موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد
سایر عناوین: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد / إرشاد الأذهان إلی أحکام الإیمان. شرح
نویسنده:
برغانی، محمدصالح بن محمد
سایر نویسندگان
محقق:
شهیدی صالحی، عبدالحسین
تعداد جلد: 8
زبان: عربی
ناشر: مجمع هماهنگی مؤسسات اسلامی. نمايشگاه دائمی کتاب - تهران - ایران
کد کنگره: /ع 8 الف 4022 182/3 BP
محرر رقمی : میثم حیدری
ص: 1
هوية الكتاب:
اسم الكتاب: موسوعة البرغانى فى فقه الشيعة - الجزء الخامس - كتاب الصلوة
تأليف: المولى الشيخ محمد صالح البرغانى القزوينى الحائرى
نهض بمشروعه: الحاج احمد آل الصالحى
قدّم له: عبد الحسين الصالحى
الناشر: نمايشگاه دائمى كتاب
الحروف: طابعة الأعلمى (مؤسسۀ تايپ اعلمى)
العدد: 1000 نسخة، الطبعة الاولى 1407 هجرية، 1366 ه، ش
المطبعة: مطبعة الأحمدى
حقوق الطبع: محفوظة للناشر
العنوان: طهران - خيابان ناصرخسرو - كوچه مقابل شمس العماره تلفن: 394278
ص: 2
كتاب الصّلوة القسم الثالث
موسوعة البرغاني فى فقه الشّيعة
المسماة ب:
غنيمة المعاد فى شرح الارشاد
الجزء الخامس
تأليف:
شيخ العلماء و الفقهاء العلاّمة المحقّق المولى الشيخ محمّد صالح البرغانى القزوينى الحائرى المتوفّى سنة 1271 هجرية
قدم له حفيده: عبد الحسين الصالحى
كتاب فقهى، استدلالى روائى، استعان به الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر فى موسوعة الفقهيّة (الجواهر)
ص: 3
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد كله للّه و الصلاة و السلام على اشرف الخلائق محمد رسول اللّه و خاتم النبيين و على آله الأئمة المعصومين آل الله.
و بعد يسرنى اقدم الجزء الخامس من موسوعة البرغانى فى فقه الشيعة الى أرباب الفتيا و المحققين و اهل الفضل و من يهمه نشر ذخائر تراثنا الداثر و يستمر اعتمادنا فى تحقيق هذا الجزء على عدد من النسخ المعتمدة فى تحقيق الأجزاء الأربعة السابقة التى اشرناه فى مقدمة الجزء الأول من الموسوعة صحيفة 64-65 و اسعفتنا فى تحقيق الجزء الثالث و الجزء الرابع نسخة المكتبة المرعشية التى ذكرناه فى الجزء الرابع و تفضل بها سيد الطائفة العلامة الخبير آية اللّه العظمى سيدنا الأستاذ السيد شهاب الدين الحسينى المرعشى النجفى ادام اللّه ظله الوارف و هو بخط عبد الرزاق بن محمد حسين القزوينى المورخة فى اليوم الخامس عشر من شهر ربيع الأولى سنة 1249 هجرية و كاتبه من تلاميذ المصنف قدس سره فى قزوين.
هذا على الرغم من صعوبة قراءة الحواشى و لا نزال على العهد الذى قطعناه على انفسنا من اننا سنحاول الافادة من ذكر كل ما يقع فى هامش النسخ التى اضافها المصنف رضوان اللّه عليه فى ما بعد التأليف او فى اثنائه لأنه ذات فوائد جليلة.
نسأل اللّه تعالى و هو الذى بيده الخير كله ان يعيننا على انجاز هذا المشروع لا حياء التراث الشيعى الخالد و الله المستعان.
قزوين 29 /شهر الصيام 1407 ه، ق حفيد المؤلف المصادف 7 /خرداد 1366 ه، ش عبد الحسين الصالحى
ص: 4
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد للّه رب العالمين، و الصلوة و السلام على أشرف
النبيين محمد و آله الطيبين الطاهرين، فهذا هو المجلد
الرابع من كتاب موسوعة البرغانى فى فقه الشيعة...
الحمد للّه رب العالمين، و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين.
اما بعد:
فهذا هو المجلد الثالث، من كتاب غنيمة المعاد فى شرح الارشاد تأليف العبد الذليل، محمد صالح بن محمد البرغانى، ختم اللّه لهما بالحسنى، و رزقهما خير الآخرة و الاولى.
قال المصنف طاب ثراه:
(المقصد الرابع: ما يصلى فيه، و فيه مطلبان: الأول اللباس:
يجب ستر العورة فى الصلوة) مطلقا و فى غيرها اذا كان هناك ناظر محترم، بالاجماعات المحكية المتجاوزة عن حد الاستفاضة، بل لعله بديهى الدين، قاله بعض المحققين: و النصوص بذلك مستفيضة، بل لعلها متواترة.
منها ما روى عن دعائم الاسلام: انه قال: و روينا عن اهل البيت (ع):
انهم امروا بستر العورة، و على التحريم يحمل لفظة الكراهة الواقعة فى بعض الأخبار، مضافا الى عدم ثبوت كونها حقيقة فى زمان الصدور، فى المصطلح عليه بين الطائفة، و هو عندنا شرط فى صحتها، قاله من الأصحاب جماعة حدّ الاستفاضه، و هو ظاهر النصوص فى صلوة العراة منفردين و جماعة، حيث اسقط
ص: 5
معظم الأركان من الركوع و السجود و القيام بفقد الساتر، و ذلك دليل على اشتراطه فى الصحة.
و من استدل لهذا المطلب بقوله تعالى: «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ»، بانضمام ما عن المفسرين، من الاتفاق على ان الزينة هنا ما توارى به العورة، للصلوة و الطواف، لانهما المعبر عنهما بالمسجد، فقد غفل عن عنوان(1) المسئلة هذا مضافا الى ان عن مجمع البيان عن الباقر (ع): اى خذوا ثيابكم التى تتزينون بها للصلوة، فى الجمعات و الأعياد.
و عن العياشى عن الرضا (ع) قال: هى الثياب.
و عن الصادق (ع): هى الاردية(2) فى العيدين و الجمعة.
و عن على بن ابراهيم: فى العيدين و الجمعة، يغتسل و يلبس ثيابا بيضا و روى ايضا: المشط عند كل صلوة.
و فى الكافى فى باب تهية الامام للجمعة فى الصحيح عن ابن سنان، عن الصادق (ع): فى هذه الآية قال: فى العيدين و الجمعة.
و عن الجوامع: كان الحسن بن على (ع)، اذا قام الى الصلوة، لبس اجود ثيابه، فقيل له فى ذلك، فقال: ان الله جميل يحب الجمال. فاتجمل لربى، و قرأ هذه الآية.
و روى فى البحار، فى باب لباس المصلى، عن العياشى، عن خيثمة بن ابى خيثمة، قال: كان الحسن بن على (ع)، اذا قام الى الصلوة لبس اجود ثيابه، فقيل له: يا بن رسول الله لم تلبس اجود ثيابك؟ فقال: ان الله جميل يحب الجمال، فاتجمل لربى، و هو يقول: «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» فاحب ان البس اجود ثيابى.
ص: 6
و روى ايضا عن غوالى اللئالى مثله.
و فى الفقيه فى باب غسل يوم الجمعة، عن الرضا (ع)، من ذلك: تمشط عند كل صلوة.
و عن العياشى، عن الصادق (ع) مثله.
و فى التهذيب فى زيادات كتاب المزار، عن العلاء بن سبابة، عن الصادق (ع)، عن هذه الآية قال: الغسل عند لقاء كل امام.
و عن العياشى، عنه (ع): يعنى الأئمة.
و عن الخصال، عن ابى عبد الله (ع)، فى تفسير هذه الآية قال: تمشطوا فان التمشط يجلب الرزق، الى آخر الخبر.
و عن العياشى، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع) قال: هو المشط عند كل صلوة فريضة و نافلة.
و قال بعض الأفاضل: و قد فسّر بالمشط و السواك و الخاتم و السجادة و السبحة، نعم قيل هو امر بلبس الثياب فى الصلوة و الطواف، و كانوا يطوفون عراة، و يقولون: لا نعبد فى صلوة(1) اذنبنا فيها، و نحوه عن على بن ابراهيم.
و عليه ففيه نوع تأييد لوجوب الستر فى الصلوة و الطواف، كما ان فى قوله تعالى: «يٰا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنٰا عَلَيْكُمْ لِبٰاساً يُوٰارِي سَوْآتِكُمْ»، تأييد الوجوب الستر مطلقا، لان يوارى سواتكم، يومى الى قبح الكشف. و ان الستر مراد الله، لأن السوءة هى ما يسوء الانسان انكشافه، و يقبح فى المشاهد اظهاره، على ما نص عليه بعض، و يمكن القول بان فيه تأييد للاشتراط ايضا فى الجملة، فافهم.
و بالجملة: لا اشكال و لا خلاف على الظاهر، فى شرطية الستر مع الامكان و الذكر، فالاخلال به و الحال هذه فى اثناء صلوته و لو لحظة مبطل للصلوة، و انما الخلاف فى وقوع ذلك سهوا، فظاهر الاكثر على ما صرح به غير واحد منهم، عدم
ص: 7
الابطال مطلقا، سواء كان فى جميع الصلوة او فى بعضها، خلافا للمحكى عن الاسكافى، حيث قال: لو صلى و عورتاه مكشوفتان، غير عامد اعاد ما كان فى الوقت فقط، محتجا بان انتفاء الستر الثابت شرطيته، يستلزم انتفاء المشروط، فيجب الاعادة لانه فى عهدة التكليف، اما عدم القضاء فى خارج الوقت، لأنه بامر جديد.
و فيه اولا: انه مصادرة، نعم هو شرط مع الذكر، و ثانيا: ان الستر اذا كان شرطا على الاطلاق، فهو كالطهارة، فالتفصيل لا يخلو عن غفلة، فتدبر.
و القول(1) عليه بان الأخبار الدالة على وجوب القضاء، لا يشمل فوات القضاء باى نحو كان، فشمولها لمحل النزاع محل تأمل، و يحتاج الى تأمل، فتأمل، و الأقوى ما عليه الشهرة، للأصل، و عدم دليل على الاطلاق فى الشرطية و سقوط التكليف مع عدم العلم، قاله فى التحرير و المنتهى، و فيه نوع مناقشة، و لكن يمكن تقريره بحيث لا يكون وارده فافهم.
و خصوص ما رواه شيخ الطائفة فى التهذيب، فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللّباس و المكان، و ما لا يجوز الصلوة فيه من ذلك، فى الصحيح، عن على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن الرجل يصلى و فرجه خارج به، هل عليه اعادة او ما حاله؟ قال: لا اعادة عليه و قد تمت صلوته، و اشتمال السند على محمد بن احمد العلوى غير ضاير، اما لتصحيح المصنف رحمه الله الروايات التى هو فى طريقها فى المختلف، كما قاله فى البلغة على ما نسب، و عن المنتقى ايضا انه نبه عليه، او لتصحيح الجماعة كالمصنف رحمه اللّه هذه الرواية، فافهم، او لما قاله الشارح المحقق، من ان الوسايط عن على بن جعفر و الناقلين عنه. غير ضاير لان الأخبار مأخوذة من كتابه. و كتابه اصل مشهور معول عليه، منقول بطرق شتى من الصحاح و غيره، و انما يذكرون الوسايط رعاية
ص: 8
لاتصال السند، انتهى.
هذا مضافا الى انا لو لم نقل بعدم صحة سندها، لكانت صالحة للحجية ايضا، اما لرواية احمد بن محمد بن يحيى عنه، و لم تستثن روايته، و ذلك يدل على الحسن كصحيح المصنف رحمه الله على التنزل، و الحسن حجة، او لكونها منجبرة بالشهرة، و عليه فتكون كالصحيح حجة، بل هى اقوى منه على التحقيق.
و كيف كان فهذه الصحيحة فى الانكشاف مطلقة، سواء كان فى جميع الصلوة او فى بعضها، لمكان الاستفصال، و هو قرينة على العموم فى المقال فى امثال(1) هذا المجال، فقول الشهيد رحمه الله بالفرق بين نسيان الستر ابتداء فيشترط، و عروض التكّشف فى الاثناء لا، غير ظاهر الماخذ، و ان استحسنه السيد فى المدارك، مضافا الى عدم القول بالفصل بين هذه الصورة و غيرها، قاله بعض المحققين، ثم قال: مضافا الى حصول الظن بعدم الفرق من ملاحظة قوله (ص): رفع عن امتى الخطاء و النسيان، و امثاله، مع ملاحظة هذه الصحيحة و الفتاوى، اذ يظهر ان منشاء الصحة هو انه ناس من غير تقصير، لا ان خروج خصوص الفرج منشأ، او له دخل فيه، و ظن المجتهد يوجب حصول البراءة اليقينية، انتهى فتدبر.
و يمكن ان يقال ان ما سبق، من انه يظهر من الصحيحة، عدم الفرق بين عدم الستر ابتداء و التكشف فى الأثناء، انما يسلم اذا انكشفت العورة فى الصورتين و لم يعلم به، و اما اذا كانت مكشوفة مع علمه به، ثم عرض له السهو، فلا يلزم منه الحكم بالصحة(2) اللهم الا ان يذب عنه بعدم فهم العرف ذلك، او بظهور عدم القول بالفصل، فافهم.
قال بعض(3) الأجلة بعد حكمه بعدم تضرر الانكشاف فى حال السهو،
ص: 9
و ذكر جملة من الأخبار منها صحيحة على بن جعفر المتقدمة: لا خلاف فى ان من اخل بستر العورة عمدا، يعيد فى الوقت و خارجه، و لو اخل ناسيا او جاهلا، فذهب الاكثر منهم الشيخ و المحقق و العلاّمة، الى عدم الاعادة مطلقا، كما يدل عليه هذا الخبر الصحيح، اى صحيحة على بن جعفر، و قد مر خلاف ابن الجنيد و الشهيد، و ما ذهب اليه الاكثر اظهر، كما دل عليه هذا الخبر، انتهى.
أقول: تفصيل الكلام، اما فى السهو و النسيان المعتبر فى مفهوميهما العلم الابتدائى، فبان يقال: اما يفرق بينهما، بان السهو ما ينبه صاحبه بادنى تنبه، لان زوال الصورة عن المدركة فقط، دون النسيان فان زوالها عن المدركة و الحافظة معا، فيحتاج الى ابتداء اولا كما هو الاقوى لمكان العرف على الظاهر، فعلى الاول، فدلالة الصحيحة على الصحة فى صورة النسيان ظاهرة، و اما دلالتها عليها فى صورة السهو ففيه الاشكال المتقدم،(1) الا أن يدفع بما دفع، و على الثانى فبالنظر الى الايراد، لا بد ان يشق بشقين، و حكم بالصحة مطلقا فى صورة، و هى معنى النسيان على القول بالفرق، و بعدمها فى اخرى مطلقا، و هى معنى السهو على القول المذكور، و بالنظر الى الجواب السابق، لا بد ان يحكم بالصحة مطلقا، كما هو الاقوى.
و اما فى الجهل المعتبر فى مفهومه عدم المعلومية مطلقا، فبان يقال:
لا يخلو اما المراد منه فى المقام، الجهل بالمسئلة، او الجهل بالكشف و ان كان عالما بها، فعلى الاول لا يخلو، اما حصل الكشف عمدا منه، او سهوا، او نسيانا، و على الثانى من الثانى، لا بدّ ان يحكم بالصحة مطلقا، سواء كان فى الابتداء او الاثناء، للصحيحة، هذا بالنظر الى حقيقة الجواب عن الايراد السابق.
و اما على حقيقة الايراد، فيظهر التفصيل مما مر، و الانصاف ان فى المذكور مناقشة، و يظهر وجهها مما مر فى بحث الاوقات، فى مكان فصلنا فيه
ص: 10
كيفية عبادات الجاهل بالمسئلة، فراجع البتة، و من التدبر فى الصحيحة.
و على الاول منه، فلا بد ان يحكم بالبطلان مطلقا، ان كان الدليل فى الفرض الصحيحة، لعدم دلالتها على الفرض، لأن هذا الشخص عالم بخروج فرجه، و ان كان غيرها فللمدعى اظهار، اللهم الا ان يقال: مقتضى الأصل صحة الصلوة و لو عريا، خرجنا منه فى صورة العمد مع العلم باصل المسئلة، و اما مع الجهل بها فلا دليل عليه، و فيه نظر.
و على الثانى من الاول، فلا بدّ ان يحكم بالصحة مطلقا، سواء حصل الكشف فى الجميع او البعض، فى الابتداء او الاثناء، كل العورة او بعضها، للصحيحة، فظهر بما ذكر، ان ما اورده البعض المتقدم فى العبارة المتقدمة لاجمالها، بل الاولى التفصيل، و هل عدم الستر مع الظن بالكشف مبطل ام لا؟ ظاهر جملة من الكتب كالصحيحة(1) الثانى، و لعله الاقوى، و الاحتياط لا يترك.
بقى هنا شىء، و هو ان الشيخ قال فى المبسوط: فان انكشفت عورة فى الصلوة وجب سترها عليه، و لا يبطل صلوته، سواء كان ما انكشف عنه قليلا او كثيرا، بعضه او كله، و هذا الكلام كما ترى مطلق يشمل صورة العلم و العمد، و قد اختلف كلام المصنف رحمه الله فى التذكرة و المختلف فى المراد، فحمله فى الاول على اطلاقه و شموله صورة العلم و العمد، و اعترض عليه ما حكى بان الستر شرط و قد فات، و يمكن دفعه بان ما اقتضاه الدليل، بطلان الصلوة بالانكشاف عامدا فى جميع الصلوة لا مطلقا، قال الشارح المحقق: و فيه نظر، و فى الثانى على الانكشاف بدون العلم و العمد، و هو الاقرب المنساق الى الذهن من الكلام المذكور، فاذن البطلان فى العمد و لو لحظة مطلقا، و لو فى اثناء الصلوة مما لا خلاف فيه، كما مر.
(بثوب طاهر) بالاجماع فى الجملة، حكاه جماعة، و تمام التحقيق فى
ص: 11
كتاب الطهارة (الاّ ما استثنى) من ثوب ذوى القروح و الجروح المتنجس بدمها، و ثوب المربية للصبى، و ما نقص عن سعة درهم بغلّى من الدم، و ما لا تتم الصلوة فيه منفردا، و المتعذر تطهيره مع الاضطرار الى لبسه، و كيفية المسئلة و التفصيل فيها مذكور فى الطهارة، فتذكر.
(مملوك) للمصلى، لما سيجئ، و يتحقق بملك العين، و المنفعة، و المستحق منفعته بوجه شرعى.
(او مأذون فيه) فى الصلوة، او اللبس مطلقا، منطوقا بلا اشكال، و مفهوما اذا اعتبرنا فى شاهد الحال، حصول العلم برضاء المالك، و حصل العلم بكونه ملك من اعتبر اذنه، و من ليس بمحجور كالطفل و المجنون و السفيه و ان اكتفينا حصول الظن برضاء المالك، فلعل للاخذ بما عن الشارح الفاضل حيث قال: و لا يكفى شاهد الحال هنا، لعدم النص، و اصالة المنع من التصرف فى مال الغير، فيقتصر فيما خالفه على محل الوفاق، و هو المكان، و الفرق بين اللباس و المكان، فان اللباس يبلى بالاستعمال، و لكل جزء منه مدخل فى التأثير، بخلاف المكان وجها، و ان كان باطلاقه، حتى فى صورة حصول العلم برضاء المالك، غير ممنوع كما عرفت، اللهم الا ان يتمسك بما ذكره الشارح المحقق، حيث قال فى المقام: و يمكن ان يقال: شاهد الحال انما يتحقق فى كل موضع لم يتعارف بين الناس المضايقة فى امثاله، و كان من الشايع المعتاد حصول الاذن فى نظايره، و هذا مما لا يختلف بحسب الأحوال و الأزمان، و حينئذ لم يبعد انسحاب الحكم فى اللباس ايضا، ان فرضنا تحقق ذلك فيه، اذ لم يثبت شمول المنع من التصرف فى مال الغير بهذا الموضع، و الاصل الاباحة انتهى.
و حيث اعتبرنا فى اللباس الملكية او كونه مأذونا فيه (فلو صلى فى الثوب المغصوب عالما بالغصب بطلت صلوته) على الأشهر الأظهر، فيما لو كان ساترا، بل لا خلاف فيه يظهر الا ممن شذوندر، و هو مع ذلك محجوج عليه.
بالاجماعات المحكية عن كلام كثير. كالسيدين فى الناصرية و الغنية، و العلامة
ص: 12
فى ظاهر المنتهى و صريح التحرير و نهاية الأحكام و التذكرة، و المحقق الثانى فى جامع المقاصد، و الشهيدين فى الذكرى و الرياض، و هو الحجة المعتبرة، و مقتضى اطلاق المتن، و غيره من عبائر الجماعة، بل عن اطلاق اكثر عباراتهم، و منه كثير ممن نقل الاجماع، عدم الفرق بين كونه ساترا و غيره، و به صرح جماعة، و منهم الشهيد عليه الرحمة فى جملة من كتبه، حتى قال فى البيان: و لا تجوز الصلوة فى الثوب المغصوب و لو خيطا، فتبطل الصلوة مع علمه بالغصب، خلافا للمحقق فى التحرير، و السيد فى المدارك، كما عن جده فى الرياض، و عن شقيقه فى الذكرى، حيث قواه فحكموا بالبطلان فى الاول، و عدمه فى الثانى بعد اتفاقهم كغيرهم من الأصحاب، على ما صرح به غير واحد منهم، على تحريم الصلوة فيه، و هذا ضعيف، لاطلاق جملة من الاجماعات المحكية، و لا يخفى عليك انه لو لا الاجماعات المحكية، لامكن القول بالصحة مطلقا، كما عن الفضل بن شاذان و مال اليه التنقيح على ما نسب، و قواه غيرهما(1) لضعف ما تمسكوا به فى المقام.
و ان اشتهيت ذلك، فاستمع لما يتلى عليك من الكلام، فنقول للمشهور وجوه:
لأنها تصرف فى المغصوب، و النهى عن الحركة، نهى عن القيام و القعود و الركوع و السجود، و كل منها جزء للصلوة، فيكون النهى متعلقا بجزء الصلوة، و النهى فى العبادة يستلزم الفساد.
و الجواب ان التكليف ايجابا و تحريما، متعلق بالطبيعة و هى شاملة للفرد المذكور و غيره، و النسبة بين الطبيعتين عموم من وجه، فطلب الفعل و الترك غير متعلق بأمر واحد فى الحقيقة، حتى يلزم التكليف بما لا يطاق، و انما جمع المكلف بينهما باختياره، فهو تمثيل للتكليف الايجابى، لأن الفرد المأتى فرد للطبيعة
ص: 13
المطلوبة، و مستحق للعقاب ايضا، لكون الفرد الطبيعة المنهية.
قال الشارح المحقق: و هذا القول غير صحيح على اصول اصحابنا، لأن تعلق التكليف بالطبيعة ممنوع، لكن لا نزاع عندنا فى ان الطبيعة المطلوبة، يجب ان يكون حسنة و مصلحة راجحة متأكدة، يصح للحكيم ارادتها، و قد ثبت ذلك فى محلّه، و غير خاف ان الطبيعة لا يتصف بهذه الصفات، الا من حيث التحصل الخارجى، باعتبار انحاء وجوداته الشخصية، و حينئذ نقول: الفرد المحرم لا يخلو، اما ان يكون: حسنة و مصلحة متأكدة مرادة للشارع، ام لا و على الأول لا يصح النهى عنه، و على الثانى لم يكن القدر المشترك بينه و بين باقى الأفراد مطلوبا للشارع، بل المطلق الطبيعة المتقيدة بقيد يختص به، ما عدا ذلك الفرد، فلا يحصل الامتثال بهذا الفرد، لخروجه عن افراد المأمور به، انتهى.
و فيه ان هنا فرد آخر غير الفردين المذكورين، و هو حسن من وجه و قبيح من آخر، فهو داخل تحت كل من الطبيعتين باعتبار هاتين الجهتين، و صحة النهى باعتبار جهة القبح لا الحسن.
و ما اشار اليه بقوله: و هذا غير صحيح على اصول اصحابنا، فيه ما لا يخفى، كيف؟ و قد ذهب الى ما ذكرنا جملة من المحققين من اصحابنا، منهم الفضل بن شاذان كما عن ظاهر الذريعة من قدمائنا، و منهم المحقق الأردبيلى و المحدث الكاشانى و سلطان العلماء و المدقق الشيروانى، و غيرهم كما عن المحققين الخونساريين و السيد صدر الدين، و امثالهم من متأخرينا، بل يظهر من الكلينى حيث نقل كلام الفضل بن شاذان، ان ذلك كان بين الشيعة مشهورا، كما أشار اليه الفاضل المجلسى فى البحار.
قال الفضل بن شاذان، و هو فى مقام الجواب عمن قاس من العامة الطلاق فى الحيض بصحة العدة، مع خروج المعتدة من بيت زوجها. ما هذا لفظه: و انما قياس الخروج و الاخراج، كرجل دخل دار قوم بغير اذنهم، فصلى فيها، فهو عاص فى دخوله الدار، و صلوته جائزة، لأن ذلك ليس من شرائط
ص: 14
الصلوة، لأنه منهى عن ذلك، صلى او لم يصل، و كذلك لو ان رجلا غصب ثوبا، او اخذه فلبسه بغير اذنه، فصلى فيه، لكانت صلوته جائزة، و كان عاصيا فى لبسه ذلك الثوب، لأن ذلك ليس من شرائط الصلوة، لأنه منهى عن ذلك صلّى او لم يصل الى ان قال: و كل ما كان واجبا قبل الفرض و بعده. فليس ذلك من شرائط الفرض، لأن ذلك اتى على حده و الفرض جائز معه، و كلما لم يجب الا مع الفرض و من اجل الفرض، فان ذلك من شرائطه، لا يجوز الفرض الا بذلك على ما بيناه، و لكن القوم لا يعرفون و لا يميزون، و يرون ان يلبسوا الحق بالباطل، الى آخر ما ذكره.
قال المجلسى فى البحار، بعد نقل الكلام بطوله، ما صورته: فظهر ان القول بالصحة كان بين الشيعة، بل كان اشهر عندهم فى تلك الأعصار، و كلام الفضل يرجع الى ما ذكره محققو اصحابنا... الى آخر كلامه.
و محصل كلام المجلسى الذى تركناه، هو ما ذكرناه سابقا فى الجواب عن الدليل.
و قال الشارح المحقق، و هو فى مقام دفع الاعتراض: و فيه نظر، لأن الانسان اذا كان متلبسا بلباس مغصوب فى حال الركوع مثلا، فلا خفاء فى ان الحركة الركوعية، حركة واحدة شخصية محرمة، لكونها محركة للشئ المغصوب، فيكون تصرفا فى مال الغير محرما، و لا يصلح التعبد به، مع انه جزء للصلوة، و اعتبار الجهتين غير نافع فى صحة تعلق الوجوب و الحرمة، الا مع اختلاف المتعلق، لا مطلقا انتهى.
و فيه انه لا ريب ان التصرف فى المغصوب، و ما يترتب عليه من التحريم و العقاب، قد حصل بنفس اللبس، و التحريم ثابت له ابتداء و استدامة، صلى فيه او لم يصل، تحرك فيه او لم يتحرك، فلا يعقل لهذه الحركة الركوعية السجودية
ص: 15
خصوصية فى هذا المقام، ليترتب عليه شىء من الأحكام، فلا معنى لتفريعه على الحركة الركوعية بقوله: فيكون تصرفا فى حال قيامه و قعوده بل جميع احواله، و بذلك يظهر انه لا معنى لقوله: فلا يصح التعبدية، اذ التفريع فرع صحة ما زعمه من الاختصاص بالحركة الركوعية و نحوها. اذ التصرف و التحريم كما عرفت، قد حصل بمجرد اللبس و استدامته، صلى فيه او لم يصل غاية الأمر انه قد قارن هذا التصرف المحرم، بهذه الحركات و السكنات فى الصلوة، و النهى عن المقارن لا يوجب التعدى الى ما قارنه، و حينئذ فلا يكون النهى متناولا لجزء من الصلوة و لا شرطها، و مع تسليم ما ذكره، فالجواب عنه ما تقدم.
و قوله فى الاشارة الى الجواب عن ذلك: و اعتبار الجهتين غير نافع، الى آخره، ممنوع، فان العلة التى عللوا بها ذلك، انما يتم فيما اذا كان تعلق الأمر و النهى من جهة واحدة، كما لا يخفى.
فان قلت: قد ظهر من كلام الفضل بن شاذان، ان القول بصحة الصلوة فى اللباس المغصوب، كان مشهورا، فبذلك يصير الاجماعات المحكية موهونة، فلا بد لك ان تحكم بالصحة، بمقتضى ما ذكرت.
قلت: الظاهر عدم تحقق الشهر فى ذلك القول، بل هى متحققة فى القول بالبطلان، على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، بل نسبه بعض المحققين الى ظاهر الأصحاب.
فاذا افتقر الى فعل كثير كان مضاد اللصلوة، و الأمر بالشئ يقتضى النهى عن ضده فيفسد، و فيه المنع من اقتضاء الأمر بالشىء النهى عن ضده الخاص، و انما يقتضى النهى عن ضده العام، الذى هو الترك او الكف، و تمام التحقيق فى الاصول.
كما فيما نحن فيه، فان الأمر بالابانة فورى اجماعا، و الفرض سعة وقت الصلوة و الا فهى مقدمة على جميع الواجبات، و حيث استلزم
ص: 16
عدم الاجتماع بقى الصلوة بلا امر، و هو عين الفساد، اذ الصحة فى العبادة عبارة عن موافقة الأمر، و حيث لا امر فلا موافقة، فجاء الفساد.
و فيه نظر، لأنا لم نجد ضررا و استحالة فيما اذا قال السيد لعبده:
امرتك ان تفعل الشىء الفلانى فى آخر الوقت مثلا و الشىء الكذائى و هو موسع لك، بالنسبة الى الوقت اولا و آخرا و وسطا، و لكن ان فعلته فى آخر الوقت لا عاقبك، لانه يصير باعثا لترك المأمور به الاولى، و لكن اتيت بمطلوبى لأن المطلوب ليس الا الطبيعة، نعم لو لم يمكن ايجاد الطبيعة، الا فى ضمن المقدمة المنهية عنها، لكان القول المذكور وجيها، لقبح التكليف حينئذ، بخلاف ما لو كان للمأمور به مقدمات شتى، مباحة و غير مباحة، و امكن للمأمور ايجاده فى ضمن المقدمة المباحة، و لكن بسوء اختياره اوجده فى ضمن المقدمة المنهية عنها، و التحقيق التام فى الاصول و ليس هنا محله.
بقى الكلام فيما استدل به التحرير و تابعوه، قال فى التحرير على ما نسب ثم اعلم انى لم اقف على نصّ عن اهل البيت عليهم السلام بابطال الصلوة، و انما هى شىء ذهب اليه المشايخ الثلاثة و اتباعهم، و الاقرب انه ان كان ستر به العورة، او سجد عليه، او قام فوقه، كانت الصلوة باطلة، لان جزء الصلوة يكون منهيا عنه، فتبطل الصلوة بفواته، او لم(1) يكن كذلك لم تبطل، و كان كلبس خاتم مغصوب، انتهى.
و ظاهر العبارة كما ترى، تعليل البطلان فى المواضع الثلاثة، يكون كل منها جزء من الصلوة و هو منهى عنه، مع ان ستر العورة ليس جزء من الصلوة و انما هو من شروط صحتها كما عرفت، و كان السيد السند صاحب المدارك تفطن لذلك، فعدل عن تعليله، قال فيه: و المعتمد ما اختاره المصنف فى التحرير، من بطلان الصلوة ان كان الثوب ساتر العورة، لتوجه النهى الى شرط
ص: 17
العبادة، فيفسد و يبطل المشروط بفواته، و كذا اذا قام فوقه او سجد عليه، لأن جزء الصلوة يكون منهيا عنه، و هو القيام و القعود، حيث انه نفس الكون المنهى عنه، اما لو لم يكن كذلك لم تبطل، لتوجه النهى الى امر خارج عن العبادة، انتهى.
و فيه اما اولا فلان دعوى فساد المشروط، بتعلق النهى بشرط مطلقا، كما يقتضيه اطلاق العبارة المذكورة ممنوعة، بل يختص بما اذا كان الشرط عبادة، كيف؟ و لا تلازم بين الحرمة و الفساد.
و اما ما يظهر من كلام بعض الأفاضل، من جعل الستر عبادة، حيث قال بعد كلام التحرير المنقول انفا، ما صورته: يعنى جزئها، و ما جرى مجرى الجزء، من الشرط المقارن، يعنى ان النهى انما يقتضى الفساد، اذا تعلق بالعبادة، فاذا استتر بالمغصوب، صدق انه استتر استتارا منهيا عنه، فان الاستتار به عين لبسه و التصرف فيه، فلا يكون الاستتار مأمورا به فى الصلوة، فقد صلّى صلوة خالية عن شرطه، الذى هو الاستتار المأمور به، و ليس هذا كتطهير الخبث بالمغصوب، فانه و ان نهى عنه، لكن الطهارة و شرط الصلوة انما هو الطهارة لا فعلها. لينتفى الشرط اذا نهى عنه الى آخر ما ذكره.
فمدفوع بما ذكره بعض الأجلاء، حيث قال بعد نقل المذكور: و ليت شعرى ما الذى دعاه الى جعله - اى الستر - عبادة؟ و لم ار له اثر اعدى تعلق الأمر بالستر، و ان الأصل فيما تعلق اوامر الشرع، ان يكون عبادة موقوفة على قصد القربة، و هذا بعينه موجود فى الأمر بازالة الخبث عن الثوب، فان ادعى خروج ذلك، بالاجماع على عدم اعتبار قصد القربة فيه، قلنا كذلك الأمر فى محل النزاع، و الا لما صح صلوة من ستر عورته بمحلل لا بقصد القربة، و هو خلاف الاجماع بل البديهة.
و اما ثانيا فلأن ما علل به البطلان لما لو قام او قعد فوقه او سجد عليه، من ان جزء الصلوة يكون منهيا عنه و هو القيام و القعود و السجود فى الصورة
ص: 18
المذكورة، و النهى عن العبادة موجب لبطلانها، و ببطلان الجزء يبطل الكل، لا يوصل الى مطلوب و لا مراد، و لا يندفع عنه الايراد، كما ظهر لك بوجه لا يتطرق اليه الفساد، من انه ان اريد به النهى عنه من حيث عدم جواز الصلوة فيه، فما ذكره من البطلان ممنوع، لكن الحال ليس كذلك، لأنه لم يرد نهى بهذا المعنى فى المقام، و الا لسقط البحث.
و ان اريد به النهى عنه من حيث قبح التصرف فى مال الغير بدون اذنه و الغصب، فما ذكره من البطلان المترتب على ذلك ممنوع، لان القدر المقطوع من بطلان العبادة بتوجه النهى اليها، انما هو اذا توجه اليها من حيث كونها عبادة، لان التعليق على الوصف مشعر بالعلية، لا من جهة اخرى، كما فيما نحن فيه، فلعدم النظر الى الحيثية، ظهر تلك الشبهة التى طال فيها الكلام و اتّسعت فيه دائرة الخصام، و كثر فيها النقض و الابرام.
و اما ثالثا: فلأنه لا وجه لفساد الصلوة، فى المغصوب الساتر للعورة، غير ما ذكر، و هذا لا يختلف فيه الحال بين الساتر و غيره، فالقول بالفرق غير جيد، سيما مع اطلاق جملة من الاجماعات المحكية.
و اما الاستدلال على بطلان الصلوة فى الثوب المغصوب، بالخبر المروى عن على (ع)، فى وصيته لكميل: يا كميل انظر فيما تصلى و على ما تصلى، ان لم يكن من حله فلا قبول، فغير وجيه، كالمروى عن الصادق (ع) قال: لو ان الناس اخذوا ما امرهم الله به، فانفقوه فيما نهاهم عنه. ما قبله منهم، و لو اخذوا ما نهاهم عنه، فانفقوه فيما امرهم الله به، ما قبله منهم، حتى يأخذوا من حق، و ينفقوه فى حق.
لأنّ عدم القبول، انما هو بمعنى عدم ترتب الثواب و لا ينافى الصحة فافهم، و احترزنا بالعلم بالغصبية عن صورة الجهل بها، لصحة الصلوة حينئذ، اذ لا نهى معه قطعا، و الفساد انما ينشأ من جهته، لا من حيث كون الثوب مغصوبا، اذ لا دليل عليه جدا، و منه يظهر وجه الصحة لو صلى فيه ناسيا
ص: 19
للغصبية، كما صرح به جماعة، و القول بأن الكلام تام، لو استمر النسيان الى آخر الوقت.
اما اذا ذكر فى الوقت، فما ذكر ممنوع، لظهور ان ما اتى به ليس كما امر الشارع (ع)، فهو لبقاء الوقت باق تحت عهدة الخطاب، فيه ما لا يخفى، و استدل عليه بعضهم، بعموم رفع النسيان عن الامة، و فيه مناقشة، لأن كون رفع جميع الأحكام اقرب المجازات، ممنوع بالنسبة الى الحقيقة، لأن المتبادر من مثل الكلام، كما صرح بعض، رفع المؤاخذة بمعونة ما اقترن به فى الخبر كالاكراه، و لأن الحمل على رفع جميع الأحكام موجب للتخصيص، لثبوت الاعادة للناسى فى كثير من الصور.
و فيه تأمل، خلافا للمصنف فى القواعد و المختلف، فيعيد مطلقا كما فى الاول، او فى الوقت خاصة كما فى الثانى، موافقا للدروس، و عن الذكرى الميل اليه، و نسب بعض(1) الى ظاهر كلام الحلى(2) وجود قائل بالاعادة مطلقا كالقواعد، و اخر(3) الى كلامه وجوبها فى الوقت خاصة، كالمختلف، و لم يكن السرائر عندى حتى ابيّن الحال.
و ربما فصل بين العالم بالغصب عند اللبس، الناسى له عند الصلوة فالاعادة، و الناسى له عند اللبس خاصة فالعدم، و لم اجد للاول و الثالث دليلا يقبل الذكر، و للثانى انه لم يأت بالمأمور به على وجهه، فيبقى فى عهدة التكليف و اما عدم القضاء، فلأنه فرض ثان، يفتقر الى دليل مغاير لدليل التكليف المبتداء.
و فيه ما مر فلا معنى للتخصيص فى اطلاق الامر بالصلوة، قال الشارح المحقق: احتج القائل بوجوب الاعادة دون القضاء، بان الناسى مفرط بقدرته على التكرار الموجب للتذكار، فاذا اخل به كان مفرطا، و لأنه لما علم كان حكمه
ص: 20
المنع من الصلوة، و الأصل بقاء ذلك، عملا بالاستصحاب، و اما عدم وجوب القضاء فلأنه بتكليف جديد و لم يثبت، و الجواب منع وجوب التكرار، و منع كونه موجبا للتذكار، انتهى.
و فيه ان من ذهب الى التفصيل كالمختلف و الذكرى، انما علل ذلك بانه متى ذكر فى الوقت دخل تحت عهدة الخطاب، لأنه لم يأت بالمأمور به على وجهه و الوقت باق، فيبقى تحت عهدة الخطاب حتى يأتى، لا انهم عللوه بما زعمه، من ان الناسى مفرط... الى آخر كلامه.
و هل الحكم بالبطلان بالنسبة الى العالم بالغصبية مطلق (و ان جهل الحكم) ام لا بل يختص ذلك بالعالم به؟ وجهان: احدهما نعم، و هو المشهور، على ما ذكره بعضهم، و اختاره الماتن فى التحرير و المنتهى ايضا، قال: لأن التكليف لا يتوقف على العلم به، و الا لزم الدور، و عليه الشهيد فى الدروس، كما عن الذكرى، و جامع المقاصد، و مال صاحب المدارك الى الثانى، كغيره(1)حيث قال: و فى المدارك: و لا يبعد اشتراط العلم بالحكم ايضا، لامتناع تكليف الغافل، فلا يتوجه اليه النهى المقتضى للفساد.
و قال الشارح المحقق: و اما جاهل الحكم، فالظاهر من اطلاقاتهم تعلق حكم البطلان بالنسبة اليه، سواء كان جاهلا بتحريم الغصب، او جاهلا ببطلان الصلوة، او جاهلا بكون الحركات المذكورة غصبا، قال المصنف فى المنتهى، فى المكان: لو كان عالما بالغصبية و جاهلا بالتحريم، فانه لا يكون معذورا، و لا يصح صلوته عندنا، و كلامه يؤذن بالاجماع، و احتمل فى النهاية الحاق الثالث بجاهل الغصبية، انتهى.
و المشهور هو المنصور، لما تقدم فى بحث المواقيت، من الكلام فى عدم معذورية الجاهل، بما لا مزيد عليه، فراجع البتة، و ظاهر الأصحاب على
ص: 21
ما نص غير واحد منهم، الحاق ناسى حكم الغصبية بجاهله فى وجوب الاعادة و انه غير معذور، و علل بعضهم(1) باسناده الى تقصيره، و هذا الحكم لا يخلو عن اشكال، ان لم يكن اجماعا.
و الا بطل صلوته، و اعاد بعد الستر انتهى، و فيه نظر، لأنه لو لم يكن عليه غيره، و امكن تناول ما يستر به العورة من غير استلزام مبطله، تناوله و تستر عورته، و تتم صلوته، و لا يحتاج الى استيناف، و لعل نظر الشارح المذكور غير الفرض المزبور.
و شبهه كالسوار و القلنسوة و العمامة، و فيه تردد، أقر به البطلان، أقول: لعل منشأ هذا التردد، هو كلام المحقق فى التحرير حيث انه جزم بالصحة فى الخاتم المغصوب، و نحوه مما لا يستر به العورة، كما مضى اليه الاشارة، و عرفت ان كلام التحرير غير وجيه فلذا قد رجح المصنف طاب ثراه المشهور كما ترى قال فى شرح المفاتيح: و اما بطلانها فى الخاتم المغصوب و الدر المصحوب و امثالهما، فبالاجماع المنقول المتأيد بما مر فى الذهب.
بل الظاهر عدم تحقق الغصبية فى حال الصلوة، مع تعلق الاذن للغاصب، لان الاستيلاء فى تلك الحال لا عدوان فيه، و لو أذن مطلقا فالظاهر كما استظهره جملة من الأصحاب، عدم دخول الغاصب فى ذلك، لقيام العادة بحقد المغصوب منه على الغاصب، و طلب الانتقام منه، و الغلبة عليه، و القلوب كما عن سيد الأنبياء: مجبوله على حب من احسن اليها، و بغض من
ص: 22
اساء اليها، فيكون هذا الظاهر بحسب العادة، بمنزلة المخصص لذلك الاطلاق، و لو فرض انتفاء ذلك بحسب القرائن، وجب العمل بمقتضى الاطلاق.
الا ان يمنع، و لو مانع حال الصلوة و امكن النزع نزع، و ان لم يمكن، فهل يبطل الصلوة لعدم رضاه حينئذ ام لا؟ لاذنه فى الدخول مع علمه بحرمة الابطال، و وجوب الاتمام، فلم يعتبر منعه لمخالفة الشرع و لاستصحاب المشرعية و عدم نقض اليقين، و لعل الثانى أقوى، انتهى فتدبر.
لعدم توجه النهى، و عليه اجرة المثل انتهى، و قد عرفت تخصيص المصنف الستر بالثوب.
و عليه فانما يجوز فيه كونه (من جميع ما ينبت من الأرض كالقطن و الكتان و الحشيش) اذا صدق على المعمول منه اسم الثوب، فلو ستر بالقطن و الكتان و الحشيش الذى لا يصدق عليه اسم الثوب، مع القدرة عليه، لم يجز، وفاقا للدروس، و فيه اشكال تداركه المصنف فى آخر البحث بقوله: و لو بالورق و الطين و تمام التحقيق يطلب من هناك.
(و) كذا يجوز فى الثوب مع كونه (من جلد ما يوكل لحمه مع التذكية) بلا خلاف اجده، بل عن المصنف فى التحرير و المنتهى، ادعاء الاجماع عليه و حيث عرفت تدارك المصنف الاشكال الوارد، المفهوم من اختصاصه الستر بالثوب، فى آخر البحث، فلا يمكن ان يقال: ان اطلاق الثوب على ما يؤخذ من الجلود تجوز، اذ الظاهر انه انما يطلق على ما يتخذ من القطن او الكتان او الابريسم و نحوها، لا على الجلود و ان قطعت كقطع الثياب.
(و ان لم يدبغ) على الأشهر الأظهر، عن الشيخ و السيد المخالفة، و قد مر التحقيق فى اواخر كتاب الطهارة.
(و) كذا يجوز كونه من (صوفه و شعره و ريشه و وبره و ان كان) مأخوذا
ص: 23
من (ميتة) بلا خلاف اجده، اذا كان بطريق الجزّ، بل عليه اجماع الامامية فى عبائر جماعة، و النصوص به مع ذلك بعد الأصل كثيرة:
منها ما رواه التهذيب فى باب الزيادات، فيما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، فى الصحيح على الصحيح لمحمد بن عيسى الاشعرى، عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا بأس بالصلوة فيما كان من صوف الميتة ان الصوف ليس فيه روح.
و التعليل يقتضى التعميم فيما ليس له روح، و قد صرح فى عشرة اشياء:
العظم، الظفر، الظلف، القرن، الحافر، الشعر، الوبر، الصوف، الريش، و البيض اذا اكتسى القشر الأعلى.
و منها ما رواه الكافى فى الأطعمة فى باب ما لا ينتفع به من الميتة، فى الصحيح على الصحيح بابراهيم، عن حريز، عن الصادق (ع) انه قال لزرارة و محمد بن مسلم: اللبن و اللباء(1) و البيضة و الشعر و الصوف و القرن و الناب و الحافر، و كل شىء ينفصل من الشاة و الدابة، فهو زكى، و ان اخذت منها بعد ان تموت، فاغسله و صل فيه.
و اذا كان بطريق القلع، فالمشهور بين الأصحاب، على ما صرح به غير واحد منهم، هو الجواز، للأصل، و الاطلاق، و هو و ان عمّ صورتى كون القلع (مع غسل موضع الاتصال) و عدمه، الا انه يجب تقييده بالصحيح المتقدم، المتضمن لقوله: و ان اخذته بعد ان يموت فاغسله، و ظاهر ان المأمور هو غسل موضع الاتصال، هذا مع عدم الامتزاج، و معه لا بد من غسل المجموع من باب المقدمة، و علل ايضا بان باطن الجلد لا يخلو عن رطوبة، مع ان بعضهم نجس الملاقى مطلقا، خلافا للمحكى عن ابن حمزة، و الصيد و الذبايح من النهاية و المهذب، و كتاب الماكول و المشروب من الاصباح، فقالوا: لا يحل الصوف و
ص: 24
الشعر و الوبر من الميتة، اذا كان مقلوعا.
و عن السرائر و التحرير و المنتهى، الحمل على ان لا يزال ما يستصحبه، و لا يغسل موضع الاتصال، و القول بان ما فى باطن الجلد لا يكون صوفا او شعرا او وبرا، فضعفه ظاهر.
و عن الوسيلة: اشتراط ان لا ينتف من حىّ ايضا، قيل: و هو مبنى على استصحابها شيئا من الأجزاء، و الأجزاء المبانة من الحىّ كالمبانة من الميت، و لذا اشترط فى المنتهى و نهاية الأحكام، فى المنتوف منه ايضا، الازالة و الغسل، و ذكر انه لا بد فيه من استصحاب شىء من مادته.
قلت: نعم، و لكن فى كون مادته جزءا له نظر، بل الظاهر كونه فضله، الا ان يحسن بانفصال شىء من الجلد او للحم معه، كيف؟ و لو صح ذلك لم يصح الوضوء غالبا، خصوصا فى الاهوية اليابسة، لانها لا تخلو، عن انفصال شىء من الحواجب و اللحى.
(و) كذا يجوز من وبر (الخز) بالاجماعات المحكية، المتجاوزة عن حد الاستفاضة، كالأخبار و فيها المعتبرة، و من جلده عند الاكثر، على الظاهر المصرح به فى كلام بعضهم.
للمروى فى الكافى فى كتاب الزى فى باب لبس الخز، فى الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سأل أبا عبد الله (ع)، رجل و انا عنده، عن جلود الخز، فقال: ليس بها بأس، فقال الرجل: جعلت فداك انها فى بلادى، و انما هى كلاب تخرج من الماء، فقال ابو عبد الله (ع): اذا خرجت من الماء، تعيش خارجة من الماء، فقال الرجل: لا قال: فلا بأس.
و لما رواه التهذيب فى الزيادات فى باب اللباس، فى الصحيح عن سعد بن سعد، عن الرضا (ع) قال: سألته عن جلود الخز، فقال: هو ذا نحن نلبس، فقلت: ذاك الوبر جعلت فداك، قال: اذا حلّ وبره حلّ جلده.
و ما رواه التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس، فى الموثق
ص: 25
عن معمر بن خلاد قال: سألت ابا الحسن الرضا (ع)، عن الصلوة فى الخز، فقال: صل فيه.
و ما رواه ايضا فى الباب، عن ابن ابى يعفور قال: كنت عند ابى عبد الله عليه السلام، اذ دخل عليه رجل من الخزازين، فقال له: جعلت فداك، ما تقول فى الصلوة فى الخز؟ فقال: لا بأس بالصلوة، فقال له الرجل: جعلت فداك انه ميت، و هو علاجى و انا اعرفه، فقال له ابو عبد الله (ع): انا اعرف به منك، فقال له الرجل: انه علاجى، و ليس احد اعرف به منى، فتبسم ابو عبد الله (ع) ثم قال له: تقول انه دابة تخرج من الماء، او تصاد من الماء، فتخرج فاذا فقد الماء مات، فقال الرجل: صدقت، جعلت فداك، هكذا هو، فقال ابو عبد الله (ع) انك تقول انه دابّة تمشى على اربع، و ليس هو فى حد الحيتان، فيكون ذكاته خروجه من الماء، فقال الرجل: اى و الله، هكذا اقول، فقال له ابو عبد الله (ع) فان الله تعالى احله، و جعل ذكاته موته، كما احل الحيتان، و جعل ذكاتها موتها.
و ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب ما يصلى فيه، عن يحيى بن ابى عمران انه قال: اكتب الى ابى جعفر الثانى (ع) فى السنجاب و الفنك و الخز، و قلت: جعلت فداك احب ان لا تجيبنى بالتقية فى ذلك، فكتب الى بخطه:
صلّ فيها.
و يمكن المناقشة فى الاول، بعدم التصريح فيه بالصلوة، فيحتمل حل اللبس كالثانى، نعم قوله (ع) فى الثانى: اذا حل، الى آخره، ربما يتشعر بتلازمها فى الحل مطلقا، حتى فى الصلوة، لحل الصلوة فى الوبر اجماعا، نصا و فتوى، على ما عرفت، لكن اللبس المستفاد من السياق ربما يقوى احتمال اختصاص التلازم فى حله خاصة، فلا يجدى فى الاستدلال كالثالث، لعدم التصريح فى الثالث بالمراد من الخز المطلق، هو الوبر او الجلد او هما معا فيحتمل ارادة الوبر خاصة، لشيوع استعماله فيه، و كونه الفرد الغالب الشايع
ص: 26
فى ذلك الزمان، كما لا يخفى على الناظر فى الأخبار بعين الانصاف.
و بنحوه يجاب عن الرابع، و ظهر بالمذكورات الجواب عن الخامس، فلذا عن المصنف فى المنتهى و التحرير، الافتاء بالمنع قائلا: ان الرخصة وردت فى الوبر لا الجلد، فيبقى على المنع المستفاد من العموم، وفاقا للحلى، نافيا الخلاف عنه، على ما نسب.
و يعضد ما رواه فى الاحتجاج، فيما كتب محمد بن عبد الله بن جعفر الحميرى الى الناحية المقدسة، روى عن صاحب العسكر (ع)، انه سئل عن الصلوة فى الخز، الذى يغش بوبر الارانب، فوقع: يجوز، و روى عنه ايضا: انه لا يجوز، فاى الأمرين نعمل به؟ فأجاب (ع): انما حرم فى هذه الأوبار و الجلود، فاما الأوبار وحدها فحلال، و فى نسخة: فكلهما حلال و لا ريب.
و ما رواه فى البحار عن كتاب العلل لمحمد بن على بن ابراهيم قال: قال رسول الله (ص): لا يصلى فى ثوب ما لا يؤكل لحمه و لا يشرب لبنه، فهذه جملة كافية من قول رسول الله (ص)، و لا يصلى فى الخز، و العلة فى ان لا يصلى فى الخز، ان الخز من كلاب الماء و هى مسوخ، الا ان يصفى و ينقى و علة ان لا يصلى فى السنجاب و السمور، قول رسول الله (ص) المتقدم.
ثم قال المجلسى رحمه الله، بعد نقل الخبر: بيان: لعل مراده عدم جواز الصلوة فى جلد الخز، بقرينة الاستثناء، و قد تقدم القول فى الجميع و يمكن حمل الاكثر على الكراهة.
أقول: فى ان هذا القول هو الأحوط، هو الأحوط تحصيلا للبراءة اليقينية، و ان كان الأول لا يخلو عن قوة، لقوة دلالة صحيحة سعيد بن سعد المؤيّدة بعموم الموثق، مضافا الى خبر ابن ابى يعفور، المنجبر بالشهرة الظاهرة و المحكية، الوارد فى الصلوة، مع التصريح فيه بالذكاة، و هى انما تعتبر فى الجلد لا الوبر، مما لا تحله الحيوة.
قال فى المختلف بعد احتجاجه برواية ابن ابى يعفور: لا يقال هذا
ص: 27
الحديث مدفوع بالاجماع عندكم، لان لحمه غير حلال، فكيف وصفه (ع) بأنه قد احله الله تعالى، لأنا نقول: ليس المراد من ذلك حل لحمه، بل حل استعمال جلده و وبره، و ان كان ميتا، انتهى.
اعلم ان ما ذكر من الاتفاق على الجواز، انما هو فى الخز (الخالص) عن الامتزاج بوبر الأرانب و الثعالب، مما لا يجوز الصلوة فيه، و ليس المراد مطلق الخلوص، كما يستفاد من ظاهر العبارة، اذ لو كان تمزجا بالحرير مثلا، بحيث لا يكون الخز مستهلكا به، لم يضر، على ما وقع التصريح به فى بعض الأخبار، و يدل عليه ايضا بعض الأخبار، الآتية ان شاء الله.
اما المتزج بشىء منهما، فالمشهور على الظاهر المصرح به فى عبائر غير واحد منهم، عدم جواز الصلوة، بل نفى بعضهم الخلاف فيه، بل عن الخلاف الاجماع فى المغشوش بوبر الأرانب، بل عن ابن زهرة الاجماع فيه و فى المغشوش بوبر الثعالب ايضا، كما عن المصنف رحمه الله فى المنتهى، حاكيا نقله عن كثير من اصحابنا، كالمحقق فى التحرير، حيث نسب دعوى الاجماع الى الاكثر، كما سيظهر، و يدل عليه من الأخبار:
ما رواه فى باب اللباس، فى الصحيح عن احمد بن محمد، رفعه عن ابى عبد الله (ع)، فى الخز الخالص: انه لا بأس، فاما الذى يخلط فيه وبر الأرانب، أو غير ذلك مما يشبه هذه، فلا تصل فيه.
و ما رواه التهذيب فى الباب، عن ايوب بن نوح، رفعه قال: قال أبو عبد الله (ع): الصلوة فى الخز الخالص، لا بأس به، فاما الذى يخلط فيه و بر الأرانب، او غير ذلك مما يشبه هذا، فلا تصل فيه.
و ما فى الفقه الرضوى: لا بأس فى الصلوة فى شعر و وبر، من كل ما اكل لحمه، و الصوف منه، و لا تجوز الصلوة فى سنجاب و سمور و فنك، فاذا أردت الصلوة فانزع عنك، و قد روى فيه رخصة، و اياك ان تصلى فى الثعالب، و لا فى ثوب تحته جلد ثعالب، وصل فى الخز اذا لم يكن مغشوشا بوبر الأرانب، و لا تصلّ فى
ص: 28
جلد الميتة على كل حال.
الى غير ذلك من الأخبار.
و اما ما رواه التهذيب فى الباب، فى الضعيف عن داود الصرمى قال:
سألته عن الصلوة فى الخز يغش بوبر الأرانب، فكتب: يجوز ذلك.
فلا يقاوم شيئا من المذكورات جدا، و الوجه واضح، و روى الشيخ فى التهذيب فى الباب، هذا الخبر فى موضع آخر، و كذلك الصدوق فى الفقيه، عن داود الصرمى قال: سأل رجل ابا الحسن الثالث (ع)، عن الصلوة...
الحديث، و نسبه الشيخ الى الشذوذ و اختلاف اللفظ، فى المسائل و المسؤل ثم احتمل أن يكون محمولا على التقية.
قال المحقق فى التحرير: اما المغشوش بوبر الأرانب و الثعالب، ففيه روايتان: احدهما رواية محمد بن يعقوب، ثم ساق مرفوعة احمد و رواية أيوب بن نوح، و الثانية رواية داود الصرمى، ثم ذكرها، ثم قال: و الوجه ترجيح الروايتين الاوليين و ان كانتا مقطوعتين، لاشتهار العمل بهما بين الأصحاب، و دعوى اكثر الاجماع على مضمونها، انتهى.
و يؤيد المذكور، ما دلّ على عدم جواز الصلوة فى وبر ما يوكل لحمه و غيره، و بما ذكر ظهر ان ما ذكره الصدوق فى الفقيه، بعد نقل رواية داود، بقوله: و هذه رخصة، الأخذ بها ماجور، و رادها ماثوم، و الأصل ما ذكره أبى رحمه الله فى رسالته الىّ: و صلّ فى الخز ما لم يكن مغشوشا بوبر الأرانب، غير جيّد، و الأظهر على ما ذكره غير واحد من الأصحاب، حمل الرواية على التقية.
اعلم انه قد اختلف كلام العلماء فى الخز، فعن مجمع البحرين انه قال:
الخز بتشديد الزاء، دابة من دواب الماء، تمشى على اربعة تشبه الثعلب، ترعى من البر و تنزل البحر، لها وبر يعمل منه الثياب، يعيش فى الماء و لا يعيش فى خارجه، و ليس على حد الحيتان، و ذكوتها اخراجها من الماء حية.
ص: 29
قيل: و قد كانت فى اول الاسلام الى وسطه كثيرة.
قال فى التحرير: و الخز دابة مجرية ذات اربع، تصاد من الماء و تموت بفقده، قال ابو عبد الله (ع): ان الله احله و جعل ذكوته موته، كما احل الحيتان و جعل ذكوتها موتها، كذا روى محمد بن سليمان الديلمى، عن فريث، عن ابن ابى يعفور، عن ابى عبد الله (ع)، و عندى فى هذه الرواية توقف، لضعف محمد بن سليمان، و مخالفتها لما اتفقوا عليه، من انه لا يؤكل من حيوان البحر الا السمك، و لا من السمك الا ما له فلس، و حدثنى جماعة من البحار: انه القندس، و لم اتحققه.
و قال الشهيد فى الذكرى، بعد نقل ما ذكره المحقق من التوقف، قلت:
مضمونها مشهور بين الأصحاب، فلا يضر ضعف الطريق، و الحكم بحله جاز أن يسند الى حل استعماله فى الصلوة، و ان لم يذك، كما احل الحيتان بخروجها من الماء حية، فهو تشبيه للحل بالحل، لا فى جنس الحلال، ثم قال: لعله ما يسمى فى زماننا بمصر وبر السمك، و هو مشهور هناك، و من الناس من يزعم انه كلب الماء، و على هذا يشكل ذكوته بدون الذبح، لأن الظاهر انه ذو نفس سائله، انتهى.
أقول: و من الروايات التى يمكن ان يستنبط حقيقة الخز زيادة على ما تقدم، فى صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، و رواية ابن ابى يعفور المتقدمين، ما رواه التهذيب فى كتاب الصيد و الذبائح، عن ابن ابى يعفور قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن أكل لحم الخز، قال: كلب الماء، ان كان له ناب فلا تقربه و الا فاقر به.
و فى الباب عن حمران بن اعين قال: سألت ابا جعفر (ع) عن الخز، فقال: سبع يرغى فى البر و يأوى الماء.
و فى الباب عن زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن (ع) فقلت: ان اصحابنا يصطادون الخز فاكل من لحمه.؟ قال: فقال: ان كان له ناب فلا تاكله،
ص: 30
قال: ثم مكث ساعة فلما هممت بالقيام، قال: اما انت فانى اكره لك اكله، فلا تأكله.
و يستفاد من الأخبار امور:
أحدها انه دابة تمشى على اربع، و انه كلب الماء، كما نقله فى الذكرى عن بعض الناس، و قد وقع التصريح بكونه كلب الماء، فى صحيحة عبد الرحمن، و هو و ان كان فى كلام السائل، الا ان الامام (ع) اقره عليه و فى رواية ابن ابى يعفور الثانية، و قريب منهما رواية حمران، الدالة على انه سبع.
و ثانيها ان منه ما له ناب، و منه ما لا ناب له، و ان الثانى يحل أكل لحمه كما صرحت به رواية ابن ابى يعفور الثانية، و يرى اليه رواية زكريا بن آدم، و ما اشتمل عليه خبر حمران من انه سبع، يحمل على ذى الناب منه.
و ثالثها انه يرعى فى البر و يأوى الى البحر، كما ذكره فى مجمع البحرين و عليه دلت رواية حمران، و انه لو أخذ و منع من البحر مات، و ان ذكوته موته فى البر، كما صرحت به رواية ابن ابى يعفور الاولى، و هو ظاهر صحيحة عبد الرحمن، و حكمه فى ذلك حكم الحيتان.
فبما ذكر لا ينبغى الالتفات الى استبعاد التحرير، و لا الى جواب الذكرى لاختصاص ما ذكراه بالبحرى المحض كالسمك، و هذا ليس كذلك كما عرفت، و ما اشتمل عليه خبر حمران من انه سبع، يحمل على ذى الناب منه، قال بعض الأصحاب، و قال ايضا: و بملاحظة الأخبار، ينقدح الاشكال الذى اشار اليه فى الذكرى، اذ الظاهر من كونه كلب الماء، و انه على اربع قوايم، يرعى فى البر، و انه سبع و ذو ناب، انه ذو نفس سائله، و ان ذكوته انما هو بالذبح، مع انه (ع) جعل حكمه حكم الحيتان، فى كون ذكوته بالموت خارج الماء، و حينئذ فيجب القول باستثنائه من القاعدة المذكورة، كما انه يجب استثناؤه من قاعدة تخصيص حمل ما كان فى البحر، مما كان له فلس من السمك، فان هذه الأخبار دلت على خروجه من القاعدتين المذكورتين، بالنسبة الى ما ناب له منهما، و قد
ص: 31
حكم (ع) بالحل و الذكوة كذلك، فى رواية عبد الله بن ابى يعفور، و بالثانية فى صحيحة عبد الرحمن، حيث ان ظاهرها نفى الباس عن الصلوة فى جلده.
و بذلك يظهر ضعف ما نقله فى التحرير، عن جماعة من التجار و كذلك ما ذكره فى الذكرى، مما يسمى فى زمانه بوبر السمك، و من المحتمل قريبا، حدوث هذه الأسماء لهذه الأشياء.
قال فى شرح المفاتيح، اختلف الأصحاب فى حقيقة الخز، فقيل: انه دابة بحرية ذات اربع، تصاد من الماء و تموت بفقده، روى ذلك بطريق فيه محمد بن سليمان الديلمى الضعيف، عن فريث عن ابن ابى يعفور عن الصادق عليه السلام، انه كان عنده اذ دخل... الحديث، ثم قال: و فى التحرير ضعفها بمحمد بن سليمان، و بمخالفتها لما اتفقوا عليه، من انه لا يؤكل من حيوان البحر الا السمك الذى له فلس، ثم قال: و حدثنى جماعة من التجار انه القندس، و لم اتحققه، و عن الذكرى عن بعض: انه كلب الماء، و انه لعله ما يسمى فى زماننا بمصر وبر السمك، و هو مشهور هناك.
أقول: الرواية المذكورة و ان كانت ضعيفة، الا انه رواها فى الكافى، فهى صحيحة عنده على اليقين، و فى الذكرى ان مضمونها مشهور بين الأصحاب، فلا يضر ضعف الطريق، و انه لعل المراد من الحلية، حلية الصلوة و نحوها فيه، و فى كتاب المطاعم عن الصادق (ع)، انه كلب الماء، و انه ان كان له ناب فلا تقر به، و الا فاقر به، و لعله (ع) قال كذلك لان له نابا جزما، لأن الكلب له ناب، و قوله (ع): و الا فاقر به، على فرض المحال، لا انه حلال حينئذ شرعا، لأن السبع حرام جزما، على ما روى عن الرسول (ص)، و السبع ما له ناب، و الكلب له ناب، و عنه (ص): انه سبع يرعى فى البر و يأوى الماء.
ثم نقل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، و قال: أقول: ظهر من مجموع الأخبار، انه دابة تمشى على اربع و لها ناب، و لذا سمى كلب الماء ايضا، و لعله لا يعيش اذا طال خروجه من الماء، فظهر انه كلب الماء، على ما قاله البعض.
ص: 32
قال فى البحار: فاعلم ان فى جواز الصلوة فى الجلد المشهور فى هذا الزمان بالخز و شعره و وبره، اشكالا للشك فى انه هل هو الخز المحكوم عليه بالجواز فى عصر الأئمة (ع)، ام لا، بل الظاهر انه غيره، لأنه يظهر من الأخبار انه مثل السمك يموت بخروجه من الماء، و ذكوته اخراجه منه، و المعروف بين التجار ان الخز المعروف الان، دابة تعيش فى البر، و لا تموت بالخروج من الماء، الا ان يقال: انهما صنفان برىّ و بحرىّ، و كلاهما يجوز الصلوة فيه، و هو بعيد و يشكل التمسك بعدم النقل، و اتصال العرف فى زماننا الى زمانهم (ع) و القدح فى الأخبار بالضعف، اذ اتصال العرف غير معلوم، اذ وقع الخلاف فى حقيقته، فى اعصار علمائنا السالفين ايضا رحمهم الله، و كون اصل عدم النقل فى مثل ذلك حجة، فى محل المنع، فالاحتياط فى عدم الصلوة فيه، انتهى.
أقول: قوله: مثل السمك يموت بخروجه من الماء، فيه اشكال، و ان كان فى صحيحة عبد الرحمن، و رواية ابن ابى يعفور الاولى، اشعار اليه، اذ يظهر من رواية حمران بن اعين، و كلام مجمع البحرين، انه يرعى فى البر، و انه لا يموت بمجرد خروجه عن الماء كالسمك، و انما يموت بحبسه عن الماء، و عدم رجوعه اليه فلا اختلاف بين الأخبار و بين التجار، ان كان سبب الاختلاف ما ذكر.
و بالجملة: ما يسمى فى زماننا خزا، ان ظهر انه كما ذكر فى الروايات، فلا اشكال فى جواز الصلوة فيه، و ان لم يظهر، فيمكن التمسك باصالة عدم النقل، و بقاء ما كان على ما كان، و اصالة عدم التغير، و الذى يظهر عندى، هو ان الاختلاف الواقع بين الفقهاء، انما هو باعتبار عدم ضمهم بعض الأحاديث الى بعض، و اخذ ما يستفاد من المجموع، و عليه فالتمسك باصالة عدم النقل مما لا مهرب عنه.
و بما ذكره الشارح المحقق، فلا نطول الكلام بذكره، و كيف كان فالاحتياط هو ما ذكره المحقق المجلسى فى البحار.
و عن امالى الصدوق: ان الاولى ترك الصلوة فى الخز من اصله، قيل:
ص: 33
و لا يذكر جواز الصلوة فيه الحلبى، و لا الصدوق فى الهداية، بل اقتصر فيها على رواية، و لا الشيخ فى عمل يوم و ليلة، بل اقتصر فيها على حرمة الصلوة، فيما لا يؤكل لحمه من الأرنب و الثعلب و اشباههما، و كذا العلامة فى التبصرة.
(و) كذا يجوز من (السنجاب) وفاقا للمقنع، و الشيخ فى المبسوط و موضع من النهاية، كما عن الخلاف، و نسبه فى جامع المقاصد الى جمع من كبراء الأصحاب، بل نسبه جماعة الى المشهور بين المتأخرين، بل قيل عليه عامتهم، عدا الفاضل فى التحرير و القواعد، و فخر الدين فى شرحه، و الصيمرى، فظاهرهم التردد، لاقتصارهم على نقل القولين من غير ترجيح، بل نسبه المصنف رحمه الله فى المنتهى الى اكثر الأصحاب، بل نفى الشيخ فى المبسوط عنه الخلاف مؤذنا بدعوى الاجماع(1) عليه. كما عن الصدوق فى الأمالى، حيث جعله من دين الامامية، الذى يجب الاقرار به، خلافا للمصنف رحمه الله فى المختلف و الشيخ فى كتاب الأطعمة و الأشربة من النهاية، كما عن صريح والد الصدوق، و الحلى و القاضى، و ظاهر الاسكافى، و الحلبى، و المرتضى، و ابن زهرة، حيث منعوا عن كل ما لا يؤكل لحمه، من دون استثناء لما نحن فيه.(2)
و عن الشهيدين فى الذكرى و الرياض، و المحقق الثانى فى جامع المقاصد النسبة الى اكثر الأصحاب، بل عن ظاهر السرائر نفى الخلاف عنه، حيث قال:
جلد ما لا يؤكل لحمه، لا تجوز الصلوة فيه، بغير خلاف من غير استثناء بل عن ابن زهرة دعوى الاجماع عليه، و نسب الشارح المحقق الى الشيخ فى الخلاف القول بالمنع، و فيه تأمل لأن العبارة المنقولة عنه فى الخلاف هكذا: كل ما لا يؤكل لحمه لا يجوز الصلوة فى جلده و لا وبره و لا شعره، ذكى او لم يذكى، دبغ او لم يدبغ، و رويت رخصة فى الجواز فى الفنك و السمور و السنجاب، و الأحوط ما قلناه، و دلالتها على المنع محلّ تأمل، و يؤيده ان صاحب المدارك و الحبل المتين،
ص: 34
نسبا اليه فى الخلاف القول بالجواز.
و قال الصدوق فى الفقيه: و قال ابى رضوان الله عليه فى رسالته اليّ:
لا بأس بالصلوة فى شعر و وبر كلما اكلت لحمه، و ان كان عليك غيره من سنجاب او سمور او فنك، و اردت الصلوة فانزعه، و قد روى فى ذلك رخص.
للأول اخبار:
منها ما رواه فى التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس فى الصحيح، عن ابى على بن راشد قال: قلت لأبى جعفر (ع): ما تقول فى الفراء أىّ شىء يصلى فيه؟ قال: اى الفرو؟ قلت: الفنك و السنجاب و السمور، فقال:
فصل فى الفنك و السنجاب، فاما السمور فلا تصل فيه، قلت: فالثعالب يصلى فيها؟ قال: لا و لكن تلبس بعد الصلوة، قلت: اصلى فى الثوب الذى يليه؟ قال: لا.
و منها ما رواه التهذيب فى الباب فى الصحيح، عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الفراء و السمور و السنجاب و الثعالب و اشباهه قال:
لا بأس بالصلوة فيه.
و منها ما رواه فى الزيادات، باسناد فيه محمد بن زياد المشترك، عن الريان بن الصلت، قال: سألت ابا الحسن الرضا (ع)، عن لبس فراء السمور و السنجاب و الحواصل و ما اشبهما، و المناطق و الكيمخت و المحشو بالفرو و الجفاف من اصناف الجلود، فقال: لا بأس بهذا كله.
و عن الشيخ، انه عدّ هذه الرواية من الصحاح، قال الشارح المحقق:
و كانه يظن ان محمد بن زياد الذى فى الطريق، هو ابن عمر(1) و ليس بذلك البعيد انتهى، و لا يخفى ان محمد بن زياد مشترك بين جماعة كلهم ضعاف، الا ابن زياد العطار، و فى التعليقة فى ترجمته قال: هو ابن الحسن بن زياد العطار
ص: 35
انتهى، و يؤيد عبارة الوسيط، و ذكر فى الحسن بن زياد: انه يروى عنه ابن ابى عمير، فلو كان محمد بن زياد هو ابن ابى عمير، فيلزم ان يكون ابن ابى عمير هو بن الحسن، و هو خلاف ما يظهر فى ترجمته و ترجمة الحسن، و ما ذكره الكاظمى فى (مسكا) فى الترجمتين فافهم و يمكن ان يقال التصحيح لأجل كون محمد بن زياد، هو ابن زياد العطار، لانصراف الاطلاق الى الشايع الكامل، تدبر.
و منها ما رواه فى الباب، فى الضعيف عن بشير بن بشار، قال: سألته عن الصلوة فى الفنك و الفراء و السنجاب و السمور و الحواصل الذى تصاد ببلاد الشرك او بلاد الاسلام، ان اصلى فيه لغير تقيه، قال فقال: صل فى السنجاب و الحواصل الخوار زميه، و لا تصل فى الثعالب و الا السمور.
و منها ما رواه فى الباب، عن الوليد بن ابان المجهول، قال: قلت للرضا (ع): اصلى فى الفنك و السنجاب؟ قال: نعم، فقلت: يصلى فى الثعالب اذا كانت ذكية، قال: لا تصل فيها.
و منها ما رواه فى الباب عن مقاتل بن مقاتل قال: سألت ابا الحسن (ع) عن الصلوة فى السمور و السنجاب و الثعالب، فقال: لا خير فى ذا كله ما خلا السنجاب، فانه دابة لا تاكل اللحم و فى المسالك فى بيان وجه التعليل قال: و كان المراد انه ليس بسبع ياكل اللحم، فيمتنع الصلوة فى جلده.
و منها ما رواه الكافى فى الباب، فى الضعيف عن على بن ابى حمزة، قال: سألت ابا عبد الله و ابا الحسن (ع)، عن لباس الفراء و الصلوة فيها، فقال:
لا تصل فيها، الا فيما كان منه ذكيا - الى ان قال - لا باس بالسنجاب، فانه دابة لا تاكل اللحم، و ليس هو بما نهى عنه رسول الله (ص)، اذ نهى عن كل ذى ناب و مخلب.
و منها ما رواه التهذيب فى الباب، فى الصحيح عن على بن يقطين قال:
سألت ابا الحسن (ع)، عن لباس الفرأ و السمور و الفنك و الثعالب و جميع الجلود، قال: لأباس بذلك.
ص: 36
و منها رواية يحيى بن عمران، المروية فى الفقيه، و قد تقدم ذكرها فى المسئلة السابقة.
و منها ما عن الحميرى فى كتاب قرب الاسناد، عن عبد الله بن الحسن، عن جده، عن على بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر (ع)، قال: سألته عن لبس السمور و السنجاب و الفنك، فقال: لا تلبس و لا تصلّ، الا ان يكون ذكيا.
و للثانى ايضا اخبار: منها ما رواه الكلينى، و الشيخ فى التهذيب عنه فى الباب، فى الحسن كالصحيح بعلى بن ابراهيم، عن ابيه، او الموثق كالصحيح بابن بكير، عنه، قال: سأل زرارة ابا عبد الله (ع)، عن الصلوة فى الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر، فاخرج كتابا زعم انه املاء رسول الله (ص):
ان الصلوة فى وبر كل شىء حرام اكله، فالصلوة فى وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كلّ شىء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلوة، حتى تصلى فى غيره مما أحل الله اكله، ثم قال: يا زرارة هذا عن رسول الله (ص) فاحفظ ذلك يا زرارة، فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة فى وبره و بوله و شعره و روثه و البانه، و كل شىء منه جايز، اذا علمت انه ذكى قد ذكاه الذبح، و ان كان غير ذلك، مما قد نهيت عن اكله و حرم عليك اكله، فالصلوة فى كل شىء منه فاسد، ذكاه الذبح او لم يذكه.
و منها جملة من الأخبار، الدالة على المنع عن الصلوة فيما لا يؤكل لحمه.
و منها ما رواه فى البحار، عن كتاب العلل لمحمد بن على بن ابراهيم، و فيه:
و علة ان لا يصلى فى السنجاب و السمور، قال رسول الله (ص):... المتقدم.
و منها ما فى الفقه الرضوى، و قد ذكرناه، كالمروى فى العلل فى المسئلة السابقة.
أقول: لعل القول الاول لا يخلو عن قرب، لضعف ما استدل به الثانى لعدم مقاومته فى مقابلة ما يدل على الاول، و التكافؤ شرط فى التعارض، و ذلك لأن الشهرة المحكية معارضة بمثلها كما عرفت، مع قوته و ارجحيته عليها بالتحقيق
ص: 37
و الحكم به من غير جهة النقل، دون الشهرة المحكية فى كلام هؤلاء، لعدم تحققها بل ظهور استناد حكايتهم الى اطلاق المنع من غير استثناء، فى عبائر جملة من القدماء، و نفى الخلاف بنفى الخلاف.
و اما منعه فى النهاية، من الصلوة فيه، فلا يورث الوهن فى الدعوى المزبورة، لان تأليف النهاية قبل المبسوط، على ما نص عليه بعض(1) فافهم و اشتماله لما لا يقولون به، غير ضاير لما ستعرف، و ان اوجب الوهن، لأن الحلى ايضا ادعاه على المنع عموما كما عرفت، فله ايضا جهة وهن، بخلاف المبسوط لدعواه فى السنجاب بالخصوص، فافهم.
و الاجماع بالاجماع، مع كون ابن زهرة مدعيا له، على المنع عموما على ما نص عليه بعض، و لا كذلك معارضة لدعواه على الجواز فى السنجاب بالخصوص على ما نسب.
و اخبار الثانى لعموميتها، لا تقاوم الأخبار الأولة لخصوصيتها.
و القول بان المعتمد من ادلة المنع، هو موثقة ابن بكير، و هى صريحة فى المنع من السنجاب، لابتناء الجواب العام فيه عليه، لسبق السؤال عنه، الذى يصيره كالنص فى المسئول عنه، غير وجيه، و ان صرح به غير واحد، لامكان تخصيص السنجاب فى الجواب، بان يقال: كل شىء حرام اكله، فالصلوة فى وبره مثلا حرام، الا وبر السنجاب الذى سألت عنه، و حيث جاز التخصيص متصلا جاز منفصلا، لعدم الفرق بينهما جدا، قاله بعض الأصحاب.
نعم الرضوى نص فى المنع، و لكن بملاحظة ذيله، مع قصور سنده و عدم مكافأته للمستفيضة، المتضمنة للصحيح و غيره، ظاهر فى عدم المنع، لأن ما ذكره من ورود رواية بالرخصة، مشعر بان الجواز رخصة، و ان كان الأصل المنع، كما هو ظاهر الصدوق و الخلاف كما عن التهذيبين و الديلمى و الجامع، فهو ايضا مؤيد
ص: 38
للجواز و لو رخصه.
فظهر قوة الأخبار الدالة على القول الأول، و تضمنها لما لا يقولون به غير ضاير، لانها كالعام المخصص فيما بقى حجة، و موجبيته للوهن هنا غير ضاير ايضا، لانجباره بالكثرة و الصراحة، و القول بأنّها لمذهب العامة موافقة، بخلاف الأخبار النافية، و الأخذ بما خالف العامة الرشد بلا ريبة، فيجب ترجيح النافية فيه ما لا يخفى، لان تلك الأخبار ايضا بعيدة عن مذهب العامة، لتضمن اكثرها المنع عما وقع اطباقهم على الجواز فيه على الظاهر، لان مذهبهم جواز الصلوة فى جلود ما لا يؤكل لحمه مطلقا، حكاه جماعة، فليحمل الأخبار النافية على الكراهة، لأنها أقرب بالنسبة الى الحقيقة.
و يؤيده ما ذكره جماعة من انها مجاز مشهور بالنسبة الى مناهى الأئمة (ع) و اليها ذهب ابن حمزة، و ظاهر الصدوق فى المجالس و المقنع، و سلار، و الخلاف على ما نقله بعض الطائفة، و لعلها الظاهر من الصدوق ايضا، حيث رجح فى الفقيه ما ذكره ابوه فى الرسالة، و الانصاف ان المسئلة عن شوب الاشكال غير خالية، و ان كان الجواز لعله لا يخلو عن قوة كما عرفت، و لكن الأحوط هو الترك بلا شبهة، تحصيلا للبراءة اليقينية، و خروجها عن شبهة الخلاف، فتوى و دليلا فى المسئلة.
فائدة: السنجاب(1) على ما عن مجمع البحرين: حيوان على حد اليربوع، اكبر من الفارة،
شعره فى غاية النعومة، يتخذ من جلده الفراء يلبسه المتنعمون، و هو شديد الحيل ان ابصر الانسان صعد الشجرة العالية، و هو فى بلاد الصقالبة، و احسن جلوده الأزرق الملس.
و عن المصباح المنير: السمور كتنور، دابة معروفة، يتخذ من جلدها فراء
ص: 39
مثمنة، يكون ببلاد الترك، تشبه النمر، و منه اسود لا مع و اشقر، و حكى البعض ان اهل تلك الناحية يصيدون الصغار، فيخصون الذكر و يتركونه يرعى، فاذا كان ايام الثلج خرجوا للصيد، فمن كان مخصيا استلقى على قفاه، فادركوه و قد تم و حسن شعره.
و عن كتاب المجمع: الفنك(1) كعسل، دويبة برية غير مأكولة اللحم، يؤخذ منها الفرو، و يقال ان فروها اطيب من جميع الفراء، يجلب كثيرا من بلاد الصقالبة، و هو ابرد من السمور، و اعدل و احرّ من السنجاب، صالح لجميع الامزجة المعتدلة.
و عن كتاب الحيوان: الحواصل(2).(3) جمع حوصل، و هو طير كبير له حوصله كبيرة، يتخذ منه الفرو، قيل: و هذا الطاير يكون بمصر كثيرا.
روى التهذيب فى كتاب الصيد و الذبايح، عن ابى حمزة قال: سأل ابو خالد الكابلى، على بن الحسين (ع)، عن اكل لحم السنجاب و الفنك و الصلوة فيهما، قال ابو خالد: ان السنجاب يأوى الأشجار، قال فقال له: ان كان له سبله كسبلة السنور و الفار، فلا يؤكل لحمه و لا تجوز الصلوة فيه، ثم قال: اما أنا فلا اكله و لا احرمه.
ص: 40
السبلة بالتحريك الشارب كما عن اللغة، و مفهوم هذا الخبر، ان ليس له سبله، فحلال اكله و يجوز الصلوة فيه، و يؤيده قوله: اما انا فلا اكله و لا احرمه بحمل كلامه على ما ليس له سبله، بمعنى انه حلال على كراهية، و تجوز الصلوة فيه، و الخبر غريب، و الحكم به مشكل، اذ لا اعرف به قائلا، بل الظاهر الاتفاق على تحريمه مطلقا، على ما ذكره بعض. و ان استثنى جواز الصلوة فى جلده و وبره، على القول بذلك.
لأنه ذو نفس سائله، قال فى المسالك: و يشترط فى جواز الصلوة فيه تذكيته، لانه ذو نفس، و الدباغ مطهر عندنا، قال فى الذكرى: و قد اشتهر بين التجار و المسافرين، انه غير مذكى، و لا عبرة بذلك حملا لتصرفات المسلمين على ما هو الاغلب، قال فى المدارك بعد نقل كلام الذكرى: و لا ريب فى ذلك، لأن متعلق الشهادة اذا كان غير محصور لا تسمع، نعم لو علم بذلك حرم استعماله.
اشهرهما على الظاهر المصرح به فى التحرير و المدارك و غيرهما(1)، كما عن المنتهى و الذكرى و التنقيح، المنع و هو الأصح، لدعوى الاجماع عليه فى صريح الانتصار،(2) و به يشعر عبارة المدارك الآتية بحسب الظاهر كالدروس، و المحكى عن البيان حيث جعل الشهيد فيهما رواية الجواز مهجورة متروكة، مشعرا بدعوى الاجماع، كما عن ظاهر ثانى المحققين(3) و الشهيدين و غيرهما،
ص: 41
حيث ادعوا الاجماع على المنع عن كل ما لا يؤكل لحمه، من غير استثناء لما نحن فيه اصلا، هذا مضافا الى الاجماعات المحكية فى خصوص المغشوش بوبرهما، عن المنتهى و الخلاف و ابن حمزة، و قد مضت المسئلة.
و ربما يشعر عبارة التحرير، بنفى الخلاف فى المسئلة، كما عن الخلاف، و لعله كذلك، الا ما يظهر من المحقق فيه، و السيد فى المدارك، قال فى البحار فى جملة كلام له: و اما وبر الأرانب و الثعالب و جلودهما، فالروايات فيه مختلفة و المشهور عدم جواز الصلوة فيها، قال فى التحرير: اعلم ان المشهور فى فتوى الأصحاب، المنع مما عدا السنجاب و وبر الخز، و العمل به احتياط فى الدين ثم روى صحيحتى الحلبى و على بن يقطين، الدالتين على الجواز، و قال: و طريق هذين الخبرين اقوى من تلك الطرق، و لو عمل بهما عامل جاز، و على الاولى عمل الظاهرين من الأصحاب، منضما الى الاحتياط فى العبادة، و كلامه رحمه الله فى غاية المتانة و الاحتياط لا يترك فى مثله، مع ظهور احتمال التقية فى اخبار الجواز.
قال السيد فى المدارك بعد ذكر المسئلة: و الاستدلال على الجواز، بصحيحتى على بن يقطين و الحلبى المتقدمتين فى السنجاب، و صحيحة جميل، و هى ما رواه التهذيب فى الباب، عن جميل، عن ابى عبد الله (ع) قال:
سألته عن الصلوة فى جلود الثعالب، فقال: اذا كانت ذكية فلا بأس، و نقل كلام المحقق ما صورته: و المسئلة قوية الاشكال، من حيث صحة اخبار الجواز و استفاضتها، و اشتهار القول بالمنع بين الأصحاب، بل اجماعهم عليه بحسب
ص: 42
الظاهر، و ان كان ما ذكره فى التحرير، لا يخلو من قرب، انتهى.
أقول: و فيه نظر واضح، لأن المسئلة بملاحظة الشهرة، و الاجماعات المحكية و الأخبار الكثيرة الدالة على المنع، تكون بحمد اللّه واضحة السبيل، و مكشوفة الدليل، فليحمل الأخبار المجوزة على التقية، خصوصا بملاحظة ان امارتها فى صحيحين منها لائحة، لتضمنها الرخصة فى جميع الفراء و السمور و الفنك و الثعالب، و جميع الجلود، كما فى احدهما، و فيما ذكروا شباهه كما فى الثانى، و لا يقول به الاصحاب، على الظاهر المصرح به فى الذكرى، فانه قال بعد كلام المحقق المتقدم، الدال على اختياره الجواز، قلت: هذان الخبران مصرحان بالتقية، لقوله فى الأول:
و اشباهه، و فى الثانى: و جميع الجلود، و هذا العموم، لا يقوله الأصحاب رضوان اللّه عليهم، انتهى.
فظهر ان ما يدل عليه الخبران عين ما اتفقت عليه العامة، و خلاف ما اتفقت عليه الامامية، كما اعترف به، فاىّ امر اظهر فى الحمل على التقية من ذلك فليحمل عليها البتة، فان الرشد فى خلافهم، بمقتضى القاعدة المنصوصة عنهم (ع).
حيث قال: اما السنجاب و الحواصل، فلا خلاف فى انه يجوز الصلوة فيها، و ظاهره كما ترى مشعر بدعوى الاجماع، و قيدها بعضهم(1) كما عن ابن حمزة بالخوارزمية، و قد تقدم فى السنجاب فى رواية بشير بن بشار، ما يدل على الجواز، و منع من ذلك الشيخ فى النهاية على ما نسب، و هو ظاهر الاكثر على الظاهر المصرح به فى عبائر غير واحد منهم.
و بذلك ظهر حال ما ادعاه الشيخ فى المبسوط، لوهنه بمصير الأكثر الى خلافه، و الحق ما ذهب اليه الاكثر، و الدليل على ذلك كثير، قال فى الدروس:
ص: 43
و فى الحواصل الخوارزمية، رواية بالجواز متروكة، و العبارة مشعرة بدعوى الاجماع.
روى فى البحار، عن كتاب الخرايج، فى حديث يتضمن حديث التوقيع من الناحية المقدسة، و فيه: و سألت ما يحل ان يصلى فيه، من الوبر و السمور و السنجاب و الفنك و الدلق و الحواصل، فاما السمور و الثعالب، فحرام عليك و على غيرك الصلوة فيه، و يحل لك جلود الماكول من اللحم، اذا لم يكن فيه غيره، و ان لم يكن لك ما تصلى فيه، و الحواصل جائز لك ان تصلى فيه، و الفراء متاع الغنم، ما لم يذبح بارمنيه يذبحه النصارى على الصليب، فجائز لك ان تلبسه، اذا ذبحه اخ لك، او مخالف تثق به.
و ظاهر هذا الخبر الجواز مع الضرورة، و امر الاحتياط واضح، فلا بد ان لا يترك فى امثال المقام، قال فى البحار: قال فى القاموس: الدلق محركة دويبة كالسمور، معرب دله، و فى حيوة الحيوان: فارسى معرب، و هو دويبة تقرب من السنور، قيل انه يفترس فى بعض الاحايين،(1) و يكرع(2) الدم، و قيل: انه عدو الحمام، و اذا دخل البرج لا يترك فيه واحدا، انتهى، و الظاهر انه الادبس، الذى يسمى عندنا السمورة، انتهى.
و لعل الثانى هو المشهور بين الأصحاب، بل لم أقف على قائل بجواز الصلوة فيه، الا ما عن ظاهر عبارة الصدوق فى المجالس و المقنع، بالنسبة الى الفنك، و عن الثانى المخالفة بالنسبة الى السمور ايضا، و لعله الظاهر من عبارة الرسالة المكتوبة الى الصدوق، التى نقلها فى الفقيه، و الروايات مختلفة فى بعضها، و كيف كان فالاحتياط هو الترك فى الجميع، فلا يترك البتة.
(و) كذا يجوز من (الممتزج بالحرير) مزجا لا يستهلك فيه غير الحرير
ص: 44
بحيث يصدق على الثوب انه ابريسم محض، كما يشعر به ادخال الباء على الحرير، و به نص فى التحرير حيث قال: و لو كان عشرا ما لم يكن مستهلكا، بحيث يصدق على الثوب انه ابريسم، و هو مذهب علمائنا، انتهى.
بلا خلاف على الظاهر المصرح به فى عبائر غير واحد منهم، و يدل عليه مضافا الى الأصل، و الاجماع المحكى فى التحرير و غيره، كما عن الخلاف و جامع المقاصد، و تقييد الأخبار الدالة على تحريم لبس الحرير بالمحض، كما سيظهر اخبار مستفيضة بل متجاوزة عن حدها:
منها(1) ما رواه الكلينى فى كتاب الزى و التجمل فى باب لبس التحرير، باسناد معتبر جدا على ما ذكره غير واحد منهم، عن اسمعيل بن الفضل، عن أبى عبد الله (ع)، فى الثوب يكون فيه الحرير، فقال: ان كان فيه خلط فلا بأس.
و منها ما رواه ايضا فى الباب فى الصحيح، عن احمد بن محمد بن ابى نصر، قال: سأل الحسين بن قياما أبا الحسن (ع)، عن الثوب الملحم(2) بالقز و القطن، القز اكثر من النصف، ايصلى فيه؟ قال: لا بأس به، قد كان لأبى الحسن (ع) منه جبات.
و منها ما رواه التهذيب فى باب ما يصلى فيه من اللباس، فى الصحيح عن صفوان بن يحيى، عن يوسف بن ابراهيم، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا بأس بالثوب ان يكون سداه و زره و علمه حريرا، و انما كره الحرير المبهم للرجال.
و اشتمال السند على يوسف غير ضاير، اما لأن الراوى عنه هنا صفوان، و هو ممن اجمعت العصابة و ممن لا يروى الا عن الثقة، او لأن الرواية صحيحة عند الصدوق، لأنه رواها فى الفقيه، فتدبر. او لان يوسف هذا يلقب بالطاطرى، و عن العدة ادعاء الاجماع على العمل بما رواه الطاطريون، و الظاهر ان يوسف
ص: 45
هذا. هو يوسف بن محمد بن ابراهيم، كما ذكره الصدوق و المحكى عن التهذيب، و الظاهر ان النسبة الى الجد لأجل شهرته.
و منها ما رواه التهذيب فى الزيادات، فى الصحيح عن فضالة بن أيوب عن موسى بن بكر، عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (ع): ينهى عن لباس الحرير للرجال و النساء، الا ما كان من حرير مخلوط بخز، لحمته او سداه خز، او كتان، او قطن، و انما يكره الحرير المحض للرجال و النساء.
و السند غير خال عن القوة، و ان اشتمل على موسى بن بكر الواسطى، المصرح بوقفه فى (ظم) و الخلاصة، اما لرواية الاجلة عنه، كابن المغيرة و فضالة و صفوان و جعفر بن بشير كثيرا، كما صرح به بعض المحققين، و فى الأولين اجماع العصابة، و فى الأخير يروى عن الثقات، و يكون كثير الرواية، و رواياته مقبولة مفتى بها، كما صرح به بعض المحققين، او لما عن الكافى فى باب ميراث الولد مع الزوج، حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، قال: رفع الى صفوان كتابا لموسى بن بكر فقال: هذا سماعى عن موسى بن بكر و قراته عليه، و عنه فى كتاب الخلع قال: و كان جعفر بن سماعة يقول: يتبعها الطلاق، و يحتج برواية موسى بن بكر، عن العبد الصالح، قال قال على (ع): الحديث، و عن ابن طاووس فى سند هو فيه طعن عن العبيدى و ابن سنان، و لم يطعن عليه، او لما عن المختلف فى باب توريث الامام الملاعنة جميع مال ولدها، انه وصف حديثه بالصحة، على ان ضعف السند لو كان هنا غير ضاير، لانجباره بما عرفت سابقا.
و فى الاحتجاج: كتب الحميرى الى الناحية المقدسة: انا نجد باصفهان ثيابا عتابية، على عمل الوشى من قز و ابريسم، هل تجوز الصلوة فيها ام لا؟ فأجاب (ع): لا تجوز الصلوة، الا فى ثوب سداه او لحمته قطن او كتان.
و عن القاموس: الوشى نقش الثوب، و يكون من كل لون، و وشى الثوب كوعى و شيا، و شية حسنة، غنمة و نقشه و حسّنه كوشاه.
ص: 46
و عن المصباح المنير: و شيت الثوب و شيا، من باب وعد، رقمته و نقشه فهو موشىّ، و الاصل على مفعول، و الوشى نوع من الثياب الموشية تسميه بالمصدر و قال: القز معرب، قال الليث: هو ما يعمل منه الأبريسم، مثل الحنطة و الدقيق.
و عن الوافى: القز بالفتح و التشديد نوع من الحرير، فارسى معرب.
و فى كتاب الفقه الرضوى: لا تصلّ فى ديباج، و لا فى حرير، و لا فى وشى، و لا فى ثوب ابريسم محض، و لا فى تكة ابريسم، اذا كان الثوب سداه ابريسم و لحمته قطن او كتان او صوف، فلا بأس بالصلوة فيه.
الديباج: معرب ديبا على ما صرح به بعض، و عن المصباح المنير:
الديباج: ثوب سداه و لحمته ابريسم، و عن الفيروزآبادى: يقال للكساء الاسود البركانى و البركانى مشددتين، و عن الوافى: الديباج يقال للحرير المنقوش، فارسى معرب، و كان الحرير يطلق على ما لا نقش فيه، و يقابل الديباج انتهى.
و لعل صحيحة محمد بن اسمعيل الآتية ان شاء اللّه فى عنوان قول المصنف:
و يحرم الحرير، الى آخره، تنافى المذكور، لدلالتها على ان الديباج على قسمين احدهما ما فيه تماثيل، و الآخر ما لم يكن فيه التماثيل، و كذا تنافى المذكور موثقة سماعة بن مهران الآتية فى البحث المذكور، و كذا قول الشيخ فى التهذيب فى البحث المذكور، بعد ذكر الصحيحة حيث قال: و يحتمل ايضا ان يكون أراد (ع) اذا كان الديباج سداه او لحمته غزلا او كتانا، دون ان يكون مبهما، فافهم.
و عن مجمع البحرين، بعد ان ذكر ان الديباج ثوب سداه و لحمته ابريسم و فى الخبر لا تلبسوا الحرير و الديباج، يريد به الاستبرق، و هو الديباج الغليظ، قد يقال: و يمكن الجمع بين الكلامين، فان الغلظ الذى وصفه هنا باعتبار النقش كما ذكره فى الوافى، و الظاهر انه لا يقدّر اقل الخليط بالعشر، كما توهم ذلك عبارة من الجماعة، قالوا: سواء كان الخليط أقل أو اكثر، و لو كان عشرا، ما لم يكن مستهلكا بحيث يصدق على الثوب انه ابريسم محض.
ص: 47
و عن جامع المقاصد، بعد ذكر ذلك: و انه يشترط فى الخليط أن يكون محللا، و على ذلك اجماع الاصحاب، نقله فى التحرير و المنتهى انتهى، بل الاعتبار بحصول الخليط بحيث لا يصدق عليه الحرير المحض، و لا يعتبر حصول القدر المذكور.
قال فى السرائر على ما نسب: و لا بأس بما كان ممزوجا بغير الأبريسم الذى يجوز الصلوة فيه، سواء كان السدا او اللحمة او اقل او اكثر، بعد أن ينسب اليه بطريق الجزئية، كعشر و تسع و ثمن و سبع، و امثال ذلك، انتهى.
و الأصل ما ذكرناه، فما ذكره فى خبر الاحتجاج و غيره، من السدا و اللحمة، يمكن حمله على التمثيل، او على الاستحباب، ذكره فى البحار، كما يستفاد ذلك من ذكر المزج بالقطن و الكتان، فانه لا ينحصر ذلك فيهما اجماعا، على الظاهر المصرح به فى عبائر بعض، بل كلما تجوز الصلوة فيه من صوف و وبر و نحوهما، مما يخرج به عن كونه حريرا محضا، كما يشعر به عبارة الفقه الرضوى.
(و يحرم) لبس (الحرير المحض على الرجال) مطلقا و لو فى غير الصلوة باجماع علماء الاسلام، على الظاهر المصرح به فى عبائر غير واحد منهم، بل هو من ضروريات الدين، و المتواترات عن الرسول و الأئمة، قاله بعض الأصحاب، و اما بطلان الصلوة للرجال فيه، فهو ايضا اجماعى بيننا، على الظاهر المحكى فى كثير من العبائر، كالانتصار و المدارك و التحرير و البحار و الحبل المتين و غيرها، كما عن المصنف فى المنتهى و الخلاف و الذكرى، و عبارة بعض هؤلاء، و ان لم تكن صريحة فى الاجماع، لكنها ظاهرة فيه جدا، و فى البحار: و ذهب علماؤنا، الى بطلان الصلوة فيه، و نقلوا عليه الاجماع انتهى، و هو الحجة، مضافا الى الأخبار الكثيرة:
منها ما رواه الكلينى فى الباب، فى الصحيح عن محمد بن عبد الجبار قال: كتبت الى ابى محمد (ع) اسئله: هل يصلى فى قلنسوة حرير محض او قلنسوة ديباج؟ فكتب (ع): لا تحل الصلوة فى حرير محض.
ص: 48
و منها ما رواه فى الباب ايضا، فى الصحيح عن اسمعيل بن سعد الاحوص قال: و سألته يعنى الرضا (ع): هل يصلى الرجل فى ثوب ابريسم؟ فقال: لا.
و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى الباب، عن ابى جارود، عن أبى جعفر (ع): ان النبى (ص) قال لعلى (ع): انى احب لك ما احب لنفسى و اكره لك ما اكره لنفسى، فلا تتختم بخاتم ذهب فانه زينتك فى الاخرة، و لا تلبس القرمز فانه من اردية ابليس، و لا تركب بميثرة(1) حمراء فانها من مراكب ابليس، و لا تلبس الحرير فيحرق اللّه عز و جل جلدك يوم تلقاه، ثم قال الصدوق: و لم يطلق النبى (ص)، لبس الحرير لاحد من الرجال، الا لعبد الرحمن بن عوف و ذلك انه كان رجلا قملا، انتهى.
و زعم الشارح المحقق على الظاهر: ان عبارة الصدوق هذه، من تتمة الحديث، فذكرها فى ذيل ذلك الخبر، و هو سهو، بل الظاهر انه من كلام الصدوق الذى يداخل الأخبار، فيقع فيه الاشتباه، كما نص عليه بعض الافاضل و لهذا لم يذكرها المحدثان، فى الوافى و الوسائل، و يدل عليه ايضا، ان الصدوق نقل الخبر فى كتاب العلل، عاريا من تلك الزيادة، قال فى البحار بعد نقل ذلك الخبر عن العلل: بيان فى القاموس: القرمز بالكسر صبغ ارمنى، يكون من عصارة دود يكون فى اجامهم، انتهى.
و لا يخفى عليك ان لباب المناقشة فى دلالة خبر ابى الجارود على بطلان الصلوة مجالا، و بالجملة الأخبار الواردة فى الباب كثيرة، بل لعلها متواترة، بعد ضم بعضها الى بعض، من طرق الخاصة و العامة، كما صرح به الجماعة و هى ما بين عامة للنهى عن لبسه مطلقا، و مصرحه بعدم حل الصلوة فيه، الظاهر فى فسادها بنفسه، او بضميمة اقتضاء النهى فى العبادات الفساد، كما عليه علماؤنا، على ما نص عليه بعض الأفاضل.
ص: 49
و اما ما رواه التهذيب فى الباب، فى الصحيح عن محمد بن اسمعيل بن بزيع، قال: سألت ابا الحسن (ع) عن الصلوة فى ثوب ديباج، فقال: ما لم يكن فيه تماثيل فلا بأس.
فمحمول اما على التقية، او على حال الحرب، او على ما اذا كان سداه او لحمته غزلا او كتانا، ثم لا فرق فى الحكم بين ما لو كان الحرير ساترا للعورة ام لا، و نسبه المحقق فى التحرير، و المصنف فى المنتهى، الى الشيخين و المرتضى و اتباعهم، بل عن المنتهى انه عزاه الى علمائنا.
اما فى الضرورة كدفع الحر و البرد و نحوهما، فلا بلا خلاف، على الظاهر المصرح به فى عبائر الجماعة، بل عليه الاجماعات المحكية البالغة حدّ الاستفاضة، و اما فى حال الحرب فهو ايضا كالضرورة، للاجماعات المحكية عن جماعة،(1) و الأخبار فى المطلبين كثيرة، مثل ما روى عنهم (ع): ليس شىء مما حرم اللّه تعالى، الا و قد أحلّه لمن اضطر اليه، و عنهم ايضا (ع): كلما غلب اللّه عليه، فالله او لى بالعذر، و مثل قوله (ع): دفع عن امتى الخطاء و النسيان، و ما اكرهو عليه، و ما لا يطيقون، و امثال ذلك.
و خصوص المستفيضة: منها ما رواه الكلينى فى كتاب الرأى فى باب لبس الحرير، فى الموثق عن ابن بكير، الذى هو ممن اجمعت العصابة، عن بعض أصحابنا، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا يلبس الرجل الحرير و الديباج، الاّ فى الحرب.
و منها ما رواه التهذيب فى باب ما يصلى فيه من اللباس، فى الموثق عن سماعة بن مهران، قال: سألت أبا عبد الله (ع)، عن لباس الحرير و الديباج
ص: 50
فقال: اما فى الحرب فلا بأس، و ان كان فيه تماثيل.
و منها ما رواه فى الكافى فى كتاب الزى فى باب لبس الحرير، عن اسمعيل بن الفضل، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا يصلح للرجل ان يلبس الحرير الاّ فى الحرب، و كلمة (لا يصلح) و ان كانت مشعرة بالكراهة باشعار ضعيف، لكنها محمولة على الحرمة باجماع علماء الاسلام، كما عرفت.
و منها المروى عن عبد الله بن جعفر فى قرب الأسناد، بسنده عن الحسين بن علوان، عن جعفر، عن ابيه (ع): ان عليّا (ع) كان لا يرى بأسا بلبس الحرير و الديباج فى الحرب، اذا لم يكن فيه تماثيل.
قال فى التحرير على ما حكى: و يجوز لبسه للقمل، لما روى عن عبد الرحمن بن عوف و الزبير، شكوا الى رسول الله (ص)، القمل فرخص لهما فى قميص الحرير، و قال الراوندى فى الرابع: لم يرخص لبس الحرير لأحد، الا لعبد الرحمن بن عوف، فانه كان قملا و المشهور ان الترخيص لعبد الرحمن و الزبير، و يعلم من الترخيص لهما بطريق العمل، جوازه لغيرهما بفحوى اللفظ، و يقوى عندى عدم التعدية، انتهى.
و عرفت ما ذكره الصدوق ايضا فى ذيل خبر ابى جارود، حيث نقلناه، و استحسن عدم التعدية الشارح المحقق.
أقول: ان ظهر ان علة الترخيص انما هى لكونه قملا، و لعله الظاهر من الخبر، فالظاهر العموم، و لكن الاعتماد على الخبر مشكل، لعدم (وضوح) سنده و يؤيده ما أشار اليه بعض الأجلاء بقوله: ان هذه الرواية، و ان اشتهر نقلها حتى فى كلام الصدوق رضوان الله عليه، انما وردت من طرق العامة، لعدم وجودها فى اخبارنا، كما لا يخفى على من تتبعها من مظانها، و لا سيما كتاب البحار الجامع بشواذ الأخبار، و حينئذ فيضعف الاعتماد عليها.
حيث عرفت سابقا، ان المعتبر فى التحريم كون الثوب حريرا محضا، فلو خيط الحرير بغيره من قطن و نحوه و ان كثر، لم يخرج عن التحريم،
ص: 51
و اظهر فى المنع ما لو كانت بطانته او ظهارته حريرا، و كذا لو جعل الثوب ملفقا من قطع حرير و غيره، فانه لا يخرج بذلك عما هو عليه من التحرير، قاله بعض الاصحاب، و المسئلة الاخيره لا تخلو عن اشكال، ان لم تكن اجماعية.
فذهب الاكثر، كما صرح به بعضهم، و منهم المصنف رحمه الله و المحقق و ظاهر الصدوق، الى التحريم، و يظهر من الذكرى الميل الى الجواز، كالبحار حيث قال فى البحار، فى جملة كلام له: و الجواز متجه، لعدم تحقق الاجماع على التحريم، و ان كان كلام الفاضلين موهما له انتهى، قيل: كلام الفاضلين مشعر بكونه مجمعا عليه عندنا حيث اطلقا القول، و نسب المخالفة الى العامه.
حجة الذكرى ما رواه فى الزيادات فى الصحيح، عن الحسين بن سعيد قال: قرات فى كتاب محمد بن ابراهيم، الى ابى الحسن الرضا (ع)، يسئله عن الصلوة فى ثوب حشوه قز، فكتب اليه قراته: لا باس بالصلوة فيه، و يؤيده ما رواه فى الوافى فى الباب، عن سفيان بن السمط، قال: قرات فى كتاب محمد بن ابراهيم، الى ابى الحسن (ع)، يسئله عن ثوب حشوه قز يصلى فيه، فكتب:
لا باس به، و ما رواه فى الفقيه فى الباب، قال: كتب ابراهيم بن مهزيار الى ابى محمّد الحسن (ع)، فى الرّجل يجعل فى جبّته بدل القطن قزّا، هل يصلى فيه؟ فكتب: نعم لا باس.
و اجاب التحرير عن رواية الحسين، بالضعف، لاستناد الراوى الى ما وجده فى كتاب لم يسمعه عن محدث، و حمل الصدوق فى الفقيه القز على قز الماعز، ورد هما فى الذكرى بعد ذكر الكلام فى المسئلة، و نقل تاويل الصدوق.
و جواب صاحب التحرير، ما لفظه: قلت: يضعف الأول، بانه خلاف الحقيقة الظاهرة، و الثانى بان اخبار الراوى بصيغة الجزم، و المكاتبة المجزوم بها فى قوة المشافهة، مع ان الخاص مقدم على العام، فلو قيل بالعمل برواية الحسين لم يكن بعيدا، و يؤيده ما ذكره الصدوق فى الفقيه، انه كتب ابراهيم الى ابى
ص: 52
محمد (ع)، ثم ساق الخبر كما تقدم، ثم قال: او رده الصدوق بصيغة الجزم ايضا انتهى، و نقل الشيخ بعد ذكر رواية الحسين، تأويل الصدوق، و لم يذكر شيئا.
أقول: ظهور اشعار الاجماع من الفاضلين، بل من الذكرى ايضا، حيث قال: فلو قيل المشعر ذلك يكون الحكم بالمنع اجماعيا، قاله بعض الافاضل، و توجيه الصدوق الخبر، و رضاء الشيخ به، حيث لم يعترض على الصدوق بشىء، بعد نقل توجيهه، و كون العامة قائلين بصحة الصلوة فى الحرير، كما نص عليه بعض الافاضل، بكون المكاتبات كثيرا امّا لا يخلو عن شىء من جهة التقية و الخوف، على ما قاله بعض المحققين، المعتضد ذلك بعموم الأخبار المانعة عن الصلوة فى التحرير، ربما يعضد الذهاب الى المنع، فيشكل الخروج عنه و الافتاء بالجواز، الا ان القاء هذه الاخبار، مع تأييدها بمطابقة القاعدة فى تقديم الخاص على العالم ايضا، لا يخلو عن اشكال، و لعل الاقرب المنع، كما هو الاحوط.
(الا التكة و القلنسوة) بما لا تتم الصلوة فيه من الحرير للرجال، وفاقا للشيخ و الحلى و الحلبى، و الشهيدين و المحققين، و شرح المفاتيح، بل نسبه الشارح المحقق و البحار و غيرهما الى المشهور، و فى المفاتيح الى المتأخرين و فى شرحه الى المشهور بينهم، و خلافا للمحكى عن المفيد و ابن بابويه و ابن الجنيد، حيث لم يستثنوا فظاهرهم المنع، و نسب المخالفة الى الديلمى و ابن حمزة، و غيرهما من القدماء ايضا. و مال الى هذا القول جماعة من المتأخرين، كالشارح المحقق و المدارك و البحار و المفاتيح و الاثنى عشرية، و قواه فى الحبل المتين كالمصنف فى المختلف، و الرياض، و ربما يظهر من المصنف فى القواعد ايضا المخالفة، كالشهيد فى اللمعه، كما عن المنتهى، و بالغ الصدوق فى الفقيه حتى قال: و لا يجوز الصلوة فى تكه راسها من ابريسم.
للأول: ما رواه التهذيب فى الزيادات، عن الحلبى، عن ابى عبد الله
ص: 53
عليه السلام، قال: كلما لا يجوز الصلوة فيه وحده، فلا باس بالصّلوة فيه، مثل تكة الابريسم، و القلنسوة، و الخف، و الزنار يكون فى السّراويل، و يصلى فيه.
و للثانى: صحيحة محمد بن عبد الجبار، المتقدمة فى عنوان قول المصنف:
و يحرم الحرير المحض الى آخره.
و ما رواه التهذيب فى(1) الباب، فى الصحيح عن محمد بن عبد الجبار، قال: كتبت الى ابى محمّد (ع)، اسئله هل يصلى فى قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه؟ او تكة حرير؟ او تكة من وبر الا ارنب؟ فكتب (ع): لا تحل الصّلوة فى الحرير المحض، و ان كان الوبر ذكيا، حلت الصلوة فيه ان شاء الله.
و يؤيد هما عموم الأخبار المانعه عن الصلوة فى الحرير المحض، و ما فى الرضوى: لا تصلى فى ديباج، و لا فى وشى، و لا فى ثوب ابريسم محض، و لا فى تكة ابريسم، و اذا كان الثوب سداه ابريسم و لحمته قطن او كتان او صوف، فلا باس بالصلوة فيها.
و اجيب عن صحيحة عبد الجبار، بانها عامة و خبر الحلبى خاص، و الخاص مقدم، و المكاتبة ضعيفة، و رد بان الجواب مبنى على السّؤال عن الصلوة فى قلنسوه حرير، فيكون كالنص، و المكاتبة اذا شهد بصحتها الثقة فى قوة المشافهة، مع ان خبر الحلبى ضعيف، و رد ذلك بان كالنص ليس مثل النص البته، لجواز ان يرى المعصوم (ع)، المصلحة و عدم الجواب عما سئل، كما يفعله الشيخ مكررا فى التهذيب، و المكاتبة ايضا ليست مثل المشافهة، و ان كانت فى وقتها، و لهذا لا يحكم القاضى بالخط مطلقا فتأمل.
و اما رواية الحلبى و ان كان فى طريقها احمد بن هلال الضعيف، الا انه رواها عن ابن ابى عمير، و اصحابنا يصححون مثل هذا الحديث، على ما ذكره السيد الداماد فى الرّواشح، مع ان العلامة و الشيخ و غيرهما، ممن يعدل الرواة
ص: 54
و اعتمادنا على توثيقهم و جرحهم، هم الذين رجحوا رواية الحلبى، و قدموها على صحيحة محمد بن عبد الجبار، بل منهم من لا يعمل بخبر الواحد، مثل ابن ادريس و غيره، مع ان صحيحة محمد بن عبد الجبار الثانية، تضمنت بظاهرها جواز الصلوة فى وبر ما لا يؤكل لحمه، و قد عرفت حاله، فربما يرجح ذلك و رووها تقية، كما هو الشان فى المكاتبات، من انهم كانوا يتقون فيها، خوفا من وقوعها فى يد الاعداء، و هذا ايضا من مرجحات المشافهة على المكاتبة.
و اهل السنه باجمعهم يحرمون الصّلوة فى الحرير، فهذا ايضا من مرجحات رواية الحلبى على الصحيحة، على ان كون رواية الحلبى ضعيفة، انما هو باصطلاح المتأخرين، ككون رواية محمد بن عبد الجبار صحيحة، و تقديم هذا الصحيح على هذا الضعيف، ليس الا من جهة قاعدتهم، من كون العدالة شرطا فى قبول الرواية و حجتيها، و معلوم ان المؤسّسين للاصطلاح المذكور، المصلحين للقاعدة المذكورة اتفقوا هنا على تقديم رواية الحلبى على صحيحة محمد بن عبد الجبار على حسب ما مرّ، و وافقوا القدماء، الذين رواية الحلبى هذه صحيحة عندهم و باصطلاحهم، و ليس هذا الاتفاق و الوفاق، الا لما عرفت منهم من تقديمهم الرواية المنجبره على الصحيحة، كما هو معروف من فتاويهم، كذا افاده بعض المحققين.
و أنت خبير بان رواية احمد بن هلال، عن ابن ابى عمير، لا تخرج الرّواية عن الضعف، لأن الذى ذكره ابن الغضايرى، انما هو اعتمادهم عليه فيما يرويه عن ابن ابى عمير من كتاب نوادره، و اين لنا؟ ان هذا من ذاك.
و اما الاطلاق المحكى عن السيد الداماد، فالظاهر تقييده بما رواه عن ابن ابى عمير عن نوادره، كما يظهر ذلك بالمراجعة الى كتب الرجال، فراجع نعم لو كانت الشهرة على الجواز محققه، لكان المصير الى القول بحجيّتها متجها، و لكن فى تحققها اشكال، و اما كفاية الشهرة المحكيّة هنا، فلا تخلو عن اشكال ايضا، فليتأمل.
ص: 55
فالخروج بسبب تلك الرّواية، عن الاطلاقات و العمومات، مع قوة دلالة الصحيحة المتقدمة، بحيث تكون كالنص لو لم تكن نصا، كما عن جماعة المعتضدة بصريح الرضوى المتقدم محلّ اشكال، مع كون تلك المعارضات اكثر و اصح، فلتكن بالتقديم ارجح، و المكاتبة غير ضايرة لكونها حجة على الاصح، سيما مع اتفاق الاصحاب على العمل عليها، و لو فى غير المسئلة على ما ذكره بعض الافاضل و حملها على التقيه غير وجيه، لظهورها فى ان للصلوة فى المنع عن لبسه فيها مدخلية، و ليس الا من حيث بطلانها، و هو من خصايص الامامية، على ما صرح به بعض الأجلة، بل حمل جماعة رواية الحلبى على التقية، على ما يحكى عن الوسائل حيث قال: و ذهب جماعة الى المنع، و حملوا الجواز على التقية، و هو الاحوط، انتهى.
قيل: و لا ريب ان حمل الرواية عليها، امكن من حمل الصحاح عليها، لبعدها عن طريقتهم فى الغاية، دون الرواية، فانها تنطبق على مذهبهم، لو لا يتوهم من مفهومها المنع على الصلوة فيما لا يتم فيه المخالف للعامة، الا ان الذب عنه ممكن، فان دلالتها على ذلك بالمفهوم الضعيف، فلعل العامة زمان صدور الرّواية، لم يقولوا به، انتهى.
و القول بان قوله (ع): لا تحل الصلوة فى الحرير المحض، مما لا ينفع الخصم و لا يضرنا، لأن الحلال فى الاصطلاح بمعنى المباح، و هو ما يتساوى فى نظر الشارع فعله و تركه، فهو يقابل المكروه، و نحن نقول ان الصّلوة فيما لا يتم فيه من الحرير مكروهة، و ليست حلالا بالمعنى المصطلح، مدفوع بان تخصيص الحلال بهذا المعنى الذى يقابل به المكروه، من المصطلحات الاصولية المستحدثه كساير اصطلاحاتهم، و لم يثبت تحققها فى زمانهم عليهم السلام، فضلا عن شيوعها، بحيث يحمل كلامهم سلام اللّه عليهم عليها، بل نحكم حكما قطعيا لا يشوبه ريب، بانهم عليهم السلام متى قالوا: لا يحل الشىء الفلانى، فانهم يعنون انه محرم، لا انه مكروه او مستحب، و هذا مما لا مجال للتوقف فيه بوجه، و مع هذا
ص: 56
كله فالقول بالجواز لعله لا يخلو عن رجحان مّا، و ان كان الاحتياط التام هو الترك.
(و يجوز الركوب عليه و الافتراش له) على الاشهر الاظهر، بل لا خلاف فيه يظهر، الا ما حكاه المصنف فى المختلف عن بعض من تأخر، و ربما يشعر الى التوقف ظاهر مختصر النافع كما عن ظاهر الصيمرى و صريح، و ربما نفى بعض البعد فى ان يكون كلام المختلف، اشارة الى منع صاحب التحرير، و ان كان على جهة التردد، معللا بانه لم ينقل فيما وصل الينا عن غيره، و هذا فى مقامه، و بهذا يمكن ما عن ظاهر و الوسيلة من القول بالمنع.
و بالجملة المخالف شاذ غير معروف المستند، عدا عموم بعض النصوص، كخبر(1) هذان محرمان على ذكور امتى، و هو على تقدير تسليم سنده، و عمومه لما نحن فيه، مخصّص بما رواه التهذيب فى اواخر الزيادات، فى الصحيح عن على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن فراش حرير و مثله من الديباج، و مصلى حرير و مثله من الدّيباج، يصلح للرّجل النوم عليه و التكأه و الصّلوة عليه، قال: يفترشه و يقوم عليه، و لا يسجد عليه.
و يؤيده ما رواه الصدوق فى الفقيه فى الباب قال: و روى مسمع من عبد الملك البصرى انه قال: لا باس ان ياخذ من ديباج الكعبة، فيجعله غلاف مصحف، او يجعله مصلّى عليه.
و الجمع بين الصحيحة و الخبر العام، و ان امكن بوجه آخر، و هو حمل الحرير و الديباج الواقعين فيها على الممتزج، و لكنه مجاز التخصيص مقدم عليه على الاقوى، مع كون التخصيص اوفق بالاصل، و كيف كان فالعمومات لا تصلح للمعارضة، لعدم صدق اللبس على المذكور، و لم نجد ما يدل على تحريم مطلق الاستعمال يعتد به، و الخبر المتقدم لا اعتداد بشأنه فى المقام، على فرض جواز،
ص: 57
الاعتماد عليه لما عرفت من الصحيحة الدالة على الجواز المعروف بين الاصحاب، على ما ذكره الشارح المحقق و المدارك و غيرهما، مؤذنين بدعوى الاجماع عليه.
و لعلّ هذا حجة اخرى دالة على تخصيص الخبر المتقدم، و لكن الاحوط ترك الصلوة عليه، لما فى الفقه الرّضوى فى تتمة العبادة المتقدم نقلها عنه، فى عنوان قول المصنف: الا التكه و القلنسوة، ما صورته: و لا تصل فى جلد الميتة على كل حال، و لا فى خاتم ذهب، و لا تشرب فى آنية الذهب و الفضة و لا تصلّ على شىء من هذه الأشياء، الا ما يصلح لبسه، و فى حكم الافتراش التوسد و الالتحاف، للاصل و عدم دليل دال على تحريم مطلق الاستعمال، و لا يصدق عليهما اللبس، كما عليه جماعة.
و اما التدثر، فحكم الشهيد الثانى انه كالافتراش، و منعه سبطه فى المدارك، زعما منه صدق اللبس عليه، و فيه تأمل، و الأحوط المنع فيه، بل فى الالتحاف ايضا.
(و) يجوز (الكف به) بان يجعل فى رؤس الاكمام و الذيل و حول الزيق و الحق به اللبنة و هى الجيب، و عن ظاهر بعض الاطلاق، و ابقاء هذا اللفظ على معناه، على الاشهر الأظهر.
و فى البحار و غيره(1) المعروف بين الأصحاب جوازه، كالذكرى حيث نسبه الى الأصحاب على ما نسب، و المدارك حيث جعله مقطوعا به بين المتأخرين، و كلام هؤلاء مؤذن بدعوى الاجماع، و المخالف فى المسئلة ليس يظهر الا ما يحكى من ظاهر ابن البراج من المنع، و ربما نسب المخالفة الى المرتضى.
و كيف كان فالقول بالجواز لا يخلو عن قوة، للنبوى العامى المنجبر بالشهرة العظيمة، المستدل به من الاصحاب جماعة كثيرة، و هو ما رواه العامة عن
ص: 58
عمر: ان النبى (ص) نهى عن الحرير الا فى موضع اصبعين او ثلاث او اربع، و النبوى الآخر: كان له (ص) جبة كسروانية لها لبنة ديباج، و فرجاها مكفوفان بالديباج. و لرواية الحلبى المتقدمة فى عنوان قول المصنف: إلاّ التكّة و القلنسوة، فليتأمل.
و لأن غاية ما ثبت من الاخبار و الاجماع حرمة الصلوة فى الثوب الحرير و اللباس منه، او الحرير المحض، و الاولان لا دخل لهما فى المقام، و اما الحرير المحض فالمتبادر منه هو ان يكون الثوب حريرا محضا، لا ان يكون فيه حرير، و يرشد الى ذلك رواية يوسف بن ابراهيم المتقدمة فى عنوان قول المصنف: و الممتزج بالحرير، لأن فيها:
لا باس بالثوب ان يكون سداه و زرّه و علمه حريرا، و انما كره الحرير المبهم للرجال.
و رواية المرويه فى الوافى فى كتاب الزى فى باب لبس الخز، عن ابى داود يوسف بن ابراهيم قال: دخلت على ابى عبد الله (ع)، و علىّ قباء خز و بطانته خز و طيلسان خز مرتفع، فقلت: ان علّى ثوبا اكره لبسه، فقال: و ما هو؟ فقلت:
طيلسانى هذا، قال: و ما بال الطيلسان؟ قلت: هو خز، قال: و ما بال الخز؟ قلت: و سداءه ابريسم، قال: و ما بال الابريسم؟ قال: لا نكره ان يكون سدى الثوب ابريسم، و لا زرّه و لا علمه، و انما يكره المصمت من الابريسم للرجال، و لا يكره للنساء.
و انت اذا تاملت فى الخبرين و امثالهما، لعلك لا تشك فى الحكم المذكور بشىء.
و اما الاستدلال على المطلب، بما رواه التهذيب فى الزيادات، عن جراح المداينى، عن ابى عبد اللّه (ع): انه كان يكره ان يلبس القميص المكفوف بالديباج، و يكره لباس الحرير، و لباس الوشى، و يكره الميثرة الحمراء، فانها ميثرة ابليس، بمعونة ما ذكره بعض: بان الكراهة و ان لم تكن حقيقه فى المعنى الاصطلاحى، الا انها ظاهرة فيه، لأن معناها لغه و عرفا، هو القدر المشترك بين الكراهة الاصطلاحية، و الحرمة و المرجوحية فى الجملة، و الحرام لا يعبر بمثل ذلك، بل يعبر بما يدل على المنع عن الارتكاب، منعا لازما واجبا شرعا، و العام لا يدلّ على الخاص، بل على القدر المشترك و هو ظاهر فى المرجوحية،
ص: 59
التى لم يحرم فعلها، و لم يمنع عنها لاصالة البراءة عن الزائد عن المرجوحية، فيكون الحكم الكراهة الظاهرة بحسب القاعدة الشرعية، يحتاج الى تامل، لما يظهر من السياق.
و استدلال بعض المحدثين بالكراهة على التحريم، حيث وردت فى الحديث، افراط، كما ان الاستدلال بها على عدمه حيث وردت فيه تفريط، الا ان يكون مراد المستدلّ منه ما تقدم، فافهم.
و القول بان الرّواية معارضة بما دل على تحريم لبس الحرير مطلقا، و الظاهر انه بعمومه شامل لمحل النزاع محلّ كلام، كما اشرنا اليه.
و بالجملة الذى ظهر من المذكورات، انه لا مانع فى الزر و العلم و الكفاف و نحوها، و القول بان ما دل على المجوز فى المذكورات، غير مشعر بجواز الصلوة فيها غير وجيه، لكفاية الشمول اطلاقا، مع عدم القائل بالفرق، على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر.
فان قلت: روى التهذيب فى الزيادات، فى الموثق عن عمار بن موسى، عن ابى عبد اللّه (ع) قال: سألته عن الثوب يكون عمله ديباجا، قال: لا تصلى فيه، و هو بالنسبة الى المنع عن الصلوة العلم خاص، و الخبران او الأخبار باللبس مطلقه تصلح ان تكون مقيدة به، و القائل به ايضا موجود على الظاهر، لأن المختلف نقل عن الاسكافى انه قال: و لا يختار للرّجل خاصة، الصلوة فى الحرير المحض، و لا الذهب و المشجع من الصبغ، و لا الثوب الذى علمه حرير محض انتهى، و ان قال هو بعد النقل، فان كان مراده التحريم، منعنا من تحريم الصلوة فى الثوب المشبع بالصبغ، و فى الثوب الذى علمه(1) حرير محض، لما رواه جراح المداينى عن الصادق (ع)، انه يكون يكره ان يلبس القميص الملفوف بالديباج، و الكراهة لا يستلزم التحريم، و ان كان مراده الكراهة، منعنا من جواز
ص: 60
الصلوة فى الحرير المحض، و الظاهر ان مراده فى الثوب الحرير التحريم، و فى الباقى الكراهة، انتهى.
قلت: الموثق لا يصلح المعارضة ما تقدم جدا، على ان القائل به غير معلوم و ما يظهر من كلام ابن الجنيد مع عدم ظهوره فى الجواز فى غير الصلوة(1) غير ظاهر فى القول بالحرمة فى لبسه فيها، بل لعل الظاهر منه الكراهة كما ذكره المصنف فى المختلف، و يؤيده انا لم نجد من ينقل الخلاف المذكور فيه، مع كون ديدنهم نقله حيث كان، و عن الذكرى انه حمل الموثقه على الكراهة، و لعله لا يخلو عن قوة، فى الحبل المتين قال: يمكن حملها على الكراهة او على ديباج منسوج بالذهب.
و كيف كان فلا مانع اصلا من خياطة الثوب و غيره بالابريسم، على ما هو المتعارف، و لا وجه للاحتياط فيه اصلا، لما يرى من العرف و العادة، مع القطع بعدم تغير زماننا مع زمان الأئمة، على ما نص عليه بعض، و ان كان الاحتياط فى نحو العلم و الكف مطلوبا.
بقى هنا شىء، و هو ان النبوى قدر الكف باربع اصابع، و لا ينافيه اطلاق العبارة، و غيرها من عبائر الجماعة، لو وردها مورد الغلبة، و ليس الا اربع اصابع مضمومة او غايتها منفرجة و الزيادة تعدية هى فى المقام مفقودة فتدبر.
و التحقيق هو المنع عما زاد عن اربع اصابع مضمومه ايضا، امّا لوقوع اتفاقهم عليه، على ما ذكره شرح المفاتيح و هو حجة، او لأن المضمومة هى المتبادرة، على ما ذكره بعض، فافهم، او لأجل الاقتصاد على المتيقن، على ما ذكره آخر، فتدبر، و الأوجه هو الاعتماد على الأول.
ص: 61
(و يجوز) لبس الحرير (للنساء) فى غير الصلوة، باجماع علماء الاسلام كافة، على الظاهر المصرّح به فى عبائر الجماعة، بل بالضرورة من الدّين، على ما نص عليه بعض المحققين.(1) و النّصوص بذلك بعد الاصل كثيرة، و قد مضى جمله منها و سياتى الى بعضها الاشارة، و فيها على الاشهر الاظهر بل لا خلاف فيه يظهر، الا من الصدوق فى الفقيه، و توقف فيه بعض من تأخر، كالمصنف فى المنتهى و المبسوط و الشيخ البهائى فى الحبل المتين، و ربما يظهر من بعض(2)الأخباريين الميل الى ما اختاره الصدوق.
و كيف كان فهذا القول شاذ، بل على خلافه اطباق باقى الاصحاب، على ما صرح به المصنف فى المختلف، كما عن الشهيدين فى الذكرى و الرياض و غيرهما، و لعله كذلك سيما بعد ما يظهر من سيرة المسلمين، فى الاعصار و الامصار، من عدم منعهم النساء عن الصّلوة فيه، كما لا يمنعوا ايّاهن عن لبسه فى غيرها، و الدليل عليه بعد المذكور، الاصل و عموم الأمر بالصلوة كتابا و سنة، و بستر العورة و كتابا على اشكال(3) فى الاخير، و القدر المخرج منهما بالدليل الرجال، و لا دليل على خروجهن عن مقتضاهما، سوى اطلاق صحيحتى محمد بن عبد الجبار، المتقدمة احديهما فى عنوان قول المصنف: و يحرم الحرير المحض على الرجال، و اخراهما فى قوله: الا التكة و القلنسوة، المتضمنين لقوله (ع): لا تحل الصلوة فى حرير محض او ديباج، و فى اخراهما عن تكة حرير.
و رواية زرارة المتقدمة فى عنوان قول المصنف: و الممتزج بالحرير، المتضمنة لنهيه (ع) عن لباس الحرير للرجال و النساء، بناء على عدم امكان حملها على مطلق اللّبس، لمخالفته النص و الاجماع كما مر، فينبغى التقييد بخصوص حال الصلوة.
ص: 62
و خصوص ما رواه فى البحار، عن الخصال، عن احمد بن الحسن القطان، عن الحسن بن على السكرى، عن محمد بن زكريا البصرى، عن جعفر بن محمد بن بن عمارة، عن ابيه، عن جابر الجعفى، عن ابى جعفر (ع) قال: يجوز للمراة لبس الديباج و الحرير فى غير صلوة و احرام، و حرم ذلك على الرجال الا فى الجهاد، و يجوز ان تتختم بالذهب و تصلى فيه، و حرم ذلك على الرجال عن سماعة قال النبى (ص): يا على لا تتختم بالذّهب فانه زينتك الجنة، و لا تلبس الحرير فانه لباسك فى الجنة.
و ما رواه الكافى فى كتاب الزى فى باب لبس الحرير، فى الصحيح عن ابى ايوب، عن ابى عبد اللّه (ع): لا ينبغى للمراة ان تلبس الحرير المحض و هى محرمة، فاما فى الحر و البرد فلا باس.
و شىء من المذكورات لا يصلح دليلا لاثبات المنع، اما فى الاطلاق، فلمعا رضة جملة من النصوص المرخصة لهن فى لبسه، الشامل لحال الصلوة و غيرها، منها: خبر ابى داود المتقدم فى عنوان قول المصنف: و يجوز الكف.
و منها المروى فى كتاب الزى فى باب لبس الحرير، عن ليث المرادى قال: قال ابو عبد الله (ع): ان رسول الله (ص) كسى اسامة بن زيد حلة حرير فخرج فيها، فقال: مهلا يا اسامة، انما يلبسها من لا خلاق له، فاقسمها بين نسائك.
و منها ما رواه فى البحار عن غوالى اللئالى، قال النبى (ص) مشيرا الى الذّهب و الحرير: هذان محرمان على ذكور امتى دون اناثهم.
بل من الأخبار المعتبرة ما يشمل بعمومه حال الصلوة، كموثقة عبد اللّه بن بكير المجمع(1) على تصحيح ما يصح عنه، المروية فى الكافى فى كتاب الزى فى باب لبس الحرير، عن بعض اصحابه، عن ابى عبد الله (ع) قال: النساء تلبس
ص: 63
الحرير و الديباج الا فى الاحرام، و قضية الاستثناء جواز لبسهن فى الصلوة، و قصور السند غير ضاير لانجباره بالشهرة العظيمة، و كون التعارض من قبيل تعارض العمومين من وجه، غير ضاير لنا:
امّا اولا: فلانهما تعارضا فيتساقطان، فيبقى الاصل، و الاطلاقات، سليمين عن المعارض.
و اما ثانيا: فلان الترجيح معنا، لرجحان اطلاقنا، بالاصل، و العمومات، و الشهرة العظيمة، المحقّقة و المحكية فى كلام جماعة، حدّ الاستفاضة، بل عن حدها متجاوزة، و بغيرها فليقيد الاطلاق بارادة المنع، و عدم الحل بخصوص الرجل، كما يشعر به سياق الصحيحة الاولى، لأن القلنسوة من ملابس الرّجال دون العكس، بان يريد من اطلاقنا حل اللبس فى غير الصلوة.
و اما رواية زرارة، فمع ضعف سندها، لاشتماله على موسى بن بكر الواقفى الغير الموثق، و مخالفة اطلاقها لاجماع العلماء، معارضة بجملة المناطيق المعمولة بين الطائفة و لو سلم ان التعارض من قبيل تعارض العام و الخاص المطلقين، لأن مضمون العام اذا كان مشهورا، لا يجوز تخصيصه بالخاص، و لو كان الخاص بحسب السند و الدلالة معتبرا، فافهم.
و بالمفهوم المستفاد من رواية يوسف بن ابراهيم، المتقدمة فى عنوان قول المصنف: و الممتزج بالحرير، المؤيد بصحيحة اسمعيل بن سعد الاحوص المتقدمة فى عنوان قول المصنف: و يحرم الحرير المحض على الرجال، حيث اختص السؤال بخصوص الرّجال، اذ لو كان شاملا للمراة، لكان الاولى هو السؤال عن حالها، لأنه ملبسها فى غير الصّلوة جزما، فافهم.
و بروايتى عبد اللّه بن بكير و اسماعيل بن الفضل المتقدمتين فى العنوان المذكور.
حيث اختصّ قول المعصوم بالرجل دون المرأة، فافهم. و التعارض بين رواية زرارة، و بين المفهوم المستفاد من روايه يوسف، و ان كان العموم و الخصوص المطلقين.
و لكن التقريب ما مر، و لو كان العام من المفاهيم الضعيفه، فضلا عن أن يكون مثل المفهوم الحصر الذى ربما يكون اقوى من المنطوق، فافهم.
ص: 64
و اما موثقة سماعة، فهى لنا لا علينا، كما لا يخفى على من له ادنى دربة، و ان قال فى حقها بعض الفضلاء: و فيها اشعار ما بعدم لبسه فى الصلوة.
و اما رواية الخصال، فلضعف سندها لا تصلح، و ان كان دلالتها متضحة، فلتطرح او تحمل على الافضلية، كما عن المبسوط و الجامع و السرائر، او الكراهة كما فى البحار و المحكى عن غيره، و لا باس بهما، تسامحا فى ادلتها.
قيل نعم، و قيل لا، و هو الاقرب، قد يقال و يحتمل المنع فيهم، احتياطا لإحتمال كونهم فى نفس الأمر ذكورا، فيتوجه عليهم المنع ايضا، و امر الاحتياط واضح.
لأن وجوده كعدمه، مع تحقق النهى عنه، و جوزه العامة و اوجبوه على ما نسب، لأن ذلك من الضروريات، قالوا: و لو وجد النجس غيره و الحرير، و اضطر الى احدهما لبرد و نحوه، تخيّر النجس، لورود الاذن فى لبسه.
المشهور العدم، و به صرح الفاضلان فى التحرير و المنتهى، قال فى التحرير: يحرم على الولى تمكين الصغير من لبس الحرير، لقوله (ص): حرام على ذكور امتى، و قاله جابر: كنا ننزعه عن الصبيان و نتركه على الجوارى، و الاشبه عندى الكراهة، لأن الصبى ليس بمكلف فلا يتناوله الخبر، و ما فعله جابر و غيره، يحمل على التنزه و المبالغة فى التورع انتهى، و نحوه صرّح فى المنتهى، و قبلهما الشهيد فى الذكرى، بعد التردد، و نقل فى الذخيرة قولا بالتحريم، استنادا الى ما تقدم، و الظاهر ان الرواية الاولى لا دلالة فيها، كما اشار اليه المحقق، و الثانية عامية، و قضية الاصل العدم، انتهى.
و نسب فى الذخيرة، القول بالعدم الى المحقق و من تأخر عنه.
ص: 65
لا خلاف بين الاصحاب، على الظاهر المصرح به فى عبائر جماعة حد الاستفاضة، فى تحريم لبس الذهب على الرجال، و انما الخلاف فى بطلان الصلوة فيما لا يتم الصّلوة فيه، كالخاتم منه مثلا، و ذهب الاكثر كما هو الاظهر، الى البطلان، بل لا خلاف فى المسئلة يظهر الا من المحقق فى التحرير، فى خصوص الخاتم، و ربما يظهر من الذكرى التوقف فيه، حيث اقتصر على نقل القولين من غير ترجيح، الا ان كلامه فى الدروس، كما عن البيان ظاهر فى اختيار المشهور، حيث حكم بالبطلان فى الخاتم و لو تموّها، قيل: يظهر من المنتهى، التردد فى المنطقة.
للمشهور اخبار: منها ما رواه التهذيب فى الزيادات، فى الموثق عن عمار بن موسى، عن ابى عبد الله (ع)، فى الرجل يصلى و عليه خاتم حديد، قال: و لا يتختم به الرّجل، فانه من لباس اهل النار، قال: لا يلبس الرجل الذهب و لا يصلى فيه، لأنه من لباس الجنة.
و منها ما رواه فى الباب،(1) عن موسى بن اكيل النميرى، عن ابى عبد الله عليه السلام، فى الحديد: انه حلية اهل النار، و الذهب حلية اهل الجنة، و جعل اللّه الذهب فى الدنيا زينة النساء، فحرم على الرجال لبسه و الصلوة فيه الحديث.
و منها ما فى الفقه الرضوى، المتقدم فى عنوان قول المصنف: و يجوز الركوب عليه و الافتراش له.
و منها ما فى الخصال، المتقدم نقله فى عنوان قول المصنف هذا، و ضعف الاسانيد منجبر بالشهرة، و استدلال التحرير و جوابه قد تقدم فى الخاتم المغصوب
ص: 66
فراجع، و المناقشة فى بعض الأخبار المتقدمة، و ان كانت ممكنة، و لكن الرضوى و خبر الخصال، اغنيانا عن جوابها قال الشهيد رحمه اللّه لو موّه الخاتم بذهب فالظاهر تحريمه لصدق اسم الذهب عليه، نعم لو تقاوم عهده، حتى اندرس و زال مسماه جاز، و مثله الاعلام على الثياب من الذهب او المموّه به، فى المنع من لبسه و الصلوة فيه انتهى، و هو جيد.
و يظهر من المنقول عن ابى الصلاح، عدم تحريم الصلوة فى الثوب المذهب حيث قال: يكره الصلوة فى الثوب المصبوغ، و آكده كراهية الاسود، ثم الاحمر المشبع، و المذهب، و الموسخ، و الملحم بالحرير و الذهب، قال: و الافضل الثياب البياض، من القطن و الكتان انتهى، و التحريم احوط و اقوى، كما نسب الى الفقهاء، و من هنا يظهر حال المنطقه، اذا صدق اللبس عليها، كما صرّح به بعض، و لعل مع عدم صدق اللبس ايضا، يكفى فى الحكم بالبطلان موثقة عمار و رواية موسى بن اكيل، فافهم.
و اما ما يستصحبه المصلى من نحو الدّنانير، مما لا يصدق عليه اللبس عادة، فالظاهر عدم بطلان الصلوة، فيه اذ لم يظهر فيه نهى عموما و لا خصوصا، بل ظاهر جملة من النصوص جواز شد السن مطلقا، من دون تقييد له بحال الضرورة، مع ان الظاهر من حال الشد دوامه و لو حال الصّلوة، مع ان جواز الاستصحاب من بديهيات الدين، و ظاهر من الأخبار على ما صرح به بعض المحققين، و هو مستصحب حتى يثبت خلافه فى الصّلوة فيه، و لم يثبت، مضافا الى انه لو كان ممنوعا، لشاع و ذاع، لشدة الحاجة و عموم البلوى، و وفور الدّواعى، سيّما فى الاسفار، و خصوصا بالنسبة الى الصّراف و المبتلين باخذه كالتجار.
و قيل احتياط المحتاطين على الأول، اى المنع عن الصلوة، و ان كان مسكوكا بسكة المعاملة، مع انه ورد جواز النفقة فى طريق الحج فى هميان يشد على الحقوين، من دون استفضال، و فرق من ان يكون دراهم و دنانير، و مع كون الدنانير اغلب، الى ان قال: بل احتاطوا عن الصلوة فى القران المغشى
ص: 67
بالذهب، و المكتوب به، و الزين به، و كذا غيره من الكتب و القراطيس المنقوشة بماء الذهب، و امثال ذلك، و الاحتياط حسن، ما لم يقع ضرورة و تلف تضييع او اطلاع النّاس عليه، اذ ربما كان مامورا بستره، انتهى.
اعلم ان الفروع المذكورة فى الحرير جارية فى الذهب ايضا على الظاهر المصرّح به فى عبائر بعض، قيل: ورد فى غير واحد من الأخبار، ان الأئمة كانوا يزينون الصبيان بالذهب، فهذا يؤيد الحرير ايضا.
(و يكره السود عدا العمامة و الخف) و الكساء، و هو ثوب من صوف، و منه العباء على ما نقل عن الجوهرى، لاطلاق ما ورد فى غير واحد من الأخبار، بكراهة لبسه عدا المستثنيات المذكورة و ستعرف ان شاء الله. روى الصدوق فى الفقيه عن حذيقة بن منصور قال: كنت عند ابى عبد الله (ع) بالحيرة، فاتى رسول ابى العباس الخليفة يدعوه، فدعا بممطر احد وجهيه اسود و الآخر ابيض، فلبسه ثم قال ابو عبد الله عليه السلام: اما انى البسه و انا اعلم انه لباس النار.
و عن القاموس: الممطر و الممطرة بكسرها، ثوب صوف يتوقى به من المطر.
و روى فيه ايضا عن امير المؤمنين (ع)، انه فيما علّم اصحابه، لا تلبس السّواد فانه لباس فرعون، و روى فيه ايضا قال: و كان رسول الله (ص) يكره السواد الا فى ثلاثة: العمامه، و الخف، و الكساء، و روى فيه ايضا، عن اسمعيل بن مسلم، عن الصادق (ع) انه قال: اوحى اللّه عز و جل الى نبىّ من انبيائه:
قل للمؤمنين: لا تلبسوا لباس(1) اعدائى، و لا تطعموا مطاعم اعدائى، و لا تسلكوا مسالك اعدائى، فيكونوا اعدائى كما هم اعدائى.
و الكراهة متاكّدة فى القلنسوة، لما رواه الصدوق فى الفقيه فى الباب، قال:
و سئل الصادق (ع)، عن الصلوة فى القلنسوة السّوداء، فقال: لا تصلّ فيها، فانها لباس اهل النار.
ص: 68
و بالجملة الاشكال على الظاهر فى كل من حكمى المستثنى منه و المستثنى، الا فى استثناء الكساء، لعدم وقوعه فى العبارة، كالقواعد و نحوهما من عبائر الجماعة، كالمحقق فى مختصر المنافع و الشرايع، و كذا الحلى و السّرائر و المفيد و ابن حمزة، فيما حكى عنهم، بل عن بعض انهم لم يستثنوا غير العمامة، و فيه ما ترى، و عن آخر: كلّهم لم يستثنوه الا ابن سعيد فى الجامع، و فيه ايضا ما ترى، و قال آخر: و الاكثر على عدم استثناء الكساء، انتهى.
و دليل المسامحة فى ادلة الكراهة، لا يابى عن الذهاب الى عدم استثنائه لحصول الشبهة لعدم استثناء الاكثر، و اقتصارهم على ما فى العبارة، على ما قيل و منهم المصنف رحمه اللّه فى المنتهى، مدعيا عليه اجماع الامامية، على ما نسب مع عموم بعض النصوص بكراهة مطلق السود، خرج المجمع على استثنائه و يبقى الباقى، و ان كان الذهاب الى الاستثناء، لا يخلو عن قوة، تبعا للاخبار الواردة فيه:
منها: ما مرّ، و منها: ما رواه فى الوافى فى الباب، عن عدة من اصحابه، عن احمد بن محمد، رفعه عن ابى عبد الله (ع) قال: يكره السواد الا فى ثلاثه:
الخف و العمامة و الكساء.
و منها ما رواه فى كتاب الزى منه، عن احمد بن ابى عبد الله، عن بعض اصحابه، رفعه قال: كان رسول اللّه يكره السواد الا فى ثلاث: الخف و العمامة و الكساء.
وفاقا لجماعة كثيرة من المتأخرين، و خروج المستثنيات المذكورة من اصالة الاباحة، يحتاج الى دليل، ان الشهرة المحكية الدّالة على عدم استثنائهم الكساء، لنا غير ثابتة، قال فى البحار فى جملة كلام له: و اما الا لو ان الضعيفة فالمستفاد من كلام الاصحاب، عدم كراهتها مطلقا، و قال بعض المحققين: و لا يبعد استثناء السواد منها، فيحكم بكراهته و ان كان ضعيفا، لاطلاق الأخبار الواردة فيه، و هو حسن اذا صدق عليه السواد، و قد استثنوا من السّواد، الخف و العمامة و الكساء، لورود الأخبار به، انتهى.
ص: 69
و ظاهر عبارته كما ترى مؤمى بدعوى الاجماع، فتدبر.
و نظير تلك العبارة، عبارة(1) الشيخ فى الحبل المتين، قيل:(2) و لا يبعد استثناء لبس السواد فى ماتم الحسين (ع)، لما استفاضت به الاخبار من الأمر باظهار شعائر الأخران، و يؤيده ما رواه شيخنا المجلسى، عن البرقى فى كتاب المحاسن، انه روى عن عمر بن زين العابدين (ع)، انه قال: لما قتل جدى الحسين المظلوم الشهيد (ع)، لبس نساء بنى هاشم فى ماتمه لباس السواد، و لم يعربها فى حرّ او برد، و كان الامام زين العابدين (ع)، يضع له الطعام فى الماتم، الحديث منقول فى كتاب جلاء العيون بالفارسيّة، و لكن هذا حاصل ترجمته، انتهى.
و ظاهر العبارة اختصاص الكراهة بالسود، و المحكى عن المصنف فى المنتهى، القول بكراهة المزعفر و المعصفر و الاحمر، كالمحقق فى التحرير، حيث حكم بكراهة الصلوة فى الاشياء المذكوره، استنادا الى ما رواه التهذيب فى الزيادات، فى الموثق عن حماد بن عثمان، عن ابى عبد الله (ع) قال: يكره الصلوة فى الثوب المشبع المفدم، و الى ما رواه فى الزيادات ايضا، عن يزيد بن خليفة، عن ابى عبد اللّه (ع) انه كره الصّلوة فى المشبع بالمعصفر، المضرج بالزعفران، و المفدم جاء بمعنيين احدهما المصبوغ بالحمرة مشبعا، على ما حكى عن الجوهرى و غيره، الثانى مفدم خاثر مشبع، على ما حكى عن الجوهرى ايضا، و عن الوافى: المضرج بالضاد المعجمة و الجيم، المصبوغ بالحمرة، دون المفدم و فوق المورد.
ص: 70
و روى عن مالك بن اعين قال: دخلت على ابى جعفر (ع)، و عليه ملحفة حمراء شديدة الحمرة، فتبسمت حتى دخلت، فقال: كانى اعلم لم ضحكت، ضحكت من هذا الثوب الذى هو علّى، ان الثقفية اكرهتنى عليه، و انا احبها فاكرهتنى على لبسها، ثم قال: انا لا نصلى فى هذا، و لا تصلوا فى المشبع المضرج، قال: ثم دخلت عليه و قد طلقها، فقال: سمعتها تبرء من علّى (ع)، فلم يسعنى ان امسكها و هى تبرا منه (ع).
و عن ابى الصّلاح و ابن الجنيد و ابن ادريس، الذهاب الى كراهة الصلوة فى مطلق الثوب الشديد اللون، و كلام المبسوط ينظر اليه، و عن الذكرى الميل اليه، قال: ان كثيرا من الاصحاب، اقتصروا على السّواد فى الكراهة، انتهى.
و لعلّ حجة الجماعة، موثقة حماد المتقدمة، بالنظر الى التفسير الثانى للمفدم، و لعل التعميم اولى، نظرا الى قاعدة المسامحة، و حديث مالك المتقدم ينظر الى جواز لبسها فى غير الصلوة، قيل: فظاهر جمله من الأخبار، جواز لبسها فى غير الصلوة، و ان الأئمة (ع) كانوا يلبسونه فى مقام الاستحباب، اظهارا لرتبته، انتهى.
و اما الا لو ان الضعيفه، فالظاهر عدم كراهتها، لعدم الدليل عليها، و يؤيده ما عرفت من عبارة البحار و غيرها، و اما السّواد فلا يبعد الحكم بكراهته مطلقا، و لو كان ضعيفا، لما عرفت من اطلاق الأخبار.
(و) يكره الصلوة للرجل فى الثوب (الواحد الرقيق الغير الحاكى) لبشرة العورة، و ما هى عليه من بياض او سواد او حمرة، بلا خلاف اجده، تباعدا من حكاية الحجم و تحصيلا لكمال الستر، و خروجا عن الخلاف و الشبهة، هذا على القول بكفاية ستر اللون، كما هو الاقوى، و سيجئ تحقيقه ان شاء الله.
و اما على القول بوجوب ستر ايضا، فلما رواه التهذيب فى الباب، فى الصحيح عن محمد بن مسلم، عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الرّجل يصلى فى قميص واحد، او قباء طاق، او قباء محشو، و ليس عليه ازار، فقال: اذا كان القميص صفيقا، و القباء ليس بطويل الضرج، و الثوب الواحد اذا كان يتوشح به، و السراويل بتلك المنزلة،
ص: 71
كل ذلك لا باس به، و لكن اذا لبس السّراويل، جعل على عاتقه شيئا و لو جبلا.
و لما رواه التهذيب عن الكلينى فى الباب، فى الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: رايت ابا جعفر (ع)، صلى فى ازار واحد، ليس بواسع، قد عقده على عنقه، فقلت له: ما ترى فى الرّجل يصلى فى قميص واحد؟ فقال: اذا كان كثيفا، فلا باس به... الحديث.
و مقتضاهما لكلام اكثر الاصحاب، على ما قاله بعض بل عامتهم، كما فى الذكرى و الذخيرة، و عن الرياض عدم الكراهة فى الثوب الواحد اذا كان كثيفا، و يدل عليه مضافا الى ما مر، ما رواه الشيخ فى الباب، فى الصحيح عن زياد بن سوقة، عن ابى جعفر (ع) قال: لا باس ان يصلى احدكم فى الثوب الواحد، و ازراره محلولة، ان دين محمد حنيف، و رواه فى الزيادات ايضا، و رواه الفقيه فى آخر الباب، و الوافى ايضا فى باب الصلوة فى ثوب واحد، و ما رواه فى الباب فى الصحيح، عن عبيد بن زرارة، عن ابيه قال: صلى بنا ابو جعفر (ع) فى ثوب واحد، و ما رواه فى الباب، عن رفاعة بن موسى قال: حدثنى من سأل ابا عبد اللّه عليه السلام، عن الرجل يصلى فى ثوب واحد يأتزر به، قال: لا باس به، اذا رفعه الى الثديين، و رواه الكلينى ايضا فى الباب المتقدم، عن رفاعة، و فيه بدل الثديين ثندوتين(1).
و خالف فى ذلك بعض اصحابنا، على ما حكاه المصنف رحمه اللّه فى المنتهى كما حكى، و لعله المحقق فى المختصر النافع، حيث لم يقيد الثوب بالرّقة، مؤذنا بكراهة الصّلوة فيه للرجل مطلقا، و يظهر من الشهيد ايضا فى الذكرى المخالفة، حيث قال فيه فى جملة كلام له: و قال بعض العامة: الفضل فى ثوبين، لما روى عن النبى (ص): اذا كان لأحدكم ثوبان، فليصل فيهما، فلا باس به، و الأخبار(2) الاوله لا تنافيه، لدلالتها على الجواز، و يؤيده عموم
ص: 72
قوله تعالى: «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ»، و دلالة الأخبار ان اللّه احق ان يتزين له، و اورد هذا فى التذكرة، عن النبى (ص)، و افتى به، فيكون مع القميص أزار و سراويل، مع الاتفاق على ان الامام يكره له ترك الرّداء، و قد رواه سليمان بن خالد، عن ابى عبد الله (ع): لا ينبغى الا ان يكون رداء او عمامة يرتدى بها.
و الظاهر ان القائل بثوب واحد من الاصحاب، انما يريد به الجواز المطلق، و يريد به ايضا على البدن، و الا فالعمامة مستحبة مطلقا و كذا السّراويل و قد روى تعدد الصّلوة الواحدة، بالتعمم و التسرول، انتهى.
و فيه نظر لأن غاية ما ذكره من الادلة، عدا كراهية ترك الامام الرداء، الدالة على استحباب التعدد، و هو غير كراهية الوحدة، اللّهم الا ان يريد بالكراهة ترك الاولى، و الظاهر انه غير المتنازع، فتدبر.
نعم روى فى البحار، عن قرب الاسناد، عن عبد اللّه بن الحسن، عن جده على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن الرّجل، هل يصلح له ان يصلى فى سراويل واحد؟ و هو يصيب ثوبا، قال: لا يصلح.
و روى عن كتاب المسائل لعلى بن جعفر، عن اخيه موسى (ع) قال:
سألته عن الرجل، هل يصلح له ان يصلى فى ازار و قلنسوه و هو يجد داء؟ قال:
لا تصلى - الى ان قال - و سألته عن الرّجل هل يؤم فى قباء و قميص؟ قال اذا كان ثوبين، فلا باس، و فى الاخير تدبّر.
قال فى الذكرى: تكره الصّلوة فى الرقيق الذى لا يحكى، تباعدا من حكاية الحجم، و تحصيلا لكمال الستر، نعم لو كان تحته ثوب آخر، لم تكره اذا كان الاسفل ساترا للعورة، انتهى، قيل بعد نقل الكلام المذكور: و ربما اشعر آخر كلامه، بانه لو كان الاسفل غير ساتر، فان الكراهة باقية، و ان حصل الكامل بهما، و يفهم منه حينئذ، انه لو كان كل منهما لا يستر العورة، فانما يحصل
ص: 73
الستر بهما معا، فانه لا يجزى ايضا، و الظاهر انه ليس كذلك إذا اعتبار الشرطية فى الصّلوة غير مقيدة بثوب واحد، بل المراد ستر العورة كيف اتفق، بثوب واحد، او يثاب متعدّدة او غير الثياب مطلقا، انتهى، فافهم.
و يكره ايضا (ان ياتزر على) فوق (القميص) على المشهور، كما نسبه الجماعة، لما رواه فى الوافى فى باب الصلوة فى ثوب واحد، فى الصحيح عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا ينبغى ان تتوشح بازار فوق القميص، و انت تصلى، و لا تتزر بازار فوق القميص اذا انت صليت، فانه من زى الجاهلية.
خلافا للمصنف فى المنتهى، و المحقق فى التحرير، و الشارح المحقق فى الذخيره، و المحقق المجلسى فى البحار، و السّيد فى المدارك، فلا تكره، لما رواه التهذيب فى الباب، فى الصحيح عن موسى بن عمر بن بزيع، قال: قلت للرضا (ع): اشد الا زار و المنديل، فوق قميصى فى الصلوة، فقال: لا بأس.
و لما رواه ايضا فى الباب، فى الصحيح عن موسى بن القاسم البجلى قال:
رايت ابا جعفر الثانى (ع)، يصلى فى قميص، قد اتّزر فوقه بمنديل، و هو يصلى.
و فيه نظر لأن حمل نفى الباس المستفاد من احدى الصحيحين فعلا، و المصرح به فى اخرى قولا، على نفى التحريم، هو طريق الجمع، فيكون المراد من النهى الكراهة، التى قال جماعة فى حقها، انها مجاز مشهور بالنسبة اليه، فلا معنى لعدم الحكم بالكراهة.
نعم الحاكمون بالعدم معذورون، و ذلك لانهم راوا رواية ابى بصير المروية فى التهذيب، و هى فيه هكذا: قال لا ينبغى ان تتوشح بازار فوق القميص، اذا انت صليت فانه زىّ الجاهلية، و لهذا اعترض الشارح المحقق، تبعا لصاحب المدارك و غيره، بعد نقله عن الشيخ الرّواية بهذه الصّورة، بان مقتضى الرّواية كراهية التوشح فوق القميص، و هو خلاف الاتتزار، ثم نقل عن اهل اللغة ما نقل و انت خبير بان الظاهر ان الرواية المذكورة فى الكتابين واحدة، لأن التهذيب
ص: 74
رواها عن محمّد بن يعقوب، بالسند الذى فى الوافى، و اسقط منها موضع الاستدلال، و هو ناس عن الغفلة و الاستعجال، فانتقل نظره من لفظ القميص الأول الى الثانى، فسقط ما بين ذلك، و اكثر هؤلاء بل كلهم على الظاهر، لم يراجعوا الوافى فى المقام، فظهر ان ما اعترضوا به على هذه الرواية، من عدم الدلالة فى المقام، و طعنوا به على المتقدمين، من عدم وجود مستند للقول بالكراهة، ليس فى محله، و حيث لم يلاحظوا الوافى، و لم تكن الرواية المروية فى التهذيب مشتمله على الاتزار، حكموا بالجواز من غير كراهة، للصحيحتين المتقدمتين، و الحق هو القول بها لما تقدم.
و ما تضمنه الصّحيحة المتقدمة، من كراهة التوشح فوق القميص، قد افتى بها جماعة، و النصوص بذلك بعد الصحيحة مستفيضة، منها: ما رواه التهذيب فى الباب، عن محمد بن اسمعيل، عن بعض اصحابنا، عن احدهم عليهم السلام قال قال: الارتداء فوق التوشح فى الصلوة مكروه، و التوشح فوق القميص مكروه.
و منها ما رواه فى الفقيه فى الباب، عن زياد بن المنذر عن ابى جعفر عليه السلام، انه سأله رجل و هو حاضر، عن الرّجل يخرج من الحمّام، او يغتسل فيتوشح و يلبس قميصه فوق ازاره، فيصلى و هو كذلك، قال: هذا من عمل قوم لوط، فقلت له: انه يتوشح فوق القميص، قال: هذا من التجبر الحديث.
و منها ما رواه البحار، عن العلل، عن ابيه، عن سعد بن عبد الله، عن احمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقه، عن عمار، قال:
سألت ابا عبد الله (ع)، عن الرجل يؤم بقوم، يجوز له ان يتوشح، قال: لا يصلى الرجل بقوم و هو متوشح.
و منها ما رواه العلل ايضا، عن ابيه، عن سعد، عن الهيثم بن ابى مسروق الهندى، عن ابن محبوب، عن الهيثم بن واقد، عن ابى عبد الله (ع) قال: انما كره التوشح فوق القميص، لانها من فعل الجبابرة.
ص: 75
و منها ما رواه فيه ايضا، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن ابراهيم بن هاشم، عن اسمعيل بن سواد، عن يونس، عن جماعة من اصحابه، عن ابى جعفر و ابى عبد الله عليهما السلام، انه سئل ما العلة التى من اجلها لا يصلى الرجل و هو متوشح فوق القميص، قال: لعلة التكبر فى موضع الاستكانة و الذل.
و منها ما رواه فى البحار، عن الخصال، عن ابيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن محمد بن عيسى، عن القسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن ابى بصير و محمد بن مسلم، عن ابى عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: لا يصلى الرجل فى قميص متوشحا به، فانه من افعال قوم لوط.
و امّا ما يدل على الجواز، فهو ما رواه التهذيب فى الباب، فى الحسن عن حماد بن عيسى، قال: كتب الحسن بن على بن يقطين الى العبد الصالح (ع):
هل يصلّى الرّجل الصلوة، و عليه ازار موشح به فوق القميص؟ فكتب: نعم.
و عن على بن جعفر فى كتاب المسائل و قرب الاسناد، عن على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن الرّجل يتوشح بثوب، فيقع على الارض، او يجاوز عاتقة، ايصلح ذلك؟ قال: لا بأس.
و قال الصدوق فى الفقيه، بعد ذكر رواية زياد بن المنذر المتقدمة: و قد رويت رخصه فى التوشح بالازار، عن العبد الصالح، و عن ابى الحسن الثالث، و عن ابى جعفر الثانى عليهم السلام، و بها اخذ و افتى.
و بما ذكر ظهر ان ما ذكره صاحب المدارك، بعد ان اورد روايتى ابى بصير و محمد بن اسمعيل المتقدمتين، بقوله: و لا يبعد عدم كراهة التوشح ايضا.
لما رواه حماد بن عيسى: الحديث، لا يكون فى محله، مع ما علم من طريقته من عدم المناقشة فى ادلة الاستحباب و الكراهة، و ان قال فى اول كتابه ما قال حتى انه قال فى قبيل المسئلة التى نحن فيها باسطر، بعد ان اورد جملة من الروايات:
و هذه الروايات كلّها قاصرة من حيث السند، الا ان المقام مقام كراهة و تنزيه،
ص: 76
فلا يضر فيه ضعف السند، انتهى.
و ظاهر الشيخ فى التهذيب، الجمع بين ما ذكره فيه من اخبار الطرفين، بحمل اخبار النهى على الالتحاف بالثوب كما تلتحف اليهود، و ان يشتمل به كما يفعلونه، و اخبار الجواز على ان يتوشح بالازار، ليغطى ما كشف منه، و يستر ما تعرى من بدنه، و احتج لهذا بما رواه فى الموثق عن سماعة قال: سألته عن رجل يشتمل فى صلوته بثوب واحد، قال: لا يشتمل بثوب واحد، فاما ان يتوشح فيغطى منكبه فلا بأس.
قيل بعد نقل ذلك الجمع، و انت خبير بان حسنة حماد الدالة على الجواز، صريحة فى انّ التوشح فوق القميص، فلا يجوز فيها ما ذكره.
و ظاهر التعليلات و الرواية فى اخبار النهى، ان المنع من ذلك، انما هو من حيث كونه فعل الجبابرة، و اصحاب التكبر، و التعليل بالنّسبة باليهود انما ورد فى استدلال الرّداء و اشتمال الصماء، كما ورد فى جملة من الأخبار، فلم يتم ما ذكر ايضا، فى اخبار النهى، انتهى.
اختلف اهل اللغة فى معنى التوشح، فعن الجوهرى و الفيروزآبادى يقال: توشح الرجل بثوبه و سيفه، اذا تقلد بهما، و عن المصباح المنير: و توشح به و هو ان يدخله تحت ابطه الايمن، و يلقيه على منكبه الا يسر كما يفعله المحرم، و نحوه ما حكى عن المغرب قال: توشح الرجل هو ان يدخل ثوبه تحت يده اليمنى، و يلقيه على منكبه الا يسر كما يفعله المحرم، كذلك الرجل يتوشح بحمايل سيفه، فيقع الحمايل على عاتقه الا يسر، و يكون اليسرى مكشوفه، و عن نهاية ابن الايثر: فيه انه كان يتوشح به، اى يتغشى به، و الاصل فيه من الوشاح.
قال فى البحار: و قال النووى فى شرح المسلم: التوشح ان ياخذ طرف ثوب القاه على منكبه الايمن من تحت يده اليسرى، و ياخذ طرفه الذى القاه على الا يسر تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره، و المخالفة بين طرفيه و
ص: 77
الاشتمال بالثوب، بمعنى التوشح، و عن مجمع البيان: و الاصل فى ذلك من الوشاح، و هو شىء ينسج من اديم عريضا، و يرصع بالجواهر، و يوضع شبه قلادة تلبسه النساء، ثم قال: معناه ما نقلنا عن الجوهرى و الفيروزآبادى، و عن مجمع البحرين، و فيه: كان يتوشح به، اى يتغشى، و الاصل فى ذلك كله من الوشاح ككتاب، و هو شىء ينسج من اديم عريضا، و يرصع بالجواهر و يوضع شبه قلادة تلبسه النساء، يقال: وشح الرجل ثوبه او بازاره، و هو ان يدخله تحت ابطه الايمن و يلقيه على منكبه الايسر، كما يفعله المحرم، و كما يتوشح الرجل بحمايل على كفه اليسرى و تكون اليمنى مكشوفه.
قيل بعد نقل جملة من عبائر نقله اللغة: و لعل الاظهر ما ذكره فى كتاب المصباح المنير و فى المغرب، لما ذكره الفقهاء فى لبس ثوب الاحرام، الا على المتوشح على النحو المذكور، انتهى.
و كيف كان، فالظاهر اتفاق الكلمات المذكورات، على انه غير الاتزار فوق القميص، فلا وجه للإستدلال باخبار كراهية التوشح على كراهته،(1) نعم فى رواية زياد بن المنذر المتقدمة، اشعار بالاتحاد، و لكنه مدفوع بالصحيحة المتقدمة، المروية فى الوافى، مضافا الى كون ذلك الخبر ضعيف السند، و متضمنا صدره لما لم يقل به احد، على الظاهر المصرّح به فى عبائر بعض، و هو كراهة جعل المئزر تحت القميص، و عن المصنف فى المنتهى، نفى الخلاف عن عدم كراهته، مؤذنا بدعوى الاجماع، كما فى صريح المدارك، و المحكى عن التحرير.
(و) يكره (ان يشتمل الصماء) بلا خلاف، على الظاهر المصّرح به فى عبائر جماعة، حد الاستفاضه، بل فى المدارك و جامع المقاصد، كما عن الرياض و التحرير و المنتهى و الذكرى عليه الاجماع، و هو الحجة المعتضدة بنفى الخلاف كما عرفت، مضافا الى ما رواه فى الوافى، فى باب الصلوة فى ثوب واحد، فى
ص: 78
الصحيح على الصحيح بعلى بن ابراهيم، عن ابيه، عن زرارة عن ابى جعفر (ع) انه قال: اياك و التحاف الصماء، قلت: و ما التحاف الصماء؟ قال: ان تدخل الثوب من تحت جناحك، فتجعله على منكب واحد.
و الى ما رواه البحار، عن كتاب معانى الأخبار: عن محمد بن هرون الزنجانى، عن على بن عبد العزيز، عن القاسم بن سلام، باسانيد متصلة الى النبى (ص): أنه (ص) نهى عن لبستين: اشتمال الصماء، يختبى الرجل بثوب ليس بين فرجه و بين السّماء شىء، قال: و قال الصّادق (ع): التحاف الصماء، هو ان يدخل الرجل رداءه تحت ابطه، ثم يجعل طرفيه على منكب واحد.
بقى الكلام فى معناه، و انه عبارة عمّا ذا، و اختلف اهل اللغة فى تفسيره، فعن الجوهرى انه قال: قال ابو عبيد: و اشتمال الصماء ان تجلل جسدك بثوبك، نحو شملة الاعراب باكسيتهم، و هو ان يرد الكساء من قبل عينيه على يده اليسرى و عاتقه الايسر، ثم يرده ثانيه من خلفه على يده اليمنى و عاتقه الايمن، فيغطيهما جميعا، و ذكر ابو عبيد: ان الفقهاء يقولون: هو ان يشتمل بثوب واحد، ليس عليه غيره، يرفعه من احد جانبيه فيضعه على منكبيه، فيبد و منه فرجه، و اذا قلت: اشتمل فلان الصماء، كانك قلت: اشتمل الشملة التى تعرف بهذا الاسم، لأن الصّماء ضرب من الاشتمال.
و عن الفيروزآبادى نحوا من ذلك، و عن الجزرى: فيه و لا تشمل اشتمال اليهود، الاشتمال افتعال من الشملة، و هو كساء يتغطى به و يتلفف فيه، و المنهى عنه هو التجليل بالثوب، و اسباله من غير ان يرفع طرفه، و منه الحديث نهى عن اشتمال الصماء، و هو ان يتجلل الرجل بثوبه و لا يرفع منه جانبا، و انما قيل له صماء،(1)لأنه يشد على يديه و رجليه المنافذ كلها، كالصخرة: الصماء التى ليس فيها خرق(2)
ص: 79
و لا صدع،(1) و الفقهاء يقولون: هو ان يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من احد جانبيه فيضعه على منكبه، فتنكشف عورته.
و عن النووى فى شرح صحيح مسلم: يكره على الأول، لئلا تعرض له حاجة من رفع بعض الهوام او غيره، فيتعذر عليه او يعسره، و يحرم على الثانى، ان انكشف بعض عورته، و الا يكره، و هو بمهمله و مد.
و عن الغربيين: من فسره بما قاله ابو عبيد، فكراهة للتكشف و ابداءه العورة، و من فسره تفسير اهل اللغة، فانه كره ان يتزمل به شاملا جسده، مخافة ان يدفع منها الى حاله سادّه لنفسه فيهلك، و عن ابن فارس: هو ان يلتحف بالثوب ثم يلقى الجانب الا يسر على الايمن، و عن المغرب: لبسة الصماء هى عند العرب، ان يشتمل بثوبه فيجلل جسده كله بها، و لا يرفع جانبا يخرج منه يده، و قيل ان يشتمل بثوب واحد و ليس عليه ازار، و عن الهروى: ان يتجلل الرّجل بثوبه لا يرفع منه جانبا، و عن الاصمعى: و هو ان يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده، لا يرفع منه جانبا، فيكون فيه فرجة يخرج منها يده.
و عن الحسين بن مسعود فى شرح السنة: روى عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): اذا كان عند احدكم ثوبان فليصل فيهما، فان لم يكن الا ثوب فليتزر، و لا يشتمل اشتمال اليهود.
و عن الخطائى: فاشتمال اليهود ان يجلل بدنه الثوب و يسدله، من غير ان يشيل طرفه، فاما الاشتمال الصماء الذى جاء فى الحديث، هو ان يجلل بدنه الثوب، ثم يرفع طرفيه على عاتقيه احد جانبيه، فيبد و منه فرجه، و قد جاء هذا التفسير فى الحديث، و اليه ذهب الفقهاء.
و فسر الاصمعى بالاول فقال: هو عند العرب، ان يشتمل بثوبه فيجلل به جسده كله، و لا يرفع منه جانبا يخرج منه يده، و ربما اضطجع على هذه الحالة، كانه يذهب الى انه لا يدرى لعله يصيبه شىء أن يقيه بيده، و لا يقدر لكونهما فى ثيابه قلت: و قد روى ان النبى (ص)، نهى عن الصماء اشتمال اليهود، فجعلهما
ص: 80
شيئا واحدا، انتهى.
و روى العامة على ما قيل، عن ابى سعيد الخدرى: ان النبى (ص) نهى عن اشتمال الصماء، و هو ان يجعل وسط الرداء تحت منكبه الايمن، و يرد طرفه على الايسر. و عن ابن مسعود قال: نهى النبى (ص)، ان يلبس الرجل ثوبا واحدا، ياخذ بجوانبه عن منكبه، يدعى تلك الصماء. و عن بعض الشافعية: هو ان يلتحف بالثوب، ثم يخرج يديه من قبل صدره، فتبد و عورته.
أقول: هذا كلام اللغويين و فقهاء المخالفين، فى تفسير الصماء، و اما فقهاؤنا، فقال الشيخ فى المبسوط و النهاية على ما حكى: هو ان يلتحف بالازار، و يدخل طرفيه تحت يده و يجمعهما على منكب واحد، كفعل اليهود، و المراد بالالتحاف ستر المنكبين، على ما صرّح به جماعة حد الاستفاضة.
و قال فى معانى الأخبار، بعد ان ذكر ما نقلنا عن الاصمعى: و اما الفقهاء فانهم يقولون: هو ان يشتمل الرّجل بثوب واحد ليس عليه غير، ثم يرفعه من احد جانبيه فيضعه على منكبه، يبدو منه فرجه، و قال الصادق (ع): الخ ما نقلنا عنه سابقا، ثم قال: و هذا هو التاويل الصحيح دون ما خالفه.
و بمثل الصحيحة المتقدمة ايضا، فسر صاحب الوسيله على ما نسب، قال ابن ادريس فى السرائر: و يكره السدل فى الصلوة كما يفعل اليهود، و هو ان يتلفف بالازار، و لا يرفعه على كتفيه، و هذا تفسير اهل اللغة، فى اشتمال الصماء، و هو اختيار السيّد المرتضى، فاما تفسير الفقهاء لاشتمال الصّماء، الذى هو السّدل، قالوا: هو ان يلتحف بالازار، و يدخل طرفيه من تحت يده، و يجعلهما على منكب واحد، و مقتضى كلامه اتحاد السدل و اشتمال الصماء، و هو خلاف ما يظهر من المشهور، و سيجئ تحقيقه ان شاء الله.
و بالجملة: ما فسره الشيخ هو المشهور، على الظاهر المصرّح به فى الذخيرة و البحار، و الرياض، و الروضة و المدارك، و الرياض، و غيرها، بل لم اجد مخالفا بيننا، الا ما حكاه ابن ادريس عن السيّد، كما عرفت، و لا عبرة بقوله فى مقابلة
ص: 81
الصحيحة الصريحة المعتضدة بالشهرة المحققة و المحكية، و خصوص المروى فى معانى الأخبار، كما عرفته.
بقى هنا شىء، و ان هو ظاهر ما رواه معانى الأخبار، عن الصادق (ع) هو كون المراد إدخال احد طرفى الثوب من تحت احد الجناحين، و الطرف الآخر من تحت الجناح الآخر، ثم جعلها على منكب واحد، و هذا و ان امكن ارادته من الصحيحه، بان يراد بالجناح الجنس، الا ان المتبادر منها على ما ذكره الجماعة، ادخال طرفى الثوب معا من تحت جناح واحد، سواء كان الايمن او الايسر، ثم وضعه على منكب واحد.
قال فى الحبل المتين، بعد ان نقل الشيخ فى المبسوط و النهاية هكذا:
هو ان يلتحف بالازار، و يدخل فيه تحت يديه، و يجمعها على منكب واحد، ما صورته: و استدل العلامة فى المنتهى على تفسير الشيخ، بهذا الحديث، و هو يعطى انه فهم من الجناح فى الحديث، اليدين معا، انتهى.
هذا اذا كان فى نسخة الوافى جناحك، و اما اذا كان فيها جناحيك بصيغة المثنى، بدل جناحك كما فى احدى النسختين، اللتين عندى، فلا اشكال جدا، و لعلّ الأول هو الاصح، و يؤيده عدم نقل احد على الظاهر، اختلاف النسخ فى المقام.
(و) يكره ان يصلى (بغير حنك) بلا خلاف اجده، الا من شاذ سنذكره، بل عليه الاجماع فى المنتهى و التحرير، و هو الحجة، مضافا الى ان النبوى المروى عن غوالى اللئالى و فيه: من صلى بغير حنك، فاصابه داء له، فلا يلومن الا نفسه، قيل بعد رواية المذكور عنه: رواه فى آخر الكتاب، و كتاب الصلوة منه، و فى الحديث عنهم (ص): من صلى مقتعطا فاصابه داء لا دواء له، فلا يلو من الا نفسه، انتهى.
و سند الخبرين منجبر بالفتاوى، و الاجماعين المنقولين، و غيرهما، و الى اطلاق النّصوص بكراهية التعمم من دون تحنك.
ص: 82
ما رواه التهذيب فى الباب، عن الكلينى فى الصحيح على الصحيح لعلى بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن ابى عمير، عمن ذكره، عن ابى عبد اللّه (ع) قال:
من تعمم و لم يتحنك، فاصابه داء لا دواء له، فلا يلومن الا نفسه.
ما رواه فى الباب عنه ايضا، عن عيسى بن حمزة عن ابى عبد الله (ع) قال: من اعتم فلم يدر العمامة تحت حنكه، فاصابه الم لا دواء له، فلا يلومن الا نفسه.
ما رواه الصدوق فى الباب، عن عمار الساباطى، عن ابى عبد الله (ع) انه قال: من خرج فى سفر، فلم يدر العمامة تحت حنكه، فاصابه الم لا دواء، له فلا يلومن الا نفسه.
و قال الصدوق فى الفقيه ايضا، فى الباب: و قال الصادق (ع): ضمنت لمن خرج من بيته معتما تحت حنكه، ان يرجع اليهم سالما. و قال (ع): انى لا عجب ممن ياخذ فى حاجه و هو على وضوء، كيف لا تقضى حاجته، و انى لا عجب ممن ياخذ حاجته و هو متعمم تحت حنكه، كيف لا تقضى حاجته؟ و قال النبى (ص): الفرق بين المسلمين و المشركين، التلحى بالعمايم، و نهى عن الاقتعاط، انتهى.
و روى(1) الكلينى عن على بن الحكم، رفعه الى ابى عبد الله (ع) قال:
من خرج من منزله معتما تحت حنكه، يريد سفرا، لم يصله فى سفره سرق و لا حرق و لا مكروه. قال: و روى ان الطابقية عمّة حمه ابليس.
و نقل المصنف فى المختلف، و بعض من تاخر عنه، عن الصدوق القول بالتحريم، و كلامه فى الفقيه هكذا: و سمعت مشايخنا - رضى اللّه عنهم - يقولون:
لا تجوز الصلوة فى الطابقية،(2) و لا يجوز للمعتم ان يصلى الا و هو متحنك، و دلالة هذا الكلام على التحريم محل اشكال، لمكان الاسناد الى مشايخه الا ان يقال
ص: 83
انه باعتبار عدم انكاره و رده، يظهر من القول به، و فيه ما فيه، لا مكان توقفه، اللهم الا ان يقال: ان الصدوق فى آخر باب الجماعة، جعل ما سمعه من جماعة من مشايخه حديثا، فكيف اذا قال سمعت مشائخنا؟ و هذا يكشف عن كونه قائلا بما قاله المشائخ.
قال فى باب الجماعة و فضلها: و فى كتاب زياد بن مروان القندى، و فى نوادر محمد بن ابى عميران، الصادق (ع)، قال فى رجل صلى بقوم من حين خرجوا من خراسان حتى قدموا مكه، فاذا هو يهودى او نصرانى، قال: ليس عليهم اعادة و سمعت جماعة من مشائخنا يقولون: انه ليس عليهم اعادة شىء مما لم يجهر فيه، و الحديث المفسر يحكم على المجمل، انتهى.
و كيف كان فالظاهر من العبارة التى نقلها الصدوق عن مشائخه، انهم مخالفون فى المسئلة، و لا عبرة بخلافهم، لما عرفت من الاجماع المنقول و غيره، قال الشيخ البهائى فى الحبل المتين: الذى يظهر من عبارات الاصحاب فى كتب الفروع، كون التحنك من مستحبّات الصلوة، و ان تركه من مكروهاتها، و الذى يستفاد من الاحاديث عن ائمتنا عليهم السلام، ان التحنك مستحب فى نفسه لكل من لبس العمامة، سواء صلى او لم يصل، و لم نظفر فى شىء من الاحاديث بما يدل على استحبابه، لأجل الصلوة، و من ثم قال شيخنا فى الذكرى: استحباب التحنك عام - الى ان قال - و لعل حكمهم فى كتب الفروع بذلك، ماخوذ من فتاوى الشيخ الجليل عضد الاسلام ابى الحسن على بن بابويه قدس الله روحه، فان الاصحاب كانوا يتمسكون بما يجدونه فى كلامه، عند اعواز النصوص، و ينزلون ما يفتى به منزلة ما يرويه، كما قال شيخنا طاب ثراه، فى اوايل الذكرى، فلا يبعد ان يكون هذا من ذلك القبيل، ثم اشتهر بين المتأخرين حتى نقل بعضهم الاتفاق عليه.
و بما تلوناه عليك، يظهر ان الاولى المواظبة على التحنك فى جميع الاوقات و ان يستدعه الانسان فى حال الصلوات، و لا يصلى بدونه، و من لم يكن متحنكا، و
ص: 84
اراد ان يصلى بحنك، فالاولى له ان يقصد عند التحنك انه مستحب فى نفسه، ثم يصلى فيه، لا انه مستحب لأجل الصّلوة كالرداء مثلا، انتهى.
قال فى البحار، بعد نقل جملة من كلامه: أقول: يمكن ان يستدل لذلك، بما رواه الكلينى رفعه الى ابى عبد الله (ع) قال: طلبة العلم ثلاثة... و ساق الحديث - الى ان قال - و صاحب الفقه و العقل ذو كآبة و حزن و سهر، قد تحنك فى برنسه، و قام الليل فى حندسه... الى آخر الخبر، و فيه ايضا ما ترى انتهى.
أقول: و بما نقلنا عن الغوالى و غيره، يظهر ما يرد على البهائى طاب ثراه و غيره، فافهم البتة.
قال فى البحار، بعد الكلام الذى سبق نقله عنه: و لنرجع الى معنى التحنك، فالظاهر من كلام بعض المتأخرين، هو ان يدير جزأ من العمامة تحت حنكه، و يغرزه فى طرف الآخر كما يفعله اهل البحرين فى زماننا، و يوهمه كلام بعض اللغويين، و الذى نفهمه من الأخبار، هو ارسال طرف العمامة من تحت الحنك و اسد اله، كما مر فى تحنيك الميت، و كما هو المضبوط عند سادات بنى حسين (ع)، اخذوه عن اجدادهم خلفا عن سلف، و لم يذكر فى تعمم الرسول و الأئمة عليهما السلام، الا هذا.
و لنذكر بعض عبارات اللغويين، و بعض الأخبار، ليتضح لك الأمر فى ذلك، قال الجوهرى: التحنك التلحى، و هو ان تدير العمامة من تحت الحنك، و قال: الاقتعاط شدّ العمامة على الراس من غير ادارة تحت الحنك، و فى الحديث انه نهى عن الاقتعاط و امر بالتلحى، و قال: التلحى تطويق العمامة تحت الحنك، ثم ذكر الخبر.
و قال الفيروزآبادى: اقتعط تعمم و لم يدر تحت الحنك، و قال العمّة الطابقية الاقتعاط، قال: تحنك ادار العمامة تحت حنكه.
و قال الجزرى: فيه انه نهى عن الاقتعاط، هو ان يعتم بالعمامة، و لا
ص: 85
يجعل منها شيئا تحت ذقنه، و قال فيه: انه نهى عن الاقتعاط و امر بالتلحى، هو جعل بعض العمامة تحت الحنك، و الاقتعاط ان لا يجعل تحت حنكه منها شيئا.
و قال الزمخشرى فى الاساس: اقتعط العمامة، اذا لم يجعلها تحت حنكه، ثم ذكر الحديث.
و قال الخليل فى العين: يقال: اقتعط بالعمامة، اذا اعتم بها و لم يدرها تحت الحنك.
و اما الأخبار، فقد روى الكلينى فى الصحيح، عن الرضا (ع)، فى قول اللّه عز و جل مسومين، قال: العمايم، اعتم رسول الله (ص) فسدلها من بين يديه و من خلفه، و اعتم جبرئيل (ع) فسد لها من بين يديه و من خلفه، و عن ابى جعفر (ع) قال: كانت على الملائكة العمايم البيض المرسله يوم بدر، و عن ابى جعفر (ع) قال: عمّم رسول الله (ص) عليا (ع) بيده، فسد لها من بين يديه، و قصرها عن خلفه قدر اربع اصابع، ثم قال: ادبر فادبر، ثم قال: اقبل فاقبل، ثم قال: هكذا تيجان الملائكة، و عن ياسر الخادم قال: لما حضر العيد بعث المامون الى الرضا (ع)، يسئله ان يركب و يحضر العيد و يصلى و يخطب، فبعث اليه الرضا (ع) يستعفيه، فالح عليه فقال: ان لم تعفنى خرجت كما خرج رسول الله (ص) و امير المؤمنين (ع)، فقال له المامون: اخرج كيف شئت فساق الحديث الى ان قال: فلما طلعت الشمس، قام (ع) فاغتسل، و تعمم بعمامة بيضاء من قطن، القى طرفا منها على صدره، و طرفا بين كتفيه، و تشمر... الى آخر الخبر اختصر الحديث، و رواه المفيد فى الارشاد، بسند صحيح.
و روى الطبرسى رحمه الله فى المكارم، عن عبد الله بن سليمان، عن ابيه، ان على بن الحسين (ع)، دخل المسجد و عليه عمامة سوداء، قد ارسل طرفيها بين كتفيه.
و قال السيد بن طاوس قدس سره: روينا عن ابى العباس احمد بن عقدة،
ص: 86
فى كتابه الذى سماه كتاب الولاية، باسناده الى عبد الله بن بشر(1) صاحب رسول الله (ص)، قال: بعث رسول الله (ص) يوم غدير خم، الى على (ع) فعمّمه و اسدل العمامه بين كتفيه، و قال: هكذا أيدنى ربّى يوم حنين بالملائكة معمّمين، قد اسدلوا العمايم، و ذلك حجز بين المسلمين و المشركين... الى آخر الخبر. و قال فى الحديث الآخر: عمم رسول الله (ص) عليا (ع) يوم غدير خم، عمامة سدلها بين كتفيه، و قال: هكذا أيدنى ربى بالملائكة، ثم اخذ بيده فقال:
ايها الناس من كنت مولاه فهذا على مولاه، و الى الله من والاه، و عادى الله من عاداه، ثم قال السيّد: أقول: هذا لفظ ما رويناه، اردنا ان نذكره لتعلم وصف العمامه فى السّفر، الذى تخشاه، انتهى كلامه رحمه الله.
و أقول لم يتعرض فى شىء من تلك الروايات، لادارة العمامة تحت الحنك على الوجه الذى فهمه اهل عصرنا، مع التعرض لتفصيل احوال العمايم و كيفيتها، و قوله (ص): و ذلك حجز بين المسلمين و المشركين مشيرا الى السدل، فى هذا الخبر وقع مكان قوله (ص): الفرق بين المسلمين و المشركين، التلحّى بالعمايم، و اكثر اللغويين ايضا لا تابى عما ذكرنا، اذ ادارة رأس العمامة من الخلف الى الصدر ادارة ايضا، بل كلام الجزرى و الزمخشرى حيث قالا: ان لا يجعل شيئا منها تحت حنكه، فيما ذكرنا اظهر، و الظاهر من كلام السيد ايضا، ان فهمه موافق لفهمنا، انه قال: اولا الفصل الثانى فيما نذكر من التحنك للعمامة، عند تحقق عزمك على السّفر، لتسلم من الخطر، قال بعد ايراد الرّوايتين ما قدمنا ذكره، فظهر انه فسر التحنك بما ورد شرحه فى الروايتين، ما قدمنا ذكره، فظهر انه فسّر التحنك بما ورد شرحه فى الرّوايتين من اسدال العمامة.
و روى الكلينى و الشيخ، عن عثمان النوا قال: قلت لأبى عبد الله (ع):
ص: 87
انى اغسل الموتى، قال: او تحسن؟ قلت: انى اغسل، فقال: اذ اغسلت فارفق به، و لا تغمزه، و لا تمس مسامعه بكافور، و اذا عممته فلا تعممه عمة الاعرابى، قلت:
كيف اصنع؟ قال: خذ العمامة من وسطها، و انشرها على راسه، ثم ردها الى خلفه، و اطرح طرفيها على صدره، كما عرفت فى باب التكفين، فلو فعل ذلك فى جميع الاوقات، او عند الصّلوات، و لا يقصد الخصوص كان اولى، و لو جمع بينهما، كان احوط، انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
أقول: لا ريب ان كلمات اهل اللغة كلّها، متفقة الدلالة مع الأخبار المتقدمة، الدالة على التحنيك، و منطبقه عليها، و الأخبار الدالة على الاسدال، مخالفة لتلك الأخبار، و لكلام اهل اللغة و العرف، مخالفة ظاهرة، لأن الروايات الدالة على التحنيك لمن اعتم، دالة بظاهرها على ما فهمه الاصحاب، من استحباب(1) التحنيك بالعمامة مطلقا، لا بخصوص حال الصلوة، و ان السنة فى ذلك، و يعضده كلام نقله اللغة، و الأخبار المشتملة على الاسدال، دالة على انه المستحب دائما، و ان السنة فى لبس العمامة انما هو بهذه الكيفية، كما فعلوه عليهم السلام، من اسدال احد طرفى العمامة على الصدر، و الآخر بين الكتفين، او الاكتفاء باحد الاسدالين، دون الادارة تحت الحنك، التى هو معنى التحنك لغة و عرفا، فيشكل الجمع بين تلك الأخبار.
و لذا اضطرب كلام جماعة من الفضلاء فى الجمع بينهما، فقال منهم فى الجمع شيئا لا يرضى به الآخر، و بما ذكرنا لك من الكلام، فى الفرق بين الاسدال و التحنك، و مخالفة الأخبار الدالة على الاسدال، للأخبار المشتملة على التحنك الماموريه، فى الأخبار المتقدمة، لا يخلو عن تعسف ظاهر، و تكلف لا يخفى على الخبير الماهر، و انما نقلنا كلامه بتمامه، لبيان ما ظهر و ما سيظهر من نقضه و ابرامه، و لئلا يغتر به من لم يعض على المسئلة بضرس قاطع، و يحسبه الظمان
ص: 88
ماء و هو سراب لا مع.
تفصيل المقام: انّه لا يخفى على ذى الذوق السليم، و الفهم القويم، و الوجد ان المستقيم، ان كلمات اهل اللغة التى نقلها، كلها متفقة الدلالة ظاهرة المقالة، فى الانطباق على المعنى المشهور، و ان تفاوتت فى البيان و الظهور، و لا سيما قول الجوهرى: التلحى تطويق العمامة تحت الحنك، يعنى جعلها كالطوق، كما نقله من علماء البحرين، و الين هذا من الاسدال الذى دلت عليه تلك الأخبار، و اما كلام الجزرى فالظاهر منه ايضا ما ذكرنا، و لا دلالة له على الاسدال بشىء منها، و كذا كلام الزمخشرى فى تفسير الاقتعاط، و هو اقتعط العمامة اذا لم يجعلها تحت حنكه، كما عرفت، المؤذن بان التلحّى الذى هو مقابل الاقتعاط، هو جعل شىء منها تحت الحنك، و اين هذا من الاسدال؟
و بذلك ظهر لك ما فى قوله: و اكثر كلمات اللغويين ايضا لا تابى عما ذكرنا الى آخره، فان فيه اولا: منع صدق الادارة، لأن طرف العمامة لم يات من الخلف، حتى يحصل ادارته الى المصدر، و انما اتى من جانب و اسدل من المكان الذى خرج منه، و مع تسليمه فالمراد بالادارة تحت الحنك لا مطلقا، قال فى الصدوق على ما حكى: الحنك بحركة باطن اعلى الفم من داخل، و الاسفل فى طرف مقدم اللحيين، من اسفلهما، و عن كتاب مجمع البحرين: و الحنك ما تحت الذقن من الانسان و غيره، اعلى داخل الفم، و الاسفل فى طرف مقدم اللحيين، من اسفلهما، انتهى.
و من البين ان الاسدال لا يتصل به و لا يصل اليه، ثم ليت شعرى ان لكلام السيّد اى مدخليته بكلامه حتى، يقال و الظاهر من كلام السّيد ايضا، ان فهمه موافق لفهمنا انتهى، فالكلام المذكور لا يخلو عن غفله و استعجال او اشتغال و توزع فى البال، كيف لا و الخبر ان اللذان نقلهما عن السيد، انما تضمنا اسدال العمامة من خلف بين الكتفين، فكيف يمكن تفسير التحنك الذى هو الادارة تحت الحنك كما عرفت، بالاسدال عن خلف، و على ان المنقول عن
ص: 89
السيّد ليس كما نقله هنا. و ذلك لأن ظاهر كلامه عن السّيد، ان السيّد قال:
الفضل المذكور، و لم يورد الا هذين الخبرين، فكلامه يدل حينئذ على انه فسر الاسدال فى الخبرين بالتحنك، الذى عنون به الفصل، و الحال ان الأمر ليس كذلك، بل السيّد لما عنون الفصل بما ذكره صدر اولا بما يدل على التحنك، فقال روينا ذلك من كتاب الاداب الدينية، عن الطبرسى رضى الله، فيما رواه عن مولانا موسى بن جعفر (ع)، انه قال: اناضا من ثلاثا لمن خرج يريد سفرا معتما تحت حنكه، ان لا يصيبه السّرق و لا الغرق و لا الحرق.
و رويناه ايضا عن البرقى، فى كتاب المحاسن، باسناده الى ابى الحسن عليه السلام، قال: أقول: و قد روينا فى العمامة عند التوجه للمهمات، روايات عن ابى العباس احمد بن عقدة، الى آخر ما قدمناه، الى ان قال فى آخر الكلام: أقول هذا لفظ ما رويناه، اردنا ان نذكره ليعلم وصف العمامة فى السّفر، الذى يخشاه، و الظاهر ان الرواية الاولى التى نقلها عن الطبرسى و المحاسن، هى التى عنون لها الفصل المذكور، حيث اشتملت على ذكر التحنك، و ما نقله اخيرا عن ابن عقدة، فانما قصد به بيان استحباب العمامة على هذه الكيفية للمهمات، او مطلقا، و الأول اظهر لا بخصوص السفر، و يشير اليه كلامه فى الاخير و هو قوله: هذا لفظ ما رويناه الى آخره، بمعنى بيان وصف العمامة فى السفر و غيره، عند عروض المهمات، كيف لا و لو اراد السيّد ما زعمه من حمل الروايتين الاخيرتين على الرّواية الاولى، بمعنى ان التحنك عبارة عما اشتملت عليه روايتا ابن عقده، لو رد على السيد ايضا، ما اوردناه عليه من ان دعوى كون الاسدال بين الكتفين تحنكا، مما لا يقول به من له ادنى دربة من الرجال، فضلا عن العلماء ذى الكمال.
و الظاهر ان الشبهة التى عرضت لصاحب البحار، انما هى من حيث الاسدال على الصدر، بمرور العمامة على احد اللحيين، لا ما اذا كانت بين الكتفين، هذا بحمد الله ظاهر لكل ذى عينين، كيف لا و انت تنظر، انه اقرفى
ص: 90
مفتتح كلامه، حيث قال: لم يتعرض فى شىء من تلك الروايات لادارة العمامة تحت الحنك... الى آخر ما ذكره، و لكن عليه انك قررت كما هو مسلم عندنا، بان الرّوايات الدالة على الاسدال، لم تتعرض لادارة العمامة تحت الحنك على الوجه المعهود، كما ان اخبار التحنك لم تتعرض للاسدال، فلم فسرت التحنك بالاسدال؟ و جعلت وجه جمع بين اخبار المسئلة؟ مع ان الاسدال ايضا مختلف، كما يظهر من الروايات، لأن بعضها يدل على اسدال طرف على الصدر، و طرف من خلف، و بعضها يدل على الاسدال من خلف خاصة، و الاسدال من خلف لا يدخل تحت الحنك قطعا، فلا وجه للجمع المذكور اصلا.
و اما ما استند اليه من اخبار تحنيك الميت، و ايراده رواية عثمان النوا، الدالة على صورة التعميم، و قوله بعدها: و كذا ساير اخبار تعميم الميت، ففيه ما ذكره بعض الأجلاء بقوله: لا يخفى ان ههنا حكمين: احدهما استحباب التعميم، و الآخر استحباب تحنيكه رحمه الله، هو ان يلف راسه بها لفا و يخرج طرفاها من تحت الحنك، و يلقيان على صدره، و قد استندوا فى ذلك الى رواية يونس.
قال السيّد السند فى المدارك، بعد ذكر عبارة المصنف: و اما استحباب اخراج طرفى العمامة من تحت الحنك، و القائهما على صدره، فمستنده رواية يونس عنهم (ع) قال: ثم يعمّمه و يؤخذ وسط العمامة فيثنى على راسه بالتدوير ثم يلقى فضل الايمن على الايسر، و الايسر على الايمن، و يمد على صدره، و لا ريب ان هذه الهيئة مشتملة على التحنيك، كما هو المشهور، لا الاسدال، لانه متى اخذ طرف العمامة الذى من اليمين، و أخرج من تحت حنك الميّت الى الجانب الأيسر، و اخذ الخارج من الجانب الأيسر، و أخرج كذلك الى الجانب الأيمن فانّ العمامة من الجانبين قد استوعب الحنك و غطته، و حصل بها التحنيك الذى ندعيه، و الرّوايات التى اوردها لم يذكر فيها ازيد من التعميم، و انه تطرح طرف على صدره، و ليس فيها تعرض لذكر التحنيك، بل هى مجملة كما يمكن حملها على التحنيك، كما ذكرناه فى رواية يونس، يمكن حملها على مجرد
ص: 91
الاسدال على الصدر، من غير ان يدار بكل من الطرفين الى الجانب و يحنك بهما، كما لا يخفى، و هذا المعنى الثانى هو الذى فهمه السيّد فى المدارك، فقال بعد نقل رواية يونس اولا، ثم نقل جملة من الروايات، و منها رواية عثمان المذكورة، و الرّوايات الاولى هو المشهورة بين الاصحاب، رضى الله عنهم، انتهى.
و خلاصة الكلام انه اضطرب كلام جملة من الفضلاء، فى الجمع بين الأخبار المذكورة، فمنهم و هو صاحب البحار، جمع بينهم بما عرفته، مع ما يرد عليه، و منهم من قال بانه لا ريب ان اخبار التحنيك بعضها دل على استحبابه فى السفر، و بعضها دل على استحبابه فى قضاء الحاجة، و بعضها بمجرد التعميم و لا يخفى ان المنافى لأخبار الاسدال ظاهر انما هو القسم الثالث، حيث انها كما فهمّه الاصحاب رضى الله عنهم، تدل على دوام ذلك و استمراره ما دام معتما، و حينئذ فيمكن القول ببقاء اخبار الفردين الاخرين على ظاهرها، من غير منافاة، اذ لا منافاة فيها، فان موردها خاص بهذين الفردين، فيختص بها اخبار الاسدال.
و وجه الجمع حينئذ هو حمل اخبار القسم الثالث، على ان المراد التحنك وقت التعميم، بان يدير العمامه بعد فراغه من التعميم تحت حنكه، لا دائما كما فهمه الاصحاب، و بما ذكرنا يشعر ظاهر الأخبار المذكورة، فان ظاهر قوله: و لم يتحنك من حيث كونه حالا من الفاعل، فى قوله: من تعمم، و الحال قيد فى فاعلها، يعطى ان التحنيك وقت التعمم، و امّا استمرار ذلك فيحتاج الى دليل، و ليس الا ما قدمناه بهذه صورته.
و حينئذ تبقى اخبار الاسدال على ظاهرها، فيكون المستحب دائما هو الاسدال، و التحنك مخصوص بهذه الصور الثلاث، و لا قدح يتطرق بما ذكرناه، الا مجرد مخالفة الاصحاب، فيما فهموه من هذه، حيث لم اقف على قائل بما ذكرناه، لكن لا يحضرنى وجه الجمع بينها غير ذلك، و الظاهر انه الى ذلك يشير ما قدمناه من كلام السيد بن طاووس، بالتقريب الذى قدمنا ذكره، انتهى.
ص: 92
و انت خبير بان ذلك بعيد جدا، سيما بعد ملاحظة ما نقلنا عن الغوالى فافهم، و يعضده ما اقربه بمخالفته لفهم الاصحاب، و كلام السيّد ايضا لا يشير الى ما ذكره، كما سيظهر عن قريب ان شاء الله.
و منهم من احتمل فى الجمع وجوها، اشار اليها بعد ذكر بعض الأخبار الداله على الاسدال، بقوله: و لعل شيئا منها كان دائر تحت الحنك، او ان ذلك مخصوص بحال الحرب، او انه دائر، اولا ثم سدل كما هو المتعارف الان، بان المسمى يكفى على اشكال، فتامل جدا، انتهى.
و فيه نظر: اما فى الأول، فيظهر وجهه مما سبق، و اما فى الثانى فلمنافاته لجملة من الأخبار الداله على الاسدال، لعدم دلالتها على وقوعه فى حال الحرب، فلا حظ، و اما فى الثالث، فلانه خلاف ما يظهر من تلك الأخبار على الظاهر، و قد تفطن هو ايضا اشار بقوله: على اشكال.
و منهم من خصص استحباب السّدل بالرسول و الأئمة، و استحباب التحنك بنا، قال: فلا غروان جمعنا بينها، و بين النصوص الماضية بذلك، و قيدنا اطلاقاتها بمن عداهم (ع)، بل لعلّه اظهر وجوه الجمع هنا، و يحتمل آخر ضعيفا، و هو التخيير بينهما، و يكون المقصود من استحبابهما، كراهة الاقتعاط المقابل لهما
و منهم من خصّص السدل بحال الحرب و نحوه، مما يراد فيها الترفع و الاختيال، و التحنك بما يردا فيه التخشع و السّكينة.
أقول: و لعل خبر ياسرينا فى المذكور، و الذى يقرب بخاطرى العليل و يدون فى فكرى الكليل، هو ان يقال: ان الأخبار الدالة على الاسدال مخصوصة عند التوجه الى المهمات مطلقا، كما يشعر بذلك مورد اكثرها، و كلام السيّد الذّى نقلنا عنه اخيرا، كالصريح فيما ذكرنا كيف لا؟ و هو قد قال: و قد روينا فى العمامة عند التوجه للمهمات، روايات عن ابى العباس احمد بن عقده، و قال بعد ايراد ما رواه عن ابن عقده، على ما عرفت: هذا لفظ ما رويناه، اردنا ان نذكره، ليعلم وصف العمامة فى السّفر، الّذى تخشاه، انتهى.
ص: 93
و من الظاهر ان السفر الذى تخشى عنه مهم عظيم، و لسنا نقول بعدم استحباب التحنيك عند المهمات، بل نقول باستحبابه مطلقا، و لكن عند المهمات الاسدال افضل منه، فلا تقييد و لا منافاة اصلا، و لا اختصاص للسدل بهم صلوات الله عليهم، و لا التحنيك بنا.
و مما يشهد على عدم اختصاص التحينك بنا، هو ان الراوى حين راى المعصوم عند المهم، انه اسدل العمامة بالنحو الذى عرفت، كانه راى شيئا غريبا، فلذا وصفه فى الرواية وصفا تراه فيها، و اما التحنيك فلما كان شايعا عند الكل، و يفعله المعصوم (ع) و غيره كثيرا، فلم يكن محتاجا الى الوصف، فلذا لا ترى وصفه فى كلام الراوى و المعصوم و كثير من العلماء، و اما وصفهم (ع) التحنيك بالنسبة الى الميت، فلاجل ان تحنيكه خلاف التحنيك المشهور عندنا، فيحتاج الى البيان لتعبدية احكام الشرع، فتدبر.
و لم اقف على من تفطن لهذا الجمع الى الان، و الله العالم بحقايق الاحكام.
اعلم ان التحنك و التلحّى فى اللغة و العرف، ادارة العمامة اى جزء منها تحت الحنك، فعلى هذا لا يتأدى السنة بالتحنك بغيرها، وفاقا للشارح المحقق، و سبط الشهيد الثانى، و الرياض و الشهيد الثانى و غيرها، و خلافا للمحكى عن المحقق الثانى، و احتمل تأدى السنة به ايضا، لكن مترددا، بعد ان حكاه عن الشهيد فى الذكرى، و عن بعض الفضلاء انه تبعهما فى الاحتمال و وجهه غير واضح.
(و) يكره (اللثام و النقاب) على الاشهر الاظهر، بل خلاف فيه يظهر، الا من القواعد فى الأول، و المحكى عن الشيخ فى المبسوط و النهاية فيهما، فاطلقا المنع، حتى يكشف عن الفم و موضع السجود، و عن المبسوط الاجماع على كراهة اللثام قال: ينبغى ان يكشف عن جبهته موضع السجود، و قال فى
ص: 94
التحرير: الظاهر انه اى المفيد حيث منع عن اللثام يريد الكراهة، و هو حسن للأخبار المستفيضة الداله على الجواز.
منها ما رواه التهذيب فى الباب فى الصحيح، عن الحلبى قال: سألت ابا عبد الله (ع): هل يقرأ الرجل فى صلوته، و ثوبه على فيه فقال: لا بأس بذلك، اذا سمع الهمهمة.
و اما ما يدل على الكراهة، فهو ما رواه الشيخ فى الباب، فى الموثق عن سماعة قال: سألته عن الرجل يصلى فيتلو القران و هو متلثم، فقال: لا باس به، و ان كشف عن فيه فهو افضل، قال: و سألته عن المرأه تصلى متنقبة، قال: اذا كشفت عن موضع السّجود فلا باس، و ان اسفرت(1) فهو افضل، و ما رواه فى الباب ايضا عن الكلينى فى الصحيح، عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) قال: قلت له: يصلى الرّجل و هو متلثم؟ فقال: اما على الارض فلا، و اما على الدابة فلا بأس، و فى دلالة موثقة سماعة على الكراهة فى المقام، محلّ نظر، و ان استدل عليها بها بعض الاعلام، و يحتمل كون الوجه فى الكراهة، الخروج عن اطلاق القول بالمنع.
(و يحرم) كل واحد منهما (لو منع القراءة) او شيئا من الاذكار، و التقييد خرج مخرج المثال، و المنع حينئذ متفق عليه بين الاصحاب، على الظاهر، و يحتمل اختصاص المنع المتقدم نقله عن الشيخين بهذا الفرض، و لعل عبارة المقنعة مشعرة بذلك، قال فيها: و لا يجوز للرجل ان يصلى و على لثام حتى يكشف من جبهته موضع السجود، و يكشف عن فيه لقراءة القران.
و هل المنع باق لو منعنا عن سماعها؟ الاظهر نعم، وفاقا للمصنف و جماعة كثيرة، لما فى بعض المعتبرة على ما قيل، لا يحسب لك من القراءة و الدعاء، الا ما اسمعت نفسك، المعتضدة بقوله (ع): لا بأس
ص: 95
بذلك اذا سمع(1) الهمهمة، الواقع فى ذيل صحيحة الحلبى المتقدمة، و سيجئ القول ان شاء الله فى وجوب اسماع النفس، فانتظر.
قال بعض الاصحاب، بعد ايراد صحيحة الحلبى المتقدمة: و فيه اى فيما رواه الحلبى، دلالة على انه مع عدم سماعه الهمهمة، تحرم كما صرح به الاصحاب ايضا، انتهى.
(و القباء المسدود فى غير الحرب) و نسبه جماعة من الاصحاب، و منهم الشهيد الثانى فى الروضة، و المسالك و سبطه فى المدارك، و الشارح المحقق فى الذخيرة، و المحقق المجلسى فى البحار، الى المشهور، و يظهر من الشيخ فى ظاهر المقنعة تحريم ذلك، كما عن صريح الوسيله، و ظاهر المبسوط و النهاية، قال الشيخ فى المقنعة: و لا يجوز لأحد ان يصلى و عليه قباء مسدود، الا ان يكون فى الحرب، فلا يتمكن ان يحله، فيجوز ذلك للأضطرار، و عقبه التهذيب بقوله: ذكر ذلك على بن الحسين بن بابويه، و سمعنا من شيوخ مذاكرة، و لم اعرف به خبرا مسندا.
و ظاهره التردد، كجملة من متاخرى اصحابنا، و منهم ظاهر الروضة و المختصر النافع و الذخيرة و المدارك، و المحكى عن المنتهى و التحرير و الذكرى، قيل:
ظاهر الجماعة عدا الفاضل فى المختلف. انهم فهموا من العبارات المانعة الكراهة، حيث لم ينقلوا عنهم الحرمة، بل صرحوا بنقل الكراهة، و ذكر الشهيد فى الذكرى، بعد نقل الكراهة عنهم، و ذكر كلام التهذيب: انه روى العامة ان النبى (ص) قال: لا يصلى احدكم و هو متحّزم،(2) و هو كناية عن شد الوسط،
ص: 96
و كرهه فى المبسوط انتهى كلام القيل.
و اعترض على الذكرى جماعة، منهم الشهيد الثانى فى الرياض و الروضة، كسبطه فى المدارك، و المحقق الثانى، فقال فى الروضة، بعد نقل عبارة شقيقه فى الذكرى: و ظاهر استدراكه لذكر الحديث، جعله دليلا على كراهة القباء المشدود و هو بعيد، و نقل فى البيان عن الشيخ كراهة شد الوسط، و يمكن الاكتفاء فى دليل الكراهة، بمثل هذه الرواية، انتهى.
و فيه ان ظاهر الاستدراك، حيث قال بعد كلام التهذيب قلت: قد روى العامة الى آخره، و ان اوهم ذلك، الا ان نسبته بعد ذلك، و فى البيان كراهة شد الوسط، الذى جعل الرّواية كناية عنه، الى المبسوط خاصة، دون الجماعة، ظاهر فى المغايرة بينه و بين القباء، و لذا عدهما مكروهين فى الدروس، حيث قال: و يكره فى قباء مشدود فى غير الحرب، و مشدود الوسط، و على انه يمكن ان يقال: ان الحديث يدل على كراهة القباء المشدود، و ان دل بعمومه على كراهة شد الوسط ايضا، فلذا ذكره كراهة شد الوسط ايضا، فافهم.
و ترى الشهيد الثانى فى شرح النفلية انه قال بعد نقل كلام الشهيد: و يستحب ترك القباء المشدود، و نسبته الى المشهور، و ذكر كلام التهذيب ما صورته: قال المصنف فى الذكرى، بعد حكاية كلام الشيخ: قد روى العامة، ان النبى (ص) قال: لا يصلّ احدكم و هو محزم، و كناية عن شد الوسط، و اراد بذلك ان القباء المشدود داخل فى ذلك، و هو حسن.
لكن يبقى الكلام فى تخصيص القباء المشدود بالحكم، قال فى المسالك بعد عنوانه، قول الشرايع، و فى قباء مشدود، و نسبته الى اكثر الاصحاب، و حكمه بعد معلومية المستند على الخصوص، و نقله كلام التهذيب ما صورته: و قد روى
ص: 97
عن النبى (ص): لا يصلى احدكم و هو محزم، و يمكن دلالته عليه، و على ما هو اعم منه، كشد الوسط، انتهى.
و بما ذكر ظهر ما فى المدارك، حيث حكم بفساد الاستدلال للمطلب، بالنبوى المتقدم، قال: لأن شد القباء غير التحزم، انتهى فافهم.
و ما ذكره بعض حيث قال فى مقام الاستدلال على المسئلة: و بكراهته الظاهر رجوع الضمير الى التحزم، و يمكن ان يستدل على كراهة القباء المشدود بالفحوى، لأن كراهة الصلوة مع التحزم الذى ليس فيه الا قليل شد، يستلزم كراهيتها فى القباء المشدود، الذى هو اكثر شدا بطريق اولى، الا ان يقال: ان الفقهاء لم يفتوا بكراهة التحزم، و القياس بطريق اولى حجة، اذا كان الحكم فى المقيس عليه مقبولا، انتهى.
و يرد ايضا ما اورده بعض، حيث قال بعد نقل ما ذكره: و فيه نظر لعدم وضوح الاولوية، بعد احتمال كون القباء له مدخلية فى الكراهة، كما هو ظاهر الجماعة، و ليس كل متحزم عليه نحو القميص و الرداء و غيرهما قباء، بل هو ثوب خاص، و عن نضام القريب: انه قميص ضيق الكمين، مفرج المقدم و المؤخر، انتهى.
و دعوى عدم مصير احد من الفقهاء الى كراهة الصلوة مع التحزيم، فيه ما فيه، لأن التحزم على ما ذكره: عبارة عن شد الوسط، و قد عرفت ان الشيخ فى المبسوط، و الشهيد فى الروضة، ذهبا الى كراهته و استحسنها بعض متاخرى المتأخرين بل ادعى الشيخ فى الخلاف على كراهته اجماع الفرقة الناجيه قال فى الخلاف: و يكره ان يصلى و هو مشدود الوسط، و لم يكره ذلك احد من الفقهاء، دليلنا اجماع الفرقة، و طريقه الاحتياط.
نعم لا يمكن ان تكون الاولوية لو كانت، سند الجميع الفقهاء، بل لمن قال بكراهة الاصل من الفقهاء، قال فى البحار: و منهم من حمل(1) القباء المشدود،
ص: 98
على القباء الذى شدت ازاره، و ظاهر الأخبار كراهة حل الا زرار فى الصلوة، و انه من عمل قوم لوط، و لا وجه لهذا الحكم من اصله و لا مستند له، و ما رواه الشهيد خبر عامى، لا يصلح مستند الشىء.
قال الشارح المحقق فى الذخيرة: و لا يخفى ان الشيخ او رد فى باب الزيادات من التهذيب، خبرين دالين على كراهة حل الا زرار فى الصلوة، فيمكن تخصيص كراهية الشد، بما عدا الا زرار، جمعا، او يخص كراهة حل الازرار، بما كان واسع الجيب، انتهى.
أقول: الظاهر انه اراد بالخبرين المرويين فى الزيادات، ما رواه عن ابراهيم الاحمرى، قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن رجل يصلى و أزراره محللة، قال: لا ينبغى ذلك، و ما رواه عن غياث بن ابراهيم، عن جعفر، عن ابيه، قال: لا يصلى الرجل محلول الازرار، اذا لم يكن عليه ازار، و روى فى الزيادات ايضا، عن زياد بن المنذر، عن ابى جعفر (ع)، و ساق الحديث الى ان قال (ع): ان حل الازرار فى الصلوة، و الحذف بالحصى، و مضغ الكندر فى المجالس، على ظهر الطريق، من عمل قوم لوط.
و روى ايضا فى الباب فى الصحيح، عن زياد بن سوقه، عن ابى جعفر عليه السلام قال: لا بأس ان يصلى احدكم فى الثوب الواحد و ازاره محلولة، ان دين محمد حنيف، و رواه فى اوايل الزيادات ايضا، و قد تقدمت تلك الرواية، و روى عن الصادق (ع) انه قال: لا بأس، فى جواب من قال له: ان الناس يقولون: ان الرجل اذا صلى و ازاره محلولة، و يداه داخلتان فى القميص، انما يصلى عريانا.
و لعل الشارح المحقق، فهم ما ذكره من القباء المشدود، وفاقا لمن نقله فى البحار، و فيه نظر، لعدم صدق الشد على الزر بالازرار، قاله بعض الاصحاب، و عليه فلا تعارض بين الحكمين، ليحتاج الى احد التخصيصين.
(و الامامة بغير رداء) على المشهور، على الظاهر المصرح به فى عبائر
ص: 99
الجماعة حد الاستفاضة، بل فى بعض العبائر: لا اعرف فيه مخالفا، بل عن الذكرى عليه الاجماع، و هو الحجة مضافا الى ما رواه التهذيب فى الزيادات، فى الصحيح عن سليمان بن خالد، قال: سألت ابا عبد الله، عن رجل ام قوما فى قميص ليس عليه رداء، فقال: لا ينبغى الا ان يكون عليه رداء، او عمامة يرتدى بها.
قال فى المدارك بعد ذكر الصحيحة: و هى انما تدل على كراهة الامامة بدون الرّداء، فى القميص وحده، لا مطلقا، و يؤكد هذا الاختصاص قول ابى جعفر (ع)، لما أمّ اصحابه فى قميص بغير رداء: ان قميصى كثيف، فهو يجزى ان لا يكون على أزار و لا رداء الى ان قال: و بالجملة: فالاصل فى هذا الباب، رواية سليمان بن خالد، و هى انما تدل على كراهة الامامة بدون الرداء، فى القميص وحده، فاثبات ما زاد على ذلك، يحتاج الى دليل، انتهى.
و يظهر من الشارح المحقق متابعته، و الرواية التى ايد بها على مطلبه، هى ما رواه التهذيب باب الاذان و الاقامة، فى الضعيف بصالح بن عقبه عن ابى مريم الانصارى قال: صلّى بنا ابو جعفر (ع)، فى قميص بلا ازار و لا رداء، و لا اذان و لا اقامة، فلما انصرف قلت له: عافاك الله، صليت بنا فى قميص بلا ازار و لا رداء، و لا اذان و لا اقامة، فقال: ان قميصى كثيف فهو يجزى، ان لا يكون على ازار و لا رداء، انى مررت بجعفر و هو يؤذن و يقيم، فلم اتكلم، فاجزانى ذلك.
و فيه نظر: اما اولا فلان الرواية مع اخصيتها عن المدعى كما ذكره، غير ضايره، لعدم القول بالفرق بين من تقدم عليه من العلماء، على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، فما ذكره لا يغنى من الجوع، و اما ثانيا: فلان الدليل العام موجود، و هو فتوى المشهور، كما اعترفه و ذلك يكفى فى اثبات الكراهة، نظرا الى التسامح فى ادلتها، المقتضى لاثباتها بفتوى فقيه، فضلا عن الجمهور، و هو ايضا من المتسامحين فى ادلتها، كما يظهر فى غير موضع من كتابه، و ان
ص: 100
قال فى اول كتابه ما قال.
فليكتف بفتوى الجمهور، و ليحكم بالكراهة، اللّهم الا ان يقال: انه يرى المتبادر من البلوغ و السماع، هو البلوغ و السماع على وجه الرّواية لا الفتوى، و فيه تامل، لمكان ما يظهر منه، و لو فى الجملة، فى بحث التسبيح فى الاخيرتين، من متابعته لأبن ابى عقيل، فى استحباب القول بالتسبيح سبعا او خمسا، فراجع الى هناك.
و تمام التحقيق و التفصيل فى ذلك، يطلب من كتابنا اللمعات، فى اللمعة المبين فيها استحباب الوضوء لمس القران، فراجع.
و اما ثالثا: فلان فى رواية ابى مريم، لا تأييد اصلا لما ذكره بعض(1) الأجلاء بقوله: و امّا قول ابى جعفر لما لم اصحابه... الى آخره، فليس فيه تاييد، لما توهمه الشاذ المتقدم، من اختصاص الكراهة بمورد الصحيحة، لاحتمال الاجزاء فى هذه الرواية، الاكتفاء بأقل الواجب من ستر العورة، لا الاجزاء عن الاستحباب، و الا لنا فى اطلاق الصحيحة المتقدمة، بل عمومها الناشى عن ترك الاستفصال عن القميص، هل كثيف ام رقيق؟ فحكمه حينئذ بلا ينبغى يعم الصورتين، مع ان الرواية السابقة على التقدير الثانى، قد نفت استحباب الرداء فى الصورة الاولى، و هو الشاذ لا يقول به، كيف يجعل قوله (ع) فى هذه الرواية مؤيدا، و ان هو الا غفلة واضحة، انتهى.
أقول: يمكن ان يكون مراد السيد من الاتيان بالرواية، و جعلها وجها للتاييد، هو ان فى تلك الرّواية، ما يشير الى عدم استحباب الرداء من حيث هو رداء، فلا يرد عليه شىء مما اورده المورد المتقدم، الا ما اورد عليه اولا، و لكن يمكن دفعه ايضا، بان قوله (ع) فاخبرانى، الواقع فى آخر الرواية، قرينة على ان المراد من الاجزاء هنا ايضا، هو الاجزاء عن الاستحباب، و فيه تامل.
ص: 101
نعم لو كان السيد اتى بها، لأجل كونها الدليل على المطلب، لا التاييد له، لكان للاعتراض عليه باب واسع، و لكن قد عرفت انه انما اتى بها لاجل التاييد، من غير نظر الى أنها تدل على شىء لا يفتى به، مع ان للسيّدان يقول: انى انما اتيت بها، لاجل دلالتها على اختصاص بغير الصفيق، و اما دلالتها على خلاف ما افتى به فغير ضايرة لقيام دليل اقوى منها على ما افتى به، و هو العموم الناشى عن ترك الاستفصال فى الصحيحة، فتدبر.
بقى فى المقام شىء، و هو انه هل مراد السيّد من قوله: وحده، الواقع فى قوله: و هى انما تدل على كراهة القميص بدون الرداء، فى القميص وحده لا مطلقا، هو الواحد، حتى يخرج من كان لا بسا غير القميص، و لم يكن فى ملبوسه القميص اصلا، و من ضم الى القميص غيره، و من لبس القميص متعددا ام لا، و هذا ايضا يحتمل وجهين:
احدهما: ان التقييد به، لاخراج ما لو لم يكن فى ملبوسه القميص اصلا، فيشمل ما لو كان لابسا للقميص مطلقا، سواء كان واحدا او متعددا، و سواء كان الملبوس منحصرا فيه ام لا.
و ثانيهما: انه لاخراج ما لو لم يكن فى ملبوسه القميص اصلا، او كان هو ايضا، فيشمل ما لو كان لابسا للقميص متعددا، و لعل الاظهر الاخير.
يظهر من الشهيد كما عن غيرهما، استحباب الرّداء لمطلق المصلى و لو لم يكن اماما، قال فى المسالك: و الرّداء مستحب للامام و غيره، لكن تركه مكروه له خاصة، و لغيره خلاف الاولى انتهى، و لهم تعليق الحكم على مطلق المصلى، فى اخبار كثيره: منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى الباب، فى الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر (ع) انه قال: ادنى ما يجزيك ان تصلى فيه بقدر ما يكون على منكبيك مثل جناحى الخطاف.
و منها ما رواه التهذيب فى الباب، فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن
ص: 102
ابى عبد اللّه (ع) انه قال: اذا لبس السراويل جعل على عاتقه شيئا و لو حبلا، و قد تقدمت تلك الرّواية.
و منها ما رواه فى الزيادات، فى الصحيح عن عبد اللّه بن سنان، قال سئل ابو عبد الله (ع)، عن رجل ليس معه الا سراويل، قال: يحل التكه عنه فيطرحها على عاتقه، و يصلى، قال: و ان معه سيف و ليس معه ثوب، فليتقلد السيف و يصلى قائما، و رواه الصدوق ايضا فى الباب، بأدنى مخالفه.
و يؤيده ما رواه فى الزيادات ايضا، عن جميل قال: سأل مرازم ابا عبد الله عليه السلام و انا معه، عن الرجل الحاضر يصلى فى ازار مؤتزرا به، قال: يجعل على رقبته منديلا او عمامة يرتدى بها، و يرد على ذلك ان غاية ما يدل عليه الرواية الاولى، هى استحباب ستر المنكبين، و ليس الرداء مذكورا فيها، و اما الثلاثة الاخيرة فخارجة عما نحن فيه.
نعم لا بأس بالقول باستحباب ما فيها، و روى شيخنا المجلسى فى البحار، فى باب الرداء و سدله، عن كتاب المسائل، باسناده عن على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن الرجل هل يصلح ان يصلى فى قميص واحد، او قباء وحده؟ قال: ليطرح على ظهره شيئا، و سألته عن الرّجل، هل يصلح له ان يؤم فى سراويل و رداء؟ قال: لا بأس - الى ان قال - و سألته عن السّراويل هل يجزى مكان الازار؟ قال: نعم، و سألته عن الرجل يصلح له ان يصلى فى ازار و قلنسوة، و هو يجد رداء، قال: لا يصلح، و سألته عن الرجل هل يصلح ان يوم فى سراويل و قلنسوة؟ قال: لا يصلح - الى ان قال - و سألته عن الرجل هل يصلح ان يجمع طرفى ردائه على يساره؟ قال: لا يصلح جمعهما على اليسار، و لكن اجمعها على يمينك، اودعهما متفرقين، و سألته عن الرّجل، هل يصلح ان يؤم فى ممطر وحده اوجبة وحدها؟ قال: اذا كان تحتها قميص فلا بأس، و سألته عن الرجل يؤم فى قباء و قميص، قال: اذا كان ثوبين فلا بأس.
ثم قال البحار بعد نقله ذلك الخبر: بيان: يظهر من تلك الاجوبة، انه
ص: 103
يستحب للرجل ان يكون اعالى بدنه مستورة، و ان يكون للمصلى رجلا كان او امراة ثوبان، احدهما فوق الآخر، سواء كان رداء او قباء او عباء، او غيرها، انتهى.
و قال بعض(1) المحققين، بعد اعتراضه على الأخبار المنقولة اولا، بانها تدل على كراهية كشف المنكبين و العاتق، و استحباب سترهما فى الجملة، من غير تخصيص بالرداء هكذا: نعم فى رواية وهب بن وهب، عن الصادق (ع):
ان عليا (ع) قال: السيف بمنزلة الرداء، تصلى فيه ما لم تر فيه دما، و القوس بمنزلة الرداء، و فى الوافى: ينبغى حمله على غير الامام، لئلا ينافى الحديث السابق، يعنى صحيحة على بن جعفر عن اخيه، انه سأله عن السيف، هل يجرى مجرى الرّداء؟ يؤم القوم فى السيف، قال: لا يصلح ان يؤم فى السّيف الا فى حرب، فتامل.
و ايضا كان عادة الزمان السابق، عدم ترك الرداء مطلقا، الا فى مثل مصيبة، فلعله على هذا ينبغى ترك الرّداء فى الصلوة ايضا، على حسب ما ظهر سابقا، فتامل ذلك، مع ان التشبه بالرسول (ص) و الأئمة (ع) و اصحابهم، مستحب ظاهر، و هم كانوا مع الرّداء الا فى مثل المصيبة، فعلى هذا يكون لبس لباسهم ايضا مستحبا، الا ان يصير لباس شهرة، او مورد الاستخفاف و الاستهزاء و المذمة، مثل ان يلبس اللباس القصير، فى البلاد التى تكون العادة فيها لبس الطوال، و ورد فى اخبار كثيرة مدح قصر الثوب.
و مع ذلك روى فى الكافى بسنده،(2) عن معلى بن خنيس، عن الصادق عليه السلام: ان عليا اشترى ثلاثة اثواب بدينار، القميص الى فوق الكعب، و الازار الى نصف الساق، و الرداء من بين يديه الى ثدييه، و من خلفه الى اليتيه - الى ان قال: هذا اللباس الذى ينبغى للمسلمين يلبسوه، قال ابو عبد الله عليه السلام: و لكن لا يقدرون ان يلبسوا هذا اليوم، و لو فعلنا لقالوا مجنون، و
ص: 104
لقالوا: مرائى، و اللّه يقول: (وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ)، قال: و ثيابك ارفعها لا تجرها، و اذا قام قائمنا (ع) كان هذا اللباس.
مضافا الى ما ورد، من ان المؤمن لا يجوز له ان يذل نفسه و امثال ذلك و هذا يدل على ما ذكره المصنف، من ان التلحّى صار الان لباس شهرة، انه لا شك فى انه اذا صار بهذه المثابة، لا يبقى على حسنه، بل يكون مذموما، نعم لو لم يصر بهذا الحد، كما هو فى بعض البلاد، و مطلقا بالنسبة الى بعض مثل العلماء و الزهاد و الصلحاء مطلقا، و بالنسبة الى الصلوة، فالاستحباب باق جزما، و لذا فى حال الخروج الى السفر، باق على حاله الذى كان فى زمان الرسول (ص) و الأئمة عليهم السلام، و كذا ابتداء التعميم فمن تركه فيهما و فى امثالهما، فاصابه داء فلا يلو منّ الا نفسه، كما ورد فى الأخبار.
ورد عن على: ان ما لا يدرك كله لا يترك كله، او الميسور لا يسقط بالمعسور، و عن الرسول (ص): اذا امرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم فالترك بالمرّة فاسد قطعا، بل ارتكبه عالم لاجل اجراء السنة و احيائها، و لعلّه لا يكون مورد الاستخفاف و الاستهزاء، بل و لا يكون داخلا فى المشتهر عنه، كما اشرنا، فتامل جدا.
و الحاصل ان المقامات مختلفة و السنن متفاوتة، و لذا ربما يستهزؤن بالصّلحاء، مثل صلوة جعفر (ع)، و خبر الشارب، و غيرهما، و بالعلماء فى غير واحد من افعالهم و طريقتهم الموافقة.
و قال فى بحث الحنك: ورد فى الأخبار المعتبرة منع لباس الشهرة، فعن الصّادق(1) (ع): ان اللّه تعالى يبغض شهرة اللباس، و عنه (ع) ايضا يكفى بالمرأ خير بان يلبس ثوبا يشهره، او يركب دابة تشهره، و عنه (ع):
الشهرة خيرها و شرها فى النار، و عن الحسين (ع): من لبس ثوبا يشهره،
ص: 105
كساه اللّه يوم القيمة ثوبا من النار، الى غير ذلك.
لكن كون ما ذكر شاملا لمثل المقام، من المسنونات و المحاسن الشرعية التى ان تركت هجرت، محل تامل، و سيجئ تمام الكلام، و لعله قدس سره اراد بما وعده، ما نقلنا عنه اولا، قال بعض الأجلاء بعد ارادة رواية معلى بن خنيس المتقدمة: و فى هذا الخبر فوائد - الى ان قال - و منها ان السنة فى الرّداء ان يكون عرض الثوب، بحيث يصل الى الاليين، و طوله بقدر ما يصل الى ثدييه، و منها ان الرداء فى زمان الصادق (ع)، كان يزيد على ذلك، كما يستفاد من تتبع الأخبار و السّير بحيث انه يجر على الارض، و منها جواز ترك السنة اذا كانت مهجورة بين الناس، و كان عامة الناس يهينونها، و يتكلمون فى عرض من يفعلها.
قال فى الوافى، فى ذيل هذا الخبر: و فى الحديث دلالة على انه ينبغى عدم الاتيان بما لا يستحسنه الجمهور، و ان كان مستحبا، كالتحنك بالعمامة فى بلادنا، انتهى.
قال فى الروضة فى كتاب الشهادات: و يختلف الأمر فيها، اى فى المروة المعتبرة فى الشّاهد، باختلاف الاحوال و الاشخاص و الاماكن، و لا يقدح فعل السنن، و ان استهجنها العامة و هجرها الناس، كالكحل و الحناء و الحنك فى بعض البلاد، و انما العبرة بغير الراجح شرعا، انتهى.
أقول: و سيجئ ان شاء اللّه تعالى فى المجلد الرابع من كتاب الصّلوة، فى بحث صلوة الجمعة، فى الكلام فى تفصيل العدالة، زيادة تحقيق لهذا، فانتظر البتة.
كما صرح به الجماعة، قال فى شرح المفاتيح: و الرداء هو الثوب الذى يوضع على المنكبين، على ما يظهر من كلام الاصحاب، و الطريقة المعروفة بين المسلمين، و الظاهر حكم
ص: 106
العرف بما ذكره، قال فى البحار: و يحتمل ان يكون العباء و شبهه ايضا، قائما مقام الرداء، بل الرداء شامل له، قال الفاضلان: الرّداء هو ثوب يجعل على المنكبين، و فى القاموس انه ملحفة، انتهى.
و اعترض عليه بعض الأجلاء: بان الرداء لغة و عرفا ثوب مخصوص، كغيره من الثياب المخصوصة المتعيّنة فى حد ذاتها، فكيف يحتمل دخول العباء و نحوه تحت اطلاقه، و عبارة الفاضلين لا دلالة لهما على ما ادعاه، لأن مرادهم الاشارة الى انه ثوب معلوم يجعل على المنكبين، اشارة الى تبادره و معلوميته، كغيره من اصناف الثياب، لا ان مرادهم اىّ ثوب كان.
و يقوم التكه و نحوها مقامه مع الضرورة، كما يدل عليه رواية ابن سنان انتهى.
و فيه نظر، لا نالم نظفر على ما دل على اقامتها مقامه، حيث يكون هو المعتبر كما فى اصل البحث، نعم النصوص المتقدمة فى الازار و السراويل، دلت على استحباب نحو التكه له، و لكنه غير قيامه مقام الرداء حيث يكون مستحبا.
قال بعض الافاضل بعد نقل الكلام المذكور: أقول:
وجه البدعة ظاهر، اذ فعل شىء باعتقاد شرعيته و توظيفه من الشارع و الحال انه ليس كذلك تشريع، و قد حضر فى صغر سنّى، بعض من يتسمى بالفضل و يدعيه، و يفعل ذلك فى حال امامته بالناس، و لعل منشاء الشبهه عندهم، اخبار وضع التكه و حمايل السيف و نحو ذلك، و لم يتفطنوا الى ان ذلك مخصوص بمن كان ظهره مكشوفا، كما هو مورد الأخبار.
قيل: قد اضطرب كلام جملة من الخاصة و العامة، فى معنى
ص: 107
الاسدال للرداء، بعد اتفاقهم على كراهة السّدل، فقال فى الذخيرة: يكره السّدل، و هو ان يلقى طرف الرّداء من الجانبين، و لا يرد احد طرفيه على الكتف الاخرى، و لا يضم طرفيه بيده.
و قال الشهيد رحمه اللّه فى النفلية: هو ان يلتف بالازار فلا يرفعه على كتفيه، و قال شيخنا الشهيد الثانى: اعلم انه ليس فى الأخبار و اكثر عبارات الاصحاب، بيان كيفية لبس الرّداء، بل هى مشتركه فى انه يوضع على المنكبين و فى الذخيره: هو الثوب الذى يوضع على المنكبين، و مثله فى النهاية، فيصدق اصل السنة بوضعه كيف اتفق، لكن لما روى كراهة السدل، و هو ان لا يرفع احد طرفيه على المنكب، و انه فعل اليهود.
و روى على بن جعفر، عن اخيه موسى، قال: سألته عن الرجل، هل يصلح أن يجمع طرفى ردائه على يساره؟ قال: لا يصلح جمعهما على اليسار، و لكن اجعلهما على يمينك، اودعهما، تعين ان الكيفية الخالية عن الكراهة، هى وضعه على المنكبين، ثم يرد ما على الايسر على الايمن، و بهذه الهيئة فسره بعض الاصحاب رضى اللّه عنهم، لكن فعله على غير هذه الهيئة، خصوصا ما نص على كراهته، هل يثاب عليه؟ لا يبعد ذلك لصدق مسمى الرداء، و هو فى نفسه عبادة، و لا يخرجها كراهتها عن اصل الرجحان، و يؤيده اطلاق بعض الاخبار و كونها اصح من الأخبار المقيدة، انتهى.
و قد تقدم كلام ابن ادريس، الدال على كراهية السّدل كما تفعله اليهود، و هو ان يلتف بالازار و لا يرفعه على كتفيه، و ان هذا هو اشتمال الصماء، عند اهل اللغة، انتهى.
قال فى البحار: و قال فى الذكرى، بعد نقل كلام الذخيرة، و قول ابن ادريس باتحاده مع اشتمال الصماء، و انه قول المرتضى كما ذكرنا، و جزم ابن الجنيد ايضا بكراهة السدل و نسبه الى اليهود، و للعامة فيه خلاف، قال ابن المنذر: و لا اعلم فيه حديثا، و قال فى النهاية: فيه انه نهى عن السدل فى
ص: 108
الصلوة، هو ان يلتحف بثوبه و يدخل يديه من داخل. فيركع و يسجد و هو كذلك، و كانت اليهود(1) تفعله، فنهوا عنه، و هذا مطرد فى القميص و غيره من الثياب، و قيل: هو ان يضع وسط الازار على راسه، و يرسل طرفيه عن يمينه و شماله، من غير ان يجعلها على كتفيه، و منه حديث على (ع)، انه راى قوما يصلون قد سلوا ثيابهم فقال: كانهم اليهود اخرجوا من فهرهم، و قال: من فهرهم اى موضع مدارسهم، و هى كلمة نبطية او عبرانية عربت، و اصلها بهر بالباء.
و قال الجوهرى: فهر اليهود بالضم مدارسهم و اصلها بهر، و هى عبرانية فعرّبت.
و روى فى المشكوة، عن ابى داود و الترمذى، باسنادهما عن ابى هريره، ان رسول الله (ص) نهى عن السدل فى الصلوة و يغطى الرجل فاه، و قال الطبّى فى شرحه: السدل منهى عنه مطلقا، لأنه من الخيلاء، و فى الصلوة اشنع و اقبح، قيل: خص النهى بالمصلى، لأن عادة العرب شد الازار على اوساطهم حال التردد، فاذا انتهوا الى المجالس و المساجد، ارخوا العقد و اسبلوا الازار حتى يصيب الارض، فان ذلك لا روح لهم و اسمح لقيامهم و قعودهم، فنهوا عنه فى الصلوة، لأن المصلى يشتغل بضبطه، و لا يامن ان ينفصل عنه فى انتقالاته، لا سيما عند القيام من القعود، فانه ربما ينشب فيه عند النهوض رجل فينفصل عنه، فيكون مصليا فى الثوب الواحد، و هو منهى عنه، و ربما يضم اليه جوانب ثوبه، فيصدر عنه الحركات المتداركه، انتهى.
و قال شارح السنه: السدل هو ارسال الثوب حتى يصيب الارض، و اختلف العلماء فيه، فذهب بعضهم الى كراهية السدل فى الصلوة، و قال: و هكذا تصنع اليهود، و رخص بعض العلماء فى السدل فى الصلوة، قال الخطابى: و يشبه ان يكونوا انما فرقوا بين السّدل فى الصلوة و خارج الصلوة، لأن المصلى فى مكان
ص: 109
واحد ثابت، و غير المصلى يمشى فيه، فالسدل فى حق الماشى من الخيلاء المنهى عنه.
و قال احمد: انما يكره السّدل فى الصلوة، اذا لم يكن عليه الاثوب واحد، فاما اذا سدل على القميص فلا بأس، و من يجوز على الاطلاق، احتج بما روى عن ابن مسعود: من(1) اسبل ازاره فى صلوته خيلاء، فليس من الله فى حل و لا حرام، انتهى.
أقول: لا يبعد ان يكون الذى نهى عنه امير المؤمنين (ع)، هو ان وسط الرداء على راسه و يرسل طرفيه، فانه اشبه بفعل اليهود(2) و لما رواه الصدوق عن ابن بكير، انه سأل ابا عبد الله (ع)، عن الرجل يصلى و يرسل جانبى ثوبه، قال:
لا بأس، و يمكن ان يكون الكراهة مختصة بمن لم يكن عليه قميص، كما مر فى خبر ابن علوان، و يحتمل ان يكون ارسال طرفى الرداء مطلقا مكروها، كما ان جمعهما على اليسار ايضا مكروه، و اما المستحب جمع طرفيه على اليمين، و لا ينافى لا بأس الكراهة، و الاحوط ذلك تبعا للمشهور، انتهى كلامه.
أقول: و مما وقفت عليه من الأخبار فى الباب، ما رواه الصدوق فى الباب فى الصحيح، عن زرارة انه قال: قال ابو جعفر (ع): خرج امير المؤمنين (ع) على قوم، فراهم يصلون فى المسجد قد سدلوا أرديتهم، فقال لهم: ما لكم قد سدلتم ثيابكم كانكم يهود، و قد خرجوا من فهرهم يعنى بيعتهم،(3) اياكم و
ص: 110
سدل ثيابكم.
و ما رواه فى البحار، عن قرب الاسناد، عن الحسين بن طريف، عن الحسين بن علوان، عن الصادق، عن ابيه عليهما السلام قال: انما كره السّدل على الازر بغير قميص، و اما على القميص و الجباب فلا بأس.
و لا يخفى عليك ان صحيحة زرارة بحسب ظاهرها، منافية لرواية على بن جعفر المذكورة فى كلام الشهيد الثانى، فانها دالة على التخيير بين ارسال طرفى الثوب، و بين وضعهما على اليمين، و انما كره جمعهما على اليسار، و لعل تخصيص الشهيد الثانى الكيفية الخالية من الكراهة، بصورة الجمع على اليمين، حيث ان صحيحة زرارة قد عارضت صورة الاسدال، الذى هو احد الفردين المخيرين، و اما صورة الوضع على اليمين، فلا معارض لها، فبقيت على اصل الاستحباب.
و يمكن ان يقال: ان ظاهر التخيير مساواة الامرين فى الاستحباب، و يؤيده رواية ابن بكير المتقدمة، و يمكن الجمع بين صحيحة زرارة، و رواية على بن جعفر بوجهين اخرين، اما حمل رواية النهى عن الاسدال، على ما اذا صلى فى ازار بغير قميص، كما يدل عليه رواية الحسين بن علوان المتقدمة، او على وضع الرداء على الراس و التقنع به و اسداله، و به فسر الخبر المذكور فى النهاية، قال فيه:
انه نهى عن السّدل فى الصّلوة، و هو ان يلتحف بثوبه و يدخل يديه من داخل، فيركع و يسجد و هو كذلك... الى آخر ما تقدم فى البحار ناقلا عنه، و عن ظاهر كلام جملة من علمائنا،(1) و علماء العامة: ان اليهود كذلك يفعلون.
ص: 111
و حينئذ فيبقى ما دل على صحيحة على بن جعفر، من التخيير بين الاسدال و الرفع على اليمين، صحيحا لا اشكال فيه، قال بعض الافاضل فى حاشية الفقيه يمكن ان يكون المراد بسدل الرداء، ارسال طرفيها، كما ذكره جماعة من الاصحاب قاله يستحب القأ اليسرى على اليمنى، و يمكن ان يكون المراد به وضع وسط الرداء على الرّاس، و ارسال طرفيها كما هو فعل اليهود، و كلاهما مكروهان، و ان كان الثانى اكد، و ان كان الظاهر ان الأول ترك المستحب، فان الرّداء مستحب، و طرحه على اليمنى مستحب آخر، و ليس ترك كل مستحب مكروها، بل المكروه ما ورد فيه النهى، انتهى.
و لا يخفى عليك ان كان المستند فى استحباب طرحه على اليمنى، رواية على بن جعفر المتقدمة، فلباب الكلام فيما ذكره هذا الفاضل مجال، لدلالتها على استحباب ارسال طرفيها ايضا، اللهم الا ان يوجه بما وجهنا كلام ثانى الشهيدين، و لكن عرفت ما يرد فيه ايضا فتامل.
و بالجملة الاحسن هو لبس الرداء بالطريق الذى وصفه الشهيد الثانى و اما ما ذكره اخيرا، فلعله لا يخلو عن قوة، و استحسنه الشارح المحقق و شيخنا المجلسى فى البحار.
(و استصحاب الحديد ظاهرا) على الاشهر الاظهر، و فى الرياض عليه
ص: 112
عامة من تاخر، بل لا خلاف فيه يظهر، الا ما عن المقنع و النهاية و المهذب، حيث ذهبوا الى التحريم، مستثنيا منه السلاح كما عن الأول، او ما اذا كان مستورا، كما عن الاخيرين، و ربما ينسب الى ظاهر الكلينى و الصدوق ايضا، مثل ما نسب الى الشيخ و ابن البراج.
و كيف كان فالاقوى ما ذهب اليه(1) الماتن، للاجماع المحكى عن الخلاف عليه فى الجملة، و اما الأخبار الواردة فى المسئلة فكثيرة:
منها ما رواه التهذيب فى الباب، عن موسى بن اكيل النميرى، عن ابى عبد الله (ع)، فى الحديد: انه حلية اهل النار، و الذّهب حلية اهل الجنة، و جعل الله الذهب فى الدنيا زينة النساء، فحرم على الرجل لبسه و الصلوة فيه و جعل الله الحديد فى الدنيا زينة الجن و الشياطين، فحرم على الرّجل المسلم ان بلبسه فى الصلوة، الا ان يكون قتال عدو فلا بأس به، قال: قلت: فالرّجل فى السفر يكون معه السّكين فى خفه، لا يستغنى عنه، او فى سراويله مشدودا، و المفتاح يخشى ان وضعه ضاع، او يكون فى وسطه المنطقه من حديد، قال لا باس بالسّكين و المنطقة للمسافر فى وقت ضرورة، و كذلك المفتاح اذا خاف الضيعة و النسيان، و لا بأس بالسيّف و كل آلة السلاح فى الحرب، و فى غير ذلك، لا تجوز الصّلوة فى شىء من الحديد، فانه نجس ممسوخ.
و منها ما رواه فى الموثق فى الزيادات، عن عمار بن موسى، عن ابى عبد الله (ع)، فى الرجل يصلى و عليه خاتم حديد، قال: و لا يتخم به الرّجل، فانه من لباس اهل النار... الحديث.
ص: 113
و منها ما رواه فى الباب، عن السكونى، عن ابى عبد الله قال: قال رسول الله (ص): لا يصلى الرجل و فى يده خاتم حديد، و رواه فى الوافى فى آخر الباب ايضا، ثم قال: و روى اذا كان المفتاح فى غلاف فلا بأس.
و منها ما رواه فى الباب، عن محمّد ابى الفضل المداينى، عمن حدثه عن ابى عبد الله (ع) قال: لا يصلى الرجل و فى تكته مفتاح حديد.
و منها ما رواه فى البحار، عن العلل، عن ابيه، عن سعد بن عبد الله، عن احمد بن الحسن بن فضال، عن عمر بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطى، عن ابى عبد الله (ع)، فى الرجل يصلى و عليه خاتم حديد، قال: لا و لا يتختم به الرّجل، لأنه من لباس اهل النار... الحديث.
و منها ما رواه فيه عن كتاب زيد النرسى، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: ما قدس الله صلوة مسلم يصلى و معه الحديد، مفتاح او غيره، خلا السيف عند الخوف، فانه رداء، او الدّرع عند الخوف، و كذلك ما كان من سلاح او كراع، فلا بأس عند الحاجة.
قال فى البحار بعد ذكره: الكراع بالضّم من البقر و الغنم مستدق السّاق، و من كل شىء طرفه، و اسم يجمع الخيل، و المراد هنا اما الجلود التى تجعل على حاشية الثوب، مما لا يؤكل لحمه، او الخيل، او الغرض الصلوة راكبا عند الضرورة.
و منها ما رواه فى الاحتجاج، قال: كتب الحميرى الى القائم (ع)، يسئله عن الرّجل يصلى و فى كمه او سراويله سكين او مفتاح حديد، هل يجوز ذلك؟ فكتب (ع): جايز، و روى عن غيبة الشيخ، عن محمد بن احمد بن داود، عن احمد بن ابراهيم النونجى، عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميرى، مثله.
و بالجملة الأخبار فى المسئلة كثيرة، منها ما ذكرنا، و منها ما لم نذكره، و اكثر الأخبار و فيها الموثق، ظاهر فى التحريم، و لكن خبر الاحتجاج الدال على الجواز، مقدم لاعتضاده بالشهرة المحققه، و المحكية المتجاوزة عن حد الاستفاضة،
ص: 114
و غيرها، فليحمل الأخبار الناهية على الكراهة، بعد تقييدها بما اذا كان بارزا، لما ذكره الشارح المحقق قال: قال المحقق: و يسقط الكراهة مع ستره، وقوفا بالكراهة على موضع الوفاق ممن كرهه، و هو حسن، و يدل عليه ما رواه الشيخ عن عمار الساباطى: ان الحديد اذا كان فى غلاف فلا بأس بالصلوة فيه، انتهى.
و ما ذكره المحقق، محل كلام، لجواز التسامح فيها، و الاكتفاء فى اثباتها بفتوى فقيه واحد، فضلا عن اطلاق الرّوايات بالمنع، كما نحن فيه، فاطلاق الكراهة لا بعد فيه، لو لا الاتفاق على الظاهر، ممن عدا المقنع، على عدمها اذا كان مستورا، قاله بعض الاصحاب.
و بالجملة رواية عمار المتقدمة المعتضدة بالشهرة العظيمة، و باطلاق المروى فى الاحتجاج، كافية فى تقييد الاطلاقات الواردة فى المنع، بما اذا كان بارزا، و ربما ضعف القول بالتحريم، بالتعليل الشاهد على الكراهة، الواقع فى رواية موسى بن اكيل النميرى المتقدمة، و هو قوله (ع): لا يصلى فى شىء من الحديد فانه نجس ممسوخ، قال فى التحرير: قد بينا ان الحديد ليس بنجس، باجماع الطوايف، فاذا ورد التنجيس، حملناه على كراهية استصحابه، فان النجاسة قد يطلق على ما يستحب أن يجتنب، و قريب منه كلام المصنف فى المنتهى كما حكى
قال فى المدارك: و المراد بالنجاسة هنا الاستخباث، و كراهة استحبابه فى الصلوة، كما ذكره فى التحرير: لأنه ليس بنجس باجماع الطوايف، ثم قال بعد ذكره ما نقلناه عن الشارح المحقق: بل و يمكن القول بانتفاء الكراهة مطلقا، لضعف المستند انتهى، و فيما ذكره اخيرا نظر، لأنه خلاف ما عليه فى غير مقام من الاحكام، ان شئت ذلك فانظر الى ما قال، فى بحث كراهة الثياب السود
ربما قيل بكراهة الصلوة فى خاتم فصه حديد صيّنى، و لعله لما ورد عن الصاحب (ع) فى توقيعاته الى الحميرى، حيث سأله عن الفص الخماهن هل يجوز فيه الصّلوة اذا كان فى اصبعه، الجواب: فيه كراهية ان يصلى فيه، و فيه
ص: 115
اطلاق، و العمل على الكراهية، هكذا فى الاحتجاج.
و قد حكاه فى البحار، عن غيبة الشيخ ايضا، من غير تفاوت، قال فى البحار بعد نقله المذكور عنهما: بيان: الخماهن(1) بالضم كلمة فارسية قالوا حجر اسود يميل الى الحمرة، فالظاهر انه الحديد الصينى، و قيل فيه سواد و بياض، و فى بعض نسخ الاحتجاج: الجوهر بدل الخماهن، و لعلّه تصحيف، و على تقديره، فهو محمول على غير الجواهر التى يستحب التختم بها، انتهى.
و الموجود فى نسختنا: الخماهن دون الجوهر، كما ذكرنا، و روى عن الصدوق فى العلل، باسناده عن عبد خير، قال: كان لعلى بن ابى طالب، اربعة خواتيم يتختّم بها: ياقوت لنبله، و فيروزج لنصره، و الحديد الصينى لقوته و عقيق لخوره الحديث.
قيل بعد نقله: و فيه دلالة على جواز لبس الحديد الصينى، الا انه لا يدل على جواز الصلوة فيه صريحا، مع ان ظاهر سند الخبر انه عامى، فيضعف الاعتماد عليه، و تخصيص اخبار المنع من الحديث مطلقا، سيما و قد روى الشيخ فى التهذيب، فى باب فضل الكوفه، حديثا يتضمن كراهة التختم به، انتهى.
و لعل الكراهة اقوى (فى ثوب المتّهم) او المعلوم بعدم التوقى من النجاسات، بلا خلاف اجده، الا من المبسوط حيث قال فيه: اذا عمل كافر ثوبا لمسلم، فلا يصلى فيه الا بعد غسله، و كذلك اذا صبغه له، لأن الكافر نجس، و سواء كان كافرا لا صلى، او كافر رده، او كافر مله، قال المصنف فى المختلف: و تعليل الشيخ يوذن بالمنع، و هو اختيار ابن ادريس - الى ان قال - و قال ابن الجنيد: فان كان استعاره من ذمى او ممن الاغلب على ثوبه النجاسة، اعاد خرج الوقت او لم يخرج، و هو يؤذن بقول الشيخ فى المبسوط، مع انه قال
ص: 116
قبل ذلك: و استحب تجنب ثياب المشركين، و من لا يرى غسل النجاسة من ثوبه، و تنظيف جسده منها، و خاصة منازلهم، و ما سفل من اثوابهم التى يلبسونها، و ما يجلسون عليهم من فرشهم، و لو صلى فيه او عليه ثم علم بنجاسته، اخترت له الاعادة فى الوقت و غير الوقت، و هى فى الوقت اوجب منها اذا خرج، انتهى.
قيل بعد نسبة المخالفه الى المبسوط، و تبعه الحلى للتعليل(1) قائلا:
ان اجماع اصحابنا منعقد، على ان اسآرات جميع الكفار نجسة، بغير خلاف بينهم، انتهى.
فظهر ان المخالف فى المسئلة، المبسوط و الحلى و ابن الجنيد، على اشكال فى الأخير لاضطراب كلامه، و ما ذكروه حسن مع العلم بالمباشرة برطوبة كما يفهم من تعليهما، بناء على ان نجاسة الكفار عينية، لا تؤثر بالملاقى الا بالمباشرة له برطوبة قطعا لا مطلقا، قيل: و لعله لذا لم ينقل الخلاف هنا كثير من الاصحاب، معترفين عن عدم خلاف فيه، و اما مع عدم العلم، او ما يقوم مقامه شرعا، ان قلنا به فى الحكم بالنجاسة بالمباشرة برطوبة، و ان كان ظانّا بها معها، فالاقوى الطهارة لعموم قولهم (ع): كل شىء طاهر حتى تعلم انه قذر.
و خصوص المعتبرة فى المسئلة: منها ما رواه التهذيب فى الزيادات، فى الصحيح عن معوية بن عمار قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الثياب السابرى يعملها المجوس، و هم اخباث، و هم يشربون الخمر و نساؤهم على تلك الحال، البسها و لا اغسلها و اصلى فيها؟ قال: نعم، قال: معوية فقطعت له قميصا و خطته، و فتلت له ازار او رداء من السابرى، ثم بعثت بها اليه فى يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فكانه عرف ما اريد، فخرج فيها الى الجمعة، و بعض الافاضل، حين اراد ان يذكر تلك الصحيحة و ما ضاهاها، قال: مما يدل على
ص: 117
ما هو مقتضى القاعدة المتفق عليها، صحيحة معوية بن عمار.
و منها ما رواه فى الزيادات ايضا، فى الصحيح عن عبد اللّه بن سنان قال:
سأل ابى ابا عبد الله (ع) و انا حاضر: انى اعير الذمى ثوبى، و انا اعلم يشرب الخمر، و ياكل لحم الخنزير، فيرد علّى، فاغسله قبل ان اصلى فيه؟ فقال ابو عبد الله (ع): صلّ فيه و لا تغسله من اجل ذلك، فانك أعرته إيّاه و هو طاهر، و لم تستيقن أنه نجّسه، فلا بأس ان تصلى فيه، حتى تستيقن أنه نجسّه.
و منها: ما رواه فى الزيادات، عن معلى بن خنيس قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: لا بأس بالصلوة، فى الثياب التى يعملها المجوس و النصارى و اليهود.
و منها ما رواه فى الزيادات، فى الصحيح عن عبيد اللّه بن على الحلبى قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الصلوة فى ثوب المجوسى، فقال: يرش بالماء.
و منها ما رواه فى الباب، عن ابى علّى البزاز، عن ابيه قال: سألت جعفر بن محمد (ع)، عن الثوب يعمله اهل الكتاب، اصلى فيه قبل ان يغسل؟ قال:
لا بأس، و ان يغسل احبّ الىّ.
و بالجملة الأخبار بحمد اللّه فى المسئلة كثيرة، و لا يعارضها ما رواه التهذيب فى الزيادات، فى الصحيح عن عبد اللّه بن سنان قال: سأل ابى ابا عبد الله عليه السلام، عن الذى يعير ثوبه لمن يعلم انه ياكل الجرى و يشرب الخمر، فيرده، ايصلى فيه قبل ان يغسله؟ قال لا يصلى فيه حتى يغسله.
و ما رواه فى الزيادات، و فى الباب، باسناد فيه محمد بن اسمعيل، عن الفضل، عن العيص(1) بن القاسم قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الرّجل يصلى فى ثوب المراة و ازارها و يعتم بخمارها، قال: نعم، اذا كانت مامونه.
لوجوه شتى، فليحملا على الكراهة، مضافا الى الشبهة الناشئة عن القول بالمنع، فالمصير اليها متعين، و ليس فى رواية العيص كالعبارة و نحوها، بيان المامونة
ص: 118
عن اى شىء، فلا يبعد ان تشمل كل محذور، و لو غير النجاسة، من نحو الغصب و استصحاب فضلات ما لا يؤكل لحمه، كما عن جماعة، و منهم الشهيدان،(1) قال ثانيهما: و ينبه عليه كراهة معاملة الظالم و اخذ عطائه، و ظاهر جملة من العبارات تقييد العبارة بالنجاسة خاصة، و التعميم اقرب، و لا يخفى عليك، ان خبر ابى على المتقدم، يدل على الاستحباب، كما عن الاصحاب.
(و) فى (الخلخال المصوت) دون الاصم (للمراة) مطلقا، و لو لم تكن سميعة، بلا خلاف اجده، الا من ابن البراج على ما حكى عنه، فحرمه حيث قال: لا تصح الصلوة فى خلاخل النساء اذا كان لها صوت، و يدل على الجواز اطلاق الأمر بالصّلوة كتابا و سنة و على الكراهة ما رواه فى الوافى فى الباب، فى الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه ابى الحسن (ع) قال: سألته عن الخلاخل هل يصلح للنساء و الصّبيان لبسها؟ فقال: اذا كانت صماء فلا بأس، و ان كانت لها صوت فلا.
و رواه فى الفقيه ايضا فى الباب، و فيها: و ان كان لها صوت فلا يصلح، و المستفاد من الصحيحة الكراهية مطلقا، و لا اختصاص لها بحال الصلوة، لا يقال:
هذا صحيح لو قلنا بان كلمة لا يصلح ظاهرة فى الكراهة، او موضوعة للاعم منها و من الحرمة، المدفوعة بالاصل فى المقام، و اما على القول بظهورها فى الحرمة، فلا منشأ لهذا القول، لدلالتها حينئذ على مذهب ابن البراج، و هى لا خصيتها مقدمة على الاطلاقات لا عميتها، لانا نقول الاطلاقات معتضدة بالشهرة التى كادت ان تكون اجماعا، و الصحيحة على تقدير ظهورها فى الحرمة ايضا، لا تصلح للتقييد، فلتحمل على الكراهة، فتامل، على انها شامله لحالة الصلوة و غيرها، و هم لا يقولون به، على ما هو المصرح به فى بعض العبائر، فليتأمل، و الاحتياط لا يترك فى المقام ان شاء الله
(و) فى الثوب الذى فيه (التماثيل و الصورة فى الخاتم) بلا خلاف ظاهر فى المرجوحية، كما صرح به جماعة، بل عن جامع
ص: 119
المقاصد الاجماع عليه، و هو الحجة، و النصوص المتعلقة بالمسئلة كثيرة:
منها ما رواه الصدوق فى الباب، فى الصحيح عن محمّد بن اسمعيل بن بزيع، انه سأل الرضا (ع)، عن الصلوة فى الثوب المعلم، فكره ما فيه من تماثيل.
و منها ما رواه الشيخ فى الباب، فى الصحيح عن محمد بن اسمعيل بن بزيع قال: سألت ابا الحسن (ع) عن الصلوة فى ثوب ديباج، فقال: ما لم يكن فيه التماثيل، فلا بأس.
و منها ما رواه فى الزيادات فى الموثق، عن عمار بن موسى، انه سأل ابا عبد الله (ع): عن الثوب الذى يكون فى علمه مثال طير، او غير ذلك، ايصلى فيه؟ قال: لا، و عن الرجل يلبس الخاتم فيه نقش مثال الطير او غير ذلك، قال: لا يجوز الصّلوة فيه.
و رواه الصدوق ايضا فى الباب، و يؤيده ما رواه فى اواخر الزيادات فى الصحيح، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن محمد بن روان، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال: رسول الله (ص): ان جبرئيل اتانى فقال: انا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب، و لا تمثال جسد، و لا اناء يبال فيه.
و ما رواه فى الزيادات ايضا، عن عمر بن خالد، عن ابى جعفر (ع) قال:
قال جبرئيل: يا رسول الله، انا لا ندخل بيتا فيه صورة انسان، و لا بيتا يبال فيه، و لا بيتا فيه كلب، و رواهما فى الوافى فى آخر باب الصلوة فى الكعبة و المواضع التى يكره الصلوة فيها.
و منها ما رواه فى الوافى فى الباب، باسناد فيه محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد اللّه بن سنان عن أبى عبد الله (ع): انه كره ان يصلى و عليه ثوب فيه تماثيل.
و منها ما رواه فى البحار، عن كتاب العلل لمحمد بن على بن ابراهيم و فيه: لا يصلى فى الديباج - الى ان قال - و لا على ثوب فيه تصاوير.
و منها ما رواه فى البحار ايضا، عن قرب الاسناد، عن عبد اللّه بن
ص: 120
الحسن، عن جده على بن جعفر، عن اخيه (ع) قال: سألته عن الثوب فيه التماثيل او علمه، ايصلى فيه؟ قال: لا، قال فى البحار، بعد نقل ذلك الخبر: أقول:
رواه فى المحاسن عن موسى بن القاسم، عن ابيه قال: سألته عن الثوب يكون فيه تماثيل او فى علمه، ايصلى فيه؟ قال: لا يصلى فيه.
و منها ما رواه فى البحار ايضا، عن قرب الاسناد، بالاسناد عن على بن جعفر، عن اخيه قال: سألته عن الخاتم يكون فيه نقش تماثيل، سبع او طير، ايصلى فيه؟ قال: لا بأس، قال فى البحار، بعد نقل ذلك الخبر، بيان: يدل على ان اخبار النهى محمولة على الكراهة، و رواه فى كتاب المسائل و فيه: قال: لا، فيؤيد ساير الأخبار، و الاعتماد على نسخ قرب الاسناد اكثر، مع انه رواه ابن ادريس فى السرائر، من قرب الاسناد، موافقا لما فى النسخ، انتهى.
و بالجملة: الأخبار فى المسئلة كثيرة، و مقتضى كثير منها التحريم، كما عن الشيخ حيث قال فى المبسوط: الثوب اذا كان فيه تماثيل و صور، لا تجوز الصلوة فيه، و قال فيه: لا يصلى فى ثوب فيه تماثيل، و لا فى خاتم كذلك، و كذا فى النهاية، كذا نقله فى البحار، و عن ابن البراج، انه حرّم الصلوة فى الخاتم الذى فيه صورة، و لم يذكر الثوب، و يظهر منه المخالفة فى الخاتم فقط، كما عن الصدوق فى المقنع.
و كيف كان فالمصير الى المشهور القائل بالكراهة هو المتعين لرواية قرب الاسناد المتقدم نقلها، المنجبرة بالشهرة العظيمة، التى قيل فى شانها فى المقام انها قريبة من الاجماع، بل هى من المتأخرين اجماع فى الحقيقة، مع ان المحكى عن المصنف فى الشرح، انه احتمل حمل (لا يجوز) فى كلام الشيخ على الكراهة، لشيوع استعماله فيها فى عبارته، بل قيل ذلك فى مطلق القدماء و الأخبار.
و عليه فلا خلاف ظاهرا فى المسئلة، و اختصاصه بالخاتم غير ضاير اما لما ذكره بعض الأجلاء: بكونه مجبورا بعدم القائل بالفرق، اذ كل من جوز الصلوة
ص: 121
فيه، جوز فى الثوب ايضا، و ان لم يكن بحسب المنع كذلك، او لما يظهر من التتبع فى الأخبار الواردة فى الباب، من ان جهة المنع من حيث الصورة و التمثال، لا من حيث الثوبية مع الصورة.
و لا بأس بنقل جملة من الأخبار، حتى يتبين ما ذكرناه:
منها: ما رواه التهذيب فى الزيادات، فى الصحيح عن محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبى جعفر (ع): اصلى و التماثيل قدّامى، و انا انظر اليها فقال: لا، اطرح عليها ثوبا، و لا بأس بها اذا كانت عن يمينك، او شمالك، او خلفك، او تحت رجليك، او فوق راسك، و ان كانت فى القبلة فالق عليها ثوبا وصل.
و منها: ما رواه فى الزيادات ايضا، باسناد فيه محمّد بن سنان، لرواية الحسين، عن ليث المرادى قال: قلت لأبى عبد الله (ع): الو سايد يكون فى البيت فيها التماثيل، عن يمين او شمال، فقال: لا بأس، ما لم يكن تجاه القبلة فان كان شىء منها بين يديك مما يلى القبلة، فغطه وصل، و اذا كان معك دراهم سود فيها تماثيل، فلا تجعلها من بين يديك، و اجعلها من خلفك.
و منها: ما رواه فى الزيادات ايضا، فى الصحيح عن حماد بن عثمان قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الدراهم السود، فيها التماثيل، ايصلى الرّجل و هى معه؟ فقال: لا بأس بذلك، اذا كانت مواراة.
و منها: ما رواه الصدوق فى الباب، فى الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن ابى عبد الله (ع)، انه سئل عن الدّراهم السود تكون مع الرّجل و هو يصلى، مربوطة و غير مربوطة، فقال: ما اشتهى ان يصلى، و معه هذه الدراهم التى فيها التماثيل، ثم قال (ع): ما للناس بدّ من حفظ بضايعهم، فان صلى و هى معه فلتكن من خلفه، و لا يجعل منها شيئا بينه و بين القبلة.
و بالجملة: الأخبار الشاهدة للمطلب فى المسئلة كثيرة، و سيظهر جملة منها ايضا، فعلى هذا تدل صحيحة عبد الرحمن على المطلب بدلالة واضحة، لظهور لفظ (ما اشتهى) فى الكراهة فافهم.
ص: 122
هذا مع ورود كلمة (لا بأس) فى صحيحة محمد بن مسلم، و هى ما رواه التهذيب فى الزيادات، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع)، عن الرجل يصلى و فى ثوبه دراهم فيها تماثيل، فقال: لا بأس بذلك.
هذا مضافا الى ان اطلاق الأمر بالصلوة، و اصالة البراءة، دالان على الجواز حتى يظهر التقييد، و هو غير ظاهر، لضعف جملة من الأخبار المانعة، و منع غير واحد منها، بكلمة الكراهة، و دلالتها على الحرمة غير واضحة، بل غاية ما يقال فيها انها فى الأخبار استعملت فى الحرمة كثيرا، و تسليم ذلك لا يصير باعثا لدلالتها فى المقام على الحرمة، كيف؟ و القدر الثابت منها، ليس الا الكراهة المصطلحة، فاصالة عدم التقييد فى الاطلاقات سالمة عن المعارضة، نعم، لو كانت دلالتها على الحرمة متيقنه، لما كان لهذا الكلام وجه، و انت تعلم ان دلالتها على الحرمة مشكوكه، مع ان الاطلاق معتضد بالشهرة، و التقييد محل اشكال، فافهم.
و اما موثقه عمار المتقدمة، فهى تضمنت للمنع عن التختم بالحديد، و عرفت ان ذلك المنع انما يكون على سبيل الكراهة، فيتقوى فى النظر، كون المراد من النهى فى المقام ايضا الكراهة، و فيه تأمل.
و بالجملة: المسئلة بحمد اللّه لا تخلو من وضوح، قال فى البحار: و اما الأخبار الداله على الجواز، فكثيرة: منها: ما رواه الشيخ فى الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: سألت ابا جعفر عن الرجل يصلى و فى ثوبه دراهم فيها تماثيل، فقال: لا بأس بذلك، و روى الكلينى فى الصحيح، عن البزنطى، عن الرضا عليه السلام، انه أراه خاتم ابى الحسن (ع)، و ردة و هلال فى اعلاه، و الأخبار الواردة بلفظ الكراهة، و لا اشتهى، و لا احب، كثيرة.
و روى فى الصحيح،(1) عن زرارة، عن ابى جعفر (ع) قال: لا بأس بتماثيل
ص: 123
الشجر، و فى الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن تماثيل الشمس و القمر، فقال: لا بأس، ما لم يكن شيئا من الحيوان،(1) انتهى.
بل فى المختلف نسبه الى باقى الاصحاب من عدا الحلى، و اختاره مستدلا بعموم النهى، و بان المراد بذلك ترك الاشتغال بالنظر الى الصور و التماثيل، حالة الصلوة، و هو شامل للحيوان و غيره، قال ابن ادريس: انما تكره الصّلوة، فى الثوب الذى عليه الصور و التماثيل من الحيوان، فاما صور غير الحيوان فلا بأس.
و يظهر من جماعة من المتأخرين تقويته، قال فى البحار: و ما ذكره الاكثر، و ان كان اوفق بكلام اللغويين، فان اكثرهم فسروا الصورة و المثال و التمثال، بما يعم و يشمل غير الحيوان ايضا، لكن ظاهر اطلاق اكثر الأخبار التخصيص، ففى بعض الرّوايات الواردة فى خصوص هذا المقام: مثال طيرا و غير ذلك، و فى بعضها: صورة انسان، و فى بعضها: تمثال جسد، و عن ابى جعفر (ع) قال:
ان الذين يؤذون اللّه و رسوله، هم المصوّرون، يكلّفون يوم القيمة ان ينفخ فيها و ليس بنافخ، و فى الخصال: عن ابن عباس قال رسول الله (ع): من صور صورة كلّف ان ينفخ فيها و ليس بفاعل الخبر.
فهذه الأخبار و امثالها، تدل على اطلاق المثال و الصّورة على ذى الروح، و قد وردت اخبار كثيرة تتضمن جواز عمل صور غير ذى الروح، و لا يخلو من تاييد لذلك، و كذا ما ورد فى عدم جواز كونها فى البيت، فقد روى الكلينى عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): ان جبرئيل اتانى فقال: انا معشر الملائكة... الحديث المتقدم نقله، و فى الموثق عنه (ع)، فى قول اللّه عز و جل:
«يَعْمَلُونَ لَهُ مٰا يَشٰاءُ مِنْ مَحٰارِيبَ وَ تَمٰاثِيلَ» فقال: و اللّه ما المنتهى تماثيل الرجال
ص: 124
و النساء، و لكنها الشجر و شبهه، و فى الحسن كالصحيح، عن ابى جعفر عليه السلام قال:
لا بأس بان يكون التماثيل فى البيوت، اذا غيرت رؤسها منها، و ترك ما سوى ذلك.
و فى الصحيح عن على بن جعفر، عن ابى الحسن (ع) قال: سألته عن الدار و الحجرة فيها تماثيل، ايصلى فيها؟ فقال: لا تصل فيها، و شىء يستقبلك الا ان لا تجد بدّا فتقطع رؤسها، و الا فلا تصل فيها، و عن ابى جعفر (ع) قال: قال جبرئيل: يا رسول اللّه انا لا ندخل بيتا فيه صورة انسان... الخبر.
و روى الطبرسى فى المكارم عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر (ع) قال:
لا بأس ان تكون التماثيل فى البيوت، اذا غيرت الصوره.
و وجه الدلاّلة فى الجملة فى تلك الأخبار غير خفى، و سياتى بعضها فى ابواب المكان، و قد صرح بعض اللغويين ايضا بما ذكرنا، قال المطرزى فى المغرب: التمثال ما تصنعه و تصوره مشبّها بخلق اللّه من ذوات الروح، و الصورة عام، و يشهد لهذا ما ذكر فى الاصل، انه صلى و عليه ثوب فيه تماثيل كره له ذلك، قال: و اذا قطعت رؤسها فليس بتماثيل، و قوله (ص): لا تدخل الملائكة بيتا فيه تماثيل او تصاوير، كانه شك من الراوى.
و اما قولهم: و يكره التصاوير و التماثيل، فالعطف للبيان، و اما تماثيل شجر فمجاز ان صح، و قال فى المصباح المنير: التمثال الصورة المصورة، و فى ثوبه تماثيل اى صور حيوانات مصورة، و قال فى الذكرى: خص ابن ادريس الكراهة، بتماثيل الحيوان لا غيرها كالاشجار، و لعله نظر الى تفسير قوله تعالى: «يَعْمَلُونَ لَهُ مٰا يَشٰاءُ مِنْ مَحٰارِيبَ وَ تَمٰاثِيلَ» فعن اهل البيت عليهم السلام، انها كصور الاشجار، و قد روى العامة فى الصحاح: ان رجلا قال لابن عباس: انى اصور هذه الصورة، فافتنى فيها، فقال: سمعت رسول الله (ص) يقول: كل مصور فى النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسا، فتعذّبه فى جهنم، و قال: ان كنت لا بدّ فاعلا فاصنع الشجر، و ما لا نفس له.
و فى مرسل ابن ابى عمير، عن الصادق (ع)، فى التماثيل فى البساط
ص: 125
لها عينان و انت تصلى، فقال: ان كان لها عين واحدة فلا بأس، و ان كان لها عينان فلا، و عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع): لا بأس ان يكون التماثيل فى الثوب اذا غيرت الصورة منه، و اكثر هذه يشعر بما قاله ابن ادريس، و ان اطلقه كثير من الاصحاب، انتهى.
أقول: مع قطع النظر عن دلالة تلك الأخبار على تخصيص مدلول التماثيل و الصوره، نقول: اذا جاز الصّلوة، و زالت الكراهة بمحض النقص فى عضو من الحيوان، مع ان ساير اجزائه مماثلة لما وجد منها فى الخارج، فالشجر و امثاله اولى بالجواز، و بالجملة: الجزم بالتعميم مع ذلك مشكل، مع تأييد التخصيص باصل البراءة، و مناسبته للشريعة السمحة السّهلة، و لقوله تعالى: «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» و ان كان الاحوط ترك لبس المصوره مطلقا، انتهى.
أقول: ظهر بما ذكر شهادة جملة من النصوص بالاختصاص كما اعترف بها جملة من الفحول، و لعله هو المتبادر من الاطلاقات المانعة ايضا، كما اعترف به بعض الأجلاء، فلا يجدى ما استدل به المصنف فى المختلف اولا، و اما ما استدل به ثانيا، فيمكن دفعه ايضا بالمنع اولا، تامل، و بالنقض فى صورة النقص فى عضو الحيوان ثانيا، اللّهم الا ان لا يكون قائلا بزوال الكراهة فى صورة النقص، و باكثرية الاشتغال فى صور الحيوان دون غيرها ثالثا، و كون المناط مطلق الاشتغال، فاسد من وجوه، و الاستدلال للمطلب بكلام المغرب و المصباح المنير غير مجد، و ان كلامهما سيما الأول، و الا باختصاص التمثال بصور الحيوان حقيقه، و كون اطلاقه على غيرها مجاز، التصريح الأول بعموم الصورة، و القول بانه غير ضاير بعد اختصاص مورد النص المانعة مطلقا بالتمثال دون الصور، غير وجيه، لورود لفظة التصاوير فى كتاب العلل لمحمد بن على بن ابراهيم، كما عرفت، و الضعف فى السّند، منجبر بالشهرة المحققة و المحكية.
و بالجملة: ظهر بما ذكرنا و بما سيجىء فى بحث المكان ان شاء الله، ان ما اختاره الحلّى، كما قواه جماعة من المحققين المتأخرين، غير خال عن قوة، و لكن
ص: 126
اشتهار(1) اطلاق الكراهة، و شبهة دعوى الاتفاق عليه فى المختلف، و وجود الشبهة فى المسئلة، الناشئة من اطلاق منع الشيخ و ابن البراج و غيرهما، و ان كانت هنّية مع التسامح فى ادلة الكراهة، كما مرّ غير مرة، يرجح العمل بالاطلاق بلا شبهة.
و يدل عليه رواية ليث المرادى المتقدمة، و كذا صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة، و ان كانت دلالتها من حيث العموم فافهم، و كذا ما رواه التهذيب فى الباب، فى الصحيح عن الحلبى قال: قال ابو عبد الله (ع): ربما قمت فاصلى و بين يدىّ الوسادة فيها تماثيل طير، فجعلت عليها ثوبا.
و اما ما رواه التهذيب فى الباب، عن عمرو بن ابراهيم الهمدانى، رفع الحديث قال: قال ابو عبد الله (ع): لا بأس ان يصلى الرّجل، و النار و السراج و الصّورة بين يديه، ان الذى يصلى له اقرب اليه من الذى بين يديه، فهو لا ينافى الكراهة، قال الشيخ بعد نقل تلك الرّواية: و هذه رواية شاذة، و مع هذا ليست مسندة، و ما جرى هذا المجرى لا يعدل اليه عن اخبار كثيرة مسنده
و تزول الكراهة بجعلها فى خلفه، و يدل عليهما صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمه، و كذا رواية ليث المرادى المتقدمة، و يدل على زوالها، و اذا كانت مستورة، صحيحة حماد بن عثمان المتقدمة، و لكن ظاهر صحيحة عبد الرّحمن ينافى ذلك، كالمروى فى البحار، عن الخصال، عن ابيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن عيسى، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن ابى بصير، و محمد بن مسلم، عن ابى عبد الله (ع) قال: قال امير المؤمنين (ع):
ص: 127
لا يعقد الرجل الدراهم التى فيها صورة فى ثوبه و يصلى، و يجوز ان يكون الدراهم فى هميان او فى ثوب اذا خاف، و يجعلها الى(1) ظهره، فتامل.
و يمكن ان يقال: ان غاية ما يدل عليه صحيحة حماد بن عثمان، هى زوال الكراهة بمواراتها فى اى جهة كانت كما يشعر به رواية قرب الاسناد و الخصال الآتيتان ان شاء الله، كان الافضل ان يكون مواراتها فى جهة الخلف، كما تدل عليه صحيحة عبد الرحمن، المعتضدة برواية ليث المرادى.
قال المصنف رحمه اللّه فى المنتهى كما حكى: لو كانت معه دراهم فيها تماثيل، استحب له ان يواريها عن نظره، ثم نقل روايتى حماد و ليث، و قال فى البحار: و الخبر الا خير اى رواية ليث، يحتمل ان يكون المراد به وضعها خلفه، لما ذكر، او لعدم شغل القلب به، و لعلّه محمول على ما اذا لم يخف التلف، فان معه يكون شغل القلب اكثر.
و قال ايضا بعد نقله رواية الخصال المتقدم نقلها: توضيح: ما دل من كراهة استصحاب الدراهم التى فيها صورة فى الصلوة، هو المشهور بين الاصحاب، و تزول او تخف الكراهة، بشدها فى ثوب او هميان، و شدها فى وسطه، بحيث تكون الدراهم خلفه، لا بمعنى خلفه كما يفهم، و لعل النكتة فى ذلك انها اذا كانت خلفه، و لم تكن بينه و بين القبله كان ابعد من توهم العبادة لها و مشابهة عبادة الاصنام، و يؤيده ما رواه الصدوق فى الفقيه، بسنده الحسن: انه سأل عبد الرّحمن الحجاج ابا عبد الله (ع)... الخبر، انتهى.
و يظهر من العبارة، و رواية الخصال، اطلاق المنع، و لو كانت الصورة فى الدراهم البيض، قال بعض الاصحاب، بعد نقل جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام: و المستفاد من هذه الأخبار و اخبار الدّراهم البيض، ان الدراهم فى الصدر الأول بيض، اى من فضة بيضاء، و يكتب عليهما اسماء اللّه تعالى - الى
ص: 128
ان قال - و سود، اى من فضة سوداء، و عليها من صورة الاصنام، و لا يخفى ما فى هذه المناسبة، من الحسن فى المقام، انتهى.
و على هذا يظهر وجه التقييد بالسود، فى غير واحد من الأخبار و الفتاوى
كما صرح به جماعة: منها: صحيحة محمّد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع)، و رواية ابن ابى عمير، عن بعض اصحابه، عن ابى عبد الله (ع)، المتقدمتان فى نقل كلام المحقق المجلسى، اللتان رواهما التهذيب فى الزيادات، و منها: رواية على بن جعفر، و المكارم، و ما عن ابى جعفر، المتقدم نقل كل فى نقل كلام البحار.
و منها: ما روى عن قرب الاسناد، عن الحسن، عن جده على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن فراش حرير و مصلى حرير، و مثله من الديباج - الى ان قال - و سألته عن الرجل، هل يصلح له ان يصلى فى بيت فيه انماط فيها تماثيل قد غطاها؟ قال: لا بأس، و سألته عن الرّجل، هل يصلح له ان يصلى فى بيت على بابه ستر خارجه فيه التماثيل، و دونه مما يلى البيت ستر آخر ليس فيه تماثيل، هل يصلح له ان يرخى الستر الذى ليس فيه التماثيل؟ حتى يحول بينه و بين السّتر الذى فيه التماثيل، او يجيف الباب دونه و يصلى، قال: نعم لا بأس و سألته عن البيت قد صور فيه طيرا او سمكة او شبهه، يعبث به اهل البيت، هل يصلح الصلوة فيه؟ قال لا حتى يقطع راسه او تفسده، و ان كان قد صلى فليس عليه اعادة، و سألته عن الدّار و الحجرة فيها التماثيل، ايصلى فيها؟ قال: لا تصل فى شىء منها تستقبلك، الا ان لا تجد بدا، تقطع رؤسها، و الا فلا تصل.
و عن المحاسن، عن موسى بن القاسم، عن على بن جعفر، عن اخيه (ع) قال: سألته عن الرّجل، هل يصلح له ان يصلى فى بيت على بابه ستر...
الى آخر الا سؤله و الاجوبه، و تقدم السؤال الاخير فى نقل كلام المجلسى رحمه الله.
ص: 129
منها: صحيحة محمد بن مسلم، المتقدمة فى اصل المسئلة و منها: ما رواه فى الزيادات، فى الصحيح عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع) قال: لا بأس ان يصلى على كل التماثيل اذا جعلتها تحتك، و منها: ما روى عن الخصال، باسناده عن على (ع) فى حديث الاربعمائه، قال: لا يسجد الرّجل على صورة.
و لا على بساط فيه صورة، و يجوز ان يكون الصورة تحت قدميه، او يطرح عليها ما يواريها، و لا يعقد الدّراهم التى... الحديث، و يؤيده رواية ابى بصير قال:
قلت لأبى عبد الله (ع): انما يتبسط عندنا الوسايد فيها التماثيل و نفرشها، قال: لا بأس لما يبسط منها و يفترش و يوطأ، انما يكره منها ما نصب على الحايط و الستر.
و روى التهذيب فى الزيادات، عن سعد بن اسمعيل عن ابيه قال:
سألت ابا الحسن الرضا (ع)، عن المصلى و البساط يكون عليه تماثيل، ايقوم عليه فيصلى ام لا؟ فقال: و اللّه إنى لأكره ذلك، و عن رجل دخل على رجل عنده بساط عليه تمثال، فقال: اتجد ههنا مثالا؟ فقال: لا تجلس عليه و لا تصلّ عليه، قال الشيخ: هذا الخبر محمول على الكراهية، بدلالة ما قدمناه من الأخبار، و انّه لا بأس بالقعود عليه و الوقوف ما لم تجد عليها، انتهى.
مستدلا بفحوى ما دل على سقوط التكليف الحتمى، و الموثق عن لباس الحرير و الديباج، فقال: اما فى الحرب فلا بأس، و ان كان فيه تماثيل، قال: و قريب منه، ظواهر جملة من النصوص.
قال بعض الاصحاب، بعد ان ذكر رواية على بن جعفر المتقدمة عن قريب: جميع ما ذكره رضى اللّه عنه فى هذا الباب، مخصوص بالتماثيل او الصّور المنقوشة على الثياب، او الستور، او الخاتم، او الجدران، اما لو
ص: 130
كانت الصّورة مستقلة، غير منقوشة على شىء، كصورة طير و نحوه، فلم يتعرضوا للكلام فيها، و لا ذكرها فيما اعلم احد.
و ظاهر قوله (ع) فى حديث على بن جعفر المتقدم، المنقول فى كتابى قرب الاسناد و المحاسن، و قوله فيه: و سألته عن البيت، قد صور فيه طيرا او سمكة يعبث به اهل البيت... الى آخره، هو كراهة الصلوة فى ذلك البيت، الذى فيه تلك الصور، حتى يقطع رأس الصورة، او يفسدها بنقص بعض اجزائه و يحتمل كون تلك الصورة منقوشة فى جدران البيت، الا ان الظاهر من كونها يعبث بها اهل البيت، بمعنى اللعب بها، انما هو الأول، حينئذ فالاحكام المذكورة جارية فى التماثيل، منقوشة كانت او مستقلة.
(و يحرم) الصلوة (فى جلد الميتة) مطلقا (و ان دبغ) اجماعا، على الظاهر المصّرح به فى عبائر كثيرة، و النصوص بذلك مستفيضة، بل لعلها متواترة:
منها: ما رواه التهذيب فى الباب، فى الصحيح، عن محمّد بن مسلم قال: سألته عن الجلد الميت، ايلبس فى الصلوة اذا دبغ؟ فقال: لا، و لو دبغ سبعين مرة، و رواه ايضا فى الباب، عن محمد بن مسلم، باسناد اخرى، و رواه الصدوق ايضا فى الفقيه، فى الباب، عنه عن ابى جعفر.
و منها: ما رواه فى البحار، عن الخصال، عن احمد بن محمد بن الهيثم، و احمد بن الحسن القطان، و محمد بن احمد السّنانى، و الحسين بن ابراهيم المكتب، و عبد الله بن محمد بن الصابغ، و على بن عبد الله الوراق، جميعا عن احمد بن يحيى بن زكريا، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن ابى معوية، عن الاعمش، عن جعفر بن محمد (ع)، قال: لا يصلى فى جلود الميته، و ان دبغت سبعين مرة: و لا فى جلود السّباع.
و منها: ما رواه عن دعائم الاسلام، عن جعفر بن محمد (ع)، قال: لا يصلى بجلد الميتة، و لو دبغ سبعين مرّة، انا اهل البيت لا نصلى بجلود الميته و ان دبغت، و روى فى الدعائم ايضا، عن جعفر بن محمد عن آبائه، عن عليّ صلوات
ص: 131
اللّه عليهم: انّ رسول الله (ص)، نهى عن الصلوة بجلود الميته، و ان دبغت.
و منها: ما رواه التهذيب فى الباب، فى الصحيح عن ابن ابى عمير، عن ابى عبد الله (ع)، فى الميتة، قال: لا تصل فى شىء منه و لا شسع،(1) و عن القاموس:
الشسع بالكسر: قبال النعل و قبال النعل ككتاب، زمام بين الاصبع الوسطى و التى يليها، و وقع غير واحد من عبارات الاصحاب، تفسيره بما يشد به النعل.
و بالجملة الأخبار فى المسئلة كثيرة، و قد تقدم بعض منها فى السنجاب و غيره، و سيجئ الى جملة منها الاشارة ان شاء الله.
و اما ما روى(2) عن الصادق (ع)، انه قال: قال اللّه عز و جل لموسى:
«فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ» لأنها كانت من حمار ميت، فقد اجيب عنه بالحمل على عدم علمه بذلك، او انه لم يكن يصلى فيها، ان جوزنا الاستعمال به فى غير الصلوة، او انه لم يكن فى شرعه تحريم الصلوة فى جلد الميتة.
او بما رواه فى الاحتجاج، فى احتجاج القائم، عن سعد بن عبد الله القمى الاشعرى، انه قال: قلت للقائم (ع): اخبرنى يا بن رسول الله (ص)، عن قول الله عز و جل لنبيه موسى (ع) «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوٰادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً» فان فقهاء الفريقين، يزعمون انها كانت من اهاب الميتة، فقال (ع):
من قال ذلك فقد افترى على موسى، و استجهله فى نبوته، لأنه ما خلا الأمر فيها من خطيئتين: اما ان كانت صلوة موسى فيها جايزة او غير جايزة، فان كانت صلوة موسى جايزة فيها، فجاز لموسى (ع) ان يكون لا بسها فى تلك البقعة، و ان كانت مقدسة مطهرة، و ان كانت صلوته غير جايزة فيها، فقد اوجب ان موسى لم يعرف الحلال و الحرام، و لم يعرف ما جازت الصلوة فيه مما لم يجز، و هذا كفر قلت فاخبرنى يا مولاى، عن التاويل فيها، قال: ان موسى كان
ص: 132
بالواد المقدّس فقال: يا رب انى اخلصت لك المحبّة منى، و غسلت قلبى عمن سواك، و كان شديد المحبة لاهله، فقال تبارك و تعالى: «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ» اى انزع حب اهلك من قلبك، ان كانت محبتك لى خالصا، و قلبك من الميل الى ما سواى مغسولا... الحديث.
و مقتضى صحيحة ابن ابى عمير المتقدمة، عموم المنع لما ليس بساتر ايضا، كما صرّح به جماعة، بل يستفاد منها تحريم الاستصحاب ايضا، كالموثق او القوى، المروى فى التهذيب فى الباب، عن سماعة قال: سألت ابا عبد الله عن تقليد السّيف فى الصّلوة فيه الفراء و الكيمخت؟ فقال: لا بأس، ما لم يعلم انه ميته، و الصحيح المروى فى الزيادات، عن عبد الله بن جعفر بن الحسين، لمكان محمد بن على بن محبوب، قال: كتبت اليه - يعنى ابا محمّد (ع) - يجوز للرّجل ان يصلى و معه فارة مسك، فكتب: لا بأس به اذا كان ذكيا.
و غيرهما، كالمروى فى الزيادات، عن عبد الله بن المغيرة، فى الحسن او الصحيح، لمكان محمد بن عيسى الاشعرى، قال: حدثنى على بن ابى حمزة:
ان رجلا سأل ابا عبد الله (ع)، و انا عنده، عن الرّجل يتقلد السّيف فيصلى فيه، قال: نعم، فقال الرجل: ان فيه الكيمخت، فقال: و ما الكيمخت؟ فقال: جلود دواب، منه ما يكون ذكيا، و منه ما يكون ميتة، فقال: ما علمت انه ميتة فلا تصل فيه.
سواء كان ماكول اللحم اولا، و فى كلام بعض علمائنا، جواز الصلوة فى غير ذى النفس من ماكول اللحم كالسّمك الطافى مثلا، و قد نقل شيخنا المحقق، الشيخ على اعلى الله قدره، فى شرح القواعد، ان المحقق فى التحرير، نقل الاجماع على جواز الصلوة فى جلد هذا القسم من الميتة، و نقل رحمه الله فى شرحه على الرسالة،
ص: 133
عن شيخنا الشهيد فى الذكرى، انه نقل عن التحرير الاجماع على ذلك، و هذا عجيب، ان شيخنا فى الذكرى لم ينقل الاجماع على ذلك اصلا، و الحاصل ان ذلك الاجماع لم نقف على ناقله، و المنع عن الصّلوة متجه، لصدق الميتة عليه، و اطلاق المنع من الصلوة فى جلد الميتة، و كونه ظاهرا، لا يستلزم جواز الصلوة فيه، و كان والدى قدس اللّه روحه، يميل الى هذا القول، و لا بأس به.
قال الشارح المحقق: و اعلم ان عدم الاستفصال فى الرّوايات، بين ميتة ذى النفس و غيره، و كذا اطلاق الاصحاب، يقتضى عدم الفرق، و قواه صاحب حبل المتين، و نقل عن والده الميل اليه، و مقتضى كلام المحقق فى التحرير، و الشّهيد فى الذكرى، اختصاص المنع بميتة ذى النفس، و به حكم فى المدارك، و نقل المدقق الشيخ على فى شرح الالفية، نقل الاجماع على جواز الصلوة فى ميتة السّمك، و نسب النقل الى الذكرى عن التحرير، و فى شرح القواعد نقله عن التحرير بلا واسطه، و الشارح الفاضل خطاء هذا النقل، اذ ليس ذلك فى التحرير، و انما الموجود فيه عبارة موهمة لذلك، و هو حسن، و للتامل فى هذه المسئلة مجال، و ان كان لتعميم الحكم رجحان، مع موافقته للاحتياط، انتهى.
قال الشهيد الثانى، فى شرح الرسالة على ما حكى، بعد نقل الاجماع عن الشيخ على، و نسبته الى الوهم: ان المصنف لم ينقل ذلك عن التحرير، و لا موجود فى التحرير، و انما الذى نقله فى التحرير و الموجود فيه، الاجماع على جواز الصّلوة فى وبر الخز و ان كانت ميتة، لأنه طاهر فى حال الحيوة، و لم ينجس بالموت، و لكن عبارة الذكرى، توهم كون البحث عن السّمك، و عند الاعتبار و ملاحظة التحرير ينجلى لك الحال، و اما جلد السمك، فلم يذكر فى الكتابين، انتهى.
فظهر بما ذكرنا، ان جماعة من الاصحاب، لاطلاق النص و الفتوى، ذهبوا الى التعميم، و اخرى(1) الى الاختصاص بذى النفس، لتبادره من الاطلاقات، و
ص: 134
لعل هذا اقوى، قيل: و اما قوله، اى البهائى اخيرا: و كونه طاهرا لا يستلزم جواز الصلوة فيه، مردود بان مقتضى العمومات المذكورة ذلك، حتى يقوم دليل هنا، كما قام الدّليل على فضلات الحيوان الغير الماكول اللحم، على القول بالتحريم، اذ لا ريب ان هذه الجلود طاهرة فى حال حيوة حيوانها، و الموت لم ينجسها لعدم النفس، فتجوز الصلوة فيها كسائر الملابس الطاهرة.
و ممن اختار الجواز فى المسئلة المذكوره، شيخنا الشهيد الثانى رحمه الله فى شرح الرسالة، مستندا الى ما ذكرناه من الطهارة حال الحيوة، و ان الموت غير منجس، و ايّده ايضا بان المصنف و اكثر الاصحاب، جوزوا الصلوة فى جلد الخز و ان كان غير مذكى، مع كون لحمه غير ماكول، فجوازها فى جلد السّمك اولى، انتهى.
و الحاصل ان مقتضى الأمر بالصّلوة و الستر، هو الصحة فى اى لباس كان، و باى ساتر كان، خرج ما خرج، و لا دليل على خروج، ما اذا كان السّاتر غير ذى النفس، فيبقى الاطلاق سليما عن المعارض، و اطلاق المنع بحكم التبادر، فى ذى النّفس غير شامل لغيره، و الاحوط الاولى مراعاة التعميم، و عليه فينبغى تقييد غير ذى النفس بنحو السمك عمالة الجلد، الذّى هو مورد النص، دون نحو القمل و البق و البرغوث، كما صرح غير واحد منهم، اما لأن الميتة فى مقابل المذكى، كما قاله بعض، او للقطع بعدم الباس فيها، كما قاله آخر.
لاصالة عدم التذكيه، و يظهر من جماعة من متاخرى المتأخرين، كصاحب المدارك و الشارح المحقق و غيرهما، منع ذلك، و لا بأس بنقل جملة من الأخبار المتعلقة بالمقام، ثم التكلم فى حجاج الطرفين: و من الأخبار المتعلقة بالمقام، ما تقدم فى اصل المسئلة، من موثقة سماعة، و صحيحة عبد الله بن جعفر، و صحيحة عبد اللّه بن المغيرة عن على بن ابى حمزة.
ص: 135
و منها: ما رواه التهذيب، عن الكلينى فى الباب، عن على بن ابى حمزة قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن لباس الفراء و الصلوة فيها؟ فقال: لا تصل فيها، الا فيما كان منه ذكيا... الحديث.
و منها: ما رواه الكلينى، و الشيخ عنه، فى الباب، عن ابى بصير قال:
سألت ابا عبد الله (ع)، عن الصلوة فى الفراء؟ قال: كان على بن الحسين عليهما السلام، رجلا صردا لا تدفئه فراء الحجاز، لأن دباغها بالفرط، فكان يبعث الى العراق، فيؤتى مما قبلهم بالفرو فيلبسه، فاذا حضرت الصلوة القاه، و القى القميص الذى تحته، فكان يسئل عن ذلك، فقال: ان اهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة، و يزعمون ان دباغه ذكوته.
و منها: ما رواه فى الوافى فى الباب، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال:
قلت لأبى عبد الله (ع): انى أدخل سوق المسلمين، اعنى هذا الخلق الذين يدعون الاسلام، فاشترى منهم الفراء للتجارة، فاقول لصاحبها: اليس هى ذكيّة، فيقول: بلى، فهل يصلح لى ان أبيعها على انها ذكيه؟ فقال: لا، و لكن لا بأس ان تبيعها و تقول: قد شرط الذى اشتريتها منه انها ذكية، قلت: و ما افسد ذلك؟ قال: استحلال اهل العراق للميتة، و زعموا ان دباغ جلد الميتة ذكوته، ثم لم يرضوا ان يكذبوا الا على رسول الله (ص).
و منها: ما رواه فى الكافى فى الباب، فى الحسن كالصحيح لعلى بن ابراهيم عن ابيه عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) قال: تكره الصلوة فى الفراء، الا ما صنع فى ارض الحجاز، او ما علمت منه ذكوة.
و منها: ما رواه التهذيب، فى اواخر الباب، فى الصحيح عن الحلبى قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الخفاف التى تباع فى السوق، فقال: اشتر، وصل فيها، حتى تعلم انه ميت بعينه.
و منها: ما رواه فى الزيادات، فى الصحيح عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن الرضا (ع)، قال: سألته عن الخفاف ياتى السوق، فيشترى الخف لا يدرى
ص: 136
اذكى هو ام لا؟ ما تقول فى الصّلوة، و هو لا يدرى، ايصلى فيه؟ قال: نعم، انا اشترى الخف من السوق، و يصنع لى، و اصلى فيه، و ليس عليكم المسئلة.
و منها: ما رواه فى الزيادات، فى الصحيح عن احمد بن محمد بن ابى نصر، قال: سألته عن الرّجل ياتى السوق فيشترى جبة فرو، و لا يدرى اذكيّه هى ام غير ذكية؟ ايصلى فيها؟ فقال: نعم، ليس عليكم المسئلة، ان ابا جعفر (ع) يقول: ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم، ان الدين اوسع من ذلك.
و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى الباب، فى الصحيح عن سليمان بن جعفر الجعفرى، انه سأل العبد الصّالح، موسى بن جعفر (ع)، عن الرجل ياتى السوق فيشترى جبة فراء، لا يدرى اذكيه هى ام غير ذكيه، ايصلى فيها؟ فقال: نعم، ليس عليكم المسئلة، ان ابا جعفر (ع) كان يقول: ان الخوارج ضيّقوا على انفسهم بجهالتهم، ان الدين اوسع من ذلك.
و منها: ما رواه الصدوق ايضا فى الباب، فى الحسن كالصحيح لابراهيم بن هاشم، عن جعفر بن محمد بن يونس، انّ اباه كتب الى ابى الحسن (ع)، يسئله عن الفرو و الخف البسه و اصلى فيه، و لا اعلم انه ذكى، فكتب: لا بأس به.
و منها: ما رواه التهذيب فى الزيادات، فى الصحيح عن عبد الله بن المغيرة، عن اسحق بن عمار، عن العبد الصّالح (ع)، انه قال: لا بأس بالصلوة فى الفراء اليمانى، و فيما صنع فى ارض الاسلام، قلت له: و ان كان فيها غير اهل الاسلام، قال: اذا كان الغالب عليها المسلمين، فلا بأس.
و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى الباب، عن اسمعيل بن عيسى، انه سأل ابا الحسن الرضا (ع)،(1) عن الجلود و الفراء، يشتريه الرجل فى سوق من اسواق الجبل، ايسئل عن ذكوته؟ اذا كان البايع مسلما غير عارف.
ص: 137
قال (ع): عليكم ان تسئلوا عنه اذا رايتم المشركين يبيعون ذلك، و اذا رايتموهم يصلون فلا تسئلوا عنه.
و منها: ما رواه التهذيب فى اواخر الباب، عن الحسن بن الجهم قال:
قلت لأبى الحسن الرضا (ع): اعترض السوق فاشترى خفا، لا ادرى اذكى هو ام لا؟ قال: صل فيه، فقلت: و النعل، قال: مثل ذلك، قلت: انى اضيق من هذا، قال: اترغب عنا؟ كان ابو الحسن (ع) يفعله.
و منها: ما رواه فى اواخر الباب ايضا، عن ابراهيم بن مهزيار قال: سألته عن الصّلوة فى جرموق، و اتيته بجرموق بعثت به اليه، فقال: يصلى فيه.
و منها: ما رواه التهذيب فى اواخر الباب ايضا، فى الصحيح عن ابان، عن اسمعيل بن الفضل قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن لباس الجلود و الخفاف و النعال، و الصلوة فيها، اذا لم يكن من ارض المصلين، فقال: اما النعال و الخفاف فلا بأس.
اذا عرفت ذلك، فاعلم ان الشارح المحقق قده، قال: ذكر جماعة من الاصحاب، منهم الشهيد ان و الشيخ على، ان الصلوة كما تبطل فى الجلد مع العلم بكونه ميتة، او وجوده فى يد كافر، كذلك تبطل مع الشك فى تذكيته، لاصالة عدم التذكية، و فيه ضعف قوى، لأنه مبنى على اعتبار الاستصحاب، و تعميمه حتى فى غير الاحكام الشرعية، و هو ضعيف جدا، مع انه على تقدير التسليم، كانت غاية ما يحصل منه الظن بعدم التذكية.
و اعتبار الظن فى مثله محل النظر، مع انه قد ورد فى عدة من الأخبار، الاذن فى الصلوة فى ما لا يعلم كونه ميتا، كما سياتى، بل فى بعض الأخبار الصّحيحة الاتية، عند قول المصنف: لا الخف و الجورب، دلالة على جواز الصلوة فيما لم يكن من ارض المصلين.
فان قلت: قد وقع النهى عن الصّلوة فى الميتة، فى الأخبار السابقة، فالتكليف بالصّلوة، مشروط بعدم كون اللباس من الميتة، و تحصيل العلم بذلك،
ص: 138
انما يحصل عند الاجتناب عما يحتمل كونه ميتة.
قلت: قد عرفت مرارا، ان عموم المفرد المعرف باللام، انما يكون مفهوما بمعاونة المقام، و كون الحمل على بعض الافراد، ترجيحا من غير مرجح، و حمله على الأفراد المنساقة الى الذهن، لا يجرى فيه ذلك، و غير خفى ان المتبادر المنساق الى الذهن ههنا، ما علم كونه ميتا، خصوصا اذا سال السّائل عنها، فغاية ما يستفاد من الأخبار، النهى عن الصلوة فيما علم كونه ميتا، انتهى.
أقول: قدس سرّه من قوله: بل فى بعض الأخبار الصحيحة الاتية...
الى آخره، خبر اسمعيل بن الفضل، المنقول اخيرا، و فيما ذكره رضى الله عنه نظر:
اما اولا: فلان الاستصحاب بمقتضى المعتبره الدّالة على عدم جواز نقض اليقين بالشك ابدا، حجة مطلقا، كيف و من الظواهر البينة انه لا يمكن رفع اليد عنه فى موضوعات الاحكام، و اثبات اصطلاح زمان المعصوم (ع)، او غير ذلك، خصوصا اصالة العدم، فلذا اختار حجيّتها فيها الأخباريون ايضا، على ما يحكى.
و اما ثانيا: فلان لقط الميتة، اسم لما خرج عنه الرّوح من غير تذكيه شرعيه، من دون مدخلية علم و معرفة، فاذا كانت الميتة اسما لما هو فى الواقع ميتة، كساير الاسامى من غير مدخلية علم، فلا يجوز الدخول فى الصّلوة، مع احتمال كون الجلد ميتة، لأن الصلوة بمقتضى الأخبار السّابقة، مشروطة بعدم الاتيان بها فى الميتة، و الشك فى الشرط يوجب الشك فى المشروط، فيحتمل كون الصّلوة فى الجلد منهيا عنها، و شغل الذّمة يستدعى البراءة اليقينية.
فكيف يكفى مجرد الاحتمال على هذا القول، بكون اسامى العبادات موضوعة للاعم من الصحيح، و اما على القول بكونها موضوعة لخصوص الصحيحة، فعدم الكفاية اظهر و اوضح، فظهر بما ذكر ان التبادر الذى ادعاه، فى معرض المنع.
و اما ثالثا فلان صحيحة عبد اللّه بن جعفر المتقدمة، تدل على اشتراط
ص: 139
التذكية، كالموثق كالصحيح، او الحسن كالصحيح، المروى فى الكافى فى الباب عن ابن بكير انه قال: سأل زرارة ابا عبد الله (ع)، عن الصلوة فى الثعالب و الفنك و السّنجاب، و غيره من الوبر، فاخرج كتابا زعم انه املاء رسول الله (ص)، ان الصلوة فى وبر كل شىء حرام كله، فالصلوة فى وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شىء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلوة، حتى يصلى فى غيره مما احل اللّه اكله، ثم قال: يا زرارة هذا عن رسول اللّه (ص)، فاحفظ ذلك يا زرارة، فان كان مما يؤكل لحمه فالصّلوة فى وبره و بوله و شعره و روثه و البانه و كل شىء منه جائز، اذا علمت انه ذكى قد ذكاه الذبح، فان كان غير ذلك، مما قد نهيت عن اكله و حرم عليك اكله، فالصلوة فى كلّ شىء منه فاسد، اذكاه الذبح او لم يذكه.
و انما نقلناه بتمامه، لما يظهر فى متنه من كونه فى غاية الاعتبار، و دفعا لنقله ايضا فى المسئلة المتعلقة به، الآتية عن قريب، و قد تقدم فى بحث السّنجاب ايضا.
و يدل على اشتراط التذكية ايضا، رواية على بن ابى حمزة، المروية فى التهذيب و الكافى، المنقولة انفا، المؤيدة بكصحيحة الحلبى المروية فى الكافى المنقولة انفا، بل بروايتى ابى بصير، و عبد الرّحمن الحجاج، المنقولتين انفا، المعتضدة بالشهرة، على ما ذكره غير واحد منهم.
و يدل على ذلك ايضا، صحيحة عبد اللّه بن المغيره، عن اسحق بن عمار، عن الكاظم (ع)، المتقدمة المعتضدة برواية اسمعيل بن عيسى، المروية فى الفقيه المنقولة انفا، و سند الاولى فى غاية الاعتبار، بل لا يبعد كونه صحيحا، لما ذكره بعض، بان الراجح كون اسحق هذا هو ابن عمار بن حيان الثقة الجليل الكوفى، لا عمار بن الساباطى الفطحى.
فظهر بما ذكر، ان ما ورد فى عدة من الأخبار، الاذن فى الصلوة فيما لا يعلم كونه ميتا، معارض بمثلها من المستفيضة، المعتضدة بالشهرة المحكية فى كلام غير واحد، مع ان تلك الأخبار، و هى صحيحة الحلبى، و صحيحة ابن
ص: 140
ابى نصر، و صحيحة سليمان بن جعفر الجعفرى، و ما ضاهاها، غير ظاهرة فى الدلالة، بناء على احتمال ان يراد من السّوق سوق المسلمين، بل هو الظاهر لأن المعهود المتعارف فى زمن صدورها، و لا كلام لنا فى جواز الصلوة فيما اشترى من يد مسلم مطلقا، او من سوق المسلمين، او سوق غلب عليه المسلمون من يد مسلم، او من يد من لا يظهر كفره، للأخبار الكثيرة.
و منها: تلك الأخبار، و لأن المدار فى الاعصار و الامصار، على ذلك فى ذلك، لأن الاصل صحة تصرفاتهم فى امثال ذلك، و مقتضى اطلاق النصوص، عدم الفرق بين كون الماخوذ منه، ممن يستحل الميتة بالدبغ، او ذباحة اهل الكتاب، ام لا، اخبر بالتذكية ام لا، و به صرح جماعة، بل عن الشهيد الثانى، انه نسبه الى المشهور، خلافا للمحكى عن المصنف رحمه الله فى الذكرى و المنتهى و التحرير، فمنع عما يؤخذ من يد مستحل الميتة بالدبغ مطلقا، و ان اخبر بالتذكية، لاصالة العدم.
و عن الشيخ فى النهاية، عدم جواز شرائها ممن يستحل ذلك، او كان متهما فيه، و عن الشهيد فى الذكرى و البيان، انه استقرب القبول ان اخبر بالتذكية، لكونه ذايد عليه فيقبل قوله فيه، كما فى تطهير النجس، و استدل له بما رواه الكافى فى الباب، عن محمد بن الحسين الاشعرى قال: كتب بعض اصحابنا الى ابى جعفر الثانى (ع): ما تقول فى الفر و يشترى من السوق؟ فقال: اذا كان مضمونا فلا بأس، قال الشهيد فى الذكرى: و المبطل للصلوة فيه، علم كونه ميتة، او الشك اذا وجد مطروحا، لاصالة عدم التذكية، او فى يد كافر، عملا بالظاهر من حاله، او فى سوق، و لو وجد فى يد مستحل بالدبغ(1) ففيه صور
ص: 141
ثلاث:
الأول: ان يخبر بانه ميتة، فيجتنب لاعتضاده بالاصل من عدم الذكوة.
الثانى: ان يخبر بانه مذكى، فالاقرب القبول، لأنه الاغلب، و لكونه ذايد عليه، فيقبل قوله فيه، كما يقبل فى تطهير الثوب النجس، و يمكن المنع لعموم (فتثبتوا) و لأن الصلوة فى الذمة متيقن، فلا تزول بدونه.
الثالث: ان يسكت، ففى الحمل على الاغلب من التذكية، او على الاصل من عدمها، وجهان، و قد روى التهذيب عن عبد الرحمن بن الحجاج، ثم نقل الرواية المتقدمة، المنقولة فى الكافى عن عبد الرحمن، فقال: و فى هذا الخبر اشارة الى انه لو اخبر المستحل بالذكاة لا تقبل منه، لأنه المسئول فى الخبر ان كان مستحلا فذلك، و الا فبطريق الاولى، و عن ابى بصير عنه (ع): كان على بن الحسين، ثم نقل رواية ابى بصير المتقدمة بتمامها، و قال: و فى هذا الخبر دلالة على لبسه فى غير الصلوة، انتهى.
قال بعض(1) الاصحاب، بعد نقل المذكور عنه، أقول: و اما ما ذكره مع علم كونه مطروحا، او فى يد كافر، او فى سوق، المشهور بينهم و الاصح هو الطّهارة، و هو اختيار جملة من افاضل متاخرى المتأخرين، و اما ما ذكره فيما اذا وجد من يد مستحل بالدبغ، فما اختاره فى الصورتين الاوليين جيد، لدلالة الأخبار، كما سلف و سياتى ان شاء الله تعالى، ما يدلّ على وجوب قبول ذى اليد، فيما يخبر به من طهارة او نجاسة، او حل او حرمة.
و اما قوله فى الصورة الثانية: و يمكن المنع: الى آخره فالظاهر ضعفه، كما حققناه فى كتاب الطّهارة، من ان قول ذى اليد باعتبار دلالة الأخبار على وجوب العمل به، كالشاهدين اللذين اوجب الله سبحانه العمل بقولهما، موجب للخروج عن عهدة التكليف، كما لو شهد الشاهدان بطهارة الثوب او ماء
ص: 142
الطهارة، او نحو ذلك من شروط الصلوة.
و اما ما ذكره فى الصّورة الثالثة، مما يؤذن بالتوقف، ففيه ان مقتضى القاعدة المنصوصة، ان كل شىء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه، و هو حل الصلوة فيه، و كل شىء طاهر حتى تعلم انه قذر، فاذا علمت فقد قدر هو طهارته، و متى ثبت الطهارة جازت الصّلوة فيه، و لا معارض لهذه الأخبار، بل هى مؤيدة بالأخبار المستفيضة.
و اما ما نقله من روايتى عبد الرّحمن و ابى بصير، فهما معارضان بما هو واضح سندا، و اكثر عددا، و اصرح دلالة، من الأخبار الدالة على طهارة ما يشترى من الجلود من الاسواق، من اىّ بايع كان و الصّلوة فيها، انتهى.
أقول: و قد عرفت سابقا، ان مقتضى اطلاق النصوص الكثيرة، بل عمومها الناشى عن ترك الاستفصال، كما فى جملة منها، عدم الفرق بين كون الماخوذ منه ممن يستحل الميتة بالدبغ ام لا، اخبر بالتذكية ام لا، فيجب الاخذ بالاطلاق او العموم، و اما روايتا ابى بصير و عبد الرحمن، المتقدمتان فلا يعارضان ما ذكرنا، لضعف سندهما بل و دلالتها ايضا، لما ذكره بعض، بان غاية ما يستفاد من رواية ابى بصير، انه (ع) كان ينزع منه فرو العراق حال الصلوة، و فيه اشعار بعدم كونه ميتة، و من رواية عبد الرحمن، النهى عن بيع ما اخبر بذكوته على انه مذكى، و هو غير دال على تحريم استعماله، بل نفى الباس عن بيعه اخيرا، يشعر على عدم كونه ميتة، لعدم جواز بيعها اجماعا، انتهى.
نعم ربما يشكل الأمر فى الجلد المطروح فى بلاد الاسلام،(1) فالاصل مع
ص: 143
الأخبار الدالة على اشتراط التذكية، يحكم بكونه فى حكم الميتة، و الأخبار الدالة على اشتراط العلم فى الحكم بها، تحكم بعدمها.
تفصيل الكلام، ان يقال: الجلد المطروح المشكوك فى تذكيته، اما يكون مطروحا فى بلاد الكفر، اولا، بل فى بلاد الاسلام، فعلى الأول يحكم بكونه ميتة للأخبار الدالة على اشتراط التذكية، و للاصل، المعتضدين بالشهرة المحكية فى كلام البعض، المتقدم نقل كلامه، و لا يعارضهما بعض(1) الأخبار، الدالة على اشتراط العلم فى الحكم بكونه ميتة، لتبادر غير بلاد الكفر منه.
و على الثانى فلا يخلو، اما يكون الجلد مصنوعا فيه كجلد المصحف و نحوه ام لا، و على الثانى، يحكم ايضا بمقتضى الاصل الدالة على عدم التذكية، المعتضدة بالأخبار الدالة على اشتراط التذكية، المعتضدة بالشهرة المحكية، فى كلام البعض، المتقدم نقل كلامه، و لا يعارضه بعض الأخبار المشترط فى الحكم بعدم التذكية العلم التبادر غير محل الفرض منه، و على الأول فلا يخلو، اما يعلم بكون الصانع فيه اهل هذه البلاد التى كلهم مسلمون، او غالبهم، او يظن فى ذلك، او يشك، و على الاخير، لا يبعد ان يحكم بمقتضى الاصل، لما مر.
و على الأول، يشكل الأمر، من اطلاق صحيحة عبد الله بن المغيرة، عن اسحق بن عمار، المعتضدة بموثقة سماعة، و حسنة او صحيحة محمد بن عيسى الاشعرى، عن على بن ابى حمزة، و بما يرى من سيرة المسلمين فى الاعصار و
ص: 144
الامصار، انهم اذا رأوا جلد المصحف، و الخفاف المستعملة و امثالهما، مطروحا لا يحكمون بعدم تذكية، بل يستعلمونه، بل ربما يبيعونه، اذا علموا ان صاحبه رفع اليد عنه، و يرضى بذلك، و بان الظاهر من تصرفاتهم الصحة، و من موثقة ابن بكير المعتضدة بالاصل، و رواية على بن حمزة المنقولة سابقا عن التهذيب فى الباب، و بصحيحة(1) عبد الله بن جعفر المتقدمة، و بالشهرة(2) المحكية فى كلام البعض المتقدم نقله، و لعل الأول لا يخلو من رجحان، و اما فى صورة المظنة، فالمسئلة محل اشكال، فليتأمل فيما ذكر، ظهر ما يرد على الذكرى و البعض المتقدم نقل كلامه.
فلنرجع الى ما كنا فيه، فنقول: ان ما ذكره الشارح المحقق بقوله: مع انه قد ورد فى عدة... الى آخره، قد ظهر ما يرد عليه.
و اما رابعا: فلان صحيحة ابان، عن اسمعيل بن الفضل، التى اشار اليها بقوله:
فى بعض الأخبار الصحيحة الاتية... انتهى، لا تقبل أن تعارض بما هو اكثر عددا، واصح سندا، و اوفق بمذهب الشيعة، و ابعد عن مذهب العامة على ما يحكى
ص: 145
المؤيد برواية الاحتجاج المتقدمة، و وجوه المناقشة فى حديث ابان كثيرة، فلا نطول الكلام بذكرها.
(و) كذا تحرم فى (جلد ما لا يؤكل لحمه) و (إن ذكى) و (دبغ فى صوفه و شعره و وبره و ريشه) باجماعنا(1) الظاهر، المصرح به عبائر كثيرة، و النصوص مع ذلك مستفيضة:
منها: الموثق كالصحيح لأبن بكير، المتقدم نقله، و عن بعض انه عده صحيحا.
و منها ما رواه التهذيب فى الباب، فى الصحيح عن اسمعيل بن سعد الاحوص، قال: سألت ابا الحسن الرضا (ع)، عن الصلوة فى جلود السباع، فقال: لا تصل فيها.
و منها ما رواه التهذيب ايضا فى الباب، فى الموثق عن سماعة قال:
سألته عن لحوم السباع و جلودها، فقال: اما لحوم السبّاع من الطير و الدواب، فانا نكرهه، و اما الجلود فاركبوا عليها، و لا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه، و اختصاصها بالسبّاع، غير ضاير، بعد عدم القول بالفرق بين الاصحاب، على الظاهر المصرح به فى عبارة غير واحد منهم.
و منها ما رواه فى الباب، عن محمد بن احمد بن يحيى، عن عمر بن على بن يزيد، عن ابراهيم بن محمّد الهمدانى، قال: كتبت اليه: يسقط على ثوبى الوبر و الشعر مما لا يؤكل لحمه، من غير تقية و لا ضرورة، فكتب: لا يجوز الصلوة فيه.
و منها ما رواه فى الباب، عن الحسن بن على الوشاء قال: كان ابو عبد الله عليه السلام، يكره الصلوة فى وبر كل شىء لا يؤكل لحمه.
و منها ما رواه فى الباب عن احمد بن اسحق الابهرى قال: كتبت اليه:
جعلت فداك، عندنا جوارب و تكك تعمل من وبر الارانب، فهل يجوز الصلوة
ص: 146
فى وبر الارانب من غير ضرورة و لا تقية؟ فكتب (ع): لا يجوز الصلوة فيها.
و منها ما رواه فى الباب، فى الصحيح عن على بن مهزيار قال: كتب اليه ابراهيم بن عقبة: عندنا جوارب... الى آخر ما رواه احمد بن اسحق الابهرى.
قال الشارح المحقق، بعد ايراده هذه الخبر: اورده الشيخ فى التهذيب معلقا، من على بن مهزيار، و طريقه اليه صحيح، لكن الظاهر من التعليق هناك، حوالة الاسناد على الخبر السابق هناك، فانه مروى عن على بن مهزيار باسناد ضعيف، و على هذا فاسناد الخبر فى التهذيب ضعيف، و ذكر بعض الافاضل:
ان الرواية التى تصلح للبناء عليها، لم تكن فى النسخة الموجودة بخط الشيخ اولا و الحق ثانيا، فضعف احتمال البناء، و يؤيده ان الشيخ اوردها فى الاستبصار معلقه، عن على بن مهزيار، ثم اورد بعدها الرواية التى ذكر احتمال البناء عليه، و على هذا فالرّواية صحيحة فى كتابى الشيخ ايضا، انتهى.
أقول: الظاهر من التهذيب، عدم حوالة الاسناد، فلا حظ.
و منها: المروى فى الفقيه فى باب النوادر، الواقع فى آخر الكتاب، فى وصية النبى (ص) لعلى (ع): يا على لا تصل فى جلد ما لا يشرب لبنه و لا يؤكل لحمه.
و منها: ما رواه فى البحار، عن العلل، عن على بن احمد، عن محمد بن جعفر الاسدى، عن محمد بن اسمعيل البرمكى، رفعه الى ابى عبد الله (ع) قال: لا تجوز الصلوة فى شعر وبر ما لا يوكل لحمه. لأن اكثرها مسوخ، قال الصدوق رحمه الله: يعنى اكثر الاشياء التى لا يؤكل لحمها مسوخ.
و منها ما رواه فى البحار ايضا، عنه عن ابيه، عن سعد بن عبد الله، عن ايوب بن نوح، عن الحسن بن على الوشاء، رفعه قال: كان ابو عبد الله (ع)، يكره الصلوة فى وبر كل شىء لا يؤكل لحمه، و المراد من الكراهة الحرمة، كما يظهر من التتبع فى اخبار المسئلة.
و بالجملة الأخبار فى المسئلة كثيرة جدا، و منها ما سبق فى المستثنيات
ص: 147
كالسنجاب و غيرها، فلا حظ انا نطيل الكلام بذكرها ثانيا.
استنادأ الى عموم الادلة، و ربما يظهر من التهذيب، تجويز الصلوة فيما لا يتم فيه الصلوة، حيث قال فى الباب، بعد ان اورد رواية عن الحسين بن سعيد، عن جميل عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الصّلوة فى جلود الثعالب، فقال: اذا كانت فلا بأس: فيحتمل ان يكون اراد أنه لا بأس به، اذا كان على مثل القلنسوة او ما اشبهها، مما لا يتم الصلوة بها انتهى، و المنع اقوى، لوجوه شتى.
و لهم صحيحة ابن مهزيار، و رواية احمد بن اسحق الابهرى المتقدمتين، هذا مضافا الى اطلاق النصوص بالمنع فى نحو الوبر و الشعر، و الى كصحيحة ابن بكير المتقدمة، خلافا للمحكى عن(1) المبسوط و ابن حمزة، فيجوز مع الكراهة.
قال فى المختلف: احتج الشيخ رحمه الله بانه قد ثبت للتكة و القلنسوة، حكم الثوب، من جواز الصلوة فيها، و ان كانا نجسين، او من حرير محض، فكذا يجوز لو كانا من وبر الارانب و غيرها، و لأن الملزوم للمدعى وجودا و عدما، ان كان ثابتا ثبت المطلق، و كذا ان كان منفيا و الجواب عن الأول، بالفرق بين كونهما نجسين، و كونهما من وبر ما لا يحل الصلوة فى وبره، و قد بيناه فيما مضى، و عن الثانى، بالمنع من استلزام نفى الملزوم، حالتى وجوده و عدمه المطلق، لجواز كون النفى راجعا الى الذات، لا الى وجودها، مع فرض استلزامها، وجودا و عدما، انتهى.
ص: 148
و الاظهر الاستدلال للشيخ على هذا القول، بصحيحة محمد بن عبد الجبار، المتقدمة فى عنوان قول المصنف: الا التكه و القلنسوة، و قوله فيها بعد السّؤال عن الصلوة فى قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه، او تكة من وبر الارانب، و ان كان الوبر ذكيا حلت الصّلوة فيه ان شاء الله.
و عن الذكرى انه اجاب عن هذه الرواية، اولا: بانها مكاتبة، و ثانيا، بانها تضمنت قلنسوة عليها وبر، فلا يلزم منه جوازها من الوبر، و نحوه عن التحرير.
قيل و انت خبير بما فيه، فان المكاتبة لا تقصر عن المشافهة متى كان المخبر عن كل من الأمرين ممن يوثق به و يعتمد عليه، و اما قوله: و قبله المحقق بانها انما تضمنت قلنسوة عليها وبر... الى آخره، فعجب غاية العجب، فان الرواية و ان تضمنت ذلك لكنها ايضا تضمنت التكة المعمولة من الوبر، و الجواب وقع عن الأمرين، انتهى.
و القول فى الجواب عن الاخير، بان ما ذكر حسن، لو عطف قوله: او تكة:
الى آخره، على قوله: او قلنسوة، مع انه يحتمل العطف على قوله: وبر، بعد قوله: عليها، و لا ترجيح للاول، بل قرب المرجح يرجح الثانى و ان بعد عن الاعتبار، لكن غايته التوقف فى الترجيح، لا يقبله الطبع السليم، نعم يرد على اعتراضه الأول، بان المراد من قوله: فان المكاتبة لا تقصر الى آخره، ما ذا افى الحجية و ان كانت ادون منها، فيكون الذكرى نافيا بحجتيها على ما فهمه، ام فى كل شىء، فان كان الأول فيقبّحه ما اشار اليه الشهيد فى الحشو بالحرير، فى رد التحرير، حيث ضعف ما قراه الحسين بن سعيد، فى كتاب محمد بن ابراهيم، الى ابى الحسن الرّضا (ع)، و علل للضعف باسناد الراوى الى ما وجده فى كتاب لم يسمعه من محدث، بقوله: و المكاتبة المجزوم بها فى قوة المشافهة، كما تقدم بحث الحشو بالحرير.
و ان كان الثانى فبطلانه فى غاية الوضوح، و الظاهر ان مراد الشهيد ما سيظهر عن قريب، و خلاصة ما يرد على هذا الاستدلال، ان هذا الخبر مكاتبة، و
ص: 149
هى و ان كانت حجة، لكنها لا يعارض المشافهة و ان قصرت عن الصحة، لا نجبارها كما عرفت بالشهرة المرجحة لها، على الصحيح، سيما اذا كانت المكاتبات موافقة لمذهب العامة، اذ المكاتبات فلما تخلو من شىء، كى اذا وقعت فى يد اعدائهم لم يقع منها ضرر، و سيما هذه المكاتبة، لمناسبة اشتراط التذكية، فيها، لما يحكى عن احمد بن حنبل، المعاصر للرضا (ع)، حيث حكم بعدم جواز الصلوة فى الحرير المحض و بطلانها فيه، و اشترط فى الشعر و الوبر كونه ماخوذا من الحى، و المذكى بالتذكية الشرعية، و حكم فى احد قوليه موافقا للشافعى، بكون الماخوذ عن الميت نجسا لا يجوز الصّلوة فيه.
و هذا المذهب على ما يحكى، كان مشهورا فى زمان العسكرى (ع)، و لشدة التقيه فى زمان العسكرى (ع)، لأن العامة على ما يحكى قائلون بصحة الصّلوة فى وبر الارانب.
هذا مضافا الى معارضته بمكاتبة ابن مهزيار، و الابهرى، و لا يصلح لمقاومتهما، لكونهما موافقين للشهرة و مذهب الشيعة، و مخالفين لمذهب العامة فان الرشد فى الاخذ بخلافهم، و موافقين للأخبار الكثيرة و غيرها.
و الى ما ذكره بعض بانه(1) يتضمن لاشتراط كون الوبر مذكى، فى حل الصلوة فيه، و هو خلاف الاجماع نصا و فتوى، باىّ معنى اعتبر التذكية فيه، بمعنى الطهارة، او قبول الحيوان ذى الوبر التذكية، اذ الطهارة غير مشروطة فى نحو التكة، التى هى مورد السؤال، مما لا يتم فيه الصلوة اتفاقا، و كذا قبول الحيوان التذكية، لعدم اشتراطها فى الوبر من طاهر العين منه، الذى هو مورد البحث فى المسئلة اجماعا.
قيل:(2) و لعل المراد من التذكية فيها(3)، كونه مما يؤكل لحمه، يشير الى ذلك
ص: 150
ما رواه فى الوافى فى باب اللّباس، على بن ابى حمزة، انه سأل الصادق (ع) و الكاظم (ع)، عن لباس الفراء و الصلوة فيها، فقال: لا تصل فيها، الاّ ما كان منه ذكيا، قال قلت: او ليس الذكى ما ذكّى بالحديد؟ فقال: بلى، اذا كان مما يؤكل لحمه... الحديث، انتهى.
و الاظهر حمل تلك الصحيحة على التقيه، كما صرح به جماعة، لاستفاضه الأخبار بالمنع عموما و خصوصا، عما لا يؤكل لحمه، المعتضدة بما عرفت، و الجمع بالحمل على الكراهة لا وجه له، لما عرفت.
فذهب الاكثر و منهم الشيخ فى النهاية، الى المنع منهما، لما سبق فى الجلود، و قال فى النهاية بالكراهة، و مال اليه فى التحرير، تعويلا على الاصل، و رواية محمد بن عبد الجبّار السابقة، و استضعافا للأخبار المانعة، و هو غير بعيد، الا ان المنع احوط.
قال بعض متاخرى المتأخرين: و اعلم انه قد وقع لصاحب المدارك، سهو فى هذا المقام، حيث انه بعد ان نقل عن النهاية اولا القول بالمنع، نقل عن النهاية ايضا القول بالجواز على الكراهة، و هذا القول انما هو فى المبسوط، لا فى النهاية كما جرى به قلمه هنا، انتهى.
أقول: نسب المحقق المجلسى ايضا الى النهاية، القول بالكراهة، كالشيخ البهائى، قال فى البحار: الصلوة فى قلنسوة او تكة متخذتين من جلد غير الماكول او وبره، فالمشهور بين الاصحاب المنع، و المستفاد من كلام الشيخ فى التهذيب الجواز فى المتخذتين من الجلد، و كذا ذهب الشيخ فى النهاية، و المحقق فى التحرير، الى الكراهة فى المتخذتين من وبر الارانب، لأخبار حملها على التقية اظهر من حمل معارضها على الكراهة، قال فى الحبل المتين: الثانى جواز الصّلوة فى تكه من وبر الارانب، و به قال الشيخ فى النهاية، و كلامه فى التهذيب
ص: 151
يعطى تعدية الحكم الى كل ما لا يتم الصلوة فيه، من التكه و غيرها من الارانب و الثعالب، و مال اليه المحقق فى التحرير كما مر، و قال شيخنا فى الذكرى: الا شبه المنع، انتهى.
و الظاهر ان اشتباه الفاضلين، لسهو المدارك، و اما احتمال صحة نسبتهم فبعيد، لما يظهر من المصنف فى المختلف و غيره، و اما ما ذكره البهائى قده، ان كلام التهذيب يعطى... الى آخره، فلعله اراد من كلامه المعطى لما ذكره، ما ذكره فى ذيل ما نقلنا عنه سابقا، فى الفرع الأول بلا واسطة، بقوله: و الذى يكشف عما ذكرناه ما رواه - ثم نقل صحيحة محمد بن عبد الجبار المتقدمة، و قال -: يجوز ان يكون الخبر ورد لضرب من التقية.
الثالث: المشهور بين الاصحاب، على الظاهر المصرح به عبائر جماعة(1)تعميم المنع من الصوف و الشعر و نحوهما، من غير تخصيص بالملابس، و عن الشهيدين و جماعة و منهم صاحب المدارك، التخصيص بالملابس، فلو كانت غيرها كالشعرات الملقاة على الثوب، لم يمنع عن الصّلوة.
للشهيدين و من تبعهما، الاصل، و فيه: انه مخصص بموثقة ابن بكير المتقدمة، المتضمنة لقوله (ع): و كل شىء حرام اكله، فالصلوة فى جلده و بوله و روثه و كل شىء منه فاسده... الحديث، و برواية ابراهيم بن محمد الهمدانى، المتقدمة فى اصل المسئلة، المنجبرة بالشهرة بين الطائفة، الصريحة فى عدم جواز الصلوة فى الشعر و الوبر الملقى على الثوب، و برواية الحسن بن على الوشاء المتضمنة لكراهة الصادق (ع)، عن وبر كل شىء لا يؤكل لحمه، التى يكون المراد منها فى المقام الحرمة، كما يظهر من التتبع فى اخبار المسئلة و برواية اسمعيل البرمكى، المنجبرة بالشهرة، المروية فى العلل، كما قدمنا، و بغيرها من الأخبار.
و توهم اختصاص المنع المستفاد من الأخبار المانعة بالملابس، بملاحظة
ص: 152
كلمة فى المقتضية لذلك، فيبقى الاصل سليما عن المعارض، غير وجيه، لعدم جريانه فى كصحيحة ابن بكير، لدخولها على البول و الروث ايضا، بالنسبة اليهما للظرفية قطعا، بل لمطلق الملابسة، و فى رواية ابراهيم بن محمد الهمدانى، المنجبرة بالشهرة، الناصه بعدم جواز الصلوة فى الشعر و الوبر الملقى على الثوب، كما تقدم.
و لهم ايضا صحيحة محمد بن عبد الجبار المتقدمة، المتضمنة لقوله (ع): و ان كان الوبر ذكيا حلت الصلوة فيه ان شاء اللّه، بعد السؤال عن الصّلوة فى قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه، و فيه ما عرفت من وجوه القدح فيها، سيما التقية.
و ما ذكره الشارح الفاضل بقوله: و طريق الجمع، حمل روايات المنع على الثوب المعمول من ذلك، و الجواز على ما طرح على الثوب من الوبر، غير وجيه، لعدم الشاهد عليه اولا، و فقد التكافؤ ثانيا، مع تضمن صحيحة محمد بن عبد الجبار، جواز الصلوة فى التكه المعمولة من وبر الارانب، و رواية ابراهيم بن محمد الهمدانى، المصرحة بالمنع فى الشعر و الوبر الذى يسقط على الثوب، و قريب منها كصحيحة ابن بكير، فكيف يتم له الجمع بما ذكره؟
ثم قال الشارح الفاضل ايضا: و ممن صرح بالجواز الشيخ، و الشهيد فى الذكرى، و هو ظاهر التحرير، و جمع الشيخ بينهما بحمل الجواز على ما يعمل منها ما يتم الصلوة وحده، كالتكه و القلنسوة، كما وقع التصريح به فى مكاتبة العسكرى (ع)، انتهى.
و فى هذا الجمع ايضا ما ترى، اذ فيه اطراح لروايتى ابن مهزيار و الابهرى، المتقدمتين فى اصل المسئلة.
بل لم اجد من
ص: 153
الاصحاب قائلا بالمنع فى المفروض بالخصوص، الا ما ذكره بعض(1) المحققين، من انه سمع ان بعض العلماء، كان ينزع ثوبه عما اصابه الشمع و العسل، كنزهه(2) عن عرق الانسان، و فيه ايضا ما ترى.
و كيف كان؟ فالاظهر عندى جواز الصلوة فى المذكور، لصحيحة على بن ريان المروية فى الزيادات، قال: كتبت الى ابى الحسن (ع): هل يجوز الصلوة فى ثوب يكون فيه شعر من شعر الانسان و اظفاره، من قبل ان ينفضه، و يلقيه عنه؟ فوقع: يجوز، و هى شاملة لشعرا لمصلى نفسه و اظفاره، او شعر غيره و اظفاره.
و اما ما ذكره المحقق البهائى رحمه الله، و بعد ان ذكران الصحيحة تدل على جواز الصلاة فى ثوب علق به شىء من شعر الانسان او أظفاره، بقوله: و الظاهر ان المراد شعر المصلى و اظفاره، كما يظهر من كلام العلامة فى المنتهى، و بعضهم عدّى الحكم الى شعر غير المصلى ايضا، ففيه ما فيه، و صحيحته على ما صحيحة غير واحد منهم الأخرى،(3) قال: سألت ابا الحسن، عن الرجل ياخذ من شعره و اظفاره، ثم يقوم الى الصّلوة من غير ان ينفضه من ثوبه، قال: لا بأس، و الاختصاص بالشعر و الظفر غير ضاير، اما لعدم القول بالفصل كما هو الظاهر، او لكون العلة واحدة كما قيل.
و يعضد ذلك ما روى عن كتاب قرب الاسناد، عن الحسين بن علوان، عن الصادق (ع)، عن ابيه (ع)، ان عليا (ع) سئل عن البزاق يصيب الثوب، قال: لا بأس، و اطلاق نفى الباس شامل لما نحن فيه، بل ربما يقال يمكن القطع بخروجه، لما روى من صحة الصلوة فى ثوب الغير، و ان احتمل تحقق و سخه و عرقه، بل و شعره منه، و نحو ذلك فيه، و كذا لعاب الفم من القبلة و غيرها فى الزوجين و غيرهما، و من الاطفال و غيرهم، و عرق اليد و غيره فى المصافحة و غيرها، سيما فى البلاد الحاره فى ايام القيظ، و كذا لبن الزوجه عند المضاجعة
ص: 154
و المخاضمة و الملاعبة.
و بالجملة: الفرقة الناجية ما كانوا يجتنبون عن امثال ما ذكر فى الاعصار و الامصار، و ما كانوا يعاملون مع الادمى معاملة الحيوانات، مثل السّمور و السنجاب و نحوهما، و بالجملة: التجنب عن ذلك موجب للعسر و الحرج، المنفيين شرعا، بل ذلك مخالف لاجماع المسلمين، بل الضرورة ايضا، كما ذكرهما بعض، هذا على فرض شمول الاطلاقات او العموم لما نحن فيه بحسب المتفاهم، و الا كما هو الاقوى، فالاطلاقات الأمره بالصلوة و الستر تكفينا، لأن المتبادر من الأخبار المانعة، غير الانسان كما ذكره جماعة.
قال بعض الافاضل: لا يخفى ان المتبادر من غير ماكول اللحم، فى تلك الأخبار المقابلة فى كثير منها، كموثقة ابن بكير و غيرها، بماكول اللحم، انما هو ما كان من ساير الحيوانات ذى النفس السائلة، التى وقع ذكر جملة منها بالتفصيل فى تلك الأخبار، من الخز و السنجاب و الفنك و نحوها، و بعض الأخبار قد اشتمل على هذا العنوان، و بعضها قد اشتمل على حيوانات معدودة، و بعضها قد اشتمل على الأمرين و حينئذ فيحتمل مطلقها على مقيدها، و مجملها على مفصلها، و بالجملة فان الانسان و ان صدق عليه هذا العنوان، لكن مرمى هذه العبارة فى الأخبار، و المتبادر منها بتقريب ما ذكرنا، انما هو ما عداه من تلك الحيوانات، التى جرت العادة باتخاذ الجلود و الاشعار و الاوبار، و الانتفاع بها فى ساير وجوه المنافع، انتهى.
و يمكن ان يقال ان ما ذكر انما يجدى، لو كان كل الأخبار المانعة فى قبيل الاطلاقات، لأنها لا تشمل للافراد الغير المتبادرة، و اما اذا كان فيها ما يمنع بعنوان العموم الاستغراقى، كموثقة ابن بكير و خبر الحسن بن على الوشاء، فلا يجدى المذكور، لشمول العموم الاستغراقى للافراد النادرة، و ان كان هو ايضا غير شامل للفرد الاندر، و لكن كون الانسان فى هذا القبيل غير ممنوع، بل غايته انه فرد نادر، فتدبر.
ص: 155
نعم، يمكن ان يقال: ان المنع غير متوجه الى الانسان فى الأخبار المانعة، لكونه آكلا، و الحلّية و الحرمة انما هى بالنسبة اليه، توضيح ذلك، اما بالنسبة الى العموم الواقع فى اول(1) موثقة ابن بكير المتقدمة، فلان كلمة للانسان مقدرة بعد قوله (ص): حرام اكله، الواقع فى قوله: ان الصلوة فى وبر كل شىء حرام اكله قطعا، لعدم توجه التكليف الى غير الانسان من الحيوانات، و الحمل على بعض افراده دون الآخر ترجيح من غير مرجح، و مناف لعموم التكليف.
و اما بالنسبة الى الأخبار المتضمنه لقوله (ع): لا يؤكل لحمه، لاستلزامه الكذب الممتنع بالنسبة اليهم، لو ابقينا على ظاهره، كقول اللّه سبحانه: «لاٰ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ»، و ما ذكرنا اقرب المجازات بالنسبة اليه، فحينئذ لا بد من تقدير كلمة للانسان، للتقريب الذى قد مر، فليتأمل.
و ربما يظهر من غير واحد، اجراء الاستصحاب فى نحو الشعر، قال فى الحبل المتين فى جملة كلام له: شعر الانسان ليس مما نحن فيه، لأنه مما يعم به البلوى، لمشقة الاحتراز عنه، و لجواز الصلوة فيه متصلا فكذا منفصلا، استصحابا للحال، كما قاله شيخنا المحقق الشيخ على اعلى اللّه قدره، انتهى.
و كيف كان، فالمسئلة بعون اللّه واضحة.
قال بعض المحققين: قد عرفت عدم دخول الانسان فيما لا يؤكل
ص: 156
لحمه، و هل يدخل فيه مثل النحل، فلا يصلى فى ثوب اصابه الشمع او العسل، على ما سمعناه من نزعه بعض العلماء عنهما، كنزعه عن عرق الانسان ايضا، ام لا؟ و النحل و ان لم يكن له لحم، الا انه داخل فى قوله كل شىء حرام اكله، لكن لا يخفى عدم شموله لمثل البق و البراغيث و القمل، من الحيوانات التى يصلى فى فضلتها و دمها و لعابها البتة، من غير تامل، و لعل النحل ايضا كذلك، بل لعل الاظهر انه كذلك، و الاحتياط امر آخر.
و قال بعض آخر: الظاهر خروج شعر الانسان و اظفاره، كفضلات ما لا يؤكل لحمه، غير ذى النفس، مما لا يمكن التحرز عنه، كالقمل و البق و البرغوث و نحوه من محل النزاع، كما صرح به جماعة من الاصحاب، لاختصاص ادلة المنع نصا و فتوى بحكم التبادر، و غيره بغير ذلك جدا، مع لزوم العسر و الحرج و الضيق فى التجنب عن نحو ذلك قطعا، و مخالفته لاجماع المسلمين، بل الضرورة ايضا.
و قال آخر فى ذيل كلامه، الذى نقلنا عنه فى الفرع السّابق، بقولنا: لا يخفى ان المتبادر من غير... الى آخره، فصل قليل ما صورته: و اما بالنسبة الى ما لا نفس له، فيما تقدم من عدم تبادر ذلك من العنوان المذكور، و عدم عدّ شىء مما لا نفس له فى عداد تلك الافراد، و اصالة العدم، حتى يقوم الدليل الواضح البيان، و لأن اطلاق الالفاظ فى الاحكام الشرعية، انما ينصرف الى الافراد الشايعة المتكثرة، من دون الفروض النادره، و لأنه لو تم ذلك للزم الحكم بالمنع من الصلوة فى الثوب و البدن الذى عليه فضلة الذباب، و لزوم الحرج به ظاهر، و يعضد ذلك ما من وجه جواز الصلوة فى الحرير الممزوج اتفاقا، و ما لا يتم الصلوة فيه و ان كان خالصا على المشهور، مع انه من فضلة ما لا يؤكل لحمه و بذلك يظهر لك جواز الصلوة فى الثوب الذى يسقط عليه العسل و الشمع المتخذ منه، و ما يوضع منه تحت فص الخاتم، و نحو ذلك، انتهى.
كالنحل و
ص: 157
البق و البرغوث و القمل و ما ضاهاها، و الظاهر ان ما ليس له وبر ايضا، و اما ما يظهر من النحل، فسيجئ الكلام فيه فى الفائدة التى سنذكرها، فالذى يترجح فى نظرى القاصر، هو جواز الصلوة، فيها، لنا اطلاق الأمر بالصلوة، السالم عما يصلح للمعارضة، و كون تلك الفضلة للحيوان الغير الماكول غير ضاير، لعدم وجود اللحم فى الحيوان الصادر عنه تلك الفضلة، و الأخبار المانعه على ما هو فى خاطرى، انما تمنع عن فضلة ما لا يؤكل لحمه، و جعل الكلام كالسالبة المنفية الموضوع، غير وجيه، لأنه مع كونه خلاف الاصل، يرد فيه حزازات كثيرة، غير مخفية على الفطن، مع ان حمل الأخبار المانعة انما يمنع عن وبر ما لا يؤكل لحمه، و اما موثقة ابن بكير، فالظاهر ان المراد منها ايضا، الحيوان الذى يكون ذا لحم و وبر.
تفصيل الكلام: ان فى الموثقة عبارتين، يمكن ان يستدل بها للمقام:
احدهما قوله (ص): ان الصلوة فى وبر كل شىء حرام اكله، فالصلوة فى وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شىء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلوة، حتى يصلى فى غيره مما احل اللّه اكله، و التقريب واضح.
لا يقال: ان ما يترا أى من التكرار فى عبارة هذا الحديث، من قوله: ان الصلوة فى وبر كل شىء حرام اكله، فالصلوة فى وبره و شعره... الى آخره، و كذلك ما يلوح من الحزازة فى قوله: لا تقبل تلك الصلوة حتى يصلى فى غيرها، مما احل اللّه اكله، يعطى انّ لفظ الحديث لأبن بكير، و انه نقل ما فى ذلك الكتاب بالمعنى، و يمكن ان يكون هذا التصرف، وقع عن بعض رجال السند سوى ابن بكير، و ذلك مما ينافى الاستدلال به، لانا نقول: المذكور على فرض التسليم لا يخرج الخبر عن الحجية، و ان كان منكسر الصورة الاستدلال به.
و انت خبير بان ما ذكر فى ذيل لا يقال، انما يكون بحسب بادى النظر، و اما بحسب النظر الدقيق، فيمكن ان يقال: ان المعصوم (ع)، انما اتى بلفظ الوبر فى اول الرواية، لفائدة، و ذلك لأن زرارة انما يسئل عن الحيوان صاحب
ص: 158
الوبر، ا لا ترى الى قوله (ع)... و غيره من الوبر، الواقع فى سؤاله عن الصادق عليه السلام، عن الصلوة فى الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر، فالمعصوم (ع) اخرج كتابا لجواب سؤاله، على هذا النحو: ان الصلوة فى وبر كلّ حيوان حرام اكله، فالصلوة فى وبر ذلك الحيوان الموصوف، و شعر ذلك الحيوان و جلد ذلك الحيوان، ذى الوبر الذى حرام اكله، و بول ذلك الحيوان الموصوف و روثه، انتهى.
فعلى هذا لا يشمل الحديث الحيوانات التى حرام اكلها، و ليس لها وبر، فهذا هو الفائدة فى لفظ الوبر الماتى به فى اول الخبر، و لفظ شعر الذى هو واقع بعد قوله: فى وبره، لا ينافى المذكور، لما يظهر بالتدبر و بالمراجعة الى العرف، و اما الحزازة المدعاة فى قوله (ص): لا تقبل: الى آخره، فلا نفهمها.
فظهر بما ذكرنا من الكلام، ان مثل النحل و البق و البرغوث، و نحوها من الحيوانات، التى ليس لها وبر، غير داخل فى المنع المستفاد من موثقة ابن بكير، فتامل جدا، و يمكن ايضا ان يقال، على فرض التسليم بان الوبر الواقع فى اول الحديث تكرار بحت، و لا فائدة فيه، او فيه غير ما ذكرناه، و يكون الكلام فى قوة ان كل فرد من افراد الحيوان الذى حرام اكله، فالصلوة فى وبر... الى آخره، ليتم مطلبنا ايضا، من كون المراد هو الحيوان ذو الوبر، و ذلك لأن ضمير فى وبره، اذا رجع الى فرد، لا بد ان ترجع الضماير الواقعة فى الكلمات التالية ايضا اليه، كما هو مقتضى الاصل و القاعدة، فعلى هذا يكون المراد من الكلام، هو الحيوان ذو الوبر و الشعر و الجلد الغير الماكول، فلا يشمل النحل و نحوه لعدم كونه ذا وبر و شعر، فتدبر.
و ثانيهما قوله (ع): فان كان غير ذلك مما قد نهيت عنه... الى آخره، و التقريب واضح، و فيه ان قوله (ع) فى آخر الحديث: ذكاة الذبح او لم يذكه، يفهم منه ان المراد من الحيوان المنهى عن اكله فى تلك العبارة، انما هو الحيوان القابل للتذكية، و ما كان ذا لحم، و ذلك غير خفى على المنصف، و يؤيده
ص: 159
قوله (ع) سابقا: فان كان مما يؤكل لحمه، فافهم، فيخرج النحل و ما ماثله عن تلك العبارة ايضا، و انما خصصنا ما يمكن ان يستدل به فى الموثقه للمقام بهاتين العبارتين، مع امكان الاستدلال له فيها بعبارتين غير المذكورتين، لكون الاستدلال بهما فى غاية الوهن، فافهم.
و يمكن ان يقال: ان المراد من لفظه اكله، الواقع فى عدة مواضع فى تلك الموثقة، هو اكل لحمه، بقرينة وقوعه فيمن عداها من الأخبار المانعة، فلما يشمل النحل و نحوه، فتدبر جدا.
و بالجملة: ما ينفصل عن القمل و البق و البرغوث و الذباب و نحوها، غير مبطل للصلوة قطعا، سواء قلنا بشمول موثقة ابن بكير ام لا، امّا على التقدير الثانى فظاهر، و اما على الأول فللعسر و الحرج المنفيين شرعا، و لما يظهر من سيرة المسلمين فى الاعصار و الامصار، الموجب لحصول القطع بعدم بطلان الصلوة فى ذلك، و لأنه لو كان المذكور واجبا للبطلان لشاع و تواتر، و التالى باطل فالمقدم مثله، على انا لو بنينا على العموم كما هو المفروض، لكان فى متن الحديث ما يدل على جواز الصلوة و مقبوليتها بالنسبة الى العسل، و ذلك لأن العسل حلال اكله بالاجماع و النص، فيدل قوله (ص): لا تقبل تلك الصلوة حتى يصلى فى غيره مما احل اللّه اكله، على مقبولية الصلوة فيه، فيتم فيمن عداه من الشمع الماخوذ منه و فضله، مطلق الذباب و البق و امثالها، بالاجماع المركب، على ما هو الظاهر، فليتأمل.
و كيف كان، فالمسئلة بحمد الله، واضحة السّبيل مكشوفة الدّليل.
فالذى يقتضيه الرّوايات المانعة، هو التفصيل فى المقام، بان يقال: لا يخلو اما يكون الحيوان المفروض ذى وبر و شعر ام لا، و على الاوّل: فالاولى و الاحوط، هو الحكم ببطلان الصلوة فيه، و فى جميع فضلاته. و على الثانى: يحكم بصحة الصلوة فيه و جميع فضلاته، و لا يعارض المذكور قوله (ع) فى آخر موثقة ابن بكير: فان
ص: 160
كان غير ذلك... الى آخره، لما عرفت من انه يفهم من قوله (ع) فى آخرها:
ذكاة الى آخره، ان المراد هو الحيوان الذى جرت العادة فى تذكيته، و ان يتخذ منه الجلود، فتدبر كى لا تغفل، و الاحوط التجنب، سيما فى السمك الغير الماكول اللحم.
لم نجد و لم يظهر لنا حيوان كان من غير ذى النفس، و كان له وبر و شعر، و اما ما يظهر من النحل و الزنبور من الوبرا و الشعر، الذى كاد ان يدرك بالطرف، فاطلاق الوبر و الشعر غير منصرف اليه قطعا، فمع ذلك يمكن منع كونه وبرا او شعرا، بل الظاهر انه ريش كما فى الطيور، فافهم.
فعلى هذا، قولنا موافق لقول من ذهب الى جواز الصلوة فى فضلات الحيوان غير ذى النفس، كما نقله المجلسى عن ظاهر الاصحاب، و سيظهر، و صرّح به بعض، و بعض ادلتنا و ان كان يجرى فى بعض افراد ذى النفس ايضا، لكن لم نجد قائلا به، بل الظاهر عدمه، فاذن الاقوى هو الحكم بالبطلان فيه
و صلوتهما فيهما للاطلاق لا سيما فى مقام الامتنان، و قد يشكل فى الصلوة اللؤلؤ لكونه جزأ من صدف حيوان لا يؤكل لحمه، اما كونه حيوانا، فلما ذكر الاطباء و غيرهم من التجار و الغواصين و لما رواه الكلينى فى الصحيح، عن على بن(1) جعفر، عن اخيه قال: سألته عن اللحم الذى يكون فى اصداف البحر و الفرات، ايؤكل؟ قال: ذلك لحم الضفادع لا يحل اكله، و اما كونه غير ماكول اللحم، فلهذا الخبر، و للاجماع المنقول على ان من حيوان البحر لا يحل له الا السمك، و اما عدم جواز الصلوة فى اجزاء ما لا يؤكل لحمه، فلما سياتى من عدم جواز الصلوة فى شىء منه، الا ما
ص: 161
استثنى.
فان الانعقاد فى جوفه لا يستلزم الجزئية، بل الظاهر انه ظرف لتولد ذلك، نعم يكون اللؤلؤ فى بعض الاصداف مركوزا فى جوفه و هذا نادر، و يمكن ان يناقش فيه ايضا.
و ان امكن المناقشة فيه.
لظواهر الآيات السالفة، و شيوع التحلى بها، و الصلوة معها فى أعصار الأئمة (ع)، مع انه لم يرد منع بخصوص ذلك، و الظاهر انه لو كان ممنوعا، لورد المنع منه فى اخبار متعددة، و لم ار خبرا يتضمنه، الا العمومات و الاطلاقات، التى يمكن ان يدعى انها محمولة على الافراد الشايعة، و ليس هذا منها.
و بالجملة الحكم بالمنع، مع عموم الآيات و الأخبار الدالة على الجواز، و عدم ظهور التخصيص، و تطرق الاجمال فيه من وجوه، لا يخلو من اشكال و يؤيده ما رواه الصدوق فى الصحيح، عن على بن جعفر، عن اخيه (ع) قال: سألته عن الرجل، هل يصلح ان يصلى و فيه الخز و اللؤلؤ؟ قال: ان كان يمنعه من قراءته فلا، و ان كان لا يمنعه فلا بأس، انتهى.
السابع: قال بعض المحققين:(1) المستفاد من لفظه (فى) الواقعة فى هذه الأخبار، ان المنع مختص بالملابس،
و ما يتلطخ به اللباس من اللبن و البول، و الشعرات الملقاة على اللباس، و ساير فضلات ما لا يؤكل لحمه، و حينئذ فلا يدخل فى ذلك المحمول، فلو صلى الانسان مستصحبا لعظم الفيل من مشط و غيره
ص: 162
مما يحمل، فلا بأس بالصلوة فيه، و بما ذكرنا ايضا صرح المحدث الكاشانى فى الوافى، و كلام الاصحاب فى هذا المقام، لا يخلو من الاختلاف و الاضطراب، انتهى.
أقول: الاحوط بل الاقوى، هو الحكم بالبطلان.
الثامن: قال بعض(1) الأجلاء: المتبادر من ماكول اللحم، و المراد منه فى المقام، ما يحل اكله و ان كره،
فدخل فيه الخيل و البغال و الحمير و امثالها، على ما هو الظاهر من الاصحاب، و فى الفقه الرضوى: سألته عما يخرج من منخر الدابة اذا انخرت فاصاب ثوب الرجل، قال: لا بأس، ليس عليك ان تغسله، انتهى، و المدار فى الاعصار و الامصار ايضا على ذلك، و مضى فى احكام ابوالها، ما دل على جواز الصلوة فى ابوالها و ارواثها، فى صحيحة زرارة انهما قال: لا تغسل ثوبك من بول شىء يؤكل لحمه، و فى اخرى: اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه، انتهى.
تغليبا للحرمة، على اشكال ينشاء من اباحة المنسوج من الكتان و الحرير، و من كونه غير متخذ من ماكول اللحم، فكذا لو اخذ قطعا و خيطت، و لم يبلغ كل واحد منهما ما تستر به العورة، و وجه الاشكال الذى ذكره لا يخلو عن ضعف، فالاقرب المنع، انتهى.
قال والدى قدس سره، و هو فى بيان وجه الضعف: و ايضا ما يمنع الصلوة من جنسه و حقيقته، يمنع الصلوة من بعضه ايضا، و استصحابه فى الصلوة، و ان لم يستر العورة، لأن النهى فى الأخبار مطلق، و النهى يوجب فساد المنهى عنه، بخلاف الحرير فان النهى فيه عارضى للرّجل دون النساء، و للرجال ايضا
ص: 163
اذا كان خالصا دون الممتزج، انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
فقال فى المنتهى بالمنع، و لعل الجواز اقوى، لا سيما اذا اخذ من مسلم اخبر بكونه ماخوذا من ماكول اللحم، و قال الشارح المحقق فى المنتهى لو شك فى كون الصوف او الشعرا و الوبر من ماكول اللحم، لم يجز الصلوة فيه، لانها مشروطة بستر العورة بما يوكل لحمه، و الشك فى الشرط يقتضى الشك فى المشروط و لقائل ان يقول: النصوص الدالة على المنع من ملابسة ما لا يؤكل لحمه، لا عموم لها عموما ظاهرا لغويا او عرفيا، بحيث يشمل المعلوم و المشكوك، بل ان عمومها مستفاد بقراين الاحوال، و اطلاق السؤال، و عدم الاستفصال، و غير بعيد انصرافها الى الافراد المعلوم كونها مما لا يؤكل لحمه، و عمومها بالنسبة اليها لا ازيد من ذلك، الاخبر ابن بكير، و قد عرفت ان حملها على المنع التحريمى، محل النظر.
و على هذا فالقدر المستفاد منها المنع عن الافراد المعلومه، فالافراد المشكوكة باقية على اصل الاباحة، عملا باطلاق الأمر بالصلوة، و يؤيده صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: قال ابو عبد الله (ع): كل شىء يكون منه حرام و حلال فهو لك حلال ابدا، حتى تعرف الحرام بعينه، و فى معناه رواية مسعدة بن صدقة عن الصادق (ع)، و الاحوط السترة.
و قال بعض المحققين، بعد نقل كلام المنتهى: الظاهر ان هذه شبهة عرضت فى هذا المقام، و الا فالظاهر من الأخبار و كلام الاصحاب ان الشرط فى الصلوة ستر العورة مطلقا، الا انه قد دلت جملة من النصوص على النهى عن الصلوة فى اشياء و هى المعدودات فى هذه المقامات، و ان لم يستر بها العورة، و منها ما يتخذ ما لا يؤكل لحمه كما عرفت من اخبار هذه المقامات، و المنع عن ذلك موقوف على معلوميّته كونه مما لا يؤكل لحمه، فمما لم يعلم كونه كذلك، فليس بداخل تحت تلك الاخبار، فيبقى تحت اصل الصحة، و يعضده الأخبار الصحيحة الصريحة، فى ان كل شىء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه، فالمراد بالحل ما هو اعم من
ص: 164
الانتفاع، نعم ما ذكره هو الاحوط، انتهى.
أقول: الاظهر هو القول بالبطلان فى صورة الشك، لما استدل به المصنف رحمه الله، و ما ذكره الشارح المحقق، من انصراف اطلاق الأخبار المانعة، الى الافراد المعلوم كونها مما لا يؤكل لحمه، فيه ما فيه، لأن ما يحرم اكله ليس معناه الا ما يحرم بحسب الواقع، من غير مدخلية للمعلومية و المشكوكية فى معناه، كما هو الحال فى نظاير المقام، فالتقييد بالمعلومية خلاف الاصل، و الظاهر كما صرح به بعض قال: و مما ذكر ظهر جعل العدالة شرطا فى قبول خبر الواحد، لأن اللّه تعالى يقول: «إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا»، و الفاسق من خرج عن الطاعة واقعا، فصار عدمه شرطا لا واسطة بين الفسق و العدالة، و هذا و امثاله مسلم عند المورد و غيره من الشيعة، انتهى.
مع ان العموم الاستغراقى موجود فى جملة من الأخبار، و منها: موثقة ابن بكير، فلا حظ ما نقلناه من الأخبار، و الموثقة ايضا دالة على الحرمة، و قوله (ص) فيها: لا تقبل تلك الصلوة حتى يصلى... الى آخره، من المعاضدات لما اخترناه، سيما على القول بدلالة كلمة (لا تقبل) على نفى الاجزاء، و يعضده ايضا استدعاء الاشتغال البراءة اليقينية، و مع ذلك كله فالقول بجواز الصلوة فيه لا يخلو عن رجحان، عملا باطلاق الأمر بالصلوة، و عموم قوله (ع): لا تعاد الصلوة الا من خمسة، كما ياتى اليه الاشاره، و عموم نحو صحيح ابن سنان المتقدم و غيره، كما ننقله فى الذبايح فى شرح قول المصنف: و يحرم المشتبه بالميتة.
و المنع من الاشياء المذكوره، ثابت فيما (عدا ما استثنى) من الخز و السنجاب
(و) كذا يحرم الصلوة (فيما يستر ظهر القدم) ما لم يكن له ساق، بحيث يغطى المفصل الذى بين الساق و القدم، و شيئا من الساق (كالشمشك) بضم الشين و كسر الميم، على ما قاله غير واحد من الاصحاب، وفاقا للمحقق و الشهيد، بل ربما ينسب الى النهاية و المقنعة و ابن البراج و الى سلار، الا فى الصلوة على الموتى، بل نسبه فى الروضة و المسالك كما عن الرياض، الى المشهور.
ص: 165
و فيه بحث، لأن المحكى عن الشيخين و غيرهما، المنع عن الصلوة فى النعل السندى و الشمشك خاصة، و هو اخص من المدعى، قال فى المقنعة: و لا يجوز ان يصلى فى النعل السندى حتى ينزعها، و لا يجوز الصلوة فى الشمشك قال فى المختلف، بعد نقل كلام المقنعة: و جعلهما ابن البراج فى قسم ما لا تتم الصلوة فيه، و قال سلار: و لا بأس بالصلوة فى الخف و الجرموقين و النعل العربى فاما النعل السندى و الشمشك فلا صلوة فيهما، الا الصلوة على الموتى خاصة، و هو يشعر بالمنع، و الاولى الكراهية، و عده ابن حمزة فى المكروه و قال: و روى ان الصلوة محظورة فى النعل السندية و الشمشك، انتهى.
فظهر بما نقل احتمال ان لا يكون المنع لسترهما ظهر القدم، دون شىء من الساق، كما ظنه الفاضلان و غيرهما، بل يحتمل ان يكون ذلك لورود خبر بهما خاصة، كما نقل المصنف عن ابن حمزة، بل لو لا ذهاب اكثر المتأخرين على الظاهر المصرح به فى عبائر جماعة الى الجواز فيما عنون به المصنف، لكن مع الكراهة، و منهم المحكى عن المصنف فى المنتهى و التحرير، كما عن الشيخ فى المبسوط و الاصباح و الوسيله، فى الشمشك و النعل السندى خاصة، لكان القول بالمنع لا يخلو عن قوة، للرواية المتقدمة المنجبرة بالشهرة القديمة، على ما حكاه الشهيد الثانى، كما عرفت.
و القول بالجواز، مؤيد بما روى عن الشيخ فى كتاب الغيبة، و الطبرسى فى كتاب الاحتجاج، مما كتب به الحميرى الى الناحية المقدّسة: هل يجوز للرجل ان يصلى، و فى رجليه بطيط لا يغطى الكعبين، ام لا يجوز؟ فخرج الجواب: جائز.
و عن القاموس: البطيط: رأس الخف بلا ساق، كانه سمى به تشبيها له بالبط، و الحكم بالكراهة، لأجل التفصى عن شبهة الخلاف الناشئة من اختلاف الفتوى، و الرّواية المشار اليها فى الوسيلة، لكنها غير عامة لكل ما يستر ظهر القدم، بل فى خصوص ما مر من الامرين.
ص: 166
قال فى المسالك: و استندوا فى ذلك - اى المنع - الى فعل النبى (ص)، و الصحابة و التابعين، و الأئمة الصّالحين، فانهم لم يصلوا فى هذا النوع، و لا نقله عنهم ناقل، اذ لو وقع لنقل مع عموم البلوى، و لا يخفى عليك ضعف هذا المستند، فانه شهادة على النفى غير المحضور فلا تسمع، و من ذا الذى احاط علما بانهم كانوا لا يصلون فيما هو كذلك، و لو سلم لم يكن دليلا على عدم الجواز لجواز كونه غير معتاد لهم، و لو تم ذلك لزم تحريم الصلوة فى كل صنف لم يصل فيه النبى و الأئمة (ع)، فالقول بالجواز اوضح، نعم يكره خروجا من خلاف الجماعة، انتهى.
فاذن الاقوى هو القول بالكراهة، لما ذكرنا سابقا، و لما نقله فى المسالك للقول بالمنع، لأنه مما يوجب الشبهة، قيل: الذى يظهر من المنتهى و غيره، ان حال النعل السندى حال الشمشك، و كون المنع فيه ايضا، من جهة ستر ظهر القدم، و عدم ستر شىء من السّاق انتهى، و احترزنا بقولنا: ما لم يكن...
الى آخره عما له ساق يغطى و لو شيئا من الساق، للاطلاقات السليمة عن المعارض، و الاجماع المحكى عن التحرير و التذكرة و غيرهما.
و لذا ترى المصنف انه قال لا الخف و الجورب(1) و هو نعل مخصوص، و هو معرب على ما ذكرهما بعض، و مثلهما الجرموق، و هو على ما عن التذكرة:
خف واسع قصير، يلبس فوق الخف، و قد مضى من الأخبار فى حكم الميتة، ما يدل على جواز الصلوة فى الخف و الجرموق، فلا حظ البتة.
على ما حكى عن جماعة حد الاستفاضة، مؤذنين بدعوى الاجماع، و هو الحجة مضافا الى النصوص المستفيضة: منها ما رواه ابن بابويه فى الصحيح، عن عبد الرحمن بن ابى
ص: 167
عبد اللّه، عن ابى عبد اللّه (ع) انه قال: اذا صليت فصلّ فى نعليك اذا كانت طاهرة، فان ذلك من السنة، و رواه فى التهذيب فى الباب، باسناد فيه ابان عن عبد الرحمن عنه (ع) و فيه: فانه يقال ذلك من السنة.
قال فى الحبل المتين: ربما يستشكل فى ظاهر قوله (ع): فانه يقال ان ذلك من السنة، فان هذا الكلام ربما يعطى التردد فى كون ذلك من السنة، و هم صلوات اللّه عليهم منزهون عن شوائب التردد فى الاحكام، و لعلّ الغرض من قوله (ع): يقال، انى انا أقول ذلك، و هنا وجه آخر، و هو ان عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه (ع)، لما كان من اجلاء الثقاة المعروفين بكثرة الرّواية عن الصادق (ع)، كان مظنه ان يقتدى به اصحابه، من الامامية رضوان الله عليهم، فى اعماله، تنزيلا لما يفعله منزلة ما يرويه، فيمكن ان يكون غرضه (ع)، انك اذا صليت فى نعليك ورآك شيعتنا تصلى فيها قالوا ان ذلك من السنة، و سلكوا على منوا لك من الصلوة فى نعالهم، و قوله (ع): اذا كانت طاهرة، يدل على ان استحباب الصلوة فيهما مشروط بطهارتهما، و ان كانت الصلوة فيهما اذا كانا نجسين صحيحة ايضا، لكونهما مما لا تتم فيه الصلوة وحده، و يجب ايصال راسى الا بهامين الى الارض ليسجد عليها، و لا يكفى وصول طرفى النعل، انتهى.
و منها ما رواه التهذيب فى الباب، فى الصحيح عن عبد الله بن المغيرة قال: اذا صليت فصل فى نعليك، اذا كانت طاهرة، فان ذلك من السنة.
و منها ما روى عن العلل، فى الصحيح(1) او الحسن، على ما قيل، قال:
و كان رسول الله (ص)، اذا اقيمت الصلوة، لبس نعليه و صلى فيهما.
و منها الخبر المروى عن(2) الوافى عن محمد بن الحسين، عن بعض الطالبين يلقب برأس المذرى، قال سمعت الرضا (ع) يقول: افضل موضع
ص: 168
القدمين فى الصلوة النعلان.
و روى التهذيب فى الباب، فى الصحيح عن معوية بن عمار، قال: رايت ابا عبد الله (ع)، يصلى فى نعليه غير مرة، و لم اره ينزعهما قطّ.
و روى ايضا فى الباب، فى الصحيح عن على بن مهزيار، قال: رايت ابا جعفر (ع)، صلى حين زالت الشمس يوم التروية، ست ركعات خلف المقام و عليه نعلاه لم ينزعهما.
و روى فى الباب ايضا، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن اسمعيل قال: رايته فى نعليه لم يخلعهما، و احسبه قال: ركعتى الطواف.
و مقتضى الرّوايات كما ترى، استحباب الصلوة فى النعل مطلقا، و لعل الوجه فى حملها على العربية، انها هى المتعارفة فى ذلك الزمان، كما صرح به غير واحد منهم، لكن قال فى المدارك: و لعل الاطلاق اولى، و فى الذخيرة: و القول بالاطلاق غير بعيد، قيل: و لعلّ وجهه مع الاعتراف بصحة الحمل، كفاية الاحتمال فى المستحبات من باب التسامح و الاحتياط، فان رفع عنهم الاعتراض بانه محل تامل لما ذكروه، لأن المطلق ينصرف الى المتعارف، و ليس هنا عموم لغوى ينفع.
(و عورة الرّجل) التى يجب سترها مطلقا، و لو فى غير الصلوة و يشترط صحتها بسترها (قبله) اى القضيب و الانثيان (و دبره) و الظاهر ان المراد به حلقة الدّبر، التى هى نفس المخرج، على الاشهر، كما هو الظاهر المصرح به فى المختلف و المدارك و المفاتيح و شرحه و المسالك و شرحين للألفية و الذخيرة و الرياض و البحار و بعض شروح الشرايع و غيرها، كما عن الرياض و الذكرى و التنقيح و جامع المقاصد، خلافا للقاضى على ما حكاه فى المختلف و الذكرى و البيان، و الحلبى على ما يظهر من المختلف قال المصنف فيه: قال ابن البراج من السرة الى الركبتين، و به قال ابو الصّلاح، قال: و لا يمكن ذلك الا بساتر من السرة الى نصف الساق، و ليصح سترها فى حال الركوع و السجود، و مثله على
ص: 169
ما فى الكشف كما قيل.
و نسب جماعة الى القاضى، القول بانها ما بين السّرة و الركبة، و نسب بعض هذا القول الى الحلبى ايضا، و آخر الى السّيد ايضا، و فى الدروس: و اوجب الحلبى و الطرابلسى ستر ما بين السرة الى الركبة، و مقتضى هذا خروج السرة و الركبة عن العورة، و لا كذلك الأول، فان مقتضاه الدخول على القول بدخول حدى الابتداء و الانتهاء فى المحدود، نعم ان قيل بخروجهما عنه فلا فرق، و للحلبى على ما حكاه جماعة،(1) حيث قال انهأ من السرة الى نصف السّاق.
و الحق هو المشهور، للاجماع المحكى عن الخلاف و الغنية و السرائر، المعتضد بالشهرة العظيمة، و بما عن الذكرى و الرياض، من دعوى شذوذ القولين الاخيرين، و عن التحرير و المنتهى و التذكرة و التحرير، الاجماع على ان الركّبة ليست منها، كما عن التحرير على ان السرة ليست منها.
هذا مضافا الى الأخبار المستفيضة:
منها: خبر ابى يحيى الواسطى،(2) عن بعض اصحابه، عن ابى الحسن الماضى (ع) قال: العورة عورتان القبل و الدبر، و الدبر مستور بالاليين، فاذا سترت القضيب و البيضتين، فقد سترت العورة.
و منها: الخبر عن مولانا الصادق (ع)(3) الفخذ ليس من العورة.
و منها: ما رواه الكافى فى كتاب الزى فى باب الحمام، عن عبيد الله الواقفى قال: دخلت حماما بالمدينة، فاذا شيخ كبير و هو قيم الحمام، فقلت:
يا شيخ لمن هذا الحمام؟ فقال: لأبى جعفر محمد بن على بن الحسين (ع)، فقال: كان يدخله، فقال: نعم، فقلت: كيف كان يصنع؟ قال: كان
ص: 170
يدخل(1) فيبدأ فيطلى عانته و ما يليها، ثم يلف ازاره على طرف احليله، و يدعونى فاطلى ساير بدنه، فقلت له يوما من الايام: ان الذى تكرم ان اراه قد رايته، قال: كلا ان النورة سترة.
و منها: المروى عن الصادق (ع): الركبة ليست من العورة.
و قصور السند و الدلالة، مجبورتان بالشهرة العظيمة، و عدم قائل بالفرق بين الطائفة، على ما ادعاه بعض الأجلاء، نعم يرد على المدعى المذكور، ان ادعاء عدم القول بالفصل، حديث الصادق الدال على ان الركبة ليست من العورة، غير وجيه، لما عرفت من نسبة جماعة الى القاضى، القول بان العورة هى ما بين السرة الى الرّكبة، كما نسب ذلك الى الحلبى و السيّد ايضا و هذا القول يقتضى عدم دخولها فيها، و فيه بحث.
و لا يعارض ما اخترناه، النبوى: ان اسفل السّرة و فوق الركبة من العورة، و الآخر الذى رواه بعض العامة على ما قيل، عن النبى (ص)، انه (ص) راه قد كشف عن فخذه، فقال: غطّ فخذك و لا تنظر الى فخذ حى و لا ميت، و الآخر كما قيل: الفخذ عورة، و ما عن الخصال، عن على (ع): ليس للرجل ان يكشف ثيابه عن فخذه، و يجلس بين قوم.
و منها خبر بشير النبال(2) قال: سألت ابا جعفر (ع) عن الحمام، فقال:
تريد الحمام؟ فقلت: نعم، قال فامر باسخان الحمام، ثم دخل فاتزر بازار، و غطى ركبتيه و سرّته، ثم امر صاحب الحمام فطلى ما كان خارجا من الازار، قال:
اخرج عنى، ثم طلى هو ما تحته بيده، ثم قال: هكذا فافعل.
و ما روى عن القرب، عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر، عن ابيه (ع)، انه قال: اذا زوج الرّجل امته، فلا ينظرن الى عورتها، و العورة ما بين السرة الى الركبة.
ص: 171
و ما عن محمد(1) بن على بن محبوب، عن احمد عن البرقى، عن النوفلى، عن السّكونى، عن جعفر، عن ابيه: ان النبى (ص) قال: كشف السّرة و الفخذ و الرّكبة فى المسجد، من العورة.
لا متنيّة ما اخترناه سندا، لكونه منجبرا بالاجماعات المحكية، و الشهرة المحققة، و وضوح الدلالة، و موافقا للاصول المرعية، و كون المعارض موافقا للمشهور بين العامة، لأن القول بان العورة هى ما بين السرة الى الركبة، منسوب الى مالك و الشافعى و احمد(2) فى احدى الروايتين، و اصحاب الراى، و اكثر الفقهاء، و مخالفا للاصول، مع ضعف الدلالة الى غير ذلك من المرجحات الفقهية.
و كذا لا يعارضه تصريح ابن الاثير فى نهايته، كما نسب بان معنى العورة فى الرجل ما بين السرة و الركبة، و ذلك واضح، على انه معارض بظهور عبارة المصباح المنير و القاموس و الصراح و مجمع البحرين، فيما ذكرناه على ما قيل، قال فى المدارك: الاصح الأول، اى القول بان العورة القضيب و الانثيان و الدبر، اقتصارا فيما خالف الاصل على موضع الوفاق، انتهى(3)، و بمثل ما ذكر استدل غيره ايضا، كما عن المنتهى و الذخيرة و المفاتيح و مجمع الفائدة.
أقول: يمكن تقرير ذلك الدليل على وجوه:
الأول: انا مامورون بستر العورة، و كلنا متفقون بان القضيب و الانثيين و الدبر من العورة، و المخالف يدعى الزيادة، و يقول ان بين السرة و
ص: 172
الركبة من الفخذ و غيره ايضا منها، و الاصل براءة الذمة عن تلك الزيادة المدعاة، و فيه ان اصالة البراءة لا تجدى فى المقام، بل لا بد من التمسك باصالة الاحتياط، لأن معناها مشتبه، انت تقول: بانها: القضيب و الانثيان و الدبر، و هو يقول: لا بل هى من السرة الى الركبة، فالتكليف متعلق بالحمل و مبرهن فى الاصول ان التكليف اذا تعلق بلفظ مجمل، وجب الاتيان بجميع محتملاته ان امكن.
و بطور آخر، للعورة معنى واحد، انت قائل بان معناها ما اقول، و هو يقول لا بل معناها ما أقول، و حينئذ وجب الاتيان بجميع المحتملات، نعم لو كانت موضوعة للقدر المشترك بين القضيب و الانثيين و الدبر، و بين السرة و الركبة، لكان المذكور وجيها، فافهم.
الثانى: ان كلّ ما نقول بوجوب ستره انت قائل به، و انت تدعى الزيادة و الاصل عدمها، و فيه: ان ما نقول بوجوب ستره، انما انا قائل به للادلة الدالة عليه، و الأدلة غير مقصورة بما ذكرته، بل لها دلالة بما نقول به ايضا، و حينئذ لا يجوز ان يقال: الاصل عدم دلالتها على ما ذكرته، بل لا بد من الرجوع الى الادلة، و النظر فى كيفية دلالتها.
الثالث: ان الاجماع واقع على وجوب ستر القبل و الدّبر، و اما ستر ما زاد فمشكوك فيه، و الاصل عدمه، و فيه انا لا نسلم وقوع الاجماع على ذلك، بل هو واقع على وجوب ستر العورة، و حينئذ لا يجرى الاصل، فتدبر فى الفرق بين الوجوه المذكورة، كى لا تغفل.
و استدل للمطلوب ايضا، بان لفظ العورة حقيقة فى الثلاثة المتقدم اليها الاشارة بلا اشكال، و لا دليل على كونها حقيقه فى غيرها ايضا، و الاصل يقتضى ان يكون مجازا، لما تقرر فى الاصول من كونه خيرا من الاشتراك، و هذا الدليل
ص: 173
محكى عن التحرير، و فيه نظر، لأن المخالف غير مدع للاشتراك، حتى يقال: ان المجاز اولى منه، بل تكونا متفقين بان لها معنى واحدا، و لكن وقع الاشتباه فى معناها، انت تدعى شيئا و هو شىء آخر، غاية الأمر ان ما تدعيه بكونه معنى لها، جزء لما يدعيه الخصم، و اين هذا من الاشتراك؟ و كيف كان، فالمسئلة بحمد الله، واضحة السبيل مكشوفة الدليل.
و هو ضعيف جدا، لما عرفت من الادلة.
لبعض الأخبار المتقدمة، المنجبرة بالتسامح فى ادلة السنن و الكراهة، و بالشهرة المحكية، بل عن الخلاف عليه الاجماع، كما عن ظاهر الغنية.
قال بعض الافاضل(1) فى تعليقته على الكتاب(2) بعد عنوانه قول المصنف: و عورة الرجل قبله و دبره، ما صورته: المراد بالقبل القضيب و الانثيان، و الحاق العجان بهما فى وجوب الستر اولى، انتهى، فتدبر فيه.
و حيث عرفت ان عورة الرجل انما هو قبله و دبره، و عرفت ايضا فى اول بحث اللباس وجوب ستر العورة، فلذا قال المصنف: (و يجب) على الرجل (سترهما) لا مطلقا بل (مع القدرة) عليه، لعدم توجه التكليف مع انتفائها، و هل يجوز الاستتار فى الصلوة؟ بكل ما يستر العورة، كالثوب و الحشيش و الورق و الطين، ام يعتبر فى جواز الاستتار بالحشيش و ما بعده فقد الأول؟ ذهب الاكثر، منهم الشيخ و ابن ادريس و الفاضلان فى البيان، الى التخيير بين الاربعة المذكورة، و عدم كون شىء منها مقيدا بحال الضرورة، كذا نقله فى البحار.
و اليه يشير ظاهر عبارة المصنف رحمه اللّه هنا، حيث قال: (و لو بالورق و
ص: 174
الطين) و الى الثانى ذهب رحمه اللّه فى القواعد، قال الشارح المحقق: و هو قول الاكثر، اما صريحا او ظاهرا، كالشيخ و ابن ادريس و المحقق و المصنف فى اكثر كتبه، و الشهيد فى البيان، و قال آخر: الذى فى البيان انما يساعد ما نقله فى الذخيرة، و عبارة العلامة فى الارشاد ظاهرة فى التخيير مطلقا، و هو ظاهر الرياض، و ظاهر عبارتى التحرير و المنتهى، التخيير فى الاربعة المذكوره، كما نقله فى البحار، انتهى ملحضا.
و هنا قولان آخران: احدهما: ما اختاره الشهيد فى الدروس، و هو الستر بالثوب، فان فقد فالتخيير بين الحشيش و الورق، فان فقد فالطين، و يظهر من المدارك الميل اليه، و ثانيهما: ما اختاره فى الذكرى، و هو التخيير بين الثلاثة الأول، فان تعذر فبالطين، و اليه ذهب الشارح المحقق رحمه الله، و قواه فى البحار، لكنهما قالا بالتخيير مطلقا فى غير الصلوة.
للاول: حصول المقصود من الستر، و ما رواه التهذيب فى الزيادات، فى الصحيح عن على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن الرّجل قطع عليه او غرق متاعه، فبقى عريانا و حضرت الصلوة، يصلى؟ قال: ان اصاب حشيشا يستر به عورته، اتم صلوته بالركوع و السجود، و ان لم يصب شيئا يستر به عورته، اومى و هو قائم، و قول الباقر (ع) فى رواية رافعى: النورة سترة، و رد الشارح المحقق، الأول بالمنع من حصول المقصود بالستر، و فيه نظر، لأن المنع هنا لا يجدى، لأن قول المستدل موافق للاطلاق الأمر بالصلوة، و المدعى لتقييده لا بد له من اثباته، و الاصل فيه مع المستدل، و الثانى(1) بعدم دلالته على التخيير، و الثالث بان ما دل على كون النورة سترة، روايتان و سندهما غير نقى، فالتعويل عليهما مشكل، و فيه نظر، لأن الرواية الدالة على كونها ساترة، مشهورة بين الاصحاب على الظاهر، و هو ايضا صرح بذلك فيما بعد كلامه ذلك بقريب،
ص: 175
فلا يضرّ فيها ضعف السّند.
و للثانى: اما على تقديم الثوب، فبعدم فهم غيره من الساتر عند الاطلاق، و برواية على بن جعفر، و بقول الباقر (ع): ادنى ما يصلى فيه المراة درع و ملحفة، و مقتضاه وجوب الثياب للمراة، فيثبت الحكم فى الرّجل ايضا، للاجماع على عدم الفرق، و اما على التخيير بين الباقى، عند تعذر الثوب، فحصول مقصود الستّر به.
ورد الأول: بان القدر الذى يثبت بالاجماع و الأخبار، وجوب الستر بحيث لا ينظر اليه، و امّا دلالتها على السّتر بالثياب فغير واضح، و الحكم بالستر بالحشيش فى الرواية تابع للسّؤال و هو تعذر الثوب، و ذلك لا يقتضى عدم جواز الستر به عند امكان الثوب، و قول الباقر (ع)، منزل على الغالب المتعارف، فالاستدلال به مشكل.
و الثانى: بالمنع المتقدم، و قد عرفت ما فيه.
و للثالث: اما بالنسبة الى تقديم الثوب فيما عرفت انفا، و اما بالنسبة الى تقديم الورق و الحشيش على الطين، فبعد فهم الطين من الساتر على الاطلاق، كما عن الذكرى، و بقوله تعالى: «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» و الطين لا يعد زينة، و فيه ما مضى و ما ياتى.
و للرابع: اما بالنسبة الى التخيير بين الثياب و غيرها، فبرواية على بن جعفر (ع)، و اما بالنسبة الى تقديمها على الطين، فبعدم فهمه من الساتر عند الاطلاق، و بقوله تعالى: «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» فان ذلك لا يعد زينة.
ورد الأول: بان الرواية مختصه بصورة تعذر الثياب، فلا دلالة فيها على التخيير بين الثياب و غيرها.
و الثانى: بانه لو تم، اقتضى تقديم الثياب على الورق و الحشيش، و على ان الاستدلال بالآية مشكل، للاختلاف فى تفسيرها فى الأخبار، و اقوال المفسرين، مع ان الزينة غير مراده بظاهرها، للاجماع على الاجتزاء بالخرق و
ص: 176
شبهها، مما يعدّ زينة، و لو تم ما نقل بعضهم، من اجماع المفسرين على ان المراد بالزينة ما يوارى العورة، لاشترك الكل فى ذلك.
أقول: الحق هو ما اختاره الماتن هنا، للاطلاق الآمر بالصلوة، السالم عما يصلح للمعارضة، فان قلت: الاطلاق مقيد بالساتر، و المتبادر منه هو الثوب، قلت: ذلك وجيه لو كانت العبارة المقيدة للاطلاق، نحو هذه العبارة لا بد ان تستر عورتك بساتر، و لكن لم نجد حديثا ورد بهذا المضمون، و غير ذلك المضمون لا يجرى فيه التبادر، انصف من نفسك، هل ترى الثياب متبادرا من قول ابى الحسن الماضى (ع): العورة عورتان القبل و الدّبر، و الدبر مستور بالاليين، فاذا سترت القضيب و البيضتين فقد سترت العورة؟ كلا ثم كلا، ليس الأمر كذلك عند من له طبع سليم و وجدان مستقيم، بل الاطلاق ورد فى المقام فى بيان حكم آخر، فلا تبادر و لا عموم فيه يظهر.
نعم يمكن القول: بان المتبادر من العبارة كون الستر تاما، بحيث لا ينظر الى العورة كما عرفت، و اين هذا من ذلك؟ فليتأمل فى المقام، فانه من مزال الاقدام، و الخبر: النورة سترة، المنجبر بشهرته بين الاصحاب، على الظاهر المصرح به فى عبائر بعض، و التقريب واضح.
قال الشارح المحقق: و لو قيل بالتخيير فى الستر بين الثياب و غيرها فى غير حال الصلوة، لعدم انتهاض الادلة على اكثر من ذلك، و اما فى حال الصلوة فيجب تقديم ما عدا الطين عليه، تمسكا بالاصل، و بما دل على الانتقال الى الايماء من غير اعتبار الطين، لم يكن بعيدا انتهى، و تبعه صاحب البحار، و فيه ما ترى، لأن قوله (ع): و ان لم يصب شيئا... الى آخره، يفهم منه انه اذا اصاب شيئا اى شىء يكون، يستر به العورة، و لا يصلى قائما و لو كان طينا، و الظاهر ان ذكر الحشيش انما يكون من باب المثال، و لذا لم يقل (ع): و ان لم يصب حشيشا يستر به عورته و هو قائم، و ذلك واضح، و امر الاحتياط واضح، فلا يترك قول الدروس من اهله.
ص: 177
و انما الاشكال فى وجوب ستر الحجم صرح الفاضلان بالعدم، و عليه اكثر المتأخرين، على الظاهر المصرح به فى عبائر بعض، بل مشهور الاصحاب، كما صرح آخر، و ذهب بعضهم الى وجوبه، و الأول اظهر، لخبر: النورة سترة، المشهور بينهم، المعتضد بالاصل و الاطلاقات، سيما اطلاق صحيحة محمّد بن مسلم، المتقدمة فى عنوان قول المصنف: و الواحد الرقيق الغير الحاكى، الدالة باطلاقها على عدم اللباس فى الصلوة فى الثوب الواحد الكثيف و لو كان حاكيا للحجم، هذا مضافا الى صدق الستر عرفا، و يرشدك الى ايضاحه بدن المراة المستورة بالجلباب مثلا، و بدنها عورة بالضرورة، فافهم.
فبما ذكرنا ظهر عدم وجاهة الاستدلال على وجوب ستر الحجم بالتبادر، فتدبر.
و روى التهذيب فى الباب، عن احمد بن حماد، رفعه الى ابى عبد الله عليه السلام قال: لا تصل فيما شفّ او صفّ، يعنى الثوب المصقل.
و روى فى الكافى فى الباب، عن محمد بن يحيى رفعه قال: قال ابو عبد الله (ع): لا تصل فيما شف او صفّ، يعنى الثوب الثقيل، هذا ما كتب فى متنه من النسختين اللتين عندى، و كتب فى حاشية احدهما بدل صف او وصف بالواوين، و فى الاخرى بدل او صف بالواو الواحدة، قال فى الذكرى: معنى شف لاحت منه البشرة، و معنى وصف حكى الحجم، قال: و فى خط الشيخ ابى: فى التهذيب او صف بواو واحدة، و المعروف بواوين من الوصف، انتهى.
قيل: لا يخفى ان الرواية التى وصلت الينا فى كتب المحدثين، نقلا عن التهذيب، و فى كتاب التهذيب الذى بايدينا، انما هى بواو واحدة، و اما الذى فى الوافى فانما هى بالشين كما عرفت، و على كلا الرّوايتين، فالراوى قد فسّره بالصيقل، فما ذكره الذكرى، لا اعرف له وجها، انتهى.
ص: 178
و بالجملة: مقتضى الاطلاقات عدم وجوب ستر الحجم، و اما رواية احمد بن حماد، فلا تصلح للمعارضة، لضعف سندها و عدم دلالتها، و ما ذكره فى الذكرى، فيه ما عرفت، و اما من استدل لقول الاكثر، بكون جسد المراة عورة، فلو وجب ستر الحجم، وجب ستره فيها ايضا، و التالى باطل فالمقدم مثله، فلعلّ له وجها، فافهم، و امر الاحتياط بحمد اللّه واضح.
قال بعض المحققين، بعد ان قال بوجوب ستر الحجم: و اعلم ان المراد من ستر الحجم، ان لا يحكى الساتر اياه من ورائه، و المراد من عدم ستره، ان يحكيه الساتر بحيث يرى نفس الحجم و شبحه، كما هو مقتضى الادلة، فيحقق الستر بالطين و امثاله ايضا، بل ربما كان الساتر الثوب الثخين غاية الثخن، وضع ذلك من جهة ضيقه غاية، و الصاقة بنفس الذكر و الخصيتين يرى جثتهما المستورة بذلك الثوب، و لا شك فى صدق ستر الحجم على ان جسد المراة و جثتهما يظهر مع ثيابها و تحت ازرارها، مع ان ستر جسدها واجب فى الصلوة و عن غير المحرم مطلقا، فلو كان هذا عدم ستر الحجم، لزم تكليف ما لا يطاق، فى الأمر بستر جسدها، و المجال فى امثالها الا فى مثل دخولها فى حجرة ساترة، و معلوم ان سترة الحجرة غير معتبر جزما.
و مما ذكر ظهر فساد الاستدلال على عدم وجوب ستر الحجم، و ما ورد فى بعض الأخبار ان النورة ستر للخصيتين و الذكر، كما فعله بعضهم، و كذا حكمه بالاجزاء بستر اللون، عند ما كان الساتر هو الطين للتعذر انتهى، و لا يخفى ان ذلك التفصيل خلاف ما يظهر من عباراتهم، فافهم.
اذا كان الستر بالطين، فعن الشهيد التصريح باعتبار اللون و الحجم معا، فان تعذر فاللون خاصة، قال: و فى الايماء نظر، و عن الشارح الفاضل انه تبعه، قال الشارح المحقق: و لم اطلع على تصريح لمن تقدمهما ههنا انتهى، و قول الصادق (ع)، النورة سترة، يدل على جواز ستر اللون فيه، و امر الاحتياط واضح.
ص: 179
لأن الظاهر من الأدلة تعيّن الايماء، عند تعذّر الثياب و ما يجرى مجراه كالحشيش، انتهى.
أقول: تحقيق المقام، يستدعى نقل الأخبار المتعلقة بالمسئلة، و لو فى الجملة، ثم القول فى الترجيح، و من الأخبار المتعلقة بالباب، صحيحة على بن جعفر المتقدمة، قال الصدوق فى الفقيه فى الباب: و روى فى الرّجل يخرج عريانا فتدركه الصلوة، انه يصلى عريانا قائما ان لم يره احد، فان رآه احد صلى جالسا.
و منها: ما رواه الكافى فى باب الصلوة فى ثوب واحد، فى الحسن كالصحيح لابراهيم بن هاشم، عن زرارة قال: قلت لأبى جعفر (ع)، رجل خرج من سفينة عريانا، او سلب ثيابه، و لم يجد شيئا يصلى، فيه فقال: يصلى ايماء، و ان كانت امراة جعلت يديها على فرجها، و ان كان رجلا وضع يده على سوئته، ثم يجلسان فيوميان ايماء، و لا يسجدان و لا يركعان، فيبدو ما خلفهما، تكون صلوتهما ايماء برؤسهما، قال: و ان كان فى ماء او بحر لجى لم يسجدا عليه، و موضوع عنهما التوجه فيه.(1) يوميان فى ذلك ايماء، رفعهما توجه و وضعهما.
و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب صلوة الخوف و المطاردة، فى القوى بل الموثق، عن سماعة بن مهران، عن ابى عبد الله (ع) انه قال: و العريان يصلى قاعدا و يضع يده على عورته، و ان كانت امراة وضعت يدها على فرجها، ثم يوميان ايماء، و يكون سجودهما اخفض من ركوعهما، و لا يركعان و لا يسجد ان فيبدو ما خلفهما، و لكن ايماء برؤسها و اذا كانوا جماعة صلوا وحدانا، و فى الماء و الطين يكون الصلوة بالايماء، و الركوع اخفض من السّجود.
و منها: ما رواه التهذيب فى الزيادات، فى الصحيح عن عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن قوم صلوا جماعة و هم عراة، قال:
يتقدمهم الامام بركبتيه، و يصلى بهم جلوسا و هو جالس، قيل: و الحكم بالجلوس
ص: 180
فى الجماعة يقتضى وجوبه مطلقا، اذ لا يعقل ترك الركن لتحصيل فضيلة.
و منها: ما رواه فى الزيادات، فى الموثق عن اسحق بن عمار قال: قلت لأبى عبد الله (ع): قوم قطع عليهم الطريق و اخذت ثيابهم، فبقوا عراة و حضرت الصلوة، كيف يصنعون؟ فقال: يتقدمهم اما مهم فيجلس و يجلسون خلفه، فيومى ايماء بالركوع و السجود، و هم يركعون و يسجدون خلفه على وجوههم.
و منها: ما رواه فى الزيادات، فى الصحيح عن ابن مسكان، عن بعض اصحابه، عن ابى عبد الله (ع): فى الرجل يخرج عريانا فتدركه الصلوة، قال:
يصلى عريانا قائما ان لم يره احد، و ان راه احد صلى جالسا.
و منها: ما رواه فى الزيادات، عن ايوب بن نوح، عن بعض اصحابه، عن ابى عبد الله (ع) قال: العادى الذى ليس له ثوب، اذ اوجد حفرة دخلها و يسجد فيها و يركع.
و منها: ما رواه التهذيب فى الباب، عن سماعة قال: سألته عن رجل يكون فى فلاة من الأرض، ليس عليه الا ثوب واحد، و اجنب فيه و ليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال: يتيمّم و يصلى عريانا قاعدا و يومى.
و منها: ما رواه ايضا فى الباب، باسناد فيه محمد بن عبد الحميد، عن محمد بن على الحلبى، عن ابى عبد الله (ع): فى رجل اصابته جنابة و هو بالفلاة، فليس عليه الاثوب واحد، فاصاب ثوبه منى، قال: يتيمم و يطرح ثوبه، و يجلس مجتمعا، و يصلى و يومى ايماء.
و منها: ما رواه فى البحار، عن نوادر الراوندى، بانه روى باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه (ع) قال: قال على (ع) فى العريان: ان رآه الناس صلى قاعدا و ان لم يره(1).
و منها: ما رواه ايضا عن قرب الاسناد، عن السندى بن محمد، عن ابى البخترى، عن الصادق عليهما السلام قال: من غرقت ثيابه، فلا ينبغى له ان يصلى حتى يخاف ذهاب الوقت، يبتغى ثيابا، فان لم يجد صلى عريانا جالسا يومى ايماء، و يجعل سجوده اخفض من ركوعه فان كانوا جماعة تباعدوا فى المجالس
ص: 181
ثم صلوا كذلك فرادى.
و منها: ما رواه فى البحار عن المحاسن،(1) عن ابيه، عن ابن ابى عمير، عن محمد بن ابى حمزة، عن عبد الله بن مسكان، عن ابى جعفر (ع)، فى رجل عريان ليس معه ثوب، قال: اذا كان حيث لا يراه احد فليصل قائما.
اذا عرفت ذلك، فاعلم ان ما ذكره الشارح المحقق مشكل، كيف لا، و لو صح ذلك لوجب الحكم بتعين الايماء عند عدم وجود الثياب مطلقا، و لو وجدت قطعة من اديم و امثاله مما لم يسم ثوبا، و ذلك خلاف ما اقربه، فالحق هو القول بوجوب الركوع و السجود، و عدم جواز الايماء مع وجود الطين، كما لا يجوز عند وجود الحشيش و ما يجرى مجراه، لصحيحة على بن جعفر، المؤيدة بحسنة زرارة المتقدمتين، لأن النكرة الواقعة فى سياق النفى تفيد العموم.
لا يقال: ان موثقه عمار المتقدمة، تدل على الايماء عند فقد الثوب، لأنا نقول: ذلك الاطلاق محمول على الغالب، لعدم تاتى الستر بالطين فى الغالب، لأنه حال الرّطوبة يخرب بالحركة للركوع و السجود، و كذا اذا قلت الرطوبة حتى يبس فى حال الصلوة، و ذلك واضح، هذا مضافا الى ان تلك الموثقة مطلقة، و صحيحة على بن جعفر مقيدة، و حمل الأول على الثانى متعارف شايع، و لذا لا تامل فى صحة السّتر بمثل الاديم مما لا يعد ثوبا، مع ان الموثقة دالة على الانتقال الى الايماء، مع تعذر الثوب، فليحمل المطلق على المقيد، و ليحكم بوجوب الركوع و السّجود، فى صورة كون الساتر هو الاديم او الحشيش او الطين
فعن الذكرى انه قال: و فى سقوط الايماء نظر، من حيث اطلاق الستر عليه، و من اباء العرف انتهى، و الاقرب عندى، وفاقا لبعض المحققين، هو الصلوة قائما بركوع و سجود، لحصول الستر الذى هو شرط فى صحة الصلوة
ص: 182
بالطين، كما عرفت سابقا، و قول الذكرى من اباء العرف لا معنى له، بعد الادلة التى اقمناها سابقا.
للاول: رواية ايوب بن نوح المتقدمة، و ما استند اليه التحرير، من حصول الستر عن المشاهدة، و لم يثبت شرطيه التصاقه بالبدن، و يرد على الأول، انها ضعيفة السند، فلا يصح الاستناد اليها، مع ان ظاهرها الصلوة فى الحفيرة مع تعذر الثوب، و ان وجد ساترا من اديم و حشيش و نحوهما، و الحال ان صحيحة على بن جعفر المتقدمة، تدل على انه ينتقل فى هذه الصورة الى الستر بالحشيش و نحوه و ظاهر الاصحاب ايضا، جعل الحفيرة مرتبة متاخرة عن الحشيش و نحوه، الا يحمل اطلاق ذلك الخبر بما مر، فتدبر.
و على الثانى، بان المتبادر من الأخبار و غيرها، ان ستر العورة الواجب فى الصلوة، انما هو عبارة عن وضع شىء عليها بحيث يحول بين الناظر اليها و رؤيتها، و يرشدك الى ذلك اختلافهم فى ستر الحجم، بعد اتفاقهم على وجوب ستر اللون، لا انه عبارة عن وضع الانسان نفسه فى مكان متسع لا يراه احد، و ان كانت عورته مكشوفة، و الا لصحت صلوة من صلى عاريا فى دار مغلقة عليه، او بيت مظلم لا يراه احد، و الظاهر انه لا خلاف فى عدم جواز ذلك، كما صرح عليه بعض، و لا ريب ان الحفيرة المشتملة على الخلاء، بحيث يركع و يسجد و يجلس فيها، من قبيل ما ذكرناه، و ان تفاوت الاتساع قلة و كثرة، نعم لو كانت الحفيرة صغيرة على وجه يلتصق بالبدن، بحيث يقف فيها و يومى ايماء، امكن ستر العورة بذلك، و لعل ذلك هو مراد الشيخ، حيث لم يذكر الركوع و السجود فى الحفيرة، و عن ابن فهد فى كتاب الموجز، انه نقل قولا، بان الصلوة فى الحفيرة بالايماء، و هذا القول هو الانسب بما ذكرناه، و لعل قائله نظر الى ما قلناه.
قال التحرير: فاقد الستر، لو وجد حفيرة دخلها و صلّى قائما و ركع و
ص: 183
سجد، و قال الشيخ: يدخل و يصل، و لم يصرح بالركوع و السجود، و هو مبنى على قوله بوجوب القيام، مع امن المطلع، و منع ذلك جمع من الجمهور، ممن اوجب الصلوة جالسا، لأن الساتر لا يلصق بجلد المصلى فجرى مجرى عدمه، لنا ان الستر يحصل عن المشاهدة، و لا نسلم ان التصاق الساتر شرط، و يؤيد ذلك ما رواه ايوب بن نوح، ثم اورد الرّواية و قد عرفت ما فيه.
قال(1) بعض شراح الكتاب، بعد عنوانه قول المصنف: و الطين، ما صورته: و انما يجزى الستر به، عند فقد الثوب و نحوه من الورق و الحشيش و مع فقده فالماء الكدر، ثم الحفيرة الضيقة، و الفسطاط الصغير، لذا لم يمكن لبسه، يركع فيهما و يسجد، لورود الرّواية فى الحفيرة عن الصّادق (ع)، ثم الحب و التابوت، و يومى فيهما للركوع و السجود، انتهى.
و يظهر منه كون الفسطاط الصغير، مثل الحفيرة فى وجوب الستر به، و الصلوة مع ركوع و سجود، و يظهر ما فيه، فيما تقدم فى الحفيرة، بل الأمر فيه اوضح ثم اوضح.
و لقائل ان يقول: مقتضى الاصل المستفاد من الأخبار و غيره، هو وجوب الاتيان بالركوع و السجود مطلقا، و لو كان المصلى عاريا، بحيث يرى عورته غيره، خرج من ذلك ما خرج بالدليل، و لا دليل على خروج ما نحن فيه، و هو الصلوة فى الحفيرة و الفسطاط الصغير عاريا عنه، فيبقى ما دل على وجوبهما بالنسبة الى المذكور، سليما عن المعارض، فلا بد من الاتيان بهما، فليتأمل.
و الانصاف ان المسئلة لا تخلو من اشكال، لكنها قليلة الجدوى، لقلة الحاجة.
ذهب جماعة منهم الشهيدان الى الأول، بل نسبه ثانيهما الى المشهور على
ص: 184
ما يحكى، و اخرى منهم المحقق فى التحرير و المدارك و الشارح المحقق و البحار الى الثانى، محتجين بان فيه ضرارا و مشقه و هما منفيان شرعا، و بان الادلة الدالة على وجوب الستر للصلوة و اشتراطها به، غير شامل لمحل النزاع، هذا مضافا الى عدم تبادرهما من اطلاق الستر، قيل الستر بالنزول فى الماء و الوحل، لا يكاد يتيسر معه السجود مستجمعا لشرايط صحته، مثل كونه على ما يصح السجود عليه مع الاستقرار، و عدم ارتفاع المسجد عن المقام ازيد من قدر لبنه، و كذا عدم انخفاضه عنه كذلك، الى غير ذلك، مع انه ورد ان للماء اهلا.
فالقائلون بالوجوب اختلفوا، فعن بعض ان الوحل مقدم على الماء، و ان لم يستر الحجم، لأنه ادخل فى مسمى السّاتر، و اشبهه بالثوب، و عن الرياض انه استظهره، قال بعض بعد نقل القول بتقديم الوحل مع دليله: و هو كذلك، الا ان عدم تاتى واجبات السّجود فيه ازيد، و عن آخر، بتقديمهما على الحفيرة و عن آخر، بتقديم الحفيرة على الماء الكدر، و تاخير الطين عنه، و عن آخر، بتقديم الماء الكدر على الحفيرة مطلقا، و عن ابن فهد فى موجزه: و لو وجد الجميع قدم الحشيش، و ورق الشجر، ثم الحفيرة، ثم الماء الكدر، ثم الطين و يومى فى الاخيرين.
قال الشارح الفاضل فى الرياض: و التحقيق ان السجود المامور به فى الحفيرة، ان كان هو المعهود اختيارا، فهو دال على سعة الحفيرة، و حينئذ فيبعد تقديمها عليهما مع امكان استيفاء الافعال بهما، فانها حينئذ الصق بالساتر، و الحفيرة اشبه بالبيت الضيق، الذى لا يعدّ ساترا، فتقديمها عليه اوضح، بل الظاهر ان الوحل مقدم عليها مطلقا، لعدم منافاته لاستيفاء الافعال، و اما الماء الكدر فان تمكن من السجود، ففيه ما مر، و ان تمكن فى الماء خاصة، فهو اولى بالتقديم، و كذا لو لم يتمكن فيهما، و لو تمكن فى الحفيرة دون
ص: 185
الماء، ففى تقديم ايهما نظر من كون الماء الصق به و ادخل فى الستر و من صدق الستر فى الجملة، و امكان الافعال، و ورود النص على الحفيرة دونه، و الاتفاق على وجوب الاستتار بها دونه، فتقديمها حينئذ اوجه، و لو لم يعتبر فى الصلوة استيفاء الركوع و السّجود، كصلوة الخوف و الجنازة، سقط اعتبار هذا الترجيح، و اولى من الحفيرة الفسطاط الضيق، اذا لم يمكن لبسه.
و قال فى المسالك: قوله: اذا لم يجد ثوبا، سترهما بما وجده و لو بورق الشجر، مفهوم الشرط، توقف الاجزاء بالورق على فقد الثوب، و هو كذلك، و فى حكم الورق الحشيش الّذى يمكن شده على العورة و لو بغيره، و لو تعذر جميع ذلك استتر بالطين الساتر للون و الحجم، فان تعذر فالوحل الساتر للون خاصة ثم بالماء الكدر ان تمكن من استيفاء الافعال فيه، و لو يتمكن و وجد حفيرة يتمكن فيها منه، قدمها عليه، و كذا لو تمكن فيها على الظاهر، و اولى من الحفيرة الفسطاط الضيق الذى لا يمكن لبسه، اما الحب بالمهملة و هو الخابية، و التابوت، فقريبان من الحفيرة، انتهى.
أقول: لا يخفى ان الكلام فى هذه الفروع الخالية عن النصوص مشكل، و الذى ورد فى هذا الباب، صحيحة على بن جعفر المتقدمة، و هى تدل على ان مرتبة الايماء انما هى بعد عدم وجود شىء يستر به عورته، فنقول: ان تمكن للمصلى استيفاء الافعال فى الوحل او الماء الكدر، فالظاهر التخيير بينهما، و اشبهية الوحل بالثوب لا يوجب ترجيحه على الماء الكدر، لكون ذلك وجها اعتباريا، فافهم.
كما صرح به الاصحاب على ما حكى عنهم، و لو أعير وجب القبول، لحصول المكنة التى هى المدار فى الوجوب و عدمه، و الظاهر انه لا خلاف فى ذلك، كما صرح به غير واحد من الاصحاب، و لو وهب له، فعن الشيخ وجوب القبول و تبعه جماعة من المتأخرين، و عن التذكرة انه ضعفه لاستلزامه المنة، و رده بعض بالضعف
ص: 186
لحصول المكنة كما تقدم، و هو الحق فيجب القبول.
قد يقال و الظاهر ان ما استند اليه فى التذكرة، قد تبع فيه العامة، كما يشعر به كلامه فى المنتهى، حيث قال: اما لو وجد من يهبه الثوب، قال الشيخ:
يجب عليه القبول، خلافا لبعض الجمهور، و قول الشيخ رحمه الله جيد، لأنه متمكن، فيجب كما يجب قبول العارية، احتج المخالف بانه تلحقه المنة، و جوابه العار الذى يلحقه بسبب انكشاف عورته اعظم من المنة، انتهى، و هو جيّد.
و لو توقف على فعل المنافى كالفعل الكثير او الاستدبار، بطلت صلوته ان كان الوقت متسعا و لو بركعة، و الا استمر، و يحتمل وجوب الاستمرار مطلقا، تمسّكا بمقتضى الاصل، و عموم قوله تعالى: «وَ لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ».
و قال بعض المحققين: اذا لم يجد الساتر الا فى اثناء الصلوة، و كان الوقت متسعا بقدر ركعة، و توقف ستره على الفعل المنافى كفعل الكثير و نحوه، فالاقوى قطع الصلوة و الاتيان بها مستجمعة لشرايط صحتها، لعدم صدق الامتثال بالصلوة عاريا حينئذ، لأن الضرورة تتقدر بقدرها، و لشموم العمومات مع التمكن من السّاتر، و احتمل بعض عدمه، للنهى عن ابطال الاعمال، و لا يخفى ضعفه، لأن شمول النهى لمحل النزاع محل نظر، و على تقدير الشمول نقول: انه مخصّص بالادلة على وجوب الستر، لاجل الصلوة المقتضية لبطلانها مع عدم الستر، فتامل جدا.
و اما لو كان الوقت ضيقا و الحال هذه، فلا شك فى وجوب الاستمرار و اتمام الصلوة عاريا، و لو لم يتوقف على المنافى وجب الستر فى وقت الصلوة، و قال آخر:
لو وجد الساتر فى اثناء الصلوة، فان امكن الستر به غير مناف وجب، و الا فهل يجب قطع الصلوة مع سعة الوقت و الصلوة فى الساتر، او يستمر؟ وجهان:
للثانى منهما، انه دخل دخولا مشروعا، و الابطال يحتاج الى دليل، و للاول:
ص: 187
ان الصلوة عاريا انما جازت لضرورة فقد الساتر، و بوجوده يرتفع العذر و تزول الضرورة، و المسئلة لعدم النص، غير خالية عن شوب الاشكال، و الاحتياط باتمام الصلوة ثم الاعادة فى السّاتر، لازم على كل حال، و انما لو كان الوقت بعد القطع يضيق و لو عن ركعة، فظاهرهم انه لا اشكال فى وجوب الاستمرار، و الظاهر انه كذلك، انتهى.
أقول: لا اشكال فى وجوب الاتمام فى الضيق مع الستر، ان لم يستلزم المنافى، و عدمه ان استلزامه، و اما مع وسعة الوقت، فلعلّ القول بالاعادة مطلقا لا يخلو عن رجحان مّا، لما ذكره بعض المحققين، الذى نقلنا كلامه، بعد نقل كلام المدارك، و الاحتياط لا يترك فى المقام البتة.
قال بعض: و الظاهر ان الاولى ان يستر القبل، لرواية ابى يحيى السابقة، و ان كان خنثى، انتهى، و لعلّ وجه الاولوية، يظهر من حسنة زرارة المتقدمة ايضا، بل لعلّه اظهر فى الدلالة من رواية ابى يحيى، فافهم.
قال الشارح المحقق: و الخنثى المشكل ان امكنه ستر القبلين، قدم ذلك على ستر الدبر، و الا فالذى قربه الشهيد فى الذكرى، وجوب ستر الذكر لبروزه، و فيه اشكال، و قال بعض العامة، يستر ما ليس للمطلع، فان كان اى المطلع رجلا ستر آلة النساء، و ان كان امراة ستر آلة الرجل، و لا دليل عليه، انتهى.
و لا يراعى من تحت، فلو صلى على طرف سطح، بحيث ترى عورته من تحت، فاشكال ينشاء من ان وجوب الستر انما يراعى من الاماكن التى جرت العادة بالنظر اليها، و من ان الستر من تحت انما يغتفر اذا كان الصلوة على وجه الارض، كما هو الغالب، و لعل وجوب الستر هو الاوفق، لأن اغتفاره فى المواضع التى جرت العادة بعدم الرؤية فيها، لا يوجب اغتفاره فيما يحصل فيه
ص: 188
الرؤية، فليتأمل، و كيف كان فالاحتياط مطلوب على كل حال.
و صلى عاريا، للنهى عن الصلوة فى هذه الاشياء، و هو جيّد بالنسبة الى ما عدا الثوب المغصوب، لوجوب الأخبار التى ادعوها، و اما فى المغصوب فسياتى تحقيق الكلام فيه ان شاء اللّه تعالى، و اما فى الثوب النجس، فتبنى على ما سبق من الخلاف فى المسئلة فى كتاب الطهارة، من جواز الصلوة فى النجاسة مع تعذر ساتر غير النجس، و الانتقال الى الصلوة عاريا انتهى.
أقول: عرفت وجود الاجماعات المنقولة فى الثوب المغصوب، فحكمه حكمهم.
و لو جاوزها بطلت صلوته، للاخلال بشرطها، و لو جمعه بيده، بحيث يتحقق الستر بالثوب، فلا اشكال فى الصحة كما صرح به جماعة بل الاصحاب على ما قاله بعض، و لو وضع يده عليه او يد غيره، فى موضع يجوز له الوضع، بحيث كان الستر مستندا الى اليد، فقد صرح جمع من الاصحاب بالبطلان، لعدم فهم الستر ببعض اليد من اطلاق الساتر.
قال بعض، و هو فى مقام التعليل لعدم تيسر الواجبات من السجود و غيره: و عسر البقاء على حالة الستر فى الجميع، مع عدم تبادر من الستر الوارد فى الأخبار، و حصول الظن بعدم دخوله فيها، بل القطع لحكم بالصلوة عاريا مع عدم الثوب و الحشيش و غيرهما، يستر له العورة، اذ لا شك فى تحقق الكف له عادة و غالبا، مع انه ربما كان معه زوجته، و تركوا الاستفصال حين الحكم، انتهى.
و قال بعض الأجلاء: و يمكن ان يقال بالصحة، بان عدم فهمه من اطلاق الساتر المامور به، لا ينافى حصول الستر به، و المطلوب هو الستر، و عدم رؤية الناظر، باى نحو اتفق، و يؤيد ما تقدم فى صحيحة زرارة، و ان كانت امراته،
ص: 189
جعلت يدها على فرجها، و ان كان رجلا وضع يده على سوئته، و كيف كان؟ فالاحتياط فى المسئلة لعدم النص مطلقا، انتهى.
قال والدى قدس سره: مقتضى رواية زرارة، تحقق الستر باليد فى الرجال و النساء فى القبل، مع ان تعليل ايماء الصلوة بابداء الدّبر فى الركوع و السجود، يعضده كمال الاعتضاد، فحينئذ لو كان الثوب خرقا، يوضع المصلى يده الى عورته، فاذا تحقق الستر بيده فيصلى قائما متمّا لاركانها، لا ايماء، فحينئذ لا وجه للقائلين بالبطلان، مع وجود مستند الصحيح - الى ان قال - و يؤيد المذهب ايضا، وقوع ستر الاليين للدبر فى الأخبار، حيث قال (ع): و اما الدبر فمستور بالاليين، فاذا سترت القضيب فقد سترت العورة، فان قيل: ان الشرط فى الستر، ان يكون من الخارج لا من نفس العضو، قلنا: اطلاق الستر على نفس العضو، وارد عن مشكوة النبّوة و اهل بيته (ع)، و حصول الستر باليد فى المسئلة المتنازع فيها، مما لا يخفى ايضا، انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
و لا يخفى انه اذا تحقق الستر بيد المصلى، و امكن له الاتيان بالصلوة مع ركوع و سجود مستجمعا الشرايط المقرره، لكان القول بالصحة قويا، لما ذكره والدى قدس سره، و الاحتياط لا يترك فى المقام.
و ذهب بعض على ما يحكى الى اعتباره فيها، للثانى اطلاق اسم الصلوة عليها، و للاول عدم اطلاق الاسم عليها الا مجازا، فلا معنى لحمله على المعنى المجازى الا بالقرينة، قيل: و هو فى مقام التعليل للاول، لعدم تبادرها من لفظ الصلوة، و لرواية يونس بن يعقوب عن الصّادق (ع)، عن الجنازة يصلى عليها على غير وضوء، نعم، انما هو تكبير و تسبيح و تهليل، كما تكبر و تسبح فى بيتك، فان العلة المنصوصة حجة، سيما مع ما فيها من التاكيد و المبالغة فتامل، الى غير ذلك من امثال ذلك فى الأخبار، انتهى، و القول الأول هو الاظهر.
و
ص: 190
هو موضع وفاق بين العلماء، و يدل عليه قوله (ع). فى صحيحة على بن جعفر المتقدمة: ان اصاب حشيشا يستر به عورته اتم صلوته بالرّكوع و السجود و لا ينافى ذلك ما رواه زرارة فى الصحيح، عن ابى جعفر (ع) انه قال: ادنى ما يجزيك ان تصلى فيه، بقدر ما يكون على منكبيك مثل جناحى الخطاف، لأنه محمول على الفضيله و الكمال، جمعا بين الادلة، انتهى، و هو كذلك.
للاول، انه اذا وجب الستر فى المتبوع، فوجوبه فى التابع بطريق اولى، و فيه مناقشة، و للثانى، اطلاق الأمر بالصلوة، و لم اقف للاصحاب نصّا فى المقام، و لعلّ الثانى لا يخلو عن قوة، و الاحتياط واضح.
(فان فقد) جميع ما يمكن السّتر به شرعا، و لو بالشراء و الاستيجار و الاستعارة، لم تسقط عنه الصلوة اجماعا، كما حكاه جماعة و منهم الذكرى و هى، على ما حكى عنهما (صلى عريانا قائما مع امن المطلع و جالسا مع عدمه) على الاشهر الاظهر، بل عليه عامة من تاخر الا من ندر، كصاحب التحرير، فحكم بالتخيير بين القيام و الجلوس مطلقا، اقتفاه الشارح المحقق، خلافا لعلم الهدى، فاطلق الأمر بالجلوس فى المصباح و الجمل، كالصدوق فى الفقيه و المقنع، الشيخين فى المقنعة و التهذيب، فيما حكى عنهم، و للحلى فعكس الأمر و اطلق الأمر بالقيام.
للحلى صحيحة على بن جعفر المتقدمة، و ما رواه التهذيب فى الزيادات فى الصحيح، عن عبد اللّه بن سنان قال: سئل ابو عبد الله (ع)، عن رجل ليس معه الا سراويل، قال: يحل التكة عنه فيطرحها على عاتقه و يصلى، قال: و ان كان معه سيف و ليس معه ثوب، فليتقلد السّيف و يصلى قائما: هذا مضافا الى الاصول الدالة على وجوب القيام.
و للمرتضى صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة، و موثقتا اسحق بن عمار و سماعة بن مهران المتقدمتان، و حسنة زرارة المتقدمة، و رواية قرب الاسناد المتقدمة، و روايتا سماعة و محمد بن على الحلبى المتقدمتان، هذا مضافا الى
ص: 191
الاصول الدالة على لزوم الستر.
و للمحقق الجمع بين الصحاح بالتخيير، و استضعافا لخبر التفصيل.
و للمشهور المنصور، المرسل كالصحيح لابن مسكان المجمع على تصحيح ما يصح عنه، المتقدم نقله عن التهذيب، فاستضعاف التحرير لا وجه له، هذا مضافا الى كونه مذكورا فى الفقيه مرسلا مقطوعا، و الصدوق قائل بصحته، و يكون حجة بينه و بين، و الى كونه منجبرا بالشهرة بين الطائفة، كخبر النوادر المتقدم نقله عن البحار، هذا مع كون صحيحة ابن مسكان مروية فى المحاسن بطريق صحيح، كما نقلنا عن البحار، و ان قال المحقق المجلسى بعد نقله رواية المحاسن و حكمه اياها بالصحة، و مرسلة ابن مسكان عن التهذيب ما صورته: و هذا(1) مرسل، لكن الارسال بعد ابن مسكان، و هو ممن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، و يمكن ان يكونا خبرين، لكن رواية ابن مسكان عن الباقر (ع) ايضا غريب، و لعل فيه ايضا ارسالا، انتهى.
لما ذكره بعض الأجلاء، بان استبعاد رواية ابن مسكان عن ابى جعفر عليه السلام، بعيد، فان الطبقة لا تاباه، و ان كان انما عدّ فى اصحاب الصادق عليه السلام، انتهى.
و بهذه الأخبار، يجمع بين الأخبار المطلقه فى الجلوس و القيام، فيجب تخصيص المطلق بالمقيد، كما هو المعمول بين الطائفة، و بهذا ظهر ضعف مذهب الحلى، هذا مضافا الى ان عبد اللّه بن سنان، روى ما يضاده، كما أوردناه للمرتضى، و هذا مما يوهن التمسك به مع اصوله معارضة فى صورة عدم الامن من المطلع، بما دلّ الاصول الاخرى على لزوم الستر عن الناظر المحترم، و بعد التعارض لا بد من الترجيح، و هو مع الاخيرة للشهرة المرجحة، قاله بعض الافاضل، مع قول الحلى شاذ لم ينقل خلافه جماعة، بل ادعى فى الخلاف
ص: 192
على خلافه، و هو لزوم الجلوس مع عدم الامن من الناظر، اجماع الامامية، قاله بعض الاصحاب.
و مذهب المرتضى هذا مضافا الى ان حسنة زرارة، بعد حمل قوله (ع) فيها: ثم يجلسان، على ما اذا اجتمعا، كما هو ظاهر العبارة، للاستدلال غير جيد، و يؤكد ما ذكرناه، تتمة الرواية، و نحوها موثقه سماعة، مع ان الاصول المدعاة معارضة بالاصول الدالة على وجوب القيام، السليمة عن المعارض فى صورة الامن من المطلع، المعاضدة بالشهرة بين الطائفة.
قال بعض المحققين، بعد استدلاله للمرتضى بصحيحة عبد اللّه بن سنان و موثقة اسحق بن عمار ما صورته: و معلوم ان المشهور قالوا بوجوب الجلوس مع عدم الامن عن المطلع، و القيام مع الامن منه، و الظاهر ان المراد من المرسلة هو هذا المعنى، لا تحقق الرؤية بالفعل، فما فى المدارك من ان الحكم بالجلوس مع الجماعة، يقتضى جوازا مطلقا، اذ لا يعقل ترك الركن لتحصيل الفضيلة خاصة فيه ما فيه، انتهى فافهم.
و ضعف مذهب التحرير لوجود الروايات المعتبرة المفضلة.
قال فى المدارك، بعد نقله مذهب المشهور اولا، و المرتضى ثانيا، و الحلى ثالثا، ما صورته: و المعتمد الأول، لنا ان فيه جمعا بين القولين الاخيرين، ثم قال بعد نقله جملة من الأخبار الدالة على الاقوال، ما صورته: و احتمل المصنف فى التحرير، التخيير بين الامرين استضعافا للرواية المفصلة، و هو حسن، و ان كان المشهور احوط و اولى، انتهى.
قال بعض الأجلاء: و العجب من صاحب المدارك رحمه الله، انه قدم فى صدر المسئلة ما يدل على اختياره القول بالتفصيل، فكيف عدل عنه الى التخيير؟ و جعل القول بالتفصيل طريق الاحتياط، و الكل فى مقام واحد، بلا فاصلة يعتد بها، انتهى، و فيه نظر اصّلنا وجهه على من كان عارفا بمذهبه
ص: 193
فى مطاوى المباحث، فافهم.
و يجب للعارى بمقتضى الأخبار المتقدمة ان (يومى فى الحالين) اى حالتى القيام و القعود (راكعا و ساجدا) على المشهور بين الاصحاب، على الظاهر المصرح به فى عبائر بعض، من غير خلاف يعرف، الا ما حكى عن ابن زهرة، فنص على ان الايماء اذا صلى جالسا، فان صلى قائما ركع و سجد، و نحوه عن المصنّف رحمه اللّه فى نهاية الاحكام، لكن مترددا فى الاخير، مستقرا بالايماء فيه ايضا، و عن الدّيلمى فلم يذكره اصلا، و كذا الشيخ و ابن حمزة و القاضى، فيما حكى عنهم، فلم يذكروه ايضا، الا فى صلوة العراة جماعة، فاوجبوا الايماء على الامام خاصة، و كيف كان فما اختاره المشهور هو المنصور، للاخبار المعتبرة المتقدمة.
قيل: فان تعذر فبالعين كما هو الظاهر من الأخبار، و عليه فقهاؤنا الاخبار، بل بعضها صريح فيه، مثل حسنة زرارة، و ما ورد من جعل السجود اخفض من الركوع.
بحيث لا تبد و العورة، استصحابا للاصل من او لهما، كغيره(1)، وجوب جعل السجود اخفض من الركوع، تحصيلا للافتراق و القرب من الاصل، و احتمل وجوب وضع اليدين و الركبتين و ابهامى الرجلين فى السجود، على الكيفية المعتبرة، كما حكم به ثانيهما فى المسالك، مضافا اليه وجوب ان يرفع شىء ليسجد عليه بجبهته، كما فى المريض.
و نفى سبطه فى المدارك عنه البعد، مستدلا بقوله (ع) فى صحيحة
ص: 194
عبد الرحمن الواردة فى صلوة المريض: و يضع بوجهه فى الفريضة على ما امكنه من شىء، و قال بان ما ذكره الذكرى بتمامه، تقييد للنصّ من غير دليل، و انت خبير بان الحكم بوجوب رفع شىء ليسجد عليه فى المقام، استنادا الى الصحيحة المذكورة، لا يوافقنا فى الاصول، لبطلان القياس فى مذهبنا، فيرد عليه ايضا مثل ما اورده على الشهيد، من انه تقييد للنص بغير دليل، اللّهم إلا ان يتمسك بعدم القول بالفصل.
قال بعض المحققين: و لعله كذلك، لكن الاصحاب، لم يفتوا بالوجوب فيه ايضا، انتهى.
و كيف كان فقول المدارك كل ذلك تقييد للنص من غير دليل، حق لا اشكال فيه، الا بالنسبة الى قول الذكرى، من جعل السجود اخفض من الركوع، لأن موثقة سماعة المروية فى الفقيه المتقدم نقلها، المؤيدة بخبر ابى البخترى المتقدم نقله، دالة عليه، فالعمل به متعين.
لا يقال: كل الوجوه المذكورة التى ذكرها الذكرى حق، لا يشوبه ريبه، لقوله (ع): ما لا يدرك كله لا يترك كله، و قوله (ع): الميسور لا يسقط بالمعسور، و قوله (ص): اذا امرتكم بشىء فاتوا منه ما استطعتم.
لأنا نقول: الأخبار المذكورة، لا يمكن ان يتمسك بها، لوجوه عديدة، و قد بسطنا الكلام فى القاعدة المستفادة من تلك الأخبار، و فى دلالتها، و كيفية سندها، فى اللمعات فى احكام التخلى، فى اللعمة المبيّن فيها وجوب غسل مخرج البول بالماء خاصة، بما لا مزيد عليه، و من اراده فليرجع الى هناك.
و على ان الهوى الى الركوع و السجود و حيث تعذرا، فلا حاجة الى هذا الهوى، و بطور آخر: المقدمة مع وجود ذيها لا مطلوبية فيها، فكيف باثنائه، فلا حاجة الى الهوى اصلا، و لا دلالة للاخبار على وجوب الاتيان به جدا.
قال بعض المحققين، و هو فى مقام التعليل على عدم وجوب الانحناء: لما
ص: 195
كان الزام جميع المكلفين بالقدر الممكن، بحيث لا يبدو شىء من خلفهم، ربما يوجب عسرا على بعضهم فى بعض الاوقات، او تشريعا فى الخاطر يعسر معه خطور القلب، مع وقوعهم فى شدة العرى من غير تقصير منهم اصلا، ناسب ذلك التخفيف و التسهيل ايضا عليهم، لأنه تعالى يريد بهم اليسر و الملة السهلة، و التجنب عن كشف شىء فى الخلف فى غاية الشدة، و كذا يشوش الخاطر، و مما ذكرنا ظهر حال ما احتمله الشهيد ايضا، من ان يكون وضع الاعضاء السبعة(1)على الكيفية المعتبرة فيه واجبا، و كذا حال ما قال فى المدارك من انه لا يبعد وجوب رفع شىء يسجد عليه، متمسكا بصحيحة عبد الرحمن الى آخره، و فى المسالك اوجب ذلك، و فيه انه اضعف مما اعتبره فى الذكرى، من وجوب الانحناء، مع انه اعترض عليه، بانه تقييد للنص من غير دليل، مع احتمال ان يكون المراد من الايماء فى النص، ما يقابل الركوع و السجود، و الذى يبدو به شىء من الخلف بخلاف ما ذكره، من وجوب رفع شىء يسجد عليه، من جهة ما ورد فى صلوة المريض، انتهى فتدبر.
قال فى الحبل المتين: و اوجب شيخنا فى الذكرى، الانحناء فى الركوع و السجود بحسب الممكن، بحيث لا تبدو العورة، و ان يجعل السّجود اخفض.
محافظة على الفرق بينه و بين الركوع، و هو غير بعيد، اذ لا يسقط الميسور بالمعسور، و لعل ذلك القدر من الانحناء، داخل تحت الايماء بالرأس و منخرط فى سلكه اذا لانحناء ايماء بالرأس ايضا، و قال بعض الاصحاب: ان كلامه هذا تقييد للنص من غير دليل، و هو كما ترى، انتهى.
أقول: و فيه نظر، امّا اولا: فلان الاستدلال بحديث الميسور للمذكور، غير وجيه، لما عرفت، و اما ثانيا: فلان فى قوله: و لعل ذلك القدر الى آخره، ما ترى، و اما ثالثا: فلا تكليفه حينئذ الايماء و الوجوب انتقل اليه، فلا معنى
ص: 196
للتكليف بالاتيان بالممكن من الركوع و السّجود، فتامل جدا.
يعنى انه من قيام مع القيام، و من جلوس مع الجلوس، و نقل فى الذكرى عن شيخه السيّد عميد الدّين، انه كان يقوى جلوس القائم ليؤمى للسجود جالسا، استناد الى كونه حينئذ اقرب الى هيئة الساجد، فيدخل تحت «فأتوا منه ما استطعتم» و فيه ما عرفت، و رده غير واحد(1) من المتأخرين، بان الوجوب حينئذ انتقل الى الايماء، فلا معنى للتكليف بالممكن من السجود أقول: الاظهر فى الجواب، ان يتمسّك فيه باخر صحيحة على بن جعفر المتقدمة، الصريح فى بطلان ما زعمه.
قال بعض الأجلاء: لو صلى قائما، هل يتشهد من قيام او يجلس فى موضع التشهد و يتشهد ثم يقوم؟ لم اقف فى كلام الاصحاب على ذكر هذا الفرع و الأخبار المتقدمة مطلقا لا دلالة فيها على احد الامرين، و يمكن القول بوجوب الجلوس فى موضع التشهد ثم القيام، لأن الايماء فى الركوع و السّجود قائما او جالسا، انما صير اليه محافظة على ستر العورة، و التشهد جالسا لا ينافى ذلك، ان لم يؤكده، فلا وجه لسقوط الجلوس اليه، الا ان المسئلة غير خالية من شوب الاشكال.
و هو كذلك لحسنة زرارة و غيره، و التخصيص بالقبل لكون الدبر مستورا بالآليين،(2)كما يظهر من الأخبار.
لكونه آتيا بغير ما امر به، و
ص: 197
للنهى عنهما فى الصلوة المذكورة، المقتضى لفسادها لترك ما هو الواجب عليه، و اما فى صورة النسيان، فقد صرح الشارح المحقق، تبعا لصاحب المدارك، بالفساد ايضا، و هو ضعيف، فالقول بالصحة قوى، وفاقا لغير واحد منهم، لعدم توجه النهى اليه، و الخطاب بالايماء لا يتوجه لقبحه، و الصلوة بحسب الاصل ثلثها ركوع و ثلثها سجود، فالاصل المستفاد من ظاهر الأخبار، هو الاتيان بها مع ركوع و سجود، خرج عنه ما خرج بالدليل، و هو صورة العمد مثلا، و لا دليل على خروج ما نحن فيه، فينبغى الحكم بالصحة، انظر الى الأخبار الوارده فى الايماء، تجد فى غير واحد منها، كون الاصل فيها هو الاتيان بالركوع و السجود و العدول الى الايماء، لئلا يبدو خلفه، فاذا بدا نسيانا لم يبق مانع من الاصل، و لا مقتضى للعدول عنه.
و الذى يقتضيه الاحتياط، هو اتمام هذه الصلوة، ثم الاعادة موميا، و صرح جمع منهم ايضا، بانه لو صلّى بغير ايماء بطلت صلوته، و استدل عليه بعضهم، بعدم الاتيان بما هو ركن.
و به يجمع بين الأخبار المختلفة ايضا، و لذا مال اليه الاكثر - الى ان قال - ثم الظاهر من الرّوايتين، انه يصلّى قائما اذا لم يكن راى فى حال الدخول فى الصلوة، و ان امكن ورود احد بعد الدخول فيها، لكن القوم فهموا كما ذكرنا.
و قال بعض الأجلاء: ظاهر الأخبار المفصلة، انه يصلى قائما مع عدم المطلع، حال دخوله فى الصلوة، و ان جوز، مجئى احد بعد ذلك، لكن لو اتفق مجئى احد بعد الدّخول، فالظاهر انه ينتقل الى الصلوة جالسا، و الا فلا وجه للتفصيل المذكور، اذ مناط القيام هو عدم المطلع، و مناط الجلوس وجوده، لا الفرق باعتبار الدخول و قبله، و هو ظاهر، و لم اقف على من تعرض لذلك، و الظاهر انه لا اشكال فيه.
ص: 198
قال فى الذكرى كغيره:(1) يستحب للعراة الصلوة جماعة، رجالا كانوا او نساء، اجماعا، لعموم شرعية الجماعة، و افضليتها، انتهى.
و يظهر من الصدوق، فى باب صلة الخوف و المطاردة، الخلاف فى المسئلة، لأنه نقل فى ذلك الباب موثقة سماعة، و لم يقل شيئا، و هو منه عجيب، للاخبار الكثيرة الدالة على الاستحباب خصوصا و عموما، و لعلّه غفل عن مضمون الموثقة، او اولها بما اذا لم يريدوها، او اذا لم يكن لهم من يصلح ان يكون اماما، او حملها على التقية، كخبر ابى البخترى.
و قال فى البحار: ما ورد فى خبر البخترى من النهى عن الجماعة، لعله محمول على التقية، بقرينة الراوى، قال فى الذكرى: و منع بعض العامة من الجماعة الا فى الظلمة، حذرا من بدو العورة، ساقط، لأنا نتكلم على تقدير عدمه، و يؤيد المذكور عدم نقل الاكثر خلافه فى المسئلة.
و كيف كان فالمسئلة بحمد اللّه واضحة، و انما اختلفوا فى كيفيتها، فالذى ذهب اليه التحرير و الدروس كما عن المنتهى و الجامع و الاصباح و الشيخ و ابن حمزة و القاضى، هو اختصاص الايماء بالامام، و اوجب المفيد و المرتضى و الحلى الايماء على الجميع، بل حكى ذلك عن المشهور بين الطائفة، و ادعى ابن ادريس عليه اجماع الامامية.
للاول: رواية اسحق بن عمار المتقدمة، و عن المنتهى انه قال: لا يقال انه ثبت ان العارى مع وجود غيره يصلى بالايماء، لأنا نقول انما ثبت ذلك فيما اذا خاف من المطلع، و هو مفقود هنا، اذ كل واحد منهم مع سمت صاحبه، لا يمكنه ان ينظر الى عورته حالتى الركوع و السجود، و عن الذكرى: ان الظاهر اختصاص الحكم بامنهم المطلع، و الا فالايماء لا غير، و اطلاع بعضهم على بعض غير ضاير، لانهم فى حيّز التستر باعتبار التضام و استواء الصّف، و لكن يشكل بان المطلع هنا ان صدق، وجب الايماء و الا
ص: 199
وجب القيام، و يجاب بان التلاصق فى الجلوس اسقط اعتبار القيام، فكان المصلى موجودا حالة القيام، و غير معتد به حال الجلوس، انتهى.
أقول: العمل بظاهر الموثقة مشكل، لما ذكره بعض المحققين، بان المفهوم منها، كون الستر لاجل عدم رؤية الناس لا الله، و هو مخالف لظاهر الأخبار المعتبرة المعمول بها بين الاصحاب، بل الاجماع ايضا، لأن وجوب ستر العورة عند الفقهاء، ليس سترها على الناظر، بل اللّه تعالى، بالبديهة، مع ان الحكم بوجوب الايماء فى الفرادى مطلقا، دون المامومين، كما قال به الخصم كما ترى، انتهى.
و بالجملة: الذى يظهر من حسنة زرارة و موثقة سماعة، من كون العلة فى المنع من الركوع و السجود هو بدو الخلف، و لا يختلف فيه الحال فى الانفراد و الجماعة، و ان اختص ظاهر موردهما بصلوة المنفرد، لأن التعليل عام، و الحسنة ارجح من موثقه اسحق، من حيث السند، و معتضدة باطلاق غيرها ايضا، مع اطلاق كثير من الفتاوى، و صريح جملة منها، و بالشهرة المحكية التى هى معاضدة للاجماع، الذى ادعاه الحلى، و هو حجة اخرى مستقله، هذا مضافا الى احتمال ان يراد من قوله (ع) فى موثقة اسحق: و هم يركعون و يسجدون خلفه على وجوههم، الايماء بالراس، و لذا عن نهاية الاحكام، انه متأوله، و يمكن ان يقال بعدم كون ما ذكرنا تأويلا لها، بل هو الظاهر منها، و لو سلم عدم كونه ظاهرا منها فلا اقل من كونه محتملا منها، كاحتمال ارادة الركوع و السجود منها، فليتأمل.
فان ما ذكرناه اخيرا، لا يخلو عن بعد، و يظهر من المصنف فى المختلف، التردد فى المسئلة، كما عن التحرير فى التذكرة، لا وجه له بعد ما ذكرنا، قال فى الذكرى: و فى التحرير رجح مضمون الرواية، اى موثقه اسحق، لجودة سندها، و يشكل بان فيه تفرقة بين المنفرد و الجامع، و قد نهى المنفرد عن الركوع و السجود كما تقدم، لئلا يبدو العورة، و قد روى عبد اللّه بن سنان، عن ابى عبد الله (ع) يتقدمهم الامام بركبتيه، و يصلى بهم جلوسا و هو جالس، و اطلق، و بالجملة يلزم من العمل برواية اسحق، احد امرين: اما اختصاص المامومين بهذا الحكم، و
ص: 200
اما وجوب الركوع و السّجود على كل عار اذا امن المطلع، و الأمر الثانى لا سبيل اليه، و الأمر بعيد، انتهى.
يظهر من صحيحة ابن سنان المتقدمة، ان كيفية صلوتهم، ان يجلسوا جميعا صفا واحدا، و يتقدمهم الامام بركبتيه، كما حكى ذلك عن المشهور، قال بعض المحققين: و الاولى ان يجلسوا صفا واحدا، و اما لو احتيج الى صفين، على المختار - اى كون صلوتهم جميعا بالايماء - واضح، و اما على غير المختار، فحكم الصّف الأول كحكم الامام، و الصف الثانى يركع و يسجد، و كذلك الحكم لو كان ازيد، انتهى.
قال المحقق فى التحرير، بعد نقل الخلاف فى المسئلة، و الاستدلال للشيخ برواية اسحق المتقدمة، ما صورته: و هذه حسنة، و لا يلتفت الى من يدعى الاجماع على خلافها، و اعترضه الشارح المحقق، تبعا لصاحب المدارك، بان فى سندها عبد اللّه بن جبلة الواقفى، و اسحق بن عمار الفطحى، فلا يحسن وصفها بالحسن، بل هى من الموثقات.
ورد بان مراده رحمه اللّه بالحسن، كون العمل بمضمونها حسنا، لا انها حسنة باصطلاح المحدثين، قاله فى الحبل المتين ثم قال: و هو طاب ثراه ربما يصف الروايات الصحيحة بالحسن ايضا، و مراده ما قلنا، لا ما هو المصطلح، فان عادته قدس اللّه روحه، لم تخبر بان يعترض لبيان حال الروايات، و ما هى عليه من الصحة و الحسن و التوثيق، و لتعرض التفصيل ذلك من اصحابنا و اهتم بشانه فى الكتب الاستدلالية العلامه اخلده اللّه دار الكرامة، فظهر ان قول الاصحاب، فى طريق هذه الرواية بعض الواقفية و الفطحية، فكيف وصفها بالحسن؟ ليس على ما ينبغى.
و قال بعض الأجلاء: الظاهر ان المحقق لم يرد بها وصفها به من الحسن
ص: 201
ما توهموه من هذا المعنى المصطلح، و ان هذا الاصطلاح فى تقسيم الأخبار الى الاقسام الاربعة، انما حدث بعد المحقق، من العلامة اجزل الله تعالى اكرامه، كما ذكره جملة من الاصحاب، و شيخه احمد بن طاوس كما ذكره بعضهم فهو لم يرد بوصفها بذلك من حيث السّند، و انما اراد من حيث المتن، كما قد يصف بذلك بعض الأخبار الصحيحة السند و الضعيفة، كما لا يخفى على من تتبع كتابه، و قد نبه على ذلك السيد المذكور فى المدارك، فى مسئلة الصلوة فى النجاسة نسيانا، حيث ان المحقق وصف صحيحة العلامة الدالة على عدم الاعادة بانها حسنة، فقال السيد قده: مراده بالحسن هنا، خلاف المعنى المصطلح عليه من المحدثين، بل حسن المضمون، فان عادته رحمه الله لم تجر بالتعرض بحال الروايات، و ما عليه من الصحة و التّوثيق.
لصاحب التحرير و المدارك و غيرهما،(1) كما عن المنتهى و الذكرى، خلافا للاكثر على ما قاله بعض، لمقتضى ما دل على وجوب مراعاته، الدال على التاخير، و لو من باب المقدمة، المؤيد برواية ابى البخترى المتقدم نقلها، و ان كانت متضمنة لشىء لا يساعده الدليل، و هو تعين الصلوة فرادى، و عدم استحباب الجماعة، لأن خروج جزء الحديث عن الحجيه، لا يوجب خروجه عنها طرا، لأنه كالعام المخصّص فيما بقى حجة.
و اما لو لم يظن ذلك، فالمشهور عدم وجوب التاخير، على الظاهر المصّرح به فى عبائر غير واحد من الطائفه، قيل: و اوجبه المرتضى و سلار، بناء على اصلها، من وجوب التاخير على ذوى الاعذار، انتهى.
و يدّل على المشهور، كما هو المحكى عن الشيخ و اتباعه، ما يدلّ على المسارعة الى فضيلة اول الوقت، و ظواهر الأخبار المتقدمة، و العمومات الدالة
ص: 202
على اوقات الصلوة و السعة فيها: قال المصنف فى المختلف: لنا قوله تعالى:
«أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ» و هو يدل على وجوب الصلوة فى اول الوقت مطلقا، و تجويز حصول الساتر، لا يرفع حكم الوجوب، لأنه لا يجوز حصوله يجوز فقده، و معارض بتجويز الموت قبل الفعل، انتهى.
و خبر ابى البخترى غير صالح للمعارضة سندا و متنا، لمكان (لا ينبغى) و لا يبعد عدّها من الالفاظ المتشابهة، ككلمة ينبغى، و لعل الاحوط التاخير مع احتمال الوجدان، لخبر ابى البخترى، و خروجا عن الخلاف.
قال فى الدروس: يستحب اعارة الثوب للعارى، و تقديم المراة، ثم الخنثى، ثم الافضل بورع، او علم انتهى، و لا بأس به، اعلم ان الشيخ قال فى الاقتصاد: و اما المراة الحرة فان جميعها عورة، يجب عليها سترها فى الصلوة، و لا تكشف غير الوجه فقط، و قال ابو الصلاح: المراة كلها عورة، و اقل ما يجزى الحرة البالغة، درع سابغ الى القدمين و خمار، و قال ابن زهرة على ما حكى: و العورة الواجب سترها من النساء، جميع ابدانهن، الارؤس المماليك منهن و قال ابن الجنيد: الذى يجب ستره من البدن، العورتان و هو القبل و الدبر من الرجل و المراة، و قال ايضا: لا بأس ان تصلى المراة الحرة و غيرها، و هى مكشوفة الراس، حيث لا يراها غير محرم لها، و كذلك الرواية عن ابى عبد الله عليه السلام، انتهى.
(و) قد ظهر من هذا، ان الذى يظهر من الاقتصاد و ابى الصلاح و ابن زهرة كون (جسد المراة الحرة كله عورة) و عن المصنف رحمه اللّه فى المنتهى، ادعاء اجماع العلماء على ذلك، قيل: و لا شك فى ان المراة كلها عورة لغة و عرفا، و اما عرفا فلان المتعارف التعبير عنها بالعورة، و اطلاق هذه اللفظة عليها(1)
ص: 203
شايعا ذايعا، مع عدم صحة السلب، مع انه ثبت كونها عورة شرعا من الاجماع و الأخبار، مثل ان النساء من عورات الى غير ذلك، و اما الفقهاء فقد اتفقوا فى كلماتهم، على ان المراة كلها عورة، مستثنون شيئا منها، انتهى.
و عن المصنف رحمه اللّه فى الذخيرة و المحقق فى التحرير، ادعاء الاجماع على كون جميع جسدها عورة (عدا الوجه) خاصة (و) عن الذكرى انه زاد فى الاستثناء و انضم مع الوجه (الكفين و القدمين) و ايضا ادعى الاجماع عليه،(1)قال: اقتصارا على المتفق عليه فيها بين جميع العلماء، و نسبه غير واحد من الاصحاب الى المشهور، و حيث ثبت كونها بجميعها، او ما عدا الاشياء المستثنيات عورة، فوجب عليها سترها، للاجماعات المحكية على وجوب ستر العورة، كما عرفت، فى اول بحث اللباس، فلا معنى للقول بانها لا يجب عليها الاستر سؤاتيها القبل و الدبر، كما يظهر من ابن الجنيد اصلا، هذا مضافا الى النصوص المستفيضة:
و منها ما رواه التهذيب فى الباب فى الصحيح، عن زرارة قال: سألت ابا جعفر (ع)، عن ادنى ما تصلى فيه المراة، قال: درع و ملحفة فتنشرها على راسها و تجلل بها.
و منها ما رواه ايضا فى الباب فى الصحيح، عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) انه قال: و المراة تصلى فى الدرع و المقنعة اذا كان الدرع كثيفا، يعنى اذا كان ستيرا، قلت: رحمك الله، الامة تغطى راسها اذا صلت، فقال:
ليس على الامة قناع.
و منها ما رواه فى الباب فى الموثق او القوى عن ابى يعفور، قال: قال
ص: 204
ابو عبد اللّه (ع): تصلى المراة فى ثلاثة اثواب: ازار و درع و خمار، و لا يضرها بان تقنع بالخمار، و ان لم تجد فثوبين تاتزر باحدهما و تقنّع(1) بالاخر، قلت: فان كان درعا و ملحفه ليس عليها قناع، قال لا بأس اذا تقنعت بالملحفة، فان لم تكفها فتلبسها طولا.
و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه، فى باب اداب المراة فى الصلوة، فى الصحيح عن على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع)، انه سأله عن المراة ليس لها الا ملحفة واحدة كيف تصلى؟ قال: تلتفّ فيها و تغطى راسها، و تصلى، فان خرجت رجلها و ليس تقدر على غير ذلك، فلا بأس.
و منها ما رواه ايضا فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن المعلى بن خنيس عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن المراة تصلى فى درع و ملحفة،(2) ليس عليها ازار و لا مقنعة، قال: لا بأس اذا التفت بها، و ان لم تكفها عرضا جعلتها طولا.
و منها ما رواه التهذيب فى الباب فى الصحيح، عن جميل بن دراج، قلت: سالت ابا عبد الله (ع)، عن المراة تصلى فى درع و خمار، فقال: يكون عليها ملحفة(3) تضمها عليها.
و منها ما رواه فى البحار فى باب الرّداء و سدله، عن كتاب المسائل
ص: 205
باسناده عن على بن جعفر، انه سأل اخاه عن المراة: هل تصلح لها ان تصلى فى ملحفة و مقنعة و لها درع؟ قال: لا تصلح لها الا ان تلبس درعها، و قال:
سألته عن المراة هل يصلح لها ان تصلى فى ازار و ملحفه و مقنعه و لها درع؟ قال: اذا وجدت فلا تصلح لها الصلوة، الا و عليها درع، و سألته عن المراة:
هل تصلح لها ان تصلى فى ازار و ملحفة تقنع بها و لها درع؟ قال: لا يصلح لها ان تصلى حتى تلبس درعها.
و منها ما رواه البحار ايضا فى الباب، عن قرب الاسناد باسناده قال: و سألته عن الامة، هل يصلح لها ان تصلى فى قميص واحد؟ قال: لا بأس.
و لابن الجنيد بالنسبة الى ما ادعاه اخيرا، ما رواه التهذيب فى الباب فى الموثق، لمحمّد بن عبد اللّه الانصارى، و ابن بكير، عنه، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بالمراة المسلمة الحرة، ان تصلى و هى مكشوفة الراس.
و ما رواه ايضا فى الباب، عن ابن بكير، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا بأس ان تصلى المراة المسلمة و ليس على راسها قناع، و حملها التهذيب على الصغيرة او على حالة الضرورة، و احتمل فى الثانى ان يكون المراد بالمراة المسلمة الامة، و كيف كان، فعدم صلاحية المذكور للمعارضة واضح قال(1) فى التحرير، على ما نسب: هذه الرواية مطرحه، لضعف عبد اللّه بن بكير، فلا يترك بخبره الأخبار الصحيحة المتفق على مضمونها، انتهى.
و لم اجد له دليلا بالنسبة الى ما ادعاه اولا، من المساواة بين الرجل و المراة، و المصنف رحمه اللّه فى المختلف، مع تكلفه بنقل الادلة للاقوال التى ينقلها فيه، لم يتعرض هنا لنقل دليل له، مع نقله القول المذكور، و هو ايضا مما يؤيد ضعفه، و يمكن ان يستدل بان النساء و ان كن عورات، اما بجملتها او
ص: 206
ما عدا المستثنيات، لكن نرى العرف انهم يقولون عورة هذه العورة قبلها و دبرها، و المسلم من الاجماع الواقع على وجوب سترها بالنسبة الى المراة، انما هو بالنسبة الى هذه العورة الخاصة من المراة التى تسمى عورة لا مطلقا.
و اما الأخبار، فقد عرفت ان فيها ما يدلّ على جواز صلوة المراة الحرة، و هى مكشوفة الراس، و نتم فى الباقى بعدم القول بالفصل، و فيه نظر لاطلاق الاجماعات المحكية، الدالة على وجوب ستر العورة، و للأخبار الكثيرة المعتبرة المتقدمة، مضافا الى ما رواه التهذيب فى الباب فى الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن ابى الحسن (ع) قال: ليس على الاماء ان يتقنّعن فى الصلوة، و لا ينبغى للمراة ان تصلى الا فى ثوبين، و ضعف الدلالة(1) مجبور بالشهرة العظيمة، و الاجماعات المحكية و غيرهما.
و اما ما يظهر من اطلاق ابن زهرة، كما عن اطلاق الجمل و العقود، من لزوم ستر المراة وجهها، فضعيف جدا، للأخبار، و منها: صحيحة محمّد بن مسلم، و موثقة ابن ابى يعفور، المتقدمتان، لأن فى الصحيحة اجتزا بالدرع، و هو القميص على الظاهر، و المقنعة، و هى للراس، فيظهر خروج الوجه و الكفين على اشكال فى الاخير، و سيظهر ان شاء الله، و القدمين، و فى القوية او الموثقة ذكرت الثلاثة لاجل الاستحباب بالاجماع، كما صرح به بعض، و سيجئ الكلام.
فعند عدم الاتيان بالمستحب، يكفى الاتزار باحدهما و التقنع بالاخر، و التقريب ما مرّ، و لاجماع العلماء على عدم وجوب ستره على الظاهر المصرّح به فى المختلف، كما عن التذكرة و الذكرى و غيرها،(2) من دون ان يستثنوا احدا، و لعله لبعد دخول الوجه فى اطلاق تلك الكتب، بل عن السرائر انه حكى استثناء الوجه و الكفين و القدمين،(3) من الجمل و العقود و الخلاف، قيل عبارة
ص: 207
الخلاف غير صريحة الا فى استثناء الوجه خاصة، مدعيا الاجماع عليه، نعم روى الصحيحين الدالين على كفاية الدرع و الخمار، و افتى به صريحا، و هما لا يستران الكفين و لا القدمين، كما صرح به الاصحاب، مستدلين بهما لذلك، على استثناء القدمين ايضا، انتهى.
هذا مضافا الى ما رواه التهذيب فى الباب، فى الموثق عن سماعة قال:
سألته عن المراة تصلى متنقبة، قال: اذا كشفت عن موضع السجود فلا بأس، و ان اسفرت فهو افضل، و قد تقدم هذا الخبر فى مسئلة كراهة النقاب للمراة، التى هى اقوى حجة على استثناء الوجه، بل يستفاد من الخبر المتقدم كون(1) الوجه افضل، و الى عدم الالزام و الالتزام بين المسلمين، فى الاعصار و الامصار، مع غاية عموم البلوى و شدة الحاجة.
و اما الكفان فلا يجب سترهما على الاشهر الاظهر، بل لا خلاف فيه يظهر الا من صريح الاقتصاد، كما عن ظاهر الجمل و العقود و الغنية، فاوجبوا سترهما، و لعله لما يدل على لزوم ملحفة زيادة على الثوبين، و ضمها اليها يستلزم سترهما، و فيه ما عرفت، مضافا الى الاجماع المحكى فى المختلف، كما عن المنتهى و الرياض و جامع المقاصد و الذكرى، على عدم وجوب سترهما، بل عن ظاهر الاخيرين كونه مجمعا عليه بين العلماء، الا نادر من العامة العمياء.
فان قلت: انك حكيت عن المنتهى و غيره، ان المراة بجملها عورة، عن جماعة انهم ادعوا الاجماع على لزوم ستر العورة، فكيف التوفيق؟ قلت: كلام هى عام، و هو مخصّص بما مر من الاجماع، فيه ايضا على عدم وجوب سترهما، مع عرفت من الذكرى من جعله العورة منها، ما عدا المستثنيات، مؤذنا بعدم كونها عورة كما يشعر به عبارة الماتن هنا، و صريحة فى المختلف، و ظاهر الدروس
ص: 208
و غيره.
قال فى المختلف: الوجه لا يجب ستره، باجماع علماء الاسلام، و كذا الكفان عندنا، لانهما ليسا بعورة، اذا لغالب كشفهما دائما، لأن الحاجة داعية الى ذلك للاخذ و العطاء و قضاء المهام، و كذا الرجلان، بل كشفهما اغلب فى العادة، انتهى.
قيل: المشهور فتوى و رواية، ان الوجه و الكفين ليسا من العورة، حيث جوزوا النظر اليها للاجنيى، فى الجملة كما سياتى فى كتاب النكاح، و لذا لا يتاتى لنا القطع بكون المراة بجملتها عورة، من جهة الاجماع، لمكان الخلاف، نعم فى جمله من النصوص العامية ما يدل عليها، لكنها بحسب السند قاصرة، و دعوى جبرها بفتوى العلماء غير ممكنة على سبيل الكلية، بل هى جايزة فى الجملة، انتهى.
و وردت ايضا اخبار، تدل على جواز النظر الى الوجه و الكفين، كرواية(1)مروك بن عبيد، عن بعض اصحابنا، عن الصادق (ع) قال: قلت له: ما يحل للرجل ان يرى من المراة اذا لم يكن محرما؟ قال: الوجه و الكفان و القدمان و رواية(2) مسعدة بن زياد قال: و قد سمعت جعفر (ع)، و سئل عما تظهر المراة من زينتها، فقال: الوجه و الكفان، و غيرهما من الاخبار، و سيجئ تفصيل الكلام فى كتاب النكاح ان شاء اللّه تعالى.
و اما القدمان، فكا الكفين فى عدم وجوب سترهما، على الاشهر كما ادعاه جماعة، و نسبه بعض الى عامة متاخرى اصحابنا، و لعله كذلك، بل لا خلاف فيه يظهر، الا من صريح الاقتصاد، كما عن صريح الجمل و العقود و الغنية، و ربما قيل انه نسب الى الحلبى ايضا، و فيه نظر لما عرفت من كلامه، انه بالدلالة على الاستثناء اظهر، كما ادعاه بعض الاصحاب، و قد عرفت ان السرائر استثناء
ص: 209
الثلاثة من الجمل و العقود و الخلاف، و هذا ايضا مما يقوى الشهرة، و كيف كان فلعلّ لهم ما يدل على لزوم ملحفه تضمها عليها، زيادة على الثوبين، و ضمها يستلزم سترهما، و ما يدل على كون جسدها عورة، و صحيحة على بن جعفر المتقدمة المروية فى الفقيه.
و فيه اما فى الأول: فلما عرفت من كون الثلاثة محمولا على الاستحباب اجماعا، على الظاهر المصرح به فى عبارة بعض، و للجمع بين ما اشتمل على ذكر الاثنين من الأخبار، و منها صحيحه زرارة، و محمد بن مسلم، و عبد الرحمن الحجاج، و موثقة ابن ابى يعفور، مع ان اشتمال الملحفة على رأس الثوبين، غير ظاهر فى سترها القدمين، بل يمكن ادعاء ظهور عدمه، فافهم.
و اما فى الثانى: فلان قول المصنّف الذّى ادعى الاجماع على كونها بجملتها عورة، بعدم وجوب سترهما، دليل اما على عدم كونها عورة، كما ادعى غير واحد الشهرة عليه، و يؤيده ما مرّ من نقل عبارة الذكرى، قيل العلامة فى المنتهى و المختلف تمسك بعدم وجوب ستر هذه الاشياء، بالخروج عن كونها عورة، او على عدم وجوب سترهما فى الصلوة و ان كانا عورة، لأن قوله موافق للشهرة العظيمة، التى هى من المتأخرين اجماع فى الحقيقه، على الظاهر المصّرح به عبارة بعض.
لا يقال: نختار من الترديدين الثانى، و نقول انه ادعى الاجماع على كونها بجملتها عورة، و ادعى ايضا عدم وجوب ستر الرجلين، فهذ غير مجد فى شىء.
لأن الاجماع المنقول دال باطلاقه على لزوم ستر ما يسمى عورة، و المصنف ايضا ادعى كونها بجملتها عورة، و مخالفته للاجماع الدال باطلاقه على لزوم ستر ما يسمى عورة، لم يكن لنا دليل، و ان كان قوله موافقا للشهرة، فلا بد من القول بمقتضى الاجماع المنقول، الدّال باطلاقه على لزوم ستر ما يسمى عورة.
لأنا نقول: اذا كان المشهور بين الاصحاب عدم وجوب سترهما، فلا يجدى الاجماع المنقول، الدال باطلاقه على لزوم ستر ما يسمى عورة او غيرها،
ص: 210
فعلى الثانى فالامر واضح، و على الأول فلا دليل يدل على وجوب سترهما، و اطلاق الاجماع المنقول موهون بمصير المعظم الى خلافه، فلا يكون فى المقام حجة، لأن حجيّته لاجل حصول المظنه، و هى فى المقام لمصير المعظم الى الخلاف مفقودة.
و اما فى الثالث: فلان المفهوم من تلك الصحيحة، الباس و هو اعم من المنع و الكراهة، و نقول بها مع احتمال الرّجل فيها ما فوق القدم او مجموعهما، بل هو الظاهر(1) كما يظهر من الرواية، و لا شاع حينئذ فى الحرمة، و على تقدير الظهور فى المنع و القدم خاصة، فقد قيل يمكن حملها على الاستحباب، جمعا بينها و بين النصوص المكتفية بالدّرع و القميص، الظاهره فى عدم لزوم سترهما، انتهى فتدبر.
قال بعض الأجلاء، فى جملة كلام له: و اما استثناء الكفين و القدمين، فلا يخلو عن غموض، بل ربما كان الظاهر منها العدم، و ذلك لأن مبنى استدلالهم بصحيحة محمد بن مسلم المذكورة، على ان الظاهر ان القميص لا يستر ذلك عادة، و هذا انما يتم لو علم ان ثياب النساء فى وقت خروج هذه الأخبار فى تلك الديار، كانت على ما يدعون، و لم لا يجوز ان دروعهن كانت مفضية الى ستر ابدانهن و اقدامهن، كما هو المشاهد الا فى نساء اعراب الحجاز، بل اكثر بلدان العرب، فانهم يجعلون القميص واسعة الاكمام مع طول زايد فيها، بحيث يكون طويلة الذيل تجر على الارض، و من القريب كون ذلك جاريا على الزمان القديم فى تلك البلدان، فجرت الاخلاف على ما جرت عليه الاسلاف.
و يعضد ذلك ما رواه فى الوافى فى الموثق عن سماعة، عن ابى عبد اللّه عليه السلام، فى الرجل يجر ثوبه، قال: انى لا كره ان الشبه بالنساء، فان مورد الخبر الى استحباب تشمير الثياب للرجل، و ظاهره كما ترى بل صريحة
ص: 211
ان النساء يومئذ على خلاف ذلك، و انهم يجرونه على الارض، و بذلك يظهر لك ما فى استدلالهم بصحيحة محمد بن مسلم المذكورة، التى هى عمدة ادلتهم انتهى.
و فيه ما ذكره بعض الاصحاب، بان ما ذكر من الاحتمال و ان كان ممكنا، الا ان ورود الرّوايات عليه بعيد جدا، و لذا لم يحتمله احد من الاصحاب فيها، بل استدلوا بها من دون تزلزل اصلا، مع انهم اكثر اطلاعا و علما بثياب نساء العرب فى زمانهم، و زمان صدور الروايات جدا، و الذى نشاهد من نساء الاعراب فى زماننا هذا عدم ستر دروعهن لاقدامهن اصلا، و لو كانت واسعة ذيلا، بل لو زاد السعة الى جر الاذيال على الارض لم تستر الاقدام بجميعها، بل يبدو منها شىء، و لو رؤسها، سيما حالة المشى.
و منه يظهر الجواب، و لو سلم ورود الروايات على ذلك الاحتمال، لأنها تدل ايضا على عدم لزوم ستر جزء من القدمين، و لا قائل بالفرق فى البين، فتامل جدا انتهى.
أقول: و لقائل ان يقول: ان عدم القول بالفصل، معارض بمثله، لأنه اذا سلم ورود الرّوايات على ذلك الاحتمال، ففيها دلالة على لزوم ستر جزء من القدمين، و لا قائل بالفرق، لأن من قال بلزوم ستر ما عدا رؤس الاقدام او جزء منها، قال بلزوم ستر كلّه، فتدبر هذا، مضافا الى ان دروعهن كما نشاهد الان تكون واسعة الاكمام(1) بحيث اذا اردن ان يسترن بها جميع الكفين ليحصل.
بل يبقى منها ايضا شىء زايد، فحينئذ يكون فى الأخبار دلالة على لزوم ستر الكفين، فنتم فى الاقدام، بعدم القول بالفصل، لأن الظاهر المصرّح به فى
ص: 212
عبارة بعض، ان كل من قال بوجوب ستر الكفين، قال بلزوم ستر القدمين فافهم
ثم قال ذلك القائل: مع ان فى بعض الصحاح المتقدمة، كون القميص و الدّرع ادنى ما تستر به المراة عورتها، و لا يخفى التنافى بينه و بين ورود الروايات على ذلك الاحتمال، انتهى.
و يمكن ان يقال: لا نسلم التنافى، لجواز جريان كلمة ادنى بالنسبة الى القميص و الدّرع، لعدم اشتمالها بالابواب الثلاثة التى هى مستحبة لها، ثم قال عاطفا على الكلام المنقول عنه: و لو سلم عدم المنافاة، قلنا: يكفى فى رد هذا الاحتمال زيادة على ما مر، دلالة النصوص الاتية فى بحث النكاح، تفسيرا لما ظهر منها فى الاية الشريفة: «وَ لاٰ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّٰ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا» بانه الوجه و الكفان، و زيد فى بعضها القدمان ايضا، و ظاهر الكلينى القول به، و ان لم اقف من عده قائلا على خلافا، و هو كون الوجه و القدمين من مواضع الزينة الظاهرة، و لم يتم ذلك الا على تقدير كون دروعهن يومئذ غير ساترة للمواضع المزبورة.
و بالجملة فما عليه المتأخرون كافة، فى غاية القوة، سيما مع امكان اثباته بوجه آخر، و هو عدم القائل بالفرق بين الكفين و القدمين، منعا و جوازا، كما يستفاد من تتبع الفتاوى، عدا الماتن اى المحقق فى المختصر النافع، حيث فرق بينهما، فحكم بالاستثناء فى الاولين قطعا، و فى الاخيرين مترددا، و لكن اثر هذا التردد هين بعد التصريح بعده بالجواز، كما عليه الاصحاب، و حيث ثبت عدم القول بالفرق، توجه الحاق القدمين ايضا بالكفين فى الاستثناء، لثبوته فيهما بما قدمناه من الاجماعات المحكية حدّ الاستفاضه، فثبت الاستثناء فى القدمين ايضا، لما عرفت من عدم القائل بالفرق اصلا، انتهى، و ما ذكره اخيرا جيد، كما اشرنا سابقا، و كيف كان، فظهر بالأخبار و غيرها، عدم لزوم ستر القدمين، و امر الاحتياط واضح.
قال بعض الأجلاء: و اما ما اعترض به فى المدارك على كلام الشيخ رحمه الله فى الاقتصاد، حيث قال: و اما احتجاج الشيخ فى الاقتصاد، على وجوب
ص: 213
الستر، بان بدن المراة كلّه عورة، فان اراد بكونه عورة، وجوب ستره عن الناظر المحترم فمسلم، و ان اراد وجوب ستره فى الصلوة، فهو مطالب بدليل، انتهى
ففيه: ان الظاهر من الأخبار و كلام الاصحاب، ان وجوب الستر عن الناظر المحترم، و كذا فى الصلوة، امران متلازمان، و ذلك فان وجوب الستر فى الموضعين دائر مدار ثبوت كونه عورة، و لهذا كما عرفت من كلام العلامة فى المنتهى و المختلف، انما تمسك بعدم وجوب ستر هذه الاشياء، بالخروج عن كونها عورة، و لعل وجه الفرق الذى توهمه، انما بناه على ما فهمه من صحيحة محمد بن مسلم، دعوى دلالتها على خروج الكفين و القدمين، و قد عرفت ما فيه انتهى، اراد بقوله (ما فيه) ما نقلنا سابقا، بعد قولنا قال بعض الأجلاء، تذكر، و قد عرفت ما فيه.
أقول: و انت خبير بان ما ذكره من ان الظاهر من الأخبار و كلام الاصحاب.
الى آخره، غير جيد، لأن الظاهر من الاصحاب كما صرّح به غير واحد، عدم جواز النظر الى القدمين، مع ان المشهور جواز الصلوة و هما مجردان، قال بعض شراح الشرايع، فى كتاب النكاح، فى جملة كلام له: و اذ قد عرفت حرمة النظر الى الاجنبية فى الجملة، فهى فيما سوى الوجه و الكفين اجماعى، كما شهد به المحقق الثانى رحمه اللّه فى شرح القواعد، بل نفى الخلاف عن ذلك بين اهل الاسلام، و قال الشارح الفاضل: انه موضع وفاق بين المسلمين فيحرم على الناظر النظر، كما يجب عليها الاحتجاب.
و اما الوجه و الكفان و المراد بها كما نبّه به الفاضل رحمه الله، من رؤس الاصابع الى المعصم، فانه المتبادر فى مثله، فان كان النظر اليهما بريبة و حصول فتنة، حرم ايضا بالاجماع، و الا ففيه قولان، اختار اولهما الشيخ فى المبسوط على كراهية، و الثانى العلامة فى التذكره، و شيخنا المقداد، و الشيخان فى النهاية و المقنعة، و القطب فى الاصباح، و هو المشهور فى غير نظرة واحدة بين العلماء، و لا يبعد ان يقيد اطلاق المبسوط ايضا بمرة واحدة، فيرتفع النزاع
ص: 214
من تلك الجهة، انتهى.
الأول: اعلم ان ظاهر جملة من العبارات و صريح جماعة،(1) عدم الفرق فى القدمين بين ظاهرهما و باطنهما،
و عن اكثر عباراتهم كعبارة الشيخ و المحقق و المصنف فى عدة من كتبه التقييد بظاهر القدمين، قيل: مع ان تعليل المصنف و المحقق يقتضى عدم الفرق، انتهى، للاول الاصل، و للثانى كون القدمين عورة، خرج الظاهر بظواهر النصوص المكتفية بالدّروع و الخمار، و كونه مجمعا عليه بين القائلين بالجواز، و يبقى الباطن داخلا لكونه مستورا بالارض حالة القيام، و بالدروع حالة الجلوس و السجود، و انما ينكشف عن الدرع الظاهر فى الحالة الاولى، فلا يمكن ادخاله فى ظاهر النصوص المزبوره، كما لا يمكن دعوى الوفاق من القائلين بالجواز عليه ايضا، لمكان الخلاف، و مصير جم غفير الى وجوب ستر الباطن لذلك.
و ربما يناقش فى دعوى عدم دخوله فى النصوص، المخرجة للظاهر بناء على انكشاف الباطن، عن الدرع الذى ينكشف عنه الظاهر حالة المشى جدا، و الاقوى عندى هو القول الأول، للنصوص المكتفية بالدرع و الخمار، الدال باطلاقها على الاجزاء، و لو خرج باطن القدمين عن الدرع فى حالة السجود و الجلوس، او ظهر عنه فى حالة القيام، و اما الاستدلال لهذا القول بالدليلين المتقدمين، فلا يخلو عن مناقشة و الاحوط ستر الباطن، بل ستر الظاهر، بل ستر الكفين ايضا.
بل ربما ظهر منها انه غير واجب، لعدم دخوله فى مسمى الجسد، و
ص: 215
يدل عليه اطلاق الأمر بالصلوة، فلا يتقيد الا بدليل، و لم يثبت، اذ الأخبار لا يعطى ذلك.
و استقرب الشهيد فى الذكرى الوجوب، لما رواه ابن بابويه، عن الفضيل، عن ابى جعفر (ع): صلت فاطمة (ع) فى درع و خمار، ليس عليها اكثر مما وارث به شعرها و اذنيها، و هى مع تسليم السند، لا يدل على الوجوب، نعم يمكن الاستدلال على عدم وجوب ستر العنق.
ثم قال فى المدارك: و فى رواية زرارة المتقدمة، اشعار به ايضا، و قال بعض الأجلاء، معترضا على صاحب المدارك: الظاهر من الأخبار باعتبار اشتمالها على الخمار و المقنعة، التى هى عبارة عن الخمار ايضا، كما ذكره اهل اللغة و غيرهم، و ملحفة تلتف بهما، هو ستر شعر الراس، و ستر العنق، بل ستر الراس و ما انحدر عنه، ما عدا الوجه، اما بالنسبة الى الملحفة، فظاهر لما عرفت من معناها، و انها بعد التقنع بها تلفها و تضمها على بدنها، و اما بالنسبة الى الخمار، فان الظاهر بل المعلوم انحداره عن العنق و زياده، لا اختصاصه بالراس، كما يوهمه ظاهر كلامه، و من اظهر الادلة على ذلك قوله عز و جل: «وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ (1)المخنقة بالكسر القلادة عن الصحاح. (منه)(2) عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ».
ص: 216
قال شيخنا امين الاسلام الطبرسى رحمه اللّه فى تفسير مجمع البيان: و الخمر المقانع جمع خمار، و هو غطاء رأس المراة المنسدل على جبينها، امرن بالقاء المقانع على صدورهن، تغطية لنحورهن، فقد قيل انهن كن يلقين مقانعهن على ظهورهن، فتبدو صدورهن، و كذا عن الصدور بالجيوب لأنها ملبوسة عليها، و قيل انهن امرن بذلك ليسترن شعورهن و قرطهن و اعناقهن، قال ابن عباس: تغطى شعرها و صدرها و نوابئها و سوالفها، انتهى.
و هو صريح كما ترى فى كون الخمار منسدلا الى الصدر و الظهر، موجبا لستر شعر الراس و العنق، كما لا يخفى، و ان حملناه على ما هو المعمول الان، و المتعارف بين نساء هذا الزمان، فهو ابلغ و اظهر فى ستر الاجزاء المذكورة، من ان يحتاج الى البيان.
و اما الرواية التى نقلها عن فاطمة، التى هى سبب وقوعه فى هذا الوهم، فهى مع كونها ظاهرة فى كون تلك الحال ضرورة ظاهرة فى وجوب ستر الشعر، فانه لا يخفى ان شعر الراس بمقتضى القاعده منسدل على العنق و البدن من امام و خلف، و هى صلوات اللّه عليها لمكان الضرورة، و عدم كون خمارها متسعا كسائر الاخمرة التى اشرنا اليها، قد جمعت شعر راسها و وارته فى ذلك الخمار اليسير، حيث انه ليس عليه سعة تاتى على شعرها مع انسداله، فان ذلك الخبر ان ذلك الخمار لصغره انما وارى ما فوق العنق خاصة، فجمعت شعر راسها فيه، و لو كانت الصلوة جائزة مع عدم ستر الشعر كما توهمه، لما كان لجمعها له فى الخمار وجه البتة، لما عرفت انه بمقتضى العادة منسدل الى تحت، و هذا بحمد اللّه سبحانه ظاهر لا ستره عليه، و به يظهر ان ما استقربه فى الذكرى، من دلالة الخبر على وجوب فى محله، و ان كلامه عليه و منعه الدلالة، لا وجه له.
و اما قوله: نعم يمكن الاستدلال بها على عدم وجوب ستر العنق فضعيف، بل عجيب من مثله رحمه الله، فانه لا يخفى ان ظاهر الخبر ينادى بانها صلوات
ص: 217
الله عليها فى ذلك الخمار بهذه الكيفية، انما هو لمكان الضرورة، فانه ليس عليها اكثر من ذلك، فالحال حال ضرورة، و الضرورات تبيح المحذورات، و انما صلت كذلك حيث لم تجد ساترا يستر ما زاد على ذلك، فكيف يسوغ منه الاستدلال على جواز كشف العنق مطلقا، و قد عرفت من ظاهر الاية كما ذكره امين الاسلام المتقدم، الدلالة على كون الخمار المتعارف يومئذ ساترا للجميع، و ان اللّه سبحانه قد اوجب ستر هذه المواضع عن الناظر، لكونها عورة، فيجب سترها فى الصلوة ايضا كما تقدم، و يحمل الخمار فى الأخبار المتقدمة على ذلك، كما عرفت، و به يظهر وجوب ستر العنق و نحوه، ايضا.
و اعجب من ذلك، قوله: و فى رواية زرارة المتقدمة اشعار به، و كانه توهم من نشر الملحفة على راسها، انها ترمى طرفى الملحفه على يمينها و يسارها، و تصلى مكشوفة العنق مما يلى صدرها، و غفل عن قوله (و تجلل بها) فان المراد بالتجليل بها، ضمها على البدن كما عرفت من الروايات الاخر، و به صرح اهل اللغة، حيث ذكروا ان الجلال للدابة كالثوب للانسان تتقى به البرد و نحوه، و هو يقتضى ضمه على البدن من جميع جهاته و اطرافه، و بالجملة فان كلامه فى امثال هذه المقامات، لا يخلو عن مجازفة و عدم قائل و اعجب من جميع ذلك متابعة من تاخر عنه له فى امثال هذه المقامات، من غير اعطاء النظر حقه فى الأخبار و كلام علمائنا الابرار، و لا تحقيق ما هو الحق فى المقام، بحسن الظن بصاحب الكتاب، و اشتهاره بالفضل و التحقيق فى جميع الابواب، انتهى كلامه.
و الاقوى عندى، هو القول بوجوب ستر الشعر و العنق لأنهما من العورة، و يجب سترهما فى الصلوة، للاجماعات المحكية، اما كون العنق من العورة فواضح، لما عرفت من الاجماعات المحكية، الدالة على كون بدنها بجملتها و ما عدا الوجه او الكفين و القدمين عورة، و لانها مامورة بستره عن الاجنبى، و ليس ذلك الا لكونه عورة.
و بهذا ظهر وجه كون الشعر ايضا من العورة، للاخبار الدالة على وجوب
ص: 218
ستره عن الاجنبى، منها: المروى عن العلل و العيون، عن محمد بن سنان، ان الرضا (ع) كتب اليه فيما كتب من جواب مسائله: حرم النظر الى شعور النساء المحجوبات بالازواج، و الى غيرهن من النساء، لما فيه من تهييج الرجال، و ما يدعو التهييج الى الفساد، و الدّخول فيما لا يحل و لا يجمل، و كذلك ما اشبه الشعور، الا الذى قال اللّه عز و جل: «وَ اَلْقَوٰاعِدُ مِنَ اَلنِّسٰاءِ اَللاّٰتِي لاٰ يَرْجُونَ نِكٰاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنٰاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيٰابَهُنَّ» غير الجلباب، فلا بأس بالنظر الى شعور مثلهن.
و عن العيون: و ما يدعوا التهييج اليه من الفساد، بدل ما ذكر.
و منها المروى عن العقاب، باسناده عن النبى (ص)، فى خطبة الوداع و ساق الحديث - الى ان قال - و من اطلع فى بيت جاره، فنظر الى عورة رجل، او شعرا مراة او شىء من جسدها، كان حقا على اللّه ان يدخله النار مع المنافقين، الذين كانوا يتبعون عورات فى الدنيا، و لا يخرج من الدنيا حتى يفضحه، و يبدى للناس عورته فى الاخرة الحديث.
و منها المروى عن القرب، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن احمد بن ابى نصر، عن الرضا (ع) قال: سألته عن الرجل، ايحل له ان ينظر الى شعر اخت امراته؟ فقال: لا، الا ان تكون من القواعد، قلت له: اخت امراته و الغريبة سواء؟ قال: نعم، قلت: فما لى من النظر اليه منها؟ فقال: شعرها و ذراعها، قال بعض: و الظاهر كما قال صاحب التفصيل اختصاص حكم الاخير بالقواعد من النساء، بقرينة اول الخبر، فلا تغفل.
و بالجملة الأخبار فى الباب مستفيضة، بل قيل لعلها متواترة، فلا اشكال فى المسئلة، سيما مع ملاحظة تاييدها برواية الفضيل المتقدمة، التى استدل بها لخصوص وجوب ستر الشعر، كما عرفت ثمة، و اما الاستدلال بها على عدم لزوم ستر العنق، فضعيف فى الغاية، لعدم المقاومة بضعف سندها، لما مرّ من الادلة، و المكافأة شرط فى المعارضة، مع احتمال ضعف فى الدلالة بورودها
ص: 219
مورد الضرورة، بل عرفت من كلام بعض الأجلاء انه حكم بكونها ظاهرة، قيل:(1) و لا يخلو عن مناقشة، بل يمكن ان يقال: ان المراد بقوله (ع): ليس اكثر... الى آخره بيان عدم وجوب نحو الازار زيادة على الخمار و الدرع، و الا لالتفت بها صلوات اللّه عليها.
و ليس فيه - اى الخبر المذكور - انه ما كان على راسها من الخمار الا قدر قليل تستر به على الكتفين و العنق غالبا، و ليس فيه انها صلوات اللّه عليها، جمعت الشعر كله تحت ذلك الخمار، و حينئذ يكون الخمار المزبور ساتر اللعنق ايضا، لاستلزام ستره الشعر المنسدل عليه ستره قطعا، فتأمل جدا، انتهى.
و لعل لذا ذكر بعض المحققين: و يجب ستر العنق، كما يدل عليه ظاهر كثير من الأخبار، منها: رواية الفضيل، عن الباقر (ع): صلت فاطمة: الحديث و فيه مناقشة، لأن الرواية لو كانت منزلة على ما ذكر، لما كان لتخصيص الاذن الواقع فى قوله: و ليس عليها اكثر مما وارت به شعرها و اذنيها، بالذكر وجه ظاهر، لكون العنق و الكتفين على ذلك التقدير كالاذنين، فلا وجه على الظاهر فى تخصيصها بالذكر دون الاولين فالترجيح لقول بعض الأجلاء، حيث حكم بكون الضرورة منها هى الظاهرة.
قال بعض الاصحاب: و اما ستر الشعر و العنق فظنى كونه مجمعا عليه، و ان تامل فيه نادر، لشذوذه، و مخالفته لاطلاق النصوص و الفتاوى، بكون بدن المراة جملتها عورة، و قدم دعوى جماعة الاجماع عليه من العلماء كافة، من غير استثناء لهما بالمراة، و ان استثنوا غيرهما كما عرفته، و المراد من البدن ما يعم الشعر، لتصريح بلزوم نحو الخمار الساتر للشعر جدا، و لو كان مرادهم بالجسد ما يقابل الشعر، لما كان لأمرهم بلزوم الخمار وجه، لستر الشعر جلد الراس جدا، فكان فيه غنى الخمار الساتر قطعا، انتهى.
و فيه مناقشة، لأن الغالب كون شعورهن معقوصة، و معه لا يستر الشعر لتمام جلد الرّاس، بل يبقى مقدار من الجلد فى وسط الراس فلعل امرهم بلزوم الخمار لتحصيل ستر ذلك المقدار، مع ان كل النساء ليست فى رؤسهن بحيث تستر جلد الراس، و لو كانت مفتوحة، و ذلك واضح عند من كان متتبعا برؤسهن
ص: 220
و لو فى الجملة، فافهم.
و كيف كان، فالمسئلة بحمد اللّه واضحة السبيل، و مكشوفة الدليل.
قال الشارح المحقق: قال الشارح الفاضل: و هو ما يجب غسله فى الوضوء اصالة، و اثبات هذا التحديد لا يخلو عن اشكال، قال فى الذكرى: و فى الصدغين و ما لم يجب غسله من الوجه، نظر، من تعارض العرف اللغوى و الشرعى انتهى كلام الشارح المحقق.
و التحقيق ان يقال: ان كان المستند فى الحكم، بعدم وجوب ستر الوجه الروايات، فلا دلالة فيها على خصوص شىء منهما، و ان كان المستند فى الحكم الاجماعات المحكية، فلا يخلوا ما يحم بكون بدن المراة بجملته عورة(1)، كما ادعى المصنف فى المنتهى الاجماع عليه كما عرفته، اولا بل يحكم بالمذكور فيما عدا الوجه(2) او الكفين و القدمين، فان كان الأول، فقول الشارح الفاضل هو المتبع، للاجماعات المحكية الدالة على لزوم ستر العورة، و القدر الخارج منها على اليقين هو الوجه الشرعى، و لا نسلم خروج ما عداه، و هو ما لم يجب غسله فى الشرع عن مقتضاها.
و ان كان الثانى، فلا يخلو، اما نقول بثبوت الحقيقه الشرعية فى لفظ الوجه، بان كان موضوعا فى الشرع لما يناله الاصبعان من القصاص الى الذقن،
ص: 221
اولا، بل التحديد المذكور الواقع فى صحيحة زرارة المروية فى الفقيه، فى باب حد الوضوء، انما هو مخصوص بالوضوء، كما يشعر به اول الصحيحه، فعلى الاول فما ذكره فى الذكرى حقّ، فافهم، و امر الاحتياط واضح، و على الثانى، فمتابعة قول من قال: بان المعتبر فى الوجه ما يسمى فى العرف وجها، ليس ببعيد.
هذا اذا علم مذهب المدعين للاجماع، الدال على عدم لزوم ستره، و مع عدم العلم، فالاحتياط واضح، و ان كان المستند كليهما، فلا يخلو اما يكون كل منهما دليلا مستقلا اولا، بل كلاهما دليل واحد حصل بالانضمام، فان كان الاول فالحكم ما ذكرنا فى صدر التحقيق، و ان كان الثانى فامر الاحتياط واضح.
فظهر بما ذكر، ان الاقوى هو القول بكفاية القاء الخمار على الراس، بحيث تستر الشعر و العنق و الاذن، سواء ظهر الوجه الشرعى او العرفى او ازيد ام لا، و الظاهر صدق الوجه عرفا ما لم يدخل فى حد الاذنين الواجب سترهما على الظاهر، لشمول الخمار لهما، و امر الاحتياط، ان يستر ما عدا الوجه الواجب غسله شرعا، و يستر منه ايضا شيئا من باب المقدمة.
و الظاهر انه كذلك لتبادره.
نرى انه يظهر من حين رفعهن ايديهن لاجل القنوت او التكبير، او شىء آخر، فوق مفصل الزند و لم يكن ظاهرا حين القائها، فهل يجوز ذلك ام لا؟
فالتحقيق ان يقال: ان كان المستند فى الحكم بعدم وجوب ستر اليد، الروايات، و قلنا بان الدّرع الذى كان فى زمان صدورها لا يستر اليدين، فلعل الأول لا يخلو عن قوة، لاطلاق الروايات، سيما رواية محمد بن مسلم المتقدمة.
و ان كان المستند الاجماعات المحكية، و قلنا بان الرّوايات لا دلالة فيها على عدم وجوب ستر الكفين، لأن الدروع التى كانت فى زمان صدورها، كانت
ص: 222
طويلة الاكمام بحيث تستر اليدين، كما كلمنا فى المذكور سابقا، و الاحوط هو وجوب الستر.
و ان كان المستند كليهما، فلا يخلوا ما يكون كل منهما دليلا مستقلا، اولا، بل هنا دليل واحد حصل من الانضمام، فعلى الأول: فالحكم بالاجزاء لعله لا يخلو عن قوة، لما عرفت، فافهم، و الاحتياط واضح و على الثانى: فالاحتياط هو وجوب الستر، ان لم نقل بكونه اقوى.
فهل يراعى الستر من جانب التحت ايضا حين القاء اليدين ام لا؟ و لعلّ الثانى لا يخلو عن قوة، لصدق الستر.
و لعله كذلك.
فهل يجب الستر العقب ام لا؟ يظهر من الشارح المحقق تبعا لصاحب المدارك، العدم، لانهما حكما بعدم ستر الدرع له، و الى الأول ذهب بعض الاصحاب، كما حكاه فى المسالك قال الشارح الفاضل فيه: و الاولى ستر العقب، و اوجبه بعض الاصحاب، لعدم دخوله فى مسمى القدم، انتهى. و القول بالثانى من غير ترديد، ليس عن السّداد ببعيد، لعدم ستر الدرع له، سيما فى حال الركوع، و لا بد من ستر شىء من اليدين و القدمين من باب المقدمة
(و يجوز للامة و الصبية) و هى الانثى الغير البالغة (كشف الراس) فى الصلوة اجماعا من العلماء كافة، الا الحسن(1) البصرى، كما حكاه الفاضلان و الشهيدان و الحبل المتين، و حكى عن المحقق الثانى و الخلاف ايضا، و الأخبار به مع ذلك مستفيضة:
ص: 223
منها: ما تقدم من صحيحتى محمّد بن مسلم و عبد الرحمن بن الحجاج، و رواية على بن جعفر المروية فى البحار، عن قرب الاسناد، باسناده عنه.
و منها: ما رواه التهذيب فى الباب فى الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت له: الامة تغطى راسها، فقال: لا، و لا ام الولد، أن تغطى راسها اذا لم يكن لها ولد.
و منها: ما رواه فى الفقيه فى باب اداب المراة فى الصلوة، فى الحسن او الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع) قال: ليس على الامة قناع فى الصلوة، و لا على المدبرة قناع فى الصلوة، على المكاتبة اذا اشترط مولاها قناع فى الصلوة، و هى مملوكة حتى تؤدى جميع مكاتبتها، و يجزى عليها ما يجزى على المملوك فى الحدود كلها، و رواه فى الكافى عنه بطريق صحيح.
قال فى الفقيه، بعد الكلام المذكور قال: و سألته عن الامة اذا ولدت، عليها الخمار؟ قال: لو كان عليها، لكان عليها اذا هى حاضت، و ليس عليها التقنيع فى الصلوة، و بالجملة الأخبار فى المسئلة كثيرة جدا، و هذه الأخبار كما ترى مختصة بالامة.
و اما الصبية، فيدل على حكمها بعد الاجماعات المحكية، الاصل، و عدم دليل على اشتراط الستر فى حقها، لأن الاجماعات الدالة على اشتراط الستر ظاهرة فى ستر ما هو عورة خاصة، و كون راسها عورة غير معلوم من الشريعة، و على فرض التسليم و المماشاة فحجيتها فى نحو المقام غير وجيه، كما لا يخفى على من له ادنى دربة.
و الاستدلال للمطلب، بانه تكليف و ليست من اهله، مردود بان ذلك مبنى على كون المراد بالوجوب الشرعى لا الشرطى، و يحتمل الثانى، و هى من اهله، و يكون حال الستر فى حقها، كاشتراط الوضوء و غيرها فى صلوتها.
و الاستدلال له بموثقة ابن بكير المتقدمة فى بيان عورة المراة، النافية للباس فى صلوة الحرة و هى مكشوفة الراس، بحملها على الصغيرة جمعا بينها و
ص: 224
بين الادلة المتقدمة، الدالة على وجوب ستر الراس على الحرة البالغة، الراجحة عليها من وجوه عديدة، غير وجيه، لأن حمل لفظة المراة التى لا تطلق حقيقة الاّ على الحرة، على الصغيرة،(1) و ان امكن، للجمع بينها و بين تلك الادلة، و لكن لا شاهد لهذا الجمع، من العرف و غيره، هذا مضافا الى ان الجمع غير منحصر فى ذلك، لاحتمال حملها على الضرورة، او المتخلى عن الازار و الملحفة، او المراد انه لا بأس لها ان تكون بين يدى المصلى مكشوفة الرّاس، و يكون صيغة (تصلى) خطابا الا غيبة، و بالجملة المسئلة بملاحظة الادلة المتقدمة، لا سترة فيها.
اعلم ان مقتضى العبارة و غيرها من عبائر اكثر الاصحاب، على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، و اكثر النصوص، عدم الفرق فى الامة، بين المملوكة، و المدبرة، و المكاتبة المشروطة، و المطلقة التى لم تؤدى من مكاتبتها شيئا، و ام الولد مطلقا، و لو كان ولدها حيا، و به صرح جماعة، و منهم المحكى عن الخلاف، لكن فى ام الولد مدعيا عليه الاجماع الامامية كغيره،(2) و يظهر من صاحب المدارك الحاق ام الولد مع حيوة الولد بالحرة، مستدلا بصحيحة محمد بن مسلم الاولى المذكورة فى اصل المسئلة.
قال السيد فيه بعد ذكرها: و هو اى الصحيح يدل بمفهومه على وجوب تغطية الرّاس مع الولد، و مفهوم الشرط حجة كما حقق فى محله، و يمكن حمله
ص: 225
على الاستحباب، الا انه يتوقف على وجود المعارض، انتهى.
و فيه ما ترى، لأن فى المعارضة شرط المكافأة، و هى فى الصحيحة المخالفة للاجماعين عن الخلاف و غيره، المعاضدين باطلاق الاجماعات المحكية و الأخبار الصحيحة، و بالشهرة المحققة، بل و عدم المخالف فى المسئلة كما قاله بعض المحققين، مفقوده، هذا مضافا الى ما رواه محمد بن مسلم، عن ابى جعفر عليه السلام بقوله: و سألته... المروى فى الفقيه كما عرفته، الذى هو كالنص فى المسئلة، مع ان تلك الصحيحة(1) دلالتها بالمفهوم، و دلالة المعارض بالمنطوق المفتى به بين الطائفة، و انها موافقة لمذهب العامة، لأن الخلاف على ما نسب، حكى هذا القول عن مالك و احمد، و الاخذ بخلافها فى امثال المقام عنهم صلوات اللّه عليهم مروية، فبذلك لا يبعد حملها على التقية، و ربما احتمل ان يخصص ذلك المفهوم من الصحيحة، بما عدا وفات المولى مع كون ولدها حيا.
و كيف كان، فلا اشكال فى المسئلة، لما ذكرنا من الادلة لما ذكره الشارح المحقق، بعد ان ذكر صحيحتى عبد الرحمن بن الحجاج، و محمد بن مسلم المتقدمين، فى عنوان قول المصنف: و جسد المراة... الى آخره، و صحيحة محمد بن مسلم المروية فى الكافى، المتقدمة فى اصل المسئلة، بقوله: و اما ما رواه الشيخ فى الصحيح عن محمد بن مسلم، عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت له
ص: 226
تغطى راسها، فقال: لا و لا على ام الولدان تغطى راسها، اذا لم يكن لها ولد: فلا يصلح لمعارضة الخبرين السابقين، لأنه لو سلم مفهوم تلك الصحيحة، لم يكن واضح الدلالة على الوجوب، انتهى.
كيف؟ و مفهوم الشرط على التحقيق(1) حجة، و الخاص - و لو كان مفهوما - حاكم على العام بلا ريبة، قال بعض الأجلاء و هو فى مقام الاعتراض على كلام الشارح المحقق هذا، بعد ان ذكر مقتضى الأخبار المتقدمة، ان بدن المراة كله عورة يجب ستره فى الصلوة، حرة كانت او امة، استثنى من ذلك ما قام عليها الدليل من الامة بهذه الأخبار، و بقى ما عدا موضع الاستثناء على الوجوب ما صورته: و بذلك يظهر لك ضعف قوله: انه لو سلم فمفهومها لم يكن واضح الدلالة فى الوجوب، فان الوجوب ثابت بتلك الأخبار، المشار اليها، لا بهذا الخبر، غاية الأمر قد استثنى من الوجوب فى المرأة مطلقا، ما قام عليه الدليل، و هى الأمة بهذه الأخبار، انتهى.
و فيه مناقشة، لأن الأخبار الدالة على جواز صلوة الأمة و راسها مكشوفة بالنسبة اليها مطلقة، فبهذه الأخبار الخاصة، خرجت الامة عن مقتضى الأخبار الدالة على وجوب ستر المراة مطلقا، و لو كانت امة بدنها بتمامه، فصار الاصل فى الامة على وجوب ستر راسها فى الصلوة بالبديهة، فخروج قسم منها عن الاصل المزبور، يحتاج الى دلالة واضحة، فاندفع بذلك عن الشارح المحقق المناقشة المزبورة.
هذا و اما ما ذكره من ان مقتضى الأخبار: الى آخره، فغير وجيه، لأنه اراد بالأخبار المتقدمة، الأخبار الدالة على صلوة المراة فى الدرع و الخمار و امثالهما من الملحفة و غيرها، و قد عرفت ان سترهم للقدمين محل اشكال بل الظاهر عدمه، و كذلك الوجه، فالقول المذكور لا يخلو عن اغراق، فافهم.
ص: 227
ذهب المحقق فى التحرير و المختصر النافع، كما عن المصنف رحمه اللّه فى المنتهى و التحرير، و التذكرة، و ابنى حمزة و زهرة و الجامع، و ظاهر المهذب و المراسم، و غيرها، الى استحباب ستر الرّاس للامة، و نسبه بعض الاصحاب الى المشهور بين الطائفة، و يظهر من جماعة من المتأخرين المخالفة، بل ظاهر الصدوق فى العلل الافتاء بالحرمة، حيث قال: التى من اجلها لا يجوز للامة ان تقنع راسها فى الصلوة، ثم روى فيه عن ابيه، عن احمد بن ادريس، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن على بن الحكم، عن حماد اللحام، عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الخادمة تقنع راسها فى الصلوة، قال:
اضربوها حتى تعرف الحرة من المملوكة.
و روى ايضا فيه، عن ابيه، عن على بن سليمان، عن محمد بن(1) عن احمد بن محمد بن ابى نصر، عن حماد بن عثمان عن حماد اللحمام قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن المملوكة تقنع راسها اذا صلت، قال: لا، قد كان ابى اذا رأى الخادمة تصلى و هى متقنعة، ضربها لتعرف الحرة من المملوكة.
و روى فى البحار عن المحاسن، عن ابيه عن يونس عن حماد مثله.
و روى فى الذكرى، عن كتاب البزنطى، باسناده الى حماد اللحام عن الصادق (ع)، فى المملوكة تقنع راسها اذا صلت، قال: لا، قد كان ابى اذا رأى الخادمة تصلى بمقنعة، ضربها لتعرف الحرة من المملوكة.
و بهذه الأخبار كما ترى ظاهرها عدم الاستحباب، كما ذهب اليه الجماعة، بل كراهة الستر لهن كما ذهب اليه البحار و غيره،(2) و نسبها بعض الى المشهور بين الطائفة، و لعل الشهرة بين القدماء فى جانب الاستحباب، كما ادعا بعض الاصحاب، كما عرفت، بل حرمته لهن كما قال به العلل كما عرفت، للامر بالضرب الظاهر فى الحرمة، و القول بانهم (ع)، كثيرا ما يؤكدون فى المنع من
ص: 228
المكروهات، بما يكاد يلحقها بالحرمات، كما يؤكدون فى المستحبات بما يكاد يلحقها بالواجبات، غير وجيه، لأن الاصل و الظاهر فيه الحرمة، كما اعترف به القائل بالكراهة، نعم القول بالحرمة ضعيف، لا لذلك بل لضعف الأخبار المذكورة، مع احتمال حملها على التقية، المشعر بها نسبة ضربهن الى ابيه عليه السلام، على ما اعاده غير واحد من الطائفة.
و يعضد الحمل عليها ما نقل عن عمر كما سياتى فى نقل كلام التحرير، مضافا اليه ما رواه الشهيد فى الذكرى، عن كتاب على بن اسمعيل الميثمى، عن ابى خالد القماط، قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الأمة ا تقنع راسها؟ فقال:
ان شاءت فعلت، و ان شاءت لم تفعل، سمعت ابى يقول: كنّ يضربن فيقال لا تشبهنّ بالحرائر.
و هذا الخبر الحسن كالصحيح، ينادى كما ترى بالتقية، لأن الظاهر من قوله (ع): كن يضربن... الى آخره، هو ان يكون اشارة الى ما رواه العامة عن عمر، و يكون ذكره للتقيه، خصوصا بعد قوله (ع): ان شاءت فعلت و ان شاءت لم تفعل، الظاهر فى التسوية.
و يؤيدها المروية فى التهذيب فى زيادات كتاب الصوم، عن ابى بصير، عن الصادق (ع)، انه قال: على الصبى اذا احتلم الصيام، و على الجارية اذا حاضت الصيام و الخمار، الا ان تكون مملوكة فانه ليس عليها خمار، الا ان تحب ان تختمر، و عليها الصيام.
و بما ذكر ظهر ضعف القول بالكراهه، لأن المستند فى القول بها على ما ذكره البحار، هو عدم دلالة تلك الأخبار بضعف سندها على الحرمة، و اما القول بالكراهة، فلا معارض لها، و انت خبير بان التسامح فى ادلتها، مع ظهور حمل ما يدل عليها على التقية، محل اشكال اللهم الا ان يعم فى التسامح فى ادلة الاستحباب و الكراهة، و عمل فيها بخبر كل بالغ لشىء من الثواب مطلقا، و لو كان البالغ من رجال العامة، و كانت الرواية من طريقها، ما لم
ص: 229
يشتمل على شىء غريب، كان بعيدا فى الغاية، و لعله لا يخلو عن قوة.
و بذلك فانجلى القول بالكراهة، لكن لقائل ان يقول: ان التسامح فى ادلتهما انما يجوز مع انتفاء احتمال المرجوحية، و هى فى المقام موجودة، لأن خبر القماط كالصريح فى تساوى الطرفين، بل صريح فيه على ما ادعاه بعض من الطائفة، فلا يجوز لتلك الرواية الحسنة القول بها بلا ريبة.
و اما مستند القول بالاستحباب، فهو ما ذكره المحقق فى التحرير، قال فيه: و هل يستحب لها القناع؟ قال: به عطاء و لم يستحب الباقون لما رواه ان عمر كان ينهى النساء عن التقنع، و قال: انما القناع للحرائر، و ضرب أمة لآل انس كانت متقنعة، و قال: اكتفى و لا تشبهى بالحرائر، و ما قاله عطا احسن لأن الستر انسب بالحصر و الحياء، و هو المراد من الحرة و الامة، و ما ذكره من فعل عمر جاز ان يكون رأيا رآه، انتهى.
و لا يخفى ان هذا على القول بعدم جواز المسامحة فى السنن، مشكل، لأن التعليل كما ترى قاصر عن افادة الحكم الشرعى، بلا ريبة، مع عدم نصّ فيه بالخصوص، كما اعترف به المحقق فى التحرير، كما عن المنتهى و التحرير و غيرهما، و لذا اختار الجماعة العدم، بل فى الدروس: و روى استحباب كشف الراس للامة، و الظاهر انه اشار بالرواية الى ما روى فى الذكرى. و اطلاق الاستحباب على ما تدل عليه، محل مناقشة، اللهم الا ان يراد منه الرجحان فى الجملة.
و اما على القول بالتسامح فى ادلة الاستحباب، فالقول به لمصير المشهور على الظاهر اليه، لا يخلو عن مناقشة، لخبر القماط الظاهر فى تساوى الطرفين و حمل التسوية المستفادة من الخبر، على التسوية فى الاجزاء، حتى لا تنافى فضيله الستر، و ان امكن، لكن حينئذ يجئ القول بالكراهة، لأن الأخبار معها بلا ريبة، فظهر بما ذكر ان القول به لا يخلو عن حزازة، كالقول بالكراهة، و ان امكن القول بها للخروج عن خلاف الصدوق فى العلل، بل للروايات ايضا.
ص: 230
و حمل ما تضمنته رواية القماط من قوله (ع): ان شاءت... الى آخره، على انه (ع) اراد تخطئتهم فى ضرب الامة، لأنه انما يصح فى الحرمة فلا ينافى ذلك القول الكراهة، و اللّه سبحانه هو العالم بحقايق الاشياء(1)
للاخبار الدالة على وجوب ستر المراة بدنها، خرج رأس الامه بالاجماع و الأخبار، و يبقى الباقى مندرجا تحتها: قال المصنف رحمه اللّه فى المنتهى: لا يجوز للامة كشف ما عدا الوجه و الكفين و القدمين، ذهب اليه علماؤنا، انتهى.
قال فى التحرير، على ما نسب، بعد ان حكى عن الشيخ بانه يجب على الامة ستر ما عدا الراس، هكذا: و يقرب عندى جواز كشف وجهها و يديها و قدميها، لما قلناه فى الحرة، و استدرك عليه الشهيد فى الذكرى ذلك، على ما نسبه بعض، فقال بعد ان نقله عنه: قلت: ليس هذا موضع التوقف، لأنه من باب كون المسكوت عنه اولى بالحكم من المنطوق به، و لا نزاع فى مثله، انتهى، و هو جيد لما عرفت.
ص: 231
و به صرح جماعة، لأن الظاهر من الأخبار المانعة لوجوب التقنع جواز كشفه، و لعسر ستره من دون الراس، قاله غير واحد من الطائفة، و لرواية قرب الاسناد، النافية للباس فى صلوتها فى قميص واحد، المتقدمة فى عنوان قول المصنف رحمه الله: و جسد المراة كله عورة... الى آخره، و هى كما ترى كالصريحة فى المسئلة، بل صريحة، كما ادعاه بعض الاصحاب، و بالجملة المسئلة بحمد اللّه واضحة.
كما صرح به جماعة و فى البحار حكاه عن الاصحاب لعدم دخولها تحت الأخبار المتقدمة، لأن المتبادر منها هى المملوكه كملا، كما صرح به جماعة، و لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمه المروية فى الكافى، حيث شرط (ع) فيها كون المكاتبة مشروطة، و مفهوم الشرط حجة، فتدل على ان المطلقة ليست كذلك، فعليها القناع قبل ان يؤدى جميع مكاتبتها.
قال فى الذكرى، بعد نقل القول المذكور كما عن الشيخ و القاضى، و نقل صحيحة محمد بن مسلم هذه، و هو يشعر بما قالوه للتخصيص بالمشروطة، يعنى ان تخصيصه (ع) المكاتبة المشروطة بالذكر فى هذا المقام، و هى التى لا تنعتق حتى تؤدى مال الكتابة كملا، دون المطلقة التى ينعتق منها بنسبة ما تؤديه، يشعر بان المطلقة متى ادت بعضها، لم تدخل فى عداد هؤلاء المذكورين بانعتاق بعضها، فيغلب جانب الحرية منها و يلحقها حكم الاحرار.
و ان كان احدهما زائدا، و هل يجب عليه ستر جميع جسده كالمراة؟ فيه تردد، ينشأ من اصالة براءة الذمة فيصار اليها، و من العمل بالاحتياط فى وجوب ستر الجميع، و الاقرب الثانى، لأن الشرط بدون حصول الجميع لا يتيقن حصوله، و قال الشهيد فى الذكرى: و الاقرب الحاق الخنثى بالمراة فى وجوب الستر، اخذا بالمبرئ للذمة، انتهى، و بما ذهبا اليه، ذهب
ص: 232
غير واحد من الاصحاب، و يظهر من بعض المحققين، كالشارح المحقق المخالفة.
قال الأول: و حكم الخنثى كحكم المراة فى الستر على الاحوط، لأن الاشتراط انما يثبت فى حق المراة لا مطلقا، الا ان يقال البراءة اليقينية لا تحصل الا بستر ما يستر المراة، و اليه اشار فى المنتهى بقوله: لأن الشرط بدون ستر الجميع لا يتيقن حصوله، و تبعه فى الذكرى، ثم اعترض على المنتهى، بما محصله ان مقتضى الأخبار عدم وجوب ستره الا على المراة، و ان غير المراة يكفيه ستر القبل و الدّبر، و الخنثى ليس بمتبادر من المراة التى يجب عليها ستر جميع بدنها، عدا المواضع المستثناة.
و قال الثانى: هل تلحق الخنثى بالمراة؟ تردد فيه المصنف فى المنتهى من اصالة البراءة و من العمل بالاحتياط، ثم استقرب الوجوب، لأن الشرط بدون ستر الجميع لا يتيقن حصوله، و تبعه الشهيد فى الذكرى، و فيه نظر، لأن الاشتراط انما ثبت فى حق المراة لا مطلقا، فههنا كان اطلاق الأمر بالصلوة باقيا على حاله من غير تقييد، فمقتضى ذلك عدم الوجوب.
قال بعض الأجلاء، الذى له مذاق الأخباريين، بعد ان نقل كلام المنتهى، و الذكرى، و اعترض الشارح المحقق: أقول: لا يخفى ان اخبار هذا الباب و كلمة الاصحاب رضى الله عنهم، قد اتفقت على ان حكم الرّجل بالنسبة الى هذه المسئلة وجوب ستر العورتين خاصة، و جواز كشف ما عداهما، و المراة يجب عليها ستر البدن كملا ما عدا المواضع المستثناة، و لا ريب ان الخنثى المشكل لا يسمى رجلا ليلحقه احكام الرجل، و لا المراة، و لم يرد فيه نص بخصوصه فيبقى الحكم فيه مشكلا، و قد تكاثرت الأخبار بالتثليث حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك، و لا ريب ان حكم الخنثى هنا من القسم الثالث، و قد ورد عنهم ان الحكم فى هذا القسم هو الاخذ بالاحتياط فى العمل، و هو عندنا واجب فى هذه الصورة، و ان كان عند اصحابنا الاصوليين مستحبا.
فما ذهب اليه الشيخان المذكوران هو الحق فى المسئلة، و كلام هذا
ص: 233
الفاضل عليهما لا معنى له، و تمسكه باطلاق الأمر بالصلوة مجازفة، اذ قد علم من الشرع ضرورة ان هذا الاطلاق قد قيدته النصوص، بالشّروط الواجبة على جميع المكلفين بلا خلاف، من وجوب و طهارته و طهارة المصلى من الحدث و القبلة و الوقت و نحوهما، فلا بد فى صحة الصلوة من اى مكلف كان، من الاتيان بهذه الشروط، و الخنثى المشكل من جملة المكلفين البتة، فيجب عليها ستر العورة، لكن حصل الشك فى الحاقها فى ذلك بالرّجل او المراة، حيث لا نص عليها بالخصوص، و عدم دخولها تحت شىء من العنوانين المذكورين، فالواجب الاخذ بالاحتياط، انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
و لا يخفى ان ما افاده - قدس سره - فى غاية الوجاهة، لأن الاجماعات المحكية دلت على وجوب ستر العورة، و هى بالنسبة الى الرّجل المعلوم كونه رجلا، و المراة المعلومة كونها مراة، مبينّة و لا ريب ان للخنثى عورة، و لا نعلم انه من قسم الرّجال حتى نحكم بان عورته القبل و البيضتان و الدبر، او من قسم المراة حتى نحكم بكون بدنه عدا الوجه و الكفين و القدمين، العورة التى يجب سترها فى الصلوة بلا ريبة، فالاطلاق بالنسبة اليه صار مقيدا، فلا معنى للتمسك باطلاق الأمر بالصلوة فى صحة صلوته، اذا ستر قبله مع البيضتين و دبره، مع انه لو صح جريان الاطلاق فى المقام، لكان جريانه فى عدم وجوب ستر القبل و البيضتين و الدّبر ايضا جائزا، او الحال عدم جريانه فى ذلك واضح اللهم الا ان يقال: لو لم يكن الاجماع ثابتا فى وجوب ستر ذلك، لكان الاطلاق جاريا فيه ايضا، فتامل، نعم لو قلنا بانه فى الواقع قسم خاص، ليس برجل و لا امراة، و منع وقوع الاجماع على مطلق ما يسمى عورة، بل سلم فى الرجل و المراة، لكان هذا الاطلاق المتمسك به الشارح المحقق وجه، و لكن اثبات ذلك مشكل فى الغاية.
و اما ما اعترضه بعض المحققين المتقدم نقل كلامه، على المنتهى بقوله: ان مقتضى الأخبار عدم ستره... الى آخره، ففيه نظر، اما اولا: فلان لقائل ان
ص: 234
يقول: الخنثى ليس بمتبادر من الرجل الواجب عليه ستر السّوئتين، كما لا يكون متبادرا من المراة، فيجب فيه ارتكاب احد الامور: اما يحكم بعدم وجوب الستر عليه مطلقا، و هو خلاف الاجماع على الظاهر، او يحكم فيه بوجوب ستر ما يجب على الرجل ستره، دون ما يجب على المراة، فيلزم الترجيح من غير(1) مرجح، و كذلك لو حكم بالعكس، فيجب عليه ان يستر ما يجب على المراة ستره تحصيلا للبراءة اليقينية، لأن ستر ما يجب عليها ستره، يستلزم ستر ما يجب عليه ستره فتامل(2).
و اما ثانيا: فلما عرفت من ان له عورة، و لا بد له ان يسترها، و هى ان كانت بالنسبة الى الرّجل و المراة مبينه، لكن فيه باعتبار اشتباه متعلقها غير واضحة، فيجب عليه من باب تحصيل البراءة اليقينية، ان يستر ما يستر العورة، فافهم.
و يمكن جريان ذلك القول فيه، و لو فرضنا كونه مبينا عندنا، بان نعلم كونه رجلا او امراة، و ذلك بان يقال: و هو و ان كان رجلا، و لكن المتبادر من الرجل ليس هذا القسم منه، بل قسمه الشايع، و لا ريب ان لهذا القسم النادر عورة، و لا ندرى ان عورته هل هى عورة القسم الشايع من الرجل، او عورة القسم الشايع من المراة، فيجب تحصيل البراءة اليقينية، و هى انما تحصيل اذا ستر جميع بدنه عن المواضع المستثناة، و كذلك الكلام لو علمنا كونه امراة، فليتأمل فى
ص: 235
المقام، و كيف كان فامر الاحتياط واضح.
فان افتقرت الى فعل كثير استانفت، و كذا الصبية اذا بلغت فى اثناء الصلوة بما لا يبطلها، و كتب بعض(1) الافاضل فى قوله فان افتقرت الى آخره، هذا مع سعة الوقت ظاهر، فاما مع الضيق فانه يحتمل عدم الالتفات فتكمل صلوتها، و فيه تردد ينشأ من الشك فى كون تضييق الوقت منشأ لاشتراط الستر، و فى قوله: اذا بلغت... الى آخره، كما اذا بلغت بتكميل تسع سنين، و هذا انما يستقيم على القول بان افعال الصبى شرعية، و لو قلنا انها تمرينية محضة، وجب الاستيناف على كل حال، اذا بقى من الوقت مقدار الطهارة و ركعة.
و قال فى المسالك: قوله: فان افتقرت الى فعل كثير استانفت، هذا مع اتساع الوقت بحيث تدرك ركعة، و الا استمرت لتعذر الشرط حينئذ، اما الصبية فالاصح انها تستانف مطلقا، الا ان يقصر الباقى من الوقت عن قدر الطهارة و ركعة فتستمر، و كلام المصنف رحمه الله يبنى على ان افعالها شرعية.
و قال فى المدارك: قوله: و ان اعتقت فى اثناء الصلوة، وجب عليها ستر راسها لصيرورتها حرة، فيثبت لها احكامها، و لو انعتق بعضها فكذلك لخروجها عن كونها امة، و قال بعض العامة: لا يجب على المبعضة الستر، لأنه من امارات الحرية و علامات الكمال و هى قاصرة عن ذلك، و هو معلوم البطلان، ثم قال بعد عنوانه: قول الشرايع فان افتقرت... الى آخره، كالشارح المحقق بعد أن قال: ان اعتقت الامة فى الاثناء و علمت بها، قيل يجب عليه ستر راسها، و ان افتقرت الى فعل كثير استانفت، ما صورته: الاصح ان الاستيناف انما يثبت، اذا ادركت بعد القطع ركعة فى الوقت، و الا وجب الاستمرار لأن الستر شرط
ص: 236
مع القدرة عليه فى الوقت لا مطلقا.
و قال الشيخ فى الخلاف: تستمر المعتقة، و اطلق لأن دخولها كان مشروعا و الصلوة على ما افتتحت عليه، و هو ظاهر اختيار المصنف فى التحرير، و لا يخلو عن قوة، لأن الستر انما ثبت وجوبه اذا توجه التكليف به قبل الشروع فى الصلوة لا مطلقا، قال الشارح المحقق بعد ذلك: و المسئلة محل تردد، و لو انعتق بعضها فى الاثناء فكما انعتق كلّه، و الاقرب فى الصبية الاستيناف، الا ان يقصر الباقى من الوقت عن قدر الطهارة و اداء ركعة، قال فى المدارك: قوله: و كذا الصّبية، اى يجب عليها الستر، فان افتقر الى فعل كثير استانفت.
و لا يخفى ان الحكم بالاستمرار مع عدم الافتقار الى الفعل الكثير، مناف لما سبق فى باب المواقيت، من بطلان صلوة الصبى المتطوع - بالبلوغ فى اثنائها - بغير المبطل، و الاصح الاستيناف هنا مطلقا، الا ان يقصر الباقى عن الوقت عن قدر الطهارة و ركعة فيستمر.
و قال بعض الأجلاء: اذا اعتقت الامة فى اثناء الصلوة، و هى مكشوفة الراس فعلمت بذلك، قال الشيخ رحمه الله: فان قدرت على ثوب تغطى راسها، وجب عليها اخذه و تغطية الراس، و ان لم يتم لها ذلك الأمر، بان تمشى خطى قليلة من غير ان تستدبر القبلة، كان مثل ذلك، و ان كان بالبعد عنها و خافت فوات الصلوة، او احتاجت الى استدبار القبله، صلت كما هى، و ليس عليها شىء و لا تبطل صلوتها، انتهى.
و مرجعه الى ان الواجب عليها الستر، الا ان يستلزم تحصيله فعلا كثيرا، و يستلزم استدبارا، فتقطع الصلوة مع سعة الوقت، و تمضى مع عدمها، و الى هذا القول مال العلامة فى المنتهى فقال: و ما ذكره فى المبسوط هو الاقرب عندى، و قال الشيخ فى الذكرى: فلو اعتقت الامة فى الاثناء وجب عليها الستر، فان افتقرت الى فعل كثير استانفت مع سعة الوقت، و اتمت لا معه، لتعذر الشرط حينئذ فتصلى بحسب المكنة، و هو راجع الى ما اختاره فى المبسوط.
ص: 237
و قال الشيخ رحمه اللّه فى الخلاف: تستمر المعتقه على صلوتها، و اطلق، لأن دخولها كان مشروعا و الصلوة على ما افتتحت عليه، قال فى الذخيرة، بعد نقل هذا تبعا لصاحب المدارك، و هو ظاهر المحقق فى التحرير، و لا يخلو عن قوة، لأن القدر الثابت وجوب الستر اذا توجه التكليف بذلك قبل الدخول فى الصلوة، و المسئلة محلّ تردد، انتهى.
أقول: اما ما ذكره من انه ظاهر التحرير فليس كذلك، بل ظاهره انما هو ما ذكره الشيخ رحمه اللّه فى المبسوط حيث قال: لو اعتقت فى الصلوة و امكنها السّتر من غير ابطال وجب، و ان خشيت فوت الصلوة و احتاجت الى فعل كثير استمرت، و اما ما علل به قوة القول المذكور عندها، فهو مردود بان اشتراط الصلوة بهذه الشروط من طهارة الساتر و القبلة و نحوهما، دائر مدار الامكان كائنا ما كان، قبل الصلوة او فى اثنائها، الا ترى؟ انه لو ظهرت له القبلة بعد الاشتباه فى اثناء الصلوة، وجب الاستدارة اليها فى بعض الصّور المتقدمة و ما ذاك الا من حيث الامكان و عدمه.
و بالجملة فالظاهر هو ما ذكره فى المبسوط، و هو القول المشهور، و هو الذى صرّح به فى التحرير و الذكرى كما عرفت، و نقل فى الذخيرة ايضا، قولا بانه يجب عليها ستر راسها، و ان افتقرت الى فعل كثير استانفت، و اعترضه بان الصحيح ان الاستيناف انما يثبت اذا ادركت بعد الوقت ركعة فى الوقت، و الا وجب الاستمرار لأن وجوب الشرط مشروط بالقدرة عليه، و لم اقف على هذا القول فى كلامهم، سوى عبارة الشرايع حيث ذكر ذلك، و اعترضه فى المدارك بما ذكره هنا، بل ظاهر كلامهم ان الاستيناف انما هو مع سعة الوقت، بان يدرك منه و لو ركعة، و الا استمرت، كما عرفت مما قدمناه من عباراتهم، فيها عدا الخلاف.
و قال فى الدروس: و لو اعتقت فى الاثناء و علمت استترت، فان استلزم المنافى بطلت مع سعة الوقت، و نحوه عبارته فى البيان، انتهى كلام بعض
ص: 238
الأجلاء.
قال المصنف رحمه اللّه فى المختلف: قال الشيخ فى المبسوط: لا تجب على الصبيّة تغطية الراس، فان بلغت فى خلال الصلوة بالحيض بطلت صلوتها، و ان بلغت بغير ذلك فعليها ما على الامة اذا اعتقت سواء، مع انه قال فى الامة اذا اعتقت: يجب عليها تغطية راسها فى الصلوة، فان لم يتم الا بمشى خطاء قليلة من غير استدبار فكذلك، و ان كان بالبعد و خافت فوت الصلوة و احتاجت الى استدبار القبلة صلّت كما هى.
و فصّل والدى رحمه الله، هنا جيّدا، فقال: ان كان الوقت متسعا للستر و اداء ركعة، وجبت عليها استيناف الصلوة ابتداء، سواء تمكنت من الستر اولا، و ان ضاقت عن ذلك، لم يجب عليها السّتر و لا اتمام الصلوة، و هو حسن لنا ان منع اتساع الوقت للستر و الركعة، يكون مدركة لكمال الصلوة، فيجب عليها استينافها، و لا يجزيها الاتمام، لأن المندوب لا يبنى عليه الواجب، و ان لم يتسع الوقت لذلك لم يجب عليها شىء، و قال فى القواعد: فان اعتقت فى الاثناء وجب الستر، فان افتقرت الى المنافى استانفت، و الصبية تستّانف.
قال بعض شراح الالفية، بعد نقل ما فى المختلف، من عبارة المبسوط فى الصبية و الامة، ما صورته: و به قال المحقق، و فصل سديد الدين يوسف ابى المطهر، فقال:... الى آخر ما نقله فى المختلف عنه، ثم قال: و استحسنه فى المختلف، ثم نقل دليله كما عرفت من المختلف، ثم قال: و قال فى القواعد و التحرير: يوجب الاستيناف على كلّ حال، ان بقى من الوقت مقدار الطهارة و ركعة، و هو اختيار المصنف، لأن البلوغ حدث فى نفسه، و هو المشهور، انتهى كلامه.
و قال بعض المحققين: و لو اعتقت الامة فى اثناء الصلوة كلها او بعضها، فان علمت وجب عليها الاستتار، ان لم يستلزم المنافى كفعل الكثير و نحوه، و الا فان كان الوقت متسعا و لو بقدر ركعة، فلا شك فى ابطال الصلوة، و وجوب
ص: 239
الاستتار و استينافها، و الا استمرت، لما مر فى مبحث التيمم فلا حظ، و ليس ستر راسها اشد وجوبا من ستر سائر جسدها حتى فرجها، اذ مع عدم التمكن من ستره تصلى عريانة، و لا يسقط عنهما الصلوة اداء، و الاحوط الاعادة ايضا.
و ان لم تعلم، فلا تامل فى صحة صلوتها، و ان كان الاعادة لا تخلو عن احتياط، فاذا بلغت الصبية فى الاثناء، فلا بد ان تستانف الطهارة و الصلوة اذا بقى من الوقت مقدار ادائها، لعدم اجزاء النفل عن الفرض، هذا بالنسبة الى الصلوة، و امّا الطّهارة، فلو قلنا ان عبادتها تمرينيّة فكذلك، لعدم كونها طهارة حقيقية، و امّا على تقدير كونها شرعية، فبالطهارة المستجمعة يصح الدخول فى الفريضة، كما مر فى بحث الوضوء، لكن يشترط كونها رافعه للحدث و تحققه هنا غير ظاهر، و بالجمله: هذا يتعلق بمباحث الطهارات، و مر التحقيق فيها، و كيف كان؟ الاحوط اعادتها، بل الحدث و الطهارة بعده، هذا ان اتسع الوقت، و الا فاستتار فى الاثناء ان لم يستلزم المنافى، و الا اتمت صلوتها، لكن الاحوط ايضا الاعادة معها، انتهى.
و لا بد لتمام التحقيق فى المطلب، ان نتكلم فى شرعية عبادة الصبى المميز و عدمها:(1)
اعلم ان الاصحاب اختلفوا فى كون عبادة الصبى المميز شرعية، مستنده الى تكليف الشارع، فيستحق عليها الثواب، او تمرينية، فذهب الشيخ و المحقق و المصنف و الشهيد و غيرهم(2) الى الأول،(3) بل يظهر من المصنف رحمه اللّه فى المنتهى عدم الخلاف فى صحة الصوم من الصبى المميز، و الظاهر ان ذلك من فروعات المسئلة، قال فى المنتهى: و لا خلاف بين اهل العلم فى شرعية ذلك، لأن النبى (ص) امر ولى الصبى بذلك، و من طرق الخاصة ما
ص: 240
رواه فى الحسن بابراهيم بن هاشم، عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع) انه قال:
انا نامر صبياننا بالصيام اذا كانوا بنى سبع سنين، ما اطاقوا من صيام اليوم، فاذا غلبهم العطش افطروا.
و لأن فيه تمرينا على الطاعة، و منعا عن الفساد، فكان شرعيته و ينوى الندب لأنه الوجه الذى يقع عليه فلا ينوى غيره، و قال ابو حنيفة: انه ليس بشرعى، و انما هو امساك عن المفطرات و فيه قوة، و كذا المراة تؤمر بالصيام قبل من البلوغ: و هو تسع او الانزال او الحيض على ما ياتى، لأن المقتضى فى الصبى موجود فيه، فيثبت الاثر، انتهى.
لكنه زيادة على تقوية الخلاف هنا(1) خالف صريحا فى المختلف، قال فيه: قال الشيخ: اذا نوى الصّبى صحّ ذلك منه و كان صوما شرعيا، و عندى فى ذلك اشكال، و الاقرب انه على سبيل التمرين، و اما انه تكليف مندوب اليه، فالاقرب المنع، لنا التكليف مشروط بالبلوغ، و مع انتفاء الشرط ينتفى المشروط انتهى، و الى مختار المختلف، ذهب ولده فى الايضاح، و الشهيد الثانى و غيرهما(2).
بمعنى كون الظاهر من حال الأمر كونه مريد الذلك الشىء، و رده بعض الاصحاب بان امر الولى بامر الصبى بالصيام ليس امرا له به، و على تقدير التسليم فالذى يظهر من جملة من النصوص انه امر(3) تاديب.
ص: 241
ففى رواية الزهرى(1) و الفقه الرضوى: و اما صوم التاديب فانه يؤمر الصبى اذا بلغ سنين بالصوم تاديبا، و ليس ذلك بفرض، و زاد فى الاخير: و ان لم يقدر الا نصف النهار، يفطر اذا غلبه العطش، و كذلك من افطر لعلة اول النهار، ثم قدم اهله امر بقية يومه بالامساك تاديبا و ليس بفرض، و زاد فى الاولى: و كذلك الحايض اذا طهرت امسكت بقية يومها.
و نحوهما فى التصريح بالتاديب رواية اخرى مروية فى الوسائل عن الخصال، و ظاهرهما سيما بعد ضمّ الروايات، انه ليس بصوم حقيقى، بل هو امساك بخت، انتهى كلامه.
و قريب منها ما رواه فى الكافى فى باب صلوة الصّبيان فى الحسن كالصحيح، عن الحلبى، عن ابى عبد الله (ع)، عن ابيه (ع) قال: انا نامر صبياننا بالصلوة اذا كانوا بنى خمس سنين، فمرو اصبيانكم بالصلوة اذا كانوا بنى سبع سنين، و نحن نامر صبياننا بالصوم اذا كانوا بنى سبع سنين، بما اطاقوا من صيام اليوم، ان كان الى نصف النهار او اكثر من ذلك او اقل، فاذا غلبهم العطش و الغرث افطروا، حتى يتعودوا الصوم و يطيقوه، فمروا صيبانكم اذا كانوا بنى تسع سنين بالصوم، ما استطاعوا من صيام اليوم، فاذا غلبهم العطش افطروا.
و فيه نظر اما اوّلا: فلان قوله: امر الولى... الى آخره، غير وجيه، تحقيق الكلام مبنى على اصوليه، و هو ان الأمر بالأمر هو امر ام لا؟ قيل بالاول مستدلا بان القائل اذا قال لغيره (مر فلانا ان يفعل كذا) فهذا امر بالثالث، مثل ان يقول (ليفعل فلان كذا) لفهم العرف و التبادر، و احتمال ان يكون المراد (اوجب
ص: 242
عليه من قبل نفسك) بعيد مرجوح، و ايده بانا مامورون باوامر الرسول (ص) عن اللّه تعالى، قال: بل اذا اطلع الثالث على الأمر قبل ان يبلغه الثانى، و لم يفعل و اطلع الأمر على ذلك، فيصح ان يعاتبه على الترك، و ان يذمه العقلاء على ذلك.
و قيل بالثانى: مستدلا بقوله (ص): مروهم بالصلوة و هم ابناء سبع، لأنه لا وجوب على الصبيان اجماعا، و اجاب عنه الاولون، بان الاجماع اوجب الخروج عن الظاهر، و الذى يقوى عندى هو ان يفصل فى المسئلة، بان يقال: قول زيد لعمرو (مر بكرا ان يصلى) مثلا، لا يخلو اما تكون الصلوة مطلوبة لزيد خاصة او لعمرو خاصة، او لهما جميعا، او ليست بمطلوبه فى شىء، و الفرض الاخير غير معقول.
و اما على الاول: فالحق مع الأول، لأن عمرا ليس فى الفرض الا كالرسول و ما ذكره من الدليل بتمامه مقبول، و المخالف فى ذلك عن عداد المنصفين معزول، و قول القائل بانى مامور من قبل السلطان ان افعل كذا، بعد ان امره من امر السلطان بامره لذلك، دليل مرسول هذا اذا علم المامور الثانى، بكون امر المامور الأول مستندا الى امر الأمر الأول، و ان هذا الفعل الذى امر به المامور الأول، مطلوب و محبوب للأمر الأول، و ان هذا الفعل الذى امر به المامور الأول، مطلوب و محبوب للأمر الأول، و مع عدم العلم فالامر مشكل.
و اما على الثانى: فالحق مع الثانى، لأن امر زيد فى الفرض، ليس الا للارشاد، و محبوبه فى الفرض ليس إلاّ أمر عمرو.
و اما على الثالث: فالحاقه بالأول، لعلّه غير خال عن القوة، و على هذا الفرض ايضا، لا بد ان يعلم المامور الثانى بالمفروض فى المسئلة، و مع عدم العلم فالامر مشكل.
اذا عرفت ذلك، فنقول: لا ريب و لا تأمل فى ان كل عاقل غير غافل و لا ذاهل، اذا جعل عقله المستقيم حاكما، يجد و يرى اذا تامل فى الأخبار كالقمر فى ليلة البدر و كالشمس فى وسط السماء، كون عبادات الصبيان مطلوبة لهم
ص: 243
صلوات اللّه عليهم، لا مطلوبا حتميا حتى يعاقبوا على الترك او الفعل، بل مطلوبا استحبابيا(1) فى الفعل او الترك، و لا مانع بحسب العقل فى ذلك، كما سيجئ تحقيقه ان شاء الله.
توضيح المطلب يستدعى ذكر الأخبار المفهمة للمذكور، و هى فى المسئلة كثيرة جدا، منها ما تقدم اليه الاشارة و وجه الدلالة، اما بالنسبة الى كصحيحة الحلبى فلان قوله (ع): مرو اصبيانكم بالصلوة او الصوم، يدل على ان للمعصوم عليه السلام هنا مطلوبيه، و هى اما صوم الصبى و لو بعض يوم او صلوته خاصة، او امرا لو لى خاصة، او هما معا، فان كان الأول فثبت المطلق، و لا معنى للثانى لما يظهر من سوق الخبر، و لاستلزامه ان يكون ذكر الصلوة و الصوم فى الخبر ترجيحان من غير مرجح، فافهم، و ان كان الثالث، فالمراد و ان كان يثبت لوجود المحبوبية فى عبادة الصبى، لكن سياق الخبر لعله ياباه، و اذا ثبت كون صومهم او صلوتهم محبوبا للشارع، فهو امرا لو لى ان يامرهم بذلك، فالأمر بالأمر امر لما عرفت.
لا يقال: شرطت سابقا كون المامور الثانى عالما بالمحبوبية(2) للامر الأول و يامره للمامور الأول ان يامره، و كون الصبيان عالمين بذلك غير ظاهر.
لأنا نقول: هم العالمون بذلك، كيف؟ و نية القربة شرط فى العبادات، فلو لم يكونوا ناوين لها، فالظاهر عدم صحة عباداتهم عند الفريقين،(3) فاذا كانوا ناوين لها، فلا معنى لهذا القول، لأن نيتها فرع عملهم بكون تلك العبادة التى يفعلونها محبوبة و مطلوبة لمن يوقعونها له، و انه طالب لها منهم، فاحفظ ذلك.
على انه يمكن ان يستدل بتلك الحسنة لمطلوبية عباداتهم بوجه اقصر، و
ص: 244
هو قوله (ع): انانأ مرصبياننا... الى آخره، لأن امرهم صبيانهم بالصلوة او الصوم، يدل على كون صلوة صبيانهم (ع)، فاذا ثبت ذلك بالنسبة الى صبيانهم، فنتم فى الصبيان مطلقا، العدم القول بالفصل على الظاهر، فاحفظ ذلك.
فظهر بما ذكر فى الحسنة، حال غيرها من خبر الزهرى و غيره، مما تقدم اليه الاشارة، و من الأخبار الدالة على كون عبادة الصبى مطلوبة و محبوبة للشارع ما روى(1) عن طلحة بن زيد عن الصادق (ع)، عن اولاد المسلمين اذا بلغوا اثنتى عشرة سنه، كتب لهم الحسنات، فاذا بلغوا الحلم كتب عليهم السيئات.
و منها ما رواه التهذيب فى زيادات كتاب الصوم فى الصحيح، عن معوية بن وهب، قال: سألت ابا عبد الله (ع)، فى كم يؤخذ الصبى بالصيام؟ فقال: ما بينه و بين خمس عشرة سنة و اربع عشرة سنة، و ان هو صام قبل ذلك فدعه.
و منها ما رواه ايضا فى تلك الزيادات، عن السكونى، عن ابى عبد الله عن ابيه عليهما السلام قال: الصبى إذا صام ثلاثة ايام متتابعة، فقد وجب عليه صيام شهر رمضان.
و منها ما رواه فى تلك الزيادات، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر عليه السلام، انه سئل عن الصبى متى يصوم؟ قال: اذا اطاقه.
قال الشيخ: فاما ما رواه، ثم او رد الخبرين الاخيرين، فمحمول على الاستحباب، بدلالة الخبر الأول، صحيحة معوية.
و بالجملة الأخبار الدالة على محبوبية عبادة الصبى كثيرة، فصار فذلكة الكلام فى المقام، انه ظهر بما ذكر كون عبادة الصبى مطلوبة(2) للشارع (ع)، فالمعصوم (ع) امرا لو لى ان يامر الصبى بالصلوة مثلا، فالأمر بالأمر امر لما عرفت
ص: 245
و منع كون الأمر بالأمر امرا، غير مسموع، فتم استدلال المدارك و الذخيرة بهذه الجهة، نعم يرد عليهما، بانهما لم اطلقا القول بان الأمر بالشىء امر بذلك؟ و لكن الأمر هين، و الجواب ممكن اصلناه على اهل الكمال.
و اما ثانيا فلان قوله: و على تقدير التسليم... الى آخره، غير وجيه.
لعدم المنافاة بين كونها مستحبة، ا لا ترى ان السيد اذا قال لعبده (لا تنم الليلة لحياضة اهل المدينة) مثلا، و اسهر العبد امتثالا بقول سيده، هو يستحق بسبب ذلك السهر مدحا، و كذا اذا قال لعبده (اذهب الى المدينة مدينة كذا حتى تتعود بالمشى و تطيقه) و ذهب العبد امتثالا لامر مولاه يستحق بالمشى مدحا، و ذلك واضح، عند المؤيدات ان المعصوم (ع)، قال فى رواية الزهرى: و ليس بفرض، و لو لم يكن صومه مستحبا ايضا، لكان له (ع) ان يقول:
ليس براجح، فافهم، و على انه معارض بما سياتى اليه الاشارة، و الترجيح مع المعارض.
و دلالتها على المطلب واضحة، سيما رواية طلحة.
و الوجوب منفى فى حقهم، فيجئ الاستحباب لأنه اقرب المجازات، و احتمال الاختصاص بصبيانهم عليه السلام منفى، بعدم القول بالفصل على الظاهر، كما عرفت.
فمن الأول قوله تعالى: «إِنّٰا لاٰ نُضِيعُ عمل عامل منكم من ذكر و انثى» و قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ»، الى آخره، و لا ريب فى كون صلوتهم و صومهم خيرا، فتدبر.
و اما العمومات الواردة فى الثانى، فكثيرة جدا: منها قولهم عليه السلام فى اخبار كثيرة: من فعل كذا فله كذا، مثل ما رواه الكافى فى اصوله، فى باب من قال لا اله الا اللّه مخلصا، عن ابان بن تغلب، عن ابى عبد الله (ع) قال:
يا ابان اذا قدمت الكوفة فارو هذا الحديث: من شهد لا اله الا الله مخلصا وجبت له الجنة، قال قلت له: انه ياتينى من كل صنف من الاصناف، فاروى
ص: 246
لهم هذا الحديث؟ قال: نعم يا ابان، انه اذا كان يوم القيامة و جمع اللّه الاولين و الاخرين، فتسلب لا اله الا اللّه منهم، الا من كان على هذا الأمر.
و ما رواه ايضا، فى باب اشهد ان لا اله الا اللّه وحده، الى آخره، عن ابى عبيدة الحذاء، عن ابى جعفر (ع) قال: من قال: اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله، كتب اللّه له الف حسنة.
قال بعض الاصحاب: و اما ما يستدل للصحة باطلاق الأمر، فقد اجاب عنه فى الذخيرة، بانه للايجاب و الظاهر عدم تعلقه بالصبيان، أقول: و لو اريد به الا و امر المستحبة، ففيه انها منساقه لبيان اصل الاستحباب، و اما من يستحب له فالمتضمن لها بالنسبة اليه مجملة، مع انه يمكن ان يقال: ان المتبادر منها بالنسبة اليه من عدا الصبيان، انتهى، و فيه ما ترى.
فكان شرعيته ثابتة فى نظر الشرع، اذا ثبت ذلك فان صومه صحيح شرعى و نيته صحيحة شرعية، و لعل الوجه فى ذلك ان العقل يدرك حسن ذلك قطعا، فما هو حسن عقلا فحسن شرعا، لأنها متطابقان.
مع انتفاء الشرط ينتفى المشروط، و فيه ان العقل لا يابى توجه التكليف الى الصبى المميز، و الشرع انما اقتضى توقف التكليف بالواجب و المحرم على البلوغ، و اما التكليف بالمندوب و ما فى معناه، فلا مانع عنه عقلا لوجود الفهم كما هو المفروض، و لا شرعا و من يدعيه فعليه البيان.
و فيه اما اولا: فلان المتبادر منه رفع المؤاخذة و العقاب، كما لا يخفى على المنصف، و اما ثانيا: فلتعارضه مع الأخبار الخاصة، و هى لاختصاصها مقدمة عليه، و اما ثالثا: فلتعارضه مع
ص: 247
الأخبار العامة التى مضت الى بعضها الاشارة، و التعارض و ان كان من تعارض العمومين من وجه، و لكن الترجيح معها لكثرتها، و اعتضادها بما تقدم من الادلة، و بنفى الخلاف الذى ادعاه المصنف رحمه اللّه فى المنتهى.
للأول و قد عرفته مع ما يرد عليه، مضافا اليه جملة من الأخبار الدالة على القول الأول، سيما رواية طلحة بن زيد، و بالجملة الذى يقوى فى نفسى هو القول الأول، لما تقدم من الادلة سيما كون المسئلة من المستحبات القابلة لما لا يقبله الوجوب و الحرمة، و لو لم يكن فيها من الادلة الا رواية طلحة، لكانت كافيه بلا ريبة.
و يتفرع على الخلاف فروع: منها: ما لو وقف للمصلين او الصائمين، فيعطى الصبيان على الأول دون الثانى.
و منها: ما ذكره فى المدارك، بانه ان قلنا انها شرعية جاز وصفها بالصحة، لانها عبارة عن موافقة الأمر، و ان قلنا انها تمرينية لم توصف بصحة و لا فساد، قال: و ذكر الشارح قدس سره، انه لا اشكال فى صحة صومه، لأن الصحة من باب خطاب(1) الوضع، و هو غير متوقف على التكليف، و ان كان صومه تمرينيا، و هو غير جيد، لأن الصحة و البطلان الذين هما موافقة الأمر و مخالفته، لا يحتاج الى توقيف من الشارع، بل يعرف بمجرد العقل كونه موديا للصّلوة و تاركا لها، فلا يكون من حكم الشرع فى شىء، بل هو عقلى مجرد، كما صرح به ابن الحاجب و غيره، انتهى.
قال جدّه فى الروضة، بعد قول الشهيد و يعتبر فى الصحة التميز، ما صورته: و ان لم يكن مكلفا، و يعلم منه ان صوم الصبى المميز صحيح فيكون شرعيا، و به صرّح فى الدروس، و يمكن الفرق بان الصحة من احكام الوضع فلا يقتضى
ص: 248
الشرعية، و الاولى كونه تمرينيا لا شرعيا، و يمكن معه الوصف بالصحة كما ذكرنا.
و قال ولد المصنف رحمه اللّه فى الايضاح. بعد قول المصنف صوم الصبى المميز صحيح على اشكال، ما صورته: ينشأ من ان الصبى هل هو مخاطب بالمندوبات اولا، فعلى الأول يوصف بالصحة، و على الثانى لا يوصف، لأن الصحة وصف للعبادة الواجبة او المندوبة، و الحق انه ليس بامر من الشارع بذلك الشىء، و ان صوم الصبى صحيح، بمعنى انه موافق للامر الصادر عن امر الشارع، او لامر من له الالزام، و قال الشيخ رحمه اللّه بصحته و انعقاده، و يتفرع على هذه المسئلة بلوغه فى اثناء النهار قبل الزوال بغير المبطل، فعلى الصحة يجب الاتمام، و على عدمها لا يجب، انتهى.
أقول: و الانصاف ان ما فرعه صاحب المدارك على المسئلة مشكل، نعم الظاهر من اطلاق الصحة هو اقتضاء الشرعية، و لعلّه يكفى فى المقام، فافهم، و اما ما اورد على جده، فله وجه، لأن الصحة و الفساد و نحوهما متفرعان بحكم العقل على الخطاب، فافهم.
و منها ما تقدم فى الايضاح، و بالجملة الفروع كثيرة و سيجئ الى بعضها الاشارة.
و علمت بذلك و امكن لها الاستتار فى اثنائها من غير ان تفعل ما ينافيها، فالواجب عليها ستر راسها، و ما نقله فى المدارك عن بعض العامة، من عدم وجوب الستر على المبعضة، فاسد لما عرفت سابقا، و الدّليل على ما اخترناه واضح، لانها صارت حرة فيثبت لها احكامها.
فظاهر عبارة الشرايع وجوب الاستيناف عليها مطلقا، كالمصنف فى القواعد، و ظاهر عبارة الخلاف عدم الوجوب مطلقا، و اختار فى المدارك و تبعه
ص: 249
فى الذخيرة، ثم قال: و المسئلة محلّ تردد، و اختار جماعة التفصيل، بانه ان كان الوقت متسعا و لو بقدر ركعة، وجب الاستيناف مع الستر، و الا استمر، و نسبه بعض الأجلاء الى المشهور بين الاصحاب، كما عرفت من نقل كلامه.
للاوّل: ان الستر شرط، و انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، و رده المدارك و الشارح المحقق، كما عرفت بان الستر شرط مع القدرة عليه فى الوقت لا مطلقا.
و للثانى: ان الستر انما ثبت وجوبه، اذا توجه التكليف به قبل الشروع فى الصلوة لا مطلقا، و رده بعض الأجلاء كما عرفت، بان اشتراط الصلوة بهذه الشروط من طهارة الساتر و القبله و نحوهما، دائر مدار الامكان كائنا ما كان قبل الصّلوة او فى اثنائها، ا لا ترى انه لو ظهرت له القبلة بعد الاشتباه فى اثناء الصلوة، وجب الاستدارة اليها فى بعض الصور، و ما ذاك الا من حيث الامكان و عدمه، و بذلك يمكن ان يجاب لو استدل لهذا القول بقوله تعالى: «لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» لو سلم دلالته فافهم، و ما ذهب اليه المشهور هو الاقوى.
اما وجوب الاستيناف مع السعة، فلان انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، و اما تمام الصلوة مع الضيق، فلعدم ثبوت الاشتراط حتى فى نحو المقام، و يؤيده ما ذكره بعض المحققين، كما عرفت بانه ليس ستر راسها اشد وجوبا من ستر سائر جسدها حتى فرجها، اذ مع عدم التمكن من ستره، تصلى عريانة و لا يسقط عنها الصلوة اداء.
قيل: و ان كان الاعادة لا تخلو عن احتياط.
و كان الوقت متسعا بقدر اداء الصلوة مع الشرايط المفقودة.
فالذى يظهر من عبارة الشرايع هو التفصيل فى المسئلة، بانه ان افتقر الستر الى فعل كثير استانف، و الا فلا، و يظهر من جماعة وجوب الاستيناف، و نسبه
ص: 250
بعض كما عرفت الى المشهور، و هو الاقوى لعدم اجزاء النفل عن الفرض، هذا اذا قلنا بكون عبادتها شرعية، و اما على القول بعدمها فالامر اوضح.
و بهذا ظهر فساد ما ذكره بعض الافاضل، فى حاشية الشرايع بقوله. هذا انما... الى آخره، كما تقدمنا نقل كلامه، فلا حظ، و ما ذكره المسالك من قوله:
و كلام المصنف... الى آخره، و قد تقدم نقل كلامه فلا حظه ايضا.
و اما اعادة طهارتها، فان قلنا بان عبادتها تمرينية فيجب استينافها ايضا، و ان قلنا بشرعيتها كما هو الاقوى و قد عرفت، فيصح معا الدخول فى الصلوة، اذا كانت مستجمعة لشرائط الصحة، لأن بالوضوء المندوب يجوز الدخول فى الفريضة، و كون البلوغ ناقضا له غير ثابت فى الشريعة، لأنه غير داخل فى الأخبار الحاصرة للنواقض بلا ريبة، و ان اشتهيت ان يظهر لك الامر، فراجع فى اللمعات فى البحث المبين فيه الاحداث الموجبة للطهارة، قيل:
الاحوط الاعادة، بل الحدث و بعده الطهارة.
اذا قلنا بجواز قطع المندوبة كما هو الاقوى، فلا اشكال فى جواز قطعها الصلوة التى بلغت فى اثنائها، بل يتعين اذا استلزم الاتمام خروج وقت الفريضة، و اما على القول بحرمة قطعها، فيجب عليها اتمام المندوبة و الاتيان بالفريضة، على اشكال ينشاء من عدم كون عباداتها بعد البلوغ متصفا بالندبية، حتى يقال بحرمة قطعها، و انما المسلم قبل البلوغ، و من استصحاب الندبية، و ما دل على كون الصلوة على ما افتتحت به، فليتأمل، هذا اذا تسع الوقت لاتمام الصلوة التى بلغت فى اثنائها و الاتيان بالفريضة، و مع عدمه بان كان متسعا للاتيان بالفريضة فحسب، فالأمر مشكل.
فعلى القول بكون عبادتها شرعية يجب عليها استيناف الصلوة، لعدم اجزاء النفل عن الفرض، و على القول بكونها تمرينية، لا يجب عليها الاستيناف بلا ريبة، لعدم
ص: 251
و سعة الوقت للاتيان بالطهارة، و اما وجوب اتمام الصّلوة و عدمه، فسيجئ ان شاء اللّه اليه الاشارة.
فالذى يظهر من المصنف فى المختلف كما حكى عن والده: هو عدم وجوب الستر و لا اتمام الصلوة، و يظهر من بعض المحققين: وجوب الاستتار فى الاثناء ان لم يستلزم المنافى، و الا الاتمام بدون الاستتار، و يظهر من اطلاق الشرايع: وجوب الاستيناف مع استلزام الستر المنافى، و يظهر من اطلاق القواعد: وجوب الاستيناف مطلقا، و لكن عرفت ان بعض شراح الالفية نقل عنه و التحرير، القول بوجوبه ان بقى من الوقت مقدار الطهارة و ركعة، و لا ادرى ما سبب تقييده؟ لأن عبارة القواعد مطلقا و التحرير ليس عندى، اللهم الا ان يقال: القرينة الحالية فى نحو العبارة موجودة، فافهم، و اما المدارك وجده، فقد عرفت من نقل عبارتهما، الحكم بالاستمرار من غير تفصيل، و لعلّ الاقوى هو ما اختاره المصنف رحمه الله فى المختلف، و لكن الاحوط هو ما اختاره بعض المحققين كما عرفت، قال ذلك المحقق: الاحوط ايضا الاعادة مع ذلك.
(و يستحب للرجل ستر جميع جسده) مما يستر فى العادة فى حال الصلوة، فيخرج الوجه و الكفان و القدمان، نعم قد عرفت ان الاحوط ستر الاخيرين للشبهة الموجودة فى المسئلة، قال فى الذكرى: الا فضل للرّجل ستر ما بين السرة و الركبة و ادخالهما فى الستر، للخروج عن الخلاف، و لأنه ربما يستحيى منه، و ستر جميع البدن افضل، و الرداء اكمل، و التعمم و التسرول اتم، لما روى عن النبى (ص) اذا صلى احدكم فليلبس ثوبيه، فان اللّه احق ان يتزين له، و روى:
ركعة بسراويل تعدل اربعا بغيره، و كذا روى فى العمامة، انتهى.
و الظاهر انه اشار بالرواية فى العمامة، ما رواه البحار عن المكارم، عن النبى (ص) قال: ركعتان بعمامة افضل من اربع بغير عمامة، قال بعض المحققين و فى جامع الأخبار روى عن النبى (ص) فضائل كثيرة للتعمم حالة الصلوة،
ص: 252
منها: ان من صلى ركعتين بعمامة(1) فضله على من لم يعتم كفضل النبى (ص) على امته انتهى، قال الشارح المحقق، بعد ذكر عبارة الذكرى: و هذه الروايات مجهولة و لعلّها عامية، و لم يبعد الاكتفاء بها اذا قارن الشهرة، بناء على المسامحة فى ادلة السنن، انتهى.
أقول: اما ما ذكره من جواز الاكتفاء بهذه الأخبار اذا قارن الشهرة فجيد بل لو لم تقارنها ايضا يجوز الاعتماد عليها، دل على التسامح فى ادلة الاستحباب و الكراهة، و رواية على بن جعفر المتقدمه فى عنوان قول المصنف رحمه الله، و الامامة بغير رداء، نافعة فى المقام فتذكر.
قال فى البحار، بعد نقل رواية المكارم: الظاهر ان هذه الرواية عامية، و بها استند الشهيد و غيره ممن ذكر استحبابها فى الصلوة، و لم ار فى اخبارنا ما يدل على ذلك، نعم ورد استحباب العمامة مطلقا فى اخبار كثيرة و حال الصلوة من جملة تلك الاحوال، و كذا ورد استحباب كثرة الثياب فى الصلوة و هى منها من الزينة، فيدخل تحت الاية و لعل هذه الرواية مع تاييدها بما ذكرنا، تكفى فى اثبات الحكم الاستحبابى، و يمكن ان يقال: تركه انسب بالتواضع و التذلل، و لذا ورد فى بعض المقامات الامر به، و لعل الاحوط عدم قصد استحبابها فى خصوص الصلوة، بل يلبسها بقصد انه حال من الاحوال، انتهى.
أقول: روى فى البحار عن العلل، عن ابيه، عن على بن ابراهيم، عن ابيه، عن عبد اللّه بن ميمون، عن الصادق، عن ابيه (ع) قال: ان كل شئ عليك تصلى فيه يسبح معك، قال فى البحار بعد نقل الخبر: بيان: يدل على
ص: 253
استحباب كثرة الملابس فى الصلوة حتى الخواتيم، و روى ايضا، عن المناقب لأبن شهرآشوب: سئل من امير المؤمنين (ع) عن علّه ما يصلى فيه من الثياب، فقال:
ان الانسان اذا كان فى الصلوة، فان جسده و ثيابه و كل شىء حوله يسبح، و روى ايضا عن العياشى، عن خيثمة بن ابى خيثمة قال: كان الحسن بن على (ع)، اذا قام الى الصلوة لبس اجود ثيابه، فقيل له: يابن رسول اللّه لم تلبس اجود ثيابك؟ فقال: ان اللّه جميل يحّب الجمال، فاتجمل لربى، و هو يقول: «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» فاحب ان البس اجود ثيابى.
اذا عرفت ذلك فاعلم ان بعض اجلاء الاخباريين، قال بعد نقل كلام البحار: أقول: لا يخفى ما فى كلام شيخنا المذكور من المجازفة، جريا على و تيرة من تقدمه من الاصحاب، فان اثبات الاحكام الشرعية التى هى قول على الله تعالى، و قد استفاضت الايات و الروايات بالنهى عن القول عليه عز و جل، و الزجر عن ذلك، بمثل هذه الروايات العامية، او مع انضمام هذه التحريجات، مجازفة محضة فى احكامه سبحانه، و مجرد كون ذلك للاستحباب لا يترتب على تركه العقاب، لا يوجب التساهل، اذا الكلام فى انه قول عليه عز و جل بغير علم، فيدخل تحت النواهى الشديدة المستفيضة فى الايات، و من هنا يترتب عليه العقاب، كما لا يخفى على اولى الالباب، على ان ما ادعاه من استحباب كثرة الثياب فى الصلوة، لم نقف عليه فى خبر من الأخبار، و غاية ما ربما يدعى حكاية الصلوة فى ثوبين او ثلاثة مثلا، اما الامر بذلك و انه الافضل، فالظاهر بل المقطوع عدمه، نعم ورد ذلك فى المراة، و بالجملة فالمستفاد من الأخبار المتقدمة استحباب الصلوة فى الثوب الساتر لجميع البدن من القميص و نحوه، و لو ستر اسافله خاصة، الافضل وضع شىء على اعاليه، و الافضل ما يستره كملا من رداء و ازار و نحوهما مهما امكن، و كلما كان اوسع فهو افضل، حتى ينتهى الامر الى تكه السراويل و الحبل و نحوهما، انتهى.
و انت خبير بما فيه، لأن الاصحاب لا يعملون بالاخبار العامية فى
ص: 254
المستحبات و نحوها، لاجل كون المستحب و نحوها مما لا يترتب على تركه العقاب، بل لاجل الأخبار المتجاوزة عن حد الاستفاضة، و فيها الصحيح و الحسن كالصحيح و غيرهما، من المعتبرة، و لو كان الاعتبار بالانجبار بين الطائفة و بغير واحد من الاجماعات المحكية، التى كل واحد منها حجة مستقلة، و من الأخبار صحيحة هشام بن سالم عن الصّادق (ع) قال: من بلغه عن النبى (ص) شئ من الثواب، فعلّمه كان اجر ذلك له، و ان كان الرسول لم يقله، و منها: الحسن كالصحيح بابراهيم بن هاشم عن هشام بن سالم، عن الصادق عليه السلام قال: من سمع شيئا من الثواب على شئ، فصنعه كان له و ان لم يكن على ما بلغه.
و بالجملة ليس المقام التحقيق فى المسئلة، و قد حققناها بما لا مزيد عليه فى اللمعات، و ان كنت طالبا فارجع اليها البتة.
و بذلك ظهر انه لا ينبغى الى الاصحاب بسنة المجازفة، لانهم لديانتهم و كثرة تقدّسهم و وضوح مستندهم فى الحكم المزبور، لا يقولون على اللّه بدون العلم بلا ريبة، و كيف كان فما ذكره المصنف رحمه اللّه حق، و ما ذكره الذكرى من استحباب التعمم و التسرول ايضا حق، و الاحتياط الذى ذكره فى البحار غير مسموع، سيما بعد ما عرفت ما نقله من بعض المحققين، عن جامع الاخبار، روى فى البحار عن المحاسن، عن ابيه، عن ابن ابى عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: كنت عند ابى عبد الله (ع)، اذ دخل عليه عبد الملك القمى فقال:
اصلحك اللّه اشرب و انا قائم، فقال: ان شئت، قال: فاشرب بنفس واحد حتى اروى قال: إن شئت، قال: فاسجد و يدى فى ثوبى، قال: ان شئت، ثم قال ابو عبد اللّه عليه السلام: انى و اللّه ما من هذا و شبهه اخاف عليكم.
قال فى البحار بعد نقله: بيان: يدل على انه يجوز للرّجل ان يصلى و يداه تحت ثوبه، و ان اخرجهما كان اولى، لما رواه الشيخ فى الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع) قال: سألته عن الرجل يصلى و لا يخرج
ص: 255
يديه من ثوبه، فقال: ان اخرج يديه فحسن، و ان لم يخرج فلا بأس، و لا يعارض هذا ما رواه الشيخ، عن عمار السّاباطى، عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الرّجل و يدخل يديه فى ثوبه، قال: ان كان عليه ثوب آخر ازارا و سراويل فلا بأس، و ان لم يكن فلا يجوز له ذلك، و ان ادخل يدا واحدة و لم يدخل الاخرى، فلا بأس، اما اولا فلان رواتها ضعيفة، و اما ثانيا فلانها معارضة للاصل المقتضى للجواز، و اما ثالثا فلان قول (لا يجوز) يحمل على الكراهة، لاحتمال ذلك، انتهى.
و قال فى الدروس: يستحب جعل اليدين بارزين او فى الكمين، لا تحت الثياب انتهى
(و) يستحب (للمراة) لبس (ثلاثة: درع و قميص و خمار) قال الشارح المحقق: و مراده بالدرع، الثوب الذى يكون فوق القميص، لكنه خلاف اللغة، لأن الدرع هو القميص انتهى، و المستند فى الحكم المزبور، هو غير واحد من الأخبار المتقدمة فى عنوان قول المصنف رحمه الله: و جسد المراة الحرة كله عورة و يدل على استحباب خصوص الدرع، اى القميص على الظاهر و الملحفة، روايتا على بن جعفر المتقدمتان هناك.
روى عن البحار عن دعائم الاسلام، عن على (ع)، انه قال فى المراة تصلى فى الدرع و الخمار: اذا كانا كثيفين و ان كان معهما ازار و ملحفة فهو افضل، و لا تجزئ الحرة ان تصلى بغير خمار او قناع - الى ان قال - و روينا(1)عن رسول الله (ص)، انه كره للمراة ان تصلى بلا حلى، و قال: لا تصلى المراة الا و عليها من الحلى ادناه خرص(2) فما فوقه، و لا تصلى الا و هى مختضبة، فان لم يكن مختضبة، فلتمس مواضع الحناء بخلوق،(3) و قد روينا عن على (ع) قال: قال
ص: 256
رسول الله (ص): مر نساءك لا يصلين معطلات، فان لم يجدن فليعقدن فى اعناقهن و لو السير، و مرهن فليغيرن اكفهن بالحناء و لا يد عنها، لكن لا يشبهنّ بالرجال.
و يستفاد من تلك الرواية استحباب اربعة اثواب لهن: الدرع و الخمار و الازار و الملحفة، و استحباب الخضاب لهن، و كراهة صلوتهن بلا حلى و عطلا، و يدل على الاخير ايضا ما رواه التهذيب فى الزيادات فى الموثق، عن غياث بن ابراهيم، عن جعفر، عن ابيه، عن على (ع) قال: لا تصلى المراة عطلا، قال فى الحبل المتين: النهى محمول على الكراهة، و هى بضم العين المهملة و الطاء و التنوين، و المراد خلو جيدها عن القلائد، كما قاله شيخنا فى الذكرى انتهى.
اعلم انه يستفاد من الأخبار الكثيرة، القريبة من التواتر بل لعلها متواترة، كما ادعاه بعض الاصحاب،(1) كون الاصل جواز الصلوة فى جميع بقاع الارض، الا ما اخرجه الدليل، منها ما رواه فى البحار، عن معانى الأخبار و العلل و الخصال، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن سعد بن عبد الله، و محمد بن الحسن الصّفار، عن احمد بن محمد بن عيسى، و احمد بن ابى عبد اللّه البرقى عن محمد بن خالد البرقى، عن محمد بن سنان، عن ابى الجارود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): اعطيت خمسا لم يعطها احد قبلى: جعلت لى الارض مسجدا و طهورا، و نصرت بالرعب، و احل لى المغنم، و اعطيت جوامع الكلم، و اعطيت الشفاعة.
و منها ما رواه ايضا عن الخصال عن محمد بن على بن الشاه، عن محمد بن جعفر البغدادى، عن ابيه، عن احمد بن السخت، عن محمد بن الاسود، عن ايوب بن سليمن، عن ابى البخترى، عن محمد بن حميد، عن محمد بن
ص: 257
المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبى (ص) قال: قال اللّه تعالى: جعلت لك و لا متك الارض كلها مسجدا و ترابها طهورا... الخبر.
و منها ما رواه ايضا عن مجالس ابن الشيخ، عنه، عن المفيد، عن محمد بن على بن رباح، عن ابيه، عن الحسن بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن ابى بصير، عن ابى جعفر (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): ان اللّه جعل لى الارض مسجدا و طهورا، اينما كنت منها اتيمم من تربتها و اصلى فيها.
و منها ما رواه ايضا منه، عن ابيه، عن جماعة، عن ابى الفضل، عن محمد بن محمد بن سليمان، عن عبد السلام بن عبد الحميد، عن موسى بن اعين، قال ابو الفضل: و حدثنى نصر بن الجهم، عن محمد بن مسلم، و رواه عن محمد بن مسلم بن اعين، عن ابيه، عن عطاء بن السّائب، عن الباقر، عن آبائه عليهم السلام، عن النبى (ص) قال: جعلت لى الارض مسجدا... الخبر.
و منها ما رواه ايضا عن ارشاد القلوب، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليه السلام قال: قال امير المؤمنين (ع)، فى جواب اليهودى الذى سأله عن فضل النبى (ص) فقال: قال اللّه تعالى فى ليلة المعراج: انى جعلت على الامم ان لا اقبل منهم فعلا الا فى بقاع الارض التى اخترتها لهم و ان بعدت، و قد جعلت الارض لك و لامتك طهورا و مسجدا، فهذه من الآصار(1) و قد رفعتها عن امتك.
و منها ما رواه ايضا عن المحاسن، عن ابراهيم بن محمد بن مروان جميعا، عن ابان بن عثمان، عمن ذكره، عن ابى عبد الله (ع)، قال ان اللّه تبارك و تعالى اعطى محمدا (ص) شرايع نوح و ابراهيم و موسى و عيسى - الى ان قال - و جعل له الارض مسجدا و طهورا.
و منها ما رواه ايضا عن المعتبر، قال: قال رسول الله (ص): جعلت لى
ص: 258
الارض مسجدا و ترابها طهورا، اينما ادركتنى الصلوة صليت.
و بالجملة الأخبار فى الباب كثيرة، و مقتضاها كما ترى كون الاصل جواز الصلوة فى جميع بقاع الارض، الا ما اخرجه الدليل كما عرفت.
فعلى هذا (يجوز الصلوة فى كل مكان مملوك) عينا و منفعة خاصة (او فى حكمه) كالمستعار (و كالماذون فيه صريحا) خصوصا، كأن ياذن بالصلوة فيه، او عموما ما كان يأذن بالكون فيه (او فحوى) كادخال الضيف للضيافة و نحوها، مع عدم ما يدل على كراهة المضيف لصلوته، من نحو المخالفة فى الاعتقاد و هيئات الصلوة، على وجه تشهد القرائن بكراهته لها على تلك الحال، اذ لا فحوى معه (او يشاهد الحال) و فسره جماعة بل عن اكثر الاصحاب، بما اذا كان هناك امارة تشهد بان المالك لا يكره، كالصحارى و البساتين الخالية من امارات الضرر و نهى المالك، و كالاماكن الماذون فى غشيانها على وجه مخصوص، كالخانات و الا رحية و نحوها.
قيل: المراد بشاهد الحال، ما يدل عليه حال المكان بمعاونة العرف المستمر المستقر، كالصّحارى الخالية من زرع، و البنيان التى العادة مستمرة بالمسامحة فى الدخول اليها و الكون فيها، الا ان يصرح المالك بالنهى عنها، او يتوجه عليه ضرر بالصلوة فيها انتهى، و هذا قريب من الأول.
قال فى البحار: و فسّر - اى شاهد الحال - بما اذا كان هناك امارة تشهد بان المالك لا يكره، و ظاهر ذلك انه يكفى الظن برضاء المالك: و ظاهر كثير من عبارات الاصحاب اعتبار العلم برضاه، و الأول انسب و اوفق بعمومات الأخبار السالفة، اى الأخبار الدالة على كون الارض مسجدا له (ص)، و اعتبار العلم ينفى فائدة هذا الحكم، اذ قلما يتحقق ذلك فى مادة، بل الظاهر جواز الصلوة فى كل موضع لم يتضرر المالك بالكون فيه، و كان المتعارف بين الناس عدم المضايقة فى امثاله، و ان فرضنا عدم العلم برضاء المالك هناك على الخصوص، بسب من الاسباب.
ص: 259
نعم لو ظهرت كراهة المالك لامارة، لم تجز الصلوة فيه مطلقا، و قال الشارح المحقق: و ظاهر كثير من عبارات الاصحاب، اعتبار العلم برضاء المالك، و غير بعيد جواز الصلوة فى كل موضع لم يتضرر المالك بالكون فيه، و كان المتعارف بين الناس عدم المضايقة فى امثاله، و ان فرضنا عدم العلم برضاء المالك هناك على الخصوص، بسبب من الاسباب، كما اشرنا الى دليله فى اللباس، نعم لو ظهرت كراهة المالك لامارة، لم يجز الصلوة فيه مطلقا.
و قال فى بحث اللباس، بعد قول المصنف: او مأذون فيه، قال الشارح الفاضل: و لا يكفى شاهد الحال هنا، لعدم النص و اصالة المنع من التصرف فى مال الغير، فيقصر فيما خالفه على محلّ الوفاق، و هو المكان، و الفرق بين اللباس و المكان، فان اللباس يبلى بالاستعمال، و لكل جزء منه مدخل فى التاثير، بخلاف المكان، انتهى.
و لا يخفى ان اشترطنا فى شاهد الحال حصول العلم برضاء المالك، لم يبق فرق بين المكان و غيره، فى التحاق شاهد الحال فيها بالصريح، و ان اكتفينا بالظن للتامل فيه مجال، و يمكن ان يقال: شاهد الحال انما يتحقق فى كل موضع لم يتعارف بين الناس المضايقة فى امثاله، و كان من الشايع المعتاد حصول الاذن فى نظايره، و هذا مما لا يختلف بحسب الاحوال و الا زمان، و حينئذ لم يبعد انسحاب الحكم فى اللباس ايضا ان فرضنا تحقق ذلك فيه، اذ لم يثبت شمول المنع من التصرف فى مال الغير بهذا الموضع، و الاصل الاباحة، انتهى.
قال بعض الأجلاء: هل يكفى فى شاهد الحال فى هذا المقام الدلالة الظنية، ام لا بد من العلم؟ قولان: ظاهر المشهور الأول، و صرح جمع منهم السيد(1) فى المدارك بالثانى، و اكثر الاصحاب فسره بما اذا كان هناك امارة
ص: 260
تشهد بان المالك لا يكره و هو اعم من العلم، و يمكن ان يؤيد القول المشهور، بعمومات الأخبار الدالة على كون الارض مسجدا له صلّى اللّه عليه و آله، فان المراد به محل الصلوة كما فسره به الاصحاب رضى اللّه عنهم و اطلق السجود على الصلوة تسميته للكلّ باسم الجزء، و فى بعض تلك الأخبار جعلت لك و لا متك الارض كلّها مسجدا... الحديث، و فى بعض آخر: ان اللّه جعل لى الارض مسجدا و طهورا، اينما كنت اتيمم من تربتها و اصلى عليها.
و انت خبير بان الانسب سعة هذا الامتنان، منه سبحانه على رسوله (ص) و على امته، هو الاكتفاء بمجرد ظن الرضا، على ان اعتبار العلم ينفى فائدة هذا الحكم، اذ قلما يتحقق ذلك فى مادة، و الظاهر كما استظهره جملة من الاصحاب رضى اللّه عنهم منهم الفاضل الخراسانى فى الذخيرة و شيخنا فى البحار هو جواز الصلوة فى كل موضع لا يتضرر به المالك بالكون فيه، و كان المتعارف بين الناس عدم المضايقه فى امثاله، و ان فرضنا عدم العلم برضاء المالك هنا على الخصوص، نعم لو ظهر كراهة المالك لامارة، لم تجز الصلوة فيه مطلقا.
و قال بعض الاصحاب بعد ان ذكر التفسير الأول لشاهد الحال: و هو حسن ان افاد العبارة القطع بالاذن، و الا فيشكل لعدم دليل على جواز الاعتماد على الظنون فى نحو المقامات، و اضعف منه ما يقال من ان الاقرب جواز الصلوة فى كل موضع لم يتضرر المالك بالكون، فيه و جرت العادة بعدم المضايقة فى امثاله، و ان فرضنا عدم العلم بالرضاء، نعم لو ظهرت من المالك امارة عدم الرضا، لم يجز الصّلوة فيه مطلقا، و ذلك فان مناط جواز التصرف فى ملك الغير اذنه لا عدم تضرره بالتصرف فيه، و لذا مع ظهور كراهته لم يجز قطعا كما اعترف به، و بالجملة فالمتجه اعتبار القطع بالرضاء عادة، و لا يجوز الاعتماد على الظن الا مع قيام دليل، انتهى.
أقول: الاكتفاء بالظنون فى نحو المقامات غير خال عن قوة للاصل المتقدم اليه الاشارة، و ثبوت تحريم التصرف فى مال الغير بغير اذنه حتى فى نحو المقام، غير
ص: 261
ثابت بلا ريبة، لأن المثبت له إما الاجماع، و هو فى المقام منتف بالبديهة، لما عرفت من ذهاب المشهور الى الاكتفاء بالدلالة الظنية، او الأخبار، من نحو ما روى(1) عن الصادق (ع)، ان رسول الله (ص) قال: من كانت عنده امانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها، فانه لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله الا بطيبة نفسه و ما رواه البحار عن تحف العقول للحسن بن على بن شعبة، عن النبى (ص) انه قال فى خطبة الوداع: ايّها الناس انما المؤمنون اخوة، و لا يحل لمؤمن مال اخيه الا بطيب نفسه، و غيرهما من الأخبار، فعدم دلالتها واضحة: اما لعدم عد العرف ذلك الشخص غاصبا، و اخذ مال الغير عدوانا كما هو الظاهر، و هذا الكلام لا يخلو عن مناقشة، فافهم، اولان المتبادر من الأخبار غير محل الفرض، على ان التعارض بين تلك الأخبار و الأخبار السالفة، الدالة على كون الارض مسجدا له (ص)، من تعارض العمومين من وجه و الترجيح من الأخبار السّالفة بلا شبهة، لمكان الشهرة المحكية، بل الظاهر انها محققة.
و اما الآيات من نحو قوله تعالى: «وَ لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ» و قوله: « إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْأَحْبٰارِ وَ اَلرُّهْبٰانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ اَلنّٰاسِ بِالْبٰاطِلِ» و قوله تعالى: «فَمَنِ اِعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» و قوله: «وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا» و قوله تعالى: «وَ لَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولٰئِكَ مٰا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ» فعدم دلالتها ايضا بما مر فى الأخبار واضحة، على ان الاستدلال بها فى المقام مصادرة، مع كون الايتين المذكورتين اولا، اللتين كانتا فى الاستدلال، اصرح و اظهر من غيرهما من الايات، غير منطبقتين على المدعى، لوجود الاكل.
و اما العقل فعدم دلالته فى المقام واضحة، فظهر بما ذكر ان ما ذكره بعض الاصحاب المتقدم نقل كلامه غير واضح، و دليل الاعتماد على الظنون فى نحو المقام واضح، و ان ما اختاره الجماعة المتقدم نقل كلامهم وجيه، و اما ما اشار
ص: 262
اليه بعض الاصحاب المتقدم كلامه، لعدم وجاهته بقوله: فان مناط جواز التصرف فى ملك الغير اذنه لا عدم تضرره بالتصرف فيه، فغير وجيه، لأن كون الاذن هو المناط بجواز التصرف فى ملك الغير حتى فى المقام، غير ممنوع، و لا بد للمدعى اقامة البرهان.
و اما ما استشهده بقوله: و لذا مع ظهور كراهته لم يجز قطعا، كما اعترف به فكسابقه لأن للمخالف ان يقول: خرج من اطلاق الأخبار الدالة على كون جميع الارض مسجدا له (ص) ما خرج بدليل، و لا يخرج من الاطلاق الافراد الداخلة بلا دليل، نعم لو لم يقم اجماع او غيره(1) على خروج ما اذا كان هناك امارة تشهد على عدم رضاء المالك، لكنها قائلا بالخروج فيه ايضا بالجملة، و لا بد للمحتاط ان يعتبر القطع بالرضاء، و لا يجوز الاعتماد على الظن، و لكن الظاهر انه لا اشكال فى نحو الصّحارى و البساتين، مع عدم العلم بكراهة المالك، فقد نفى عنه الخلاف على الاطلاق جماعة، و الظاهر انه كذلك.
قال فى البحار بعد الكلام المتقدم نقله عنه: و بالجملة الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب فى جواز الصلوة فى نحو الصحارى و البساتين، اذا لم يتضرر المالك بها، و لم تكن امارة تشهد بعدم الرضاء، و ان لم ياذن المالك صريحا او فحوى، و فى حكم الصّحارى الاماكن الماذون فى غشيانها على وجه مخصوص، اذا اتصف بها المصلى كالحمامات و الخانات و الارحية و غيرها، و لا يقدح فى الجواز كون الصّحراء لمولى عليه بشهادة الحال و لو من الولى.
قال فى الذكرى: و لو علم انه لمولى عليه فالظاهر الجواز، لاطلاق الاصحاب، و عدم تخيل ضرر لا حق به، فهو كالاستظلال بحايطه و لو فرض ضرر امتنع منه و من غيره، و وجه المنع ان الاستناد الى ان المالك اذن بشاهد الحال، و المالك هنا ليس اهلا للاذن، الا ان يقال ان الولى اذن هنا، و الطفل
ص: 263
لا بد له من ولى، انتهى.
و العمدة عندى الاستدلال بعموم الأخبار السالفة، اذ لم يخرج تلك الافراد منها بدليل.
و قال الشارح المحقق، بعد الكلام المتقدم نقله عنه سابقا: و على كل تقدير، فالظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب فى جواز الصّلوة فى الصحارى و البساتين، اذ لم تكن مغصوبة، و لم يتضرر المالك، و لم تكن امارة تشهد بعدم الرضاء، و ان لم ياذن المالك صريحا او فحوى، و فى حكم الصحارى الاماكن الماذون فى غشيانها على وجه مخصوص به المصلى كالحمامات و الخانات و الارحية و غيرها، و لو فرض صلوة احد فى احد المواضع المذكوره، ممن لا تعلق له بالانتفاع بها على الوجه الموضوعة له، بحيث لا يعود الى المالك نفع، و اوجبت صلوته تضيقا على اهلها، بحيث تشهد القرينة على عدم رضاء المالك امتنعت صلوته، و لا يقدح فى الجواز كون الصّحراء لمولى عليه بشهادة الحال و لو من المولى، قال فى الذكرى... الى آخر ما تقدم عنه نقله سابقا، و كيف كان فالظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب فى جواز الصلوة فى الصّحارى و البساتين، اذا لم يتضرر المالك بها، و لم تكن امارة تشهد بعدم الرضا، و ان لم ياذن المالك صريحا او فحوى، و فى حكم الصحارى الاماكن الماذون فى غشيانها على وجه مخصوص، اذا اتصف بها المصلى كالحمامات و الخانات و الارحية و نحوها، و لا يقدح فى الجواز كون الصّحراء لمولى عليه بشاهد الحال، و لو من الولى، قال فى الذكرى: ثم نقل كلامه.
و قال: و بالجملة فالعمدة عموم الأخبار المشار اليها انفا، ان لم تخرج تلك الافراد منها بدليل، قال بعض المتقدم نقل كلامه، المعترض على هؤلاء بما عرفت مع جوابه: و الظاهر قيام الدّليل فى نحو الصلوة فى نحو الصحارى و البساتين، مع عدم العلم بكراهة المالك، فقد نفى عنه الخلاف على الاطلاق جماعة، و منهم شيخنا الشهيد فى الذكرى، و صاحب الذخيرة، لكن ظاهر الأول
ص: 264
كون الاذن بالفحوى، فيكون مقطوعا، و عليه فلا يظهر شمول دعواه نفى الخلاف لما افاد شاهد الحال فى هذه المواضع ظنا، و كيف كان فالاحتياط يقتضى التورع عن الصلوة، مع عدم القطع بالماذون عادة مطلقا.
و قال بعض المحققين: ثم اعلم ان مدار المسلمين فى الاعصار و الامصار، كان على الصّلوة فى الصحارى من دون تحصيل اذن من صاحبها فيه، و كان ذلك عادة الائمة (ع) و اصحابهم و غيرهم من الشيعة فى زمانهم، و زمان غيبة القائم الى الان، من الفقهاء و الصّلحاء و العدول و الاتقياء و غيرهم، على ما هو المشاهد المحسوس بل لا شك، فى انهم كانوا يسلكون فى الارض و الصحارى و يمشون و يمرون راكبين و بخيولهم و دوابهم و حيواناتهم، له و للرعى و النوم و غير ذلك، مع ان كل ذلك تصرف فى ملك الغير بغير اذنه، فلعل صحة الكل ثبت من الاجماع و طريقة الائمة و شيعتهم على النحو الذى ذكر، و يمكن ان يكون امثال هذه التصرفات من قبيل الاستظلال بحايطهم و الاستضاءة من سراجهم، و امثال ذلك مما عدوه غير غصب، و حكموا بعدم توقفه على اذنهم، و مثل الشرب من انهارهم و سقى دوابهم منها، و اخذ شىء فى أدليتهم و ظروفهم، للطريق و الطبخ و غير ذلك.
و مما ظهر من المرتضى و القاضى ابى الفتح و غيرهما، من ان المنشأ هو الاذن الحاصل بشاهد الحال و الفحوى، لا يخلو من الاشكال الظاهر لتوقفه على العلم بكونه ملك من اعتبر اذنه، و من ليس بمحجور كالطفل و المجنون و السفيه، مع ان العوام ربما لا يتفطنون الى امثال هذه الامور، حتى يرضون و يجوزون مع المخالف و الناصبى بل اليهودى و النصرانى و المجوسى غير ظاهر رضاهم بما ذكر من التصرفات سيّما الصلوة، و الظاهر ان ما ذكرناه من صحة الصلوة و غيرهما مما ذكر لا تامل لاحد من الفقهاء فيه، انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
و بالجملة مقتضى الاصل المتقدم اليه الاشارة، هو الصحة، و لا دليل على
ص: 265
خروج ما نحن فيه عنه بلا ريبة، و مقتضى عموم تلك الأخبار، و ان كان جواز الصلوة فى المغصوب، كما ذهب اليه بعض المحدثين على ما حكاه المجلسى رحمه الله فى البحار، و لكن الظاهر بل المقطوع خروج ذلك الفرد عنه للاجماعات المحكية الدّالة على حرمة الصلوة فيه، و غيرها من الايات و الأخبار الكثيرة الدالة على تحريم الظلم و الغصب و التصرف فى مال الغير بغير اذنه
(و) هل (تبطل) الصلوة (فى المغصوب) و لو منعه (مع علم الغصبية) فى حال الصلوة اختيارا ام لا؟ و الاقوى هو الأول، كما هو الاشهر، بل لا خلاف فيه يظهر، الا من الفضل بن شاذان كما تقدم نقل كلامه فى بحث اللباس، و هو محجوج عليه بالاجماعات المحكية فى جملة من العبائر، كالمنتهى و الذكرى و الدروس و البيان و المدارك و غيرها(1) كما عن الناصريات و نهاية الاحكام و جامع المقاصد، و الشارح المحقق نفى عنه الخلاف بين الاصحاب.
و بما روى عن ابن ابى جمهور فى كتاب غوالى اللئالى مرسلا عن الصادق (ع) قال: روى عن الصادق (ع) أنّه سأله بعض أصحابنا فقال: يا ابن رسول الله (ص) ما حال شيعتكم فيما خصّتكم اللّه اذ اغاب غائبكم و استتر قائمكم؟ فقال: ما انصفناهم ان و اخذناهم، و لا اجبناهم ان اعافيناهم، بل نبيح لهم المساكن لتصح عباداتهم، و نبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم، و نبيح لهم المتاجر ليزكوا اموالهم.
قال بعض الأجلاء بعد نقل الخبر: و لو لا ارسال الخبر فى هذا الكتاب، الذى قد اشتمل على نوع من التساهل فى نقل هذه الأخبار، لما كان عنه معدل فى الحكم بما ذكره الاصحاب، الا ان تاييده ظاهر بلا ارتياب، انتهى.
أقول: ما ذكره لا يقدح فى الاستدلال به فى الباب، لخبره بذهاب عامة الاصحاب اليه، و يؤيد المطلب ما رواه فى البحار عن تحف العقول باسناده.
عن على (ع) فى وصيته لكميل قال: يا كميل انظر فيما تصلى و على ما تصلى، ان لم يكن وجهه و حله فلا قبول.
ص: 266
و روى ايضا عن بشارة المصطفى لمحمد بن ابى القاسم الطبرى، عن ابراهيم بن الحسين البصرى، عن محمد بن الحسن بن عتبه، عن محمد بن الحسين بن احمد عن محمد بن رهبان الدّبيلى، عن على بن احمد بن العسكرى، عن احمد بن المفضل، عن راشد بن على القرشى، عن عبد اللّه بن حفص المدنى عن محمد بن اسحق، عن سعيد بن زيد بن ارطاة، عن كميل بن زياد، مثله.
و الاستدلال للمطلب، بان الصلوة فى المكان المغصوب تصرف فى ملك الغير و هو حرام، فلا يجوز ان يكون مامورا به، لامتناع ان يكون شىء واحد شخصى واجبا و حراما غير وجيه، لما عرفت فى بحث اللباس فلا نعيده.
و لا نحتاج ان نستدل للمطلب بما استدل به بعض، بان السيد اذا امر عبده بخياطة ثوب، و نهاه عن الكون فى مكان مخصوص، ثم خاطه فى ذلك المكان، فانه يكون مطيعا عاصيا، لجهتى الأمر بالخياطة و النهى عن الكون، حتى يجاب مرة بان هذا غفله، لأن متعلق الأمر هنا الثوب المخيط لا الخياطة و ان علقه عليها لفظا، فالوجوب المفهوم منه وجوب توصلى، كالأمر بقطع المسافة الى درك الحج، و مثل هذا الوجوب يجتمع مع الحرمة اتفاقا، لأنه وجوب شرطى و توصلى، لا انه وجوب شرعى و مطلوب فى نفسه، و الوجوب الشرطى و التوصلى لا مطلوبية فيه، و لذا وقع النزاع فى ان مقدمة الواجب المطلق واجب ام لا؟
و اخرى بانه على تقدير وجوب المقدمة مطلقا، لنا ان نقول ان الكون هنا ليس مقدمة، حتى يلزم ان يكون مامورا به، بل هو من لوازم وجود الجسم، اذ المقدمة هى الطريقة التى يتوصل بها الى الشئ، و ظاهر ان الكون ليس كذلك، فلا يلزم اجتماع الأمر و النهى فى شئ واحد.
و قال بعض العامة: يصلى الجمعة و العيد و الجنازة فى الموضع المغصوب
ص: 267
لأن الامام اذا صلى فى مكان مغصوب فامتنع الناس فاتتهم الصلوة، و لهذا يبحث الجمعة خلف الخوارج و المبتدعة، و هو غلط فاحش.
استصحابا لما كانت عليه قبل الغصب، و نفى شيخنا المجلسى فى البحار، و الشارح المحقق، عنه البعد.
قال بعض المحققين: و الظاهر ان مراد المرتضى و الشيخ ابى الفتح، هو العلّه التى تصح الصّلوة فيها لها، باقية على حالها لم تتفاوت، لأن غصب الغاصب لا يصير منشأ لعدم الاذن لغيره، و عدم الرضاء، نعم الغاصب لا يجوز ان يصلى فيها لحصول العلم العادى فى ذلك ايضا، مع ان الاستصحاب لم يكن حجة عند المرتضى، فكيف يتمسك به؟، انتهى.
أقول: و القول بالجواز لغير الغاصب فيها غير بعيد، اذا ظن رضاء المالك، للاصل المتقدم اليه الاشارة، و لكن الاحتياط التام هو البطلان، لاطلاق جملة من الاجماعات المحكية، و ان كان شموله للمقام محل كلام.
اعلم ان المشهور بين الاصحاب، على الظاهر المصرح به فى عبائر غير واحد من الاصحاب، انه لا فرق فى عدم جواز الصلوة فى الملك المغصوب، بين الغاصب و غيره ممن علم بالغصب.
و لو صلى المالك فى المكان المغصوب صحت صلوته، و نقل الاجماع عليه الا من الزيدية، قال شيخنا المجلسى فى البحار: و سمعنا ان بعض افاضل المتأخرين ممن ولى عصرنا، زاد فى الطنبور نغمة، و حكم بانه لا يجوز للمالك ايضا ان يصلى فيه، لأنه يصدق عليه انه مغصوب، و هذا فرع ورود تلك العبارة فى شئ من النصوص، و لا نص فيه على الخصوص، بل انما يستدلون بعموم ما دل على عدم جواز التصرف فى ملك الغير، ثم يحتجون للبطلان بان النهى فى العبادة موجب للفساد، و لا يجرى ذلك فى المالك و من اذن له، فكم بين من
ص: 268
يحكم بجواز الصلوة و صحتها للغاصب و غيره، و ان منع المالك صريحا، و بين من يقول بهذا القول، انتهى.
أقول: و لعل وجه اشتباهه هو اطلاق الاجماعات المحكية، الدالة على عدم صحة الصلوة فى الملك المغصوب، و لم يتفطن عدم شمولها لمحل البحث.
و قال الشيخ(1) فى المبسوط: لو صلى فى مكان مغصوب مع الاختيار، لم تجز الصلوة فيه، و لا فرق بين ان يكون هو الغاصب او غيره، ممن اذن له فى الصلوة، لأنه اذا كان الاصل مغصوبا لم تجز الصلوة فيه، انتهى، و الظاهر ان مراده بالآذن الغاصب، و ان كان الوهم لا يذهب الى تاثير اذنه فى الصحة، اذ يمكن ان يكون الاشتراط مبنيّا على العرف، و ان الغالب انه لا يتمكن الغير من الصّلوة فيه الا باذن الغاصب الغالب، و حمله على ارادة المالك كما هو ظاهر المعتبر، بعيد جدا، اذ لا جهة للبطلان حينئذ.
و وجهه فى الذكرى، بان المالك لما لم يكن متمكنا من التصرف فيه، لم يفد اذنه الاباحة كما لو باعه فانه باطل، و لا يجوز للمشترى التصرف فيه، و فيه نظر لمنع الاصل(2) و بطلان القياس، فلا يتم الحكم فى الفرع، و فى الذكرى ايضا: و يجوز ان يقرا اذن بصيغة المجهول، و يراد به الاذن المطلق المستند الى شاهد الحال، فان طريان الغصب يمنع استصحابه، كما صرح به ابن ادريس، و يكون فيه التنبيه على مخالفة المرتضى، و تعليل الشيخ مشعر بهذا انتهى، و فيه ما ترى، و ليت شعرى ما المانع على الحمل على ما ذكرنا؟ مع انه
ص: 269
اظهر فى عبارته لفظا و معنى، و ما الداعى على الحمل على ما يوجب تلك التكليفات؟ انتهى.
أقول: ما ذكره من كون المراد بالآذن الغاصب، هو الوجه عندى، كما لا يخفى على الفطن، قيل و لعمرى ان من عرف الشيخ و طريقته، يقطع و يجزم بانه يذهب الى هذه التدقيقات، التى وجّه بها فى الذكرى كلام المحقق فى التحرير و احتمال القراءة بصيغة المجهول، انتهى.
و كيف كان فلا اشكال فى الحكم المذكور.
كما صرح به غير واحد من الطائفة، و يقتضيه اطلاق كثير من الاجماعات المحكية كالفتوى و الرواية، خلافا للمحكى عن المحقق فقال: بصحة النافلة، لأن الكون ليس جزءا منها و لا شرطا فيها، يعنى انها تصح ما شيا موميا للركوع و السجود، فيجوز فعلها فى ضمن الخروج المامور به، قيل: و فيه بعد تسليمه، انه مختص بما اذا صليت كذلك لا ان قام و ركع و سجد، فان هذه الافعال و ان لم يتعين عليه فيها، لكنها احد افراد الواجب فيها انتهى، و المعتمد(1) هو اطلاق الاجماع المحكى، و اطلاق الرواية.
فيه اشكال، و لعل الاظهر عدم البطلان، و استند القائل به الى ان هذا تصرف فى السقف و الخيمة، بناء على ان التصرف فى كل شىء بحسب ما يليق به، و الانتفاع به بحسب ما اعدّ له، و قال بعض الأجلاء: هل تبطل الصلوة تحت السّقف و الخيمة المغصوبين مع اباحة المكان ام لا؟ اشكال لا من حيث المكان، اذ لا يدخل ذلك فى تعريف المكان المتقدم، و انما هو من حيث ان هذا تصرف فى المغصوب، اذا التصرف فى كل شىء
ص: 270
بحسب ما يليق به و ما اعد له، و لا ريب ان الغرض من الخيمة و السقف هو الجلوس تحتهما.
قال شيخنا الشهيد فى الرياض، بعد تعريف المكان بتعريفين ذكرهما و البحث فيهما، ما لفظه: و على التعريفين لا تبطل صلوة المصلى تحت سقف مغصوب او تحت خيمة مغصوبة، مع اباحة مكانهما، لارتفاع اسم المكان فيها، هذا من حيث المكان، اما من حيث استلزام ذلك التصرف فى ملك الغير، فيبنى على ان منافاة الصلوة لحق الادمى، هل يعد مبطلا لها ام لا؟ بل يمكن بناؤها على حكم الصلوة فى المستصحب المغصوب غير الساتر، و قد تقدم الكلام فيه، و ان الدّليل العقلى لا يساعد على البطلان، فان النّهى ضمنا انما يتوجه الى الضد العام للتخلص من المغصوب، و هو تركه لا الاضداد الخاصة، و بالجملة فلا نص يعول عليه على امثال ذلك، و لا يتحقق بدونه الحكم ببطلان الصلوة بالنهى عما ليس شرطا للصلوة و لا جزء، و اللّه اعلم بحقيقة الحال، انتهى.
أقول: و ملخصه هو صحة الصلوة و ان اثم من حيث التصرف فى المغصوب، بناء على ما قدمنا ان التصرف فى كل شىء بحسب ما يليق به، و ما يترتب عليه من المنفعة، و هو جيّد.
و قال الشارح المحقق: و هل تبطل الصلوة تحت السقف المغصوب و الخيمة المغصوبة؟ فيه اشكال ينشاء من ان التوقف فى الصلوة فيهما، هل هو تصرف و تاثير فى الشىء المغصوب؟ بناء على ان التصرف فى كل شىء بحسب ما يليق به و الانتفاع به بحسب ما اعدّ له، ام لا؟ و لو فرضنا مضادتها للايصال الى المستحق، كان البطلان متجها، بناء على الاصل المشار اليه مرارا.
و قال بعض الاصحاب فى حاشية القواعد، فى جملة كلام له: و لا يشكل على عكس كل منهما السّقف لو كان مغصوبا و كذا الخيمة و نحوها، من حيث انه على التعريفين لا تبطل صلوة المصلى تحت السقف و الخيمة المغصوبين مع ان المصلى متصرف بكل منهما و منتفع به، فان التصرف فى كل شىء بحسب ما يليق به، و
ص: 271
الانتفاع به بحسب ما اعدّ له، لأن ذلك لا يعد مكانا بوجه من الوجوه، لكن هل تبطل الصلوة بهذا القدر من التصرف؟ لا اعلم لاحد من الاصحاب المعتبرين تصريحا فى ذلك بصحة و لا فساد، و التوقف موضع السلامة الى ان يتضح الحال، انتهى.
تفصيل الكلام فى المقام، ان يقال: اما بكون الأخبار الناهية عن التصرف فى مال الغير، شاملة لامثال هذه التصرفات، ام لا، فعلى الأول يحكم بالفساد، ان قلنا بعدم جواز اجتماع الأمر و النهى، لأن الكون الذى جزء للصلوة مامور به من حيث كونه جزء اللصلوة، و منهى عنه من حيث كونه تصرفا فى مال الغير هو بدون اذنه، و ان قلنا بجوازه، فلا يخلو اما تكون تلك الصلوة مضادة للايصال الى المستحق الواجب فورا ام لا، فعلى الأول يحكم بالفساد، ان قلنا بان الأمر بالشىء يقتضى النهى عن ضده الخاص، او مستلزم لعدم الأمر بالضد، و كان الوقت موسعا كما هو المفروض فى تلك المسئلة المعنونة فى الاصول، و ان قلنا بعدم اقتضائه لشى من المذكورين فيحكم بالصحة، كما يحكم بها فى الشق الثانى، اى على تقدير عدم كونها مضادة للايصال الى المستحق، و بذلك يظهر حال الشق الثانى من الأول، و الاقوى عندى هو الصحة مطلقا، لجواز اجتماع الأمر و النهى مع تعدد الجهة، و عدم اقتضاء الأمر بالشىء من المذكورين، كما بيناه فى الاصول.
و اما شمول الأخبار الناهية عن التصرف فى مال الغير الا بطيب نفسه و نجوه لمثل المقام، فلى فيه تامل كما عرفت سابقا، نعم لو كان المصلى غاصبا للخيمة او منفعتها، بحيث لو طالب المالك لم يرد اليه، لكان القول بالشمول وجيها، و يتفرع على هذا عدم تحقق الاثم لمن صلى تحت خيمة مع عدم ظهور كراهة المالك، فيخرج الغاصب، و لو كان غاصب المنفعة فى وقت الصلوة خاصة لكراهة المالك لهذا الشخص، الذى اذا طالب ما له منه لم يرده اليه، و معها يكون الظاهر شمول الاحاديث كما عرفت، اللهم الا ان يكون تحقق الاثم
ص: 272
اجماعيا فافهم، و امر الاحتياط واضح.
قال فى الحبل المتين فى جملة كلام له: قال فخر المحققين طاب ثراه فى الايضاح: ان المكان فى عرف الفقهاء باعتبار اباحة الصلوة فيه و عدمها، هو ما يستقر عليه المصلى و لو بوسائط، او يلاقى بدنه او ثيابه من موضع الصلوة، كما يلاقى مساجده و يحاذى بطنه و صدره، انتهى.
و هذا التفسير كما يقتضى بطلان الصلوة فى خيمة ضيقه مغصوبة، يلاقى بعضها بدن المصلى او ثيابه،(1)اى المكان.(2) و يقرب جدار مغصوب يلاقى فى شىء منه شيئا منها، كذلك يقتضى بطلان الصلوة بلمس درهم مغصوب مثلا، و لو من وراء الكم، بل بطلانها بتوسط شىء مغصوب بين مسقطى الجبهة و الرّكبتين، كقلم او حبة حنطة مثلا، و ان لم يلاقهما شىء من بدن المصلى او ثيابه اصلا، و هو كما ترى.
فان هذا التفسير مما اتفقوا عليه، و لا اظنه كذلك و لا كلام، و الا فللبحث فيه مجال، فانا لم نظفر فى الأخبار بما هو قص على بطلان الصلوة فى الملاقى لبدن المصلى و ثيابه اذا كان مغصوبا، فضلا عما لا يلاقى شيئا منهما اصلا، نعم نقل
ص: 273
جماعة من الاصحاب اتفاق علماؤنا على بطلانها فى مكان المغصوب، و هو الحجة فى هذا الباب.
و اما الاستدلال بان افعال الصلوة كالركوع و السجود مثلا، منهى عن ايقاعها فيه، فلا يكون مامورا بها، فقد يقال: ان المنهى عنه فى الحقيقه انما هو شغل الحيز المخصوص حين الصلوة، و ليس نفس شغل الحيز جزءا من الصلوة و لا شرطا لها، بل هو احد افراد مطلق شغل الحيز، الذى هو من ضروريات الجسم من حيث هو جسم، نعم هو امر مقارن للصلوة، كما هو مقارن لغيرها كالخياطة و الكتابة مثلا.
و اما استقرار المعدود من واجبات الصلوة، فليس عبارة عن شغل الحيّز، بل المراد به عدم التحريك بمشى و نحوه، و شغل الحيّز يقارنه، لا انه هو، و لعلّ هذا هو وجه تردد بعض علمائنا كابى الصّلاح رحمه الله، فى بطلان الصلوة فى الحمامات و مواطن الابل و البيوت المصورة، مع حكمه بتحريم الصلوة فيها، و بما تلوناه عليك يزداد وضوح ما ذهب اليه المحقق طاب ثراه، فى التحرير، من الحكم بصحة الطهارة فى المكان المغصوب.
ثم الذى يظهر لى انه لو فسر مكان المصلى من حيث الاباحة، بما يستقر عليه و لو بوسايط، و الفراغ الذى يشغله بدنه او ثوبه بسبب فعل من الافعال و ما يلاقيه احدهما كذلك، لكان اولى، و قولنا بسبب فعل من افعال الصلوة، لاخراج ما يشغله شىء من بدن المصلى او سببه بسبب من افعال الصلوة، كما اذا كان فوق راسه او الى احد جانبيه فضاء مغصوب، فادخل يده فيه مثلا، و قولنا و ما يلاقيه احدهما كذلك، يريد به ما يلاقيه البدن او الثوب بسبب فعل من افعال الصلوة، كما لو صلى فى خيمة مغصوبة، او تحت سقف مغصوب يلاقى راسه حال الرّكوع، او حال الانتصاب شىء منها، و لعلّ فى تفسير الذى ذكره فخر المحققين طاب ثراه، نوع اشعار بهذا، فان قوله: من موضع الصلوة، مرتبط بقوله: يلاقى بدنه او ثيابه، اى ما يلاقى بدن المصلى او ثيابه من المحلّ
ص: 274
الذى يتحقق فيه افعال الصلوة، من القيام و الركوع و السجود و غيرها، فلو لاقى بدنه او ثوبه مغصوبا خارجا عن المحل الذى يتحقق فيه افعالها، لم يكن ذلك قادحا فيما هو المعتبر من اباحة المكان، انتهى.
و فى بعض ما ذكره طاب ثراه، مناقشة يظهر وجهها مرّ، و فى بعض آخر ايضا مناقشة لو تعرضنا لها ليطول المقام، و قد عرفت ان القول بصحتها تحت الخيمة و السقف المغصوبين مطلقا، غير بعيد.
ما الفرق بين الاستظلال بالحايط و بين الصلوة تحت الخيمة و نحوها؟ حيث لم يعد المعترض للاول غاصبا و آثما، بخلاف الاخير، فان المتعرض له بدون اذن صاحبه آثم على ما ذكره غير واحد كما عرفت، و ان كان لى فيه تفصيل كما عرفته ايضا، قلت: الذى يظهر لى فى الفرق بينهما، هو ان المصلى تحت الخيمة و السقف و نحوهما، انما تصرف فيما هو الغرض الاصلى لبنائهما بدون إذن صاحبه، لأن الغرض الاصلى فى بنائهما انما هو الجلوس فى تحتهما، بخلاف الاستظلال بالحايط مثلا، فان الغرض الاصلى منه ليس هو الاستظلال، بل غرض الشخص فى اقامته انما هو لحفاظ داره مثلا، او لجعل السقف فى راسه مثلا، و انما يتبع الظل له بالعرض، من غير تعلق غرض اصلى به غالبا، فافهم ذلك فانه ينفعك فى مقامات كثيرة.
اذا صلى تحت سقف كان فيه شىء مغصوب كلبنة او خشب مثلا، او صلى فى بيت كان فى جدرانها مثلا شىء مغصوب كلبنه او نصفها مثلا، و كذا لو صلى فى خيمة كان فى سطحها شىء مغصوب و لو كان خيطا، فهل حكم المذكور كحكم الصلوة فى تحت سقف المغصوب و الخيمة المغصوبة ام لا؟ و الظاهر هو الأول.
و هو مذهب الثلاثة و اتباعهم، و اوفق الجبائيان و احمد فى احدى الروايتين، و خالف الباقون، لنا انها صلوة منهى عنها، و النهى يدل على فساد المنهى عنه، لا يقال: هذا باطل بالوضوء فى المكان المغصوب، و
ص: 275
بازالة عين النجاسة بالماء المغصوب، و بان النهى يدل على الفساد حيث يكون متناولا لنفس العبادة، و ليس فى صورة النزاع كذلك، بل النهى متناول لعارض خارج عن ماهية الصلوة فلا يكون مبطلا، لانا نقول: الفرق بين الوضوء فى المكان المغصوب و الصلوة فيه، ان الكون بالمكان ليس جزءا من الوضوء و لا شرطا، و ليس كذلك الصلوة فان القيام جزء من الصلوة و هو منهى عنه، لأنه استقلال فى المكان المنهى عن الاستقلال فيه، و كذا السجود، و اذا بطل القيام و السجود و هما ركنان بطلت الصلوة، و ازالة عين النجاسة ليست بعبادة الا مع نية التقرب، و اذا جاز ان تقع غير عباده امكن ازالة النجاسة، و ان كان المزيل عاصيا بالازالة، كما يصح ازالة عين النجاسة من الكافر و الطفل، اما الصلوة فانها لا تقع الا عبادة، فلا تقع صحيحة مع النهى عنها.
و قوله: النهى لم يتناول العبادة، قلنا: النهى يتناول العبادة بطريق اللزوم، لأنه يتناول القيام و السجود، و يلزم من بطلانهما بطلان الصلوة، انتهى
و اختار هذا القول اى الحكم بصحة الطهارة فى المكان المغصوب، السيد فى المدارك حيث قال فى جملة كلام له: و من هنا يظهر رجحان القول بصحة الطهارة الواقعة فى المكان المغصوب، كما قطع به فى التحرير، لأن الكون ليس جزءا منها و لا شرطا فيها، فلا يؤثر تعلق النهى فى فسادها، انتهى.
و اليه ذهب المصنف فى المنتهى، و استشكل فى الفرق بين الطهارة و الصلوة بما فرقوا فى البحار، قال: و الفرق بين الطهارة و الصلوة فى ذلك مشكل.
اذا لكون كما انه مأخوذ فى مفهوم السكون، ماخوذ فى مفهوم الحركة، و ليس الوضوء و الغسل الا حركات مخصوصة، و ليس المكان منحصرا فيما يعتمد عليه الجسم فقط، فان الملك و الاحكام الشرعية لا يتعلق به خاصة، بل يعم الفراغ الموهوم، او الموجود، فكل منهما عبارة حقيقة عن الكون، او مشتمل عليه، انتهى.
قال بعض الأجلاء، بعد نقل كلام المدارك أقول: فيه ان الكون و ان كان كما ذكره ليس جزء من الطهارة و لا شرطا فيها، الا ان حركاته فى حال الوضوء
ص: 276
اجزاء من الوضوء، كالحركات التى فى الصلوة، فياتى فيها ما ذكره فى الحركات فى الصلوة بعينه، فان الوضوء شرعا عبارة عن هذه الأفعال المخصوصة، من اخذ الماء باليد مثلا، و صبه على الوجه، و غسله به، و هكذا فى باقى الاعضأ و بالجملة فان الفرق بين حركات الوضوء و حركات الصلوة، غير ظاهر.
و قال بعد ان نقل كلام التحرير: فيه اولا ما اشرنا اليه فى مسئلة اللباس، من انه بمجرد لبس الثوب المغصوب يتحقق الغصب، و يترتب الاثم ابتداء و استدامة، و هو امر خارج عن الحركات المخصوصة من حيث هى حركات، اعنى القيام و القعود و الركوع و السجود، غاية ما فى الباب انها قارنت ذلك التصرف المحرم المنهى عنه، و النهى عن المقارن لا يوجب النهى عن المقارن الاخر، فتوجه النهى إلى القيام و السجود كما ذكره ممنوع.
و ثانيا انه مع تسليم تعلق النهى بذلك، فانا لا نسلم الفساد، الا اذا كان النهى عن هذه الاشياء من حيث الصلوة، لأن النهى عن العبادة انما يبطلها اذا توجه لها من حيث كونها عبادة، و اما اذا توجه اليها باعتبار امر خارج كما فيما نحن فيه، فانه فى معنى النهى عن امر خارج و مدعى الابطال فى الصلوة المذكورة عليه البيان، فان المحال الذى رتبوه على الصحة فى العبادة، متى كان منهيا عنها من حيث لزوم اجتماع الأمر و النهى فى شىء واحد، انما هو فيما اذا اتحدت جهتى الأمر و النهى كما تقدم ذكره، لا مع التعدد كما عرفت.
و ثالثا: ان ما ذكره فى الفرق بين الصلوة و الوضوء، غير موجه و لا ظاهر، و ذلك لأن المكان كما يطلق على ما يستقل عليه الانسان و يعتمد عليه، كذلك يطلق على الفراغ الذى يشغله بدن الانسان، كما عرفت فى تعريفه الذى ذكروه فى هذا المقام، من انه الذى يشغله بدن المصلى او يعتمد عليه، و حينئذ فللقائل ان يقول: كان القيام فى الصلوة منهى عنه، لأنه استقلال فى المكان المنهى عن الاستقلال فيه، كذلك حركات اليد فى الوضوء فى هذا الفراغ منهى عنها، لأنها حركات فى المكان المنهى عن الحركة فيه، و اذا بطلت هذه
ص: 277
الحركات المنهى عنها بطل الوضوء، و بذلك يظهر انه لا فرق لو ثبت ما ذكره، بين الصلوة و الطهارة فى المكان المغصوب.
و رابعا: ما ذكره فى الذكرى، من ان الافعال المخصوصة من ضرورتها المكان، فالأمر بها امر بالكون، مع انه منهى عنه.
أقول: كانه يشير بذلك الى لزوم اجتماع الأمر و النهى فى شىء واحد، الا انّك قد عرفت ما فيه، من انه مع تعدد جهتى الأمر و النهى، فلا مانع من ذلك و لا محذور فيه، و اما ما اطال به فى الذخيرة فى الرّد عليه، فمما لا طايل تحته، متى احطت خبرا بما ذكرناه من التحقيق فى المقام، انتهى.
أقول: قال فى الذخيرة بعد نقل كلام الذكرى: و فيه نظر لأنه ان اراد بقوله الأمر بها امر بالكون، ان الكون جزء للطهارة معتبرة فى ماهيتها فممنوع، و ان اراد انه مامور بها من باب المقدمة، من حيث توقف الطهارة على الكون فممنوع، لكن كون ذلك منهيا عنه، يقتضى عدم حصول التعبد بهذا الكون، و عدم ترتب الثوب عليه، و الشرط للطهارة الذى يتوقف عليه حصول الكون على اى وجه كان، لأن الغرض من الاتيان بالمقدمة التوصل الى ذى المقدمة، و هو حاصل منها مطلقا، كما فى سلوك الطريق المغصوب الى الميقات عند وجوب الحج، انتهى.
أقول: ما ذكره المحقق و المدارك، من ان الكون ليس جزء منها و لا شرط فيها، حق بالنسبة الى الغسل المعتبر فى الوضوء، و اماما او رده بعض الأجلاء المتقدم نقل كلامه، فلا يخفى ما فيه.
توضيح ذلك، ان قوله فى الاعتراض على المدارك: ان الكون ان كان...
الى آخره، غير وجيه، اما اولا: فلان بعد تسليم عدم كون الكون جزا من الطهارة و لا شرطا فيها، لا معنى لقوله الا ان حركاته فى حال الوضوء اجزاء من الوضوء، فان الوضوء شرعا عبارة عن هذه الافعال المخصوصة، من اخذ الماء باليد و صبه بالوجه و غسله به، و هكذا فى باقى الاعضأ، و ذلك واضح.
ص: 278
و اما ثانيا: فلان الحركات الصادره فى حال الغسل المعتبر فى الوضوء، ليست باجزاء له و لا شرطا لتحققه بدونها، لأن الدلك و الصّب ليسا بمعتبرين فى مفهومه، الا ترى ان يحكم بصحة وضوء من كان قائما تحت ميزاب مثلا، و سال منه ماء الى وجه من نوى الوضوء مثلا، ثم قطع بدون ان يصدر من المتوضئ حركه، و كذا بالنسبة الى يديه، و بالجملة الحركة غير معتبرة فى مفهوم الغسل، قال الله تبارك و تعالى: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ» من غير ان يوجب شيئا غيره، نعم لو قيل بصحة مذهب من اعتبر الدّلك لكان لذلك القول وجه.
و اما ثالثا: فلان الحركات الواقعة فى الصلوة، ليست كالحركات الواقعة فى الغسل المعتبر فى الوضوء، حتى يقال: فياتى فيها ما ذكره فى الحركات فى الصلوة بعينه، لما عرفت من عدم كونها معتبرة فيه مطلقا،(1) بخلاف الصلوة فان الكون معتبر فيها، لما ذكره فى التحرير.
و اما ما اورده على التحرير، من قوله: و ثالثا... الى آخره، و فيه ما عرفت، نعم يرد عليهما ان المسح المعتبر فى الوضوء، هو امرار اليد و هو كون حرام، و الوضوء بالنسبة الى المسح يكون باطلا، لأن بطلان المسح يستلزم بطلانه، كما أنّ الصلوة بسبب القيام و القعود و الركوع و السجود تكون باطلة، فلا معنى للفرق بين الوضوء و بينها.
و اما ما اورد عليه فى الذكرى، ففيه ما ذكره الشارح المحقق.
و اما ما ذكره بعض الأجلاء المتقدم نقل كلامه، بقوله: أقول، كانه اى الذكرى يشير بذلك الى لزوم اجتماع الأمر و النهى فى شىء واحد - الى ان قال - و اما ما اطال به فى الذخيرة فمما لا طائل تحته، ففيه ما سيظهر.
نعم يرد على الشارح المحقق طاب ثراه بان الكون معتبر فى المسح المعتبر فى الوضوء و التيمم، فمنع كونه معتبرا فى ماهية الطهارة مطلقا غير وجيه،
ص: 279
و بذلك ظهر ان الاولى بل الصّواب ان يقال فى رد كلام الذكرى هكذا: ان اراد بقوله الافعال المخصوصة من ضرورتها المكان فالامر بها امر بالكون ان الكون جزء للطهارة معتبر فى ماهيتها، فممنوع بالنسبة الى المسح المعتبر فى الوضوء و التيمم لا مطلقا، حتى بالنسبة الى الغسل المعتبر فى الوضوء و الغسل، فالكون جزء و معتبر لبعض الافعال لا مطلقا، و ان اراد انه مامور به من حيث توقف الطهارة عليه فمسلم ايضا فى الجملة، لكن كون ذلك منهيا عنه... الى آخر ما ذكره الشارح المحقق طاب ثراه.
قان قلت: على فرض تسليم كون تلك الافعال، اى اخذ الماء و رفعه و صبه و امرار اليد مقدمة، لا يجدى ما ذكره الشارح المحقق، لأنا و ان سلمنا كون هذه الافعال خارجة عن الطهارة، فلا يجتمع الأمر و النهى فى شىء واحد، و لكن المفسدة غير منحصرة فى الاجتماع، لأن تكليف ما لا يطاق ايضا مفسدة، و ذلك لأن من اراد الوضوء مثلا، و هو فى الملك المغصوب اما مكلف بالوضوء ام لا، و الثانى غير معقول فى مسئلتنا فبقى الأول، فلا بد للشخص باعتبار كونه مكلفا باتيانه ان ياتى به، و اذا اراد ان ياتى به لا بد ان يرتكب معصية، لأن اخذ الماء و صبه و امرار اليد و امثالها، مقدمة له و تصرف فى ملك الغير، و التصرف فى ملك الغير منهى عنه، فيكون المقام فى قوة ان يقال: آت بالوضوء الذى يستلزم التصرف فى ملك الغير، و لا تتصرف فى ملك الغير، و هل هذا الا التكليف بما لا يطاق؟
قلت: المذكور وجيه بالنسبة الى مقام، و غير وجيه بالنسبة الى مقام آخر، اما وجاهته فانما هو بالنسبة الى مقام كان للمامور به مقدمة واحدة منهى عنها، فانا نحكم فى هذا المقام، بعدم توجه الأمر الى المامور لأنه قبيح من الحكيم. و اما عدم وجاهته، فانما هو بالنسبة الى مقام كان للمأمور به مقدمة مباحة ايضا، فان التكليف بذلك المامور به غير قبيح عقلا، ا لا ترى انه اذا امر السيد عبده ان يذهب الى السطح مثلا، و كان للسطح طرق متعددة، و نهاه عن طريق واحد
ص: 280
من تلك الطريق المنهى عنه الى السطح، ليصح عند العقلاء ان يكرمه لاجل امتثال امره، و ان يعاتب عليه لاجل ارتكاب نهيه.
نعم لو اجبره الأمر بذهاب الطريق المنهى عنه، لكان الحكم بعدم الجواز ايضا متجها و مقاضا ليس من قبيل الأول و لا الثالث، بل من قبيل الثانى، فان للمكلف ان ياتى بالوضوء مثلا فى ضمن المقدمه المنهى عنها، و مثل هذا لا نسلم كونه تكليفا بما لا يطاق، و على فرض التسليم نمنع قبحه، بل ربما يتامل فى قبح تكليف المكلف بغسل يده و مسح رجله فى الوضوء، مع قطعه لهما باختياره، و ان كان لا يتمكن الان ان يغسلهما، فاذا كان مثل ذلك محلا للتامل، ففيما نحن فيه اولى.
و لكن الانصاف، وفاقا لغير واحد من الطائفه، ان تكليف قاطع اليد و الرّجل بغسلها و مسحها قبيح، و ان جاز مؤاخذته فى قطعة، بالنسبة الى كل واحد واحد من وضوآته.
و بالجملة لا نفهم قبيحا بعد ملاحظة ان المكلف مع تمكنه من عدم الجمع باختياره جمع بينهما، فصار فذلكة الكلام فى هذا المقام، ان ما ذكره التحرير و المدارك بالنسبة الى الغسل مطلقا صحيح، فلا يرد عليهما اعتراض هؤلاء الجماعة المتقدم نقل كلامهم، نعم يتوجه عليهما ما عرفت سابقا، من ان المسح معتبر فى الوضوء، و هو عبارة عن امرار اليد و ذلك كون حرام، فالوضوء بالنسبة اليه يكون حراما و هو مامور به، فيلزم الاجتماع كالصّلوة، و بذلك يظهر حال التيمم.
و اما الغسل فالاجتماع غير متحقق فيه، اللهم الا ان يقال: ان الغسل فى المكان المغصوب تصرف فيه عرفا، و الاخبار الناهية عن التصرف فى ملك الغير شاملة لامثال هذه المتصرفات، فتدبر.
فان قلت: اذا صارت الطّهارة كالصلوة فى اجتماع الأمر و النهى، فهل تحكم فيها ايضا بالبطلان ام لا؟
ص: 281
قلت: انما حكمنا فى الصلوة بالبطلان، لاجل الاجماعات المحكية، و هى فى المقام على الظاهر مفقودة، و الدليل الذى استدلوا على البطلان لسنا قائلين به، لأن الحق كما عرفت فى بحث اللباس، هو جواز الاجتماع مع تعدد الجهة، فاذن الاقوى هو القول بالصحة كما اختارها المصنف ايضا فى المنتهى كما عرفت، و عنه الافتاء بالبطلان فى الفقيه و التذكرة كالدروس ايضا، و هو احوط سيما بالنسبة الى الوضوء و التيمم.
فان قلت: استدللت لبطلان الصلوة فى المكان المغصوب بمرسلة ابن جمهور ايضا، و هى تدل على البطلان فى الطهارة ايضا، لانها كالصلاة عبادة.
قلت: المرسلة بالنسبة الى الصلاة مجبورة بالشهرة العظيمة فلذا استدللنا فيها بها، لأن الاخبار المنجبرة بالشهرة حجة، و اما ما بالنسبة الى الطهارة فلا يصلح للحجية، لأن الشهرة غير ثابتة، و الخبر المرسل من حيث هو ليس بحجة، نعم لو جعلنا الشهرة قرينة لصدق الصدور، لكان المذكور غير خال عن قوة، و لكن اثبات ذلك مشكل فى الغاية.
بل التحقيق ان المستند التام فى الرواية الضعيفة المنجبرة بالشهرة، هو الشهرة، توضيح ذلك، ان الدليل الدال على حجية الظن، يدل على حجية الشهرة لحصول الظن بل الظن القوى منها بلا ريبة، و اعترض بان ما يدل على عدمها بلا شبهة، لوقوع الشهرة على عدم حجيّتها بين الطائفة، و هذا الاعتراض و ان كان غير وجيه لوجوه عديدة، لو تعرضنا لها لنخرج عما نحن بصدده، و لكن فى النفس فى القول بحجيّتها مطلقا بسببيه شيئا بلا شبهة.
و اما اذا وافقتها رواية و لو كانت ضعيفة، فيخرج ما حصل فى النفس بسبب الاعتراض المتقدم بلا ريبة، لعدم وقوعها على عدم حجيّتها، حتى فى مقام كانت موافقة للرواية، بل هذه الشهرة فى مقام الترجيح مقدمة على الحديث الصحيح.
لأن الظن الحاصل منها اقوى منه بلا ريبة، و كلما تعدد الحديث الصحيح المعارض لها تصير هى اقوى، و ذلك واضح عند من كان له ادنى دربة.
قال الشارح المحقق طاب ثراه: و الاقرب صحة الطهارة، الا ان يقال:
ص: 282
اجراء الماء المامور على العضو تصرف فى مال الغير، لكونه فى فضاء الغير، او لكون العضو متصلا بالعضو الذى على المكان، فهو نوع تصرف فى المكان، و فيه بعد، نعم اتجه البطلان، لو كانت الطهارة مضادة للخروج عن ملك الغير، انتهى.
و فيه نظر:
اما اولا: فلان اجراء الماء المامور على العضو ليس جزء الطهارة، و لا مما يتوقف عليه الطهارة، هب انه مما يتوقف عليه الطهارة فى بعض الصور، و لكن الغرض من المقدمة هو التوصل الى ذيها، و هى تجتمع مع الحرام، كما عرفت من نقل عبارة الشارح المحقق سابقا.
و اما ثانيا: فلان التحقيق ان الأمر بالشىء لا يقتضى عن ضده الخاص، و لا مستلزم لعدم الأمر بالضد، فالقول بالبطلان فى صورة المضادة غير مسموع.
قال: و كذا لو أدى الزكوه و قرأ القرآن المنذور فى المكان المغصوب لا يجزيان، اما الصوم فى المكان المغصوب فجزم بصحته، لأنه لا مدخل للكون فيه، و فيه نظر، و الفرق بين الصوم و قراءة القران مثلا محل اشكال، و اما الزكوة فاذا كان تسليمها الى المستحق متضمنا التصرف فى ملك الغير، كما اذا ادخل الانعام مثلا فى ملك الغير لكون المستحق فيه، لم يبعد البطلان، و مثله اذا جعل الحنطة فى ظرف مغصوب و اعطاه المستحق، و يمكن ان يقال: الواجب تسليط المستحق عليه، و هو تمكينه من اخذه و ازالة ملكيته عنه، و سوق الانعام، و تحريك الظرف المغصوب من مقارناته، لا انه عينه و جزؤه، فبطلانه غير مؤثر فى بطلان الزكوة، و اما قراءة القران و الصوم، فلا وجه لبطلانهما اصلا، انتهى.
أقول: ما ذكره الشارح المحقق من القول بصحة الصوم و قراءة القران، فهو المعتمد عندى، و الفرق بين قراءة القران و الصّوم كما فعله المصنف رحمه الله،
ص: 283
محل اشكال، كما ذكره الشارح المحقق، قال والدى طاب ثراه: و يمكن الفرق بين قراءة القران و الصوم، ان وضع القران فى الارض المغصوبة او فضائها ايضا تصرف فيه، و الصوم ليس كذلك، الا ان يكون القراءة من الحفظ فحينئذ يتجه الاشكال، لكن لا بأس بان يكون مراد العلامة رحمه اللّه الشق الأول دون الثانى تدبر انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
أقول: و انت خبير بان وضع القران فى الارض المغصوبة او فى فضائها، ليس جزء اللقراءة و لا مما يتوقف عليه القراءة، هب انه مما يتوقف عليه فى ذلك المكان، و لكن الغرض من المقدمة التوصل الى ذيها، و هى تجتمع مع الحرام.
فان قلت: الفرق بينهما ان قراءة القران هى عبارة عن التكلم الخاص، و التكلم فى ملك الغير مستلزم للتصرف فيه، بخلاف الصّوم.
قلت: الظاهر عدم حرمة امثال هذه التصرفات، لعدم الدليل عليها على الظاهر.
و اما الزكوة فى المكان المغصوب، فالظاهر هو القول بصحتها ايضا، قال فى الدروس: و تبطل الطهارة فى المكان المغصوب، خلافا للمعتبر، و كذا اداء الزكوة و الخمس فيه، او قراءة آية المنذورة فيه، اما الصوم فلا، انتهى.
و التحقيق ان اداء الخمس ايضا صحيح فى المكان المغصوب.
فتبطل عندنا ان علم بالغصب، سواء علم التحريم او جهل او نسيه، و سواء علم البطلان اولا، و سواء كانت جمعة اولا، و سواء كان المصلى هو الغاصب اولا، و سواء كان الغصب للرقبة او المنفعة او الهواء او المسمى او البساط تحت المصلى و سواء نهى المالك عن الصلوة فيه اولا، و سواء كان مما تصح الصلوة فيه بشاهد الحال كالصحارى اولا، خلافا للمرتضى رحمه اللّه هنا، انتهى.
و ظاهره بل صريحه كما ترى، بطلان الصلوة فى البساط تحت المصلى اذا كان مغصوبا، و الظاهر انه كذلك، لاطلاق الاجماعات المحكية، الدالة
ص: 284
على بطلان الصلوة فى المكان المغصوب، و الظاهر ان البساط تحت المصلى من جملة المكان المعنى هنا، و لعل ظاهر عبارة البيان ايضا مشعر بدعوى الاجماع عليه.
اعلم ان الحكم بالبطلان مع العلم بالغصبية متجه مطلقا (و ان جهل الحكم) على الاشهر الاظهر، بل لا خلاف فيه يظهر الا من المدارك، تبعا لبعض مشائخة المحققين، قيل: الظاهر انه المحقق الاردبيلى، قال فى المدارك:
اما الجاهل بالحكم فقد قطع الاصحاب بانه غير معذور، لتقصيره فى التعلم، و قوى بعض مشائخنا المحققين الحاقه بجاهل الغصب، لعين ما ذكره فيه، و لا يخلو من قوة، انتهى.
و ظاهر المصنف رحمه اللّه فى المنتهى، على ما حكى، ادعاء الاجماع على المعذورية، قال فى المنتهى: لو كان عالما بالغصبية و جاهلا بالتحريم، فانه لا يكون معذورا و لا تصح صلوته عندنا، انتهى.
قال بعض المحققين: و اما الجاهل بالحكم، فصّرح الاصحاب بانه غير معذور، فتبطل صلوته كما حقق فى محلّه، و فى الحاقه بجاهل الغصب كما عليه بعض المتأخرين نظر ظاهر، انتهى.
أقول: قد مر فى المجلد الأول من كتاب الصّلوة، تحقيق مسئلة الجاهل و تفصيل الكلام فيه، فراجع الى هناك.
(و) انما قيدنا بطلان الصلوة فى المغصوب بالاختيار، كما قيده المصنف رحمه اللّه بالعلم بالغصبية، لأن المصلى (لو كان) مضطرا بالكون فى المكان المغصوب، كما لو كان (محبوسا) بحبس باطل، او لحق هو عاجز عن ادائه (او جاهلا) بالغصبية (لا ناسيا) جاز، و تصح صلوته بلا خلاف اجده فى الحكمين، بل على الاخير اجماع الامامية، على الظاهر المصرّح به فى عبائر الجماعة، قيل: و منشاءه عدم توجه النهى اليه بالبديهة، لكونه معذورا بالنسبة الى موضوعات الاحكام، فلا معنى للابطال، انتهى.
و اما استثناء الناسى فلا وجه له، لانتفاء التحريم بالنسبة اليه، و السيّد فى
ص: 285
المدارك اختار ما اختاره الشرايع من عدم الاعادة مطلقا، حيث قال بعد ان ذكر ان صحة صلوة الجاهل بالغصب موضع وفاق بين العلماء: لأن البطلان تابع للنهى، و هو انما يتوجه الى العالم، و الاصح ان الناسى كذلك لارتفاع النهى بالنسبة اليه، و لهذا اتفق الكل على عدم تاثيمه، انتهى.
قال بعض الأجلاء، بعد نقل الكلام المذكور: لا يخفى ان هذا الكلام على اطلاقه لا يخلو عن الاشكال، لأنه لو تم لاقتضى اطراده فى غير مقام من عبادات الناسى، مع انه لا خلاف فى بطلان صلوة من نسى ركنا من الصلوة، و ايضا فانه استفاضت الأخبار بوجوب اعادة الصلوة على من صلى فى النجاسة ناسيا، و قد علل (ع) فى بعض تلك الأخبار بوجوب الاعادة باهماله بالتذكر، حيث قال: يعيد صلوته كى يهتّم بالشئ اذا كان فى ثوبه عقوبة لنسيانه، و هو كما ترى صريح فى عدم معذورية النّاسى، لأن العقوبة على النسيان و عدم التذكر لا يجتمع مع المعذورية، و غاية ما يفيده حديث رفع القلم، هو عدم العقوبة لا صحة الصلوة، واحدهما غير الآخر.
و بذلك يظهر ما فى استناده الى الاتفاق على عدم التاثيم، و بالجملة فالمسئلة بالنسبة الى المكان و اللباس غير منصوصه، و التعليل المذكور لا يصلح لتاسيس حكم شرعى لما عرفت، و احكام الناسى فى الأخبار فى جملة من الاحكام مختلفة، ففى بعضها كما تقدم انه غير معذور، و فى بعض كنسيان الصوم و الاكل فيه حكموا (ع) بصحة الصوم و عدم وجوب الاعادة مطلقا، و من ذلك يعلم انه ليس له حكم كلى و لا قاعدة مطردة، فالواجب الوقوف على موارد النصوص فى كل جزئى، ورد الحكم فيه بالعموم او الخصوص و الا فالوقوف على ساحل الاحتياط. انتهى.
و فى الكلام المذكور مناقشة، و الاقوى هو القول بالصحة، كما مضى تحقيقه فى بحث اللباس بما لا مزيد عليه، فراجع هناك البتة.
(و لو امره) الاذن فى الكون (بالخروج) من المكان (الماذون) فى الكون فيه، فان لم يكن مشغولا بالصّلوة و الوقت متسع، وجب الخروج على الفور بلا خلاف اجده، لمنع التصرف فى مال الغير بدون اذنه، فكيف مع النهى صريحا؟ فلو
ص: 286
اشتغل بالصّلوة و الحال هذه بطلت، لما تقدم من بطلان الصلوة فى المغصوب.
(و) ان كان (قد اشتغل بالصلوة) ففيه أقوال:
الأول: انه (تممها خارجا) مطلقا، و هو المنقول عن جماعة.
الثانى: القطع مع السعة و الاتمام متشاغلا بالخروج مع الضيق، و هو الظاهر من الشيخ و المحقق، و اختاره فى المدارك و الذخيرة.
الثالث: الاتمام مستقرا مطلقا، و هو المحكى عن الشهيد فى الذكرى و البيان، و اختاره بعض(1) المتأخرين.
الرابع: الفرق بين الاذن بالصلوة و الاذن بالكون المطلق فيتم فى الأول مستقرا، و هو مختار المصنف رحمه اللّه فى اكثر كتبه على ما حكى، و اما فى الثانى فاحتمل الا وجه الثلاثة، فى صورة سعة الوقت، و استقرب بطلان الصلوة فى صورة التضييق، كذا نقله الشارح المحقق.
قال بعض الأجلاء: و اما فى الثانى فاحتمل الاوجه الثلاثة فى القواعد و التذكرة، و فى الفقيه، احتمل الا وجه الثلاثة فى صورة سعة الوقت، و استقرب بطلان الصلوة فى صورة التضييق، انتهى.
قال المصنف رحمه اللّه فى القواعد: و لو امره المالك الاذن بالخروج، تشاغل به، فان ضاق الوقت خرج مصلّيا، و لو صلى من غير خروج لم يصح، و كذا الغاصب، و لو امره بعد التلبس مع الاتساع، احتمل الاتمام او القطع و الخروج مصلّيا، و لو كان الاذن بالصّلوة فالاتمام، انتهى، فاذا عرفت ذلك، فانظر الى ما نقله بعض الأجلاء المتقدم نقل كلامه.
الخامس: الفرق بين الاذن(2) فى الصلوة، او فى الكون المطلق، او
ص: 287
بشاهد الحال، او الفحوى، فيتمها فى الأول مطلقا، و يخرج فى الثانى مصليا مع الضيق و يقطعها مع السعة، و قد اختاره الشارح الفاضل فى الرياض و المسالك.
للماتن ان فيه جمعا بين حق اللّه تعالى و امر باتمام العمل و عدم ابطاله، و بين حق الادمى، و اورد عليه بانه يستلزم فوات كثير من الاركان و الشرايط، مع التمكن من الاتيان بها اذا كان الوقت متسعا،(1) وجوب اتمام العمل بحيث يشمل محل النزاع ممنوع.
و للثانى: اما فى القطع مع السعة، فلعدم جواز الاتمام مستقرا، لأنه تصرف فى ملك الغير بغير رضاه، و عدم جواز الاتمام خارجا، لاستلزامه فوات كثير من الاركان و الشرايط، و الحال انه يمكن الاتيان بها على وجهها بعد الخروج، و اما الاتمام خارجا عند الضيق، فلانها حقان مضيقان، فيجب الجمع بينهما بحسب الامكان، و ليس الا ما ذكر.
و للثالث: الاستصحاب، و ان الصلوة على ما افتتحت عليه، و ان الظاهر من اذن المالك انه اذن له بقدر الصلوة، و انه يجب عليه اتمام الصلوة و يحرم قطعها، سيما اذا وقع التصريح، و اورد عليه بان ضعفه ظاهر، لتعلق النهى المنافى للصحة، و بناء حق العباد غالبا على التضيق.
و للخامس: ما ذكره فى الرياض حيث قال: و وجهه فى الأول ان اذن المالك فى الأمر اللازم شرعا يفضى(2) الى اللزوم، و لا يجوز له الرجوع، كما لو اذن فى دفن الميت فى ارضه، او اذن فى رهن ماله على دين(3) الغير، فانه لا يجوز له
ص: 288
الرجوع بعدهما، و فى البواقى ان الاذن فى الاستقرار لا يدل على اكمال الصلوة باحدى الدلالات، فانه اعم من الصلوة، و العام لا يدل على الخاص، و شاهد الحال اضعف من الاطلاق.
و اما القطع مع السعة، فلاستلزام التشاغل بها فوات كثير من اركانها، مع القدرة على الاتيان بها على الوجه الاكمل، بخلاف ما لو ضاق الوقت فانه يخرج مصلّيا موميا للركوع و السّجود، بحيث لا يتشاغل فى الخروج عن المعتاد، مستقبلا ما امكن، قاصدا اقرب الطرق، تخلصا من حق الادمى المضيق بحسب الامكان.
و بما ذكر من الادلة و الايرادات، يمكن استنباط الدّليل للرّابع.
قال الشارح المحقق بعد نقل كلام الشارح الفاضل هذا، من قوله: و وجهه فى الأول - الى قوله - على دين الغير، ما صورته: و فيه نظر، لأن المالك فى امر لازم بشرط كونه فى مكان مملوك او مأذون فيه او مطلق، و لا نسلم افضاء مثل هذه الاذن الى اللزوم، و ثبوت الحكم فى نظايره لدليل خاص بها لا يوجب التعدية الى محلّ النزاع، قال: و استشكل بعضهم(1) ما ذكره الشارح من الفرق، بان المفروض وقوع الاذن فى الاستقرار بقدر الصلوة، و الا لم يكن الدخول فيها مشروعا، و فيه نظر، لأن القدر اللازم فى فرض المسئلة، الدخول فى الصلوة دخولا مشروعا، و هو لا يقتضى وقوع الاذن الصّريح فى الاستقرار بقدرها، فضلا عن الاذن الصريح بالصلوة، و ما جعله الشارح مناط اللزوم الاذن الصريح بالأمر الموجب للّزوم بزعمه، و هو الصلوة، و استلزام الاذن المذكور للّزوم، لا يوجب استلزام الاذن المطلق له، انتهى.
قال بعض الأجلاء من الأخباريين، بعد نقله الاقوال من الادلة و الايرادات، ما صورته: لا يخفى ان المسئلة لما كانت عارية من النصوص، كثرت فيها الاحتمالات و تصادمت فيها التحريجات، و الحكم فيها مشكل لما عرفت، و
ص: 289
الاحتياط مطلوب بل واجب، لأن المسئلة من الشبهات التى يجب فيها الاحتياط عندنا، الا ان الاقرب الى قواعدهم و الانسب بظوابطهم، هو قطع الصلوة مع الاشتغال بها فى سعة الوقت، و الاتيان بها كاملة الافعال بعد الخروج، و اما مع ضيق الوقت فان مقتضى قواعدهم فى مثل هذه الصورة، هو وجوب الاتمام مستقرا اتيا بافعالها فى المكان المغصوب، و ذلك فان اباحة المكان عندهم انما هو من شروط الصحة، كستر العورة و طهارة السّاتر و نحوه، و قد قرر وافى الاصول ان شروط الصحة انما تجب مع الامكان، و الا سقط اعتبارها و قد ساعدتهم الأخبار على ذلك، لما ورد فيمن فقد الساتر انه يصلى عاريا، و من فقد الطهارة صلى بالنجاسة على اشهر القولين و اظهرهما، و من فقد القبلة صلى الى اى جهة شاء او الى اربع جهات.
فان قيل: انا لا نمنع من الصّلوة و الاتيان بها بالكليه ليلزم ما ذكرتم، فانا نوجب عليه الصّلوة لكن بهذه الكيفية المتقدمة مشتغلا بالخروج، قلنا: من الظاهر ان الصلوة المامور بها شرعا المنصرف اليها الاطلاق، و هى الصلوة المعهودة المشتملة على الاتيان بالاركان و الواجبات على وجهها، و استقبال القبلة و نحوها، و هى المعلومة عن صاحب الشرع، خرج ما خرج منها بدليل، كصلوة المريض و صلوة الحرب و صلوة الخوف و الصلوة فى السفينة و نحو ذلك، مما دلت عليه الادلة الشرعية، و بقى ما بقى، و يعضده انه لم يقم دليل على هذا الشرط من اصله، اعنى اشتراط الاباحة فى المكان، و بالجملة فالوقوف على جادة الاحتياط، طريق السّلامة من الوقوع فى هذا الاختباط، انتهى.
أقول: المسئلة محل اشكال، و امر الاحتياط ايضا غير واضح، و ان القول بالخروج متشاغلا ثم الاعادة مطلقا(1) لا يخلو عن احتياط ما، كما ان القول الثانى لا يخلو عن رجحان مّا على اشكال.
ص: 290
(و كذا) يخرج مصليا (لو ضاق الوقت ثم امره) المالك بالخروج (قبل الاشتغال) لأن الصلوة و الخروج امر ان مضيقان، فالجمع بينهما بحسب الامكان واجب، و لا يمكن الا بذلك، قال الشارح المحقق: و لقائل ان يقول: وجب عليه الصلوة تامة الاركان، و كذا وجب عليه الخروج عن ملك الغير، و لا يمكن الجمع بينهما اصلا، لأن الخروج متشاغلا يقتضى فوات بعض الاركان و الشرايط، و بين الامرين عموم من وجه، و لا يمكن ابقاؤهما على العموم، حذرا من التكليف بما لا يطاق، فلا بد من تخصيص فى واحد منهما، و يمكن تخصيص كل منهما للاخر، فتعين احد التخصيص يحتاج الى دليل، و مع فقده تعين المصير الى التخيير، فان ثبت اجماع فى هذه المسئلة، او قلنا بترجيح ما دل على ترك التصرف فى ملك الغير، و ابقائه على العموم، لاعتضاده بالشهرة فذاك، و الا كان للتامل فى المسئلة مجال، و على كل تقدير، فلا ريب فى كون الخروج متشاغلا بالصلوة اولى و احوط، انتهى.
قال والدى طاب ثراه: و اعلم انه قد ورد عن اهل بيت العصمة، جواز نقض بعض اركان الصّلوة، فى المريض و المطاردة و ذات الرقاع، و تجويز الصلوة بالايماء فى اكثر الاحوال، مع كونه مستلزما لنقص اكثر احكام الصلوة يخرجه عن كونه تشريعا، لكن جواز التصرف فى ملك الغير، لم يرد عن مشكوة الهداية (ع) قط، لا اختيار أولا اضطرارا، سواء كان قليلا او كثيرا، الا باذن شرعى على اى وجه كان، فلما آل الأمر الى هنا، فاعلم ان الترجيح بايقاع الصّلوة ماشيا، لأن ايقاعه مستقرا تصرف فى ملك الغير، عن غير طريق و نهج شرعى، انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
أقول: ما رجحه المصنف حق لا يشوبه ريبة، و كون التعارض بين الامرين عموما من وجه و غير ضاير، اما الاعتضاد ترك التصرف فى ملك الغير بالشهرة المحققة على الظاهر، و المحكية، او لما ذكره الوالد طاب ثراه، و مرجعه هو ترجيح العام الذى يتطرق اليه تخصيص، على العام المتطرق اليه التخصيص
ص: 291
لأن الأول احكم لبقائه على صلابته، بخلاف الثانى، و يحتمل ان يكون المرجع هو الاستقراء.
قال الشارح المحقق بعد الكلام المنقول عنه سابقا: و لو دخل المكان بدون اذن المالك ثم امره بالخروج، فكا لمسئلة السّابقة، و لا معصية فيه اذا خرج بما هو مشروط فى الخروج، من السرعة و سلوك اقرب الطرق و اقلها ضررا، و ذهب شاذ من الاصوليين، الى استصحاب حكم المعصية عليه، و هو باطل على اصولنا، اذ هو مفض الى القول بالتكليف بما لا يطاق.
و قال فى المدارك: و لا يخفى ان الخروج من المكان المغصوب واجب مضّيق، و لا معصية فيه اذا خرج بما هو شرط فى الخروج، من السّرعة و سلوك اقرب الطرق و اقلها ضررا، اذ لا معصية بايقاع المامور به الذى لا نهى عنه، و ذهب شاذ من الاصوليين الى استصحاب حكم المعصية عليه، و هو غلط، اذ لو كان كذلك لم يكن الامتثال، فيلزم التكليف بالمحال، انتهى.
أقول: منشاء عدم ترتب المعصية عليه فى خروجه، مع كونه فيه ايضا متصرفا فى ملك الغير، هو رضاء المالك بذلك التصرف، لأمره بالخروج المستلزم له، و ان كان غير راض فى اصل دخوله، فافهم.
(و يشترط طهارة موضع الجبهة) اجماعا، على الظاهر المصرح به فى جملة من العبائر، كالمعتبر و الغنية و المختلف و المنتهى و الذكرى و غيرها، كما عن الرياض و جامع المقاصد و التذكرة و غيرها، و فى شرح المفاتيح: و عليه المسلمون فى الاعصار و الامصار، مع كونه مما يعم به البلوى و يكثر اليه الحاجة، انتهى.
قال المجلسى رحمه اللّه فى البحار: و المشهور بين الاصحاب عدم اشتراط طهارة موضع الجبهة ايضا، لكن نقل كثير من الاصحاب كالمحقق و العلامه و الشهيد و ابن زهرة عليه الاجماع، لكن المحقق نقل عن الرّاوندى و صاحب الوسيلة، انهما ذهبا الى ان الارض و البوارى و الحصر، اذا اصابها البول
ص: 292
و جففتها الشمس لا تطهر بذلك، لكن يجوز السّجود عليها، و استجوده المحقق، فلعل دعويهم الاجماع فيما سوى هذا الموضع.
و بالجملة لو ثبت الاجماع لكان هو الحجة، و الا فيمكن المناقشة فيه ايضا، و قال الشارح المحقق: اما طهارة موضع الجبهة، فلاجماع فان كل من اعتبر الطهارة فى الصلوة اعتبر طهارة موضع الجبهة، كذا قال المحقق فى التحرير و المصنف فى التذكرة، و نقل الاجماع عليه ايضا المصنف فى المنتهى و المختلف، و الشهيد فى الذكرى، و ابن زهرة فى الغنية، لكن لا يخفى انه قد مرّ فى كتاب الطهارة، ان المحقق نقل عن الرّاوندى و صاحب الوسيلة، انهما ذهبا الى ان الارض و البوارى و الحصر، اذا اصابها البول و جففتها الشمس لا تطهر بذلك، و لكن يجوز السّجود عليها، و استجود المحقق، و على هذا فدعوى الاجماع كلية محلّ تامل، نعم دعوى الاجماع فيما عدّ ذلك، و بالجملة ان تم الاجماع فهو الحجة، و الا كان للمناقشة فى هذا الحكم طريق اذ لم نظفر بدليل آخر، انتهى.
قال بعض الأجلاء، بعد ان نقل اعتراض الشارح المحقق ما صورته: أقول:
الذى فى التحرير فيما حضرنى من نسخة، فى مسئلة تطهير الشمس هكذا: و قيل لا تطهر و يجوز الصلوة عليها، و به قال الراوندى منّا و صاحب الوسيلة، و هو جيد، و الموجود فى هذه العبارة، انما هو لفظ الصلوة لا السجود، نعم لفظ السجود فى عبارة الرّاوندى خاصة على ما نقله فى المختلف، و اما عبارة صاحب الوسيلة فانما هى بلفظ الصلوة على ما نقله فى الذخيرة ايضا، حيث قال فى مسئلة تطهير الشمس: و ذهب صاحب الوسيلة على ما فى النسخة الموجودة عندى، الى انها لا تطهر بذلك، و لكن يجوز الصلوة عليها اذا لم يلاق شيئا منها بالرطوبة، دون السجود عليها، و هى كما ترى ظاهرة فى صحة الصلوة مع استثناء السّجود، كما عليه الاصحاب، و الذى يقرب عندى، ان المحقق انما عبّر بلفظ الصلوة فى العبادة المتقدمة، مع ان الموجود فى عبارة الراوندى لفظ السجود، حملا للسجود على الصلوة مجازا، الا انه لا يخفى على من راجع
ص: 293
عبارة الراوندى المنقولة فى المختلف، انها لا تقبل ذلك، و كيف كان فالمخالفة لما ادعوه من الاجماع منحصر فى الراوندى، انتهى.
قال فى المختلف: مسئلة الارض و الحصر و البوارى، اذا اصابها بول و شبهة من النجاسات، ثم جففتها الشمس طهرت على مذهب اكثر علمائنا، و يلوح من كلام قطب الدين الراوندى، انها باقية على التنجيس، و انما يسوغ الوقوف عليها و السّجود، و كان شيخنا ابو القاسم بن سعيد رحمه اللّه يختار ذلك، قال قطب الدين: الارض و البارية و الحصير هذه الثلاثة فحسب، اذا اصابها البول فجففتها الشمس، حكمها حكم الطاهر فى جواز السجود عليها، ما لم تصر رطبه، او لم يكن الجبين رطبا، انتهى.
أقول: ظهر بما ذكر ان المخالف انما هو الراوندى فحسب و هو شاذ، فاعتراض الشارح المحقق على المحقق غير وارد، فضلا على غيره، و ظهر ايضا ما فى نسبة المختلف الى المحقق، و بالجملة مقتضى اطلاق الاجماعات المحكية هو اشتراط طهارة موضع الجبهة مطلقا، و خروج الراوندى لا يقدح فيها و ذلك واضح.
و قد يستدل للمطلب، بما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب المواضع التى يجوز فيها الصلوة، فى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع)، انه سأله عن البول يكون على السطح، و فى المكان الذى يصلى فيه، فقال: اذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر، و بما ماثله و بما يقرب منه كقوله (ع):(1) ان الماء و النار قد طهراه، بعد السؤال عن السجود على الجصّ الموقد عليه بالعذرة و عظام الموتى، و بما دل على اشتراط جعل الكنيف مسجدا بتطهيره(2)
ص: 294
بالتراب، و بالنبوى: جنبوا مساجدكم النجاسة، و هذا الاستدلال مناقشة ستظهر، و الاظهر جعله من المعاضدات.
و حيث عرفت انه يشترط طهارة موضع الجبهة، فاعلم ان الاشتراط مختص بها (دون باقى مساقط الاعضاء) فانه لا يشترط طهارتها، و لا يقدح فى صحة الصّلوة نجاستها اذا لم يكن متعدية، على الاشهر الاظهر بل خلاف فيه يظهر الا المحكى عن المرتضى و الحلبى، فاعتبرا طهارة مكان المصلّى مطلقا، و ان اختلفا فى تفسيره بالمساجد السبعة خاصة، كما عليه الثانى، او مطلق مكان المصلى كما عليه الأول، على ما نقله فى الحبل المتين، قال فيه: و ذهب ابو الصلاح و المرتضى رضى اللّه عنهما، الى اشتراط طهارة كل مكان المصلى، و لو قلنا لم يكن بذلك البعيد، فان ادلة اغتفار نجاسة كما سمعت، و مكان المصلى عند المرتضى مساقط كل بدنه، حتى ما يحاذى صدره و بطنه، و عند ابى الصلاح مساقط الاعضاء السبعة لا غير، انتهى.
منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه، فى باب المواضع التى يجوز الصلوة فيها، و المواضع التى لا تجوز فيها، فى الصحيح، عن على بن جعفر (ع)، انه سأله عن البيت و الدار لا يصيبهما الشمس البول و يغتسل فيهما من الجنابة، ايصلى فيهما اذا جفّا؟ قال: نعم.
و منها: ما رواه الصدوق ايضا، فى الباب فى الصحيح، و الشيخ فى التهذيب فى زيادات باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، باسناد فيه احمد بن محمد، عن على بن الحكم، عن ابان بن عثمان، عن زرارة، عن ابى جعفر (ع) قال: سألته عن الشاذ كونه يكون عليها الجنابة ايصلى عليها فى المجمل؟ فقال: لا بأس، و فى الفقيه: بالصلوة عليها.
قال فى الوافى على ما نسب: الشاذ كونه بالفارسى: الفراش الذى ينام
ص: 295
عليه انتهى، قال فى البحار: الشاذ كونه فى اكثر النسخ بالذال المعجمة، و فى كتب اللغة بالمهملة، و قد يقال انه معرّب شاديانه، قال الفيروزآبادى:
الشاذ كونه بفتح الدال: ثياب غلاظ مضربة تعمل باليمن،(1) انتهى كلام البحار.
قال فى الحبل المتين: و الشاذ كونه بالشين المعجمه و النون قبل الهاء، حصير صغير، و اطلاق الجنابة و الاحتلام على المنى مجاز شايع، و قال ايضا: و السؤال فيه و ان كان عن الصّلوة فى المحمل، و هو ربما يؤذن بالاضطرار، الا ان العبرة باطلاق الجواب لا بتقييد السؤال، انتهى.
و منها: ما رواه التهذيب فى زيادات الباب، عن محمد بن ابى عمير قال: قلت لأبى عبد الله (ع): اصلى على الشاذ كونه و قد اصابها الجنابة:
فقال: لا بأس.
و منها: ما رواه التهذيب فى زيادات الباب المتقدم، فى الصحيح عن على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن البوارى يصيبها البول هل يصلح الصلوة عليها اذا جففت من غير ان يغسل؟ قال: نعم لا بأس.
و منها: ما رواه ايضا فى تلك الزيادات، عن على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن البوارى يبل قصبها بماء قذر، أ يصلى عليها؟ قال: اذا يبست فلا بأس.
و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى الباب، و الشيخ فى زيادات الباب فى الموثق، عن عمار بن موسى الساباطى قال: سألت ابا عبد الله (ع):
عن البارية يبل قصبها بماء قذر، هل يجوز الصلوة عليها؟ فقال: اذا جفت فلا بأس بالصلوة عليها.
منها: ما رواه التهذيب فى
ص: 296
الزيادات، عن عبد اللّه بن بكير، قال: سألت ابا عبد الله، عن الشاذ كونه يصيبها الاحتلام، ايصلى عليها؟ فقال: لا.
و منها: ما رواه فى البحار عن قرب الاسناد، عن محمد بن الوليد، عن ابن بكير، قال: سألت ابا عبد الله (ع)، مثله.
و منها ما رواه فى البحار ايضا عن قرب الاسناد، عن عبد اللّه بن الحسن عن جده على بن جعفر، عن اخيه (ع) قال: و سألته عن الرجل يجامع على الحصير او المصلى، هل تصلح الصلوة عليه؟ قال: اذا لم يصبه شئ فلا بأس، و ان اصابه شئ فاغسله(1) و صلّ، ايضا و سألته عن رجل مرّ بمكان قدرش فيه خمر قد شربته الارض و بقى نداء، ايصلى فيه؟ قال: ان اصاب مكانا غيره فليصل فيه و ان لم يصب فليصل و لا بأس.
كما تقدم اليها الاشارة.
اذا صلى عليه و وجوب تجنب المساجد النجاسة، و انما هو لكونها مواضع الصلوة، و النهى عنها فى المزابل و الحمامات و هى مواضع النجاسة، فيكون الطهارة معتبرة.
و فى الكل نظر، اما موثقة عبد اللّه بن بكير، فلتعارضه بما مر مما هو اكثر عددا و اصح سندا، مع كونه موافقا بالاصل المتقدم فى اول البحث اليه الاشارة، و الاطلاقات، و الشهرة العظيمة التى كادت ان تكون اجماعا، بل قيل هى اجماع ظاهر، فلتطرح تلك الموثقة، او تحمل على الكراهة، او النجاسة المتعدية، او مع الجبهة خاصة، قال فى البحار: و هذا الخبر - اى موثقه ابن بكير - اما محمول على الاستحباب، او على ما اذا كان رطبا يسرى الى المصلى او ثيابه، و حمله على موضع الجبهة بعيد، لبعد كون الشاذ كونه مما يصح السجود عليه.
ص: 297
انتهى.
أقول: لو فسرنا الشاذ كونه بما فسره البهائى كما عرفته، ليرفع ذلك البعد من هذا الوجه، و ان كان بعيدا من وجه آخر، و مما ذكر ظهر وجه الحمل فى باقى الأخبار.
قال فى البحار، بعد نقل الخبرين المتقدمين عنه اخيرا، فى جملة كلام له: و الثانى - اى الخبر الثانى من الخبرين - يدل اما على عدم اشتراط المذكور، اى طهارة موضع الجبهة، او على نجاسة الخمر، و الحمل كما مر، اى على غير موضع السجود، مع حمل الندى على غير المسرى، او على ما اذا طرح عليه ثوبا او غيره، و يكون النهى مع امكان الغير لكونه مقاربا للخمر، ككراهة الصلوة فى بيت فيه خمر؟ الثالث - اى الخبر الأول من الخبرين - يدل على اشتراط الطهارة، و الحمل ما مر فى الخبر السابق، او على موضع الجبهة على المشهور، انتهى.
قيل بعد ان نقل موثقة ابن بكير: و حمله الاصحاب على الكراهة.
و اجيب عن الثالث، بانه لا دليل على ان المراد بالرجز النجاسة، فلعلّ المراد به العذاب و الغضب، و دعوى كون وجوب تجنب المساجد لكونها مواضع الصلوة ممنوعة، مع احتمال المساجد فى اخباره مواضع السجود، و ان العلة صلاحيتها للسجود على اى موضع اريد منها، و اما الاستدلال بورود النهى عن المزابل... الى آخره، فقد اجاب عنه بعض، بانه يجوز ان يكون علة النهى، ما فى هذه المواضع من شدة الاستقذار و الاستخباث، الدالين على مهانة نفس من يستقربها، فلا يلزم التعدية الى غيرها، قال: و بالجملة، لا نسلم ان العلة هى النجاسة المطلقة، على ان النهى عن الصلوة فى هذه المواضع نهى تنزيه، فلا يلزم التحريم، انتهى.
و بالجملة قول المشهور هو المنصور، و امر الاحتياط واضح.
ص: 298
اذ لا منع من المعفو، قال فى الذكرى: و لو كان المكان نجسا بما عفى عنه كدون الدرهم دما و يتعدى، فالظاهر انه عفو لأنه لا يزيد على ما هو على المصلى، قال فى المسالك: فلو تعدى عنه كدون الدرهم، او الى ما لا تتم الصّلوة فيه، لم يتجه الفساد للعفو عنه ابتداء، فكذا فى الاثناء، و قال فى الحبل المتين: و هل تعدى النجاسة المعفو عنها كدون الدرهم من الدّم، و الى ما لا يتم فيه الصّلوة مغتفر؟ يحتمل ذلك، لاطلاق العفو، الشامل للاستدامة و الحدوث، و لأنه اذا عفى عن استدامته فى كل الصلوة، ففى بعضها بطريق اولى، انتهى.
و نقل عن فخر المحققين فى الايضاح، انه نقل عن والده قدس سره، انه قال: الاجماع منا واقع على اشتراط خلو المكان من نجاسة متعدية، و ان كانت معفوا عنها فى الثوب و البدن، و ظاهر كلام المصنف رحمه اللّه فى المنتهى ايضا، يشعر بذلك، و هذه عبارته: يشترط فى المكان ان يكون خاليا عن نجاسة متعدية الى ثوب المصلى او بدنه، و ذهب اليه علماؤنا اجمع، لكن تعليله يشعر بما ذكره الشهيدان و غيرهما، و ذلك لأنه علل المذكور، بما ذكره بعد عبارته هذه من قوله: لأن طهارة الثوب و البدن شرط فى الصلوة، و مع النجاسة المتعدية يفقد الشرط، انتهى.
قال فى الحبل المتين بعد نقل ذلك التعليل: و يمكن ان يجعل تعليلا لبعض المدعى، كما يفعله طاب ثراه كثيرا، و حينئذ فلا مخالفة بين كلامه و هذا، و بين ما نقله عنه ولده، كما ظنه بعض الاصحاب، و قال فى المسالك بعد الكلام المتقدم: و ربما نقل بعض الاصحاب الاجماع على عدم العفو عن ذلك هنا، و ان عفى عنه لو كان على المصلى، و هو غير واضح و الاجماع ممنوع، و قال فى المدارك بعد نقل ما فى الايضاح: و هو غير واضح و الاجماع ممنوع، مع ان تعليله فى التذكرة و هى يقتضى الاشتراط، و قال الشارح المحقق بعد نقل ما فى الايضاح:
ص: 299
و هو محل تامل بل تحير.
و قال بعض الأجلاء فى جملة كلام: و التحقيق عندى ان لا ثمرة مهمة فى هذا التقييد، و لا لذكر ذلك بالكلية، و ذلك فانه من المعلوم ان المنع من الصلوة فى الموضع النجس، اذا استلزم ذلك تعدى النجاسة الى ثوب المصلّى او بدنه، انما هو الدّليل العام الدّال على اشتراط صحة الصلوة بطهارة بدن المصلى و ثوبه، مما لا يعفى عنه، ثم نقل كلام المصنف فى المنتهى المتقدم نقله، و قال: و حينئذ فاذا صلى الانسان فى موضع فيه النجاسة و تعدّت اليه، روعى فيها ما يراعى فى غيرها من النجاسات الخارجة منه، او الواقعة عليه، من كونها معفوا عنها او غير معفو عنها، و لا خصوصية للمكان يقتضى افراده بالذكر، الا ان يكون الحامل لهم على ذلك فخر المحققين فى المسئلة، و ضعفه اظهر من أن يحتاج الى بيان انتهى.
أقول: و المسئلة محل اشكال، و الاحتياط مطلوب.
فلا يقدح نجاسة ما زاد على ذلك منها، و الظاهر انه كذلك، قال بعض الأجلاء: لو كان فى مسجد الجبهة: نجاسة لا تتعدى، او على نفس الجبهة نجاسة معفو عنها فى الصلوة، فان استوعب النجاسة المسجد و الجبهة بطلت الصلوة، و الا صحت صلوته اذا حصل السجود على الطّاهر منها، فى الصورتين المذكورتين، انتهى.
اذ المكان باعتبار الطهارة و النجاسة غيره باعتبار الغصب و الاباحة، قال بعض الاصحاب: اذا ستر الموضع النجس بطاهر، صحت صلوته قولا واحدا، و عليه نبه فى الذكرى، انتهى.
و ادعى المصنف رحمه اللّه فى التحرير، عليه الاجماع و هو الحجة، مضافا الى النصوص الكثيرة، منها ما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد فى الصحيح، عن
ص: 300
عبد اللّه بن سنان قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن المسجد يكون فى الدار - الى ان قال - قلت: فالمكان يكون حشّا(1) زمانا فينظف و يتخذ مسجدا، فقال: الق عليه من التراب حتى يتوارى، فان ذلك يطهّره ان شاء الله.
و منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى الباب المتقدم، عن الحلبى انه قال: قلت لأبى عبد الله (ع): يصلح المكان الذى كان حشّا زمانا ان ينظفّ و يتخذ مسجدا؟ قال: نعم، اذا لقى عليه من التراب ما يواريه، فان ذلك ينظفّه و يطهره.
و منها: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، عن مسعدة بن صدقه الربعى، عن جعفر بن محمد (ع) قال: سئل ايصلح مكان حش ان يتخذ مسجدا؟ فقال: اذا عليه من التراب ما يوارى ذلك و يقطع ريحه، فلا بأس، و ذلك لأن(2) التراب من التراب يطهره، و به مضت السنة.
و منها: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، عن ابى الجار و دانه قال: سألت ابا عبد الله، عن المكان يكون حشّا، ثم ينظف و يجعل مسجدا، قال: يطرح عليه من التراب حتى يواريه، فهو اطهر.
و منها: ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، عن محمد بن مصادف، عن ابى عبد الله (ع) قال: لا بأس بان يجعل على العذرة مسجدا.
اذا كان الموضع الذى تتعدى اليه من الثوب محمولا للمصلى، فلو كان مطروحا على الارض، كطرف العمامة و ان تحرك بحركته
ص: 301
لم يضر، قال فى المسالك: و المراد بالثوب اى الثوب المشترط بعدم تعدى النجاسة اليه، ما يستقل المصلّى بحمله و يستند بثقله، فلو كانت النجاسة فى طرف ثوب طويل، كطرف العمامة الملقى على الارض لم يضر، و ان كان ذلك الطرف يتحرك.
احتمل على قول السيد البطلان اعتدادا الى ان ذلك مكان الصلوة، و هذا ان فسرنا المكان بما يلاقى بدنه و ثوبه، اما ان فسّرناه بما يستقر عليه فلا اعلم انه لا يجوز السّجود على ما ليس بارض و لا نباتها، بالاجماعات المحكية المتجاوزة عن حد الاستفاضة، بل بالضرورة من مذهبنا، كما ادعاها غير واحد من الطائفة.
و اما القرطاس فسيجئ الكلام فيه ان شاء اللّه تعالى، مضافا الى النصوص المستفيضة بل المتواترة، منها: ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب علة النهى عن السّجود على الماكول، فى الصحيح عن هشام بن الحكم قال: قلت لأبى عبد الله (ع): اخبرنى عما يجوز السجود عليه، و عما لا يجوز قال: السجود لا يجوز الا على الارض او على ما انبتت الارض، الا ما اكل او لبس، فقلت له: جعلت فداك ما العلة فى ذلك؟ قال: لأن السّجود هو الخضوع للّه عز و جل فلا ينبغى ان يكون على ما يؤكل و يلبس، لأن ابناء الدنيا عبيد ما ياكلون و يلبسون، و الساجد فى سجوده فى عبادة اللّه عز و جل، فلا ينبغى ان يضع جبهته فى سجوده على معبود ابناء الدنيا، الذين اغتروا بغرورها، و السّجود على الارض افضل، لأنه ابلغ فى التواضع و الخضوع لله عز و جل.
و روى الشيخ طاب ثراه فى التهذيب، فى اواخر باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، الخبر المتقدم الى ذكر العلّة معلقا عن هشام، و طريقه الى هشام فى الفهرست معتبر.
و منها: ما رواه الصدوق فى باب ما يسجد عليه و ما لا يسجد عليه، فى الصحيح عن حماد بن عثمان، عن ابى عبد الله (ع) انه قال: السجود على ما
ص: 302
انبتت الارض، الا ما اكل او لبس، و رواه التهذيب فى اواخر باب ما يجوز الصلوة من اللباس و المكان، معلقا عن حماد بن عثمان، عن ابى عبد الله (ع)، وعده(1) بعضهم من الصحاح.
و منها: ما رواه الكافى فى باب ما يسجد عليه و ما يكره، فى الحسن كالصحيح او الصحيح بابراهيم بن هاشم، عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال:
قلت له: اسجد على الزفت يعنى القير، فقال: لا و لا على الثوب الكرسف، و لا على الصوف، و لا على شىء من الحيوان، و لا على طعام، و لا شىء من ثمار الارض و لا على شىء من الرياش(2).
و منها: ما رواه الكافى ايضا فى الباب المتقدم، بسند معتبر بقاسم بن عروة، عن ابى العباس الفضل بن عبد الله، قال: قال ابو عبد الله (ع): لا يسجد الا على الارض او ما انبتت الارض، الا القطن و الكتان.
و منها: ما روى عن الخصال، عن ابى بصير و محمد بن مسلم، عن ابى عبد الله (ع): لا يسجد الرجل على كرس حنطة و لا شعير، و لا على ارز مما يؤكل، و لا يسجد على الخبز.
و منها: ما روى عن الاعمش، عن الصادق (ع) قال: لا يسجد الا على الارض او ما انتبت الارض، الا الماكول و القطن و الكتان.
و عن الرضا (ع) فى كتابه الفقه: كلّ شىء يكون غذاء الانسان فى المطعم او المشرب من الثمر و الكشر، فلا يجوز الصلوة(3) عليه، و لا على ثياب القطن و الكتان و الصّوف و الشعر و الوبر، و على الجلد، الا على شىء لا يصلح للبس فقط،
ص: 303
و هو مما يخرج من الارض، الا ان يكون فى حال ضرورة.
و قال ايضا فى الكتاب المذكور: اذا سجدت فليكن سجودك على الارض، او على شىء ينبت من الارض، مما لا يلبس و لا تسجد على الحصر المدنيّة، لأن سيورها من جلود، و لا تسجد على شعر، و لا على حديد، و لا على الصفر، و لا على النحاس، و لا على الرصاص، و لا على آجر يعنى المطبوخ، و لا على الريش، و لا على شىء من الجواهر، و غيره من الفنك و السّمور و الحواصل و الثعالب، و لا على بساط فيه الصور و التماثيل، و ان كان الارض حارة تخاف على جبهتك ان تحرق او كانت ليلة مظلمة خفت عقربا او حية او شوكة او شيئا يؤذيك، فلا بأس، ان تسجد على كّمك اذا كان من قطن او كتان.
و هذه الأخبار، و ان كان فى دلالة بعضها مناقشة، و لكنها هينة فى المقام و بالجملة النصوص فى المسئلة كثيرة منها ما ذكرنا و منها ما لم نذكره، و لعله ياتى الى جملة منها الاشارة.
(و) يستفاد منها انه (يشترط وقوع الجبهة فى السجود على الارض او) على (ما انبتته مما لا يؤكل و لا يلبس) فلو كان ماكولا او ملبوسا عادة، لم يجز السجود عليه على الاشهر الاظهر، بل لا خلاف فيه يظهر، الا ما حكى عن السيد فى المسائل المصرية الثانية، حيث افتى فيها بكراهة السّجود على الثوب المعمول من القطن و الكتان: و عن التحرير انه استحسنه، مع انه نقل عن السيد، انه ذهب فى الخصال و الانتصار و المصباح و المسائل المصرية الثالثة الى المنع، و نقل اجماع الطائفة عليه، و ظاهر الوافى الميل الى ما استحسنه فى التحرير، و يستفاد من المحقق فى الشرايع و مختصر النافع كما عن المصنف فى التحرير و الصيمرى فى شرح الشرايع التردد فى المسئلة، لانهم اقتصروا على نقل الروايتين و القولين، مع نسبة المنع الى المشهور(1).
ص: 304
و كيف كان فالقول بالمنع هو الاقوى بلا ريبة، للاجماع المحكى عليه خصوصا فى المختلف و غيره، و هو الحجة، كظاهر قول كل من اعتبر الارضية او ما ينبت منها، ما لم يكن ماكولا و ملبوسا، و ادعى الاجماع عليه، قال الصدوق فى الامالى: و من دين الامامية الاقرار بانه لا يجوز السّجود الا على الارض او على ما انبتت الارض، الا ما اكل او لبس.
و قال فى الانتصار: و مما انفردت به الامامية المنع من السجود فى الصلوة على غير ما انبتت الارض، و المنع من السّجود على الثوب المنسوج من اى جنس كان، و باقى الفقهاء يخالفون فى ذلك، و يجوزون السجود على كل طاهر من الاجناس كلّها و مالك خاصة يكره الصّلوة على الطنافس و البسط الشعر و الادم، الا ما ظن انه ينتهى الى ان الصّلوة على ذلك غير مجزية، و الوجه فيما ذهبنا اليه، ما تردد من الاجماع، ثم دليل براءة الذمة.
و قال المصنف طاب ثراه فى المختلف: المشهور بين علمائنا، تحريم السجود فى الصلاة على الثوب المعمول من القطن و الكتان، و هو اختيار السيد المرتضى فى المدارك و الانتصار و المسائل المصرية الثالثة، و له قول آخر فى المسائل المصرية الثانية، انه مكروه كراهة قوية و طلب فضل، لا انه محظور محرم، قال:
و ليس يجرى السّجود على الثوب المنسوج فى القبح و الحظر عند احد، مجرى السّجود على المكان النجس، و ان كان اصحابنا لم يفصلوا هذا التفصيل، و اطلقوا القول اطلاقا، و الصحيح ما ذكرناه، و من تامل حق التامل، علم انه على ما فصّلناه و اوضحناه،
بخلاف السيّد المرتضى مع فتواه بالموافقة، لأن الخلاف الصادر منه، ان وقع قبل موافقته اعتبر موافقته، لأنه يكون قد انعقد الاجماع بعد الخلاف، و ان وقع بعد
ص: 305
الموافقة لم يعتد به، لأنه صدر بعد الاجماع، و قول علمائنا حجة لأنه اجماع لا يجوز مخالفته، مع ان السيّد المرتضى استدل فى الانتصار على المنع بالاجماع فكيف يجوز منه بعد ذلك المخالفة؟
و قال بعض المحققين: و الظاهر كون الاجماعات المنقولة حقا واقعا لاتفاق الشيعة فى الاعصار و الامصار، على الاحتراز عن السجود عليهما، مع عموم البلوى و شدة الحاجة الى السّجود، و ما يصح السجود عليه، و غلبة تحقق الباسين مع المصلى، و غلبة كونه فى الفراش التى لا يصح السجود عليها، و غير الفراش مما هو مثلها، فى كون المصلى فيه يصح و لا يصح السّجود عليه، و لذا يحتاج غالبا الى تحصيل ما يصح عليه فى وقت صلوته، من مثل الخمرة و التربة الحسينية او التراب او الحجر او الخشب او الحصر او غير ذلك، بان يقوم عليه و يسجد عليه، او يقوم على غيره و يضعه على ذلك الغير ثم يسجد عليه، كما هو العادة عند الشيعة و المشاهد المحسوس من طريقتهم، فلو جاز السجود على القطن و الكتان عندهم، مع غلبة وجودهما معهم سيما القطن، لما اتفقوا كل الاتفاق على الاحتراز عن السجدة عليهما، فى جميع الاوقات و الاعصار و قاطبة البلدان و الامصار، مع اتعاب انفسهم فى تحصيل ما يصح او الذهاب اليه و الوقوف عليه، و لما اقتصروا فى جميع الاحوال و الاوقات على ما ذكروا كل الاقتصار، و لما انحصر تمام الانحصار، مع انه ربما يشق التحصيل او يريد التعب فيه، او يحصل خوف من جهة التقية او غيرها، او ضرر كذلك الى غير ذلك.
مع انه معلوم عدم صدور ذلك عن الرسول (ص)، و لا احد من الأئمة، و لو صدر لاشتهر كل الاشتهار، و شاع و ذاع لتوفر الدّواعى اليه، كما نبهناك عليه، مع ان العبادة توقيفية، و الرسول (ص) قال: صلوا كما رايتمونى اصلى الى غير ذلك.
و مما يؤكد تحقق الاجماع المذكور، ان السيّد بنفسه اعترف بالاجماع، و افتى بالمنع فى ساير تصانيفه، و ان قوله بالجواز كان فى المسائل المصرية الثانية
ص: 306
و قوله بالمنع كان فى ساير تصانيفه، و منها المسائل المصرية الثالثة، فظهر كل الظهور انه عدل عن القول بالتجويز، و ظهر على نفسه فساد ما افتى به اولا، فالقول الذى قاله بنفسه عدل فيه،(1) انتهى.
و بالجملة القول بالمنع مما لا ينبغى أن يشك فيه، لما عرفت، مضافا اليه بعد صحيحة هشام، و حماد بن عثمان، و حسنة زرارة، و معتبرة ابى العباس الصريحة فى المطلب، كرواية الاعمش، و الرضوى المتقدمة، التى كل واحد منها حجة مستقلة، ما رواه التهذيب فى اواخر باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، معلقا عن على بن يقطين انه سأل ابا الحسن الأول (ع)، عن الرجل يسجد على المسح و البساط، فقال: لا بأس اذا كان حال التقية، و لا بأس فى السجود على الثياب فى حال التقية.
قال الشارح المحقق، بعد نقل ذلك الخبر: و المسح بكسر الميم و اسكان السين المهملة و آخره حاء مهملة بساط لا خمل له، و يقال له البلاس، بفتح الباء و كسرها، وجه الاستدلال بهذه الرّواية، انها دلت على ثبوت الباس بالسجود على الثياب عند عدم التقية، و منها المعمول من القطن و الكتان، و شك بعض المتأخرين فى كون قوله: و لا بأس بالسجود... الى آخره، من تتمة الخبر، بناء على انّ الشيخ او رد هذا الخبر فى موضع آخر، من طريق احمد بن محمد، من غير هذه التتمة، و كذا فى الاستبصار، و هذه التتمة موجودة فى الفقيه، لكن من حيث ان مصنفه كثيرا ما يصل كلامه فى الأخبار، من غير ملاحظة التميز، حصل الشك فى كونه تتمة الخبر، قال: و يقوى فى الخاطر بمعونه قرائن، ان يكون فى ايراد الشيخ له بالصورة الاخيرة، ماخوذا من الفقيه، فيبقى الشك فى كون الزيادة بحاله منه، انتهى.
أقول: و مما يشعر بكون التتمة من كلام الامام (ع)، كون المخاطب هو على
ص: 307
بن يقطين، و وجه الاستدلال به، هو ما ذكره الشارح المحقق، و هو و ان كان غير خال عن مناقشة، و لكن الانصاف ان العرف يفهم المفهوم المذكور.
منها: ما رواه التهذيب فى زيادات باب كيفية الصّلوة و صفتها، عن داود الصّرمى، قال: سألت ابا الحسن الثالث (ع)، هل يجوز السجود على الكتان و القطن من غير تقية؟ فقال: جايز.
و منها ما رواه ايضا فى زيادات الباب المتقدم، عن منصور بن حازم، عن غير واحد من اصحابنا، قال: قلت لأبى جعفر (ع): انا نكون بارض باردة يكون فيه الثلج، افنسجد عليه؟ فقال: لا، و لكن اجعل بينك و بينه شيئا، قطنا او كتانا.
و منها ما رواه ايضا فى زيادات الباب المتقدم، عن الحسين بن على بن كيسان الصنعانى قال: كتبت الى ابى الحسن الثالث (ع)، اسئله عن السجود على القطن و الكتان من غير تقية و لا ضرورة، فكتب الى: ذلك جايز.
و منها ما رواه التهذيب فى زيادات الباب المتقدم، عن ياسر الخادم قال: مربى ابو الحسن (ع) و انا اصلى على الطبرى،(1) و قد القيت عليه شيئا اسجد عليه، فقال لى: مالك لا تسجد عليه، اليس هو من نبات الارض؟
و معلوم ان احد الا ينتهى الى ذلك، و اجاب التهذيب عن جميع هذه الأخبار، بالحمل على حالة الضرورة او التقية، و حمل رواية الاخير
ص: 308
على التقية فحسب، و رده فى التحرير بان فى رواية الصّنعانى التنصيص على الجواز مع انتفاء التقية او الضرورة.
أقول: و العجب من المحقق طاب ثراه، انه كيف تكلم بهذا الكلام؟ و الحال ان للائمة (ع) ان يجيبوا بما يرون من المصلحة، لا بما يريد السائل و ان ألح عليه، قال بعض الأجلاء: المفهوم من الأخبار على وجه لا يعتريه الانكار، انهم يجبيون على ما يرونه من المصلحة لا بما يريد السائل، فربما يتركون الجواب بالكلية، و ربما اجابوا بالتقية، و ربما فيه التباس و اشتباه لا يستفاد منه معنى ظاهر بالكلية، و قد ورد عنهم: الله سبحانه قد فرض عليكم السؤال و لم يفرض علينا الجواب، بذلك الينا ان شئنا اجبنا و ان شئنا لم نجب، فان مجرد طلب السائل لأن يكون الجواب على وجه التقية، لا يوجب حمل الجواب على ما طلبه، لما عرفت.
و قال والدى طاب ثراه: فى جواب التحرير: يمكن ان ينفى التنصيص فى حديث الصنعانى، بان طلب السائل الجواب من غير تقية، لم لا يجوز ان الجواب تقية لمصلحة رآه الامام (ع)؟ نعم ينفى التقيه اذا كتب او قال الامام عليه السلام: هذا جواب لا تقية فيه، و هذا ليس بثابت عنهم (ع).
و قال بعض المحققين، فى الجواب عن الروايات: و الجواب ان فى الروايات ضعاف و شاذ و مع ذلك محمولة على التقية، و ان سأل الراوى عن حكم ذلك من غير تقية، لأن المعصوم (ع) لو اجاب الراوى بالمنع لاحترز عنه فى مقام التقية ايضا، كما ان عادة جماعة من الشيعة من غاية حرمتهم على الحق، ما كانوا يتفطنون بمقام التقية ايضا، و كانوا يخالفون التقية فيقتلون او يتضررون، كما هو العادة الان بالنسبة الى كثير من الشيعة بل و غالبهم، بل الظاهر انهم فى السابق ايضا كانوا كذلك، مع انه ربما كان نفس الفتوى تقية، لا انه اتقاء سيما فى جواب المكاتبة، مع ان الطبرى ربما يكون المراد منه فى الحديث المذكور
ص: 309
الحصير الطبرى، بل صرح جدى(1) العلامه بذلك، و كذلك المحقق ملا مراد فى شرح الفقيه، و غيرهما، انتهى(2).
و بالجملة و الأخبار المذكورة لا تصلح لمعارضة الأخبار المتقدمة ثمه، لانها بحسب السند قاصرة بل جملة منها ضعيفه و مع ذلك نادرة، و لمذهب العامة موافقة، فكيف تصلح لمعارضة الأخبار الدالة على المنع المتقدمة ثمه؟ المعتبرة المعتضدة بالشهرة العظيمة القريبة من الاجماع فى الحقيقة، و بالاجماعات المحكية التى كل واحد منها حجة مستقلة، المخالفة للعامة التى يكون الاخذ بخلافهم فى نحو المقام رشد النا، للاخبار المروية عنهم صلوات اللّه عليهم.
لأن التكافؤ شرط فى التعارض بلا ريبة، هذا مضافا الى ان دلالة رواية ياسر غير واضحة، لما اشار اليه بعض المحققين المتقدم نقل كلامه، فلتكن تلك الأخبار الدالة على الجواز مطروحة او محمولة على التقية.
و قول صاحب التحرير غير وجيه لما عرفت ثمه، و يؤيده رواية على بن يقطين المتقدمة، او الضرورة، و يؤيده(3) كلام مولانا الرضا (ع) فى كتابه الفقه، و ما روى عن على بن جعفر فى كتابه، و الحميرى فى قرب الاسناد، عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن الرجل يوذيه حرّ الارض فى الصلوة و لا يقدر على السجود، هل يصلح له ان يضع ثوبه ان كان قطنا او كتانا؟ قال: اذا كان مضطرا
ص: 310
فليفعله، و فى الأخبار الآتية ان شاء اللّه ايضا ما يدل عليه فانتظر.
و الجواب عن الثانى واضح، لا يحتاج الى الذكر.
فلو اكل نادرا و فى مقام الضرورة كالعقاقير التى تجعل فى الادوية من النباتات التى لم يطرد اكلها و لبسها عادة، فانه يجوز السجود عليها كما صرح به جماعة، بل لم اجد فيه مخالفا، لدخولها فيما انبتت الارض، مع عدم شمول الاستثناء لها، لانصرافه بحكم التبادر و الغلبة الى الماكول و الملبوس العاديين، لكونهما من الافراد المتبادره، و فى مثل الزنجبيل و الزّعفران و الدارچينى و نحوها، وجهان اقربهما المنع لاعتياد اكلها ظاهرا، و اما مثل عود الصندل و اصل الخطمى و ما ماثلهما، فالظاهر الجواز لعدم صدق الاعتياد.
و بالجملة المناط هو صدق الاعتياد، فعليك باستخراج الفروع، و لذا قيدنا قول المصنف طاب ثراه بالاعتياد، و ان كان شموله لغير المعتاد ايضا محل كلام.
ينشاءان من اطراد المنع لصدق الماكول عادة عليه، و اليه ذهب جماعة: قال فى المسالك: و لا يشترط عموم الاعتياد لها فى جميع البلاد، فان ذلك قل ان يتفق، بل لو غلب فى قطر عمّ التحريم.
و قال فى الحبل المتين: و لو جرت العادة فى بعض الاقطار باكل شىء او لبسه دون بعض، امكن القول باختصاص المنع بذلك القطر، مع احتمال العموم اذ قلما تطّرد عادة جميع الاقطار فى كل شىء معين او لبسه، فان الحنطة لا يؤكل فى بعض البلاد كجيلان مثلا الا نادرا، و كذلك القطن لا يلبس فى كثير بلاد مصر الا قليلا، و انما يلبسون الكتان و الصّوف، و لو قيل ان المعتبر هو عادة زمانه (ص) و مكانه (ص)، لم يكن بذلك البعيد، انتهى.
ص: 311
و من اختصاص كل قطر بمقتضى عادته، قال فى المدارك: و لو اكل شايعا فى قطر دون غيره، امتنع السجود عليه مطلقا، و يحتمل قويا اختصاص كل قطر بمقتضى عادته، انتهى، و القول بالمنع من غير ترديد ليس عن السداد ببعيد، هذا مع صدق الماكولية عليه على الاطلاق كالحنطة و الشعير و الارز و التمر و من ماثلها، فان الشعير مثلا و ان لم يكن ماكولا فى بعض الاقطار، و لكن صدق الماكولية عليه شايع مطلقا، و لو فى الاقطار الغير المعتاد فيها اكله، و اما على تقدير عدم صدقها على الاطلاق، كبعض النباتات المعتاد اكله فى نادر من القرى، فالامر فيه مشكل، ينشأ من عموم المنع و من الشك فى انصراف الاطلاق اليه، لأن صدق الماكولية فى غاية الاقطار عليه مشكوك، بل يصدق عدمها عندهم، و الاطلاق ينصرف الى الافراد الشايعة المتكررة.
و لعل القول فى هذا الفرض ايضا غير خال عن قوة، لكن للقرية المعتاد اكل المذكور فيه دون ساير الاقطار، اما القول بالجواز بالنسبة الى عامة الاقطار لعدم صدق الماكول عليه، و امّا المنع بالنسبة الى نادر من القرى الشايع اكله فيه، فللتعليل المستفاد من صحيحة هشام المتقدمة، فافهم.
و اما ما ذكره البهائى طاب ثراه، من ان المعتبر هو عادة زمانه و مكانه، فليس فيه فى المقام ثمرة مهمة، لأن الظاهر ان الزمانين لم يتغيرا، بان كان شىء فى زمان الرسول ماكولا و صار فى زماننا غير ماكول، او بالعكس، نعم ربما يمتزجون فى نحو زماننا الاشياء المأكولة كالارز و الزبيب و ما ماثلهما امتزاجا خاصا، بحيث تصير نوعا خاصا، و يوضع لها اسما خاصا، و ذلك لا يصير باعثا لجواز السجود عليه، و ان علم عدم اعتداد اهل زمانه او مكانه به، لأن كل جزء من اجزائه كان يصدق عليه انه ماكول عند اهل زمانه (ص) او مكانه، هذا مضافا الى عدم صحة هذا القول(1) من اصله، لأن التعليل المستفاد من صحيحة هشام
ص: 312
المتقدم ينفيه.
و جاز السّجود فى الاخرى، اذ ربما صار فى تلك الحالة من جملة الخشب الذى لا يعقل كونه من جنس الماكول، و به صرّح جماعة: و كذلك الحال فيما شاع اكله فى حالة و ندر اكله فى اخرى، كورق الكرم مثلا و امثاله، و امر الاحتياط واضح، قس على الماكول حال الملبوس.
كالحنطة و الشعير و القطن الموقوفين على افعال كثيرة، كالطحن و الخبز و الطبخ و الاخراج من القشر، ثم الحلج ثم الندف ثم الغزل ثم النسج ثم الخياطة.
ذهب المصنف طاب ثراه، كما حكى فى المنتهى و الذكرى و التحرير و نهاية الاحكام، الى القول بجواز السجود على الحنطة او الشعير، معللا فى بكونهما غير ماكولين، و فى التذكرة بان القشر حايل بين الماكول و الجبهة، و استضعف الأول جماعة من المتأخرين، بعدم خروج الماكول عن كونه ماكولا باحتياجه الى علاج، و اعترض عليهم بان اطلاق الصفه على ما سيتصف بمبداء الاشتقاق مجاز اتفاقا، ورد بان اطلاق الماكول و الملبوس، على ما يؤكل و يلبس بالقوة القريبه من الفعل و قد صار حقيقة عرفية، و الا لم يجز فى العرف اطلاق اسم الماكول على الخبز قبل المضغ و الازدراد الا مجازا، و كذلك اطلاق اسم الملبوس على الجبة قبل لبسها، و الظاهر انه ليس كذلك، و ايضا هذا يفضى الى الحكم بجواز السجود على الخبز و الجبة قبل لبسها، لعدم صدق الماكول و الملبوس عليها حقيقة، لا لغة و لا عرفا.
و الثانى الشهيد فى الذكرى، بان العادة جارية باكلها غير منخولين خصوصا الحنطة، و خصوصا فى الصّدر الأول، قال بعض الأجلاء، بعد نقل ما فى التذكرة: و رد بان العادة فى الصدر الأول جرت باكلهما غير منخولين، كما لا يخفى
ص: 313
على من راجع الأخبار، و روى ان اول من نخل الدقيق معوية انتهى، و الشيخ على فى جامع المقاصد كما حكى، بان النخل الا ياتى على جميع اجزاء النخالة، لأن الاجزاء الصغيرة منها تنزل مع الدقيق فتؤكل، و لا يقدح اكلها تبعا فى كونها مأكولة، و جواز المصنف ايضا فى نهاية الاحكام كما حكى، السجود على القطن و الكتان قبل غزلهما، و قوى جواز السّجود على الكتان قبل غزله و نسجه، و توقف فيه بعد غزله.
و ذهب المشهور على الظاهر المصرّح به فى بعض العبائر، الى المنع فى الكلّ، و هو اقوى، اما بالنسبة الى الحنطة و الشعير فللّصدق العرفى، فان العرف يقولون بالحنطة و الشعير من الماكولات، و لا يصح سلب ذلك عنهما و حائلية القشر ممنوعة، بعد كونه ايضا من الماكولات كما لا يخفى، و ما ذكره فى الذكرى و غيره، بان العادة جرت باكلهما غير منخولين فى الصّدر الأول، غير ممنوع بالنسبة الى الشعير.
و يدل على المطلب، ما رواه فى منهاج الكرامة فى معرفة الامامة فى المنهج الرابع من الفصل الثالث، عن سويد بن غفله قال: دخلت على على بن ابى طالب (ع)، العصر فوجدته جالسا بين يديه صفحة فيها لبن حازر، اجد ريحة من شدة حموضته، و فى يده رغيف أرى قشار الشعير فى وجهه، و هو يكسر احيانا فاذا غلبه كسّره بركبتيه، فطرحه فيه، فقال: ادن من طعامنا هذا، فقلت: انى صايم، فقال عليه السلام: سمعت رسول اللّه (ص) يقول: من منعه الصيام من طعام يشتهيه، كان حقا على اللّه تعالى ان يطعمه من طعام الجنة، و يسقيه من شرابها، قال فقلت لجاريته و هى قائمه بقريب منه: ويحك يافضة، الا تتقين الله فى هذا الشيخ! الا تنخلين له طعاما؟ مما ارى فيه من النخالة، فقالت: لقد تقدم الينا الا ننخل له طعاما، قال فقال (ع): ما قلت لها؟ فاخبرته، فقال بابى و امى: انا من لم ينخل له طعام و لم يشبع من خبز البّر ثلاثة ايام، حتى قبضه اللّه عز و جل... الحديث.
ص: 314
على انك قد عرفت ان مقتضى التعليل فى صحيحة هشام بن الحكم المتقدمة، هو عدم تفاوت الحكم، و لو قلنا بان العادة فى الصدر الأول هو عدم اكل النخالة، هذا مضافا الى كصحيحة زرارة المعتضدة، برواية ابى بصير المروية فى الخصال المتقدمتين، فان لفظ الطعام شامل لها قبل الطحن قطعا، و ما فى الخصال لدفع كلام التذكرة كاف ككلام المحقق الثانى.
و اما بالنسبة الى القطن و الكتان قبل غزلهما، فالامر بملاحظة ما روى عن كتاب تحف العقول: ان الصادق (ع) قال: كل شىء يكون غذاء الانسان فى مطعمه او مشربه او ملبسه، فلا تجوز الصلوة عليه و لا السّجود، الا ما كان من نبات الارض من غير ثمر، قبل ان يصير مغزولا فاذا صار مغزولا فلا تجوز الصلوة عليه الا فى حال الضرورة، الذى هو ظاهر فيما ذكره فى نهاية الاحكام، بل ربما استفيد منه بطريق الفحوى جواز السّجود على ما كان كذلك، مما يتوقف الانتفاع به على علاج، بان يكون ذكر الغزل من قبيل التمثيل عن لا يخلو عن اشكال، و لكن لما كان سند ذلك الخبر غير منقح، فلا يبعد ترجيح المنع مع كونه اوفق بالاحتياط.
لا غيرها من المساجد، فانه يجوز وقوعها على اى شىء كان، و لم اجد فى المسئلة مخالفا، بل قيل: الظاهر انه اجماعى، و يدل على ذلك جملة من الأخبار:
منها ما رواه فى الكافى فى باب ما يسجد عليه و ما يكره، فى الحسن كالصحيح بابراهيم بن هاشم، عن الفضل بن يسار و بريد بن معوية، عن احدهما (ع) قال:
لا بأس بالقيام على المصلى من الشعر و الصّوف، اذا كان يسجد على الارض، فان كان من نبات الارض فلا بأس بالقيام عليه و السجود عليه.
و منها ما رواه فى التهذيب فى زيادات باب ما يجوز الصّلوة فيه من اللباس و المكان، فى الصحيح عن على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع) قال:
ص: 315
سألته عن فراش حرير و مثله من الديباج، و مصلى حرير و مثله من الديباج، يصلح للرجل النوم عليه و الاتكاء و الصّلوة عليه؟ قال: يفترشه و يقوم عليه و لا يسجد عليه، و قد تقدمت تلك الصّحيحة فى عنوان قول المصنف رحمه الله: و يجوز الركوب عليه و الافتراش له.
و منها ما رواه فى الكافى فى الباب المتقدم، باسناد فيه محمد بن سنان، عن الحلى قال: قال ابو عبد الله (ع): دعا ابى بالخمرة فابطات عليه، فاخذ كفا من حصى فجعله على البساط ثم سجد.
و منها ما رواه الكافى فى الباب المتقدم، باسناد فيه ابان بن عثمان عن حمران، عن احدهما (ع) قال: كان ابى (ع) يصلى على الخمرة يجعلها على الطنفسة و يسجد عليها، فاذا لم يكن خمرة، جعل حصى على الطنفسة حيث يسجد.
الطنفسة بتثليث الطاء و الفاء: بساط له خمل، على ما ذكره غير واحد، و الخمرة(1) بضم الخاء المعجمة و اسكان الميم: سجادة صغيرة منسوجة من السّعف، و عن ابن الاثير انه قال: هى مقدار ما يضع الرّجل وجهه عليه فى سجوده، من حصير او نسجة خوص و نحوه من النبات، و عن مجمع البحرين انه قال: قد تكّرر فى الحديث ذكر الخمرة و السّجود عليها، و هى بالضم سجّادة صغيرة تعمل من النخل و تزمل بالخيوط، و فى الفقيه و هى مقدار ما يضع الرّجل عليه وجهه فى سجوده، و لا يكون خمرة الا هذا المقدار، و منه كان ابى يصلى على الخمرة يضعها على الطنفسة، انتهى.
قال فى النهاية: فى حديث ام سلمة، قال لها و هى حايض: ناولينى
ص: 316
الخمرة، و هى مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه فى سجوده من حصيرا و نسجة خوص و نحوه من النباتات، و لا يكون خمرة الا فى هذا المقدار، و سميت خمرة لان خيوطها مستورة ببعضها، و قد تكررت فى الحديث، و هكذا فسّرت، و قد جاء فى سنن ابى داود، عن ابن عباس قال: جاءت فارة فاخذت تجر الفتيلة، فجيئت بها فالقتها بين يدى رسول الله (ص) على الخمرة التى كان قاعدا عليها، فاحرقت منها مثل موضع درهم، قال: و هذا صريح فى اطلاق الخمرة على الكثيرة من نوعها، انتهى.
فامّا ما رواه الكافى فى الباب المتقدم فى الحسن او الموثق، عن غياث بن ابراهيم، عن جعفر، عن ابيه، عن على (ع)، قال: لا يسجد الرّجل على شىء ليس عليه ساير جسده، فلا يعارض ما تقدم من الأخبار، قال الشيخ فى التهذيب فى زيادات باب كيفية الصلوة، بعد نقل ذلك الخبر: هذا موافق لبعض العامة، و ليس عليه العمل، لأنه يجوز ان يقف الانسان على ما لم يسجد عليه، انتهى.
و بالجملة ذلك الخبر لا يصلح لمعارضة ما تقدم بلا ريبة، لكثرة الأخبار المتقدمة عددا و اعتبارها سندا، مع كونها غير موافقة لمذهب العامة و معتضدة بما نرى من سيرة الشيعة قديما و حديثا فى الاعصار و الامصار، بل صار الجواز فى الجملة ضروريا لمذهب الشيعة، فليحمل المعارض على التقية.
قد مرّ فى الفقه الرّضوى النهى عن السجود على الحصر المدنيّة، لأن سيورها من جلود، قيل: ان المراد منها الخمرة، و استدل عليه بما رواه فى الكافى فى الباب المتقدم عن على بن الرّيان، قال: كتب بعض اصحابنا اليه بيد ابراهيم بن عقبه، يسئله - يعنى ابا جعفر (ع) - عن الصلوة على الخمرة المدنية، فكتب: صلّ فيها ما كان معمولا بخيوطة، و لا تصلّ على ما كان معمولا بسيورة، قال: فتوقف اصحابنا، فانشدتهم بيتا لتابط شرّا العدوانى.
ص: 317
فكانّها خيوطة مارى تغار و تفتل.
و مارى كان رجلا حبّا لا يعمل الخيوط.
و فى التهذيب فى زيادات باب المتقدم: المفهمى مكان العدوانى بيان قال بعض(1) العلماء: السّيورى جمع سير بالفتح و هو ما يقدر من الجلد، و لعلّ توقفهم لمكان فى الخيوطة(2) و السيورة، فانها غير معهودة، فانشد البيت ليستشهد لهم على مجيئها، و تابط شرا اسم شاعر، و تغار من اغرت الحبل اى فتلته فهو مغار، و يقال حبل شديد الغاره اى شديد الفتل، فالعطف تفسيرى و لعل النهى عن الخمرة المعمولة بالسيور، مع انها مستورة فيها بالنبات و لا يقع عليها السجود، انما هو لان عامليها كانوا لا يحترزون عن الميتة، و يزعمون ان دباغها طهورها، و قد مضى عدم الانتفاع منها و لو بشسع، انتهى.
قال بعض الأجلاء بعد نقل خبر على الريان: و ظاهر الخبر النهى عن الخمرة المدنية، لانها تعمل بالسيور و هى الجلود، مع ان الظاهر ان ما تعمل به من سيورا و خيوط يكون مستورا بسعف النخل الذى تعمل منه، فالسجود انما يقع على السعف، و لعلّ بناء الفرق فى رواية على بن الريان على ان ما يعمل بالخيوط تكون الخيوط فيه مستورة بالسّعف، و اما ما يعمل بالسيور فانها تظهر من السعف او تغطى على السّعف، فلا يقع السجود على السّعف بالكلية فيكون
ص: 318
النهى محمولا على التحريم، اولا يحصل الجزء الاكمل من السجود، فيكون النهى للكراهة.
قال فى الذكرى: لو عملت بالخيوط من جنس ما يجوز السجود عليه، فلا اشكال فى جواز السجود عليها، و لو عملت بالسيور، فان كانت مغطاة بحيث يقع الجبهة على الخوص صح السّجود ايضا، و لو وقعت على السيور لم يجز، و عليه دلت رواية ابن الريان، و اطلق فى المبسوط جواز السجود على المعمولة بالخيوط انتهى، و ما ذكرنا من التفصيل اظهر انتهى، و يمثل ما ذكره فى الذكرى ما قاله الشارح المحقق، و لعلّ ما ذكره بعض العلماء المتقدم نقل كلامه، لا يخلو عن رجحان ما.
يجوز السجود على الاجزاء المنفصلة عن الارض، و ان لم يصدق عليها اسم الارض عرفا، اجماعا محققا و محكيا فى كلام غير واحد منهم، قيل: بل بالضرورة من الدين و المذهب و ليس ببعيد، و يدل على ذلك من الأخبار، خبر حمران المتقدم و غيره من الأخبار.
لأنه ابلغ فى التذلل و الخضوع، و هما مطلوبان فى المقام بلا ريبة، و لجملة من الأخبار: منها ذيل صحيحة هشام بن الحكم المتقدمة، و منها ما رواه التهذيب فى زيادات باب كيفية الصلوة و صفتها، عن اسحق بن الفضل، انه سأل ابا عبد الله (ع)، عن السجود على الحصر و البوارى، فقال: لا بأس، و ان تسجد الى الارض احبّ الى، فان رسول الله (ص) كان يحب ذلك ان يمكن جبهته من الارض، فانا احب لك ما كان رسول الله (ص) يحبّه.
و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى اول باب ما يسجد عليه و ما لا يسجد عليه، مرسلا عن الصادق (ع) انه قال: السجود على الارض فريضة و على غير الارض سنة.
ص: 319
و الاستدلال بهذا الخبر، انما هو اذا قلنا فى تفسيره ما حكى عن الاكثرين، من ان السجود على الارض ثوابه ثواب الفريضة، و على ما انبتته ثوابه ثواب السنة، فتدبر.
و ذكروا فى تفسير الخبر وجوها آخر:
الأول: ما ذكره بعض، بان المستفاد من امر اللّه تعالى بالسجود، انما هو وضع الجبهة على الارض، اذ هو غاية الخضوع و العبودية، و اما جواز وضعها على غير الارض فانما استفيد من النبى (ص)، و قوله رخصة و رحمة، قال بعض العلماء فى معنى الخبر: فريضة اى مستنبط من القرآن، لأن فيه الأمر بالسجود، و السجود فى اللغة وضع الجبهة على الارض، و سنة اى مستنبط من الحديث.
الثانى: ما ذكره الشهيد الثانى فى شرح النفلية، حيث قال بعد ذكر الخبر: و كانه اراد بالسنة الجايز او ما دونها فى الفضل.
الثالث: ان المراد بالارض اعم منها و مما انبتته، و المراد بغير الارض تعيين شىء خاص للسجود، كالخمرة و اللوح او الخريطة من طين قبر الحسين (ع)، قال بعض الأجلاء: و لا يخلو من بعد، الا انه يؤيده ما رواه الكلينى(1) مرسلا عن الصادق (ع) انه قال: السجود على الارض فريضة و على الخمرة سنة، لكن ارجاع هذا الخبر الى الوجه الثانى، اى الوجه الأول من هذه الوجوه الثلاثة، بان يحمل ذكر الخمرة على التمثيل لما كان بغير ارض، و حاصل المعنى ان السجود على الارض فريضة، و غيرها مما امر به النبى (ص) وردت به السنة المطهرة من الخمرة و نحوها سنة، و حينئذ يبقى هذا الوجه على ما هو عليه من الضعف كما ذكرنا، انتهى، و يمكن الاستدلال به للمطلب على بعض هذه الوجوه ايضا.
ص: 320
و افضل افراد الارض فى السّجود التربة الحسينية على مشرفها افضل السّلام و التحية، لما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب ما يسجد عليه و ما لا يسجد، مرسلا عن الصادق (ع) انه قال: السجود على طين قبر الحسين (ع) ينّور الارض(1) السابعة، و من كان معه سبحة من طين قبر الحسين (ع) كتب ممّبحا و ان لم يسبح بها، و التسبيح بالاصابع افضل(2) منه(3) بغيرها لانها مسؤولات يوم القيامة.
و روى الطبرسى فى كتاب الاحتجاج، عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميرى، عن صاحب الزمان عجل اللّه فرجه، انه كتب اليه يسئله عن السجدة على لوح من طين القبر، هل عليه فضل؟ فاجاب (ع): يجوز ذلك و فيه الفضل و روى الشيخ فى كتاب المصباح، عن معوية بن عمار قال: كان لأبى عبد الله عليه السلام خريطة ديباج صفراء و فيها تربة ابى عبد الله (ع)، و كان اذا حضرته الصلوة صبّه على سجادته و سجد عليه، ثم قال: ان السّجود على تربة ابى عبد الله عليه السلام يخرق الحجب.
و عن الحسن بن محمد الدّيلمى، انه روى فى كتاب الارشاد قال: كان الصادق (ع) لا يسجد الا على تربه الحسين (ع) تذللا و استكانة اليه.
يستفاد من رواية الصدوق فى الفقيه، استحباب اتخاذ السبحة ايضا من تربة الحسين (ع)، و انه يكتب ذاكرا، و روى عن الصادق (ع) انه قال: من ادار الحجير من تربة الحسين (ع)، فاستغفر ربّه مرة واحدة كتب اللّه له سبعين مرة، فان مسك السبحة و لم يسبح بها ففى كل حبة منها سبع مرات، و
ص: 321
عن كتاب محمد على الجبابئ، انه وجد من خط الشهيد رحمه الله: قال الصادق (ع): من اتخذ سبحة من تربة الحسين (ع)، ان سبح بها و الا سبحت فى كفه، و اذا حركها و هو ساه كتب له تسبيحة، و اذا حركها ذاكر اللّه تعالى كتب له اربعين تسبيحة، و عنه (ع) انه قال: من سبح تسبيحة من طين قبر الحسين (ع) كتب له اربعمائة حسنة، و محا عنه اربعمائة سيئة، و قضيت له اربعمائة حاجة، و رفع له اربع مائة درجة، و يكون تسبيحة الخيوط رزق اربعا و ثلثين حزرة، و هى سبحة مولاتنا فاطمة الزهراء (ع)، عملت من طين قبره سبحة سبح بها بعد كل صلوة.
و روى التهذيب فى باب حدّ حرم الحرم الحسين (ع) و فضل كربلاء، عن الكاظم (ع) انه قال: لا تستغنى شيعتنا عن اربع: خمرة يصلى عليها، و خاتم يتختم به، و سواك يستاك به، و سبحة من طين قبر ابى عبد الله (ع) فيها ثلاث و ثلاثون حبّة، متى قلبّها ذاكر اللّه كتب له بكل حبة اربعون حسنة، و اذا قلبّها ساهيا يعبث بها كتب له عشرون حسنة.
و روى التهذيب فى الباب المتقدم، عن عبد اللّه بن جعفر الحميرى، قال:
كتبت الى الفقيه (ع) اسئله: هل يجوز ان يسبّح الرجل بطين القبر و هل فيه فضل؟ فاجاب و قرات و منه نسخت: تسبيح بها فما فى شىء من التسبيح افضل منه و من فضله ان المسبح ينسى التسبيح و يدير السبحة، فكتب له ذلك التسبيح.
و روى الطبرسى فى الاحتجاج ايضا مثله، بادنى تغيير غير مغيّر للمعنى، و ظاهر ان المراد من القبر هو قبر الحسين (ع)، و سيجئى ايضا ان شاء اللّه فى بحث تعقيب الصّلوة بعض الأخبار الدّالة عليه فانتظر، قال فى شرح النفلية، و الأخبار بذلك كثيرة.
ص: 322
سواء فى ذلك قبر الحسين (ع) و غيره من الأئمة (ع)، و لم اقف على مأخذه، و بذلك اعترف شيخنا الشهيد الثانى فى شرح النفلية، و غيره من العلماء. قال فى شرح النفلية، بعد نقل النفلية ذلك عنه: و لم نقف على ماخذه بخصوصه، و ان لم يكن فى شرف ذلك و فضله بواسطتهم شبهة، انتهى.
لشمول التربة الواردة فى الخبر السابق لهما، لكن يكره السّجود على المشوى، خصوصا اذا بلغ حد الخزف على الاقوى انتهى.
أقول: لا يخفى ان هذه السبحة المستعمله الان من التربة المطبوخة فانها تصير كالخزف، فبعين ما يقال من الخروج عن الارضية بالطبخ و عدمه يقال فيها ايضا، و بذلك صرح بعض الأجلاء.
قال فى شرح النفلية: و يمكن ان يريد المصنف رحمه اللّه بالتربة المقدسة، ما يعمّ المتخذة من تربة غير الحسين (ع) من الأئمة و الانبياء الذين ثبت لهم تربة، بل الشهداء و الصّالحين، اذ لا شك فى تقدسها بواسطتهم كما تقدست التربة الحسينية بذلك، و ان كانت النصوص متظافرة بها، و قد روى انهم كانوا يتخذون السبح من تربة حمزة (ع) قبل قتل الحسين (ع)، و ان فاطمة كانت لها سبحة منها، فلما قتل الحسين (ع) اتخذت من تربة الشريفة، و ندب اليها الأئمة (ع)، و من قرائن ارادتهم(1) العموم نقله عن سلار رحمه اللّه بعد ذلك اللوح المتخذ من خشب قبورهم (ع)، و لأن شرف التربة اقوى من شرف الخشب.
قال بعض الأجلاء، بعد نقل المذكور: أقول: يمكن تطرق البحث اليه بان الاستحباب حكم شرعى يتوقف ثبوته على الدليل الواضح، و ما ذكره من التعليل المذكور لا يصلح لتاسيس الاحكام الشرعية، و لم يجوز اختصاص الحسين عليه السلام بذلك؟ كما خص بان الشفاء فى تربته، و اجابة الدعاء تحت قبته، و
ص: 323
جعل الأئمة (ع) من ذريته، و ان كان غيره من الأئمه (ع) و الانبياء و العلماء، من يرجى بهم ذلك ايضا، انتهى.
او كانت قلنسوة من نبات الغير الماكول و لا الملبوس عادة و سجد عليها، فالظاهر صحة سجوده، و قد صرح بذلك جماعة من الاصحاب، و نقل عن الشيخ المنع من السجود على ما هو حامل له ككور العمامة و طرف الرداء، قال فى الذكرى: فان قصد بكونه من جنس ما لا يسجد عليه، فمرحبا بالوفاق، و ان جعل المانع نفس الحمل كما هو مذهب بعض العامه، طولب بدليل المنع، مع انه قد روى ابو بصير عن ابى جعفر (ع) ثم اورد روايتى ابى بصير و احمد بن عمر، التين سننقلهما ان شاء الله، فى قبيل عنوان قول المصنف رحمه الله: و يجوز على يده... الى آخره، الدالتين على السجود على المحمول.
ثم قال: و ان احتج برواية الاصحاب عن عبد الرحمن(1) بن ابى عبد الله عن الصادق (ع)، فى ان السجود على العمامة لا يجزيه حتى تصل جبهته الى الارض، قلنا: لا دلالة فيه على كون المانع الحمل، بل جاز لفقد كونه مما يسجد عليه انتهى، و هو جيد.
و اذا عرفت انه يشترط وقوع الجبهة فى السجود على الارض او ما انبتته، مما لا يؤكل و لا يلبس (و لا يصلح السجود) على ما ليس بارض و لا نباتها فلو سجد (على الصوف و الشعر) و الجلد، بطلت صلوته بلا خلاف فى ذلك بين الاصحاب على الظاهر المصرّح به فى بعض العبائر، و قد عرفت ان الاجماعات المحكية كالأخبار فى ذلك مستفيضة، و مقتضى اشتراط المذكور عدم صحة السجود على (المستحيل من الارض اذا لم يصدق عليه اسمها كالمعادن) كالملح و العقيق و الذهب و الفضة و نحوها، و الظاهر ان ذلك الحكم اجماعى كما صرح به غير
ص: 324
واحد منهم، لما عرفت من وقوع الاجماع على عدم جواز السجود على الارض او ما انبتت، و المستحيل من الارض كالمعادن، ليست بارض و لا ما انبتته، اذ لا يطلقان عليها حقيقة، و لا تتبادر منهما بغير قرينة، و يدل عليه بعد ما ذكر الحصر المستفاد من الأخبار المتقدمة، المستفاد من صحيحة هشام، و ما فى الفقه الرضوى المتقدم نقله، من خروج نحو الصفر و الجواهر و النحاس و الرصاص و ما ماثلها، و غيرها من الأخبار.
منها ما رواه التهذيب فى زيادات باب كيفية الصلوة، عن يونس بن يعقوب عن ابى عبد الله (ع) قال: لا تسجد على الذهب و لا على الفضة.
و منها ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن محمد بن الحسين: ان بعض اصحابنا كتب(1) الى ابى الحسن الماضى (ع) يسئله عن الصلوة على الزجاج، فلما نفذ كتابى اليه تفكرت و قلت: هو مما انبتت الارض و ما كان لى ان اسئل عنه، فكتب الى(2): لا تصل على الزّجاج، و ان حدثتك نفسك انه مما انبتت الارض، و لكنه من الملح و الرمل، و هما ممسوخان.
و فى دلالة الخبر مناقشة، لاشتماله على الرمل، و القول بحرمة السجود عليه مشكل، لانا لم نعثر قائلا بها، و الحمل على الكراهة محتمل، و لكن هى بالنسبة الى الزجاج مشكلة، اللهم الا يراد من الخبر هكذا، و لكنه من الملح و الرمل الذين هما
ص: 325
ممسوخان فى حالة الزجاجية، فافهم.
او يقال: ان الخبر قد اشتمل على نهى ملفوظ و هو لا تصل، و نهى مفهوم من سياق قوله (ع) و ان حدثتك انتهى، و الأول محمول على التحريم، و الثانى على الكراهة، و يشكل على الاخير لمكان الملح، اللهم الا ان يراد من النهى الضمنى مطلق المرجوحية المتين، و ما تضمنه الحديث العاشر، من تعليله (ع) المنع من السجود على الزجاج، يكونه من الملح و الرّمل و هما ممسوخان، ربما يؤذن بالمنع من السجود على الرمل، و الحمل على الكراهة محتمل، و فى كلام كثير من الاصحاب تخصيص الرّمل يكره السجود عليه بالمنهال، و لعل الاطلاق اولى، و الظاهر ان ورود النص بكون الرّمل ممسوخا، هو المقتضى بحكم علمائنا بكراهة التيمم به، و فى كلام بعض الاصحاب انه لم يقف فى ذلك على اثر، و هو كما ترى.
و منها ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الحسن، عن محمد بن عمر بن سعيد، عن ابى الحسن الرّضا (ع) قال: لا تسجد على القفر و لا على الصاروج، و المراد من القفر على ما ذكره بعضهم قفر اليهود و يسمى بالفارسية موم يائى، دواء مشهور معروف للجرح و الكسر و امثالهما، و على ما حكى عن النهاية ضرب من القير، قال فيها: القفر(1) بالقاف ثم بالفاء: ضرب من القير الا انه معمول بالطبخ مع الرماد انتهى، و لعل الاخير اظهر.
و اما الأخبار الدالة على جواز السجود على القير، فلا تصلح لمعارضة حسنة محمد بن عمر بن سعيد، و للصحيحة بل صحيحة زرارة المتقدمة فى اول المسئلة، لاعتضادهما بالشهرة العظيمة، بحيث لا يظهر مخالف، و بالاجماع على الظاهر المصرح به فى عبائر غير واحد منهم، و بمخالفتها لمذهب العامة، لأن العامة على ما نقله بعض الاصحاب متفقون على جواز السّجود عليه، فليحمل
ص: 326
الأخبار المجوزة على التقية، و ما يحكى عن الوافى بجواز حمل النهى على الكراهة ففيه ما ترى، قال فى المدارك بعد ذكر بعض الأخبار الدالة على الجواز: و لو قيل بالجواز و حمل النهى على الكراهة: امكن، ان لم ينعقد الاجماع على خلافه، انتهى.
و بالجملة القول بالمنع قوى جدا، و الشيخ فى التهذيب حمل المجوزة على الضرورة او التقية، و الظن فى جانب الاخير اقوى، سيما بعد ملاحظة جملة من القرائن المفهومة عن متن المجوزة و عن غيره.
الأول نعم، و هو للاكثر على ما حكاه بعض الاصحاب، و منهم الشيخ فى المبسوط على ما حكى، الثانى: لا، و هو المحكى عن ظاهر كثير من الاصحاب، كما عن صريح بعضهم.
قال فى الحبل المتين: و ما تضمنه الحديث الرابع من جواز السجود على الجص، فلا يحضرنى الآن ان احدا من علمائنا قال به، نعم يظهر من الاصحاب المعاصرين الميل اليه، و قول المرتضى رضى اللّه عنهم بجواز التيمم به، ربما يعطى جواز السّجود عنده، انتهى.
للاول ما رواه المشايخ الثلاثة، الشيخ فى التهذيب فى زيادات باب كيفية الصّلوة، و الكلينى و الصدوق فى الكافى و الفقيه فى باب ما يسجد عليه، باسانيدهم فى الصحيح، عن الحسن بن محبوب، انه قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن الجص، يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى، ثم يجصص به المسجد، ايسجد عليه؟ فكتب (ع) الى بخطه: ان الماء و النار قد طهراه، قال الشارح المحقق: و المشايخ الثلاثة او ردوا هذا الخبر فى مبحث السجود، و ظاهر ذلك انهم فهموا منه الدّلالة على جواز السّجود على الجصّ، و ان ذلك مذهب لهم، انتهى.
و قد يناقش فى دلالة الخبر على جواز السجود، بان سوق السؤال صريح
ص: 327
فى ان المطلوب معرفة حال الجص، باعتبار ما يختلط به من آثار العذره المحترقة عليه، و ليس فى ذكر السّجود عليه، منافاة لارادة ذلك المعنى وحده من السؤال، اذ هو وجه من وجوه مباشرته فيما يعتبر فيه الطّهارة، غاية الأمر انه من حيث تغيره من صورته الارضية صار مظنة للمانعية من السّجود عليه ايضا، فيحتمل ان يكون ذلك ملحوظا فى السؤال مع المعنى الأول، كما يحتمل عدمه فلو توافق الجواب السؤال فى التعبير بلفظ السجود، امكن جعله دليلا على الحكمين، و لكن لم يات الجواب على وفق لفظ السّؤال، بل اقتصر فيه بيان الحكم الذى لا شك فى ارادته، اما بشهادة قرينة لعدم القصد بالسؤال الى غيره، و اما المانع من بيان الحكمين، و على الاحتمالين لا يبقى للنظر اليه فى حكم السّجود وجه.
قال الشارح المحقق، بعد ذكر الايراد: و لا يخفى ما فيه من التكلف، لأن الظاهر انه غرض السائل استعلام حاله باعتبار السجود، لكن منشاء تردد الشك فى حكمه باعتبار احتمال النجاسة، من حيث اختلاطه بالاجزاء النجسة المحترقة فلما اجاب (ع) يرفع ما كان منشأ لتجويزه عدم جواز السّجود عليه، كان فى قوة التصريح كما لا يخفى على المتدبر، و من هنا يظهر ان القول بجواز السّجود على الجص اقوى، انتهى.
قال بعض المحققين: دلالة الخبر على جواز السجود محل تامل، لأن عدوله (ع) عن الجواب بجواز السّجود، الى الحكم بالتطهير، ربما لا يخلو عن دفاع من جهة تقية، فان العامة يجوزون السّجود على كل شىء، و هم ما كانوا يرضون الا بالسّجود على الارض الحقيقى، فكتب (ع) يجوز السجود عليه، لكان حكما بغير ما انزل اللّه من دون ضرورة، لأن الجواب بان الماء و النار قد طهراه، ما عنى ذلك عن ذلك الحكم، فلو جاز عندهم السّجود على الجص لاجاب نفس ما سأله الراوى من دون عدول الى غيره، مع ما فى الغير من العنايات و الاشكالات الظاهرة.
ص: 328
و المكاتبات قلما تخلوا من الحزازات و الاشكالات، لانهم ما كانوا يامنون من وقوعها فى يد من لا يرضون من العامة و الخاصة، و لذا كانوا يرتكبون الحزازات حتى يتفطن الرّاوى و السائل بانه من جراب النورة، و لو وقعت المكاتبة فى يد عدّوهم لحكموا بعدم الحكم منهم (ع)، لانهم اجلّ شانا من امثال هذه الحزازات، فلو كان المعصوم (ع) يكتب انه لا يجوز السّجود على الجص، لكانت المكاتبة ربما يقع فى يد العدو و يحكم بانه حكم الأئمة (ع)، و من احكامهم على الشيعة، فيحصل خطر عظيم على المعصوم (ع) و السائل و الحامل ايضا، فلذا اجاب بما اجاب، مع ما فيه من الحزازات.
و قال بعض العلماء:(1) يشكل الاستدلال بالخبر على جواز السّجود على الجص، لأنه يمكن ان يكون مراد السائل من السّجود الصلوة، سلمنا ان السؤال يكون باعتبار السّجود عليه، لكن الجواب لم يكن صريحا فى جوازه، لأن الطهارة لا يستلزمه، مع انه ان قلنا بالطهارة يكون باعتبار الاستحالة و خروجه عن حالية الاولى، و هى منافية لجواز السّجود عليه، فتدبر فانه من متشابهات الأخبار، و اكثر الاصحاب لم يعلموا به، باعتبار عدم فهم المراد،؟ لاحتمالات كثيرة، و الله سبحانه يعلم حقيقه الحال و من صدر عنه، انتهى.
أقول: و المناقشات المزبورة و ان امكن دفعها، و لكنها ما يوجب و هنا فى الصحيحة المذكوره بلا شبهة، و الانصاف ان الاعتماد عليها مشكل، سيما بعد ملاحظة عدم مطهرية الماء بالنحو المفهوم منها اجماعا، على الظاهر المصرح به فى عبائر غير واحد من الطائفة، و عدم مطهرية الطبخ المذكور عند المعظم، على ما حكاه بعض، و غيرهما من الايرادات التى ليس هنا موضع ذكرها، و ان كان القول بدلالتها على الجواز لا يخلو عن قوة، لما ذكره الشارح المحقق.
و للثانى ما تقدم فى كلامه (ع) فى كتابه الفقه الرّضوى، من قوله فى تعداد
ص: 329
ما يمنع من السجود عليه: و لا على آجر يعنى المطبوخ، و فيه نظر لعدم ما يجبر سنده فى المقام، مع احتمال كون القول - يعنى المطبوخ - من كلام جامع الكتاب، فتدبر.
و قد يستدل لهذا القول، بان صدق الارض على الجصّ، اما منتف او مشكوك، فعلى الأول فالحكم واضح لعدم كونه من الارض و مما انبتت، و على الثانى فحكم المنع ايضا سيجئى، لتعارض استصحاب بقاء الارضية مع استصحاب بقاء شغل الذمه، فيتساقطان، فيبقى الاوامر سليمة عن المعارض.
و فيه نظر، اما اولا: فلان جريان استصحاب الارضية، انما يصح لو كان هناك دليل دل على جواز السّجود على الارض مطلقا، و لو ثبت ارضيتها من الاستصحاب و ليس كذلك، فلا يصلح لتعارض استصحاب شغل الذمة.
و اما ثانيا: فلان استصحاب شغل الذمة، لا يصلح لتعارض استصحاب بقاء الارضية على فرض صحته، لأن الاخير من الاستصحاب الموضوعى، و هو مقدم على الحكمى على المشهور كما يحكى.
و اما ثالثا: فلان المراد بالاوامر، اما الاوامر الامرة بالصلوة او الامرة بالسّجود، و الأول لا معنى له لأنه مقيد بالسجود، و اما الثانى فمقتضى اطلاقه جواز السّجود على اى شىء كان، خرج منه ما خرج بدليل، و لا دليل على خروج ما نحن فيه عنه، فليحكم بالصحة، اللهم الا ان يكون مذهب المستدل، مذهب من ذهب الى ان اسماء العبادات موضوعة للمعانى الصحيحة، و فيه(1)مناقشة.
و التحقيق عندى هو القول بجواز السجود على الجص لصدق الارض عليه، ا لا ترى انه لا يصح سلب الارضية عن الصحراء اذا كان كله جصا، و ذلك واضح عند المراجعة الى العرف، و الظاهر ان ذلك الصدق باق بالنسبة الى كل جزء
ص: 330
من اجزاء تلك الصحراء مثلا ما لم ينفصل عنه، و مع انفصال الجزء عنه كما لو اخذ فى الكف او طرح فى الطنفسة مثلا لم يصدق عليه الارضية، لرفع الهيئة الاتصالية التى كانت مناطا للصدق المزبور.
فان قلت: فعلى هذا لا بدّلك ان تحكم بجواز السّجود على الجص الذى يصدق عليه اسم الارضية، و اما الذى لا يصدق عليه اسمها الكف منه المطروح فى الطنفسه مثلا، فلا بدلك ان تحكم بعدم جواز السّجود عليه.
قلت: نعم و ان كان مقتضى الصدق كذلك، و لكن الحكم بالعموم اما للاجماع المركب كما هو الظاهر، او للاستقراء،(1) او للقطع بعدم الفرق بين السّجود على الكف من الجص المطروح فى الارض او فى الطنفسة مثلا، و فى الاخير اشكال، لأن المذلة فى السّجود على الارض اشدّ من السجود على الكف من الجص المطروح فى الطنفسة مثلا، فحينئذ لم لا يجوز ان يكون غرض الشارع فى تحصيل تلك المذلة؟ و بالجملة القول بالجواز لا يخلو عن قوة للصدق المذكور، و دلالة الصحة المتقدمة، و اشتمالها على ما لم يقل به احد من اصحابنا غير ضاير، لانّها حينئذ كالعام المخصّص فيما بقى حجة، مع ان البهائى حمل الماء الواقع فى الجواب على ماء المطر، و كونها مكاتبة غير ضاير لانها كالمشافهة حجة، سيما مع اعتضادها بالشهرة المحكية.
و اما الجص المحروق بالنار فالصدق المزبور فيه محل اشكال، فاذن حكمنا بالجواز فيه انما هو لاجل الصحيّحة، و اما جواز السّجود على النورة فلعل التفصيل بين المحروقة فلا، و غير المحروقة فنعم، لا يخلو عن رجحان مّا، و اما ما ذكره فى المدارك، فى مسئلة جواز السّجود على القرطاس، بقوله: على انه يمكن المناقشة فى عدم جواز السّجود على النورة لاقتضاء رواية الحسن بن محبوب الجواز على الجصّ و هى فى معناه، فغير وجيه كما لا يخفى، و الاحتياط مطلوب
ص: 331
فى كلّ حال.
و لم اجد مصرحا بالمنع من قدماء الطائفة، و ان كان غير واحد(1)من متاخرى المتاخرين مصرّحا به، قال السّيد فى المدارك: و قد قطع الاصحاب بجواز السّجود على الخزف، حتى ان العلامة فى التذكرة استدل على عدم خروجه بالطبخ عن اسم الارض بجواز السّجود، و قال المصنف فى التحرير، بعد ان منع من التيمم عليه بخروجه بالطبخ عن اسم الارض: و لا يعارض بجواز السّجود لأنه قد يجوز السّجود على ما ليس بارض كاغذ، و فيه نظر بيناه فيما سبق، و الاولى اجتنابه لما ذكره المصنف رحمه اللّه من خروجه بالطبخ عن اسم الارض، و ان امكن توجه المنع اليه، فان الارض المحترقه يصدق عليها اسم الارض عرفا، و يمكن ان يستدل على الجواز ايضا، بما رواه الشيخ و ابن بابويه فى الصحيح عن الحسن بن محبوب، عن ابى الحسن (ع)، انه سئل عن الجصّ توقد عليه...
الحديث، وجه الدلالة انها تدل بظاهرها على جواز السّجود على الجصّ، و الخزف فى معناه، و يؤيده الأخبار الكثيرة المتضمنة لجواز السّجود على القرطاس و صحيحة معوية بن عمار المتضمنة لجواز السّجود على القير، انتهى.
قال بعض الاصحاب فى جملة كلام له: و انما الاشكال فى الاراضى المستحيلة باحراق و غيره عن مسمى الارض، كالجص و النورة و الخزف، فان فى جواز السّجود عليها قولين، فالاكثر على الجواز، بل ربما اشعر عبارة الفاضلين و غيرهما بالاجماع فى الخزف، انتهى.
قال الشارح المحقق: اعلم ان القدماء صرحوا بانه لا يجوز السجود الا على الارض او ما انبتته ما لا يؤكل و لا يلبس عادة، و لم يصرحوا بحكم الخزف، و الظاهر انه مستحيل عن الارض و ان اسم الارض لا يصدق عليه، فالظاهر هذا الاطلاق عدم
ص: 332
السّجود عليه، لكن جماعة من المتأخرين قطعوا بجواز السّجود على الخزف، من غير تردد و لا نقل خلاف فى ذلك، حتى ان المصنف فى التذكره استدل على عدم خروجه بالطبخ عن اسم الارض بجواز السّجود عليه، و ظاهر هذا الاستدلال ان جواز السّجود عليه امر مسلم مفروغ عنه غير محتاج الى الاستدلال، و قال المحقق فى التحرير... الى آخر ما نقله عنه فى المدارك.
ثم قال: و هذا الكلام لا يستقيم بوجه، كما اشرنا اليه فى مبحث التيمم، نعم ان صحّ كون هذه المسئلة اجماعية، صح هذا الكلام، و اثبات الاجماع محلّ اشكال، فالقول بالمنع غير بعيد، اذ الظاهر عدم صدق الارض عليه، و المستفاد من الأخبار الحصر المشار اليه مرارا، و يكفى فى صحة هذا القول وجود الدليل، مع موافقته لاطلاقات جماعة منهم، و لا يحتاج الى وجود القائل به صريحا، و ان قلنا بالاحتياج فى المسائل التى يقع البلوى بها غالبا، و لا يكون حكما مستحدثا، لم يبحث عند القدماء الى وجود الموافق كما قيل، فان وجود الكلية كاف و لا يحتاج الى التنصيص، و مما يؤيد ذلك تصريح الشهيد و غيره بالكراهة، مع ان الظاهر انه لا علة لذلك الا التفصّى من الخلاف، و ممن زعم الجواز الشارح الفاضل، محتجا بصدق الاسم، و فيه منع واضح، انتهى.
أقول: لا ريب فى ان الخزف لا يتبادر الى الذهن عند سماع لفظ الارض، و ذلك واضح عند من كان ذهنه خاليا عن القرينة و غافلا عن هذا النزاع و المعركة، بل عند سماع لفظ الارض، لا يتبادر الى الذهن السالم عن المعايب الخالى عن المشايب، الاجزاء المنفصلة منها كالكف من التراب مثلا، فما ظنك بالخزف؟ فحينئذ مقتضى ذلك هو الحكم بعدم جواز السّجود عليه، لأن شغل الذمة يستدعى البراءة اليقينية، لا يقال: الاجزاء المتطبخة التى صارت خزفة، قبل الطبح كانت مما يجوز السّجود عليه، فالاصل بقاؤه، و لو صارت خزفة، لانا نقول انما كان السجود عليها قبل الطبخ جائزا، لصدق الارضية او الترابية عليها، و المفروض ان صدق الارضية على الخزف مشكوك كصدق الترابية، و الحال ان بقاء
ص: 333
الموضوع شرط فى الاستصحاب بلا ريبة.
لا يقال: الاصل بقأ الارضية و الترابية، لانا نقول ذلك غير وجيه، لما عرفت من عدم وجود الكليه الدالة على جواز السجود على الارض و التراب مطلقا، و لو ثبت الارضية او الترابية من الاستصحاب، لا يقال عبارة المدارك كعبارتى التحرير و التذكرة مشعرة بالاجماع، فلم لا تحكم بالجواز لاجل ذلك؟ لانا نقول ما ذكروه و ان كان موميا بالاجماع كما ذكرت، و لكن حجية الاجماع المنقول فى المقام محل كلام، لعدم حصول الظن منه كالشهرة المحكية، اذ لم يصل الينا فى المقام كلام من قدماء الطائفة، و اما المتأخرون فلا تكون المسئلة من المسلمات عند جميعهم بلا ريبة.
نعم يظهر من المصنف رحمه اللّه فى التذكره و التحرير كونها مسلمة عندهما عند كتابتهما الكتابين و هذا لا يقتضى المسلمية فى الواقع عند الكل فضلا عن قطعهم، هذا مضافا الى ان القدماء صرحوا بعدم جواز السّجود الاعلى الارض او ما انبتت فى الجملة، و ادعى بعضهم عليه الاجماع، و آخر كونه من دين الامامية، و المتاخرون ايضا افتوا كذلك و ادعوا الاجماع بحسب ما عرفت، و ارضية الخزف اما مشكوكة او ظاهر عدمها، و هل ترى مع ذلك ان يكون قاطعا بجواز السّجود على الخزف من لم يتعرض له؟ هب ان ارضيته ليست مشكوكة بل تصدق عليه الارضية قطعا، و لكن لا ريب فى عدم انصراف الاطلاق اليه كما عرفت، و حينئذ حكم المنع يدور معه بلا شبهه، فقطعهم بالجواز لاى جهة؟
و يمكن ان يقال ان مرجع ما ذكر هو سوء الظن بالمصنف رحمه اللّه و المحقق و المدارك، و الا فانهم لديانتهم لا يقولون فى العلم بغير علم بلا ريبة، و لا ريب ايضا فى عبارة الاولين ظاهرة فى كون السجود على الخزف مسلما عند الشيعة، و قريب منها عبارة المدارك، فليؤخذ بظاهر العبارات المؤيد بالشهرة المحكية و المظنه ايضا، بعد ملاحظة الديانة و التقدس و التقوى لهم قطعا حاصلة بلا شبهة، فليحكم بالجواز البتة، و لكن الاحتياط لا يترك فى
ص: 334
المسئلة للشبهة(1) الموجودة فيها، التى هى غير مخفية على من كان له ادنى اطلاع بكلام الطائفة.
(و) حيث عرفت ان المعتبر فى السجود هو وقوع الجبهة على الارض او ما انبتت، اذا لم يكن ماكولا او ملبوسا، فلو سجد على (الوحل) اختيارا لا يجوز، لعدم صدق الارض عليه، لأن المراد منه على ما ذكره فى المسالك هو التراب الممتزج بالماء بحيث يخرج بذلك عن مسمى الارض، و يدل على ذلك ما رواه التهذيب فى زيادات باب كيفية الصلوة، باسناد معتبر عن عمار، عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن حد الطين الذى لا يسجد عليه، ما هو؟ قال: اذا غرقت الجبهة و لم تثبت على الارض.
و الشارح المحقق عدّ هذه الرواية من الموثقات، و فى سندها عمر بن سعيد بلا واو على ما فى النسختين من التهذيب عندى، و لعلّ منشأ تلك النسبة هو الخط بين عمرو عمرو، فقرا و عمر بلا واو عمرأ مع واو، او كون الراوى عن عمر بن سعيد فى هذا السند، هو احمد بن الحسن بن على بن محمد بن فضال، و الشيخ فى العدة ادعى على الطائفة بما رواه بنو فضال، و فيه او لأن بعض اهل الرجال ذكر فى ترجمة عمر بن سعيد اسند عنه، و كان رايه هو دلالة ذلك على المدح، و اخسّيته الموثق عن الحسن،(2) فافهم نعم وجدت فى نسخة من التهذيب، فى السند المذكور عمرو بن سعيد لا عمر بن سعيد بلا واو، و هذه ارجح منهما لمظونية صحتها بخلافها، فانهما مغلوطة، و التتبع ايضا يعاضدها
فاذن ما ذكره الشارح المحقق لا غبار عليه، و هذه الرواية تدل على عدم جواز السجود على الطين اذا كان بحيث تغرق فيه الجبهة و لا تثبت عليه مطلقا،
ص: 335
و لو صدق عليه اسم الارض، و مقتضاها جواز السّجود على الطين اذا كان بحيث لا تغرق الجبهة فيه و تثبت عليه، و هو كذلك لصدق الارض على الطين الموصوف بلا شبهة، و جوازه على الارض اذا كانت الجبهة تثبت عليها و لو غرقت بالوحل، و هذا كسابقه لوقوع السّجود على الارض مع استقرارها، و صيرورية الجبهة مغرقة لا توثر فى بطلانه مع تمكنها.
و اذا عرفت عدم جواز السّجود على الوحل فى حال الاختيار (فان اضطر) بان لا يمكن له تحصيل ما يجوز السجود عليه (أومأ) على الاشهر، كما حكاه بعض من تاخر، و يدلّ عليه ما رواه التهذيب فى زيادات باب المتقدم، بالسند المتقدم، عن عمار الساباطى قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الرجل يصيبه مطر و هو فى موضع لا يقدر ان يسجد فيه من الطين، و لا يجد موضعا جافا، قال: يفتتح الصلوة، فاذا ركع فليركع كما يركع اذا صلّى، فاذا رفع راسه من الركوع فليوم بالسجود ايماء و هو قائم، يفعل ذلك حتى يفرغ من الصلوة، و يتشهد و هو قائم ثم يسلم.
ما رواه ايضا فى زيادات ذلك الباب، بالسند المتقدم، عن عمار السّاباطى قال: سألت عن الرّجل يومى فى المكتوبة و النوافل، اذا لم يجد ما يسجد عليه و لم يكن له موضع يسجد فيه، قال: اذا كان هكذا فليوم فى الصلوة كلّها.
و مقتضى الرواية الاولى كما عن اطلاق جماعة، عدم وجوب الجلوس للسّجود بل وجوب القيام عند ايمائه، و يظهر من الشارح الفاضل و غيره وجوب الجلوس، و تقريب الجبهة من الارض بحسب الممكن، قال فى المسالك: و يجب فى الايماء بالسّجود مراعاة الانخفاض له حسب مقدوره، فيجلس له و يقرب جبهته الى الوحل بحيث لا يمسه ان تمكن، و الا اتى بالمقدور و لو وضع الجبهة على الارض جاز ايضا، بل هو نوع من الايماء، و كذا القول فى الماء.
و قال بعض(1) الاصحاب: و يراعى فى ايمائه ان يكون جالسا ان امكنه ان
ص: 336
ينحنى مقربا جبهته من الوحل بحسب الممكن، و قال فى المدارك: و مقتضى الرواية عدم وجوب الجلوس للسّجود و لكنها ضعيفة السند، فالاولى وجوب الجلوس، و الاتيان من السّجود بالممكن، اذ لا يسقط الميسور بالمعسور.
و قال الشارح المحقق، بعد نقل ما ذهب اليه المدارك مع استدلاله: و فيه نظر، لأن وجوب الانحناء من باب المقدمة، فوجوبه تابع لوجوب ذى المقدمه، فسقوطه مستلزم لسقوطها، و قوله (ع): لا يسقط الميسور بالمعسور، بعد تسليم السّند لا يشمل هذا، و كذا قوله (ع): اذا امرتكم بشىء فاتوا منه ما استطعتم، و يمكن الاستدلال عليه بتوقف تحصيل البراءة اليقينيه عليه، و لقائل ان يقول ضعف الرّواية منجبر بالشهرة و عدم المعارض، فيكفى الايماء، و ينبغى ان لا يترك الاحتياط فى امثال هذه المواضع، انتهى.
أقول: الاقوى هو الاخذ بما تدل عليه الرّواية، و الاستدلال للمخالف بحديث الميسور (ع) و نحوه، غير وجيه، لعدم الدلالة مع ضعف السند، و جبره بالشهرة غير ممنوع، و من اراد الاطلاع على ذلك فليرجع فى اللمعات، فانا حققنا المذكور فيها بما لا مزيد عليه.
و الاستدلال للمخالف باستدعاء شغل الذمة البراءة اليقينية، غير وجيه، لأن الرواية معتبرة، و البراءة انما تحصيل مع العمل بلا شبهة، و الرواية ليست بحسب السند غير معتبرة حتى تنجبر بالشهرة، و ان كان ذلك مما يؤكده و يوجب العمل بلا شبهة، و قول الشارح المحقق: ضعف الرواية منجبر بالشهرة، غير وجيه، لأنه عدّ الرواية موثقة و هو حجة، فلا يصّح اطلاق الضعف عليها.
و بالجملة لا بد ان يحكم بما تدل عليه الرّواية، من وجوب الركوع و الايماء بالسجود قائما، الى آخر ما تدلّ عليه، و لا يعارضها الرواية الاخيرة الدالة بعمومها على وجوب الايماء فى الركوع ايضا، لا خصية الاولى و الخاص مقدم على العام بلا شبهة.
هذا مضافا الى ما رواه فى البحار: فى باب صلوة الموتحل و الغريق، عن
ص: 337
السّرائر من كتاب محمد بن على بن محبوب، عن احمد بن محمد، عن محمد بن ابى عمير، عن هشام بن الحكم، قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الرّجل يصلى على الثلج، قال: لا، قال: فان لم يقدر على الارض؟ قال: بسط ثوبه و صلى عليه، و عن الرجل يصيبه مطر و هو فى موضع لا يقدر ان يسجد فيه من الطين، و لا يجد موضعا جافا، قال: يفتتح الصّلوة فاذا ركع فليركع كما يركع اذا صلى، فاذا رفع راسه من الركوع فليوم بالسجود ايّما ايماء و هو قايم، يفعل ذلك حتى يفرغ من الصلوة، و يتشهد و هو قايم و يسلم.
و يؤيده ما رواه ايضا عن نوادر الراوندى، عن عبد الواحد بن اسمعيل الرّويانى، عن محمد بن الحسن التميمى، عن سهل بن احمد الديباجى، عن محمّد بن محمّد بن الاشعث، عن موسى بن اسمعيل بن موسى، عن ابيه، عن جده موسى بن جعفر عن آبائه (ع) قال: قال على (ع): اذا ادركه الصّلوة و هو فى الماء، اومى براسه ايماء و لا يسجد على الماء.
قال فى البحار، بعد نقلهما: عدم جواز السّجود على الوحل الذى لا تستقر عليه الجبهة و على الماء، مقطوع به فى كلام الاصحاب، و مقتضى الخبر الأول صريحا و الثانى ظاهرا، و اطلاق كلام جماعة من الاصحاب عدم وجوب الجلوس للسجود، و اوجب الشهيد الثانى رحمه اللّه الجلوس و تقريب الجبهة من الارض بحسب الامكان، و جعل بعضهم كالسيد فى المدارك وجوب الجلوس و الاتيان من السّجود بالممكن اولى، استنادا الى انه لا يسقط الميسور بالمعسور، بعد استضعاف الرواية، لانهم ذكروا ما رواه الشيخ فى الموثق عمار، انه سأله عن الرّجل يصيبه المطر و هو لا يقدر ان يسجد فيه... الى آخر ما مر فى رواية هشام و اجيب بان ضعفها منجبر بالشهرة، و غفلوا عن رواية هشام فانها صحيحة و مؤيدة بالموثقة المذكورة، بل بخبر الراوندى ايضا، لأن ترك البيان عند الحاجة دليل العدم، فترك العمل بها و التمسك بتلك الوجوه الضعيفة غير جيد، و تسمية مخالفة النصّ اولى، و جعله احتياطا غريب، و لو جعل الاحتياط فى تعدد
ص: 338
الصلوة لكان وجها، و كون الجلوس و الانحناء واجبين مستقلين ممنوع، بل يحتمل كون وجوبها من باب المقدمه و يسقط بوجوب ذى المقدمة، انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
اعلم ان الارض الواقعة فى الأخبار المتقدمه، الدالة على جواز السّجود عليها، مطلقه (و) لا بد ان يقيد بغير (المغصوب) منها لما تبين من اشتراط الاباحة فى المكان، و ذكر المصنف هذه المسئلة فى هذا المكان غير مناسب، كما ذكره الشارح المحقق.
(و يجوز) السّجود (على القرطاس) فى الجملة (و ان كان مكتوبا) اجماعا ظاهرا، و محكيا فى صريح المسالك و الروضه، كما عن ظاهر جماعة، و الأخبار مع ذلك كثيرة: منها ما رواه التهذيب فى زيادات باب كيفية الصّلوة، فى الصحيح عن على بن مهزيار قال: سأل داود بن يزيد ابا الحسن (ع)، عن القراطيس و الكواغذ المكتوبة عليها، هل يجوز السّجود عليها ام لا؟ فكتب: يجوز.
و منها ما رواه فى زيادات الباب المتقدم، فى الصحيح عن جميل بن دراج، عن ابى عبد الله (ع)، انه كره ان يسجد على قرطاس عليه كتابة.
و منها ما رواه فى زيادات الباب المتقدم فى الصحيح، عن صفوان الجمال قال: رايت ابا عبد الله (ع) فى المحمل يسجد على قرطاس، و اكثر ذلك يومى ايماء.
قال بعض الأجلاء: و الظاهر ان المعنى فى هذا الخبر، انه كان صلوته عليه السلام فى المحمل وقت السير، فربما تمكن من السّجود فيضع جبهته على القرطاس، و ربما لا يتمكن فيومى للسجود ايماء انتهى، و ما يظهر من الشهيد من التوقف فى المسئلة، حيث قال فى الذكرى: و فى النفس من القرطاس شىء، من حيث اشتماله على النورة المستحيلة، الا ان نقول الغالب جوهر القرطاس،(1) او
ص: 339
نقول جمود النورة يرد اليها اسم الارض، غير واضح وجها، لثبوت الحكم بالرّوايات الصحيحة، المعتضدة بعمل الاصحاب، و اما ما اجاب به، ففيه ما لا يخفى.
و لو كان ماخوذ من الابريسم، خلافا لجماعة(1) و منهم الشهيد و المحكى عن المصنف رحمه اللّه فى جملة من كتبه، فاعتبروا كونه ماخوذا من غير الابريسم،
و منشاء ذلك الدّليل الجمع بين الأخبار المانعة من السجود على غير الارض و ما انبتت ما لم يكن ماكولا و ملبوسا، و بين اخبار القرطاس، بارجاع اخبار القرطاس الى تلك الأخبار و تقييدها بها، و فيه نظر.
اما اولا: فلعدم الشاهد على الترجيح المذكور، بل الترجيح فى العكس بلا ريبة.
و اما ثانيا: فلما ذكره بعض الاصحاب، بان ذلك غير ممكن من حيث اشتمال القرطاس على النورة المستحيلة، فلا فرد له آخر بعد التخصيص او التقييد، بل لا بد من طرحه او العمل به باطلاقه، و الأول باطل اتفاقا فتوى و نصا، فتعين الثانى، قال: و لا يتوجه حينئذ ان تجعل اطلاق النّص هنا مقيدا لما مضى، بالنسّبة الى النورة خاصة، و يعكس بالنسبة الى غيرها، لأن هذا تخريج بحيث لا يمكن المصير اليه قطعا، لعدم شاهد عليه اصلا.
و اما ثالثا: فلانه لا ريب فى ان القرطاس قد خرج عن تلك الاشياء المتخذ منها، كائنة ما كانت، الى حقيقة اخرى، ا لا ترى انه لا يصدق عليه
ص: 340
الارضية و لا مما انبتت، بل يصح سلبهما عنه بلا شبهة و لو كان ماخوذا عنهما، فاذا ثبت كونه حقيقه اخرى، فلا يفيد كونه متخذا مما يصح السّجود عليه فائدة، لأن التعارض حينئذ من تعارض العموم و الخصوص مطلقا لا من وجه، و الجمع بينهما بما مر لا يكون اولى بتخصيص العام بالخاص قطعا، بل الاخير متعين جزما، و بالجملة المناط هو الفعليه لا الاصلية، ا لا ترى انه قد امتنع السجود على المعادن و ان كان اصلها الارض، باعتبار الحيلولية، و الانتقال عن الارضية الى حقيقه اخرى.
و الذى خرج عن ذلك هو القرطاس المتخذ عن غير الابريسم، و اما المتخذ منه فلا، و اطلاق الخارج او عمومه غير شامل له، لأنه فرد اندر بالنسبة الى القرطاس، و يمكن ان يقال عليه بان القول بكون القرطاس المتخذ من الحرير، بحيث لا يشمله العموم المستفاد من الجمع المحلّى، غير صحيح، نعم غاية ما يمكن ان يقال فى المقام، هو كونه فردا نادرا، و اما كونه فردا اندر من افراد القرطاس فلا، فحينئذ يشمل العموم له بلا شبهة، و الانصاف ان المسئلة مشكلة، و الاحتياط لا يترك فيها البتة.
قال فى الدروس: و لا بأس بالقرطاس، و يكره المكتوب منه للقارئ المبصر، و لو اتخذ القرطاس من القطن و الكتان او الحرير لم يجز، و قال بعض(1) العلماء فى حاشية الشرايع: قيده بعضهم بما اتخذ من النباتات الغير الملبوسة، فلو اتخذ من القطن او الحرير لم يجز، و لا بأس به، و قال بعض المحشين: قوله: و يجوز على القرطاس بشرط ان يتخذ مما يصح السّجود عليه.
ص: 341
و قال فى الذكرى على ما نسب: الاكثر اتخاذ القرطاس من القنب،(1)فلو اتخذ من الابريسم فالظاهر المنع، الا ان يقال ما اشتملت عليه من اخلاط النورة مجوز له، و فيه بعد لاستحالتها عن اسم الارض، و لو اتخذ من القطن و الكتان امكن بناء على جواز السّجود عليهما و قد سلف، و امكن ان يقال المانع اللبس، حملا للقطن و الكتان المطلقين على المقيد، فحينئذ يجوز السّجود على القرطاس و ان كان منهما، لعدم اعتياد لبسه، و عليه يتخرج جواز السجود على ما لا يصلح للّبس من القطن و الكتان.
أقول: القول بجواز السجود عليه و ان كان ماخوذا من القطن و الكتان من غير ترديد، ليس عن السّداد ببعيد، للعموم و الاطلاق المعتضدين بما يقتضيه اطلاق كلام الاصحاب المخصّصين للقاعدة، و اكثرية القرطاس المتخذ من القنب على تقدير التسليم غير مجد بلا شبهة، لمكان العموم، مع ان اكثرية ذلك فى مقام المنع، بل الأمر بالعكس فى امثال زماننا، مع ظن كثرة وجود القرطاس المتخذ منهما فى زمان المعصوم (ع)، فشمول كلامهم صلوات اللّه عليهم للمذكور لا ينبغى ان يشك فيه، سيما بملاحظة كلام الاصحاب و عدم استثنائهم.
مع ظن غلبة القرطاس الماخوذ منهما فى زمانهم، هذا مضافا الى انه لو بنى على ذلك لانسد باب السّجود عليه غالبا، و هو غير مسموع، فى مقابل النصوص و عمل الاصحاب، و ذلك لاغلبية الشك فى الجنس المتّخذ منه، و ذلك موجب لعدم جواز السّجود على المشكوك، على ما ذكره فى المقام بعض من الطائفة، لأن الشك فى حصول شرط الصّحة، مع ان القرطاس على ما صرح به فى المسالك، مركب من امرين احدهما النورة و ثانيهما ما خالطهما من القطن و الكتان او الحرير، و لا ريب فى ان جمود النّورة لا يرد عليها اسم الارض، و لا شك ايضا فى كونها منبثة فيه بحيث لا يتميز، و على هذا لا بدّ ان يحكم بعدم جواز السجود عليه
ص: 342
مطلقا، و هو باطل اجماعا، فلا معنى للتقييد بكونه ماخوذا عما يصح السّجود عليه.
قال فى المسالك: و قيده بعضهم بكونه ماخوذا من القنب لعدم اعتياد لبسه و رجحه فى الذكرى، مع انه منع من السجود على القنب، محتجا باعتياد لبسه فى بعض البلاد، و مع ذلك فهو مخالف لاطلاق النص من غير ثمرة، فانّ ما فيه من اجزاء النّورة المنبثة فيه، بحيث لا يصدق من غيرها ما يحصل معه مسمى السّجود متميزا، كاف فى المنع، انتهى.
و بالجملة: القول بالجواز لا يخلو عن قوة، و امر الاحتياط واضح.
و يدلّ عليه صحيحة جميل بن دراج المتقدمة، و الكراهية فيها يراد بها المعنى الاصطلاحى، لرواية ابن مهزيار المتقدمة، و للاجماع المحكى عليه فى كلام بعض من الطائفة، و يشترط فى الجواز وقوع الجبهة بالقدر المعتبر فى السجود، على القرطاس الخالى من الكتابة، و الالم يجز السّجود بلا شبهة، لأن المداد ليس بأرض و لا ما انبتت و لا قرطاس و القول بان الحبر(1) عرض و السجود فى الحقيقة على القرطاس، غير وجيه بالبديهة.
كالطين و نحوه من البقم و غيره، و هو كذلك لعدم انصراف اطلاق النص و الفتوى الى ذلك لندرته، قال بعض المحققين: و الظاهر ان الكراهة من جهة عدم ملاقاة القرطاس مقدار ما اعقد له فى السّجود، نظير الخمره المعمولة بالسّيور، فعلى هذا لا كراهة اذا كان الكتابة بما يصح السجود عليه مثل البقم و غيره، مما يتحقق به الكتابة، مع كونه من نبات الارض غير الماكول و الملبوس العاديين.
ص: 343
مطلقا، و لو كان الصبغ من الاشياء التى لا يجوز السّجود عليها، لتحقق السّجود على ما يجوز السّجود عليه، قال الشارح المحقق بعد حكمه بكراهة السجود على القرطاس المكتوب: و هل ينسحب هذا الحكم فى كل نبات مصبوغ؟ الظاهر العدم، اذا لم يكن للصبغ جرم، قال فى المسالك: لو كان الصبغ عرضا كلون الحناء، لم يمنع من السّجود على المصبوغ منه، انتهى ملخصا.
و نقل عن الشيخ فى المبسوط و ابن ادريس، تخصيص الكراهة بالقارئ البصير، كما فى عبارة الشهيد فى الدروس، قال بعض(1) المحشين للمتن، بعد عنوانه قول المصنف رحمه الله، و ان كان مكتوبا، ما صورته: اى و يجوز لما انه يبقى خلال الكتابة ما يكفى للسجود لكن يكره اذا كان المصلى مبصرا، قال فى المسالك: قوله: و يكره اذا كان فيه كتابة مع كون المصلى مبصرا و لا مانع منه، و الا لم يكره انتهى، و اطلاق النصّ يقتضى التعميم، و لا دليل لتقييده.
اعلم ان الأخبار الدالة على عدم جواز السجود الا على الارض، او ما انبتت ما لم يكن ماكولا و ملبوسا، مخصّصة بحال الضرورة، بلا خلاف اجده، بل عليه الاجماع فى عبائر جماعة، و الأخبار الدالة عليه كثيرة بل لعلها متواترة:
الأول: الأخبار الدالة على جواز السجود على الثوب عند الضرورة، كالصحيح المروى فى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات، عن القسم بن الفضيل قال: قلت للرضا (ع): جعلت فداك، الرجل يسجد على كمه من اذى الحرّ و البرد، قال: لا بأس به، و الصحيح المروى فى الباب المتقدم، عن احمد بن ابى نصر، عن مثنى الحناط، عن عيينه بيّاع القصب قال: قلت لأبى عبد الله (ع): ادخل المسجد فى اليوم الشديد الحر، فاكره ان اصلى على الحصى، فابسط ثوبى فاسجد عليه، فقال نعم ليس به بأس.
ص: 344
و المروى فى الباب المتقدم، عن احمد بن عمر قال: سألت ابا الحسن (ع)، عن الرجل يسجد على كم قميصه من اذى الحرّ و البرد، او على ردائه اذا كان تحته مسح او غيره مما يسجد عليه، فقال: لا بأس.
و المروى فى الباب المتقدم، عن محمد بن القاسم بن الفضيل بن يسار قال: كتب رجل الى ابى الحسن الرّضا (ع): هل يسجد الرجل على الثوب يتقى به وجهه من اذى الحرّ و البر، و من الشىء يكره السجود عليه؟ فقال: نعم لا بأس به.
و المروى فى التهذيب فى الباب المتقدم، عن ابى بصير عن ابى جعفر عليه السلام قال: قلت له: اكون فى السفر فتحضر الصّلوة و اخاف الرمضاء(1)على وجهى، كيف اصنع؟ قال: تسجد على ثوبك، قلت: ليس على ثوب يمكننى ان اسجد على طرفه و لا ذيله، قال: اسجد على ظهر كفك فانه احد المساجد.
و كالخبر المروى عن الرضا (ع) فى كتابه الفقه، و قد تقدم.
و المروى فى التهذيب فى الباب المتقدم، باسناد معتبر عن عمار السّاباطى قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الرّجل يصلى على الثلج، فقال:
لا، فان لم يقدر على الارض بسط ثوبه و صلى عليه.
و كرواية منصور بن حازم، عن غير واحد من اصحابنا، المتقدمة فى عنوان قول المصنف رحمه الله: و يشترط وقوع الجبهة... الى آخره.
و كرواية على بن جعفر، المتقدمة فى ذلك العنوان.
و منها ما يدل على جواز السّجود على المسح و الثياب و نحوها فى حال التقية، لأن الضرورة شاملة لها بلا ريبة، بل الظاهر ان ذلك اجماعى كما ادعاه غير واحد من الطائفة، مثل رواية على بن يقطين المتقدمة فى العنوان المتقدم،
ص: 345
و ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم، عن ابى بصير قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام، عن الرّجل يسجد على المسح اذا كان فى تقية فلا بأس.
و منها ما رواه فى الباب المتقدم، عن داود الصّرمى قال: سألت ابا الحسن عليه السلام، قلت له: انى اخرج فى هذا الوجه، و ربما لم يكن موضع اصلى فيه من الثلج، فكيف اصنع؟ قال: ان امكنك ان لا تسجد عليه، و ان لم يمكنك فسوه و اسجد عليه.
و منها ما روى عن العلل، عن ابى بصير قال: قلت لأبى عبد الله (ع):
جعلت فداك، الرجل يكون فى السفر، فيقطع عليه الطريق فيبقى عريانا فى سراويل، و لا يجد ما يسجد عليه، يخاف ان سجد على الرمضاء احرقت وجهه، قال: يسجد على ظهر كفه فانه احد المساجد.
بيان: قال فى الوافى كما نسب: لعل المراد ان كفك احد مساجد على الارض، فاذا وضعت جبهتك عليها صارت موضوعة على الارض، بتوسطها.
و بالجملة الادلة فى المسئلة كثيرة: و منها الاطلاقات الآمرة بالصلوة، و عدم الحرج و العسر فى الشريعة، فضلا عن الضرورة لانها تبيح المحذورات بلا شبهة، فلا اشكال بعون اللّه فى اصل المسئلة.
(و) يظهر من رواية ابى بصير الاولى، و رواية العلل، انه يجوز ان يسجد المصلّى (على يده ان منعه الحرّ و لا ثوب معه) و اطلاقات الامرة بالصلوة ايضا مقتضيه لذلك بلا ريبة، و لم اجد من الاصحاب من خالف فى اصل جواز السجود عليها فى الجملة، فلا اشكال فى هذا من هذه الجهة، و انما الاشكال فيما يظهر من العبارة كعبارتى القواعد و الشرايع من تقديم الثوب على اليد مع وجوده، و ان كان ذلك مقتضى روايتى ابى بصير الاولى و الثالثة، لأن اطلاق الأمر بالصلوة و السجود مقتض لعدم الترتيب بلا شبهة، و الروايتان لضعفهما لا تصلحان لتقييده، مع امكان المناقشة فى دلالتهما على الترتيب سيما الاخيرة.
قيل: لو كان الثوب من القطن و الكتان، امكن القول باولوية تقديمها على
ص: 346
اليد، بناء على الفرق بينها و بينهما فى حالة الاختيار بالاجماع على العدم فيها، و الخلاف فيها نصا و فتوى، فتقديمهما عليها لعله اولى، انتهى، و فيه تامل، و الترتيب لذهاب الجماعة اليه من غير نقل خلاف.
و ذكر الحرّ فى المتن و القواعد، حيث قال فيه: و لا يجوز السّجود على يديه الا مع الحر و لا ثوب معه، و الشرايع حيث قال فيه: فان منعه الحر عن السجود على الارض سجد على ثوبه، فان لم يكن فعلى كفه، لعله من قبيل التمثيل، كما يحتمل ذلك فى روايتى ابى بصير الاولى و الثالثة، و ما ذكره فى الدروس من تقديم المعدن و القير و الصّهروج على اليد، حيث قال فيه: و لو اضطر سجد على الثلج و القير و غيره مع عدم الارض و ما نبتت منها، فان لم يكن فعلى كفه، انتهى
و قوله فى البيان: فى ترجيح المعدن على النبات الملبوس، نظر وجيه، لعدم الدليل على ذلك، و ما يحكى عن المصنف رحمه اللّه فى المنتهى، انه قال: السجود على القطن و الكتان اولى من الثلج، وجيه، بل يظهر من بعض الاصحاب الحكم بوجوب ذلك، و يدل عليه رواية منصور بن حازم من غير واحد من اصحابنا فى معتبرة عمار المتقدمتين، و معتبرة عمار تشمل للثوب المعمول من غير القطن و الكتان ايضا للاطلاق اللهم إلاّ أن يقال: الاطلاق ينصرف الى الغالب، و هو الثوب المعمول منهما، فافهم، و الحكم بما حكم به بعض الاصحاب، من القول بوجوب ذلك لا يخلو عن قوة، لما تقدم هنا رواية داود الصّرمى المتقدمة، و حكم فى البيان باولوية المعدن(1) على الثلج، بل حكم بعض الاصحاب بتقديمه عليه، لرواية داود المتقدمة، و حكم فى البيان ايضا باولوية الثلج على السجود على الكف، و لعل وجهه رواية داود الصرمى المتقدمة، و لكن فى دلالتها مناقشة.
قال فى المسالك: قوله فان لم يمكن فعلى كفه، و ليكن السجود على ظهره
ص: 347
ليحصل الجمع بين المسجدين، فلو عكس بطل، و قال بعض(1) العلمأ فى حاشية الكتاب، بعد ان عنون قول المصنف رحمه الله: و على يده الى آخره، لكن يجب عليه ان يخص بالجبهة ظهر الكف، ليستوفى بطنه للسجود، انتهى.
أقول: هذا مبنى على القول بان المعتبر فى وضع الكفين فى السجود هو وضع الباطن كما هو الاقوى، و سيجئ فى محله ان شاء اللّه اليه الاشارة.
(و) حيث عرفت سابقا ان موضع الجبهة لا بد ان يكون ظاهرا، فلا بد ان (يجتنب المشتبه بالنجس) بلا شبهة، و هذا الحكم مقطوع به فى كلام الاصحاب كما صرّح به غير واحد من الطائفة، لأن المقصود من النجاسة الشرعية هو وجوب الاحتراز عنها، و لا يمكن الاحتراز عنها فى المقام، الا بالاحتراز عن الكلّ، و بطور آخر: مسجد الجبهة لا بد ان يكون محكوما بطهارته شرعا، و قد تكافأ فى المشتبه بالنجس كل من طرفى الطهارة و النجاسة، و بعبارة اخرى يشترط فى موضع الجبهة ان يكون طاهرا، و مع الاشتباه بالنجس يشك فى الشرط، و الشك فيه يستلزم الشك فى المشروط بلا ريبة.
و بما ذكر ظهر ما يرد على الشارح المحقق و المدارك،(2) فلا نطيل المقام بذكر ما قالاه، اعلم ان وجوب الاجتناب مع الاشتباه، انما هو ثابت فى (المحصور دون غيره) كالصحراء مثلا، فلا يجب الاجتناب فيه اجماعا محققا ظاهرا و محكيا، و دفعا للمشقة و العسر و الحرج و الضيق المنفيين فى الشريعة السّمحة السّهلة.
و ما ذكره الشارح المحقق تبعا لصاحب المدارك، بان المشقة منتفية فى كثير من الصّور، و بان مجرد المشقة لا يكفى فى زوال التنجيس، مع ان ما يصلح للاقتضاء فى المحصور و غيره متحد، غير وجيه، اما ما ذكره اولاّ، فلما يظهر من السيّرة، من انهم رضوان اللّه عليهم اذا حكموا فى شىء بشىء دفعا للمشقة، يكون ذلك الحكم ثابتا لجميع افراد ذلك الشىء المحكوم فيه مطلقا، و لو كان
ص: 348
بعض افراده ميسورا، و ذلك واضح عند من كان له ادنى تتبع بكلامهم، و اما ما ذكره ثانيا: فلانا لا نحكم بزوال التنجيس حتى يرد علينا ما ذكر، بل نحكم بعدم ثبوت اشتراط طهارة موضع الجبهة حتى فى المقام، و بالجملة: المسئلة بحمد اللّه واضحة السّبيل، و مكشوفة الدليل.
قال بعض(1) الاصحاب، بعد ان عنون قول المصنف رحمه الله: و يجتنب المشتبه... الى آخره: لا ريب ان المحصور من الحقايق العرفية و الا لامتنع تحققه، فان كل ما وجد هو قابل للعدد الحصر، و المراد به ما يعسر حصره وعده عرفا باعتبار كثرة افراده، و طريق ضبطه ان يقال: لا ريب انه اذا اخذ مرتبة من مراتب العدد عليّا كالالف مثلا قطع بانها مما لا يحصر و لا يعد عادة، لتعسير ذلك فى الزمان القصير، فيجعل طرفا و يؤخذ مرتبة دنيا جدا كالثلاثة، فيقطع بانها محصورة و معدودة، لسهولة عدها فى الزمان اليسير احرى، فيجعل طرفا مقابلا للاول، و ما بينهما من الوسايط كلما اجرى الطرف الأول الحق به، و ما جرى مجرى الطرف الثانى الحق به، و ما وقع فيه الشك استفتى فيه القلب و ان غلب على الظن الحاقه باحد الطرفين فذلك و الاعمل فيه بالاستصحاب، الى ان يعمل الناقل، و بهذا ينضبط ما ليس بمحصور شرعا فى ابواب الطهارة و النكاح و غيرهما.
فاذا تقرر ذلك، فلا ريب ان المشتبه بالنجس من الامكنه اذا كان محصورا كالبيت و البيتين له حكمه، على معنى انه لا يجوز ان يجعل مسجدا هنا، اذ مسجد الجبهة يوجب ان يكون محكوما بطهارته شرعا، و قد تكافأ فى المشتبه بالنجس كل من طرفى الطّهارة و النجاسة، و كذا استعماله فى كل ما يشترط فيه الطهارة، كالتعفير فى اناء الولوغ، لعدم تحقق الشرط كما علم.
ص: 349
و قال فى المسالك: قوله: و اذا كانت النجاسة فى موضع محصور كالبيت و شبهه، و جهل لم يسجد على شىء منه، و يجوز فى المواضع المتسعة المرجع فى المحصور و عدمه الى العرف، فما عد فيه محصورا كالبيتين و الثلاثة، كان المشتبه منه بحكم النجّس فى وجوب الاجتناب، حيث يشترط فيه الطهارة كالسّجود عليه و الصلوة فيه، لو كان ثوبا، و مصاحبته فيها لو كان مثله لا يعفى عنه نجسا، و اكله و شربه لو كان مما يصلح لاحدهما - الى ان قال - و ما لا يعد محصورا فى العادة كالصحراء و الف ثوب مثلا، بمعنى تعسّر حصره و عدّه عرفا لكثرة احاده، لا يجب اجتنابه لما فى ذلك من المشقة و الحرج.
و قال فى المدارك: المراد بغير المحصور، ما كان كذلك فى العادة، بمعنى تعسر حصره وعده لا امتنع حصره، لأن كلما ما يوجد من الاعداد فهو قابل للعدو الحصر، انتهى.
وجهان: من كونه بحكم النجس فينجس، و من الشك فى النجاسة مع يقين الطهارة، و الاخير اقوى، و ان كان الأول احوط لما ذكره بعض الاصحاب فى حاشية الكتاب، بعد الكلام المنقول عنه سابقا، بقوله: اما لو باشر بعضه برطوبة، لم ينجس المحل الملاقى لعدم العلم بالمتنجس، و ما له حكم النجس ليس بنجس قطعا، اذ بعضه طاهر قطعا، غاية ما فى الباب ان الاشتباه صيره بحيث يمتنع استعماله فيما يشترط فيه الطهارة، و صار كالنجس من هذه الجهة، على ان يشتبه شىء باخر، اذ الحاقه به لا يقتضى المساواة عن كل وجه، و ذلك ظاهر، انتهى.
و بذلك ظهر فساد ما ذكره صاحب المدارك، حيث قال فى جملة كلام له: و من العجب ذهاب جمع من الاصحاب الى بقاء الملاقى لبعض المشتبه من المحصور على الطهارة، لعدم القطع بملاقاته للنجاسة، و اطباقهم على المنع من السجود عليه مع انتفاء ما يدلّ على طهارة محل السّجود، كما بينّاه فى
ص: 350
ما سبق، انتهى.
أقول: قد عرفت فيما سبق، قيام الدليل على طهارة محلّ السجود، فتذكر
(و يكره ان يصلى و على جانبه او قدامه امراة تصلى على راى) المرتضى فى المصباح، و ابن ادريس، و اكثر المتأخرين، بل عامتهم على ما ذكره بعضهم عدا المحقق فى مختصر النافع فظاهره التردد، كما عن الصّيمرى و الفاضل المقداد، حيث اقتصروا على نقل هذا القول و القول الاتى من غير ترجيح.
و ذهب اكثر القدماء، على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، و منهم الشيخان و الصدوق فى المقنع و ابو الصّلاح و ابن حمزة على ما نسب الى المنع، و ادعى الشيخ فى الخلاف كما عن الغنية الاجماع عليه، و نفى فى الحبل المتين عن هذا القول البعد، و الشيخ فى المقنعة لم يذكر صورة تقدم المراة، و لكن نسب اليه الحكم بالمنع فى هذه الصّورة ايضا، و قال الجعفى على ما حكى: و من صلى و حياله امراة، و ليس بينهما قدر عظم الذراع فسدت الصلوة، انتهى.
ثم نتكلم بما يترجح فى النظر، فمن الأخبار الواردة فى المقام، ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب المواضع التى يجوز الصلوة فيها و المواضع الّتى لا تجوز فيها، فى الصحيح عن جميل بن دراج، عن ابى عبد الله (ع) انه قال: لا بأس ان تصلى المراة بحذاء الرجل و هو يصلى(1) فان النبى (ص) كان يصلى و عايشة مضطجعة بين يديه و هى حايض، و كان اذا اراد ان يسجد غمز رجليها، فرفعت رجليها حتى يسجد.
و منها ما رواه التهذيب فى باب ما يجوز الصّلوة فيه من اللباس و المكان و ما لا يجوز، بسند فيه الحسن بن على بن فضال الذى فيه حكاية اجماع العصابة، عمن اخبره عن جميل بن دراج عن ابى عبد الله (ع)، فى الرجل يصلى و المراة تصلى بحذاه، قال لا بأس.
ص: 351
و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب المواضع التى يجوز الصلوة فيها، فى الصحيح عن زرارة، عن ابى جعفر (ع) قال: اذا كان بينها و بينه قدر ما يتخطى او قدر عظم الذراع فصاعدا، فلا بأس ان صلت بحذاه وحدها.
و منها ما رواه الصدوق فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن معوية بن وهب انه سأل ابا عبد الله (ع)، عن الرجل و المراة يصليان فى بيت واحد، فقال: اذا كان بينهما قدر شبر، صلت بحذاه وحدها و هو وحده، لا بأس.
و منها ما رواه التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة من اللباس و المكان، باسناد فيه ابان و هو و ان رمى بالناووسيّة لكن روى فيه اجماع العصابة، مع ان الرمى المذكور مردود و ليس المقام مقام ذكره، عن عبد اللّه بن ابى يعفور قال:
قلت لأبى عبد الله (ع): اصلى و المراة الى جنبى و هى تصلى؟ فقال: لا الا ان يتقدم هى او انت، و لا بأس ان تصلى و هى بحذاك حالة و قائمة.
و منها ما رواه التهذيب فى اواخر زيادات الباب المتقدم فى الصحيح، عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: سألته عن المراة تصلى عند الرجل، فقال:
لا تصلى المراة بحيال الرّجل، الا ان يكون قدامها و لو بصدره.
و منها ما رواه التهذيب فى اواخر زيادات الباب المتقدم فى الصحيح، عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع)، فى المراة تصلى عند الرجل، قال: اذا كان بينهما حاجز فلا بأس.
و منها ما رواه الكافى فى باب المراة تصلى بحيال الرّجل، بسند فيه سهل عن محمد بن مسلم عن احدهما (ع)، قال: سألته عن الرجل يصلى فى زاوية الحجرة، و امراته او ابنته تصلى بحذاه فى الزاوية الاخرى، فقال: لا ينبغى له ذلك، فان كان بينهما شبرا اجزاءه، قال: و سألته عن المراة تزامل الرجل فى المحمل يصليان جميعا، فقال: لا و لكن يصلى الرجل، فاذا صلّى صلت المراة.
و روى هذه الرواية، التهذيب فى باب ما يجوز الصّلوة فيه من اللباس و المكان، باسناد صحيح الى قوله: شبرا اجزاءه، و زاد: يعنى اذا كان الرّجل
ص: 352
متقدما للمرأة بشبر، و هذه الزيادة يحتمل ان يكون من كلام الشيخ، و يحتمل ان تكون من الراوى، قال فى الحبل المتين: و يحتمل ان يكون المفسر لذلك محمد بن مسلم، بان يكون فهم ذلك من الامام (ع)، لقرينة حاليّة او مقالية.
روى بعض الأجلاء الرّواية عن الوافى، و نقل عنه بدل شبر سترا بالسيّن المهملة و التاء المثناة من فوق، و لا يخلو عن قرب، و ان كان الموجود فى النسختين من الكافى اللتين عندى بالشين المعجمة و الباء الموحدة، و الانصاف ان ما استقر بناه لا يخلو عن مناقشة، و سيجىء اليها الاشارة.
قال فى المدارك: و الظاهر ان السّتر بالسّين المهملة و التاء المثناة من فوق، و قال الشيخ فى التهذيب: ان المعنى اذا كان الرّجل مقدما للمراة بشبر اجزاءه، و هو بعيد، انتهى.
و منها ما رواه فى البحار عن السّرائر نقلا من كتاب النوادر لاحمد بن محمد بن ابى نصر البزنطى، عن المفضل عن محمّد الحلبى قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام، عن الرّجل يصلى فى زاوية الحجرة، و امراته او ابنته تصلى بحذائه فى الزاوية الاخرى، قال: لا ينبغى ذلك الا ان يكون بينهما ستر، فان كان بينهما ستر اجزاءه.
و منها ما رواه فى الكافى فى باب المراة تصلى بحيال الرّجل، فى الحسن او الصحيح عن حريز، عن ابى عبد الله (ع)، فى المراة تصلى الى جنب الرجل قريبا منه، فقال: اذا كان بينهما موضع رحل فلا بأس.
و منها ما رواه الكافى فى الباب المتقدم، باسناد فيه سهل بن زياد عن ابن سنان عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع)، فى الرّجل و المراة يصليان فى بيت واحد، المراة عن يمين الرجل بحذاه، قال: الا ان يكون بينهما شبر او ذراع.
و رواه فى التهذيب فى الصحيح، عن فضالة عن حسين بن عثمان عن
ص: 353
الحسن الصيقل عن ابن مسكان عن ابى بصير قال: سألته عن الرجل...
الخ.
و منها ما رواه التهذيب فى باب ما يجوز الصّلوة فيه من اللباس و المكان، فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (ع)، قال: سألته عن المراة تزامل الرّجل فى المحمل، يصلّيان جميعا؟ فقال: لا و لكن يصلى الرّجل اذا فرغ صلّت المراة، و قد تقدم هذه الرّواية عن الكافى باسناد فيه سهل.
و منها ما رواه فى التهذيب فى الباب المتقدم، و فى الكافى فى باب المراة تصلى بحيال الرّجل، فى الصحيح عن ادريس بن عبد اللّه القمى قال:
سألت ابا عبد الله (ع)، عن الرجل يصلّى و بحياله امراة نائمة(1) على فراشها جنبه، فقال: ان كانت قاعدة فلا تضره، و ان كانت تصلى فلا، و فى التهذيب هكذا: امراة قائمة جنب على فراشها، فقال: ان كانت... الى آخره.
و منها ما رواه الكافى فى الباب المتقدم، عن عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه عن أبى عبد اللّه عليه السلام، عن الرجل يصلى و المراة بحذاه يمنة او يسره، فقال: لا بأس به اذا كانت لا تصلى، و فى بعض نسخ الكافى: عن يمينه او يساره، بدل يمنه و يسره.
و منها ما رواه فى الكافى فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن ابن فضال عن ابن بكير، عمن رواه عن ابى عبد الله (ع)، فى الرّجل يصلى و المراة تصلى بحذاه او الى جانبه، فقال: اذا كان سجودها مع ركوعه فلا بأس.
و منها ما رواه التهذيب فى باب ما يجوز الصّلوة فيه من اللباس و المكان، فى القوى لمكان محمد بن سنان، عن ابن مسكان عن ابى بصير عن ابى عبد الله، قال: سألته عن الرّجل و المراة يصليان جميعا فى بيت، المراه عن يمين الرجل بحذاه، قال: لا حتى يكون بينهما شبر او ذراع او نحوه.
و منها ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الموثق عن عمار السّاباطى،
ص: 354
عن ابى عبد الله (ع): انه سئل عن الرجل يستقيم له ان يصلى و بين يديه امراة تصلى، قال: لا تصلى حتى يجعل بينه و بينها اكثر من عشرة اذرع، و ان كانت عن يمينه و عن يساره، جعل بينه و بينها مثل ذلك، و ان كانت تصلى خلفه فلا بأس و ان كانت تصيب ثوبه، و ان كانت المراة قاعدة او نائمة او قائمة فى غير صلوة فلا بأس حيث كانت، قال فى المختلف بعد نقل تلك الموثقة: و روى مثل ذلك جماعة عن ابى جعفر (ع) و ابى عبد الله (ع)، و قال آخر دون نقلها، و روى مثل ذلك جماعة.
و منها ما رواه فى البحار فى باب صلوة الرّجل و المراة فى بيت واحد، عن قرب الاسناد، عن عبد اللّه بن الحسن عن على بن جعفر عن اخيه، قال: سألته عن الرّجل يكون يصلى الضّحى، و امامة امراة تصلى بينهما عشرة اذرع، قال:
لا بأس ليمض فى صلوته، قال فى البحار: قوله يصلى الضحى، الضحى ظرف، اى يصلى فى هذا الوقت صلوة مشروعة، و لو كان المراد صلوة الضحى، فالتقرير للتقية، انتهى.
و منها ما رواه البحار فى الباب المتقدم بالسند المتقدم، عن على بن جعفر عن اخيه (ع)، قال: سألته عن رجل هل يصلح له ان يصلى فى مسجد قصير الحايط و امراته قائمة تصلى بحياله و هو يراها و تراه؟ قال: ان كان بينهما حايط قصير او طويل، فلا بأس.
و منها ما رواه فى البحار فى الباب المتقدم عن السّرائر، نقلا من كتاب حريز قال: سألت ابا جعفر (ع)، المراة و الرّجل يصلى كل واحد منهما قبالة صاحبه؟ قال: نعم اذا كان بينهما قدر موضع رحل، قال و قال زرارة: قلت له المراة تصلى حيال زوجها، فقال: تصلى بازاء الرّجل اذا كان بينها و بينه قدر ما لا يتخطى، اى قدر عظم الذراع فصاعدا.
و منها ما رواه فى البحار فى الباب المتقدم عن العلل، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصّفار، عن العباس بن معروف، عن
ص: 355
على بن مهزيار، عن فضالة، عن ابان، عن الفضيل، عن ابى جعفر (ع)، قال:
انما سميت مكة بكة، لأنه يبتك بها الرجل و النساء، و المراة تصلى عن يمينك و و عن شمالك و معك، و لا بأس بذلك، انما يكره فى ساير البلدان.
و منها ما رواه فى البحار فى الباب المتقدم، عن كتاب المسائل لعلى بن جعفر عن اخيه موسى (ع)، قال: سألته عن الرّجل، هل يصلح ان يصلى فى مسجد و حيطانه كوى(1) كله، قبلته و جانباه، و امراة تصلى حياله يراها و لا تراه، قال: لا بأس.
و منها ما رواه بعض(2) المحققين عن النبى (ص) قال: و روى عن النبى (ص) انه قال: أخر و هن من حيث أخرهن اللّه تعالى.
هذا ما وقفت عليه من الأخبار المتعلقة، و سنشير الى بعض آخر ايضا، و هذه الأخبار كما ترى جملة منها تدل بظاهرها على الجواز، و اخرى على عدمه فنقول:
المعتضدان بالشهرة القديمة الدعاة فى كلام بعض المتأخرين.
منها صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة المنقولة اخيرا، لا يقال: هى معارضة بالروايتين اللتين استدل بهما للجواز، و هما روايتا جميل بن دراج المتقدمتان، لانا نقول: اما دلالة رواية جميل المروية فى الفقيه على الجواز فمشكلة، لأن التعليل الذى اشتملت عليه لا يلايم و لا ينطبق على مورد الاستدلال و لهذا حكى عن المحدث الكاشانى فى الوافى حصول التصحيف فى الخبر، و ان الصّواب فى العبارة: انه لا بأس ان تضطجع المراة بحذاء الرّجل و هو يصلى
ص: 356
قال بعض الفضلاء فى حاشية الفقيه: قوله فان النبى (ص) كان يصلى و عايشة...
الى آخره، لا يصير دليلا لما ادعاه من المحاذاة، و يمكن ان يقال: هذا خلط الحديثين فى حكم واحد، فتدبر و تامل، و هكذا يظهر من الكافى، انتهى.
أقول: و روى فى الكافى فى باب المراة تصلى بحيال الرّجل، فى الصحيح عن ابن فضال عن على بن حسن بن رباط، عن بعض اصحابنا، عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: كان رسول الله (ص) يصلى، و عايشة نائمة معترضة بين يديه، و هى لا تصلى، و انت خبير بان هذه الرّواية و التعليل المتقدم، ليستا بمنطبقتين جدا.
قال الشارح المحقق: و الظاهر من قوله (ع): و هو يصلى، يكون حالا من قوله: تصلى المراة، لكن التعليل لا يناسبه الا بتكلف ما، و يحتمل ان يكون حالا من قوله: لا بأس، فيكون المعنى لا بأس بذلك، و الحال ان عكسه جايز، فيكون قوله:
و هو يصلى، يعنى بحذاء المراة، و يكون التعليل لذلك، و يحتمل ان يكون جملة مستانفة و يرجع ما له الى الاحتمال المذكور، و على الاحتمالين فالقدر المستفاد من الخبر، جواز صلوة كل منهما بحذاء الآخر فى الجملة، لا فى خصوص حالة كون الآخر مصليا، فالاستدلال بهذا الخبر مشكل، انتهى.
قال بعض المحققين، بعد نقل روايتى جميل: و لا يخفى على الفطن كون الروايتين واحدة، و التفاوت من جهة النقل بالمعنى، فلا يضر تعليله فى هذه الصحيحة بقوله: فان النبى (ص) كان يصلى... الى آخره، اذ لعلها مبينة على القياس بطريق اولى، او لعدم القائل بالفصل عنده، او يكون قوله: تضطجع، ساقطا عن قلم النساخ، او غير ذلك، و حملها على الوهم و هم، لما ذكرنا، انتهى.
أقول: و الانصاف ان الاستدلال بهذه الصحيحة مشكل، و العجب من صاحب المدارك انه كيف اسقط التعليل فى كتابه، مع انه ذكر صدر الصحيحة و استدل بها على الجواز، و الحال ان بملاحظة التعليل يظهر الخلل فى الاستدلال بها.
ص: 357
و اما الرّواية الاخرى لجميل، فهى و ان كانت دالة على الجواز بظاهرها، و لكن التعارض بينهما من تعارض العام و الخاص المطلقين، لأن الصحيحة مخصوصة بصورة التساوى، و عدم امكان البعد بينهما بعشرة اذرع، لأن الرجل و المرأة كليهما فى المحمل، بخلاف رواية جميل فانها عامة شاملة لصورة كون البعد بينهما عشرة اذرع ايضا، و الخاص مقدم على العام.
لا يقال: الصحيحة خاصة بالنسبة الى عدم امكان البعد بينهما بعشرة اذرع، و عامة بالنسبة الى حالتى تقدم كل منهما عن صاحبه و تاخره، لأن فى المحمل يمكن ذلك، و رواية جميل خاصة بصورة التساوى، و عامة بالنسبة الى صورتى كون البعد بينهما عشرة اذرع و عدمه، و التعارض بينهما من تعارض العمومين من وجه.
لأنا نقول: الصحيحة غير شاملة لصورتى التقدم و التاخر، اما لتعسر ذلك، او لتعذره بالنسبة الى بعض الصور كان يكونا سمينين، او كان المحمل ضيقا، و الشارع انما يحكم بالنسبة الى عامة المكلفين، على ان الترجيح مع الصحيحة لاعتضادها بجملة من الأخبار المنقولة سابقا، الاتية الى كيفية دلالتها الاشارة، و بالاجماعين المحكيين اللذين كلّ منهما حجة مستقلة، و لصحة سندها، و ان قيل و الارسال فى رواية جميل غير مضر، بعد الانجبار بعمل اكثر الاصحاب، لا سيما مثل المرتضى و ابن ادريس، ممن لا يعمل بخبر الواحد، الا بعد احتفافه بالقرائن القطعية، و هذا من اكبر الشواهد على صحة الخبر، انتهى.
و انت خبير بان الانجبار مع مخالفة اكثر القدماء على ما حكاه بعض ممنوع، نعم السند لا يخلو عن اعتبار، لاجل حكاية اجماع العصابة لأبن فضال و ذهاب اكثر المتأخرين الى الجواز، و لكن لا يقاوم الصحيح فى المقام(1) بلا ريبة، هذا و سيجئ فى ضمن نقل ادلة المجوزين عند ذكر رواية جميل، ما ينفعك فى
ص: 358
المقام فانتظر.
و منها صحيحة محمد بن مسلم الاولى المتقدمة، وجه الاستدلال، دلالة مفهومها على ثبوت الباس مع عدم الحائل، و العجب من صاحب المدارك انه، كيف استدل بها على الجواز.
و منها رواية محمد بن مسلم الواسطى، و التقريب هو دلالتها بمفهوم الشرط، على عدم الاجزاء مع عدم السّتر، فان قلت: هذا مبنى على كون الستر بالسين المهملة و التّاء المثناة من فوق، كما نقله بعض عن الوافى، و اما على تقدير ما رواه الشيخ فى التهذيب، من كونه بالشين المعجمة و الباء الموحدة، فلا دلالة حينئذ على المطلب، بل تدل على العكس كما ستسمع.
قال الشارح المحقق: و قد يقال: الظاهر ان الستر بالسّين المهملة و التاء المثناة من فوق و ليس بشىء، لأن الراوى الشيخ فهو اعرف بالرواية، و قال البهائى فى جملة كلام له: و استبعد بعض الاصحاب هذا التفسير، و اختار جعل السّتر بالسين المهملة و التاء المثناة من فوق، و هو كما ترى.
قلت: و ان كان فى النسختين من الكافى اللتين عندى ايضا، موجود كلمة الشبر بالشين المعجمة و الباء الموحده، كما اشرنا اليه سابقا، و لكن هنا ما يدل على كونه سترا بالسّين المهملة و التّاء المثناة من فوق، و هو شيئان: احدهما رواية الحلبى المنقولة فى البحار، و ثانيهما ان بلوغ الحجرة فى الضيق الى حد لا يبلغ البعد بين المصليين فى زاويتيها مقدار شبر، خلاف الغالب المعتاد، و الانصاف ان الاعتماد على هذه الرّواية مشكل، ينشأ من كون الظاهر من حال الشيخ هو كونه بالشين المعجمة و الباء الموحدة، و الراوى اعرف بالرواية، و من كون الظاهر من القرينتين هو كونها بالسين المهملة و التاء المثناة من فوق، فكما انه يمكن العمل بالقرينتين، و رفع اليد عما قاله الشيخ، فكذا يمكن العمل بما قرأه الشيخ، و تاويل الرّواية بما اولها به، لأنه اذا كان المراد كون الرجل اقرب الى القبلة من المراة بشبر، لا يلزم حمل الحجرة على خلاف مقتضى العادة،
ص: 359
هذا مع ضعف القول بكون رواية الحلبى قرينة، لأن الرّاوى فيها هو الحلبى، نعم لو كان الراوى فيها ايضا هو محمد بن مسلم، لكان القول بكونها قرينة وجيها، فليتأمل جدا.
و العجب من صاحب المدارك، انه استقرب كون الستر بالسيّن المهملة و التاء المثناة من فوق، و مع ذلك استدل بها على الجواز، لكلمة لا ينبغى الظاهر فى الكراهة على ما قاله، و غفل عن كلمة الاجزاء الواقعة فى جواب الشرطية، مع ان كلمة لا ينبغى غير ظاهرة فيها ظهورا معتدا به، نعم رواية الحلبى المنقولة فى البحار تدل على المنع بالتقريب الماضى.
و منها صحيحة ادريس بن عبد اللّه القمى المنقولة سابقا، وجه الاستدلال واضح.
و منها رواية عبد الرحمن بن ابى عبد الله (ع) المتقدمة وجه الاستدلال واضح ايضا.
و منها موثقة ابن بكير المتقدمة، و وجه الاستدلال واضح ايضا.
و منها موثقة عمار المتقدمة، و وجه الاستدلال واضح ايضا.
و هذه ثمانية اخبار دالة على المنع، و يؤيدها بعض الأخبار الماضية ايضا، و الانصاف ان يجعل موثقة عمار ايضا من المؤيدات، لأن فى دلالتها مناقشة سيجئ اليها الاشارة، و لكن سيجئ مقامها صحيحة زرارة المنقولة بعد خبر ابن ابى يعفور المتقدمة.
و قد عرفت حالها، مضافا الى ان التّعارض من بين موثقة ابن بكير المتقدمة و بينها، من تعارض العام و الخاص المطلقين لأنه يظهر من الموثقة كون المراد من المجازات، هو كون المراة فى جانبه قريبة منه لا المساواة فى الموقف فقط، فحينئذ تدل رواية جميل باطلاقها على نفى الباس، سواء كانت مساوية له فى الموقف او كانت متاخره عنه، بحيث يحصل
ص: 360
المحاذات بين بعض اعضائها و اعضائه، فى حالتى الركوع و السجود، و رواية ابن بكير، تدل على ثبوت الباس فى الفرد الأول و عدمه فى الاخير، و الخاص مقدم على العام، فتدبر.
و الى ان التعارض بينها و بين رواية الحلبى المنقولة فى البحار ايضا، من تعارض العموم و الخصوص المطلقين، لشمول روايتى جميل لصورتى وجود الستر بينهما و عدمه، بخلاف رواية الحلبى فانها كما ترى، فالخاص مقدم على العام بلا شبهة.
قال الشارح المحقق: وجه الاستدلال بهذا الخبر، ان المستفاد منه جواز تقديم المراة فى الصلوة، و الشيخ و اتباعه مانعون عن ذلك، لكنها غير رافعة لقول المفيد، انتهى.
و فيه نظر، اما اولا: فلاحتمال ان يكون المراد بالمتقدم، هو ان يصلى الرجل اولا وحده او المراة وحدها، ثم يصلى الاخر بعده، و يؤيده وجهان؟ الأول: انه (ع) كيف يجوّز تقديم المراة و يمنع المحاذاة؟ مع كون الأول اشد فى المنع، فتدبر، الثانى: قوله: و لا بأس ان تصلى و هى بحذاك جالسة و قائمة، و هى اشارة الى ثبوت الباس فيما منع منه، فى المحاذاة حال الصلوة، الذى تعلق به السؤال.
و اما ثانيا: فلان الرواية على الفرض المزبور، تدل على عدم جواز الصلوة اذا كانا محاذيين فهى حجة لهم ايضا، غاية الأمر انها مشتملة لما لا يقولون به بل يقولون بعدمه، و ذلك غير ضاير، لأن الرواية حينئذ كالعام المخصص فيما بقى حجة.
فان قلت: نتم مطلبنا بالاجماع المركب، لأن كل من قال بجواز تقديم المراة فى الصلوة، قال بجوازها عند محاذاتها له.
قلت: ذلك مغلوب لما عرفت من دلالتها على عدم جواز صلوة المراة بحذائه، داخلا المفيد المشترك بيننا.
ص: 361
و اما ثالثا: فلان التعارض بين هذا الخبر و خبر عمار الساباطى، من تعارض العام و الخاص المطلقين، فخبر عمار مقدم على هذا الخبر العام، الشامل لصورتى كون تقدمها اقل من عشرة اذرع او اكثر، و الاعتماد التام فى الرد انما هو على الوجه الأول، ثم الثانى، و اما هذا الوجه فموهون، بالمناقشة الواردة على رواية عمار الآتية اليها الاشارة.
وجه الاستدلال بها سيجئ ان شاء اللّه، و فيه ما ذكره الشارح المحقق، بان المعنى بالوحدة كما يجوز ان يكون الانفراد، يجوز ان يكون صلوة احدهما بدون الآخر، و اعتبار مقدار فى ذلك على سبيل الوجوب، و ان كان خلاف الاتفاق، لكن احتمال الاستحباب لا دليل على نفيه، و عدم ذكر الاصحاب لذلك لا يوجب اطباقهم على نفيه، بخلاف الوجوب، انتهى.
قال بعض الأجلاء، بعد نقل الصحيحة و هذه الرواية: و هذه الرواية مما استدل به فى المدارك على الجواز، و فيه انّه لا يظهر لاشتراط هذا المقدار المذكور فى الرواية مع جواز المساواة وجه، فالظاهر حملها على تقدم الرّجل بهذا المقدار على المراة، فانّه كاف للجواز لحصول التقدم بذلك، و انما الممنوع منه هو المساواة، و كيف كان فظهور هذا الاحتمال، مما يمنع الاستناد اليها فى الاستدلال، انتهى.
قد عرفت فى الايرادات الواردة على رواية جميل، ما ينفعك فى المقام.
وجه الاستدلال سيجئ، و فيه ما تقدم من ايراد الشارح المحقق، قال بعض الأجلاء: و الظاهر حملها على ما حملت عليه رواية زرارة، من تقدم الرّجل بالشبر، و المراد بالمحاذاة فى الخبر مجرد القرب لا المساواة فى الموقف، فلا منافاة، و بذلك صرح البهائى فى الحبل المتين، فقال بعد حمل الخبر المذكور على ما ذكرنا: و اما ما يترائى من منافاته لقوله (ع): صلت بحذاه، فيمكن توجيهه
ص: 362
بحصول المحاذاة بين بعض اعضائه و اعضائها فى حالتى الرّكوع و السجود، و هو كاف فى اطلاق كون صلوتها بحذاه، انتهى كلام بعض الأجلاء.
و لا يخفى ايضا ان الغالب المتعارف بين الناس، هو وقوع الفصل بين موقف كل مع الآخر، اذا صلى جمع منهم مثلا مجتمعا مساويا فى الموقف بقدر شبرا و ازيد، بخلاف ما اذا لم يتساووا فى الموقف، فان الفصل بقدر الشبر او ازيد او انقص واقع كثيرا، و وجهه ايضا واضح، لأن مع التساوى اذا لم يقع الفصل بينهما بالقدر المعتد به، يحصل ذلك عليهم التعب بسبب المزاحمة و ضيق المكان، بخلاف ما اذا لم يتساووا فى الموقف و اختلفوا يمينا و شمالا، فانه لا يحصل عليهم التعب غالبا، و لو كان بين الخط المخرج عن موقف هذا الشخص، محاذيا حقيقيّا حذاء الى طرف اليمين او الشمال، و بين موقف صاحبه ربع شبر مثلا و ذلك، واضح.
فحينئذ الأمر مردد بين ان يقال: مورد الشرطية الواقعة فى كلامه (ع)، هو تقدم الرجل على المراة بالشبر، فيكون لمفهومها افراد كثيرة، و بين ان يقال:
موردها هو المساواة فى الموقف، فلا يكون للمفهوم أفراد، او يكون و لكن فى غاية الندرة، و الأول اولى، و لفظ المحاذاة ليس قرينة على الثانى، لأن المراد به هو المحاذاة العرفيه، و لا ريب فى صدقها و لو كان احدهما متاخرا عن صاحبه بقدر شبر، بل بقدر ذراع بل بقدر ما يتخطى، و ليس اطلاقه فيه على المحاذاة الحقيقية، بحيث كان كلّ جزء من المتساويين فى الموقف متساويا للاخر اكثر من ساير الافراد، حتى يقال: ينصرف لفظ الحذاء اليها.
و ذلك واضح، سيما عند من لم يكن عالما بان الرجل لا بد ان يتقدم على المراة، او الاولى لهما ان يتقدم عليها و لو بشبر مثلا، هب ان الاحتمال الأول ليس باولى من الاخير، و لكن لا اقل من المساواة، فلا يجوز الاستدلال لقيام الاحتمال، فتامل جدا.
هذا مضافا الى ان صحيحة محمد بن مسلم لم تجوّز صلوتهما معا فى المحمل،
ص: 363
مع ان البعد بينهما فيه ازيد من شبر، و هذا الخبر كيف يمكن له ان يعارضها؟ لاعتضاد الأول بالاجماعين المحكيين، المعتضدين بالشهرة القديمة و بغيرها.
و فيه ان هذه الرواية ظاهرة فى العدم، فهذه عليهم لا لهم، نعم تدل بظاهرها على الاكتفاء فى تقدم الرجل و لو بمقدار صدره، و هذا مما يقرب من اشتراط التقدم بشبر.
و فيه ما عرفت سابقا قال فى المدارك: وجه الدلالة من هذه الأخبار اشتراكها فى عدم اعتبار الحايل و التباعد بالعشر، و اذا انتفى ذلك ثبت الجواز مطلقا، اذ لا قايل بالفصل، و على هذا فيجب حمل الأخبار المقيدة على الاستحباب، صونا للاخبار عن التنافى، و لا ينافى ذلك اختلاف القيود، لأن مراتب الفضيلة مختلفة و بالجملة فهذه الأخبار قرينة الاستحباب، انتهى.
أقول: ظاهر كلامه حيث ادعى عدم القول بالفصل بين القولين المشهورين، هو عدم الاعتداد بخلاف الجعفى، بل قال بعض الاصحاب بعد حكمه بشذوذ ذلك القول، و انه لم ينقله الا قليل، ما صورته: بل ظاهر جمع الاجماع على خلافه، حيث ادعوا عدم القول بالفرق بين القولين المشهورين، مؤذنين بدعوى الاجماع على فساد القول الثالث، انتهى، و كيف كان، فقد عرفت ما يرد على الأخبار.
و فيه انه صادق على من صلى متاخرا عن مساواة موقف الشخص، و لو كان بذراع او ازيد انه صلى فى جنبه فحينئذ التعارض بين هذه الرواية، و جملة من الأخبار المتقدمة الدالة على المنع، من تعارض العام و الخاص المطلقين، فالخاص مقدم، فلتحمل الرواية على صورة تقدم الرجل بهذا المقدار، قيل: الرحل هو ما يجعل على البعير كالسراج للفرس، انتهى، أقول: لعله يقرب من الذراع.
ص: 364
قيل وجه دلالتهما التخيير بين الزايد و الناقص الذى لا يلايم الحرمة، أقول: يظهر من الرّوايات بعد ضم بعضها الى بعض، هو ارتفاع المنع فى صورة تقدم الرّجل مطلقا، سواء كانت تفاوت بينهما بشبر، او ذراع، او قدر ما يتخطى، او موضع رحل، او نحو الشبر و الذراع، كما فى احدى روايتى ابى بصير، و ذلك واضح عند التدبر، و ما ذكره فى وجه الاستدلال لا اعرف وجهه فى المقام.
وجه الدلالة هو ما ذكره بعض المحققين، بانه وقع التصريح فيها بعدم المانع و الباس فى مكة، فاذا ثبت الجواز فيها يثبت فى غيرها، لعدم القائل بالفصل، أقول: الرواية غير دالة على المطلب بعنوان النصية، بل تدل عليه بعنوان الاطلاق، لأن صلوة المرأة عن يمين الرجل و عن شماله و بين يديه، اعم من ان يكون الرّجل ايضا مصليا ام لا، و كذا صلواتها مع الرّجل، اعمّ من ان تكون حين الصّلوة محاذية له او متاخرة او متقدمة، مع حاجز ام لا، و مع فصل عشرة اذرع ام لا، فليحمل المطلق على جملة من الأخبار المانعة الخاصة المتقدمة، فتامل(1).
مع ان الظاهر ان الاطلاق لا يغنى من جوع، و ذلك لأن الظاهر ان المعصوم (ع) فى هذه الرواية، انما يكون فى صدد ان يرفع الباس عن صلوة المرأة بين عامة الناس، من الاجانب و غيرها فى الموضع المخصوص، و ذلك واضح عند الفطن، مع ان عدم القايل بالفصل ممنوع، لأنه يحكى عن الصدوق انه ذهب الى الاستثناء، و نفى فى البحار عنه البعد.
قال فى البحار: و اما استثناء مكة من هذا الحكم كما مر فى رواية الفضيل فلم ار التصريح به فى كلام الاصحاب، و ظاهر الصدوق رحمه اللّه القول به، قال العلامة قدس سرّه فى المنتهى: لا بأس بالصلوة هناك و المراة قائمة او جالسة
ص: 365
بين يديه، لما رواه الشيخ عن معوية قال: قلت: اصلى بمكة و المراة بين يدى جالسة او مارة، قال: لا بأس، انما سميت مكة بكة، لأنه يبتك فيه الرجال و النساء، و قال فى التذكرة: و لا بأس بان يصلى فى مكة الى غير سترة، لأن النبى (ص) صلى هناك و ليس بينه و بين الطواف سترة، و لأن الناس يكثرون هناك لاجل قضاء نسكهم، و سميت بكة لأن الناس يبتاكون فيها، اى يزدحمون و يدفع بعضهم، فلو منع المصلى من يجتاز بين يديه، ضاق على الناس، و حكم الحرم كلّه ذلك، لأن ابن عباس قال: اقبلت راكبا على حمار، و النبى يصلى بالناس بمنى الى غير جدار، و لأنه محل المشاعر و المناسك، انتهى و لا يبعد القول به، لأن رعاية هذا عند المقام، يوجب الحرج غالبا لتضييق الوقت و المكان، و لا يمكن رعاية ذلك فى غالب الا و ان، و لتلك الرواية التى ليس فيها من(1) يتامل فيه الا ابان، و هو و ان رمى بالناووسيّة لكن روى فيه اجماع العصابة، انتهى.
اللّهمّ الاّ ان يقال خروجهما غير مضرّ بتحقيق الاجماع، قال بعض الاصحاب:
و فى تعين القول بالحرمة نظر، للاصل و الصّحاح المستفيضة و غيرها من المعتبرة، المصرحة بعدم المنع اما مطلقا كما فى الصحاح: لا بأس ان تصلى المراة بحيال الرجل و هو يصلى... الخبر، و نحو المرسل لرادته، و اصرح منهما الخبر عن امراة صلت مع الرّجال و خلفها صفوف و قدامها صفوف، قال: مضت صلوتها، و لم تفسد على احد، و لا تعيد، انتهى.
أقول: و انت خبير بان كون ذلك الخبر اصرح من تلك الصّحاح، على فرض تسليم دلالتها على الجواز، فى معرض المنع، لعدم دلالة ذلك الخبر على كون الصفوف الواقعة فى خلفها، او الاشخاص الواقعة فى محاذيها، من الرجل، و بالجملة فليحمل المطلق على المقيدات الماضية.
هذا مضافا الى ما رواه التهذيب فى باب احكام الجماعة، فى الموثق عن
ص: 366
ابن بكير عن بعض اصحابنا، عن ابى عبد الله (ع)، فى الرجل يؤم المراة، قال:
نعم تكون خلفه.
و ما رواه فى زيادات الباب المتقدم، عن ابى العباس قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الرجل يؤم المراة فى بيته؟ فقال: نعم تقوم وراءه.
و ما رواه فى زيادات الباب المتقدم، فى الصحيح عن ابان عن الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبى عبد اللّه (ع): اصلى المكتوبة بامّ على؟ فقال: نعم تكون عن يمينك، يكون سجودها بحذاء قدميك.
و ما فى زيادات الباب المتقدم، فى الصحيح عن عبد اللّه بن المغيرة، المروى فيه اجماع العصابة، عن القاسم بن الوليد قال: سألته عن الرّجل يصلى مع الرّجل الواحد معهما النساء، قال: يقوم الرّجل الى جنب الرجل، و يتخلف النساء خلفهما.
المويّد بما رواه فى زيادات الباب المتقدم ايضا، عن عبد اللّه بن مسكان قال: بعثت اليه بمسئلة فى مسائل ابراهيم، فدفعها الى ابن سدير فسئل عنها، و ابراهيم بن ميمون جالس، عن الرجل يؤم النساء؟ فقال: نعم، قلت:
سله عنهنّ اذا كان معهن غلمان لم يدركوا، ايقومون معهن فى الصّف ام يتقدمونهن؟ فقال: لا بل يتقدمونهن، و ان كانوا عبيدا.
و بما رواه فى زيادات الباب المتقدم، عن ابراهيم بن ميمون عن ابى عبد اللّه (ع)، فى الرجل يؤم النساء ليس معهن رجل فى الفريضة، قال: نعم و ان كان معه صبى فليقم الى جانبه.
و ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب الجماعة و فضلها، عن الحلبى انه سأل ابا عبد الله (ع)، فى الرجل يؤم النساء، قال: نعم و ان كان معهن غلمان، فاقيموهم بين ايديهنّ و ان كانوا عبيدا.
و بما رواه ايضا فى الباب المتقدم، عن هشام بن سالم، عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: و الرّجل اذا ام المراة، كانت خلفه عن يمينه، سجودها مع
ص: 367
ركبتيه.
و الانصاف ان المسئلة عن الاشكال غير خالية، و الذى يترجح فى نظرى القاصر، هو القول بالمنع، للاجماعين المحكيين المعتضدين بالأخبار المتقدمة، و بالشهرة القديمة المحكية، بل الظاهر انها محققه كما ادعاه بعض الاجلة، و الشهرة المتاخرة و ان كانت عظيمة، و لكنها لا تعارض الشهرة القديمة، لوجود القرائن عند اهلها، لقرب عهدهم بالنسبة الى الأئمة صلوات اللّه عليهم، التى تكون مخفية عند متاخرى الطائفه، فلا تكون الشهرة الحاصلة عندهم باعثة لوهن الاجماع الذى ادعاه غير واحد من قدماء الطائفة، و ان قال بعض(1) متاخرى المتأخرين، بان الشهرة المتاخره قريبة من الاجماع، بل هو اجماع فى الحقيقة، انتهى.
لأن المظنة التى هى باعثة للقول بحجية الاجماع المنقول عن الاجماعين، حاصلة، و هذا الاجماع الذى ادعاه بعض متاخرى المتاخرين على ما عرفت، و ان كان اجماعا محكيا معتضدا بالشهرة المتاخره العظيمة، و لكن المظنة عنه غير حاصلة، لمخالفته لكثير من القدماء على ما عرفت، مع مخالفة غير واحد(2) من متاخرى المتأخرين.
و بالجملة القول بالمنع هو الاقوى مع كونه احوط، و ربما يحكى عن الفاضل المقداد، بعد اقتصاره على نقل القولين المشهورين من غير ترجيح، جعل القول بالكراهة احوط و هو غريب، فان الاحتياط فى القول بالحرمة بلا شبهة، و لعل ذلك وقع منه سهوا، و اللّه يعلم.
قال المصنف رحمه اللّه فى المختلف فى المسئلة المتقدمة: احتج الشيخ رحمه اللّه باجماع الفرقة - الى ان قال - و الجواب عن الأول - اى عن احتجاج
ص: 368
الشيخ - انه لم يثبت الاجماع، و من العجب استدلال الشيخ رحمه اللّه بذلك عقيب نقله عن السيد المرتضى خلافه انتهى، أقول: و العجب من المصنف رحمه الله، انه كيف تكلم بهذا الكلام؟ مع انه قال بعد قوله ذلك بصفحة تقريبا، فى مسئلة تحريم السّجود على القطن و الكتان ما قال، و قد نقلنا عبارته فى تلك المسئلة، فارجع و انظر اليها.
صرح جماعة من الاصحاب بل اكثرهم على ما قاله فى البحار، منهم المصنف رحمه اللّه و الشهيدان و الشيخ على و المدارك، بانه يشترط فى تعلق الحكم بكل منهما، كراهة و تحريما، صحة صلوة الاخر لو لا المحاذاة، بان تكون جامعة لجميع الشرايط المعتبرة فى الصحة سوى المحاذاة، فلا يتعلق الحكم بالفاسدة، و احتمل الشارح الفاضل عدم الاشتراط، و نفى الشارح المحقق عنه.
للاول: ان الفاسدة فى حكم العدم، فلا يتحقق المنع كراهة او تحريما، و للثانى: ان الصّلوة صادقه على الفاسدة، وردّ بان بعد فرض التسليم المطلق ينصرف الى الكامل و الى الغالب، و الثانى عندى اقرب.
ذهب جماعة من ارباب القول الأول و منهم صاحب المدارك، بان المعتبر فى رفع المنع كراهة او تحريما، العلم بالفساد قبل الشروع، و لو علم بعد الفراغ لم يؤثر فى الصحة، لأن الصلوة صارت باطلة على القول بالتحريم، او متصفة بالكراهة على القول الآخر، و ظهور الفساد بعد الفراغ لا يؤثر فى صحتها، او زوال الكراهة عنها بعد ما ثبت اتصافها به.
قال بعض الأجلاء: أقول: الظاهر ان ما ذكروه من الحكم، بانه متى ظهر الفساد بعد الفراغ فانه لا يؤثر فى صحة الصّلوة، من حيث بطلانها ظاهرا بالمحاذاة، مبنى على مسئلة اخرى، و هو ان الصلوة اذا كانت صحيحة بحسب الواقع و نفس الأمر، و ان كانت بالنظر الى الظاهر باطلة، فهل يحكم
ص: 369
بصحتها باعتبار ما كانت عليه فى الواقع؟ او يحكم بالبطلان؟ بالنظر الى الظاهر المشهور الثانى، و عليه يتجه ما ذكره الاصحاب هنا من بطلان صلوة المحاذى ان كانت صحيحة بحسب الظاهر لو لا المحاذاة، و ان كانت باطلة فى نفس الأمر بغيرها، انه اذا علم بعد الفراغ، فانه يصدق على الصّلوة المذكورة انها صحيحة فى الواقع لبطلان تلك الصلوة الاخرى فى الواقع، و باطلة فى الظاهر من حيث المحاذاة فى تلك الصّلوة الصحيحة ظاهرا، اما على ما ذهب اليه جمع من الاصحاب من القول الأول فى تلك المسئلة، و منهم السيد السند(1) فى كتابه، حيث قال فى مسئلة الصّلوة قبل الوقت جاهلا او ناسيا: و لو صادفت الوقت صلوة الناسى او الجاهل لدخول الوقت، ففى الاجزاء نظر، من حيث عدم الدخول الشرعى، و من مطابقة العبادة ما فى نفس الأمر و صدق الامتثال، و الاصح الثانى، و به قطع شيخنا المحقق... الى آخر كلامه.
فالوجه الصحة، اذ لا ريب ان ما نحن فيه كذلك، لأن المفروض ان تلك الصلوة فاسدة واقعا، فهى فى حكم العدم، و ان لم يعلم المحاذى لها الا بعد الفراغ، و المحاذاة الموجبة لبطلان الصّلوة انما هى محاذاة الصّلوة الصحيحة و هذه الصلوة قد ظهر بطلانها، فلا تؤثر المحاذاة لها فى بطلان صلوة المحاذى، بعد ظهور ذلك، فصلوة المحاذى خالية عن مبطل بحسب الواقع وقت صلوته، فيدخل تحت تلك المسئلة فكيف اختار هنا ما ذهب اليه الاصحاب رضى اللّه عنهم؟ و الحال ان المسئلتين من باب واحد، انتهى.
أقول: يمكن ان يقال: ان صاحب المدارك انما اختار هنا ما اختاره الاصحاب، لتوجه النّهى اليه ظاهرا، لأن المصلى اوجد الصلوة بحذاء المراة المصلية عمدا، و معه يتوجه النهى اليه ظاهرا قطعا، لعلمه ببطلان الصلوة الواقعة بحذائها، و كذا الكلام فى المرأة، بخلاف ما اختاره فى تلك المسئلة، فان النهى غير
ص: 370
متوجه الى الناسى جزما، و كذا الجاهل لدخول الوقت، اذا كان جاهلا بوجوب المراعاة ايضا، على القول بعدم توجه النهى اليه.
و الانصاف ان قوله تلك المسئلة بصحة صلوة الجاهل لدخول الوقت مطلقا، يشمل ما اذا كان عالما بوجوب المراعاة، و حينئذ فالنّهى متوجه اليه مع العمد، فما ذكره بعض الأجلاء المتقدم نقل كلامه، بان المسئلتين من باب واحد، صحح بالنسبة الى ما اختار فى تلك المسئلة بالنسبة الى الجاهل فى الجملة، و كيف كان فالاقوى فى المسئلة هو ما اختاره فى المدارك هنا، بل لم اجد فى المسئلة من مخالفه لما ذكره بعض المحققين، حيث قال: يعتبر فى رفع المنع حرمة او كراهة، العلم بالفساد قبل الشروع، فلو علم بعد الفراغ لم يؤثر فى الصحة، و عدم الكراهة لصيرورتها باطله بالمحاذاة عنده، اما الأول فلعدم تاتّى نية القربة التى هى شرط الصحة و الحلية، و اما الثانى فلا قدامه على الفعل المكروه و المرجوح، و الظاهر انه مرجوح و مكروه، انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
يجوز الرجوع فى الفساد الى اخبار المصلى عن نفسه بفساد صلوته، قاله جماعة، الا ان يعلم ذلك بوجه آخر، قال فى المسالك: و الاطلاق منزل على الصحيحة و ان لم يخبر بصحتها، نعم لو اخبر بفسادها قبل.
و قال بعض الأجلاء فى جملة كلام له: و اما ما ذكر فى الذخيرة، حيث قال: و هل يقبل قوله فى الفساد؟ وجهان، مما يؤذن بتوقفه فى ذلك فالظاهر ضعفه و كيف لا يقبل قوله من عموم اقرار العقلاء على انفسهم جايز، و نحوه من الادلة العامة، و قال المصنف رحمه اللّه فى القواعد: و الاقرب اشتراط صحة صلوة المراة لولاه، اى لو لا ما ذكر من المحاذاة و تقدمها فى بطلان الصلوتين فلو صلت الحايض او غير المتطهره و ان كان نسيانا، لم تبطل صلوته، و فى الرجوع اليها حينئذ نظر، و عقبه بعض العلماء بقوله: منشاء النظر من اخبر بفساد
ص: 371
صلوته قبل منه قطعا، لأن اقرار العقلاء على انفسهم جايز، و من انه شهادة على الغير فلا يقبل، و الأول اقوى لأن اخبار المكلف بصحة صلوة نفسه و فسادها اخبار عن فعل نفسه، فاذا حكم بقبوله لزم منه صحة صلوة الآخر او فسادها، فلا يكون شهادة على الغير و لا اقرار عليه، انتهى.
و اختاره الشّهيد فى الدروس، و ذهب جمع كثير من المتأخرين، و منهم الشهيد فى المسالك الى تخصيص البطلان بالمقارنة او المتأخرة دون السّابقه، قال فى المدارك: و ينبغى القطع بصحة الصلوة المتقدمة لسبق انعقادها، و فساد المتاخره خاصة، و مع الاقتران تبطل الصّلوتان، لعدم الاولوية، انتهى.
و فى آخر زيادات ذلك الباب، باسناد فيه كلام كما سيظهر، و فى باب احكام الجماعة و اقل الجماعة، فى الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه (ع) قال: سألته عن امام كان فى الصلوة الظهر، فقامت امراة بحياله تصلى و هى تحسب انها العصر، هل يفسد ذلك على القوم؟ و ما حال المراة فى صلوتها معهم و قد كانت صلت الظهر قال: لا يفسد ذلك على القوم، و تعيد المراة.
و عدّ صاحب المدارك و غيره ايضا، هذه الرّواية من الصحاح، قال الشارح المحقق: وعدّ بعضهم هذه الرواية من الصحاح و فيه تامل، لأن فى طريقه جعفر بن محمّد عن العمركى و جعفر مشترك بين الثقة و غيره، الا ان يقال طريق الشيخ الى على بن جعفر صحيح، فيكون الرواية من الصحاح، و فيه تامل انتهى، أقول:
و فيه نظر، لأن الشيخ روى هذه الرواية بالطريق الذى فيه جعفر بن محمد فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، و فى زياداته، و رواها ايضا فى باب
ص: 372
احكام الجماعة، معلقا عن على بن جعفر، و طريقه اليه صحيح بلا اشكال و الشارح المحقق لم يتفطن الى هذا.
قال الشارح المحقق ايضا: ذهب جماعة من المتأخرين الى اختصاص البطلان بالمقترنة و المتاخرة دون السابقه، و رواية على بن جعفر تساعد الثانى و باقى الروايات الأول، و يمكن ترجيح الأول، ان قلنا بان الصلوة الفاسدة غير موثرة فى البطلان، بان يقال: يجوز ان يكون تخصيص الفساد بصلوة المراة، فى رواية على بن جعفر، مبينا على ان علة فسادها الاقتداء فى صلوة العصر بمن يصلى الظهر، مع اعتقاد انها العصر، و حينئذ يبقى اطلاق باقى الأخبار سالما عن المعارض انتهى.
و لا يخفى عليك ان الشارح المحقق تبع فيما اعترضه على رواية على بن جعفر لصاحب المدارك، لأنه ايضا اعترض عليها بهذا الاعتراض، قال بعض الأجلاء، بعد ان نقل ما اعترضه صاحب المدارك على الرواية، الذى تبعه فيه الشارح المحقق، ما صورته: ان من العجب قوله فى الجواب عن صحيحة على بن جعفر، ان الأمر بالاعادة لا يتعين كونه بسبب المحاذاة، و ان تبعه فيه من تبعه فان اسناد الابطال الى ما ذكره و قيامه احتمالا فى معنى الرواية المذكورة، يتوقف على وجود دليل على ذلك من خارج، مع انه لا دليل على ذلك من خارج، مع انه لا دليل و لا قايل بذلك، و الاستناد الى هذه الرواية فى ذلك مصادرة فى البين، انتهى، فتدبر.
قال غير واحد من الطائفة، و مرجعة الى الاستقراء.
و الاطلاقات بعد حصول الشك فى شمولها للمقام، بما قدمناه من الاستقراء، لا تصلح قاطعة للاستصحاب، لعدم تبادر هذه
ص: 373
الصورة منها.
قال: و لا معنى لنسبة القطع الى نفس المراة، فيكون المراد و اللّه يعلم ان شيئا من فعلها لا يقطع صلوة المسلم، و لا شك ان الصلوة من فعلها فلا تقطع، و بالجملة: ثبت من هذه الأخبار الصحاح المعتبرة، عدم قطع صلوة المراة لصلوة الرّجل بالعموم، فيجب الحكم بعدم قطع صلوة الرجل لصلوة المراة ايضا، لعدم القائل بالفرق، انتهى.
ذكر خبر على بن جعفر المشار اليه سابقا، بعض الأجلاء مستدلا قال: و يؤيّده ان المتبادر من جملة من عبارات تلك الأخبار، ان المراد من قوله:
يصلى و المراة بحياله، يعنى يريد الصلوة، و حاصل السؤال حينئذ، انه هل يجوز الدخول فى الصّلوة و الحال هذه؟ انتهى.
أقول: و الانصاف ان المسئلة محلّ اشكال، و ان كان القول اختصاص البطلان بالمقارنة او المتاخرة دون السابقة، لا يخلو عن رجحان ما للاستقراء، المؤيد بما مرّ، و فى الذكرى:(1) و فى رواية على بن جعفر عن اخيه (ع): اذا صلت حيال الامام و كان فى الصّلوة قبلها اعادت وحدها، و فيه دلالة على فساد الطارىء انتهى، و امر الاحتياط واضح.
كما صرح به جماعة، لعدم تعلق النهى بصلوتهما، و لو علما فى الاثناء فالظاهر ايضا الصّحة كما صرّح به فى المدارك و غيره، للاستصحاب و عدم معلومية تعلق النّهى بهما، نظرا الى عدم كون مثل هذه الصورة متبادرة من الأخبار، فيبقى الحكم بالحرمة او الكراهة من غير دليل، قال الشارح المحقق:
ص: 374
و فى الاثناء يستمر لسبق الانعقاد، و يحتمل قويا وجوب الابطال فى سعة الوقت، ان لم يمكن ازالة المانع بدون المبطل.
قال بعض الأجلاء، بعد نقل ما احتمله الشارح المحقق: لا يخفى ما فى هذا الاحتمال من القوة، و هو الانسب عندى بالقواعد الشرعية و الضوابط المرعية، فان ما اعتمدوا عليه فى تعليل الاستمرار من سبق الانعقاد، لا يخلو عن النظر، و لا ريب ان هذه المسئلة و ان لم يقم عليها نص بالخصوص الا ان النصوص فى نظائرها من عروض البطلان فى اثناء الصلوة كثيرة، و لم يتضمن شىء منها وجوب المضى على ذلك المبطل، بل فيها ما يدلّ على انه يمكن ازالته بما لا يبطل الصّلوة، و الا قطع الصّلوة، كاخبار الرّعاف فى اثناء الصلوة، و وجود النجاسة فى الثوب فى الاثناء، و نحو ذلك، و به يظهر قوة الاحتمال المذكور، بل لا يبعد تعينه، سيما مع موافقته للاحتياط، انتهى.
أقول: و لعلّ الاحتياط فى اتمام الصّلوة ثم اعادتها، لا فيما ذكره بعض الأجلاء، و اللّه تعالى يعلم.
و لا يبطل صلوة غيرهم، و ان صلت بجنب الامام بطلت صلوتها و صلوة الامام، و لا يبطل صلوة غيرهم، انتهى.
قال فى الذكرى: و لو اقتدت بامام بطلت صلوة اهل الجانبين و الوراء، و لو حاذت الامام قال الشيخ: تبطل صلوتهما دون المامومين، و هو بناء على ان الطارية تدافع السابقه فيبطلان، و مع هذا فعلى مذهبه ينبغى بطلان صلوة من خلفها ايضا، بدون الحايل او البعد، ثم صحة صلوتهم مشكلة مع علمهم ببطلان صلوة الامام، اما هو مع الجهل فلا بحث.
و قال فى الدروس: و لو اقتدت بامام بطلت صلوة من على جانبيها و ورائها من الرّجال، و لو حاذت الامام و علم المامومون بطلت صلوة الجميع، و لو جهلوا بطلت صلوتها و صلوة الامام، و اطلق الشيخ صحة صلوة المامومين، انتهى.
ص: 375
أقول: كلام الشيخ لا يخلو عن اشكال، و الاظهر هو ما فصله جماعة، و منهم الشارح الفاضل فال فى الرياض على ما نسب: لو صلت المراة محاذية له، فعلى القول بالتحريم تبطل صلوتها و صلوة الامام و من على يمينها و يسارها و من تاخر عنها، مع علمهم بالحال، و مع عدم العلم تبطل صلوتها لا غير، و لو علم الامام خاصة بطلت صلوتهما معا دون المامومين، و اطلق الشيخ رحمه اللّه صحة صلوة المامومين، و هذا كله انما يتم مع القول بان الصّلوة الطارية تؤثر فى السابقة او على جواز تكبير الماموم مع تكبير الامام، و الا صحت صلوة الامام لتقدمها، و يبقى الكلام فى المامومين، انتهى.
و الظاهر بطلان صلوة المامومين فى صورة محاذاتها، مع علمهم بصلوتها، فى صورة المقارنة، او مطلقا على القول بان الطارية تؤثر فى السّابقة، و بالجملة الفروض فى هذا الفرع كثيرة، و حكمها واضح فلا نطيل الكلام بذكرها.
و اما الصبىّ و الصبيّة فلا، اما على القول بعدم مشروعية عبادتهما فالظاهر، لما قدمنا من كون الفاسدة كالعدم، و اما على المختار من كونها مشروعة فكذلك ايضا، اقتصارا فيما خالف الاصل على مورد النصّ، لعدم اطلاق الرّجل عليهما(1) حقيقة، و ان اطلق مجازا، و الاصل فى الاطلاق الحقيقة، و هو الذى قدمناه: و لو سلم اطلاقهما لوجب حمله على ما ذكرنا دونهما، لكونهما من الافراد الغير المتبادرة.
و عن الشهيد فى بعض حواشيه على القواعد: ان الصبى و البالغ يقرب حكمهما من الرجل و المراة، و كانه عنى بالبالغ الصبية، لأن الصّفة على فاعل يشترك فيها المذكر و المؤنث، و لا وجه له بعد ما ذكرناه.
و قال فى الرياض على ما نسب: المراد بالمراة البالغة، لأنه المتعارف،
ص: 376
و لأنها مؤنث المرأ و يقال: مرء و مرأة و امرأة، و المرء هو الرجل كما نص عليه اهل اللغة، فلا يتعلق الحكم بالصّغيرة، و ان قلنا ان عبادتها شرعية، لعدم المقتضى، و لا فرق فيها بين كونها مقتدية به او منفردة للعموم، و كذا القول فى الصبى.
و فى بعض حواشى الشهيد رحمه اللّه على القواعد: ان الصبى و البالغ يقرب حكمهما من الرّجل و المراة، و عنى بالبالغ المراة لأن الصفة التى على فاعل يشترك فيه المذكر و المؤنث، و كيف كان فالعمل على المشهور من اختصاص الحكم بالمكلفين، لعدم الدليل الدال على الالحاق.
و قال بعض الأجلاء بعد نقل الكلام المذكور: أقول: يمكن ان يكون المستند ما نقله عن الشهيد رحمه الله، ما يوجد فى كتب اللغة من اطلاق الرّجل على غير المكلف البالغ، قال فى القاموس: الرجل بالضم معروف، و انما هو لمن شب و احتلم، او هو رجل ساعة يولد، و فى الصّحاح: هو الذكر من الناس، و الأخبار قد اشتملت على لفظ الرجل، فمتى صح اطلاقه على غير البالغ لغة، صح ما ذكره الشهيد، الا ان المستفاد من اطلاق العرف العام و الخاص - اعنى عرفهم عليه السلام - انما هو البالغ، و متى اريد غيره عبّر بلفظ الصبى و غيره.
و قال الشارح المحقق: المراد بالمراة البالغ، لأنه المتعارف المنساق الى الذّهن، و لأنه مؤنث المرء يقال: مراء و مراءة و امروء و امراءة، و المرء هو الرجل كما نص عليه اهل اللغة، و على هذا لا يتعلق الحكم بالصغيرة و ان قلنا ان عبادتها شرعية، قصر اللحكم على مورد النّص، و كذا القول فى الصبىّ، و نقل عن بعض حواشى الشهيد على القواعد: ان الصبى و البالغ يقرب حكمهما من الرّجل و المراة، و عنى بالبالغ المراة لأن الصيغة يشترك فيها المذكر و المؤنث، و الاقوى عدم الالحاق، و قال العلامة المجلسى فى البحار: و اختلف فى الصغيرين و الصغير و الكبير، و الظاهر اشتراط البلوغ فيهما، انتهى.
ص: 377
ام لا، بل يختص بالرّجل و المراة؟ فيه خلاف، المشهور على الأول، و عن الشهيد فى بعض حواشيه على القواعد انه قال: ان الصبى... الى آخر ما تقدم فى العبائر، و الظاهر من هذه العبارة المخالفة، لأن المراد من البالغ المراة كما صرّح به الشارح الفاضل و الشارح المحقق، لا الصّبية كما زعمه بعض المحققين، و ذلك واضح جدا.
للاول: الاصل و القدر المخرج عنه هو الرجل و المراة، و اما الصبى و المراة فلا، اما لعدم اطلاق الرّجل على الصبى حقيقه، او لكونه من الافراد النادرة الغير المتبادرة من الاطلاق.
و للثانى: ما يوجد فى كتب اللغة، من اطلاق الرّجل على غير المكلّف البالغ، قال فى القاموس: الرّجل بضم الجيم و سكونه معروف، و انما هو اذا احتلم و شبّ، او هو رجل ساعة يولد، و عن الصحاح: هو الذكر من الناس.
استدل به له بعض العلماء كما عرفت سابقا، و فيه نظر: اما اولا: فلان الاطلاق اعم من الحقيقة، و المجاز خير من الاشتراك، و اما ثانيا: فلما ذكره بعض المحققين، بانه بعد تسليم كونه رجلا فى اللغة، فلا شك فى انّه فى العرف ليس كذلك، لوجود امارات المجازية فيها، و ذلك عدم التبادر او تبادر الغير و صحة السّلب، هذا مع ان عبارة القاموس، ربما يظهر منها كون الرّجل فيما هو فى العرف حقيقة فيه، حيث احال معناه الى العرف، فقال: انه معروف، مضافا الى تعقيبه ذلك بالحصر فيه، و ظهور تردد منه فى اطلاقه على الصبى، حيث ذكره بلفظ او، و بالجملة هذه القرائن ربما تنادى بالحصر فى الأول، انتهى.
أقول: و الاقوى عندى هو عدم اختصاص الحكم المذكور بالرجل و المراة، بل حكم الصبى و المراة ايضا كحكمها، اى كما ان المراة اذا صلّت بحذاء الرّجل المصلى تفسد صلوتها، فكذا اذا صلت بحذاء الصبى المصلى لصحيحة الحلبى المتقدمة المنقولة فى الصدوق، المشتملة لقوله (ع): و ان كان معهّن غلمان
ص: 378
فاقيموهم بين ايديهن و ان كانوا عبيدا، المؤيدة كصحيحة ابراهيم بن ميمون لمكان فضالة و حماد المتقدمة، المروية فى التهذيب فى زيادات الجماعة، بل يمكن ان يجعل هذه الرّواية دليلا، كما لا يخفى على الفطن.
و لرواية عبد اللّه بن مسكان المتقدمة، المروية فى زيادات باب فضل الجماعة الصريحة فى المطلب، و الاضمار غير ضاير لمكان ابن مسكان الجليل، لأن المضمر كلما ازداد جلالة و قوة نقص الاضمار وهنا و ضعفا، لأن الجليل لا يسئل عن غير المعصوم (ع) غالبا، و لا يكتفى بكل احد، فلا يضر الاضمار كما فى ما نحن فيه، و كلما نقص المضمر قوة و جلالة ازداد الاضمار وهنا و ضعفا، لأن الضعيف يكتفى بالجليل عنده و لو كان غير المعصوم (ع)، فاحفظ هذه القاعدة فانها تنفعك فى مقامات كثيرة، و ليس فى السّند من يتوقف فيه الا محمد بن سنان، و الرواية المشتملة عليه قوية على الاقوى، و ليس المقام قابلا لذكر التفصيل فيه.
و دونه ان يقال ربما يحكى ان الشهرة وقعت على تضعيف محمد بن سنان و الظاهر انه لا اصل لها كما ادعاه بعض الأجلاء، لأن اساطين هذا الفن الشيخ و رجال النجاشى و المفيد و الكشى و المصنف و الفضل بن شاذان، و كلماتهم فيه مختلفة فاما الشيخ فهو قال فى الاستبصار: انه ضعيف، و كذا ضعفه فى العدد ايضا على ما حكى و قال فى الفهرست: له كتب و قد طعن عليه و ضعف، انتهى، و شهد رحمه الله بفضله و جلالته، و انه من الوكلاء و القوام الذين ما غير واو ما بدّلوا و ما خانوا اصلا، و ماتوا على منهاجهم (ص)، فى الغنية على ما ياتى فى نقل كلام تعق، و اما المصنف رحمه اللّه قال فى الروضة: قد اختلف علماؤنا فى شانه، فان الشيخ المفيد قال انه ثقة، و الشيخ الطوسى ضعفه، و كذا رجال النجاشى، و الغضائرى قال انه غال لا يلتفت اليه، و روى الكشى فيه قدحا عظيما و اثنى عليه ايضا، و الوجه عندى التوقف فيما يرويه، فان الفضل بن شاذان قال فى بعض كتبه: انه من الكذابين المشهورين ابن سنان و ليس بعبد الله، و دفع ايوب بن نوح الى حمدويه دفترا فيه احاديث محمّد بن سنان فقال: ان شئتم ان تكتبوا ذلك فافعلوا،
ص: 379
فانى كتبت عن محمد بن سنان و لكنى لا اروى لكم عنه شيئا، فانه قال قبل موته:
كلما حدثتكم به لم يكن لى سماعا و لا رواية و انما وجدته و نقل عنه اشياء آخر ردية، و رجع المصنف رحمه اللّه عن التوقف فى المختلف و قال: لا مجال للعمل بروايته كما يظهر فى(1) تعق الاتى، و المختلف آخر كتاب المصنف رحمه اللّه على ما يحكى، فاذن محمّد بن سنان يكون عنده معتمدا و العمل بروايته عنده راجحا و اما المفيد فقد ضعفه فى رسالته فى الرد على الصدوق، على ما قاله فى تعق، و لكنه صرح فى الارشاد بكونه من خاصة الكاظم (ع) و ثقاته، و اهل العلم و الورع و الفقه من شيعته، و بالجملة قول مختلف فيه، مع ان النقل المشهور عنه فيه التوثيق، و هو يعطى رجوعه عن التضعيف، قاله بعض الأجلة.
و اما رجال النجاشى فقال: و هو رجل ضعيف جدا لا يعول عليه، و لا يلتفت الى ما تفرد به، و قد ذكر ابو عمرو فى رجاله قال ابو الحسن على بن محمد بن قتيبة النيسابورى: قال: قال ابو محمّد الفضل بن شاذان لا احل لكم ان ترووا احاديث محمد بن سنان، و ذكر ايضا انه وجد بخط ابى عبد الله الشاذانى: انى سمعت العاصمى يقول: ان عبد اللّه بن محمد بن عيسى الملقب بنيان(2) قال: كنت مع صفوان بن يحيى بالكوفه فى منزل، اذ دخل علينا محمد بن سنان فقال:
صفوان: هذا ابن سنان لقد همّ ان يطير غير مرة فقصصناه حتى ثبت معنا، و هذا يدل على اضطراب كان و زال، انتهى.
قال بعض الأجلة: فظاهر رجال النجاشى التامل فى ضعفه، فانك رايته بعد نقل كلام عقد عقد و الكشى، صرح بان هذا يدل على اضطراب كان و زال، و اذا تطرق المدح الى القدح سلم ما ورد فيه من المدح، نحو ما روى ابو طالب القمى الثقة الجليل من قول ابى جعفر (ع): جزى اللّه صفوان بن يحيى و محمد بن سنان و زكريا بن آدم و سعد بن سعد عنى خيرا فقد و فوالى، و السند
ص: 380
فى غاية الصحة، لأن الكشى رواه عن اصحابنا، عنه، و الاضافة يفيد العموم، المقتضى لدخول الثقة فيهم لا محاله، انتهى.
و اما الكشى ففيه ما نقله فى الخلاصة و رجال النجاشى، و فيه ايضا على بن محمد بن قتيبة النيسابورى قال: قال ابو محمد الفضل بن شاذان: رووا(1) احاديث محمد بن سنان عنى، و قال لا احل لكم ان ترووا احاديث محمد بن سنان عنى ما دمت حيا، و اذن فى الرواية بعد موته، قال ابو عمرو: و قد روى عنه الفضل، و ابوه، و يونس، و محمد بن عيسى العبيدى، و محمد بن الحسين بن ابى الخطاب، و الحسن و الحسين ابنا سعيد، و ايوب بن نوح، و غيرهم من العدول و الثقاة من اهل العلم.
و فيه ايضا عنه - اى عن ابى عبد اللّه الشّاذانى - قال: سمعت ايضا - اى العاصمى - قال: كنّا ندخل مسجد الكوفه، و كان ينظر الينا محمّد بن سنان، و قال: من اراد من المضمئلات فالّى، و من اراد الحلال و الحرام فعليه بالشيخ، يعنى صفوان بن يحيى، انتهى.
و لا يخفى ان عادة الكشى نقل الأخبار و الرّوايات الواردة فى الروايات، و مع ذلك رايته بعد نقل كلام الفضل بن شاذان يقول: و قد روى عنه الفضل بن شاذان و ابوه - الى قوله - من العدول و الثقاة، و ما ذاك الا تعريض به، و عدم ارتضاء منه بكلامه.
قال بعض الأجلة: قال فى الرّواشح: و الشيخ الكشى فى كتابه بعد ما روى جملة ما يوجب القدح و الغمز فى محمّد بن سنان اثنى عليه، فاردف تلك الجملة بما هذه صورة عبارته: قال ابو عمرو: قد روى عنه، ثم نقل عبارة الكشى المتقدمة ثم قال: فجعل رواية الثقاة عنه، فى قوة مدحه و توثيقه و الثناء عليه، انتهى.
و اما الفضل بن شاذان فوجدته يروى عنه، و اذنه فى الرواية عنه بعد موته دون ايام حياته، لا يدل على عدم صحة رواياته عنده، و الا لدلّ على القدح الفضل بن شاذان.
ص: 381
و عن الفوائد النجفية، انه قال فى جملة كلام له فى المقام: قد سألت فى حداثه سنّى بعض مشائخى عن ذلك، فلم يات بمقنع، و ظنى ان السبب فى المنع عن الرّواية حال الحياة و الاذن بعد موته، ان محمد بن سنان عند الفضل ثقة او فى نفس الأمر، و ان كان فى زعم النّاس من المجروحين، و قد وثقه المفيد و جماعة منهم السيد السّعيد رضى الدّين بن طاوس رحمه الله، فالرواية عنه جايزة لذلك، او لعلم الفضل ان ماخذه عنه صحيح فى الواقع للقرائن، او لأن الرواية عن الفاسق جائزة اذا احتمل الصدق، و لا سيما اذا كان راجحا، و بالجملة فالذى يظهر ان سبب المنع كان خوفا دنيويّا لا احتياطا دينيا، انتهى.
قال بعض الأجلة فى جملة كلام له: و اما قول الفضل بن شاذان انه من الكذابين المشهورين كأبى سّمينه و ابى الخطاب، فمما يقتضى العجب العجاب، اذ ليت شعرى كيف يخفى حال رجل مشهور بالكذب معروف بالفسق، على كافة معاصريه و جملة معاشرية، سيما اهل العلم و الفضل و الورع منهم، بحيث يكثرون من النقل عنه و الرّواية عنه، فاذا رايناهم يروون عنه و ياخذون منه، من غير مبالاة بقول الفضل بن شاذان مع امتناعهم الشديد و ابائهم الاكيد، من الرواية عن اشباه ابى سمينة و ابى الخطاب، يحصل لنا القطع بان ما قاله الفضل ليس على حقيقته.
و للسيد السّعيد رضى الدين بن طاوس، كلام فى محمّد هذا او اشباهه، محصّلة ان جلالة قدرهم و شدة اختصاصهم باهل العصمة سلام اللّه عليهم، هو الذى انحطاط(1) منزلتهم عند الشيعة، لانهم عليهم السلام لشدة اختصاصهم بهم اطلعوهم على الاسرار المصنوعة عن الاغيار، و خاطبوهم بما لا يحتمله اكثر الشيعة، فنسبوا الى الغلّو و ارتفاع القول و ما شاكلهما، انتهى.
و قال شيخنا الشيخ سليمان: و هو قريب.
و قال السيّد المذكور رضى اللّه عنه، فى موضع آخر: انى لا عجب ممن ذم اليسوا رأوا اخبار مدحه عن الأئمة الثلاثة صلى اللّه عليهم، و ذكر انه يكون بعض
ص: 382
الاشياء من بعض المعاصرين مع بعضهم، فان الفضل بن شاذان ذكران لا ترووا احاديث محمد بن سنان عنى ما دمت حيا و ارووها بعد موتى، فلا تجعل فى ذم من ذموا، و رواية الثقاة العدول عنه تدل على ذلك، انتهى.
و قال الفاضل ع ع ع ببب، بعد نقل قول الكشى: و قد روى عنه الفضل.
الى آخره، لا ريب ان هذا مما يونس الحالة، الا ان المشهور خلافه، و نقل مثل هؤلاء عنه يفيد حالا يعتدّ به، كما لا يخفى، انتهى.
و قد عرفت حال الشهرة المدعاة، و قال شيخنا الشيخ سليمان على ما نسب بعد قول الكشى المذكور: و هو يدل بحسب الظاهر على ان رواية الأجلاء عن شخص تدل على جلالته، و لذا عده بعضهم من القرائن القوية على انتفاء الفسق عن المروى، انتهى.
قال فى التعليق: ضعفه الشيخ ايضا فى العدد، و كذا رجال النجاشى فى ترجمة مياح، و كذا المفيد فى رسالته فى الردّ على الصدوق، لكنه صرح فى الارشاد بكونه من خاصة الكاظم (ع) و ثقاته، و اهل العلم و الورع و الفقه من شيعته، و الشيخ جعله فى الغنية - على ما ياتى فى الخاتمة - من الوكلاء و القوام، الذين ما غير واو ما بدّلوا و ما خانوا اصلا، و ماتوا على منهاجهم (ص)، و رجال النجاشى نقل ضعفه عن عقد عقد و الكشى، ورده بقوله: و هذا يدل على اضطراب كان و زال، مع ان الكشى ايضا لم يطعن كما سنشير، و العلامة صرّح فى المختلف فى كتاب الرضاع بصحة رواية الفضيل بن يسار، و قال: لا يقال فى طريقها محمّد بن سنان و فيه قول، لانا نقول: بيّنّا رجحان العمل برواية محمد بن سنان، و قد بيّنّا ذلك فى كتاب الرّجال، و الظاهر انه فى غير الروضة، و فى الوجيزة: معتمد عليه عندى.
و قال جدى العلاّمة المجلسى: وثقه المفيد، و ضعفه الباقون و نسبوه الى الغلّو، و لا تجد فى اخباره غلّوا اصلا، بل يظهر منها كونه من اصحاب الاسرار، و لو كان كذلك لكان اللازم على الشيخ لا اقل ان لا يروى عنه، مع ان كتبه
ص: 383
مشحونة من اخباره، و لو لم يجز نقل خبره، و كيف يحجون بعد وفات الفضل، و ما يرد عليه كثيرا، انتهى.
قلت: اذن الفضل فى الرّواية عنه بعد موته، يدل على صحة رواياته عنده، و ان المنع فى حال الحيوة المانع آخر، و الظاهر انّه كان يتقى من الجهال و المعادين لمحمّد، و لعله لما فى اخباره من امور لا يفهمونها، كما يشير اليه قول محمّد: من اراد من المضمئلات اى الدواهى المشكلات فالّى، و ايوب كما رايت اعتذر بان اخباره بعنوان الوّجادة، و غير خفى ان الوجادة لا ضرر فيها اصلا، نعم يظهر من كثير من القدماء المنع، و ان كان الظاهر من غيرهم العدم، و لذا جمعت الثقاة الأجلة على الرّواية عنه، من دون منع منهم عن رواياتهم عنهم بعد وفاتهم، و لذا رواها عنهم جماعة بعد جماعة، حتى وصلت الى المحمدين الثلاثة رضى اللّه عنهم، و كتبهم مشحونه منها من دون طعن منهم.
نعم ربما يطعن بعضهم لوجود معارض اقوى، من باب الترجيحات الاجتهادية فظهر ان قول الفضل بن شاذان انه من الكذابين المشهورين، ليس على ظاهره عنده، و لعل مراده انه كذلك على المشهور، و قول الكشى: و قد روى عنه الفضل - الى قوله - و غيرهم من العدول و الثقاة و اهل العلم، يشير الى انه غير راض بالطعن، بل هذا يدل على وثاقته، و يعضده اكثر المشايخ من الرواية عنه، و كون رواياته سديدة مقبوله معنى بها متلقاة بالقبول، مع ان الأخبار المروية فى الوافى و توحيد ابن بابويه و غيرهما، الدالة على عدم غلّوه و صحة عقيدته من الكثرة بمكان، انتهى.
أقول: ظهر من خبر ابى طالب القمى، و من مدح ابن طاووس و المجلسيّين و الشيخ سليمان و الفاضل ع ع ع ببب و غيرهم، أن الرجل من الأجلاء و العظماء، و ظهر ايضا ان الشهرة المدعاة بعدم جلالته ليس بمكانها، نعم ما قيل ربّ مشهور لا اصل له، قال بعض الأجلة: فالحق الحقيق بالاتباع و ان كان قليل الاتباع، انّ الرجل من اقران صفوان و زكريا و سعد، كما جعله الامام (ع)، قول
ص: 384
صفوان: اراد ان يطير فقصصناه حتى ثبت معنى، شهادة قاطعة فى حقه انتهى، و الحاصل ان الرّجل عندى قوى فى الغاية، فظهر بما ذكر ان اشتمال سند رواية ابن مسكان المتقدمة، على محمد بن سنان غير ضاير، كاضمار ابن مسكان، فالرواية صالحة للحجية، حاسمة لمادة الشبهة.
المشهور على الأول، بل لم اجد فى المسئلة مخالفا صريحا بل و لا ظاهرا، و مستندهم ان المراة الواردة فى الأخبار غير شاملة للصبية، فلا بد ان يقتصر فيما خالف الاصل على مورد النص، و تدل على الثانى رواية محمد بن مسلم المتقدمة فى اوائل المسئلة، المروية فى الكافى، الدالة على منع صلوة الرجل و بحذاه ابنته تصلى، بكلمة: لا ينبغى، كرواية الحلبى المتقدمة فى اوائل المسئلة ايضا، المنقولة فى البحار، و الظاهر شمول الابنة للصغيرة، و القول بان المتبادر منها هى البالغة غير وجيه، كما لا يخفى، و كلمة: لا ينبغى، و ان كان لها نوع ظهور فى الكراهة، و لكن الاحتياط فى المقام لا يترك البتة، سيما(1) بملاحظة ما اخترناه فى المقام السابق، من القول ببطلان صلوة المراة اذا صلت بحذاء الصبى المصلى، فافهم ذلك.
و الظاهر هو الأول لعدم ما يقتضى البطلان و لم اجد فى ذلك مخالفا مطلقا، و ان كان عبارة البحار موهمه لوجوده، و الله يعلم، هذا ما تيسّر لنا من الكلام فى هذا الفرع.
لأن الظاهر عدم القائل بالفصل، و بعض الروايات السابقة تساعد على تعميم الحكم انتهى، أقول: تعميم الحكم مما لا ريب
ص: 385
و لا شبهة يعتريه.
قال الشهيد ان فى الدروس و الروضة: و لا فرق بين المحرم و الاجنبية، و المقتدمة و المنفردة، و الصّلوة الواجبة و المندوبة، و فى القواعد سواء صلت بصلوته او منفردة، و سواء كانت زوجته او مملوكته، او محرمة او اجنبية، و فى الشرايع: سواء صلت بصلوته او كانت منفردة، سواء كانت محرما او اجنبية.
و به صرح جماعة من الاصحاب، و يمكن ان يكون حكمهم بذلك على سبيل الموجب كما عن الشيخ، و يدل عليه صحيحة محمد بن مسلم، المروية فى التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، عن احدهما (ع)، قال: سألته عن المراة تزامل الرّجل فى المحمل، يصليان جميعا؟ فقال: لا و لكن يصلى الرّجل اذا فرغ صلت المراة، و رواها فى الكافى ايضا، بسند فيه سهل، و قد نقلناها سابقا ايضا، و دلالتها على الوجوب ظاهرة كرواية ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال:
سألته عن الرجل و المراة يصليان جميعا فى المحمل ايضا؟ قال: لا و لكن يصلى الرّجل و تصل المراة، قال بعض الأجلاء: و العطف فيها و ان كان بالواو المفيدة لمطلق الجمع، الا ان سياق الخبر يدل على انها بمعنى ثم، و هو كثير الاستعمال فى الأخبار، كما لا يخفى على من جاس خلال الدّيار، انتهى.
و لا وجه لحمل الأمر على الاستحباب، كما ذهب اليه القائلون بالكراهة، و جملة من القائلين بالمنع على ما يحكى، و لا يمكن ان يستدل لهم بصحيحة عبد اللّه بن ابى يعفور المتقدمة، المشتملة لقوله: اصلى و المراة الى جنبى و هى تصلى، فقال: لا ان تقدم هى او انت، لاحتمال التقدم المكانى او لأن التعارض بين هذه و صحيحة محمد بن مسلم، من تعارض العام و الخاص المطلقين، و صحيحة ابن مسلم مقدمة لخصوصيتها بصورة اجتماعها فى مكان واحد بالنحو المتقدم، او لما ذكره بعض المحققين، بانه يحتمل ان يكون المراد بانها ان اتفق
ص: 386
تقدم صلوتها على صلوتك لا يكون حينئذ منع، و تقدم صلوتها ربما يكون لعدم ارادة الرجل الصّلوة، او انها ما كانت تدرى انه يريد الصلوة، او تدرى لكن ما كانت تدرى المسئلة، او كانت تدرى المسئلة لكنها عصت و تقدمت انتهى و بالجملة: القول بالوجوب هو الاحوط، ان لم نقل بكونه اظهر، و عليه كما هو المختار، فلو عصت و صلّت اولا فالظاهر صحة صلوتهما، و المصنف فى المنتهى على ما حكى ادعى على ذلك الاجماع.
كما صرح به جماعة، لتسلطها على ملكها، و صرح جمع بان الافضل لها تقديم الرّجل، و استند فى ذلك غير واحد منهم بالفحوى المستفاد من الخبرين المتقدمين.
لأن القرعة لكل امر مشكل و هذا منه، بل لعل الاقوى انّ الرّجل يتقدم من غير قرعة، لما يظهر من فحوى الخبرين و غيرهما انتهى، و الاقوى هو ما قواه.
و ان ضاق فان كان المكان لاحدهما اختص(1) به و لا يجوز ايثار الآخر على القول بتحريم المحاذاة، و ان كان لهما او استويا فيه امكن القول بالقرعه، فيصلى من خرج اسمه و يقضى الآخر، و قال بعض الاصحاب: و يرتفع المنع ايضا مطلقا مع الضرورة، كما صرح به جماعة، اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقّن، من النص و الفتوى
ص: 387
لاختصاصها بحكم التبادر، و غيره بحال الاختيار، مضافا الى فحوى ما دلّ على جواز الصلوة فى المغصوب مع الضرورة، و فى الصحيح: انما سميت مكة بكة لأنه يبتك بها الرجال و النساء، و المراة تصلى بين يديك و عن يمينك و عن يسارك و معك، و لا بأس بذلك، و انما يكره فى ساير البلدان، و عليه فلو كان كل منهما فى مكان لا يمكن فيه التباعد، و لا يحامل و لا يقدر ان يقوم على غيره، و ضاق الوقت، ارتفع المنع مطلقا.
و قال بعض المحققين: قد اطلع جمع من الاصحاب، ان هذا الحكم مقصور بحال الاختيار، فلو ضاق الوقت و المكان فلا كراهة و لا تحريم، و استشكله فى الرياض على تقدير الحرمة، بناء على ان المحاذاة مانع من الصحة مطلقا، و النصّوص مطلقه، و التقييد بحال الاختيار يحتاج الى دليل، و فيه ان الحكم بالبطلان مشكل بعد عدم ظهور شمول الاطلاقات لهذه الصورة، نظرا الى كونها غير متبادرة، و يجب حمل المطلقات على المتبادرة منها عند الاطلاق، دون غيرها، و لو سلم الشمول، فيجب تقييدها بالادلة الدالة على وجوب وقوع صلوة كل منهما فى الوقت دون خارجه، و ذلك لأن هذه الادلة اقوى بحيث لا يقاومها شىء من ادلة المنع، و ان قلنا بالدلالة عليه انتهى، و الاقوى هو قصر الحكم بحال الاختيار.
(و يزول المنع) كراهة او تحريما (مع الحائل) بين الرجل و المراة (او تباعد عشرة اذرع) فصاعدا (او مع وقوع الصلوة) منها (خلفه) بلا خلاف اجده فى الاولين، و فى الثالث فى الجملة، بل عن المعتبر و المنتهى الاجماع عليه، و هو الحجة مضافا الى المعتبر المستفيضة فى الأول، كصحيحة محمد بن مسلم الاولى المتقدمة، و رواية الحلبى المتقدمة المنقولة فى البحار، و ما رواه التهذيب فى زيادات باب ما يجوز الصّلوة فيه من اللباس و المكان، فى الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن الرجل يصلى فى المسجد حيطانه كوى كلّه قبلته و جانباه، و امراءة تصلى حياله يراها و لا تراه؟ قال: لا بأس،
ص: 388
و قد تقدم نقله فى البحار ايضا، و كرواية على بن جعفر المتقدمة، الواقعة قبل رواية حريز، المنقولين فى البحار، و المتجاوزة عن حدها فى الثالث.
و يدل على الثانى رواية على بن جعفر المتقدمة، المروية فى البحار المذكورة بعد موثقة عمار، و موثقة عمار، و فى دلالتها مناقشة، لأنها قد تضمنت اكثر من عشرة اذرع، و هو خلاف الاجماع على الظاهر، و قد نبه عليها جماعة من الاصحاب و ردّها بعض الأجلآء، بان المراد بهذه العبارة و نحوها عشرة اذرع فاكثر، من قبيل قوله سبحانه: «فَإِنْ كُنَّ نِسٰاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ»، اى اثنتين فما فوق، و مثله فى الأخبار غير عزيز، انتهى فتامل.
و ما اشتملت عليه الموثقة من قوله (ع): و ان كانت تصلى خلفه فلا بأس، و ان كانت تصيب ثوبه، ربما يعطى باطلاقه صحة الصلوة بتاخر موقفها عن موقفه، و ان حاذى بعض بدنها بعض بدنه حال ركوعها و سجودها، كما صرح بذلك فى الحبل المتين، و صحيحة زرارة المتقدمة، الواقعة بعد رواية ابن ابى يعفور، المشتملة لقوله (ع): الا ان يكون قدامها و لو بصدره، صريحة فى هذا المنعى، كما صرّح به فى الحبل المتين ايضا، و رواية ابن بكير المتقدمة، المروية فى الفقيه فى باب الجماعة المتقدمة، و الشارح الفاضل كما عن الشيخ على، فسّر كون صلوتها خلفه بتاخرها عنه، بحيث لا يحاذى شىء من بدنها شيئا من بدنه حتى موضع سجودها لقدمه، و فيه ما مضى.
قال فى التحرير، و لو كانت متاخرة عنه و لو بشبر او مسقط الجسد، او غير متشاغلة بالصلوة، لم يمنع صلوته: و قال المصنف رحمه اللّه فى المنتهى: لو صلت قدامه، او الى احد جانبيه و بينهما حايل، او بعد عشرة اذرع فما زاد لم تبطل صلوة واحد منهما اجماعا، و كذا لو صلّت متاخره عنه و لو بشبر، او بقدر مسقط الجسد، انتهى.
و ظاهر الشيخ فى كتابى الحديث، حصول الاكتفاء بالشبر، و استقر به الشارح المحقق قال: قصر اللحكم المخالف للاصل على موضع الوفاق، و ربما
ص: 389
تشعر عبارة المصنف بنقل الاتفاق على حصول الاكتفاء بالشبر او بقدر مسقط الجسد، و هذا القول عندى لا يخلو عن قوة، و صحيحة زرارة المتقدمة، المشتملة لقوله (ع): الا ان يكون قدامها و لو بصدره، لذلك شاهدة كغيرها.
قال فى المسالك: و اعلم ان الذراع مؤنث سماعى، فكان الاجود ترك الحاق التاء بعشرة، و فى رواية عمار الحاق التّاء، فكان المصنف رحمه الله تبع الرواية، و قال فى الحبل المتين: و لا يخفى ان الحاقه (ع) التاء بالعشرة فى الحديثين الاخيرين، يعطى عدم ثبوت ما نقله اللغويون،(1) من ان الذراع مؤنث سماعى انتهى.
و هو ظاهر كلام سبطه فى المدارك حيث قال: و يعتبر فى الحائل كونه جسما كالحايط و الستر، قاله بعض الأجلاء و فيه تامل، و كلام ساير الاصحاب على ما ذكره جماعة منهم مطلق فى ذلك، و روايتا على بن جعفر المتقدمتان دالتان على خلاف ما اختاره الشهيد.
لجواز الصّلوة و ان كانت قدامه عارية، و لمنع الاعمى و من غمض عينيه، و قريب منه كلامه فى التذكرة.
و عن البيان: و فى تنزيل الظلام او فقد البصر منزلة الحائل نظر، اقربه المنع، و اولى بالمنع الصحيح نفسه من الابصار، و استوجه المصنف رحمه الله فى التحرير الصحة فى الاعمى، و استشكل فيمن غمض عينيه، و قال فى المسالك:
المعتبر فى الحائل كونه جسما كالحايط و الستر، فلا يعتد بنحو الظلمة مع
ص: 390
احتماله، و فقد البصر منها بمنزلة الظلمة، لأمن احدهما خاصة، و لا بتغميض الصحيح عينيه.
و قال فى الرياض: و المراد بالحائل: الحاجز بينهما بحيث يمنع الرؤية من جدار و ستر و غيرهما، و الظاهر ان الظلمة و فقد البصر كافيان فيه و هو اختيار المصنف فى التحرير، لا تغميض الصحيح عينيه مع احتماله انتهى و الظاهر عدم اجزاء شىء من ذلك، كما استظهره جماعة من المتأخرين، لأن الوارد فى النصوص اما بلفظ الحاجز او الستر او الحايط، و شىء من هذه الالفاظ لا يصدق على ما ذكره، فيكون ما ذكره خاليا عن الدليل، و بالجملة: حكم الشرع تعبّدى، و لا يجوز التجاوز عن ظاهر النصّ الا بالدليل الواضح، و هو غير ظاهر لنا.
و هو واضح مع المحاذاة، اما مع تقديمها فالظاهر انه كذلك، لأنه المفهوم من التباعد عرفا و شرعا، كما نبهوا عليه فى تقدم الامام على الماموم، و يحتمل اعتباره من موضع السجود، لعدم صدق التباعد بين قدميها حالة السجود بذلك القدر، و ليس فى كلامهم تصريح بذلك فى شىء انتهى.
أقول: و يؤيد الأول ايضا، اعتبار ما لا يتخطى بين الامام و المامومين بعضهم مع بعض، فان مبداء ذلك هنا الموقف انتهى، و الظاهر هو اعتبار الموقف، لأنه المتبادر.
بحيث لا يبلغ من موقف الآخر الى اساس ذلك المرتفع عشر اذرع، و لو قدر الى موقفه، اما مع الحايط مثلا، او ضلع المثلث الخارج من موقفه الى موقف الآخر بلغه، ففى اعتباراتها نظر، و لم يبعد اعتبار الضلع.
قال بعض الأجلاء: قال فى الرياض: لو كانت اعلى منه او اسفل بحيث لا يتحقق التقدم و التاخر، و امكنت المشاهدة، فهل هو ملحق بالتقدم او بالتاخر
ص: 391
مقتضى اشتراط العشرة فى الرواية بالتقدم و المحاذاة، تقتضى عدم اعتبارها هنا، و اشتراط نفى الباس بالصلوة خلفه، تقتضى اعتبار العشرة هنا لعدم تحقق الخلفية، فمفهوما الشرط متدافعان، و الظاهر انه ملحق بالتاخر لاصالة الصحة و عدم المانع، خرج منه حالة التقدم و المحاذاة فيبقى الباقى، مع ان فرض الرؤية فى ذلك بعيد جدا، انتهى.
أقول: فرض المسئلة المذكورة، هو كون المراة فى مكان عال او اسفل، بحيث كان موقفها محاذيا لموقف الرّجل فى جهة العلو و الاسفل، و مجرد فرض العلو و الاسفل فى العبارة اعم من ذلك، فكان الاولى ان يقول: بحيث لا يتحقق التقدم و التاخر و لا المحاذاة يمينا او يسارا، فانها قد تكون اعلى منه، و لكنها فى جهة اليمين عنه او اليسار، فتحصل المحاذاة و المساواة فى الموقف، و ان كان فى محل ارفع.
و قال بعض المحققين: لو كانت اعلى منه او اسفل، بحيث لا يتحقق التقدم و لا التاخر و امكنت المشاهدة، فالظاهر هو الصحة، لعدم معلومية دخول مثل هذه الصورة فيما دل على اشتراط الخلفية فى رفع الحكم حرمة او كراهة، و تردد الشهيد فى ذلك، نظرا الى ان مقتضى اشتراط العشرة فى الرّواية بالتقدم و المحاذاة، عدم الحاقها بالتقدم و التاخر و المحاذاة، و اشتراط نفى الباس بالصلوة خلفه، يقتضى اعتبار العشرة هنا، لعدم تحقق الخلفية، فمفهوم(1)الشرط تعارضا تدافعا، و فيه ما عرفت من ان الصّورة النادره الشاذة الغير المتبادر من الاطلاق ليست داخلة فيها، انتهى.
(و يكره) الصلوة (ايضا فى الحمام) على الاشهر الاظهر، بل لا خلاف فيه يظهر، الا ما حكى عن ابى الصّلاح انه منع من الصلوة فيه و تردد فى الفساد، و يظهر من الصدوق فى الخصال ايضا المخالفة كما سيظهر، و لكن لم ار من نقل
ص: 392
خلافه فى المقام، و على خلافهما الاجماع عن الغنية، و هو الحجة الصارفه للنهى الذى سننقله الى الكراهة.
و لأبى الصلاح ما رواه الصدوق فى الفقيه مرسلا، فى باب المواضع التى تجوز الصّلوة فيها و المواضع التى لا تجوز فيها، و فى الكافى مسندا فى باب الصلوة فى الكعبة و فوقها و فى البيع و الكنايس، و المواضع التى تكره الصلوة فيها، عن عبد اللّه بن الفضل، عمن حدثه، عن ابى عبد الله (ع)، قال: عشرة مواضع لا يصلى فيها: الطين، و الماء، و الحمام، و القبور، و مسان الطريق، و قرى النمل و معاطن الابل، و مجرى الماء، و السبخة،(1) و الثلج.
و روى فى البحار عن المحاسن، عن ابيه، عن ابن ابى عمير، عمن رواه، عن ابى عبد الله: مثله، و منه(2) عن ابيه، عن عبد اللّه بن الفضل النوفلى، عن ابيه، عن شيخه، عنه عليه السلام: مثله.
و روى عن الخصال(3) عن ابيه، عن سعد بن عبد الله، عن البرقى، عن عبد اللّه بن الفضل: مثله، الا انه اسقط لفظ (القبور و زاد) فى اخره (و وادى ضجنان) ثم قال(4) رضى اللّه عنه: هذه الموضع لا يصلى فيها الانسان فى حال الاختيار، فاذا حصل فى الماء و الطين و اضطر الى الصّلوة فيه فانه يصلى ايماء، و يكون ركوعه اخفض من سجوده و اما الطريق فانه لا بأس ان يصلى على الظواهر التى بين الجواد، فاما على الجواد فلا يصلى، و اما الحمام فانه لا يصلى فيه على كل حال، فاما مسلخ الحمام فلا بأس بالصلوة فيه لأنه ليس بحمام، و اما قرى النمل فلا يصلى فيها، لأنه لا يتمكن من الصلوة لكثرة ما يدب عليه من النمل:
فيؤذيه فيشغله عن الصلوة، و اما معاطن الابل، فلا يصلى فيها الا اذا خاف
ص: 393
على متاعه الضيعة، فلا بأس حينئذ بالصّلوة فيها، و اما مرابض الغنم فلا بأس بالصلوة فيها، و اما مجرى الماء فلا يصلى فيه على كل حال، لأنه لا يؤمن ان يجرى الماء اليه و هو فى صلوته، و اما السبخة فانه لا يصلى فيها نبىّ و لا وصىّ نبى، فاما غيرهما فانه متى دق مكان سجوده، حتى تتمكن الجبهة فيه مستوية فى سجوده، فلا بأس، و اما الثلج فمتى اضطر الانسان الى الصّلوة عليه، فانه لا يدق فى موضع جبهته حتى يستوى عليه فى سجوده، و اما وادى ضجنان و جمع الاودية فلا يجوز الصلوة فيها، لانها ماوى الحيّات و الشياطين انتهى، و هذا الخبر و ان كان دالا بظاهره على حرمة الصلوة فى الحمام، لكنه محمول على الكراهة، كخبر المحاسن المروى فى البحار، عن النوفلى باسناده قال: قال رسول الله (ص) (ع): الارض كلها مسجد الاّ الحمام و القبر لما مضى.
و لما رواه الصدوق فى الفقيه فى الباب المتقدم فى الصحيح، عن على بن جعفر، انه سأل اخاه موسى بن جعفر عليهما السلام، عن الصلوة فى بيت الحمام، فقال: اذا كان الموضع نظيفا فلا بأس، و لما رواه التهذيب فى زيادات باب ما يجوز الصلوة فيه من اللّباس و المكان، فى الموثق عن عمار الساباطى قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الصلوة فى بيت الحمام، قال: اذا كان موضعا نظيفا فلا بأس.
و ظاهر الخبرين، كخبر قرب الاسناد المروى فى البحار، عن عبد الله بن الحسن، عن جده على بن جعفر، عن اخيه (ع)، قال: سألته عن الصلوة فى بيت الحمام من غير ضرورة، قال: لا بأس اذا كان المكان الذى صلى فيه نظيفا، عدم الفرق بين المسلخ و غيره.
و المفهوم من كلامى الصدوق فى الخصال و الفقيه، و الشيخ فى التهذيب، تخصيص روايات الجواز بالمسلخ، اما كلامه فى الخصال فقد عرفته، و قال فى الفقيه فى الباب المتقدم: و لا بأس بالصّلوة فى مسلخ الحمام، و انما يكره فى الحمام لأنه ماوى الشياطين، ثم نقل صحيحة على بن جعفر المتقدمة، و قال:
ص: 394
يعنى المسلخ، و صرح على موضع اليقين و هو موضع الاشتقان، و فيه نظر.
و اما ما ذكره فى الخصال من ان المسلخ ليس بحمام، ففيه منع ظاهر، قيل: فان كان ما ذكروه وجه جمع بين محوى النهى على الكراهة فى غير المسلخ، يحتاج الى دليل، اذ هو حقيقة فى التحريم، انتهى.
و اما تعليل الصدوق، بانه ماوى الشياطين، فغير ظاهر، و عن المصنف رحمه اللّه فى التذكرة، انه احتمل ثبوت الكراهة فى المسلخ، و بنى الاحتمال على علة النهى، فان كانت النجاسة لم يكره، و ان كانت كشف العورة فيكون ماوى الشياطين كره، و ردّ بانه ضعيف، لجواز ان لا يكون الحكم معللا، او يكون العلة غير ما ذكره.
و اما سطح الحمام فلا تكره الصلوة فيه، قال فى الحبل المتين: و اما سطح الحمام، فالظاهر عدم كراهة الصلوة عليه قولا واحدا.
(و) يكره الصّلوة ايضا فى (بيوت الغائط) على الاشهر الاظهر، بل لا خلاف فيه يظهر الا من ظاهر المفيد فى المقنعة، حيث قال فيها: و لا يجوز الصّلوة فى بيوت الغايط، و الظاهر ان المراد منها المواضع المعدة لذلك، و قول المفيد محجوج عليه بالاجماع المحكى عن الغنية على خلافه، قال بعض الأجلاء بعد نقل كلام المقنعة. و حمله الاصحاب على ارادة الكراهة لعدم ما يوجب التحريم، اذ ليس الا انه مظنة النجاسة، و غاية ما يوجب ذلك ارادة الكراهة، انتهى.
و استدل للحكم المذكور، بما رواه الكافى فى الباب المتقدم فى المسئلة السّابقة فى الصحيح، عن محمد بن مروان، عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): ان جبرئيل اتانى فقال: انا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب، و لا تمثال جسد، و لا اناء يبال فيه.
و ما رواه ايضا فى الباب عن عمرو بن خالد، عن ابى جعفر (ع) قال:
قال جبرئيل (ع): يا رسول اللّه، انا لا ندخل بيتا فيه صورة انسان، و لا بيتا يبال فيه، و لا بيتا فيه كلب، قال فى المدارك: و نفور الملائكة فيه يؤذن بكونه موضع رحمه فلا يصلح ان يتخذ للعبادات.
ص: 395
قال بعض الأجلاء: و انت خبير بما فى هذا الاستدلال من البعد عن المدعى، اذ المدعى بيوت الغايط، و البول لا يستلزم الغايط، انتهى.
أقول: الا ظهر الاستدلال على المطلب، بما رواه التهذيب فى باب فضل المساجد و الصلوة فيها، فى الزيادات عن عبيد بن زرارة قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: الارض كلها مسجد الاّ بئر غايط او مقبرة: قال بعض الأجلاء:
و فى رواية: او حمام.
و ما رواه الكافى فى الباب المتقدم فى المسئلة السابقة، عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبى عبد اللّه (ع): اقوم فى الصلوة فارى قدامى فى القبلة العذرة، فقال: تنح عنها ما استطعت، و لا تصل على الجواد، قال فى شرح النفلية بعد نقل الخبر: فيكون بيت الغايط اولى، انتهى هذه الرّواية مكروه آخر غير ما نحن فيه، و هو ان يصلى الى عذره فى قبلته، كما ذكره بعض الاصحاب، انتهى.
أقول: خالف من ذلك ابو الصلاح حيث قال: لا يجوز التوجه الى النار، و السّلاح المشهور، و النجاسة الظاهرة، و المصحف المنشور، و القبور، و لنا فى فساد الصّلوة مع التوجه الى شىء من ذلك نظر، و لا يخفى ان مقتضى رواية عمرو بن خالد، هو اولوية الاجتناب عن الصلوة فى البيت المبال فيه، قيل و المظنة حاصلة فى عدم الفرق بين البول و الغايط فى امثال المقام.
و بالجملة قد عرفت قيام الدليل على كراهة الصلوة فى بيوت الغايط، مضافا الى التفصى عن خلاف المقنعة، و كان الاولى ان يعبر المصنف رحمه الله فى المقام هكذا: و بيت الغايط، و بيت يبال فيه، و الى عذره.
يظهر من رواية محمّد بن مروان، كراهة بيت فيه الاناء الموضوع فى المهد تحت الطفل، و يلزم من ذلك العسر و الحرج، قال و بعض المحققين: و الظاهر من الروايتين، الكراهة فى بيت فيه الاناء الموضوع فى المهد تحت الطفل يبول فيه،
ص: 396
كما هو المتعارف فى العراق و غيره من البلدان، و يلزم منها عسر و حرج، مع احتمال ان يكون المتبادر ما يكون فيه المكلف او المميز ايضا، لكن ظاهر اللفظ العموم، انتهى، أقول: يمكن ان يقال: ان الرواية غير شاملة لحال الاضطرار، فلا كراهة فيما ذكر، و اللّه يعلم.
(و) فى (معاطن الابل) بلا خلاف اجده، الا عن ابى الصلاح فذهب الى التحريم، كما هو ظاهر المفيد فى المقنعة، و لعله عبارة الخصال المتقدمة ايضا مشعرة بالمخالفه، و لكن لم اجد من الاصحاب من نقل خلافه، و الأخبار المتعلقة بالمسئلة مستفيضة:
منها: ما تقدم فى بيان كراهة الصّلوة فى الحمام اليه.
و منها ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب المواضع التى تجوز الصلوة فيها، فى الصحيح عن الحلبى، انه سأل ابا عبد الله (ع)، عن الصلوة فى مرابض الغنم، فقال: صلّ و لا تصلّ فيه، و رواه الكافى ايضا فى باب الصّلوة فى الكعبة و فوقها، و فى البيع و الكنايس و المواضع التى تكره الصّلوة فيها باسناد فيه ابراهيم بن هاشم.
و منها ما رواه الكافى فى الباب المتقدم، فى الصحيح عن محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الصلوة فى اعطان الابل، فقال: ان تخوفت الضيعة على متاعك، فاكنسه و انضحه، و لا بأس بالصلوة فى مرابض الغنم، و رواه التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس و المكان، بادنى تفاوت فى المتن.
و منها ما رواه التهذيب فى الباب المتقدم فى الموثق، عن سماعة قال:
سألته عن الصّلوة فى اعطان الابل، و فى مرابض البقر و الغنم، فقال: ان نضحته بالماء و قد كان يابسا فلا بأس بالصلوة فيها، فاما مرابط الخيل و البغال فلا.
و منها صحيحة على بن جعفر المروية فى كتابه، على ما فى البحار، عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن الصلوة فى معاطن الابل، ايصلح؟ قال:
ص: 397
لا يصلح الا ان تخاف على متاعك ضيعة، فاكنسه ثم انضح بالماء ثم صل، و سألته عن معاطن الغنم، تصلح الصلوة فيها؟ قال: نعم لا بأس.
و منها ما رواه فى البحار عن المحاسن، عن ابيه، عن صفوان، عن ابى عثمان، عن معلى بن خنيس قال: سألت ابا عبد الله (ع)، عن الصلوة فى معاطن الابل، فكرهه ثم قال: ان خفت على متاعك شيئا، فرش بقليل ماء و صلّ.
و روى فى البحار عن الجمهور، عن النبى (ص) قال: اذا ادركتم الصلوة فانتم فى مراح الغنم، فصلوا فيها فانها سكينه، قال: و ان ادركتم الصلوة و انتم فى اعطان الابل، فاخرجوا منها و صلوا، فانها جنّ من جنّ خلفت، الا ترونها اذا نفرت كيف تشمخ بانفها، و عن الجوهرى و غيره: شمخ الرجل بانفه، اذا تكبر، عن جابر بن سمرة: ان رجلا سأل رسول الله (ص): انصلى فى مرابض الغنم؟ قال نعم. قال: انصلى فى مبارك الابل؟ قال لا، و عن البراء قال: قال رسول اللّه (ص): لا تصلوا فى مبارك الا بل فانها من الشياطين.
و الاقوى هو ما اختاره المشهور، و خلاف الحلبى و المفيد نادر، بل على خلافهما الاجماع المحكى عن المختلف و الخلاف، و هو الحجة الصارفة للنهى الى الكراهة، مضافا الى الجواز المستفاد من موثقة سماعة المتقدمة.
و الأول اخصّ من الثانى بحسب اللغة، قال فى القاموس: العطن محركه: وطن الابل و منزلها حول الحوض، و مربض الغنم حول الماء، و عن الجوهرى انّه قال: العطن و المعطن واحد الاعطان و المعاطن، و هى مبارك(1) الابل عند الماء لتشرب
ص: 398
عللا بعد نهل، فاذا استوفت ردت الى المراعى و الاظماء، و قال ابن السّكيت على ما نسب: و كذا تقول: هذا عطن الغنم و معطنها، لمرابضها حول الماء، و قال:
العلل: الشرب الثانى، و النهل: الشرب الأوّل.
قال فى البحار، بعد نقل كلام الفيروزآبادى: و قريب منه كلام ابن الاثير و غيره، و قال فى مصباح اللغة: العطن الابل المناخ و لا تكون الا حول الماء، و الجمع اعطان نحو سبب و الاسباب، و المعطن وزان مجلس مثله، و عطن الغنم و معطنها ايضا مربطها حول الماء، قاله ابن السّكيت و ابن قتيبة، و قال ابن فارس: قال بعض اهل اللغة: لا يكون اعطان الابل الاّ حول الماء، فاما مباركها فى البريه او عند الحى فهى الماوى، و قال الازهرى ايضا: عطن الا بل موضعها الذى تتنحّى اليه اذا شربت الشربة الاولى فتبرك فيه، ثم يملاء الحوض لها ثانيا، فتعود من عطنها الى الحوض فتعل، اى تشرب الشربة الاولى،(1)و هو العلل، و لا يعطن الابل على الماء الا فى حمّارة(2) القيظ، فادا برد الزمان فلا عطن للابل، و المراد بالعطن فى كلام الفقهاء: المبارك، انتهى.
أقول: صرّح جماعة بان الاصحاب حكموا بالتعميم، و ان كان مقتضى كلام اهل اللغة ما عرفت، قال بعض المحققين: معاطن الابل على ما فسره الاصحاب: مواضعها التى تاوى اليها للمقام او الشرب، و مقتضى كلام اهل اللغة انها اخص من ذلك قالوا: معاطن الابل مباركها حول الماء لتشرب عللا بعد نهل.
و قال فى البحار: و ظاهر الفقهاء ان الكراهة تشمل على موضع يكون فيه الابل، و الاولى ترك الصّلوة فى الموضع الذى تاوى اليه الابل، و ان لم تكن فيه وقت الصّلوة، كما يومى اليه بعض الأخبار، و صرح به العلامة فى المنتهى، معللا بانها بانتقالها عنها لا تخرج عن اسم المعطن اذا كانت تاوى اليه، ثم ان
ص: 399
الذى ورد فى اخبارنا انما هو بلفظ (العطن) و قد عرفت مدلولة لغه، و اكثر اصحابنا حكموا بالتعميم، كالمحقق و العلامة.
و قال ابن ادريس فى السرائر، بعد تفسير المعطن بما نقلناه: هذا حقيقة المعطن عند اهل اللغة، الا ان اهل الشرع لم يخصصوا ذلك بمبرك دون مبرك.
و قال فى المدارك: مبارك الابل هى مواضعها التى تاوى للمقام و الشرب - الى ان قال - و قد صرح المصنف و العلامة، بان المراد باعطان الابل مباركها، و مقتضى كلام اهل اللغة، انها اخص من ذلك، فانهم قالوا: معاطن الابل مباركها حول الماء لتشرب عللا بعد نهل، و العلل الشرب الثانى و النهل الشرب الاول، لكن الظاهر تعقل الفرق بين موضع الشرب و غيره، و ينبّه عليه التعليل المستفاد من الحديث النبوى.
و قال فى المسالك: مباركها يشمل مقامها ليلا، و معاطنها حول الماء لتشرب عللا بعد النهل، اى ثانيا بعد الأول، كما ذكره اهل اللغة، فهو اولى من التعبير بمقالهم الابل، لأنه اخص، و ليس المانع عندنا فضلاتها لانها طاهرة، بل النصّ و علل فيها بانها جنّ من جن خلفت، الا ترونها اذا نفرت كيف تشمخ انفها.
و قال فى الحبل المتين: و المراد باعطانها مطلق مباركها التى تاوى اليها، لا مباركها حول الماء للشرب عللا بعد نهل، قاله صاحب الصحاح، و العلل الشرب الثانى و النهل الشرب الأول، و الفقهاء جعلوه اعم من ذلك، و هى مبارك الابل مطلقا التى تاوى اليها، يدل عليه ما فهم من التعليل بكونها من الشياطين، انتهى.
و قال بعض الأجلاء: و كلام اهل اللغة صريح فى تخصيص اسم المعاطن بمبارك الابل عند الشرب، و المفهوم من كلام الاصحاب انهم من ذلك، و بذلك صرح ابن ادريس فى السّرائر، ثم نقله كلامه فقال: و لعلّهم بنوه على عدم تعقل
ص: 400
الفرق بين موضع الشرب و غيره، و هو محتمل الا انه لا يخلو من نوع اشكال، لأن من قواعدهم الرجوع فى معانى الالفاظ - بعد تعذر الحقيقة الشرعية و العرف الخاص - الى كلام اهل اللغة، ثم نقل جملة من الأخبار المتقدمة، و قال: ظاهر هذه الأخبار من حيث دلالتها، على انه ان كان يخاف على متاعه الضيعة جاز له الصلوة فيه من غير كراهة، بعد ان يكنسه و يرشه، هو الدلالة على القول المشهور فى تفسير اعطان الابل بمباركها، حيث كان من غير تقييد بما ذكره اهل اللغة، بل الظاهر التخصيص بموضع النزول، و ذلك فان الظاهر من هذا الكلام، هو ان القافلة متى نزلوا فى مكان، فجمالهم و رحالهم و اثقالهم فى ذلك المكان، و انه يكره الصّلوة فى ذلك، فينبغى ان يخرج الى مكان آخر خارج عن محلّ النزول، الا ان كان يخاف من خروجه الضيعة على متاعه فانه يصلى فيه، و الا فانه مناسبة بين هذا التعليل و بين تخصيص المعاطن بمواضع السقى، كما هو ظاهر، فان موضع السقى ليس محل مقام متخذ للنزول و وضع الاثقال و الاحمال فيه، انتهى.
و قال فى البحار، بعد ان نقل الروايات العامية المتقدمة، و لا يخفى ان بعض تلك الرّوايات على تقدير صحتها، تومى الى كراهة الصّلوة فى كل موضع حضر فيه ابل، مع انهم ذكروا فى الستره انها تتحقق بالبعير، و رووا ان النبى (ص) صلى الى بعير، و رووا عنه (ص) انه كان يعرض راحلته و يصلى اليها، قال قلت: فاذا ذهبت الركاب، قال: يعرض الرحل و يصلى الى آخرته.
قال العلامة فى المنتهى: لا بأس ان يستتر ببعير او حيوان، ثم ذكر الرّوايتين الاخيرتين، و قال رحمه اللّه فى المعاطن، بعد الروايات الاولة: و الفقهاء جعلوه اعم من ذلك، و هى مبارك الابل مطلقا التى تاوى اليها و يدل عليه ما فهم من التعليل بكونها من الشياطين، ثم قال: و المواضع التى يثبت فيها الابل فى سيرها او تناخ فيها اوردها، الوجه انه لا بأس بالصلوة، لانها لا تسمى معاطن، و لو صلى الى هذه المواضع لم يكن به بأس و ليس مكروها.
ص: 401
خلافا لبعض الجمهور، انتهى.
و قد عرفت انه لو صح التعليل، لدل على كراهة مطلق المواضع التى تحضر الابل فيها، و الا فينبغى ان يقتصر على مدلول المعاطن لغة، مع ان الروايات عامية لا عبرة بمدلولاتها، انتهى.
أقول: قد تخلص من هذه العبائر، ان المراد بالمعاطن هو المبارك، لما ذكره ابن ادريس، و هى كما عن التحرير بان عليه الفقهاء، و كيف كان فالقول بكراهة الصلوة فى المواضع التى تاوى اليها للمقام او الشرب لا يخلو عن قوة، اما لكون المراد من المعاطن الواردة فى اخبارنا ذلك، كما عليه الفقهاء على ما حكاه المصنف رحمه اللّه و الحلى، مع ان المحكى عن العين و المقاييس ما يوافق هذا، او لبعض الأخبار العامية التى يكتفى بها فى المقام للتسامح، كخبر جابر بن سمرة و البراء المتقدمين، او للتعليل المستفاد من النبويين المتقدم اليهما الاشارة، او لما ذكره بعض الأجلاء المتقدم نقل كلامه.
هذا مضافا الى ما رواه الصدوق فى الفقيه فى باب ذكر جمل من مناهى رسول الله (ص)، عن الحسين بن زيد، عن الصادق جعفر بن محمد، عن ابيه، عن آبائه، عن مولانا امير المؤمنين على بن ابى طالب، انه قال: نهى رسول الله (ص): ان يصلى الرّجل فى المقابر، و الطرق، و الارحية، و الاودية، و مرابط(1)الابل، و على ظهر الكعبة، و روى فى المجالس ايضا مثله.
فظهر بما رواه الصدوق، عدم احتياجنا الى التعميم فى المعاطن، للقول بكراهة الصلوة فى مبارك الابل، و لو كنا غير مكتفين بالأخبار العامية فى الاستحباب و الكراهة، لانا لو استدللنا على ذلك بالمعاطن و المرابط الواردتين فى اخبارنا لكان الدّليل منطبقا على المدعى.
ص: 402
بعونه تعالى و توفيقه قد تمّ الجزء الخامس حسب تجزئتنا من موسوعة البرغانى فى فقه الشيعة بحمد اللّه و منّه و قد بذلنا الجهد غايته فى تصحيحه و مقابلته للنسخة بخط المصنف (ره) و يليه الجزء السادس و أوله فى ملحقات المكان التى تكره فيه الصلاة
م م م م
م م م
م م
م
ص: 403
هوية الكتاب 2
المقدمة 4
لباس المصلى 5
فى المكان 257
محتويات الكتاب 404
ص: 404