى الصلوة فى بيت المجوسى، صلّى فيه بعد ان يرش الموضع بالماء على جهة الاستحباب، لما رواه الشيخ فى الصحيح عن ابى بصير الحديث و قال فى البحار بعد نقل ذلك: ظاهر الأخبار كراهة الصلوة فى بيت الذى فيه المجوسى، سواء كان بيته ام لا، و عدم كراهة الصلوة فى بيته ان لم يكن فيه، لكن يستحب الرش، و الأحوط انتظار الجفاف، كما هو ظاهر المنتهى، ثم روى عن كتاب محمد بن المثنى، عن جعفر بن محمد بن شريح، عن ذريح المحاربى، عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته فى بيوت المجوس، فقال: اليست مغازيكم، قلت: بلى، قال: نعم. و قال بيان «ا ليست مغازيكم» اى تردونها فى الذهاب الى غزو العدو، فيدل على ان التجويز مقيد بالضرورة، انتهى.
أقول: و ما علل به المصنف رحمه اللّه للمطلب، مردود بوجهين: أحدهما:
ما ذكره بعض الأجلاء، بان هذه العلة جارية فى غيرهم من اليهود و النصارى و نحوهم، مع انهم لا يقولون بذلك، بل العلة بالحقيقة انما هو النص، انتهى فافهم. و ثانيهما: ما أشار اليه والدى طاب ثراه، بان هذا التعليل غير ملايم لما ورد عن اهل بيت العصمة من الأمر بالرش، و لا شك ان الرش على المكان النجس لا يطهره، الا ان يقال المراد من الرش جريان الماء فيه بحيث يطهره
ص: 43
و هو بعيد جدا، او يقال ان الشارع (ع) جعل طريق تطهير الاشياء عديدة، فالمانع ان يكون طريق تطهير النجاسة الظنية المتعلقة ببيت المجوسى هكذا انتهى.
و ما ذكره فى البحار، بان الأحوط انتظار الجفاف، تبعا للحبل المتين حيث قال: و الظاهر ان الصلوة بعد الجفاف، كما قاله فى المبسوط و الفقيه فى بيت المجوسى، و استحسنه شيخنا فى الذكرى، فلا أرى وجهه بعد ملاحظة الأخبار الآمرة بالرش(1)طب خ ل.(2) و اما ما ذكره، بأن ظاهر الأخبار عدم كراهة الصلوة فى بيته ان لم يكن فيه، فلى فيه تأمل،(3) سيما بعد ملاحظة رواية ذريح المحاربى.
و كيف كان فالقول بالكراهة لا يخلو عن قوة، لرواية ذريح المعتضدة بما مر، و للخروج عن خلاف الجماعة.
(و) فى جواد (الطريق) على الأشهر الأظهر، بل عليه عامة من تأخر على ما قاله بعض الأجلة، و عن المنتهى ادعوا الاجماع عليه و هو الحجة، قال بعض المحققين: و كراهة الصلوة فى جواد الطرق، وفاقية ظاهرا انتهى. خلافا للمحكى عن الصدوق و الشيخين، فقالوا بالحرمة، قال بعض الأجلاء: و نقل الأصحاب عن ظاهر الصدوق و الشيخ المفيد التحريم، و كأنه نظر الى تعبيرهما بعدم الجواز فى هذا المقام، و هو و ان كان ظاهرا فى ذلك الاّ انه قابل للحمل على تشديد
ص: 44
الكراهة، و التعبير بذلك مبالغة كما يقع مثله فى الأخبار، انتهى.
و من الأخبار المتعلقة بالمسئلة ما رواه التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، فى الصحيح عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن الصلوة فى السفر، فقال: لا تصل على الجادة، و اعتزل على جانبيها.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم، فى الحسن بابراهيم بن هاشم، عن أبى عبد الله (ع)، قال: سألته عن الصلوة فى ظهر الطريق، فقال: لا بأس أن تصلى فى الظواهر التى بين الجواد، فاما على الجواد فلا تصل فيها.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا بأس بان يصلى بين الظواهر، و هى الجواد جواد الطريق، و يكره ان يصلى فى الجواد.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الصحيح، عن أيوب بن نوح، عن ابى الحسن الأخير (ع)، قال قلت: تحضر الصلوة و الرجل بالبيداء، قال: يتنحى عن الجواد يمنة و يسرة و يصلى.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم فى الموثق بالحسن بن على بن فضال، عن الحسن بن الجهم، عن ابى الحسن الرضا (ع) قال: كل طريق يوطاء فلا تصل عليه، قال قلت له: انه قد روى عن جدك: ان الصلوة على الظواهر لا بأس بها، قال: ذاك ربما سايرنى عليه الرجل، قال قلت: فان خاف على متاعه الضيعة، قال: فان خاف فليصل.
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن محمد بن الفضيل قال: قال الرضا (ع): كل طريق يوطئ و يتطرق، و كانت فيه جادة او لم يكن، فلا ينبغى الصلوة فيه، قلت: فاين اصلى؟ قال: يمنة و يسرة.
و منها رواية عبد اللّه بن الفضل، المتقدمة فى بيان كراهة الصلوة فى الحمام، المشتملة على النهى عن الصلوة فى مسان الطريق. قال فى البحار:
ص: 45
قال فى المغرب: سنن الطريق معظمه و وسطه. و فى القاموس: سن الطريقة مثلثة و بضمتين نحوه وجهته، و المسان من الابل الكبار، انتهى. و لعل المراد هنا، الطرق المسلوكة او العظيمة، انتهى.
و منها ما رواه فى البحار عن المحاسن، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الفضيل قال: قلت لأبى عبد الله (ع): أقوم فى الصلوة فى بعض الطريق، فارى قدامى فى القبلة العذرة، قال: تنح عنها ما استطعت، و لا تصل على الجواد.
و حمل النهى الوارد فى هذه الأخبار على الكراهة متعين لما عرفت، مضافا الى ظهور كلمة «تكره» الواقعة فى صحيحة معوية المتقدمة، «و لا ينبغى» الواقعة فى رواية محمد بن الفضيل المتقدمة فى الكراهة، قاله بعض الأجلة.
و المراد بجواد الطرق العظمى منها، و هى التى يكثر سلوكها كما ذكره جماعة، و يستفاد من موثقة الحسن بن الجهم و رواية محمد بن الفضيل، كراهة الصلوة فى مطلق الطرق الموطوءة، و به صرح جماعة و لا بأس به. قال بعض الأجلة:
الرواية الموثقة، معارضة بالنصوص المتضمنة لنفى البأس عن الصلوة فى الظواهر التى بين الجواد، و هى الاوفق بفتوى الأكثر، الا ان عموم الكراهة و لو مختلفة المراتب، طريق الجمع، و انسب بباب الكراهة بناء على المسامحة، انتهى.
قال بعض المحققين: الظاهر انه لا فرق فى الكراهة بين أن يكون الطريق مشغولة بالمارة ام لا، بمقتضى النص و فتوى الأصحاب، اما لو استلزمت الصلوة تعطيل المارة و منعهم عن المرور، فلا ريب فى الحرمة، كما هو مقتضى القاعدة، و هو الظاهر من الأصحاب، بل و عن جملة منهم التصريح بفسادها حينئذ ايضا، لأن الصلوة حينئذ تصرف دام فيكون حكمها حكم الصلوة فى دار المغصوبة، فتأمل جدا.
و قال بعض الأجلاء: ثم الظاهر انه لا فرق فى الكراهة، بين ان يكون
ص: 46
الطريق مشغولة بالمارة وقت الصلوة ام لا، لعموم الأخبار، و اما لو استلزمت الصلوة تعطيل المارة و منعهم عن المرور، فلا ريب فى التحريم فى ظاهر الأصحاب، بل الظاهر انه لا خلاف فيه، و قد صرح جملة منهم بفساد الصلوة، و الظاهر ان وجهه عندهم من حيث ان الطريق ملك للمسلمين يتطرقون «يتصرفون» فيها، فالتصرف فيه على وجه يوجب رفع حقهم محرم البتة.
بقى الكلام هنا فى الحكم بفساد العبادة، و هو بناء على المشهور من حمل النهى على الكراهة لا يخلو من اشكال، نعم لو قلنا بظاهر ما دلت عليه ظاهر هذه الأخبار، من حمل النهى فيها على التحريم، اتجه الامران معا، لزم من ذلك تعطيل المارة ام لا، انتهى.
أقول: الحكم بالفساد فى صورة استلزامها لتعطيل المارة غير وجيه اللهم الا ان يكون المسئلة وفاقية كالصلوة فى الدار المغصوبة، فيكون المستند نفس الوفاق كالمشبه به، و لكن لم يصل الينا نقله فى المقام، فليتأمل و الاحتياط مطلوب.
اذا صلى فى الطرق المرفوعة مع اذن اربابها، فهل حكمها حكم النافذة ام لا؟ فيه احتمالان بل قولان، ينشأن من اطلاق النصوص فنعم، و من الأصل و الاطلاقات و عدم شمول تلك الأخبار للمقام بمقتضى التبادر فلا، و لعل الأول لا يخلو عن قوة، سيما بعد ملاحظة العموم المستفاد من موثقة الحسن بن الجهم المتقدمة و غيرها، و اذا وقعت بدون اذن اربابها فحرام بلا شبهة، كما صرح به جماعة، لأنه ملك لارباب البيوت التى تنفذ اليها، و ما ذكرنا فى المكان المغصوب آت هنا.
(و) فى جوف (الكعبة و سطحها) و قد مر الكلام فيهما فى القبلة، فراجع الى هناك.
(و) فى (مرابط الخيل و الحمير و البغال) بلا خلاف اجده، الا ما حكى عن ابى الصلاح فقال: بالتحريم، و له قوية سماعة المروية فى الكافى فى باب
ص: 47
الصلوة فى الكعبة، قال: قال: لا تصلّ فى مرابط الخيل و البغال و الحمير. و موثقة سماعة المتقدمة فى بيان قول المصنف: و معاطن الابل، المشتملة للنهى عن الصلوة فى مرابط الخيل و البغال، و هذا القول ضعيف، للاجماع المحكى عن الغنية على خلافه، و هو الحجة الصارفة للنهى الى الكراهة.
(و التوجه) فى حال الصلوة (الى نار مضرمة) مشتعلة، بلا خلاف اجده، الا ما يحكى عن الحلبى فحرم مع التردد فى الفساد. و يظهر من الحبل المتين ايضا الذهاب الى الحرمة، و من الأخبار المتعلقة بالمقام، ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب ما يصلى فيه و ما لا يصلى فيه من الثياب و جميع الأنواع، و الشيخ فى التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، فى الصحيح عن على بن جعفر، عن ابى الحسن (ع)، انه سأله عن الرجل، هل يصلح له ان يصلى و السراج موضوع بين يديه فى القبلة؟ قال: لا يصلح له ان يستقبل النار.
و منها ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، فى الموثق عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (ع) قال: لا يصلى الرجل و فى قبلته نارا و حديد، قلت: له ان يصلى و بين يديه مجمرة(1) شبه؟ قال: نعم، فان كان فيها نار فلا يصلّ حتى ينحيها عن قبلته، و عن الرجل يصلى و بين يديه قنديل معلق فيه نار، الا انه بحياله، قال: اذ ارتفع كان شرا، لا يصلى بحياله.
و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب ما يصلى فيه و ما لا يصلى، عن عمرو بن ابراهيم الهمدانى، رفع الحديث قال: قال ابو عبد الله (ع) لا بأس أن يصلى الرجل و النار و السراج و الصورة بين يديه، لأن الذى يصلى له أقرب اليه من الذى بين يديه. و روى ذلك الخبر فى العلل، عن ابيه و محمد بن الحسن عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن احمد الأشعرى، عن الحسن بن على عن الحسين بن عمر، عن ابيه، عن عمر بن ابراهيم الهمدانى رفع الحديث قال:
ص: 48
قال(1) لا بأس الحديث. و عن المقنع مرسلا مثله.
و منها ما رواه فى البحار عن الاحتجاج، عن محمد بن جعفر الأسدى قال:
كان فيما ورد على محمد بن عثمان العمرى، عن القائم (ع): اما ما سألت عنه من المصلى و النار و الصورة و السراج بين يديه، هل تجوز صلوته؟ فان الناس اختلفوا فى ذلك قبلك، فانه جايز لمن لم يكن من اولاد عبدة الاوثان و النيران، يصلى و الصورة و السراج بين يديه، و لا يجوز ذلك لمن كان من اولاد عبدة الاوثان و النيران.
و عن اكمال الدين، عن محمد بن احمد الشيبانى، و على بن احمد الدقاق و الحسين بن ابراهيم المؤدب، و على بن عبد اللّه الوراق جميعا، عن محمد بن جعفر الأسدى، قال: كان فيما ورد على من الشيخ ابى جعفر محمد بن عثمان العمرى قدس اللّه روحه، فى جواب مسائلى الى صاحب الزمان (ع): و اما ما سألت... و ذكر نحوه الى قوله: من اولاد عبدة الاصنام و النيران.
قال فى الحبل المتين بعد نقل صحيحة على بن جعفر و موثقة عمار: و ما تضمنه صحيحة على بن جعفر من قوله: لا يصلح ان يستقبل النار. و موثقة عمار من قوله (ع): فان كان فيها نار و لا يصلى... الى آخره، محمول عند اكثر الأصحاب على الكراهة، و عند ابى الصلاح على التحريم، و لو قلنا به لكان وجها، لضعف الرواية القائلة بالجواز جدا، و هى مرفوعة عمر بن ابراهيم الهمدانى عن الصادق عليه السلام: لا بأس بالصلوة الى النار و السراج و الصورة، ان الذى يصلى له أقرب اليه من الذى بين يديه، انتهى.
و فيه نظر لأن الرواية الضعيفة منجبرة بالشهرة العظيمة و الرواية المنجبرة بالشهرة حجة بلا شبهة، فليحمل النهى الوارد فى الخبرين على الكراهة. و يؤيدها رواية الاحتجاج المتقدمة، مضافا الى ما ذكره بعض المحققين، بعد ان
ص: 49
نقل ان صحيحة على بن جعفر و موثقة عمار المتقدمتين، ما صورته: و عن أبى الصلاح(1)عدم جواز التوجه الى النار على الروايتين، و فيه نظر لظهور الموثقة فى الكراهة، للسياق الدال على اتحاد حكم الصلوة الى الحديد و النار، و هى فى الاولى مكروهة وفاقا منه، و لاتفاق المسلمين فى الأعصار و الأمصار، على عدم احتراز منه اصلا، مع انه يوجب الحرج و العسر، لعدم الانفكاك غالبا كما لا يخفى، و لذا قلما وجدنا مفت بالكراهة من العلماء، فكذا الثانية، و به يظهر الجواب عن الثانية، ان مع عدم الصلاحية و ان كان اعم من الكراهة بل ظاهره الفساد، الا أن المراد منه الكراهة بقرينة الموثقة، و الصحة فى الثانية لا تقام الاعتبار فى الاولى الموافقة، لمقتضى الأصل، و الاطلاقات، و الاشتهار بين الأصحاب.
و انه يظهر من تضاعيف الأخبار، عدم فساد الصلوة فى امثال هذه الأمور مضافا الى فعل المسلمين فى الأعصار و الأمصار، حيث ان تراهم لا يجتنبون عن الصلوة، لا سيما فى المشاهد المشرفة على ساكنيها الف سلام و تحية، ثم نقل المرسلة و قال: و ضعف السند منجبر بالشهرة العظيمة، مع انه رواه الصدوق مفتيا بها، مع انه قال فى صدر ما قال و رواه فى الوافى ايضا معتمدا عليها، مع انه قال فى اوله ما قال، مع ان الاعتبار كاشف عن كونها حقا و صدقا، و كذا مطابقة مضمونها لمضمون غيرها من المعتبرة، منها ما مر فى بحث السترة و غيره.
هذا و لا ريب ان الاحتياط الترك، لا سيّما لمن لم يكن من اولاد الرسول (ص)، لرواية الاحتجاج عن الاسدى قال فيما ورد... الى آخره، و لم يفت بهذا التفصيل احد، انتهى.
قال الصدوق فى الفقيه بعد نقل صحيحة على بن جعفر ما صورته: هذا هو الأصل الذى يجب ان يعمل به، فاما الحديث الذى روى عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: لا بأس ان يصلى الرجل و النار و السراج و الصورة بين يديه
ص: 50
لأن الذى يصلى له أقرب اليه من الذى بين يديه، فهو حديث يروى عن ثلاثة من المجهولين باسناد منقطع، يرويه الحسن بن على و هو معروف، عن الحسين بن عمرو عن أبيه عن عمرو بن ابراهيم الهمدانى و هم مجهولون، يرفع الحديث قال قال ابو عبد الله (ع) ذلك، و لكنها رخصة اقترنت بها علة صدرت عن ثقاة، ثم اتصلت بالمجهولين و الانقطاع، فمن اخذ بها لم يكن مخطئ، بعد يعلم ان الأصل هو النهى، و ان الاطلاق هو رخصة و الرخصة رحمة، انتهى.
قال فى البحار بعد نقل الكلام المذكور: و مراده اما حمل النهى على الكراهة او على حال الضرورة، و الأول اظهر لتعاضد أخبار الجواز، و كونها معللة موافقة لأصل الاباحة و نفى الحرج، و كونها انسب بالشريعة السمحة السهلة، و ان كان الأحوط الاجتناب عما نهى عنه لغير الضرورة.
و قال بعض الأجلاء بعد نقل كلام الفقيه المتقدم: و ما ذكره من هذا الخبر على الرخصة، يحتمل ان يكون مراده الجواز و ان كان مكروها، فيكون النهى فى الخبر الأول محمولا على الكراهة كما هو المشهور، فلا منافاة، و يحتمل ان يكون مراده بخبر النهى التحريم، و خبر الرخصة من حيث الضرورة، مثل ان يجاء بالنار فى قبلته و هو يصلى، و لا يتمكن من الانحراف عنها و لا قطع الصلوة، فيتم صلوته، و لعلّ الأول أقرب، و ان كان الثانى بلفظ الرخصة انسب. ثم ان ما ذكره من قوله: صدرت عن ثقاة، موافق لما ذكره شيخنا شيخ الطائفة فى العدة الاصولية، من أن احاديث اصحابنا مأخوذة من اصول جمعها الثقاة من قدمائنا، و قد وقع اجماع الطائفة و فيهم الأئمة (ع) على صحة تلك الاصول، فلا يضر كون رواتها ضعيفا او مجهولا، و بذلك اعترف فى هذا الخبر فى المدارك فقال بعد نقل كلام الصدوق:
و ربما كان هذا الكلام شهادة منه بصحة الرواية.
أقول: فيه اشعار بل بالشهادة بصحة جميع الروايات، جميع أصحاب الاصول معروفون عنده معلومون، و ان حصل فى الطريق اليهم من يرى بالضعف و المجهولية و نحوها، و المراد بالثقاة هنا هو الحسن بن على الكوفى و من تقدمه فى سند
ص: 51
العلل، و يحتمل ان يكون الصدوق نقل الخبر الذى فى الفقيه من كتاب الحسن بن على الكوفى او من كتاب محمد بن ابراهيم الأشعرى، كما فعله فى التهذيب، فيكون الثقاة هم الرواة لتلك الاصول، و السلسلة بين الصدوق و بين أصحاب الاصول، و يظهر من الصدوق توثيق الحسن بن على الكوفى، و هو الحسن بن على بن عبد اللّه بن المغيرة الكوفى، فان معنى قوله: معروف، بمعنى الوثاقة، و بهذا الوجه القدح الى من بعده، و فيه رد على شيخنا الشهيد الثانى رحمه الله، حيث رد حديث الحسن بن على الكوفى و رماه بالضعف فى غير موضع من المسالك.
و اما وصف من روى عنهم الحسن بن على بكونهم مجهولين عند الصدوق و عندنا، حيث لم نقف على احوالهم فيما وصل الينا من كتب الأخبار، و لا يستلزم ذلك كونهم مجهولين عند اصحاب الاصول الذين اخذوا عنهم. أقول: و الذى يختلج فى بالى و يتردد فى فكرى و خيالى، فى معنى الخبر الذى حملوه على الرخصة، ان المراد منه معنى اخر غير ما ذكروه، و لعله الأقرب، و هو انه لا يخفى ان الكراهة و عدمها فى هذا المقام، تتفاوت باعتبار احوال المصلين و اقبالهم على اللّه سبحانه فى صلوتهم و عدمه، فمن كان وجه قلبه متوجها الى اللّه عزّ و جلّ لا الى غيره، و فكره مستغرقا و مراقبته تعالى فى قيامه و قعوده و ركوعه و سجوده، فلا يضره ما يكون بين يديه من هذه الأشياء و لا يشغله عن ملاحظته، و من لم يكن كذلك فهو المراد باخبار النهى، لأن هذه الأشياء تكون موجبة لشغل قلبه و تشويش فكره.
و مما يؤيده ذلك ما رواه فى كتاب التوحيد، عن ابن ابى عمير قال: راى سفيان الثورى ابا الحسن (ع) و هو غلام، يصلى و الناس يمرون بين يديه، فقال:
ان الناس يمرون بين يديك و هم فى الطواف، فقال (ع): الذى اصلى له أقرب من هؤلاء و بمضمونه اخبار أخر.
اذا عرفت هذا فاعلم انه قد روى الطبرسى فى الاحتجاج الحديث، و يمكن
ص: 52
حمل التفصيل فى هذا الخبر، على ان الكراهة بالنسبة الى اولاد عبدة النيران و الاوثان اشد، و احتمال ارادة التحريم ليس بذلك البعيد ايضا، الا انّ الظاهر ان الأول أقرب، انتهى.
أقول: هذه الكلمات و ان كان يمكن المناقشة(1) فى بعضها، و لكن لو تعرضنا لها ليطول المقام. و اما ما ذكره فى معنى مرسلة الفقيه، ففيه ما ترى، و كيف كان فالقول بالكراهة لا يخلو عن قوة.
مقتضى المتن و غيره عدم كراهة الصلوة الى نحو الجمرة الواحدة لمكان المضرمة، و فيه نظر لأن النصوص مطلقة، و التقييد لا وجه له بلا شبهة، فيكره مواجهة ما يطلق عليه اسمها، كما ذهب اليه من المتأخرين جماعة.
قال فى الحبل المتين: المذكور فى كثير من كتب الفروع كراهة الصلوة و بين يديه نار، و المستفاد من الأحاديث المنع من استقبال النار، لا من مطلق كونها بين يديه، و كون الشىء بين يدى الشخص، يشمل ما اذا كان مقابلا له مقابلة حقيقة و ما اذا كان منحرفا عن مقابلته قليلا، و ابو الصلاح رحمه اللّه انما حرم التوجه الى النار، لا مطلق كونها بين يدى المصلى، فالاولى تعبير الفقهاء بكراهة التوجه الى النار، كما فعله العلامة طاب ثراه فى بعض كتب الفروع، انتهى.
و اراد رحمه اللّه بالبعض كتاب المصنف رحمه اللّه هذا، و اما ما بينه طاب ثراه فلا يخلو عن قرب، و لعل المتبادر من عباراتهم ذلك.
(او) الى (تصاوير) قد مرّ مستند هذا الكلام فى بحث اللباس فراجع هناك
ص: 53
و انظر الى ما يستفاد من الأخبار، و الى ما حققنا فيه. و من الأخبار المتقدمة، صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لأبى جعفر (ع): اصلى و التماثيل قدامى و انا انظر اليها، فقال: لا اطرح عليها ثوبا، و لا بأس بها اذا كانت عن يمينك او شمالك او خلفك او تحت رجليك او فوق رأسك، و ان كانت فى القبلة فألق عليها ثوبا وصل.
و منها صحيحة محمد بن مروان، عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): ان جبرئيل اتانى فقال: انا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب و لا تمثال جسد و لا اناء يبال فيه. و فى رواية عمر بن خالد عن ابى جعفر قال: قال جبرئيل: يا رسول الله، انا لا ندخل بيتا فيه صورة انسان و لا بيتا يبال فيه و لا بيتا فيه كلب.
و منها مرفوعة عمرو بن ابراهيم الهمدانى، المتقدمة فى المسئلة السابقة.
قال فى الحبل المتين بعد نقل صحيحتى محمد بن مسلم و محمد بن مروان: يستفاد من صحيحة محمد بن مسلم، زوال كراهة الصلوة الى التماثيل فى القبلة اذا غطاها بثوب و نحوه، و لو قيل بخفة الكراهة بالتغطية نظرا الى ما يستفاد من صحيحة محمد بن مروان، لكان وجها، انتهى. و ظهر ايضا من جملة من الأخبار المتقدمة فى بحث اللباس، ان الكراهة تزول بتغيير الصورة.
و منها ما رواه قرب الأسناد، عن عبد اللّه بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال: سألته عن الرجل، هل يصلح له ان يصلى فى بيت فيه انماط فيها تماثيل قد غطاها؟ قال: لا بأس. و سألته عن الرجل، هل يصلح له ان يصلى فى بيت على بابه ستر خارج فيه التماثيل، و دونه مما يلى البيت ستر آخر ليس فيه تماثيل، هل يصلح له ان يرخى الستر الذى ليس فيه التماثيل حتى يحول بينه و بين الستر الذى فيه تماثيل، او يجيف الباب دونه و يصلى؟ قال: نعم لا بأس. و سألته عن البيت قد صور فيه طيرا و سمكة او شبهه يعبث به اهل البيت، هل تصلح الصلوة فيه؟ قال: لا حتى يقطع رأسه او يفسده، و ان
ص: 54
كان قد صلى فليس عليه اعادة. و سألته عن الدار و الحجرة فيها التماثيل، ايصلى فيها؟ قال: لا تصل فيها و شىء منها مستقبلك، الا ان لا تجد بد افتقطع رؤسها و الا فلا تصلّ فيها.
و منها رواية المكارم عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع) قال: لا بأس ان تكون التماثيل فى البيوت، اذا غيرت الصورة.
و منها مرسلة ابن ابى عمير، عن الصادق (ع)، فى التماثيل فى البساط لها عينان و انت تصلى، فقال: ان كان لها عين واحدة فلا بأس، و ان كان لها عينان فلا.
قال فى البحار بعد نقل رواية على بن جعفر المتقدمة: فيظهر منها و مما سيأتى، انه اذا كان فى البيت الذى يصلى فيه صورة حيوان على ما اخترناه، او مطلقا مما له مشابه فى الخارج على ما قيل، تكره الصلوة فيه، و تخف الكراهة بكون الصورة على غير جهة القبلة، او تحت القدمين، او بكونها مستورة بثوب او غيره، او ينقص فيها لا سيّما ذهاب عينيها او احديهما، و لو ذهب رأسها فهو افضل، و يحتمل ذهاب الكراهة باحد هذه الامور، و ان كان الاحوط الاحتراز عنها مطلقا.
ثم روى عن المكارم، عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) قال: ربما قمت اصلى، و بين يدى و سادة فيها تماثيل طاير، فجعلت عليه ثوبا، و قال: قد أهديت الى طنفسة من الشام فيها تماثيل طاير، فامرت بتغيير رأسه فجعل كهيئة الشجر. و قال: ان الشيطان اشد ما يهم بالانسان اذا كان وحده، ثم قال: و عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع) قال: لا بأس ان تكون التماثيل فى البيوت، اذا غيرت الصورة. و عن محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر، قال: لا بأس، ما لم يكن فيه شىء من الحيوان.
و عن ابى بصير قال: قلت لأبى عبد الله (ع): انما يبسط عندنا الوسايد فيها التماثيل و نفرشها، قال: لا بأس لما يبسط منها و يفترش و يوطأ، انما يكره منها ما نصب على الحايط السرير. قرب الأسناد عن عبد اللّه بن الحسن عن جده
ص: 55
على بن جعفر، عن أخيه (ع) قال: سألته عن البيت فيه الدراهم السود فى كيس او تحت فراش، او موضوعة فى جانب البيت فيه التماثيل، هل تصلح الصلوة فيه؟ قال: لا بأس. و سألته عن رجل كان فى بيته تماثيل او فى ستر و لم يعلم بها، و يصلى فى ذلك البيت ثم علم ما عليه، قال: ليس عليه فيما لا يعلم شىء، فاذا علم فلينزع الستر و ليكسر رؤس التماثيل. و سألته عن المسجد يكون فيه المصلى تحته الفلوس او الدراهم البيض او السود، هل يصلح القيام عليها و هو فى الصلوة؟ قال: لا بأس. و سألته عن مسجد يكون فيه تصاوير و تماثيل ا يصلى فيه؟ قال: يكسر رؤس التماثيل(1)، و يلطخ رؤس التماثيل، و يصلى و لا بأس، انتهى كلام البحار.
و بالجملة تفصيل الكلام قد مضى فى بحث اللباس، فلا نعيده فى هذا المكان.
(او) الى (مصحف مفتوح) بلا خلاف اجده، الا من الحلبى فحرم مع التردد فى الفساد، اخذا بظاهر الموثقة المروية فى التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، عن عمار الساباطى، عن ابى عبد الله (ع)، فى الرجل يصلى و بين يديه مصحف مفتوح فى قبلته، قال: لا، قلت: فان كان فى غلاف، قال: نعم. المحمولة عند الأكثر على الكراهة، جمعا بينها و بين الأصل و العمومات.
و خصوص الخبر المروى عن قرب الأسناد، عن عبد اللّه بن الحسن العلوى عن جده على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن الرجل، هل له ان ينظر فى نقش خاتمه؟ و هو فى الصلوة كانه يريد قراءته، او فى مصحف، او كتاب فى القبلة، قال: ذلك نقص فى الصلوة و ليس يقطعها. المعتضد بالشهرة العظيمة، بل اجماع الطائفة، كما ادعاه بعض الأجلة.
ص: 56
قال فى المسالك: و تتعدى الكراهة الى كل مكتوب و منقوش الى القبلة، لاشتراك الجميع فى المعنى و هو التشاغل به عن العبادة. و قال فى المدارك: و الحق به الشارح كل مكتوب و منقوش، و هو جيد للمسامحة فى أدلة السّنن، و ان كان للمناقشة فى امثال هذه المعانى المستنبطة مجال، و عن المصنف رحمه اللّه ايضا انه فى المنتهى و التذكرة كره التوجه الى كل شاغل من كتابه و نقش و غيرهما، نظرا الى اشتراك الجميع فى العلة.
قال بعض المحققين: و عن الشيخ فى المبسوط، الحاق الشىء المكتوب به لأنه يشغله عن الصلوة، و به علل فى النهاية، و لا بأس به للمسامحة، انتهى.
أقول: الحاق الشىء المكتوب بذلك لا يخلو عن قوة، لما يستفاد من رواية على بن جعفر المتقدمة.
قال فى المسالك: لا فرق بين القارى و غيره ممن يبصر، و لا يكره لفاقده.
(او) الى (حايط ينزّ من البالوعة) بلا خلاف اجده، الا ما عن الحلبى فحرم مع التردد فى الفساد، روى التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، عن احمد بن محمد بن ابى نصر، عمن سأل ابا عبد الله (ع) عن المسجد ينز حايطه قبلته من بالوعة يبال فيها، فقال: ان كان نزّ من البالوعة فلا تصل فيه، و ان كان من غير ذلك فلا بأس، و النهى محمول على الكراهة.
و ألحق جماعة بالبول الغايط، مستدلا بالاولوية، قال بعض الأجلاء بعد نقل تلك الرواية: و التقريب فيها و ان كان موردها البول، الا انه متى ثبت ذلك فى البول، ففى الغائط بطريق اولى. و روى فى الفقيه عن محمد بن ابى حمزة عن ابى الحسن الأول (ع)، قال: اذا ظهر النز من خلف الكنيف و هو فى القبلة ستره بشىء، انتهى.
أقول: روى فى البحار عن كتاب الحسين بن عثمان، قال: روى عن ابى الحسن ... عليه السلام قال: اذا ظهر النّز اليك من خلف الحايط، من كنيف فى القبلة،
ص: 57
سترته بشىء. قال ابن ابى عمير: و رايتهم قد ثنوا(1) بارية و باريتين قد ستروا بها. قال فى المسالك: و فى تعدية الحكم الى ما ينّز بالماء النجس و نحوه نظر، انتهى. و عن المصنف طاب ثراه، انه تردد فيما ينزّ من الماء النجس و الخمر، نظرا الى انسحاب العلة، و الى قوله (ع): و ان كان من غير ذلك فلا بأس، و لعلّ عدم الالحاق لا يخلو عن قوة، اقتصارا على النص.
(او) التوجه (الى انسان مواجه او باب(2) مفتوح) على الأشهر كما فى المسالك، و منهم الحلبى، و اعترف اكثر المتأخرين بعدم الوقوف على دليل فيهما، حتى ان المحقق فى التحرير، انما التجاء الى ان الحلبى احد الأعيان فلا بأس باتباع فتواه، و اقتفاه غير المتأخرين.
و استدل بعضهم للأول بما رواه فى كتاب قرب الأسناد، عن عبد اللّه بن الحسن عن جدّه على بن جعفر عن أخيه موسى (ع)، قال: سألته عن الرجل يكون فى صلوته، هل يصلح له ان تكون امرأة مقبلة بوجهها عليه فى القبلة قاعدة او قائمة؟ قال: يدرها عنه فان لم يفعل لم يقطع ذلك صلوة. قيل: و مورد الخبر و ان كان اخص مما ذكروه، الا ان الظاهر انه لا خصوصية للمراة بذلك توجب قصر الحكم عليها خصوصا مع جواز الاجنبية، و ان اكثر الاحكام انما خرجت سؤالا و جوابا فى الرجال، مع حكمهم فيها بالعموم للنساء الا مع ظهور ما يوجب التخصيص و يؤيده ما رواه فى كتاب دعائم الاسلام، عن جعفر بن محمد (ع)، انه يكره ان يصلى الرجل و رجل بين يديه قائم، انتهى. فتدبر.
قال بغض الأجلة: و هذا معارض بالأخبار الكثيرة، النافية للباس عن ان تكون المراة بحذاء المصلى قائمة و جالسة و مضطجعة، الا ان يخص الباس المنفى فيها بالحرمة، جمعا، و لكنه فرع التكافؤ المفقود هنا، الا أن يكون فى مقام الكراهة
ص: 58
مغتفرا، انتهى.
و يمكن ان يقال: ان المكافأة موجودة، لمكان الشهرة المحكية و غيرها فليتأمل، و قد مضى فى بحث صلوة الرجل بحيال المراة، خبران دالان على صلوة النبى (ص) و عايشة نائمة معترضة بين يديه كما فى احدهما، و مضطجعة بين يديه كما فى آخر.
و استدل ايضا للثانى ايضا باستفاضة الأخبار، باستحباب التستر ممن يمرّ بين يديه و لو بعود او عنزة او قصبة او قلنسوة او كومة من تراب، و لم يرض بهذا الاستدلال بعض الأجلة، و لعلّه لمكان الفرق بين الاستحباب و الكراهة، و عدم استلزام رفع الاول لاثبات الثانى بلا شبهة. أقول: يمكن الاستدلال على ذلك بما رواه فى كتاب دعائم الاسلام، عن رسول الله (ص) انه قال: الصلوة الى غير سترة من الجفاء. و ما نحن فيه ايضا من افراده فافهم.(1)
(و لا بأس بالبيع و الكنايس) فيجوز الصلوة فيهما من غير كراهة على الأشهر، و عن ظاهر المنتهى الاجماع عليه، خلافا للمحكى عن المراسم و المهذب و الغنية و السرائر و الاصباح و الاشارة، فكرهوها فيهما، و هو خيرة الدروس ايضا، و عن الغنية الاجماع عليه. و من الأخبار المتعلقة بالمقام، ما رواه التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، فى الصحيح عن العيص بن القاسم قال:
سألت ابا عبد الله (ع) عن البيع و الكنايس يصلى فيها؟ فقال: نعم، و سألته هل يصلح نقضها(2) مسجدا؟ فقال: نعم.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن الصلوة فى البيع و الكنايس و بيوت المجوس فقال: رش و صلّ. و قد تقدم تلك الرواية و نظيرها، فى بيان الصلوة فى بيوت المجوس.
ص: 59
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن حماد الناب عن حكم بن الحكيم قال: سمعت ابا عبد الله (ع)، يقول و سئل عن الصلوة فى البيع و الكنايس، فقال: صل فيها قد رايتها ما انظفها، قلت: ايصلى فيها و ان كانوا يصلون فيها؟ فقال: نعم اما تقرء القرآن «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدىٰ سَبِيلاً» صلى على القبلة و غربهم.
و روى فى البحار هذا الخبر، عن العياشى عن صالح بن الحكم، بأدنى تفاوت فى المتن.
و منها ما رواه فى الكافى فى باب الصلوة فى الكعبة فى الحسن كالصحيح، عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) فى حديث قال: سألته عن الصلوة فى البيعة، فقال: اذا استقبلت القبلة فلا بأس.
و منها ما رواه فى البحار عن قرب الأسناد، عن السندى بن محمد، عن ابى البخترى، عن الصادق عن أبيه عن على (ع) قال: لا بأس فى البيعة و الكنيسة، الفريضة و التطوع، و المسجد افضل.
قال بعض الأجلاء: لا يخفى ان الروايات الواردة فى المقام، ما بين مطلق للجواز و ما بين مقيد بالرش، و قضية حمل المطلق على المقيد الكراهة، حتى يحصل الرش الذى به تزول الكراهة، و بذلك يظهر قوة ما ذهب اليه ابن ادريس و سلار و ابن البراج، فلا معنى لفرقهم فى هذا المقام بين بيوت المجوسى التى اتفقوا فيها على الكراهة، و بين البيع و الكنايس التى حكموا فيها بعدم الكراهة فان الرش ان كان لدفع الكراهة ففى الموضعين، و ان كان لا لذلك و لا يستلزم الكراهة ففى الموضعين ايضا، فاثباتها فى احدهما دون الآخر مع اشتراك الدليل، لا اعرف له وجها، انتهى.
أقول: فى دلالة الأخبار الآمرة بالرش على الكراهة مناقشة، نعم يستفاد منها ان الرش فى بيوت المجوس و البيع و الكنايس مستحب، و ان هذا من الكراهة، و لم يستدل كل الاصحاب فى بيوت المجوس بتلك الأخبار حتى يرد
ص: 60
عليهم ما اورد، فتتبع فى كلماتهم فى المسئلتين حتى يظهر لك حقيقة ما قلناه.
و كيف كان فالقول بالكراهة فى البيع و الكنايس لا يخلو عن قوة، اخذا بالاجماع المحكى عن الغنية، مسامحة فى ادلة الكراهة.
قال فى البحار: المشهور بين الأصحاب عدم كراهة الصلوة فى البيع و الكنايس، و ذهب ابن البراج و سلار و ابن ادريس الى الكراهة، لعدم انفكاكها من النجاسة غالبا، و قال الشيخان رحمهم الله: لو كانت مصورة كره قطعا من حيث الصور - الى ان قال - و قال فى المنتهى: الاقرب انه يستحب رش الموضع الذى يصلى فيه من البيع و الكنايس و المجوس، فقال: رش و صلّ، و العطف تقتضى التشريك فى الحكم انتهى، و هو حسن انتهى. و القول باستحباب الرش كما يستفاد من الصحيحة، وفاقا للمذكورين و الحبل المتين و غيرهم.
و ينبغى التنبيه لأمرين:
الأول: قال فى البحار: و اطلاق النص و كلام الاصحاب، يقتضى عدم الفرق بين اذن اهل الذمة و عدمه، و احتمل الشهيد فى الذكرى توقفها على الاذن، تبعا لغرض الواقف، و عملا بالقرينة، و الظاهر عدمه لاطلاق النصوص و يؤيّدها ورود الاذن فى نقضها مسجدا، بل لو علم اشتراطهم عند الوقف عدم صلوة المسلمين، كان شرطهم فاسدا باطلا، و كذا الكلام فى مساجد المخالفين و صلوة الشيعة فيها، و نحوا منه ذكر بعض الأجلاء.
و قال فى الحبل المتين: و هل جواز الصلوة فيها؟ مشروط باذن اهل الذمة، احتمل شيخنا فى الذكرى، معللا باتباع غرض الواقف و قيام القرينة، و قد تضمن الحديث الثانى - اى صحيحة العيص المتقدمة - جواز نقضها مسجدا، و لفظه نقضها فى النسخ المعتبرة من التهذيب بالنون و القاف، و المراد به آلات بنائها كالاجر و الاخشاب و نحوها، و فى بعضها بالباء الموحدة و العين (1) انتهى.
ص: 61
أقول: و الأقوى عدم اشتراط جواز الصلوة باذن اهل الذمة، لما عرفت.
اعلم انه روى التهذيب فى باب فضل المساجد، عن محمد بن اسمعيل، عن الفضل بن شاذان، عن العيص بن القاسم قال: سألت ابا عبد الله، عن البيع و الكنايس، هل يصلح نقضها لبناء المساجد؟ فقال: نعم. و لفظه «نقضها» فى هذه الرواية تكون بالنون و القاف.
الثانى: روى فى البحار عن قرب الأسناد، عن عبد اللّه بن الحسن، عن جده على بن جعفر، عن أخيه موسى (ع)، قال: سألته عن بوارى اليهود و النصارى التى يقعدون عليها فى بيوتهم، ايصلى عليها؟ قال: لا. قال فى البحار بعد ان نقل المذكور: و حمل على الكراهة، او على العلم بالنجاسة، و الأحوط الاجتناب لغلبة(1) الظاهر فيه على الأصل(2) قال بعض الأجلاء:
حيث كان مقتضى الأصل الطهارة، فالخبر اما محمول على علم النجاسة فيكون النهى للتحريم، اولا فيكون النهى محمولا على الكراهة.
(و) كذا لا بأس بالصلوة (فى مرابض الغنم) على الأشهر، بل لا خلاف فيه يظهر، الا ما عن ابى الصلاح فحرم مترددا فى الفساد.
و من الأخبار المتعلقة بالمسئلة، ما رواه التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، فى الموثق عن سماعة قال: سألته عن الصلوة فى اعطان الابل، و فى مرابض البقر و الغنم، فقال: ان نضحته بالماء و قد كان يابسا فلا بأس بالصلوة فيها، فاما مرابط الخيل و البغال فلا.
و منها: ما رواه ابن بابويه فى الفقيه فى باب المواضع التى يجوز الصلوة فيها، فى الصحيح، و الكافى فى باب الصلوة فى الكعبة، فى الحسن بابراهيم بن هاشم، و التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس، عن الكلينى عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن الصلوة فى مرابض الغنم، فقال:
ص: 62
صلّ.
و منها ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، و الكافى فى باب الصلوة فى الكعبة، فى الصحيح عن محمد بن مسلم، عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: لا بأس بالصلوة فى مرابض الغنم.
و منها ما رواه فى البحار عن المحاسن، محمد بن على، عن عبد الرحمن بن ابى هاشم، عن خديجة، عن ابى عبد الله (ع)، قال: دخل رسول الله (ص) على ام ايمن فقال: ما لى لا ارى فى بيتك البركة؟ قالت: ا و ليس فى بيتى بركة! قال: لست اعنى ذلك، لك شاة تتخذينها يستغنى ولدك من لبنها، و تطعمين من سمنها، و تصلين فى مربضها.
و منها ما رواه فى البحار منه عن ابيه عن سليمان الجعفرى رفعه قال: قال رسول الله (ص) امسحوا رعام الغنم، و صلوا فى مراحها، فانها دابة من دواب الجنة، قال: الرعام ما يخرج من انوفها. و عن جابر بن سمرة: ان رجلا سأل رسول الله (ص): ا تصلى فى مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال: ا تصلى فى مبارك الابل، قال: لا. و عن الجمهور، عن النبى (ص) قال: اذا ادركتم الصلوة و انتم فى مراح الغنم فصلوا فيها، فانها سكينة و بركة.
اذا عرفت ذلك فاعلم ان المصنف رحمه اللّه قال فى المنتهى: لا بأس بالصلوه فى مرابض الغنم و ليس مكروها، ذهب اليه اكثر علمائنا، و قال ابو الصلاح لا يجوز الصلوة فيها، لما رواه الشيخ فى الموثق عن سماعة قال: سألته عن الصلوة فى اعطان الابل... الحديث. قال: و هذا يدل على اشتراك مرابض الغنم و اعطان الابل فى الحكم، و قد بينا تحريم الصلوة فى الاعطان فكذا فى المرابض.
و اجاب المصنف طاب ثراه، اولا: بضعف السند، و ثانيا: بكونه موقوفا و ثالثا: بمنع التحريم فى المعاطن، و رابعا: بمنع الاشتراك مع تسليم التحريم.
قال فى البحار: اما مرابض البقرة و الغنم، فالظاهر عدم الكراهة مطلقا، الا انه يستحب الرش بالماء، انتهى.
ص: 63
أقول: ظهر من هذه الأخبار، ان القول بعدم الكراهة هو الأقوى، بل يستفاد من بعضها رجحان ايقاع الصلوة فيها.
قال فى البحار بعد ان نقل رواية سليمان الجعفرى: اعلم ان الرعام فى بعض النسخ بالعين المهملة و فى بعضها بالغين المعجمة، و روت العامة على الوجهين ايضا، قال فى النهاية: فيه «صلوا فى مراح الغنم و امسحوا رعامها» الرعام ما يسيل من انوفها، و شاة رعوم، و قال فى المعجمة فى حديث ابى هريرة:
«صل فى مراح الغنم و امسح الرغام عنها» كذا رواه بعضهم بالغين المعجمة، و قال: انه ما يسيل من الأنف، و المشهور فيه و المروى بالعين المهملة، و يجوز ان يكون اراد مسح التراب عنها، رعاية لها و اصلاحا لشأنها، انتهى، انتهى كلام البحار.
(و) كذا لا بأس بالصلوة (فى بيت اليهودى و النصرانى) روى التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، فى الزيادات عن ابى جميلة، عن ابى عبد الله (ع)، قال: لا تصل فى بيت فيه مجوسى، و لا بأس أن تصلى فى بيت فيه يهودى او نصرانى. و روى الكافى فى باب الصلوة فى الكعبة، عن أبى اسامة، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا تصل فى بيت فيه مجوسى، و لا بأس بأن تصلى و فيه يهودى او نصرانى. قيل: و الروايتان تشملان ما هما فيه، سواء كان بيتهما ام لا، و لا تشملان بيتهما اذا لم يكونا فيه انتهى.
أقول روى فى الكافى فى الباب المتقدم، عن عامر بن نعيم قال: سألت أبا عبد الله (ع)، عن هذه المنازل التى ينزلها الناس، فيها ابوال الدواب و السرجين و يدخلها اليهود و النصارى، كيف يصلى فيها؟ قال: صلّ على ثوبك.
و روى فى البحار عن قرب الأسناد، عن على بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن بوارى اليهود و النصارى التى يقعدون عليها فى بيوتهم، أيصلى عليها؟ قال: لا. و قد تقدم تلك الرواية فى البيع و الكنايس.
ص: 64
و مقتضاهما كما ترى، كراهة الصلوة فى بيت اليهودى و النصارى و مقاعدهم قال بعض الأجلاء: يستفاد من هذين الخبرين كراهة الصلوة فى بيوت اليهود و النصارى و مقاعدهم، و ان لم يذكره الأصحاب، انتهى.
روى فى البحار عن العلل، عن ابيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطينى، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبى بصير و محمد بن مسلم، عن ابى عبد الله (ع)، عن آبائه (ع)، قال: قال امير المؤمنين (ع): لا يصلى احدكم و بين يديه سيف، فان القبلة امن.
قال فى البحار بعد نقله: فان القبلة امن، اى ذا امن لا ينبغى ان يكون فيه ما يوجب الخوف، او ما يوجب تذكر القتال و شغل القلب به، او ان اللّه تعالى يحفظ المصلى فلا يحتاج الى السيف. ثم اعلم ان المشهور بين الأصحاب، انه يكره الصلوة الى سيف مشهور او غيره من السلاح، و قال ابو الصلاح: لا يجوز التوجه الى النار، و السلاح المشهور، و النجاسة الظاهرة، و المصحف المنشور، و القبور، و لنا فى فساد الصلوة مع التوجه الى شىء من ذلك نظر، و يكره التوجه الى الطريق، و السلاح المتوارى، و المراة النائمة بين يديه اشد كراهية، انتهى و الأشهر اظهر انتهى. و هو جيد.
قال فى الدروس: و يكره الصلوة الى السلاح المتوارى، و السيف المشهور اشد كراهية.
قال الصدوق فى الفقيه فى باب المواضع التى تجوز الصلوة فيها:
و قال الصادق (ع): لا يصلى(1) فى دار فيها كلب الا ان يكون كلب الصيد، و اغلقت دونه بابا، فلا بأس فان الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، و لا بيتا فيه تماثيل و لا بيتا فيه بول مجموع فى آنية.
ص: 65
أقول: قد عرفت فى بيان كراهة الصلوة فى بيوت الغايط، ما يدل على كراهة الصلوة فى بيت فيه كلب، و الظاهر ان الاطلاق يشمل كلب الصيد و غيره.
و هذا التفصيل الواقع فى هذا الخبر ينافى الاطلاق، و لعل الاخذ بالاطلاق اولى، و يظهر من هذا الخبر المرسل ان المناط هو كون الدار مأوى للكلب، و ان لم يكن حين الصلوة فيها.
قال فى الدروس: و قال الجعفى: لا يصلى خلف نيام و لا متحدثين و نهى عن الصلوة على كدس الحنطة المطين و ان كان مسطحا. انتهى. أقول:
روى التهذيب فى باب كيفية الصلوة، فى الزيادات عن محمد بن مضارب، عن أبى عبد الله (ع)، قال: سألته عن كدس حنطة مطين، اصلى فوقه؟ فقال: لا تصل فوقه. قلت: فانه مثل السطح مستوى، فقال: لا تصل عليه. و حمله التهذيب على الكراهة لما رواه فى هذا المكان، عن عمر بن حنظلة قال: قلت لأبى عبد الله عليه السلام: يكون الكدس من الطعام مطينا مثل السطح، قال: صل عليه، و الحمل المذكور جيد.
الظاهر انه لا خلاف فى استحباب السترة بضم السين للمصلى فى قبلته، و الاجماعات المحكية فى ذلك مستفيضة، و الأخبار المتعلقة بالمسئلة و لو فى الجملة كثير، منها: ما رواه الكافى فى باب ما يستر به المصلى ممن يمر بين يديه، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع) قال: كان طول رحل رسول الله (ص) ذراعا، و كان اذا صلى وضعه بين يديه، يستر به ممن يمر بين يديه.
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن معوية بن وهب، عن ابى عبد الله (ع) قال: كان رسول الله (ص) يجعل العنزة بين يديه اذا صلى. قال الشيخ البهائى و غيره: و العنزة بفتح العين المهملة و تحريك النون و بعدها زاى: عصاة فى اسفلها حربة، و فى الصحاح: انها اطول من العصا و أقصر من الرمح.
و منها ما رواه التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان،
ص: 66
فى اواخر الزيادات عن غياث، عن ابى عبد الله (ع): ان النبى (ص) وضع قلنسوة و صلى اليها.
و منها ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، عن السكونى، عن جعفر عن آبائه قال: قال رسول الله (ص) اذا صلّى احدكم بارض فلاة فليجعل بين يديه مؤخرة الرجل، فان لم يجد فحجرا، فان لم يجد فسهما، فان لم يجد فليخط فى الأرض بين يديه. و عن الوافى انه قال: مثل مؤخرة الرجل، يعنى بتلك المماثلة ارتفاعه من الأرض.
و منها ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، فى الصحيح عن محمد بن اسماعيل، عن الرضا (ع): فى الرجل قال: يكون بين يديه كومة من تراب او يخط بخط.
و منها ما رواه الكافى فى باب ما يستر به المصلى، باسناد فيه عثمان بن عيسى، عن ابن ابى يعفور، قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الرجل هل تقطع صلوته شىء مما يمر بين يديه؟ فقال: لا يقطع صلوة المؤمن شىء، و لكن ادرأوا ما استطعتم.
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن ابى بصير، عن أبى عبد الله (ع): لا يقطع الصلوة شىء لا كلب و لا حمار و لا امراة، و لكن استتروا بشىء، و ان كان بين يديك قدر ذراع رافعا من الأرض فقد استترت.
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن على بن ابراهيم رفعه عن محمد بن مسلم قال: دخل ابو حنيفة على ابى عبد الله (ع) فقال له: رايت ابنك موسى يصلى، و الناس يمرون بين يديه فلا ينهاهم، و فيه ما فيه. فقال ابو عبد الله (ع):
ادعوا لى موسى، فدعى فقال: يا بنى ان أبا حنيفة يذكر انك كنت تصلى و الناس يمرون بين يديك فلم تنههم، فقال: نعم يا أبه ان الذى كنت اصلى له كان اقرب الى منهم، يقول الله «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ» قال: فضمه ابو عبد الله (ع) الى نفسه، ثم قال: بابى انت و امى يا مستودع الأسرار. قال فى الكافى بعد نقل صحيحة ابى بصير المتقدمة عن قريب ما لفظه: و الفضل فى هذا ان
ص: 67
يستتر بشىء و يضع بين يديه ما يتقى به من المار، فان لم يفعل فليس به بأس، لأن الذى يصلى له اقرب اليه ممن يمر بين يديه، لكن اداب الصلوة و توقيرها. ثم نقل رواية محمد بن مسلم المتقدمة، و قال: و هذا تأديب منه (ع) لا انه ترك الفضل.
و منها ما روى(1) عن سفيان بن خالد، عن ابى عبد الله (ع): انه كان يصلى ذات يوم اذ مر رجل قدامه و ابنه موسى (ع) جالس، فلما انصرف قال لأبيه: يا ابت ما رأيت الرجل من قدامك، فقال: يا بنى ان الذى اصلى له اقرب الى من الذى مرّ قدامى.
و منها ما رواه فى كتاب قرب الأسناد، عن عبد اللّه بن الحسن، عن جده على بن جعفر، عن أخيه (ع)، قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلى و امامه شىء عليه ثياب؟ قال: لا بأس. و سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلى و السراج موضوع بين يديه فى القبلة؟ قال: لا يصلح له ان يستقبل النار. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلى و امامه حمار واقف؟ قال: يضع بينه و بينه عودا او قصبة او شيئا، يقيمه بينهما و يصلى لا بأس. قلت: فان لم يفعل و صلى، ا يعيد صلوته و ليس عليه شىء؟ و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلى و امامه النخلة و فيها حملها؟ قال: لا بأس. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلى فى الكرم و فيه حمله؟ قال: لا بأس. و سألته عن الرجل يكون فى صلوته، هل يصلح له ان تكون امراة مقبلة بوجهها عليه قاعدة او قائمة؟ قال: يدرأها عنه، فان لم يفعل لم يقطع ذلك صلوته. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلى و امامه شىء من الطير؟ قال: لا بأس.
و منها ما رواه فى البحار عن كتاب التوحيد، عن محمد بن ابراهيم الطالقانى عن ابى سعيد الرميحى، عن عبد العزيز بن عثمان(2) عن محمد بن عيسى بن
ص: 68
هرون، عن محمد بن زكريا المكى، عن منيف مولا جعفر بن محمد قال: حدثنى سيدى جعفر بن محمد، عن ابيه، عن جده (ع) قال: كان الحسن(1) بن على بن ابيطالب (ع) يصلى فمر بين يديه رجل، فنهاه بعض جلسائه، فلما انصرف من صلوته قال له: لم نهيت الرجل؟ قال: يابن رسول الله (ص) خطر فيما بينك و بين المحراب، قال: ويحك ان اللّه عز و جل اقرب الى من ان يخطر فيما بينى و بينه احد.
و منها ما رواه فى البحار ايضا عن دعائم الاسلام، عن رسول الله (ص) انه قال: الصلوة الى غير سترة من الجفاء، و من صلى فى فلاة فليجعل بين يديه مثل مؤخرة الرجل.
و عن على (ع): انه يكره الصلوة الى البعير، و يقول: ما من بعير الاّ و على ذروته شيطان.
و عن جعفر بن محمد (ع): انه كره ان يصلى و رجل بين يديه قائم، و لا يصلى الرجل و بحذائه امراة الا ان يتقدمها بصدره.
و عن الرسول (ص) انه قال: اذا قام احدكم فى الصلوة الى سترة فليدن منها فان الشيطان يمر بينه و بينها، وحده فى ذلك كمربض الثور.
و عن جعفر بن محمد (ع): انه كره التصاوير فى القبلة.
و عن على (ع): انه سئل عن المرور بين يدى المصلى، فقال: لا يقطع الصلوة شىء، و لا تدع من يمرّ بين يديك و ان قاتلته. و قال: قام رسول اللّه (ص) الى الصلوة فمر بين يديه كلب ثم مر حمار ثم مرت امراة و هو يصلى، فلما انصرف قال: رأيت الذى رأيتم و ليس يقطع صلوة المؤمن شىء، و لكن ادرؤا ما استطعتم.
و منها ما رواه ايضا عن كتاب التبصرة و الامامة، عن الحسن بن حمزة العلوى عن على بن محمد بن ابى القاسم، عن ابيه، عن هرون بن مسلم، عن مسعدة بن
ص: 69
صدقة، عن الصادق، عن أبيه عن آبائه (ع) قال: قال رسول الله (ص):
الصلوة الى غير شىء من الجفاء.
و منها ما رواه ايضا عن قرب الأسناد، عن الحسن بن طريف، عن الحسين بن علوان، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام: ان عليّا سئل عن الرجل يصلى فيمر بين يديه الرجل و المراة و الكلب او الحمار، فقال: ان الصلوة لا يقطعها شىء، و لكن ادرؤا ما استطعتم، هى اعظم من ذلك. قال فى البحار بعد نقل الخبر الأخير: و لكن ادرؤا اى ادفعوا المار اما باشارة او برمى شىء كما فهمه الأصحاب، او ضرر مروره بالسترة لما رواه الكافى فى الموثق عن أبى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: لا يقطع الصلوة شىء لا كلب... الحديث. ثم نقل كلام الكلينى و رواية محمد بن مسلم المتقدم نقلهما عن الكافى، و قال: قوله «و فيه ما فيه» اى و فى هذا الفعل ما فيه من الكراهة، او فيه (ع) ما فيه من توقع امامته.
و قوله «و هذا تأديب». كلام الكلينى، و يحتمل وجوها: الأول: أن يكون المعنى ان هذا منه عليه السلام كان تأديبا لأبى حنيفة، و لذا طلبه ليعلم المعلمون انه (ع) كان لم يترك السترة حيث لم يذكر فى الخبر تركها. الثانى: ان يكون المراد تأديب موسى (ع)، فالمراد بالفضل النسنة الاكيدة، و التأديب فى اصل الطلب، و لا ينافى ذلك مدحه (ع) على ما ذكر من العلة فى عدم تأكيد السنة، و فى بعض النسخ «لأنه ترك». فالثانى اظهر، و يحتمل الأول على تكليف.
الثالث: أن يكون ضمير «منه» راجعا الى موسى (ع)، اى صلوته كذلك كان تأديبا لأبى حنيفة، لا انه ترك الفضل، اذ ترك السنة لهذه العلة ليس تركا للفصل بل هو عين الفضل، انتهى.
و عن الوافى انه قال بعد رواية محمد بن مسلم المروية فى الكافى: أقول: ليس فى الحديث انه ترك السترة، و انما فيه انه لم ينه الناس عن المرور، فلعلّه
ص: 70
لا يلزم نهى الناس بعد وضع السترة، و انما اللازم حينئذ حضور القلب مع الله تعالى، حتى يكون جامعا بين التوقير الظاهر للصلوة و التوقير الباطن لها، و لهذا ادب (ع) أبا حنيفة بذلك، و كان هذا هو المراد من كلام صاحب الوافى انتهى.
قال بعض الأجلاء بعد نقل جملة من الأخبار المتقدمة: قد استفاضت هذه الأخبار باستحباب السترة للمصلى، و الظاهر ان الغرض منها منع المرور بين يدى المصلى، لئلا يشغل فكره عن اقباله على صلوته، فكأنها بمنزلة تحجير المكان عن غيره، و لهذا انه يجوز له دفع المار - كما يأتى ان شاء اللّه تعالى - و لو استلزم اذاه، اما لو لم يضع السترة و لم يحجر الموضع بذلك فليس له ذلك. و ظاهر الأخبار الدالة على قول الأئمة (ع) «ان الذى اصلى له اقرب من الذى قدامى» و نحوه مما استملت عليه تلك الأخبار، هو عدم السترة يومئذ.
و فيه ايماء الى ان الغرض من السترة هو عدم توزع الفكر بمرور المار، انما هو بالنسبة الى من لم يكن فكره فى حال الصلوة مستغرقا مع اللّه سبحانه و تعالى و اما من كان فكره مستغرقا معه سبحانه و ليس فى قلبه شىء سواه فى تلك الحال، و لا يشغله عنه شاغل، حتى انه روى ان السهام التى تثبت فى بدن امير المؤمنين عليه السلام من الحرب، انما كانت تنزع وقت الصلوة، لعدم احساسه بذلك، فلا يستحب بالنسبة اليه لعدم ما يترتب عليها، فانه حاصل بدونها، الا ان الظاهر لتخصيص هذه المرتبة بهم (ع) و من قرب منهم، و قد تقدم اخر بهذا المعنى فى مسئلة كراهة استقبال النار، و يعضده مرفوعة عمر بن ابراهيم الهمدانى المتقدمة ايضا.
لا يقال: ان النبى (ص) كان يستر كما دلت عليه الأخبار المتقدمة، لأنا نقول: انه كان مكلفا بتشريع الشرايع و سنّ السنن و الواجبات و تعليم الناس فلا منافاة. و بالجملة فان النهى عن الصلوة بدون السترة مخصوص بالفرد الاول و التجويز بالفرد الثانى، و بذلك يظهر ما فى كلام صاحب الوافى من التكلف الذى لا ضرورة ملجئ اليه، انتهى.
ص: 71
أقول: الذى يظهر بعد التفكر فى الأخبار الواردة فى الباب، لفكرى الفاتر و يترجح فى نظرى القاصر، هو ان السترة مستحبة مطلقا و لو كان فكر المصلى فى حال الصلوة مستغرقا معه سبحانه و تعالى، و يظهر من قوية ابن ابى يعفور المتقدمة كروايتى دعائم الاسلام المتقدمتين المنقولتين عن النبى و عليّ عليهما السلام اخيرا، ان مر بين يدى المصلى فيستحب للمصلى ان يدفعه و لا يدعه ان يمر بين يديه، اما باشارة او يرمى حجارة او غيرهما، سواء كان له سترة ام لا، و يظهر من الأخبار المشتملة على قولهم «ان الذى اصلى له...» الى آخره ان من كان فكره مستغرقا مع اللّه سبحانه، فلا ضير له ان لا يدفعه و يدعه ان يمر بين يديه، و لا ينافى ذلك ما يظهر من روايتى ابى بصير المتقدمتين من كون السترة لدفع المار، و ذلك واضح جدا.
فعلى هذا لا منافاة بين الأخبار الماضية، و لا تحتاج الى تأويلات بعيدة و توجيهات غير مرضية و تخصيصات غير معمولة، فلا تنظر الى كلام الوافى حيث قال: فلعلّه لا يلزم نهى الناس... الى آخره، لأن ذلك تخصيص للأخبار الدالة على استحباب دفع المار بلا دليل، و قطع للفيافى بلا سبيل، وقس على ذلك كلام غيره ممن تقدم نقله، فافهم و اغتنم ذلك البتة.
قال فى البحار بعد ان روى عن العلل، عن أبيه، عن احمد بن ادريس، عن محمد بن احمد الأشعرى، عن على بن ابراهيم الجعفرى، عن ابى سليمان مولى ابن الحسن العسكرى (ع)، قال: سأله بعض مواليه و انا حاضر عن الصلوة يقطعها شىء، فقال: لا، ليست الصلوة تذهب هكذا بحيال صاحبها، انما تذهب مساوية لوجه صاحبها. ما صورته: توجيه وجيه: مساوية لوجه صاحبها اى الى السماء من جهة رأسه، و يحتمل ان يكون المراد انها تذهب الى الجهة التى توجه قلبه اليه، فان كان قلبه متوجها الى اللّه تعالى و عمله خالصا له سبحانه فانه يعود اليه و يقبل عنده، سواء كان فى مقابله شىء او لم يكن، و ان كان وجه قلبه متوجها الى غيره تعالى و عمله مشوبا بالاغراض الفاسدة، فعمله ينصرف الى ذلك الغير
ص: 72
سواء كان فى مقابل وجهه او لم يكن، و لذا يقال يوم القيمة: خذ ثواب عملك مما عملت له. و هو المراد من الخبر الآتى، فى قوله عليه السلام «الذى اصلى له اقرب الى من هؤلاء» او هو فى قلبى و لذا متوجه اليه و لا يشغلنى هذه الامور عنه، فعلى هذا يمكن ان يكون هذا وجه جمع بين الأخبار، بان يكون النهى لمن تكون مقابلة هذه الأمور سببا لشغل قلبه، و التجويز لمن لم يكن كذلك.
و يحتمل الخبر الآتى وجها آخر، و هو ان يكون المعنى ان الرب تعالى لما كان بحسب العلية و الرتبة و العلم، اقرب الى العبد عن كل شىء، فلا يتوهم توسط ما يكون بين يدى المصلى بينه و بين معبوده، و الاول اوجه. و الحاصل ان الغرض من عدم كون الصورة و السراج و امثالها بين يديه، عدم انتقاش صورة الغير فى القلب و النفس و الخيال، و توجه العبد بشراشره الى رب الأرباب، فمن لم يتوجه الى غيره فلا ضير، و اللّه الموفق لكل خير.
و قال ايضا فى مقام آخر: قال الشهيد رحمه اللّه فى الذكرى: تستحب السترة بضم السين فى قبلة المصلى اجماعا، فان كان فى مسجد او بيت فحايطه او سارية، و ان كان فى فضاء او طريق جعل شاخصا بين يديه، و يجوز الاستتار بكل ما يعد سترا و لو عنزة، فقد كان النبى (ص) تركز له الحربة فيصلى اليها، و يعرض البعير فيصلى اليه، و ركزت له العنزة يصلى الظهر يمر بين يديه الحمار و الحمل لا يمنع، و العنزة العصا فى اسفلها حديد، و الاولى بلوغها ذراعا قاله الجعفى و الفاضل زاد فيما زاد، و قد روى ابو بصير عن ابى عبد الله (ع) قال:
كان طول... الحديث. و يجوز الاستتار بالسهم و الخشبة و كلما كان أعرض فهو افضل، و روى معوية بن وهب عن الصادق (ع) قال: كان رسول الله (ص) يجعل العنزة... الحديث، ثم نقل روايتى السكونى و غياث المتقدمتين، و صحيحة محمد بن اسمعيل المتقدمة، و قال: و روى العامة الخط عن النبى (ص) و انكره بعض العامة، ثم هو عرضا و بعض العامة طولا او مدورا او كالهلال. و قال رحمه الله: اذا نصب بين يديه عنزة او عودا لم يستحب الانحراف عنه يمينا و
ص: 73
لا يسارا، قاله فى التذكرة، و قال ابن الجنيد: يجعله على جانبه الايمن و لا يتوسطها، فيجعلها مقتصدة تمثيلا بالكعبة، و بعض العامة لتكن على الايمن او على الايسر.
أقول: ظاهر الأخبار المحاذاة، و ما ذكره ابن الجنيد لا وجه له ظاهرا، ثم قال قدس سره: يستحب الدنو من السترة، لما روى عن النبى (ص) اذا صلى أحدكم الى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان صلوته. و قدره ابن الجنيد بمربض الشاة، لما صح من خبر سهل الساعدى قال: كان بين مصلى النبى (ص) و بين الجدار ممر الشاة، و بعض العامة بثلاث اذرع. و يجوز الاستتار بالحيوان لما مر، و يجزى القاء العصا عرضا اذا لم يمكن نصبها لأنه اولى من الخط، أقول:
ذكر بعض الأصحاب حد الدنو من مربض عنز الى مربط فرس، لما رواه الصدوق فى الصحيح عن عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: ما يكون(1) بينك و بين القبلة مربض عنز و اكثر ما يكون مربط فرس. و قال قدس سره: سترة الامام سترة لمن خلفه، و قال: يستحب دفع المار بين يديه، لقوله (ص): لا يقطع الصلوة شىء فادرؤا ما استطعتم، ثم ذكر الأخبار المتقدمة، ثم قال: يكره المرور بين يدى المصلى، سواء كان له سترة ام لا، و لو احتاج المصلى فى الدفع الى القتال لم يجز، و رواية ابى سعيد الخدرى و غيره عن النبى (ص): فان ابى فليقاتله فانما هو شيطان، للتغليظ ايضا، او يحمل على دفاع مغلظ لا يؤدى الى جرح و لا ضرر.
و هل كراهة المرور و جواز الدفع مختص بمن استتر او مطلق نظر، و لو كان فى الصف الأول فرجة جاز التخطى بين الصف الثانى لتقصيرهم باهمالها، و لو لم يجد المار سبيلا سوى ذلك لم يدفع، و غلا بعض العامة فى ذلك و جوز الدفع مطلقا، و لا يجب نصب السترة اجماعا، و ليست شرطا فى صحة الصلوة ايضا بالاجماع،
ص: 74
و انما هى من كمال الصلوة، انتهى ملخص كلامه زاد اللّه فى اكرامه، انتهى كلام البحار.
أقول كلام الذكرى ايضا مما يؤد ما ذكرناه.
قال بعض الأجلاء، بعد نقل رواية على بن جعفر المتقدمة: قد دلّ خبر على بن جعفر على استحباب السترة اذا صلى و فى قبلته حمار، و لم يذكره احد من الأصحاب فيما اعلم، الا ان الصدوق فى الفقيه روى ذلك عن على بن جعفر (ع) ايضا مع جملة من هذه السؤالات، و هو يؤذن بقوله بذلك، بناء على ما قدمه فى صدر كتابه من انه لا يذكر فيه الا ما يفتى به و يحكم بصحته، انتهى.
أقول: يظهر من تلك الرواية ان مطلق ما يكفى فى السترة و لو كان خطا غير كاف، بل هنا لا بدّ ان يضع بينه و بين الحمار شيئا حتى يقيمه، و يؤيد المذكور رواية دعائم الاسلام المنقولة اخيرا، و يعضده ايضا رواية ابى بصير المنقولة اخيرا كرواية الحسين بن علوان، و بعض الأخبار المتقدمة ايضا لا يخلو عن تأييد ما.
اعلم ان المحقق المجلسى بعد ان نقل جملة من الروايات، المشتملة على النهى عن الصلوة فى اعطان الابل كما فى بعضها، و فى مباركه كما فى أخر عن الجمهور، قال: و لا يخفى ان بعض تلك الروايات على تقدير صحتها تومى الى كراهة الصلوة فى كل موضع حضر فيه ابل، مع انهم ذكروا فى السترة انها تتحقق بالبعير، و رووا ان النبى (ص) صلى الى بعير، و رووا عنه (ص) انه كان يعرض راحلته و يصلى اليها، قال قلت: فاذا ذهبت الركاب، قال: كان يعرض الرحل و يصلّى الى آخرته. و قال العلامة فى المنتهى: لا بأس ان يستتر ببعير او حيوان، ثم ذكر الروايتين الاخيرتين. انتهى كلام البحار.
أقول: قد ظهر من رواية دعائم الاسلام، ان عليا (ع) كره الصلوة الى البعير، فحكم المصنف بجواز الاستتار بالبعير، استنادا الى ما رواه العامة لا وجه له سيما بعد روايتهم ما يومى الى الكراهة، كما أشار اليه فى البحار، و ان اردت التوضيح
ص: 75
التام، فارجع الى ما تكلمنا فى بيان كراهة الصلوة فى اعطان الابل.
و اما الاستتار بالحيوان فقد عرفت حكم الحمار، فلا معنى لنفى البأس عن الاستتار بالحيوان بعنوان الاطلاق، بل يمكن ان يقال: لا يجوز الاستتار بالحيوان مطلقا، لما يفهم من الأخبار المشتملة على قولهم (ع) «و لكن ادرؤا ما استطعتم» و يمكن ان يقال: ان ما يستفاد من رواية على بن جعفر من استحباب السترة اذا كان بين يدى المصلى، و اما اذا لم يمكن له الذهاب و الاياب و التردد بين المصلى لشدّ او غيره، او يمكن له التردد و لكن هو نائم بين يديه، فلا ضير فى الاستتار به.
و رواية على بن جعفر كغيرها من الروايات المتقدمة، المشتملة لقوله (ع) «و لكن ادرؤا ما استطعتم» غير الشاملة للمقام بلا شبهة، و الظاهر ان مراد المصنف ايضا هذا الفرد، لأنه لا معنى لاتخاذ الحيوان سترة الا ان يفرض كونه بالنحو المسطور فاذن يجوز الاستتار بما عدا البعير من الحيوانات كالحمار و الفرس و البقرو البغل ان قلنا بجواز الاستتار بكل ما يعد ساترا، كما سنتكلم ان شاء اللّه فيه فانتظر.
اعلم ان الظاهر من جملة من الأخبار المتقدمة، هو استحباب الارتفاع فى السترة، بان تكون عنزة و نحوها و لو قدر ذراع مرتفع عن الأرض، و هكذا الى ان تنتهى الى مجرد الخط فى الأرض، و العلة فى ذلك ظهور امارة التحجير، فكلما كانت ارفع كانت اظهر للناظرين و المارين، قاله بعض الأجلاء.
أقول: قد عرفت من نقل كلام الذكرى، ان الجعفى قال: و الاولى بلوغها ذراعا، و لعله فهم ذلك من روايتى ابى بصير المتقدمين و لا بأس به، و ما ذكره بعض الأجلاء وجيه، لما يظهر من رواية ابى بصير المنقولة اخيرا، لأن الغرض من الاستتار هو رفع المار بين يديه.
يجوز الاستتار بكل شىء مفهم للغرض، من السترة كالعنزة و العصا و القلنسوة و السهم و الحجر و السبحة و الكومة من التراب و الخط و ما ضاهاها، لاطلاق رواية ابى بصير المنقولة اخيرا كرواية مسعدة بن صدقة المتقدمة، و لعلّ رواية على بن جعفر المتقدمة ايضا دالة على المطلب على اشكال.
ص: 76
لا يقال: الغرض من السترة هو منع المار كما ذكرت، و الاستتار بالخط و السبحة و ماضاها هما لا يمنع المار، خصوصا اذا كان المار حيوانا.
لأنا نقول: قولنا الغرض منها هو رفع المار، هو كونها امارة لذلك، بمعنى ان المار اذا ابصر بها تفطن و ترك الذهاب بين يديه، كيف لا يكون المراد ذلك و قد عرفت من النصوص تحققها بالعنزة و الرحل و القلنسوة و الحجر و السهم و الخط و الحال ان كلا منها غير مانع عن التردد و المرور، سيما اذا كان المار حيوانا، نعم الأفضل كونها عريضا، قاله فى الذكرى كما عرفت. و مرتفعه عن الأرض حتى يمنع عن مرور غير ذوى العقول ايضا، و لعل رواية ابى بصير المنقولة اخيرا دالة على ذلك.
فان قلت: هل يجوز الاستتار بالحيوانات ايضا ام لا، و ان كان مقتضى العموم جوازه؟ قلت: اما البعير فقد عرفت كراهة الاستتار به، و كذا الأحوط ترك الاستتار بالحمار و ان شدّ بحيث لا يمكن له الحركة و التردد، و اما الكلب و نحوه فالظاهر عدم شمول الاطلاق لمثله، و اما الفرس و البغل و البقر و نحوها فالظاهر جوازه اذا شدّ بحيث لا يمكن له الحركة و التردد، و لكن تقدم شىء من الجمادات او النباتات لعله اولى، فليتأمل جدا.
من المصرحين بجواز الاستتار بالحيوان، المصنف و الذكرى كما عرفت، و لا يخفى ان ما ذكره فى الذكرى بانه يجوز الاستتار بكل ما يعد ساترا و لو عنزة، غير وجيه، لأن الظاهر عدم صدق الساتر على نحو السهم و العنزة، فالاولى التغير بما عبرناه. قال بعض المحققين بعد نقل جملة من الأخبار المتقدمة: اعلم ان هذه الأخبار تدل على تحققه بالعنزة و غيرها هو مختص بالاتخاذ، و اما تحققه بالحايط و السارية فمستنده من الأخبار بالخصوص غير معلوم، و اما الفتاوى فواضحة، و الاجماع متحقق فيه ايضا، و لعل الفقهاء فهموا من الأخبار و التمثيل بالعنزة و غيره(1)، كما تشهد عليه صحيحة ابى بصير عن الصادق (ع): لا يقطع الصلوة
ص: 77
شىء كلب و لا حمار الحديث... انتهى.
قال فى الحبل المتين: و الظاهر ان السترة كما تستحب فى البناء اذا كان المصلى بعيدا عن الحايط او السارية و نحوها، و لو كان قريبا من احدهما كفى، انتهى.
أقول: و الاخذ بالاطلاق متعين، لاطلاق جملة من الاجماعات المحكية و الأخبار المتقدمة، و ان كان فى بعضها تخصيص الأرض بالفلاة، و قد عرفت عبارة الذكرى، قال فى المسالك: يستحب للمصلى السترة فى قبلته اجماعا منا، و حكاه فى المنتهى عن عامة اهل العلم، و يتحقق فى البناء بالقرب و السارية و نحوها، و فى الصحراء بنصب شاخص و نحوه، انتهى.
يستحب الدّنو من السترة، و الظاهر ان ذلك اجماعى كما استظهره بعض المحققين، و قد تقدم ما رواه دعائم الاسلام عن رسول الله (ص) انه قال: اذا قام احدكم فى الصلوة الى سترة فليدن منها، فان الشيطان يمرّ بينه و بينها. و قد عرفت ان دعائم الاسلام قال بعد نقل الخبر: وحد فى ذلك كمربض الثور. و ان الذكرى قال: و قدره ابن الجنيد بمربض الشاة، لما صحّ من خبر سهل الساعدى قال: كان بين مصلى النبى (ص) و بين الجدار ممرّ الشاة، و قدره بعض الأصحاب، و صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة فى كلام البحار لذلك شاهدة.
قد عرفت ان التذكرة حكم بعدم استحباب الانحراف عن العنزة او العود اذا نصبها المصلى بين يديه، و ان ابن الجنيد يجعله عن جانب الايمن، و لا يتوسطها فيجعلها مقتصدة تمثيلا بالكعبة.
أقول: ظاهر الأخبار هو المحاذاة، و ما ذكره ابن الجنيد لا نعرف له وجها كما صرح به فى البحار و غيره.
قال بعض الأجلاء: قال فى الذكرى سترة الامام لمن خلفه، لأن النبى (ص) لا يأمر المؤتمين بسترة، و لان ظهر كل واحد منهم سترة لصاحبه.
ص: 78
أقول: تعليله الثانى انما يجرى فى الصّف الثانى و ما بعده، نعم الأول منها ظاهر العموم، و لو للواحد الذى يقوم بجنب الامام انتهى.
أقول: كون المأمومين مثابين بذلك نظر، لأن عدم امر النبى (ص) لهم بسترة لا يستلزم ذلك، لم لا يجوز ان يكون ذلك الفضل مختصا بالمنفرد و الامام فتأمل، و امّا ما أشار اليه بالنسبة الى الصف الثانى و ما بعده، فله وجه.
لا يقال: قد مضى ان دعائم الاسلام روى عن جعفر بن محمد (ع) انه كره ان يصلى و رجل بين يديه قائم.
لأنا نقول: المتبادر من الرواية غير هذا الفرض، و هو عدم كون الرجل الواقف بين يدى المصلى مشغولا بالصلوة، فعلى هذا يجوز الاستتار بالرجل المصلى مطلقا، و يؤيد عدم الكراهة ما نرى من سيرة المسلمين فى الأعصار و الأمصار فى المساجد و غيرها من الأماكن المشرفة و غيرها، من انه اذا كان المصلى مشغولا بالصلوة يجئ المصلى الآخر و يصلى فيه خلفه، بل اذا لم يكن مشغولا بالصلوة ايضا، و كان جالسا فى المكان الذى يريد ايقاع الصلاة فيه او اوقعتها فيه، نرى عدم اظهار كراهتهم فى الصلوة خلفه، بل يمكن القطع فى عدم الكراهة بالنسبة الى صلوة الجماعة، و اطلاق رواية دعائم الاسلام كما عرفت غير شامل لما ذكر بلا شبهة، فظهر بما ذكر ان من فى الصف الاول سوى المأموم الواقف بحذاء خلف الامام صلى بلا سترة، و من فى الصف الثانى و ما بعده و الشخص الواقف فى الصف الأول بحذاء خلف الامام صلى مع سترة، فاذن ينبغى لمن فى الصف الاول سوى الشخص الواقف بحذاء خلف الامام ان يستتر.
و الانصاف ان المسئلة محل اشكال، ينشأ من ان ذلك لو كان مستحبا بالنسبة الى الصف الاول، لشاع و ذاع، و التالى باطل، و من ان الظن لا يحصل من ذلك، لوهن الملازمة موجودة قوية.
لا يقال: قد ذكرت سابقا ان الغرض من السترة هو ترك المرور بين يدى المصلى بابصارها، و ذلك حاصل بالنسبة الى الصف الأول، لمكان الامام و غيره.
ص: 79
لأنا نقول: هب ان الغرض منها ذلك، و لكن لا نعلم انحصاره بذلك لاحتمال ان يكون التوقير الحاصل منها للصلوة غرضا لها ايضا، مع ان فى حصول التحجير بذلك نظر.
قد عرفت من كلام الذكرى، ان الخط القائم مقام السترة يكون عرضا، و انه نقل عن بعض العامة انه يكون طولا او مدورا او كالهلال، و يظهر من المصنف رحمه اللّه ان المصلى على اى كيفية فعله اصاب السنة. قال فى المنتهى، على ما حكى عنه: لم ينقل عن النبى (ص) و لا عن الأئمة صفة الخط، فعلى اى كيفية فعله اصاب السنة، سواء وضعه على الاستقامة او على الاستدارة، انتهى.
قال بعض الأجلاء: قال العلاّمة: لو كانت السترة مغصوبة لم يحصل الامتثال، لعدم الاتيان بالمأمور به شرعا، و اعترضه فى الذكرى بانه يستشكل بأن المأمور به الصلوة الى السترة، و قد حصل، و غصبيّتها امر خارج عن الصلوة، كالوضوء من الاناء المغصوب، اما لو كانت نجسة لم يضر الامع نجاسة ظاهرة، انتهى.
أقول: ما ذكره فى رد كلام العلاّمة جيد، و اما ما ذكره من استثناء النجاسة الظاهر فلا اعرف له وجها، الا اذا كان لخبر الفضيل بن يسار المتقدم فى مسئلة كراهة استقبال الغايط، و مورده الغايط و لا عموم فيه ينهض بالدلالة، و اخبار نزّ الكنيف و البالوعة، و هى كذلك خاصة لا يستنبط منها العموم بجميع النجاسات بأى نحو كانت.
و نقل فى الذكرى عن ابى الصلاح فى جملة ما عده: و مما يكره الصلوة اليه النجاسة الظاهرة، و نحوه فى المقنعة، و الظاهر انه جرى هنا على ذلك البأس انتهى.
و قال بعض المحققين: و لو كان السترة مغصوبة فالصلوة صحيحة البتة، و المصلى معاقب لها هذه الغصب بلا شبهة، و هل تحقق استحباب السترة بها ام لا؟ الأظهر الثانى، لأن الحرام كيف يتقرب به؟ و اما السترة بالمتنجس
ص: 80
فالظاهر تحقق الاستحباب للعموم، و ان كان الاولى اختيار الطاهر، بخلاف السترة بعين النجاسة، لما يظهر من بعض الأخبار من منع الاستقبال به فى الصلوة انتهى.
أقول: اذا كانت السترة مغصوبة، فصحة الصلوة مما ليست فيها شبهة، و حكم المصنف بعدم حصول الامتثال، قد عرفت ما يرد عليه من المناقشة، على أن فى دلالة كلامه طاب ثراه على عدم صحة الصلوة مناقشة، لاحتمال ان يكون مراده بالمأمور به شرعا، هو الاتيان بالسترة، بل هو الظاهر من كلامه، فلا معنى لا دخال الصلوة كما دخلها فى الذكرى حينئذ بلا ريبة، و الغاصب للسترة معاقب بلا شبهة.
و هل يتحقق الاستحباب بهذه السترة المغصوبة ام لا؟ كما ذهب اليه بعض المحققين المتقدمة نقل كلامه، و المصنف لو قلنا بالاحتمال المتقدم فى كلامه، فوجهان ينشأن من ما ذكره بعض المحققين المتقدم نقل كلامه، و من جواز اجتماع الأمر و النهى فى شىء مع التعدد فى الجهة، و لعل الأول لا يخلو عن قوة، نعم لو لم يمكن له الاستتار الا بالسترة المغصوبة، اما لعدم وجود السترة المباحة، او لعدم الامكان ان يستتر بالمباحة، فاذن القول بعدم الاستحباب لا يخلو عن قوة، لعدم توجه الأمر من الحكيم اليه حينئذ بلا شبهة، اما لو كانت السترة نجسة بنجاسة ظاهرة فيجتنب ان كانت عذرة، و ان كانت غيرها من النجاسات فالاولى اختيار الطاهر منها بلا شبهة، سيما بعد ما عرفت من كلام ابى الصلاح و المقنعة.
قد عرفت ان الذكرى بعد حكمه باستحباب دفع المار بين يديه قال: و لو احتاج المصلى فى الدفع الى القتال لم يجز، و رواية أبى سعيد الخدرى و غيره، عن النبى (ص)، فان ابى فليقاتله فانما هو شيطان، للتغليظ، او يحمل على دفاع مغلظ لا يؤدى الى جرح و ضرر.
قال بعض الأجلاء بعد نقل الكلام المذكور: الظاهر ان ما نقله من خبرى الخدرى انما هو من طريق العامة، اذ لم نجده فى اخبارنا، نعم روى فى كتاب دعائم الاسلام، عن على (ع)، انه سئل عن المرور بين يدى المصلى، فقال: لا
ص: 81
يقطع الصلوة شىء و لا تدع من يمر بين يديك و لو قاتلته، و الظاهر حمله على ما ذكره من التغليظ و المبالغة فى الرفع، انتهى.
و قال بعض المحققين: و يستحب دفع المارة من غير اذية كما صرح به بعض الفقهاء، ثم نقل رواية محمد بن مسلم المتقدمة المنقولة عن الكافى و قال: فما فى رواية ابى سعيد الخدرى و غيره عن النبى (ص): فان ابى فليقاتله فانما هو شيطان، فعلى تقدير كونه حجة مستقلة، محمول على تاكد استحباب الدفع لما عرفت، مضافا الى الاجماع على عدم تحريم الدفع، مع ان تاكد الاستحباب ايضا محل تأمل لرواية ابن مسلم و غيرها.
و مما ذكره: ان الدفع لا بد ان يكون بغير شائبة الاذية، لأن الأذية حرام بلا شبهة، فكيف يرتكب فى المستحب؟ الذى استحبابه لا يخلو عن تأمل لما عرفت و الأمر بالدفع لعله اتقاء و خوفا على الشيعة من ان لا يرتكبوه فيعرفوا بالتشيع، فتأمل جدا، انتهى.
أقول: انا لم نعثر على سند روايتى الدعائم و الخدرى، فحملهما على تأكد الاستحباب جيد، و لعل الأحوط هو ترك الدفع المستلزم للأذية، على اشكال ينشأ من نهى المعصوم (ع) لمن يرتكب المكروه و ان كان يحصل له به اذية قلبية، الا تنظر الى غير واحد من الأخبار الواردة فى ان النبى (ص) سمع رجلا ينشد ضالة فقال: لا رد اللّه عليك. و الى صحيحة جعفر بن ابراهيم المشتملة لقول النبى (ص): من سمعتموه ينشد الشعر فى المساجد، فقولوا: فض اللّه فاك.
يكره المرور بين يدى المصلى مطلقا و لو لم تكن له سترة، و يدل على ذلك روايتا الخدرى و غيره المتقدمتان المعتضدتان برواية الدعائم و غيرها، و كذا الدفع مستحب و لو لم تكن له سترة، لاطلاق الأخبار الآمرة به، كما أشرنا الى ذلك سابقا، فحمل الأخبار الآمرة به على انه بعد الاستتار ليس بشىء كما صرح به بعض المحققين.
قال بعض الأجلاء: قال فى الذكرى: و هل كراهة المرور و جواز الدفع
ص: 82
مختص بمن استتر او مطلقا نظرا لنظر من حيث تقصيره و تضييعه حق نفسه، و فى كثير من الأخبار التقييد بما اذا كان له سترة، ثم لا يضره ما يمر بين يديه، و من اطلاق باقى الأخبار، و يمكن ان يقال بحمل المطلق على المقيد، انتهى.
أقول: قد عرفت عدم التنافى بين الأخبار، فليعمل باطلاق الأخبار الآمرة بالدفع من غير ترديد.
الظاهر عدم كراهة المرور بين يدى المصلى، اذا كانت المسافة الواقعة بين المصلى و المار بعيدة.
تفصيل الكلام ان يقال: اما يكون للمصلى سترة ام لا، فعلى الاول فالظاهر ان الكراهة انما يترتب اذا وقع المرور بين السترة و موقف المصلى، و اما اذا وقع فى خارج السترة فالظاهر عدم الكراهة للأصل السالم عن المعارض، و رواية منيف مولى جعفر بن محمد (ع) المتقدمة لا تخلو عن تأييد ما. و على الثانى، فالظاهر ثبوتها اذا وقع بين محل سجوده و موقفه، و اما اذا لم يقع بينهما بل وقع خارجا عن موضع السجود فالحكم بالكراهة لا يخلو عن اشكال مّا، و ان كان القول بها اذا وقع بين محل السجود و بين اقصى الموضع الذى يوضع السترة فيه لا يخلو عن قوة، و فيه نظر. فاذن الاولى فى الفرض هو عدم ايقاع المرور قريبا من موقف المصلى.
فان قلت: مقتضى الاطلاق هو الكراهة مطلقا، سواء كان للمصلى سترة اولا، و وقع المرور قريبا من الموقف ام بعيد، فلم حكمت فى الفرض الأول بان المرور الواقع فى خارج السترة لا بأس به؟ و فى الثانى بان المرور الواقع بعيدا عن موقف المصلى لا بأس به؟
قلت: القول بان مقتضى الاطلاق ذلك محل اشكال، لأن الاخبار المفهمة للكراهة غير دالة عليها بعنوان الاطلاق، هب، و لكن يظهر من الأخبار بعد ضم بعضها الى بعض و الفتاوى، ان الكراهة فى صورة الاستتار مترتبة على المرور الواقع بين السترة و موقف المصلى، و اما فى صورة عدم الاستتار فلا يدل على الكراهة اذا وقع المرور بعيدا عن موقفه، و الاطلاق لو سلم غير شامل لذلك لتبادر
ص: 83
غيره منه، بل يمكن ادعاء القطع بعدم الكراهة. و الظاهر ان استحباب الدفع يدور مدار كراهة المرور وجودا و عدما.
قال المصنف طاب ثراه فى المنتهى: لا بأس بالصلوة فى مكة و المراة قائمة او جالسة بين يديه، لما رواه الشيخ عن معوية بن عمار قال: قلت لأبى عبد الله (ع): أقوم اصلى بمكة و المراة بين يدى جالسة او مارة، قال: لا بأس انما سمّيت مكة بكة لأنه يبكّ فيه الرجال و النساء.
و قال فى التذكرة: و لا بأس بان يصلى فى مكة الى غير سترة، لأن النبى (ص) صلى هناك و ليس بينه و بين الطواف سترة، و لأن الناس يكثرون هناك لأجل قضاء نسكهم، و سميت بكة لأن الناس يبتاكون فيها - اى يزدحمون و يدفع بعضهم بعضا - فلو منع المصلى من أن يجتاز بين يديه ضاق على الناس، و حكم الحرم كلّه ذلك، لأن ابن عباس قال: اقبلت راكبا على حمار، و النبى (ص) يصلى بالناس بمنى الى غير جدار، و لأنه محل المشاعر و المناسك.
و قال بعض المحققين: لا شبهة فى كون مكة شرفها اللّه تعالى مثل غيرها فى استحباب السترة للعمومات و الاطلاقات، اذا لم يكن مانع من الخارج كالازدحام و غيره للتضيق، لكن ربما لا يمنع ذلك مثل الخط بين يديه، قال فى التذكرة - ثم نقل كلامها الى قوله - لضاق على الناس، و قال: و هو حسن بصحيحة معوية بن عمار، انه قال للصادق (ع): اقوم... الحديث، انتهى.
و قال فى المدارك: و مكة شرفها اللّه تعالى كغيرها فى ذلك، و به قطع فى المنتهى، ثم نقل كلام التذكرة.
و قال فى البحار، بعد نقل رواية معوية عن المحاسن، عن أبيه، عن حماد بن عيسى و فضاله، عن معوية بن عمار، ما صورته: يدل على ما سيأتى نقلا عن التذكرة، انه لا بأس ان يصلى فى مكة الى غير سترة، و قال فى الذكرى بعد نقل كلام التذكرة، قلت: قد روى فى الصحاح ان النبى (ص) صلى بالابطح فركزت له عنزة، رواه انس و ابو جحيفة، و لو قيل السترة مستحبة مطلقا، و لكن لا يمنع
ص: 84
المار فى مثل هذه الاماكن لما ذكر، لكان وجها، انتهى. أقول: يمكن حمل خبر الجواز على مسجد الحرام، لكون التعليل فيه اظهر، انتهى كلام البحار.
أقول: روى فى البحار عن كتاب التوحيد، عن احمد بن زياد الهمدانى، عن على بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن ابى عمير قال: راى سفيان الثورى ابا الحسن موسى بن جعفر (ع)، و هو غلام يصلى و الناس يمرون بين يديه، فقال: ان الناس يمرون بك و هم فى الطواف، فقال (ع): ان الذى اصلى له أقرب اليّ من هؤلاء.
و قد عرفت المراد من امثال هذه الأخبار، و اما رواية معوية تدل على عدم كون الدفع مستحبا فى مكة فى صورة الازدحام، فلا كراهة فيها للمرور بين يدى المصلى فيها فى الفرض المذكور، و ان كان له سترة فيها مطلقا، كما اختاره فى الذكرى و قد عرفت.
قد عرفت من نقل كلام الذكرى، انه قال: و لو كان فى الصف الاول فرجة، جاز التخطى بين الصف الثانى لتقصيرهم باهمالها، و لو لم يجد المار سبيلا سوى ذلك لم يدفع، و غلا بعض العامة فى ذلك و جوز الدفع مطلقا.
أقول: اما ما ذكره من جواز التخطى بين الصف الثانى اذا كان فى الصف الأول فرجة، فيجئ فى بحث الجماعة اليه الاشارة فانتظر. و اما ما ذكره من عدم استحباب الدفع، اذا لم يكن للمار سبيل سوى ذلك فله وجه، لأن الأخبار الآمرة به غير منصرفة الى ذلك.
(صلوة الفريضة فى المسجد افضل) اجماعا محققا و محكيا، بل كاد أن يكون ذلك من ضروريات الدين، و الأخبار الواردة فى فضلها و ثواب الاختلاف اليها و الصلوة فيها، و ذم تاركها كثيرة، منها: ما رواه التهذيب فى باب فضل الجماعة، فى الصحيح، عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سمعته يقول:
ان اناسا كانوا على عهد رسول الله (ص)، ابطوا عن الصلوة فى المسجد، فقال
ص: 85
رسول الله (ص): ليوشك قوم يدعون الصلوة فى المسجد، ان نأمر بحطب فيوضع على ابوابهم فتوقد عليهم نار فتحرق عليهم بيوتهم.
و منها ما رواه ايضا فى باب فضل المساجد، عن الاصبغ، عن على بن ابى طالب (ع) قال: كان يقول: من اختلف الى المسجد أصاب احدى الثمان:
اخا مستفادا فى الله، او علما مستطرفا او آية محكمة، او يسمع كلمة تدل على الهدى، او رحمة منتظرة، او كلمة ترده عن ردى، او يترك دنيا خشية او حياء.
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن على بن الحكم، عن رجل، عن أبى عبد الله (ع) قال: من مشى الى المسجد لم يضع رجلا على رطب و لا يابس الا سبحّت له الأرض الى الأرضين السابعة.
و منها ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، معلقا عن ابن ابى عمير، عن بعض اصحابه قال: قلت لأبى عبد الله (ع): انى لاكره الصلوة فى مساجدهم، فقال:
لا تكره، فما من مسجد بنى الا على قبر نبى او وصى نبي، قتل فاصاب تلك البقعة رشة من دمه، فأحب اللّه ان يذكر فيها، فاد فيها الفريضة و النوافل، و أقض ما فاتك.
و منها ما رواه فى المكان المتقدم، عن اسمعيل بن ابى عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): الاتكاء فى المسجد رهبانية العرب، المؤمن مجلسه مسجده، و صومعته بيته.
و منها ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، عن السكونى، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: قال النبى (ص): من كان القرآن حديثه، و المسجد بيته، بنى اللّه له بيتا فى الجنة.
و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب فضل المساجد، قال: و روى ان فى التورية مكتوبا: ان بيوتى فى الأرض المساجد، فطوبى لعبد تطهر فى بيته ثم زارنى فى بيتى، الا ان على المزور كرامة الزائر، الا بشر المشائين فى الظلمات الى المساجد، بالنور الساطع يوم القيمة.
ص: 86
و روى فى البحار عن الهداية، قال رسول الله (ص): فى التورية مكتوب:
ان بيوتى... الحديث.
و قال فى الفقيه فى الباب المتقدم ايضا: و روى ان عليا عليه السلام مر على منارة طويلة فامر بهدمها، ثم قال: لا ترفع المنارة الا مع سطح المسجد و ان اللّه تبارك و تعالى ليريد عذاب اهل الأرض جميعا، حتى لا يحاشى منهم احدا، فاذا نظر الى الشيّب ناقلى اقدامهم الى الصلوات، و الولدان يتعلمون القرآن، رحمهم اللّه تعالى فاخر ذلك عنهم، و من اراد دخول المسجد فليدخله على سكينة و وقار فان المساجد بيوت الله تعالى، و احب البقاع اليه، و احبهم الى اللّه عزّ و جل اولهم دخولا و اخرهم خروجا.
و منها ما رواه فى البحار عن مجالس الشيخ، عن جماعة من اصحابه، عن ابى المفضل، عن رجاء بن يحيى العبرتاتى، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الاصم، عن الفضيل بن يسار، عن وهب بن عبد الله، عن ابى الحرب بن ابى الأسود الدئلى، عن أبيه، عن أبى ذرّ رضى الله عنه، فيما اوصى اليه رسول الله (ص): يا أبا ذرّ، صلوة فى مسجدى هذا تعدل مأئة الف صلوة فى غيره من المساجد الا المسجد الحرام، و صلوة فى المسجد الحرام تعدل مائة الف صلوة فى غيره، و افضل من هذا كله صلوة يصليها الرجل فى بيته حيث لا يراه الا اللّه عز و جل، يطلب به وجه اللّه تعالى، يا أبا ذر، طوبى لأصحاب الألوية يوم القيمة يحملونها فيسبقون الناس الى الجنة، الا هم السابقون الى المساجد بالاسحار و غيرها، يا أبا ذر، لا تجعلن بيتك قبرا، و اجعل فيه من صلوتك يضئ لك قبرك، يا أبا ذر، ان الصلوة النافلة تفضل فى السر على العلانية كفضل الفريضة على النافلة، يا أبا ذر، الكلمة الطيبة صدقه، و كل خطوة تخطوها الى الصلوة صدقة، يا أبا ذر، من اجاب داعى اللّه و احسن عبادة مساجد الله،
ص: 87
كان ثوابه من اللّه الجنة.
فقلت: بابى و امى يا رسول الله، كيف تعمر مساجد الله؟
قال: لا ترفع فيها الاصوات، و لا يخاض فيه بالباطل، و لا يشترى فيها و لا يباع، و اترك اللغو ما دمت فيها، و ان لم تفعل فلا تلومن يوم القيمة الا نفسك، يا أبا ذر، ان اللّه تعالى يعطيك مادمت جالسا فى المسجد، بكل نفس فيه درجة فى الجنة، و تصلى عليه(1) الملائكة، و يكتب لك بكل نفس تنفست فيه عشر حسنات، و يمحى عنك عشر سيئات، يا أبا ذر، أتعلم فى اى شىء انزلت هذه الآية «اِصْبِرُوا وَ صٰابِرُوا وَ رٰابِطُوا وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»؟
قلت: لا، فداك ابى و امى.
قال: فى انتظار الصلوة خلف الصلوة، يا أبا ذر، اسباغ الوضوء على المكاره من الكفارات، و كثرة الاختلاف الى المساجد فذلكم الرباط(2)، يا أبا ذر، يقول الله تعالى: ان احب العباد اليّ المتحابون بجلالى، المتعلقة قلوبهم بالمساجد المستغفرون بالاسحار، اولئك اذا اردت باهل الأرض عقوبة ذكرتهم فصرفت العقوبة عنهم، يا أبا ذر، كل جلوس فى المسجد لغو الا ثلاثة: قراءة مصل، و ذاكر لله تعالى، او سائل عن علم.
و منها ما رواه عن دعائم الاسلام قال: روينا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ صلوات اللّه عليهم، انه قال: لا صلوة لجار المسجد الا فى المسجد الا ان يكون له عذرا و به علة، فقيل: و من جار المسجد يا امير المؤمنين؟ قال:
من سمع النداء.
و منها ما رواه ايضا فى البحار، عن ثواب الأعمال، عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن جعفر، عن موسى بن عمران، عن الحسين بن يزيد، عن
ص: 88
حماد بن عمرو، عن ابى الحسن الخراسانى، عن ميسرة بن عبد الله، عن أبى عايشة السعدى، عن يزيد بن عمر بن عبد العزيز، عن ابى سلمة بن عبد الرحمن عن ابى هريرة، و عبد اللّه بن عباس، عن النبى (ص)، انه قال فى خطبة طويلة: من مشى الى مسجد من مساجد الله، فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع الى منزله عشر حسنات، و يمحى عنه عشر سيئات، و يرفع له عشر درجات.
و منها ما رواه ايضا عن مجالس الشيخ، عن الحسين بن عبد اللّه الغضايرى عن التلعكبرى، عن محمد بن همام، عن عبد اللّه بن جعفر الحميرى، عن محمد بن خالد الطيالسى، عن زريق بن الزبير الخلقانى، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: شكت المساجد الى اللّه تعالى الذين لا يشهد و نها من جيرانها فاوحى اللّه عز و جل اليها: و عزتى و جلالى، لا قبلت لهم صلوة واحدة، و لا أظهرت لهم فى الناس عدالة، و لا نالتهم رحمتى، و لا جاورونى فى جنتى.
قال فى البحار، بعد نقل الخبر: يدل على فضل عظيم لاتيان المساجد، بل على وجوبه، لكن لم نر قائلا به، و اما اصل الرجحان و الفضل فى الجملة فهو اجماعى، بل يمكن ان يعد من ضروريات الدين، و ظاهر كثير من الأخباران الشهود للجماعة و ان التهديد فى تركه لتركها، و على المشهور يمكن حملها على الجماعة الواجبة كالجمعة، او على ما اذا تركه مستخفّا به، غير معتقد لفضله، و الأحوط عدم الترك لغير عذر، لا سيما اذا انعقدت فيها جماعة لا عذر فى ترك حضورها. و عدم اظهار العدالة، لعله اشارة الى ما ورد فى خبر ابن أبى يعفور من ان الذى يوجب على الناس توليته و اظهار عدالته فى الناس، التعاهد للصلوات الخمس، اذا واظب عليهن و حافظ مواقيتهن باحضار جماعة المسلمين و ان لا يتخلف عن جماعتهم فى مصلاهم الا لعله.
و قال بعض الأجلاء بعد نقله: يمكن حمل هذا الخبر على ظاهره بالنسبة الى من هجر المساجد تهاونا بحرمتها، و استخفافا بماحث اللّه تعالى عليه من اتيانها، و مثله فى الأخبار غير عزيز، و الا فحمله على ظاهره مطلقا مشكل، انتهى.
ص: 89
أقول: لا شبهة فى صحة صلوة من كان له عذر يمنعه لاتيان المسجد، و يدل عليه جملة من الروايات:
منها روايتا ابى البخترى و طلحة بن زيد الاتية عن قريب اليهما الاشارة.
و منها رواية دعائم الاسلام الآتية ان شاء اللّه اليها الاشارة.
و منها ما رواه فى البحار، عن مجالس الشيخ، عن الحسين بن عبيد الله، عن التلعكبرى، عن محمد بن همام، عن عبد اللّه بن جعفر الحميرى، عن محمد بن خالد الطيالسى، عن زريق الخلقانى قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: صلوة الرجل فى منزله جماعة تعدل اربعا و عشرين صلوة، و صلوة الرجل جماعة فى المسجد تعدل ثمانيا و اربعين صلوة، مضاعفة فى المسجد، و ان الركعة فى المسجد الحرام الف ركعة فى سواه من المساجد، و ان الصلوة فى المسجد فردا باربع و عشرين صلوة، و الصلوة فى منزلك فردا فى منزلك هباء منثورا لا يصعد منه الى اللّه شىء، و من صلّى فى بيته جماعة رغبة عن المساجد فلا صلوة له، و لا لمن صلى معه، الا من علة تمنع من المسجد.
و كذا الظاهر هو الصحة اذا لم يكن له عذر ايضا، بلا خلاف اجده، و يدل على ذلك الخبر الآتى فى اواخر البحث، الدال على ان صلوة الرجل فى بيته وحده صلوة واحدة، المعتضدة بعدم ظهور الخلاف، بل ظهور عدم الخلاف، و بسيرة المسلمين فى الأعصار و الأمصار، و برواية ابى ذر المتقدمة.
و بالجملة المسئلة واضحة، لا سيما بعد ملاحظة انهم (ع) كثيرا ما يبالغون فى الزجر عن المكروهات، بما يكاد يلحقها بالمحرمات، و الحث على المستحبات بما يكاد يلحقها فى خير الواجبات.
و منها ما رواه ايضا عن اعلام الدين للديلمى، عن ابى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله (ص): كونوا فى الدنيا اضيافا، و اتخذوا المساجد بيوتا و عودوا قلوبكم الرقة، و اكثروا من التفكر و البكاء من خشية الله، و اجعلوا الموت نصب اعينكم و ما بعده من احوال القيمة، تبنون ما لا تسكنون، و تجمعون ما لا تأكلون
ص: 90
فاتقوا اللّه الذى اليه ترجعون.
و منها ما رواه ايضا عن قرب الأسناد، عن السندى بن محمد، عن أبى البخترى، عن الصادق، عن ابيه عليهما السلام قال: قال على: ليس لجار المسجد صلوة اذا لم يشهد المكتوبة فى المسجد، اذا كان فارغا صحيحا.
و روى التهذيب فى باب فضل المساجد، عن طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن على (ع) قال: لا صلوة لمن لم يشهد الصلوات المكتوبات من جيران المسجد، اذا كان فارغا صحيحا.
و بالجملة الأخبار الواردة فى المسئلة كثيرة، مروية فى كتب الأربعة و غيرها بحيث لو تعرضنا لذكرها ليطول المقام جدا.
مقتضى العبارة عدم الفرق فى استحباب ايقاع المكتوبة فى المسجد بين الرجل و المراة، و يقتضيه اطلاق جملة من الروايات، و يظهر من بعض الأصحاب اختصاص ما ذكر بالرجال، بل نسبه الشارح المحقق الى الأصحاب، قال طاب مضجعه بعد نقل جملة من الأخبار المتقدمة: و ما ذكرنا انما هو فى حق الرجال، و اما النساء فذكر الأصحاب ان المستحب لهنّ ان لا يحضرن المساجد، لكون ذلك أقرب الى الاستتار المطلوب منهى. و عن ابى عبد الله (ع): خير مساجد نسائكم البيوت، رواه الشيخ عن يونس بن ظبيان عنه.
أقول: رواه فى التهذيب فى باب فضل المساجد، و روى الصدوق فى باب فضل المساجد، عن الصادق (ع)، مثله، و قال الصدوق فى باب اداب المراة فى الصلوة: و روى ان خير مساجد النساء البيوت، و صلوة المراة فى بيتها أفضل من صلوتها فى صفتها، و صلوتها فى صفتها افضل من صلوتها فى صحن دارها، و صلوتها فى صحن دارها افضل من صلوتها فى سطح بيتها.
قال بعض الأجلة بعد نقل ذلك عن الصدوق: و لم اقف على مفت بها من الاصحاب عدا قليل، و لكن فى الذخيرة نسبها الى الأصحاب فقال: و اما النساء
ص: 91
فذكر الأصحاب... الى آخره، انتهى.
أقول: روى فى البحار عن مكارم الأخلاق قال: قال النبى (ص): صلوة المراة وحدها فى بيتها كفضل صلوتها فى الجمع خمسا و عشرين درجة، ثم قال بعد ان روى عن نهاية الشيخ، عن يونس بن ظبيان، عن الصادق (ع)، انه قال: خير مساجد نسائكم البيوت، ما صورته: المشهور بين الأصحاب و المقطوع به فى كلامهم، انه يستحب للنساء ان لا يحضرن المساجد، بل المستحب لهن ان يصلين فى استر موضع فى بيوتهن، كما دلت عليه الأخبار، انتهى.
فظهر بما ذكر انه لا اشكال فى كونهن مستثنيات من اطلاق جملة من الأخبار و الفتوى، فليحكم بما بينه الصدوق فى بيان آداب المراة. قال بعض المحققين:
و لا يعارضها تقرير النبى (ص) فعل النساء فى خصوص المسجد و الصلوة معه جماعة، لأن التقرير لا يفيد الأفضلية، مع ان التقرير لا يعارض القول، اذ لعلّه لمصلحة و هى ادراك جماعة النبى (ص) التى هى افضل الفضايل، مع حفظهن عن الأجانب، انتهى.
و بالجملة لا اشكال فى الحكم المذكور، سيما بعد ملاحظة ما نرى من سيرة المسلمات فى الأعصار و الأمصار، من عدم ايقاعهن صلوتهن فى المساجد. قال فى الدروس: و يستحب للنساء الاختلاف فيها، و ان كان البيت افضل، و خصوصا لذوات الهيئة.
(و صلوة النافلة فى المنزل) افضل، كما ذهب اليه المختصر النافع و الشرايع و القواعد و جامع المقاصد و غيرها، و عن النهاية و المبسوط و المهذب و الجامع و الرياض. و بالجملة عليه المشهور على الظاهر المصرح به فى الذخيرة و المدارك و البحار، بل نسبه فى المنتهى الى علمائنا، و قال فى التحرير انه فتوى علمائنا، قال فى الذخيرة بعد نقل ذلك: و ذكره الشيخ، انتهى.
و لا ريب فى ظهور المذكور فى الاجماع، قال بعض المحققين: قال العلاّمة فى المنتهى: ذهب علماؤنا الى ان ايقاعها فى المنزل افضل، لأن ايقاعها فى
ص: 92
حال الاستتار يكون ابلغ فى الاخلاص، كما فى قوله تعالى «إِنْ تُبْدُوا اَلصَّدَقٰاتِ فَنِعِمّٰا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا اَلْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ».
و روى زيد بن ثابت قال: جاء رجال يصلون بصلوة رسول الله (ص) فخرج مغضبا فأمرهم ان يصلوا النوافل فى بيوتهم.
و روى زيد بن ثابت عنه (ص)، انه قال: افضل الصلوة صلوة المرء فى بيته الا المكتوبة.
و لان المقتضى لاستحباب فعل الفريضة فى المسجد، و هو الجماعة مفقود فى النوافل، فلا يكون فعلها فيه استحبابا، خصوصا نافلة الليل.
و قال فى المدارك: رجح جدى قدس سره فى بعض فوائده، رجحان فعلها فى المسجد ايضا كالفريضة، و هو حسن خصوصا اذا امن على نفسه الرّياء و رجى اقتداء الناس و رغبتهم فى الخير، و يدل عليه روايات كثيرة.
منها ما رواه الشيخ فى الصحيح، عن معوية بن وهب، عن الصادق (ع)، ان النبى (ص) كان يصلى الليل فى المسجد.
و فى الصحيح، عن ابن ابى عمير، عن بعض اصحابه قال: قلت للصادق عليه السلام: انى لاكره الصلوة فى مساجدهم، فقال: لا تكره، فما من مسجد بنى الا على اثر نبى قتل فاصاب تلك البقعة رشة من دمه، فأحب اللّه تعالى ان يذكر فيها، فاد فيها الفريضة و النوافل، و اقض فيها ما فاتك.
قال الشارح المحقق بعد نقل جملة من الأخبار المتقدمة: و فى الكل ضعف و القول الأخير - اى ما اختاره الشهيد الثانى فى بعض فوائده - حسن، و قد مرّ اخبار كثيرة دالة عليه فى المسئلة السابقة، كصحيحة ابن ابى عمير، و صحيحة معوية بن عمار، و رواية هارون بن خارجه، و رواية عبد اللّه بن يحى الكاهلى، و رواية ابى حمزة، و رواية نجم بن حطيم، و رواية الاصبغ، و العمومات الكثيرة.
و قد مر عند شرح قول المصنف: و كلما قرب من الفجر كان افضل. و خبر صحيح دال على ان النبى (ص) كان يصلى صلوة الليل فى المسجد.
ص: 93
قال بعض الأجلة بعد نقل ذلك عن الشارح المحقق: و لعله ظاهر الكافى حيث قال فى فضل صلوة الجمعة منه: يستحب لكل مسلم تقديم دخول المسجد لصلوة النوافل، بعد الغسل، و تغيير الثياب، و مس النساء و الطيب، و قص الشارب و الاظافير، فان اختل شرط من شروط الجمعة المذكورة سقط فرضها، و كان حضور مسجد الجامع لصلوة النوافل و فرضى الظهرين و العصر مندوبأ البتة.
و عن السرائر: ان صلوة نافلة الليل خاصة فى البيت افضل، و لعلّه للنصوص الدالة على ان الامير (ع) اتخذ مسجدا فى داره، فكان اذا اراد أن يصلى فى آخر الليل اخذ معه صبيا لا يحتشم منه، ثم يذهب الى ذلك البيت فيصلى.
و للشهيد الثانى و غيره قول آخر، فقال: و لو رجا بصلوة النافلة فى الملأ اقتداء الناس به، و رغبتهم فى الخير، و امن على نفسه الرّياء و نحوه مما يفسد العبادة، لم يبعد زوال الكراهة، كما فى الصدقة المندوبة.
و يؤيده ما رواه محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع) قال: لا بأس أن تحدث اخاك اذا تعين بالعمل اذا رجوت ينفعه و يحثه، و اذا سألك: هل قمت الليلة او صمت؟ فحدثه بذلك، ان كنت فعلته قل: رزق اللّه تعالى ذلك، و لا تقل: لا، فان ذلك كذب.
و قال فى البحار: و لعلّه - اى رجحان فعلها فى المسجد كالفريضة - أقوى لعموم الأخبار، و لما روى فى الصحيح، ان النبى (ص) كان يصلى صلوة الليل فى المسجد، نعم يشعر بعض الأخبار باستحباب ان يأتى شىء من صلوته فى البيت، ثم نقل عن الذكرى عن ابن الجنيد، انه قال: و يستحب ان يجعل الانسان لبيته حظا من صلوته النافلة و لا يجعله كالقبر له، انتهى.
أقول: قول المشهور هو الأظهر، لرواية زيد بن ثابت المتقدمتين المنجبرتين بالشهرة المحققة و المحكية، و بما رواه الشيخ عن مجالسه، عن ابى ذر المتقدم نقله فى المسئلة السابقة، و يؤيد المذكور رواية ابى البخترى الماضية المروية عن قرب الأسناد.
ص: 94
قال فى البحار بعد نقله: و التقييد بالمكتوبة يدل على عدم الاهتمام فى ابقاع النافلة فيه، انتهى.
و للاجماع الظاهر عن المنتهى و غيره المتقدم اليه الاشارة.
و ما ذكره الشارح المحقق من دلالة الأخبار التى عدها على مطلبه غير وجيه لأن ما عدا صحيحتى ابن ابى عمير و معوية بن وهب من الأخبار الستة، مخصوص بامكنة خاصة كالمسجدين و مسجد الكوفة، و لخصوص المسجد مدخلية بلا شبهة، فاين هذا و العموم و بينهما بون بعيد؟
قال بعض المحققين: ربما كان لخصوص المسجد مدخلية، مثل ما ورد فى الأخبار من استحباب الصلوة نافلة كانت و فريضة فى المسجدين و مسجد الكوفة، و غيرها من الأمكنة الشريفة، مع انه ربما ورد خصوص نافلة فى خصوص مسجد، مثل صلوة الحاجة فى مسجد الرسول (ص)، و غير ذلك مثل الصلوة فى مسجد الكوفة و مسجد صعصعة و غيرهما، انتهى.
بقى الكلام فى الصحيحين، فنقول: اما صحيحة معوية بن وهب الدالة على ان النبى (ص) كان يصلى صلوة الليل فى المسجد، فغير دالة على كون النافلة كالفريضة فى استحباب ايقاعها فى المسجد بالنسبة الى غيره من الرجال، اما ما ذكره بعض المحققين بأن صلوة الليل كانت واجبة عليه، فلا حاجة فيها الى الأسرار، مع ان الفعل لا يعارض القول، اذ لعله من جهة اقتداء الصحابة، و نشر هذه الفضيلة بينهم، مع ان الفعل من النبى (ص) و هو لا يتفاوت فى الاخلاص، سواء وقع سرا او بين الناس، انتهى.
و أما صحيحة ابن ابى عمير، فهى ايضا غير دالة على الظاهر، لما ذكره بعض المحققين ايضا، بانها لرفع الخطر كما توهمه السائل.
و أما ما أشار اليه فى المدارك بقوله: خصوصا اذا امن على نفسه الرياء الى آخره، ففيه ما ذكره بعض المحققين، بان الكلام فى رجحان فعل النافلة من حيث هو هو فى المسجد، مع قطع النظر عن الدواعى الخارجية، مثل اقتداء الناس و ترويج
ص: 95
النافلة بين المكلفين، و كان فى البيوت موانع عنه، او دواعى على اولوية فعلها فى غيرها، انتهى.
و بالجملة قول المشهور هو المنصور، و اما اذا رجا اقتداء الناس به و امن على نفسه الرياء، فالظاهر انها كالفريضة فى استحباب ايقاعها فى المساجد.
(و يستحب اتخاذ المساجد) اجماعا محققا و محكيا من الخاصة و العامة و يدل عليه من الكتاب آيات: منها: قوله تعالى: «إِنَّمٰا يَعْمُرُ مَسٰاجِدَ اَللّٰهِ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ أَقٰامَ اَلصَّلاٰةَ وَ آتَى اَلزَّكٰاةَ وَ لَمْ يَخْشَ إِلاَّ اَللّٰهَ فَعَسىٰ أُولٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ اَلْمُهْتَدِينَ» و من السنة اخبار كثيرة: منها: ما رواه الكافى فى باب بناء المساجد، و الشيخ فى باب فضل المساجد، فى الحسن بابراهيم بن هاشم او الصحيح، عن أبى عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: من بنى مسجدا بنى اللّه له بيتا فى الجنة. قال ابو عبيدة: فمر بى أبو عبد الله (ع) فى طريق مكة، و قد سويت بأحجار مسجدا، فقال له: جعلت فداك، نرجوا أن يكون هذا من ذلك، فقال: نعم. قال الصدوق فى الفقيه فى باب فضل المساجد: و قال أبو جعفر عليه السلام: من بنى مسجدا كمفحص قطاة، بنى اللّه له بيتا فى الجنة. و قال أبو عبيدة الحذاء: و مر بى ابو جعفر (ع)(1) و أنا بين مكة و المدينة، و أنا اصنع الأحجار، فقلت: هذا من ذاك، فقال: نعم.
و منها ما رواه فى البحار، عن المحاسن، عن ابيه، عن احمد بن داود، عن هاشم الحلال قال: دخلت أنا و أبو الصباح الكنانى على ابى عبد الله (ع)، فقال له ابو الصباح: ما تقول فى هذه المساجد التى تبيتها الحاج فى طريق مكة؟ فقال: بخ بخ تلك افضل المساجد، من بنى مسجدا كمفحص قطاة، بنى اللّه له بيتا فى الجنة.
و عن ابن الأثير انه قال: مفحص القطاة هو موضعها الذى تجثم فيه و
ص: 96
تبيض، كانها تفحص عنه التراب اى تكشفه. قال بعض العلماء: هذا التشبيه مبالغة فى الصغر، و يمكن ان يكون اشارة الى عدم الاحتياج الى الجدران، بل يكفى رسمه. و قال بعض الأفاضل: مفحص القطاة بوزن مقعد، هو الذى تكشفه فى الأرض بجؤجؤئها بصدرها، فتبيض فيه، و التشبيه له على سبيل التمثيل مبالغة فى الصغر، كأنه قيل: و لو كان المسجد المبنى بالنسبة الى المصلى كمفحص(1)القطاة فى الصغر بالنسبة اليها. و يمكن ان يكون وجه الشبه عدم احتياجه فى بيوت ذلك الى بناء الجدران، بل يكفى رسومها، كما ينبه عليه قول أبى عبيدة.
و قال فى الروضة فى جملة كلام له: مفحص قطاة و هو كمقعد، الموضع الذى تكشفه القطاة و تليّنه بجؤجؤها لتبيض فيه، و التشبيه به مبالغة فى الصغر، بناء على الاكتفاء برسمه، حيث يمكن الانتفاع به فى اقل مراتبه، و ان لم يعمل له حايط و نحوه. و قيل: انه كناية عن موضع السجود، اذ يصدق على موضع السجود انه مسجد، و قيل: انه كناية عن موضع شخص واحد، كما ان مفحص القطاة موضع شخص واحد.
و منها قال فى البحار، بعد ان روى عن مجالس ابن الشيخ، عن أبيه، عن المفيد، عن محمد بن الحسين الحلال، عن الحسن بن الحسين الأنصارى، عن رفد بن سليمان، عن أشرس الخراسانى، عن أيوب السجستانى، عن أبى قلابة قال: قال رسول الله (ص): من بنى مسجدا و لو مفحص قطاة، بنى الله له بيتا. ما صورته: قال فى النهاية: افحوص القطاة موضعها الذى تجثم فيه، و تبيض، كأنها تفحص التراب اى تكشفه و الفحص البحث و الكشف، و منه الحديث «من بنى للّه مسجدا و لو كمفحص قطاة» المفحص مفعل من الفحص كالافحوص انتهى.
ص: 97
و التشبيه اما فى الصغر، او فى عدم البناء و الجدران، و على الأول أما على الحقيقة، بأن يكون موضع السجود او القدم مسجدا، او على المبالغة، او المعنى ان يكون بالنسبة الى المصلى كالفحص بالنسبة اليها، بأن لا يزيد على موضع صلوته. و قيل بان يشترك جماعة بناءه، او يزيد فيه قدرا محتاجا اليه.
و يؤيد الثانى ان ابا عبيدة روى مثله عن أبى جعفر (ع)، ثم قال أبو عبيدة:
مرّ بى أبو جعفر (ع) و أنا بين مكة و المدينة، و أنا اصنع الأحجار، فقلت: هذا من ذاك، قال: نعم، انتهى.
و منها ما رواه فى البحار، عن ثواب الأعمال للصدوق، عن أبيه، عن على بن الحسن الكوفى، عن ابيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن السكونى، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: ان اللّه عز و جل اذا أراد ان يصيب اهل الأرض بعذاب يقول: لو لا الذين يتحابون فى، و يعمرون مساجدى و يستغفرون بالأسحار، لولاهم انزلت عليهم عذابى.
و منها ما رواه ايضا عن ثواب الأعمال، عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن جعفر، عن موسى بن عمران، عن الحسين بن يزيد، عن حماد بن عمر، و عن ابى الحسن الخراسانى، عن ميسرة بن عبد الله، عن ابى عايشة السعدى، عن يزيد بن عمر بن عبد العزيز، عن ابى سلمة بن عبد الرحمن، عن ابى هريرة، و عبد الله بن عباس، عن النبى (ص) انه قال فى خطبة طويلة: من بنى مسجدا فى الدنيا، أعطاه اللّه بكل شبر منه - او قال بكل ذراع منه - مسيرة أربعين ألف عام مدينة من ذهب و فضة و درّ و ياقوت و زمرّد و زبرجد و لؤلؤ، فى كل مدينة أربعون ألف ألف قصر، فى كل قصر أربعون ألف ألف دار، فى كل دار أربعون ألف ألف بيت، فى كل بيت أربعون ألف ألف سرير، زوجة من الحور العين، و فى كل بيت أربعون ألف ألف وصيف، و أربعون ألف ألف وصيفة، و فى كل بيت أربعون ألف ألف مائدة، على كل مائدة اربعون ألف ألف قصعة، و فى كل قصعة أربعون ألف لون من الطعام، يعطى اللّه وليّه من القوة ما يأتى على تلك الأزواج، و على
ص: 98
ذلك الشراب، فى يوم واحد. الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
و يستحب اتخاذها (مكشوفة) غير مظلله على المشهور، على ما صرح به بعض و فى الذخيرة نسبه الى ظاهر غير الأصحاب، قال بعض الأجلة: و ربما يظهر من الحلى التأمل فى هذا الحكم، حيث نسبه الى رواية، و لم يفت به.
و تتعلق بالمسئلة اخبار: منها: ما رواه الكافى فى باب بناء مسجد النبى (ص)، و التهذيب فى باب فضل المساجد، فى الصحيح كالحسن او الصحيح بابراهيم بن هاشم، عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سمعته يقول: ان رسول الله (ص) بنى مسجده بالسميط، ثم ان المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول الله، لو امرت بالمسجد فزيد فيه، فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه و بناه بالسعيدة، ثم ان المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول الله، لو أمرت بالمسجد فزيد فيه، فقال: نعم، فامر به فزيد فيه و بنى جداره بالانثى و الذكر، ثم اشتد عليهم الحر فقالوا: يا رسول الله، لو امرت بالمسجد فظلل، فقال: نعم، فأمر به فاقيمت به سوارى من جذوع النخل، ثم طرحت عليه العوارض و الخصف و الاذخر، (1) فعاشوا فيه حتى اصابتهم الأمطار، فجعل المسجد يكف عليهم، فقالوا:
يا رسول اللّه لو امرت بالمسجد فطيّن، فقال لهم رسول الله (ص): لا، عريش كعريش(2) موسى صلى اللّه عليه، فلم يزل كذلك حتى قبض رسول الله (ص)، و كان جداره قبل ان يظل قامة، و كان اذا كان الفئ ذراعا - و هو قدر مربض عنز - صلى الظهر، و اذا كان ضعف ذلك صلى العصر. قال: و السميط: لبنة لبنة، و السعيدة: لبنة و نصف، و الذكر و الانثى: لبنتان مخالفتان.
قال فى البحار: قال الجوهرى: السارية: الاسطوانة، و قال: العارضة
ص: 99
واحدة عوارض السقف، و الخصف محركة جمع الخصفة، و هى الجلة تعمل من خوص النخل اى ورقها للتمر، و قال: السميط الاجر القائم بعضه فوق بعض.
قال ابو عبيدة: و هو الذى يسمى بالفارسية البراستق. و قال الفيروزآبادى:
السّفد ثلث اللبنة، و كزيبر ربعها، و الانثى و الذكر معروف بين البنائين.
قوله: يكف، اى يقطر، و الاختلاف فى الأنواع، لأن كلما كان المكان اوسع كان جداره اطول، و كلما كان الجدار أطول، فالمناسب ان يكون عرضه اوسع و سمكه أرفع.
و منها ما رواه الكافى فى باب بناء المساجد، فى الحسن بابراهيم بن هاشم عن الحلبى قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن المساجد المظلة، أيكره الصلوة فيها؟ قال: نعم، و لكن لا يضركم اليوم، و لو كان العدل لرايتم كيف يصنع فى ذلك. و رواه التهذيب فى باب فضل المساجد(1)، فى الصحيح عن الحلبى قال:
سألته عن المساجد المظللة، يكره القيام فيها، قال: نعم، و لكن لا يضركم الصلوة فيها اليوم، و لو قد كان العدل لرايتم انتم كيف يصنع فى ذلك. قال الصدوق فى الفقيه فى باب فضل المساجد: و سأل عبيد اللّه بن على الحلبى أبا عبد الله (ع) عن المساجد المظللة، يكره القيام فيها، قال: نعم، و لكن لا تضركم الصلوة فيها. و قال ابو جعفر (ع): و اول ما يبدء به قائمنا سقوف المساجد، فيكسرها و يأمر بها فيجعل عريشا كعريش موسى (ع).
قال بعض الأفاضل: و لكن لا تضركم الصلوة فيها، الظاهر ان المراد انه اليوم لا يضركم للتقية، كما ذكره التهذيب، و يدل عليه بعض الروايات، حيث قال:
و لو كان العدل لرايتم كيف يصنع فى ذلك.
و منها ما رواه فى البحار، عن غيبة الشيخ، عن الفضل بن شاذان، عن عبد الرحمن بن ابى هاشم، عن على بن ابى حمزة، عن ابى بصير قال: اذا قام
ص: 100
القايم دخل الكوفة و امر بهدم المساجد الأربعة حتى يبلغ اساسها، و يصيرها عريشا كعريش موسى.
قال فى البحار: قال الجوهرى: العرش و العريش: ما يستظل به، و عرش يعرش و يعرش عرشا اى بنى بناء من خشب، و بئر معروشة و كروم معروشات، و العريش عريش الكرم، و العريش شبه الهودج و ليس به، يتخذ ذلك للمراة تقعد فيه على بعيرها، و العريش خيمة من خشب و ثياب، و الجمع عرش مثال قليب و قلب، و منه قيل لبيوت مكة: العرش، لأنها عيدان تنصب و يظلل عليها.
اذا عرفت ذلك فاعلم ان المدارك قال بعد عنوانه قول الشرايع: يستحب اتخاذ المساجد مكشوفة غير مسقفة، ما صورته: اما استحباب كونها مكشوفة - أعنى غير مسقفة - فتدل عليه روايات، ثم نقل رواية عبد اللّه بن سنان المتقدمة، و قال:
و يستفاد من هذه الرواية كراهة التسقيف خاصة دون التظليل بغيره، و انه لا يزول بالاحتياج الى التسقيف، و يؤكد هذا الاختصاص ما رواه ابن بابويه، ثم نقل مرسلته المتقدمة، و قال: و لا ينافى ذلك ما رواه الشيخ، ثم نقل صحيحة الحلبى المتقدمة، و قال: لأن المتبادر من التظليل ما هو المتعارف منه، و هو ما كان على وجه التسقيف، و لو كانت مظللة لوجب حملها على هذا المعنى.
قال الشهيد فى الذكرى، بعد ذكر كراهة التظليل: و قد سلف ان النبى (ص) ظلل مسجده، و لعل المراد به(1) تظليل جميع المسجد، او تظليل خاص، او فى بعض البلاد، و الا فالحاجة ماسة الى التظليل لدفع الحر و القر.(2)
أقول: قد بينا ان المكروه التظليل بالتسقيف خاصة، و ان الكراهة لا تزول بالحاجة الى ذلك، و لعل الوجه فيه ان هذا القدر من التظليل يدفع اذى الحرارة و البرودة، و مع المطر لا يتأكد استحباب التردد الى المساجد، كما يدل عليه اطلاق النهى عن التسقيف، و ما اشهر من قوله عليه السلام اذا ابتلّت
ص: 101
النعال(1) فالصلوة فى الرحال، و النعال وجه الأرض الصلبة، قاله الهروى فى الغريبين. و قال الجوهرى: النعل الأرض الغليظة تبرق، و حصاها لاثبت شيئا، انتهى.
أقول: خصّ جماعة من المتأخرين و منهم المدارك كما عرفت، الكراهة بنحو السقوف لا العريش، و لهم صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة، المتضمنة لفعل النبى (ص) ذلك، و القول بانه ربما يفهم من سياق الصحيحة اختصاص فعله مجال الضرورة فيه ما ترى، و مرسلة الصدوق و رواية ابى بصير المتقدمتان، و لا يمكن تقييد اطلاق الأمر بالعريش بصورة الضرورة، لعدم الدليل عليه، و سياق صحيحة ابن سنان غير دال عليه كما عرفت.
فان قلت: مقتضى اطلاق صحيحة الحلبى هو كراهة الصلوة فى المساجد المظللة مطلقا، سواء كان التظليل بنحو السقوف او العريش، و لا يمكن تقييده بصحيحة ابن سنان الدالة على جواز التظليل بالعريش، لأنه ان سلمنا انه لا يفهم منها الاختصاص بحال الضرورة، فلا نسلم دلالتها على جوازها بالتظليل الحاصل بالعريش فى حال الاختيار.
و لا بمرسلة الصدوق و رواية ابى بصير، لضعف سندهما، قلت: قوله (ع):
فعاشوا فيه حتى اصابتهم الأمطار فجعل المسجد يكف عليهم - الى قوله - حتى قبض رسول الله (ص)، يدل على جواز الاتيان بها فى التظليل الحاصل به فى حال الاختيار ايضا، كما لا يخفى على المنصف، مع الاطلاق الشامل لنحو العريش، لأن المتعارف المعهود اتخاذها مسقفة، فلينصرف المفرد المعرّف باللام الى ذلك، فلا يكره التظليل بالعريش، سيما بعد ملاحظة ذيل صحيحة الحلبى، و ضم المرسل به.
ص: 102
و لعل الأول الأخذ بالعموم، لاشتهاره على اشكال ينشاء من مرسلة الصدوق و رواية ابى بصير، بل يمكن منع الاشتهار، بان مراد من عبر بالكشف هو عدم كونها مسقفة.
قال فى المسالك: قوله: مكشوفة غير مسقفة، كان ذكر الكشف كافيا عن الوصف بعد التسقيف، لأنه بعض افراده، لشمول الكشف له و للتظليل بغيره من شجرة و خيمة و غيرها، و لعل ذكر عدم التسقيف بعد ذلك تفسير للكشف بمعنى ان المطلوب من كشفها كونها غير مسقفة، لا مطلق الكشف، و فى الجمع بين الكلمتين مع اغناء الثانية عن الاولى، اشارة الى ان ذلك هو مراد من عبّره بالكشف، و يدل على اختصاص الكراهة بالتسقيف، ما رواه عبد اللّه بن سنان، عن الصادق عليه السلام: ان رسول الله (ص) ظلل مسجده بالخصف و الاذخر، فلما اتتهم الأمطار و كف عليهم فقالوا: يا رسول الله (ص) لو امرت بالمسجد فطين، فقال رسول الله (ص): لا، عريش كعريش موسى (ع)، فلم يزل كذلك حتى قبض (ص) قال فى الذكرى: و لعل المراد به تظليل جميع المسجد، الى آخره، انتهى.
و بالجملة الأظهر عندى هو اختصاص الكراهة بنحو السقوف، قال الصدوق فى الفقيه فى باب الجماعة و فضلها: و اذا كان مطر و برد شديد، فجايز للرجل أن يصلى فى رحله و لا يحضر المسجد، لقول النبى (ص): اذا ابتلّت النعال فالصلوة فى الرحال، انتهى.
و ينبغى التنبيه لأمرين:
الأول: و قال بعض المحشين(1) للكتاب: قوله: و يستحب اتخاذ المساجد مكشوفة و يكره مظلله، و ينبغى ان يقيد الكراهة بتظليل الجميع. و قال فى الرياض فى قول الشهيد: و مكشوفه، و يستحب اتخاذها مكشوفة و لو بعضها، للاحتياج الى السقف فى اكثر البلاد لدفع الحر و البرد، انتهى.
ص: 103
أقول: لا افهم وجه هذا التقييد، و الاحتياج الى السقف فى اكثر البلاد لدفع الحر و القر لا يوجب ذلك، الا تنظر الى صحيحة ابن سنان المتقدم.
الثانى: بظهر من صحيحة الحلبى و هو قوله (ع): و لكن لا يضركم الصلوة فيها اليوم، و لو قد كان العدل لرايتم انتم كيف يصنع فى ذلك. انه لا كراهة فى الصلوة فى المساجد المظللة بالسقف، ما لم يظهر القائم عجل اللّه فرجه، نعم يستفاد منها كراهة اتخاذها مسقفة كما عرفت.
(و) يستحب جعل (الميضاة) و هى المطهرة للحدث و الخبث على ما ذكره جماعة، قال بعض الأجلاء: و المراد بها الموضع الذى يتطهر فيه من البول و الغايط، و هو كناية عن مواضع قذف النجاسة و التطهير منها (على بابها) بلا خلاف اجده، و فى بعض الأجلة عنه الخلاف.
قال فى البحار: و اما جعل المطاهر اى محل تطهير الحدث و الخبث على ابوابها، فقد ذكر الأصحاب استحبابه، و يدل على ذلك اخبار: منها: ما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد، عن عبد الحميد، عن ابى ابراهيم (ع) قال: قال رسول الله (ص): جنبوا مساجدكم صبيانكم و مجانينكم، و شراكم و بيعكم، و اجعلوا مطاهركم على ابواب مساجدكم.
و منها ما رواه فى البحار عن نوادر الراوندى، باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام، قال رسول الله (ص): جنبوا مساجدكم مجانينكم و صبيانكم، و رفع اصواتكم الا بذكر اللّه تعالى، و بيعكم و شراءكم و سلاحكم، و جمروها فى كل سبعة أيام، وضعوا المطاهر على ابوابها.
و منها ما رواه ايضا عن اصل من اصول اصحابنا، عن محمد بن عبد الله، عن احمد بن سعيد، عن الحسن بن عبيد الكندى، عن النوفلى، عن السكونى، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن آبائه (ع)، قال: قال رسول الله (ص): ضعوا المطاهر على ابواب المساجد. و ايد الحكم المذكور، بانها لو جعلت داخلها لتاذى المسلمون برايحتها، و كراهة الوضوء فى المسجد، انتهى.
ص: 104
أقول: يمكن ان يستدل على ذلك ايضا، بان جعلها فى داخلها مناف لتعظيمها المأمور به. روى فى البحار، عن العلل، عن على بن احمد بن محمد، عن محمد بن جعفر الأسدى، عن موسى بن عمران النخعى، عن الحسين بن يزيد النوفلى، عن على بن ابى حمزة البطائنى، عن ابى بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن العلة فى تعظيم المساجد، فقال عليه السلام: انما امر بتعظيم المساجد لأنها بيوت اللّه فى الأرض.
و روى ايضا عن كنز الكراچكى، عن محمد بن احمد بن شاذان، عن أبيه، عن محمد بن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن زياد، عن المفضل بن عمر، عن يونس بن يعقوب قال: قال أبو عبد الله (ع): ملعون ملعون من لم يوقر المسجد تدرى يا يونس لم عظم اللّه حق المساجد؟ و انزل هذه الآية «وَ أَنَّ اَلْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلاٰ تَدْعُوا مَعَ اَللّٰهِ أَحَداً»، كانت اليهود و النصارى اذا دخلوا كنايسهم اشركوا بالله تعالى فأمر اللّه سبحانه نبيه ان يوحد اللّه فيها و يعبده.
و ينبغى التنبيه لأمور:
الأول: منع ابن ادريس من جعل الميضاة فى وسط المسجد، قال فى الذكرى: و هو حق ان لم يسبق المسجد، فهو جيد كما اختاره جماعة كثيرة من المتأخرين، لأنه بنى المسجد بعد تقدم المطهرة، و جعل فيها؟؟؟ مسجدا بحيث تكون فى وسطه، لا يوجب المنع الا من حيث رعاية الأدب و الاحترام المطلوب فى هذا المكان.
قال فى المسالك بعد نقل منع الحلى: و هو حق ان لم تسبق المسجد، و اريد بها محل البول و الغايط، و استلزمت اذاه.
و قال فى الروضة بعد قول الشهيد: و الميضاة على بابها لا فى وسطها، على تقدير سبق اعدادها على المسجدية، و الا حرم فى الخبيثة مطلقا و الحديثة ان اضرت بها.
قال بعض المحشين للكتاب: قوله: و الميضاة على بابها و يكره فى سطحها
ص: 105
ان لم يسبق المسجد و الاحرم، او يراد بها مواضع الوضوء.
الثانى: قال فى المدارك: و لم يتعرض المصنف لحكم الوضوء فى المسجد و قد قطع العلامة و من تأخر عنه بكراهته من البول و الغايط، لما رواه الشيخ فى الصحيح، عن رفاعة قال: سألت أبا عبد الله (ع)، عن الوضوء فى المسجد، فكرهه من الغايط و البول، و يمكن حمل الوضوء فيها على الاستنجاء، او على ما لا يتناوله كما اومأ عليه فى التحرير.
و قال فى الذخيرة و البحار: و ذكر العلامة و المتأخرون عنه كراهة الوضوء من البول و الغايط فى المسجد، لما رواه الشيخ عن رفاعة... الحديث، و حكم الشيخ فى النهاية بعدم جواز ذلك، و تبعه ابن ادريس، و منع فى المبسوط عن ازالة النجاسة فى المساجد، و عن الاستنجاء من البول و الغايط.
قال فى الذكرى: و كأنه فسر الرواية بالاستنجاء، و لعله مراده فى النهاية و هو حسن. و زاد الذخيرة: و ما ذكره غير بعيد، و قال بعض الأجلاء بعد نقل كلام المدارك ما صورته: أقول: ظاهره انه مع حمل الوضوء فى الخبر على الاستنجاء فغاية ما يدل هو الكراهة، و هو على اطلاقه مشكل، لأنهم و ان صرحوا بطهارة ماء الاستنجاء، الا ان ذلك مشروط بشروط مذكورة ثمة، و ليس كل استنجأ يكون كذلك، بل المعلوم عادة هو اختلال بعض الشروط و حينئذ فيكون نجسا و ظاهر الأصحاب الاتفاق على تحريم النجاسة المتعدية الى المسجد او الآية، و به صرح هو ايضا، و اليه يشير جملة من الأخبار مثل رواية تعاهد النعلين عند دخول المسجد، و رواية امر النبى (ص) بتطهير بول الأعرابى فى المسجد، و ظاهر قوله عز و جل: «فَلاٰ يَقْرَبُوا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ» و على هذا فالأظهر بناء على حمل الوضوء على الاستنجاء، هو حمل الكراهة فى الخبر على التحريم، فان اطلاقها بهذا المعنى فى الأخبار اكثر كثير كما اشرنا اليه فى غير موضع، و به اعترف السيد المشار اليه فى موضع من شرحه، انتهى.
أقول: حمل الوضوء الواقع فى صحيحة رفاعة المتقدمة، المروية فى التهذيب
ص: 106
فى باب فضل المساجد، على الاستنجاء بعيد فى الغايط، سيما بعد ملاحظة ورودها فى زمان مولانا الصادق (ع)، فليحمل على معناه المتداول عند الأئمة (ع) و أصحابهم، فعلى هذا المراد من لفظة الكراهة الواقعة فيها هو معناها المستحدثة عند الطائفة، لأنا لم نعثر على مفت صريح بحرمته فيها منها.
و حكم الشيخ فى النهاية و الحلى غير صريح فى ذلك، بل و لا ظاهر، لما ذكره فى الذكرى كما عرفت، مضافا الى ان الظاهر من هذه اللفظة مجردة عن القراين الخارجية هو الكراهة المصطلحة، و ان كان ظهوره ضعيفا، و الى ما نرى من سيرة المسلمين فى الأعصار و الأمصار، من انهم يتوضؤن فى المساجد من البول و الغايط، فلو كان ذلك حراما لما كان بلا شبهة كذلك.
و الى ان ذلك من الأمور العامة البلوى، فلو كان كذلك لوجب اشتهاره، و التالى باطل بالبديهة.
و الى ان لفظة الكراهة الواقعة فى الصحيحة، هو من كلام الراوى و ليست من كلام المعصوم (ع)، حتى يقال انها من الألفاظ المتشابهة المجملة المستدعية فى العمل للبراءة اليقينية الموجودة فى القول بالحرمة، فليؤخذ منها بالقدر المتيقن و لينف الزايد بأصل البراءة او الاطلاقات، مع انه اذا تكلم بها المعصوم (ع) ايضا يكون فى القول المذكور اشكال، للظهور؟؟؟ اليه الاشارة، و لبعد التعبير بالحرمة اللازم تركها عند الشريعة، بامثال هذه العبارة و لغيرهما.
و بالجملة ما اختاره المصنف طاب ثراه، من كراهة الوضوء من البول و الغايط للصحيح، فربما حمل الوضوء فيه على المعنى اللغوى، و لا وجه له بعد القول ثبوت الحقيقة الشرعية، مع فتوى الأكثر به.
الثالث: يستفاد من رواية نوادر الراوندى، استحباب تجمير المساجد فى كل سبعة ايام، و لا بأس به للتسامح، و يدل عليه ايضا ما رواه فى البحار، عن الدعائم، عن على (ع) قال: جنبوا مساجدكم رفع اصواتكم و بيعكم و شراءكم و سلاحكم، و جمروها فى كل سبعة ايام، و ضعوا فيها المطاهر. قال فى البحار،
ص: 107
بعد نقل الخبر: قد مر فى خبر النوادر: وضعوا المطاهر على ابوابها، و هو اظهر و المراد هنا اصل تعيين المطاهر فيها، الظاهر جعل فى تعليلته مثل قوله: دخلت النار فى هرة حبستها، فلا ينافى من استحباب جعلها على أبواب المساجد.
(و) جعل (المنارة مع حايطها) لا فى وسطها، على الأشهر الأظهر كما ادّعاه بعض من تأخر، خروجا عن اطلاق خلاف النهاية الحاكمة بعدم جواز جعلها فى وسطها، و استحسن منع النهاية من المتأخرين جماعة، لكن بشرط تقدم المسجدية على بنائها.
و عن المصنف رحمه اللّه انه استدل فى نهاية الأحكام لمطلب المتن، بأن فيه التوسعة و رفع الحجاب بين المصلين، و استضعفه فى الذخيرة. و عنه ايضا انه استدل فى المنتهى لمطلب المتن، بما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد عن السكونى، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام: ان عليا (ع) مرّ على منارة طويلة فامر بهدمها، ثم قال: لا ترفع المنارة الا مع سطح المسجد. و فيه ما ترى.
ذكر الاكثر على الظاهر المصرح به غير واحد منهم، كراهة طول المنارة ازيد من سطح المسجد، و نسبه بعض الأجلاء الى الأصحاب.
أقول: و يدل على ذلك رواية السكونى المتقدمة، قيل: و استدل بها فى المنتهى على استحباب عدم تعليتها على الحايط، كما افتى به الأكثر.
أقول: و اطلاق الاستحباب على ترك المكروه غير عزيز فى كلامهم، و ان شئت ان تطلع على ذلك فى الجملة فانظر فى الدروس الذى يبين فيه مستحبات المساجد، فلا تؤاخذهم لأنهم يتسامحون فى امثال المقامات، و يريدون من الاستحباب مجرد الثواب على الفعل او الترك و عدم العقاب على الترك، و لا ريب ان من ترك شيئا امتثالا لنهيه عز و جل فهو مثاب على ذلك.
ص: 108
و بالجملة لا شبهة فى كراهة تطويل المنارة زيادة على سطح المسجد لما عرفت و لما رواه فى البحار عن كشف الغمة، نقلا عن دلائل الحميرى، عن ابى هاشم الجعفرى قال: كنت عند أبى محمد (ع) فقال: اذا خرج القائم (ع) امر بهدم المنار و المقاصير التى فى المساجد، فقلت فى نفسى: لأىّ معنى هذا؟ فاقبل علىّ و قال: معنى هذا انها محدثة مبتدعة، لم يبنها نبىّ و لا حجة.
و روى غيبة الشيخ، عن سعد بن عبد الله، عن الجعفرى، مثله، قال فى البحار: المشهور بين الأصحاب كراهة تطويل المنارة ازيد من سطح المسجد، لئلا يشرف المؤذن على الجيران، و المنارات الطويلة من بدع عمر، و المراد بالمقاصير المحاريب الداخلة، انتهى.
أقول: و يؤيد ذلك ما رواه التهذيب فى زيادات باب الأذان و الاقامة عن على بن جعفر قال: سألت أبا الحسن عن الأذان فى المنارة.
(و) يستحب (تقديم) الرجل (اليمنى دخولا و اليسرى خروجا) قال المدارك و الذخيرة: علله فى التحرير بأن اليمين أشرف فيدخل بها الى الموضع الشريف، و بعكسه الخروج.
أقول: ظاهر اقتصارهم على هذا التعليل، عدم وقوفهم على نصّ يدل على ذلك، مع ان النصوص فى ذلك كثيرة: منها: ما رواه فى الكافى فى باب القول عند دخول المسجد، عن يونس، عنهم (ع)، قال: قال: الفضل فى دخول المسجد ان تبدأ برجلك اليمنى اذا دخلت، و باليسرى اذا خرجت.
و منها: ما رواه فى البحار عن جامع الأخبار، قال رسول الله (ص) اذا دخل المسجد احدكم يضع رجله اليمنى و يقول: بسم اللّه و على اللّه توكلت، و لا حول و لا قوة الا بالله، و اذا خرج يضع رجله اليسرى و يقول: بسم اللّه و اعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قال: يا على من دخل المسجد و يقول كما قلت، تقبل الله صلوته، و كتب له بكل ركعة صلاها فضل مائة ركعة، فاذا خرج يقول ما قلت، غفر الله له الذنوب، و رفع له بكل قدم درجة، و كتب اللّه له بكل قدم مائة حسنة،
ص: 109
و قال على (ع): اذا دخل العبد المسجد فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الشيطان: اوه كسر ظهرى، و كتب اللّه بها عبادة سنة، و اذا خرج من المسجد يقول مثل ذلك، كتب اللّه له بكل شعرة على بدنه مائة حسنة، و رفع له مائة درجة و قال (ع): اذا دخل المؤمن المسجد فيضع رجله اليمنى، قالت الملائكة:
غفر اللّه لك، و اذا خرج فوضع رجله اليسرى، قالت الملائكة: حفظك الله، و قضى لك الحوائج، و جعل مكافاتك الجنة.
و روى فى البحار ايضا عن الهداية، عن الصادق (ع): اذا دخلت المسجد فادخل رجلك اليمنى، و صل على النبى و آله.
و أما ما رواه فى البحار، عن جمال الاسبوع الحديث ابو(1) الحسين محمد بن هرون التلعكبرى، عن محمد بن عبد الله، عن رجاء بن يحيى بن محمد بن سامان الكاتب، قال: هذا مما خرج من دار سيدنا ابى محمد الحسن بن على صاحب العسكرى الآخر عليه السلام، فى سنة خمس و خمسين و مائتين، قال:
اذا اردت دخول المسجد فقدم رجلك اليسرى قبل اليمنى فى دخولك...
الحديث، ففيه ما ذكره فى البحار بقوله: تقديم الرجل اليسرى فى هذا الخبر مخالف لساير الأخبار و اقوال الأصحاب، و لعله من اشتباه النّساخ او الرواة.
(و الدعاء عندهما) بما ورد فى الأخبار الكثيرة، روى التهذيب فى باب فضل المساجد، عن العلاء بن الفضيل، عمن رواه، عن ابى جعفر (ع): اذا دخلت المسجد و أنت تريد أن تجلس فلا تدخله الا طاهرا، و اذا دخلته فاستقبل القبلة ثم ادع اللّه و اسئله. و سمّ حين تدخله و احمد اللّه و صلى على النبى.
و روى ايضا فى الباب المتقدم فى الموثق، عن سماعة قال: اذا دخلت المسجد فقل: بسم اللّه و السلام على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، انّ اللّه و ملائكته يصلون على محمد و آل محمد و السلام عليهم و رحمة اللّه و بركاته، ربّ أغفر
ص: 110
لى ذنوبى، و افتح لى ابواب فضلك، و اذا خرجت فقل مثل ذلك.
و روى فى الكافى فى باب القول عند دخول المسجد فى الصحيح او الحسن كالصحيح، عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا دخلت المسجد فصل على النبى (ص)، و اذا خرجت فافعل مثل ذلك.
و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن ابى حفص العطار شيخ من أهل المدينة قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: قال رسول الله (ص): اذا صلّى أحدكم المكتوبة و خرج من المسجد، فليقف بباب المسجد ثم ليقل: اللهم دعوتنى فأجبت دعوتك، و صليت مكتوبك، و انتشرت فى ارضك كما امرتنى، فاسئلك من فضلك العمل بطاعتك، و اجتناب سخطك، و الكفاف من الرزق برحمتك.
قال فى الفقيه فى باب فضل المساجد: و من دخل المسجد فليدخل رجله اليمنى و ليقل: بسم اللّه و بالله، السلام عليك ايها النبى و رحمة اللّه و بركاته، اللهم صل على محمد و آل محمد، و افتح لنا ابواب رحمتك، و اجعلنا من عمار مساجدك، جلّ ثناء وجهك، و اذا خرج فليخرج رجله اليسرى قبل اليمنى و ليقل:
اللهم صل على محمد و آل محمد، و افتح لنا ابواب فضلك.
و روى فى البحار عن كتاب الامامة لمحمد بن جرير الطبرى، عن ابى المفضل محمد بن عبد اللّه عن محمد بن هرون بن حميد، عن عبد اللّه بن عمر بن ابان، عن ليث بن سليم، عن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، عن فاطمة الصغرى، عن أبيها الحسين، عن فاطمة الكبرى ابنة رسول الله (ص): ان النبى (ص) كان اذا دخل المسجد يقول: بسم الله، اللهم صل على محمد و آل محمد، و اغفر ذنوبى، و افتح لى ابواب رحمتك، و اذا خرج يقول: بسم الله، اللهم صل على محمد و آل محمد، و اغفر ذنوبى، و افتح لى ابواب فضلك.
و بالجملة الأدعية فى المسئلة كثيرة، و قد تقدم فى المسئلة السابقة الى بعضها الاشارة، و من اراد الاطلاع التام فليرجع الى البحار.
(و تعاهد النعل) عند الدخول، و هو استعلام حاله استظهارا للطهارة،
ص: 111
لما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد، عن عبد اللّه بن ميمون القداح، عن جعفر عن أبيه عليهما السلام: ان عليّا (ع) قال: قال النبى (ص): تعاهدوا نعالكم عند ابواب مساجدكم.
و روى فى البحار عن كتاب مكارم(1) الأخلاق عن النبى (ص)، فى قوله تعالى:
«خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» قال: تعاهدوا نعالكم عند ابواب المسجد. قال فى البحار عند نقله: ذكر الأصحاب استحباب تعاهد النعال عند دخول المساجد و فسروه باستعلام حالها استظهارا للطهارة، و ألحق بها ما كان مظنة النجاسة كالعصا، و استدل عليه بما رواه الشيخ عن القداح... الحديث. قال الجوهرى التعهد التحفظ بالشىء و تجديد العهد به، و هو افصح من قولك: تعاهدت، لأن التعاهد انما يكون بين اثنين.
أقول: ورود الرواية عن افصح الفصحاء، يدل على خطاء الجوهرى، بل يطلق التفاعل فيما لم يكن بين اثنين للمبالغة، اذ ما يكون بين اثنين يكون المبالغة و الاهتمام فيه اكثر، و يحتمل ان يكون المراد بتعاهد النعل ان يحفظه عند امين و نحوه، لئلا يشتغل قلبه فى حال الصلوة، و لعل ما فهمه القوم أظهر.
و قال بعض الأجلاء: لا يخفى ان لفظ التعاهد قد ورد كثيرا فى الأخبار و كلام البلغاء بمعنى التعهد، كما ورد فى تعاهد الجيران، و تعاهد القرآن، و قولك فلان يتعاهدنا اى يراعينا و يحنو علينا. و بالجملة فان استعمال التعاهد بمعنى التعهد كثير شايع، فلا منافاة بين ما ذكره الجوهرى و بين وروده فى الأخبار، و لا ضرورة الى تخطئة الجوهرى، فان استعمال المجاز شايع فى القرآن و الأخبار اكثر من استعمال الحقايق، فالتعاهد و ان كان من حيث الأصل و الحقيقة لا يستعمل إلاّ بين اثنين، كما هو قاعدتهم باب التفاعل، الا انه يستعمل بمعنى التعهد مجازا شايعا.
ص: 112
(و اعادة المستهدم) بكسر الدال و هو المشرف على الانهدام، على ما نص غير واحد، فانه فى معنى عمارتها، فيدخل تحت عموم الآية و غيرها.
(و كنسها) لما فيه من تعظيمها المطلوب، و لما رواه فى البحار، عن كتاب زيد النرسى قال: سمعت أبا الحسن (ع)، يحدث عن أبيه: ان الجنة و الحور لتشتاق الى من يكسح المساجد، و يأخذ منه القذى.
و لما رواه ايضا عن مجالس الصدوق عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن خالد البرقى، عن محمد بن تسنيم، عن العباس بن عامر، عن ابن بكير عن سلام بن غانم، عن الصادق (ع) عن جعفر بن محمد، عن آبائه (ع): ان رسول الله (ص) قال: من قم مسجدا كتب اللّه له عتق رقبة، و من اخرج منه ما يقذى عينا كتب اللّه عز و جل له كفلين من رحمته.
و روى عن المحاسن، عن محمد بن تسنيم، مثله.
قال فى البحار: فى القاموس: القذى ما يقع فى العين و فى الشراب، قذيت عينه كرضى فيها القذى، و قال: الكفل بالكسر الضعف و النصيب و الحظ، و التقدير بما يقذى عينا او يذر فى العين كما فى الخبر الآخر، مبالغة فى كنس المساجد و ان كانت نظيفة، او لم يستوعب جميعا، كنس قليلا منها يترتب عليه هذا الثواب.
و يتاكد الاستحباب فى يوم الخميس و ليلة الجمعة، لما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد، عن عبد الحميد، عن ابى ابراهيم (ع) قال: قال رسول الله (ص): من كنس المسجد يوم الخميس و ليلة الجمعة، فاخرج عنه من التراب ما يذر فى العين غفر اللّه له. و روى هذا الحديث الصدوق فى الفقيه عن النبى.
و روى فى البحار عن مجالس الصدوق، عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن احمد الأشعرى، عن سهل بن زياد، عن محمد بن بشار، عن عبد الله الدهقان، عن عبد الحميد بن الديلمى، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه.
(ع) قال: قال رسول الله (ص): من كنس مسجدا يوم الخميس ليلة الجمعة
ص: 113
فأخرج منه التراب... الحديث. و روى هذا الحديث ايضا عن كتاب ثواب الأعمال، عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن يحيى العطار.
الظاهر ان الواو الواقعة فى قوله: و ليلة الجمعة، بمعنى او، قاله غير واحد منهم. أقول: الرواية التى نقلناها عن مجالس الصدوق لفظه الواو غير موجودة فيه، فعلى هذا يكون المراد يوم الخميس فقط، فليتأمل جدا، و يمكن أن تكون ساقطة من قلم الكاتب للبحار مطلقا، او البحار الموجود عندى، او المجالس، او من الرواة، و يؤيد ذلك روايتا التهذيب و الفقيه المتقدمتان.
(و الاسراج فيها ليلا) لكونه احسانا بالنسبة الى المترددين، و لما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد، عن انس قال: قال رسول الله (ص): من اسرج فى مسجد من مساجد اللّه سراجا، لم يزل الملائكة و حملة العرش يستغفرون له مادام فى ذلك المسجد ضوء من ذلك السراج. و رواه فى الفقيه ايضا فى باب فضل المساجد، عن النبى (ص).
و قال فى كتاب معارج اليقين، بعد ان نقل رواية انس: و قال (ع): من ادخل ليلة واحدة سراجا فى المسجد، غفر اللّه له ذنوب سبعين سنة، و كتب الله له عبادة سنة، و له عند اللّه مدينة، فان زاد على ليلة واحدة، فله بكل ليلة تزيد ثواب نبىّ (ع)، فاذا اتم عشر ليال لا يصف الواصفون ما له عند اللّه من الثواب، فاذا أتم الشهر حرم اللّه جسده على النار.
و روى فى البحار عن جامع الأخبار، عن النبى (ص) مثله، و لا فرق بين صلوة احد فيه و اقامته حالة الضوء و عدمه، لاطلاق النص، قال بعض الأجلاء:
قالوا: و لا يتوقف على اذن الناظر اذا كان ما يسرج به من مال المسرج، نعم لو كان من مال المسجد توقف عليه، و لو لم يكن له ناظر معين و تعذر استيذان الحاكم، جاز لا حاد ثقاة المؤمنين تولى ذلك فعلا او اذنا، كما فى ساير الأمور الحسية.
(و يجوز نقض المستهدم خاصة) اى المشرف على الانهدام، بلا خلاف
ص: 114
اجده، بل قد يجب اذا خيف من انهدامه على احد من المترددين، قاله جماعة قال بعض الأجلاء: قد صرح الأصحاب بانه يجوز نقض ما استهدم، قالوا: و لا ريب فى جوازه، بل قد يجب اذا خيف انهدامه على احد من المترددين، انتهى.
و لا يشترط فى جواز النقض العزم على الاعادة، لأن المقصود منه نفى الضرر و هو حاصل بدون ذلك، نعم يستحب اعادته للعموم، و يجوز النقض ايضا للتوسعة اذا احتيج اليها، لعموم قوله تعالى: «مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» و لعموم قوله تعالى: «إِنَّمٰا يَعْمُرُ مَسٰاجِدَ اَللّٰهِ» الى آخره.
و لصحيحة ابن سنان او حسنته المتقدمة، الواردة فى مسجد رسول الله (ص) و توسعته مرتين و امره بها.
قال فى الذكرى: و لو اريد توسعة المسجد، ففى جواز النقض وجهان، من عموم المنع، و من ان فيه احداث مسجد، و لاستقرار قول الصحابة على توسعة مسجد رسول الله (ص) بعد انكارهم، و لم يبلغنا انكار علىّ (ع)، و قد اوسع السلف المسجد الحرام و لم يبلغنا انكار علماء ذلك العصر.
و قال بعض الأجلاء بعد نقل الكلام المذكور: الأظهر هو الاستناد فى الحكم المذكور الى رواية عبد اللّه بن سنان، فانها ظاهرة فى الجواز، و أما ما ذكر بالنسبة الى مسجد الرسول (ص) و توسعته بعد موته، و استقرار قول الصحابة على ذلك، و ان عليّا (ع) لم ينكره، ففيه انه غفلة منه عما ورد عنه (ع) فى انكار ذلك، الا انه انما انكر من حيث غصب البيوت التى ادخلت فى المسجد، و من ذلك ما رواه فى الكافى(1) عن سليم بن قيس، فى خطبة امير المؤمنين (ع) قال:
خطب امير المؤمنين، ثم ساق كلامه الى ان قال فيه: قد عملت الولاه قبلى اعمالا خالفوا فيها رسول الله (ص)، و لو حملت الناس على تركها، و حولتها الى موضعها، و الى ما كانت فى عهد رسول الله (ص)، لتفرق عنى جندى حتى
ص: 115
ابقى وحدى - ثم عد جملة من ذلك و قال - ورددت دار جعفر الى ورثته، و هدمتها من المسجد - الى ان قال - ورددت مسجد رسول الله (ص) الى ما كان عليه... الحديث. و هو اظهر ظاهر فى انكار ذلك، و ان الزيادة التى احدثوها كانت غصبا.
و الظاهر انه لو كانت الزيادة من الأراضى المباحة فلا اشكال، و قد روى فى تجديد مسجد الرسول (ص) على ما رواه فى الفقيه عن عبد الاعلى(1) مولى آل سال، عن ابى عبد الله (ع)، انه سأله: كم كان مسجد رسول الله (ص)؟ قال: كان ثلاثة الاف و ستمائة مكسرا.. و المعنى انه كان كل من طوله و عرضه ستون ذراعا، فانه اذا ضرب ذلك حصل منه العدد المذكور فى الخبر.
و اما الاحتجاج بعدم انكار علماء ذلك العصر، فهو اوهن من بيت العنكبوت، و انه لاوهن البيوت، لأن البدع الصادرة عن خلفاء الجور، الذين هم ائمة الحق عندهم جائزة بل واجبة الاتباع، فكيف ينكرها علماؤهم؟ ا لا ترى الى اعذار علمائهم من بدع الثلاثة المتقدمين، بنحو ما قلناه من ان الخليفة له ان يعمل بما يراه الاصلح و الاولى فى جميع الامور.
و بالجملة فالأمر اظهر من ان ينكر، انتهى فتدبر.
و بالجملة القول بالجواز مع عدم الاحتياج اليها ايضا للايتين المتقدمتين، و شمول قوله تعالى: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسٰاجِدَ اَللّٰهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ وَ سَعىٰ فِي خَرٰابِهٰا أُولٰئِكَ مٰا كٰانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهٰا إِلاّٰ خٰائِفِينَ لَهُمْ فِي اَلدُّنْيٰا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ» للمقام غير ممنوع.
قال فى الذكرى: الأقرب ان لا ينقض الا بعد الظن الغالب بوجود الامارة و لو اخر النقض الى اتمامها كان اولى، الا مع الاحتياج الى الآلات، و استحسنه جملة ممن تأخر عنه، و لا بأس به.
ص: 116
قال شقيقه فى المسالك: و يجوز نقضه لتوسعته، لكن يجب التأخير الى اتمام العمارة، الا مع الاحتياج الى آلاته فيؤخر بحسب الامكان، و يجوز احداث باب زائد لمصلحة عامة، كازدحام المسلمين فى الخروج و الدخول، و به صرح جماعة و منهم الشهيدان، لأن ذلك احسان محض «و مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ».
قال فى المدارك: و لو كان احداث الباب لمصلحة خاصة، كقرب المسافة على بعض المصلين، لم يبعد جوازه ايضا مع انتفاء الضرر، لما فيه من الاعانة على القربة و فعل الخير، انتهى.
و لى فى ذلك تردد، و يجوز فتح شباك و روزنة للمصلحة العامة، و فى جوازه للمصلحة الخاصة وجهان، و كذا يجوز سدّ روزنة او شباك للمصلحة العامة، و فى جوازه للمصلحة الخاصة وجهان.
(و استعمال آلته فى غيره) مقتضى اطلاق العبارة، هو عدم الفرق بين ما اذا كانت تلك الآلة فاصلة عن ذلك المسجد، او غير فاصلة.
قال فى المسالك بعد عنوان قول الشرايع: و يجوز استعمال آلته فى غيره، ما صورته: مع استغنائه عنها، او تعذر استعمالها فيه لاستيلاء الخراب عليه، او كون الآخر احوج اليها منه لكثرة المصلين و نحو ذلك، و اولى بالجواز صرف وقفه و نذره على غيره بالشروط، و ليس كذلك المشهد، فلا يجوز صرف ماله الى مشهد آخر، و لا مسجد، و لا صرف مال المسجد اليه مطلقا.
و قال فى المدارك بعد نقل الكلام المذكور: و للنظر فى هذا الحكم من اصله مجال، و المتجه عدم جواز صرف مال المسجد الى غيره مطلقا كالمشهد، لتعلق النظر او الوقف بذلك المحل المعين، فيجب الاقتصار عليه، نعم لو تعذر صرفه فيه، او علم استغناؤه عنه فى الحال و المآل، امكن القول بجواز صرفه فى غيره من المساجد و المشاهد، بل لا يبعد جواز صرفه فى مطلق القرب، لأن ذلك اولى من بقائه الى ان يعرض له التلف، فيكون صرفه فى هذا الوجه احسانا محضا «و ما على المحسنين من سبيل».
ص: 117
و قال بعض الأجلاء بعد نقل الكلام المذكور: اقول: لم اقف فى هذا المقام على شىء من الأخبار الظاهرة فى تنقيح الكلام، و قطع مادة النقض و الابرام، سوى اخبار الاهداء و النذر و الوصية الى الكعبة الشريفة، و سيجئ الكلام فيها ان شاء الله فى كتاب الحج.
و منها رواية يس الضرير، فى رجل اوصى بالف درهم للكعبة، فسأل أبا جعفر (ع)، فقال: ان الكعبة غنية عن هذا، انظر الى من امّ هذا البيت او قطع به، او ذهبت نفقته، او ضلّت راحلته، و عجز ان يرجع الى اهله، فادفعها الى هؤلاء. و بمضمونها اخبار عديدة، يأتى ذكرها ان شاء الله.
و الظاهر ان الحكم فى المشاهد و الكعبة واحد، و مقتضى الأخبار المذكورة ان الواجب صرفه فى تعمير المشهد و الكعبة ان احتيج الى ذلك، و الا فانه يصرف فى معونة الحاج و الزوار لذلك المشهد، و بذلك صرح السيد المشار اليه فى كتاب النذر من شرح مختصر النافع فقال: و لو نذر بشىء لاهل المشاهد - المشرفة، صرف فيه على ما قصده الناذر، و مع الاطلاق يصرف فى مصالح المشهد و لو استغنى المشهد عنه فى الحال و المآل، فالظاهر صرفه فى معونة الزوار، لأن ذلك اولى من بقائه على حاله معرضا للتلف به، فيكون صرفه على هذا الوجه احسانا «و ما على المحسنين من سبيل» انتهى.
و بذلك ايضا صرح جده رحمه اللّه فى كتاب النذر من المسالك، و من ذلك يظهر ما فى قوله هنا: انه مع تعذر صرفه فى ذلك المشهد يجوز صرفه فى غيره من المساجد و المشاهد، لا يبعد صرفه فى مطلق القرب، فانه بعيد كما عرفت، و الأقرب الى ما دلت عليه الأخبار المشار اليها، هو ما ذكرناه، و ما ذكره فى شرح مختصر النافع.
هذا بالنسبة الى المشاهد(1) المشرفة.
ص: 118
و اما بالنسبة الى المساجد، لو حصل الاستغناء عما له من الاوقاف و الآلات و نحوها، و ما ذكروه (رض) فى المقام، فهو عندى محل اشكال لعدم الدليل الواضح، و الاستناد الى اطلاق الآية المذكورة، يتوقف على ثبوت كون ذلك احسانا، و هو محل البحث.
و كان بعض مشائخنا المعاصرين فى بلادنا البحرين، يعمدون فيما فضل من اموال المسجد، الى التنمية و شراء العقارات بها، و صرف حواصلها فى مصالح المسجد من الحصر و التعمير و نحو ذلك، انتهى.
قال بعض الأفاضل فى حاشية الكتاب: قوله: و استعمال آلته فى غيره مع استغنائه عنها، او كون غيره احوج اليها لكثرة المصلين او لاستيلاء الخراب، اما آلات البناء فلا يجوز نقضها على حال، و ان خرب ما حولها و يئس من عوده، و لو انهدمت لم يجز بناء مسجد اخربها الا مع الياس فى عود الأول، انتهى.
أقول: تحقيق الكلام فى هذا المقام، يقع فى مقامات:
الأول: هل يجوز صرف مال المسجد، من نحو السرج و الفرش و الآلات الفاضلة عن بنائه و ماضاهاها، فى غيره من مساجد ام لا؟ وجهان، ينشأن من كون المالك هو اللّه فيجوز، من ان النذر او الوقف تعلق بذلك المحل المعين فيجب الاقتصار عليه فلا، و الحق هو التفصيل، بانه لو تعذر صرفه اليه، او علم استغناؤه عنه فى الحال و المآل فيجوز، وفاقا للمدارك و الذخيرة و غيرهما، لأن ذلك اولى من بقائه الى ان يعرض له التلف، فيكون صرفه فى هذا الوجه احسانا و «مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» و منع كون ذلك احسانا بعيد جدا.
ص: 119
و شراء العقارات بها و صرف منافعها الى ذلك المسجد غير متصور فى المقام، لأن الفروض استغناء المسجد عنها مطلقا عينا و قيمة، و ان كان شمول فتوى المدارك و من وافقه لذلك التعميم محل تأمل. و الحاصل ان ذلك المسجد اما يكون مستغنيا عن ماله عينا و قيمة، او عينا دون قيمة، فعلى الأول فالحق ما عرفت و على الثانى فاتباع ما يفعله بعض علماء البحرين كما عرفت لعلّه لا يخلو عن قرب، و الانصاف ان المقام محل اشكال، و للتأمل فيه مجال، فاذن انا من الموقفين فى المسئلة، و اللّه تعالى يعلم بحقايق احكامه.
الثانى: اذا كان المسجد خرابا، فهل يجوز صرف آلاته التى لواريد اقامته لم يكن مستغن عنها، فى غيره من المساجد ام لا؟ و التحقيق ان يقال: اما يحتمل فى شأنه التعمير حالا او مآلا ام لا، و على الاول فلعل الأحوط هو الترك مطلقا و لو ظن بعدمه، و على الثانى فالأقوى جوازه لكونه احسانا و «ما على المحسنين من سبيل».
الثالث: هل يختص صرف مال المسجد بمثله حيث يجوز ذلك ام لا؟ بل يجوز صرفه فى مطلق القرب كالمسجد و المشهد و ساير القربات، و لعل الأول أرجح اخذا بالمتيقن، مع كونه اقرب الى مقصود الواقف و نظره.
(و يكره) جعل (الشرف) للمسجد، و هى بضم الشين و فتح الراء جمع شرفه بسكون الراء كغرف و غرفة، لما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد، عن طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه: ان عليا (ع) راى مسجدا بالكوفة قد شرف، فقال:
كأنه بيعه، و قال: ان المساجد لا تشرف بل تبنى جما.
و روى فى البحار عن العلل، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، مثله. و روى فيه ايضا عن غيبة الشيخ، عن الفضل بن شاذان، عن عبد الرحمن بن ابى هاشم، عن على بن ابى حمزة، عن ابى بصير قال: اذا قام القائم (ع)، دخل الكوفة و أمر بهدم المساجد الأربعة، حتى يبلغ اساسها و يصيرها عريشا كعريش موسى، و يكون
ص: 120
المساجد كلها جمّا لا شرف لها، كما كان على عهد رسول الله (ص). و عن ارشاد المفيد، عن ابى بصير، عن ابى جعفر (ع) قال: اذا قام القائم لم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف الا هدمها و جعلها جمّا. و الشرف ما يجعل فى اعلى الجدران.
قال فى البحار: المشهور كراهة الشرف للمساجد، و هى ما يجعل فى اعلى الجدران فتخرج عن الاستواء، قال فى النهاية: الجماء التى لا قرن(1) لها و منه حديث ابن عباس: امرنا ان تبنى المساجد شرفا و المساجد جما الشرف التى طولت ابنيتها بالشرف واحدها شرفة، و الجم التى لا شرف لها، و جم جمع اجم شبه الشرف بالقرون.
قال فى المختلف: قال الشيخ فى النهاية: لا يجوز ان يبنى المساجد مشرفة بل تبنى جمّا، و هو قول ابن ادريس، فان اراد بذلك التحريم منعناه، عملا بالبراءة الأصلية، و ان اراد الكراهة فهو حق احتج الشيخ بما رواه طلحة بن زيد... الحديث، و الجواب المنع من صحة السّند و دلالته على المطلق، اذ ليس فيه اشعار بالتحريم، انتهى.
روى فى البحار، عن المجازات النبوية للسيد الرضى، قال صلى اللّه عليه و آله: ابنوا المساجد و اجعلوها جمّا. و عن السيد رحمه الله: قوله (ص) جما، استعارة، لأن المراد ابنوها و لا تتخذوا لها شرفا، لشبهها بالكباش الجم، و هى التى قرونها خافية.
(و التعلية) لأنها مخالفة لسنة النبى (ص) فى مسجده، قاله غير واحد، و قد عرفت من حسنة عبد اللّه بن سنان او صحيحته، انه كان جدار مسجده (ص) قبل ان يظلل قامة، و استدل للمطلب بعضهم بان فيها اطلاعا على عورات المجاورين له، و بان فى عدمها اقتداء بالسلف.
(و المحاريب الداخلة) فى الحايط كثيرا، كما صرح به جماعة، او فى المسجد،
ص: 121
كما يستفاد من الرواية التى رواها التهذيب فى باب فضل المساجد، عن طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن على (ع): انه يكسر المحاريب اذا رآها فى المساجد، و يقول: كانها مذابح اليهود، لمكان الكسر.
و روى فى البحار عن كشف الغمة، نقلا من دلائل الحميرى، عن أبى هاشم الجعفرى قال: كنت عند ابى محمد (ع) فقال: اذا خرج القائم امر بهدم المنارة و المقاصير التى فى المساجد، فقلت فى نفسى: لأى معنى هذا؟ فاقبل علىّ و قال: معنى هذا انها محدثه مبتدعة لم يبنها نبى و لا حجة. و روى ايضا عن غيبة الشيخ، عن سعد بن عبد الله، عن الجعفرى مثله. و قد نقلنا تلك الرواية سابقا ايضا.
و لا بأس بنقل جملة من العبائر حتى يتضح حقيقة الحال، قال فى المسالك:
قوله: او محاريب داخلة فى الحايط، اى دخولا كثيرا، و كذا يكره الداخلة فى المسجد، بل هو هذا الذى وجد فى النصوص، و ان عليا (ع) كان يكسر المحاريب اذا راها فى المسجد و يقول: كانها مذابح اليهود، و لا بد من تقييد الكراهة بالمعنى الثانى، بسبقها على مسجدية محلها و الا حرمت.
قال فى المدارك: قوله: او محاريب داخلة فى الحايط، هذا الحكم ذكره الشيخ و جمع من الأصحاب، و استدل عليه فى التحرير بما رواه الشيخ عن طلحة بن زيد... الحديث. و هذه الرواية غير صريحة فى كراهة المحاريب الداخلة فى الحايط، بل الظاهر منها كراهة المحاريب الداخلة فى المسجد، لانها التى تقبل الكسر. و ذكر الشارح قدس سره، ان المراد بالمحاريب الداخلة فى الحايط، الداخلة كثيرا، و لم اقف على نصّ يتضمن كراهة المحاريب الداخلة بهذا المعنى مطلقا.
و قال فى البحار: حكم الأصحاب بكراهة المحاريب الداخلة و هى قسمان:
الأول: الداخلة فى المسجد، بان يبنى جدران فى قبلة المسجد و يسقف ليدخله
ص: 122
الامام، و كان خلفاء الجور يفعلون ذلك خوفا من اعاديهم(1)، و الثانى: الداخلة فى البناء، بان يبنى فى اصل حايط المسجد موضع يدخله الامام، و الكسر الوارد فى الخبر بالأول انسب، و ان احتمل الثانى ايضا بهدم الجدار، و الاكثر اقتصروا على الثانى، مع ان الاول اولى بالمنع، و الشهيد الثانى رحمه اللّه عمم الحكم بالنسبة اليهما، و قيد الدخول فى الحايط بكونه كثيرا، و بعض المتأخرين قصروا الحكم بالاول و لعلّه اوجه، و ان كان الأحوط تركهما.
و قال بعض الأجلاء بعد نقل رواية طلحة و الجعفرى، ما صورته: يمكن حمل خبر طلحة المذكور على هذا، و يختص الحكم حينئذ بالمقاصير، و هى التى بنى فى المسجد دون المحاريب الداخلة فى الحايط، و يعضده انه الانسب بالكسر
قال فى الرياض: و كذا يكره المحاريب الداخلة فى الحايط كثيرا او فى المسجد، اما الاول فذكره جماعة من الأصحاب (رض) منهم المصنف و اما الثانى فهو الظاهر من الرواية الدالة على الكراهة، ثم ذكر مضمون رواية طلحة، ثم(2)نقل كلام البحار المتقدم نقله، و قال: المفهوم من تتبع السير و الأخبار، و كلام جملة العلماء و لا سيّما علمائنا الأبرار، هو استحباب المحاريب فى المساجد، و استحباب صلوة الامام فيه لا كراهته، و مما يشير الى ذلك ما ذكره فى بحث القبلة من التعويل على محاريب المساجد، و ان محراب المعصوم (ع) موجب للعلم بالقبلة دون الظن، و قد تقدم فى بحث القبلة بالنسبة الى محراب النبى (ص)، كلام شيخنا الشهيد انه روى انه لما اراد نصبه، دويت له الأرض فجعله بازاء الميزاب، و يعضد ذلك ما رواه الشيخ فى الصحيح، عن منصور بن حازم قال:
قلت لأبى عبد الله (ع): انى اصلى فى الطاق يعنى المحراب، فقال: لا بأس اذا كنت تتوسع به.
ص: 123
و ما رواه جملة من الأصحاب (رض) منهم صاحب بصائر الدرجات و صاحب الخرايج و الجرايح، بسنديهما عن ابان بن تغلب، عن ابى عبد الله (ع)، فى حديث رؤية ابى بكر لرسول الله (ص) بعد موته فى مسجد قبا فى المحراب، لما احتج عليه امير المؤمنين بنص الرسول عليه فانكر ابو بكر، فقال له: اترضى برسول الله (ص)؟ قال: و من لى به، فأخذ بيده فمضى به حتى ادخله مسجد قبا، فاذا رسول الله (ص) قاعد فى المحراب... الحديث، و قد تقدم فى اخبار استحباب السترة قول الرجل له: يا بن رسول اللّه خطر بينك بين المحراب، و هذا كله انما يترتب على استحباب المحاريب فى المساجد لا كراهتها المؤذنة بمرجوحية فعلها، او جعلها فى المساجد.
و قد ورد فى حديث وفاة النبى (ص)، المنقول فى كتاب ارشاد الديلمى، فى خروج النبى (ص) فى مرضه للصلوة، لما علم ان ابا بكر يصلى بالناس، ما هذا لفظه: فأخذ بيد على بن ابيطالب و الفضل بن العباس فاعتمدهما، و رجلاه يخطان على الأرض من الضعف، فلما اخرج الى المسجد وجد ابا بكر قد سبق الى المحراب، فاومى اليه بيده فتأخر ابو بكر و قام رسول الله (ص)...
الحديث. و هو صريح فى استحباب المحراب كما ذكرنا.
و قال اللّه عز و جل «فَخَرَجَ عَلىٰ قَوْمِهِ مِنَ اَلْمِحْرٰابِ» و قال سبحانه «كُلَّمٰا دَخَلَ عَلَيْهٰا زَكَرِيَّا اَلْمِحْرٰابَ» الى آخر الآية.
و الأخبار الدالة على اشتمال المساجد على المحاريب اكثر من ان تحصى، و اشهر من ان تذكر، و حينئذ فالواجب فى هذا المقام تحقيق المعنى المراد بالمحراب، و انه عبارة عماذا؟ فاقول: قال فى القاموس: المحراب الغرفة و صدر البيت، و اكرم مواضعه، و مقام الامام، و الموضع ينفرد فيه الملك و يتباعد عن الناس و محاريب بنى اسرائيل مساجدهم التى كانوا يجلسون فيها. و قال فى كتاب مجمع البحرين، بعد ذكر المعانى المتقدمة: و عن الأصمعى سمى القصر محرابا لأن المحراب مقدم المجالس و اشرفها، و كذا من المسجد، و عن ابن الانبارى سمى
ص: 124
محرابا لانفراد الامام فيه و بعده من القوم، يقال: دخل الاسد محرابه اى غيله، و الامام اذا دخل فيه يامن ان يلحق، فهو حائز مكانا كأنه مأوى الأسد، و يقال:
محراب المصلى مأخوذ من المحاربة، لأن المصلى يحارب الشيطان و يحارب نفسه باحضار قلبه، انتهى.
أقول: قد ظهر مما ذكرنا ان احد معانى المحراب لغة، هو المكان الذى ينفرد فيه الامام عن المأمومين و يدخله، فهو حينئذ دائر بين احد المعنيين المتقدمين، الا انه لما دلت اخبارنا على ان هذه المقاصير انما حدثت من خلفاء الجور، كما اشار خبر ابى هاشم الجعفرى بقوله: انها محدثة مبتدعة لم يبنها نبى و لا حجة، و صحيحة زرارة الواردة فى صلوة المأموم خلف المقاصير قال عليه السلام: و هذه المقاصير لم تكن فى زمن احد من الناس، و انما احدث الجبارون، و ليس لمن صلّى خلفها مقتديا بصلوة من فيها صلوة. تعين حمل المحراب المستحب على المعنى الآخر، و هو داخل فى الحايط.
بقى الكلام فى قوله (ع)، فى خبر طلحة: كانها مذابح اليهود. قال فى كتاب مجمع البحرين: و مذبح - بفتح - الحلقوم، و مذبح الكنيسة كمحراب المسجد و الجمع المذابح، سميت بذلك للقرابين. و فى النهاية: المذبح واحد المذابح و هى المقاصير، و قيل المحاريب. و قال فى القاموس: المذابح المحاريب، و المقاصير بيوت كتب النصارى، و الواحد كمقصد، انتهى.
و الواجب بمعونة ما ذكرناه من ثبوت المحاريب بالمعنى المتقدم، حمل هذه المحاريب التى رواها فى حديث طلحة على المقاصير، انتهى كلامه.
قال بعض المحشين للكتاب: قوله: و المحاريب الداخلة تتحقق ذلك بكون المحراب داخلا فى المسجد، لما روى ان عليا (ع) كان يكسرها اذا رآها يقول:
كأنها مذابح اليهود. و يشترط فى هذا ان لا يسبق المسجد المحراب، فان سبق حرم، و كذا يكره لو كان المحراب داخلا فى الحايط كثيرا، انتهى.
أقول: ظهر بما ذكر ان ما يظهر من الدليل، انما هو الكراهة بالنسبة الى
ص: 125
المحاريب الداخلة فى المسجد لا الحايط، و ان كان الأحوط تركه ايضا اذا كانت داخلة فى الحايط كثيرا، و ينبغى تقييد الحكم فى المحاريب الداخلة فى المسجد بسبقها على المسجدية و الا حرمت، كما صرح به جماعة، و هل الصلوة فى تلك المحاريب ايضا متصفة بالكراهة ام لا؟ و لعلّ الاولى هو الترك.
(و جعلها طريقا) لما رواه الفقيه فى حديث المناهى: و لا تجعلوا المساجد طرقا، حتى تصلوا فيها ركعتين. و انما يكره اذا استطرقت على وجه لا يلزم منه تغيير صورة المسجد بحيث يصير طريقا لا مسجدا و الا حرم، كما صرح به جماعة، و الظاهر زوال الكراهة اذا صلى فيها ركعتين ثم خرج من باب آخر.
(و البيع فيها و الشراء و تمكين المجانين) و الصبيان، لما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد، عن على بن اسباط، عن بعض رجاله قال: قال أبو عبد الله (ع): جنبوا مساجدكم البيع و الشراء، و المجانين و الصبيان، و الأحكام، و الضالة، و الحدود، و رفع الصوت. و قد تقدم عند شرح قول المصنف رحمه الله: و الميزاب على بابها، رواية عبد الحميد و فيها: جنبوا مساجدكم صبيانكم و مجانينكم و شراءكم و بيعكم، و رواية نوادر الراوندى، عن موسى بن جعفر، عن آبائه، عن الرسول (ص)، و فيها: جنبوا مساجدكم مجانينكم و صبيانكم، و رفع اصواتكم الا بذكر اللّه تعالى، و بيعكم و شراءكم و سلاحكم.
قال فى المسالك: و ينبغى ان يراد بالصبى من لا يوثق به منهم فى ازالة النجاسة، اما من وثق به فى التنزه عن النجاسات و اداء الصلوات، فانه يستحب تمرينه على فعل الصلوة فى المسجد، كما يمرن على غيرها من العبادات.
و قال بعض الأجلة: و ربما يقيد الصبى بمن لا يوثق به، اما علم منه ما يقتضى الوثوق بمحافظته عن التنزه عن النجاسات و اداء الصلوة، فانه لا يكره تمكينه بل يستحب تمرينه، و ذكر هذا القيد شيخنا فى الرياض عن بعض الاصحاب ساكتا عليه، و لا بأس به.
و قال فى البحار بعد ان نقل رواية نوادر الراوندى المتقدمة، و روايته
ص: 126
الاخرى التى رواها باسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (ص): ليمنعن احدكم مساجدكم يهودكم و نصاراكم و صبيانكم، او ليمسخن اللّه تعالى قردة و خنازير ركعا سجدا، ما صورته: لا خلاف فى كراهة تمكين المجانين و الصبيان لدخول المساجد، و ربما يقيد الصبى بمن لا يوثق به، اما من علم منه ما يقتضى الوثوق به، لمحافظته عن التنزه عن النجاسات و أداء الصلوات، فانه لا يكره تمكينه بل يستحب تمرينه، و لا بأس به - الى ان قال - و المشهور كراهة البيع و الشراء، فان زاحم المصلين، او تضمن تغيير هيئة المسجد، فلا يبعد التحريم، و به قطع جماعة.
و اما السلاح، فالمراد به تشهيره او عمله، و الأحوط تركهما، و روى الشيخ عن محمد بن مسلم عن احدهما (ع)، قال: نهى رسول الله (ص) عن سل السيف فى المسجد، و عن برى النبل فى المسجد، و قال: انما بنى لغير ذلك.
و قال ابن الجنيد: و لا يشهر فيه السلاح، انتهى كلام البحار.
أقول: و تقييد الصبيان بما قيدوه، مع زيادة قيد و هو عدم صدور اللعب عنهم فى المسجد المنافى لتوقيره، مما لا بأس به، لأن المتبادر من الخبر هو الصبيان الغير الموثق بهم، الصادر عنهم اللعب فتأمل جدا. و اما البيع و الشراء المتضمن لتغيير هيئة المسجدية، فلا شبهة فى الحرمة، و كذا اذا زاحم المصلين، بحيث علم عدم رضاء الواقف. و اما السلاح فالأحوط عدم تشهيره فيها، كما ان الأحوط عدم عمله، خصوصا برى(1) النبل، و قد عرفت نهى الرسول (ص) عن سل(2) السيف فى المسجد فى رواية محمد بن مسلم، المروية فى التهذيب فى باب فضل المساجد.
(و انفاذ الأحكام) على الأشهر، كما صرح به بعض من تأخر، خلافا لجماعة
ص: 127
و منهم الخلاف و الحلى و المصنف فى المختلف فحكموا بالعدم، للأول وجهان:
الأول: ما ذكره فى المسالك: بان فيه من الجدال و الدعاوى الباطلة، المستلزمة للمعصية فى المسجد، المتضاعف بسببه العصيان.
الثانى: رواية على بن اسباط المتقدمة، و للثانى ما ذكره فى المختلف، بأن امير المؤمنين (ع) حكم فى جامع الكوفة، و قضى فيه بين الناس، و دكة القضاء مشهورة الى الآن، و لأن الحكم طاعة فجاز ايقاعها فى المساجد الموضوعة للطاعات، و اجاب عن الرواية بالطعن فى السند، و احتمال ان يكون المراد بانفاذ الأحكام، كالحبس على الحقوق، و الملازمة فيها عليها، و القصاص منها، او كما قال القطب الراوندى: ان المراد الحكومات الجدلية و الخصومات، لأن التحاكم المشروع الى القضاة يستحب فى الجامع.
قال فى المسالك: بعد ان نسب عدم الكراهة الى جماعة، و ذكر استدلالهم، ما صورته: و يحمل النهى على تقدير صحته، على الحبس على الحقوق و الملازمة عليها، او يخص بما فيه جدال و خصومة، او يكون المكروه الدوام لا ما اتفق احيانا و هو حسن.
قال فى الروضة بعد حكم الشهيد بكراهة انفاذ الأحكام، اما مطلقا، و فعل على (ع) له بمسجد الكوفة خارج، او مخصوص بما فيه جدال و خصومة، او بالدايم لا بما يتفق نادرا، او بما يكون الجلوس فيه لأجلها، لا بما اذا كان لأجل العبادة فاتفقت الدعوى، لما فى انفاذها حينئذ من المسارعة المأمور بها، و على احدها يحمل فعل على (ع) و لعله بالأخير الا نسب، الا ان دكة القضاء به لا يخلو عن منافرة للحامل.
و قال فى المدارك بعد ان نقل استدلال المختلف لمذهبه، ما صورته:
و اجاب المختلف عن الرواية بالطعن فى السند، و احتمال ان يكون متعلق النهى انفاذ الأحكام، كالحبس على الحقوق و الملازمة عليها فى المساجد، و هو حسن.
ص: 128
و قال الشارح المحقق بعد ان نقل احتجاج المختلف و ما اجاب عن الرواية ما صورته: و قال الراوندى: الحكم المنهى عنه فيه جدال و خصومة، و ربما قيل دوام الحكم فيها مكروه، و اما اذا اتفق عليه فى بعض الأحيان فلا، و يحتمل تخصيص الكراهة بما يكون الجلوس لأجل ذلك، لا بما اذا كان الجلوس لأجل العبادة فاتفق صدور الدعوى، و القول بعدم الكراهة المطلقة غير بعيد.
و قال بعض المحشين: قوله: و انفاذ الأحكام انما يكره ذلك دائما نادرا، الا ان يفضى الى حبس غريم او استيفاء حد، فيكره حينئذ مطلقا.
و قال فى البحار، بعد ان نقل رواية على بن اسباط المتقدمة عن الخصال عن محمد بن الحسن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن على بن اسباط، عن بعض رجاله، و روى ايضا عن العلل، عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن احمد بن يحيى، عن الخشاب مثله، ما صورته: المشهور فى الأحكام الكراهة، ثم قال بعد ان نقل خلاف الخلاف و الحلى و المختلف و احتجاج المختلف، و ما اجاب عن الرواية، و ما قاله الراوندى، ما صورته: و ربما قيل دوام الحكم فيها مكروه، و اما اذا اتفق فى بعض الأحيان فلا، و يمكن تخصيص الكراهة بما يكون الجلوس لأجل ذلك، بخلاف ما اذا كان الجلوس للعبادة، فاتفق صدور الدعوى.
و الوجهان الأخيران لا ينفعان فى الجمع بين الأخبار، اذ الظاهر من دكة القضاء، و المشهور فى ذلك وقوع الحكم فيها غالبا، لم يذكر موضع آخر لجلوسه للحكم فيه.
أقول: و يحتمل تخصيص المنع باوقات الصلوات، فانها توجب شغل خواطر المصلين، او بغير المعصوم (ع)، فانه يحتمل فيهم الخطاء.
و قال بعض الأجلاء: و خص الراوندى الحكم المنهى عنه بما كان فيه جدل و خصومة، و ربما قيل بتخصيص ذلك بدوام الحكم فيها، و اما اذا اتفق فى بعض الأحيان فلا، او تخصيص الكراهة بما يكون الجلوس لأجل ذلك، بخلاف ما لو
ص: 129
كان الجلوس للعبادة، فاتفق صدور الدعوى، و الظاهر من خبر دكة القضاء يدفع هذين الوجهين، اذ الظاهر من دكة القضاء، و المشهور فى جملة من الأخبار الدالة على تحاكم الناس اليه (ع) فى المسجد، وقوع ذلك غالبا، بل لم يذكر مواضع أخر فى جلوسه للحكومة بين الناس. و احتمل بعض مشائخنا تخصيص المنع باوقات الصلوة، فانها توجب شغل خواطر المصلين، او بغير المعصوم فانه يحتمل منهم الخطاء، و لا بأس به، انتهى.
المسئلة محل اشكال، و الاحتياط فيها مطلوب جدا، سيما فى اوقات الصلوات.
(و تعريف الضوال) انشادا و نشدانا، لرواية على بن اسباط المتقدمة، و يدل على خصوص الثانى، ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب فضل المساجد، ان النبى (ص) سمع رجلا ينشد ضالّة فى المسجد، فقال: قولوا له: لا رد الله عليك، فانها لغير هذا بنيت. و روى فى حديث المناهى عن شعيب بن وافد، عن الحسن بن زيد، عن الصادق، عن آبائه (ع)، قال: نهى رسول الله (ص) ان ينشد الشعرا و ينشدّ الضالة فى المسجد.
و روى فى البحار، عن العلل، عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن الاشعرى رفعه، ان رجلا جاء الى المسجد ينشد ضالة له، فقال رسول الله (ص):
قولوا له: لا رد اللّه عليك، فانها لغير هذا بنيت. و رفع الصوت فى المساجد يكره، و ان رسول الله (ص)، مرّ برجل مشاقص له فى المسجد، فنهاه و قال: انها لغير هذا بنيت.
و روى ايضا عن دعائم الاسلام، عن على (ع)، انه قال: نهى رسول الله (ص) ان تقام الحدود فى المساجد، و ان يرفع فيها الصوت، و ان ينشد فيها الضالة، او يسل فيها السيف، او يرمى فيها النبل، او يباع فيها او يشترى، او يعلق فى القبلة منها سلاح، او يبرى فيها نبل.
و لا ينافى ذلك ما رواه الشيخ فى باب فضل المساجد عن على بن جعفر، عن
ص: 130
أخيه موسى (ع) قال: سألته عن الشعر هل يصلح ان ينشد فى المسجد؟ قال:
لا بأس، و سألته عن الضالة ايصلح ان تنشد فى المسجد؟ قال: لا بأس. و رواه فى البحار ايضا عن قرب الأسناد(1) بسنده، عن على بن جعفر (ع) قال بعض الأجلاء: و رواه على بن جعفر فى كتابه. و قال الشيخ بعد نقل هذا الخبر و خبر على بن اسباط: فلا تنافى بين الخبرين، لأن الخبر الأول محمول على ضرب من الكراهية دون الحظر، و الآخر محمول على الجواز، انتهى، و ما افاده جيد.
قال فى البحار: ذكر الأصحاب كراهة تعريف الضالة و طلبها فى المسجد و هذه الرواية - اى رواية على بن اسباط - تحتملهما بل تشملهما، الى ان قال بعد نقل رواية قرب الأسناد: قال الفيروزآبادى: انشد الضالة عرفها و استرشد عنها ضدّ، و الشعر قرأه، و تناشدوا انشد بعضهم بعضا، و النشدة بالكسر الصوت، و التشديد رفع الصوت. و قال الجزرى: نشدت الضالة فانا ناشد اذا طلبتها، و انشدتها فانا منشد اذا عرفتها، و منه الحديث قال لرجل ينشد (2) ضالة فى المسجد: ايها الناشد غيرك الواجد. قال ذلك تأديباله، حيث طلب ضالته فى المسجد، و هو من التشديد رفع الصوت، انتهى.
قال فى المسالك: و حيث كان محل التعريف الجامع، فليكن فى أبواب المساجد. و قال: فى الروضة: و الجمع بين وظيفتى تعريفها فى الجامع، و كراهتها فى فعله خارج الباب.
ابراهيم، عن على بن الحسين عليهما السلام قال: قال رسول الله (ص): من سمعتموه ينشد الشعر فى المساجد فقولوا: فضّ اللّه فاك، انما نصبت المساجد للقرآن. و الظاهر ان الرواية صحيحة، لأنه ليس فى السند من يتوقف فيه الا جعفر بن ابراهيم المشترك، و الظاهر ان هذا هو ابن جعفر الطيار، لمكان عبد الرحمن بن الحجاج، و ما نقله بانه يروى عن الصادق (ع) غير ضاير، و ذلك واضح.
و قد تقدم فى المسئلة السابقة فى حديث المناهى، انه (ص) نهى ان ينشد الشعر فى المسجد. و اما ما تقدم فى المسئلة السابقة من رواية على بن جعفر النافية للباس عن ذلك، فغير مناف للكراهة.
قال فى البحار: المشهور بين الأصحاب كراهة انشاد الشعر فى المساجد لما رواه الشيخ فى الصحيح على الظاهر، عن على بن الحسين (ع)...
الحديث، و حملوا رواية على بن جعفر على الجواز، و هو لا ينافى الكراهة.
و قال فى المدارك بعد ايراد الرواية: و ليس ببعيد حمل اباحة انشاد الشعر على ما يقل منه و تكثر منفعته، كبيت حكمة او شاهد على لغة فى كتاب الله او سنة نبيه (ص) و شبهه، لأنه من المعلوم ان النبى (ص) كان ينشد بين يديه البيت و الابيات من الشعر فى المسجد و لم ينكر ذلك، و الحق به الشيخ(1) على رحمه اللّه مدح النبى (ص) و مراثى الحسين (ع).
أقول: ما ذكراه لا يخلو من قوة، و يؤيده استشهاد امير المؤمنين (ع) بالاشعار فى الخطب، و كانت غالبا فى المسجد، و ما نقل من انشاد المداحين كحسان و غيره اشعارهم عندهم عليهم السلام، و لان مدحهم (ع) عبادة عظيمة و المسجد محلها، فيخص المنع بالشعر الباطل، لما روى فى الصحيح عن على بن يقطين،
ص: 132
انه سأل ابا الحسن (ع) عن انشاد الشعر فى الطواف فقال: ما كان من الشعر لا بأس فلا بأس به، انتهى.
قال بعض الأجلاء بعد نقل كلام البحار: أقول: و يؤيد ذكره ما رواه الصدوق فى كتاب اكمال الدين و اتمام النعمة قال: حدثنى ابى قال: حدثنا سعد بن عبد اللّه عن احمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن العلا بن زرين، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع) قال: بينا رسول الله (ص) ذات يوم بفناء الكعبة يوم افتتح مكة، اذا قبل اليه وفد فسلموا عليه، فقال رسول الله (ص): من القوم؟ قالوا: وفد بكر بن وايل، فقال: و هل عندكم علم من خبر قسّ بن ساعدة الايادى؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فما فعل؟ قالوا: مات ثم ساق الحديث الى ان قال: ثم قال رسول الله (ص): رحم الله قسّا: يحشر يوم القيمة امة واحدة، ثم قال: هل فيكم احد يحسن من شعره؟ فقال بعضهم: سمعته يقول.
فى الأولين الذاهبين من القرون لنا بصائر *** لما رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر
و رأيت قومى نحوها تمضى الاصاغر و الاكابر *** لا يرجع الماضى الىّ و لا من الباقين غابر
ايقنت انى لا محالة حيث صار القوم صائر
الحديث انظر الى صراحة هذا الخبر مع صحة سنده، فى جواز الانشاد فى المسجد الحرام الذى هو اشرف البقاع، بين يديه (ص) و طلبه لذلك. و بذلك يظهر قوة ما ذكره اولئك الفضلاء، انتهى.
أقول: لا بأس بذلك كله، وفاقا للجماعة من المتأخرين، لما عرفت، مضافا الى اختصاص النهى بما هو الغالب من اشعار العرب الخارجة عن هذه الاساليب.
(و اقامة الحدود) لرواية على بن اسباط المتقدمة، قال فى البحار: المشهور فى اقامة الحدود الكراهة، لاحتمال تلويث المسجد بخروج الحدث، كما ذكر فى المنتهى. و ايضا فيه شغل الخواطر و تفرق بال المصلين.
ص: 133
(و رفع الصوت) اذا تجاوز المعتاد، و لو فى قراءة القرآن، قاله غير واحد، لمرسلة على بن اسباط السابقة، و لمنافاته الخشوع المطلوب فى المساجد، قاله غير واحد منهم، و يدل على الكراهة، و استثناء ذكر الله تعالى، خبر الراوندى المتقدم عند شرح قول المصنف: و الميضاة على بابها.
قال فى البحار بعد نقل خبر الراوندى: و المشهور بين الأصحاب كراهة رفع الصوت فى المسجد مطلقا و ان كان فى القرآن، للأخبار المطلقة، و استثنى فى هذا الخبر ذكر الله، و كذا فعله ابن الجنيد، و لعله المراد فى ساير الأخبار لحسن رفع الصوت بالاذان و التكبير و الخطب و المواعظ فيها، و ان كان الأحوط عدم رفع الصوت فيما لم يتوقف الانتفاع به عليه، و معه يقتصر على ما يتأدى به الضرورة.
(و عمل الصنايع) لما تقدم فى شرح قول المصنف: و تمكين المجانين، من نهى الرسول (ص) عن سل السيف و برى النبل فى المسجد، و قال: انما بنى لغير ذلك. و التعليل مشعر بكراهة عمل جميع الصناعات.
و تقدم ايضا عند شرح قول المصنف: و تعريف الضوال و انشاد الشعر، تعليل مشعر بذلك.
قال فى البحار بعد نقل رواية عن العلل، عن ابيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن الأشعرى رفعه: ان رسول اللّه مرّ برجل يبرى مشاقص له فى المسجد فنهاه و قال: انها لغير هذا بنيت، ما صورته: التعليل يدل على كراهة عمل الصانع فى المسجد مطلقا، كما ذكره الأصحاب، فلو تضمن تغيير هيئة المسجد، او منع المصلين عن الصلوة و التضييق عليهم، فالحرمة اظهر.
و عن الذكرى ايضا، انه نسب الكراهة الى الأصحاب، و اما الحرمة التى استظهرها فى البحار فى الصور المذكورة فلا تخلو عن قرب، كما ذهب اليه جماعة
(و دخول من فيه رايحة) موذية من نحو رايحة (ثوم او بصل) او نحوهما، للأخبار المستفيضة المروية فى التهذيب و الكافى، منها: ما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع) قال: من اكل شيئا
ص: 134
من المؤذيات ريحا فلا يقربن المسجد.
و روى فى البحار عن العلل، عن ابيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين، عن ابن ابى عمير، عن ابن اذينة، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر عليه السلام قال: سألته عن الثوم، فقال: انما نهى رسول الله (ص) عنه لريحه، فقال: من اكل هذه البقلة المنتنة فلا يقرب مسجدنا، فاما من أكله و لم يأت المسجد فلا بأس.
و روى ايضا منه عن على بن حاتم، عن محمد بن جعفر الرّزاز، عن عبد الله بن محمد بن خلف، عن الوشاء، عن محمد بن سنان قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن اكل البصل و الكراث. فقال: لا بأس باكله مطبوخا و غير مطبوخ. و لكن ان اكل منه ماله اذى فلا يخرج الى المسجد، كراهة اذاه عن من يجالس.
و روى عن المحاسن، عن الوشاء، عن ابن سنان، مثله الا أن فيه: الكراث فقط.
و روى ايضا عن العلل، عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن على بن الحسين السعد آبادى، عن احمد بن ابى عبد اللّه البرقى، عن ابيه، عن أبيه، عن فضالة، عن داود بن فرقد، عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص):
من اكل هذه البقلة فلا يقرب مسجدنا. و لم يقل انه حرام.
و روى ايضا عن المجازات النبوية للرضى رحمه اللّه قال: قال رسول الله (ص): من اكل هاتين البقلتين فلا يقربن مسجد - يعنى الثوم و الكراث - فمن اراد اكلهما فليمتهما طبخا، و فى رواية فليمثها(1) طبخا.
قال فى البحار: المشهور بين الأصحاب كراهة دخول المسجد لمن أكل شيئا من المؤذيات بريحها، و تتأكد الكراهة فى الثوم، بل يظهر من بعض الأخبار انه لو تداوى به بغير الاكل ايضا، يكره له دخول المسجد.
ص: 135
و نقل الشيخ فى الاستبصار بسند صحيح، عن زرارة قال: حدثنى من اصدق من اصحابنا قال: سألت احدهما (ع) عن الثوم فقال: اعد كل صلوة صليتها ما دمت تاكله. ثم قال: فالوجه فى هذا الخبر ان نحمله على ضرب من التغليظ فى كراهته، دون الحظ الذى يكون من اكل ذلك يقتضى استحقاقه الذم و العقاب، بدلالة الأخبار الاولة، و الاجماع الواقع على ان اكل هذه الأشياء لا يوجب اعادة الصلوة.
(و التنخم و البصاق) لما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد، عن غياث بن ابراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه (ع): ان عليا (ع) قال: البصاق فى المسجد خطيئة، و كفارته دفنه.
و روى فى الباب المتقدم، عن عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من تنخع فى المسجد ثم ردها فى جوفه، لم تمر بداء فى جوفه الا ابراته.
و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن اسمعيل بن مسلم الشعيرى، عن جعفر عن أبيه عن آبائه (ع) قال: من وقر بنخامته المسجد، لقى اللّه يوم القيمة ضاحكا قد اعطى كتابه بيمينه.
و روى فى الفقيه فى باب القبلة مرسلا قال: نهى رسول الله (ص) عن البزاق فى القبلة، و راى (ع) نخامة فى المسجد فمشى (ع) اليها بعرجون من عراجين ارطاب فحكها، ثم رجع القهقرى فبنى على صلوته. و قال الصادق (ع):
و هذا يفتح من الصلوة ابوابا كثيرة.
و روى فى البحار عن المجازات النبوية للسيد الرضى، قال صلى اللّه عليه و آله: ان المسجد لينزوى عن النخامة، كما تنزوى الجلدة من النار اذا انقبضت و اجتمعت. بيان: و عن النهاية فى شرح تلك الرواية: لينزوى اى ينضم و ينقبض، و قيل اراد اهل المسجد و هم الملائكة، و عن السيد(1) رحمه اللّه قوله
ص: 136
(ص): لينزوى، هذا الكلام مجاز، و فيه قولان: احدهما، ان المسجد يتنزه عن النخامة - و هى البصقة(1) - بمعنى انه يجب ان يكرم عنها، فاذا رأيت عليه كانت شناءة له ورداءة عليه، فكان معها بمنزلة الرجل ذى الهيئة يشمئز ما يهجنه و اصل الانزواء الانحراف مع تقبض و تجمع، و القول الآخر ان يكون المراد أهل المسجد، فاقيم المسجد فى الذكر مقامهم، لما كان مشتملا عليهم، فالمعنى ان اهل المسجد ينقبضون من النخامة اذا راوها فيه، ذهابه عن الادناس، و صيانة له عن الادران.
و روى فى البحار عن دعائم الاسلام، عن على (ع) قال: من وقّر المسجد من نخامته، لقى الله يوم القيمة ضاحكا قد اعطى كتابه بيمينه، و ان المسجد ليلتوى عند النخامة كتلوى(2) احدكم بالخيزران اذا وقع به. قال فى البحار: و الخيزران بالضم شجر هندى معروف، و تخصيصه لان الضرب به اشد.
و روى ايضا عن ثواب الأعمال، عن أبيه، عن عبد اللّه بن جعفر الحميرى، عن السيدى بن محمد، عن محمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله (ص): من رد ريقه تعظيما لحق المسجد جعل اللّه ريقه صحة فى بدنه، و عوفى من بلوى فى جسده.
و روى ايضا عن ثواب الأعمال، عن ابيه، عن الحميرى، عن احمد بن محمد، عن محمد بن حسان، عن ابيه، عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال: من تنخع فى مسجد ثم ردها فى جوفه، لم تمر بداء الا أبرأته.
و روى ايضا عن المحاسن، عن النوفلى، عن السكونى، عن جعفر، عن أبيه، عن على (ع) قال: من وقر مسجدا لقى اللّه يوم يلقاه ضاحكا مستبشرا، و أعطاه كتابه بيمينه. و قال صلى اللّه عليه و آله: من رد ريقه تعظيما الحق المسجد،
ص: 137
جعل اللّه ذلك قوة فى بدنه، و كتب له بها حسنة. و قال: لا تمرّ بداء فى جوفه الا أبرأته.
و بازاء هذه الأخبار الدالة على الجواز، مثل ما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد، عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، قال: قلت له:
الرجل يكون فى الصلوة يريد ان يبصق، فقال: عن يساره، و ان كان فى غير صلوة فلا يبزق حذاء القبلة، و يبزق عن يمينه و شماله.
و ما رواه فى الباب المتقدم ايضا، عن طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: لا يبزقن احدكم فى الصلوة قبل وجهه و لا عن يمينه، و ليبزق عن يساره و تحت قدمه اليسرى.
و روى فى التهذيب فى باب فضل المساجد، عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: كان ابو جعفر (ع) يصلى فى المسجد فيبصق امامه و عن يمينه و عن شماله و خلفه، على الحصار و لا يغطيه.
و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن محمد بن على بن مهزيار قال: رأيت ابا جعفر الثانى (ع)، تفل فى المسجد الحرام فيما بين الركن اليمانى و الحجر الأسود و لم يدفنه.
قال بعض الأجلاء، بعد نقله تلك الأخبار الأخيرة مع مرسلة الفقيه المتقدمة: و مورد هذه الأخبار الأخيرة البصاق خاصة، و ربما صار بعض الأصحاب الى عدم كراهيته لهذه الأخبار، و ضعف ما دل على الكراهة، توجيها لهذه الأخبار، و خص الكراهة بالتنخم، لسلامة اخبار النهى عن المعارض.
فى الذخيرة بعد نقل جملة من هذه الأخبار: و لا يخفى ان ما دل على كراهة التنخم سالمة عن المعارض، و اما البصاق فيعارضه الروايات المذكورة، مع كونها اكثر و اقوى منه، فالحكم بكراهته محل تأمل.
أقول: لا يخفى انه لا منافاة بين ما دل على الجواز فيه، و بين ما دل على الكراهة، لأن المرجع الى انه جايز على كراهة. و مجرد كثرة الأخبار الدالة على
ص: 138
الجواز زيادة على ما قابلها، لا يستلزم المنع من تقييدها بما دل على الكراهة و ان قل، كما هو القاعدة الجارية فى غير مقام، اذ متى صحت الأخبار فى الباب، فالعمل بها كملا حسب الامكان اولى من طرح بعضها، نعم يفهم من ذلك ان البصاق اخف كراهة من التنخم، على ان ما دل من هذه الأخبار على فعل الأئمة (ع)، يمكن استثناؤه و عدم تطرق الكراهة اليه، و اختصاص هذا الحكم بهم صلوات اللّه عليهم، لتشرف المسجد ببصاقهم، فلا كراهة فى حقهم، او على بيان الجواز، انتهى.
قال فى البحار: و ذكر الأكثر كراهة التنخم و البصاق فى المسجد، و استحباب سترهما بالتراب او بالحصا، و قد ورد بجواز البصاق روايات. ثم نقل رواية عبد الله بن سنان، و طلحة بن زيد، و عبيد بن زرارة، و قال: فيمكن حمل ما عدا رواية عبيد بن زرارة، على كون بعضها اشد كراهة، او على حال الضرورة. و رواية عبيد على انه لبيان الجواز، او يكون مختصا بهم عليهم السلام لتشرف المسجد ببصاقهم ثم الظاهر من الأخبار ان البصاق اخف كراهة، و يمكن المناقشة فى دراهته ايضا، انتهى.
أقول: القول بالكراهة فى البصاق ايضا قوى، لما عرفت، و لأنه مناف لتعظيم المسجد بالبديهة، و روايتا ابن سنان و طلحة محمولتان بما حملهما عليه فى البحار، و كذا رواية عبيد و رواية محمد بن على بن مهزيار. و يمكن ان يقال فى رواية عبيد: ان فيها ان أبا جعفر (ع) كان يبصق على الحصا، و كراهة البصاق على الحصا ممنوعة، لما رواه فى البحار عن المحاسن، عن محمد بن على عن الحجال، عن حنان، عن ابن العسل رفعه قال: انما جعل الحصا فى المسجد للنخامة. و لا ريب ان البصاق فى معناها. و الانصاف ان دلالة الحديث على ذلك مشكل.
قال فى البحار بعد نقل ذلك: الحديث يدل على انه اذا تنخم فى المسجد ينبغى ستر النخامة بالحصا، و تزول الكراهة او تخف، كما روى الشيخ عن غياث
ص: 139
عن ابراهيم، عن جعفر، عن أبيه (ع) قال: ان عليا (ع) قال: البصاق فى المسجد خطيئة و كفارتها دفنه. و الخبر و ان كان فى البصاق، و لكن يؤيد الحكم فى النخامة، انتهى.
يظهر من غير واحد من الأخبار المتقدمة، عدم حرمة نخامة الانسان عليه نفسه، قال فى البحار بعد نقل رواية عبد اللّه بن سنان و طلحة بن زيد المتقدمتين المنقولتين عن ثواب الأعمال: بيان: قال فى القاموس: النخاعة بالضم النخامة، اى ما يخرج من الصدر، او ما يخرج من الخيشوم، و تنخع رمى بنخامته. و قال فى النهاية: فيه النخاعة فى المسجد خطيئة، هى البزقة التى تخرج من اصل الفم مما يلى النخاع، انتهى.
و يدل على عدم حرمة نخامة الانسان عليه نفسه، و قال جماعة بحرمتها للخباثة، و حرمة كل خبيث بالمعنى الذى ذكره الأصحاب، و هو ما يتنفر عنه الطبع غير معلوم، و كون نخامة نفسه ايضا قبل الخروج من الفم خبيثا ممنوع، و ربما يحمل على ما اذا لم يدخل فضاء الفم، و لا ضرورة تدعو اليه، و سيأتى تمام القول فى محله.
(و قتل القمل) قاله الأصحاب على ما فى البحار (و غيره فيستره بالتراب) قال فى البحار: و ذكر الأصحاب كراهة قتل القمل فى المساجد، و استحباب ستره بالتراب، لكن اعترف اكثر المتأخرين بعدم اطلاعهم على نص فيهما.
و قال بعض الأجلاء: و قال فى الذكرى بعد ان عدّ فى المكروهات ترك قصع القمل: ذكره الجماعة، و هو مؤذن بعدم الوقف فيه على نص.
و قال فى المدارك: و اما كراهة قتل القمل و استحباب ستره فى التراب، فلم اقف فيه على نص.
و اسنده فى الذكرى الى الجماعة، و لا بأس به، لأن فيه استقذارا تكرهه النفس، فينبغى تركه، و تغطيته بالتراب مع فعله.
ص: 140
أقول: و روى الكلينى(1) فى الصحيح، عن محمد بن مسلم قال كان أبو جعفر عليه السلام، اذا وجد قملة فى المسجد دفنها فى الحصى. و عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا وجدت قملة و انت تصلى فادفنها فى الحصى. و يمكن الاستدلال بهما للأصحاب على كراهة قتل القمل، حيث انه عليه السلام بعد رؤيته لها لم يقتلها، و لم يأمر بقتلها، بل دفنها فى الحصى و امر بدفنها. ففيه اشعار بما ذكروه.
فالاولى ان يجعل الحكم هكذا: و يكره قتل القمل، بل ينبغى ان يدفن بالتراب حسبما دل عليه الخبر، و الأصحاب جعلوا الدفن فى التراب بعد القتل، انتهى.
أقول: ما نسبه الى كل الأصحاب من جعلهم الدفن فى التراب بعد القتل محل كلام، و يمكن ارجاع الضمير الى التنخم و البصاق ايضا، لروايتى غياث بن ابراهيم و ابن العسل المتقدمتين.
(و رمى الحصى حذفا) قال الشارح المحقق: هذا هو المشهور، و حرمه الشيخ، و الأصل فيه ما رواه الشيخ(2) عن السكونى، عن جعفر عن ابيه عن آبائه:
ان النبى (ص) ابصر رجلا يحذف بحصاة فى المسجد، فقال: ما زالت تلعن حتى وقعت، ثم قال: الحذف فى النادى من اخلاق قوم لوط، ثم تلا (ع) «و تأتون فى ناديكم المنكر» قال: هو الحذف. و الرواية ضعيفة السند، فحملها على الكراهة غير بعيد.
و استفيد من الخبر كراهة الحذف فى غير المسجد ايضا، و يدل عليه ايضا ما رواه الشيخ فى باب اللباس و المكان من الزيادات، عن زياد بن المنذر، عن ابى جعفر (ع) - فى جملة حديث - قال: ان حل الازرار فى الصلوة، و الحذف بالحصى، و مضغ الكندر فى المجالس على ظهر الطريق، من عمل قوم لوط.
ص: 141
قال الشارح الفاضل: و المراد بالحذف هنا رمى الحصا بالأصابع و لا يخفى ان كلام اكثر اهل اللغة يخالف ذلك، قال فى النهاية: هو رميك حصاة او نواة تأخذها بين سبابتيك و ترمى بها، او تتخذ محذفة من خشب ثم ترمى بها الحصاة بين ابهامك و السبابة. و قال فى القاموس: الحذف كالضرب، رميك بحصاة او نواة او نحوهما، تأخذ بين سبابتيك تحذف به او بمحذفة من خشب و قال فى المغرب: الحذف ان ترمى بحصاة او نواة او نحوهما، تأخذه بين سبابتيك، و قيل ان تضع طرف الابهام على طرف السبابة، انتهى.
قال فى المسالك: قوله: و الرمى بالحصا، لم يقيد الرمى بكونه حذفا، كما صنع غيره، و ورد به الخبر عن النبى (ص)، انه ابصر رجلا يحذف حصاة فى المسجد فقال: ما زالت تلعنه حتى وقعت. لاشتراك الرمى بانواعه فى العبث و الاذى، و لان الحذف يطلق على رميها بالاصابع كيف اتفق، و ان لم يكن على الوجه المذكور فى الجمار. قال فى الصحاح: الحذف بالحصا الرمى بالاصابع، انتهى.
أقول: لا يخفى عليك ان ما اورده الشارح المحقق على الشارح الفاضل غير وجيه، لأن من الظواهر ان خصوص الرمى بالسبابتين او بالابهام و السبابة ليس له مدخلية فى المنع، بحيث اذا رمى بالابهام و الوسطى مثلا لم يتوجه عليه المنع، و الظاهر ان مراده من الرمى بالأصابع هو مدخلية الأصابع فى الرمى، و لو كان بالمحذفة من خشب.
فان قلت: على هذا لا بد ان ينهى عن مطلق الرمى بالحصا فى المساجد، و لو كان بالرجل او الفم.
قلت: الرمى بهما نادر، فلذا خص الشارح الفاضل المراد من الحذف الواقع فى المتن بالرمى بالاصابع، و مما يؤيد ما ذكرناه فى المقام، هو ما وقفت عليه بعد قولى هذا، من كلام بعض الأجلاء حيث قال: قال فى الرياض: المراد بالحذف هنا رمى الحصاة بالكف كيف اتفق، و ان لم يكن على الوجه المذكور
ص: 142
فى رمى حصاة الجمار. قال فى الصحاح، الى آخره، و اعترضه فى الذخيرة، بأن كلام اهل اللغة الى آخره.
أقول: ظاهر عبارة شيخنا المشار اليه، انه لا يمنع و لا يخالف فى كون الحذف عبارة عن هذا المعنى الذى نقله عن اهل اللغة، و انما غرضه بيان ان هذه الخصوصية لا يترتب عليها معنى فى هذا المقام، فالقول بالتعميم اظهر، لأن الظاهر ان النهى عنه من حيث كونه عبثا او لعبا منافيا للوقار و السكينة المطلوبين من المؤمن، و حينئذ فلا يرد عليه ما اورده، انتهى.
و بالجملة القول بالكراهة قوى فى المساجد و غيرها.
(و كشف العورة) مع عدم المطلع، و الا حرم كما تقدم تحقيقه فى موضعه، لأنه مناف لتعظيم المسجد المأمور به، و عن التحرير: ذلك استخفاف بالمسجد، و هو محل وقار، انتهى.
و يكره ايضا كشف السرة و الفخذ و الركبة، وفاقا لجماعة، و عن ظاهر النهاية القول بالحرمة، و الأصل فيه ما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد عن السكونى عن جعفر عن ابيه (ع): ان النبى (ص) قال: كشف السرة و الفخذ و الركبة فى المسجد من العورة. قال الشارح المحقق: و يحتمل أن يكون مراد المصنف ما يستحب ستره فى الصلوة، فيدخل فيه هذه المذكورات.
(و يحرم الزخرفة) و هى النقش بالزخرف - بالضم - و الذهب.
(و نقش الصور) و الظاهر ان المراد بالصور اعم من ذوات الأرواح و غيرها، و عبر المحقق فى مختصر النافع و الشرايع بما حكم به المصنف هنا كالقواعد، و المحكى عن المنتهى حيث قال فى الأول: و يحرم الزخرفة و نقشها بالذهب او بشىء من الصور، و عن المصنف فى اكثر كتبه و الشهيد فى الذكرى و المحقق فى التحرير انهم اطلقوا تحريم النقش من غير تقييد بالذهب، و كذا المحقق فى التحرير و الشهيد فى الذكرى، انتهى.
و فيه ما ترى.
ص: 143
و عن الشهيد فى البيان، انه حرم زخرفتها و تصويرها بما فيه روح، و كره غيره، كما عن الشيخين، و فى الدروس كره الجميع و جعل تحريمهما قولا، و فى البحار نسب تحريم نقش الصور الى الاكثر حيث قال: اما النقش فقد حكم جماعة بتحريم النقش بالذهب. و اطلق العلامة فى اكثر كتبه، و المحقق فى التحرير، و الشهيد فى الذكرى، تحريم النقش من غير تقييد بالذهب، معللين بأن ذلك لم يكن فى عهد النبى (ص) فيكون بدعة، و هو استدلال ضعيف، و كذا حكم الاكثر بتحريم نقش الصور، انتهى.
أقول: استدل للحكم المذكور بما مر، و بما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد، عن عمرو بن جميع قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلوة فى المساجد المصورة، فقال: اكره ذلك و لكن لا يضركم ذلك اليوم، و لو قد قام العدل لرأيتم كيف يصنع فى ذلك. و فى الدليل الأول ضعف كما صرح به جماعة، و اما الثانى و هو ايضا لا يصلح للحجية لضعفه سندا، و قصوره دلالة لأعمية الكراهة من التحريم، و فيه تأمل و ان ذكره غير واحد منهم، لأن مع تسليم السند لا يجدى الأعمية، لأنه حينئذ من قبيل التخصيص بالمجمل المأتى بجميع محتملاته لأجل تحصيل البراءة، فليتأمل جدا.
و لظهور الكراهة الواقعة فى كلام الامام (ع)، فى عدم التحريم، هذا مضافا الى ان المنهى عنه فيه على تقدير التسليم، انما هو الصلوة فيه، لا نفس التصوير، ذكره بعض الأجلة، فتأمل.
قال: و مع ذلك فهو نص فى نفى المنع الآن، و بالجملة فالخروج عن الأصل بمثل هذين الأمرين ليس فيه وجاهة، سيما مع ملاحظة ما رواه فى البحار عن قرب الأسناد، باسناده عن على بن جعفر، عن أخيه (ع) قال: سألته عن المسجد يكتب فى القبلة القرآن او شىء من ذكر الله، قال: لا بأس. و سألته عن المسجد ينقش فى قبلته بجصّ او اصباغ، قال: لا بأس. فانه ظاهر فى جواز النقش، نعم لا بأس بالكراهة، كما عن جماعة مسامحة فى ادلتها، الا ان نقول بحرمة التصوير
ص: 144
فى غير المساجد، ففيها اولى.
قال فى الروضة: و لا ريب فى تحريم تصوير ذى الروح فى غير المساجد ففيها اولى، اما تصوير غيره فلا.
و ما ذكر فى خبر على بن جعفر، من جواز كتابة القرآن و الذكر فى قبلة المسجد، لا ينافى كراهة النظر فى حال الصلوة، كما دل عليها رواية قرب الأسناد المتقدمة، عند شرح قول المصنف: او مصحف مفتوح.
(و) تحرم (اتخاذها فى ملك او طريق) بحيث صورة المسجدية، بلا خلاف اجده، فان ذلك تخريب لموضع العبادة و تغيير للوقف، «و من اظلم ممن منع مساجد اللّه ان يذكر فيها اسمه و سعى فى خرابها»، و متى فعل وجب ذلك اعادتها الى الحال الأول، بلا خلاف بينهم يظهر، قال بعض الأجلاء: بل يجب ذلك على ذى قدرة و يده مبسوطة، و لا يجوز الدفن فيها ايضا، كما صرح به فى الدروس و القواعد.
(و بيع آلتها) مع انتفاء المصلحة فى البيع، و الاّ جاز بلا شبهة، لأنه ليس على المحسنين سبيل بلا ريبة.
قال فى المختلف: قال الشيخ فى المبسوط: لا يجوز بيع آلة المساجد بحال، و الأقرب التفصيل، و هو ان الآلة لو احتيج الى بيعها لعمارته او عمارة غيره مع عدم الانتفاع بها جاز بيعها و الاّ فلا، و يتولىّ البيع الحاكم، لنا أنه مصلحة للمسجد، فساغ فعلها كغيرها من المصالح، انتهى.
اقول: قد تقدم تفصيل الكلام فى ذلك.
(و تملكها بعد زوال آثارها) لأن العرصة داخلة فى الوقف، فلا يجوز التغيير.
(و ادخال النجاسة اليها) اذا استلزمت تلويثها، بلا خلاف على الظاهر كما استظهره فى البحار، بل الظاهر انه اجماعى كما استظهره بعض الأجلة، حاكيا عن ظاهر الذكرى ايضا قال: و فيها بعد الحكم قاله الأصحاب،
ص: 145
لقول(1) النبى (ص): جنبوا مساجدكم النجاسة. و لأن الكراهية الوضوء من البول و الغايط يشعر به، و لم اقف على استناد هذا الحديث النبوى، و الظاهر ان المسئلة اجماعية، و لأمر النبى (ص) بتطهير مكان البول، و بظاهر قوله تعالى:
«فَلاٰ يَقْرَبُوا اَلْمَسْجِدَ» و للامر بتعاهد النعل، انتهى.
و اما اذا لم يستلزم ادخالها تلويث المسجد و آلاته، فمقتضى اطلاق المصنف رحمه اللّه هو الحرمة، كما عن جماعة و منهم الحلى مدعيا عليه اجماع الامامية، خلافا للمشهور بين متأخرى الطايفة، كما صرح به جماعة فاختصوا التحريم بالأول.
قال بعض الأجلة: لم اقف فى المتأخرين على مخالف فى ذلك، فلعله عليه عامتهم، كما صرح به بعضهم مؤذنا بدعوى اجماعهم عليه، فلا بأس به، و ان كان المنع احوط، انتهى.
للمصنف بعد اجماع الحلى و الحديث النبوى، اطلاق قوله تعالى: «إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاٰ يَقْرَبُوا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ» و اختصاصه بالمشركين غير ضاير لظهوره فى ان علة المع هى النجاسة، و هو الجابر للنبوى المتأمل فى سنده.
و للمشهور ما نقله بعض الأجلة المتقدم الحاكى عن الذكرى، بعد ما نقله عنها سابقا بلا فصل، نعم الأقرب عدم تحريم ادخال نجاسة غير ملوثة للمسجد و فرشه، للاجماع على جواز دخول الصبيان و الحيض من النساء، جوازا مع عدم انفكاكهم من نجاسة غالبا، و قد ذكر الأصحاب جواز دخول المجروح و السلس و المستحاضة مع امن التلويث. قال: و على مسلكه ذهب شيخنا الشهيد الثانى فى الرياض، غير انه لم يدع الاجماع على اصل الحكم، و جعل ما استقربه من عدم
ص: 146
التحريم مع عدم التلويث مذهب الأكثر، انتهى كلام بعض الأجلة.
و رد دليل مشهور، بان ما ذكره الشهيدان ليس بعامة لجميع افراد ما اختاراه فى الصورة الثانية، حتى الذى لم يتحقق فيه الاجماع و كان محل النزاع، لأن غاية تلك الأدلة اخراج مواردها خاصة من اطلاق الآية و الرواية، و تتميمها بالاجماع المركب غير متوجه فى محل الخلاف، اللهم الا ان يدعى حصول الظن من تتبع الجواز فى تلك الموارد بالجواز فى غيرها.
قال بعض الأجلة فى رد ما اقمنا على ما اختاره الماتن، بعد ان قوى ذلك الاستقرار: و يمكن المناقشة فى دلالة الآية و الرواية. اما الاولى فلعدم معلومية المراد ممّا فيها من لفظ النجس هل هو المعنى اللغوى؟ او المعنى المصصلح؟ و لا يتم دلالتها الاّ بالثانى، و هو غير معلوم، بناء على ثبوت الحقيقة الشرعية، و يعينه بتفريع (فَلاٰ يَقْرَبُوا) عليه غير متضح، بعد العموم اللغوى للخبث الباطنى الموجود فى المشركين، فلا ينافيه فتأمل.
و اما الثانية فلاحتمال المساجد فيها مواضع الجبهة، مع انها ضعيفة السند و الآية بعد المناقشة فى دلالتها ايضا لا تصلح للجبر، و حيث ضعف الاستناد اليهما فى اصل الحكم، انحصر اثباته فى الاجماع، و ليس فى مفروضنا لا تحقيقا و لا محكيا، عد اجماع الحلى، و فى الخروج بمجرده عن الأصل القطعى المعتضد بعمل الاكثر بل عامة من تأخر نظر، مع انه معارض بنقل الشهرة فى حق على خلافه بقول مطلق، و هى و ان لم تصلح للحجية، الا انها موهنة للاجماع المحكى اذا كانت محققة، فكذا اذا كانت منقولة، و سيما اذا اعتضدت بالشهرة عن الحكاية شهرة محققة، و بظن الاستقراء المتقدم اليه الاشارة، انتهى.
أقول: يمكن المناقشة فى الآية ايضا، بانها مختصة بالمسجد الحرام، و المطلب هو العموم، اللهم الا ان يقال بالاجماع المركب.
قال فى البحار: استدل بقوله تعالى: «فَلاٰ يَقْرَبُوا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ» و هو غير بعيد للتفريع، و ان امكن المناقشة فيه، و اما الاستدلال به على عدم جواز دخولهم شيئا من المساجد، فهو ضعيف، انتهى.
ص: 147
و اما الاستدلال للجواز بما يأتى فى الحدود، فى شرح قول المصنف: و لا فى سارق ستارة الكعبة، من الخبر الدال على قطع القائم (ع) ايدى بنى شيبة و تعليقها على البيت، التفاتا الى عدم القائل بالفصل غير وجيه، لأنه قضية فى واقعة تقع فلا عموم له.
و بالجملة الأحوط هو المنع مطلقا، للآية و النبوى، و ما ادعاه الحلى سيما بعد ملاحظة ان الظن حاصل من اجماع الحلى، و ان خالفه مشهور متأخرى الطايفة، لأن المحقق و العلامة اللذين هما قطبان للطائفة حكيا بالمنع كالحلى.
و الحاصل انه يحصل من مجموع النبوى و الآية و الاجماع الذى حكاه الحلى، ظن قوى بالحكم، و ان كان فى الكل مناقشة، بل الانصاف ان اجماع الحلى كاف فى المسئلة، فاذن الأقوى عندى هو القول بالمنع مطلقا، مع كونه احوط.
(و) عليه فتحرم (ازالتها فيها) و ان لم تستلزم بتنجيس المسجد او آلاته، و اما اذا لم نقل باطلاق المنع، فهل يحرم فيه الازالة مطلقا، او يختص بصورة استلزامها التلويث؟ ذهب جماعة الى الثانى.
و ذهب المحقق الشيخ على الى عموم المنع قال: و ان كانت الازالة فيما لا ينفعل كالكثير، او فى اناء، مستدلا على ذلك بظاهر قوله (ص): جنبوا مساجدكم النجاسة، و بان فيه من انتهاك حرمة المسجد و هو ضعيف، و القول الثانى قوى، و تعليل التحرير لما فى المتن بان ذلك يعود اليها بالتنجيس، يقتضى اختصاص التحريم بصورة التلويث.
و بالجملة لما اخترنا المنع بقول مطلق، فلا يجوز على المدخل اكد.
(و اخراج الحصى منها) على الأشهر، على ما ادعاه فى البحار قال: و المشهور بين الأصحاب حرمة اخراج الحصى من المساجد، و قيده جماعة بما اذا كانت تعد من اجزاء المسجد او من آلاته، اما لو كانت قمامة كان اخراجها مستحبا، و أختار المحقق فى التحرير و جماعة كراهة اخراج الحصا، انتهى.
أقول: و الأصل للقائلين بالتحريم، ما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد،
ص: 148
عن وهب بن وهب، عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: اذا أخرج أحد الحصاة من المسجد، فليردها مكانها او فى مسجد اخر، فانها تسبح.
قال بعض الأجلة بعد نقل الخبر: و ظاهره و ان افاد وجوب الرد، المستلزم للمنع عن الاخراج فحوى، مع عدم القائل بالفرق، و عليه الفاضلان فى المختصر النافع و الشرايع و الارشاد، و الشهيدان فى اللمعتين و الرياض، الا انه ضعيف السند، فلا يمكن الخروج به عن الأصل، انتهى.
أقول: اذا كانت الحصى تعد من اجزاء المسجد او من آلاته، فالقول بالحرمة لا يخلو عن قوة، لأن الوقف قد تعلق بها، و للرواية المنجبرة بالشهرة المحكية. و اما اذا لم تكن من اجزائها و آلاتها، بل كانت قمامة، فالقول بجواز الاخراج بل استحبابه لا يخلو عن قوة، لما مر من استحباب الكنس. و التعارض بين هذا و بين ما يدل على استحباب، و ان كان من تعارض العمومين من وجه، فيحتمل تقييد ما يدل على الثانى بغير الحصى، و لكن الترجيح فى جانب ما يدل على استحباب الكنس، لأن اطلاق كلامهم الدال على المنع من اخراج الحصى منصرف بما اذا كانت جزءا من المسجد، بخلاف اطلاق كلماتهم الدالة على استحباب الكنس فانه غير منصرف الى غير الحصى، و ذلك واضح عند من كان له ادنى دربة.
هذا مضافا الى ما نرى من سيرة المسلمين فى الأعصار و الأمصار، انهم حين يكنسون المساجد لا يتجسسون فى القمامة المجتمعة خوفا من اخراج الحصى، و لعل الأحوط هو التجسس لاخراج الحصى للتعليل المستفاد من الرواية، فليتأمل جدا.
و بالجملة الأظهر هو منع اخراج الحصى التى هى جزء للمسجد أو من آلاته و كذا الكلام فى التراب، وفاقا للمسالك.
و متى اخرجت على الوجه الممنوع (فتعاد) الى ذلك المسجد، كما عليه الاكثر على ما ادعاه فى البحار و غيره، و عن الشيخ انه قال: لوردها الى غيرها
ص: 149
من المساجد اجزأ، و عليه دل الخبر المتقدم قال فى الروضة بعد قول الشهيد:
فتعاد، ما صورته: وجوبا اليها اوالى غيرها من المساجد، حيث يجوز نقل آلاتها اليه و ما لها لغناء الأول، او اولوية الثانى، انتهى.
لا يقال: مقتضى الرواية هو جواز الرد الى غير المسجد المأخوذة عنه من المساجد مطلقا، لأنا نقول: ذلك وجيه لو جعلنا الشهرة قرينة لصدق الصدور، و فيه من الاشكال ما لا يخفى.
و بالجملة ما ذكرنا سابقا فى بيان استعمال آلات المسجد فى غيره من المساجد، يرشدك الى كيفية القول فى ذلك.
قال فى البحار بعد ان نقل الرواية المتقدمة، عن العلل، عن محمد بن على ماجيلوية، عن عمه محمد بن ابى القاسم، عن احمد بن ابى عبد اللّه البرقى، عن أبيه، عن وهب بن وهب، عن الصادق، عن أبيه (ع)، ما صورته: يمكن أن يكون تسبيحها كناية عن كونها من اجزاء المسجد، فان المسجد لكونه محلا لعبادة اللّه سبحانه يدل على عظمته و جلاله، فهو بجميع اجزائه ينزه اللّه تعالى عما لا يليق به، او المعنى انها تسبح احيانا كما سبحت فى كف النبى (ص)، او تسبّح مطلقا بالمعنى الذى اريد فى قوله سبحانه: «وَ إِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلاّٰ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» فوجه الاختصاص كونها سابقا فيها. و الحاصل لا تقولوا انها جماد و لا يضر اخراجها، اذ لكل شىء تسبيح، فلا ينبغى اخراجها و اخلاء المسجد عن تسبيحها» و من اظلم ممن منع مساجد اللّه ان يذكر فيها اسمه»، و يمكن ان يقرأ تسبح بالفتح اى تنزه عن النجاسات، و ساير ما يليق بالمسجد، فيكون كناية ايضا عن الجزئية، انتهى.
(و التعرض للبيع و الكنايس) اذا كان لأهلها ذمة، و استدل فى المدارك و غيره باطلاق النهى عن التعرض عما فى ايديهم المتناول لذلك.
(و لو كان فى ارض الحرب او باد اهلها جاز استعمال آلتها فى المساجد) و كذا يجوز جعلهما حينئذ مساجد، ينقض منها ما لا بد منه فى تحقيق المسجدية،
ص: 150
و استدل على ذلك بعد الأصل، و عموم ما دل على جواز التصرف فى هذين، بما رواه الكافى فى باب بناء المساجد، عن محمد بن اسمعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان، عن العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن البيع و الكنايس، هل يصلح نقضها لبناء المساجد؟ فقال: نعم.
قال فى المسالك بعد قول الشرايع: و ان كان فى دار الحرب او باد أهلها جاز استعمال آلتها فى المساجد لا فى غيرها، و لا يجوز نقضها الا ما لا بد منه فى تحقيق المسجدية كالمحراب.
و قال بعض المحشين للكتاب، قوله: و لو كان فى ارض(1) الحرب، الى آخره، لا ريب فى جواز استعمال فرشها فى المساجد، و كذا آلات البناء اذا انهدمت، و يئس من اعادتها مجردا، اما بدونها فلا يجوز على حال الا ما لا بد منه فى تحقق المسجد، انتهى.
أقول: لا افهم وجه التقييد فى الرواية، فليؤخذ باطلاقها.
لما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد، عن العلا بن الفضيل، عمن رواه، عن ابى جعفر (ع) قال: اذا دخلت المسجد و انت تريد ان تجلس، فلا تدخله الا طاهرا، و اذا دخلته فاستقبل القبلة، ثم ادع الله و اسئله، و سم حين تدخله و احمد الله، و صل على النبى (ص).
قال فى الفقيه فى باب فضل المساجد: و روى ان فى التورية مكتوبا: ان بيوتى فى الأرض المساجد، فطوبى لعبد تطهر فى بيته ثم زارنى فى بيتى، الا أن على المزور كرامة الزائر، الا بشر المشائين فى الظلمات الى المساجد بالنور
ص: 151
الساطع يوم القيمة.
و رواه ايضا فى الهداية، عن النبى (ص)، على ما نقله فى البحار عن ثواب الأعمال، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن كليب، عن ابى عبد الله (ع) قال: مكتوب فى التوراة: ان بيوتى فى الأرض المساجد، فطوبى لعبد تطهر فى بيته ثم زارنى فى بيتى، و حق على المزور كرامة الزاير.
و روى ايضا عن العلل، عن ابيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحى، عن كليب الصيداوى، عن ابى عبد الله (ع) قال:
مكتوب فى التوراة: ان بيوتى فى الأرض المساجد، فطوبى لعبد تطهر فى بيته ثم زارنى فى بيتى، و حق على المزور ان يكرم الزاير.
و روى ايضا عن ثواب الأعمال، عن أبيه، عن عبد اللّه بن جعفر الحميرى، عن محمد بن الحسين مثله.
و روى ايضا عن المقنع مرسلا مثله.
و روى فى البحار ايضا عن كتاب جعفر بن محمد بن شريح، عن حميد بن شعيب، عن جابر الجعفى، عن ابى جعفر (ع) قال: اذا دخلت المسجد و أنت تريد ان تجلس، فلا تدخله الا طاهرا، و اذا دخلته فاستقبل القبلة، ثم ادع اللّه و سله، و سلم حين تدخله، و احمد اللّه و صل على النبى (ص).
و روى ايضا عن جامع الأخبار، قال النبى (ص): لحديث البغى فى المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش. و قال (ع): لا تدخل المساجد الا بالطهارة.
لما رواه فى البحار عن الخصال و معانى الأخبار، عن على بن عبد اللّه الاسوارى، عن احمد بن محمد بن قيس، عن عمرو بن حفص، عن عبد اللّه بن محمد بن اسد عن الحسين بن ابراهيم عن يحى بن سعيد، عن ابن جريح عن عطا عن عتبة بن عمير الليثى، عن ابى ذر رحمة الله
ص: 152
عليه قال دخلت على رسول الله (ص) و هو فى المسجد جالس وحده فاغتنمت خلوته فقال لى: يا ابا ذر للمسجد تحية، قلت: و ما تحيته؟ قال: ركعتان تركعهما، الخبر.
و روى الصدوق فى الفقيه عن الحسين بن زيد، عن الصادق، عن آبائه - فى حديث المناهى - قال: قال رسول الله (ص): لا تجعلوا المساجد طرقا حتى تصلوا فيها ركعتين. و عن ابى قتادة عن النبى (ص) قال: اذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع، و ليدع اللّه تعالى عقبيهما، و ليصل على النبى (ص)، فان لم يصل جلس مستقبل القبلة، و حمد اللّه و صلى على النبى، و دعا اللّه و سأل حاجته.
قال بعض الأجلاء: لا يبعد أن يكون ذلك الخبر من طريق العامة، فانى لم اقف عليه فى كتب اخبارنا، سيما البحار الجامع لجميع الأخبار، انتهى، و ما ذكره غريب.
و يستفاد منها استحباب الجلوس مستقبلا، و حمد اللّه و الصلوة على النبى (ص)، و سؤال حاجته، كما ذكر الكل فى الدروس. و رواية العلا بن الفضيل المتقدمة ايضا، دالة على استحباب جملة من المذكورات.
الظاهر انها تكرر بتكرر الدخول و لو عن قرب، كما صرح به فى الروضة قال:
بعد قول اللمعة: و يستحب صلوة التحية قبل جلوسه، ما صورته: و اقلها ركعتان، و تكرر بتكرر الدخول و لو عن قرب، قال: و تتأدى بسنة غيرها و فريضة، و ان لم ينوها معها، لأن المقصود بالتحية الا يهتك حرمة المسجد بالجلوس بغير صلوة و قد حصل، و ان كان الأفضل عدم التداخل.
أقول: لعل رواية ابى ذر المتقدمة تنافى التداخل، ثم قال: و تكره اذا دخل و الامام فى مكتوبة، او و الصلوة تقام، او قرب اقامتها بحيث لا يفرغ منها قبله، فان لم يكن متطهرا، او كان له عذر عنها، فليذكر اللّه تعالى، و تحية المسجد
ص: 153
الحرام الطواف، كما ان تحية الحرم الاحرام، و منى الرمى.
لما رواه فى الكافى عن الحسين بن زيد، عن بعض اصحابه، عن ابى عبد الله (ع) قال: ان على بن الحسين (ع) استقبله مولى له فى ليلة باردة، و عليه جبة خز و مطرف خز و عمامة خز، و هو متغلف بالغالية، فقال: جعلت فداك فى مثل هذه الساعة على هذه الهيئة، الى أين؟ فقال: الى مسجد جدّى رسول الله، اخطب الحور العين الى اللّه عز و جل.
و عن محمد بن جعفر بن محمد (ع) قال: خرج على بن الحسين ليلة و عليه جبة خز و كساء خز، قد غلف لحيته بالغالية، فقالوا: فى هذه الساعة، فى هذه الهيئة! فقال: انى اريد اخطب الحور العين الى اللّه عز و جل فى هذه الليلة، انتهى.
أقول: روى فى البحار فى باب لباس المصلى، عن العياشى، عن خيثمة بن ابى خيثمة قال: كان الحسن بن على (ع) اذا قام الى الصلوة لبس اجود ثيابه، فقيل له: يابن رسول الله (ص)، لم تلبس اجود ثيابك؟ فقال: ان الله جميل يحب الجمال، فاتجمل لربى، و هو يقول «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» فاحب ان البس اجود ثيابى.
و روى عن غوالى اللئالى مرسلا، مثله.
ظهر من هذه الأخبار، انهم كانوا يلبسون فى حال العبادة الثياب الفاخرة. و يدل عليه ايضا ما رواه فى البحار عن قرب الأسناد، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن احمد بن محمد بن ابى نصر، عن الرضا (ع): ان على بن الحسين (ع) كان يلبس جبة الخز بخمسة مائة درهم، و المطرف بخمسين دينارا، فيشتو فيه، فاذا خرج الشتاء باعه و تصدق بثمنه.
و عن تفسير العياشى، عن احمد بن محمد، عن ابى الحسن (ع) قال:
ص: 154
كان على بن الحسين يلبس الثوب بخمسمائة... الحديث.
قال فى الذكرى على ما نسب: يستحب الصدقة بثمن الثوب الذى يصلى فيه لو باعه، تأسيّا بزين العابدين (ع)، فيما رواه الشيخ عن الحلبى عن على بن الحسين (ع)، كان يلبس الكساء الخز فى الشتاء، فاذا جاء الصيف باعه و تصدق بثمنه، و يقول: انى لاستحى من ربى ان اكل ثمن ثوب عبدت اللّه فيه، انتهى.
و روى فى البحار عن تفسير العياشى، عن محمد بن عيسى، عن حفص بن محمد مؤذن على بن يقطين قال: رأيت ابا عبد الله (ع) فى الروضة، و عليه جبة خز سفر جلية.
و عن مجمع البيان قال: روى العياشى باسناده عن الحسين بن زيد، عن عمه عمر بن على، عن ابيه زين العابدين على بن الحسين (ع)، انه كان يشترى كساء الخز بخمسين دينارا، فاذا صاف(1) تصدق به، و لا يرى بذلك بأسا، و يقول: «مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللّٰهِ»، الى آخر الآية.
و عن مكارم الأخلاق، عن يونس بن يعقوب قال: دخلت على ابى عبد الله عليه السلام و هو معتل، و هو فى قبة و قباء عليه غشاء مذارى،(2) و قدامة مخضبة هيئ فيها ريحان مخروط، و عليه جبة خز ليس بالثخينة و لا بالرقيقة و عليه لحاف ثعالب مظهر(3) يمنية(4)، فقلت له: جعلت فداك ما تقول فى الثعالب؟ قال:
هو ذا علىّ.
و يظهر من جملة من الأخبار ايضا، ان الفضل فى الثوب الخشن الغليظ، روى ان النبى (ص) قال لأبى ذر: يا أبا ذر انى البس الغليظ، و اجلس على الأرض، و العق اصابعى، و اركب الحمار بغير سرج، و اردف خلفى، فمن رغب
ص: 155
عن سنتى فليس منى.
و روى فى البحار عن مكارم الأخلاق، عن محمد بن حسين بن كثير قال:
رأيت على ابى عبد اللّه جبة صوف بين قميصين غليظين، فقلت له فى ذلك، فقال:
رأيت أبى يلبسها، و انا اذا اردنا ان نصلى لبسنا اخشن ثيابنا. قال فى البحار بعد نقل ذلك: روى الكلينى عن ابى على الأشعرى، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن ابى فضال، عن محمد بن الحسين كثير الخزار، عن ابيه قال: رأيت أبا عبد الله (ع) و عليه قميص غليظ اخشن تحت ثيابه، و فوقه جبة صوف و فوقهما قميص غليظ، فمسستها فقلت: جعلت فداك ان الناس يكرهون لباس الصوف، فقال: كلا كان ابى محمد بن على عليهما السلام يلبسها، و كان على بن الحسين يلبسها، و كانوا عليهم السلام يلبسون اغلظ ثيابهم اذا قاموا الى الصلوة، و نحن نفعل ذلك.
ثم نقل رواية خيثمة بن ابى خيثمة، و قال: الأخبار فى فضل التزين للصلوة كثيرة، و الجمع بينها و بين ما سبق، بحمل اخبار لبس الخشن على ما اذا صلى لحاجة مهمة، و لدفع بلية، و فى تناسبه غاية الخشوع، لما رواه فى الكافى عن حريز، عن ابى عبد الله (ع) قال: اتخذ مسجدا فى بيتك، فاذا خفت شيئا فالبس ثوبين غليظين، من أغلظ ثيابك فصل فيهما، الخبر.
و لما رواه فى المكارم عن ابن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال: كان لأبى ثوبان خشنان يصلى فيهما صلوته، و اذا اراد ان يسئل الحاجة لبسهما و سأل الله حاجته.
او يجعل الخشن(1) ما اذا صلى فى الخلوة، و الزّينة على ما اذا خرج الى الناس، كما يظهر من فحوى بعض الأخبار. و لما سيأتى فى خبر مسمع قال:
كتب لى أبو عبد الله (ع): انى احب لك ان تتخذ فى دارك مسجدا فى بعض
ص: 156
بيوتك، ثم تلبس ثوبين طهرين غليظين، ثم تسئل اللّه ان يعتقك من النار و ان يدخلك الجنة... الخبر.
و لما روى عن الباقر (ع) فى تفسير قوله سبحانه «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» قال: اى خذوا ثيابكم تتزنوا بها للصلوة فى الجمعات و الأعياد. و يمكن حمل لبس الخشن على التقية، لأنه كان الشايع بين اهل البدع فى تلك الأزمنة و كانوا ينكرون على ائمتنا (ع) لبس الثياب الفاخرة.
و بالجملة الظاهر ان لبس الفاخر افضل فى جميع الصلوات، الا فيما ورد فيه نص باستحباب غيره، لظاهر الآية، و الأخبار العامة.
قال فى الذكرى بعد ايراد الرواية الاولى: قلت: اما للمبالغة فى الستر و عدم الشف و الوصف، و اما للتواضع لله تعالى، مع انه روى استحباب التجمل فى الصلوة، و ذكر ابن الجنيد و ابن البراج و ابو الصلاح و ابن ادريس.
لما رواه فى البحار عن مجالس الصدوق، عن احمد بن زياد بن جعفر الهمدانى، عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن ابى عمير، عن مرازم، عن الصادق (ع)، انه قال: عليكم باتيان المساجد فانها بيوت اللّه فى الأرض، و من اتاها متطهر اطهره اللّه من ذنوبه، و كتب من زواره، فاكثروا فيها من الصلوة و الدعاء، و صلوا من المساجد فى بقاع مختلفة، فان كل بقعة تشهد للمصلى عليها يوم القيمة.
و يستفاد من بعض الأخبار استحباب تعدد الصلوة فى بقاع الأرض مطلقا و عن النبى فى وصيته لأبى ذر: يا أبا ذر ما من رجل يجعل جبهته فى بقعة من بقاع الأرض الا شهدت له بها يوم القيمة، و ما من منزل ينزل قوم الا و أصبح ذلك المنزل يصلى عليهم او يلعنهم، يا أبا ذر ما من صباح و لا رواح الا و بقاع الأرض ينادى بعضها بعضا: يا جارتى هل مرّ بك ذاكر لله، او عبد وضع جبهته عليك ساجدا لله؟ فمن قائلة: نعم، فاذا قالت: نعم، اهتزت و ابتهجت، و ترى ان لها الفضل على جارتها.
ص: 157
روى فى البحار عن عدة الداعى و اعلام الدين، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله (ص): من توضأ ثم خرج الى المسجد، فقال حين يخرج من بيته: بسم اللّه الذى خلقنى فهو يهدينى، هداه اللّه الى الصواب للايمان، و اذا قال: و الذى يطعمنى و يسقين، اطعمه اللّه عز و جل من طعام الجنة و سقاه من شراب الجنة، و اذا قال: و اذا مرضت فهو يشفين، جعله الله عز و جل كفارة لذنوبه، و اذا قال: و الذى يميتنى ثم يحيين، اماته اللّه عز و جل موت الشهداء و احياه حيوة السعداء، و اذا قال: و الذى اطمع ان يغفر لى خطيئتى يوم الدين، غفر اللّه عز و جل خطاءه كله و ان كان اكثر من زبد البحر، و اذا قال: رب هب لى حكما و الحقنى بالصالحين، وهب اللّه له حكما و علما، و ألحقه بصالح من مضى و صالح من بقى، فاذا قال: و اجعل لى لسان صدق فى الآخرين، كتب اللّه عز و جل له فى ورقة بيضاء ان فلان بن فلان من الصادقين، و اذا قال: و اجعلنى من ورثة جنة النعيم، اعطاه اللّه عز و جل منازل فى الجنة و اذا قال: و اغفر لأبوىّ، غفر اللّه لأبويه.
قال فى الدروس: و يصير مسجدا بالوقف، و بقوله: جعلت مسجدا، مع صلوة واحدة فيه، و لو نوى المسجدية و اذن بالصلوة فيه فصلى، فظاهر الشيخ صيرورته مسجدا، انتهى.
أقول: الأقوى هو زوال الملكية بذلك و ان لم يتلفظ بالصيغة، لما يظهر من الأخبار، و من سيرة المسلمين فى الأعصار و الأمصار، و لا بأس بنقل كلام لبعض الأجلاء مع طوله، توضيحا للمطلب، قال: المفهوم من كلام الأصحاب انه لابد فى ثبوت المسجدية من صيغة الوقف الشرعية، ليحصل بها الانتقال من ملك و نحوه، و يختص بالجهة الموقوف عليها، و لم تر من تعرض لبسط الكلام فى هذا المقام، الا شيخنا فى الذكرى حيث قال: الخامس عشر: انما تصير البقعة مسجدا بالوقف، اما بصيغة: وقفت و شبهها، و اما بقوله: جعلته مسجدا و يأذن بالصلوة فيه، فاذا صلى فيه واحد تم الوقف، و لو قبضه الحاكم او اذن فى قبضه
ص: 158
فالأقرب انه كذلك، لأن له الولاية العامة، و لو صلى فيه الواقف فالاقرب الاكتفاء بعد العقد، و لو بناه بنية المسجدية لم يصر مسجدا، نعم لو اذن للناس فيه بنية المسجدية ثم صلوا، امكن صيرورته مسجدا، لأن معظم المساجد فى الاسلام على هذه الصورة.
و قال الشيخ فى المبسوط: اذا بنى مسجدا خارج داره فى ملكه، فان نوى به ان يكون مسجدا يصلى فيه كل من اراد، زال ملكه عنه، و ان لم ينو ذلك فملكه باق عليه، سواء صلى فيه او لم يصل، و ظاهره الاكتفاء بالنية، و اولى منه اذا صلى فيه، و ليس فى كلامه دلالة على التلفظ، و لعله الأقرب.
و قال ابن ادريس: ان وقفه و نوى القربة، و صلى فيه الناس و دخلوه، زال ملكه عنه، انتهى كلام شيخنا المذكور.
أقول: لا يخفى على من راجع الأخبار الواردة فى هذا المقام عن الائمة الأطهار، صلوات اللّه عليهم آناء الليل و النهار، ان ما ذكره الشيخ فى المبسوط هو الأقرب الى ما دلت عليه، و الانسب بما ندبت اليه، و ما ذكره غيره من اشتراط صيغة الوقف، فلم اقف على خبر يشير اليه، فضلا عن الدلالة عليه، بل هى بالدلالة على خلافه اشبه:
فمن ذلك ما تقدم فى صدر البحث، من حسنتى ابى عبيدة، الدالتين على جمعه الاحجار فى الطريق بين المدينة و مكة ليبنى مسجدا. و منها يظهر ان ما ذكره شيخنا المشار اليه، من قوله: و لو بناه بنية المسجد لم يصر مسجدا، الى آخره، فان الامامين (ع) فى هذين الخبرين، قد اقرا ابا عبيدة على حصول الثواب المذكور له، بمجرد وضع هذه الأحجار لذلك، و جعلها على هيئة المسجد، و التحجير بها، و قصده المسجدية.
و منها: ما رواه البرقى فى كتاب المحاسن، عن هاشم الحلال قال: دخلت انا و ابو الصباح الكنانى... الحديث، و قد تقدم فى صدر البحث.
و منها صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة ثمة ايضا، فى بناء مسجد الرسول
ص: 159
(ص)، حيث لم يتعرض لحكاية الوقف فى اصل المسجد، و لا فى هذه الزيادات فى كل مرة، و لو كان ذلك شرطا فى المسجدية، لكان اولى بالحكاية و النقل فى تلك الأمور المنقولة، لما يترتب عليه الأحكام بزعم اولئك الأعلام.
و قد ورد فى بعض الأخبار التى لا يحضرنى الان موضعها، انه (ص) بعد وروده المدينة اشترى تلك الأرض، او اعطاه اياها بعض المسلمين، فحطّ فيها بيوته و موضع مسجده. و تقييد اطلاق هذه الأخبار بصيغة الوقف، بمعنى انه لا يكون مسجدا حتى يقول وقفت و نحوه، يحتاج الى دليل، و ليس فليس، بل هو ابعد بعيد من ظواهر تلك الأخبار.
و يشير الى ما ذكرنا قوله (ع) فى غير خبر من الأخبار المتقدمة: فانها لغير هذا بنيت، و لم يقل: وقفت، و كأنهم تمسكوا بان الأصل بقاء الملك، ما لم يحصل ناقل شرعى كالبيع و الصدقة و الوقف و نحوها، و لم يثبت ان مجرد النية مع تصرف المسلمين موجب للخروج عن الملك، و هو اجتهاد فى مقابلة النصوص، و اى مانع يمنع منه بعد دلالة الأخبار عليه كما عرفت، سيما مع تصريحهم بانتقال الملك فى الهدايا و العطايا بالتصرف فى العين، و كذا فى بيع المعاطاة مع ادخالهم له فى البيوع الناقلة.
و مما يعضد ما قدمناه من الأخبار، الواضحة فيما ادعيناه، الأخبار المتقدمة فى حكم كراهة النوم فى المساجد، الدالة على تحديد ابراهيم و اسمعيل و خطهما للمسجد الحرام، فانها ظاهرة فى انه بمجرد خطهما و تحجيرهما على هذا الموضع بقصد جعله مسجدا صار مسجدا، و لو كان الوقف شرطا فى ذلك لكان اولى بالتنبيه و الذكر، لتوقف حصول المسجدية عليه، و زوالها بدونه كما يدعونه.
و بالجملة فالأمر فى هذا الباب اوسع مما ذكروه (رض).
و ظاهر شيخنا الشهيد، الترجيح لما ذكره الشيخ رحمه اللّه من غير جزم به، و لو تأمل ما ذكرناه من هذه الأخبار، لم يتخالجه الشك فى ذلك و الانكار، انتهى.
ص: 160
أقول: قد ظهر ان الملكية تزول لو نوى المسجدية، و اذن للناس الصلوة فيه بنية المسجدية فصلوا فيه، و اما بعد الاذن و قبل الصلوة مع نية المسجدية، فالمسئلة عن الاشكال غير خالية، و ان ذهب الذكرى و المبسوط فى هذه الصورة ايضا الى زوال الملكية للأصل المتقدم اليه الاشارة، و خروج هذا الفرد عن الأصل بالأخبار المتقدمة محلّ شبهة، و اللّه هو العالم بحقيقة المسئلة.
كما صرحت بذلك جملة من الأخبار، و صرحت ايضا بأنه يجوز له تغييره و تبديله، و انه ليس الحكم فيه كالمساجد العامة، و الظاهر ان الوجه فيه وفاقا لبعض الاجلاء هو انه ليس الا عبارة عن قطع جزء من البيت، و افراده للصلوة و الخلوة فيه عن اهل البيت، للتوجه و الاقبال على العبادة، و اطلاق المسجدية عليه تجوز، و يمكن ان يراد منه المعنى اللغوى. و الأخبار المتعلقة بالمقام كثيرة:
منها: رواية حريز المتقدمة فى بيان الأمر الثالث، عند نقل كلام البحار، المشتملة لقوله (ع): اتخذ مسجدا فى بيتك.
و منها: رواية مسمع المتقدمة هناك، المشتملة لقوله (ع): انى احب لك ان تتخذ فى دارك مسجدا فى بعض بيوتك.
و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب فضل المساجد، فى الصحيح عن عبيد اللّه الحلبى، انه سأل أبا عبد الله، عن مسجد يكون فى داخل الدار، فيبدو لأهله ان يتوسعوا بطائفة منه، او يحولوه عن مكانه، فقال: لا بأس بذلك ... الحديث.
و منها: ما رواه فى الكافى فى باب بناء المسجد، عن ابى الجارود قال:
سألت أبا جعفر (ع)، عن المسجد يكون فى البيت، و يريد أهل البيت ان يتوسعوا بطائفة منه، او يحولوه الى غير مكانه، قال: لا بأس بذلك... الحديث.
و منها: ما رواه فى البحار عن المحاسن، عن محمد بن عيسى، عن صفوان،
ص: 161
عن ابن مسكان، عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) قال: كان لعلى (ع) بيت ليس فيه شىء الافراش و سيف و مصحف، و كان يصلى فيه، او قال: كان يقيل فيه. قال فى البحار بعد نقله: بيان: على الرواية الاولى المؤيدة بساير الأخبار يدل على استحباب اتخاذ بيت فى الدار للصلوة، على الرواية الثانية يدل ظاهرا على جواز القيلولة فى البيت وحده.
و منها: ما رواه فى البحار ايضا عن المحاسن، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة، عن ابى عبد الله (ع) قال: كان على (ع) قد جعل بيتا فى داره، ليس بالصغير و لا بالكبير لصلوته، و كان اذا كان الليل ذهب معه بصبى لا يبيت معه، فيصلى فيه.
و روى ايضا عن قرب الأسناد، عن محمد بن خالد الطيالسى، عن ابن بكير عنه (ع)، مثله. قال بعد نقله: يدل على استحباب ان لا يكون فى البيت وحده فى الليل، و ان كان فى الصلوة، كما دل عليه غيره، بل يكون معه احد و ان كان صبيا، او الطفل متعين اذا كان مصليا، لبعده عن الرّياء، و عدم منافاته لكمال الخشوع و الاقبال على العبادة، لعدم الاحتشام، و يؤيده ان فى رواية(1)الطيالسى: اخذ صبيا لا يحتشم منه، كما سيأتى قوله (ع): لا يبيت معه، اى لم يكن فى ساير الليل عنده لأنه (ع) كان مع ازواجه و سراياه، و لم يكن يناسب كونه نايما معهنّ، و يحتمل ان يكون ليبيت.(2)
و منها: ما رواه فى البحار عن السرائر، نقلا من جامع البزنطى، عن على بن جعفر، عن أخيه (ع) قال: سألته عن رجل كان له مسجد فى بعض بيوته
ص: 162
أو داره، هل يصلح ان يجعله كنيفا؟ قال: لا بأس. و روى ايضا عن قرب الأسناد عن عبد اللّه بن الحسن، عن جده على بن جعفر، مثله.
و منها: ما رواه ايضا عن قرب الأسناد، عن هرون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: سمعت جعفر بن محمد، و سئل عن الدار و البيت قد يكون فيه لاصحابه ان يتسعوا بطائفة منه، و يبتنوا مكانه و يهدموا البتة(1)، قال: لا بأس بذلك... الحديث.
قال فى البحار، بعد نقل ما رواه عن السرائر: يدل على ان مسجد البيت ليس كسائر المساجد، و يجوز تغييره و اخراجه عن المسجدية، و حمله الاصحاب على موضع لم يوقف لذلك، بل عين فى البيت للصلوة فيه. قال فى الذكرى:
لو اتخذ فى داره مسجدا له و لعياله، و لم يتلفظ بالوقف و لا نواه، جازله تغييره و توسيعه و تضييقه، لما رواه ابو الجارود عن الباقر (ع)... الحديث، انتهى.
و قال الوالد قدس سره: يمكن تخصيص العمومات بتلك الأخبار الصحيحة، لكن الأحوط عدم التغيير مع الصيغة. و قال العلامة فى التذكرة: من كان له فى داره مسجد قد جعله للصلوة، جاز له تغييره و تبديله و تضييقه و توسيعه حسب ما يكون اصلح له، لأنه لم يجعله عاما، و انما قصد اختصاصه بنفسه و اهله، و لرواية ابى الجارود. و هل يلحقه احكام المساجد من تحريم ادخال النجاسة اليه و منع الجنب من استيطانه و غير ذلك؟ الأقرب المنع، لنقص المعنى فيه، انتهى. كلامه يشعر بالتردد مع الوقف كذلك ايضا، كما احتمله الوالد رحمه الله، انتهى كلام البحار.
قال فى الدروس: و لو اتخذ لداره مسجدا لنفسه و اهله، جاز له توسيعه و تضييقه و تغييره، و لا يثبت له الحرمة، و لم يخرج عن ملكه ما لم يجعله وقفا، فلا يختص به حينئذ انتهى.
ص: 163
أقول: قد عرفت فى المسئلة السابقة، انه لا دليل على اشتراط صيغة الوقف فى المساجد العامة، بل الأدلة فى العدم ظاهرة، و انما هذا امر ذهبوا بالتقريب المتقدم ذكره ثمة، و هذه الأخبار الواردة فى المقام ليس فيها ازيد من الدلالة على اتخاذ موضع من داره للخلوة و الصلوة فيه، و بذلك اطلق عليه لفظ المسجد، و الناس ظنوا من اطلاقهم لفظ المسجد يومئذ انسحاب حكم المساجد اليه، فكثروا السؤال عن تغييره و تبديله و جعله حشّا و نحو ذلك، فاجابوا (ع) بنفى البأس ايذانا بانه ليس بمسجد حقيقة، و لا يترتب شىء من أحكام المسجدية بالكلية، و انما هو موضع اتخذ لقصد الفراغ و الخلوة و التوجه للاقبال على العبادة و متى اراد صاحبه تغييره غيّره الى ما يريد، و لا حاجة لذكر الوقف هنا بالكلية، و لو سلمنا اشتراطه فى المساجد العامة، لما عرفت من الغرض و السبب فيه.
و بنحو ما حررناه ايضا حرر بعض الأجلاء و قال: لكنهم (رض) بتدقيق انظارهم يتكلفون اشياء لا ضرورة لها و لا دليل عليها، كما عرفت من تكلفهم اشتراط الوقفية فى المساجد العامة.
و بالجملة فانه ليس الفرق بين هذا المكان المسمى مسجدا و بين المساجد العامة، الا باعتبار قصد بنائها لعامة الناس لأجل العبادة، و تسبيلها لهم، و قصد القربة فى ذلك، بخلاف هذه، فانه لا يعتبر فيها ازيد مما ذكرناه.
روى الكافى فى كتاب المعيشة فى باب السبق الى السوق، عن محمد بن يحى، عن طلحة بن زيد، عن الصادق (ع)، عن على عليه السلام: سوق المسلمين كمسجدهم، فمن سبق الى مكان فهو احق به الى الليل، و كان لا يؤخذ على بيوت السوق كرى.
و فى الباب المذكور، عن على بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن أبى عمير، عن بعض اصحابنا، عن الصادق (ع): سوق القوم كمسجدهم. يعنى اذا سبق الى السوق كان له مثل المسجد.
و فى الحج فى باب النوادر الواقع فى قبيل ابواب الزيادات، عن عدة من
ص: 164
اصحابنا، عن احمد بن محمد، عن محمد بن اسمعيل، عن بعض اصحابه، عن الصادق (ع)، قال: قلت له: يكون بمكة او بالمدينة او بالحيرة او المواضع التى يرجى فيها الفضل، فربما خرج الرجل يتوضا، فيجى آخر فيصير مكانه، قال: من سبق الى موضع فهو احق به يومه و ليلته.
اذا عرفت ذلك، فاعلم ان المشهور بين الأصحاب - على ما صرح به فى البحار و غيره - ان من سبق الى مكان من المسجد او المشهد، فهو اولى به ما دام، فلو فارقه و لو لحاجة كتجديد طهارة او ازالة نجاسة بطل حقه، و ان كان ناويا للعود، الا ان يكون رحله مثل شىء من امتعته و لو سبحة و نحوها باقيا فيه.
قال المحقق المجلسى طاب مضجعه فى البحار، بعد ان روى عن كامل الزيارة لابن قولوية، عن أبيه، عن محمد بن يحى، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن اسمعيل بن بزيع، عن بعض اصحابه، يرفعه الى ابى عبد الله (ع) قال: قلت: نكون بمكة او بالمدينة او الحير (بالحاير) او المواضع التى يرجى فيها الفضل، فربما يخرج الرجل يتوضأ، فيجى اخر فيصير مكانه، قال: من سبق الى موضع فهو احق به يومه و ليلته.
و روى عنه ايضا عن ابيه، عن سعد بن عبد الله، عن احمد بن محمد، مثله ما صورته: ذكر الأصحاب ان من سبق الى مكان من المسجد و المشهد، فهو اولى به ما دام باقيا فيه، فلو فارق و لو لحاجة كتجديد طهارة و ازالة نجاسة بطل حقه، و ان كان ناويا للعود، الا ان يكون رحله اى شىء من امتعته و لو سبحته و ما يشد به وسطه و خفّه باقيا فى الموضع.
و قيد الشيخ رحمه اللّه مع ذلك نية العود، فلو فارق لابنيته سقط حقه و ان كان حقه باقيا. و احتمل الشهيد الثانى قدس سره بقاء الحق حينئذ، لاطلاق النص و الفتوى، ثم تردد على تقدير سقوط حقه فى جواز رفع الرحل ام لا، و على تقدير الجواز فى الضمان و عدمه، ثم قال: و على تقدير بقاء الحق لبقائه او بقاء رحله، فان زعجه مزعج فلا شبهة فى اثمه، و هل يصير اولى بعد ذلك؟ يحتمله
ص: 165
لسقوط حق الأول بالمفارقة، و عدمه للنهى، فلا يترتب عليه حق، و يتفرع على ذلك صحة صلوة الثانى و عدمها، و اشترط الشهيد فى الذكرى فى بقاء حقه مع بقاء الرحل ان لا يطول المكث، و فى التذكرة استقرب بقاء الحق مع المفارقة لعذر، كاجابة داع و تجديد وضوء و قضاء حاجة، و ان لم يكن له رحل، قالوا:
و لو(1) سبق اثنان دفعة الى مكان واحد و لم يمكن الجمع بينهما، اقرع. و منهم من توقف فى ذلك. و قال الشهيد الثانى: و لا فرق فى ذلك كلّه بين المعتاد لبقعة معينة و غيره، و ان كان اعتياده لدرس و امامة، و لا بين المفارق فى أثناء الصلوة و غيره للعموم.
و استقرب فى الدروس بقاء اولوية المفارق فى اثنائها اضطرارا، الا أن يجد مكانا مساويا للأول او اولى منه، محتجا بانها صلوة واحدة فلا يمنع من اتمامها.
هذا ما ذكره الأصحاب، و الذى يظهر من الرواية الأولوية مطلقا فى يوم و ليلة، ان حملنا الواو على معناها، و ان حملناها على معنى او كما هو الشايع ايضا، فان كان يوما فبقية اليوم، و ان كان ليلة فبقية الليلة، و يؤيد الأخير ما رواه الكلينى عن طلحة بن زيد، عن ابى عبد الله (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع) سوق المسلمين كمسجدهم، فمن سبق الى مكان فهو احق به الى الليل.(2)
و روى بعض اصحابنا عن(3) النبى (ص): اذا قام أحدكم من مجلسه فى المسجد، فهو احق به الى الليل. و على الأول يمكن الجمع، بحمل خبر الصادق عليه السلام على ما كان المعتاد فى ذلك المسجد، بقاء الرحل تمام اليوم مع ليلته
ص: 166
و عدم قضاء و طره بدون ذلك، و حمل غيره على ذلك، و لعله حمله على معنى او أظهر، و على اى الوجهين ليس فى تلك الأخبار تقييد ببقاء الرحل، نعم يظهر من الخبر الأول ارادة العود من كلام السائل، و الأحقية الواردة فى الجواب ايضا تشعر بنية العود، اذ مع عدمها لا نزاع.
و قطع المحقق بعدم بطلان حقه، ان كان قيامه لضرورة كتجديد طهارة او ازالة نجاسة او ضرورة الى التخلى، و ان لم يكن رحله باقيا، و هو قوى.
و يعرض الاشكال فى بعض الصور، كما اذا كان رحله او الموضع الذى عيّنه واقعا فى مكان الجماعة، و لو لم يقف احد مكانه تحصل الفرجة بين الصفوف، و قد نهى عن ذلك، لا سيما اذا علم انه لا يحضر الا بعد انقضاء الصلوة، فلا يبعد حينئذ جواز رفع رحله و الصلوة فى موضعه، ثم يكون حضوره بعد اولى، او كما اذا بسط ثوبا فى مكان من المشهد تحتاج الزوار اليه للدعاء او الزيارة او الصلوة، و غاب زمانا طويلا و عطل المكان و الزوار و اشباه ذلك، و الأحوط عدم فعل ذلك، و لغيره رعاية حقه فى المدة المذكورة فى الخبر مهما امكن، و لو كان رحله فى مكان لا يحتاج اليه المصلون و الزوار، فالأحوط بل الأظهر عدم جواز التعرض له مطلقا الا مع اليأس عن عوده، لعدم جواز التصرف فى ملك الغير الا باذنه من غير ضرورة انتهى كلامه طاب ثراه.
قال بعض الأجلاء، بعد ان نقل الأخبار المتقدمة: و ظاهر الأخبار المتقدمة و ظاهر الأخبار الأول، بقاء حقه فى ذلك المكان مدة يوم و ليلة، و احتمل بعض الأصحاب كون الواو هنا بمعنى او كما هو شايع الاستعمال ايضا، فيصير المعنى انه احق بقية يومه ان كانت المفارقة فى اليوم، و بقية ليله ان كانت المفارقة فى الليل، و يؤيد الخبر الثانى و الثالث.
و كيف كان؟ فظاهر الأخبار الثلاثة بقاء حقه فى المدة المذكورة مطلقا سواء كان له رحل ام لا، نوى المفارقة ام لا، و فيه رد على القول المشهور من حكمهم بزوال حقه بالمفارقة، و ان كان له ناويا للعود الا ان يكون له رحل، و الظاهر
ص: 167
تقييد الأخبار المذكورة بعدم نية المفارقة، و الا فلو نوى المفارقة فلم يضع رحلا يعلم به ارادة الرجوع، ففى منع الغير عنه اشكال، و اللازم تعطيل المكان من المنتفعين بغير امر موجب لذلك بعيد، و يشير الى ذلك السؤال فى الخبر الأول و كون الخروج للوضوء و نحوه.
و قطع المحقق بعدم بطلان حقه لو كان قيامه لضرورة، كتجديد طهارة او ازالة نجاسة او ضرورة الى التخلى، و ان لم يكن رحله باقيا، و هو قوى موافق لظاهر الأخبار المذكورة.
بقى الاشكال فيما هو معمول بين الناس، من وضع ثوب او سجدة و تسبيح فى المسجد او الروضة الشريفة، ثم يمضى الى ان يأتى وقت الحاجة اليه، و الظاهر التفصيل فى ذلك، بانه ان كان قد جلس فى المكان و تصرف فيه بالجلوس و الصلوة و نحوها، فان حقه باق الى المدة المعلومة بالتفصيل المتقدم، و ان كان لم يجلس و انما وضع هذه العلامة لقصد التحجير عن تصرف الغير، فوجهان: احدهما كالأول، و الثانى العدم، و منشأ ذلك من الشك فى لفظ السبق فى الأخبار المتقدمة، و ان الأقرب الأظهر هو السبق بمعنى الجلوس و التصرف على الوجه المتقدم، و انما يقوم و يخرج عنه لأجل الأعذار و الأغراض المتقدمة و ربما احتمل حصول ذلك بمجرد التحجير بوضع ثوب و نحوه، و كيف كان فمع وضع الرحل و ان كان قد جلس و تصرف، لو اتفق ذلك فى المسجد و اقيمت الصلوة و لم يحضر، فالظاهر جواز التصرف فى محله، عملا بالأخبار الدالة على النهى عن الخلل و الفرج فى الصفوف، و استحباب المسارعة الى سدها، فيقيد بها اطلاق هذه الأخبار، لكونها اقوى دلالة و اصرح مقالة فى المذكور، و كذا لو وضع ثوبا و نحوه فى المشاهد المشرفة و غاب، ينبغى التفصيل بما قلناه من التصرف بالجلوس و عدمه، و لزوم تعطيل الزوار و المصلين و عدمه، انتهى.
أقول: تحقيق الكلام فى هذا المقام يقع فى مقامات:
الأول: اذا سبق الى مكان من المسجد فلا ريب فى كونه اولى به مادام
ص: 168
باقيا فيه، و اما اذا فارقه و كان ناويا للعود و وضع رحله فيه فالظاهر انه أحق به من الغير، للأخبار المتقدمة المعتضدة بالشهرة، فان ازعجه مزعج فهو آثم، و حكم صلوته(1) فى ذلك المكان كصلواته فى الدار المغصوبة.
الثانى: اذا فارق المكان لضرورة، كتجديد طهارة او ازالة نجاسة او ضرورة الى التخلى، و كان ناويا للعود، و لم يضع رحله فيه، فهل هو اولى به من غيره؟ كما هو مستقرب التذكرة، و مذهب المحقق، و استقواه البحار و بعض الأجلاء، ام لا؟ كما عن المشهور. ففيه اشكال ينشأ من اطلاق الأخبار المتقدمة و من ان الأصل هو جواز ايقاع الصلوة فى كل ارض، للأخبار المتواترة المتقدمة الى جملة منها الاشارة، خرج منه ما خرج بدليل، و لا دليل على خروج ما نحن فيه عنه، و الأخبار المتقدمة لا جابر لها فى المقام لخلاف المشهور، و لعل المشهور هو الأقوى، و لكن الأحوط هو مراعاة قول الجماعة، و بذلك يظهر حكم ما لو فارقه لا لضرورة، مع عدم وضع رحله.
الثالث: اذا فارق المكان و كان واضعا رحله فيه و لم يكن ناويا للعود، فالأقوى انه يجوز للغير الصلوة فى ذلك المكان، كما هو مذهب الشهيد و غيره، للأصل المتقدم اليه الاشارة، و اطلاق الأخبار ينصرف الى غير ما ذكر بلا شبهة، و كذا اطلاق كلام من اطلق.
قال فى البحار: يظهر من الخبر الأول - اى خبر ابن بزيع - أراد العود من كلام السائل، و الأحقية الواردة فى الجواب ايضا تشعر بنية العود، اذ مع عدمها لا نزاع.
و بالجملة ما ذكرناه هو المتبع، مع انه لو منع ذلك عن صلوة الغير يلزم
ص: 169
تعطيل المكان من المنتفعين، و ذلك مناف لغرض الواقف بلا شبهة، فافهم.
الرابع: اذا فارق المكان و كان واضعا رحله فيه و ناويا للعود، و لم يحضر فيه يومه و ليلته، فالظاهر هو جواز الصلوة فى ذلك المكان، للأصل المتقدم اليه الاشارة مع عدم ما يصلح للمعارضة.
الخامس: اذا جلس فى المسجد او المشهد فى مكان الجماعة، و تصرف فيه ثم فارقه واضعا رحله و ناويا للعود و اقيمت الصلوة و لم يحضر، فلو لم يصل فى مكانه تحصل الفرجة فى الصفوف، فهل يجوز الصلوة فى ذلك تتميما للصف ام لا؟
فيه اشكال، ينشأ من التعارض الواقع بين الأخبار المتقدمة، و بين الأخبار الآمرة بسد الخلل و الفرج الواقعة فى الصفوف. و منها: ما رواه الصدوق فى باب الجماعة فى الصحيح، عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: اتموا صفوفكم اذا رأيتم خللا... الحديث. و روى فى ذلك الباب فى الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، انه قال: ينبغى للصفوف ان تكون تامة متواصلة بعضها الى بعض... الحديث.
و يمكن تقييد كل بالآخر، لكون التعارض بينهما العموم من وجه، و لعل القول بجواز رفع رحله و الصلوة فى محله لا يخلو عن قوة، ترجيحا للأخبار الآمرة بسد الخلل و الفرج الواقعة بين الصفوف، لكونها اقوى دلالة و اصرح مقالة و ارجح سندا، مع كونها موافقة للأصل المتقدم اليه الاشارة، و انسب لغرض الواقف، و الأحوط عدم فعل ذلك فى المكان الذى يقيم فيه الجماعة، او يحتاج اليه الزوار، بحيث يلزم فى ذلك تعطيلهم، و لغيره رعاية حقه فى المدة المذكورة فى الخبر.
السادس: اذا لم يتصرف فى المسجد او المشهد بان يوقع فيه الصلوة او الدعاء و نحوهما، بل انما وضع فيه ثوبا او سبحة او سجدة و نحوها لقصد التحجير عن الغير، فهل يجوز للغير الصلوة فيه اذا غاب الواضع ام لا؟ و الظاهر الثانى، عملا باطلاق السبق الوارد فى الأخبار، و يراعى ما تقدم من الشروط
ص: 170
فى هذا الفرض ايضا. و المحصل انه لا فرق بين السبق بمعنى الجلوس و التصرف بالصلوة و نحوها، و بين السبق الصادق بمجرد وضع الشىء(1) فيه لقصد التحجير، فحكمهما واحد.
روى فى البحار عن العلل، عن جعفر بن على عن أبيه عن جده الحسن بن على الكوفى عن العباس بن عامر عن ابى الضحاك، عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: رجل اشترى دارا فبناها، فبقيت عرصة فبناها بيت غل، ايوقفه على المسجد؟ قال: ان المجوس وقفوا على بيت النار.
قال فى البحار بعد نقله: ظاهره تجويز الوقف كما هو المشهور بين الأصحاب، اى اذا وقف المجوس على بيت النار، فانتم اولى بالوقف على معابدكم و يحتمل ان يكون المراد المنع من ذلك، لأنه من فعلهم، و لعل الصدوق رحمه الله هكذا فهم، فنقل فى الفقيه فى كتاب الصلوة(2) هكذا: و سئل عن الوقوف على المساجد، فقال: لا يجوز، ان المجوس وقفوا على بيوت النار. و هذه احدى مفاسد النقل بالمعنى، و القرينة على ذلك انه نقله فى كتاب الوقف(3) من الفقيه ايضا، مثل تملك المسجد و هو لا يملك، بل لابد من قصد مصالح المسلمين، و لو اطلق ينصرف اليها.
و قال فى الذكرى: يستحب الوقف على المساجد، بل هو من اعظم المثوبات لتوقف بقاء عمارتها غالبا عليه، التى من اعظم مراد الشارع، ثم ذكر رواية الفقيه و قال: و اجاب بعض الأصحاب بان الرواية مرسلة، و بامكان الحمل على ما هو محرم منها كالزخرفة و التصوير، انتهى. و حمله بعضهم على الوقف لتقريب
ص: 171
القربان، او على وقف الأولاد لخدمتها كما فى الشرع السابق، انتهى كلام البحار.
قال بعض الأجلاء: المشهور بين الأصحاب هو جواز الوقف على المساجد لأنه فى الحقيقة وقف على المسلمين، حيث انه يرجع الى مصالحهم، كما لو وقف القناطر و نحوها.
و روى التهذيب و الصدوق فى كتاب العلل و كذا فى كتاب الوقف من الفقيه، عن ابى الصحارى عن ابى عبد الله (ع)، قال قلت: رجل اشترى دارا فبقيت عرصه فبناها... الحديث. و الظاهر ان المعنى ان المجوس وقفوا على بيت النار، فانتم اولى بذلك على مساجدكم، و ربما احتمل على بعد المنع بمعنى ان هذا من فعل المجوس، فليس لكم الاقتداء بهم و المتابعة لهم و لعلّه على هذا الاحتمال بنى الصدوق فى كتاب الصلوة من كتاب الفقيه، فنقل الخبر بهذه الكيفية، و سئل عن الوقوف... الى آخره، و هذا احد المفاسد فى نقل الخبر بالمعنى، و احتمال كون ما نقله خبرا مستقلا بعيد جدا، بقرينة ما ذكرناه من ان الذى رواه فى كتاب الوقف و كتاب العلل و غيره كالشيخ فى التهذيب، انما هو الخبر الذى ذكرناه، الا ان الوسائل ادعى ان بعض نسخ العلل تضمنت لابعد قوله يوقفه على المسجد، قال: لا ان المجوس... الى آخره.
و لعله على ذلك بنى الصدوق فيما نقله من قوله: لا يجوز، كيف كان فيمكن حمل النهى عن الوقف مع ثبوت ما ذكرنا من النهى، على ان يكون الوقف بقصد تملك المسجد و هو ليس اهلا للملك، بل لابد من تقييد ذلك بمصالح المسلمين ليكون الوقف عليهم، بل لو اطلق فانه انما ينصرف اليها.
قال فى الذكرى: يستحب الوقف على المساجد... الى آخره، نعم ذكر المحدث الكاشانى فى الوافى، بعد نقله رواية الفقيه المذكورة، و كذا الرواية الاخرى التى ذكرناها، ما صورته: المستفاد من الخبرين تعليل المنع بالتشبه بالمجوس، و لعل الأصل فيه خفة مؤنة المساجد، و عدم افتقارها الى الوقف اذا بنيت كما ينبغى، و انما افتقرت اليه المتعدى عن حدها، انتهى.
ص: 172
و ظاهره متابعة الصدوق فيما نقله من الرواية، و حمل الرواية الاخرى بتقريب المعنى الثانى الذى اشرنا اليه، و حينئذ فظاهر كلامهما تحريم الوقف على المساجد، فيصير مخالفا لما عليه الأصحاب فى هذه المسئلة.
و كيف كان فالمسئلة عندى لا يخلو من شوب الاشكال، لا جمال الخبر المذكور و قرب قبوله للاحتمال بالتقريب الذى ذكره المحدث المشار اليه، و لما ذكره الأصحاب من الأدلة العامة فى المقام، انتهى.
أقول: و القول بالاستحباب قوى جدا، و لا وجه للقول بالحرمة يعتدبه ظاهرا، لأن ذلك احسان بالنسبة الى المسجد جزما، و ما على المحسنين من سبيل عقلا و نقلا، سيما بعد ملاحظة رواية ابى الصحارى المروية فى الفقيه فى كتاب الوقف، و كونها منجبرة بالشهرة، و كون المانعة ضعيفة غير منجبرة بشىء من الأدلة، و كون الظاهر من الرواية المروية فى العلل و فى كتاب الوقف من الفقيه هو الاستحباب لا ينبغى ان ترسل اليه شبهة. و العجب من بعض الأجلاء، المتقدم نقل كلامه، كيف حكم باجمال الرواية؟ مع انه استظهرناه من المقصد من الرواية.
و بالجملة المسئلة بحمد اللّه واضحة.
قال بعض الأجلاء: قد اشتهر فى هذه الأعصار، جواز حفر بئر فى المسجد لأجل وضوء المصلين، فيه عندى اشكال الا ان تتقدم البئر على المسجدية فلا اشكال، و وجه ما ذكرناه من الاشكال، على قاعدة الاصحاب من اشتراط الوقفية ظاهر، حيث ان ذلك مناف للوقف و الوقوف على ما وقفت عليه، و مع قطع النظر عن ذلك فظواهر الأخبار الدالة على ان المساجد انما بنيت للعبادة و تلاوة القرآن و الدعاء و نحو ذلك. و قولهم: انها لغير هذا بنيت، و توهم تعليل الجواز بانقطاع اكثر المصلين لو لم يجز ذلك كما ذكره بعض عليل، لأن النسبة الماضية فى القرون الخالية انما هو الوضوء فى البيوت و حضور المساجد سيما فى الصدر الأول بمكة و المدينة، لقلة المياه بهما يومئذ، و لا قياس هذا على ما تقدم من فتح باب و روزنة، فان ذلك معلوم المصلحة و خال من المفسدة بخلاف
ص: 173
هذا فان المفسدة فيه ان يتحجر المكان الذى فيه البئر عن الصلوة فيه، و منع الناس عن ذلك الموضع، و لا يبعد بناء على ما قلناه بطلان الصلوة بالوضوء من تلك البئر ايضا، لأنه متى ثبت كون ذلك على خلاف الوجه الشرعى كان من قبيل التصرف فى المغصوب، اذ متى زالت الاباحة بالمعنى الأعم فليس الا الغصب، و الاحتياط ظاهرا، انتهى.
أقول: لا ريب فى كون حفر البئر فى المساجد المحتاجة اليه لأجل وضوء المصلين و غيره من المصالح المتعلقة بها، فيكون فعله احسانا و ما على المحسنين من سبيل، هذا مضافا الى ان ذلك فى معنى التعمير للمساجد، فيدخل فاعله تحت قوله سبحانه: «إِنَّمٰا يَعْمُرُ مَسٰاجِدَ اَللّٰهِ» الى آخر الآية، و المسئلة بحمد الله واضحة السبيل و مكشوفة الدليل، فلا معنى للتعرض فيها بالقال و القيل.
كما ذكره غير واحد منهم و يدل على ذلك ما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد فى الزيادات، عن السكونى عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام، قال: نهى رسول الله (ص) عن رطانة الأعاجم فى المساجد.
و روى الكافى فى باب بناء المساجد عن مسمع عن ابى عبد الله (ع) مثله.
قال بعض الأجلاء: قال فى الوافى: الرطانة بفتح الراء و كسرها و المراطن، كلام لا يفهمه الجمهور، و انما هو مواضعة بين اثنين او جماعة، و العرب تخص بها غالبا كالعجم.
أقول: لا يخفى ما ذكره من المعنى للرطانة غريب لم يذكره احد فيما اعلم، و كأنه انما تكلفه فرارا عما نقله اخيرا عن العرب، و المنقول فى كلام اهل اللغة انما هو ما نقله عن العرب، قال فى القاموس: الرطانة - بكسر - الكلام بالأعجمية، و رطن له و راطنه كلّمه بها، و تراطنوا تكلّموا بها، انتهى. و حينئذ ففى الخبر المذكور ما يشير الى كراهة الدعاء بالاعجمية، لأن المساجد مواضع الدعوات و طلب الحاجات، فاذا كان الكلام فيها بالأعجمية مكروها، تعين الكلام فيما يأتى
ص: 174
به من الدعوات بالعربية. و قال فى البحار: و ذكر الأصحاب استحباب ترك التكلم فيه بالعجمية، لرواية السكونى.
بل فى المدارك ان هذا الحكم مقطوع به فى كلام الأصحاب، قال: و استدل عليه فى التحرير بما رواه الشيخ(1) عن ابى اسامة زيد الشحام قال: قلت لأبى عبد الله (ع): قول اللّه عز و جل: «لاٰ تَقْرَبُوا اَلصَّلاٰةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ» قال: سكر النوم، و هى ضعيفة السند، قاصرة الدلالة، و الأجود قصر الكراهة على النوم فى المسجد الحرام و مسجد النبى، للأصل.
و ما رواه الشيخ(2) فى الحسن، عن زرارة قال قلت لأبى جعفر عليه السلام:
ما تقول فى النوم فى المساجد؟ فقال: لا بأس، الا فى المسجدين مسجد النبى (ص) و مسجد الحرام. قال: مكان يأخذ بيدى فى بعض الليل فيتنحّى ناحية ثم يجلس، فيتحدث فى المسجد الحرام، فربما نام، فقلت له فى ذلك، فقال:
انما يكره ان ينام فى المسجد الذى كان على عهد رسول الله (ص)، فاما الذى فى هذا الموضع فليس به بأس، انتهى.
أقول: و من الأخبار المتعلقة بالمقام، ما رواه فى الكافى فى باب المساجد فى الصحيح، عن محمد بن عيسى عن يونس عن معوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن النوم فى المسجد الحرام و مسجد النبى (ص)، قال: نعم، فاين ينام الناس.
و منها ما رواه فى البحار عن كتاب محمد بن المثنى عن جعفر بن محمد بن شريح عن ذريح المحاربى قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن النوم فى المسجد الحرام و مسجد رسول الله (ص)، فقال: نعم.
و منها ما رواه ايضا عن قرب الأسناد، عن السندى بن محمد عن أبى البخترى
ص: 175
عن الصادق عن أبيه عليهما السلام قال: قال: ان المساكين يبيتون فى المسجد على عهد رسول الله (ص).
و منها: ما رواه ايضا عن الكتاب المتقدم، عن عبد اللّه بن الحسن، عن جده على بن جعفر (ع)، عن أخيه موسى (ع)، قال: سألته عن النوم فى المسجد الحرام، قال: لا بأس. و سألته عن النوم فى مسجد الرسول (ص)، قال: لا يصلح.
و منها: ما رواه ايضا عن الكتاب المذكور، عن محمد بن خالد الطيالسى، عن اسمعيل بن عبد الخالق قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن النوم فى المسجد الحرام، فقال: هل بد للناس من ان ينام فى المسجد الحرام، لا بأس به. قلت:
الريح تخرج من الانسان، قال: لا بأس به.
قال بعض الأجلاء: و من المكروهات النوم، على المشهور فى كلام المتقدمين و استدل عليه الوافى بما رواه الشيخ، عن ابى اسامة زيد الشحام... الى آخره، و اعترضها جملة من المتأخرين، منهم السيد السند فى المدارك، بانها ضعيفة السند. ثم نقل كلام المدارك المتقدم، و قال: و ظاهره كما ترى، عدم وجود دليل للقول المشهور، بل الدليل على خلافه واضح الظهور، لقوله (ع) فى هذا الخبر، لما سأله عن النوم فى المساجد: لا بأس. و من ثم قال فى الذكرى بعد ذكر الحكم المذكور: قاله الجماعة، ثم ذكر حسنة زرارة المذكورة، ايذانا بالطعن فى القول المذكور.
أقول: لا يخفى على من راجع الأخبار الواردة فى هذا المقام، انها لا تخلو عن الاشكال الظاهر لذوى الافهام، لا بالنسبة الى اصل الحكم المذكور، فانا لم نقف فيه على دليل حسب ما ذكره المتأخرون، بل فى موضعين مما تضمنته الحسنة المذكورة:
احدهما ما تضمنه من كراهية النوم فى المسجدين، فان فيه انه قد روى ثقة الاسلام فى الكافى، عن معوية بن وهب، ثم نقل رواية معوية، و رواية عبد الخالق، و رواية ابى البخترى، و رواية على بن جعفر المتقدمة كل منها.
ص: 176
و قال: و هذه الأخبار كلها كما ترى دالة على الجواز، و ظاهرها عدم الكراهة، الا انها ربما اشعرت بكون ذلك ضرورة، و لا سيما حديث المساكين فى مسجد الرسول، و لعل ذلك قبل بناء الصفة لهم.
و ثانيهما ما تضمنته من قوله (ع): انما يكره ان ينام فى المسجد الذى كان على عهد رسول الله (ص)، و اما هذا الموضع فليس به بأس. فانه يؤذن بجواز النوم فى هذه الزوايد التى زادته الاموية فى المسجد الحرام، على ما كان فى زمن النبى (ص)، مع ان جملة من الأخبار قد دلت على ان هذه الزيادة لم تبلغ بعد مسجد ابراهيم و اسمعيل.
و منها: رواية جميل(1) بن دراج قال: قال له الطيار و انا حاضر: هذا الذى زيد هو من المسجد، قال: نعم، انهم لم يبلغوا بعد مسجد ابراهيم و اسمعيل (ع). و روى فى الكافى عن الحسين بن النعمان قال: سألت أبا عبد الله (ع) عما زادوا فى المسجد الحرام، فقال: ان ابراهيم و اسمعيل حد المسجد الحرام ما بين الصفا و المروة. قال فى(2) اخرى عن ابى عبد الله (ع) قال: خط ابراهيم (ع) بمكة ما بين الحزورة و المسعى، فذلك الذى خط ابراهيم، يعنى المسجد.
و روى فى التهذيب عن الحسين بن نعيم قال سألت ابا عبد الله (ع) عما زاد فى المسجد، عن الصلوة فيه، فقال: ان ابراهيم و اسمعيل حد المسجد الحرام ما بين الصفا و المروة، فكان الناس يحجون من المسجد الى الصفا.
و هذه الأخبار كما ترى ظاهرة فى كون الزيادة التى وقع النوم فيها من المسجد القديم، فتخصيصه حكم المسجدية بما كان على عهد رسول الله (ص) دون المسجد القديم مشكل، الا ان يقال بزوال حكم المسجدية عن ذلك المسجد
ص: 177
القديم، و تخصيص ذلك بما كان فى زمانه (ص)، و هو اشكل لدلالة الأخبار المذكورة، و لا سيما رواية جميل، على بقاء المسجدية فى الموضع الذى خطه ابراهيم و اسمعيل (ع).
و بالجملة فانى لا يحضرنى الان الجواب عن هذه الاشكال، و لم اعثر على من تعرض اليه من اصحابنا فى هذا المجال.
و قال فى البحار: بعد ان نقل رواية ابى البخترى اولا، و رواية على بن جعفر ثانيا، و رواية عبد الخالق ثالثا، ما صورته: اعلم ان اكثر الأصحاب قطعوا بكراهة النوم فى المسجد مطلقا، و استدلوا بما رواه الشيخ عن ابى اسامة...
الى آخره، بناء على ان المراد بالصلوة مواضعها، و قد مر بعض القول فيه. و ذهب المحققون من المتأخرين الى قصر الكراهة على النوم فى المسجد الحرام و مسجد النبى (ص)، لما رواه الشيخ فى الحسن عن زرارة... الى آخره فالخبر الأول يمكن حمله على الضرورة، لأن المساكين مضطرون الى ذلك، او كان ذلك قبل بناء الصفة، و حمله على مسجده (ص) بعيد. و الثانى يمكن حمله على زوايد المسجد الحرام، او يقال: النوم فى مسجد الرسول (ص) اشد كراهة منه لأن فيه سوء ادب بالنسبة الى ضريحه المقدس ايضا، و الخبر الأخير حمله على الزوايد اظهر، و يمكن على الضرورة ايضا.
و اما خروج الريح، فالعامة يكرهون ذلك، لما رووا انه تتأذى به الملائكة و الخبر يدل على عدم الكراهة، انتهى.
أقول: القول بالكراهة مطلقا لا يخلو عن قوة، اما فى المسجدين فلحسنة زرارة المتقدمة، و يدل على خصوص مسجد الرسول رواية على بن جعفر المتقدمة و الأخبار المجوزة النافية للبأس عن النوم فيهما، غير منافية للكراهة، مع ان رواية معوية بن وهب، و رواية عبد الخالق، و رواية ابى البخترى، مشعرة بكون ذلك ضرورة، و عليه فلا كراهة للغرباء و غيرهم من المضطرين من ان يناموا فيها.
بقى الكلام فى الاشكال الذى اورده بعض الأجلاء المتقدم نقل كلامه، على
ص: 178
قوله فى حسنة زرارة: انما يكره ان ينام فى المسجد الذى كان على عهد الرسول (ص) و اما هذا الموضع فليس به بأس.
فنقول: الاشكال الذى اورده غير وارد، لان المراد من المسجد الحرام الواقع فى قوله (ع) فى حسنة زرارة: الا فى المسجدين مسجد النبى (ص) و مسجد الحرام، ليس هو المسجد الذى خطه ابراهيم و اسمعيل (ع) حتى يرد على الحسنة ما اورده، بل الظاهر من اللفظ ان المراد منه هو المسجد الحرام المشهور بين عامة الناس، المحدود بحدوده الظاهرة عند الناس، فكلامه (ع) هذا ظاهر فى ثبوت الكراهة للنوم فيه مطلقا، و لو وقع فى الزوايد التى زودت.
و لما قال (ع): انما يكره ان ينام فى المسجد الذى... الى آخره، اعلم ان المراد من لفظ «مسجد الحرام» الواقع فى قوله: الا المسجدين مسجد النبى و مسجد الحرام، الشامل بحسب ظاهر اللفظ على الزوايد التى زيدت على ما كان فى عهد النبى (ص)، هو معناه المتداول فى زمن النبى (ص) على ان الباقر (ع) مبيّن لشرع جدهم صلى الله عليه و آله، و الظاهر حكمه فى ذلك انما تعلق بالمسجد الحرام المتداول فى عصره، فافهم.
قال فى البحار: الظاهر ان الفضيلة فى المسجدين مختصة بما كان فى عهد الرسول (ص)، و اما ما زيد فيهما فى زمن خلفاء الجور فكساير المساجد، بل يمكن المناقشة فى كونها مسجدا ايضا، لما ورد فى كثير من الأخبار ان القائم (ع) يردها الى اربابها، و ذهب بعض الأصحاب الى التعميم و هو بعيد، انتهى.
و المحصل ان احكام الشرع من الأحكام التعبدية، فلم لا يجوز ان يكون ذلك الحكم مختصا بالمواضع التى كانت مسماة فى عهد النبى (ص) عند الناس بمسجد الحرام، ا لا تنظر الى كون مواضعه مختلفة فى الفضل، مع ان الكل مسمى بمسجد الحرام، فلم لا يجوز ان يكون ذلك الحكم ايضا من الفضايل المختصة المواضع التى كانت فى زمن النبى (ص) مسماة به.
روى الكافى فى باب فضل الصلوة فى مسجد الحرام و افضل بقعة فيه، عن
ص: 179
الحسن بن الجهم قال: سألت ابا الحسن الرضا (ع)، عن افضل موضع فى المسجد يصلى فيه، قال: الحطيم ما بين الحجر و باب البيت، قلت: و الذى يلى ذلك فى الفضل، فذكر انه عند مقام ابراهيم (ع)، قلت: ثم الذى يليه فى الفضل، قال: فى الحجر، قلت: ثم الذى يلى ذلك، قال: كلما دنى من البيت.
انظر الى قوله (ع): كلما دنى من البيت، فان ذلك يذهب النقاب عما ذكرناه، و كذا أقواله الأخر.
و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن ابى عبيدة قال: قلت لأبى عبد الله (ع) الصلوة فى الحرم كله، قلت: فاى بقاعة افضل؟ قال: ما بين الباب الى الحجر الأسود.
و بالجملة لا سترة فيما ذكرناه بعون الله، فلا معنى للاشكال المتقدم، نعم الاولى هو الاجتناب عن الزوايد ايضا، لاطلاق الفتوى المعتضدة باحتمال أن يكون قوله (ع) انما يكره أن ينام، الى آخره، جاريا فى الضرورة، لمورد الحسنة، و عليه فالاولى للغرباء و المضطرين ان يناموا فى الزوايد التى زيدت، فافهم ذلك
و الحاصل ان النوم مكروه فى مسجد النبى (ص) و فى مسجد الحرام الذى كان على عهد رسول الله (ص)، بل مطلقا، لاطلاق الفتوى، المعتضد بأن النوم ينافى التعظيم المأمور به، و ان كان النوم فى المسجد الذى كان على عهده (ص) أشد كراهية كمسجد النبى (ص)، لمكان رواية على بن جعفر المتقدمة. و اما كراهة النوم فى مطلق المساجد، فلاطلاق الفتوى المعتضد بما مرّ، و كلام المدارك مؤذن بوقوع الاجماع على ذلك، و يؤيد الكراهة الأخبار المتضمنة لقوله: انها لغير هذا بنيت.
و بالجملة النوم مكروه فى المساجد مطلقا لغير المضطرين من الغرباء و غيرهم، و الكراهة فى المسجدين أشد، قال فى الدروس: و يكره النوم فيها و خصوصا المسجدين الا لضرورة، انتهى.
روى فى البحار عن نوادر الراوندى، باسناده عن موسى
ص: 180
بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (ص): ليمنعن أحدكم مساجدكم يهودكم و نصاراكم و صبيانكم، او ليمسخن اللّه قردة و خنازير ركعا سجدا.
و روى ايضا عن دعائم الاسلام، عن على (ع) انه قال: لتمنعن مساجدكم يهودكم و نصاراكم و صبيانكم و مجانينكم، او ليمسخنكم اللّه قردة و خنازير ركعا سجدا.
قال فى البحار، بعد نقل رواية النوادر المتقدمة: و اما منع اليهود و النصارى فهو على الوجوب على المشهور، قال فى الذكرى: لا يجوز لأحد من المشركين الدخول فى المساجد على الاطلاق، و لا عبرة باذن المسلم له، لأن المانع نجاسته، للآية. فان قلت: لا تلويث هنا. قلت: معروض له غالبا، و جاز اختصاص هذا التغليظ بالكافر، و قول النبى (ص): من دخل المسجد فهو آمن، منسوخ بالآية، و كذا ربط ثمامه فى المسجد ان صح، انتهى. و يحتمل أن تكون القوم الممسوخة من النصاب و المخالفين و قد مسخوا الآن(1) معنى بتركهم الولاية، فلم يبق فيهم شىء من الانسانية. و قد مسح الصادق (ع) يده على عين بعض شيعته، فرآهم فى الطواف بصورة القردة و الخنازير، انتهى كلام البحار.
قال بعض الأجلاء: و من المحرمات تمكين اليهود و النصارى، ثم نقل روايتى النوادر و الدعائم و قال: و ظاهر الأصحاب ان منعهم على جهة الوجوب.
ثم نقل كلام الذكرى، و ما احتمله فى البحار، و قال: و حينئذ فما ورد فى هذين الخبرين، من اضافة المجانين و الصبيان، محمولة على الكراهة، انتهى.
أقول: القول بالحرمة قوى.
قال فى البحار، بعد ان نقل عن قرب الأسناد، عن على
ص: 181
بن جعفر عن أخيه (ع)، انه سأله عن السيف، هل يصلح ان يعلق فى المسجد قال: اما فى القبلة فلا، و اما فى جانب(1) فلا بأس. ما صورته: و اما تعليق السلاح فى المسجد، فقد حكم الشهيد بكراهته، حيث قال فى البيان: و يكره تعليق السلاح فى المسجد الا لسبب، و روى فى التهذيب بسند صحيح عن الحلبى قال: سألته (ع) ايعلق الرجل السلاح فى المسجد؟ فقال: نعم، و اما المسجد الاكبر فلا، فان جدى نهى رجلا يبرى مشقصا فى المسجد.
و لعل التعليل مبنى على ان النهى عن برى المشقص انما كان لكونه سلاحا، لا لكونه صنعة، و يحتمل ان يكون من اعلق القوس اذا جعل لها علاقة، و حمل خبر على بن جعفر على هذا بعيد، و المسجد الأعظم المراد به المسجد الحرام، او كل جامع البلد، و لعل فيه اشد كراهة، لا سيما اذا كان فى القبلة.
لما روى عن امير المؤمنين (ع): لا يصلين احدكم و بين يديه سيف، فان القبلة امن.
لمنافاته لوضعها فانها وضعت للعبادة. و لما رواه فى البحار عن تنبيه الخاطر لورام، و جامع الأخبار عن النبى (ص) قال: يأتى فى آخر الزمان قوم، يأتون المساجد فيقعدون حلقا ذكرهم الدنيا و حسب الدنيا، لا تجالسوهم، فليس لله فيهم حاجة. قال فى البحار: ذكر الأصحاب استحباب ترك احاديث الدنيا و القصص الباطلة فيه، فقد روى فى الحسن: ان امير المؤمنين رأى قاصّا و ضربه بالدرة و طرده.
روى فى البحار عن الخصال، عن محمد بن عمر الجعابى، عن عبد اللّه بن بشر، عن الحسن بن الزبرقان، عن ابى بكر بن عياش، عن الأجلح عن ابى الزبير، عن جابر، عن النبى (ص) قال: يجئ يوم القيمة ثلاث يشكون:
المصحف، و المسجد، و العترة، يقول المصحف: يا رب حرفونى و مزّقونى، و يقول
ص: 182
المسجد: يا ربّ عطّلونى و ضيّعونى، و تقول العترة: يا ربّ قتلونا و طردونا و شردونا، فاجثوا للركبتين للخصومة، فيقول اللّه جل جلاله لى: انا اولى بذلك.
و روى ايضا عن الدعائم، عن على (ع) انه قال: ان المسجد ليشكو الخراب الى ربه، انه ليتبشبش من عماره اذا غاب عنه ثم قدم، كما يتبشبش أحدكم بغايبه اذا قدم عليه. قال فى البحار: قال فى النهاية: فيه لا يوطن الرجل المسجد للصلوة الا يتبشبش اللّه به كما يتبشبش اهل البيت بغايبهم، البش: فرح الصديق بالصديق، و اللطف فى المسئلة، و الاقبال عليه، و قد بششت به ابش، و هذا مثل ضربه لتلقيه اياه ببرّه و اكرامه، انتهى، و الظاهر هنا رجوع الضمير الى المسجد.
و روى ايضا عن الخصال، عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن يحى العطار، عن احمد بن موسى، عن ابن فضال، عمن ذكره، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة يشكون الى اللّه عز و جل: مسجد خراب لا يصلى فيه أهله، و عالم بين جهال، و مصحف معلق قد وقع عليه غبار لا يقرأ فيه.
روى فى البحار عن مجالس الصدوق، عن جعفر بن على، عن جده الحسن بن على، عن جده عبد اللّه بن المغيرة، عن السكونى، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبى (ص): من سمع النداء فى المسجد فخرج عن غير علة فهو منافق، الاّ ان يريد الرجوع اليه.
و روى ايضا عن اختيار الرجال للكشى، عن حمدويه بن نصير، عن أيوب بن نوح، عن محمد بن سنان، عن يونس بن يعقوب قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: قل لهم: يا مؤلفة قد رأيت ما تصنعون، اذا سمعتم الاذان أخذتم نعالكم و خرجتم من المسجد. قال فى البحار بعد نقل هذين: اى انتم من المؤلفة قلوبهم و لستم من المؤمنين حقيقة، و الخبران يدلان على منع شديد للخروج من المسجد بعد الأذان قبل الصلوة. و لا ينافيه ما رواه الشيخ فى الصحيح عن الحلبى قال: اذا صليت صلوة و انت فى المسجد و اقيمت الصلوة، فان شئت
ص: 183
فاخرج و ان شئت فصل معهم و اجعلها تسبيحا، اذ الظاهر من الخبرين سماع الأذان قبل صلوته، و من هذا الخبر سماع الاقامة بعد صلوته فى المسجد، مع ان الجواز لا ينافى الكراهة، اذ هما على المشهور محمولان على الكراهة.
روى فى البحار عن قرب الأسناد، عن هرون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، انه قال: سمعت جعفر بن محمد (ع) يقول، و سئل أيصلح المكان حش ان يتخذ مسجدا؟ فقال: اذا القى عليه من التراب ما يوارى ذلك و يقطع ريحه، فلا بأس بذلك، لأن التراب يطهره، و بذلك مضت السنة.
قال فى البحار بعد نقله: قال الوالد قدس اللّه روحه: يدل على ان القاء التراب مطهر، كما دلت الأخبار الصحيحة على ان الأرض يطهر بعضها بعضا، و لا استبعاد فيه، و يمكن حمل الأخبار على ما اذا ازيلت النجاسة اولا، و يكون القاء التراب لزيادة التنظيف، او يكون تحته نجسا و بعد القاء التراب يجعل فوقه مسجدا، و لا تجب حينئذ ازالة النجاسة عنه، او يكون هذا الحكم مختصا بمساجد البيوت كالتحويل و التغيير، او يحمل على ما اذا لم يوقف، و يكون اطلاق المسجد عليه لغويا، انتهى.
قال فى الذكرى: يجوز اتخاذ المساجد على الحش، ثم ذكر هذه الرواية و غيرها. و فى القاموس: الحش مثلثة: المخرج، لأنهم كانوا يقضون حوائجهم فى البساتين، انتهى. أقول: روى التهذيب فى باب فضل المساجد، اخبار اخرى تدل على الجواز فراجع.
روى فى البحار عن الخصال، عن الحسين بن احمد بن ادريس، عن أبيه، عن محمد بن على بن محبوب، عن محمد بن الحسين، عن ابن فضال، عن على بن عقبة بن خالد عن أبيه، عن الصادق، عن آبائه (ع) قال: قال أمير المؤمنين: حريم المسجد اربعون ذراعا، و الجوار اربعون جارا، من أربعة جوانبها.
قال فى البحار بعد نقله: حريم المسجد لم يذكره الاكثر، و قال فى الدروس
ص: 184
روى الصدوق ان حريم المسجد اربعون ذراعا من كل ناحية، و الأحوط رعاية ذلك فى الموات اذا سبق بناء المسجد، و يدل على انه يتأكد استحباب حضور المسجد الى الاربعين دارا من جوانبه الأربعة، الا ان يكون مسجد أقرب اليه منه.
لما رواه فى البحار عن مجالس ابن الشيخ، عن أبيه، عن المفيد، عن جعفر بن محمد بن قولوية، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن ابن عميرة، عن جابر الجعفى، عن ابى جعفر، عن آبائه (ع) قال:
قال رسول الله (ص) لجبرئيل: اى البقاع احب الى اللّه تبارك و تعالى؟ قال: المساجد، و احب اهلها الى اللّه اولهم دخولا اليها و آخرهم خروجا منها، قال: فايّ البقاع ابغض الى اللّه تعالى؟ قال: الأسواق، و ابغض أهلها اليه اولهم دخولا اليها و آخرهم خروجا عنها.
و روى ايضا عن معانى الأخبار عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن احمد بن محمد بن البزنطى، عن مفضل بن(1) السعيد عن ابى جعفر (ع) قال: جاء اعرابى احد بنى عامر الى النبى (ص) فسأله، و ذكر حديثا طويلا يذكر فى آخره، انه سأله الأعرابى عن الصليعاء و القريعاء و خير بقاع الأرض و شر بقاع الأرض؟ فقال: بعد ان اتاه جبرئيل فأخبره، ان الصليعاء: الأرض السبخة التى لا تروى و لا تشبع مرعاها، و القريعاء: الارض التى لا تعطى بركتها و لا يخرج نبعها(2) و لا يدرك ما انفق فيها، و شر بقاع الأرض الأسواق، و هو(3) ميدان ابليس، يغد و برايته و يضع كرسيه و يبثّ ذريّته، فبين مطفف فى قفيز او طايش فى ميزان، او سارق فى ذراع، او كاذب فى سلعته، فيقول:
ص: 185
عليكم برجل مات أبوه و ابوكم حى، فلا يزال مع اول من يدخل و آخر من يرجع، و خير البقاع المساجد، و احبهم اليه اولهم دخولا و آخرهم خروجا.
قال فى البحار: و كان الحديث طويلا اختصرنا منه موضع الحاجة. قال فى النهاية: ان اعرابيا سأل النبى (ص) عن الصليعاء و القريعاء، الصليعاء تصغير الصلعاء للأرض التى لا تنبت، و اصله من صلع الرأس و هو انحسار الشعر عنه، و القريعاء ارض لعنها الله اذا انبتت او زرع فيها نبت فى حافتيها، و لم ينبت فى مثلها شىء، و قال: القرع بالتحريك هو ان يكون فى الأرض ذات الكلاء، موضع لا نبات فيها كالقرع فى الرأس، انتهى.
قوله: «و لا يخرج نبعها» النبع: خروج الماء من الينبوع، و فى بعض النسخ بالياء ثم النون، و ينع الثمرة: نضجها و ادراكها، و التطفيف: نقص المكيال، و الطيش: الخفة، و السلعة بالكسر: المتاع، مات ابوه اى آدم (ع) و ابوكم حى يعنى نفسه لعنه الله.
قال فى البحار: قال فى الذكرى: قال ابن الجنيد: روى عن الصادق عليه السلام، ان رسول الله (ص) قال: لا صلوة لمن لم يصل فى المسجد مع المسلمين الا من علة، و لا غيبة لمن صلى فى بيته و رغب عن جماعتنا، و من رغب عن جماعة المسلمين سقطت عدالته و وجب هجرانه، و ان رفع الى امام المسلمين اتذروه، و من لزم جماعة المسلمين حرمت عليهم غيبته و ثبتت عدالته، و من قربت داره من المسجد لزمه من حضور الجماعة ما لا يلزم من بعد منه.
قال: و يستحب ان يقرأ فى دخوله المسجد: «ان فى خلق السموات و الأرض - الى قوله - لا تخلف الميعاد» تمام خمس آيات، و آية الكرسى، و المعوذتين، و آية السخرة، و يحمد الله، و يصلى على محمد و انبياء اللّه و ملائكته و رسله، و يسئل اللّه الدخول فى رحمته، و يصلى و يسلم على الحاضرين فيه، و ان كانوا فى صلوة فان كانوا ممن ينكر ذلك خفيا على الملائكة، و يصلى ركعتين قبل جلوسه
ص: 186
و لا بأس بقتل الحية و العقرب فيه، و لا يتخذه متجر اولا مجلس حديث، و لا يتحدث فيه بالهزل و لا بمآثر الجاهلية، و لا يرفع فيه الصوت الا بذكر الله، و لا يشهر فيه السلاح.
قال: و يستحب ان يجعل الانسان لنفسه حظا من صلوته النوافلة فى منزله، و لا يجعله كالقبر له، انتهى كلام ابن الجنيد رحمه الله.
و انما ذكرناه بطوله، لكثرة فوايده، و لأنه من القدماء، و اكثر كلامه على ما ظهر لنا من التتبع مأخوذ من النصوص المعتبرة، من ان كثيرا مما ذكره هنا مما لا مدخل للآراء فيها و بعضه اورده رواية.
و من الأخبار المتعلقة بالمقام، ما رواه التهذيب فى باب تحريم المدينة و فضلها، فى الصحيح عن معوية بن عمار عن ابى عبد الله (ع)، فى حديث، ان رسول الله (ص) قال:
الصلوة فى مسجدى كألف فى غيره الا المسجد الحرام، فان صلوة فى المسجد الحرام تعدل الف صلوة فى مسجدى.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن معوية بن وهب، عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): الصلوة فى مسجدى تعدل ألف صلوة فى غيره الا المسجد الحرام، فانه افضل منه.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن صفوان، عن اسحق بن عمار، عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): صلوة فى مسجدى مثل ألف صلوة فى غيره الا المسجد الحرام، فانها خير من الف صلوة.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن صفوان و فضالة و ابن أبى عمير، عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن مسجد رسول الله (ص)، كم تعدل الصلوة فيه؟ فقال: قال رسول الله (ص): صلوة فى
ص: 187
مسجدى هذا افضل من الف صلوة فى غيره الا المسجد الحرام.
و منها: ما رواه الكافى فى باب المنبر و الروضة و مقام النبى (ص) فى الصحيح عن ابن مسكان، عن ابى الصامت قال: قال ابو عبد الله (ع): صلوة فى مسجد النبى (ص) تعدل بعشرة آلاف صلوة.
و منها: ما رواه الكافى فى الباب المتقدم، عن هرون بن خارجة قال: الصلوة فى مسجد الرسول (ص) تعدل عشرة آلاف صلوة.
و منها: ما رواه فى الفقيه فى باب فضل المساجد، عن خالد بن ماد القلانسى عن الصادق (ع) انه قال: مكة حرم اللّه و حرم رسوله و حرم على بن ابى طالب عليه السلام، الصلوة فيها بمائة الف صلوة، و الدرهم فيها بمائة الف درهم، و المدينة حرم اللّه و حرم رسوله و حرم على بن ابى طالب (ع)، الصلوة فيها بعشرة آلاف صلوة، و الدرهم فيها بعشرة آلاف درهم، و الكوفة حرم اللّه و حرم رسوله و حرم على بن ابى طالب (ع)، و الصلوة فيها بالف صلوة. و سكت عن الدرهم.
و منها: ما رواه الصدوق فى الباب المتقدم، عن ابى حمزة الثمالى، عن أبى جعفر (ع) انه قال: من صلى فى المسجد الحرام مكتوبة، قبل اللّه تعالى منه كل صلوة صلاها منذ يوم وجبت عليه الصلوة، و كل صلوة يصليها الى أن يموت.
و منها: ما رواه فى الكافى فى باب فضل الصلوة فى المسجد الحرام، عن صامت عن أبى عبد اللّه عن آبائه عليهم السلام قال: الصلوة فى المسجد الحرام تعدل مائة صلوة.
و منها: ما رواه الكافى ايضا فى الباب المتقدم، عن السكونى، عن أبى عبد الله (ع)، عن آبائه (ع) قال: الصلوة فى المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلوة.
و منها: ما رواه الكافى فى باب فضل المسجد الأعظم بالكوفة، عن هارون بن خارجه، عن أبى عبد الله (ع)، قال: قال لى: يا هرون بن خارجه، كم بينك و بين مسجد الكوفة يكون ميلا؟ قلت: لا، قال: فتصلى فيه الصلوات كلها، قلت:
ص: 188
لا، فقال: اما لو كنت بحضرته لرجوت ان لا يفوتنى فيه صلوة، و تدرى ما فضل ذلك الموضع؟ ما من عبد صالح و لا نبىّ الا و قد صلّى فى مسجد كوفان، حتى ان رسول الله (ص) لما اسرى به قال له جبرئيل (ع): تدرى اين انت يا رسول الله الساعة؟ انت مقابل مسجد كوفان، قال: فاستأذن لى ربى حتى آتيه فاصلى فيه ركعتين، فاستأذن اللّه عز و جل فاذن له، و ان ميمنته لروضة من رياض الجنة، و ان وسطه لروضة من رياض الجنة، و ان مؤخره لروضة من رياض الجنة، و ان الصلوة المكتوبة فيه لتعدل ألف صلوة، و ان النافلة فيه لتعدل خمسمائة صلوة، و ان الجلوس فيه بغير تلاوة و لا ذكر لعبادة، و لو علم الناس ما فيه لاتوه و لو حبوا.
و منها: ما رواه فى الكافى فى باب فضل المسجد الأعظم بالكوفة، عن على بن ابى حمزة، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سمعته: نعم المسجد الكوفة، صلى فيه الف نبى و ألف وصى، و منه فار التنور، و فيه نجرت(1) السفينة ميمنته رضوان الله، و وسطه روضة من رياض الجنة، و ميسرته مكر، فقلت لأبى بصير:
ما يعنى بقوله مكر؟ قال: يعنى منازل السلطان، و كان أمير المؤمنين (ع) يقوم على باب المسجد، ثم يرمى بسهمه فيقع فى موضع التمارين، فيقول: ذلك من المسجد، و كان يقول قد نقص من اساس المسجد مثل ما نقص فى تربيعه.
و رواه الصدوق ايضا فى الفقيه فى باب فضل المساجد، الى قوله: و ميسرته مكر، ثم زاد: يعنى منازل الشيطان(2).
و روى فى الفقيه فى باب فضل المساجد، مرسلا عن الصادق (ع) انه قال: حد مسجد الكوفة اخر السراجين خطة آدم (ع)، و انا(3) اكره ان ادخله راكبا، قيل له: فمن غيره عن خطته؟ قال: اما اول ذلك فالطوفان فى زمن نوح، ثم اصحاب كسرى و النعمان،(4) ثم غيّره زياد بن ابى سفيان.
ص: 189
و روى ايضا فى الباب المتقدم مرسلا عن على (ع)، انه قال: صلوة فى بيت المقدس تعدل ألف صلوة، و صلوة فى المسجد الأعظم تعدل مائة ألف صلوة، و صلوة فى مسجد القبيلة تعدل خمسا و عشرين صلوة، و صلوة فى مسجد السوق تعدل اثنى عشر صلوة، و صلوة الرجل فى بيته تعدل صلوة واحدة.
اعلم ان هنا مساجد اخرى يظهر فضلها من الأخبار، و لكن لو تعرضنا لنقلها ليطول المقام. قال الشارح المحقق: و تختص بالفضيلة مساجد، اى كمسجد السهلة، و مسجد الخيف، و مسجد الغدير، و مسجد قبا، و مسجد الفضيخ و مسجد براثا فى غربى بغداد. قال الشهيد: و هو اليوم معلوم، و قد صليت فيه، الى غير ذلك من المساجد، و قد ورد بفضلها اخبار مذكورة فى كتب الاصحاب انتهى.
ما تضمنه خبر القلانسى، من كون الصلوة فى البلدان الثلاث بما ذكر فى الخبر، فالظاهر ان اطلاق البلد فى المواضع الثلاثة مجاز عن المساجد الثلاثة لتوافق جملة من الأخبار الواردة فى الباب، و ان اختلفت زيادة و نقصانا، اذ موردها انما هو المساجد. و يعضد ذلك ما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد فى الموثق عن عمار بن موسى عن أبى عبد الله (ع)، قال: سألته عن الصلوة فى المدينة، هل هى مثل الصلوة فى مسجد رسول الله (ص)؟ قال: لا، ان الصلوة فى مسجد رسول الله (ص) ألف صلوة، و الصلوة فى المدينة مثل الصلوة فى ساير البلدان، و اما السكوت عن الدرهم فى الكوفة، فهو مشعر بأنها كغيرها من البلدان، الا انه عن ابن قولوية، انه روى فى كتاب كامل الزيارات، بسنده عن الصادق (ع) قال: نفقة درهم بالكوفة تحسب بمائة درهم فيما سواه، و ركعتان فيها تحسب بمائة ركعة.
قال بعض الأجلاء: و الظاهر عندى فى
ص: 190
الجمع بينها، هو ان ذلك باعتبار اختلاف احوال المصلين فى صلواتهم، و اقبالهم على الصلوة، و قربهم منه تعالى، و عدم ذلك بمعنى ان جميع الصلوات مشتركة من حيث هذا المكان فى فضله فى الطرف الأقل، من الثواب الواردة فى هذا المكان، و هذه الزيادات انما نشات من امور زائدة فى تلك الصلوة كما ذكرنا، و عليه يحمل ما ورد فى ثواب الحج و زيارة الأئمة (ع)، و لا سيّما زيارة الحسين (ع)، من تفاوت الثواب قلة و كثرة، و الجميع محمول على تفاوت احوال المكلفين فيما يأتون به، و ما تكلفه جملة من الأصحاب فى هذا المقام، فالظاهر بعده و عدم الحاجة اليه، انتهى.
أقول: و يؤيد خلافه ما نقلنا سابقا، من قوله صلى اللّه عليه لأبى ذر: يا أبا ذر صلوة فى مسجدى هذا تعدل مائة الف صلوة فى غيره من المساجد، الا المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلوة فى غيره، و افضل من هذا كله صلوة يصليها الرجل فى بيته حيث لا يراه الا اللّه عز و جل، يطلب به وجه اللّه تعالى.
قال فى البحار فى شرح هذا الخبر: قوله: مائة ألف صلوة فى غيره، الضمير فى غيره اما راجع الى مسجد النبى (ص) فيدل على مساواتها فى الفضل و يؤيده بعض الأخبار، لكن ينافيه اكثرها، يمكن حمل المساجد المفضل عليها فى المسجد الحرام على المساجد العظيمة، و فى مسجد الرسول (ص) على غيرها، او الى المسجد الحرام، فيصير ازيد من مسجد الرسول (ص) باكثر مما ورد فى ساير الأخبار، و فى اصل الفضل ايضا يزيد على ساير ما ورد فيه، و يمكن الحمل على اختلاف المصلين ايضا، و ان كان بعيدا، او على بعض اجزاء المسجدين، و به يمكن رفع التنافى بينه و بين ما ورد فى فضل مسجد الرسول (ص)، فى ساير الأخبار.
قوله (ص) و افضل من هذا كله، لعل الغرض التحريض على تحصيل الاخلاص. و الحاصل ان الصلوة فى البيت مع الاخلاص الكامل افضل من الصلوة فى الأماكن الشريفة بدونه، فالسعى فى تحصيل الاخلاص فى الاعمال و خلوها عن
ص: 191
شوائب الرّياء و الاغراض الفاسدة، اهم من السعى فى ايقاعها فى الأمكنة الشريفة، فلو اجتمعا كان نورا على نور. و يحتمل تخصيصه بالنوافل، و الأول أظهر.
و قال فى موضع آخر: الاختلاف الواقع فى عدد فضل صلوة كل من المساجد الشريفة، لعله باعتبار اختلاف الصلوة و المصلين فى المفضل، او المفضل عليه، او فيهما، فتأمل.
أقول الظاهر عندى ان ضمير فى غيره الواقع فى قوله (ص): و صلوة فى المسجد الحرام، الى آخره، راجع الى المسجد الحرام، فيشمل مسجد النبى (ص) ايضا، و حاصل الكلام فى وجه الاختلاف الواقع فى عدد فضل صلوة كل من المساجد الشريفة، هو انهم صلوات اللّه عليهم كانوا مبينين لأصحابهم الفضيلة المتعلقة بشىء شيئا فشيئا غالبا، و ذلك اما لعدم قابلية المخاطب لسماع كل ما اعد لذلك، بمعنى انه لو سمع ان للشىء الفلانى ثوابا كذا ليدخل عليه العجب، او يترك بعض الصلوات الواجبة مثلا، لتصويره ان الصلوة فى مسجد النبى (ص) مثلا تعدل مائة ألف صلوة، و انا من المصلين فى ذلك الموضع، او يكون ذلك محمولا على اختلاف احوال الفاعلين لذلك الشىء، فى الاقبال اليه سبحانه حين اتيانهم به و عدمه، او لمصلحة اخرى يراها الامام (ع)، و لكن كونه محمولا على اختلاف الاقبال اليه تعالى ما يوهنه، اما ما اشار اليه والدى قدس سره حيث قال بعد قول بعض الأفاضل: و يجوز ان يكون المساواة و الأفضلية مختلفة.
بقى الكلام فيما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد، فى الحسن بل الصحيح، عن الحسن بن على الوشاء، عن الرضا (ع) قال: سألته عن الصلوة فى المسجد الحرام، و الصلوة فى مسجد الرسول (ص)، فى الفضل، قال: نعم، و الصلوة فيما بينهما تعدل ألف صلوة، فانه ظاهر فى مساواة مسجد الرسول (ص) للمسجد الحرام فى الفضل، مع ان الأخبار مما قدمناه و تركناه متكاثرة، بزيادة المسجد الحرام على مسجده (ص).
قال بعض الأجلاء: يمكن الجواب برجوع المساواة الى اصل الفضيلة،
ص: 192
بمعنى ان لهما الفضل على غيرهما من المساجد، و ان تفاوتا فى الزيادة فى احدهما و النقيصة فى الاخرى، و يكون قوله (ع): و الصلوة فيما بينهما، اشارة الى ذلك، بمعنى انهما متساويان فى اصل الفضل، و ان حصل التفاوت بينهما فى ان الصلوة الواحدة فى احدهما بألف فى الآخر، و هو و ان كان مجملا الى صاحب الفضيلة منهما، الا انه باعتبار ما ظهر فى غير هذا الخبر من الأخبار الكثيرة، الدالة على ان الفضل فى جانب المسجد الحرام، يحمل عليه هذا الاجمال هنا بلا اشكال.
يحتمل حمله على عمومه، من قبيل كل صلوة صلاها او يصليها الى موته و ان كانت باطلة، و ليس ببعيد من فضله سبحانه و كرمه، و اما ما لم يصلها بالكلية، فلا تدخل فى عموم الخبر.
قال بعض الأجلاء: و يحتمل التخصيص بما اذا كانت صحيحة مجزية، لكنها غير مقبولة من حيث عدم الاقبال عليها كلا او بعضا، او نحو ذلك من شروط القبول.
و يحتمل ايضا انه لما كان اللّه عز و جل قد جعل صلوة المكتوبة فى المسجد الحرام بمائة الف صلوة، كما فى خبر القلانسى و غيره، فمن الظاهر ان هذا العدد يأتى على صلوة الانسان من اول عمره الى آخره غالبا، فكل صلوة وقع الخلل فيها من صلوته، يقوم مقامها و يسدها هذه الأفراد المضاعفة، فيكون مستلزما لقبول ما وقع الخلل فيه من صلوته بل ما تركه ايضا، و رحمته سبحانه و فضله جل شأنه اوسع من ذلك. و هو وجه لطيف عرض لى حال التصنيف.
منها ما تقدم باختلاف اشخاص المصلين و أحوالهم، فيثبت كل منها لبعض الأشخاص دون بعض، او على بعض الأحوال دون بعض، ما صورته:
هذا الجواب لا يلايم بهذا المقام، لأن المراد من الأفضلية ما يكون بحسب
ص: 193
المكان دون غيره، فانه لا معنى لمقايسة صلوة مؤمن فى المسجد بغير المؤمن فى غيره، فلابد ان يكون المصلى و المسجد و خارجه واحدا، فحينئذ كما يكون لصلوته فضيلة فى المسجد فكذلك فى خارجه ايضا، انتهى كلامه طاب مضجعه فليتأمل.
و بالجملة لا نتحاشى ان نأخذ باكثر ما ورد فى فضيلة كل من المساجد، لان الأخبار المشتملة على الأقل لا تنافى الأخبار المشتملة على الأكثر. و لا نتحاشى ايضا فى ان نقول: ان الاختلاف باعتبار اختلاف الأحوال، روى فى التهذيب فى باب فضل زيارة الحسين (ع)، عن قدامة بن ملك عن ابى عبد الله (ع) قال:
من أراد زيارة قبر الحسين (ع) لا اشرا و لا بطرا و لا رياء، سمعة و لا محّصت ذنوبه كما يمحص الثوب فى الماء، فلا يبقى عليه دنس، و يكتب اللّه له بكل خطوة حجة، و كل ما رفع قدمه عمره.
و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن صالح النيلى قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من اتى قبر الحسين عارفا بحقه كتب اللّه له اجر من اعتق الف نسمة و كمن حمل على الف فرس فى سبيل اللّه مسرجة ملجمة، من رواية ابى بصير و هرون بن خارجة و غيرهما.
و منها: ما رواه فى الكافى فى باب فضل المسجد الأعظم بالكوفة، عن أبى عبيدة، عن ابى جعفر (ع) قال: مسجد كوفان روضة من رياض الجنة، صلى فيه الف نبى و سبعون نبيا، و ميمنته رحمة، و ميسرته مكر، فيه عصا موسى، و شجرة يقطين، و خاتم سليمان، و منه فار التنور، و نجرت السكينة، و هى صرة بابل، و مجمع الأنبياء.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم، عن اسمعيل بن زيد مولى عبد الله بن يحى الكاهلى، عن ابى عبد الله (ع) قال: جاء رجل الى امير المؤمنين (ع) و هو فى مسجد الكوفة فقال: السلام عليك يا امير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، فرد عليه، فقال: جعلت فداك انى اردت المسجد الأقصى، فاردت ان اسلّم عليك
ص: 194
و اودّعك، فقال له: و اى شىء اردت بذلك؟ فقال: الفضل جعلت فداك، قال:
فبع راحلتك، و كل زادك، و صل فى هذا المسجد فان الصلوة المكتوبة فيه حجة مبرورة، و البركة فيه على اثنى عشر ميلا، يمينه يمن، و يساره مكر، و فى وسطه عين من دهن، و عين من لبن، و عين من ماء شراب للمؤمنين، و عين من ماء طهر للمؤمنين، منه سارت سفينة نوح، و كان فيه نسر و يغوث و يعوق، و صلى فيه سبعون نبيا و سبعون وصيا انا احدهم، و قال بيده فى صدره ما دعا فيه مكروب بمسئله فى حاجة من الحوائج الا اجابه اللّه و فرج عنه كربته.
و منها: ما رواه فى البحار عن كتاب الغارات عن حبة العرنى و ميثم التمار قالا: جاء رجل الى علىّ (ع) فقال: يا أمير المؤمنين، انى قد تزودت زادا و ابتعت راحلة و قضيت شأنى يعنى حوائجى، فارتحل الى بيت المقدس، فقال له: كل زادك و بع راحلتك، و عليك بهذا المسجد - يعنى مسجد الكوفة - فانه احد المساجد الأربعة، ركعتان فيه تعدل عشرا فيما سواه من المساجد، البركه منه على اثنى عشر ميلا من حيث ما اتيته، و قد ترك من بناء اسّه الف ذراع، و فى زاويته فار التنور، و عند الاسطوانة الخامسة صلى ابراهيم الخليل (ع)، و قد صلى فيه الف نبى و الف وصىّ، و فيه عصى موسى، و شجرة يقطين، و فيه هلك يغوث و يعوق، و هو الفاروق، و منه سير جبل الأهواز، و فيه مصلى نوح (ع)، و يحشر منه يوم القيمة سبعون الفا لا عليهم حساب و لا عذاب، و وسطه على روضة من رياض الجنة، و فيه ثلاث اعين يطهرن تذهب الرجس و تطهر المؤمنين، عين من لبن، و عين من دهن، و عين من ماء، جانبه الايمن ذكر، و جانبه الأيسر مكر، لو يعلم الناس ما فيه لأتوه و لو حبوا. الى غير ذلك من الأخبار.
لجواز ان يذكر كلهم تارة و ان يقتصر على افضلهم اخرى، او يكون ذكر الأقل لأجل كونهم الذين صلوا فيه ظاهرا بحيث اطلع عليه الناس و شاهدوهم
ص: 195
و أما سايرهم فصلوا فيه كما صلى فيه نبينا (ص). و أما الروضة التى فى المسجد فالظاهر انها عبارة عن الجنان التى تظهر بعد خروج القائم، قاله بعض الأجلاء و قال فى البحار: و الظاهر ان الأعين يظهرن فى زمن القائم (ع)، انتهى.
أقول: روى فى الكافى فى باب المنبر و الروضة و مقام النبى (ص)، عن أبى بكر الحضرمى عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): ما بين بيتى و منبرى روضة من رياض الجنة، و منبرى على ترعة من ترع الجنة، و قوائم منبرى فى الجنة، قال قلت: هى روضة اليوم، قال: نعم، انه لو كشف الغطاء لرأيتم.
و ما تضمنه خبر ابى بصير، من تفسيره المكر بمنازل السلطان، لا ينافى ما تضمنه خبر الصدوق من تفسير المكر بمنازل الشيطان، و الظاهر ان هذا التفسير من كلام الصدوق، قاله بعض الأجلاء: أقول: و يحتمل باحتمال ظاهر، أن يكون من كلام الامام (ع)، لما رواه فى البحار عن جامع الأخبار، عن أبى بصير، عن أبى عبد الله (ع)، قال: سمعته يقول: نعم المسجد مسجد الكوفة، صلى فيه ألف نبى و ألف وصى، و منه فار التنور، و فيه نجرت السفينة، ميمنته رضوان الله، و وسطه روضة من رياض الجنة، و ميسرته مكر، فقال قلت: بأبى أنت ما معنى ما تقول مكر؟ قال: يعنى منازل السلطان. أقول: كتب فى حاشية الكتاب:
الشيطان نسخة و كذا الشياطين، و من الظاهر ان السائل هو أبو بصير عن الامام. قال بعض الأجلاء: معدم الكلام المتقدم عنه، و هذا الخبر رواه فى الكافى عن على بن حمزة عن أبى بصير، ثم نقل تفسير أبى بصير المتقدم فى الكافى، و قال: و هذا الخبر و نحوه قد رواه العامة، قال ابن الأثير فى نهايته:
المكر الخداع و منه حديث مسجد الكوفة جانبه الايسر مكر، و قيل كانت السوق الى جانبه الايسر، و فيها يقع المكر و الخدع، انتهى.
و الأظهر ما ذكر فى الخبرين، من تفسير المكر بمنازل السلطان، و الظاهر ان المراد به قصر الامارة الذى هو محل الحكم و الأمر و النهى، و عليه ينطبق
ص: 196
ايضا ما ذكره الصدوق، لأن منازل سلاطين الجور منازل الشيطان، و ان المراد بالشياطين هم حكام الجور.
قال: و اما ما قابل الميسرة فى هذا الخبر و نحوه ممّا كان خارجا المسجد، فيمكن حمله على الغرى الذى هو موضع قبر امير المؤمنين (ع)، و الاشارة اليه بذلك وقع تقية، و مثله قوله (ع) حبة العرنى: و يحشر منه يوم القيمة سبعون الفا ليس عليهم حساب و لا عذاب، يعنى يحشرون من جنبه، و المراد به الغرى ايضا، الذى قد استفاضت الأخبار بانه قطعة من جنة عدن، و يكون فيها ارواح المؤمنين فى عالم البرزخ، و الاجمال فى التعبير عن ذلك كله صريحا كله للتقية، انتهى.
قال فى البحار: و لعل المراد بكون عصا موسى (ع)، فيه كونها مدفونة فيه فى الازمان السالفه، حتى وصل الى ائمتنا (ع)، لئلا تنافى الأخبار التى مضت فى كتاب الامامة انها عندهم (ع) مع ساير آثار الانبياء، و يحتمل ان تكون مودعة هناك و هى تحت ايديهم كلما ارادوا اخذوها.
و قال بعض الأجلاء: و اما ما دل على ان فيه عصى موسى، فيحتمل انها مودعة فيه الى ظهور صاحب الزمان عجل اللّه فرجه، و كذا خاتم سليمان (ع)، و يحتمل ان العصا نبتت فيه و منه اخذت، و عليه يحمل ايضا و فيه شجرة يقطين يعنى فيه نبتت، و يؤيده ايضا ما نقله بعض مشائخنا(1) قال: انه يظهر من بعض الأخبار ان يونس (ع) خرج من الفرات، انتهى، و عن النهاية: الحبو ان يمشى على يديه و ركبتيه او استه.
مع ان الصنايع مكروهة فى المساجد كما تقدم، فيمكن الجواب بتخصيص هذا الحكم بهذه الشريعة، او استثناء ذلك من الحكم المذكور
ص: 197
ففيه اشارة الى ان الكوفه من ارض بابل، قاله بعض الأجلاء قال: اذ المراد بالصرة الكناية عن الشىء النفيس العزيز، لأن الاصل الصرة بمعنى صرة الدراهم و هى انفس الاموال و اعزها، و المفهوم من خبر رد الشمس الى امير المؤمنين (ع) فى ايام رجوعه من حرب الخوارج، و تركه الصلوة الى ان عبر الفرات فصلى فى الجانب الآخر، اختصاص بابل بذلك الجانب من الفرات، و لعلّ الاضافة هنا مجاز باعتبار قربها من بابل، و ان ارض الخسف من بابل التى يكره الصلوة فيها مخصوص بذلك الموضع الذى عبر عنه.
قد دل خبر ابى بصير، و خبر حبة العرنى و ميثم التمار، و مرسله الصدوق، على وقوع النقص فى المسجد، و مرسلة الصدوق مروية فى التهذيب ايضا فى باب فضل المساجد، عن على بن مهزيار، باسناد له قال: قال ابو عبد الله (ع): حد مسجد الكوفة انتهى، قال بعض الأجلاء، بعد نقل مرسلة الصدوق الكلينى فى كتاب الرّوضة: و عن العياشى فى تفسيره قد نقلاه بوجه ابسط عن المفضل بن عمر قال: كنت مع ابى عبد اللّه (ع) بالكوفة، ايام قدم على ابى العباس، فلما انتهينا الى الكناسة، فنظر الى يساره ثم قال: يا مفضل ههنا قتل عمى زيد رحمه الله، ثم حتى اتى طاق الرّواسين و هو آخر السّراجين فنزل فقال لى: انزل فان موضع كان مسجد الكوفة الأول الذى خطه آدم (ع)، و أنا اكره ان ادخله راكبا، فقلت له: فمن غيره عن خطته؟ قال: اما اول ذلك..
الى آخر ما تقدم، انتهى.
قال بعض الأجلاء: الناقص من المسجد الأول الزايد على ما هو عليه الان، هل يثبت له حكم المسجدية؟ اشكال ينشأ من ان ظاهر حديث المفضل حيث ان الصادق (ع) نزل لما بلغ الى طاق الرّواسين، و امر المفضل بالنزول، معللا ذلك بانه من المسجد، و انه يكره دخوله راكبا، اجراء حكم المسجدية فى
ص: 198
ذلك الزايد، و من ان خبر ابى بصير، الدّال على ان عليا (ع) رمى سهمه الى موضع التمارين، و اخبر ان هذه المسافه كلها من(1) المسجد، مع انه لم ينقل عنه فى زمانه ادخالها فى المسجد، و لا الأمر باحترامها و اجراء حكم المسجدية عليها، بل الظاهر انما هو العدم لتقريره الناس على صرفهم فى هذا الموضع، يجعله سوقا و طريقا و منازل و نحوها من التصرفات هو العدم، و لعل الترجيح للاخير، الا انه يمكن تطرق القدح اليه، بعدم تمكنه من تغيير ما جرت عليه ائمة الجور قبله، كما لا يخفى على من احاط خبرا بما كان عليه فى ايام خلافته، و ان جل رعيته انما يرونه بعين التقية لمن تقدمه.
و كيف كان فانه يجب ان يحمل فعل الصادق (ع) على الفضل و الاستحباب و الظاهر ان الكلام ههنا كالكلام فى المسجد الحرام قبل الزيادة التى زادتها بنو امية، فان ظاهر خبر زرارة المتضمن لنوم الباقر (ع) معه فى تلك الزيادة و تجويزه النوم فيها، معللا ذلك بانها ليست من المسجد الذى فى زمنه (ص)، مع دلالة الأخبار الأخر على انها من المسجد القديم، هو عدم اجزاء حكم المسجدية على ذلك الزّايد، و ان كان داخلا فى المسجد القديم، و هو مؤيد لما ذكرناه من عدم ثبوت المسجدية لما زاد على المسجد الموجود فى زمنه (ع)، و ان كان داخلا فى المسجد القديم، و يمكن ان يكون الوجه فى الجميع، ان الاعتبار فى رعاية حكم المسجدية على ما كان مسجدا فى الاسلام، بان ثبت له المسجدية و يسمى مسجدا بعد ظهور الشريعة المحمدية (ص)، فان البيع و الكنايس السّابقة فى الملل المتقدمة، كانت فى تلك الملل يراعى فيها ما يراعى، فى
ص: 199
المساجد من التوقير و التعظيم، و اما بعد الاسلام بالنسبة الى المسلمين فانه لا يراعى فيها ذلك، لانها ليست من مساجد الاسلام، و لهذا ورد جواز نقضها و جعلها مسجدا يجب احترامها، كما يجب فى المساجد المعمولة فى الاسلام، و كذلك المساجد التى فى زمان الكفر فى تلك الملل السابقه، بل الاعتبار بما جرى عليه اسم المسجدية فى الاسلام، و يعضده تقرير النبى (ص) الناس على مسجدية المسجد الحرام الموجود فى زمنه (ص) دون ما زاد.
نعم يبقى فى الكلام اشكال آخر بالنسبة الى تغيير زياد بن ابيه الذى وقع بعد امير المؤمنين (ع)، و ثبوت المسجدية للجميع الموجود يومئذ، و يمكن التفصى عن ذلك، بانه لعدم معلوميته لنا الان لا يلزمنا حكمه، و يمكن تخصيص تغيير زياد باعتبار القبله دون ارض المسجد، كما يشير اليه ما رواه الشيخ فى كتاب الغنية، بسنده فيه عن الاصبغ بن نباتة قال: قال امير المؤمنين (ع) فى حديث له: حتى انتهى الى مسجد الكوفه و كان مبنيّا بخزف و دنان و طين، فقال: ويل لمن سهل هدمك، و ويل لبنائيك بالمطبوخ، المغير قبلة نوح عليه السلام، طوبى لمن شهد هدمك مع قائم اهل البيت، اولئك خيار الامة مع ابرار العترة.
و روى محمد بن ابراهيم النعمانى فى كتاب الغنية، بسنده الى حبة العرنى، فى حديث عنه قال: كانى انظر الى شيعتنا بمسجد الكوفة و قد ضربوا الفساطيط يعلّمون الناس القرآن كما انزل، اما أن قائمنا ان قام كسره و سوى قبلته.
و اما نسبته فى هذا الخبر زياد الى ابى سفيان، فلعله خرج مخرج التقية، لاشتهار ذلك بين الاموية، حيث ان معوية استلحقه و جعله اخاه لابيه و الا فهو بين علماء التاريخ نسبته الى امه سمية او يقال: زياد بن ابيه، انتهى.
قد عرفت ما تضمنته مرسلة الصدوق، التى رواها عن على (ع) و انها مشتملة على قوله (ع): و صلوة فى المسجد الاعظم تعدل مائة الف صلوة، و
ص: 200
روى فى البحار عن ثواب الاعمال، عن ابيه، عن احمد بن ادريس، عن محمّد بن احمد الاشعرى، عن محمد بن حسان، عن ابى محمد الرازى، عن النوفلى عن السّكونى، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن على عليهم السلام قال: صلوة فى بيت المقدس الف صلوة، و صلوة فى المسجد الاعظم مائة الف صلوة، و صلوة فى مسجد القبيله خمس و عشرون صلوة، و صلوة فى مسجد السّوق اثنتا عشرة(1) صلوة و صلوة الرّجل فى بيته وحده صلوة واحدة، و هذا كما ترى موافق لرواية الفقيه.
و روى فى التهذيب فى باب فضل المساجد، عن السّكونى، مثل ما فى ثواب الاعمال، الا ان فيه: صلوة فى المسجد الاعظم مائة صلوة باسقاط لفظ الف.
و روى فى البحار عن المحاسن، عن النوفلى، مثل ما فى التهذيب، قال فى البحار، بعد نقل روايتى ثواب الاعمال و المحاسن: الظاهر زيادة الالف من الرواة و النساخ، و ان كانت موجودة فى اكثر النسخ، و روى الشيخ فى النهاية عن السّكونى، و فيه ايضا: مائه صلوة، و روى المفيد فى المقنعة ايضا كذلك، و على تقديره، المراد بالمسجد الاعظم المسجد الحرام، و على تقدير عدمه المراد به جامع البلد، و لعل مسجد المحله فى زماننا بازاء مسجد القبيله، و المراد بمسجد السوق ما كان مختصا باهله، لاكل مسجد متصل بالسوق، و ان كان جامعا، او احد المساجد الاربعه، او مسجد القبيله، انتهى.
و يؤيد رواية التهذيب، ما رواه فى البحار عن دعائم الاسلام قال: روينا عن جعفر بن محمد، عن ابيه، عن آبائه، عن على صلوات اللّه عليهم، انه قال:
لا صلوة لجار المسجد الا فى المسجد، الا ان يكون له عذر، او به علّه، فقيل: و من جار المسجد يا امير المؤمنين؟ قال: من سمع النداء.
و عنه عن رسول الله (ص) انه قال: الصّلوة فى المسجد الحرام مائه الف
ص: 201
صلوة، و الصلوة فى مسجد المدينة عشرة الاف صلوة، و الصلوة فى مسجد بيت المقدس الف صلوة، و الصلوة فى المسجد الاعظم مائه صلوة، و الصلوة فى مسجد القبيله خمس و عشرون صلوة، و الصلوة فى مسجد السّوق اثنتا عشرة صلوة، و صلوة من الرّجل وحده فى بيته صلوة واحدة.
قال بعض الأجلاء بعد نقل ما فى التهذيب و المحاسن: و لكن فى اكثر نسخ الفقيه مائة الف صلوة، و كذا فى كتاب ثواب الاعمال، و الظاهر زيادة لفظ الف من النساخ فى صدر الأول، او احد الرواة، و استمر عليها النسخ، و على تقديره فيحمل المسجد الجامع و بيت المقدس بتخفيف الدال بمعنى القدس و الطهارة، كانّ من يدخل فيه يطهر من الذنوب، و المراد بكون الصلوة فيه تعدل الف صلوة، اى فى البيوت و غير المساجد، و يحتمل الحمل على الترتيب بالنسبة الى الجامع، كذا الجامع بالنسبة الى مسجد القبيله، و هكذا، و لعل الأول اقرب.
و المراد بمسجد القبيله هو مسجد المحله المذكورة فى كلام الاصحاب بعنوان المحله، و وجه خروج هذه لتسمية فى الخبر، انه كان فى تلك الاوقات و لا سيّما فى الكوفه، قبائل العرب و كل قبيلة فى محله و لها مسجد فيها، فنسب المسجد الى القبيله، و المراد بمسجد السوق ما كان لاهل السّوق واقعا فى السّوق او الى جنبها، لا ما اتصل و ان كان جامعا، او مسجد قبيلة، و الا فكثير من المساجد الجامعه متصله بالسوق، و لا سيما المسجد الحرام و مسجد الرسول (ص).
و فى رواية التهذيب: و صلوة الرجل فى بيته وحده صلوة واحدة، و كذا فى بعض نسخ الفقيه، و فى كتاب ثواب الاعمال، قال المحدث الكاشانى فى الوافى، بعد نقله الخبر على ما فى التهذيب: بيان: لفظة واحدة ليست فى نسخ الفقيه، فان قلت: بان التضعيف فى الاجر باعتبار الجماعة و كثرتها، فاثباتها اوضح فى مقابلة كل من الوحدة بمثله، انتهى.
ص: 202
قال فى البحار: ما ورد فى بعض الأخبار الف صلوة او مائه الف فى غيره، لفظ الغير عام شامل للفاضل و المفضول، فيلزم مساواة الفاضل للمفضول، فلا بد من تخصيص فى الغير، و ان امكن تخصيصه باختلاف الصلوة و المصلين لكنه بعيد.
و قال الشارح المحقق: صلوة فى مسجدى كالف فى غيره، يدخل فى اطلاق الغير باقى المساجد و الاماكن التى يستحب فيها الصلوة او يباح او يكره، اذ لم يذكر مكان خاص بل صرح بالتعميم، و يلزم من ذلك مساواة الفاضل للمفضول.
و الجواب: ان المراد ان المضاعفه بهذا القدر ثابت للصّلوة فى مسجد النبى (ص)، بالنسبة الى جميع المواضع فاضلا كان او غيره، و لا ينافى ذلك زيادة المضاعفة بالنسبة الى الصلوة فى بعض الاماكن، فلا يلزم مساواة الفاضل للمفضول و الشريف للمشروف، و على هذا فلفظ المعادلة المذكورة فى بعض الأخبار، مصروف عن معناه الظاهر و لا ضير فيه، انتهى.
و لنختم الكلام مما رواه فى البحار عن مصباح الشريعة، قال الصادق (ع)، اذا بلغت باب المسجد فاعلم انك قصدت بيت(1) ملك عظيم، لا يطأ بساطه الا المطهرون، و لا يؤذن بمجالسة(2) مجلسه الا الصديقون، وهب القدوم الى بساط خدمة الملك، فانك على خطر عظيم ان غفلت هيبة الملك، و اعلم انه قادر على ما يشاء من العدل و الفضل معك و بك، فان عطف عليك برحمته و فضله، قبل منك يسير الطاعة و آجرك عليها ثوابا كثيرا، و ان طالبك باستحقاق الصّدق و الاخلاص عدلا بك، حجبك ورد طاعتك و ان كثرت، و هو فعال لما يريد، و اعترف بعجزك و تقصيرك و فقرك بين يديه، فانك قد توجهت للعبادة له و الموانسة به، و اعرض(3) اسرارك عليه، و لتعلم انه لا يخفى عليه اسرار الخلائق
ص: 203
اجمعين و علانيتهم، و كن كأفقر عباده بين يديه، و اخل قلبك عن كل شاغل يحجيك عن ربك، فانه لا يقبل الا الاطهر و الاخلص، و انظر من اى ديوان يخرج اسمك، فان ذقت من حلاوة مناجاته و لذيذ مخاطباته و شربت بكاس رحمته و كراماته من حسن اقباله عليك و اجابته، فقد صلحت لخدمته فادخل فلك الا من و الامان، و الافقف وقوف مضطر قد انقطع عنه الحيل و قصر عنه الامل و قضى الاجل، فاذا علم اللّه عز و جل من قبلك صدق الالتجاء اليه، نظر اليك بعين الرّحمة و الرّافة و العطف، و وفقك لما يحبّ و يرضى فانه كريم يحب الكرامة لعباده المضطّرين اليه المتحرفين(1) على بابه مرضاته، قال اللّه عز و جل: «أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ» الايه، قال فى البحار بعد نقله: هب بالفتح من هاب يهاب و الهيبة المخافة و التقية.
قيل: الاذان لغة: الاعلام، و مثله الايذان، و منه قوله تعالى: «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ» اى اعلموا، و على قراءة المد: أى اعلموا من وراءكم بالحرب، فالمد يفيد التعدى، و فعله آذن ياذن ثم شدد للتعدية، و شرعا اذكار مخصوصة موضوعة للاعلام بدخول اوقات الصلوة.
و الاقامة مصدر اقامة بالمكان، و التاء عوض عن الواو المخدوفه، لأن اصله اقوام او مصدر الشىء بمعنى اذانه، و منه (يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ) و شرعا اذكار مخصوصة عند اقامة الصلوة.
و ربما يناقش بانتقاص عكسى التعريف، بالاذان قبل الفجر، و فى الفلوات الموحشه، و فى اذن من شاء خلقه، و الاذان و الاقامة فى اذنى الطفل.
و يجاب تارة بان المراد ان وصفها لذلك، و اخرى بالتزام التجوز فى موارد النقض فيستقيم العكسان.
ص: 204
و لا بأس بنقل جملة منها تشريفا لكتابنا:
منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب الأذان و الاقامة، عن عبد اللّه بن على قال: حملت متاعى من البصرة الى مصر، فقدمتها فبينا انا فى بعض الطريق فاذا انا بشيخ طويل(1) شديد الادمة(2) أبيض الراس و اللحية، عليه طمران(3)أحدهما أسود و الآخر أبيض، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا بلال مولى رسول الله (ص)، فأخذت الواحى(4) فأتيته فسلمت عليه فقلت له: السلام عليك أيها الشيخ، فقال: و عليك السلام، فقلت: يرحمك اللّه تعالى حدثنى بما سمعت من رسول الله (ص)، فقال: و ما يدريك من انا؟ فقلت: انت بلال مؤذن رسول الله (ص)، قال: فبكى و بكيت حتى اجتمع الناس علينا و نحن نبكى، قال ثم قال: يا غلام من أي البلاد أنت؟ قلت: من اهل(5) العراق، قال:(6) بخ بخ (7) فمكث ساعة ثم قال: اكتب يا أخا اهل العراق: بسم اللّه الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله (ص) يقول: المؤذنون امناء(8) المؤمنين على صلواتهم و
ص: 205
صومهم و لحومهم و دمائهم، لا يسئلون اللّه عز و جل شيئا الا اعطاهم، و لا يشفعون فى شىء الا شفعوا.
قلت: زدنى يرحمك الله، قال: اكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله (ص) يقول: من اذن اربعين عاما محتسبا، بعثه اللّه عز و جل يوم القيمة و له عمل اربعين صديقا عملا مبرورا(1) متقبلا.
قلت: زدنى يرحمك الله، قال: اكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله (ص) يقول: من اذن عشرين عاما، بعثه اللّه عز و جل يوم القيمة و له من النور مثل زنة السماء.
قلت: زدنى يرحمك الله، قال: اكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله (ص) يقول: من اذن عشر سنة واحدة، بعثه اللّه عز و جل يوم القيمة و قد غفرت له ذنوبه كلها بالغة ما بلغت، و لو كانت مثل زنة جبل احد.
قلت: زدنى يرحمك الله، قال: نعم، فاحفظ و اعمل و احتسب(2) سمعت رسول الله (ص) يقول: من اذن فى سبيل اللّه صلوة واحدة ايمانا و احتسابا و تقربا الى الله، غفر اللّه له ما سلف من ذنوبه، و منّ عليه بالعصمة فيما بقى من عمره، و جمع بينه و بين الشهداء فى الجنة.
قلت: زدنى يرحمك الله، حدثنى باحسن ما سمعت من رسول الله (ص)
ص: 206
قال: ويحك(1) يا غلام و قطعت انباط(2) و(3) قلبى، و بكى(4) و بكيت حتى انى و الله لرحمته، ثم قال: اكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله (ص) يقول: اذا كان يوم القيمة و جمع اللّه عز و جل الناس فى صعيد(5) واحد، بعث الله عز و جل الى المؤذنين بملائكة من نور و معهم العرية و اعلام(6) من نور، يقودون(7) جنائب ازّمتها زبرجد،(8) و خفانفها(9) المسك الأذفر(10) و(11)يركبها المؤذنون، فيقومون عليها قياما تقودهم(12) الملائكة ينادون بأعلى صوتهم بالأذان، ثم بكى بكآء شديدا حتى انتحبت(13) و بكيت فلما سكت، قلت: مما(14)
ص: 207
بكاؤك؟ فقال: ويحك ذكرتنى اشياء سمعت حبيبى وصفّى (ع) يقول: و الذى بعثنى بالحق نبيّا انهم ليمرون على الخلق قياما على النجائب(1) فيقولون: الله اكبر اللّه اكبر، فاذا قالوا ذلك سمعت لامتى ضجيحا، فسأله اسامة بن زيد عن ذلك الضجيج ما هو؟ فقال: الضجيج:(2) التسبيح و التحميد و التهليل، فاذا قالوا: اشهد ان لا اله الا الله، قالت امتى: اياه كناه نعبد فى الدّنيا، فيقال:
صدقتم، فاذا قالوا: اشهد انّ محمّدا رسول الله، قالت امتى: هذا الذى اتانا برسالة ربنا جل جلاله و آمنا به و لم نره، فيقال لهم: صدقتم هذا الذى ادّى اليكم الرّسالة من ربكم و كنتم به مؤمنين، فحقيق على اللّه عز و جل ان يجمع بينكم و بين نبيّكم، فينتهى بهم الى منازلهم، و فيها ما لا عين رات و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، ثم نظرا لى فقال: ان استطعت - و لا قوة الا باللّه - ان لا تموت الا و انت مؤذن فافعل، فقلت: يرحمك الله، تفضل على و اخبرنى فانى فقير محتاج، واد الى ما سمعت من رسول الله (ص)، فانك قد رايته و لم اره، وصف لى كيف وصف لك رسول اللّه بناء الجنة: فقال: اكتب... الحديث.
و منها: ما رواه فى زيادات باب الأذان و الاقامة فى الصحيح، عن معوية بن وهب عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): من اذن فى مصر من امصار المسلمين سنة، وجبت له الجنة.
و منها: ما رواه ايضا فى باب الأذان و الاقامة، عن محمد بن مروان قال:
سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: المؤذن يغفر اللّه له مدصوته، و يشهد له كلّ شىء سمعه.
و منها: ما رواه الكافى فى باب الأذان و الاقامة، فى الحسن او الصحيح،
ص: 208
عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا اذنت و اقمت، صلى خلفك صفان من الملائكه، و اذا اقمت صلى خلفك صف من الملائكه، و روى فى الفقيه فى باب الأذان و الاقامة، مرسلا عن حدا الصف، ما بين المشرق و المغرب.
و منها: ما رواه الفقيه فى الباب المتقدم، عن ابى ليلى عن على (ع) انه قال: من صلى باذان و اقامة، صلى خلفه صفان من الملائكه لا يرى طرفاهما، و من صلى باقامة صلى خلفه ملك.
و منها: ما روى عن المقنعة قال: روى عن الصّادق (ع) انهم قالوا: من اذن و اقام صلى خلفه صفان من الملائكة، و من اقام بغير اذان صلى خلفه صف من الملائكة.
و منها: ما رواه فى البحار باسناده المتقدم فى المساجد، عن ابى ذر عن النبى (ص) فى وصية له: يا أبا ذران ربك ليباهى ملائكته بثلاثة: رجل يصبح فى ارض قفراء فيؤذن ثم يقيم ثم يصلى، فيقول ربك للملائكة: انظروا الى عبدى يصلى و لا يراه احد غيرى، فينزل سبعون الف ملك يصلون وراءه و يستغفرون له الى الغد من ذلك اليوم... و ساق الحديث الى ان قال: يا أبا ذر اذا كان العبد فى ارض قىّ يعنى قفراء، فتوضا او تيمم ثم اذن و اقام، و صلى، فامر الله الملائكه فصفوا خلفه صفا لا يرى طرفاه، يركعون لركوعه، و يسجدون لسجوده، و يؤمنون على دعائه، يا أبا ذر من اقام و لم يؤذن، لم يصل معه الا ملكاه اللذان معه
و منها: ما رواه الكافى فى الباب المتقدم عن ابن ابى نجران رفعه قال:
قال: ثلاثة يوم القيمة على كثبان المسك: احدهم مؤذن اذن احتسابا.
و منها: ما رواه فى التهذيب فى زيادات الباب المتقدم فى الصحيح، عن ابن ابى عمير، عن زكريا صاحب السابرى، عن ابى عبد الله (ع): ثلاثة فى الجنة على المسك الاذفر: مؤذن اذن احتسابا، و امام امّ قوما و هم به راضون، و مملوك يطيع اللّه و يطيع مواليه.
و منها: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم عن عبد اللّه بن سنان، عن
ص: 209
ابى عبد الله (ع) قال: كان طول حايط رسول الله (ص) قامة، و كان (ع) يقول لبلال اذا دخل الوقت: يا بلال اعل فوق الجدار و ارفع صوتك بالاذان، فان الله عز و جل قد و كل بالاذان ريحا ترفعه الى السماء. و ان الملائكة اذا سمعوا بالاذان من اهل الارض قالوا: هذه اصوات امة محمد (ص) بتوحيد الله عزّ و جل، و يستغفرون لامة محمد (ص) حتى يفرغوا من تلك الصّلوة.
و منها: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، عن هشام بن ابراهيم، انه شكا الى ابى الحسن الرّضا (ع) سقمه، و انه لا يولد له، فامره ان يرفع صوته بالاذان فى منزله، قال: ففعلت فاذهب اللّه عنى سقمى و كثر ولدى، قال محمد بن راشد: و كنت دائم العلة ما انفك منها فى نفسى و جماعة خدمى، فلما سمعت ذلك من هشام عملت به، فاذهب اللّه عنى و عن عيالى العلل.
و منها: ما رواه فى التهذيب فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا اذنت فلا تخفين صوتك، فان اللّه ياجر مد صوتك.
و منها: ما رواه الكافى فى آخر الباب المتقدم، عن سليمان الجعفرى قال: سمعته يقول: اذن فى بيتك فانه يطرد الشيطان، و يستحب من اجل الصبيان.
و بالجمله الأخبار فى الباب كثيرة، و فيما ذكرناه كفاية.
و اجتمعت الطائفه - كما صرح به جماعة - ان الاذان و الاقامة وحى من الله تعالى، خلافا للعامة العمياء، فانهم اتفقوا - على ما ذكره جماعة - على نسبته الى رؤيا عبد اللّه بن زيد فى منامه، قيل: و نقلوا موافقه عمر له فى المنام، و هو باطل عند الشيعة، قال فى البحار: و اجتمعت العامة على نسبة الاذان الى رؤيا عبد اللّه بن زيد فى منامه، و نقلوا موافقه عمر له فى المنام، و فى رواية الكلينى ما يدل على انهم كانوا يقولون ان ابى بن كعب رآه فى النوم، و هو باطل عند الشيعة، انتهى.
ص: 210
قال ابن ابى عقيل: اجمعت الشيعة على ان الصادق (ع) لعن قوما زعموا ان النبى (ص) اخذ الاذان من عبد اللّه بن زيد، فقال: نزل الوحى على نبيك فيزعمون انه اخذ الاذان من عبد الله بن زيد.
قال المحقق: و ما نقل عن اهل البيت (ع) انسب بحال النبى (ص)، فان الامور المشروعة منوطة بالمصلحة، و الاطلاع عليها مما يقصر عنه فظن البشر و لا يعلمها مفصلة الاّ اللّه، فلا يكون للنبى (ص) فيه الخيره، و لأن الأمور المشروعة مع خفتها و قلة اذكارها مستفادة من الوحى الالهى، فما ظنك بالمهم منها.
أقول: و اخبارهم سلام اللّه عليهم بذلك ناطقة، و منها: ما رواه الكافى و التهذيب فى الباب المتقدم فى الحسن كالصحيح او الصحيح، عن منصور بن حازم، عن ابى عبد الله (ع) قال: لما هبط جبرئيل (ع) بالاذان كان راسه فى حجر على (ع)، فاذن جبرئيل (ع) و اقام، فلما انتبه رسول الله (ص) قال:
يا على سمعت، قال: نعم، قال: حفظت، قال: نعم، قال:
ادع بلا لا فعلمه، فدعا على (ع) بلالا فعلمه.
و منها: ما رواه الكافى فى الباب المتقدم فى الحسن او الصحيح، عن زرارة و الفضيل، عن ابى جعفر (ع) قال: لما اسرى برسول الله (ص) الى السماء، فبلغ البيت المعمور و حضرت الصلوة فاذن جبرئيل (ع) و اقام، فتقدم رسول الله (ص)، وصف الملائكة و النبيون خلف محمد (ص).
و منها: ما رواه الفقيه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن حفص بن البخترى، عن ابى عبد الله (ع) انه قال: لما اسرى برسول الله (ص)، حضرت الصلوة فاذن جبرئيل (ع)، فلما قال: الله اكبر اللّه اكبر قالت الملائكة: الله اكبر الله اكبر، فلما قال: اشهد ان لا اله الا الله، قالت الملائكة: خلع الانداد، فلما قال: اشهد ان محمدا رسول الله، قالت الملائكة: نبى بعث، فلما قال: حى على الصلوة، قالت الملائكة: حثّ على عبادة ربّه، فلما قال: حى على الفلاح، قالت الملائكة: افلح من اتبعه.
ص: 211
و منها: المروى فى الكافى فى باب النوادر، الواقع فى قبيل باب مساجد الكوفه، فى الصحيح عن ابن اذينة، عن الصادق (ع): ما تروى هذه الناصبة؟ فقلت: جعلت فداك فيما ذا؟ فقال: اذانهم و ركوعهم و سجودهم، فقلت:
انهم يقولون ان ابى بن كعب رآه فى النوم، فقال: كذبوا، فان دين اللّه اعزّ من ان يرى فى النوم... الخبر بطوله، فراجع.
(و هما) اى الأذان و الاقامة (مستحبان فى الفرائض اليوميه)(1) و منها الجمعة (خاصة) فلا يؤذن لغيرها من الفرائض و النوافل اجماعا، على ما فى التحرير و غيره،(2) كما عن المنتهى و الذكرى و جامع المقاصد.
و يعضد المطلب ان الأذان وظيفة شرعية، فيتوقف كيفية و كمية و محلا على الورود عن صاحب الشريعة، و المنقول عنه فى اليومية خاصة، و روى فى البحار عن الدعائم، عن جعفر بن محمد (ع) انه قال: لا أذان فى نافلة: هذا مضافا الى الأخبار النافية عن العيدين الأذان و الاقامة، و يتم المطلق بذلك لعدم القائل بالفرق، بين الطائفة، على ما صرّح به بعض الأجلة، قال: و فى الخبر الوارد(3) فى العيدين: ليس فيها اذان و لا إقامة، و لكنه ينادى الصلوة ثلاث مرات و هو صريح فى نفيهما فيهما، و يتم المطلوب بعدم القائل بالفرق، قال: و ظاهره استحباب النداء بالصلوة ثلاث مرات، كما افتى به جمع من الاصحاب، و ان اختلفوا فى الاقتصار على موردهما، او التعدية الى غير اليومية مطلقا حتى النوافل، و لا بأس بهذا ان لم يحتمل التحريم مسامحة.
و قال بعض الأجلاء: لا يؤذن لشىء من النوافل و لا لفرائض عدا الخمس قال
ص: 212
فى التحرير: انه مذهب علماء الاسلام، و يعضده ان الأذان وظيفة شرعية، فيتوقف على الورود عن صاحب الشريعة و المنقول عنه فى الصلوات الخمس خاصة، الا ان الاصحاب ذكروا انه يقول المؤذن الصلوة ثلاثا، و لم اقف عليه فى غير صلوة العيد على دليل، انتهى.
قال فى المدارك: قوله: و لا يؤذن لشىء من النوافل، و لا شىء من الفرايض عدا الخمس، بل يقول المؤذن: الصلوة ثلاثا، اما انه لغير الخمس، فقال فى التحرير: انه مذهب علماء الاسلام - الى ان قال - و اما استحباب قول المؤذن فى غير الخمس: الصلوة ثلاثا، فلم نقف على رواية تدل عليه، و الذى وقفت عليه فى ذلك من الأخبار، رواية اسمعيل الجعفى عن ابى عبد اللّه (ع) قال: قلت له رايت صلوة العيدين هل فيهما اذان و اقامة؟ قال: ليس فيهما اذان و لا إقامة و لكنه ينادى: الصلوة ثلاثا.
و هى كما ترى مختصة بصلوة العيدين، فتعميم الاستحباب مشكل، لأن العبادات انما يستفاد بتوقف الشارع و الا كانت بدعة، و يجوز فى لفظ الصلوة الاولى و الثانيه النصب على حذف العامل و هو اخصر و أشبه، و الرفع على حذف المبتدأ او الخبر.
و هما مستحبان فى الفرائض اليوميه مطلقا (اداء و قضاء) و ان كان استحبابها فى الاداء آكد، كما صرح بذلك جماعة، و عن التذكرة ادعاء الاجماع عليه (للمنفرد و الجامع) على الاشهر الاظهر، كما ادعاه جملة ممن تاخر، و فى البحار نسب القول باستحبابهما مطلقا فى الفرائض اليومية الى جمهور المتأخرين، قال بعض الأجله: بل لعله عليه عامة من تاخر، وفاقا للشيخ فى المختلف، و السيد المرتضى فى المسائل الناصرية، و ابن ادريس و سلار، و اوجبهما المفيد فى الجماعة، و ذهب اليه الشيخ فى بعض كتبه، و ابن البراج و ابن حمزة، و عن ابى الصلاح انهما شرط فى الجماعة، و استقربه فى الحبل المتين، حيث قال: فان اشتراط الجماعة بهما قريب جدا.
ص: 213
و يظهر من المفاتيح الميل الى وجوبهما فيها، حيث قال: و قيل بوجوبهما فى الجماعة و فيه قوة، قال فى الدروس: و يتاكد الأذان فى الجماعة، و اوجبه جماعة لا بمعنى اشتراطه فى الصحة بل فى ثواب الجماعة، و قال فى الروضه: و قيل - و القائل به المرتضى و الشيخان - يجبان فى الجماعة لا بمعنى اشتراطها فى الصحة، بل فى ثواب الجماعة على ما صرح به الشيخ فى المبسوط، و كذا فسر به المصنف فى الدروس عنهم مطلقا، قال فى المختلف: و اوجبهما السّيد المرتضى رحمه اللّه فى الجمل على الرّجال دون النساء، فى كل صلوة جماعة فى سفر او حضر، و اوجبهما عليهم فى سفر و حضر فى الفجر و المغرب و صلوة الجمعة، و اوجب الاقامة خاصة على الرّجال فى كل فريضة.
و قال ابن الجنيد: الأذان و الاقامة واجب على الرّجال للجمع و الانفراد، و السفر و الحضر، فى الفجر و المغرب، و الجمعة يوم الجمعة، و الاقامة فى باقى الصلوات المكتوبات التى يحتاج الى التنبيه على اوقاتها، و جعلهما ابو الصلاح شرطا فى الجماعة.
و للشيخ رحمه اللّه قول آخر ذهب اليه فى الخلاف، انها مستحبان ليسا بواجبين فى جميع الصّلوات، جماعة صليت او فرادى، و هو الذى اختاره السّيد المرتضى فى المسائل الناصرية، قال السيّد: اختلف قول اصحابنا فى الأذان و الاقامة، فقال قوم: انهما من السنن المؤكده فى جميع الصلوات و ليسا بواجبين، و ان كانا فى صلوة الجماعة و فى الفجر و المغرب و صلوة الجمعة اشد تاكيدا، و هذا الذى اختاره و اذهب اليه، و ذهب بعض اصحابنا الى انهما واجبان على الرّجال خاصة دون النساء، فى كل صلوة جماعة فى سفرا و حضر و يجبان عليهم جماعة و فرادى فى الفجر و المغرب و صلوة الجمعة، و الاقامة دون الأذان يجب عليهم فى باقى الصّلوات المكتوبات.
و جعل فى الجمل قوله فى المسائل الناصرية رواية.
و قال ابن ابى عقيل: من ترك الأذان و الاقامة متعمدا بطلت صلوته، الا
ص: 214
الأذان فى الظهر و العصر و العشاء الآخرة، فان الاقامة مجزية عنه، و لا اعادة عليه فى تركه، فاما الاقامة فانه ان تركها متعمدا، بطلت صلوته و عليه الاعادة، انتهى كلام المختلف.
قال فى البحار، بعد نقل كلام ابن ابى عقيل، ما صورته: و كذا فى المختلف، و نقل المحقق عنه و عن المرتضى، ان الاقامة واجبة على الرّجال و النساء دون الأذان اذا صلوا فرادى، و يجبان عليهم فى المغرب و العشاء، ثم قال بعد ذلك باسطر: و قال علم الهدى ايضا: يجب الأذان و الاقامة سفرا و حضرا، انتهى كلام البحار.
قال الشيخ فى المبسوط: و متى صلى جماعة بغير اذان و اقامة، لم يحصل فضيلة الجماعة و الصلوة ماضية.
أقول: لابد اولا من نقل الأخبار المتعلقه بالمقام، ثم نتعرض ما يرد عليها من النقض و الابرام، و اسئل من اللّه التوفيق و الاعتصام:
ما رواه الكافى فى باب الأذان و الاقامة، عن ابى بصير، عن أحدهما (ع) قال: سألته ايجزى اذان واحد؟ قال: ان صليت جماعة لم يجز الا اذان و اقامة، و ان كنت وحدك تبادر امر اتخاف بفوتك تجزيك اقامة، الا الفجر و المغرب فانه ينبغى ان يؤذن فيهما و يقيم، من اجل انه لا يقصر فيهما كما تقصر فى ساير الصّلوات.
ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة، عن الصباح بن سيابه قال: قال لى ابو عبد الله (ع): لا تدع الأذان فى الصلوات كلها، فان تركته فلا تتركه فى المغرب و الفجر، فانه ليس فيهما تقصير.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن على بن فضال، عن عبد اللّه بن بكير، عن الحسن بن زياد قال: قال ابو عبد الله (ع): اذا كان القوم لا ينتظرون احدا، اكتفوا باقامة واحدة.
ص: 215
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن عبد اللّه بن على الحلبى، عن ابى عبد الله (ع)، عن ابيه (ع)، انه كان اذا صلى وحده فى البيت، اقام اقامة و لم يؤذن.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال: يجزيك اذا خلوت فى بيتك، اقامة واحدة بغير اذان.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الموثق، عن سماعة قال:
قال ابو عبد الله (ع): لا تصلى الغداة و المغرب الا باذان و اقامة، رخص فى ساير الصّلوات بالاقامة، و الأذان افضل.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن ابن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال: يجزيك فى الصّلوة اقامة واحدة، الا الغداة و المغرب.
ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن عمر بن يزيد قال:
سألت أبا عبد الله (ع) عن الامامة بغير اذان فى المغرب، فقال: ليس به بأس، و ما احب ان يعتاد.
ما رواه الصدوق فى الفقيه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن زرارة، عن ابى جعفر (ع) انه قال: ان ادنى ما يجزى من الأذان ان تفتتح الليل باذان و اقامة، و تفتتح النهار باذان و اقامة، و يجزيك فى ساير الصلوات اقامة بغير اذان.
ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الموثق، عن عمار الساباطى، عن ابى عبد الله (ع) قال: سئل عن الرجل يؤذن و يقيم ليصلى وحده، فيجئ رجل آخر فيقول له: نصلى جماعة، هل يجوز ان يصليا بذلك الأذان و الاقامة؟ قال: لا، و لكن يؤذن و يقيم.
ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: يقصر الأذان فى السفر كما تقصر الصلوة،
ص: 216
تجزى اقامة واحدة.
ما رواه الفقيه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن الصادق (ع) انه قال: يجزى فى السفر اقامة بغير اذان.
ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن عبد الله بن على الحلبى قال: سألت أبا عبد الله (ع)، عن الرّجل هل يجزيه فى السفر و الحضر اقامة ليس معها اذان؟ قال: نعم لا بأس به.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن محمد بن مسلم و الفضيل بن يسار، عن أحدهما (ع) قال: يجزيك اقامة فى السّفر.
ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الموثق، عن عمار السّاباطى قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: لابد للمريض ان يؤذن و يقيم اذا اراد الصلوة، و لو فى نفسه ان لم يقدر على ان يتكلم به، سئل فان كان شديد الوجع قال: لابد ان يؤذن و يقيم، لأنه لا صلوة الا باذان و اقامة.
ما رواه فى البحار عن قرب الاسناد، عن احمد و عبد الله ابنى محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن على بن رئاب قال: قلت لأبى عبد الله (ع): تحضر الصلوة و نحن مجتمعون فى مكان واحد، تجزينا اقامة بغير اذان، قال: نعم.
ما رواه ايضا عن العلل، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصّفار، عن محمد بن عبد الحميد و احمد بن محمد بن عيسى، عن احمد بن محمد بن ابى نصر، عن صفوان بن مهران، عن ابى عبد الله عليه السلام - فى حديث - قال: و لا بد فى الفجر و المغرب من اذان و اقامة فى الحضر و السفر، لأنه لا يقصر فيهما فى حضر و لا سفر، و تجزيك اقامة بغير اذان فى الظهر و العصر و العشاء الآخرة، و الاذان و الاقامة فى جميع الصلوات افضل.
ما رواه ايضا عن فقه الرضا (ع) قال: الأذان و الاقامة من السّنن اللازمة و ليسا بفريضة، و ليس على النساء اذان و لا اقامة، و ينبغى لهن
ص: 217
اذا استقبلن القبلة يقلن: اشهد ان لا اله الا اللّه و ان محمد رسول الله (ص).
اذا عرفت ذلك، فاعلم ان المشهور هو المنصور لوجوه:
المؤيدة بما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الصحيح، عن زرارة قال سألت ابا عبد الله (ع)، عن رجل نسى الأذان و الاقامة حتى دخل فى الصلوة، قال: فليمض فى صلوته فانما الأذان(1) سنة.
فاذا ثبت استحباب الأذان مطلقا، فليلحق به الاقامة كذلك، لعدم القائل بالفرق على الظاهر المصّرح به فى المختلف، و اذ عن له جماعة، فالقول باستحبابه فى كل موضع و وجوبها كذلك خرق للاجماع المركب، هذا مضافا الى ان الظّاهر من السنة الواقعة فى صحيحة زرارة المتقدمه عن قريب، هو ما يقابل الواجب، فيمكن جعلها دليلا على حدة، و تخصيص الأذان بالذكر غير ضاير، لأن الراجح ارادة الاقامة ايضا، لمكان التعليل، و اطلق الأذان على الأذان و الاقامة فى الخبر التاسع ايضا، فتامل جدا.
انه قال: لا بأس أن يصلى الرجل بنفسه بلا أذان و لا إقامة و الرواية المنجبرة بالشهرة اقوى من الرواية الصحيحة بلا شبهة، بل كلّما ازدادت الصحاح الواقعه فى خلاف الرّواية المنجبرة كثرة ازدادت و هنا و ضعفا، و تزداد تلك الرواية المنجبرة قوة و شرافة.
كاشتهار الشمس فى وسط
ص: 218
السّماء، لانهما مما يعم به البلوى و يكثر لديه الحاجة. و التالى باطل لمكان الشهرة الواقعة فى جانب الخلاف، فكذا المقدم، و الملازمة عن البيان غنية.
الواقع فى الخبر السابع عشر، فان الظاهر من هذا الكلام هو الاستحباب كما لا يخفى على المتتبع، و يؤيد ذلك ما تقدم ان من اذن و اقام صلى خلفه صفان من الملائكه، و ان اقام فقط صلى خلفه ملك او صف، بل يمكن جعل هذا دليلا براسه، لأن تلك الأخبار فى غاية الظهور فى عدم وجوب الأذان، فتدخل الاقامة ايضا فيما دخل عليه الأذان، لمكان السياق، هذا مضافا الى ان اشتمالها على الترغيب فقط ظاهر فى استحبابها، لأن الوجوب لا يكتفى فيه غالبا بمجرد الترغيب، بل يضم اليه التوعيد ايضا بل هو الاعم.
و الى ما نرى من عدم ذكرهم سلام اللّه عليهم وجوبهما فى مقام تعداد الواجبات للدين و الصلوة، مثل قولهم: مفتاح الصلوة الطهور، و تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم، و هذا غير منتقض بالنية لما سيظهر.
و استدل فى المدارك و غيره للمشهور، بان الصادق (ع) لما علم حمادا الصلوة، لم يؤذن و لم يقم، بل قام مستقبل القبله منتصبا و استقبل باصابع رجليه جميعا القبله، و قال بخشوع: اللّه اكبر، اذ الظاهر انه لو اذن و اقام لنقله، اذ هو فى مقام ذلك، و لو كانا واجبين لفعلهما فى مقام البيان، ورد بان ظاهر سياق الخبر، و امره حمادا بالصلوة بين يديه، ثم قوله: ما اقبح بالرجل منكم، انتهى، و وصف حماد لما فعله (ع) فى تلك الركعتين، ان انكاره (ع) انما كان بالنسبة الى السنن و المستحبات، التى وصفها حماد فى حكايته، فالمقصود بالتعليم انما هو ذلك، و لم يكن القصد الى تعليمه الواجبات، لأن حمادا اعلم من ان يجهل الواجبات فى ذلك، الا ترى انه قال: انى احفظ كتاب حريز - يعنى فى الصلوة - و هو مما يشعر بمعرفته بجميع احكام الصلوات من واجب و مستحب، فكيف يدعى ان المراد تعليم الصلوة كلا من واجب و غيره،
ص: 219
حتى يتجه الاحتجاج بالخبر.
أقول: الاولى جعل ذلك من المؤديات، و اما القول بانه لو كان (ع) فى مقام الواجبات لما ترك النية و الحال انها متروكة فغير وجيه، لأن النية غير محتاجة الى البيان لسهولة امرها، و تمام التحقيق يطلب من موضعه، و عن المصنف رحمه اللّه انه احتج فى المنتهى، بما رواه العامة عن علقمه و الاسود، انهما قالا: دخلنا على عبد اللّه فصلى بنا بلا اذان و لا اقامة، وردّ بعدم ظهور كون عبد اللّه هذا حجة شرعا، حتى يصح الاستدلال عليه.
و بالجمله لا اظنك ان تكون شاكا فيما ذكرناه من القول بالاستحباب، بعد ما اقمناه.
احتج الشيخ فى التهذيب على وجوبهما فى الجماعة بالخبر الأول، و اجيب بضعف السند، و يمكن دفعه بانه معتبر لاعتضاده بالخبر العاشر الذى هو حجة مستقله، لأن التحقيق ان الموثق حجة، المؤيد بالخبر الرابع و الخامس، و الجواب زيادة على ما مرّ، بانه معارض بالخبر السّادس عشر و الخبر الثالث، و سند الأول صحيح و الثانى معتبر، مع كونهما منجبر بالشهرة، و اخصيّتهما من المدعى.
كالخبر المروى فى الكافى فى باب الجمع بين الصلوتين، عن عبد اللّه بن سنان قال: شهدت المغرب ليلة مطيرة فى مسجد رسول الله (ص)، فحين كان قريبا من الشفق نادوا و اقاموا الصلوة فصلوا المغرب، ثم امهلوا بالناس حتى صلوا ركعتين، ثم قام المنادى فى مكانه فى المسجد فاقام الصلوة، فصلّوا العشاء، ثم انصرف الناس الى منازلهم، فسألت ابا عبد الله (ع) عن ذلك، فقال: نعم قد كان رسول الله (ص) عمل بهذا، غير ضاير بعد عدم وجود قايل بالفرق اصلا، على ما صرح به غير واحد منهم، فتامل فى خبر ابن سنان المروى فى الكافى.
هذا مضافا الى أنّ خبر ابى بصير غير صريح فى الدلالة، لاحتمال ان يراد بالاجزاء الاجزاء فى الفضيلة، بل يمكن ادعاء الظهور فى الدلالة على الخلاف،
ص: 220
و ذلك لأن كلمة ينبغى ظاهرة فى الاستحباب، مضافا الى تعيين ارادته منها هنا لمكان الخبر الثامن و غيره من الأخبار المتقدمة و غيرها، الدالة على استحباب الأذان، و هو احد ما يتعلق به لفظة ينبغى، فيكون بالنسبة الى الاقامة للاستحباب ايضا لوحدة السياق، فصار المراد بالاجزاء الواقع فى قوله (ع): و ان كنت وحدك تبادر امر اتخاف ان يفوتك يجزيك اقامة الى آخره، هو الاجزاء فى الفضيلة.
فحينئذ نقول: ان المراد بالاجزاء الواقع فى الصّدر ايضا هو الاجزاء فى الفضيلة لوحدة السياق، و كيف كان فالقول بعدم وجوبهما و اشتراطهما فى الجماعة لا يخلو عن قوة، و امر الاحتياط واضح.
و يظهر من الخبر الثالث و السّادس عشر، بان الغرض من الاذان هو الاعلام لمن لم يكن حاضرا من الجماعة المعتادين للصلوة جماعة فى هذا المكان، فمتى كانوا حاضرين سقط استحبابه و اكتفى بالاقامة، قاله بعض الأجلاء.
حجة القول بوجوبهما فى الصبح و المغرب، هو الخبر الأول و الثانى و السّادس و السابع و التاسع و السابع عشر، و فيه زيادة على ما مرّ من الوجوهات العديده، ما يظهر من الخبر الثامن، قال بعض المحققين بعد نقل الخبر الثالث عشر: و هذه الصحيحة تدل على السقوط فى الحضر ايضا مطلقا، و حمل مثلها على غير المغرب و الصبح و الجماعة مطلقا فيه ما فيه، لأن ترك الاستفصال فى امثال المقام يفيد العموم القوى، و التوجيه بذلك بعيد غاية البعد، ابعد من توجيه ما ظهر منه الوجوب على الاستحباب، لما ظهر لك من ان التساوى لا اقل منه، فيرتفع الدلالة على الوجوب، فيبقى الاصل و الاطلاقات سالمه، انتهى.
و بالجمله المسئلة بحمد اللّه تامة، و الاحتياط واضح.
قال فى الحبل المتين، بعد نقل الخبر الأول: و قد دل على عدم وجوب الأذان على المصلى وحده فى شىء من الفرايض، قال شيخنا فى الذكرى: و
ص: 221
فيه دلالة على عدم تاكد الأذان فى حقه، اذ الغرض الاهم الاعلام و هو منفى هنا، اما اصل الاستحباب فانه قائم لعموم شرعية الأذان، و يكون الأذان هنا لذكر الله تعالى و رسوله، ثم قال: فان قلت: كان يدل على الدوام، و الامام لا يداوم على ترك المستحب، قد دل على سقوط اصل الاستحباب، قلت: يكفى فى الدوام التكرار، و لا محذور فى اخلال الامام بالمستحب احيانا، اذ المحذور انما هو الهجران للمستحب، انتهى كلامه.
و يمكن ان يقال: لعله (ع) كان يكتفى اذا صلى وحده بسماع الأذان من مؤذن البلد او غيره، و استحباب اذان المنفرد بعد سماعه اذان غيره مما يثبت هذا، انتهى.
أقول: ما ذكره فى الذكرى وجيه، و استحباب الأذان للمنفرد مطلقا و لو سمع فى بيته، اذان غيره متجه، لاطلاق جملة من الأخبار المعتضدة بما نراه من سيرة المسلمين، انهم مع سماعهم اذان مؤذن البلد ايضا يؤذنون و يقيمون ثم يصلون، و لم يثبت تقييده و سيجئ تفصيل المسئله، فانتظر.
و هما مستحبان مطلقا (للرجل و المراة) بلا خلاف فى مشروعية الاذان عليها، بل عليه اجماع الاصحاب كما صرح به غير واحد منهم، الا انه لا يتاكد فى حقهن كما فى الرّجال.
قال المصنف طاب ثراه فى المنتهى: ليس على النساء اذان و لا اقامة، و لا نعرف فيه خلافا، لأنها عبادة شرعية بتوقف توجه التكليف بها على الشرع، و لم يرد، و يجوز ان تؤذن المراة للنساء و يعتدن بها، ذهب اليه علماؤنا - الى ان قال - و قال علماؤنا: اذا اذنت المراة، فاسرت بصوتها لئلا تسمعه الرجال و هو عورة.
و قال الشيخ: يعتد باذانهن و هو ضعيف، لأنها ان جهرت ارتكبت معصية و النهى يدل على الفساد، و الا فلا اجتزاء به لعدم السماع، انتهى.
و الظاهر ان غرضه نفى الوجوب لدلالة آخر الكلام عليه، و لقوله طاب
ص: 222
مضجعه فى التذكرة: يستحب فى صلوة جماعة النساء ان تؤذن احديهن و تقيم، لكن لا تسمع الرجال عند علمائنا، و الاستحباب فى حق الرجال آكد، ثم قال: و يجزيها التكبير و الشهادتان، لقول الصادق (ع)، و قد سئل عن المراة تؤذن للصلوة: حسن ان فعلت، و ان لم تفعل اجزأها ان تكبر، و ان تشهد ان لا اله الا اللّه و ان محمّدا رسول اللّه، انتهى.
أقول: و من الأخبار المتعلقه بالمقام، ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الصحيح، عن عبد اللّه قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن المرأة تؤذن للصلوة، فقال: حسن ان فعلت... الى آخر ما تقدم من نقل كلام المصنف رحمه الله.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن زرارة قال: قلت لأبى جعفر (ع): النساء عليهن اذان، فقال: اذا شهدت الشهادتين فحسبها.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح عن جميل بن دراج قال:
سألت ابا عبد الله (ع)، عن المراة عليها اذان و اقامة، فقال: لا، و روى فى الكافى فى الباب المتقدم عن اسمعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن ابى عمير، عن جميل بن دراج، مثله.
و منها: ما رواه فى الكافى فى الباب المتقدم، عن ابى مريم الانصارى قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: اقامة المراة ان تكبر و تشهد ان لا اله الا الله و ان محمدا عبده و رسوله.
و منها: ما رواه فى الفقيه فى الباب المتقدم مرسلا عن الصادق (ع)، انه قال: ليس على المراة اذان و لا اقامة اذا سمعت اذان القبيلة، و يكفيها الشهادتان، و لكن اذا اذنت و اقامت فهو افضل.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم مرسلا عن الصادق (ع)، انه قال ليس على النساء اذان و لا اقامة و لا جمعه و لا جماعة... الحديث.
ص: 223
و منها: ما رواه ايضا فى باب النوادر الواقع فى آخر الكتاب، عن حماد بن عمرو، و انس بن محمد، عن ابيه جميعا، عن جعفر بن محمد، عن ابيه، عن جده، عن على بن ابى طالب (ع)، ان النبى (ص) قال فى وصيته له: يا على ليس على النساء جمعه و لا جماعة و لا اذان و لا اقامة... الحديث.
و منها: ما رواه فى البحار عن العلل، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن اسمعيل، عن ابن ابى عمير، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن ابى جعفر (ع) قال: قلت له: المراة عليها اذان و اقامة، فقال: ان كانت تسمع اذان القبيله فليس عليها شىء، و الا فليس عليها اكثر من الشهادتين، و ان اللّه تبارك و تعالى قال للرجال: اقيموا الصّلوة، و قال للنساء: و اقمن الصلوة و اتين الزكوة و اطعن اللّه و رسوله (ص) الخبر.
و منها: ما رواه فى البحار ايضا عن الخصال، عن احمد بن الحسن القطان عن الحسن بن على السّكرى، عن محمد بن زكريا الجوهرى، عن الحسن بن محمد بن عمارة، عن ابيه، عن جابر الجعفى، عن ابى جعفر (ع)، قال: ليس على النساء اذان و لا اقامة.
اذا عرفت ذلك فنقول: الظاهر من مجموع هذه الأخبار بعد ضم بعضها الى بعض، هو استحباب الأذان و الاقامة لهن، و لكن ليس نحو ما ورد فى حق الرّجل، و رخص لهنّ فى تركه و الاكتفاء بالتكبير و الشهادتين، او الشهادتين خاصة عوضا عن الأذان، و ربما اجتزئت بالشهادتين ايضا عوضا عن الاقامة مع التكبير، كما يستفاد من رواية ابى مريم الانصارى، او بدونه كما يستفاد من مرسلة الصدوق، و رواية العلل، و ربما يستفاد من رواية العلل ان الاجتزاء بالشهادتين، انما يكون فى صورة سماعها لأذان القبيلة او مطلقا.
قال فى البحار بعد نقل رواية العلل: يدل على جواز الاكتفاء باذان القبيلة للنساء او مطلقا، و الاستشهاد بالآيتين، لعلّه لبيان اشتراك حكم الأذان و الاقامة، اللذين هما من لوازم الصّلوة بين الرجال و النساء، لأن الله
ص: 224
تعالى امر الفريقين بالصلوة على نحو واحد، انتهى.
و هما مستحبان للمراة اذا لم تسمع الرجال الاجانب، فلو اجهرت بحيث لا يصل الى هذا الحد، لم يكن به بأس للاطلاق، و التقييد بعدم اسماع الرجال مبنى على تحريم ذلك، و كون صوتها بالنسبة الى الرجال عورة، قاله الشارح المحقق.
و قال: و فيه خفاء، فان سمعوا مع علمها حرم و لم يعتد به، للنهى المفسد للعبادة، بناء على المقدمة المذكورة.
أقول: التحقيق ان يقال: اما يقال بتحريم الاسماع اولا، فعلى الأول لا شبهة فى انها فى اذانها الذى جهرت به بحيث علمت سماع الاجانب له ارتكبت محرما، فهل يكفيها ذلك و تعتد به ام لا بد لها من اعادته ثانيا؟ ان قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهى فى الشىء الواحد مع تعدد الجهة، فالظاهر هو الكفاية، لأن الفساد غير آت فى تلك العبادة، و لو قلنا بعدم جواز الاجتماع، فالاعادة معينة، و على الثانى فالقول بعدم الاعادة و اكتفائها باذانها هذا معين لأن غاية الكلام هو القول باستحباب التستر لها فى اذانها، لأنه انسب بالحياء المطلوب منها، و لما يستفاد من الخبر الذى رواه الصدوق فى الفقيه فى حديث المناهى، انه (ص) نهى ان تتكلم المراة عند غير زوجها و غير ذى محرم منها اكثر من خمس كلمات ما لا بد لها منه، فتدبر، المؤيد بما دل على استحباب ان لا يحضرن المساجد، و ان صلوتها فى بيتها افضل، و عدم فعلها، و هذا المستحب لا يوجب ان يكون اذانها فاسدا و غير مثابة، و بما ذكر ظهر حال ما لو فصّل، و يجوز الاسماع فى الاذكار و تلاوة القرآن و امثالهما، كما جوّز الاستفتاء من الرجال و تعلمهن منهم، و المحاورات الضرورية، و لم يجز فى غيرها
تحقيق الكلام فى هذا المقام يقع فى مواضع:
ص: 225
الأول: هل يجوز للنساء الاعتداد باذانها ام لا؟ و الحق هو الأول بلا خلاف اجده، و نفى فى الحبل المتين عنه الخلاف، و استظهره بعض الأجلاء، بل عبارة التحرير و الذكرى و هى ظاهرة فى الاجماع على ذلك، بل بعضها صريحة فى الاجماع و هو الحجة، قال فى التحرير: و يجوز ان تؤذن للنساء و تعتدن به، و عليه اجماع علمائنا، لما روى من جواز امامتها لهن، و اذا جاز ان تامهن جاز ان تؤذن لهن، لأن منصب الامام اتم، و تستر اذانها، انتهى.
يجب للمرأة المؤذنة لجماعة النساء ان لا تسمع الرجال الاجانب صوتها، لدعوى الاجماع عليه فى ظاهر المنتهى و التذكره كما عرفت.
الثانى: هل يجوز للرجال المحارم الاعتداد باذانها ام لا؟ ذهب جماعة منهم الشهيد و الشيخ البهائى الى الأول، قال فى الذكرى: الأذان مشروع للنساء، فيعتد باذان المراة لهن عند علمائنا، و كذا لو اذنت للمحارم، انتهى بل لم اجد من القدماء نقل خلاف فى اختيار الأول، و يظهر من الشارح المحقق و غيره التوقف فى ذلك.
قال فى الذخيرة: قالوا: و اذن للمحارم فكا الأذان للنساء فى الاعتداد لجواز الاستماع، و لم اطلع على نقل اجماع فيه، و لو لم يكن اجماعيا لكان للتامل فيه مجال، انتهى، أقول: وجه التامل توقف امور الشرع على التوقيف، و لم يثبت لعدم عموم يشمل ما نحن فيه.
الثالث: هل يجوز للرّجال الاجانب الاعتداد باذانها ام لا؟ ظاهر الاكثر كما صرح به بعض من تاخر الثانى، و ظاهر المبسوط الأول حيث اطلق اعتداد الرجال باذانها، للشيخ انه لا مانع فى ذلك فمن يدعيه فعليه البيان.
لاختصاص ما دل على جواز الاعتداد باذان الغير بحكم التبادر، و غيره بغير اذانها فيكون بالاصل
ص: 226
مدفوعا.
عن عمار السّاباطى، عن ابى عبد الله (ع) قال: سئل عن الأذان، هل يجوز ان يكون من غير عارف؟ قال: لا يستقيم الأذان، و لا يجوز ان يؤذن الارجل مسلم عارف، قال: لا يستقيم الأذان، فاذن به، فلم يكن عارفا لم يجز اذانه و لا اقامته، و لا يقتدى به، و مقتضى ذلك هو وجوب كون المؤذن رجلا، خرج منه ما خرج بدليل، و لا دليل على خروج ما نحن فيه، فيجب العمل بمقتضاه، لأن العام المخصّص فيما بقى حجة.
و الا فلا اجتزاء لعدم السماع، قال فى الذكرى: ظاهر المبسوط الاعتداد به لأنه لا مانع منه، مع انه نهى ان يرفعن اصواتهن بحيث يسمعن الرجال، فان اراد به مع الاسرار فبعيد الاجتزاء بما لم يسمع، لأن المقصود بالأذان الابلاغ، و عليه دل قوله (ص): القه على بلال فانه اندى منك صوتا، و ان اراد مع الجهر فابعد للنهى عن سماع صوت الاجنبية، الا ان يقال: ما كان من قبيل الاذكار و تلاوة القرآن مستثنى، كما استثنى الاستفتاء من الرجال، و تعلمهن منهم، و المحاورات الضروريّة.
ثم قال: و لعلّ الشيخ يجعل سماع الرجل صوت المراة فى الأذان كسماعها صوته فيه، فان صوت كل منهما بالنسبة الى الآخر عورة، انتهى.
و ربما يناقش على ما اقامه فى المنتهى بوجوه:
الأول: المنع من ارتكابها معصية اذا جهرت بصوتها، قال بعض الأجلاء فى جملة كلام له: المسئله مبيّنه عندهم على تحريم اسماع المراة الرجال، و هو مشهور عندهم، و الذى ثبت عندى من تتبع الأخبار الكثيرة الدالة على تكلم النساء فى مجالس الأئمة (ع)، و كذا كلام فاطمة (ع) مع جملة من الصحابة، و خروجها للمخاصمة فى فدك فى المسجد لجملة من فيه من الصحابة، و اتيانها
ص: 227
بعد المخاصمة و المجادلة بتلك الخطبه الطويله المروية عند العامة و الخاصة، هو خلاف ما ذكروه، و به يظهر جواز اذانهن للاجانب و لو الأذان الاعلامى، الا انه يبقى التوقف من جهة اخرى و هو ان الأذان الاعلامى عبادة شرعية مبنية على التوقيف، و لم يرو عنهم الأذان للنساء فى ذلك و لا وقوعه عن النساء فى زمانهم، و لا الاشارة الى شىء من ذلك فى اخبارهم، بل انما يقع فى جميع الاعصار، و به خرجت الأخبار من الرّجال خاصة، فيبقى التوقيف فيه من هذه الجهة، لا من جهة كونه سماع صوتهن عورة، فانه لم يثبت على اطلاقه، و ان دل ظواهر بعض النصوص النادرة على ذلك، فهو محمول على حصول الريبة بذلك، و الاشكال فى التحريم مع ذلك.
و قال فى موضع آخر: قال فى التحرير: و لا تؤذن للرجال، لأن صوتها عورة، و لا تجتزأ به، قال فى المبسوط: يعتد به، و يقيمون لأنه لا مانع منه، لنا انها ان جهرت فهو منهى عنه و النهى يدل على الفساد، و ان اخفت لم تجزى به لعدم السماع.
أقول: و قد تقدم نحو هذا الكلام عن المنتهى ايضا، و هو مبنى على ما هو المشهور فى كلامهم، من تحريم سماع صوت الاجنبية، و قد قدمنا انه لا دليل عليه، بل ظاهر الأخبار الجواز، و لعل كلام الشيخ ايضا مبنى على ذلك، الا انه تمكن تطرق الاشكال الى اعتداد الرّجال به، و ان جوزنا سماع صوت الاجنبية من حيث عدم ورود النقل بذلك، و العبادات مبنية على التوقيف، كذا صرح به فى المدارك.
و يمكن الجواب بان ما دل على الاعتداد بسماع الأذان، و ان كان ظاهره كون المؤذن رجلا، الا انه لا يعلم خصوصية للرّجل فى ذلك، فيتعدى الحكم بطريق المناط القطعى الى كل مؤذن من رجل اوامراة، كما فى ساير جزئيات الاحكام، و ان صرح بالرّجل فانه لا يختلفون فى تعدية الحكم الى النساء، ما لم يعلم الخصوصية، و لا يخفى على المتتبع ان اكثر الاحكام الشرعية المتفق على
ص: 228
عمومها للرجال و النساء، انما وردت فى الرّجال لكونه هو المسئول عنه، او ان يقع ذلك ابتداء من الامام (ع)، و لو خصت الاحكام بموارد الأخبار، و ان لم تعلم الخصوصية لضاقت الشريعة، و لزم القول بجملة من الاحكام من غير دليل و هو ظاهر البطلان.
قال فى الذكرى: و لعل الشيخ يجعل سماع الرّجل صوت المراة فى الأذان كسماعها صوته فيه، فان صوت كل منهما بالنسبة الى الآخر عورة، انتهى.
أقول: ما ذكره من ان صوت الرجل عورة بالنسبة الى المراة كبدنه، فيحرم عليها سماع صوته كما يحرم عليها النظر الى جسده، لم اقف له على دليل، بل الدليل على خلافه واضح السبيل، نعم تحريم النظر الى جسده منصوص، اما سماع الصوت المراة لا دليل عليه، بل الدليل دال على خلافه، فالعكس اولى بالجواز، انتهى كلام بعض الأجلاء.
أقول: الانصاف ان القول بكون صوتها عورة مطلقا، و لو لم يحصل منه ريبة، محل اشكال، ينشأ من الذى اشار اليه بعض الأجلاء، من الشهرة التى طابقها ما يستفاد من الحديث الذى رواه الفقيه فى حديث المناهى، قال: و نهى عليه السلام ان تتكلم المراة عند غير زوجها، و غير ذى محرم منها، اكثر من خمس كلمات ما لا بد لها منه.
قال البهائى طاب ثراه فى الأربعين، بعد نقل الرّواية: الظاهر ان المراد بما لا بد منه فى نهى المراة عن التكلم بازيد من خمس كلمات مادعت الضرورة اليه كالاقرار و الشهادة و نحوهما، فيشكل حينئذ التحديد بالخمس، فانه يجوز على حسب الضرورة اجماعا، و قد يحمل على ما احتاجت عرفا الى التكلم به من غير ضرورة شرعية، كسؤال الاجنبى القادم عن اهلها مثلا، لكن فى جواز مثل هذا الكلام لها مطلقا نظر، و لا يبعد ان يقول: ان من العلماء(1) من ذهب الى
ص: 229
استماع صوت الاجنبية انما يحرم مع خوف الفتنه، لا بدونه، و لهم على ذلك دلائل ليس هذا محل ذكرها، ممن ذهب الى ذلك العلامة جمال الحق و الدين قدس اللّه روحه، فى كتاب تذكرة الفقهاء، فيحمل الحديث على هذا بقيد عدم مظنة الفتنه، و يكون الّزايد على الخمس مكروها، و كذا ما دون الخمس بدون الحاجة، و يمكن جعل الخمس هنا كناية عن القله كما جعلت السبعون فى قوله تعالى: «إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً» كناية عن الكثرة، و الكلام السابق(1)جار فيه كما لا يخفى، انتهى، لبسط الكلام موضع آخر، فلا بد ان يطلب من موضعه.
و اما ما ذكره بعض الأجلاء، المتقدم نقل كلامه فى جواب كلام المدارك، ففيه نظر، اما اولا: فلان المناط القطعى هنا غير موجود كما لا يخفى، و اما ثانيا: فلان الخطاب اذا اختص بشىء فمقتضى قاعدة العرف و اللغة هو عدم التعدى الى الغير، الا ان يعلم عدم الخصوصية، فالقول بان الخطاب اذا اختص بشىء فما لم يعلم الخصوصية بالتعدى غير وجيه، و الاستناد فى ذلك بان اكثر الاحكام المتفق على عمومها للرجال و النساء انما ورد فى الرّجال، و لو خصّت الاحكام بموارد الأخبار، و ان لم تعلم الخصوصية لضاقت الشريعة، و لزم القول بجملة من الاحكام من غير دليل، و هو ظاهر البطلان، لا يسمن و لا يغنى من جوع، و ذلك لأن اكثر الاحكام و ان كانت واردة فى الرّجال، و لكن فى اكثر المواضع وقع الاجماع على المشاركة، فلا يلزم القول بشىء من غير دليل.
و الحاصل ان مقتضى الاصل، ان الخطاب اذا اختص بشىء كما اذا اختص برجل مثلا، هو عدم التعدى الى المراة حتى يعلم عدم مدخلية الرجل فيه، فاذا علم
ص: 230
عدم مدخليته فيه باجماع او غيره من الادلة فيتعدى، فنقول فيما نحن فيه: ان ذلك الجليل سلم ان ما دل على الاعتداد بسماع الأذان، ظاهره كون المؤذن رجلا، فالاجماع ايضا عدم العلم بالخصوصية لا يصير باعثا للحكم بالمشاركة، بل لا بد من العلم بعدم الخصوصية، ان حصل العلم بذلك فهو المتبع، و الا فليحكم بما يكون ظاهر الدّليل، فالقول بالمشاركه غير وجيه، و لعل الظاهر من كلامه، الا انه لا يعلم خصوصية للرجل فى ذلك فيتعدى الحكم بطريق المناط القطعى الى كل مؤذن من رجل او امرأة، هو انه حصل له العلم بذلك.
و فيه من الاشكال ما لا يخفى، سيما بملاحظة عدم قبول الدّليل القطعى التخصيص، فافهم.
و بالجمله غرضنا ان ما اسسه فى هذا المقام قاعدة غير جيّد، بل لا بد من تاسيسها بما اسّسناها.
الثانى: بان النهى انما يكون عن كيفية الأذان، و هو لا يقتضى فساده، و فيه نظر، و الصّواب ان يقال: النهى فى المقام على تقدير تسليمه لا يقتضى الفساد، لجواز اجتماع الأمر و النهى مع تعدد الجهة، فافهم.
الثالث: ان ذلك لا يتم فيما اذا جهرت و هى لا تعلم بسماع الاجانب، و لعل هذا الايراد لا يكون خاليا عن حسن، و لكن يحتمل خروج ما فرضه عن محل النزاع.
الرّابع: ان اشتراط السّماع فى الاعتداد ممنوع، و الا لم يكره للجماعة الثانية ما لم تفرق الاولى، و فيه نظر.
و بالجمله: القول بعدم الاعتداد قوى لما عرفت.
فيؤذن للمحارم من الرجال و النساء، و لا جانب النساء لا لاجانب الرجال، ثم قال: و لعل الشيخ يجعل سماع الرجل صوت المرأة فى الأذان كسماعها صوته فيه، فان صوت
ص: 231
كل منهما بالنسبة الى الآخر عورة، انتهى.
أقول: لا يخفى ما بين هذين الكلامين من التدافع، فان ظاهر الكلام الأخير انه يحرم على المراة سماع صوت الرّجل، و انه عورة بالنسبة اليها كما يحرم عليها النظر اليه، و مقتضى هذا ان الخنثى لا تؤذن لاجانب النساء، من احتمال الرجولية، انتهى و فيه تامل.
(و يتاكدان فى الجهرية خصوصا الغداة و المغرب) و قد مرّ جملة من الأخبار الصالحة لاستناد الحكم فى المغرب و الغداة، منها: رواية صفوان بن مهران المتقدمة المشتملة على قول الصادق (ع): و لابد فى الفجر و المغرب من اذان و اقامة فى الحضر و السفر، لأنه لا يقصر فيها فى حضر و لا سفر، و يجزيك اقامة بغير اذان فى الظهر و العصر و العشاء الآخره، و الأذان و الاقامة فى جميع الصلوات افضل، و اما التّاكد فى العشاء فلم نجد ما يدل عليه، قال بعض الأجله بعد نقل الخير المتقدم: و صريحه كظاهر البواقى مساواة العشاء للظهرين فى استحباب الأذان، فما فى النافع و الشرايع و عبائر كثير من تاكده فى العشاء غير ظاهر الوجه، عدا ما وجدته فى التحرير و المنتهى، من ان الجهر دليل اعتناء الشارع بالتنبيه و الاعلام و شرعيتهما لذلك، و فى الاستناد اليه سيما فى مقابلة النصوص اشكال، الا ان المقام مقام الاستحباب، لا بأس فيه بمتابعة الاصحاب.
(و يسقط اذان العصر يوم الجمعة) عن جماعة، و منهم المبسوط حيث اطلق سقوطه، و ظاهر العلامه، و عن النهاية انه غير جايز، قال ابن ادريس:
انه يسقط عمن صلى الجمعة دون من صلى الظهر، و نقل ذلك عن ابن البراج فى الكامل، و عن المفيد فى الاركان، و ابن البراج انهما استحبا الأذان ليوم الجمعة كغيره من الايام.
قال فى المدارك: و هو اختيار المفيد فى المقنعة، على ما وجدته فيها، فانه قال بعد ان اورد تعقيب الاولى: ثم قم فاذن للعصر و اقم الصلوة، قال: و الى هذا القول ذهب شيخنا المعاصر سلمه اللّه و هو المعتمد.
ص: 232
قال الشارح المحقق: و العبارة المنقوله عن ابن البراج، دالة على السّقوط لمن يصلى الجمعة فى صورة الجمع، و لا يفهم منه حكم التفريق.
قال فى المدارك: احتج الشيخ فى التهذيب على ما حكاه من كلام المتضمن للسّقوط، بما رواه فى الصحيح عن ابن اذينه عن رهط منهم الفضل و زرارة، عن ابى جعفر (ع): ان رسول الله (ص) جمع بين الظهر و العصر باذان و اقامتين، و جمع بين المغرب و العشاء باذان واحد(1) و اقامتين، عن حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه (ع) قال: الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة.
و يتوجه عليه ان الرواية الاولى، انما تدل على جواز ترك الأذان للعصر و العشاء، مع الجمع بين الفريضين فى يوم الجمعة و غيره، و هو خلاف المدعى، و اما الرواية الثانية فضعيفة السند قاصرة المتن، فلا تصلح لمعارضة الأخبار الصحيحة، المتضمنة لمشروعية الأذان فى الصلوات الخمس، و قد حملها المصنف و غيره على ان المراد بالأذان الثالث، الأذان الثانى للجمعة، لأن النبى (ص) شرع للصلوة اذانا و اقامة، فالزيادة ثالث، انتهى.
احتج ابن ادريس بان الأجماع منعقد على استحباب الأذان لكل صلوة من الخمس، خرج عنه المجمع عليه و هو من صلى الجمعه، فيبقى الباقى على العموم، قال فى المدارك: و يرد عليه منع الاجماع على السّقوط مع صلوة الجمعة، لتصريح بعض الاصحاب بالاستحباب مطلقا كما نقلناه، انتهى.
أقول: عن المصنف طاب ثراه. انه نسب فى المنتهى استحباب الجمع فى يوم الجمعة بين الظهرين باذان واحد و اقامتين الى علمائنا، مؤذنا بدعوى الاجماع قال: لأن يوم الجمعة فيه بين الصّلوتين، و يسقط بينهما من النوافل، فيكتفى فيها باذان واحد، انتهى.
و انت خبير بانه على هذا لا يختص سقوط الأذان للثانية بصلوة العصر يوم
ص: 233
الجمعه، بل يجرى فى كل صلوتين جمع بينهما، فانه لا ينبغى ان يؤذن للثانية اجماعا، على ما استظهره بعض الأجله، حاكيا عن صريح المختلف، و هو الحجة المتعضدة بالشهرة المحققه و المحكية، فى كلام غير واحد(1) من الطائفه الناطقه بكفاية الأذان الاولى عن الثانية فى الصورة المفروضة، بل لم اجد مخالفا فى ذلك من الطائفة.
و الأخبار الناطقه على ما اختاروه كثيرة: منها: صحيحة الرهط المتقدمة، المروية فى التهذيب فى باب العمل فى ليلة الجمعة و يومها.
و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب الأذان و الاقامة فى الصحيح عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق (ع): ان رسول الله (ص) جمع بين الظهر و العصر، باذان واحد و اقامتين، و جمع بين المغرب و العشاء فى الحضر من غير علة، باذان واحد و اقامتين.
و منها: ما رواه الكافى فى باب الجمع بين الصّلوتين، و التهذيب فى باب الزيادات، عنه عن صفوان الجمال قال: صلى بنا ابو عبد الله (ع) الظهر و العصر عند ما زالت الشمس باذان و اقامتين، و قال: انى على حاجة فتنفلوا.
فافهم، و بما نقلناه عن المنتهى ظهر وجه تخصيص يوم الجمعة بالذكر، قال بعض الأجلاء، بعد نقل كلام المدارك، ما صورته: الذى يقتضيه النظر فى الأخبار، هو ان القول بالسقوط فى عصر الجمعة، انما يتم مع الجمع، و ذلك فان السنة يوم الجمعة فى صلوة الظهر، حيث لا نافلة بعد الزوال كما فى ساير الايام، هو ان يبادر بالصلوة بعد تحقق الزوال، و السنة فى صلوة العصر حيث لا نافلة يومئذ، ان يصليها فى وقت الظهر فى ساير الايام، كما استفاضت بجميع ذلك الأخبار.
و من هنا يعلم ان السقوط انما هو من حيث الجمع، و ان استدلال الشيخ
ص: 234
على ما نقله عن المقنعة بصحيحة الرهط المذكوره جيد، و اعتراض السيد عليه بانه خلاف المدعى ليس فى محله، لأن المدعى ليس الا عن عصر الجمعة يسقط اذانها، يعنى اذان اتى بها على الوجه المندوب اليه و المامور به، و الموظف فيها، من الجمع بينها و بين الظهر فى وقت واحد، كما ذكرناه.
و قد صرّح بذلك الشيخ المفيد فى المقنعة، فى باب عمل(1) ليلة الجمعة، و الفرق بين الصلوتين، فى ساير الايام، مع الاختيار، و عدم العوارض، افضل قد ثبت السنة به، الا فى يوم الجمعة، فان الجمع بينهما افضل، و هو السنة، و هذا الكلام و قد تقدم نقله فى كلام السيد فى المدارك، فى المسئلة الخامسة، من المسائل المرسومة فى شرح قول المصنف: الثانية فى المواقيت... الى آخره.
و مراد شيخنا المشار اليه، الفرق بين الصلوتين بالنوافل الموظفه، او بالتاخير الى المثل الثانى الذى هو وقت فضيلة العصر عندهم، كما تقدم، هذا فى غير الجمعة، و اما يوم الجمعة فان السنة فيه هو الجمع و عدم التفريق، لا بنافلة و لا بزمان، و حينئذ فما نقله السيّد عن عبارة المقنعة، من ذكر الأذان للعصر فى العبارة المذكورة، يمكن حمله على حصول التفريق بالوقت، كما هو ظاهر سياق العبارة، من الاشتغال بالاعمال و الاذكار بعد صلوة الظهر، الى دخول وقت العصر.
و اما ما نقله السيّد عن شيخه نور اللّه تربتهما، و اختاره، ان اريد به استحباب الأذان يوم الجمعة مطلقا و لو فى صورة الجمع، فهو باطل مردود بالصحيحة المذكورة و غيرها، ممّا دلّ على ما دلت عليه، و ان اريد مع التفريق فهو فى محلّه، و ليس فيه منافاة لكلام الشيخ كما عرفت.
و اما رواية غياث المذكورة، فانها لاجمالها و تعدد الاحتمال فيها، لا يمكن
ص: 235
الاعتماد عليها فى اثبات حكم شرعى، انتهى.
و بالجمله الاقوى و المشهور بينهم، بحيث لم يظهر مخالف، ان من جمع بين الصّلوتين فانه يكفيه اذان واحد لاوليهما مطلقا، و اما اذا لم يجمع بينهما فالاقوى عدم سقوطه مطلقا، و لو فى يوم الجمعة اذا صلى فيه الظهر، و اما اذا صلى الجمعة فلعل الاحوط هو الترك.
قال بعض المحققين فى جملة كلام له: و من هذا ترى ان ابن ادريس ادعى الاجماع على سقوطه عمن صلى الجمعة لا الظهر، و لم يظهر مخالف له، لأن ظاهر ما ينقل عن المقنعة الأذان للعصر بعد الفراغ عن الظهر، لقوله:
تعقيب الاولى، مع ان التعقيب يكون للظهر، فيكون الظاهر منه التفريق بينه و بين العصر، فلاحظ و تامل، و كيف كان الاحوط اختيار الجمع و ترك الأذان للعصر، انتهى.
قال بعض الافاضل: ذكر اكثر الاصحاب انه اذا اذن فى وقت العصر، يؤذن للعصر اولا يقيم للظهر، ثم يقيم للعصر، و كذا المغرب و العشاء، و فيه ما لا يخفى.
و قال بعض الأجلاء: قال فى الذكرى: و لو جمع الحاضر او المسافر بين الصلوتين، فالمشهور ان الأذان يسقط فى الثانية، قاله ابن ابى عقيل و الشيخ و جماعة، سواء جمع بينهما فى وقت الاولى او الثانية، لأن الأذان اعلام بدخول الوقت، و قد حصل بالأذان الأول، و ليكن الأذان للاولى ان جمع بينهما فى وقت الاولى، و ان جمع بينهما فى الوقت الثانية، اذن للثانية ثم اقام و صلى للاولى لمكان الترتيب، ثم اقام للثانية، انتهى.
أقول: ما ذكره فى تعليل سقوط الأذان الثانية، من أنّ الأذان اعلام بدخول الوقت، عليل كما عرفت، اذ لا دليل عليه، و الأذان الاعلامى منفرد، لا تعلق له باذان الصلوة المخاطب به كل فرد فرد من افراد المكلفين، كخطابهم بالصّلوة، لما اسلفناه من الأخبار المتعلقه بكل منهما على حدة، فالفروع
ص: 236
و الاحكام المترتبة على كل منهما على حدة.
و اضعف من ذلك قوله: و ليكن الأذان للاولى ان جمع بينهما فى وقت الاولى، انتهى، فانه لا دليل عليه، و ان وافقه الشهيد الثانى على ذلك و صار اليه، و النصوص خالية من هذا التفصيل، و الظاهر ان هذا الكلام مبنى على ما ذكره اولا، من ان الأذان للاعلام، فانه متى كان القصد به الاعلام، يكون وظيفة صاحبة الوقت، فيقصد به خاصة، فيقدم صاحبة الوقت خاصة و هو كالمبنى عليه فى الضعف و عدم الدليل، انتهى، و هو جيد.
قال فى الذكرى: ان الساقط مع الجمع الغير المستحب اذان الاعلام، و يبقى اذان الذكر و الاعظام، انتهى، و لا افهم وجه هذا الكلام.
قال الشارح المحقق طاب ثراه: قال فى السرائر، بعد ان ذكر استحباب الجمع فى المواضع الثلاثة: وحد الجمع ان لا يصلى بينهما نافلة، و اما التسبيح و الادعية فمستحب ذلك، و ليس بجمع و يستفاد ذلك من كلام الشهيد فى الذكرى ايضا، لكن لا يخفى انه يعتبر مع ذلك صدق الجمع عرفا، بحيث لا يقع بينهما فصل يعتد به، و لا بتخلل عوارض خارجه عن الأمور المرتبطه بالصلوة.
قال المحقق نقلا عن الشيخ: و من جمع بين صلوتين فى وقت الاولى و الثانية، اذن و اقام للاولى و يقيم للاخرى بغير اذان، قال: و وجه ذلك، ان الأذان اعلام بدخول الوقت، فاذا صلى فى وقت الاولى اذن لوقتها ثم اقام للاخرى، لأنه لم يدخل وقت يحتاج الى الاعلام به، و لو جمع بينهما فى وقت الثانية، اذن لوقت الثانية ثم صلى الاولى لأنها مرتبة عليها، و تبعه فى ذلك التوجيه المصنف فى عدة من كتبه، و هو مشعر بان مناط الاعتبار فى الجمع حصولهما فى وقت فضيلة أحديهما، و هو على الاطلاق مشكل، لابد من اعتبار صدق الجمع عرفا، و احتمل بعض المتأخرين فى شرح الشرايع تحقيق التفريق بالتعقيب و هو بعيد، لأنهم يستحبون الجمع بين صلوة الجمعة و العصر، و
ص: 237
استحباب عدم التعقيب بعد صلوة الجمعة بعيد، انتهى.
أقول: و من الأخبار المتعلقة بالمقام، ما رواه الكافى فى باب الجمع بين الصلوتين، فى الموثق على ما قاله بعض الأجلاء و غيره، عن محمد بن حكيم قال:
سمعت ابا الحسن (ع) يقول: الجمع بين الصلوتين اذا لم يكن بينهما تطوع فلا جمع.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن محمد بن حكيم، عن ابى الحسن (ع) قال: سمعته يقول: اذا جمعت بين الصّلوتين فلا تطوع بينهما، و رواه التهذيب ايضا فى باب المواقيت فى الزيادات.
اذا عرفت ذلك فاعلم انه لا اشكال فى عدم صدق الجمع مع النافلة بين الصّلوتين، و تدل عليه زيادة على العرف رواية محمد بن حكيم المتقدمة المؤيدة برواية صفوان المتقدمه.
و هل المراد بالجمع ان لا يصلى بينهما نافلة كما عن الحلى و الذكرى؟ ام يعتبر مع ذلك صدق الجمع عرفا، بحيث لا يقع بينهما فصل يعتد به و لا يتخلل به بعض العوارض الخارجة الغير المرتبطة بالصلوة؟ وجهان و الأخير هو الاقوى وفاقا لغير واحد من متاخرى المتأخرين، عملا باطلاق الأخبار الأمرة بالأذان.
و اما ما استفاده الشارح المحقق عن بعض الاصحاب، بان مناط الاعتبار فى الجمع حصولها فى وقت فضيلة أحديهما، فما ذكره فى جوابه من الاشكال الوارد فى الاطلاق وجيه، و ان كان يظهر من بعض المتأخرين الذهاب الى قول ذلك البعض، فلابد من اعتبار صدق الجمع مطلقا.
و اما ما استبعده من تحقق التفريق بالتعقيب فوجيه ايضا.
و اما ما علله لما اختاره، فقد زاد بعض الأجله فى ذيله: بل غير ممكن للتصريح باستحبابه على عبارة المفيد فافهم.
قال بعض المحققين: حد الجمع على ما قاله ابن ادريس، ان لا يصلى بينهما نافلة لا التسبيح و لا ادعية، و نقل ذلك عن الذكرى ايضا، ثم نقل بعض
ص: 238
من الرّوايات و قال: لكن مرّ فى الصحيح و غيره تحقق الجمع المسقط للاذان الثانى فى صور الجماعة مع وقوع النافلة بينهما، و عرفت ان الأذان حينئذ للاعلام فى الاجماع، فيسقط لعدم الحاجة، و قال فى سابق هذه المسئله: و يدل على عدم وجوب الأذان، صحيحة ابى عبيدة عن الباقر (ع)،(1) ان رسول الله (ص) اذا كانت ليلة مظلمة و ريح و مطر، صلى المغرب ثم مكث قدر ما يتنفل الناس، ثم اقام مؤذنه ثم صلى العشاء، ثم انصرفوا.
و مثلها رواية ابن سنان عن الصادق (ع)، و صحيحة احمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن على بن فضال، عن عبد اللّه بن بكير، عن الحسن بن زياد، عن الصّادق (ع)، انه قال: اذا كان القوم لا ينتظرون احدا اكتفوا باقامة واحدة: اذ يظهر منهما، ان الأذان فى الجماعة لاعلام الناس فى اجتماعهم، كما انه فى صورة الجمع بين الفريضين كذلك، كما فى صحيحة رهط منهم الفضيل وزرارة، عن الباقر (ع)، و الظاهر ان القائل بوجوبهما للجماعة، و المشترط لها لا يضايق عن الأذان فى الفريضة الثانية، فى صورة الجمع، انتهى.
أقول: اطلاق الجمع فى هذا المقام غير جيد، لأن الظاهر من رواية ابى عبيدة عدم الفصل بينهما يعتد به، بحيث يصدق معه عدم الجمع، فحينئذ اما وقعت النافلة ام لا؟ و على الأول فلا جمع، و على الثانى يصدق الجمع، فلا يؤذن، فلا معنى لانفراد هذا الكلام بالذكر، فافهم.
(و) يسقط اذان العصر (فى عرفه) و كذا اذان العشاء فى مزدلفه، بلا خلاف اجده، بل نفى بعض الأجلاء عن ذلك الخلاف، و يدل عليه ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الزيادات فى الصحيح، عن ابن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: السنة فى الأذان يوم عرفه، ان يؤذن و يقيم للظهر، ثم يصلى، ثم يقوم فيقيم للعصر بغير اذان، و كذلك فى المغرب، و العشاء بمزدلفه
ص: 239
و ما رواه ايضا فى اواخر باب الكفارة على خطاء المحرم فى الصحيح، عن منصور بن حازم، عن ابى عبد الله (ع) قال: صلوة المغرب و العشاء بجمع باذان واحد و اقامتين، لا يصلى بينها شيئا، و قال: هكذا صلى رسول الله (ص).
و ما رواه الفقيه فى باب الأذان و الاقامة فى الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر (ع) انه قال: و جمع رسول الله (ص) بين الظهر و العصر بعرفه، باذان واحد و اقامتين، و جمع بين المغرب و العشاء بجمع، باذان واحد و اقامتين.
و بالجمله المسئله بحمد اللّه واضحة.
اعلم انه صرح جماعة بان سقوط الأذان فى هذين لمكان الجمع لا لخصوصيّة البقعة كعصر الجمعه، قال فى الدروس: و يسقط استحباب الأذان فى عصر عرفه و عشاء مزدلفه و عصر الجمعة - الى ان قال - و سقوط الأذان هنا بخصوصية الجمع، لا للمكان و الزمان، بل كلّ من جمع بين صلوتين لم يؤذن ثانيا على المشهور، الى آخر ما ذكر.
و خصوص عصرى الجمعة و عرفه و عشاء المزدلفه على سبيل الرخصة، و ان كان مستحبا، او الكراهة كما فى ساير مكروهات العبادات، او التحريم؟ ففيه خلاف.
ذهب جماعة منهم المصنف و الشهيد فى البيان الى التحريم فى الثلاثة الاخيرة، قيل: و اطلق الباقون سقوطه مع مطلق الجمع، و عن الشارح الفاضل:
لا قايل بالتحريم فى غير الصور الثلاثة، و اختار فى المدارك التحريم عصر عرفه و عشاء مزدلفه خاصة، و اقتفاه فى ذلك الشارح المحقق و غيره.
و اما فى مواضع الجمع فافترقوا هؤلاء الجماعة، فذهب بعضهم(1) الى الاستحباب مطلقا، و قال آخر: لا يبعد ان يقال انه يكره فى موضع يستحب الجمع بالمعنى المستعمل فى العبادات، بمعنى ان الاتيان به اقل ثوابا من الاتيان بالصّلوة من غير تفريق، و اما فى غير مواضع استحباب الجمع فتركه
ص: 240
مرخص فيه، بمعنى عدم التأكيد فى استحبابه كما فى غيره، انه مكروه او مباح، و قال ايضا و قيل بالترخيص، انتهى.
قال بعض الافاضل فى جملة كلام له: و على اى تقدير، هل السقوط عزيمة أو رخصة؟ و ظاهر الاكثر أنّه عزيمة و قيل رخصة، فيستحب للثانية، و قيل بسقوط اذان الاعلام الا الذكر و الاعظام، و الاحوط العدم، فانه عبادة لم تشرع، و ليس كله ذكر.
و قال فى الروضه: و قد صرّح جماعة منهم العلاّمة بتحريمه فى الثلاثة، و اطلق الباقون سقوطه مع مطلق الجمع.
و اختلف كلام المصنف رحمه الله، ففى الذكرى توقف فى كراهته فى الثلاثة استنادا الى عدم وقوفه فيه على نص و لا فتوى، ثم حكم بنفى الكراهة و جزم بانتفاء التحريم فيها و ببقاء الاستحباب فى الجمع بغيرها، مؤولا الساقط بانه اذان الاعلام، و ان الباقى اذان الذكر و الاعظام.
و فى الدروس قريب من ذلك؟ فانه قال: ربما قيل بكراهته فى الثلاثة(1)، و بالغ من قال بالتحريم.
و فى البيان: الاقرب ان الأذان فى الثلاثة حرام مع اعتقاد شرعيته، و توقف فى غيرها، و الظاهر التحريم فيما لا إجماع على استحبابه منها، لما ذكرناه، و اما تقسيم الأذان الى القسمين فاضعف، لأنه عبادة خاصة اصلها الاعلام، و بعضها ذكر و بعضها غير ذكر، و تأدى وظيفته بايقاعه سرا، ينافى اعتبار اصله، و الحيعلات ينافى ذكريته، بل هو قسم ثالث، و سنة متبعة، و لو يوقعها الشارع فى هذه المواضع، فيكون بدعة، نعم قد يقال ان مطلق البدعة ليس بمحرم، بل ربما قسمها بعضهم الى الاحكام الخمسة، و مع ذلك لا يثبت الجواز.
و ذكر فى سابق كلامه هذا، هكذا: و هل سقوطه فى هذه المواضع رخصة فيجوز الأذان ام عزيمه فلا يشرع؟ وجهان، من انه عبادة توقيفيه و لا نص عليه
ص: 241
ههنا بخصوصه، و العموم مخصص بفعل النبى (ص)، فانه جمع بين الظهرين و العشاءين بغير مانع، باذان و اقامتين، فكذا فى تلك المواضع، و الظاهرانه لمكان الجمع لا لخصوصية البقعة، و من انه ذكر لله تعالى فلا وجه لسقوطه اصلا، بل تخفيفا و رخصة، و يشكل بمنع كونه بجميع فصوله ذكرا، و بان الكلام فى خصوصية العبادة لا فى مطلق الذكر، انتهى.
قال بعض الأجلاء: الاظهر عندى فى هذه المسئله ما رجحه الثانى من التحريم فى المواضع الاربعة المتقدمة، الراجعة فى التحقيق الى مطلق الجمع، اما اولا: فلان العبادات توقيفية، مبنيه على التوظيف من الشارع، و لم يعلم منه الأذان للثانية فى صورة الجمع مطلقا، بل المعلوم من الأخبار خلافه، و انه لا اذان ثمة، فمنها ما دل على حكاية فعله (ص) و فعل الائمة، كما فى تقدم صحيحة الرّهط، و رواية صفوان الجمال، و صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: شهدت المغرب ليلة مطيرة، ثم نقل الرّواية المتقدمة فى شرح قول المصنف: للمنفرد و الجامع، فى احتجاج الشيخ لوجوب الأذان و الاقامة فى الجماعة، و قال: و منها ما دل على امر المكلفين بذلك، كصحيحتى عبد اللّه بن سنان و منصور بن حازم المتقدمتين، و نحوهما صحيحة حريز عن ابى عبد الله (ع)، فى رجل يقطر منه البول، من انه يتخذ كيسا يجعل فيه قطنا - الى ان قال - و يجمع بين الصلوتين الظهر و العصر باذان و اقامتين، يؤخر الظهر و يعجل العصر، و كذا يؤخر المغرب و يعجل العشاء، و يجمع بينهما باذان و اقامتين.
و لم يرد فى شىء من الرّوايات الجمع الاشارة فضلا عن التصريح الى اذان الثانية بالكلية، و منه يعلم انه لا اذان للثانية فى صورة الجمع مطلقا، من المواضع الثلاثة و غيرها، لعدم ثبوت التعبّد به، و الاستناد الى الأخبار المطلقة هنا ضعيف، لأن هذه الأخبار خاصة فيخصص بها اطلاق تلك الأخبار، كما هو القاعده المتفق عليها.
و اما ثانيا: فلصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة، و التقريب فيها ان
ص: 242
الظاهر كما صرح به جمله من الاصحاب، ان ترك الأذان فى الصورتين المذكورتين ليس الا بخصوص الجمع لا للبقعة، و قد دلت على ان السنة هو ترك الأذان، فيكون الآتى به مخالفة للسنة، و ليس بعد ذلك الا كونه بدعة، و به يثبت ان الاتيان به فى مقام الجمع حيثما كان بدعة، و يعضد ما ذكرناه من ان ترك الأذان فى عصر عرفه و عشاء المزدلفه انما هو من حيث الجمع لا لخصوص البقعه، خبر حريز المذكور فى السلس، فانه من الظاهر ان ذلك ايضا ليس من خصوصية السلس، بل من حيث مقام الجمع، و ان السنة فى مقام الجمع حيثما كان و كيفما كان هو سقوط اذان الثانية، فيجب اطراد الحكم فى روايات المستحاضه الدالة على الجمع، و ان لم يصرح فيها بالأذان و الاقامة، بالتقريب المذكور فى هذه الأخبار.
و اما ما ذكره الفاضل الخراسانى فى الذخيره هنا، من الاحتمالات و المناقشات التى ليس لنقلها كثير فائدة، فضعفها يعلم مما حققناه، انتهى.
قال الشارح المحقق فى الذخيرة، بعد نقل صحيحة رهط المتقدمة، و رواية صفوان الجمال: و لا يبعد ان يقال: انه - اى الأذان - يكره فى موضع يستحب الجمع بالمعنى المستعمل(1) فى العبادات، و اما فى غير مواضع استحباب الجمع فتركه مرخص فيه، بمعنى عدم التأكيد فى استحبابه، كما فى غيره، لا انه مكروه او مباح، و يدل عليه ان ما دل على شرعية الأذان من النصوص دال على شرعيته مطلقا، و ما دل على السّقوط لا يقتضى مرجوحية فعله مطلقا، لأن المستفاد منها ان النبى (ص) تركها و جمع بين الصلوتين، و يجوز ان يكون ذلك فى موضع استحباب الجمع لغرض حصول الجمع، و يكون ذلك لعلة، و هو لا ينافى الاستحباب.
و قد يستدل على التحريم بانه لم ينقل ذلك عن فعل النبى (ص) و الأئمة
ص: 243
عليهم السلام، و لم يفعل فى عهدهم، فيكون بدعة، و بالروايتين المذكورتين، و فيه نظر، لأن عدم النقل ليس دليل العدم، و عدم فعله فى عهدهم (ع) ممنوع، و مجرد عدم النقل لا يستلزم كونه بدعة اذا دلت العمومات و الظواهر على شرعيّته، و اما الروايتان فقد عرفت الحال فيهما، و اما الأذان فى عصر عرفه و عشاء مزدلفه فالظاهر التحريم.
فان قلت: لم يظهر القايل بالفصل بين المواضع الثلاثة، قلت: تفصيل هذه المسئله غير مذكور فى كلام القدماء، بل هو مستحدث بين المتأخرين، فلا قدح فى عدم ثبوت الموافق.
و قال ايضا، بعد ان استدل لسقوط الأذان فى عصر عرفه و عشاء مزدلفه، بصحيحتى عبد اللّه بن سنان و منصور بن حازم، ما صورته: و هل سقوط الأذان هنا على سبيل الرّخصة او الكراهة او التحريم؟ الظاهر الاخير كما اختاره المصنف و الشهيد فى البيان، لأن المستفاد من الخبر رجحان تركه و كون السنة فى خلافه و لا شىء فى العبادات من هذا القبيل، فيكون الاتيان به تشريعا و بدعة، و قد صح عن الصادق (ع) انه قال: كل بدعة ضلالة و كل ضلالة سبيلها الى النار، انتهى كلامه.
أقول: اذا عرفت ذلك فاعلم ان الاقوى و الاظهر عندى، هو الحرمة فى عصر عرفه و عشاء المردلفه، لصحيحتى عبد اللّه بن سنان و منصور بن حازم، المتقدمتين فى شرح قول المصنف: و فى عرفه، و اما القول بالحرمة فى مطلق الجمع الذى من افراد يوم الجمعة، فلا يخلو عن اشكال، لأن لمانع الحرمة ان يقول مقتضى الاطلاقات هو استحباب الأذان مطلقا، خرج عنها ما خرج بدليل، و لا دليل على خروج ما نحن فيه عنها، لأن الدّليلين اللذين اقامها بعض الأجلاء المتقدم نقل كلامه، مما لا يغنى من جوع.
اما دليله الأول، فلان تخصيص الاطلاقات بالأخبار التى اشار اليها غير وجيه، لأن التخصيص فرع التعارض و ليس بينهما تعارض، لأن غاية ما يستفاد من صحيحتى الرهط و عبد اللّه بن سنان، و رواية صفوان، المتقدمات فى
ص: 244
شرح قول المصنف: و يسقط اذان العصر يوم الجمعة، ان الرسول (ص) و الصادق (ع) جمعا بين الظهرين باذان و اقامتين، و كذا فعل صلى اللّه عليه و آله فى المغربين، و ذلك لا يصير باعثا للتخصيص، لأن الظاهر هو كون ذلك على سبيل الاتفاق و الندرة، و لم يكن على سبيل العادة حتى يقال: فعلهم ذلك مخصص للاطلاق، لأن هجران المستحب لا يليق بحالهم.
فان قلت: تركهم (ع) المستحب مطلقا، سواء كان على سبيل الهجران او الاتفاق، لا يليق بحالهم، قلت: لا نسلّم ذلك، و عليك باقامة البرهان، مع ان النكتة موجودة فى الاتفاق، و هى اعلامهم للرعية ان الفعل مما يجوز تركه، و وجود ذلك فى الهجران ايضا غير ضاير، لأن فيه ما يدل على المنع، هب عدم ظهور الاتفاقية منها، فلا اقل من تساوى الاحتمالين، فلاىّ شىء تخصص الاطلاقات فافهم.
و كذا القول فى رواية عبد اللّه بن سنان، المتقدمة عند شرح قول المصنف:
للمنفرد و الجامع، فى احتجاج الشيخ لما اختاره فى تلك المسئله، بل الأمر فيها اظهر لمكان الضرورة المستفادة منها، و يحتمل ايضا ان يكون السقوط فى هذه الأخبار، بناء على كون الأذان فى الجماعة للاعلام على الاجتماع، و لذا لو لم ينتظروا احدا يجزى الاقامة مطلقا، كما ظهر لك سابقا.
فعلى هذا يبقى سقوط الأذان الثانى، فى صورة الجمع فى الانفراد بلا دليل دال عليه من الأخبار، و ان كان من الاجماع المنقول ما يدل عليه ايضا كما تقدم، نعم يشكل بالنسبة الى من لا يراه حجة شرعية و بما ذكر ظهر الحال فى صحيحة حريز التى نقلها سابقا، بل الأمر فيها اظهر.
نعم يستفاد من هذه الأخبار كون الاستحباب فى الاقامة اكد من الأذان، و انى هذا من المدعى؟ و بما ذكرنا لك من الكلام فى المقام، ظهر لك عدم وجاهة ما اشار اليه بقوله: لأن هذه الأخبار خاصة فيخصص بها اطلاق تلك الأخبار، كما هو القاعدة المتفق عليها، لانك قد عرفت عدم حصول التعارض
ص: 245
بينهما.
و اما دليله الثانى، فلان صحيحة عبد اللّه بن سنان، المتقدمة عند شرح قول المصنف: و فى عرفه، و ان كانت دالة على ترك الأذان فى العرفة و المزدلفة و ان الآتى به فيهما مخالف للسنة، و لكن عدم مدخلية المكان غير معلوم لنا، كيف و قد ذهب جماعة بالحرمة فيهما دون غيرهما من مواضع الجمع، و اما الاعتضاد بخبر حريز ففيه ما فيه، و ذلك لأن قوله: من الظاهر ان ذلك ليس من حيث خصوصية السلس، بل حيث مقام الجمع وجيه، لكن شطرا منه، و غير وجيه شطره الآخر، اما الشطر الوجيه فهو قوله: ان ذلك ليس من حيث خصوصية السلس، و اما الشطر الغير الوجيه فقوله: بل من حيث مقام الجمع، لأن الظاهر كون ذلك من حيث الضرورة و العذر، و كون ذى السلس ذا عذر غير مخفى على احد.
نعم الخبر و غيره من الأخبار دال على كون الاقامة فى الاستحباب اكد من الأذان، كما ذكرنا سابقا فليتأمل جدا، و الانصاف ان المسئله عن الاشكال غير خالية، و ان كان القول بالاستحباب لا يخلو عن رجحان ما، و لكن الاحتياط هو الترك.
(و) كذا يسقط الأذان (عن القاضى) للصلوات المعددة (المؤذن فى اول ورده) بلا خلاف، على ما صرح به بعض الأجله، و الأخبار بذلك ناطقة: منها: ما رواه التهذيب فى باب احكام(1) الصّلوة فى الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: اذا نسيت صلوة، او صليتها بغير وضوء، و كان عليك قضاء صلوات، فاذن لها و اقم ثم صلها، ثم صل ما بعدها باقامة لكل صلوة.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن رجل صلى الصّلوات و هو جنب اليوم و اليومين و الثلاثة، ثم ذكر بعد ذلك، قال: يتطهر و يؤذن و يقيم فى اوليهن، ثم يصلى و
ص: 246
يقيم بعد ذلك فى كل صلوة، فيصلى بغير اذان حتى يقضى صلواته.
و منها: ما روى عن الفقه الرّضوى، قال (ع): و قال العالم: من اجنب ثم لم يغتسل حتى يصلى الصلوات كلهن، فذكر بعد ما صلى، فان عليه الاعادة يؤذن و يقيم، ثم يفصل بين كل صلوتين باقامة، و يؤيده ما رواه ايضا فى باب الأذان و الاقامة، فى الزيادات، عن موسى بن عيسى قال: كتبت: رجل يجب عليه اعادة الصّلوة، ايعيدها باذان و اقامة؟ فكتب: يعيدها باقامة.
اعلم ان القاضى لو جمع بين الأذان و الاقامة لكل فريضة كان افضل على الاشهر، كما ادعاه غير واحد ممن تاخّر، بل نفى بعض عن ذلك الخلاف ممن يعتد به، و حكى عن الناصرية و الخلاف، عليه اجماع الطائفه، و هو الحجة، مضافا الى الاطلاقات و العمومات الواردة باستحباب الأذان و الاقامة فى الصّلوات.
منها: ما تضمن رواية صفوان، المتقدمة عند شرح قول المصنف: للمنفرد و الجامع، من قوله: و الأذان و الاقامة فى جميع الصّلوات افضل.
منها: موثقه عمار المتقدمه فى قبيل رواية صفوان هذه، من قوله: لا صلوة الا باذان و اقامة، الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
و استدل للمطلب ايضا بما رواه التهذيب فى باب احكام الصلوة فى الموثق، عن عمار الساباطى، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سئل عن الرجل اذا اعاد الصّلوة، هل يعيد الأذان و الاقامة؟ قال: نعم.
و بما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن محمد بن يعقوب، عن على بن ابراهيم، عن ابيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة قال: قلت له: رجل فاتته صلوة السّفر فذكرها فى الحضر، فقال: يقضى ما فاته كما فاته، ان كانت صلوة السّفر اداها فى الحضر مثلها، و ان كانت صلوة الحضر فليقض فى السفر صلوة الحضر.
قال التهذيب فى ذلك الباب، فى جملة كلام له: و الذى بين ما ذكرنا خبر حريز المتقدم، قال: قلت له: رجل فاتته صلوة من صلوة السّفر فذكرها فى
ص: 247
الحضر... الحديث، فكان هذا الخبر مبينا للاخبار كلها، لأنه قال: و من فاتته صلوة فليقضها كما فاتته: الى آخر ما ذكر.
قال فى المدارك: اما استحباب الأذان و الاقامة لكل صلوة، فاستدل عليه فى المنتهى بقوله (ع): من فاته فريضه فليقضها كما فاتته، و قد كان من حكم الفائته استحباب تقديم الأذان و الاقامة عليها فكذا قضاؤها، و برواية عمار الساباطى قال: سئل ابو عبد الله (ع)، عن الرّجل اذا اعاد... الحديث، و فى الرّوايتين ضعف فى السّند، و قصور من حيث الدلالة... الى ان قال: و حكى الشهيد فى الذكرى قولا بان الافضل ترك الأذان لغير الاولى، لما روى ان النبى (ص) شغل يوم الخندق عن اربع صلوات، فامر بلا لا فاذن للاولى و اقام، ثم اقام للبواقى من غير اذان، و هو حسن، بل لو قيل بعدم مشروعية الأذان بغير الاولى من الفوايت مع الجمع بينها كان وجها قويا، لعدم ثبوت التعبدية على هذا الوجه.
و قال بعض الأجلاء، بعد نقل اعتراض صاحب المدارك، بان فى الرّوايتين ضعفا فى السند و قصورا من حيث الدلالة، ما صورته: و الظاهر ان ضعف الدلالة بالنسبة الى الأول، من حيث ان المتبادر من قوله: كما فاتته، بجملة اجزائها و صفاتها الداخلة تحت حقيقتها، دون الامور الخارجه منها، و يحتمل و لعلّه الاظهر حمل الخبر على كون الفائت فريضة واحدة، فانه يؤذن لها و يقيم.
و بالنسبة الى الثانى، فلعدم دلالته على انه يعيد لكل صلوة، مع انه يعارضه ما رواه الشيخ فى التهذيب، عن موسى بن عيسى قال: كتب اليه: رجل تجب عليه... الحديث، و بالجمله فان الدّليل المذكور لا يخلو عن المقصود، انتهى
أقول: و يمكن الجواب عن الجميع، امّا السند ان فضعفهما غير ممنوع، لأن سند قوله (ع): من فاته فريضة: الى آخره، هو ما نقلناه و ترى انه صحيح او حسن كالصحيح بابراهيم، و صاحب المدارك يعمل بالسند المشتمل عليه، و سند رواية عمار هكذا: محمد بن احمد بن يحيى، عن احمد بن الحسن بن على،
ص: 248
عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقه، عن عمار السّاباطى، و هذا السند موثق كالصحيح لمكان احمد، و الموثق عند جماعة كثيرة من المحققين، مع ان قصور السنّد لو كان منجبرا بالشهرة، و الرواية المنجبرة بها اقوى من الصحيح المخالف لها بلا شبهة.
و اما المناقشة فى دلالة رواية زرارة، من ان المتبادر من قوله: كما فاتته:
الى آخره، ففيه ما اشار اليه بعض الأجله، و يمنع اختصاص الكيفية الشبهة بها بالامور الدّاخله، بعد الاتفاق على الاستدلال بالرواية على اثبات الامور الخارجة عن الصّلوة مما هو شرط فيها كالطهارة عن الحدث و الخبث و الاستقبال و ستر العورة و نحو ذلك، فى الفائتة ايضا، فتامل جدا، انتهى، و فيه تامل.
و اما المناقشة فى تلك الرواية ايضا، بان الأذان ساقط فى صورة الجمع فى الاداء، غير ساقط فى صورة التفريق، فما الدّليل على انه يعتبر حال التفريق فى اعتبار المماثلة؟
ففيها ما ذكره الشارح المحقق، حيث قال بعد ذكرها: لكن هذا الكلام انما يتم فيما صح له حالتى الجمع و التفريق، كالظهرين و العشاءين لا مطلقا، فللمستدل اجراء الكلام فى غيره، ثم التعدية، و التعميم، لعدم القايل بالفصل انتهى، فتدبر.
و اما المناقشة فى الموثقه بنحو ما عرفت، فترك الاستفصال فى مقام جواب السؤال المقتضى للعموم فى المقال، يهدم بنيانها، فظهر بما ذكر دعوى ظهور رواية زرارة ايضا فى الواحده.
قال بعض الأجله، بعد ان ادعى فساد ظهور الصحيحة فى الواحدة:
لاستدلال الاصحاب بها، لاثبات كثير مما يعتبر فى الحاضرة، فى الفائته من دون تخصيص لها بالواحدة و المتعددة، انتهى فتدبر.
و اما رواية موسى بن عيسى، التى ذكرها بعض الأجله لاجل المعارضه، ففيها ما اشار اليه بعض الأجله قال: و الرواية المعارضة مع قصور سندها و عدم
ص: 249
جابر لها متروكة الظاهر، لدلالتها على استحباب الاقامة خاصة مطلقا فى اول وروده، و لا قايل به من الاصحاب، و مع ذلك لا يعترض بها ما قابلها من الرواية بالعمومات و الاجماعات المحكية و الشهرة العظيمة، انتهى.
و بما ذكر ظهر ضعف ما قواه صاحب المدارك بقوله: بل لو قيل بعدم مشروعية الأذان: الى آخره، و ذلك فان التعبّد ثابت بما قدمناه من الادلة الكثيره، قال بعض الأجلاء، بعد نقل ما نقلناه عن صاحب المدارك من قوله:
و حكى الشهيد فى الذكرى قولا... الى آخر ما ذكره، ما صورته: أقول: ما استدل به شيخنا الشهيد رحمه اللّه هنا من الرواية عن النبى (ص)، و انه شغل عن اربع صلوات، و انما هى من طرق المخالفين، و ليس فى اخبارنا له اثر، و لا توافق اصولنا، فان ظاهر الاصحاب الاتفاق على عدم جواز ذلك عليه (ص)، لعصمته المانعة عن جواز ذلك عليه، و لأن الصلوات لها مراتب لا يحصل الفوات فيها الا مع انقطاع الشعور بالكلية، كما ذكروه فى صلوة الحرب و صلوة المريض، فلا حجة فى الخبر المذكور، و لا ضرورة تلجئ اليه، حتى انه يتكلف بالذب عنه، و دفع ما يرد عليه من الاشكال.
حيث قال رحمه الله: و لا ينافى العصمة لوجهين:
أحدهما: ما روى من ان الصّلوة كانت تسقط اداء مع الخوف ثم تقضى، حتى نسخ ذلك بقوله تعالى: «وَ إِذٰا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ اَلصَّلاٰةَ» الآية.
الثانى: جاز ان يكون ذلك لعدم تمكنه من استيفاء افعال الصّلوة، و لم يكن قصر الكيفية مشروعا، و هو عايد الى الأول و عليه المعوّل، انتهى.
أقول: و فى الثانى الذّى عليه المعول عنده، ان الاستناد الى مجرد الاحتمال و الجواز بان يكون المعنى انه يحتمل ان يكون تركه الصلوة من حيث عدم التمكن من استيفاء افعالها، من قبيل الرّمى فى الظلام، من حيث الخروج بذلك عن ظواهر الادلة من غير مخصص فى المقام، اذ الاحاديث الدالة على قصر الكيفية فى المواضع المنصوصة من خوف و مرض و نحوهما، لا اشعار فيها بوقت دون وقت،
ص: 250
و لا زمان دون زمان، و لا حال دون حال.
على ان الظاهر ان الرّواية التى اشار اليها فى الوجه الأول ليست من طرقنا، و لعله لهذا عدل عن الاستناد اليها، و اعتمد على مجرد هذا الاحتمال و التجويز، و العجب منه رحمه اللّه و كذا من السيّد السّند، فى نقله له و جموده عليه بل استحسانه ذلك، كيف عولوا فى الاستدلال على هذه الرواية العامية؟ و روايات الاصحاب ظاهرة الدلالة واضحة المقالة فيما دلت عليه هذه الرواية العامية، كصحيحتى زرارة و محمّد بن مسلم و الرضوى، انتهى.
قال فى الدروس: و يجزى القاضى بالأذان الأول ورده و لا اقامة للباقى و ان كان الجمع بينهما افضل، و هو ينافى سقوطه عمن جمع فى الاداء الا ان يقول السقوط فيه تخفيف، او ان الساقط اذان الاعلام، لحصول العلم باذان الاولى لا الأذان الذكرى، و يكون الثابت فى القضاء الأذان الذكرى، و هذا متجه، انتهى، و اعترضه فى المدارك، بعدم المنافاة بين الحكمين لو ثبت دليلهما.
قال بعض الأجلاء بعد نقل هذا الاعتراض: الظاهر ان مبنى المنافاة، فى كلام الدروس، على انه لما كان الدليل على استحباب الجمع بين الأذان و الاقامة فى القضاء، هو حديث (من فاتته صلوة) بالتقريب الذى ذكره العلامه فى المنتهى، فجعل القضاء تابعا فى ذلك للأداء، و الحال انهم صرحوا انه لو جمع بين الفريضين فى الأداء سقط الأذان للثانية، فحصول المنافاة، و الحال هذه ما لا ريب فيه، فان اثباتهم له فى القضاء انما هو بالتفريع على الأداء، كما عرفته من استدلال العلامه، و الحال انه فى الأداء ساقط فى مقام الجمع، و الظاهر هو مراد شيخنا الشهيد رحمه اللّه بالمنافاة فى هذا المقام، و هو ظاهر، انتهى.
و فيه نظر: اما اولا: فلعدم انحصار الدليل فى استحباب الجمع بين الأذان و الاقامة فى القضاء، بحديث (من فاتته فريضة) و اما ثانيا: فيظهر وجهه مما مرّ من نقل كلام الشارح المحقق.
ص: 251
و بالجمله مقتضى الاطلاقات و العمومات هو استحباب الأذان فى الصلوات مطلقا، خرج منه الجامع بين الفريضتين فى الأداء لو قلنا بعدم الاستحباب فى ذلك، و قد عرفت ما هو الحق عندنا، فيبقى الباقى تحتها، فلا معنى لامثال هذه الاعتراضات.
و اما جوابه فى الدروس عن الاشكال المذكور، بان الساقط فى صورة الجمع فى الأداء، انما هو اذان الاعلام... الى آخره، و اليه يشير قوله فى الذكرى كما مضى فى مسئلة الجمع ان الساقط مع الجمع الغير المستحب اذان الاعلام، و يبقى اذان الذكر و الاعظام.
ففيه انه لا يخفى ان المستفاد من الأخبار على وجه لا يقبل الاستتار و لا الانكار، هو ان الأذان على نوعين: أحدهما: المقصود به الاعلام بدخول الوقت لكافة الناس، و هذا الذى تقدمت الرّوايات فى صدر البحث، بالحثّ عليه و على ما فيه من الثواب، و منها رواية بلال، و ثانيهما: الأذان و الاقامة بالنسبة الى كل مكلف من ذكر او انثى، و هذا هو الذى تقدم الاختلاف فتوى و رواية فى وجوبه و استحبابه فى مواضع و افراد معينة، و هذا النوع الثانى لا ارتباط له باول الوقت، بل اى وقت صلى المصلى استحب له الاتيان به، و هذا هو الذى خرجت فيه روايات القضاء، بانه يؤذن فى اوّل وروده ثم يقيم لكل صلوة، و لا تعلق لهذا بالاعلام فى ساير اجزاء الوقت.
فقول شيخنا المشار اليه، بان الساقط فى صورة الجمع فى الثانية اذان الاعلام، لحصول العلم باذان الاولى، لا الأذان الذكرى، لا معنى له بالكلية، لأنه لا يلزم ان يكون صلوته فى اول الوقت، حتى يكون اذان الاعلام، و مع فرض كون صلوته فى اول الوقت، يعتبر فى اذانه للصّلوة الاولى، و لا يشترط فيه قصد الاعلام و لا شروط الأذان الاعلام، بل لو اذن خفيفا وحده، فى مكان لا يراه و لا يسمع صوته سامع، فقد ادى السنة الموظفة.
قال بعض الأجلاء: الأذان الذى تعلق به الخطاب لهذا المكلف
ص: 252
بخصوصه من حيث صلوته المخصوصة، لا مدخل له فى اذان الاعلام، نعم قام الدّليل على الاجتزاء باذان الاعلام لمن سمعه، على الخلاف الآتى ان شاء الله فى العموم للامام و غيره، او التخصيص بالامام.
و بالجمله فان كلام الشهيد قدس سره هنا لا اعرف له وجها وجيها، انتهى.
قال بعض الشارحين للمفاتيح: اعلم ان ظاهر صحيحة زرارة سقوط الأذان عن غير الاولى من الفوايت مطلقا، سواء اداها المكلف فى مجلس واحد او ازيد منه، و المراد من الورد فى كلام المصنف و الفاضلين و غيرهم، لعله مجموع العدد الذى فات، انتهى.
أقول: مقتضى الصحيحة ما ذكره كصحيحة محمد بن مسلم، و لكن فى كون المراد من الورد هو ما ذكره تامل، و لعل الاولى له زيادة على الاولوية الثابتة فى الأذان لكل صلوة، هو الأذان للاولى فى صورة التفريق.
(و) يسقط الأذان و الاقامة (عن الجماعة الثانية) اذا حضرت فى المسجد لاقامة الصلوة، فوجدت جماعة اخرى قد اذنت و اقامت و صلت (اذا لم يتفرق) الجماعة (الاولى) على الاشهر، على ما ادعاه جماعة ممن تاخر، بل يستفاد من بعض العبائر عدم الخلاف فى ذلك، و يظهر من بعض المتأخرين التوقف فى ذلك، و لابد اولا من نقل الأخبار المتعلقه بالمقام، ثم التعرض لما يرد عليها من النقض و الابرام:
الأول: ما رواه فى التهذيب فى اواخر باب احكام الجماعة، عن ابى على قال: كنا عند ابى عبد الله (ع)، فاتاه رجل فقال: جعلت فداك صلينا فى المسجد الفجر، و انصرف بعضنا و جلس بعض فى التسبيح، فدخل علينا رجل المسجد فاذّن فمنعناه و دفعناه عن ذلك، فقال ابو عبد الله (ع): احسنت ادفعه عن ذلك و امنعه اشد المنع، فقلت، فان دخلوا فارادوا ان يصلوا فيه جماعة، قال: يقومون فى ناحية المسجد و لا يبد ربهم امام.
ص: 253
و روى الصدوق فى الفقيه فى اواخر باب الجماعة، عن محمد بن ابى عمير، عن ابى على الحرانى قال: كنا عند ابى عبد الله (ع)، فاتاه رجل فقال: صلينا فى مسجد الفجر، فانصرف بعضنا و جلس بعض فى التسبيح، فدخل علينا رجل المسجد فاذن فمنعناه و دفعناه عن ذلك، فقال أبو عبد الله (ع): احسنتم ادفعوه عن ذلك و امنعوه اشد المنع، فقلت له: فان دخل جماعة، فقال:
يقومون فى ناحية المسجد و لا يبد و لهم امام.
و طريق الصدوق الى ابن ابى عمير صحيح، فاذن الحديث معتبر، و حكم بعض الافاضل فى بعض الحواشى بصحة هذه الرواية قال: و ابو على هو جميل بن دراج لكونه كنية له، و ان كانت كنية لغيره، لكن لما كان الراوى عن جميل محمد بن ابى عمير كثيرا، حكمنا بكون ابى على جميلا، و ايضا ليس من المكنيات بابى على الذى كان من اصحاب الصادق (ع)، و يروى عنه ابن ابى عمير غير جميل، فالرواية على هذا من الصحاح المعتبرة جدا، قال: اما على طريق الشيخ فيحتمل الصحة، لأنه لم يعهد لحسين بن سعيد رواية عن جميل الا بواسطة من فضالة او غيره، و ان كان الاحتمال الراجح ان يكون الواسطه فضاله فتدبر، انتهى.
أقول: كون ابى على هذا جميلا لا يخلو عن اشكال، لأن الصدوق نسبه الى الحرّائى، و فى ترجمة جميل هذا غير مذكور، و لو كان ابو على هذا جميلا لكان المناسب لحال علماء الرجال ذكر هذه النسبة كما ذكرت الكنية، و لكن ما وجدت فى الكنى ايضا ذكر هذه النسبة فى ترجمة الاشخاص المكنيات بهذه الكنية، فافهم ذلك قوله: ليس من المكنيات بابى على: الى آخره، فيهدمه ابو على صاحب الانماط، و فى الرجال فى الكنى ابو على صاحب الانماط كوفى الصدوق، و فى التعليق روى الشيخ و الكلينى فى الصحيح عن ابن ابى عمير عنه، و فى صاحب الكل، و فى الرجال ايضا ابو على صاحب الكلل روى عن ابان بن تغلب و روى عنه عن ابى ايوب رحمه اللّه الفقيه.
و فى بعض اسانيد رجال النجاشى فى مقامه محمد بن موسى بن ابى مريم
ص: 254
صاحب اللؤلؤ فتدبر، و فى التعليق فى الوافى عن ابن ابى عمير عنه عن ابان قال:
جدى صاحب الكلل اى صانع او بايع البيت الرقيق لدفع البق، و لم يذكره الاصحاب، و ذكر الشيخ فى الرجال ابا على صاحب الانماط، و هو ما يلقى على الهودج مثله الكله، انتهى فتامل.
الثانى: ما رواه الكافى فى باب الأذان و الاقامة عن ابى بصير قال: سألته عن الرجل ينتهى الى الامام حين يسلم، قال: ليس عليه ان يعيد الأذان فليدخل معهم فى اذانهم، فان وجدهم قد تفرقوا اعاد الأذان.
الثالث: ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الزيادات فى كالصحيح بابان، عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع)، قال: قلت: الرجل يدخل المسجد و قد صلى القوم، ايؤذن و يقيم؟ قال: ان كان دخل و لم يتفرق الصف صلى باذانهم و اقامتهم، و ان كان تفرق اذن و اقام.
الرابع: ما رواه التهذيب ايضا فى اواخر باب احكام الجماعة، عن عمرو بن خالد عن زيد بن على عن آبائه (ع) قال: دخل رجلان المسجد و قد صلى على (ع) بالناس، فقال: ان شئتما فليؤم أحد كما صاحبه، و لا يؤذن و لا يقيم، و رواه ايضا فى زيادات باب الأذان.
الخامس: ما رواه ايضا فى باب احكام الجماعة، عن السكونى عن جعفر عن ابيه عن على (ع)، انه كان يقول اذا دخل الرّجل المسجد و قد صلى اهله فلا يؤذن و لا يقيم و لا يتطوع حتى يبدء بصلوة الفريضة، و لا يخرج منه الى غيره حتى يصلى فيه.
السادس: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب الجماعة، فى الموثق عن عمار السّاباطى، انه سأل ابا عبد الله (ع)، عن الرّجل ادرك الامام حين يسلم، قال: عليه ان يؤذن و يقيم و يفتتح الصلوة.
السابع: ما رواه ايضا فى اواخر الباب المتقدم، عن معوية بن شريح عن ابى عبد الله (ع)، فى حديث انه قال: و من ادركه و قد رفع راسه من السجدة
ص: 255
الاخيره و هو فى التشهد فقد ادرك الجماعة، و ليس عليه اذان و لا اقامة، و من ادركه و قد سلم فعليه الأذان و الاقامة.
الثامن: ما رواه فى البحار عن كتاب زيد النرسى، عن عبيد بن زرارة، عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا ادركت الجماعة و قد انصرف القوم و وجدت الامام مكانه و اهل المسجد قبل ان ينصرفوا، اجزأك فى اذانهم و اقامتهم فاستفتح الصلوة لنفسك، و اذا وافيتهم و قد انصرفوا عن صلوتهم، و هم جلوس اجزأك اقامة بغير اذان، و ان وجدتهم فقد تفرقوا و خرج بعضهم عن المسجد، فاذن و اقم لنفسك.
اذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور هو المتبع للخبر الرابع، المؤيد بجملة من الأخبار المتقدمة، و ضعفه منجبر بالشهرة، و اطلاقه سقوط الأذان و الاقامة مقيد ببقاء الصّفوف، بالاجماع على ما ادعاه بعض الأجله.
قال فى المدارك، بعد ان اورد مستند القول الشرايع: و لو صلى الامام جماعة و جاء آخرون، لم يؤذنوا و لم يقيموا ما دامت الاولى لم تتفرق، فان تفرقت صفوفهم اذن الآخرون و اقاموا، الخبر الأول و الثالث، ما صورته: و عندى فى هذا الحكم من اصله توقف، لضعف مستنده باشتراك راوى الاولى بين الثقه و الضعيف، و جهالة راوى الثانية، فلا يسوغ التعلق بهما.
و فيه نظر لأن السّندين معتبر ان كما عرفت فيصلحان للحجية، و مقتضى الخبر الثالث كغيره من الأخبار سقوط الأذان و الاقامة عن المنفرد ما لم يتفرق الصّفوف و هو كذلك، و موثقة عمار غير صالحة للمعارضة، اما شمولها لصورتى التفرق و عدمه، فلتحمل على صورة التفرق كما عن الوافى، لمكان جملة من الأخبار المتقدمة الخاصة، و يوهنه انها مشتمله على ادراكه الامام حين سلم، و تفرق الناس حين التسليم خلاف المعهود بين الناس، و الموظف شرعا من الجلوس للتعقيب و لو قليلا، او لشمولها لصورتى ابقاء الجماعة الأذان و الاقامة و عدمه، فلتحمل على العدم لما عرفت، فافهم.
ص: 256
او لأن التعارض بينهما و بين الأخبار المتقدمة، من تعارض النّص و الظاهر، فلتحمل الأخبار الناهية على الكراهة و الموثقه على الجواز الجامع معها و لا ينافى ذلك الخبر الأول المشتمل على قوله: و امنعه اشد المنع، فانه محمول على تاكد الكراهة، و هذا اظهر الوجوه المتقدمة.
و بما ذكر ظهر حال رواية معوية بن شريح، مع انا لم نجد قائلا بهذا التفصيل الوارد فيها، و عن الوافى انه ذكر بعد نقل تلك الرّواية، و انها رويت فى التهذيب عارية عن هذه الزّيادة، و انه يحتمل ان يكون هذه الزيادة من كلام الصادق (ع)، و يحتمل ان يكون من كلام الصدوق، و قد عرفت ما هو الظاهر عندنا، و كذا الحال فى رواية عبيد، و يمكن جعل الخبرين من الادلة لما اخترناه، ان قلنا بالاجماع المركب، و المغلوبية غير ضايرة لتقدم ما وافقته الشهرة المستفادة من جملة من العبائر، و اتمام ذلك فى رواية معوية بن شريح محلّ تامل، لانها مروية فى الفقيه و داب الصدوق ما تعلم، فافهم.
قال فى البحار، بعد نقل رواية عبيد: الانصراف الأول الفراغ من الصلوة و الثانى الخروج من المسجد، و لعل المراد بالشق الثانى ما اذا خرج الامام و القوم جلوس، او فرغوا من التعقيب و جلسوا لغيره، و يمكن حمله على الشق الأول، و يكون الغرض بيان استحباب الاقامة حينئذ، و لا ينافى الاجزاء، و الظاهر ان فيه سقطا، و على التقادير هو خلاف المشهور، اذ المشهور بين الاصحاب سقوط الأذان و الاقامة عن الجماعة الثانية، اذا حضر فى مكان لاقامة الصلوة فوجدت جماعة اخرى قد اذنت و اقامت و صلت، ما لم تتفرق الجماعة الاولى، انتهى.
و بالجمله الظاهر عدم الفرق فى الحكم المذكوربين المنفرد و الجامع، كما عن ظاهر الاصحاب، و صريح جماعة غير ناقلين الخلاف فى ذلك عن أحد، الا من ابن حمزه حيث خصه بالجماعة، و ضعفوه بالنصوص المتقدمة، و ما يستفاد من الخبر الرابع من الاولوية، من حيث دلالته على سقوط الأذان و الاقامة عن الجماعة
ص: 257
الثانية التى يتاكدان فيها، بل قيل بوجوبهما فيها، فلا يسقطان فى المنفرد الذى لا يتاكدان فى حقه كتاكدهما فيها بطريق اولى.
و من هنا يظهر وجه تخصيصهم الخلاف بابن حمزة، مع ان عبائر الاكثر على ما قاله بعض من تاخر، مختصة بالجماعة كابن حمزة، لزعمهم شمول عبائر الاكثر للمنفرد بالفحوى، و به صرّح فى الروضه و كذا يسقطان عن المنفرد بطريق اولى.
قال فى الرياض: و انما خص المصنف الثانية بالجماعة، لأنه يستفاد منه حكم المنفرد بطريق اولى، و الانصاف ان الحكم بالاولوية مشكل، لما ذكره بعض الأجله بانه يجوز ان يكون الحكمة فى السّقوط مراعاة جانب امام المسجد الراتب، بترك ما يوجب الحث على الاجتماع.
قيل قال فى التذكره فى بحث الجماعة: يكره تكرير الجماعة فى المسجد الواحد، فاذا صلى امام الحى فى مسجد و حضر آخرون صلوا فرادى، قال الشيخ و به قال الليث و النخعى و الثورى و مالك و ابو حنيفة و الشافعى و الاوزاعى - الى ان قال - و احتج الشيخ بالأخبار، و لأن فيه اختلاف القلوب و العدوان و التهاون بالصلوة مع امامه، و الذّى روى ابو على الجرانى، كراهة ناوين الجماعة اذا تخلف أحد من الاولى، و روى زيد عن آبائه قال: اذا دخل رجلان...
الخبر، انتهى.
و بالجمله الحاق المنفرد بالجماعة قوى بلا ريبة، لجمله من الروايات المتقدمة مع اعتبار سند غير واحد منهما، كما مضت اليه الاشارة، مع اعتضاده بفتوى الجماعة، مع دعوتهم عدم الخلاف الا من ابن حمزة، و يؤيد ما ادعوه عدم اشارة اكثر العبائر الى حكم المنفرد، مع ورود الرّوايات الكثيرة فى حكمه، و ليس هذا الا لاتحاد حكمه مع الجماعة، و استدلال جملة مما اختص عبارته بالجماعة، بالأخبار الوارده فى المنفرد، فلو لا ذلك لعدم الفرق بينه و بينها، لخلا استدلالهم عن الوجه بالكلية، و على هذا فالدّليل للمتن كثير.
و عرفت ان الموثقه الآمرة بالأذان و الاقامة محمولة على الرخصة، و الأخبار
ص: 258
الناهية على الكراهة، جمعا بين الادلة، و ذهب اليها جماعة، و منهم المصنف فى القواعد، و المحكى عن الخلاف، و موضع من المبسوط، و ظاهر جمله من العبائر المنع، و منها التهذيب، و عن جماعة الاقتصار على السقوط المحتمل للامرين، و منهم المصنف طاب ثراه هنا، قال بعض المحققين: و المشهور المنع فى الجماعة، و كون السّقوط عزيمة، كما هو مقتضى اكثر الأخبار فى هذا الحكم، انتهى.
فان قلت: لو فرقنا بين المنفرد و الجماعة، فهل تحكم حينئذ فيها ايضا بالكراهة؟ قلت: نعم، لأن رواية زيد ضعيفة، و الشهرة ليست قرينة لصدق الصدور، مضافا الى عدم قوة دلالتها على الحرمة، لاحتمال ان يكون التقديران شاء لا يؤذن، فتامل.
فان قلت: لم لا تحكم بها فى المقام ايضا؟ لاجل التعارض الحاصل بين الروايات، المتقدم اليها الاشارة، قلت: الروايات المعارضة، التى تحصل الكراهة بدفع التعارض بينها كما عرفت، موردها المنفرد، و كلا منا على فرض التفريق بين المنفرد و الجماعة، كما عرفت.
و بالجمله القول بالكراهة مطلقا لا يخلو عن قوة، و الترك احوط كما صرح به بعض الأجله، خروجا عن شبهة القول بالتحريم، المعاضد بظواهر الأخبار الناهية.
قال فى المبسوط: اذا اذن فى مسجد دفعة لصلوة بعينها، كان ذلك كافيا لمن يصلى تلك الصلوة فى ذلك المسجد، و يجوز له ان يؤذن فيما بينه و بين نفسه، و ان لم يفعل فلا شىء عليه، ظاهر كلامه يؤذن باستحباب الأذان سرّا، و ان السقوط عام يشمل التفرق و عدمه، و هو خلاف ظاهر الأخبار المتقدمة.
و ينبغى التنبيه لامور:
الأول: قال الصدوق فى الفقيه: لا يجوز جماعتان فى مسجد فى صلوة واحدة، ثم نقل حديث ابى على المتقدم، و عن المحدث الكاشانى انه تبعه فى هذا القول
ص: 259
قال بعض الأجلاء و هو بناء منهما على ان معنى قوله (ع) فى آخر الخبر:
لا (يبدو لهم امام) بالواو (لا يبدر لهم امام) بالراء عوضا عن الواو او (لا يبدر بهم) على اختلاف النسخ فى هذا الخبر، يعنى لا يظهر لهم امام و هو كناية عن عدم الصلوة جماعة.
و المفهوم من كلام الاصحاب هو الجواز من غير خلاف ينقل فى كلامهم، لكن يراعى فى الأذان و الاقامة التفرق و عدمه، كما دلت عليه الأخبار المتقدمه، حتى انى لم اقف على ناقل لخلاف الصدوق هنا، مع ان عبارته كما ترى صريحة فى ذلك - الى ان قال - و حينئذ فمعنى آخر الخبر على ما فهمه الاصحاب، انما هو ما يبدو لهم او يبدر يعنى باذان و اقامة، و هذا الخبر و ان كان مجملا فى هذا المعنى، الا ان حديث زيد صريح فى ذلك.
و ما رواه المحدث الكاشانى فى تأويله، حيث انه اختار مذهب الصدوق، من حمله على الرّخصة فى خصوص الاثنين، حيث انه مورد الخبر بعيد غاية البعد، و الاحتياط لا يخفى، انتهى.
أقول: لا شبهة فى ضعف ما اختاره الصدوق، لحديث زيد المنجبر بما هو المعروف من مذهب الاصحاب من الجواز، فليحمل الخبر على تقدير دلالته على المنع على الكراهة، كما ذهب اليها بعض الاصحاب، و قد عرفت من نقل كلام التذكره ما يرشدك اليه، او التقيه كما يرشدك اليها ايضا ذلك الكلام المنقول عن التذكره.
الثانى: قد علق (ع) الاعادة فى كصحيحة ابى بصير، على تفرق الصّف و عدم اعادتها على عدمه، فعلى هذا لابد من الحكم بعدم السقوط اذا بقى من الصف المشتمل على اعداد كثيرة واحد، خلافا للمحكى عن جماعة و منهم الشهيد الثانى طاب ثراه، فحكموا بالسقوط و لو بقى من الصّف واحد، و لهم معتبرة ابى على المتقدمه، الدالة على السّقوط و لو بقى من الصف بعضه، و هذه المعتبرة لاخصيتها مقيدة لكصحيحة ابى بصير العامة الشامله لتفرقهم كلا او
ص: 260
بعضا، فلتحمل على صورة تفرقهم كلا.
و يمكن ان يقال: مقتضى الاطلاق و العمومات، هو استحباب الأذان و الاقامة مطلقا، خرج منها الأذان و الاقامة عن المصلى الثانى اذا لم يتفرق الصف، و عدم التفرق انّما يتحقق ببقاء الجميع، او بقاء الاكثر بحيث لا يصدق التفرق عرفا.
قال بعض المحققين: و الظاهر انه حقيقة فى الأول، و مجاز شايع فى الثانى، انتهى، و فيه نظر.
و اما مع صدق التفرق و لو بقى نصف الصّف، فلا دليل على الخروج، و معتبرة ابى على المشتمله على قوله: و انصرف بعضنا و جلس بعض فى التسبيح، قضية فى واقعة محتمله الانصراف الاكثر او اقل، الصّادق معه عدم التفرق، فما الدليل على تقديم رواية ابى على؟ مع ان كصحيحة ابى بصير معتضدة بالاصل المتقدم اليه الاشارة، فلتقدم هذه على رواية ابى على.
و بعبارة اخرى: التعارض بين معتبرة ابى على و كصحيحة ابى بصير عموم من وجه، و كصحيحة ابى بصير اولى بالترجيح، لموافقتها بالاصل المتقدم اليه الاشارة، و بغيره من الرّوايات المتقدمه، منها: رواية البحار، فافهم.
و من القائلين بالسقوط ما لم يتفرق الصف، الشيخ و المصنف و المحقق و الشهيد و المحدث الكاشانى و غيرهم على ما يحكى، مما يوهن مذهب الجماعة الذاهبين الى السّقوط و لو بقى من الصف واحد، هو ان الظاهر من قوله: فدخل علينا، و من قوله: فمنعناه، كون الباقى ازيد من واحد، فلم يبق على عموم دعويهم دليل.
و لقايل ان يقول: ترك الاستفصال فى مقام الجواب مع قيام الاحتمال فى السؤال، يفيد العموم فى المقال، فحينئذ نقول: لما لم يستفصل الصادق عن الرّجل السّايل، ان البعض الجالس فى التسبيح، هل بحيث يصدق عدم تفرق الصّف مع جلوسه ام لا؟ فعلم ان حكم الاحتمالين واحد، فحينئذ يقيد تلك المعتبرة لاخصيتها معارضها لاعميتها.
ص: 261
و اما ما ذكر سابقا بان السؤال لا يشمل ما لو كان الباقى عن الصّف واحدا فغير وجيه، لأنه يشمل ما لا يصدق معه عدم التفرق بل يصدق التفرق، فيتم فى الكل بالاجماع المركب على الظاهر.
و بالجمله الذى يترجح فى نظرى القاصر، هو القول بالسقوط و لو بقى من الصّف واحد، مع ان ذلك هو الاحتياط فى المسئله، و اللّه العالم بحقايق احكامه.
الثالث: هل يكون الحكم هنا مقصورا فى المسجد؟ كما ذهب اليه جماعة و منهم المحقق فى الشرايع و التحرير، او يعمه و غيره؟ كما هو ظاهر العبارة و صريح غيرها.
و اختار فى المدارك الأول، قال: لأنه مدلول الروايتين، اى كصحيحة ابى بصير و معتبرة ابى على، و لجواز ان تكون الحكمة فى السقوط مراعاة جانب امام المسجد الراتب، بترك ما يوجب الحث على الاجتماع ثانيا.
قال فى الذكرى: الا قرب انه لا فرق بين المسجد و غيره، و ذكره فى الرّواية بناء على الاغلب، قال فى الروضة: و فى اشتراط كونه مسجدا وجهان، و ظاهر الاطلاق عدم الاشتراط، و هو الذى اختاره المصنف فى الذكرى، و يظهر من فحوى الأخبار ان الحكمة فى ذلك مراعاة جانب الامام السابق، فى عدم تصوير الثانيه بصورة الجماعة و مزاياها، و لا يشترط العلم باذان الاولى و اقامتها، بل عدم العلم باهمالها مع احتمال السّقوط عن الثانية مطلقا، عملا باطلاق النّص و مراعاة الحكمة، انتهى.
أقول: لا يخفى ان اكثر الأخبار المتقدمة قد اشتملت على المسجد، و ما اطلق منها فالظاهر حمله عليه لأن الاحكام الشرعية محمولة على الغالب، و لا ريب فى ان صلوة الجماعة انما تكرر فى المساجد، و وقوعها نادرا فى غيرها غير قادح فحينئذ فاذا كان مورد النصوص المسجد فالخروج عن ذلك يحتاج الى دليل، فلا يترك ما علم ثبوته بالادلة القاطعة الا فى الموضع المتيقن.
ص: 262
قال بعض الأجله، بعد تخصيصه الحكم بالمسجد عملا بالمتيقن: و اطلاق بعض النصوص يحتمل الورود مورد الغالب، و هو وقوع صلوة الجماعة الاولى من ثانيهما الأذان نوعا اداء و قضاء، كما عن صريح النهاية و المبسوط و المهذب، قال المحقق الثانى و الشهيد الثانى: و هو متجه ان كان قد تجدد دخول وقت الصّلوة الاخرى، اما لو اذنوا و صلوا الظهر فى وقت، فالظاهر ان من دخل ليصلى العصر حينئذ لا يؤذن، تمسكا باطلاق الأخبار، أقول: و هو غير بعيد، للشك فى غلبة الاتحاد من جميع الوجوه، انتهى.
قال فى المسالك: و يشترط اتحاد الصّلوة ان تغاير الوقت كالظهر و المغرب، لا ان اتحد كالظهرين، و قال فى الروضة: و يشترط اتحاد الصّلوتين او الوقت و المكان عرفا.
و قال بعض الأجلاء: هل يختص الحكم بالفريضة المؤداة ام يعم ما لو دخل الدّاخل و اراد ان يصلى قضاء؟ اشكال ينشأ من اطلاق النصوص بصلوة الداخل شامل للاداء و القضاء، و من ان قرائن الحال من قصد المسجد و المسارعة الى الدّخول مع الامام و نحو ذلك انما ينصرف الى الاداء، و لم اقف على تصريح لاحد من الاصحاب بذلك، و عن الشيخ ابن المفلح فى شرحه على الشرايع، انه قال فى جملة كلام له: و لابد ان تكون واحده، فلو كانت حضورها لصلوة اخرى اذنوا و اقاموا، انتهى.
أقول: لو صلى الجماعة الاولى الظهرين مثلا و اشتغل بعضهم بالتعقيب حتى دخل وقت المغرب، فجاء جماعة اخرى لصلوة المغرب، فالظاهر عدم سقوطهما عنها، و كذا لو جاء رجل فى الفرض المزبور لصلوة المغرب، و كذا لو جاء رجل فى الوقت المزبور و اراد ان يصلى القضاء، اقتصارا فيما خالف العمومات و الاطلاقات على المتبادر منهما.
و لو صلى الجماعة الظهرين او الظهر او العصر، و اشتغل بعضهم بالتعقيب، فجاء جماعة اخرى او رجل قبل دخول وقت المغرب لصلوة الظهرين او الظهر او
ص: 263
العصر، فالظاهر سقوطهما عنه للاطلاق.
و لو اراد الرّجل المتأخر ان يصلى القضاء مطلقا، فالمسئلة لا تخلو عن قوة، عملا باطلاق رواية ابى على و غيرها.
قال فى المسالك: و يشترط عدم تعدد المحل، فلو صلى جماعة فى المسجد، ثم جاء آخرون الى مسجد قريب منه، استحب لهم الأذان و الاقامة، و يشترط كون الاولى جماعة، فلا يبنى على اذان المنفرد اذا لم يسمعه، انتهى، و هما جيدان، و عليه فلا يسقطان لو كان فى المسجد بيوتا متعددة، و صلى جماعة فى بيت منه، ثم جاء آخرون فى بيت آخر منه لاقامة الصلوة، عملا بالمتيقن من النصوص الواردة فى المقام.
و بالجمله لا بد ان ياخذ بما هو المتبادر من النصوص، و يعمل فى غيره بالعمومات الآمرة باستحبابها، فعليك باستخراج الفروع.
(و كيفيته) اى الأذان (ان يكبر اربعا ثم يشهد بالتوحيد ثم بالرساله ثم يدعو الى الصلوة) بقوله: حىّ على الصلوة، قال فى المسالك: معنى حىّ هلم و اقبل، يعدّى لغة (بعلى) و (الى) و هنا يختص (على) فانه سنة متبعة (ثم) يدعو (الى الفلاح) بقوله: حى على الفلاح، (ثم الى خير العمل) بقوله: حىّ على خير العمل (ثم يكبر و يهلّل مرتين مرتين، و الاقامة كذلك) فصولا و ترتيبا و عددا (الا انه يسقط من التكبير الأول مرتان، و من التهليل مرة، فيزيد مرتين، قد قامت الصّلوة، بعد حىّ على خير العمل) فيكون فصولهما خمسة و ثلاثون، الأذان ثمانية عشر فصلا، و الاقامة سبعة عشر.
و يستفاد من غير واحد من العبارات كون ذلك اجماعيا، قال بعض الأجله، فصولها على اشهر الرّوايات، بل المجمع عليه بين الاصحاب على الظاهر المستفاد من كثير من العبارات، خمسة و ثلثون فصلا: الأذان ثمانية عشر فصلا، و الاقامة سبعة عشر فصلا، ثم عدّا لفصول بنحو ما عرفت.
و قال بعض الأجلاء: قال فى التحرير: و فصوله على اشهر الرّوايات خمسة
ص: 264
و ثلثون فصلا: الأذان ثمانية عشر، و الاقامة سبعة عشر، و هو مذهب الشيعة و من وليهم، و قال فى المنتهى: ذهب اليه علماؤنا، و نقل ابن زهرة اجماع الفرقة عليه، و حكى الشيخ فى الخلاف عن بعض الاصحاب، انه جعل فصول الاقامة مثل فصول الأذان، وزاد فيها (قد قامت الصلوة) مرتين.
و قال ابن الجنيد: التهليل فى آخر الاقامة مرة واحدة، اذا كان المقيم قد اتى بها بعد الأذان، فان كان قد أتى بها بغير اذان ثنى (لا اله الا اللّه) فى آخرها.
و قال الشيخ فى النهاية، بعد ذكر الأذان و الاقامة كما هو المشهور: هذا الذى ذكرناه هو المختار المعول عليه، و قد روى سبعة و ثلثون فصلا فى بعض الرّوايات، و فى بعضها ثمانية و ثلثون فصلا، و فى بعضها اثنان و اربعون فصلا.
فاما من روى سبعة و ثلثين فصلا، فانه يقول فى اول الاقامة اربع مرات (الله اكبر) و يقول فى الباقى كما قدمناه.
و من روى ثمانية و ثلثين فصلا، يضيف الى ما قدمناه قول (لا اله الا الله) اخرى فى آخر الاقامة.
و من روى اثنين و اربعين فصلا، فانه يجعل فى آخر الأذان التكبير اربع مرات، و فى اول الاقامة اربع مرات، و فى آخرها ايضا بمثل ذلك اربع مرات، و يقول (لا اله الا الله) مرتين فى الاقامة، و ان عمل عامل على احد هذه الروايات لم يكن ما ثوما، انتهى، و ظاهره التخيير فى جميع ما ورد، و الجمع بين الأخبار الوارده فى المسئلة، انتهى كلام بعض الأجلاء.
أقول: و اول كلام الشيخ فى النهاية لعله يابى الحمل على التخيير، قال فى المدارك: و قوله: و الأذان على الاشهر ثمانية عشر فصلا: الى آخره، هذا مذهب الاصحاب لا أعلم فيه مخالفا، و قال فى المسالك: قوله: و الاذان على الاشهر، اشار بالاشهر الى ما روى شاذا من تربيع التكبير فى آخر الأذان كاوله، و تربيعة اول الاقامة و آخرها، و تثنية التهليل فى آخرها، و ما روى من ان
ص: 265
الاقامة مرة مرة الا التكبير الاخير فانه مرتان.
و نقل الشيخ ان فى الاصحاب من جعل فصول الاقامة مثل فصول الأذان، وزاد فيها (قد قامت الصلوة) مرتين، و قال ابن الجنيد: اذا افرد الاقامة عن الأذان ثنى (لا اله الا اللّه) و ان اتى بها معه فواحدة، و عمل الطائفة على المشهور.
و قال الشارح المحقق، فى شرح فصول الاقامة: هذا هو المشهور بين الاصحاب: و نسبه المحقق فى التحرير الى الشيعة و اتباعهم، قال فى المنتهى:
فصول الأول مثنى عدا التهليل فى آخرها فانه مرة واحدة، ذهب اليه علماؤنا، و نقل ابن زهرة اجماع الفرقه عليه - الى ان قال - و حكى الشيخ فى الخلاف عن بعض الاصحاب، انه جعل فصول الاقامة مثل فصول الأذان، وزاد فيها (قد قامت الصلوة) مرتين.
و قال فى المدارك، فى شرح فصول الاقامة: هذا هو المشهور بين الاصحاب، و عزاه فى التحرير الى الشيعة و اتباعهم، ثم حكى عن الخلاف عن بعض الاصحاب ما مضى فى الذخيرة.
أقول: و المعتمد هو المشهور، للاجمات المحكية، و لكصحيحة اسمعيل الجعفى المروية فى الكافى فى باب الأذان و الاقامة قال: سمعت ابا جعفر (ع) يقول: الأذان و الاقامة خمسة و ثلثون حرفا، فعدّ ذلك بيده واحدا واحدا، الأذان ثمانية عشر حرفا، و الاقامة سبعة عشر حرفا، و هذه الرواية هى الاصل بينهم و مدارهم اليها، و كانت مشهورة و معمولة عندهم.
قال النجاشى: اسمعيل بن جابر الجعفى، روى عن ابى جعفر و ابى عبد الله (ع)، و هو الذى روى حديث الأذان، و فيه اشارة الى انحصار الأذان بما اشارت اليه عندهم، و كونها غير مبنية لفصولها بالنحو المشهور، غير ضاير بعد ثبوت البيان من الاجماع على الظاهر المصرّح به بعض الأجله، اذ لا قايل بما دلت عليه من فصولهما معا، و كونهما خمسة و ثلثين: و الأذان ثمانية عشر، و الاقامة سبعة عشر، مع تغيير الفصول عما عليه المشهور، مضافا الى ثبوت بيان
ص: 266
فصول الأذان من نصوص آخر.
روى الفقيه فى الباب المتقدم، و التهذيب فى باب عدد فصول الأذان، عن ابى بكر الحضرمى و كليب الاسدى، عن ابى عبد الله (ع)، انه حكى لهما الأذان فقال اللّه اكبر، اللّه اكبر، اللّه اكبر، اللّه اكبر، اشهد ان لا اله الا الله اشهد ان لا اله الا اللّه، اشهد ان محمّدا رسول الله، اشهد أنّ محمدا رسول الله، حىّ على الصلوة، حىّ على الصلوة، حى على الفلاح حى على الفلاح، حى على خير العمل حيّ على خير العمل، الله اكبر، الله اكبر، لا اله الا الله، لا اله الا الله، و الاقامة كذلك.
و روى فى الكافى فى باب الأذان و الاقامة، عن محمد بن اسمعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن ابى جعفر عليه السلام، قال: قال: يا زرارة تفتح الأذان باربع تكبيرات، و تختمه بتكبيرتين و تهليلتين.
و روى فى التهذيب فى باب عدد فصول الأذان، عن المعلى بن خنيس قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يؤذن فقال: اللّه اكبر، اللّه اكبر، اللّه اكبر، اللّه اكبر، اشهد ان لا اله الا اللّه، اشهد ان لا اله الا اللّه، اشهد أنّ محمدا رسول اللّه، اشهد ان محمدا رسول الله، حى على الصلاة، حى على الصلاة، حى على الفلاح، حى على الفلاح، حتى فرغ من الأذان، و قال فى آخره، الله اكبر، الله اكبر، لا اله الا الله، لا اله الا الله.
منها: ما رواه الكافى فى باب الأذان و الاقامة، و التهذيب فى باب عدد فصول الأذان فى الصحيح، عن صفوان الجمال قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: الأذان مثنى مثنى، و الاقامة مثنى مثنى.
و منها: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الأذان، فقال: تقول: الله اكبر، الله اكبر، اشهد ان لا اله الا الله، اشهد ان لا اله الا اللّه، و ذكر ما فى حديث
ص: 267
المعلى.
و منها: ما رواه فى التهذيب فى الباب المتقدم، عن زرارة و الفضيل بن يسار، عن ابى جعفر (ع) قال: لما اسرى برسول الله (ص)، فبلغ البيت المعمور حضرت الصّلوة فاذن جبرئيل (ع) و اقام، فتقدم رسول الله وصف الملائكة و النبيّون خلف رسول الله (ص)، قال: فقلنا له: كيف اذن؟ فقال:
اللّه اكبر، اللّه اكبر، اشهد ان لا اله الا الله، اشهد ان لا اله الا اللّه، ثم ساق الأذان كما فى حديث المعلى، ثم قال: و الاقامة مثلها، الا ان (قد قامت الصلاة) بين (حىّ على خير العمل حى على خير العمل) و بين (الله اكبر) فامر بها رسول الله (ص) بلالا، فلم يزل يؤذن بها حتى قبض رسول الله.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن معوية بن وهب عن ابى عبد الله (ع) قال: الأذان مثنى مثنى، و الاقامة واحدة.
و منها: ما رواه فى البحار، عن سعد السعود للسيّد على بن طاوس، نقلا من تفسير محمد بن مروان، عن الحسين بن محمّد بن سعيد، عن محمد بن البيض بن الفياض، عن ابراهيم بن عبد الله، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن حماد، عن ابيه، عن جده، عن النبى (ص) فى حديث المعراج - قال: ثم قام جبرئيل فوضع سبابته اليمنى، فاذن مثنى مثنى، يقول فى آخرها: حى على خير العمل، مثنى مثنى، حتى اذا قضى اذانه، اقام الصّلوة مثنى مثنى...
الخبر.
و منها: ما رواه فى البحار ايضا، عن العيون و العلل، عن الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمى، عن فرات بن ابراهيم، عن محمد بن احمد بن على الهمدانى، عن العباس بن عبد اللّه النجارى، عن محمد بن القاسم بن ابراهيم، عن ابى الصلت الهروى، عن الرضا (ع)، عن آبائه قال: قال رسول الله (ص) لما عرج بى الى السماء اذن جبرئيل مثنى مثنى، و اقام مثنى مثنى... الخبر بطوله.
ص: 268
و منها: ما رواه فى البحار ايضا، عن العلل، عن محمد بن الحسن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عبد اللّه الحميد، و احمد بن محمد بن عيسى، عن احمد بن محمد بن ابى نصر، عن صفوان بن مهران، عن ابى عبد الله (ع) قال: الأذان مثنى مثنى، و الاقامة مثنى مثنى... الخبر.
و منها: ما رواه فى البحار، عن الدّعائم، عن ابى عبد الله (ع) قال:
الأذان و الاقامة مثنى مثنى، و تفرّد الشهادة فى آخر الاقامة تقول: لا اله الا الله، مرة واحدة، فشاذة و لا قائل بها على الظاهر المصرح به فى عبارة بعض الأجله، بل على خلافها الاجماع المحكى عن صريح الخلاف و الناصرية و الغنية و المنتهى، و ظاهر غيرها من كلمة كثير من اصحابنا، مع انها غير صريحة فى المخالفة، لأنه يحتمل ان يكون المقصود فى روايتى عبد اللّه بن سنان و زرارة، افهام السائل التلفظ به لا بيان تمام عدده، كما ذكره شيخ الطائفة فى التهذيب و هو و ان كان فيه بعد كما عن جماعة، الا انه اولى من طرحهما او حملهما على الجواز، مع كون الفضل فى اربع كما عن بعض، او على كون التكبيرتين الاوليين للاعلام كما من غيره، فان ذلك خروجا عن الأخبار المعتمده المجمع عليها، على الظاهر المصرّح به فى بعض العبائر، و هو غير جائز.
قال فى الحبل المتين: و ما تضمنه حديث عبد اللّه بن سنان، من عدم تربيعه (ع) التكبير فى اول الأذان، محمول عند الشيخ طاب ثراه على انه قصد (ع) افهام السّائل كيفية التلفظ به، و التربيع كان معلوما له لاشتهاره، فانه مما لا خلاف فيه بين اصحابنا، انتهى.
نعم يشهد على صحة حملهما على كون التكبيرتين الاوليين للاعلام، الخبر المروى فى البحار عن العلل و العيون، عن عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس، عن على بن محمد بن قتيبه، عن الفضل بن شاذان فيما رواه من العلل، عن الرضا (ع)، فان قال: اخبرنى عن الأذان لم اربه؟ قيل: لعلل كثيرة، ثم ساق الكلام الى ان قال: فان قال: فلم جعل مثنى مثنى، قيل: لأن يكون مكررا فى
ص: 269
اذان المستمعين، مؤكدا عليهم ان سها احد عن الأول لم يسه عن الثانى، و لأن الصلوة ركعتان ركعتان، فلذلك جعل الأذان مثنى مثنى.
فان قال: فلم جعل التكبير فى اوّل الأذان اربعا؟ قيل: لأن الأذان انما يبد و غفلة و ليس قبله كلام يتنبه المستمع له، فجعل ذلك تنبيها للمستمعين لما بعده فى الأذان، و لكن لا يصلح ذلك الخبر ان يعارض الادلة المتقدم اليها الاشارة، بل لا يبعد دعوى ظهوره فى موافقتها، كما صرح به بعض الأجلة.
و اما روايتا صفوان و الدعائم و نحوهما، مما اشتمل على كون الأذان و الاقامة مثنى مثنى، فيحتمل ان يكون الوجه فى ذلك ما اشار اليه بعض المحققين، باحتمال ظاهر يقبله الاذهان السليمه قال: قال الصدوق فى اماليه: من دين الامامية ان الأذان و الاقامة مثنى مثنى، و غير خفى ان ظاهره ليس مراده، بل الظاهر ان مراده رد ما قالوا من الخليفه الثانى جعل فصول الاقامة واحدة، فرقا بينها و بين فصول الأذان، و نقص من فصول الأذان التهليل فى آخرها مرة، و كان فصول الاقامة كذلك، كما قيل و اشتهر ما ذكر فى ذلك الزمان، و لذا فى اخبارنا الكثيرة الأذان و الاقامة مثنى مثنى.
و ورد ايضا ان الأذان مثنى مثنى و الاقامة واحدة واحدة، و حملت على التقيه، و من هذا ذكر فى الفقه الرضوى: ان الأذان ثمانية عشر كلمة، و الاقامة تسعة عشر، موافقا لظاهر رواية كليب الاسدى، الا التهليل فى آخر الاقامة، فانه صرح فيه بكونه واحدة، تارة فى مقام الاجمال، و تارة فى مقام التفصيل، ثم بعد تمام الذكر التفصيلى لهما، قال: الأذان و الاقامة مثنى مثنى، و ورد ايضا ان الأذان على ما وصفت، انتهى.
و الصدوق ذكر فى الفقيه خصوص رواية كليب و قال: هذا هو الأذان الصحيح، الذى لا يزاد فيه و لا ينقص، و من هذا ايضا ترى المحقق فى التحرير بعد ما ذكر فصول الأذان و الاقامة بالنحو الذى ذكره المشهور، و عزاه الى الشيعة و اتباعهم، استدل عليه بما تضمن ان الأذان و الاقامة مثنى مثنى، و مما
ص: 270
ذكر يظهر ان مرادهم من مثنى مثنى هو الذى ذكرنا، انتهى.
أقول: و ما ذكر فى علل الفضل ايضا، لا يخلو من تأييد كالرضوى، و ما نقله هذا المحقق عن الفقه الرضوى، يفهم منه انه (ع) ذكر التكبير فى اول الاقامة ايضا اربعا، و يوافقه ما نقله عنه غيره.
قال بعض الأجلة: و الأخبار الدالة على ان الأذان مثنى مثنى، يحتمل القصد الى بيان فصولهما و لا بعد فيه، ا لا ترى الى الرّضوى ان الأذان ثمانية عشر كلمة و الاقامة سبعة(1) عشر كلمه، و ذكر فيه صورة الأذان و الاقامة بالتفصيل، يكون التكبير فى اولهما اربع، و الباقى مثنى الا التهليل فى آخر الاقامة فانه واحدة، ثم بعد تمام الذكر التفصيلى لهما قال: الأذان و الاقامة جميعا مثنى مثنى على ما وصفت لك، و قال بعض الأجلاء، فى جملة كلام له: و يؤيده ايضا ما فى كتاب فقه الرضا (ع)، من وحدة التهليل فى آخر الاقامة، و ان كان قد جعل التكبير فى اولها اربعا، فجعل فصولها تسعة عشر، انتهى.
و لكن فى نسخة من البحار التى عندى و لا تخلو عن اعتماد، نقل عنه فى مقام التفصيل التكبير فى اول الاقامة مرتين، و ان قال فى اوله: و الاقامة تسعة عشر كلمة.
قال المحقق المجلسى فى البحار: فقه الرضا (ع) قال (ع): اعلم رحمك الله ان الأذان ثمانية عشر كلمة، و الاقامة تسعة عشر كلمة - الى ان قال - و الأذان يقول: الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر، اشهد ان لا اله الا الله، اشهد ان لا اله الا الله، اشهد ان محمدا رسول الله، اشهد ان محمدا رسول الله، حى على الصلوة، حى على الصلوة، حى على الفلاح، حى على الفلاح، حى على خير العمل، حى على خير العمل، الله اكبر، الله اكبر، لا اله الا اللّه مرتين فى آخر الأذان و فى آخر الاقامة مرة واحدة، ليس فيها ترجيع، و لا يردد، و لا الصلوة
ص: 271
خير من النوم.
و الاقامة ان تقول: الله اكبر، الله اكبر، اشهد ان لا اله الا الله، اشهد ان لا اله الا الله، اشهد ان محمدا رسول الله، اشهد ان محمدا رسول الله، حى على الصلوة، حى على الصلوة، حى على الفلاح، حى على الفلاح، حى على خير العمل، حى على خير العمل، قد قامت الصلوة، قد قامت الصلوة، الله اكبر، الله اكبر، لا اله الا الله، مرة واحدة، الأذان و الاقامة جميعا مثنى مثنى، على ما وصفت لك، انتهى.
و كيف كان، فلا اشكال فى الحكم الذى اخترناه، من كون التكبير فى اول الأذان اربعا، لما تقدم من الادلة، بل الرضوى ايضا حجة اخرى على ذلك، كالمروى فى علل الفضل، كما انه حجة على وحدة التهليل فى آخر الاقامة، كغيره من الادلة منها الاجماع الظاهر المحكى عن صريح الغنية و المنتهى و الناصرية.
و ظاهر غيرها و منها: ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الزيادات فى الصحيح، عن معاذ بن كثير، عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا دخل الرجل المسجد و هو لا ياتم بصاحبه، و قد بقى على الامام آية او ايتان، فخشى ان هو اذن و اقام ان يركع، فليقل: قد قامت الصلوة، الله اكبر، الله اكبر، لا اله الا الله، و ليدخل فى الصلوة.
و منها: رواية الدعائم المتقدمه و غيرها.
و اما الأخبار الدالة على ان الاقامة كالأذان مثنى مثنى، فقد عرفت الحال فيها، مع انا لم اجد قائلا بمضمونها، لأن الاسكافى قائل بتثنية التهليل فى آخر الاقامة فى صورة الافراد، و اما ان اتى بها مع الأذان فيقول كالمشهور، و اما المخالف الذى حكاه الشيخ، فهو ايضا كالاسكافى لجعله فصولها كفصوله حتى فى التكبير اربعا فى اولها، مع زيادة قد قامت الصلوة مرتين.
و اما ما ذكره فى البحار، بعد نقل رواية معاذ بن كثير و الاظهر عندى اقول بالتخيير و استحباب التهليل الاخير، او القول بسقوطه عند الضرورة كما
ص: 272
يدل عليه هذا الخبر، و اما الاجماع المنقول فلا عبرة به، بعد ما عرفت من خلاف القدماء و دلالة الأخبار الصحيحة على خلافه.
و صرح الصدوق فى الهداية بتثنية التهليل فى آخر الاقامة، حيث قال: قال الصادق (ع): و الأذان و الاقامة مثنى مثنى، و هما اثنان و اربعون حرفا، الأذان عشرون حرفا، و الاقامة اثنان و عشرن حرفا، و ظاهره فى الفقيه ايضا اختياره التثنيه، لأنه روى عن ابى بكر الحضرمى و كليب الاسدى، عن ابى عبد الله عليه السلام، الأذان موافقا للمشهور، و قال فى آخره: الاقامة كذلك، ثم قال:
هذا هو الأذان الصحيح لا يزاد فيه و لا ينقص منه - الى ان قال - و ظاهره العمل بهذا الخبر فى الاقامة ايضا.
ففيه ما فيه، لأن كلامه فى الهداية مجمل كما ترى، و اما فى الفقيه فلم يتعرض فيه لذكر الاقامة، بل انما حكم بصحة الأذان، بل الظاهر انه لم يعمل بحديث كليب فى الاقامة، كيف و لو كان عاملا بظاهره، لكان ذاهبا الى خلاف المجمع عليه فتوى و نصا، اذ فى الاقامة (قد قامت الصلوة) فلا تكون مثل الأذان.
و بالجمله لو كان الصدوق عاملا بحديث كليب فى الاقامة لكان مذهبه غريبا فى الغاية، اذ تربيع التكبير فى الأول مع تثنية التهليل فى الاخر مع اسقاط (قد قامت الصلوة) لم يقل به احد، و مخالف للاخبار الكثيرة، بل الاجماع، بل البديهة.
و الحاصل انا لم نجد قائلا عمل بالأخبار الدالة على كون الاقامة مثنى مثنى، و عبارة الصدوق فى الهداية غير واضحة، و خلاف الاسكافى و من حكاه الشيخ غير منطبق لها فلا دلالة لها عليهما، كما لا دلالة لغيرها عليهما ايضا.
و اما ما حكى عن الشيخ، انه حكى فى المبسوط و الخلاف قولا بتربيع التكبير فى آخرهما فضعفه ما لا يخفى، و انطباق ما رواه فى الهداية عليه غير واضح بل الظاهر عدم الانطباق، و بما ذكر ظهر ايضا ضعف ما اختاره فى البحار.
ص: 273
قال الشارح المحقق: و يجوز النقص عن المشهور فى السفر عند الاصحاب، و كذا عند العذر، انتهى.
و عن ابن الجنيد: لا بأس للمسافر ان يفرد كلمات الاقامة مرة مرة، الا التكبير فى اولها فانه مرتان، انتهى.
روى التهذيب فى باب عدد فصول الأذان فى الصحيح، عن ابى عبيدة الحذاء قال: رايت ابا جعفر (ع) يكبر واحدة واحدة فى الأذان، فقلت له: لم تكبر واحدة؟ فقال: لا بأس به اذا كنت مستعجلا.
و روى ايضا فى الباب المتقدم، باسناد معتبر بقاسم بن عروة، عن بريد بن معوية، عن ابى جعفر (ع) قال: الأذان يقصر الصلوة، الأذان واحدا واحدا، و الاقامة واحدة.
و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن نعمان الرّازى قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: يجزيك من الاقامة طاق فى السفر.
و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن بريد مولى الحكم، عمن حدثه، عن ابى عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: لأن اقيم مثنى مثنى احب الى من ان اؤذن و اقيم واحدا واحدا.
قال بعض الأجلاء بعد نقل الخبر: يعنى الاكتفاء بالاقامة على وجهها عن الأذان، احب الى من الاتيان بهما على جهة التقصير، انتهى، قال الشارح المحقق بعد نقل هذا الخبر المرسل: و عمل بمضمون المرسلة فى الذكرى، و هو غير بعيد.
و روى ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، قال: الاقامة مرة مرة، الاقول (الله اكبر اللّه اكبر) فانه مرتان و ظاهر الخبر فيما تقدم نقله عن الاسكافى، لكنه خصّ التكبير بالأول، و ظاهر
ص: 274
الخبر الاطلاق فيشمل الأول و الاخير، و قد تقدم فى شرح قول المصنف: للمنفرد و الجامع، روايتان عن عبد الرّحمن بن ابى عبد الله، دالتان على انه يجزى فى السفر اقامة بغير اذان، كرواية محمّد بن مسلم و الفضيل المتقدمة هناك.
قال الصّدوق عطر اللّه مرقده فى الفقيه بعد نقل خبر كليب المتقدم: هو الأذان الصحيح لا يزاد فيه و لا ينقص منه، و المفوضه - لعنهم الله - قد وضعوا اخبارا وزاد بها فى الأذان (محمد و آل محمد خير البّرية) مرتين، و فى بعض رواياتهم، بعد (اشهد ان محمدا رسول الله) (اشهد ان عليا ولى الله) مرتين و منهم من روى بدل ذلك (اشهد ان عليا امير المؤمنين حقا) مرتين، و لا شك فى ان عليا (ع) ولى الله، و انه امير المؤمنين حقا، و ان محمدا و آل محمد صلوات الله عليهم خير البرية، و لكن ذلك ليس فى اصل الأذان، و انما ذكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتهمون بالتفويض المدلسون انفسهم فى جملتنا.
و قال فى البحار بعد نقل الكلام المذكور: أقول: لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الاجزاء المستحبة للاذان، لشهادة الشيخ و العلامه و الشهيد و غيرهم بورود الأخبار بها، قال الشيخ فى المبسوط: فاما قول (و اشهد ان عليا امير المؤمنين و آل محمّد خير البرية) على ما ورد فى شواذ الأخبار، فليس بمعمول عليه فى الأذان، و لو فعله الانسان لم يأثم به، غير انه ليس من فضيلة الأذان، و لا كمال فصوله.
و قال فى النهاية: فاما ما روى فى شواذ الأخبار من قول (ان عليا ولى الله و ان محمدا و آله خير البشر) فمما لا يعمل عليه فى الأذان و الاقامة، فمن عمل به كان مخطئا.
و قال المنتهى: و اما ما روى من الشاذ من قول (ان عليا ولى اللّه و آل محمد خير البرية) فمما لا يعول عليه.
و يؤيده ما رواه الشيخ احمد بن ابى طالب الطبرسى فى كتاب الاحتجاج، عن القاسم بن معوية قال: قلت لأبى عبد الله (ع): هؤلاء يروون حديثا فى
ص: 275
معراجهم، انه لما اسرى برسول الله (ص) راى على العرش: لا اله الا الله، ابو بكر الصديق، فقال: سبحان اللّه غير و اكل شىء حتى هذا! قلت: نعم، قال:
ان اللّه عز و جل لما خلق العرش كتب عليه: لا اله الا الله، محمد رسول الله، على امير المؤمنين، ثم ذكر (ع) كتابة ذلك على الماء، و الكرسى، و اللوح، و جبهة اسرافيل، و جناحى جبرئيل، و اكناف السموات و الارضين، و رؤس الجبال، و الشمس، و القمر، ثم قال (ع): فاذا قال احدكم (لا اله الا اللّه محمد رسول الله) فليقل (على امير المؤمنين) فيدل على استحباب ذلك عموما، و الأذان من تلك المواضع، و قد مر امثال ذلك فى ابواب مناقبه (ع)، و قالوا: لو قاله المؤذن او المقيم لا بقصد الجزئية بل بقصد البركه، لم يكن آثما، فان القوم جوزوا الكلام فى اثنائهما مطلقا، و هذا من اشرف الادعية و الاذكار، انتهى كلام البحار.
قال بعض المحققين: قد عرفت كيفية الأذان و الاقامة و هيئتهما، و انه ليس فيهما (اشهد ان عليا ولى الله) و لا (محمد و آله خير البرية) و غير ذلك، فمن ذكر شيئا من ذلك بقصد كونه جزء الأذان، فلا شك فى حرمته لكونه بدعة، و اما من ذكر لا بالقصد المذكور، بل القصد التيمن و التبرك، كما ان المؤذنين يقولون بعد (الله اكبر) او بعد (اشهد ان لا اله الا الله): جل جلاله و عم نواله و عظم شانه، و امثال ذلك، و كما يقولون (صلى اللّه عليه(1)و هو الشيخ فى مفتاح الفلاح. (منه)(2) و آله) بعد (محمد رسول الله) و لما ورد من قوله: من ذكرنى فليصل على، و غير ذلك، اذ لا شك فى ان شيئا من ذلك ليس جزء من الأذان.
فان قلت: الصلوة على النبى (ص) و آله ورد فى الأخبار، بل احتمل وجوبهما كما مر، بخلاف غيره، قلت: ورد فى الأخبار مطلوبيتهما عند ذكر
ص: 276
اسمه (ص)، لا انهما جزء الأذان، و لو قال احد بانه جزء الأذان فلا شك فى حرمته و كونه بدعة، و ان قال بانه لذكر اسمه فهو مطلوب، و ورد فى الاحتجاج خبر متضمن للمطلوبية ذكر (على ولى الله) فى كل وقت، بذكر (محمد رسول الله) و مضافا الى العمومات الظاهرة فى ذلك، مع ان الشيخ فى النهاية صرح بورود اخبار تتضمن ذكر مثل (اشهد ان عليا ولى الله) فى الأذان، و الصدوق ايضا صرح به، الا انه قال ما قال مضافا الى التسامح فى ادلة السنن، و غاية ما طعن الشيخ على الأخبار المتضمنة لما نحن فيه، انها شاذة و الشذوذ لا ينافى البقاء على الاستحباب، و لذا دائما انما شغل الشيخ حمل الشواذ على الاستحباب.
منها: صحيحة ابن يقطين، الدالة على استحباب اعادة الصلوة مطلقا عند نسيان الأذان و الاقامة، و رواية زكريا بن آدم السابقه، مع تضمنها ما لم يقل به احد، بل و حرام من قوله (قد قامت الصلوة) فى اثناء الصلوة و غير ذلك من الحزازات التى فيها، و عرفتها.
و بالجمله كم من حديث شاذ او طعن عليه بالشذوذ او غيره، و مع ذلك عمل به فى مقام السنن و الآداب، بل ربما يكون حديث مطعون عليه عند بعض الفقهاء و المحدثين، غير مطعون عليه عند آخرين، فضلا عند الآخر سيما فى المقام المذكور.
و الصدوق و ان طعن عليها بالوضع من المفوضة، لكن لم يجعل كل طعن منه حجة بحيث يرفع اليد من جهته عن الحديث، و ان كان فى المقام المذكور، و من هذا ترى الشيخ لم يطعن عليها بذلك اصلا، على ان نقول: الذكر من جهة التيمن و التبرك لا مانع منه اصلا، و لا يتوقف على صدور حديث، لأن التكلم فى خلالهما جايز كما عرفت، فاذا كان الكلام اللغو الباطل غير مضر، فما ظنك بما يفيد التيمن و التبرك؟
لا يقال: ربما يتوهم الجاهل كونه جزء الأذان اذا سمع الأذان كذلك، فيتغير و يقول على سبيل الجزئية.
ص: 277
لانا نقول: ذكر (ص) فى الأذان و الاقامة و الالتزام به ايضا، ربما يصير منشأ لتوهم الجاهل كونها جزء، و كان المتعارف من زمان الرسول الى ان ترتكب فى الاعصار و الامصار، من دون مبالاة من توهم الجاهل، فان التقصير انما هو للجاهل حيث لم يتعلم فيخرب عباداته و يترتب على جهله مفاسد لا تحصى، منها استحلاله كثيرا من المحرمات، من جهة عدم فرقه بين الحرام من شىء و المباح منه، و ربما يعكس الامر الى غير ذلك من الاحكام، هذا مع انه يمكن تغييره بنحو يرتفع توهّم المتوهم، بان يذكر مرة او ثلاث مرات، او يجعل من تتمة اسمه (ص)، و غير ذلك، انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه، و فيما ذكراه فى المقام كفاية.
قال بعض الأجلاء: اراد الصدوق بالمفوضة هنا، القائلون بان الله عزّ و جل فوض خلق الدنيا الى محمد و الى على، و المشهور بهذا الاسم انما هم المعتزلة القائلون بان اللّه عز و جل فوض الى العباد ما ياتون به من خير و شر.
(و لا اعتبار باذان الكافر) بالاجماع الظاهر المحكى فى المدارك و الذخيره كما عن التحرير و التذكره و المنتهى و جامع المقاصد و الذكرى و الرياض و هو الحجة مضافا الى الأخبار الدالة على كون المؤذنين امناء الناس على دينهم، و منها رواية بلال المتقدمه، و الكافر ليس له اهلية الامانة، و يدل عليه ايضا ما رواه الكافى فى باب الأذان و الاقامة فى الموثق، عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله عليه السلام، انه سئل عن الأذان، هل يجوز ان يكون من غير عارف؟ قال:
لا يستقيم الأذان و لا يجوز ان يؤذن به الا رجل مسلم عارف، فان علم الأذان فاذن به و لم يكن عارفا، لم يجز اذانه و لا اقامته و لا يقتدى به، و يؤيده ما نقل عنه (ص) اللهم اغفر للمؤذنين.
قال والدى طاب مضجعه: اعلم ان ما يستعلم من الأخبار الصّادره عن مصابيح الدّجى، ان اذان الكافر انما هو غير نافع اذا كان اذان الذكر
ص: 278
لا اذان الاعلام، فلم يثبت عدم الاعتداد باذان الكافر مطلقا فالمنع مطلقا غير سديد، نعم لما صدر عنهم (ع) انه يجوز الاعتماد باذان الاعلام عن اذان الذكر بشرايطه، فعدم الاكتفاء باذان الكافر بمتابعة المصلى له انسب، و اعادة الأذان ثانيا اولى، انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
أقول: بعد المراجعة الى رواية بلال المتقدمة و ما ضاهاها، يظهر لك ما يرد على الكلام المذكور.
كما هو ظاهر الاكثر على ما ادعاه غير واحد ممن تاخر، و ذهب جماعة الى الاشتراط.
قال فى الرياض: و هل يشترط فى المؤذن مع الاسلام الايمان؟ ظاهر العبارة عدم اشتراطه، و ينبه عليه ايضا حكمهم باستحباب قول ما يتركه المؤذن، فانه يشمل باطلاقه المخالف، و هو ظاهر فيه، فان غير الناسى من المؤذنين لا يترك منه شيئا، بل لو تركه اختيارا لم يعتدّ باذانه، و روى ابن سنان عن ابى عبد الله (ع): اذا نقص المؤذن و انت تريد ان تصلى باذانه، فاتم ما نقص هو من اذانه، و الاصح اشتراط الايمان مع الاسلام، لقول النبى (ص): يؤذن لكم خياركم، خرج منه ما اجمع على جوازه فيبقى الباقى لقول الصادق (ع): لا يجوز ان يؤذن الا رجل مسلم عارف لكونه امينا، و هو الذى اختاره الشهيد رحمه الله فلا يعتد باذانه و ان اتمه، لأن المانع الخلاف لا نقص الاصول، انتهى.
قال بعض الأجلاء بعد نقله و اختيار ما اختاره: و قوله: لأن المانع الخلاف اى كونه مخالفا غير مؤمن، و ربما يتوهم الخلاف - يعنى فى المسئلة - و هو غلط محض، انتهى.
أقول: للاكثر ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الزيادات فى الصحيح، عن ذريح المحاربى قال: قال ابو عبد الله (ص): صل الجمعة باذان هؤلاء، فانهم اشد شىء مواظبة على الوقت.
و ما رواه فى المكان المتقدم فى الصحيح، عن محمد بن ابى عمير، عن حماد
ص: 279
بن عثمان، عن محمد بن خالد القسرى قال: قلت لأبى عبد الله (ع): اخاف ان نصلى يوم الجمعة قبل ان تزول الشمس، فقال: انما ذلك على المؤذنين.
و رواية ابن سنان المروية فى المكان المتقدم، عن ابى عبد اللّه (ع) قال:
اذا اذن مؤذن فنقص الأذان، و انت تريد ان تصلى باذانه فاتم ما نقص هومن الأذان.
و للثانى انه عبادة توقيفية يجب الاقتصار فيها على المتيقن ثبوته من الشريعة، و ليس الا اذا كان المؤذن متصفا بصفة الايمان، و ما ذكره بعض الأجله بان عبادة المخالف باطلة كما فى النصوص الكثيره، و خصوص النبوى المتقدم فى كلام الرياض اليه الاشارة، و الموثق المتقدم اليه الاشارة فى اصل المسئله، و فى كلام الرياض، لأن المراد بالعارف الامامى كما يستفاد من التتبّع فى النصوص، و رواية معاذ بن كثير المتقدمة فى بيان كيفية الأذان.
و ما رواه التهذيب فى باب احكام الجماعة فى الزيادات، عن ابراهيم بن شيبة قال: كتبت الى ابى جعفر (ع)، اسأل عن الصلوة خلف من يتولى امير المؤمنين و هو يرى المسح على الخفين، او خلف من يحرم المسح و هو يمسح، فكتب: ان جامعك و اياهم موضع، فلم تجد بدا من الصلوة، فاذن لنفسك و اقم، فان سبقك الى القراءة فسبح، و الاقوى هو اشتراط الايمان لما تقدم.
و اما روايتا ذريح و محمد بن خالد، ففيهما ما ذكره بعض المحققين قال:
رواية ذريح تدل على حصول العلم بالوقت من ملاحظة طريقتهم، اذا كانوا لا يؤذنون الا بعد الوقت البتة، من جهة الدائرة الهندية، كما كان عادتهم فى ذلك الزمان، و رواية محمد بن خالد ايضا مبنية على ذلك، الا انه لما كان خالد حاكم الخليفه على المدينة قال (ع) له كذلك، انتهى.
قال بعض الأجله فى رد رواية ذريح: يحتمل ان يكون المراد جواز الاعتداد باذانه فى معرفة الوقت حيث لا يمكن العلم، بدخوله بناء على حصول
ص: 280
الظن منه به، لا ترك الأذان بسماع اذانه، و اجاب عن رواية ابن سنان، باحتمال اختصاص المؤذن فيه بالمؤمن المنقص لبعض الفصول سهوا لا مطلقا.
و بالجمله لا اشكال فى الحكم المذكور، بعد ملاحظة الادلة المتقدمة، و المعارض لا يصلح للمعارضه كما عرفت.
كما ذهب اليه جماعة منهم الشهيد ان و الشارح و المحقق؟
بل المشهور كما فى المسالك فى الحدود فى بحث المرتد، و الاقوى للمصنف ما اشار اليه الشارح المحقق بعد احتماله ما اختاره، بان الشهادة صريحة فى الاسلام، و قد روى عن النبى (ص): امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا (لا اله الا الله) فاذا قالوها عصم منى دماؤهم و اموالهم الا بحقها.
و فيه ما اشار اليه جماعة، و منهم الشارح المحقق قال: لأن الشهادتين فى الأذان لم توضعا لغرض الأخبار بهما عن الاعتقاد،(1) و لذا يجوز لمن لم يعرف معناهما او كان ذاهلا او غافلا، و بالجمله التلفظ بهما فيهما غير ظاهر فى الاخبار عن الاعتقاد، اذ يجوز ان يكون اعجميا او ساهيا او حاكيا او قاصدا عدم عموم النبوة، كما زعمت طائفة من اليهود انّ محمدا (ص) نبّى العرب خاصة، لا يوجب مطلق التلفظ بهما على وجه وضع عرفا للاخبار عن الاعتقاد، و ان لم يكن الاعتقاد متحققا فى الواقع.
و قال بعض الأجلاء: مجرد التلفظ بذلك غير موجب للاسلام، لوقوعه من غير العارف بمعنى اللفظ كالاعجم، او على جهة الاستهزاء، او الحكاية و الغفلة او التاويل، كما يقوله النصارى من ان محمدا (ص) نبى الى العرب خاصة
لا يقال: ان هذا يجزى ايضا فيما لو تلفظ بالشهادتين حال دعوته الى الاسلام، فيلزم ان لا يتحقق به اسلامه، مع انه خلاف النص و الاجماع، لانا نقول:
ذكر الشهادتين فى الأذان و فى الصلوة ليس موضوعا للدلالة على الاسلام و الانباء
ص: 281
على اعتقاده و التدين به، بل للاعلام فى الأذان، و كونهما جزء من العبادة فى الصلوة، بخلاف التلفظ بهما عند الدعوة الى الاسلام، فانهما موضوعان للدلالة على اعتقاد قائلهما بمضمونهما، و ان لم يكن فى الواقع معتقدا لذلك، فلذلك حقن بهما ما له و دمه، و بذلك صرح الشهيد ان ايضا، انتهى.
و على التقديرين لا يعتد باذانه لوقوع او له حال الكفر، و بذلك صرح غير واحد من المتأخرين.
(و) كذا (لا) اعتبار باذان (غير المميز) بلا خلاف اجده لعدم الدليل على الاعتداد، مع كونه عبادة توقيفية، قال الشارح المحقق: و يؤيده رفع القلم عنه، فلا حكم لعبادته، و عدم تصور الامانه فى حقه، و عدم صدق العارف عليه، انتهى.
أقول: اشار بالثالث الى موثقة عمار المتقدمة، و فى جعل الأول من المؤيدات لا يخلو عن مناقشة.
لا يقال: الأخبار الداله على الاعتداد باذان الغلام الذى لم يحتلم، كما سيجئ اليها الاشارة مطلقة، فما وجه التخصيص؟ قلت: موثقه عمار متقدمة عليها، مع ان الظاهر انصراف تلك الأخبار الى المميز، و كذا لا اعتداد باذان المجنون، و يمكن ادخاله فى غير المميز، و ادعى فى المدارك اجماع العلماء كافة على اعتبار العقل، و يدل عليه ايضا ما دل على كون المؤذن امينا، نعم لو كان المجنون مما يعتوره ادوارا، فلا مانع من الاعتداد باذانه وقت افاقته، كما صرح بذلك بعض الأجلاء.
(و) كذا لا اعتداد باذان (غير المرتب) و اقامته، فان الترتيب بينهما و بين فصولهما شرط فى صحتهما، بلا خلاف اجده، بل عليه الاجماع على ما صرّح به بعض الأجله، لانها عبادة توقيفيه، فالواجب الاتيان بها على الوجه الذى ورد به الأمر، و بدونه لا يكون مجزيا.
و الأخبار المتعلقه بالمقام مستفيضة: منها: ما رواه الكافى فى باب الأذان
ص: 282
و الاقامة فى الصحيح عن زرارة، عن ابى عبد الله (ع) قال: من سها فى الأذان فقدم اواخر، اعاد على الأول الذى أخره حتى يمضى الى آخره.
و منها: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الموثق عن عمار الساباطى قال: سألت ابا عبد الله (ع) او سمعته يقول: ان نسى الرجل حرفا من الأذان حتى ياخذ فى الاقامة فليمض فى الاقامة، فليس عليه شىء، فان نسى حرفا من الاقامة عاد الى الحرف الذى نسيه، ثم يقول من ذلك الموضع الى آخر الاقامة... الحديث.
و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى الباب المتقدم فى الموثق، عن عمار السّاباطى انه قال: سأل ابو عبد الله (ع)، عن رجل نسى من الأذان و الاقامة، قال: يرجع الى الحرف الذى نسيه فليقله، و ليقل من ذلك الحرف الى آخره، و لا يعيد الأذان كلّه و لا الاقامة.
و منها: ما رواه الفقيه ايضا فى باب حد الوضوء، مرسلا قال: قال ابو جعفر (ع): تابع بين الوضوء - الى ان قال - و كذلك فى الأذان و الاقامة، فابدأ بالأول فالأول، فان قلت (حى على الصلوة) قبل الشهادتين، تشهدت ثم قلت (حى على الصلوة).
و منها: ما رواه فى البحار عن قرب الاسناد، عن عبد اللّه بن الحسن عن جده على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن الرجل يخطى فى اذانه و اقامته، فذكر قبل ان يقوم فى الصلوة، ما حاله؟ قال: ان كان اخطأ فى اذانه مضى على صلوته، و ان كان فى اقامته انصرف فاعادها وحدها، و ان ذكر بعد الفراغ من ركعة او ركعتين مضى على صلوته و اجزأه ذلك.
قال بعض الأجلاء: ما اشتمل عليه موثقه عمار، من انه متى نسى حرفا من الأذان حتى اخذ فى الاقامة، فانه يمضى فى الاقامة، فانه محمول على الرّخصه، بخلاف الاقامة فانه لا رخصة فى المضى ما لم يدخل فى الصّلوة، بل يرجع و يترتب عليه ما بعده، فانه مبنى على ما هو الاصل فى الحكم المذكور فلا منافاة، و
ص: 283
معنى اشتراط الترتيب بينهما و فيهما عدم اعتبارهما بدونه، فلا يعتد بهما فى الجماعة، و يأثم لو اعتقدهما اذ انا و اقامة، و غير ذلك ما يترتب على صحتهما، و قد علم من الرّوايات انه لا فرق فى عدم الاعتداد بغير المرتب، بين كون فعله عمدا و سهوا لأن الترتيب شرط، و المشروط عدم عند عدم شرطه كالطهارة، الا ما خرج بدليل.
قال فى الذكرى: لو اخل بالترتيب لم يحصل له فضيلة الأذان، و لم يعتد به فى الجماعة، و لم يكتف به اهل البلد، و ان تعمد ذلك معتقدا انه اذان اثم باعتقاده، و ان اسمع غيره اثمه بفعله ايضا، لجواز اعتقاد بعض الجهال تصويبه و قد اطلق عليه بعض الاصحاب الوجوب بهذا المعنى، و هذا هو الوجوب غير المستقر، انتهى.
مقتضى رواية عمار الثانية، عدم اعادة الاقامة اذا نسى حرفا من الأذان حين الفراغ منهما، بل به ان ياتى بالحرف المنسى و بما بعده حتى يتم الأذان.
روى التهذيب فى باب احكام السهو فى الزيادات فى الصحيح، عن زرارة قال: قلت لأبى عبد الله (ع): رجل شك فى الأذان و قد دخل فى الاقامة، قال: يمضى، قلت: رجل شك فى الأذان و الاقامة و قد كبر، قال: يمضى - الى ان قال - يا زرارة اذا خرجت من شىء ثم دخلت فى غيره فشكّك(1)ليس بشىء.
قال بعض المحققين بعد ذلك الخبر و نحوه من بعض الأخبار المشتمل على قوله (ع): كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه، ما صورته: منطوقها ان الشك اذا وقع فى شىء من الأذان و الاقامة و غيرهما من اجزاء الصّلوة و غيرها، و قد
ص: 284
خرج الثالث من ذلك الشىء المشكوك فيه اى محل و دخل فى غيره، اى شرع فيه سواء اتمه ام لا، فشكه ليس بشىء، و لا بد من الابناء وقوع ذلك المشكوك و امضائه، و مفهومهما انه لو وقع الشك فى شىء لم يتجاوز عنه اى عن محلّه و لم يدخل فى غيره، فشكه معتبر لابدّ من الاتيان بالمشكوك حتى يتحقق ذلك المكلف، به و يظهر مما ذكر انه لو وقع الشك فى اجزائهما يكون الحكم كذلك، مثلا لو شك فى التكبير او بعضها و قد دخل فى الشهادة و فرغ منها، و دخل فى اجزاء آخر و فرغ منها الى غير ذلك، فشكه ليس بشىء ليمضه، و ان شك فى بعض من التكبيرة او مجموعها، و هو فى محل ذلك المشكوكه ياتى به، و قس على ذلك اجزاء الأذان، و قس عليه الاقامة، انتهى، و هو جيد.
قال فى البحار بعد ان نقل عن فقه الرضا (ع) انه قال: ان شككت فى اذانك و قد اقمت الصلوة فامض، و ان شككت فى الاقامة بعد ما كبرت فامض، ما صورته: لا عبرة بالشك فى اصل الأذان بعد اتمام الاقامة، او بعد قوله (قد قامت الصلوة) و لا خلاف فى منطوقه، و كذا فيما يفهم منه، من اعتبار الشك اذا كان قبل الشروع فى الاقامة، و اما بعد الفروع فيها قبل الاتمام، او قبل قوله (قد قامت الصلوة) فيدل بمفهومه على الاتيان بالأذان، و فيه اشكال، لأنه شك بعد التجاوز عن المحل، و قال بعض الاصحاب بعدم اعتباره.
و روى فى الصحيح عن زرارة قال: قلت لأبى عبد الله (ع): رجل شك فى الأذان: الحديث، و يمكن حمل قوله (اقمت الصلوة) على الشروع فى الاقامة و ان كان بعيد اللجمع، و ان حملنا الشك فيها على ما يشمل الشك فى بعض فصولهما، فالظاهر بعض الأخبار انه ان شك قبل الفراغ يعيد على ما يشك فيه و ما بعده، لانهم عدوا الأذان فعلا واحدا و الاقامة فعلا واحدا، كالقراءة و ان كانت ذات اجزاء.
و يفهم من الخبر بعد التكلف المذكور ايضا، العود مع الشك بعد الفراغ قبل الشروع فى الاقامة فى الأذان و فى الصّلوة فى الاقامة، فيكون مخالفته
ص: 285
لبعض الأخبار، بل لقول بعض الاصحاب اكثر، لكن ما مر فى خبر زرارة لا يابى عنه، و كلام بعض الاصحاب ايضا لا ينافيه، اذ قبل الشروع فى الاقامة وقت الأذان باق كالقراءة قبل الركوع، و ليس فعلا مستقلا كالوضوء، حتى يعتبر بالشك بعد الفراغ منه، بل بمنزلة اجزاء الصّلوة كما يفهم من صحيحة زرارة، و ظاهر الصدوق ايضا ذلك، فالقول به قوى، انتهى.
(و يجوز) الأذان (من المميز) و يقع معتدا به اجماعا، على الظاهر المصرح به فى الذكرى، كما عن المنتهى و الخلاف و التحرير و التذكرة و جامع المقاصد، و هو الحجة، مضافا الى النصوص:
منها: ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الزيادات فى الصحيح، عن ابن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، قال: لا بأس ان يؤذن الغلام الذى لم يحتلم.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم، عن اسحق بن عمار، عن ابى عبد الله عليه السلام عن ابيه: ان عليا (ع) كان يقول: لا بأس ان يؤذن الغلام قبل ان يحتلم.
و منها: ما رواه التهذيب ايضا فى باب احكام الجماعة، عن طلحة بن زيد، عن جعفر عن ابيه عليهم السلام، قال: لا بأس ان يؤذن الغلام الذى لم يحتلم.
و منها: ما رواه فى البحار عن الدعائم، عن جعفر بن محمد، انه قال:
لا بأس بان يؤذن العبد و الغلام الذى لم يحتلم.
قال الشارح الفاضل: المراد بالمميز من يعرف الاضر من الضار، و الانفع من النافع، اذا لم يحصل بينهما التباس بحيث يخفى على غالب الناس، و اعترض عليه سبطه فى المدارك بان هذا مع عدم وضوح ماخذه، رد الى الجهالة، انتهى.
قد عرفت وقوع الاجماع على الاعتداد باذان المميز، و المرجع فيه هو
ص: 286
العرف، و الظاهر ان ما ذكره الشارح الفاضل هو مقتضى العرف، فاعتراض سبطه عليه غير وارد.
تدل رواية الدعائم على الاعتداد باذان العبد، و هو كذلك بلا خلاف اجده، بل الظاهر انه اجماعى كما عن المنتهى و الذكرى، و هو الحجة مضافا الى العمومات، و رواية الدعائم المنجبرة بما ذكر، و استدل عليه بعض الأجله بفحوى ما دل على جواز امامته.
(و يستحب ان يكون) المؤذن (عدلا) بلا خلاف اجده الا ما يحكى عن الاسكافى فاوجب، و هو شاذ، بل على خلافه الاجماع عن صريح المنتهى و ظاهر المحقق الثانى و الذكرى، و هو الحجة مضافا الى النصوص المتقدمه فى الصبى، لعدم تعقل اتصافه بالعدالة بناء على انها من اوصاف المكلفين، قيل: و يحتمل ان يريد عدم الاعتداد به فى دخول الوقت، و عليه فلا خلاف فى المسئله ظاهرا.
و يدل على الاستحباب من الأخبار: ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الزيادات، عن عيسى بن عبد اللّه الهاشمى، عن ابيه، عن جده، عن على (ع) قال: المؤذن مؤتمن و الامام ضامن، و ما روى عن النبى (ص): يؤذن لكم خياركم.
قال الشارح المحقق: و لأنه يقلده ذو الاعذار، بل قيل بجواز التعويل عليه مطلقا، فينبغى ان يكون مؤتمنا - الى ان قال - و نقل عن ابن الجنيد، انه منع من الاعتداد باذان الفاسق لفقد الامانة، و استوجه بعضهم قول ابن الجنيد فى منصوب الحاكم الذى يرزق من بيت المال، فيحصل بالعدل كمال المصلحة، و الاستحباب المذكور متعلق بالناصب لا المؤذن، انتهى.
و عن الرياض: اعلم ان الاستحباب كون المؤذن عدلا لا يتعلق بالمؤذن، لصحة اذان الفاسق مع كونه مامورا بالأذان، بل الاستحباب راجع الى الحاكم بان ينصبه مؤذنا لتعم فائدته.
ص: 287
و كذا يستحب ان يكون المؤذن (صيّتا) شديد الصوت، كما عن جماعة من من اللغويين، و يدل عليه رواية محمد بن مروان، و رواية عبد اللّه بن سنان، و صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله، المتقدمة كل منها فى شرح قول المصنف:
المقصد الخامس فى الأذان و الاقامة و غيرها من الأخبار:
منها: ما تقدم ايضا فى شرح قول المصنف فى هذا المقصد: اذا لم تسمع الرجال، من قوله (ص) القه على بلال فانه اندى منك صوتا.
و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر عليه السلام انه قال: لا يجزيك عن الأذان الا ما اسمعت نفسك، او فهمته، و افصح بالالف و الهاء، و صلّ على النبى و آله (ص) (ع) كلما ذكرته او ذكره ذاكر عندك فى اذان او غيره، و كلما اشتد صوتك من غير ان تجهد نفسك كان من يسمع اكثر، و كان اجرك فى ذلك أعظم.
قال بعض الأجلاء بعد نقل هذا الخبر: فى هذا الحديث الشريف فوائد:
منها: عدم جواز الأذان اذا لم يسمع نفسه، و المراد منه الأذان الموظف فى الصلوة عند ايقاعها جماعة او فرادى، اذا كان هو المؤذن.
و منها: عدم الاجتزاء بسماع الهمهمه الغير المفهمه اذا كان المؤذن غيره، كما اشار بقوله: (و افهمته) فانه على ما ذكره شيخنا البهائى رحمه الله بالبناء للمجهول، قال: و هو مضبوط كذلك فى الكتب المعتبرة، و يحتمل عطفه على اسماع نفسه، بان يكون عطفا تفسيريا، و اما الحمل على فهم معانى الأذان فبعيد جدا.
و منها: استحباب الافصاح بالالف و الهاء و سيجئ ذكره.
و منها: الصلوة على النبى (ص) كلما ذكره الانسان او سمعه، سواء كان فى اذان او غيره، و هو ظاهر فى الوجوب كما حققناه فى موضع اليق، خلافا للمشهور بين الاصحاب.
ص: 288
و منها: رفع الصوت بالأذان من غير ان يتعب نفسه، و المراد بالأذان الاعلامى، و يؤيده فى ذلك ما ورد فى رواية محمد بن مروان، عن الصادق (ع):
المؤذن يغفر له مدّ صوته، و يشهد له كل شىء، انتهى.
و اما ما ذكره من وجوب الصلوة على النبى فلتحقيقه مقام آخر، و الاظهر عندى العدم، قال فى الحبل المتين و هو فى مقام بيان ما يستفاد من الخبر الرابع: الصلوة على النبى (ص) كلما ذكره الانسان او سمعه من غيره، سواء كان فى الأذان او فى غيره، و ظاهر الأمر الوجوب، و قد حمل على الاستحباب، و الظاهر ان الذكر فى قوله (كلما ذكرته) كما يشمل الذكر اللسّانى، يشمل الذكر القلبى ايضا، انتهى، فتدبر فى الاخير، و قد اشار فى الحبل المتين ايضا على الوجوه المتقدمة.
ذكر جماعة من الاصحاب انه يستحب ان يكون المؤذن حسن الصوت، قيل: لتقبل القلوب على سماعة.
و كذا يستحب ان يكون (بصيرا بالاوقات) عارفا بها، قال غير واحد، ليامن الغلط و يقلده ذو الاعذار، و لو اذن الجاهل فى الوقت صح و اعتد به، بلا خلاف اجده، و فى المدارك عليه الاجماع، و يدل عليه العمومات ايضا.
ذكر جماعة من الاصحاب، بانه يستحب ان يكون المؤذن مبصرا، قال فى المدارك: ليتمكن من معرفة الاوقات، و لو اذن الاعمى بمسدد جاز و اعتد به، لما روى ان ابن ام مكتوم الاعمى كان يؤذن للنبى (ص)، و كان لا ينادى حتى يقال له: اصبحت، انتهى.
أقول: روى فى البحار عن الدعائم، عن جعفر بن محمد انه قال: لا بأس بان يؤذن الاعمى اذا سدّد، و قد كان ابن ام مكتوم يؤذن لرسول الله (ص) و هو اعمى، قال بعض الأجلاء: قد ورد فى جملة من الأخبار عنه (ع) قال: ان اذن
ص: 289
ابن ام مكتوم فكلوا فانه يؤذن بليل، و اذا أذن بلال فامسكوا، الا ان يحمل اذان ابن ام مكتوم فى هذا الخبر، على بعض الاوقات التى يحصل من يسدده فيها فلا اشكال، و قال فى البحار بعد نقل الخبر: قال فى المنتهى: و يجوز ان يكون المؤذن اعمى بلا خلاف، و يستحب ان يكون مبصرا ليامن الغلط، فاذا اذن الاعمى استحب ان يكون معه من يسدده و يعرفه دخول الوقت.
و كذا يستحب ان يكون (مطهرا) من الحدثين، بالاجماع الظاهر المصرح به فى التحرير و المنتهى و غيرهما، كما عن التذكره و الذكرى، و هو الحجة، مضافا الى ما رواه فى البحار عن الدّعائم، عن جعفر بن محمد (ع) قال: لا بأس ان يؤذن الرّجل على غير طهر، و يكون على طهر افضل، و لا يقيم الا على طهر، و الى النهى المشهور عن النبى (ص):(1) حق و سنة أن لا يؤذن احد الا و هو طاهر، و عن ابى هريرة، عنه انه قال: لا يؤذن الاّ متوضئ.
و استدل فى المدارك بانه من سنن الصّلوة، فاستحب فيه الطّهارة، قيل:
و هو عليل، أقول و له وجه صحة، فلا وجه للحكم بعليليته، فافهم.
و يدل على عدم وجوب الطهارة، مضافا الى ما تقدم، و خصوص الاجماع المحكى فى الحبل المتين، اخبار مستفيضة:
منها: ما رواه الفقيه فى باب الأذان و الاقامة فى الصحيح، عن زرارة، عن ابى جعفر (ع)، انه قال: تؤذن و انت على غير وضوء فى ثوب واحد، قائما او قاعدا و اينما توجهت، و لكن اذا اقمت فعلى وضوء متهيّأ للصلوة.
و منها: ما رواه فى الكافى فى الباب المتقدم فى الصحيح او الحسن كالصحيح، عن الحلبى قال: لا بأس ان يؤذن الرّجل من غير وضوء، و لا يقيم الا و هو على وضوء.
و منها: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن عبد الله
ص: 290
بن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا بأس ان تؤذن و انت على غير طهور، و لا تقيم الا و انت على وضوء.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن اسحق بن عمار، عن ابى عبد الله، عن ابيه: ان عليا (ع) كان يقول: لا بأس ان يؤذن المؤذن و هو جنب، و لا يقيم حتى يغتسل.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم، عن حسين بن عثمان، عن ابى بصير قال: قال ابو عبد اللّه فى حديث: لا بأس ان تؤذن على غير وضوء.
و منها: ما رواه فى الفقيه فى الباب المتقدم، عن على (ع) انه كان يقول: لا بأس ان يؤذن المؤذن و هو جنب، و لا يقيم حتى يغتسل.
و منها: ما رواه فى البحار عن كتاب عاصم بن حميد، عن عمرو بن ابى نصر قال: قلت لأبى عبد الله (ع): المؤذن يؤذن و هو على غير وضوء، قال: نعم، و لا يقيم الا و هو على وضوء، قال فقلت: يؤذن و هو جالس، قال: نعم، و لا يقيم الا و هو قائم.
و منها: ما رواه فى البحار ايضا عن قرب الاسناد، عن عبد اللّه بن الحسن، عن جده على بن جعفر، عن اخيه (ع) قال: سألته عن المؤذن يحدث فى اذانه و فى اقامته، قال: ان كان الحدث فى الأذان فلا بأس، و ان كان فى الاقامة فليتوضأ و ليقم اقامته.
و منها: ما رواه ايضا عن كتاب المسائل لعلى بن جعفر، عن اخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرّجل يؤذن و يقيم و هو على غير وضوء، ايجزيه ذلك؟ قال: اما الأذان فلا بأس، و اما الاقامة فلا يقيم الا على وضوء، قلت: فان اقام و هو على غير وضوء، ايصلى باقامته؟ قال: لا.
قال بعض المحققين بعد نقل جمله من الروايات المتقدمة انها دالة على رجحان الطهارة، من جهة ان الظاهر هو الفرق بين ان يقال: ليس فى الأذان وضوء، و ان يقال: لا بأس بترك الوضوء فى الأذان، فانه ينادى بان فيه الوضوء،
ص: 291
لكن تركه غير مضر، لا انه ليس وضوء اصلا.
خلافا للمرتضى و المنتهى و بعض متاخرى المتأخرين، فذهبوا الى وجوبها فيها، و يظهر من القواعد المنقولة فى التهذيب ايضا القول بالوجوب، كعبارة الاسكافى فى المحكية فى الذكرى، على ما يحكى من الصدوق ايضا، كما يظهر، و نفى فى الحبل المتين البعد فى اشتراطها بها، و لهم الأخبار المتقدمة الظاهرة فى الوجوب.
قال بعض الأجله: و فى الأخبار دلالة على لزوم الطهور فى الاقامة كما عليه جماعة، لسلامتها عن المعارض بالكلية على الاصل، و يجب اختصاصه، فما عليه الاكثر من الاستحباب فيها ايضا غير ظاهر الوجه، انتهى.
و فيه نظر لأن المخصص فى المقام موجود، و هو الاجماع الذى حكاه بعض الافاضل فى حاشية الفقيه، قال بعد صحيحة زرارة المتقدمة: حملت على الاستحباب المؤكد فى الاقامة، و على عدم التاكيد فى الأذان، للاجماع على استحباب الطهارة فيهما، فاذن الاقوى هو المشهور، قال فى الروضه: و يستحب الطهارة حالتهما و فى الاقامة اكد، و ليست شرطا عندنا من الحدثين، قال فى الذكرى على ما يحكى: و لو احدث خلال الاقامة استحب الاستيناف بعد الطهارة، و فى اثناء الأذان يتطهر و يبنى، انتهى.
أقول: و يدل عليه رواية على بن جعفر المروية فى قرب الاسناد، قال الشارح المحقق: قال الشارح الفاضل: و لا يجوز الأذان حينئذ اى حين الجنابة فى المسجد مع القدرة على الغسل، فلو فعله لم يعتد به للنهى المفسد للعبادة و فيه نظر لتعلق النهى بالأمر الخارج.
مقتضى خبر على بن جعفر المتقدمة المنقوله عن قرب الاسناد، هو استحباب التطهر و اعادة الاقامة اذا احدث فيها، قال بعض الأجلاء: قال فى الشرايع:
ص: 292
من احدث فى اثناء الصلوة، تطهر و اعادها،؟ لا يعيد الاقامة الا ان يتكلم، انتهى، و ظاهره ان الحدث فى الصلوة لا يوجب اعادة الاقامة، مع انه قد صرح قبل هذه المسئله بان من احدث فى اثناء الاقامة، فالافضل ان يعيد الاقامة، و ربما يظهر من كلامه فى الموضعين الفرق بين الحدث فى اثناء الاقامة فانه يعيدها، و بينه فى اثناء الصلوة فلا يعيدها، و هو مشكل.
و مما يدل على اعادة الاقامة بتخلل الحدث، ما رواه الحميرى فى قرب الاسناد، عن على بن جعفر، عن اخيه (ع) قال: سألته عن المؤذن يحدث..
الى آخره، و السيد السند فى المدارك، انما استدل على ذلك بخبر ابى هرون المكفوف المتقدم، و قوله (ص) فيه: الاقامة من الصلوة، ثم قال: و من حكم الصلوة الاستيناف بطروّ الحدث فى اثنائها، فتكون الاقامة كذلك، انتهى، و هو ناش عن عدم اطلاعه على الخبر المذكور، و كيف كان فالظاهر هو اعادة الاقامة فى صورة بطلان الصلوة بتخلل الحدث، لأنه لا يخرج عن وقوع الحدث بعد الاقامة و هو موجب لاعادتها، انتهى فافهم.
قال فى الذكرى: لو عرض قطع الصّلوة بحدث او غيره، اعادها و لا يعيد الأذان مطلقا، و لا الاقامة الاّ ان يتكلم، لما سلف من اعادة الاقامة مع الكلام، انتهى.
و كذا يستحب ان يكون (قائما) اجماعا على الظاهر المحكى عن التحرير و المنتهى و التذكرة و نهاية الاحكام، و هو الحجة، مضافا الى ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة، عن حمران قال: سألت ابا جعفر (ع)، عن الأذان جالسا، قال: يؤذن جالسا الاراكب او مريض، و عن النبى (ص): يا بلال قم فناد بالصّلوة، و فى رواية الدعائم الآتية ايضا، دلالة على ذلك، و عن الصدوق انه قال: لا بأس بالأذان قائما و قاعد او مستقبلا و مستدبر او ذاهبا و جائيا، و هو على غير وضوء، و الاقامة على وضوء مستقبلا، و ان كان اماما فلا يؤذن الا قائما، انتهى.
روى فى الفقيه فى باب الأذان و الاقامة، عن احمد بن محمد بن ابى
ص: 293
نصر البزنطى، عن الرضا (ع)، انه قال: يؤذن الرّجل و هو جالس و يؤذن و هو راكب، و بالجمله الحكم بالاستحباب فى الأذان مطلقا لا ينبغى ان يشك فيه، بل فى الامة ايضا، وفاقا للمشهور بين الطائفة، و خلافا للمفيد فى المقنعة فظاهره لزوم القيام فيها كما عن ظاهر النهاية، و تبعهما جماعة، و حكى فى الحبل المتين عن الاسكافى ايضا القول بالوجوب.
و الأخبار الواردة فى المسئلة كثير: منها: ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الصحيح، عن ابن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا بأس للمسافر ان يؤذن و هو راكب، و يقيم و هو على الارض قائم.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن محمد بن مسلم قال:
يؤذن الرّجل و هو قاعد، قال: نعم، و لا يقيم الا و هو قائم.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن احمد بن محمد، عن عبد صالح قال: يؤذن الرجل و هو جالس، و لا يقيم الا و هو قائم، و قال:
تؤذن و انت راكب و لا تقيم الا و انت على الارض.
و روى الكافى باسناده فى الباب المتقدم، عن احمد بن محمد بن ابى نصر، عن ابى الحسن (ع)، مثله.
و منها: ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن حسين بن عثمان، عن ابى بصير قال: قال ابو عبد الله: لا بأس ان تؤذن راكبا او ماشيا او على غير وضوء، و لا تقم و انت راكب او جالس الا من علة، او يكون فى ارض ملصة، قيل: الارض الملصة ما كثر فيها اللصوص.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن يونس الشيبانى، عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت له: اؤذن و انا راكب؟ فقال: نعم، قلت: فاقيم و انا راكب، قال: لا، قلت: فاقيم و انا ماش، فقال: نعم، ماش الى الصّلوة، قال: ثم قال لى: اذا اقمت فاقم مترسلا فانك فى الصّلوة، فقلت له: فقد سألتك اقيم و انا ماش، فقلت لى: نعم، فيجوز ان امشى فى الصلوة؟ قال: نعم، اذا دخلت
ص: 294
من باب المسجد فكبرت و انت مع امام عادل، ثم مشيت الى الصلوة اجزاك ذلك.
و منها: ما رواه فى الكافى فى الباب المتقدم عن سليمان بن صالح، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا يقم أحدكم الصلوة و هو ماش و لا راكب و لا مضطجع، الا ان يكون مريضا، و ليتمكن فى الاقامة كما يتمكن فى الصلوة، فانه اذا اخذ فى الاقامة فهو فى صلوة.
و منها: ما رواه فى البحار عن كتاب عاصم بن حميد، عن عمرو بن ابى نصر قال: قلت لأبى عبد الله (ع): المؤذن يؤذن و هو جالس، قال: نعم، و لا يقيم الا و هو قائم.
و منها: ما رواه ايضا عن قرب الاسناد، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن احمد بن محمد بن ابى نصر البزنطى، عن الرضا (ع) قال: تؤذن و انت راكب و جالس، و لا يقيم الا على الارض.
و منها: ما رواه ايضا عن كتاب المسائل لعلى بن جعفر، عن اخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الأذان و الاقامة، ايصلح على الدابة؟ قال: اما الأذان فلا بأس، و اما الاقامة فلا، حتى ينزل على الارض.
و منها: ما رواه ايضا عن الدّعائم عن جعفر بن محمد قال: لا يؤذن الرّجل و هو جالس الا مريض او راكب، و لا يقيم الا قائما او على الارض، الا من علة لا يستطيع معها القيام.
و منها: ما رواه ايضا عن قرب الاسناد، عن عبد اللّه بن الحسن عن جده على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن المسافر يؤذن على راحلته، و اذا اراد ان يقيم اقام على الارض، قال: نعم لا بأس.
قال بعض الأجلاء بعد نقله الأخبار المتقدمة: و انت خبير بما فيها من الظهور كالنور على الطور، على وجه لا يعتريه خلل و لا قصور فيما ادعيناه، و تاويلها بتاكد الاستحباب فى الاقامة زيادة على الأذان فرع وجود المعارض كما فى
ص: 295
الأذان، و الا فهو مجرد مجازفة فى الاحكام المبنيه على التوقيف عنهم (ع)، انتهى.
قال الشارح المحقق بعد حكمه بتاكد استحباب القيام فى الاقامة، و نقله جملة من الأخبار المتقدمة، ما صورته: و يؤكد كون ذلك على جهة الاستحباب، ما رواه الشيخ عن السكونى عن(1) جعفر عن ابيه، عن آبائه عن على (ع) ان النبى (ص) كان اذا دخل المسجد و بلال يقيم الصلوة جلس.
قال بعض المحققين على الشارح المحقق فى قوله هذا: لا شك فى ان الامام و الماموم كلهم جالسون عند اتيان مقيمهم بالاقامة، و يقيمون عند ما قال (قد قامت الصلوة) كما سيجئ، انتهى.
أقول: الانصاف ان المسئله لا تخلو عن اشكال، ناشئ من الشهرة الواقعة فى جانب الاستحباب، المطابقه لما يومى اليه رواية الشيبانى، المصرحه بجواز المشى فيها، و من الظاهر المستفاد من اكثر الروايات المتقدمة، و الاحتياط فى المسئلة مطلوب لا ينبغى تركه بلا ريبة، قال الشارح المحقق: و لو اقام ماشيا الى الصّلوة فلا بأس، قاله الشهيد فى الذكرى استناد الى رواية ضعيفة.
بلا خلاف اجده، الا ما حكاه المصنف رحمه اللّه و غيره عن المبسوط فقال: لا فرق بين ان يكون الأذان فى المنارة او على الارض قال بعض الأجله: و الظاهر ان مراده نفى المنافاة فى الاجزاء و الاستحباب، و الافانه قال: و يستحب ان يكون المؤذن على موضع مرتفع، و كيف كان فهو على تقدير المخالفة شاذ، بل على خلافه فى التذكرة و نهاية الاحكام الاجماع، و هو الحجة.
أقول: و يدل عليه ايضا ما رواه فى البحار عن المحاسن، عن ابن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال: كان طول حايط مسجد رسول
ص: 296
الله (ص) قامة، فكان يقول لبلال اذا اذن: اعل فوق الجدار و ارفع صوتك بالأذان، فان اللّه عز و جل قد وكل بالأذان ريحا ترفعه الى السماء، فاذا سمعته الملائكة قالوا: هذه اصوات امة محمد بتوحيد الله، فيستغفرون اللّه لامة محمد حتى يفرغوا من تلك الصلوة، و رواه التهذيب ايضا كما تقدم فى شرح قول المصنف: المقصد الخامس فى الأذان.
و يدل على المطلب ايضا، كون ذلك ابلغ من الابلاغ المقصود من الشريعة.
هل يستحب الأذان فى المنارة كما عن جملة من الاصحاب، ام لا كما ذهب اليه جماعة؟ وجهان: للاول ما ذكره فى المختلف قال: قال الشيخ فى المبسوط:
لا فرق بين ان يكون الأذان فى المنارة او على الارض، مع انه قال: و يستحب ان يكون المؤذن على موضع مرتفع، و الوجه استحبابه فى المنارة:
اما اولا: فللامر بوضع المنارة مع حايط المسجد غير مرتفعه، روى السكونى عن جعفر عن ابيه(1) عن آبائه (ع) ان عليا (ع): مر على منارة طويلة فامر بهدمها، ثم قال: لا ترفع المنارة الا مع سطح المسجد، و لو لا استحباب الأذان فيها، لكان الأمر بوضعها عبثا.
و اما ثانيا: فلما رواه عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال كان طول حايط... الحديث، انتهى.
أقول: روى التهذيب فى زيادات باب الأذان و الاقامة، عن على بن جعفر قال سألت ابا الحسن (ع) عن الأذان فى المنارة، اسنة هو؟ قال: انما كان يؤذن للنبى (ص) على الارض، و لم يكن يومئذ منارة.
و روى فى البحار عن كشف الغمة، نقلا عن دلائل الحميرى عن ابى هاشم الجعفرى قال: كنت عند ابى محمد (ع) فقال: اذا خرج القائم (ع) امر بهدم
ص: 297
المناير و المقاصير التى فى المساجد، فقلت فى نفسى: لاى معنى هذا؟ فاقبل على و قال: معنى هذا انها محدثه مبتدعة، لم يبنها نبى و لا حجة.
و روى ايضا عن غيبة الشيخ، عن سعد بن عبد الله، عن الجعفرى، مثله.
اذا عرفت ذلك، فاعلم ان كلام المصنف رحمه اللّه لا يخلو عن اشكال: اما اولا فلان الأمر بوضعها لم يحصل من الامام، لروايتى ابى هاشم و على بن جعفر، و اما رواية السكونى، فغاية ما يستفاد منها اباحة وضع المنارة مساويا لسطح المسجد، و انى ذلك من الأمر؟
قال بعض الأجلاء: ان وضع المنارة و الأمر بها لم يحصل من الامام حتى يسندها الى استحباب الأذان فيها، بكون الأمر بوضعها عبثا، و الواضع لها انما هو الثانى فى ايامه، و الظاهر انه (ع) لما كان غير متمكن من ازالة بدعة كما ينبغى، فغاية ما امكنه المنع من ارتفاعها و اشرافها على بيوت الناس التى حول المسجد، انتهى.
و اما ثانيا فلانا لا نسلم العبثية على تقدير عدم الاستحباب و الأمر بها، لأن من الاحتمالات ان جعل المنارة حينئذ انما هو لاجل الطريق الى السطح، قال بعض الأجلاء: رواية على بن جعفر صريحة فى ان الأذان فى المنارة ليس بسنة و ان الأذان للنبى (ص) انما كان على الارض، و غاية ما تدل عليه رواية ابن سنان هو الاستحباب على مرتفع، و مفهوم رواية السكونى الاكتفاء فى الارتفاع بسطح المسجد و ان لم يكن فى المنارة، و لعل جعل المنارة حينئذ انما هو لاجل الطريق الى صعود السّطح.
نعم يبقى الكلام فى الجمع بين ما دل على كون الأذان له (ص) انما كان على الارض، و بين ما دل على الأمر بعلو الجدار، و يمكن اما بحمل الأذان على الجدار على كونه فى بعض الاوقات، و الا فالغالب هو الأذان على الارض، او الأذان على الجدار باعتبار عدم ارتفاعه، كالمنارة الطويلة من الارض، فهو كانه ارض بالنسبة الى المنارة المتعارفة يومئذ، و التجويز بمثل ذلك شايع فى امثال
ص: 298
هذا الكلام.
و قال بعض المحققين: و لو كان المختلف يستدل عليه بان الأذان فى المنارة ابلغ فى ابلاغ الصوت، و يحصل الاعمية و الاتمية لكونها ارفع من جميع الرفيعات فى البلدان، لكان له وجه بل ربما كان هذا مراده مما ذكره، كما يظهر من استدلاله عليه ثانيا، بامر النبى (ص) بلالا ان يرتفع الحايط، الا انه ربما كان فيه مخالفة طريقة الرّسول (ص)، كما يومى اليه رواية على بن جعفر (ع) المذكورة، و متابعة سنة الثانى، كما قيل: ان اول من رفع المنارة فى المسجد هو الثانى، و مع ذلك يصير المؤذن مشرفا على بيوت كثير من الناس، و لهذا امر امير المؤمنين (ع) بهدمها، انتهى.
أقول: ظهر بما ذكر ان القول بالاستحباب فى خصوص المنارة، ليس له دليل و لا امارة.
و يستحب ان يكون (مستقبلا للقبلة) اجماعا على ما ادعاه جماعة من الطائفة و يؤيده قوله (ع): خير المجالس ما استقبل به القبلة، و يتاكد الاستقبال فى الشهادتين، لما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة، فى الصحيح عن محمد، عن أحدهما (ع)، قال: سألته عن الرجل يؤذن و هو يمشى، و على ظهر دابته، و هو على غير طهور، قال: نعم، اذا كان التشهد مستقبل القبله، فلا بأس، و لما رواه الكافى فى الباب المتقدم فى الحسن كالصحيح او الصحيح، عن الحلبى عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت: يؤذن الرّجل و هو على غير القبلة، قال: اذا كان التشهد مستقبل القبلة فلا بأس.
و المشهور بين الطائفة، ان الاقامة كالأذان فى ذلك، و قال فى المقنعة:
لا تجوز الاقامة الا و هو قائم متوجه الى القبلة مع الاختيار، و ظاهرها وجوب الاستقبال فيها، قال فى المختلف: قال السيد المرتضى فى المصباح و الجمل:
لا تجوز الاقامة الا على وضوء و استقبال القبلة.
و قال الشارح المحقق: و نقل عن المرتضى انه اوجب الاستقبال فى الأذان و
ص: 299
الاقامة، و اوجبه المفيد فى الاقامة، و الاقرب الاستحباب، انتهى، و هذه العبارة كما ترى تنادى على مخالفة السيّد فيهما معا، و المنقول فى المختلف كما عرفت انما يدل على الاقامة خاصة.
و بالجملة لم يظهر فى الاقامة مخالف، الا السيّد و المقنعة و تبعهما بعض متاخرى المتأخرين، و لهم رواية سليمان بن صالح، و رواية يونس الشيبانى المتقدمتان، بتقريب انهما دلتا(1) على ان الاقامة من الصلوة، و الداخل فيها داخل فى الصّلوة، فيشترط فى الاقامة ما يشترط فى الصّلوة من الشروط، و فيه نظر، و القول بالاستحباب لا يخلو عن قوة.
قال فى الروضة: و يكره الالتفات ببعض فصوله يمينا و شمالا و ان كان على المنارة عندنا، و قال بعض الأجلاء: و يكره الالتفات بالأذان عندنا يمينا و شمالا سواء كان على المنارة ام لا؟ خلافا للعامة، انتهى.
أقول: روى فى البحار عن الدعائم، عن على (ع) قال: يستقبل المؤذن القبلة فى الأذان و الاقامة، فاذا قال (حىّ على الصّلوة حى على الفلاح) حول وجهه يمينا و شمالا، قال فى البحار: لعل الالتفات محمول على التقية، لمخالفته لساير الأخبار التى ظواهرها الاستقبال فى جميع الفصول، قال فى المنتهى:
المستحب ثبات المؤذن على الاستقبال فى اثناء الأذان و الاقامة، و يكره له الالتفات يمينا و شمالا، و قال ابو حنيفة: يستحب له ان يدور بالأذان فى المئذنة، و قال الشافعى: يستحب له ان يلتفت عن يمينه عند قوله (حى على الصلوة) و عن يساره عند قوله (حى على الفلاح)، انتهى.
أقول: القول بالكراهة قوى، و الظاهر حمل الخبر المتقدم على التقية لمكان الشافعى.
ص: 300
و يستحب ان يكون (متانيا فى الأذان محدرا) فى الاقامة، بلا خلاف يعرف، كما عن المنتهى و التذكرة، و الأخبار فى المسئلة واردة.
منها: ما رواه التهذيب فى باب عدد فصول الأذان، عن الحسن بن السرى عن ابى عبد الله (ع)، قال: الأذان ترتيل، و الاقامة حدر.
و منها: ما رواه ايضا فى باب الأذان و الاقامة، فى الحسن بابراهيم، عن زرارة قال: قال ابو جعفر (ع): الأذان جزم بافصاح الالف و الهاء، و الاقامة حدر.
و منها: ما رواه الصدوق فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن معوية بن وهب، عن ابى عبد الله (ع)، انه سأل عن الأذان، فقال: اجهر به و ارفع به صوتك، فاذا اقمت فدون ذلك، و لا تنتظر باذانك و اقامتك الا دخول وقت الصّلوة، و احدر اقامتك حدرا.
و منها: ما رواه فى البحار عن الدعائم، عن جعفر بن محمد (ع)، انه قال: يرتل الأذان، و يحدر الاقامة.
و منها: ما رواه فى المنتهى - على ما حكى - عن الجمهور، عن النبى (ص) قال: اذا اذنت فترسل، و اذا اقمت فاحدر.
قال فى البحار بعد نقل رواية الدعائم: المراد بالترتيل الترسل و التانى، قال فى النهاية: ترتيل القرآن التانى فيها و التمهل، و تبيين الحروف و الحركات و قال فى حديث الأذان: اذا اذنت فترسل و اذا اقمت فاحدر، اى اسرع، حدر فى قرائته و اذانه: يحدر حدرا انتهى، و قد قطع الاصحاب باستحباب التأنّى فى الأذان و الحدر فى الاقامة، و قال اكثر المتأخرين: المراد بالحدر فى الاقامة قصرا لوقوف لا تركها اصلا، فانه يستحب الوقف على فصولها، انتهى.
قال بعض الأجلاء: لما كان الافضل هو الوقوف على اواخر الفصول، فالافضل ان يجعل الوقف على آخر الفصول فى آخر الاقامة، اقصر منه على آخر فصول الأذان، و هو المراد من الحدر هنا، فانه و ان كان لغة بمعنى اسراع،
ص: 301
قال فى الصحاح: حدر فى قرائته و اذانه يحدر حدرا: اى اسرع، لكن المراد هنا الاسراع على الوجه المذكور، لا ترك الوقف بالكلية، لما عرفت من استحبابه فى حد ذاته، انتهى، و هو جيد كما ذهب اليه غير واحد منهم.
و ان يكون (واقفا على اواخر الفصول) منهما لا يظهر فى اواخرها الاعراب، اجماعا ظاهرا و محكيا فى كثير من العباير، و من الأخبار الواردة فى المقام: ما رواه الفقيه فى باب الأذان و الاقامة، عن خالد بن نجيح، عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: الأذان و الاقامة مجزومان، و فى خبر آخر: موقوفان: و روى ايضا فى الباب المتقدم، عن خالد بن نجيح، عن الصادق (ع) انه قال: التكبير جزم فى الأذان مع الافصاح بالهاء و الالف، و تقدم ايضا حسنة زرارة المشتملة على قول ابى جعفر (ع): الأذان جزم بافصاح الالف و الهاء، و الاقامة حدر.
و عن الحلبى انه جعله من شروطهما، و هو ضعيف للاصل المعتضد بالشهرة و الاجماع المنقول، و عن الرياض انه قال: و لو فرض ترك الوقف اصلا سكن اواخر الفصول ايضا، و ان كان ذلك فى اثناء الكلام، ترجيحا لفضيلة ترك الاعراب على المشهور من حال الدرج، و لو اعرب اواخر الفصول ترك الافضل، و لم تبطل الاقامة لأن ذلك لا يعد لحنا، و انما هو ترك فضيلة، و كذا القول فى الأذان.
اما اللحن ففى بطلانهما به وجهان، و قد اختلف كلام المصنف فيه فحرمه فى بعض كتبه و ابطلهما به، و المشهور العدم، نعم لو اخل بالمعنى، كما لو نصب لفظ رسول الله (ص)، او مد لفظة اكبر بحيث صار صيغه اكبار جمع كبر و هو الطبل له وجه واحد، اتجه البطلان، و لو اسقط الهاء من اسمه تعالى، او من الصلوة، او الحاء من الفلاح، لم يعتد به لنقصان حروف الأذان فلا يقوم بعضه مقامه، لما روى عن النبى (ص) قال: لا يؤذن لكم من يدغم الهاء، قلت: و كيف يقول؟ قال: يقول: اشهد ان لا اله الا اللّه اشهد ان محمدا رسول الله (ص).
(تاركا للكلام خلالهما) على الاشهر، و عن الكفاية: و يكره الكلام فى اثناء
ص: 302
الاقامة و المشهور استحباب ترك الكلام فى خلال الأذان، و مستنده غير واضح، و عن المنتهى: لا يستحب الكلام فى اثناء الأذان - الى ان قال - و يكره فى الاقامة بغير خلاف بين اهل العلم.
و قال بعض الأجله، بعد قول المختصر النافع: و يكره الكلام فى خلالهما و تتأكد فى الاقامة، ما صورته: بلا خلاف اجده الا من القاضى، فكره فى الاقامة خاصة مشعرا بعدمها فى الأذان و قال الشارح المحقق: اما ترك الكلام خلال الأذان فمستنده غير واضح.
أقول: بل ظاهر النصوص عدم الباس به: منها: ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الصحيح، عن عمرو بن ابى نصر قال: قلت لأبى عبد الله (ع) ايتكلم الرّجل فى اثناء الأذان؟ قال: لا بأس، قلت: فى الاقامة، قال: لا.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن عمرو بن ابى نصر قال:
قلت لأبى عبد الله (ع): ا يتكلم الرجل فى الأذان؟ قال: لا بأس.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم فى الموثق، عن سماعة قال: سألته عن المؤذن، ايتكلم و هو يؤذن؟ فقال: لا بأس، حتى يفرغ من اذانه.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم فى القوى، عن محمد الحلبى قال:
سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يتكلم فى اذانه و فى اقامته، فقال: لا بأس.
قال بعض المحققين، فى مقام اقامة الدّليل على الكراهة او استحباب الترك: و الدليل ان فى الكلام فى خلال العبادة تفويتا للاقبال المطلق فيها، مضافا للادب فيها، و لا خفاء فى كراهتهما كما يظهر من الأخبار و الاعتبار، فما فى بعض الأخبار من عدم الباس فى الأذان و المنع فى الاقامة، مثل صحيحة عمرو بن ابى نصر، لا ينافى ما ذكر، لتفاوت مراتب الكراهة، و عن الشهيد الثانى و غيره، بعد نقل الخبر الأول: و لا ينافى الكراهة فى الأذان، لأن الجواز اعم، و نفى الباس يشعر به، و قطع توالى العبادة بالاجنبى يفوت اقبال القلب عليها، انتهى.
ص: 303
أقول: القول باستحباب الترك لا بأس به بعد الشهرة بناء على جواز المسامحة، و ظاهر الخبر الأول و غيره تحريم الكلام فى الاقامة، كما عن المفيد و المرتضى و غيرهما، خلافا للمشهور بين الطائفة فحكموا بالكراهة، و الأخبار فى المقام زيادة على ما مر كثيرة.
منها: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن ابن مسكان، عن ابن ابى عمير قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الرّجل يتكلم فى الاقامة؟ قال: نعم، فاذا قال المؤذن (قد قامت الصلوة) حرم الكلام لاهل المسجد، الا ان يكونوا قد اجتمعوا من شتّى و ليس لهم امام، فلا بأس ان يقول بعضهم لبعض:
تقدم يا فلان.
قال بعض المحققين بعد نقل هذا الخبر: و لا يخفى ان صحة هذا السند محل نظر، لأن ابن مسكان لا يروى عن ابن ابى عمير، بل العكس انسب، و ابن ابى عمير لا يروى عن الصّادق، و لم يسأل عنه، لأنه يروى عن الرضا (ع)، نعم ادرك الكاظم (ع)، انتهى.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم فى الموثق، عن سماعة قال: ابو عبد الله عليه السلام: اذا أقام المؤذن الصّلوة فقد حرم الكلام، الا أن يكون القوم ليس يعرف لهم امام.
و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن زرارة، عن ابى جعفر (ع) انه قال: اذا اقمت الصلوة حرم الكلام على الامام و اهل المسجد، الا فى تقديم امام.
و منها: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن حماد بن عثمان قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الرّجل ايتكلم بعد ما يقيم الصلوة؟ قال: نعم.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم، عن الحسن بن شهاب قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: لا بأس بان يتكلم الرّجل و هو يقيم الصلوة، و بعد ما يقيم
ص: 304
ان شاء.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن ابى هرون المكفوف قال: قال ابو عبد الله (ع): يا أبا هرون الاقامة من الصلوة، فاذا اقمت فلا تتكلم، و لا توم بيدك.
و منها: ما رواه فى البحار عن دعائم الاسلام، عن ابى عبد الله (ع) انه قال: اذا قال المؤذن (قد قامت الصلوة) فقد وجب على الناس الصمت و القيام، الا ان لا يكون لهم امام فيقدم بعضهم بعضا.
و منها: ما رواه ايضا عن السّرائر، نقلا من كتاب محمد بن على بن محبوب، عن جعفر بن بشير، عن الحسن بن شهاب قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: لا بأس بان يتكلم الرجل و هو يقيم، و بعد ما يقيم ان شاء.
و منها: ما رواه منه ايضا، من الكتاب المذكور، عن جعفر بن بشير، عن عبيد بن زرارة قال: سألت ابا عبد الله (ع) قلت: ايتكلم الرّجل بعد ما تقام الصلوة؟ قال: لا بأس.
و بما ذكر من الأخبار ظهر لك ان القول بالكراهة قوى فى الغاية، لأن النصوص المجوزه صارفة للنهى اليها بلا شبهة، و مقتضى جملة منها جواز الكلام بعد قول المقيم (قد قامت الصلوة) مطلقا و لو لم يتعلق بالصلوة، وفاقا للمشهور بين الطائفة، و خلافا للمحكى عن الشيخين و المرتضى و الاسكافى، فحكموا بالحرمة الا ما يتعلق بالصلوة من تقديم امام او تسوية صف او نحو ذلك، و لهم صحيحتا زرارة و ابن ابى عمير المتقدمتان، و موثقة سماعة المتقدمة، و منع كون لفظ الحرام حقيقة فى المصطلح عليه بين الطائفة غير نافع، لانصراف المطلق الى الفرد الكامل الشايع.
قال بعض المحققين: الظاهر من هذه الروايات استثناء خصوص تقديم الامام لا جميع ما استثنوه، و يظهر من المنتهى ان استثناء الجميع لا خلاف فيه، فيحصل وهن فى هذه الروايات، مضافا الى ان الظاهر بملاحظة مجموع
ص: 305
الرّوايات، ان المنع من التكلم من جهة احترام الصلوة، و شدة ارتباط الاقامة بها، سيما بعد قول (قد قامت الصلوة) فلا يناسبه استثناء قول (تقدم يا فلان) سيما بعد تيسر حصول التقديم بالاشارة و التقديم، و لا سيما استثناء جميع ما يتعلق بالصلوة كذلك، و خصوصا الفرق بين المنفرد و الجامع، مع ان العلامة فى المنتهى لم يفرق بينهما اصلا، و جعل النزاع واحدا، و كذا الدليل فلا حظ.
بعد التامل فى جميع ما ذكر مع الشهرة بين الاصحاب، يترجح فى النظر كون المنع على سبيل الكراهة، و ان كانت شديدة غاية الشدة تقرب اول درجة الحرمة، فان اطلاق الحرمة على ذلك غير عزيز، مع أن ابن ادريس نقل ثم نقل رواية عبيد بن زرارة المتقدمة، و قال: و يؤيده ترك الاستفصال فى صحيحة حماد بن عثمان، انتهى كلامه.
أقول: و اتباع ما يدل على المشهور من رواية حماد، و روايتى حسن بن شهاب و عبيد بن زرارة و غيرهما قوى، و كون التعارض بين هذه الأخبار العامة و بين الأخبار الدالة على مذهب الشيخين و شقيقه،(1) من تعارض العموم و الخصوص مطلقا غير ضاير، لأن المكافأة المشروطة فى التعارض فى المقام، لمكان اعتضاد العام بالشهرة العضيمة التى قال بعض الأجلة فى حقها: انها كادت تكون اجماعا، و ندرة القائل بالمنع المخالف للاصل المعتضد بما مر فى كلام بعض المحققين مفقودة.
و بالجملة ظهور الروايات الدالة على جواز التكلم مطلقا، بعد ملاحظة وقوع الشهرة عليه، اقوى من الظهور الحاصل من كون المراد بالمنع فى المقام الحرمة، فانظر بعين الانصاف الى رواية شهاب و نحوها، و استحضر فى قلبك ان حمل المطلق على المقيد ليس من الأمور التعبدية.
و الحاصل ان الراجح فى النظر بعد التفكر فى الأخبار و الادلة، هو القول بالكراهة الذاهب اليها مشهور الطائفة، و القول بان الأخبار الناهية موردها الجماعة، و الأخبار المجوزة موردها المتفرد، فالواجب الوقوف فى كل منها على
ص: 306
مورده و لا تنافى، و بذلك يظهر ان الحق فى هذه المسئلة هو التفصيل بما ذكرناه لا ما ذكره كل منهما من العموم غير وجيه، لمكان العموم الناشئ عن ترك الاستفصال، فالتخصيص بالانفراد فى الأخبار المجوزة لا وجه له، سيما فى بعضها مع، ان القائل بهذا التفصيل نادر جدا.
و عن الرياض انه نسبه الى الاصحاب، و يدل عليه ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: قال ابو عبد الله (ع): لا تتكلم اذا اقمت الصلوة، فانك اذا تكلمت اعدت الاقامة.
الا ان يتطاول بحيث يخرج عن الموالاة، و مثله(1) السكوت الطويل، و بذلك صرح غير واحد منهم.
روى فى البحار عن مجالس الصدوق، عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن سعد بن عبد الله، عن ابراهيم بن هاشم، عن الحسين بن الحسن، عن سليمان بن جعفر البصرى، عن عبد اللّه بن الحسين بن زيد، عن ابيه، عن الصادق، عن آبائه (ع)، قال: قال رسول الله (ص): ان اللّه كره الكلام بين الأذان و الاقامة فى صلوة الغداة حتى تقضى الصلوة، و نهى عنه.
و روى ايضا عن الخصال، عن ابيه، عن سعد، مثله.
قال فى البحار، بعد نقله الخبر: ما تضمنه من كراهة الكلام بين الأذان و الاقامة فى صلوة الغداة، لم يذكره الاكثر، و انما حكموا بكراهة الكلام فى خلالهما، و بتاكدهما بعد (قد قامت الصلوة) قال الشيخان و المرتضى: اذا قال الامام (قد
ص: 307
قامت الصلوة) حرم الكلام الا ما يتعلق بالصّلوة من تسوية صف او تقديم امام، و الكراهة الشديدة اظهر، لكن قال يحيى بن سعيد فى الجامع: يكره الكلام بين الأذان و الاقامة فى صلوة الغداة، و نحوه قال الشهيد فى النفلية، و رواه الصدوق فى الفقيه فى وصية النبى (ص) لعلى (ع)، و قال بعض المحققين: اعلم ان مقتضى الادلة و الفتاوى عدم كراهة الكلام بين اذان الصبح و اقامته حتى يقضى الصّلوة، و افتى به فى النفلية بعد يحيى بن سعيد فى الجامع، انتهى، و فيه، نظر لأن الدليل الدال على الكراهة موجود كما عرفت.
و كذا يستحب ان يكون (فاصلا بينهما بركعتين او سجدة و فى المغرب بخطوة او سكته) قال طاب مضجعه فى المنتهى: و يستحب الفصل بين الأذان و الاقامة بركعتين، او سجدة، او جلسة، او خطوة، الا المغرب فانه بينهما بخطوة او سكتة او تسبيحة، ذهب اليه علماؤنا، و قال فى التحرير: و عليه علماؤنا.
و قال الشيخ فى النهاية: و يستحب ان يفصل الانسان بين الأذان و الاقامة بجلسة او خطوة او سجدة، و افضل ذلك السجدة الا فى المغرب خاصة فانه لا يسجد بينهما، و يكفى الفصل بينهما بخطوة او جلسة خفيفة.
و قال ابن ادريس: من صلى منفردا فالمستحب له ان يفصل بين الأذان و الاقامة بسجدة او جلسة او خطوة، و السجدة افضل الا فى الأذان للمغرب خاصة فان الجلسة او الخطوة السريعة فيها افضل، و اذا صلى فى جماعة فمن السنة ان يفصل بينهما بشىء من نوافلة، ليجتمع الناس فى زمان تشاغله بها، الا صلوة المغرب فانه لا يجوز ذلك فيها، انتهى.
أقول: لا بد اولا من نقل ما وصل الينا من الأخبار المتعلقة بالمقام، ثم التكلم فيها.
الأول: ما رواه التهذيب فى باب عدد فصول الأذان فى الصحيح، عن سليمان بن جعفر الجعفرى قال: سمعته يقول: افرق بين الأذان و الاقامة بجلوس او بركعتين.
ص: 308
الثانى: ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن احمد بن محمد قال:
قال: القعود بين الأذان و الاقامة فى الصلوات كلها، اذا لم يكن قبل الاقامة صلوة يصليها، و روى فى الكافى فى باب الأذان و الاقامة، عن محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن احمد بن محمد بن ابى نصر، عن ابى الحسن (ع)، مثله
الثالث: ما رواه فى باب الأذان و الاقامة فى الزيادات فى الصحيح، عن ابن ابى عمير، عن ابى على صاحب الانماط، عن ابى عبد الله (ع) او ابى الحسن (ع) قال: قال: يؤذن للظهر على ست ركعات، و يؤذن للعصر على ركعات بعد الظهر.
الرابع: ما رواه ايضا فى باب عدد فصول الأذان، عن اسحق الجريرى، عن ابى عبد الله (ع)، قال: قال: من جلس فيما بين اذان المغرب و الاقامة، كان كالمتشحط بدمه فى سبيل الله.
الخامس: ما رواه الفقيه فى باب الأذان و الاقامة فى الموثق، عن عمار الساباطى، عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: اذا قمت الى الصّلوة الفريضة فاذن و اقم، و افضل بين الأذان و الاقامة بقعود او بكلام او تسبيح، و قال: سألته كم الذى يجزى بين الأذان و الاقامة من القول؟ قال: الحمد لله.
السادس: ما رواه التهذيب فى باب عدد فصول الأذان، عن سيف بن عميرة، عن بعض اصحابنا، عن ابى عبد الله (ع)، قال: بين كل اذانين قعدة، الا المغرب فان بينهما نفس.
السابع: ما رواه فى الباب المتقدم، عن جعفر بن محمد بن يقطين، رفعه اليهم، قال: يقول الرّجل اذا فرغ من الأذان و جلس: اللّهم اجعل قلبى(1)
ص: 309
بارا، و رزقى دارا، و اجعل لى عند رسول الله (ص) قرارا و مستقرا.
الثامن: ما رواه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن ابن ابى عمير، عن عمر بن اذينة، عن الحسن بن شهاب، عن ابى عبد الله (ع)، قال: لابد من قعود بين الأذان و الاقامة.
التاسع: ما رواه فى باب الأذان و الاقامة فى الزيادات فى الصحيح، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد اللّه بن مسكان قال: رايت ابا عبد الله (ع) اذن و اقام من غير ان يفصل بينهما بجلوس.
العاشر: ما رواه فى الباب(1) المتقدم فى الصحيح، عن ابن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، قال: قلت له: ان لنا مؤذنا يؤذن بليل، فقال: اما ان ذلك ينفع الجيران لقيامهم الى الصلوة، و اما السنة فانه ينادى مع طلوع الفجر، و لا يكون بين الأذان و الاقامة الا الركعتان.
الحادى عشر: ما رواه فى الباب المتقدم فى الزيادات فى الصحيح، عن عمران الحلبى قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الأذان فى الفجر قبل الركعتين او بعدهما؟ فقال: اذا كنت اما ما تنتظر جماعة فالأذان قبلهما، و ان كنت وحدك فلا يضرك اقبلهما اذنت او بعدهما.
الثانى عشر: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الزيادات، عن عمار الساباطى قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الرّجل ينسى ان يفصل بين الأذان و الاقامة بشىء، حتى اخذ فى الصلوة او اقام الصلوة، قال: ليس عليه شىء و ليس له ان يدع ذلك عمدا، سأل: ما الذى يجزى من التسبيح بين الأذان و الاقامة؟ قال: يقول: الحمد لله.
الثالث عشر: ما رواه شيخنا المجلسى - عطر اللّه مرقده - فى البحار عن قرب الاسناد،
ص: 310
عن احمد بن محمد بن عيسى، عن احمد بن محمد بن ابى نصر البزنطى قال:
سألت الرضا (ع) عن القعدة بين الأذان و الاقامة، فقال: القعدة بينهما اذا لم تكن بينهما نافلة.
الرابع عشر: ما رواه ايضا عن مجالس الشيخ، عن جماعة، عن ابى المفضل، عن حميد، عن القاسم بن اسمعيل، عن زريق قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: من السنة الجلسة بين الأذان و الاقامة فى صلوة الغداة و صلوة المغرب و صلوة العشاء، ليس بين الأذان و الاقامة سبحة، و من السنة ان يتنفل بركعتين بين الأذان و الاقامة فى صلوة الظهر و العصر.
الخامس عشر: ما رواه ايضا عن الدعائم، عن جعفر بن محمد انه قال: و لابد من فصل بين الأذان و الاقامة بصلوة او بغير ذلك، و اقل ما يجزى فى ذلك فى صلوة المغرب التى لا صلوة قبلها، ان يجلس بعد الأذان جلسة، يمس فيه الارض بيده.
السادس عشر: ما رواه ايضا عن كتاب زيد النرسى قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: من السنة الترجيع فى اذان الفجر و اذان العشاء الآخرة، امر رسول الله (ص) بلا لا ان يرجّع فى اذان الغداة و اذان العشاء، اذا فرغ اشهد ان محمدا رسول اللّه عاد فقال: اشهد ان لا اله الا اللّه، حتى يعيد الشهادتين ثم يمضى فى اذانه، ثم لا يكون بين الأذان و الاقامة الا جلسة.
السّابع عشر: ما رواه ايضا عن فلاح السائل،(1) باسناده عن هرون بن موسى التلعكبرى، عن محمد بن همام، عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن الحسن بن معوية بن وهب، عن ابيه قال: دخلت على ابى عبد الله (ع) وقت المغرب، فاذا هو قد اذن و جلس، فسمعته يدعو بدعاء ما سمعت بمثله، فسكت حتى فرغ من صلوته ثم قلت: يا سيدى لقد سمعت منك
ص: 311
دعاء ما سمعت بمثله «قط»، قال: هذا دعاء امير المؤمنين (ع) ليلة بات على فراش رسول الله (ص)، و هو: يا من ليس معه ربّ يدعى، يا من ليس فوقه خالق يخشى، يا من ليس دونه اله يتّقى، يا من ليس له وزير يغشى، يا من ليس له بوّاب ينادى، يا من لا يزداد على كثرة السؤال الاكرما وجودا، يا من لا يزداد على عظم الجرم الا رحمة و عفوا، صل على محمّد و آل محمّد، و افعل بى ما انت اهله، فانك اهل التّقوى و اهل المغفرة، و انت اهل الجود و الخير و الكرم.
الثامن عشر: ما نقله عن كتاب فلاح السّائل، قال: قال رضى اللّه عنه: و رويت باسنادى الى هرون بن موسى، عن الحسن بن حمزة العلوى، عن احمد بن ما بنداد، عن احمد بن هليل الكرخى، عن ابن ابى عمير، عن بكر بن محمد، عن ابى عبد الله (ع) قال: كان امير المؤمنين على بن ابى طالب (ع) يقول لاصحابه: من سجد بين الأذان و الاقامة، فقال فى سجوده: ربّ لك سجدت خاضعا خاشعا ذليلا، يقول اللّه تعالى: ملائكتى و عزتى و جلالى، لا جعلنّ محبته فى قلوب عبادى المؤمنين، و هيبة فى قلوب المنافقين.
التاسع عشر: ما رواه ايضا عن فلاح السائل، بعد الكلام المتقدم بلا فصل، و قال: عن عبد اللّه بن الحسين بن محمد، عن الحسن بن حمزة العلوى، عن حمزة بن القاسم، عن على بن ابراهيم، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن ابن ابى عمير، عن ابيه، عن ابى عبد الله (ع)، قال: رايته اذن ثم اهوى للسجود، ثم سجد سجدة بين الأذان و الاقامة، فلما رفع راسه قال: يا أبا عمير من فعل مثل فعلى غفر اللّه له ذنوبه كلّها، و قال: من اذن ثم سجد فقال: لا اله الاّ انت ربّى سجدت خاضعا خاشعا، غفر اللّه له ذنوبه.
العشرون: ما رواه ايضا عن فقه الرّضا (ع): يقول بين الأذان و الاقامة فى جميع الصّلوات: اللّهم ربّ هذه الدعوة التامة، و الصلوة القائمة، صل على محمد و آل محمّد، و اعط محمدا يوم القيمة سؤله، آمين رب العالمين، اللّهم انى اتوجّه اليك بنبيك نبّى الرّحمة، محمّد صلى اللّه عليه و آله، و اقدمهم بين يدى حوائجى
ص: 312
كلّها، فصل عليهم و اجعلنى بهم وجيها فى الدنيا و الآخرة و من المقربين، و اجعل صلواتى بهم مقبولة، و دعائى مستجابا، و امنن على بطاعتهم، يا ارحم الراحمين، يقول هذا فى جميع الصّلوات، و يقول بعد اذان الفجر: اللّهم انى اسألك باقبال نهارك، و ادبار ليلك، و حضور صلواتك، و اصوات دعاتك،(1)و تسبيح ملائكتك، ان تتوب على، انك انت التواب الرحيم، و ان احببت ان تجلس بين الأذان و الاقامة فافعل، فان فيه فضلا كثيرا، و انما ذلك على الامام، و اما المنفرد فيخطو تجاه القبلة خطوة برجله اليمنى، ثم يقول: بالله استفتح، و بمحمد صلى اللّه عليه و آله استنجح و اتوجه، اللّهم صلّ على محمد و آل محمد، و اجعلنى بهم وجيها فى الدنيا و الآخرة و من المقربين، و ان لم تفعل ايضا اجزاك
اذا عرفت ذلك، فاعلم ان المحكى عن التحرير و التذكرة و المنتهى و غيره، الاجماع على ما فى المتن، مع زيادة التسبيحة فى المذكور فيه بعد المغرب، و الخطوة فى المذكور قبل المغرب و هو الحجة، مضافا الى النصوص المتقدمة.
قال الشارح المحقق: و لم اطلع على نصّ فى اعتبار الخطوة، و اعترف به الشهيد فى الذكرى، و لا اعتبار السجدة، قال الشارح الفاضل: يمكن دخولها فى حديث الجلوس، فانها جلوس و زيادة، و فيه ما فيه، انتهى.
أقول: و بما اعترف به من عدم النصّ على اعتبار السّجدة و الخطوة، اعترف جملة من المتأخرين بل اكثرهم على ما قيل، و فيه نظر لمكان الخبر الثامن عشر و التاسع عشر.
قال بعض المحققين: فاما السجدة، فابن طاوس فى كتاب فلاح السائل، روى روايات متعددة، بعضها انها يسجد بينها مطلقا، و بعضها مع ضميمة دعاء، انتهى، و ما فى فقه الرضا (ع) دليل للخطوة، الا ان ظاهره التخصيص
ص: 313
بالمنفرد، و كلام من ذكرها مطلق، و كيف كان فالظاهر هو القول باستحبابها بينهما مطلقا و لو فى غير المغرب، و مقتضى ظاهر الخبر الأول و الثانى و الخامس و الثامن و السّادس عشر المؤيد بالخبر السابع و الثالث عشر و بالعشرين، هو استحباب الفصل بالجلوس بينهما فى المغرب ايضا، و يدل ايضا على استحبابه بينهما فيه صريح الخبر الرابع و الرابع عشر و الخامس عشر، و يعضدها الخبر السابع عشر.
و لذا ترى الشارح المحقق انه قال بعد استدلاله لاستحباب الفصل بينهما فى المغرب بالجلوس بالخبر الرابع، و اطلاق بعض الرّوايات، ما صورته:
فوجه استثناء المغرب غير واضح، مع ان الذى ذكره الشيخ فى النهاية استحباب الجلسة او الخطوة فى المغرب، و كذا ابن ادريس، و الظاهر ان مراد الفاضلين من استثناء المغرب، اثبات ما ذكروا له على وجه الافضلية، و ان جاز غيره، لكنّ اثباته مشكل، و رواية اسحق تدفعه انتهى.
أقول: يمكن ان يقال: الخبر السادس يعارض الأخبار المذكورة، و ضعف السند غير ضاير لانجباره بالشهرة و بالاجماعات المحكية، فليقدم بوحدته على تلك الأخبار المتعددة، مع ان السيّد بن طاوس قال فى كتاب فلاح السّائل: و قد رويت روايات، ان الافضل ان لا يجلس بين اذان المغرب و اقامتها، و هو الظاهر من عمل جماعة من اهل التوفيق، و لعلّ الجلوس بينهما فى وقت دون وقت، او لفريق دون فريق، انتهى، و ظاهره ايضا الميل الى المشهور، فظهر بما ذكر ان الروايات الدالة على مختار المتن ايضا متعددة، و كلها معتبرة، و لو بالشهرة و الاجماعات المحكية، هذا مضافا الى ان الصّريح من الأخبار الدّالة على الجلوس بينهما فيه غير واضحة الاسانيد، و ليس فى المقام لمكان الشهرة الواقعة فى جانب الخلاف لها جابر بلا ترديد.
و اما معتبرتها فهى مطلقة قابلة للتقييد، و مع ذلك فهى باطلة غير معروفة القائل، لأن النهاية و السرائر قيد الجلوس بالخفيف و السريع على ما يحكى
ص: 314
عنهما، مع ان ظاهر الحلى تخصيص استحباب الجلسة و غيرها من الامور السابقه بالمنفرد دون الجامع، فاستحب له الفصل بالركعتين، فاذن الاحوط عدم الجلوس بينهما فى المغرب، و الظاهر ان المراد بالنفس الواقع فى الخبر السّادس هو السكتة، و مقتضى الخبر الأول كالفتاوى، هو استحباب الفصل بالركعتين مطلقا، و لو كانتا من غير الرّواية، و فى وقت الفرائض لكن ظاهر الخبر الثانى و الثالث و الثالث عشر و الخامس عشر هو التخصيص بالرّواية فى اوقاتها كما عن بعض، و يؤيده بعض الأخبار المتقدمة ايضا.
قال بعض الاجلة: و لا يبعد ان يكون ذلك هو مراد الاصحاب كما يرشد اليه ايضا استثناؤهم المغرب، كالرّوايات مع احتمال احالتهم له الى الوضوح من الخارج، من حرمة النافلة فى وقت الفريضة، فهو احوط حتى انه لا يصلى من الراتبة بينهما اذا خرج وقتها، انتهى.
و الاحوط مراعاة ما ذكره، قال فى البحار بعد نقل الخبر الثالث: عن فلاح السائل، عن ابى المفضل الشيبانى، عن محمد بن جعفر بن بطه، عن محمد بن احمد الاشعرى، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن ابى عمير، عن ابى على الانماطى، عن ابى عبد الله (ع) او ابى الحسن (ع)، ما صورته يدل الخبر على استحباب الفصل بين الأذان و الاقامة فى الظهر و العصر بركعتين من نافلتهما.
و خصّ الشيخ البهائى هذا الحكم بالظهر، و لعله لأن الأذان لا يكون الا بعد دخول وقت العصر، و عند ذلك يخرج وقت النافلة، و هذا مبنى على ما هو المشهور عندهم من ان الأذان لصاحبة الوقت، و لم يظهر لنا ذلك من الأخبار، بل الظاهر منها انه اذا فصل بين الصلوتين بالنافلة يؤذن للثانية، و الا فلا، فيحمل الخبر على الاتيان بالأذان و النافلة قبل مضى اربعة اقدام، و هذا ايضا مما يؤيد ان مدار الأذان على النافلة، لا على وقت الفضيلة، و له شواهد كثيرة من الأخبار، انتهى.
ص: 315
أقول قد عرفت فى مقامه ما اخترناه فى ذلك، فتخصيص البهائى غير وجيه، و قال ايضا فى موضع آخر من البحار: و قال الشهيد فى الذكرى: فى مضمر الجعفرى فرق بينهما بجلوس او ركعتين، و اما الفصل بركعتين، فينبغى تقييده بما اذا لم يدخل وقت فضيلة الفريضة، لما مر، و لذا خصّ الشهيد رحمه الله تبعا لاكثر الرّوايات بالظهرين، بان ياتى بركعتين من نافلتهما بين الأذان و الاقامة و اما صلوة الغداة فالغالب ايقاع نافلتها قبل الفجر، فلذا لم يذكر فى الأخبار، انتهى.
و يدل الخبر الثالث عشر على افضلية بالنسبة الى القعدة، و الخبر الحادى عشر على افضلية الفصل بركعتى الفجر فى الجماعة من حيث الانتظار للاجتماع للصلوة، قال بعض الأجلة: و يستفاد منه اى من الخبر التاسع كون الفصل به للاستحباب، كما فهمه الاصحاب مما مر من الأخبار الظاهرة فى الوجوب انتهى فتامل، و لعله (ع) فصل بتسبيح او تحميد او نفس ان كان فى المغرب، مع ان عدم فصله (ع) بينهما مطلقا احيانا غير ضاير ايضا.
قال فى البحار بعد نقله عن مصباح الشيخ: انه قال يستحب ان يقول فى السجدة بين الأذان و الاقامة: اللّهم اجعل قلبى بارا، و رزقى دارا، و اجعل لى عند قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مستقرا و قرارا، ما صورته فى البلد الامين و غيره، و رزقى دارا و عيشى قارا، و اجعل لى عند قبر نبيك محمد صلى اللّه عليه و آله، و فى النفلية: و عيشى قارا، و رزقى دارا، و فى بعض الكتب بعد ذلك: و عملى سارا، و فى بعضها: عند رسولك، بغير ذكر القبر، و فى الكافى فى حديث مرفوع يقول الرّجل، اذا فرغ من الأذان و جلس: اللّهم اجعل قلبى بارا، و رزقى دارا، و اجعل لى عند قبر نبيك قرارا و مستقرا، و قال الشهيد الثانى - رفع اللّه مقامه - فى شرح النفلية: اللهم اجعل قلبى بارا، البار: المطيع و المحسن و المعنى عليهما سؤال اللّه ان يجعل قلبه مطيعا
ص: 316
لسيده و خالقه، و محسنا فى تقلباته و حركاته و سكناته، فان الاعضاء تتبعه فى ذلك كله، و عيشى قارا، الا جود كون القار هنا متعديا، و المفعول محذوفا، اى قار العينين، يقال: اقرّ اللّه عينك اى صادف فؤادك ما يرضيك من العيش، فتقر عينك من النظر الى غيره، قاله الهروى، و يجوز كونه لازما، اى مستقرا لا يحوج الى الخروج اليه فى سفره و نحوه.
و قد روى ان من سعادة الرجل ان يكون معيشته فى بلده، او قارا فى الحالة المهناة، لا يتكدر بشىء من المقصات فيضطرب، و رزقى دارا، اى يزيد و يتجدد شيئا فشيئا كما يدر اللبن، و اجعل لى عند قبر رسولك مستقرا و قرارا، و قرارا المستقر: المكان، و القرار: المقام، اى اجعل لى عنده مكانا اقرفيه، و قيل: هما مترادفان:
و نقل المصنف فى بعض تحقيقاته ان المستقر فى الدنيا، و القرار فى الاخرة، كانه يسأل ان يكون المحيا و الممات عنده، و اختص الدنيا بالمستقر لقوله تعالى: «وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ *» او، الآخرة بالقرار، لقوله تعالى: «وَ إِنَّ اَلْآخِرَةَ هِيَ دٰارُ اَلْقَرٰارِ»، و فيه ان القبر لا يكون فى الاخرة، و اطلاق الاخرة على الممات خاصة بعيد، نعم فى بعض روايات الحديث: و اجعل لى عند رسولك، بغير ذكر القبر و يمكن تنزيل التاويل حينئذ عليه، بان يكون السؤال ان يكون مقامه فى الدّنيا و الاخرة فى جواره (ص) انتهى كلامه، زيد اكرامه و قيل المراد بالقار ان يكون مستقرا دائما غير منقطع، و العمل السّار هو الذى يصير سببا لسرور عامله و بهجته فى الدارين، لكن تلك الفقرة غير موجودة فى الاصول المعتبرة، انتهى.
و يستحب ان يكون (رافعا صوته) للاخبار المتجاوزة عن حد الاستفاضة، بل لعلّها متواترة، و قد تقدم الى كثير منها الاشارة فى شرح قول المصنف صيّتا و فى غيره، روى فى البحار عن جامع الشرايع للشيخ يحيى بن سعيد، انه قال:
روى ان رفع الصوت بالأذان فى المنزل ينفى الامراض، و ينمى الولد، و قد تقدم
ص: 317
رواية ابن راشد الدالة على ذلك.
قال الشارح المحقق: و لم اطلع على دليل دال على استحباب رفع الصوت فى الاقامة، و المستفاد من صحيحة معوية بن وهب: و ارفع به صوتك، و اذا اقمت فدون ذلك، و عمم الشارح الفاضل الحكم بالنسبة اليها، و هو غير واضح، انتهى.
أقول صحيحة معوية بن وهب السابقه عند شرح قول المصنف محدرا فى الاقامة، دالة على الاستحباب فيها ايضا، نعم لا بد ان يكون رفع الصوت فيها ادون من الرفع الواقع فى الأذان فتامل جدا.
قال الشارح المحقق: و أما المرأة فالاولى بالنسبة اليها الاسرار، كذا ذكره جماعة من الاصحاب، و الادلة غير مساعدة على اثبات هذا التفصيل، انتهى.
أقول يمكن ان يقال: وجهه ان التستر اولى بالحياء المطلوب منها، كما يرشد اليه من النصوص ما مر فى استحباب ان لا تحضر المساجد، و ان صلوتها فى بيتها افضل منها فيه، فافهم.
(و يستحب الحكاية) اجماعا محققا، و محكيا فى عبائر جماعة(1) حد الاستفاضة، و الأخبار المتعلقة بالمقام كثيرة، منها: ما رواه الكافى فى باب الأذان و الاقامة، باسناد فيه محمد بن اسمعيل، عن الفضل، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع) قال: كان رسول الله (ص) اذا سمع المؤذن يؤذن قال مثل ما يقول فى كل شىء، و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه، فى الباب المتقدم مرسلا، قال ابو جعفر (ع) لمحمد بن مسلم: يابن مسلم لا تدعن ذكر الله تعالى على كل حال، و لو سمعت المنادى ينادى بالأذان و انت على الخلاء فاذكر اللّه عز و جل، و قل كما يقول المؤذن، و روى فى البحار عن العلل، عن
ص: 318
محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفّار، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد، عن حريز، عن محمد بن مسلم، قال: قال: يابن مسلم، لا تدعن ذكر اللّه عز و جل على كل حال، فلو سمعت المنادى ينادى بالأذان و انت على الخلاء فاذكر اللّه عز و جل و قل كما يقول، و منها: ما رواه الفقيه ايضا فى الباب المتقدم، قال: و روى ان من سمع الأذان فقال كما يقول المؤذن، زيد فى رزقه.
و منها: ما رواه فى البحار عن العلل، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن ابى عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة قال: قلت لأبى جعفر (ع): ما أقول اذا سمعت الأذان؟ قال: اذكر اللّه مع كل ذاكر، و منها: ما رواه فى البحار ايضا عن العلل، عن على بن احمد بن محمد، عن محمد بن جعفر الاسدى، عن موسى بن عمران النخعى، عن الحسين بن يزيد النوفلى، عن على بن سالم، عن ابيه، عن ابى بصير، قال: قال ابو عبد الله (ع): ان سمعت الأذان و انت على الخلاء، فقل مثل ما يقول المؤذن، و لا تدع ذكر اللّه عز و جل فى تلك الحال، لأن ذكر الله حسن على كل حال، ثم قال (ع): لما ناجى اللّه عز و جل موسى بن عمران، قال موسى: يا رب ابعيد انت منى فاناديك، ام قريب فاناجيك؟ فاوحى الله عز و جل اليه: يا موسى انا جليس من ذكرنى، فقال موسى: ربّ انى اكون فى حال اجلّك ان اذكرك فيها؟ قال: يا موسى اذكرنى على كل حال.
و منها: ما رواه ايضا عن العلل، عن محمد بن احمد السنانى، عن حمزة بن القاسم العلوى، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن جعفر بن سليمان، عن سليمان بن مقبل، قال: قلت لموسى بن جعفر (ع): لاى علة يستحب للانسان اذا سمع الأذان ان يقول كما يقول المؤذن، و ان كان على البول و الغايط؟ قال: ان ذلك يزيد فى الرزق، و منها: ما رواه ايضا عن الخصال باسناده عن سعيد بن علاقه، عن امير المؤمنين (ع)، قال: اجابة المؤذن يزيد
ص: 319
فى الرزق، و منها: ما رواه الفقيه فى الباب المتقدم، عن الحارث بن المغيرة عن ابى عبد الله (ع) انه قال: من سمع المؤذن يقول اشهد ان لا اله الا الله، و اشهد ان محمّدا رسول اللّه، صلى اللّه عليه و آله، فقال مصدقا محتسبا: و انا اشهد ان لا اله الا الله، و اشهد ان محمدا رسول الله، و اكتفى بهما عن كل من ابى و جحد، و اعين بها(1) من اقر و شهد، كان له من الاجر عدد من أنكر و جحد و عدد من اقر و شهد.
حتى الحيعلات، خلافا للشهيدين فى الدروس و الروضة فجوزا الحولقة بدل الحيعلة، قال فى البحار: قال الشيخ فى المبسوط: روى عن النبى (ص) انه كان يقول: اذا قال حىّ على الصّلوة، لا حول و لا قوّة الا بالله، و لعل الرواية عامية لاشتهارها بينهم، و قد رووا باسانيد عن عمرو معوية، ان رسول الله (ص) قال: اذا قال المؤذن: اللّه اكبر اللّه اكبر قال احدكم: اللّه اكبر اللّه اكبر، ثم قال: اشهد ان لا اله الاّ الله، قال: اشهد ان لا اله الا اللّه، ثم قال: اشهد ان محمدا رسول الله، قال: اشهد ان محمدا رسول اللّه، ثم قال: حى على الصلوة، قال: لا حول و لا قوة الاّ باللّه، ثم قال: حىّ على الفلاح، قال: لا حول و لا قوة الاّ باللّه، ثم قال: اللّه اكبر اللّه اكبر، قال: اللّه اكبر اللّه اكبر، ثم قال: لا اله الاّ اللّه، قال: لا اله الا اللّه من قلبه دخل الجنة، رواه مسلم فى صحيحه و غيره فى غيره.
و ما ورد فى كتبنا فالظاهر انه ماخوذ منهم، او ورد تقية، و ظاهر الأخبار المعتبرة حكاية جميع الفصول، انتهى.
أقول الظاهر ان ما رواه فى المبسوط عامية كما عن جماعة، و منهم البحار كما عرفت كلامه، فالخروج عن الظاهر المنصور بهذه الرّواية المهجورة فى غاية
ص: 320
من الاشكال، كما صرح به جماعة، فليعمل بظواهر الأخبار المتقدمة.
قال فى المبسوط، من كان خارج الصلوة، و سمع المؤذن يؤذن فينبغى ان يقطع كلامه ان كان متكلما، و ان كان يقرء القرآن فالافضل له ان يقطع القرآن، و يقول كما يقول المؤذن، لأن الخبر على عمومه و هو جيد، قاله جماعة عملا بعموم الأخبار المذكورة.
كما صرح به جماعة، و منهم المبسوط، و التذكرة و نهاية الاحكام على ما يحكى، و نسبه بعض المحققين الى ظاهر الاصحاب، لعدم عموم يشمل المقام، و يظهر من الروضة استحباب الحكاية فيها ايضا، لكن مع ابدال الحيعلات بالحولقة، و فيه نظر، لعدم المقتضى كما مضى اليه الاشارة.
قال فى المبسوط: على ما حكى متى قاله فى الصلوة لم تبطل صلوته، الا فى قوله حى على الصلوة، فانه متى قال ذلك مع العلم بانه لا يجوز فانه يفسد الصّلوة، لانه ليس بتحميد و لا تكبير، بل هو من كلام الآدميين المحض، فان قال بدلا من ذلك: لا حول و لا قوة الا بالله، لم تبطل صلوته، و تبعه فى ذلك جماعة و منهم الدروس و الروضة قال بعض الأجلاء بعد نقل كلام المبسوط: الظاهر ان الوجه فيه هو عدم تيقن العموم فى الأخبار على وجه يشمل الصلوة، مع ان بعض فصوله ليست ذكرا، فيشكل الاتيان به فى الصلوة، و يكون موجبا لبطلانها، كما ذكره، و انت خبير بان ظاهر هذه الأخبار اطلاق الذكر على الأذان بجميع فصوله من الحيعلات و غيرها، فان ظاهر قوله (ص) فى صحيحة محمد بن مسلم المروية فى العلل، المرسلة فى الفقيه: لا تدعن ذكر اللّه على كل حال، و لو سمعت المنادى ينادى بالأذان و انت على الخلاء، هو كون مجموع الأذان ذكرا، و ان القصد هو المبالغة فى الاتيان بهذا الذكر، و هو على هذه الحالة ثم اكده بقوله: فاذكر اللّه عز و جل كما يقول المؤذن، و هو كالصريح فيما ادّعيناه،
ص: 321
و نحوه رواية ابى بصير ايضا، و قوله (ص) فيها: فقل: مثل ما يقول المؤذن، و لا تدع ذكر اللّه فى تلك الحال، لأن ذكر اللّه حسن على كل حال، و هو ظاهر فى ان جميع ما يقوله المؤذن ذكر الله، و لو خص ذكر اللّه بما عدا الحيعلات لاختل النظام فى هذا الكلام، على ان الحيعلات بمقتضى كلامهم من الكلام المتعارف، الذى ليس بذكر، و هو مكروه، و على الخلاء اتفاقا نصا و فتوى، الاما استثنى، فكيف بجامع هذا التاكيد بالاتيان به على الخلاء لو لم يكن ذكرا؟ و بالجملة فان ما ذكرناه هو ظاهر النصوص المذكورة، و ان كان الاحتياط فى الوقوف على ما ذكروه، انتهى.
أقول: و فى كلامه على ان الحيعلات بمقتضى... الى آخره مناقشة، و كيف كان فامر الاحتياط واضح.
كما صرح به جماعة، و منهم الشهيد رحمه الله، و عن الشيخ فى المبسوط الحكم بالتخيير بين الحكاية و عدمها، و اختاره المصنف رحمه اللّه فى التذكرة على ما يحكى، و عن الخلاف يؤتى به لا من حيث كونه اذانا، بل من حيث كونه ذكرا، و فيهما ما فيهما.
ذكر جماعة من الاصحاب انه دخل المسجد و المؤذن يؤذن، ترك صلوة التحية الى فراغ المؤذن، و علل ذلك بان فيه جمعا بين الحقين و اعترض على ذلك بعض الأجلاء، بان شرعية صلوة التحية وقت الدخول، و تاخيرها عن ذلك الوقت اخلال بها، و بالجملة فههنا مستحبان تعارضا و تقديم احدهما على الاخر يحتاج الى دليل، نعم لو ثبت ان تاخير صلوة التحية عن وقت الدخول و تاخيرها جائز، و ان وقتها لا يفوت بذلك، ثم ما ذكروه، الا ان الظاهر ان الامر ليس كذلك، أقول: و انت بعد المراجعة الى ما يدل على صلوة التحية، لا تكون شاكا فى عدم وجاهة هذا الاعتراض، و اما رواية ابى قتادة المتقدمة هناك فهى غير صالحة لذلك من وجهين فافهم.
ص: 322
فلو لم يكن مشروعا كاذان العصر يوم العرفه و الجمعة، و الأذان الثانى يوم الجمعة لا يحكى.
أقول: و الظاهر ان ذلك على القول بالتحريم، و الا فلو لم يقل بالتحريم فلا دليل على سقوط الحكاية، و عدّ ايضا من الأذان الغير المشروع، اذان المجنون و الصبى الغير المميز و الكافر، و المراة اذا سمع صوتها الاجنبى، و امثالها مما لا يظهر استحبابه شرعا، قال الشارح الفاضل منها اذان الجنب فى المسجد، و فيه نظر، لأن تحريم الكون لا يقتضى فساد اذانه، و اعترض عليه بعض الأجلاّء، بان ذلك مناف لما حققه فى مسئلة الصلوة فى المكان المغصوب فان المسئلتين من باب واحد، و هم قد ذكروا ثمة، فان العبادة منهيّا عنها فى هذا المكان، و النهى فى العبادة يستلزم الفساد، و هذا يجزى فى الأذان ايضا، و بالجملة فكلام شيخنا المشار اليه مبنى على ذلك، فلا وجه لاعتراضه عليه مع موافقته ثمة له انتهى، و فيه نظر و عدّ من الأذان من اتخذ عليه اجرا، لكونه منها عن الاتخاذ لا الأذان، و استحب الشهيد و غيره حكاية الأذان المقدم قبل الفجر.
ظاهر الاصل و اختصاص اكثر الفتاوى و النصوص بالاول، و به صرح جمع خلافا للمحكى عن النهاية و المبسوط و المهذب، فالثانى و هو غير بعيد، لعموم التعليل فى بعض تلك المستفيضة، بان ذكر اللّه تعالى حسن على كل حال، و لا ريب ان الاقامة كالأذان فى كونها ذكر.
و هو حسن.
(و التثويب بدعة) و المراد به قول المؤذن الصلوة خير من النوم على المشهور بين الطائفة، منهم الشيخ فى المبسوط و ابن ابى عقيل، و السيّد المرتضى، و به صرح من اللغويين جماعة بل قال بعض المحققين المشهور بينهم
ص: 323
ذلك خلافا للمحكى عن الحلى و غيره، فجعلا المراد به تكرير الشهادتين دفعتين، و للمحكى عن ظاهر الشيخ فى النهاية، فجعل المراد منه تكرير التكبير و الشهادتين، و للمحكى عن بعض، فجعل المراد به الاتيان بالحيعلتين مثنى بين الأذان و الاقامة قال بعض المحققين: و الظاهر ان البعض هو ابو حنيفة، و انه بين اذان الصبح و اقامته لا مطلقا، قال فى المنتهى: التثويب فى اذان الغداة و غيرها غير مشروع، و هو قول الصلوة خير من النوم، ذهب اليه اكثر علمائنا، و هو قول الشافعى، و اطبق اكثر الجمهور على استحبابه فى الغداة لكن عن ابى حنيفة روايتان فى كيفيته، فرواية كما قلناه، و الاخرى ان التثويب عبارة عن قول المؤذن بين اذان الفجر و اقامته: حى على الصلوة مرتين، حى على الفلاح مرتين، ثم قال فى موضع آخر: يكره ان يقول بين الأذان و الاقامة، حى على الصلوة حى على الفلاح، و به قال الشافعى، و قال محمد بن الحسن:
كان التثوب الأول الصلوة خير من النوم، مرتين بين الأذان و الاقامة، ثم احدث الناس بالكوفة حى على الصلوة، حى على الفلاح، مرتين بينهما، و هو حسن، و قال بعض اصحاب ابى حنيفة: يقول: بعد الأذان حى على الصلوة حى على الفلاح، بقدر ما يقرا عشر آيات، انتهى كلام المنتهى.
قال الشيخ فى النهاية: التثويب: تكرير الشهادتين، و التكبيرات زائدا على القدر الموظف شرعا، و قال ابن ادريس: هو تكرير الشهادتين دفعتين، لانه ماخوذ من ثاب اذا رجع، و قال فى البحار: صرح جماعة من اهل اللغة منهم الجوهرى بان المراد بالتثويب قول: الصلوة خير من النوم، و قال فى النهاية(1) فيه: اذا ثوب بالصلوة فاتوها، و عليكم السّكينه، التثويب ههنا اقامة الصلوة، و الاصل فى التثويب ان يجبئ الرجل مستصرخا فيلوح بثوبه ليرى و يشهر، فسمى الدعاء تثويبا لذلك، و كل داع مثوب، و قيل: انما سمى
ص: 324
تثويبا من ثاب يثوب، اذا ارجع فهو رجوع الى الامر بالمبادرة الى الصلوة، فان المؤذن اذا قال: حى على الصلوة، فقد دعاهم اليها، فاذا قال بعدها الصلوة خير من النوم، فقد رجع الى الكلام معناه الى المتبادرة اليها، و فسره فى القاموس بمعان، منها الدعاء الى الصلوة، و تثنية الدعاء، و ان يقول فى اذان الفجر: الصلوة خير من النوم مرتين، و قال فى المغرب: التثويب القديم هو قول المؤذن فى اذان الصبح: الصلوة خير من النوم، و المحدث: الصلوة الصلوة، او قامت قامت انتهى كلام البحار.
و اختلف علماؤنا فى حكمه، لو لم يكن المقام مقام تقية، فعن ابن ادريس و ابن حمزة و جمع من المتأخرين التحريم، و هو المحكى عن ظاهر الشيخ فى النهاية، و نسب بعضهم القول الى المشهور، و عن الشيخ فى المبسوط و المرتضى فى الانتصار، القول بالكراهة، و هو اختيار المحقق، و قال بعض الاجلة و يظهر من الانتصار ان مراده بالكراهة المنع، حيث قال: و الدليل على ما ذهبنا اليه من الكراهية و المنع منه الاجماع، الذى تقدم، و عن الاسكافى انه قال: لا بأس به فى اذان الصبح، و عن الجعفى يقول: فى اذان الصبح بعد قولك: حى على خير العمل، حى على خير العمل، الصلوة خير من النوم مرتين، و ليستا من اصل الأذان، و من الأخبار المتعلقة بالمقام ما رواه التهذيب فى باب عدد فصول الأذان، فى الصحيح عن معوية بن وهب، قال سألت ابا عبد الله (ع) عن التثويب الذى يكون بين الأذان و الاقامة، فقال: ما نعرفه.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن زرارة، قال: قال ابو جعفر عليه السلام: يا زرارة تفتح الأذان باربع تكبيرات، و تختم بتكبيرتين و تهليلتين و ان شئت زدت على التثويب حى على الفلاح، مكان الصلوة خير من النوم.
و منها: ما رواه فى الباب المتقدم فى الموثق، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع) قال: كان ابى ينادى فى بيته بالصلوة خير من النوم، و لو رددت ذلك لم يكن به باس، و روى فى البحار عن السرائر، نقلا من كتاب النوادر
ص: 325
لمحمد بن على بن محبوب، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن العلا، عن محمد، عن ابى جعفر (ع) مثله.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الموثق، عن يعقوب بن شعيب بن يعقوب، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع) قال: النداء و التثويب فى الاقامة من السنة.
و منها: ما رواه فى البحار عن المعتبر، نقلا عن كتاب احمد بن محمد بن ابى نصر البزنطى من اصحابنا، قال: حدثنى عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع) انه قال: الأذان: اللّه اكبر، اللّه اكبر، اشهد ان لا اله الا الله، اشهد ان لا اله الا الله، و قال فى آخره: لا اله الا اللّه مرة، ثم قال: اذا كنت فى اذان الفجر فقل: الصلوة خير من النوم بعد حى على خير العمل، و قل بعد الله اكبر اللّه اكبر، لا اله الا الله، و لا تقل فى الاقامة: الصلوة خير من النوم، انما هو فى الأذان.
و منها: ما رواه فى البحار ايضا، عن كتاب زيد النرسى، عن ابى الحسن عليه السلام قال: الصلوة خير من النوم بدعة بنى امية، و ليس ذلك من اصل الأذان، و لا بأس اذا اراد الرّجل ان ينبّه الناس للصلوة ان ينادى بذلك، و لا يجعله من اصل الأذان، فانا لا نراه اذانا، و روى فى البحار ايضا عن الكتاب المذكور، عن ابى الحسن (ع) قال: سألته عن الأذان قبل طلوع الفجر فقال:
لا، انما الأذان عند طلوع الفجر الأول ما يطلع، قلت: فان كان يريد ان يؤذن الناس بالصلوة و ينبههم؟ قال: فلا يؤذّن و لكن ليقل و ينادى بالصلوة خير من النوم، الصلوة خير من النوم، يقولها مرارا، و اذا طلع الفجر أذنّ، فلم يكن بينه و بين ان يقيم الاجلسة خفيفة بقدر الشهادتين، و اخف من ذلك، اذا عرفت ذلك فاعلم ان التثويب سواء فسرناه بقول: الصلوة خير من النوم، او غيره مما مضى حرام، اذا اعتقد شرعية دخوله فى اثناء احدهما او بينها، لأن الروايات الواردة عن ائمة الهدى فى بيان كيفيتها خالية عن ذلك، و فى
ص: 326
التهذيبين كما عن الخلاف الاجماع على انه بالمعنى الأول غير مسنون، و عن الاخير الاجماع على انه فى العشاء الاخرة بدعة، و عن الناصريات انه فى صلوة الصبح بدعة، و عن الانتصار ايضا كذلك، الا انه قال انه مكروه، و لكن يشعر كلامه ان مراده بالكراهة المنع، حيث قال: و الدليل على صحة ما ذهبنا اليه من كراهيته و المنع منه الاجماع، الذى تقدم، و بذلك صرح بعض الاجله كما تقدم اليه الاشارة، و عن السرائر الاجماع على انه لا يجوز، قال الشهيد فى الذكرى: اجمعنا على ترك التثويب اذانا، سواء فسر بالصلوة خير من النوم، او بما يقال بين الأذان و الاقامة من الحيعلتين مثنى فى اذان الصبح او غيرها، الا ما قاله ابن الجنيد من انه لا بأس بالتثويب فى اذان الفجر خاصة، و تكرير ذلك، و ما ياتى من قول الجعفى، و رواية ابى الموصوف عن ابى عبد الله (ع) بالنداء و التثويب فى الاقامة محمولة على التقية، و كذا غيرها، و قال فى الحبل المتين: و ما دل عليه الحديث التاسع عشر يعنى رواية معوية المتقدمة من عدم مشروعية التثويب بين الأذان و الاقامة يراد به الاتيان بالحيعلتين بينهما، و قد اجمع علماؤنا على ترك التثويب سواء فسر بهذا او بقول الصلوة خير من النوم، انتهى.
قال بعض الاجله: و فى السرائر الاجماع على انه لا يجوز، و استدل عليه كالناصرية و الخلاف بعده بانتفاء الدّليل على شرعيته، و بالاحتياط، لانه لا خلاف فى انه لا ذم على ترك، فانه مسنون او غيره على احتمال كونه بدعة، و ظاهره التحريم كما عليه المشهور على الظاهر المصرح به فى المختلف، و لا ريب فيه مع قصد الشرعية، و الا فما ذكروه من الادلة على التحريم لا تفيده كلية عدا الاجماع، و فى شمول دعواه لمحل الفرض اشكال، بل ظاهر سياق عباراتهم الاجماع على المنع عنه بالنحو الذى يراه جماعة من العامة من كونه سنة، فمحصله الاجماع على عدم كونه سنة، لا انه يحرم مطلقا، و لو مع عدم قصد الشرعية، و بالجملة الظاهر ان محل النزاع الذى يدعى فيه الاجماع انما هو التثويب الذى يفعل
ص: 327
بقصد الاستحباب، كما عليه العامة، و لذا ان المحقق الثانى مع تصريحه اولا بالتحريم مطلقا قال بعد الاستدلال عليه و نقل معارضه من الاقوال و الأخبار: نعم لو قاله معتقدا انه كلام خارج من الأذان، اتجه القول بالكراهة، لكن لا يقول بينه و بين غيره من الكلام فرق، على ان البحث فيه مع من يقول باستحبابه فى الأذان وعده من الفصول، فكيف يعقل القول بالكراهة، انتهى.
و لنعم ما افاد و اجاد و يعضده ما فى كتاب زيد النرسى، عن مولانا الكاظم عليه السلام: الصلوة خير من النوم بدعة بنى امية، و ليس ذلك من اصل الأذان و لا بأس اذا اراد الرّجل ان ينبه الناس ان ينادى بذلك، و لا يجعله من اصل الأذان، فانا لا نراه اذانا فتامل، و به يجمع بين القول بالكراهة و التحريم، بحمل الأول على صورة عدم قصد الاستحباب، و الثانى على قصده، فلا خلاف فى المسئلة الا من الاسكافى، حيث قال: لا بأس به فى اذان الفجر، و الجعفى حيث قال: فى اذان صلوة الصبح، بعد قولك حى على خير العمل، الصلوة خير من النوم مرتين، و ليسا من الأذان، و ظاهرهما عدم الكراهة، بل ظاهر الثانى الاستحباب، و هما شاذان مخالفان للاجماع المحكى بل القطعى، و لا يمكن المصير اليهما، انتهى.
أقول و فى اعتضاد رواية زيد لما ذكره مناقشة لما يظهر من روايته الاخرى التى نقلناها اخيرا فتامل جدا، و بالجملة لا شبهة فى كون التثويب بدعة اذا اتى به بقصد الشرعية، و رواية النرسى المنقولة اولا على ذلك شاهدة و هى غير منافية لما قيل:(1) ان العامة ذكروا فى صحاحهم بدعة عمر، حتى ذكروا انّ ابن عمر دخل مسجدا سمع المؤذن يذكره فخرج من المسجد لم يصل فيه، و قال لا يصلى فى مسجد يبتدع فيه بدعة، لأن بنى امية لعلهم كانوا مروّجين له، و يدل عليه صحيحة ابن وهب المتقدمة، و رواية ابن مسلم غير صالحة للمعارضة،
ص: 328
لاحتمال كون النداء فى غير الأذان، او لمكان التقية، و فى البحار بعد نقله الخبر المذكور، و حمله الاصحاب على التقية ايضا كالسابقة لعدم معلومية المراد من النداء و التثويب، قاله بعض، و الاجود هو حمل الأخبار المجوزة على التقية قال فى البحار بعد نقل رواية ابن سنان المتقدمة عن التحرير ما صورته قال المحقق رحمه الله: قال الشيخ فى الاستبصار: هو للتقية و لست ارى هذا التاويل شيئا، فان فى جملة الأذان حىّ على خير العمل، و هو انفراد الاصحاب فلو كان للتقية لما ذكره لكن الوجه ان يقال: فيه روايتان عن اهل البيت (ع) اشهرهما تركه.
بيان: يمكن ان يكون الغرض المماشاة مع العامة بالجمع بين ما تنفرد الشيعة به و بين ما تفردوا به، او يكون الغرض قول حىّ على خير العمل سرا، و يمكن حمل وحدة التهليل فى الأذان ايضا على التقية، لأن المخالفين اجمعوا عليها، كما ان الشيعة اجمعوا على المرتين، و ربما يحمل على الوحدة فى آخر الاقامة، و لا يخفى بعده انتهى، و هو جيد، و الحاصل انه لم يذكر فى الرواية انه يجهر فى قول حىّ على خير العمل حتى يصير مخالفا للتقية، كيف و قال بعض المحققين ان مدار الشيعة فى الاعصار و الامصار فى اخفات هذا القول فى بلاد التقية، و لزوم الاجهار بالصلوة خير من النوم فى اذان المصر و غيره من الأذان الاعلامى و غيره اذا وقع بحضرة المخالفين، و بنحو يطلع عليه المخالفون، كما كان الحال عليه فى ازمنة صدور هذه الأخبار فى بلاد رواتها، و هو الكوفه و نحوها.
و بالجملة الاخذ بخلاف العامة هو الرشاد، فادخاله فى اثناء أحدهما او بينهما بقصد الشرعية بدعة، فاذا لم يدخل فلا ضرر، و ان ذكر فى اثناء الأذان على الاظهر و الاحوط هو الترك بالمرة، كى لا يدخل فى عموم من تشبه بقوم فهو منهم، سيما قد عرفت ان ذكره من شعار العامة، و تركه من شعار الخاصة.
من الكلام المكروه (الترجيع) كما عن معظم المتأخرين بل عامتهم عدا نادر، و عن المنتهى و التذكرة انه مذهب علمائنا، و عن الخلاف الاجماع على انه غير مسنون، و عن السرائر و ابن حمزة انه لا يجوز، و هو المحكى عن ظاهر
ص: 329
الشيخ فى النهاية، و هو جيدان قصد الشرعية، لأن الأذان عبادة شرعية متلقاة عن صاحب الشريعة، فالزيادة باعتقاد انها منها تشريع محرم بلا ريبة، و بذلك صرّح جماعة، و الا فالمختار هو الكراهة لاصالة عدم الحرمة مع عدم دليل دال عليها، عدا ما قيل من ان الأذان سنة متلقاة من الشارع كساير العبادات فتكون الزيادة فيه تشريعا محرما، كما يحرم زيادة ان محمدا و آله خير البرية، فان ذلك و ان كان من احكام الايمان، الا انه ليس من فصول الأذان، و فيه ان التشريع لا يكون الا اذا اعتقد شرعيته من حجة شرعية، و انما يكره او يحرم اذا فعله (لغير الاشعار) و التنبيه، فلو قصد اشعار المصلين، فلا منع فيه بالاتفاق على ما فى المختلف كما عن المنتهى، و ظاهر غيره، و هو الحجة مضافا الى ما رواه التهذيب فى باب عدد فصول الأذان، فى الصحيح عن ابن محبوب، عن على بن ابى حمزة، عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: لو ان مؤذنا اعاد فى الشهادة، او فى حى على الصّلوة، او فى حى على الفلاح المرتين و الثلاث و اكثر من ذلك، اذا كان اما ما يريد جماعة القوم ليجمعهم، لم يكن به بأس(1)بقى الكلام فى حقيقة الترجيع، و انه عبارة عما اذا ذهب المصنف رحمه اللّه فى المنتهى، انه عبارة من تكرار الشهادتين مرتين، و هو المحكى عن الخلاف و الجامع و التحرير و التذكرة و نهاية الاحكام، عن المبسوط و المهذب، انه تكرير التكبير و الشهادتين فى اول الأذان، و هو الظاهر من الدروس، و عن جماعة من اهل اللغة، منهم صاحب القاموس، و صاحب المغرب، انه تكرار الشهادتين بعد اخفاتهما، قيل: و هو ناظر الى قول الشافعى، حيث استحب الترجيع بهذا المعنى، تعويلا على حجة ضعيفه، و من العامة من سنّه و قال: معناه ان يخفض مرة و يجهر اخرى من غير زيادة على فصول الأذان، و عن بعض العامة انه فسره بترديد القراءة، و فسّره الشهيد فى الذكرى بتكرار الفصل زيادة على
ص: 330
الموظف، قال بعض الأجلاّء: و ظاهر رواية ابى بصير ربما دل على ما ذهب اليه فى الذكرى من تفسير معنى الترجيع، يحمل ما ذكر فى الرواية على مجرد التمثيل، انتهى.
و فى فقه الرّضا على ما نقله فى البحار بعد ذكر فصول الأذان و عددها ليس فيها ترجيع، و لا تردد،(1) و لا الصلوة خير من النوم قال بعض الأجلاّء: و الظاهر ان عطف الترديد تفسيرى للترجيع، انتهى.
أقول: و على هذا يؤيد ذلك ايضا تفسير الذكرى، قال فى البحار، و يحتمل المراد بالترجيع و التردد او الترديد هنا تكرير الصّوت و ترجيعه بالغناء، و يحتمل ان يكون المراد بالترجيع مامر، و بالترديد الغناء او بالعكس، و قال بعض الأجلاّء بعد نقل الرضوى المتقدم: و من المحتمل قريبا ان المراد بالترجيع المنهى عنه هنا هو ترجيع الصوت و ترديده على جهة الغناء لا تكرار الكلمات كلا او بعضا، و الترجيع لم اقف عليه فى شىء من الاخبار سوى هذا الخبر و انما وقع ذلك فى كلام الاصحاب، و قد عرفت اختلافهم فى معناه، و رواية ابى بصير المذكورة انما اشتملت على لفظ الاعادة و ذكرهم الترجيع و الاختلاف فيه تحريما و كراهة، و كذا فى معناه مع عدم وروده فى الأخبار، عجيب الا ان يكون المستند هو كتاب الفقه المذكور، و لا بعد فيه لما عرفت فى غير موضع مما تقدم من وجود كثير من الادلة التى انكرها المتاخرون على المتقدمين فى الكتاب المذكور، انتهى.
و كيف كان فالحكم هو ما مرّ قال فى الدروس: و يكره الترجيع، و هو تكرار التكبير و الشهادتين الا للتنبيه، و كذا يجوز تكرار باقى الفصول لذلك (و) كذا يكره (الكلام لغير مصلحة الصّلوة بعد) قول المؤذن (قد قامت الصلوة) كراهة مغلظه، حتى انه قال بتحريمه جماعة، و قد مضى تفصيل الكلام فى شرح قول
ص: 331
المصنف تاركا للكلام خلالهما، فراجع، قال الشارح الفاضل: و المراد بما يتعلق بمصلحة الصلوة، تقديم الامام، كما ذكر فى الرّواية، و الامر بتسوية الصّف، و طلب الساتر و المسجد و نحو ذلك، (و الالتفات يمينا و شمالا) خلافا لبعض العامة، و قد مضى شرح الكلام فى شرح قول المصنف: مستقبلا للقبلة، فراجع هناك البتة، قال فى الذكرى: قال الشيخ: ليس من السنة ان يلتفت الامام بعد الفراغ من الاقامة يمينا و شمالا، و لا ان يقولوا: استووا يرحكم اللّه، لعدم الدّليل عليه، قلت: قد ثبت استواء الصفوف لما ياتى ان شاء اللّه تعالى، و قد استثنى الاصحاب من الكلام بعد الاقامة تسوية الصفوف، و الامام احق الجماعة بذلك، فاذا استشعر عدم الاستواء استحب له الامر بالاستواء، انتهى.
(و مع التّشاح يقدم الاعلم و مع التساوى يقرع) صرّح جماعة بان المراد بالاعلم باحكام الأذان، التى من جملتها معرفة الاوقات لا من الغلط منه، و تقليد اصحاب الاعذار له، قال الشارح الفاضل: و الاولى تقديم العدل على الفاسق، و المبصر على الاعمى، و جامع الصفات او اكثرها على فاقدها و جامع الاقل، فان استووا، فالاشد محافظة على الوقت على من ليس كذلك، و الا ندى صوتا و الاعف عن النظر، ثم يرتضيه الجيران، و مع التساوى فى جميع ذلك يقرع لقول النبى (ص): لو يعلم الناس ما فى الأذان و الصّف الأول، ثم لا يجدوا لا ان يسموا عليه لفعلوا، و لقولهم (ع): كل امر مجهول فيه القرعة، و قال شقيقه فى الذكرى: لو تشاحّ العدل و الفاسق، قدم العدل، و لو تشاحّ العدول او الفاسقون، قدم الاعلم بالاوقات لا من الغلط معه، و لتقليد ارباب الاعذار له، و منه يعلم تقديم المبصر على المكفوف، ثم الاشد محافظة على الأذان فى الوقت، ثم الاندى صوتا، ثم يرتضيه الجماعة و الجيران، و مع التساوى فالقرعة لقول النبى (ص): لو يعلم الناس الحديث، و لقولهم (ع): كل امر مجهول، الحديث.
و لا يترجح فى الأذان نسل ابى محذورة - بحاء مهملة و الذال المعجمة
ص: 332
و سعد القرظ - بفتح القاف و الراء و الظاء المعجمة - و لا نسل الصحابة بعد نسلهما، لاطلاق الاوامر بالأذان، و البعث عليه، و التقييد خلاف الاصل، قال فى التحرير: و هو مذهب علمائنا.
و قال الشيخ فى المبسوط: اذا تشاح الناس فى الأذان اقرع بينهم، لقول النبى (ص): لو يعلم الناس ما فى الأذان، الحديث، و لم يذكر المبسوط الترجيح بالاعلمية فى المقام كما هو المشهور فى كلام المتأخرين، على ما ذكر بعض الأجلاّء، قال المصنف فى التذكرة: و هذا القول اى ما اشار اليه الشيخ جيد مع فرض التساوى فى الصفات المعتبرة فى التاذين، و ان لم يتساو و اقدم من كان اعلى صوتا، و ابلغ فى معرفة الوقت، و اشد محافظة عليه، و من يرتضيه الجيران، و اعف عن النظر، و قريب منه كلامه فى المنتهى و جامع المقاصد، و الذى يقتضيه النظر تقديم من فى الصفات المرجحة فى الأذان على غيره، فان اشتركوا قدم جامع الكل، على فاقد البعض، و جامع الاكثر على جامع الاقل، و ينبغى تقديم العدل على الفاسق، لأن المؤذن امين، و لا امانة للفاسق، اذ هى غير موثوق بها فيه، و مع التساوى، و يقدم الاعلم باحكام الأذان و الاوقات كما فى الذكرى، و لا من الغلط معه، و لتقليد ارباب الاعذار البصير على الاعمى لمثل ذلك، قان استووا فالاشد محافظة على الأذان فى الوقت، على من ليس كذلك، لحصول غرض الأذان، ثم الاندى صوتا لقول النبى (ص): القه على بلال، فانه اندى منك صوتا، ثم الاعف عن النظر للامن من تطلعه على العورات، ثم من يرتضيه الجيران، ثم المعرفة، و قال فى الدروس: و مع التشاحّ يقدم من فيه صفة كمال فالقرعة، و قال فى المدارك قوله: اذا تشاح الناس فى الأذان، قدم الاعلم، و مع التساوى يقرع بينهم، اى لو اجتمع اثنان فصاعدا كل منهم يريد الأذان، قدم الاعلم باحكام الأذان، التى من جملتها الاوقات، لا من الغلط فان تساووا فى العلم اقرع بينهم، اما تقديم فظاهر، لأن الاعلمية صفة راجحة موجبة للتقديم، و اما القرعة فلما روى عن النبى (ص) انه
ص: 333
قال: لو يعلم الناس الى آخره.
و هو دليل على جواز الاستهام فيه و قيل: ان القرعة انما يثبت مع التساوى فى الاوصاف المعتبرة فى المؤذنين، و هو اولى، و على هذا فيقدم الجامع للصفات على فاقد بعضها، و جامع الاكثر على جامع الاقل، و انما يتحقق التشاح للارتزاق من بيت المال، حيث لا يحتاج الى التعدد، و الاّ اذنّ الجميع و قال الشارح المحقق بعد نقل جملة من العبائر المتقدمة، و ذكر المدقق الشيخ علي فى اعتبار الاوصاف و مراتب تقديم بعضها على بعض تفاصيل لا ترتبط بدليل، و ذكر جماعة من الاصحاب ان الكلام انما يختص بصورة الارتزاق من بيت المال لا يحتاج الى المتعدد، و الاّ اذنّ الجميع، و التحقيق ان اختلاف الصفات ان كان بحيث يختلف به مصالح المسلمين، كان تقديم الراجح متّجها، و ان لم يحصل التشاح، و الاّ فاثبات التقديم بهذه المرجحات محل اشكال، لفقد النصّ الدال عليه، و عدم استقلال العقل باثبات هذه الامور، انتهى.
روى المجلسى عطر اللّه مرقده فى البحار عن الدعائم، انه قال: روينا عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن على (ع)، قال: قال رسول الله (ص): ثلاثة لو تعلم امتى ما فيها لضربت عليها بالسهام: الأذان، و الغدوّ الى الجمعة، و الصّف الأول، قال فى البحار بعد نقله: لعل المعنى كانوا ينازعون عليها حتى يحتاجوا الى القرعة بالسهام، لتعيين من ياتى بها، و يحتمل ان يكون المراد المقاتلة بالسهام، لكنه بعيد، و يؤيد الأول ما رواه الشيخ فى المبسوط عن النبى (ص) قال: لو يعلم الناس ما فى الأذان و الصف الأول، ثم لا يجدوا لا ان يستهموا عليه لفعلوا، و استدل به على انه إذا تشاحّ الناس فى الأذان اقرع بينهم، و روى ايضا عن الدعائم، عنه (ص) ايضا انه رغب الناس و حشّم على الأذان، و ذكر لهم فضائله فقال بعضهم: يا رسول اللّه لقد رغبتنا فى الأذان، انا لنخاف ان يتضارب عليه امتك بالسيف، فقال: اما انه لن يعد و ضعفاءكم قال فى البحار بعد نقله: لن يعد و ضعفاءكم اى لا يتجاوز عنهم الى غيرهم، و
ص: 334
لا يرتكبه الاغنياء و الاشراف، انتهى.
قال بعض الأجلاّء بعد نقل جملة من العباير المتقدمة ما صورته أقول: و كلامهم هنا يرجع الى ثلاثة اقوال فى المسئلة: الأول: القول بتقديم الا علم باحكام الأذان، التى من جملتها معرفة الاوقات مع التساوى فالقرعة.
الثانى: القول بتقديم ذى الاوصاف المعتبرة فى المؤذن، و هو قول الشهيدين، و المحقق الشيخ على رحمه الله، و ان اختلفوا فى تلك الشروط زيادة و نقيصة.
الثالث: الرجوع الى القرعة من اول الامر، كما هو ظاهر المبسوط، و الى الأول يميل كلامه فى المدارك، و جعل الثانى اولى، و لم يتعرض للثالث.
و المسئلة عندى محل توقف لعدم النص القاطع لمادة الاشكال، و الرواية المنقولة فى كلامهم، الظاهر انها من روايات العامة، اذ لم اقف عليها فى اخبارنا بعد التفحص و التتبع، مع انها معارضة بما رواه الشيخ فى التهذيب عن عيسى بن عبد الله، عن ابيه، عن جده، عن امير المؤمنين، قال:
قال رسول الله (ص) و رواه فى الفقيه مرسلا قال: قال رسول الله (ص): للمؤذن فيما بين الأذان و الاقامة مثل اجر الشهيد المتشحط بدمه فى سبيل اللّه قلت: يا رسول اللّه انهم يختلفون على الأذان؟ قال: كلا، انه ياتى على الناس زمان يطرحون الأذان على ضعفائهم، و تلك لحوم حرمها اللّه على النّار، وجه المعارضة ان مقتضى الرّواية الاولى رغبة الناس فى الأذان، بعد سماع ما فيه من الفضل، حتى انهم يقرعوا عليه، و دلالة هذا الخبر على عدم الرغبة فيه، بعد سماع ما فيه من الفضل، حتى انهم يطرحونه على ضعفائهم لذلك، و تلك لحوم اشارة الى اؤلئك الضعفاء المؤذنين، و الظاهر ان اول من نقل هذا الخبر الشيخ فى المبسوط، و تبعه الاصحاب رضى الله، حيث لم يجدوا غيره فى الباب، الا انه روى فى كتاب دعائم الاسلام، ثم نقل الخبرين المتقدمين المنقولين عنه، و قال: أقول: و هذا مضمون الحديث المتقدم، نعم اخبار القرعة
ص: 335
العامة ربما ايدت مذهب الشيخ فى المبسوط، قال فى الذخيرة: و التحقيق ان اختلاف الصّفات، ثم نقل كلامه المتقدم، و قال: و هو جيد، انتهى.
أقول: لا تغفل عن ما يرد على المعارضة التى بينّها، قال بعض المحققين:
اذا وقع التشاح فى الأذان، قدّم المكمل فى الشرايط المعتبرة فى المؤذن لتحقق الرجحان الموجب للتقدم، و قبح تقديم المرجوح على الراجح عقلا، فيقبح شرعا، لتطابقهما عند الشيعة و المعتزلة، و مع التساوى يقرع لما روى من ان القرعة لكل امر مشكل، و ما روى عن النبى (ص) انه قال: لو يعلم الناس ما فى الأذان و الصف الأول الى آخره، انتهى.
أقول: الانصاف ان المسئلة مشكلة، و لكن ما رجحه هذا المحقق وفاقا لغيره لا يخلو عن رجحان، و اللّه تعالى هو العالم بحقايق احكامه.
(و يجوز) مع الاجتماع (ان يؤذنوا دفعة، و الافضل ان يؤذن كل واحد بعد فراغ الآخر) قال الشارح المحقق: و ينبغى تقييد الافضلية بسعة الوقت كما صرح به فى غير هذا الكتاب وفاقا للمحقق رحمه اللّه انتهى، و الشارح الفاضل ايضا قيد الافضلية بالسعة، قال الشارح المحقق تبعا لصاحب المدارك: و المراد بها اى السعة عدم اجتماع الامام و المامومين لاتساع اجزاء وقت الصلوة فان تاخير الصلوة عن وقتها المطلوب شرعا لا من غير موظف مستبعد جدا، قال بعض الأجلاّء بعد نقل ما ذكر: و بموجب هذا التفسير لا يكون الحكم كليا، مع ان ظاهر القايل به كون ذلك كليا لا بخصوص الجماعة، انتهى.
و عن الشيخ فى الخلاف انه قال لا ينبغى الزيادة على اثنين، و استدل باجماع الفرقه على انهم رووه من ان الأذان الثالث بدعة، و نقل عن ولده الشيخ ابى على انه قال فى شرح نهاية والده: ان الزايد على اثنين بدعة باجماع اصحابنا، و قال الشيخ فى المبسوط: يجوز ان يكون المؤذنون اثنين اثنين اذا اذنوا فى موضع واحد فانه اذان واحد، فامّا اذن واحد فليس ذلك بمسنون و لا مستحب و لا بأس ان يؤذن جماعة كل واحد منهم من زاوية من المسجد
ص: 336
لانه لا مانع منه انتهى، و فسر المصنف رحمه اللّه فى المنتهى و المحقق فى التحرير قوله: واحدا بعد واحد، بان يبنى كل واحد على فصول الآخر، و هو المعبر عنه بالتراسل، و استبعد هذا التفسير غير واحد ممن تاخر، و فسروه بما يدل عليه ظاهر اللفظ من الاتيان باحد الاذانين بعد تمام الآخر، و من المفسرين له بهذا المصنف فى التذكرة، على ما يحكى معللا كراهته بانه يتضمن تاخر الصلوة عن اول وقتها من غير موجب، و استحسنه غير واحد من المتأخرين.
قال بعض الأجلاّء و الظاهر ان الفاضلين انما اضطرهم الى هذا التفسير البعيد عن ظاهر اللفظ حكمهم بافضلية ان يؤذن احدهما بعد الآخر، و لو كانوا اكثر من اثنين، انتهى.
أقول: تحقيق الكلام هنا يقع فى مقامين: الأول: انه هل يجوز مع الاجتماع ان يؤذنوا دفعة، كما قال به جماعة، و منهم الفاضلان، او يكره ذلك كما ذهب اليه المدارك و تبعه غيره، محتملا للحرمة وجهان ينشأ من العمومات الدالة على شرعية الأذان، و التقييد و التخصيص على خلاف الاصل فيجوز، و من عدم تمكين النبى (ص) و الائمة (ع) عن ذلك، مع توفر الدّواعى عليه فيكره او يحرم، و العمل بالاحتياط فى المقام مطلوب بلا شبهة، نعم لا مانع منه مع تعدد الجماعات المجتمعة لصلوة الجماعة، اذا كان اذان كل لجماعة، كما اشار الى ذلك الشيخ فى آخر عبارته فى المبسوط، من الجماعات المجتمعة فى مسجد يؤذن لكل منها، و ان اتفق فى وقت واحد، و كذا الكلام اذا اذنوا لصلوتهم المنفردة، و بالجملة الاحتياط هو ترك اذانهم دفعة فى الاعلامى، و فى صلوة الجماعة الواحدة.
الثانى: هل يجوز ان يؤذن كل واحد بعد فراع الآخر فى الأذان الاعلامى، و فى صلوة الجماعة الواحدة؟ ذهب الفاضلان الى الجواز، بل الافضلية مطلقا، و لو كانوا اكثر من اثنين، و كره صاحب المدارك ذلك، و تبعه غيره، محتملا للحرمة، و جوز الشيخ و ولده فى الاثنين، و منعا عن الزيادة للاول و الثانى ما تقدم، و للثالث الخبر المروى فى الخلاف و الاجماع، و الاجماع
ص: 337
المحكى فى الخلاف و شرح النهاية، و العمل بالاحتياط فى المقام متعين.
قال الشارح المحقق بعد نقل جملة من العبائر المتقدمة: و اعلم انهم ذكروا ان الأذان الثانى يوم الجمعة بدعة، و عللوه بانه لم يكن فى زمن النبى (ص)، و هذا التعليل يقتضى حكم التحريم ههنا، و يمكن الجواب بان المراد بتحريم الأذان الثانى تحريمه على وجه كونه وظيفة شرعية بهذا الوجه، كما زعمه العامة لا من حيث كونه ذكرا، صرح به المدقق الشيخ على فى شرح القواعد.
(و يجتزئ الامام باذان) المؤذن اذا سمعه مطلقا سواء فى ذلك (المنفرد) فى صلوته و غيره على المشهور، بل لا خلاف فيه على الظاهر، الا من نادر ياتى اليه الاشارة، و عن بعض التصريح بنفى الخلاف، و فى المدارك هذا الحكم مقطوع به فى كلام الاصحاب، قال بعض الأجلاّء: الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب فى انه اذا سمع الامام اذان مؤذن جاز له ان يجتزى به فى الجماعة انتهى، و يدل على ذلك ما رواه الشيخ فى الصحيح، فى باب زيادات الأذان و الاقامة، عن ابن سنان، عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا اذن مؤذن فنقص الأذان و انت تريد ان تصلى باذانه فاتم ما نقص هو من الأذان الحديث، و ما رواه ايضا فى الباب المتقدم عن ابى مريم الانصارى، قال صلى بنا ابو جعفر فى قميص بلا ازار و لا رداء، و لا اذان و لا اقامة، فلما انصرف قلت له عافاك اللّه صليت بنا فى قميص بلا ازار و لا رداء، و لا اذان و لا اقامة، فقال: ان قميصى كثيف فهو يجزى ان لا يكون علّى ازار و لا رداء، انى مررت بجعفر و هو يؤذن و يقيم، فلم اتكلم فاجزانى ذلك، و ما رواه فى الباب المتقدم عن عمرو بن خالد عن ابى جعفر (ع) قال: كنا معه نسمع اقامة جار له بالصلوة، فقال: قوموا، فقمنا فصلينا معه بغير اذان و لا اقامة، قال: يحزيكم اذان جاركم، و ضعف السندين غير ضاير لانجباره بالفتاوى.
اطلاق النص و الفتاوى يقتضى عدم الفرق فى المؤذن بين كونه
ص: 338
مؤذن مصرا و مسجدا و منفرد، و خصه الشارح الفاضل بمؤذن الجماعة و المصر، و منع من الاجتزاء باذان المنفرد باذانه، و حمل قولهم: و ان كان منفردا، على ان المراد بالمنفرد المنفرد بصلوته لا باذانه، و فيه نظر، لأن ذلك التخصيص خروج عن مقتضى الفتاوى و النصوص المتقدمتين، من غير دليل، بل لو ادعى عليه العكس لكان ظاهر الخبرين الاخيرين كفيلا كما صرح به بعض المتأخرين.
هل يجتزى المنفرد باذان المنفرد؟ قال الشهيد رحمه الله فى الذكرى: نظر اقربه ذلك، لانه من باب التنبيه بالادنى على الاعلى، و تبعه المدارك و غيره، و منع من الاولوية الشارح المحقق و غيره.
أقول: يمكن ان يستدل على العموم باطلاق صحيحة ابن سنان المتقدمة و الروايتان الاخيرتان غير صالحتين للتقييد، كما لا يخفى فتدبر، فاذان الاقوى عندى هو الحكم بالعموم.
مقتضى روايتى ابى مريم و عمرو بن خالد الاجتزاء بسماع الاقامة عنها ايضا، لكن يستفاد من الاولى التقييد بعدم الكلام بعد الاقامة او فى خلالها، و هو حسن، لأن الكلام بعد الاقامة من المقيم مقتضى لاعادتها كما مضى، و هذه الاقامة اضعف حكما، فبطلانها بالكلام بعدها اولى، قاله غير واحد منهم.
قال بعض الأجلاّء بعد ذكر ما اقتضته رواية ابى مريم من التقييد المتقدم ما صورته: و هو جيد، لما عرفت آنفا من ان الكلام فى الاقامة او بعدها موجب لاعادتها، ففى السماع بطريق اولى، و قال فى الفرع السابق، قال فى المدارك:
الظاهر انه لا فرق فى هذا الحكم بين الامام و المنفرد، و ان كان المفروض فى عبارات الاصحاب اجتزاء الامام، لانه اذا ثبت اجتزاء الامام بسماع الأذان، فالمنفرد اولى، انتهى.
أقول: لا يخفى عليك ما فى هذا الكلام من الوهن، و تطرق الاشكال، و
ص: 339
ان كان قد سبقه اليه الشهيد فى الذكرى، حيث قال: و فى اجتزاء المنفرد بهذا الأذان نظر، اقربه ذلك، لانه من باب التنبيه بالادنى على الاعلى، و فيه انه متى اعترفوا بكون مورد النصّوص انما هو الامام، كما يظهر من كلامهم، فحمل المنفرد عليه قياس محض، و التستر بكونه من باب التنبيه بالادنى على الاعلى لا يجد نفعا، على انه لو ثبت الاولوية فالخروج بها عن القياس محل بحث قد سلف تحقيقه فى مقدمات الكتاب انتهى كلامه - طاب مضجعه - و لا يخفى عليك ما بين الكلامين من المنافاة.
هل يستحب اعادة الأذان و الاقامة و عدم الاكتفاء بالمسموع ام لا؟ وجهان: اقربها نعم، وفاقا لجماعة، تمسكا بالخبرين الاخيرين لمكان لفظ الاجزاء، و فى رواية ابن سنان دلالة على التخيير، قال بعض الأجلاّء: و اولى بالاعادة ما اذا تسمع الوقت بين الأذان المسموع و بين المصلى به، و ظاهر الشهيد فى الذكرى التوقف فى ذلك، حيث قال: و هل يستحب تكرار الأذان و الاقامة للامام السامع او لمؤذنه او للمنفرد؟ يحتمل ذلك، و خصوصا مع اتساع الوقت.
أقول: قد تقدم ان المنفرد اذا اذن ثم اراد الجماعة اعاد اذانه، و الفرق بينه و بين السّامع غير ظاهر، و كيف كان فانه يجب ان يستثنى من هذا الحكم المؤذن و المقيم للجماعة، فانه لا يستحب الاعادة معه لأن اذانه و اقامته لهم، و استدل عليه باطباق المسلمين كافة على تركه، و لو كان مستحبا لما اطبق على تركه، و قال فى المسالك: و هل يستحب للسامع تكرار الأذان و الاقامة هنا؟ الظاهر ذلك، لانه لا يقصر عن تعدد المؤذنين مع اتساع الوقت، لكن يستثنى منه المؤذن و المقيم للجماعة، فقد حكم الاصحاب هنا بعدم استحباب التكرار معه، انتهى.
لو اذن المنفرد ثم اراد الجماعة اعاد الأذان و الاقامة وفاقا للشيخ و
ص: 340
جماعة، بل نسبه فى المسالك الى المشهور بين الطائفة، بل استظهر بعض الأجلاّء عدم الخلاف فى المسئلة، و يدل على ذلك ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الزيادات، فى الموثق عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سأل عن الرّجل يؤذن و يقيم ليصلى وحده، فيجئى رجل آخر فيقول له نصلى جماعة، هل يجوز ان يصليا بذلك الأذان و الاقامة، قال: لا، و لكن يؤذن و يقيم، قال فى المسالك بعد نقله الرّواية: و شهرة الرواية و عمل الاصحاب بها يجبر ضعفها، و قال فى الذكرى بعد نقلها: و بها افتى الاصحاب، و لا راد لها سوى الشيخ نجم الدين، فانه ضعف سندها بانهم فطحية، و قرب الاجتزاء بالأذان و الاقامة اولا، لانه قد ثبت جواز اجتزائه باذان غيره، فباذان نفسه اولى، قلت: ضعف السند لا يضر مع الشهرة فى العمل و التلقى بالقبول، و الاجتزاء باذان غيره لكونه صادف نية السّامع للجماعة، فكانه اذن للجماعة بخلاف الناوى باذانه الانفراد، و قال فى الدروس: لو اذن بنية الانفراد، ثم اراد الجماعة لم يجزه الأول، و استانف و اجتزاء به فى التحرير، و هو نادر، انتهى.
أقول: العمل بالشهرة متعين فى المقام بلا شبهة، و ان خالفها التحرير و المدارك وجده فى المسالك، كما عن المصنف فى المنتهى و التحرير، للموثقة و تضعيف التحرير الرّواية غير وجيه، لأن التحقيق ان الموثق حجة، و على تقدير التسليم فهو مجبور بالشهرة و عمل الطائفة، كما صرح به الشهيدان - عليهما الرحمة - بل عبارة الذكرى و الدروس و جامع المقاصد مشعرة بالاجماع على مضمون الرّواية، و بالجملة مقتضى العمومات الدالة على تاكد استحبابهما فى الجماعة، هو الاتيان بهما فى المقام، لأن المتبادر منها هو ما وقع فى حال نية الجماعة، و الاولوية المستدل بها للاجتزاء ممنوعة، كما مضت اليه الاشارة، مع ان الاحوط هو الاتيان بها بلا ريبة.
(و يؤذن) و يقيم (خلف غير المرضى) لما سبق من عدم الاعتداد باذان المخالف، و للنصوص، منها: رواية ابراهيم بن شيبة المتقدمة فى شرح قول
ص: 341
المصنف، و لا اعتبار باذان الكافر، و منها: موثقة عمار المتقدمة فى ذلك المكان، و منها: رواية معاذ بن كثير المتقدمة فى بيان كيفية الأذان و الاقامة و منها: قول الصادق (ع) فى رواية محمد بن عذافر: اذن خلف من قرات خلفه (فان خاف الفوات) اى فوت الصلوة خلفه (اقتصر) من الفصول (على التكبيرتين، و قد قامت الصلوة مرتين)، و تهليل واحد، و هذا الحكم ذكره جماعة و استدلوا عليه بصحيحة معاذ بن كثير المتقدمة فى شرح كيفية الأذان و الاقامة، المشتملة لقول الصادق عليه السلام: اذا دخل الرّجل فى المسجد و هو لا يأتم بصاحبه، و قد بقى على الامام آية او ايتان، فخشى ان هو اذن و اقام ان يركع، فليقل: قد قامت الصلوة اللّه اكبر اللّه اكبر، لا اله الا اللّه، و ليدخل فى الصلوة، و ينبغى العمل بمدلول الرواية، و كلام المصنف و غيره قاصر عن افادة المراد، موهم لخلاف المقصود، و لله درّ الشهيد - عطّر اللّه مضجعه - حيث قال فى الذكرى: و لو خشى الداخل مع فوت الصلوة بالاستقبال بهما، اجتزاء بقوله: قد قامت الصلوة الى آخر الاقامة لرواية معاذ بن كثير عنه (ع).
قال فى المدارك قوله: فان خشى فوت الصلوة اقتصر على تكبيرتين، و قوله:
قد قامت الصلوة، هذا الحكم ذكره الشيخ و جمع من الاصحاب، و استدلوا عليه برواية معاذ بن كثير عن ابى عبد الله (ع)، قال: اذا دخل الرّجل المسجد الحديث، و ينبغى العمل على صورة الرواية، و عبارات الاصحاب قاصرة عن افادة ما تضمنه فصولا و ترتيبا، مع انها ضعيفة السّند، و مقتضاها تقديم الذكر المستحب على القراءة الواجبة، و هو مشكل جدا، و من ثم حمل جدّى - قدس سره - فى بعض حواشية عبارة المصنف ان المراد بفوات الصلوة فوات ما يعتبر فى الركعة من القراءة و غيرها، و هو مخالفته للظاهر، بعيد عن مدلول الرواية، الا انه لا بأس بالمصير اليه، انتهى.
أقول: اما حكمه بضعف سند الرّواية فغير مسلم، فراجع حتى يتبين لك، و
ص: 342
اما الاشكال الذى ذكره فى دلالتها، فالامر فيه هين، لدلالة النصّ عليه، و يؤيد ذلك ما رواه التهذيب فى باب احكام الجماعة، عن احمد بن محمد بن ابى نصر، عن احمد بن عايذ، قال: قلت لابى الحسن (ع): انى ادخل مع هؤلاء فى صلوة المغرب، فيعجلونى الى ما أن أؤذن و اقيم، فلا أقرأ شيئا حتى اذا ركعوا و اركع معهم، أفيجزينى ذلك؟ قال: نعم. و امّا ما حمل جدّه الفوات على ما ذكره فمدفوع بأنّ النصّ قد دل عليه، فلا وجه للاستبعاد فى الاحكام التعبدية.
قال الشارح المحقق: و رواية معاذ صريحة فى فوات الرّكوع و نقل عن جماعة منهم الشهيد، انهم عبروا بخوف فوت الصلوة، انتهى.
أقول: لعل التعبير بخوف فوت الصلوة تقييد فى النص، روى فى البحار عن كتاب جامع الشرايع للشيخ يحيى بن سعيد، انه قال: و روى ان الانسان اذا دخل المسجد، و فيه من لا يقتدى به، و خاف فوت الصلوة بالاشتغال بالاذان و الاقامة يقول: حى على خير العمل دفعتين، لانه تركه.
(و ياتى بما يتركه) المؤذن من التعميل و التكبير و التهليل الاخير، و استدل بعضهم بان ذلك اقامة لشعاير الايمان، و برواية ابن سنان المتقدمة فى شرح قول المصنف، و يجتزئ الامام باذان المنفرد، قال الشارح المحقق: و مقتضى عدم الاعتداد باذان المخالف و استحباب الاتيان به خلفه، عدم الفائدة فى الاتيان بما يترك، و يمكن حمله على صورة تعذر الاتيان بالجميع، او يقال: ان هذا ايضا مستحب برأسه و يمكن جعل المسئلة مفصلة عن السابق، و انها محمولة على غير المخالف، كمن اخل ببعض ناسيا، و قال بعض الأجلاّء: و اما ما ذكروه من استحباب اتيان الماموم بما اخل به الامام المخالف و مؤذنه من الفصول، فهو لا يخلو من الاشكال، لدلالة الخبرين المتقدمين على عدم الاعتداد باذان المخالف، و انه يستحب للماموم الاتيان بالأذان و الاقامة لنفسه، كما هو اصل المسئلة، فكيف يعتد باذان المخالفين و يبنى عليه و يتم ما نقصه، و ما تكلفه شراح كلامهم فى هذا المقام لهذه العبارة من ان ذلك مستحب براسه، و ان كان
ص: 343
الأذان غير معتد به، او جعل هذه المسئلة منفصلة عن الكلام السابق، و انها محمولة على غير المخالف، كناسى بعض فصول الأذان او تاركه، او تارك الجهر تقية، فهو تحمل بعيد عن سياق كلام اولئك القائلين، و قال فى المدارك: قوله:
و لو اخل بشىء من فصول الأذان استحب للماموم التلفظ به، سياق العبارة ان هذا الحكم من تتمة المسئلة السابقة، و هى من صلى خلف من لا يقتدى به، لكن الحكم باستحباب تلفظ الماموم بالفصل المتروك هنا مشكل، اما اولا: فلانه خلاف مدلول النص، و هو صحيحة ابن سنان، و اما ثانيا: فلما صرح به الاصحاب، و دلت عليه الأخبار من عدم الاعتداد باذان المخالف، فلا فائدة فى اتيان الماموم بما تركه الامام من الفصول، اللّهم الا ان يقال: ان ذلك مستحب براسه، و ان كان الأذان غير معتد به، و هو حسن لو ثبت دليله، و احتمل الشارح - قدس سره - جعل هذه المسئلة منفصلة عن الكلام السابق، و انها محمولة على غير المخالف، كناسى بعض فصول الأذان او تاركه او تارك الجهرية تقية، و هو جيد من حيث المعنى، لكنه بعيد من حيث اللفظ، انتهى.
أقول: يمكن ان يستدل على ما اختاره المتن بالخبر الذى نقله فى الذكرى عن المبسوط قال فى الذكرى: قال الشيخ فى المبسوط: و روى انه يقول:
حى على خير العمل مرتين، لانه لم يقل ذلك، و قد روى ابن سنان عن الصادق عليه السلام اذا اذن مؤذن فنقص الأذان الحديث، و هذا كما يدل على التعميل يدل على التهليل ايضا، و كذا ما نقصه سهوا انتهى كلام الذكرى، و ما نقله عن المبسوط ينادى بالاستحباب، فليعمل به تسامحا فى ادلة السنن، نعم الخبر مختص بالاتيان بالعمل، فلا دليل بالنسبة الى التهليل و التكبير، اللّهم الا ان يكون التعليل ايضا من تتمة الخبر، فحينئذ يتم مطلب المصنف بلا اشكال.
فعن السيد فى المصباح و الشيخ فى المختلف يمضى فى صلوته ان كان متعمدا، و يستقبل صلوته ما لم يركع ان كان ناسيا، و اليه ذهب الاكثر، كما
ص: 344
ادعاه جماعة ممن تاخر، بل قال بعض الاجلة: بل لعلّه عليه عامتهم، قال الشيخ فى النهاية: من ترك الأذان و الاقامة متعمدا، او دخل فى الصلوة، فلينصرف و ليؤذن و ليقم ما لم يركع، ثم يستانف الصلوة، و ان تركهما ناسيا حتى دخل فى الصلوة ثم ذكر مضى فى صلوته، و لا اعادة، و به قال الحلى، و هذا عكس القول الأول، و اطلق فى المبسوط فقال: متى دخل منفردا فى الصّلوة من غير اذان و لا اقامة استحب له الرّجوع ما لم يركع، و يؤذن و يقيم و يستقبل الصلوة، فان ركع مضى فى صلوته، و لم يفرق بين العمد و النسيان، فقال ابن ابى عقيل: من نسى الأذان فى صلوة الصبح و المغرب حتى اقام، رجع فاذن و اقام ثم افتتح الصلوة، و ان ذكر بعد ما دخل فى الصلوة انه قد نسى الأذان قطع الصّلوة، و اذن و اقام ما لم يركع، فان كان قد ركع مضى فى صلوته و لا اعادة عليه، و كذا ان سها عن الاقامة فى الصلوات كلها، حتى يدخل فى الصلوة رجع الى الاقامة ما لم يركع، فان كان قد ركع مضى فى صلوته و لا اعادة عليه، الا ان يكون تركه متعمدا استخفافا، فعليه الاعادة فظاهر القول هو الرجوع الى الأذان وحده فى صلوتى الصبح و المغرب لو تركه ناسيا ما لم يركع، و لو نسى الاقامة وحدها فانه يرجع اليها فى جميع الصلوة ما لم يركع، و ان تركها عمدا فعليه الاعادة مطلقا، و قال الاسكافى على ما حكى: من نسى الأذان و الاقامة فى الفجر و المغرب او الاقامة فى غيرهما يرجع حتى ياتى بذلك ما لم يركع، ناسيا(1) للاقامة وحدها يرجع ما لم يقراء عامة السورة، و ان كان لما يسمع المؤذن قال مثل قوله اجزاءه ذلك، و لم يبطل الصلوة، و لو كان فى آخر الوقت فخاف ان قطع و رجع الى الأذان و الاقامة ان يفوته الصلوة او بعضها او خاف على نفسه، أجزأه ان يكبر بالفرد، و يشهد ان لا اله الا الله، و ان محمّدا عبده و رسوله مرة مرة، و مضى فى صلوته.
أقول: لابد اولا من نقل الأخبار المتعلقة ثم التوجه الى ما يرد عليها
ص: 345
من النقض و الابرام.
الأول: ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الزيادات فى الصحيح عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) قال: اذا افتتحت الصلوة فنسيت ان تؤذن و تقيم ثم ذكرت قبل ان تركع، فانصرف فاذن و اقم و استفتح الصلوة، و ان كنت قد ركعت فاتم على صلوتك.
الثانى: ما رواه فى المكان المتقدم عن زرارة عن ابى عبد الله (ع)، قال:
قلت له: رجل ينسى الأذان و الاقامة حتى يكبر، قال: يمضى على صلوته و لا يعيد.
الثالث: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم، عن نعمان الرازى، قال:
سمعت ابا عبد الله (ع) و سأله ابو عبيدة الحذّاء عن حديث رجل نسى ان يؤذن و يقيم حتى كبرو دخل فى الصلوة، قال: ان كان دخل فى المسجد و من نيته ان يؤذن و يقيم فليمض فى صلوته و لا ينصرف.
الرابع: ما رواه فى المكان المتقدم، عن ابى الصباح، عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل نسى الأذان حتى صلى، قال: لا يعيد.
الخامس: ما رواه فى المكان المتقدم، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله عليه السلام، عن رجل نسى ان يقيم الصلوة حتى انصرف، ايعيد الصلوة؟ قال:
لا يعيدها، و لا يعود لمثلها.
السادس: ما رواه فى المكان المتقدم فى الصحيح، عن داود بن سرحان عن ابى عبد الله (ع) فى رجل نسى الأذان و الاقامة حتى دخل فى الصلوة، فقال: ليس عليه شىء.
السابع: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح، عن عبيد بن زرارة عن ابيه، قال: سألت ابا جعفر (ع) عن رجل نسى الأذان و الاقامة حتى دخل فى الصلوة، قال: فليمض فى صلوته، فانما الأذان سنة.
الثامن: ما رواه ايضا فى المكان المتقدم فى الصحيح، عن على بن يقطين،
ص: 346
قال سألت ابا الحسن (ع) عن الرجل ينسى ان يقيم الصلوة، و قد افتتح الصلوة، قال: ان كان قد فرغ من صلوته فقد تمت صلوته، و ان لم يكن قد فرغ من صلوته فليعد.
التاسع: ما رواه فى باب الأذان و الاقامة باسناد فيه محمد بن اسمعيل، عن الفضل، عن محمّد بن مسلم، عن ابى عبد اللّه انه قال: فى الرّجل ينسى الأذان و الاقامة حتى يدخل فى الصلوة، قال: ان ذكر قبل ان يقرا فليصل على النبى (ص)، و ليقم، و ان كان قد قرا فليتم صلوته، و روى فى النهاية فى الباب المتقدم قال: و سأل زيد الشحّام ابا عبد الله (ع) عن الرجل نسى الأذان و الاقامة حتى دخل فى الصلوة، فقال: ان كان ذكر قبل ان يقرا فليصل على النبى (ص) و ليقم، و ان كان قد دخل فى القراءة فليتم صلوته.
العاشر: ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الزيادات فى الحسن عن الحسين بن ابى العلا، عن ابى عبد الله (ع)، قال: سألته عن الرجل يستفتح صلوة المكتوبة، يذكر انه لم يقم، قال: فان ذكر انه لم يقم قبل ان يقرا، فليسلم على النبى (ص)، ثم يقم و يصلى، و ان ذكر بعد ما قرا بعض السّورة فليتم على صلوته.
الحادى عشر: ما رواه فى المكان المتقدم عن زكريا بن آدم، قال: قلت لابى الحسن الرضا (ع): جعلت فداك، كنت فى صلوتى فذكرت فى الركعة الثانية و انا فى القراءة انى لم اقم، فكيف اصنع؟ قال: اسكت موضع قرائتك، و قل قد قامت الصلوة، ثم امض فى قراءتك و صلوتك، فقد تمت صلوتك.
الثانى عشر: ما رواه فى البحار عن قرب الاسناد، عن عبد اللّه بن الحسن، عن جده على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن الرجل يخطئ فى اذانه و اقامته، فذكر قبل ان يقوم الى الصلوة ما حاله؟ قال: ان كان اخطأ فى اذانه مضى فى صلوته، و ان كان فى اقامته انصرف فاعادها وحدها، و ان ذكر بعد الفراغ من ركعة او ركعتين مضى على صلوته و اجزاءه على ذلك.
ص: 347
الثالث عشر: ما رواه ايضا عن فقه الرضا (ع)، قال (ع)، ان شككت فى اذانك و قد اقمت الصّلوة، فامض، و ان شككت فى الاقامة بعد ما كبرت، فامض، و ان استيقنت انك تركت الأذان و الاقامة، ثم ذكرت فلا بأس بترك الأذان و تصلى على النبى و على آله، ثم تقول: قد قامت الصلوة، قد قامت الصلوة.
اذا عرفت ذلك فاعلم ان الخبر الأول يدل على مذهب المشهور منطوقا على حكم النسيان، و مفهوما على العمد، و به صرح غير واحد من الطائفة و استدل بعضهم على حكم العمد بعموم ما دل على تحريم ابطال العمل، و الامر بالاعادة فى صورة النسيان، محمول على الندب لمكان الخبر الثانى و الرّابع و السادس و السابع المؤيد ببعض الأخبار المتقدمة، و استدل لما فى النهاية لصورة النسيان بالأخبار المستفيضة المتقدمة الدالة على عدم الاعادة فى الصورة المذكورة، و حيث لا اعادة حرم للاصل الدال على تحريم ابطال العمل، و لصورة العمد بالخبر الثالث، فان مفهومه عدم الامضاء فى الصلوة اذا لم يكن من نيته الأذان، و هو عام شامل لصورة العمد و فيه نظر، لضعف الخبر سندا، و المستفيضة دلالة، لمكان الخبر الأول المعتضد بالشهرة المخصص للاصل المتقدم اليه الاشارة، قال فى الذكرى بعد نقل الخبر الثالث: قيد المضى بان يكون من نية الناسى ذلك، فيعلم انه لو لم يكن من نيته فعلهما قطع الصّلوة، هو يحتمل امرين:
احدهما: انه يكون قد تعمد تركهما، و الثانى: ان لا يخطر بباله، فان اريد الأول امكن جعله حجة الشيخ فى النهاية، فانا لم نقف له على حجة هنا، انتهى.
و قال ايضا بعد نقل الخبر التاسع و العاشر: قلت: اشار بالصلوة على النبى اولا، و بالسلام فى هذه الرواية الى قطع الصلوة، فيمكن ان يكون السلام على النبى قاطعا لها، و يكون المراد بالصلوة هناك السلام، و ان يراد الجمع بين الصلوتين و السلام، فيجعل القطع بهذا من خصوصيات هذا الموضع، لانه قد روى ان التسليم على النبى (ص) آخر الصلوة ليس بانصراف، و يمكن ان يراد القطع بما ينافى الصلوة، اما استدبار او كلام، و يكون التسليم على النبى (ص)
ص: 348
مبيحا لذلك، و على القول بوجوب التسليم يمكن ان يقال: يفعل هنا ليقطع به الصلوة، انتهى.
أقول: ظاهر هذا الكلام هو دلالة الخبرين على الرخصة فى الرجوع كالخبر الأول، كما صرح بذلك من الاصحاب جماعة، قال بعض الأجلاّء: بقى الكلام فى صحيحة محمد بن مسلم، و حسنة الحسين بن ابى العلا، و رواية زيد الشحّام الدالة على انه اذا نسى الأذان و الاقامة وحدها ثم ذكر قبل القراءة، فانه يصلى على النبى (ص)، و يسلم عليه، ثم يقيم و يصلى، فان ظاهر الاصحاب حملها على قطع الصّلوة و الرجوع، قال فى المدارك: و الظاهر ان الصلوة على النبى (ص) و السلام عليه اشارة الى قطع الصلوة، و يمكن ان يكون ذلك نفسه قاطعا، و يكون من خصوصيات هذا الموضع، لأن ذلك لا يقطع الصلوة فى غير هذا المحل، انتهى.
و اجابوا عن منافاة الخبرين للخبر الأول من حيث الدلالة على عدم الرجوع ان شرع فى القراءة، بجواز ان يكون الوجه ان الرجوع قبل القراءة آكد منه بعدها، قال بعض الأجلاّء: من المحتمل قريبا فى معنى الأخبار المذكورة، ان المراد انما هو انه اذا ذكره فى ذلك صلى على النبى (ص)، و قال: قد قامت الصلوة، قد قامت الصلوة، كما هو ظاهر خبر زكريا بن آدم، بل صريحه، و نحوه فى كتاب الفقه الرّضوى حيث قال (ع): فاذا استيقنت انك الحديث، و على هذين الخبرين يحمل اجمال الأخبار المذكورة، اذ لا تصريح و لا ظهور فيها بقطع الصلوة و ابطالها، و لا اعادتها من رأس، و حينئذ فمعنى قوله فى حسنة الحسين بن ابى العلا: ثم يقيم و يصلى، يعنى ياتى بهذه العبارة مرتين و تستمر فى صلوتك، و قول السيّد هنا، و قبله الشهيد فى الذكرى: ان الصلوة على النبى و السلام عليه اشارة الى قطع الصلوة، او يكون ذلك قاطعا، و يكون من خصوصيات هذا الموضع، بعيد غاية البعد، فان خبرى زكريا بن آدم و كتاب الفقه ظاهر ان بل صريحان فيما ذكرناه، و تلك الأخبار مجملة، و القاعدة
ص: 349
فى مثله حمل المجمل على المفصل، نعم، يبقى الاشكال من وجه آخر، نبه عليه شيخنا فى الذكرى حيث قال بعد نقل خبر زكريا بن آدم: و يشكل بانه كلام ليس من الصلوة، و لا من الاذكار، و اجاب عنه شيخنا البهائى رحمه الله: على انه يقول ذلك مع نفسه من غير ان يتلفظ به، و قوله (ع): اسكت موضع قرائتك، و قل ربما يؤذن بذلك، اذ لو تلفظ بالاقامة لم يكن ساكتا فى موضع القراءة، و حمل السكوت على السّكوت من القراءة لا غيرها خلاف الظاهر، انتهى.
و انت خبير بان لقايل ان يقول: ان ما ذكره شيخنا المتقدم من كونه ليس من الصلوة و لا من الاذكار، و ان كان كذلك، الا ان النصّ متى دل على جوازه فلا وجه لرده، و لا استبعاد فيه، سيما مع وجود النظاير المتفق عليها بينهم، و ليس هذا بابعد مما دلت عليه النصوص، و قالوا به من غير خلاف، يعرف من جواز الافعال الخارجة عن الصّلوة فى اثناء الصلوة من غسل دم الرعاف، و قتل الحية، و ارضاع الصبى، و نحو ذلك من الافعال الخارجة عن الصلوة، لو لا هذه النصوص الواردة لها لابطلوا بها الصلوة البتة، لكونها افعال اجنبية منها، خارجة عن حقيقتها، و الامر فى الموضعين واحد، و كذلك غاية الامر انه قد تكاثرت الأخبار لهذا الحكم، حتى عدده الى غير موارد النصوص بتنقيح المناط القطعى دون هذا الجزئى، الذى هو محل البحث، فيجب الاقتصار فيه على مورد النص هذا، انتهى.
أقول: لقايل ان يقول: ان الخبر الحادى عشر و الثالث عشر مما لا جابر لهما فى المقام، فلا يصح الاستناد اليهما فى ذلك لضعف سندهما، و اما الخبر التاسع و العاشر فالاستناد اليهما ايضا مشكل، لقوة احتمال ظهورهما فيما فهمه منهما الجماعة جدا، و ذلك اما لما ذكره بعض الاجلة، بان قوله (ع): فليتم على صلوته فيما اذا شرع فى القراءة، ظاهر فى انه لا يتم عليها قبل الشروع فيها، و لا يكون ذلك الا بابطالها ظاهرا، او لأن الظاهر من قوله (ع): فليقم او يقيم، هو الاقامة التامة، بقرينة السّؤال الواقع فى الرواية و غيره، بل يمكن ادعاء كونها
ص: 350
حقيقة فيما ذكر، بل الظاهر انها كذلك، و لا قايل بين الاصحاب على الظاهر بعدم ابطال الصلوة و اعادة الاقامة التامة، فليطرح هذا القول بلا شبهة و الخبر الثانى عشر لا يخلو عن تاييد لبعض ما تقدم، بل يمكن جعله دليلا، و بالجملة لا يصلح المذكور ان يعارض مستندا المشهور بلا شبهة و لا ريبة، فخذ بما اشتهر بين اصحابك، ودع الشاذ النادر.
اعلم ان ظاهر الخبر الثامن هو جواز الرجوع الى الاقامة ما لم يفرغ من صلوته و لو بعد الركوع، و لكنه مطلق يحتمل التقييد بما قبله، و الشيخ حمله على الاستحباب، و قال المحقق فى التحرير: و ما ذكره محتمل لكن فيه تهجم على ابطال الفريضة بالخبر النادر.
أقول: و لعل ما يظهر من الشيخ فى التهذيب من العمل باطلاقه حيث حمله على الاستحباب لمجرد الجمع بين الأخبار، من غير ان يقصد به الفتوى، لكنها محكى عن ظاهر بعض متاخرى المتأخرين، و لا ريب فى شذوذه و التقييد بما قبل الرّكوع متعين، كما عن جمع الاصحاب، و منهم المصنف فى المختلف، مدعيا الاجماع على عدم جواز الرجوع بعد الركوع.
اعلم ان ظاهر بعض العبائر و الأخبار اختصاص جواز الرجوع بما اذا نسيهما معا، و الاصح جوازه للاقامة ايضا، خاصة وفاقا للجماعة منهم الدروس،(1) و عن القديمين و خلافا فاللمسالك فلم يجوز الرجوع، بل حكاه عن المشهور، قال: اقتصارا فى ابطال الصّلوة على موضع الوفاق لنا على مطلبنا الخبر الثامن و العاشر المعتضد بالخبر التاسع و الثانى عشر، فظهر ان بما ذكر ان العمل بالاصل فى المقام و لا وجه له، سيما مع ذهاب جمع كثير الى مخالفته.
قال المحقق المجلسى رحمه اللّه فى البحار: اعلم ان الروايات انما تعطى استحباب الرجوع لاستدراك الأذان و الاقامة او الاقامة وحدها و ليس
ص: 351
فيها ما يدل على جواز القطع، لاستدراك الأذان مع الاتيان بالاقامة، و الظاهر من كلام اكثر الاصحاب ايضا عدم جواز القطع لذلك، و حكى فخر المحققين الاجماع على عدم الرجوع مع الاتيان بالاقامة، لكن المحقق فى الشرايع و ابن ابى عقيل ذهبا الى الرجوع الى الأذان فقط ايضا، و حكم الشهيد الثانى رحمه الله بجواز الرجوع لاستدراك الأذان وحده دون الاقامة، و هو غريب، انتهى.
أقول: و الحكم بعدم جواز الرجوع اليه مع الاتيان بها وجيه.
قال فى البحار بعد نقل الخبر الثانى عشر: يشتمل على احكام: الأول:
يخطئ فى اذانه و اقامته، يحتمل ان يكون المراد تركهما او ترك بعض فصولهما، الى ان قال: ان حملنا الخبر على ترك بعض فصول الأذان و الاقامة كما هو الظاهر، فلم ارمصرحا به و معترضا له و اثباته بمحض هذا الخبر لا يخلو عن اشكال، ثم حملنا الركعة على معناه المتبادر يدل على تفصيل آخر سوى ما مر من التفاصيل المشهورة، و ان حملناه على الركوع كما هو الشايع ايضا فى عرف الأخبار، فان حملنا كلام القوم على اتمام الركوع فيوافق المشهور، لكن الظاهر من كلامهم و الأخبار التى استدلوا بها انه يكفى لعدم الرجوع الوصول الى حد الركوع، فهو ايضا تفصيل مخالف للمشهور و ساير الأخبار، اذ حمل اتمام الركعة على الوصول الى حد الركوع، فى غاية البعد، و بالجملة التعويل على مفاد هذا الخبر مشكل
مقتضى اطلاق النص و كلام الاصحاب على ما فى المسالك و المدارك، عدم الفرق فى المصلى بين المنفرد و الجامع، فاقتصار المحقق فى الشرايع كما عن المصنف فى التحرير على نسيان المنفرد، لعله لاكتفاء الجامع باذان غيره، مع بعد نسيان الجميع، او التنبيه بالادنى على الاعلى، كما عن الايضاح، قال بعض المحققين: اعلم ان ما ذكر انما هو فى حال الانفراد لا الجماعة، لكون ذلك هو الظاهر المتبادر من الأخبار و الاقوال، بل صرح فى المبسوط بذلك، و يظهر من المختلف امضاءه له، مع انه لا يتاتى ما ذكره فى صورة
ص: 352
الجماعة غالبا، لو لم نقل كليا بل و كليا ايضا، لا يخفى على المتدبر، فما فى المبسوط من ان اطلاق النصّ و الفتوى يقتضى عدم الفرق فى المصلى بين الجامع و المنفرد فيه ما فيه، انتهى.
أقول: و الظاهر ان ادعاء التبادر فى محله، فعدم التعدى هو الاحوط، ان نقل بكونه اقوى.
لانه اعلام بدخول الوقت، و الحث على الفريضة، و لما سياتى، و يجوز تقديم الأذان فى الصبح رخصة على الاشهر، بل قيل عليه عامة من تاخر، بل ظاهر المنتهى عليه الاجماع كالمعتبر و قريب منه الذكرى فى موضع حيث لم ينقل فيه خلافا، و كذا المحقق الثانى فى جامع المقاصد، قال ابن ابى عقيل: الأذان عند آل الرسول (ص) للصلوات الخمس بعد دخول وقتها، الا الصبح فانه جايز ان يؤذن لها قبل دخول وقتها، بذلك تواتر الأخبار عنهم، و قال: كان لرسول الله (ص) مؤذنان احدهما بلال و الآخر ابن ام مكتوم، و كان اعمى، و كان يؤذن قبل الفجر، و يؤذن بلال اذا طلع الفجر، و كان عليه و آله السلام يقول: اذا سمعتم اذان بلال فكفوا عن الطعام و الشراب.
و منع ابن ادريس من تقديمه فى الصبح ايضا، و هو المحكى عن المرتضى فى المسائل الناصرية، و الاسكافي و الحلبى و الجعفى، قال السيد فى الكتاب المذكور: اختلفت الرّوايات عندنا فى هذه المسئلة، فروى انه لا يجوز الأذان لصلوة قبل دخول وقتها على كل حال، و روى انه يجوز ذلك فى صلوة الفجر خاصة، و قال ابو حنيفة و محمد الثورى: لا يؤذن للفجر حتى يطلع الفجر، و قال مالك و ابو يوسف و الاوزاعى و الشافعى: يؤذن للفجر قبل طلوع الفجر، و الدّليل على صحة مذهبنا ان الأذان دعاء الى الصلوة، و علم على حضورها، فلا يجوز قبل وقتها، لانه وضع للشىء فى غير موضعه، و ايضا ما روى من ان بلا لا اذن قبل طلوع الفجر، فامره النبى (ص) ان يعيد الأذان، و روى عن عيص بن عامر، عن بلال ان
ص: 353
رسول الله (ص) قال: لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا، و مدّ يده عرضا، قال فى المختلف بعد نقله: و الجواب المنع من حصر فائدة الأذان فى اعلام وقت الصّلوة، بل قد ذكرنا له فوائد قبل طلوع الفجر.
قال المفيد رحمه الله: الأذان الأول لتنبيه النايم و تأهبته لصلوته بالطهور، و نظر الجنب فى طهارته، ثم يعاد بعد الفجر، و لا يقتصر على ما تقدم اذا ذاك لسبب غير الدخول فى الصلوة، و هذا للدخول فيها، و عن الحديث الثانى انا نقول بموجبه، اذ يستحب للمؤذن اعادة اذانه بعد الفجر، و عن الثالث بانه (ص) امره بذلك لأن ابن ام مكتوم كان يؤذن قبل الفجر، و جعل الفجر اذان بلال علامة على دخوله، انتهى.
أقول: و من الأخبار المتعلقة بالمقام ما رواه الكافى فى باب الأذان و الاقامة فى الصحيح، عن عمران بن على قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الأذان قبل الفجر، فقال: اذا كان فى جماعة فلا، و ان كان وحده فلا بأس.
و منها: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الصحيح عن ابن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت له: ان لنا مؤذنا يؤذن بليل، فقال: اما ان ذلك ينفع الجيران لقيامهم الى الصلوة، و اما السنة فانه ينادى مع طلوع الفجر و لا يكون بين الأذان و الاقامة الا الركعتان.
و منها: ما رواه التهذيب ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح عن فضالة عن ابن سنان قال سألته عن النداء قبل طلوع الفجر، فقال: لا بأس، و اما السنة مع طلوع الفجر، و ان ذلك لينفع الجيران، يعنى قبل طلوع الفجر.
و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى الباب المتقدم فى الصحيح عن معوية بن وهب، انه سأل ابا عبد الله (ع) عن الأذان، فقال: اجهر به، الى ان قال: و لا تنتظر باذانك و اقامتك الا دخول وقت الصلوة، واحد راقامتك حدرا، و قال الصدوق ايضا فى الباب المذكور: و كان لرسول الله (ص) مؤذنان، احدهما بلال و الآخر ابن ام مكتوم، و كان ابن ام مكتوم اعمى فكان يؤذن قبل الصبح، و كان
ص: 354
بلال يؤذن بعد الصبح، فقال النبى (ص): ان ابن مكتوم يؤذن بليل، فاذا سمعتم اذانه فكلوا و اشربوا حتى تسمعوا اذان بلال، فغيرت العامة هذا الحديث عن جهته، و قالوا انه (ع) قال: ان بلالا يؤذن بليل فاذا سمعتم اذانه فكلوا و اشربوا حتى تسمعوا اذان ابن ام مكتوم.
قال بعض الأجلاّء بعد ان نقل الحديث كما نقلناه: قد نقل صاحب الوسائل الحديث المذكور كما نقلناه، و ظاهره حمل قوله فغيرت العامة هذا الحديث الى آخره، على انه من قول الامام، و الاقرب انه من كلام الصدوق كما هى عادته، فى ادخال كلامه فى الأخبار على وجه يحصل به الالتباس كما فى هذه المواضع انتهى، و هو جيد و صاحب الذكرى ايضا نسب الزيادة الى الصدوق.
و منها: ما رواه فى البحار عن الدعائم(1) عن على (ع) انه قال: لا بأس بالأذان قبل طلوع الفجر، و لا يؤذن حتى يدخل وقتها.
و منها: ما رواه ايضا عن كتاب النرسى عن ابى الحسن موسى (ع)، انه سمع الأذان قبل طلوع الفجر، فقال: شيطان، ثم سمعه عند طلوع الفجر، فقال:
الأذان حقا.
و منها: ما رواه ايضا عن الكتاب المذكور، عن ابى الحسن (ع) قال سألته عن الأذان قبل طلوع الفجر، فقال: لا، انما الأذان عند طلوع الفجر الأول ما يطلع، قلت: فان كان يريد ان يؤذن الناس بالصلوة و ينبههم، قال فلا يؤذن، و لكن ليقل و ينادى بالصّلوة خير من النوم، الصلوة خير من النوم، يقولها مرارا، و اذا طلع الفجر اذن الحديث.
قال بعض الأجلاّء بعد ان نقل الأخبار المتقدمة المنقولة عن التهذيب
ص: 355
و الكافى و الفقيه: و روى ثقة الاسلام فى الصحيح و بسند آخر فى الصحيح او الحسن عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) قال: كان بلال يؤذن للنبى (ص)، و ابن ام مكتوم و كان اعمى يؤذن بليل، و لا يؤذن بلال حتى يطلع الفجر، و عن زرارة عن ابى عبد الله (ع)، ان رسول الله (ص) قال: هذا ابن ام مكتوم يؤذن بليل، فاذا اذن بلال فعند ذلك فامسك.
أقول: و الى هذه الأخبار اشار بن ابى عقيل، و هو بتواتر الأخبار، و هى كما ترى واضحة الدلالة فى المدعى، الا ان من شأن السيد و ابن ادريس الاعتماد على الادلة العقلية بزعمهما، و عدم مراجعتهما الى الادلة السمعية كما لا يخفى على المتتبع لكلامهما، العارف بقواعدهما، و لا سيما المرتضى كما تضمنت جملة من كتبه، فانه فى مقام الاستدلال على الاحكام التى يذكرها، انما يورد ادلة عقلية، و لا يلم بالأخبار بالكلية، انتهى.
اذا عرفت ذلك، ان المشهور هو الاظهر للاجماع، المحكى فى ظاهر المنتهى و غيره كما عرفت، و للنصوص المستفيضة المتقدمة، بل المتواترة كما ادعاه العمانى، و للمخالف على ما عرفت وجوه: الأول: ما نقلنا من البحار عن كتاب النرسى، و فيه انه معارض بما مر من الادلة المرجحة عليه بلا شبهة.
الثانى: ما روى ان بلالا اذن قبل طلوع الفجر، فامره النبى (ص) ان يعيد الأذان، و فيه نظر، لانا نقول باستحباب الاعادة، لم اجد من المجوزين من لم يقل به.
الثالث: رواية عيص بن عامر المتقدمة، و فيه بعد تسليم السند ما ذكره فى المختلف.
الرابع: ان الأذان دعاء الى الصلوة، ففعله قبل وقتها وضع للشىء فى غير موضعه، و فيه انه معارض بالادلة المتقدمة، فلا يصح الاستناد الى ذلك الاصل بعدها، و اجيب ايضا بمنع انحصار فائدة الأذان فيما ذكر، بل له فوائد اخرى، كامتناع الصايم من الاكل و الشرب، و التأهّب للصلوة، و اغتسال الجنب، و
ص: 356
اتمام النوافل الليلية و نحوها، و قد اشار الى هذا الجواب فى المختلف كما عرفت غيره.
قال بعض المحققين: هذا ليس بشىء، اذ لا شك فى الانحصار، الا فيما ثبت، و لذا ترضى بتقديم اذان غير الفجر مع العبادات التوقيفية، كما يكون بيان ماهيتها توقيفية، كذا رجحانها او شرعيتها بلا تامل انتهى فتدبر.
قال والدى طاب ثراه معترضا على قوله كامتناع الصايم من الاكل: هذا غير جيد، بل الأذان حينئذ حرام عمدا، لأن عادة اللّه جارية على الوسع و الراحة للمؤمنين، فلو تقدم الأذان عن وقته، فربما يمنع الصايم عن لقمة طعام او شربة ماء بهما قوام بدنه، فكيف يحرم المؤذن هذا مع تحليل اللّه تعالى؟ فلو كان للمنع قبله طريق لما قال اللّه تعالى: «حَتّٰى يَتَبَيَّنَ» بل يقول: حتى يظن لكم خيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر انتهى كلامه، رفع فى الخلد مقامه فافهم.
قال فى البحار بعد نقل رواية عمران بن على المتقدمة: عن السرائر نقلا من كتاب محمد بن على بن محبوب، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبى، عن عمران بن الحلبى، عن عمران بن على، ما صورته: التفصيل الوارد فى هذا الخبر مع صحته لم ينسب القول به الى احد، نعم قال العلامه فى المنتهى: اما الفجر فلا بأس بالأذان قبله، و عليه فتوى علمائنا، ثم احتج بهذه الرّواية، ثم قال: و الشرط فى الرواية حسن، لأن التعبد به الاعلام للاجتماع، و مع الجماعة لا يحتاج الى الاعلام للتاهب بخلاف المنفرد انتهى، و لعله رحمه اللّه حمل الخبر على انه اذا كان الناس مجتمعين فلا يؤذن قبل الوقت لتأهبهم و حضورهم، و ان كانوا متفرّقين و كان الامام او غيره وحده، فليؤذن قبله ليتنبهو او يجتمعوا، فالأذان فى الصورتين معا للجماعة، و لو كان المراد بالثانى صلوة المنفرد و بالأول صلوة الجماعة كان العكس اقرب الى اعتبار العقل، انتهى.
ص: 357
أقول: لم اجد قائلا يقول بمضمون الرّواية، لأن الاصحاب بين مجوز على الاطلاق مع الحكم باستحباب الاعادة فى الوقت، و بين مانع كذلك، فاذن هى شاذة، و العمل بالاطلاق هو الاقوى، و ترك التأذين لعله احوط و اولى، قاله بعض الاجلة، قال: لئلا يفتر العوام المعتمدون فى دخول الوقت على الأذان بل العلماء المجوزون لذلك، حيث لا يمكن تحصيل العلم به تبعا لجملة من النصوص، و ليس فى اذان ابن ام مكتوم قبل الفجر منافاة لذلك بعد اعلام النبى (ص) المسلمين بوقت اذانه، كما قال الصدوق: كان لرسول الله (ص) مؤذنان الى آخره، نعم لو فرض عدم الاغترار بذلك جاز التقديم بلا اشكال، و لعلّه مراد الاصحاب، و ان اطلق الجواز عباراتهم فى الباب، عدا الشهيد فى الذكرى، فقال: ينبغى ان يجعل ضابطا فى هذا التقديم عليه الناس، و كذا غيره، و قال بعض الأجلاّء: قال فى الذكرى: لاحد لهذا التقديم عندنا، بل ما قارب الفجر، و تقديره بسدس اللّيل او نصفه تحكم، و روى ان كان بين اذانى بلال و ابن ام مكتوم نزول هذا و صعود هذا، و ينبغى ان يجعل ضابطا فى التقديم، ليعتمد عليه الناس، و لا فرق بين رمضان و غيره فى التقديم، و لا يشترط فى التقديم مؤذنا، فلو كان واحدا جاز له تقديمه، نعم يستحب له اعادته بعده، ليعلم بالأول قرب الوقت، و بالثانى دخوله، لئلا يتوهم طلوع الفجر الأول دخول الوقت بالأول، انتهى.
قال غير واحد منهم: لا فرق بين رمضان و غيره عندنا، و لا بين وحدة المؤذن و تعدده.
أقول: قد عرفت ما يدل على ذلك و يظهر من الأخبار ايضا، ان الأذان المتقدم لابد ان يكون قريبا من الفجر، ليس فيه حد معين، كما افتى به غير واحد منهم، و منهم الذكرى كما عرفت.
و غيرهما الى اكثر الاصحاب، قال فى المسالك: اكثر الاصحاب على تحريم اخذ الاجرة على الأذان، سواء اخذت من بيت المال أم من غيره، انتهى، و نقل عن السيد المرتضى القول بالكراهة، و هو ظاهر المحقق فى التحرير و الشهيد فى الذكرى، و اختاره فى المدارك، للاول ما رواه التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الزيادات مسندا عن السكونى، عن جعفر عن ابيه عن على عليه السلام، قال: آخر ما فارقت عليه حبيب قلبى ان قال: يا على اذا صليت فصل صلوة اضعف من خلفك، و لا تتخذ مؤذنا ياخذ على اذانه اجرا، و رواه الفقيه ايضا مرسلا عن على (ع)، فى باب الأذان و الاقامة، و روى الفقيه ايضا مرسلا، قال اتى رجل امير المؤمنين (ع) فقال: يا امير المؤمنين، و اللّه انى لاحبك، فقال له: و لكنى لا بغضك، قال: و لم؟ قال: لانك تبغى على الأذان كسبا، و تاخذ على تعليم القرآن، و رواه التهذيب ايضا فى كتاب المكاسب مسندا عن على (ع)، و فيه هكذا: اتاه رجل فقال: يا امير المؤمنين و اللّه انى لاحبك لله، فقال له: و لكنى ابغضك لله، قال و لم؟ قال: لانك تبغى فى الأذان، و تاخذ على تعليم القرآن اجرا، و سمعت رسول الله (ص) يقول: من اخذ على تعليم القرآن اجرا، كان حظه يوم القيمة.
و يدل على المصنف ايضا ما رواه فى البحار عن الدعائم عن على (ع)، انه قال: من المستحب اجر المؤذن، قال فى الكتاب المذكور: يعنى اذا استاجره القوم لهم و قال: لا بأس ان يجرى عليه من بيت المال، و من قال بالكراهة استند فيها الى هذه الأخبار الظاهرة فى التحريم، و عدم قوله به، لضعف سندها، و فيه ما ترى لانجبارها بالشهرة المحكية، فلا يضر ضعف سندها، فاذن القول بالتحريم اقوى.
ص: 359
لانه من مصالح المسلمين انتهى، قال بعض الأجلاّء: الظاهر اتفاق الاصحاب على جواز الارتزاق من بيت المال اذا اقتضته المصلحة، لانه معد لمصالح المسلمين، و الأذان من اهمها، و الظاهر انه لو وجد من يتطوع به قدم على المرتزق، صرّح بذلك فى الذكرى، انتهى.
أقول: و لعل ذيل خبر الدعائم لذلك شاهد، قال بعض المحققين: و المتبادر من الاجر ما هو اعم من الاجرة التى يكون فى الاجارة و غيرها، بل كلما يطلبه المؤذن على اذانه يكون اجرا، و ان كان من بيت المال، نعم لو لم يطلبه و لم يشترط فلا بأس بان يعطى، و ان كان غير الارتزاق من بيت المال انتهى، و هو جيد، و ذيل رواية الدعائم محمول على غير الطلب، قال فى المسالك و الفرق بين الاجرة و الرزق، ان الاجرة يجب ان تكون مقدرة مظبوطة بحصوله فى عقد اجارة، و الرزق لا يتقدر بقدر، بل يرجع فيه الى راى الامام (ع) و نظره انتهى.
أقول: و ما فصله المحقق السابق هو الاتم و الانسب بالنسبة الى الأخبار و كلمة الاخيار، لكن فيه تحقيق ياتى فى كتاب المتاجر ان شاء الله.
لحصول الغرض بالمتطوع، و لو لم يوجد متطوعا جاز رزقه من بيت المال، قال الشيخ من سهم المصالح و لا يكون من الصدقات و لا الاخماس لأن لذلك اقواما مخصوصين، و يجوز ان يعطيه الامام من ماله، و لا يكون ذلك اجرة لتحريم الاجرة عليه عند اكثر الاصحاب، و قال فى المسالك: يجوز ان يرزق من بيت المال من سهم المصالح، لا من الصدقات و لا من الاخماس، لأن ذلك مختص بفريق خاص.
و كذا لو كان غير المتطوع اكمل
ص: 360
باحد المرجحات جاز رزقه، و قال فى المسالك: لو وجد متطوع لكن طالب الرزق يشتمل على مرجحات فى احكام الأذان و وظايفه جاز رزقه ايضا تحصيلا للمصلحة، و لو اقتضت المصلحة الزايد على مؤذن، جاز رزق الزايد، و استقرب الشهيد رحمه اللّه فى الذكرى اشتراط عدالة المرزوق.
الثالث: قال فى المدارك: و الظاهر ان الاقامة كالأذان، و حكم العلامه فى المنتهى بعدم جواز الاستيجار عليها، و ان قلنا بجواز الاستيجار على الأذان فارقا بينهما بان الاقامة لا كلفة فيها، بخلاف الأذان، فان فيه كلفة بمراعاة الوقت، و هو غير جيد، اذ لا يعتبر فى العمل المستاجر عليه اشتماله على الكلفة، و قال بعض الأجلاّء و نعم ما افاده أقول: لا يخفى ان مورد الأخبار المتقدمة انما هو الأذان الاعلامى الذى هو محل البحث غالبا فى المقام، و اما الأذان و الاقامة المستحب لكل من صلى الاتيان بهما من منفرد و جامع فلا نص فيه بوجه، و تكليف البحث فيها كما ذكروه لا وجه له، و هو من باب اسكت عما سكت الله، و لانه من المعلوم من الأخبار توجه الخطاب بها الى المصلى نفسه، و الاكتفاء بفعل غيره عنه يحتاج الى دليل، نعم قام الدليل بالنسبة الى الامام، فانه يجوز ان يؤذن له و يقام له، فان ارادوا هذا الموضع، فهو مع كونه خلاف المتبادر من ظواهر النصوص المتقدمة، مدخول بان الظاهر ان الخطاب فيه انما هو للامام، غاية الامر انه ورد جواز فعل الغير له رخصة، لأن الناس مكلفون بالاقتداء به فى صلوته، و هذا من جملة افعال صلوته، فان لم يتبرّع غيره بالأذان و الاقامة له، رجع الحكم اليه، و كان عليه القيام بذلك، و لا دليل على انه يجوز له الاستيجار على اذان و لا اقامة، اذ غاية ما دل عليه الدليل حصول الرخصة له بتبرع الغير به، و الا فاصل الخطاب انما تعلق به من حيث ان الأذان و الاقامة من جملة افعال صلوته، و مندوباتها و مكملاتها المطلوب ايقاعه منه، و هذا بخلاف الأذان الاعلامى، فان الامر به لم يتعلق بشخص بعينه، و انما هو من قبيل المستحبات الكفائية، التى متى قام بها كفى فى امتثال الامر.
ص: 361
و بالجملة فانك اذا حققت النظر فى المقام، و تاملت ما ذكرناه من الكلام، علمت ان بحثهم هنا فى غير الأذان الاعلامى لا معنى له انتهى كلامه، رفع فى الخلد مقامه.
روى فى البحار عن الدعائم عن جعفر بن محمد (ع) قال لا بأس بالتطريب فى الأذان اذا اتم و بين و افصح بالالف و الهاء، الكلام فى المقام يقع فى مقامين فى التطريب و لم ار قائلا به فى الأذان قال فى البحار: ظاهر التطريب هنا التغنى كما فى القاموس، و تجويزه فى الأذان مما لم يقل به احد من اصحابنا، و لعله محمول على التقية.
الثانى: ما اشتمل عليه من الامرين بالافصاح بالالف، و الهاء قد ورد مثله فى جملة من الأخبار، منها ما تقدم فى شرح قول المصنف محدرا فى الاقامة و منها: ما مر ايضا فى شرح قوله طاب ثراه واقفا على اواخر الفصول.
قال فى البحار بعد نقل الخبر المتقدم: و اما الافصاح بالالف و الهاء، و قال فى المنتهى يكره ان يكون المؤذن لحّانا، و يستحب ان يظهر الهاء فى لفظتى اللّه و الصلوة، و الحاء من الفلاح، لما روى من الرسول (ص) انه قال:
لا يؤذن لكم من يدغم الهاء، قلت: و كيف يقول؟ قال: يقول: اشهد ان لا اله الا اللّه، و اشهد ان محمدا رسول الله، و قال ابن ادريس: ينبغى ان يفصح فيهما بالحروف و بالهاء بالشهادتين، المراد بالهاء هاء اله لا هاء اشهد، و لا هاء الله، لأن الهاء فى اشهد مبينة مفصح بها لا لبس فيها، و هاء اللّه موقوفة مبنية لا لبس فيها، و انما المراد هاء اله فان بعض الناس ربما ادغم الهاء فى لا اله الا الله، انتهى.
و قال الشيخ البهائى رحمه الله: كانه فهم من الافصاح بالهاء اظهار حركتها، لا اظهارها نفسها.
أقول: لا وجه لكلامه رحمه اللّه اصلا، اذ كونها مبنية لا يستلزم عدم اللحن فيها، و كثير من المؤذنين يقولون: «اشد» و كثير منهم لا يظهرون الهمزات فى
ص: 362
اول الكلمات، و لا الهاءات فى اواخرها، فالاولى حمله على تبيين كل الف و همزة وهاء فيهما، و قال الشهيد فى الذكرى: الظاهر انه الف اللّه الاخيرة غير المكتوبة و هاءه فى آخر الشهادتين، و كذا الالف و الهاء فى الصلوة انتهى كلام البحار.
قال بعض الأجلاّء بعد نقل هذا الاعتراض: الظاهر ضعف هذه المؤاخذة من شيخنا المجلسى على شيخنا البهائى عطر اللّه مضجعه، فان ما اعترض به عليه وارد ايضا على ابن ادريس فلا وجه لتخصيصه بهذه المؤاخذة، و كلام شيخنا المذكور مبنى على فهمه من كلام ابن ادريس و تخصيصه الافصاح بهذا الموضع دون الموضعين المنفيين فى كلامه، اذ الجميع مشترك فى البيان و الافصاح بكل من الحروف المذكورة، فلا وجه لافراد هذا الموضع الا باعتبار الافصاح بالحركة، انتهى.
أقول: الانصاف ان المراد من الرّوايات المزبورة الآمرة بالافصاح بالالف و الهاء غير ظاهر بظهور يعتد به، نعم رواية خالد بن نجيح المتقدمة فى شرح قول المصنف وفاقا على اواخر الفصول مشعرة باشعار ضعيف، ان المراد هو الالف و الهاء الواقعتان فى كلمة الله، و العمل بما اختاره المجلسى هو الاولى البتة، فلا ينبغى تركه.
الخامس: يستحب الأذان فقط(1) او مع الاقامة فى غير الصلوة فى مواضع:
كما اشار اليه فى الذكرى، ثم قال روى ابن بابويه عن الصادق (ع): اذا تغولت بكم الغول فاذنوا(2) و فى الجعفريّات عن النبى (ص): اذا تغولت بكم الغيلان فاذنوا باذان الصلوة، و رواه العامة، و فسره الهروى بان العرب يقول ان الغيلان فى الفلوات ترائى للناس، تغول تغولا اى
ص: 363
تلون تلونا فتيضلهم عن الطريق و تهلكهم، و روى فى الحديث لا غول، و فيه ابطال لكلام العرب، فيمكن ان يكون الأذان لدفع الخيال الذى يحصل فى الفلوات، و ان لم يكن له حقيقة انتهى كلام الذكرى.
أقول: روى فى البحار عن الدعائم عن على (ع) قال: قال رسول الله (ص): اذا تغولت بكم الغيلان فاذنوا بالصلوة، قال فى البحار بعد نقله، و قال فى النهاية فيه لا غول و لا صفر، الغول احد الغيلان و هى جنس من الجنّ و الشيطان، كانت العرب تزعم ان الغول فى الفلاة تتراءى للناس، فتتغول تغولا اى تتلون تلونا فى صور شتى، و تغولهم أىّ تضلهم عن الطريق، و تهلكهم، فنفاه النبى (ص) و ابطله، و قيل قوله: لا غول، ليس نفيا لعين الغول و وجوده، و انما فيه ابطال زعم العرب فى تلونه بالصور المختلفة و اغتياله، فيكون المعنى بقوله لاغول انها لا تستطيع ان تضل احدا، و يشهد له الحديث الاخر: لا غول و لكن السعالى سحرة الجن، اى و لكن فى الجن سحرة، و لهم تلبيس و تخييل، و منه الحديث: اذا تغولت بكم الغيلان فبادروا بالأذان، اى ادفعوا شرها بذكر الله تعالى، و هذا يدل على انه لم يرد بنفيها عدمها.
و قال: السعالى هى جمع سعلاءوهم، سحرة الجن، و روى فى البحار عن كتاب زيد الزراد، عن ابى عبد الله (ع)، قال الغول نوع من الجن يغتال الانسان، فاذا رايت الشخص الواحد فلا تستر شده، و ان ارشدكم فخالفوه، و اذا رايته فى خراب و قد خرج عليك، او فى فلاة من الارض فاذن فى وجهه، و ارفع صوتك، ثم ذكر دعاء، ثم قال: فاذا ضللت الطريق فاذن باعلى صوتك، ثم ذكر دعاء، و قال: و ارفع صوتك بالأذان ترشد و تصيب الطريق ان شاء الله.
و روى ايضا عن المحاسن، عن عبيد بن يحيى بن المغيرة، عن سهل بن سنان، عن سلام المداينى، عن جابر الجعفى، عن محمد بن على، قال: قال رسول الله (ص): اذا تغولت لكم الغيلان فاذنوا باذان الصلوة.
قال فى الذكرى و غيره: و من المواضع التى يستحب الأذان و
ص: 364
الاقامة، الأذان فى اذن المولود اليمنى و الاقامة فى اليسرى نص عليه الصادق (ع)(1).
أقول: روى فى البحار عن الدعائم عن على (ع)، ان رسول الله (ص) قال: من ولد له مولود فليؤذن فى اذنه اليمنى، و ليقم فى اليسرى، فان ذلك عصمة من الشيطان.
قال فى الأول، و عن الصادق (ع) من لم ياكل اللحم اربعين يوما ساء خلقه، و من ساء خلقه فاذنوا فى اذنه(2).
أقول: روى فى البحار عن المحاسن عن ابيه، عن ابن ابى عمير، عن هشام بن سالم، قال اللحم ينبت اللحم، و من تركه اربعين يوما ساء خلقه، فاذنوا فى اذنه، و روى عنه ايضا عن محمد بن على، عن احمد بن محمد، عن ابان الواسطى، عن ابى عبد الله (ع) قال: ان لكل شىء قرما، و ان قرم الرجل اللحم فمن تركه اربعين يوما ساء خلقه، و من ساء خلقه فاذنوا فى اذنه اليمنى، قال فى البحار بعد ذلك و رواه عن المحاسن: عن ابان.
بيان: القرم شدة شهوة اللحم، و روى ايضا عن المحاسن عن ابيه، عمن ذكره عن ابى جعفر الايار، عن ابى عبد الله (ع)، عن آبائه، عن على (ع)، قال: كل اللحم فان اللحم من اللحم، و اللحم ينبت اللحم، و من لم ياكل اللحم اربعين يوما ساء خلقه و اذا ساء خلق احدكم من انسان او دابة فاذنوا فى اذنه الأذان كله، و قد تقدم فى اول بحث الأذان فى مضمر سليمان الجعفرى، انه قال: سمعته يقول:
اذن فى بيتك فانه يطرد الشيطان، و يستحب من اجل الصبيان قال(3) فى الذكرى و غيره، و هذا يمكن حمله على اذان الصلوة.
ص: 365
كما صرح به جماعة، و ربما قيده بعضهم بالأذان الاعلامى، مع ان الخبر مطلق، روى التهذيب فى باب الأذان و الاقامة فى الزيادات فى الصحيح عن الحسن بن السرى، عن ابى عبد الله (ع)، انه قال: السنة ان تضع اصبعيك فى اذنيك فى الأذان، قال فى الفقيه فى باب الأذان و الاقامة: و روى الحسن بن السرى عن ابى عبد الله (ع) انه قال: من السنة اذا اذن الرجل ان يضع اصبعيه فى اذنيه.
روى فى البحار عن سعد السّعود للسيد على بن طاوس، نقلا من تفسير محمّد بن العباس بن مروان، عن الحسين بن محمد بن سعيد، عن محمد بن البيض بن الفياض، عن ابراهيم بن عبد الله، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن حماد عن ابيه عن جده عن النبى (ص)، فى حديث المعراج قال: ثم قام جبرئيل فوضع سبّابته اليمنى فى اذنه اليمنى، فاذن مثنى مثنى، يقول فى آخرها حى على خير العمل مثنى مثنى، حتى اذا قضى اذانه، اقام الصّلوة مثنى مثنى الخبر.
قال بعض الافاضل: ظاهر الخبر استحبابه مطلقا، و يمكن اختصاصه باذان الاعلام، و يؤيده تقييده بالرّجل، فانه لا يستحب للنساء اذان الاعلام، و ان استحب لهن الأذان بشروط ان لا يسمعه الاجنبى، و التعميم للرجال اولى.
قال فى البحار: و قد حكم الاصحاب باستحباب كون المؤذن فصيحا، و قال الشهيد الثانى رحمه الله: الاولى ان يراد بالفصاحة هنا
ص: 366
معناها اللغوى، بمعنى خلوص كلماته و حروفه عن اللكنه و اللثغة و نحوهما.
بحيث تتبين حروفه بيانا كاملا، لا المعنى الاصطلاحى، لأن الملكة التى يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح، لا دخل لها فى الفاظ الأذان المتلقاة من غير زيادة و لا نقصان، انتهى كلام البحار.
قال فى الذكرى: يكره ان يكون المؤذن لحّانا، حدرا من احالة كما لو نصب رسول اللّه (ص)، و لما روى عن النبى (ص): يؤمكم اقرؤكم و يؤذن لكم افصحكم، و فى حديث آخر: و يؤذن خياركم، و لو كان فيه لثغة فلا بأس، لما روى ان بلالا كان يبدل الشين سينا.
و هل يستحب اتحاد المؤذن و المقيم؟ لم يثبت عندنا ذلك، و كذا لم يثبت استحباب اختصاص المؤذن الأول بالاقامة و قد روى العامة ان رجلا من بنى صداء اذن فى غيبة بلال، فلما جاء بلال هم بالاقامة، فقال (ص): ان اخاصداء قد اذن، و من اذن فليقم، ثم قال: ينبغى ان يسبق المؤذن الراتب فى المسجد بالأذان، فلو سبقه اعتد به، و هل يبق وظيفة الاقامة للراتب؟ اوجه: عدمها لقضية بلال، و ثبوتها مطلقا، لأن الظاهر ان الصد اى اذن باذن رسول الله (ص)، فصار كالراتب، و التفصيل بالتفريط من الراتب، فيزول وظيفة الاقامة و عدمه فيبقى.
أقول: روى فى البحار عن الدعائم عن على (ع)، انه قال: لا بأس ان يؤذن المؤذن و يقيم غيره، قال بعد نقله: قال فى المنتهى: يجوز ان يتولى الأذان واحد و الاقامة آخر، فقد روى ان ابا عبد الله (ع) كان يقيم بعد اذان غيره، و يؤذن و يقيم غيره، و روى ايضا عن جامع الشرايع للشيخ يحيى بن سعيد، انه قال: قد كان ابو عبد الله (ع) يقيم و يؤذن غيره.
و روى العامة عن على (ع)،
ص: 367
المؤذن املك بالأذان، و الامام املك بالاقامة.
ليحصل له ثواب الجميع، الا ان يكون امير جيش او سريه، فالمستحب ان يلى الأذان و الاقامة غيره، و نقله عن الشيخ المفيد فى رسالته الى ولده، قلت: فى استحباب هذا الجمع نظر، لانه لم يفعله النبى (ص) الا نادرا، و لا واظب عليه عليّ امير المؤمنين (ع) و لا الصحابة و الائمة بعدهم غالبا، الا ان يقول هؤلاء امراء جيش او فى معناهم.
قال فى الذكرى: قال ابن البراج رحمه الله: يستحب لمن اذن او اقام ان يقول فى نفسه عند حى على خير العمل: آل محمد خير البرية، مرتين، و يقول ايضا فى نفسه اذا فرغ من قوله حى على الصلوة: لا حول و لا قوة الا بالله، و كذلك يقول عند قوله حىّ على الفلاح، و اذا قال قد قامت الصلوة، يقول: اللّهم اقمها و ادمها من صالحى اهلها عملا، و اذا فرغ من قوله: قد قامت الصّلوة قال فى نفسه: اللّهم ربّ الدعوة التامة، و الصلوة القائمة، اعط محمدا سؤله يوم القيمة، و بلغه الدّرجة و الوسيلة من الجنة، و تقبل شفاعته فى امته.
روى السّكونى عن الصادق (ع) عن ابيه عن آبائه عن على (ع)، ان النبى (ص) كان اذا دخل المسجد و بلال يقيم الصلوة جلس.
و لا ان يقولوا استووا يرحمكم الله، لعدم الدليل عليه، قلت: ثبت استواء الصّفوف، لما ياتى ان شاء اللّه تعالى و قد استثنى الاصحاب من الكلام بعد الاقامة تسوية الصفوف، و الامام احق للجماعة بذلك، فاذ استشعر عدم الاستواء استحب له الامر بالاستواء.
و كذلك الراكب اذا كان محاربا، او
ص: 368
فى ارض ملصّة، و اذا اراد ان يؤذن اخرج رجليه من الرّكاب، و كذا اذا اراد الصّلوة راكبا، و يجوز ان للماشى، و يستقبل القبلة فى التشهد مع الامكان، فاما الاقامة فلا يجوز الا و هو قائم على الارض مع عدم المانع، قال: و لا بأس ان يستدبر المؤذن فى اذانه اذا اتى بالتكبير و التهليل و الشهادة تجاه القبلة، و لا يستدبر فى اقامته، و لا بأس ان يؤذن الرّجل و يقيم غيره، و لا بأس بالأذان على غير طهارة، و الاقامة لا تكون الا على طهارة، ربما يجوز ان يكون داخلا به فى الصلوة، فان ذكر ان اقامته كانت على غير ذلك رجع فتطهر و ابتداء بها من اولها، و لا يجوز الكلام بعد قد قامت الصلوة للمؤذن و لا للتابعين، الا بواجب لا يجوز لهم الامساك عنه.
روى فى البحار عن ثواب الاعمال باسناده المتقدم فى باب المساجد، عن ابى هريرة و ابن عباس، قال: قال رسول الله (ص) فى خطبة طويلة: من تولى اذان مسجد من مساجد اللّه فاذن فيه و هو يريد وجه الله اعطاه اللّه عز و جل ثواب اربعين الف الف نبى، و اربعين الف الف صديق، و اربعين الف شهيد، و ادخل فى شفاعته اربعين الف الف امة فى كل، امه اربعون الف الف رجل، و كان له فى كل جنة من الجنان اربعون الف الف مدينة فى كل مدينة اربعون الف الف قصر، فى كل قصر اربعون الف دار، فى كل دار اربعون الف الف بيت، فى كل بيت اربعون الف الف سرير، على كل سرير، زوجة من حور العين، سعة كل بيت منها مثل الدنيا اربعون الف الف مرة، بين يدى كل زوجة اربعون الف الف وصيف، و اربعون الف وصيفة، فى كل بيت اربعون الف الف مائدة، على كل مائدة اربعون الف الف قصعة، فى كل قصعة اربعون الف الف لون من الطعام، لو نزل به الثقلان لادخلهم ادنى بيت من بيوتها، لهم فيها ما شاؤا من الطعام و الشراب و الطيب و اللباس و الثمار، و الوان التحف، و الطريف من الحلى و الحلل، كل بيت منها يكتفى بما فيه من هذه الاشياء عما فى فى البيت الآخر، فاذا اذن المؤذن، فقال: اشهد ان لا اله الا الله، اكتنفه
ص: 369
اربعون الف الف ملك، كلهم يصلون عليه، و يستغفرون له و كان فى ظل اللّه عز و جل حتى يفرغ، و كتب له ثوابه اربعون الف الف ملك، ثم صعدوا به الى اللّه عز و جل.
و روى ايضا عن مجالس الصدوق، عن حمزة بن محمد العلوى، عن عبد العزير الابهرى، عن محمد بن زكريا، عن شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن الصادق (ع)، عن آبائه (ع)، قال: قال النبى (ص): الا و من اذن محتسبا يريد بذلك وجه اللّه عز و جل، اعطاه اللّه ثواب اربعين الف شهيد، و اربعين الف صديق(1) و يدخل فى شفاعته اربعين الف مسئى من امتى الى الجنة، الا و انّ المؤذن اذا قال: اشهد ان لا اله الا الله، صلى عليه تسعون الف ملك، و استغفروا، و كان يوم القيمة فى ظل العرش حتى يفرغ اللّه من حساب الخلايق، و يكتب ثواب قوله: اشهد ان محمدا رسول اللّه اربعون الف ملك و من حافظ على الصّف الأول و التكبيرة الاولى لا يؤذى مسلما، اعطاه من الاجر ما يعطى المؤذنون فى الدنيا و الاخرة.
روى فى البحار عن العلل عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن على بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن ابن ابى عمير، انه سأل ابا الحسن (ع)، عن حى على خير العمل تركت من الأذان؟ فقال: تريد العلة الظاهرة او الباطنة؟ قلت: اريدهما جميعا، فقال: اما العلة الظاهرة فلئلا يدع الناس الجهاد اتكالا على الصلوة، و اما الباطنة فان خير العمل الولاية، فاراد من امر بترك حىّ على خير العمل من الأذان ان لا يقع حثّ عليها، و دعاء اليها، و روى ايضا منه عن على بن عبد اللّه الوراق، و على بن محمد بن الحسن،
ص: 370
عن سعد بن عبد الله، عن العباس بن سعيد الازرق، عن سويد بن سعيد الانبارى، عن محمد بن عثمان الجمحى، عن الحكم بن ابان، عن عكرمة قال:
قلت لابن عباس: اخبرنى لاى شىء حذف من الأذان حى على خير العمل؟ قال: اراد عمر بذلك ان لا يتكل الناس على الصّلوة و يدعوا الجهاد، فلذلك حذفها من الأذان، قال فى البحار بعد نقله: يدل هذا على ان عمر و اتباعه عليهم اللعنه يزعمون انهم اعلم من اللّه و رسوله (ص)، و انهما لم يتفطنا بهذه المفسدة، و تفطن بهذا الشقى الغبى، و لم لم يمنع ذلك اصحاب الرسول فى زمانه و اصحاب امير المؤمنين صلوات اللّه عليهما عن الجهاد، بل كانوا مع مواظبتهم على حى على خير العمل اشد اهتماما بالجهاد من ساير العباد، و كون عمل افضل من عمل آخر لا يصير سببا لأن يترك المكلف المفضول، كان الناس يعلمون ان الصلوة افضل من الزكوة، و الصوم، ورد السلام، و ستر العورة، و اكثر العبادات و التكاليف الشرعية، و لم يضر علمهم بذلك سببا لتركها.
و قال بعض الأجلاء بعد ان نقل الخبرين المتقدمين ما صورته: نظير هذا التعليل العليل ما نقله اولياؤه عنه ايضا فى تحريم متعة الحج، من قوله:
كرهت ان يخرجوا الى الحج و رؤسهم تقطر من نسائهم، و قوله كرهت ان يكون معرسين تحت الاراك، ثم يخرجوا الى الحج و رؤسهم تقطر من نسائهم، ارايت ان اللّه عز و جل الذى امر بهذين الحكمين لا يعلم بهذا الامر الذى علل هذا المرتد به فى كل من المؤمنين، فذهب ذلك عن علم اللّه سبحانه، و انما اهتدى اليه هو؟ و لقد صدق عليه قوله عز و جل: «ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأَحْبَطَ أَعْمٰالَهُمْ» و قال فى الذكرى: ثبت من طريق الاصحاب حى على خير العمل فى عهد النبى (ص)، و ان بلالا لما قال: لا اؤذن لاحد بعد رسول اللّه (ص)، لما تركت حى على خير العمل، و ان الثانى امر بتركها لئلا يتخال الناس عن الجهاد، و كان ابن النساج مؤذن على (ع) يقولها، فاذا راه على (ع) قال مرحبا بالقايلين عدلا، و بالصلوة مرحبا و اهلا.
ص: 371
و قال ابن الجنيد: روى عن سهل بن حنيف و عبد اللّه بن عمر، و الباقر و الصادق عليهما السلام، انهم كانوا يؤذنون بحى على خير العمل، و فى حديث ابن عمر انه سمع ابا محذورة ينادى بحى على خير العمل فى اذانه عند رسول الله (ص)، و عليه شاهدنا آل الرسول (ص)، و عليه العمل بطبرستان و اليمن و الكوفة و نواحيها و بعض بغداد، و قال ابن ابى عبيد: انما اسقط حى على خير العمل من نهى عن المتعتين و بيع امهات الاولاد خشية ان يتكل الناس بزعمه على الصلوة و يدعوا الجهاد، قال: و قد روى انه نهى عن ذلك كله فى مقام واحد انتهى كلام الذكرى.
روى فى البحار عن معانى الأخبار و العلل بالاسناد المتقدم، عن العباس عن سعيد، عن ابى نصر، عن عيسى بن مهران، عن الحسن بن عبد الله الوهاب، عن محمد بن مروان، عن ابى جعفر (ع)، قال: اتدرى ما تفسير حىّ على خير العمل؟ قال: قلت: لا، قال: دعاك الى البر، اتدرى برمن؟ قلت:
دعاك الى بر فاطمة و ولدها (ع).
أقول: قد ورد فى غير واحد من الأخبار تفسير حىّ على خير العمل بالصلوة، و لا منافاة بينها و بين هذا الخبر المتقدم و نحوه، لأن اخبارهم كالقرآن لها ظهر و بطون.
روى فى البحار عن جامع الأخبار عن امير المؤمنين (ع)، انه سأل عن النبى (ص) عن تفسير الأذان، فقال: يا على الأذان حجة على امتى، و تفسيره اذا قال المؤذن: الله اكبر اللّه اكبر، فانه يقول: اللهم انت الشاهد على ما اقول يا امة احمد قد حضرت الصلوة فتهيئوا، و دعوا عنكم شغل الدّنيا، و اذا قال: اشهد ان لا اله الا الله، فانه يقول: يا امة احمد اشهد الله و أشهد ملائكته انى اخبرتكم بوقت الصلوة، فتفرغوا لها، و اذا قال: اشهد ان محمدا رسول الله، فانه يقول: يعلم اللّه و يعلم ملائكته انى قد اخبرتكم بوقت الصلوة، فتفرغوا لها فانه خير لكم، و اذا قال: حىّ على الصلوة، فانه يقول: يا امة احمد
ص: 372
قد اظهره اللّه لكم و رسوله فلا تضيعوه، و لكن تعاهدوا يغفر اللّه لكم، تفرغوا لصلوتكم فانه عماد دينكم، و اذا قال: حى على الفلاح، فانه يقول: يا امة احمد قد فتح اللّه عليكم ابواب الرحمه فقوموا و خذوا نصيبكم من الرّحمه تربحوا للدنيا و الآخرة و اذا قال حى على خير العمل فانه يقول ترحموا على انفسكم، فانه لا اعلم لكم عملا افضل من هذه، فتفرغوا لصلوتكم قبل الندامة، و اذا قال: لا اله الا الله، فانه يقول: الله يا امة احمد، اعلموا انى جعلت امانة سبع سموات و سبع ارضين فى اعناقكم، فان شئتم فاقبلوا، و ان شئتم فادبروا، فمن اجابنى فقد ربح، و من لم يجبنى فلا يضرنى: ثم قال: يا على الأذان نور فمن اجاب نجى، و من عجز خسف، و كنت له خصما بين يدى الله، و من كنت له خصما فما اسوء حاله، و قال (ع): المؤذنون اطول اعناقا يوم القيمة، و قال (ع): اجابة المؤذنين كفارة الذنوب، و المشى الى المسجد طاعة اللّه و طاعة رسوله، و من اطاع اللّه و رسوله ادخله الجنة مع الصديقين و الشهداء، و كان فى الجنة رفيق داود، و له مثل ثواب داود، و قال النبى (ص): اجابته رحمة و ثوابه الجنة، و من لم يجب خاصمته يوم القيمة، فطوبى لمن اجاب داعى الله، و مشى الى المسجد، و لا يجيبه و لا يمشى الى المسجد الا من مؤمن من اهل الجنة، و قال (ع): من اجاب المؤذن و اجاب العلماء كان يوم القيمة تحت لوائى، و يكون فى الجنة فى جوارى، و له عند الله ثواب ستين شهيدا، و قال (ع): من اجاب المؤذنين و التائبون و الشهداء فى صعيد واحد، لا يخافون اذا خاف الناس، و قال (ع): من اجاب المؤذن كنت له شفيعا بين يدى اللّه و غفر اللّه له الذنوب سرها و علانيتها، و كتب له بكل ركعة يصلى مع الامام فضل ستمائة ركعة، و له بكل ركعة مدينة، و قال (ع): من سمع الأذان فاجاب كان عند اللّه من السّعداء، و قال (ع): من لم يجب داعى الله فليس له فى الاسلام نصيب، و من اجاب اشتاقت اليه الجنة، و قال (ع): من اجاب داعى اللّه استغفر له الملائكة، و يدخل الجنة بغير حساب.
و روى ايضا فى البحار عن دعائم الاسلام، قال رسول الله (ص): يحشر
ص: 373
المؤذنون يوم القيمة اطول الناس اعناقا ينادون بشهادة ان لا اله الا الله، و معنى قوله (ص): اطول الناس اعناقا، اى لاستشرا فهم و تطالبهم الى رحمة ربهم، على خلاف من وصف اللّه سوء حاله، فقال: «وَ لَوْ تَرىٰ إِذِ اَلْمُجْرِمُونَ نٰاكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ»، و روى فى البحار ايضا عن الدعائم عن على عليه السلام انه قال: ما آسى على شىء، غير انى وددت سألت رسول الله (ص) الأذان للحسن و الحسين، قال بعد نقله: الاسى الحزن، و فيه ترغيب عظيم فى الأذان، حيث تمنى (ع) ان يسئل رسول الله (ص) ان يعيّن شبليه للاذان فى حياته او بعد وفاته او الاعم.
روى فى البحار عن ثواب الاعمال و مجالس الصدوق و العيون، عن ابيه عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى، عن عباس مولى الرضا، عن الرضا (ع) قال: سمعته يقول: من قال حين يسمع اذان الصبح:
اللهم انى اسئلك باقبال نهارك، و ادبار ليلك، و حضور صلواتك، و اصوات دعائك(1) و تسبيح ملائكتك، ان تتوب على انك انت التواب الرحيم، و قال مثل ذلك اذا سمع اذان المغرب، ثم مات من يومه او من ليلته تلك، كان تائبا، قال فى البحار بعد نقله: أقول: فى المجالس قال: كان ابو عبد اللّه الصادق (ع) يقول... فلاح السّائل باسناده عن هرون بن موسى، عن محمد بن همام، عن الحسن بن احمد المالكى هليل الكرخى، عن العباس الشامى، عن ابى الحسن موسى (ع)، قال: كان جعفر بن محمد يقول: من قال حين يسمع اذان الصبح و اذان المغرب هذا الدعاء ثم مات من يومه او من ليلته كان تائبا، و هو: اللهم انى اسئلك باقبال ليلك الى آخر الدعاء، كشف الغمة عن عباس مولى الرضا عليه السلام، مثله مصباح الشيخ: أذّن للمغرب، و قل، و ذكر الدّعا.
ص: 374
باقبال نهارك الباء اما سببيّة، اى كما انعمت علىّ بتلك النعم، فأنعم علىّ بتوفيق التوبة او بقبولها، او قسمية، و تحتمل الظرفية على بعد قوله دعائك فى بعض النسخ بالهمزة، و فى بعضها بالتاء جمع داع كقاض و قضاة، و بعده و تسبيح ملائكتك فى اكثر الروايات، و ليس فى بعضها، انتهى.
أقول: قد مرّ فى شرح قول المصنف فاصلا بينهما بركعتين ما ينفعك فى المقام فراجع، و الحمد للّه اولا و آخرا، و ظاهرا و باطنا، و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين.
قد تمّ:
المجلد الثالث من كتاب غنيمة المعاد فى شرح الارشاد على يد مؤلفه الراجى الى رحمة ربّه محمد صالح بن محمد البرغانى، فى منتصف ليلة الخميس تقريبا فى الثامن و العشرين من شهر ربيع الثانى، من شهور سنة ثلاث و عشرين و مائتين بعد الألف من الهجرة النّبوية و يتلوه المجلد الرابع فى ماهية الصلوة بعون اللّه و حسن توفيقه.
و فى نسخة ثانية:
قد تم الكتاب المستطاب المسمى بالغنيمة المعاد فى شرح الارشاد حسب الامر مصنفه افحل الفحول مقنّن القوانين و ما صل الاصول خاتم المجتهدين جناب قبلة الحاج و كعبة المعتمرين مولانا محمد صالح و لقد أصاب دام فضله على يد الحقير عبد الجواد بن حاجى محمد، من شهر رمضان المبارك سنة 1246.
و الى هنا تم الجزء السادس حسب تجزئتنا بحمد اللّه تعالى و منّه و قد بذلنا الجهد فى تصحيحه و مقابلته بالنسخة الأصلية المخطوطة بقلم المصنف قدس روحه الشريف و يتلوه الجزء السابع فى أحكام الماهية، واجبات الصلاة، القيام.
ص: 375
فى المكان 3
فى فضل المساجد 87
فى فضل الصلاة فى المسجد 89
فى أداء النافلة فى المنزل 93
فى أداء النافلة فى المسجد 95
فى فضل بناء المساجد 97
فى كراهة تسقيف المساجد 101
فى مكان الميضاة 105
فى كراهة تطويل المنارة 109
فى كيفية الدخول الى المسجد 111
فى عمارة المسجد و كنسه 113
فى هدم المسجد المائل الى الانهدام 115
فى هدم المسجد لتعميره 117
فى جواز صرف ما للمشهد لزائريه 119
فى كراهة الشرف للمسجد 121
فى كراهة المحاريب الداخلة 123
فى كراهة البيع و الشراء فى المساجد 127
منع الجدال و الخصومة فى المسجد 129
فى كراهة انشاد الضّال فى المسجد 131
فى جواز انشاد الشعر فى المساجد 133
كراهة دخول المسجد لمن أكل المؤذيات 135
كراهة التّنخّم و البصاق فى المسجد 137
كراهة رمى الحصى حذفا 141
فى حرمة زخرفة المسجد 143
فى تحريم تصوير ذى الروح فى المسجد 145
فى تحريم ادخال النجاسة الى المسجد 147
فى حرمة اخراج الحصى من المسجد 149
حرمة التعرض للبيع و الكنائش 151
فى تحية المسجد 153
استحباب لبس الثياب الفاخرة فى الصلاة 155
استحباب الصلاة فى بقاع مختلفة 157
كيفية صيرورة الملك مسجدا 159
استحباب اتخاذ مسجد فى البيت 161
فى حق الأسبقية فى المكان 165
فى جواز الوقف على المسجد 173
فى النوم فى المسجد 175
فى كراهة النوم فى المسجدين 179
فى وجوب منع اليهود و النصارى من المسجد 181
فى عمارة المسجد 183
فى الذهاب الى المساجد 185
فى فضل المساجد 187
فى فضل مسجد الكوفة 189
فى فضل المسجدين 191
فى فضل المساجد الثلاثة 193
فى فضل مسجد الكوفة 195
فى فضل الصلاة فى المسجد الحرام 201
فضل الصلاة فى المساجد الأربعة 203
فى الأذان و الاقامة 205
ص: 376