موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد
سایر عناوین: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد / إرشاد الأذهان إلی أحکام الإیمان. شرح
نویسنده:برغانی، محمدصالح بن محمد
سایر نویسندگان
محقق:
شهیدی صالحی، عبدالحسین
تعداد جلد: 8
زبان: عربی
ناشر: مجمع هماهنگی مؤسسات اسلامی. نمايشگاه دائمی کتاب - تهران - ایران
کد کنگره: /ع 8 الف 4022 182/3 BP
محرر رقمی : میثم حیدری
ص: 1
موسوعة البرغاني في فقه الشیعة: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد
سایر عناوین: المسماة ب-: غنیمة المعاد في شرح الإرشاد / إرشاد الأذهان إلی أحکام الإیمان. شرح
نویسنده:برغانی، محمدصالح بن محمد
ص: 2
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
و ما يتبعه من التكفين و التحنيط و الدفن(1) و غسل المس (و هو فرض على الكفاية) لا على الاعيان، فاذا اتى به بعض المكلفين سقط عن الباقين (و كذا باقى احكامه) المتعلقة بالميت، من توجهه الى القبلة و تكفينه و تحنيطه و دفنه اجماعا كما عن الجماعة، و اما بذل
ص: 3
الكفن و الحنوط و ماء الغسل فسيأتى الكلام فيه.
فهل المعتبر فى السقوط العلم بوقوع الفعل كما اختاره الجماعة؟ او يكفى الظن الغالب كما عن اخرى؟ وجهان ينشأن من الاصل فالاول، و من امتناع العلم بفعل الغير في المستقبل فلا تكليف به، و الممكن انما هو تحصيل الظن و استبعاد وجوب حضور جميع اهل البلد الكبير عند الميت حتى يدفن فالثانى و الاول اقرب.
و العلم بقيام الغير حاصل بالمشاهدة او اخبار جماعة يوجب العلم، و ليس الوجوب مضيقا حتى يجب حضور جميع المكلفين من اهل البلد، نعم اذا اطلع على الموت و لم يحصل له العلم بقيام الغير على الافعال و تضيق وقت الواجب، فعليه الحضور من غير تراخ.
و حكى فى الرياض عن بعض تلامذة المصنف بان الظن ان كان مما نسبه الشارع حجة كشهادة العدلين جاز الاستناد فى اسقاط الوجوب اليه، و ان كان دون ذلك كشهادة الفاسق بل العدل الواحد فلا.
و فصل فى الرياض بان شهادة العدلين ان كان بان الفعل قد وقع فمسلم و ان كان انه يقع او تلبس به فلا.
اقول اخبار العدلين بوقوع الفعل مع عدم حصول العلم انما ينفع لو ثبت حجيته على الاطلاق، و للتأمل فيه مجال، و مفهوم آية النباء على فرض التمامية يشمل للعدل الواحد ايضا فلا وجه للتخصيص بالعدلين.
و فرض الغسل متحقق (لكل ميت مسلم) وفاقا للمشهور، عملا بما استدل عليه فى الذكرى من قول مولانا الصادق (ع): اغسل كل الموتى الا من قتل بين الصفين.
خلافا للمحكى عن القاضى و القواعد، فلا يجوز غسل مخالف للحق فى الولاية، و هذا وجيه ان حكمنا بكفرهم، و اما على المشهور من اجراء احكام الاسلام عليهم فلا.
ص: 4
و اما ما ذهب اليه بعض متأخرى المتأخرين، من عدم جواز تغسيل ما عدا الامامية، بناء على عدم انصراف الاطلاق اليهم، ففيه نظرا و لست تنظر الى العام المتقدم المعتضد بالشهرة.
و فى حكم المسلم المتولد منه طفلا كان او مجنونا او سقطا له اربعة اشهر فصاعدا، بلا خلاف كما قاله بعض الاجلاء، و سيأتى تفصيل الأخير، و الحق ايضا لقيط دار الاسلام، او دار الكفر و فيها مسلم صالح للاستيلاد بحيث يمكن الحاقه به.
قال فى الرياض: و فى كون الطفل المسبى اذا كان السابى مسلما، و الطفل المتخلق من ماء الزانى المسلم، فيجب تغسيله، نظر من الشك فى تبعية المسبى فى جميع الاحكام، و انما المعلوم تبعيته فى الطهارة و عدم لحوق الثانى بالزانى شرعا، و من اطلاق الحكم بالتبعية و كون الثانى ولدا لغة فيتبعه فى الاسلام، كما يحرم نكاحه، انتهى.
اقول اما ابن الزنا البالغ المظهر للاسلام، فعن المنتهى عدم الخلاف فى وجوب تغسيله من قتادة، و فى التذكرة ولد الزنا يغسل، و به قال الشيخ، و من قال من اصحابنا بكفره منع من غسله.
و يدخل فى الكلية جميع فرق المسلمين فيجب تغسيل الميت منهم (عدا الخوارج) و هم اهل النهروان و من دان بمذهبهم، و يطلق هذه الفرقة على كل من كفر عليّا (ع)، كما صرح غير واحد (و الغلاة) جمع غال و هو من اعتقد الهية احد من الناس، كما قاله غير واحد و المراد هنا من اعتقد الهية على (ع) قاله فى الرياض، و كذا يجب استثناء كل من حكم بكفره من فرق المسلمين كالنواصب و المجسمة، بل كل من فعل فعلا او قال قولا تحقق به كفره.
و بالجملة لا يجوز تغسيل الكافر ذميا كان او حربيا، مرتدا كان او اصليا، قريبا كان او بعيدا، عند علمائنا اجمع كما فى التذكرة، و فى التهذيب على عدم جواز غسل الكافر اجماع الامامية، و فى الذكرى الكافر لا يغسل باجماعنا.
ص: 5
اقول و كذا لا يجوز تكفينه و دفنه كما عن الاصحاب، و عن بعض عليه الاجماع، و فى موثقة عمار المروية فى التهذيب فى اواخر باب تلقين المحتضرين عن الصادق (ع): عن النصرانى يكون فى السفر و هو مع المسلمين فيموت؟ قال: لا يغسله مسلم و لا كرامة و لا يدفنه و لا يقوم على قبره و ان كان اباه.
و عن التحرير عن شرح الرسالة للمرتضى، عن يحيى بن عمار، عن الصادق عليه السلام: النهى عن تغسيل المسلم قرابته الذمى و المشرك و ان يكفنه و يصلى عليه و يلوذ به عن الاحتجاج عن صالح بن كيسان: ان معاوية قال للحسين (ع) هل بلغك ما صنعت بحجر بن عدى شيعة ابيك و اصحابه؟ قال (ع): و ما صنعت بهم قال قتلناهم و كفناهم و صلينا عليهم، فضحك الحسين (ع) فقال:
خصمك القوم يا معوية لكنا قد قتلنا شيعتك ما كفنّاهم و لا غسلناهم و لا صلينا عليهم و لا دفناهم.
و عن المرتضى: فان لم يكن من يواريه جاز مواراته لئلا يضيع، و فيه ما ترى.
و اولاد الكفار كالكافر بلا خلاف اطلع عليه اصلا.
(و يغسل المخالف غسله) كما عن المشهور، قيل ربما كان المستند قولهم (ع): الزموا بما الزموا به انفسهم.
اقول و يمكن الاستدلال ايضا بالمروى فى الكافى فى باب معرفة دم الحيض و العذرة، فى الصحيح عن خلف بن حماد، عن مولانا الكاظم (ع)، و فيه:
لا تعلموا هذا الخلق اصول دين الله بل ارضوا لهم ما رضى الله لهم من ضلال الخبر، فتأمل، و لو لم يعرف كيفية الغسل عندهم جاز تغسيله بغسل اهل الحق على ما حكى عن المشهور.
(و يجب عند الاحتضار) و هو وقت الشروع فى نزع الروح، سمى به اما لحضور الملائكة عنده، او لحضور اهله، او لحضور المؤمنين لغرض التجهيز، او لحضور عقل المريض فى تلك الساعة كما فى الخبر (توجيهه) اى الميت (الى
ص: 6
القبلة) وفاقا للمشهور كما ادعاه الجماعة، عملا بالمروى فى الكافى فى باب توجيه الميت، فى الصحيح، عن سليمان بن خالد عن الصادق (ع): اذا مات لأحدكم ميت فسجوه تجاه القبلة، و كذلك اذا غسل يحضر له موضع المغتسل تجاه القبلة، فيكون مستقبل باطن قدميه و وجهه الى القبلة.
و فى الباب عن ابراهيم الشعيرى و غير واحد، عن الصادق (ع) فى توجيه الميت، قال: تستقبل بوجهه القبلة و تجعل قدميه مما يلى القبلة.
و فى الباب عن معوية بن عمار عن الصادق (ع): عن الميت؟ فقال:
استقبل بباطن قدميه القبلة.
و فى العلوى المروى فى النهاية فى باب غسل الميت: دخل رسول اللّه (ص) على رجل من ولد عبد المطلب و هو فى السوق(1)، و قد وجه لغير القبلة، فقال: وجهوه الى القبلة فانكم اذا فعلتم ذلك اقبلت عليه الملائكة، و اقبل الله عز و جل عليه بوجهه فلم يزل كذلك حتى يقبض.
و طعن التحرير فى الأخير بانه قضية فى واقعة فلا تدل على العموم، مما يرده التعليل، و ضعف السند منجبر بالشهرة، كخبرى ابراهيم و معوية، مع ان رواية سليمان صحيحة على الاظهر، و المراد بالميت فيها و فى نحوها المشرف على الموت اجماعا كما ادعاه بعض مشايخنا، معللا بعدم القائل بالامر به بعد الموت، مع اشعار قوله اذا غسل، به هذا مضافا الى صراحة المرسلة بذلك، و عليه فما ذهب اليه الجماعة و منهم المحكى عن الخلاف الى الاستحباب، مما لا وجه له يعتد به، و اشعار تعليل الأخير غير نافع فى مقابلة الشهرة الواقعة على الوجوب كما ادعاها الجماعة.
و كيف كان فيراعى كيفية (بان يلقى على ظهره) و يجعل باطن قدميه الى القبلة (بحيث لو جلس لكان مستقبلا)(2) بلا خلاف بين الأصحاب كما ادعاه البعض، و نسبه فى التذكرة الى علمائنا اجمع، عملا بجملة من الأخبار
ص: 7
المتقدمة، مضافا الى المروى فى التهذيب فى اواخر باب تلقين المحتضرين فى الزيادات فى الصحيح، عن ذريح، عن الصادق (ع)، و فيه: و اذا وجهت الميت للقبلة فاستقبل بوجهه القبلة لا تجعله معترضا كما يجعل الناس، الخبر.
و هل يسقط الوجوب بالموت كما قاله البعض؟ ام لا كما عن آخر؟ وجهان و الاول اقرب، عملا بالاصل مع عدم ظهور المخرج.
و الاظهر سقوط الاستقبال عند اشتباه القبلة، وفاقا لغير واحد، و احتمل فى الذكرى وجوب الاستقبال الى الجهات الاربع و لا يخلو عن ضعف، و لا فرق فى الحكم بين الصغير و الكبير، و الذكر و الانثى، عملا بالاطلاق، و فى الرياض و لقد كان ينبغى اختصاص الحكم بوجوب الاستقبال بمن يعتقد وجوبه، فلا يجب توجيه المخالف الزاما له بمذهبه كما يغسل غسله و يقتصر فى الصلوة عليه على اربع تكبيرات، انتهى.
و هو حسن منعا لشمول الاطلاق لنحوهم.
(و يستحب التلقين) و هو التفهيم، يقال غلام لقن اى سريع الفهم (بالشهادتين و الاقرار بالأئمة (ع) بلا خلاف اجده، عملا بجملة، من الأخبار، منها المروى فى الكافى فى باب تلقين الميت، عن ابى خديجة، عن الصادق (ع): ما من احد يحضره الموت الا و كل به ابليس من شياطينه من يأمره بالكفر و يشككه فى دينه حتى تخرج نفسه، فمن كان مؤمنا لم يقدر عليه، فاذا حضرتم موتاكم فلقنوهم شهادة ان لا اله الا الله و انّ محمدا (ص) رسول الله حتى يموت.
ثم قال: و فى رواية اخرى قال: فلقنه كلمات الفرج و الشهادتين و تسمى له الاقرار بالأئمة واحدا بعد واحد، حتى ينقطع عنه الكلام.
و فى الباب عن ابى بصير، عن الباقر، و فيه: فلقنوا موتاكم عند الموت شهادة ان لا اله الا الله و الولاية.
(و كلمات الفرج) بلا خلاف اطلع عليه، لجملة من الأخبار منها الخبر المتقدم عنقريب، و منها المروى فى الباب فى الصحيح، عن زرارة، عن الباقر
ص: 8
عليه السلام: اذا ادركت الرجل عند النزع، فلقنه كلمات الفرج: لا اله الا الله الحليم الكريم، لا اله الاّ العلى العظيم، سبحان الله رب السموات السبع و رب الأرضين السبع و ما فيهن و ما بينهن و رب العرش العظيم و الحمد لله رب العالمين.
و يستحب للمحتضر متابعة الملقن، للنبوى المروى فى الباب، و لو لم يتابع فالظاهر بقاء الاستحباب.
و يستحب للمحتضر يقول: اللهم اغفر لى الكثير من معاصيك، و اقبل منى اليسير من طاعتك، لخبر سالم المروى فى الباب.
و ان يحسن بالله ظنه، للنبوى المروى عن مجالس الشيخ: لا يموتن احدكم حتى يحسن ظنه بالله عز و جل فان حسن الظن بالله ثمن الجنة.
و عن عدة الداعى: روى عنهم (ع) انه ينبغى فى حالة المرض خصوصا مرض الموت، ان يزيد الرجاء على الخوف.
و عن العيون عن العسكرى عن آبائه: سأل الصادق (ع) عن بعض اهل مجلسه، فقيل: عليل، فقصده عائدا فوجده دنفا، فقال: احسن ظنك بالله، فقال: اما ظنى بالله فحسن الخبر.
و عن الذكرى: يستحب حسن الظن بالله فى كل وقت و اكده عند الموت و يستحب لمن حضره امره بحسن الظن و طمعه فى رحمة الله تعالى.
و يستحب عنده قراءة الصافات، للمروى فى الكافى فى باب اذا عسر على الميت، عن سليمان الجعفرى قال: رأيت ابا الحسن يقول: لابنه القاسم: قم يا بنى فاقرء عند رأس اخيك و الصافات حتى تستتممها، فقرء فلما بلغ: (اهم اشد خلقا ام من خلقنا) قضى الفتى، فلما سجىّ و خرجوا اقبل عليه يعقوب ابن جعفر فقال له: كنا نعهد الميت اذا انزل به الموت يقرء عنده يس و القرآن الحكيم فصرت تأمرنا بالصافات فقال: يا بنىّ لم تقرء عند مكروب من موت قط الا عجل الله راحته.
ص: 9
قيل روى انه يقرء عند النزع آية الكرسى و آيتين بعدها، ثم آية السخرة ان ربكم الى آخرها، ثم ثلث آيات من آخر البقرة: لِلّٰهِ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ الى آخرها، ثم يقرء سورة الأحزاب.
و عنه (ع): من قرء سورة يس و هو فى سكرات الموت، او قرئت عنده جاء رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة، فسقاها اياه و هو على فراشه، فيشرب فيموت ريان و يبعث ريان و لا يحتاج الى حوض من حياض الأنبياء.
و عنه (ع): ايما مسلم قرئ عنده اذا نزل به ملك الموت سورة يس، نزل بكل حرف منها عشرة املاك يقومون بين يديه صفوفا، يصلون عليه و يستغفرون له و يشهدون غسله و يتبعون جنازته و يصلون عليه و يشهدون دفنه.
و عن الفقه الرضوى: اذا حضر احدكم الوفاة فاحضروا عنده القرآن، و ذكر الله تعالى، و الصلوة على رسول الله.
و عن الجماعة: استحباب قراءة القرآن قبل خروج الروح و بعده.
و عن الذكرى: يستحب قراءة القرآن بعد خروج روحه، كما يستحب قبله استدفاعا عنه.
و عن النبى: من دخل المقابر فقرأ يس خفف عنهم يومئذ و كان له بعدد(1)فيها حسنات.
(و) يستحب (نقله الى مصلاه) الذى اعده للصلوه فيه او عليه، لصحيحه زراره المرويه فى الباب، قال: اذا اشتد عليه النزع فضعه فى مصلاه الذى كان يصلى فيه او عليه.
و فى الباب فى الصحيح، عن عبد الله بن سنان، عن الصادق (ع): اذا عسر على الميت موته و نزعه، قرب الى مصلاه الذى كان يصلى فيه.
و ظاهر المتن كما عن ظاهر الاصحاب الاختصاص بالاول، و التعميم اجود كما صنعه غير واحد، و ظاهره ايضا كما عن ظاهر الاكثر استحباب ذلك مطلقا، و لكن الأخبار مقيدة بما اشتد عليه النزع، و ليس هنا مكان المسامحة، التفاتا
ص: 10
الى المروى عن الفقه الرضوى: اذا اشتد ذلك عليه فحوله الى المصلى الذى كان يصلى فيه و اياك ان تمسه، و ان وجدته يحرك يده او رجليه او رأسه فلا تمنعه من ذلك، كما يفعله جهّال الناس.
و المروى فى التهذيب فى اوايل باب تلقين المحتضرين، فى الموثق عن زرارة: ثقل ابن لجعفر و ابو جعفر جالس فى ناحية، فكان اذا دنا منه انسان قال: لا تمسه فانه انما يزاد ضعفا و اضعف ما يكون فى هذه الحال، و من مسه على هذه الحال اعان عليه، فلما قضى الغلام امر به فغمض عيناه و شد لحياه الحديث.
و فى منع الاول للمسامحة هنا مناقشة، لكن يمكن دفعها بعد انضمامه الى الثانى.
(و التغميض) لعينيه بلا خلاف، كما عن المنتهى، عملا بموثقة زرارة المتقدمة، و بالمروى فى الباب عن ابى كهمش: حضرت موت اسمعيل، و ابو عبد الله جالس عنده، فلما حضره الموت شد لحييه و غمضه و غطى عليه الملحفة الخبر.
(و اطباق فمه) بلا خلاف، كما عن المنتهى و فى الرياض عليه الاتفاق، عملا بخبر زرارة و ابى كهمش المتقدمين.
(و مد يديه) الى جنبه، و ساقيه ان كانتا منقبتين كما عن الاصحاب، قيل و لعل ذلك ليكون اطوع للغاسل و اسهل للدرج.
(و تغطيته بثوب) بلا خلاف كما عن المنتهى، عملا بخبر ابى كهمش المتقدم.
(و التعجيل) لتجهيزه بلا خلاف، كما فى المدارك و غيره، و فى الرياض عليه الاجماع، عملا بالمروى فى الكافى فى باب تعجيل الدفن، عن جابر، عن الباقر (ع)، عن النبى: يا معشر الناس لا الفين رجلا مات له ميت ليلا فانتظر به الصبح، و لا رجلا مات له ميت نهارا فانتظر به الليل، لا تنتظروا
ص: 11
بموتاكم طلوع الشمس و لا غروبها، عجلوا بهم الى مضاجعهم، يرحمكم الله الخبر.
بل يستفاد من بعض(1) الأخبار افضليته من تقديم الفريضة فى وقت الفضيلة (الا المشتبه) فلا يجوز التعجيل به، حتى يظهر علامات الموت و يتحقق العلم بموته بالاجماع نقله فى التذكرة، عملا بالمروى فى الكافى فى باب الغريق، فى الصحيح، عن هشام بن الحكم، عن ابى الحسن (ع): فى المصعوق و الغريق، قال: ينتظر به ثلاثة ايام الا ان يتغير قبل ذلك.
و المعمم الاجماع المركب كما ادعاه بعضهم(2).
و فى الباب فى الصحيح، عن اسحق بن عمار، قال: سألته عن الغريق ايغسل؟ قال: نعم و يستبرأ، قلت: و كيف يستبرأ؟ قال: يترك ثلثة ايام قبل ان يدفن، و كذلك ايضا صاحب الصاعقة فانهم ربما ظنوا انه مات و لم يمت.
و فى الباب فى الموثق عن عمار، عن الصادق (ع): الغريق يحبس حتى يتغير و يعلم انه قد مات، ثم يغسل و يكفن، قال: و سئل عن المصعوق فقال:
اذا صعق حبس يومين ثم يغسل و يكفن.
و فى الباب عن اسمعيل بن عبد الخالق، عن الصادق (ع): خمس ينتظر بهم الا ان يتغيروا: الغريق و المصعوق و المبطون و المهدوم و المدخن.
و فى الباب عن على بن ابى حمزة، قال: اصاب الناس بمكة سنة من السنين صواعق كثيرة، مات من ذلك خلق كثير، فدخلت على ابى ابراهيم (ع) فقال مبتديا من غير ان اسئله: ينبغى للغريق و المصعوق ان يتربص به(3) ثلثة ايام، لا يدفن الا ان يجئ منه ريح يدل على موته(4) قلت: جعلت فداك كأنك تخبرنى انه قد دفن ناس كثيرا حياء، فقال: نعم يا على قد دفن ناس كثير احياء ما ماتوا الا فى قبورهم.
ص: 12
و الظاهر ان التحديد باليومين و الثلثة مبنى على الغالب من حصول العلم بذلك، و عليه فالظابط الانتظار الى حصول العلم بالموت، و علاماته كما فى التذكرة: استرخاء رجليه و انفصال كفيه و ميل انفه و امتداد جلد وجهه و انخساف صدغيه، و زاد فى الروضة و تقلص انثييه الى فوق مع تدلى الجلد و عن الاسكافى: من علاماته زوال النور من بياض العين و سوادها و ذهاب النفس و ذهاب النبض، و عن جالينوس: اسباب الاشتباه الاغماء و وجع القلب و افراط الرعب او الغم او الفرح او الادوية المخدرة، فليستبرء بنبض عروق بين الانثيين او عرق يلى الحاجب و الذكر بعد الغمز الشديد، او عرق فى باطن الالية، او تحت اللسان، او فى بطن المنخر.
و فى الكافى فى آخر باب ما يعاين المؤمن، عن سهل بن زياد، عن غير واحد من اصحابنا، قال قال: اذا رأيت الميت قد شخص ببصره، و سالت عينه اليسرى، و رشح جبينه، و تقلصت شفتاه، و انتشرت منخراه، فاى شىء رأيت من ذلك فحسبك بها.
و فى رواية اخرى: و اذا ضحك ايضا فهو من الدلائل، قال: و اذا رأيته قد خمص وجهه، و سالت عينه اليمنى، فاعلم انه.
اقول و الظاهر انّ خبر انّ محذوف لاجل التقية، و هو من الاشرار او ماضاهاه، كما يستأنس بذلك خبر ابى بصير، المروى فى الباب، عن الصادق (ع) المسوق فى المؤمن، و فيه: ثم يفتح له باب الى الجنة، الى ان قال فيقول:
لا حاجة لى فى الدنيا، فعند ذلك يبيض لونه، و يرشح جبينه، و تقلص شفتاه و ينتشر منخراه، و تدمع عينه اليسرى فاى هذه العلامات رأيت فاكتف بها الخبر
(و يكره طرح الحديد على بطنه) و عن الخلاف عليه الاجماع و فى التهذيب سمعناه مذاكرة من الشيوخ.
(و حضور الجنب و الحائض عنده) اجماعا كما عن التحرير، عملا بالمروى فى اوايل باب تلقين المحتضرين، من التهذيب فى الزيادات عن يونس بن
ص: 13
يعقوب، عن الصادق (ع): لا تحضر الحائض الميت و لا الجنب عند التلقين، و لا بأس ان يليا غسله.
و فى الكافى فى باب الحائض تمرض، عن على بن ابى حمزة عن ابى الحسن (ع): المرأة تقعد عند رأس المريض و هى حائض فى حد الموت؟ فقال: لا بأس ان تمرضه، فاذا خافوا عليه و قرب ذلك فلتنح عنه و عن قربه، فان الملائكة تتأذى بذلك.
و عن الفقه الرضوى: و لا يحضر الحايض و لا الجنب عند التلقين، فان الملائكة تتأذى بهذا، و لا بأس ان يليا غسله و يصليا عليه، و لا ينزلا قبره فان حضرا و لم يجدا من ذلك بدا، فليخرجا اذا قرب خروج نفسه.
و فى الخبر المروى عن الخصال: لا يجوز للمرأة الحايض و الجنب الحضور عند تلقين الميت، لان الملائكة تتأذى بهما، و لا يجوز لهما ادخال الميت قبره و لعله مستند ما يحكى عن الصدوق فى النهاية و المقنع لا يجوز حضورهما عند التلقين.
و يرده الاصل المنجبر بما مرّ، فيحمل النهى على تأكد الكراهة، و يستفاد من الأخبار ان غاية الكراهة تحقق الموت و انصراف الملئكة، نعم يكره لهما ادخاله فى القبر كما يستفاد من الأخيرين، و يكره ايضا تركه وحده، عملا بالمروى فى الكافى فى قبيل الباب، عن ابى خديجة، عن الصادق (ع) ليس من ميت يموت و يترك وحده الا لعب الشيطان فى جوفه.
(و اولى الناس بغسله اولاهم بميراثه) بلا خلاف نصا و فتوى قاله بعض الاجلاء، و عليه يدل المروى فى التهذيب فى زيادات باب تلقين المحتضرين عن غياث بن ابراهيم، عن جعفر عن ابيه عن على (ع): يغسل الميت اولى الناس به.
و عن الفقه الرضوى: و يغسله اولى الناس به، او من يأمر الولى بذلك.
(و الزوج اولى) بزوجته من جميع اقاربها فى كل احكام الميت، بلا خلاف
ص: 14
كما استظهره بعض الاجلاء، و يأتى فى كتاب الصلوة تفصيل الكلام.
(و يغسل كل من الرجل و المرأة مثله) اتفاقا كما فى الرياض، و استثنى من ذلك مواضع منها ما أشار اليه المصنف بقوله (و يجوز لكل من الزوجين تغسيل الآخر اختيارا) على المشهور المنصور، عملا بالمروى فى الكافى فى باب الرجل يغسل المرأة فى الصحيح، عن منصور، عن الصادق (ع): عن الرجل يخرج فى السفر و معه امرأته يغسلها؟ قال: نعم و امه و اخته و نحو هذا يلقى على عورتها خرقة.
و فى الباب فى الصحيح، عن محمد بن مسلم، قال: سألته عن الرجل يغسل امرأته؟ قال: نعم انما يمنعها اهلها تعصبا.
و فى التهذيب فى زيادات باب تلقين المحتضرين، فى الصحيح، عن عبد الله بن سنان، عن الصادق (ع): عن الرجل ايصلح له ان ينظر الى امرأته حين تموت او يغسلها ان لم يكن عندها من يغسلها؟ و عن المرأة هل تنظر الى مثل ذلك من زوجها حين يموت؟ فقال: لا بأس بذلك انما يفعله ذلك اهل المرأة كراهة ان ينظر زوجها الى شىء يكرهونه.
خلافا للشيخ فى كتابى الاخبار فخص الجواز بحال الاضطرار، التفاتا الى المروى فى هذا الباب، عن ابى بصير عن الصادق (ع): يغسل الزوج امرأته فى السفر و المرأة زوجها فى السفر، اذا لم يكن معهم(1) رجل.
و فى الباب عن ابى حمزة، عن الباقر (ع): لا يغسل الرجل المرأة الا ان لا توجد امرأة.
و هما مع قصور سندهما لا يقومان فى مقابلة الاخبار المتقدمة المشهورة من وجوه عديدة، فليحملا على التقية.
و على المختار هل يشترط كون التغسيل من وراء الثياب كما عن الجماعة؟ و منهم المحكى عن النهاية و ابن زهرة، ام لا كما عن الاكثر؟ و منهم المحكى عن السيد فى شرح الرسالة، و الاسكافى و الجعفى و ظاهر الشيخ فى الخلاف
ص: 15
و المبسوط، وجهان للاولين المروى فى الكافى فى باب الرجل يغسل المرأة، فى الصحيح، عن محمد بن مسلم، قال: سألته عن الرجل يغسل امرأته؟ قال:
نعم من وراء الثوب.
و فى الباب فى الصحيح، عن الحلبي، عن الصادق (ع): عن الرجل يموت و ليس عنده من يغسله الا النساء؟ قال: تغسله امرأته او ذات قرابة ان كانت له، و تصب النساء عليه الماء صبّا، و فى المرأة اذا ماتت: يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها.
و فى الباب عن داود بن سرحان، عن الصادق (ع): فى الرجل يموت فى السفر او فى الارض ليس معه الا النساء؟ قال: يدفن و لا يغسل، و قال فى المرأة تكون مع الرجال بتلك المنزلة الا ان يكون معها زوجها، فان كان معها زوجها فليغسلها من فوق الدرع و يسكب عليها الماء سكبا، و لتغسله امرأته اذا مات و المرأة ليست مثل الرجل، المرأة اسوء منظرا حين تموت.
و فى التهذيب فى زيادات باب المحتضرين فى الصحيح، عن ابى الصباح الكنانى، عن الصادق (ع): فى الرجل يموت فى السفر فى ارض ليس معه الا النساء؟ قال: يدفن و لا يغسل، و المرأة تكون مع الرجال بتلك المنزلة تدفن و لا تغسل، الا ان يكون زوجها معها، فان كان زوجها معها غسلها من فوق الدرع و يسكب الماء عليه سكبا، و لا ينظر الى عورتها، و تغسله امرئته اذا مات و المرأة ليست بمنزلة الرجل، المرأة اسوء منظر اذا ماتت.
و فى الباب عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن الصادق (ع): عن الرجل يموت و ليس عنده من يغسله الا النساء هل تغسله؟ فقال: تغسله امرأته، او ذات محرمة و تصب عليها النساء الماء صبا، من فوق الثياب.
و فيه ان خبر منصور المتقدم المعتضد باطلاق غيره كالصريحة فى ان المعتبر ستر العورة حسب، و المعمم فى تغسيل الزوجة صاحبها ظهور الاجماع المركب، مع انى لم اجد دليلا بالنسبة اليها الا الخبر الأخير و المروى فى الباب فى
ص: 16
الموثق، عن سماعة، عن الصادق (ع): عن رجل مات و ليس عنده الا نساء؟ قال: تغسله امرأة ذات محرم منه، و تصب النساء عليها الماء و لا يخلع ثوبه، و ان كانت امرأة ماتت مع رجال و ليس معها امرأة و لا محرم لها، فتدفن كما هى فى ثيابها، و ان كان معها ذو محرم لها غسلها من فوق ثيابها.
و احتمال كون عدم خلع الثوب لمكان وجود الأجنبى، مما لا سبيل الى انكار هب، و لكن لا يمكن الاستناد اليهما، لما عرفت من ظهور الاجماع المركب و قلبه غير نافع لاعتضاد الاول بالاصل، مع امكان منع ظهوره فى الأخير، لذهاب بعض الاجلاء من متأخرى المتأخرين الى الاشتراط فى تغسيله لها، و الى عدمه فى تغسيلها له.
و فى التهذيب: هذه الاخبار دالة على انه ينبغى له ان يغسلها من فوق الثياب، و اما المرأة فان الاولى ايضا ان تغسل الرجل من فوق الثياب انتهى
فليحمل الاوامر على الاستحباب، و لا فرق فى الزوجة بين الدائمة و المنقطعة و الحرة و الامة، عملا باطلاق النص، و صرح الجماعة بان المطلقة رجعية زوجة بخلاف الباين، و فى الذكرى و الرياض لا عبرة بانقضاء عدة المرأة عندنا، بل لو نكحت جاز لها تغسيله، و ان كان الفرض بعيدا و فى المدارك و هو كذلك اخذا بالاطلاق، انتهى، فتأمل.
و عن المشهور انه يجوز للسيد تغسيله امته الغير المزوجة و المعتدة و المدبرة و ام ولده.
و هل يجوز تغسيل الامة للسيد مطلقا؟ كما عن المصنف، ام لا مطلقا؟ كما عن بعض، ام الجواز اذا كانت ام ولد؟ كما عن الجماعة، اوجه تنشأ من استصحاب حكم الملك و كونها فى معنى الزوجية فى اباحة اللمس و النظر فالاول و من انتقالها الى الورثة فالثانى، و من المروى فى الباب عن اسحق(1) بن عمار عن جعفر عن ابيه: ان على بن الحسين (ع) اوصى ان تغسله ام ولد له اذا مات فغسلته فالثالث، و عن الفقه الرضوى: و يروى ان على بن الحسين (ع) لما
ص: 17
مات قال الباقر (ع): لقد كنت اكره ان انظر الى عورتك فى حيوتك، فما انا بالذى انظر اليها بعد موتك، فادخل يده و غسل جسده، ثم دعا ام ولد له فادخلت يدها فغسلت مراقه، و كذلك فعلت انا بابى.
و فى الرياض و هل يطهر الثوب بصب الماء عليه من غير عصر؟ مقتضى المذهب عدمه، و به صرح المحقق فى الشرايع فى تغسيل الميت فى قميصه من مماثله، و منع فى الذكرى من عدم طهارته بالصب، لاطلاق الرواية، قال: و جاز ان يجرى مجرى ما لا يمكن عصره.
و هل المراد بالثياب ما يشمل لجميع البدن، كما استظهره البعض؟ ام لا بد من تعيين القميص؟ كما جنح اليه بعض الاجلاء حاكما بجواز ان يكون الوجه و اليدان و القدمان مكشوفة، وجهان و لعل الأخير احوط، لجملة من الاخبار الذاكرة له، و الاحوط حينئذ ستر الرأس ايضا.
و فى صحيح الحلبى المروى فى الباب، عن الصادق (ع): عن الرجل يغسل امرأته؟ قال: نعم من وراء الثوب، لا ينظر الى شعرها و لا الى شىء منها، و المرأة تغسل زوجها لأنه اذا مات كانت فى عدة منه، و اذا ماتت هى فقد انقضت عدتها، و عن المرأة تموت فى سفر و ليس معها ذو محرم و لا نساء؟ قال: تدفن كما هى بثيابها، و عن الرجل يموت و ليس معه ذو محرم و لا رجال؟ قال: يدفن كما هو بثيابه.
و منها ما اشار اليه بقوله (و يغسل الخنثى المشكل) بالنصب (محارمه) بالرفع (من وراء الثياب) لعدم امكان الوقوف على المماثل.
و منها ما اشار اليه بقوله (و يغسل) الرجل (الأجنبى بنت ثلث سنين مجردة) اختيارا (و كذا المرأة) يجوز لها تغسيل ابن ثلث سنين مجردا، اختيارا وفاقا للمحكى عن جمهور الاصحاب، بل عن نهاية الاحكام و الاول الاجماع كما عن التذكرة و المنتهى فى الثانى و هو الحجة، مضافا الى المروى فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، عن ابى النمير، عن الصادق (ع): عن الصبى الى
ص: 18
كم تغسله النساء؟ فقال: الى ثلث سنين فى الثانى و به يقيد اطلاق المروى فى الباب فى الزيادات، فى الموثق، عن عمار، عن الصادق (ع): عن الصبى تغسله امرأة؟ قال: انما تغسل الصبيان النساء، و عن الصبية و لاتصاب امرأه تغسلها؟ قال: يغسلها اولى الناس بها.
خلافا للمحكى عن الصدوق: فجوز للرجل تغسيل ابنة الخمس مجردة، و له المروى فى الفقيه فى باب المس، عن جامع محمد بن الحسن: فى الجارية تموت مع الرجال فى السفر؟ قال: اذا كانت ابنة اكثر من خمس سنين او ست دفنت و لم تغسل، و اذا كانت ابنة اقل من خمس سنين غسلت، قال: و ذكر الحلبى حديثا فى معناه عن الصادق (ع).
و فيه ان الخبر لمكان الارسال لا يصلح للاعتماد عليه، سيما ان فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، عن محمد بن احمد بن يحى مرسلا قال: روى فى الجارية تموت مع الرجل؟ فقال: اذا كانت بنت اقل من خمس سنين او ست دفنت و لم تغسل، و عليه فالخبر مضافا الى الارسال، مضطرب متنا ايضا، و ان قال فى الذكرى: قال ابن طاوس: ما فى التهذيب من لفظه اقل وهم.
و اسند الصدوق فى كتاب مدينة العلم، ما فى الجامع الى الحلبى عن الصادق (ع).
و للمدارك و الذخيرة فجنحا الى التحديد بالخمس، عملا بالأصل و بالعمومات و لو لا الشهرة لكان العمل به قويا، بل فى المدارك بعد تقوية التحديد بالخمس:
و بالجملة ينبغى ان يكون ذلك تابعا لجواز النظر و اللمس، و كلامه يشعر بميله الى التعدى عن تحديده ايضا، و فيه ما ترى.
و للمحكى عن الشيخ فى النهاية: فاشترط فقد المماثل، و فيه نظر، نعم هو الأحوط، و عنه فى المبسوط: الصبى اذا مات و له ثلث سنين فصاعدا حكمه حكم الرجال سواء، و ان كان دونه جاز لأجنبيات غسله مجردا من ثيابه، و ان كانت صبية لها ثلث سنين فصاعدا فحكمها حكم النساء البالغات، فان كانت
ص: 19
دون ثلث جاز للرجال تغسيلها عند عدم النساء، و فيه نظر ايضا.
و للمفيد على ما حكاه فى التهذيب قال: فان مات صبى مسلم بين نسوة مسلمات، لا رحم بين واحدة منهن و بينه و ليس معهن رجل، و كان الصبى ابن خمس سنين، غسله بعض النساء مجردا من ثيابه، و ان كان ابن اكثر من خمس سنين غسلنه من فوق ثيابه، و صببن عليه الماء صبّا و لم يكشفن له عورة، و دفنه بثيابه بعد تحنيطه، فان ماتت صبية بين رجال مسلمين ليس لها فيهم محرم و كانت اقل من ثلث سنين، جردوها و غسلوها، و ان كان لأكثر من ثلث سنين غسلوها فى ثيابها و صبّوا عليها الماء صبا، و حنطوها بعد الغسل و دفنوها فى ثيابها، و فيه نظر ايضا.
و للمعتبر فخص الجواز بتغسيل المرأة ابن الثلث، بناء الى اذن الشرع فى اطلاع النساء على الصبى لافتقاره اليهنّ فى التربية، بخلاف الصبية و الاصل حرمة النظر، و فيه ان الاصل معكوس، و عن بعض عدم الخلاف فى جواز النظر الى الصبية الى عدم البلوغ، نعم ربما يشعر ذيل الموثق المتقدم بمذهبه و لكنه لا يقوم فى مقابلة المختار، من وجوه عديدة، بل فى دلالة الخبر ايضا مناقشة.
و على المختار فمن مات على نهاية الثلث فيجوز التغسيل و لا اعتبار بما بعده، و عليه فلا اعتبار بما عن المحقق الشيخ على: من ان ثلث سنين اذا كان نهاية الجواز فلا بد من كون الغسل واقعا قبل تمامها، فاطلاق ابن ثلث سنين يحتاج الى التنقية، الا ان يصدق على من شرع فى الثالثة انه ابن ثلث سنين.
(و منها المحرمية) فيجوز لكل من الرجل و المرأة تغسيل الاخير اذا كان محرما، بلا خلاف اطلع عليه، عملا باخبار منصور و الحلبي و عبد الرحمن و سماعة السابقات فى الزوجين، و بالمروى فى الباب فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): عن الرجل المسلم يموت فى السفر و ليس معه رجل مسلم، و معه رجال نصارى و معه عمته و خالته مسلمات، كيف يصنع فى غسله؟ قال: تغسله
ص: 20
عمته و خالته فى قميصه و لا يقربه النصارى، و عن المرأة تموت فى سفر و ليس معها امرأة مسلمة، و معهم نساء نصارى و عمها و خالها معها مسلمون؟ قال:
يغسلونها و لا يقربنها النصرانية كما كانت تغسلها، غير انه يكون عليها درع فيصب الماء من فوق الدرع.
و فى الباب فى الزيادات عن زيد الشحام، قال: سألته عن امرأة غيرها؟ قال: اذا لم يكن فيهم لها زوج و لا ذو رحم، دفنوها بثيابها و لا يغسلونها، و ان كان معهم زوجها او ذو محرم لها، فليغسلها من غير ان ينظر الى عورتها، قال: و سألته عن رجل مات فى السفر مع نساء ليس معهن رجل قال: ان لم يكن له فيهن امرأة، فليدفن فى ثيابه و لا يغسل، و ان كان له فيهن امرأة، فليغسل فى قميص من غير ان ينظر الى عورته.
و فى الباب عن عبد الله بن سنان، عن الصادق (ع): اذا مات الرجل مع النساء غسلته امرأته، فان لم تكن امرأته معه غسلته اولى هنّ به، و تلف على يدها خرقة.
و فى الباب عن زيد بن على، عن آبائه (ع)، عن على (ع): اذا مات الرجل فى السفر مع النساء ليس فيهن امرأته و لا ذو محرم من نسائه؟ قال:
يؤزّرنه الى الركبتين و يصببن عليه الماء صبا، و لا ينظرن الى عورته و لا يلمسنه بايديهن، و يطهرنه، و اذا كان معه نساء ذوات محرم يؤزّرنه و يصببن عليه الماء صبا و يمسن جلده و لا يمسن فرجه.
و مقتضى خبر منصور المعتضد بالأخير و الأصل و الاستصحاب، هو عدم اشتراط كون الغسل من وراء الثياب، و اليه ذهب المدارك خلافا للاصحاب كما ادعاه غير واحد، فيشترط ذلك، و لو لا ذلك لكان عدم الاشتراط قويا، اذ النص مقدم على الظاهر.
و هل يشترط فى الجواز تعذر المماثل كما عن الاكثر؟ ام يجوز اختيارا كما عن الحلى و المنتهى و تبعهما بعض متأخرى المتأخرين؟ وجهان و لعل الأخير
ص: 21
اظهر عملا بالاصل، و بخبر المنصور المتقدم مع عدم ظهور مقيد له، و ورود جملة من المجوزة فى حالة الاضطرار غير صالح له كعموم خبر ابى حمزة المتقدم فى الزوجين، و امر الاحتياط واضح.
و المراد بالمحارم كما صرح الجماعة: من حرم نكاحه مؤبدا بنسب او رضاع او مصاهرة.
و فى الرياض: قد صرح بهذا القيد جماعة من الاصحاب، و من تركه منهم فانما هو لظهوره.
و المصنف فى كثير من كتبه، و المحقق فى الشرايع، و غيرها لم يذكروا المصاهرة هنا فى تعريف المحرمية، و وجهه غير واضح.
اقول: و هو جيد.
و فى التذكرة: للرجل ان يغسل من ذوى ارحامه محارمه من وراء الثياب، عند عدم الزوج و النساء، و نعنى بالمحارم من لا يجوز الرجل نكاح واحدة منهن نسبا او رضاعا، كالبنت و الاخت و العمة و الخالة و بنت الاخت، ذهب اليه علماؤنا لتسويغ النظر اليهن فى الحيوة، انتهى.
و تعليله ينادى بما جيدناه.
(و تأمر) المرأة المسلمة (الأجنبية مع فقد المسلم و ذات الرحم) الرجل (الكافر بالغسل) لنفسه (ثم يغسل المسلم غسله) اى غسل المسلم و كذا يأمر المسلم (الأجنبى) المرأة الكافرة مع فقد المسلمة و ذوى الرحم، ان تغسل لنفسها ثم تغسل الميتة المسلمة غسل الأموات، وفاقا للمشهور، عملا بما رواه التهذيب فى باب تلقين المحتضرين فى الموثق عن عمار، عن الصادق (ع)، و فيه: فان مات رجل مسلم و ليس معه رجل مسلم و لا امرأة مسلمة من ذوى قرابة، و معه رجال نصارى و نساء مسلمات ليس بينه و بينهم قرابة؟ قال: يغتسل النصارى ثم يغسلونه فقد اضطر، و عن المرأة المسلمة تموت و ليس معها امرأة مسلمة و لا رجل مسلم من ذوى قرابتها، و معها نصرانية و رجال مسلمون؟ قال:
ص: 22
تغتسل النصرانية ثم تغسلها.
و فى الباب فى الزيادات، عن زيد بن علي، عن آبائه (ع): اتى رسول الله (ص) نفر قالوا: ان امرأة توفيت معنا و ليس معها ذو محرم، فقال: كيف صنعتم؟ قالوا: صببنا عليها الماء صبا، فقال: اما وجدتم امرأة من اهل الكتاب تغسلها؟ قالوا: لا، قال: افلا يممتموها؟
خلافا للمحكى عن التحرير: فاستقرب الدفن من غير غسل، و الخبر ان حجة عليه، و عدم صحة نية القربة من الكافر غير صالح لتتميم ما استقرب به.
و اما توقف الذكرى فى الحكم التفاتا الى نجاسة الكافر فى المشهور، فكيف يفيد الطهارة؟ فلا وجه فى الاحكام التعبدية.
و هل يجب اعادة الغسل لو وجد من يجوز له تغسيله كما قاله البعض(1)؟ ام لا كما عن آخر؟ وجهان و الاخير اقرب، اذ امتثال الامر يقتضى الاجزاء، و القول(2) بان المأمور به لم يوجد للتعذر، فاذا ارتفع العذر لم يكن هناك معدل عن وجوبه، مما ليس له وجه محصل.
و لو لم يوجد المماثل و لا ذو الرحم، فالمشهور المنصور انه لا يغسل بل عن التحرير عليه الاجماع، عملا بالمستفيضة و منها زيادة على ما تقدم، المروى فى النهاية فى باب غسل المس، فى الصحيح عن الحلبى، عن الصادق (ع):
عن المرأة تموت فى السفر و ليس معها ذو محرم و لا نساء؟ قال: تدفن كما هى بثيابها، و الرجل يموت و ليس معه الا النساء و ليس معهن رجال؟ قال:
يدفن كما هو بثيابه.
و فى الباب فى الصحيح، عن عبد الله بن ابى يعفور، عن الصادق (ع):
عن الرجل يموت فى السفر مع النساء و ليس معهن رجل، كيف يصنعن به؟ قال (ع): يلففنّه لفا فى ثيابه و يدفنّه و لا يغسلنه.
ص: 23
و فى باب المحتضرين من التهذيب فى الزيادات فى الصحيح، عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله البصرى، قال: سألته عن امرأة ماتت مع رجال؟ قال:
تلف و تدفن و لا تغسل.
خلافا للمحكى عن المفيد: فاوجب التغسيل من وراء الثياب، و نحوه عن ابى زهرة مع اشتراطه تغميض العينين.
و للمفيد خبرا زيد بن على و جابر المرويان فى الباب، و هما مع ما ترى فى سندهما مما لا تصلحان لمعارضة المختار من وجوه عديدة، فلا التفات عليهما اصلا، كاخبار داود المفضل و ابى بصير و جابر، المرويات فى الباب مع عدم العثور على عامل بها اصلا، و مقتضى المعتبرة سقوط التيمم ايضا لعدم الأمر فى مقام البيان، وفاقا لصريح الجماعة بل لم اطلع عليه على مخالف، و عليه فخبر زيد بن على المتقدم، مما لا يلتفت اليه، سيما بعد اعتضاد السقوط باتحاد المانع(1) فى التيمم و فى الغسل و ان قل فى طرف التيمم.
(و يجب ازالة النجاسة) العرضية عن بدنه (اولا) اجماعا كما فى التذكرة، و عن المنتهى لا خلاف فيه بين العلماء، عملا بما دل على تقديم غسل الفرج قبل الغسل فى الجنابة، بعد الالتفات الى ما دل على اتحاد غسل الأموات مع غسل الجنابة، و عليه فما عن الشيخ من الاجتزاء بالغسل الواحد عنه و عن ازالة النجاسة العرضية، مما لا يلتفت اليه، و من المفروض ستر عورته عن الناظر المحترم بالاجماع كما ادعاه بعضهم(2) و بالنصوص.
(ثم تغسيله بماء السدر كالجنابة ثم بماء الكافور كذلك) اى كالجنابة (ثم بالقراح) اى الماء الخاص (كذلك) اى الجنابة على المشهور المنصور، عملا بالمستفيضة و منها المروى فى الكافى فى باب غسل الميت، فى الصحيح عن الحلبى، عن الصادق (ع): اذا اردت غسل الميت فاجعل بينك و بينه ثوبا
ص: 24
يستر عنك عورته اما قميص و اما غيره، ثم تبدء بكفيه و تغسل رأسه ثلث مرات بالسدر، ثم ساير جسده و ابدأ بشقه الايمن، فاذا اردت ان تغسل فرجه فخذ خرقة نظيفة فلفها على يدك اليسرى، ثم ادخل يدك من تحت الثوب الذى على فرج الميت فاغسله من غير ان ترى عورته، فاذا فرغت من غسله بالسدر فاغسله مرة اخرى بماء و كافور و بشىء من حنوطه، ثم اغسله بماء بحت غسلة اخرى، حتى اذا فرغت من ثلث غسلات جعلته فى ثوب ثم جففته.
و فى الباب فى الصحيح عن ابن مسكان، عن الصادق (ع): عن غسل الميت؟ فقال: اغسله بماء و سدر، ثم اغسله على اثر ذلك غسلة اخرى بماء و كافور و ذريرة ان كانت، و اغسله، قال: ان استطعت ان يكون عليه قميص فغسله من تحته، و قال: احب لمن غسل الميت ان يلف على يده الخرقة حين يغسله.
و فى الباب عن الحلبى، عن الصادق (ع): يغسل الميت ثلث غسلات:
مرة بالسدر، و مرة بالماء يطرح فيه الكافور، و مرة اخرى بالماء القراح.
و فى التهذيب فى زيادات باب تلقين المحتضرين، فى الصحيح عن سليمان بن خالد، عن الصادق (ع): عن غسل الميت كيف يغسل؟ قال: بماء و سدر و اغسل جسده كله، و اغسله اخرى بماء و كافور، ثم اغسله اخرى بماء، قلت: ثلث مرات؟ قال: نعم، قلت: فما يكون عليه حين يغسله؟ قال: ان استطعت ان يكون عليه قميص فتغسل من تحت القميص.
خلافا للمحكى عن سلار فيكتفى بالقراح التفاتا الى خبر مرسل(1) لا يصح الاعتماد عليه اصلا، و للمحكى عن ابن حمزة: فيستحب الترتيب بين الأغسال الثلثة عملا بالأصل، و فيه ما ترى، بل عن التحرير اتفاق فقهاء اهل البيت على
ص: 25
الترتيب، و اما الترتيب فى الغسلات بان يبداء بالرأس ثم جانبه الايمن ثم الأيسر، فعليه اتفاقنا كما فى التذكرة، و عن الانتصار و الخلاف و التحرير عليه الاجماع و نسبه التذكرة الى علمائنا، و عليه يدل المستفيضة.
و ذهب الجماعة و منهم الذكرى، الى سقوطه بغمس الميت فى الماء مرة واحدة كالجنابة، و لهم الاخبار تسوية بين غسل الميت و غسل الجنابة، كما تقدم فى بحث الجنابة الى جملة منها الاشارة.
و استشكله فى التذكرة و المدارك و هو فى موقعه، الا أن الاول لا يخلو عن رجحان ما.
و مقتضى التسوية اعتبار النية فى الاغسال، سيما بعد اعتضاده بما دلّ على اعتبارها فى الاعمال، وفاقا للمحكى عن المشهور، بل عن الخلاف عليه الاجماع، و عليه فالقول بعدم اعتبار النية مطلقا كما عن مقربات المرتضى و هى ضعيف، كالقول بالاكتفاء بها فى اولها كما قاله فى المدارك و الذخيرة، التفاتا الى كونها فى الحقيقة فعلا واحدا مركبا.
ثم ان اتحد الغاسل تولى هو النية، و ان تعددوا و اشتركوا فى الصب نووا جميعا، و لو كان البعض يصب و الآخر يقلب نوى الصاب لأنه الغاسل حقيقة و لا يكفى نية المقلب، و استقرب فى الذكرى اجزاءها منه، و الأحوط نيته ايضا التفاتا الى اخبار الحلبى و عبد الرحمن و سماعة السابقات فى تغسيل الزوجين، و لو ترتبوا بان غسل كل واحد منهم بعضا اعتبرت من كل واحد منهم عند ابتداء فعله، ثم ان مقتضى المتن كما عن المشهور ان المعتبر فى السدر ما يصدق عليه انه ماء السدر، عملا بالنصوص بالغسل بالسدر او بماء و سدر او بماء السدر، كما فى ورود الأخير فى خبر الكاهلى المروى فى الكافى فى باب غسل الميت، عن الصادق (ع)، و فيه: ثم ابدء بفرجه بماء السدر و الحرض فاغسله ثلث غسلات، قال: ثم تحول الى رأسه، الى ان قال: و امسح يدك على ظهره و بطنه ثلث غسلات بماء الكافور و الحرض، الى ان قال: ثم تحول
ص: 26
الى رأسه، الخبر.
خلافا للمحكى عن بعض: فيكفى مسمى السدر، و له اطلاق ما دل على الغسل بماء و سدر، و النبوى المروى فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين اذا توفيت المرأة فارادوا ان يغسلوها فليبدؤا الى ان قال: ثم وضئها بماء فيه سدر، الخبر.
و الاول هو الأحوط الأظهر، سيما بعد ملاحظة ذهاب الخلاف و المصباح و مختصره و الجمل و العقود و جمل العلم و العمل و الفقيه و الهداية و المقنع و الوسيلة و الغنية و الاصباح و الارشاد و الكافى و غيرهم على ما حكى عنهم اليه.
و للمحكى عن المفيد فقدر السدر برطل، و القاضى فقدر برطل و نصف، و عن البعض فاعتبر سبع ورقات، و لا وجه للأولين.
و للأخير المروى فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، عن عبد الله بن عبيد، عن الصادق (ع): عن غسل الميت؟ قال: يطرح عليه خرقة ثم يغسل فرجه و يوضأ وضوء الصلوة، ثم يغسل رأسه بالسدر و الاشنان، ثم الماء و الكافور، ثم بالماء القراح يطرح فيه سبع ورقات صحاح فى الماء.
و فيه ان ظاهره القاؤها فى القراح، كما ينادى بذلك المروى فى الباب، عن معوية بن عمار، قال: امرنى ابو عبد الله (ع) ان اعصر بطنه ثم اوضيه، ثم اغسل رأسه بالسدر و لحيته، ثم افيض على جسده منه، ثم ادلك به جسده ثم افيض عليه ثلثا، ثم اغسله بالماء القراح، ثم افيض عليه الماء بالكافور و بالماء القراح و اطرح فيه سبع ورقات سدر.
و بالجملة المشهور هو المنصور، و عليه فلا يكفى من السدر القليل الذى لا يصدق معه ماء سدر، و لا الورق غير مطحون و لا ممروس، كما صرح بذلك غير واحد، عملا بالمتبادر.
و كذا الكلام فى الكافور، عملا بالاطلاق، و فى مرسلة يونس المروية فى الباب، عنهم: و الق فيه حبات كافور، و فى موثقة عمار المروية فى الباب، عن
ص: 27
الصادق (ع): ثم بجزء من الكافور تجعل فى الجرة من الكافور نصف حبة و عليه فما قاله المفيد من التقدير بنصف مثقال ان تيسر و الاّ ما تيسر منه و ان قل، مما لا يلتفت اليه ان اراد الوجوب.
و لو خرج الماء بالخليط عن الاطلاق، ففى جواز التغسيل به قولان، و الأخير احوط بل و اظهر، التفاتا الى جملة من الأخبار المعبرة بماء و سدر و بماء و كافور، كما فى خبرى ابن مسكان و الحلبى المتقدمين، او بالماء و السدر بالماء و الكافور، كما فى المروى عن الفقه الرضوى، و ليس فى جواز ترغية السدر دلالة على الخلاف.
و هل المعتبر فى القراح مجرد كونه مطلقا و ان كان فيه شىء من الخليطين او يشترط فيه الخلوص عنهما؟ ام يعتبر فيه الخلو عن كل شىء حتى التراب؟ فيه اوجه بل اقوال كما قيل ارجحها اوسطها.
(فان فقد السدر و الكافور غسلا ثلاثا بالقراح) وفاقا للجماعة، عملا بما دل على تغسيله بماء و سدر و بماء و كافور، فالمأمور به شيئان متمايزان فبذهاب احدهما لا يذهب الآخر، للأصل و عموم عدم سقوط الميسور بالمعسور، خلافا للمحقق فى بعض كتبه و غيره فيكفى مرة بالقراح اذ المأمور به شىء مركب فبذهاب الجزء يذهب الكل، و عموم عدم سقوط الميسور بالمعسور على فرض تمامية دلالته، مما ليس لسنده جابر فى نحو المقام، و هو الأرجح، و ان كان، الأول احوط.
و لو وجد الخليطان قبل الدفن، ففى وجوب الاعادة قولان: ينشأن من اقتضاء امتثال الأمر الاجزاء فالثانى، و من ان الاكتفاء بالغسل دون الخليط انما كان منوطا بالضرورة، فبارتفاعها لم يكن هناك معدل عن العمل باطلاق التكليف فالاول، و امر الاحتياط واضح.
و اما بعد الدفن، فلا اجماعا كما عن بعض.
و لو فقد احد الخليطين، فيجب الاتيان بالغسلين الباقيين، عملا بالاصل
ص: 28
و لو فقد السدر، فعن المشهور عدم قيام الخطمى مقامه، و عن الشيخ خلافه، و لا وجه له.
و لو تعذر احد الاغسال فالاظهر وجوب التيمم عنه، خلافا للمحكى عن بعض، فلا و لا وجه له يعتد به، و فى المنتهى: لو لم يوجد الماء يتيمم الميت كما يتيمم الحى لأنه بدل عن غسل واجب، و كان واجبا كما فى غسل الجنابة و لا نعرف فيه خلافا بين علمائنا و الظاهر سقوط الغسل بمسه مع تحقق الاغسال الناقصة عند تعذر الكامل، كما عن الجماعة و اولى منه التيمم، خلافا للروض، هذا اذا قلنا بالثلثة، و اما على المختار من كفاية الواحد فالأظهر سقوطه به ايضا، و فى صورة تعذر الخليط لو قلنا بالتعدد يعتبر التميز بين الغسلات بالنية، فينوى البدلية عن السدر ثم الكافور ثم القراح كما عن الجماعة و اثباته بالدليل مشكل.
(و لو خيف) من تغسيله (تناثر جلده) كالمحترق و المجدور (يتيمم) اجماعا كما فى التذكرة، و عن الخلاف و التهذيب عملا بالمروى فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، عن زيد بن على عن آبائه، عن على (ع): ان قوما اتوا رسول الله (ص) فقالوا: يا رسول الله مات صاحب لنا و هو مجدور، فان غسلناه انسلخ؟ فقال: يمموه.
و اما خبر عبد الرحمن، المروى فى التهذيب فى باب الاغسال، عن رجل عن ابى الحسن (ع): عن ثلثة نفر كانوا فى سفر، احدهم جنب، و الثانى ميت، و الثالث على غير وضوء، و حضرت الصلوة و معهم من الماء ما يكفى احدهم، من يأخذ الماء و يغتسل به؟ و كيف يصنعون؟ قال: يغتسل الجنب و يدفن الميت، و يتيمم الذى عليه وضوء، لان الغسل من الجنابة فريضة و غسل الميت سنة، و التيمم للآخر جايز.
فمع قطع النظر عن السند، مما لا يصلح لمعارضة الاول المنجبر بعمل الاصحاب من وجوه عديدة، و ظاهر النص الاكتفاء بمرة، و استقربه فى التذكرة
ص: 29
خلافا للروض فيتعدد بتعدد الاغسال و هو الأحوط، قال الرياض: و الضرب و المسح بيد المباشر، و لو تيمم الحى العاجز فالضرب و المسح بيدى العاجز باعانة القادر، و لو تعذر بيدى العاجز فكالميت.
(و يستحب وضعه) اى الميت (على ساجة) و هو خشب مخصوص او على غيره مما يؤدى فائدته مرتفع، بلا خلاف كما عن المنتهى، و فى مرسلة يونس المروية فى الكافى فى باب غسل الميت، عنهم (ع): فضعه على المغتسل مستقبل القبلة.
و عن الفقه الرضوى: ثم ضعه على مغتسل، الى ان قال: و يكون مستقبل القبلة، و ينبغى ان يكون مكان الرجلين اخفض كما قاله الجماعة.
(مستقبل القبلة) على الأشهر الأظهر، بل عن المحقق اتفاق اهل العلم، خلافا للجماعة فيجب التفاتا الى المرسلة المتقدمة كالرضوى، و الى خبر الكاهلى المروى فى الباب، عن الصادق (ع): عن غسل الميت؟ فقال: استقبل ببطن قدميه القبلة حتى يكون وجهه مستقبل القبلة.
و صحيح سليمان المتقدم فى الاحتضار، و فيه نظر لما مرّ من الاجماع المحكى المعتضد بالمروى فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، فى الصحيح عن يعقوب بن يقطين، عن الرضا (ع): عن الميت كيف يوضع على المغتسل موجها وجهه نحو القبلة؟ او يوضع على يمينه و وجهه نحو القبلة؟ قال: يوضع كيف تيسر فاذا طهر وضع كما يوضع فى قبره، و كيفية الاستقبال هنا كالمحتضرين لخبرى سليمان و الكاهلى المشار اليهما.
(تحت الظلال) مستورا عن السماء، اتفاقا كما عن المحقق و الذكرى، لخبرى على بن جعفر و طلحة المرويين فى الباب فى الزيادات (و وقوف الغاسل على يمينه) اجماعا كما عن الغنية (و غمز بطنه فى) الغسلتين (الاوليين) حذرا من خروج شىء بعد الغسل، و عن التحرير الاجماع لخبرى يونس، و الكاهلى المرويين فى الكافى فى باب غسل الميت، و لا يستحب فى الثالثة
ص: 30
اتفاقا، كما عن التحرير و التذكرة و الذكرى و ظاهر نهاية الاحكام للأصل، بل عن جماعة الكراهة، و فى خبر الكاهلى المشار اليه: ثم تشد فخذيه على القطن بالخرقة شدا شديدا حتى لا تخاف ان يظهر شىء، و اياك ان تقعده او تغمز بطنه، الخبر.
و عن المشهور عدم انتقاض الغسل اذا خرجت منه نجاسة فى اثنائه او بعده و هو المنصور، عملا بالأصل و بخبر يونس المشار اليه، و فيه: فان خرج منه شىء فانقه من غير ذكر الاعادة.
و بالمروى فى زيادات باب تلقين المحتضرين من التهذيب، فى الموثق عن روح بن عبد الرحيم، عن الصادق (ع): ان بدا من الميت شىء بعد غسله فاغسل الذى بدأ منه و لا تعد الغسل.
و فى الباب عن الكاهلى و الحسين بن مختار، عن الصادق (ع): عن الميت يخرج منه الشىء بعد ما يفرغ من غسله؟ قال: يغسل ذلك و لا يعاد عليه الغسل.
خلافا للمحكى عن العمانى: فيجب اعادة الغسل، و لا وجه له.
و استحباب غمز البطن ثابت فى كل ميت (الا الحامل) التى مات ولدها فى بطنها فيكره، كما عن الوسيلة و الجامع و المنتهى، للنبوى المروى عن ام انس فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين: اذا توفيت المرأة فان ارادوا ان يغسلوها فليبدؤا ببطنها فليمسح مسحا رقيقا ان لم يكن حبلى، فان كانت حبلى فلا تحركها.
و عن البيان لو اجهضت فعليه عشر دية امه.
(و الذكر) لله تعالى بالمأثور، و فى خبر سعد الاسكافى المروى فى باب تلقين المحتضرين، عن الباقر (ع): ايما مؤمن غسل مؤمنا فقال اذا قلبه: اللهم هذا بدن عبدك المؤمن و قد اخرجت روحه منه و فرقت بينهما، فعفوك عفوك، الا غفر الله له ذنوب سنة الا الكبائر.
ص: 31
(و صب الماء الى حفيرة) و لتكن تجاه القبلة، لصحيح سليمان المتقدم فى الاحتضار و يكره ارساله فى الكنيف للبول و الغايط، وفاقا للمحكى عن المعظم بل عن الذكرى عليه الاجماع لصحيحة محمد بن الحسن الصفار المروية فى الباب فى الزيادات: كتبت الى ابى محمد (ع): هل يجوز ان يغسل الميت و ماؤه الذى يصب عليه يدخل الى بئر كنيف؟ فوقع (ع): يكون ذلك فى بلاليع.
و عن الفقيه عدم الجواز.
و له المروى عن الفقه الرضوى لا يجوز ان يدخل ما ينصب على الميت من غسله فى كنيف، و لكن يجوز ان يدخل فى بلاليع لا يبال فيها، او فى حفيرة.
و هى محمولة على شدة الكراهة، و يجوز فى البلاليع من غير كراهة، للخبرين لا مطلقا بل حيث لا يبال فيها كما فى الأخير، و هل تشمل البالوعة ما تشمل على النجاسة؟ وجهان الأظهر نعم، و الاحوط، لا التفاتا الى فحوى الرضوى المتقدم، فتأمل.
(و تليين اصابعه برفق) اجماعا كما عن الخلاف و التحرير الخبر الكاهلى المروى فى الكافى فى باب غسل الميت، عن الصادق (ع): ثم تلين مفصله فان امتنعت عليك فدعها.
و عن الفقه الرضوى: ولين مفاصله الى ان قال: و تلين اصابعه و مفاصله ما قدرت بالرفق، و ان كان يصعب عليك فدعها.
و مقتضاهما الترك مع الصعوبة، خلافا للعمانى فمنع من التليين، و له المروى فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، عن طلحة بن زيد عن الصادق عليه السلام: يكره ان يقص للميت ظفر او يقص له شعرا و يحلق له عانة او يغمز له مفصل.
و فى الباب فى الزيادات، عن حمران بن اعين، عن الصادق (ع): اذا غسلتم الميت منكم، فارفقوا به و لا تعصروه و لا تغمزوا له مفصلا.
و هما محمولان على ما ينافى الرفق جمعا بين الأخبار.
ص: 32
(و غسل فرجه) بماء قد مزج (بالحرض) و هو الاشنان (و السدر) لخبر الكاهلى المروى فى الكافى فى باب غسل الميت، عن الصادق (ع): ثم ابدء بفرجه بماء السدر و الحرض، فاغسله ثلث غسلات و اكثر من الماء.
(و) غسل (رأسه بالرغوة) اى رغوة السدر (اولا) قبل الغسل باتفاق فقهاء اهل البيت، كما عن التحرير و هو الحجة، و فى زيادات باب تلقين المحتضرين فى الصحيح، عن يعقوب بن يقطين، عن العبد الصالح (ع): عن غسل الميت، افيه وضوء الصلوة ام لا؟ فقال: غسل الميت يبدأ بمرافقه فتغسل بالحرض، ثم تغسل وجهه و رأسه بالسدر، ثم يفاض عليه الماء ثلث مرات، و لا يغسل الاّ فى قميص يدخل رجل يده و يصب عليه من فوقه، و يجعل فى الماء شىء من سدر و شىء من كافور، و لا يعصر بطنه الا ان يخاف شيئا قريبا فيمسح مسحا رقيقا من غير ان يعصر، ثم يغسل الذى غسله يده قبل ان يكفنه الى المنكبين ثلث مرات، ثم اذا كفنه اغتسل.
(و تكرار كل عضو ثلثا) اجماعا كما عن الجماعة، عملا بالمروى عن الفقه الرضوى: تبدء بغسل اليدين الى نصف المرفقين ثلثا ثلثا، ثم بالفرج ثلثا، ثم بالرأس ثلثا، ثم الجانب الايمن ثلثا، ثم الجانب الايسر ثلثا، بالماء و السدر ثم تغسله مرة اخرى بالماء و الكافور على هذه الصفة، ثم بالماء القراح مرة ثالثة، فيكون الغسل ثلث مرات كل مرة خمسة عشر صبة، الخبر.
و بروايتى الكاهلى و يونس المرويتين فى الكافى فى باب غسل الميت و لو فى الجملة.
(و ان يوضأ) وفاقا للمحكى عن المشهور، عملا بالمروى فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، عن حريز، عن الصادق (ع): الميت يبدأ بفرجه ثم يوضأ وضوء الصلوة.
و فى الباب عن ابى خثيمة، عن الصادق (ع): ان ابى امرنى ان اغسله اذا توفى و قال لى اكتب يا بنى، ثم قال: انهم يأمرونك بخلاف ما تصنع فقل
ص: 33
لهم هذا كتاب ابى و لست اعد و قوله، ثم قال: تبدء فتغسل يديه، ثم توضئه وضوء الصلوة، ثم تأخذ ماء و سدر، الخبرى.
و بخبرى عبد الله و معوية السابقين فى شرح قول المصنف: ثم تغسيله بماء السدر، بعد التفات الى صحيح يعقوب المتقدم فى الرغوة المعتضد بخلو كثير من الأخبار الواردة فى البيان عنه.
و عليه فما عن الجماعة و منهم الحلبى، من القول بالوجوب مرغوب عنه، كالمحكى عن الخلاف و ظاهر السرائر و محتمل سلار من القول بعدم الاستحباب و لهم الأصل المعتضد بخبر يعقوب المتقدم المعتضد بما مرّ مع قرب حمل الآمرة على التقية، اذ العامة متفقة على الوضوء فى غسل الميت، هذا مضافا الى الاعتضاد بالدالة على كونه كغسل الجنابة مع عدم وضوء فيه اصلا.
و الى ما عن المبسوط: قد روى انه يوضأ الميت قبل غسله فمن عمل به كان جايزا غير ان عمل الطائفة على ترك العمل بذلك، لأن غسل الميت كغسل الجنابة و لا وضوء فى غسل الجنابة، انتهى.
اقول و هذا القول قوى و لكن لعل الاول اقوى عملا، باصالة عدم الحمل على التقية.
(و تنشيفه) بعد الفراغ بثوب اجماعا كما عن التحرير و نهاية الأحكام و التذكرة للمستفيضة، و منها صحيحة الحلبى المروية فى الكافى فى باب غسل الميت، عن الصادق (ع)، و فيه: اذا فرغت من ثلث غسلات جعلته فى ثوب ثم جففته.
و المروى فى الباب عن يونس عنهم (ع)، و فيه: و اغسله بماء القراح كما غسلته فى المرتين الاولتين ثم تنشفه بثوب.
(و يكره اقعاده) على الأشهر الأظهر، بل عن الخلاف عليه الاجماع، لخبر الكاهلى المروى فى باب غسل الميت من الخلاف عن الصادق (ع)، و فيه:
و اياك ان تقعده او تغمز بطنه.
ص: 34
و اما خبر ابى العباس المروى فى التهذيب فى زيادات باب تلقين المحتضرين، عن الصادق (ع): اقعده، فقد حمله التهذيب على التقية، و بذلك يظهر الوجه فى المروى عن الفقه الرضوى: و لين مفاصله ثم تقعده لتغمز بطنه غمزا رقيقا، و عليه فتأمل التحرير فى الكراهة مما لا وجه له يعتد به، كما لا وجه للمحكى عن ابن سعيد و ابن زهرة من القول بالحرمة.
(و قص اظفاره و ترجيل شعره) عند علمائنا اجمع قاله فى التذكرة، ثم قال: و كذا حلق العانة و نتف الابط و حف الشارب مكروه عند علمائنا اجمع، عملا بالمروى فى الكافى فى باب كراهية ان يقص، فى الصحيح، عن ابن ابى عمير، عن بعض، عن الصادق (ع): لا يمس من الميت شعر و لا ظفر فان سقط منه شىء فاجعله فى كفنه.
و فى الباب عن غياث، عن الصادق (ع)، قال: كرّه امير المؤمنين (ع) ان يحلق عانة الميت اذا غسل او يقلّم له ظفرا و يجز له شعر.
و فى الباب عن طلحة بن زيد، عن الصادق (ع): كره ان يقص من الميت ظفر او يقص له شعرا و يحلق له عانة او يغمز له مفصل.
و فى الباب عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن الصادق (ع): عن الميت يكون عليه الشعر فيحلق عنه او يقلم؟ قال: لا يمس منه شىء و اغسله و ادفنه، خلافا للمحكى عن ابن حمزة: فحرم القص و الحلق و القلم و تسريح الرأس و اللحية.
و عن الشيخ الاجماع على انه لا يجوز قص الاظفار و لا تنظيفها من الوسخ بالخلال و لا تسريح لحيته، و فى المنتهى قال علماؤنا: لا يجوز قص شىء من شعر الميت و لا من ظفر و لا يسرح رأسه و لا لحيته، و متى سقط منه شىء جعل فى اكفانه.
و لو لا الشهرة المحكية المعتضدة بعبارة التذكرة، و باشتمال خبر طلحة على الغمز الذى قد عرفت حاله، و على لفظ التذكرة كخبر غياث المؤمى هذا
ص: 35
اللفظ بكون المراد المصطلح عليه، لكان القول بالحرمة قويا، و لكن معه الكراهة اقوى و الأحوط الحرمة.
و ينبغى التنبيه على امور:
الاول: يكره جعله بين رجلى الغاسل اتفاقا، كما عن الغنية، و عليه يدل بعض الاخبار.
و تسخين الماء عند علمائنا اجمع، كما فى المنتهى للمستفيضة، و منها المروى عن الفقه الرضوى: و لا تسخن له ماء الاّ أن يكون ماء باردا جدا فتوقى الميت مما توقى منه نفسك، و لا يكون الماء حارا شديدا، و ليكن فاترا، و مقتضاه زوال الكراهة لو خاف الغاسل على نفسه من البرد، و قد نفى فى المنتهى عنه الخلاف.
الثانى: الحائض و الجنب اذا ماتا غسلا كغيرهما من الاموات مرة واحدة، و قد اجمع عليه كل اهل العلم الا الحسن البصرى فانه اوجب غسلين، قاله فى المنتهى، ثم قال: لنا الاجماع، و خلاف الحسن لا اعتداد به، و لان غسل الجنابة و الحيض من باب التكليف و هو ساقط عن الميت.
و فى التذكرة: اذا مات الجنب او الحائض او النفساء كفى غسل الموت، و هو قول كل من يحفظ عنه العلم من علماء الامصار.
اقول: و عليه يدل ما رواه الكافى فى باب الميت يموت و هو جنب، فى الصحيح عن زرارة، قال قلت له (ع): مات ميت و هو جنب، كيف يغسل و ما يجزيه من الماء؟ فقال: يغسل غسلا واحدا، يجزى ذلك عنه لجنابته و لغسل الميت، لأنهما حرمتان اجتمعتا فى حرمة واحدة.
و فى الباب فى الموثق، عن عمار، عن الصادق (ع): عن المرأة اذا ماتت فى نفاسها كيف تغسل؟ قال: مثل غسل الطاهرة، و كذلك الحائض، و كذلك الجنب انما يغسل غسلا واحدا فقط.
و فى زيادات باب تلقين المحتضرين من التهذيب، عن ابى بصير، عن
ص: 36
احدهما، فى الجنب اذا مات؟ قال: ليس عليه الا غسلة واحدة، و اما الأخبار الثلثة المروية فى الباب عن عيص، الآمرة بالتعدد فمتروكة.
الثالث: غسل المرئة مثل غسل الرجل سواء، و لا نعلم فيه خلافا كما فى المنتهى، و فى خبر الكاهلى المروى فى الكافى فى باب غسل الميت عن الصادق عليه السلام، و فيه بعد ذكر الأغسال: و كذلك غسل المرأة.
الرابع: لا نعرف خلافا فى ان غسل الطفل كغسل البالغ، قاله فى المنتهى قال: و يجوز للصبى العاقل ان يغسل الميت، لانه من اهل الطهارة فجاز له ان يطهر غيره كالرجل انتهى، فتأمل.
الخامس: قال فى التذكرة: يشترط فى الماء الطهارة اجماعا، اذ النجس لا يطهر غيره، و الاطلاق فان المضاف غير مطهر عندنا، و على قول المرتضى:
الاقوى انه كذلك لأنها عبادة فاشبهت الوضوء، و لو جعلناه ازالة النجاسة انسحب على قوله الجواز و الملك و الاباحة، فلو كان مغصوبا مع علم الغاسل لم يطهر لامتناع التعبد بالقبيح، و ان جعلناه ازالة نجاسة امكن الجواز كغيره من النجاسات، و لو كان الغاسل جاهلا اجزاء كالوضوء، و كذا يجب كون الكافور و السدر مملوكين، و لو غسله فى مكان مغصوب فالاقوى الأجزاء.
السادس: هل الافضل تغسيله فى قميصه؟ كما نسبه فى الروضة الى الاكثر، و عن العمانى: السنة فى غسل الميت ان يغسل فى قميص نظيف.
و قد تواترت الاخبار عنهم (ع) ان عليا (ع) غسل رسول الله (ص) فى قميصه ثلث غسلات.
ام نزعه؟ كما نسبه فى المختلف الى المشهور، و منهم الخلاف حيث حكم باستحباب تغسيله عريانا مستور العورة، اما يترك قميصه عليها او ينزع و يترك خرقة اخرى عليها، مدعيا عليه اجماع الفرقة، وجهان و لعل الاول ارجح، لخبر ابن مسكان المتقدم فى شرح قول المصنف: ثم تغسيله بماء السدر، و خبر يعقوب المتقدم فى استحباب الرغوة، و غيرهما.
ص: 37
و الذى يظهر من غير واحد من الاخبار عدم وجوب عصر القميص، فانظر الى قوله (ع)، فى صحيحة عبد الله بن سنان الآتية فى الكفن: ثم يخرق القميص اذا غسل و ينزع من رجليه، و مقتضى خبر ابن مسكان المشار اليه، استحباب ان يجعل مع الكافور ذريرة، و لف الخرقة على يده حال الغسل.
السابع: يستحب ان يدخل فى اسفل الميت شىء من القطن لئلا يخرج منه شىء، كذا عن الخلاف مدعيا عليه الاجماع، و عليه يدل خبر يونس المروى فى الكافى فى باب غسل الميت، عن يونس، عنهم (ع) و فيه: و اعمد الى قطن فذر عليه شيئا من حنوط وضعه على فرجه قبل و دبر، و احش القطن فى دبره لئلا يخرج منه شىء.
و عن الفقه الرضوى: و قبل ان تلبسه قميصه تأخذ شيئا من القطن و تجعل عليه حنوطا، و تحشو به دبره.
و فى موثق عمار المروى فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، عن الصادق (ع) و فيه: و قد تدخل فى مقعدته من القطن ما دخل الى ان قال:
ثم تكفنه تبدء و تجعل على مقعدته شيئا من القطن و دبره.
خلافا للمحكى عن سلار: فيضع القطن على دبره.
و قال الحلى: يحشو القطن على حلقة الدبر، و بعض اصحابنا يقول و يحشو القطن فى دبره، و الاول اظهر.
اقول و ربما يستدل لهما بذيل خبر عمار، و لكن القول الاول اظهر فليرجع ذيل خبر عمار الى صدره.
و عن الاسكافى: انه زاد القبل من المرأة، و اضاف الى القطن الذريرة، و ان يمشى كل منها بمقدار ما يؤمن معه نزول شىء من الجوف.
الثامن: قيل: يستحب لمن يصب الماء ان لا يقطعه بل يصب متواليا، فاذا بلغ حقويه اكثر من الماء، لان الاستظهار هناك اتم.
ص: 38
و عن الفقه الرضوى: و لا يقطع الماء اذا ابتدأت بالجانبين من الرأس الى القدمين، و قال ايضا: و تغسل قبله و دبره بثلث حميديات و لا تقطع الماء عنه، ثم تغسل رأسه و لحيته برغوة السدر و تتبعه بثلث حميديات، و لا تقعده ان صعب عليك، ثم اقلبه على جنبه الأيسر ليبدو لك الايمن، و مدّ يدك اليمنى الى جنبه الايمن الى حيث تبلغ ثم اغسله بثلث حميديات من قرنه الى قدمه، فاذا بلغت و ركه فاكثر من صب الماء، ثم اقلبه الى جنبه الايمن ليبدو لك الايسر وضع بيدك اليسرى على جنبه الايسر و اغسله بثلث حميديات من قرنه الى قدمه، و لا تقطع الماء عنه، الخبر.
و قد تضمن خبرا يونس و الكاهلى المرويان فى الكافى فى باب غسل الميت، على جملة من المستحبات فلا تغفل عنهما.
التاسع: حكى عن الاصحاب: اذا ماتت المرأة و الولد حىّ فى بطنها، فانه يشق بطنها من الجانب الايسر و يخرج الولد و يخاط الموضع، ثم تغسل و تكفن بعد ذلك، روى الكافى فى باب المرأة تموت و فى بطنها ولد يتحرك، عن على بن يقطين، عن العبد الصالح: عن المرأة تموت و ولدها فى بطنها؟ قال: يشق بطنها و يخرج ولدها.
و فى الباب عن على بن ابى حمزة، عن الصادق (ع): عن المرأة تموت و يتحرك الولد فى بطنها، ايشق بطنها و يستخرج ولدها؟ قال: نعم، ثم قال:
و فى رواية ابن ابى عمير زاد فيه: يخرج الولد و يخاط بطنها.
و فى التهذيب فى آخر الباب الآتى: و فى رواية ابن ابى عمير عن ابن اذينة: يخرج الولد و يخاط بطنها.
و فى الكافى فى الباب المتقدم، عن ابن وهب، عن الصادق (ع) عن على (ع): اذا ماتت المرأة و فى بطنها ولدها يتحرك، يشق بطنها و يخرج الولد، و قال فى المرأة يموت فى بطنها الولد فيتخوف عليها، قال: لا بأس ان يدخل الرجل يده فيقطعه و يخرجه، و رواه التهذيب عن محمد بن يعقوب
ص: 39
فى باب تلقين المحتضرين، عن وهب بن وهب عنه (ع)، و زاد فى آخره:
اذا لم ترفق به النساء.
و عن الفقه الرضوى: اذا ماتت المرأة و هى حاملة و ولدها يتحرك فى بطنها، شق بطنها من الجانب الايسر.
العاشر: لو مات الولد فى بطنها و هى حية، ادخلت القابلة او غيرها ممن تحرز ذلك يدها فى فرج المرأة و قطعت الولد و اخرجته قطعة.
و عن الخلاف: عليه الاجماع، عملا برواية ابن وهب المتقدمة.
و عن الرضوى فى تتمة العبارة المتقدمة: و ان مات الولد فى جوفها و لم يخرج، ادخل انسان يده فى فرجها و قطع الولد بيده و اخرجه.
و روى انها تدفن مع ولدها اذا مات فى بطنها.
اقول: الظاهر من تعلق هذه الرواية بالصدر، فيما اذا ماتت الام ان يقال: الحكم فى ولدها اذا كان حيا الشق، و اذا كان ميتا دفن معها.
و عن التحرير: يتولى ذلك النساء، فان تعذر النساء فالرجال المحارم، فان تعذر جاز ان يتولاه غيرهم.
و فى المنتهى: لو ماتت و مات الولد بعد خروج بعضه، اخرج الباقى و غسل و كفن و دفن، و ان لم يمكن اخراجه الا بالشق ترك على تلك الحال و غسل مع امه، لأن الشق هتك حرمة الميت من غير ضرورة، قال: اذا خرج بعضه و مات و لم يتمكن من اخراجه، فقد قلنا انه يغسل مع امه و لا يحتاج الى التيمم، لان الخارج له حكم من مات بعد خروجه فى وجوب التغسيل، و ما بطن له حكم من مات فى بطن امه.
(فاذا فرغ) الغاسل (من غسله وجب ان يكفنه فى ثلثة اثواب) على المشهور المنصور، بل عن الخلاف و التحرير عليه الاجماع، عملا بالمروى فى الكافى فى اواخر باب تكفين المرأة، فى الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام: يكفن الرجل فى ثلثة اثواب، و المرأة اذا كانت عظيمة فى خمسة:
ص: 40
درع و منطق و خمار و لفافتين.
و فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، عن يونس، عن بعض رجاله، عن الصادق (ع) او الباقر (ع): الكفن فريضة للرجال، ثلثة اثواب و العمامة و الخرقة سنة، و اما النساء ففريضة خمسة ثواب.
و فى الباب فى الموثق، عن سماعة، قال: سألته عما يكفن به الميت، قال:
ثلثة اثواب و انما كفن رسول الله فى ثلثة اثواب ثوبين صحاريين و ثوب حبرة، و الصحارية تكون باليمامة، و كفن ابو جعفر (ع) فى ثلثة اثواب.
و فى الباب عن عبد الله بن سنان، عن الصادق (ع): الميت يكفن فى ثلثة سوى العمامة و الخرقة تشد بها و ركيه لكيلا يبدو منه شىء، و الخرقة و العمامة لا بد منهما و ليستا من الكفن.
خلافا للمحكى عن سلار فالواجب ثوب واحد، و حكم باستحباب الثلثة، عملا بالمروى فى الباب فى الصحيح، عن زرارة، عن الباقر (ع): العمامة للميت من الكفن؟ قال: لا انما الكفن المفروض ثلثة اثواب او ثوب تام لا اقل منه يوارى فيه جسده كله، فما زاد فهو سنة الى ان يبلغ خمسة فما زاد فمبتدع، و العمامة سنة، الخبر.
و فيه ان الخبر فى الكافى فى باب تحنيط الميت، هكذا: ثلثة اثواب و ثوب تام بالواو، و الكافى اضبط، و عليه فظاهره وجوب الاربعة اثواب التى لا قائل بها، كما صرح البعض، لا الثوب الواحد.
هذا مضافا الى ان المحكى عن اكثر نسخ التهذيب المعتمدة هكذا: انما الكفن المفروض ثلثة اثواب تام لا اقل منه، يوارى فيه جسده كله.
و كذا نقله فى المنتهى كما عن التحرير و المنتقى و غيرهما، و عليه فهو من ادلة المختار، و الى انه لو كان كما نقلناه عن التهذيب اولا، فالواجب فى نحو المسئلة حمله على التقية التى هى فى الاحكام الشرعية اصل كل بلية، اذ مذهب سلار هو المحكى عن الجمهور كافة، و مقتضى اطلاق الموثقة و غيرها عدم الفرق
ص: 41
فى المختار بين الرجل و المرأه، بل لم اطلع على فارق اصلا، و عليه فمرسلة يونس محمولة على تأكد الاستحباب، سيما بعد معارضتها بمفهوم خبر محمد بن مسلم المتقدم، و بذلك ظهر الوجه فى هذا الخبر ايضا.
و الاثواب الثلثة (هى ميزر) يستر ما بين السرّة و الركبة، كما فى جامع المقاصد و الرياض قائلا فى الاخير: بانه المفهوم عرفا، او من سرته الى حيث يبلغ من ساقيه كما عن المراسم و القواعد، او من سرته الى حيث يبلغ الميزر كما عن المصباح و مختصره، او يستر العورة فقط كما احتمله فى الرياض قائلا: بانه موضوع ابتداء بسترها و هو بعيد، اذ المتبادر غيره، نعم العمل بما يستربين السرة و الركبة هو القدر المتيقن من النص، و ان كان التجاوز قليلا بما لم يبلغ الى الفرد النادر يقينا مما ليس به بأس.
و اما ما عن الجامع من استحباب سترة من الصدر الى الساقين فلم اطلع على دليله، نعم عن الذكرى استحباب سترة الصدر و الرجلين و لا بأس به باذن من يجوز اذنه من الوارث او مع الوصية، و عليه يدل التعليل المتضمن عليه موثقة عمار المروية فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، عن الصادق (ع) و فيها:
ثم تبدء و تبسط اللفافة طولا ثم تذر عليها من الذريرة، ثم الازار طولا حتى يغطى الصدر و الرجلين، ثم الخرقة عرضها قدر شبر و نصف، ثم القميص، الخبر.
و كلمة طولا فى الازار غير مسموع، اذ المعروف من شد الازار انما هو بالعرض لا بالطول، سيما بعد ملاحظة ان الظاهر من ذيل هذا الخبر تقديره باربعة اذرع، فلو استمع الى هذا الطول لكان متجاوزا عن الرأس و الرجلين، و ليس نحو هذه التهافت من نحو عمار بعيد.
(و قميص(1) يصل الى نصف الساق، و يجوز الى القدم عملا بالاطلاق المجوز للفردين، و عليه فلا نحتاج الى اذن الورثة او الوصى، و اما احتمال الجواز
ص: 42
و لو لم يبلغ الى نصف الساق فغير مسموع، اذ المتبادر غيره، و يشترط ايضا شموله للبدن عرضا عملا بالمتعارف.
(و ازار) يشمل جميع بدنه طولا و عرضا و لو بالخياطة، و هل يجب الزيادة طولا بحيث يمكن عقده من قبل الرأس و الرجلين؟ و عرضا بحيث يمكن جعل احد جانبيه على الآخر؟ ام يستحب؟ قولان و الأول لعله اقرب، عملا بالمتبادر من لفظ اللفافة الواردة فى الاخبار، ثم ان تعيين المئزر و القميص هو المشهور بين الاصحاب، عملا بالمروى عن الفقه الرضوى من قوله (ع): و يكفن بثلثة اثواب لفافة و قميص و ازار، التفاتا الى ان المتبادر من الازار لغة و شرعا انما هو ما يشد فى وسط الانسان.
و فى الكنز، ازار و شلوار و لنكونه و فوطه.
و عن مجمع البحرين: قد تكرر فى الحديث ذكر الازار بالكسر و هو معروف يذكر و يونث و مقعد الازار من الحقوين و فى كلام البعض من اهل اللغة الازار بالكسر ثوب شامل لجميع البدن.
و فى الصحاح و غيره الميزر الازار.
و فى كتب الفقه يذكرون الميزر مقابلا للازار و يريدون به غيره.
و حينئذ لا بعد فى الاشتراك، و يعرف المراد بالقرينة.
و فى الخبر ازرة المؤمن الى نصف الساق و لا جناح له فيما بينه و بين الكعبين الازرة بالكسر الحالة و الهيئة الاتزار كالركبة و الجلسة انتهى ملخصا.
و اما الاخبار المفهمة لك هذا التبادر فكثيرة، منها جملة من الاخبار(1)
ص: 43
المتعلقة بالحمام المعبرة عن المئزر، بل الاظهر ان المتتبع فى الاخبار يحكم بكونه حقيقة فى الميزر، مجازا فى الثوب الشامل لجميع البدن، و ان كان المراد منه فى السنة جماعة من الفقهاء فى نحو المقام ثوب شامل لجميع البدن المعبر عنه باللفافة، كما تقدم ذلك عن بعض اهل اللغة.
و بالجملة المراد بالازار الواقع: الميزر لا اللفافة، و لذا لم يعبر هكذا قميص و لفافتان، هذا مضافا الى موثقة عمار المتقدمة فى قبيل القميص المصرحة، بكون الازار الميزر، لمكان قوله: حتى يغطى الصدر و الرجلين، اذ اللفافة تعم البدن كلاّ.
و على المختار ايضا تدل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة بعد قول المصنف: فى ثلثة اثواب، المفصلة للاثواب الخمسة بالنسبة الى المرأة الحاكمة بحسب القواعد اللفظية بان الاثواب الخمسة هى هذه لا غير، و الواجب من المفصلة هو القميص المعبر عنه بالدرع و الميزر المعبر عنها بالمنطق و اللفافة.
و لا فرق بين الرجل و المرأة فى ذلك اجماعا على الظاهر، و الزايد لها انما هو الخمار و اللفافة الثانية.
و بما قررناه يظهر عدم صحة المناقشة فى الاستدلال بالخبر باستلزامه لاستعمال اللفظ فى معنييه الحقيقى و المجازى، او لعدم تعيين القميص و الميزر ان جعلنا اللفظ مستعملا فى القدر المشترك، كما يظهر وجه الاستدلال للمختار بالمروى فى الكافى فى باب تحنيط الميت، عن معوية بن وهب، عن الصادق (ع): يكفن الميت فى خمسة اثواب قميص لا يزرّ عليه، و ازار و خرقة يعصب بها وسطه، و برد يلف فيه، و عمامة يعتم بها و يلقى فضلها على صدره
ص: 44
فلا تغفل عن تخصيص اللّف بالبرد.
و بالمروى فى الباب فى الصحيح، عن عبد الله بن سنان، عن الصادق (ع) كيف اصنع بالكفن؟ قال: تؤخذ خرقة فتشدّ بها على مقعدته و رجليه، قلت:
فالازار؟ قال: انها لا تعد شيئا انما تصنع لتضم ما هناك لئلا يخرج منه شىء، و ما يصنع من القطن افضل، ثم يخرق القميص اذا غسل و ينزع من رجليه، قال:
ثم الكفن قميص غير مزرور و لا مكفوف، و عمامة يعصب بها رأسه و يرد فضلها على رجليه.
و التوضيح ان توهم الراوى عدم لزوم الازار بشد الخرقة ينادى بان المراد منه الميزر لا اللفافة الشاملة لجميع البدن البعيدة عن محل التوهم، و عليه فجوابه (ع) بانها اى الخرقة لا تعدّ شيئا، اى شيئا من اجزاء الكفن الواجب، يترنم بكون الازار من اجزاء الكفن الواجب.
هذا مضافا الى اعتضاد المختار بالمروى فى الباب عن يونس عنهم (ع):
ابسط الحبرة بسطا، ثم ابسط عليها الازار، ثم ابسط القميص عليه، الخبر.
و بما ذكر ظهر ضعف القول بالتخيير بين الاثواب الثلثة و بين القميص و الثوبين، كما اختاره المدارك و الذخيرة حاكيا فى الاخير عن الاسكافى و التحرير ايضا قال فى المدارك: و اما الميزر فقد ذكره الشيخان و اتباعهما و جعلوه احد الاثواب الثلثة المفروضة، و لم اقف فى الروايات على ما يقتضى ذلك، بل المستفاد منها اعتبار القميص و الثوبين الشاملين للجسد، او الأثواب الثلثة.
و فيه ما عرفت من دلالة الأخبار على تعيين الميزر و القميص، و عليه فاطلاق ثلثة اثواب كما فى موثقة سماعة المتقدمة و نحوها محمول عليهما حملا للمطلق على المقيد، و دعوى اطلاق الثوب على ما يشمل البدن فقط ممنوعة، بل هو للقدر المشترك بين الشامل للجميع و غيره، كما يرشدك ذيل هذه الموثقة من قوله: انما كفن رسول الله (ص) فى ثلثة اثواب ثوبين صحاريين و ثوب حبرة بعد الالتفات الى ما رواه النهاية فى كتاب الحج فى اول باب ما يجوز الاحرام،
ص: 45
فى الصحيح عن معوية بن عمار، عن الصادق (ع): كان ثوبا رسول الله (ص) اللذان احرم فيهما يمانيين عبرى و اظفارى، و فيهما كفن.
الى ما دل بان ثوبى الاحرام ازار يتزر به و رداء يتردى(1) به، المعين لحمل المروى فى الكافى فى باب ما يستحب من الثياب للكفن عن يونس بن يعقوب، عن ابى الحسن الاول (ع): انى كفنت ابى فى ثوبين شطويين كان يحرم فيهما، و فى قميص من قمصه، و عمامة كانت لعلى بن الحسين، و فى برد اشتريتها بأربعين دينار، لو كان اليوم لساوى اربعمائة دينار، على المشهور المنصور.
نعم روى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، عن محمد بن سهل عن ابيه، عن ابى الحسن (ع): عن الثياب التى يصلى فيها الرجل و يصوم ايكفن فيها؟ قال: احب ذلك الكفن يعنى قميصها، قلت: يدرج فى ثلثة اثواب؟ قال: لا بأس به و القميص احب الى.
و فى الباب فى الزيادات، عن حمران بن اعين فى الحسن به عن الصادق عليه السلام قلت: فالكفن؟ قال: تؤخذ خرقة فتشد بها سفله و تضم فخذيه بها ليضم ما هناك، و ما يصنع من القطن افضل، ثم يكفن بقميص و لفافة و برد يجمع فيه الكفن.
و فيهما انهما مع قطع النظر عن ضعف سند الاول بمحمد بن سهل، و قصور سند الثانى و لو فى الجملة، مما لا يقومان فى مقابلة ما مرّ من وجوه عديدة مع قوة احتمال كون الالف و اللام فى القميص فى الخبر الاول راجعا الى المعهود فى السؤال، فالمعنى القميص الذى يصلى فيه احب الى، و جواز القول فى الثانى على بعد ما يرتكب نحوه فى الجمع بين الاخبار كثيرا، بان المراد باللفافة هنا ما يلف به الحقوان اعنى الميزر كما يشعر بذلك ذيل الخبر
ص: 46
فى تخصيص الجمع بالبرد، مع ان اللفافة لو كانت بمعناها لكانت هى ايضا جامعة للكفن، فبما ذكر ظهر ان القول باستحباب القميص كما عن الجماعة و منهم الاسكافى و التحرير مما ليس له وجه صالح.
الاول: حكى عن المشهور فى كيفية التكفين بالأثواب الثلثة: الابتداء بالميزر، فوق خرقة الفخذين، ثم القميص، ثم اللفافة، ثم الحبرة المستحبة، بل نسب الذكرى جعل الخرقة تحت الميزر و القميص فوقه الى الاصحاب، ناقلا عن الشيخ الاجماع عليه و عن العمانى: الابتداء بالقميص قبل الميزر، و عليه تدل موثقة عمار المروية فى باب تلقين المحتضرين من التهذيب، و خبر يونس المروى فى الكافى فى باب تحنيط الميت، و العمل بكلا القولين حسن انشاء الله، و الاول لعله الاولى.
الثانى: يراعى فى جنس هذه الاثواب التوسط باعتبار اللايق بحال الميت عرفا، فلا يجب الاقتصار على ادون المراتب، و ان ماكس الورثة او كانوا صغارا، وفاقا للجماعة حملا للاطلاق على المتعارف.
الثالث: قال فى الرياض: المفهوم من خبر زرارة المتقدم الاكتفاء بمواراة البدن بالثلثة، فلو كان بعضها رقيقا بحيث لا يستر العورة و يحكى البدن، لم يضر مع حصول الستر بالمجموع، و الاحوط اعتبار الستر فى كل ثوب لانه المتبادر و ليس فى كلامهم ما يدل عليه نفيا و لا اثباتا، انتهى.
اقول و عنى بخبر زرارة ما قدمناه لسلار، و فى دلالته مناقشة لما عرفت من اختلاف النسخ فيه، مع اعتراض بعض الاجلاء بظهور كون المراد من مواراة الجسد سيما بعد ملاحظة التأييد بالتأكيد بقوله كله، انما هو باعتبار شمول الثوب للبدن بحيث لا يبقى شىء منه عاريا، لا مواراة البشرة بمعنى ان لا يكون رقيقا حاكيا للبشرة و ان كان لى فى هذا الاعتراض نوع مناقشة، و اما ما استجوده فلى فيه اشكال، بل الاظهر عندى كفاية التستر بالجميع، عملا بالاطلاق.
ص: 47
و يعتبر فى الاثواب كونها (بغير الحرير) اجماعا كما فى التذكرة و الذكرى و عن التحرير عملا بالمروى فى التهذيب فى زيادات باب تلقين المحتضرين، عن الحسن بن راشد قال: سألته عن ثياب تعمل بالبصرة على عمل العصب(1)اليمانى من قزّ و قطن، هل يصلح ان يكفن به الموتى؟ قال: اذا كان القطن اكثر من القز فلا بأس.
و عن الفقه الرضوى: لا تكفنه فى كتان و لا ثوب ابريشم، و اذا كان ثوب معلما فاقطع علمه، و لكن كفنه فى ثوب قطن و لا بأس فى ثوب صوف.
و مقتضى الخبر الاول بل الثانى(2) ايضا تعميم الحكم بالنسبة الى الرجال و النساء، بل فى التذكرة و الذكرى عليه الاجماع، و عليه فاحتمال المنتهى كما عن نهاية الاحكام الجواز استصحابا للحالة السابقة، مما لا يلتفت اليه و ليس المرسل عن بعض الكتب و نهى ان يكفن الرجال فى ثياب الحرير قاطعا للعذر سيما فى نحو المقام، و يجوز التكفين به اذا لم يكن محضا، عملا بالاطلاق، لكن الأحوط اشتراط كون الخليط اكثر من القزّ التفاتا الى الخبر المتقدم، و بذلك افتى القواعد، و نسبه جامع المقاصد الى الجماعة، لكنه حكم بالجواز مع صدق الممتزج و لو كان الخليط اقل بحيث لا يضمحل كالصلوة و لعل نظره الى عدم ثبوت جابر لخبر ابن راشد المتقدم فى نحو المقام.
و عليه فيجب العمل بالاطلاق، و هو و ان كان غير خال عن نوع قوة لكن الاحتياط مما لا ينبغى تركه، و مقتضى المتن و نحوه من المقتصرين بالحرير المحض هو جواز التكفين بالثوب المذهب، خلافا لبعضهم فاوجب ان يكون مما لا يجوز الصلوة فيه للرجال.
ص: 48
و قال غير واحد باشتراط جواز الصلوة من دون تصريح به للرجال و النساء و الأقرب الاول عملا بالاطلاق و مقتضاه الجواز بالصوف و الوبر و الشعر، و قد صرح الرضوى المتقدم بالاول، خلافا للمحكى عن الاسكافى: فمنع فى الوبر، و لا وجه له حتى يقيّد الاطلاق به.
بل مقتضى الاطلاق الجواز فى الشعر و الوبر و لو كان مما لا يؤكل لحمه، بل نسبه فى المسالك الى المشهور لكنه كغيره لم يجوز ذلك، و لا وجه له.
نعم لا يجوز التكفين فى النجس و لا المغصوب اجماعا كما فى التذكرة و الذكرى، و هل يجوز بالجلد؟ الاظهر لا مطلقا و لو كان مما يؤكل لحمه لاختصاص الثوب بالمنسوج.
هذا مع الاختيار، و اما مع الاضطرار فالظاهر اتفاقهم على عدم الجواز بالمغصوب، و اما غيره من الحرير و الجلد و النجس ففى الذكرى فيه ثلثة اوجه:
المنع لاطلاق النهى.
و الجواز لئلا يدفن عاريا مع وجوب ستره و لو بالحجر، و وجوب ستر العورة لا غير حالة الصلوة ثم ينزع بعد، و حينئذ فالجلد مقدم لعدم صريح النهى فيه، ثم النجس لعروض المانع، ثم الحرير لجواز صلوة النساء فيه اختيارا اقول و المسئلة محل اشكال و توقف.
انما يجب الاثواب الثلثة مع الاختيار، و اما مع الضرورة فتجزى اللفافة الواحدة الشاملة لجميع البدن ان امكن، و الا فما تيسّر و لو ما يستر العورتين خاصة، و تجب اجماعا كما ادعاه بعض مشايخنا، و هو الحجة المؤيدة باصالة بقاء الوجوب و بما دل على ان الميسور لا يسقط بالمعسور.
(و ان يمسح مساجده بالكافور) على المشهور المنصور، بل عليه فى التذكرة كما عن الخلاف الاجماع، عملا بالمروى فى الكافى فى باب تحنيط الميت، فى الموثق عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن الصادق (ع): عن الحنوط للميت؟
ص: 49
فقال: اجعله فى مساجده.
و عن العمانى و المفيد و الحلبى و القاضى: الحاق طرف الانف الذى يرغم به، بل ربما يستفاد من المنتهى دعوى الاجماع عليه، حيث قال: ثم يعمد الى الكافور الذى اعده اولا لحنوطه فيسحقه بيده و يضع منه على مساجده السبعة و طرف انفه، فان فضل شىء من الكافور كشف قميصه و القاه على صدره و لا خلاف فى ذلك، و قد اتفق علماؤنا على وجوبه، انتهى.
و اما الدال على جعله فى المفاصل و الراحة و الرأس و اللحية و الصدر و العنق و اللبة، قيل و هى النحر و موضع القلادة، و باطن القدمين، فمحمول على الاستحباب كما صرح به غير واحد، عملا بالأصل المعتضد بالشهرة و يستفاد من بعض الاخبار جعله على الفرج ايضا، و لا بأس بالقول بالاستحباب بالنسبة اليه ايضا.
و اما ما عن الفقه الرضوى: لا تجعل فى فمه و لا منخره و لا فى عينيه و لا فى مسامعه و لا على وجهه قطنا و لا كافورا، و نحوه بالنسبة الى الاربعة الأخيرة، مرسلة يونس المروية فى الباب، و نحوهما بالنسبة الى المسامع خبران آخران، فالأحوط الاجتناب.(1)
و اما جملة من الاخبار الآمرة بوضعه على المسامع، فالاظهر حملها على التقية، اذ حكى ذلك فى المنتهى عن الجمهور، فاذن لا يلتفت اليها، كما لا يلتفت الى الاخبار الآمرة بوضعه فى الفم، و ان قال فى النهاية: و يجعل الكافور على بصره و انفه و فى مسامعه و فيه و يديه و ركبتيه و مفاصله كلها، و على اثر السجود منه، و ان بقى منه شىء جعل على صدره، انتهى.
اذ عن الخلاف الاجماع على انه لا يترك على انفه و اذنه و لا عينيه و لا فيه، و فى المنتهى: يكره ان يجعل فى سمعه و بصره شيئا من القطن و الكافور، الى
ص: 50
ان قال: لو خاف خروج شىء من هذه المواضع استحب فيه، جعل القطن و الكافور بلا خلاف، انتهى.
و يحصل المسح بالكافور (باقله) وفاقا للجماعة، بل قيل لا خلاف فى كفاية المسمى، عملا بالاصل و الاطلاق، و فى موثقة سماعة المروية فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، عن الصادق (ع)، و فيه: و اقل من الكافور.
و هل يجب استيعاب كل المسجد بالمسح كما عن الذكرى؟ او يكفى المسمى كما فى الرياض و غيره؟ وجهان و الاخير اقرب، عملا بالاطلاق.
و هذا الحكم ثابت فى كل ميت (الا المحرم) فلا يقربه الكافور و لا الطيب لا فى غسل و لا فى حنوط، الاجماع، كما فى المنتهى عملا بجملة من الاخبار، منها المروى فى الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر (ع) و الصادق (ع): عن المحرم كيف يصنع اذا مات؟ قال: يغطى وجهه و يصنع به كما يصنع بالحلال غير انه لا يقرب طيبا.
و فى الباب فى الموثق عن سماعة، قال: سألته عن المحرم يموت؟ فقال:
يغسل و يكفن بالثياب كلها و يغطى وجهه، يصنع به كما يصنع بالمحل غير انه لا يمس الطيب.
و فى الباب فى الموثق عن ابى مريم، عن الصادق (ع): خرج الحسين بن على (ع) و عبد الله و عبيد الله ابنا العباس و عبد الله بن جعفر و معهم ابن للحسن (ع) يقال له عبد الرحمن، فمات بالابواء و هو محرم فغسلوه و كفنوه و لم يحنطوه، و خمروا وجهه و رأسه و دفنوه.
و فى الباب فى الصحيح عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن الصادق (ع) عن المحرم يموت كيف يصنع به؟ قال: ان عبد الرحمن بن الحسن مات بالابواء مع الحسين و هو محرم، و مع الحسين عبد الله بن العباس و عبد الله بن جعفر، و صنع به كما يصنع بالميت و غطى وجهه و لم يمسه طيبا، قال: و ذلك كان فى كتاب على (ع).
ص: 51
و ظاهر الاخبار اشتراكه مع ساير الاموات الا فى الطيب، قال فى المنتهى: و يغسل المحرم كالحلال الا انه لا يقرب طيبا و لا كافورا، ذهب اليه علماؤنا أجمع، الى ان قال: و المحرم يكفن كالحلال ذهب اليه علماؤنا أجمع، الا انه لا يقرب الكافور و لا شيئا من الطيب، فالذى عليه علماؤنا انه يغطى رأسه، انتهى.
و عليه فما عن العمانى: من وجوب كشف رأسه و وجهه نظرا الى استصحاب حكم الاحرام، مما لا يلتفت اليه اصلا، سيما مع امر خبرى محمد و سماعة بالتغطية، و مقتضى الاطلاق عدم الفرق فى ذلك بين الاحرامين.(1)
و لو مات بعد طواف الزيارة فهل يحرم الطيب حينئذ كما نفى البعض عنه البعد؟ ام لا كما عن نهاية الاحكام؟ وجهان ينشأن من اطلاق اسم المحرم عليه، و من حل الطيب له حيا، فهنا اولى.
(و يدفن بغير كافور لو تعذر) اذ الضرورات تبيح المحظورات، و لا دليل على قيام الغير مقامه، و فى التذكرة: لا يقوم غير الكافور مقامه عندنا و سوغ الجمهور المسك.
(و يستحب ان يكون ثلاثة عشر درهما و ثلثا) وفاقا للمشهور بالمروى فى الكافى فى باب حد الماء، عن على بن ابراهيم، عن ابيه رفعه قال: السنة فى الحنوط ثلاثة عشر درهما و ثلث اكثره، و قال: ان جبرئيل (ع) نزل على رسول الله (ص) بحنوط و كان وزنه اربعين درهما، فقسمها رسول الله (ص) ثلثة اجزاء جزء له و جزء لعلى و جزء لفاطمة (ع).
و بالمروى عن الفقه الرضوى: التحنيط بوزن ثلاثة عشر درهما و ثلث، و ان لم يقدر على هذا المقدار فاربعة دراهم، و ان لم يقدر فمثقال لا أقل من ذلك لمن وجده.
و عنه فى موضع آخر: و ادنى ما يجزى من الكافور مثقال و نصف.
ص: 52
و عن التحرير اقل المستحب من الكافور الحنوط درهم و افضل منه اربعة دراهم و اكمل منه ثلاثة عشر درهما و ثلث، كذا ذكره الخمسة و اتباعهم، ثم لا اعلم للاصحاب فيه خلافا.
و فى الباب عن ابن ابى نجران، عن بعض اصحابه، عن الصادق (ع):
اقل ما يجزى من الكافور للميت مثقال.
و فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، عن عبد الرحمن بن ابى نجران، عن بعض رجاله، عن الصادق (ع): اقل ما يجزى من الكافور للميت مثقال و نصف.
و فى الباب فى القوى عن الكاهلى و الحسين بن مختار، قال: القصد من الكافور اربعة مثاقيل.
و الخبران الاولان قد اتفقا على ما فى المتن، و عليه فما عن القاضى تقديره ثلاثة عشر درهما و نصف، مما لا يلتفت اليه، سيما بعد ما سمعت من نقل عبارة التحرير و مقتضاها ان مذهب الاصحاب ان اقل المستحب منه درهم، و بذلك افتى النهاية و المبسوط و الجمل و العقود و المصباح و مختصره و الوسيلة و السراير و الجامع على ما حكى عنهم، و لكن لم اقف بذلك على خبر.
نعم عن القواعد و الخلاف و الاقتصاد و جمل العلم و العمل و المراسم و الكافى و الاسكافى و كتب الصدوق، تبديل الدرهم بالمثقال، و عليه يدل الرضوى، و خبر بن ابى نجران المتقدمان، لكن قد عرفت ان فى موضع آخر من الفقه الرضوى اضاف اليه النصف كخبر ابى نجران الاخير، و لم اقف على قائل به كما لم اقف على ما عن الجعفى من القول بمثقال و ثلث على خبر.
و العمل بالكل صحيح تسامحا فى ادلة السنن، و مقتضى الرضوى و عبارة التحرير: ان اربعة هو الاوسط فى الفضيلة، و عن الخلاف الاجماع، و لا بأس به، لكن عن كتب الصدوق و ساير كتب الشيخ و الوسيلة و الاصباح و الجامع اربعة مثاقيل، و عليه يدل خبر الكاهلى المتقدم، اللّهم الا ان يفسر المثاقيل
ص: 53
بالدراهم كما عن الحلى، قيل: و لعل القرينة عليه الرضوى.
و فى المنتهى: نهاية الفضل فى الكافور ثلاثة عشر درهما و ثلث، ثم نقل مرفوعة ابراهيم المتقدمة، ثم يليه فى الفضل اربعة مثاقيل، ثم نقل رواية الكاهلى المتقدمة، و يليه مثقال واحد، ثم نقل خبر ابن ابى نجران المتقدم، ثم قال: و المراد من المثقال هنا الدرهم، انتهى.
و عليه فلا خلاف بينهم فى التعبير بالدرهم او بالمثقال لكن لم اتحقق ذلك، و مجرد كلام المنتهى و الحلى مما لم يقم دليل اعتباره، و شهادة الرضوى بذلك غير مسلمة، و جواز العمل بفتواهما لمكان الدليل العقلى الدال على التسامح و ان كان صحيحا و لكن لست انا فى صدد ذلك، بل اقول: ان صرف المثقال الواقع فى الخبر الى الدرهم بمجرد كلامهما مع عدم وضوح المستند المعتبر، مما لست استمعه، و عليه فالمتبادر من المثقال هو المثقال الشرعى الذى هو عبارة عن الدينار و هو ثلاثة ارباع المثقال الصيرفى، فالصيرفى مثقال و ثلث من الشرعى، و ثلاثة عشر درهما و ثلثا الذى هو القدر الاعلى يكون بالمثقال الشرعى تسعة مثاقيل و ثلث، و بالمثقال الصيرفى سبعة مثاقيل لما عرفت فى بحث الوضوء فى شرح قول المصنف: و الوضوء بمد.
و مقتضى المتن وفاقا للمشهور ان كافور الغسل خارج عن هذا المقدار، و عليه يدل الخبران الاولان، فما عن الحلى انه حكى عن بعض الاصحاب المشاركة مما لم ار له وجها.
و هل التحنيط قبل الأخذ فى التكفين كما حكم باستحبابه البعض، بل ظاهر القواعد الوجوب؟ ام بعد التأزير بالميزر، كما فى التحرير و المنتهى و عن نهاية الاحكام و المراسم و ظاهر النهاية و المبسوط و الوسيلة؟ وجهان: و يدل على الاول خبر زرارة المروى فى الباب فى الزيادات، عن الباقر و الصادق (ع): اذا جففت الميت عمدت الى الكافور فمسحت به آثار السجود و مفاصله، كلها، و اجعل فى فيه و مسامعه و رأسه و لحيته من الحنوط و على صدره و
ص: 54
و فرجه، و قال: حنوط الرجل و المرأة سواء.
و مرسلة يونس المروية فى الكافى فى باب تحنيط الميت، عنهم (ع):
ابسط الحبرة بسطا، ثم ابسط عليهما الازار، ثم ابسط القميص عليه، و ترد مقدم القميص عليها، ثم اعمد الى كافور مسحوق فضعه على جبهته موضع سجوده، الى ان قال: ثم يحمل فيوضع على قميصه، الخبر.
و لكن دلالتهما على الوجوب محل اشكال، فالاظهر الاستحباب، و عن القواعد و المراسم و المنتهى: جواز التأخير عن لبس القميص، و عن المهذب التأخير عن لبسه و لبس العمامة، او عن شد الخامسة، و الكل جايز(1) و لكن العمل بالاول احوط.
عن الوافى الحنوط يقال: لكل طيب يحنط به الميت، الا أن السنة جرت بالكافور كما ورد من اهل البيت (ع)، و هو طيب معروف يكون فى اجواف شجر بجبال بحر الهند خشبه ابيض خشن يظل خلقا كثيرا، و هى انواع و لونها احمر و انما تبيض بالتصعيد، كذا فى القاموس، و قال بعض فقهائنا: الكافور صمغ يقع من شجرة فكلما كان جلالا و هو الكبار من قطعه لا حاجة له الى النار، و يقال له الكافور الخام، و ما يقع من صغار ذلك الصمغ من الشجر فى التراب يؤخذ بترابه، و يطرح فى قدر فيها ماء يغلى و يميز من التراب، فلذلك لا يجزى فى الحنوط انتهى.
و ما قاله من عدم اجزاء المطبوخ غير واضح، بل الظاهر من اطلاق الاخبار و كلام الاصحاب اجزاؤه، و ما يقال ان مطبوخه يطبخ بلبن الخنزير ليشتد بياضه لم يثبت، و كذا ما قيل انه لبن دويبة كالسنور يسمى بالرباح، انتهى.
و فى القواعد ثم يستعد لغسله فيؤخذ من السدر المسحوق رطل و نحوه،
ص: 55
و من الاشنان شىء يسير ينجى به، و من الجلال نصف مثقال ان تيسر و الا ما تيسر منه و ان قل، الى آخره.
اقول ان اراد من التقييد بالجلال عدم اجزاء غيره فلا دليل عليه، كما ذكره المحدث المذكور، و عليه فلا وجه لتقييد الاطلاق، نعم القول باجزاء الكافور المصنوعى لارباب الصنايع محل اشكال.
(و اغتسال الغاسل قبل التكفين او الوضوء) وفاقا للمحقق كما عن الجماعة، و لم اقف على دليل، بل مقتضى موثقة عمار المروية فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، عن الصادق (ع): ثم تغسل يديك الى المرافق و رجليك الى الركبتين ثم تكفنه.
و صحيحة محمد بن مسلم المروية فى الباب فى الزيادات، عن احدهما (ع)، قلت: فالذى يغسله يغتسل؟ قال: نعم، قلت: فيغسله ثم يلبسه اكفانه قبل ان يغتسل؟ قال: يغسله ثم يغسل يديه من العاتق ثم يلبس اكفانه ثم يغتسل، الخبر.
و صحيحة يعقوب بن يقطين المروية فى الزيادات، عن العبد الصالح (ع) و فيه: ثم يغسل الذى غسله يده قبل ان يكفنه الى المنكبين ثلث مرات، ثم اذا كفنه اغتسل.
تأخير الغسل عن التكفين، فاذن التأخير اولى وفاقا لبعض، سيما بعد ملاحظة ما دل على استحباب تعجيل التجهيز، نعم مقتضى الخبر الاول غسل اليدين الى المرفقين و الرجلين الى الركبتين، و الثانى اليدين من العاتق، و الثالث غسلهما الى المنكبين ثلث مرات، و لا بأس به استحبابا، و مقتضى ظاهر المتن كغيره استحباب تقديم غسل المس، و عن الذكرى ان من الاغسال المسنونة الغسل للتكفين، و عن النزهة ان به خبر او لم اقف عليه.
(و زيادة حبرة) بكسر الحاء و فتح الباء، يمنية و هى المنسوبة الى اليمن، عبريه منسوبة الى العبر و هو موضع او جانب الوادى (غير مطرزة بالذهب) اجماعا
ص: 56
كما هو ظاهر التذكرة و الذكرى و جامع المقاصد كما عن التحرير، عملا بخبر يونس بن يعقوب المتقدم فى شرح قول المصنف: و قميص و ازار، بناء على ان المراد بالبرد هو هذه بقرينة الاجماعات المحكية.
و اما الاستدلال لذلك بموثقة سماعة السابقة فى شرح قول المصنف:
فاذا فرغ من غسله، فغير وجيه اذ ظاهرها كونها احد ثلاثة كما عن العمانى، لا زايدة عليها كما هو المشهور.
نعم يستفاد من المروى فى الكافى فى باب تحنيط الميت، فى الصحيح عن الحلبى، عن الصادق (ع): كتب ابى فى وصيته ان اكفنه فى ثلاثة اثواب احدها رداء له حبرة كان يصلى فيه يوم الجمعة، و ثوب آخر و قميص، فقلت:
لابى لم تكتب هذا؟ فقال: اخاف ان يغلبك الناس، و ان قالوا كفنه فى اربعة او خمسة فلا تفعل و عممه بعمامة، و ليس تعد العمامة من الكفن انما يعد ما يلف به الجسد.
و بهذا المضمون روى عن الفقه الرضوى: خروج ما زاد عن ثلاثة مخرج التقية، و لكن المشهور اقوى من وجوه عديدة.
و هل الحكم ثابت (للرجل) خاصة، او يعمه و المرأة؟ كما عن المشهور، وجهان و الاخير اقرب، بل يستفاد من التذكرة و الذكرى كونه اجماعا، لمرسلة سهل الآتية فى لفافة الثدى.
(و خرقة لفخذيه) بلا خلاف كما فى المنتهى و غيره، و فى المدارك: قد قطع الاصحاب باستحبابها، عملا بالمستفيضة، و منها جملة من الاخبار المتقدمة فى اوايل التكفين، و المروى فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين، عن يونس عنهم: و خذ خرقة طويلة عرضها شبر فشدها من حقويه و ضم فخذيه ضما شديدا و لعها فى فخذيه، ثم اخرج رأسها من تحت رجليه الى الجانب الايمن و اغمزها فى الموضع الذى لففت فيه الخرقة، و يكون الخرقة تلّف فخذيه من حقويه الى ركبتيه لفا شديدا.
ص: 57
و فى المنتهى بعد ذكر كيفية الشد بهذه الكيفية: و لا نعلم خلافا فى ذلك، و مقتضاه كون عرض الخرقة شبرا.
و فى موثقة عمار المروية فى الباب، عن الصادق (ع): و تجعل طول الخرقة ثلثة اذرع و نصف، و عرضها شبر و نصف، و عليه فيتعارضان فى العرض، و لكن لا بأس بالعمل بهما، بل يجوز الاقتصار على الأقل من الشبر ايضا و الزيادة على شبر و نصف بحسب العرض، عملا بالاطلاق مع عدم تحقق دليل على وجوب حمل المطلق على المقيد فى نحو المقام، فتأمل.
و عليه فلا يلزم الاقتصار فى جانب الطول الى ما فى الموثقة، بل يجوز التعدى زيادة و نقيصة عملا بالاطلاق، لكن لا بد من لف الفخذين بحيث يحصل به التعليل المتضمن عليه الاخبار، من عدم ظهور شىء منه به، و عليه فالأسدّ هو لفهما بعد الاثفار، و لعل من هنا استخرج المدارك قوله بعد نقل خبر يونس و خبر عبد الله المتقدم فى شرح قول المصنف: فاذا فرغ من غسله
و خبر الكاهلى المروى فى الكافى فى باب غسل الميت، عن الصادق (ع):
و فيه: ثم ازرّه بالخرقة و يكون تحتها القطن تذفره اذفارا قطنا(1) كثيرا، ثم تشد فخذيه على القطن بالخرقة شدا شديدا، حتى لا تخاف ان يظهر شىء الخبر.
و قد ظهر من مجموعها ان صورة وضع هذه الخرقة ان تربط احد طرفيها فى وسط الميت، اما بان يشق رأسها او يجعل فيها خيط و نحوه، ثم يدخل الخرقة بين فخذيه و تضم بها عورته ضما شديدا، و يخرجها من تحت الشداد الذى على وسطه، ثم يلف حقويه و فخذيه بما بقى لفا شديدا، فاذا انتهت ادخل طرفها تحت الجزء الذى انتهت عنده منها انتهى.
و هو جيد ان لم يرد الانحصار، و الا فللمناقشة فيه مجال.
ص: 58
و هذه الخرقة سميت عند الاصحاب بالخامسة كما ذكره غير واحد نظرا الى انها الخامسة من اجزاء الكفن الواجب و الندب، اذ الواجب ثلث و الحبرة رابع، و اما العمامة فلا تعد من الاجزاء كما دل عليه خبر الحلبى المتقدم فى الحبرة، و اما خبر ابن سنان المشار اليه الدال على خروجها ايضا عن الكفن، فالمراد الخروج عن الكفن الواجب، كما يرشد اليه خبر زرارة المتقدم المنقول بعد خبر ابن سنان.
هذا (و يعمم) الرجل (بعمامة) اجماعا محققا و محكيا، و عليه يدل كثير من الاخبار، تثنى عليه (محنكا) و يخرج طرفاها من الحنك و يلقيان على صدره، ذهب اليه علماؤنا، قاله فى التذكرة، عملا بمرسلة يونس المروية فى الكافى فى باب تحنيط الميت، عنهم (ع): ثم يعمم يؤخذ وسط العمامة فتثنى على رأسه بالتدوير، ثم يلقى فضل الشق الايمن على الايسر و الايسر على الايمن، ثم يمد على صدره، لكن بعد انضمامه الى المروى فى الباب فى الصحيح عن ابن ابى عمير، عن بعض اصحابنا، عن الصادق (ع): فى العمامة للميت، فقال: حنكه.
و قد ورد فى الكيفية اخبار أخر، الا ان المرسل هو الاشهر كما ادعاه غير واحد.
و لا تقدير للعمامة طولا، فيعتبر فيها ما يؤدى هذه الهيئة، و لا عرضا فيعتبر فيه ما يطلق عليه اسم العمامة كما عن، الاصحاب.
(و يزاد للمرأة لفافة اخرى لثدييها) ليضمها على صدرها و تشد على الظهر وفاقا للمشهور، عملا بالمروى فى الكافى فى باب تكفين المرأة، عن سهل بن زياد، عن بعض اصحابنا رفعه، قال: سألته كيف تكفن المرأة؟ فقال: كما يكفن الرجل، غير انها تشد على ثدييها خرقة تضم الثدى الى الصدر و تشد على ظهرها، و يصنع لها القطن اصنع مما يصنع للرجل، و يحشى القبل والدبر بالقطن و الحنوط ثم تشد عليها الخرقة شدا شديدا.
ص: 59
و ضعف الخبر منجبر بالشهرة، فعدم ذكر البعض لها مما لا وجه، و ان كان السند تضييع المال المحترم.
(و نمطا) كما صرح الجماعة، و عن الكامل و المهذب بل فى المدارك: قد قطع الاصحاب باستحبابه للمرأة، او لفافة مخيرا بينهما كما عن القواعد و النهاية و عن الخلاف و المبسوط و المراسم و الوسيلة الاقتصار على اللفافة من دون ذكر النمط، و لعله لعدم الدليل عليه من الاخبار.
و الدال(1) على استحباب اللفافة هنا، خبر محمد بن مسلم المتقدم فى اول التكفين، بناء على كون احدى اللفافتين واجبة و الاخرى مستحبة، اذ جعلهما مفروضتين انما يتم بتقدير جعل المنطق لفافة الثديين، كما استظهره المدارك، و الاظهر كما عرفت ان المراد منه الميزر وفاقا للجماعة مع مناسبته للمعنى اللغوى و عليه فينتهى لفايفها الى ثلث بناء على المختار من استحباب الحبرة لها ايضا.
و بهذا الخبر يخصص صحيحة زرارة المتقدمة فى اول بحث الكفن، الدالة على ان الزايد عن الخمس مبتدع، و اما بلوغ لفايفها اربع التفاتا الى اللفافة الواجبة و الحبرة و التى تضمنها خبر محمد بن مسلم، و النمط فلم اطلع على قائل به، اذ منهم من خير بين النمط و اللفافة، و منهم من عين الاول من غير ذكر الثانية، و منهم من عكس، مع ما عرفت من عدم دليل على النمط، ثم هذا على القول بمغايرة النمط للحبرة كما عن المشهور، و اما مع الاتحاد كما عن الحلى و الاقتصاد فالدليل على استحبابه ما عرفته، و حيث عرفت انه على تقدير مغايرة
ص: 60
النمط للمشهور لا دليل على اعتباره اصلا، فلا وجه لاشتراك الرجل لها فيه كما عن الجماعة و ليس المقام مقام المسامحة التفاتا الى احتمال تضييع المال المحترم، و مع احتمال الحرمة لا وجه للمسامحة قولا واحدا.
النمط لغة: ضرب من البسط كما عن القاموس و الصحاح، و عن ابن الاثير انه زاد له خمل رقيق، و عن المغرب انه ثوب من صوف يطرح على الهودج، و عن القاموس انه ايضا ذكر هذا المعنى، قال فى الرياض: و هو ثوب من صوف فيه خطط مأخوذ من الانماط و هو الطرايق،(1) و هو المحكى عن جماعة من الاصحاب، و فى الذخيرة و ربما يستفاد من كلام الاصحاب انه ثوب زينة، و قد عرفت ما عن الحلى و الاقتصاد من الحكم باتحاده مع الحبرة، و حيث لم نرد ليلا على استحبابه بهذا الوصف، فلا ثمرة لنا فى الترجيح و ان كان القول بالتغاير قويا فى الغاية.
(و قناعا عوض العمامة) عملا بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة فى اول بحث الكفن، المتضمنة للخمار، سمى به لانه يخمر الرأس اى يستره، فقد انقدح بما ذكر ان للرجل خمس قطعات سوى العمامة: القميص و الميزر و اللفافة و الخرقة و الحبرة، و للمرأة سبع سوى القناع؛ ثلاث لفايف و القميص و الميزر و ما يشد على الثدى و الخرقة.
(و) يستحب (الذريرة) للميت بان يطيب بها كفنه باجماع اهل العلم كما فى التذكرة، و عن التحرير عملا بالمروى فى الكافى فى باب تحنيط الميت، فى الموثق عن سماعة، عن الصادق (ع): اذا كفنت الميت فذر على كل ثوب شيئا من ذريرة و كافور، و مقتضى العموم استحباب نثرها على اللفافة الظاهرة ايضا، خلافا للمنتهى فلا يستحب، التفاتا الى المروى فى الباب عن السكونى عن
ص: 61
الصادق (ع) عن النبى (ص): انه نهى ان يوضع على النعش الحنوط، و هذا لا يقوم فى مقابلة العموم من وجوه عديدة.
الذريرة كما عن التحرير و مال اليه التذكرة و جعله فى الرياض اضبط: هى الطيب المسحوق، و عن التبيان: هى قتات قصب الطيب و هو قصب يجاء به من الهند كأنه قصب النشاب، و عن المبسوط و النهاية: يعرف بالقمّحة بضم القاف و فتح الميم المشددة و الحاء المهملة او بفتح القاف و اسكان الميم، و عن الحلى: هى نبات طيب غير الطيب المعهود تسمى القمّحان بالضم و التشديد و فى المدارك: الظاهر ان المراد به طيب خاص معروف و بهذا الاسم الان فى بغداد و ما والاها.
(و) يستحب (الجريدتان) الخضراوتان (من النخل) بالاجماع و بالاخبار، و منها المروى فى الكافى فى باب الجريدة، فى الصحيح عن زرارة عن الباقر عليه السلام: ا رأيت الميت اذا مات لم تجعل معه الجريدة؟ قال: تجافى عنه العذاب و الحساب مادام العود رطبا، قال: و العذاب كله فى يوم واحد فى ساعة واحدة قدر ما يدخل القبر و يرجع القوم، و انما جعلت السعفتان لذلك فلا يصيبه عذاب و لا حساب بعد جفوفهما انشاء الله.
(و الا) اى و ان لم يوجد من النخل (فمن السدر و الا فمن الخلاف و الا فمن) اى (شجر رطب) كان، وفاقا للمحكى عن المشهور، عملا بالمروى فى الباب عن سهل بن زياد عن غير واحد من اصحابنا قالوا: قلنا له: جعلنا فداك ان لم نقدر على الجريدة؟ فقال: عود السدر، قيل: فان لم نقدر على السدر؟ فقال عود الخلاف.
بعد الالتفات الى المروى فى النهاية فى باب المس عن على بن بلال انه كتب الى ابى الحسن الثالث (ع): الرجل يموت فى بلاد ليس فيها نخل، فهل يجوز مكان الجريدة شىء من الشجر غير النخل؟ فانه قد جاء من آبائك (ع) انه يتجافى عنه العذاب ما دامت الجريدتان رطبتين، و انها تنفع المؤمن و
ص: 62
الكافر، فاجاب (ع): يجوز من شجر آخر رطب.
و عن الفقه الرضوى: فان لم تقدر على جريدة من نخل، فلا بأس بأن يكون من غيره، بعد ان يكون رطبا.
و عليه فما عن المفيد و سلار من تقديم الخلاف على السدر، و ما عن الجعفى و الصدوق و الحلى و الخلاف و القاضى من القول بكل شجر رطب بعد تعذر النخلة، مما لا يلتفت اليه.
نعم الاولى تقديم الرمان على سائر الاشجار بعد تعذر الثلاثة الاولى، كما اختاره الدروس و عن البيان، التفاتا الى المروى فى الكافى فى باب الجريدة عن على بن ابراهيم فى رواية قال: يجعل بدلها عود الرمان، و الظاهر ان الضمير فى بدلها راجع الى الجريدة من النخل، التفاتا الى خبر على بن بلال المروى فى سابقة.
الاول: المشهور ان مقدار الجريدة قدر عظم الذراع، و لهم المروى عن الفقه الرضوى قال: و روى ان الجريدتين كل واحدة بقدر عظم الذراع، خلافا للمحكى عن الصدوق فيتخير بينه و بين الذراع و الشبر، و له الجمع بين هذا الخبر و بين المروى فى الكافى فى باب الجريدة فى الصحيح عن جميل بن دراج قال قال: ان الجريدة قدر شبر واحدة من عند الترقوة الى ما بلغت مما يلى الجلد، و الاخرى فى الايسر من عند الترقوة الى ما بلغت من فوق القميص.
و المروى فى الباب عن يحيى بن عبادة عن الصادق (ع): تؤخذ جريدة رطبة قدر ذراع فتوضع، و اشار بيده من عند ترقوته الى يده، تلف مع ثيابه.
و المروى فى الكافى فى باب تحنيط الميت عن يونس عنهم (ع)، و فيه:
تجعل له قطعتين من جريد النخل رطبا قدر ذراع تجعل له واحدة بين ركبتيه نصف فيما يلى الساق و نصف فيما يلى الفخذ، و تجعل الاخرى تحت ابطه الايمن، الخبر.
ص: 63
و للمحكى عن العمانى فمقدارها اربع اصابع الى ما فوقها، و لم اجد مستنده و خير الاقوال اوسطها و ان كان العمل بالمشهور اولى.
الثانى: المشهور انه يجعل احديهما من الجانب الايمن من ترقوته يلصقها بجلده، و الاخرى من الجانب الايسر كذلك بين القميص و الازار، عملا بصحيحة جميل المتقدمة، خلاقا للمحكى عن على بن بابويه و ابنه فى غير المقنع:
فيجعل اليمنى مع ترقوته و يلصقها بجلده و يمد عليه قميصه و اليسرى عند وركه بين القميص و الازار، و لهما صدر المروى عن الفقه الرضوى: و اجعل معه جريدتين احديهما عند ترقوته تلصقها بجلده ثم تمد عليه قميصه و الاخرى عند وركه، و روى ان الجريدتين كل واحدة بقدر عظم ذراع تضع واحدة عند ركبتيه تلصق الى الساق و الى الفخذين و الاخرى تحت الابط الايمن ما بين الفميص و الازار.
و للمحكى عن الجعفى: فاحديهما تحت الابط الايمن و الاخرى نصف مما يلى الساق و نصف مما يلى الفخذ، و له مرسلة يونس المتقدمة كذيل الرضوى.
و عن العمانى: فواحدة خاصة تحت ابطه الايمن، و لم اقف على شاهد له.
و اما خبر يحيى بن عبادة المتقدم المتضمن لكلمة الجريدة على صيغة الوحدة، فيحتمل ان يكون المراد بها الجنس الشامل للثنتين، التفاتا الى الاخبار المفصلة، و كيف كان فالعمل بالمشهور اولى.
الثالث: مقتضى جملة من الاخبار اشتراط كونها خضراء فلا يجزى اليابسة كما يعضده المروى فى التهذيب فى زيادات باب تلقين المحتضرين عن محمد بن على بن عيسى عن ابى الحسن (ع)(1) عن السعفة اليابسة اذا قطعها بيده هل يجوز للميت توضع معه فى حفرته؟ فقال: لا يجوز اليابس.
الرابع: مقتضى المروى فى النهاية فى باب المس مرسلا عن النبى (ص) انه مرّ على قبر يعذب صاحبه، فدعا بجريدة فشقها نصفين فجعل واحدة عند رأسه و الاخرى عند رجليه، قيل له: لم وضعتها؟ فقال: انه يخفف عنه العذاب
ص: 64
ما كانتا خضراوين.
استحباب شقها كما عن بعض، خلافا للمدارك و غيره فتكون صحيحة نظرا الى التعليل و استضعافا للرواية، ثم قال فى المدارك: ذكر الأصحاب استحباب وضع القطن على الجريدة، و لعله لاستبقاء الرطوبة.
اقول مقتضى صحيحة زرارة المتقدمة كون العذاب فى ساعة رجوع المشيعين و عليه فعدم بقاء الرطوبة بعيد جدا و لكن لا بأس بذلك مسامحة، و لو نسيها فذكر بعد الدفن وضعها على القبر كما صرح به بعض الاجلاء، و عليه يترنم النبوى المتقدم.
الخامس: مقتضى الاطلاق نصا و فتوى عدم الفرق فيها بين الصغير و الكبير و العاقل و المجنون، كما صرح بذلك غير واحد، و ايهام التعليل غير ذلك غير ضاير اذ علل الشرع معرفات.
السادس: لو كانت الحال حال تقية وضعها حيث يمكن كما عن الاصحاب، عملا بالمروى فى الكافى فى باب الجريدة عن سهل بن زياد رفعه قال قيل له:
جعلت فداك ربما احضرنى من اخافه فلا يمكن وضع الجريدة على ما رويتناه قال:
ادخلها حيث ما امكن.
و فى الباب عن عبد الرحمن عن الصادق (ع): عن الجريدة توضع فى القبر؟ قال: لا بأس.
و فى الفقيه بعد نقله يعنى اذا لم يوجد الا بعد حمل الميت الى قبره او يحضره من يتقيه فلا يمكن وضعها على ما روى يجعلها معه حيث امكن.
قال بعض الاجلاء قال فى التهذيب قد روى من طريق العامة فى اصل التخضير(1) شىء كثير، الا ان العامة لزيد تعصبهم على الشيعة فى خلافهم
ص: 65
قد غفلوا عن كثير من السنن مراغمة للشيعة حيث انهم يواظبون عليها و يؤكدون العمل بها و منها هذا الموضع.
و منها تسطيح القبور عدلوا عنه الى التسنيم، مع اعترافهم بأن السنة انما هو التسطيح و انما صاروا الى التسنيم مراغمة للشيعة.
و منها التختم باليمين.
و منها ترك الصلوة على الأئمة المعصومين، و نحو ذلك، انتهى.
و لنعم ما قال بالفارسية (از آن دم بريده ها صدچندان).
فى الرياض: الجريدة العود الذى يجرد عنه الخوص و لا يسمى جريد اما دام عليه الخوص و انما يسمى سعفا، انتهى.
اقول ربما ينافيه ذيل صحيح زرارة المتقدم.
(و كتبه اسمه و انه يشهد الشهادتين و الاقرار بالأئمة (ع) على اللفافة و القميص و الازار و الجريدتين) عملا بالمروى فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين عن ابى كهمش: حضرت موت اسمعيل و ابو عبد الله (ع) جالس عنده، الى ان قال: دعا بكفنه فكتب فى حاشية الكفن: اسمعيل يشهد ان لا اله الا الله.
و الخبر و ان كان مقتصرا على الشهادة بالتوحيد لكن عن الأصحاب انهم زادوا و ان محمدا رسول الله و اسماء الأئمة، و عن ظاهر الخلاف دعوى الاجماع و عن المبسوط و النهاية و المهذب بزيادة وحده لا شريك له على ما فى ذيل الخبر المتقدم.
و المتن كغيره تضمن كتابة الشهادة باساميهم، و عن الجماعة الاكتفاء بكتابة اساميهم الشريفة و ان خلت عن الشهادة بهم للبركة، و حكم بعض الاجلاء باستحباب كتابة الجوشن الكبير على الكفن للرواية عن السجاد (ع) التى رواه الكفعمى فى كتابه جنة الامان، و القران بتمامه ان امكن و الا فما تيسر منه، لما رواه الصدوق فى العيون عن الحسن بن عبد الله العرنيّ عن ابيه: ان موسى بن
ص: 66
جعفر (ع) كفن بكفن فيه حبرة استعملت له تبلغ الفين و خمسمائة دينار و كان معها القران كله.
اقول و الحكم باستحباب كتابتهما ايضا هو الوجه، و عن ابى الحسن القمى انه دخل على ابى جعفر محمد بن عثمان العمرى الذى هو احد النواب الاربعة فوجده و بين يديه ساجة و نقاش ينقش عليها آيات من القرآن و اسماء الأئمة (ع) على حواشيها فقلت يا سيدى ما هذه الساجة فقال لقبرى يكون و اوضع عليها او قال اسند اليها و فرغت عنه، و انا فى كل يوم انزل اليه لعله سقط (فاقرأ)... اجزاء من القرآن الحديث.
و بالجملة يجوز الاستشفاع بكتابة كلما يستحسن عقلا، مع عدم المنع عنه شرعا، و ان لم يكن بخصوصه منصوصا كالجوشن الصغير و كلمات الفرج و نحو ذلك.
و توهم الاستخفاف مدفوع بما تقدم من الدال على جواز الشهادة و اسامى الأئمة (ع) فجواز الغير اولى، و حيث لم يعين خبر ابى كهمش المتقدم للقطعة المكتوب عليها، فلا يمكن الاستدلال به على تعيين المكتوب عليه من اجزاء الكفن، اذ الخبر قضية فى واقعة، لكن يأتى فى التوقيع الآتى ان المكتوب عليه فى الخبر هو الازار، لكن عن الاصحاب الاستحباب فى الحبرة و القميص و اللفافة و الجريدتين ايضا، بل عن الخلاف الاجماع و لا بأس به، بل مقتضى ما عرفت من تحسين العقل بعد الالتفات الى التطابق بينه و بين الشرع، هو استحباب الكتابة على العمامة و القناع و ما يلف على الثدى ايضا و ليكن الكتابة.
(بالتربة) الحسينية (ع) ان وجدت، كما عن الشيخين و ساير متأخرى الاصحاب، عملا بالمروى عن الاحتجاج عن الحميرى فى التوقيعات، انه سئل عن طين القبر يوضع مع الميت فى قبره، هل يجوز ذلك ام لا؟ فاجاب: يوضع مع الميت فى قبره و يخلط بحنوطه ان شاء الله، و سئل فقال: روى لنا عن الصادق (ع) انه كتب على ازار اسمعيل ابنه اسمعيل يشهد ان لا اله الا الله فهل يجوز لنا ان نكتب مثل ذلك بطين القبر؟ فقال: يجوز و الحمد لله تعالى.
ص: 67
و عن الجماعة و منهم السراير و المفيد فى الرسالة اشتراط التأثير ببلها بالماء، عملا بظاهر الكتابة، قيل و عليه يحمل اطلاق الاكثر، و لو عدم ما يكتب به فبالاصبع ذكره الاصحاب كما فى الرياض، قيل: و الاولى بعد فقد التربة الكتابة بالماء و الطين، تحصيلا لظاهر الكتابة كما عن الاسكافى و غرية المفيد و كتب الشهيد، فان لم يتيسر فبالاصبع و ان لم تؤثر، و اعتبار التأثير بنحو الماء احسن تحصيلا لما يقرب من ظاهر الكتابة مهما امكن.
و ذكر الرياض ان بفقد التربة يكتب بالماء و الطين الابيض.
اقول: و حيث دل الدليل على الكتابة و المتبادر استعمال الماء مع شىء يمازجه، فيجوز كلما يحصل هذا العنوان، و لكن الاولى اجتناب السواد، كما ان الافضل التربة الحسينية (ع) و مع فقد ذلك فالكتابة بالماء وحده استنادا الى الخبر مشكل اذ هو مما لا يتبادر من الاطلاق، نعم القول بالجواز لا لذلك بل لاجل التحسين العقلى حسن، و اما مع فقد ما يكتب به فيكتب بالاصبع، لا للخبر بل لاجل ما تقدم عن الرياض من نسبته الى الاصحاب، سيما بعد الالتفات الى التسامح فى ادلة السنن.
(و يسحق الكافور باليد) كما عن الشيخين و اتباعهما و لا بأس به مسامحة و عن المبسوط كراهة سحقه بحجر او غير ذلك (و يجعل فاضله على صدره) عملا بالمروى عن الفقه الرضوى: فاذا فرغت من كفنه حنطه بوزن ثلاثة عشر درهما و ثلث من الكافور، و تبدء بجبهة و تمسح مفاصله كلها به، و تلقى ما بقى على صدره و فى وسط راحتيه، الخبر.
(و خياطة الكفن بخيوطه) كما عن الاصحاب.
(و التكفين بالقطن) عند العلماء كافة كما فى التذكرة و عن التحرير عملا بالمروى فى الكافى فى باب ما يستحب من الثياب للكفن عن ابى خديجة عن الصادق (ع): الكتان كان لبنى اسرائيل يكفنون به، و القطن لأمة محمد (ص).
و يستحب كونه ابيض عند العلماء كافة كما فى التذكرة، الا الحبرة كما
ص: 68
استثناها غير واحد، عملا بالمروى فى الباب عن جابر عن الباقر عن النبي (ص) ليس من لباسكم شىء احسن من البياض فالبسوه و كفنوا فيه موتاكم، لكن بعد الالتفات الى المروى فى الباب عن ابى مريم عن الباقر (ع): ان الحسن بن على (ع) كفن اسامة بن زيد ببرد احمر حبرة، و ان عليّا (ع) كفن سهل بن حنيف ببرد احمر حبرة.
و ان يطوى جانب اللفافة الايسر على ايمن الميت و الايمن على الايسر كما ذكره الجماعة، و علل بالتيمن بالتيامن، اقول: و عليه يدل المروى عن الفقه الرضوى: و تلفه فى ازاره و حبرته و تبدء بالشق الايسر و تمدّ على الايمن ثم تمدّ الايمن على الايسر و ان شئت لم تجعل الحبرة معه حتى تدخل القبر فيلقيه عليه و بهذه العبارة أفتى الصدوق.
و عن بعض الاصحاب ان البرد لا يلف و لكن يطرح عليه طرحا، فاذا دخل القبر وضع تحت خده و تحت جنبيه، و عليه يدل صحيحة عبد الله بن سنان المروية فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين فى الزيادات، و لا ريب ان اللف فى الخارج اولى.
و ان يكفن فى الجديد خلاف كما فى المنتهى، و فى مرسلة عبد الله بن المغيرة المروية فى الكافى فى باب ما يستحب من الثياب عن بعض اصحابه قال: يستحب ان يكون فى كفنه ثوب كان يصلى فيه نظيف فان ذلك يستحب ان يكفن فيما كان يصلى فيه، و قد تقدم خبر محمد بن سهل فى شرح قول المصنف: و قميص و ازار، فلا تغفل عنه.
و فى المنتهى بعد دعوى عدم الخلاف فى استحباب الجديد: و لو كفن فى قميص له مخيط كان سايغا و ينزع ازاره، انتهى.
و ان يكفن من افخر الثياب و احسنها، عملا بالمروى فى الباب فى الصحيح عن ابى عمير عن بعض اصحابنا عن الصادق (ع): جيدوا اكفان امواتكم فانها زينتهم.
ص: 69
و فى الباب عن ابى خديجة عن الصادق (ع): تنوقوا فى الأكفان فانكم تبعثون بها.
و فى التهذيب فى زيادات باب تلقين المحتضرين فى الموثق عن يونس بن يعقوب عن الصادق (ع): ان ابى اوصانى عند الموت: يا جعفر كفنى فى ثوب كذا و كذا، و اشتر لى بردا واحدا و عمامة و اجدهما (من الجودة) فان الموتى يتباهون باكفانهم.
و قد تقدم خبر العيون عن قريب، و خبر يونس فى شرح قول المصنف و قميص و ازار.
(و يكره الكتان) عند علمائنا كما فى التذكرة، عملا بالمروى فى الباب فى الصحيح عن يعقوب بن يزيد عن عدة من اصحابنا عن الصادق (ع): لا يكفن الميت فى كتان، و قد تقدم عن قريب خبر ابى خديجة و النهى على الكراهة لا عن الغنية من الاجماع على الجواز مضافا الى ما تقدم عن التذكرة، فما فى ظاهر الصدوق من عدم الجواز مما لا يعتنى به مع احتمال قصده تأكد الكراهة.
(و الاكمام المبتدأه) عند علمائنا كما فى التذكرة، عملا بالمروى فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين عن محمد بن سنان عمن اخبره عن الصادق عليه السلام: الرجل يكون له القميص ايكفن فيه؟ فقال: اقطع ازراره، قلت:
و كمه، قال: لا انما ذلك اذا قطع له و هو جديد لم يجعل له كما فاما اذا كان ثوبا لبيسا فلا يقطع منه الاّ الازرار.
و مقتضاه ان القميص لو كان لبيسا لم يقطع كمه و به قال علماؤنا فى التذكرة، نعم مقتضاه قطع الازرار و عليه يدل المروى فى الباب فى الصحيح عن محمد بن اسمعيل بن بزيع قال: سألت أبا جعفر (ع) ان تأمر لى بقميص اعده لكفنى فبعث به الىّ، فقلت: كيف اصنع؟ فقال: انزع ازراره.
و يكره ايضا ان يكفن فى الثياب السّود باجماع العلماء كما فى التذكرة، عملا بالمروى فى الباب فى الزيادات عن الحسين بن مختار عن الصادق (ع):
ص: 70
لا يكفن الميت فى السواد و فى ذيل الخبر باسناد آخر عنه عن الصادق (ع):
يحرم الرجل فى ثوب اسود، قال: لا يحرم فى الثوب الاسود و لا يكفن به.
(و الكتبة بالسواد) كما عن الوسيلة و الجامع و كتب المحقق، و عن النهاية:
لا يجوز، قيل: و يحتملهما القواعد و المبسوط و الاقتصاد و المصباح و مختصره و المراسم، و حيث لم اجد دليلا على الخصوص فلا وجه للحرمة، و اما الاستدلال بالخبرين المتقدمين ففيه نوع مناقشة، و بالجملة لا بأس بالكراهة لأجل التسامح و عن المفيد: لا يكتب بشىء فيه صبغ من الاصباغ، و لا بأس بكراهة ما قاله ايضا.
(و جعل الكافور فى سمعه و بصره) كما عن المشهور، و قد تقدم شرح ذلك فى قول المصنف: و ان يمسح مساجده، فراجع.
(و تجمير الاكفان) بان تتبخّر بالبخور عند علمائنا اجمع، كما فى التذكرة و عن التحرير و حكى عن الخلاف الاجماع على كراهية تجمير الكفن بالعود و خلط الكافور بالمسك، عملا بالمروى فى الكافى فى باب كراهية تجمير الكفن عن محمد بن مسلم عن الصادق (ع) عن علىّ (ع): لا تجمروا الاكفان و لا تمسحوا موتاكم بالطيب الا بالكافور فان الميت بمنزلة المحرم.
و فى الباب عن السكونى عن الصادق عن النبي (ص): انه نهى ان يتبع الجنازة بمجمرة، خلافا للمحكى عن الصدوق: فيجمر الكفن، و له خبر عبد الله بن سنان المروى فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين عن الصادق (ع):
لا بأس بدخنة كفن الميت و ينبغى للمرء المسلم ان يدخن ثيابه اذا كان يقدر، و الخبر محمول على التقية كما صنعه التهذيب و غيره.
و كما يكره تجمير الاكفان كذا يكره تطيب الميت كما عن المشهور، عملا بخبر محمد بن مسلم المتقدمة، و ذهاب الصدوق فى الفقيه الى التطيب استنادا الى بعض الأخبار غير وجيه، اذ الأظهر كون الخبر من جراب النورة، كما يترنم اليه المروى فى الباب فى الزيادات عن داود بن سرحان قال قال:
ابو عبد الله (ع) فى كفن ابى عبيدة الحذاء: انما الحنوط الكافور و لكن
ص: 71
اذهب فاصنع كما تصنع الناس.
و عن القواعد و الغنية المنع من تطيب الميت به و هو الأحوط، و ان كان فى تعينه نظر.
و يكره بل الخيوط التى يخاط بها الكفن بالرّيق، قال فى التحرير ذكره الشيخ و رأيت الاصحاب يجتنبونه و لا بأس بمتابعتهم، لازالة الاحتمال و وقوفا على موضع الوفاق.
و يكره ايضا قطع الكفن بالحديد، ففى التهذيب سمعناه مذاكره من الشيوخ و كان عليه عملهم.
(و كفن المرأة) الواجب (على زوجها و ان كانت موسرة) عند علمائنا، كما فى التذكرة و المنتهى مؤميا بدعوى الاجماع كما عن صريح الخلاف و نهاية الأحكام و ظاهر التحرير، عملا بالمروى فى التهذيب فى الباب عن السكونى عن جعفر عن أبيه عن علىّ (ع): على الزوج كفن امرأته اذا ماتت، و بما يأتى فى المسئلة الآتية فى ذيل خبر عبد الله.
و مقتضى اطلاق النص و الفتوى عدم الفرق بين الصغيرة و الكبيرة، المدخول بها و غيرها، الدائمة و غيرها، و احتمل فى المدارك اختصاص الحكم بالدائمة عملا بالمتبادر، و نفى فى الذخيرة عنه البعد، و الأحوط بل الأظهر التعميم.
و هل يلحق به ساير المؤن الواجبة كما عن المبسوط و السرائر و نهاية الأحكام ام لا كما جنح اليه البعض؟ اشكال و لعل الأخير اقرب، عملا بالأصل لكن الاول احوط، و عن الاصحاب ان الحكم مختص بالموسر، و عليه فلو كان معسرا و لو بعد ملاحظة ارثه من تركتها بأن لا يفضل ما له عن قوت يوم و ليلة و ما يستثنى فى الدين، كفنت من تركتها ان كان لها مال، كما عن صريح غير واحد و لو اعسر عن البعض اكمل من تركتها قاله البعض، كل ذلك مع عدم وصيتها به، اما لو اوصت به نفذت عن الثلث و يسقط عن الزوج كما قاله غير
ص: 72
واحد.
و ان كانا معسرين دفنت عارية، و لا يجب على المسلمين بذله لها و لا لغيرها، عملا بالاصل و عن البعض الاجماع، و لا يلحق بها من عداها من واجبى النفقة عملا بالأصل، الا المملوك فان كفنه على مولاه بالاجماع كما فى التذكرة.
و مقتضاه التعميم سواء كان مدبرا او ام ولد مكاتبا مشروطا او مطلقا لم يتحرر منه شىء و لو تحرر منه شىء فبالنسبة كما عن الجماعة.
(و يقدم الكفن من الأصل) على الديون و الوصايا بلا خلاف كما فى المنتهى و جامع المقاصد، بل عليه الاجماع كما حكاه غير واحد، عملا بالمروى فى النهاية فى الوصايا فى باب اول ما يبدء به عن السكونى عن الصادق (ع): اول شىء يبدء به من المال الكفن ثم الدين ثم الوصية ثم الميراث.
و فى الباب فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): الكفن من جميع المال، و قال (ع): كفن المرأة على زوجها اذا ماتت.
و يحتمل كون ذيل الأخير مرسلا، و ليس نحو هذه العبارة من الصدوق بعيدا.
و بالمروى فيه فى باب الرجل يموت و عليه دين فى الصحيح عن زرارة قال:
سألته عن رجل مات و عليه دين بقدر ثمن كفنه؟ قال: يجعل ما ترك من ثمن كفنه الا ان يتجر عليه بعض الناس فيكفنونه (فيكفنوه)، و يقضى ما عليه مما ترك.
و المروى فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين(1) فى الموثق عن الفضل بن يونس الكاتب عن الكاظم (ع): ما ترى فى رجل من اصحابنا يموت و لم يترك ما يكفن به، اشترى له كفنه من الزكوة؟ فقال: اعط عياله من الزكوة قدر ما يجهزونه فيكونون هم الذى يجهزونه، قلت: فان لم يكن له ولد و لا احد يقوم بامره فاجهزه انا من الزكوة؟ قال: كان ابى يقول ان حرمة بدن المؤمن
ص: 73
ميتا كحرمته حيا فوار بدنه و عورته و جهزه و كفنه و حنطه و احتسب بذلك من الزكوة و شيع جنازته، قلت: فان اتجر عليه بعض اخوانه بكفن آخر و كان عليه دين، ايكفن بواحد و يقضى دينه بالآخر؟ قال: لا ليس هذا ميراثا تركه، انما هذا شىء صار اليه بعد وفاته فليكفنوه بالذّى اتجر عليه، و يكون الآخر لهم يصلحون به شأنهم.
و التقريب فى الأخير عموم قوله (ع): حرمة بدن المؤمن ميتا كحرمته حيا و على ذلك يدل جملة من الأخبار المروية فى التهذيب فى كتاب الديات فى باب دية عين الأعور منها صحيح مسمع كردين المروى هناك عن الصادق (ع): عن رجل كسر عظم ميت؟ فقال: حرمته ميتا اعظم من حرمته و هو حىّ و مقتضاه كاطلاق ساير الاخبار، و عباير الاصحاب تقديم الكفن على حق غرماء المفلس(1)كما صرح به الذكرى و الرياض و المدارك.
و هل يقدم على حق المرتهن ايضا كما اختاره فى المدارك ام لا كما قاله فى الذكرى؟ وجهان ينشأن من الاطلاق نصا و فتوى فالاول، و من الشك فى الانصراف الى مثله فالثانى، و لعل الاول اقرب، و الوجهان يأتيان فى حق المنجى عليه ثم هذا مع عدم تأخر الجناية و الوهن عن الموت، و اما لو تأخرا تقدم الكفن جزما كما قاله فى جامع المقاصد و الرياض التفاتا الى تقدم سببه.
الاول: هل المراد من الكفن المأخوذ من صلب المال هو الواجب خاصة دون ما زاد كما صرح به الجماعة؟ ام لا بل يعم الواجب و المستحب؟ وجهان و لعل الأخير اقرب، التفاتا الى عموم قوله فى الخبر المتقدم: حرمة بدن المؤمن ميتا كحرمته حيا، مع عدم ظهور مخرج عنه، و فتوى الجماعة غير صالحة لذلك.
ص: 74
نعم الاول هو الاحوط، و عليه فيعتبر فى الزايد اجازة الورثة او الوصية فيؤخذ معها من الثلث ان لم يكن عليه دين، او كان و لكن كان تركته زائدة عنه، ان لم يكن عليه دين، و اما اذا لم يكن تركته زائدة عن ديونه فلا يجوز الزايد و لو بالوصية و اذن الوارث اذ الدين مقدم.
الثانى: الحق الجماعة من غير خلاف يعرف بالكفن مؤنة التجهيز، و هو كذلك التفاتا الى السيرة و الى عموم قوله (ع) فى الخبر المتقدم: حرمة بدن المؤمن ميتا كحرمته حيّا، سيما بعد الالتفات الى عدم وجوب بذل الغير كما يأتى، و عليه فيلحق مؤنة دفنه ايضا كما صرح به فى المنتهى.
و هل يقتصر فى مؤنة التجهيز و الدفن كالسدر و الكافور و الماء و نحوها على اقل الواجب؟ كما يستفاد من المنتهى فيقف الزايد على اجازة الورثة او الوصية كالكفن، ام لا؟ وجهان و لعل الأخير اقرب، التفاتا الى العموم المشار اليه، و الاول احوط.
و هل يجوز للمسلمين ان يدخلوا فى بيت الميت لتغسيله و تكفينه و حمل جنازته و لو لم يأذن الوارث او كان فيهم من لا يعتبر اذنه كالصغير و نحوه ام لا؟ وجهان ينشأن من العموم المشار اليه فالاول، و من عدم جواز التصرف من مال الغير الا بأذنه فالثانى، و لعل الاول اقرب، سيما بعد الالتفات الى اصالة البراءة و الاستصحاب و لم يثبت بعد انتقال تركته الى الوارث بحيث يعتبر اذنهم فيها كساير اموالهم فتأمل، و أمر الاحتياط واضح.
الثالث: لو لم يكن له مال و كان هناك بيت مال للمسلمين اخذ الكفن منه وجوبا قاله الجماعة، التفاتا الى كونه معدا لمصالح المسلمين، و يمكن الاستدلال له بالعموم المشار اليه، و كذا الكلام فى باقى المؤن، و يجوز ايضا تكفينه من الزكوة مع احتياجه بذلك وفاقا للجماعة، عملا بخبر الفضل المتقدم بل مقتضاه الوجوب وفاقا لجامع المقاصد و الرياض و ظاهر الذكرى و هو الوجه، كما ان مقتضاه تقديم الدفع الى الوارث ان امكن لكن الظاهر ان ذلك على
ص: 75
جهة الافضلية لا الوجوب، لعدم قايل به كما صرح فى الرياض، و مقتضاه ايضا انه لو خلف كفنا فتبرع متبرع باخر يكفن بالمتبرع به، و الاخر للورثة لا يقضى منه الدين فى الذكرى اقتصر على نقل الخبر من غير ذكر شىء فى ذلك، و فى جامع المقاصد للنظر فيه مجال.
اقول و لعل العمل بمقتضى الخبر هو الوجه.
الرابع: قال فى جامع المقاصد: لو ضاقت التركة عن الكفن فالممكن، و لو امكن ثوبا فاللفافة لا بدّ منها، و يبقى تقديم كل من الآخرين محتملا الميزر لسبقه و القميص لأنه ميزر و زيادة انتهى.
اقول الاشكال يأتى فى تقديم اللفافة ايضا لكن ما قاله هو الاحوط.
و لو قصر الكفن عنه غطى رأسه و جعل على رجليه حشيش و نحوه، قاله الذكرى و جامع المقاصد، التفاتا الى فعل النبى (ص) بحمزة او مصعب بن عمير لما قتل يوم احد فلن يخلف الا نمره اذا غطى بها رأسه بدت رجلاه و بالعكس، فقال النبى: غطوا بها رأسه. و جعلوا على رجليه من الاذخر كذا نقله فى الذكرى قال: و النمرة بردة صوف يلبسها الاعراب.
الخامس: لو كثر الموتى و قلت الاكفان عن بعض يجعل اثنان و ثلثة فى ثوب واحد، و مال اليه فى التحرير.
قلت روى الذكرى عن البخارى و غيره عن جابر ان النبي (ص) كان يجمع بين الرجلين من قتلى احد فى ثوب واحد، و حيث كان الخبر من طرق العامة فالحكم به محل اشكال، و لكن لعله الاحوط.
السادس: لو وجد الكفن و يئس من الميت فهو ميراث كما صرح غير واحد، و لو كان من بيت المال او الزكوة او متبرع (تبرع) عاد كما كان لعدم ناقل كما صرح البعض، و لو غصب ثوب فكفن به ميت جاز لصاحبه نزعه، نعم يستحب له ان يتركه عليه و يأخذ قيمته كما قاله فى المنتهى.
(ثم) يقدم بعد الكفن (الدين ثم الوصية من الثلث و الباقى ميراث) عملا
ص: 76
بخبر السكونى المتقدم، و ادعى فى جامع المقاصد عدم الخلاف على مضمونه(1)و سيأتى تفصيل الكلام فى موضعه انشاء الله.
(و يستحب للمسلمين بذل الكفن لو فقد) عملا بالمروى فى الكافى فى باب ثواب من كفن عن سعد بن طريف عن الباقر (ع): من كفن مؤمنا كمن ضمن كسوته الى يوم القيمة، و كذا الكلام فى باقى المؤن، و لا يجب ذلك بلا خلاف كما استظهره الذخيرة عملا بالاصل.
(و لو خرج منه نجاسة بعد التكفين غسلت من جسده و كفنه و لو اصابه الكفن بعد وضعه فى القبر قرضت) وفاقا للمحكى عن المشهور جمعا بين المروى فى التهذيب فى زيادات باب تلقين المحتضرين فى الموثق عن روح بن عبد الرحيم عن الصادق (ع): ان بدأ من الميت شىء بعد غسل فاغسل الذى بدأ منه و لا تعد الغسل.
و فى الباب عن الكاهلى و الحسين بن مختار عن الصادق (ع): عن الميت يخرج منه الشىء بعد ما يفرغ من غسله؟ قال: يغسل ذلك و لا يعاد عليه الغسل.
و فى الكافى فى باب غسل الميت عن يونس عنهم (ع)، و فيه بعد ذكر الغسل بماء السدر و قبل الغسل بماء الكافور: فان خرج منه شىء فانقه.
و فى مرفوعة سهل المروية فى الباب الآتى من الكافى قال: اذا غسل الميت ثم احدث بعد الغسل فانه يغسل الحدث و لا يعاد الغسل.
و فى التهذيب فى زيادات باب تلقين المحتضرين فى الحسن عن الكاهلى عن الصادق (ع): اذا خرج من منخر الميت الدم او الشىء بعد الغسل فاصاب العمامة او الكفن قرض بالمقراض.
و فى الكافى فى باب ما يخرج من الميت فى الصحيح عن ابن ابى عمير عن
ص: 77
بعض اصحابه عن الصادق (ع): اذا خرج من الميت شىء بعد ما يكفن فاصاب الكفن قرض منه.
و بين المروى عن الفقه الرضوى: فان خرج منه شىء بعد الغسل فلا تعد غسله و لكن اغسل ما اصاب من الكفن، الى ان قال: تضعه فى لحده فان خرج منه شىء فى لحده لم تغسل كفنه و لكن قرضت من كفنه ما اصاب من الذى خرج منه و مدد احد الثوبين على الآخر، خلافا للمحكى عن الشيخ و بنى حمزة و سعيد و البراج فاطلقوا القرض، التفاتا الى اطلاق خبرى الكاهلى و ابن ابى عمير، و فيه ما علمته، و لجامع المقاصد فانما يقرض فى القبر اذا تعذر غسلها، و فيه ايضا ما عرفته.
الاول: عن ظاهر الاصحاب عدم وجوب غسل الجسد اذا لاقى النجاسة بعد وضعه فى القبر، و عليه يدل الاصل المعتضد بالرضوى المتقدم، خلافا لجامع المقاصد فقال: يجب غسل النجاسة على كل حال و ان وضع فى القبر الاّ مع التعذر و لا يجوز حينئذ اخراجه بحال لما فيه من هتك الميت مع ان القبر موضع النجاسة، و له اطلاق خبر روح المتقدم و نحوه، و الأظهر عندى الاول.
الثانى: قال فى الذكرى: لو افسد الدم معظم الكفن او ما يفحش قطعه فالظاهر وجوب الغسل مطلقا استبقأ للكفن لامتناع اتلافه على هذا الوجه و مع التعذر يسقط للحرج، و فى جامع المقاصد: لو تفاحشت النجاسة بحيث يؤدى القطع الى افساد الكفن و هتك الميت و تعذر الغسل فالظاهر عدم القطع لامتناع اتلاف الكفن على هذا الوجه.
اقول: و ما استظهراه هو الاظهر التفاتا الى جواز القول بتبادر غير المفروض من الرضوى.
الثالث: عن الصدوق: اذا قرضت مد احد الثوبين على الآخر ليستر المقطوع، اقول و عليه يدل الرضوى المتقدم.
ص: 78
و قد صرح الشارح الفاضل بأنها(1) اذا قرضت فان امكن جمع جوانبه بالخياطة وجب، و الا تمد احد الثوبين على الآخر ليستر المقطوع ان كان هناك غيره، اقول و الحكم بوجوب الخياطة مطالب بالدليل، نعم لعله الأحوط.
الرابع: اذا خرج منه شىء قبل التكفين فالواجب هو غسل النجاسة فقط مطلقا سواء خرجت بعد الغسل او فى اثنائه، خلافا للمحكى عن العمانى فاوجب اعادة الغسل بالخارج، و يرده الاصل مطلقا و جملة من الأخبار المتقدمة اذا خرجت بعده، و اما تخصيص الاصل بالنسبة الى الخارج فى الاثناء بعموم خبر محمد بن مسلم المتقدم فى بحث الجنابة فى شرح قول المصنف:
ثم الجانب الايمن، الى آخره، المتضمن لقوله (ع): غسل الميت مثل غسل الجنابة، فغير وجيه لمنع العموم فيه بحيث يشمل لنحو المقام، بل المتبادر هو الاتحاد فى كيفية نفس غسل الاعضاء الثلثة.
و مما يعضد المختار خبر يونس المتقدم اليه الاشارة الحاكم بغسل النجاسة الخارجة قبل الغسل بالكافور و بعد الغسل بالسدر من غير تعرض لاعادة الغسل بالسدر، بل ظاهر سياقه حاكم بعدم الاعادة، هذا قبل التكفين كما قلناه، و اما بعده فلا يجب اعادة الغسل فى قول اهل العلم كافة قاله فى المنتهى، معللا بان ذلك حرج عظيم و يحتاج فى اخراجه من اكفانه الى مشقة عظيمة.
اقول و التعليل صالح للاعتضاد، و اما الدليل فهو الاصل و الاجماع المحكى و جملة من الاخبار المتقدمة.
(و يجب ان يطرح معه فى الكفن ما يسقط من شعره و جسمه) عند العلماء كافة كما عن التذكرة، عملا بالمروى فى الكافى فى باب كراهية ان يقص
ص: 79
فى الصحيح عن ابن ابى عمير عن بعض اصحابه عن الصادق (ع): لا يمس من الميت شعر و لا ظفر فان سقط منه شىء فاجعله فى كفنه.
و فى الباب عن عبد الرحمن ابن ابى عبد الله عن الصادق (ع): عن الميت يكون عليه الشعر فيحلق عنه او يقلم؟ قال: لا يمس منه شىء و اغسله و ادفنه.
و فى المنتهى: قال علماؤنا لا يجوز قص شىء من شعر الميت و لا من ظفره و لا يسرح رأسه و لا لحيته و متى سقط منه شىء جعل فى اكفانه.
(و الشهيد يصلى عليه من غير غسل و لا كفن بل يدفن بثيابه) اجماعا كما عن الجماعة، عملا بالمستفيضة منها المروى فى الكافى فى باب القتلى فى الصحيح عن ابان بن تغلب عن الصادق (ع): عن الذى يقتل فى سبيل الله، ايغسل و يكفن و يحنط؟ قال: يدفن كما هو فى ثيابه، الا ان يكون به رمق ثم مات فانه يغسل و يكفن و يحنط و يصلى عليه، ان رسول الله (ص) صلى على حمزة و كفنه لانّه كان جرّد.
و فى الباب فى الصحيح عن ابان بن تغلب عن الصادق (ع): الذى يقتل فى سبيل الله يدفن فى ثيابه و لا يغسل الا ان يدركه المسلمون و به رمق ثم يموت بعد فانه يغسل و يكفن و يحنط، ان رسول الله (ص) كفن حمزة فى ثيابه و لم يغسله و لكنه صلى عليه.
و فى الباب فى الصحيح عن اسمعيل بن جابر و زرارة عن الباقر (ع):
كيف رأيت الشهيد يدفن بدمائه و لا يحنط و لا يغسل و يدفن كما هو، ثم قال:
دفن رسول الله (ص) عمّه حمزة فى ثيابه بدمائه التى اصيب فيها و رداه النبى بردائه فقصر عن رجليه فدعا له باذخر فطرحه عليه، و صلى عليه سبعين صلوة و كبر عليه سبعين تكبيرة.
و فى الباب عن ابى مريم عن الصادق (ع): الشهيد اذا كان به رمق غسل و كفن و حنط و صلّى عليه، و ان لم يكن به رمق دفن فى اثوابه.
و عن الفقه الرضوى: و ان كان الميت قتيل المعركة فى طاعة الله لم يغسل
ص: 80
و دفن فى ثيابه التى قتل فيها بدمائه و لا ينزع منه من ثيابه شىء الا انه يحل العقود، و لم يغسل الا ان يكون به رمق ثم يموت بعد ذلك، فاما اذا مات بعد ذلك غسل كما يغسل الميت و كفن كما يكفن الميت و لا يترك عليه شىء من ثيابه، و ان كان قتل فى معصية الله تعالى غسل كما يغسل الميت و ضم رأسه الى عنقه و يغسل مع البدن، كما وصفناه فى باب الغسل فاذا فرغ من غسله جعل على عنقه قطنا و ضم اليه الرأس و شده مع العنق شدا شديدا.
و فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين عن ابى خالد: اغسل كل الموتى الغريق و اكيل السبع و كل شىء الا ما قتل بين الصفين فان كان به رمق غسل و الا فلا.
و ينبغى التنبيه على امور:
الاول: المستفاد من خبرى ابان و الرضوى ان من قتل فى كل جهاد حق فهو شهيد يجرى عليه الاحكام المودعة للشهيد، كما لو دهم على المسلمين من يخاف منه على بيضة الاسلام، وفاقا للشهيدين و جماعة كما عن التحرير و الغنية و الاشارة و ظاهر الكافى و محتمل نهاية الاحكام و التذكرة، و عليه فالتخصيص بالميت فى معركة قتال امر به النبي (ص) او الامام (ع) كما عن القواعد و المراسم و الشرايع، او نايبهما كما عن المبسوط و النهاية و السرائر و المهذب و الوسيلة و الجامع و المنتهى، مما ليس له وجه صالح، و العموم الامر بالغسل لكل الموتى غير صالح المقاومة ما اشرناه اذ الخاص مقدم، و اما المقتول دون ماله و اهله فى حرب قطاع الطريق فليس شهيدا بالنسبة الى الاحكام اجماعا نقله فى الرياض ثم قال: و ان ساوى فى الفضيلة اذ لا يعد ذلك جهادا و محاماة عن الدين.
اقول و فى التعليل نوع مناقشة فالمستند فى عدم الالحاق الاجماع المحكى، و قال ايضا: و اطلاق الشهادة فى الاخبار على المطعون و المبطون و الغريق و المهدوم عليه و النفساء، للمشاركة للشهيد فى الاحكام بل المساواة او
ص: 81
المقاربة له فى الفضل.
اقول و هو جيّد.
و فى المنتهى كل مقتول سوى من قتل فى المعركة فانه يغسل و يكفن سواء قتل بمحدد او لا ظلما قتل او لا و عليه فتوى علمائنا، الى ان قال الشهيد: بغير قتل كالغريق و النفساء و المطعون و غيرهم ممن حكم بانهم يموتون شهداء، يغسلون و يكفنون و يصلى عليه من غير خلاف، الا ما حكى عن الحسن البصرى ان النفساء لا يصلى عليها.
و فى التذكرة كل مقتول فى غير معركة يغسل و يكفن و يحنط و يصلى عليه و ان قتل ظلما او دون ماله او نفسه او اهله ذهب اليه علماؤنا اجمع.
الثانى: مقتضى جملة من الاخبار المتقدمة الاكتفاء فى التغسيل بدرك المسلمين له و به رمق، سواء مات فى المعركة ام لا، و سواء انقضى الحرب ام لا، وفاقا لبعض مشايخنا حاكيا له عن المهذب و الذكرى و ظاهر القواعد و ناسبا الخلاف الى ظاهر الخلاف و الجماعة.
اقول و منهم المنتهى حيث قال: لو حمل من المعركة و به رمق ثم مات نزع عنه ثيابه و غسل و كفن، الى ان قال: لو خرج من المعركة و مات قبل ان ينقضى الحرب و ينقل عنها فهو شهيد قاله الشيخ، و هو حسن لأنه روى عن النبى (ص) انه قال يوم احد: من ينظر ما فعل سعد بن الربيع؟ فقال: رجل انا انظر لك يا رسول الله، فنظر فوجده جريحا به رمق، فقال له: ان رسول الله (ص) أمرنى ان انظر فى الاحياء انت ام فى الاموات؟ فقال: انا فى الأموات فابلغ رسول الله عنى السلام، قال: ثم لم ابرح ان مات، و لم يأمر النبى (ص) بتغسيل احد منهم، انتهى.
اقول الخروج من الاخبار بهذا الخبر الذى لم يثبت اعتبار سنده، مما لا وجه له.
و فى التذكرة كل مقتول فى غير معركة يغسل و يكفن و يحنط و يصلى.
ص: 82
الثالث: مقتضى اطلاق النص و كلام الاصحاب عدم الفرق بين الصغير و الكبير، و لا بين المقتول بالحديد و غيره، و لا بين من عاد سلاحه اليه فقتله و غيره، وفاقا للجماعة و لا فرق ايضا بين المرأة و غيرها، و لا بين العاقل و غيره و لا بين الحر و العبد، عملا بالعموم كما صرح فى المنتهى و لا بين من وجد اثر القتل عليه ام لا، وفاقا للمحكى عن الجماعة بل استظهره البعض كونه مشهورا عملا بالظاهر و لعدم استلزام القتل ظهور الاثر، خلافا للمحكى عن الاسكافى فيغسل مع عدم ظهور اثره عملا باصالة وجوب الغسل مع عدم ظهور المخرج للشك فى الشرط.
و ظاهر البعض التوقف و لعله فى محله لتعارض الاصل مع الظاهر مع عدم مرجح ظاهر لاحدهما.
و لا بين الجنب و غيره وفاقا للمحكى عن المشهور عملا بالعموم، خلافا للمحكى عن الاسكافى و المرتضى فى شرح الرسالة فيغسل الجنب، و لا وجه لهما يعتد به.
و لا بين الحائض و النفساء اذا قتلتا فى الحيض و النفاس اجماعا كما فى المنتهى، و كذا اذا طهرتا لم تغسلا على الاقوى عملا بالعموم.
الرابع: قال: قتيل اهل البغى كقتيل المشركين لا يغسل و لا يكفن و يصلى عليه و يدفن، و عليه فتوى علمائنا الى ان قال: المقتول من اهل البغى يغسل و به قال الشافعى و مالك و احمد و قال ابو حنيفة لا يغسل، لنا عموم الأمر بالتغسيل و لأنه مسلم قتل بحق فاشبه الزانى و يأتى فى مقامه انشاء الله تفصيل المسئلة.
الخامس: صرح الذخيرة بان عدم تكفين الشهيد مشروط ببقاء الثياب او شىء منها، فلو جرد عنها كفن.
اقول: و عليه يدل الاصل المعتضد بخبر ابان الاول، هذا اذا لم يمكن تحصيل ثيابه، و اما مع الامكان فيكفن فيه و لو كان جرد.
ص: 83
السادس: مقتضى الاخبار المتقدمة دفنه بثيابه و المتبادر منه هو المنسوج خاصة، و عليه فينزع عنه الخفان مطلقا كما عن القواعد و الغنية و الشرايع و التحرير و المبسوط و المهذب و النهاية، عملا بما دل على المنع من تضييع المال، فما عن السراير و المراسم و الوسيلة من تخصيص ذلك بعدم اصابتهما الدم و الا فيدفن معهما لعموم الاخبار بدفنه بدمائه، مما لم اجد له وجها محصلا، اذ الاظهر كون المسوغ له الكلام النهى عن التغسيل لا ان يكون المراد التعميم بالنسبة الى ما اصابه الدم، او لست قائلا بخروج السلاح و عدم شموله له و ان اصابه الدم، و ان كنت شاكا فى ذلك فاعرض قول زرارة للباقر (ع) فى الخبر المتقدم: كيف رأيت الشهيد يدفن بدمائه؟ و قوله (ع) فى جوابه: نعم فى ثيابه بدمائه، الى العرف حتى يظهر لك حقيقة الامر.
و اما المروى فى الكافى فى باب القتلى عن زيد بن على عن آبائه (ع) عن على (ع): ينزع عن الشهيد الفرو و الخف و القلنسوة و العمامة و المنطقة و السراويل الاّ أن يكون اصابه دم، فان اصابه دم ترك و لا يترك عليه شىء معقود الا حلّ، فلمكان ضعف سنده غير صالح للمعارضة مع احتمال رجوع الضمير الى الأخير اعنى السراويل.
و بالجملة ينزع عنه الفرو و الجلود مطلقا وفاقا للمحكى عن المشهور بين المتأخرين، و كذا السلاح بل كل ما يصدق عليه الثوب و يدخل السراويل لصدق الثوب، عن الشيخ يدفن بجميع ما اصابه الدم الا الخفين، و قد روى انهما اذا اصابهما الدم دفنا معه، و عن الخلاف انه استثنى مما يدفن معه الجلود، و عن المفيد استثناء السراويل و الفرو و القلنسوة، بشرط ان يصيبها دم و الخف مطلقا، و عن ابن بابويه استثناء الخف و الفرو و المنطقة و القلنسوة و العمامة و السراويل بشرط عدم اصابته الدم و عن السلار استثناء الخف و السراويل و القلنسوة بالشرط المذكور، و عن الحلى استثناء السلاح مطلقا و الفرو و القلنسوة بالشرط المذكور.
ص: 84
السابع: مقتضى الرضوى و خبر زيد المتقدمين حل عقود الاثواب، و بذلك افتى بعض الاجلاء، و هو كذلك عملا بالخبرين من غير معارض.
(و صدر الميت كالميت فى جميع احكامه) فيغسل و يكفن و يصلى عليه و يدفن وفاقا للمشهور، كما حكاه فى المختلف بل نسب فى التذكرة و المنتهى وجوب الصلوة عليه الى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع، و عليه فيثبت ساير الأحكام للاولوية سيما بعد الالتفات الى ثبوتها فيما عدا الصدر مما فيه عظم كما يأتى فى المتن الآتى، و من هنا ظهر أنّ العضو الذى فيه القلب ايضا كالصدر فى الأحكام التفاتا الى المروى فى الكافى فى باب اكيل السبع فى الصحيح عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن الرجل يأكله السبع و الطير فتبقى عظامه بغير لحم، كيف يصنع به؟ قال: يغسل و يكفن و يصلى عليه و يدفن و اذا كان الميت نصفين صلى على النصف الذى فيه القلب.
و فى الباب عن عبد الله بن الحسين عن بعض اصحابه عن الصادق (ع):
اذا وسط الرجل بنصفين صلى على الذى فيه القلب.
و عن التحرير عن البزنطى فى جامعه عن احمد بن محمد بن عيسى عن بعض اصحابه يرفعه قال: المقتول اذا قطع اعضاؤه يصلى على العضو الذى فيه القلب.
و اما المروى فى الباب فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع):
اذا قتل قتيل فلم يوجد الا لحم بلا عظم لم يصل عليه، و ان وجد عظم بلا لحم صلى عليه.
و عن الفقه الرضوى: و ان كان الميت اكله السبع فاغسل ما بقى منه، و ان لم يبق الاعظام جمعتها و غسلتها و صليت عليها و دفنتها.
فمما يجوز الاستدلال بهما على الصدر التفاتا الى شمول الاطلاق لعظم الصدر فمع اللحم اولى، خلافا للمحكى عن الاسكافى فقال: لا يصلى على عضو الميت و القتيل الا ان يكون عضوا تاما بعظامه او يكون عضوا مفردا.
ص: 85
و له المروى فى الباب عن احمد بن محمد بن خالد عن ابيه عن بعض اصحابه عن الصادق (ع): اذا وجد الرجل قتيلا فان وجد له عضو تام صلى عليه و دفن و ان لم يوجد له عضو تام لم يصل عليه و دفن.
و عن التحرير عن على بن المغيرة قال: بلغنى ان ابا جعفر (ع) قال:
يصلى على كل عضو رجلا كان او يدا او الرأس (جزء) فما زاد فاذا نقص عن رأس او يد او رجل لم يصل عليه.
و فيه ان ضعف سندهما يغنى عن التكلم، مع ان فى الباب و روى انه لا يصلى على الرأس اذا افرد من الجسد، و عن طلحة بن زيد عن الصادق (ع):
لا يصلى على عضو رجل من رجل او يد او رأس منفردا فاذا كان البدن يصلى عليه و ان كان ناقصا من الرأس و اليد و الرجل.
و هما مقدمان عليهما لانجبارهما بالشهرة.
و جميع عظام الميت كالصدر فى الاحكام وفاقا للروض، عملا بصحيحة على بن جعفر المتقدمة، و بخبرى محمد و الفقه الرضوى بتقريب ما عرفت، و مقتضى المتن و ماضاهاه وجوب التحنيط ايضا وفاقا للمشهور على ما حكاه فى المختلف و فى التذكرة، و فى وجوب تحنيطه اشكال ينشأ من اختصاصه بالمساجد و من الحكم بالمساواة، و ذهب جامع المقاصد و الرياض كما عن الشهيد فى بعض تحقيقاته الى وجوبه مع وجود المساجد و الى عدمه مع عدمها، و لا يخلو عن وجه و فى الاول لو وجد عضو من المساجد كاليد فهل يحنط؟ الظاهر نعم اذ لم يثبت ان تحنيط المجموع شرط للابعاض فينتفى الوجوب، انتهى.
و فيه مناقشة اذ الامر واحد، و لا ريب ان ما قاله هو الاحوط، و على القول بوجوب التحنيط على نفس الصدر اجزاء وضع مسمى الكافور عليه كما قاله فى الرياض.
و اما جميع عظام الميت فالظاهر عدم وجوب تحنيطه كما استظهره البعض عملا بالاصل مع عدم ذكره فى الرواية.
ص: 86
(و ذات العظم و السقط لأربعة كذلك الا فى الصلوة) فالكلام هنا فى مقامين.
الاول: ذات العظم يغسل و يكفن و يدفن عند علمائنا كما(1) فى المنتهى و عن الخلاف الاجماع و هو الحجة الكافية حتى قال فى الرياض: و ربما كان اقوى من النص، و اما الاستدلال لذلك بخبر على بن جعفر المتقدم فقد اعترض عليه بان الجمع المضاف يفيد العموم فلا وجه للتمسك به فى المقام، و اما الاعتراض على الخبر بتضمنه للصلوة و فى المقام لا يقول علماؤنا بها كما قاله فى المنتهى، فغير ضاير اذ هو حينئذ كالعام المخصص فيما بقى حجة فتدبر.
و ظاهر المتن وجوب تحنيطه ايضا، و حكاه فى التذكرة عن سلار ثم قال:
و هو حق ان كان احد المساجد وجوبا و الا فلا، اقول: و هو الاحوط و ان كان فى تعينه نظر، ثم ان مقتضى المتن و غيره كما فى المنتهى و عن القواعد و المبسوط و النهاية و السراير و الجامع و المراسم و غيرها التكفين فيعتبر القطع الثلث على المختار و ان لم تكن بتلك الخصوصيات، خلافا للشرايع و التذكرة و التحرير كما عن نهاية الاحكام فيلف فى خرقة، و احتمل البعض اعتبار القطعة حال الاتصال فان كانت القطع الثلث تنالها وجبت و لو نالت منها اثنتان كفتا و ان نالت واحدة كفت.
و اما ما اختاره التذكرة و من يحذر و حذوه، هو الاقرب اقتصارا فيما خالف الأصل على القدر المتيقن، مع احتمال حمل التكفين الواقع فى عبائر من عرفته على المختار، و ان كان ذكر اللف فى الخرقة فى الخالية عن العظم لمن تصدى منهم لذلك، غير خال عن المنافرة.
و هل الحكم يختص بالمبانة من الميت كما اختاره الجماعة و منهم المحقق
ص: 87
فى التحرير، ام يعم الميت و الحى كما عن الجماعة؟ وجهان و الاول اقرب اقتصارا فيما خالف الاصل على القدر المتيقن، و الثانى هو الاحوط.
و هل يلحق العظم المجرد به كما عن بعض، ام لا كما اختاره آخر؟ وجهان و الاخير اقرب عملا بالمتيقن.
الثانى: السقط اذا كان له اربعة اشهر يغسل باطباق الاصحاب كما فى جامع المقاصد، و نسبه فى المنتهى الى اكثر اهل العلم ناسبا الخلاف الى احد قولى الشافعى، عملا بالمروى فى الكافى فى باب غسل الأطفال عن زرارة عن الصادق (ع): السقط اذا تم له اربعة اشهر غسل.
و فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين عن احمد بن محمد عمن ذكره قال: اذا تم السقط اربعة اشهر غسل، الخبر.
و فى الباب فى الموثق عن سماعة عن الصادق (ع): عن السقط اذا استوت خلقته يجب عليه الغسل و اللحد و الكفن؟ قال: نعم ذلك يجب عليه اذا استوى.
و فى الكافى فى باب غسل الاطفال عن سماعة عن ابى الحسن الاول عن السقط اذا استوى خلقه يجب عليه الغسل و اللحد و الكفن؟ فقال: كل ذلك يجب عليه.
و التقريب فى الأخيرين انما يتم بعد الالتفات الى المروى عن الفقه الرضوى: اذا اسقطت المرأة و كان السقط تاما غسل و حنط و كفن و دفن، و ان لم يكن تاما فلا يغسل و يدفن بدمه، و حد تمامه اذا اتى عليه اربعة اشهر و الى غير واحد من الاخبار الدالة بان النطفة تكون فى الرّحم اربعين يوما، ثم تصير علقة اربعين يوما، ثم تصير مضغة اربعين يوما، فاذا كمل اربعة اشهر بعث الله ملكين خلاقيين فيؤمران بالذكر او الانثى، فتأمل.
و يستفاد من خبرى سماعة و الرضوى وجوب التكفين و الدفن وفاقا للمحكى عن الجماعة، و يستفاد من التحرير و الشرايع، كما عن المبسوط اللّف فى خرقة،
ص: 88
و لعلهم حملوا التكفين عليه و هو كما ترى.
و يستفاد من ظاهر المتن كما عن جملة من الكتب وجوب التحنيط ايضا، و عليه يدل الرضوى و هو الوجه، فما يومى اليه بعض الكتب من عدم الوجوب مما لا يعتنى به.
(و) القطعة (الخالية) من عظم (تلف فى خرقة و تدفن) من غير غسل وفاقا للجماعة، و الاظهر عدم وجوب اللف ايضا عملا بالأصل وفاقا للجماعة و اما وجوب الدفن فلم اجد مخالفا و لعله يكفى فى الوجوب فى نحو المقام.(1)
(و كذلك السقط لاقل من اربعة اشهر) يلف فى خرقة و يدفن من غير أن يغسل و يكفن و يصلى عند العلماء كافة، الا ابن سيرين فانه قال يصلى عليه قاله فى التذكرة و هو الحجة مضافا الى الرضوى المتقدم، و المروى فى الكافى فى الباب عن محمد بن الفضيل كتبت الى ابى جعفر (ع): عن السقط كيف يصنع به؟ فكتب (ع) الىّ: السقط يدفن بدمه فى موضعه.
و عدم ذكر اللف فيهما كما عن الشيخ و غيره، غير ضاير بعد الاجماع الذى عرفته من التذكرة كما عن التحرير على اللف فى الخرقة، و الاطلاق فى الأخير مقيد بما عرفته من الاخبار.
و فى المنتهى لو وضعته سقطا لدون اربعة اشهر لم يصل عليه استحبابا و لا وجوبا بلا خلاف.
(و يؤمر من وجب قتله) بالرجم او القود (بالاغتسال) و التحنيط و التكفين (اولا) ثم يقام عليه الحد (و لا يغسل) بعد ذلك و لا نعلم فيه مخالفا من الاصحاب كما فى الذكرى، عملا بالمروى فى الكافى فى باب الصلوة على المصلوب عن مسمع كرد بن عن الصادق (ع): المرجوم و المرجومة يغسلان و يحنطان و يلبسان الكفن قبل ذلك ثم يرجمان و يصلى عليهما، و المقتص منه بمنزلة ذلك
ص: 89
يغسل و يحنط و يلبس الكفن و يصلى عليه.
و عن الفقه الرضوى و ان كان الميت مرجوما بدا بغسله و تحنيطه و تكفينه ثم يرجم بعد ذلك، و كذا القاتل اذا اريد قتله قودا.
و هل حكم من وجب قتله بغير الرجم و القود كحكمهما؟ كما يستفاد من المتن و صريح الذكرى، ام يختص بهما؟ كما اختاره فى المنتهى و غيره وجهان و الاخير اقرب اقتصارا فيما خالف الاصل على القدر المتيقن.
الاول: صرح جامع المقاصد و الرياض بان الآمر هو الامام او نائبه، و الخبران عاريان عن ذلك، بل مقتضاهما كون الاحكام واجبة عليهما من غير ان يحتاجا الى امر الامر، نعم لو لم يفعلا كان على المكلفين الامر عليهما بها حسبته، اذ الظاهر كونها عليهما من باب العزيمة لا الرخصة، نعم ما ذكراه هو الاحوط.
الثانى: الاظهر كون الغسل هو غسل الاموات، فيعتبر الأغسال الثلاثة كما صرح غير واحد، عملا بالمتبادر من الخبرين، و عليه فاشكال القواعد مما لا وجه له.
الثالث: لو سبق موته او قتل بسبب آخر، لم يسقط الغسل سواء بقى سبب الاول ام لا، كما لو عفى، اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن.
الرابع: لو لم يغسل قبل القتل وجب غسله بعده، عملا بالعمومات.
الخامس: صرح الجماعة و منهم الشهيدان و المحقق الثانى، بعدم وجوب الغسل بمسه بعد الموت، و عليه يدل اطلاق غير واحد من الاخبار.
(و من مس ميتا من الناس بعد برده بالموت و قبل تطهيره بالغسل او مس قطعة ذات عظم ابينت منه او من حى وجب عليه الغسل) على المشهور المنصور عملا بالاخبار المتجاوزة عن حد الاستفاضة فى الاول، منها المروى فى زيادات باب تلقين المحتضرين من التهذيب، عن احدهما (ع): الرجل
ص: 90
يغمض الميت، اعليه غسل؟ فقال: اذا مسه بحرارته فلا، و لكن اذا مسه بعد ما يبرد فليغتسل.
و بالمروى فى الباب عن ايوب بن نوح عن بعض اصحابنا، عن الصادق عليه السلام: اذا قطع من الرجل قطعة فهى ميتة، فاذا مسه انسان فكل ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل، فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه، فى الثانى مطلقا، و لو ابينت من ميت، التفاتا الى الفحوى، و الى المروى عن الفقه الرضوى: و ان مسست شيئا من جسد اكله السبع فعليك الغسل ان كان فيما مسست عظم، و ما لم يكن فيه عظم فلا غسل عليك فى مسه.
خلافا للمحكى عن المرتضى فيستحب هذا الغسل مطلقا، و خلافه شاذ مع انه ليس له دليل صالح، اذ خبر سعيد بن ابى خلف المروى فى التهذيب فى باب الاغسال، عن الصادق (ع): الغسل فى اربعة عشر موطنا واحد فريضة و الباقى سنة، مع قصوره سندا مما ليس فيه دلالة، اذ المراد بالسنة هو ما ثبت من الاحاديث النبوية لا من ظاهر الآيات القرآنية.
و اما خبر القاسم الصيقل المروى فى الباب قال: كتبت اليه جعلت فداك هل اغتسل امير المؤمنين (ع) حين غسل رسول الله (ص) عند موته؟ فاجابه:
النبى (ص) طاهر مطهر، و لكن امير المؤمنين (ع) فعل و جرت به السنة.
فهو ايضا مع قصوره سندا و دلالة كسابقه، مما لا يقوم فى مقابلة ما مرّ من وجوه عديدة.
و للمعتبر فجنح الى عدم وجوبه بمس القطعة، و فيه ما عرفت من الاجماع المحكى، و الخبرين المعتضدين بالشهرة العظيمة، مع ان فى الذكرى فى رده الاصحاب منحصرون فى وجوب غسل الميت على الاطلاق و هم الاكثر، و فى نافيه على الاطلاق و هو المرتضى و من اخذ اخذه فالقول بوجوبه فى موضع دون موضع لم يعهد.
ص: 91
الاول: الحكم يتعلق بما قبل الغسل و هو مذهب علماء الامصار كما عن المنتهى، و عليه يدل المروى فى الكافى فى باب غسل من غسل، عن عبد الله بن سنان، عن الصادق (ع): يغتسل الذى غسل الميت، و ان قبل الميت انسان بعد موته و هو حار فليس عليه غسل، و لكن اذا مسه و قبّله و قد برد فعليه الغسل، و لا بأس ان يمسه بعد الغسل و يقبّله.
و فى التهذيب فى زيادات باب تلقين المحتضرين فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع): مس الميت عند موته و بعد غسله و القبلة ليس به بأس.
و فى الباب عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): لا بأس بان تمسه بعد الغسل و تقبله.
و فى الباب فى الصحيح عن الصفار: كتبت اليه رجل اصاب يديه او بدنه ثوب الميت الذى يلى جلده قبل ان يغسل، هل يجب عليه غسل يديه او بدنه؟ فوقع: اذا اصاب يدك جسد الميت قبل ان يغسل فقد يجب عليك الغسل.
و عليه فالمروى فى الباب فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): يغتسل الذى غسل الميت، و كل من مس ميتا فعليه الغسل و ان كان الميت قد غسل، محمول على الاستحباب كما قاله التهذيب مع عدم قائله بالوجوب على الظاهر.
و مقتضى الخبر الاول عدم الغسل بمسه قبل البرد، و لا خلاف بين الاصحاب فى ذلك كما صرح البعض، و فى الرياض الاجماع، نعم اختلفوا فى وجوب غسل ما مسه به، فقال الجماعة بالعدم اقتصارا فيما خالف الاصل الدال، على الطهارة على القدر المتيقن و هو نجاسته بعد البرد، و ذهب فى الرياض الى الوجوب ناسبا له الى المصنف ايضا، التفاتا الى صدق الموت الموجب للحكم بالنجاسة، و اعترض بان القطع بالموت انما يحصل بعد البرد ورد بمنع عدم القطع قبله.
ص: 92
اقول الاظهر عندى ما اختاره الجماعة، التفاتا الى صحيح محمد بن مسلم المتقدم، و الى المروى فى الباب فى الصحيح عن اسمعيل بن جابر: دخلت على الصادق (ع) حين مات ابنه اسمعيل الاكبر، فجعل يقبّله و هو ميت، فقلت:
جعلت فداك اليس لا ينبغى ان يمس الميت بعد ما يموت و من مسه فعليه الغسل؟ فقال: اما بحرارته فلا بأس انما ذاك اذا برد.
و اما اطلاق ما فى التذكرة الميت نجس و ان كان ادميا عند علمائنا اجمع، الى ان قال: و يطهر بالغسل باجماع علماء الاسلام، فغير شامل لنحو المقام.
الثانى: الاظهر عدم وجوب الغسل بمس الشهيد، عملا بالاصل، و حملا لاطلاق الامرة الى غيره اما بحكم التبادر او لما يظهر من الاخبار بعد ضم بعضها الى بعض بان غسل المس دائر مدار النجاسة، و بما اخترناه قد افتى الجماعة فتردد الذخيرة مما لا وجه له يعتد به.
الثالث: هل يجب الغسل بمس عضو كمل غسله قبل تمام غسل الجميع؟ قولان و لعل الاظهر العدم، عملا بالاصل و معنا لانصراف اطلاق الآمرة الى نحوه.
الرابع: و هل العظم المجرد من اللحم بحكم ذات العظم؟ فيه قولان الاقرب العدم، عملا بالاصل، و فى الرياض هذا فى غير السن و الضرس و اما فيهما فالقول بالوجوب اشد ضعفا، لأنهما فى حكم الشعر و الظفر، هذا مع الانفصال اما مع الاتصال فيمكن المساواة و الوجوب لأنه جزء من جملة يجب بمسها الغسل، كل ذلك مع عدم طهارته بالغسل، اما معه و لو بالقرينة كالموجودة فى مقبرة المسلمين، فلا غسل بخلاف الموجودة فى مقبرة الكفار، قال:
و اعلم ان كل ما حكم فى مسه بوجوب الغسل مشروط بمس ما تحله الحيوة من اللامس لما تحله الحيوة من الملموس، فلو انتفى احد الأمرين لم يجب الغسل، الى ان قال: هذا فى غير العظم المجرد كالشعر و الظفر و نحوهما، اما العظم فقد تقدم الاشكال فيه و هو فى السن اقوى، و يمكن جريان الاشكال فى الظفر ايضا
ص: 93
لمساواته العظم فى ذلك، و لا فرق فى الاشكال بين كون العظم و الظفر من اللامس و الملموس.
(و لو خلت قطعة) مبانة من حى او ميت (من عظم او كان الميت من غير الناس غسل يده خاصة) و لو قال غسل العضو اللامس لكان اولى، اما وجوب غسل عضو اللامس فى الصورتين فلما سيأتى من نجاسة الميتة، لكن لا بد من التقييد بما اذا كان هناك رطوبة على الاظهر كما سيظهر، و اما عدم الغسل فى الصورة الاولى فلما عرفت من الخبرين مضافا الى الاصل.
استظهر بعض الاجلاء عدم الخلاف فى ان مس الميت من الاحداث الموجبة لنقض الطهارة، المتوقف ارتفاعها على الغسل خاصة او مع الوضوء على المشهور المنصور، و يدل على النقض المروى عن الفقه الرضوى حيث قال (ع) فى باب غسل الميت و تكفينه بعد ذكر غسل المس: و ان نسيت الغسل فذكرت بعد ما صليت فاغتسل و اعد صلوتك.
ما فى المدارك لم اقف على ما يقتضى اشتراط غسل المس فى شىء من العبادات، و لا من مانع من ان يكون واجبا لنفسه، نعم ان ثبت كون المس ناقضا للوضوء اتجه وجوبه للامور الثلثة المذكورة الاّ انه غير واضح.
اقول فيه ما عرفته، مع انه قد تقدم فى شرح قول المصنف: و كل الاغسال لا بد معها من الوضوء، الى آخره، ما يدل على ايجابه الوضوء، و فى التذكرة يجب الوضوء بالمس لقولهم (ع): كل غسل لا بدّ معه من الوضوء الا الجنابة فلو اغتسل و لم يتوضأ بطلت، انتهى و بذلك ظهرنا قضية الحيض و النفاس ايضا للوضوء، و الأظهر كونهما(1) ايضا كالوضوء واجبا لغيره، بل ظاهر التذكرة(2)
ص: 94
عدم الخلاف فيه حيث قال: لا شىء من الطهارات الثلث بواجب فى نفسه عدا غسل الجنابة على الخلاف، و انما يجب بسببين اما النذر و شبهه او وجوب ما لا يتم الا بها اجماعا، انتهى.
اقول الاظهر كون غسل الجنابة ايضا واجبا لغيره كما سبق فى بحثها، و الاظهر كما صرح البعض عدم منع حدث المس من الصوم و لا من دخول المساجد عملا بالاصل، نعم يمنع من دخوله اليها مع عدم غسله للعضو اللامس اما مطلقا او مع سريان النجاسة الى المسجد على الخلاف.
و وجوبه ثابت بالكتاب و السنة و الاجماع و انما.
(يجب التيمم لما يجب له الطهارتان) لما سيجئ بانه طهور عند فقد الماء، هذا اذا كانت الطهارة شرطا فيه و اما الغسل بالنسبة الى الصوم ففيه نظر، كما فى الذكرى و غيرها ينشأ من عدم اشتراط الطهارة فيه، و من وجوب الغسل متعذر فلينقل الى بدله التفاتا الى المروى فى التهذيب فى باب التيمم عن السكونى عن جعفر عن ابيه عن آبائه (ع) عن ابى ذر: انه اتى النبى (ص) فقال: يا رسول الله هلكت جامعت على غير ماء، قال: فأمر النبى (ص) بمحمل فاستترب به، و بماء فاغتسلت انا و هى، ثم قال: يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين.
و فى الباب فى الصحيح عن حماد بن عثمن عن الصادق (ع): عن الرجل لا يجد الماء أ يتيمم لكل صلوة؟ فقال: لا هو بمنزلة الماء، و لعل الأقرب الوجوب.
(و انما يجب عند فقد الماء) مع الطلب على الوجه المعتبر بالاجماع و الآية و النصوص الآتية انشأ، قال الله تعالى: (وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ اَلْغٰائِطِ أَوْ لاٰمَسْتُمُ اَلنِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ مٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ
ص: 95
يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
(او تعذر استعماله للمرض) بان يخاف زيادته او بطؤ برئه او عسر علاجه او المتوقع حدوثه، من غير فرق بين المرض العام لجميع البدن ام لا، لنفى الحرج و الضرر المنفيان و ارادة اليسر و المنع من الالقاء الى التهلكة، هذا مضافا الى الاخبار المستفيضة.
منها المروى فى التهذيب فى الباب فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع): عن الجنب يكون به القروح، قال: لا بأس بان لا يغتسل يتيمم.
و فى الباب فى الصحيح عن داود بن سرحان عن الصادق (ع) فى الرجل تصيبه الجنابة و به جروح او قروح او يخاف على نفسه من البرد، فقال: لا يغتسل و يتيمم.
و نحوه صحيحة ابن ابى نصر عن الرضا (ع) المروية فى الباب.(1)
و الى ظهور عدم الخلاف فى المذكورات، و فى التذكرة المريض اذا خاف التلف باستعمال الماء وجب التيمم باجماع العلماء، و كذا ان خاف سقوط عضو او بطلان منفعة عضو، و لو خاف زيادة او بطؤ البرء جاز التيمم عند علمائنا.
و ينبغى التنبيه لامور:
الاول: المشهور المنصور عدم الفرق بين متعمد الجنابة و غيره فى تسويغ التيمم له عند التضرر بالماء، عملا بما دل على نفى الحرج و العسر فى هذه الشريعة بقول مطلق كما يأتى تفصيله فى اوايل كتاب الصلوة، هذا مضافا الى خبر السكونى المتقدم و اطلاق جملة من الاخبار المتقدمة، و الى عدم كون الجنابة على هذا التقدير محرمة وفاقا للأكثر و عن التحرير الاجماع، مع وجوب دفع
ص: 96
الضرر المظنون عقلا و نقلا، قال الله تعالى: وَ لاٰ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ.
و عليه فما عن المفيد و الخلاف من ايجاب الغسل مع التعمد، و ان خاف التلف كما عن ظاهر الاسكافى، مما لا يلتفت اليه اصلا.
و اما المروى فى الباب فى الصحيح عن سليمان بن خالد و غيره عن الصادق (ع): عن رجل كان فى ارض باردة فتخوف ان هو اغتسل ان يصيبه عنت من الغسل، كيف يصنع؟ قال: يغتسل و ان اصابه ما اصابه، قال: و ذكر انه كان وجعا شديد الوجع فاصابته جنابة، و هو فى مكان بارد و كانت ليلة شديدة الريح باردة، فدعوت الغلمة فقلت لهم: احملونى فاغسلونى، فقالوا:
انا نخاف عليك، فقلت: ليس بدّ فحملونى و وضعونى على خشبات ثم صبوا علىّ الماء فغسلونى.
و فى الباب فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (ع): عن رجل تصيبه الجنابة فى ارض باردة و لا يجد الماء و عسى ان يكون الماء جامدا، فقال:
يغتسل على كل ما كان، حدثه رجل انه فعل ذلك فمرض شهرا من البرد، فقال:
اغتسل على ما كان فانه لا بد من الغسل، و ذكر ابو عبد الله (ع) انه اضطر اليه و هو مريض فأتوه به مسخّنا فاغتسل، و قال: لا بد من الغسل.
فمع ظهورهما فى عدم تعمد الجنابة الذى لا يقول به المخالف، مما لا يصلحان لمعارضة المختار الموافق للاعتبار و للآيات القرآنية و الأحاديث الكثيرة الدالة على السعة و ارادة اليسر، كما فصلناها فى اوايل كتاب الصلوة فى مسئلة عدم وجوب تقديم الصلوة الفايتة على الحاضرة بما لا مزيد عليه، و للاخبار الدالة بطرح ما خالف القرآن و للامر باخذ ما اشتهر بين الطائفة من وجوه عديدة، سيما بعد الالتفات الى تضمنهما على ما زعمه المستدل بارتكاب المعصوم (ع) امرا يوجب القاء نفسه الى التهلكة، و الى عدم المنع فى ارتكاب السبب كما عرفت نقل الاجماع عليه.
و عليه فكيف يوجب الانتقام الشديد باتلاف النفس؟
ص: 97
و اما مرفوعتا على بن ابراهيم و على بن احمد المرويتان فى الباب، فضعف سندهما يغنى عن التكلم فيهما.
على المختار لا يجب اعادة الصلوة بعد وجود الماء، وفاقا للمشهور كما صرح البعض، عملا بجملة من الاخبار منها المروى فى الباب فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (ع): عن رجل اجنب فتيمم بالصعيد و صلى ثم وجد الماء، فقال: لا يعيد، ان رب الماء رب الصعيد فقد فعل احد الطهورين
خلافا للمحكى عن الشيخ فى المبسوط و النهاية فخائف التلف على نفسه يتيمم و يصلى و يعيد الصلوة اذا وجد الماء و اغتسل، عملا بالمروى فى الباب عن جعفر بن بشير عمن رواه عن الصادق (ع): عن رجل اصابته جنابة فى ليلة باردة يخاف على نفسه التلف ان اغتسل، قال: يتيمم فاذا أمن البرد اغتسل و اعاد الصلوة.
و نحوه صحيحة عبد الله بن سنان المروية فى النهاية فى الباب بأدنى تغيير غير مضرّ، و الاجود حملهما على الاستحباب كما عن الاصحاب جمعا بين الأخبار.
الثانى: المريض و الجريح الذى لا يخاف الضرر باستعمال الماء كالصداع و الحمى الحارة، لا يجوز له التيمم، خلافا للمحكى عن بعض العامة عملا بعموم الآتية، و فيه ان المتبادر منها غير المفروض.
الثالث: اذا خاف حدوث مرض يسير او زيادته بحيث يحتمل عادة كالصداع و وجع الضرس مع زواله، فهل يجوز التيمم حينئذ ام لا؟ قولان و لعل الاول اقرب، عملا بما يستفاد من المروى فى التهذيب فى زيادات باب صفة الوضوء فى الصحيح عن عبد الاعلى مولى آل سام عن الصادق (ع): عثرت فانقطع ظفرى فجعلت على اصبعى مرارة كيف اصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا و اشباهه من كتاب الله عز و جل قال الله: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ
ص: 98
حَرَجٍ او امسح عليه.
و اما الاستدلال بالآية بعد الالتفات الى معممية الاجماع المركب، فانما يتم اذا لم يكن قوله تعالى فلم تجدوا ماء قيدا للجميع، و اما مع الاحتمال فيسقط الاستدلال.
الرابع: المرجع فى معرفة التضرر بالماء الظن المستند الى الوجدان الحاصل بالتجربة او غيرها او اخبار عدل، و لو حصل الظن باخبار فاسق اوصبى او امرأة او مخالف غير متهم فى الدين، ففى التذكرة الاقرب القبول لأنه يجرى مجرى العلامات كما يقبل قول القصاب الفاسق فى التذكية، و تبعه المتأخرون كما قيل قائلا بعدم وجدان المصرح بخلافه، و لا بأس به سيما بعد الالتفات الى ما عن ابن زهرة من دعوى الاجماع على ان من اسباب الترخيص الخوف من استعمال الماء.
و عن التحرير يستبيح المريض التيمم مع خوف التلف اجماعا، ثم قال: و هل يستبيحه لخوف الزيادة فى العلة او بطؤها او الشين؟ مذهبنا نعم حصول الترخيص بمجرد الخوف و ان لم يكن مع الظن او كان بمحض الجبن، انتهى.
و اما الاستدلال للمطلب بان غاية ما يقيد به الآية اعتبار ظن الضرر، فيكفى حصوله باى وجه اتفق، ففيه ما عرفت عن قريب.
الخامس: لو عجز عن الوصول الى الماء بسبب ضيق الوقت بحيث لا يدرك منه بعد الطهارة بقدر ركعة، فعليه التيمم و الاتيان بالصلوة اداء، وفاقا للمحكى عن المشهور عملا بما دل على عدم جواز تأخير الصلوة عن الوقت كما يأتى فى مقامه.
خلافا للمحقق فقال: من كان الماء قريبا منه و تحصيله ممكن لكن مع فوات الوقت، او كان عنده و باستعماله يفوت، لم يجز له التيمم و يسعى اليه لأنه واجد، و فيه ان مطلق الوجد ان غير نافع، بل المعتبر الوجدان المتمكن من استعماله شرعا، و حيث يستلزم التأخير خروج الوقت الممنوع شرعا فليأت
ص: 99
بالصلوة بالطهارة الترابية اذ رب الماء هو رب الصعيد.
و بما ذكر ظهر ايضا عدم جواز التأخير اذا كان الماء موجودا عنده بحيث يستلزم الوضوء خروج الوقت، وفاقا لغير واحد، فراجع الى صلوة الخوف حتى يظهر لك مقدار اهتمام الشارع بالوقت.
السادس: وجود الماء فى ملك الغير مع عدم الرخصة شرعا بمنزلة العدم لكن صرح بعض المحققين بجواز الطهارة من مياه الشطوط و الانهار و العيون الجارية مع كونها مملوكة ما لم يتحقق اجحاف، كما يجوز الشرب و سقى الدواب و نحوهما مما هو متداول بين المسلمين، و لو لم يعلم بان الفحوى اذن الارباب مستندا فى ذلك الاجماع المستفهم من السيرة، و بما ورد فى ان المسلمين و الناس شركاء فى الماء و النار.
السابع: اذا اندفع الضرر بتسخين الماء و لو احتاج الى شراء حطب او استيجار من يسخّنه وجب قضاء لحق الواجب المطلق، و فى التذكرة لو تمكن من استعمال الماء الحار وجب اسخانه و لا يتيمم لان عدم الماء شرط، و هو قول الفقهأ و قال داود يتيمم لظاهر الآية، انتهى.
و كذا لو اندفع بماء الحمام، او بستر محال الغسل عن الهواء بسرعة، و تنشيف الرطوبة منه، و لو احتاج التحصيل الى حركة عنيفة لم يمكنه تحملها عادة لكبر او مرض تعين التيمم دفعا للحرج.
(او) تعذر استعماله بسبب (البرد) الشديد الذى لا يتحمل مثله عادة، عملا بما دل على نفى الحرج، و بخبرى داود و ابن ابى نصر المتقدمين و مقتضاهما جواز التيمم بالتألم باستعمال الماء و ان لم يخش سوء العاقبة، كما عن المنتهى و نهاية الاحكام و المبسوط و النهاية و الاصباح و ظاهر الكافى و الغنية و المراسم و البيان و الجامع، خلافا للقواعد فلا و فيه ضعف.
و الاستدلال بخبر سليمان المتقدم الدال باغتسال مولانا الصادق (ع) فى ليلة باردة و هو شديد الوجع، مما لا وجاهة فيه.
ص: 100
و فى حكم البرد الحر كما صرح الجماعة، و الرايحة كما صرح غير واحد، و التخصيص بالبرد لمكان الغلبة.
(او) تعذر استعماله بسبب (الشين) و هو على ما ذكره غير واحد ما يعلو البشرة من الخشونة المشوهة للخلقة و ربما بلغت تشقق الجلد و خروج الدم، و كونه موجبا للترخيص هو المعروف من الاصحاب، بل نسبه فى المنتهى الى علمائنا اجمع و ظاهر جامع المقاصد كما عن ظاهر التحرير ايضا دعوى الاجماع لكن عن المنتهى انه قيده فى بعض المواضع بالفاحش، كما اختاره فى جامع المقاصد، و جعله فى الرياض اولى لكن ظاهره الافتاء بالاطلاق حاكيا له عن نهاية الاحكام ايضا، مستدلا لذلك باطلاق.
و فيه انه انما يحسن لو كان ههنا نص مطلق و لم اجده، الاّ أن يراد اطلاق الاجماع، و فيه ان اظهر الاجماعات اجماع المنتهى و قد عرفت تقييده فى بعض مواضعها بالفاحش.
و عن الخلاف خوف التأثير فى الخلقة و تغيير شىء منها و التشويه موجب لجواز التيمم، لأنّ الآية عامة فى كل خوف و كذلك الاخبار، و اما اذا لم يشوه خلقته و لا يزيد فى علته و لا يخاف التلف و ان اثر قليلا، فلا خلاف فى انه لا يجوز له التيمم، انتهى.
اقول التحقيق ان يقال: ان يبلغ الشين حد المرض او خيف حصوله او، زيادته او بطؤ برئه او عسر علاجه فلا اشكال فى الترخيص، و اما لو لم يصل الى شىء مما ذكرناه، ففيه اشكال ينشأ من جواز القول بانصراف اطلاقهم الى ما ذكرناه سيما بعد ملاحظة ما تقدم عن الخلاف من قوله و ان اثر قليلا و من ذكر الشين و المرض جميعا، فلو كان المراد الاتحاد لما كان فى التعدد حلاوة، و يمكن دفع الاخير بان ذكر الخاص بعد العام مما ليس فيه شناعة سيما فى نحو المقام الذى كان الاصحاب فى صدد التفصيل و التوضيح لعموم بلوى المسئلة، الا ترى انه كان يكفى لهم فى بيان الترخيص الاقتصار على العجز عن استعمال
ص: 101
الماء فمع ذلك عدلوا عنه و فصلوا بما تراه، فاذن الاجود العمل بالاول اقتصارا فيما خالف الاصل على القدر المتيقن، سيما بعد اعتضاده و لو فى الجملة بأنا لو قلنا بالاطلاق لوجب الحكم ببطلان الطهارة المائية بالنسبة الى كثير من فى البلاد الباردة لحصول الشين فيهم و لو فى الجملة، اذ المأمور به حينئذ التيمم فباتيان الطهارة المائية لم يتحقق الصحة و الامتثال.
(او خوف العطش) ان لم يكن فى الماء سعة عن قدر الضرورة اجماعا، كما عن ابن زهرة و التحرير و المنتهى، عملا بالمروى فى الكافى فى باب الرجل يكون معه الماء فى الصحيح، عن ابن سنان و الاظهر انه عبد الله، عن الصادق عليه السلام: فى رجل اصابته جنابة فى السفر و ليس معه ماء الا قليل و خاف ان هو اغتسل ان يعطش، قال: ان خاف عطشا فلا يهريق منه قطرة و ليتيمم بالصعيد فان الصعيد احب الى.
و الاجماعات المحكية قد دلّت بأنّ افعل التفضيل ليس هنا على بابه بل المراد ان فيه الحب او المراد لا احب منه، و بما ذكر ظهر وجه الاستدلال بخبر ابن ابى يعفور المروى فى الباب.
و يدل على المختار ايضا المروى فى التهذيب فى زيادات باب التيمم فى الموثق عن سماعة عن الصادق (ع): عن الرجل يكون معه الماء فى السفر فيخاف قلته، قال:
يتيمم بالصعيد و يستبقى الماء فان الله عز و جل جعلهما طهورا الماء و الصعيد.
و فى الباب فى القوى عن محمد الحلبى عن الصادق (ع) الجنب يكون معه الماء القليل فان هو اغتسل به خاف العطش ايغتسل به او يتيمم؟ فقال: بل يتيمم و كذلك اذا اراد الوضوء، و لا فرق فى العطش بين الحال و المتوقع فى زمان يخاف فيه عدم حصول الماء، عملا بالاطلاق بل لعل ظاهر الاخبار الاخير، و عليه فالاستدلال فى الحال انما هو بالفحوى.
و لو ظن وجود الماء غدا فهل يتيمم كما جنح اليه البعض(1) ام لا كما احتمله؟
ص: 102
آخر و هو المنتهى وجهان ينشأن من اصالة العدم و حصول الخوف المقتضى للترخيص فالاول، و من عدم بدّ فى العمل بالظن فى نحو المقامات التفاتا الى السيرة، و يمكن الفرق بين الظن القوى فالاول و الضعيف فالثانى، و لعل هذا التفصيل اجود و لا نسلم انصراف الخوف فى الاخبار الى نحو المقام، و مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين الخوف على النفس او شىء من الاطراف او حصول مرض او زيادته، او خوف ضعف يعجز معه من المشى او تخلف الرفقة مع الاحتياج اليها او مزاولة امور السفر حيث يحتاج اليها.
و لو خاف على رفيقه العطش استبقى الماء و يتيمم كما عن الاصحاب، اذ حرمة اخيه المسلم كحرمته.
و اولى منه لو خاف على عياله كلا او بعضا، و كذا لو وجد عطشانا يخاف تلفه وجب ان يسقيه الماء و يتيمم، خلافا للمحكى عن بعض الجمهور.
و بالجملة كلما ثبت من الشرع وجوب حفظه عن الهلكة او الضرر يكون الحكم فيه كما ذكر، و عن الجماعة انهم الحقوا بذلك الدواب المحترمة، و هو كذلك لو كان يتضرر باتلافه و لو فى الجملة و اما بدونه ففيه نوع اشكال، التفاتا الى ان مطلق ذهاب المال غير مسوغ للتيمم، و لذا وجب صرف المال الكثير لشراء الماء كما يأتى تفصيله.
و اما غير محترم من الحيوان كالمرتد عن فطرة و الكافر الحربى و الكلب العقور و الخنزير و كلما يجب قتله، فلا ترخيص فيه الا اذا تضرر بمفارقتهم.
و عن المنتهى لو خاف على حيوان الغير التلف ففى وجوبه اشكال، فان اوجبناه فالاقرب رجوعه على المالك بالثمن، و استقرب البعض عدم الترخيص للعمومات مع القدرة على الماء.
اقول لو كان حيوان الغير و هما(1) محترمان مما يحتاج الغير اليه، بحيث
ص: 103
يكون فقده موجبا لهلاكه او هلاك احد من عياله او لتلف بضع او عضو او حصول اجحاف او مشقة لا تتحمل عادة، فقد حكم بعض المحققين بوجوب حفظ الماء له و التيمم، لكن قال ليس عليه ان يعطى الماء مجانا بل له ان يأخذ العوض، و ان ضايق فى العوض فالظاهر انه لا ينشأ منشأ لحيلة عدم اعطاء الماء بل الاعطاء لازم لحفظ المحترم، و له ان يأخذ العوض منه قهرا بحكم حاكم الشرع و لو بعنوان التقاص، انتهى.
و لو امكن ان يتطهر به و يجمع المتساقط من الاعضاء للشرب على وجه يكتفى به وجب جمعا بين الحقين.
و لو كان ماء ان طاهر و نجس و خشى العطش فانه يستبقى الطاهر لشربه و يتيمم، كما عن الاصحاب لعدم جواز شرب النجس و الطهارة به فوجوده كالعدم، و تأمل البعض(1) مما لا وجه له اصلا.
و لو تطهر بالماء فى موضع العطش فعن نهاية الاحكام انه استقرب الاجزاء لامتثال امر الوضوء، و فيه ان الامر حينئذ التيمم لا الوضوء و لم يمتثل فمن اين الصحة.
(او) خوف (اللص او السبع) فى طريق الماء سواء كان على النفس او المال اجماعا كما عن الفاضلين، و عن ابن زهرة الاجماع على ان من اسباب جواز التيمم الخوف من العدو، عملا بالمروى فى التهذيب فى باب التيمم عن يعقوب بن سالم عن الصادق (ع): عن الرجل لا يكون معه ماء و الماء عن يمين الطريق و يساره غلوتين او نحو ذلك، قال: لا امره ان يغرر بنفسه فيعرض له لص او سبع.
و فى الباب عن داود الرقى عن الصادق (ع): اكون فى السفر و يحضر الصلوة و ليس معى ماء، و يقال ان الماء قريب منا، فاطلب الماء و انا فى وقت يمينا و شمالا؟ قال: لا تطلب الماء و لكن تيمم فانى اخاف عليك التخلف عن اصحابك فتضل و يأكلك السبع.
ص: 104
و الحق الاصحاب كما قيل بما ذكر الخوف على الاطراف او البضع او العرض و الخوف على الفاحشة، من غير فرق بين الذكر و الانثى و الخوف على الاهل.
و هل الخوف الحاصل بسبب الجبن كذلك كما عن التحرير ام لا كما عن المشهور؟ وجهان و الاول اجود ان كان ينشأ الضرر و اما ما لا ينشأ الضرر ففى الحاقة تأمل، و حكم الرياض بالعدم.
(او) خوف (ضياع المال) بسبب السعى الى الماء و ان لم يكن من اللص او السبع، و يمكن ان يريد بخوف اللص او السبع الخوف على النفس، و بقوله او ضياع المال ضياعه بسببهما، و فى التذكرة لو كان يقربه ماء و خاف ان سعى اليه على نفسه من سبع او عدوا و على ماله من غاصب او سارق جاز له التيمم اجماعا، و عن المنتهى: السبب الثالث ان يخاف على نفسه او ماله لصّا او سبعا او عدوا او حريفا او التخلف عن الرفقة و ما اشبهه، فهو كالعادم لا نعرف فيه خلافا.
اقول و بما ذكر ظهر دليل الكل.
و لا فرق فى المال بين القليل و الكثير للاطلاق.
(او عدم الآلة) كالدلو و الرشاء حيث يحتاج اليهما، و القادر على شد الثياب بعضها ببعض و التوصل الى الماء بها و لو بشق بعضها و ان نقصت اثمانها ما لم يحصل به اجحاف، متمكن.
(او عدم الثمن) فى الحال او المال حيث يمكن تأجيله اليه مع وجود الماء مع من لا يعطى الا بالثمن، و لو توصل الى الماء بالهبة او العارية لم يجز التيمم للتمكن، و لو وجد الماء بثمن لا يقدر عليه فبذل الثمن فهل يجب القبول ام لا(1)قولان ينشأن من التمكن فالاول، و من كونه منة فى العادة فالثانى، و لعل الاول ارجح.
و الظاهر ان المنذور على وجه يدخل فيه المحتاج يجب قبوله قولا واحدا كما
ص: 105
قاله البعض(1).
و لا يجوز مكابرة مالك الماء و الآلة عليهما، لانتفاء الضرورة بفعل اليد بخلاف الماء للعطش و الطعام بالمجاعة.
و لو علم مع قوم ماء فعليه ان يطلبه منهم اذا احتمل البذل، كما استظهر البعض مع احتماله عدم الوجوب، و كذا الحكم فى استيهاب الثمن على اشكال لمكان المنة الشديدة، و لو امتنع من قبول الهبة لم يصح صلوته ما دام الماء فى يد المتّهب لتمكنه كما صرح غير واحد، و لو عدم الثمن و تمكن من تحصيله بالكسب وجب كما فى التذكرة، و لو كان عاد ما للثمن و باعه الماء بايع فى الذمة ففى التذكرة لم يلزمه شراؤه لما فيه من الضرر باشتغال الذمة، خلافا للمحكى عن التحرير فيجب، بل عن المنتهى لو كان عليه دين مستغرق وجب عليه الشراء فى الذمة لانه متمكن.
(و لو وجده) اى الثمن (و خاف الضرر بدفعه) عوضا عن الماء او الآلة (جاز له التيمم) لنفى الضرر فى الشريعة، و عن المنتهى لو احتاج الى الثمن للنفقة لم يجب عليه الشراء قولا واحدا (و لو وجده) اى الماء (بثمن لا يضره فى الحال) اى المكلف و ارادة الحال المقابل للاستقبال و ان امكن لكن الاولى ما فسرناه (وجب الشراء و ان زاد عن ثمن المثل) اضعافا، اجماعا كما عن الخلاف عملا بالمروى فى التهذيب فى باب التيمم فى الزيادات فى الصحيح عن صفوان عن ابى الحسن (ع): عن رجل احتاج الى الوضوء للصلوة و هو لا يقدر على الماء، فوجد قدر ما يتوضأ به بمائه درهم او بألف درهم، و هو واجد لها يشترى و يتوضّا او يتيمم؟ قال: لا بل يشترى قد اصابنى مثل هذا فاشتريت و توضأت، و ما يشترى بذلك مال كثير.
و عن تفسير العياشى عن الحسين بن ابى طلحة قال: سألت عبدا صالحا
ص: 106
عن قول الله تعالى: (أَوْ لاٰمَسْتُمُ اَلنِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) ما حد ذلك؟ فان لم تجدوا بشراء او بغير شراء ان وجد قدر وضوئه بمائة ألف او ألف و كم بلغ، قال: ذلك على قدر جدته.
و عن دعائم الاسلام قالوا (ع) فى المسافر يجد الماء بثمن غال ان يشتريه اذا كان واجدا لثمنه فقد وجده الا أن يكون فى دفعه الثمن ما يخاف منه على نفسه التلف ان عدمه و العطب فلا يشترى و يتيمم بالصعيد و يصلى.
و عن شرح الكتاب لفخر الاسلام: ان مولانا الصادق (ع) اشترى وضوء بمائة دينار، خلافا للمحكى عن الاسكافى فنفى الوجوب مع غلاء الثمن و لكن اوجب الاعادة اذا وجد الماء، و له ان خوف ضياع المال اليسير بالسعى الى الماء يوجب التيمم فلا يجب بذل الكثير، للاشتراك فى المعنى و لأنه تضييع للمال و لنفى الضرر، و فيه انه اجتهاد فى مقابلة النص مع ان الفرق واضح.
و عليه فلا وجه لقول المصنف (على اشكال) و اطلاق العبارة كما عن المسالك عدم الفرق بين المجحف و غيره، خلافا لغير واحد فيقيد وجوب الزائد عن ثمن المثل بعدم الاجحاف بالمال و هو الأوجه، لما عن المنتهى لو كانت الزيادة كثيرة يجحف بماله سقط عنه وجوب الشراء و لا نعلم فيه مخالفا.
(و كذا الآلة) يجب شراؤها و ان زاد عن ثمن المثل مع عدم الاجحاف للتمكن.
عن نهاية الاحكام لو وجد ماء موضوعا فى الفلاة فى حبّ او كوز و نحوه للسابلة، جاز له الوضوء و لم يسغ له التيمم لانه واجد، الا ان يعلم او يظن وضعه للشرب و لو كان كثيرا دلت الكثرة على تسويغ الوضوء منه، و عن المنتهى فى صورة الكثرة لا خلاف فى الجواز.
اقول لا بأس فى الحكم المذكور فى صورة الكثرة لدعوى عدم الخلاف، و اما فى صورة القلة فللتوقف فى الشك باذن المالك مجال، بل ربما يأتى التوقف فى
ص: 107
صورة الظن بالرضا لكن الأظهر الجواز فيه عملا بالسيرة.
(و لو فقده) اى الماء (وجب الطلب) مع الامكان و انتفاء الضرر اجماعا كما عن الجماعة، و مع عدمهما او احدهما فلا اجماعا على الظاهر المستظهر به فى بعض العبائر، عملا بخبرى يعقوب و داود المتقدمين فى خوف اللص، و لو غلب على ظنه العدم فهل يجب الطلب ام لا؟ قولان و لعل الاجود الاول و قيام الظن مقام العلم فى الشرعيات على اطلاقه غير مسلم.
و حد الطلب (غلوة سهم) بفتح الغين، و هى مقدار رمية من الرامى بالآلة المعتدلين كالهواء.
(فى الحزنة) بسكون الزاء و هى خلاف السهلة و هى المشتملة على نحو الاشجار و الاحجار و العلو و الهبوط المانع من رؤية ما خلفه.
(و) قدر سهمين (فى السهلة) عملا بالمروى فى التهذيب فى باب التيمم عن السكونى عن جعفر عن ابيه عن على (ع): يطلب الماء فى السفر ان كانت الحزونة فغلوة و ان كانت سهولة فغلوتين لا يطلب اكثر من ذلك، و قصور السند منجبر بالاجماع المحكى عن المنتهى و ظاهر التذكرة، بل عن الحلى دعوى تواتر النقل به، و عليه فلا يقوم فى مقابلة المروى فى الكافى فى باب الوقت الذى يوجب التيمم فى الصحيح عن زرارة عن احدهما (ع): اذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام فى الوقت فاذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم و ليصلّ فى آخر الوقت، فاذا وجد الماء فلا قضاء عليه و ليتوضأ لما يستقبل.
من وجوه عديدة سيما بعد الالتفات الى جواز القول بان المراد الطلب فى السعة و التيمم عند الضيق، لا أن يكون المراد استيعاب الوقت بالطلب كما جنح الى الافتاء به فى التحرير مع انه حينئذ شاذ جدا، و ميل التحرير لا ينفع فى نحو المقام.
كما لا ينفع قول المدارك: و المعتمد اعتبار الطلب من كل جهة يرجوا فيها الاصابة بحيث يتحقق عرفا عدم وجدان الماء، انتهى، فى المقام فلا
ص: 108
التفات اليهما، و مقتضى الخبر الاكتفاء بالطلب فى جهة واحدة خلافا للمحكى عن المشهور فيجب فى الجهات الاربع، بل عن الغنية الاجماع و هو الحجة، و عليه فلا التفات الى ما عن النهاية و الاقتصاد و الوسيلة من الاقتصار على اليمين و اليسار.
و اما ما عن المفيد و الحلبى من ذكرهما بزيادة الامام فلا يعلم بذلك المخالفة للمختار لكون الخلف مفروغا عنه بالمسير.
الاول: لو تيقن عدم الماء فى الجهات كلا او بعضا سقط الطلب مطلقا او فيه لقبح الامر بالطلب حينئذ، و لو تيقن وجود الماء فى ازيد من النصاب وجب قصده ما لم يخرج الوقت اذا لم يستلزم فوات مطلوبه، و اذ استلزمه فالاقرب السقوط.
و هل الظن كاليقين كما عن بعض؟ فيه تردد، و لعل الاجود الالحاق عملا بالاصل، مع جواز القول بانصراف الدال على النصاب على غير المفروض.
الثانى: لو عجز عن الطلب، فهل يجب الاستنابة و لو باجرة كما قاله البعض ام لا؟ وجهان و الاول احوط، و عليه فهل يشترط فى النايب العدالة كما قاله البعض ام لا؟ وجهان و الاول احوط، هذا مع وجود العادل و الا فيكفى غيره، و على التقديرين يحتسب لهما.
الثالث: هل يكفى الطلب قبل الوقت كما جنح اليه البعض(1) ام لا اذا امكن التجدد بعده كما عن المصنف و غيره؟ وجهان.
الرابع: لو اخل بالطلب اللازم عليه فتيمم و صلى ثم وجد الماء، اعاد الصلوة ان اتى بها فى سعة الوقت اجماعا كما حكاه بعض مشايخنا، لفقد شرطه الذى هو العلم بعدم التمكن، و اما ان اتى بها فى الضيق، فهل هو كالسعة
ص: 109
كما عن ظاهر الخلاف و المبسوط و النهاية ام لا؟ كما عن الاكثر، وجهان و الاخير اجود عملا بالاصل، نعم هو معاقب بعدم الطلب.
الخامس: لو تمكن من الطهارة المائية و ادراك ركعة من الصلوة، فهل عليه التيمم حينئذ كما جنح اليه البعض(1) ام لا كما عن التذكرة؟ وجهان و الاول اقرب، لوجوب الاتيان بمجموع الصلوة فى الوقت فبتعذر الماء يتعين الصعيد، و حديث من ادرك ركعة، الى آخره، دال على الادراك لا على جواز التأخير، فافهم.
(و لو وجد ماء لا يكفيه للطهارة تيمم) من غير فرق بين الطهارتين عند علمائنا عن المنتهى و التذكرة، و ادعى البعض فى الوضوء الاجماع صريحا و حكاه فى الغسل عن بعض صريحا، و عليه فما فى الرياض، و ربما حكى عن الشيخ فى بعض اقواله التبعيض، و ما عن نهاية الاحكام من احتماله فى الغسل صرف الماء الى بعض الاعضاء، مما لا وجه له سيما بعد ملاحظة المستفيضة الآمرة بالتيمم من غير اشارة الى ذلك، مع الورود فى مقام البيان.
منها المروى فى زيادات باب التيمم من التهذيب فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما: فى رجل اجنب فى سفر و معه ماء قدر ما يتوضأ به، قال:
يتيمم و لا يتوضأ.
و فى الباب فى الصحيح عن الحلبى عن الصادق (ع) نحو هذا اذا كان مكلفا بطهارة واحدة، و اما اذا كان مكلفا بطهارتين كوضوء و غسل فيما عدا الجنابة على المنصور و كفى الماء لاحدهما وجب استعماله فيه للأصل، وفاقا لغير واحد، و فى التخيير او تقديم(2) الغسل وجهان و الاول اجود، و ما عن بعض بأنه مخير بين الغسل به و التيمم عوضا عن الوضوء، و بين الوضوء و صرف الباقى الى بعض اعضاء الغسل ثم التيمم عوضا عن الغسل، فليس لقوله و صرف الباقى
ص: 110
الى بعض اعضاء الغسل دليل يعتد به كما عرفته.
(و لو وجد ماء يكفيه لازالة النجاسة خاصة) و لا يكفى لازالتها و رفع الحدث (ازالها و تيمم) اجماعا كما فى التذكرة و عن المنتهى و التحرير لا نعرف فيه خلافا و هو الحجة، و الحكم مقيد بكون النجاسة غير معفو عنها، و الثوب اذا كانت(1) فيه مما يحتاج الى لبسه فى الصلوة اما لعدم الساتر او الاضطرار.
(و لا يصح) التيمم (الا بالارض) اى ما يقع عليه اسم الارض سواء كان عليه تراب او كان حجرا او حصا او غير ذلك، وفاقا للاكثر عملا بالآية بناء على ان الصعيد مطلق وجه الارض كما عن العين و المخيط و الاساس و المفردات للراغب و السامى و الخلاص و الزجاج مع قوله لا اعلم خلافا بين اهل اللغة فى ذلك، و بجملة من الاخبار المروية عنه (ع): جعلت لى الارض مسجدا و طهورا، و اما زيادة ترابها قبل الطهور كما فى بعض كتب الفروع، فقال بعض الاجلاء:
ان متن الحديث فى كتب الاخبار خال عن هذه الزيادة، و قد نقل فى الوسائل اربع روايات واحده من الوافى و الثانية من النهاية و اثنتان من الخصال، و الجميع خال عن هذه الزيادة.
و بالمستفيضة الآمرة بالتيمم بالارض منها المروى فى التهذيب فى باب التيمم فى الصحيح عن ابن سنان عن الصادق (ع): اذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الارض و ليصل، الخبر.
خلافا للمحكى عن المرتضى فى شرح الرسالة و الحلبى و ظاهر المفيد فلا يجزى الا التراب الخالص، عملا بالآية بناء على تفسير الصعيد بالتراب كما عن جماعة من اهل اللغة.
و بالمستفيضة كالمروى فى الباب فى الصحيح عن رفاعة عن الصادق (ع):
اذا كانت الارض مبتلة ليس فيها تراب و لا ماء، فانظر اجف موضع تجده فتيمم
ص: 111
منه، فان ذلك توسيع من الله.
و فى الباب عن على بن مطر، عن بعض اصحابنا، عن الرضا (ع): عن الرجل لا يصيب الماء و لا التراب، ايتيمم بالطين؟ فقال: نعم صعيد طيب و ماء طهور.
و فى الباب عن معوية بن ميسرة عن الصادق (ع)، و فيه: فان رب الماء رب التراب.
و فى الباب فى الزيادات فى الصحيح عن جميل عن الصادق (ع)، و فيه:
فان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا.
و فيه ان الاخبار لا تقوم حجة فى نحو المقام، لقوة احتمال ورودها مورد الغالب.
و اما الآية فتفسير من فسر الصعيد بالمختار ارجح لما عرفت من الزجاج، سيما اذا انضم الى ما قاله مجمع البيان حيث قال على ما حكى عنه بعد ان نقل عن الزجاج: لا اعلم خلافا بين اهل اللغة فى ان الصعيد وجه الارض، و هذا يوافق مذهب اصحابنا فى ان التيمم يجوز بالحجر سواء كان تراب او لم يكن، و الى ما فى الرياض: الصعيد عندنا هو وجه الارض، و الى ما عن مصباح المنير:
الصعيد وجه الارض ترابا كان او غيره، ثم قال و يقال: الصعيد فى كلام العرب يطلق على وجوه على التراب الذى على وجه الارض و على الطريق، و هذا ينادى بكون الاصل المعنى الاول، و الى ما فسر به قوله تعالى: (فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) اى ارضا ملساء مزلقة، و قوله (ع): يحشر الناس يوم القيمة عراة حفاة على صعيد واحد أى ارض واحدة.
هذا مضافا الى ان التحقيق ان نقلة اللغة انما يفهمون المعنى من موارد استعمالاتهم، و الذى يظهر من كلماتهم اطلاقه على مطلق الارض مرة، و على التراب اخرى، و لما كان الارض هى القدر المشترك فالاصل ان يكون حقيقة فيها، و حمل مطلق الارض على الغالب انما يتوجه لو لم نجوز التيمم على
ص: 112
الحجر لكن الأمر فيه كما ستعلم، مضافا الى ما عرفت فى كلام مجمع البيان.
هذا مضافا الى تطرق المنع بكون الغالب التراب الخالص بحيث ينصرف الاطلاق اليه، اللهم الا ان يفسر التراب الخالص بالصافى عن مخالطه ما لا يقع عليه الارض، كالزرنيخ و الكحل و انواع المعدن، كما يظهر من غير واحد فى نقل مذهب المرتضى و من حذا حذوه، و عليه فلا خلاف بيننا و بين السيد و موافقيه لما يظهر من عدم جواز التيمم بالمعادن.
و بالجملة يجوز التيمم بجميع ما يطلق عليه اسم الارض (كالتراب) مطلقا سواء الأعفر و هو الذى بياضه لا يخلص، و الاسود و الاصفر و الاحمر منه ارمنى الذى يتداوى به، و الابيض الذى يؤكل سفها، و المدر و هو الذى ينبت و السبخ و هو الذى لا ينبت على كراهة، و البطحاء و هو التراب اللين فى سبيل الماء باجماع العلماء، قاله فى التذكرة من قولنا سواء الى آخره بعد ان زاد فى اوله و كلما يطلق عليه اسم التراب يصح التيمم، ثم حكى بعد حكاية الاجماع عن الاسكافى المنع من التيمم بالسبخ لقوله تعالى: صعيدا طيبا، ثم قال و ليس بجيد لأنّ ارض المدينة سبخة و تيمم النبى منها، انتهى.
اقول و قد عرفت ايضا ما فى الاستدلال بالآية اللهم الا ان يراد أن السابخة ليست بارض، و فيه ما ترى قال فى التذكرة و اما الرمل فيجوز التيمم به على كراهة عندنا لصدق اسم الارض عليه، اقول و كذا الحجر بانواعه على الاظهر للصدق.
(و ارض النورة) و ارض (الجص) قبل الاحراق للصدق خلافا للمحكى عن الحلى فاطلق المنع عنهما للمعدنية، و فيه منع، و عن النهاية فشرط فى جواز التيمم بهما فقد التراب و ليس بجيد عملا بالاطلاق مع عدم ظهور المقيد.
و اما بعد الاحراق فعن المشهور المنع من التيمم بهما لعدم صدق الارض، خلافا للمعتبر و التذكرة كما عن مصباح السيد و الذكرى فالجواز للصدق و فى التحرير و التذكرة و لا يخرج باللون و الخاصية عن اسم الارض كما لا يخرج
ص: 113
باللون، و لما رواه التهذيب فى باب التيمم عن السكونى عن جعفر عن ابيه عن على (ع): عن التيمم بالجص، فقال: نعم، فقيل: بالنورة، فقال: نعم، فقال: بالرماد، فقال: لا انه ليس يخرج من الارض انما يخرج من الشجر.
و عن نوادر الراوندى بسنده عن على (ع): يجوز التيمم بالجص و النورة و لا يجوز بالرماد لأنه لم يخرج من الارض، فقيل له: ايتيمم بالصفا البالية على وجه الارض؟ فقال: نعم.
و فى التهذيب فى زيادات باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن الحسن بن محبوب عن ابى الحسن (ع): عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثم يجصص به المسجد، ايسجد عليه؟ فكتب (ع) الىّ بخطه: ان الماء و النار قد طهراه.
و للجماعة فنعم مع الصدق و الا فلا و هو الوجه.
و فى التيمم بالخزف قولان(1) ينشأن من خروجه بالطبخ عن صدق الارضية فلا، و من تطرق المنع اليه فنعم، و الاظهر عندى المنع للشك فى صدق الارضية و اجراء الاستصحاب فى ابقائها انما ينفع لو سلم جواز التيمم على مطلق الارض حتى ما لو كان المثبت الاستصحاب، و هو فى معرض المنع بل المتبادر هو غيره.
(و تراب القبر) ما لم يعلم حصول نجاسة فيه سواء تكرر النبش ام لا بلا خلاف منا اجده، عملا بالاطلاق خلافا للمحكى عن الشافعي فمنع اذا تكرر نبشه لاختلاطه بصديد الموتى و لحومهم و فيه ما ترى.
(و المستعمل) اى الملتصق باعضاء المتيمم او المتساقط من الاعضاء اجماعا منا على الظاهر، عملا بالاصل و فى التذكرة بعد ان حكى المنع عن الشافعى فى احد قوليه: ليس المستعمل الموضع الذى يضرب اليد عليه اجماعا لأنه
ص: 114
بمنزلة الاناء الذى يغترف منه، فيجوز ان يتيمم جماعة من موضع واحد بان يضرب واحد بعد آخر، و اما التراب الملتصق باعضاء المتيمم فانه مستعمل اجماعا، و اما المتساقط من الاعضاء وجهان اصحهما عنده انه مستعمل كالمتقاطر من الماء.
(و لا يصح) التيمم (بالمعادن) لعدم صدق اسم الارض عليها، و فى المنتهى و لا يجوز التيمم بما ليس بارض مطلقا كالمعادن و النبات المنسحق و الاشجار و غيرها، سواء كان متصلا بالارض ام لا و سواء كان من جنسها او لم يكن، و هو مذهب علمائنا اجمع، خلافا للمحكى عن العمانى فجوزه بها معللا بخروجها من الارض، و فيه ما ترى.
و اما التعليل المتقدم فى خبرى السكونى و النوادر المتقدمين عنقريب، فغير صالح للاستناد لمكان ضعف السند مع عدم الجابر، مع قرب احتمال ان يراد بالخروج الصادق معه الاسم لا مطلقا، كما يترنم بذلك عدم تجويز الخبرين بالرماد مع كونه خارجا منها بهذا المعنى.
(و الرماد) اذا كان من الشجر اجماعا كما عن المنتهى، للخبرين المشار اليهما، و اما رماد الارض فالاقرب دورانه مع صدق الارض وجودا و عدما، و فى التذكرة لو احترق التراب حتى صار رمادا فان كان خرج عن اسم الارض لم يصح التيمم به، و عن نهاية الاحكام انه استقرب الجواز برماد الارض و اطلق، و الحق التفصيل.
(و الاشنان و الدقيق) بلا خلاف اجده لعدم الصدق، و اما المروى فى الباب عن عبيد بن زرارة عن الصادق (ع): عن الدقيق يتوضأ به؟ قال: لا بأس به بان يتوضأ به و ينتفع به، فالمراد بالتوضأ المعنى اللغوى، كما ربما يومى اليه المروى فى الباب عن عبد الرحمن بن الحجاج عن الصادق (ع): عن الرجل يطلى بالنورة فيجعل الدقيق بالزيت يلتّه به يتمسح به بعد النورة ليقطع ريحها، قال: لا بأس.
(و المغصوب) عند علمائنا اجمع كما فى التذكرة، و لو تيمم فى مكان مغصوب
ص: 115
بتراب مباح لم يبطل تيممه كما صرح البعض، عملا بالاصل.
و لو حبس فى مكان مغصوب و لم يجد ماء مباحا، او وجد و كان استعماله ضارا بالمكان، فهل يجوز التيمم بترابه مع فقد غيره ام لا؟ وجهان ينشأن من خروجه بالاكراه عن النهى لامتناع التكليف بما لا يطاق، و من افتقاره الى التصرف فى المغصوب زايدا على اصل الكون.
(و النجس) عند علمائنا اجمع كما فى التذكرة، و عن المنتهى لا نعلم فيه مخالفا، لقوله تعالى: صَعِيداً طَيِّباً، التفاتا الى ما عن مفسرى اصحابنا من تفسير الطيب هنا بالطاهر فتأمل.
(و يجوز) التيمم (بالوحل مع عدم التراب) و عدم الغبار على الثوب و نظائره عند علمائنا، كما فى التذكرة موميا بدعوى الاجماع كما عن ظاهر التحرير و المنتهى، عملا بالمروى فى التهذيب فى باب التيمم فى الصحيح عن ابى بصير عن الصادق (ع): اذا كنت فى حال لا تقدر الاعلى الطين فتيمم به فان الاولى بالعذر اذا لم يمكن معك ثوب جاف و لا لبد تقدر على ان تنفضه و تتيمم به.
و فى الباب فى الموثق عن زرارة عن الباقر (ع): ان اصابك الثلج فلينظر لبد سرجه فيتيمم من غباره او من شىء منه، و ان كان فى حال لا يجد الا الطين فلا بأس ان يتيمم منه.
و فى الباب فى الصحيح عن رفاعة عن الصادق (ع): اذا كانت الارض مبتلة ليس فيها تراب و لا ماء، فانظر اجف موضع تجده فتيمم منه فان ذلك توسيع من الله عز و جل، قال: فان كان فى ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره او شىء مغبّر، و ان كان فى حال لا يجد الا الطين فلا بأس ان يتيمم منه.
و عليه فما عن المهذب من تقديم الوحل على الغبار على الثوب و نحوه كما يظهر من المتن ايضا، مما لا وجه له.
و اما المروى فى الباب عن زرارة عن احدهما (ع): رجل دخل الاجمة ليس فيها ماء و فيها طين ما يصنع؟ قال: يتيمم فانه الصعيد، قلت: فانه
ص: 116
راكب و لا يمكنه النزول من خوف و ليس هو على وضوء، قال: ان خاف على نفسه من سبع او غيره و خاف فوت الوقت، فليتيمم يضرب بيده على اللبد و البردعة و يتيمم و يصلى.
فلمكان ضعف السند، مما لا يصلح للاعتماد عليه سيما فى نحو المقام.
و هل كيفية التيمم بالوحل كالتيمم بالارض؟ كما اختاره بعض مشايخنا كما عن السراير، او يعتبر بعد ضرب اليدين مسح احديهما بالاخرى و فرك طينهما بحيث لا يبقى فيهما نداوة، كما عن الجماعة و منهم الشيخان فى القواعد و النهاية، او يعتبر التجفيف ثم النفض و التيمم به كما عن آخرين.
اوجه اوجهها الاول، عملا بالاطلاق مع عدم ظهور المقيد، و الاخير ان لم يظهر بعد احوطيتهما ايضا لاحتمال الاخلال بالموالاة.
و اما التفصيل الذى فى التذكرة فى كيفية التيمم بالوحل قولان قال الشيخ يضع يديه على الوحل ثم يفركهما و يتيمم به، و قال آخرون: يضعهما على الوحل حتى يجف يتيمم به، و هو مروى عن ابن عباس، و هو الوجه عندى ان لم يخف فوت الوقت فان خاف عمل بقول الشيخ، انتهى، فغير مستفاد من الدليل.
(و) كذا يجوز التيمم (بالحجر معه) اى مع وجود التراب، وفاقا للمحكى عن المشهور بل عن المجمع الاجماع، عملا بالآية و بخبر الراوندى المتقدم فى التيمم بالجص المتضمن للتيمم بالصفا الذى هو حجر، المعتضد بالتعليل الذى تضمنه كخبر السكونى المتقدم هناك، و ضعف السند هنا منجبر بالشهرة، خلافا للمحكى عن ظاهر الاسكافى فلا مطلقا، و لا وجه له يعتد به، و عن المقنعة و النهاية و الحلى فيجوز مع عدم القدرة على التراب، و لا وجه لهم ايضا يعتد به، و يردهم الاخبار الآمرة بالتيمم بالارض و الحجر يصدق عليه الارض اجماعا كما عن التحرير و عرفا و لغة.
و اما فى حال الاضطرار فيجوز التيمم اجماعا، كما فى المختلف و الروضة و لعلهما لم يعتدا بما تقدم عن ظاهر الاسكافى.
ص: 117
(و يكره) التيمم (بالسبخة و الرمل) وفاقا للمحكى عن المشهور بل عن التحرير الاجماع، خلافا للمحكى عن الاسكافى فاطلق المنع عن الاول، و لا وجه له يعتد به و يرده الاطلاق.
(و لو فقده) اى جميع ما تقدم و عليه فمقتضاه تقديم الوحل على الغبار و فيه ما عرفته، و اما ارجاع الضمير الى التراب فينا فى تقديم الاحجار اللهم الا ان يكون مجوزا للتيمم بالغبار مع وجود الحجر كما هو ظاهر القواعد و الشرايع، كما عن المبسوط و المقنعة و المنتهى و نهاية الاحكام و صريح المراسم و الجامع، لكنه خلاف التحقيق اذ مقتضى الدليل تقديم الحجر على الغبار على الثوب و نحوه و على الوحل مع فقد الحجر تقديم الغبار على الوحل، و اما ارجاع الضمير الى الارض فينا فى تذكير الضمير.
(تيمم بغبار ثوبه و لبد سرجه و عرف الدابة) اتفاقا كما عن الفاضلين، و فى التذكرة: اذا فقد الصعيد فله احوال ان يجد ثوبا او لبد سرج او عرف دابة او غير ذلك فانه يتيمم بغبار ذلك عند علمائنا، الى ان قال: ان يجد الوحل و يفقد الغبار فانه يتيمم به عند علمائنا، انتهى.
اقول و عليه يدل بعد اخبار زرارة و رفاعه و ابى بصير السابقات فى الوحل ما رواه التهذيب فى باب التيمم فى الصحيح عن زرارة عن الباقر (ع): ارأيت المواقف(1) ان لم يكن على وضوء كيف يصنع و لا يقدر على النزول؟ قال: يتيمم من لبده او سرجه او معرفة دابته فان فيها غبارا و تصلى.
و مقتضى عبارة التذكرة و نحوها التخيير بين الثلثة المتضمن عليها المتن، وفاقا للمشهور عملا بالاخبار و غيرها، خلافا للمحكى عن النهاية فقدم الأخير على الاولين، و عن الحلى فقدم الاول على الاخيرين، و ليس لهما وجه يعتد به و ذكر الثلثة ليس للحصر بل لكونها مظنة الغبار.
ص: 118
و عليه فلو كان معه بساط او ما شاكله مما يجمع الغبار تيمم به، عملا بالأخبار المشار اليها بعد ضم بعضها الى بعض، بل فى ظاهر عبارة التذكرة المتقدمة عليه الاجماع.
ثم المستفاد من خبرى أبى بصير و رفاعة اعتبار اجتماع غبار يتيمم به فى الثلثة و نحوه، و بذلك صرح البعض كما عن ظاهر الاكثر، و عليه فلو لم يحس بالغبار ينفض تحصيلا له، و لا يكفى الكامن.
و لو اختص بعض الاشياء المذكورة بكثرة الغبار ففى الرياض يتعين التيمم به، و هو الاحوط و ان كان اثباته بالدليل مشكلا، ثم ان المحكى عن ظاهر المرتضى جواز التيمم بالغبار مع وجود التراب، و صحيحة رفاعة كافية فى رده بل ظاهر التذكرة الاجماع على تقديم التراب.
و لو لم يجد الا الثلج فعن الاكثر سقوط فرض الصلوة، و هو الأظهر اذ الطهارة التى اشترطت الصلوة بها الوضوء و الغسل و التيمم، و يعتبر فى الاولين الغسل المعتبر فيه الجريان و فى الاخير المسح بالارض او بما ثبتت اعتبار الشارع له كالغبار و الوحل اذا قلنا بخروجهما عنه، و اما المسح بالثلج فلم يثبت اعتبار الشارع له، و الشك فى تحقق الشرط يستلزم الشك فى المشروط، و عليه فالمكلف حينئذ شاك فى تعلق الامر بالصلوة عليه فعليه العمل باصالة البراءة اذ الناس فى سعة ما لم يعلموا، خلافا للمحكى عن المرتضى و سلار فيضرب بيديه على الثلج و يتيمم بنداوته، و عن الشيخين فيضع يده عليه باعتماد حتى يبتل ثم يتوضأ بتلك الرطوبة بان يمسح يده على وجهه بالنداوة، و كذا فى بقية اعضائه و كذا فى الغسل، و لا وجه لهما يعتد به.
و اما المروى فى الباب عن محمد بن مسلم عن الصادق (ع): الرجل يجنب فى السفر فلا يجد الا الثلج او ماء جامدا، قال: هو بمنزلة الضرورة يتيمم و لا أرى ان يعود الى هذه الارض التى توبق دينه.
فلا دلالة فيه على الاول لاحتماله التيمم بالارض.
ص: 119
و اما اخبار الدهن فلا يصح الاستناد اليها، لما مضى فى الوضوء فى شرح قول المصنف: و غسل الوجه بما يسمى غسلا.
(و الاولى تأخيره الى آخر وقت الصلوة الا لعارض لا يرجى زواله) اعلم أنه لا يصح التيمم قبل الوقت و يصح مع تضييقه اجماعا فى المقامين، كما ادعاه الجماعة و اما فى سعة الوقت، ففيه اقوال الجواز مطلقا كما عن الصدوق و البيان و ظاهر الجعفى و البزنطى و اختاره المصنف فى التحرير و ظاهر المتن كما عن المنتهى و جماعة من المتأخرين، و لهم المستفيضة الدالة على عدم اعادة الصلوة اذا تيمم و صلى ثم وجد الماء فى الوقت.
منها المروى فى التهذيب فى باب التيمم فى الصحيح عن زرارة عن الباقر (ع): فان اصاب الماء و قد صلى بتيمم و هو فى وقت، قال: تمت صلوته و لا اعادة عليه.
و فى الباب فى الموثق عن ابى بصير عن الصادق (ع): عن رجل تيمم و صلى ثم بلغ الماء قبل ان يخرج الوقت، فقال: ليس عليه اعادة الصلوة.
و فى الباب عن يعقوب بن سالم عن الصادق (ع): فى رجل تيمم و صلى ثم اصاب الماء و هو فى وقت، قال: قد مضت صلوته و ليتطهر.
و فى الباب عن معوية بن ميسرة عن الصادق (ع): عن الرجل فى السفر لا يجد الماء ثم صلى ثم اتى الماء و عليه شىء من الوقت، ايمضى على صلوته ام يتوضأ و يعيد الصلوة؟ قال: يمضى على صلوته فان ربّ الماء ربّ التراب.
و فى الباب عن على بن سالم عن الصادق (ع): اتيمم و اصلى ثم اجد الماء و قد بقى على وقت، فقال: لا تعد الصلوة فان ربّ الماء هو ربّ الصعيد.
هذا مضافا الى اطلاق قوله تعالى: إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ الى قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً و الى قوله تعالى: (أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ)، الى آخره، و الى المروى فى الباب فى الصحيح عن يعقوب بن يقطين عن ابى الحسن (ع): عن رجل تيمم فصلى فاصاب بعد صلوته ماء، ايتوضأ و يعيد الصلوة ام يجوز صلوته؟
ص: 120
قال: اذا وجد الماء قبل ان يمضى الوقت توضأ و اعاد فان مضى الوقت فلا اعادة عليه.
و التقريب يفهم من المفهوم عدم كون علة الاعادة عدم التأخير، و الأمر بالاعادة محمول على الاستحباب، كما عن الاصحاب، و الى المروى فى الباب عن محمد بن حمران عن الصادق (ع)، و فيه: و اعلم انه ليس ينبغى لاحد ان يتيمم الا فى آخر الوقت، و التقريب هو ظهور كلمة ينبغى فى الاستحباب.
القول الثانى الجواز لكن مع عدم رجاء زوال العذر، و هو المحكى عن الاسكافى و التحرير و ظاهر العمانى و المصنف فى جملة من كتبه و كثير من المتأخرين، و لهم المروى فى الكافى فى باب الوقت الذى يوجب التيمم فى الصحيح عن محمد بن مسلم قال: سمعته يقول: اذا لم تجد ماء و أردت التيمم فأخّر التيمم الى آخر الوقت فان فاتك الماء لم تفتك الارض.
و فى التهذيب فى باب التيمم فى الزيادات فى الموثق عن عبد الله بن بكير عن الصادق (ع)، قلت له: رجل امّ قوما و هو جنب و قد تيمم و هم على طهور، قال: لا بأس قاذا تيمم الرجل فليكن ذلك فى آخر الوقت فان فاته الماء فلن تفوته الارض.
و التقريب ان الظاهر من سياق الخبرين انه يؤخر التيمم لعله يحصل له الماء، فان اتفق عدم حصوله فالارض قائمة مقامه.
القول الثالث المنع مطلقا و هو المحكى عن اكثر القدماء، و لهم الاجماع المحكى عن الانتصار و الناصرية و الطوسى و القاضى فى شرح جمل السيد و الغنية و السرائر، و المروى عن الفقه الرضوى: و ليس للمتيمم ان يتيمم الا فى آخر الوقت.
و يمكن دفع الاجماعات بمصير اكثر المتأخرين الى الخلاف، سيما مع استلزامه العسر سيما بالنسبة الى وقت العشائين.
و دفع الخبر بذلك، سيما مع مخالفة الصدوق الذى هو العمدة فى
ص: 121
اعتبار ما تضمنه الكتاب المذكور.
و عليه فيبقى الكلام فى القولين الاولين، و اولهما ارجحهما لقوة المظنة و امر الاحتياط واضح.
الاول: لو تيمم لصلوة فى ضيق وقتها ثم دخل وقت صلوة اخرى، فالاظهر جواز ادائها فى اول وقتها على القول بالتضييق، وفاقا للجماعة كما عن الشيخ فى المبسوط اذ الاخبار الدالة على تأخير التيمم لا تتناول التيمم، فالعمل بالدال على جواز الصلوة فى الصلوة مما لا معارض له، هذا مضافا الى المروى فى الكافى فى باب الوقت الذى يوجب التيمم فى الصحيح عن زرارة عن الباقر عليه السلام: يصلى الرجل بوضوء واحد صلوة الليل و النهار كلها، قال: نعم ما لم يحدث، قلت: فيصلى بتيمم واحد صلوة الليل و النهار كلها، قال: نعم ما لم يحدث او يصيب ماء.
فما عن بعض من القول بوجوب التأخير التفاتا الى ان المقتضى للتأخير امكان وجود الماء فى الوقت و هو متحقق، ضعيف، و اما ما يستفاد من الصحيحة من انه لو تيمم لصلوة جاز له الدخول فى صلوات آخر، فالظاهر انه مما لا خلاف فيه، و فى التذكرة يستباح بالتيمم الواحد ما زاد على الصلوة الواحدة من الفرائض و النوافل اداء و قضاء، ذهب اليه علماء اهل البيت (ع)، انتهى.
و عليه يدل جملة من الاخبار ايضا، من المروى فى التهذيب فى باب التيمم فى الصحيح عن حماد بن عثمن عن الصادق (ع): عن الرجل لا يجد الماء ايتيمم لكل صلوة؟ فقال: لا هو بمنزلة الماء.
و فى الباب فى الصحيح عن زرارة عن الصادق (ع): فى رجل تيمم، قال:
يجزيه ذلك الى ان يجد الماء.
و فى الباب عن السكونى عن جعفر عن ابيه عن آبائه (ع): لا بأس ان يصلى صلوة الليل و النهار بتيمم واحد ما لم يحدث او يصيب الماء.
ص: 122
و اما خبر ابى همام و السكونى المرويان فى الباب و فى الاول يتيمم لكل صلوة حتى يوجد الماء، و فى الثانى لا يستبيح بالتيمم الا صلوة واحدة و نافلتها، فمحمولان على الاستحباب.
الثانى: من عليه فايتة فالاوقات كلها صالحة للتيمم، عملا بالعمومات الآمرة بان وقتها حين الذكر الاتى فى كتاب الصلوة فى شرح قول المصنف:
و لا يترتب الفايتة، الى آخره، اليها الاشارة، من غير ظهور معارض، و المتبادر من الاخبار المتقدمة الحاضرة.
هذا مضافا الى التعميم المستفاد من المروى فى الباب فى الزيادات فى الصحيح عن جميل عن الصادق (ع)، و فيه: فان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا.
الثالث: يجوز التيمم لصلوة النافلة المرتبة فى اول وقتها، وفاقا للجماعة عملا بالعموم من غير ظهور معارض لاحتمال اختصاص الدالة على تأخير التيمم بالفريضة بحكم التبادر على اشكال ما، و ربما يشعر الرياض بالتضييق و هو الاحوط، هذا على القول بالمضايقة، و اما على المختار فالامر واضح.
و الاظهر جواز التيمم للنافلة المبتداة وفاقا للجماعة، عملا بالعموم من غير معارض، و لو تيمم فى الاوقات المكروهة للنافلة المبتداة فالاظهر الصحة وفاقا للجماعة، اذ الكراهة لا تنافى الانعقاد، و حكم فى التذكرة كما عن التحرير لعدم الجواز، و لا وجه له يعتد به.
و يجوز بالتيمم للنافلة الدخول فى الفريضة اجماعا كما عن الخلاف و المنتهى، عملا بجملة من الاخبار السابقة، و فى الرياض: لو اراد التيمم فى سعة وقت الحاضرة فلينذر صلوة ركعتين فى تلك الحال و يتيمم لها، ثم يصلى الحاضرة مع السعة.
و اعترض عليه فى الذخيرة بأن الاحتياج الى هذه الحيلة مبنى على انه لا يجوز التيمم لصلوة النافلة المبتداة، بناء على انه لم يجوز التيمم لصلوة النافلة فى
ص: 123
سعة وقتها و هو الظاهر من كلامه، لكن يرد عليه حينئذ ان الظاهر ان انعقاد النذر متوقف على مشروعية المتعلق قبل النذر و الامر حينئذ ليس كذلك فتأمل، انتهى.
و هو جيد، نعم الحيلة على هذا الاتيان بالنذر قبل دخول الوقت الحاضرة.
الرابع: يتيمم لصلوة الآتية كالكسوف بحصولها، و للجنازة بحضورها، و للاستسقاء باجتماع الناس فى المصلى، و يمكن الاتيان به فى الثانى بعد تغسيل الميت و ان لم يتهيأ للصلوة، و فى الثالث بارادة الخروج الى الصحراء، و اما احتمال الاتيان به فى الثانى بموته، و فى الثالث بطلوع الشمس يوم الثالث، ففيه اشكال.
الخامس: لو دخل مسجدا فيجوز التيمم لصلوة التحية عملا بالعموم.
السادس: لو ظن دخول الوقت و لا طريق له الى العلم فتيمم ثم ظهر فساد ظنه، فاستقرب البعض(1) البطلان و استشكله آخر، و امر احتياط واضح.
السابع: لو ظن ضيق الوقت لامارة فتيمم و صلى ثم بان غلطه، فالأقرب عدم وجوب الاعادة، اذ امتثال الامر يقتضى الاجزاء، و لجملة من الاخبار المتقدمة النافية للاعادة، و التقريب اما الاطلاق او الفحوى، خلافا للمحكى عن ظاهر كلام الشيخ فى كتبه الاخبارية فيجب الاعادة و لا وجه له يعتد به، قال فى الذخيرة: لو تيمم لمسّ المصحف و قراءة القرآن و غيرها، فالظاهر استباحة الباقى و جواز الدخول بذلك فى الفريضة، صرح به المصنف فى المنتهى و التذكرة بل عبارة التذكرة تشعر بالاتفاق.
اقول و عليه يدل عموم صحيح جميل المتقدم.
(و يجب فيه) اى فى التيمم (النية للفعل) اى القصد بالقلب اليه باجماع علماء الاسلام كما عن الجماعة (لوجوبه) ان كان واجبا (او ندبه) ان كان مندوبا،
ص: 124
و الكلام فى ذلك قد مرّ فى بحث الوضوء (متقربا) بالاجماع، و قد مرّ الكلام فيه.
(و لا يجوز رفع الحدث) لعدم زواله به بالاجماع، كما عن الخلاف، و التحرير و المنتهى و التذكرة بل عن بعض البطلان معه، و فيه اشكال.
(و لا يجوز الاستباحة) و المراد بالجواز المعنى الاعم حتى لا ينافى الحكم بالوجوب كما عن كثير من كتب المصنف، و الكلام فيه كما مرّ، و هل يجب نية البدلية عن الوضوء او الغسل؟ اما مطلقا كما عن الخلاف او مع عدم مساواة تيمميهما فى عدد الضربة كما عن التحرير، او اذا كان فى الذمة تيممان احدهما بدل من الوضوء و الآخر من الغسل كما اختاره بعض مشايخنا، اولا مطلقا كما عن الاكثر.
اوجه اوجهها الثالث.
(مستدامة الحكم) و الكلام قد مرّ فى الوضوء (ثم يضرب يديه الى التراب) وفاقا للمعظم فلا يكفى الوضع المجرد عن الاعتماد كما اختاره الذكرى و الدروس و جامع المقاصد، التفاتا الى المروى فى التهذيب فى باب صفة التيمم فى الصحيح عن زرارة عن الباقر (ع): انه وضع كفيه على الارض ثم مسح وجهه و كفيه و لم يمسح الذراعين بشىء.
و فى الباب فى الموثق عن سماعة، قال: سألته كيف التيمم؟ فوضع يده على الارض فمسح بها وجهه و ذراعيه الى المرفقين.
و فى الباب فى الصحيح عن داود بن النعمان عن الصادق (ع): كيف التيمم؟ فوضع يده على الارض ثم رفعهما فمسح وجهه و يديه فوق الكف قليلا ففيه انه معارض بقوية ليث المرادى المروية فى الباب عن الصادق (ع) فى التيمم، قال: تضرب بكفيك على الارض مرتين ثم تنفضهما و تمسح بهما وجهك و ذراعيك.
و فى الباب فى الصحيح عن زرارة عن الباقر (ع): كيف التيمم؟ قال: هو ضرب واحد للوضوء و الغسل من الجنابة تضرب بيديك مرتين ثم تنفضهما نفضة
ص: 125
للوجه و مرة لليدين، الخبر.
و فى الباب عن زرارة عن الباقر (ع) فى التيمم، قال: تضرب بكفيك الارض ثم تنفضهما و تمسح وجهك و يديك.
و فى الباب فى الصحيح عن اسمعيل بن همام عن الرضا (ع): التيمم ضربة للوجه و ضربة للكفين.
المعتضدة باخبار الكاهلى و زرارة و ابن مسلم و غيرها المرويات فى الباب المتضمنات بضربه (ع) اليد، و هذه الاخبار مقدمة اما للاخصية، او للاعتضاد بالشهره او لغيرهما من وجوه التراجيح، و مقتضاها بحكم التبادر اعتبار معية اليدين فى الضرب بل عن بعض عليه الاجماع.
الاول: صرح الجماعة بأنه يجب وضع باطنهما مبسوطا التفاتا الى انه المعروف المعهود فينصرف اليه الاطلاق، بل ادعى بعض المحققين عليه الاتفاق و هو الاحوط، و صرح بعض الاجلاء بانه لو تعذر الضرب بالباطن فالظاهر الجواز بالظاهر، و نفى فى الذخيرة عنه البعد التفاتا الى العموم، و يرد عليهما اشكال بعد الالتفات الى كونهما من الجماعة الحاكمة بوجوب وضع الباطن مع الاختيار التفاتا الى التبادر، فافهم و الاحتياط لا يترك.
الثانى: لا يجب كون ما يتيمم به موضوعا على الارض كما صرح الجماعة من غير خلاف اطلع عليه، و حكى عن ظاهر الاصحاب التفاتا الى العموم المفهوم من المروى فى التهذيب فى زيادات باب التيمم فى الصحيح عن جميل عن الصادق (ع) و فيه: فان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا.
و قد تقدم فى مسئلة تأخير التيمم عن معوية بن ميسرة عن الصادق (ع):
فان ربّ الماء ربّ التراب، و عليه فلو كان التراب على بدنه او على بدن غيره اجزء الضرب عليه عملا بالعموم، و لو كان على وجهه تراب صالح للضرب ففى الاجزاء كما ذهب اليه الجماعة، و عدمه كما ذهب اليه المدارك، وجهان
ص: 126
ينشأن من العموم فنعم، و من توقف العبادة على النقل فلا، و الاول اقوى فيضرب عليه ثم يمسح الوجه، و الاتيان بدليل صالح لاتمام مذهب المدارك من الاجزاء فيما اذا كان التراب على بدنه او بدن غيره و عدمه فيما اذا كان على وجهه، مما دونه خرط القتاد.
الثالث: المشهور بين الاصحاب كما ادعاه الجماعة، انه لا يجب علوق شىء من التراب باليدين، بل يضرب بهما و يمسح و ان لم يعلق بهما شىء.
بل لم اطلع فى ذلك على نقل خلاف من متقدمى المتأخرين و لا من القدماء الاّ ما يحكى عن ظاهر الاسكافى انه يجب المسح بالمرتفع على اليد من التراب، و هو مؤذن بوجوب العلوق، و اليه ذهب جماعة من متأخرى المتأخرين.
و الاول عندى ارجح لما تقدم فى اجزاء التيمم على الحجر الخالى عن التراب، و لاطلاق الاخبار الآمرة بالضرب على الارض او التراب، سيما بعد الالتفات الى انعقاد الاجماع على استحباب نفض اليدين من التراب بعد الضرب على ما حكى، و دلالة الاخبار بذلك منها خبر المرادى و زرارة المتقدمان و الى كون المسئلة من العامة البلوى و لو كان العلوق واجبا لاشتهر بحكم العادة.
و للاسكافى المروى فى الكافى فى باب مسح الرأس فى الصحيح عن زرارة عن الباقر (ع): الا تخبرنى من اين علمت و قلت ان المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟ فضحك (ع) ثم قال: يا زرارة قال رسول الله (ص) و نزل به الكتاب من الله لأن الله عز و جل يقول فاغسلوا، الى ان قال: ثم فصل بين الكلام فقال و امسحوا برؤوسكم فعرفنا حين قال برؤوسكم ان المسح ببعض الرأس لمكان الباء، الى ان قال: ثم قال فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا و امسحوا بوجوهكم و ايديكم منه، فلما وضع الوضوء ان لم يجدوا الماء اثبت بعض الغسل مسحا لانه قال بوجوهكم ثم وصل بها و ايديكم، ثم قال: منه اى من ذلك التيمم لانه علم ان ذلك اجمع لم يجر على الوجه لان يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف و لا يعلق ببعضها.
ص: 127
و الانصاف ان فى الخبر نوع ظهور فيما قاله و لكن لا يقوم فى مقابلة ما مرّ لأن المظنة فيه اكثر.
الرابع: لو قطعت احدى يديه بحيث لم يبق من محل الفرض شىء سقط الضرب بها عملا بالاصل، و اقتصر على الضرب بالاخرى و مسح الوجه بها بلا خلاف اطلع عليه، و لو بقى من محل الفرض شىء ضرب به عملا بالعموم فافهم.
و لو قطعتا معا و لم يبق من محل الفرض شىء سقط الضرب بهما كما صرح الجماعة عملا بالاصل، لكن قول بعض الاجلاء ان المفهوم من كلام الاصحاب ان الواجب حينئذ مسح الجبهة بالتراب لأن سقوط احد الواجبين لعذر لا يستلزم سقوط ما لا عذر فيه، الى ان قال: و ربما استدل على وجوب التيمم بما بقى و الصلوة فى الصورة المذكورة، بما روى من قوله (ع): الميسور لا يسقط بالمعسور، و قوله (ع): اذا امرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم.
اقول و وجوب مسح الجبهة بالتراب و وجوب الاتيان بما بقى ان كان اجماعا و الا فللمناقشة فيه مجال، و اما قول المبسوط: و اذا كان مقطوع اليدين من الذراعين سقط فرض التيمم عنه و يستحب ان يمسح ما بقى لأن ما أمر الله بمسحه قد عدم فوجب ان يسقط فرضه انتهى، فغير صريح فى سقوط التيمم اصلا، نعم لعله ظاهر فى السقوط على اشكال ينشأ من ملاحظة كلمة يستحب، الى آخره، و عليه فالسقوط اجود، و اما الخبران المشار اليهما فالاستناد اليهما مشكل لما قلناه فى اللمعات و لو كان بيديه جراحة تمنع من الضرب بهما او كان كفه نجسة بنجاسة تتعدى الى التراب متى ضرب عليه و تعذر الازالة، فقيل انتقل الى الضرب بظهر الكف ان لم يكن كذلك و الاّ اقتصر على مسح الجبهة، و منهم من قال: ان اليد لو كانت نجسة بنجاسة متعدية او حائلة فيجب التجفيف و ازالة الحائل مع الامكان، فان تعذر ضرب بالظهر ان خلا منها و الاضرب بالجبهة فى الاول و باليد النجسة فى الثانى كما لو كان
ص: 128
عليها جبيرة.
اقول الاحتياط فى نحو المسائل مطلوب جدا لأن اثبات تلك الاقوال بالدليل مشكل جدا.
(ثم يمسح بها) اى باليدين جميعا على المشهور، عملا بجملة من الاخبار و ما عن الاسكافى من الاكتفاء بالمسح باليمنى مما لا يلتفت اليه (جبهته من القصاص الى طرف الانف الا على) و هو الذى يلى آخر الجبهة، و هذا القدر متفق عليه بين الاصحاب كما فى الذكرى و الرياض، و عليه يدل المروى عن فقه الرضوى و فيه: تضرب بيديك على الارض ضربة واحدة تمسح بها وجهك موضع السجود من مقام الشعر الى طرف الانف، الخبر.
و المروى فى التهذيب فى باب صفة التيمم فى الموثق عن زرارة عن الباقر عليه السلام: عن التيمم فضرب بيديه الارض ثم رفعهما فنفضهما ثم مسح بهما جبهته و كفيه مرة واحدة.
و هو و ان ابدل الجبهة بالجبين على ما رواه الكافى فى الباب، و لكن الاول ارجح اما لمكان الشهرة بين الاصحاب، او لما عن العمانى من تواتر الاخبار بلفظ الجبهة و الكفين فى تعليم عمار، او للرضوى المتقدم او للاجماعات المنقولة على نفى وجوب مسح الزائد من القصاص الى طرف الانف المعبر عنه بالجبهة عن الناصرية و الانتصار و الغنية لمتروكية النسخة الاخرى بين الطائفة اذ ظاهرها مسح الجبين فقط و لا قائل به، اذ المراد به ما اكتنف الجبهة من جانبيها مرتفعا من الحاجبين الى قصاص الشعر، فليمكن المراد به ما يعم الجبهة او يخصص بها، و الاول لا شاهد له فيبقى الثانى لشهادة الرضوى، و ما تقدم من الاجماعات المحكية، و ما استشهد عليه بعض الاجلاء بقوله تدل حسنة عبد الله بن مغيرة و موثقة عمار على انه لا صلوة لمن لا يصيب انفه ما يصيب جبينه.
و عليه فما قاله الصدوق فى الفقيه فاذا تيمم الرجل للوضوء ضرب بيديه على الارض مرة واحدة و نفضهما و مسح بهما جبينه و حاجبيه و مسح على ظهر
ص: 129
كفيه انتهى، مما لا يعتنى به و ان دل عليه المروى عن الفقه الرضوى: و قد روى انه يمسح الرجل على جبينه و حاجبيه.
و المروى فى النهاية فى باب التيمم فى الصحيح عن زرارة عن الباقر (ع) عن النبى (ص) و فيه: ثم اهوى بيديه الى الارض فوضعهما على الصعيد ثم مسح جبينه باصابعه و كفيه احديهما بالاخرى ثم لم يعد ذلك، لما عرفت من الاجماعات المحكية على وجوب مسح الجبهة، نعم الاحوط اضافة ما قاله الى الجبهة سيما بعد الالتفات الى ما عن الامالى حيث يصف دين الامامية بعد قوله بمسح الوجه من قصاص الشعر الى طرف الانف: و قد روى انه يمسح الرجل جبينيه و حاجبيه و يمسح ظهر كفيه و عليه مضى مشائخنا رضوان الله عليهم انتهى و ان كان القول بعدم وجوب الاضافة قويا.
و اما ما حكى عن على بن بابويه من وجوب استيعاب الوجه بالمسح فيرده جملة من الاخبار المتقدمة، و منها صحيحة زرارة المفسرة للآية كالاجماع المحكى فى الانتصار على عدم وجوب الاستيعاب، و عليه فالمستفيضة الدالة على مسح الوجه مما لا وجه للاستناد اليها على هذا القول، سيما بعد الالتفات الى جواز منع دلالة المسح على الاستيعاب.
و ظاهر المتن وجوب الابتداء بالاعلى و هو المحكى عن المشهور، و عليه يدل ظاهر الرضوى المتقدم، خلافا لبعض متأخرى المتأخرين فلا يجب عملا بالاصل، و لعل الاول اظهر مع كونه احوط.
و لا يجب استيعاب مجموع اليدين كما صرح به غير واحد، عملا بالاطلاق و صحيحة زرارة المتقدمة عنقريب، بناء على ان المراد بالجبين فيها اما الجبهة او ما يعمها و الجبين، و لا يجوز أن يكون المراد الجبين فقط و ان اشعر به لفظ التثنية لما عرفت.
و اما استيعاب الجبهة باليد، فمما لم اطلع على مخالف فيه اصلا، و عليه يدل الرضوى المتقدم، و فى الامالى حيث يصف دين الامامية حكم بأولوية
ص: 130
المسح الى طرف الانف الاسفل و لا بأس به تسامحا.
(ثم يمسح ظهر كفه اليمنى) وحده (من الزند) و هو موصل الذراع فى الكف و يسمى الرسغ بضم الراء فالسين المهملة فالغين المعجمة (الى اطراف الاصابع ببطن اليسرى) و هذا التحديد فى اليدين هو المشهور، بل عن الامالى و الناصرية و الغنية عليه الاجماع، و عليه يدل المتجاوزة عن حد الاستفاضة المتقدم الى جملة منها الاشارة، و منها المروى عن الفقه الرضوى: ثم تضرب بهما اخرى فتمسح بها اليمنى الى حد الزند.
و عليه فلا التفات الى ما عن على بن بابويه من المسح من المرفقين الى رؤوس الاصابع، و ان دل عليه غير واحد من الاخبار، مثل قوية ليث المتقدمة فى شرح قوله: ثم يضرب يديه، و نحوها، سيما بعد الالتفات الى صحيحة زرارة المتقدمة هناك الدالة على انه (ع) لم يمسح الذراعين، فليحمل الاخبار المخالفة على التقية.
كما لا التفات الى ما عن بعض الاصحاب من ان المسح على اليدين من اصول الاصابع الى رؤوسها، و ان دل عليه مرسلة حماد المروية فى الكافى فى باب التيمم عن الصادق (ع): عن التيمم فتلا هذه الآية: وَ اَلسّٰارِقُ وَ اَلسّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا و قال فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرٰافِقِ قال: فامسح كفيك من حيث موضع القطع(1) و قال و ما كان ربك نسيا، اذ هو مع قطع النظر عن شذوذ القائل لا يقوم فى مقابلة ما مر من وجوه عديدة.
(ثم ظهر اليسرى ببطن اليمنى) و ما ذكره المصنف من الابتداء بمسح الوجه ثم بالكف اليمنى ثم باليسرى مذهب علماء اهل البيت (ع) كما فى التذكرة، و يستفاد من الامالى ايضا الاجماع كما عن المنتهى و التحرير، و عليه يدل
ص: 131
الرضوى المتقدم فلو قدم المؤخر وجب ان يعيد على ما يحصل معه الترتيب اجماعا كما يستفاد من التذكرة.
و اما اعتبار البطن فى الماسح و الظهر فى الممسوح، فاجماعى كما حكاه بعض مشائخنا و يستفاد من الامالى ايضا، و فى الكافى فى باب صفة التيمم فى الحسن او الصحيح عن الكاهلى قال: سألته عن التيمم، قال: فضرب بيده على البساط فمسح بهما وجهه ثم مسح كفيه احدهما على ظهر الاخرى.
و عن السرائر من كتاب نوادر احمد بن محمد بن أبى نصر عن عبد الله بن بكير عن زرارة عن الباقر (ع): أتى عمار بن ياسر رسول الله (ص) فقال: انى اجنبت الليلة فلم يكن عندى ماء، قال: فكيف صنعت؟ قال: طرحت ثيابى و قمت على الصعيد فتمعكت فيه، فقال: هكذا يصنع الحمار، انما قال الله فتيمموا صعيدا طيبا، فضرب بيديه على الارض ثم ضرب احديهما على الاخرى ثم مسح جبينيه ثم مسح بكفيه كل واحدة على ظهر الاخرى مسح اليسرى على اليمنى و اليمنى على اليسرى.
و لو حصل العذر بالمسح بالباطن فذكر الجماعة انه يمسح بالظاهر و فى الذخيرة و هو حسن لعموم الآية و غيرها، و التخصيص بالباطن بالقدر الذى اقتضاه الدليل، و هو صورة الاختيار.
اقول لو كان الدليل فى المسح بالباطن بكونه المتبادر فهذا القول محل اشكال، و احتمل بعض الاجلاء مع التعذر الكذائى التولية و الاحتياط فى نحو المقامات مطلوب جدا.
و اما استيعاب الممسوح فاجماعى كما عن المنتهى، و نفى فى الرياض عنه الخلاف، فليمسح جميع ظاهر الكفين.
و اما الخلل و الفرج الواقع بين الاصابع فلا يجب عملا بالاصل، كما لا يجب استيعاب الماسح كما صرح الجماعة عملا بالاطلاق، و لا يجب ايصال الغبار الى باطن الشعر خفيفا كان او كثيفا اجماعا كما فى التذكرة، و لا يستحب التكرار و لا
ص: 132
التثليث فى التيمم اجماعا كما فى التذكرة ايضا، و ما ذكره المصنف من الاكتفاء بضربة انما هو فى التيمم بدلا من الوضوء.
(و ان كان التيمم بدلا من الغسل ضرب للوجه مرة و لليدين اخرى) وفاقا للمحكى عن الاكثر، بل يستفاد من الامالى كما عن ظاهر التبيان و مجمع البيان كونه اجماعيا، خلافا للمحكى عن العمانى و الاسكافى و المفيد فى الغرية و المرتضى فى الجمل و شرح الرسالة و ظاهر الناصرية و الصدوق فى ظاهر المقنع و الهداية و ظاهر القاضى و صريح التحرير و الذكرى و كثير من المتأخرين فالواجب فى الجميع ضربة واحدة، و حكاه فى التذكرة عن الاوزاعى و احمد و اسحق و داود و ابن جرير الطبرى و الشافعى فى القديم، و للمحكى عن اركان المفيد و والد الصدوق ففى الجميع ضربتين، لكن عبارة الاخير المحكى لنا عن رسالته اعتبار الثلث مرة للوجه و اخرى لليمنى و اخرى لليسرى، و لكن لا منافات لاحتمال تعدد قوله، و حكى فى التذكرة الضربتان فى الجميع عن الشافعى و مالك و ابى حنيفة و الليث بن سعيد و الثورى، قال: وروده عن على (ع) حكى عن ابن سيرين انه قال: يضرب ثلث ضربات ضربة للوجه و اخرى للكفين و الثالثة للذراعين.
و حكى البعض عن الطيبى فى شرح المشكوة فى حديث عمار ان فى الخبر فوائد، منها ان فى التيمم يكفى ضربة واحدة للوجه و الكفين و هو مذهب علىّ عليه السلام و ابن عباس و جمع من التابعين، و ذهب عبد الله بن عمرو جابر من التابعين و الاكثرون من فقهائنا الى ان التيمم ضربتان، انتهى.
للقائل بالمرة مطلقا المستفيضة المتقدم الى جملة منها الاشارة فى مسئلة الضرب بالتراب، و منها موثقتا زرارة المتقدم احديهما فى مسئلة الجبهة و الاخرى فى مسح اليد اليسرى.
و منها المروى فى التهذيب فى باب صفة التيمم عن عمرو بن ابى المقدام عن الصادق (ع): انه وصف التيمم فضرب بيديه على الارض ثم رفعهما فنفضهما
ص: 133
ثم مسح على جبينه و كفيه مرة واحدة.
و للمرتين مطلقا بعد خبر اسمعيل المتقدم فى الضرب بالتراب، المروى فى الباب فى الصحيح عن محمد و الظاهر انه ابن مسلم، عن احدهما (ع): عن التيمم، فقال: مرتين مرتين للوجه و اليدين.
عن الفقه الرضوى: صفة التيمم للوضوء و الجنابة و ساير ابواب الغسل واحد، و هو ان تضرب بيديك على الارض ضربة واحدة تمسح بها وجهك موضع السجود من مقام الشعر الى طرف الانف، ثم تضرب بهما اخرى فتمسح بهما الى حد الزند، و روى: من اصول الاصابع تمسح باليسرى اليمنى و باليمنى اليسرى على هذه الصفة، الخبر.
و فى خبر ليث المتقدم فى الضرب على التراب: تضرب بكفيك على الارض مرتين ثم تنفضهما و تمسح بهما وجهك و ذراعيك.
و للثلث المروى فى الباب فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام: عن التيمم، فضرب بكفيه الارض ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب بشماله الارض فمسح بها مرفقه الى اطراف الاصابع واحدة على ظهرها و واحدة على بطنها، ثم ضرب بيمينه الارض ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه، ثم قال: هذا التيمم على ما كان فيه الغسل و فى الوضوء الوجه و اليدين الى المرفقين و الغى(1)ما كان عليه مسح الرأس و القدمين فلا يؤمم بالصعيد.
و هذا الخبر لمكان شذوذه و ندائه بصدوره من جراب النورة، مما لا يعتنى به.
و اما مستند المتن فالجمع بين الدالة على المرة و الدالة على المرتين، بشهادة المروى فى الباب فى الصحيح عن زرارة عن الباقر: كيف التيمم؟ قال:
هو ضرب واحد للوضوء و الغسل من الجنابة تضرب بيديك مرتين ثم تنفضهما نفضة للوجه و مرة لليدين، الخبر.
بتقريب كون المراد بقوله ضرب الضربة و كون قوله و الغسل كلاما مستأنفا، و
ص: 134
فيه انه يحتمل كون قوله و الغسل معطوفا و كون المراد بالضرب النوع، و مع الاحتمال يبطل الاستدلال، سيما بعد كون ذلك الاحتمال معتضدا بما تقدم عن الفقه الرضوى.
و بالمروى فى الكافى فى آخر باب الوقت الذى يوجب التيمم فى الموثق عن ابى بصير قال: سألته عن التيمم الحائض و الجنب سواء اذا لم يجدا ماء، قال: نعم.
و فى التهذيب فى باب صفة التيمم فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع):
عن التيمم من الوضوء و الجنابة و من الحيض للنساء سواء، فقال: نعم.
و عليه فالخبر الشاهد دليل على المرتين مطلقا، و اما الاجماعات المحكية فموهون بمصير من عرفته الى الخلاف، سيما بعد ملاحظة مصير صاحب الأمالى فى المقنع و الهداية الى ما عرفته، و ما عن التبيان و مجمع البيان من نقل القول بالضربتين من قوم من اصحابنا فبقى الكلام فى القولين الاخيرين، و ارجحهما عندى المرة مطلقا لاكثرية اخبارها جدا، فليحمل الدالة بالمرتين على التقية، لما عرفت عن شرح المشكوة من كونه مشهورا بين فقهائهم سيما بعد ملاحظة ندرة القائل به من اصحابنا، و الاحتياط الجمع بان تيمم مرة بضربة و اخرى بضربتين سيما فى البدل عن الغسل.
ظاهر الاصحاب كما قاله فى الذكرى و غيرها المساواة بين الاغسال فى كيفية التيمم، و عليه يدل خبرا ابى بصير و عمار السابقان، و فى الذكرى خرج بعض الاصحاب وجوب تيممين على غير الجنب بناء على وجوب الوضوء هنالك و لا بأس به.
اقول و هو جيد بناء على ان تعدد الاسباب يقتضى تعدد المسببات، و اما الخبران المذكوران فليسا مانعين لجواز التساوى فى الكيفية دون الكمية كما صرح فى الذكرى، و اما ما استظهره فى المدارك و الذخيرة من الاكتفاء بالواحد
ص: 135
بناء على وحدة الكيفية و عدم وجوب نية البدلية، فانما يحسن لو قلنا باصالة التداخل و الا كما هو الاظهر فلا، نعم لو قيل باجزاء الغسل عن الوضوء مطلقا لكان الواجب هو القول بكفاية الواحد مطلقا، و لكن الامر عندى ليس كذلك لما مر فى مقامه.
(و يجب الترتيب) كما ذكره المصنف لما مر فى مسح اليسرى، و عن المرتضى كل من اوجب الترتيب فى المائية اوجب هنا، فالتفرقة منفية بالاجماع و قد ثبت وجوبه هناك فثبت هنا.
(و الموالاة) كما قطع به الاصحاب على ما قاله غير واحد، و اسنده فى المنتهى الى علمائنا مظهر الدعوى الاجماع و هو الحجة، و ظاهرهم هنا الموالاة العرفية كما قاله بعض المحققين.
و هل يبطل بالاخلال بها او يأثم خاصة؟ وجهان و لعل الأخير اقرب، عملا بالاطلاق، و يستفاد من الذخيرة و الرياض ان المصنف هنا لم يذكر الموالاة و هى فى نسختى موجودة.
يجب المباشرة فيه بنفسه عملا بظاهر الاوامر، و الاستنابة عند الضرورة فى الافعال فيضرب المعين بيدى العليل ان امكن و الا فبيدى نفسه، كذا عن الاصحاب.
(و الاستيعاب) للاعضاء الممسوحة لا الماسحة لما مرّ.
(و لا يشترط فيه) اى فى التيمم (و لا فى الوضوء طهارة غير محل الفرض من النجاسة العينية) على الاظهر عملا بالأصل، و لو قلنا فى التيمم بالضيق، خلافا للمحكى عن التحرير و النهاية و الدروس فيشترط تقديم ازالة النجاسة، و لا وجه له يعتد به.
و هل يجب طهارة مواضع المسح كما قاله الجماعة ام لا كما قاله اخرى؟ وجهان و الاخير اقرب عملا بالاصل، و الاول احوط، و عليه فلو تعذرت الازالة
ص: 136
سقط اعتبارها و وجب التيمم اذا لم تكن النجاسة متعدية الى التراب، و الا فيشكل الحكم بالتيمم، و كلام المصنف يومى بوجوب طهارة محل الغسل و المسح فى الوضوء ايضا، و الاظهر العدم عملا بالاطلاق، و الطهارة من الحدث و الخبث قد يحصل بغسل واحد، و الاستدلال بان اختلاف السبب يوجب اختلاف المسبب ضعيف فى نحو المقام، اذ غرض الشارع فى رفع الخبث هو محض الازالة.
لا يجوز التيمم مع حائل بالاجماع كما ادعاه بعض المحققين، فعليه ازالة الجبائر و الخاتم و الطّلا و نحوها، و لو تعذر الازالة فليمسح عليه كما يستفاد من خبر عبد الاعلى المتقدم فى الوضوء، و استظهر بعض الاجلاء عدم الخلاف فيه.
(و لو اخل بالطلب ثم وجد الماء مع اصحابه او فى رحله اعاد) على تفصيل مضى فى بيان الطلب فراجع اليه.
(و لو عدم التراب) و نحوه من الحجر و الغبار و الوحل (و الماء) الطاهرين (سقطت) الصلوة (اداء) بلا خلاف اطلع عليه، الا ما حكاه فى التذكرة عن المبسوط انه يصلى و يعيد، و لا وجه له التفاتا الى الشرطية المطلقة الثابتة من قوله (ع): لا صلوة الا بطهور، فبانتفاء الشرط ينتفى المشروط (و قضاء) وفاقا للجماعة، بناء على تبعية القضاء كما استند اليه فى التذكرة، خلافا لآخرين فيجب القضاء التفاتا الى عموم ما دل على قضاء ما فات، و هو المعتمد.
(و ينقضه) اى التيمم (كل نواقض الطهارة) المائية (و يزيد وجود الماء) مع التمكن من استعماله، فلو تيمم ثم وجد الماء انتقض تيممه، فاذا عدم وجب عليه استينافه، و ان كان باقيا وجب عليه الغسل او الوضوء و لا يصلى بذلك التيمم، و هو قول العلماء الا ما عن ابى سلمة و الشعبى فقالا: لا يلزمه استعمال الماء، قاله فى التذكرة، و لا اعتداد بخلافهما، و اخبارنا ناطقة بمذهبنا، منها المروى
ص: 137
فى الكافى فى باب الوقت الذى يوجب التيمم فى الصحيح عن زرارة عن الباقر عليه السلام و فيه: قلت: فيصلى بتيمم واحد صلوة الليل و النهار كلها، قال:
نعم ما لم يحدث او يصيب ماء، قلت: فان اصيب الماء و رجا ان يقدر على ماء آخر و ظن انه يقدر عليه كلما اراد فعسر ذلك عليه، قال: ينقض ذلك تيممه و عليه ان يعيد التيمم، قلت: فان اصاب الماء و قد دخل فى الصلوة، قال:
فلينصرف و ليتوضأ ما لم يركع فان كان قد ركع فليمض فى صلوته فان التيمم احد الطهورين.
و لو شك فى وجود الماء او ظنه لا يبطل التيمم كما صرح فى التذكرة عملا بالاستصحاب، خلافا للشافعى كما حكاه فى التذكرة فيبطل و لا وجه له، و فى التذكرة لو قارن ظن وجود الماء مانع من استعماله كعطش او مرض او عدم آلة لم ينتقض تيممه اجماعا، لجواز التيمم ابتداء مع هذا المانع فلا يرفع دوامه انتهى.
و اما عدم انتقاضه بخروج الوقت فهو قول العلماء كما فى التذكرة، و هل يعتبر فى الانتقاض بالماء مضى زمان يتمكن فيه من فعل الطهارة المائية؟ ام يكفى التمكن من اول الامر و ان حصل الكاشف بعدمه ثانيا بان تلف الماء قبل اتمامه مثلا؟ فيه وجهان(1).
و حيث كان وجود الماء ناقضا (فان وجده قبل دخوله) فى الصلوة انتقض تيممه (و تطهر) اجماعا كما عن الجماعة، عملا بجملة من الاخبار منها ما تقدم اليه الاشارة (و ان وجده و قد تلبس) بالصلوة و لو (بالتكبير اتم) وفاقا للمحكى عن المشهور، بل عن السرائر فى بحث الاستحاضة الاجماع، عملا باستصحاب الصحة و بالمروى عن الفقه الرضوى: فاذا كبرت فى صلوتك تكبيرة الافتتاح و اوتيت بالماء فلا تقطع الصلوة و لا تنقض تيممك و امض فى صلوتك.
ص: 138
و المروى فى التهذيب فى باب التيمم عن محمد بن حمران عن الصادق (ع): رجل تيمم ثم دخل فى الصلاة و قد كان طلب الماء فلم يقدر عليه، ثم يؤتى بالماء حين يدخل فى الصلاة، قال: يمضى فى الصلوة و اعلم انه ليس ينبغى لأحد ان يتيمم الا فى آخر الوقت.
و بالتعليل المفهوم من المروى فى الباب فى الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم قال قلت: فى رجل لم يصب الماء و حضرت الصلوة فتيمم و صلى ركعتين ثم اصاب الماء اينقض الركعتين او يقطعهما و يتوضأ ثم يصلى؟ قال: لا و لكنه يمضى فى صلوته و لا ينقضها لمكان انه دخلها و هو على طهور بتيمم.
خلافا للمحكى عن المقنع و النهاية و العمانى و الجعفى و المرتضى فى الجمل، فيتم بشرط الدخول فى الركوع من الركعة الاولى، عملا بصحيحة زرارة المتقدمة عن قريب.
و بالمروى فى الباب عن عبد الله بن عاصم عن الصادق (ع): عن الرجل لا يجد الماء فتيمم و يقوم فى الصلوة فجاء الغلام فقال هو ذا الماء، فقال ان كان لم يركع فلينصرف و ليتوضأ، و ان كان قد ركع فليمض فى صلوته.
و للمحكى عن الاسكافى: فيتم بشرط الدخول فى ركوع الركعة الثانية.
و المروى فى الباب فى الزيادات عن زرارة عن الباقر (ع): عن رجل صلى ركعة على تيمم ثم جاء رجل و معه قربتان من ماء، قال: يقطع الصلوة و يتوضأ ثم يبنى على واحدة، غير دال عليه، كالمروى فى الباب عن الحسن الصيقل عن الصادق (ع): رجل تيمم ثم قال يصلى فمر به نهر و قد صلى ركعة، قال:
فليغتسل و ليستقبل الصلوة، فقلت: انه قد صلى صلوته كلها، قال: لا يعيد.
و للمحكى عن سلار: فيتم بشرط الدخول فى القراءة، و عن ابن حمزة فيجب القطع بعد الشروع مطلقا اذا غلب عن ظنه سعة الوقت بقدر الطهارة و الصلوة، و عدم وجوب القطع ان لم يمكنه ذلك، و استحباب القطع ما لم يركع و لم اطلع على دليل لهما اصلا، و لو لا الشهرة الظاهرة و المحكية المعتضدة بما مرّ لكان القول الثانى ارجح، لصحة خبر زرارة، و كون القول الاول موافقا للمحكى
ص: 139
عن الشافعى و مالك و أبى ثور و داود و احمد فى رواية، و لكن معها يكون الاول ارجح اذ هى من اقوى المرجحات سيما اذا كان الخبر المخالف لها صحيحا بحسب السند و الموافق قاصرا.
و الاحوط الاتمام ثم الاعادة، كل ذا مع القول بجواز التيمم فى السعة، و الا فيلزم الاستمرار قطعا اتيانا للفعل فى الوقت المضروب له.
و على المختار فهل لا يجوز الرجوع؟ كما صرح البعض و يستفاد من المتن و نحوه، ام يستحب ما لم يركع؟ وجهان ينشأن من تحريم قطع الفريضة فالاول، و من عدم عموم دال على التحريم، و ثبوت الاجماع فى المقام غير مسلم، و فى دلالة لا تبطلوا مناقشة، و على فرض الدلالة مخصص بالامر بالرجوع ما لم يركع، الذى لا بد ان يحمل فى نحو المقام على الاستحباب اذ هو اقرب المجازات فالثانى، و امر الاحتياط واضح.
و هل يستحب العدول الى النفل مع سعة الوقت ادراكا للفريضة على النهج الاقوم كما استقر به فى التذكرة؟ ام لا يجوز كما احتمله ايضا و اختاره فى الذكرى؟ وجهان و الاخير اقرب، لعدم المجوز و المعتبر فى المضى و عدم الرجوع هو الاتيان بالتكبير اذ الدخول فى الصلوة انما يتحقق باتمامه، و عليه فيرجع فى الثانى خلافا للمحكى عن البيان فلا يلتفت فى الاثناء، و فيه ما عرفت.
الاول: اذا حكمنا باتمام الصلوة مع وجود الماء اما مطلقا و اذا تجاوز محل القطع، فهل يعيد التيمم لمشروط بالطهارة لو فقد الماء بعد الصلوة ام لا؟ قولان اجودهما الثانى، لم يظهر من الدليل المتقدم بكون تيممه باقيا فلا وجه للاعادة.
الثانى: لو كان فى نافلة ثم وجد الماء، فهل هى كالفريضة فى جواز المضى كما عن البيان و المسالك؟ ام ينتقض تيممه كما احتمله قويا فى الذخيرة و غيرها؟ وجهان ينشأن من الاطلاق فالاول، و من انتفاء المانع من استعمال
ص: 140
الماء لجواز قطع النافلة فالثانى.
(و يستباح به كلما يستباح) بالطهارة (المائية) من الصلوة و الطواف و دخول المساجد و غيرها، بلا خلاف اجده الا ما عن فخر الاسلام من ان المتيمم لا يجوز له الدخول فى المساجد، محتجا بقوله تعالى: (وَ لاٰ جُنُباً إِلاّٰ عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا)، قيل: و الحق به مس كتابة القرآن لعدم فرق الامة بينهما هنا و يلزمه تحريم الطواف للجنب ايضا و عدم اباحته بالتيمم لاستلزامه دخول المسجد و ان لم يصرح به.
اقول و فيه ان الآية على تقدير تسليم دلالتها على ما قاله، يجب تقييده بالاخبار الكثيرة المعتضدة بالشهرة الكذائية، و منها خبرا حماد و السكونى السابقان فى اوايل المبحث، و صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة فى شرح قول المصنف: او تعذر استعماله للمرض.
ثم اعلم ان مقتضى العموم استحباب التيمم لكل ما يستحب له الوضوء او الغسل مع تعذرهما و بذلك صرح البعض.
(و لا يعيد) المتيمم تيمما مشروعا (ما صلى به) فى السفر مع ظن ضيق الوقت مطلقا اجماعا كما ادعاه بعض مشائخنا، و فى الحضر كذلك على المشهور بل عليه اجماع العلماء كافة عدا طاوس كما عن الخلاف و التحرير و المنتهى خلافا للمحكى عن المرتضى فالحاضر اذ تيمم لفقد الماء وجب عليه الاعادة اذا وجده، و يرده بعد الاصل(1) و الاجماعات المحكية، المستفيضة منها صحيحتا العيص المرويتان فى التهذيب فى باب التيمم عن الصادق (ع): عن رجل يأتى الماء و هو جنب و قد صلى، قال: يغتسل و لا يعيد الصلوة.
و فى الباب فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (ع): عن رجل اجنب فتيمم بالصعيد و صلى ثم وجد الماء، فقال: لا يعيد ان رب الماء رب
ص: 141
الصعيد فقد فعل احد الطهورين.
و فى الباب فى الصحيح عن ابن سنان عن الصادق (ع): اذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الارض و ليصل فاذا وجد ماء فليغتسل و قد اجزاته صلوته التى صلى.
هذا مضافا الى ان المحكى عن الخلاف الاجماع على عدم الفرق بين المسافر و الحاضر فى عدم الاعادة مطلقا، و كذا الاظهر الاشهر عدم الاعادة مع التيمم فى سعة الوقت مطلقا ان جوزناه فى الجملة او مطلقا، عملا بالاصل و الاخبار المشار اليها، مضافا الى جملة من الاخبار المتقدمة فى مسئلة جواز التيمم فى السعة، خلافا للمحكى عن العمانى و الاسكافى فاوجبا الاعادة لصحيح يعقوب المتقدم هناك، و فيه انه لا يقوم فى مقابلة ما مرّ من وجوه عديدة فليحمل على الاستحباب كما عن الاصحاب.
(و يخص الجنب بالماء المباح او المبذول) للاحوج (و تيمم المحدث و الميت) اقول اذا اجتمع الثلثة و هناك ما يكفى لاحدهم خاصة اختص به مالكه، و لو كان ملكا لهم جميعا مع عدم وفاء حصة كل بطهارته او لمالك يسمح ببذله فلا ريب ان للمالك التخصيص بالبعض او الامساك، و انما الكلام فى الاولى فعن الخلاف التخيير بلا اولوية حيث قال: ان كان لاحدهم فهو احق به و ان لم يكن لواحد بعينه تخيروا فى التخصيص، لانها فروض اجتمعت و ليس بعضها اولى من بعض فتعين التخيير.
و الاظهر تخصيص الجنب وفاقا للمشهور عملا بالمروى فى النهاية فى باب التيمم فى الصحيح عن عبد الرحمن بن ابى نجران عن الكاظم (ع): عن ثلثة نفر كانوا فى سفر احدهم جنب و الثانى ميت و الثالث على غير وضوء، و حضرت الصلوة و معهم من الماء قدر ما يكفى احدهم، من يأخذ الماء و كيف يصنعون؟ فقال: يغتسل الجنب، و يدفن الميت بتيمم، و يتيمم الذى هو على غير وضوء، لان الغسل من الجنابة فريضة، و غسل الميت سنة، و التيمم للآخر جايز.
ص: 142
و فى التهذيب فى باب الاغسال عن الحسن التفليسى عن ابى الحسن عليه السلام: عن ميت و جنب اجتمعا و معهما ما يكفى احدهما يغسل، قال:
اذا اجتمعت سنة و فريضة بدء بالفرض.
و فى الباب عن الحسين بن النضر الارمنى عن الرضا (ع): عن القوم يكونون فى السفر فيموت منهم ميت، و معهم جنب، و معهم ماء قليل قدر ما يكفى احدهما، ايّهما يبدء به؟ قال: يغتسل الجنب و يترك ميت لأنّ هذا فريضة و هذا سنة.
خلافا لما حكاه فى الشرايع عن بعض فيقدم الميت، و له المروى فى الباب عن محمد بن على عن بعض اصحابنا عن الصادق (ع): الميت و الجنب يتفقان فى مكان لا يكون الماء الا بقدر ما يكتفى به احدهما، ايّهما اولى ان يجعل الماء له؟ قال: يتيمم الجنب و يغسل الميت بالماء، و فيه انه مع ضعف السند و عدم معروفية القائل لا يقوم فى مقابلة ما مرّ من وجوه عديدة.
فبما ذكر ظهر ضعف تخيير الخلاف ايضا.
و اما المروى فى التهذيب فى باب التيمم فى الموثق عن ابى بصير عن الصادق (ع): عن قوم كانوا فى سفر فاصاب بعضهم جنابة، و ليس معهم من الماء الا ما يكفى الجنب لغسله، يتوضّأون هم هو افضل، او يعطون الجنب فيغتسل و هم لا يتوضؤن؟ فقال: يتوضّأون هم و يتيمم الجنب.
فمع قصور سنده لا يقوم فى مقابلة المختار من وجوه عديدة، مع انى لم اطلع على عامل به اصلا، هذا اذا لم يمكن الجمع و الاّ بأن يتوضأون هم المحدث بالحدث الاصغر، ثم يجمع و يغتسل به الجنب الخالى بدنه من النجاسة، ثم يجمع و يغتسل به الميت، وجب لو قلنا بطهوريته ذلك.
و هل يجوز لمالك الماء ان يبذله لغيره مع وجوب الصلوة عليه، ام لا كما اختاره الجماعة؟ وجهان و الاخير اقرب لتمكنه من الماء.
(و لو احدث المجنب المتيمم اعاد بدلا من الغسل و ان كان) الحدث
ص: 143
(اصغر) سواء وجد ماء لوضوئه ام لا على الاشهر الاظهر، لعدم ارتفاع الحدث بالتيمم كما مرّ و الاستباحة قد زالت بالحدث، هذا مضافا الى مفهوم المروى فى التهذيب فى باب صفة التيمم فى الصحيح عن زرارة عن الباقر: كيف التيمم؟ قال: هو ضرب واحد للوضوء، الى ان قال: و متى اصبت الماء فعليك الغسل ان كنت جنبا و الوضوء ان لم تكن جنبا.
فشرط (ع) فى الوضوء عدم الجنابة و هى كما عرفت موجودة، خلافا للمحكى عن المرتضى فى شرح الرسالة فالجنب اذا تيمم ثم احدث حدثا اصغر فوجد ما يكفيه للوضوء توضا به فان حدثه الاول قد ارتفع، و جاء ما يوجب الصغرى و قد وجد ما يكفى لها فيجب عليه استعماله و لا يجزيه تيممه، انتهى.
و مقتضاه انه لو لم يجد الماء تيمم بدلا من الصغرى خاصة، و فيه ما عرفت من عدم ارتفاع الجنابة كما يرشد بذلك جملة من الاخبار المتقدمة عن قريب فى شرح قول المصنف: و لا يعيد ما صلى به الموجبة للغسل عند وجدان ما يكفيه.
(و يجوز التيمم مع وجود الماء للجنازة) اجماعا كما عن الخلاف و هو الظاهر من المنتهى و التذكرة، خلافا لبعضهم فانما يجوز مع خوف فوت الصلوة و لا وجه له يعتد به، و يرده بعد المذكور موثقة سماعة المروية فى الكافى فى باب من يصلى على الجنازة، و غيرها،(1) و اما صحيحة الحلبى المروية فى الباب فغير صالحة للمعارضة، اذ التقييد فى كلام السائل.
(و لا يدخل به فى غيرها) من الصلوة و ما يشترط فيه الطهارة، اقتصارا فيما خالف الاصل على مورده.
(النظر الخامس فيما به تحصل الطهارة
اما) الطهارة (الترابية فقد بيناها و اما) الطهارة (المائية فبالماء المطلق لا غير) فالمضاف لا يرفع حدثا
ص: 144
بلا خلاف، كما عن المبسوط و السرائر، بل عليه الاجماع كما ادعاه الجماعة(1)لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا).
و المروى عن الفقه الرضوى: كل ماء مضاف او مضاف اليه فلا يجوز التطهير به و يجوز شربه، مثل ماء الورد و ماء القرع و ماء الزعفران و ماء الخلوق و غيره مما يشبهها و كل ذلك لا يجوز استعماله، الا الماء القراح و التراب.
و المروى فى التهذيب فى باب التيمم عن ابى بصير عن الصادق (ع):
عن الرجل يكون معه اللبن ايتوضأ منه للصلوة؟ قال: لا انما هو الماء و الصعيد.
و فى باب المياه فى الصحيح عن عبد الله بن المغيرة عن بعض الصادقين اذا كان الرجل لا يقدر على الماء و هو يقدر على اللبن، فلا يتوضأ باللبن انما هو الماء او التيمم الخبر.
و عليه فلا التفات الى ما حكاه فى الخلاف عن قوم من اصحاب الحديث منا انهم اجازوا الوضوء بماء الورد، و لا الى قول الصدوق من تجويز الوضوء و الغسل من الجنابة به، و ان دل عليه خبر يونس المروى فى التهذيب فى باب المياه عن ابى الحسن (ع): الرجل يغتسل بماء الورد و يتوضا به للصلوة، قال: لا بأس بذلك، لما قاله فى التهذيب بعد نقله: فهذا خبر شاذ شديد الشذوذ، و ان تكرر فى الكتب و الاصول فانما اصله يونس عن ابى الحسن و لم يروه غيره، و قد اجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره، و ما يكون هذا حكمه لا يعمل به.
و بالجملة لا التفات الى القولين، كما لا التفات الى ما عن العمانى من تجويزه التطهير به اضطرارا، مع انّا لم أجد مستنده و جعله الجمع بين خبرى ابى بصير و ابن المغيرة و بين خبر يونس فرع، شاهد يشهد به و هو مفقود.
(و كذا ازالة النجاسة) فان المضاف لا يرفع الخبث على المشهور، عملا
ص: 145
باصالة بقاء النجاسة، و بالمروى فى التهذيب فى باب آداب الاحداث عن بريد عن الباقر (ع): و فيه: لا يجزى من البول الا الماء.
و فى تطهير الثياب فى الصحيح عن ابان بن عثمان عن محمد الحلبى عن الصادق (ع): رجل اجنب فى ثوبه و ليس معه ثوب غيره، قال: يصلى فيه و اذا وجد الماء غسله.
و المعمم عدم القول بالفصل كما صرح البعض(1).
و فى الباب فى الصحيح عن محمد بن اسمعيل بن بزيع قال: سألته عن الارض و السطح يصيبه البول او ما اشبهه، هل تطهر الشمس من غير ماء؟ اذ العام المخصص فيما بقى حجة خلافا للمحكى عن المرتضى و المفيد فيجوز ازالة النجاسة بغير الماء من المايعات للاجماع المحكى عن المرتضى، و فيه انه موهون بمصير الاعلام الى الخلاف، و لقوله تعالى: (وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ).
و فيه: اولا دلالة جملة من الاخبار ان المراد بالتطهير فيه التشمير.
و ثانيا: ان المراد بالطهارة اما المعنى الشرعى فلا نسلم حصولها بغير الماء، او المعنى اللغوى فلا ينفع.
و ثالثا بما سيظهر.
و لاطلاق الاخبار الآمرة بالغسل من النجاسة، و فيه اولا المنع من الشمول لنحو المقام التفاتا الى الغالب المتعارف، و انعقاد الاجماع على جواز الغسل بماء النفط و الكبريت مما لا يستلزم رفع اليد عن قاعدة انصراف الاطلاق الى الشايع، و ثانيا انها مقيدة بما مرّ مضافا الى جملة من الاخبار الآمرة بالغسل بالماء.
منها المروى فى الباب فى الحسن عن الحسين بن ابى العلا عن الصادق (ع): عن البول يصيب الجسد، قال: صب عليه الماء مرتين، و عن
ص: 146
الصبى يبول على الثوب، قال: يصب عليه الماء قليلا ثم تعصره.
و لما رواه فى الباب فى الزيادات عن غياث بن ابراهيم عن الصادق (ع) عن ابيه عن على (ع): لا بأس ان يغسل الدم بالبصاق.
و فى الكافى فى باب البول يصيب الثوب فى الصحيح عن حكم بن حكيم الصيرفى عن الصادق (ع): ابول فلا اصيب الماء و قد اصاب يدى شىء من البول فامسحه بالحائط و التراب، ثم تعرق يدى فامسح وجهى او بعض جسدى او يصيب ثوبى، قال: لا بأس به.
و فيه انهما مع قطع النظر عن ضعف سند الاول، لا يقومان فى مقابلة ما مرّ من وجوه عديدة، و صحة سند الاخير لا تصير باعثا للاستناد فى نحو المقام سيما بعد ملاحظة عدم زوال البول عن الجسد بالتراب باتفاق منا و من الخصم كما فى التحرير، هذا مضافا الى جواز القول برجوع نفى الباس الى نجاسة الممسوس لا الى طهارة الماس، بناء على عدم العلم بملاقاة الممسوس للنجس، و حصول الظن غير كاف فى نحو المقام.
و المحكى عن العمانى فيجوز ازالة الخبث بالمضاف اضطرار الا مطلقا، و لا وجه له اصلا.
(و) الماء (المطلق ما بصدق عليه اطلاق الاسم من غير قيد) و صدق الماء عليه مقيدا كماء النهر و البئر، لا ينافى صدق المطلق و المميز صحة السلب و عدمه (و المضاف) بخلافه اى ما لا يصدق عليه الماء من غير قيد، بل انما يصدق عليه مقيدا (و هما فى الاصل) اى فى اصل الخلقة (طاهران) اجماعا و ليس الثانى مطهرا، لما عرفت بخلاف الاول فانه مطهر ايضا بالكتاب قال الله تعالى: (وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً)، و قال (وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ).
و السنة المستفيضة منها المروى فى التهذيب فى زيادات باب الاحداث فى الصحيح عن داود بن فرقد عن الصادق (ع): كان بنو اسرائيل اذا أصاب احدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، و قد وسع الله عليكم باوسع ما بين
ص: 147
السماء و الارض و جعل لكم الماء طهورا فانظروا كيف تكونون، و الاجماع.
(فان لاقتهما نجاسة فاقسامهما أربعة الأول المضاف كالمعتصر من الاجسام كماء الورد و الماء) المطلق فى اصله (الممتزج بها) اى بالاجسام (مزجا يسلبه الاطلاق كالمرق) اما لو بقى المطلق الممتزج بالمضاف على اطلاقه جاز استعماله فى الطهارة اجماعا كما عن غير واحد، اذا كان المضاف مخالفا له فى الصفات، و على الاظهر اذا كان مسلوب الصفات كماء الورد العديم الرايحة عملا بالاصل، و دوران الاحكام مدار الاسماء، خلافا للمحكى عن الشيخ فالحكم منوط بالاكثرية او المساواة، و عن القاضى الاقوى عندى انه لا يجوز فى رفع الحدث و لا ازالة الخبث، ثم نقل مباحثه جرت بينه و بين الشيخ و خلاصتها:
تمسك الشيخ باصالة الاباحة و تمسك هو بالاحتياط.
و فيهما ما عرفت.
و هل الممازجة المذكورة واجبة على فاقد الماء الكافى للطهارة المتمكن من تحصيله بها كما اختاره غير واحد، ام لا كما عن الشيخ و تبعه غيره؟ وجهان ينشأن من التمكن من ايجاد الطهارة الاختيارية فلا وجه لتقييد ما دل عليه، و من صدق عدم وجدان الماء الكافى فيتيمم.
(و هو) اى المضاف (ينجس بكل ما يقع فيه من النجاسة قليلا كان او كثيرا) اجماعا كما عن الجماعة و هو الحجة، و يدل على خصوص القليل بعد فحوى الدال على انفعال قليل المطلق خبر السكونى المروى فى التهذيب فى باب الذبايح و الاطعمة، و خبر زكريا بن آدم المروى فى الصافى و الكافى فى باب المسكر يقطر منه فى الطعام.(1)
ص: 148
و هل ينجس المضاف الكائن فى الكوز مثلا اذا صب بعضه على النجس مع كون ما فى الكوز اعلى من النجس بحيث صار متصلا؟ به الذى يقتضيه الاصل العدم و لم يظهر له مقيد اصلا فى نحو المقام، و كذا الكلام فى الماء القليل الكائن فى الكوز و نحوه، و عليه يدل السيرة القاطعة، و المتبادر من الأدلة الآتية الدالة على انفعاله بالملاقاة غير المقام و فى ذلك واضح، و فى شرح المدارك الاجماع على عدم سراية النجاسة من الاسفل الى الاعلى.
هل طريق تطهير المضاف النجس؟ هو ما ذكره فى المبسوط بقوله:
لا طريق الى تطهيرها بحال الا ان يختلط بما زاد على الكرمن المياه الطاهرة المطلقة، ثم ينظر فيه فان سلبه اطلاق اسم الماء لم يجز استعماله بحال، و ان لم يسلبه اطلاق اسم الماء و غير احد اوصافه اما لونه او طعمه او رايحته فلا، يجوز ايضا استعماله بحال، و ان لم يغير احد اوصافه و لا سلبه اسم الماء جاز استعماله فى جميع ما يجوز استعمال المياه المطلقة.
او ما ذكره فى التحرير؟ بقوله: و يطهر بالقاء كرمن المطلق فما زاد عليه دفعة، بشرط ان لا يسلبه الاطلاق و ان تغير احد اوصافه.
او ما أشار اليه فى القواعد؟ كما عن المنتهى من الاكتفاء بممازجة الكر له من غير اشتراط للزيادة عليه، و لا لعدم تغير احد اوصافه بالمضاف، بل و لا لعدم سلبه الاطلاق و ان خرج المطلق بالاخير عن كونه مطهرا و اما الطهارة فثابتة للجميع.
او ما اشار اليه فى المختلف؟ كما عن التذكرة و نهاية الاحكام و جماعة من المتأخرين من الاكتفاء بممازجة الكر له بشرط ان لا يخرج عن الاطلاق، و ان تغير احد اوصافه بالمضاف.
اوجه لعل اوجهها الاخير عملا باصالة طهورية الماء من غير دليل يقتضى الخروج عنه بالتغيير بالمتنجس، اعلم ان جامع المقاصد صرح بالنسبة الى قول
ص: 149
القواعد ان موضع النزاع ما اذا اخذ المضاف النجس و القى فى المطلق الكثير فسلبه الاطلاق، فلوا انعكس الفرض وجب الحكم بعدم الطهارة جزما لان موضع المضاف النجس نجس لا محالة، فيبقى على نجاسته لان المضاف لا يطهره و المطلق لم يصل اليه فينجس المضاف به على تقدير طهارته.
(الثانى الجارى من) الماء (المطلق) و المراد بالجارى هو النابع عن عين غير البئر سواء جرى على وجه الارض ام لا، و اما الجارى من غير نبع فحكمه حكم الواقف اتفاقا كما فى المشارق، و فى شموله لما يخرج من الارض بطريق الرشح اشكال.
(و لا ينجس) الجارى (الاّ بتغيّر لونه او طعمه او ريحه) فلو تغير بغير الثلاثة من الصفات كالحرارة و البرودة فلا ينجس بلا خلاف على الظاهر، عملا بالاصل، و ليكن التغيير باحد الثلثة (بالنجاسة) فلو تغير بالمتنجس او بمجاورة النجاسة فلا ينجس بلا خلاف فى الثانى كما صرح بعض، و على المشهور فى الاول عملا بالاصل، خلافا للشيخ فيه على ما مرّ عن قريب فى تطهير المضاف، و لا وجه له يعتد به.
و اما نجاسة الماء بالتغير بالنجاسة المذكور(1) فى المتن فاجماعى كما ادعاه الجماعة، مضافا الى المروى عن طريق العامة من قوله (ع): خلق الله الماء طهور الا ينجسه شىء الا ما غيّر لونه او طعمه او ريحه.
و فى طريق الخاصة فى التهذيب فى باب المياه فى الصحيح عن حريز عن الصادق (ع): كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب، فاذا تغير الطعم فلا توضأ منه و لا تشرب.
و فى باب آداب الاحداث فى الصحيح عن ابى خالد القماط عن الصادق عليه السلام: فى الماء يمر به الرجل و هو نقيع فيه الميتة الجيّفة، فقال (ع):
ص: 150
ان كان الماء قد تغير ريحه و طعمه فلا تشرب و لا تتوضأ منه، و ان لم يتغير ريحه و طعمه فاشرب و توضأ.
و الملحق للّون بالطعم و الريح هو المروى فى زيادات باب المياه فى القوى عن العلا بن الفضيل عن الصادق (ع): عن الحياض يبال فيها، قال:
لا بأس اذا غلب لون الماء لون البول.
و المروى عن كتاب البصاير فى الصحيح على ما قيل، عن هشام بن عبد ربه عن الصادق (ع)، و فيه: و حيث تسئل عن الماء الراكد فما لم يكن فيه تغيّر او ريح غالبة قلت: فما التغير؟ قال: الصفرة.
و عن الفقه الرضوى: كل غدير فيه من الماء اكثر من كر لا ينجسه ما يقع فيه من النجاسات الا ان يكون فيه الجيف فتغير لونه و طعمه و رايحته، فاذا غيرته لم يشرب منه و لم يتطهر منه.
بعد الالتفات الى الاجماع المركب، و يمكن الاستدلال للالحاق بصحيحة حريز السابقة ايضا، و لا يكفى فى التغير التقديرى(1) وفاقا للمحكى عن المشهور عملا بالاصل مع عدم ظهور المقيد، اذ المتبادر من اطلاق الدالة على التغير غيره، خلافا للمصنف فلا بد من التقدير و لا وجه له يعتد به.
و على المختار فالأظهر الحكم بالتنجيس بالتغير و ان منع من ظهوره عند الحس مانع، كما لو وقع فى الماء المتغير بطاهر أحمر دم مثلا وفاقا للجماعة، عملا بالاطلاق خلافا لبعض مشايخنا فلا التفاتا الى كون المتبادر من التغير الظاهر عند الحس و فيه منع.
و اما عدم نجاسته(2) بالملاقاة بالنجاسة فاجماعى اذا كان كثيرا، و كذا ان كان قليلا على المشهور المنصور، بل عن ظاهر الخلاف و الغنية و التحرير و المنتهى الاجماع، عملا بالعمومات الدالة على طهورية الماء.
و بالمروى فى الاستبصار فى باب البئر يقع فيها ما يغير فى الصحيح عن محمد
ص: 151
بن اسمعيل بن بزيع عن الرضا (ع) قال: ماء البئر واسع لا يفسده شىء الا أن يتغير ريحه او طعمه، فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه لان له مادة(1)على اشكال قوى.
و بخبرى حريز و القماط السابقين، خلافا للمصنف كما عن السيد فى الجمل فيلحق القليل بالراكد فى الانفعال بالملاقاة، التفاتا الى الاخبار الدالة على اشتراط الكرية فى الماء.
منها المروى فى التهذيب فى زيادات باب المياه فى الصحيح عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن الدجاجة و الحمامة و اشباههما تطا العذرة ثم يدخل فى الماء، يتوضأ منه للصلوة؟ قال: لا الاّ أن يكون الماء كثيرا قدر كرمن ماء، و فيه انه لا يقوم فى مقابلة ما مرّ، اما بالنسبة الى العمومات فلإعتضادها بالاجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظيمة القريبة من الاجماع، بل نسب جامع المقاصد المختار الى الاصحاب و قال انه اى القول المزيف مما تفرد به المصنف و العام الكذائى على الخاص، و اما بالنسبة الى خبرى حريز و القماط فلان التعارض العموم من وجه، و الترجيح فى جانب المختار.
و كما لا يشترط فى الجارى الكرية، فكذا لا يشترط فيه دوام النبع، خلافا للدروس كما عن الموجز لابن فهد فيشترط، و لا وجه له اصلا.(2)
(فان تغير نجس المتغير خاصة) تفصيل المطلب اذا تغير بعض الجارى فاما ان يكون الماء متساوى السطوح ام لا، و على التقديرين اما ان يقطع التغير عمود الماء و هو الخط ما بين حافتيه عرضا و عمقا اولا، و على الاول اما ان يبلغ ما ينحدر عن المتغير مقدار الكرام لا.
فهذه ستّ صور:
الاولى كون السطوح مستوية مع عدم قطع التغير عمود الماء، فيختص
ص: 152
المتغير بالتنجيس مطلقا و لو لم يبلغ الباقى كرا على الأظهر، خلافا لمن اشترط فى الجارى الكرية كما مرّ.
الثانية الصورة بحالها مع قطع التغير عمود الماء و كان المنحدر عن المتغير كرا، فالحكم كالاولى مطلقا و لو كان ما فوق المتغير مما يلى المادة انقص من الكر، خلافا لمن اشترط الكرية فى الجارى كما مرّ، و القول بعدم انفعاله لو كان قليلا و ان اعتبرت الكرية، معللا بان جهة المادة فى الجارى اعلى سطحا من المتنجس فلا ينفعل به مردود بان مع مساواة السطوح يتحقق الجريان كما يشاهد به العيان.
الثالثة الصورة بحالها مع كون المنحدر عن المتغير دون الكر فينجس للقلة، و ما عن بعض المحدثين من احتمال عدم التنجس مما لا يتمه الدليل للشهرة المخالفة، هذا حكم الدون و اما حكم فوق المتغير فكما مر.
الرابعة ان تختلف السطوح مع عدم قطع النجاسة عمود الماء، فحكمه كالاولى.
الخامسة الصورة بحالها مع قطع النجاسة عمود الماء مع كون دون المتغير مما يبلغ و كان سطوحه مستوية، فالحكم الطهارة و مع كون السطوح مختلفة فينبغى على الخلاف الآتى انشاء الله فى اشتراط استوآء سطوح مقدار الكر من الواقف و عدمه، و اما فوق المتغير فهو طاهر مطلقا على المنصور و لو لم يبلغ الكر، بناء على عدم اشتراط الكرية فى الجارى.
السادسة الصورة بحالها مع كون دون المتغير دون الكر، فالحكم فيه عدم الطهارة و اما قبل المتغير فحكمه كما مرّ.
(و يطهر بتدافع الماء الطاهر) من المادة (عليه حتى يزول التغير) و يستهلكه بلا خلاف بين الاصحاب كما صرح بعض الاجلاء، عملا ببعض الاخبار الآتية عن قريب فى ماء الحمام، هذان اشترطنا فى تطهير الماء الامتزاج، و اما على الاكتفاء بمجرد الاتصال كما هو القول الآخر، فهل يكفى مجرد زوال التغير
ص: 153
فى الحكم بالطهارة مطلقا كما عن الجماعة؟ ام يكفى فيه اذا كان للمادة نحو علوّ على الماء النجس او المساواة له، و الا فيشترط الدفع و التكاثر كما عن بعض المتأخرين؟ وجهان و الاول اظهر لمكان المادة بعد الالتفات الى الأخبار الدالة على طهورية الماء، و مما يلزم على من قال باشتراط الكرية فى الجارى ان لا يحكم بالطهارة اصلا فيما اذا تغير الجارى على وجه لا يبلغ الباقى كرا، و ان استهلك التغير و حصل من الماء نهرا عظيما، اذ ماء يخرج بالنبع لا يكون الاّ قليلا فينفعل بالملاقات بعد خروجه، و هكذا فى الخارج ثانية و ثالثة و هكذا، و عليه فيمكن ان يجعل هذا من الادلة على بطلان الاشتراط المذكور.
(و ماء الحمام) اى ما فى حياضه الصغار مما لم يبلغ الكر (اذا كانت له مادة من كر فصاعدا) متصلة به (و ماء الغيث حال تقاطره كالجارى) فى عدم الانفعال بالملاقات.
اما الحكم الاول فيدل عليه مضافا الى ظهور الاجماع، المروى فى التهذيب فى زيادات باب دخول الحمام فى الصحيح عن داود بن سرحان عن الصادق (ع): ما تقول ماء الحمام؟ قال: هو بمنزلة الماء الجارى.
و فى الباب عن بكر بن حبيب عن الباقر (ع): ماء الحمام.
عن ابن ابى يعفور عن الصادق (ع): عن ماء الحمام يغتسل منه الجنب و الصبى و اليهودى و النصرانى و المجوسى، فقال: ان ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا.
و عن قرب الاسناد عن اسمعيل بن جابر عن ابى الحسن الاول (ع) قال ابتدانى فقال: ماء الحمام لا ينجسه شىء.
و عن الفقه الرضوى ماء الحمام سبيله سبيل ماء الجارى اذا كانت له مادة لكن بعد حمل مطلقها على مقيدها المجبور(1) بعدم ظهور الخلاف، و
ص: 154
فى اعتبار الكرية فى المادة خاصة كما عن الاكثر، او مع ما فى الحياض مطلقا كما عن بعض و اختاره بعض مشايخنا، او مع تساوى سطحى المادة و ما فى الحوض او اختلافهما بالانحدار، و مع عدمهما فالاول كما عن بعض، او العدم مطلقا كما اختاره آخر.
اوجه لعل اوجهها الأخير، عملا باطلاق الاخبار السابقة بعد ضم بعضها الى بعض، هذا اذا كان ما فى الحياض متصلا بالمادة، و الا فينفعل بالملاقاة ان كان ناقصا عن الكر بلا خلاف اطلع عليه، فلو انفعل و اريد تطهيره بالمادة فلا بد فيها حينئذ من اعتبار الكرية بلا خلاف كما عن بعض.
و عليه فهل يكفى مقدار الكر فيها؟ كما اختاره البعض(1) ام لا بد من الزيادة على الكر بمقدار ما يحصل به الممازجة و الغلبة بناء على اشتراط الممازجة او بمقدار الماء المنحدر للحوض المتصل به بناء على مجرد الاتصال كما عن آخر(2)؟ وجهان ينشأن من الاصل فالاول، و من انها لو كانت كرا فقط لكان ورود شىء منها على الحياض موجبا لخروجها عن الكرية اذ المعتبر كرية الماء بعد الملاقاة فالثانى، و لعل الاول ارجح.
و نجاسة جزء الكر الملاقى ليس باولى من طهارة الجزء النجس الملاقى.
و اما الحكم الثانى فهو المشهور بين الاصحاب، خلافا لظاهر التهذيب كما عن صاحب الجامع فيشترط الجريان من الميزاب، للمشهور المروى فى النهاية فى باب المياه فى الصحيح عن هشام بن سالم عن الصادق (ع): عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب، فقال: لا بأس به ما اصابه من الماء اكثر منه.
و فى الباب فى الصحيح عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن الرجل يمرّ فى ماء المطر و قد صبّ فيه خمر فاصاب ثوبه، هل يصلى فيه قبل ان يغسله؟
ص: 155
فقال: لا يغسل ثوبه و لا رجله و يصلى فيه و لا بأس به.
و فى الباب و سئل (ع) عن طين المطر يصيب الثوب فيه البول و العذرة و الدم؟ فقال: طين المطر لا ينجس.
فى الكافى فى باب اختلاط ماء المطر عن الكاهلى عن رجل عن الصادق عليه السلام: امر فى الطريق فيسيل على الميزاب فى اوقات اعلم ان الناس يتوضؤن، قال: ليس به بأس لا تسئل عنه، قلت: و يسيل على من ماء المطر أرى فيه التغير و أرى فيه آثار القذر فتقطرات علىّ و ينتضح على منه و البيت يتوضا على سطحه فيكف على(1) ثيابنا، قال: ما بذا بأس لا تغسله كل شىء يراه ماء المطر فقد طهر.
و للآخر المروى فى الباب فى الصحيح عن هشام بن سالم(2) عن الصادق عليه السلام: فى ميزابين سالا أحدهما بول و الآخر ماء مطر فاختلطا فأصاب ثوب رجل لم يضره ذلك.
و قريب منه خبر محمد بن مروان المروى فى الباب و فى النهاية فى باب المياه فى الصحيح عن على بن جعفر عن مولانا الكاظم (ع): من البيت يبال على ظهره و يغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر، أيؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلوة؟ قال: اذا جرى فلا بأس به.
و المشهور هو المنصور لما مرّ من غير معارض، الا ثبوت البأس مع عدم الجريان فى مفهوم الأخير، و الشهرة كافية فى صرفه مع ضعف دلالته و اعميته من النجاسة الى الكراهة.
و اما ما عن بعض المتأخرين بانه ربما يتردد فى الحاقه بالجارى مع ورود النجاسة عليه مع عدم الجريان، التفاتا الى اختصاص الروايات المتقدمة النافية للبأس عنه بعد الملاقات بوروده على النجاسة، ففيه مع قطع النظر عما قيل بأنه
ص: 156
كاد ان يكون خرقا للاجماع مستندا، بأنا لم نقف على من نص على ما ذكره هنا بل كل من الحقه بالجارى الحقه بقول مطلق، و ثبوت القول بالتفصيل المذكور فى القليل لجماعة فى غير المقام لا يستلزم ثبوته هنا لتغايرهما انتهى، بان صحيح على بن جعفر المتقدم اولا كاف فى رده كاطلاق غيره او عمومه.(1)
الاول: لو وقع المطر على ماء نجس غير متغير، فان وقع عليه بطريق الجريان او الكثرة، فلا اشكال فى تطهيره له بمجرد الاتصال، ان اكتفينا فى التطهير مجرد الاتصال، او بالتداخل و الامتزاج ان اعتبرناه، و خلاف التهذيب غير آت هنا على الظاهر، اذ الظاهر ان ذكر الميزاب انما هو على جهة التمثيل.
و ان لم يحصل الجريان و الكثرة، فالمشهور المنصور حصول التطهير بالتقاطر، عملا بمرسلة الكاهلى المتقدمة المنجبرة بالشهرة، و خلاف التهذيب كما عرفته لا يلتفت اليه، لكن على القول بالممازجة لم يبعد اعتبار قدر يعتد به.
و ذكر فى الرياض عن بعض من عاصره من السادة: الفضلاء الاكتفاء فى تطهير الماء النجس بوقوع قطرة واحدة عليه، ثم قال: و ليس ببعيد و ان كان العمل على خلافه.
الثانى: اذا اصاب فى حال تقاطره منجسا كالارض و نحوها استوعب مع النجاسة و زالت العين، فمقتضى المرسل المتقدم للكاهلى المنجبر بالشهرة حصول الطهارة، و كذا المرسل الاخر بتقريب عدم القول بالفصل.
الثالث: اذا انقطع التقاطر، صار ماء المطر فى حكم الواقف بلا خلاف كما استظهره البعض.
الرابع: يتقوى الماء القليل الطاهر بماء المطر حال تقاطره، و يعصمه من الانفعال بالملاقاة على المشهور المنصور من كون المطر كالجارى مطلقا، و اما على اعتبار الجريان او الكثرة فيناط بحصول احدهما، و عن بعض التقوى مع
ص: 157
عدم الجريان و الكثرة، لا من حيث كون المطر كالجارى مطلقا، بل لعدم عموم فى ادلة انفعال القليل بالملاقاة على وجه يشمل المقام.
(الثالث الواقف) اى ما ليس بنابع (كمياه الحياض و الأوانى و الغدران) جمع غدير و هو: القطعة من الماء يغادرها السيل اى يتركها (ان كان قدرها كرّا) و له تقديران احدهما الوزن (و هو) على المشهور الذى لم اطلع على مخالف فيه، بل قيل لا خلاف فيه بينهم، بل قيل عليه الاجماع المستفيض (ألف و مائتا رطل) عملا بالمروى فى الكافى فى باب الماء الذى لا ينجسه شىء فى الصحيح، عن ابن ابى عمير الثقة الذى قيل لا يرسل الا عن ثقة، عن بعض اصحابنا، عن الصادق (ع)، قال: الكر من الماء الف و مائتا رطل، و ما ينافيه من الأخبار مطروح او مؤول بما يرجع اليه.
و هل المراد بالرطل هنا المدنى او العراقى؟ ذهب المشهور (بالعراقى) و هو المنصور، التفاتا الى الجمع بين الخبر المتقدم، و بين المروى فى التهذيب فى زيادات باب المياه فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام الغدير ماء مجتمع يبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب، قال: اذا كان قدر كر لم ينجسه شىء، و الكر ستمائة رطل.
و فى مرفوعة ابن المغير المروية فى التهذيب فى باب آداب الاحداث عن الصادق (ع): الكر ستمائة رطل.
يحمل الأخيرين على المكى الذى هو ضعف العراقى كما عن الاصحاب، لامتناع الحمل على المدنى و العراقى لمكان الاجماع المخالف، فتعين المكى كما يؤيده كون محمد بن مسلم من اهل الطائف.
خلافا للمحكى عن السيد فى المصباح و الصدوق: فالمراد المدنى، حملا لكلام مولانا الصادق (ع) على عادة بلدهم، و فيه ان الشهرة المعتضدة بما مرّ كافية فى الحمل العراقى، و لو فرض العلم بكون الراوى مدنيا و كون السؤال فى المدينة، فما ظنك بالجهل؟ سيما بعد اعتضاد المختار بالمروى فى
ص: 158
التهذيب فى باب المياه عن الكلبى النسابة عن الصادق (ع) و فيه: و كم كان يسع الشن؟ فقال: ما بين الاربعين الى الثمانين الى فوق ذلك، فقلت: بأى الأرطال؟ فقال: ارطال مكيال العراق، و الرطل العراقى هو مائة و ثلثون درهما على المشهور المنصور، الدال عليه مكاتبة جعفر بن ابراهيم بن محمد الهمدانى، المروية فى الاستبصار فى باب مقدار الصاع من ابواب زكوة الفطرة، عن أبى الحسن (ع): الصاع(1) ستة ارطال بالمدنى و تسعة ارطال بالعراقى، قال: و اخبرنى انه يكون بالوزن ألف و مائة و سبعون وزنة، اذ تسع هذا المقدار مائة و ثلثون، و المراد بالوزنة الدرهم.
و عن المصنف فى نصاب الغلات من التحرير و المنتهى انه مائة و ثمانية و عشرون درهما و اربعة اسباع درهم، و لا وجه له، و قيل انه غفلة بغير ريبة.
و الرطل المدنى مائة و خمسة و تسعون درهما، كما دلت عليه الخبر.
و الرطل المكى ضعف العراقى كما عرفت، كما ان العراقى ثلثا المدنى و الرطل العراقى بالمثاقيل الشرعية عبارة عن احد و تسعين مثقالا، لأن كل عشرة دراهم تعدل سبعة مثاقيل شرعية، و بالمثاقيل الصيرفية ثمانية و ستون مثقالا و ربع مثقال، اذ كل اربعة مثاقيل شرعية ثلثة مثاقيل صيرفية.
و اذا كان المن التبريزى سبعمائة مثقال و عشرين(2) مثقالا صيرفيا، فكل
ص: 159
من تبريزى عشرة ارطال عراقية و نصف رطل و ثلاثة مثاقيل صيرفية و ثلثة اثمان مثقال، فالكر بالمن التبريزى مائة منّ و ثلثة عشر منّا و ثلثة ارباع منّ.
التقدير الثانى المساحة و للاصحاب فى كميتها اقوال اشهرها و اظهرها ما اشار اليه المصنف رحمه الله بقوله (او ما حواه ثلثة اشبار و نصف طولا فى عرض فى عمق) بأن يضرب احدها فى الآخر ثم المجتمع فى الثالث، يبلغ الجميع مكسرا اثنين و اربعين شبرا و سبعة اثمان شبر، بل عن الغنية على هذا التقدير الاجماع.
عملا بالمروى فى الاستبصار فى باب البئر يقع فيها ما يغير عن الحسين(1) بن صالح الثورى عن الصادق (ع): اذا كان الماء فى الركى كرّا لم ينجسه شىء، قلت: و كم الكر؟ قال: ثلثة اشبار و نصف طولها، فى ثلثة اشبار و نصف عمقها فى ثلثة اشبار و نصف عرضها.
و كون الخبر مرويّا فى التهذيب فى اول باب المياه فى الزيادات، و فى الكافى فى باب الماء الذى لا ينجسه شىء، بدون ذكر المساحة الطولى، مما لا يضرنا اما لجواز كونه خبرا مغايرا له، او لأن ذكر المساحتين يستلزم كون المساحة الطولى بهذا القدر لا أقل منه و الا لم يكن الارض عرضا، او لما سيأتى و بالمروى فى الكافى فى الباب فى الموثق عن أبى بصير عن الصادق (ع): عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال: اذا كان الماء ثلثة اشبار و نصف فى مثله ثلثة اشبار و نصف فى عمقه فى الارض فذلك الكر من الماء.
و التقريب انه لما كان فى غالب الاشكال يمتاز الطول عن العرض حسا و هنا ليس كذلك، اذ محط النظر هو جسم مائى يحيط به ستة مربعات متساوية طول كل ظلع من اضلعها ثلثة اشبار و نصف، فمعنى قولنا الكر ما بلغ تكسيره اثنين و اربعين شبرا و سبعة اثمان شبر، انه ما اشتمل على اثنين و اربعين مجسما مائيا، كل منها مكعب الشبر و مجسم آخر هو سبعة اثمان مكعبة و المراد بمكعب الشبر جسم مائى يحيط به ستة مربعات متساوية طول كل من اضلاعها
ص: 160
شبر، و حيث لم يكن الطول و العرض فى المقام ممتازا، فما فرضته طولا يمكن ان تفرضه عرضا، فلذا اسقط المعصوم (ع) المكان على لسان العرف لفظى الطول و العرض و اكتفى بالمقدارين، فقال: اذا كان الماء ثلثة اشبار و نصف فى مثله، اى فى مثل ثلثة اشبار و نصف، فأحدهما بيان المساحة الطولى و الآخر العرضى من غير امتياز، و لما كان العمق ممتازا فتصدى (ع) لبيانه و قال: ثلثة اشبار و نصف فى عمقه.
و هذا المعنى الذى اختلج بخاطرى من هذا الخبر الشريف يليق ان يكتب بالنور فى خدود الحور، فلا تصغ الى بعض المعانى البعيدة.
و اما جعل الخبر بيانا للشكل المستدير بعيد جدا فتعمق.
و بالجملة الخبر ظاهر فى المختار، اما بتقريب ما عرفته، او لمكان الاجماع المركب خلافا للمحكى عن الصدوق و جماعة من القميين فاسقط النصف و اكتفوا بالاشبار الثلثة فى الابعاد الثلثة، و تبعهم من المتأخرين جماعة، التفاتا الى المروى فى الكافى فى الباب فى الصحيح عن البرقى عن ابن سنان، و الظاهر انه محمد كما يرشد اليه تصريح التهذيب فى باب آداب الاحداث، و تصريحه فى هذا الباب فى موضع آخر بعبد الله غير ضاير لا ظهرية السهو و الاشتباه سيما بعد الالتفات الى كتب الرجال المبينة لطبقة البرقى و عبد الله، فاذا الخبر(1)مختلف فيه فى صحته و ان كان تسميته بمحمد بن سنان قويا لا يخلو عن قوة ان لم نتعد الى الفوق، عن اسمعيل بن جابر عن الصادق (ع): عن الماء الذى لا ينجسه شىء، قال: كرّ؟ قلت: و ما الكر؟ قال: ثلثة اشبار فى ثلثة اشبار.
و فيه مع قطع النظر عن قصور السند و الدلالة، انه لا يقوم فى مقابلة ما مرّ من وجوه عديدة، و لمحتمل حيث قال بعد نقل المروى فى التهذيب فى الباب فى الصحيح عن اسمعيل بن جابر عن الصادق (ع): عن الماء الذى لا ينجسه
ص: 161
شىء، قال: ذراعان عمقه فى ذراع و شبر سعته.
و هذه حسنة و يحتمل أن يكون قدر ذلك كرّا، و اليه جنح فى المدارك و فيه ان الخبر لمكان شذوذ العامل مما لا يصح الاستناد اليه سيما بعد الالتفات الى تعارضه بما مرّ.
و اما ارجاعه الى مذهب القميين بجعل ما فيه تحديد اللكر فى المدور دون المربع بعد الالتفات الى ضرب نصف القطر المعبر عنه فى الخبر بالسعة، و هو شبر و نصف لأن كل ذراع شبران غالبا، فى نصف المحيط الذى هو أربعة و نصف، اذ القطر على ما يقال ثلث المحيط تقريبا، فالحاصل ستة و ثلثة ارباع، فيضرب هذا فى العمق الذى هو اربعة اشبار يحصل سبعة و عشرين شبرا كما هو حاصل ضرب مذهب القميين فلعله لا يخلو عن بعد سيما بعد ملاحظة كون مذهبهم على الظاهر فى المكعب لا مدور.
و عليه فلا يحصل الانطباق، لتفاحش التفاوت، و للمحكى عن ابن طاووس فرفع النجاسة بكل مروى جمعا و لا شاهد له يعتد به.
و للمحكى عن القطب الراوندى فاكتفى ببلوغ الابعاد الثلثة عشرة اشبار و نصفا، من غير اعتبار التكسير، و كأنه التفت الى خبر ابى بصير المتقدم بعد حمله لفظة فى على ما يفيد معنى الجمع و المعيته، و فيه مع قطع النظر عن كون لفظ فى فى نحو المقامات ظاهرا فى الضرب، ان هذا التحديد موجب للتفاوت العظيم اذ ربما يساوى لتحديد المشهور و ربما ينقص عنه بقليل، كما لو فرض طوله ثلثة اشبار و عرضه كذلك و عمقه اربعة و نصف، و ربما ينقص بكثير كما لو كان طوله تسعة اشبار و عرضه شبرا و عمقه نصف شبر.
و للمحكى عن الاسكافى فما بلغ تكسيره مائة شبر، و لم اجد وجهه.
و عن الشلمقانى فما لا يتحرك جنباه عند طرح حجر فى وسطه، و هو مع عدم انضباطه بأختلاف اوضاع المياه و اقدار الاحجار و انحاء الطروح، مطروح بالاجماع كما عن بعض.
و بالجملة لا شبهة فى ارجحية المختار المشهور بين الطائفة من كون الاشبار فى كل من الابعاد ثلثة و نصف (بشبر مستوى الخلقة) حملا للخبر على الغالب.
ص: 162
فاذا بلغ الماء الكر سواء كان بالوزن او المساحة (لم ينجس الا بتغير أحد اوصافه الثلثة) و الطعم و الرايحة (بالنجاسة) بلا خلاف اجده فى المستثنى منه، الا ما عن المفيد و سلار فذهبا الى ان ما فى الحياض و الاوانى ينجس بملاقاتها و ان بلغ مقدار الكر، التفاتا الى عموم النهى عن استعمال ماء الأوانى، و فيه مع كونه اخص من الدعوى و قوة احتمال وروده مورد الغالب فى مياه الاوانى من نقصها عن الكر، انه معارض بالعمومات الدالة على عدم انفعال الكر مطلقا بتعارض العموم من وجه و المرجحات مع الاخيرة، هذا مضافا الى ما قيل بان المفيد الذى نسب اليه هذا القول عبارته فى المقنعة و ان اوهمت ذلك، الا ان ورودها مورد الغالب محتمل، بل لعله ظاهر كما فهمه تلميذه الذى هو اعرف بمذهبه فى التهذيب، و لا يبعد ان يكون غيره كذلك.
اقول عبارة سلار فى المراسم ظاهرة فيما نسب اليه، حيث قال: و لا ينجس الغدران اذا بلغت الكر الا ماء غير احد اوصافها، و ما لا يزول حكم نجاستها فهو ما فى الاوانى و الحياض بل يجب اهراقه و ان كان كثيرا انتهى.
و اما نجاسته بالتغير المذكور فاجماعى، و عليه يدل ما تقدم فى الجارى.
و هل يعتبر فى عدم انفعال الكثير تساوى سطوح الماء كما عن بعض؟ ام يكفى الاتصال مطلقا؟ كما اختاره غير واحد و عن ظاهر الاكثر، او مع الانحدار خاصة دون التسنيم؟ كما عن بعض.
اوجه اوسطها اظهرها، و ذلك اما لعموم الاخبار الدالة على عدم انفعال الكر.
منها صحيحتا معوية بن عمار و محمد بن مسلم المرويتان فى الكافى فى باب الماء الذى لا ينجسه شىء، عن الصادق (ع): اذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شىء.
او لعدم عموم فيما دل على انفعال القليل بحيث يشمل المقام فيصير العمل بالاصل و العمومات سليما عن المعارض.
ص: 163
و اما الاستدلال للاول بظهور اعتبار الاجتماع فى الماء، و صدق الوحدة و الكثرة عليه من اكثر الاخبار المتضمنة لحكم الكر اشتراطا او كمية، ففيه اولا ان هذا الظهور لو سلم فى بعض الاخبار فانما هو ظهور المورد لا الاشتراط.
و ثانيا ان صدق الوحدة عرفا اخص من دعواه لصدق المساواة باتصال الغديرين مع عدم الوحدة.
و ثالثا ان الاصل حمل اللفظ على العموم حتى يظهر العهدية، فصحيحة معوية المتقدمة متضمنة لما نقلناه من غير سبق سؤال، فليعمل بمقتضى الاصل.
و رابعا ان حمل الماء الواقع فى الصحيحتين و نحوهما على ما قاله فى المنطوق، مستلزم لحمله عليه فى المفهوم ايضا، فيجب العمل فيما لم يشمله المنطوق و المفهوم بمقتضى الاصل فيتم المطلب، و عليه فيصير المعمم فى انفعال القليل الاجماع المركب او الاولوية، فقد ظهر بما ذكرناه تقوى كل من الاعلى و الاسفل بالآخر مع صدق الاتصال عرفا و عادة.
(فان تغير) الكر بالنجاسة على الوجه المذكور (نجس اجمع ان كان كرا) من غير زيادة لنجاسة المتغير و نقصان الباقى عن الكر ان كان فينفعل بالملاقاة (و يطهر) هذا الماء النجس (بالقاء كر عليه دفعة) واحدة عرفية، فان زال التغير و الا (فكر) آخر و هكذا (حتى يزول التغير) تحقيق الكلام هنا يقع فى مقامين:
الاول: هل يكفى فى تطهير الماء مجرد الاتصال؟ ام لا بد من الممازجة قولان اظهرهما الاول، عملا بما دل على طهورية الماء، و عليه فالاجزاء النجسة الملاقية بالاجزاء الطاهرة من الكر الطاهر تصير طاهرة بمجرد الاتصال، فكذا الاجزاء التالية لها و هكذا، و استصحاب النجاسة لا يقوم فى مقابلة الدالة على طهورية الماء.
و مما يؤيد(1) المختار عدم تحقق العلم بالامتزاج ان اريد امتزاج مجموع
ص: 164
الاجزاء بالمجموع، و ان اريد امتزاج البعض فلم يكن المطهر للبعض الآخر الامتزاج بل مجرد الاتصال، فيلزم اما القول بعدم طهارته و هو باطل اجماعا، اذ ليس وراء الامتزاج المذكور شرط آخر لطهر الجميع، او القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال فحينئذ فيلزم القول بالطهارة مطلقا.
و بالجملة الاظهر عدم اشتراط الامتزاج، و عليه فالاظهر عدم اشتراط الدفعة العرفية فى القاء الكر، بل يكفى مجرد الاتصال، بل الاظهر عدم اشتراط الدفعة العرفية، اذا لم نقل باشتراط تساوى السطوح على القول بالممازجة ايضا، فيحصل التطهير بحصول الممازجة و لو قبل القاء تمام الكر، عملا بالدالة على مطهرية الماء من غير ظهور معارض.
الثانى: لو قلنا بالدفعة او الممازجة او الاتصال، فالواجب ان لا يتغير شىء من ماء الكر المطهر كما صرح غير واحد، اذ بتغير جزء الكر ينفعل الباقى الناقص عن الكر بالملاقاة، و عليه ففى اطلاق المتن ما ترى.
الاول: المشهور المنصور عدم طهره بزوال التغير من قبل نفسه او بتصفيق الرياح او وقوع اجسام طاهرة فيه، عملا بالاستصحاب، خلافا للمحكى عن يحيى بن سعيد: فيطهر بذلك، و عن نهاية الاحكام انه احتمله، و لا وجه له، و للعمومات الدالة على طهارة غير نافعة فى المقام.
الثانى: على المختار من الاكتفاء بمجرد الاتصال، فهل يكفى مطلقا؟ ام لا بد هنا من المساواة او علو المطهر كما اختاره البعض؟(1) و هو ممن لا يرى بانفعال و ان اختلفت السطوح.
وجهان و الاول اقرب للعمومات.
الثالث: لو فرق ماء الكر فى ظروف عديدة و القى ماء كل منها على حياله
ص: 165
على الماء النجس مع اتصال الانصاب الى الفراغ، فاستظهر بعض الاجلاء عدم افادته الطهارة، التفاتا الى ان المفهوم من الاخبار و كلام الأصحاب اختصاص اسم الكر بالماء المجتمع و الى انه بوصول اول كل ماء من مياه الظروف الى الماء النجس يجب الحكم بنجاسته لكونه ماء قليلا لاقى نجاسة، قال و العجب من جمع ممن رأيناهم من فضلاء بلادنا البحرين انهم يحكمون بالتطهر بذلك بل يفعلونه، و قد حضرت ذلك غير مرّة، انتهى.
(و ان كان) الماء الواقف اكثر من كر، فان تغير جميعه فحكمه كما مرّ، و ان تغير بعضه (فالمتغير خاصة ان كان الباقى كرا و يطهر) حينئذ بزوال التغير و لو بالعلاج، اذ الباقى كر غير متغير كالملقى (او بالقاء كر طاهر عليه دفعة) و ذكر الدفعة هنا مستغنى عنه و ان كان غير مفسد، اذ المقصود زوال التغير (او بتموجه حتى يستهلكه(1) الطاهر) و الدليل على الكل العمومات من غير معارض.
(و ان كان) الماء الواقف (أقل من كر نجس بجميع ما يلاقيه من النجاسة و ان لم يتغير وصفه) بها وفاقا للمعظم، بل عن الجماعة عليه الاجماع، و هو الحجة مضافا الى مفهوم جملة من الاخبار المتقدمة المشترطة للكرية، و الى الأخبار التى هى بحسب المعنى متواترة على الظاهر المحكى عن الجماعة.
منها المروى فى التهذيب فى باب المياه فى الصحيح عن الفضل عن الصادق (ع): عن فضل الهرة و الشاة و البقرة و الابل و الحمار و الخيل و البغال و الوحوش و السباع، فلم اترك شيئا الا سألته عنه، فقال: لا بأس به حتى انتهيت الى الكلب، فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضلة و اصبب ذلك الماء و أغسله بالتراب اول مرة ثم بالماء.
و فى الباب فى الصحيح عن محمد عن الصادق (ع) عن الكلب يشرب من
ص: 166
الأناء، قال: اغسل الأناء الخبر و فى الباب فى الصحيح عن حريز عمن أخبره عن الصادق (ع): اذا ولغ الكلب فى الاناء فصبه.
و فى الباب فى الزيادات فى الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع): عن الدجاجة و الحمامة و اشباههما تطا العذرة ثم يدخل فى الماء، يتوضا منه للصلوة؟ قال لا الاّ أن يكون الماء كثيرا، قدر كر من ماء.
و فى الباب المذكور فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): عن الرجل يجد فى انائه فارة و قد توضأ من ذلك الاناء مرارا و غسل منه ثيابه و اغتسل منه و قد كانت الفارة منسلخة، فقال: ان كان راها فى الاناء قبل ان يغتسل او يتوضأ او يغسل ثيابه، ثم فعل ذلك بعد ما رأها فى الاناء فعليه ان يغسل ثيابه و يغسل كل ما اصابه ذلك الماء، و يعيد الوضوء و الصلوة، الخبر.
و فى آخر زيادات باب التيمم فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع) فى رجل معه انا آن فيهما ماء وقع فى أحدهما قذر، و لا يدرى ايّهما هو، و ليس يقدر على مآء غيره، قال: يهريقهما جميعا و يتيمم.
و نحوه فى الكافى فى باب الوضوء من سؤر الدواب فى الموثق عن سماعة عن الصادق (ع)، و فى الكافى فى الباب فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع) و فيه: كل شىء من الطير يتوضأ مما يشرب منه، الاّ أن ترى فى منقاره دما، فان رأيت فى منقاره دما فلا تتوضأ منه و لا تشرب.
و فى الكافى فى باب الوضوء من سؤر الحائض فى الصحيح عن سعيد الأعرج عن الصادق (ع): عن سؤر اليهودى و النصرانى، فقال: لا.
و فى باب النوادر قبل ابواب الحيض فى الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه ابى الحسن (ع): عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب اناءه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال: ان لم يكن شىء يستبين فى الماء فلا بأس، و ان كان شيئا بيّنا فلا يتوضأ منه، و عن رجل رعف و هو يتوضا فقطر قطرة فى انائه، هل يصلح الوضوء منه؟ قال: لا، فتأمل.
ص: 167
و فى باب الرجل يدخل يده فى الاناء عن شهاب بن عبد ربه عن الصادق عليه السلام، فى الرجل يسهو فيغمس يده فى الاناء قبل ان يغسلها: أنه لا بأس اذا لم يكن اصاب يده شىء.
الى غير ذلك من الاخبار التى يجدها المتتبع، حتى عن بعض انه جمع فى ذلك مائتى حديث.
خلافا للمحكى عن العمانى فقال بالعدم مطلقا، لاخبار اقويها ما رواه فى الكافى فى باب الماء الذى فيه قلة فى الصحيح بابراهيم عن محمد بن الميسر عن الصادق (ع): عن الرجل الجنب ينتهى الى الماء القليل فى الطريق و يريد ان يغتسل منه، و ليس معه اناء يغرف به و يداه قذرتان، قال: يضع يده و يتوضأ ثم يغتسل، هذا مما قال الله عز و جل: (مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).
و فيه مع قطع النظر عن احتياجه الى ثبوت الحقيقة فى كل من القليل و القذر فى الاقل من الكر و النجاسة فى زمان صدوره، ان الحمل على التقية اقرب قريب، اذ المحكى عن مالك و الاوزاعى و الثورى و داود و ابن المنذر الذهاب الى قول العمانى، و هو المروى عن ابن عباس و حذيفة و ابى هريرة و الحسن و سعيد بن المسيب و عكرمة و ابن ابى ليلى و جابر بن زيد، هذا مضافا الى انا لو فرضنا تعدد الاخبار الصريحة الصحيحة الدالة على مذهب العمانى بحيث بلغت مائة بل و ازيد، لكان قاصرا عن مقاومة خبر ضعيف ذهب اليه معظم الطائفة، مع ان اخبارهم فى المختار بالغة بما سمعته، و بالجملة الذهاب الى مذهب العمانى ينبئ عندى بالقصور فى الفقاهة.
و للمحكى عن الشيخ فيما لا يكاد يدركه الطرف من النجاسة مطلقا كما عن المبسوط، او من الدم خاصة كما عن الاستبصار، التفاتا الى صحيحة على بن جعفر المتقدمة فى الكافى فى باب النوادر و فيه ما فى التذكرة بان اصابة الأناء لا يستلزم اصابة الماء، و مع ذلك شاذ غير صالح لمعارضة ما مرّ.
و للمحكى عن المرتضى فيما اذا ورد الماء على النجاسة حيث قال فى
ص: 168
المسائل الناصرية، بعد قول جده الناصر: لا فرق بين ورود الماء على النجاسة و بين ورود النجاسة على الماء، ما لفظه: هذه المسئلة لا اعرف فيها لأصحابنا قولا صريحا، ثم نقل عن الشافعى: الفرق بين ورود الماء على النجاسة و ورودها عليه، و اعتبار القلتين فى الثانى دون الاول، و قال بعده: و يقوى فى نفسى عاجلا ان يقع التأمل صحة ما ذهب اليه الشافعى، و الوجه فيه انا لو حكمنا بنجاسة الماء القليل الوارد على النجاسة لادى ذلك الى ان الثوب لا يطهر من النجاسة الا بأيراد كر من الماء عليه و ذلك يشق، فدل على ان الماء الوارد على النجاسة لا يعتبر فيه القلة و لا الكثرة، كما يعتبر فيما ترد النجاسة عليه انتهى.
و فيه ان مقتضى عموم المفهوم فى الاخبار المشتركة بالكرية التعميم، و ما ذكره مجرد استبعاد فى الاحكام الشرعية التعبدية، اذ لا منافاة بين حصول الطهارة بالماء القليل و نجاسته بتلك الملاقاة، اذ غاية ما يستفاد من المانع عن التطهير بالنجس هو ما كان نجسا قبل التطهير لا ما كان نجسا بذلك التطهير كحجر الاستنجاء و غيره، هذا مضافا الى تأمله فى فتواه، وعد ذلك قولا مشكلا مع انه على تقديره شاذ محجوح بما مر، سيما بعد اعتضاده الى المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام: عن الثوب يصيبه البول، قال: اغسله فى المركن مرتين فان غسلته فى ماء جار فمرة واحدة، و المركن كما عن الصحاح الاجانة التى يغسل فيها الثياب، و عليه فلا وجه لتبعية بعض(1) متأخرى المتأخرين له(2) اصلا، و ليعلم ان الظاهر انعقاد الاجماع على عدم الفرق فى انفعال القليل، بين ملاقاته مع عين النجاسة او المنتجس، و نسبه فى المشارق الى ظاهر الاصحاب.
(و يطهر بالقاء كر طاهر عليه دفعة) و قد عرفت تحقيق هذه المسئلة، و عرفت حصول التطهير بالاتصال بالجارى او الكثير او نزول الغيث عليه على
ص: 169
أن بلوغه كرا هو المانع لتأثره بالنجاسة و لا يلزم من كونه لا ينجسه شىء بعد البلوغ رفع ما كان ثابتا فيه و منجسا قبله، و الشيخ رحمه الله قال بقولهم (ع) و نحن قد طالعنا كتب الاخبار المنسوبة اليهم فلم نر هذا اللفظ، و انما رأينا ما ذكرناه و هو قول الصادق (ع): اذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شىء و لعل غلط من غلط فى هذه المسئلة لتوهمه ان معنى اللفظ واحد.
و اما الايات و الخبر البواقى، فالاستدلال بها ضعيف لا يفتقر الى جواب، لانا لا ننازع فى استعمال الطاهر المطلق، بل بحثنا فى هذا النجس اذا بلغ بطهر، فان ثبت طهارته تناولته الاحاديث الآمرة بالاغتسال و غيره، و ان لم يثبت طهارته فالاجماع على المنع منه، فلا تعلق له اذن فيما ذكره، و هل يستجير محصل ان يقول النبى (ص) احثوا على رأسى ثلث حثيات مما يجتمع غسالة البول و الدم و بلغة الكلب، انتهى.
و انما نقلناه بطوله لجودة محصوله.
و الاجماع المنقول بخبر العدل و ان كان حجة لكن لا مطلقا، بل مع حصول المظنة و هى هنا غير حاصلة، لذهاب الاكثر الى الخلاف.
الاول: لو جمد الماء القليل فلاقته نجاسة، فالاظهر انه كالجامدات فيختص موضع الملاقاة بالنجاسة، وفاقا لبعض لان جموده أخرجه عن المائية عرفا، و الاحكام تابعة للتسمية، و عن نهاية الاحكام و التحرير التوقف.
الثانى: لو عرض الجمود للماء بعد النجاسة فتطهيره يتوقف على عوده مايعا، لامتناع مداخلة الطاهر لاجزائه و فيها ما هو باق على الجمود.
الثالث: لو طارت الذبابة عن النجاسة الى الثوب او الماء، فعن الشيخ و المحقق فى الفتاوى: العفو لعسر الاحتراز و لعدم الجزم ببقائها لجفافها فى الهواء، و عن الذكرى: و هو يتم فى الثوب دون الماء.
الرابع: لو وجد نجاسة فى الكر و شك فى وقوعها قبل الكرية او بعدها،
ص: 170
فهو طاهر ان كان زمان الكر مورخا، و لو شك فى بلوغ الكرية فعن المصنف و من تبعه انه ينجس بالملاقاة، و علل بان المقتضى و هو ملاقاة النجاسة موجود، و المانع و هو الكرية مشكوك و الاصل عدمه، و جنح البعض الى الطهارة التفاتا الى المروى فى التهذيب فى باب المياه عن حماد عن الصادق عليه السلام الماء كله طاهر حتى تعلم انه قذر.
أقول الاصل المتقدم على القول بصحة الاستناد اليه، انما يجرى فيما لو كان الماء على القلة يقينا، و اما لو علم بكثرته ثم شك فى قلته، فلا يخلو اما يحصل الشك بسبب احتمال النقصان فالاصل عدم النقصان، او بسبب انه رأى نقصان الماء و شك فى انه حينئذ هل باق على الكرية ام لا؟ فجريان الأصل هنا بان يحكم بالبقاء مشكل، او لا بد فى الاستصحاب من بقاء الموضوع، و اما الاستناد بالحديث فى الطهارة ففيه اشكال، اذ الشارع نوع الماء على نوعين فحكم بالنجاسة بالملاقاة فى نوع و هو ما دون الكر، و بعدمها فى نوع آخر و هو البالغ حد الكر، فنحن حينئذ شاكون بان هذا الماء هل هو داخل فى أفراد الاول؟ حتى نحكم بالنجاسة، او فى افراد الثانى؟ حتى نحكم بالطهارة و الانصاف ان المسئلة محل اشكال.
(القسم الرابع ماء البئر) و هو مجمع ماء نابع من الأرض لا يتعداها غالبا و لا يخرج عن مسماها عرفا ان تغير بالنجاسة نجس اجماعا (و يطهر بالنزح حتى يزول التغير) على المنصور الذى اختاره المصنف، كما يأتى من عدم انفعاله بالملاقاة، عملا بصحيح ابن البزيع المتقدم فى اوايل الجارى.
و بالمروى فى الكافى فى باب البئر فى الصحيح عن ابى اسامة عن الصادق عليه السلام: عن الفارة و السنور و الدجاجة و الطير و الكلب، قال: ما لم يتفسخ او يتغير طعم الماء، فيكفيك خمس دلاء، فان تغير الماء فخذ منه حتى يذهب الريح.
و لا يعارضه المروى فى التهذيب فى باب تطهير المياه فى الصحيح على
ص: 171
الأظهر لمكان ابراهيم عن معوية عن الصادق (ع): لا يغسل الثوب و لا تعاد الصلوة مما وقع فى البئر الا ان ينتن، فان انتن غسل الثوب و اعاد الصلوة و نزحت البئر.
لقصوره عددا و دلالة بل سندا، لان فى ابراهيم اختلافا بين كون السند به حسنا او صحيحا، و ان كان الأظهر مما عرفت، و لكن ذلك مما يدخله فى القصور فى مقام التعارض.
و اما لو قلنا بانفعال البئر بالملاقاة ففى الاكتفاء بذلك كما عن المفيد و الجماعة، او وجوب نزح الجميع مع الامكان، و الا فالتراوح مطلقا كما عن الصدوقين و المرتضى و سلار، او الاكتفاء بما يزول به التغير مع تعذر نزح الكل كذلك كما عن الشيخ، او وجوب نزح الاكثر مما يحصل به زوال التغير و استيفاء المقدر كما عن ابن زهرة و الذكرى، او وجوب ذلك مع ورود التقدير فى النجاسة و الا فالجميع فان تعذر فالتراوح كما عن الحلى و المحقق و الشيخ على و الشارح الفاضل، او وجوب نزح الكل فان غلب فاكثر الامرين من زوال التغير و المقدر كما عن الدروس و ظاهر التحرير، او نزح ما يزيل التغير اولا ثم استيفاء المقدر بعده ان كان لها مقدر و الا فالجميع فان تعذر فالتراوح كما عن المحقق و غيره او وجوب اكثر الامرين زوال التغير و المقدر ان كان تقدير و الا بزوال التغير كما عن جماعة من المتأخرين.
اوجه اوجهها الأخير، عملا بالدال على المقدر و الدال على زوال التغير.
و اما الرضوى: فان تغير الماء وجب ان ينزح الماء كله فان كان كثيرا و صعب نزحه يستقون منها على التراوح من الغدوة الى الليل، فلمكان قصور السند لا يقوم فى مقابلة ما مر.
و على القول بعدم الانفعال بالملاقاة لو زال التغير بنفسه او بعلاج، يطهر بذلك لانه المفهوم عرفا، بعد ملاحظة خبرى ابن بزيع و ابى اسامة السابقين.
ص: 172
و على القول بالانفعال فالاقرب عدم الطهر بذلك.
و عليه فهل يجب نزح الجميع حينئذ كما عن الجماعة؟ او الاكتفاء بما يزول معه التغير لو كان اذا حصل العلم بذلك و الا فالاول كما عن اخرى؟ وجهان اقربهما الاخيران لم يكن لها تقديرا و كان و انقضى قبل زوال التغير التقديرى، عملا بالفحوى و ان كان تقدير و انقضى بعد الزوال فالاقرب مراعاة انقضائه ايضا
(و ان لم يتغير لم ينجس) وفاقا لاكثر المتأخرين، كما عن العمانى و الحسين بن عبيد الله الغضايرى و الشيخ فى بعض اقواله، عملا بصحيحتى ابن البزيع و معوية المتقدمين، و بالمروى فى التهذيب فى باب تطهير المياه فى الصحيح عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن بئر ماء وقع فيها زنبيل من عذرة رطبة او يابسة، او زنبيل من سرقين، ايصلح الوضوء منها؟ قال: لا بأس.
و فى الباب فى الصحيح عن معوية بن عمار عن الصادق (ع): فى الفأرة تقع فى البئر فيتوضأ الرجل منها و يصلى و هو لا يعلم، ايعيد الصلوة و يغسل ثوبه؟ فقال: لا يعيد الصلوة و لا يغسل ثوبه.
و فى الباب فى الصحيح عن محمد عن احدهما: فى البئر تقع فيها الميته، قال: اذا كان له ريح نزح منها عشرون دلوا.
و فى الباب باسناد فيه ابان عن ابى اسامة و ابى يوسف عن الصادق (ع) اذا وقع فى البئر الطير و الدجاجة و الفارة فانزح منها سبع دلاء، قلنا: فما تقول فى صلوتنا و وضوئنا و ما اصاب ثيابنا؟ فقال: لا بأس به.
و فى الباب فى الموثق عن ابى بصير عن الصادق (ع): بئر يستقى منها و توضئ به و غسل منه الثياب و عجن به ثم علم انه كان فيها ميت، قال: لا بأس و لا يغسل الثوب و لا تعاد منه الصلوة.
الى غير ذلك من الاخبار المعتضدة باختلاف الاخبار فى مقادير النزح جدا، و بالاخبار الدالة على عدم نجاسة الماء و الكر بالملاقاة، هذا مضافا الى الاصل و الآيات.
ص: 173
(و) لكن (اكثر اصحابنا) القدماء (حكموا بالنجاسة) بمجرد الملاقاة، بل عن الحلى و المصريات للمحقق نفى الخلاف، بل عن الانتصار و الغنية الاجماع، لاستفاضة الاخبار بالنزح للنجاسات، و للمروى فى الكافى فى باب البئر فى الصحيح عن محمد بن اسمعيل بن بزيع قال: كتبت الى رجل اسأله ان يسئل ابا الحسن الرضا (ع) عن البئر تكون فى المنزل للوضوء، فتقطر فيها قطرات من بول او دم او يسقط فيها شىء من عذره كالبعرة و نحوها، ما الذى يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلوة؟ فوقّع (ع) بخطه فى كتابى: ينزح دلاء منها.
و فى التهذيب فى باب تطهير المياه فى الصحيح عن على بن يقطين عن الكاظم (ع): عن البئر تقع فيها الحمامة و الدجاجة او الفارة او الكلب او الهرة فقال: يجزيك ان تنزح منها دلاء فان ذلك يطهرها ان شاء الله.
و فى باب التيمم فى الصحيح عن عبد الله بن ابى يعفور و عنبسة عن الصادق (ع): اذا اتيت البئر و انت جنب فلم تجد دلوا و لا شيئا تغرف به، فتيمم بالصعيد فان رب الماء رب الصعيد، و لا تقع فى البئر و لا تفسد على القوم ماءهم.
و فيه اما الآمرة بالنزح فمع عدم التلازم بين النزح و النجاسة، انها معارضة بما مرّ، و مقتضى الجمع الحمل على الاستحباب، مضافا الى وروده فيما ليس بنجس.
و اما خبرا ابن بزيع و على فلمكان و هنهما بنزح الدلاء للمذكورات فيهما مع اختلاف تقاديرها، مما لا يقوم معارضة فى مقابلة ما مر، هذا مضافا الى قرب صدورهما كغيرهما من جراب النورة اذ عن اكثر العامة القول بالنجاسة و الى كون الاول مكاتبة و هى قلما تخلو عن شىء، و الى وقوع لفظ التطهير فيه فى السؤال، و التقرير فى المقام الذى عرفت مذهب العامة غير نافع، و الى اقربية حمل الطهارة على المعنى اللغوى، و الحل على تساوى الطرفين من دون كراهة بالنسبة الى حمل الدالة على الطهارة الى غير معناه.
ص: 174
و اما خبر عبد الله ففيه ان الافساد اعم من النجاسة، فلعله هنا باعتبار تغير الماء و اختلاطه بالطين.
و اما الامر بالتيمم فيمكن ان يكون ذلك من جملة الاعذار المسوغة للتيمم، اما لمكان المشقة او لتضرر الغير باستعماله، و لعل الأخير اقرب كما يومى الخبر.
و مما يستأنس على المسوغية فى نحو المقام، المروى فى الكافى فى باب الوقت الذى يوجب التيمم فى الصحيح عن الحسين ابن ابى العلا عن الصادق عليه السلام: عن الرجل يمر بالركية و ليس معه دلو، قال: ليس عليه ان ينزل الركية، ان رب الماء هو رب الارض فليتيمّم.
فبقى الكلام فى الاجماع المحكى، و هو و ان كان قويا سيما اذا اعتضد بالشهرة القديمة، و لكن يوهنه الشهرة المتأخرة اذ هم ادق نظرا، و الاخبار المتقدمة التى تكون دلالتها على العدم كالنور على الطور.
و عليه فالاقرب ايضا مذهب المصنف المخالف لما عن اكثر العامة، و امر الاحتياط واضح.
و على المختار من القول بالطهارة، فهل يجب النزح تعبدا كما عن المنتهى؟ ام يستحب؟ وجهان و الاخير اظهر، وفاقا للاكثر، التفاتا الى شدة الاختلاف المظهر للاستحباب سيما بعد الالتفات الى الامر بالنزح فيما ليس نجسا، و الى ندرة القائل و الواجب التعبدى، و الى كون المجاز الاستحباب الذى قيل انه مجاز مشهور بالنسبة الى اوامر الائمة (ع).
و على المختار فالاظهر الحكم بالطهارة مطلقا و لو لم يبلغ الكر بلا خلاف اطلع عليه، الا ما عن ابى محمد الحسن بن محمد البصرى فاشترط فى الحكم بلوغ الكر، و له خبر الثورى المتقدم فى مساحة الكر، و فيه انه لمكان الضعف و الشذوذ مما لا يصلح لمعارضة ما مر، و فى الاستبصار الحسن بن صالح راوى هذا الحديث زيدى بترى متروك الحديث فيما يختص به.
اقول و يحتمل حمله على التقية ايضا، كما احتمله و فى الاستبصار قائلا: بأن
ص: 175
من الفقهاء من سوى بين الابار و الغدران فى قلّتها و كثرتها، فيجوز ان يكون الخبر ورد موافقا لهم، انتهى.
نعم فى موثقة عمار المروية فى التهذيب فى زيادات باب المياه عن الصادق (ع): عن البئر يقع فيها زنبيل عذرة يابسة او رطبة، فقال: لا بأس اذا كان فيها ماء كثير.
و عن الفقه الرضوى: و كل بئر عمق مائها ثلثة اشبار و نصف فى مثلها، فسبيلها سبيل ماء الجارى، الا ان يتغير لونها او ريحها.
و لكن الانصاف انهما ايضا لمكان قصور السند و شذوذ القائل، لا يقومان فى مقابلة ما مر.
و اما الاستناد الى مفهوم نحو قوله: اذا كان الماء قدر كر، الى آخره، فغير نافع اذ التعارض بين ما تقدم للمختار و بينه العموم من وجه و الترجيح معنا و عن الذكرى عن الجعفى انه يتغير فى ماء البئر ذراعين فى الابعاد الثلثة حتى لا ينجس و لم اجد وجهه، و حيث كان المختار الطهارة مطلقا فلا مزيد فائدة فى البحث عن بيان المقدرات، و لكن نتبع المصنف بيانا لما هو الاظهر فى الامر الاستحبابى.
(و اوجبوا نزح الجميع فى موت البعير) و هو كما عن اهل اللغة و جماعة من الاصحاب الابل بمنزلة الانسان فيشمل الذكر و الانثى و الصغير و الكبير، و عن ابن زهرة و الحلى كون الحكم متفقا عليه بين الاصحاب، و عليه يدل المروى فى الكافى فى باب البئر فى الصحيح عن الحلبى عن الصادق (ع): اذا سقط فى البئر شىء صغير فمات فيها فانزح منها دلاء، و ان وقع فيها جنب فانزح منها سبع دلاء، فان مات فيها بعير او صب فيها خمر فلتنزح.
و فى التهذيب فى باب تطهير المياه فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): ان سقط فى البئر دابة صغيرة او نزل فيها جنب نزح منها سبعة دلاء، فان مات فيها ثور او نحوه او صب فيها خمر نزح الماء كله.
ص: 176
و مقتضى الاخير وجوب نزح الجميع للثور وفاقا للمحكى عن الاكثر، و هو كما عن بعض الذكر من البقر، و الاقرب اعتبار الاسم عرفا ايضا و عليه فالصغير محل شك خلافا للمحكى عن الحلى فالكر للثور، و ليس له وجه يعتد به.
(و وقوع المنى) و عن الغنية و السرائر الاجماع.
(و دم الحيض و الاستحاضة و النفاس) و عن الكتابين الاجماع، لكن المستند فى ذلك كالمنى من النصوص غير معلوم.
(و المسكر) و عن الكتابين الاجماع، عملا بخبرى الحلبى و عبد اللّه السابقين، و بالمروى فى التهذيب فى باب تطهير المياه فى الصحيح عن معوية بن عمار عن الصادق (ع): فى البئر يبول فيها الصبى او يصب فيها بول او خمر، فقال: ينزح الماء كله.
و اورد على الاخير بعدم قائل فى نزح الجميع فى البول، و على رواية عبد الله بانها مخالفة للمشهور فى الدابة الصغيرة، و عن المشهور عدم الفرق فى الخمر بين القليل و الكثير حتى عن الحلى كونه متفقا عليه بينهم.
خلافا للمحكى عن المقنع فينزح للقطرة عشرون دلوا، و له المروى فى الباب عن زرارة عن الصادق (ع): بئر قطر فيها قطرة دم او خمر، قال: الدم و الخمر و الميت و لحم الخنزير فى ذلك كله واحد ينزح منه عشرون دلوا فان غلبت الريح نزحت حتى تطيب.
و اورد مع قطع النظر عن ضعف السند، بان ظاهره الاكتفاء بالعشرين فى الخمر و ما ذكر معه، مع عدم ظهور قائل.
و فى خبر كردويه المروى فى الباب عن ابى الحسن: عن البئر يقع فيها قطرة دم او نبيذ مسكر او بول او خمر، قال: ينزح منها ثلثون دلوا و عن التحرير الميل بالعمل بالعشرين و الثلثين.
اقول مقتضى القول بالوجوب ترجيح المشهور لا لاطلاق الاخبار السابقة، لعدم صدق الصب على القطرة، او للشك فيه، بل لما سمعته عن الحلى، و عدم
ص: 177
تضمن الاخبار الحاكمة لنزح الجميع ما عدا الخمر من المسكرات غير ضاير فى نحو المسئلة، التى عرفت فيها نقل الاجماع، سيما بعد الالتفات الى اعتضاد التعميم بالاخبار المطلقة على المسكر لفظ الخمر، بناء على ان الاطلاق اما على الحقيقة كما عن بعض، او المجاز المقتضى لمكان حذف وجه الشبه الاشتراك فى جميع وجوه الشبه مطلقا، او المتعارفة منها و ما نحن فيه منها فتأمل جدا.
(و الفقاع) اجماعا حكى عن الغنية و السرائر، و عن الذكرى الحاق العصير العنبى بعد الاشتداد بالخمر لشبهه به و هو قياس، و عن الحلبى ايجاب نزح الجميع لبول ما لا يؤكل لحمه و لروثه به الا بول الرجل و الصبى، و عن القاضى ايجاب الجميع لعرق الابل الجلالة و عرق الجنب من حرام، و عن البصرى الحاق خروج الكلب و الخنزير حيين، و عن بعضهم الحاق الفيل، و لا وجه للكل يعتد به.
(فان تعذر) نزح الجميع (لكثرته تراوح اربعة رجال يوما) و عن المنتهى لا يعرف فيه مخالف بين القائلين بالتنجيس، و عن الغنية الاجماع، عملا بالمروى فى التهذيب فى باب تطهير المياه فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع) عن بئر يقع فيها كلب او فارة او خنزير، قال: ينزف كلها فان غلب عليه الماء فلينزف يوما الى الليل، ثم يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين فينزفون يوما الى الليل، و قد طهرت.
و عن الفقه الرضوى: و ان كان كثيرا و صعب نزحه فالواجب عليه ان يكترى اربعة رجال يستقون منها على التراوح، من الغداة الى الليلة.
و عدم القول بوجوب نزح الكل للفارة غير ضاير فى الاول، ككلمة ثم الدالة بظاهرها على النزح فى يومين، اذ هو حينئذ كالعام المخصص فيما بقى حجة، مع ان عن التحرير اسقاط ثم، هذا مضافا الى جواز قراءة ثم بفتح الثاء، و الى جواز حملها على غير الترتيب الخارجى، كقوله تعالى: (كَلاّٰ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاّٰ سَيَعْلَمُونَ).
ص: 178
و مقتضى المتن كما عن الاشهر عدم اجزاء النساء، و هو مقتضى الرضوى، و كذا خبر عمار بناء على ما عن جملة من اهل اللغة من اختصاص القوم بالرجال لكن فى التذكرة حكم باجزاء النساء و الصبيان، قال: لصدق القوم عليهم.
اقول عن القاموس: القوم جماعة من الرجال و النساء معا او الرجال خاصة او يدخله النساء على التبعية، و عن الصغانى ربما دخل النساء تبعا، انتهى، و عليه فيرجح كلام التذكرة لكن هاتين العبارتين الشاهدتين مناديتان بعدم انصراف الاطلاق على النساء لو سلم كونه حقيقة فى المعنى الشامل لهم و لهن، هذا مع كون المتن هو الاحوط و اما الصبيان فلست اعرف لادخالهم وجها، كما لا اعرف لقول التذكرة ايضا.
و لو نهض القويان بعمل الاربعة فالاقرب الاجزاء وجها يعتد به فى الاحكام التعبدية، سيما احكام البئر، و اطلاق اليوم فى خبر عمار يشمل الطويل و القصير، و مقتضى الرضوى كون التراوح من الغداة الى الليلة، و هو المحكى عن الاكثر، و عن بعض من طلوع الشمس و هو ضعيف، و على المختار لا بدّ من ادخال جزء من الليل متقدما و متأخرا من باب المقدمة، و تهيئة الاسباب قبل ذلك، و لا يجزى مقدار اليوم من الليلة و لا الملفق، عملا بظاهر الخبرين، و عن جماعة انهم استثنوا من الاشتغال بالنزح الصلوة جماعة و الاكل جميعا، التفاتا الى قضاء العرف بذلك، و عن بعضهم نفى الاستثناء، و عن آخر الاقتصار على الاول فارقا بينهما ان الثانى يمكن حصول حال الراحة، بخلاف الاول فان الفضيلة الخاصة للجماعة لا تحصل الا به.
و عن الحلى كيفية التراوح ان يستقى اثنان بدلو واحد يتجاذ بانه الى ان يتعبا فاذا تعبا قعدا، و قام هذان و استراح الآخران، خلافا للمحكى عن الجماعة فطريقه ان ينزح كل اثنين وقتا بان يكون احدهما فوق البئر يمتح بالدلو و الآخر فيها يملاه، ثم يستريحان فيقوم الاخران كذلك، و الأول اقرب الى التعارف، الا ان يبلغ الماء فى القلة الى ان لا يمتلى الدلو بمجرد الوضع بل
ص: 179
كان محتاجا الى الامتلاء.
(و نزح كر فى موت الحمار) بلا خلاف كما قيل، و فى المروى فى الباب عن عمرو بن سعيد عن الباقر (ع): عما يقع فى البئر و عد اشياء الى ان قال: حتى بلغت الحمار و الجمل، قال: كرّ من ماء، و فى الاستدلال به مناقشة لما عرفت من حكم الجمل، لكن لا بأس فى الاستحباب.
(و البقرة) وفاقا للجماعة و لم اطلع على نص، و استجود بعضهم الحاقها بالثور لصحيحة ابن سنان المتقدمة، و لا بأس بهما على ما اخترناه تسامحا.
(و شبههما) كالبغل و الفرس و غيرهما، على ما عن الثلثة و اتباعهم، و لا بأس به على ما اخترناه.
(و نزح سبعين دلوا من دلاء العادة) اذ هى المرجع فى نحو المقام، و اما ما عن بعض بان المراد بالدلاء الهجرية ثلثون رطلا، و عن الجعفى اربعون رطلا فمتروك عند المشهور، لكن عن الفقه الرضوى: اذا سقط فى البئر فارة او طائر او سنور و ما اشبه ذلك، فمات فيها و لم يتفسخ نزح منه سبعة دلاء من دلاء هجر، و الدلو اربعون رطلا، و العمل على المشهور.
و اما ما عن ظاهر البعض من الاكتفاء بما يعتاد على تلك البئر و ان كان نحو آنية الفخار اذا كان مما يستقى به فى البلد غالبا، فضعيف اقتصارا على المنقول.
و لو اختلف الدلو المعتاد فى البئر و لم يغلب البعض، فالاصغر مجز و الاكبر اولى، و ان غلب البعض فهو اولى.
و لو نزح باناء عظيم ما يخرجه الدلاء المقدرة، فهل يجزى كما عن بعض؟ ام لا كما عن الجماعة؟ وجهان و الاخير اقرب عملا بالمنقول.
(فى موت الانسان) اجماعا كما عن الغنية و المنتهى و ظاهر التحرير، عملا بالمروى فى التهذيب فى باب تطهير المياه فى الموثق عن عمار عن الصادق عليه السلام: عن رجل ذبح طيرا فوقع بدمه فى البئر، فقال: ينزح منها دلاء
ص: 180
هذا اذا كان ذكيا فهو هكذا، و ما سوى ذلك مما يقع فى البئر الماء فيموت فيه، فاكثره الانسان ينزح منها سبعون دلوا، و اقله العصفور ينزح دلو واحد، و ما سوى ذلك فبما بين هذين.
و مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين الصغير و الكبير و الذكر و الانثى، بل بين المسلم و الكافر، وفاقا للمشهور، خلافا للمحكى عن الحلى و الشيخ ابى على فينزح للكافر الجميع و يمكن تشييده بمنع شمول الاطلاق لنحوه على اشكال، و كيف كان فهو احوط.
(و خمسين فى العذرة الذائبة) كما عن الثلثة و اتباعهم، و عن الشيخ ذكر ذلك فى العذرة الرطبة، و عن المفيد ان كانت العذرة رطبة او ذابت و تقطعت فيها، نزح منها خمسون دلوا، و عن المرتضى فان ذابت و تقطعت فخمسون دلوا، و عن ابن زهرة انه استدل عليه بالاجماع، و عن الفقيه و المقنع و أبيه و المحقق انه يستقى اربعون الى خمسين ان ذابت فيها، و الاصل فيه المروى فى الباب عن ابى بصير عن الصادق (ع): عن الجنب يدخل البئر فيغتسل منها، قال: ينزح منها سبع دلاء، و عن العذرة تقع فى البئر، فقال:
ينزح منها عشر دلاء فان ذابت فاربعون او خمسون دلوا.
و ظاهر الخبر مع الصدوقين، و لعل بناء المشهور استصحاب النجاسة مع احتمال كون الترديد من الراوى، و هو و ان كان محل نظر و لكن الوقوف على المشهور متعين، و المراد بالعذرة فضلة الانسان كما عن تهذيب اللغة و الغريبين و مهذب الأسماء، و المراد بالذوبان تفرق اجزائها فى الماء، و عن بعض أنه احتمل الاكتفاء بذوبان بعض الاجزاء.
(و الدم الكثير غير الثلثة كذبح الشاة) و كون الخمسين فى الدم الكثير هو المحكى عن الاكثر، بل عن الغنية الاجماع، و عن السرائر عدم الخلاف الا من المفيد، و عن المفيد ينزح للكثير عشر دلاء، و عن المرتضى ينزح للدم بين دلو واحد الى العشرين، و مستندهم من النص غير واضح.
ص: 181
نعم فى الكافى فى باب البئر فى الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه أبى الحسن (ع): عن الرجل ذبح شأة فاضطربت فوقعت فى بئر ماء و او داجه تشخب دما، هل يتوضا من تلك البئر؟ قال: ينزح منها ما بين الثلثين الى الاربعين دلوا ثم يتوضا منها و لا بأس به.
و عن جماعة العمل بهذا الخبر، و عن ظاهر البعض العمل بمضمونه فى مطلق الدم الكثير، و فيه ما ترى فتأمل.
و مقتضى اطلاق الفتوى عدم الفرق بين دم نجس العين و غيره، و قد يرجح عدم الحاق الاول لغلظ نجاسته، و اختصاص مورد الخبر بدم ذبح الشاة و المعتبر فى القلة و الكثرة ما كانت فى نفسها كما عن المشهور، و عن القطب الراوندى بالنسبة الى ماء البئر فى الغزارة و النزارة، و حكى عن المصنف ايضا و لا يساعده النص.
(و اربعين فى موت السنور و الكلب) و عن ابن زهرة الاجماع، و عن الفقيه ان وقع فيها كلب نزح منها ثلثون دلوا الى اربعين دلوا و ان وقع فيها سنور نزح منها سبع دلاء، و عن المقنع انها فيها كلب او سنور فانزح منها - ثلثين دلوا الى اربعين دلوا و قد روى سبع دلاء.
و مستند المتن ما روى عن كتاب الحسين بن سعيد عن القاسم عن على عن الصادق (ع): عن السنور؟ فقال: أربعون دلوا و للكلب و شبهه.
و كان مستند المقنع المروى فى التهذيب فى باب تطهير المياه، فى الموثق عن سماعة عن الصادق (ع): عن الفارة تقع فى البئر الى ان قال: و ان كانت سنورا او اكبر منه نزحت منها ثلثين دلوا او أربعين دلوا الخبر، و لكن استفادة الكلب منه مشكل، فافهم.
(و الخنزير و الثعلب و الارنب) و عن الشيخين انهما الحقا بالكلب ما اشبهه فى جسمه مثل المذكورات و الشاة و الغزال و غيرها، و دلالة خبر على المتقدم قبيل المتن المتضمن لقوله (ع): و للكلب و شبهه، على ذلك مشكل.
ص: 182
و يدل على قول الفقيه ينزح تسعة دلاء الى عشرة فى وقوع الشاة و ما أشبهها، المروى فى التهذيب فى الباب عن اسحق بن عمار عن جعفر عن أبيه عن على (ع): الدجاجة و مثلها تموت فى البئر ينزح منها دلوان و ثلثة، فاذا كانت الشاة و ما اشبهها فتسعة او عشرة.
و عن المقنع: ان وقعت فى البئر شاة فنزح منها سبعة ادلاء، و كأنه استدل الى المروى فى الباب عن عمرو بن سعيد بن هلال عن الباقر (ع): عما يقع فى البئر ما بين الفارة و السنور الى الشاة، فقال: كل ذلك يقول سبع دلاء
و العمل بالكل جيّد على ما اخترناه تسامحا، و عن بعض نزح الجميع للخنزير لمكان نحوه الواقع فى خبر عبد الله المتقدم فى البعير، و فيه ما ترى.
(و بول الرجل) و عن الغنية الاجماع لخبر على بن ابى حمزة المروى فى الباب عن الصادق (ع): عن بول الصبى العظيم يقع فى البئر، فقال: دلوا واحدا، قلت: بول الرجل، قال: ينزح منها اربعون دلوا.
و اما ما عن المنتهى من الاكتفاء بثلثين فى القطرة من البول مطلقا فشاذ.
و لا يلحق ببول الرجل بول المرأة على ما حكى عن المشهور، خلافا للمحكى عن الجماعة فالحقوه به، و منهم الحلى مدعيا تواتر الاخبار عن الائمة عليهم السلام بالأربعين لبول الانسان، و عن ابن زهرة الاجماع فى الاربعين لبول الانسان البالغ، و ظاهر المتن و النص عدم الفرق بين بول المسلم و الكافر كما عن ظاهر الاصحاب، و يحتمل الفرق بناء على انصراف الاطلاق الى المسلم، على اشكال قوى.
(و فى وقوع نجاسة لم يرد فيها نص) وفاقا للمحكى عن المبسوط و ابن حمزة، عملا بالمرسل المروى عن المبسوط عنهم (ع): ينزح منها اربعون دلوا و ان صارت مبخرة، و قيل: الجميع و هو المحكى عن الحلى و ابن زهرة المحقق و اكثر المتأخرين، عملا باستصحاب النجاسة، و عن ابن طاوس نزح الثلثين، و عن الشهيد فى الشرح نفى البأس عنه، عملا بالمروى فى زيادات باب المياه من
ص: 183
التهذيب عن كردويه عن ابى الحسن (ع): عن بئر يدخلها ماء المطر و فيه البول و العذرة و ابوال الدواب و ارواثها و خرء الكلاب، قال: ينزح منها ثلثون دلوا و ان كان مبخرة، و فى الرياض معناها المنتنة و روى بفتح الميم و الخاء و معناها موضع النتن.
و ارجح الأقوال اولها، لا لما تقدم اذ هو خبر مرسل متروك الظاهر غير معلوم الصدور، بل لصحيح ابن بزيع المتقدم الدال على طهر البئر مع التغير بالنجاسة بالنزح حتى يزول من غير ايجاب نزح الجميع فمع عدم التغير اولى، و عليه فانتفى القول بالجميع.
و عليه فلا بد من القول بالاربعين، عملا بالاستصحاب مع عدم المخرج لضعف دليل الثلثين جدا، اذ هو ليس من محل النزاع فى شىء.
هذا على القول بانفعال البئر بالملاقاة، و اما نحن فنستريح عن ذلك.
(و ثلثين فى وقوع ماء المطر مخالطا للبول و العذرة و خرء الكلاب) لخبر كردويه المتقدم المعتضد بالعمل، و اذا خالطه البعض فيكفى الثلثين بطريق اولى.
(و عشرة فى العذرة اليابسة) بلا خلاف كما عن الحلى، و عن الغنية الاجماع، و قد تقدم خبر ابى بصير فى العذرة الذائبة.
(و الدم القليل غير الثلثة كذبح الطير و الرعاف اليسير) وفاقا للمحكى عن الشيخ و جماعة قيل و عن المقنع فى القطرات من الدم عشرة دلاء و ربما ظهر منه عشرين فى كلام منه فيه ايضا، و فى الفقيه و ان قطر فيها قطرات من دم استقى منها دلاء، و عن المقنعة ان كان الدم قليلا نزح منها خمس دلاء، و عن المحقق و المنتهى المصير الى دلاء يسيرة بعد نقل ذلك عن ابن بابويه.
و يدل على الاخير المروى فى الكافى فى باب البئر فى الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه ابى الحسن (ع): عن رجل ذبح دجاجة او حمامة فوقعت فى بئر، هل يصلح ان يتوضأ منها؟ قال: ينزح منها دلاء يسيرة ثم
ص: 184
يتوضأ منها، و عن رجل يستقى من بئر فيرعف فيها، هل يتوضأ منها؟ قال:
ينزح منها دلاء يسيرة.
و قد تقدم فى شرح قول المصنف: و اكثر اصحابنا حكموا بالنجاسة، صحيح محمد بن اسمعيل بن بزيع، و لم اجد للمتن و المقنعة دليلا يعتد به.
(و سبع فى موت الطير كالحمامة و النعامة و ما بينهما) كما عن السراير و غيره، او كالدجاجة و الحمامة اما خاصة كما عن الصدوق، او بزيادة ما شبهه كما عن الشيخين و غيرهما، للاجماع المحكى عن الغنية، و فى الذخيرة بعد نقل المتن: كذا ذكره الاصحاب.
و فى خبر ابى اسامة المروى فى التهذيب فى باب تطهير المياه عن الصادق (ع): اذا وقع فى البئر الطير و الدجاجة و الفارة، فانزح منها سبع دلاء.
و فى الباب عن على عن الصادق (ع): عن الفارة تقع فى البئر، قال:
سبع دلاء، و عن الطير و الدجاجة تقع فى البئر، قال: سبع دلاء.
و فى الباب فى الموثق عن سماعة عن الصادق (ع): عن الفارة تقع فى البئر او الطير، قال: ان ادركته قبل ان ينتن نزحت منها سبع دلاء.
لكن يعارضها صحيح الفضلاء المروى فى الباب عن الباقرين (ع) فى البئر يقع فيها الدابة و الكلب و الطير فتموت، قال: يخرج ثم ينزح من البئر دلاء.
و خبر اسحق المتقدم فى الارنب.
و صحيح ابى اسامة المروى فى الباب عن الصادق (ع): فى الفارة و السنور و الدجاجة و الطير و الكلب، قال: فاذا لم ينفسخ او يتغير طعم الماء فيكفيك خمس دلاء، و ان تغير الماء فخذ منه حتى يذهب الريح.
و خبر البقباق المروى فى الباب عن الصادق (ع): فى البئر يقع فيها الفارة و الدابة او الكلب او الطير فيموت، قال: يخرج ثم ينزح من البئر دلاء.
ص: 185
و صحيح على بن يقطين المروى فى الباب عن الكاظم (ع): عن البئر تقع فيها الحمامة او الدجاجة او الفارة او الكلب او الهرة، فقال: يجزيك ان تنزح منها دلاء.
و عن الاستبصار الجمع بين الدالة على السبع و الدال على الخمس، تارة بالتفسخ و عدمه، و اخرى بالفضل، و اما الدال على الدلاء فيمكن حمله على المقيد، و اما خبر اسحق فقاصر عن المعارضة، و على المختار من عدم الانفعال فالأمر سهل.
(و الفارة اذا انفسخت) او تسلخت بلا خلاف كما استظهره البعض، و عن الجماعة الحاق الانتفاخ بالتفسخ، و منهم المصنف حيث قال (او انتفخت) و لا دليل عليه اجده سوى ما عن الغنية من الاجماع عليه، و ما عن الحلى من كون الانتفاخ اول درجة الانفساخ يأباه العرف و اللغة، و الدليل على السبع جملة من الاخبار، و الدال على الثلث محمول على عدم الانفساخ و الانسلاخ و الانتفاخ، و الدال على الدلاء محمول على المقيد.
(و بول الصبى) وفاقا للمحكى عن الاكثر، بل عن السرائر و الغنية الاجماع، عملا بالمروى فى التهذيب فى باب تطهير المياه عن منصور عن عدة من اصحابنا عن الصادق (ع): ينزح منها سبع دلاء اذا بال فيه الصبى.
و هل المراد بالصبى الصبى الآكل للطعام مطلقا؟ كما عن الاكثر و منهم المصنف كما يظهر من قوله الآتى فى بول الرضيع.
او الذى لم يغتذ باللبن او اغتذى به مع غلبة غيره عليه؟ كما عن الذكرى.
او الذى لم يكن فى الحولين مطلقا؟ كما عن الحلى.
اوجه و الوقوف على الاول اولى، سيما بعد الايماء اليه المروى عن الفقه الرضوى: بول الصبى اذا أكل الطعام استقى منها ثلث ادل و ان كان رضيعا استقى منه دلو واحد، و هذا الخبر يدل على المحكى عن الصدوق و المرتضى من نزح ثلث دلاء فى بول الصبى و قد اكل، و لكن الوقوف على السبع اولى و
ص: 186
أقرب.
و أما ما عن ابن حمزة من وجوب السبع فى بوله مطلقا، ثم وجوب الثلثة فيه اذا اكل ثلثة ايام، ثم الواحد فيه اذا لم يطعم، فمستنده غير واضح.
و اما ما عن سلار من اطلاقه السبع فى بوله، ضعيف لما سيظهر من التفصيل.
و اما خبر على بن ابى حمزة المتقدم فى بول الرجل الدال على نزح دلو واحد فى بول الصبى العظيم، فمما لا يصلح لمعارضة المختار من وجوه.
كما لا يصلح لذلك خبر معوية المروى فى الباب، الدال على نزح الجميع فى بول الصبى، و عن الاصحاب حمله على الاستحباب او حصول التغير.
هذا على القول بالانفعال، و اما على المختار فالأمر فى هذه الأخبار سهل فى الغاية.
(و اغتسال الجنب) فيها مطلقا كما عن الجماعة، لخبر ابى بصير المروى فى الباب عن الصادق (ع): عن الجنب يدخل البئر فيغتسل منها، قال:
ينزح منها سبع دلاء.
او ارتماسه، كما عن كتب الشيخين و سلار و بنى حمزة و ادريس و البراج و سعيد و غيرهم، و لم اجد ما يدل على اعتباره خاصة، و ليس ما عن الحلى من دعوى الاجماع على ثبوت الحكم فى المرتمس منافاة لاطلاق ما يأتى.
او مباشرته مطلقا كما عن المفيد لظاهر الصحاح اذ عبّر فى بعضها بالدخول كصحيحة محمد المروية فى الباب عن احدهما (ع): اذا دخل الجنب البئر نزح منها سبع دلاء، و فى اخرى بالوقوع كصحيحة الحلبى المتقدمة فى البعير، و فى اخرى بالسقوط كصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة هناك، اللهم الا ان يدعى تبادر الاغتسال.
و هل يشترط خلو بدن الجنب من النجاسة؟ كما عن ظاهر الاكثر و اليه أشار المصنف بقوله: (الخالى من النجاسة العينية) ام لا كما عن المنتهى؟
ص: 187
وجهان ينشأن من اعتبار الحيثية فالاول، و من اطلاق الاخبار المتقدمة فالثانى و لو لا ما تقدم فى المنى من الاجماعين المحكيين لكان الاخير بالنسبة الى المنى حسنا، سيما مع كثرة مصاحبته له، و لكن معهما الترجيح مع الاشتراط.
(و خروج الكلب حيا) وفاقا للمشهور، عملا بالمروى فى الباب فى الصحيح عن ابى مريم قال حدثنا جعفر قال: كان أبو جعفر (ع) يقول: اذا مات الكلب فى البئر نزحت، و قال جعفر (ع): اذا وقع فيها ثم اخرج منها حيا نزح منها سبع دلاء.
خلافا للمحكى عن الحلى فيجب نزح الاربعين و لا وجه له يعتد به، و كذا ما عن البصروى من نزح الجميع فيه و فى الخنزير كما تقدم.
(و خمس فى ذرق الدجاج) فى المشهور لكن عن المفيد و سلار و ابن البراج و ابن ادريس و الحلبى التقييد بالجلال، و لم أقف على نصّ مطلقا.
(و ثلث فى موت الفارة) مع عدم الانفساخ او الانتفاخ ايضا كما عرفت، وفاقا للمحكى عن الاكثر، عملا بالمروى فى الباب فى الصحيح عن معوية بن عمار عن الصادق (ع): عن الفارة و الوزغة تقع فى البئر، قال: ينزح منها ثلث دلاء.
و وجه التقييد يظهر مما مرّ بعد الالتفات الى خبر ابى عيينة و ابى سعيد المكارى المرويين فى الباب، خلافا للمحكى عن الصدوقين فدلو واحد فى صورة عدم التفسخ، و لم اجد وجهه، و مقتضى الصحيحة نزح الثلث فى الوزغة وفاقا للمحكى عن الصدوقين و الشيخين و من تبعهما، و عن الحلبى و سلار دلو واحد، و عن الحلى نفى ذلك مطلقا، و عن المحقق و غيره استحباب النزح و لا بأس به على ما اخترناه، فليكن ثلث دلاء (و الحية) وفاقا للمحكى عن الاكثر، و يمكن الاستدلال عليه بالمروى فى الكافى فى باب البئر فى الصحيح عن الحلبى عن الصادق (ع): اذا سقط فى البئر شىء صغير فمات فيها فانزح منها دلاء، لأن الثلث اقل ما احتمله الجمع.
(و دلو فى العصفور) وفاقا للمشهور، بل عن الغنية الاجماع للموثق
ص: 188
المروى فى التهذيب فى باب تطهير المياه عن عمار عن الصادق (ع)، و فيه:
و اقله العصفور ينزح منها دلو واحد، فما عن ظاهر الصدوقين من التخصيص بالصعوة المفسرة فى القاموس على ما حكى عنه بالعصفور الصغير، مما لا يعتنى به فى مقابلة المختار (و شبهه) كما عن المشهور، و مستنده غير واضح، قيل: و فسر العصفور بما دون الحمامة و شبهه و بمضاهيه فى الجسم و المقدار، و لا يخفى ما بينهما من التنافى، و عن البعض انه نوع من الطير، و عن الجماعة انه الأهلى الذى يسكن الدور و لعله الاقرب، و عن الراوندى الحكم بخروج الخنافس عن شبهه العصفور معللا بانه نجس، و اعترضه المحقق فى النجاسة بأنه لا دليل عليها فلو علل بأنه مسخ فنمنع مسخه ثم نجاسة المسخ.
(و بول الرضيع الذى لم يغتذ بالطعام) وفاقا للمحكى عن الاكثر للرضوى المتقدم فى الصبى، الذى هو كالعام المخصص فيما بقى حجة.
(و كل ذلك عندى مستحب) لما اشرنا اليه.
و ينبغى التنبيه لأمور:
الاول: هل ينحصر طريق تطهير البئر فى النزح حيث حكم بنجاسته؟ كما عن المحقق، ام لا؟ فيشارك غيره من المياه فى الطهارة بممازجة الجارى و القاء الكر و نزول الغيث كما عن الجماعة.
وجهان ينشأن من ظاهر الاخبار الآمرة بالنزح فالاول، و من قوة احتمال حمل تلك الاخبار على الغالب من انحصار المطهر فيه، و عليه فالعمومات الدالة على مطهرية الماء سالمة من المعارض فالثانى، و لعله الأرجح.
الثانى: لو غار ماء البئر بعد النجاسة، فعلى المختار لا اشكال فى الطهارة و كذا على القول الاخر كما عن الجماعة، التفاتا الى ان المقتضى للطهارة ذهاب الماء و هو حاصل بالنزح و الغور و لا يعلم كون العايد هو الغامر و الاصل الطهارة، و الى ان النزح قد تعلق بماء البئر لا بها و لا يعلم بوجوده و الحال هذه.
ص: 189
و فى الوجهين نظر اما الاول فلجواز القول بان المقتضى النزح باعتبار ايجابه جريان الماء المطهر لارض البئر و مائها، و اما الثانى فلان ارض البئر نجسة و لم يعلم لها مطهر بالغور.
الثالث: اذا تعددت النجاسة فذهب البعض الى التداخل مطلقا، و الجماعة الى العدم مطلقا، و فى التحرير ان كانت الاجناس مختلفة لم يتداخل النزح كالطير و الانسان و لو تساوى المنزوح كالكلب و السنور، و ان كان الجنس واحدا ففى التداخل تردد.
اقول الأظهر العدم مطلقا عملا بالأصل.
الرابع: هل يلحق جزء الحيوان بكله فى نزح مقدر له كما عن بعض؟ او يلحق بغير المنصوص كما عن آخر؟ وجهان و الأخير حسن ان كان منزوح الكل اكثر مما ينزح لما لا نصّ فيه، و ان كان اقل فيكفى منزوح الكل للجزء ايضا للأولوية.
الخامس: حكى عن الجماعة بان البئر كما يطهر بالنزح كذا يطهر الدلو و الرشاء و المباشر، و فى الذخيرة لا ينجس جوانب البئر بما يصيبها من الماء المنزوح للمشقة المنفية، و يحكم بالطهارة عند آخر اجزاء الدلاء، و المتساقط معفو عنه للمشقة العظيمة و لان الطهارة معلقة على النزح و قد حصل، و الظاهر عدم وجوب غسل الدلو كما صرحوا، و الظاهر عدم الخلاف فيه و علل بعدم البيان من الشارع، لأنه لو كان نجسا لتعدت الى الماء و يلزم ان يكون زيادة النزح موجبة لنجاسة الماء.
و هل ينجس النازح ما يلاقيه من الماء المنزوح على القول بالانفعال؟ فيه وجهان أقربهما نعم، و صرح الشهيد بالعدم معللا بعدم امر الشارع بالغسل و فيه تأمل انتهى.
أقول لما لم اجد نصّاحا كما بالطهارة فيما قالوه و لما كان الأظهر عندنا عدم الانفعال، فالاعراض عن المناقشات الواردة فى هذه الكلمات اولى.
السادس: يجب اخراج النجاسة قبل الشروع فى النزح اتفاقا، كما عن
ص: 190
المنتهى و عن الذكرى لو سقط الشعر فى الماء نزح حتى يظن خروجه ان كان شعر نجس العين، فان استمر الخروج استوعب فان تعذر لم يكف التراوح مادام الشعر لقيام النجاسة و النزح بعد خروجها او استحالتها و كذا لو تفتّت اللحم و لو كان شعر طاهر العين امكن اللحاق لمجاورته النجس مع الرطوبة و عدمه لطهارته فى اصله.
السابع: لا يعتبر فى النزح النية كما صرح فى الذخيرة قائلا بان ظاهرهم الاتفاق عليه، قال: و لا يعتبر فى النازح البلوغ و الاسلام فيجوز ان يتولاه الصبى و الكافر مع عدم مباشرته الماء، و لا يعتبر الذكورية و لا الانوثية الا فى التراوح و لا يعتبر الدلو فى النزح لاصالة التغيير و لا فى نزح الجميع، و كذا فى نزح الكر لان الغرض اخراج هذا المقدار و قد حصل انتهى.
أقول اما فى نزح ساير المقدارات فقد عرفت ان الاظهر كونها بالدلو.
و لو فى حال الاضطرار، و لا فى الاكل و الشرب اختيارا اجماعا كما قاله غير واحد، و المراد بعدم الجواز فى الاخير التحريم و كذا فى الاول مع اعتقاد حصولها به و مع عدمه فالمراد عدم الاعتداد اذ لا دليل على التحريم حينئذ.
(و لو اشتبه النجس من الانائين اجتنبا و يتيمم) عند عدم التمكن من غيره اتفاقا كما عن الجماعة، عملا بالمروى فى التهذيب فى آخر باب التيمم فى الزيادات فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): فى رجل معه انا ان فيهما ماء وقع فى احدهما قذر و لا يدرى ايهما هو و ليس يقدر على ماء غيره، قال: قال يهريقهما جميعا و يتيمم.
و نحوه فى الحكم موثقة سماعة المروية فى الكافى فى باب الوضوء من سؤر الدواب، و عن الفقه الرضوى: اذا كان اناآن وقع فى احدهما ما ينجس الماء و لم يعلم فى ايهما وقع فليهرقهما جميعا و ليتيمم.
ص: 191
الاول: هل يجب الاراقة كما عن الشيخين؟ او بشرط ارادة التيمم كما عن ظاهر الصدوقين؟ او العدم مطلقا كما عن صريح البعض حاكيا عن ظاهر الاكثر؟ اوجه ينشأ من اطلاق الاخبار المتقدمة فالاول، و من الاصل و قوة احتمال ارادة الكناية عن النجاسة فى الأخبار السابقة كما ينادى بذلك الأمر باراقة الماء القليل الراكد بوقوع النجاسة فيه مع عدم كونه للوجوب عند أحد كما صرح البعض فالثالث، و من تحقق فقدان الماء الموجب للتيمم فالثانى، و لعل القول بعدم الاهراق مطلقا ارجح و امر الاحتياط واضح.
الثانى: لا فرق فى وجوب الاجتناب مع الاشتباه بين ما لو كان الماء فى انائين او اكثر، كما عن صريح كثير من الاصحاب، بل استظهر غير واحد عليه الاتفاق، و فى التذكرة لو نجس احد الانائين و اشتبه اجتنبا و وجب غسلهما معا و لو لم يجد ماء غير مائهما تيمم و صلّى و لا اعادة عليه، ذهب اليه علماؤنا اجمع سواء كان عدد الطاهر اكثر او اقل او تساويا، و سواء الحضر و السفر و سواء اشتبه بالنجس او بالنجاسة، و ظاهره ايضا دعوى الاجماع، و عليه فلا يضر ورود الاخبار بخصوص الانائين، مضافا الى تنقيح المناط كما ادعاه بعض المحققين و عليه فلا فرق بين ذلك فى انائين او غديرين كما صرح بعضهم.
الثالث: لو لاقى احدهما شيئا طاهرا، فهل يحكم بنجاسة الملاقى كما عن المنتهى ام لا كما اختاره الجماعة؟ وجهان و الاخير اقرب، عملا بالأصل و كونه فى حكم النجس فى جميع الاحكام اول الكلام.
الرابع: لو اشتبه الاناء المتيقن طهارته بأحد الانائين المشتبهين بالنجاسة فالظاهر المنع من استعمالهما، وفاقا للمنتهى و غيره لاصالة بقاء وجوب الاجتناب عن كل واحد من الانائين المشتبهين بالنجاسة، فيجب الاجتناب عن كل ما اشتبه باحدهما من باب المقدمة.
الخامس: مقتضى النصّ و كلام الأصحاب وجوب التيمم و الحال هذه، سواء امكن الطهارة باحدهما و الصلوة ثم تطهير الاعضاء مما لاقاه الماء و الوضوء
ص: 192
بالآخرام لا و استظهر بعض الاجلاء عدم الخلاف فيه.
السادس: لا يجوز التحرى بتحصيل الامارات المرجحة لطهارة أحدهما كما عن صريح الاصحاب لثبوت النهى، و القرينة التى لا تثمر اليقين غير كافية فى الخروج عن عهدة النهى الشرعى.
السابع: و حيث لا يجوز الطهارة و التيمم بالماء و التراب المغصوبين مع العلم بالغصبية بالاجماع كما فى التذكرة لو اشتبه بغيره، وجب اجتنابهما معا كما صرح الجماعة بلا خلاف اطلع عليه، فان توضأ بكل منهما فالأقرب البطلان مع الانحصار لعدم الامر، و الصحة ان وجد غيرهما مما يجوز التصرف فيه شرعا لوجود الامر، غاية الامر كونه عاصيا.
الثامن: يجب الطهارة فى المشتبه بالمضاف بكل منهما اجماعا كما فى التذكرة، و لا دليل على الجزم بالنية فى نحو المقام، و لو انقلب احدهما و صب ماءه فعن الاصحاب انه يجب الوضوء بالآخر و التيمم، اذ الحكم بالوضوء معلق بوجدان الماء و التيمم بعدمه، فاذا وجد ما يشك فى كونه ماء كان وجوب كل من الوضوء و التيمم مشكوكا و حيث لا ترجيح وجب الاتيان بهما، تحصيلا للبراءة اليقينية، و عليه فما المدارك الذى يجب استعماله فى الطهارة ان كان هو ما علم كونه ماء مطلقا فالمتجه الاجتزاء بالتيمم و عدم وجوب الوضوء به كما هو الظاهر و ان كان هو ما لم يعلم كونه مضافا اكتفى بالوضوء، فالجمع بين الطهارتين غير واضح مما لا وجاهة فيه.
نعم عنهم وجوب تقديم الوضوء على التيمم و وجهه غير واضح، الاّ أن يقال ان قبل الانقلاب كما يجب الوضوء به و لا يجوز الاتيان بالتيمم مع اعتقاد الشرعية فالأصل البقاء الى ان يعلم بارتفاع النهى، و هو انما يتحقق بعد الأتيان بالوضوء بالواحد الباقى بعد الانقلاب، فافهم.
التاسع: المشتبه بالمستعمل فى الطهارة الكبرى على القول بعدم ارتفاع الحدث به، يجب الطهارة بهما معا كما صرح غير واحد لأنه واجد للماء البتّة.
ص: 193
الاول: لا شبهة فى الحكم بالتنجيس لو حصل العلم بملاقاته للنجاسة و اما لو حصل الظن بها، فهل يحكم بالتنجيس مطلقا؟ و ان لم يستند الى سبب شرعى كما عن الحلبى، ام لا مطلقا؟ و ان استند الى شهادة العدلين بل لا بد من القطع و اليقين كما عن القاضى، ام الاول؟ ان استند الى شهادة العدلين و اخبار ذى اليد و ان لم يكن عدلا، و الثانى؟ ان لم يكن كذلك كما عن المشهور بين المتأخرين و منهم المصنف، لكن فى موضع من التذكرة حكم بقبول قول العدل الواحد ايضا.
اوجه اوجهها الاخير، لنا على عدم القبول اذا لم يكن مستندا الى شهادة العدلين و أخبار ذى اليد الاصل، و الاخبار المتجاوزة عن حد الاستفاضة القريبة من التواتر لو لم ندع به، منها المروى فى التهذيب فى آخر باب تطهير الثياب فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): كل شىء نظيف حتى تعلم انه قذر فاذا علمت فقد قذر و ما لم تعلم فليس عليك.
و فى الباب فى الزيادات فى الصحيح عن زرارة قال قلت: اصاب ثوبى دم رعاف او غيره او شىء من منى فعلمت اثره الى ان اصيب له الماء، فاصبت و حضرت الصلوة و نسيت ان بثوبى شيئا و صليت، ثم انى ذكرت بعد ذلك.
قال: تعيد الصلوة و تغسله، قلت: فأنى لم اكن رأيت موضعه و علمت انه قد اصابه و طلبته فلم اقدر عليه، فلما صليت وجدته، قال: تغسله و تعيد، قلت:
فانى ظننت انه قد اصابه و لم اتيقن فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فرأيت فيه، قال:
تغسله و لا تعيد الصلوة، قلت: لم ذلك؟ قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغى لك ان ينقض اليقين بالشك ابدا.
و فى زيادات باب المياه فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): عن الرجل يجد فى انائه فارة و قد توضأ من ذلك الاناء مرارا و غسل منه ثيابه و اغتسل منه و قد كانت الفارة منسلخة، فقال: ان كان راها فى الاناء قبل ان يغتسل او
ص: 194
يتوضأ او يغسل ثيابه ثم فعل ذلك بعد ماراها فى الاناء، فعليه ان يغسل ثيابه و يغسل كلما اصابه ذلك الماء و يعيد الوضوء و الصلوة، و ان كان انماراها بعد ما فرغ من ذلك و فعله، فلا يمس من الماء شيئا و ليس عليه شىء، لأنه لا يعلم متى سقط فيه، ثم قال: لعله ان تكون انما سقطت فيه تلك الساعة.
و فى زيادات باب اللباس فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام انه سئل: انى اعير الذمى ثوبى و أنا اعلم انه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده فأغسله قبل أن اصلى فيه؟ قال: ابو عبد الله (ع) صل فيه و لا تغسله من اجل ذلك، فانك اعرته اياه و هو طاهر و لم تستيقن انه نجسه، فلا بأس ان تصلى فيه حتى تستيقن انه نجسه.
و فى الباب فى الصحيح عن معوية بن عمار عن الصادق (ع): عن الثياب السابرية يعملها المجوس و هم اخباث و هم يشربون الخمر و نساؤهم على تلك الحال البسها و لا اغسلها و اصلى فيها، قال: نعم، قال: معوية فقطعت له قميصا و خطته و فتلت له ازارا و رداء من السابرى ثم بعثت بها اليه فى يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فكأنه عرف ما اريد فخرج فيها الى الجمعة.
و فى الاستبصار فى باب الرجل يصلى فى ثوب فيه نجاسة عن حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه عن على (ع): ما ابالى ابول اصابنى او ماء اذا لم اعلم.
الى غير ذلك من الاخبار التى لو اردنا نقلها ليطول المقام جدا.
و اما اعتبار شهادة العدلين، فيدل عليه المروى فى الكافى فى باب الجبن عن عبد الله بن سليمان عن الصادق (ع): عن الجبن، قال: كل شىء لك حلال يجيئك شاهدان يشهدان عندك ان فيه ميتة.
و عن الكلينى و الطوسى بسنديهما عن الصادق (ع): كل شىء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب فيكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، الى ان قال: و الاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك او تقوم به البينة.
ص: 195
و الحكم فى مسئلة الحلية و الحرمة كالحكم فى مسئلة الطهارة و النجاسة و هما من باب واحد، مع ان التحريم فى الاول انما نشأ من حيث النجاسة، و سند الخبرين منجبران بالشهرة المتأخرة، و يعضده ما استظهره بعض الأجلاء من عدم الخلاف فى أنه لو كان الماء مبيعا فأدعى المشترى فيه العيب بكونه نجسا و أقام شاهدين عدلين بذلك فأنه يتسلط على الفسخ و ما ذاك الا لثبوت النجاسة و اما ما فى المشارق من المناقشة بان قبول شهادتهما فى الصورة المفروضة لا يدل على ازيد من ثبوت جواز الرد و أخذ الأرش عليه، و اما ان يكون حكمه حكم النجس فى ساير الاحكام فلا، بل لا بدّ له من دليل شرعى، مما لا ينبغى ان يصغى اليه كيف و استحقاق جواز الرد او أخذ الارش انما هو فرع ثبوت النجاسة و حكم الشارع بها، و متى ثبت النجاسة ترتبت عليها أحكامها التى من جملتها هنا العيب الموجب لجواز الرد و الارش.
و اما اعتبار ذى اليد، فلما ادعاه بعض الاجلاء من ظهور اتفاق الاصحاب على قبول قول المالك فى طهارته ثوبه و انائه و نحوهما و نجاستها، و عليه يدل جملة من الاخبار، منها المروى عن الحميرى فى قرب الاسناد عن عبد الله بن بكير عن الصادق (ع): عن رجل اعار رجلا ثوبا فصلى فيه و هو لا يصلى فيه، قال:
لا يعلمه ذلك، قلت: فان اعلمه، قال: يعيد فتدبر.
و فى التهذيب فى زيادات باب اللباس فى الصحيح عن البزنطى قال:
سألته عن الرجل يأتى السوق فيشترى جبة فرو و لا يدرى اذكية هى ام غير ذكية، أ يصلى فيها؟ فقال: نعم ليس عليكم المسئلة، ان أبا جعفر (ع) كان يقول:
ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم ان الدين اوسع من ذلك.
و فى الباب عن سعد بن اسمعيل بن عيسى عن ابي الحسن (ع): عن الجلود الفرا أيشتريها الرجل فى سوق من اسواق الجبل أيسئل عن ذكاته اذا كان البايع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أن تسئلوا عنه.
ص: 196
و عليه يدل ايضا اخبار معوية(1) و عمار و على بن جعفر المرويات فى التهذيب فى كتاب الاطعمة و الذبايح من التهذيب، و اما ما ذهب اليه فى التذكرة من قبول قول العدل الواحد فلم أجد عليه وجها قابلا للذكر، الا مفهوم آية النباء و لكن فى عمومه بحيث يشمل نحو المقام نوع تأمل، مع معارضته بالآيات الناهية عن اتباع المظنة، و بالأخبار المتقدمة الحاكمة باتباع العلم فى الطهارة و النجاسة.
حكى عن بعضهم تقييد قبول قول العدلين فى ذلك بذكر السبب، قال لاختلاف العلماء فى المقتضى للتنجيس الا ان يعلم الوفاق فيكتفى بالاطلاق و استحسنه فى المعالم، و عن الجماعة و منهم التذكرة انهم قيدوا الحكم بقبول الاخبار الواحدة بنجاسة مائه بما اذا وقع الاخبار قبل الاستعمال، فلو كان بعده لم يقبل بالنظر الى نجاسة المستعمل له فان ذلك فى الحقيقة اخبار بنجاسة الغير فلا يكفى فيه الواحد و ان كان عدلا، و لانّ الماء يخرج بالاستعمال عن ملكه اذ هو فى معنى الاتلاف او نفسه.
أقول ربما ينافى هذا التقييد خبر الحميرى المتقدم عن قريب، لكن يمكن دفعه بالمروى فى زيادات باب اللباس من التهذيب فى الصحيح عن العيص بن القاسم عن الصادق (ع): عن رجل صلى فى ثوب رجل أيّاما ثم ان صاحب
ص: 197
الثوب أخبره انه لا يصلى فيه، قال: لا يعيد شيئا من صلوته، مع ان هذا التقييد مما يعضده الاصل فتأمل جدا.
الثانى: لو وجد العدلان فى ثوب الغير نجاسة فلا يجب عليهما الاخبار، عملا بالاصل المعتضد بخبر الحميري المتقدم، و بالمروي فى الكافى فى باب صفة الغسل فى الصحيح عن عبد الله سنان عن الصادق عليه السلام:
اغتسل ابى من الجنابة، فقيل له: قد أبقيت لمعة فى ظهرك لم يصبها الماء، فقال له: ما كان عليك لو سكت ثم مسح تلك اللمعة بيده.
و مقتضى الاصل ايضا عدم وجوب الاعلام لو وجد النجاسة فى طعام الغير و شرابه، و ليس ذلك من باب الامر بالمعروف، لعدم كون الجاهل بالنجاسة مكلفا بالاجتناب.
الثالث: مقتضى الاصل توقف المحكوم بنجاسته على عوده بالطهارة على العلم بحصول التطهير الشرعى، او ما يقوم مقام العلم من شهادة العدلين او العدل الواحد لو اعتبرناه، التفاتا الى عموم مفهوم آية النبأ لو قلنا بشموله لنحو المقام، و عليه فلا يحكم بالطهارة من غير هذه الطرق، فلذا عن الجماعة أنهم يهبون ثيابهم النجسة القصارين او يبيعونها ثم يشترونها منهم ادراجا له فى أخبار ذي اليد، و لكن المستفاد من السيرة ان كل ذي عمل مؤمن على عمله ما لم يظهر خلافه، ألست تنظر الى العلماء و الأتقياء و غيرهم؟ من دفعهم ثيابهم النجسة الى نسوانهم او جاريتهم او الغسالين فيسترجعونها منهم، و يصلون فيها من غير طلب شهادة العدلين على رفع النجاسة، بل يكتفون بمجرد أقوالهم فى التطهير الشرعى حملا لأقوالهم على الصحة.
فلو كان بناء الأمر على ما مر لمكان الأمر كذلك، اذ المسئلة من الأمور العامة البلوى فى الغاية، و حيث لم يرد عنهم (ع) نص و اشتهر بين الشيعة سلوك ما أشرنا اليه، يجب الحكم بمتابعتهم.
و يعضدهم فى عملهم هذا ما نرى من الأخبار من الحكم بصحة شراء اللحم
ص: 198
و الفرو و نحوهما، من اسواق المسلمين مع عدم المسئلة عنهم.
و فى خبر عبد الاعلى عن الصادق (ع): و لا يغسل مكانها اى الحجامة، لأن الحجام مؤتمن اذا كان ينظفه و لم يكن صبيا صغيرا، و ما دل على جواز وطئ المرءة بمجرد قولها بالنقاء من الحيض و ماضاهاه.
الرابع: اذا وقع الاشتباه فى طهارة الواقع فى الماء القليل، بنى على أصل الطهارة من غير خلاف يعرف، كما قاله بعضهم(1) و لو وقع صيد مجروح حلال اللحم و نجس الميتة فى الماء القليل فمات، و اشتبه استناد موته الى التذكية او الماء، و كان المحل الملاقى للماء منه خاليا من النجاسة، فهل يحكم بطهارة الماء حينئذ؟ كما عن الجماعة و منهم المصنف فى بعض كتبه و المحقق الشيخ على او بنجاسته؟ كما عن اخرى و منهم المصنف فى اكثر كتبه و أبنه فخر المحققين.
وجهان و الاول أقرب، عملا بأصالة الطهارة من غير ظهور مخصص لاحتمال استناد الموت الى الجرح، و اما ما استند اليه بعضهم للقول الآخر بقوله: و تحريم الصيد ثابت بالاجماع، و جملة من الاخبار منها صحيحة الحلبى عن الصادق (ع): انه سئل عن رجل رمى صيدا و هو على جبل او حائط، فيخرق فيه السهم فيموت؟ فقال: كل منه و ان وقع فى الماء رميتك فمات و لا تأكل منه
و الحكم بتحريم اللحم يدل على عدم تحقق الذكاة و ذلك يقتضى الحكم بموته حتف انفه، و هو ملزوم للنجاسة، و فيه ان تحريم اللحم لا يدل على عدم العلم تحقق الذكاة بل انما يدل على عدم العلم بتحقق التذكية اذ شرط الحل التذكية التى هى امر وجودى و هى غير معلومة، فاصالة تأخر الحادث حاكمة بكون الصيد ميتة، و اصالة الطهارة مقتضية للحكم بطهارة الماء، فالعمل بمقتضى الأصلين هو المتعين فى البين.
نعم لو وجدنا دليلا يدل على منجسية مطلق الميتة، و لو كان الحاكم بكونها
ص: 199
الميتة الاستصحاب، لكان القول بنجاسة الماء مما لا مهرب عنه، و لكن لم اطلع بعد عليه، و الحاصل ان الاستصحابين الموضوعى و الحكمى اذا امكن الجمع بينهما، فيجب العمل بهما اعمالا للدليلين، و الا فالموضوعى مقدم كما هو المشهور كما حكاه غير واحد من مشائخنا، و الامر فيما نحن فيه من قبيل الاول.
(و يستحب تباعد البئر عن البالوعة) التى يرمى فيها ماء النزح او غيره من النجاسات (سبع اذرع ان كانت الارض سهلة) اى رخوة (او كانت البالوعة فوقها و الا فخمس اذرع) المشهور بين الاصحاب استحباب التباعد بينهما بقدر خمس اذرع ان كان البئر فوق البالوعة قرارا او كانت الارض صلبة، و الا فسبع جمعا بين المروى فى الكافى فى باب البئر تكون الى جنب البالوعة، عن الحسن بن رباط عن الصادق (ع): عن البالوعة تكون فوق البئر، قال: اذا كانت فوق البئر فسبعة اذرع، و ان كانت اسفل من البئر فخمسة اذرع من كل ناحية، و ذلك كثير.
و بين المروى فى الباب عن قدامة بن ابى يزيد الحمار عن بعض اصحابنا عن الصادق (ع): كم أدنى ما يكون بين البئر بئر الماء و البالوعة؟ فقال: ان كان سهلا فسبعة اذرع، و ان كان جبلا فخمسة اذرع، ثم قال: ان الماء يجرى الى القبلة الى يمين، و يجرى عن يمين القبلة الى يسار القبلة، و يجرى عن يسار القبلة الى يمين القبلة، و لا يجرى من القبلة الى دبر القبلة.
و اما المروى فى التهذيب فى زيادات باب المياه عن محمد بن سليمن الديلمى عن أبيه عن الصادق (ع): عن البئر يكون الى جنبها الكنيف فقال لى:
ان مجرى العيون كلها مع مهب الشمال، فاذا كانت البئر النظيفة فوق الشمال و الكنيف اسفل منها لم يضرها اذا كان بينهما اذرع، و ان كان الكنيف فوق النظيفة فلا اقل من اثنى عشر ذراعا، و ان كانت تجاها بحذاء القبلة و هما مستويان فى مهب الشمال فسبعة اذرع.
فغير منطبق على ما نقله الاكثر عن الاسكافى: ان كانت الأرض رخوة و البئر
ص: 200
تحت البالوعة فليكن بينهما اثنى عشرة ذراعا، و ان كانت صلبة او كانت البئر فوق البالوعة فليكن بينهما سبع اذرع.
فمتابعة المشهور اولى من متابعة الاسكافى، و ما يظهر من المتن فالصور على المشهور ست، و ذلك لان الارض اما ان تكون صلبة او رخوة و على كل منهما اما ان يكون البئر اعلى قرارا او انزل او مساوية، ففى اربعة منها و هى الصلبة باقسامها الثلثة و علو قرار البئر فى الرخوة و يستحب التباعد بخمس اذرع و ما عدا ذلك بسبع، و عن جماعة الضم الى الفوقية الحسية الفوقية بالجهة فى صورة تساوى القرارين، بناء على ان جهة الشمال اعلى و ان مجارى العيون منها.
و حينئذ يحصل من ذلك الفوقية و التحتيّة و التساوى بحسب الجهة ايضا، فتصير صور المسئلة اربعا و عشرين، اذ باعتبار الجهة تحصل اربع صور: لأن البئر اما تكون فى جهة الشمال و البالوعة فى الجنوب، او بالعكس، او يكون البئر فى جهة المغرب و البالوعة فى جهة المشرق، او بالعكس، و على الأربع يجرى الست المتقدمة، و من ضرب اربع فى ست يحصل اربع و عشرون، ففى سبع عشرة منها يكون التباعد بخمس اذرع، و فى سبع منها بسبع.
لا تنجس البئر بالبالوعة و ان تقاربتا ما لم يتصل نجاستها بها، و معه تنجس اما مطلقا كما يراه الحاكم بنجاستها بمجرد الملاقاة، او مع التغير كما اخترناه، و فى الاكتفاء بالظن ما عرفته من التفصيل.
(و اسآر الحيوان كلها طاهرة عدا الكلب و الخنزير و الكافر و الناصب) السؤر لغة اما البقية و الفضلة كما عن الصدوق، او البقية بعد الشرب كما عن الازهري، و حكى عن مجمع البحرين عن المغرب و غيره ان السؤر هو بقية الماء التى يبقيها الشارب فى الاناء او فى الحوض ثم استعير لبقية الطعام، او لما عن الفيومى: السؤر بالهمزة من الفارة و غيرها كالريق من الانسان، و عن الحلى:
السئور عبارة عما شرب منه الحيوان او باشره بجسمه من المياه او ساير المايعات، و
ص: 201
فى التحرير: بقية المشروب، و عن الشهيد و جماعة: ماء قليل باشره جسم حيوان، و فى المدارك و غيره: الأظهر فى تعريفه فى هذا الباب انه ماء قليل لاقاه فم حيوان.
أقول الأظهر عندى انه الماء او ساير المايعات الباقى بعد الشرب، و السؤر تابع للحيوان فى النجاسة، و قد وقع الخلاف فى مواضع باعتبار الخلاف فى النجاسة على ما صرح البعض، منها سؤر اليهود و النصارى، فعن المفيد فى اكثر كتبه النجاسة، و عن الغرية و ظاهر الاسكافى الكراهية.
و منها سؤر المجسمة و المجبرة، فعن الشيخ فى بعض كتبه النجاسة، و عن الاكثر المخالفة له فى المجبرة، و عن بعض المخالفة فى المجسمة.
و منها سؤر من لم يعتقد الحق غير المستضعف، فعن الحلى النجاسة، و عن المرتضى نجاسة غير المؤمن و هو يقتضى نجاسة سؤره، و عن الباقين خلاف ذلك.
و منها سؤر ولد الزنا، فعن المرتضى النجاسة لانه كافر، و عن الصدوقين ايضا النجاسة، و عن الحلى القول بكفره.
و منها سؤر ما عدا الخنزير من انواع المسوخ، فعن الشيخ الذهاب الى نجاستها فنجس سؤرها، كما عن الاسكافى و ابن حمزة خلافا للمحكى عن الاكثر، و يأتى انشاء الله فى بحث النجاسات تحقيق هذه المسائل.
ثم المحكى عن الاكثر كون سؤر الحيوان تابعا له فى الطهارة، خلافا للمحكى عن النهاية فاستثنى سؤر ما اكل الجيف من الطير، و عن المرتضى و الاسكافى استثناء الجلال، و عن ظاهر التهذيب المنع من سؤر ما لا يؤكل لحمه و كذا عن الاستبصار لكن استثنى فيه سؤر الفارة و نحو البازى و الصقر من الطيور، و عن المبسوط ما لا يؤكل لحمه من الانسية(1) كلها نجسة عدا ما لا يمكن التحرز
ص: 202
منه و الفأرة و الحية و الهرة و غير ذلك.
و ما اختاره الاكثر هو الأظهر، و يدل عليه صحيح الفضل المتقدم فى بيان انفعال الماء القليل و المروى فى الكافى فى باب الوضوء من سؤر الدواب فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): عما تشرب منه الحمامة؟ فقال: كل ما اكل لحمه فتوضا من سؤره و اشرب، و عما يشرب منه باز او صقر او عقاب؟ فقال: كل شىء من الطير يتوضا مما يشرب منه الا ان ترى فى منقاره دما، فان رأيت فى منقاره دما فلا يتوضأ منه و لا تشرب.
و فى الباب عن أبى بصير عن الصادق (ع): فضل الحمامة و الدجاجة و لا بأس به و الطير.
و فى التهذيب فى باب المياه فى الصحيح عن محمد عن الصادق (ع):
عن الكلب يشرب من الاناء؟ قال: اغسل الأناء، و عن السنور؟ قال: لا بأس ان يتوضأ من فضلها، انما هى من السباع.
و فى الباب عن معوية بن شريح عن الصادق (ع): عن سؤر السنور و الشاة و البقرة و البعير و الحمار و الفرس و البغل و السباع يشرب منه او يتوضأ منه؟ فقال: نعم اشرب منه و توضأ، قلت له: الكلب؟ قال: لا، قلت: أليس هو سبع؟ قال: لا و الله انه نجس.
و فى الباب عن معوية بن ميسرة نحوه.
و فى الباب فى الصحيح عن معوية بن عمار عن الصادق (ع): فى الهرة انها من اهل البيت و يتوضأ من سؤرها.
و فى الباب عن ابى الصباح عن الصادق (ع) عن على (ع): لا تدع فضل السنور أن تتوضأ منه، انما هو سبع.
و فى الباب فى الصحيح عن زرارة عن الصادق (ع) فى كتاب على (ع):
ان الهرة سبع و لا بأس بسؤره، و انى لاستحيى من الله ان ادع طعاما لأن الهر اكل منه.
ص: 203
و فى الاستبصار فى باب سؤر ما يؤكل لحمه عن اسحق بن عمار عن الصادق عليه السلام: ان أبا جعفر كان يقول: لا بأس بسؤر الفارة اذا شربت من الأناء ان تشرب منه و تتوضأ منه.
و فى الاستبصار بعد نقل موثقة عمار المتقدمة: هذا خبر عام فى جواز سؤر كل ما يؤكل لحمه من ساير الحيوان، و ان ما لا يؤكل لحمه لا يجوز استعمال سؤره، و ما تضمن هذا الخبر من جواز سؤر طيور لا يؤكل لحمها مثل البازى و الصقر اذا عرى منقارهما من الدم، مخصوص ما بين ما لا يؤكل لحمه من جواز استعمال سؤره، ثم نقل خبر اسحق و قال: الوجه فيه ان نخصه ما بين ما لا يؤكل لحمه من حيث لا يمكن التحرز عن الفارة و يشق ذلك على الانسان، فعفى لأجل ذلك.
أقول: و فيه ان هذا المفهوم معارض بما هو اقوى منه فليترك البتة، مع جواز القول بان التخصيص بالوصف(1) المذكور بناء على ثبوت الحكم بدونه كلية لمكان الكلب و نحوه.
المنصور المحكى عن المشهور طهارة فم الهرة بمجرد زوال العين مطلقا و لو لم تغب عن العين، عملا باطلاق خبرى معوية و زرارة، و باطلاق ما عن الخلاف بعد ما حكم بجواز الوضوء من سؤر الهرة التى اكلت الفارة، حكى عن بعض المخالفين اعتبار الغيبة عن العين، ثم قال: و الذى يدل على ما قلناه اجماع الفرقة على ان سؤر الهرة طاهر و لم يفصلوا، و عليه فما يترنم به ما حكى عن نهاية الاحكام حيث قال: لو نجس فم الهرة بسبب أكل الفارة و شبهه ثم وقعت فى ماء قليل و نحن نتيقن نجاسة فمها فالاقوى النجاسة، لأنه ماء قليل لاقى نجاسة و الاحتراز يعسر عن مطلق الولوغ لاعن الولوغ بعد تيقن نجاسة
ص: 204
الفم، و لو غابت من العين و احتمل ولوغها فى ماء كثير او جار لم ينجس، لأن الأناء معلوم الطهارة فلا يحكم بنجاسته بالشك، انتهى.
مما لم اجد له وجها يقوم فى مقابلة ما مرّ المعتضدة بالسيرة، نعم لا شك فى الحكم بالنجاسة مع بقاء عينها، و كالهرة فى الحكم المتقدم غيرها من ساير الحيوانات غير الادمى كما عن الجماعة من غير خلاف يعرف، عملا بمفهوم موثقة عمار المتقدمة بعد الالتفات الى ظهور عدم القائل بالفصل.
و اما الادمى، فهل يحكم بطهارته بمجرد غيبته زمانا يمكن فيه ازالة النجاسة مطلقا؟ كما عن بعض، او بشرط علمه بالنجاسة و اهليته للازالة بكونه مكلفا عالما بوجوب الازالة عليه او استحبابها؟ كما عن آخر، او بشرط تلبسه بما يشترط فيه الطهارة؟
أقول اظهرها الاول، عملا بسيرة المسلمين، نعم لو قطع بعدم التطهير الشرعى، فليحكم بالنجاسة مطلقا سواء غاب ام لا، زالت عين النجاسة ام لا، عملا بالاصل و لا دليل فى الادمى يدل على كفاية مجرد زوال العين.
(و) الماء القليل (المستعمل فى رفع الحدث طاهر) اجماعا كما حكاه غير واحد، سواء فى ذلك الأصغر و الأكبر (و مطهر) ان كان الحدث اصغر اجماعا كما حكاه الجماعة، و كذا ان كان اكبر عن الخبث اجماعا كما عن المنتهى و ولده و عن السراير و التحرير و التذكرة و المختلف و نهاية الاحكام نفى الخلاف لنصهم على حصره الخلاف فيما يأتى، نعم يدل الذكرى على وجود المخالف و لكن لا اعتداد به فى نحو المقام اصلا، و احتمال كونه من العامة و ان كان محتملا، و لكن الظاهر من سياق عبارته انه منّا، و كيف كان فلا التفات اليه للاصل و العمومات مع عدم المخصص.
و عن الحدث على المنصور فى الرياض عن المشهور، عملا بالعمومات، و بالمروى فى التهذيب فى الزيادات فى باب دخول الحمام فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (ع): الحمام يغتسل فيه الجنب و غيره اغتسل من مائه؟
ص: 205
قال: نعم لا بأس ان يغتسل منه الجنب، و لقد اغتسلت فيه ثم جئت فغسلت رجلىّ و ما غسلتهما الا مما لزق بهما من التراب.
و المروى فى الاستبصار فى فى باب الماء المستعمل فى الصحيح عن على بن جعفر عن ابى الحسن (ع) و فيه: و ان كان الماء متفرقا و قدر ان يجمعه و الا اغتسل من هذا و من هذا، و ان كان فى مكان واحد و هو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه ان يغتسل و يرجع الماء فيه فان ذلك يجزيه.
و ان امكن الاستدلال به لكن حمله الاستبصار على الضرورة، كما يدل عليه المروى فى اواخر باب حكم الجنابة من التهذيب فى الصحيح عن ابن بزيع كتبت الى من يسئله عن الغدير يجتمع فيه ماء السّماء او يستقى فيه من بئر فيستنجى فيه الانسان من بول او يغتسل فيه الجنب، ما حده الذى لا يجوز؟ فكتب:
لا يتوضأ من مثل هذا الاّ من ضرورة اليه.
اللهم الا ان يدعى عدم القول بالفصل بعد الالتفات الى عدم العثور بمن حكى هذا التفصيل فى المقام، مع ما ترى من ذكر الشيخ فى الاستبصار كثيرا ماء المجموع التبرعية.
و كيف كان فالاظهر ما عرفته، خلافا للمحكى عن الصدوقين و الشيخ: فلا يجوز عملا بالمروى فى التهذيب فى باب دخول الحمام فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (ع): عن ماء الحمام؟ فقال: ادخله بازار و لا تغتسل من ماء آخر الا ان يكون فيه جنب، او يكثر اهله فلا يدرى فيهم جنب ام لا.
و فى الباب عن حمزة بن احمد عن ابى الحسن الاول (ع): عن الحمام؟ قال: ادخله بميزر و غضّ بصرك، و لا تغتسل من البير التى يجتمع فيها ماء الحمام، فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب و ولد الزنا و الناصب لنا اهل البيت و هو شرهم.
و فى باب المياه عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل، فقال: الماء الذى يغسل به الثوب او يغتسل به الرجل من
ص: 206
الجنابة لا يجوز ان يتوضأ منه و اشباهه، و اما الذى يتوضأ الرجل به فيغسل به وجهه و يده فى شىء نظيف فلا بأس ان يأخذ غيره و يتوضأ به.
و فى الاول قصور دلالة لجواز رجوع كلمة فيه الى ماء آخر اولا، و عدم اضرار مطلق كون الجنب ثانيا، و عدم اضرار الشك فى وجوده ثالثا، و عدم اضرار الاغتسال فى الماء الكثير مع شمول الاطلاق له رابعا.
و اما الخبران الأخيران فمع قصورهما سندا مع عدم الجابر، اذ نسبة الخلاف المنع الى اكثر الاصحاب، معارضة بنسبة الرياض الجواز الى المشهور مع تحقق الشهرة المتأخرة التى اهلها ادق نظرا من القدماء، مع مطابقة جماعة من القدماء كالمحكى عن علم الهدى و فحل العلماء و ابن زهرة لهم فى القول بالجواز(1)، ان احتمال كون النهى فيهما لوجود النجاسة فى المغتسل من الجنابة قوى فى الغاية، فراجع الى بحث الجنابة فى مسئلة الترتيب، و انظر الى جملة من الأخبار التى نقلناها هناك، حتى يظهر لك صحة ما نقلنا.
و عليه فيندفع الاستدلال، اذ موضع النزاع ما اذا كان بدن المغتسل خاليا عن النجاسة كما صرح غير واحد، نعم الأحوط المنع، و عليه فينبغى القطع بعدم المنع فيما ينتضح من الغسالة فى الأثناء فيه، كما أفتى بذلك الصدوق للمروى فى الكافى فى باب اختلاط ماء المطر فى الصحيح عن شهاب بن عبد ربه عن الصادق (ع)، انه قال: فى الجنب يغتسل فيقطر الماء عن جسده فى الأناء و ينتضح الماء من الأرض فيصير فى الأناء: انه لا بأس بهذا كله.
و فى الباب فى الصحيح عن الفضيل بن يسار عن الصادق (ع): فى الرجل الجنب يغتسل فينتضح من الماء فى الأناء، فقال: لا بأس، ما جعل عليكم فى الدين من حرج.
و اما فضل الماء الذى يظهر منه، سواء كان بعد تمام التطهير ام لا، فلا خلاف فى جواز رفع الحدث به كما فى المشارق، التفاتا الى المروى فى التهذيب فى باب الاغسال فى الزيادات فى الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم و أبى بصير عن الباقر و الصادق (ع)
ص: 207
و فيه: اغتسل هو، اى النبى (ص) و زوجته بخمسة امداد من اناء واحد، قال زرارة فقلت:
كيف صنع هو؟ قال: بدأ هو فضرب بيده فى الماء قبلها و انقى فرجه، ثم ضربت فانقت فرجها، ثم افاض هو و أفاضت هى على نفسها حتى فرغا، الخبر.
و فى باب حكم الجنابة فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (ع):
كان رسول الله (ص) يغتسل بخمسة امداد بينه و بين صاحبته، و يغتسلان جميعا من أناء واحد.
كما لا خلاف اطلع عليه فى الجواز فى الكثير، و عن ظاهر جمع عدم الخلاف فيه، و عليه يدل المروى فى التهذيب فى باب المياه فى الزيادات فى الصحيح عن صفوان عن الصادق (ع): عن الحياض التى ما بين مكة الى المدينة تردها السباع و تلغ فيها الكلاب و تشرب منها الحمير و يغتسل منها الجنب و يتوضأ منه، فقال: و كم قدر الماء؟ قلت: الى نصف الساق و الى الركبة، فقال: توضأ منه.
و على القول بالمنع ينبغى التخصيص بالجنب كما اقتصر عليه البعض، فالحاق الغير به يحتاج الى دليل و بعد لم يظهر، نعم فى الحاق الحيض به وجه قوى، التفاتا الى الاستقراء فى احكامهما، و لكن عن الاكثر ذكر الخلاف فى الحدث الاكبر.
و عليه فالأحوط هو الاجتناب من غسالة الحدث الاكبر مطلقا و ان كان فى تعينه نظر، و اما غسالة الاغسال المندوبة، فلعله لا خلاف فى عدم المنع كما صرح به الجماعة على ما حكى عنهم، و عليه يدل الأصل و العمومات.
(و فى رفع الخبث نجس سواء تغير بالنجاسة) كما هو اجماعى (اولا) على اشهر الاقوال على ما قاله غير واحد و اظهرها، عملا بعموم مفهوم الأخبار الدالة على نجاسة القليل، و بعموم جملة من الاخبار على اهراق ماء الركوة و التور و الأناء بمجرد ملاقاتها مع المتنجسات، كالاصبع النجس او اليد القذرة الدالة بظاهرها على النجاسة.
ص: 208
و منها المروى فى التهذيب فى باب آداب الاحداث فى الصحيح عن البزنطى عن ابى الحسن (ع): عن الرجل يدخل يده فى الاناء و هى قذرة؟ قال: يكفئ(1) الماء(2).
و فى مضمرة سماعة المروية فى الباب فى الموثق: و ان كانت اصابته جنابة فأدخل يده فى الماء فلا بأس به ان لم يكن اصاب يده شىء من المنى، و ان كان اصاب يده فأدخل يده فى الماء قبل ان يهرق على كفيه فليهرق الماء.
و فى باب المياه عن أبى بصير عن الصادق (ع): عن الجنب يجعل الركوة او التور فيدخل اصبعه فيه؟ قال: ان كانت يده قذرة فاهرقه، و ان كان لم يصبها فليغتسل منه.
و بالمروى عن التحرير و الخلاف و المنتهى عن العيص قال: سألته عن رجل اصابه قطرة من طشت فيه وضوء؟ فقال: ان كان من بول او قذر فيغسل ما اصابه، و عن بعض النسخ: و ان كان وضوء الصلوة فلا يضره.
و الاضمار و القصور منجبران بالشهرة، خلافا للمحكى عن بعض الاصحاب فطاهر مطلقا للأصل و ما سيأتى فى الاستنجاء و ضعفه ظاهر، و عن البعض فالطهارة مطلقا مع ورود الماء على النجاسة و فيه ما عرفته فى شرح قول المصنف و ان كان اقل من كر نجس، و عن البعض فالطهارة فى الولوغ مطلقا و فى الثانية من غسالة الثوب و النجاسة فى الاولى منها التفاتا الى ما تقدم فى دليلى الطهارة و النجاسة مطلقا، و فيه ما ترى، و صرح البعض بان مرجح هذا القول بالنسبة الى غسالة الثوب، الى ان الغسالة كالمحل بعدها اى بعد انفصالها عن المحل، و بالنسبة الى الولوغ الى انها كهو بعد الغسل، كما ان مرجع القولين بالطهارة مطلقا او فى الصورة الخاصة الى الأخير خاصة.
ص: 209
و على المختار يكفى فى تطهير الغسل مرة مطلقا لو قلنا بالأكتفاء بها فيما لم يرد فيه التعدد، عملا بالاطلاق مع عدم صدق البول و الولوغ على غسالتهما
نعم لو قلنا بالمرتين فى مطلق النجاسات لكان الواجب هنا ايضا القول، بذلك، خلافا للمحكى عن الجماعة فالغسالة كالمحكى قبل تلك الغسلة، فان كانت من الغسلة الاولى وجب تمام العدد و من الثانية نقضت واحدة و هكذا، التفاتا الى ان نجاستها فرع نجاسة المحل فتخف بخفتها، و فيه انه وجه اعتبارى لا يصحّ التمسك به فى احكام الله.
و عن بعض(1) فهى كهو قبل الغسل فيجب كمال العدد مطلقا، و فيه ان الاحكام تابعة للاسامى، فان لم يصدق البول او الولوغ على غسالتهما و قلنا بالتعدد للبول او الولوغ و بعدمه فى ساير النجاسات، فما الوجه فى التعدد؟ مع ان مقتضى الاطلاقات كفاية المرة.
و للمحكى عن بعض(2) كما تقدم فهى كهو بعد تلك الغسلة فى الثوب، و لا وجه له يعتد به.
الاول: ما يزال به الخبث لا يرفع الحدث، سواء قلنا بالطهارة ام لا، اجماعا نقله فى التحرير كما عن المنتهى مستدلين بخبر عبد الله بن سنان المتقدم فى المستعمل فى رفع الحدث، و عليه فلا اعتداد بمخالف نادر فى المسئلة لو كان، كما ربما يستفاد من الدروس.
الثانى: قد عرفت وقوع الاجماع على تنجس الغسالة بالتغير و المعتبر منه هو التغير فى أحد اوصافه الثلثة، و عن نهاية الاحكام انه استقرب زيادة الوزن فيه مجرى التغير، و هو شاذ مطالب بالدليل.
(الا ماء الاستنجاء) من الحدثين (فانه طاهر) اجماعا، كما عن المنتهى
ص: 210
لجملة من الاخبار، منها المروى فى التهذيب فى باب صفة الوضوء فى الصحيح عن عبد الكريم بن عتبة الهاشمى عن الصادق (ع): عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذى استنجى به، أينجس ذلك ثوبه؟ قال: لا.
و فى الكافى فى باب اختلاط ماء المطر فى الصحيح عن الاحول، عن الصادق (ع): اخرج من الخلاء فاستنجى بالماء فيقع ثوبى فى ذلك الماء الذى استنجيت به فقال: لا بأس به، و عن العلل عن الاحول عن الصادق (ع) عن الرجل يستنجى فيقع ثوبه فى الماء الذى يستنجى، فقال: لا بأس به، فسكت، فقال: او تدرى لم صار لا بأس به؟ قلت: لا و الله جعلت فداك، فقال: ان الماء اكثر من القذر.
خلافا للمحكى عن أحد قولى الشيخ فالطهارة انما هى فى الغسلة الثانية لا الاولى، و يرده بعد الشذوذ، اطلاق الاخبار.
و للمحكى عن المرتضى فالرخصة على سبيل العفو، و يرده الاجماع المحكى و ظاهر الاخبار، الدالان على الطهارة، و تظهر الثمرة فى استعماله ثانيا فى ازالة الخبث او التناول، و اما رفع الحدث به و بامتثاله مما تزال به الخبث فقد سبق نقل الاجماع على المنع، و اما نسبة العفو فى الرياض الى التحرير، فليس له وجه، بل عبارته اما مجملة او ظاهرة الطهارة، و الظاهر انعقاد الاجماع على عدم الفرق بين المخرجين كما أشرنا اليه، و استدل الجماعة و منهم التحرير لذلك بصدق الاستنجاء لكل منهما.
و طهارة ذلك الماء ثابت (ما لم يتغير بالنجاسة) فى اوصافه الثلثة بالاجماع كما استظهره المشارق (او يقع على نجاسة خارجة) عن محل الاستنجاء، كان وقع على الارض النجسة و نضح على الثوب، عملا بالمتبادر من الاخبار.
او عن حقيقته كالدم المستصحب لذلك، و اولى من ذلك اذا كان الخارج منهما غير الحدثين من ساير النجاسات، و مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين المتعدى و غيره الا ان يتفاحش بحيث لم يصدق على ازالته اسم الاستنجاء، و
ص: 211
لا بين ان ينفصل مع الماء اجزاء نجاسة متميزة ام لا، خلافا للمحكى عن الجماعة فاشترطوا الأخير و هو الاحوط، و ان كان فى تعينه نظر، و لا بين سبق الماء اليد او سبقها له، و عن بعضهم اشتراط سبقه و هو ضعيف، اذ وصول النجاسة اليها لازم على كل حال، نعم لو اتفقت جعلها قبل الماء لغرض آخر لا للغسل كانت فى معنى النجاسة الخارجية، و لا بين زيادة الوزن و غيره، و اشترط الشهيد عدم زيادته كما تقدم عن نهاية الاحكام فى مطلق الغسالة، و لا وزن له فى نظر الاعتبار، و يكفى فى الطهارة عدم العلم بالتغير و نحوه من المشترطات.
(و غسالة الحمام نجسة) و لعله الظاهر من المحكى عن النهاية: غسالة الحمام لا يجوز استعمالها على كل حال، و الحلى حيث قال: غسالة الحمام و هو المستنقع به لا يجوز استعمالها على حال، و هذا اجماع، و قد وردت به عن الأئمة (ع) اثار معتمدة قد اجمع الاصحاب عليها لا اجد من خالف فيها.
و المحكى عن الصدوقين: عدم جواز التطهير بها حيث قال محمد: لا يجوز التطهير بغسالة الحمام لانه يجتمع فيه غسالة اليهود و المجوسى و المبغض لآل محمد (ع) و هو شرهم، و قريب منه عن أبيه فى رسالته اليه.
و التحرير و النافع كما عن القواعد عدم جواز الغسل بها، و عليه يدل بعد خبر حمزة المتقدم فى المستعمل فى الحدث الاكبر، ما رواه الكافى فى باب ماء الحمام عن ابن ابى يعفور عن الصادق (ع): لا تغتسل فى البئر التى تجمع فيها غسالة الحمام، فان فيها غسالة ولد الزنا و هو لا يطهر الى سبعة اباء(1) و فيها غسالة الناصب و هو شرهما، ان الله لا يخلق خلقا شرا من الكلب، و ان الناصب اهون على الله من الكلب.
و ما رواه الصدوق فى العلل فى باب آداب الحمام فى الموثق عن عبد الله بن ابى يعفور عن الصادق (ع) و فيه: و اياك ان تغتسل من غسالة الحمام،
ص: 212
ففيها تجتمع غسالة اليهود و النصرانى و المجوسى و الناصب لنا أهل البيت، و هو شرهم فان الله تبارك و تعالى لم يخلق خلقا انجس من الكلب و ان الناصب لنا أهل البيت انجس منه.
و ذهب الجماعة و منهم التحرير و المحكى عن المنتهى الى الطهارة، و هو الاقرب عملا بالاصل، و العمومات المعتضدة بالمروى فى الكافى فى باب ماء الحمام عن ابى يحيى الواسطى عن بعض اصحابنا عن ابى الحسن الماضى: عن مجتمع الماء فى الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب؟ قال: لا بأس.
نعم لا يجوز الاغتسال بها لما مرّ.
و اما عدم جواز التطهير بها مطلقا استنادا الى اجماع الحلى، ففيه نوع اشكال سيما بعد ملاحظة رد المحقق فى التحرير له، و لكن الأحوط ذلك بل لعله الاظهر، و اما ما يتراءى من ظاهر كلامه من دعواه الاجماع على النجاسة فلا يلتفت اليه مع احتمال منع ظهوره فى ذلك، نعم الأحوط القول بالنجاسة و عليه فالحكم ثابت.
(ما لم يعلم خلوها من النجاسة) و اما مع العلم بالخلو عنها فليحكم بالطهارة، عملا بالاصل و العمومات من غير ظهور معارض، اذ المستنبط من الاخبار المتقدمة بعد التدبر فيها عدم كونها شاملة لنحو المقام، و عليه فليحكم بالطهورية ايضا للعمومات، المياه المنحدرة فى سطح الحمام محكومة بالطهارة حتى يعلم القذارة، عملا بالاصل و العمومات مع اختصاص الاخبار المتقدمة بغير المقام.
هذا مضافا الى صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة فى المستعمل فى الحدث الاكبر، و فى التهذيب فى الزيادات فى باب دخول الحمام فى الصحيح عن محمد بن مسلم: رأيت أبا جعفر جائيا من الحمام و بينه و بين داره قذر، فقال: لو لا ما بينى و بين دارى ما غسلت رجلى و لا نحيت ماء الحمام.
و فى الباب فى الموثق عن زرارة: رأيت ابا جعفر (ع) يخرج من الحمام
ص: 213
فيمضى كما هو لا يغسل رجليه حتى يصلى.
(و يكره الطهارة بالمسخن بالشمس فى الاوانى) اما مطلقا كما عن اطلاق اكثر الاصحاب، او مع القصد الى ذلك كما عن الخلاف مدعيا عليه الاجماع، عملا بالمروى فى التهذيب فى الزيادات فى آخر باب دخول الحمام عن اسمعيل بن ابى زياد عن الصادق (ع) عن النبى (ص): الماء الذى تسخن الشمس لا توضأوا به و لا تغسلوا به و لا تعجنوا به، فانه يورث البرص.
و فى باب الاغسال فى الزيادات عن ابراهيم بن عبد الحميد عن أبى الحسن (ع): دخل رسول الله (ص) على عايشة و قد وضعت قمقمتها فى الشمس، فقال: يا حميرا ما هذا؟ فقالت: اغسل رأسى و جسدى، قال: لا تعودى فانه يورث البرص.
و الحمل على الكراهة لمكان الاصل و اتفاق الاصحاب على عدم الحرمة كما صرح البعض، و المروى فى الباب عن محمد بن سنان عن بعض اصحابنا عن الصادق (ع): لا بأس بان يتوضأ بالماء الذى يوضع فى الشمس، و خبر اسمعيل مما يدل على اطلاق الاكثر من عدم اعتبار القصد، و مقتضاه كراهة استعماله فى العجين ايضا كما عن الذكرى و الصدوق، و لا بأس به لكن عن بعضهم انه الحق بالطهارة ساير وجوه الاستعمالات من التناول و ازالة النجاسة، و لا أجد وجهه اللهم الا ان يكون الوجه التعليل فى الخبر، فافهم.
و ظاهره ايضا التعميم بالنسبة الى الآنية و الانهار و الحياض و غيرها، لكن عن التذكرة و نهاية الاحكام نفى الكراهة فى غير الآنية، و ظاهره ايضا العموم فى كل آنية و بلد، فما احتمله البعض من التخصيص(1) بالاوانى المنطبعة غير الذهب و الفضة و بالبلاد المفرطة فى الحرارة لوجه اعتبارى، مما لا يصغى اليه فى الاحكام التعبدية.
ص: 214
و فى زوال الكراهة بزوال السخونة، وجهان الاظهر العدم عملا بالاستصحاب و صرح البعض(1) بان الكراهة مختصة بصورة يوجد ماء غيره، و اما فى صورة الانحصار فيزول الكراهة، للمنافاة بين رجحان الترك و وجوب الفعل انتهى، و لو جعلنا الكراهة فى العبادات بمعنى اقل ثوابا، لكان لتعميم الكراهة وجه فليتأمل.
(و المسخن بالنار فى غسل الاموات) اجماعا كما عن المنتهى و الخلاف للمستفيضة، الا مع الحاجة كشدة البرد المتعسر معه التفصيل او اسباغه كما عن بعض، للمروى عن الفقه الرضوى: و لا يسخن له ماء الا ان يكون باردا جدا فتوقى الميت مما توقى به نفسك، و لا يكون الماء حارا شديدا و لكن فاترا، و ذيل الخبر يدل على ما عن المفيد و غيره من الاقتصار فى السخونة على ما تندفع به الضرورة.
(و سؤر الجلال و آكل الجيف) وفاقا للمحكى عن المشهور، عملا بالمروى فى الكافى فى آخر باب الوضوء من سؤر الدّواب عن الوشا عمن ذكره عن الصادق (ع): انه كان(2) يكره سؤر كل شىء لا يؤكل لحمه، و قد سبق خلاف من عرفته.
(و الحايض المتهمة) كما عن النهاية و الوسيلة و السرائر، عملا بالمروى فى التهذيب فى باب المياه فى الموثق عن عيص بن القسم عن الصادق (ع):
عن سؤر الحائض؟ قال: توضأ منه، و توضأ من سؤر الجنب اذا كانت مأمونة و تغسل يدها قبل ان تدخلها الاناء، و قد كان رسول الله (ص) يغتسل هو و عايشة فى اناء واحد و يغتسلان جميعا.
و فى الباب عن على بن يقطين عن ابى الحسن (ع): فى الرجل يتوضأ
ص: 215
بفضل الحائض، قال: اذا كانت مأمونة فلا بأس.
و مقتضاهما اختصاص عدم الكراهة بالمامونة، و لعله لذلك قيد كراهة سؤر الحائض بغير المأمونة فى الشرايع كما عن المقنعة و المراسم و الجامع و المهذب و لا بأس به، و عليه فيدخل فى الكراهة الحائض المجهول حالها.
بل عن الاسكافى و المصباح: كراهة سؤر الحائض من غير تقييد، و عليه يدل اطلاق المروى فى الكافى فى باب الوضوء من سؤر الحائض عن عنبسة عن الصادق (ع): اشرب من سؤر الحائض و لا تتوضأ.
و فى الباب عن الحسين بن ابى العلا عن الصادق (ع): عن الحايض يشرب من سؤرها؟ قال: نعم يتوضا منه.
و لكن يمكن تقييد اطلاقهما بالاولين، و مقتضى الكل كراهة الوضوء لا مطلق استعمال، بل ظاهر الاخيرين عدم كراهة الشرب، و عليه فالاطلاق غير واضح، و لكن لا بأس به مسامحة، بل قيل: الظاهر الاتفاق عليه(1).
و اما ما عن المقنع من المنع عن الوضوء و الشرب من سؤرها مطلقا، فغير وجيه ان اراد الحرمة، و ان اراد الكراهة فنعم الوفاق.
و عن الشيخين و الحلى و البيان و غيرها الالحاق بها كل من لا يؤمن، و لا باس به مسامحة بل، ربما يترنم عليه الخبران الاولان بنوع من النقمة.
(و البغال و الحمير) و الخيل وفاقا للمحكى عن المشهور، عملا بالمروى فى الكافى فى باب الوضوء من سؤر الدواب عن سماعة، قال: سألته هل يشرب سؤر شىء من الدواب و يتوضأ منه؟ فقال: اما الابل و البقر و الغنم فلا بأس.
التفاتا الى المفهوم و ليس للتحريم اجماعا و للاخبار.
(و الفارة و الحية) لما تقدم فى الجلال، و ظاهر التحرير عدم الكراهة.
ص: 216
(و ما مات فيه الوزغ(1) خلافا لما حكاه فى التحرير عن النهاية فلا يجوز استعمال ما وقع فيه الوزغ و ان خرج حيا، و نحوه عن الصدوق، و يردهما المروى فى التهذيب فى باب المياه فى الزيادات فى الصحيح عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن الغطاية و الحية و الوزغ تقع فى الماء فلا يموت أيتوضأ منه للصلوة؟ قال: لا بأس به.
و الاجود الكراهة كما فى التحرير، للمروى فى التهذيب فى باب تطهير المياه عن هرون عن الصادق (ع): عن الفارة و العقرب و أشباه ذلك تقع فى الماء فيخرج حيا، هل يشرب من ذلك الماء و يتوضأ منه؟ قال: يسكب منه ثلث مرات، و قليله و كثيره بمنزلة واحدة، ثم يشرب منه و يتوضأ منه غير الوزغ فانه لا ينتفع بما يقع فيه.
و انما حملناه على الكراهة لخبر حفص و مرفوعة محمد، المرويين فى آخر باب المياه من التهذيب عن الصادق (ع): لا يفسد الماء الا ما كان له نفس سائلة.
(و العقرب) لموثقة سماعة المروية فى الكافى فى باب الوضوء من سؤر الدواب عن الصادق (ع): عن جرة وجد فيها خنفساء قد مات؟ قال: القه و توضا منه، و ان كان عقربا فارق الماء و توضا من غيره.
و عن النهاية و القاضى النجاسة، و الخبران فى قبيل العقرب يردهما.
(النظر السادس فيما يتبع الطهارة النجاسات عشرة البول و الغايط من) الحيوان (ذى النفس السائلة) و فسر بالدم القوى الذى يخرج بقوة من
ص: 217
العرق عند قطعه (غير المأكول) اللحم بأجماع العلماء كافة، نقله فى التذكرة كما عن المنتهى و التحرير و الغنية، سواء كان تحريمه (بالاصالة كالاسد او بالعروض كالجلال) و فى التذكرة رجيع الجلال من كل الحيوان و موطوء الانسان نجس لانه حينئذ غير ماكول و لا خلاف فيه، و فى المختلف ذرق الدجاج الجلال نجس اجماعا، انتهى.
و عليه فما عن العمانى و الفقيه و الجعفى من طهارة ذرق الطيور الغير الماكول اللحم و ابوالها مطلقا، التفاتا الى المروى فى الكافى فى باب ابوال الدواب فى الصحيح على الاظهر لمكان ابراهيم عن ابى بصير عن الصادق (ع) كل شىء يطير فلا باس ببوله و خرئه.
مما لا يصح الاستناد اليه، اما اولا فلاطلاق اجماع التذكرة، و اطلاق الاجماع المحكى عن المنتهى و التحرير، و خروج الجماعة غير ضاير فى الاجماع بل فى التذكرة.
و قول الشيخ فى المبسوط بطهارة ذرق ما لا يؤكل لحمه من الطيور، لرواية ابى بصير ضعيف، لان احدا لم يعمل بها، انتهى.
و مقتضاه نسبة الخلاف فيما قاله الى المبسوط فقط، و كيف كان فلا اعتداد بهم فى مقابلة الاجماعات المحكية.
و ثانيا ان خبر ابى بصير معارض بالمروى فى الباب فى الصحيح على الاظهر لمكان ابراهيم عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه، و المعمم للرجيع الاجماع على عدم الفرق بينه و بين البول على الظاهر المحكى عن الناصريات، و التعارض بينهما و ان كان العموم من وجه، و لكن الشهرة المعاضدة لما مر مما يرجح الاخير، و الامر بالغسل فيه للنجاسة بالاجماع المحقق و المحكى.
هذا مضافا الى اعتضاد المختار بالموثق المروى عن المختلف عن كتاب عمار عن الصادق (ع): قال: خرء الخطاف لا باس به و هو مما يؤكل لحمه، و لكن
ص: 218
التذكرة لانه استجار بك واوى الى منزلك.
التفاتا الى نوعه بان المعيار فى الطهارة و النجاسة فى الطيور حل الاكل لا الطيران، فقد ظهر بما ذكرناه ان ما عن المبسوط بول الطيور و ذرقها كلها طاهر الا الخفاش فانه نجس، مما لا ينبغى الالتفات اليه.
و اما خبر غياث المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب عن جعفر عن ابيه: لا باس بدم البراغيث و البق و بول الخشاشيف، فقد حكم الشيخ بشذوذه، ثم احتمل كونه واردا مورد التقية، هذا مع معارضته بخبر داود المروى فى الباب عن الصادق (ع): عن بول الخفافيش يصيب ثوبى فاطلبه و لا اجده قال: اغسل ثوبك، و الترجيح معه.
و اما ما عن الاسكافى من طهارة بول الصبى الذى لم يتغذ بالطعام، شاذ محكى على خلافه الاجماع فى التذكرة كما عن المرتضى، و خبر السكونى المروى فى الباب مع قصوره سندا و دلالة، معارض بصحيحة الحلبى المروية فى الكافى فى باب البول يصيب الثوب، و المرجحات معها.
و انما قيد المصنف بذى النفس لطهارتهما فيما ليس له نفس سائلة اجماعا كما فى مجمع الفائدة، و فى المشارق استظهر الوفاق، و فى غيرهما(1)لا خلاف بين الاصحاب فى طهارة رجيع ما لا نفس له كالذباب و نحوه انتهى، و على الطهارة يدل الاصل و العمومات.
بول ما يؤكل لحمه و رجيعه طاهر عند علمائنا اجمع قاله فى التذكرة عملا بجملة من الاخبار، منها المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): كل ما اكل لحمه فلا باس بما يخرج منه.
و فى الكافى فى باب ابوال الدواب فى الصحيح عن زرارة، انهما قالا: لا
ص: 219
تغسل ثوبك من بول شىء يؤكل لحمه.
و اما ما عن الاسكافى من نجاسة بول الفرس و الحمار و البغل و روثها، فشاذ و موافقة الشيخ فى النهاية له غير نافع لرجوعه الى قول المشهور فى كتابه المتاخر، هذا مع دلالة الاخبار مضافا الى العمومات، و منها الخبران السابقان على الطهارة منها المروى فى الباب عن ابى الاعز عن الصادق (ع) انى اعالج الدواب فربما خرجت بالليل و قد بالت وراثت، فيضرب احدها برجله او يده فينضح على ثيابى، فاصبح فارى اثره فيه، قال: ليس عليك شىء.
و فى الباب فى الصحيح عن ابان عن الحلبى عن الصادق (ع): لا باس بروث الحمير و اغسل ابوالها.
و المعمم الاجماع المركب، و القلب غير مسموع، لرجحان اجماعنا بالشهرة و غيرها.
و فى التهذيب فى زيادات باب تطهير الثياب عن المعلى و ابن ابى يعفور قالا: كنا فى جنازة و قربنا لعله (حمار) فبال فجاءت الريح ببوله حتى صكت وجوهنا و ثيابنا، فدخلنا على ابى عبد الله (ع) فأخبرناه، فقال: ليس عليكم شىء.
و عن قرب الاسناد فى الصحيح على ما قيل عن ابن رياب عن الصادق عليه السلام: عن الروث يصيب ثوبى و هو رطب؟ قال: ان لم تقذره فصل فيه و المعمم ما عرفته.
و اما الاخبار الدالة على النجاسة كالمروى فى الباب عن عبد الرحمن عن الصادق (ع): عن الرجل يصيبه ابوال البهايم ايغسله ام لا؟ قال: يغسل بول الفرس و البغل و الحمار، و ينضح بول البعير و الشاة، و كل شىء يؤكل لحمه فلا بأس ببوله.
فمحموله على الكراهة كما يترنم بذلك المروى فى الباب عن زرارة عن احدهما (ع): فى ابوال الدواب تصيب الثوب فكرهه، فقلت: اليس لحومها
ص: 220
حلالا؟ فقال: بلى و لكن ليس مما جعله الله للاكل.
او على التقية التى هى فى الاحكام الشرعية اصل كل بلية.
و اما ما عن الشيخين من نجاسة ذرق الدجاج، استنادا الى المروى فى الاستبصار فى باب ذرق الدجاج عن فارس قال: كتب اليه رجل يسئله عن ذرق الدجاج تجوز الصلوة فيه؟ فكتب: لا.
فمع ضعفه سندا جدا، اما محمول على الجلال كما قاله فى الاستبصار، او على التقية كما احتمله فيه ايضا ناسبا له الى كثير من العامة، هذا مع معارضته بالمروى فى الباب عن وهب بن وهب عن جعفر عن ابيه (ع): لا باس بخرء الدجاج و الحمام يصيب الثوب، و ضعف السند منجبر بالشهرة العظيمة التى لا يفيد معها دعوى شذوذ المخالف، كما يترنم به ما قيل بان الشيخ فى كتابى الحديث وافق المشهور، فيمكن ان يقال الخلاف منحصر فى المفيد، و بالجملة ليس هذا القول دليل يعتد به و لو فى الجملة، فليعمل بالكلية المتقدمة من غير ريب و شبهة.
(و المنى من كل حيوان ذى نفس سائلة و ان كان ماكولا) اجماعا كما عن الجماعة، عملا بجملة من الاخبار منها المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (ع): عن المذى يصيب الثوب؟ فقال: ينضحه بالماء ان شاء، و قال فى المنى الذى يصيب الثوب: فان عرفت مكانه فاغسله و ان خفى عليك فاغسله كله.
و فى الباب فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (ع): ذكر المنى فشدده و جعله اشد من البول.
و اما ما لا نفس له سائلة فمنيه طاهر بلا خلاف اطلع عليه، عملا بالاصل مع عدم ظهور معارض لجواز القول بان المتبادر من الاخبار الدالة على نجاسة المنى غير المقام.
هنا امور:
ص: 221
الاول: المذى و الوذى طاهران، عن شهوة كان او غيرها، عند علمائنا اجمع، الا ابن الجنيد فانه نجس المذى الجارى عقيب شهوة قاله فى التذكرة و يرد الاسكافى المستفيضة و منها خبر محمد المتقدم، و ما دل على النجاسة اما محمول على الاستحباب او التقية، و فى المختلف لنا اجماع الامامية على طهارته و خلاف ابن الجنيد غير معتد به، فان الشيخ لما ذكره فى كتاب فهرست الرجال و اثنى عليه قال: الا ان اصحابنا تركوا خلافه لانه كان يقول بالقياس.
الثانى: كل رطوبة تخرج من القبل و الدبر فهى طاهرة عدا البول و الغايط و الدم و المنى، بلا خلاف اجده بيننا، عملا بالاصل.
الثالث: القئ طاهر على الاشهر كما فى التذكرة و هو الاظهر، عملا بالاصل، و بخبر عمار المروى فى الباب فى الزيادات، و فى التذكرة نقل الشيخ عن بعض علمائنا النجاسة، و به قال الشافعى لانه غذاء متغير الى الفساد، و نمنع صلاحيته للعلة، و لو لم يتغير فهو طاهر اجماعا، و لو تغير غايطا فهو نجس اجماعا، انتهى.
اقول لا ريب فى نجاسته لو كان متغيرا بحيث يسمى غايطا.
(و الميتة من ذى النفس السائلة مطلقا) ادميا كانت او غيره اجماعا كما حكاه جماعة و النصوص بذلك متجاوزة عن حدّ الاستفاضة، منها المروى فى التهذيب فى زيادات باب المياه عن جابر عن الباقر (ع): اتاه رجل فقال له: وقعت فارة فى خابية فيها سمن او زيت، فما ترى فى اكله؟ فقال: لا تاكله، فقال له الرجل: الفارة اهون على من اترك طعامى من اجلها، فقال: انك لم تستخف بالفارة و انما استخففت بدينك، ان الله حرم الميتة من كل شىء.
و فى الباب فى الاصل فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما اشبه ذلك يموت فى البئر و الزيت و السمن و شبهه، قال: كلما ليس له دم فلا باس به.
و فى الباب عن حفص عن الصادق (ع): لا يفسد الماء الا ما كانت له نفس
ص: 222
سائلة.
و عن الفقه الرضوى: و ان مسست ميتة فاغسل ثوبك و ليس عليك غسل، ان عليك ذلك فى الانسان وحده.
و عن البحار عن الراوندى بسنده عن الكاظم عن ابيه عن على (ع): ما لا نفس له سائلة اذا مات فى الادام فلا باس باكله.
الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة، و ان كنت فى شك فى شمول الميتة و نحوها الواقعة فى الاخبار لميتة الانسان، فاضف اليها المروى فى باب تطهير الثياب من التهذيب عن ابراهيم بن ميمون عن الصادق (ع): عن الرجل يقع ثوبه على جسد الميت؟ قال: ان كان غسل الميت فلا تغسل ما اصاب ثوبك منه، و ان كان لم يغسل الميت فاغسل ما اصاب ثوبك منه.
و فى الكافى فى باب غسل من غسل الميت فى الصحيح عن الحلبى عن الصادق (ع): عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت؟ قال: يغسل ما اصاب الثوب.
و عن الطبرسى عن الحميرى انه كتب الى القائم (ع): روى لنا عن العالم عليه السلام انه سئل عن امام صلى بقوم بعض صلوتهم و حدثت عليه حادثة؟ كيف يعمل من خلفه؟ قال: يؤخر و يتقدم بعضهم و يتم صلوتهم و يغتسل منه من مسه، التوقيع ليس على من مسه الاغسل اليد.
و عنه قال كتبت اليه: و روى عن العالم (ع) ان من مسه بحرارته غسل يده و من مسه و قد برد فعليه الغسل، و هذا الميت فى هذه الحالة لا يكون الا بحرارته، و العمل بذلك على ما هو و لعله ينجسه بثيابه و لا يمسه، فكيف يجب عليه الغسل؟ التوقيع اذا مسه فى هذا الحال لم يكن عليه الا غسل يده.
و عن الفقه الرضوى و ان مس ثوبك ميت فاغسل ما اصاب.
و مقتضى خبر حفص المتقدم عدم نجاسة ميتة غير ذى النفس، و ظاهر التذكرة كونه اجماعيا كما عن صريح المنتهى و التحرير، و الخلاف المحكى عن
ص: 223
النهاية و ابن حمزة فى العقرب و الوزغة شاذ، يرده خبرا عمار و الراوندى المتقدمان عن قريب، كما يرد ما عن الخلاف ان مات فى الماء القليل ما يؤكل لحمه مما يعيش فى الماء لا ينجس الماء، و فى التذكرة حيوان الماء المحرم مما له نفس سائلة اذا مات فى ماء قليل نجسة عندنا، لانفعال القليل بالنجاسة عندنا، انتهى.
(و اجزاؤها سواء ابينت من حى او ميت) كما هو المقطوع به فى كلام الاصحاب كما فى المدارك، و عن المعالم لا نعرف فيه خلافا، بل استظهر بعض الاجلاء عدم الخلاف، بل استظهر بعض المحققين عليه الاجماع، و نسب فى التذكرة نجاسة ما ابين من ادمى مما تحله الحيوة الى علمائنا، و بالجملة الظاهر وقوع الاجماع على ذلك، و ما يتراءى من الصدوق فى النهاية من نقل خبر مرسل دال على طهارة جلد الميتة بعد الالتفات الى ما قاله فى اول النهاية من ايراده ما يفتى به، فمع قطع النظر عن قول البعض برجوعه عما قاله مما يرده قول التذكرة جلد الميتة نجس باجماع العلماء الا الزهرى و الشافعى فى وجه.
و المروى فى التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس فى الزيادات فى الصحيح عن الحلبى عن الصادق (ع): لا باس بالصلوة فيما كان من صوف الميتة، ان الصوف ليس فيه روح.
و مقتضى التعليل عموم نجاسة اجزاء الميتة التى حلها الحيوة، كما يستأنس بذلك جملة من الاخبار المروية فى الكافى فى باب الصيد بالحبالة، الدالة على ان من اخذ الحبالة فقطع منه شيئا فهو ميت، و المعمم الاجماع المركب، لكن فيما عدا الاجزاء الصغار المنفصلة عن بدن الانسان كالبثور و الثالول و غيرهما، فان الجماعة و منهم المنتهى قد حكموا بطهارتها، و هو الاقرب عملا بالاصل، من غير ظهور معارض يعتد به، سيما بعد الالتفات الى المروى فى الباب فى الصحيح عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن الرجل يكون به
ص: 224
الثالول او الجرح، هل يصلح ان يقطع الثالول و هو فى صلوته، او نتف بعض لحمه من ذلك الجرح و يطرحه؟ قال: ان لم تتخوف ان يسيل الدم فلا باس، و ان تخوف ان يسيل الدم فلا يفعله.
(الا ما لا تحله الحيوة كالصوف و الشعر و الوبر و العظم و الظفر) و الظلف و القرن و الحافر و الريش و البيض اذا اكتسى القشر الا على، بلا خلاف بين الاصحاب فى هذا كله كما صرح فى المدارك، عملا بظاهر تعليل خبر الحلبى المتقدم، و بجملة من الاخبار منها المروى فى النهاية فى باب الصيد فى الصحيح عن زرارة عن الصادق (ع): عن الانفحة تخرج من الجدى الميت؟ قال: لا باس به، قلت: اللبن يكون فى ضرع الشاة و قد ماتت؟ قال: لا باس به، قلت:
فالصوف و الشعر و عظام الفيل و البيضة تخرج من الدجاجة؟ فقال: كل هذا ذكى لا باس به.
و فى الكافى فى باب ما ينتفع به الميتة فى الصحيح عن حريز عن الصادق عليه السلام: اللبن و اللبا و البيضة و الشعر و الصوف و القرن و الناب و الحافر و كل شىء يفصل من الشاة و الدابة، فهو ذكى و ان اخذته منه بعد ان يموت فاغسله وصل فيه.
الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة المروية فى الباب.
و فى التهذيب فى باب الذبايح و مقتضى خبر زرارة المتقدم كجملة من الاخبار المروية فى البابين: استثناء الانفحة ايضا، و هو كذلك اجماعا كما عن ابن زهرة.
و اختلف اهل اللغة فى تفسيرها، فعن الجوهرى: هى كرش الحمل و الجدى ما لم ياكل، و قريب منه عن الصراح و الجمهرة، و عن القاموس بكسر الهمزة و تشديد الحاء و قد تكسر الفاء و المنفحة و التنفحة شىء يستخرج من بطن الجدى المراضع اصفر فيعصر فى صوفه فيغلظ كالجبن، و تفسير الجوهرى الانفحة بالكرش سهو، و عن الفيومى: بكسر الهمزة و فتح الفاء و تثقيل الحاء
ص: 225
اكثر من تخفيفها، ثم نقل عن التهذيب: لا يكون الانفحة الا لكل ذى كرش، و هو شىء يستخرج من بطنه اصفر يعصر فى صوفه متبلة فيغلظ كالجبن، و لا يسمى انفحة الا و هو رضيع فاذا رعى قيل استكرش، اى صارت انفحته كرشا.
و عن مجمع البحرين عن المغرب: انفحة الجدى بكسر الهمزة و فتح الفاء و تخفيف الحاء و تشديدها و قد يقال منفحة ايضا، شىء يخرج من بطن الجدى الصغير يعصر فى صوفه متبلة فى اللبن فيغلظ كالجبن و لا يكون الا لكل ذى كرش و يقال انها كرشة الا انه مادام رضيعا يسمى ذلك الشىء انفحة، فاذا فطم و رعى العشب قيل استكرش، انتهى.
و باختلافهم اختلف اصحابنا، فذهب الحلى الى الجوهرى، و المصنف و غيره الى القاموس و هو الاقرب، لما يستفاد من بعض الاخبار انها شىء يصنع بها الجبن، و لا ريب انه انما يصنع مما قاله القاموس.
روى الكافى فى باب ما ينتفع به من الميتة عن الثمالى عن الباقر (ع) فى حديث طويل قال قتادة: اخبرنى عن الجبن، فقال: انه ربما جعلت فيه انفحة الميت، قال: ليس بها باس، ان الانفحة ليست لها عرق و لا فيها دم و لالها عظم انما تخرج من بين فرث و دم، ثم قال: ان الا نفحة بمنزلة دجاجة ميتة خرجت فيها بيضة، فهل توكل تلك البيضة؟ فقال: لا و لا امر فقال له ابو جعفر (ع): و لم؟ قال: لانها من الميتة، قال له: فان حضنت تلك البيضة فخرجت منه دجاجة، اتاكلها؟ قال: نعم، قال: حرم عليك البيضة و حلل لك الدجاجة، ثم قال: فكذلك الا نفحة مثل البيضة، الخبر.
و ان شئت فقل حصل الشك فى كون الانفحة المستثناة هل هى اللبن المستحيل ام الكرش؟ بسبب الاختلاف المتقدم، و المتيقن منه ما فى داخله لانه متفق عليه كما حكاه بعض مشايخنا حاكيا عن الروضة.
و على المختار من التفسيرين لا يشترط فى طهارتها ان يكون الجدى راضعا، عملا بالاطلاق و لا غسلها بالأطلاق مع عدم الامكان فى الاغلب، نعم لو
ص: 226
فسرناها بالكرش فلعل الاظهر وجوب غسل ظاهرها كظاهر البيضة لمكان الملاقاة، و مقتضى الاطلاق ايضا عدم الفرق فى طهارة المذكورات بين الحيوان المحلل و غيره اذا كان طاهرا حال الحيوة، و لا اعرف فى ذلك خلافا الا ما عن المصنف فى نهاية الاحكام و هى من نجاسة بيض الجلال و ما لا يؤكل لحمه مما له نفس سائلة، و لا وجه له.
و ما عن صاحب المعالم من التردد فى خصوص الانفحة من غير المحلل كالموطوء، و لا وجه له ايضا يعتد به فى مقابلة الاطلاق.
و مقتضاه ايضا عدم الفرق فى طهارة الصوف و الشعر و الريش و الوبر بين اخذها بالجزاء و القلع، الا انها على الاول غير محتاجة الى الغسل اتفاقا كما فى المشارق، و على الاخير محتاجة الى غسل موضع الملاقاة كما عن الاصحاب للملاقاة، خلافا للمحكى عن النهاية فخص بالاول، و لا وجه له يعتد به، و عدم الاشتراط فى البيض باكتساء القشر الاعلى، لكن ظاهر الاصحاب الاتفاق على اشتراطه و ان اختلفوا فى التعبير بالجلد الغليظ او الفوقانى او القشر الاعلى او الجلد الصلب.
و يدل على الاشتراط المروى فى الباب عن غياث عن الصادق (ع) فى بيضة خرجت من است دجاجة ميتة، فقال: ان كانت البيضة اكتست الجلد الغليظ فلا باس، فلا يضر ما عن المقنع من عدم تعرضه لهذا الشرط، نعم لا يشترط فى القشر الاعلى الصلابة كما ذكرها بعض بل يكفى فيه الغلظة.
و فى طهارة لبن الميتة قولان اظهرهما الطهارة، عملا بجملة من الاخبار منها خبر زرارة و حريز السابقان، بل عن الخلاف و الغنية الاجماع.
و اما المروى فى الصافى فى الباب عن وهب عن جعفر عن ابيه عن على عليه السلام: عن شاة ماتت فحلب منها لبن؟ فقال (ع): ذلك الحرام محضا، فقال فى الاستبصار هذه رواية شاذة و راويها وهب بن وهب و هو ضعيف، و يحتمل مع تسليم الخبران نحمله على ضرب من التقية لانه مذهب بعض العامة.
ص: 227
و اما ما عن الحلى لوجه التنجيس انه مايع فى ميتة ملامس لها، فاجتهاد فى مقابلة النص، نعم لو لاقى جسدها بعد الحلب من الضرع لوجب الحكم بالنجاسة.
و مقتضى الاطلاق عدم الفرق فى اللبن بين ماكول اللحم و غيره، لكن المصنف فى بعض كتبه حرّر محل النزاع فى الاول من غير تعرض للثانى و الاطلاق اجود.
و اما المسك فطاهر اجماعا كما فى التذكرة و الذكرى، و كذا فارته عندنا سواء اخذت من حية او ميتة، و للشافعى فيها وجهان قاله فى التذكرة و فى الذكرى و فارته طاهرة و ان اخذت من غير المذكى، و عليه يدل المروى فى باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس فى الزيادات فى الصحيح عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن فارة المسك يكون مع الرجل يصلى و هى معه فى جيبه او ثيابه، فقال: لا باس بذلك، و ظاهر التذكرة دعوى الاجماع.
لكن عن المنتهى: فارة المسك اذا انفصلت عن الظبية فى حيوتها او بعد التذكية طاهرة، و اذا انفصلت بعد موتها فالأقرب النجاسة، و يمكن الاستدلال عليه بالمروى فى الباب فى الصحيح عن عبد الله بن جعفر انه كتب الى ابى محمد عليه السلام: يجوز للرجل ان يصلى و معه فارة مسك، فكتب: لا باس به اذا كان ذكيا، بناء على ارجاع الضمير الى الظبى المدلول عليه بالفارة، و كون المراد من الذكى هو المذبوح، لكن لعل الاول ارجح نظرا الى ما عرفته من ظاهر عبارة التذكرة، و خلافه فى المنتهى غير ضاير اذ تصنيف التذكرة متأخر، سيما بعد ملاحظة صحيح على بن جعفر المتقدم و عدم ذكر الظبى فى اللفظ فى خبر عبد الله، و قرب ان يراد من الذكى الطاهر من النجاسات الخارجية العرضية و امر الاحتياط واضح.
(الا من نجس العين كالكلب و الخنزير و الكافر) بلا خلاف اجده، الا ما عن المرتضى رحمه الله فذهب الى طهارة ما لا تحله الحيوة من نجس العين، و يرده
ص: 228
خبرا سليمان و بريد المرويان فى التهذيب فى باب الذبايح، و خبر زرارة و بريد المرويان فى اواخر كتاب المكاسب من التهذيب، الدالات على غسل اليد بملاقاة شعر الخنزير، و المعمم الاجماع المركب على الظاهر، بل فى خبر الاخير دلالة فى اللفظ على مشاركة الكلب له فى وجوب غسل اليد بمسه، و تفصيل المدارك بين الكافر فالطهارة و اخويه فالنجاسة احداث قول ثالث على الظاهر مع ان الله سبحانه قال انما المشركون نجس.
و اما ما استدل للمرتضى من خبر زرارة المروى فى الكافى فى باب البئر و خبر الحسين بن زرارة المروى فيه فى باب ما ينتفع به من الميتة، فقاصران عن مقاومة المختار من وجوه عديدة، فليطرحا او يحملا بما لا ينافى المختار، او على التقية كما حكى ذلك المذهب عن ابى حنيفة.
و اما ما عن المرتضى من دعواه الاجماع على ما اختاره، فموهون بانفراده على ما قاله كما صرح البعض.
الاظهر كون ميت الادمى كغيره من عدم نجاسة الملاقى له الابرطوبة وفاقا للجماعة، عملا بالاصل، و بالمروى فى التهذيب فى اواخر باب آداب الاحداث عن عبد الله بن بكير فى الموثق على(1) الظاهر عن الصادق (ع): عن الرجل يبول و لا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط، قال: كل شىء يابس ذكى، خلافا للمصنف فى غير واحد من كتبه و غيره فتتعدى الى الملاقى له بيبوسة ايضا، و فى دلالة خبرى ابراهيم و الحلبى السابقين فى شرح قول المصنف: و الميتة من دى النفس، الى آخره، لذلك مناقشة كالرضوى الاخير المتقدم هناك بل لعل الاظهر منها حالة الرطوبة.
نعم مقتضى الاطلاق التوقيع المؤيد بالرضوى الاول المتقدمين هناك
ص: 229
التعميم، و عليه فيتعارض خبر عبد الله معه بتعارض العمومين من وجه، فان لم نقل بتقديم خبر عبد الله لكون عمومه استغراقيا لغويا و تطرق التقييد الى الاطلاق اهون من تخصيص العموم، فلا اقل من الحكم بالتساقط، فاصلنا سالم عن المعارض، سيما بعد تأيّده بفحوى المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الصحيح عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن الرجل وقع ثوبه على كلب ميت، قال: ينضحه و يصلى فيه و لا باس.
و عليه فلا اعتماد على هذا القول مطلقا سواء قلنا بعدم تعدى نجاسة ذلك الملاقى للميت بيبوسة الى ما لاقاه اصلا كما عن المنتهى، او التعدى برطوبة خاصة كما عن ظاهر الرياض، و عن الشيخ حسن انه قواه على تقدير القول بالتعدى مع اليبوسة.
و لا على ما عن الحلى من عدم تعدى نجاسة جسد الميت مطلقا مع وجوب غسل الملاقى له تعبدا، مع ان فى تطبيق عبارته المحكية فى الكافى عنه معه محل نظر، سيما بعد الالتفات الى المحكى عنه من قوله بنجاسة اللبن فى ضرع الميتة لمكان نجاسة الملاقى بالرطوبة.
و اما ما يستفاد من اطلاق كلام المصنف المتقدم فى غسل المس من نجاسة الملاقى لميتة غير الادمى مع اليبوسة، فمما لا يلتفت اليه اصلا سيما بعد الالتفات الى خبر على المتقدم، و الى المروى فى الباب فى الصحيح عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت، هل يصلح له الصلوة فيه قبل ان يغسله؟ قال: ليس عليه غسله و ليصل فيه و لا باس.
و اما المروى فى الباب عن يونس بن عبد الرحمن عن بعض اصحابه عن الصادق (ع): هل يجوز ان يمس الثعلب و الارنب او شيئا من السباع حيا او ميتا؟ قال: لا يضره و لكن يغسل يده، فمحول على الاستحباب قطعا، اذ لم يقل احد بثبوت الحكم المذكور مع الحيوة ايضا، كما صرح البعض.
ص: 230
مقتضى الاطلاق النص و الفتوى النجاسة بمجرد الموت و ان لم يبرد، و عليه يدل التوقيع المشار اليه، بل عن الخلاف و التحرير و المنتهى و التذكرة عليه الاجماع، خلافا للمدارك و غيره فبعد البرد خاصة للمروى فى التهذيب فى باب تلقين المحتضرين(1) فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع): مس الميت عند موته و بعد غسله و القبلة ليس به باس، و فيه انه لا يقوم فى مقابلة ما مرّ من وجوه، فليحمل نفى الباس على نفيه بالاضافة الى الاغتسال بمسه، او على ما اذا لم يمسه برطوبة على المختار، او على ما اذا لم يخرج روحه بالمرة.
فقد ظهر بما حرّرناه كون نجاسة ميت الادمى عينية من وجه لمكان التعدى الى الغير، و حكمية من اخر لمكان زوالها بالغسل، و افتقاره الى النية كالجنابة و قد ورد فى الاخبار ان غسل الميت لمكان خروج النطفة.
(و الدم من ذى النفس السائلة) بلا خلاف قاله فى التذكرة، و فى المنتهى هو مذهب علماء الاسلام، و فى التحرير هو مذهب علمائنا عدا ابن الجنيد فانه قال: اذا كان سعته دون سعة الدرهم الذى سعته كعقد الابهام الا على لم ينجس الثوب، و فى الرياض و قول ابن الجنيد مخالف للاجماع.
اقول و النصوص فى المطلب متجاوزة عن حد الاستفاضة منها المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب عن عبد الله بن ابى يعفور عن الصادق (ع) ما تقول فى دم البراغيث؟ قال: ليس به باس، قلت: انه يكثر و يتفاحش، قال:
و ان كثر، قلت: فالرجل يكون فى ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى ان يغسله، فيصلى ثم يذكر بعد ما صلى، ايعيد صلوته؟ قال: يغسله و لا يعيد صلوته، الا ان يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله و يعيد الصلوة.
و اما المروى فى الباب عن مثنى بن عبد السلام عن الصادق (ع): انى حككت جلدى فخرج منه دم، فقال: ان اجتمع قدر حمصة فاغسله و الا فلا.
ص: 231
و ان امكن جعله مستندا للصدوق فى النهاية حيث قال: و ان كان الدم دون حمصة فلا باس بان لا يغسل الا ان يكون دم الحيض، فانه يجب غسل الثوب منه و من البول و المنى قليلا او كثيرا، و تعاد منه الصلوة علم به ام لم يعلم، انتهى.
لكنه كخلاف الاسكافى لا يقوم فى مقابلة ما مرّ من وجوه عديدة، و مقتضى تقييد المتن طهارة دم غير ذى السائلة، و يستفاد من التحرير و المنتهى و التذكرة دعوى الاجماع عليها، كما عن الخلاف و ابن زهرة و الحلى و الشهيد، و عليه يدل خبر عبد الله المتقدم، و المعمم عدم القائل بالفرق كما ادعاه البعض.
و عن الخلاف و الغنية و السراير و التحرير و المختلف و الذكرى الاجماع على طهارة دم السمك، و عن التحرير لو كان دم السمك نجسا لوقف اباحة اكله على سفح دمه بالذبح كحيوان البر، لكن الاجماع على خلاف ذلك فانه يجوز اكله بدمه.
الاول: الدم المتخلف الذبح فى حيوان ماكول اللحم حلال طاهر اجماعا على الظاهر المحكى عن المختلف للسيرة، و لظاهر قوله تعالى: قل: (لاٰ أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّٰ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ)، بناء على تخصيص الحرمة بالمسفوح الظاهر فى الحل لغيره المستلزم للطهارة، للاجماع على تحريم النجس، اذ المسفوح لغة كما صرح البعض المصبوب اى الذى انصب من العرق كثرة، يقال سفح الرجل الدم من باب منع صبه، و سفحت دمه اذا اسفكته.
و لا فرق بين تخلفه فى العروق او فى اللحم او البطن، ما لم يعلم دخول شىء من الدم المسفوح او تخلفه لعارض، كما صرح فى الرياض و حكم بانه لو تخلف لعارض كجذب الحيوان له بنفسه او لذبحه فى ارض منحدرة و رأسه اعلى فان ما فى البطن حينئذ نجس، و فى المشارق و اشتراط المذكور كما قاله و غيره
ص: 232
ايضا مما لا باس به، و لكن لا ندرى وجه التخصيص بالبطن فى قوله: فان ما فى البطن حينئذ نجس، اذ الظاهر انه لا فرق بين ما فى البطن و ما فى العروق و غيرهما، و كانه من باب المثال.
اقول و لعل الوجه فى التخصيص، اما عدم انفكاك اللحم عن الدم و لو غسل مائة مرة القول بعدم جواز اكله فتأمل، او لان الدم الخارج من العروق لا يدخل اليها ثانيا بجذب الحيوان له بنفسه، بل انما يدخل فى البطن فينجس ما فى البطن خاصة، و لكن ذلك ينفع اذا كان المانع نحو جذب النفس، و اما لو كان الانحدار المذكور و ماضاهاه ففيه اشكال.
و بالجملة لو قذف على المعتاد فالمتخلف طاهر حلال، و لا يضر فيه كون المكان منحدرا فى الجملة، او جذب الحيوان له بنفسه على النهج المعتاد، و اما لو حصل مانع علم به عدم خروج الدم كما كان ينبغى الخروج، فالمسئلة عندى حينئذ محل اشكال ينشأ من الآية المتقدمة، و من اطلاق الاخبار الدالة على نجاسه الدم، المعتضدة بقوله تعالى: (إِنَّمٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ وَ اَلدَّمَ)، و امر الاحتياط واضح.
و اما ما يظهر من الرياض من نجاسة الدم اذا كان جزء من محرم كدم الطحال، ففيه ايضا اشكال، و الاحتياط مطلوب.
الثانى: ظاهر الاصحاب كما استظهره الجماعة نجاسة الدم المتخلف فى حيوان غير مأكول اللحم، و لا بأس به عملا بالاطلاق.
الثالث: العلقة التى يستحيل اليها النطفة نجسة كما عن الخلاف مدعيا على ذلك الاجماع، و فى الذكرى بعد نقل ذلك، قال فى التحرير: لانها دم حيوان له نفس و كذا علقة البيضة، و فى الدليل منع، و تكونها فى الحيوان لا يدل على انها منه.
الرابع: الصديد طاهران خلا عن الدم بلا خلاف اجده، عملا بالاصل، و استحالته من الدم غير ضاير.
ص: 233
الخامس: و لو اشتبه الدم الطاهر بالنجس فالاصل الطهارة، و كذا باقى النجاسات، قال فى الذكرى: و لا بأس به.
(و الكلب و الخنزير) بالاجماع كما حكاه الجماعة، و النصوص بذلك مستفيضة، منها المروى فى التهذيب فى باب المياه فى الصحيح عن الفضل عن الصادق (ع) و فيه: عن فضل الكلب؟ فقال: رجس نجس.
و فى الباب فى الصحيح عن محمد عن الصادق عليه السلام: عن الكلب يشرب من الأناء؟ قال: اغسل الاناء.
و منها اخبار حريز و على و محمد الفضل المرويات فى باب تطهير الثياب الدالة على نجاسة الكلب.
و خبر على بن جعفر المروى فى الباب الدالة على نجاسة الخنزير.
و جملة من الأخبار المشار اليها فى شرح قول المصنف: الا من نجس العين الدال على نجاسة شعر الخنزير، و المعمم الاجماع المركب، هذا مضافا الى قوله تعالى فى الآية المتقدمة فانه رجس، و هو هنا النجس بلا خلاف كما عن التهذيب، و الاخبار الواردة بخلاف الاخبار المشار اليها مطروحة او مؤوله او محمولة على التقية، اذ عن ابى حنيفة طهارة الكلب، و عن الزهرى و داود طهارة الكلب و الخنزير.
(و اجزائهما) بلا خلاف اطلع عليه الا فيما لا تحله الحيوة فقد عرفت الخلاف فيه مع جوابه، ثم ان مقتضى الاصل و اختصاص النصوص بحكم التبادر بالبرى طهارة البحرى، فما عن الحلى من القول بنجاسة كلب الماء تبعا للاسم ضعيف، هذا ان قلنا بكون اللفظ حقيقة فى الجنس كما عن الاكثر، و اما لو قلنا بالاشتراك اللفظى كما عن المنتهى، و الحقيقة و المجاز كما عن التحرير و نهاية الاحكام، فالامر اوضح.
ثم لا اشكال فى نجاسة المتولد منهما مع الموافقة فى الاسم، و اما مع المخالفة ففى طهارته و نجاسته قولان، و الطهارة اقرب على اشكال ما.
ص: 234
و اما ما يتولد بين احدهما و بين حيوان آخر، فهو تابع للاسم من غير خلاف يعرف.
(و الكافر) بجميع اصنافه (و ان اظهر الاسلام اذا جحد ما يعلم ثبوته من الدين) ضرورة (كالخوارج) و هم اهل النهروان و من دان بمقالتهم، كما صرح غير واحد (و الغلاة) و هم الذين اعتقدوا فى واحد من الأئمة (ع) انه الا له كما صرح غير واحد، و قد يطلق الغالى على من قال بالهية احد من الناس.
و الحكم بنجاسة كل كافر اجماعى على ما حكى عن المرتضى و الشيخ و ابن زهرة و الحلى و المصنف فى عدة من كتبه، و عليه يدل قوله تعالى: (إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاٰ يَقْرَبُوا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ)، اذ النجاسة هنا المعنى الشرعى، اما على القول بثبوت الحقيقة الشرعية قبل زمان صدور الخطاب فواضح، و اما على القول بالعدم فلمكان كلمة فلا يقربوا الصارفة عن المعنى اللغوى اعنى الاستقذار اوضد الطاهر(1) بالمعنى اللغوى، المعتضدة بان بيان النجاسة اللغوية ليس من وظيفة الحكمة الربانية، و عليه فيتعين ارادة المعنى الشرعى لكونه اقرب المجازات لمكان كثرة الاستعمال، فارادة النجاسة الباطنية كما عن بعض، مما لا يساعده القاعدة الاصولية، و اختصاص الآية بالمشترك غير ضاير لعدم القايل بالفصل حتى بالنسبة الى اليهود و النصارى(2) بعد الالتفات الى قوله تعالى (وَ قٰالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللّٰهِ وَ قٰالَتِ اَلنَّصٰارىٰ اَلْمَسِيحُ اِبْنُ اَللّٰهِ) الى قوله: (سُبْحٰانَهُ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ) و قال تعالى: (اِتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ سُبْحٰانَهُ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ) و قال لعيسى (ع): (أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّٰاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلٰهَيْنِ) اثنين.
هذا مضافا الى دلالة الاخبار على نجاستهما، و منها المروى فى الكافى
ص: 235
فى باب الوضوء من سؤر الحائض فى الصحيح عن سعيد الاعرج عن الصادق عليه السلام: عن سؤر اليهودى و النصرانى؟ قال: لا.
و فى التهذيب فى باب تطهير الثياب عن ابى بصير عن الباقر (ع) انه قال فى مصافحة المسلم لليهودى و النصرانى، قال: من وراء الثياب فان صافحك بيده فاغسل يدك.
و فى الباب فى الصحيح عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن فراش اليهودى و النصرانى ينام عليه؟ قال: لا بأس و لا يصلى فى ثيابهما، و قال:
لا يأكل المسلم مع المجوسى فى قصعة واحدة و لا يقعده على فراشه و لا مسجده و لا يصافحه، و عن رجل اشترى ثوبا من السوق للبس لا يدرى لمن كان، هل يصلح الصلوة فيه؟ قال: ان اشتراه من مسلم فليصل فيه و ان اشتراه من نصرانى فلا يصلى فيه حتى يغسله.
و الى غير ذلك من الاخبار، و خروج بعض الافراد بقيام دليل، غير قادح فى الحجية.
و اما الاخبار الدالة على طهارتهما، فمطروحة، او مؤوّله بما لا ينافى المختار، او محمولة على التقية التى هى فى الاحكام الشرعية اصل كل بلية، اذ عنهم كلا او جلا القول بالطهارة، مع انه لم يظهر منا قائل بطهارة اهل الكتاب الا ما عن الاسكافى و قد ترك الاكثر نقل خلافه، بل ادعى الجماعة الاجماع على خلافه من غير اعتداد به، و لا ريب فى شذوذه و عدم الاعتناء بخلافه فى نحو المقام اصلا، سيما بعد الالتفات الى انه كثيرا ما يوافق العامة و يختار طريقتهم، حتى فى مثل حجية القياس الذى حرمته من ضروريات مذهب الشيعة.
و اما عبارة الشيخ فى النهاية فصريحة فى نجاسة الكفار، و اما ما ذكر بعدها بقريب مما يومى بطهارتهم فمؤول بتأويل قريب دال على عدم منافاته لعبارة السابقة.
و اما ما عن العمانى من القول بطهارة سؤر اهل الكتاب، فغير دال على
ص: 236
المخالفة، لقوله بعدم انفعاله الماء القليل بعد الالتفات الى ما عن بعض(1)بانه المصطلح عليه بين الفقهاء من لفظ السؤر حيثما ذكروه، فتدبر.
و اما ما قاله فى التحرير ان للمفيد فى اليهود و النصارى قولين احدهما النجاسة ذكره فى اكثر كتبه، و الاخر الكراهة ذكره فى الرسالة الغرية، ففيه ان لفظ الكراهة فى كلام القدماء غير ضائر فى المصطلح عليه بين متأخرى الطائفة، فكلامه غير ضائر فى الخلاف، بل الظاهر منه العدم بعد الالتفات الى ان تلميذيه علم الهدى و الشيخ كيف يدعيان الاجماع مع خلافه، مع وفور اعتقادهما به.
و على فرض مخالفة هؤلاء الجماعة، فلا ريب فى جواز الاستناد الى الاجماعات المحكية و غيرها من الأدلة، نعم لا يجوز الاستناد الى شىء من الأدلة المذكورة فى نجاسة من عدا الخوارج و الغلاة و النواصب من ساير فرق المسلمين، فاذن الاظهر فيهم هو الطهارة، عملا بالاصل و العمومات و بما دلّ على اسلامهم من حيث الشهادتين، كالمروى فى اصول الكافى فى باب ان الايمان يشرك الاسلام فى الموثق عن سماعة عن الصادق (ع) و فيه: الأسلام شهادة ان لا اله الا الله و التصديق برسوله (ص)، به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و المواريث، و على ظاهره جماعة الناس.
و فى الباب عن حمران عن الباقر (ع) و فيه: الاسلام ما ظهر من قول او فعل، و هو الذى عليه جماعة الناس من الفرق كلها، و به حقنت الدماء و عليه جرت المواريث و جاز النكاح.
بعد الالتفات الى المروى فى النهاية فى باب المياه عن على (ع)، انه سئل: اتتوضأ من فضل وضوء جماعة المسلمين احب اليك او اتتوضأ من ركو ابيض مخمر؟ فقال (ع): لا بل من فضل وضوء جماعة المسلمين، فان احب دينكم
ص: 237
الى اللّه الحنيفية السمحة السّهلة.
و بالمستفيضة بل المتواترة كما قيل الحاكمة بحمل ما يوجد فى اسواق المسلمين و الطهارة، و منها خبر على بن جعفر المتقدم مع القطع بندرة الامامية فى ازمنة صدور تلك الاخبار، و عدم انعقاد سوق خاص لهم بحيث يكون الأحكام المزبورة واردة عليه، و بالسيرة و الاثارة المخبرة بعدم احتراز الأئمة (ع) و الأصحاب عنهم فى شىء من الأزمنة، على احد يظهر عدم كونه من جهة التقية و باستلزام النجاسة العسر و الحرج المنفى فى هذه الشريعة، و بكونه من الامور العامة البلوى، فلو كان الحكم فيهم النجاسة لوجب الاشتهار كاشتهار الشمس فى رابعة السماء، مع ان الامر فى طرف الضدّ من ذلك، اذ لم نطلع على مخالف الا ما عن المرتضى من القول بنجاسة غير المؤمن، و الحلى من القول بنجاسة من لم يعتقد الحق عدا المستضعف، و ليس لهما دليل يعتد به الا ما يفهم من بعض الاخبار من اطلاق لفظ الكفر عليهم، كالمروى عن اكمال الدين عن الصادق (ع): الامام علم بين الله عز و جل و بين خلقه من عرفه كان مؤمنا و من انكره كان كافرا.
و فيه مع قطع النظر عن ساير المناقشات، ان الخبر قد أثبت صغرى القياس، اعنى قولك هذا كافر، و لكن ليس لكلية كبراك أعنى قولك و كل كافر نجس دليل من الاربعة،(1) و ليس لك الاستناد الى عموم الاجماعات المحكية المتقدمة، لوهنها بمصير المعظم الى الخلاف، و عليه فالشكل عقيم.
و اما الاستناد فى نجاستهم الى قوله تعالى: (كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اَللّٰهُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ)، فيتوقف على كون المراد من الرجس فيه النجاسة الشرعية، و اثباته خرط القتاد، نعم لو علمنا بانهم عالمين بان النبى (ص) جعل مولانا عليّا (ع) خليفة بلا فصل و مع ذلك ينكرونه، لوجب الحكم بكفرهم و نجاستهم
ص: 238
لكونهم رادين حينئذ للنبى (ص)، و لكن اثبات دونه خرط القتاد.
و فيما ذكرنا ينقدح لك الجواب عما حكى عن المصنف فى شرح كتاب(1)فص الياقوت المتضمن لقوله: دافعوا النص كفرة عند جمهور اصحابنا و من اصحابنا من يفسقهم، من قوله اما دافعوا النص على امير المؤمنين (ع) بالامامة فقد ذهب اكثر اصحابنا الى تكفيرهم، لان النص معلوم بالتواتر من دين محمد (ص) فيكون ضروريا اى معلوما من دينه ضرورة، فجاحده يكون كافرا كمن يجحد وجوب الصلوة و صوم شهر رمضان.
و عما حكى عن محمد صالح المازندرانى فى شرح اصول الكافى: و من انكرها يعنى الولاية فهو كافر، حيث انكر اعظم ما جاء به الرسول و اصلا من اصوله، انتهى.
و حاصل الجواب ان المصنف و من تبعه ان اراد ان النص الوارد بكون على (ع) خليفة الرسول بلا فصل، قد صار بديهى المذهب فمنكره خارج عن المذهب لا عن الدين، الا ان يعلم بثبوته عن النبى (ص)، فهو حينئذ كافر نجس لرجوعه الى انكار الرسول، و لكنا لسنا فى بيان هذا المقام.
و محصول الكلام ان ما قاله فى كتاب فص الياقوت من كفر هؤلاء عند جمهور اصحابنا، فلا نستوحش عنه بل نعاضده بما فى التهذيب بعد قول المقنعة: لا يجوز لأحد من اهل الايمان ان يغسل مخالفا للحق فى الولاية و لا يصلى عليه الا ان تدعوه ضرورة الى ذلك من جهة التقية الى آخره، بما لفظه فالوجه فيه ان المخالف لأهل الحق كافر فيجب ان يكون حكمه حكم الكفار، الا ما خرج بالدليل.
و بما عن الحلى: المخالف لأهل الحق كافر بلا خلاف بيننا، انتهى.
و لكن ذلك غير نافع فيما نحن فيه، اذ لم يقم دليل على نجاسة كل ما يسمى
ص: 239
كافرا، الست ناظرا الى الأخبار المطلقة على تارك الصلوة الكافر مع انّ الأمر فيه كما تعلمه، و بطور آخران كان مراد فص الياقوت و من تبعه ان جمهور اصحابنا ذهبوا الى كونهم كافرين بالكفر المقابل للاسلام، ففيه منع واضح، و ان كان المراد غير ذلك فلا يجدى فى المقام، لعدم دليل على كلية الكبرى.
و اما الحجة على نجاسة الخوارج و الغلاة و النواصب و المنكر لضرورى الدين، فهو الاجماع المحكى عن الجماعة، و يدل على الأخير المروى فى اصول الكافى فى باب آخر منه ان الاسلام قبل الايمان فى الصحيح عن عبد الرحيم الممدوح لقول الصادق (ع) فى هذا الخبر له رحمك الله، عن الصادق (ع) و فيه: لا يخرجه الى الكفر الا الجحود و الاستحلال ان يقول للحلال هذا حرام و للحرام هذا حلال، و دان بذلك فعند(1) ها يكون خارجا من الاسلام و الايمان داخلا فى الكفر، و كان بمنزلة من دخل الحرم ثم دخل الكعبة و احدث فى الكعبة حدثا، فاخرج عن الكعبة و عن الحرم فضربت عنقه و صار الى النار.
و على نجاسة الناصب جملة من الاخبار منها موثقة ابن ابى يعفور المتقدمة فى غسالة الحمام المتضمنة لقوله (ع): فان الله تبارك و تعالى لم يخلق خلقا انجس من الكلب، و ان الناصب لنا اهل البيت انجس منه، لكن الاستدلال بهذا الخبر موقوف على القول بصيرورة النجس حقيقة قبل صدور الخطاب فى المصطلح عليه بين الطائفة، فان قلت فعليك بعد اذعانك بدلالة النص على نجاسة الناصب ان تحكم بنجاسة كل من قال بالاول و الثانى، بعد الالتفات الى المروى عن مستطرفات السرائر من كتاب المسائل الرجال و مكاتباتهم لمولانا ابى الحسن على بن محمد الهادى (ع)، فى جملة مسائل محمد بن على بن عيسى قال: كتبت اليه اسئله عن الناصب، افنحتاج فى امتحانه الى اكثر من تقديمه الجبت و الطاغوت و اعتقاده بامامتهما؟ فرجع الجواب: من
ص: 240
كان على هذا فهو ناصب.
قلت الخبر لمكان قصور السند مما لا يصح الاستناد اليه فى نحو المقام، نعم يظهر من الاخبار ان الناصب من نصب العداوة على اهل البيت، او ابغض الشيعة من حيث التشيع و تظاهر العداوة عليهم لذلك، قال فى الرياض: و المراد بالناصب من نصب العداوة لأهل البيت (ع) او لأحدهم، و اظهر البغضاء لهم صريحا او لزوما ككراهية ذكرهم و نشر فضايلهم و الأعراض عن مناقبهم من حيث انها مناقبهم و العداوة بمحبيهم بسبب محبتهم.
و روى الصدوق ابن بابويه عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) قال:
ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت لأنك لا تجد احدا يقول أنا أبغض محمد و آل محمد، و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولونا و انكم من شيعتنا، الى ان قال: و فى بعض الأخبار ان كل من قدم الجبت و الطاغوت فهو ناصب، و اختاره بعض الأصحاب اذ لا عداوة اعظم ممن قدم المنحط عن مراتب الكمال، و فضل المنخرط فى سلك الأغباء الجهال، على من تسنم اوج الاجلال حتى شك انه الله المتعال.
و عن السيد نعمة الله: اما الناصبى و احواله و احكامه هو انما يتم ببيان امرين الاول فى بيان معنى الناصب الذى ورد الروايات انه ينجس و انه شر من اليهودى و النصرانى و المجوسى و انه كافر باجماع الامامية، و الذى ذهب اليه اكثر الأصحاب ان المراد به من نصب العداوة لآل محمد و تظاهر ببغضهم، كما هو الموجود فى الخوارج و بعض ما وراء النهر، و رتبوا الاحكام فى باب الطهارة و النجاسة و الكفر و الايمان و جواز النكاح و عدمه على الناصبى بهذا المعنى، و قد تفطن شيخنا الشهيد الثانى من الاطلاع على غرائب الأخبار فذهب الى ان الناصبى هو الذى نصب العداوة لشيعة اهل البيت و تظاهر بالقدح فيهم، كما هو حال اكثر المخالفين لنا فى هذه الامصار فى كل الأعصار انتهى.
ص: 241
أقول و على نحو خبر ابن سنان قد روى بعض الاجلاء عن معانى الأخبار بسند معتبر على ما قاله، من معلى بن خنيس قال: سمعت الصادق (ع): يقول ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت، لأنك لا تجد احدا يقول انا أبغض محمدا و آل محمد و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولونا و تبرئون من أعدائنا.
أقول و عليه فاذا رأينا من اهل الخلاف من يظهر العداوة للشيعة من انهم يحبون اهل البيت (ع)، فعلينا ان نحكم بكفرهم و نجاستهم كما نحكم بذلك على من آذاهم (ع)، و اذا لم نعلم ذلك منهم فنحكم باسلامهم بحسب الظاهر و ان كانوا مخلدين فى النار كساير الكفار، و اما من علمنا منه العداوة لأهل البيت (ع) من غير ان يظهر العداوة، فالحكم بنجاستهم مشكل بل الأظهر العدم، و ذلك اما لعدم شمول اخبار الناصب له حقيقة، او لأن المتبادر منها غيره، او لما تعلم من حال النبى (ص) مع فلان و فلان و فلان و فلانة و اغتساله معها فى أناء واحد، نعم الظاهر الحكم بنجاستهم فى زمان اظهروا العداوة لأهل البيت (ع)، عملا بما يستفاد من اخبار الناصب من غير ظهور معارض يعتد به.
و كذا الكلام فيمن خرج عن الفرقة الاثنى عشرية من ساير افراد الشيعة كالزيدية و الواقفية و الفطحية و نحوها، فانهم ايضا كأهل السنة ما لم يظهروا العداوة لأهل البيت (ع)، عملا بالأصل و بما مرّ اليه الاشارة المعتضدة بالشهرة، و ان كانوا هم الكلاب الممطورة كما عن القدماء انهم سموهم بذلك، و الاخبار الآتية قاصرة عن اثبات نجاستهم مطلقا.
و هى ما أشار اليه بعض الأجلاء قال: و من الاخبار الدالة على ما ذكرناه اى نجاستهم، ما رواه الكشى فى كتاب الرجال باسناده عن ابن أبي عمير عمن حدثه قال: سألت محمد بن على الرضا (ع) عن هذه الآية: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خٰاشِعَةٌ عٰامِلَةٌ نٰاصِبَةٌ)، قال: وردت فى النصاب و الزيدية و الواقفية من النصاب.
ص: 242
و ما رواه فيه ايضا بسنده الى عمر بن يزيد قال: دخلت على الصادق (ع) فحدثنى مليا فى فضائل الشيعة ثم قال: انّ من الشيعة بعدنا منهم شر من النصاب فقلت:
جعلت فداك أليس ينتحلون مودتكم و يتبرؤون من عدوكم؟ قال: نعم، قلت: جعلت فداك بيّن لنا لنعرفهم، قال: انما هم قوم يفتنون بزيد و يفتنون بموسى (ع).
و ما رواه ايضا قال: ان الزيدية و الواقفية و النصاب بمنزلة واحدة.
و روى القطب الراوندى فى كتاب الخرايج و الجرايح عن احمد بن محمد بن مطهر قال: كتب بعض أصحابنا الى الصادق (ع)، من اهل الجبل يسئله عمن وقف على ابى الحسن موسى، أتولاهم ام اتبرء منهم؟ فكتب: اترحم على عمك لا يرحم الله عمك و تبرء منه فانا الى الله برئ منهم فلا تتولاهم و لا تعد مرضاهم و لا تشهد جنايزهم و لا تصل على احد منهم مات ابدا، سواء من جحد اماما من الله تعالى او زاد اماما ليست امامته من الله تعالى و جحد او قال ثالث ثلثة، ان الجاحد من أخرنا جاحد من اولنا و الزايد فينا كالناقص الجاحد أمرنا.
و ينبغى التنبيه على امور:
الاول: فى نجاسة المجسمة قولان ينشآن من الأصل و اظهارهم الشهادتين فالطهارة، و من استلزام الجسمية للحدوث المستلزم لانكار ما ثبت من الدين ضرورة فالنجاسة، و فى الرياض هم قسمان مجسمة بالحقيقة، و هم الذين يقولون ان الله جسم كالأجسام، و لا ريب فى كفر هذا القسم، و ان تردد فيه بعض الأصحاب، و مجسمة بالتسمية المجردة و هم القائلون بأنه جسم كالأجسام و فى نجاسة هذا القسم تردد، و كان الدليل الدال على نجاسة الاول دال على الثانى، فان مطلق الجسمية يوجب الحدوث و ان غاير بعضها بعضا، انتهى.
و فى نجاسة المجبرة ايضا قولان، و الاحتياط فيهما مطلوب جدا.
الثانى: ذهب المشهور الى طهارة ولد الزنا، و هو المنصور للأصل و اظهار الشهادتين، خلافا للمحكى عن الحلى فنجس، قيل: القول بكفره منقول
ص: 243
عن السيد المرتضى و ابن ادريس(1)، و باقى علمائنا حكموا باسلامه و هو الحق انتهى.
و خبر ابن ابى يعفور المتقدم فى غسالة الحمام، و مرسلة الوشاء المروية فى التهذيب فى باب المياه، قاصران عن اتمام مذهب الحلى من وجوه عديدة.
قال فى البحار نسب الى الصدوق و المرتضى و ابن ادريس القول بكفر ولد الزنا و ان لم يظهره، ثم قال: هذا مخالف لأصول العدل اذ لم يفعل باختياره ما يستحق به العقاب، فيكون عقابه ظلما و جورا و ليس بظلام للعبيد انتهى.
و عن الاكثر انه لو آمن ليدخل الجنة، و قد دلّت المستفيضة ان شرط دخول الجنة طيب الولادة، و فى بعض الاخبار الأخير فى ولد الزنا و لا فى بشره و لا فى شعره و لا فى لحمه و لا فى دمه و لا فى شىء منه يعنى ولد الزنا، و فى بعض الأخباران ولد الزنا ان عمل خير اجزى به و ان عمل شراجزى، و عن المحاسن بسنده عن ابى بكر قال: كنّا عنده و معنا عبد الله بن عجلان، معنا رجل يعرف ما نعرف و يقال انه ولد زنا، فقال: ما تقول؟ فقلت: ان ذلك ليقال، فقال: ان كان ذلك كذلك بنى له بيت فى النار من صدر يرد عنه وهج جهنم و يؤتى برزقه.
و الذى يظهر لى فى الجمع بين الأخبار، انه فى الغالب لا يكون مؤمنا، و ان كان مؤمنا فايمانه مستعار، و ان ثبت ايمانه و كان مستقرا يكون ثوابه فى النار كما أشار اليه صاحب البحار بقوله: يمكن الجمع بين الأخبار على وجه يوافق قانون العدل بان يقال: لا يدخل الجنة لكن لا يعاقب فى النار الا بعد أن يظهر منه ما يستحقه و مع فعل الطاعة و عدم ارتكاب ما يحبطه يثاب فى النار
ص: 244
على ذلك، و لا يلزم على الله تعالى ان يثيب الخلق فى الجنة.
و يدل عليه خبر عبد الله بن عجلان، و لا ينافيه خبر عبد الله بن أبى يعفور، و أشار به ما أشرنا اليه قبل خبر ابى بكر اذ ليس فيه تصريح بان جزاءه يكون فى الجنة، و اما العمومات الدالة على ان من يؤمن بالله و يعمل صالحا يدخله الجنة، يمكن ان يكون مخصصا بتلك الأخبار.
الثالث: ولد الكافرين يتبعهما فى النجاسة من غير ظهور مخالف و هو الحجة، و اما الاستدلال للقول المشهور من تبعية ولد الكافر لأبويه فى الكفر، بما رواه الصدوق فى الفقيه فى النكاح فى باب حال من يموت من اطفال المشركين عن جعفر بن بشير و طريقه اليه فى المشيخة صحيح عبد الله بن سنان قال: سألت الصادق (ع) عن اولاد المشركين يموتون قبل ان يبلغوا الحنث؟ قال: كفار و الله اعلم بما كانوا عاملين، يدخلون مداخل آبائهم.
و فى الباب عن وهب بن وهب عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: اولاد المشركين مع آبائهم فى النار، و اولاد المسلمين مع آبائهم فى الجنة.
ففيه مناقشة الا أن تدفع بان مقتضى الاول كون ابدان اطفالهم بعد الموت كابدانهم فليحكم حينئذ بالنجاسة، و الظاهر عدم القول بالفصل، و يعضده الخبر الثانى و المروى فى الكافى فى باب(1) الأطفال مرسلا حيث قال: و فى حديث آخر اما اطفال المؤمنين فيلحقون بآبائهم و اولاد المشركين يلحقون بآبائهم و هو قوله تبارك و تعالى: (بِإِيمٰانٍ أَلْحَقْنٰا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ).
و اما جملة من الأخبار المروية فى الباب الدالة على تأجيح النار على الأطفال فمن دخلها كان سعيدا و من امتنع كان شقيّا ادخل فى النار، فيمكن الجمع بان المطيعين هم اولاد المؤمنين و الممتنعين اولاد الكافرين، او بما احتمله بعض الأجلاء بحمل اخبار التأجيح على غير اطفال المؤمنين و الكافرين،
ص: 245
بناء على ما ثبت بالأخبار من تقسيم الناس الى مؤمن و كافر و مسلم، فالاولان لا يقومان فى الحساب و لا ينشر لهما الدواوين و لا ينصب لهما الموازين فانما يساقون بعد البعث الى الجنة ان كانوا مؤمنين و النار ان كانوا كافرين، و هذان الفريقان يلحق بهم اولادهم فى الجنة و النار كما صرحت به تلك الأخبار، و اما المسلمون و هم اهل المحشر يقفون فى الحساب و ينشر لهم الدواوين و تنصب لهم الموازين، فهؤلاء الذين تأجج لأولادهم النار.
او الحكم بالكفر على اولاد المشركين، و الايمان على اولاد المؤمنين، الى يوم القيمة حتى انهم فى البرزخ يلحقون بهم اما فى الجنة او النار ممتد الى يوم القيمة، فيقع التكليف لهم و الامتحان بالنار، و بذلك يتميز اصحاب الجنة الأخروية الموجبة للخلود و النار كذلك.
يحكم بطهارة ولد الكافر اذا سباه المسلم بلا خلاف ظاهر أجده، بل استظهر البعض عدم الخلاف بينهم فى طهارته قال: و ان اختلفوا فى تبعيته للمسلم فى الاسلام بمعنى ثبوت احكام المسلم و هذا امر زايد على الحكم بالطهارة و صرح فى الذكرى ببقاء الحكم بطهارته او نجاسته على الخلاف فى تبعيته للمسلم و عدمها، حيث قال: ولد الكافر نجس و لو سباه مسلم و قلنا بالتبعية طهر و الاّ فلا.
أقول حيث لم يظهر مخالف بينهم فى الحكم بالطهارة، فلا اشكال فيها بحمد الله كما سيأتى التفصيل فى الجهاد انشاء الله فانتظر.
(و المسكرات) المايعة بالاصالة،
و على نجاسة الخمر منها الاجماع فى التذكرة كما عن النزهة و الخلاف و المبسوط و الناصريات و الغنية و السراير، مضافا الى الصحاح المستفيضة كغيرها من المعتبرة كالمروى فى الكافى فى كتاب الصلوة فى باب الرجل يصلى فى الثوب و هو غير طاهر عن جزان الخادم قال:
كتبت الى الرجل (ع) أسئله عن الثوب يصيب الخمر و لحم الخنزير، أيصلى فيه ام لا؟ فان اصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صل فيه فان الله انما
ص: 246
حرم شربها، و قال بعضهم: لا تصلّ فيه، فكتب (ع): لا تصلّ فيه فانه رجس.
فالخبر قد ارشدك الى الاستدلال بالآية(1) ايضا، بل فى التهذيب بعد الاستدلال بالآية: و الرجس هو النجس بلا خلاف، و المروى فى الباب فى الصحيح عن على بن مهزيار: قرأت فى كتاب عبد الله بن محمد الى أبى الحسن (ع): جعلت فداك روى زرارة عن أبى جعفر و ابى عبد الله (ع) فى الخمر يصيب الرجل انهما قالا: لا بأس بان يصلى فيه انما حرم شربها، و روى زرارة عن ابى عبد الله (ع) انه قال: اذا أصاب ثوبك خمر و نبيذ يعنى المسكر فاغسله ان عرفت موضعه و ان لم تعرف موضعه فاغسله كله، و ان صليت فيه فأعد صلوتك، فاعلمنى ما آخذ به، فوقع بخطه (ع): خذ بقول ابى عبد الله (ع).
و فى التهذيب فى باب الذبايح فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع): عن آنية اهل الذمة و المجوس؟ فقال: لا تأكلوا فى آنيتهم و لا من طعامهم الذى يطبخون، و لا فى آنيتهم التى يشربون فيها الخمر.
و فى زيادات باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): عن الذى يعير ثوبه لمن يعلم انه يأكل الجرى و يشرب الخمر فيرده، أيصلى فيه قبل ان يغسله؟ قال: لا يصلى فيه حتى يغسله، بناء على مرجوحية المجاز بالنسبة الى التخصيص المستنبط من المروى فى الباب فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع)، انه سئل و أنا حاضر: انى اعير الذمى ثوبى و أنا اعلم انه يشرب الخمر و ياكل لحم الخنزير فيرد على، فاغسله قبل ان اصلى فيه، فقال ابو عبد الله (ع): صلّ فيه و لا تغسله من أجل ذلك، فانك اعرته اياه و هو طاهر و لم تستيقن انه نجسه، فلا بأس أن تصلى فيه حتى تستيقن انه نجسه.
خلافا للمحكى عن الصدوق و العمانى و الجعفى فذهبوا الى طهارة الخمر استنادا الى جملة من الأخبار لا تقوم فى مقابلة ما دل على المختار من وجوه
ص: 247
عديدة، فلتحمل على التقية التى هى فى الأحكام الشرعية اصل كل بلية، اذ حكى الطهارة فى التذكرة عن داود و ربيعة و الشافعى فى أحد قوليه، مع ما تعلمه من دأب خلفاء بنى امية و بنى عباس و وزرائهم و ارباب الدولة بالنسبة الى ارتكاب شرب الخمر ما تعلمه حتى حكى ان بعضهم يؤم الناس و هو سكران.
و اما حمل اخبار النجاسة على التقية، فمما يرده ما قيل من اتفاق العامة على اكل الجرى و طهارة اهل الكتاب و حل النبيذ مع وجودها فى الأخبار المتقدمة على نحو ما عرفته، هذا مع شذوذ المخالف، فلا معنى لميل بعض متأخرى المتأخرين الى موافقة من رفضه الأصحاب مع كثرة الأخبار الدالة على مذهبهم، و خروج الأخبار المخالفة من ايديهم.
و حيث ثبت نجاسة الخمر فليحكم بنجاسة ساير الأشربة المسكرة لعدم القائل بالفرق، كما صرح غير واحد، و عن الخلاف و التحرير الاجماع على نجاستها، و عن الناصريات كلمن حرمها نجّسها، و لجملة من الأخبار منها خبر ابن مهزيار المتقدم، و المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب عن عمار عن الصادق (ع) و فيه: لا يصلى فى ثوب قد أصابه خمراء و مسكر حتى يغسل.
ثم المحكى عن الاصحاب اختصاص نجاسة المسكر بالمايع بالأصالة، فالجامد بالاصالة طاهر، و عليه يدل الأصل مع عدم ظهور المخرج لاختصاصه بحكم التبادر بالأول، فالظاهر ان مراد المتن و نحوه من الاطلاق هو المقيد.
(و العصير اذا غلا و اشتد) وفاقا للمحكى عن المشهور خلافا للجماعة فالطهارة للاصل و العمومات و هو الأظهر لعدم دليل على الاول، عدا المروى فى التهذيب فى باب الذبايح فى الموثق عن معوية بن عمار عن الصادق (ع) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتينى بالبختج(1) و يقول: قد طبخ على الثلث و انا أعرفه انه يشرب على النصف، فقال: خمر لا تشربه.
ص: 248
بناء على كونه خمرا حقيقة كما عن الصدوقين و الكلينى و البخارى، او كونه كالخمر فى الاحكام و منها النجاسة، و فى الاول منع واضح و كذا فى الثانى لجواز القول بتبادر خصوص الشرب فى وجه الشبه، مع ان الخبر مروى فى الكافى فى باب الطلا و ليس فيه كلمة خمر، نعم لو حصل فيه الاسكار فينجس للعموم المتقدم.
هنا امور يحسن التنبيه عليها لكثرة الاحتياج.
الاول: لا خلاف فى حلية العصير العنبى قبل الغليان للأصل و الأخبار، و اما بعد الغليان و قبل ذهاب ثلثيه فيحرم اجماعا على الظاهر المحكى عن غير واحد، و عليه يدلّ خبرا حماد المرويان فى الكافى فى باب العصير، و خبر عبد الله بن سنان المروية فيه فى باب العصير الذى قد مسّه النار، و المستفاد من موثقة ذريح المروية فيه فى باب العصير عن الصادق (ع): اذا نشّ العصير او غلى حرم، عدم الفرق بتحريمه بالغليان بين وقوعه بالنار او غيرها، و به صرح الجماعة، و كذا لا فرق فى ذهاب ثلثيه بين الأمرين كما عن الجماعة لأطلاق الأخبار، و ظاهر البعض الميل الى الاختصاص بالنار فلو ذهب بغيرها فالتحريم باق، للتبادر و هو الأحوط و ان كان فى تعيّنه نظر و لا ينافيه المروى فى الكافى فى باب أصل تحريم الخمر فى الصحيح عن ابان عن زرارة عن الباقر (ع) و فيه: اذا أخذت عصيرا فاطبخه حتى يذهب الثلثان و كل و اشرب حينئذ الخبر، لمكان كلمة حتى فافهم.
و يكفى فى التحريم مجرد الغليان كما صرح البعض، حاكيا عن ظاهر النصوص و اكثر الفتاوى، و عن القواعد اعتبار الاشتداد ايضا و لا وجه له.
الثانى: المنصور المشهور كما صرح الجماعة عدم حرمة الزبيب بالغليان، عملا بالأصل و العمومات كقوله تعالى: (قُلْ لاٰ أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً) الى (طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّٰ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً)، الى آخره، و قوله تعالى: إِنَّمٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ الى آخره، و قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبٰاتُ)، الى
ص: 249
آخره، و قوله تعالى: (لاٰ تُحَرِّمُوا طَيِّبٰاتِ مٰا أَحَلَّ اَللّٰهُ لَكُمْ)، و قوله تعالى: (خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً).
و فى الأخبار انما الحرام ما حرم الله فى كتابه مع الاشارة فى غير واحد منها بقراءة قل لا أجد الآية، خلافا للمحكى فى الدروس عن بعض معاصريه و بعض فضلائنا المتقدمة فالحرمة، و اختارها من متأخرى المتأخرين جماعة، و لهم المروى فى الكافى فى باب(1) الطلا باسناد فيه سهل بن زياد عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن الزبيب هل يصلح ان يطبخ حتى يخرج طعمه، ثم يؤخذ ذلك الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه، و يبقى الثلث، ثم يرفع و يشرب منه السنة؟ قال: لا بأس به.
و فى باب صفة شراب الحلال فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع):
عن الزبيب كيف طبخه حتى يشرب حلالا؟ فقال: تأخذ ربعا من زبيب فتنقيه، ثم تطرح عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة، فاذا كان من الغد نزعت بسلافته، ثم تصب عليه من الماء بقدر ما يغمره، ثم تغليه بالنار غلية، ثم تنزع ماءه فتصبه على الماء الاول، ثم تصرحه فى اناء واحد جميعا، ثم توقد تحته النار حتى يذهب ثلثاه و يبقى الثلث و تحته النار، ثم تأخذ رطلا من العسل الخبر.
و فى الباب عن عمار، وصف لى ابو عبد الله (ع) المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا؟ فقال لى: خذ(2) ربعا من زبيب و نقه(3) و صب عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة فاذا كان ايام الصيف و خشيت ان ينش جعلته فى تنور مسخون(4) قليلا حتى لا ينشّ ثم تنزع الماء منه كله، حتى اذا اصبحت صببت
ص: 250
عليه من الماء بقدر ما يغمره، الى ان قال: ثم تغليه بالنار و لا يزال تغليه حتى يذهب الثلثان و يبقى الثلث، ثم تأخذ لكل ربع رطلا من العسل، الخبر.
و فى الباب عن اسمعيل بن الفضل الهاشمى: شكوت الى أبى عبد الله قراقر نصيبى فى معدتى و قلة استمرارى الطعام، فقال لى: لم لا تتخذ نبيذا نشربه نحن؟ و هو يمرى الطعام و يذهب بالقراقر و الرياح من البطن، فقلت له:
صفه لى جعلت فداك، فقال: تأخذ صاعا من زبيب، الى ان قال: ثم طبخته طبخا حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه، الى ان قال: و هو شراب طيب لا يتغير اذا بقى ان شاء الله.
و عن الزيد بن زيد النرسى و زيد الزراد عن الصادق (ع): فى الزبيب يدق و يلقى فى القدر و يصب عليه الماء؟ قال: حرام حتى يذهب ثلثاه، قلت:
الزبيب كما هو يلقى فى القدر، قال: هو كذلك سواء اذ ادت الحلاوة الى الماء فقد فسد كلما غلا بنفسه او بالنار فقد حرم الى ان يذهب ثلثاه.
و فيه ان هذه الاخبار لا تقوم فى مقابلة العمومات المعتضدة بالشهرة، سيما بعد ملاحظة قصور الكل سندا، و الموثق و ان نقول بحجيته لكن فى نحو المقام مما لا التفات اليه اصلا، بل لو تعددت الأخبار جدا و صح سندها كلا لما ينبغى الالتفات اليها اصلا، و ان كانت دلالتها صريحة، مع ان تلك الاخبار عدا خبر زيد الذى لا حجية فيما يرويه اصلا، و خبر على الذى لا دلالة فى المطلب، مما يتطرق المناقشة فى دلالتها، اذ للمتدبر فى مضمونها ان يقول: لا يلزم من الأمر بطبخه على الثلث ان يكون ذلك لاجل حليته بعد ان حرم بالغليان، بل يجوز ان يكون لئلا يكون مسكرا بمكثه كما يترنم به خبرا على و اسمعيل المتقدمان، او يكون لأجل تحصيل الخاصية و النفع الذى لا يحصل الا بطبخه على الوجه المزبور كما يترنم به ما روى فى الكافى فى آخر باب الاشربة و ما هو متداول الآن بين الاطباء فى الحكم بالغلى حتى يذهب الثلثان فى كثير من الأشربة.
و اما ما ورد فى خبرى عمار من قوله حتى يشرب حلالا كما فى الاول، او
ص: 251
حتى يصير حلالا كما فى الثانى، فمع كونهما واقعين فى خبر عمار المتفرد بروايات الغرايب، انهما فى السؤال و تقرير المعصوم بعد الالتفات الى ان كل ما ذكره (ع) فى الكيفية عدا الغلى حتى يذهب الثلثان، لا دخل له فى الحلية بالاجماع غير نافع سيما فى نحو المقام.
و اما قوله (ع) فى خبر عمار الأخير الضعيف بحسب(1) السند: حتى لا ينش، بعد الالتفات الى ظهور كون المحافظة على عدم النشيش الذى هو صوت الغليان كما قاله غير واحد، لخوف تحريمه بالنشيش، فغير مسموع، لجواز القول بان المحافظة من النشيش لغرض آخر لا أنه يحرم بعد ذلك، كما يستأنس بذلك حصول التحريم على هذا الفرض بالغلى الى ان يذهب الثلثان المأمور به ثانيا، فالأمر بالمحافظة من النشيش لذلك ليس فيه مزيد فائدة، و كما ان ذهاب الثلثين على ذلك مطهر للتحريم الحاصل بالغليان، فكذا مطهر للتحريم الحاصل بالنشيش، و جعل الفائدة طول زمان التحريم على الثانى دون الاول، مما لا يجترى النفس ان يدفع لها احتمال كون المحافظة من النشيش لغرض آخر، و لعله لهذا ما عن متأخرى أصحابنا من الأعراض عن هذه الأخبار و لم يلتفتوا اليها، كما أشار اليه الشارح الخ بما لفظه أعلم ان فى الكافى فى باب صفة شراب الحلال بعض الاخبار الموهمة للتحريم لكن لا دلالة عليه عند التأمل الصحيح فارجع و تدبر.
و اما الاستدلال للتحريم بالمروى فى الكافى فى باب العصير الذى قد مسّه النار فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): كل عصير اصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه، ففيه ان حمله على العموم مخالف للاجماع، و البناء على التخصيص يستلزم التخصيص المستقبح عند العقلاء، فليقل ان المراد بالعصير عصير العنب خاصة كما عن ظاهر الأصحاب كافة، و اعترف
ص: 252
به جماعة على ما قيل، و عليه يدل المروى فى الكافى فى باب ما يتخذ منه الخمر فى الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن الصادق (ع) عن رسول الله (ص) الخمر من خمسة: العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب، و البتع(1) من العسل، و المزر من الشعير، و النبيذ من التمر.
و فى الباب عن على بن اسحق الهاشمى عن الصادق (ع) عن النبى (ص) نحوه.
و اما القول بشهادة العرف على كونه اسما لما يؤخذ من الأجسام التى فيها المائية كالعنب و الرمان و البطيخ و نحوها، و اما الأجسام التى فيها الحلاوة او الحموضة و يراد استخراج حموضتها او حلاوتها مثل الزبيب و التمر و السماق و الذرشك، فانما يستخرج اما بنبيذها فى الماء و نقعها فيه زمانا يخرج الحلاوة او الحموضة، او انها تمرس فى الماء من اول الامر من غير نقع، او انها تغلى فى النار لأجل ذلك.
ففيه نوع مناقشة، الا ان تجبر بما عن الجماعة من اهل اللغة، فعن الفيومى: عصرت العنب و نحوه عصرا استخرجت ماءه، قال: ان نقعت الدواء و غيره انقاعا تركته فى الماء حتى انتقع، قال: و يطلق النقيع على الشراب المتخذ من ذلك، فقال: هو نقيع التمر و الزبيب و غيره اذا ترك فى الماء حتى ينقع من غير طبخ.
و عن ابن الأثير: و فى حديث الكرم يتخذونه زبيبا ينقعونه اى يخلطونه بالماء ليصير شرابا، الى ان قال: و النقيع شراب يتخذ من زبيب او غيره ينقع فى الماء من غير طبخ.
و عن الصدوق: عصير العنب و نحوه يعصر فهو معصور و عصر استخرج ما فيه، الى ان قال: و عصيره ما يجلب منه، قال: و النقيع البئر الكثير الماء الجمع انقعه، و شراب من زبيب، او كل ما ينقع تمرا او زبيبا او غيرهما.
ص: 253
عن مجمع البحرين: العصير من العنب يقال عصرت العنب عصرا من باب ضرب استخرجت ماءه، و اسم الماء العصير فعيل بمعنى مفعول، و النقيع شراب يتخذ من زبيب ينتقع فى الماء من غير طبخ، قال: و النبيذ ما يعمل من الأشربة من التمر و الزبيب و العسل و الحنطة و الشعير و نحو ذلك، انتهى.
و عليه فالكلية فى الصحيحة باعتبار ما هو اعم من ان يسكر كثيره ام لا، أخذ من كافر او مسلم مستحل لما دون الثلث ام لا عارف ام لا و ان كنت مع ذلك فى شك فى تعيين المراد من العصير، فقل لا ريب فى شموله لعصير العنب و اما شموله لساير المعصورات فمحل شك، فليحكم فى المخالف للاصل على القدر المتيقن، هذا مضافا الى انا لو قلنا بشموله لنحو ماء الزبيب ايضا مماشاة، لكان هذا الخبر معارضا بالاخبار الواردة علة تحريم العصير المظهرة بان العلة مشاركة ابليس فى ثمرة شجرة الكرم و كون الثلثين له، فاذا ذهب نصيبه حل الباقى، و لا ريب ان الزبيب قد ذهب ثلثاه مع زيادة.
و منها خبرا ابى الربيع و خالد المرويان فى الكافى فى باب اصل تحريم الخمر المتضمنان لمنازعة ابليس مع آدم (ع) فى الكرم و محاكمة روح القدس بينهما برمى النار المذهبة للثلثين، و قوله: اما ما ذهب فحظ ابليس و ما بقى فلك يا آدم.
و صحيح ابن ابى نصر عن ابان عن زرارة عن الباقر (ع) المروى فى الباب المتضمن لغرس نوح الحبلة هى بالضم الكرم او اصل من اصوله، و لمنازعة ابليس معه فيها، و لقوله (ع): فجعل نوح له الثلثين، فقال ابو جعفر (ع):
اذا أخذت عصيرا فاطبخه حتى يذهب الثلثان و كل و اشرب حينئذ فذاك نصيب الشيطان.
و خبر سعيد المروى فى الباب عن الصادق (ع) المتضمن لمنازعة ابليس مع نوح (ع) فى الكرم، و لقوله: فطرح جبرئيل نارا فاحرقت الثلثين و بقى الثلث، فقال: ما احرقت النار فهو نصيبه و ما بقى فهو لك يا نوح حلال.
ص: 254
و اما الاعتراض بان ذهاب الثلثين بالشمس انما يتم اذا كان قد نشرتها او غلا حتى يحرم، ثم يحل بعد ذلك بذهاب الثلثين، و الغليان بالشمس غير معلوم فضلا عن النشيش المفسر بصوت الغليان، و اما ما جف بغير الشمس فلا غليان فيه فلا وجه لتحريمه، حتى يحتاج الى التحليل بذهاب الثلثين على ان فى اطلاق العصر على ما فى حبات العنب كما ترى فضعيف، اذ ظاهرها اعتبار ذهاب الثلثين مطلقا بعد الغلى كان ام لا.
و بالجملة الأظهر الحلية لما مر المعتضد بما نقله البعض عن المسالك و غيره حيث قال: استدل فى المسالك على الحلية بصحيحة ابى بصير، قال: كان الصادق (ع) تعجبه الزبيبة، و هذا ظاهر فى الحمل لان طعام الزبيبة لا يذهب فيه ثلثا ماء الزبيب كما لا يخفى، انتهى.
و اقتفاه فى هذه المقالة المولى الأردبيلى فى شرح الارشاد، و قال بعض مشايخنا بعد الاستدلال به: لان الظاهر ان المراد بالطعام الذى يطبخ منه الزبيب او طبخ فيه ماء الزبيب، و هو لا يستلزم ذهاب ماء الزبيب غالبا كما هو واضح.
أقول و الاستدلال به لا يخلو من اشكال، لعدم العلم بكيفية ذلك الطعام و من المحتمل الحمل على الأشربة الزبيبة التى فى الأخبار، لكن استدلال الشهيد الثانى و المولى الاردبيلى ربما يؤذن بكونهما عالمين بكيفية ذلك على الوجه الذى ذكروه، و لعله وصل اليهم و لم يصل الينا، انتهى، و هو جيد.
الثالث: الأظهر حلية ماء التمر مع الغليان و لم يذهب ثلثاه، وفاقا للمشهور بل كان أن يكون اجماعا، بل عن بعض التصريح بعدم الخلاف فيه و هو الحجة، مضافا الى الأصل و العمومات و الاخبار الدالة على دوران الحكم حلا و حرمة على مدار الاسكار و عدمه، منها خبر عبد الله بن حماد المروى فى الكافى فى باب النبيذ المتضمن لسئوال الوفد عن النبى (ع) عن النبيذ، و لجوابه (ص) بعد وصفهم له النبيذ بذكر اشياء منها قولهم: و يوقد تحته حتى
ص: 255
ينطبخ فاذا انطبخ اخذوه، الى أن قال: ثم يصب عليه من عكر، بما لفظه يا:
هذا قد اكثرت ايسكر؟ قال: نعم، قال: فكل مسكر حرام.
و صحيح عبد الرحمن المروى فى الباب عن الصادق (ع)، المتضمن لسؤال رجل عنه عن النبيذ، فقال: حلال اصلحك الله انما سألت عن النبيذ الذى يجعل فيه العكر فيغلى حتى يسكر، فقال (ع): قال رسول الله: كل مسكر حرام.
و لعل وضع العكر لاجل اسراع الاسكار و كان وزانه وزان الخمرة فى العجين كما ينادى بذلك خبر سماعة، المروى فيه فى باب ان رسول الله حرم كل مسكر المتضمن لقوله (ع): لا يصلح فى النبيذ الخميرة و هى العكر(1) و صدر هذا الخبر ايضا دال على الدوران المذكور.
و منها اخبار معوية و الفضيل و كليب و صفوان و يزيد المرويات فى الباب و خبر حنان المروى فيه فى باب النبيذ عن الصادق (ع): قال له رجل: ما تقول فى النبيذ فان ابا مريم يشربه و يزعم انك امرته بشربه؟ فقال: صدق ابو مريم سألنى عن النبيذ فاخبرته انه حلال، و لم يسئلنى عن المسكر، الى ان قال قال رسول الله (ص): كل مسكر حرام.
و خبر الكلبى النسابة المروى فى الباب عن الصادق (ع): عن النبيذ؟ فقال: حلال، قلت: انا ننبذه فنطرح فيه العكر و ما سوى ذلك، فقال (ع):
شه شه تلك الخمرة المنتنة.
و خبر ايوب المروى فى الباب، و خبر محمد بن مسلم المروى فيه فى باب الظروف عن أحدهما (ع): عن نبيذ قد يسكن غليانه؟ فقال: قال رسول الله (ص): كل مسكر حرام.
خلافا لنادر من متأخرى المتأخرين فيحرم، التفاتا الى المروى فى التهذيب
ص: 256
فى باب الذبايح فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): عن النضوح المعتق، كيف يصنع به حتى يحل؟ قال: خذ ماء التمر فاغله حتى يذهب ثلثا ماء التمر، و فيه ان النضوح كما عن النهاية: ضرب من الطيب تفوح رايحته، و عن مجمع البحرين: ان فى كلام بعض الأفاضل النضوح طيب مايع ينقعون التمر و السكر و القرنفل و التفاح و الزعفران و اشباه ذلك فى قارورة فيها قدر مخصوص من الماء و يشد رأسها، و يصيرون اياما حتى ينش و يتخمر و هو شايع بين نساء الحرمين الشريفين، و كيفية تطيب المرأة به ان تحط الأزهار بين شعر رأسها، ثم ترش به الأزهار ليشتد رايحتها، قال: و فى احاديث اصحابنا انهم نهوا نساءهم عن التطيب به، بل امر (ع) باهراقه فى البالوعة، انتهى.
و لعله اشار بالأمر بالاهراق ما رواه الكافى فى باب النوادر الواقع قبل باب الغنا عن عتيمة: دخلت على ابى عبد الله (ع) و عنده نساؤه، قال فشم رايحته النضوح، فقال ما هذا قالوا نضوح يجعل فيه الضياح، فامر به فاهريق فى البالوعة، و على هذا فتحمل خبر عمار على ان الغرض من طبخه حتى يذهب ثلثاه انما هو لئلا يصير خمرا ببقائه مدة، لان غليه على هذا الحد الذى يصير به دبسا يذهب الاجزاء المائية التى تصير بها خمرا لو مكث مدة كذلك، فاذا ذهبت امن من الخمرية كما يترنم بالمذكور قوله النضوح المعتق على صيغة اسم المفعول اى الذى يراد جعله عتيقا، و مما يعضد المعنى المذكور ما روى عن عمار عن الصادق (ع): عن النضوح؟ قال: يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه، ثم يتمشطن، التفاتا الى ترنم الخبر بان الغرض منه التمشط و الوضع فى الرأس، فالمراد من السؤال فى الروايتين عن كيفية عمله هو التحرز عن صيرورته خمرا نجسا يمتنع الصلوة فيه اذ تمشطن به، و الا فهو ليس بمأكول و لا الغرض من السؤال عن كيفية عمله هو حل اكله، حتى يكون الأمر بغليه على مثل هذه الكيفية لحل اكله، فلو فرضنا انه طبخ على النصف مثلا و تمشطن به فى الحال، فانه و ان فرضنا تحريم اكله كما يدعيه الخصم الا انه لا قائل بنجاسته
ص: 257
كما ادعاه البعض، و لكن لما كان الغرض هو حفظه و تبقيته زمانا كما عرفت فلو لم يعمل على هذه الكيفية لصار خمرا نجسا، فأمر (ع) بطبخه على هذه الكيفية لهذه العلة، و لو فرضنا دلالة الخبر على الحرمة بأقوى دلالة، لكان الواجب طرحها فى نحو هذه المسئلة.
و مما يقوى اعتمادك بالمشهور فى هذه المسئلة و المسئلة السابقة و يسكن اضطرابك، ان الموقع للاضطراب هو وقوع لفظ الحل فى خبر عمار و تفرده بالتهافت و نقل الغرايب مما ليس فيه استتار، فلذا تفرد هو من بين الرواة بذكر هذا اللفظ و لما فهم المشهور ذلك عدلوا عنه، و الظاهر ان غرضه من الحل هو ما يقابل النجاسة، و الاحتياط فى المسئلتين سيما السابقة مطلوب.
الرابع: عصير التمر اذا غلا ليس بنجس اجماعا، على الظاهر المصرح به فى بعض العبائر، عملا بالأصل و العمومات، و كذا عصير الزبيب، و لا اعلم بالنجاسة قائلا قاله فى الذخيرة، و يستفاد من المحكى عن الشارح الفاضل فى شرح الرسالة وجود القول بها، و كيف كان فهو ضعيف، عملا بالأصل و العمومات.
الخامس: لا شبهة فى كون الماء الخارج من العنب محكوما بالحرمة مع الغليان قبل ذهاب ثلثيه، سواء خرج بنفسه او بالعصر او بالطبخ و نحوها، و الظاهر وقوع الاجماع عليه، و انما الكلام فى ان الماء الكائن فى حبة العنب اذا غلى، فهل يحكم بحليته؟ كما يظهر من بعض الميل اليه، ام لا كما حكى عنهم؟ وجهان ينشأن من الأخبار الواردة فى علية تحريم العصير المتقدم فى ماء الزبيب اليها الاشارة فالثانى، و خبر زرارة المتقدم هناك المتضمن لقوله (ع) اذا أخذت عصيرا فاطبخه حتى يذهب الثلثان و كل و اشرب حينئذ فالاول، لعدم صدق العصير له، و لعله الأرجح، و لكن الاحتياط لا ينبغى ان يترك.
السادس: مقتضى اطلاق النص و الفتوى عدم الفرق فى تحريم العصير العنبى بالغليان و توقف حله بذهاب ثلثيه، بين طبخه وحده او مع شىء آخر،
ص: 258
و عليه تدل الأخبار الواردة فى العلة(1) المشار اليها، المعتضدة بالمروى عن الحلى عن كتاب مسائل الرجال عن ابى الحسن على بن محمد (ع): ان محمد بن عيسى كتب اليه: عندنا طبيخ يجعل فيه الحصرم و ربما يجعل فيه العصير من العنب، و انما هو لحم يطبخ به.
و قد روى عنهم (ع) فى العصير: انه اذا جعل على النار لم يشرب حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه، قال: الذى يجعل فى القدر(2) من العصير بتلك المنزلة، و قد اجتنبوا كله الى ان يستأذن مولانا فى ذلك فكتب: لا بأس.
السابع: لو وقع فى ماء قدر يغلى على النار حبة عنب او حبات قلائل و خرج ماؤها فالحكم هو الحلية، لعدم صدق العصير حينئذ لمكان اضمحلاله، و لصدق المائية، و الاحكام تابعة للاسامى العرفية.
و كذا الحكم لو كان ما يضمحل فيه شيئا محرما من العصير و هو ما بعد غليانه و قبل ذهاب ثلثيه، و بذلك صرح البعض، و عن الشارح المقدس فى جملة كلام له: فاما ما يضمحل فيمكن الحكم بكونه حلالا مثل قطرة عرق او بصاق حرام فى حب ماء او قدر بل فى كوز كبير، للاضمحلال و لا يبعد ان يكون مدار الحكم فان كان بحيث اذا اخذ و اكل و شرب لم يعلم وجود الحرام فيه يكون حلالا، و ان كان يعلم وجوده فيه يكون حراما، و استند فى ذلك بعد الأصل و العمومات و حصر المحرمات بما رواه النهاية فى باب الصيد فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): كل شىء يكون فيه حرام و حلال فهو لك حلال ابدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه.
ص: 259
أقول و فى الفرض لا يعرف الحرام بعينه لمكان الاضمحلال، و اما لو كان بقدر ادى الحلاوة الى الماء لكن بحيث يصدق الماء لا العصير، ففيه اشكال اذ بلوغه فى الفرض الى درجة الاضمحلال و الاستهلاك مشكل، لكن حكم بعض الأجلاّء بالحلية مع الاضمحلال قال: و ان ادت اليه الحلاوة، و الاشكال الذى اشرناه ينشأ من صحيحة عبد الله هذه، فافهم.
الثامن: ماء الحصرم طاهر مطلقا و ان غلى مع عدم ذهاب ثلثيه بلا خلاف يعرف، عملا بالأصل و العمومات، و اختصاص المحرم الى غيره، و كذا الخل لما مرّ، و اختصاص المحرم بحكم التبادر الى غيره.
التاسع: لو قلنا بحرمة عصير الزبيب او التمر بعد الغلى، فهل يختص الحرمة بالماء الخارج عنهما ام لابل يحرمان مع الغليان و ان لم يخرج ماؤهما؟ ام يحرم الاول معه و ان لم يخرج ماؤه دون الثانى؟ اوجه اوجهها الاول، عملا بالأصل و اختصاص المحرم بحكم التبادر الى الغير.
(و) من النجاسات (الفقاع) اجماعا كما عن الانتصار و الخلاف و الغنية و المنتهى و نهاية الأحكام و ظاهر المبسوط و التذكرة، و فى الرياض هو من تفردات علمائنا، هذا مضافا الى المروى فى الكافى فى باب الفقاع عن هشام بن الحكم عن الصادق (ع): عن الفقاع؟ فقال: لا تشربه فانه خمر مجهول، فاذا أصاب ثوبك فاغسله، المعتضد بجملة من الأخبار المروية فى الباب الدالة على كونه خمرا، و المرجع فيه التسمية سواء اتخذ من ماء الشعير ام لا، كما صرح بذلك غير واحد.
و ينبغى التنبيه على امور:
الاول: عرق الجنب من الحرام نجس على الأظهر الأشهر، بل بين القدماء بل فى الخلاف و ظاهر ابن زهرة و الأمالى الاجماع، و عليه يدل المروى عن الفقه الرضوى: اذا عرقت فى ثوبك و انت جنب و كانت الجنابة من الحلال فتجوز الصلوة فيه، و ان كانت حراما فلا تجوز الصلوة فيه حتى يغسل.
ص: 260
و عن الذكرى عن محمد بن حمام باسناده الى ادريس بن يزداد الكفر ثوبى، انه كان يقول بالوقف فدخل سرمن راى فى عهد ابى الحسن (ع) فأراد ان يسئله عن الثوب الذى يعرق فيه الجنب، ايصلى فيه؟ فبينما هو قائم فى خلاف باب لانتظاره، اذ حركه ابو الحسن (ع) بمقرعة، فقال: ان كان من حلال فصل فيه و ان كان من حرام فلا تصل فيه.
و عن البحار عن كتاب المناقب لابن شهر آشوب نقلا من كتاب المعتمد فى الاصول عن على بن مهزيار: وردت العسكر و انا شاك فى الامامة، فرأيت السلطان قد خرج الى الصيد فى يوم من الربيع الا انه صايف و الناس عليهم ثياب الصيف، و على ابى الحسن لبابيد و على فرسه تجفاف لبود و قد عقدت ذنب فرسه، و الناس يتعجبون و يقولون الا ترون الى هذا المدنى و ما قد فعل بنفسه! فقلت فى نفسى: لو كان اماما ما فعل هذا، فلما خرج الناس الى الصحراء لم يلبثوا اذ ارتفعت سحابة عظيمة هطلت فلم يبق احد الا ابتلّ ثم غرق بالمطر، و عاد (ع) و هو سالم من جميعه، فقلت فى نفسى: يوشك ان يكون هو الامام، ثم قلت اريد ان اسئله عن الجنب اذا عرق فى الثوب فقلت فى نفسى: ان كشف وجهه فهو الامام، فلما قرب عنى كشف وجهه ثم قال: اذا كان عرق الجنب فى الثوب و جنابته من حرام لا يجوز الصلوة فيه و ان كان جنابته من حلال فلا بأس، فلم يبق فى نفسى بعد ذلك شبهة.
و رواه فى البحار باسناد آخر عنه (ع) مثله، و قال: ان كان من حلال فالصلوة فى الثوب حلال و ان كان من حرام فالصلوة فى الثوب حرام.
و الدلالة على النجاسة تتم بضميمة الاجماع المركب، و بالرضوى المتقدم، و يعضد المختار الناهى من غسالة الحمام معللا باغتسال الجنب من حرام و الزانى، و عليه فمصير اكثر المتأخرين الى الطهارة استنادا الى الأصل و العمومات مما لا وجه له، و قيل تفريعا على النجاسة لا فرق بين ان يكون رجلا او امرأة، و لا ان يكون زنا او لواطا، او وطى بهيمة او ميتة و ان كانت زوجته، سواء كان مع
ص: 261
الجماع انزل ام لا، و الاستمناء باليد كالزنا.
اما لو وطى فى الحيض او الصوم فالأقرب طهارة العرق فيه، و فى المظاهرة اشكال، ثم قال: و لو وطى الصغير اجنبية و الحقنا به حكم الجنابة بالوطى، ففى نجاسة عرقه اشكال ينشأ من عدم التحريم فى حقه، انتهى.
و الأقرب عدم استثناء الوطى فى الحيض و الصوم.
الثانى: المنصور المحكى عن المشهور بين القدماء نجاسة عرق الابل الجلالة، بل عن ظاهر ابن زهرة الاجماع عملا بالمروى فى التهذيب فى باب الصيد فى الصحيح عن هشام بن سالم عن الصادق (ع): لا تاكلوا لحوم الجلالة و ان اصابك من عرقها فاغسله.
و فى الباب فى الصحيح عن حفص بن البخترى عن الصادق (ع): لا تشرب من البان الابل الجلالة و ان اصابك شىء من عرقها فاغسله.
و فى النهاية فى الباب عن داود عن الصادق (ع): انه نهى عن ركوب الجلالات و شرب البانها، فقال: ان اصابك شىء من عرقها فاغسله.
و عليه فما ذهب اليه الجماعة من القول بالطهارة مما لا يلتفت اليه.
و عن بعض الاصحاب و النزهة تعميم الحكم فى مطلق الجلال، و لهما الخبر الاول و الأخير، و لعله لا بأس به مع كونه احوط.
الثالث: المشهور المنصور هو طهارة المسوخ عدا الخنزير، عملا بالأصل و العمومات، و صحيح الفضل المروى فى التهذيب فى باب المياه، خلافا للمحكى عن موضعين من المبسوط مدعيا فى احدهما الاجماع، فالنجاسة عينا و لعابا و لا وجه له يعتد به، و الخبر الناهى عن بيع القرد و شرائها مع قطع النظر عن سنده غير مغن عن الجوع، و الاجماع المحكى موهون بمصير المعظم الى الخلاف، حتى عن الخلاف الاجماع على جواز تمشط بالعاج و استعمال المداهن منه، و عن المراسم و الوسيلة و الاصباح فالنجاسة لعابا و لا وجه له.
الرابع: الأظهر طهارة الثعلب و الأرنب و الفارة و الوزغة وفاقا لجمهور
ص: 262
المتأخرين، لما مر فى المسوخ مضافا الى الأخبار المستفيضة فى الفارة، و منها صحيح سعيد المروى فى التهذيب فى باب الذبايح و صحيحتا اسحق و على بن جعفر المرويتان فى التهذيب فى باب المياه(1)، و دل خبر علىّ هذا على طهارة الوزغ ايضا، و الى خبرى الحسين بن شهاب و عبد الرحمن المرويين فى زيادات باب ما يجوز الصلوة فيه الدالين على جواز الصلوة فى جلود الثعالب اذا كانت ذكية، و لو كانت نجس العين لما قبلت التذكية.
و اما صحيح على بن جعفر المروى فى باب المياه، و صحيح معوية المروى فى باب تطهير المياه، و صحيح على بن جعفر المروى فى باب تطهير الثياب، فالكل قاصر فى الدلالة على نجاسة الفارة فلا التفات اليها، كما لا التفات الى مرسلة يونس المروية فى الباب الدالة على نجاسة الثعلب و الأرنب و غيرهما من السباع، فلمكان قصوره سندا بل و دلالة، مع ان التكافؤ شرط فى المعارضة و اما خبر معوية المروى فى باب تطهير المياه الآمر بنزح ثلث دلاء فى الفارة و الوزغة الواقعتين فى البئر، فلا يصح الاستناد اليه فى نجاستهما، كما لا يصح الاستناد الى المروى عن الفقه الرضوى: ان وقع فى الماء وزغ اهريق ذلك الماء و ان وقع فيه فارة او حية اهريق الماء، و ان دخل فيه حية و خرجت منه صب ذلك الماء ثلث اكف و استعمل الباقى، و قليله و كثيره بمنزلة واحدة.
و حيث لا تكافؤ فليحمل الأخبار المعارضة على الاستحباب، و عليه فما عن موضع من المبسوط و موضع من نهاية من الحكم بنجاسة الاربعة مع حكمه بكراهة الرابع فى الموضع الآخر من الأول و كراهة الثلث فى الموضع الآخر من الثانى، و عن المراسم و المقنعة فينجس الاخيران خاصة، و عن الحلبيين فالأولان كذلك، و عن القاضى فهما مع الرابع مكرها للثالث، مما لا التفات اليه، و ما عن الغنية من الاجماع على نجاسة الاولين موهون بمصير المعظم الى الخلاف.
ص: 263
الخامس: المشهور المنصور طهارة لبن الجارية، عملا بالأصل و العمومات المعتضدة بالشهرة العظيمة التى لم يظهر لها مخالف، الا ما عن الاسكافى من القول بنجاسته، و ربما نسب الى الصدوق ايضا لنقله فى الفقيه الرواية الآتية مع انه قال فى اول كتابه ما قاله، و فيه نوع اشكال.
و كيف كان فالأظهر ما عرفته، و لا يقوم فى مقابلة المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب عن السكونى عن جعفر عن ابيه عن على (ع): لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل ان تطعم، لأن لبنها يخرج من مثانة امها و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب و لا بوله قبل ان يطعم لان لبن الغلام يخرج من العضدين و المنكبين، لوجوه عديدة.
السادس: الحديد طاهر بالاجماع و عليه يدل جملة من الأخبار، و الدال على نجاسته مما لا يصح الاعتماد عليه، فليحمل على الاستحباب كما عن الأصحاب.
السابع: المتولد من النجاسات كالدود طاهر بلا خلاف يعرف للأصل و العمومات، فالتردد المحكى عن المحقق التفاتا الى الأصل، مما لا وجه له اذ الأحكام تابعة للأسامى.
(و يجب ازالة النجاسات) قليلها و كثيرها اذا كانت مما لا يعفى عنها (عن الثوب) اذا لم يكن عنده غير الثوب النجس (و البدن للصلوة و الطواف) الواجبين و تشترط لهما مطلقا اجماعا، الا من الاسكافى كما قيل فى دون سعة الدرهم من النجاسات عدا الحيض و المنى فلو لم يوجب الازالة حكمنا بالطهارة و اطلاقات المستفيضة كافلة لدفعه كما تدفع ما عن بعض الأصحاب من نفى الباس عما يترشح على الثوب و البدن من النجاسات مطلقا او مقيدا بالبول خاصة عند الاستنجاء، كما عن مفارقات السيد، هذا مضافا الى خصوص المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الزيادات فى الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابراهيم (ع): عن رجل يبول بالليل فيحسب ان
ص: 264
البول اصابه فلا يستيقن، فهل يجزيه ان يصيب على ذكره اذا بال و لا يتنشف؟ قال: يغسل ما استبان انه اصابه و ينضح ما يشك فيه من جسده او ثيابه و يتنشف قبل ان يتوضأ.
(و دخول المساجد) و لو امن من التلويث على الأظهر لما يأتى فى كتاب الصلوة، لكن حكى الاجماع عن الخلاف على جواز دخول الحيض من النساء، و عن الأصحاب جواز دخول المجروح و السلس و المستحاضة مع امن التلويث، و لا بأس فى الحكم بجواز دخولهم مع امن التلويث، خروجا عما دلّ على عدم الجواز اطلاقا بالدليل.
و الحق الجماعة بالمساجد المصاحف و الضرايح المقدسة، و قد قطع الأصحاب كما صرح البعض بوجوب الازالة على الفورية كفاية، و عليه فلو أخل بالازالة و صلّى فى ضيق الوقت فقد صحت صلوته و كذا لو صلى مع السعة على الأصح، اذ التحقيق ان الأمر بالشىء لا يقتضى النهى عن ضده و لا عدم الأمر به، نعم هو عاص بالتأخير عمدا.
(و عن الآنية للاستعمال) اذا كان الاستعمال موجبا لتعدى النجاسة الى ما هو مشروط بالطهارة كالاكل و الشرب، اختيارا اجماعا.
و عن مسجد الجبهة لما يأتى، و الحكم مقيد بدخول الوقت، لعدم وجوب الشرط قبل وجوب المشروط.
(و عفى فى الثوب و البدن عن دم القروح و الجروح اللازمة) بحيث لا ينقطع الدم قليلا كان او كثيرا اجماعا، كما صرح البعض مضافا الى النصوص منها المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الصحيح عن ليث المرادى عن الصادق (ع): الرجل يكون به الدماميل و القروح فجلده و ثيابه مملوة دما و قيحا، فقال: يصلى فى ثيابه و لا يغسلها و لا شىء عليه.
و فى الباب فى الصحيح عن ابان بن عثمان عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن الصادق (ع): الجرح يكون فى مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم
ص: 265
و القيح فيصيب ثوبى فقال (ص) فقال دعه فلا يضرك ان لا يغسله.
و فى الباب فى الموثق عن سماعة عن الصادق (ع): اذا كان بالرجل جرح سائل فاصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرا و ينقطع الدم.
و فى الكافى فى باب الثوب يصيبه الدم عن ابى بصير: دخلت على ابى جعفر (ع) و هو يصلى، فقال لى قائدى: ان فى ثوبه دماء فلما انصرف قلت له:
ان قائدى أخبرنى ان بثوبك دما، فقال لى: ان بى دماميل و لست اغسل ثوبى حتى تبرا.
و فى الباب فى الموثق عن سماعة قال: سألته عن الرجل به القرح او الجرح فلا يستطيع ان يربطه و لا يغسل دمه قال يصلى و لا يغسل ثوبه كل يوم الاّ مرة فانه لا يستطيع ان يغسل ثوبه كل ساعة.
و عن مستطرفات السرائر نقلا من كتاب البزنطى عن عبد الله بن عجلان عن ابى جعفر قال سألته عن الرجل به القروح لا يزال يدمى كيف يصنع؟ قال:
يصنع و ان كانت الدماميل تسيل.
و عن الكتاب المذكور عن البزنطى عن العلا عن محمد بن مسلم قال قال:
ان صاحب القرحة التى لا يستطيع صاحبها ربطها و لا حبس دمها، يصلى و لا يغسل ثوبه فى اليوم اكثر من مرة، و الأظهر العفو الى البرء مطلقا سواء شقطه(1)الازالة ام لا، و كان له فترة ينقطع فيها ام لا، وفاقا للجماعة، عملا بجملة من الاخبار المتقدمة المعتضدة بالمروى عن عمار عن الصادق (ع) عن الدماميل فتنفجر و هو فى الصلوة قال يمسحه و يمسح يده بالحائط او بالأرض و لا يقطع الصلوة.
و لا يلتفت الى ما يشعره خبر محمد بن مسلم المتقدم، لان خبر سماعة الاول المعتضد بخبر ابى بصير و غيره لدفعه كفيل.
ص: 266
و اما كلمة لا يزال يدمى الواقعة فى خبر عبد الله المتقدم، فمع وقوعها فى السؤال الغير المخصص لعموم الجواب، مما لا يغنى بعد النظر التام الى المكالمات العرفية، كقولهم فلان لا يزال يتكلم بكذا و كذا عن الجوع كلفظ جرح سائل.
و هل المراد بالبرء الاندمال او الامن من خروج الدم؟ وجهان و لعل الاول اجود اقتصارا على ظاهر اللفظ(1) فى الامور التعبدية، و عليه فتحديد العفو بالانقطاع من غير ذكر تقييد كما عن الجماعة، او الانقطاع بما يتسع لأداء الصلوة كما عن التحرير و الذكرى، مما لا ينبغى الالتفات اليه كما لا ينبغى الالتفات الى اناطة العفو بحصول المشقة بالازالة كما عن القواعد و الشرايع و ظاهر نهاية الأحكام و الغنية، و الى جعله و عدم وقوف الجريان مناطا فى العفو كما عن التحرير و المنتهى و السرائر، و الى الاستشكال فى وجوب ازالة البعض اذا لم يشق كما عن نهاية الأحكام، و الى ايجاب ابدال الثوب مع الامكان كما عن المنتهى و نهاية الأحكام معللا بانتفاء المشقة فينتفى الترخيص لأنتفاء المعلول عند انتفاء علته، و فيه انه اجتهاد فى مقابلة النص، و عن الشيخ الاجماع على عدم وجوب عصب الجرح و تقليل الدم، بل يصلى كيف كان و ان سال و تفاحش الى ان يبرء، قال: و هذا بخلاف المستحاضة و السلس و المبطون، اذ يجب عليهم الاحتياط فى منع النجاسة و تقليلها بحسب الامكان.
الاول: لو تعدى الدم عن محل الضرورة من الجرح و القرح فى الثوب و البدن، فهل يسرى العفو كما جنح اليه البعض ام لا كما عن المنتهى و غيره؟ وجهان و الأول أقرب عملا بالاطلاق.
الثانى: لو لاقى هذا الدم بنجاسة اخرى فلا عفو، اقتصارا فيما خالف
ص: 267
الأصل على القدر المتيقن، و لو أصابه مايع طاهر كالعرق و نحوه، فهل يسرى العفو كما استظهره المدارك ام لا كما عن مستقرب المنتهى؟ وجهان و الأول أقرب للاطلاق.
الثالث: اذا لاقى هذا الدم جسم برطوبة، ثم لاقى الجسم بدن صاحب الدم او ثوبه، فهل يثبت العفو فيه كأصله كما عن بعض؟ ام لا كما عن مستقر المصنف فى المنتهى و نهاية الأحكام؟ وجهان ينشأن من الأولوية فالاول، و من وجوب الاقتصار فيما خالف اطلاق الدال على ازالة النجاسة على القدر المتيقن فالثانى.
الرابع: يستحب لصاحب القروح و الجروح غسل ثوبه فى كل يوم مرة، وفاقا لغير واحد، عملا بخبر سماعة الأخير، و خبر محمد بن مسلم، و الحمل على الاستحباب انما هو لعدم وجود القائل بالوجوب كما قاله بعض الأجلاء.
(و عمّا دون سعة الدرهم البغلّى من الدم المسفوح مجتمعا) اجماعا كما حكاه المصنف و غيره، عملا بالمروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الصحيح عن عبد الله بن ابى يعفور عن الصادق (ع): الرجل يكون فى ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى ان يغسله فيصلى ثم يذكر بعد ما صلى، أيعيد صلوته؟ قال: يغسله و لا يعيد صلوته الا ان يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله و يعيد الصلوة.
و فى الباب عن اسمعيل الجعفى عن الباقر (ع) قال فى الدم يكون فى الثوب: ان كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلوة، و ان كان اكثر من قدر الدرهم و كان راه فلم يغسله حتى صلى، فليعد صلوته.
و فى الباب عن جميل بن دراج عن بعض اصحابنا عن الباقر (ع) و الصادق (ع): لا بأس بأن يصلى الرجل فى الثوب و فيه الدم متفرقا شبه النضح و ان كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به، ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم.
و فى الكافى فى كتاب الطهارة فى باب الثوب يصيبه الدم فى الصحيح عن
ص: 268
محمد بن مسلم قال قلت له: الدم يكون فى الثوب على و أنا فى الصلوة؟ قال:
ان رأيت و عليك ثوب غيره فاطرحه وصل، و ان لم يكن عليك غيره فامض فى صلوتك و لا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم، و ما كان اقل من ذلك فليس بشىء رأيته قبل او لم تره، فان كنت قد رأيته و هو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله و صليت فيه صلوة كثيرة فاعد ما صليت فيه.
و رواه النهاية فى باب ما يصلى فيه عن محمد بن مسلم عن مولانا الباقر عليه السلام بادنى تغيير غير مخل.
و عن الفقه الرضوى: ان اصاب ثوبك دم فلا بأس بالصلوة فيه ما لم يكن مقدار الدرهم واف، و الوافى ما يكون وزنه درهما و ثلثا، و ما كان دون الدرهم الوافى فلا يجب غسله عليك و لا بالصلوة فيه، و ان كان الدم حمّصة فلا بأس بأن لا تغسله الا ان يكون دم الحيض فاغسل ثوبك منه و من المنى قلّ او كثر، و اعد منه صلوتك علمت به او لم تعلم.
و الاقتصار فى العفو عن الثوب خاصة كما عن الجماعة التفاتا الى كونه مورد الأخبار فلا وجه لاطلاق البدن، مما لا يصغى اليه، اما لما عن المنتهى من نسبة الحاق البدن بالثوب الى اصحابنا مشعرا بالاجماع عليه، او للمروى فى التهذيب فى باب كيفية الصلوة فى الزيادات عن ابى حمزة عن الباقر (ع) ان ادخلت يدك فى انفك و انت تصلى فوجدت دما سائلا ليس برعاف ففته بيدك.
و فى النهاية فى باب صلوة المريض فى الحسن عن بكير بن اعين، ان أبا جعفر (ع) راى رجلا رعف و هو فى الصلوة و ادخل يده فى انفه فأخرج دما فاشار بيده افركه بيدك وصل.
و مقتضى غير واحد من هذه الأخبار عدم العفو عمّا زاد عن قدر الدرهم و هو اجماعى كما حكاه غير واحد، و عليه يدل ما دل على نجاسة الدم، و انما الكلام فى العفو عما كان بمقدار الدرهم فالمشهور المنصور العدم، اقتصارا فيما
ص: 269
خالف الدال على وجوب الازالة على القدر المتيقن، و لأخبار عبد الله و جميل و الرضوى السابقات، خلافا للمحكى عن المرتضى و سلار فالعفو لخبر محمد بن مسلم المتقدم و فيه انه لا يقوم فى مقابلة ما مرّ من وجوه عديدة.
ثم المستفاد من الاكثر ان المراد بالبغلى الكبير الوافى المضروب من درهم و ثلث، بل عن بعض عليه الاتفاق، و عليه قد دلّ الرضوى المتقدم، و اختلفوا فى سعته فبين من قدره بسعة الدينار كما عن العمانى، و بسعة العقد الا على من الابهام كما عن الاسكافى، و بما يقرب من سعة اخمص الراحة كما عن الحلى، و حكى اعتبار سعة العقد الا على عن السّبابة و من الوسطى، و الكل مما لا دليل عليه، الا ان المحقق فى التحرير نسب الاول الى الأشهر.
و فى المهذب لابن فهد بعد نقل تفسيرى العمانى و الاسكافى فالعمل بالاول اى تفسير العمانى اولى لأنه اشهر، و يعضده المروى عن مسايل على بن جعفر: و ان اصاب ثوبك قدر دينار من الدم فاغسله و لا تصل فيه حتى تغسله، و ان الحلى شاهده بنحو ما نسب اليه.
لكن يمكن رفع التعارض بين الأقوال، لجواز اختلاف سعة افراد الدراهم كما نشاهده الآن.
و فى التحرير بعد اقتصاره على نقل مذهبى العمانى و الاسكافى: و الكل متقارب و التفسير الاول اشهر.
أقول و حيث لم ينقل قول سوى المذكور و اعتبار سعة العقد الا على من السبابة و من الوسطى ضعيف جدا كما يظهر بالتتبع، فينحصر الأمر بين مذهب العمانى و الاسكافى و الحلى، و الاول و ان كان مجملا فى الان و لكن يمكن تبيينه و مطابقته مع الباقين بالاتفاق الى العادات و السيرة الجارية فى الأمصار و الأعصار، المنبئة بان ما كان وزنه درهما و ثلثا اذا ضرب بسكة المعاملة يختلف سعته زيادة و نقيصة، بحيث يعلم قطعا ان من افراده ما ذكره الحلى و الاسكافى من غير ان يكون فردا نادرا بحيث لا ينصرف اطلاق الدرهم اليه، سيما
ص: 270
بعد دعوى الحلى بالمشاهدة حيث قال: الدرهم البغلى منسوب الى مدينة قديمة يقال لها بغل قريبة من بابل بينها قرب من فرسخ، متصلة ببلدة الجامعين، تجد فيها الحفرة و الغالون دراهم واسعة، شاهدت درهما من تلك الدراهيم و هذا الدرهم اوسع من الدينار المضروب بمدينة السلم المعتاد و يقرب سعته من سعة اخمص الراحة، انتهى.
و قوله باوسعية الفرد الخاص من الدرهم الذى راه عن دينار مدينة السلم غير ضاير، اذ لسنا فى صدد ان نعلم سعة دينار المدينة فى عصر الحلى، مع انك قد عرفت حكم المحقق بتقارب تفسير العمانى و الاسكافى و تفسير الاسكافى يقرب تفسير الحلى كما صرح بذلك فى الرياض، حيث قال بعد نقل البغلى:
باسكان الغين و تخفيف اللام منسوب الى راس البغل ضربه الثانى فى(1) ولايته بسكة كسروية فاشتهر به، و قيل بفتحها و تشديد اللام منسوب الى بغل قرية بالجامعين، كان يوجد بها دراهم يقرب سعتها من اخمص الراحة و هو ما انخفض من الكف ذكر ابن ادريس انه شاهده كذلك، و شهادته فى قدره مسموعة، و قدر ايضا بعقد الابهام العليا و هو قريب من اخمص الكف، و قدر بعقده الوسطى، و الظاهر انه لا تناقض بين هذه التقديرات لجواز اختلاف افراد الدراهم من الضارب الواحد كما هو الواقع، و اخبار كل واحد عن فرد راه، انتهى.
و اختلفوا فى وجه التسمية بالبغلى ففى التحرير و التذكرة و السراير انه لنسبته الى قرية بالجامعين، و عليه فهو مفتوح مشدّد اللام على ما حكى عن الجماعة، ففى الذكرى: البغلى باسكان العين منسوب الى رأس البغل ضربه الثانى فى ولايته بسكة كسروية وزنه ثمانية دوانيق، و البغلية كانت تسمى قبل الاسلام الكسروية فحدث لها هذا الاسم فى الاسلام و الوزن بحاله، و جرت فى
ص: 271
المعاملة مع الطبرية و هى اربعة دوانيق(1) و هذه التسمية ذكرها ابن دريد، و قيل منسوب الى بغل قرية الجامعين كان يوجد فيها دراهم يقرب سعتها من اخمص الراحة لتقدم الدراهم على الاسلام، قلنا لا ريب فى تقدمها و انما التسمية حادثة و الرجوع الى المنقول اولى، انتهى.
و مراده بالمنقول ما نقله عن ابن دريد، و عن مجمع البحرين عن بعضهم انه كانت الدراهم فى الجاهلية مختلفة فكان بعضها خفافا و هى الطبرية، و بعضها ثقالا كل درهم ثمانية دوانيق و كانت تسمى العنبدية، و قيل البغلة نسبت الى ملك يقال له رأس البغل فجمع الخفيف و الثقيل فجعلا درهمين متساويين فجاء كل درهم ستة دوانيق، و يقال ان عمر هو الذى فعل ذلك لأنه لما اراد جباية الخراج طلب الوزن الثقيل، فصعب على الرعية فجمع بين الوزنين و استخرجوا هذا الوزن.
و فى المهذب لابن فهد: البغلى بفتح الغين المعجمة و تشديد اللام و هو الذى سمعناه من الشيوخ، ثم نقل كلام الذكرى و قال: و اتباع المشهور بين الفقهاء اولى من اتباع المنقول عن ابن دريد، انتهى.
و لا ثمرة فى هذا الاختلاف عملا، و اما الاستشكال بأن اكثر الأخبار المتقدمة قد وردت عن الباقر و الصادق (ع) و من بعدهما، و الدرهم الذى استقر عليه امر الاسلام فى زمانهم (ع) انما هو ستة دوانيق، و اطلاق الأخبار انما ينصرف اليه، فمدفوع بما عرفته من الفقه الرضوى المعتضد بعمل الأصحاب.
(و فى المتفرق خلاف) فالمحكى عن الطوسى و الحلى و ابنى سعيد و التلخيص عدم وجوب الازالة مطلقا و ان زاد الجميع عن مقدار الدرهم و تفاحش و اختاره المحقق فى الينابيع و مختصر النافع و المدارك و الذخيرة و غيرهم، و نسبه فى الذكرى الى المشهور، خلافا للمحكى عن ابن حمزة و اكثر المتأخرين
ص: 272
فتجب الازالة مع بلوغ المجموع قدر الدرهم، و كذا سلار لكن ان زاد عن مقداره، و للمحكى عن النهاية و التحرير فتجب الازالة بشرط التفاحش، و الاول أظهر لخبرى ابن ابى يعفور و جميل السابقين، بعد الالتفات الى التبادر فى الاول، و الى الشهرة المحكية الجابرة لضعف سند الثانى، و عليه فلا ينبغى الالتفات الى العمومات كما استدل للقول الثانى، و اما القول الثالث فلا وجه له اصلا فى الاحكام التعبدية التى لا مدخل للعقل فيها اصلا.
(غير الثلثة) فانه يجب ازالتها و ان نقص عن سعة الدرهم، اما الحيض فلا نعرف خلافا فيه، بل عن بعض الاتفاق، و يدل عليه بعد ذلك الرضوى المتقدم، و المروى فى الكافى فى باب الرجل يصلى فى الثوب و هو غير طاهر(1)عن ابى بصير عن الصادق (ع) او الباقر (ع): لا تعاد الصلوة من دم لا تبصره غير دم الحيض فان قليله و كثيره فى الثوب ان رآه او لم يره سواء.
و اما الاستحاضة و النفاس فعن الحلى نفى الخلاف فيهما، بل عن صريح الغنية و ظاهر الخلاف الاجماع، و هو الحجة مضافا الى اعتضاد الثانى بما دلّ على كونه دم الحيض المحتبس فى ارحام النسوة، و الحق التحرير دم الكلب و الخنزير حاكيا له عن الراوندى و ابن حمزة ايضا، و الحق المصنف فى بعض كتبه و غيره دم مطلق نجس العين الشامل لهما و للكافر و الميتة، و يرده عموم اخبار العفو، مع ان عن الحلى انكار الالحاق مدعيا عليه الوفاق، فبما ذكر ظهر العفو فيما عدا الثلثة مطلقا، فما ذهب اليه نادر(2) من متأخرى المتأخرين من وجوب ازالة دم الغير مطلقا، استنادا الى مرفوعة البرقى عن الصادق (ع) قال: دمك انظف من دم غيرك، اذا كان فى ثوبك شبه النضح من دمك فلا بأس، و ان كان دم غيرك قليلا كان او كثيرا فاغسله.
و عن الفقه الرضوى: و اروى دمك ليس مثل دم غيرك.
ص: 273
و هما مع قصور السند و عدم الجابر، مما لا يصح الاعتماد عليهما فى نحو المقام مع ان فى دلالة الثانى ما تراه، نعم يشكل القول بالعفو فى خصوص دم حيوان غير ماكول اللحم، بعد الالتفات الى ما يأتى فى كتاب الصلوة من موثقة ابن بكير الدالة على فساد الصلوة فى شعره و وبره و جلده و بوله و كل شىء منه، بناء على ان التعارض بينها و بين الأخبار المتقدمة الدالة على العفو فى الدم العموم من وجه، لكن الظاهر تقديم الدالة على العفو لما ترى فى كلمات من تراهم من الأصحاب من التعرض لاستثناء خصوص الدماء الثلثة، او مع ازدياد دم الكلب و الخنزير، او نجس العين من غير التفات الى دم مطلق غير ماكول اللحم، فلو لم يكن ذلك ايضا معفوا لكان عليهم التنبيه عليه كما نبهوا فيما علمته.
الأول: لو أصاب الدم المعفو عنه مايع طاهر و لم يبلغ المجموع الدرهم، ففى بقائه على العفو و عدمه قولان ينشأن من عدم زيادة الفرع عن الأصل، و من وجوب الاقتصار فيما خالف الأصل(1) على القدر المتيقن.
و لو ازال عين الدم بما لا يطهره، ففيه ايضا وجهان، و نفى البعض الريب فى العفو عنه.
الثانى: اذا اصاب الدم وجهى الثوب بالتفشى، فهل هو دم واحد مطلقا؟ ام واحد فى الرقيق دون الصفيق؟ ام يجب احالته الى العرف؟ أقوال اوجهها الأخير، لكن الظاهر منهم الاول.
الثالث: لو اشتبه الدم المعفو عنه بغيره كدم الفصد بدم الحيض، فالأقرب العفو كما فى الدروس اقتصارا فيما خالف اخبار العفو على القدر المتيقن، و لو اشتبه الدم الطاهر بغيره فالأصل الطهارة قاله فى الدروس.
أقول ان اراد ان يحكم بهذا الاصل بطهارة هذا الدم ففيه اشكال، و ان
ص: 274
أراد أن يحكم به بطهارة الملاقى فجيّد، و عليه فمن راى فى بدنه او لباسه دما بقدر الدرهم او أزيد و شك فى كونه دم الطاهر او النجس، فيجوز الدخول به فى الصلوة ان علم طهارة بدنه و لباسه قبل الرؤية، عملا بالاستصحاب المقتضى لطهارة بدنه و لباسه حينئذ، فمع طهارة البدن و اللباس يجوز الدخول فى الصلوة، و لو كانت الطهارة ثابتة بالاستصحاب، اذ اعتبار العلم القطعى بالطهارة المشترطة فى اللباس و البدن شىء دونه خرط القتاد، فليتأمل فى التفصيل جدا.
(و) عفى ايضا (عن نجاسة ما لا يتم الصلوة فيه) حالكونه (منفردا كالتكة و و الجورب و شبههما) حالكونها (فى محالها و ان نجست بغير الدم) بلا خلاف اعرفه فى اصل الحكم فى الجملة، بل عليه الاجماع عن الجماعة، و النصوص بذلك مستفيضة، منها المروى فى التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه فى الزيادات عن حماد بن عثمان عمن(1) رواه عن الصادق (ع): فى الرجل يصلى فى الخف الذى قد أصابه قذر؟ فقال: اذا كان مما لا يتم فيه الصلوة فلا بأس.
و فى الباب فى الموثق او الصحيح عن زرارة عن احدهما (ع) كلما كان لا يجوز الصلوة فيه وحده، فلا بأس بان يكون عليه الشىء مثل القلنسوة و التكة و الجورب.
و فى الباب عن الحلبى عن الصادق (ع): كل ما لا يجوز الصلوة فيه وحده فلا بأس بالصلوة فيه مثل التكة الابريشم و القلنسوة و الخف و الزنار يكون فى السراويل و يصلى فيه.
و فى الباب عن زرارة عن الصادق (ع): ان قلنسوتى وقعت فى بول فأخذتها فوضعتها على رأسى ثم صليت، فقال: لا بأس.
و فى الباب عن ابراهيم بن ابى البلاد عمن حدثهم عن الصادق (ع): لا
ص: 275
بأس بالصلوة فى الشىء الذى لا يجوز الصلوة فيه وحده، يصيبه القذر مثل القلنسوة و التكة و الجورب.
و فى باب تطهير الثياب عن عبد الله بن سنان عمن اخبره عن الصادق (ع) كل ما كان على الانسان او معه مما لا يجوز الصلوة فيه وحده، فلا بأس ان يصلى فيه و ان كان فيه قذر، مثل القلنسوة و التكة و الكمرة و النعل و الخفين و ما أشبه ذلك.
و عن الفقه الرضوى: ان اصاب قلنسوتك او عمامتك او التكة او الجورب او الخف منى او بول او دم او غايط، فلا بأس بالصلوة فيه و ذلك ان الصلوة لا يتم فى شىء من هذه وحده.
و مقتضى عموم اكثر تلك الأخبار تعميم الصلوة فى كل ما لا يتم الصلوة فيه منفردا سواء كان ملبوسا او محمولا فى محالها ام لا، بل صرح خبر عبد الله بالأولين وفاقا للمحكى عن الأشهر، خلافا للمحكى عن الحلى و غيره فيختص بالملابس مطلقا، و اختاره المصنف لكن زاد القيد بكونها فى محالها، و عن الراوندى فخص الحكم بخمسة أشياء: القلنسوة و التكة و الجورب و الخف و النعل، و لا وجه لشىء من هذه الأقوال يعتد به، مع ان قدر المسلم من تقييد الاطلاقات الآمرة بالصلوة هو اشتراط كون البدن و اللباس طاهرين من النجاسة.
و لا دليل على التقييد بالنسبة الى المحمولات ايضا و لو كان من جنس اللباس اذا لم يكن ملبوسا، و عليه فحكم البعض ببطلانها لو كان معه دراهم نجسة، و حكم المبسوط كما حكى و غيره بالبطلان لو حمل قارورة مشدودة الرأس بالرصاص و فيها بول او نجاسة مما لا دليل عليه، و عليه فالمتجه الحكم بالصحة مع امن التلويث مطلقا(1) كما أفتى به الجماعة، عملا بالاطلاق من غير ظهور معارض فى نحو المقام، و مقتضاه جواز حمل الحيوان فى الصلوة مطلقا سواء كان نجسا
ص: 276
ام طاهرا صبيا كان ام غيره، و ركوب مولانا الحسين ظهر جدّه قد نقله الجمهور كافة كما صرح البعض، و حديث حمله (ص) لامامة قد نقله التحرير، و جواز الصلوة فى العمامة النجسة اذا كانت على الهيئة المعهودة، بناء اما على عدم صدق الثوب عليها عرفا حينئذ كما قاله فى المدارك، او على الشك فى ذلك كما قاله فى الذخيرة، و يمكن الحكم بالجواز فيها و لو فرض صدق الثوب عليها، بناء على كونها مما لا يتم الصلوة فيها منفردا.
كما افتى بالجواز الصدوق مستدلا بذلك، و عن والده ايضا، و عليه يدل الرضوى المتقدم، و حمل كلام الصدوق على العمامة الصغيرة كالعصابة كما عن الراوندى قال: لانها لا يمكن سترة العورة بها، بعيد.
توضيح المطلب الظاهر ان المراد بالساتر للعورة ماله عرض و طول بحيث يمكن ارادته من الخلف الى القدام و شد طرفيه، بحيث يكون ذلك مانعا عن رؤية الواقف فى الأطراف للعورتين بنفسه، من غير ان يحتاج الى تعمل و عناية و تصرف، كيف لا و لو لم نقل و عممنا الساتر لما يحتاج فى ستره الى ذلك ايضا لكانت التكة و ماضاهاها ايضا ساترة للعورتين، اذ ليس العورة الا القضيب و البيضتين و حلقة الدبر، و امكان سترها بها بعناية مما لا وجه فى انكاره، مع ان النصوص المتقدمة قد حكمت بعدم ساتريتها.
و عليه فلا ريب ان وزان العمامة مع كونها عمامة كوزان التكة و القلنسوة من عدم كونها ساترة للعورة حينئذ، فاذا انهدمت و اخرجت عن ذلك فلا يجوز الصلوة فيها حينئذ لأنها ثوب ساتر للعورة، و اذا بقيت على كونها عمامة فيجوز الصلوة فيها لأنها حينئذ غير ساترة للعورة، نعم الاحتياط مما لا ينبغى تركه سيما بعد الالتفات الى خلو اكثر الأخبار من التمثيل بها، فلو كانت كالقلنسوة و نحوها لكانت احق بالتمثيل بها، و ليس للرضوى جابر يعتد به بعد الالتفات الى ما ذكرناه، و ان كان القول بالجواز مع ذلك لا يخلو عن رجحان ما، سيما بعد الالتفات الى عمل الصدوقين بالرضوى.
ص: 277
و الافضل ازالة النجاسة عن كل ما لا يتم الصلوة فيه كما عن غير واحد، و لا بأس به مسامحة، و فى خبر عبد الرحمن المروى فى التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه عن الصادق (ع): اذا صليت فصل فى نعليك اذا كانت طاهرة فانه يقال ذلك من السنة.
لو خرج الدم من الجسد لكن لم يبرز الى فضاء البدن بل اختص تحت الجلد، فهل يجب اخراجه كما عن البيان؟ ام لا كما اختاره بعض الأجلاء وجهان و الأخير أقرب، عملا بالاصل، و اختصاص الدال بالازالة بحكم التبادر الى غير محل الفرض.
و لو شرب خمرا او اكل ميتة، فهل يجب القئ كما عن المنتهى؟ ام لا كما فى المدارك؟ وجهان ينشأن مما ذكره المنتهى بان شربه محرم فاستدامته كذلك فالاول، و من الاصل مع عدم دليل يقتضى حرمة الاستدامة فالثانى، و هو الأظهر.
و اما ما قاله بعض الأجلاء بما لفظه: و يمكن الاستدلال هنا بوجوب القئ بما رواه فى الوافى فى الموثق عن عبد الحميد بن سعيد قال: بعث ابو الحسن (ع) غلاما يشترى له بيضا فأخذ الغلام بيضه او بيضتين فقامر بهما، فلما أتى به اكله فقال مولى له: ان فيه من القمار، قال: فدعا بطشت فتقيأ فقاءه، ففيه ما ترى، نعم الاولى القئ.
(و لا بد من العصر الا فى بول الرضيع) أقول لا بدّ هنا من بسط جملة من الأحكام فى مقامات.
الاول: يغسل الثوب و البدن من البول من غير الرضيع بالماء القليل مرتين على المشهور المنصور، بل ظاهر التحرير كونه اجماعيّا، عملا بصحيحتى محمد بن مسلم، و صحيحتى ابى اسحق و ابن ابى يعفور، المرويات فى التهذيب فى باب تطهير الثياب، و بالمروى فى الكافى فى باب البول يصيب الثوب فى الحسن عن الحسين بن ابى العلا عن الصادق (ع): عن البول يصيب الجسد؟
ص: 278
قال: صب عليه الماء مرتين فانما هو ماء، و عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله مرتين، و عن الصبى يبول على الثوب؟ قال: يصب عليه الماء قليلا ثم يعصره.
و عن مستطرفات السراير نقلا من كتاب الجامع لأحمد بن محمد بن ابى نصر قال: سألته عن البول يصيب الجسد؟ قال: صب عليه الماء مرتين فانما هو ماء و سألته، عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله مرتين.
و عن الفقه الرضوى: فان اصابك بول فى ثوبك فاغسله من ماء جار مرة، و من ماء الراكد مرتين، ثم اعصره، خلافا للمحكى عن المنتهى و البيان فمرة مطلقا للاطلاق فيقيده بما مر، و للمدارك كما عن المعالم فخصا التعدد بالثوب عملا بالاطلاق فيما عداه، فيقيده اخبار ابى اسحق و الحسين و احمد السابقات.
هذا فى غير مخرج البول، و اما الكلام فيه فقد عرفته فى مقامه.
و مقتضى الأخبار الفصل بين المرتين كما صرح غير واحد تحصيلا لهما، فعن الذكرى من الاكتفاء بايصال الماء بقدر الغسلتين، و ما فى المدارك من الميل اليه ان كان الايصال بقدر القطع ايضا، مما لا وجه لهما يعتد به فى الأحكام التعبدية.
ثم ان مقتضى المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (ع): عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله فى المركن مرتين، فان غسلته فى ماء جار فمرة واحدة.
و الفقه الرضوى المتقدم: كفاية المرة فى الغسل بالجارى، وفاقا لجماعة خلافا لظاهر جملة من العبائر فالتعدد مطلقا و هو ضعيف، و الاطلاق مقيد بالخبرين.
و هل الراكد الكثير كالجارى كما قاله الجماعة؟ ام كالقليل كما عن الجامع فيعتبر فيه التعدد ايضا؟ وجهان و لعل الاخير اقرب، لمفهوم خبر محمد هذا، و اطلاق الدالة على التعدد.
و هل يجب التعدد فيما عدا الثوب و البدن ايضا اذا أصابه البول ام لا؟
ص: 279
قولان اجودهما الأخير اقتصارا فيما خالف الاطلاق على مورد النص و مقتضى الاطلاق الاكتفاء فيما عدا البول من ساير النجاسات بالمرة عدا الأوانى فان فيها تفصيلا يأتى، وفاقا للجماعة خلافا لاخرى، فالمرتان اما فى مطلق النجاسات كما قاله بعضهم، او فيما له قوام و ثخانة كما قاله آخر منهم، و ليس لهم وجه الاّ الأولوية و هى ممنوعة.
و صحيحة محمد بن مسلم المروية فى الباب عن الصادق (ع) قال: ذكر المنى فشدده و جعله اشد من البول، و فيه ان التشديد كما يحتمل ان يكون فى التعدد كذا يحتمل ان يكون فى النجاسة، ردا لما عن الشافعى فى الجديد من القول بطهارة منى الادمى، بل المهذب عن الاخير اذ مقتضى الاول الزيادة على المرتين و لو مرة، و المستدل لا يقول به.
الثانى: المشهور وجوب العصر فى الثوب و نحوه مما يرسب فيه الماء و هو المنصور، للرضوى المتقدم، و عليه فما جنح اليه المدارك ناقلا من شيخه ايضا من القول بالعدم، مما لا يلتفت اليه، و اما الاستدلال للمختار بخبر الحسين المتقدم، ففيه مناقشة كالاستدلال باطلاق الدال على نجاسة الماء القليل خرج المتخلف فى الثوب بعد العصر بالاجماع، و لا دليل على خروج غيره، و ان امكن تصحيحهما بعناية، نعم الاظهر اختصاص الحكم بالقليل وفاقا للتذكرة كما عن نهاية الاحكام و اكثر المتأخرين، عملا بالاطلاق من غير ظهور معارض فى نحو المقام
و شمول الراكد الواقع فى الرضوى للكثير، مما لا جابر له فى نحو المقام، خلافا لاطلاق المصنف هنا و الشرايع فيعتبر مطلقا، و لا وجه له يعتد به.
و حيث يجب العصر لو جف من غير عصر يحكم بالنجاسة، فاشكال التذكرة مما لا يصغى اليه، ثم العصر فيما يعتبر فيه تعدد الغسل بعد المرتين كما عن الصدوقين، عملا بالرضوى المتقدم، خلافا للمحكى عن التحرير فاوجبه مرتين، و اللمعة فاكتفى بعصر بينهما و لا وجه لهما يعتد به.
ثم المحكى عن كثير من المعتبرين للعصر: الاكتفاء بالدق و التغميز فيما
ص: 280
يعسر العصر فيه، و نسبه فى المدارك الى الاصحاب، و فى التحرير يكفى الدق و التقليب فيما يعسر عصره.
اقول: الاكتفاء بذلك فى ذلك مما لا ريب فيه، عملا بالاطلاق، لكن الكلام فى وجوب ذلك، الاظهر العدم للاطلاقات، و منها المروى فى الكافى فى باب البول يصيب الثوب فى الصحيح عن ابراهيم بن ابى محمود عن الرضا (ع):
الطنفسة و الفراش يصيبهما البول، كيف يصنع بهما و هو ثخين كثير الحشو؟ قال: تغسل ما ظهر منه فى وجهه.
و فى الباب فى الموثق عن ابراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن (ع):
يصيبه البول فينفذ الى الجانب الآخر، و عن الفرو و ما فيه من الحشو؟ قال:
اغسل ما أصاب منه و مس الجانب الآخر، فان اصبت مس شىء منه فاغسله، و الا فانضحه بالماء.
و منها خبر على بن جعفر المروى عن قرب الاسناد.
و مقتضى الاطلاق عدم اشتراط الدلك فى طهارة الجسد و نحوه من الاجسام الصلبة، خلافا للمحكى عن نهاية الاحكام فيشترط كما فى التحرير، لكنه ذكر الجسد و الظاهر انه من باب التمثيل، و لا وجه لهما يعتد به، نعم لو توقفت الازالة الى الدلك لوجب من باب المقدمة.
الثالث: لا اشكال فى حصول التطهير للارض بالماء الكثير و الجارى و المطر و الشمس، و كذا بالقليل لو قلنا بطهارة الغسالة، و اما على القول بنجاستهما فالمحكى عن الشيخ فى الخلاف الحكم بالطهارة حيث قال: اذا بال على موضع من الارض فتطهيره ان يصب الماء عليه حتى يكاثره و يقهره، فيزيل لونه و طعمه و ريحه، فاذا زال حكمها حكمنا بطهارة المحل و طهارة الوارد عليه و لا يحتاج الى نقل التراب و لا قطع المكان، و استدل بذلك بان فى التكليف بما زال على ذلك حرجا منفيا بقوله تعالى: (مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، و بالرواية العامية المشهورة المتضمنة لامر النبى (ص) باهراق الذنوب من الماء
ص: 281
على بول الاعرابى لما بال فى المسجد و قوله لهم بعد ذلك: عملوا و يسروا و لا تعسروا.
اقول الاظهر عدم تطهيره بالقليل، عملا بالاستصحاب و بعموم ادلة انفعال القليل، من غير ظهور معارض يعتد به، و ليس للعامى المتقدم جابر يعتد به، بل فى التذكرة: و روى بعضهم ان النبى (ص) امر باخذ التراب الذى اصابه البول فيلقى فيصب على مكانه ماء.
نعم لو تنجس الاراضى المفروشة بالاحجار و نحوها من الاجسام الصلبة التى لا يعلم وصول النجاسة الى باطنها كاراضى الحمامات و نحوها، فيجوز تطهيرها بالماء القليل لعموم ما دل على مطهرية الماء، و فحوى الاخبار المشار اليها فى قبيل هذا المقام، و يؤيده اطلاق الدال على حصول التطهير للجسد بغسله و المقام ايضا نحوه، فبما ذكر ظهر جواز تطهير كل جسم صلب لا يعلم دخول النجاسة الى اعماقه بالقليل، و لا تلتفت الى عموم الدال بنجاسة القليل بالملاقاة اذ هو معارض بالفحوى المشار اليها، فالدال على طهورية الماء سالم عن المعارض هذا مضافا الى ما ترى من السيرة من عدم اقتصارهم فى تطهير ما قلناه الى الجارى و الكثير، و عليه فاطلاق ما حكاه فى المدارك عن الجماعة بأن ما لا ينفصل الغسالة منه كالصابون و الورق و الفواكه و الخبز و الحبوب و ما جرى هذا المجرى لا يطهر بالغسل فى القليل بل يتوقف طهارته على غسله فى الكثير، مما لا يلتفت اليه بالنسبة الى بعضها كالفواكه و الحبوب، لعدم العلم بدخول النجاسة الى الباطن.
نعم لو انتفع بالماء النجس بحيث يعلم دخول النجاسة الى الباطن فيتعين الغسل بالكثير، بحيث يدخل الماء فى الاعماق الداخل فيها النجاسة كما عن الاصحاب، و لما كان العلم بدخول الماء فيما دخل فيه النجس متعذرا لنا مع كونه نقيعا، فليتجفف اولا بالشمس او النار و نحوهما حتى يذهب الماء النجس، ثم يوضع فى الكثير او الجارى بحيث يعلم دخول الماء فيما دخل فيه
ص: 282
النجس، و الاكتفاء حينئذ بالقليل مشكل، للاستصحاب و عموم الدال على انفعاله و الغساله غير خارجه حتى يمكن التمسك بالفحوى المشار اليها فبما ذكر ظهر قاعدتان كليتان، فيما لا يمكن عصره اعنى طهارة الاجسام الصلبه التى لم يعلم بدخول النجس فى اعماقها لمكان غلظتها و صلابتها بالماء مطلقا و لو كان قليلا و طهاره ما علم بدخوله فى اعماقها بالجارى و الكثير خاصه بحيث يعلم بدخول الماء الطاهر فيما دخل فيه النجس فبما ذكر ظهر حال الصابون(1) و الجبن و الارز و المطبوخ و العجين و اللحم و نحوها.
و اما المروى فى الكافى فى باب المسكر يقطر منه فى الطعام عن زكريا بن آدم عن ابى الحسن (ع): عن قطره خمر او نبيذ او مسكر قطرت فى قدر فيها لحم كثير و مرق كثير؟ فقال (ع): يهراق المرق او يطعمه اهل الذمه او الكلاب، و اللحم فاغسله و كله.
و فى باب الدابة تموت فى الطعام عن السكونى عن الصادق (ع) عن على (ع): عن قدر طبخت، فاذا فى القدر فارة؟ قال: يهراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل.
فلقد قال بعض الاجلاء ان ظاهر الاصحاب من غير خلاف العمل بمضمونهما، لكن الاجود التفصيل المشار اليه، و عن الذكرى الظاهر ان طهارة الحنطة و اللحم و شبهه مما طبخ بالماء النجس بالكثير اذا علم التخلل انتهى، و قد عرفت جودته، نعم يشكل الامر فى تطهير المايعات النجسة غير الماء، فالاظهر عدم قبولها التطهير ما دامت باقية على حقيقتها كما عن الجماعة، و حكم المصنف فى التذكرة بالتطهير اذا وضع فى الكثير بحيث يسرى الماء الى جميع اجزائه قبل اخراجه منه، قال: فلو طرح الدهن فى ماء كثير و حركه حتى تخلل جميع الماء جميع اجزاء الدهن باسرها طهر.
ص: 283
اقول لا ريب فى خروج المايع عن حقيقته بعد حصول العلم بسراية الماء الى جميع اجزائه، و اما الدهن و ان كان لا يخرج بامتزاج الماء عن حقيقته، لكن فرض حصول العلم بوصول الماء الى جميع اجزائه النجسة مما لا يكاد ان يتحقق، فقول التذكرة و المنتهى و نهاية الاحكام بقبوله التطهير مع اصابة الماء الى اجزائه مجرد فرض.
لو كان ما وقعت فيه النجاسة جامدا عرفا، القى ما يكتنفها من اطرافه و حل ما عداه، اجماعا كما استظهره بعضهم، و عليه يدل جملة من الاخبار منها المروى فى الباب فى الصحيح عن زرارة عن الباقر (ع): و اذا وقعت الفارة فى السمن فماتت فيه، فان كان جامدا فالقها و ما يليها و كل ما بقى، و ان كان ذايبا فلا تاكله و استصبح به و الزيت مثل ذلك.
و فى الباب فى الصحيح عن معوية بن وهب عن الصادق (ع): جرذ(1) مات فى سمن او زيت او عسل؟ فقال (ع): اما السمن و العسل فيوخذ الجرذ و ما حوله، و الزيت يستصبح به.
و لو شك فى صدق الميعان و الانجماد عرفا، فالاصل يقتضى الطهارة من غير ظهور معارض يعتد به، فليفعل به كما يفعل فى الجامد.
الرابع: الثوب المصبوغ بالمتنجس يتطهر بالكثير و الجارى مع نفوذ الماء الى جميع الاجزاء المحكومة بالنجاسة و استهلاكها فى جنب الماء، عملا بعموم الدال على المطهرية، و كذا بالقليل اذا لم يكن فى الغسالة للصبغ أثر، للاطلاق و العموم.
الخامس: المعادن المذابة اذا تنجست يطهر ظاهرها بعد الانجماد بالغسل، عملا بالاطلاق، و عموم الدال على مطهرية الماء.
ص: 284
السادس: الاظهر عدم اعتبار ورود الماء على النجاسة بالقليل، عملا بالاطلاق و العمومات المعتضدة بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة فى المقام الاول، خلافا للمحكى عن المرتضى و المصنف فى بعض كتبه و الشهيد فى الدروس و البيان مستثنيا فى الاخير الاناء، و لا وجه لهم يعتد به، اذ الملاقاة بالنجاسة حاصلة فى الحالين، فلا يرفع بهذا الفرق الاشكال الناشئ من عموم الدال على نجاسة القليل بالملاقاة و عموم الدال على الغسل بالقليل و التطهير به، اذ اللازم من ذلك حصول الطهارة بالماء النجس، فاذن لا وجه لتقييد الاطلاق، فليقل بالعموم.
و ليدفع الاشكال، اما بالقول بطهارة الغسالة مطلقا و استثنائها من الدال على نجاسة القليل بالملاقاة، او بتقيد الدال على انفعاله بالملاقاة بالانفصال عن المحل المغسول، او القول بان النجاسة المانعة هى ما ثبت قبل التطهير لا ما كان ثابتا حاله، و لا غرو فيه فى الاحكام التعبدية، و اظهر الوجوه الاخير، و كلها لا يستلزم التفصيل المتقدم كما هو واضح.
و على المختار فلو كان فى المركن ماء طاهر و ادخل الثوب النجس مثلا بنجاسة الغايط، و ازيل النجاسة بذلك الماء، ثم اخرج الثوب، نحكم بطهارة الثوب و نجاسة ماء المركن، فوزانه وزان حجر الاستنجاء.
السابع: يكفى فى طهارة محل النجاسة زوال عينها و ان بقى لونها او ريحها، لانهما عرضان لا يحملان النجاسة، و عليه اجماع العلماء، قاله فى التحرير لصحيحة ابن المغيرة المروية فى الكافى فى باب القول عند دخول الخلاء، و المعمم الاجماع المركب كما قيل، و لجملة من الاخبار الدالة على صبغ الثوب المصاب بدم الحيض الذى لم يذهب اثره بالمشق(1)، منها خبر على بن ابى حمزة المروية فى الكافى فى باب الثوب يصيبه الدم، و خبر عيسى المروى فى
ص: 285
التهذيب فى باب تطهير الثياب، فما عن المصنف فى المنتهى و نهاية الاحكام بوجوب ازالة اللون مع الامكان، و عن الاخير وجوب ازالة الطعم ايضا لسهولة ازالته، مما لا يقوم فى مقابلة الاجماع المحكى المعتضد بما مرّ.
ثم مقتضى الاطلاق نصا و فتوى عدم الفرق بين صورتى العسر فى الإزالة و عدمه، قيل: و ربما قيد بالاولى.
اقول و هو الاحوط، و ان كان فى تعينه نظر.
الثامن: المعروف من مذهب الاصحاب من غير ظهور مخالف، كفاية صب الماء فى بول الرضيع، بل عن الخلاف عليه الاجماع، و عليه يدل المروى فى الكافى فى باب البول يصيب الثوب فى الصحيح عن الحلى: عن بول الصبى؟ قال: تصب عليه الماء، فان كان قد اكل فاغسله غسلا، و الغلام و الجارية فى ذلك شرع سواء.
و عن الفقه الرضوى: ان كان بول الغلام الرضيع فصب عليه الماء، و ان كان قد اكل فاغسله، و الغلام و الجارية سواء.
و عليه يدل ايضا خبر السكونى المتقدم فى شرح قول المصنف: الفقاع اذ هو حينئذ كالعام المخصص فيما بقى حجة.
و اما خبر الحسين المتقدم فى المقام الاول و المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الموثق عن سماعة قال: سألته عن بول الصبى يصيب الثوب؟ فقال: اغسله، قلت: فان لم اجد مكانه؟ قال: اغسل الثوب كله، فمحمولان على ما فصله الاخبار المتقدمة و مقتضى الاولين مساواة الصبية للصبى فى ذلك كما عن الصدوقين، خلافا للاكثر فخصوا الحكم بالذكر و هو الاظهر، للنبوى فى التحرير بول الغلام ينضح و بول الجارية يغسل.
و فيه عن ابى داود باسناده عن لبانة بنت الحارث قالت: كان الحسن بن على فى حجر رسول الله (ص) فبال عليه فقلت: اعطنى ازارك لاغسله، فقال:
انما يغسل بول الانثى، و يعضدهما خبر السكونى المشار اليه، و ضعف دلالته
ص: 286
كاسناد الكل غير ضاير بعد الخبر بالشهرة، و عليه فلا ينبغى الالتفات الى ظاهر الاولين اذ تجد فى اعراض المشهور عنه ما تجد مع احتمال رجوع الحكم بالتسوية فيهما كعبارة الصدوقين الى صورة لزوم الغسل.
(ثم الصب) يشتمل ما ينفصل معه الماء و غيره و المستوعب و غيره فيشمل الرش، لكن عن الاصحاب اعتبار الاستيعاب و لا بأس به لذلك، و عن الاصحاب ايضا عدم اعتبار الانفصال، و قد عرفت انه مقتضى اللفظ ايضا، سيما بعد الالتفات الى مقابلة الغسل، فاحتمال وجوب الانفصال بناء على نجاسة الغسالة بعد الالتفات الى ان غاية ما يستفاد من المقابلة عدم لزوم العصر، و هو اعم من عدم لزوم الانفصال، مما لا يعتنى به فى الاحكام التعبدية.
و الحاصل ان ظاهر الاخبار كون مجرد الصب كافيا فى التطهير فليسكت عما سكت الله عنه، ثم المستفاد من صحيحة الحلبى بحكم التبادر، كون الحكم معلقا على بول الصبى الذى لم ياكل اكلا مستندا الى شهوته و ارادته، وفاقا للجماعة، فما فى الرياض من تفسيره بالرضيع الذى لم يغتذ بغير اللبن كثيرا بحيث يزيد على اللبن او يساويه و لم يتجاوز الحولين، و عن الحلى بالرضيع الذى لم يبلغ سنتين، غير واضح المأخذ.
(و تكتفى المربية للصبى بغسل ثوبها الواحد فى اليوم مرة) على المشهور، بل نفى بعض الاجلاء عنه الخلاف، عملا بالمروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب عن ابى حفص عن الصادق (ع): عن امرأة ليس لها الا القميص، و لها مولود فيبول عليها، كيف تصنع؟ قال: تغسل القميص فى اليوم مرة، و ضعف السند منجبر بما مر.
فميل بعض متأخرى المتأخرين الى وجوب الازالة الا ان يستلزم الحرج مما لا يلتفت اليه.
و فى الحاق الصبية بالصبى قولان، الاظهر العدم اقتصارا فيما خالف الاصل على القدر المتيقن، و شمول المولود لها اما محل شك او ظاهر العدم.
ص: 287
و هل يلحق الغايط بالبول كما يقتضيه اطلاق بعض العبائر؟ ام لا كما اختاره الجماعة؟ وجهان و الاخير اقرب، اقتصارا على القدر المتيقن، و مقتضاه عدم الحاق المربى بالمربية خلافا للبعض، و لا وجه له يعتد به، و المولود المتعدد بالواحد، فخلاف الشهيدين غير مسموع، و البدن بالثوب فما عن بعض من الالحاق مما لا وجه له يعتد به، ثم المتبادر من النص الثوب الواحد فلا تلحق ذات الثوبين فصاعدا، فالحاق الرياض و غيره المتعدد بالواحد مع الاحتياج لبرد و نحوه مما لا وجه له يعتد به فى الاحكام التعبدية، و العلة المستنبطة ليست بحجة.
و لو امكن لذات الثوب الواحد تحصيل غيره بشراء و استيجار او استعارة، ففى وجوب ذلك عليها وجهان و لعل الاقرب العدم، للاطلاق.
و مقتضى النص و الفتوى تعين الغسل هنا فلا يكتفى بالصب هنا و لو كان المولود صبيا لم ياكل، لجواز ان يكون عدم تكرار الصب منشأ لذلك، ثم المحكى عن كثير من الاصحاب ان المراد باليوم فى الخبر ما يشمل الليل ايضا اما لاطلاقه لغة على ما يشمل الليل، او لالحاق الليل به و الحكم موضع توقف، و ان كان ما ذكروه لا يخلو عن رجحان ما، سيما بعد الالتفات الى ما يفهم من الخبر بحكم التبادر، فافهم.
ثم المحكى عن الجماعة بان الافضل ان تجعل غسل الثوب آخر النهار لتوقع الصلوات الاربع على طهارة، و لا بأس به لكن الاظهر عدم وجوب ذلك للاطلاق فاشكال البعض(1) مما لا وجه له.
و هل يجب ايقاع الصلوة عقيب غسل الثوب و التمكن من لبسه متى اقتضت العادة بنجاسته بالتاخير ام لا؟ وجهان و الاخير اقرب للاطلاق.
(و اذا علم موضع النجاسة غسل و ان اشتبه غسل جميع ما يحصل فيه
ص: 288
الاشتباه) اذا اشتبه موضع النجاسة فى ثوب واحد وجب غسل كل موضع يحتمل فيه ذلك عند علمائنا كما فى التحرير، و زاد فى التذكرة كما عن المنتهى كلمة اجمع، و النصوص بذلك مستفيضة، منها صحيحة زرارة المروية فى زيادات باب تطهير الثياب و فيه: قلت: فانى قد علمت انه قد اصابه، و لم ادر اين هو فاغسله؟ قال: تغسل من ثوبك الناحية التى ترى انه قد اصابها حتى تكون على يقين من طهارتك.
و فى ثياب متعددة او غيرها و كانت غير محصورة، فلا اثر للنجاسة، و كل واحد من الاجزاء باق على الطهارة بلا خلاف بين الاصحاب كما استظهره البعض، و قال آخر لا نعرف فيه خلافا، و اخر عليه اجماع الاصحاب.
و ان كانت محصورة فعن ظاهر جماعة انه لا خلاف فى وجوب اجتناب ما حصل فيه الاشتباه، و عليه فهل يكون بمنزلة النجس فى جميع الاحكام؟ حتى لو لاقاه جسم طاهر تعدى حكمه اليه كما عن ظاهر المنتهى فان كلامه و ان كان مفروضا فى مسئلة الاناءين، لكن الظاهر عدم التفرقة، او يكون بالنسبة الى ما يشترط فيه الطهارة؟ فاذا كان ماء او ترابا لم تجز الطهارة به، و لو كان ثوبا لم يجز الصلوة فيه كما عن الجماعة.
وجهان و الاخير اقرب، اقتصارا فيما خالف الاصل على القدر المتيقن، و حيث لا يظهر فى العرف و اللغة معنى مشخص للفظى المحصور و غير المحصور و لم يرد نص ايضا فى ذلك و لم يظهر من الاصحاب ايضا ما يصح الرجوع اليه فى المراد منهما، فلذلك حصل الاشكال فجعل المرجع العرف كما عن الجماعة، و مثلوا للمحصور بالبيت و البيتين، و لغير المحصور بالصحراء، غير مغن من الجوع لما عرفت من عدم انضباطه، و اما ما عن بعضهم بانه يمكن جعل المرجع فى صدق الحصر و عدمه، الى حصول الحرج و الضرر بالاجتناب و عدمه ففيه مناقشة واضحة، و ربما يفسر غير المحصور(1) بما يعسر عده و حصره و فيه ايضا
ص: 289
نوع تأمل.
صرح الجماعة من غير خلاف يعرف، بانه اذا اصاب الثوب نجاسة فغسل نصفه و بقى نصفه فان المغسول يكون طاهرا و لا يتعدّى نجاسة النصف الاخر اليه و منهم الشيخ حاكيا عن بعض العامة القول بعدم الطهارة لانه مجاور لأجزاء نجسة فينجس، قال الشيخ: هذا باطل لان ما يجاوره اجزاء جافة لا يتعدى نجاستها اليه، و لو تعددت لكان يجب ان يكون اذا نجس جسم ان ينجس العالم كله، لان الاجسام كلها متجاورة، ثم قال: و روى عن النبى (ص) و عن ائمتنا (ع): اذا وقع الفارة فى سمن جامد و فى زيت القى ما حوله و استعمل الباقى، و لو كانت النجاسة تسرى لوجب ان ينجس الجميع و هذا خلاف النص و لا يخفى جودة ما قاله.
(و لو نجس احد الثوبين و اشتبه غسلا) و حكم هذا و ان علم سابقا، لكنه ذكره تمهيدا لقوله (و مع التعذر يصلى) الصلوة (الواحده فيهما مرتين) على المشهور المنصور، تحصيلا لليقين بوقوعها فى ثوب طاهر، و للمروى فى النهاية فى باب ما يصلى فيه فى الصحيح عن صفوان انه كتب الى ابى الحسن (ع): عن رجل كان معه ثوبان فاصاب احدهما بول و لم يدر ايهما هو، و حضرت الصلوة و خاف فوتها و ليس عنده(1) ماء كيف يصنع؟ قال: يصلى فيهما جميعا، قال قال يعنى على الانفراد، خلافا للمحكى عن ابنى ادريس و سعيد فيطرد هما و يصلى عريانا، و لا وجه لهما يعتد به، و عن المبسوط انه جعل هذا القول المزيف رواية، و أنت خبير بان المرسل لا يقوم فى مقابلة المسند المشار اليه من وجوه عديدة.
و لو كان له ثياب نجسة و طاهرة و حصل الاشتباه، صلى الفرض بعدد النجسة و زاد صلوة واحدة فى ثوب آخر منها، تحصيلا للعلم بوقوع الصلوة فى
ص: 290
ثوب طاهر، و لو ضاق الوقت عن الصلوة فى الجميع صلى فيما يحتمله الوقت و ان كانت واحدة، و قيل(1) يصلى عاريا لتعذر العلم بالصلوة فى الطاهر بيقين و فيه نظر و له الخيرة و التعين الا ان يظن طهارة احدها فيتعين كذا قيل، و هو الاحوط، و ان كان اثبات تعين ما ظن بطهارته مشكلا فتأمل.
(و كل ما لاقى النجاسة برطوبة نجس) بلا خلاف اطلع عليه، و عليه يدل الاخبار، و اما المتنجس فيظهر حكمه، و الرطوبة المؤثرة ما يتعدى شىء منها الاّ الملاقى كما عن الجماعة، و اما القليلة البالغة الى حد لا تتعدى، ففى حكم اليبوسة.
(و لا ينجس لو كانا يابسين) بلا خلاف اجده، الا فى الميتة فبين قائل بالتأثير مطلقا، كما عن صريح المصنف فى نهاية الاحكام، و ظاهره فى مواضع أخر من كتبه، و عن بعض عبارات المحقق ان فيه اشعارا به، و بعدم التأثير بدون الرطوبة مطلقا كما عن المحقق الشيخ على، و بالتفصيل بموافقة الاول فى الادمى و الثانى فى غيره كما عن جماعة، و بموافقة الاول فى الادمى مطلقا برطوبة او يبوسة، و الثانى فى ايجاب غسل ما يلاقيه ميتة غير الادمى لا فى نجاسته كما عن ظاهر المنتهى و الاظهر عندى القول الثانى كما مر فى نجاسة الميتة فى قول المصنف الا من نجس العين اليه الاشارة.
نعم بقى الكلام فى نجاسة الملاقى للمتنجس برطوبة، و لم يظهر فى ذلك خلاف، الا فى مواضع ثلثة.
الاول: ما عن المنتهى فى نجاسة ميت الادمى من انه لو مسّه يابسا و لاقى ببدنه بعد ملاقاته للميت رطبا لم يؤثر فى تنجيسه، لعدم دليل التنجيس و ثبوت الاصل الدال على الطهارة، أقول: و حيث رجحنا ما رجحناه سابقا فلا نحتاج الى التكلم فى ذلك، اذ لا ينجس على المختار ما لاقى الميت يابسا.
ص: 291
الثانى: ما عن الحلى بانه اذا لاقى شىء من جسد الميت مايعا حكم بنجاسته، و لو لاقى ذلك المايع مايعا آخر لم ينجس الثانى، ورده التحرير بانهم اجمعوا على نجاسة المايع اذا وقعت فيه نجاسة، و أراد من النجاسة ما هو أعم من المتنجس حتى يتم له التقريب، و الاجماع المحكى حجة.
الثالث: ما تفرد به المحدث القاسانى بان حد المتنجس بعد ازالة عين النجس عنه بالتمسح و نحوه لا يتعدى نجاسته الى ما يلاقيه برطوبة، و فيه ما عرفته فى بحث التخلى فى شرح قول المصنف: و غسل موضع البول بالماء خاصة.
(و لو صلى مع نجاسة ثوبه او بدنه عامدا اعاد فى الوقت و خارجه) اجماعا كما عن الجماعة، و النصوص بذلك مستفيضة، و منها خبرا اسمعيل و محمد بن مسلم السابقان فى بيان العفو عن دون الدرهم البغلى من الدم.
و منها المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (ع): ان رأيت المنى قبل او بعد ما تدخل فى الصلوة فعليك اعادة الصلوة، و ان انت نظرت فى ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك، و كذلك البول.
و فى الكافى فى باب الرجل يصلى فى الثوب و هو غير طاهر فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): عن رجل اصاب ثوبه جنابة او دم؟ قال:
ان كان دم علم انه اصاب ثوبه جنابة قبل ان يصلى ثم صلى فيه و لم يغسله فعليه ان يعيد ما صلى، و ان لم يعلم فليس عليه اعادة، و ان كان يرى(1) انه اصابه شىء فنظر فلم ير شيئا اجزاه ان ينضحه بالماء.
الى غير ذلك من الأخبار.
و عن الجماعة انّ الجاهل بالحكم كالعامد، و هو الذى يقتضيه اطلاق الأخبار، و اطلاق كلام الأصحاب، الا ان فيه تفصيلا يظهر وجهه فى اوائل
ص: 292
كتاب الصلوة فى الاوقات فانتظر البته.
(و الناسى يعيد فى الوقت خاصة) وفاقا للشيخ فى الاستبصار، جمعا بين الاخبار الآمرة بالاعادة، و منها الأخبار المتقدمة فى قبيل المتن و صحيحة ابن أبى يعفور المتقدمة فى بيان العفو عن دون الدرهم من الدم كخبر جميل، و منها مكاتبة ابن مسكان المروية فى الباب المتقدم عن الصادق (ع): عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بول فيصلى و يذكر بعد ذلك انه لم يغسلها، قال:
يغسلها و يعيد صلوته.
فى التهذيب فى باب تطهير الثياب عن ابى بصير عن الصادق (ع):
ان اصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه و هو لا يعلم فلا اعادة عليه، و ان هو علم قبل ان يصلى فنسى و صلى فيه فعليه الاعادة.
و فى الباب فى الموثق عن سماعة عن الصادق (ع): عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى ان يغسله حتى يصلى، قال: يعيد صلوته كى يهتمّ بالشئ اذا كان فى ثوبه عقوبة لنسيانه، قلت: فكيف يصنع من لم يعلم، أيعيد حين يرفعه؟ قال: لا و لا يستأنف.
و فى الباب فى الزيادات فى الصحيح عن زرارة قال قلت: أصاب ثوبى دم رعاف او غيره او شئ من منى فعلمت اثره الى ان اصيب له الماء، فأصبت و حضرت الصلوة و نسيت ان بثوبى شيئا، و صليت ثم انى ذكرت بعد ذلك، قال: تعيد الصلوة و تغسله، قلت: فانى لم أكن رأيت موضعه و علمت انه قد أصابه، و طلبته فلم اقدر عليه فلما صليت وجدته، قال: تغسله و تعيد، قلت:
فانى ظننت انه قد أصابه و لم اتيقن ذلك، فنظرت فلم أر شيئا، ثم صليت و رأيت فيه، قال: تغسله و لا تعيد الصلوة، قلت: لم ذلك؟ قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت، فليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك أبدا الى ان قال قلت: فهل على ان شككت فى انه اصابه شىء ان انظر فيه؟ قال:
لا و لكنك انما تريد ان يذهب الشك الذى وقع فى نفسك، الخبر.
ص: 293
و بين المروى فى المكان المذكور فى الصحيح عن العلا عن الصادق (ع):
عن الرجل يصيب ثوبه الشىء ينجسه فينسى ان يغسله فيصلى فيه، ثم يذكر انه لم يكن غسله، أيعيد الصلاة؟ قال: لا يعيد قد مضت الصلوة و كتبت له، و فيه ان الجمع بذلك فرع شاهد، و ليس هنا الا صحيحة ابن مهزيار المروية فى آخر الباب المتقدم، و هى لاجماله و عدم وضوح دلالته مما لا يصح الاستناد اليه أصلا.
هذا مضافا الى خبر محمد بن مسلم المتقدم فى بيان العفو عن دون الدرهم من الدم المتضمن لقوله: و صليت فيه صلوة كثيرة، الى آخره.
و الى المروى عن قرب الاسناد عن على بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال:
سألته عن رجل احتجم فأصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى اذا كان من الغد، كيف يصنع؟ قال: اذا كان رآه و لم يغسله فليقض جميع ما فاته على قدر ما كان يصلى و لا ينقص منه شىء، و ان كان راه و قد صلى فليعتدّ بتلك الصلوة.
و دلالتهما على لزوم القضاء مما لا سبيل الى انكاره، فاذن لا التفات الى خبر العلا اصلا فى ذلك، نعم هو دال على عدم الاعادة مطلقا كما عن الشيخ فى بعض اقواله، و يظهر من التحرير نوع ميل اليه، و فيه انه لشذوذه كما حكم به الشيخ لا يقوم فى مقابلة الاخبار الكثيرة المتقدم اليها الاشارة المعمولة للقدماء مطلقا و عند اكثر المتأخرين اما مطلقا او فى الجملة،(1) فاذن المصير الى الاعادة وقتا و خارجا هو المتعين وفاقا لاكثر القدماء و جماعة من المتأخرين و منهم المصنف فى بعض كتبه و المحقق الثانى، بل عن الحلى و ابن زهرة و شرح الجمل للقاضى عليه الاجماع.
(و الجاهل لا يعيد مطلقا) لا فى الوقت و لا فى خارجه على المشهور المنصور، للاخبار المستفيضة منها خبرا اسمعيل المتقدم فى العفو عن دون
ص: 294
الدرهم من الدم، و خبرا محمد بن مسلم و عبد الله السابقان فى الصلوة فى النجاسة عامدا، و خبرا زرارة و على السابقان فى قبيل المتن.
و منها المروى فى الكافى فى كتاب الصلوة فى باب الرجل يصلى فى الثوب و هو غير طاهر فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): عن الرجل يصلى و فى ثوبه عذرة من انسان او سنور او كلب، أيعيد صلوته؟ فقال: ان كان لم يعلم فلا يعيد.
و فى الباب فى الصحيح عن ابى بصير عن الصادق (ع): فى رجل صلى فى ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم به، فقال عليه ان يعيد الصلوة، و عن رجل صلى و فى ثوبه جنابة او دم حتى فرغ عن صلوته ثم علم، قال: قد مضت صلوته و لا شىء عليه.
و فى الباب فى الصحيح عن ابان عن عبد الرحمن عن الصادق (ع): عن الرجل يصلى و فى ثوبه عذرة من انسان او سنور او كلب، أيعيد صلوته؟ فقال:
ان كان لم يعلم فلا يعيد.
و يعضدها خبرا العيص و ابن مسكان المرويان فى الباب، خلافا للمحكى عن المبسوط فاوجب الاعادة فى الوقت خاصة، عملا بالمروى فى التهذيب فى زيادات باب ما يجوز الصلوة فيه فى الصحيح عن وهب بن عبد ربه عن الصادق عليه السلام: عن الجنابة تصيب الثوب و لا يعلم بها صاحبه فيصلى فيه، ثم يعلم بعد ذلك، قال: يعيد اذا لم يكن علم.
و بالمروى فى الاستبصار فى باب الرجل يصلى فى ثوبه فيه نجاسة عن أبى بصير عن الصادق (ع): عن رجل صلى و فى ثوبه بول او جنابة، فقال: علم به او لم يعلم فعليه الاعادة اعادة الصلوة اذا علم.
و هما مع قصور سند الثانى، و احتمال سقوط كلمة لا فى يعيد، التفاتا الى الشرطية، مما لا يعارضان الاخبار المتقدمة من وجوه عديدة، مع شمولهما للقضاء اذا علم بها بعد خروج الوقت، و هو منفى بالاجماع كما عن الغنية و
ص: 295
السرائر و المهذب و ظاهر الذكرى، و اما ما يظهر من ظاهر المحكى عن الخلاف من وجود قول بوجوب القضاء حينئذ ايضا، فلا التفات عليه اصلا، و حملهما على مذهب المبسوط يقتضى شاهد الم يوجد، فليحملا على الاستحباب انشاء الله.
و للمحكى عن الصدوق و الشيخين و الذكرى فخصوا الحكم بالجهل الساذج او الظن مع الاجتهاد، و اوجبوا فيما عداهما الاعادة، عملا بمفهوم خبر محمد بن مسلم المتقدم فى الصلوة فى النجاسة عمدا، و بالمروى فى الكافى فى باب الرجل يصلى فى الثوب و هو غير طاهر عن منصور الصّيقل عن الصادق (ع): رجل اصابته جنابة بالليل فاغتسل، فلما اصبح نظر فاذا فى ثوبه جنابة؟ فقال: الحمد لله الذى لم يدع شيئا الا و له حد، ان كان حين قام نظر فلم ير شيئا فلا اعادة عليه و ان كان حين قام لم ينظر فعليه الاعادة.
و هما مع قصور سند الثانى، مما لا يقومان فى مقابلة ما مر من وجوه عديدة و سيما بعد الالتفات الى اعتضاده بما تقدم فى ذيل خبر زرارة المتقدم فى الناسى للنجاسة، و بما دل على النهى عن السؤال عما يشترى من اسواق المسلمين، نعم هذا القول احوط و احوط منه قول المبسوط، و احوط من الجميع الاعادة مطلقا و لو فى خارج الوقت.
(و لو علم) بالنجاسة فى الاثناء (استبدل) بثوب آخر او ازالها (و لو تعذر الا بالمبطل) كالفعل الكثير او الاستدبار (ابطل) بلا خلاف ظاهر اجده ان احتمل حدوثها فيه، و ما قاله الشيخ فى أحد قوليه فى الصلوة فى النجاسة جهلا حتى فرغ من الاعادة فى الوقت الخاصة، غير دال على قوله بذلك فى الأثناء ايضا كما توهمه التحرير، عملا باصالة الصحة، و بخبر محمد بن مسلم المتقدم فى العفو عن مقدار الدرهم من الدم، و بالمروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الزيادات فى الصحيح عن زرارة قال قلت: اصاب ثوبى دم رعاف او غيره او شىء من منى، و ساق الخبر الى ان قال قلت: ان رأيته فى ثوبى و أنا فى الصلوة، قال: تنقض الصلوة و تعيد اذا شككت فى موضع منه ثم رأيته، و ان لم
ص: 296
تشك ثم رأيته رطبا ثم قطعت الصلوة و غسلته ثم بنيت على الصلوة، لأنك لا تدرى لعله شىء اوقع عليك، فليس ينبغى ان تنقض اليقين بالشك.
و فى الاستبصار فى كتاب الصلوة فى باب الرعاف فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع): عن الرجل يأخذه الرعاف او القئ فى الصلوة، كيف يصنع قال: ينفتل فيغسل انفه و يعود فى الصلوة، و ان تكلم فليعد الصلوة.
و فى الباب فى الصحيح عن اسمعيل بن عبد الخالق قال: سألته عن الرجل يكون فى جماعة من القوم يصلى المكتوبة فيعرض له رعاف، كيف يصنع؟ قال: يخرج فان وجد ماء قبل ان يتكلم فليغسل الرعاف، ثم ليعد فليبن على صلوته.
و فى الكافى فى باب ما يقطع الصلوة فى الصحيح عن الحلبى عن الصادق عليه السلام: عن الرجل يصيبه الرعاف و هو فى الصلوة، قال: ان قدر على ماء يمينا او شمالا بين يديه و هو مستقبل القبلة فليغسله عنه ثم يصلى ما بقى من صلوته و ان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه او يتكلم فقد قطع صلوته.
و تقييد هذه الأخبار بما اذا لم يستلزم ذلك ساير المبطلات مما لا شبهة فيه اصلا.
و اما اذا علم بالقرائن سبق النجاسة على الدخول فى الصلوة، فهل هو كالسابق كما عن المشهور؟ ام يجب الاعادة مطلقا امكنه ازالتها ام لا كما اختاره بعض مشائخنا حاكيا عن الجماعة ايضا؟ وجهان ينشأن من خبر محمد بن مسلم المشار اليه اولا، و فحوى النصوص المتقدمة فى عدم اعادة الجاهل المؤيدة بالمروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الزيادات عن داود بن سرحان عن الصادق (ع): عن الرجل يصلى فأبصر فى ثوبه دما، قال: يتم.
و عن مستطرفات السرائر من كتاب المشيخة للحسن بن على بن محبوب عن ابن سنان عن الصادق (ع) قال: رأيت فى ثوبك دما و أنت تصلى و لم تكن رأيته قبل ذلك فأتم صلوتك فاذا انصرفت فاغسله، قال: و ان كنت رأيته قبل أن
ص: 297
تصلى فلم تغسله ثم رأيته بعد و انت فى صلوتك فانصرف و اغسله فاعد صلوتك.
و من خبر زرارة المتقدم ههنا، و خبر ابى بصير المتقدم فى الجاهل، و خبر محمد بن مسلم المتقدم فى العامد، و الاخير اقرب.
و الفحوى المشار اليها ممنوعة، كما يظهر من خبر ابى بصير المشار اليه، و خبر محمد بن مسلم الذى سقناه للاول، محمول بحكم خبر زرارة المشار اليه صورة عدم العلم بسبق النجاسة، و ظاهر خبر ابى بصير الذى سقناه للاول مخالف للاجماع على الظاهر، فليحمل اما على ما دون الدرهم، او على ما حملنا عليه خبر محمد بن مسلم، او على ضيق الوقت عن الازالة و الاستيناف، و بالأخير يحمل خبر ابن سنان الذى تقدم للاول اذ المنصور الذى افتى به الجماعة الاستمرار فى الصلوة حينئذ، عملا بالادلة القطعية الدالة على وجوب الصلوة فى اوقاتها المعينة، و اشتراطها بازالة النجاسة حتى فى هذه الصورة ممنوع، و اطلاق الدالة على ازالة النجاسة و الاعادة مع عدمها منصرف بحكم التبادر و الاستقراء المفهم بالعفو عن كثير من الواجبات الركنية و غيرها لأجل تحصيل العبادة فى وقتها، الى غير المفروض، و عليه فيجب الاستمرار حينئذ مطلقا من غير لزوم اعادة، اذ امتثال الامر يقتضى الإجزاء.
و مقتضى خبر ابن سنان هذا لزوم الاعادة فى صورة النسيان، و يقتضيه ايضا عموم التعليل المتقدم فى الناسى فى موثقة سماعة، و ما رواه التهذيب فى باب آداب الاحداث فى الصحيح عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن رجل ذكر و هو فى صلوته انه لم يستنج من الخلا، قال: ينصرف و يستنجى من الخلا و يعيد الصلوة، الخبر.
هذا مضافا الى دلالة الأخبار الدالة على الاعادة مع العلم بسبق النجاسة على المفروض، اما بالعموم او الفحوى.
و اما لو رأى نجاسة و شك هل كانت عليه فى الصلوة ام لا؟ فالصلوة ماضية و لا نعرف فيه خلافا كما عن المنتهى، عملا باصالة الصحة و تأخر الحادث.
ص: 298
(و لو نجس الثوب و ليس له غيره) و لم يتمكن من تطهيره (صلى عريانا) جوازا بالاجماع كما فى الروضة و عن المنتهى، و وجوبا عينيا على المشهور المنصور بل عن الخلاف عليه الاجماع و هو الحجة، مضافا الى المروى فى الكافى فى باب الصلوة فى ثوب واحد فى الموثق عن سماعة قال: سألته عن رجل يكون فى فلاة من الارض ليس عليه الا ثوب واحد و اجنب فيه و ليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال: يتيمم و يصلى عريانا قاعدا يومى ايماء.
و فى التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه عن محمد بن على الحلبى عن الصادق (ع): فى رجل اصابته جنابة و هو فى الفلاة و ليس عليه الاّ ثوب واحد فأصاب ثوبه من منى، قال: يتيمم و يطرح ثوبه و يجلس مجتمعا و يصلى و يومى ايماء.
خلافا للجماعة فيتخير بين المختار و بين الصلوة فيه، جمعا بين الخبرين و بين المروى فى النهاية فى باب ما يصلى فيه فى الصحيح عن محمد بن على الحلبى عن الصادق (ع): عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول لا يقدر على غسله، قال: يصلى فيه.
و فى الباب فى الصحيح عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن الصادق (ع) عن الرجل يجنب فى ثوب و ليس معه غيره و لا يقدر على غسله، قال: يصلى فيه ثم قال: و فى خبر آخر، قال: يصلى فيه فاذا وجد الماء غسله و اعاد الصلوة.
و فى الباب فى الصحيح عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن رجل عريان و حضرت الصلوة فأصاب ثوبا نصفه دم او كله دم، يصلى فيه او يصلى عريانا قال: ان وجد ماء غسله، و ان لم يجد ماء صلى فيه و لم يصل عريانا.
و فى كتاب الطهارة فى باب ما ينجس الثوب فى الصحيح عن محمد الحلبى عن الصادق (ع): عن رجل اجنب فى ثوبه و ليس معه ثوب غيره، فقال: يصلى فيه فاذا وجد الماء غسله، قال و فى خبر آخر: و أعاد الصلوة.
و لو لا الشهرة و الاجماع المحكى، لكان هذا القول قويا لكن معهما لا يجترئ النفس فى اقامتها فى مقابلة الخبرين السابقين، سيما بعد الالتفات الى جواز
ص: 299
حملها على الضرورة كما عن شيخ الطائفة، خصوصا بعد الالتفات الى المروى فى التهذيب فى باب ما يجوز الصلوة فيه عن محمد الحلبى عن الصادق (ع): عن الرجل يجنب فى الثوب او يصيبه بول و ليس معه ثوب غيره، قال: يصلى فيه اذا اضطر اليه.
و عليه فلا وجه للحكم بافضلية الصلوة فيه من الصلوة عريانا كما قاله الجماعة تبعا للمحكى عن الاسكافى من المتقدمين، و اما ما عن نادر من المتأخرين من وجوب العمل بهذه الصحاح، فيرده الاجماعات المحكية السابقة كالخبرين السابقين.
(فان تعذر للبرد و غيره صلى فيه) قولا واحدا، عملا بالصحاح المتقدمة، و بخبر الحلبى الأخير، مع ان الضرورات تبيح المحذورات.
و مقتضى الصحاح بعد الالتفات الى ورودها مقام الحاجة انه (لا يعيد) حينئذ وفاقا للاكثر، خلافا للمحكى عن النهاية و جماعه فاوجبوا الاعادة، التفاتا الى المروى فى الباب فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): عن رجل ليس معه الا ثوب و لا تحل الصلوة فيه، و ليس يجد ماء يغسله، كيف يصنع؟ قال:
يتيمم و يصلى فاذا أصاب ماء غسله و أعاد الصلوة، و هو الأحوط و ان كان فى تعينه(1) نظر.
حكى عن بعض المتأخرين ان لكل من البدن و الثوب بالنظر(2) الى تعذر الازالة حكما برأسه، فاذا تعددت النجاسة فيهما و اختص التعذر بأحدهما وجبت الازالة عن الآخر، أقول و هو الأحوط بل و أظهر، و لو كانت النجاسة دما و امكن التقليل بحيث تنقص عن قدر الدرهم وجب، للتمكن من الشرط و لا يجب تخفيف النجاسة عند تعذر ازالتها عملا بالاطلاق.
ص: 300
(و تطهر الشمس ما تجففه من البول و شبهه) من النجاسات التى لا جرم لها، بان تكون مائية او يكون لها جرم، لكن ازيل بغير المطهر و بقى لها رطوبة، و ليس تطهيرها مطلقا بل الكائنة (فى الأرض و البوارى و الحصر) و ما لا ينقل عادة (كالأبنية و النبات) وفاقا للمحكى عن المشهور، خلافا للمحكى عن المنتهى فخص بالبول على النهج المتقدم، و عن موضع من المبسوط ايضا التخصيص بالبول، و للمحكى عن الخلاف فيختص الحكم بالأرض و البوارى و الحصر و اختاره مختصر النافع و للمقنعة و النهاية كما عن الديلمى فيختص بالبول مع الاختصاص بالأرض و الحصر و البوارى، و لما حكاه فى التحرير عن الراوندى و صاحب الوسيلة فلا يطهر بذلك الثلثة المذكورة لكن يجوز الصلوة عليها، و استجوده(1) لكن يظهر منه الرجوع عما استجوده اولا، و تبعه بعض متأخرى المتأخرين.
و كيف كان فالأصل فى الطهارة بعد الاجماع المحكى عن الخلاف و الحلى، ما رواه التهذيب فى باب تطهير الثياب عن ابى بكر عن الباقر (ع) قال يا أبا بكر ما اشرقت عليه الشمس فقد طهر.
و عن الفقه الرضوى: ما وقعت عليه الشمس من الأماكن التى اصابها شىء من النجاسات مثل البول و غيره طهرتها، و اما الثياب فانها لا تطهر الا بالغسل.
و فى النهاية فى باب المواضع التى تجوز فيها الصلوة فى الصحيح عن زرارة عن الباقر (ع): عن البول يكون على السطح او فى المكان الذى يصلى فيه؟ فقال: اذا جففته الشمس فصلّ عليه فهو طاهر.
و حمل الطهارة فى هذه الأخبار على المعنى اللغوى دون المتشرعة بعيد من وجوه، و سند الاولين منجبر بالشهرة و غيرها، و شمول ظاهر الاول لطهارة المنقولات غير ضاير، اذ العام المخصص فيما بقى حجة، و مقتضى اطلاق الأخير
ص: 301
طهارة نحو النباتات الكائنة على وجه الارض ايضا، و عليه فهو ايضا كالرضوى من الأدلة الدالة على طهارة مطلق ما لا ينقل مع الحصر و البوارى، اذ الظاهر عدم القائل بالفرق، و الاختصاص بالبول غير ضاير بعد تعميم الاولين، و اما الاستدلال للمشهور بالمروى فى التهذيب فى زيادات باب ما يجوز الصلوة فيه فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): عن الموضع القذر يكون فى البيت او غيره فلا تصيبه الشمس و لكنه قد يبس الموضع القذر، قال: لا تصلى عليه، و اعلم موضعه حتى تغسله، و عن الشمس هل تطهر الأرض؟ قال: اذا كان الموضع قذرا من بول او غير ذلك فاصابته الشمس ثم يبس الموضع، فالصلوة على الموضع جايزة، و ان اصابته الشمس و لم ييبس الموضع القذر و كان رطبا فلا يجوز الصلوة عليه حتى ييبس، و ان كان رجلك رطبه او جبهتك رطبه او غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر، فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس فانه لا يجوز ذلك.
و روى الخبر التهذيب ايضا فى باب تطهير الثياب، لكن ذيل الخبر هكذا: فلا تصل على ذلك الموضع و ان كان غير الشمس اصابه حتى ييبس فانه لا يجوز ذلك فله وجه على كل من النسختين كما يظهر من التدبر فى السياق بعد الالتفات الى ما هو شايع عند الطائفه من اشتراط طهارة موضع الجبهه، فلا تلتفت الى القول بعدم دلالته على الطهارة، لكن نقله بعض الأجلاء بدل غير الشمس اصابه فهكذا عين الشمس اصابته، ثم نقل عن جمله من المحدثين انهم نقلوا عن بعض نسخ التهذيب بدل عين الشمس بالعين المهمله غير الشمس بالغين المعجمه، و مقتضاه ان النسخ المشهوره المهمله، و عليه فلا وجه للاستدلال، لكن فى نسختين من التهذيب عندى فى باب تطهير الثياب المعجمه.
و اما الاستدلال للمشهور بالمروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الصحيح عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن البوارى يصيبها البول، هل يصلح الصلوة عليها اذا جفّ من غير ان تغسل؟ قال: نعم لا بأس، فله وجه بعد الالتفات الى ما هو مذهب الطائفة و ما هو مشهور فى ألسنتهم، من اشتراط
ص: 302
طهارة موضع الجبهة، مع ان العام المخصص فى الباقى حجة.
و بالجملة الذى يظهر من الأخبار بعد ضم بعضها الى بعض هو ما تقدم عن المشهور، و لا يعارضها مقطوعة ابن بزيع المروية فى الباب فى الصحيح قال: سألته عن الأرض و السطح يصيبه البول او ما أشبهه، هل تطهره الشمس من غير ماء؟ قال: كيف تطهر من غير ماء، من وجوه عديدة، و الأظهر عندى سيما بملاحظة ابن بزيع الذى تعرف حاله عند الخليفة (لع) على التقية التى هى فى الاحكام الشرعية اصل كل بلية، اذ حكى فى التذكرة عن مالك و الشافعى فى الجديد و احمد و اسحق عدم التطهير بتجفيف الشمس، ثم المشهور المنصور عدم الطهارة بالجفاف بغير الشمس، بل فى التذكرة لو جفت بغير الشمس او بقى عينه لم يطهر اجماعا، و عن المنتهى لو جف بغير الشمس لم يطهر عندنا قولا واحدا خلافا للحنفية انتهى، عملا بالاستصحاب.
فما عن الخلاف: الارض اذا اصابتها نجاسة مثل البول و ما أشبهه و طلعت عليه الشمس او هبت عليه الريح، حتى زالت عين النجاسة، فانها تطهير و يجوز السجود عليها و التيمم بترابها و ان لم يطرح عليها الماء، محتجا باجماع الفرقة، مما لا يلتفت اليه، مع ان المحكى عنه بعد ذلك الموضوع فى الكتاب المذكور:
البول اذا اصاب موضعا من الارض فجففته الشمس طهر الموضع، و ان لم يطهر بغير الشمس لم يطهر.
و صحيحة على بن جعفر المروية فى النهاية فى باب المواضع التى تجوز فيها الصلوة عن الكاظم (ع): عن البيت و الدار لا يصيبهما الشمس و يصيبهما البول و يغتسل فيهما من الجنابة، ايصلى فيهما اذا جفّ؟ قال: نعم غير دالة بظاهرها على ذلك فلتطرح او تحمل بما لا ينافى مذهب الطائفة.
و مقتضى العموم طهارة الشمس للثمرة على الشجرة، و عن ظاهر نهاية الأحكام اخراجها، و لا وجه له، و منهم(1) من قال الحاقها بالمنقول اذا حان
ص: 303
او ان القطع اولى، و هو وجيه ان اراد الاحتياط، و ان اراد الفتوى ففيه انه لا وجه للخروج عن العموم من غير دليل، نعم لو انتقل غير المنقول الى حالة اخرى كان هدم الجدار الذى فيه احجار نجسة، لم تكن الشمس مطهرة له للاستصحاب.
كما انها مطهرة للجدار و السطح المتطين بالطين النجس للعموم، و عليه فما عن احمد بن فهد فى الموجز انه نقل عن فخر المحققين انه كان يرى عموم الحكم فى النباتات و ان انفصلت كالخشب و الالات المتخذة فى النباتات، ففيه انه لا وجه للخروج عن استصحاب النجاسة المعتضدة بعملهم من غير ظهور مخالف، عدا الفخر من غير دليل، و عموم خبرى ابى بكر المتقدم غير مغن فى نحو المقام عن الجوع، و اما لو كان مراد الفخر: ما اذا اتخذت ابوابا او نحوها، فله وجه اذا كانت مثبتة اذ هى حينئذ غير منقولة، ثم المفهوم من ظاهر النص و الفتوى عدم حصول التطهير لو اشرقت بعد الجفاف، عملا بالأصل من غير ظهور معارض يعتد به، نعم لو تضح بالماء فاشرقت عليه الشمس و جففته، فالظاهر حصول التطهير، عملا بالعموم.
و مقتضاه طهارة الباطن ايضا بالاشراق على الظاهر مع جفاف الجميع، و اما المتعدد الملاصق فيختص التطهير فيه بما اشرقت عليه دون الملاصق المجاور اقتصارا فيما خالف الأصل(1) على القدر المتيقن.
و كذا الكلام لو كانت نجاسة الباطن منفصلة عن نجاسة الظاهر و مقتضى الأصل الاقتصار فى التطهير على اشراق عين الشمس، فلا يكفى التجفيف بمجرد الحرارة.
و مقتضى العموم عدم الفرق فى الحصر و البوارى بين المنقول و غيره و لم أجد فارقا منهم ايضا، كما ان مقتضاه حصول التطهير باستناد الجفاف اليها و ان لم
ص: 304
تكن مستقلة فيه، كأن شاركها الريح و الهواء.
و لو شك فى استناد الجفاف اليها او الى غيرهما، فمقتضى القاعدة هو الحكم بنجاسة المحل و بطهارة الملاقى، جمعا بين الاصلين من غير حصول منافات يعتد بها، نعم لو ثبت ان كل متنجس نجس حتى النجاسة الثابتة بالاستصحاب لكان القول بنجاسة الملاقى ايضا مما لم يكن مهرب عنه، بناء على المشهور من تقديم الاستصحاب الموضوعى على الحكمى، لكن ذلك بعد غير ثابت، و شمول ما تقدم عن التحرير فى الموضع الثانى الواقع فى شرح قول المصنف: و لا ينجس لو كانا يابسين، لهذه المتنجسات الاستصحابية محل كلام، بل القدر الذى تطمئن النفس منه هو ما لو علم بكونه متنجسا.
(و) تطهر (النار ما احالته) رمادا او دخانا اجماعا فيهما كما فى جامع المقاصد، و عن السرائر، و حكى عن المنتهى و التذكرة الاجماع فى دخان الأعيان النجسة، و عن صريح الخلاف و ظاهر الاجماع فى رمادها، و هذه الاجماعات هى الحجة، مضافا الى تبعية الأحكام للاسماء الزائلة بالاستحالة، و حيث ان بقاء الموضوع شرط فى الاستصحاب و قد ذهب، فليحكم فى المقام باصالة الطهارة من غير ظهور معارض.
و الى المروى فى زيادات باب كيفية الصلوة فى الصحيح عن الحسن بن محبوب عن ابى الحسن (ع): عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى و يجصص به المسجد، ايسجد عليه؟ فكتب الى بخطه: ان الماء و النار قد طهراه.
و عن قرب الاسناد عن على بن جعفر عن أخيه (ع)، قال: سألته عن الجص يطبخ بالعذرة ايصلح به المسجد؟ قال: لا بأس.
و التقريب ان الجص المسؤل عنه قد أصابه الدخان النجس و مختلط برماده البتة، فلو لم يكونا طاهرين لما كان لاصلاح المسجد بالجص الكذائى وجه، اذ لا يجوز ادخال هذه المريه الى المسجد بالاجماع، خلافا للمحكى
ص: 305
عن المبسوط فحكم بنجاسة الدخان النجس لوجه اعتبارى لا يعتد به، كما لا يعتد الى تردد الشرايع حيث قال فى كتاب الأطعمة: و دواخن الاعيان النجسة عندنا طاهرة، و كذا ما احالته النار فصيرته رمادا او دخانا على تردد، انتهى.
و هل يلحق بالرماد الفحم ام لا؟ قولان اقربهما الأخير عملا بالاستصحاب و مجرد زوال الصورة و الاسم غير كاف كما سيظهر، و شمول قول التذكرة نجس العين لا يطهر بحال الا الخمر يتخلل و النطفة و العلقة و الدم فى البيضة اذا صارت حيوانا اجماعا، و دخان الاعيان النجسة عندنا، و ما احالته النار عندنا انتهى، لنحو المقام محل اشكال، و منهم(1) من توقف فى الحكم اذا كان استحالته عن عين النجاسة
و اما اذا كان الاستحالة عن متنجس كالحطب النجس، فنفى البعد عن طهارته، و لا اجد له وجها يعتد به، نعم لا بأس فى الحكم بطهارة الملاقى على التقديرين، و اما اذا طبخ الطين بالنجس بالنار حتى صار خزفا او اجرا فذهب الجماعة الى الطهارة و منهم المحكى عن الخلاف مدعيا عليها الاجماع، و هو الحجة المعتضدة باصالة الطهارة، خلافا للمحكى عن الجماعة فالنجاسة للاستصحاب، و فيه انه مخصص بما مرّ، و لو لا الاجماع المحكى لكان القول بالنجاسة وجيها لما مر، و مجرد زوال الاسم غير كاف فى رفع الحكم الا فيما اذا كان الحكم معلقا على الاسم، كالكلب اذا صار ملحا فانه حينئذ ليس بكلب قطعا، و كان دليل النجاسة مقتضيا لنجاسة الكلب و ليس المقام كالكلب، فان الدليل لم يقتض بنجاسة ما يسمى ترابا، و عليه فمجرد خروج الشىء عن حالة الى اخرى لا يستلزم تبديل الحقيقة المعتبر فى الاستحالة المتطهرة، و الحقيقة الاولة و الأجزاء الارضية المحكومة بالنجاسة فى المقام باقية بحالها، فوزانها وزان الماء النجس اذا صار جامدا، و العجين اذا صار خبزا، و الرطب اذا صار يابسا، و
ص: 306
اللبن اذا صار اقطا.
ثم المشهور المنصور عدم طهارة العجين بماء نجس اذا صار خبزا، عملا بالاستصحاب المعتضد بالمروى فى التهذيب فى باب الذبايح عن زكريا بن آدم عن ابى الحسن (ع): عن خمر او نبيذ قطر فى عجين او دم؟ فقال: فسد، قلت: أبيعه من اليهود و النصارى و ابين لهم؟ قال: بين لهم فانهم يستحلون شربه الخبر.
و فى زيادات باب المياه فى الصحيح عن ابن ابى عمير عن بعض اصحابنا، و ما احسبه الا حفص بن البخترى، عن الصادق (ع): فى العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: يباع ممن يستحل اكل الميتة.
و فى الباب فى الصحيح عن ابن ابى عمير عن بعض اصحابه عن الصادق عليه السلام، قال: يدفن و لا يباع، خلافا للمحكى عن النهاية فى باب المياه، و الاستبصار فالطهارة، و للمروى فى الباب فى الصحيح عن ابن ابى عمير عمن رواه عن الصادق (ع): فى عجين عجن و خبز ثم علم ان الماء كانت فيه ميتة؟ قال: لا بأس اكلت النار ما فيه، و فيه انه لا يقوم لمعارضة ما تقدم من وجوه عديدة.
و اما خبر عبد الله بن زبير المروى فى الباب عن الصادق عليه السلام: عن البئر يقع فيها الفارة او غيرها من الدواب فيموت فيعجن من مائها، أيؤكل ذلك الخبز؟ قال: اذا أصابه النار فلا بأس بأكله، فغير وجيه، على المختار من كون البئر كالجارى، و كذا على القول الآخر لعدم التكافؤ المعتبر فى التعارض، مع ان فتوى الشيخ فى الاستبصار كما تعلمه من كون مقصده الكلى مجرد الجمع، و فى النهاية فى باب الاطعمة: و اذا نجس الماء بحصول شىء من النجاسات فيه ثم عجن به و خبز لم يجز اكل ذلك الخبز، و قد رويت رخصة جواز اكله، و ذلك فان النار قد طهرته، و الاحوط ما قدمناه، انتهى.
و بالجملة لا شبهة فى المختار بحمد الله، و قد ذكر البعض(1) لطريق
ص: 307
تطهير بان رقق و وضع فى الماء الكثير بحيث علم بوصول الماء الى جميع اجزائه لكن قال بعض المحققين بعدم امكان حصول العلم بذلك الا بصيرورة العجين مايعا كماء الاقط، و عليه فيحتمل ان يكون الماء الداخل فيه مضافا، فتأمل.
و ينبغى التنبيه على امور:
الاول: استحالة النطفة حيوانا طاهرا، و الماء النجس بولا لحيوان ماكول اللحم و عرقا و لعابا و نحوه او جزء من البقول و الخضرويات و الحبوب و الاشجار و الثمار و نحوها، و الغذاء النجس لبنا او رمادا لماكول اللحم او جزء له، و الدم النجس قيحا او صديدا او دم ما لا نفس له مثل البق و البرغوث و القمل.
قد ادعى بعض المحققين الاجماع على الطهارة، و كذا ادعى فى التذكرة الاجماع على طهارة الخمر اذا صار خلا، و ادعاه بعض المحققين ايضا، ملحقا به فى دعواه الاجماع العصير و الفقاع، لكن قال هذا اذا كان انقلابهما الى الخل بانفسها، و اما اذا كان بالعلاج فمحل خلاف بينهم، من جهة ان ما تصب فيه حال النجاسة ينجس و لا مطهر له، لان الانقلاب يطهر الخمر لا اى شىء كان، لكن الوارد فى الاخبار المعتبرة طهارة الكل، و طهارة ما يصب فيه من العلاج ايضا و هو الأقوى.
أقول و هو الاوجه عندى ايضا، لجملة من الاخبار المروية فى الاستبصار فى باب الخمر يصير خلا، لكن لا بدّ فى اخراجه من الأناء بأن يكون على وجه لا يلاقى اطراف الأناء التى لاقتها حين كونه خمرا.
و الظاهر وقوع الاجماع على طهارة الأعيان النجسة اذا استحالت دودا، و اما اذا استحالت ترابا فعن المشهور الطهارة، و عن موضع من المبسوط النجاسة و الاول اوجه اذا كانت(1) من المتنجسات فيمكن الثانى.
اما الوجه فى الاول فلعدم بقاء الاسم مع ان احكام الشرع جارية على
ص: 308
المسميات بواسطة الاسماء، و المتبادر من الدال على عدم نقض اليقين الاّ بيقين آخر، غير محل الفرض.
و اما فى الثانى فلأن الوجه فى نجاسته انما كان من حيث انه جسم لاقى نجاسة و ذلك باق حينئذ، و تبدل الصفات غير رافع له، فأخبار الاستصحاب تشمل له بل تشمل فيما اذا شك بذهاب الموضع، اللهم الا ان يحكم بالنجاسة فى الثانى ايضا، التفاتا الى الفحوى فتأمل، لكن الحكم بطهارة محلها انما هو اذا استحالت حالكونها يابسة، و اما اذا لاقته فى حالة الرطوبة ثم استحالت ترابا، فمقتضى الأصل بقاء المحل على النجاسة.
و بما قرّرناه هنا ظهر طهارة الكلب و نحوه اذا وقع فى المملحة و صار ملحا وفاقا للمحكى عن المشهور، خلافا للمعتبر و المصنف فى بعض كتبه فباق على النجاسة، عملا بالاستصحاب، و تغيير الاوصاف لا يزيل الاجزاء المحكومة بالنجاسة، ففيه ما عرفته عن قريب، لكن الأظهر اشتراط الكرية فى الماء الذى وقع فيه الكلب حتى صار ملحا، اقتصارا فيما خالف الأصل على القدر المتيقن، و لم يظهر من الدليل مطهرية الاستحالة مطلقا، بل القدر الثابت انما هو على وجه خاص، و هو ما أشرنا اليه.
و اما حكمنا بطهارة اناء الخمر المنقلب خلا، فانما هو لما يظهر من نصوصه و من هنا نقول انه لو تنجس الخمر بنجاسة عرضية كما اذا لاقته بنجاسة او عصره مشرك، لم يطهر بالانقلاب، كما صرح به فى التذكرة، عملا بالمتيقن فيما خالف الأصل،(1) و ذلك واضح بالتدبر فى ان الموضوع حينئذ جسم لاقى بنجاسة، و هو باق بالانقلاب، و المتبدل انما هو الخمرية.
الثانى: حكى عن المنتهى بان البخار المتصاعد من الماء النجس اذا اجتمع منه نداوة على جسم صيقلى و تقاطر، فهو نجس الا ان يعلم بكونه من
ص: 309
الهواء كالقطرات الموجودة على طرف اناء فى اسفله جمد نجس فانها طاهرة انتهى.
أقول الأظهر انه يكفى فى الحكم بالطهارة، احتمال كونه من الهواء و لو بعيدا، عملا بالأصل.
الثالث: من المطهرات النقيصة، و هو ذهاب ثلثى العصير على القول بالنجاسة بعد الغليان، و فى الذخيرة المعروف بينهم انه يطهر بطهارة العصير ايدى مزاوليه و ثيابهم و آلات الطبخ حتى لو اصاب العصير شيئا فى حال الحكم بنجاسته، ثم جفت الرطوبة الحاصلة منه بحيث علم ذهاب ثلثى ما أصاب، حكم بالطهارة.
أقول و حيث عرفت ارجحية القول بالطهارة فالخطب فى الكل سهل.
و من المطهرات الاستهلاك مثل وقوع قطرات من البول مثلا فى الكثير او الجارى، و النزح فى البئر مطلقا على القول المزيف او فى صورة التغيير، و الاسلام المرادف للايمان اجماعا و كذا فى غير المرادف على المشهور المنصور، و تبعية الاسلام على تفصيل مضى، و الاستجمار على تفصيل مضى، و غسل الميت للميت، و الخلط فى غير المحصور و يطهر (الارض باطن النعل و القدم) و الخف بلا خلاف يعرف فى اصل الحكم فى الجملة، عملا بالعمومات الدالة على مطهرية الارض، و بالمروى فى التهذيب فى باب آداب الاحداث فى الصحيح عن زرارة عن الباقر (ع): جرت السنة فى اثر الغايط بثلثة احجار ان يمسح العجان و لا يغسله، و يجوز ان يمسح رجليه و لا يغسلهما.
و فى باب تطهير الثياب فى الصحيح عن زرارة عن الباقر (ع): رجل وطئ على عذرة فساخت رجله فيها، اينقض ذلك وضوءه؟ و هل يجب عليه غسلها؟ فقال: لا يغسلها الا ان يقذرها، و لكن يمسحها حتى يذهب اثرها و يصلى.
و فى الباب عن حفص بن ابى عيسى عن الصادق (ع): انى وطئت عذرة بخفى و مسحته حتى لم ار فيه شيئا، ما تقول فى الصلوة فيه؟ فقال: لا بأس.
ص: 310
و فى الكافى فى باب الرجل يطأ على العذرة فى الصحيح عن الاحول عن الصادق (ع): فى الرجل يطأ على الموضع الذى ليس بنظيف، ثم يطأ بعده مكانا نظيفا، قال: لا بأس اذا كان خمسة عشر ذراعا او نحو ذلك.
و فى الباب فى الصحيح على الاظهر عن الحلبى: نزلنا فى مكان بيننا و بين المسجد زقاق قذر، فدخلت على ابى عبد الله (ع) فقال: اين نزلتم؟ فقلت: نزلنا فى دار فلان، فقال: ان بينكم و بين المسجد زقاقا قذرا، او قلنا له ان بيننا و بين المسجد زقاقا قذرا، فقال: لا بأس الارض تطهر بعضها بعضا قلت: و السرقين الرطب أطأ عليه، فقال: لا يضرك مثله.
و فى الباب فى الصحيح عن معلى بن خنيس عن الصادق (ع): عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء امر عليه حافيا؟ فقال:
أليس وراءه شىء جاف؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس، ان الارض يطهر بعضها بعضا.
و عن مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب نوادر احمد بن محمد بن ابى نصر عن المفضل بن عمر عن محمد بن على الحلبى عن الصادق (ع)، قال: قلت له:
ان طريقى الى المسجد فى زقاق يبال فيه، فربما مررت فيه و ليس على حذاء فيلصق برجلى من نداوته، فقال: اليس يمشى بعد ذلك فى الارض يابسة؟ فقلت: بلى، فقال: لا بأس ان الارض يطهر بعضها بعضا.
و عن النبى (ص): اذا وطئ أحدكم الاذى بخفيه فطهورهما التراب.
و عنه ايضا: اذا وطئ احدكم بنعليه الاذى فطهورهما التراب.
و هذه الاخبار كلها دالة على مطهرية الارض، لكنهم اختلفوا فيما يطهر بها، ففى المتن اقتصر على النعل و القدم، و فى مختصر النافع ابدل النعل بالخف، و المقنعة و سلار اقتصرا على النعل و الخف، و المحكى عن الاكثر ذكر الثلثة، بل فى جامع المقاصد قوله: و الأرض باطن النعل و اسفل القدم و كذا أسفل الخف و ما يتنعل عادة كالقبقاب للنص و الاجماع، بل عمم بعض
ص: 311
مشائخنا فى كل ما يجعل للرجل وقاء كما عن الاسكافى و غيره، و لعله الأظهر التفاتا الى التعليل المتقدم بان الارض يطهر بعضها بعضا، بعد انضمامه الى السياق، ثم ان مقتضى خبر الاحول اعتبار نحو خمسة عشر ذراعا فى المشى كما عن الاسكافى، خلافا للاكثر فلا، لاطلاق النصوص، و هو الاقرب، و مقتضاها كفاية المسح و لو من غير مشى و بذلك افتى الجماعة و منهم المحكى عن الاسكافى، لكن مقتضى اطلاق كلامه هو كفاية المسح و لو بغير الارض و هو الذى يقتضيه اطلاق بعض الاخبار السابقة، لكن الحمل على المسح بالارض بحكم التبادر مما لا مهرب عنه، بل لم اجد من الاصحاب مصرحا على كفاية المسح بغيرها، بل المعروف منهم هو مطهرية الارض لا الخشب و نحوه مما يصح لان يمسح القدم و نحوه به.
و فى اشتراط طهارة الارض قولان اجودهما العدم، للاطلاق، و خبر الأحول غير صالح للتقييد، و مقتضى اطلاق اكثر النصوص و الفتاوى و صريح الجماعة عدم اشتراط اليبوسة فى الارض التى يمشى عليها، خلافا للمحكى عن الاسكافى و الجماعة فيشترط، و لهم خبر المعلى و الحلبى المروى عن السرائر، و هو الأحوط و ان كان فى تعينه نظر، لمكان القصور مع عدم الجابر.
و لا فرق فى النجاسة بين اقسامها، فيحكم بطهارة الوقاء بزوالها بالمشى او المسح، و لو لم يكن لها عين كفى مسمى المشى و المسح، و يدخل على المختار فيما يطهر بها خشبة الا قطع، و هل يدخل فيه اسفل العكاز كما عن ابن فهد فى الموجز، ام لا كما اختاره آخر؟ وجهان ينشأن من الاصل(1) و عموم التعليل المشار اليه. و الاحوط فى المنع سيما بعد ملاحظة عدم تعرض الاكثر له اصلا، و كذا الأحوط فى كعب الرمح و نحوه المنع.
ص: 312
(يحرم استعمال اوانى الذهب و الفضة فى الاكل و غيره) اجماعا فى الاكل و الشرب، كما فى التحرير و التذكرة و المنتهى و الذكرى و كذا فى غيرهما كما يظهر من الثلثة الاول، و الاخبار بالنسبة الى الاكل و الشرب مستفيضة مروية فى النهاية و الكافى فى باب الاكل و الشرب فى آنية الذهب و الفضة.
و فى الكافى ايضا فى باب الاوانى.
و فى التهذيب فى باب الذبايح.
و يمكن الاستدلال لتحريم مطلق الاستعمال بالمروى فى الكافى فى باب الاكل و الشرب فى آنية الذهب عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع): انه نهى عن آنية الذهب و الفضة.
و فى الباب فى الصحيح عن ابن بزيع عن الرضا (ع): عن آنية الذهب و الفضة فكرهها، فقلت: قد روى بعض اصحابنا انه كان لابى الحسن الرضا (ع) مرآة ملبسه فضة، فقال: لا و الحمد لله انما كانت لها حلقة من فضة و هى عندى.
و فى الباب عن موسى بن بكر عن الكاظم (ع): آنية الذهب و الفضة متاع الذى لا يوقنون، بعد الالتفات الى خبر قصورها بما مر.
و لا يعارضها المروى عن البرقى فى المحاسن عن على بن جعفر عن الكاظم عليه السلام: عن المرآة هل يصلح امساكها؟ اذا كان حلقة فضة، قال: نعم، انما يكره ما يشرب منه، من وجوه عديدة.
و هل يحرم نفس اتخاذها كما عن المشهور؟ ام لا كما اختاره الجماعة؟ وجهان ينشأن من الأصل فالثانى، و من الاخبار المشار اليها عن قريب بعد الالتفات الى خبر القصور بالشهرة فالاول، و لعله الأظهر مع كونه احوط.
و فى التذكرة لو استأجر صايغا ليعمل له اناء، فان قلنا بتحريم الاتخاذ مطلقا لم يستحق اجرة لبطلان العقد كما لو استأجره لعمل صنم، و الا استحق، قال: و لو كان له اناء فكسره آخر ضمن النقصان ان سوغنا الاتخاذ و الا فلا.
ص: 313
الاول: هل يدخل فى التحريم المكحلة و ظرف الغالية؟ قولان اجودهما العدم، عملا بالأصل مع اختصاص النصوص بحكم التبادر الى الظروف المتعارفة و عليه فلا منع فى الات النارجيل و السرج و اللجام و السيف و السلسلة و القناديل المعلقة على الضرايح المقدسة، و فى نحو المشط و اتخاذ الانف و ربط الأسنان و الميل و نحوها، مع عدم دخول جملة منها لو لم نقل كلها فى مفهوم الأناء.
سيما بعد الالتفات الى المروى فى الكافى فى باب الحائض و النفساء تقرأن فى الصحيح عن منصور بن حازم عن الصادق (ع): عن التعويذ يعلق على الحائض؟ فقال: نعم، اذا كان فى جلد او فضه، او قصبه حديد، و الى جملة من الأخبار المروية فيه فى كتاب الزى فى باب الحلى، و منها صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): ليس بتحلية السيف بأس بالذهب و الفضة، و خبر ابن القداح عن الصادق (ع): ان النبى (ص) تختم فى يساره بخاتم من ذهب، ثم خرج على الناس فطفق الناس ينظرون اليه، فوضع يده اليمنى على خنصره اليسرى حتى رجع الى البيت فرمى به فما لبسه.
نعم روى فى الباب عن الفضيل بن يسار عن الصادق (ع): عن السرير فيه الذهب ايصلح امساكه فى البيت؟ فقال: ان كان ذهبا فلا و ان كان ماء الذهب فلا بأس.
و فى كتاب الدواجن فى باب الات الدواب فى الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه ابى الحسن (ع): عن السرج و اللجام فيه الفضة أيركب به؟ فقال:
ان كان مموها لا يقدر على نزعه فلا بأس، و الا فلا يركب به.
و فيه مع قصور سند الاول، ان القائل بمضمونهما مما لا أعرفه اصلا، فليحملا على الكراهة البتة.
الثانى: المفهوم من الأخبار حرمة الاكل و الشرب فى اوانى الذهب و الفضة، و ذلك غير دال على حرمة المأكول و المشروب بأحد من الثلث، خلافا للمحكى عن المفيد فقال بتحريمه، و لا وجه له يعتد به.
ص: 314
الثالث: لو تطهر منها لم يبطل وضوءه و لا غسله، وفاقا للمشهور، اذ انتزاع الماء ليس جزاء للطهارة، و اما ما فى المنتهى لو قيل ان الطهارة لا تتم الا بانتزاع الماء المنهى عنه فيستحيل الامر بها لاشتمالها على المفسدة كان وجها انتهى، فوجيه مع الانحصار، و اما اذا كان هناك ماء آخر يمكن له استعماله من غير لزوم اثم فلا، لثبوت الامر فلا فساد.
الرابع: لا فرق فى التحريم بين الرجال و النساء اجماعا، كما فى التذكرة.
الخامس: يجوز استعمال الأوانى من غير هذين من ساير الجواهرات من غير خلاف يعرف، عملا بالأصل.
(و يكره المفضض) على الاشهر الاظهر بل قيل عليه عامة من تأخر، للأصل، و للمروى فى التهذيب فى باب الذبايح فى الصحيح عن معوية بن وهب عن الصادق (ع): عن الشرب فى القدح فيه ضبة(1) من فضة؟ فقال: لا بأس الاّ أن يكره الفضة فينزعها.
و فى الباب فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): لا بأس بأن يشرب الرجل فى القدح المفضض و اعزل فمك عن موضع الفضة، خلافا للخلاف فالحرمة للمروى فى الكافى فى باب الاكل و الشرب فى آنية الذهب فى الصحيح عن الحلبى عن الصادق (ع): لا تأكل فى آنية من فضة و لا فى آنية مفضضة.
و فى الباب فى الموثق عن ثعلبة عن بريد عن الصادق (ع): انه كره الشرب فى الفضة و القدح المفضض و كذلك ان يدهن فى مدهن مفضض و المشط كذلك، و فيه انهما لا يقومان فى مقابلة ما مر من وجوه عديدة، فليحملا على الكراهة بناء على ان يراد بالنهى المعنى المجازى العام، او يقال بان واو العطف يقتضى عود العامل فالمراد من العامل المعادة الكراهة جمعا بين الأدلة.
ص: 315
(و) هل (يجتنب) عن (موضع الفضة) وجوبا كما اختاره الاكثر؟ ام يستحب كما اختاره التحرير و تبعه بعض متأخرى المتأخرين؟ وجهان اظهرهما الاول، عملا بظاهر الأمر، و يجوز ايضا استعمال الانية المصببة بالفضة عملا بالأصل، نعم فى المنتهى حكم بالكراهة قائلا بأنه لا ينزل عن درجة الفضة، و فيه نوع مناقشة، و كذا يجوز المضببة بالذهب، و عن العامة انهم حرموه.
لو اتخذ أناء من ذهب او فضة و موهها بنحاس او رصاص حرم كما فى التذكرة، للاطلاق، و لو عكس جاز كما فى التذكرة للأصل.
(و اوانى المشركين) و كذا ساير ما يستعملونه، عدا الجلود و اللحوم الغير المعلوم تزكيتها (طاهرة ما لم يعلم مباشرتهم لها برطوبة) بلا خلاف يعرف الاّ ما عن الخلاف من اطلاقه النهى عن استعمالها، مدعيا عليه الاجماع، قيل و مخالفته غير معلومة، لاحتمال ارادته من الاطلاق صورة العلم بالمباشرة، كما يستفاد من مساق ادلته المحكية، و لعله لذا لم ينقلوا عنه الخلاف فى المسئلة.
أقول و لو ثبت المخالفة ايضا لكانت فى نحو المقام مما لا يصغى اليها، لمكان الشذوذ، و لجملة من الأخبار المتقدمة فى الأناءين المشتبهين، و منها صحيحة عبد الله بن سنان فاستمع الى تعليلها، و المعمم عدم القائل بالفرق على ما ادعاه البعض، و عليه فالمروى فى الكافى فى باب طعام أهل الذمة فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع): عن آنية اهل الذمة و المجوس؟ فقال: لا تأكلوا فى آنيتهم و لا من طعامهم الذى يطبخون و لا فى آنيتهم الذى يشربون فيها الخمر، مما لا يصلح للمعارضة من وجوه عديدة فليحمل النهى اما على صورة العلم بالملاقاة برطوبة، او على الكراهة.
كما ان المروى فى التهذيب فى زيادات باب ما يجوز الصلوة فيه من اللباس فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): عن الذى يعير ثوبه لمن يعلم انه ياكل الجرى و يشرب الخمر فيرده، أيصلى فيه قبل أن يغسله؟
ص: 316
قال: لا يصلى فيه حتى يغسله، محمول على الاستحباب جمعا بين الاخبار.
(و جلد المذكى طاهر) أقول لا اشكال فى عدم وقوع التذكية على الانسان و الكلب و الخنزير، و فى الذخيرة و غيرها من عبائر الجماعة عليه الاجماع، و على وقوعها فى ما يؤكل لحمه، و اما السباع فالمشهور المنصور وقوعها عليه، بل فى التذكرة: اذا ذكى ما لا يحل اكله جاز استعمال جلده بعد الدبغ فى غير الصلوة عند علمائنا اجمع، و هل يجوز قبله؟ قال الشيخ و المرتضى، لا يجوز انتهى.
و عن الشهيد: لا نعرف فيه خلافا، و عليه يدل المروى فى التهذيب فى باب الذبايح فى الموثق عن سماعة: قال: سألته عن لحوم السباع و جلودها؟ فقال: اما لحوم السباع من الطير و الدواب فانا نكرهه و اما الجلود فاركبوا عليها، و لا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه.
و فى الباب فى الموثق عن سماعة قال: سألته عن جلود السباع ينتفع بها؟ فقال: اذا رميت و سميت فانتفع بجلده، و اما الميتة فلا.
و عن المحاسن عن ابن اسباط عن على بن جعفر عن أخيه (ع): عن ركوب جلود السباع؟ فقال: لا بأس ما لم يسجد عليها(1).
و عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال: سئل الصادق (ع) عن جلود السباع، فقال: اركبوا و لا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه.
و عليه فما عن الشارح الفاضل و بعض المتأخرين، من الاستشكال فى الحكم، مما لا وجه له، و مقتضى الاخبار المذكورة جواز الاستعمال قبل الدبغ ايضا، فما تقدم عن التذكرة عن الشيخ و المرتضى من المنع مما لا وجه له، نعم عن مولانا الرضا (ع) فى كتاب الفقه: ان كان الصوف و الوبر و الشعر و الريش من الميتة و غير الميتة بعد ان يكون مما احل الله تعالى اكله فلا بأس به، و كذلك الجلد فان دباغه طهارته، الى ان قال: و ذكاة الحيوان ذبحه و ذكاة الجلود
ص: 317
الميتة الدباغة، لكنه لعدم وضوح السند مما لا يصح الاستناد اليه سيما فى نحو المقام، مع ان المنع المحكى عنهما حكى تارة للنجاسة و اخرى تعبدا، و لا دلالة فيه على الثانى، و سيجئ فى كتاب الصلوة زيادة تحقيق فانتظر.
(و غيره) اى المذكى (نجس) سواء دبغ ام لا وفاقا للمعظم، بل فى التذكرة كما عن المنتهى و المختلف و الذكرى الاجماع، للمستفيضة و منها خبر الفتح، و صحيح على بن ابى المغيرة المرويان فى الكافى فى آخر باب ما ينتفع به من الميتة، و فى الاول: لا ينتفع من الميتة باهاب و لا عصب، و فى الثانى: عن الميتة ينتفع منها بشىء؟ فقال: لا، خلاف للمحكى عن الاسكافى فالدباغ مطهر لجلد الميتة مما هو طاهر فى الحيوة و لكن لا يجوز الصلوة فيه، و له المروى فى الاستبصار فى باب تحريم جلود الميتة عن الحسين(1) بن زرارة عن الصادق (ع):
فى جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن او الماء فاشرب منه و اتوضأ؟ قال:
نعم يدبغ و ينتفع به و لا يصلى فيه، و الرضوى المتقدم، و عدم مقاومتهما لما مر واضح فليحملا على التقية، كما قاله فى الاستبصار قال بعد الحمل لأن جلد الميتة لا يطهر عندنا بالدباغ، و ظاهره ايضا دعوى الاجماع كالكتب المتقدمة، و صريح الانتصار حيث قال: و مما كانت الامامية منفردة ان جلود الميتة من جلود الحيوان لا يطهر بالدباغ، الى ان قال: دليلنا بعد الاجماع قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ)، الى آخر، ما قاله.
و للمحكى عن الصدوق فى طاهر العين فيجوز الانتفاع به فيما عدا مشروط بالطهارة، للمرسل الذى رواه فى النهاية فى باب المياه عن الصادق (ع): عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن و الماء و السمن، ما ترى فيه؟ فقال: لا بأس بأن تجعل فيه ما شئت من ماء او لبن او سمن و تتوضأ منه و تشرب و لكن لا تصل فيها، ما ترى.
ص: 318
ثم ان مقتضى جملة من الأخبار و منها خبرا الفتح و على السابقان، عدم جواز الانتفاع بالميتة مطلقا، و هو المحكى عن المشهور من غير خلاف يعرف الاّ ما عن الشيخ فى النهاية و جماعة ممن تبعه، فجوزوا الاستسقاء بجلودها لغير الوضوء و الصلوة و الشرب و ان كانت نجسة.
و عن المقنع تجويز الاستسقاء بجلد الخنزير و هو الظاهر من التهذيب ايضا، حيث قال فى زيادات باب المياه، بعد ان روى عن زرارة: عن الصلوة عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء، قال: لا بأس، الوجه فى هذا الخبر انه لا بأس بان يستقى به، غير انه لا يجوز استعمال ذلك الماء فى الوضوء و لا الشرب، بل يستعمل فى غير ذلك من سقى الدواب و البهايم و ما أشبه ذلك، انتهى.
لكن لا يخفى ان الترجيح للمشهور، و هذا الخبر غير صالح لمعارضته من وجوه عديدة، و مقتضى العموم عدم الانتفاع بجلود الميتة فى اليابس ايضا، كما افتى بذلك الجماعة.
حكى عن الاسكافى انه اشترط فى حصول الطهارة بالدباغ ان يكون ما يدبغ به طاهرا، و لعل الوجه فيه عدم وقوع التطهير بالنجس، حيث انه جعل الدبغ مطهرا و لكن فيه مناقشة.
و اما المروى فى الكافى فى باب اللباس الذى تكره الصلوة عن ابى يزيد عن الرضا (ع): عن جلود الدارش التى يتخذ منها الخفاف؟ فقال: لا تصل فيها فانها تدبغ بخرؤ الكلاب، فغير صالح لاتمام ذلك، هذا لو قلنا بمقالة الاسكافى، و اما على المختار من حصول التطهير بالتذكية فالامر اوضح، فما عن البعض(1) من عدم جواز الدباغ بالنجس، غير واضح المأخذ.
ص: 319
(و يغسل الأناء من الخمر و غيره من النجاسات حتى يزول العين) أقول شرح الكلام يقتضى بيان امور:
الاول: هل يغسل الإناء من الخمر سبع مرات، او ثلث مرات مزيلة للعين او مرة بعد ازالة العين، او مرتين؟ أقوال ليس لها دليل الا الثلثة الأول، فان للأول المروى فى التهذيب فى باب الذبايح فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): فى الإناء يشرب فيه النبيذ؟ قال: يغسله سبع مرّات و كذلك الكلب، و للثانى المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): عن الدّن يكون فيه الخمر، هل يصلح ان يكون فيه الخل و ماء كامخ او زيتون؟ قال: اذا غسل فلا بأس، و عن الابرق يكون فيه خمر، أيصلح ان يكون فيه ماء؟ قال: اذا غسل فلا بأس، و قال فى قدح او إناء يشرب فيه الخمر قال: يغسله ثلث مرات، سئل يجزيه ان يصب فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتى يدلكه بيده و يغسله ثلث مرات، و للثالث الاطلاق، و لعل الأرجح الثالث، و لم يثبت للأول شهرة يعتد بها بحيث ترجحه على غيره بترجيح تطمئن النفس اليه، مع ان الخبر تضمن للكلب بالسبع و ستعرف حكمه و للنبيذ و عن بعض ارباب هذا القول الاقتصار على الخمر، و عن الشيخين فى المقنعة و النهاية و المبسوط جعل حكم ساير المسكرات كالخمر فى ذلك، و كيف كان الأحوط السبع فى مطلق المسكرات و ان كان الأظهر فى الخمر الثلاث كما مرّ.
و مقتضى الخبرين طهارة اناء الخمر مطلقا و لو لم يكن صلبا كالقرع و الخشب و الخزف غير المغضور، و عليه يدل ايضا روى عن على بن جعفر فى كتابه عن أخيه (ع) قال: سألته عن الشرب فى الإناء يشرب فيه الخمر قدح عيدان او باطية، أ يشرب فيه؟ قال: اذا غسل فلا بأس، قال: و سألته عن حب الخمر أيجعل فيه الخل و الزيتون او شبهه؟ قال: اذا غسل فلا بأس.
و خبر حفص المروى فى الكافى فى باب النوادر الواقع فى قبيل باب الغناء، خلافا للمحكى عن الاسكافى فلا يطهر غير الصلب بانواعه المذكورة، و
ص: 320
نسب الى القاضى ايضا عدم جواز استعمال هذا النوع غسل او لم يغسل، و استدل لهما بنفوذ النجاسة فى الاعماق فلا تقبل التطهير، و فيه ان طهارة الظاهر كافية لنا مع امكان حصول العلم بنفوذ الماء الى ما نفذه النجاسة بغسله بعد ان يبس، و عليه فلا وجه لتقييد ما دل على مطهرية الماء.
و اما اخبار محمد بن مسلم و ابى الربيع و جراح المداينى المروى فى الكافى فى باب الظروف، فمما لا يصلح لمعارضة المختار من وجوه عديدة، مع ان فى دلالتها على ذلك مناقشة واضحة، هذا مضافا الى شذوذ القائلين، بل عن المعالم ان ما نسب الى الاسكافى لم اره فى مختصره.
الثانى: الأقوال المتقدمة فى الخمر ثابت فى غسل الإناء بموت الفارة فيه، اجودها كفاية المرة المزيلة للنجاسة، عملا بعموم ما دل على مطهرية الماء نعم يجب السبع فى موت الجرذ للمروى فى الباب فى الموثق(1) عن عمار عن الصادق (ع): اغسل الإناء الذى يصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات، و الجرذ ضرب من الفارة، و قول جامع المقاصد بالسبع فى مطلق الفارة نظرا الى اطلاق اسم الفارة على الجميع، غير وجيه اذ لم يرد الأمر بالسبع فى الفارة.
الثالث: و هل يغسل الإناء من ساير النجاسات ثلث مرات، او مرتين، او مرة بعد ازالة العين، او مرة؟ أقوال أجودها الأخير، لعموم ما دلّ على مطهرية الماء، و للمرسل المروى فى المبسوط المنجبر بالشهرة المحكية، و عليه فالمروى فى الباب فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): عن الكوز و الإناء يكون قذرا كيف يغسل و كم مرة يغسل؟ قال: ثلث مرات يصب فيه ماء فيحرك فيه ثم يفرغ ذلك الماء منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه و قد طهر، محمول على الاستحباب.
(و من ولوغ الكلب ثلثا) على المشهور المنصور بل عن الانتصار و الخلاف
ص: 321
و الغنية و ظاهر المنتهى و الذكرى الاجماع، عملا بالمروى فى التهذيب فى باب المياه فى الصحيح عن الفضل عن الصادق (ع): عن الكلب؟ فقال رجس نجس لا تتوضأ بفضله و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب اول مرة، ثم بالماء، بناء على ان التحرير زاد فى آخر الخبر كلمة مرتين، و قوله حجة لاحتمال أخذه من نفس الاصول، مع ارجحية احتمال السقوط.
و بالمروى عن الفقه الرضوى: ان ولغ الكلب فى الماء او شرب منه اهريق الماء، و غسل الإناء ثلث مرات مرة بالتراب و مرتين بالماء ثم يجفف، خلافا للمحكى عن الاسكافى فى مختصره: الاوانى اذا نجست بولوغ الكلب او ما جرى مجراه غسل سبع مرات اوليهن بالتراب، و له المروى عن طريق العامة عن مسلم عن النبى (ص): اذا ولغ الكلب فى اناء احدكم فليغسله سبعا أوليهن بالتراب و خبر عمار المتقدم فى الكلب و الخمر و عدم مقاومتهما لما مرّ من البديهيات.
فالمعتمد الثلاث لكن يجب ان يكون (أوليهن بالتراب) على المشهور المنصور، بل عن الغنية الاجماع، للصحيح المتقدم المقيد للرضوى، و عليه فالاقتصار فى الفتوى بظاهر الرضوى كما عن جماعة من القدماء، مما لا يلتفت اليه مع احتمال ارادتهم المختار كما يومى اليه التقديم الذكرى.
و اما ما عن المقنعة من وجوب توسيط التراب فضعيف جدا، و ان حكى عن الوسيلة انه جعله رواية.
و هل يجب فى الغسل بالتراب المزج بالماء كما عن الحلى و الراوندى و مال اليه المنتهى؟ ام لا كما اختاره الاكثر؟ وجهان اقربهما الثانى، و الاحتياط بالجمع بينهما مما لا ينبغى تركه، و ممن ذهب الى المختار و صرح بإجزاء المزج الشهيد و كذا غيره، لكن صرح باشتراط ان لا يخرج التراب بالمزج عن اسمه.
و هل يشترط طهارة التراب ام لا؟ قولان ارجحهما الثانى للاطلاق، و أحوطهما الاول، ثم المحكى عن الاسكافى انه يرى فى الغسل الاول بالتراب التخيير بين التراب و ما يقوم مقامه، و يرده النص كما عرفته، ثم ظاهر المحكى
ص: 322
عن الصدوقين و المقنعة وجوب التجفيف بعد الغسلات الثلاث، و لهم الرضوى المتقدم، و ظاهر الاكثر العدم عملا بالاصل، و اطلاق خبر الفضل و لعله الارجح، اذ كون فتوى الثلثة جابرة لقصور سند الرضوى بحيث يصح الاعتماد عليه حتى يقال انه مقيد للاطلاق، مما فى النفس منه شىء.
ثم المراد بالولوغ كما عن جماعة من أهل اللغة: شرب الكلب مما فى الإناء بطرف لسانه، و عن القاموس انه زاد ادخال لسانه فى الإناء و تحريكه.
و هل يلحق به لطعه بلسانه اى لحسه للإناء كما عن الجماعة، ام لا كما جنح اليه البعض، و اليه يومى المتن و نحوه؟ وجهان و الاول اقرب، لفحوى الخبرين السابقين، و يستفاد منها انسحاب الحكم فى مطلق حصول لعابه فى الإناء و لو من غير اللطع و الولوغ، و بذلك افتى غير واحد.
و هل يجرى عرقه و ساير رطوباته و اجزائه و فضلاته مجرى لعابه؟ كما عن مستقرب نهاية الأحكام، قال فى المنتهى: الاصحاب نقلوا عن ابن بابويه الحاق الوقوع بالدخول.
أقول و حكى ذلك عن والد الصدوق و المفيد ايضا، فلو وقع رجله مثلا يجب التعفير و الغسل مرتان على ما يراه هؤلاء، ام لا كما هو ظاهر الاكثر، وجهان و الأخير أقرب، لوجوب الاقتصار فيما خالف الأصل على القدر المتيقن.
و لو ولغ فى اناء فيه طعام جامد و لم يصب الاناء التى ما أصابه فمه خاصة فلا غسل قاله فى التذكرة، و هو جيد، ثم المحكى عن الأصحاب انه اذا تكرر الولوغ من الكلب الواحد، او ولغ كلبان او كلاب اناء واحدا، لم يجب الغسل اكثر من ثلاث، و لا بأس به.
و هل يتداخل اذا انضم الى الولوغ نجاسة اخرى؟ كما عن الفاضلين و الشهيدين من غير مصرح بخلافهما اطلع عليه، ام لا؟ وجهان و الأول أقرب، و حكم غسالة الإناء و منها غسالة الولوغ كساير النجاسات على الأقرب، لعموم ما دلّ على مطهرية الماء من غير طهور معارض يعتد به.
ص: 323
(و من ولوغ الخنزير سبعا) على المنصور المحكى عن المشهور بين المتأخرين عملا بالمروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب عن محمد بن يعقوب فى الصحيح عن على بن جعفر عن الكاظم (ع): عن خنزير شرب من اناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات، خلافا للمحكى عن الخلاف فكالكلب و لا وجه له فى الأحكام التعبدية، كما لا وجه لما ذهب اليه البعض(1) من الاكتفاء بالمرة عدا العموم و هو مقيد بما مرّ.
وفاقا للمحكى عن كثير من الأصحاب، عملا بعموم مطهرية الماء، و بصدق الغسل، و بموثق عمار المتقدم فى قبيل ولوغ الكلب، بل عن الجماعة انه لو ملاء الإناء كفى افراغه عن تحريكه، و انه يكفى فى التفريغ مطلقا وقوعه بالة، لكن يشترط عدم اعادتها الى الإناء قبل تطهيرها، و عن بعضهم اشتراط كون الإناء مثبتا بحيث يشق قلعه، و الكل وجيه الا الاشتراط المحكى اخيرا عن البعض فلا وجه له.
و هل القطرات من الماء المغسول به الساقطة عن المغسول الذى لا يعتبر فيه العصر كالإناء و نحوه، بعد تحقق الغسل محكومة بالطهارة او النجاسة؟ وجهان ينشأن من صدق تحقق الغسل عرفا و الأصل المعتضد باستصحاب طهارة الملاقى فالاول، و من اطلاق ما دل على نجاسة الغسالة فالثانى، و الأول أظهر، نعم اذا صدق عرفا بأنه مشغول بالغسل و لم يتحقق بعد، فالمتجه الحكم بالنجاسة بل ربما يشكل هذا الحكم فى هذا الفرض ايضا، اذا أطال الصب جدا بعد أن زال النجاسة بأوايل الصب، فافهم.
و اما فيما يعتبر فيه العصر فالمتساقط بالعصر نجس مطلقا(2) و المتخلف
ص: 324
فى الثوب طاهر، و الآلة التى بها يعصر كاليد و نحوها محكومة بعد العصر بالطهارة، عملا بعموم ما دل على مطهرية الماء، نعم اذا لاقت بالغسالة المفصّلة لحكمت بنجاستها فلو لاقت للمغسول ثانيا لنجّسه، و لكن ذلك غير ما نحن فيه فافهم الفرق فانه دقيق، فاستغن فى فهمه بما سبق فى بيان عدم اشتراط ورود الماء القليل على النجاسة و بالمروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (ع): عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله فى المركن مرتين فان غسله فى ماء جار فمرة واحدة، اذ مقتضاه حصول التطهير فى الجملة بادخال الثوب المنجس بالبول الى ماء المركن مع انه قليل ينجس بالملاقاة، فلا بعد فى تطهير الثوب به و نجاسته بالملاقاة.
الثانى: حكى فى الذخيرة و غيرها(1) عن المشهور الحكم بسقوط اعتبار التعدد فى الغسل اذا وقع المتنجس فى الكثير،
سواء كان اناء او غيره لكن لا بدّ فى الإناء من سبق التعفير اذا كانت من ولوغ الكلب، خلافا للمحكى عن الخلاف و المبسوط اذا ولغ الكلب فى الإناء ثم وقع ذلك الإناء فى الماء الكثير الذى بلغ كرا فما زاد لا ينجس الماء، و يحصل له بذلك غسلة من جملة الغسلات و لا يطهر الإناء بذلك، بل اذا تمم غسلاته بعد ذلك طهر.
و فى التحرير لو وقع اناء الولوغ فى ماء قليل نجس الماء و لم يتحصل من الغسلات شىء، فلو وقع فى كثير لم ينجس و يتحصل له غسلة واحدة، ان لم يشترط تقديم التراب، و لو وقع فى جار و مر عليه جريات قال فى المبسوط لم يحكم له بالثلاث، و فى قوله اشكال، و ربما كان ما ذكره حقا ان لم يتقدم غسله بالتراب، لكن لو غسل مرة بالتراب و تعاقب عليه جريات، كانت الطهارة أشبه، انتهى.
أقول و لعل المحكى عن الجامع من اعتبار العدد فى الراكد دون الجارى
ص: 325
موافق لما عرفته من التحرير، و كيف كان فالذى يقتضيه التحقيق عدم الفرق فى التعدد المعتبر فى الأوانى بين الراكد القليل و غيره، للاطلاق، و وجوب التعدد فى الثوب و البدن بنجاسة البول فى غير الجارى، و كفاية المرة فى الجارى لما مر فى مقامه، و لكن الانصاف ان الشهرة المحكية مما يمنعنا فى الاجتزاء بعدم الفرق فى التعدد المعتبر فى الاوانى بين القليل و الكثير، بل لعل الأجود متابعة المشهور لعموم الدال على مطهرية الماء المعتضد بالشهرة، المؤيد بخبر محمد بن مسلم المتقدم، و باحتمال رجوع اطلاق الامر بالتعدد الى القليل نظرا الى اغلبيته فى زمن صدور الخطاب، فافهم، لكن الاحتياط مما لا ينبغى تركه.
و انه مع اليبوسة يرش، خلافا للمحكى عن الصدوق فذهب الى عدم اعتبار الغسل فى نجاسة كلب الصيد، و اكتفى فيها بالرش اذا لاقى رطبا و لم يعتبر الرش اذا لاقى يابسا، و يرده الاخبار المشار اليها فى نجاسة الكلب، و مقتضى غير واحد منها النضح مع اليبوسة مطلقا من غير استفصال.
و هل هو للوجوب كما عن النهاية و ابن حمزة و الصدوق و المقنعة و سلار؟ ام للاستحباب كما يراه المشهور؟ وجهان و الأخير اقرب، و اما قول المختلف بان النجاسة لا تتعدى مع اليبوسة اجماعا و الا لوجب غسل المحل فيتعين حمل الأمر على الاستحباب هو كلام التحرير من نسبته الاستحباب الى علمائنا أجمع، مظهر الدعوى الاجماع، و يعضده الشهرة، بل عدم ظهور الخلاف فى جملة من المواضع التى امر فيها بالرش.
و المراد بالصب الواقع فى صحيح ابى العباس المروى فى التهذيب فى باب تطهير الثياب، حيث قال: اذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، و ان كان جافا فاصبب الماء عليه، الخبر، النضح بقرينة خبرى حريز و على المرويين قبله، و النضح و الرش مترادفان كما يستفاد من المحكى عن الصحاح و القاموس و
ص: 326
من اكثر الاصحاب، و العرف لا يخالفهم فى ذلك، و عليه فما عن نهاية الأحكام من التفرقة بينهما حيث قال: مراتب ايراد الماء ثلاثة النضح المجرد، و مع الغلبة و مع الجريان، قال: و لا حاجة فى الرش الدرجة الثالثة قطعا، و هل يحتاج الى الثانية؟ الأقرب ذلك، ثم قال: و يفرق الرش و الغسل بالسيلان و التقاطر انتهى، غير ظاهر المأخذ.
لصحيح على بن جعفر المروى فى الباب، و خبر على بن محمد المروى فى الباب فى الزيادات، و المروى عن قرب الأسناد عن على بن جعفر عن أخيه (ع) عن خنزير أصاب ثوبا و هو جاف اتصلح الصلوة فيه قبل ان يغسل؟ قال: ينضح بالماء ثم يصلى فيه، خلافا للمحكى عن النهاية و ابن حمزة و المقنعة و سلار، فيجب لظاهر الأمر.
أقول و الأشبه حمله على الاستحباب، ثم المحكى عن ابن حمزة ايجاب رش الثوب من ملاقاة الكافر باليبوسة، و عن سلار انه صرح بوجوب الرش من مماسة الكلب و الخنزير و الفارة و الوزغة و جسد الكافر باليبوسة، و عن المقنعة اذا مسّ ثوب الانسان كلب او خنزير و كانا يابسين فليرش موضع مسهما بالماء، و كذلك الحكم فى الفارة و الوزغة، و عن النهاية: اذا اصاب ثوب الانسان كلب او خنزير او ثعلب او ارنب او فارة او وزغة كان يابسا وجب ان يرش الموضع بعينه، فان لم يتعين رش الثوب كله.
و عن المبسوط و كل نجاسة أصابت الثوب و كانت يابسة لا يجب غسلها، و انما يستحب نضح الثوب.
أقول و الأجود عندى عدم الوجوب فى كل ما حكموا بوجوبه، للأصل، و اما خبر الحلبى المروى فى زيادات باب ما يجوز الصلوة فيه من التهذيب عن الصادق (ع): عن الصلوة فى ثوب المجوسى؟ فقال: يرش بالماء، فمحمول على الاستحباب، فلذا لم يأمر (ع) بالرش فى خبر معوية المروى فى قبيله، مع
ص: 327
ان الخبر متضمن لما ترى، فلا دلالة فى ظاهره على ما قاله ابن حمزة و سلار، كما لا دلاله فى ظاهر المروى فى الكافى فى باب الكلب يصيب الثوب فى الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه (ع): عن الفارة الرطبة قد وقعت فى الماء تمشى على الثياب أيصلى فيها قال اغسل ما رأيت من اثرها و ما لم تره فأنضحه بالماء، لمذهب المقنعة و النهاية و سلار، نعم مقتضى الاول الرش فى الثوب المأخوذ عن المجوسى، و الثانى الرش فى الثوب اذا مشى فيها الفارة الرطبة اذا لم ير أثره، و الأمر فيهما محمول على الاستحباب، هذا اذا لم يعلم بملاقاة المجوس له رطبا و الا فيجب الغسل بلا اشكال.
و اما ما ذكره المبسوط من استحباب نضح الثوب فى مطلق النجاسة، فلم اطلع على دليله و لكن لا باس به مسامحه، كما لا باس باستحباب المسح المحكى عن النهاية و المفيد و ابن حمزة فيما يأتى عنهم خروجا عن شبهة الخلاف، قال الاول: ان مس الانسان بيده كلبا او خنزيرا او ثعلبا او ارنبا او فارة او وزغة او صافح ذميا او ناصبا معلنا بعداوة آل محمد (ص). وجب غسل يده ان كان رطبا و ان كان يابسا مسحه بالتراب و قال الثانى: ان مس جسد الانسان كلب او خنزير او فارة او وزغة و كان يابسا مسحه بالتراب، ثم قال: و اذا صافح الكافر و لم يكن فى يده رطوبة مسحها ببعض الحيطان او التراب، و حكى عن الثالث ايجاب مسح البدن بالتراب اذا أصابه الكلب او الخنزير او الكافر بغير رطوبة، و لم اطلع لهم بعد على خبر، و لكن الظاهر وصول الخبر اليهم.
لصحيحة على بن جعفر المروية فى التهذيب فى باب تطهير الثياب: و يستحب النضح ايضا فى اصابة بول البعير و الشاة، لخبر عبد الرحمن المروى فى الباب فى الزيادات.
و فى مقعدة ذى الجرح الذى يخرج الصفرة فيها بعد اتقائها لخبر صفوان المروى فى التهذيب فى باب آداب الاحداث.
ص: 328
فى الصحيح عن عبد الرحمن عن ابى ابراهيم (ع): عن رجل يبول بالليل فيحسب ان البول أصابه فلا يستيقن، فهل يجزيه ان يصيب على ذكره اذا بال و لا يتنشف؟ قال:
ما استبان انه اصابه و ينضح ما يشك فيه من جسده او ثيابه، و يتنشف قبل ان يتوضأ.
و فى الكافى فى باب البول يصيب الثوب فى الموثق عن ابراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن (ع): عن الثوب يصيبه البول فينفذ الى الجانب الآخر، و عن الفرو و ما فيه من الحشو؟ قال: اغسل ما اصاب منه، و مس الجانب الآخر، فان اصبت مس شىء منه فاغسله و الا فانضحه بالماء.
و فى باب المنى و المذى فى الصحيح عن الحلبى عن الصادق (ع): اذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه شىء، فليغسل الذى اصابه، فان ظن انه اصابه شىء و لم يستيقن و لم ير مكانه، فلينضحه بالماء.
و فى باب ابوال الدواب فى الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (ع) عن ابوال الدواب و البغال و الحمير؟ فقال: اغسله فان لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله و ان شككت فانضحه.
و فى باب الرجل يصلى فى الثوب و هو غير طاهر فى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): عن رجل أصاب ثوبه جنابة او دم؟ قال: ان كان علم انه اصاب ثوبه جنابة قبل ان يصلى ثم صلى فيه و لم يغسل فعليه ان يعيد ما صلى، و ان كان لم يعلم به فليس عليه اعادة، و ان كان يرى(1) انه اصابه شىء فنظر فلم ير شيئا اجزاه ان ينضحه بالماء.
و مورد هذه الاخبار النضح فى اشياء مخصوصة، لكن عن النهاية: و متى حصل فى الثوب شىء من النجاسات التى يجب ازالتها وجب غسل الموضع، الى
ص: 329
أن قال: و ان كان حصولها مشكوكا فيه فانه يستحب ان يرش الثوب، و نحوه عن المنتهى و نهاية الاحكام مبدلا للرش بالنضح، بل نسبه بعض الأجلاء هذا التعميم الى ظاهر الأصحاب، و لا بأس به.
عملا بالاستصحاب، خلافا للمحكى عن المرتضى فيطهر بذلك، و عن الخلاف انه حكاه عن بعض اصحابنا، و لا وجه له.
للمروى فى التهذيب فى زيادات باب تطهير الثياب فى الموثق عن عمار عن الصادق (ع): عن رجل يسيل من انفه الدم، هل عليه ان يغسل باطنه؟ يعنى جوف الأنف، قال: انما عليه ان يغسل ما ظهر منه، و المناقشة فى الدلالة بأدنى عناية مدفوعة، و المعمم الاجماع المركب على الظاهر و يأتى فى مقصد الأطعمه ما يعينك فانتظر.
يستحب الاستحمام للتأسى بهم عليهم السلم، و للنبوى المروى فى التهذيب فى كتاب الطهارة فى الزيادات فى باب دخول الحمام: نعم موضع الحمام، و العلوى المروى فى الباب: نعم البيت الحمام يذهب الاذى و يذكر بالنّار.
و قد ورد فى جملة من الأخبار منع دخول النساء فى الحمام، و منها المروى فى الكافى فى كتاب الزى فى باب الحمام فى الصحيح على الصحيح عن رفاعة عن الصادق (ع): من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام، و لا نعرف بمضمونها قائلا فالأجود الجواز كما يترنم به المروى فى التهذيب فى باب دخول الحمام فى الصحيح عن على بن يقطين عن ابى الحسن (ع): عن الرجل يقرء فى الحمام، و ينكح فيه؟ قال: لا بأس به، و حمل البعض تلك الأخبار على
ص: 330
ما اذا كان هناك ريبة فانهن ضعفاء العقول يزيغ قلوبهن بأدنى داع الى ما لا ينبغى لهن.
و عن ظاهر بعضهم(1) حملها على حال اجتماعهن، مستثنيا عن كراهة الاجتماع حالة الضرورة قائلا: ان الاتزار عند الاجتماع تخفيف للكراهة، و ان ذلك مروى عن على (ع).
أقول و لعله أشار بذلك الى ما فى التهذيب فى باب دخول الحمام عن حماد عن جعفر عن ابيه عن على (ع)، و قد قيل له ان سعيد بن عبد الملك يدخل مع جواريه الحمام، قال: و ما بأس اذا كان عليه و عليهن الازر لا يكونون عراة كالحمير(2) ينظر بعضهم الى سوءة بعض.
و يجب ستر العورة اذا كان هناك ناظر محترم، و فى الكافى فى باب الحمام عن محمد بن جعفر عن بعض رجاله عن الصادق (ع) ان النبى (ص) لعن الناظر و المنظور اليه فى الحمام بلا ميزر.
و فى الباب فى الصحيح عن رفاعة عن الصادق (ع) عن النبى (ص): من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يدخل الحمام الا بميزر.
و اما اذا لم يكن هناك ناظر محترم فلا يجب الستر، نعم يستحب الستر حينئذ للمروى فى التهذيب فى باب دخول الحمام عن ابى بصير عن الصادق عليه السلام عن آبائه عن على (ع): اذا تعرى أحدكم نظر اليه الشيطان فطمع فيه فاستتروا.
و هل يجوز النظر الى عورة غير المسلم كما عن الجماعة؟ ام لا كما عن أكثر الأصحاب؟ وجهان ينشأن من العموم فالثانى، و من الأصل و المروى فى الكافى فى باب الحمام فى الصحيح عن ابن ابى عمير عن غير واحد عن الصادق (ع):
النظر الى عورة من ليس بمسلم مثل نظرك الى عورة الحمار، و فى النهاية فى باب
ص: 331
غسل يوم الجمعة عن الصادق (ع): انما اكره النظر الى عورة المسلم، فأما النظر الى عورة من ليس بمسلم مثل النظر الى عورة الحمار فالاول، و لعلّه الأرجح، هذا اذا لم يكن بتلذذ و شهوة، و الا فانه حرام بلا خلاف كما صرح بعضهم.
و لو اغتسل عاريا مع وجود الناظر المحترم، فالاجود صحة غسله كما عن الأصحاب، اذ التحقيق عدم اقتضاء الأمر بالشىء للنهى عن ضده و لا عدم الامر به، و من يقول بالاقتضاء فعليه الحكم بالبطلان مع سعة الوقت.
و هل يكره التسليم فى الحمام مطلقا؟ كما يقتضيه اطلاق النهى فى غير واحد من الأخبار، ام مقيد بمن لا ميزر عليه؟ كما يستفاد من الصدوق حيث قال فى باب غسل يوم الجمعة بعد ان روى عن سعد: انى كنت فى الحمام فى البيت الاوسط، فدخل ابو الحسن موسى بن جعفر (ع) و عليه ازار فوق النورة، فقال:
السلام عليكم الخبر، بما لفظه: و فى هذا اطلاق فى التسليم فى الحمام لمن عليه ميزر، و النهى الوارد عن التسليم فيه لمن لا ميزر عليه انتهى، وجهان.
و روى فى الباب عن محمد بن حمران عن الصادق (ع): اذا دخلت الحمام فقل فى الوقت الذى تنزع فيه ثيابك: اللهم انزع عنى ربقة النفاق و ثبتنى على الايمان، و اذا دخلت البيت الاول فقل: اللهم انى اعوذ بك من شر نفسى و استعيذ بك من اذاه، و اذا دخلت البيت الثانى فقل: اللهم اذهب عنى الرجس النجس و طهر جسدى و قلبى، و خذ من الماء الحار وضعه على هامتك(1) و صب منه على رجليك، و ان امكن ان تبلع منه جرعة فافعل فانه ينقى المثانة، و البث فى البيت الثانى ساعة، فاذا دخلت البيت الثالث فقل: نعوذ بالله من النار و نسئله الجنة ترددها الى وقت خروجك من البيت الحار، و اياك و شرب الماء البارد و الفقاع فى الحمام فانه يفسد المعدة، و لا تصبن عليك الماء البارد فانه يضعف البدن، و صب الماء البارد على قدميك اذا خرجت فانه يسيل(2)
ص: 332
الداء من جسدك، فاذا لبست ثيابك فقل: اللهم البسنى التقوى و جنبنى الرّدى فاذا فعلت ذلك امنت من كل داء.
روى الكافى فى كتاب الزى فى باب جزّ الشعر فى الصحيح عن معمر بن خلاد عن ابى الحسن (ع): ثلث من عرفهنّ لم يدعهن: جزّ الشعر و تشمير الثياب و نكاح الاماء.
و فى النهاية فى باب غسل يوم الجمعة عن رسول الله (ص): حفوا الشوارب و اعفوا اللحى و لا تشبهوا باليهود.
و فيه ايضا عن رسول الله (ص): ان المجوس جزّوا لحاهم و وفروا شاربهم و اما نحن فنجزّ الشوارب و نعفى اللحى، و هى الفطرة.
و عن اكمال الدين عن حبابة الواليبة قالت: رأيت امير المؤمنين (ع) فى شرطة الخميس و معه درة لها سبابتان يضرب بها بياعى الزمير و الطافى و يقول لهم: يا بياعى مسوخ بنى اسرائيل و جند بنى مروان، فقام اليه فرات ابن احنف فقال: يا امير المؤمنين و ما جند بنى مروان؟ فقال له: أقوام حلقوا اللحى و فتلوا الشوارب فمسخوا.
و عن معانى الأخبار بسنده عن على بن غراب عن جعفر عن أبيه عن جده عن رسول الله (ص): حفوا الشوارب و اعفوا اللحى و لا تشبهوا باليهود.
و عن مجمع البيان عن تفسير القمى عن الصادق (ع)، فى قوله تعالى: (وَ إِذِ اِبْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) قال: انه ما ابتلاه الله فى نومه من ذبح ولده اسمعيل فاتمها ابراهيم و عزم عليها و سلم لأمر الله فلما عزم عليها، قال الله له: (إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً)، ثم انزل عليه الحنيفية و هى عشرة أشياء، خمسة منها فى الرأس و خمسة منها فى البدن، فاما التى فى الرأس: فأخذ الشارب و اعفاء اللحى و طم الشعر و السواك و الخلال، و اما التى فى البدن:
فحلق الشعر من البدن و الختان و تقليم الأظفار و الغسل من الجنابة فهذه الحنيفية الظاهرة التى جاء بها ابراهيم (ع) فلم تنسخ و لا تنسخ الى يوم القيمة
ص: 333
و هو قوله تعالى: (وَ اِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً)، قيل الحف الإحفاء و الاستقصاء فى الأمر و المبالغة فيه، و احفاء الشارب المبالغة فى الجزّة، و اعفاء اللحى ان يوفر شعرها من عفى الشىء اذ اكثر و زاد، و قوله لا تشبهوا باليهود اى لا تطيلوها جدا كاليهود فانهم لا يأخذون من لحاهم بل خذوا ما زاد عن القبضة، قال:
و يمكن الاستدلال على عدم جواز حلق اللحية ايضا بما دل على تحريم مشاكلة اعداء الدين و سلوك طريقتهم، و تشبه الرجال بالنساء، و ما دلّ على وجوب الدية فى حلق اللحية، و عدم جواز نتف الشيب.
أقول الأجود عندى عدم حرمة حلق اللحية، للاصل مع عدم نهوض الأخبار لتخصيصه بحيث يصح الاعتماد عليه سندا و دلالة، نعم لا شبهة فى اولوية الترك بل هو يكره بالكراهة(1) المغلظة، و الله العالم.
روى النهاية فى باب غسل يوم الجمعة عن مولانا الحسن بن على (ع) انه خرج من الحمام فقال له رجل: طاب استحمامك، فقال له: يالكع(2) و ما تصنع بالاست ههنا؟ فقال: طاب حمامك، فقال (ع): اذا طاب الحمام فما راحة البدن منه؟ فقال: فطاب حميمك، فقال (ع): ويحك(3) اما علمت ان الحميم العرق؟ فقال له: كيف أقول؟ قال قل: طاب ما طهر منك و طهر ما طاب منك.
أقول المراد بالاست هو الواقع فى الاستحمام، تنبيها على ان الاستفعال لافادة الطلب و هو بعد الخروج عن الحمام غير معقول، او بناء على استقباح التلفظ بالاست اول الكلام عند الخروج من الحمام و ان كان جزء لكلمة اخرى و عليه
ص: 334
فيمكن حمله على الظرافة كما يترنم به كلمة ويح و على الايذاء كما ينادى به كلمة لكع، فلما تنبه السائل للخطأ فقال: طاب حمامك، فقال (ع): هذا تحية للحمام لا للبدن، فلما تنبه الرجل لذلك ايضا فقال: فطاب حميمك، فقال (ع):
الحميم العرق، و هل قرع على سمعك فى باب البلاغة ان من لم يستطع الى فهم المرام و الى نيل المقصود من الكلام، فعليك ان تتفوه هنا لك بما يرشدك اليه هذا الخبر الشريف، فلما استعجز السائل و أخرج لسان العجز بقوله: كيف أقول؟ قال (ع) قل: طاب ما طهر منك، الى آخره، اى طاب عن العلل و العاهات ما طهر منك بالاغتسال عن الاخباث و الاحداث و هو جسدك الهيولانى و طهر عن انكدار المعاصى ما طاب منك فى جوهر ذاته القدسية، و بالله التوفيق فى كل امور، و قد تمّ المجلد الاول من كتاب غنيمة المعاد فى شرح الارشاد بتوفيق الله و اعانته، على يد مؤلفه الفقير الى الله الغنى محمد صالح بن محمد البرغانى فى اليوم الثامن من العشر الاول من الشهر السابع من السنة الاولى من العشر الرابع من المائة الثالثة من الألف الثانى من الهجرة النبوية، على هاجرها ألف ألف تحية، فى مدينة 1231 قزوين حفت بالامان بمحمد الامين، و الحمد لله رب العالمين، و يتلوه فى كتاب الصلوة.
قد تمت هذه النسخة الشريفة المسماة بالغنيمة حسب الأمر من مصنفه أفحل الفحول مقنّن القوانين و ما صلّ الاله خاتم المجتهدين قبلة الحاج و كعبة المعتمرين مولانا محمد صالح دام فضله على يد مخلصه السداد عبد الجواد بن حاج محمد فى شهر رمضان سنة 1244.
ص: 335
غسل الأموات 3
التوجيه الى القبلة 7
تلقين المحتضر 9
ما يستحب للمحتضر 11
علامات الموت 13
تغسيل الميّت 15
غسل الميّت 21
تغسيل الميّت 23
كيفية غسل الميّت 25
ما يغسل به الميّت 27
ما يستحب للميت فى الغسل 31
ما يستحب فى غسل الميّت 33
ما يكره فى غسل الميّت 35
ما يشترط فى ماء الغسل 37
شق بطن الميتة اذا تحرك جنينها 39
التكفين 41
مسح المساجد السبعة بالكافور 51
مقدار الكافور 53
تحنيط الميت 55
التكفين 57
اجزاء الكفن 59
ما يستحب فى التكفين 61
استحباب الجريدتين 63
موضع الجريدتين 65
كتابة الكفن بالتربة الحسينية 67
كيفية لف الميّت 69
ما يكره فى التكفين 71
حول ثمن الكفن 73
احكام فى تجهيز الميّت 75
احكام فى تطهير الميّت 77
ص: 336
غسل النجاسة بعد التكفين 79
احكام الشهيد 81
هل يكفن الشهيد؟ 83
الصلاة على ما فيه عظم 85
احكام ذات العظم 87
حكم السقط 89
غسل مس الميّت 91
حكم مس عظم الميّت 93
اسباب التيمّم 95
موارد التيمّم 97
احكام طلب الماء 109
موارد التيمّم 111
ما يتيمم به 113
ما لا يتيمم به 115
ما يجوز به التيمّم 117
ما يجوز التيمّم به 119
تأخير التيمّم الى آخر الوقت 121
جواز التيمّم للنافلة من اول وقتها 123
صفة التيمّم 125
هل يجب علوق شىء من التراب 127
كيفية التيمّم 129
التيمّم بدل الغسل 133
عدد الضربات 135
سقوط الصلاة بعدم الماء و التراب 137
فى حكم المتيمّم اذا وجد الماء 139
ما يستباح بالتيمّم 141
فى الماء يحض الجنب ام الميّت؟ 143
الماء المطلق 145
ماهية الماء المطلق 147
تطهير المضاف المتنجّس 149
اوصاف الماء المتغيّر 151
تطهير الماء المتنجّس 153
حكم الكر 155
ماء المطر 157
حجم الكر 161
حكم الكر من الماء 163
تطهير ماء الكر المتنجّس 165
الأسآر 167
تطهير ماء الكر 169
حكم الماء اذا لاقته نجاسة 171
ماء البئر 173
احكام ماء البئر 175
نزح البئر 177
ما ينزح من البئر السقوط الحيوان فيها 181
فى موت بعض الحيوانات فى البئر 183
ما ينزح من البئر فى بول الصبى 187
ما ينزح من البئر فى العصفور و ذرقاق الدجاج 189
طهارة الدلو والد شاء و المباشر 191
حكم الاناءين المشكوك احدهما المجهول 193
موارد فى التيمّم 195
بتول فى المالك فى ثوبه و ما اشبهه 197
احكام فى تطهير الثياب 199
استحباب بعد البئر عن البالوعة 201
حكم الآسار 203
سؤر الهرّة 205
حكم الماء المستعمل 207
ص: 337
حكم الغسالة 209
غسالة الخبث لا ترفع الحدث 211
حكم غسالة الحمّام 213
ما يكره فى الطهارة 215
النجاسات 219
ما ينتفع به من الميتة 227
النجاسات 229
حكم الكافر 239
حكم ناكرى الولاية 241
حكم أعداء آل محمد (ع) 243
حكم ولد الزنا 245
حكم ولد الكافر 247
نجاسة المسكرات 249
حكم العصير 251
حكم غليان العصير 253
حكم العصير 255
حكم النبيذ 257
حكم غليان العنب 259
حكم ماء الحصرم و الفقاع 261
حكم عرق الجنب من حرام و الابل الجلالة 263
وجوب ازالة النجاسات 265
حكم دم الجروح و القروح 267
ما يعفى منه من الدماء 269
سعة الدرهم البغلىّ 271
فى الدم المتفرق 273
حكم القليل من الدماء الثلاثة 275
حكم نجاسة ما لا تتم الصلاة به 277
كيفية غسل الثوب من النجاسة 279
وجوب العصر فى الثوب 281
تطهير الاجسام الصلبة 283
تطهير المايعات 285
فى بول الصّبى 287
غسل الثوب للتطهير 289
غسل الثوب 291
حكم الصلاة فى الثوب المتنجّس 293
حكم الناسى غسل ثوبه المتنجّس 295
نجاسة الثوب 297
حكم ناسى التطهير 299
حكم ذى الثوب الواحد 301
الشمس مطّهرة 303
تطهير المتنجّس الثابت 305
ما تطّهره النار 307
الاستحالة 309
النقيصة و الأرض 311
ما تطّهره الأرض 313
حكم استعمال او انى الذهب و الفضة 315
حكم استعمال اوانى المشركين 317
حكم المذكّى 319
تطهير الإناء 321
كيفية غسل الإناء 323
غسل الإناء 325
كيفية الغسل 327
غسل اليد فى مس النجس رطبا 329
تطهير الاجسام الصقيلة 331
احكام الحمّام 333
كراهة حلق اللحية 335
ص: 338