ghaemiyeh.com
نهج البلاغة
خطب، رسائل، کلام، وصایا
عهود، حِکَم، و مواعظ
الإمام علي بن أبي طالب (علیه السَّلام)
الطبعة الاولی
١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م
دار إحیاء التراث العربي
بیروت – لبنان
محرر الرقمي: هادي الميرزائي
ص: ١
نهج البلاغة
خطب، رسائل، کلام، وصایا
عهود، حِکَم، و مواعظ
الإمام علي بن أبي طالب (علیه السَّلام)
مکتبة الروضة الحیدریة
محرر الرقمي: هادي الميرزائي
ص: ٢
منهاج البراعة
شرح
نهج البلاغة
لمؤلفه
العلامة المحقق الحاج میرزا حبیب الله الهاشمي الخوئي قدس سره
طبعة جدیدة
ضبط و تحقیق
علي عاشور
المجلد التاسع
دار إحیاء التراث العربي
بیروت – لبنان
مکتبة الروضة الحیدریة
ص: ٣
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الاولی
١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م
دار إحياء التراث العربي
للطباعة والنشر والتوزيع
TOURATH AL-ARABI DAR EHIA AL-
Publishing & Distributing
بيروت - لبنان - شارع دكاش - هاتف ٢٧٢٦٥٢ - ٢٧٢٦٥٥ - ۲۷۲۷۸۲ - ۲۷۲۷۸۳ فاکس ٨٥۰۷۱۷ - ٨٥٠٦٢٣
Beyrouth - Liban - Rue Dakkache . Tel. ٢٧٢٦٥٢ - ٢٧٢٦٥٥ - ٢٧٢٧٨٢ - ٢٧٢٧٨٣ Fax: ٨٥٠٧١٧ - ٨٥٠٦٢٣P.O.Box: ٧٩٥٧/١١
ص: ٤
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَلَا وَ إِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تَحمِلُکُمْ وَ السَّمَاءَ الَّتِي تُظِلُّكُمْ مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ، وَ مَا أَصْبَحَتَا تَجُودَانِ لَكُمْ بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجُّعاً لَكُمْ، وَ لَا زُلْفَةً إِلَيْكُمْ، وَ لَا لِخَيْرٍ تَرْجُوَانِهِ مِنْكُمْ، وَ لَكِنْ أُمِرَتَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَتَا، وَ أُقِيمَتَا عَلَى حُدُودِ مَصَالِحِكُمْ فَقَامَتَا، إِنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ، وَ حَبْسِ الْبَرَكَاتِ، وَ إِغْلَاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ، لِيَتُوبَ تَائِبٌ، وَ يُقْلِعَ مُقْلِعٌ، وَ يَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ، وَ يَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ، وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الِاسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ الرِّزْقِ وَ رَحْمَةِ الْخَلْقِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً(١١) وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢)» [نوح: ١٠ – ١٢] فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ وَ اسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ، وَ بَادَرَ مَنِيَّتَهُ.
اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِنْ تَحْتِ الْأَسْتَارِ وَ الْأَكْنَانِ، وَ بَعْدَ عَجِيجِ الْبَهَائِمِ، وَ الْوِلْدَانِ، رَاغِبِينَ فِي رَحْمَتِكَ وَ رَاجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ، وَ خَائِفِينَ مِنْ عَذَابِكَ وَ نِقْمَتِكَ. اللَّهُمَّ فَاسْقِنَا غَيْثَكَ، وَ لَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، وَلَا تُهْلِكْنَا بِالسِّنِينَ، وَ لَا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ حِينَ أَلْجَأَتْنَا الْمَضَائِقُ الْوَعْرَةُ، وَ أَجَاءَتْنَا الْمَقَاحِطُ الْمُجْدِبَةُ، وَ أَعْيَتْنَا الْمَطَالِبُ الْمُتَعَسِّرَةُ، وَ تَلَاحَمَتْ عَلَيْنَا الْفِتَنُ الْمَسْتَصْعَبَةُ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَلَّا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، وَ لَا تَقْلِبَنَا وَاجِمِينَ، وَ لَا تُخَاطِبْنَا بِذُنُوبِنَا، وَ لَا تُقَايِسْنَا بِأَعْمَالِنَا، اللَّهُمَّ انْشُرْ عَلَيْنَا غَيْثَكَ وَرِزْقَكَ وَ رَحْمَتَكَ، وَ اسْقِنَا سُقْيَا نَاقِعَةً مُرْوِيَةً مُعْشِبَةً تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَات،َ وَ تُحْيِي بِهَا مَا قَدْ مَاتَ، نَافِعَةَ الْحَيَا، كَثِيرَةَ الْمُجْتَنَى، تُرْوِي بِهَا الْقِيعَانَ، وَ تُسِيلُ الْبَطْنَانَ، وَ تَسْتَوْرِقُ الْأَشْجَارَ، وَ تُرْخِصُ الْأَسْعَارَ، إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ (1).
(الأرض) مؤنثة، والجمع: أرضون بفتح الراء (والسماء) المظلة للأرض. قال ابن
ص: ٥
1) مستدرك الوسائل : ٢٠٢/٦ ، وبحار الأنوار: ۳۱۳/۸۸ .
الأنباري : تذكّر وتؤنث، وقال الفراء : التذكير قليل وهو على معنى السقف والسماء أيضاً المطر . قال الفيومي : مؤنته لأنها في معنى السحابة وكل عال مظل سماء حتى يقال لظهر الفرس: سماء، و (جاد) بالمال بذله، وجادت السماء أمطرت، والأرض أنبتت و (توجع) لفلان رثاه و (أقلع) عن الأمر إقلاعاً تركه و (الأكنان) جمع الكن وهو ما ستر من الحرّ والبرد من كننته أي سترته وأخفيته في كنّه بالكسر.
و (السنين) جمع السنة وهي الجدب وأرض سنواء وسنهاء أصابتها السنة و (المضائق) جمع المضيق وهو ما ضاق من الأمور و (الوعر) بسكون العين وكسرها ضد السهل. قال الشارح المعتزلي : الوعرة بالتسكين ولا يجوز التحريك و (المقاحط) أماكن القحط أو أزمانه جمع المقحط يأتي للمكان والزمان و (الوجم) والواجم العبوس المطرق لشدة الحزن و (السقيا) بالضم من إسم من سقاه الله الغيث أنزله له و (القيعان) جمع القاع وهو المستوي من الأرض .
و (تسيل) في بعض النسخ بفتح التاء مضارع سال كباع وفي بعضها بالضم من باب الأفعال و (البطنان) بالضم جمع البطن كعبد وعبدان وظهر وظهران وهو المنخفض من الأرض كما قاله الطريحي، أو الغامض منها كما في (شرح المعتزلي). وقال الفيروزآبادي: جمع الباطن وهو مسيل الماء في غلظ .
و (الرخص) بالضم ضد الغلاء، ورخص الشيء من باب قرب فهو رخيص ويتعدّى بالهمزة فيقال : أرخص الله السعر وتعديته بالتضعيف غير معروف و (الأسعار) جمع سعر بالكسر وهو تقدير أثمان الأشياء وارتفاعه غلاء وانحطاطه رخص، وقيل: تقدير ما يباع به الشيء طعاماً كان أو غيره، ويكون غلاء ورخصاً باعتبار الزيادة على المقدار الغالب في ذلك المكان والأوان والنقصان عنه .
جملة (تجودان) منصوبة المحلّ على أنه خير أصبحت أو أصبح بمعنى صار. قال نجم الأئمة ما محصله : إن من خصائص (كان) ما ذهب إليه إبن درستويه، وهو أنه لا يجوز أن يقع الماضي خبر كان فلا يقال : كان زيد قام، وفعل ذلك لدلالة كان على المضي فيقع المضي في خبره لغواً فينبغي أن يقال : كان زيد قائماً أو يقوم، وكذا ينبغي أن يمنع يكون زيد يقوم لتلك العلة إلى أن قال : ومنع ابن مالك وهو الحق من مضي خبر (صار وليس وما دام) وكل ما كان ماضياً من (ما زال ولا زال) ومرادفاتها، لدلالة صار على الانتقال في الزمن الماضي إلى حالة مستمرة وهي مضمون خبرها وكذا (ما زال) وأخواتها موضوعة لاستمرار
ص: ٦
مضمون أخبارها في الماضي وما يصلح الاستمرار هو الإسم الجامد نحو: هذا أسد والصفة نحو : زيد قائم أو غنيّ أو مضروب أو الفعل المضارع نحو : زيد يقدم في الحرب ويسخو بموجوده، فناسبت الثلاثة لصلاحيتها للاستمرار أن يقع خبراً (لصار) وأخواتها من (أصبح وأمسى وظلّ وبات) وكذا (ما زال) وأخواتها بخلاف الماضي فإنه لا يستعمل في استمرار هذه الثلاثة فلم يقع خبراً لهذه الأفعال.
و (توجعاً) مفعول لأجله والعامل فيه تجودان، وقوله (ليتوب)، تعليل ليبتلى ومتعلّق به ، حال من السماء (والفاء) في قوله : (فرحم الله) فصيحة والجملة دعائية لا محل لها من الإعراب.
إعلم أن هذه الخطبة الشريفة خطبها في الإستسقاء وطلب السقياء كالخطبة المائة والرابعة عشر، وقد قدمنا في شرح تلك الخطبة كيفية الإستسقاء وما يناسب شرحها من الأخبار .
وأقول هنا : أنه (علیه السَّلام) لما كان بصدد الدعاء وطلب الرحمة من الله سبحانه وتعالى وكانت استجابة الدعاء موقوفة على وجود المقتضى وانتفاء الموانع، قدّم أموراً مهمة أمام الدعاء تنبيهاً للسامعين، ومن كان معه (علیه السَّلام) من المستسقين على ما له مدخلية في استجابة دعائهم وإنجاح مقصدهم كي لا يردوا خائبين ولا ينقلبوا واجمين.
فنبّه أولاً على أن الأرض والسماء مخلوقان مقهوران تحت قدرة الله سبحانه والنفع والضرر الحاصلان منهما بالجود والإمساك لا ينشئان منهما بنفسهما وبالاستقلال، وإنما ينشئان منهما بتعلق مشيئة الفاعل المختار وتدبير الحكيم المدبّر سبحانه، وعلى ذلك فاللازم على العباد في الداهية والناد أن يقرعوا بأيدي السؤال والذل والإبتهال بابه، ويتوجهوا في إنجاح الآمال إلى جنابه عزَّ وجل .
وهو قوله : (ألا وأن الأرض التي تحملكم والسماء التي تظلكم) أي تعلوكم وتشرف عليكم أو تلقي إليكم ظلّها، والمراد بالسماء : إما معناها المجازي، أعني السحاب، أو الحقيقي باعتبار أن زوال المطر من السماء لا لكون السماوات بحركاتها أسباباً معدّة لكل ما في هذا العالم من الحوادث كما زعمه الشارح البحراني .
ويؤيد الثاني ظواهر الآيات التي تدل على نزول المطر من السماء مثل قوله سبحانه : «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً» [النحل: ١٠]، وقوله: «وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً» [النحل: ٦٥] ونحوهما مما يقرب عشرين آية.
ص: ٧
ويؤيد الأول ظاهر قوله سبحانه: «وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا» [فاطر: ٩]، وقوله: «وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ» [الأعراف : ٥٧] الآية .
ويدل على الإحتمالين ما في (البحار) من علل الشرائع للصدوق عن أبيه عن الحميري عن هارون عن ابن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه (علیهم السَّلام) قال : كان علي (علیه السَّلام) يقوم في المطر أول مطر يمطر حتى يبتل رأسه ولحيته وثيابه فيقال له يا أمير المؤمنين الكن الكن، فيقول : إن هذا ماء قريب العهد بالعرش ثم أنشأ (علیه السَّلام) يحدث فقال : إن تحت العرش بحراً فيه ماء ينبت به أرزاق الحيوانات وإذا أراد الله أن ينبت به ما يشاء لهم رحمة منه أوحى الله عزّ وجل فمطَّر منه ما شاء من سماء إلى سماء حتى يصير إلى السماء الدنيا، فتلقيه إلى السحاب والسحاب بمنزلة الغربال ثم يوحي الله عزّ وجل إلى السحاب أن: إطحنيه وأذيبيه ذوبان الملح في الماء ثم انطلقي به إلى موضع كذا وكذا وعباباً أو غير عباب، فتقطر عليهم على النحو الذي يأمرها به فليس من قطرة تقطر إلا ومعها ملك حتى تضعها بموضعها (1)، الحديث .
ورواه في (الكافي) عن هارون عن مسعدة بن صدقة نحوه.
قال الرازي في تفسير قوله : «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً» الله اختلف الناس فيه ؛ فقال الجبائي : إنه تعالى ينزل الماء من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض يقال : لأن ظاهر النص يقتضي نزول المطر من السماء والعدول عن الظاهر إلى التأويل إنما يحتاج إليه عند قيام الدليل على أن إجراء اللفظ على ظاهره غير ممكن، وفي هذا الموضع لم يقع دليل على امتناع نزول المطر من السماء فوجب إجراء اللفظ على ظاهره إلى أن قال :
والقول الثاني المراد: أنزل من جانب السماء ماء .
القول الثالث: أنزل من السحاب ماء، وسعى الله السحاب سماء لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت، انتهى.
ورجّح في موضع آخر نزول المطر من السحاب قال : لأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عالٍ ويرى الغيم أسفل فإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماطراً عليهم، وإذا كان هذا الأمر مشاهداً بالبصر كان النزاع باطلاً، هذا .
وقوله : (مطيعتان لربكم) وصفهما بالإطاعة تنبيهاً على عظمة قدرته سبحانه ونفوذ أمره
ص: ٨
1) قرب الإسناد ۷۳ ح٢٣٥، وعلل الشرائع : ٤٦٣/٢ ح ۸.
فيهما، كما قال تعالى: « فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ» [فصلت: ۱۱] . (وما أصبحتا تجودان لكم ببركتهما) أي ما صارت السماء تجود لكم بالأمطار ولا الأرض تجود لكم بالإنبات (توجعاً لكم) أي تألماً لما أصاب بكم (ولا زلفة) وتقرباً (إليكم ولا لخير ترجوانه منكم) كما هو المعهود المتعارف في جود الناس بعضهم لبعض حيث إنهم يبذلون المال للترحم أو التقرّب أو لجلب الخير أو لدفع الضرّ أو نحو ذلك، وأما السماء والأرض فلا يتصور في حقوقهما ذلك لأنهما أجسام جامدة غير شاعرة لا يوجد ما يوجد منهما بالإرادة والاختيار.
(ولكنـ)ـهما مسخرتان تحت قدرة الله ومشيئته تعالى (أمرنا بمنافعكم فأطاعنا وأقيمتا على حدود مصالحكم فقامتا) والمراد بالأمر والإقامة : الأمر والإثبات التكويني، كما أن المراد بالقيام والإطاعة الثبات والجري على وفق ما أراد الله سبحانه منهما .
وفي هاتين القرينتين تلميح إلى قوله سبحانه: «وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)» [الروم: ٢٤ - ٢٥] أي يريكم البرق خوفاً من الصاعقة وللمسافر وطمعاً في الغيث وللمقيم ، وينزل من السماء مطر فيحيي به الأرض بالنبات بعد موتها ويبسها وجدوبها، وقيام السماء والأرض بأمره بإقامته لهما وإرادته لقيامهما .
قال الطبرسي : بلا دعامة تدعمها ولا علاقة تتعلق بهما بأمره لهما بالقيام، كقوله تعالى: «إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [النحل: ٤٠] . وقيل : بأمره أي بفعله وإمساكه إلا أن أفعال الله عزّ إسمه تضاف إليه بلفظ الأمر لأنه أبلغ في الاقتدار، فإن قول القائل : أراد فكان، أو أمر فكان أبلغ في الدلالة على الإقتدار من أن يقول: فعل فكان، ومعنى القيام الثبات والدوام، انتهى (1).
وقد مضى تفصيل الكلام في منافع السماء والأرض وتحقيق ما يتعلق بمصالحها في شرح الخطبة التسعين فليراجع هناك، هذا.
ولما نبه على أن السماء والأرض مخلوقان مسخران تحت قدرة الفاعل المختار، وأن جودهما بالإمطار والإنبات إنما هو بتعلق أمر الله سبحانه ومشيئته وإرادته أردف ذلك بالتنبيه على أن المانع من نزول الخير وإفاضة الجود إنما هو أمر راجع إلى الخلق وحادث من جهة العبد وهو سوء فعله وذنبه المانع من استعداده لقبول الرحمة وفيضان الجود، فقال: (إن الله
ص: ٩
1) مجمع البيان: ٨/ ٥٥.
يبتلي عباده عند الأعمال السيئة) لأن البلاء للظالم أدب (بنقص الثمرات وحبس البركات وإغلاق خزائن الخيرات) كما قال سبحانه: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ» [البقرة: ۱۵۵]، وإنما يبتليهم بذلك لطفاً منه تعالى (ليتوب تائب) عن سوء عمله (ويقلع مقلع) أي يكف عن ضلاله وزلله (ويتذكر متذكر) بما أعد الله سبحانه من النعيم في دار القرار للمتقين الأبرار (ويزدجر مزدجر) بما أعد الله تعالى من العذاب الأليم في دار البوار للفجار والأشرار.
ثم نبه على ما به يرتفع المانع من الخير والجود ويتأهل لإفاضة الرحمة من واجب الوجود، فقال: (وقد جعل الله سبحانه الإستغفار) ممحاة للذنب و (سبباً لدرور الرزق) وكثرته (فقال) في سورة نوح: «يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)» ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً .
قال الطبرسي في (تفسيره) : أي اطلبوا منه المغفرة على كفركم ومعاصيكم إنه كان غفاراً لكل من طلب منه المغفرة، فمتى رجعتم عن كفركم ومعاصيكم وأطعتموه يرسل السماء عليكم مدراراً، أي كثيرة الدرور بالغيث، وقيل: إنهم كانوا قد قحطوا وأسنتوا وهلكت أموالهم وأولادهم فلذلك رغبهم في ردّ ذلك بالاستغفار مع الإيمان والرجوع إلى الله تعالى، ويمددكم بأموال وبنين أي يكثر أموالكم وأولادكم الذكور، ويجعل لكم جنات، أي بساتين في الدنيا ويجعل لكم أنهاراً تسقون بها جناتكم. قال قتادة : علم نبي الله نوح (علیه السَّلام) أنهم كانوا أهل حرص على الدنيا فقال : هلموا إلى طاعة الله فإن فيها درك الدنيا والآخرة.
وروى الربيع بن صبيح: أن رجلاً أتى إلى الحسن (علیه السَّلام) فشكى إليه الجدوبة، فقال له الحسن (علیه السَّلام): إستغفر الله . وأتاه آخر فشكى إليه الفقر، فقال له : إستغفر الله . وأتاه آخر فقال : إدع الله أن يرزقني إبناً، فقال له : إستغفر الله، فقلنا : أتاك رجال يشكون أبواباً ويسألون أنواعاً، فأمرتهم كلهم بالإستغفار فقال (علیه السَّلام): ما قلت ذلك من ذات نفسي إنما اعتبرت فيه قول الله تعالى حكاية عن نبيه نوح (علیه السَّلام) أنه قال لقومه : « اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا» إلى آخره، هذا (1).
والآيات والأخبار في فضيلة الإستغفار وكونه سبباً لدرور الرزق وسائر ما يترتب عليه من الثمرات كثيرة .
فمن الآيات مضافة إلى ما مر قوله تعالى في سورة هود (علیه السَّلام) حكاية عنه : أنه قال لقومه : «وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا» [هود: ٥٢] .
ص: ١٠
1) وسائل الشيعة : ۱۷۸/۷ ، وتفسير مجمع البيان: ۱۳۳/۱۰.
من خطبة له في الإستسقاء وهي المائة والثالثة والأربعون
ومن الأخبار في (الكافي) بإسناده عن زرارة قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السَّلام) يقول : إن العبد إذا أذنب ذنباً أُجِلَّ من غدوة إلى الليل فإن استغفر الله لم يكتب عليه .
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : من عمل سيئة أُجِلَّ فيها سبع ساعات من النهار، فإن قال : أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، ثلاث مرات لم تكتب عليه.
وعن عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : العبد المؤمن إذا أذنب ذنباً أجلّه الله سبع ساعات، وإن استغفر الله لم يُكتب عليه شيء، وإن مضت الساعات ولم يستغفر كتب الله عليه سيئة، وإن المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتى يستغفر ربه فيغفر الله له وإن الكافر لينساه من ساعته .
وفيه مرسلاً عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : ما من مؤمن يقارف في يومه وليلته أربعين كبيرة فيقول وهو نادم: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام، وأسأله أن يصلي على محمد وآل محمد وأن يتوب عليَّ، إلا غفرها الله له عزّ وجل ولا خير في من يقارف في يوم أكثر من أربعين كبيرة (1).
وفي (ثواب الأعمال) بسنده عن السكوني عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) ، عن أبيه عن آبائه (علیهم السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «لكل داء دواء ودواء الذنوب الاستغفار» (2).
وفيه عن سلام الخياط عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : من قال : أستغفر الله مائة مرة حين ينام بات وقد تحاطت الذنوب كلها عنه كما تتحاط الورق من الشجر ويصبح وليس عليه ذنب .
وعن مسعدة بن صدقة عن جعفر الصادق عن أبيه عن آبائه (علیهم السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «طوبى لمن وجد في صحيفته يوم القيامة تحت كل ذنب : أستغفر الله».
وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر (علیه السَّلام) قال : من استغفر الله بعد صلاة الفجر سبعين مرة غفر الله له ولو عمل ذلك اليوم سبعين ألف ذنب، ومن عمل أكثر من سبعين ألف ذنب فلا خير له (3).
وفي (الوسائل) من (الكافي) عن ياسر الخادم عن الرضا (علیه السَّلام) قال : مثل الاستغفار مثل ورق على شجرة تحرك فتناثر، والمستغفر من ذنب ويفعله كالمستهزىء بربه (4).
ص: ١١
وعن عبيدة بن زرارة قال : قال أبو عبد الله (علیه السَّلام): إذا كثر العبد من الاستغفار رفعت صحيفته وهي تتلألأ .
وعن السكوني عن أبي عبد الله عن آبائه (علیهم السَّلام) في حديث قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «من كثرت همومه فعليه بالإستغفار» (1).
وفيه من (عدّة الداعي) لأحمد بن فهد قال : قال (علیه السَّلام): إن للقلوب صداء كصداء النحاس فأجلوها بالاستغفار .
قال : وقال: من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب .
وفيه من (أمالي) إبن الشيخ مسنداً عن أبي الحسن المنقري قال : سمعت علي بن أبي طالب (علیه السَّلام) يقول : عجباً لمن يقنط ومعه الممحاة قيل : وما الممحاة؟ قال : الإستغفار .
وفيه من كتاب (ورام بن أبي فراس) قال : قال : أكثروا الاستغفار إن الله لم يعلمكم الاستغفار إلا وهو يريد أن يغفر لكم، هذا (2).
ولما نبه على كون الاستغفار سبباً لدرور الرزق واستشهد عليه بالآية الشريفة أردفه بالدعاء على المستغفرين التائبين بقوله (فرحم الله امرء استقبل توبته) أي استأنفها (واستقال خطيئته) أي طلب الإقالة منها ومن المؤاخذة بها. قال الشارح البحراني : ولفظ الإقالة استعارة، ووجهها أن المخطىء كالمعاهد والملتزم لعقاب أخروية بلذة عاجلة لما علم من استلزام تلك اللذة المنهي عنها للعقاب فهو يطلب للإقالة من هذه المعاهدة كما يطلب المشتري الإقالة من البيع وبادر منيته أي سارع إليها بالتوبة والاستقالة قبل إدراكها له، هذا.
ولما فرغ (علیه السَّلام) من تمهيد مقدمات الدعاء شرع فيه فقال : (اللهم إنا خرجنا إليك من تحت الأستار والأكنان) التي ليس من شأنها أن تفارق إلا لضرورة شديدة (وبعد عجيج البهائم والولدان) وأصواتها المرتفعة بالبكاء والنحيب (راغبين) في برك و (رحمتك وراجين فضل) منك و (نعمتك وخائفين من عذابك ونقمتك اللهم فأسقنا غيثك) المغدق من السحاب المنساق لنبات أرضك المونق (ولا تجعلنا من القانطين) الآيسين (ولا تهلكنا بالسنين ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا يا أرحم الراحمين) والمراد بالسفهاء: الجهال من أهل المعاصي
ص: ١٢
وبفعلهم معاصيهم المبعدة عن رحمته سبحانه، كما في قوله سبحانه حكاية عن موسى (علیه السَّلام) « أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا» [الأعراف: ١٥٥].
ثم عاد (علیه السَّلام) إلى تكرير شكوى الجدب بذكر أسبابها الحاملة عليها، فقال: (اللهم إنا خرجنا إليك نشكو إليك ما لا يُخفى عليك) من الضّر والسوء (حين ألجأتنا المضائق الوعرة) المستصعبة (وأجاءتنا المقاحط المجدبة) أي السنون المحلّة (وأعيتنا المطالب المتعسرة، وتلاحمت علينا الفتن المستصعبة) أي تزاحمت علينا أمور من الجوع والعري وسائر مسببات القحط ما كانت لنا فتنة أي بلاء ومحبة أي صارفة للقلوب عمّا يراد بها .
(اللَّهم) إِنَّا نسألك أن (لا تردنا خائبين) من رحمتك (ولا تقلبنا واجمين) محزونين باليأس عن عطيتك (ولا تخاطبنا بذنوينا) . قال الشارح المعتزلي: أي لا تجعل جواب دعائنا لك ما تقتضيه ذنوبنا كأنه يجعله كالمخاطب لهم والمجيب عما سألوه إياه كما يفاوض الواحد منا صاحبه ويستعطفه فقد يجيبه ويخاطبه بما يقتضيه ذنبه إذا اشتدت موجدته، ونحوه قوله : (ولا تقايسنا بأعمالنا) أي لا تجعل ما تجيبنا به مقايساً ومماثلاً لأعمالنا السيئة، وبعبارة أخرى: لا تجعل فعلك بنا مقايساً لأعمالنا السيئة ومشابهاً ولها وسيئة مثلها .
(اللهم إنشر علينا غيثك وبركتك ورزقك ورحمتك، واسقنا سقياً نافعة) سالمة من الإفساد بالإفراط (مروية) مسكتة للعطش (معشبة) أي ذات العشب والكلاء (تنبت بها ما قد فات) أي مضى وذهب (وتحيي بها ما قد مات).
قال بعض الأفاضل: أي تخرج وتعيد بها ما قد ذهب ويبس من أصناف النبات وضروب الأعشاب وألوان الأزهار وأنواع الأشجار والثمار وما انقطع من جواري الجداول والأنهار، فاستعار الإحياء الذي حقيقته هو إفاضة الروح على الجسد للإخراج والإعادة المذكورين كما استعار الموت الذي هو حقيقة انقطاع تعلّق الروح بالجسد لليبس والذهاب، والجامع في الأولى إحداث القوى النامية في المواد والمنافع المترتبة على ذلك، وفي الثانية استيلاء اليبوسة وعدم النفع وهما استعارتان تبعيتان لأن المستعار في كل منهما فعل والقرينة في الأولى المجرور، أعني الضمير في (بها) العائد إلى السقيا لظهور عدم حصول الإحياء الحقيقي بالسقيا وفي الثانية الإسناد إلى الفاعل لأن الموت الذي يحيي المتصف به بالسقي لا يكون حقيقياً البتة.
(نافعة الحياء) والمطر (كثيرة المجتنى) والثمر (تروى بها القيعان) والأراضي المستوية (وتسيل بها البطنان) والأراضي المنخفضة ونسبة السيلان أو الإسالة إلى البطنان من المجاز العقلي إذ حقه أن يسند أو يوقع على الماء، لأنه الماء حقيقة ولكنه أوقع على مكانه لملابسته له كما أسند الفعل إليه في سال النهر، والغرض طلب كثرة المطر، (وتستورق الأشجار،
ص: ١٣
وترخص الأسعار، إنك على ما تشاء قدير) وبالإجابة حقيق جدير .
قال بعض شرّاح (الصحيفة الكاملة): اختلف في التسعير، فقيل: هو من فعل الله سبحانه وهو ما ذهبت إليه الأشاعرة بناء على أصلهم من أنه لا فاعل إلا الله تعالى، ولما ورد في الحديث حين وقع غلاء بالمدينة فاجتمع أهلها إليه وقالوا: سعر لنا يا رسول الله فقال: «المسعر هو الله» (1).
واختلفت المعتزلة في هذه المسألة، فقال بعضهم : هو فعل المباشر من العبد إذ ليس ذلك إلا مواضعة منهم على البيع والشرى بثمن مخصوص. وقال آخرون : هو متولد من فعل الله تعالى وهو تقليل الأجناس وتكثير الرغبات بأساس هي من الله تعالى.
والذي تذهب إليه معشر الإمامية: أن خروج السعر عن مجرى عادته ترقياً أو نزولاً إن استند إلى أسباب غير مستندة إلى العبد واختياره نسب إلى الله تعالى وإلا نسب إلى العبد كجبر السلطان الرعية على سعر مخصوص وما ورد في الحديث النبوي المذكور محمول على أنه لا ينبغي التسعير، بل يفوّض إلى الله ليقرره بمقتضى حكمته البالغة ورحمته الشاملة .
وما ورد من الأخبار عن أهل البيت (علیهم السَّلام) في هذا المعنى كما روي عن علي بن الحسين (علیهما السَّلام) أنه قال : إن الله وكل ملكاً بالسعر يدبره بأمره وعن أبي عبد الله (علیه السَّلام): إن الله وكل بالأسعار ملكاً يدبرها بأمره (2)، فالمراد بالسعر ما لم يكن للعبد وأسبابه مدخل، والله أعلم.
ص: ١٤
از جمله خطب شریفه آن ولی دین و سید وصیین است در مقام استسقا و باران خواستن از خدا که فرموده:
آگاه باشید به درستی که زمینی که بر می دارد شما را و آسمانی که سایه می افکند بر شما مطیع و منقاد هستند پروردگار شما را و نگردیده اند آن آسمان و زمین که ببخشد به شما برکت خودشان را به جهت غمخواری از برای شما و نه به جهت تقرّب و منزلت به سوی شما و نه از جهت خیری که امیدوار باشند به آن از شما ولكن مأمور شدند از جانب خداوند قادر قاهر به منفعتهای شما، پس اطاعت کرده اند و برپا داشته شدهاند بر نهايات مصلحت های شما، پس قیام نموده اند.
پس به درستی که خداوند تعالی مبتلا مینماید و امتحان میفرماید بندگان خود را هنگام اقدام بر اعمال ناشایست به نقص میوه جات و حبس کردن برکات و بستن خزینه های خیرها تا اینکه توبه نماید توبه کنندای و ترک کند گناه را ترك كننده ای و متذکر شود صاحب تذکر و منزجر شود قابل زجر.
و به تحقیق که گردانیده حق تعالی طلب مغفرت و استغفار را سبب فرود آمدن روزی و رحمت از برای خلق پس فرمود در کلام مجید :خود « اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا»، يعنی «طلب مغفرت و آمرزش نمایید از پروردگار خود به درستی که اوست صاحب مغفرت و آمرزنده»، تا بفرستد ابر را بر شما در حالتی که ریزان شود به باران و مدد فرماید شما را به اموال و اولاد، پس رحمت نماید خدا بر کسی که روی آورد به درگاه خدا به توبه و انابه و طلب اقاله و فسخ خطای خود را نمود و مبادرت و پیش دستی کرد به سوی مرگ خود با توبه نمودن از معصیت.
بارالها به درستی که ما بیرون آمده ایم به سوی رحمت تو از زیر پرده ها و پوشش ها؛ یعنی از خانه های خود بیرون آمده و پابرهنه رو به صحرا نهاده و متوجه تو شده ایم) بعد از ناله چهارپایان و فرزندان در حالتی که راغبیم در رحمت
ص: ١٥
تو و امیدواریم به زیادتی نعمت تو و ترسانیم از عذاب تو و عقاب تو .
بارپروردگارا، پس آب ده ما را به باران خودت و مگردان ما را از نومیدان و هلاك مکن ما را به سالهای قحطی و مؤاخذه مکن به ما به جهت فعل قبیح سفیهان و بی خردان ما، ای پروردگاری که ارحم الراحمین هستی .
بارخدایا، به درستی که ما بیرون آمده ایم به سوی تو، شکایت می کنیم به سوی تو چیزی را که پنهان و پوشیده نیست به تو وقتی که مضطر گردانید ما را تنگی ها به غایت سخت و ملجأ نمود ما را سال های قحطی و عاجز ساخت ما را مطلب هایی دشوار و هجوم آور شد به ما فتنه های صعب و با شدت.
بارالها، به درستی که ما سؤال می کنیم از فضل و کرم تو این که برنگردانی ما را در حالتی که مأیوس باشیم و بازنبری ما را در حالتی که محزون و پریشان شویم و خطاب عتاب نکنی به ما به جهت گناهان ما و قیاس نکنی ما را به اعمال قبیحه ما ... .
پروردگارا پراکنده کن بر ما باران خود را و سیراب کن ما را سیرابی با منفعت که سیراب سازنده هر موجود است و رویاننده گیاه که برویانی به سبب آن سیرابی آنچه که فوت شده باشد از غلات و زنده گردانی بهواسطه آن آنچه که مرده از نبات، آن چنان سیرابی که صاحب باران را منفعت باشد و بسیار شود میوه آن که سیراب گردانی به آن زمین های هموار را و روان گردانی به آن زمین های پست را و برگ دار گردانی درختان را به آن و ارزان گردانی نرخها را، به درستی که تو بر آنچه که می خواهی از رخص و جدب صاحب قدرت و توانایی.
ص: ١٦
بَعَثَ رُسُلَهُ بِما خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ، وَجَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلى خَلْقِهِ، لِئَلَّا تَجِبَ الحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ بِلِسانِ الصِّدْقِ إِلى سَبِيلِ الحَقِّ، أَلا إِنَّ اللهَ قَدْ كَشَفَ الخَلْقَ كَشَفَةً، لا أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرارِهِمْ، وَمَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ، وَلكِن ليَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، فَيَكُونَ الثَّوابُ جَزاءً، والعِقابُ بَواءً، أيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِحُونَ في العِلْم دُونَنَا كَذِباً وبَغياً عَلَيْنا ، أَنْ رَفَعَنَا الله َوَضَعَهُمْ، َوأَعْطانا وحَرَمَهُمْ ، وأَدْخَلَنا وأَخْرَجَهُمْ ، بِنا يُسْتَعْطَى الهُدى، ويُسْتَجْلى العمىٰ، إِنَّ الأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ ، غُرِسُوا في هَذَا البَطْنِ مِنْ هاشم، لا تَصْلُحُ عَلى سِواهُمْ، وَلا تَصْلُحُ الوِلاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ (1).
(الإعذار) التخويف والوعيد و (الكشف) الإظهار ورفع كل شيء عما يواريه ويستره (البواء) الكفوء، وباء الرجل بفلان: قتل به وأبأت القاتل بالقتل واستبتأته أي قتلته به و (كذب) يكذب من باب حسب كَذِباً وكِذْباً وكِذَبة وكَذبة وكذاباً و (البطن) دون القبيلة أو دون الفخذ وفوق العمارة، كذا في (القاموس) . وقيل : أول العشيرة الشعب. قال سبحانه: « وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» [الحجرات: ۱۳] ثم القبيلة، ثم البطن، ثم العمارة، ثم الفخذ.
قوله : (من وحيه) بيان لما الموصولة، وقوله : (ليبلوهم أيهم أحسن عملا)، كلمة (أي) إستفهامية مضافة إلى ما بعدها وهي مبتدأ و (أحسن) خبره ، و (عملا) تمييز، وجملة الاستفهام بدل من مفعول: يبلو، على حد قوله سبحانه : «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ» [الأنبياء : ٣] فإن جملة: (هل هذا إلا بشر)، بدل من النجوى .
ويجوز أن تكون الجملة الاستفهامية استئنافاً بيانياً، كأنه سئل عن المبتلين، وقيل: من
ص: ١٧
1) دلائل الإمامة : ۲۱، وبحار الأنوار : ٢٦١/٢٨ ح ٤٥.
هم؟ فقيل : أيهم أحسن عملاً ، نظير ما قاله بعض النحويين في قوله : «ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)» [مريم : ٦٩] من أن (أي) استفهامية، وجملة الاستفهام مستأنفة، ومن كل شيعة، مفعول ننزعن، والمعنى : لننزعن بعض كل شيعة، وكأن قائلاً يقول : ومن المنزعين ؟ فقيل : أيهم أشدّ .
وقوله : (أين الذين) استفهام على سبيل التقريع والتوبيخ، وقوله : (دوننا) في محل النصب حال من فاعل (الراسخون) وهو بمعنى سوى وغير مبني على الفتح لملازمته الإضافة، و (كذباً وبغياً) منصوبان على الحال من فاعل زعموا وهما بمعنى الفاعل، أي كاذبين في زعمهم ، و (علينا) متعلق ببغياً ، و (أن رفعنا) في محل النصب مفعول له لبغياً، أي بغيهم علينا لأن رفعنا الله ، وقوله : (لا تصلح) فاعله راجع إلى الإمامة المفهومة من قوله : (إن الأئمة من قريش).
إعلم أن هذا الفصل من الخطبة حسب ما أشار إليه الشارحان البحراني والمعتزلي منافرة بينه وبين قوم من الصحابة الذين كانوا ينازعونه الفضل، وصدر الفصل بالإشارة إلى بعث الرسل والحكمة في بعثهم ، فقال : (بعث رسله بما خصهم به من وحيه) الضمائر راجعة إلى الله سبحانه وإن لم يجر له ذكر لعدم الالتباس كما في قوله تعالى: «فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)» [النجم: ١٠] .
والوحي كلام مأخوذ من الله سبحانه بواسطة الملك والإلهام يحصل منه سبحانه بغیر واسطة وقيل الوحي قد يحصل بشهود الملك وسماع كلامه فهو من الكشف الصوري المتضمن للكشف المعنوي والإلهام من المعنوي، وأيضاً الوحي من خواص الرسالة ومتعلق بالظاهر، والإلهام من خواص الولاية، وأيضاً هو مشروط بالتبليغ كما قال: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» [المائدة: ٦٧] دون الإلهام، ومنهم من جعل الإلهام نوعاً من الوحي فيكون إطلاق الوحي على الإلهام في قوله سبحانه: «وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ» [النحل: ٦٨] ، «وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى» [القصص : ٧] على سبيل الحقيقة وأما على الأقوال السابقة فهو من باب التوسع والتجوز .
(وجعلهم حجة له على خلقه لئلا) يكون للناس على الله حجة بعد الرسل و (تجب الحجة لهم عليه بترك الأعذار) والتخويف وإبداء العذر في العقاب وتقديمه (إليهم) يعني أنه سبحانه إنما أرسل رسله مبشرين ومنذرين إتماماً للحجة وإزالة للعذر عنه في العقاب على العصيان لأن العقاب بلا بيان قبيح على الحكيم، كما قال تعالى: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» [الإسراء: ١٥].
ص: ١٨
فإن قلت: هذا ينافي القول بالواجبات العقلية وكفاية حكم العقل بالوجوب أو التحريم فيما استقل بحسنه أو قبحه ولو لم يبعث الرسل كما هو مذهب العدلية من الإمامية والمعتزلة.
قلت: قد أجاب عنه الشارح المعتزلي بأن صحة مذهبهم يقتضي أن يحمل عموم الألفاظ على أن المراد بها الخصوص، فيكون التأويل : لئلا يكون للناس على الله حجة فيما لم يدل العقل على وجوبه ولا قبحه كالشرعيات، وكذلك وما كنا معذبين على ما لم يكن العقل دليلاً عليه حتى نبعث رسولاً، ومحصله : أن العمومات مخصوصة بغير المستقلات، وأن المقصود بالآية: وما كنا معذبين قبل بعث الرسل إلا فيما استقل لحكمه العقل، هذا.
ويمكن الجواب بإبقاء الآية على عمومها والتصرّف في البعث بأن يجعل بعث الرسل كناية أو مجازاً عن مطلق بيان التكليف ولو بلسان العقل كما في المستقلات العقلية، إلا أنه لما كان الغالب على الأغلب كون البيان بالرسول، فعبر به عنه كما في قولك: لا أبرح هذا المكان حتى يؤذِّن المؤذن، مريداً به دخول الوقت إذ كثيراً ما يعلم دخوله به .
(فدعاهم بلسان الصدق) وهو لسان الأنبياء والحجج، لأنهم تراجمة وحي الله سبحانه ويقرب منه ما في (شرح البحراني) قال هو لسان الشريعة الناطقة عن مصباح النبوة المشتعل عن نور الحق سبحانه (إلى سبيل الحق) وهو سبيل الدين ونهج الشرع المبين.
ولما أشار (علیه السَّلام) إلى الحكمة في بعث الرسل أردفه بالتنبيه على الغرض من التكليف وهو قوله : (ألا إن الله تعالى قد كشف الخلق كشفة) أي أبداهم وأظهر حالهم بما تعبدهم به من الأحكام، إذ بالتعبد بها يظهر ما هم عليه من السعادة والشقاوة والجحود والتسليم، وهذا معنى ما قيل : إنه أراد بالكشف الاختبار والابتلاء (لا) لـ (ـأنه جهل ما أخفوه من مصون أسرارهم و) أضمروه من (مكنون ضمائرهم) بل هو العالم بالسرائر والخبير بمكنونات الضمائر.
وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء، وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم على ما مرّ تحقيقاً وتفصيلاً في تنبيهات الفصل السابع من الخطبة الأولى، وفي شرح الخطبة التاسعة والأربعين والخطبة الخامسة والثمانين فليراجع، (ولكن) كشفهم (ليبلوهم أيهم أحسن عملا).
إقتباس من الآية الشريفة في سورة (هود) قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» [هود : ٧] .
قال الطبرسي : معناه أنه خلق الخلق ودبّر الأمور ليظهر إحسان المحسن فإنه الغرض
ص: ١٩
في ذلك، أي ليعاملكم معاملة المبتلي المختبر لئلا يتوهم أنه سبحانه يجازي العباد على حسب ما في معلومه أنه يكون منهم قبل أن يفعلوه .
وفي سورة (الملك) : « «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» [٢].
قال الطبرسي: أي ليعاملكم معاملة المختبر بالأمر والنهي فيجازي كل عامل بقدر عمله، وقيل: ليبلوكم أيكم أكثر للموت ذكراً وأحسن له استعداداً وأحسن صبراً على موته وموت غيره، وأيكم أكثر امتثالاً للأوامر واجتناباً عن النواهي في حال حياته .
قال أبو قتادة سألت النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) عن قوله تعالى: « أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» ما عنى به؟ فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «يقول: أيكم أحسن عقلاً ، ثم قال : أتمكم عقلاً، وأشدّكم الله خوفاً، وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظراً، وإن كان أقلّكم تطوّعاً » (1).
وعن ابن عمر عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أنه تلى : «تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» إلى قوله : «الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» ، ثم قال: أيكُم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله . وعن الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها (2)، انتهى .
أقول : وقد مضى تفصيل الكلام في معنى ابتلاء الله سبحانه لعباده في شرح الخطبة الثانية والستين، ومحصله أنه سبحانه يختبر عباده مع علمه بما يؤل إليه أمرهم من سعادة أو شقاوة بأوامره ونواهيه ويعاملهم معاملة المختبر ليجازي كل عامل بمقتضى فعله وعمله، كما لا يجازي المختبر للغير إلا بعد وقوع الفعل والعمل منه (فيكون الثواب) منه تعالى (جزاء) للحسنات بمقتضى فضله (والعقاب بواء) للسيئات بمقتضى عدله .
ثم إنه لما أشار إلى الحكمة في بعث الرسل ونبّه على الغرض من التكليف أردفه بقوله : (أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا) وغرضه بذلك توبيخ الزاعمين لذلك والإنكار عليهم والتنبيه على أن الرسوخ في العلم مخصوص بأهل بيت الولاية وأن غيرهم كاذب في دعوى الرسوخ.
وهذه الدعوى منهم - أعني اختصاصهم بالرسوخ - قد شهدت عليها البراهين العقلية والنقلية، ونصت عليه العامة والخاصة.
أما العامة فلما أورده الشارح المعتزلي في شرح هذا المقام حيث قال : إنه كناية وإشارة إلى قوم من الصحابة كانوا ينازعونه الفضل، فمنهم من كان يدعي له أنه أفرض،
ص: ٢٠
ومنهم من كان يدعي له أنه أقرأ ، ومنهم من كان یدعي له أنه أعلم بالحلال والحرام، هذا .
مع تسليم هؤلاء له أنه (علیه السَّلام) أفضل (1)الأمة وأن القضاء يحتاج إلى كل هذه الفضائل وكل واحدة منها لا تحتاج إلى غيرها، فهو إذا أجمع للفقه وأكثرهم احتواء عليه إلا أنه لم يرض بذلك، ولم يصدق الخبر الذي قيل : أفرضكم فلان إلى آخره، فقال: إنه كذب وافتراء حمل قوماً على وضعه الحسد والبغي والمنافسة لهذا الحي من بني هاشم.
وأما الخاصة فقد تظافرت رواياتهم على ذلك.
ففي (البحار) من (بصائر الدرجات) بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال: نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله (2).
ومن (البصائر) أيضاً عن إبراهيم بن إسحاق عن عبد الله بن حماد عن بريد البجلي العجلي عن أحدهما في قوله تعالى: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» [آل عمران: ٧] آل محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ، فرسول الله أفضل الراسخين في العلم قد علمه الله جميع ما أنزله عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله .
ومن (مناقب) شهر آشوب عن أبي القاسم الكوفي قال : روي في قوله: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» إن الراسخون في العلم من قرنهم الرسول بالكتاب وأخبر أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.
قال صاحب (المناقب): وفي اللغة: الراسخ هو اللازم لا يزول عن حاله وليس يكون كذلك إلا من طبعه الله على العلم في ابتداء نشوئه كعيسى في وقت ولادته قال : « إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا» [مريم : ۳۰] الآية، فأما من يبقى السنين الكثيرة لا يعلم ثم يطلب العلم فيناله من جهة غيره على قدر ما يجوز أن يناله منه فليس ذلك من الراسخين. يقال : رسخت عروق الشجر في الأرض ولا يرسخ إلا صغيراً، انتهى (3).
وهذا هو الدليل العقلي على اختصاص الرسوخ لهم مضافاً إلى الأدلة الأخرى لا نطول بذكرها.
ولمكان الاختصاص كذب المدعين للإتصاف بالرسوخ والزاعمين لاختصاصه بهم
ص: ٢١
دونهم بقوله : (كذباً وبغياً علينا) وحسداً لنا وعلة كذبهم وبغيهم (أن رفعنا الله ووضعهم) أي رفع الله درجاتنا في الدنيا والآخرة على الكافة ووضعهم.
كما يدل عليه قوله سبحانه «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَع»َ [النور: ٣٦] فقد روي في (غاية المرام) من (تفسير الثعلبي) في تفسير هذه الآية برفع الإسناد إلى أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) هذه الآية فقام رجل فقال : يا رسول الله أي بيوت هذه؟ قال: «بيوت الأنبياء»، فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول الله هذا البيت منها؟ يعني بيت علي وفاطمة، قال : «نعم، من أفاضلها» (1). وبمعناها روايات أُخر عامية وخاصية.
(وأعطانا وحرمهم) أي آتانا النبوة والخلافة والإمامة وحرمهم هذه كما قال تعالى: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» [النساء: ٥٤]، قال أبو جعفر في المروي من (بصائر الدرجات) : فنحن الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله جميعاً (2).
ومن (مناقب ابن شهر آشوب) و (تفسير العياشي) عن أبي سعيد المؤدب عن ابن عباس في قوله : «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ»، قال : نحن الناس، وفضله النبوة.
(وأدخلنا) في عناية الخاصة (وأخرجهم) منها، ومن جملة تلك العناية الخاصة أنه سبحانه أمر بسد الأبواب الشارعة في المسجد غير باب أمير المؤمنين (علیه السَّلام)، روى الحمويني بسنده عن بريد الأسلمي قال : أمر رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بسد الأبواب فشق ذلك على أصحاب رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ، فلما بلغ ذلك رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) دعا الصلاة جامعة حتى إذا اجتمعوا صعد المنبر فلم يسمع لرسول الله تحميداً وتعظيماً في خطبة مثل يومئذ فقال: «يا أيها الناس ما أنا سددتها ولا أنا فتحتها، بل الله عزّ وجل سدها » (3)، ثم قرأ: «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)» [النجم: ١-٤]، وقال رجل: دع لي كوَّة تكون في المسجد، فأبى وترك باب علي صلوات الله عليه مفتوحاً وكان يدخل ويخرج منه وهو جنب (4)
أخرج الطبراني واحمد والحاكم وابن عساكر والنسائي والذهبي وغيرهم عن ابن عباس من ضمن احتجاجه على قوم: وسد رسول الله ابواب المسجد غير باب علي فيدخل المسجد جنبا وهو طريقه ليس له طريق غيره (المعجم الكبير : ۱۲ / ۷۸ ح ۱۲۵۹۳ . ۱۲۵۹٤ ترجمة ابن عباس ما روي عمرو بن ميمون عنه، ومستدرك الصحيحين : ٣ / ۱۳۲ ح ۱۲۵۰ وصصحه ووافقه الذهبي، وترجمة علي من تاريخ دمشق: ۱ / ۲۰٦ ح ۲۵۰ . ۲۵۱ ، ومسند احمد: ۱ / ۳۳۱ ط.م و ٥٤٥ ط. ب ورجاله رجال الصحيح الا ابي بلج وهو ثقة فيه لين على ما قال الهيتمي مجمع الزوائد : ۹ / ۱۲۰ ط. مصر ١٣٥٢ وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد : ٩ / ۱۵۹ ح ١٤٦٩٦ ، ومناقب الخوارزمي : ۱۲۷ ح ١٤٠ الفصل ۱۲ ، وخصائص النسائي : ٥٨ ، ح ٤٢).
واخرج الطبراني عن جابر بن سمرة قال : « امر رسول الله بسد ابواب المسجد كلها غير باب علي رضي عنه فقال العباس : يا رسول الله قدر ما ادخل انا وحدي وأخرج ؟.
قال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): ما امرت بشيء من ذلك، فسدها كلها غير باب علي وربما مرّ وهو جنب» (المعجم الكبير : ٢ / ٢٤٦ ح ۲۰۳۱ ترجمة ابن سمرة ما روي ناصح ابو عبد الله عن سماك بن حرب عنه).
واخرج أحمد وأبو يعلى وغيرهما عن ابن عمر قال : كنا نقول في زمن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «رسول الله خير الناس ثم ابو بكر ثم عمر، ولقد أوتي ابن ابي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن أحب الي من حمر النعم : زوّجه رسول الله ابنته وولدت له وسد الابواب الا بابه في المسجد واعطاء الراية يوم خيبر» اسناده حسن (مسند احمد: ٢ / ۲٦ ط.م و ١٠٤ ط. ب ح ٤٧٨۲ ، ومسند أبي يعلى: ٩ / ٤٥٣ ٤ ح ٥٦٠١ مسند ابن عمر مع تفاوت بسيط وبالهامش: اسناده حسن، وذخائر العقبي : ۷۷ مع حذف المطلع، واسد الغابة : ٣/ ٢١٤ ترجمة أبي بكر: فضائله، وترجمة علي من تاريخ دمشق : ١ / ٢٤٣ ح ۲۸۳، وفرائد السمطين: ١/ ٢٠٨ الباب ٤١).
وأخرج البزار عن امير المؤمنين (علیه السَّلام) قال : أخذ رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بيدي فقال : «ان موسى سأل ربه أن يظهر مسجده بهارون واني سألت ربي ان يطهر مسجدي بك وبذريتك، ثم أرسل إلى أبي بكر سد بابك فاسترجع ثم قال : سمع وطاعة فسد بابه، ثم ارسل الى عمر ثم ارسل الى ابن عباس مثل ذلك.
ثم قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): ما انا سددت أبوابكم وفتحت باب علي ولكن الله فتح باب علي وسد ابوابكم» (وفاء الوفاء : ٢ / ٤٧٨ ، ومجمع الزوائد : ٩ / ١١٤ ط. مصر ۱۳۵۲ وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد : ٩ / ١٤٩ ح ١٤٦٧٣ كتاب المناقب، وكنز العمال : ٦ / ٤٠٨ ط. دكن ۱۳۱۲ ، ومنتخب الكنز : ٥ / ٥٥ ، والحاوي للفتاوى : ٢ / ٥٧ رسالة شد الأثواب في سد الابواب واللآلىء المصنوعة ١ / ٣٥١ مناقب الخلفاء الاربعة).
وعن جابر بن سمرة : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «سدوا ابواب المسجد الا باب علي».
فقال رجل : اترك لي قدر ما اخرج وأدخل ؟.
فقال رسول الله : « لم أومر بذلك»
قال : اترك بقدر ما اخرج صدري يا رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)؟
فقال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «لم اومر بذلك»، وانصرف.
قال رجل: فبقدر راسي يا رسول الله ؟
فقال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «لم أومر بذلك».
وانصرف واجداً باكياً حزيناً.
فقال رسول الله: «لم اومر بذلك سدوا ابواب المسجد الا باب علي» وفاء الوفاء : ٢ / ٤٨٠ ، وتاريخ المدينة للسمهودي: ١ / ٣٤٠ ط. مصر مع تفاوت يسير والحاوي للفتاوى : ٢ / ٥٧ رسالة شد الاثواب في سد الابواب بتفاوت عن الطبراني).
واخرج أبو نعيم وابن مردويه عن ابي الحمراء وحبة العرني قالا : أمر رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ان تسد الابواب التي في المسجد فشق عليهم، قال حبة: اني لأنظر الى حمزة بن عبد المطلب وهو تحت قطيفة حمراء وعيناه تذرفإن وهو يقول : اخرجت عمك وأبا بكر وعمر والعباس واسكنت ابن عمك فقال رجل يومئذ: ما يألو برقع ابن عمه.
قال: فعلم رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) انه قد شق عليهم فدعا الصلاة فلما اجتمعوا صعد المنبر فلم يسمع لرسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) خطبة قط كان أبلغ منها تمجيداً وتوحيداً، فلما فرغ قال : «يا أيها الناس ما أنا سددتها ولا انا فتحتها ولا انا أخرجتكم واسكنته ثم قرأ «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى » (تفسير الدر المنثور : ٦ / ۱۲۲ ذیل مورد الآية - النجم . ١ ، واللآلىء المصنوعة : ١ / ٣٥١ مناقب الخلفاء الاربعة).
وأخرج البزار عن مصعب بن سعد عن أبيه إن النبي قال : «سدوا كل خوخة في المسجد الا خوخة علي» (لسان العرب : ٢ / ١٤ باب الخاء مادة خوخ، ونظم درر السمطين ۱۰۸ ط. مطبعة القضاء بمصر عن البزار برقم ٢٥٥٦).
صحة وتواتر حديث سد الأبواب
اجمع الحفاظ على صحة حديث سد الابواب في أمير المؤمنين علي.
وكما علمت مفصلاً فقد روي عن أكثر من بضع وعشرين طريقاً عن اجلاء الصحابة أكثرها حسان وبعضها صحاح، وجلّ رواتها ثقاة كما ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني القول المسدد : ۱۷ - ۲۰ ، وفتح الباري: ١٢/٧ - ١١ ط. مصر و ۷ / ۱۸ ح ٣٦٥٤.
*وقد صرح السيوطي وغيره بتواتره في علي اتحاف ذوي الفضائل : ١٦٧ ح ٢١٣، ونظم المتناثر : ۲۰۳ ح ٢٢٩.
وقال : فهذه الطرق المتظاهرة من روايات الثقات تدل على أن الحديث صحيح دلالة قوية القول المسدد: ۱۷ - ۱۸. ۲۱ ط. حيدر آباد سنة ۱۳۱۹ هـ الطبعة الاولى، و ١٤٠٠ هـ الطبعة الثالثة، وفتح الملك العلي عنه : ٦١ .
وقال: هذه الاحاديث تقوي بعضها بعضاً وكل طريق منها صالحة للاحتجاج فضلا عن مجموعها . وقد اخطأ ] ابن الجوزي[ في ذلك خطأً شنيعاً فانه سلك ردّ الاحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة مع ان الجمع بين القصتين ممكن وفاء الوفاء : ٢ / ٤٧٦ الباب الرابع الفصل ۱۲، وفتح الباري: ٧ / ۱۲ ط. مصر و ٧ / ١٨ ح ٣٦٥٤ ط. دار الكتب العلمية .
وقال في أجوبته على المصابيح: وقد ورد من طرق كثيرة صحيحة أن النبي لما أمر يسد الأبواب الشارعة في المسجد الا باب علي فشق على بعض الصحابة، فأجابهم بعذره في ذلك أجوبة الحافظ ابن حجر العسقلاني عن أحاديث المصابيح المطبوع بذيل مشكاة المصابيح : ٣ / ۱۷۹۰.
ويشهد لصحته احتجاج سعد : أخرجه الشاشي قال سعد لمروان لما سب علياً : أخبرك بأربع سبق لعلي من رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لا ينبغى أحد منا ينتحلهن» دخل علينا رسول الله المسجد ونحن رقود فينا أبو بكر وعمر فجعل يوقضنا رجلاً رجلاً ويقول : «لا ترقدوا في المسجد ارقدوا في بيوتكم» حتى انتهى الى علي فقال : يا علي أما أنت فتم فانه يحل لك فيه ما يحل لي» مسند الشاشي: ١ / ١٤٦ ح ۸۲ مسند سعد - بقية حديث ابراهيم بن سعد.
دلالة الحديث وجمع ابن حجر
وعلى حد كلامه كلام الخطابي وابن رجب الحنبلي والحافظ ابن حجر والطحاوي والقاضي المالكي والكلاباذي ومن قال بقولهم (راجع الحاوي للفتاوى للسيوطي: ۲/ ۵۹ رسالة شد الاثواب بسد الابواب ولطائف المعارف : ۱۰۷ المجلس الثالث في ذكر وفاة رسول الله).
ولذا حاولوا الجمع بين هذه الاحاديث لصحتها جميعاً عندهم.
قال الحافظ ابن حجر: ومحصل الجمع ان الأمر بسد الابواب وقع مرتين، ففي الاولى استثنى علياً لما ذكره من كون بابه كان الى المسجد ولم يكن له غيره وفي الاخرى استثنى ابا بكر ولكن لا يتم ذلك الا بأن يحمل ما في قصة علي على الباب الحقيقي وما في قصة أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة كما صرح به في بعض طرقه وكانهم لما أمروا بسد الابواب سدوها واحدثوا خوخاً يستقربون الدخول الى المسجد منها فامروا بعد ذلك بسدها.
وبها جمع بينهما الطحاوي في مشكل الآثار والكلاباذي في معاني الاخبار (فتح الباري : ٧ / ١٢ - ٢٠ ط. مصر و ۷ / ۱۸ ح ٣٦٥٤ ط. دار الكتب العلمية، والقول المسدد : ۱۷ - ۱۸ ط. حيدر آباد سنة ١٣١٩ هـ الطبعة الأولى ، و ١٤٠٠ هـ الطبعة الثالثة).
قولنا في دلالة الحديث
واما على رأي ابن حجر والعسقلاني والطحاوي والكلاباذي ومن وافق قولهم كالسمهودي وغيره القائلين بصحة حديث الأبواب في علي على الحقيقة وفي ابي بكر على المجاز، فهم عندهم الحديث يدل على خلافة علي (علیه السَّلام) بالحقيقة وعلى خلافة أبي بكر بالمجاز !.
ذلك أن الخطابي وابن بطال وابن حبان والمقريزي وغيرهم افادوا دلالة الحديث على الخلافة ودعواها.
وهذا جمع بين القولين.
واما جمعهم فيرده امور :
فالروايات مصرحة بهذا المنع فلا معنى للاستثناء، الا على القول بمعصية أجلاء الصحابة في أمره، مع قوله في بعض طرقه : «سدوا قبل أن ينزل العذاب».
خاصة ان القول بتكرار القصة دعوى لا دليل عليها في الروايات سوى تاييد قول البكرية في وضعهم لحديث سد الابواب الا باب أبي بكر.
الامر الثاني : ان هذا الجمع ان اريد منه أن الرسول سد الابواب الا باب علي، ثم سد الخوخات الا خوة ابي بكر فانه ينافي الكثير من الروايات المصرحة والتي منها رواية البخاري في الصحيح ، بان الرسول استثنى باب ابي بكر لا خوخته، التي رويت عن أبي سعيد وأيوب بن بشير ومعاوية وأنس وعائشة ويحى بن سعد وحكيم بن عمير وأبي الحويرث.
وفي المقابل الروايات المعبرة بالخوخة ليست الا رواية ابن عمر وابن عباس (يراجع الحاوي للفتاوى للسيوطي : ٢/ ٥٤. ٥٥ .٥٦ .٧٢ رسالة شد الأثواب بسد الابواب، واللآلیء، المصنوعة ١ / ٣٥٢ مناقب الخلفاء الأربعة).
هذا بناء على ان المراد من الخوخة الكوة لا الباب كما فهمه القاضي المالكي في أحكامه والكلاباذي في معانيه والطحاوي في المشكل .
وقال السيوطي قد ثبت بالاحاديث السابقة وقرر العلماء أن أبا بكر لم يؤذن له في فتح الباب، بل أمر بسد بابه، وانما اذن له في خوخة صغيرة وهي المراد من حديث البخاري (الحاوي للفتاوى للسيوطي : ۲ / ۸۰ ذيل رسالة شد الاثواب بسد الابواب).
على أنه في ذلك الازمان لم يكن متعارف سوى الابواب والنوافذ ولا ثالث.
ويشهد له ما تقدم في الاحاديث من طمع الصحابة ببقاء كوة أو مقدار الابرة وما شابهه، ولا قائل منهم ببقاء الخوخة اما لعدم الفرق بينها وبين الباب وأما لعدم وجودها أصلاً، فسد النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) الابواب والنوافذ والكوة وما شابه ذلك جميعاً ، فكيف يصح بعدها أمرهم بسد الخوخات أو النوافذ، وهل هو الا تحصيل للحاصل !!
هذا مع أنه منافي لما روي أن الرسول سد كل الخوخات الا خوخة علي (لسان العرب: ٣ / ١٤ باب الخاء مادة خوخ ونظم درر السمطين : ۱۰۸ ط. مطبعة القضاء بمصر).
وان اريد منه ان الخوخة شبيه الباب أو نفسه . كما هو نص أكثر الروايات كما تقدم فهذا ما منع منه رسول الله اولا، وهو المرور والدخول من الدور الى المسجد والروايات مصرحة بذلك.
فلا معنى للاستثناء مرة أخرى لابي بكر مع عدم وجود المستثنى منه ؛ اذ المفروض أن الصحابة جميعاً التزموا بالأمر وسدوا الابواب والذي منهم أبو بكر كما تقدم التصريح به، فلا معنى للحديث مع الاستثناء، نعم لو وضع البكرية الحديث بنحو : «يا أبا بكر افتح بابك المغلق دون الصحابة» لكان له وجه، لعدم تنافيه مع أحاديث سد الابواب من الاول، اذ يقال أنه النبي في اخر عمره فتح باب أبي بكر الذي كان مسدوداً ، ولكن يد التزوير كانت ناقصة !!.
نعم يُبتلى بأنه يعارض بقاء باب علي مفتوحاً مع ان المتفق عليه بقاء بابه مفتوحاً بعد وفاة النبي، اذ النبي لم يستثني من الصحابة . في أحاديث فتح باب أبي بكر - باب علي.
بل أصل أحاديث الباب في أبي بكر لا تصح لانها لم تستثني باب علي المفتوح.
على أن الهدف من السد هو إلغاء المرور لمن ليس أهلاً له لا مجرد اغلاق الأبواب.
نقل المقريزي في كتابه امتاع الاسماع : «سدوا هذه الابواب الشوارع الى المسجد، فقال عمر دعني يا رسول الله أفتح كوة أنظر اليك تخرج الى الصلاة ! .
فقال : لا (اسماع الامتاع : ١ / ٥٤٥ . وفاة الرسول . ذيل الكتاب).
فلاحظ :أولاً : أن المأمور به سدّ نفس الابواب لا الكوة .
وثانياً : من هذا الحديث يعلم أن الرسول لم يأمرهم بسد شيء قبل ذلك لان عمر كان بابه مفتوح، وكذلك بقية الصحابة، فمتى سد باب أبو بكر ..؟!
وهذا دليل على عدم امكان الجمع، ثم على بطلان أحاديث السد في حق الخليفة الاول، وأنه من وضع البكرية كما قال ابن أبي الحديد، أو بخصوصيته لعلي كما قال الجصاص.
ويؤيده بل هو نص فيه ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس والبزار عن محمد ابن علي الباقر بسند جيد من التعبير بالخروج من المسجد لا بعنوان سد الابواب (مجمع الزوائد: ٩ / ١١٥ ط . مصر ١٣٥٢ وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ٩ / ۱۵۱ ح ١٤٦۷۷-١٤٦٧٨ كتاب المناقب).
وعليه فلا معنى لاستثناء باب أو خوخة ابي بكر، لان ابي بكر كعمر وعثمان والعباس وحمزة من هذه الناحية، أعني ناحية عدم الطهارة، الا أن يقال أن أبا بكر طهر في اخر حياته ! ولو كان لابد من الاستثناء لاستثنى خوخة لعميه .
ويؤيده ما روي عن ابن عباس وغيره كما تقدم أن علي كان يمر بالمسجد وهو جنب.
وقوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «سألت ربي أن يطهر مسجدي بك وبذريتك ». أخرجه البزار
(مسند البزار : ٢ / ١٤٤ ح ٥٠٦)
بل هناك كثير من الروايات صرحت بانه لا يحل لغير النبي وعلي الجماع وعرك النساء في المسجد، كما اخرجها ابن مردويه، والترمذي وحسنه، والنووي وقال : حسنه الترمذي لشواهد، والبيهقي في السنن، وابن منیع في مسنده عن جابر وابن أبي شيبة في مسنده عن أم سلمة، وأبي يعلى في مسنده والقاضي اسماعيل في أحكام القرآن عن ابن حنطب، وأبي يعلى في المسند عن أبي سعيد، وابن عساكر في التاريخ من طرق . (ترجمة علي من تاریخ دمشق: ۱ / ۲۹۲ ح ۳۳۱ رواه من طرق، واللآلىء المصنوعة : ١ / ٣٥٠ - ٣٥٣ مناقب الخلفاء الاربعة، والفوائد المجموعة : ٣٦٦ - ٣٦٧ مناقب علي ح ٥٦ ، ومناقب آل أبي طالب : ٢ / ١٩٤ فصل في الجوار، والسنن الكبرى : ٢ / ٤٤٢ باب الجنب يمر في المسجد، وج ٧ / ٦٥ باب دخول المسجد جنباً، ومسند أبي يعلى: ۲ / ۳۱۱ ح ۱۰٤۲ مسند أبي سعد وبالهامش (أخرجه الترمذي وقال حسن غریب).
منها : ما أخرجه ابن عساكر وابن أبي شيبة في مسنده عن ام سلمة قالت : خرج النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) من بيته حتى انتهى الى صرح المسجد فنادى بأعلى صوته : «انه لا يحل المسجد لجنب ولا لحائض الا لمحمد وازواجه وعلي وفاطمة بنت محمد ألا هل بينت لكم الأسماء ان تضلوا» (ترجمة علي من تاريخ دمشق : ١ / ٢٩٤ ح ۳۳۳، واللآلىء المصنوعة : ١ / ٣٥٣ مناقب الخلفاء الاربعة عن ابن أبي شيبة).
وأخرجه البيهقي بلفظ : « ألا لا يحل المسجد لجنب وحائض إلا لرسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين» (السنن الكبرى: ٧ / ٦٥ باب دخول المسجد جنباً، واللآلىء المصنوعة : ١ / ٣٥٤ مناقب الخلفاء الاربعة).
وأخرج ابن راهويه في مسنده والبيهقي في السنن عن عائشة : « وجهوا هذه البيوت عن المسجد فاني لا أحل المسجد لحائض وجنب الا لمحمد وآل محمد» (السنن الكبرى : ٢ / ٤٤٢ باب الجنب يمر في المسجد ومسند اسحاق ابن راهويه ۳/ ۱۰۳۲ ح ۱۷۸۳ من مسند عائشة).
وأخرج البزار عن علي قال : أخذ رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بيدي فقال : « ان موسى سأل ربه أن يطهر مسجدي بهارون وأني سألت ربي أن يطهر مسجدي بك وبذريتك ».
ثم أرسل الى أبي بكر أن سد بابك، فاسترجع !.
ثم قال سمع وطاعة، ثم أرسل الى عمر». (وفاء الوفاء: ٢ / ٤٧٧ ، ومجمع الزوائد : ٩ / ١١٥ ط. مصر ١٣٥٢ وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد : ۹ / ١٤٩ ح ١٤٦٧٣ كتاب المناقب عن البزار برقم ٢٥٥٢ ، وكنز العمال: ٦ / ٤٠٨ ط. دكن ۱۳۱۲ ، ومنتخب الكنز : ٥ / ٥٥ . وما بين المعقودين من المجمع). واستشهد ابن عباس وعلي كما تقدم بحديث سد الأبواب لحلية دخول المسجد لعلي ولطهارته كما طهر هارون .
وكذا الرواية عن ابن عمر وعلي وأبي رافع المصرحة بذلك (مجمع الزوائد: ٩ / ١١٥ ط مصر ١٣٥٢ وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: ٩ / ١٤٩ ح ١٤٦٧٢ كتاب المناقب، وبحار الانوار: ۳۹ / ۳۳ باب ۷۲ ومناقب آل أبي طالب ٢ / ١٩٤ فصل في الجوار).
وتقدم كلام سبط ابن الجوزي في تاييد حديث سد الابواب برواية حرمة الدخول المسجد لغير علي، وكذا فعل الحافظ ابن حجر في القول المسدد (القول المسدد : ۲۱ ط. حيدر آباد سنة ۱۳۱۹ هـ الطبعة الأولى، و ١٤٠٠ هـ الطبعة الثالثة).
على أنه كان لابد من فتح باب لعمر وعثمان لخلافتهما ولو عند توسعة المسجد، والتي مدتها أطول من خلافة الاول فالحاجة أكثر.
بل حتى في خلافته كان دخول عمر للمسجد أكثر ، وقد قال البعض لابي بكر : «أنت الخليفة أم هو ؟! . فقال أبو بكر : بل هو ولو شاء كان».
قال البوصيري بعد الحديث : رجاله ثقات (شرح النهج : ٣ / ۱۰۸ ط. مصر الاولى، والدر المنثور: ۳ / ۲٥٢ ذيل قوله «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ» (من سورة التوبة وكنز العمال: ۲/ ۱۸۹ ط. دکن ۱۳۱۲ ، والمطالب العالية : ۲ / ۲۱۹ ح ۲۰۷۳ باب الوزراء ورد الوزير امر الامير، ويراجع هامش المطالب العالية أيضاً).
هذا مضافاً إلى أن العلماء صرحوا أن المعيار في فتح باب أبي بكر هو اجازة النبي قال السيوطي: لو بقيت دار أبي بكر واتفق هدمها واعادتها أعيدت بتلك الخوخة كما كانت بلا مرية، فلا تجوز الزيادة فيها بالتوسعة ولا جعلها في موضع آخر من المسجد ؛ اقتصاراً على ما ورد الاذن من الشارع الواقف فيه (الحاوي للفتاوى للسيوطي: ۲/ ۸۰ ذيل رسالة شد الاثواب بسد الابواب).
وفي بعضها مصرح بان النبي امر بسد باب ابي بكر بالاسم لا خوخته، كما تقدم في رواية أمير المؤمنين وكذا رواية ابن زبالة (وفاء الوفاء : ٢ / ٤٧٧) .
*الامر الخامس : ما تقدم في احتجاج الصحابة بالحديث وانه لم يفتح غير بابه مع سد كل الابواب، ولم يعترض أحد عليه وأن أبا بكر كان له باباً كما كان لك.
فلو صحة أحاديث أبي بكر لقال له : فتح النبي بابي كما فتح بابك ؟!
*الأمر السادس: أنه على رأي ابن حبان والخطابي وابن بطال القائلين بدلالة الحديث على الخلافة يستحيل الجمع إلا على القول بتعدد الخليفة !.
*الامر السابع ان بعض الروايات التي تقول ان العباس او حمزة اعترضا على رسول الله في ذلك نحو ما روى عن الهلالي : «يا رسول الله اخرجت عمك واسكنت ابن عمك» وفاء الوفاء : ٢ / ٤٧٧.، فكان الأولى من العباس الاعتراض على ترك باب ابي بكر لا الاعتراض على باب علي المطهر بآية التطهير والذي بيته في المسجد
وان كان بعد استشهاد حمزة لاعترض العباس .
ومن ذلك يعلم بطلان اصل حديث سد الابواب إلا باب ابو بكر كما صرح بذلك ابن أبي الحديد قال: ان سد الابواب كان لعلي فقلبته البكرية الى ابي بكر (شرح النهج : ۱۱ / ٤٩ شرح الخطبة ٢٠٣).
*الامر الثامن: قال الجصاص : فاخبر في هذا الحديث بحظر النبي الاجتياز كما حظر عليهم القعود، وما ذكر من خصوصية علي رضي الله عنه صحيح ، وانما كانت الخصوصية فيه لعلي دون غيره ، فثبت بذلك ان سائر الناس ممنوعون من دخول المسجد مجتازين وغير مجتازين (احكام القرآن : ٢ / ٢٤٨).
*الامر التاسع: أنه من المسلم به وجود عمر وأبي بكر في جيش اسامة وذلك قبيل وفاة النبي الاعظم (راجع تاريخ ابن الاثير : ٢ / ٥ ذكر أحداث سنة ۱۱ ، وتاريخ اليعقوبي : ۲ / ۱۱۳ ذكر الوفاة، وشرح النهج : ١ / ١٥٩ شرح الخطبة الثالثة) وهذا بنفسه خير دليل على :
۱ - بطلان أصل حديث سد الابواب في أبي بكر لانه لم يكن حاضراً عند وفاة النبي: أما قبل الوفاة بايام فالمفروض أنه في جيش اسامة والنبي لعن من تخلف عنه .
وأما قبيل الوفاة فقد كان في منزله بالسنخ (فتح الباري شرح صحيح البخاري: ٣/ ١٤٧ ح ١٢٤٢ کتاب الجنائز باب ۳ و ٧ / ٢٣ ح ٣٦٧٠ كتاب الفضائل باب) . والسنخ موضع قرب المدينة .
۲ - ولو سلم فلا يدل على الخلافة لان النبي الاعظم (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كان يعلم بوفاته كما تقدم في الكتاب الثاني مفصلاً - فكيف يعقل ابعاده عن الخلافة، ثم سد بابه الدال على الخلافة !؟
.ص: ٢٢
(بنا يستعطى الهدى) لأنهم الأعلام والمنار ونور الأنوار وشموس الضياء وكواكب
ص: ٢٣
الدّجى ونجوم الظلماء، والهداة لمن اهتدى في الآخرة والأولى على ما مرّ تحقيقاً وتفصيلاً
ص: ٢٤
في شرح الخطبة الرابعة
ص: ٢٥
(ويستجلي العمى) وهو استعارة وفاقية مرشحة حيث استعير العمى للضلالة بجامع عدم
ص: ٢٦
الاهتداء وقرن بما يلائم المستعار منه وهو الاستجلاء.
ص: ٢٧
وقوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): إن الأئمة من قريش مأخوذ من الحديث النبوي المعروف بين الفريقين
ص: ٢٨
حسب ما تطلع عليه في التنبيه الآتي، وهو مفيد للحصر كما نبه عليه العلامة التفتازاني في باب تعريف المسند من (شرح التلخيص) حيث قال : إن المعرف بلام الجنس إن جعل مبتدأ فهو المقصور على الخبر سواء كان الخبر معرّفاً بلام الجنس أو غيره نحو: الكرم هو التقوى أي لا غيرها، والأمير الشجاع أي لا الجبان، والأمير هذا أو زيد أو غلام زيد أو كان غير معرّف أصلاً نحو التوكل على الله والتفويض إلى أمر الله والكرم في العرب والإمام من قريش لأن الجنس حينئذ يتحد مع واحد مما يصدق عليه الخبر فلا يتحقق بدون ذلك الواحد، لكن يمكن تحقق واحد منه في الجملة بدون ذلك الجنس فيلزم أن يكون الكرم مقصوراً على الاتصاف بكونه في العرب، ولا يلزم أن يكون ما في العرب مقصوراً على الاتصاف بالكرم وعلى هذا القياس.
قال المحقق الشريف : في وجه إفادته القصر لأن المعنى أن كل توكل على الله وكل تفويض إلى أمر الله وكل كرم في العرب فيلزم أن يكون الكرم مقصوراً على الاتصاف بكونه في العرب، لأن كل فرد منه موصوف بكونه فيهم فلا يوجد فرد منه في غيرهم، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل ما هو كائن في العرب موصوفاً بكونه كرماً ، لئلا يلزم قصر الخبر على المبتدأ، انتهى .
فقد ظهر بذلك أنه لا غبار على إفادته القصر وإن اختلفت أنظارهم في وجه إفادته له،
ص: ٢٩
وليكن هذا على ذكر منك تتنبه به على فساد أكثر ما ذهب إليه المعتزلة في باب الإمامة حسب ما حكاه الشارح المعتزلي عنهم على ما تطلع عليه في التنبيه الآتي إن شاء الله .
وقوله : (غرسوا في هذا البطن) المعيّن (من هاشم) أراد به نفسه الشريف مع الأحد عشر من ولده على ما هو مذهب أصحابنا الإمامية المحقة رضوان الله عليهم.
وقوله : (لا تصلح) أي الإمامة المستفادة من سوق الكلام (على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم) وهو تأكيد لما قد دل عليه القصر السابق واختصاص الإمامة بالعترة الطاهرة، أعني الأئمة الإثنى عشر (علیهم السَّلام) كما هو مدلول الفقرة الأخيرة.
ووجهه أن للولاية والإمامة خصائص بها يتأهل لها، وتلك الخصائص موجودة فيهم غير موجودة في غيرهم فلا تصلح إلا لهم (علیهم السَّلام) كما تقدم تحقيق ذلك وتوضيحه في شرح الفصل الخامس من الخطبة الثانية في معنى قوله : ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة .
قال الشارح المعتزلي في شرح قوله : (إن الأئمة من قريش) إلى آخر الفصل، ما لفظه: قد اختلف الناس في اشتراط النسب في الإمامة.
فقال قوم من قدماء أصحابنا: النسب ليس فيها شرطاً أصلاً وأنها تصلح في القرشي وغير القرشي إذا كان فاضلاً مستجمعاً للشرائط المعتبرة واجتمعت الكلمة وهو قول الخوارج.
وقال أكثر أصحابنا وأكثر الناس: إن النسب شرط فيه وإنها لا تصلح إلا في العرب خاصة ومن العرب فقريش خاصة .
وقال أكثر أصحابنا : معنى قول النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) «الأئمة من قريش» أن القرشية شرط إذا وجد في قريش من يصلح للإمامة فإن لم يكن فيها من يصلح فليست القرشية شرطاً فيها.
وقال بعض أصحابنا : معنى الخبر أنه لا يخلو قريش أبداً ممن يصلح للإمامة، فأوجبوا بهذا الخبر وجود من يصلح من قريش لها في كل عصر وزمان.
وقال معظم الزيدية : إنها في الفاطميين خاصة من الطالبيين لا تصلح في غير البطنين ولا تصح إلا بشرط أن يقوم بها ويدعو إليها فاضل زاهد عالم عادل شجاع سائس .
ص: ٣٠
وبعض الزيدية يجيز الإمامة في غير الفاطميين من ولد علي (علیه السَّلام) وهو من أقوالهم الشاذة.
وأما الراوندية فإنهم خصصوها بالعباس وولده من بطون قريش كلها وهو القول الذي ظهر في أيام المنصور والمهدي.
وأما الإمامية فإنهم جعلوها سارية في ولد الحسين (علیه السَّلام) في الأشخاص المخصوصين ولا تصح عندهم لغيرهم.
وجعلها الكيسانية في محمد بن الحنفية وولده.
ومنهم من نقلها منه إلى ولد غيره .
ثم قال الشارح : فإن قلت : إنك شرحت هذا الكتاب على قواعد المعتزلة وأصولهم فما قولك في هذا الكلام وهو تصريح بأن الإمامة لا تصلح من قريش إلا في بني هاشم خاصة وليس ذلك بمذهب المعتزلة لا متقدّميهم ولا متأخريهم.
قلت: هذا الموضع مشكل ولي فيه نظر وإن صح أن علياً قاله كما قال لأنه ثبت عندي أن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : «إنه مع الحق وإن الحق يدور معه حيثما دار»، ويمكن أن يتأول على مذهب المعتزلة فيحمل أن المراد به كمال الإمامة كما حمل قوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد » (1)على نفي الكمال لا على نفي الصحة، انتهى كلامه هبط مقامه.
أقول : محصل ما حكاه الشارح من الأقوال وأورده في هذا المقام عن أصحابه المعتزلة وغيرهم عشرة .
أما القول الأول : فيبطله قوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «الأئمة من قريش» لإفادته القصر واشتراطه النسب حسب ما عرفت سابقاً
وأما القول الثاني : فهو مسلّم لكن لا على إطلاقه بل بتقييد القرشي بالبطن المخصوص من هاشم أعني علياً وولده للأدلة الآتية الدالة عليه مضافة إلى ما تقدم من تصريح علي (علیه السَّلام) به.
أما القول الثالث : ففيه إنا قدمنا أن معنى النبوي أنه لا بد أن يكون الإمام من قريش وعليه فلا معنى لقولهم : فإن لم يكن فيها من يصلح فليست القرشية شرطاً فيها، ضرورة أنه إذا لم تكن شرطاً فيها على تقدير عدم وجود من يصلح لجاز أن يكون من غيرها لكنه باطل
ص: ٣١
1) دعائم الإسلام : ١٤۸/۱ ، والمجازات النبوية : ١١٢.
بمقتضى القصر ولازمه أنه إذا فرض عدم وجود من يصلح من قريش لها أن لا يكون هناك إمام أصلاً على ما هو قضية الشرطية المستفادة من القصر لا وجوده من غير قريش على ما زعموا .
وأما القول الرابع: ففيه أن مفاد الخبر أن الإمام لا بد أن يكون من قريش وأما أن قريشاً لا بد أن يكون منهم في كل عصر وزمان من يصلح للإمامة فلا دلالة للخبر عليه بإحدى من الدلالات، نعم قد قامت الأدلة العقلية والنقلية على ما تقدمت في شرح الفصل الخامس عشر من الخطبة الأولى في غيره أيضاً على أن الزمان لا يخلو من حجة، فيضم قوله : إن الأئمة من قريش إلى تلك الأدلة تثبت أن قريشاً لا تخلو من أن يكون منهم في كل عصر إمام، نظير دلالة قوله سبحانه: «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ» [البقرة: ۲۳۳] بضميمة قوله: «وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا» [الأحقاف: ١٥] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر إلا أنه دلالة تبعية غير مقصودة.
وأما القول الخامس: فهو مسلم لكن لا في مطلق الطالبي والفاطمي، بل في الأشخاص المخصوصة - أعني الأئمة الإثني عشر - وما ذكروه من الشروط - أعني القيام والدعوة والسياسة - لم يدل عليها دليل من الكتاب والسنة، وعمدة شروطها العصمة والنص والأفضلية، ولها شرائط أخرى مذكورة في الكتب الكلامية لأصحابنا .
وأما القول السادس والسابع : فشاذان ضعيفان لا يعبأ بهما مع قيام الأدلة القاطعة على خلافهما .
وأما القول الثامن: فهو المذهب الحق الذي أحق أن يدان ،ويتبع، وعليه دلت النصوص
المعتبرة المتواترة
وأما القول التاسع والعاشر : كالسادس والسابع ضعيفان أيضاً، هذا.
وبقي الكلام مع الشارح فيما ذكره جواباً عن الاعتراض الذي أورده على نفسه، أعني قوله قلت: هذا الموضع مشكل ولي فيه نظر إلى قوله : حيثما دار.
فأقول : هذا الجواب يستشم منه ميل الشارح إلى مذهب الشيعة الإمامية كما هو زعم بعض العامة، بل أكثرهم، حيث ينسبونه إلى التشيع ويتبرؤن منه إلا أن أكثر كلماته صريحة في اختياره مذهب الاعتزال حسب ما عرفتها وستعرفها إن شاء الله في تضاعيف الشرح على ما جرى عليه ديدننا والتزمنا به من حكاية كلما وقع فيه منه خطأ وزلّة من كلامه وتعقيبه بالتنبيه على هفواته وآثامه .
ثم أقول : إن هذا الموضع ليس محل إشكال ولا نظر لأن صحة الرواية لا غبار عليها،
ص: ٣٢
فإنها وإن رواها السيد «رحمه الله» على نحو الإرسال إلا أن مضمونها معتضد وموافق للأخبار النبوية وغير النبوية المعتبرة العامية والخاصية القطعية السند حسب ما تعرف جملة منها عن قريب إن شاء الله تعالى وبالجملة فليس الدليل منحصراً في المقام في هذه الرواية حتى يستشكل في صحتها، بل لنا على هذه الدعوى أدلة قاطعة متظافرة بل متواترة حسب ما تطلع عليه .
وأما قول الشارح: ويمكن أن يتأوّل ويطبق على مذهب المعتزلة ففيه، أولاً : إن الإمامة منصب إلهي وملك عظيم غير قابل للكمال والنقصان والشدة والضعف، بل لها شروط وخصال بها يتأهّل لها، فحيث ما وجدت تلك الشرائط وجدت وحيث ما انتفت انتفت، فلا معنى لحمل قوله (علیه السَّلام): الأئمة من قريش على الإمامة الكاملة إذ ليس لنا إمامة ناقصة .
اللهم إلا أن يجعل المراد بالإمام معناه اللغوي - أعني مطلق المقتدي ـ فحينئذ يصح توصيفه بالكمال والنقصان، فيراد بالكامل الأئمة الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، وبالناقص الأئمة الذين يدعون إلى النار وهم للحق جاهدون، وعلى ذلك فيكون معنى قوله : (الأئمة من قريش (اهـ)، المقتدين الكاملين يعني أئمة الهدى من قريش غرسوا في البطن المخصوص من هاشم، فلا ينافي وجود المقتدين الناقصين - أعني أئمة الضلال - من غير ذلك البطن.
لكن هذا المعنى مضافاً إلى أنه مجاز مما لا يلتزم به الشارح، لأن غرضه من حمل الحديث على كمال الإمامة، ومن تمحل ذلك التأويل إنما هو تصحيح مذهب المعتزلة ورفع تضاد الحديث لذلك المذهب، فكيف يقرّ ويذعن بضلال أئمته وله أن يجيب عن ذلك ويقول : إن المراد بالإمام الكامل الأفضل والأجمع للخلال الحميدة، وبالناقص من دون ذلك كما يوميء إليه اعترافه وفاقاً لأصحابه المعتزلي بأن علياً أفضل من سائر الخلفاء على ما تقدم تفصيلاً حكاية عنه في المقدمة الثانية من مقدمات الخطبة الثالثة المعروفة بـ (الشقشقية).
إلا أنه يتوجه عليه ما قدمناه في المقدمة المذكورة في المقصد الثاني منها من أنه بعد القول والالتزام بأفضلية أمير المؤمنين لا يبقى لغيره إمامة وخلافة أصلاً، لقبح ترجيح المرجوح على الراجح وغير الأفضل على الأفضل عقلاً وشرعاً فيبقى إيراد الذي أوردناه - أعني عدم كون الإمامة قابلة للنقصان - على حالها .
وثانياً : إن بعد الغضّ عما قلنا والمماشاة نقول : إن قوله : الأئمة من قريش، جمع محلّى باللام وكذلك قوله : لا تصلح الولاة من غيرهم، والجمع المحلى مفيد للعموم وحقيقة في الاستغراق الحقيقي على ما قرر في الأصول وحملها على الأئمة والولاة الكاملين يوجب صرف الاستغراق إلى المجاز - أعني الاستغراق العرفي - والأصل في الاستعمال الحقيقة .
لا يقال : لا نسلّم كون اللام في لفظ الأئمة والولاة للاستغراق، وإنما هي للجنس كما
ص: ٣٣
صرح به العلامة التفتازاني على ما حكيته عنه فيما تقدم، وعليه فلا ينافي كون بعض أفراد الأئمة - أعني غير الكاملين - من غير قريش .
لأني أقول : مراده من الجنس هو الاستغراق، لأنه صرّح في باب تعريف المسند إليه يكون الاستغراق قسماً من الجنس تبعاً لصاحب التلخيص، ويوميء إلى ذلك أيضاً ما قال المحقق الشريف من أن معنى قولنا : التوكل على الله والكرم في العرب، أن كل توكل على الله ، وكل كرم في العرب، سلّمنا، ولكن نقول : إن كون بعض أفراد الأئمة من غير قريش ينافي القصر المستفاد من الحديث على ما حققه المحققان المذكوران وقدمنا حكايته عنهما فيما تقدم.
هذا كله مضافاً إلى وقوع التصريف (1)في الأخبار النبوية الآتية بالاستغراق الحقيقي وعدم احتمالها للتأويل لكونها نصاً في العموم وهو مؤكد لكون الاستغراق هنا أيضاً حقيقياً .
وثالثاً : إن قياس الحديث على نحو: لا صلاة لجار المسجد، والتمثيل به فاسد ضرورة أن (لا) النافية للجنس موضوعة لنفي الماهية وحقيقة فيه كما في : لا رجل في الدار، واستعماله في نفي صفة من صفات الجنس كالصحة والكمال ونحوهما مجاز لا يصار إليه إلا بدليل، وقد قام الدليل على إرادة المعنى المجازي نحو : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ولا طلاق إلا بشهود ولا نكاح إلا بولي ولا عتق إلا في ملك، وما ضاهاها، لعلمنا بأن الماهية موجودة فيها جزماً، وإنما المنفي صحتها أو كمالها، وأما فيما نحن فيه فأصالة الحقيقة محكمة لم يقم دليل على خلافها فلا وجه للتأويل بكمال الإمامة على ما زعمه.
إذا عرفت ذلك فلنتصدّ لذكر الأخبار الدالة على أن الأئمة كلهم من قريش وأن الإمامة مخصوصة بعلي أمير المؤمنين وولده الأحد عشر، وهي كثيرة جداً، عامية وخاصية، ونحن نورد طائفة منها من طريق العامة لكونها أقلع لعذر الخصم وأبلغ حجة، نرويها من كتاب (غاية المرام) للسيد المحدّث العلامة السيد هاشم البحراني وهو أحد وعشرون حديثاً :
الأول: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه عن عبد الملك قال : سمعت جابر بن سمرة قال : سمعت النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول : «يكون بعدي إثنا عشر أميراً»، فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كلمة لم أسمعها فسألت أبي ماذا قال؟ قال : إنه قال : «كلهم من قريش».
الثاني: (البخاري) رفعه إلى ابن عيينة قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «لا يزال أمر الناس
ص: ٣٤
1) في نسخة : التصريح.
ماضياً ما ولّيهم إثنا عشر رجلاً»، ثم تكلم بكلمة خفيت علي فسألت أبي ماذا قال رسول الله؟ فقال : فقال: «كلهم من قريش» (1).
الثالث : مسلم في (صحيحه) مسنداً عن حصين عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فسمعته يقول : «إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيه إثنا عشر خليفة»، قال : ثم تكلم بكلام خفي علي قال : فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : «كلهم من قريش» (2).
الرابع: مسلم في (صحيحه) قال: حدثنا ابن أبي عمر وقال : حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول: «لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم إثني عشر رجلاً» ثم تكلم النبي بكلمة خفيت عليّ، فسألت أبي : ماذا قال رسول الله ؟ فقال : قال «كلهم من قريش».
الخامس: مسلم في (صحيحه) قال : حدثنا هذاب بن خالد الأزدي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب قال سمعت جابر بن سمرة يقول : سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى إثني عشر خليفة»، ثم قال كلمة لم أفهمها فقلت لأبي: ما قال ؟ فقال : قال : «كلهم من قريش» (3).
السادس: مسلم في (صحيحه) قال: حدثنا أحمد بن عثمان النوفلي، حدثنا أحمد بن عون بن عثمان عن الشعبي عن جابر بن سمرة قال: انطلقت إلى رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ومعي أبي فسمعته يقول : «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى إثني عشر خليفة»، فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كلمة أضمنها الناس فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : «كلهم من قريش».
السابع: الحميدي في الجمع بين الصحيحين قال : وفي رواية مسلم عن حديث عامر بن أبي وقاص قال : كتب إلي جابر بن سمرة مع غلامي نافع أن: أخبرني بشيء سمعته من رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فكتب إليّ : سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يوم جمعة عشية رجم الأسلمي، قال: «لا يزال الدين قائماً حتى تقوم ويكون عليهم إثني عشر خليفة كلهم من قريش» (4)، الحديث .
قال السيد البحراني : بعد إيراد هذه الأخبار السبعة وعشر روايات كلها من طريق المخالفين عن جابر بن سمرة ما لفظه: أقول : قد ذكر يحيى بن الحسن البطريق في كتاب
ص: ٣٥
(المستدرك) أنه ذكر في كتاب (العمدة) من طريق عشرين طريقاً في أن الخلفاء بعده إثنا عشر خليفة كلها من الصحاح من (صحيح البخاري) ثلاثة طرق ومن (مسلم) تسعة، ومن (صحيح أبي داود) ثلاثة، وفي (الجمع بين الصحاح السنة) طريقين، ومنها من (الجمع بين الصحيحين) للحميدي ثلاثة كلها ينطق بأنه لا يزال الإسلام عزيزاً إلى إثني عشر خليفة وما وليهم إثني عشر خليفة كلهم من قريش .
الثامن: أبو علي الطبرسي الفضل بن الحسن في كتاب (أعلام الورى) من طريق المخالفين وهو عدة روايات منها ما رواه عن أبي سلمة القاضي قال : أخبرنا أبو القاسم القسوي (1)حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حاتم بن إسماعيل عن المهاجر بن مسمار عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال : كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع أن: أخبرني بشيء سمعته عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)؟ فكتب إلي : أني سمعت رسول الله يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول : «لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة ويكون عليكم إثني عشر خليفة كلهم من قريش»، وسمعته يقول: «أنا الفرط على الحوض» (2).
التاسع : ما رواه من طريق المخالفين الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المفيد عن محمد بن بن عثمان الذهبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال : حدثنا عيسى بن يونس عن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال : كنا عند عبد الله بن مسعود فقال له رجل: أحدثكم نبيكم كم يكون بعده من الخلفاء؟ فقال له : نعم من الخلفاء عدة نقباء موسى إثني عشر خليفة كلهم من قريش .
العاشر: ما رواه حماد بن زيد عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود وزاد فيه قال: كنا جلوساً إلى عبد الله يقرأنا القرآن، فقال له رجل: يا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كم يملك أمر هذه الأمة خليفة بعده؟ فقال له عبد الله : ما سألني بها أحد منذ قدمت العراق، نعم سألنا رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فقال : إثني عشر عدة نقباء بني إسرائيل .
الحادي عشر: ما رواه عبد الله بن أبي أمية مولى مجامع عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «لم يزل هذا الدين قائماً إلى إثني عشر من قريش فإذا مضوا هاجت الأرض بأهلها» .
الثاني عشر : ما رواه سليمان بن أحمر قال : حدثنا أبو عون عن الشعبي عن جابر بن
ص: ٣٦
سمرة أن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : «لا يزال أهل هذا الدين ينصرون على من ناداهم إلى إثني عشر خليفة»، فجعل الناس يقومون ويقعدون، وتكلم بكلمة لم أفهمها فقلت لأبي أو لأخي: أي شيء قال : قال : «كلهم من قريش» (1).
الثالث عشر : ما رواه قطر بن خليفة عن أبي خالد الوالبي عن جابر بن سمرة عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) مثله.
الرابع عشر: ما رواه سهل بن حماد عن يونس بن أبي يعفور قال : حدثني عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: كنت عند رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وعمي جالس بين يدي فقال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «لا يزال أمر أمتي صالحاً حتى يمضي إثنا عشر خليفة كلهم من قريش» إسم أبي جحيفة وهب بن عبد الله (2).
الخامس عشر : ما رواه الليث بن سعد عن خالد بن زيد عن سعد بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف قال : كنا عند شقيق الأصبحي فقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول : «يكون خلفي إثني عشر خليفة».
السادس عشر: ما رواه الشيخ أبو عبد الله جعفر بن محمد بن أحمد الدورستي في كتابه في الرد على الزيدية قال: أخبر أبي قال: أخبرنا الشيخ أبو جعفر بن بابويه قال: حدثنا محمد بن علي ماجيلويه عن عمه عن أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه عن خلف بن حماد الأسدي عن الأعمش عن عباية بن ربعي عن ابن عباس قال: سألت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) حين حضرته وفاته فقلت : إذا كان ما نعوذ بالله منه فإلى من؟ فأشار إلى علي (علیه السَّلام) فقال: «هذا، فإنه مع الحق والحق معه ثم يكون بعده أحد عشر إماماً مفترضة طاعتهم كطاعته» (3).
السابع عشر : الدورستي أيضاً قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن وهبان قال: حدثنا أبو بشر أحمد بن إبراهيم بن أحمد قال أخبرنا محمد بن زكريا بن دينار العلائي حدثنا سلیمان بن إسحاق عن سليمان بن عبد الله بن العباس قال: كنت يوماً عند الرشيد فذكر المهدي وما ذكر من عدله فأطنب من ذلك فقال للرشيد : إني أحسبكم أنكم تحسبونه أبا المهدي حدثني أبي عن أبيه عن جده عن ابن عباس عن أبيه العباس بن المطلب: أن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : «يا عم تملك من ولدي إثني عشر خليفة ثم تكون أمور كريهة وشدة عظيمة ثم يخرج المهدي من ولدي يصلح الله أمره في ليلة، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً،
ص: ٣٧
يمكث في الأرض ما شاء الله، ثم يخرج الدجال» (1).
قال أبو علي الطبرسي عقيب هذه الأخبار وما بمعناها مما لم نوردها : هذا بعض ما جاء من الأخبار من طريق المخالفين ورواياتهم في النص على عدد الأئمة الإثني عشر (علیهم السَّلام) وإذا كانت الفرقة المخالفة قد نقلت ذلك كما نقلته الشيعة الإمامية ولم تنكر ما تضمنه الخبر فهو أدل دليل على أن الله تعالى هو الذي سخّرهم لروايته إقامة لحجته وإعلاء لكلمته وما هذا الأمر إلا كالخارق للعادة والخارج عن الأمور المعتادة، ولا يقدر عليها إلا الله تعالى الذي يذلل الصعب ويقلب القلب ويسهل له العسير وهو على كل شيء قدير، انتهى (2).
الثامن عشر : صدر الأئمة أخطب خوازم أبو المؤيد موفق بن أحمد في كتاب (فضائل أمير المؤمنين) قال حدثنا فخر القضاة نجم الدين أبو منصور محمد بن الحسين بن محمد البغدادي فيما كتب إلي من همدان، قال أنبأنا الإمام الشريف نور الهدى أبو طالب الحسن بن محمد الزيني قال : أخبرنا إمام الأئمة أحمد بن محمد بن شاذان قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الحافظ قال : حدثنا علي بن سنان الموصلي عن أحمد بن صالح عن سلمان بن محمد عن زيد بن مسلم عن زياد بن محمد عند عبد الرحمن بن يزيد عن جابر عن سلامة عن أبي سليمان الراعي راعي رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال: سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول : «ليلة أسري بي إلى السماء قال لي الجليل جلّ جلاله آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه؟ فقلت: والمؤمنون، فقال: صدقت يا محمد من خلفت في أمتك؟ فقلت : خيرها، قال: علي بن أبي طالب؟ قلت نعم يا رب، قال يا أحمد إني اطلعت على الأرض إطلاعة : فاخترتك منها فاشتققت لك إسماً من أسمائي فلا أذكر في موضع إلا ذكرت معي فأنا المحمود وأنت محمد، ثم اطلعت الثانية فاخترت منها عليّاً فشققت له إسماً من أسمائي، فأنا الأعلى وهو عليّ، يا محمد إني خلقتك وخلقت علياً وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولده من نور من نوري، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات والأرضين، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان عندي من الكافرين، يا محمد لو أن عبداً من عبادي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشنّ البالي، ثم أتاني جاحداً لولايتكم ما غفرت له حتى يلقاني بولايتكم، يا محمد تحب أن تراهم؟ فقلت : نعم يا رب، قال فالتفت عن يمين العرش، فالتفت فإذا بعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والمهدي في ضحضاح من نور قيام يصلون، وهو في وسطهم - يعني المهدي - كأنه كوكب
ص: ٣٨
دري، وقال: يا محمد هؤلاء الحجج وهذا السائر من عترتك، وعزّتي وجلالي إنه الحجة الواجبة والمنتقم [من أعدائي] (1).
قال السيد المحدّث البحراني : روى هذا الحديث جماعة من الخاصة والعامة، رواه الشيخ الطوسي في (الغيبة) وأبو الحسن محمد بن أحمد بن الحسن بن شاذان في (المناقب المائة من طريق العامة)، ورواه صاحب (المقتضب) وصاحب (الكنز الخفي) والحمويني من العامة .
التاسع عشر : إبراهيم بن محمد الحمويني من أعيان علماء العامة في كتاب (فرائد السمطين) في فضائل المرتضى وفاطمة والحسن والحسين بسنده عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن العباس قال: قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي الإثني عشر أوّلهم أخي وآخرهم ، ولدي»، قيل: يا رسول الله ومن أخوك؟ قال: «علي بن أبي طالب»، قيل : فمن ولدك ؟ قال : «المهدي الذي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحق بشيراً لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي فينزل فيه روح الله عيسى ابن مريم فيصلي خلفه وتشرق الأرض بنور ربّها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب» (2).
العشرون : الحمويني هذا بالإسناد إلى ابن بابويه قال : حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطان قال : حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب قال : حدثنا الفضل بن الصقر العبدي: قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عباية بن ربعي عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «أنا سيد النبيين وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين، وإن أوصيائي بعدي إثني عشر أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم».
الحادي والعشرون : محمد بن أحمد بن شاذان أبو الحسن الفقيه في (المناقب المائة) و (الفضائل لأمير المؤمنين والأئمة من طريق العامة) عن سلمان المحمدي قال : دخلت على النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إذا الحسين بن علي على فخذه وهو يقبل عينيه ويلثم فاه وهو يقول: «أنت سيد وابن سيد وأبو السادات، أنت إمام ابن إمام أبو الأئمة أنت حجة إبن حجة أبو الحجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم» (3).
والأخبار في هذا المعنى كثيرة لا تستقصى، وفيما ذكرناه كفاية في هذا الباب ومن أراد
ص: ٣٩
الزيادة فعليه بكتاب (غاية المرام)، وقد عقد السيد المحدّث البحراني فيه بابين على هذا المعني قال: الباب الرابع والعشرون في أن الأئمة بعد رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إثني عشر بنص رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إجمالاً وتفصيلاً : علي وبنوه الأحد عشر من طريق العامة وفيه ثمانية وخمسون حديثاً، ثم أورد الروايات العامية فقال : الباب الخامس والعشرون في أن الأئمة بعد رسول الله إثني عشر إجمالاً وتفصيلاً هم: علي بن أبي طالب وبنوه الأحد عشر من طريق الخاصة وفيه خمسون حديثاً ، ثم روى الأحاديث الخاصية والله الهادي إلى سواء السبيل (1)
وهي على طوائف بألفاظ مختلفة :
۱ - الطائفة الاولى : الأئمة إثنا عشر أولهم علي وآخرهم المهدي
ففي فرائد السمطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي الاثنى عشر أولهم علي وآخرهم ولدي المهدي» ينابيع المودة: ٢ / ٥٣٦ ، باب ۷۸ وفرائد السمطين ٢ / ٣١٣ باب ٣١ ح ٥٦٢.
وعنه في اعلام الورى وكمال الدين بلفظ : «ان خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي إثنا عشر : أولهم أخي وآخرهم ولدي.
قيل يا رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ومن أخوك ؟
قال: علي بن أبي طالب.
قيل : فمن ولدك ؟
قال : المهدي الذي يملأها قسطاً وعدلاً . .» كمال الدين: ۱ / ۲۸۰ ، واعلام الوری: ۳۷۱، وكشف الغمة ٣ / ۲۹۷ ، والزام الناصب : ۱/ ۲۰۵.
ونحوه في ينابيع المودة - ينابيع المودة : ٥٣٤ باب ٧٧ .
ورواه اصحابنا عن ابن عباس من عدة طرق - عيون اخبار الرضا : ١ / ٥٢ باب ٦ ح ٣١ ، وكشف الغمة ۲۹۹:۳ وكمال الدين: ۱ / ۲۸۰ ، واعلام الورى ۳۷۵، وارشاد القلوب : ١ / ٢٩٤.
وفي مودة القربي عن عباية بن ربعي عن جابر قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «ان أوصيائي بعدي اثنى عشر أولهم علي وآخرهم القائم المهدي» - ينابيع المودة : ٥٣٤ و ٥٨٥.
وفي حديث المعراج عن جابر قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «فرأيت إثنا عشر نوراً من كل نور سطر اخضر عليه اسم وصي من أوصيائي ؛ أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم [القائم] مهدي امتي» - ينابيع المودة: ٤٨٥ ط . اسلامبول و ۲ / ۵۸۲ ط . ایران الباب ۹۳ ذکر خليفة النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ، وعيون اخبار الرضا : ١ / ٢٠٦ باب ۲۵ ح ۲۲ ، وكمال ادین: ١ / ٢٥٦ .
وعن عبد الرحمن بن سليط [سابط] عن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: «منا إثنا عشر مهدياً أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم التاسع من ولدي وهو الإمام القائم بالحق» - كمال الدين : ١ / ٣١٦ ، والعيون: ١ / ٥٦ وكفاية الاثر : ۲۳۲ ، واعلام الورى ٣٨٤ ، والزام الناصب : ١ / ٢١٦ ورواه في مقتضب الأثر بسنده عن الهمداني - البحار : ٣٦ / ٣٨٥ عن المقتضب ٢٧ .
وعن ابان عن أبي حمزة الثمالي وثابت بن دينار جميعاً عن زين العابدين علي بن الحسين عن ابيه عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «الأئمة بعدي اثنى عشر أولهم أنت يا علي وآخرهم القائم الذي يفتح الله على يديه مشارق الأرض ومغاربها - ينابيع المودة: ۲/ ۵۹۰ باب ٩٤ ، واعلام الورى ٣٧٠، والبحار : ٣٦ / ۲۲٦، وامالي الصدوق ٩٧ المجلس ٢٣ ح ٩.
وفي غيبة النعماني عن بدر بن اسحاق قال: قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «يا علي الأئمة الراشدون المهتدون المعصومون من ولدك أحد عشر إماماً وأنت أولهم، آخرهم اسمه اسمي يخرج فيملا الأرض قسطاً وعدلاً». غيبة النعماني : ٥٨ - ٥٩ .
وفي خبر طويل عن ابن عباس قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «والأئمة - يا جابر - إثنا عشر إماماً أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم المهدي» - مائة منقبة : ٩٩ المنقبة : ٤١ . والروايات في ذلك كثيرة خاصة في اخبار الحجة المهدي (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَی فَرَجَهُ الشَریف) - راجع الاختصاص : ۲۲۳ حديث في الائمة، والبحار ٩ / ۱٦١ و ۲۳۲ ، وكمال الدين : ٢ / ٣٤٢ و ۲۵۹ ، والزام الناصب : ۱/ ۲۱۹ و ۲۰۵ ، واعلام السوري: ٣٨٦ ، وينابيع المودة ١ / ٢٤٤ و ٣٣٣ باب ٥٦ و ٥٧ و ٢ / ٥١٥ باب ۷۷، وامالي الصدوق : ٣٧٤ ، والعيون : ١ / ٤٧ باب ٦ ، وكفاية الاثر : ١٤٥ و ١٥٣ .
٢ - الطائفة الثانية : أنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو ائمة تاسعهم قائمهم
كالمروي عن سليم بن قيس عن سلمان قال: دخلت على النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فاذا الحسين على فخذيه وهو يقبل عينيه ويلثم فاه وهو يقول: «أنت سيد ابن سيد أنت إمام [أخو إمام] ابن إمام أنت حجة أبو حجج تسعة من صلبك تاسهم قائمهم». عيون اخبار الرضا ١ / ٤٢، وكمال الدين: ١ / ٢٦٢ ، والخصال: ٢ / ٤٧٥، وينابيع المودة : ۲/ ۳۰۸، وكفاية الاثر : ٤٦، ومائة منقبة : ۱۱۸ منقبة ٥٨ .
ورواه الخوارزمي في مناقبه مع اختلاف يسير - مقتل الحسين للخوارزمي: ١ / ١٤٦ الفصل السابع .
وعن شهر بن حوشب عن سلمان قال : «يا ابا عبد الله أنت سيد من سادة وأنت إمام ابن إمام اخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم اعلمهم احكمهم أفضلهم». البحار : ٣٦ / ۳۷۲ عن المقتضب : ۱۱، وقريب منه : في ارشاد القلوب : ۲ / ۲۳۳ فضائل فاطمة (علیها السَّلام)، وقريب منه في تقريب المعارف: ١٧٦.
وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول للحسين (علیه السَّلام): «أنت الامام ابن الإمام وأخو الإمام تسعة من صلبك أئمة ابرار والتاسع قائمهم». كفاية الاثر : ۲۸ .
وفيه في رواية أخرى عنه زاد فيها : فقيل يا رسول الله كم الأئمة بعدك ؟
قال: «إثنا عشر تسعة من صلب الحسين» كفاية الاثر : ۳۰.
وروي عن الامام الحسين (علیه السَّلام) قال : كان رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول فيما بشرني به : «يا حسين أنت السيد ابن السيد أبو السادة، تسعة من ولدك ائمة ابرار والتاسع قائمهم، أنت الإمام ابن الإمام ابو الأئمة تسعة من صلبك ائمة أبرار والتاسع مهديهم يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً يقوم في آخر الزمان كما قمت في أوله » كفاية الأثر : ١٧٦ ونقله في البحار : ٣٦ / ٣٤٤ ، وقريب منه في كشف الغمة ۳ / ۲۹۹ ، والطرائف ۱ / ١٧٤ ، وينابيع المودة : ۱ / ۱۹۸ باب ٥٤ و : ٢ / ٥٣٤ باب ۷۷.
ورواه في الاختصاص بسند آخر عن حماد بن عيسى عن أبيه عن الامام الصادق (علیه السَّلام) - الاختصاص : ۱۲ / ۲۰۷، وذكره المجلسي في البحار : ٣٦ / ٣٦٠ .
وروي قريب منه عن زيد بن علي (علیه السَّلام) وعن فاطمة الزهراء (علیها السَّلام)- راجع كفاية الاثر : ١٩٤ و ٣٠٠.
٣ - الطائفة الثالثة : الأئمة إثنا عشر ثلاثة محمد واربعة علي
فعن ابن أبي الخطاب وعن ابن محبوب وعن ابن عباس وجابر بن يزيد عن جابر ابن عبد الله الانصاري قال: «دخلت على فاطمة بنت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وبين يديها لوح فيه اسماء الأوصياء والأئمة من ولدها فعددت اثني عشر آخرهم القائم من ولد فاطمة؛ ثلاثة منهم محمد واربعة منهم علي » - فرائد السمطين : ٢ / ۱۳۳ باب ۳۱ ح ٤۳۱ ، والارشاد ١٢ / ٣٤٦ ، والكافي : ۱ / ۵۳۲ ، وغيبة الشيخ : ۹۲ ، والعيون: ١ / ۳۸ ، وكمال الدين: ۱ / ۳۱۱، والخصال: ۲/ ۳۷۸ ، وروظة الواعظين: ٢٦١ مجلس في ذكر امامة صاحب الزمان، مع تفاوت يسير عن الارشاد.
وفي نص آخر عن جابر : «دخلت على فاطمة بنت رسول الله وقدامها لوح يكاد ضوؤه يغشي الابصار فيه إثنا عشر اسماً: ثلاثة في ظاهره، وثلاثة في باطنه، وثلاثة في آخره، وثلاثة اسماء في طرفه، فعددتها فاذا هي إثنا عشر، فقلت اسماء من هؤلاء؟
قالت اسماء الاوصياء أولهم ابن عمي وأحد عشر من ولدي آخرهم القائم .
قال جابر: فرأيت محمداً محمداً محمداً في ثلاثة مواضع وعلياً علياً علياً علياً في اربعة مواضع .. فرائد السمطين: ۲ / ۱۳۹ باب ۳۱ ح ٤٣٥ ، وعيون اخبار الرضا : ۱ / ۳۷ ، واعلام الورى : ٣٧٤ ، والزام الناصب ۱ / ۲۱۵ ، والبحار ٣٦ / ٣٠١، وكمال الدين: ۱ / ۳۱۱ .
وقريب من ذلك ما روي في غيبة النعماني عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : «. . نحن إثنا عشر - هكذا - حول عرش ربنا عزّوجلّ في مبتدء خلقنا أولنا محمد وأوسطنا محمد وآخرنا محمد » البحار : ٣٦ / ۳۹۹، وغيبة النعماني: ٥٤ .
و عن سلمان عن أمير المؤمنين في حديث طويل فيه : «انا كلنا واحد أولنا محمد وآخرنا محمد وأوسطنا
محمد وكلنا محمد». الزام الناصب : ١ / ٣٥.
وعن أبي هريرة عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : «ان الأئمة بعدي إثنا عشر رجلاً من أهل بيتي، علي أولهم وأوسطهم محمد وآخرهم محمد، وهو مهدي هذه الأمة » كفاية الاثر : ۸۰ ، ونقله في البحار : ٣٦ / ٣١٢.
٤ - الطائفة الرابعة : إثنا عشر إماماً تسعة من الحسين ج
كالمروي عن رزين بن حبش [حبيب] عن الحسن بن علي (علیهما السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «ان هذا الامر يملكه بعدي إثنا عشر إماماً تسعة من صلب الحسين اعطاهم الله علمي وفهمي » كفاية الاثر : ١٦٥ و ١٦٦ ، ونقله في البحار : ٣٦ / ٣٤٠.
وعن زراره قال : سمعت أبا جعفر (علیه السَّلام) يقول : «نحن اثنا عشر اماماً منهم حسن وحسين ثم الائمة من ولد الحسين» - الكافي : ١ / ٥٣٣ ح ١٦ ، والخصال: ٢ / ٤٧٨ و ٤٨٠ ، وتقريب المعارف ۱۸۳.
وعن سليم بن قيس عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : «اني أولى بالمؤمنين من انفسهم، ثم أخي علي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فاذا استشهد فابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم ابني الحسين أولى بالمؤمنين من انفسهم فاذا استشهد فابنه علي أولى بالمؤمنين من انفسهم وستدركه يا علي، ثم ابنه محمد بن علي أولى بالمؤمنين من انفسهم وستدركه ياحسين، ثم تكمله إثني عشر إماماً من ولد الحسين (علیهم السَّلام)» - كمال الدين : ١ / ۲۷۰ ، وكشف الغمة: ۳/ ۲۹۸ ، والخصال ۲ / ٤٧٧ ، والعيون : ۱ / ۳۸ ، والزام الناصب : ۱ / ۱۹۹ ، ونقله في البحار : ٣٦ / ٢٣١.
ورواه النعماني عن سليم مع تفاوت - غيبة النعماني: ٦٠ - ٦١ ، والبحار : ٣٦ / ٢٧٦ ، والزام الناصب : ٥٢/١.
وروي أيضاً قريب منه عن المفضل عن الصادق (علیه السَّلام) قال : «اثنى عشر إماماً تسعة من ولد الحسين» - ارشاد القلوب : ٢ / ٤٢١.
وفي رواية أم سلمة عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : «الأئمة بعدي عدد نقباء بني اسرائيل تسعة من صلب الحسين اعطاهم الله علمي وفهمي فالويل لمبغضهم». كفاية الاثر : ١٨٤ .
٥ - الطائفة الخامسة: علي والحسن والحسين وتسعة من صلبه
ففي كفاية الأثر عن موسى بن عبد ربه عن الحسين بن علي قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «. . . الا ان أهل بيتي امان لكم فأحبوهم لحبي وتمسكوا بهم لن تضلوا».
قيل : فمن أهل بيتك يا نبي الله ؟
قال : «علي وسبطاي وتسعة من ولد الحسين ائمة امناء معصومون» - كفاية الاثر : ۱۷۱ :
وفي غيبة النعماني عن سليم بن قيس عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في غدير خم بعد ذكر استشهاد الامير على الغدير ونزول آية «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ» وآية : «يا أيها النبي بلغ» قال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «اشهدكم أيها الناس انها خاصة لهذا ولأوصيائي من ولدي وولده أولهم ابني حسن، ثم حسين ثم تسعة من ولد حسين لا يفارقهم الكتاب حتى يردوا عليّ الحوض». ارشاد القلوب : ۲ / ٤۱۹ في فضائل علي والأئمة (علیهم السَّلام).
وفي نص آخر عنه :«هم مع القرآن والقرآن معهم لا يفارقهم ولا يفارقونه حتى يردوا علي حوضي، أول الأئمة علي خيرهم، ثم ابني حسن، ثم ابني حسين، ثم تسعة من ولد الحسين . غيبة النعماني: ٤٤ - ٤٦ والحديث طويل جداً أخذت موضع الحاجة.
وعن سلمان المحمدي عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «فالأوصياء بعدي اخي علي، ثم الحسن ثم الحسين ثم الأئمة من ولد الحسين (عليهم السلام)». غيبة النعماني : ٥٢ – ٥٣.
وفي اثبات الوصية عن أبي بصير عن الصادق (علیه السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «ان الله اختار من الايام الجمعة، ومن الشهور شهر رمضان، ومن اللیالي ليلة القدر، ومن الناس الأنبياء، ومن الأنبياء الرسل واختارني من الرسل واختار مني علياً، واختار من علي الحسن والحسين واختار من الحسين الاوصياء ينفون عن التنزيل تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين تاسعهم قائمهم وهو ظاهرهم وهو باطنهم». اثبات الوصية : ٢٢٧.
وفي رواية ام سلمة قالت: ... أهل بيته الذين امرنا بالتمسك بهم، هم الأئمة بعده كما قال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «عدد نقباء بني اسرائيل علي وسبطاه وتسعة من صلب الحسين»، هم أهل بيته هم المطهرون والأئمة المعصومون - كفاية الاثر : ۱۸۲.
وفي رواية فاطمة الزهراء (سلام الله علیها) قالت: سألت أبي عن قول الله تبارك وتعالى «وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ »..
قال: «هم الأئمة بعدي علي وسبطاي وتسعة من صلب الحسين» - كفاية الأثر : ١٩٤ ، ونقله في البحار : ٣٦ / ٣٥١.
وفي رواية أخرى عنها (سلام الله علیها) قالت : أشهد الله تعالى لقد سمعته يقول : «علي خير من أخلفه فيكم وهو الإمام والخليفة بعدي، وسبطي وتسعة من صلب الحسين ائمة ابرار لئن اتبعتموهم وجدتموهم هادين مهديين، ولئن خالفتموهم ليكون الاختلاف فيكم إلى يوم القيامة». كفاية الاثر : ۱۹۹.
وعن داود الرقي عن الامام الصادق (علیه السَّلام) قال : «. . . وكان أول من دخلها محمد وأمير المؤمنين والحسن والحسين وتسعة من الأئمة». الغيبة النعماني : ٥٦ - ٥٧ .
وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول : انا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون .. كفاية الاثر : ١٩ و ٦٩ ، واعلام الوری: ۳۷۵، والعيون: ۱ / ۵۲ ، وكشف الغمة : ٢٩٩/٣ ، وكمال الدين: ۱ / ۲۸۰ وينابيع المودة ٢ / ۵۸۵، ومناقب آل أبي طالب ۱ / ۲۰۹ ، والبحار : ٣٦ / ٢٨٦.
والاخبار في ذلك كثيرة تقدم بعضها - راجع كمال الدين: ١ / ٢٧٤ ، ومناقب آل أبي طالب ۲۱۰ ، والبحار: ٣٦ / ۲۷۷ و ۳۱۰ و ۳۱۷ و ٣٤١ و ۳٥١ و ۳۲۰ ، ومائة منقبة : ٨٦ المنقبة ٣٢ .
٦ - الطائفة السادسة : تسعة من الحسين تاسعهم قائمهم
فعن الامام الباقر (علیه السَّلام) قال: يكون تسعة ائمة بعد الحسين بن علي تاسعهم قائمهم. الكافي : ١ / ٥٣٣ ، والخصال: ۲/ ٤۸۰ ، والارشاد : ٢ / ٣٤٧ ، وغيبة النعماني : ٦٠ ، والبحار : ٣٦ / ٣٩٥.
ورواه أبو بصير عن الصادق (علیه السَّلام)- كمال الدين : ٢ / ٣٥٠ .
وفي رواية أبي حمزة الثمالي عن الباقر (علیه السَّلام)قال: «واختار من صلبك يا حسين تسعة تاسعهم قائمهم وكلهم في المنزلة والفضل عند الله واحد - سوف يأتي تحقيق التفاضل بين الائمة (عليهم السلام) ». دلائل الامامة : ٢٣٦ معرفة وجوب القائم، وينابيع المودة ٢ / ٥٩٠ باب ٩٤ ، وكشف الغمة : ٣ / ٣٠١ ، وكمال الدين : ١ / ٢٦٩ باب ٢٤ ح ۱۳، والهداية الكبرى : ٣٧٤.
وعن الامام الصادق (علیه السَّلام): « واختار من علي الحسن والحسين واختار من الحسين تسعة أئمة وتاسعهم قائمهم». الهداية الكبرى : ٣٦٣ .
وعن أبي هريرة قال سالت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) عن قوله عز وجل: «وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ» - زخرف ۲۸ قال : جعل الامامة في عقب الحسين (علیه السَّلام) يخرج من صلبه تسعة من الأئمة، ، ومنهم مهدي هذه الامة ». كفاية الاثر : ٨٦ .
وعن أبي امامة قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «الأئمة بعدي إثنا عشر كلهم من قريش تسعة من صلب الحسين والمهدي منهم» كفاية الاثر : ١٠٦.
وقريب منه ما روي عن حذيفة وعن سعد بن مالك - وقريب منه عن حذيفة وسعد بن مالك - كفاية الاثر : ١٣٠ - ۱۳۰ .
ونحوه عن أبي سعيد وعمر بن عثمان عن أبيه، وعبدالله بن مسعود وابن السائب، وابي ذر، وعمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت جميعاً عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : « الأئمة بعدي إثنا عشر تسعة من صلب الحسين والتاسع مهديهم . البحار : ٣٦ / ۲۸۲ و ۲۹۱ و ۲۹۲ و ۲۹۳ و ۳۱۷ و ۳۱۸ ، ومناقب آل أبي طالب : ١ / ۲۰۹ ، وكفاية الاثر : ۹۹ و ۹۷.
وقريب منه ما روي عن سلمان وفاطمة معا عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ، ويونس ابن ضبيان وأبان عن الصادق (علیه السَّلام) وابي مريم عن الباقر (علیه السَّلام) - البحار : ٣٦ / ٣٠٤ ، وكفاية الاثر : ٤٥ و ١٢٤ و ١٩٤ و ١٩٧، ومناقب آل أبي طالب : ۱/ ۲۰۹ ، البحار ٣٦/ ٣٥٨ و ٣٥٢ و ٣٥٠ .
٧- الطائفة السابعة علي والحسن والحسين وتسعة منه تاسعهم قائمهم
كالمروي عن زيد بن ارقم قال: سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول لعلي : «أنت الإمام والخليفة بعدي، وابناك سبطاي وهما سيدا شباب أهل الجنة، وتسعة من صلب الحسين أئمة معصومون ومنهم قائمنا أهل البيت». كفاية الاثر : ۱۰۰ .
وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول : «علي مع الحق والحق مع علي، وهو الامام والخليفة بعدي فمن تمسك به فاز ونجى ومن تخلف عنه ضل وغوى بلى يكفنني ويغسلني ويقضي ديني، وابو سبطي الحسن والحسين ومن صلب الحسين تخرج الأئمة التسعة ومنا مهدي هذه الأئمة » كفاية الاثر : ۲۰ و ١٠ مع تفاوت
وعن زيد بن ثابت :قال: سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول : «علي بن أبي طالب قائد البررة وقاتل الفجرة، منصور من نصره مخذول من خذله، الشاك في علي هو الشاك في الاسلام، وخير من اخلف بعدي وخير اصحابي علي، لحمه لحمي ودمه دمي وابو سبطي، ومن صلب الحسين تخرج الأئمة التسعة ومنهم مهدي هذه الأئمة». كفاية الاثر : ۹۷.
وعن السائح عن العسكري (علیه السَّلام) عن أبيه عن جده عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال: «علي بن ابي طالب امامكم بعدي وخليفتي عليكم فاذا مضى فابني الحسن امامكم بعده وخليفتي عليكم، فاذا مضى فابني الحسين امامكم بعده وخليفتي عليكم، ثم تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد ائمتكم وخلفائي عليكم تاسعهم قائم امتي». كمال الدين: ١ / ٢١٦ .
وفي العيون عن غياث بن ابراهيم عن الصادق (علیه السَّلام) عن ابائه عن الحسين (علیهم السَّلام) قال : سئل أمير المؤمنين عن معنى قول رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي» من العترة ؟
فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «انا والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديهم وقائمهم» - العيون : ١ / ٤٦ ، وكشف الغمة : ۳ / ۲۹۹ ، واعلام الورى ۳۷۵ ، والبحار : ٣٦ / ٣٧٣.
وعن أبي عبد الله الحسين (علیه السَّلام) قلت: يا رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فمن يملك هذا الأمر بعدك ؟
قال : «ابوك علي بن ابي طالب اخي وخليفتي ويملك بعد علي الحسن، ثم تملك أنت وتسعة من صلبك تكملة إثنا عشر إماماً، ثم يقوم قائمنا يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ويشفي صدور قوم مؤمنين هم شيعته». كفاية الاثر : ۱۷۹.
وروي نحو ذلك - مع تفاوت - عن عمار وابي ذر وأم سلمة وابي ايوب وحذيفة، وابن عباس من طريق سعيد وعطاء، واصبغ بن نباته عن أمير المؤمنين، وجابر الانصاري جميعاً عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)- راجع كفاية الاثر : ۱۲۱ و ۳۵ و ۳۸ و ۱۸۵ ، و اعلام الورى: ٣٧٦: وكمال الدين: ١ / ٢٥٧ و ٢٥٩ ، والبحار ٣٦/ ٢٨٧ و ۳۷۲ و ۲۵۳ و ۲۸۲ و ۳۲۹.
كما وروي عن سليم بن قيس وعبد القيس معاً عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) - البحار : ٣٦ / ٢١٠ و ٣٢٤ ، وغيبة النعماني : ٤٨ – ٤٩.
وروي نحوه أيضاً عن أبي بصير والمفضل بن عمر عن الصادق (علیه السَّلام)، وابي حمزة عن الباقر (علیه السَّلام)، والحسين بن خالد عن الرضا (علیه السَّلام) - غيبة الشيخ : ۹۲ ، وتقريب المعارف ١٧٦ ، والبحار : ٣٦ / ٢٦٠ و ٢٥٥ ، وكمال الدين: ٢ / ٣٣٥ و ٢٦٩ و ٢٦٠ ، وغيبة النعماني: ٤٤.
٨- الطائفة الثامنة : الأئمة إثنا عشر تسعة من الحسين تاسعهم قائمهم
كالمروي عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول: «الأئمة بعدي إثنا عشر تسعة من صلب الحسين وتاسعهم مهديهم». كفاية الاثر : ۲۳.
وفي رواية أبي سعيد الخدري : قيل يارسول الله فالائمة بعدك من أهل بيتك ؟
قال: «نعم الأئمة بعدي إثنا عشر تسعة من صلب الحسين ، ومعصومون ومنا مهدي هذه الأئمة، الا انهم أهل بيتي وعترتي من لحمي ودمي ما بال اقوام يؤذونني فيهم لا أنالهم الله شفاعتي». كفاية الاثر: ۲۹.
وعن أبي ذر عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : «الأئمة بعدي إثنا عشر تسعة من صلب الحسين تاسعهم قائمهم. ألا ان مثلهم فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها هلك، ومثل باب حطة في بني اسرائيل». كفاية الاثر : ۳۸ .
وفي رواية عثمان بن عفان عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال: «الأئمة بعدي إثنا عشر تسعة من صلب الحسين ومنا مهدي هذه الأمة من تمسك من بعدي بهم فقد استمسك بحبل الله ومن تخلا منهم فقد تخلا من الله». كفاية الاثر : ٩٤ .
وعن انس قال : فقام اليه ابو ذر الغفاري وقال : يارسول الله كم الأئمة بعدك ؟
قال: «عدد نقباء بني اسرائيل».
فقال : كلهم من أهل بيتك
قال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «كلهم من أهل بيتي تسعة من صلب الحسين والمهدي منهم». كفاية الاثر : ٧٤ .
وروي نحو ذلك - مع تفاوت - عن سعيد بن جبير، وسلمان وزيد بن ارقم وابي ايوب الانصاري، وعمران بن حصين جميعاً عن رسول الله - كفاية الاثر : ۳۰ و ۳۱ - ٣٢ - ٣٣ - ٣٤ - ٤٧ - ١٠٤ - ١١٣ – ١٣٢.
وروي أيضاً عن الحسن والحسين (علیهما السَّلام)، ومحمد بن علي الباقر (علیهما السَّلام) - كفاية الاثر: ٢٢٣ و ٢٣١ و ٢٤٦ و ٢٥٢ .
.ص: ٤٠
1) النصوص على أهل البيت
ص: ٤١
ص: ٤٢
ص: ٤٣
ص: ٤٤
ص: ٤٥
ص: ٤٦
از جمله خطب شریفه آن امام مبین و ولى ربّ العالمین است که متضمّن فایده بعثت پیغمبران عالی مقدار و اظهار مناقب عترت رسول مختار و أهل بيت اطهار است، چنانچه فرموده:
مبعوث فرمود حق سبحانه و تعالی پیغمبران خود را به آن چه که مخصوص ساخت ایشان را از وحی خود و گردانید ایشان را حجّت واضحه از برای خود بر مخلوقات خود تا اینکه واجب نشود حجّت مرایشان را به سبب ترك تخويف و ترساندن ایشان، پس خواند ایشان را به زبان راست که دعوت انبیاء است به سوی راه درست که طریق شریعت غرّا است، آگاه باشید به درستی که خداوند آشکارا ساخت خلق را آشکار ساختنی نه از جهت اینکه جاهل بود به آنچه مخفی داشته اند از اسرار محفوظه و مکنونات قلوب ایشان ولیکن از جهت اینکه امتحان نماید ایشان را تا کدام يك از ایشان بهترند از حيث عمل تا باشد ثواب جزای حساب و عقاب پاداش سيئآت .
کجایند کسانیکه دعوی باطل کردند که ایشان راسخان در علم اند نه ما از روی دروغ و ظلم بر ما به جهت اینکه خداوند رتبه ما را بلند فرموده و پست کرد ایشان را و عطا نمود به ما منصب امامت و خلافت را و محروم کرد ایشان را و داخل نمود ما را در عنایت خاصه خود و خارج کرد ایشان را، بهوجود ما خواسته می شود هدایت و طلب روشنی می شود از کوری و ضلالت به درستی که امامان از طايفه قریش اند، کاشته شدند در این بطن معین از هاشم بن عبد مناف؛ یعنی در ذریه علويّه صلاحیت ندارد امامت بر غیر ایشان و صلاحیت ندارند والیان از غیر ایشان .
ص: ٤٧
آثِرُوا عَاجِلًا، وَ أَخِّرُوا آجِلًا، وَ تَرَكُوا صَافِياً وَ شَرِبُوا آجِناً، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَ قَدْ صَحِبَ الْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ، وَ بَسَأَ بِهِ وَ وَافَقَهُ، حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ وَ صُبِغَتْ بِهِ خَلَائِقُهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ مَزْبِداً كَالتَّيَّارِ لَا يُبَالِي مَا غَرَّقَ، أَوْ كَوَقْعِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ لَا يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ. أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَىٰ، وَ الْأَبْصَارُ اللَّامِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى، أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ لِلَّهِ، وَ عُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ؟ ازْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ وَ تَشَاحُّوا عَلَى الْحَرَامِ، وَ رُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ، فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ، وَ أَقْبَلُوا إِلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ، وَ دَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا وَ وَلَّوْا، وَ دَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَ أَقْبَلُوا (1).
(الآجن) الماء المتغيّر الطعم واللون و (بسأ) به كجعل وفرح بسئاً وبَسئاً وبسوءاً أنس و (المفارق) جمع المفرق وزان مجلس ومقعد وسط الرأس، وهو الذي يفرّق فيه الشعر و (الخلائق) جمع الخليقة أي الطبيعة و (أزبد) البحر أي صار ذا زبد ورجل مزبد أي ذو زبد وهو ما يخرج من الفم كالرغوة و (التيار) مشددة موج البحر و (الهشيم) النبت اليابس المتكسر أو يابس كل كلاء و (حفل) الماء يحفل من باب ضرب حفلاً وحفولاً اجتمع. وقال الشارح المعتزلي: لا يحفل أي لا يبالي و (المستصبحة) في بعض النسخ بتقديم الحاء على الباء من الاستصحاب وفي بعضها بالعكس كما ضبطناه من (الاستصباح) وهو الأوفق.
(ما) في قوله : (ما غرق) موصولة في محل النصب أي لا يبالي مما غرق، وكذلك في
قوله : (ما حرق) إن كان يحفل بمعنى يبالي كما فسره الشارح، وإن كان بمعنى يجتمع كما في (القاموس) فـ (ما) في محل الرفع فاعل له وهو ظاهر.
إعلم أن هذا الفصل وارد في معرض التوبيخ والتقريع لطائفة غير مرضية الطريقة .
فقال بعض الشارحين : إنه عنى بذلك الصحابة الذين مضى ذكرهم في الفصل السابق،
ص: ٤٨
1) بحار الأنوار: ٦١٣/٢٩ ، وميزان الحكمة: ۱۷۵۲/۲ ح ٢٤٢٨.
يعني الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم .
وقال بعضهم : إن المراد به بنو أمية .
وقال الشارح البحراني : أراد بذلك من تخلف من الناس إلى زمانه ممن هو غير مرضي الطريقة وإن كان معدوداً من الصحابة بالظاهر كالمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص ومروان بن الحكم ومعاوية ونحوهم من أمراء بني أمية، ويقرب منه كلام الشارح المعتزلي وستطلع عليه.
وكيف كان فقوله : (آثروا عاجلاً وأخروا آجلاً) أراد به : أنهم اختاروا الدنيا على الآخرة وقدّموها عليها وأخروها عنها وذلك لكون شهواتها حاضرة معجلة ولذاتها غائبة مؤجلة (وتركوا صافياً وشربوا آجناً) أي تركوا اللذات الأخروية الصافية من الكدورات والعلائق البدنية، واستلذوا باللذات الدنيوية المشوبة بالآلام والأسقام فاستعار لفظ (الآجن) للذاتها والجامع عدم السوغ أو عدم الصفاء فيها كما أن الماء المتغير الطعم واللون لا يسوغ ولا يصفى وذكر الشرب ترشيح .
(كأني أنظر إلى فاسقهم) قال الشارح البحراني : يحتمل أن يريد فاسقاً معيناً كعبد الملك بن مروان ويكون الضمير عائد إلى بني أمية ومن تبعهم ويحتمل أن يكون مطلق الفاسق أي من يفسق من هؤلاء فيما بعده ويكون بالصفات التي أشار إليها بقوله: (وقد صحب المنكر فألفه) أي أخذه إلفاً له (وبسأ به ووافقه) أي استأنس به ووجده موافقاً لطبعه حتى شابت عليه مفارقه وهو كناية عن طول عهده بالمنكر إلى أن بلغ عمره غايته، لأن شيب المفارق عبارة عن بياضها وهو إنما يكون إذا بلغ الشيخوخة، ولتأخر شيب المفرق عن شيب الصدغ وتأكد دلالته على طول العهد خصصه بالذكر (وصبغت به خلائقه) أي صارت طبائعه مصبوغة ملونة بالمنكر أي صار المنكر خلقاً له وسجيّة، فاستعار لفظ الصبغ لرسوخ المنكر في جبلته لشدّة ملازمته له .
(ثم أقبل مزيداً كالتيار) شبهه بالبحر الموّاج ورشح التشبيه بذكر لفظ الإزباد ووجه الشبه أنه عند الغضب لا يبالي بما يفعله في الناس من المنكرات كما (لا يبالي) البحر بـ (ما غرق) وشبهه أخرى بالنار المضرمة الملتهبة فقال : (أو كوقع النار في الهشيم) يعني أن حركاته في الظلامات مثل وقع النار في النبت اليابس والدقاق من الحطب ووجه الشبه أنه (لا يحفل) ولا يبالي بظلمه كما لا يحفل وقع النار ولا يبالي بـ (ما حرق) أو أن ما أفسده لا يرجى إصلاحه كما أن ما حرقته النار لا يمكن اجتماعه.
ثم استفهم على سبيل الأسف والتحسّر فقال: (أين العقول المستصبحة بمصابيح الهدى) استعار لفظ المصابيح لأولياء الدين وأئمة اليقين المقتبس عنهم نور الهداية ورشح بذكر لفظ
ص: ٤٩
الاستصباح، ويجوز أن يكون استعارة لأحكام الشرع المبين الموصلة لآخذها والسالكة بعاملها إلى حظيرة القدس.
ومثله لفظ المنار في قوله (والأبصار اللامحة إلى منار التقوى) إذ أئمة الهدى أعلام التقى بهم يهتدى في ظلمات الضلال وغياهب الدجى وكذلك بأحكام سيد الأنام والانقياد بها يهتدي إلى نهج الحق وسواء الطريق الذي يؤمن لسلوكها ويتقي من النار وينجي من غضب الجبّار جلّ وتعالى .
ثم استفهم أخرى بقوله (أين القلوب التي وهبت لله) أي وهبها أهلها لله سبحانه، والمراد بهبتها له جعلها مستغرقة في مطالعة أنوار كبريائه والتوجه إلى كعبة وجوب وجوده وهي القلوب التي صارت عرش الرحمن وأشير إليها في الحديث القدسي: «لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن» (1).
(وعوقدت على طاعة الله) أي أخذ الله عليهم العهد بطاعته إما في عالم الميثاق أو بألسنة الأنبياء والرسل، وإليه أشير فى قوله سبحانه: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)» [الأحزاب: ۲۳] .
ثم رجع إلى ذم الفرقة المتقدمة المصدرة بهذا الفصل فقال : (ازدحموا على الحطام) أي تزاحموا على متاع الدنيا واستعار له لفظ الحطام الموضوع لليابس من النبت المتكسر لسرعة فنائه وفساده (وتشاحوا على الحرام) أي تنازعوا عليه لأن غرض كل منهم جذبه إليه (ورفع لهم علم الجنة والنار) قال الشارح البحراني : أشار بعلم الجنة إلى قانون الشريعة القائد إلى الجنة، وبعلم النار إلى الوساوس المزينة لقنيات الدنيا، والعلم الأول بيد الدعاء إلى الله وهم الرسول ومن بعده من أولياء الله من أهل بيته والتابعين لهم بإحسان، والعلم الثاني بيد إبليس وجنوده من شياطين الجن والإنس الداعين إلى النار .
(فصرفوا عن الجنة وجوههم) وأعرضوا عنها (وأقبلوا إلى النار بأعمالهم) القبيحة الموصلة إليها (ودعاهم ربهم فنفروا) واستكبروا (وولوا ودعاهم الشيطان فأطاعوا وأقبلوا) واستجابوا .
قال الشارح المعتزلي في شرح هذا الفصل : فإن قلت: هذا الكلام يرجع إلى الصحابة الذين مضى ذكرهم في أول الخطبة .
ص: ٥٠
1) عوالي اللئالي : ٧/٤ .
قلت : لا وإن زعم قوم أنه عناهم، بل هو إشارة إلى قوم ممن يأتي من الخلف بعد السلف، ألا تراه قال : كأني أنظر إلى فاسقهم وقد صحب المنكر فألفه، وهذا اللفظ إنما يقال في حق من لم يوجد بعد كما قال في حق الأتراك: كأني أنظر إليهم قوماً كان وجوههم المجان، وكما قال في حق صاحب الزنج: كأني به يا أحنف وقد سار بالجيش، وكما قال في الخطبة التي ذكرناها آنفاً : كأني به قد نعق بالشام، يعني به عبد الملك.
وحوشي (علیه السَّلام) أن يعني بهذا الكلام الصحابة لأنهم ما آثروا العاجل، ولا أخروا الآجل، ولا صحبوا المنكر، ولا أقبلوا كالتيار لا يبالي ما غرق، ولا كالنار لا يبالي ما احترقت، ولا ازدحموا على الحطام، ولا تشاحوا على الحرام، ولا صرفوا وجوههم عن الجنة، ولا أقبلوا إلى النار بأعمالهم، ولا دعاهم الرحمن فولوا، ولا دعاهم الشيطان فاستجابوا، وقد علم كل أحد حسن سيرتهم وسداد طريقتهم وإعراضهم عن الدنيا وقد ملكوها وزهدهم فيها وقد تمكنوا منها، ولولا قوله : (كأني أنظر إلى فاسقهم) لم أبعد أن يعني بذلك قوماً ممن عليهم إسم الصحابة وهو رديء الطريقة كالمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، ومعاوية، وجماعة معدودة أحبوا الدنيا واستغواهم الشيطان وهم معدودون في كتب أصحابنا من اشتغل بعلوم السيرة والتواريخ عرفهم بأعيانهم، انتهى کلامه (1).
أقول : ولا يبعد عندي أن يعني (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) به المتقدمين ذكرهم في أول الخطبة واستبعاد الشارح له بظهور لفظ : كأني أنظر في حق من لم يوجد بعد لا وجه له، لا مكان أن يقال : إن نظره في الإتيان بهذا اللفظ إلى الغاية - أعني قوله : حتى شابت عليه مفارقه - وبعبارة أخرى سلّمنا ظهور هذا اللفظ في حق ما لم يوجد إلا أن مراده به ليس نفس الفاسق حتى يقال : إنه كان موجوداً في زمانه (علیه السَّلام)، وإنما مراده بذلك الإخبار عن استمرار الفاسق في فسقه وتماديه في المنكرات إلى آخر عمره، وهذا الوصف للفاسق لم يكن موجوداً، فحسن التعبير بهذه اللفظة، فافهم جيداً .
وأما استيحاشه من أن يعني به الصحابة بأنهم ما آثروا العاجل إلى آخر ما ذكره فهو أوضح فساداً لأنه لولا اختيارهم الدنيا على الأخرى لم يعدلوا عن إمام الورى، فعدولهم عنه دليل على أنهم اشتروا الضلالة بالهدى وآثروا العاجل وأخروا الآجل، وقد تركوا الشرب من الماء المعين ومنهل علوم ربّ العالمين واستبدوا بعقولهم الكاسدة، وارتووا من آرائهم اللاجنة الفاسدة، ومصاحبتهم جميعاً للمنكر بالبدعات التي أحدثوها واضحة، وإقبال فاسقهم
ص: ٥١
1) شرح النهج : ۸۹/۹ .
كالتيار والنار لا يبالي مما غرق وحرق لا غبار عليه.
وما فعل عثمان من ضرب ابن مسعود وكسر بعض أضلاعه، وضرب عمار وإحداث الفتق فيه، وضربه لأبي ذر وإخراجه إلى الربذة ونحوها مما تقدم ذكرها في شرح الكلام الثالث والأربعين وغيره شاهد صدق على ما قلناه.
وكذلك اجتماعه مع «بني» أبيه إلى الحطام ومشاحتهم على الحرام وخضمهم لمال الله خضم الإبل نبتة الربيع على ما تقدم في شرح الخطبة الثالثة أوضح دليل على ما ذكرنا ، فبعدولهم جميعاً عن الله وعن وليه صرفوا وجوههم عن الجنة وأقبلوا بأعمالهم إلى النار ، فاستحقوا الخزي العظيم والعذاب الأليم في أسفل درك من الجحيم.
ص: ٥٢
بعض دیگر از این خطبه در ذمّ و توبیخ طایفه ای غیر مرضیه از غاصبین خلافت و بنی امیه و امثال ایشان می فرماید که :
اختیار کردند ایشان متاع دنیای ناپایدار را، تأخیر انداختند امورات دار القرار را و ترک کردند زلال صافی را و آشامیدند از آب متغیر گندیده، گویا من نظر می کنم به سوی فاسق ایشان در حالتی که مصاحب شده است با قبایح و منکرات و الفت گرفته به آنها و استیناس یافته به آنها و موافق طبع خود یافته آنها را تا آنکه عمر او به پایان رسید و سفید شده میان های سر او ورنگ گرفته به آنها طبیعت های او .
پس از آن رو آورد در حالتی که کف بر آورده مثل دریای موج دار، اصلا باك ندارد از آنچه غرق گرداند یا مثل افتادن آتش در گیاه خشك كه هيچ باک نمی کند از آنچه که سوزاند، کجایند عقل های چراغ بر افروزنده به چراغهای هدایت؟ و چشمهای نظر کننده به نشان های تقوی؟ کجایند قلب هایی که بخشیده شده اند به خدا و بسته شدند بر طاعت خدا؟ ازدحام کردند آن طایفه بدکردار بر متاع دنیای بی اعتبار و نزاع کردند با یکدیگر در بالای حرام و بلند شد از برای ایشان علم بهشت و جهنم پس گردانیدند از بهشت روهای خود را و اقبال کردند به سوی دوزخ با عملهای خود و دعوت کرد ایشان را پروردگار ایشان به عبادت و اطاعت، پس رمیدند و اعراض نمودند و دعوت کرد ایشان را شیطان لعین به سوی قبایح پس قبول کردند و اقبال نمودند.
ص: ٥٣
أَيُّها النَّاسُ، إِنَّما أَنْتُمْ في هَذِهِ الدُّنْيا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ المَنايا، مَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ، وَفي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ ، لا تَنالُونَ مِنْها نِعْمَةً إِلا بفراقِ أُخرىٰ، ولا يُعَمِّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمْرِهِ إِلا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ، وَلا تُجَدَّدُ لَهُ زِيادَةٌ في أُكُلِهِ إِلا بِنَفَادِ مَا قَبْلها مِنْ رِزْقِهِ، وَلا يَحْيَى لَهُ أَثَرٌ إِلا مَاتَ لَهُ أَثَرٌ ، وَلا يُتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلا بَعْدَ أَن يَخَلُقَ جَديدٌ، وَلا تَقُومُ لهُ نابِتَةٌ إِلا وتَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ، وَقَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُها ، فَمَا بَقاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ
وَما أُحْدِثَتْ بِدْعَةُ إِلا تُرِكَ بِها سُنَّةٌ ، فَاتَّقُوا البِدَعَ ، وأَلْزَمُوا المَهْيَعَ ، إِنَّ عَوازِمَ الأُمُورِ أَفْضَلُها ، وَإِنَّ مُحْدَثاتِها شِرَارُها (1).
(الغرض) ما ينصب للرمي وهو الهدف و (ناضلته) مناضلة ونضالاً راميته فنضلته نضلاً من باب قتل غلبته في الرمي، وتناضل القوم وانتضلوا تراموا للسبق و (الشرق) محركة مصدر من شرق فلان بريقه من باب تعب غص و (الغصص) محرّكة أيضاً مصدر من غصصت بالطعام كتعب أيضاً، قال الشارح المعتزلي : وروى غصص جمع غصّة و وهي الشجی و (المهيع) من الطريق وزان مقعد الواضح البين .
و (العوازم) جمع العوزم وهي الناقة المسنّة والعجوز قال الشارح المعتزلي : عوازم الأمور ما تقادم منها من قولهم : عجوز عوازم، أي مسنة، ويجمع فوعل على فواعل كدورق وهو جلّ ويجوز أن يكون جمع عازمة ويكون فاعل بمعنى مفعول أي معزوم عليها أي مقطوع معلوم بيقين صحتها، ويجييء فاعلة بمعنى مفعولة كثيراً كقولهم: عيشة راضية بمعنى مرضية، ثم قال: والأول أظهر عندي، لأن في مقابلته قوله : (وإن محدثاتها شرارها)، والمحدث في مقابلة القدم.
ص: ٥٤
1) وسائل الشيعة : ١٧٥/١٦ ح ٢١٢٨٠ ، وبحار الأنوار: ٢٦٤/٣ ح ١٥.
قوله : (فما بقاء فرع) (الفاء) فصيحة والاستفهام إما للتعجب كما في قوله تعالى: «الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ» [النمل: ٢٠] أو للتحقير.
إعلم أن مقصوده بهذه الخطبة التنفير عن الدنيا والترغيب عنها بالتنبيه على معاتبها ومثالها المنفرة منها ، فقوله (أيها الناس إنما أنتم في هذه الدنيا غرض) من باب التشبيه البليغ ورشح التشبيه بقوله (تنتضل فيه المنايا) وهي استعارة بالكناية حيث شبه المنايا بالمتناضلين بالسهام باعتبار قصدها للإنسان كقصد المتناضلين للهدف، وذكر الانتضال تخييل، والمعنى أنكم في هذه الدنيا بمنزلة هدف تترامى فيه المنايا بسهامها، وسهامها هي الأعراض والأمراض ، وجمع المنايا إما باعتبار تعدد الأسباب من الغرق والحرق والتردي في بئر والسقوط من حائط ونحوها، وإما باعتبار تعدد من تعرض عليه وكثرة أفراد الأموات، ولكل نفس موت مخصص بها.
(مع كل جرعة شرق وفي كل أكلة غصص) قال الشارح البحراني : كنى بالجرعة والأكلة عن لذات الدنيا وبالشرق والغصص عما في كل منها في ثبوت الكدورات اللازمة لها طبعاً من الأمراض والمخاوف وسائر المنقصات لها .
أقول : ومحصل مراده أن صحتها مقرونة بالمحنة ونعمتها مشفوعة بالنقمة وإحسانها معقبة بالإساءة، ولذتها مشوبة بالكدورة.
ولكمال الاتصال بين هذه الجملة وبين الجملة التالية لها - أعني قوله : (لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى) - وصل بينهما ولم يفصل بالعاطف، فإنه لما أشار إلى أن الدنيا رنق المشرب ردغ المشرع لذاتها مشوبة بالكدورات عقبه بهذه الجملة، لأنها توكيد وتحقيق وبيان لما سبق، وفيه زيادة تثبيت له.
والمراد بها أن الإنسان لا يكون مشغولاً بنوع من اللذات الجسمانية إلا وهو تارك لغيره، وما استلزم مفارقة نعمة أخرى لا يعدّ في الحقيقة نعمة ملتذاً بها .
توضيح ذلك ما أشار إليه الشارح البحراني: من أن كل نوع من نعمة فإنما يتجدد شخص منها ويلتذ بها بعد مفارقة مثلها كلذة اللقمة مثلاً، فإنها تستدعي فوت اللذة بأختها السابقة، وكذلك لذة ملبوس شخصي أو مركوب شخصي وسائر ما يعد نعماً دنيوية ملتذاً بها، فإنها إنما تحصل بعد مفارقة ما سبق من أمثالها، بل وأعم من ذلك فان الإنسان لا يتهيأ له
ص: ٥٥
الجمع بين الملاذ الجسمانية في وقت واحد، بل ولا اثنين منها، فإنه حال ما يكون آكلاً لا يكون مجامعاً وحال ما هو في لذة الأكل لا يكون يلتذ بمشروب، ولا حال ما يكون خالياً على فراشه الوثير يكون راكباً للنزهة ونحو ذلك.
(ولا يعمر معمّر منكم يوماً من عمره إلا بهدم آخر من أجله) لظهور أن بقائك إلى الغد مثلاً لا يحصل إلا بانقضاء اليوم الذي أنت فيه وهو من جملة أيام عمرك وبانقضائه ينقص يوم من عمرك، وتقرب إلى الموت بمقدار يوم، واللذة بالبقاء المستلزم للقرب من الموت ليست لذة في الحقيقة .
(ولا تجدد له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبلها من رزقه) أي من رزقه المعلوم أنه رزقه وهو ما وصل إلى جوفه مثلاً، فإن ما لم يصل جاز أن يكون رزقاً لغيره، ومن المعلوم أن الإنسان لا يأكل لقمة إلا بعد الفراغ من أكل اللقمة التي قبلها فهو إذاً لا يتجدد له زيادة في أكله إلا بنفاد رزقه السابق وما استلزم نفاد الرزق لا يكون لذيذاً في الحقيقة.
(ولا يحيى له أثر إلا مات له أثر) قال الشارح البحراني: أراد بالأثر الذكر أو الفعل، فإن ما كان يعرف به الإنسان في وقت ما من فعل محمود أو مذموم أو ذكر حسن أو قبيح ويحيى له بين الناس يموت منه ما كان معروفاً به قبله من الآثار وينسى .
(و) كذلك (لا يتجدد له جديد) من زيادات بدنه ونقصانه وأوقاته (إلا بعد أن يخلق له جديد) إلا بتحلل بدنه ومعاقبة شيخوخته بشبابه ومستقبل أوقاته لسالفها .
(و) كذلك (لا تقوم له نابتة إلا وتسقط منه محصودة) أراد بالنابتة ما ينشأ من الأولاد والأحفاد، وبالمحصودة من يموت من الآباء والأجداد، ولذلك قال : (وقد مضت أصول) يعني الأباء (نحن فروعها).
ولما استعار الأصول والفروع اللذين هما من وصف الأشجار ونحوها للسلف والخلف وكان بناء الاستعارة على تناسي التشبيه حسن التعجب بقوله : (فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله) لأن الشجر إذا انقطع أصله أو انقلع لا يبقى لفرعه قوام ولا يكون له ثبات ومثل هذا التعجب له المبنى على تناسي التشبيه قول الشاعر :
قبت ألثم عينها ومن عجب *** إني أقبل أسيافاً سفكن دمي
وقد مر مثال آخر في التقسيم السادس من تقسيمات الاستعارة في أوائل هذا الشرح .
قال السيد رحمه الله (منها) أي بعض هذه الخطبة في النهي عن متابعة البدعات والتنبيه على ضلالها والأمر بالتجنب عنها، وقد مضى معنى البدعة وتحقيق الكلام فيها في شرح الكلام السابع عشر، وقال الشارح المعتزلي هنا : البدعة كل ما أحدث لم يكن على عهد رسول
ص: ٥٦
الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، فمنها الحسن كصلات التراويح، ومنها القبيح كالمنكرات التي ظهرت في أوائل الخلافة العثمانية وإن كانت قد تكلّفت الأعذار عنها .
إذا عرفت ذلك فنقول قوله : (وما أحدثت بدعة إلا ترك بها سنة) معناه أن السنة مقتضية لترك البدعة وحرمتها بقوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النا»، فإحداث البدعة يوجب ترك السنة أعني مخالفة قول رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لا محالة، وفي هذا تعريض على الخلفاء في بدعاتهم التي أحدثوها بعد رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) على ما تقدمت تفصيلها في الخطبة التي رویناها عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) في شرح الخطبة الخمسين، فتذكر .
(فاتقوا البدع والزموا المهيع) أي الطريق الواضح والنهج المستقيم وهي الجادة الوسطى التي من سلكها فاز ونجى، ومن عدل عنها ضلّ وغوى، وهي التي تقدمت ذكرها في شرح الفصل الثاني من الكلام السادس عشر عند شرح قوله هناك: اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة، عليها باقي الكتاب وآثار النبوة، ومنها منفذ السنة، فليراجع ثمة.
وعلل وجوب التجنّب من البدع ولزوم سلوك المهيع بقوله : (إن عوازم الأمور أفضلها) أراد بها الأمور القديمة التي كانت على عهد رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وعلى التفسير الآخر الأمور المقطوع بصحتها والخالية عن الشكوك والشبهات والمصداق واحد.
(وإن محدثاتها شرارها) لكونها خارجة عن قانون الشريعة مستلزمة للهرج والمرج والمفاسد العظيمة، ألا ترى إلى البدعة التي أحدثها عمر من التفضيل في العطاء فضلاً عن سائر بدعاته أي مفاسد ترتبت عليها حسب ما عرفتها في شرح الكلام المائة والسادس والعشرين، والله الموفق والمعين .
ص: ٥٧
از جمله خطب شریفه آن امام مبین و وصی رسول ربّ العالمین است در مذمّت دنيا و تنبیه بر معایب آن غدّار بی وفا، می فرماید:
ای گروه مردمان، جز این نیست که شما در این دنیا به منزله هدف و نشانگاهید که تیر اندازند در او مرگ ها، با هر آشامیدنی از شراب دنیا اندوهی
است گلوگیر و در هر خوردنی محنت ها است گلو گرفته، نمی رسید از دنیا به نعمتی مگر به جدا شدن از نعمت دیگر و معمّر نمی شود هیچ طویل العمری از شما يك روزی از عمر خود مگر به ویرانی يك روز دیگر از عمر او و تجدید کرده نم یشود از برای او زیادتی در خوردن او مگر به نابود شدن آنچه پیش از این زیادتی است از روزی او و زنده نمی شود از برای او اثری مگر آنکه می میرد از برای او اثر دیگر و تازه نمی شود از برای او هیچ تازه ای مگر بعد از آنکه کهنه شود از برای او تازه دیگر و قائم نمی شود از برای او روینده ای مگر آنکه میافتد از او روينده خشك شده و به تحقیق که گذشت اصل هایی که ما فرعهای ایشانیم؛ یعنی پدرانی که ما فرزندان ایشانیم، پس چه عجب است باقی ماندن فرع بعد از رفتن اصل او .
از جمله فقرات این خطبه در نهی از متابعت بدعت می فرماید:
و پدید آورده نشد هیچ بدعتی مگر آنكه ترك كرده شد به جهت آن بدعت سنتی، پس پرهیز نمایید از بدعتها و لازم شوید به راه روشن آشکارا، به درستی که امرهای قدیمه بهترین امرها است و به درستی که امور متجدّده تازه پیدا شده بدترین امور است زیرا که مخالف دین خاتم النبيين است.
ص: ٥٨
وقد رواه غير واحد من الخاصة والعامة على اختلاف تطلع عليه .
إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلا خِذْلانهُ بِكَثَرَةٍ وَلا بِقِلَّةٍ، وَهُوَ دينُ الله الَّذي أَظْهَرَهُ، وجُنْدُهُ الَّذي أَعَدَّهُ وأَمَدَّهُ، حَتَّى بَلَغَ ما بَلَغَ، وطَلَعَ حَيْثُ ما طَلَعَ ، وَنَحْنُ عَلَى مَوعُودٍ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ مُنْجِزُ وَعْدِهِ، وناصِرُ جُنْدِهِ، ومَكانُ القَيِّم بالأمْرِ مَكانُ النظام مِنَ الخَرَزِ، يَجْمَعُهُ ويَضُمُّهُ، فَإِذَا انْقَطَعَ النِّظامُ تَفَرَّقَ الخَرَزُ ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيره أَبَداً ، والْعَرَبُ اليَوْمَ وإِنْ كانُوا قَليلاً فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالإِسْلامِ عَزيزُونَ بِالإِجتماعِ ، فَكُنْ قُطباً وَاسْتَدِرِ الرَّحى بالعَرَبِ، وَأَصْلِهِمْ دُونَكَ نارَ الحَرْبِ، فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ العَرَبُ مِنْ أَطْرافِها وأَقْطارِها ، حَتَّى يَكُونَ ما تَدَعُ وَراءَكَ مِنَ العَوْرَاتِ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ، إِنَّ الأَعاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا هذا أَصْلُ العَرَبِ فَإِذا فَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلبِهِمْ عَلَيْكَ وطَمَعِهِمْ فِيكَ، فَأَما ما ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ القَوْمِ إِلى قِتالِ المُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الله سُبْحانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ، وهُوَ أَقَدَرُ عَلى تَغْيِيرِ ما يَكْرَهُ، وأما ما ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقاتِلُ فِيما مَضى بِالكَثْرَةِ، وَإِنَّما كُنا نُقاتِلُ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ (1).
في بعض النسخ بدل قوله (أعدّه) أعزّه و (طلع) الكوكب طلوعاً ظهر وطلع الجبل علاه و (نظمت) الخرز نظماً من باب ضرب جعلته في خيط جامع له وهو النظام بالكسر و (الخرز) محركة معروف، والواحد خرزة كقصب وقصبة و (الحذفور) وزان عصفور الجانب كالحذفار والجمع حذافير وأخذه بحذافيره أي بأسره أو بجوانبه و (صلى) اللحم يصليه صلياً من باب رمى شواه أو ألقاه في النار للإحراق كأصلاه وصلاه ويده بالنار سخنها وصلى النار وبها كرضى صليا وصليّاً قاسى حرّها، وأصلاه النار وصلا إياه وفيها وعليها أدخله إياها وأثواه فيها.
و (العورة) في الثغر والحرب خلل يخاف منه والجمع عورات بالسكون للتخفيف
ص: ٥٩
1) تفسير الميزان: ۱٦۰/۱۵ ، الإمام علي (علیه السَّلام) للمهداني : ١٣٦.
والقياس الفتح لأنه إسم وهو لغة هذيل و (الكلب) محركة الحرص والشدة.
قوله : (وطلع حيث ما طلع) (حيث) ظرف مكان في محل النصب على الظرفية أو جر بـ (من) إن كان طلع بمعنى ظهر، وإن كان بمعنى علا فهو مفعول لطلع كما في قوله تعالى : « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ » [الأنعام: ١٢٤] ، وعلى أي تقدير فلفظ (ما) بعده مصدرية وفي بعض النسخ حيث طلع بدون (ما)، جملة (يجمعه ويضمه) حال من النظام والعامل فيها معنى التشبيه ويجوز الوصف، واليوم ظرف لقليلاً وتقدمه للتوسع و (اللام) فيه للعهد الحضوري، و (الباء) في قوله : (بالعرب) للاستعانة، (ودونك)، حال من فاعل أصل أي متجاوزاً الإصلاء أو الصلى المستفاد منه عنك أو من نار الحرب فتقديمه على ذيها على التوسع ، ويمكن كونه حالاً من مفعول أصل أي متجاوزين عنك، فافهم.
إعلم أن هذا الكلام قاله (علیه السَّلام) لعمر في وقعة القادسية أو نهاوند على اختلاف من الرواة تطلع عليه، وذلك حين أراد عمر أن يغزو العجم وجيوش كسرى، وقد استشاره عمر واستشار غيره في الشخوص والخروج لقتال الفرس بنفسه فأشاروا عليه بالشخوص ونهاه (علیه السَّلام) عن ذلك وأشار إلى وجه الصواب والرأي الصواب بكلام مشتمل على أنواع البلاغة.
فقال : (إن هذا الأمر) مؤكداً (بأن) وإسمية الجملة لأن المخاطب إذا كان متردداً في الحكم حسن التقوية بمؤكد، قال الشيخ عبد القاهر : أكثر مواقع (إن) بحكم الاستقراء هو الجواب، لكن يشترط فيها أن تكون للسائل ظن على خلاف ما أنت تجيبه به، هذا وتعريف المسند إليه بالإشارة وإيراده اسم الإشارة لقصد التعظيم والتفخيم على حد قوله سبحانه : «ذَلِكَ الْكِتَابُ » [البقرة: ۲] تنزيلاً لبعد درجته ورفعة محله منزلة بعد المسافة، والمراد به الإسلام.
(لم يكن نصره وخذلانه بكثرة ولا بقلة) نشر على ترتيب اللف (وهو دين الله الذي أظهره) أي جعله غالباً على سائر الأديان بمقتضى قوله : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ، وفي الإتيان بالموصول زيادة تقرير للغرض المسوق له الكلام وهو ربط جاش عمر وسائر من حضر، وإزالة الخور والفشل عنهم .
ولهذا الغرض أيضاً عقبه بقوله (وجنده الذي أعده وأمده) أي هيأه أو جعله عزيزاً وأعطاه مدداً وكثرة (حتى بلغ ما بلغ) من العزة والكثرة (وطلع حيث ما طلع) أي ظهر في
ص: ٦٠
مكان ظهوره وانتشر في الآفاق أو طلع من مطلعه أي أقطار الأرض وأطرافها، أو أنه علا مكان علوه والمحل الذي ينبغي أن يعلى عليه، وعلى أي تقدير فالإتيان بالموصول في القرينة الأولى أعني بقوله: بلغ ما بلغ، وإبهام مكان الطلوع في هذه القرينة على حد قوله تعالى: « فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمَ مَا غَشِيَهُمْ» [طه: ۷۸] .
قال أبو نواس :
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم *** وأسمت سرح اللحظ حيث أساموا
وبلغت ما بلغ امرء بشبابه *** فإذاً عصارة كل ذاك آثام
ثم أكد تقوية قلوبهم وتشديدها بقوله: (ونحن على موعود من الله) أي وعدنا النصر والغلبة والاستخلاف بقوله : «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا» [النور: ٥٥] .
وعقبه بقوله : (والله منجز وعده وناصر جنده) من باب الإيغال الذي قدمنا ذكره في ضمن المحسنات البديعية من ديباجة الشرح، وقد كان المعنى يتم دونه لظهور أن الله منجز لوعده لا محالة، لكن في الإتيان به زيادة تثبيت لقلوبهم وتسكين لها .
ثم قال : (ومكان القيم بالأمر) أي الأمراء والألوة (مكان النظام من الخرز) وهو من التشبيه المؤكد بحذف الأداة، والغرض به تقرير حال المشبه ووجه الشبه قول (يجمعه ويضمّه) يعني أن انتظام أمر الرعية إنما هو برئيسهم كما أن انتظام الخرز إنما هو بالنظام والخيط الذي ينتظم به ومحلّه من الرعية محله من الخرز.
(فإذا انقطع النظام) وانفصم (تفرق الخرز وذهب) وانتثر (ثم لم يجتمع بحذافيره) أي بجوانبه (أبداً) وكذلك إذا ارتفع الأمير من بين الرعية ولم يكن فيهم فسد حال الرعية وضاع نظم أمورهم .
ثم رفع الفزع عن عمر بقلة جنده وكثرة العدو فقال : (والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً) بالعدد (فهم كثيرون بالإسلام) قال الشارح البحراني : أراد بالكثرة القوة والغلبة مجازاً إطلاقاً للإسم مظنة الشيء على الشيء (عزيزون) أي غالبون (بالاجتماع) أي باجتماع الرأي واتفاق القلوب، وهو خير من كثرة الأشخاص مع النفاق.
ولما مهد ما مهده من المقدمة أمره بالقيام في مقامه والثبات في مركزه فقال: (فكن قطباً) قائماً بمكانك (واستدر الرحى) أي رحى الحرب (بالعرب) واستعانتهم (وأصلهم) أي أدخلهم (دونك نار الحرب) لأنهم إن سلموا وغنموا فهو الغرض، وإن انقهروا وغلبوا كنت مرجعاً لهم وظهراً يقوي ظهورهم بك وتتمكن من إصلاح ما فسد من أمورهم.
ص: ٦١
ولما أمره بالثبات في مقامه نبّهه على مفاسد الشخوص وما فيه من الضرر وهو أمران:
أحدهما: ما أشار إليه بقوله : (فإنك إن شخصت من هذه الأرض) ونهضت معهم إلى العدو (انتقضت عليك العرب من أطرافها) أي من أطراف الأرض (وأقطارها) وذلك لقرب عهدهم يومئذ بالإسلام وعدم استقراره في قلوبهم وميل طبائعهم إلى الفتنة والفساد، ومع علمهم بخروجك وتركك للبلاد هاج طمعهم وصارت فتنتهم على الحرمين وما يضاف إليهما (حتى يكون ما يدع وراءك من العورات) وخلل الثغور (أهم إليك مما بين يديك).
والأمر الثاني : ما أشار إليه بقوله : (إنَّ الأعاجم أن) تخرج إليهم بنفسك و (ينظروا إليك غداً) طمعوا فيك و (يقولوا هذا أصل العرب) أي به قوامهم وثباتهم (فإذا قطعتموه استرحتم) إذ لا أصل لهم سواه ولا لهم ظهر يلجأون به (فيكون ذلك أشد لكلبهم) وحرصهم (عليك و) أقوى لـ (طمعهم فيك) .
ثم إن عمر حسب ما نذكره بعد تفصيلاً قد كان قال له (علیه السَّلام) في جملة ما قال: إن هؤلاء الفرس قد قصدوا المسير إلى المسلمين وقصدهم إياهم دليل قوتهم وأنا أكره أن يغزونا فأجابه (علیه السَّلام) بقوله : (فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك) وأشد كراهية لذلك (وهو أقدر على تغيير ما يكره) .
قال الشارح البحراني : وهذا الجواب يدور على حرف، وهو أن مسيرهم إلى المسلمين وإن كان مفسدة إلا أن لقائه لهم بنفسه فيه مفسدة أكبر، وإذا كان كذلك فينبغي أن يدفع العظمى ويكل دفع المفسدة الأخرى إلى الله تعالى فإنه كاره لها ومع كراهيته لها فهو أقدر على إزالتها .
(وأما ما ذكرت من) كثرة القوم و (عددهم فأنا لم نكن نقاتل) الأعداء (فيما مضى) أي في زمن رسول الله وصدر الإسلام (بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة) أي بنصر الله سبحانه ومعونته .
ويصدقه قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)» [الأنفال : ٦٥ - ٦٦] .
قد أشرنا فيما مضى إلى أن هذا الكلام مما رواه الخاصة والعامة، وقد اختلف في
ص: ٦٢
الحال التي قاله فيها لعمر، فقيل : قاله (علیه السَّلام) له في غزاة القادسية، وقيل: في غزوة نهاوند، ولا بأس بإيراد ما رووه.
فأقول : روى المحدث العلامة المجلسي في المجلد التاسع من (البحار) عن (المفيد في الإرشاد) في فضل ما جاء عن أمير المؤمنين في معنى صواب الرأي وإرشاد القوم إلى مصالحهم وتداركه على ما كان يفسدهم لولا تنبيهه على وجه الرأي عن سبابة بن سوار عن أبي بكر الهذلي قال :
سمعت رجالاً من علمائنا يقولون : تكاتبت الأعاجم من أهل همدان وأهل الري وأصفهان وقومس (1)ونهاوند وأرسل بعضهم إلى بعض أن ملك العرب الذي جاءَهم بدينهم وأخرج كتابهم قد هلك، يعنون النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ، وأنه ملكهم من بعده رجل ملكاً يسيراً ثم هلك، يعنون أبا بكر، ثم قام بعده آخر قد طال عمره حتى تناولكم في بلادكم وأغزاكم جنوده، يعنون عمر بن الخطاب، وأنه غير منته عنكم حتى يخرجوا من في بلادكم من جنوده وتخرجون إليه وتغزون في بلاده، فتعاقدوا على هذا وتعاهدوا عليه .
فلما انتهى الخبر إلى من في الكوفة من المسلمين أنهوه إلى عمر بن الخطاب فلما انتهى إليه الخبر فزع لذلك فزعاً شديداً ، ثم أتى مسجد رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
معاشر المهاجرين والأنصار ، إن الشيطان قد جمع لكم جموعاً وأقبل بها ليطفئ نور الله ، إلا أن أهل همدان وأهل أصبهان وأهل الري وقومس ونهاوند مختلفة ألسنتها وألوانها وأديانها، قد تعاقدوا وتعاهدوا أن يخرجوا من بلادهم إخوانكم من المسلمين ويخرجوا إليكم فيغزوكم في بلادكم، فأشيروا إليَّ فأوجزوا ولا تطنبوا في القول فإن هذا يوم له ما بعده من الأيام فتكلموا .
فقام طلحة بن عبيد الله فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أمير المؤمنين قد حنكتك الأمور وجرستك الدهور وعجمتك البلايا وأحكمتك التجارب، وأنت مبارك الأمر وميمون النقيبة وقد وليت فخيّرت واختبرت ولم تكشف من عواقب قضاء الله إلا عن خيار، فاحضر هذا الأمر برأيك ولا تغب عنه، ثم جلس.
فقال عمر : تكلموا .
فقام عثمان بن عفان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أمير المؤمنين، إني أرى
ص: ٦٣
1) قوس : صقع كثير من بلاد خراسان وإقليم بالأندلس.
أن تشخص أهل الشام من شامهم وأهل اليمن من يمنهم وتسير أنت في أهل هذين الحرمين وأهل المصرين الكوفة والبصرة فتلتقي جميع المشركين بجميع المؤمنين، فإنك يا أمير المؤمنين لا تستبقي من نفسك باقية بعد العرب، ولا تمتع من الدنيا بعزيز ولا تلوذ منها بحريز فأحضره برأيك ولا تغب عنه. ثم جلس.
فقال عمر : تكلموا .
فقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السَّلام): الحمد الله حتى تم التحميد، والثناء على الله والصلاة على رسوله، ثم قال : أما بعد، فإنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت أهل الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإن شخصت من هذين الحرمين انتقضت عليك العرب من أطرافها وأكنافها حتى تكون ما تدع وراء ظهرك من عيالات العرب والعجم أهم إليك مما بين يديك، فأما ذكرك كثرة العجم ورهبتك من جموعهم فإنا لم نكن نقاتل على عهد رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بالكثرة، وإنما كنا نقاتل بالنصرة. وأما ما بلغك من اجتماعهم على المسير إلى المسلمين فإن الله لمسيرهم أكره منك لذلك وهو أولى بتغيير ما يكره، وإن الأعاجم إذا نظروا إليك قالوا : هذا رجل العرب فإن قطعتموه قطعتم العرب وكنت أشد لكلبهم وكنت قد ألبتهم على نفسك وأمدهم من لم يكن يمدهم، ولكني أرى أن تقر هؤلاء في أمصارهم وتكتب إلى أهل البصرة فليفترقوا على ثلاث فرق فلتقم فرقة على ذراريهم حرساً لهم، ولتقم فرقة على أهل عهدهم لئلا ينتقضوا، ولتسر فرقة إلى إخوانهم مدداً لهم.
فقال عمر: أجل هذا الرأي، وقد كنت أحب أن أتابع عليه. وجعل يكرر قول أمير المؤمنين (علیه السَّلام) إعجاباً واختياراً له (1).
قال الشيخ المفيد (رحمه الله) : فانظروا أيدكم الله إلى هذا الموقف الذي ينبئ بفضل الرأي، إذ تنازعه أولو الألباب والعلم وتأملوا في التوفيق الذي قرن الله به أمير المؤنين (علیه السَّلام) في الأحوال كلها وفزع القوم إليه في المعضل من الأمور، وأضيفوا إلى ذلك إلى ما أثبتاه من الفضل في الدين الذي أعجز متقدمي القوم حتى اضطروا في علمه إليه، تجدوه من باب المعجز الذي قدمناه والله ولي التوفيق.
قال الشارح المعتزلي في شرح هذا المقام: واعلم أن هذا الكلام قد اختلف في الحال التي قاله فيها لعمر، فقيل: قاله له في غزوة القادسية وقيل: في غزوة نهاوند، وإلى هذا القول الأخير ذهب محمد بن جرير الطبري في (التاريخ الكبير) وإلى هذا القول الأول ذهب
ص: ٦٤
1) الإرشاد: ۲۱۰/۱ .
المدائيني في كتاب (الفتوح).
أما وقعة القادسية فكانت في سنة أربع عشر للهجرة استشار عمر المسلمين في أمر القادسية فأشار إليه علي بن أبي طالب (علیه السَّلام) في رواية أبي الحسن علي بن محمد بن سيف المدائني أن لا يخرج بنفسه وقال : إنك إن تخرج تكن للعجم همّة لاستئصالك لعلمهم أنك قطب الرحى للعرب فلا يكون للإسلام بعدها دولة، وأشار عليه غيره من الناس أن يخرج بنفسه فأخذ برأي علي، ثم أورد الشارح وقعة القادسية، ولا حاجة بنا إلى إيرادها ، ثم قال:
فأما وقعة نهاوند فإن أبا جعفر محمد بن جرير الطبري ذكر في كتاب (التاريخ) أن عمر لما أراد أن يغزو العجم وجيوش كسرى وهي مجتمعة بنهاوند استشار الصحابة.
فقام عثمان فشهد فقال : أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم وتكتب إلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم ثم تسير أنت بأهل هذين الحرمين إلى المصرين البصرة والكوفة فتلقى جميع المشركين بجميع المسلمين فإنك إذا سرت بمن معك ومن عندك تكن في نفسك بالكاثر من عدد القوم، وكنت أعزّ عزّاً وأكثر أنك لا تستبقي بعد اليوم باقية ولا تمنع من الدنيا بعزيز وتكون منها في حرز حريز، إن هذا يوم له ما بعده فاشهده برأيك ونفسك ولا تغب عنه .
قال أبو جعفر: وقام طلحة فقال: أما بعد يا أمير المؤمنين فقد أحكمتك الأمور وعجمتك البلايا وحنكتك التجارب، وأنت وشأنك وأنت ورأيك لا تبنوا في يديك ولا نكل أمرنا إلا إليك، فأمرنا نجب وادعنا نطع، واحملنا نركب وقدمنا ننقد، فإنك وليّ هذا الأمر وقد بلوت وربت واختبرت فلم ينكشف شيء من عواقب الأمور لك إلا عن خيار .
فقال علي بن أبي طالب: أما بعد، فإن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، إنما هو دين الله الذي أظهره وجنده الذي أعزه وأمدّه بالملائكة حتى بلغ ما بلغ، فنحن على موعود من الله والله منجز وعده وناصر جنده، وإن مكانك منهم مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه، فإن انحل تفرق ما فيه وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً، والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فإنهم كثير وعزيز بالإسلام، أقم مكانك واكتب إلى أهل الكوفة فإنهم أعلام العرب ورؤسائهم، وليشخص منهم الثلثان وليقم الثلث واكتب إلى أهل البصرة أن يمدوهم ببعض من عندهم، ولا تشخص الشام ولا اليمن إنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم،
ومتى شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك انتقضت عليك العرب من أطرافها وأكنافها حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات، إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً :قالوا : هذا أمير العرب وأصلهم فكان ذلك أشدّ لكلبهم عليك وأما ما ذكرت من مسيرة القوم
ص: ٦٥
فإن الله هو أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما ما ذكرت من عددهم فإنّا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالصبر والنصر (1).
فقال عمر : أجل هذا الرأي وقد كنت أن أتابع عليه، فأشيروا عليّ برجل أوليه ذلك الثغر، قالوا : أنت أفضل رأياً ، فقال : أشيروا عليّ به واجعلوه عراقياً، قالوا : أنت أعلم بأهل العراق وقد وفدوا عليك فرأيتهم وكلمتهم، قال: أما والله الأوّلين أمرهم رجلاً يكون عمداً لأول الأسنة، فقيل : ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: النعمان بن مقرن، قالوا هو لها. وكان النعمان يومئذ بالبصرة فكتب إليه عمر فولاه أمر الجيش .
قال أبو جعفر : كتب إليه عمر: سر إلى نهاوند فقد وليتك حرب الفيروزان وكان المقدم على جيوش كسرى فإن حدث بك حدث فعلى الناس حذيفة بن اليمان فإن حدث به حدث فعلى الناس نعيم بن مقرن، فإن فتح الله عليكم فاقسم على الناس ما أفاء الله عليهم ولا ترفع إلي منه شيئاً، وإن نكث القوم فلا تراني ولا أراك، وقد جعلت معك طليحة بن خويلد وعمرو بن معد يكرب لعلمهما بالحرب فاستشرهما ولا تولّهما شيئاً .
قال أبو جعفر : فسار النعمان بالعرب حتى وافى نهاوند وذلك في السنة السابعة من خلافة عمر، وترائى الجمعان ونشب القتال، وحجرهم المسلمون «المشركون» في خنادقهم واعتصموا بالحصون والمدن وشق على المسلمين ذلك، فأشار طليحة عليه فقال : أرى أن تبعث خيلاً ببعض القوم وتحمشهم فإذا استحمشوا خرج بعضهم واختلطوا بكم فاستطردوا لهم فإنهم يطمعون بذلك ثم نعطف عليهم حتى يقضي الله بيننا وبينهم بما يجب، ففعل النعمان ذلك فكان كما ظن طليحة وانقطع العجم عن حصونهم بعض الانقطاع فلما أمعنوا في الإنكشاف للمسلمين حمل النعمان بالناس فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يسمع السامعون مثله ، وزلق النعمان فرسه فصرع وأصيب فتناول الراية أخوه فأتى حذيفة فدفعها إليه وكتم المسلمون مصاب أميرهم واقتتلوا حتى أظلم الليل ورجعوا والمسلمون وراءهم، فعمى عليهم قصدهم فتركوه وغشيهم المسلمون بالسيوف، فقتلوا منهم ما لا يحصى وأدرك المسلمون الفيروزان وهو هارب وقد هرب وانتهى إلى ثنيّة مشحونة ببغال موقرة عسلاً فحبسته على أصله فقتل فقال المسلمون: إن لله جنوداً من عسل، ودخل المسلمون نهاوند فاحتووا على ما فيها وكانت أنفال هذا اليوم عظيمة (2).
ص: ٦٦
از جمله کلام آن حضرت است در حالتی که مشاوره کرد با او عمربن الخطاب در رفتن به محاربه اهل فارس به نفس خود، فرمود که:
به درستی این امر یعنی اسلام نیست یاری نمودن او و نه خواری او به زیادتی لشکر و نه به کمی آن و آن امر دین خدایی است، غالب گردانید او را بر همه ادیان و لشکر او است که مهیا فرمود و قوّت داد آن را بر دشمنان تا اینکه رسید آن مقامی را که رسید و بلند شد هر چه بلند شد و ما مستقرّیم بر وعده خداوند تعالی و خدا وفاکننده وعده خود است و نصرت دهنده لشکر خود و مکان قائم به امر مردمان و رئیس ایشان مکان خیاطه است از مهره ای که جمع می کند آن را و انضمام می دهد او را به هم پس اگر بریده شود مهره، متفرق و پراکنده می شوند مهره ها و از هم بپاشند، پس از آن جمع نمی شوند به تمامی خود هیچ وقت و مردمان عرب اگرچه امروز اندکند نسبت به کافران، پس ایشان بسیارند به جهت اسلام، عزیزند به حسب اجتماع و اتفاق .
پس باش مثل قطب آسیا، از جای خود حرکت مکن و بگردان آسیای حربرا با عرب و درآر ایشان را نه خود را در آتش مقاتله و محاربه، پس به درستی که تو اگر بیرون روی از این زمین یعنی مدینه منوره فرود آیند به تو عربها از اطراف و جوانب تا اینکه باشد آنچه که ترک کرده ای آن را در پشت خود از مواضع مخافت بر اسلام و اهل آن مهم تر به سوی تو از آنچه که در پیش تو است از محاربه دشمن. به درستی که عجم ها اگر نظر کنند به سوی تو فردا، گویند این مرد اصل عرب و أمير ايشان است پس اگر شما پاره پاره کردید او را، راحت می شوید، پس باشد رفتن تو به محاربه ایشان باعث شدت حرص ایشان بر تو و طمع ایشان در تو، پس اما آنچه ذکر کردی از آمدن اهل فارس به محاربه مسلمانان، پس به درستی که خدای تعالی ناخوش گیرنده تر است از تو رفتار ایشان را و او قادرتر است بر تغییر آن چه که ناخوش می گیرد و اما آنچه که ذکر کردی از بسیاری عدد ایشان، پس به درستی که ما نبودیم که دعوا کنیم در زمان گذشته با بسیاری لشکر و جز این نیست که بودیم که محاربه می کردیم به معاونت و نصرت پروردگار (یعنی در حرب اعدا توکل به خدا باید نمود و از کثرت أعدا نبايد ترسيد).
ص: ٦٧
فَبَعَثَ مُحَمَّداً (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بِالحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبادَهُ مِنْ عِبادَةِ الأَوْثانِ إِلى عِبادَتِه ، ومِنْ طَاعَةِ الشَّيْطانِ إِلى طَاعَتِهِ، بِقُرْآنَ قَدْ بَيَّنَهُ وأَحْكَمَهُ لِيَعْلَمَ العِبادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهَلُوهُ، وليُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ، ولَيُثَبِّتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ ، فَتَجَلَّى سُبْحانَهُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِما أَراهُمْ مِنْ قُدْرَتِه ، وخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ، وكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالمَثُلات، واحْتَصَدَ مَنْ احْتَصَدَ بالنقمات .
وإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفى مِنَ الحَقِّ، ولا أَظْهَرُ مِنَ الباطِلِ، ولا أَكْثَرُ مِنَ الكِذْبِ عَلى الله ورَسُولِهِ، ولَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذٰلِكَ الزَّمانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ الكِتابِ إِذا تُلِيَ حَقَّ تِلاوَتِهِ، وَلا أَنْفَقُ مِنْهُ إِذا حُرِّفَ عَنْ مَواضِعِه ، ولا فِي البِلادِ شَيْءٌ أَنْكَرُ مِنَ المَعْرُوفِ ، ولا أَعْرَفُ مِنَ المُنْكَرِ ، فَقَدْ نَبَذَ الكِتابَ حَمَلَتُهُ ، وتَناساه حَفَظَتُهُ، فَالكِتابُ يَوْمَئِذٍ وأهْلُهُ طَرِيدانِ مَنْفِيَّانِ، وصاحِبانِ مُصْطَحِبانِ في طَرِيقٍ واحِدٍ لا يُؤويهما مُؤوٍ، فَالكِتابُ وأَهْلُهُ في ذَلِكَ الزَّمانُ فِي النَّاسِ ولَيْسا فِيهِمْ، وَمَعَهُمْ وَلَيْسا مَعَهُمْ، لأَنَّ الضَّلالةَ لا تُوافِقُ الهُدى وإِنْ اجْتَمَعا ، فَاجْتَمَعَ القَوْمُ عَلى الفُرقَةِ ، وافْتَرَقُوا عَنِ الجَمَاعَةِ ، كأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الكِتابِ ولَيْسَ الكِتابُ إمامَهُمْ ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلا اسْمُهُ، وَلا يَعْرِفُونَ إِلا خُطَّهُ وزَبَرَهُ، ومِنْ قَبْلُ ما مَثَلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ، وسَمُّوا صِدْقَهُمْ عَلى اللَّهِ فِرْيَةٌ ، وجَعَلُوا فِي الحَسَنَةِ عُقُويَةَالسَّيِّئَةِ.
وَإِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمالِهِمْ ، وتَغَيُّبِ آجالِهِمْ، حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ المَوْعُودُ الذي تُرَدُّ عَنْهُ المَعْذِرَةُ، وتُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، وتُحِلُّ مَعَهُ القارِعَةُ والنَّقِمَةُ ، أَيُّها النَّاسُ مَنْ اسْتَنْصَحَ للهِ وُفِّقَ، ومَنْ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَليلاً هُدِيَ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، فَإِنَّ جارَ اللَّهِ آمِنٌ، وعَدُوَّ اللَّهِ خَائِفٌ.
وَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ، فَإِنَّ رُفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ما عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَواضَعُوا لَهُ، وسَلامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ما قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ، فَلا تَنْفِرُوا مِنَ الحَقِّ نِفارَ الصَّحيح مِنَ الأجْرَبِ، وَالبارِئِ مِنْ ذِي السَّقَمِ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ ، وَلَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الكِتاب حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ، وَلَنْ تَمَسْكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ، فَالْتَمِسُوا ذلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، فَإِنَّهُمْ عَيْشُ العِلم، وَمَوْتُ الجَهْلِ، هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ ، وصُمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ ، وظَاهِرُهُمْ عَنْ باطِنِهِمْ، لا يُخالِفُونَ
ص: ٦٨
الدِّينَ، وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صادِقٌ، وصامت ناطق (1).
(تجلى) الشيء انكشف وظهر و (محق) الشيء محقاً من باب منع أبطله ومحاه ومحق الله الشيء أذهب منه البركة، وقيل: هو ذهاب الشيء كله حتى لا يرى له أثر و (المثلات) جمع المثلة بفتح الميم وضم الثاء المثلثة فيهما وهي العقوبة كذا في (الأقيانوس) وفي (القاموس)، مثل بفلان نكل كمثل تمثيلاً المثلة وهي بضم الثاء وسكونها والجمع مثولات ومثلات. وقال الفيومي : ومثلت بالقتيل مثلاً من باب قتل وضرب إذا جدعته وظهرت آثار فعلك عليه تنكيلاً والتشديد مبالغة والإسم المثلة وزان غرفة والمثلة بفتح الميم وضم الثاء العقوبة.
و (حصد) الزرع والنبات واحتصده قطعه بالمنجل وحصدهم بالسيف واحتصدهم استأصلهم و (النقمة) بالكسر وبالفتح وكفرحة المكافأة بالعقوبة جمعه نقم ككلم وعنب ونقمات ككلمات و (بار) الشيء يبور من باب قال إذا فسد و (زبرت) الكتاب زبراً كتبته فهو زبور فعول بمعنى مفعول كرسول والجمع زبر قال سبحانه: وَ «وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢» [القمر: ٥٢]، والزير بالكسر الكتاب وجمعه زبور مثل قدرٍ وقَدُورٍ .)و (مثلوا يروى بالتخفيف والتشديد معاً أي نكلوا و (القارعة) الداهية تفاجىء الإنسان . وقال الشارح المعتزلي : المصيبة تقرع أي تلقى بشدة وقوة، وقوله: (فإن رفعة الذين) لفظة رفعة في بعض النسخ بضم الراء وفي أكثرها بالفتح وضبط (القاموس) بالكسر قال : رفع ككرم رفاعة صار رفيع الصوت ورفعة بالكسر شرف وعلا قدره فهو رفيع، كذا في (الأوقيانوس).)### الإعرابقوله : (ليعلم العباد متعلق بقوله : (بينه) أو أحكمه أو كليهما على سبيل التنازع، وقوله : (وكيف) عطف على قوله : (من سطوته)، (ومن) الموصولة في قوله : (من محق ومن احتصد) في محل النصب مفعول به وفاعل الأفعال الأربعة راجع إلى الله سبحانه، وقوله: (ليس فيه شيء أخفى) لفظة أخفى إما بتقدير الرفع صفة لشيء ويؤيده رفع لفظ أظهر وأكثر المعطوفين عليه كما في بعض النسخ، وإما بتقدير النصب على أنه خبر (ليس) ويكون فيه متعلقاً به، وعلى الأول فهو خبر مقدم وليس مع إسمه وخيره في محل الرفع صفة لزمان، وعلى تقدير نصب أخفى فيكون ما عطف عليه منصوباً كما في نسخة (الشارح المعتزلي))
ص: ٦٩
1) الكافي : ۳۹۱/۸، كتاب الأربعين : ١٩٤.
وغيره ومثله لفظ أبور وأنفق وأنكر وأعرف، وتروى جميعاً بالرفع والنصب معاً.وقوله : (ومن قبل ما مثلوا بالصالحين لفظة (ما) مع الفعل بعدها في حكم المصدر ومحله الرفع بالابتداء، ومن قبل خبرها أي مثلهم أو تمثيلهم بالصالحين من قبل ذلك. ولا يجوز جعل (ما) موصولة والجملة بعدها صلتها لخلوها من الربط و (على) في قوله : (وسمّوا صدقهم على الله فرية) متعلقة بفرية لا بصدقهم، قال الشارح المعتزلي : فإن امتنع أن يتعلق حرف الجر به لتقدمه عليه وهو مصدر فليكن متعلقاً بفعل مقدّر دل عليه هذا المصدر الظاهر.)وقوله: (وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة بإضافة العقوبة، وفي بعض النسخ : العقوبة السيئة. قال الشارح المعتزلي : والرواية الأولى بالإضافة أكثر وأحسن.)وقوله : (إنه من استنصح الضمير للشأن. قال الشيخ عبد القاهر: إن لضمير الشأن مع (إن) حسناً ليس بدونها بل لا يصح بدونها نحو: إنه من يتق ويصير ، وإنه من يعمل سوء، وإنه لا يفلح الكافرون . قال الشارح المعتزلي: (ما) في قوله : (ما عظمته) بمعنى أي شيء ومن روى بالنصب جعلها زائدة .)### المعنى#### إشارةإعلم أن مدار هذه الخطبة على فصول أربعة :#### الفصل الأولفي الإشارة إلى بعثة الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم والغرض من بعثته وهو قوله: (فبعث الله محمداً بالحق) وإنما بعثه (ليخرج عباده من عبادة الأوثان) والأصنام (إلى عبادته ومن طاعة الشيطان إلى طاعته) ولتخليص الخلق من عشق الدنيا ورق الطبيعة وعبودية الهوى، وتشويقهم إلى حظائر القدس ومجالس الأنس، وإيقاظهم عن مراقد الأبدان ونوم الغافلين، وإيصالهم إلى منازل الأبرار والمقربين .)ولم يقتصر سبحانه على مجرد بعثه وإرساله بل بعثه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم (بـ) ما يدل على صدق دعواه ومقاله من البراهين والدلائل الباهرات والمعجزات الخارقة للعادات وأعظمها (قرآن قد بينه وأحكمه) أي كشفه وأوضحه وجعله متقناً مضبوطاً مستقيماً نظمه خالياً عن الخلل والاختلاف، كما قال عزّ من قائل: «هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ(١٣٨)» [آل عمران : ۱۳۸] ، وقال : «الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ ْ» [هود: ١] وفي موضع آخر : « وَلَوْ كَانَ مِنْ عَايَتُهُ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِير» [النساء : ۸۲] .) ص: ٧٠
وتخصيص القرآن بالذكر من بين سائر المعجزات لما أشرنا إليه من أنه أعظم معجزاته وأقواها وأكدها في باب التحدي، وذلك لأن الغالب على العرب حين بعثه صلوات الله عليه وآله إنشاء الخطب والرسائل والمبالغة في فصاحة الكلام وبلاغته وحسن البيان وسلاسته، ومراعات المطابقة لمقتضى الحال والمحافظة على محاسن اللفظ وبدائع النكت الغريبة، ولطائف المناسبات العجيبة ووجوه الاستعارات والتخيلات وأنحاء المجاز والكنايات وسائر ما يزيد في الكلام رونقاً وتأثيراً في القلوب.فبعث الله النبي متحدّياً بالقرآن كتاباً ساطعاً تبيانه قاطعاً برهانه بحجج وبينات ورسوم وآيات عجز عن الإتيان بما يماثلها أو یدانيها مصاقع الخطباء مشتملاً على رموز وأسرار وعلوم وأنوار تحيّرت في إدراكها عقول الأدباء، ومواعظ وحكم تبلدت عن فهمها أذهان الحكماء، ولم يتصد لمعارضة أقصر سورة من سورة واحد من الفصحاء، ولم ينهض للقدح في كلمة من كلماته ناهض من أزكياء البلغاء، مع طول المدة وكثرة العدة، وشدة الحرص وقوة الكدّ وغاية العصبية ونهاية الأنانية والإفراط في المضادة والمضارة، والرسوخ في المنافرة والمفاخرة، فاختاروا المقاتلة بالسيف والسنان على المعارضة بالكلام والبيان والحجة والبرهان، بعدما خيروا بين الأمرين.فعلم أن المأتي به خارج عن مقدرة البشر، وإنما هو أمر من عند خالق القوى والقدر، وبه يهتدى إلى الرشاد، وتحصل المعرفة بالمبدأ والمعاد كما قال (علیه السَّلام : (ليعلم العباد ربهم إذ جهلوه) يعني ببيان القرآن وأحكامه يحصل العلم بالرب تعالى وذلك لما اشتمل عليه من الآيات الدالة على نعوت الجلال وصفات الجمال وأدلة التوحيد وبراهين التفريد مضافاً إلى أنه بنفسه مع قطع النظر عن تلك الآيات كاف في الهداية إلى الحق الأول سبحانه بما فيه من وصف الإعجاز حسب ما أشرنا إليه، هذا.)والعجب من الشارح البحراني أنه قال في شرح هذا المقام: ومدار هذا الفصل على بيان بعثة الرسول، وبيان غاية البعثة والسبب المعدّ للوصول إلى تلك الغاية ثم بيان غاية تلك الغاية والإشارة إلى البعث بقوله : (فبعث إلى قوله : (بالحق)، وأشار إلى غايتها بقوله : (ليخرج إلى طاعته) وأشار إلى سبب تلك الغاية بقوله : (بقرآن قد بينه) وأشار إلى غاية تلك الغاية ـ أعني غاية طاعة الله - بقوله : (ليعلم العباد) إلى قوله : (أنكروه) انتهى .)وأنت خبير بأن طاعة الله سبحانه وعبادته إنما تحصل بعد حصول العلم بالرب، لأنها فرع الدين وهذا أصله والأصل مقدّم على الفرع فكيف يمكن جعله غاية لها وما هو إلا من مفاسد قلّة التدبّر .(وليقروا به بعد إذ جحدوه وليثبتوه بعد إذ أنكروه إن كان المراد بالإقرار الإقرار باللسان) ص: ٧١
وحده وبالإثبات الإثبات بالجنان يكون عطف الجملة الثانية على الأولى من باب التأسيس، وإن أريد بكل منهما الأعم فالمعنى بالجملتين واحد والاختلاف في العبارة، والإتيان بهما للتفنّن وعلى أي تقدير فالإثبات والإقرار من جنود العقل والجحود والإنكار من جنود الجهل كما يفيده الحديث المروي في (الكافي في باب العقل والجهل عن أبي عبد الله (علیه السَّلام)، هذا.)ولما ذكر أن بالقرآن يحصل العلم بالرب سبحانه والإقرار به وإثباته أشار إلى كيفية حصول هذا العلم بقوله : (فتجلى لهم سبحانه أي ظهر ظهوراً بيناً (في كتابه) ربما يفسّر الكتاب هنا بعالم الإيجاد ولما كان لفظ التجلّي موهماً للظهور برؤية البصر أتبعه بقوله : (من غير أن يكونوا رأوه) من باب الاحتراس الذي عرفته في المحاسن البديعية من ديباجة الشرح ، يعني أنه سبحانه تجلّى لعباده وظهر لهم لا برؤية البصر بل برؤية البصيرة (بما أراهم من قدرته) وذكرهم من بدائع مصنوعاته وحكمته وعجائب مبدعاته وصنعته كما قال عزّ من قائل: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)» [البقرة: ١٦٤]، وقال: اله « وَجَنَّتُ مِنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعُ وَنَخِيلٌ مِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» [الرعد: ۱۳]، وقال: «وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)» [الروم : ٢٤] إلى غير ذلك مما لا نطيل بذكرها، وقد مضى في شرح الخطبة التسعين لا سيما شرح الفصل السادس منها ما فيه غنية للطالب وكفاية للمهتدي، فليراجع ثمة.)(وخوفهم من سطوته وحذرهم من نقمته كما قال عز وجل : «ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)» [الصافات: ١٣٦ - ١٣٨]، وقال: «إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)» [العنكبوت : ٣٤ - ٣٥] وغير ذلك من الآيات المشتملة على التحذير بقصص الأوّلين والتخويف بما جرى على السلف الماضين.)(و أنه (كيف محق من محق بالمثلات) أي أهلك من أهلكه منهم وأذهب آثارهم عن وجه الأرض بالعقوبات النازلة علهم (واحتصد من احتصد بالنقمات) أي استأصل من استأصله بما عذبهم به مكافأة لسوء أعمالهم.) ص: ٧٢
#### الفصل الثانيفي الإخبار عن زمان يأتي بعده بالأوصاف المذكورة وهو قوله : (وأنه سيأتي عليكم من بعدي زمان الأظهر أن المراد به زمان بني أمية وأيام خلافتهم لاتصافه بما وصفه من أنه (ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله) وهو ظاهر للخبير بالسير والأخبار .)فقد روي عن شعبة وهو إمام المحدثين عند العامة أنه قال : تسعة أعشار الحديث كذب، وعن الدارقطني : ما الحديث الصحيح إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، وقد كان جعل الأخبار الكاذبة واشتهارها في زمن بني أمية.قال ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكابر محدّثي العامة وأعلامهم في (تاريخه إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنف بني هاشم.)ويشهد بذلك ما تقدم روايته في شرح الكلام السابع والتسعين من الخبر الذي رويناه من (البحار عن كتاب سليم بن قيس الهلالي .)(وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب أي متاع أكسد وأفسد من كتاب الله سبحانه (إذا تلى حق تلاته) وفسر على الوجه الذي أنزل عليه وعلى المعنى الذي أريد منه ، وذلك لمنافاة المعنى المراد والوجه الحق لأغراض أهل ذلك الزمان الغالب على أهله الباطل واتباع الهوى.)(ولا أنفق منه بيعاً وأكثر رواجاً (إذا حرف عن مواضعه) ومقاصده الأصلية وذلك لموافقة أغراضهم الفاسدة (ولا في البلاد شيء أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر) لما ذكرناه في شرح الكلام السابع عشر من أن المعروف لما خالف أغراضهم ومقاصدهم طرحوه حتى صار منكراً بينهم يستقبحون فعله، والمنكر لما وافق دواعيهم لزموه حتى صار معروفاً بينه يستحسنون أخذه .)(فقد نبذ الكتاب وراء ظهره (حملته) أي أعرض عنه وترك التدبّر فيه والعمل به قراؤه الحاملون له كمثل الحمار يحمل أسفاراً (وتناساه حفظته) أي تغافلوا عن اتباعه وعن امتثال أوامره ونواهيه (فالكتاب يومئذ وأهله) الذين يتلونه حق تلاوته وهم أئمة الدين وأتباعهم الذين يعملون به ويتبعونه (طريدان منفيان) لأن أهل ذلك الزمان برغبتهم إلى الباطل وعدولهم عن الحق معرضون عن الكتاب الهادي إلى الحق وعن أهله الأدلاء إليه، بل مؤذون لهم فيما يخالفونهم فيه مما يقتضيه أحكام الكتاب، فكان إعراضهم عنه وعنهم إبعاداً لهما ونفياً وطرداً) ص: ٧٣
(وصاحبان مصطحبان في طريق واحد أي متلازمان متفقان على الدلالة في طريق الحق (لا يؤويهما مؤو) أي لا يضمهما أحد من ذلك الزمان إليه ولا ينزلهما عنده لنفرته عنهما ومضادتهما لهواه.)(فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وبينهم ظاهراً (وليسا فيهم) حقيقة لعدم اتباعهما وإلغاء فائدتهما فأشبها ما ليس بموجود ومعهم بالمصاحبة الاتفاقية في الوجود، وليسا معهم لانتفاء ثمرتهما ومنافعهما عنهم (لأن الضلالة لا توافق الهدى) يعني ضلالتهم لا توافق هدى الكتاب وأهله فكانا مضادّين لهم (وإن اجتمعا) في الوجود.)(فاجتمع القوم على الفرقة أي اتفق أهل ذلك الزمان على الافتراق من الكتاب وتركه وطرده (وافترقوا عن الجماعة) أي الجماعة المعهودة وهم أهل الكتاب العاملون به .)قال الشارح البحراني (رحمه الله في شرح هذه القرينة وسابقته: أي اتفقوا على مفارقة الاجتماع وما عليه الجماعة، أما في وقته فكالخوارج والبغاة، وأما فيما يستقبل بعده من الزمان فكالآخذين بالآراء والمذاهب المتفرقة المحدثة في الدين والاجتماع على الفرقة يلازم الافتراق عن الجماعة انتهى .)وما ذكرنا أقرب وأنسب بالسياق وأولى، فافهم (كأنهم أئمة الكتاب يحرفونه ويغيرونه ويبدلونه ويأوّلونه عن وجهه على ما يطابق أغراضهم الفاسدة ويجبرون على مخالفته كما هو شأن الإمام مع المأموم (وليس الكتاب إمامهم) الواجب عليهم اتباعه واللازم لهم اقتفاء أثره.)وحيث إنهم خالفوه ونبذوه وراء ظهورهم (فلم يبق عندهم منه في مقام التمسك والاستناد (إلا إسمه ولا يعرفون) من آثاره وشؤونه (إلا خطه وزبره) أي رسمه وكتابته فقط دون اتباع مقاصده (ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة) أي من قبل الحالات المتقدمة التي أشير إليها تنكيلهم بالصالحين غاية تنكيل وعقوبتهم أشد عقوبة .)ولعله إشارة إلى ما صدر من بني أمية في أوائل سلطنتهم، فقد روى العلامة الحلّي قدس الله روحه في (كشف الحق عن صاحب الكتاب الهاوية أن معاوية قتل من المهاجرين والأنصار وأولادهم أربعين ألفاً وفعل إبنه يزيد اللعين بالحسين (علیه السَّلام) وأصحابه في الطف غني عن البيان، وكذلك ما فعله عبد الملك بن مروان وعامله الحجّاج عليهما لعائن الله سبحانه بالعراق والحجاز وغيرهما مشهور ومأثور، هذا .)ويحتمل أن تكون الإشارة بالكلام السابق، أعني قوله : (وإنه سيأتي عليكم من بعدي زمان إلى قوله : (ومن قبل إلى ملك فراعنة الأمة) أعني بني العباس خذلهم الله، ويكون المراد بقوله : ومن قبل الإشارة إلى زمن بني أمية الكائن قبل زمن بني العباس، فإن اتصاف كلا الزمانين بالأوصاف المذكورة لا غبار عليه .) ص: ٧٤
وقوله : (وسموا صدقهم على الله فرية أي سموا صدق الصالحين افتراء على الله سبحانه ونسبوهم في ما يقولون إلى الكذب (وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة) يعني أنهم بغلبة الشرور والفساد على طباعهم رأوا حسنات الصالحين سيئات فعاقبوهم عليها وعذبوهم بها كما يعاقب المسيء بإساءته.)#### الفصل الثالثفي النصح والموعظة وتنبيه المخاطبين على وجوب قصر الآمال على مفاسد طول الأمل الذي هو من أعظم الموبقات وأخزى السيئات حسب ما عرفته في الخطبة الثانية والأربعين وشرحها، قال (علیه السَّلام هنا : (وإنما هلك) أراد به الهلاك الأخروي (من كان قبلكم) من القرون الماضية (بطول آمالهم) في الدنيا الموجب للاستغراق في لذاتها والانهماك في شهواتها المبعدة عن الله سبحانه (وتغيب آجالهم) عنهم الموجب للغفلة عنها وعن أخذ الزاد ليوم المعاد (حتى نزل بهم الموعود) أي الموت (الذي تردّ عنه المعذرة) أي لا يقبل فيه اعتذار معتذر (وترفع عنه التوبة) لأن بابها ينسد حين نزوله .)قال تعالى: «وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨» [النساء : ۱۸] . (وتحل معه القارعة) والمصيبة التي تقرع الناس بالأفزاع والأهوال (و) تتبعها (النقمة) والنكال .)ولما خوّفهم من طول الأمل عقبه بالإرشاد والدلالة على ما فيه صلاحهم فقال : (أيها الناس إنه من استنصح الله وفق أي من اتخذ الله ناصحاً له واعياً لكلامه حافظاً لأوامره ونواهيه وفّق لكل خير (ومن اتخذ قوله دليلاً) في مطالبه ومقاصده (هدى لـ) الطريقة (التي هي أقوم) الطرق وأنهجها .)وفي هذه القرينة تلميح إلى قوله تعالى: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» [الإسراء: ٩] قال الطبرسي: يهدي إلى الديانة والملة والطريقة التي هي أشدّ استقامة، يقال: هذه الطريق وللطريق وإلى الطريق، وقيل : معناه يرشد إلى الكلمة التي هي أعدل الكلمات وأصوبها وهي كلمة التوحيد وقيل يهدي إلى الحال التي هي أعدل الحالات وهي توحيد الله والإيمان به وبرسله والعمل بطاعته، انتهى (1.)والأخير أظهر بمقتضى عموم وظيفته وفي تفسير أهل البيت (علیهم السَّلام أنه يهدي إلى) ص: ٧٥
1) مجمع البيان: ٢٢٥/٦ .
الإمام، وفي رواية أخرى يهدي إلى الولاية.ولما ذكر أن استنصاح الله يستلزم التوفيق واتخاذ قوله دليلاً يستلزم الهدى رتب عليه قوله : (فإن جار الله آمن تنبيهاً على ثمرة التوفيق والهداية وهو حصول الجوار من الله والقرب المحصل لأمنه (و) به يعرف أن (عدو الله خائف) لأن ترك استنصاحه تعالى مستلزم للخذلان وعدم اتخاذ قوله دليلاً موجب للضلال المبعدين عنه سبحانه والجالبين لعداوته الذي هو محل الخوف والخطر.)#### الفصل الرابعفي الأمر بالتواضع والتسليم والانقياد لله سبحانه وبالمتابعة لأولياء الدين والرجوع إليهم والأخذ منهم، وهو قوله : (وإنه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله سبحانه وجلاله وجبروته وسلطانه (أن يتعظم) أي يظهر العظمة ويتكبّر، وتخصيص النهي عن التعظم بمن عرف عظمته تعالى لاحتقاره نفسه عنده ملاحظته لنفسه ونسبته لها إلى جلاله تعالى، فهو أسرع انفعالاً وأحقر في نفسه أن يتكبر على الله .)فهو نظير قوله سبحانه: «قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨» [مريم: ۱۸] فإن شرطها في التعوّذ منه كونه تقيّاً، لأن التقي إذا تعوّذ بالرحمن منه ارتدع عما يسخط الله كما تقول : إن كنت مؤمناً فلا تظلمني قال أمير المؤمنين (علیه السَّلام): علمت أن التقي ينهاه التقي عن المعصية، هذا .)وعلل حسن التواضع بقوله : (فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له يعني أن تواضعهم سبب لرفعة درجاتهم وعلو مقامهم عند الخالق والخلائق في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فمعلوم بالبديهة والعيان غني عن البيان، وأما في العقبى فلدلالة الأخبار الكثيرة عليه.)روى في (البحار عن أبي بصير قال : سمعت أبا جعفر (علیه السَّلام) يقول: إن موسى بن عمران حبس عنه الوحي ثلاثين صباحاً، فصعد على جبل بالشام يقال له : أريحا، فقال: يا رب لم حبست عني وحيك وكلامك ألذنب أذنبته فها أنا بين يديك فاقتص لنفسك رضاها ، وإن كنت إنما حبست عني وحيك وكلامك لذنوب بني إسرائيل فعفوك القديم، فأوحى الله إليه يا موسى تدري لم خصصتك بوحيي وكلامي من بين خلقي ؟ فقال : لا أعلمه يا رب، قال: يا موسى إني اطلعت على خلقي اطلاعة فلم أر في خلقي أشد تواضعاً منك، فمن ثم خصصتك بوحيي وكلامي من بين خلقي، قال (علیه السَّلام) : فكان موسى إذا صلى لم ينفتل حتى يلصق خده الأيمن بالأرض وخده الأيسر بالأرض (1).) ص: ٧٦
1) وسائل الشيعة : ١١/٧ ح ٨٥٧٦، ومشكاة الأنوار: ٤٠١ .
وفي (عدة الداعي عن الباقر (علیه السَّلام) قال : أوحى الله تعالى إلى موسى: أندري لِمَ اصطفيتك بكلامي من دون خلقي؟ قال: لا يا رب، قال: يا موسى إني قلبت عبادي ظهراً لبطن فلم أر أذلّ نفساً منك، إنك إذا صليت وضعت خديك على التراب.)وفي رواية أخرى: قلبت عبادي ظهراً لبطن فلم أر أذل لي نفساً منك فأحببت أن أرفعك من بين خلقي (1.)وعن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم: «ثلاثة لا يزيد الله بهن إلا خيراً : التواضع لا يزيد الله به إلا ارتفاعاً، وذلّ النفس لا يزيد الله به إلا عزّاً، والتعفّف لا يزيد الله به إلا غنى».)وفي (إحياء العلوم لأبي حامد الغزالي قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزّاً إنك إذا صليت وضعت خديك على التراب وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».)قال المسيح (علیه السَّلام: طوبى للمتواضعين في الدنيا هم أصحاب المنابر يوم القيامة، طوبى للمصلحين بين الناس في الدنيا هم الذين يرثون الفردوس، طوبى للمطهرة قلوبهم في الدنيا هم الذين ينظرون إلى الله تعالى يوم القيامة .)وقال ابن عباس : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم : «إذا تواضع العبد رفعه الله إلى السماء السابعة».)وقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم: «التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرحمكم الله» (2).)وعن الفضيل وقد سئل عن التواضع ما هو ؟ فقال : أن تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من صبي قبلته ولو سمعته من أجهل الناس قبلته هذا .والتواضع من جنود العقل ويقابله التكبّر الذي نشرح حاله في التنبيه الآتي وهو من جنود الجهل والأول من منجيات الأخلاق وفضائل الأحوال، والثاني من موبقات الصفات ورذائل الخصال، ولا يحصل التواضع إلا بمعرفة النفس ومعرفة الرب تعالى، فمهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه أذل من كل ذليل وأقل من كل قليل وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلة والمهانة وإذا عرف ربه علم أنه لا يليق العظمة والكبرياء إلا به.وعلله أيضاً بقوله : (وسلامة الذين يعلمون ما قدرته أن يستسلموا له يعني سلامة من علم عموم قدرته سبحانه وغلبة عزّته تعالى من النار ومن غضب الجبار إنما تحصل بالاستسلام وترك الاستكبار والأول من جنود العقل والثاني من جنود الجهل .) ص: ٧٧
قال بعض شراح (الكافي : الاستسلام هو الطاعة والانقياد لكل ما هو حق، وهو من صفات المؤمن، وعن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «المؤمنون هينون لينون إن قيدوا انقادوا وإن أنيخوا استناخو» (1).)وضد الانقياد الاستكبار والأنفة، والفرق بينه وبين الكبر أن الكبر حالة نفسانية كائنة في النفس ربما لم يظهر أثره في الخارج بخلاف الاستكبار فإنه عبارة عن إظهار التكبر.ولما أمرهم بالتواضع والاستسلام لله سبحانه المستلزمين لأخذ الحق وقبوله من أهله أتبعه بقوله : (فلا تنفروا من الحق وأهله وهم أولياء الدين (نفار الصحيح من الأجرب والبارىء من ذي السقم) أي أشد النفار كما في الشبه بهما ، هذا.)ولما نهاهم عن النفار من الحق وأمرهم بلزومه عقبه بقوله : (واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه الرشد يساوق الحق كما أن الغي يساوق الباطل، والغرض بهذه الجملة التنبيه على أن معرفة الرشد، أي الحق، تتوقف على معرفة تاركه أي أئمة الضلال وأهل الباطل، إذ مع عدم معرفتهم ربما يشتبه فيزعم أن أقوالهم حق فيأخذ بها ويقع في الخبط والضلال.)كما أشير إليه في الخطبة الثامنة والثلاثين بقوله : (وإنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق، فأما أولياء الله فضيائهم فيها اليقين ودليلهم سمت الهدى، وأما أعداء الله فدعائهم فيها الضلال ودليلهم العمى، وقد مضى في شرح هذه الخطبة ما ينفعك ذكره في هذا المقام، فاللازم على طالب الرشد أن يعرف أئمة الغي والضلال ويجتنب عنهم.)وبما ذكر يظهر أيضاً معنى قوله : (ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه توضيح ذلك أن كتاب الله سبحانه لما كان من أسباب الرشد كما قال تعالى: « عَجَبًا يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ » [الجن: ١- ٢] وكان التمسك به منقذاً من الضلال كما قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في حديث الثقلين: «إني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي الثقلين وأحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي» (2)، لا جرم كان الأخذ والتمسك به واجبا)ولما كان معنى الأخذ والتمسك هو اتباعه ومعرفة معناه حق العلم والعمل بمواثيقه وأحكامه التي هي عهد الله تعالى لزم على ذلك معرفة الناقضين لمواثيقه والنابذين لأحكامه ص: ٧٨
وراء ظهورهم، وهم المحرفون المبدّلون له والمغيّرون لأحكامه والمفسرون له بآرائهم المتبوّءون مقعدهم من النار، وإنما توقف الأخذ والتمسك على معرفة هؤلاء ليتحرز عن الرجوع إليهم وإلى تفاسيرهم كيلا يتبوأ مقعده مثلهم من النار .ومحصل المراد من هذه الجملات الثلاث التنبيه على وجوب التبرّئ من أئمة الضلال والمعاداة لأعداء الله سبحانه وقد دلّت عليه النصوص الكثيرة.مثل ما في (البحار من السرائر من كتاب (أنس العالم) للصفواني قال : إن رجلاً قدم على أمير المؤمنين (علیه السَّلام) فقال : يا أمير المؤمنين إني أحبك وأحب فلاناً وسمّى بعض أعدائه ، فقال : أما الآن فأنت أعور فأما إن تعمى وإما أن تبصر (1).)وقيل للصادق (علیه السَّلام: إن فلاناً يواليكم إلا أنه يضعف من البراءة من عدوكم، فقال: هيهات كذب من ادعى محبتنا ولم يتبرأ من عدونا (2).)وروي عن الرضا (علیه السَّلام أنه قال : كمال الدين ولايتنا والبراءة من عدونا.)ثم قال الصفواني: واعلم أنه لا تتم الولاية ولا تخلص المحبة ولا تثبت المودة لآل محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم إلا بالبراءة من أعدائهم قريباً كان أو بعيداً، فلا تأخذك بهم رأفة فإن الله عزّ وجل یقول: «لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ» [المجادلة: ۲۲] .)وفيه من (تفسير العياشي عن أبي حمزة الثمالي قال : قال أبو جعفر (علیه السَّلام): يا أبا حمزة إنما يعبد الله من عرف الله، وأما من لا يعرف الله كأنما يعبد غيره هكذا ضالاً، قلت: أصلحك الله وما معرفة الله؟ قال: يصدق الله ويصدّق محمداً رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في موالاة علي والائتمام به وبأئمة الهدى من بعده والبراءة إلى الله من عدوّهم وكذلك عرفان الله، قال: قلت : أصلحك الله أي شيء إذا علمته أنا استكملت حقيقة الإيمان؟ قال: توالي أولياء الله وتعادي أعداء الله وتكون مع الصادقين كما أمرك الله، قال : قلت : ومن أولياء الله ومن أعداء الله ؟ فقال : أولياء محمد رسول الله وعلي والحسن والحسين وعلي بن الحسين، ثم انتهى الأمر إلينا ثم ابني جعفر وأومأه إلى جعفر (علیه السَّلام) وهو جالس، فمن والى هؤلاء فقد والى أولياء الله وكان مع الصادقين كما أمره الله ، قلت : ومن أعداء الله أصلحك الله ؟ قال : الأوثان الأربعة، قال: قلت: من هم؟ قال : أبو الفصيل (3)، ورمع، ونعثل، ومعاوية ومن) ص: ٧٩
دان دينهم، فمن عادى هؤلاء فقد عادى أعداء الله (1.)ومن (عقائد الصدوق قال : اعتقادنا في الظالمين أنهم ملعونون والبراءة منهم واجبة ، قال الله عزّ وجل: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)» [هود : ۱۸-۱۹] .)وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: إن سبيل الله عزّ وجل في هذا الموضع هو علي بن أبي طالب. والأئمة في كتاب الله عز وجل إمامان: إمام هدى وإمام ضلالة، قال جلّ ثناؤه : «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا» [السجدة: ٢٤] وقال عز وجل في أئمة الضلالة «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)» [القصص: ٤١-٤٢] .
ولما نزلت هذه الآية: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً» [الأنفال : ٢٥] قال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم: «من ظلم علياً مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوّتي ونبوّة الأنبياء من قبلي، ومن تولى ظالماً فهو ظالم» (2).)«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣» [التوبة: ۲۳]، وقال الله عزّ وجل : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» [الممتحنة: ۱۳]، وقال عزّ وجل : «لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ» [المجادلة: ٢٢]، وقال عزّ وجل: «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» [هود : ۱۱۳] والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فمن ادعى الإمامة وليس بإمام فهو ظالم ملعون .)وقال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم: «من جحد علياً إمامته من بعدي فإنما جحد نبوتي، ومن جحد نبوتي فقد جحد الله ربوبيته » (3).)وقال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم لعلي (علیه السَّلام): «يا علي أنت المظلوم بعدي، من ظلمك فقد ظلمني، ومن أنصفك فقد أنصفني، ومن جحدك فقد جحدني، ومن والاك فقد والاني، ومن عاداك فقد) ص: ٨٠
عاداني، ومن أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني» (1، إلى غير ذلك مما لا نطيل بذكرها .)فقد علم بذلك كله وجوب التبرئ عن أئمة الضلال والتولي لأئمة الهدى .وذلك لما نبه أمير المؤمنين (علیه السَّلام على التنفير عن الفرقة الأولى بمعرفتهم ومعرفة ما هم عليه من الخطأ والجهل والشبه أمر باتباع الفرقة الأخرى والرجوع إليهم بقوله: (فالتمسوا) واطلبوا (ذلك) أي ما سبق ذكره يعني الحق والرشد وميثاق الكتاب وكيفية التمسك به (من عند أهله) أراد به نفسه الشريف والطيبين من أولاده أعني الأئمة المعصومين وينابيع العلم واليقين (فإنهم عيش العلم وموت الجهل) أي بهم حياة العلم وممات الجهل، واستعار لهم هذين الوصفين باعتبار أن بهم ينتفع بالعلم ويحصل ثمراته وآثاره كما أن بحياة الشيء يوجد آثاره وينتفع به، وكذلك بهم يبطل الجهل ويضمحل كما أن بالموت يبطل حياة الحي ويفنى.)(هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم يجوز أن يراد بالحكم ما صدر عنهم من الأحكام الشرعية والتكاليف الإلهية، وأن يراد به القضاء وفصل الخصومات في الوقائع الشخصية، وعلى أي تقدير يدل ما صدر عنهم من القضاء والأحكام على غزارة علمهم وجم معرفتهم (علیهم السَّلام)، وينبئك بذلك ما قدمناه في شرح قوله (علیه السَّلام): وعندنا أهل البيت أبواب الحكم، في شرح الكلام المائة والتاسع عشر، فتذكر.)(وصمتهم من منطقهم فإن لصمت اللّسن ذي الحكمة العزيزة هيئة وحالة ووقاراً يدل على حسن منطقه وعلمه بما يقول (وظاهرهم عن باطنهم) أي حسن أفعالهم وحركاتهم الظاهرية يكشف عن كمالاتهم وملكاتهم النفسانية (لا يخالفون الدين) لأنهم قوامه وأولياؤه وملازمون له، معصومون من الذنوب، مبرؤون من العيوب.)(ولا يختلفون فيه أي لا يختلف أحدهم للآخر فيما يؤدونه من أحكام الله ويبلغونه من أوامره، لأن علومهم كلها من نبع واحد ملقاة عن مهبط الوحي ومعدن الرسالة، وبعد اتحاد المنبع لا يتصور الاختلاف لمكان العصمة المانعة عن تعمد الكذب والغلط والسهو والخطأ الناشيء منها الاختلاف.)روى في (الكافي عن أبي جعفر (علیه السَّلام) قال : قال الله عزّ وجل في ليلة القدر: فيها يفرق كل أمر حكيم ، يقول : ينزل فيها كل أمر حكيم، والمحكم ليس بشيئين، فمن حكم بما ليس فيه ختلاف فحكمه من حكم الله عزّ وجل، ومن حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنه مصيب فقد) ص: ٨١
1) الكافي: ٤٤٠/١ ح ٤ ، وشرح أصول الكافي : ١٤٧/٧.
حكم بحكم الطاغوت (1، الحديث وقد مر بتمامه في شرح الفصل التاسع من الخطبة الأولى.)وفي (البحار من معاني الأخبار عن الحسين الأشقر قال: قلت لهشام بن الحكم ما معنى قولكم : إن الإمام لا يكون إلا معصوماً؟ قال: سألت أبا عبد الله (علیه السَّلام) عن ذلك فقال : المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله وقال الله تبارك وتعالى : «وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (2)[آل عمران: ۱۰۱] .)قال المحدث العلامة المجلسي : قال الصدوق في (معاني الأخبار بعد خبر هشام : الدليل على عصمة الإمام أنه لما كان كل كلام ينقل عن قائله يحتمل وجوهاً من التأويل كان أكثر القرآن والسنّة مما اجتمعت الفرقة على أنه صحيح لم يغيّر ولم يبدل ولم يزد فيه ولم ينقص منه محتملاً لوجوه كثيرة من التأويل وجب أن يكون مع ذلك مخبر صادق معصوم من تعمد الكذب والغلط، منبئ عما عنى الله عزّ وجل في الكتاب والسنة على حق ذلك وصدقه، لأن الخلق مختلفون فى التأويل، كل فرقة تميل مع القرآن والسنة إلى مذهبها، فلو كان الله تبارك وتعالى تركهم بهذه الصفة من غير مخبر عن كتابه صادق فيه لكان قد سوّغهم الاختلاف في الدين ودعاهم إليه إذ أنزل كتاباً يحتمل التأويل وسنّ نبيه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) سنة تحتمل التأويل وأمرهم بالعمل بها، فكأنه قال : تأوّلوا واعملوا وفي ذلك إباحة العمل بالمتناقضات والاعتماد للحق وخلافه، فلما استحال ذلك على الله عزّ وجل وجب أن يكون مع القرآن والسنّة في كل عصر من يبين عن المعاني التي عناها الله عزّ وجلّ في القرآن بكلامه دون ما يحتمل ألفاظ القرآن من التأويل ويبين عن المعاني التي عناها رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في سنته وأخباره دون التأويل الذي تحتمله الأخبار المروية عنه المجمع على صحة نقلها، وإذا وجب أنه لا بد من مخبر صادق وجب أن لا يجوز عليه الكذب تعمداً، ولا الغلط فيما يخبر به عن مراد الله عزّ وجل وعن مراد رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في أخباره وسنته، وإذا وجب ذلك وجب أنه معصوم، انتهى كلامه رفع مقامه (3).)فقد ظهر بذلك أنه لا يتصور منهم الاختلاف في شرائع الدين لا من أحدهم للآخر ولا من كل منهم فيما يصدر عنه من الأحكام المتعددة كما ظهر به وجوب الرجوع في فهم مرادات الكتاب والسنة إليهم حسب ما نبه عليه أمير المؤمنين (علیه السَّلام بقوله آنفاً : فالتمسوا ذلك) ص: ٨٢
من عند أهله، فافهم واغتنم .(فهو أي الدين بينهم (شاهد صادق) أي شاهد صدق يشهد على اتفاقهم فيه وعدم اختلافهم وخلافهم له (وصامت ناطق) أي ساكت باعتبار كونه أمراً عرضياً اعتبارياً لا وجود له في الأعيان وناطق باعتبار إفادته لكونهم ملازمين له ومتفقين عليه وإنبائه عن أنهم على الحق والحق معهم، هذا.)وما ذكرناه في تفسير هاتين الفقرتين أظهر وأولى مما قاله الشارح البحراني حيث قال : وقوله : شاهد صادق أي شاهد يستدلون به على الأحكام والوقائع النازلة بهم وبغيرهم لا يكذب من حيث هو شاهد وصامت ناطق لكونه حروفاً وأصواتاً، وإنما ينطق بألسنتهم فهو بمنزلة الناطق، انتهى .قال الشارح المعتزلي : فالدين بينهم شاهد صادق يأخذون بحكمه كما يأخذ بحكم الشاهد الصادق وصامت ناطق لأنه لا ينطق بنفسه بل لا بد له من مترجم فهو صامت في الصورة وفي المعنى أنطق الناطقين لأن الأوامر والنواهي والآداب كلها مبنية عليه ومتفرعة عنه ، انتهى .وأنت خبير بما فيما قالاه من الضعف والفساد وكونه أجنبياً على تقدير صحته من مساق كلام الإمام (علیه السَّلام فافهم وتأمل .)### تنبيه#### إشارةلما كانت هذه الخطبة الشريفة متضمنة للأمر بالتواضع والنهي عن التكبر وأشرنا إلى فضل التواضع وحسنه أحببنا أن نشرح صفة الكبر ونبين ما ورد فيه من الأدلة الدالة على قبحه وخسته وكونه من الموبقات والكلام فيه في مقامات.#### المقام الأولفي الآيات والأخبار الواردة في النهي عن تلك الصفة، والمتضمنة لقبحها وذمها وما يترتب عليه من الخزي والعقاب.فأقول : قال الله تعالى في سورة الزمر : «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠» [٦٠] .)وفي سورة المؤمن : «الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥» [٣٥] .) ص: ٨٣
وفي سورة المؤمن أيضاً : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠» [٦٠] أي صاغرين ذليلين.)وفي سورة بني إسرائيل: «وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧» [الإسراء: ۳۷] قال الطبرسي : معناه لا تمش على وجه الأشر والبطر والخيلاء والتكبر وقوله : « إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ» هذا مثل ضربه الله تعالى، قال: «إنك أيها الإنسان لن تشق الأرض من تحت قدمك بكبرك، ولن تبلغ الجبال بتطاولك»، والمعنى أنك لن تبلغ مما تريد كثير مبلغ كما لا يمكنك أن تبلغ هذا فما وجه المنابذة على ما هذا سبيله مع أن الحكمة زاجرة عنه، وإنما قال ذلك، لأن من الناس من يمشي في الأرض بطراً يدق قدميه عليها ليرى بذلك قدرته وقوته ويرفع رأسه وعنقه، فبيَّن سبحانه أنه ضعيف مهين لا يقدر أن يخرق الأرض بدق قدميه عليها حتى ينتهي إلى آخرها، وأن طوله لا يتبلغ طول الجبال وإن كان طويلاً، هذا)والآيات الناهية في الكتاب العزيز كثيرة لا حاجة إلى إيرادها .وأما الأخبار، ففي (الكافي بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال : قال علي بن الحسين صلوات الله عليهما : عجباً للمتكبّر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثم هو غداً جيفة (1).)وعن عيسى بن ضحاك قال : قال أبو جعفر (علیه السَّلام: عجباً للمختال الفخور وإنما خلق من نطفة ثم يعود جيفة وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يصنع به (2).)وعن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (علیه السَّلام قال : أتى رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) رجل فقال : يا رسول الله أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة، فقال له رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «أما أنك عاشرهم في النار».)وعن حكيم قال: سألت أبا عبد الله (علیه السَّلام عن أدنى الإلحاد، قال (علیه السَّلام): إن الكبر أدناه.)وعن العلاء بن الفضيل عن أبي عبد الله (علیه السَّلام قال : قال أبو جعفر (علیه السَّلام): العزّ رداء الله ، والكبر إزاره، فمن تناول منه شيئاً أكبّه الله في جهنم .)وعن عبد الأعلى بن أعين قال: قال أبو عبد الله (علیه السَّلام: قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «إن أعظم الكبر غمس الخلق وسفه الحق» ، قلت : وما غمس الخلق وسفه الحق؟ قال : يجهل الحق) ص: ٨٤
ويطعن على أهله فمن فعل ذلك فقد نازع الله رداءه» .وعن أعظم بن كثير عن أبي عبد الله (علیه السَّلام قال : إن في جهنم لوادياً للمتكبرين يقال له : سقر شكي إلى الله شدة حرّه وسأله أن يأذن له أن يتنفس فتنفس فأحرق جهنم .)وعن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (علیه السَّلام قال : ما من عبد إلا وفي رأسه حكمة وملك يمسكها فإذا تكبر قال له اتضع وضعك الله ، فلا يزال أعظم الناس في نفسه وأصغر الناس في أعين الناس، وإذا تواضع رفعها الله عزّ وجل ثم قال له : انتعش نعشك الله فلا يزال أصغر الناس في نفسه وأعظم الناس في أعين الناس (1).)وفي (إحياء العلوم قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان» (2).)وقال أبو هريرة: قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم: يقول الله تعالى : «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في جهنم ولا أبالي» (3).)وقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم: «بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسى الجبار الأعلى، بئس العبد عبد تجبر واختال ونسى الكبير المتعال، بئس العبد عبد غفل وسهى ونسى المقابر والبلى، بئس العبد عبد عتا وبغى ونسى المبدأ والمنتهى» (4).)وقال أبو هريرة : قال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم: «يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صور الذرّ تطؤهم الناس لهوانهم على الله تعالى» (5).)وعن محمد بن واسع قال: دخلت على بلال بن أبي بردة فقلت له : يا بلال إن أباك حدثني عن أبيه عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم أنه قال: إن في جهنم وادياً يقال له: هبهب، حق على الله أن يسكنه كل جبار فإياك يا بلال أن تكون ممن يسكنه.)#### الثاني في حقيقة الكبر وماهيتهوهو الانتفاخ والتعزز الحاصل من استعظام النفس واستحقار الغير، وبعبارة أخرى هو ص: ٨٥
أن یری نفسه فوق غيره في صفات الكمال فيحصل من ذلك فيه نفخة واهتزاز وتلك النفخة هي الكبر، ولذلك قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم : «أعوذ بك من نفخة الكبرياء» (1)، وهذه الحالة إذا حصلت في النفس اقتضت أعمالاً في الظاهر تصدر عن الجوارح هي ثمرات تلك الخصلة الرذيلة، فالكبر هي الحالة النفسانية والخلق الباطني، وثمرات تلك الخصلة وآثارها في الظاهر تسمى تكبّراً كالترفع في المجالس والتقدم على الغير وتوقع السلام والنظر بعين التحقير، فإن حاجّ أو ناظر أنف أن يرد عليه، وإن وعظ استنكف من قبول الحق، وإن وعظ أعنف في النصح، وإن ردّ عليه شيء من قوله غضب، وإن علم لم يرفق بالمتعلمين واستذلهم وامتنّ عليهم، وإن نظر إلى العامة نظر إليهم بعين الاحتقار كأنه ينظر إلى الحمير استجهالاً لهم واستحقاراً .)#### الثالث في المتكبر عليه##### إشارةوالفرق بين الكبر والعجب بذلك، فإن العجب لا يستدعي غير المعجب بل لو لم يخلق الإنسان إلا وحده يمكن أن يكون معجباً، بخلاف الكبر فإنه يتوقف على أن يكون هنا غير، فيرى نفسه فوق هذا الغير في صفات الكمال، وذلك الغير هو المتكبر عليه، وينقسم الكبر باعتبار المتكبر عليه إلى ثلاثة أقسام :##### القسم الأولالتكبر على الله سبحانه وهو من أفحش أنواع الكبر وأقبحها وأوبقها، ولا منشأ له إلا محض الجهل والحمق والطغيان، وذلك مثل ما كان في نمرود حيث كان يحدث نفسه بأنه يقاتل ربّ السماء، وفي فرعون حيث قال: أنا ربّكم الأعلى، وفي شدّاد حيث بنى إرم ذات العماد، ونحو ذلك مما صدر عن المدعين للربوبية والمترفعين عن درجة العبودية، وإذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا ؟ وزادهم نفوراً .##### القسم الثانيالتكبر على الأنبياء والرسل والأوصياء من حيث تعزز النفس وترفعها عن الانقياد لبشر مثل سائر الناس، وذلك تارة يصرف عن الفكر والاستبصار فيبقى في ظلمة الجهل بكبره وهو ظان أنه محق فيه وتارة يمنع مع المعرفة ولكن نفسه لا تطاوع الانقياد للحق والتواضع للرسل كما حكى الله عن قولهم : مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا ص: ٨٦
1) التحفة السنية : ٥٣ ، وميزان الحكمة : ٢٦٥٤/٣ .
تَكْذِبُونَ» [يس: ١٥] ، وقوله : «إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ» [إبراهيم: ١٠]، «وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤» [المؤمنون: ٣٤] .)وقال سبحانه فيما أخبر عن كفار قريش في رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم: «وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)» [الفرقان ٧ – ٨]، استبعدوا أن يكون من يأكل الطعام ويطلب المعاش في الأسواق رسولاً مطاعاً واستحقروه لفقره حتى تمنوا له الكنز لينفق منه ويستغني به عن الناس وتمنوا له البستان ليأكل من ثمارها .)وأخبر عنهم أيضاً بقوله: «وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١» [الزخرف: ۳۱] يعنون بالقريتين مكة والطائف وبالرجل العظيم الوليد بن المغيرة من مكة وأبا مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف، وإنما قالوا ذلك لأن الرجلين كانا عظيمي قومهما ذوي الأموال الجسيمة فزعموا أن من كان كذلك أولى بالنبوّة من غلام يتيم لا مال له فردّ الله عليهم بقوله : «أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ» [الزخرف: ۳۲] أي النبوة بين الخلق، يعني: أبأيديهم مفاتيح الرسالة يضعونها حيث شاؤوا ، بل هي بيد الله سبحانه يعطيها من يشاء.)ومن هذا القسم تكبّر المتخلفين على أمير المؤمنين (علیه السَّلام وتكبر أمراء بني أمية وبني مروان وبني العباس لعنهم الله أجمعين على أئمة الدين.)##### القسم الثالثالتكبر على العباد، وذلك بأن يستعظم نفسه ويستحقر غيره، فيدعوه ذلك إلى الترفع عليه ويأباه عن الانقياد إليه وهذا أيضاً قبيح من وجهين:أحدهما : أن الكبر والعزّ والعظمة والجلال لا يليق إلا بالملك القادر المتعال فمن أين يليق هذا الوصف بالعبد الضعيف الذليل المهين، فمتى تكبر فقد نازع الله في جلاله وانتحل وصف كماله، وما أشد جرءته على مولاه، وما أقبح ما ادعاه وتعاطاه، ولذلك قال عزّ من قائل: «العظمة إزاري والكبريائي ردائي فمن نازعني فيهما قصمته»، أراد أنهما مختصان بي اختصاص الإزار والرداء والمنازع فيهما منازع في الصفة المخصوصة بيوثانيهما: أنه ربما يدعو إلى مخالفة أمر الله ونهيه لأن المتكبر إذا سمع الحق من أحد استنكف من قبوله، ولذلك ترى أكثر المناظرين في المسائل العلمية يزعمون أنهم يتباحثون للإفادة والاستفادة فمهما اتضح الحق على لسان واحد منهم أنف الآخر من قبوله وركب مركب العصبية والعناد، ويتجاحد تجاحد المنكر، ويحتال لدفعه بما يقدر عليه من التلبيس، ص: ٨٧
لئلا يظهر للناس مغلوبيته ومن ذلك كان علماء الآخرة يتجنّبون عن المناظرة في المجالس .وقد روى السيد المحدّث الجزائري: أن المولى الصالح العالم عبد الله التستري كان إذا سأل مولانا المقدّس الأردبيلي عطر الله مرقده عن مسألة وتكلما فيها سكت الأردبيلي في أثناء الكلام، وقال: حتى أراجعها في الكتب، ثم يأخذ بيد التستري ويخرجان من النجف الأشرف إلى خارج البلد، فإذا انفردوا قال المولى الأردبيلي هات يا أخي تلك المسألة، فيتكلم فيها ويحققها الأردبيلي على ما يريد المولى التستري، فسأله وقال : يا أخي هذا التحقيق هلا تكلمت به هناك حيث ما سألتك ؟ فقال : إن كلامنا كان بين الناس وعسى أن يكون فيه تنافس وطلب الظفر منك أو مني، والآن لا أحد معنا سوى الله سبحانه.وكيف كان فهذا الخلق من أخلاق الكافرين والمنافقين الذين حكى الله عنهم بقوله : «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦» [فصلت: ٢٦] فكل من يناظر للإفحام والغلبة لا يغتنم الحق إذا ظفر به فقد شاركهم في هذا الخلق وتبعهم عليه.)وأول من صدر عنه التكبر على أمر الله تعالى هو إبليس اللعين حيث إنه لما دعي إلى السجود لآدم (علیه السَّلام قال : أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين. فحمله الكبر على الإباء من السجود الذي أمره الله به، وكان مبدؤه الكبر على آدم والحسد له فجره ذلك إلى التكبر على أمر الله فكان ذلك سبب الطرد والإبعاد، وإهلاكه أبد الآباد.)##### الرابع في ما به التكبرفاعلم أن أسباب الكبر سبعة :الأول : العلم وما أسرع الكبر إلى العلماء، ولذلك قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم : «آفة العلم الخيلاء»، فلا يلبث العالم أن يتعزز بعزّ العلم ويستشعر في نفسه جمال العلم وكماله ويستعظم نفسه ويستحقر الناس ويستجهل ويتوقع أن يبدؤوه بالسلام، فإن بدأ واحداً منهم بالسلام أو ردّ عليه ببشر أو قام له أو أجاب له دعوة يمتن به عليه ورأى ذلك صنيعة عنده واعتقد أنه أكرمه وفعل به ما لا يستحقه .)والسبب لكبره هو خوضه في تحصيل العلوم ، وهو رديء النفس خبيث الدخلة سيء الأخلاق، فإنه لم يشتغل أولاً بتهذيب نفسه وتزكية قلبه بالمجاهدات والرياضات، فبقي خبث الجوهر فإذا خاض في العلم أي علم كان صادف العلم من قلبه منزلاً خبيثاً فلم يطب ثمره ولم يظهر في الخير أثره.ولذلك قال عيسى ابن مريم (علیه السَّلام بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر، وكذلك في) ص: ٨٨
السهل ينبت الزرع لا في الجبل (1.)وقال وهب: العلم كالغيث ينزل من السماء حلواً صافياً فتشربه الأشجار بعروقها فتحوله على قدر طعومها فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة، فكذلك العلم يحفظه الرجال فتحوله على قدر هممها وأهوائها فيزيد المتكبر كبراً والمتواضع تواضعاً، لأن من كان همته الكبر وهو جاهل إذا حفظ العلم وجد ما يتكبّر به فازداد كبراً، وإذا كان الرجل وإذا كان الرجل خائفاً مع جهله وازداد علماً علم أن الحجة قد تأكدت في حقه فيزداد خوفاً وإشفاقاً وذلاً وتواضعاً .الثاني : العمل والعبادة، وكثيراً ما ترى العباد والزهاد يترشح الكبر منهم على غيرهم بسبب زعمهم أنهم ناجون والناس هالكون فيرى نفسه ناجياً وهو الهالك حقيقة، ولذلك قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم : «إذا سمعتم الرجل يقول : هلك الناس، فهو أهلكهم» (2).)الثالث: النسب فترى من له نسب شريف يتكبر على من ليس له ذلك النسب .الرابع: التفاخر بالحسن والجمال، وذلك أكثر ما يجري بين النسوان.الخامس : الثروة والمال، وذلك يجري بين الملوك في خزائنهم وبين التجار في بضائعهم وبين الدهاقين في أراضيهم وبين المتجملين في لباسهم وخيولهم ومراكبهم فيستحقر الغني الفقير ويتكبر عليه.السادس : القوة وشدة البطش، فيتكبر بها على أهل الضعف.السابع : الملك والسلطنة وكثرة الاتباع والخدم والجنود والجيوش، وذلك يجري بين الملوك في الافتخار بكثرة العساكر والرعية والخدم، وبالجملة فكل ما هو نعمة وأمكن أن يعتقد كمالاً وإن لم يكن كمالاً في نفسه أمكن أن يتكبر به حتى أن المخنث ليتكبر على أقرانه بزيادة معرفته وقدرته في صنعة المخنثين، لأنه يرى ذلك كمالاً يفتخر به، وإن لم يكن فعله إلا نكالاً، وكذلك الفاسق قد يفتخر بكثرة الشرب والفجور ويتكبر به لزعمه أن ذلك كمال وإن كان خزيّاً ووبالاً ونكالاً.##### الخامس في معالجة الكبر###### إشارةفاعلم وفقك الله تعالى وألهمك الخير أن الكبر من أعظم المهلكات، وقلما ينفك عن شيء منه أحد وإزالته فرض عين ولا يزول بمجرد التمني بل بالمعالجة واستعمال الأدوية ص: ٨٩
القامعة له، وعلاجه إنما يحصل بأمور أربعة :الأول : معرفة الربّ تعالى. الثاني : معرفة النفس. الثالث : معرفة الغرض الداعي إلى خلقته. الرابع : معرفة المفاسد المترتبة على الكبر .###### أما الأولفإن من عرف ربه وأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، والقوي الذي لا يضعفه شيء، والأزلي الذي ليس له بداء، والدائم القيوم بأمر الأشياء، والفعّال لما يريد أو يشاء، والممسك للسماوات والأرض من الزوال، والمستولي على الخلائق في كل حال، إلى غير ذلك من صفاته الحسنى وأمثاله العليا عرف أن العزّ والعظمة والجلال والجمال والجبروت والكبرياء لا تليق إلا بجنابه، وأنها إزاره ورداءه، وأن غيره مقهور تحت قدرته، ضعیف تحت قوته، مسخر تحت إرادته، منقاد لمشيئته، ذلیل مهين مستكين لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياتاً ولا نشوراً .###### وأما الثانيفقد أشار إليه أمير المؤمنين (علیه السَّلام بقوله : ابن آدم أنى لك والفخر فإن أولك جيفة وآخرك جيفة وفي الدنيا حامل الجيف، ونشرح حال هذه الجيف فإنها ليست كجيف الحيوانات.)أما الجيفة الأولى : وهي المني، فقد أوجب الشارع الغسل بخروجها من الإنسان وأغلظ نجاسته حتى فهم بعض الأصحاب من تغليظه وجوب تطهير الثياب والبدن منه مرتين كما في البول.وأما الجيفة الأخيرة : فإنه بعد زهوق روحه يكون ميتة أخبث وأنجس وأوحش من ميتة الكلب والخنزير، وذلك لأن مس ميتة الكلب بالرطوبة لا يوجب إلا غسل اليد وتطهيرها بخلاف مس ميتة الإنسان فقد أوجب الشارع فيه مضافاً إلى تطهير الملاقي غسل المس مبالغة في خبث جيفته وقذارته، وترى الأحياء أوحشوا جانب الميت وتجنبوا عنه وخافوا منه ولا يخافون من ميتة سائر الحيوانات ولا يستوحشون منها.وأما كونه حامل الجيف: فهو أظهر من أن يذكر لأنه أخس من حمار يحمل العذرة، لأن الحمار يحملها اضطراراً وبالإجبار، والإنسان يحملها بالرضاء والاختيار، وهو يحملها على الظهر وهذا على البطن، وإلى هذه الحالات الثلاث وما بعدها أشير في قوله سبحانه : «قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)» [عبس: ١٧-٢٢] ، فقد أشارت الآية إلى أول خلق الإنسان وإلى) ص: ٩٠
آخر أمره وإلى وسطه ، فليفهم معناها وليتفكر في مغزاها .فقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، وقد كان في حيز العدم وأي شيءأخس وأقل من المحو والعدم، فبدأ الله بخلقه من أرذل الأشياء ثم من أقذرها إذ خلقه من سلالة من طين ثم من ماء مهين ثم من علقة ثم من مضغة ثم جعله عظاماً فكسى العظام لحماً ، فهذا بداية وجوده.وما صار شيئاً مذكوراً إلا وهو على أخس الأوصاف وأرذلها، إذ لم يخلق كاملاً بل خلقه جماداً ميتاً لا يسمع ولا يبصر ولا يحس ولا يشعر ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ولا يفهم ولا يميز ولا يعلم فبدأ بموته قبل حياته، وبضعفه قبل قوته، وبعجزه قبل قدرته، وبجهله قبل علمه، وبعماه قبل بصره، ويصممه قبل سمعه، وبيكمه قبل نطقه، وبضلاله قبل هداه، وفقره قبل غناه .فهذا معنى قوله : «مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ » ثم امتن عليه فقال : « ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ» أي يسّر له سبيل الخير والشر وأرشده إلى طريق الضلال والهدى يسلك الأول ويترك الثاني كما قال: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣» [الإنسان : ٣] وقال: «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)» [البلد: ١٠].)فانظر إلى عظم ما أنعم الله سبحانه به عليه حيث نقله من حالة الذلة والقلّة والخسّة والقذارة إلى رتبة العزّ والشرف والرحمة والكرامة، فصار موجوداً بعد العدم، وحياً بعد الموت، وناطقاً بعد البكم، وبصيراً بعد العمى، وقويّاً بعد الضعف، وعالماً بعد الجهل، ومهدياً بعد الضلال، فكان في ذاته لا شيء وأي شيء أخس وأحقر من لا شيء؟ وأي قلة أقل من العدم المحض، ثم صار بالله شيئاً وإنما خلقه من التراب الذليل الذي يوطأ بالأقدام، والنطفة القذرة ليعرفه خسة نفسه ومهانة ذاتة، وأكمل النعمة عليه ليعرف بها ربه، ويعلم عظمة بارثه وجلالة مبدأه وأنه لا يليق الكبرياء والجلال إلا بحضرة ربوبيته .فمن كان هذا بدؤه وهذا حاله كيف يسوغ له البطر والكبر والخيلاء والفخر، نعم هذه عادة الخسيس إذا رفع من خسته شمخ بانفه وتعظم .ولو أكمله وفوّض إليه أموره وأدام له الوجود باختياره لكان أكثر من ذلك يطغى ونسى المبدأ والمنتهى، ولكنه سلّط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة والأسقام العظيمة، والآلام المختلفة، والطبائع المتضادة من الصفراء والسوداء والبلغم والدم يهدم بعضها بعضاً شاء أم أبى، رضى أم سخط، فيجوع كرهاً، ويعطش كرهاً، ويمرض كرهاً، ويموت كرهاً، لا يملك لنفسه خيراً ولا شراً ولا نفعاً ولا ضراً، يريد أن يعلم الشيء فيجهله، ويريد أن يذكر ص: ٩١
الشيء فينساه ويريد أن ينسى الشيء ويفغل عنه فلا يغفل عنه، ويريد أن يصرف قلبه إلى ما يهمّه فيحول في أودية الوساوس والأفكار بالاضطرار فلا يملك قلبه قلبه ولا نفسه نفسه، ويشتهي الشيء فربما يكون هلاكه فيه، ويكره الشيء وربما تكون حياته فيه، يستلذ الأطعمة وهي تهلكه وترديه، ويستشيع الأدوية وهي تنفعه وتحييه، ولا يأمن في لحظة من ليله ولا نهاره أن يسلب سمعه وبصره وتفلج أعضاءه ويختلس عقله ويختطف ويسلب جميع ما يهواه في دنياه، فهو مضطر ذليل إن ترك بقي وإن اختطف فني، عبد مملوك لا يقدر على شيء من نفسه ولا على شيء من غيره، فأي شيء أذل منه لو عرف نفسه وأنّى يليق الكبر لولا جهله، فهذا أوسط أحواله .وأما آخره فهو الموت المشار إليه بقوله تعالى : «ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١» [عبس: ۲۱] ومعناه : أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسّه وإدراكه وحركته فيعود جماداً كما كان أول مرة، لا يبقى إلا شكل أعضائه وصورته، ولا حس فيه ولا حركة، ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في الأول نطفة مذرة.)ثم تبلى أعضاؤه، وتتفتت أجزاؤه، وتنخرّ عظامه، وتصير رميماً رفاتاً، ويأكل الدود أجزاءه، فيبتدئ بحدقتيه فيقلعهما، وبخديه فيقطعهما، وبسائر أجزائه فيصير روثاً في أجواف الديدان، ويكون جيفة يهرب منه الحيوان ويتنفّر منه كل إنسان ويكرهه لشدة الأنتان، وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان فيصير تراباً يعمل منه الكيزان، ويعمر منه البنيان، فيصير مفقوداً بعدما كان موجوداً وصار كأن لم يغن بالأمس حصيداً، كما كان في أول أمره أمداً مديداً .وليته بقي كذلك، ويأمن مما يتلوه من المعاطب والمهالك، فما أحسنه لو ترك تراباً لا بل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شدّة البلاء، وإليه أشار بقوله : «ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢» [عبس: ٢٢] فيخرج من قبره بعد جمع أجزاءه المتفرقة، وأعضاءه المتفتتة، ويسرع إلى أهوال القيامة، فينظر إلى قيامة قائمة، وسماء مشققة، وأرض مبدّلة، وجبال مسيّرة، ونجوم منكدرة، وشمس منكسفة، وأحوال مظلمة، وكثرة عرق ملجمة، وملائكة غلاظ شداد، وأهوال تتفتت منها الأكباد.)ويرى الصحائف منشورة فيقال له : «اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤» [الإسراء : ١٤] فيقرأ فيه مساوئه التي كان افتخاره بها، واستكباره بأسبابها، فعند ذلك يقول : «يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَ» [الكهف: ٤٩] فيقال له : هلمّ إلى الحساب واستعدّ للجواب أو تصير إلى أليم العذاب، فينقطع قلبه من هول ذاك الخطاب.)فما لمن هذا حاله والتكبر والتعزّز والكبرياء والخيلاء، بل ما له وللفرح في لحظة ص: ٩٢
واحدة فضلاً عن البطر والأشر مدة متمادية، ولو ظهر آخره والعياذ بالله أحب أن يكون تراباً ، ولا يكون إنساناً يسمع خطاباً، ولا يشاهد الجحيم له مآباً.ولو رأى أهل الدنيا العبد المذنب في النار لصعقوا من وحشة خلقته وقبح صورته ولو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه، ولو وقعت قطرة من شرابه في بحار الدنيا لصارت أشد عفونة من الجيفة .فمن هذا حاله في العاقبة كيف يفرح ويبطر؟ وكيف يتجبّر ويتكبر؟ وكيف يرى نفسه شيئاً ويعتقد له فضلاً؟ وأي عبد لم يذنب ذنباً استحق به العقوبة إلا أن يعفو له الكريم بفضله، ويغفره بإحسانه ومنه .أرأيت من جنى على ملك قاهر قادر، واستحق بجنايته القتل أو السياسة فجلس في السجن وهو ينتظر أن يخرج إلى العرض وتقام عليه العقوبة على ملاء من الخلق، وليس يدري أيعفى عنه أم يعاقب، كيف يكون ذله، أفترى أنه يتكبر على من في السجن، وما من عبد مذنب إلا والدنيا سجنه، وقد استحق العقوبة من الله ولا يدري كيف يكون آخر أمره فيكفيه لو تفكّر ذلك حزناً وخوفاً وإشفاقاً ومهانة وذلاً###### وأما الثالثفاعلم أن الغرض من خلقة الإنسان هو العبودية والإطاعة، قال تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦» [الذاريات : ٥٦] فإذاً لا فضل لأحد أفراد هذا النوع على الآخر إلا بحصول ذلك الغرض منه ، أعني القيام بوظائف العبودية، وبه يترقى إلى درجات الكمال، ويتقرب إلى الربّ المتعال، ويكرم عنده كما قال عزّ من قائل: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» [الحجرات : ۱۳] يعني إن أكثركم عند الله ثواباً وأرفعكم عند الله منزلة أتقاكم لمعاصيه وأعملكم بطاعته.)روى الطبرسي في (مجمع البيان في وجه نزول الآية أن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنه وقر، وكان إذا دخل تفسحوا له حتى يقعد عند النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فيسمع ما يقول، فدخل المسجد يوماً والناس قد فرغوا من الصلاة وأخذوا مكانهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا، حتى انتهى إلى رجل، فقال له : أصبت مجلساً فاجلس، فجلس خلفه مغضباً، فلما انجلت الظلمة قال: من هذا؟ قال الرجل: أنا فلان فقال ثابت : ابن فلانة؟ ذكر أماً له كان يعيّر بها في الجاهلية فنكس الرجل رأسه حياء فقال صلوات الله وسلامه عليه وآله: «من الذاكر فلانة؟»، فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله، فقال: «انظر في وجوه القوم»، فنظر إليهم فقال : «ما رأيت يا ثابت؟» فقال: رأيت أبيض وأحمر وأسود، قال:) ص: ٩٣
«فإنك لا تفضّلهم إلا بالتقوى والدين» (1فنزلت هذه الآية .)وقيل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم بلالاً حتى علا ظهر الكعبة وأذن، فقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً ؟ وقال سهيل بن عمر أن يرد الله شيئاً لغيره، وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبره به رب السماوات فأتى جبريل رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فأخبره بما قالوا فدعاهم رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وسألهم عما قالوا فأقروا به، ونزلت الآية وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والإزراء بالفقر والتكاثر بالأموال.)فقد ظهر بذلك أن جهة الفضل في أفراد النوع الإنساني منحصرة في الورع والتقوى فقط.ويدل عليه أيضاً ما روي أن رجلاً سأل عيسى ابن مريم (علیه السَّلام: أي الناس أفضل؟ فأخذ قبضتين من التراب فقال : «أي هاتين أفضل؟! الناس خلقوا من تراب، فأكرمهم أتقاهم».)وكان أمير المؤمنين (علیه السَّلام لما عوتب على التسوية في العطاء وعدم التفضيل لأولي السابقات والشرف من المهاجرين والأنصار على غيرهم واعترض عليه بعدم ترجيح المولى على العبد وعدم التفرقة بين الأبيض والأسود، أجاب (علیه السَّلام) بقوله : إني نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلاً (2).)وكان رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم صعد المنبر يوماً وذكر ما كانوا يتفاخرون ويتكبرون به في الجاهلية، فقال: «إنه موضوع تحت قدمي إلى يوم القيامة»، ولم ينزل من المنبر حتى زوّج بنت عمته صفية ابنة عبد المطلب من المقداد مع كونه من أفقر الناس حالاً وأقلهم مالاً .)وقد سوّى بينهم أيضاً في أعظم الأمور وأهمها وهو أمر الدماء فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم: «المسلمون أخوة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم» .)فإذا كان دم السلطان مساوياً لدم الكنّاس فأي مزية له عليه ؟ .فقد علم بذلك أن لا تفضيل في غير الورع والتقوى والدين وأنه لا يجوز الافتخار والتفاخر به بل لا يجوز التفاخر بالتقوى أيضاً ولا ينبغي المباهاة به. ص: ٩٤
ويومئ إليه ما رواه الطبرسي عن ابن عباس قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم: «إن الله عزّ وجل جعل الخلق قسمين : فجعلني في خيرهم وذلك قوله: «وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ» [الواقعة: ٧٢] «وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ» [الواقعة: ٤١] فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين، ثم جعل ، القسمين أثلاثاً فجعلني في خيرها ثلثاً وذلك قوله : «وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ» [الواقعة: ۲۷] «وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ» [الواقعة: ٩] «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)» [الواقعة: ١٠]، فأنا من السابقين وأنا خيرالسابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة وذلك قوله: «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ» [الحجرات: ۱۳] الآية، فأنا أتقى ولد آدم ولا فخر، وأكرمهم على الله ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً وذلك قوله عزّ وجل: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» [الأحزاب: ۳۳] فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب (1).)فإن غرضه بذلك بيان شأنه للناس لا التفاخر، ولهذا قال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم في المقامين: «ولا فخر» فبالغ في نفيه (بلا) النافية للجنس .)وإلى هذا المعنى ينظر ما جاء في الحديث من: «أن الله سبحانه أوحى إلى موسى إذا جئت للمناجاة فاصحب معك من تكون خيراً منه»، فجعل موسى (علیه السَّلام لا يعترض أحداً وهو يجسر أن يقول : إني خير منه، فنزل عن الناس وشرع في أصناف الحيوانات حتى مر بكلب أجرب فقال: أصحب هذا، فجعل في عنقه حبلاً ثم مر به، فلما كان في بعض الطريق شمّر الحبل وأرسله، فلما جاء إلى مناجاة الرب سبحانه قال تعالى: «يا موسى أين ما أمرتك به؟» قال يا رب لم أجده، فقال تعالى : «وعزتي وجلالي لو أتيتني بأحد لمحوتك من ديوان النبوة» (2).)فإذا كان مثل موسى مع كونه نبياً أولي العزم وأفضل أهل زمانه كما هو اعتقادنا في الأنبياء والرسل لم يجسرأن يقول لأحد من آحاد الناس ولفرد من أفراد الحيوان حتى الكلب الأجرب : أنا خير منه ، فكيف لغيره .وأي معنى للتعزّز والتكبر والتفاخر على عباد الله وقد قال الله تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ» [الحجرات: ١١] مع أن الأمور التي يتكبر المتكبر بها على غيره ويزعمها كمالاً لنفسه ليست كمالاً ذاتياً في الحقيقة، ولا تليق أن يتعزز بها . ص: ٩٥
لأن المتكبر به إن كان النسب ففيه أن التكبر إن كان بالنسب البعيد «ففيه أن النسب البعيد» لكل إنسان هو الماء والطين لا تفاوت بين أفراده من هذه الجهة كما لا تفاوت بينهم في الجد والجدة. قال أمير المؤمنين (علیه السَّلام في الديوان المنسوب إليه :)الناس من جهة التمثال أكفاء *** أبــــــــوهـم آدم والأم حواءوإن يكن لهم في أصلهم شرف *** يفاخرون به فالطين والماءوإن كان بالنسب القريب ففيه : أنه إذا كان خسيساً في ذاته ذميماً في صفاته فلا يجبر نقصانه كمال آبائه وأسلافه. قال الشاعر:لئن فخرت بأباء ذوي شرف *** لقد صدقت ولكن بئس ما ولدواوقال آخر :کن ابن من شئت واكتسب أدباً *** يغنيك مضمونه من النسبإن الـفـتــى مــن يــقــول هــا أنا ذا *** ليس الفتى من يقول كان أبيعلى أن التعزز بالنسب تعزز بكمال غيره ولا ينفعه ذلك في الدنيا ولا في العقبي ولذلك كان أمير المؤمنين (علیه السَّلام يقول بعد تلاوة «أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)» [التكاثر : ١- ٢] أفبمصارع آبائهم يفخرون، أم بعديد الهلكی يتكاثرون؟، إلى آخر ما يأتي في الكلام المائتين والتاسع عشر. وقال سلمان (رضي الله عنه) :)أبى الإسلام لا أب لــي سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تـمیموقال صاحب بن عباد :لعمرك ما الإنسان إلا بدينه *** فلا تترك التقوى اتكالاً على نسبلقد رفع الإسلام سلمان فارس *** وقد وضع الشرك الشريف أبا لهبألا ترى إلى ابن نوح فإنه مع كونه ابن نبي مرسل من أولي العزم ما نجاه ذلك النسب الشريف ولا نفعه بل كان من المغرقين وفي جهنم من الخالدين، «وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)» [نوح: ٤٥ - ٤٦] فلم يستجب فيه دعوته ونفى عنه بنوته لمخالفته لأبيه وعصيانه له .)وروي عن سيد الساجدين (علیه السَّلام أنه قال : إنما خلقت النار لمن عصى الله ولو كان سيداً قرشياً، والجنة لمن أطاع الله ولو كان عبداً حبشياً .)وناهيك في المنع من التكبر بالنسب قوله عزّ من قائل: «فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ ص: ٩٦
ص: ٩٧
ص: ٩٨
ص: ٩٩
ص: ١٠٠
ص: ١٠١
ص: ١٠٢
ص: ١٠٣
ص: ١٠٤
ص: ١٠٥
ص: ١٠٦
ص: ١٠٧
ص: ١٠٨
ص: ١٠٩
ص: ١١٠
ص: ١١١
ص: ١١٢
ص: ١١٣
ص: ١١٤
ص: ١١٥
ص: ١١٦
ص: ١١٧
ص: ١١٨
ص: ١١٩
ص: ١٢٠
ص: ١٢١
ص: ١٢٢
ص: ١٢٣
ص: ١٢٤
ص: ١٢٥
ص: ١٢٦
ص: ١٢٧
ص: ١٢٨
## ومن خطبة له (علیه السَّلام في الملاحم وهي المائة والخمسون من المختار في باب الخطب)### الفصل الأولالأرض، والدجال وفتنته وما يظهر على يده من المخاريق والأمور الموهمة، وواقعة السفياني وأن يقتل فيها من الخلائق الذي لا يحصى عددهم، انتهى (1.)ثم أشار إلى سيرة أهل بيته عند ظهور هذه الفتن فقال : (ألا ومن أدركها منا أهل البيت (يسري فيها) أي في ظلمات هذه الفتن (بسراج منير) أي بنور الإمامة والولاية، فلا توجب ظلماتها انحرافه عن طريق الهدى ولا توقع له شبهة في عقيدته الصادقة الصافية بل يسلك فيها مسلك الحق المبين (ويحذو فيها على مثال) أسلافه (الصالحين) ويقتفي آثار أولياء الدين (ليحل فيها ربقاً ويعتق رقاً) أي يستفك الهدى وينقذ مظلومين من أيدي الظالمين، ويحتمل أن يكون كناية عن حله فيها ربق الشك من أعناق النفوس وعتقها من ذل الجهل (ويصدع شعباً ويشعب صدعاً) أي يفرق ما اجتمع واتفق من الضلال ويصلح ما تشتت وتفرّق من الهدى.)وقوله (في سترة عن الناس قال الشارح المعتزلي هنا بعد بنائه على أن المراد بالموصول في قوله (علیه السَّلام) سابقاً : ومن أدركها ، هو مهدي آل محمد سلام الله عليه وعلى آبائه الطاهرين : إن هذا الكلام يدل على استتار هذا الإنسان المشار إليه وليس ذلك بنافع للإمامية في مذهبهم وإن ظنوا أنه تصريح بقولهم، وذلك لأنه من الجائز أن يكون هذا الإمام يخلقه الله في آخر الزمان ويكون مستتراً مدة وله دعاة يدعون إليه ويقررون أمره ثم يظهر بعد ذلك الاستتار ويملك المماليك ويقهر الدول ويمهد الأرض كما ورد في الخبر، انتهى .)أقول : قد أشرنا في الخطبة المائة والثامنة والثلاثين أن المهدي صاحب الزمان عليه صلوات الرحمن مخلوق موجود الآن، وأن خلاف المعتزلة ومن حذا حذوهم فيه وإنكارهم لوجوده بعد مما لا يعبأ به بعد قيام البراهين العقلية والنقلية ودلالة الأصول المحكمة على وجوده كما هو ضروري مذهب الإمامية رضوان الله عليهم، وكتب أصحابنا في الغيبة كفتنا مؤنة الاستدلال في هذا المقام.وكيف كان فلو أريد بالموصول خصوص إمام الزمان (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَی فَرَجَهُ الشَریف لا بد أن يكون المراد بقوله : في سترة عن الناس غيبته واستتاره عن أعين الناس، ويكون قوله : (لا يبصر القائف أثره ولو تابع نظره) إشارة إلى شدة استتارة وعدم إمكان الوصول إليه ولو استقصى في الطلب وبولغ في النظر والتأمل إلا للأوحدي من الناس إذا اقتضت الحكمة الإلهية، ولو أريد به العموم كان المقصود به ما قاله الشارح البحراني حيث قال: وما زالت أئمة أهل البيت (علیهم السَّلام) مغمورين في الناس لا يعرفهم إلا من عرفوه أنفسهم حتى لو تعرفهم من لا يريدون معرفته لم) ص: ١٢٩
1) شرح النهج : ۱۲۸/۹ .
يعرفهم، لست أقول لم يعرف أشخاصهم بل لا يعرف أنهم أهل الحق والأحقون بالأمر.(ثم ليشحذن فيها قوم شحذ القين النصل قال الشارح المعتزلي : يريد ليحرضنّ في هذه الملاحم قوم على الحرب وقتل أهل الضلال، وليوطننّ عزائمهم كما يشحذ الصيقل السيف ويطلق حده .)وقال الشارح البحراني : أي في أثناء ما يأتي من الفتن تشحذ أذهان قوم وتعدّ لقبول العلوم والحكمة كما يشحذ الحداد النصل ولفظ الشحذ مستعار لإعداد الأذهان، ووجه الاستعارة الاشتراك في الإعداد التام النافع، فهو يمضي في مسائل الحكمة والعلوم كمضي النصل فما يقطع به وهو وجه التشبيه المذكور، انتهى .أقول: فعلى قول الأول يكون المراد بقوله (علیه السَّلام: (قوم)، أنصار إمام الزمان (علیه السَّلام) وأصحابه، وعلى قول الثاني يكون المراد به علماء الأمة المستجمعين لكمالات النفوس السالكين لسبيل الله من جاء منهم قبلنا ومن يأتي في آخر الزمان.)ووصف هؤلاء بقوله : (يجلي بالتنزيل أبصارهم ويرمي بالتفسير في مسامعهم أي يكشف الرين، وتدفع ظلمات الشكوك والشبهات عن أبصار بصائرهم بالقرآن والتدبر في بديع أسلوبه ومعانيه، ويرمي بتفسيره حق التفسير في مسامعهم، والجملة الثانية بمنزلة التعليل للأولى، يعني أنهم لتلقيهم تفسيره على ما يحق وينبغي من أهل الذكر الذين هم معادن التنزيل والتأويل وتحصيلهم المعرفة عنهم (علیهم السَّلام) بمعانيه ومبانيه وأسراره الباطنة والظاهرة وحكمه الجلية والخفية ارتفعت أغطية الشبهات وغشاوة الشكوكات عن ضمائرهم وبصائرهم، فاستعدت أذهانهم لإدراك المعارف الحقة والحكم الإلهية، ولم تزل الأسرار الربانية والعنايات الإلهية تفاض إليهم صباحاً ومساء .)وهو معنى قوله : (ويغبقون كأس الحكمة بعد الصبوح وهو من باب الاستعارة بالكناية حيث شبه الحكمة التي هي عبارة عن المعارف المتضمنة لصلاح النشأتين بالشراب، والجامع عظم المنفعة واللذة فيهما وإن كانت منفعة الأولى للأرواح وبها التذاذها وكمالها، ونفع الثاني للأبدان ومنه حظها، وإثبات الكأس تخييل وذكر الغبوق والصبوح ترشيح.)### الفصل الثاني(منها قوله (علیه السَّلام): (وطال الأمد بهم ليستكملوا الخزي ويستوجبوا الغير) قال الشارحان البحراني والمعتزلي : هذا الفصل من كلامه يتصل بكلام قبله لم يذكره الرضي قد وصف فيه فئة ضالة قد استولت وملكت وأملى لها الله سبحانه، انتهى .) ص: ١٣٠
إن قيل : كيف ساغ جعل طول الأمد علة لاستكمال الخزي؟ قلت: (اللام) هنا ليست على التعليل حقيقة بل هي على العلية المجازية كما في قوله سبحانه: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا» [القصص: ۸] حيث شبه ترتب كونه عدواً وحزناً على الالتقاط بترتب العلة الغائية على معلولها ، فاستعمل فيه (اللام) الموضوعة للعلية، وفيما نحن فيه أيضاً لما كان طول المدة سبباً لتماديهم في الغي والغفلة، وفعلهم للآثام والمعاصي بسوء اختيارهم، وكان فعل المعاصي جالباً لكمال الخزي، وموجباً لتغير النعم، فجعلوا بفعلهم للمعاصي بمنزلة الطالبين لكمال الخزي، ثم رتب استكمال الخزي على طول الأمد واستعمل (اللام) الموضوعة للعلية فيه ومثله قوله تعالى: «وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)» [آل عـــــــــران : ۱۷۸]، ومحصل المرام أنهم بطول بقائهم في الدنيا ركبوا الذنوب والمعاصي، فاستحقوا بذلك الخزي والنكال، واستوجبوا تغير النعمة بسوء الأعمال.
لأن «اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» [الرعد: ١١]، قال: «وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧» [سبأ: ١٦ - ١٧])(حتى إذا اخلولق الأجل قال الشارح البحراني: أي صار خليقاً، وليس بشيء، لأن اخلولق لم يذكر له إلا الفاعل فهو فعل تام بمعنى قرب، وما ذكره معنى اخلولق إذا ذكر له اسم وخبر وكان فعلاً ناقصاً مثل : اخلولقت السماء أن تمطر أي صارت خليقة للإمطار، وكيف كان فالمراد أنه قرب انقضاء مدة هؤلاء الضالين المستكملين للخزي والمستوجبين للغير.)(واستراح قوم إلى الفتن أي مال وصبا قوم من الشيعة وأهل البصرة إلى فتن تلك الفئة الضالة، ووجدوا الراحة لأنفسهم في توجههم إليها (واشتالوا عن لقاح حربهم) أي رفع هؤلاء المستريحون أنفسهم عن تهيج الحرب بينهم وبين هذه الفئة، وشبه الحرب بالناقة اللاقح وأثبت لها اللقاح تخييلاً، والمراد أنهم تركوا محاربتهم ورفعوا أيديهم عن سيوفهم إما لعجزهم عن القتال أو لعدم قيام القائم بالأمر فهادنوهم وألقوا إليهم السلم .)حال كونهم (لم يمنوا على الله بالصبر على مشاق القتال، وفي رواية : بالنصر، أي بنصرهم لله (ولم يستعظموا بذل أنفسهم في) طلب (الحق) ونصرته (حتى إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدة البلاء) أي ورد القضاء الإلهي بانقطاع بلاء هذه الفئة الضالة وانقضاء ملكهم وأمارتهم وأذن الله في استئصالهم بظهور من يقوم بنصر الحق ودعوته إليه (حملوا) أي هؤلاء المستريحون إلى الفتن (بصائرهم على أسيافهم) لحرب أهل الضلال، قال الشارح المعتزلي :) ص: ١٣١
وهذا معنى لطيف، يعني أنهم أظهروا بصائرهم وعقائد قلوبهم للناس وكشفوها وجردوها من أجفانها مع تجريد السيوف من أجفانها فكأنها شيء محمول على السيوف يبصره من يبصر السيوف، فترى في غاية الجلاء والظهور كما ترى السيوف المجردة (ودانوا لربهم بأمر واعظهم أشار به إلى الإمام القائم عجل الله ظهوره، هذا .)وللشراح في شرح هذا الفصل من كلامه (علیه السَّلام اضطراب عظیم، وتحيروا في مراجع الضمائر الموجودة فيه، واضطروا في إصلاح نظم الكلام إلى التأويلات الباردة التي تشمئز عنها الأفهام، ونحن شرحناه بحمد الله على ما لا يخرجه من السلاسة والنظم بمقتضى سليقتنا، والعلم بعد موكول إلى صاحب الكلام (علیه السَّلام).)### الفصل الثالثفي اقتصاص حال المرتدّين بعد قبض الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم، وظاهر هذا الفصل يعطى أن يكون قبله كلام أسقطه الرضى حتى يكون هذا الكلام غاية له، وإلا فلا ارتباط له بالفصل المتقدم.)يقول (علیه السَّلام: (حتى إذا قبض الله رسوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) رجع قوم على الأعقاب) وتركوا ما كانوا عليه من الانقياد للشريعة وامتثال أوامر الله ورسوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، والمراد بهؤلاء القوم الغاصبون للخلافة ومتبعوهم والمقتفون أثرهم (وغالتهم السبل) أي أهلكتهم سبل الضلال وعدولهم عن سبيل الحق قال سبحانه: « وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» [الأنعام: ١٥٣]. وقد فسّر السبيل في هذه الآية وفي غير واحد من الآيات بالأئمة وولايتهم، وفسر السبل بأئمة الضلال وولايتهم وقد مضى طرف من الأخبار في هذا المعنى في شرح الفصل الثاني من الكلام السابع عشر .)وأقول هنا : روي في (البحار من تفسير فرات بن إبراهيم عن جعفر بن محمد الفزاري عن معنعناً حمران، قال : سمعت أبا جعفر يقول في قول الله : «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ» [الأنعام: ۱۵۳] ، قال : علي بن أبي طالب والأئمة من ولد فاطمة (علیهم السَّلام) هم صراط الله، فمن أتاهم سلك السبيل .)ومن (كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النضر عن يحيى الحلبي عن أبي بصير عن أبي جعفر في قوله: «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ» ، قال : طريق الإمامة فاتبعوه، «وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ» أي طرقاً غيرها (1).)وعن محمد بن القاسم عن السياري عن محمد بن خالد عن حماد عن حريز عن أبي ص: ١٣٢
1) بحار الأنوار: ١٧/ ٢٤ ح ٢٥، وتأويل الآيات: ١/ ۱٦٧ ح ۱.
عبد الله (علیه السَّلام أنه قال: قوله عزّ وجل : « يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا» [الفرقان: ٢٧] يعني علي بن أبي طالب (علیه السَّلام) (1).)ومن (تفسير الإمام قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «ما من عبد ولا أمة أعطى بيعة أمير المؤمنين (علیه السَّلام) في الظاهر ونكثها في الباطن وأقام على نفاقه إلا وإذا جاءه ملك الموت لقبض روحه تمثل له إبليس وأعوانه، وتمثلت النيران وأصناف عفاريتها (2)لعينيه وقلبه ومقاعده مقاعد الناكث من مضايقها، وتمثل له أيضاً الجنان ومنازله فيها لو كان بقي على إيمانه ووفى بيعته فيقول له ملك الموت: انظر إلى تلك الجنان التي لا يقدر قدر سرائها وبهجتها وسرورها إلا الله رب العالمين كانت معدة لك، فلو كنت بقيت على ولايتك لأخي محمد رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كان يكون إليها مصيرك يوم فصل القضاء، ولكن نكثت وخالفت فتلك النيران وأصناف عذابها وزبانيتها وأفاعيها الفاغرة أفواهها وعقاربها الناصبة أذنابها وسباعها الثائلة مخالبها وسائر أصناف عذابها هو لك وإليها مصيرك فعند ذلك يقول : «يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا» وقبلت ما أمرني به والتزمت من موالاة علي (علیه السَّلام) ما ألزمني (3).)(واتكلوا على الولائج أي اعتمدوا في آرائهم الفاسدة وبدعهم المبتدعة على أهلهم وخواصهم في نصرة ذلك الرأي وترويج تلك البدعة (ووصلوا غير الرحم) أي رحم آل محمد (واللام) عوض عن المضاف إليه، يعني أنهم قطعوا رحم الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بحسبانهم أنها لا تنفع، ووصلوا غيرها لانتفاعهم في دنياهم بها.)وهؤلاء هم الذين أشار إليهم رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم في الحديث المروي في (البحار) من (أمالي) الشيخ وابنه عن المفيد معنعناً عن حمزة بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول على المنبر : «ما بال أقوام يقولون إن رحم رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لا ينفع يوم القيامة، بلى والله إن رحمي لموصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فرطكم يوم القيامة على الحوض، فإذا جئتم قال الرجل: يا رسول الله أنا فلان بن فلان فأقول: أما النسب فقد عرفته ولكنكم أخذتم بعدي ذات الشمال وارتددتم على أعقابكم القهقرى».)وفيه منه بإسناده عن حمزة بن أبي سعيد الخدري أيضاً عن أبيه عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم أنه قال : «أتزعمون أن رحم نبي الله لا ينفع قومه يوم القيامة؟ بلى والله وإن رحمي الموصولة في الدنيا والآخرة»، ثم قال: «يا أيها الناس أنا فرطكم على الحوض فإذا جئت وقام رجال يقولون : يا) ص: ١٣٣
نبي الله أنا فلان ابن فلان وقال آخر يا نبي الله أنا فلان ابن فلان، وقال آخر : يا نبي الله أنا فلان ابن فلان، فأقول : أما النسب فقد عرفت ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى» (1.)قال العلامة المجلسي بعد رواية هذا الحديث : الظاهر أن المراد بالثلاثة الثلاثة.وهجروا السبب الذي أمروا بمودته أراد بهم آل محمد (علیهم السَّلام أيضاً لكونهم سبباً لمن اهتدى بهم في الوصول إلى الله سبحانه .)ويدل عليه ما رواه في (البحار من أمالي الشيخ وابنه بسنده عن محمد بن المثنى الأزدي أنه سمع أبا عبد الله (علیه السَّلام) يقول : نحن السبب بينكم وبين الله عزّ وجل وقد أمرنا الله بمودتهم في قوله: «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» [الشورى: ٢٣) (2).)وقال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم في مروي (البحار) من كتاب (العمدة) من مناقب الفقيه ابن المغازلي الشافعي بإسناده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «لما خلق الله الخلق اختار العرب فاختار قريشاً واختار بني هاشم فأنا خيرة من خيرة، ألا فأحبوا قريشاً ولا تبغضوها فتهلكوا، ألا كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي، ألا وإن علي بن أبي طالب (علیه السَّلام) من نسبي وحسبي فمن أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني» (3).)قال الشارح المعتزلي في شرح قوله : (وهجروا السبب يعني أهل البيت، وهذا إشارة إلى قول النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «خلفت فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، حبلان ممدودان من السماء إلى الأرض لا يفترقان حتى يردا علي الحوض»، فعبر أمير المؤمنين عن أهل البيت بلفظ السبب لما كان النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : «حبلان»، والسبب في اللغة الحبل، انتهى.)أقول : وقد استعير لهم (علیهم السَّلام لفظ الحبل في غير واحد من الآيات، قال شيخنا أبو علي الطبرسي في تفسير قوله تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» [آل عمران: ۳) قيل في معنى حبل الله أقوال: أحدها أنه القرآن. ثانيها : أنه دين الإسلام. وثالثها ما رواه أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد قال نحن حبل الله الذي قال : «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» ، والأولى حمله على الجميع.)والذي يؤيده ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم أنه قال: «يا أيها الناس إني قد) ص: ١٣٤
تركت فيكم حبلين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» (1.)وفي (البحار من تفسير علي بن إبراهيم في هذه الآية قال: التوحيد والولاية، وفي رواية أبي الجارود في قوله تعالى: «وَلَا تَفَرَّقُوا» :قال : إن الله تبارك وتعالى علم أنهم سيفترقون بعد نبيهم ويختلفون فنهاهم الله عن التفرق كما نهى من كان قبلهم، فأمرهم أن يجتمعوا على ولاية آل محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ولا يتفرقوا .)وفي (البحار أيضاً من (كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات) رواية عن صاحب (نهج الإيمان) عن الحسين بن جبير بإسناده إلى أبي جعفر الباقر (علیه السَّلام) في قوله تعالى: «إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ» [آل عمران: ۱۱۲] قال : حبل من الله كتاب الله ، وحبل من الناس علي بن أبي طالب (علیه السَّلام) (2).)وفيه من الكتاب المذكور أيضاً مسنداً عن حصين بن مخارق عن أبي الحسن موسى عن آبائه (علیهم السَّلام في قوله عز وجل : «فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى» [البقرة: ٢٥٦]، قال: مودتنا أهل البيت (3).)وفي (الصافي من معاني الأخبار عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «من أحب أن يستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها فليستمسك بولاية أخي ووصيي علي بن أبي طالب فإنه لا يهلك من أحبه وتولاه ولا ينجو من أبغضه وعاداه» (4).)(ونقلوا البناء عن رص أساسه فبنوه في غير موضعه أي نقلوا بناء الدين والإيمان عن أساسه المرصوص المستحكم اللاصق بعضه ببعض، فبنوه في غير موضعه وهو إشارة إلى عدولهم بالخلافة عن أصلها ومكانها اللائق به إلى غيره، وهو توبيخ وتقريع آخر لأولئك المنافقين بعدولهم عن أولياء المؤمنين وأئمة الدين، كما وبّخ الله إخوانهم في هذا المعنى بقوله: «أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ» [التوبة : ۱۰۹] يعني أن المحق أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة وأساس وثيق وهو الحق الذي هو التقوى من الله وطلب مرضاته بالطاعة والمبطل أسس) ص: ١٣٥
بنيانه على قاعدة هي أضعف القواعد وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار في قلّة الثبات، فهوى به الباطل في نار جهنم .ثم وصفهم بأوصاف أخرى فقال : (معادن كل خطيئة قال الشارح البحراني : أي إنهم مستعدون لفعل كل خطيئة ومهيؤون لها ، فهم مظانها، ولفظ المعادن استعارة، انتهى .)أقول : والظاهر أن المراد أنهم معدن كل خطيئة صدرت من هذه الأمة وأصل كل ذنب واقع منهم ومنشأه ومبدأ الشرور والمساوىء، وذلك باغتصابهم للخلافة إذ لو استقرت في أهلها أعني أهل بيت العصمة والطهارة لحملوا الناس على الحنيفية البيضاء، وجرت الأمور على وفق الحق فضلوا وأضلوا «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)» [النحل : ٢٤-٢٥] .)روى في (الصافي عن العياشي عن الباقر (علیه السَّلام): ماذا أنزل ربكم في علي؟ قالوا : أساطير الأولين سجع أهل الجاهلية في جاهليتهم ليحملوا أوزارهم ليستكملوا الكفر ليوم القيامة ومن أوزار الذين يضلّونهم يعني كفر الذين يتولونهم (1).)وعن علي بن إبراهيم القمي قال : يحملون آثامهم يعني الذين غصبوا أمير المؤمنين وآثام كل من اقتدى بهم، وهو قول الصادق (علیه السَّلام: والله ما أهريقت محجمة من دم ولا قرع عصا بعصا ولا غصب فرج حرام ولا أخذ مال من غير حلّه إلا وزر ذلك في أعناقهما من غير أن ينقص من أوزار العاملين شيء.)وفي حديث مفضل بن عمر الوارد في الرجعة عن الصادق (علیه السَّلام بعد اقتصاصه مسیر المهدي (علیه السَّلام) إلى قبر جده رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وإخراجه بضجيعيه وأمره بصلبهما قال : فيأمر المهدي ريحاً فتجعلهم كأعجاز نخل خاوية، ثم يأمر بإنزالهما فينزلان فيحييهما بإذن الله تعالى ويأمر الخلائق بالاجتماع، ثم يقص عليهم قصص أفعالهم في كل كور ودور حتى يقص عليهم قتل هابيل بن آدم، وجمع النار لإبراهيم، وطرح يوسف في الجب، وحبس يونس في بطن الحوت، وقتل يحيى، وصلب عیسى، وعذاب جرجيس، ودانيال، وضرب سلمان الفارسي، وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسنين (علیهم السَّلام) وإرادة إحراقهم بابها، وضرب الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء بسوط ، ورفس بطنها وإسقاطها محسناً، وسمّ الحسن (علیه السَّلام)، وقتل الحسين وذبح أطفاله وبني عمه وأنصاره وسبي ذراري رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وإراقة دماء آل محمد، وكل دم مؤمن، وكل فرج نكح حراماً، وكل ربا أكل، وكل خبث) ص: ١٣٦
1) تفسير أبي حمزة الثمالي ۲۲۹ ح ١٧٤ ، وتفسير العياشي : ٢٥٧/٢ .
وفاحشة وظلم منذ عهد آدم إلى قيام قائمنا كل ذلك يعدده عليهما ويلزمهما إياه ويعترفان به ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت مظالم من حضر (1، الحديث .)(و بما ذكرنا ظهر أيضاً أنهم (أبواب كل ضارب في غمرة) يعني أن كل من أراد الباطل والضلال فليقصد هؤلاء وليرمق أعمالهم وليتبع آثارهم، وإذ كل ضلال قد خرج منهم وانتشر في مشارق الأرض ومغاربها ، فهم أبواب الضلال كما أن الأئمة (علیهم السَّلام) الأبواب الهدى.)روى في (البحار من (كنز جامع الفوائد) وتأويل الآيات عن حماد بن عيسى عن بعض أصحابه رفعه إلى أمير المؤمنين (علیه السَّلام) أنه قال: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)» [الحج: ٨ – ٩].)قال: هو الأول ثاني عطفه إلى الثاني، وذلك لما أقام رسول الله أمير المؤمنين علماً للناس وقال : والله لا نفي بهذه له أبداً (قد ماروا في الحيرة أي ترددوا في أمرهم، فهم حائرون تائهون لا يعرفون جهة الحق فيقصدونه، وذلك بعدولهم عن أئمة الدين وأدلاء الشرع المبين.)روى العلامة المجلسي من كتاب (المحاسن عن محمد بن علي بن محبوب عن العلا عن محمد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر (علیه السَّلام) يقول : إن من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه بلا إمام عادل من الله فإن سعيه غير مقبول، وهو ضال متحيّر، ومثله كمثل شاة ضلّت عن راعيها وقطيعها فتاهت ذاهبة وجائية يومها، فلما أن جنّها الليل بصرت بقطيع غنم مع راعيها فجاءت إليها فباتت معها في ربضها (2). فلما أن ساق الراعي قطيعه أنكرت راعيها وقطيعها فهجمت متحيّرة تطلب راعيها وقطيعها فبصرت بسرح (3)قطيع غنم آخر فعمدت نحوها وحنّت إليها، فصاح بها الراعي : إلحقي بقطيعك فإنك تائهة متحيرة قد ضللت عن راعيك وقطيعك فهجمت زعرة متحيّرة لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها أو يردّها، فبينا هي كذلك إذا اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها، وهكذا يا محمد بن مسلم من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله عادل أصبح تائهاً متحيّراً إن مات على حاله تلك مات ميتة كفر ونفاق، واعلم يا محمد أن أئمة الحق وأتباعهم على دين الله (4).)وقد تقدمت هذه الرواية في التذنيب الثالث من شرح الفصل الرابع من الخطبة الأولى ص: ١٣٧
برواية (الكافي وأوردتها هنا لاقتضاء المقام وتوضيح كلام الإمام (علیه السَّلام).)(وذهلوا في السكرة أي غابت أذهانهم في سكرة الجهل على سنة من آل فرعون أي على طريقة أتباع فرعون الذين قال الله فيهم : «أَدْخِلُوا» [غافر: ٤٦] كما أن الأئمة (علیهم السَّلام) على سنّة آل موسى وشيعته ، والمراد أنهم على طريقة أهل الظلم والضلال كما أن الأئمة (علیهم السَّلام) على طريقة أهل العدل والهدى.)وقد صرحوا بذلك في غير واحد من الروايات مثل ما في (البحار عن العياشي عن أبي الصباح الكناني قال : نظر أبو جعفر إلى أبي عبد الله (علیه السَّلام) فقال : هذا والله من الذين قال الله : «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)» [ القصص : ٥] الآية .)وقال سيد العابدين علي بن الحسين (علیهما السَّلام: والذي بعث محمداً (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بالحق بشيراً ونذيراً إن الأبرار منا أهل البيت وشيعتهم بمنزلة موسى وشيعته وإن عدوّنا وأشياعهم بمنزلة فرعون وأشياعه (1).)وفيه من تفسير فرات بن إبراهيم عن الحسين بن سعيد بإسناده عن علي بن أبي طالب (علیه السَّلام قال : من أراد أن يسأل عن أمرنا وأمر القوم فإنا وأشياعنا يوم خلق الله السماوات والأرض على سنّة موسى وأشياعه، وإن عدوّنا يوم خلق الله السماوات والأرض على سنّة فرعون وأشياعه، فنزلت فينا هذه الآيات: «نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)» [القصص : ٣ - ٦] ، وإني أقسم بالذي خلق (2)الحبة وبرىء النسمة ليعطفن عليكم هؤلاء عطف الضّروس (3)على ولدها (4).)وفيه عن علي بن إبراهيم قال : حدثني أبي عن النضر عن ابن حميد عن أبي عبد الله (علیه السَّلام قال : لقى المنهال بن عمرو علي بن الحسين صلوات الله عليهما فقال له : كيف أصبحت يا ابن رسول الله ؟ قال : ويحك أما آن لك أن تعلم كيف أصبحت؟ أصبحنا في قومنا) ص: ١٣٨
مثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا (1.)(من منقطع إلى الدنيا راكن أو مفارق للدين مباين أو لمنع الخلق يعني أن صنفاً منهم منقطع إلى الدنيا منهمك في لذاتها مكبّ على شهواتها، والصنف الآخر مفارق للدين مزايل له وإن لم يكن له ذنباً كما ترى كثيراً من أحبار النصارى ورهبانهم، يتركون الدنيا ويزهدون فيها وهم من أهل الضلال.)### تنبیهقال الشارح المعتزلي في شرح هذا الفصل الأخير من الخطبة :فإن قلت : أليس الفصل صريحاً في تحقيق مذهب الإمامية؟قلت: لا بل نحمله على أنه على أعداءه الذين حاربوه من قريش وغيرهم من أفناء العرب في أيام صفين، وهم الذين نقلوا البناء وهجروا السبب ووصلوا غير الرحم، واتكلوا على الولائج، وغالتهم السبل ورجعوا على الأعقاب كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومروان بن الحكم والوليد بن عقبة وحبيب بن مسلمة وبسر بن أرطأة وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وجوشب، وذي الكلاع وشرجيل بن الصمت وأبي الأعور السلمي وغيرهم ممن تقدم ذكرنا لهم في الفصول المتعلقة بصفين وأخبارها، فإن هؤلاء نقلوا الإمامة عنه (علیه السَّلام إلى معاوية، فنقلوا البناء عن رص أصله إلى غير موضعه .)فإن قلت: لفظ الفصل يشهد بخلاف ما تأولته لأنه (علیه السَّلام قال : حتى إذا قبض الله رسوله رجع قوم على الأعقاب، فجعل رجوعهم على الأعقاب عقيب قبض الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وما ذكرته أنت كان بعد قبض الرسول بنيف وعشرين سنة .)قلت: ليس يمتنع أن يكون هؤلاء المذكورين رجعوا على الأعقاب لما مات رسولالله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم وأضمروا في أنفسهم مشاقة أمير المؤمنين (علیه السَّلام) وأذاه، وقد كان فيهم من من يتحكك به في أيام أبي بكر وعمر وعثمان ويتعرّض له ولم يكن أحد منهم ولا من غيرهم تقدم على ذلك في حياة رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ، ولا يمتنع أيضاً أن يريد برجوعهم على الأعقاب ارتدادهم عن الإسلام بالكلية، فإن كثيراً من أصحابنا يطعنون في إيمان بعض من ذكرناه، ويعدونهم من المنافقين، وقد كان سيف رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقمعهم ويردعهم عن إظهار ما في أنفسهم من النفاق، فأظهر قوم منهم بعده ما كانوا يضمرونه من ذلك خصوصاً فيما يتعلق بأمير المؤمنين الذي ورد في حقه ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إلا ببغض علي بن أبي طالب (علیه السَّلام)، وهو خبر محقق مذكور في (الصحاح).) ص: ١٣٩
1) الأمالي : ١٥٤ ح ٢٥٥، وبحار الأنوار: ١٧٠/٢٤ ح ٤.
فإن قلت : يمنعك من هذا التأويل قوله : (ونقلوا البناء عن رص أساسه فجعلوه في غير موضعه، وذلك لأن إذا ظرف والعامل فيها قوله : رجع قوم على الأعقاب، وقد عطف عليه قوله : (ونقلوا البناء)، فإذا كان الرجوع على الأعقاب واقعاً في الظرف المذكور وهو وقت قبض الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وجب أن يكون نقل البناء إلى غير موضعه واقعاً في ذلك الوقت أيضاً، لأن أحد الفعلين معطوف على الآخر، ولم ينقل أحد وقت قبض الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) البناء إلى معاوية عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام)، وإنما نقل عنه إلى شخص آخر وفي إعطاء العطف حقه إثبات مذهب الإمامية صريحاً .)قلت : إذا كان الرجوع على الأعقاب واقعاً وقت قبض النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم فقد قلنا بما يجب من وجود عامل في الظرف ولا يجب أن يكون نقل البناء إلى غير موضعه واقعاً في تلك الحال أیضاً ، بل يجوز أن يكون واقعاً في زمان آخر إما بأن تكون (الواو) للاستئناف لا للعطف، أو بأن يكون العطف في مطلق الحدث لا في وقوع الحدث في عين ذلك الزمان المخصص كقوله تعالى: «حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ » [الكهف: ۷۷] فالعامل في الظرف (استطعما)، ويجب أن تكون استطعامهما وقت إتيانهما أهلها لا محالة ولا يجب أن يكون جميع أن يكون جميع الأفعال المذكورة المعطوفة واقعة حال الإتيان أيضاً، ألا ترى أن من جملتها ، (فأقامه)، ولم يكن إقامة الجدار حال إتيانهما القرية بل متراخياً عنه بزمان ما .)اللهم إلا أن يقول قائل أشار بيده إلى الجدار فقام أو قال له : قم فقام، لأنه لا يمكن أن يجعل إقامة الجدار مقارناً للإتيان إلا على هذا الوجه وهذا لم يكن ولا قاله مفسر، ولو كان قد وقع على هذا الوجه لما قال له : لو شئت لاتخذت عليه أجراً لأن الأجر إنما يكون على اعتمال عمل فيه مشقة وإنما يكون فيه مشقة إذا بناه بيده وباشره بجوارحه وأعضائه .قال الشارح: واعلم أنا نحمل كلام أمير المؤمنين (علیه السَّلام على ما يقتضيه سؤدده الجليل ومنصبه، ودينه القويم من الإغضاء عما سلف ممن سلف، فقد صاحبهم بالمعروف برهة من الدهر، فأما أن يكون ما كانوا فيه حقهم أو حقه فتركه لهم رفعاً لنفسه عن المنازعة أو لما رآه من المصلحة وعلى تحملي التقديرين فالواجب علينا أن نطبق بين آخر أفعاله وأقواله بالنسبة إليهم وبين أولها، فإن بعد تأويل من يتأول كلامه فليس بأبعد من تأويل أهل التوحيد والعدل الآيات المتشابهة في القرآن، ولم يمنع بعدها من الخوض في تأويلها محافظة على الأصول المقررة فكذلك ههنا، انتهى كلامه هبط مقامه (1).) ص: ١٤٠
1) شرح النهج : ١٣٦/٩ .
أقول : وأنت خبير بما فيه من وجوه الكلام وضروب الملام.أما :أولاً فلأن قوله : (لا بل نحمله على أنه عنى أعداءه الذين حاربوه من قريش وغيرهم في أيام صفين، فيه أنه لا وجه لهذا الحمل بل ظاهر كلامه (علیه السَّلام) بمقتضى الإطلاق لا يشمل كل من اتصف بالأوصاف التي ذكره ، ومن المعلوم أن اتصاف المتخلفين الثلاثة ومتبعيهم بالأوصاف المذكورة أظهر وأشهر من اتصاف أهل صفين بها، لأنهم أول من فتح باب غصب الخلافة ونقلوها عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) إلى أنفسهم وتبعهم أشياعهم فنقلوها عنه إليهم .)بل أقول : إنه لولا جسارة الثاني على إحراق باب بيت النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم وإخراج أمير المؤمنين (علیه السَّلام) من البيت للبيعة ملبياً وضربه لفاظمة عليها السلام وكسره ضلعها، وغصب فدك وقطعه لرحم الرسول وهتكه لناموس أهل بيته لم يجسر أحد على معارضة أمير المؤمنين (علیه السَّلام)، ولم يخطر على قلب أحد نزع الخلافة عنه (علیه السَّلام) إلى نفسه، ولولا تولية معاوية للشام ورضاه بظلمه وجوره وأفعاله المخالفة للشريعة، وتشييده بصنعه لم يطمع معاوية في الإمارة والخلافة والنهوض لقتال علي (علیه السَّلام)، فكل فتنة وفساد وأمر مخالف للدين ولسنة سيد المرسلين من فروع تلك الشجرة الملعونة على ما عرفته في شرح الكلام المائة والسادس والعشرين.)وبالجملة فكلامه (علیه السَّلام بحكم الأصول والقواعد اللفظية العموم والإطلاق، وحمله على طائفة مخصوصة خلاف الأصل لا يصار إليه إلا بدليل وليس فليس .)وأما ثانياً : فلأن قوله: قلت ليس يمتنع أن يكون هؤلاء المذكورون رجعوا على الأعقاب لما مات رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم وأضمروا في أنفسهم آه فيه أن هؤلاء إن كانوا رجعوا على الأعقاب حين موته وأضمروا في أنفسهم مشاقة أمير المؤمنين (علیه السَّلام) وأذاه فالذين ذكرناهم أعني الثلاثة وأشياعهم قد رجعوا على الأعقاب أيضاً وأبدوا مشافته وأذاه عقيب موته صلوات الله عليه وآله، يشهدك على ذلك إحراقهم بابه وإخراجهم له من بيته ملبباً وتدبيرهم لقتله على يد خالد بن الوليد كما روته العامة والخاصة.)ويشهد به أيضاً ما رواه الشارح في الشرح في غير هذا المقام.قال : روى كثير من المحدثين أن علياً عقيب يوم السقيفة تظلم وتألّم واستنجد واستصرخ حيث ساموه إلى الحضور والبيعة وأنه قال وهو يشير إلى القبر يا نبي إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، وأنه قال واجعفراه ولا جعفر لي اليوم، واحمزتاه ولا حمزة لي اليوم. ص: ١٤١
وبهذا كله يظهر لك أن رجوع من ذكرناه على الأعقاب مع نصبهم العداوة لأمير المؤمنين (علیه السَّلام وإعلانهم بالمشاقة والأذى له أظهر من رجوع غيرهم ممن ذكره الشارح مع إخفائهم له، ومع هذا فصرف كلام الإمام (علیه السَّلام) إلى الآخرين دون الأولين لا وجه له.)وأما ثالثاً: فإن قوله ولا يمتنع أيضاً أن يريد برجوعهم على الأعقاب ارتدادهم عن الإسلام بالكلية حق لا ريب فيه ولكن قوله : فإن كثيراً من أصحابنا يطعنون في إيمان بعض ما ذكرناه ويعدونهم من المنافقين، فيه أن تخصيص الارتداد والنفاق ببعض من ذكره لا وجه له، بل كل من ذكره وذكرناه مطعون منافق ملعون .وقد ورد في غير واحد من أحاديثنا وإن لم يكن حجة على العامة، ارتد الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان، وأبو ذر، والمقداد.وروى في (غاية المرام عن ابن شهر آشوب من طريق العامة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: «أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» [آل عمران: ١٤٤] يعني بالشاكرين علي بن أبي طالب والمرتدين على أعقابهم الذين ارتدوا عنه.)فقد ظهر بذلك أن الارتداد عن الإسلام في الحقيقة هو الارتداد عن أمير المؤمنين فكل من ارتد عنه فقد ارتد عنه، والتخصيص بقوم دون قوم تعسّف وتعصب.وأما رابعاً : فإن قوله : بل يجوز أن يكون واقعاً في زمان آخر، بعيد وجعل (الواو للاستئناف سخيف، والعطف في مطلق الحدث خلاف الظاهر، والقياس على الآية فاسد، لأن العاطف هنا هي (الواو)، وهي للجمع والتشريك، والكلام من باب التنازع فيدل على وقوع الجملات المتعاطفة في زمان القبض إن قلنا : إن العامل في (إذا) الشرطية هو الجواب دون الشرط، وأما الآية فالعاطف فيها هي (الفاء) وهي تفيد الترتيب والتعقيب، فلا يلزم من عدم وقوع إقامة الجدار حين الإتيان هناك عدم وقوع نقل البناء حين القبض فيما نحن فيه .)والتحقيق أن قوله: فأقامه، عطف على قوله فوجدا، وليس عطفاً على استطعما، فلا يلزم عمله في الظرف لأن المعطوف على المعطوف على الجواب لا يجب أن يكون مشتركاً للجواب في جميع الأحكام وعاملاً فيما يعمله بخلاف المعطوف على نفس الجواب.وهذا كله مبني على التنزل والمماشاة، وإلا فنقول : إن إقامة الجدار قد كانت حال إتيان القرية والتراخي بزمان ما لا ينافيه، لأنهم قد صرّحوا في إفادة (الفاء للتعقيب أنه في كل شيء بحسبه، فيقال: تزوج فلان فولد له ولد، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، و دخلت البغداد فالبصرة إذا لم يقم في بغداد ولم يتوقف بين البلدين.) ص: ١٤٢
هذا على قول بعض المفسرين من أنه نقض الجدار وبناه، وأما على قول من قال : إنه أقامه بيده وكذا على قول من قال : إنه مسحه بيده فقام، كما رواه في (الكشاف وغيره عن البعض الآخرين فلا يكون هناك تراخ أصلاً، إذ لا فرق بين الإشارة باليد كما فرضه الشارح وبين المسح بها كما رواه الزمخشري.)ثم استبعاد الشارح لذلك بأنه لو كان على هذا الوجه لم يستحق أجرة لأن الأجرة إنما تكون على اعتمال عمل فيه مشقة، مدفوع بأن الأجرة إنما هي على عمل فيه منفعة للغير سواء كان فيه مشقة أم لا، لا سيما عمل له منفعة عظيمة مثل إقامة الجدار، فقد قيل كما في (الكشاف : إن طوله في السماء مائة ذراع .)وأما خامساً : فإن قوله: واعلم أنا نحمل كلام أمير المؤمنين (علیه السَّلام (آهـ)، تمويه باطل بصورة الحق، فإن سؤدد أمير المؤمنين (علیه السَّلام) ومنصبه وحلمه إنما كان مقتضياً للعفو والصفح والإغضاء والإغماض فيما يتعلق بأمر الدنيا، وقد كان (علیه السَّلام) كذلك حسبما عرفت من مكارم أخلاقه في تضاعيف الشرح وتعرفه بعد ذلك في مواقعه إن شاء الله أيضاً، وأما أمر الدين وما فيه صلاح الشرع المبين فلا يجوز له فيه الإغضاء والإغماض أصلاً، بل لا بد له من باب اللطف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التنبيه على هفوات المتخلفين الضالين المضلين الغاصبين للخلافة من دون أن يأخذه في الله لومة لائم، ليتنبه الناس من مراقد الغفلة ويلتفتوا إلى سوء ما فعلوه من البدعات المبتدعة ويرتدعوا عن حسن الاعتقاد والظن لهم، ولا يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة .)وأما سادساً : فإن قوله : فإن بعد ذلك فليس بأبعد من تأويل أهل التوحيد والعدل الآيات المتشابهة، فيه أن تأويلنا للآيات المتشابهة بها مثل قوله : «وَجَاءَ رَبُّكَ» و «إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣» و «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)» ونحوها إنما هو لقيام الأدلة القاطعة والبراهين العقلية والنقلية والأصول المحكمة الملجئة لنا على التأويل، وأما فيما نحن فيه فأي دليل وبرهان وداع دعى إلى التأويل؟ وأي أصل محكم اقتضى ذلك لو لم يقتض خلافه؟)وغير خفيّ على الخبير المنصف المجانب للتعصب والتعسف أن أهل السنة حيث ضاق بهم الخناق لم يبق لهم إلا التمسك بحسن الظن على السلف، والحال أن الظن لا يغني من الحق شيئاً، والله الهادي إلى سواء السبيل. ص: ١٤٣
### الترجمةاز جمله خطب شریفه آن بزرگوار است که اشاره فرموده در آن بهواقعات عظیمه، می فرماید:و فراگرفتند گمراهان امت طریق یمین و شمال و راه افراط و تفریط را در حالتی که کوچ کنندگانند در راه جهل و ضلالت و ترك نمایندگانند راه رشد و سعادت را، پس طلب ننمایید به شتاب آنچه که واقع شونده است و مهیا و دیر مشمارید آنچه که می آورد آن را فردا، پس بسا بشتاب طلب کننده است چیزی را که اگر درک نماید آن را دوست می گیرد در نیافتن آن را و چه نزديك است امروز به اوایل فردا .ای قوم این زمان وقت وارد شدن هر وعده داده شده است و وقت نزدیکی است از طلوع و ظهور آنچه که نمی شناسید آن را در فتنه های حادثه و علامات هائله. آگاه باشید قسم به خدا به درستی کسی که درک نماید آن فتنه ها را از ما سیر می کند در ظلمت های آن فتنه ها به چراغی که نور بخشنده است و رفتار می کند در آن به قرار صالحان تا اینکه بگشاید در آن فتنه ها ریسمان ها را از گردن اسیران و آزاد نماید بندگان را از بندگی و پراکنده سازد آنچه که به هم پیوسته از منکرات و به هم بست کند آنچه که پاشیده شده از محسنات، آن شخص در پرده است از انظار مردمان، نمی بیند صاحب قیافه اثر و نشانه آن را اگرچه امعان نظر نماید.پس از آن البته تیز ساخته شود در آن فتنه ها طائفه ای به جهت قتال اهل ضلال یا به جهت کسب معارف و کمالات همچو تیز ساختن شمشیرساز شمشیر را، در حالتی که جلا داده بشود با نور قرآن دیده های بصیرت آن طائفه و انداخته شود تفسیر قرآن در گوشهای ایشان و می آشامند کاسه حکمت را در شبانگاه بعد از آشامیدن آن در چاشتگاه.از جمله این خطبه است که می فرماید: ص: ١٤٤
و طول یافت مدت به آن اهل ضلال تا اینکه کامل نمایند ذلت و خواری را و مستحق باشند به تغییر نعمت پروردگار تا زمانی که نزديك شد گذشتن آن عهد، میل کردند طایفه ای از اهل بصیرت به آن فتنه ها و بلند کردند دم را از آبستنی جنگشان در حالتی که منت نگذاشتند به پروردگار با صبر نمودن در کارزار و بزرگ نشمردند بخش کردن جان های خودشان را در راه حق تا زمانی که موافقت نمود قضاء فرود آمده الهی با بریده شدن مدت بلا، برداشتند اهل معرفت و بصیرت بصیرت های خودشان را بر شمشیرهای خود و تقرب جستند به سوی پروردگار به فرمان واعظ خودشان.تا زمانی که قبض فرمود خداوند تبارك و تعالى روح رسول خود را بازگشتند گروهی بر پاشنه های خود به ارتداد و هلاک ساخت ایشان را طرق ضلالت و اعتماد کردند بر خواص و انصار خود و پیوستند به غیر خویشان پیغمبر و دوری گزیدند از سببی که مأمور شده بودند از جانب خدا به محبت آن و نقل کردند بنای خلافت را از استواری بنیاد خود، پس بنا کردند آن را در غیر محل و مکان خود.ایشان معدن های هر خطا و ضلالتند و درهای هر درآمده در باطل و جهالت، به تحقیق که متردّد شدند در حیرت و غفلت ورزیدند در مستی جهالت بر طریقه آل فرعون و روش اتباع آن ملعون. هستند بعضی از ایشان منقطعند از عقبا به سوی دنیا مایلند به آن و برخی مفارقند از دین خدا مباینند از آن. ص: ١٤٥
## ومن خطبة له (علیه السَّلام وهي المائة والواحد والخمسون من المختار في باب الخطب)### إشارةوَأَسْتَعِينُهُ عَلَى مَداحِرِ الشَّيْطَانِ ومَزاجِرِهِ، وَالإِعْتِصام مِنْ حَبائِلِهِ وَمَخاتِلِهِ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ونَجِيبُهُ وصِفْوَتُهُ، لا يُوازى فَضْلُهُ، ولا يُجْبَرُ فَقْدُهُ، أَضاءَتْ به البِلادُ بَعْدَ الضَّلالَةِ المُظْلِمَةِ ، والجَهالَةِ الغالِبَةِ ، والجَفْوَةِ الجافِيَةِ، والنَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الحَرِيمَ ، ويَسْتَذِلُّونَ الحَكِيمَ، يَحْيُونَ عَلى فَتْرَةٍ، ويَمُوتُونَ عَلى كَفْرَةٍ، ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ أَغْراضُ بَلايا قَدْ اقْتَرَبَتْ، فَاتقوا سَكَراتِ النِّعْمَةِ، واحْذَرُوا بَوائِقَ النِّقْمَةِ، وتَثَبَّتُوا في قَتامِ العِشْوَةِ، وَاعْوِجاجِ الفِتْنَةِ، عِنْدَ طُلُوعِ جَنينِها ، وظُهُورِ كَمينها، وَانْتِصاب قُطْبها ومَدارِ رَحاها، تَبدو في مَدارِجَ خَفِيَّةٍ، وتَئُولُ إِلى فَظَاعَةٍ جَلِيَّةٍ، شِبابُها كَشِبابِ الغُلامِ ، وَآثَارُها كَآثَارِ السّلام، تَتَوارَثُها الظَّلَمَةُ بِالعُهُودِ، أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لآخِرِهِمْ، وَآخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ ، يَتَنافَسُونَ في دُنْيَا دَنِينةٍ، ويَتَكالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُريحَةٍ، وعَنْ قَلِيل يَتَبَرَّأ التَّابِعُ مِنَ المتبوع، والقائِدُ مِنَ المَقُودِ، فَيَتَزايَلُونَ بِالبَغْضَاءِ، ويَتَلاعَنُونَ عِنْدَ اللقاء، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذلِكَ طالِعُ الفِتْنَةِ الرَّجُوفِ، والقاصِمَةِ الزَّحُوفِ، فَتَزيعُ قُلُوبٌ بَعْد اسْتِقامَةٍ، وتَضِلُّ رِجالٌ بَعْدَ سَلامَةٍ، وتَخْتَلِفُ الأَهْواءُ عِنْدَ هُجُومِها ، وتَلْتَبِسُ الآراءُ عِنْدَ نُجُومِها ، مَنْ أَشْرَفَ لَها قَصَمَتْهُ، ومَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ ، يَتَكادَمُونَ فِيها تَكادُمَ الحُمُرِ في العانَةِ، قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الحَبْلِ، وَعَمِيَ وَجْهُ الأَمْرِ، تَغِيضُ فِيهَا الحِكْمَةُ ، وتَنْطِقُ فِيهَا الظُّلْمَةُ ، ونَدقُّ أَهْلَ البَدْوِ بِمِسْحَلِها ، وتَرُضُّهُمْ بِكَلْكَلِها يَضِيعُ في غُبارِهَا الوُحْدانُ، ويَهْلِكُ في طَرِيقِهَا الرُّكْبانُ، تَرِدُ بِمُرِّ القَضاءِ، وتَحْلُبُ عَبِيطَ الدّماءِ ، وتَثْلِمُ مَنارَ الدّينِ، وتَنْقُضُ عُقَدَ اليَقِينِ، تَهْرُبُ مِنْهَا الأَكْياسُ، وتُدَبِّرُهَا الأَرْجاسُ، مِرْعادٌ مِبْرَاقٌ، كاشِفَةٌ عَنْ ساقٍ، تُقَطَّعُ فِيهَا الأَرْحامُ، ويُفارَقُ عَلَيْهَا الإِسْلامُ، بَرِيُّها سَقِيمٌ، وظاعِنُها مُقِيمٌ .مَنْها بَيْنَ قَتِيلٍ مَطلُولٍ، وخايف مُسْتَجِيرٍ، يَخْتَلُونَ بِعَقْدِ الأَيْمَانِ، وَبِغُرُورِ الإِيْمَانِ، فَلا تَكُونُوا أَنْصابَ الفِتَنِ، وأَعْلامَ البِدَعِ ، والْزَمُوا ما عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الجَمَاعَةِ، وبُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ، واقْدَمُوا عَلَى اللَّهِ مَظْلُومِينَ، ولا تَقْدَمُوا عَلى اللَّهِ ظالِمِينَ، وَاتَّقُوا مَدارِجَ الشَّيْطانِ، ومهابِطَ العُدْوانِ، ولا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لُعَقَ الحَرامِ، فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَعْصِيَةَ، وسَهَّلَ لَكُمْ سَبِيلَ الطَّاعَةِ (1.) ص: ١٤٦
1) ميزان الحكمة : ١/ ٨٣٨ ح ١١٥٦ .
### اللغة(الذحر الطرد والإبعاد والدفع بعنف على الإهانة كالدحور، وقال سبحانه: «وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا» [الصافات ۹۸]، وقال أيضاً: «اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا» [الأعراف: ۱۸] ، ومداحر الشيطان جمع مدحر وهي الأمور التي محل طرده وإبعاده .)وقال الشارح البحراني والمعتزلي هي الأمور التي بها يطرد ويبعد، وعلى قولهما فهي للآلة ، وعلى ذلك فلا يجوز جعلها جمعاً لمدحر كما توهمه البحراني لأن مفعل بفتح الميم للمكان وبالكسر للآلة كما صرح به جميع علماء الأدبية، فلا بد من جعلها جمعاً حينئذ المدحرة بكسر الأول والهاء أخيراً وزن مكسحة ومروحة، اللهم إلا أن يقال : إن مدحر بالكسر للآلة أيضاً وجمع مفعل على مفاعل قد ورد في كلامهم مثل ملحف وملاحف ومقود ومقاود.فقد تلخص مما ذكرنا أن مداحر يصح جعلها جمع مدحر بالفتح للمكان ومدحر ومدحرة بالكسر فيهما للآلة ونحوه (المزاجر للأمور التي يزجر بها أو هي محل الزجر من زجر الكلب نهنهه جمع مزجر ومزجر و (ختله) يختله بالكسر خدعه، والمخاتل الأمور التي بها يختل ويخدع و (يوازي) مضارع آزى بالهمز ولا يقال : وازى و (الجهالة الغالبة) في بعض النسخ بالموحدة من الغلبة وفي بعضها بالمثناة من الغلاء وهو الارتفاع أو من الغلو وهو مجاوزة الحد و (يستذلون الحكيم) في بعض النسخ باللام من الحلم و (الفترة) انقطاع ما بين النبيين و (كفرة) بالفتح واحدة الكفرات كضربة وضربات .)ثم إنكم معشر العرب في بعض النسخ معشر الناس و (تثبتوا من التثبت وهو التوقف، وفي بعض النسخ تبينوا من التبين وبهما أيضاً قرأ قوله سبحانه: «إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» [الحجرات: ٦] يقال تبينه أي أوضحه، وتبين الأمر أي وضح يستعمل متعدياً ولازماً کاستبان، قال تعالى: «ِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا» [النساء : ٩٤] ، أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تعجلوا فيه و (القتام) الغبار و (العشوة) بتثليث الأول ركوب الأمر على غير بيان ووضوح، وبالفتح فقط الظلمة و (الجنين) الولد ما دام في البطن و (الكمين) الجماعة المختفية في الحرب.)و (مدار رحاها مصدر والمكان بعيد و (تبدو في مدارج) في بعض النسخ بالواو من البدو وهو الظهور وفي أكثرها تبدأ بالهمز مضارع بدأ و (شب) الفرس يشب شباباً بالكسر وشبيباً نشط ورفع يديه جميعاً، وفي بعض النسخ شبابها كشباب الغلام بالفتح و (السلام) بالكسر الحجارة و (مريحة) من أراح اللحم والماء أي أنتن أو من أراح الرجل إذا مات و (رجف) الشيء رجفاً تحرك واضطرب شديداً ورجف القوم تهيؤوا للحرب.) ص: ١٤٧
و (زحف إليه مشى وفي (شرح المعتزلي) : الزحف السير على تؤدة كسير الجيوش بعضها إلى بعض و (نجم) الشيء ينجم نجوماً من باب قعد ظهر وطلع و (قصمت) العود كسرته وقصمه الله أي أذلّه وأهانه وقيل : قرب موته و (التكادم) التعاض بأدنى الفم و (العانة) القطيع من حمر الوحش و (المسحل) وزان منبر المبرد أي السوهان، ويقال أيضاً للمنحت (الوحدان) جمع واحد كركبان وراكب قال الشارح المعتزلي : ويجوز أن يكون جمع أوحد مثل سودان وأسود، يقال : فلان أوحد الدهر.)و (ثلمت الإناء أي كسرت حرفه فانثلم و (الطل) بالمهملة هدر الدم وهو مطلول أي مهدور لا يطلب بدمه و (يختلون) في بعض النسخ بالبناء على المفعول وفي بعضها بالبناء على الفاعل من ختله خدعه و (عقد) الإيمان بصيغة المصدر أو وزن صرد جمع عقدة و (الأنصاب) جمع نصب كأسباب وسبب وهو العلم المنصوب في الطريق يهدى به، وفي بعض النسخ بالراء و (مدارج الشيطان) جمع مدرجة وهي السبل التي يدرج فيها و (لعق الحرام) جمع لعقة اسم لما يلعق بالإصبع أو الملعقة وهي بكسر الميم آلة معروفة، واللعقة بالفتح المرة منه من لعقه ألعقه من باب تعب لحسه بإصبع ومصدره لعق وزن فلس.)### الإعرابجملة (لا يوازي فضله الظاهر أنها استئناف بياني وجملة (أضاءت) حال من فاعل المصدر، أعني فقده، ويحتمل الاستئناف البياني أيضاً، (والناس) حال من مفعول (أضاءت)، وقوله : (وتتوارثها الظلمة بالعهود) الظرف متعلق بالفعل أو بالظلمة، وقوله : (وعن قليل) إلى قوله : (عند اللقاء) جملة معترضة (وعن) بمعنى بعد .)### المعنىإعلم أن هذه الخطبة مسوقة في معرض الأخبار عن الملاحم والوقائع الحادثة في غابر الزمان، وصدرها بالاستعانة على ما يجب الاستعانة من الله سبحانه عليه وعقب ذلك بالشهادة بالتوحيد والرسالة وذكر ممادح الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم فقال :)(وأستعينه على مدار الشيطان ومزاجره أي العبادات والحسنات التي هي محل طرده وزجره أو بها يطرد ويزجر (والاعتصام من حبائله ومخاتله) أي المعاصي والسيئات التي لها يصيد الإنسان ويخدع البشر .)قال الشارح البحراني : واستعار لها لفظ الحبائل وهي أشراك الصائد لمشابهتها في استلزام الحصول فيها للبعد عن السلامة والحصول في العذاب (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ص: ١٤٨
لا شريك له قد تقدم في شرح الفصل الثاني من الخطبة الثانية شرح هذه الكلمة الطيبة بما لا مزيد عليه فليراجع ثمة (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)(صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) (ونجيبه) أي الكريم الحسيب الذي انتجبه من خلقه، ويروى: ونجيّه أي المناجي له والمشرف بمناجاته ومخاطبته وأصله من النّجوى وهي التخاطب سرّاً (وصفوته) أي مختاره ومصطفاه من الناس، وقد مضى تحقيق ذلك في شرح الخطبة الثالثة والتسعين.)ولما كان ههنا مظنّة أن يسأل ويقال : هل يدانيه أحد في فضله أو يوازيه في كماله فيقوم مقامه عند افتقاره؟ أجاب بقوله : (لا يوازي فضله أي لا يحاذي ولا يساوي (ولا يجبر فقده) قال الشارح البحراني : إذا كان كماله في قوّتيه النظرية والعملية غير مدرك لأحد من الخلق. ومن كان كذلك لم يجبر فقده إلا بقيام مثله من الناس، وإذ لا مثل له فيهم فلا جبران لفقده.)(أضاءت به البلاد بعد الضلالة المظلمة نسبة أضاءت إلى البلاد من باب التوسع والمراد اهتداء أهل البلاد بنور وجوده الشريف إلى ما فيه صلاح المعاش والمعاد بعد تيههم في ظلمة الكفر والضلال كما تقدم في شرح الفصل السادس عشر من الخطبة الأولى، وعرفت هناك أنه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قد بعث وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة وأهواء منتشرة، وطرائق متشتتة بين مشبهة ومجسّمة، وزنادقة وغيرها (و) كانوا متصفين بـ (ـالجهالة الغالبة) عليهم (و) موصوفين بـ (الجفوة الجافية) يريد بها غلظ الطبيعة وقساوة القلوب وسفك الدماء ووصفه بالجافية للمبالغة من قبيل شعر الشاعر وداهية دهياء، وقد تقدم توضيح جفوة العرب وغلظهم في شرح الفصل الأول من الخطبة السابعة والعشرين.)(والناس يستحلون الحريم أي حرمات الله التي يجب احترامها ومحرماته (ويستذلون الحكيم) أو الحليم كما في بعض الروايات والحكمة هي العلم الذي يرفع الإنسان عن فعل القبيح، والحلم هو العقل والتؤادة وضبط النفس عن هيجان الغضب، والمعلوم من حال العرب استدلال من له عقل ومعرفة وتجنّب عن سفك الدماء وعن النهب والغارة وإثارة الفتن لزعمهم أن ذلك من الجبن والضعف (يحيون على فترة) من الرسل وانقطاع من الوحي الموجب لانقطاع الخير وتقليل العبادات والمجاهدات وموت النفوس بداء الجهل والضلالات (ويموتون على كفرة) لعدم هادٍ يهديهم إلى النهج القويم والشرع المستقيم.)ثم شرع في إنذار الناس بالبلايا النازلة واقتراب الحوادث المستقبلة فقال : (ثم إنكم معشر العرب أغراض بلايا وأهدافها (قد اقتربت) أوقاتها (فاتقوا سكرات النعمة) لفظة السكرات استعارة لما يحدثه النعم عند أربابها من الغفلة والخمرة المشابهة للسكرة (واحذروا بوائق النقمة) أي دواهي المؤاخذات والعقوبات (وتثبتوا في قتام العشوة) وهو أمر لهم بالتثبت والتوقف عند اشتباه الأمور وترك الاقتحام فيها من غير بصيرة وروية.) ص: ١٤٩
قال الشارح البحراني: استعار لفظ القتام للشبهة المثيرة للفتن كشبهة قتل عثمان التي نشأت منها وقائع الجمل وصفين والخوارج، ووجه المشابهة كون ذلك الأمر المشتبه مما لا يهتدي فيه خائضوه، كما لا يهتدي القائم في القتام عند ظهوره وخوضه .(واعوجاج الفتنة أي إتيانها على غير وجهها وانحرافها عن النهج (عند طلوع جنينها وظهور كمينها) كنى بالجنين والكمين عن المستور المختفي من تلك الفتنة، ويحتمل إرادة الحقيقة بأن يكون المقصود بروز ما اجتنّ منها واستتر وظهور ما كمن منها وبطن وانتصاب قطبها ومدار رحاها كنايتان عن استحكام أمرها وانتظامها (تبدو في مدارج خفيّة وتؤل إلى فظاعة جليّة) يعني أنها تكون ابتداء يسيرة ثم تصير كثيرة .)فإن النار بالعودين تذكي *** وإن الحرب رب أول ها کلامأو أن ظهورها في مسالك خفية حتى تنتهي إلى شناعة عظيمة وشبابها كشباب الغلام وآثارها كآثار السلام أي إن أربابها يمرحون في أول الأمر كما يمرح الغلام ثم تؤول إلى أن تعقب فيهم أو في الإسلام آثاراً كآثار الحجارة في الأبدان أو أن المراد أنها في الدنيا كنشاط الغلام وما أعقبتها من الآثار في الآخرة كآثار السلام.(يتوارثها الظلمة بالعهود أي يتوارثها الظلام بعهد الأول منهم للثاني وعقد الأمر منه له كما هو دأب أمراء الجور يجعلون لهم ولي العهد، أو أن توارثهم بما عهدوا بينهم من ظلم أهل البيت وغصب حقهم، وعلى تعلق الظرف بالظلمة فالمراد أنه يتوارثها الظالمين بعهد الله والناقضين لميثاقه والتاركين لتكاليفه.)(أولهم قائد لآخرهم يقوده إلى الظلم والضلال والنار (وآخرهم مقتد بأولهم) في الجور وإثارة الفتن وتشييد تلك الآثار (يتنافسون في دنيا دنيئة) أي يتعارضون ويتبارون في دنيا لا مقدار لها عند العقلاء (ويتكالبون على جيفة مربحة) أي يتواثبون على جيفة منتنة عند ذوي العقول والأولياء، واستعار لها لفظ الجيفة باعتبار النفرة عنها، ولفظ المريحة ترشيح. قال الشاعر :)وما هي الا جيفة مستحيلة *** علیها کلاب همهن اجتذابهاثم قال (علیه السَّلام: (وعن قليل) أي بعد حين قليل (يتبزأ التابع عن المتبوع والقائد من المقود) أي الأتباع من الرؤساء والرؤساء من الأتباع، وذلك التبرء يوم القيامة كما قاله الشارح المعتزلي، وقد أخبر الله سبحانه عن تبرّء الأتباع بقوله : «ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)» [غافر: ٧٣ - ٧٤] ، فقولهم : لم نكن ندعو، هو التبرء ، وأخبر عن تبرء الرؤساء، بقوله : «إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ) ص: ١٥٠
اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا» [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧] (فيتزايلون) ويفرقون (بالبغضاء ويتلاعنون عند اللقاء) كما قال تعالى: « يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا» [ العنكبوت: ٢٥] قال الشارح المعتزلي : فإن قلت: ألم يكن، قلت: إن قوله : (عن قليل يتبرأ التابع من المتبوع) يعني يوم القيامة فكيف يقول : (ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف) وهذا إنما يكون قبل القيامة ؟ .)قلت لما ذكر تنافس الناس على الجيفة المنتنة وهي الدنيا أراد أن يقول بعده بلا فصل : ثم يأتي بعد ذلك (اهـ لكنه لما تعجب من تزاحم الناس وتكالبهم على تلك الجيفة أراد أن يؤكد ذلك التعجب فأتى بجملة معترضة بين الكلامين فقال : (إنهم على ما قد ذكرنا من تكاليهم عليها عن قليل يتبرأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضاً)، وذلك أدعى لهم لو كانوا يعقلون إلى أن يتركوا التكالب والتهارش على هذه الجيفة الخسيسة، ثم عاد إلى نظام الكلام فقال : (ثم يأتي بعد ذلك) اهـ .)وقال الشارح البحراني حكاية عن بعضهم: إن ذلك التبرء عند ظهور الدولة العباسية، فإن العادة جارية بتبرء الناس عن الولاة المعزولين خصوصاً عند الخوف ممن تولّى عزل ذلك أو قتلهم، فيتباينون بالبغضاء إذ لم تكن الفتهم ومحبتهم إلا لغرض دنياوي زال، ويتلاعنون عند اللقاء، ثم قال الشارح: وقوله : (ثم يأتي طالع الفتنة هي فتنة التتار، إذ الدائرة فيها على العرب.)وقال بعض الشارحين : بل ذلك إشارة إلى الملحمة الكائنة في آخر الزمان كفتنة الدجال .وكيف كان فوصف الفتنة بالرجوف لكثرة اضطراب الناس أو أمر الإسلام فيها وأراد بطالعها مقدماتها وأوائلها ووصفها ثانياً بقوله : (والقاصمة الزحوف أي الكاسرة الكثيرة الزحف وكنى بقصمها عن هلاك الخلق فيها وشبهها بالرجل الشجاع كثير الزحف إلى أقرانه أي يمشي إليهم قدماً .)ثم أشار إلى ما يترتب على تلك الفتنة من المفاسد العظام وقال: (فتزيغ أي تميل (قلوب بعد استقامة) على سبيل الله (وتضل رجال بعد سلامة) في دين الله (وتختلف الأهواء عند هجومها وتلتبس الآراء) الصحيحة بالفاسدة (عند نجومها) وظهورها، فيشتبه الحق بالباطل ويتيه فيها الجاهل والغافل (من أشرف لها) أي قابلها وصادمها (قصمنه) وهلكته (ومن سعى فيها) أي أسرع في إطفائها وإسكاتها (حطمته) وكسرته (يتكادمون فيها تكادم الحمر) الوحش (في العانة) أي في قطيعها .) ص: ١٥١
قال العلامة المجلسي (رحمه الله ولعل المراد بتكادمهم مغالبة مثيري تلك الفتنة بعضهم لبعض، أو مغالبتهم لغيرهم.)وقال الشارح البحراني : وشبه ذلك بتكادم الحمر في العانة ووجه التشبيه المغالبة مع الإيماء أي خلعهم ربق التكليف من أعناقهم وكثرة غفلتهم عما يراد بهم في الآخرة .(قد اضطرب معقود الحبل أي قواعد الدين والأحكام الشرعية التي كلفوا بها (وعمى وجه الأمر) في إسناد العمى إلى الوجه تجوز، والمراد عدم اهتدائهم إلى وجوه الصلاح وطرق الفلاح (تغيض) وتنقص (فيها الحكمة) لسكوت الحكماء عنها وعدم تمكنهم عن التكلم بها (وتنطق فيها الظلمة) بما تقتضيه أهواؤهم عن الظلم والفساد لمساعدة الزمان عليهم (وتدقّ) تلك الفتنة (أهل البدو) أي البادية (بمسحلها) أي يفعل بهم ما يفعل المسحل بالحديد (1)أو الخشب (وترضّهم) أي تدقهم دقاً جريشاً (بكلكلها) أي صدرها شبه هذه الفتنة بالناقة التي تبرك على الشيء فتسحقه بصدرها على سبيل الاستعارة بالكناية وإثبات الكلكل تخييل والرض ترشيح (يضيع في غبارها الوحدان ويهلك في طريقها الركبان) أي لا يخلص منها أحد ولا ينجو منها لشدتها وقوتها فمن كان يسير وحده فإنه يهلك فيها بالكلية وإذا كانوا جماعة فهم يضلون في طريقها فيهلكون، ولفظ الغبار مستعار للقليل اليسير من حركة أهلها أي إذا أراد القليل من الناس دفعها هلكوا في غبارها من دون أن يدخلوا في غمارها، وأما الركبان وهم الكثير من الناس فإنهم يهلكون في طريقها وعند الخوض فيها .)وعلى كون الوحدان جمع أوحد فالمراد : أنه يضل في غبار هذه الفتنة وشبهها فضلاء عصرها، لغموض الشبهة واستيلاء الباطل ويكون الركبان حينئذ كناية عن الجماعة أهل القوة، فهلاك أهل العلم بالضلال وهلاك أهل القوة بالقتل والاستئصال .(ترد بمر القضاء أي بالهلاك والبوار والبلايا الصعبة وظاهر أنها واردة عن القضاء الإلهي متصفة بالمرارة (وتجلب عبيط الدماء) أي الطري الخالص منها وهو كناية عن سفك الدماء فيها (وتثلم منار الدين) استعارة للعلماء أو القوانين الشرع المبين وثلمها عبارة عن هدمها وعدم العمل بها (وتنقض عقد اليقين) أي العقائد الحقة الموصلة إلى جوار الله تعالى ونقضها كناية عن تغيّرها وتبدلها وترك العمل على وفقها (تهرب منها الأكياس) أي ذوو العقول السليمة (وتدبرها الأرجاس) الأنجاس أي ذوو النفوس الخبيثة (مرعاد مبراق) كثيرة الرعد والبرق أي ذات تهدد ووعيد ويجوز أن يراد بالرعد قعقعة السلاح وصوته وبالبرق لمعانه وضوئه .) ص: ١٥٢
1) الأول مبني على أن يراد بالمسحل السوهان، والثاني مبني على أن يراد منه المنحت كما تقدم سابقاً منه .
(كاشفة عن ساق قال ابن الأثير الساق في اللغة الأمر الشديد، وكشف الساق مثل في شدة الأمر وأصله من كشف الإنسان عن ساقه وتشميره إذا وقع في أمر شديد، وفي (القاموس) : يذكرون الساق إذا أرادوا شدّة الأمر والإخبار عن هوله، قال تعالى: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ» [القلم: ٤٢] أي عن شدة (تقطع فيها الأرحام ويفارق عليها الإسلام) بجريانها على خلاف قواعد الدين وقواعد الشرع المبين .)(بريئها سقيم قال العلامة المجلسي (رحمه الله) : أي من يعد نفسه بريئاً سالماً من المعاصي أو الآفات أو من كان سالماً بالنسبة إلى سائر الناس فهو أيضاً مبتلى بها، أو أن من لم يكن مائلاً إلى المعاصي وأحب الخلاص من شرورها لا يمكنه ذلك (وظاعنها مقيم) أي المرتحل عنها خوفاً لا يمكنه الخروج منها أو من اعتقد أنه متخلف عنها فهو أيضاً داخل فيها لكثرة الشبه وعموم الضلالة.)(منها ما يشبه أن يكون وصفاً لحال المتمسكين بالدين في زمان الفتنة السابقة وهو قوله (بین قتيل مطلول) أي مهدر الدم لا يطلب به (وخائف مستجير) أي مستأمن يطلب الأمان (يختلون بعقد الأيمان) إن كان يختلفون بصيغة المجهول فهو إخبار عن حال المخدوعين الذين يخدعهم غيرهم بعقد العهود وشدها بمسح إيمانهم أو بالأيمان المعقودة فيما بينهم، وعلى كونه بصيغة المعلوم فهو بيان لحال الخادعين (وبغرور الإيمان) أي بالإيمان الذي يظهره الخادعون فيغرونهم بالمواعيد الكاذبة أو الذي يظهره هؤلاء الموصوفون فيغرون الناس به على اختلاف النسختين.)(فلا تكونوا أنصاب الفتن أي رؤسائها يشار إليهم فيها وأعلام البدع التي يقتدى بها وهو نظير قوله في كلماته القصار: كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب (1).)(والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة وهي القوانين التي ينتظم بها اجتماع الناس على الحق وبنيت عليه أركان الطاعة استعارة بالكناية وذكر الأركان تخييل والبناء ترشيح (وأقدموا على الله مظلومين ولا تقدموا على الله ظالمين) يعني أنه إذا دار الأمر بين الظالمية والمظلومية فكونوا راضين بالمظلومية، لأن الظلم قبيح عقلاً وشرعاً والظالم مؤاخذ ملعون كتاباً وسنة، أو لا تظلموا الناس وإن استلزم ترك الظلم مظلوميتكم فإن يوم المظلوم من الظالم أشد من يوم الظالم من المظلوم والمظلوم منصور من الله سبحانه قال تعالى : «وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا» [الإسراء : ۳۳]، وقال أبو جعفر (علیه السَّلام)) ص: ١٥٣
1) بحار الأنوار : ٤٠٨/٦٦ ح ١٢٠، والغدير : ٢٥٣/٩ .
في رواية أبي بصير عنه (علیه السَّلام: ما انتصر الله من ظالم إلا بظالم، وذلك قول الله عزّ وجل : «وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا» [الأنعام: ۱۲۹] (1).)(واتقوا مدارج الشيطان ومسالكه (ومهابط العدوان) ومحاله أو المواضع التي يهبط صاحبه فيها (ولا تدخلوا بطونكم لعق الحرام) أي لا تدخلوا بطونكم القليل منه فكيف بالكثير أو الإتيان باللعق للتنبيه على قلة ما يكتسب من متاع الدنيا المحرّم بالنسبة إلى متاع الآخرة وحقارته عنده (فإنكم بعين من حرّم عليكم المعصية وسهل لكم سبيل الطاعة) أي بعلمه كقوله تعالى: «تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا» [القمر: ١٤] .)ولا يخفى ما في هذا التعليل من الحسن واللطف في الردع عن المعاصي والحثّ على الطاعات، فإن العبد العالم بأنه من مرئى من مولاه ومسمع منه يكون أكثر طاعة وأقل مخالفة من عبد مولاه غافل عنه وجاهل بأعماله وأفعاله ولتأكيد هذا المعنى عبّر بالموصول وقال : (بعين من حرم (آهـ) ولم يقل : بعين الله هذا وتسهيل سبيل الطاعة باعتبار أن الله سبحانه ما جعل على المكلفين في الدين من حرج.)### الترجمةاز جمله خطب شریفه آن امام مبین و سیّد و صیّین است در ذکر ملاحم، می فرماید:و طلب یاری می کنم از حضرت ربّ العالمین بر عبادات و طاعات که محلّ طرد و زجر شیطان لعین است و بر محفوظ شدن از معاصی و سیئات که ریسمان های صید آن ملعون و اسباب مکر و خدعه آن نابکار است و شهادت می دهم به اینکه نیست خدایی جز خدای متعال در حالتی که تنها است شريك نيست مراورا ، شهادت میدهم با اینکه محمد بن عبدالله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم بنده پسندیده و پیغمبر او است و برگزیده و مختار او است، برابر کرده نمی شود فضل او و جبران نمی شود فقدان او، روشن شد به وجود شریف آن بزرگوار شهرها بعد از گمراهی ظلمانی و نادانی) ص: ١٥٤
1) الكافي : ٣٣٤/٢ ح ۱۹ ، وثواب الأعمال : ٢٧٤ .
غالب و غلظت غلیظه طبایع در حالتی که مردمان حلال می شمردند محرمات را و خوار می شمردند صاحب حکمت و معرفت را زندگانی می کردند در زمان انقطاع پیغمبران و می مردند بر کفر و طغیان.پس از آن به درستی که شما ای جماعت عرب نشانه های بلا هستید که نزديك شده ظهور آن، پس پرهیز کنید از مستی های نعمت ها، حذر نمایید از دواهی عذاب، توقف کنید در غبار ظلمت شبهه و در کجی فتنه در وقت ظهور و بروز باطن و کمون آن فتنه و هنگام استقامت قطب و دوران آسیای آن، در حالتی که ظاهر می شود آن فتنه در درجه ای پنهان و بازگردد به شناعت آشکار، نشو و نمای آن مثل نشو و نمای جوان است و اثرهای آن مثل اثرهای سنگ ها است، ارث می برند از یکدیگر آن فتنه را ظالمان با عهود و پیمان (یعنی هر یکی دیگری را ولی عهد خود می سازد.)اوّل ایشان پیشوای آخر ایشان است و آخر ایشان اقتدا کننده است به اوّل ایشان، تعارض می کنند در دنیای پست و بی مقدار و خصومت می کنند بر جیفه گندیده مردار و بعد از زمان قلیل تبری می کند تابع از متبوع و مقتدا از پیشوا، پس پراکنده شوند از یکدیگر به عداوت و دشمنی و لعنت کنند به یکدیگر هنگام ملاقات .پس از آن می آید طلوع کننده فتنه كثير الاضطراب و شکننده تندرونده، پس میل به باطل می کند قلب ها بعد از استقامت آنها و گمراه می شوند مردمان بعد از سلامت ایشان و مختلف می شود خواهشات وقت هجوم آن فتنه و ملتبس می شود رأی ها نزد ظهور آن فتنه، هرکس مقابله گری نماید آن را می شكند و هلاك می سازد او را و هرکس سعی کند در اسکات آن بر می کند و نابود نماید او را.بگزند و آزار رسانند مردمان آن زمان یکدیگر را در آن فتنه مثل آزار رساندن حمارهای وحشی یکدیگر را در رمه، به تحقیق که مضطرب شد ریسمان بسته اسلام و پوشیده شد روی صلاح کار، ناقص م یشود در آن فتنه حکمت و معرفت و ناطق می شوند در آن ستمکاران و بکوبد آن فتنه اهل بادیه را با منحت و تیشه خود و خورد و مرد کند ایشان را با سینه خود و ضایع می شوند در غبار آن فتنه تنها روندگان و هلاک گردند در راه آن فتنه سوارگان. ص: ١٥٥
وارد شود به تلخ ترین قضای الهی و بدو شد خون های تازه را و خواب می کند منارهای دین را و در هم شکند کوه های یقین را، بگریزند از آن فتنه صاحبان عقل و کیاست و تدبیر کنند آن را صاحبان پلیدی و نجاست، بسیار صاحب رعد و برق است و کشف کننده است از شدت، قطع می شود در آن فتنه رحم ها و مفارقت می شود بر آن از دین اسلام، برائت کننده از آن فتنه ناخوش است و کوچ کننده آن مقیم است.از جمله فقرات آن خطبه است در وصف حال مؤمنان آن زمان می فرماید:ایشان در میان کشته شده است که خونش هدر رفته و ترسنده ای که طلب امان می کند، فریب داده می شوند با سوگندهای بسته شده دروغی و با ایمانی که از روی فریب و غرور است پس نباشید علامت های فتنه ها و نشان های بدعت ها و لازم شوید به آنچه که بسته شده به آن ریسمان اجتماع و ائتلاف که عبارت است از قواعد شریعت و بر آنچه که بنا شده بر آن رکن های طاعت و عبادت و اقدام کنید بر خدا در حالتی که مظلوم هستید و اقدام نکنید بر او در حالتی که ظالم باشید و بپرهیزید از راه های شیطان و از محل های طغیان و عدوان و داخل نکنید در شکمهای خودتان لقمه های حرام را پس به درستی که شما در نظر کسی هستید که حرام کرده به شما گناه را و آسان کرده از برای شما راه طاعت را، چنانچه فرموده «ما جعل الله عليكم في الدين من حرج» ص: ١٥٦
## ومن خطبة له (علیه السَّلام وهي المائة والثاني والخمسون من المختار في باب الخطب وشرحها في فصول)### الفصل الأول#### إشارةالحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ، وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ، وَبِاشْتِباهِهِمْ عَلَى أَنْ لا شِبْهَ لَهُ، لا تَسْتَمِلُهُ المَشاعِرُ ، ولا تَحْجُبُهُ المَساتِرُ ، لافْتِراقِ الصَّانِع والمَصْنُوع ، والحادِّ والمَحْدُودِ، وَالرَّبِّ والمَرْبُوبِ، الأَحَدُ بِلا تَأْوِيلِ عَدَدٍ والخَالِقُ لا بِمَعْنى حَرَكَةٍ ونَصَبٍ، والسَّمِيعُ لا بِأَداةٍ، والبَصِيرُ لا بِتَفْرِيقِ آلةٍ، والمُشاهِدُ لا بِمُماسَّةٍ، وَالبَائِنُ لا بِتَراخي مَسَافةٍ، والظَّاهِرُ لا بِرُؤيَةٍ، والباطِنُ لا بِلَطَافَةٍ، بانَ مِنَ الأشْياءِ بِالقَهْرِ لَها، والقُدْرَةِ عَلَيْها، وَبانَتِ الأَشْياءُ مِنْهُ بِالخُضُوعِ لَهُ والرُّجُوعِ إِلَيْهِ ، مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، ومَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ، ومَنْ قالَ كَيْفَ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ، ومَنْ قالَ: أَيْنَ فَقَدْ حَيّزَهُ، عالِمٌ إِذْ لا مَعْلُومَ، ورَبٌّ إِذ لا مَرْبُوبَ، وقادِرٌ إِذْ لا مَقْدُورَ (1.)#### اللغةقال الشارح المعتزلي: (الاستلام في اللغة لمس الحجر باليد وتقبيله ولا يهمز لأن أصله من السلام وهي الحجارة كما يقال : استنوق الجمل وبعضهم يهمزه انتهى. وقال الفيومي في (المصباح): استلامت الحجر، قال ابن السكيت: همزته العرب على غير قياس والأصل استلمت لأنه من السلام وهي الحجارة، وقال ابن الأعرابي : الاستلام أصله مهموز من الملائمة وهي الاجتماع، وحكى الجوهري القولين ومثله الفيروزآبادي، وفي بعض النسخ بدل لا تستلمه لا تلمسه و (النصب) محركة التعب .)#### الإعرابجملة (لا تستلمه المشاعر استئناف بياني، ولفظ (الأحد ، والخالق والسميع والبصير)، وما يتلوها من الصفات يروى بالرفع والجر معاً الأول على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والثاني على أنه صفة لله .) ص: ١٥٧
1) ميزان الحكمة : ۱۹۱۲/۳ ح ٢٦٤٦ ، وشرح أصول الكافي : ٦٣/٣ .
#### المعنىإعلم أن هذا الفصل من الخطبة متضمن لمباحث شريفة إلهية، ومعارف نفيسة ربانية، ومسائل عويصة حكمية، ومطالب علية عقلية لم يوجد مثلها في زبر الأولين والآخرين، ولم يسمح بنظيرها عقول الحكماء السابقين واللاحقين وصدره بتحميد الله سبحانه وتمجيده، فقال :(الحمد الله وقد مضى شرح هذه الجملة وتحقيق معنى الحمد وبيان وجه اختصاصه بالله سبحانه في شرح الفصل الأول من الخطبة الأولى، ونقول هنا مضافاً إلى ما سبق : إن الحمد سواء كان عبارة عن التعظيم والثناء المطلق، أو عن الشكر المستلزم لتقدم النعمة والاعتراف بها، فالمستحق له في الحقيقة ليس إلا الله سبحانه ولذا أتى بتعريف الجنس (ولام) الاختصاص الدالتين على أن طبيعة الحمد مختصة به تعالى.)أما على أنه عبارة عن مطلق الثناء والتعظيم فلظهور أنَّ استحقاق قيمتها إنما يتحقق لأجل حصول كمال أو براءة نقص، وكل كمال وجمال يوجد في العالم فإنما هو رشح وتبع لجماله وكماله، وأما البراءة عن النقائص والعيوب فمما يختص به تعالى، لأنه وجود محض لا يخالطه عدم ونور صرف لا يشوبه ظلمة.وأما على أنه عبارة عن الشكر المسبوق بالنعمة فلأن كل منعم دونه فإنما بنعم شيء مما أنعم الله ، ومع ذلك فإنما ينعم لأجل غرض من جلب منفعة أو دفع مضرّة أو طلب محمدة، فهذا الجود والإنعام في الحقيقة معاملة وتجارة وإن عد في العرف جوداً وإنعاماً، وأما الحق تعالى فلما لم يكن إنعامه لغرض ولا جوده لعوض إذ ليس لفعله المطلق غاية إلا ذاته كما مر تخفيفه في شرح الخطبة الخامسة والستين فلا يستحق لأقسام الحمد والشكر بالحقيقة إلا هو، هذا.وأردف الحمد بجملة من أوصاف الكمال ونعوت العظمة والجلال.الأول : أنه (الدال على وجوده بخلقه وقد مر كيفية هذه الدلالة في شرح الخطبة الخمسين وبيّنا هناك أن الاستدلال بهذه الطريقة من باب الاستدلال بالفعل على الفاعل ومرجعه إلى البرهان العلمي.)(و الثاني: أنه الدال (بمحدث خلقه على أزليته) لما قد مر ثمة أيضاً من أن الأجسام كلها حادثة لأنها غير خالية عن الحركة والسكون، وكل حادث مفتقر إلى محدث فإن كان ذلك المحدث محدثاً عاد القول فيه كالأول ويلزم التسلسل أو كونه محدثاً لنفسه وكلاهما باطل، فلا بد من محدث قديم لا بداية لوجوده وهو الله تعالى وسبحانه .) ص: ١٥٨
(و الثالث : أنه الدال (باشتباههم على أن لا شبه له) يعني أنه سبحانه بإبداء سبحانه بإبداء المشابهة بين المخلوقات دل على أنه لا مثل ولا شبيه .)وجهة المشابهة بينها إما الافتقار إلى المؤثر كما ذهب إليه الشارح البحراني حيث قال : أراد اشتباههم في الحاجة إلى المؤثر والمدبر وتقرير هذا الطريق أن نقول : إن كان تعالى غنياً عن المؤثر فلا شبيه له في الحاجة إليه لكن المقدم حق فالتالي مثله .واعترض عليه بأن فيه قصوراً من وجهين :أحدهما أن المطلوب في تنزيه الحق تعالى عن الشبيه هو نفي الشبه عنه على الإطلاق لا نفي وجه من وجوه الشبه فقط كالحاجة.وثانيهما: أن نفي الحاجة عنه تعالى مما لا يحتاج إلى إثباته له من جهة تشابه الخلق فيها، بل مجرد كونه واجب الوجود يلزمه نفي الحاجة عنه إلى غيره لزوماً بيناً، فالاستدلال عليه لغو من الكلام مستدرك ، هذا .وقال بعضهم : المراد بمشابهتهم الاشتباه في الجسمية والجنس والنوع والأشكال والمقادير والألوان ونحو ذلك، وإذ ليس داخلاً تحت جنس لبراءته عن التركيب المستلزم للإمكان، ولا تحت النوع لافتقاره في التخصيص بالعوارض إلى غيره، ولا بذي مادة لاستلزامه التركيب أيضاً، فليس بذي شبيه في الأمور المذكورة.وهو قريب مما قاله البحراني لكن الأول أعم في نفي الشبيه والأحسن منها ما في الحديث الأول من باب جوامع التوحيد من (الكافي عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) عند استنهاضه الناس لحرب معاوية في المرة الثانية وهو قوله (علیه السَّلام): وحد الأشياء كلها عند خلقه إبانة لها من شبهه وإبانة له من شبهها .)قال العلامة المجلسي في :(شرحه : أي جعل للأشياء حدوداً ونهايات، أو أجزاء وذاتيات ليعلم بها أنها من صفات المخلوقين والخالق منزّه عن صفاتهم، أو خلق الممكنات التي من شأنها المحدودية ليعلم بذلك أنه ليس كذلك كما قال تعالى: «فخلقت الخلق لأعرف»، إذ خلقها محدودة لأنها لم تكن تمكن أن تكون غير محدودة لامتناع مشابهة الممكن الواجب في تلك الصفات التي هي من لوازم وجوب الوجود، ولعل الأوسط أظهر.)الرابع أنه (لا تستلمه المشاعر أي لا تلمسه لأن مدركات المشاعر مقصورة على الأجسام والأعراض القائمة بها، وهو سبحانه ليس بجسم ولا جسماني، فامتنع إدراك المشاعر ولمسها له، ويحتمل أن يراد بالمشاعر المدارك مطلقاً سواء كانت قوة مادية مدركة للحسيّات والوهميات أو قوة عقلية مدركة للعقليات والفكريات إذ ليس للمدارك مطلقاً إلى) ص: ١٥٩
معرفة كنه ذاته سبيل، ولا على الوصول إلى حقيقة صفاته دليل، كما مر في شرح الفصل الثاني من الخطبة الأولى.(و الخامس : (لا تحجبه المساتر) أي الحجابات التي يستر بها، وفي أكثر النسخ: السواتر بدلها ومعناهما واحد، والمراد أنه لا يحجبه حجاب ولا يستتر بشيء من السواتر لأن الستر والحجاب من لوازم ذي الجهة والجسمية، وهو تعالى منزّه عن ذلك.)فإن قلت: قد ورد في الحديث إن الله احتجب عن القول كما احتجب عن الأبصار وأن الملاء الأعلى يطلبونه كما أنتم تطلبونه، فكيف التوفيق بينه وبين قول الإمام (علیه السَّلام؟)قلت: ليس المراد من احتجابه عن العقول والأبصار أن يكون بينه وبين خلقه حجاب جسماني مانع عن إدراكه والوصول إليه تعالى، بل المراد بذلك احتجابه عنهم لقصور ذواتهم و نقصان عقولهم وقواهم، وكمال ذاته وشدّة نوره وقوة ظهوره، فغاية ظهوره أوجب بطونه، وشدة نوره أوجب احتجابه كنور الشمس وبصر الخفاش، وقد حققنا ذلك بما لا مزيد عليه في شرح الخطبة الرابعة والستين وشرح الفصل الثاني من الخطبة التسعين وبما ذكرنا أيضاً ظهر فساد ما ربما يتوهم من أنه إذا لم يكن محجوباً بالسواتر لا بد وأن يعرفه كل أحد ويراه، هذا .وقوله : (لافتراق الصانع والمصنوع والحاد والمحدود والرب والمربوب التعليل راجع إلى الجملات المتقدمة بأسرها، والمقصود أن لكل من الصانع والمصنوع صفات تخصه وتليق به ويمتاز بها وبها يفارق الآخر، فالمخلوقية والحدوث والاشتباه والملموسية والمحجوبية بالسواتر من لواحق المصنوعات والممكنات وأوصافها اللائقة لها، والخالقية والأزلية والتنزه عن المشابهة وعن استلام المشاعر واحتجاب السواتر من صفات الصانع الأول ومما ينبغي له ويليق به ويضاد ما سبق من أوصاف الممكنات، فلو جرت فيه صفات المصنوعات أو في المصنوعات صفاته لارتفع الافتراق ووقعت المساواة والمشابهة بينه وبينها، فيكون مشاركاً لها في الحدوث المستلزم للإمكان المستلزم للحاجة إلى الصانع، فلم یكن بينه وبينها فصل ولا له عليها فضل، وكل ذلك أعني المساواة والمشابهة وعدم الفصل والفضل ظاهر البطلان، هذا.)والمراد بالحاد خالق الحدود والنهايات، والصانع والرب بينهما تغاير بحسب الاعتبار وهو دخول المالكية في مفهوم الربوبية دون الصنع.السادس: (الأحد لا بتأويل عدد يعني أنه أحدي الذات ليس كمثله شيء وأحديّ الوجود لا جزء له ذهناً ولا عقلاً ولا خارجاً، وليست وحدانيته وحدانية عددية بمعنى أن) ص: ١٦٠
يكون مبدأ لكثرة تعدّ به كما يقال في أول العدد: واحد، وقد مر تحقيق ذلك في شرح الخطبة الرابعة والستين.(و السابع: (الخالق لا بمعنى حركة ونصب) يعني أنه سبحانه موجد للأشياء بنفس قدرته التامة الكاملة وخلقه الإبداع والإفاضة من دون حاجة إلى حركة ذهنية أو بدنية كما لسائر الصانعين، لأن الحركة من عوارض الأجسام، وهو منزّه عن الجسمية كما لا حاجة في إيجاده إلى المباشرة والتعمّل حتى يلحقه نصب وتعب، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.)(و الثامن : (السميع لا بأداة) وهي الأذنان والصماخان والقوة الكائنة تحتهما، لتعاليه عن الآلات الجسمانية، بل سمعه عبارة عن علمه بالمسموعات، فهو نوع مخصوص من العلم باعتبار تعلّقه بنوع من المعلوم، وقد تقدم في شرح الفصل السادس من الخطبة الأولى : أن السمع والبصر من الصفات الذاتية له تعالى، والاحتياج فيهما إلى الأداة والآلة يوجب النقص في الذل والاستكمال والاستعانة بالآلات المنافية للوجوب الذاتي.)(و التاسع: (البصير لا بتفريق آلة) أي بفتح العين أو بعث القوة الباصرة وتوزيعها على المبصرات .)قال الشارح البحراني : وهذا المعنى على قول من جعل الإبصار بآلة الشعاع الخارج من العين المتصل بسطح المرئي أظهر، فإن توزيعه أظهر من توزيع الآلة على قول من يقول : إن الإدراك يحصل بانطباع صورة المرئي في العين ومعنى التفريق على القول الثاني هو تقليب الحدقة وتوجيهها مرة إلى هذا المبصر ومرة إلى ذاك كما يقال : فلان مفرّق الهمة والخاطر، إذا وزّع فكره على حفظ أشياء متباينة ومراعاتها كالعلم وتحصيل المال وظاهر تنزيهه تعالى عن الإبصار بآلة الحس لكونها من توابع الجسمية ولواحقها.(و العاشر : (المشاهد لا بممارسة) وفي بعض النسخ : الشاهد بدل المشاهد والمعنى واحد.)قال صدر المتألهين في شرح (الكافي في تحقيق ذلك : لأن الالتماس من خواص الأجسام، والمشاهدة بالمماسة للمشهود نفسه كما في الذائقة واللامسة، وللمتوسط بين الشاهد والمشهود كما في الشامة والسامعة والباصرة والحاصل أن إدراكات الحواس الظاهرة الخمسة ومشاهداتها كلها لا تتم إلا بالمماسة لجسم من الأجسام وإن كان المشهود له والحاضر بالذات عند النفس شيئاً آخر غير الممسوس بالذات أو بالواسطة .)(و الحادي عشر : (البائن لا بتراخي مسافة) يعني أنه مباين للأشياء ومغاير لها بنفس ذاته وصفاته، لأنه في غاية التمام والكمال وما سواه في نهاية الافتقار والنقصان، وليس) ص: ١٦١
تباينه تباين أين وتباعد مكان بتراخي مسافة بينه وبين غيره، لأن ذلك من خواص الأينيات، وهو الذي أين الأين بلا أين وقد تقدم نظير هذه الفقرة في الفصل السادس من الخطبة الأولى، وشرحناه بما يوجب الانتفاع به في المقام فليراجع ثمة.(و الثاني عشر : (الظاهر لا برؤية و) الثالث عشر (الباطن لا بلطافة) يعني أن ظهوره سبحانه ليس كظهور ظاهر الأشياء بأن يكون مرئياً بحاسة البصر، ولا بطونه كبطونها بأن يكون لطيفاً لصغر حجمه أو لطافة قوامه كالهواء، بل نحو آخر من الظهور والبطون على ما مر تحقيقه في شرح الخطبة التاسعة والأربعين وشرح الخطبة الرابعة والستين فليتذكر .)والرابع عشر: أنه (بان من الأشياء بالقهر لها والقدرة عليها، وبانت الأشياء منه بالخضوع له والرجوع إليه وهذه الفقرة في الحقيقة تفسير وتوضيح للوصف الحادي عشر، فإنه لما ذكر هناك أن بينونيته ليست بتراخي مسافة أوضح هنا جهة البينونة بأنه إنما بان من الأشياء بغلبته واستيلائه عليها وقدرته على إيجادها وإعدامها كما هو اللائق بشأن الواجب المتعال، وأن الأشياء إنما بانت منه لخضوعها وذلّها في قيد الإمكان ورجوعها في وجودها وكمالاتها إلى وجوده كما هو مقتضى حال الممكن المفتقر .)الخامس عشر : أنه تعالى منزّه عن الصفات الزائدة على الذات، وإليه أشار بقوله : (من وصفه فقد حدّه ومن حده فقد عده ومن عده فقد أبطل أزله قال العلامة المجلسي في (مرآة العقول) في شرح هذه الفقرة من حديث (الكافي) : إن من وصف الله بالصورة والكيف فقد جعله جسماً ذا حدود، ومن جعله ذا حدود فقد جعله ذا أجزاء، وكل ذي أجزاء محتاج حادث، أو أن من وصف الله وحاول تحديد كنهه فقد جعله ذا حد مركب من جنس وفصل فقد صار حقيقة مركبة محتاجة إلى الأجزاء حادثة أو أن من وصف الله بالصفات الزائدة فقد جعل ذاته محدودة بها، ومن حدّه كذلك فقد جعله ذا عدد إذ اختلاف الصفات إنما يكون بتعدد أجزاء الذات أو قال بتعدد الآلهة إذ تكون كل صفة لقدمها إلهاً غير محتاج إلى علة، ومن كان مشاركاً في الإلهية لا يكون قديماً فيحتاج إلى علة، أو جعله مع صفاته ذا عدد وعروض الصفات المغايرة الموجودة ينافي الأزلية، لأن الاتصاف نوع علاقة توجب احتياج كل منهما إلى الآخر، وهو ينافي وجوب الوجود والأزلية أو المعنى أنه على تقدير زيادة الصفات يلزم تركب الصانع إذ ظاهر أن الذات بدون ملاحظة الصفات ليست بصانع للعالم، فالصانع المجموع فيلزم تركبه المستلزم للحاجة والإمكان، وقيل: فقد عده من المخلوقين.)السادس عشر : أنه منزّه عن الكيف، وإليه أشار بقوله : (ومن قال كيف فقد استوصفه أي طلب وصفه بصفات المخلوقين وجعل له وصفاً زائداً على ذاته، وقد علمت أن ذلك ممتنع في حقه إذ كل صفة وجودية زائدة على ذاته فهي من مقولة الكيف ومن جنس الكيف) ص: ١٦٢
النفساني فيلزم كون ذاته بذاته معراة عن صفة كمالية، ويلزم له مخالطة الإمكان وينافي كونه واجب الوجود من جميع الجهات وكل ذلك محال عليه تعالى هذا وقد تقدم في شرح الخطبة الرابعة والثمانين تحقيق معنى الكيف وتفصيل تنزهه تعالى عن الاتصاف به.السابع عشر : أنه سبحانه منزّه عن المكان وإليه أشار بقوله : (ومن قال أين فقد حيزه لأن أين سؤال عن الحيّز والجهة فمن قال : أين فقد جعله في حيّز مخصوص وهو محال في حق الواجب تعالى لأنه خالق الحيّز والمكان فيلزم افتقاره إلى ما هو مفتقر إليه، على أن كونه في حيّز معين يستلزم خلق سائر الأحیاز والأمكنة منه كما هو شأن الأجسام والجسمانيات، وهو باطل لأنه في جميع الأحياز بالعلم والإحاطة، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله .)واعلم أن هذه العبارة نظير قوله في الفصل الخامس من الخطبة الأولى: ومن قال فيم فقد ضمنه، وقد ذكرنا في شرحه ما يوجب البصيرة في المقام.الثامن عشر : أنه سبحانه (عالم إذ لا معلوم ورب إذ لا مربوب وقادر إذ لا مقدور (إذ) ظرفية على توهم الزمان أي كان موصوفاً في الأزل بالعلم والربوبية والقدرة، ولم يكن شيء من المعلوم والمربوب والمقدور موجوداً فيه.)أما أنه كان عالماً بالأشياء ولا معلوم فلأن علمه عين ذاته وتقدم ذاته على معلوماته الحادثة ظاهر، ولا يتوقف وجوده على وجود المعلوم كما مر تحقيقه في شرح الفصل السابع من الخطبة الأولى عند تحقيق قوله : عالماً بها قبل ابتدائها فليتذكر.وأما أنه كان ربّاً إذ لا مربوب لأن معنى الرب هو المالك، وقد كان سبحانه مالكاً لأزمة الإمكان وتصريفه من العدم إلى الوجود ومن الوجود إلى العدم كيف شاء ومتى أراد، وقيل : المراد إنه كان قادراً على التربية إذ هو الكمال وفعليتها منوطة على المصلحة.وأما أنه كان قادراً إذ لا مقدور فلأن القادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، وبعبارة أخرى هو الذي يصح منه الفعل والترك، ووجود هذا الوصف له لا يستلزم وجود المقدور.وقال الصدوق في (التوحيد والقدرة مصدر قولك : قدر قدرة أي ملك فهو قدير قادر مقتدر، وقدرته على ما لم يوجد واقتداره على إيجاده هو قهره وملكه له ، وقد قال عزّ ذكره : «مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)» [الفاتحة: ٤] ، ويوم الدین لم يوجد بعد (1).) ص: ١٦٣
1) التوحيد : ۱۹۸.
#### الترجمةاز جمله خطب شریفه آن ولی ربّ العالمين و وصى امين خاتم النبيين (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم است در تحمید و توحید و تمجید حضرت ذوالجلال و خداوند متعال می فرماید)حمد و ثنا خداوندی را سزا است که هدایت کننده است به وجود خود با ایجاد مخلوقات خود و با حدوث مخلوقات خود بر ازلیت و سرمدیت خود و با شبیه نمودن آن مخلوقات به یکدیگر بر اینکه هیچ مثل و شبیه نیست مراو را، مس نمی توانند بکنند او را حواس ظاهره و باطنه و نمی پوشانند او را پرده ها و حجاب ها به جهت ممتاز و مغایر بودن آفریننده و آفریده شده و حد قرار دهنده و حد قرار داده شده و تربیت کننده و تربیت داده شده این صفت دارد که یکی است نه یکی که از مقوله اعداد باشد و خلق کننده است نه با حرکت و مشقت و شنوا است نه با آلت گوش و بینا است نه با برگرداندن حدقه چشم و حاضر است با اشیاء نه با مجاورت و مماست و جدا است از اشیا نه به دوری راه و آشکار است نه بدیدن چشم ها و پنهان است نه به سبب لطافت مقدار .جدا شد از اشیا با قهر و غلبه کردن بر آنها و جدا شد اشیا از او به سبب خضوع و تواضع نمودن آنها بر او به سبب بازگشت آنها به سوی او، هرکس وصف کرد او را پس به تحقیق که حد قرار داد او را و هر که حد قرار دهد بر او، پس به تحقیق که در شمار آورد او را، و کسی که در شمار آورد او را پس به تحقیق که باطل گردانید ازلیّت او را و هر کس که بگوید چگونه است او، پس به تحقیق که طلب وصف او نمود و هر که گفت او کجاست، پس به تحقیق که مکان قرار داد به او، دانا بود در وقتی که هیچ معلومی نبود، ربّ بود هنگامی که هیچ مربوبی نبود و صاحب قدرت بود زمانی که هیچ مقدوری نبود. ص: ١٦٤
### الفصل الثاني منها#### إشارةقَدْ طَلَعَ طالِعٌ ، ولَمَعَ لامِعٌ، وَلاحَ لائحٌ، واعْتَدَلَ مائِلٌ ، واسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ قَوْماً ، وبِيَوْمٍ يَوْماً، وانْتَظَرْنا الغِيْرَ انْتِظارَ المُجْدِب المَطَرَ، وَإِنَّما الأَئِمَةُ قُوّامُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ، وَعُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبادِهِ، لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلا مَنْ عَرَفَهُمْ وعَرَفُوهُ، وَلا يَدْخُلُ النَّارَ إِلا مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَأَنْكَرُوهُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالى قَدْ خَصَّكُم بالإِسْلامِ، وَاسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ، وذلِكَ لأَنَّهُ اسْمُ سَلامَةٍ وجِماعُ كَرامَةٍ ، اصْطَفَى اللَّهُ تَعالىٰ مَنْهَجَهُ، وبَيَّنَ حُجَجَهُ مِنْ ظَاهِرٍ عِلْمٍ ، وباطِنُ حُكْمٍ، لا تَفْنىٰ غَرَائِبُهُ، وَلا تَنْقَضِي عَجائِبُهُ ، فِيهِ مَرابيعُ النِّعَمِ ، ومَصابِيحُ الظُّلَم، لا تُفْتَحُ الخَيْراتُ إِلا بِمَفَاتِحِهِ، ولا تُكشَفُ الظُّلُماتُ إِلا بِمَصابِيحِهِ، قَدْ أَحْمىٰ حَماهُ، وأَرْعىٰ مَرْعَاهُ فِيهِ شِفاءُ المُشْتَفي، وكِفايَة المُكْتَفي (1.)#### اللغة(الجدب هو المحل وزناً ومعنىً وهو انقطاع المطر ويبس الأرض، وأجد القوم إجداباً أصابهم الجدب و (عرفت) على القوم من باب قتل عرافة بالكسر فأنا عارف أي مدبر أمرهم وقائم بسياستهم، وعرفت عليهم بالضم لغة فأنا عريف والجمع عرفاء، وقيل: العريف هو القيّم بأمور القبيلة والجماعة يلي أمورهم ويتعرّف الأمير منه أحوالهم فعيل بمعنى فاعل و (جماع) الشيء بالكسر والتخفيف جمعه يقال : الخمر جماع الإثم، و (المرابيع) الأمطار التي تجيء في أول الربيع و (حمى) المكان من الناس حمياً من باب رمى منعه عنهم، والحماية اسم منه وأحميته بالألف جعلته حتى لا يقرب ولا يجترئ عليه وكلاء حمى محمى، قال الشاعر :)ونرعى حمى الأقوام غير محرّم *** علينا ولا يرعى حمانا الذي نحميقال الشارح المعتزلي : قد حمى حماه، أي عرضه لأن يحمي كما تقول : أقتلت الرجل أي عرضته لأن يضرب.#### الإعرابجملة (لا يدخل الجنة بدل من الجملة السابقة عليها، ولشدة الاتصال بينهما ترك العاطف على حد قوله تعالى: « أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣)» [الأنعام: ۱۳۲- ۱۳۳]) ص: ١٦٥
1) بحار الأنوار : ٣٧٤/٦٥ ، وكشف المحجة لثمرة المهجة : ١٩٢.
وإضافة المنهج إلى الضمير إما نظير الإضافة في سعيد كرز، أو بمعنى اللام، والإضافة في قوله: (من ظاهر علم وباطن حكم من قبيل إضافة الصفة إلى موصوفها، (ومن) في: (من ظاهر) للتبيين والتفسير كما تقول : دفعت إليه سلاحاً من سيف ورمح وسهم أو للتميز والتقسيم.)#### المعنىإعلم أن الشارح المعتزلي ذكر في شرح هذا الفصل من كلامه أنه خطب بذلك بعد قتل عثمان حين أفضت الخلافة إليه .إذا عرفت ذلك فأقول : قوله (علیه السَّلام: (قد طلع طالع ولمع لامع ولاح لائح) يحتمل أن يكون المراد بالجمل الثلاث واحداً، أي طلعت شمس الخلافة من مطلعها وسطع أنوار الإمامة من منارها، وظهر كوكب الولاية من أفقه، وأن يكون المراد بالأولى ظهور خلافته وإمارته، وبالثانية ظهورها من حيث هي حق له (علیه السَّلام) وسطوع أنوار العدل بصيرورتها إليه، وبالثالثة ظهور الحروب والفتن الواقعة بعد انتقال الأمر إليه (علیه السَّلام).)(واعتدل مائل أي استقام ما اعوج من أركان الدين وقوائم الشرع المبين (واستبدل الله بقوم) من أهل الضلال والفساد وهم الخلفاء الثلاث وأتباعهم (قوماً) من أهل الصلاح والرشاد وهم أمير المؤمنين وتابعوه (وبيوم) انتشر فيه الجور والاعتساف (يوماً) ظهر فيه العدل والإنصاف (وانتظرنا الغير) أي تغيرات الدهر وتقلبات الزمان .)قال العلامة المجلسي (قدس سره : ولعل انتظارها كناية عن العلم بوقوعه، أو الرضا بما قضی الله من ذلك، والمراد بالغير ما جرى قبل ذلك من قتل عثمان وانتقال الأمر إليه أو ما سيأتي من الحروب والوقائع والأول أنسب بالتشبيه بـ (انتظار المجدب المطر) لدلالته على شدة شوقه بالتغيرات وفرط رغبته لانتقال الأمر إليه ليتمكن من إعلاء كلمة الإسلام وترويج شرع سيد الأنام عليه وآله آلاف التحية والسلام كما أن للمجدب شدة الاشتياق إلى الأمطار.)ثم أشار إلى أن القيام بأمور الأمة وظيفة الأئمة فقط، وأن موالاتهم ومتابعتهم واجبة فقال: (وإن الأئمة أراد به نفسه الشريف والطيبين من أولاده (قوام الله على خلقه) أي يقومون بمصالحهم ويدبرون أمورهم، أو أنهم القائمون بأمر الله ونهيه وأحكامه على خلقه، لكونهم خلفائه في أرضه وحججه على بريته وكمال هذا القيام عند ظهور صاحب الأمر(علیه السَّلام) فإنه الزمان الذي تجتمع فيه الخلائق على الإيمان ويرتفع الشرك بالكلية .)كما يدل عليه ما في (الكافي عن أبي خديجة عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) أنه سئل عن) ص: ١٦٦
القائم، فقال: كلنا قائم بأمر الله واحداً بعد واحد حتى يجيء صاحب السيف فإذا جاء صاحب السيف جاء بأمر غير الذي كان (1(وعرفائه على عباده) كما قال تعالى: « وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ» [الأعراف : ٤٦] . روى في (البحار) من بصائر الدرجات مسنداً عن الهلقام عن أبي جعفر (علیه السَّلام) في قوله : « وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ» ؟ ، قال (علیه السَّلام): نحن أولئك الرجال الأئمة منا يعرفون من يدخل النار ومن يدخل الجنة كما تعرفون في قبائلكم الرجل منكم يعرف من فيها من صالح أو طالح .)وفيه عن الهلقام أيضاً عن أبي جعفر (علیه السَّلام قال : سألته عن قول الله عزّ وجل: « وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ» ما يعني بقوله : وعلى الأعراف رجال؟ قال (علیه السَّلام): ألستم تعرفون عليكم عريفاً على قبائلكم لتعرفوا من فيها من صالح أو طالح؟ قلت: بلى، قال: فنحن أولئك الرجال الذين يعرفون كلاً بسيماهم (2).)وفيه من كتاب (المقتضب لأحمد بن محمد بن عیاش بسنده عن أبان بن عمر ختن آل ميثم قال : كنت عند أبي عبد الله (علیه السَّلام) فدخل عليه سفيان بن مصعب العبدي فقال : جعلني الله فداك ما تقول في قوله تعالى ذكره: « وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ» الآية؟ قال : هم الأوصياء من آل محمد الإثنا عشر لا يعرف الله إلا من عرفهم وعرفوه قال فما الأعراف جعلت فداك؟ قال : كتائب من مسك عليها رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) والأوصياء يعرفون كلاً بسيماهم، فقال سفيان : فلا أقول في ذلك شيئاً (3)؟ فقال من قصيدة شعراً :)أيا ربعهم (4هل فيك لي اليوم مربع *** وهل لليالي كن لي فيك مرجع)وفيها يقول :وأنتم ولاة الحشر والنشر والجزا *** وأنتم ليوم المفزع الهول مفزعوأنتم على الأعراف وهي كتائب *** من المسك رياها بكم يتضوّعثمانية بالعرش إذ يحملونه *** ومن بعدهم هادون في الأرض أربع(لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه هذه القضية قد نصت عليها في (الأخبار المعتبرة) المتظافرة عن أهل بيت العصمة والطهارة،) ص: ١٦٧
وستطلع عليها وعلى تحقيق معناها في التذييل الآتي.ثم أشار إلى بعض ما منّ الله تعالى به على المخاطبين، وهو أعظم نعمائه عليهم فقال : (إن الله قد خصكم بالإسلام واستخلصكم له أي استخصكم له يعني أنكم لكرامتكم عند الله تعالى وعلوّ منزلتكم خصكم بهذه النعمة العظمى والعطية الكبرى (وذلك لأنه إسم سلامة) قال الشارح المعتزلي والبحراني : يعني أنه مشتق من السلامة وتبعهما بعض الشارحين فقال : ظاهر الكلام يعطى أن الإسلام من السلامة مشتق فليس بمعنى الانقياد والدخول في السلم .)أقول : لا دلالة في كلامه على اشتقاقه منه لو لم يكن دالاً على خلافه، بل الظاهر أن معناه أن الإسلام إسم لمسمى فيه سلامة من غضب الجبّار ومن النار، فإن من فاز بالإسلام سلم من سخط الله وعقوبته.(و هو أيضاً (جماع كرامة) أي مجمعه إذ به تفاز الجنان، ويتحصل الرضوان والنعيم الأبد واللذة السرمد (اصطفى الله منهجه) أي اختار طريق الإسلام وارتضاه من بين سائر الطرق والمناهج والمراد بطريق الإسلام إما نفس الإسلام وتسميته بالطريق باعتبار إيصاله إلى قرب الحق سبحانه وكونه محصلاً لرضاه تعالى، وقد عبّر عنه بالصراط وهو الطريق في قوله تعالى: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)» [الفاتحة: ٦] على بعض تفاسيره، ويدل على اختيار الله سبحانه واصطفائه له قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» [المائدة: ٣] . وأما الطريق المخصوص به ، أعني الطريق الذي لا بد لمن تدين بدين الإسلام أن يسلكه وهي طريق الشريعة، أعني الفروع العملية، والدليل على اصطفائه عزّ وجل لها جعلها ناسخة لسائر الشرائع، وإبقاءها بقاء الدهر، شرع محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) مستمر إلى يوم القيامة.)(وبين حججه أي أوضح الأدلة الدالة على حقيته (من ظاهر علم وباطن حكم) أي تلك الأدلة على قسمين أحدهما علم ظاهر وهي الأدلة النقلية من الكتاب والسنة، وثانيهما حكمة باطنة وهي الأدلة العقلية.)أما تفسير الحكم بالحكمة فقد دلّ عليه ما في (الصافي عن (الكافي) عن الباقر (علیه السَّلام) قال: مات زكريا فورثه إبنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي صغير، ثم تلا قوله تعالى : «يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)» [مريم: ۱۲] . وفي (مجمع البحرين) في الحديث : ودعا الله أن يملأ قلبي علماً وحكماً، أي حكمة (1).) ص: ١٦٨
1) شرح أصول الكافي : ٣٠٦/٢ ، وكتاب سليم بن قيس: ۱۸۳.
وأما تفسير الحكمة بالعقل فقد نص عليه الكاظم (علیه السَّلام في رواية (الصافي) عن (الكافي) عنه في تفسير قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ» [لقمان: ۱۲] . قال الفهم والعقل (1)، فقد ظهر واتضح مما ذكرنا أن المراد بالحكم الباطن هو دليل العقل (لا تفنى غرائبه ولا تنقضي عجائبه) يعني أن غرائب الإسلام وعجائبه دائمة تجدد يوماً فيوماً، ألا ترى كيف أعزّه الله وأهله في بدء الأمر وأذلّ الكفر وأهله ونصر الله المسلمين على الكافرين وأظهرهم عليهم على قلة الأولين وكثرة الآخرين وأيّد الإسلام بالملائكة المسوّمين يوم بدر وحنين، ونكص الشيطان اللعين على عقبيه لما تراءت الفئتان وقال : إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله ربّ العالمين مضافة إلى المعجزات والكرامات الصادرة من قادة المسلمين ونوابهم الصالحين في كل عصر وزمان، وأعظم تلك العجائب وأكمل تلك الغرائب ما يظهر في آخر الزمان عند ظهور الدولة الحقة القائمية (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَی فَرَجَهُ الشَریف) وهذه كلها من عجائب نفس الإسلام ومضافة إليه كما هو غير خفي لأُولي الأفهام .)(فيه مرابيع النعم استعار لفظ المرابيع للبركات والخيرات التي يفوز بها المسلمون في الآخرة والأولى ببركة أخذهم الإسلام ديناً، أما في الدنيا فكحقن الدماء والظفر بالأعداء وغنيمة الأموال ورفاه الحال، وأما في العقبى فالنجاة من النار والأمن من غضب الجبار والفوز بجنات تجري من تحتها الأنهار وبرضوان من الله أكبر وهو أعظم النعماء وأشرف الألاء.)(ومصابيح الظلم لفظ المصابيح أيضاً استعارة للمعارف الحقة والعقائد الإلهية، إذ بتصفية القلب بها ترتفع ظلمات الشبهات ويندفع رين الشكوكات عنه في الدنيا بخلاف الذين كفروا فقد ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم، وأما في الآخرة فبسبب تلك المعارف وبعض الأعمال الصالحة التي هي من فروع الدين والإسلام يحصل نور للمؤمن في القبر والبرزخ والقيامة، هذا .)ويحتمل أن يكون لفظ المصابيح استعارة لأولياء الدين وأئمة اليقين قادة المسلمين إذ بهم يهتدى من ظلمات الجهل والضلال في الدين والدنيا وبأنوارهم يسلك سبيل الجنة في الأخرى كما قال عز من قائل: «نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» [التحريم: ٨]، وقد مر الكلام في هذا المعنى مشبعاً في شرح الفصل الأول من الخطبة الرابعة فليراجع ثمة .(لا تفتح الخيرات إلا بمفاتحه أراد بالخيرات النعم الأخروية واللذائذ الدائمة الباقية والدرجات العالية ومفاتح الإسلام الفاتحة لها عبارة عن فروعات الإسلام والأعمال الحسنة) ص: ١٦٩
1) الكافي: ١٦/۱ ، وتحف العقول: ۳۸۵.
والعبادات التي كل منها سبب لجزاء مخصوص وموصلة إلى درجة مخصوصة من درجات الجنان ومفتاح لأبوابها .كما ورد في بعض الأخبار : أن للجنة ثمانية أبواب : الباب الأول إسمه التوبة، الثاني الزكاة، الثالث الصلاة، الرابع الأمر والنهي، الخامس الحج، السادس الورع، السابع الجهاد، الثامن الصبر، فإن الظاهر منه أن التوبة مفتاح للباب الأول والزكاة للثاني وهكذا.(ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه قد ظهر توضيحه مما قدمناه آنفاً في شرح قوله : فيه مصابيح الظلم (قد أحمى حماه) المراد بحمى الإسلام المحرمات الشرعية وقد أحماها الله سبحانه أي جعلها عرضة لأن تحمى، أي منع ونهى عن الاقتحام فيها .)ويدل على ما ذكرناه ما في (الوسائل عن الصدوق، قال إن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) خطب الناس فقال في كلام ذكره حلال بيّن، وحرام بيّن، وشبهات بين ذلك فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك، والمعاصي حمى الله فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها .)وفيه عن الفضل بن الحسن الطبرسي في (تفسيره الصغير قال : في الحديث أن لكل ملك حمي وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه.)وفيه عن الكراجكي في كتاب (كنز الفوائد بسنده عن سلام بن المستنير عن أبي جعفر الباقر (علیه السَّلام) قال: قال جدي رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «أيها الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة، وحرامي حرام إلى يوم القيامة، ألا وقد بينهما الله عزّ وجل في الكتاب وبينتهما لكم في سنتي وسيرتي، وبينهما شبهات من الشيطان وبدع بعدي من تركها، صلح له أمر دينه وصلحت له مروته وعرضه، ومن تلبس بها وقع فيها وأتبعها كان كمن رعى غنمه قرب الحمى، ومن رعى ماشيته قرب الحمى نازعته نفسه إلى أن يرعاها في الحمى، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله عزّ وجل محارمه، فتوّقوا حمى الله ومحارمه» (1).)(وأرعى مرعاه المراد بمراعاه المباحات والمحللات الشرعية، فإن الله سبحانه قد رخص المكلفين في الإقدام عليها وتناولها والتمتع بها .)(فيه شفاء المشتفي وكفاية المكتفي إذ به يحصل التقرب الروحاني من الحق تعالى، وهو شفاء لكل داء وغنى لكل فقر، وإليه يومئ ما في الحديث القدسي : يا ابن آدم كلكم ضال إلا من هديته، وكلكم مريض إلا من شفيته، وكلكم فقير إلا من أغنيته .) ص: ١٧٠
1) وسائل الشيعة : ٢٧/ ١٦٩ ح ۳۳۵۱۵ ، وبحار الأنوار : ٢٦١/٢ .
#### تنبیهما ذكرته في شرح هذه الفقرات الأخيرة، أعني قوله : من ظاهر علم، إلى آخر الفصل هو الذي ظهر لي في المقام وهو الأنسب بسياق الكلام.وقال الشارح المعتزلي والبحراني وتبعهما غيرهما : إن المراد بقوله : من ظاهر علم هو القرآن وما ذكره إلى آخر الفصل أوصاف له .قال الشارح المعتزلي : ويعني بظاهر علم وباطن حكم القرآن ألا تراه كيف أتى بعده بصفات ونعوت لا يكون إلا للقرآن من قوله : لا تفنى غرائبه، أي آياته المحكمة وبراهينه القاطعة، ولا تنقضي عجائبه، لأنه مهما تأمله الإنسان استخرج منه بفكره غرائب وعجائب لم يكن عنده من قبل، فيه مرابيع النعم المرابيع سبب لظهور الكلاء، وكذلك تدبر القرآن سبب للنعم الدينية وحصولها قد أحمى حماه وأرعى مرعاه، أي عرض حمى القرآن ومحارمه لأن يجتنب وعرض مرعاه لأن يرعى، أي يمكن من الانتفاع بما فيه من الزواجر والمواعظ لأنه خاطبنا بلسان عربي مبين ولم يقنع ببيان ما لا يعلم إلا بالشرع حتى نبه في أكثره على أدلة العقل .وقال الشارح البحراني: ثم أخذ (علیه السَّلام في إظهار منّة الله عليهم بالقرآن الكريم و تخصيصهم به من بين سائر الكتب وإعدادهم لقبوله من سائر الأمم.)ثم نبه على بعض أسباب إكرامه تعالى لهم به .أما من جهة إسمه فلأنه مشتق من السلامة بالدخول في الطاعة.وأما من جهة معناه فمن وجوه :أحدها: أنه مجموع كرامة من الله لخلقه لأن مدار جميع آياته على هداية الخلق إلى سبيل الله القائدة إلى الجنة .الثاني : أن الله اصطفى منهجه وهو طريقته الواضحة المؤدية للسالكين بالسير إلى رضوان الله.الثالث : أنه بين حججه وهي الأدلة والأمارات وقسم الحجج إلى ظاهر علم وأشار به إلى ظواهر الشريعة وأحكامها الفقهية وأدلة تلك الأحكام، وباطن حكم وأشار به إلى ما يشتمل عليه الكتاب العزيز من الحكمة الإلهية وأسرار التوحيد وعلم الأخلاق والسياسات وغيرها . ص: ١٧١
الرابع : أنه لا تفنى عزائمه (1وأراد بالعزائم هنا الآيات المحكمة وبراهينه العارمة أي القاطعة، وعدم فنائها إشارة إما إلى ثباتها واستقرارها على طول المدة وتغير الأعصار، وإما إلى كثرتها عند البحث والتفتيش عنها.)الخامس: ولا تنقضي عجائبه، لأنه كلما تأمله الإنسان استخرج منه بفكره لطائف معجبة من أنواع العلوم لم يكن عنده من قبل.السادس: فيه مرابيع النعم ، استعار لفظ المرابيع لما يحصل عليه الإنسان من النعم ببركة القرآن ولزوم أوامره ونواهيه وحكمه وآدابه، أما في الدنيا فالنعم التي تحصل ببركته لحامليه من القراء والمفسرين وغيرهم ظاهرة الكثرة، وأما بالنسبة إلى الآخرة فما يحصل عليه مقتبسو أنواره من الكمالات المعدة في الآخرة من العلوم والأخلاق الفاضلة أعظم نعمة وأتم فضل.السابع : أن فيه مصابيح الظلم استعار لفظ المصابيح لقوانينه وقواعده الهادية إلى الله في سبیله.الثامن: أنه لا يفتح الخيرات إلا بمفاتيحه، أراد الخيرات الحقيقية الباقية واستعار لفظ المفاتح لمناهجه وطرقه الموصلة إلى تلك الخيرات.التاسع : ولا تنكشف الظلمات إلا بمصابيحه، أراد ظلمات الجهل وبالمصابيح قوانينه .العاشر: كونه قد أحمى حماه، استعار لفظ الحمى لحفظه وتدبّره والعمل بقوانينه ووجه الاستعارة أن بذلك يكون حفظ الشخص وحراسته أما في الدنيا فمن أيدي كثير من الظالمين لاحترامهم حملة القرآن ومفسّريه ومن يتعلق به، وأما في الآخرة فلحمايته حفظته ومتدبريه والعامل به من عذاب الله كما يحمي الحمى من يلوذ به ونسبة الإحماء إليه مجاز .الحادي عشر : وكذلك أرعى مرعاه، أي هيّأه لأن رعاه واستعار لفظ المرعى للعلوم والحكم والآداب التي يشتمل عليه القرآن، ووجه المشابهة أن هذه مراعي النفوس الإنسانية وغذائها الذي به يكون نشؤها العقلي ونماؤها الفعلي، كما أن المراعي المحسوسة من النبات غذاء للأبدان الحيوانية التي بها يقوم وجودها .الثاني عشر : فيه شفاء المشتفي، أي طالب الشفاء منه أما في الأبدان فبالتعوّذ به مع صدق النية فيه وسلامة الصدور، وأما في النفوس فلشفائها به من أمراض الجهل. ص: ١٧٢
1) هكذا في (شرح البحراني) ويستفاد منه أن الموجود في نسخته عزائمه بدل غرائبه.
الثالث عشر : وكفاية المكتفي، أراد بالمكتفي طالب الكفاية أما من الدنيا فلأن حملة القرآن الطالبين به المطالب الدنيوية هم أقدر وأكثر الناس على الاحتيال به في تحصيل مطالبهم وكفايتهم بها، وأما في الآخرة فلأن طالب الكفاية منها بكفيه تدبر القرآن ولزوم مقاصده في تحصيل مطلوبه منها .#### تذييلقد وعدناك تحقيق الكلام في قوله (علیه السَّلام: (لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه)، وقد تكلم فيه الشارحان البحراني والمعتزلي على ما تقتضيه سليقتهما وبلغا فيه غاية وسعهما وبذلا منتهى الجهد إلا أنهما لقصور يديهما عن أخبار العترة الأطهار الأطياب لم يكشفا عن وجوه خرائده النقاب، وخفي عليهما وجه التحقيق ومقتضى النظر الدقيق، فأحببت أن أشبع الكلام في المقام، لكونه حقيقاً بذلك مع الإشارة إلى بعض ما قاله الشارحان الفاضلان، وينبغي أن نورد أولاً جملة من الروايات الموافقة معنى لكلامه (علیه السَّلام) ثم نتبعها بالمقصود .)فأقول وبالله التوفيق قال تعالى: «وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ» [الأعراف: ٤٦] وللمفسرين في تفسير الأعراف قولان:أحدهما: أنها سور بين الجنة والنار أو شرفها وأعاليها، أو الصراط فيكون مأخوذاً من عرف الديك .وثانيهما: أن على معرفة أهل الجنة والنار رجال والأخبار تدل على التفسيرين، وربما يظهر من بعضها أنه جمع عريف كشريف وأشراف، فيكون مرادفاً للعرفاء، فلا بد على هذا التفسير من التقدير أي على طريق الأعراف رجال أو على التجريد، هكذا قال العلامة المجلسي .وهو إنما يستقيم إذا جعلنا الأعراف مأخوذاً من المعرفة، وأما إذا كان جمعاً لعريف فهذا التقدير لا يرفع الإشكال، إذ يكون محصل المعنى أن على طريق عرفاء أهل الجنة والنار رجال والحال أن هذه الرجال نفس الأعراف والعرفاء، فكيف يكونون على طريق العرفاء، والتجريد أيضاً غير مستقيم كما لا يخفى فاللازم حينئذ جعل الأعراف في الآية بمعنى السور، أو المواضع العالية ونحوها أو بمعنى المعرفة، وعلى ذلك فلا ينافي وصف الرجال بكونهم أعرافاً أيضاً كما في الأخبار المتقدمة والآتية، لكونهم عرفاء العباد أعني أن كلاً منهم عريف أو لكونهم عارفين بالله، أو لأنهم سبيل معرفة الله ونحو ذلك . ص: ١٧٣
قال في (الصافي: والوجه في إطلاق لفظ الأعراف على الأئمة أن الأعراف إن كان اشتقاقها من المعرفة فالأنبياء والأوصياء العارفون والمعروفون والمعرّفون الله والناس للناس في هذه النشأة، وإن كان من العرف بمعنى المكان العالي المرتفع فهم الذين من فرط معرفتهم وشدّة بصيرتهم كأنهم في مكان عال مرتفع ينظرون إلى سائر الناس في درجاتهم ودركاتهم ، ويميزون السعداء عن الأشقياء على معرفة منهم بهم وهم بعد في هذه النشأة.)إذا ظهر لك ذلك فلنورد بعض ما ورد من الأخبار المناسبة للمقام .فأقول : روى في (البحار من بصائر الدرجات ومنتخب البصائر معنعناً عن مقرن قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السَّلام) يقول : جاء ابن الكوا إلى أمير المؤمنين (علیه السَّلام) فقال : يا أمير المؤمنين وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم ، فقال (علیه السَّلام): نحن الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن الأعراف الذين لا يعرف الله عزّ وجل إلا بسبيل معرفتنا، ونحن الأعراف يعرفنا يوقفنا الله عزّ وجل يوم القيامة على الصراط، فلا يدخل الجنة إلا من عرفنا ونحن عرفناه، ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه، إن الله لو شاء لعرف العباد نفسه ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤتى منه، فمن عدل عن ولايتنا أو فضّل علينا غيرنا فإنهم عن الصراط لناكبون، ولا سواء من اعتصم الناس به، ولا سواء من ذهب حيث ذهب الناس، ذهب الناس إلى عيون كدرة (1)يفرغ بعضها في بعض، وذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية تجري بأمور لا نفاد لها ولا انقطاع (2).)وفيه من (البصائر و (منتخب البصائر) أيضاً مرفوعاً إلى الأصبغ بن نباتة عن سلمان الفارسي (رحمه الله) قال: أقسم بالله لسمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وهو يقول لعلي (علیه السَّلام): «يا علي إنك والأوصياء من بعدي» أو قال: «من بعدك أعراف لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتكم وأعراف لا يدخل الجنة إلا من عرفكم وعرفتموه، ولا يدخل النار إلا من أنكركم وأنكرتموه» (3).)وفيه من الكتابين المذكورين عن المنبه عن الحسين بن علوان عن سعد بن طريف عن أبي جعفر (علیه السَّلام قال: سألته عن هذه الآية «وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ» قال (علیه السَّلام) : يا سعد آل محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه، وأعراف لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتهم (4).) ص: ١٧٤
وفيه من (البصائر عن عبد الله بن عامر وابن عيسى عن الجمال عن رجل عن نصر العطار قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لعلي (علیه السَّلام): «يا علي ثلاث أقسم أنهن حق: إنك والأوصياء عرفاء لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتكم وعرفاء لا يدخل الجنة إلا من عرفكم وعرفتموه، وعرفاء لا يدخل النار إلا من أنكركم وأنكرتموه» (1).)وفي (الصافي من (المجمع والجوامع) عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام): نحن نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار فمن ينصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنة، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار (2).)ومن (تفسير علي بن إبراهيم القمي عن الصادق كل (علیه السَّلام): كل أمة يحاسبها إمام زمانها ويعرف الأئمة أوليائهم وأعدائهم بسيماهم، وهو قوله: «وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ» فيعطوا أوليائهم كتابهم بيمينهم فيمروا إلى الجنة بلا حساب ويعطوا أعدائهم كتابهم بشمالهم فيمروا على النار بلا حساب، هذا والأخبار في هذا المعنى كثيرة وفيما أوردناه كفاية (3).)إذا عرفت هذا فلنعد إلى تحقيق معنى قوله (علیه السَّلام: (لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه).)فأقول : أما القضية الأولى : فالمراد بها معرفة الناس بالولاية والإمامة، ومعرفتهم للناس بالتشيع والمحبة، لا المعرفة بأعيانهم فقط، وإنما لا يدخل الجنة غير هؤلاء، لأن الإذعان بالولاية أعني معرفة الأئمة حق المعرفة والاعتقاد بإمامتهم وبأنهم مفترض الطاعة هو الركن الأعظم من الإيمان، وشرط قبولية سائر الأعمال والعبادات، وبدونه لا ينتفع بشيء منها كما مر تحقيق ذلك وتفصيله ودللنا عليه في التذنيب الثالث من شرح الفصل الرابع من الخطبة الأولى.ويدل عليه أيضاً الأخبار المتظافرة بل القريبة من التواتر - لو لم تكن متواترة - الدالة إلى أن من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة الجاهلية.ومن جملة تلك الأخبار ما في (البحار من (كنز الكراجكي) مسنداً عن الحسن بن عبد الله الرازي عن أبيه عن علي بن موسى الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «من مات وليس له إمام من ولدي مات ميتة جاهلية يؤخذ بما عمل في الجاهلية والإسلام».) ص: ١٧٥
ومن طريق العامة عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم قال : «من مات وليس في عنقه بيعة لإمام أو ليس في عنقه عهد لإمام مات ميتة جاهلية» (1).)ومن (عيون أخبار الرضا فيما كتب الرضا (علیه السَّلام) للمأمون من شرائع الدين: من مات لا يعرف أئمته مات ميتة جاهلية (2).)ثم المراد بالمعرفة في قوله (علیه السَّلام: (إلا من عرفهم وعرفوه)، هو المعرفة في الدنيا وفي الآخرة، أما معرفة الناس بالأئمة في هذه النشأة فبأن يعرفوا أن لكل زمان إماماً ويعرفوا إمام زمانهم بخصوصه وهو حي ناطق يجب طاعته فيما يأمر وينهي وأما معرفتهم بهم في النشأة الآخرة فإن كل أمة تدعى مع إمامها . قال تعالى: «يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)» [الإسراء: ٧١].)روى في (البحار من تفسير علي بن إبراهيم بسنده عن الفضل عن أبي جعفر (علیه السَّلام) في هذه الآية قال : يجيء رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في قرنه، وعلي (علیه السَّلام) في قرنه، والحسن في قرنه، والحسين في قرنه، وكل من مات بين ظهراني قوم جازا معه (3)، وقال علي بن إبراهيم في هذه الآية : ذلك يوم القيامة ينادي مناد ليقم أبو بكر وشيعته وعمر وشيعته، وعثمان وشيعته، وعلي وشيعته، وقد مر في شرح الفصل الثالث من الخطبة السادسة والثمانين الحديث الشريف النبوي في ورود الأمة على النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يوم القيامة على خمس رايات، وأن الراية الخامسة مع أمير المؤمنين (علیه السَّلام) ومعه شيعته، فليتذكر.)وفي (البحار من أمالي الشيخ بسنده عن كثير بن طارق قال سألت زيد بن علي بن الحسين (علیه السَّلام) عن قول الله تعالى: «لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)» [الفرقان: ١٤]، فقال : يا كثير إنك رجل صالح ولست بمتهم وإني أخاف عليك أن تهلك أن كل إمام جائر فإن أتباعهم إذا أمر بهم إلى النار نادوا باسمه فقالوا يا فلان يا من أهلكناهم «كذا» الآن فخلصنا مما نحن فيه، ثم يدعون بالويل والثبور فعندها يقال لهم : «لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)» قال زيد بن علي رحمه الله : حدثني أبي علي بن الحسين عن أبيه حسين بن علي (علیهم السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لعلي (علیه السَّلام): «يا علي أنت وأصحابك في الجنة أنت وأتباعك يا علي في الجنة» (4)، هذا.) ص: ١٧٦
وبما ذكرناه من أن المراد بمعرفة الأئمة (علیهم السَّلام معرفتهم بالولاية والإمامة لا المعرفة بأعيانهم فقط ظهر لك أن هذه المعرفة مخصوصة بالفرقة المحقة الإمامية لا توجد في غيرهم.)فما حكاه الشارح المعتزلي من أصحابه المعتزلة من أنهم قائلون بصحة هذه القضية، وهي أنه لا يدخل الجنة إلا من عرف الأئمة ألا ترى أنهم يقولون الأئمة بعد رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم : فلان وفلان ويعدُّوهم واحداً واحداً، فلو أن إنساناً لا يقول بذلك لكان عندهم فاسقاً والفاسق عندهم لا يدخل الجنة أبداً، أعني من مات على فسقه، فقد ثبت أن هذه القضية وهي قوله (علیه السَّلام): لا يدخل الجنة إلا من عرفهم قضية صحيحة على مذهب المعتزلة، انتهى .)فيه ما لا يخفى إذ مجرد معرفتهم وتعدادهم واحداً واحداً لا يكفي في دخول الجنة ولا يترتب عليها ثمرة أصلاً، وإنما اللازم معرفتهم بوصف الإمامة والخلافة من رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم بلا فصل، وأن العصر لا يخلو من إمام إما ظاهر مشهور أو غائب مستور وإن إمام زماننا الآن حي حاضر موجود وإن كان غائباً عن أعيننا، لاقتضاء الحكمة وهو الثاني عشر من الأئمة ومهدي الأمة سلام الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وهو ينافي القول بخلافة الأول والثاني والثالث كما هو مذهب المعتزلة وسائر العامة، وينافي إنكار وجود إمام الزمان (علیه السَّلام) الآن كما عليه بنائهم استبعاداً لغيبته بطول المدة والزمان هذا تمام الكلام في معرفة الناس بالأئمة.)وأما معرفتهم (علیهم السَّلام بالناس فقد قلنا : إن المراد بها أيضاً معرفتهم لهم بالتشيع والمحبة، لا المعرفة بذواتهم وأشخاصهم فقط وإلا فهم يعرفون المنافقين والكفار كما يعرفون شيعتهم والمؤمنين الأبرار.)فإن قلت : نحن نرى كثيراً من شيعتهم ومحبيهم لا تعرفهم الأئمة ولا يرون أشخاصهم.قلت: هذا اعتراض سخيف أورده الشارح البحراني في هذا المقام، وأجاب عنه بقوله : لا يشترط في معرفتهم لمحبّيهم ومعرفة محبيهم لهم المعرفة الشخصية العينية، بل الشرط المعرفة على وجه كلي وهو أن يعلموا أن كل من اعتقد حق إمامتهم واهتدى بما انتشر من هديهم فهو ولي لهم ومقيم لهذا الركن من الدين فيكونون عارفين بمن يتولاهم على هذا الوجه ويكون من يتولاهم عارفاً بهم لمعرفته بحقية ولايتهم واعتقاد ما يقولون وإن لم يشترط المشاهدة والمعرفة الشخصية، انتهىولا يكاد ينقضي عجبي من هذا الفاضل كيف ضعف اعتقاده بأئمة الدين وشهداء الناس أجمعين، وهذه العقيدة لا يرتضيها عوام الشيعة ولا يستحسنها لأنفسهم لو عرضت عليهم، ص: ١٧٧
فكيف بالخواص وكيف يجتمع القول بعدم المعرفة الشخصية مع القول بكونهم (علیهم السَّلام شهداء العباد يوم المعاد على ما دلت عليه الأخبار الكثيرة المتقدمة في شرح الخطبة الحادية والسبعين والشهادة فرع المعرفة التفصيلية.)بلى والله إنهم ليعرفون شيعتهم ومحبيهم والمؤمنين بهم تفصيلاً بأشخاصهم وذواتهم وأعيانهم، ويعرفون حالاتهم ودرجاتهم والتفاوت في مقاماتهم ودرجاتهم بحسب تفاوتهم في الإيمان والمحبة شدة وضعفاً ونقصاً وكمالاً كما يعرفونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم وأنسابهم كل ذلك قد قامت عليه الأدلة المعتبرة ودلت عليه الأخبار القريبة من التواتر بل هي متواترة.منها ما في (البحار من كتاب (بصائر الدرجات) للصفار عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن صالح بن سهل عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) أن رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين (علیه السَّلام) وهو مع أصحابه فسلّم ثم قال : أنا والله أحبك وأتولاك، فقال له أمير المؤمنين (علیه السَّلام): ما أنت كما قلت : ويلك إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، ثم عرض علينا المحب لنا فوالله ما رأيت روحك فيمن عرض علينا فأين كنت (1)؟ فسكت الرجل عند ذلك ولم يراجعه.)وعن محمد بن حماد الكوفي عن أبيه عن نصر بن مزاحم عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر (علیه السَّلام قال : إن الله أخذ ميثاق شيعتنا من صلب آدم فنعرف بذلك حب المحبّ وإن أظهر خلاف ذلك بلسانه، ونعرف بغض المبغض وإن أظهر حبنا أهل البيت.)وعن أحمد بن محمد ومحمد بن الحسين معاً عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن بكير قال: كان أبو جعفر (علیه السَّلام يقول : إن الله أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية لنا وهم ذرّ يوم أخذ الميثاق على الذر بالإقرار له بالربوبية ولمحمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بالنبوة وعرض الله على محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أمته في الطين وهم أظلة، وخلقهم من الطينة التي خلق منها آدم، وخلق الله أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام، وعرضهم عليه وعرفهم رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وعرفهم علياً ونحن نعرفهم في لحن القول (2).)وعن ابن يزيد عن ابن فضال عن ظريف بن ناصح وغيره عمن رواه عن حبابة الوالبية قالت : قلت لأبي عبد الله (علیه السَّلام: إن لي ابن أخ وهو يعرف فضلكم وإني أحب أن تعلمني أمن شيعتكم؟ فقال: وما اسمه؟ قالت: قلت: فلان بن فلان، فقال (علیه السَّلام): يا فلانة هات الناموس فجاءت بصحيفة تحملها كبيرة، فنشرها ثم نظر فيها فقال : هو ذا اسمه واسم أبيه ههنا .) ص: ١٧٨
وبسنده أيضاً عن أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السَّلام إن حبابة الوالبية كانت إذا وفد الناس إلى معاوية وفدت هي إلى الحسين (علیه السَّلام) وكانت امرأة شديدة الاجتهاد قد يبس جلدها على بطنها من العبادة وأنها خرجت مرّة ومعها ابن عمّ لها وهو غلام فدخلت به على الحسين (علیه السَّلام) فقالت له : جعلت فداك فانظر هل تجد ابن عمي هذا فيما عندكم وهل تجده ناجياً؟ قال: فقال : نعم نجده عندنا ونجده ناجياً (1).)وبسنده عن أبي محمد البزاز قال : حدثني حذيفة بن أسيد الغفاري (رضي الله عنه صاحب النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : دخلت على علي بن الحسين بن علي (علیهم السَّلام) فرأيته يحمل شيئاً قلت : ما هذا؟ قال : هذا ديوان شيعتنا، قلت أرني أنظر فيها إسمي فقلت : إني لست أقرأ وإن ابن أخي يقرأ، فدعي بكتاب فنظر فيه فقال ابن أخي: إسمي ورب الكعبة، قلت: ويلك أين اسمي؟ فنظر فوجد إسمي بعد اسمه بثمانية أسماء .)وعن أحمد بن محمد بن علي بن الحكم عن ابن عميرة عن الحضرمي عن رجل من بني حنيفة قال: كنت مع عمي فدخل على علي بن بن الحسين (علیه السَّلام فرأى بين يديه صحائف ينظر فيها فقال له : أي شيء هذه الصحف جعلت فداك؟ قال : هذا ديوان شيعتنا، قال: أفتأذن أطلب إسمي فيها ؟ قال : نعم ، فقال : وإني لست أقرأ، وابن أخي معي على الباب فتأذن له يدخل حتى يقرأ ؟ قال : نعم، فأدخلني عمي فنظرت في الكتاب فأول شيء هجمت عليه إسمي فقلت : إسمي ورب الكعبة؟ قال : ويحك فأين أنا؟ فجزت بخمسة أسماء أو ستة ثم وجدت إسم عمي، فقال علي بن الحسين (علیه السَّلام): أخذ الله ميثاقهم معنا على ولايتنا لا يزيدون ولا ينقصون إن الله خلقنا من أعلى عليين وخلق شيعتنا من طينتنا أسفل من ذلك، وخلق عدوّنا من سجين، وخلق أوليائهم منهم من أسفل ذلك (2).)وعن عبد الله بن محمد عمن رواه عن محمد بن الحسن عن عمه علي بن السّري الكرخي قال : كنت عند أبي عبد الله (علیه السَّلام فدخل عليه شيخ ومعه ابنه فقال له الشيخ: جعلت فداك أمن شيعتكم أنا ؟ فأخرج أبو عبد الله (علیه السَّلام) الصحيفة مثل فخذ البعير فناوله طرفها ثم قال له أدرج فأدرجه حتى أوقفه على حروف من حروف المعجم فإذا اسم ابنه قبل اسمه، فصاح الابن فرحاً إسمي والله، فرحم الشيخ ثم قال له : أدرج فأدرج فأوقفه أيضاً على إسمه كذلك (3).)وعن محمد بن عيسى عن عبد الصمد بن بشير عن أبي جعفر (علیه السَّلام قال : إنتهى النبي إلى) ص: ١٧٩
السماء السابعة وانتهى إلى سدرة المنتهى، قال فقالت السدرة: ما جازني مخلوق قبلك، ثم : دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى قال : فدفع إليه كتاب أصحاب اليمين وكتاب أصحاب الشمال، فأخذ كتاب أصحاب اليمين بيمينه وفتحه ونظر فيه فإذا فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم نزل ومعه الصحيفتان فدفعهما إلى علي بن أبي طالب (علیه السَّلام (1).)وفي (البحار من كتاب الاختصاص معنعناً عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال : قال لي أبو عبد الله (علیه السَّلام): يا عبد الله بن الفضل إن الله تبارك وتعالى خلقنا من نور عظمته، وصنعنا برحمته، وخلق أرواحكم منا، فنحن نحنّ إليكم وأنتم تحنّون إلينا، والله لو جهد أهل المشرق والمغرب أن يزيدوا في شيعتنا رجلاً أو ينقصوا منهم رجلاً ما قدروا على ذلك، وإنهم لمكتوبون عندنا بأسمائهم وعشائرهم وأنسابهم، يا عبد الله بن الفضل ولو شئت لأريتك إسمك في صحيفتنا، قال: ثم دعى الصحيفة فنشرها فوجدتها بيضاء ليس فيها أثر الكتابة فقلت: يا ابن رسول الله ما أرى فيها أثر الكتابة، قال فمسح يده عليها فوجدتها مكتوبة فوجدت في أسفلها إسمي، فسجدت لله شكراً، هذا (2).)والأخبار في هذا الغرض كثيرة وقد عقد في (البحار باباً عليها وفيما رويناه كفاية إن شاء الله عزّ وجل.)وأما القضية الثانية : أعني قوله (علیه السَّلام: (لا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه)، فهي لتضمنها أداة الحصر منحلة إلى قضيتين كالقضية الأولى إحديهما إيجابية والأخرى سلبية .)أما الإيجابية فهي أن المنكر لهم ومن أنكروه في النار، وهذه قضية صحيحة لا غبار عليها لما قدمنا أن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية، وميتة الجاهلية مستلزمة لدخول النار ، وقد مر في التذييل الثالث من شرح الفصل الرابع من الخطبة الأولى رواية جعفر بن محمد (علیه السَّلام عن أبيه قال : نزل جبرائيل على النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وقال : يا محمد الله يقرؤك السلام، ويقول : خلقت السماوات السبع وما فيهن وخلقت الأرضين السبع ومن عليهن، وما خلقت موضعاً أعظم من الركن والمقام، ولو أن عبداً دعاني منذ خلقت السماوات والأرض ثم لقيني جاحداً لولاية علي (علیه السَّلام) لأكببته في سقر، وقد مر هناك روايات أُخر بهذا المعنى، فتذكر (3).) ص: ١٨٠
وأما السلبية فهي أن من لا ينكرهم ولا ينكرونه فهو لا يدخل النار، وهي بظاهرها مستلزمة لعدم دخول أحد من غير المنكرين في النار وإن كان من مرتكبي الكبائر .وقد أخذ الشارح البحراني بظاهرها حيث قال : لا يجوز أن يكون من أنكرهم فأنكروه أخس ممن يدخل النار وإلا لصدق على بعض من يتولاهم ويعترف بصدق إمامتهم أنه يدخل النار لكن ذلك باطل لقول الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم يحشر المرء مع من أحب، ولقوله : لو أحبّ رجل حجراً لحشر معه، دلّ الخبر على أن محبة الإنسان لغيره مستلزم لحشره معه، وقد ثبت أنهم (علیهم السَّلام) إلى الجنة يحشرون فكذلك من أحبهم ويعترف بحقية إمامتهم، ودخول الجنة ودخول النار مما لا يجتمعان، فثبت أنه لا واحد ممن يحبهم ويعترف بحقهم يدخل النار، وقد ظهر إذا صدق هذه الكلية ووجه الحصر فيها، انتهى .)أقول : ويصدق هذه الكلية ويدل عليها روايات كثيرة فوق حد الإحصاء.ففي (البحار من كتاب فضائل الشيعة للصدوق بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «حب علي بن أبي طالب (علیه السَّلام) يأكل السيئات كما تأكل النار الحطب» (1).)ومن (كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات قال : روى شيخ الطائفة بإسناده عن زيد بن يونس الشحام قال: قلت لأبي الحسن موسى (علیه السَّلام) الرجل من مواليكم عاص يشرب الخمر ويرتكب الموبق من الذنب نتبرئ منه ؟ فقال (علیه السَّلام): تبرؤا من فعله ولا تتبرؤا من خيره وابغضوا عمله، فقلت: يسع لنا أن نقول : فاسق فاجر ؟ فقال : لا الفاسق الفاجر الكافر الجاحد لنا ولأوليائنا أبى الله أن يكون ولينا فاسقاً فاجراً وإن عمل ما عمل، ولكنكم قولوا : فاسق العمل فاجر العمل مؤمن النفس خبيث الفعل طيب الروح والبدن، لا والله لا يخرج ولينا من الدنيا إلا الله ورسوله ونحن عنه راضون، ويحشر الله على ما فيه من الذنوب مبيضاً وجهه، مستورة عورته، آمنة روعته لا خوف عليه ولا حزن، وذلك أنه لا يخرج من الدنيا حتى يصفى من الذنوب إما بمصيبة في مال أو نفس أو ولد أو مرض وأدنى ما يصنع بولينا أن يريه الله رؤياً مهولة فيصبح حزيناً لما رآه فيكون ذلك كفارة له، أو خوفاً يرد عليه من أهل دولة الباطل أو يشدد عليه عند الموت فيلقى الله عزّ وجل ظاهراً من الذنوب آمنة روعته بمحمد وأمير المؤمنين صلى الله عليهما، ثم يكون أمامه أحد الأمرين إما رحمة الله الواسعة التي هي أوسع من أهل الأرض جميعاً، أو شفاعة محمد وأمير المؤمنين (علیهما السَّلام) فعندها تصيبه رحمة الله الواسعة التي كان أحق بها وأهلها وله إحسانها وفضلها (2).) ص: ١٨١
ومن كتاب (المختصر للحسن بن سليمان من كتاب سيد حسن بن كبش عن ابن عباس قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): يا علي إن جبرائيل أخبرني عنك بأمر قرّت به عيني وفرح به قلبي »، قال: يا محمد قال الله عزّ وجل : «إقرأ محمداً مني السلام وأعلمه أن علياً إمام الهدى، ومصباح الدجى، والحجّة على أهل الدنيا، وأنه الصديق الأكبر والفاروق الأعظم، وإني آليت وعزتي وجلالي أن لا أدخل النار أحداً تولاه وسلّم له وللأوصياء من بعده، حق القول مني لأملان جهنم وأطباقها من أعدائه، ولأملئن الجنة من أوليائه وشيعته» (1).)ومن كتاب (أعلام الدين للديلمي من كتاب الحسين بن سعيد عن صفوان عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : من أحبنا ولقى الله وعليه مثل زبد البحر ذنوباً كان حقاً على الله أن يغفر له (2).)ومن كتاب (المناقب لابن شاذان بإسناده عن أبي الصلت الهروي قال سمعت الرضا (علیه السَّلام) يحدث عن آبائه عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) قال : سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول : «سمعت الله عز وجل يقول : علي بن أبي طالب حجتي على خلقي ونوري في بلادي وأميني على علمي ولا أدخل النار من عرفه وإن عصاني، ولا أدخل الجنة من أنكره وإن أطاعني» (3).)ومن كتاب (بشارة المصطفى بسنده عن الحسين بن مصعب قال: سمعت جعفر بن محمد (علیه السَّلام) يقول : من أحبنا وأحب محبنا لا لغرض دنيا يصيبها منه، وعادى عدوّنا لا لأحنة كانت بينه وبينه، ثم جاء يوم القيامة وعليه من الذنوب مثل رمل عالج وزيد البحر غفر الله تعالى له (4).)ومن (تفسير العياشي عن بريدة بن معاوية العجلي في حديث عن أبي جعفر (علیه السَّلام) قال : فقال أبو جعفر (علیه السَّلام) : والله لو أحبّنا حجر الحشر معنا (5).)ومن (عيون الأخبار بإسناد التميمي عن الرضا (علیه السَّلام) قال: قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): « من أحبنا أهل البيت حشره الله آمناً يوم القيامة».)وبهذا الإسناد قال : قال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم لعلي (علیه السَّلام): «من أحبك كان مع النبيين في درجتهم يوم القيامة ومن مات وهو يبغضك فلا يبالي مات يهودياً أو نصرانياً» (6).) ص: ١٨٢
ومن (أمالي الشيخ عن أبي محمد الفحام عن عمه عن أبيه قال: دخل سماعة بن مهران على الصادق (علیه السَّلام) فقال : يا سماعة من شرّ الناس عند الناس؟ قال: نحن يا ابن رسول الله ، فغضب حتى احمرت وجنتاه ثم استوى جالساً وكان متكئاً فقال : يا سماعة من شر الناس عند الناس؟ فقلت والله ما كذبتك يا ابن رسول الله نحن شرّ الناس عند الناس لأنهم سمونا كفاراً ورفضة فنظر إلي ثم قال: كيف بكم إذا سيق بكم إلى الجنة وسيق بهم إلى النار فينظرون إليكم فيقولون: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، يا سماعة بن مهران إنه من أساء منكم إساءة مشينا إلى الله تعالى يوم القيامة بأقدامنا فنشفع فيه فنشفّع والله لا يدخل النار منكم عشرة رجال، والله لا يدخل النار منكم ثلاثة رجال، والله لا يدخل النار منكم رجل واحد، فتنافسوا في الدرجات واكمدوا أعدائكم بالورع (1).)ومن كتاب (كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات عن محمد بن علي عن عمرو بن عثمان عن عمران عن أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) في قول الله عزَّ وجل : «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ» [الزمر: ٥٣] فقال : إن الله يغفر لكم جميعاً الذنوب، قال فقلت : ليس هكذا نقرأ ، فقال : يا أبا محمد فإذا غفر الذنوب جميعاً فلمن يعذب والله ما عنى من عباده غيرنا وغير شيعتنا وما نزلت إلا هكذا إن الله يغفر لكم جميعاً الذنوب.)ومن (تفسير العياشي بالإسناد عن جابر عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) أنه قال : أهل النار يقولون : ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدّهم من الأشرار، يعنونكم لا يرونكم في النار لا يرون والله أحداً منكم في النار (2).)وفي (تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ» قال : منكم يعني من الشيعة «ِإِنْسٌ وَلَا جَانٌّ» [الرحمن: ۳۹] قال : معناه أن من تولى أمير المؤمنين (علیه السَّلام) وتبرأ من أعدائه عليهم لعائن الله وأحلّ حلاله وحرّم حرامه ثم دخل في الذنوب ولم يتب في الدنيا عذب لها في البرزخ ويخرج يوم القيامة وليس له ذنب يسأل عنه يوم القيامة.)وفي (الصافي من (المجمع) عن الرضا (علیه السَّلام) قال في هذه الآية : إن من اعتقد الحق ثم أذنب ولم يتب في الدنيا عذب عليه في البرزخ ويخرج يوم القيامة وليس له ذنب يسأل عنه (3).) ص: ١٨٣
إلى غير هذه مما لا نطيل بذكرها، وهذه الأخبار كما ترى تعارض الأخبار الواردة في كون مرتكبي الكبائر في النار تعارض العموم من وجه، لأن هذه تدل على أن العارف بحق الأئمة (علیهم السَّلام والمذعن بولايتهم لا يدخل النار وإن كان مرتكباً للكبائر، وتلك الأخبار مفيدة لكون ارتكابها موجباً لدخول النار ولو كان المرتكب من أهل الولاية والمعرفة، فيتعارضان في مادة الاجتماع وهو العارف المرتكب للكبائر، فإن رجحنا أخبار الكبائر وألقيناها على عمومها لا بد من حمل هذه الأخبار الدالة على أن العارف بهم لا يدخل النار على الدخول بعنوان الخلود لظهور أن الخلود إنما هو في حق الكفار والمنافقين وإن رجحنا تلك الأخبار فلا بد من التخصيص في الأخبار الواردة في طرف الكبائر بحملها على غير أهل المحبة والمعرفة .)ولولا خوف الاحتباط وإيجاب الترجيح للجسارة في الدين ولعدم المبالاة في شرع سيد المرسلين لرجحنا أخبار الولاية وقلنا بما قاله الشارح البحراني، بل أقول : إنه لا تعارض بين أخبار الطرفين حقيقة إذ أخبار الولاية حاكمة على أخبار الكبائر، بل نسبة بعض الأخبار الأولة إلى الثانية مثل نسبة الدليل إلى الأصل، فإن بعض هذه الأخبار كما عرفت مفيد لكون المعرفة حابطة للسيئات وآكلة لها أكل النار للحطب، وبعضها دال على أن أهل المعرفة يبتلى بمحن ومصائب يكون تمحيصاً لذنوبه وكفارة لها، فعلى ذلك لا يبقى للعاصي معصية حتى توجب دخول النار وبعضها يفيد كون الولاية موجبة لمغفرة الذنوب من الله سبحانه تفضلاً أو كونها محصلة للشفاعة من النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم والأئمة (علیهم السَّلام) يوم القيامة.)نعم يبقى الإشكال بين هذه الأخبار وبين الأخبار الدالة على حصول الشفاعة لبعض مرتكبي السيئات بعد دخول النار والمكث فيها بزمان قليل أو كثير بحسب اختلاف مراتب المعصية، وهي أيضاً كثيرة وطريق الاحتياط هو الوقوف بين مرتبتي الخوف والرجاء والورع والتقوى في الدين وسلوك نهج الشرع المبين، وفقنا الله سبحانه لما يحب ويرضى ونسأله أن يعاملنا بفضله ولا يؤاخذنا بعدله إنه لما يشاء قدير، وبالإجابة حقيق جدير. ص: ١٨٤
#### الترجمةاز جمله فصل های آن خطبه است که بعد از قتل عثمان و انتقال امر خلافت به آن برج فلك امامت فرموده كه :به تحقیق طلوع کرد طلوع کننده و درخشید درخشنده و ظاهر شد ظاهر شونده که عبارت است از ظهور شمس خلافت از مطلع خود که وجود مسعود آن بزرگوار است و مستقیم و معتدل شد چیزی که منحرف شده بود از ارکان دین و بدل کرد حق سبحانه و تعالی به قومی که از اهل باطل بودند قومی را از اهل حق و به روزی که پر از جور و بدعت بود روزی را که ظاهر شد در آن انصاف و عدالت و منتظر بودیم ما تغیرات روزگار را مثل انتظار کشیدن قحطی رسیده به باران.و جز این نیست که ائمه طاهرین سلام الله عليهم أجمعین قائمین خدا هستند بر مخلوق او، شناساندگان اویند بر بنده گان او. داخل نمی شود در بهشت عنبر سرشت مگر کسی که بشناسد ائمه را و ائمه (عليهم السلام او را بشناسند و داخل نمی شود در آتش سوزان مگر کسی که نشناسد ایشان را و ایشان او را نشناسند.)به درستی که خداوند متعال مختص نمود شما را به اسلام و خالص گردانید شما را از برای آن اسلام و این از جهت آن است که اسلام نام سلامت است و جامع کرامت، پسندیده است خدا از برای شما طریق اسلام را و بیان فرموده است دلائل آن را از علمی که ظاهر است از کتاب و سنت و از حکمتی که باطن است از عقل و فطرت فانی نمی شود غرائب آن و تمام نمی شود عجائب آن، در او است بارانهای بهاری و چراغ های ظلمت ها، گشاده نمی شود خیرها مگر با کلیدهای آن و کشف نمی شود ظلمت ها مگر به چراغ های آن.به تحقیق که منع فرمود قوروق اسلام را که عبارت است از محرمات شرعیه و مرخص نمود چراگاه آن را که عبارت است از مباحات بینه، در او است شفای طلب شفا کننده و کفایت طلب کفایت نماینده. ص: ١٨٥
### الفصل الثالث منها#### إشارةوهُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللَّهِ يَهْوي مَعَ الغافِلينَ، ويَغْدُو مَعَ المُذنِبينَ، بِلا سَبيلٍ قاصِدٍ، وَلا إِمامٍ قائِدٍ .الفصل الرابع منهاحَتَّى إِذا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزاءِ مَعْصِيَتِهِمْ، وَاسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلابِيبِ غَفْلَتِهِمْ، اسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً، واسْتَدْبَرُوا مُقْبِلاً ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِما أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ ، ولا بِما قَضَوْا مِنْ وَطرِهِمْ، وإنِّي أحذِّرُكُمْ ونَفْسي هَذِهِ المَنْزِلَةَ، فَلْيَنتَفِعِ امْرُؤٌ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّمَا البَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، ونَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَانْتَفَعَ بِالعِبَرِ، ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً واضحاً ، يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَرَّعَةَ فِي المَهاوي، والضَّلالَ في المَغاوي، ولا يُعينُ عَلى نَفْسِهِ الغُواةَ بِتَعَسُّفٍ في حَقٍّ، أَوْ تَحْرِيفٍ في نُطْقٍ، أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ، فَأَفِقْ أَيُّهَا السَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ، وَاسْتَيْقِظْ مِنْ غَفْلَتِكَ، واخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ، وأَنْعِم الفِكْرِ فِيما جاءَكَ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ الأُمِّي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم مِمّا لا بُدَّ مِنْهُ، ولا مَحِيصَ عَنْهُ، وَخالِفْ مَنْ خالَفَ في ذلِكَ إِلى غَيْرِهِ، ودَعْهُ وما رَضِيَ لِنَفْسِهِ، وَضَعْ فَخْرَكَ، وَاحْفِظ كِبْرَكَ ، واذْكُرْ قَبْرَكَ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ ، وكَما تَدِينُ تُدانُ، وكما تَزْرَعُ تَحْصُدُ، وما قَدَّمْتَ اليَوْمَ تَقْدُمُ عَلَيْهِ غَداً ، فَامْهَدْ لِقَدَمِكَ، وقدّم لِيَوْمِكَ، فَالحَذَرَ أَيُّهَا المُسْتَمِعُ ، والجِدَّ الجِدَّ أَيُّها الغافِلُ، «وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ» [فاطر: ١٤] إِنَّ مِنْ عَزائِمِ اللهِ في الذِّكْرِ الحَكِيمِ الَّتي عَلَيْها يُثيبُ ويُعاقِبُ، ولهَا يَرْضىٰ ويَسْخَطُ، أَنَّهُ لا يَنْفَعُ عَبْداً وَإِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ وأَخْلَصَ فِعْلَهُ ، أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيا لاقِياً رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الخِصالِ لَمْ يَتُبْ مِنْها : أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبادَتِهِ ، أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلاكِ نَفْسِهِ ، أَوْ يُقِرَّ بِأَمْرٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَسْتَنْجِحَ حاجَةً إِلى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ في دينِه ، أَوْ يَلْقىٰ النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ ، أَوْ يَمْشِي فِيهِمْ بِلِسَانَينِ، اعْقَلْ ذَلِكَ فَإِنَّ المَثَلَ دَليلٌ عَلى شِبْهِهِ، إِنَّ البَهَائِمَ هَمُّها بُطُونُها، وَإِنَّ السِّباعَ هَمُّهَا العُدْوَانُ عَلى غَيْرِها ، وَإِنَّ النِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والفَسادُ فِيها ، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ، إِنَّ المُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ، إِنَّ المُؤْمِنِينَ خَالِفُونَ (1).) ص: ١٨٦
1) بحار الأنوار: ٢٤٦/٦ ح ٧٧ ، وميزان الحكمة : ۹۹۸/۲ .
#### اللغة(هوى يهوي من باب ضرب هوياً بالضم والفتح وهواء بالمد سقط من أعلى إلى أسفل و (الجلباب) ما يغطى به من ثوب وغيره وقيل : ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء و (الطلبة) بالكسر اسم كالطلب محركة و (الجدد) محركة ما أشرق من الرمل والأرض الغليظة المستوية وبالضم جمع جدّة كغرف وغرفة وهو الطريق و (الضرعة) بالفتح الطرح على الأرض و (المهاوي) جمع المهواة وهو بفتح الميم ما بين الجبلين وقيل : الحفرة، وقيل: الوهدة العميقة و (المغاوي) جمع المغوة. قال الشارح المعتزلي: وهي الشبهة التي يغوى بها الإنسان أي يضلّ و (الغواة) جمع غاو من غوى غيّاً انهمك في الجهل وضل و (استنجح) الحاجة وتنجحها تنجزها واستقضاها.)#### الإعرابجملة (يهوي حال من فاعل الظرف، وقوله : (بتعسف) متعلق بقوله (يعين)، وقوله : (الحذر الحذر والجد الجد) منصوبات على الإغراء، وقوله : (ولا ينبئك مثل خبير) (مثل) صفة لمحذوف وكذلك (خبير) أي لا ينبئك منبئ مثل امرء خبير، وقوله : (إنه لا ينفع عبداً) اسم (إن) على تأويله بالمصدر أي إن من عزائمه تعالى عدم نفع عبد، وقوله : (أن يخرج) فاعل ينفع، وقوله : (أن يشرك) بدل من خصلة أو من هذه الخصال فتكون أو في الجملات المعطوفة بعدها بمعنى (الواو)، وجملة (إن البهائم) استئناف بياني، وكذلك جملة (إن المؤمنين) آهـ .)#### المعنىإعلم أن هذا الفصل من كلامه (علیه السَّلام متضمن لفصلين)أما الفصل الأولفقد قال الشارح المعتزلي وغيره : إنه يصف فيه إنساناً من أهل الضلال غير معيّن كقوله: (علیه السَّلام (رحم الله امرء اتقی ربه وخاف ذنبه).)أقول : وهو إنما يتم لو علم بعدم سبق ذكره مرجع للضمير الآتي، أعني قوله : (هو، في كلامه (علیه السَّلام) حذفه السيد على ديدنه في الكتاب، وأما على تقدير سبقه وحذفه كما هو الأظهر في النسخ التي فيها عنوان هذا الفصل بقوله (منها) بل الظاهر أيضاً في نسخة الشارح المعتزلي التي عنوانه فيها بمن خطبة له (علیه السَّلام) فلا .) ص: ١٨٧
وكيف كان فقوله: (وهو في مهلة من الله يهوى مع الغافلين أراد أن الله سبحانه أمد في عمره وأمهله وأخر أجله وكان ذلك سبباً لغفلته فهو يسقط ويتردّى من درجة الكمال والسلامة في مهابط الهلاك ومهوات الغفلة وينخرط في سلك سائر الجهال والغافلين (ويغدو مع المذنبين) أي يصبح معهم وهو كناية عن موافقته لهم وملازمته إياهم في ارتكاب المعاصي وانهماك الآثام والذنوب (بلا سبيل قاصد ولا إمام قائد) أي من دون أن يسلك سبيلاً مستقيماً يوصله إلى المطلوب ويتبع إماماً عادلاً لا يقوده إلى الصواب.)وأما الفصل الثانيمتضمن للنصح والموعظة وتذكير المخاطبين بالموت وتنبيههم من نوم الغفلة وهو قوله : (حتى إذا كشف لهم عن جزاء معصيتهم واستخرجهم من جلابيب غفلتهم قال الشارح البحراني: النفس ذو جهتين جهة تدبير أحوالها البدنية بما لها من القوة العملية، وجهة استكمالها بقوتها النظرية التي تتلقى بها من العاليات كمالها، وبقدر خروجها عن حد العدل في استكمال قوتها العملية تنقطع عن الجهة الأخرى وتكتنفها الهيئات البدنية فتكون في أغطية منها وجلابيب من الغفلة عن الجهة الأخرى بالانصباب إلى ما يقتنيه مما يعد خيراً في الدنيا وبسبب انصبابها في هذه الجهة وتمكن تلك الهيئات البدنية منها يكون بعدها عن بارئها ونزولها في دركات الجحيم عن درجات النعيم وبالعكس كما قال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «الدنيا والآخرة ضرتان بقدر ما تقرب من إحديهما تبعد من الأخرى»، والظاهر إن بالموت تنقطع تلك الغفلة، وتنكشف تلك الحجب، فيومئذ يتذكر الإنسان وأنّى له الذكرى، ويكون ما أثبته له يومئذ من تعلّق الهيئات بنفسه وحطها له عن درجات الكمال من السلاسل والأغلال هو جزاء معصيتهم المنكشف لهم، انتهى، هذا.)وتشبيه الغفلة بالجلباب من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، ووجه الشبه إحاطتها بهم وملازمتها لهم إحاطة الثوب بالبدن ولزومه له.وقوله : (استقبلوا مديراً واستدبروا مقبلاً أراد بالمدير الذي استقبلوه ما كان غائباً عنهم من الشقاء والنكال والنقم، وبالمقبل الذي استديروه ما كان حاضراً لهم من الآلاء والأموال والنعم (فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم) أي اللذات الدنيوية التي كانت أعظم طلباتهم، لأنهم تركوها وراء ظهورهم (ولا بما قضوا من وطرهم) أي الشهوات النفسانية التي كانت أهم حاجاتهم، لأنها قد زالت عنهم (وإني أحذركم ونفسي هذه المنزلة) أراد بها الحالة التي كان الموصوفون عليها من الغفلة والجهالة، وتشريك نفسه معهم في التحذير لتطييب قلوب السامعين وتسكين نفوسهم ليكونوا إلى الانقياد والطاعة أقرب وعن الإباء والنفرة أبعد، وفي بعض النسخ بدل المنزلة: المزلة، فالمراد بها الدنيا التي هي محل الزّيغ والزلل والخطأ والخطل.) ص: ١٨٨
ولما نبههم بعدم الانتفاع بالمطالب والمآرب الدنيوية أردف ذلك بالتنبيه على ما نفعه أعم، وصرف الهمة إليه أهم فقال : (فلينتفع امرء بنفسه بأن يصرفها فيما صرفها فيه أولو الأبصار والفكر ويوجهها إلى ما وجهها إليه أرباب العقول والنظر .)وإليه أشار بقوله : (فإنما البصير العارف بما يصلحه ويفسده والخبير المميز بين ما يضرّه وينفعه (من سمع) الآيات البينات (فتفكر) فيها (ونظر) إلى البراهين الساطعات (فأبصر)ها وأمعن فيها (وانتفع بالعبر) أي نظر بعين الاعتبار إلى السلف الماضين من الجبابرة والملوك والسلاطين وغيرهم من الناس أجمعين كيف انتقلوا من ذروة القصور إلى وهدة القبور، ومن دار العزّ والمنعة إلى بيت الذل والمحنة، وفارقوا من الأموال والأوطان، وجانبوا الأقوام والجيران، وصاحبوا الحيات والديدان، وكيف كانت الديار منهم بلاقع، والقبور لهم مضاجع، واندرست آثارهم، وانقطعت أخبارهم، وخربت ديارهم، وقسمت أموالهم، ونكحت أزواجهم ، وحُشر في اليتامى أولادهم ، وأنكرهم صديقهم، وتركهم وحيداً شفيقهم، ففي أقلّ هذه عبرة لمن اعتبر، وتذكرة لمن اتعظ وتذكر .)(ثم سلك جدداً أي طريقاً (واضحاً) وهو الصراط المستقيم والنهج القويم، أي جادة الشريعة ومنهج الدين الموصل لسالكه إلى حظائر القدس، ومجالس الأنس بشرط أن (يتجنب) ويتباعد (فيه) عن اليمين والشمال فإن الطريق الوسطى هي الجادة واليمين والشمال مزلة ومضلة توجبان (الصرعة في المهاوي والضلال في المغاوي) كما قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنبتي الصراط أبواب مفتحة، وعليها ستور مرخاة وعلى رأس الصراط داع يقول : جوزوا ولا تعرجوا» (1)، قال : فالصراط هو الدين وهو الجدد الواضح هنا، والداعي هو القرآن والأبواب المفتحة محارم الله، وهي المهاوي والمغاوي هنا، والستور المرخاة في حدود الله ونواهيه.)ولما نبه على ما ينفع المرء ويصلحه نبه على ما يضره ويفسده، فقال (علیه السَّلام: (ولا يعين على نفسه الغواة) أي أهل الضلالات والمنهمكين في الجهالات (بتعسف في حق) قال الشارح البحراني : أي لا يحملهم على مر الحق وصعبه، فإن الحق له درجات بعضها أسهل من بعض، فالاستقصاء فيه على غير أهله يوجب لهم النفرة عمن يقوله ويأمر به، والعداوة له والقول فيه، وقريب منه ما قاله الشارح المعتزلي أي يتعسف في حق يقوله أو يأمر به فإن الرفق أنجح .)أقول : وظاهر كلامهما يفيد أنهما فهما من التعسف من كلامه (علیه السَّلام تشديد التكليف على) ص: ١٨٩
1) الكافي : ٥ / ٨٢ ح ٩ ، ونهج السعادة: ٣٢٤/٢.
الغواة والتضييق عليهم في الأحكام، فيكون محصل مقصوده (علیه السَّلام على ما قالاه الرفق بهم عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لئلا يجلب العداوة منهم لنفسه بتركه فيصيبه منهم مكروه وضرر .)وهذا معنى لا بأس به، وقد مرّ نظيره في قوله (علیه السَّلام في الفصل الثاني من الكلام السادس عشر : من أبدى صفحته للحق هلك عند جهلة الناس إلا أن الظاهر أنه (علیه السَّلام) أراد معنى آخر أي لا يعين الغاوين بما ضرره عائد إليه وهو تعسفه في حق وعدم كشفه لهم وتبليغه عليهم وإرجاعهم إليه، وذلك لما رأى من تركهم للحق وعدولهم عنه وانهماكهم في الغي والضلال ورغبتهم في الباطل، فيتعسف تطييباً لنفوسهم وتحصيلاً لرضاهم، وعود ضرر هذا التعسف إليه معلوم حيث يشتري رضاء المخلوق بسخط الخالق.)فعلى ما قلناه يكون المراد بالضرر الضرر الأخروي، وبالتعسف العدول والانحراف عن قول الحق والعمل به (أو تحريف في نطق أي يحرف الكلم عن مواضعه، ويكذب مداراة معهم ومنازلة أذواقهم (أو تخوّف من صدق) أي يتكلف الخوف من قول الصدق وإن لم يكن خائفاً في الواقع، وعود ضرر التحريف والتخوف على المحرّف والمتخوّف لاستلزامها مداهنة الغواة، وقد ذم الله أقواماً بترك الصدق والجهاد في الحق بقوله: «إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ» [النساء : ۷۷] فاللازم على المرء أن لا يأخذه في الله لومة لائم، ولا يكون له من ردع من خالف الحق وخابط الغي وزجره من أوهان ولا إيهان.)ثم أمر السامعين بأوامر نافعة ونصحهم بمواعظة بالغة فقال: (فأفق أيها السامع من سكرتك واستيقظ من رقدتك و (غفلتك) استعار لفظ السكرة والغفلة باعتبار كون الغفلة موجبة لترك أعمال العقل كما أن السكرة كذلك، وهي استعارة تحقيقية وذكر الإفاقة ترشيح، وشبه الغفلة بالنوم باعتبار أن لا التفات للغافل كالنائم وهي استعارة بالكناية وذكر الاستيقاظ تخييل (واختصر من عجلتك) وسرعتك في أمور الدنيا أي قصر الاهتمام بها، فإن بقائها يسير وزوالها قريب (وأنعم الفكر) أي أمعن النظر (فيما جاءك) وكثر دورانه (على لسان النبي الأمي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)) قد مضى تفسير الأمي من (النهاية) في شرح الخطبة الثامنة والثمانين .)وأقول هنا : روي في (الاحتجاج عن أبي محمد العسكري (علیه السَّلام) في قوله تعالى : «وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ» [البقرة: ۷۸] أن الأمي منسوب إلى أمه، أي أي هو كما خرج من بطن أمه لا يقرأ ولا يكتب (1).)فزعم بعض الناس، ومنهم الشارح المعتزلي، أن وصف النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم به كان أيضاً بذلك) ص: ١٩٠
1) شرح نهج البلاغة : ١٥٨/٩.
الاعتبار أي لا يحسن أن يقرأ ويكتب وهو زعم فاسد، بل وصفه باعتبار نسبته إلى أم القرى، أعني مكة، زادها الله شرفاً وعزاً .ويدل على ما ذكرنا ما رواه في (الصافي في تفسير قوله تعالى : «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ» [الأعراف : ١٥٧] من علل الشرائع عن الجواد (علیه السَّلام) أنه سئل عن ذلك فقال: ما يقول الناس؟ قيل : يزعمون أنه سمي الأمي لأنه لم يحسن أن يكتب، فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): كذبوا عليهم لعنة الله، أنى ذلك والله يقول: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ» [الجمعة: ۲] فكيف كان يعلمهم ما لا يحسن، والله لقد كان رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقرأ ويكتب باثنين وسبعين أو قال: بثلاث وسبعين لساناً، وإنما سمي الأمي لأنه كان من أهل مكة ومكة من أمهات القرى، وذلك قوله تعالى : «لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا» [الشورى: ٧]. هذا (1).)وبين ما جاء على لسان النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم بقوله : (مما لا بد منه ولا محيص عنه) أي الموت الذي ليس منه مناص ولا خلاص ولا مهرب ولا مفرّ (وخالف من خالف في ذلك إلى غيره) يعني أن من خالف في إمعان النظر في الموت وأهاويل الفناء والفوت وأعرض عنه والتفت إلى غيره واتبع هواه وأطال أمله ومناه، كادحاً سعياً لدنياه في لذات طربه وبدوات إربه فخالفه (ودعه وما رضي لنفسه) فإن الموافقة له توجب فوات الثواب وأليم العذاب، وتجرّ الشقاء الأبدي والخزي السرمدي (وضع فخرك) فإن من صنع شيئاً للمفاخرة حشره الله يوم القيامة أسود، رواه في (عقاب الأعمال) عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) (واحطط كبرك) لأن من مشى على الأرض اختيالاً لعنته الأرض ومن تحتها ومن فوقها، رواه في (عقاب الأعمال) عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم).)وفيه أيضاً عن أبي جعفر (علیه السَّلام قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «ويل لمن في الأرض يعارض جبار السماوات والأرض» (2). هذا)وقد تقدم الكلام في شرح الخطبة المائة والسابعة والأربعين في تحقيق معنى الكبر وكونه من أعظم الموبقات وما في ذمه من الأخبار والآيات، وكذلك الكلام في حسن التواضع مفصلاً ومستوفاً فليراجع ثمة.(واذكر قبرك وما فيه من الوحدة والوحشة والغربة والظلمة والحسرة والندامة (فإن عليه) ص: ١٩١
ممرك ومجازك ولا بد لمن يمر على منزل موحش مظلم أن يذكره ويتزوّد له ويهتم بأخذ الزاد وتكميل الاستعداد ليتمكن من الوصول إلى المطلوب والنجاح بالمقصود (وكما تدين تدان) أي كما تَجزي تُجزى وهو من باب المشاكلة، والمقصود أنك كما تعمل لله سبحانه وتعالى وتعامل معه فالله يتعامل معك إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً، ولنعم ما قيل :)من يفعل الحسنات الله يشكرها *** والشر بالشرّ عند الله مثلان(وكما تزرع تحصد فإن من زرع النواة حصد النخل باسقات، ومن زرع الفجور حصد الثبور، ومن توانى عن الزرع في أوانه حَرُمَ الحصاد في أبانه .)إذا أنت لم تزرع وأدركت حاصداً *** ندمت على التقصير في زمن البذر(وما قدمت اليوم لنفسك أو عليها (تقدم عليه غداً) وتقام فيه (فا) جهد نفسك في تحصيل الخير وتجنّب الشر وا (مهد لقدمك) أي مهد وهيئ لموضع قدمك من الحسنات والأعمال الصالحات (وقدم) الزاد (ليوم) معاد (ك) وإياك والتفريط فتقع في الحسرة وتعقب الندامة وملامة النفس اللوامة لدى الحساب يوم القيامة (فالحذر الحذر) من التقصير والغفلة (أيها المستمع) المفتون (والجد الجد) للتقوى والطاعة (أيها الغافل) المغرور (ولا ينبئك) أحد (مثل) واعظ (خبير) وعارف بصير بأحوال الآخرة وأهوالها.)ولما أمرهم بالحذر والجد ونبههم على أن المنبئ لهم خبير وبصير بما يحذر منه ويجد عليه عقب ذلك بالتنبيه على بعض ما يجب الحذر منه والجد على تركه فقال : (إن من عزائم الله أي الأحكام التي لا يجوز مخالفتها في حال من الأحوال على ما مر تفصيلاً في شرح الفصل السابع عشر من الخطبة الأولى (في الذكر الحكيم) أي القرآن الكريم أو اللوح المحفوظ كما قيل، وعلى الأول فلا ينافيه عدم ورود بعض ما يذكره من العزائم فيه بخصوصه لإمكان استفادته من عمومات الكتاب أو فحاويه حسبما تطلع عليه إن شاء الله .)ووصف العزائم بقوله : (التي عليها يثيب ويعاقب ولها يرضى ويسخط أي يرضى ويثيب على الأخذ بها وامتثالها، ويسخط ويعاقب على مخالفتها وتركها (إنه) الضمير للشأن (لا ينفع عبداً وإن أجهد نفسه وأخلص فعله) أما إجهاد النفس فيتصور في حق كل من ارتكب بإحدى الخصال الخمس الآتية، وأما إخلاص الفعل فإنما يتصور في المرتكب بغير الأولى من الأربع الباقية، وأما الأولى فلا لظهور أن الإخلاص لا يجتمع مع الرياء، فيكون الشرطية الثانية بملاحظة الأغلب أو من باب التغليب، فتدبر .)(أن يخرج من الدنيا أي لا ينفع خروجه منها حال كونه (لاقياً ربه بخصلة) واحدة (من هذه الخصال) والحال أنه (لم يتب منها) ولم يندم عليها، وهذه الخصال خمس :) ص: ١٩٢
إحداها : (أن يشرك بالله فيما افترض عليه من عبادته أي يراني في عمله ولم يخلصه الله سبحانه والدليل من الكتاب الحكيم على حرمته قوله تعالى: «فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا» (الكهف: ۱۱۰]، وقوله: «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)» [الماعون: ٤-٦] .)وقد مضى تحقيق الكلام في الرياء وتفصيل أقسامه في شرح الفصل الأول من الخطبة الرابعة والعشرين.الثانية ما أشار إليه بقوله : (أو يشفي غيظه بهلاك نفسه أي يقتل نفسه لإفراط قوته الغضبية بحيث لا يطفئ نار غضبه إلا به، والدليل على حرمته قوله تعالى: «وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» [البقرة : ۱۹٥] روى في (عقاب الأعمال) عن أبي ولاد الحناط قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السَّلام) يقول : من قتل نفسه متعمداً فهو في نار جهنم خالداً فيها (1)، هذا .)ويحتمل أن يكون المراد بهلاك نفسه الهلاك الأخروي أي لا يتشفّى من غيظه إلا بأن يكتسب إثماً ويوبق نفسه مثل أن يكون بينه وبين آخر بغضاء وعداوة فيغتابه أو يفتري عليه أو ينم عليه أو يسعى به إلى الملوك أو يسبّه ونحو ذلك مما فيه أليم العذاب ونص على حرمته محكم الكتاب، هذا .وفي بعض النسخ : بهلاك نفس بدل نفسه، فيكون المراد أنه لا يسكت غضبه إلا بالقتل، ويدل على حرمته وعقابه صريحاً قوله تعالى: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣» [النساء : ٩٣].)وروى في (عقاب الأعمال بسنده عن حمران قال : قلت لأبي جعفر (علیه السَّلام): قول الله عزّ وجل: «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا» [المائدة: ۳۲] ، وإنما قتل واحداً فقال (علیه السَّلام): يوضع في موضع من جهنم إليه ينتهيشدّة عذاب أهلها لو قتل الناس جميعاً لكان إنما (2)يدخل ذلك المكان، قلت : فإنه قتل آخر، قال : ويضاعف عليه (3).)وعن أبي عمير قال : حدثني غير واحد عن أبي عبد الله (علیه السَّلام قال : من أعان على قتل) ص: ١٩٣
مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة بين عينيه مكتوب : آيس من رحمة الله .وعن جابر بن يزيد عن أبي عبد الله (علیه السَّلام قال : أول ما يحكم الله في القيامة في الدماء، فيوقف إبنا آدم فيفصل بينهما، ثم الذين يلونهم من أصحاب الدماء حتى لا يبقى منهم أحد، ثم الناس بعد ذلك فيأتي المقتول قاتله فيشخب دمه في وجهه فيقول: هذا قتلني، فيقول : أنت قتلته فلا يستطيع أن يكتم الله حديثاً .)وعن سعيد الأزرق عن أبي عبد الله (علیه السَّلام في رجل قتل رجلاً مؤمناً يقال له : مت أي ميتة شئت إن شئت يهودياً وإن شئت نصرانياً وإن شئت مجوسياً (1).)الثالثة: ما أشار إليه بقوله : (أو يقز بأمر فعله غيره الظاهر أن المراد به أن يحكى أمراً قبيحاً ارتكبه غيره، ويدل على أنه حرام ومعصية قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» [النور: ۱۹] .)روى في عقاب الأعمال عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن موسى بن جعفر (علیه السَّلام قال: قلت له : جعلت فداك الرجل من إخواني بلغني عنه الشيء الذي أكرهه فأسأله عنه فينكر ذلك، وقد أخبرني عنه قوم ثقات، فقال لي: يا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك وإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولاً فصدقه وكذبهم، ولا تذيعن عليه شيئاً تشينه به و تهدم به مرؤته، فتكون من الذين قال الله عزّ وجل: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ» الآية.)وعن الفضل بن عمر عن أبي عبد الله (علیه السَّلام قال : من روى عن مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروءته ليسقطه من أعين الناس أخرجه الله عزّ وجل من ولايته إلى ولاية الشيطان (2).)قال الشارح البحراني: وروى بعض الشارحين يعرّ بالعين المهملة قال : ومعناه أن يقذف غيره بأمر قد فعله هو فيكون غيره منصوباً مفعولاً به والعامل يعرّ يقال : عرّه يعرّه أي عايه ولطخه.أقول : وعلى هذا فيدل على حرمته ما يدل على حرمة البهت والافتراء، قال تعالى: «إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥» [النحل: ۱۰۵] .)روى في (عقاب الأعمال عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : من اتهم مؤمناً أو مؤمنة بما ليس فيهما بعثه الله يوم القيامة في طينة خبال حتى يخرج مما قال قلت : وما) ص: ١٩٤
طينة خبال ؟ قال صديد يخرج من فروج الزناة، بل يدل عليه جميع ما ورد في حرمة الغيبة إذ ذلك قسم من الغيبة بل من أعظم أقسامها كما لا يخفى (1.)الرابعة: ما أشار إليها بقوله : (أو يستنجح حاجة إلى الناس بإظهار بدعة في دينه يعني أنه يبدع في الدين طلباً لنجاح حاجته، ومن المعلوم أن كل بدعة ضلالة والضلالة في النار، قال تعالى: «وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا» [الكهف: ٥١]، وقال: «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ» [القصص : ٥٠] ، واستنجاح الحاجة بالبدعة أشدّ خزياً وأعظم مقتاً، كما يدل عليه ما في (عقاب الأعمال) عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال: صونوا دينكم بالورع، وقووه بالتقوى والاستغناء بالله عزّ وجل عن طلب الحوائج من السلطان، واعلموا أنه أيما مؤمن خضع لصاحب سلطان أو لمن يخالفه على دينه طلباً لما في يديه أخمله الله ومقته عليه ووكله الله إليه، وإن هو غلب على شيء من دنياه وصار في يده منه شيء نزع الله البركة منه ولم يأجره على شيء ينفقه في حجة ولا عمرة ولا عتق.)وفيه عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (علیه السَّلام قال : كان رجل في الزمن الأول طلب الدنيا من حلال فلم يقدر عليها، فطلبها من حرام فلم يقدر عليها، فأتاه الشيطان فقال له: يا هذا إنك قد طلبت الدنيا من حلال فلم تقدر عليها وطلبتها من حرام فلم تقدر عليها أفلا أدلك على شيء يكثر به مالك ودنياك وتكثر به تبعك؟ قال: بلى، قال : تبتدع ديناً وتدعو إليه الناس، ففعل، فاستجاب له الناس فأطاعوه وأصاب من الدنيا، ثم إنه فكر فقال: ما صنعت؟ ابتدعت ديناً ودعوت الناس إليه وما أرى لي توبة إلا أن آتي من دعوته إليه فأرده، فجعل يأتي أصحابه الذين أجابوه فيقول : إن الذي دعوتكم إليه باطل وإنما ابتدعته فجعلوا يقولون : كذبت هذا الحق ولكنك شككت في دينك فرجعت عنه، فلما رأى ذلك عمد إلى سلسلة فوتد لها وتداً ثم جعلها في عنقه وقال : لا أحلّها حتى يتوب الله عزّ وجل عليَّ، فأوحى الله عزَّ وجل إلى نبي من الأنبياء قل لفلان : «وعزَّتي لو دعوتني حتى ينقطع أوصالك ما استجبت لك حتى تردّ من مات على ما دعوته إليه فيرجع عنه» (2).)الخامسة: ما أشار إليه بقوله : (أو يلقى الناس بوجهين أو يمشي فيهم بلسانين قال الشارح البحراني : أي يلقى كلا من الصديقين مثلاً بغير ما يلقى به الآخر ليفرق بينهما، أو بين العدوّين ليضري بينهما، وبالجملة أن يقول بلسانه ما ليس في قلبه فيدخل في زمرة المنافقين، ووعيد المنافقين في القرآن: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ») ص: ١٩٥
[النساء: ١٤٥].أقول : ويدخل أيضاً في زمرة المغتابين فيشمله الآيات المفيدة لحرمة الغيبة ويدل على حرمته من السنة ما رواه في (الكافي بسنده عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : من لقى المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان من نار (1).)وعن أبي جعفر (علیه السَّلام قال : بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين يطري أخاه شاهداً ويأكله غائباً إن أُعطي أعطي حسده، وإن ابتلى خذله (2).)وعن عبد الرحمان بن حماد رفعه قال: قال الله تبارك وتعالى لعيسى (علیه السَّلام: «يا عيسى ليكن لسانك في السر والعلانية لساناً واحداً وكذلك قلبك إني أحذرك نفسك وكفى بي خبيراً، لا يصلح لسانان في فم واحد، ولا سيفان في غمد واحد، ولا قلبان في صدر واحد، وكذلك الأذهان، ورواها جميعاً في (عقاب الأعمال) نحوها .)وفي (عقاب الأعمال عن زيد بن علي عن آبائه (علیهم السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «يجيء يوم القيامة ذو الوجهين دالعاً لسانه في قفاره وآخر من قدامه يلتهبان ناراً حتى يلهبا جسده ثم يقال له : هذا الذي كان في الدنيا ذا وجهين وذا لسانين يعرف بذلك يوم القيامة» (3).)(اعقل ذلك أشار به إلى ما يذكره بقوله : (إن البهائم) آهـ (فإن المثل دليل على شبهه) لما كانت أكثر الأفهام قاصرة عن إدراك الماهية العقلية للشيء إلا في مادة محسوسة كمن لا يعرف حقيقة العلم مثلاً فيقال له : إنه مثل اللبن حيث إنه غذاء للروح الناقص ويصير به كاملاً كما يتغذى باللبن الطفل الناقص وبه يصير كماله وهكذا، لا جرم جرت عادة الله تعالى وعادة رسله وأوليائه في بيان الأحكام للناس وتبليغ التكاليف إليهم على ضرب الأمثال تقريباً للأفهام وأكثر القرآن أمثال ضربت للناس ظواهرها حكاية عن حقائقها المكشوفة عند ذوي البصائر .)قال صدر المتألهين: كثر في القرآن ضرب الأمثال لأن الدنيا عالم الملك والشهادة، والآخرة عالم الغيب والملكوت، وما من صورة في هذا العالم إلا ولها حقيقة في عالم الآخرة، وما من معنى حقيقي في الآخرة إلا وله مثال وصورة في الدنيا، إذ العوالم والنشئات مطابقة تطابق النفس والجسد، وشرح أحوال الآخرة لمن كان بعد في الدنيا لا يمكن إلا ص: ١٩٦
بمثال، ولذلك وجدت القرآن مشحوناً بالأمثال كقوله : «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ» [الرعد: ٣٥]، «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» [البقرة: ٢٦١]، مثله «كَمَثَلِ الْكَلْبِ» [الأعراف : ١٧٦] مثلهم «كَمَثَلِ الْحِمَارِ» [الجمعة: ٥]، وليس للأنبياء أن يتكلموا مع الخلق إلا بضرب الأمثال، لأنهم كلفوا أن يكلموا الناس على قدر عقولهم، وقدر عقولهم أنهم في النوم والنائم لا يكشف له شيء إلا بمثل، فإذا ماتوا انتبهوا وعرفوا أن المثل صداق، فالأنبياء هم المعبرون لما عليه أهل الدنيا من الأحوال والصفات وما يؤل عليه عاقبتها في يقظة الآخرة بكسوة الأمثال الدنيوية.إذا عرفت ذلك فأقول : إن أمير المؤمنين (علیه السَّلام لما كان مقصوده التمثيل وأداء غرضه بضرب المثل، والمثل ينتفع به العام والخاص، وكان نصيب العامي من كل مثل أن يدرك ظاهره المحسوس ويقف عليه وينتفع به ترغيباً وترهيباً لما فيه من نوع مطابقة لأصله ونصيب الخاصي أن يدرك باطنه ويعبّر من ظاهره إلى سرّه ومن محسوسه الجزئي إلى معقوله الكلي كما قال تعالى: «وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)» [العنكبوت : ٤٣] أراد أن يكون انتفاع المخاطبين بالمثل الذي يضربه على وجه الكمال ونحو الخصوص، فلذلك قال (علیه السَّلام) مقدمة وتنبيهاً لهم: إعقل ذلك فإن المثل دليل على شبهه، أي افهم ما أقول وتدبّر فيه ولا تقصر نظرك إلى ظاهره بل تفكر في معناه حتى تصل من قشره إلى لبّه ، ويمكن لك الاستدلال بالمثل على ممثله والانتقال من ظاهره إلى باطنه والوصول من قشره إلى لبه .)والمثل الذي ضربه هو قوله : (إن البهائم همها بطونها لكمال قوتها الشهوية فاهتمامها دائماً بالطعام والشراب والأكل والشرب والنزو والفساد (وإن السباع همها العدوان) لإفراط قوتها الغضبية فلذتها أبداً في الإضراء والافتراس والغلبة والانتقام (وإن النساء همهن زينة الحياة الدنيا) لفرط قوتها الشهوية (والفساد فيها) لشدة قوتها الغضبية.)وغرضه (علیه السَّلام من هذا المثل التنبيه على أن كمال الإنسان الذي به فارق غيره هو إدراك ما يخرج عن عالم الحواس والإحاطة بالمعلومات والتنزه عن التعلقات والترقي إلى الملأ الأعلى، فمن ذهل عن ذلك وعطل نفسه عن تحصيله وأهمله ولم يجاوز عالم المحسوسات فهو الذي أهلك نفسه وأبطل قوة استعداده بالإعراض عن الآيات والتأمل فيها، ونزل عن مرتبة الإنسانية وأخلد إلى الأرض.)فإن كان تابعاً لقوته الشهوية البهيمية فهو نازل عن حقيقة الإنسانية إلى درجة البهائم، ووافق الأنعام فمثله كمثل الحمار بل البهائم أشرف منه وهو أضل منها كما قال تعالى : «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤» [الفرقان: ٤٤]) ص: ١٩٧
وذلك لأنها ما أبطلت استعدادها لما كان لها وما أضلت عن سبيلها الذي كانت عليه بل ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، بخلاف هذا، فإنه أبطل كماله وإنسانيته وتبع شهوة بطنه وفرجه وأثر البهيمية.وإن كان تابعاً لقوته الغضبية فهو منحط إلى درجة السبعية فمثله كمثل الكلب أو الخنزير أو الضبع ونحوها .وإن كان تابعاً لشهوته وغضبه معاً فقد انحط من كمال الرجولية إلى مرتبة الأنوثية.فقد تلخص مما ذكرنا أن غرضه (علیه السَّلام من التمثيل التنفير عن اتباع الشهوة والغضب بالتنبيه على أن الخارج فيهما عن حد العدل إلى مرتبة الإفراط إما أن تشبه البهيمة أو السبع أو المرأة، وكل منها مما يرغب العاقل عنه ولا يرضى به لنفسه، ولذلك قال أولاً : (إعقل ذلك).)ثم إنه لما نفر عن اتباع هاتين القوتين عقب ذلك بصفات المؤمنين ترغيباً إليها فقال (علیه السَّلام: (إن المؤمنين مستكينون) أي خاضعون لله متواضعون له إن المؤمنين مشفقون))﴿ كما قال سبحانه: «وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا - أي الساعة - وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ»[الشورى: ۱۸]، وقال في موضع آخر : «وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧» [المعارج : ۲۷] ، وقال: «وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)» [الأنبياء : ٤٨ – ٤٩].)(إن المؤمنين خائفون كما قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ» [الأنفال: ٢] وقال: «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)» [المؤمنون: ٦٠ - ٦١] . هذا.) وإنما أتى في الجمل الثلاث الأخيرة بالأسماء الظاهرة مع اقتضاء الظاهر الإتيان الأخيرتين بالضمير لغرض زيادة تمكين المسند إليه عند السامع كما في قوله تعالى: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)» [الإخلاص: ١ - ٢] وفي قوله: «وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ» [الإسراء : ١٠٥] وهو من محسنات البلاغة.
#### تذييلقال الشارح المعتزلي في شرح هذا الفصل من كلامه (علیه السَّلام: إنما رمز بباطن هذا الكلام إلى الرؤساء يوم الجمل، لأنهم حاولوا أن يشفوا غيظهم بإهلاكه وإهلاك غيره من المسلمين، وعزوه بأمرهم فعلوه وهو التأليب على عثمان وحصره واستنجحوا حاجتهم إلى أهل البصرة بإظهار البدعة والفتنة ولقوا الناس بوجهين ولسانين، لأنهم بايعوه وأظهروا الرضا به، ثم دبوا) ص: ١٩٨
له فجعل دبوبهم هذه مماثلة للشرك بالله سبحانه في أنها لا تغفر إلا بالتوبة، وهذا هو معنى قوله : (اعقل ذلك فإن المثل دليل على شبهه، وروي فإن المثل واحد الأمثال أي هذا الحكم بعدم المغفرة لمن أتى شيئاً من هذه الأشياء عام والواحد منها دليل على ما يماثله ويشابهه.)فإن قلت : فهذا مذهب تصريح بمذهب الإمامية في طلحة والزبير وعائشة!.قلت: كلا، فإن هذه الخطبة خطب بها وهو سائر إلى البصرة ولم تقع الحرب بعد، ورمز فيها إلى المذكورين وقال : إن لم يتوبوا وقد ثبت أنهم تابوا، والأخبار عنهم بالتوبة مستفيضة، ثم أراد أن يومئ إلى ذكر النساء للحال التي كان وقع إليها من استنجاد أعدائه بالامرأة فذكر قبل ذكر النساء أنواعاً من الحيوان تمهيداً لقاعدة ذكر النساء فقال: (إن البهائم همها بطونها كالحمير والبقر والإبل ، (وإن السباع همها العدوان على غيرها) كالأسود الضارية والنمور والفهود والبزاة والصقور، وإن النساء همهنّ زينة الحياة الدنيا والفساد فيها، انتهى .)أقول: أما ما ذكره الشارح من كون هذا الكلام رمزاً إلى قادة الضلال يوم الجمل فغير بعيد واتصافهم بالخصال الخمس التي هي من أوصاف أهل النفاق والضلال معلوم و مبرهن .وأما جوابه عن الاعتراض الذي اعترض به فسخيف جداً .أما أولاً: فلأن صدور هذه الخطبة عنه (علیه السَّلام حين مسيره إلى البصرة وقبل وقوع الحرب لا يرفع الإيراد بعد تحقق اتصاف الرؤساء بالخصال المذكورة.)وأما ثانياً : فلأنه (علیه السَّلام لم يقل : إن لم يتوبوا بل قال : ولم يتب، وكونه رمزاً إلى عدم توبتهم وأنهم يموتون بلا توبة أظهر من أن يكون رمزاً إلى حصول التوبة .)وأما ثالثاً : فلأن أخبار توبتهم التي ادعى استفاضتها بعد تسليم كونها مستفيضة مما تفردت العامة بروايتها، ولا يتم بها الاحتجاج قبال الإمامية، وقد قدمنا في شرح الكلام الثامن بطلان توبة الزبير، وفي شرح الكلام الثاني عشر بطلان توبة الطلحة، وفي شرح الكلام التاسع والسبعين بطلان توبة الخاطئة، وقد مر تحقيق بطلان توبة الأولين أيضاً في شرح الكلام المائة والسابعة والثلاثين بما لا مزيد عليه، فليتذكر . ص: ١٩٩
#### الترجمةبعض دیگر از آن خطبه شریفه در صفت بعض اهل ضلال است، می فرماید:و آن شخص معصیت کار در مهلت است از پروردگار، فرومی افتد با غافلان و صباح می کند با گنه کاران، بدون راه راست و بدون پیشوایی که کشنده خلایق است به طرف حضرت ربّ العزّت .و بعض دیگر از این خطبه متضمّن نصیحت و موعظه است مر مخاطبین را، می فرماید:تا آنکه چون کشف کند خدای تعالی از جزاء معصیت ایشان و خارج می کند ایشان را از لباس های غفلت، ایشان استقبال می کنند به چیزی که ادبار کرده بود و غایب بود از ایشان که عبارت است از عقوبات آخرت و استدبار می کنند به چیزی که حاضر بود ایشان را که عبارت است از لذایذ دنیا، پس نفع نبردند از آنچه دریافتند از مطلوب خودشان و نه به آنچه که رسیدند از حاجت خود و به درستی که من می ترسانم شما را و نفس خود مرا از این حالت غفلت، پس باید که منتفع بشود مرد به نفس خود. پس به درستی که صاحب بصیرت شخصی است که بشنود، پس تفکر نماید و نظر کند، پس بینا گردد و منتفع بشود با عبرتهای روزگار، پس از آن راه برود در راه راست آشکار که دوری ورزد در آن راه از افتادن مواضع پستی و تباهی و از گمراه شدن در مواضع گمراهی و اعانت نکند بر ضرر خود گمراهان را به جهت کج روی در امر حق یا به جهت تغییر دادن در گفتار یا به جهت اظهار خوف در راستی و صداقت.پس افاقه حاصل کن ای شنونده از بیهوشی خود را، بیدار باش از خواب غفلت خود و مختصر کن از تعجیل و شتاب خودت و نيك تأمل نما در آنچه آمده به تو بر زبان پیغمبری که از اهل مکه معظمه است از آنچه ناچار است از آن و هیچ گریزی نیست از آن و مخالفت کن با کسی که مخالفت کند در آن و متوجه بشود به طرف غیر آن و مگذار او را به آنچه که پسندیده است او را از برای خودش و ص: ٢٠٠
بگذار فخر خودت را و پست کن کبر خود را و ذکر کن قبر خود را، پس به درستی که بر آن قبر است عبور تو و همچنان که جزا می دهی دهی جزا داده می شوی و همچنان که زراعت می کنی می دروی و آنچه که پیش فرستاده ای امروز، می آیی بر او فردا .پس مهیا کن از برای آمدن خود به دار بقا و مقدم کن از برای روز حاجت خود، پس البته حذر کن و بترس ای گوش دهنده و البته جد و جهد کن ای غفلت کنند و آگاه نکند تو را هیچ کس مانند کسی که آگاه است از کارها.به درستی که از جمله اوامر محتومه پروردگار در ذکر محکم و استوار که بر اخذ آن ثواب می دهد و بر ترك آن عقاب می نماید و از برای اطاعت آن خوشنود می شود و به جهت مخالفت آن غضب می کند اینست که هیچ نفع نمی بخشد بنده را اگرچه به مشقت اندازد نفس خود را و خالص نماید فعل خود را، این که خارج بشود از دنیا در حالتی که ملاقات کند پروردگار خود را با يك خصلت از این خصلت های ذمیمه در حالتی که توبه ننموده باشد از آن:آنكه شرك آورد بخدا در آنچه که واجب نموده است بر او از عبادت خود یا شفا بدهد غیظ خود را با هلاك كردن نفس خود یا اقرار کند به کاری که دیگری او را نموده یا خواهش روا کردن حاجتی نموده باشد به سوی خلق با اظهار بدعت در دین خود یا ملاقات کند مردمان را به دورویی و نفاق یا مشی کند در میان ایشان با دوزبانی و عدم وفاق.درك كن و بفهم این مثل را که خواهم زد از برای تو، پس به درستی که مثل دلیل است بر مشابه خود و آن مثل اینست که: چهارپایان قصد آنها شکم های آنها است و به درستی که درندگان قصد ایشان ستم و عدوان است و به درستی که زنان قصد ایشان زینت زندگانی این جهان و فساد کردن است در آن،به درستی که مؤمنان متواضعانند، به درستی که مؤمنان ترسندگانند از غضب پروردگار، به درستی که مؤمنان خائفند از سخط آفریدگار؛ اللهم وفقنا بمحمّد و آله الاطهار . ص: ٢٠١
## ومن خطبة له (علیه السَّلام وهي المائة والثالث والخمسون من المختار في باب الخطب وفيه فصلان)### إشارةالفصل الأولوناظِرُ قَلْبِ اللَّبِيبِ، بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ، ويَعْرِفُ غَوْرَهُ ونَجْدَهُ، داعٍ دَعا ، وَراعٍ رَعا ، فَاسْتَجِيبُوا لِلدّاعي، وَاتَّبِعُوا الرَّاعِيَ، قَدْ خاضُوا بِحارَ الفِتَنِ، وأَخَذُوا بِالبدع دُونَ السُّنَنِ، وأَرَزَ المُؤْمِنُونَ ، ونَطَقَ الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، نَحْنُ الشِّعَارُ والأَصْحابُ، وَالخَزَنَهُ والأبوابُ، وَلا تُؤْتَى البُيُوتُ إلا مِنْ أَبْوابِها فَمَنْ أتاها مِنْ غَيْرِ أَبْوابِها سُمِّيَ سَارِقاً .الفصل الثاني (منها)فِيهِمْ كَرائِمُ القُرْآنِ، وهُمْ كُنُوزُ الرَّحْمَنِ، إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا ، وإِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا ، فَلْيَصْدُقْ رائِدٌ أَهْلَهُ، وَلْيُحْضِرْ عَقْلَهُ ، وَلْيَكُنْ مِنْ أَبْناءِ الآخِرَةِ فَإِنَّهُ مِنْها قَدِمَ، وإِلَيْها يَنْقَلِبُ، فَالنَّاظِرُ بِالقَلْبِ العَامِلُ بِالبَصَرِ يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَعَملُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضىٰ فِيهِ، وَإِنَّ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ، فَإِنَّ العَامِلَ بِغَيرِ عِلْمٍ كَالسّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ، فَلا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ إِلا بُعْداً مِنْ حاجَتِهِ ، والعامِلَ بِالعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ، فَلْيَنْظُرْ ناظِرٌ أَسَائِرٌ هُوَ أَمْ راجِعٌ ، واعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظاهِرٍ باطِناً عَلى مِثالِهِ ، فَما طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ باطِنُهُ، وما خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ باطِنُهُ ، وقَدْ قالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العَبْدَ ويُبْغِضُ عَمَلَهُ ، ويُحِبُّ العَمَلَ ويُبْغِضُ بَدَنَهُ» (1)، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ نَباتٌ، وكُلَّ نَباتٍ لا غِنىٰ بِهِ عَنِ المَاءِ ، والمياهُ مُخْتَلِفَةٌ ، فَما طابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ، وحَلَّتْ ثَمَرَتُهُ، وما خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ ، وأمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ (2).)### اللغة(الناظر من المقلة السواد الأصغر الذي فيه إنسان العين و (الغور) بالفتح قعر كل شيء والمنخفض من الأرض و (النجد) المرتفع منها والجمع نجود مثل فلس وفلوس و (رعت) الماشية رعياً إذا سرحت بنفسها ورعيتها وأرعاها يستعمل لازماً ومتعدّياً فأنا راع، وفي) ص: ٢٠٢
(القاموس: الراعي كل من ولي أمر قوم والجمع رعاة ورعاء بالكسر ورعيان والقوم رعية و (ارز) من باب علم وضرب انقبض وانجمع و (الشعار) بالكسر ما ولى الجسد من الثياب و (الرائد) المرسل في طلب الماء والكلاء و (ليحضر عقله) مضارع حضر من باب نصر أو أحضر من باب الأفعال.)### الإعراب(داع مرفوع تقديراً خبر (ناظر)، وقال الشارح المعتزلي: إنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره في الوجود داع دعا، قوله : (واعلم أن كل عمل نبات) هكذا في بعض النسخ فيكون كل اسم (إن) ونبات خبرها وفي بعضها أن لكل عمل نباتاً فيكون (نباتاً) إسماً لها .)### المعنىإعلم أنه لما كان من دأب الرحمة الرحمانية أن تصدر عنها أقسام الموجودات على أكمل ما يتصور في حقها، وأن يعطي لكل نوع بعد إعطاء الوجود ما يحفظ به كماله الأول کماله ويستدعي الثاني كما قال تعالى: «رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى» [طه: ٥٠] أشار إلى أنه أعطى أصل وجوده ثم أفاد له ما يتهيأ ويهتدي به إلى فضيلة زائدة من القوى والآلات، لا جرم كان كل نوع من أنواع المكونات أعطى له من خزائن رحمة الله ما يستعدّ به للوصول إلى ما هو خير له وسعادة بالنسبة إليه ويحترز عما هو شر له وشقاوة، ولا شك أن الإنسان أشرف هذه الأنواع فإعطاء ما يستطيع له لطلب ما هو الخير والسعادة له أولى وأوجب، لكن لما كان كماله الخاص به أمراً متميزاً عن كمالات سائر الأنواع الحيوانية من جلب مأكول أو مشروب أو منكوح ونحوها من كمالات البهائم، فليس خيره وسعادته مما يوجد في هذا العالم، بل كماله وخيره في العلم والتجرد عن الدنيا وما فيها والتقرب إليه تعالى وملكوته الأعلى فيجب في العناية الربانية أن يعطيه ما يهتدي به إلى سبيل سعادته وطريق نجاته، ويتجنب عن طريق شقاوته وشقائه بأن يعرف أولاً ولو بوجه من الوجوه ما الإلٰه وما الملكوت وما الآخرة وما الأولى، وما السعادة والشقاء؟، ثم إن كان ممن لا يهتدي إلى ذلك إلا بواسطة معلم من خارج من نبي أو إمام أو كتاب وجب عليه تعالى أن يعرفه ذلك ووجب عليه أن يتعلم منه ويطيع له ويقبل منه .روى يزيد بن معاوية عن أبي عبد الله (علیه السَّلام قال : ليس لله على خلقه أن يعرفوا وللخلق على الله أن يعرفهم ولله على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوا (1).) ص: ٢٠٣
1) الكافي : ١٦٤/١ ح ۱ ، وشرح أصول الكافي : ٩٥/٣.
إذا عرفت ذلك فأقول : إن الإنسان قد أعطاه الله سبحانه بمقتضى عنايته العقل يهتدي به إلى مصالحه ومفاسده، وجعل عقول بعض أفراد هذا النوع كاملة فاضلة غير محتاجة في كسب كمالاتها إلى الغير وهي عقول الأنبياء والرسل والأئمة (علیهم السَّلام، وجعل عقول غيرهم ناقصة، فهؤلاء لا تكمل معرفتهم إلا بمعلم خارجي، لعدم استقلال عقلهم بمعرفة كثير من المصالح والمفاسد والمنافع والمضار، وذلك المعلم هو النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) والإمام .)وإلى هذا المعنى أشار أبو عبد الله (علیه السَّلام في رواية (الكافي) حيث قال : أبى الله أن يجري الأشياء إلا بأسباب، فجعل لكل شيء سبباً ولكل سبب شرحاً، وجعل لكل شرح علماً، وجعل لكل علم باباً ناطقاً عرفه من عرفه وجهله من جهله ذاك رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ونحن (1).)فظهر لك بتلك المقدمة معنى قوله (علیه السَّلام: (وناظر قلب اللبيب به يبصر أمده ويعرف غوره ونجده داع دعا وراع رعا) أي عين بصيرة العاقل التي بها يبصر غايته التي يتوجه إليها أي معاده وبها يعرف ما انخفض وانحط من حالاته الموجبة لشقاوته المتردية له إلى دركات الجحيم، وما ارتفع واستعلى من خصاله الموجبة لسعادته الموصلة له إلى نضرة النعيم هي أي هذه العين داع دعا وراع رعا، أراد بالداعي رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لدعائه إلى طرف الحق، قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)» [الأحزاب: ٤٥ – ٤٦] وأراد بالراعي نفسه (علیه السَّلام) لأنه ولي الخلق والقائم بأمرهم كالراعي الذي يرعى غنمه ويحفظها ويربيها، وقد مر تشبيه الإمام بالراعي والرعية بالغنم وتشبيه من لم يعرف إمامه بغنم ضلت عن راعيها في الحديث الذي رويناه من (الكافي) في التذنيب الثالث من تذنيبات شرح الفصل الرابع من فصول الخطبة الأولى.)وورد في وصف الأئمة (علیهم السَّلام في (الزيارة الجامعة): واسترعاكم أمر خلقه، قال شارح الزيارة، يعني به: أنه تعالى استرعاهم أمر خلقه جعلهم قائمين برعاية الخلق فيما يتعلق بأمر الوجود الكوني وشرعه، وفيما يتعلق بأمر الكون الشرعي ووجوده، وفيما يتعلق بأمر الغيب والشهادة، وفيما يتعلق بأمر الدنيا والآخرة، وفيما يتعلق بأمر الجنة والنار، طلب تعالى منهم (علیهم السَّلام)رعاية جميع خلقه في هذه الأمور الخمسة فهم (علیهم السَّلام) المربون لرعيتهم الراعون الذين استرعاهم الله أمر غنمه فإن شاؤوا فإنما شاء، هذا)وإنما جعل الداعي والراعي ناظر القلب اللبيب لأن الناظر من الإنسان هو آلة الإبصار، وبها يدرك الأشياء على ما هي عليها، ويفرّق بين الألوان والأضواء والأشكال والمقادير ص: ٢٠٤
1) الكافي: ۱۸۳/۱ ، ح ٧، وبصائر الدرجات : ٢٦ ح ٣.
ونحوها، وبناظره القلبي أي عين بصيرته يفرّق بين الحق والباطل، والصلاح والفساد فاستعار لفظه للرسول والإمام (علیهم السَّلام إذ بهما تحصل له المعرفة بالمبدأ والمعاد، وبدلالتهما وإرشادهما تكمل له الحكمة النظرية والعملية، فالنبي والإمام عقل من خارج كما أن العقل رسول من باطن .)وإليه يشير قول موسى بن جعفر (علیه السَّلام لهشام بن الحكم في الحديث الطويل المروي في (الكافي) : يا هشام إن لله على الناس حجّتين حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (علیهم السَّلام)، وأما الباطنة فالعقل، إلى أن قال يا هشام نصب الحق لطاعة الله ولا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم، والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل، يعتقل ولا علم إلا من عالم رباني ومعرفة العلم بالعقل (1).)وإنما خص (علیه السَّلام مناظر قلب اللبيب بالبيان لأن الجاهل بمعزل عن الالتفات غافل عما له وعليه كما قال (علیه السَّلام) في رواية (الكافي) عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه (علیهما السَّلام) قال : قال أمير المؤمنين (علیه السَّلام): إن قلوب الجهال تستفزها الأطماع وترتهنها المنى، وتستعلقها الخدائع يعني تستخفها الأطماع لأنهم كثيراً ما ينزعجون من مكانهم بطمع فاسد لا أصل له ولا طائل تحته، وأنها مقيّدة مرتهنة بالأماني والآمال الكاذبة، وهم ينخدعون سريعاً فتستسخر قلوبهم خدائع الخادعين، ويستعبدها مكر الماكرين، ولهذا يعدّهم الشيطان ويمنّيهم بالأماني الباطلة، ويغرّهم ويستفزهم ويستعبدهم بالخدائع وما يعدهم الشيطان إلا غروراً، قال تعالى: «أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا» [الأنعام: ۱۲۲]. قال أبو جعفر (علیه السَّلام) في هذه الآية : ميت لا يعرف شيئاً ونوراً يمشي به في الناس إماماً يأتم به كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، قال: الذي لا يعرف الإمام (2)، هذا.)ولما كان همّة العاقل مصروفة لتحصيل كمالاته والترقي من حد النقص والوبال إلى ذروة الفضل والكمال، ومن هبوط الجهل والدناءة إلى شرف العزّ والسعادة، وكان ذلك الاستكمال والترقي موقوفاً على طاعة الرسول والإمام (علیه السَّلام حسبما عرفت أمر بطاعتهما بقوله : (فاستجيبوا للداعي واتبعوا الراعي) لأنهما قواد الناس وهداتهم إلى المحجة البيضاء والصراط المستقيم، وبالاستجابة والمتابعة لهما ينال حسن العاقبة وسعادة الخاتمة، ولذلك قرن الله طاعتهما بطاعته فقال: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» [النساء : ٥٩] .) ص: ٢٠٥
وقوله (علیه السَّلام: (قد خاضوا بحار الفتن) قال الشارح البحراني : يحتمل أن يكون التفاتاً إلى قوم معهودين للسامعين كمعاوية وأصحاب الجمل والخوارج ويحتمل أن يكون منقطعاً عما قبله متصلاً بكلام لم يحكه الرضي (رحمه الله) وإليه ذهب الشارح المعتزلي، وقال: هذا كلام متصل بكلام لم يحكه الرضي، وهو ذكر قوم من أهل الضلال قد كان أخذ في ذمهم ونعا عليهم عيوبهم.)أقول: والأظهر عندي أنه متصل بالكلام السابق ووجه نظمه أنه لما أمر بوجوب متابعته وفرض طاعته وطاعة الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم التفت إلى حكاية حال المخالفين لرسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) والمغيّرين لوصيته، والغاصبين لخلافته من الخلفاء الثلاث ومتابعتهم، وكيف كان فتشبيه الفتن بالبحار لإهلاكها واستئصالها فمن دخل فيها يغرق كما يغرق البحر الخائض فيه، وذكر الخوض ترشيح للتشبيه .)(وأخذوا بالبدع دون السنن يعني أنهم عدلوا عن سنة سيد المرسلين، وتركوا منهج الشرع المبين، وأبدعوا في الدين وأخذوا بالرأي والمقاييس عن هوى الأنفس، فلم يزالوا دهرهم في الالتباس والارتماس في بحر الظلمات والانغماس في مهوى الشهوات، وذلك كله لإعراضهم عن أئمة الحق وأولياء الصدق .)قال يونس بن عبد الرحمن: قلت لأبي الحسن الأول (علیه السَّلام: بما أوحد الله عز وجل؟ قال: لا تكونن مبتدعاً، من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيّه ضلّ، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر (1).)قال الشارح البحراني : البدعة قد يراد بها ترك السنة وقد يراد بها أمر آخر يفعل مع ترك السنة وهو أظهر في العرف.أقول : والبدعة ملازمة لترك السنة كما يفصح عنه ما رواه في (الكافي عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس عن حريز عن زرارة قال : سألت أبا عبد الله (علیه السَّلام) عن الحلال والحرام فقال: حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيء غيره (2).)وقال (علیه السَّلام: قال علي (علیه السَّلام): ما أحد ابتدع بدعة إلا ترك بها سنة (3).) ص: ٢٠٦
وجه دلالته على الملازمة أن حلاله وحرامه إذا كانا مستمرين إلى يوم القيامة فمن أتى بشيء إما أن يكون حكمه ثابتاً في الكتاب والسنة فلا يكون بدعة، وإلا ففيه تركهما، وبعبارة أخرى لو لم يكن مخالفاً للسنة لم يكن بدعة، وحيث كان مخالفاً مناقضاً لها يلزم من إتيانها ترك سنّة هي في مقابلها البتة وهو معنى قول أمير المؤمنين (علیه السَّلام الذي استشهد به الإمام (علیه السَّلام): (وأرز المؤمنون) أي انقبضوا وسكتوا لشمول التقية وغلبة الباطل (ونطق الضالون المكذبون) لاختفاء الحق واستيلاء أهل الضلال.)ثم عاد إلى ذكر مناقبه ومفاخره المقتضية لوجوب طاعته حثاً للمخاطبين على الرجوع إليه وتأكيداً للتعريض والتقريع على المنحرفين العادلين عنه إلى غيره والغاصبين لحقه قال : (نحن أراد به نفسه والطيبين من أولاده (الشعار والأصحاب) أي شعار رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وأصحابه، واستعار لفظ الشعار لهم باعتبار ملازمتهم له (علیه السَّلام) ومزيد اختصاصهم به ملازمة الشعار للجسد واختصاصه به، وهم أيضاً أدركوا صحبته بالإيمان وصدقوه في جميع ما جاء به الإذعان والإيقان، وعرف المسند بلام التعريف للعهد قصداً للحصر، يعني أن الشعار والأصحاب المعهودين نحن لا غيرنا.)قال العلامة التفتازاني : إذا كان للشيء صفتان من صفات التعريف عرف السامع اتصافه بإحداهما دون الأخرى حتى يجوز أن تكونا وصفين لشيئين متعددين في الخارج فأيهما كان بحيث يعرف السامع اتصاف الذات به وهو كالطالب بحسب زعمك أن يحكم عليه بالأخرى يجب أن تقدم اللفظ الدال عليه وتجعله مبتدأ، وأيهما كان بحيث يجعل اتصاف الذات به وهو كالطالب أن تحكم بثبوته للذات أو بنفيه عنها يجب أن تؤخر اللفظ الدال عليه وتجعله خبراً، فإذا عرف السامع زيداً بعينه واسمه ولا يعرف اتصافه بأنه أخوه وأردت أن تعرفه ذلك قلت: زيد أخوك ، وكذلك إذا عرف زيداً وعلم أنه كان من إنسان انطلاق ولم يعرف اتصافه زيد بأنه المنطلق المعهود وأردت أن تعرفه ذلك قلت زيد المنطلق، ولا يصح المنطلق زيد، أنتهى. (والخزنة والأبواب) أي خزّان خزينة علم الله وعلم رسوله وإنما استعار لهم ذلك اللفظ لأن الخازن إنما يتولى ما في الخزانة ويحفظه ويتصرف فيه ويصرفه في مصارفه وهم (علیهم السَّلام) كذلك لأنهم حفاظ علم الله تعالى، والمتصرفين فيه والباذلين له لمن يشاؤون، والمانعين له عمن يشاؤون، قال تعالى : «هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)» [ص: ٣٩] فإن ظاهرها في حق سليمان بن داود (علیهما السَّلام) وباطنها في أهل البيت (علیهم السَّلام) حسبما عرفته في شرح الكلام التاسع والخمسين .
ويدل على كونهم خزّان الله تعالى ما في (البحار من بصائر الدرجات للصفار بسنده) ص: ٢٠٧
عن سورة بن كليب قال : قال لي أبو جعفر (علیه السَّلام: والله إنا لخزان الله في سمائه وأرضه لا على ذهب ولا على فضة إلا على علمه، قال العلامة المجلسي (رحمه الله): أي خزّان علم السماء والأرض.)أقول: والأولى جعل ضمير علمه راجعاً إلى الله كما يفصح عنه إضافة العلم إلى لفظ الجلالة في الأخبار الآتية وستعرف تحقيق ذلك.وفيه منه عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (علیه السَّلام قال : سمعته يقول : والله إنا لخزان الله في سمائه وخزانه في أرضه، لسنا بخزان على ذهب ولا على فضة وإن منا لحملة العرش إلى يوم القيامة (1).)وعن سدير عن أبي عبد الله (علیه السَّلام قال : قلت له : جعلت فداك ما أنتم؟ قال : نحن خزان الله على علم الله نحن تراجمة وحي الله، نحن الحجة البالغة على ما دون السماء وفوق الأرض.)وعن سدير عن أبي جعفر (علیه السَّلام قال : سمعته يقول : نحن خزان الله في الدنيا والآخرة وشيعتنا خزاننا .)وعن عبد الرحمن بن كثير قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السَّلام يقول: نحن ولاة أمر الله وخزنة علم الله وعيبة وحي الله (2).)وعن حمران عن أبي جعفر (علیه السَّلام قال : إن الله تبارك وتعالى أخذ الميثاق على أولي العزم: «أني ربكم ومحمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) رسولي وعلي أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة أمري وخزان علمي، وأن المهدي أنتصر به لديني» (3).)فظهر بهذه الروايات كونهم ولاة خزانة علمه تعالى، ويدل عليه أيضاً ما عن احتجاج الطبرسي عن أبي عبد الله (علیه السَّلام في حديث طويل وفيه: قال لصاحبكم أمير المؤمنين : « كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ» [الرعد: ٤٣] ، وقال الله عزّ وجل: « وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ» [الأنعام: ٥٩] وعلم هذا الكتاب عنده .)وبهذا المضمون أيضاً أخبار أخرى قدمنا روايتها في التذييل الثالث من شرح الفصل السابع عشر من الخطبة الأولى، فليتذكر . ص: ٢٠٨
قال بعض الأفاضل: والعلم الذي هم خزائنه هو علم الموجودات بالمعنى المتعارف وهو قوله تعالى: « وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ» [البقرة: ٢٥٥] يعني أن ما لم يشأ من علمه أن يعلموه لا يحيطون به وليس المراد بهذا العلم الذي لا يحيطون بشيء هو القديم الذي هو الذات ليكون المعنى ولا يحيطون بشيء من ذاته إلا بما شاء أن يحيطوا به منها، بل المراد به أن العلم الحادث الذي هو غير الذات منه ممكن مقدر غير مكوّن، ومنه تكوين ومنه مكون، فالممكن المقدور غير المكوّن هو الممكنات قبل أن تكسي حلّة الوجود في جميع مراتب الوجود، فهذه لم تكن مشاءة إلا في أماكنها فهذا لا يحيطون بشيء منه إحاطة وجود، ويحيطون به إحاطة إمكان إذ ذاك مشاءة مشيئة إمكان، والتكوين الممكن وهذا يحيطون به لأنه مشاء بنفسه وهم محال ذلك، والمكون قسمان مكون مشروط ومكون منجز، والمكون المشروط يحيطون به لأنه مشاء ولا يحيطون بالشرط إلا بعد أن يكون مشاء، والمكون والمنجز يحيطون به، ثم ما كانوا يحيطون به قسمان: قسم كان وهم يحيطون به أنه كان ولا يحيطون به أنه مستمر أو منقطع إلا إحاطة أخبار لا إحاطة عيان وقسم لم يكن فهم يحيطون به إحاطة أخبار أيضاً لا إحاطة عيان، فظهر لمن نظر وأبصر من هذا التفصيل أنهم (علیهم السَّلام لا يحيطون بشيء من علمه الذي هو غير ذاته إلا بما شاء أن يحيطوا به، والذي شاء أن يحيطوا به هو ما سمعته في هذا التفصيل، هذا تمام الكلام في كونهم (علیهم السَّلام) خزان الله .)وأما كونهم الأبواب فالمراد به أنهم (علیهم السَّلام أبواب الإيمان والمعرفة بالله، وأبواب علم الله و علم رسوله الله كما ورد في الأخبار المستفيضة العامية والخاصية بل لا يبعد تواترها أن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب»، وقال أيضاً: «أنا مدينة الحكمة»، وفي بعضها : «دار الحكمة وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها» (1).)وإلى هذا أشار (علیه السَّلام بقوله : (ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها فمن أتاها من غير بابها سمي سارقاً) وهو كناية عن أن من أخذ العلم من غير أهله وأراد المعرفة عن غير الجهة التي أمر بالتوجه إليها فهو منتحل له كالسارق الذي يتسوّر البيوت من غير أبوابها ويأخذ ما فيها غصباً وعدواناً، قال تعالى: «وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا» [البقرة: ۱۸۹] . روى في (البحار) من الاحتجاج للطبرسي عن الأصبغ بن نباتة قال : كنت جالساً عند أمير المؤمنين (علیه السَّلام) فجاءه ابن الكوا فقال: يا أمير) ص: ٢٠٩
1) الاحتجاج: ۱۰۲/۱۸، والعمدة : ٢٩٥ ح ٤٨٩.
المؤمنين قول الله عزّ وجل: «وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ» الآية ، فقال (علیه السَّلام: نحن البيوت التي أمر الله أن يؤتى أبوابها، نحن باب الله وبيوته التي يؤتى منها، فمن تابعنا وأقر بولايتنا فقد أتى البيوت من أبوابها، ومن خالفنا وفضل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها، «إلى أن قال»: إن الله عزّ وجل لو شاء عرف الناس نفسه حتى يعرفوه ويأتونه من بابه، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله وبابه الذي يؤتى منه (1)، قال: (فمن عدل عن ولايتنا وفضل علينا غيرنا فإنهم عن الصراط لناكبون)، وقد تقدمت هذه الرواية في شرح الفصل الرابع من الخطبة الأولى من (الصافي) عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) مثله .)(منها ما هو أيضاً في (فضائل أهل البيت (علیهم السَّلام)) وهو قوله : (فيهم كرائم القرآن) يحتمل أن يكون المراد بالكرائم الآيات الكريمة ، قال : «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)» [الواقعة: ٧٧] أي حسن مرضي في جنسه ، وقيل : كثير النفع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في المعاش والمعاد، والكريم صفة لكل ما يرضي ويحمد، ومنه وجه كريم أي مرضي في حسنه وبهائه، وكتاب كريم مرضي في معانيه .)وأن يكون المراد بها الآيات الدالة على كرامتهم أي على جمعهم لأنواع الشرف والفضائل، إذ الكريم هو الجامع لأنواع الخير والشرف، وقد مضى بعض تلك الآيات في شرح الفصل الثالث من الخطبة السادسة والثمانين، وتقدم كثير منها في تضاعيف الشرح وتأتي أيضاً إن شاء الله في مواضعها اللائقة، وفي بعض النسخ فيهم كرائم الإيمان، أي الخصال الكريمة التي هي من لوازم الإيمان وخواصه.(وهم كنوز الرحمن لأن الكنز ما يدخر فيه نفائس الأموال وهم قد أودع الله فيهم نفائس جميع ما في الكون وخيار الفضائل والفواضل من العلم والحلم والسخاء والجود والكرم والخلافة والولاية والشجاعة والفصاحة والعصمة والقدس والطهارة إلى غير تلك مما لا يضبطها عدّ ولا يحيط بها حد.)«وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧» [لقمان: ٢٧] (إن نطقوا صدقوا) لأنهم أزمة الحق وألسنة الصدق المستجاب بهم دعوة إبراهيم (علیه السَّلام) في قوله : «وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)» [الشعراء: ٨٤] والمفروض متابعتهم بقوله : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)» [التوبة : ۱۱۹] على ما قدمنا في شرح الفصل الثالث من الخطبة السادسة والثمانين .)(وإن سكتوا لم يسبقوا لأن سكوتهم إنما هو بمقتضى المصلحة واقتضاء الحكمة لا عن) ص: ٢١٠
1) مختصر بصائر الدرجات : ٥٣ ، وشرح أصول الكافي : ١٤٤/٥ ح ۹ .
عيّ وعجز حتى يسبقهم الغير ويتكلم ولا يتمكنوا ويتمكن بل يعلمون ما كان وما هو كائن ويتكون لذلك شاع المثل السائر: قضية وليس لها أبو الحسن.ثم إنه (علیه السَّلام لما نبه على جملة من مناقبهم الباهرة ومفاخرهم الزاهرة عقب ذلك بالمثل المشهور وفرعه على ما سبق فقال : (فليصدق رائد أهله) يعني أن المرسل من الحي لطلب الماء والكلاء يرتاد لهم المرعى ينبغي له أن يصدق أهله ولا يكذب لمن أرسله ويبشر له بها، وأراد بذلك أن من يحضر الأئمة (علیهم السَّلام) من الناس طلباً لأخبارهم واقتباس أنوارهم وأخذ معالم الدين عنهم فليصدق من يكل إليه أمره إننا أهل الحق وينابيع العلم والحكمة والأدلاء (وليحضر عقله) لاستماع كلامنا حتى يعرف صحة ما ادعينا ، قال تعالى: «فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)» [التوبة : ١٢٢].)روى في (الكافي عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمن قال : حدثنا حماد عن عبد الأعلى قال سألت أبا عبد الله (علیه السَّلام) عن قول العامة: أن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)قال : من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، فقال (علیه السَّلام): الحق والله قلت : فإن إماماً هلك ورجل بخراسان لا يعلم من وصيه لم يسعه ذلك، قال (علیه السَّلام): لا يسعه أن الإمام إذا هلك وقعت حجّة وصيه على من هو معه في البلد وحق النفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم إن الله عزّ وجل يقول : «فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» قلت: فنفر قوم فهلك بعضهم قبل أن يصل فيعلم قال : إن الله عزّ وجل يقول: «وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ» [النساء : ۱۰۰] قلت : فبلغ البلد بعضهم فوجدك مغلقاً عليك بابك ومرخى عليك سترك لا تدعوهم إلى نفسك ولا يكون من يدلّهم عليك فيما يعرفون ذلك؟ قال : بكتاب الله المنزل، قلت : فيقول الله عزّ وجل كيف؟ قال: أراك قد تكلمت في هذا قبل اليوم، قلت: أجل، قال (علیه السَّلام): فتذكر ما أنزل الله في علي (علیه السَّلام) وما قال له رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في حسن وحسين (علیهما السَّلام) وما خص الله به عليّاً (علیه السَّلام) وما قال فيه رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) من وصيته إليه ونصبه إياه وما یصیبهم وإقرار الحسن والحسين بذلك ووصيته إلى الحسن وتسليم الحسين له، يقول الله : «النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ» [الأحزاب: ٦] قلت: فإن الناس تكلموا في أبي جعفر (علیه السَّلام) ويقولون : كيف تخطت من ولد أبيه من له مثل قرابته ومن هو أسن منه وقصرت عمن هو أصغر منه ؟ فقال (علیه السَّلام): يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال لا تكون في غيره : هو أولى الناس بالذي قبله، وهو وصيه، وعنده سلاح رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) و وصيته وذلك عندي لا أنازع فيه، قلت إن ذلك مستور مخافة السلطان؟ قال: لا يكون في ستر إلا وله حجة ظاهرة إن أبي استودعني ما هناك فلما حضرته) ص: ٢١١
الوفاة قال: إدع لي شهوداً، فدعوت أربعة من قريش فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر قال : إكتب: هذا ما أوصى به يعقوب بنيه «يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» [البقرة: ۱۳۲] وأوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد وأمره أن يكفّنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمع، وأن يعممه بعمامته، وأن يربع قبره ويرفعه أربع أصابع ثم يخلى عنه ، فقال (علیه السَّلام: أطووه، ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت بعدما انصرفوا: ما كان في هذا يا أبه أن تشهد عليه ؟ فقال (علیه السَّلام) : إني كرهت أن تغلب وأن يقال: إنه لم يوص فأردت أن تكون لك حجة فهو الذي إذا قدم الرجل البلد قال : إلى من وصى فلان؟ قيل: فلان، قلت فإن كان أشرك في الوصية ؟ قال : تسألونه فإنه سيبين لكم (1).)وقد رويت هذه الرواية لاشتمالها على فوائد عظيمة جمة، وإيضاحها كيفية تكليف من ينفر لطلب الإمام ووظيفة الإمام وما يعرف به المحق من المبطل، وأن اللازم على النافرين إنذار قومهم بعد تفقههم في الدين ومعرفتهم بالإمام بالبينات التي هي من دلالات الإمامة فعلم بذلك أن النافر لطلب الإمام بمنزلة الرائد السابق ذكره في كلام أمير المؤمنين (علیه السَّلام لم فافهم ذلك وتبصر.)ثم أمر الرائد أمر إرشاد فقال : (وليكن من أبناء الآخرة ورغبته إليها (فإنه منها قدم وإليها ينقلب) لأن الإنسان مبدؤه الحضرة الإلهية وهو سبحانه المبدأ وإليه المنتهى وهو غاية مراد المريدين ومنتهى سير السائرين.)ثم أشار إلى فضيلة العلم فقال (علیه السَّلام: (فالناظر بالقلب العامل بالبصر) أي ينبغي لصاحب العقل البصير في عمله أن (يكون مبتدأ عمله أن يعلم أعمله عليه أم له) أي يعرف قبل أن يعمل أن عمله نافع له مقرّب إلى الحضرة الربوبية أم مضر مبعد له (فإن كان له مضى فيه) وأتى به (وإن كان عليه وقف عنه) وتركه وإنما كان اللازم على العاقل تحصيل العلم قبل العمل فإن العامل بغير علم كالسائر على غير طريق فلا يزيده بعده عن الطريق إلا بعداً من حاجته إذ كان بعده عن مطلوبه بقدر بعده عن طريق ذلك المطلوب.)قال طلحة بن زيد: سمعت أبا عبد الله (علیه السَّلام يقول : العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلا بعداً، رواه في (الكافي).)وفيه عن أبي عبد الله (علیه السَّلامقال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح» (2).) ص: ٢١٢
(و هذا بخلاف العامل العالم فإن (العامل بالعلم كالسائر على الطريق الواضح) فلا تزيده سرعة سيره إلا نجاحاً بحاجته (فلينظر ناظر) أي الناظر بالقلب المسبوق ذكره (أسائر هو أم راجع).)أقول : وما ذكرناه في شرح هذه الفقرات أعني قوله : (فالناظر بالقلب إلى قوله: (أم راجع) إنما هو مفاد ظاهر كلامه (علیه السَّلام)، والأشبه عندي أن يكون تلويحاً وإشارة إلى وجوب اتباع الأئمة والائتمام بهم، فإنه لما ذكر أوصاف الأئمة ونعوتهم الكمالية، عقب ذلك بما يلزم على الرائد الطالب للإمام، ثم فرع عليه قوله : (فالناظر بالقلب) (آهـ) يعني أن صاحب العقل والبصيرة لا بد له قبل أن يشرع في عمل أن يعلم أن عمله له أم عليه، والعلم موقوف على التعلم من الإمام العالم والاقتباس من نوره والاهتداء به إذ المتلقي من غيره «كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا» [النور: ۳۹] ويومئ إلى ما ذكرناه تمثيل العامل العالم بالسائر على الطريق وتمثيل الجاهل بالسائر على غير طريق، قال تعالى: «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي» [يوسف: ۱۰۸]. قال زيد بن علي: قال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في هذه الآية: «أنا ومن اتبعني من أهل بيتي لا يزال الرجل بعد الرجل يدعو إلى ما أدعو إليه»، وقال تعالى أيضاً : «أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)» [الملك: ٢٢]. قال البيضاوي : ومعنى مكباً أنه يعثر كل ساعة ويخرّ على وجهه لوعورة طريقه واختلاف أجزائه، ولذلك قابله بقوله : أمن يمشي سوياً قائماً سالماً من العثار، على صراط مستقيم مستوي الأجزاء والجهة، والمراد تمثيل المشرك والموحد بالسالكين والدينين بالمسلكين، وقيل : المراد بالمكبّ الأعمى، فإنه يعتسف فيكبّ وبالسوي البصير، انتهى (1).)وأما تأويله، فالمراد بالمكبّ أعداء آل محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم ، وبمن يمشي سوياً أولياؤهم (علیهم السَّلام)كما ورد في تفسير أهل البيت .)ثم قال : (واعلم أن لكل ظاهر باطناً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه المراد بهما إما كل ما يصدق عليه أنه ظاهر وباطن فيشمل الأفعال الظاهرة والأقوال الصادرة عن الإنسان خيراً أو شراً والملكات والأخلاق النفسانية الباطنية له حسنة أو قبيحة فالجود والكرم والإنعام والإحسان ونحوها مما هو حسن ظاهراً كاشف عن حسن الباطن أعني ملكة السخاء والجود والقبض والإمساك والمنع ونحوها مما هو قبيح ظاهراً دال على قبح الباطن وخبثه أعني ملكة البخل وهكذا، وكذلك في الأقوال ما هو الطيب ظاهراً كاشف عن طيب الباطن وما هو الخبيث كاشف عن خبث الباطن .) ص: ٢١٣
1) تفسیر فرات الكوفي : ۲۰۳، وشواهد التنزيل: ٣٧٤/١.
قال (علیه السَّلام في الخطبة (الشقشقية) في وصف حال الثاني : فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسها، وقال تعالى: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ» [إبراهيم: ٢٤] ، «وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)» [إبراهيم: ٢٦] ويشمل أيضاً لمثل حسن الصورة الموافق لحسن الباطن، أعني اعتدال المزاج، وقبحها الموافق لقبح الباطن، أعني عدم اعتداله أو الأعم من الاعتدال وعدم الاعتدال.)ويشهد بذلك ما رواه في (البحار من (الأمالي) عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «عليكم بالوجوه الملاح والحدق السود، فإن الله يستحيي أن يعذب الوجه المليح بالنار» (1).)وفيه من (ثواب الأعمال عن موسى بن إبراهيم عن أبي الحسن الأول (علیه السَّلام) قال : سمعته يقول : ما حسّن الله خلق عبده ولا خلقه إلا استحيى أن يطعم لحمه يومالقيامة النار» (2).)وفيه من (العيون عن الرضا عن آبائه (علیهم السَّلام) عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) قال : لا تجد في أربعين أصلع رجل سوء ولا تجد في أربعين كوسجاً رجلاً صالحاً وأصلع سوء أحب إلي من کوسج صالح (3).)ومن ذلك ما روي أن أبا محمد الحسن بن علي (علیهما السَّلام دخل يوماً على معاوية فسأله (علیه السَّلام) تعنتاً وقال : قال الله تعالى: «وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ» [الأنعام: ٥٩] فأين ذكر لحيتك ولحيتي من الكتاب؟ وكان أبو محمد وفر المحاسن (4)ومعاوية بخلافه فقرأ (علیه السَّلام): «وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا» [الأعراف : ٥٨] ونحوه ما عن (المناقب). قال عمرو بن العاص للحسين (علیه السَّلام): ما بال لحاكم أوفر من لحانا؟ فقرأ (علیه السَّلام) هذه الآية (5).)ومن هذا الباب كل ما في الكتاب العزيز من التعبير عن الأئمة (علیهم السَّلام بأعز الأسماء وأحسن الأفعال وأفضل الخصال والتعبير عن أعدائهم بأخبثها وأخسها وأنزلها.)ويدل عليه ما في (الصافي من (الكافي) عن الصادق (علیه السَّلام) في تفسير قوله تعالى: « إِنَّمَا) ص: ٢١٤
حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» [الأعراف: ۳۳] . قال : إن القرآن له ظهر وبطن فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله في الكتاب هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الحق (1.)وفي (البحار من (البصائر) بسنده عن الهيثم التميمي قال: قال أبو عبد الله (علیه السَّلام) : يا هيثم إن قوماً آمنوا بالظاهر وكفروا بالباطن فلم ينفعهم شيء، وجاء قوم من بعدهم فآمنوا بالباطن وكفروا بالظاهر فلم ينفعهم ذلك شيئاً، ولا إيمان بظاهر إلا بباطن ولا بباطن إلا بظاهر (2).)ومن (كنز جامع الفوائد قال : روى الشيخ أبو جعفر الطوسي بإسناده إلى الفضل بن شاذان عن داود بن كثير قال قلت لأبي عبد الله (علیه السَّلام) : أنتم الصلاة في كتاب الله عزّ وجل وأنتم الزكاة وأنتم الحج ، فقال : يا داود نحن الصلاة في كتاب الله عزّ وجل، ونحن الزكاة ونحن الصيام ونحن الحج ونحن الشهر الحرام ونحن البلد الحرام، ونحن كعبة الله ونحن قبلة الله، ونحن وجه الله ، قال الله تعالى: « فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا - وجوهكم - فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ»[البقرة: ١١٥] ، ونحن الآيات ونحن البينات وعدوّنا في كتاب الله عزَّ وجل الفحشاء والمنكر والبغي والخمر والميسر والأنصاب والأزلام والأصنام والأوثان والجبت والطاغوت والميتة والدم ولحم الخنزير، يا داود إن الله خلقنا فأكرم خلقنا، وفضلنا وجعلنا أمنائه وحفظته وخزانه على ما في السماوات وما في الأرض، وجعل لنا أنداداً أضداداً وأعداء فسمانا في كتابه وكنّى عن أسمائنا بأحسن الأسماء وأحبها إليه، وسمى أضدادنا وأعداءنا في كتابه وكنى عن أسمائهم، وضرب لهم الأمثال في كتابه في أبغض الأسماء إليه وإلى عباده المتقين (3).)هذا كله مبني على أن يراد بالظاهر والباطن المعنى الأعم، ويجوز أن يراد بهما الخصوص، أعني العلم المأخوذ من معدنه، فيكون قوله : (فما طاب ظاهره طاب باطنه إشارة إلى العلوم الحقة المتلقاة من الأئمة (علیهم السَّلام) و الخارجة من مهبط الوحي ومعدن الرسالة، وقوله : (وما خبث ظاهره خبث باطنه) إشارة إلى العلوم الباطلة المأخوذة من أهل الضلال عن طريق الرأي والقياس والاستحسانات العقلية الفاسدة، والوجه الأول، أعني إرادة العموم وهو الأوفق بنفس الأمر، والوجه الثاني أنسب بالنسبة إلى ما حققناه سابقاً، فإنه (علیه السَّلام) حسبما ذكرنا لما أشار إلى أن السالك لا بد أن يكون سلوكه على علم وبصيرة حتى لا يكون كالسائر) ص: ٢١٥
على غير الطريق، أردفه بهذه الجملة تنبيهاً على أن كل علم ليس مما ينتفع به في مقام السلوك بل خصوص العلم الموصل إلى الحق المتلقي من أهل الحق أعني أئمة الدين وهو الطيب ظاهراً وباطناً، وأما غيره أعني العلم المأخوذ من أهل الضلال، فهو جهل في صورة العلم لا يوجب إلا بعداً من الحق خبيث ظاهره وباطنه .وقد يفسر به قوله تعالى: «وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ» [الأعراف : ٥٨]. قال القمي : إنه مثل للأئمة يخرج علمهم بإذن ربهم ولأعدائهم لا يخرج علمهم إلا كدراً فاسداً .وقد قال الرسول الصادق (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم: «إن الله يحب العبد ويبغض عمله ويحب العمل ويبغض بدنه» (1)يعني أن الله يحب العبد المؤمن بما فيه من وصف الإيمان لكنه يبغض عمله لكونه سيئة وحراماً، ويبغض الكافر بما له من الكفر لكنه يحب عمله لكونه حسناً وصالحاً، وهذا لا غبار عليه)وإنما الإشكال في ارتباط هذا الكلام لسابقه وفي استشهاد الإمام (علیه السَّلام به مع أنه لا مناسبة بينهما ظاهراً، وليس للاستشهاد به وجه ظاهر، بل منافاته لما مر أظهر من المناسبة كما هو غير خفيّ إذ لازم محبّة الله للعبد كون العبد طيباً، ولازم بغضه لعمله كون العمل خبيثاً فلم يكن الظاهر موافقاً للباطن فينا في قوله (علیه السَّلام): (فما خبث ظاهره خبث باطنه) وكذلك مقتضى بغض الله سبحانه لبدن الكافر كونه خبيثاً، وحبه لعمله كون عمله طيباً ففيه أيضاً مخالفة الظاهر للباطن فينا في قوله : (فما طاب ظاهره طاب باطنه) .)والذي سنح لي في وجه الارتباط وحل الإشكال بعد التروي وصرف الهمة إلى حلّه أياماً والاستمداد من جدي أمير المؤمنين عليه وآله سلام الله ربّ العالمين هو أنه لما ذكر أن ما هو طيب الظاهر طيب الباطن وما هو خبيث الظاهر خبيث الباطن، عقبه بهذا الحديث النبوي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم تنبيهاً وإيقاظاً للسامعين بأن العبد قد يكون نفسه محبوباً وعمله مبغوضاً، وقد يكون بالعكس كما أفصح عنه الرسول الصادق المصدّق .)فاللازم له إذا كان محبوب الذات لله سبحانه ومبغوض العمل أن يجد في تحبيب عمله إليه تعالى حتى يوافق نفسه عمله في المحبوبية، وإذا كان محبوب العمل ومبغوض البدن، أي الذات، أن يجد في تحبيب ذاته إليه كي يوافق عمله نفسه .والغرض بذلك الحث على تطبيق الظاهر للباطن في الأول وتطبيق الباطن للظاهر في الثاني في المحبوبية حتى يكونا طيبين، ويفاز إلى النعيم الدائم والفوز الأبد، ولا يعكس حتى ص: ٢١٦
1) بحار الأنوار: ٦۰۱/۲۹ ، وميزان الحكمة : ٣/ ٢١٣٠.
يكونا خبيثين مبغوضين له تعالى فيقع في العذاب الأليم والخزي العظيم، وقد زلّت في هذا المقام أقدام الشراح والمحدثين، وكلّت فيه أفهامهم طوينا عن ذكر كلامهم، من أراد الاطلاع فليراجع الشروح والله ولي التوفيق.ثم حثّ على تزكية الأعمال وتصفيتها بمثل ضربه بقوله : (واعلم أن كل عمل نبات وفي بعض النسخ : أن لكل عمل نباتاً، قال الشارح البحراني: استعار لفظ النبات لزيادة الأعمال ونموها ورشح الاستعارة بذكر الماء (آهـ)، وعلى ما روينا فهو من التشبيه البليغ، أعني التشبيه المحذوف الأداة، أي كل عمل بمنزلة نبات ووجه الشبه أن النباتات كما أنها مختلفة من حيث طيبها ونضارتها وخضرتها وحسنها وثبات أصلها في الأرض ورسوخ عروقها وارتفاع فروعها وحلاوة ثمراتها ومن حيث كونها على خلاف ذلك، فكذلك الأعمال.)وإلى ذلك أشار بقوله : (وكل نبات لا غنى به عن الماء وهو مادة حياتية كما قال سبحانه: « مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا» [الأنبياء : ۳۰]، وقال: «وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥)» [النبأ: ١٤ - ١٥]، وكذلك كل عمل لا غنى به عن النية وعن توجه القلب إليه وهو مادة حصوله (والمياه مختلفة) هذا عذب فرات سائع شرابه وهذا ملح أجاج، والنبات أيضاً مختلفة بعضها صادرة عن وجه الخلوص والتقرّب إلى الحضرة الربوبية وبعضها عن وجه الشرك والرياء والسمعة (فما طاب سقيه) أي نصيبه من الماء لكونه عذباً صافياً (طاب غرسه) وثبت أصله وارتفع فرعه وكان له خضرة ونضرة (وحلت ثمرته) وكذلك العمل الصادر عن وجه الخلوص والتقرب إلى الحق يعلو ويزكو ويثمر ثمرات طيبة وهى ثمرات الجنان أكلها دائم وظلّها، قال تعالى : « فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)» [الكهف: ١١٠ ] .)(وما خبث سقيه لكون مائه ملحاً أجاجاً أو كدراً فاسداً (خبث غرسه) لا يكون له رونق وبهاء ولا لأصله ثبات ولفرعه ارتفاع (وأمرت ثمرته) وهكذا العمل المشوب بالشرك والربا يثمر ثمرات خبيثة، أعني ثمرات الجحيم وهي الضريع والزّقوم قال تعالى: «طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)» [الصافات: ٦٦٦٥] .) وأقول : قد وقع مثل هذا التشبيه الواقع في كلام أمير المؤمنين (علیه السَّلام)، أعني تشييد العمل بالنبات في كلام الله ربّ العالمين قال سبحانه في سورة (إبراهيم) : «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)» [إبراهيم: ٢٤-٢٦] .
ص: ٢١٧
قال في (مجمع البيان): «أَلَمْ تَرَ» أي ألم تعلم يا محمد « كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا» أي كَيْفَ بين الله شبهاً ثم فسر ذلك المثل فقال : « كَلِمَةً طَيِّبَةً» وهي كلمة التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله عن ابن عباس وقيل : هي كل كلام أمر الله به من الطاعات، عن أبي علي قال : وإنما سماها طيبة لأنها زاكية نامية لصاحبها بالخيرات والبركات « كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ» أي شجرة زاكية نامية راسخة أصولها في الأرض عالية أغصانها وثمارها في السماء، وأراد به المبالغة في الرّفعة والأصل سافل والفرع عال، إلا أنه يتوصل من الأصل إلى الفرع « تُؤْتِي أُكُلَهَا» أي تخرج هذه الشجرة ما يؤكل منها « كُلَّ حِينٍ» أي كل غدوة وعشيّة « بِإِذْنِ رَبِّهَا» وقيل : إنه سبحانه شبه الإيمان بالنخلة لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة وشبه ما يكسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وحين بما ينال من ثمرة النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر « وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» أي لكي يتدبروا فيعرفوا الغرض بالمثل «) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ» وهي كلمة الفكر والشرك، عن ابن عباس وغيره، وقيل : هو كل كلام في معصية الله عن أبي علي « كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ» غير زاكية وهي شجرة الحنظل، عن ابن عباس وأنس ومجاهد « اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ» أي اقتطعت واستؤصلت واقتلعت جنّته من الأرض « الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ» أي ما لتلك الشجرة من ثبات، فإن الريح تنسفها وتذهب بها، فكما أن هذه الشجرة لا ثبات لها ولا بقاء ولا ينتفع بها أحد، فكذلك الكلمة الخبيثة لا ينتفع بها صاحبها ولا يثبت له منها نفع ولا ثواب (1).
تبصرة
قال الشارح المعتزلي عند شرح قوله (علیه السَّلام) من هذه الخطبة : (نحن الشعار والأصحاب والخزنة والأبواب) واعلم أن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) لو فخر بنفسه وبالغ في تعديد مناقبه وفضائله بفصاحته التي أتاه الله إياها واختصه بها وساعده على ذلك فصحاء العرب كافة لم يبلغوا إلى معشار ما نطق به الصادق صلوات الله عليه وآله في أمره، ولست أعني بذلك أخبار العامة الشائعة التي يحتج بها الإمامية على إمامته، كخبر الغدير والمنزلة، وقصة براءة، وخبر المناجاة، وقصة خيبر، وخبر الدار بمكة في ابتداء الدعوة ونحو ذلك، بل الأخبار الخاصة التي رواها فيه أئمة الحديث التي لم يحصل أقل القليل منها لغيره، وأنا أذكر من ذلك شيئاً يسيراً مما رواه علماء الحديث الذين لا يتهمون فيه وجلّهم قائلون بتفضيل غيره عليه، فروايتهم فضائله توجب سكون النفس ما لا يوجبه رواية غيرهم.
ص: ٢١٨
1) مجمع البيان : ٦/ ٧٥.
ثم أورد أربعة وعشرين حديثاً نبويّاً في فضائله والحديث الرابع والعشرون قوله : لما نزل «إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)» [الفتح: ١] بعد انصرافه من غزاة حنين جعل يكثر : سبحان الله ، أستغفر الله ثم قال : «يا علي، إنه قد جاء ما وعدت به جاء الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجاً وليس أحد أحق منك بمقامي لقدمك في الإسلام وقربك مني وصهرك وعندك سيدة نساء العالمين، وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب عندي حين نزل القرآن فأنا حريص أن أراعي ذلك لولده» رواه أبو إسحاق الثعلبي في (تفسير القرآن).
ثم قال الشارح: واعلم أنا إنما ذكرنا ههنا هذه الأخبار لأن كثيراً من المنحرفين عنه (علیه السَّلام) إذا مروا على كلامه في (نهج البلاغة) وغيره المتضمن للتحدث بنعمة الله عليه من اختصاص الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وتميزه إياه عن غيره ينسبونه فيه إلى التيه والزهو والفخر، ولقد سبقهم بذلك قوم من الصحابة قيل لعمر: ولّ علياً أمر الجيش والحرب، فقال: هو أتيه من ذلك، وقال زيد بن ثابت ما رأينا أزهى من علي وأسامة (1).
فأردنا من إيراد هذه الأخبار : أن تنبه على عظيم منزلته (علیه السَّلام) عند الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وأن من قيل في حقه ما قيل لو رقى إلى السماء وعرج في الهواء وفخر على الملائكة والأنبياء تعظماً وتبجحاً لم يكن ملوماً بل كان بذلك جديراً .
فكيف وهو (علیه السَّلام) لم يسلك قط مسلك التعظم والتكبر في شيء من أقواله ولا من أفعاله، وكان ألطف البشر خلقاً، وأكرمهم طبعاً، وأشدّهم تواضعاً، وأكثرهم احتمالاً، وأحسنهم بشراً، وأطلقهم وجهاً حتى نسبه من نسبه إلى الدعابة والمزاح وهما خلقان يتنافيان التكبر والاستطالة، وإنما كان يذكر أحياناً ما يذكره نفئة مصدور وشكوى مكروب وتنفس مهموم ولا يقصد به إذا ذكره إلا شكر النعمة وتنبيه الغافل على ما خصه الله به من الفضيلة، فإن ذلك من باب الأمر بالمعروف والحض على اعتقاد الحق والصواب في أمره والنهي عن المنكر الذي هو تقديم غيره عليه في الفضل فقد نهى الله سبحانه عن ذلك فقال: « أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» [يونس: ٣٥] ، انتهى (2).
أقول : ولقد أجاد الشارح فيما أفاد ولا يخفى ما في كلامه من وجوه التعريض إلى عمر من حيث نسبته أمير المؤمنين (علیه السَّلام) تارة إلى التيه والتكبّر، وأخرى إلى المزاح والدعابة، وقد نبه الشارح على أن هذه النسبة افتراء منه عليه (علیه السَّلام) ولأن التكبر والدعابة على طرفي الإفراط
ص: ٢١٩
والتفريط وهما مع تضادّهما وعدم إمكان اجتماعهما في محلّ واحد لا يجوز أن يوصف الإمام (علیه السَّلام) الذي هو على حد الاعتدال في الأوصاف والأخلاق بشيء منهما فضلاً عن كليهما، وقد مرّ فساد نسبة الدعابة إليه في شرح الكلام الثالث والثمانين بما لا مزيد عليه .
ثم العجب من الشارح أنه مع نقله هذه الروايات كيف ضلّ عن الهدى وأعمى عن الحق وأنكر وجود النص على خلافة أمير المؤمنين (علیه السَّلام) مع ظهور دلالتها على خلافته لو لم تكن نصاً فيها لا سيما الرواية الأخيرة، أعني الحديث الرابع والعشرين.
وأعجب من ذلك أنه قد صرّح هنا بأن تقديم غيره عليه (علیه السَّلام) من المنكر، وأن غرض أمير المؤمنين (علیه السَّلام) من تعديد مناقبه وفضائله كان النهي عن ذلك المنكر وردع الناس عن الاعتقاد الباطل إلى الحق والصواب وهو مناف لمذهبه الذي اختاره وفاقاً لأصحابه المعتزلة من أن تقديم غيره عليه إنما هو من فعل الله سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون الضالون علوّاً كبيراً كما هو صريح كلامه في خطبة الشرح حيث قال هناك وقدم المفضول على الأفضل لمصلحة اقتضاها التكليف، وإذا كان تقديم غيره عليه منكراً وقبيحاً كيف نسبه إلى الله تعالى هنالك؟ وقد أجرى الله الحق على لسانه هنا حتى صرّح بنفسه على فساد مذهبه والله الهادي إلى سواء السبيل.
ص: ٢٢٠
از جمله خطب شریفه آن بزرگوار و وصی محمد مختار است در موعظه و نصیحت و ذکر فضایل اهل بیت عصمت و طهارت می فرماید:
آلت نظر عاقل که بهوساطت آن می بیند غایت خود را و می شناسد پستی و بلندی خود را، دعوت کننده ای است که دعوت نمود و رعایت کننده ای است که رعایت فرمود (و مراد از دعوت کننده حضرت خاتم رسالت و از رعایت کننده جناب شاه ولايت (عليهما السلام) است) پس استجابت نمایید دعوت کننده را و متابعت کنید رعایت نماینده را، پس به تحقیق که غوطهور شدند مخالفان آن داعی و راعی در دریای فتنه ها و اخذ نمودند بدعت ها نه سنّتها را و منقبض شدند مؤمنان و ناطق شدند گمراهان و تکذیب کنندگان.
ما اهل بيت لباس مخصوص پیغمبر خداییم و اصحاب پسندیده حضرت مصطفی و خزینه داران علم ربّ العزّت و درهای مدینه علم و حکمت و داخل نمی توان شد به خانه ها مگر از درهای آنها پس هر که بیاید به خانه ها از غیر درهای آن، نامیده شود دزد و سارق.
بعض دیگر از این خطبه باز در فضایل آل رسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) است می فرماید:
در حق ایشان است آیات کریمه قرآن و ایشان است خزینه های رحمان، اگر گویا بشوند راست می گویند و اگر ساکت شوند کسی نمی تواند سبقت نماید بر ایشان، پس باید راست بگوید طالب آب و گیاه به اهل خود و باید که حاضر سازد عقل خود را و باید که بشود از ابنای آخرت، پس به درستی که او از آخرت که عالم لاهوت است آمده به سوی عالم ناسوت و به سوی آخرت برگشت او خواهد شد.
پس کسی که نظر کند به قلب خود و عمل کننده باشد به بصیرت خود، می باشد ابتداء عمل او اینکه بداند آیا عمل او ضرر دارد بر او یا منفعت دارد مراو را، پس اگر نافع باشد او را اقدام کند در او و اگر مضر باشد خودداری می نماید
ص: ٢٢١
از او، پس به درستی که عمل کننده به غیر علم مثل سیر کننده است بر غیر راه راست، پس زیاده نمی کند دوری او از راه مگر دوری از مقصود او را و عمل کننده به علم مثل سیر کننده است بر راه روشن پس باید که نظر کند نظر کننده آیا سير کننده است او یا رجوع نماینده است؟
و بدانکه به درستی هر ظاهری را باطنی است بر طبق او، پس آنچه که پاکیزه است ظاهر او پاکیزه است باطن او و آنچه که خبیث است ظاهر او خبیث است باطن او و به تحقیق که فرموده است پیغمبر صادق القول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) اینکه به درستی خدای تعالی دوست می دارد بنده را و دشمن می دارد عمل او را و دوست می دارد عمل خوب را و دشمن می دارد بدن او را و بدانکه به درستی که هر عمل به منزله گیاهی است و هر گیاه استغنا نیست او را از آب و آب ها مختلفند، پس آنچه که پاکیزه باشد سیرابی او پاکیزه شود کاشتن او و شیرین شود میوه او و آنچه که زشت باشد آب خوردن آن زشت باشد کاشتن آن و تلخ و بدمزه باشد میوه ه آن .
ص: ٢٢٢
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي انْحَسَرَتِ الأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ، وَرَدَعَتْ عَظَمَتُهُ العُقُولَ فَلَمْ تَجِدْ مَساعَاً إِلى بُلُوغ غايَةِ مَلَكُوتِهِ، وَهُوَ اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ ، وأَحَقُّ وأبْيَنُ مِمَّا تَرَى العُيُونُ، لَمْ تَبْلُغُهُ العُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّهاً ، ولَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الأوْهامُ بِتَقْدِيرٍ فَيَكُونَ مُمَثَّلاً ، خَلَقَ الخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيلٍ، ولا مَشْوَرَةِ مُشِيرٍ ولا مَعُونَةِ مُعِينٍ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ، وَأَذْعَنَ لِطاعَتِهِ، فَأَجابَ وَلَمْ يُدافَعْ ، وانْقَادَ وَلَمْ يُنازَعْ.
وَمِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ وَعَجائِبِ خِلْقَتِهِ ما أَرَانَا مِنْ غَوامِضِ الحِكْمَةِ في هذِهِ الخَفافيش الَّتي يَقْبِضُها الضَّياءُ الباسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ، ويَبْسُطُها الظَّلامُ القابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ، وكَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُها عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ المُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ في مَذاهِبها ، وتَتَّصِلَ بِعَلانِيَةِ بُرْهانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعارِفِها، ورَدَعَها بِتَلالُؤِ ضِيائها عَنِ المُضِيِّ فِي سُبُحاتِ إِشْراقِها ، وأَكَنَّها في مَكامِنِها عَنِ الذهابِ في بَلَجِ إِئِتِلافِها ، فَهِيَ مُسْدَلَةُ الجُفُونِ بِالنَّهارِ عَلى حِدَاقِها، وجاعِلَةُ الليلِ سِراجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ فِي التِمَاسِ أَرْزاقِها ، فَلا يَرُدُّ أَبْصارَها إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ، ولا تَمْتَبِعُ مِنَ المُضِيِّ فِيهِ لِغَسِقَ دُجُنَّتِه، فَإِذا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِناعَها ، وبَدَتْ أَوْضاحُ نَهارِها ، ودَخَلَ مِنْ إِشْراقِ نُورِها عَلى الضِّباب في وِجارِها ، أَطْبَقَتِ الأجْفانَ عَلى مَآقِيها ، وتَبَلَّغَتْ بِمَا اكْتَسَبَتْهُ مِنَ المَعَاشِ فِي ظُلَمِ لَيالِيها، فَسُبْحانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَها نَهاراً ومَعاشاً ، والنَّهارَ سَكَناً وقَراراً، وجَعلَ لَهَا أَجْنِحَةً مِنْ لَحْمِها تَعْرُجُ بِها عِنْدَ الحاجَةِ إِلى الطَّيَرانِ كَأَنَّها شَظَايَا الآذانِ، غَيْرَ ذَواتِ رِيشٍ ولا قَصَبٍ إِلّا أَنَّكَ تَرىٰ مَواضِعَ العُرُوقِ بَيِّنَةً أَعْلاماً، وَلها جَناحانٍ لَمّا يَرقا فَيَنْشَقًا، ولَم يغْلُظا فَيَثْقُلاَ، تَطِيرُ وَوَلَدُها لاصِقٌ بِها، لاجئٌ إِلَيْهَا ، يَقَعُ إِذا وَقَعَتْ، ويَرْتَفِعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ، لا يُفارِقُها حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ، وتَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَناحُهُ، ويَعْرِفَ مَذاهِبَ عَيْشِهِ، ومَصالِحَ نَفْسِهِ، فَسُبْحان الباريء لِكُلِّ شَيْءٍ عَلى غَيْرِ مِثالٍ خَلا مِنْ غَيْرِهِ (1).
(الخفاش) وزن رمّان طائر معروف جمعه خفافيش مأخوذ من الخفش وهو ضعيف في البصر خلقة أو لعلة، والرجل أخفش وهو الذي يبصر بالليل لا بالنهار أو في يوم غيم لا في
ص: ٢٢٣
1) الاحتجاج : ۳۰۳/۱ ، وبحار الأنوار: ٢٥٥/٤ .
يوم صحو و (حسر) حسوراً من باب قعد كل لطول مدى ونحوه، وحسرته أنا يتعدى ولا يتعدي و (ساغ) الشراب سوغاً سهل مدخله والمساغ المسلك و (الحد) المنع والحاجز بين الشيئين ونهاية الشيء وطرفه، وفي عرف المنطقيين التعريف بالذاتي.
و (المشورة) مفعلة من أشار إليه بكذا أي أمره به وفي بعض النسخ بضم الشين بمعنى الشورى و(المعونة) اسم من أعانه وعوّنه و (اللطائف) جمع لطيفة وهي ما صغر ودق و (الغامض) خلاف الواضح وكل شيء خفي مأخذه و (العشا) بالفتح والقصر سوء البصر بالنهار أو بالليل والنهار أو العمى و (الاتصال) إلى الشيء الوصول إليه، وفي بعض النسخ متصل بدل تتصل و (السبحات) بضمتين جمع سبحة وهي النور، وقيل: سبحات الوجه محاسنه لأنك إذا رأيت الوجه الحسن قلت: سبحان الله .
و (البلج) مصدر بلج كتعب تعباً أي ظهر ووضح، وصبح أبلج بين البلج أي مشرق ومضيء وقيل البلج جمع بلجة بالضم وهي أول ضوء الصبح و (الائتلاق) اللمعان يقال : ائتلق وتألق إذا التمع و (سدل) الثوب أسدله أرخاه وأرسله و (الجفن) بالفتح غطاء العين من أعلاها وأسفلها، والجمع جفان وجفون وأجفن و (الحدقة) محركة سواد العين ويجمع علی حداق كما في بعض النسخ وعلى أحداق كما في البعض الآخر و (أسدف) الليل إسدافاً أي أظلمت، وفي بعض النسخ أسداف بفتح الهمزة جمع سدف كأسباب وسبب وهو الظلمة .
و (الدجنة) بضم الدال وتشديد النون والدجن وزن عتل الظلمة و (الضباب) بالكسر جمع الضبّ الدابة المعروفة و (وجارها) بالكسر جحرها الذي تأوي إليه.
و (مآقيها) بفتح الميم وسكون الهمزة وكسر القاف وسكون الياء كما في أكثر النسخ لغة في المؤق بضم الميم وسكون الهمزة أي طرف عينها مما يلي الأنف وهو مجرى الدمع من العين وقيل: مؤخرهما. وعن الأزهري : أجمع أهل اللغة على أن المؤق والمآق بالضم والفتح طرف العين الذي يلي الأنف، وأن الذي يلي الصدغ يقال له : اللحاظ والمآقي لغة فيه، وقال ابن القطاع ما في العين فعلى وقد غلط فيه جماعة من العلماء فقالوا : هو مفعل وليس كذلك بل الياء في آخره للإلحاق ولما كان فعلى بكسر اللام نادراً لا أخت لها الحق بمفعل، ولهذا جمع على مآقي على التوهم، وفي بعض النسخ مآقيها على صيغة الجمع .
و (المعاش) ما يعاش به وما يعاش فيه وبمعنى العيش وهو الحياة، وفي بعض النسخ ليلها بدل لياليها و (الشظايا) جمع الشظیة وهي القطعة من الشيء و (الأعلام) جمع علم بالتحريك وهو طراز الثوب ورسم الشيء .
ص: ٢٢٤
(أحق وأبين) بالرفع بدلان من الحق المبين أو عطفا بيان، وعلى الأول ففائدتهما التقرير، وعلى الثاني فالإيضاح، وقوله : (ومن لطائف صنعته) تقديمه على المسند إليه أعني قوله : (ما أرانا) للتشويق إلى ذكر المسند إليه وهو من فنون البلاغة كما في قوله :
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها *** شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
وتتصل في بعض النسخ بالنصب عطفاً على (تستمد) وفي بعضها بالرفع عطفاً على (تهتدي)، وفي بعضها وتصل بدله، وردعها عطف على جملة (أرانا)، ومن في قوله : (من إشراق نورها) زائدة في الفاعل كما زيدت في المفعول في قوله : «مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ»[الأحزاب: ٤] وقوله : (غير ذوات ريش) بالنصب صفة لأجنحة وقوله : (أعلاماً) ، بدل من بيّنة أو عطف بيان وكلمة (لها) غير موجودة في بعض النسخ، فيكون قوله: (جناحان) خبر مبتدأ محذوف أي جناحاه جناحان، (ولما) في قوله: (لما يرقا) بمعنى لم الجازمة.
إعلم أن هذه الخطبة الشريفة يذكر فيها بديع خلقة الخفّاش، والغرض منه التنبيه على عظمة قدرة خالقها، وعلى كمال صنعه سبحانه في إبداعها والدلالة على عظيم برهانه في ملكه وملكوته .
ولما كان الغرض ذلك افتتح (علیه السَّلام) كلامه بالحمد والثناء عليه تعالى بجملة من صفات الكمال ونعوت الجلال والجمال بمقتضى براعة الاستهلال فقال : (الحمد لله الذي انحسرت الأوصاف عن كنه معرفته) أي عجز الواصفون عن صفته وأعيت الألسن عن وصفه بحقيقته، لأن ذاته سبحانه بريئة عن أنحاء التركيب، منزّهة عن الأجزاء والنهايات، فلا حد له ولا صورة تساويه، فلا يمكن للعقول الوصول إلى حقيقة معرفته، ولا للألسن الحكاية والبيان عن هويته، وقد مرّ تحقيق ذلك في شرح الفصل الثاني من الخطبة الأولى وغيره أيضاً غير مرة .
(وردعت) أي منعت (عظمته العقول فلم تجد مساغاً) ومسلكاً (إلى بلوغ غاية ملكوته) أي منتهى عزّه وسلطانه (هو الله الملك الحق) الثابت المتحقق وجوده والٰهيته أو الموجود حقيقة (المبين) أي الظاهر البين وجوده بل هو أظهر وجوداً من كل شيء فإن خفي مع ظهوره فلشدّة ظهوره، وظهوره سبب بطونه ونوره هو حجاب نوره إذ كل ذرّة من ذرّات مبدعاته ومكوناته فلها عدة ألسنة تشهد بوجوده وبالحاجة إلى تدبيره وقدرته كما مرّ تفصيلاً وتحقيقاً في شرح الخطبة التاسعة والأربعين.
(أحق وأبين) أي أثبت وأوضح (مما ترى العيون) لأن العلم بوجوده تعالى عقلي يقيني
ص: ٢٢٥
لا يتطرّق إليه ما يتطرق إلى المحسوسات من الغلط والاشتباه ألا ترى أن العين قد ترى الصغير كبيراً كالعنبة في الزجاجة المملوءة ماء، والكبير صغيراً كالبعيد، والساكن متحركاً كحرف الشط إذا رآه راكب السفينة متصاعداً والمتحرك ساكناً كالظل بخلاف المعقولات الصرفة.
(لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبهاً) المراد بالتحديد إما إثبات الحد والنهاية، أو التعريف بالذاتي كما هو عرف المنطقيين، وظاهر أن الله سبحانه منزّه عن الحدود والنهايات التي هي من عوارض الأجسام والجسمانيات، مقدّس عن الأجزاء والتركب مطلقاً من الذاتيات أو العرضيات، فذاته سبحانه ليس له حد وتركيب حتى يمكن للعقول البلوغ إليه بتحديد كما لسائر الأجسام.
(ولم تقع عليه الأوهام بتقدير فيكون ممثلاً) قال الشارح البحراني : إذ الوهم لا يدرك إلا المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات ولا بد له في إدراك ذلك المدرك من بعث المتخيلة على تشبيهه بمثال من الصور الجسمانية، فلو وقع عليه وهم لمثله في صورة حسية حتى أن الوهم إنما يدرك نفسه في مثال من صورة وحجم ومقدر .
(خلق الخلق على غيرة مثيل) الظاهر أن المراد بالتمثيل إيجاد الخلق على حذو ما خلقه غيره، ولما لم يكن الباري سبحانه مسبوقاً بغيره فليس خلقه إلا على وجه الإبداع والاختراع، أو أن المراد أنه لم يجعل لخلقه مثالاً قبل الإيجاد كما يفعله البناء تصويراً لما يريد بنائه، ومعلوم أن كيفية صنعه للعالم منزهة عن هذا الوجه أيضاً كما سبق في شرح الفصل السابع من الخطبة الأولى.
(ولا مشورة مشير ولا معونة معين) لأن الحاجة إلى المشير والمعين من صفات الناقص المحتاج وهو سبحانه الغني المطلق في ذاته وأفعاله فلا يحتاج في إيجاده إلى مشاورة ولا إعانة فتم خلقه أي بلغ كل مخلوق إلى مرتبة كماله وتمامه الذي أراده الله سبحانه منه أو خرج جميع ما أراده من العدم إلى الوجود (بأمره) أي بمجرد أمره التكويني ومحض مشيئته التامة النافذة كما قال عزّ من قائل: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)» [يس: ۸۲] (وأذعن) أي خضع وأقرّ وأسرع وانقاد كل (لطاعته فأجاب ولم يدافع، وانقاد ولم ينازع) وهاتان الجملتان مفسرتان للإذعان، والمراد دخول الخلق تحت القدرة الإلهية وعدم الاستطاعة للامتناع كما قال سبحانه «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)» [فصلت: ١١] ولما فرغ من التحميد والتمجيد شرع في المقصود فقال (علیه السَّلام): (ومن لطائف صنعته وعجائب خلقته) أي من جملة صنائعه التي هي ألطف وأدق وأحق أن يتعجب منها (ما أرانا من غوامض الحكمة في هذه الخفافيش) حيث خالف بينها وبين جميع الحيوانات .
ص: ٢٢٦
وأشار إلى جهة المخالفة بقوله (التي يقبضها الضياء الباسط لكل شيء، ويبسطها الظلام القابض لكل حي) لا يخفى ما في هاتين القرينتين من بديع النظم وحسن التطبيق والتقابل بين القبض والبسط في القرينة الأولى والبسط والقبض في الثانية ثم المقابلة بين مجموع القرينتين بالاعتبار الذي ذكرنا مضافاً إلى تقابل الضياء للظلام، ثم ردّ العجز إلى الصدر، فقد تضمن هذه الجملة على وجازتها وجوهاً من محاسن البديع مع عظم خطر معناها .
والضمير في (يقبضها ويبسطها) إما عائد إلى الخفافيش بتقدير مضاف، أو على سبيل الاستخدام، والمراد انقباض أعينها في الضوء، وذلك لإفراط التحلل في الروح النوري لحر النهار، ثم يستدرك ذلك برد الليل فيعود الأبصار ، وقيل : الأظهر إنه ليس لمجرد الحر وإلا لزم أن لا يعرضها الانقباض في الشتاء إلا إذا ظهرت الحرارة في الهواء، وفي الصيف أيضاً في أوائل النهار، بل ذلك لضعف في قوتها الباصرة ونوع من التضاد والتنافر بينها وبين النور كالعجز العارض لسائر القوى المبصرة عن النظر إلى جرم الشمس، وأما أن علة التنافر ماذا ؟ ففيه خفاء وهو منشئ التعجب الذي يشير إليه الكلام .
وأما عائد إليها نفسها فيكون المراد بانقباضها ما هو منشأ اختفائها نهاراً وإن كان ذلك ناشئاً من جهة الإبصار .
(وكيف عشيت أعينها) أي عجزت وعميت (عن أن تستمد) وتستعين (من الشمس المضيئة نوراً تهتدي به في مذاهبها) أي طريق معاشها ومسالكها في سيرها وانتفاعها (و) عن أن (تتصل بعلانية برهان الشمس) أي دليلها الواضح (إلى معارفها) يعني ما تعرفه من طرق انتفاعها ووجوه تصرفاتها (وردعها) أي ردها ومنعها (بتلألؤ ضيائها عن المضي في سبحات إشراقها) أي جلاله وبهائه (وأكنّها) أي سترها وأخفاها (في مكامنها) ومحال خفائها عن الذهاب (في بلج ائتلاقها) ووضوح لمعانها.
(فهي مسدلة الجفون بالنهار على حداقها) لانقباضها وتأثر حاستها، وقال البحراني: لأن تحلل الروح الحامل للقوة الباصرة سبب للنوم أيضاً فيكون ذلك الإسدال ضرباً من النوم (وجاعلة الليل سراجاً تستدل به في التماس أرزاقها) أي في طلب الرزق لها، وإسناد الجاعلة إليها من المجاز العقلي (فلا يرد أبصارها إسداف ظلمته) الإضافة للمبالغة والضمير عائد إلى الليل (ولا تمتنع من المضي) والذهاب (فيه لغسق دجنته) الإضافة فيه أيضاً للمبالغة.
(فإذا ألقت الشمس قناعها) استعارة بالكناية تشبيهاً للشمس بالمرأة ذات القناع، وإثبات القناع تخييل وذكر الإلقاء ترشيح والمراد طلوع الشمس وبروزها من حجاب الأرض والآفاق (وبدت أوضاح نهارها) أي ظهر بياضه (ودخل من إشراق نورها على الضباب في وجارها) وإنما خصها بالذكر إذ من عادتها الخروج من وجارها عند طلوع الشمس لمواجهة
ص: ٢٢٧
النور على عكس الخفافيش.
(أطبقت الأجفان) جواب إذا (على مآقيها وتبلغت) أي اكتفت وقنعت (بما اكتسبته من المعاش في ظلم لياليها) فتعيش به وتقنع عليه (فسبحان من جعل الليل لها نهاراً ومعاشاً) تعيش فيها (والنهار سكناً وقراراً) لتسكن وتقرّ فيه .
ثم أشار (علیه السَّلام) إلى جهة ثانية لاختلافها لسائر الحيوانات بقوله : (وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران كأنها شظايا الآذان) لا يخفى ما في هذا التشبيه من اللطف والغرابة (غير ذوات ريش ولا قصب) كما لأجنحة سائر الطيور (إلا أنك ترى مواضع العروق بينة أعلاماً) أي واضحة ظاهرة مثل طراز الثوب (ولها جناحان لما يرقا فينشقا ولم يغلظا فيثقلا) يعني أن جناحيه لم يجعلا دقيقين بالغين في الرقة ولا غليظين بالغين في الغلظ حذراً من الانشقاق والثقل المانع من الطيران.
ثم أشار (علیه السَّلام) إلى جهة ثالثة للاختلاف بقوله : (تطير وولدها لاصق بها لاجئ إليها) أي لائذ ومعتصم بها (ويقع إذا وقعت ويرتفع إذا ارتفعت لا يفارقها) في حالتي الوقوع والطيران (حتى تشتد أركانه) وجوانبه التي يستند إليها ويقوم بها (ويحمله للنهوض جناحه) ويمكنه الطيران والتصرف بنفسه ويعرف مذاهب عيشه ومصالح نفسه .
ولما افتتح كلامه بالتحميد ختمه بالتسبيح ليكمل حسن الافتتاح بحسن الاختتام وتتم براعة الفاتحة ببراعة الخاتمة فقال (فسبحان البارئ) الخالق (لكل شيء على غير مثال خلا) أي مضى وسبق (من غيره) يعني أنه لم يخلق الأشياء على حد وخالق سبقه بل ابتدعها على وفق الحكمة ومقتضى المصلحة.
ظريفة في نوادر الخفاش
قال تعالى: « وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا»، [المائدة : ١١٠]، قال في (التفسير): إنه وضع من الطين كهيئة الخفاش ونفخ فيه فصار طائراً .
قال الشارح في الأحاديث العامية قيل للخفاش : لماذا لا جناح لك؟ قال: لأني تصوير مخلوق، قيل : فلماذا لا تخرج نهاراً ؟ قال حياء من الطيور، يعنون أن المسيح صوره.
وفي (البحار) في تفسير قوله : « أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا» [آل عمران: ٤٩] قال : المشهور بين الخاصة والعامة من المفسرين أن الطير كان هو الخفاش.
قال أبو الليث في (تفسيره) : إن الناس سألوا عيسى (علیه السَّلام) على وجه التعنت فقالوا له :
ص: ٢٢٨
اخلق لنا خفاشاً واجعل فيه روحاً إن كنت من الصادقين فأخذ طيناً وجعل خفاشاً ونفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض، وكانت تسوية الطين والنفخ من عيسى (علیه السَّلام)، والخلق من الله تعالى ويقال : إنما طلبوا منه خلق خفاش لأنه أعجب من سائر الخلق، ومن عجائبه أنه دم ولحم، يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما تبيض سائر الطيور، ويكون له الضرع ويخرج اللبن، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جداً، ويضحك كما يضحك الإنسان ويحيض كما تحيض المرأة، فلما رأوا ذلك منه ضحكوا وقالوا: هذا سحر مبين فذهبوا إلى جالينوس فأخبروه بذلك فقال : آمنوا به.
وقال الدميري في (حياة الحيوان) والحق أنه صنفان وقال قوم: الخفاش الصغير، والوطواط الكبير، وهو لا يبصر في ضوء القمر ولا في ضوء النهار، ولما كان لا يبصر نهارا التمس الوقت الذي لا يكون فيه ظلمة ولا ضوء وهو قريب غروب الشمس لأنه وقت هيجان البعوض، فإن البعوض يخرج ذلك الوقت يطلب قوته وهو دماء الحيوان والخفاش يطلب الطعام فيقع طالب رزق على طالب رزق والخفاش ليس هو من الطير في شيء لأنه ذو أذنين وأسنان وخصيتين، ويحيض، ويطهر، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويبول كما تبول ذوات الأربع، ويرضع ولده ولا ريش له .
قال بعض المفسرين لما كان الخفاش هو الذي خلقه عيسى ابن مريم بإذن الله كان مبايناً لصنعة الله ولهذا جميع الطير تقهره وتبغضه فإن كان منها يأكل اللحم أكله وما لا يأكل اللحم قتله، فلذلك لا يطير إلا ليلاً.
وقيل : لم يخلق عيسى غيره، لأنه أكمل الطير خلقاً وهو أبلغ في القدرة، لأن له ثدياً وأسناناً وأذناً .
وقيل : إنما طلبوا الخفاش لأنه من أعجب الطير، إذ هو لحم ودم، يطير بغير ريش، وهو شديد الطيران، سریع التقلب يقتات بالبعوض والذباب وبعض الفواكه، وهو مع ذلك موصوف بطول العمر فيقال : إنه أطول عمراً من النسر ومن حمار الوحش، وتلد أنثاه ما بين ثلاثة أفراخ وسبعة، وكثيراً ما يسفد وهو طائر في الهواء، وليس في الحيوان ما يحمل ولد غيره والقرد والإنسان، ويحمله تحت جناحه، وربما قبض عليه بفيه وهو من حنوه وإشفاقه عليه، وربما أرضعت الأنثى ولدها وهي طائرة، وفي طبعه أنه متى أصابه ورق الدلب حذر ولم يطر، ويوصف بالحمق، ومن ذلك أنه إذا قيل له : أطرق وكرا، لصق بالأرض (1).
ص: ٢٢٩
1) راجع بحار الأنوار: ٣٢٩/٦١.
از جمله خطب شریفه آن امام مبین و ولی مؤمنین است که ذکر می فرماید در آن عجيب خلقت شب پره را:
حمد و ستایش معبود به حقی را سزا است که عجز به هم رساند وصف ها از کنه معرفت او و منع نمود عظمت او عقلها را، پس نیافتند گذرگاهی به سوی رسیدن به نهایت پادشاهی او و او است معبود به حق پادشاه مطلق که محقق است وجود او ظاهر است و آشکارا، ثابت تر و آشکارتر است از آنچه که می بینند آن را چشم ها، نمی رسد به کنه ذات او عقلها تا باشد تشبیه کرده شده به مخلوقی از مخلوقات و واقع نم یشود بر او و هم ها به اندازه و تقدیری تا باشد تمثیل کرده شده به غیر خود.
خلق فرمود مخلوقات را بدون اینکه مثال آنها را از دیگری برداشته باشد و بدون مشورت مشیر و بی یاری معین، پس تمام شد مخلوق او به مجرد امر و اراده او و گردن نهادند به طاعت او پس اجابت کردند و مدافعه ننمودند و انقیاد کردند و منازعه ننمودند.
و از لطیفه های صنعت او و عجیبه های خلقت او است آنچه نمود به ما از پوشیدگی های حکمت خود در این شب پره ها که قبض می کند چشم های آنها را روشنی که گستراننده هر چیز است و بسط می کند چشمان ایشان را تاریکی که فراگیرنده هر زنده است و چگونه ضعیف شد چشمهای آنها از آنکه مدد خواهند از آفتاب روشن نوری را که هدایت بیابد به سبب آن نور در مواضع رفتار خود و برسد بهواسطه دلیل آشکار آفتاب به سوی راه های معرفت خود و منع فرمود حق سبحانه و تعالی آن خفّاش ها را به سبب درخشیدن روشنایی خورشید تابان از رفتن ایشان در رونق روشنی آن و پنهان نمود آنها را در مکانهای مخفی آنها از راه رفتن در درخشیدن آشکار آفتاب.
پس آن شب پره ها فرو گذاشته شده پلک های چشم های ایشان در روز بر
ص: ٢٣٠
حدق های ایشان و گرداننده اند شب را چراغ که راه می جویند به آن در طلب کردن روزی های خود، پس باز نمی دارد دیده های ایشان را تاریکی ظلمت شب و بازنمی ایستند از گذشتن در شب به جهت تاریکی ظلمت آن، پس زمانی که انداخت آفتاب عالمتاب نقاب خود را و ظاهر شد روشنایی های روز آن و داخل شد تافتن نور آن بر سوسمارها در خانه های ایشان و برهم نهند خفّاش ها پلك های چشم خود را بر گوش های چشم خود و اکتفا می نمایند به آن چیزی که کسب کرده اند آن را از معاش در ظلمت های شب های خودشان.
پس پاکا پروردگاری که گردانیده است شب را از برای ایشان روز و سبب معاش و روز را به جهت ایشان هنگام آسایش و قرارگاه و گردانیده است از برای ایشان بال ها از گوشت آنها که عروج می کنند به آن بال ها در وقت حاجت به پریدن گویا که آن بال ها پارچه های گوش های مردمان است، نه صاحب پرند و نه عروق لیکن تو می بینی جای های رگ های ایشان را ظاهر و نمایان و خط خط و مرایشان را است دو بال که آنقدر رقیق و لطیف نیستند تا شکافته شود و آنقدر غلیظ و کثیف نیستند تا سنگین باشد، طیران می کنند در حالتی که بچه ایشان چسبنده است به ایشان پناه آورنده است به سوی ایشان، می افتد آن وقتی که مادرشان می افتد و بلند می شود زمانی که مادرشان بلند می باشد، جدا نمی شوند بچه ها از آنها تا آنکه اعضای آنها محکم شود و تا آنکه بردارد آنها را به جهت برخواستن بال آنها و تا بشناسند راههای معاش و زندگانی خود را .
پس منزه است پروردگار آفریننده هر چیز بدون نمونه که گذشته باشد صدور آن از غیر او، از جهت اینکه او است مخترع اشیاء که ایجاد آن بر سبیل ابداع است و اختراع.
ص: ٢٣١
وشرحها في فصلين
فَمَنْ اسْتَطَاعَ عِنْدَ ذلِكَ أَنْ يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اللَّهِ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنْ أَطَعْتُمُونِي فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ عَلى سَبِيلِ الجَنَّةِ وإِنْ كانَ ذا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، ومَذَاقَةٍ مَرِيرَةٍ، وأمّا فُلانَةُ فَأَدْرَكَها رَأيُ النِّساءِ وَضِغْنٌ غَلَا فِي صَدْرِها كَمِرْجَلِ القِينِ، ولَوْ دُعِيَتْ لِتَنالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ لَمْ تَفْعَلْ وَلَها بَعْدُ حُرْمَتُهَا الأولىٰ والحِسابُ عَلَى اللَّهِ (1).
(المرجل) وزن منبر القدر و (القين) الحدّاد .
(على) في قوله (على الله) في الموضعين للاستعلاء المجازي وجملة (لم تفعل) جواب (لو)، والباقي واضح.
قال الشارح البحراني (قدس سره) : إن قوله (علیه السَّلام): فمن استطاع عند ذلك يقتضي أنه سبق منه قبل هذا الفصل ذكر فتن وحروب تقع بين المسلمين وجب على من أدركها أن يعتقل نفسه على الله أي يحبسها على طاعته من دون أن يخالطها ويدخل فيها (فليفعل) لوجوب طاعته سبحانه عقلاً ونقلاً (فإن أطعتموني فإني حاملكم إن شاء الله على سبيل الجنة) وسبيلها هو الدين القويم والصراط المستقيم وإنما شرط (علیه السَّلام) حملهم عليها بإطاعته إذ لا رأي لمن لا يطاع (وإن كان) هذه السبيل وسلوكها (ذا مشقة شديدة ومذاقة مريرة) لظهور أن
ص: ٢٣٢
1) الاحتجاج : ٢٤۸/۱ ، وبحار الأنوار: ٢٣٤/٢٢ ح ۲.
النفوس مائلة إلى اللهو والباطل والمواظبة على الطاعات والوقوف عند المحرمات أمر شاق شديد المشقة مرّ المذاق بعيد عن المساغ البتة .
(وأما فلانة) كنى بها عن عائشة ولعله من السيد «رحمه الله» تقية كما كنّى في الخطبة (الشقشقية) عن أبي بكر بفلان (فأدركها رأي النساء) أي ضعف الرأي فإن رأيهن إلى الأفن وعزمهن إلى الوهن وقد تقدم ما يدل على نقصان حظوظهن وعقولهن وميراثهن وسائر خصالهن المذمومة في الكلام التاسع والسبعين وشرحه (وضغن) أي حقد (غلا في صدرها كمرجل القين) أي كغليان قدر الحدّاد، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس، ووجه الشبه الشدة والدوام وأسباب ضعنها كثيرة ستطلع عليها بعيد ذلك.
(ولو دعيت لتنال غيري ما أتت إلي لم تفعل) قال الشارح المعتزلي : يقول : لو أن عمر ولي الخلافة بعد قتل عثمان على الوجه الذي قتل عليه والوجه الذي أنا وليت الخلافة عليه ونسب عمر إلى أنه كان يؤثر قتله أو يحرض عليه، ودعيت إلى أن تخرج عليه في عصابة من المسلمين إلى بعض بلاد الإسلام تثير فتنة وتنقض البيعة لم تفعل، وهذا حق لأنها لم تكن تجد على عمر ما تجده على علي (علیه السَّلام) ولو لا الحال الحال، انتهى (1).
ومحصله أنه (علیه السَّلام) أراد بقوله : (من غيري) عمر قال العلامة المجلسي والأظهر الأعم، أي لو كان عمر أو أحد من أضرابه ولي الخلافة بعد قتل عثمان ودعيت إلى أن تخرج إليه لم تفعل (ولها بعد حرمتها الأولى) أي كونها من أمهات المؤمنين (والحساب على الله) هذا من باب الاحراس الذي تقدم في ديباجة الشرح أنه من جملة المحسنات البديعية فإنه (علیه السَّلام) لما أثبت لها حرمتها الأولى عقبه بذلك لئلا يتوهم منه أنها محترمة في الدنيا والعقبى ونبه به على أن حرمتها ملحوظة في الدنيا فقط لرعاية احترام الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وأما في الأخرى فجزاء ضغنها وخروجها عن طاعة الإمام المفترض الطاعة وإثارتها الفتنة المؤدية إلى إراقة دماء المسلمين على الله سبحانه إذ من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وقد قال تعالى: «يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)» [الأحزاب: ٣٠].
أورد الشارح المعتزلي في شرح هذا الكلام له (علیه السَّلام) فصلاً طويلاً كم فيه من التصريح والتعريض والتلويح إلى مثالب عائشة ومطاعنها وإن لم يرفع الشارح يده مع ذلك كله عن ذيل
ص: ٢٣٣
1) شرح النهج : ۱۹۹/۹ .
الاعتساف والتعصب أحببت إيراد ذلك الكلام على طوله لأنه من لسان أبنائها أحلى ونعقبه إن شاء الله بما عندنا من القول الفصل الذي ليس هو بالهزل، ومن الحق الذي هو أحق أن يتبع، فأقول :
قال الشارح: كانت عائشة فقيهة راوية للشعر ذات حظ من رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وكانت لها عليه جرأة وإدلال لم يزل ينمي ويستسرى حتى كان منها في أمره في قصة مارية ما كانت من الحديث الذي أسرّه إلى الزوجة الأخرى وأدى إلى تظاهرهما عليه وأنزل فيهما قرآن يتلى في المحاريب يتضمن وعيداً غليظاً عقيب تسريح بوقوع الذنب وصغو القلب وأعقبتها تلك الجرأة وذلك الانبساط أن حدث منها في أيام الخلافة العلوية ما حدث، ولقد عفى الله تعالى عنها وهي من أهل الجنة عندنا بسابق الوعد وما صح من أمر التوبة، إلى أن قال :
فأما قوله (علیه السَّلام): أدركها رأي النساء، أي ضعف آرائهن وقد جاء في الخبر لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة، وجاء أنهن قليلات عقل ودين، أو قال : ضعيفات ولذلك جعل شهادة المرأتين بشهادة الرجل الواحد والمرأة في أصل الخلقة سريعة الانخداع سريعة الغضب سيئة الظن فاسدة التدبير، والشجاعة فيهن مفقودة أو قليلة وكذلك السخاء .
قال الشارح: وأما الطعن فاعلم أن هذا الكلام يحتاج إلى شرح، وقد كنت قرأته على الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعاني (رحمه الله) أيام اشتغالي عليه بعلم الكلام، وسألته عما عنده، فأجابني بجواب طويل أنا أذكر محصوله بعضه بلفظه وبعضه بلفظي فقد شذّ عني الآن لفظه كله بعينه.
قال : أول بداية الضغن كان بينها وبين فاطمة عليها السلام، وذلك لأن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) تزوجها عقيب موت خديجة فأقامها مقامها، وفاطمة عليها السلام هي ابنة خديجة، ومن المعلوم أن ابنة الرجل إذا ماتت أمها وتزوج أبوها أخرى كان بين الابنة وبين المرأة كدر وشنان، وهذا لا بد منه لأن الزوجة تنفس عليها ميل الأب، والبنت تكره ميل أبيها إلى امرأة غريبة كالضرة لأمها، بل هي ضرة على الحقيقة وإن كانت الأم ميتة، ولأنا لو قدرنا الأم حية لكانت العداوة مضطرمة متسعرة فإذا كانت قد ماتت ورثتها ابنتها تلك العداوة .
ثم اتفق أن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) مال إليها وأحبها فازداد ما عند فاطمة بحسب زيادة ميله، وأكرم رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فاطمة إكراماً عظيماً أكثر مما كان الناس يظنونه وأكثر من إكرام الرجال لبناتهم حتى خرج بها عن حدّ حب الآباء للأولاد، فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بمحضر الخاص والعام مراراً لا مرة واحدة، وفي مقامات مختلفة لا في مقام واحد: «إنها سيدة نساء العالمين، وإنها عديلة مريم بنت عمران، وإنها إذا مرت في الموقف نادى مناد من جهة العرش يا أهل الموقف غضوا أبصاركم لتعبر فاطمة بنت محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)»، وهذا من الأحاديث الصحيحة وليس
ص: ٢٣٤
من الأخبار المستضعفة وأن إنكاحه علياً إياها ما كان إلا بعد أن أنكحه الله إياها في السماء بشهادة الملائكة.
وكم قال لا مرة: «يؤذيني ما يؤذيها ويغضبني ما يغضبها وإنها بضعة يريبني ما رابها» (1).
فكان هذا وأمثاله يوجب زيادة الضغن عند الزوجة حسب زيادة هذا التعظيم والتبجيل، والنفوس البشرية تغيظ على ما هو دون هذا فكيف هذا ؟ .
ثم حصل عند بعلها (علیه السَّلام) ما هو حاصل عندها، أعني علياً (علیه السَّلام)، فإن النساء كثيراً ما يحصلن الأحقاد في قلوب الرجال لا سيما وهن محدثات الليل كما قيل في المثل، وكانت تكثر الشكوى من عائشة ويغشيها نساء المدينة وجيران بيتها فينقلن إليها كلمات عن عائشة ثم يذهبن إلى بيت عائشة فينقلن إليها كلمات عن فاطمة، وكما كانت فاطمة تشكو إلى بعلها كانت عائشة تشكو إلى أبيها لعلمها أن بعلها لا يشكيها على ابنته فحصل في نفس أبي بكر من ذلك أثر ما .
ثم تزايد تقريظ رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لعلي وتقريبه واختصاصه، فأحدث ذلك حسداً له وغيظة في نفس أبي بكر عنه وهو أبوها وفي نفس طلحة وهو ابن عمها وهي تجلس إليهما وتسمع كلامهما وهما يجلسان إليها ويحادثانها فأعدى إليها منهما كما أعدى إليهما منها.
قال : ولست أبرئ علياً من مثل ذلك، فإنه كان ينفس على أبي بكر سكون النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إليه وثنائه عليه، ويجب أن ينفرد هو بهذه المزايا والخصائص دونه و دون الناس أجمعين، ومن انحرف عن إنسان انحرف عن أهله وأولاده فتأكدت البغضة بين هذين الفريقين .
ثم كان من أمر القذف ما كان ولم يكن علي (علیه السَّلام) من القاذفين ولكنه كان من المشيرين على رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بطلاقها تنزيهاً لعرضه عن أقوال الشناة والمنافقين قال له لما استشاره: إن هي الا شسعنعلك وقال له: سل الخادم وخوفها وإن أقامت على الجحود فاضربها .
وبلغ عائشة هذا الكلام كله وسمعت أضعافه مما جرت عادة الناس أن يتداولوه في مثل هذه الواقعة، ونقل النساء إليها كلاماً كثيراً عن علي وفاطمة فاشتدت وغلظت وطوى كل من الفريقين قلبه على الشنآن لصاحبه.
ثم كان بينها وبين علي (علیه السَّلام) في حياة رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أحوال وأقوال كلها تقتضي تهيج ما في النفوس، نحو قولها له وقد استدناه رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فجاء حتى قعد بينه وبينها وهما
ص: ٢٣٥
1) شرح الأخبار : ٦٠/٣ ح ۹۸۱ ، وذخائر العقبى : ٣٧.
متلاصقان: أما وجدت مقعداً لكذا - لا تكنى عنه - إلا فخذي ونحو ما روي أنه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) سايره يوماً وأطال مناجاته فجاءت وهي سائرة خلفهما حتى دخلت بينهما وقالت: فيم أنتما فقد أطلتما، فيقال : إن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) غضب ذلك اليوم وما روى في حديث الجفنة من الثريد التي أمرت الخادمة فوقفت لها فأكفأتها ونحوها مما يكون بين الأهل وبين المرأة وأحماتها.
ثم اتفق أن فاطمة ولدت أولاداً كثيراً بنين وبنات ولم تلد هي ولداً، وأن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كان يقيم بني فاطمة مقام بنيه ويسمى الواحد منهما ويقول : دعوا لي ابني، ولا تزرموا عليّ ابني، وما فعل ابني، فما ظنك بالزوجة إذا حرمت الولد من البعل ثم رأت البعل يتبنى بني ابنته من غيرها ويحنو عليهم حنو الولد المشفق هل تكون محبة لأولئك البنين ولأمهم ولأبيهم أم مغيضة؟ وهل تود دوام ذلك واستمراره أم زواله وانقضائه ؟ .
ثم اتفق أن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) سدّ باب أبيها إلى المسجد وفتح باب صهره ثم بعث أباها ببراءة إلى مكة ثم عزله عنها بصهره، فقدح ذلك أيضاً في نفسها.
وولد لرسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إبراهيم من مارية فأظهر علي (علیه السَّلام) بذلك سروراً كثيراً وكان يتعصب لمارية ويقوم بأمرها عند رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ميلاً على غيرها، وجرت المارية نكبة مناسبة لنكبة عائشة فبرها علي (علیه السَّلام) منه وكشف بطلانها وكشفه الله تعالى على يده وكان ذلك كشفاً محسّاً بالبصر لا يتهيأ للمنافقين أن يقولوا فيه ما قالوا في القرآن المنزل ببراءة عائشة، وكل ذلك مما كان يوعر صدر عائشة عليه ويؤكد ما في نفسها منه.
ثم مات إبراهيم فأبطنت شماتة وإن أظهرت كأبة، ووجم علي (علیه السَّلام) من ذلك وكذلك فاطمة وكانا يؤثران ويريدان أن تتميز مارية عليها بالولد فلم يقدّر لهما ولا لمارية ذلك.
وبقيت الأمور على ما هي عليه وفي النفوس ما فيها حتى مرض رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) المرض الذي توفى فيه، فكانت فاطمة وعلي يريدان أن یمرضاه في بيتهما وكذلك كانت أزواجه فمال إلى بيت عائشة بمقتضى المحبة القلبية التي كانت لها دون نسائه، وكره أن يزاحم فاطمة وبعلها في بيتهما فلا يكون عنده من الانبساط بوجودهما ما يكون إذا خلا بنفسه في بيت من يميل إليه بطبعه وعلم أن المريض يحتاج إلى فضل مداراة ونوم ويقظة وانكشاف وخروج حدث فكانت نفسه إلى بيته أسكن منها إلى بيت صهره وابنته فإنه إذا تصوّر حيائهما منه استحيى هو أيضاً منهما وكل أحد يحب أن يخلو بنفسه ويحتشم الصهر والبنت ولم يكن له (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إلى غيرها من الزوجات مثل ذلك الميل إليها فتمرض في بيتها فغبطت على ذلك، ولم يمرض رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) منذ قدم المدينة مثل ذلك المرض وإنما كان مرضه الشقيقة يوماً أو بعض يوم ثم تبرأ فتطاول هذا المرض.
ص: ٢٣٦
وكان علي (علیه السَّلام) لا يشك أن الأمر له وأنه لا ينازعه فيه أحد من الناس ولهذا قال له عمه وقد مات رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): أمدد يدك أبايعك، فيقول الناس عم رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بايع ابن عم رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فلا يختلف عليك اثنان، قال : يا عم وهل يطمع فيها طامع غيري؟ قال: ستعلم، قال: فإني لا أحب هذا الأمر من وراء رتاج وأحب أن أصهر «اصحر» به فسكت عنه.
فلما ثقل رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في مرضه أنفذ جيش أسامة وجعل فيه أبا بكر وغيره من أعلام المهاجرين والأنصار ، فكان علي (علیه السَّلام) حينئذ بوصوله إلى الأمر إن حدث برسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أوثق، وتغلب على ظنه أن المدينة لو مات (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لخلت من منازع ينازعه الأمر بالكلية، فيأخذه صفواً عفواً، وتتم له البيعة فلا يتهيأ فسخها لو رام ضدّ منازعة عليها .
فكان من عود أبي بكر من جيش أسامة بإرسالها إليه وإعلامه بأن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يموت ما كان، ومن حديث الصلاة ما عرفت، فنسب علي (علیه السَّلام) عائشة إلى أنها أمرت بلالاً مولى أبيها أن يأمره فليصل بالناس، لأن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كما روي قال : «ليصل بهم أحدهم»، ولم يعين وكانت صلاة الصبح .
فخرج رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وهو في آخر رمق يتهادى بين علي (علیه السَّلام) والفضل ابن العباس حتى قام في المحراب كما ورد في الخبر، ثم دخل فمات ارتفاع الضحى فجعل يوم صلاته حجّة في صرف الأمر إليه، وقال أيكم أطيب نفساً أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في الصلاة ولم يحملوا خروج رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إلى الصلاة لصرفه عنها بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن.
فبويع على هذه النكتة التي اتهمها علي (علیه السَّلام) أنها ابتدأت منها وكان علي (علیه السَّلام) يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيراً ويقول : إنه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لم يقل إنكن لصويحبات يوسف إلا إنكاراً لهذه الحال وغضباً منها لأنها وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما وأنه استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب فلم يجد ذلك ولا أثر مع قوة الداعي الذي يدعو إلى أبي بكر ويمهد له قاعدة الأمر وتقرّ رحاله في نفوس الناس ومن اتبعه على ذلك من أعيان المهاجرين والأنصار لما ساعد على ذلك من الحظ الفلكي الأمر السمائي الذي جمع عليه القلوب والأهواء.
فكانت هذه الحال عند علي (علیه السَّلام) أعظم من كل عظيم وهي الطامة الكبرى والمصيبة العظمى ولم ينسبها إلا إلى عائشة وحدها، ولا علّق الأمر الواقع إلا بها، فدعا عليها في خلواته وبين خواصه وتظلّم إلى الله منها، وجرى له في تخلفه عن البيعة ما هو مشهور حتى بايع.
ص: ٢٣٧
وكان تبلغه وفاطمة عنها كل ما يكرهانه منذ مات رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إلى أن توفيت فاطمة عليها السلام وهما صابران على مضض ورمض، واستظهرت بولاية أبيها واستطالت وعظم شأنها وانخذل علي (علیه السَّلام) وفاطمة وقهرا، وأخذت فدك وخرجت فاطمة تجادل في ذلك مراراً فلم تظفر بشيء.
وفي كل ذلك تبلّغها النساء الداخلات والخارجات عن عائشة كل كلام يسؤوها ويبلغن عائشة عنها وعن بعلها مثل ذلك، إلا أنه شتان ما بين الحالين وبعدما بين الفريقين، هذه غالبة وهذه مغلوبة، هذه آمرة وهذه مأمورة، وظهر التشفي والشماتة ولا شيء أعظم مرارة ومشقة من شماتة العدوّ .
قال الشارح : فقلت له : أفتقول أنت إن عائشة عينت أباها للصلاة ورسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لم يعينه؟ فقال: أما أنا فلا أقول ذلك، ولكن علياً (علیه السَّلام) كان يقوله، وتكليفي غير تكليفه كان حاضراً ولم أكن حاضراً، فأنا محجوج بالأخبار التي اتصلت بي وهي تتضمن تعيين النبي (علیه السَّلام) لأبي بكر في الصلاة وهو محجوج بما كان فقد علمه أو يغلب على ظنه من الحال التي كان حضرها.
قال : ثم ماتت فاطمة عليها السلام فجاءت نساء رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كلهن إلى بني هاشم في العزاء إلا عائشة، فإنها لم تأت أظهرت مرضاً، ونقل إلى علي (علیه السَّلام) عنها كلام يدل على السرور.
ثم بايع علي (علیه السَّلام) أباها فسرت بذلك وأظهرت من الاستبشار بتمام البيعة واستقرار الخلافة وبطلان منازعة الخصم ما قد نقله الناقلون فأكثروا .
واستمرت الأمور على هذه مدة خلافة أبيها وخلافة عمر وعثمان، والقلوب تغلي والأحقاد تذيب الحجارة، وكلما طال الزمان على علي(علیه السَّلام) تضاعفت همومه وغمومه، وباح بما في نفسه إلى أن قتل عثمان وقد كانت عائشة أشد الناس عليه تأليباً وتحريضاً، فقالت : أبعده الله لما سمعت قتله وأملت أن تكون الخلافة في طلحة فيعود الأمر تيمية كما كان أولاً ، فعدل الناس عنه إلى علي بن أبي طالب (علیه السَّلام)، فلما سمعت ذلك صرخت: واعثماناه قتل عثمان مظلوماً وثار ما في الأنفس حتى تولد من ذلك يوم الجمل وما بعده.
قال الشارح : هذه خلاصة كلام الشيخ أبي يعقوب ولم يكن يتشيع، وكان شديداً في الاعتزال إلا أنه كان في التفضيل بغدادياً.
ثم قال الشارح في شرح قوله (علیه السَّلام) والحساب على الله :
فإن قلت : هذا الكلام يدل على توقفه في أمرها وأنتم تقولون إنها من أهل الجنة فكيف
ص: ٢٣٨
تجمعون بين مذاهبكم وهذا الكلام؟
قلت: يجوز أن يكون (علیه السَّلام) قال هذا الكلام قبل أن يتواتر الخبر عنده بتوبتها فإن أصحابنا يقولون: إنها تابت بعد قتل أمير المؤمنين (علیه السَّلام) وندمت وقالت: لوددت أن لي من رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) عشرة بنين كلهم ماتوا ولم يكن يوم الجمل، وأنها كانت بعد قتله تثني عليه وتنشر مناقبه .
مع أنهم رووا أيضاً أنها عقيب الجمل كانت تبكي حتى تبل خمارها، وأنها استغفرت الله وندمت ولكن لم تبلغ أمير المؤمنين (علیه السَّلام) حديث توبتها عقيب الجمل بلاغاً يقطع العذر ويثبت الحجة والذي شاع عنها من أمر الندم والتوبة شياعاً مستفيضاً إنما كان بعد قتله (علیه السَّلام) إلى أن ماتت وهي على ذلك، والتائب مغفور له ويجب قبول التوبة عندنا في العدل وقد أكد وقوع التوبة منها ما روي في الأخبار المشهورة أنها زوجة رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في الآخرة كما كانت زوجته في الدنيا، ومثل هذا الخبر إذا شاع أوجب علينا أن نتكلف إثبات توبتها لو لم ينقل فكيف والنقل لها يكاد أن يبلغ حد التواتر انتهى كلام الشارح المعتزلي (1).
وينبغي لنا أن نعقبه بما عندنا في هذا المقام فأقول وبالله التكلان:
أما ما أشار إليه الشارح من أنه كان من عائشة في أمره (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في قضية مارية ما كان من الحديث الذي أسره إلى الزوجة الأخرى وأدّى إلى تظاهرهما عليه وأنزل فيهما قرآن يتلى في المحاريب (آهـ) فشرحه ما ذكره المفسرون من العامة والخاصة في تفسير قوله تعالى : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)» [التحريم: ١] قال في (الكشاف): روى أنه عليه الصلاة والسلام خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها : اكتمي علي وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي فأخبرت به وكانتا متصادقتين، وفي (التفسير الكبير) في تفسير قوله تعالى: «وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)» [التحريم: ٣] قال الفخر الرازي: يعني ما أسرّ إلى حفصة من تحريم الجارية على نفسه واستكتمها ذلك، وقيل: لما رأى النبي الغيرة في وجه حفصة أراد أن يرضيها فأسر إليها بشيئين : تحريم الأمة على نفسه، والبشارة بأن الخلافة بعده في أبي بكر وأبيها عمر، قاله ابن عباس وقوله : فلما نبأت به أي أخبرت به عائشة وأظهره الله عليه أطلع نبيه على قول حفصة لعائشة فأخبر النبي حفصة عند ذلك ببعض ما قالت وهو قوله تعالى : عرف بعضه حفصة وأعرض عن بعض لم يخبرها أنك أخبرت عائشة
ص: ٢٣٩
1) شرح النهج : ٢٠٠/٩.
على وجه التكريم والإغضاء والذي أعرض عنه ذكر خلافة أبي بكر وعمر .
وقال القمي : سبب نزولها أن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كان في بعض بيوت نسائه، وكانت مارية القبطية تكون معه تخدمه، وكان ذات يوم في بيت حفصة، فذهبت حفصة في حاجة لها فتناول رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) مارية فعلمت حفصة بذلك فغضبت وأقبلت على رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فقالت: يا رسول الله في يومي وفي داري وعلى فراشي فاستحى رسول الله منها فقال: «كفى فقد حرمت مارية على نفسي ولا أطأها بعد هذا أبداً، وأنا أقضي إليك سراً إن أنت أخبرت به فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، فقالت نعم ما هو ؟ فقال : «إن أبا بكر يلي الخلافة بعدي، ثم بعده أبوك» فقالت: من أنبأك؟ فقال : «نبأني العليم الخبير». فأخبرت حفصة به عائشة من يومها ذلك وأخبرت عائشة أبا بكر فجاء أبو بكر إلى عمر فقال له : إن عائشة أخبرتني عن حفصة بشيء ولا أثق بقولها فاسأل أنت حفصة، فجاء عمر إلى حفصة فقال لها: ما هذا الذي أخبرت عنك عائشة؟ فأنكرت ذلك وقالت : ما قلت لها من ذلك شيئاً، فقال عمر: إن هذا حق فأخبرينا حتى نتقدم فيه، فقالت نعم، قد قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فاجتمعوا أربعة على أن يسمّوا رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فنزل جبرائيل على رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بهذه السورة قال: وأظهره الله عليه يعني وأظهره الله على ما أخبرت به وما هموا به من قتله عرف بعضه أي خبرها وقال : لم أخبرت بما أخبرتك به وأعرض عن بعض، قال : لم يخبرهم بما يعلم بما هموا به من قتله، وقال تعالى في هذه السورة : «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)» [التحريم: ١٠] قال في (تفسير الصافي): مثل الله حال الكفار والمنافقين في أنهم يعاقبون بكفرهم ونفاقهم ولا يحابون بما بينهم وبين النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) والمؤمنين من النسبة والوصلة بحال امرأة نوح وامرأة لوط، وفيه تعريض بعائشة وحفصة في خيانتهما رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بإفشاء سره ونفاقهما إياه وتظاهرهما عليه كما فعلت امرأتا الرسولين فلم يغن الرسولان عنهما بحق الزواج إغناء ما وقيل لهما بعد موتهما أو يوم القيامة : أدخلا النار مع الداخلين الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء.
وأما أسباب الضغن التي بين عائشة وفاطمة عليها السلام على ما فصلها وحكاها عن الشيخ أبي يعقوب اللمعاني فهي كما ذكره إلا أن اللائمة فيها كلها راجعة إلى عائشة وأبيها ، وتشريكه بينهما وبين فاطمة وبعلها سلام الله عليهما في ذلك، أي في الاتصاف بالضغن والحقد والحسد غلط فاحش بعد شهادة آية التطهير وغيرها بعصمتهما وبراءة ساحتهما عن دنس المعاصي والذنوب وطهارة ذيلهما عن وسخ الآثام والعيوب.
ومن ذلك يعلم ما في قوله : (ولست أبرأ علياً من مثل ذلك) فإنه كان ينفس على أبي
ص: ٢٤٠
بكر سكون النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إليه وثنائه عليه ويحب أن ينفرد هو بهذه المزايا والخصائص دونه ودون الناس أجمعين مضافاً إلى ما فيه من أنّا لم نسمع إلى الآن لأبي بكر مزية وخاصة ومكرمة اختص بها، ولم نظفر بأن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يوماً أثنى عليه وسكن إليه، والأخبار المفصحة عن شقاقه ونفاقه وإزراء الرسول عليه في غير موطن فوق حد الإحصاء، ولو لم يكن شاهد على عدم سكونه إليه غير بعثه بسورة براءة إلى مكة ثم عزله عنها لكفى .
وأما الحديث الذي رواه عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أعني قوله : (وكم قال لا مرة يؤذيني ما يؤذيها ويغضبني ما يغضبها) فهو حديث صحيح رواه العامة والخاصة، وما أدري ما يجيب متعصبي أبي بكر وعمر عن ذلك، فإن غصبهما فدك منها وأمرهما بإحراق باب بيتها وإخراج بعلها ملبّباً إلى المسجد للبيعة كان بالضرورة موجباً لغضبها وأذيها ، فإذا انضم إلى ذلك الحديث الذي رووه وأضيف إليهما قوله سبحانه: « وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» [التوبة: ٦١] ينتج أنهما في العذاب الأليم والسخط العظيم كما مر تفصيله في التنبيه الثاني في شرح الكلام السادس والستين وقد تقدم هناك قول الشارح: أن الصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر، وأنها أوصت أن لا يصلّيا عليها، فانظر ماذا ترى .
وأما ما تكلّفه الشارح في آخر كلامه في إثبات توبة الخاطئة فدعوى لا تفي بإثباتها بينة وهو يريد إصلاح أمرها - ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر - وكيف تتوب عن أخطائها وتندم على تفريطها بعد رسوخ الضغن في هذه السنين المتطاولة في قلبها وتزايد أسباب الحقد والحسد وتراكمها يوماً فيوماً على ما فصلها الشارح عن اللمعاني، وقد تقدم ما يرشدك إلى بطلان هذه الدعوى في شرح الكلام التاسع والسبعين.
وأورد هنا مضافاً إلى ما سبق ما حققه شيخ الطائفة قدس الله روحه في (تلخيص الشافي) في إبطال تلك الدعوى.
قال في محكي كلامه في (البحار): وأما الكلام في توبة عائشة فما بيناه من الطرق الثلاث في توبة طلحة والزبير وهي معتمدة فيما يدعونه من توبة عائشة .
أولها: أن جميع ما يروونه من الأخبار لا يمكن ادعاء العلم فيها ولا القطع على صحتها، وأحسن الأحوال فيها أن يوجب الظن، وقد بينا أن المعلوم لا يرجع عنه بالمظنون.
والثاني : أنها معارضة بأخبار تزيد ما رووه في القوة أو تساويه، فمن ذلك ما رواه الواقدي بإسناده عن مصعبة عن ابن عباس قال : أرسلني علي إلى عائشة بعد الهزيمة وهي دار الخزاعيين يأمرها أن ترجع إلى بلادها وساق الحديث إلى قوله : فبكت مرة أخرى أشدّ من بكائها الأول ثم قالت : والله لئن لم يغفر الله لنا لنهلكنّ ثم ساق الحديث إلى آخره ثم
ص: ٢٤١
قال:
فإن قيل : ففي هذا الخبر دليل على التوبة وهي قولها عقيب بكائها : لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن.
قلنا : قد كشف الأمر ما عقبت هذا الكلام به من اعترافها ببغض أمير المؤمنين (علیه السَّلام) وبغض أصحابه المؤمنين، وقد أوجب الله عليها محبتهم وتعظيمهم وهذا دليل على الإصرار وأن بكائها إنما كان للخيبة لا للتوبة، وما كان في قولها : لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن من دليل على التوبة وقد يقول المصر مثل ذلك إذا كان عارفاً بخطئه فيما ارتكبه وليس كل من ارتكب ذنباً يعتقد أنه حسن حتى لا يكون خائفاً من العقاب عليه، وأكثر مرتكبي الذنوب يخافون العقاب مع الإصرار، ويظهر منهم مثل ما حكي عن عائشة ولا يكون توبة .
وروى الواقدي بإسناده أن عماراً رحمة الله عليه استأذن على عائشة بالبصرة بعد الفتح فأذنت له فدخل فقال : يا أمه كيف رأيت الله صنع حين جمع بين الحق والباطل ألم يظهر الله الحق على الباطل ويزهق الباطل؟ فقالت : إن الحرب دول وسجال وقد أديل على رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ولكن انظر يا عمار كيف تكون في عاقبة أمرك ؟ .
وروى الطبري في (تاريخه) أنه لما انتهى إلى عائشة قتل أمير المؤمنين (علیه السَّلام) قالت :
فألقت عصاها واستقر بها النوى *** كما قرعيناً بالأياب المسافر
من قتله ؟ فقيل : رجل من مراد، فقالت:
فإن يك تائباً فلقد نعاه ***بنعي ليس في فيه التراب
فقالت زينب بنت سلمة بن أبي سلمة : ألعليّ تقولين هذا؟ فقالت : إني أنسى فإذا نسيت فذكروني، وهذه سخرية منها بزينب وتمويه خوفاً من شناعتها، ومعلوم أن الناسي والساهي لا يتمثل بالشعر في الأغراض المطابقة، ولم يكن ذلك منها إلا عن قصد ومعرفة.
وروي عن ابن عباس أنه قال لأمير المؤمنين (علیه السَّلام) لما أبت عائشة الرجوع إلى المدينة : أرى أن تدعها يا أمير المؤمنين بالبصرة ولا ترحلها، فقال له أمير المؤمنين (علیه السَّلام): إنها لا تألوا شرّاً ولكني أردّها إلى بيتها الذي تركها فيه رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فإن الله بالغ أمره (1).
وروى محمد بن إسحاق عن جناده أن عائشة لما وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة لم تزل تحرض الناس على أمير المؤمنين، وكتبت إلى معاوية وإلى أهل الشام مع الأسود بن
ص: ٢٤٢
1) بحار الأنوار: ٣٤١/٣٢ .
أبي البختري تحرضهم عليه صلوات الله عليه.
وروي عن مسروق أنه قال: دخلت على عائشة فجلست إليها فحدثتني واستدعت غلاماً أسود يقال له عبد الرحمن، فجاء حتى وقف فقالت : يا مسروق أتدري لم سمّيته عبد الرحمن؟ فقلت : لا ، فقالت حباً مني لعبد الرحمن بن ملجم .
فأما قصتها في دفن الحسن فمشهورة حتى قال لها عبد الله بن عباس يوماً على بغل ويوماً على جمل فقالت: أو ما نسيتم يوم الجمل يا ابن عباس إنكم لذوو أحقاد.
ولو ذهبنا إلى تقصي ما روي عنها من الكلام الغليظ الشديد الدال على بقاء العداوة واستمرار الحقد والضغينة لأطلنا وأكثرنا، وما روي عنها من التلهف والتحسر على ما صدر عنها فلا يدل على التوبة إذ يجوز أن يكون ذلك من حيث خابت عن طلبتها ولم تظفر ببغيتها مع الذل الذي لحقها وألحقها العار في الدنيا والإثم في الآخرة، انتهى كلامه رفع مقامه .
أقول : ويدل على استمرار حقدها وبقاء عداوتها أيضاً ما في (الإرشاد) للمفيد (رحمه الله) قال : روى عكرمة عن عائشة في حديثها له بمرض رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ووفاته فقالت في جملة ذلك : فخرج رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) متوكئاً على رجلين أحدهما الفضل بن العباس، فلما حكى عنها ذلك لعبد الله بن العباس قال له : أتعرف الرجل الآخر؟ قال: لا لم تسمه لي، قال: ذاك علي بن أبي طالب وما كانت أمنا تذكره بخير وهي تستطيع .
ص: ٢٤٣
از جمله کلام آن بزرگوار است که خطاب فرمود با آن اهل بصره را بر سبیل قصه گویی از واقعه های عظیمه، می فرماید:
پس کسی که استطاعت داشته باشد نزد آن حادثه ها اینکه حبس نماید نفس خود را بر طاعت خدا، پس باید که بکند آن را، پس اگر اطاعت نمایید مرا، پس به درستی که من حمل کننده شما هستم انشاء الله بر راه بهشت و اگر چه میباشد آن راه صاحب مشقت سخت و چشیدنی تلخ و امّا فلانه (یعنی عایشه خاطئه) پس دریافت او را رأی سست زنان و کینه دیرینه که جوش زد در سینه او مثل دیگ جوشنده آهنگران و اگر خوانده شدی که فرا گیرد از غیر من آنچه که آورد به سوی من نمی کرد (یعنی اگر دعوت می نمودند او را که اقدام نماید در حق غیر من به مثل آنچه اقدام کرد در حق من از مخالفت و عداوت و خصومت البته اقدام نمی نمود) و با همه این مراور است بعد از این همه قبایح که از او صادر شد حرمت قدیمه او که در زمان حضرت رسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) داشت و حساب بر پروردگار است.
ماکارهای او بخداوند کار ساز *** بگذاشتیم تا غضب او چه می کند
ص: ٢٤٤
منه - سَبِيلٌ أَبْلَجُ المِنْهاجِ ، أَنْوَرُ السِّراجِ، فَبِالإيمانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحاتِ، وبِالصَّالِحاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الإِيمانِ، وبالإيمانِ يُعْمَرُ العِلْمُ ، وبِالْعِلْمِ يُرْهَبُ المَوْتُ، وبالمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيا ، وبالدُّنْيا تُحْرَزُ الآخِرَةُ، وبالقِيامَةِ تُزْلَفُ الجَنَّةُ لِلمُتَّقِينَ، وَتُبْرَزُ الجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ، وَإِنَّ الخَلْقَ لا مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ القِيامَةِ، مُرْقِلِينَ في مِضْمَارِها إِلَى الغايَةِ القُصْوى.
منه ـ قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ الأَحْداثِ ، وَصارُوا إِلى مَصائِرِ الغاياتِ، لِكُلِّ دارٍ أَهْلُها، لا يَسْتَبْدِلُونَ بِها، وَلا يُنْقَلُونَ عَنْها ، وَإِنَّ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنكَرِ لَخُلْقانِ مِنْ خُلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإِنَّهُما لا يُقَرِّبانِ مِنْ أَجَلٍ، وَلَا ينْقصانِ مِنْ رِزْقٍ، وَعَلَيْكُمْ بِكِتابِ اللهِ فَإِنَّهُ الحَبْلُ المَتِينُ، والنُّورُ المُبِينُ، والشِّفاءُ النَّافِعُ، والرَّيُّ النَّاقِعُ ، والعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ، والنَّجاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ ، لا يُعْوَّجُ فَيُقامُ، وَلا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبُ ، ولا تُخْلِفُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ ، وَوُلُوجُ السَّمْع، مَنْ قالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ.
وقامَ إِلَيْهِ رجل فَقال : أخبرنا عن الفتنة وهل سألت عنها رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فقال (علیه السَّلام):
لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ: «الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)» [العنكبوت : ١-٢] عَلِمْتُ أَنَّ الفِتْنَةَ لا تَنْزُلُ بِنا ورَسُولُ اللَّهِ (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بَيْنَ أَظْهُرِنا ، : فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذِهِ الفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللَّهُ بِها؟ فَقالَ: يا عَلِيُّ إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ لَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمُ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمينَ وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهادَةُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقُلْتَ لي : «أَبْشِرْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ»، فَقَال لي : «إِنَّ ذٰلِكَ لَكَذلِكَ فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذا ؟»، فَقُلْتُ : يا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَواطِنِ الصَّبْرِ وَلَكِنْ مِنْ مَواطِنِ البُشْرى والشَّكْرِ، وقال: «يا عَلِيُّ إِنَّ الأُمَّةَ سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي بِأَمْوالِهِمْ، وَيَمُنُّونَ بِدِینِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، وَيَتَمَنُّونَ رَحْمَتَهُ، ويَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ، ويَسْتَحِلُّونَ حَرامَهُ بِالشُّبَهَاتِ الكاذِبَةِ، والأَهْواءِ السَّاهِيَةِ، فَيَسْتَحِلُّونَ الخَمْرَ بالنَّبيذِ، والسُّحْتَ بِالهَدِيَّةِ، والرِّبا بِالبَيْعِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَبِأَيِّ المَنازِلِ أُنْزِلُهُمُ عِنْدَ ذلِكَ؟ أَبِمَنْزِلَةِ رَدَّةٍ أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ؟ فَقالَ : بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ (1).
(بلج) الصبح بلوجاً من باب قعد أسفر وأنار و (أرقل) أسرع و (شخص) من بلد كذا
ص: ٢٤٥
1) بحار الأنوار: ۸۰/۲۸ ، ونهج السعادة : ۳۸۷/۱.
رحل وخرج منه و (الأجداث) القبور جمع جدث بالتحريك كأسباب وسبب و (الشفاء النافع) بالفاء و (الري الناقع) بالقاف يقال : ماء ناقع أي ينقع الغلة أي يقطعها ويروى منها .
قال في (الكشاف) : الحسبان لا يصح تعلقه بمعاني المفرد ولكن بمضامين الجمل، ألا ترى أنك لو قلت : حسبت زيداً وظننت الفرس لم يكن شيئاً حتى تقول : حسبت زيداً عالماً وظننت الفرس جواداً، لأن قولك: زيد عالم أو الفرس جواد كلام دال على مضمون فأردت الإخبار عن ذلك المضمون ثابتاً عندك على وجه الظن لا اليقين، فلم تجد بداً في العبارة عن ثباته عندك على ذلك الوجه من ذكر شطري الجملة مدخلاً عليهما فعل الحسبان حتى يتم لك غرضك .
فإن قلت: فأين الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان في الآية؟
قلت: هو قوله : (أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)، وذلك لأن تقديره احسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم: آمنا، فالترك أول مفعولي حسب، ولقولهم : آمنا هو الخبر، وإنا غير مفتونين فتتمة الترك لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير كقوله: (فتركته جزر السباع ينشنه) ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول : تركهم غير مفتونين لقولهم : آمنا على تقدير حاصل ومستقرّ قبل أن يكون خبر مبتدأ ؟ .
قلت كما تقول : خروجه لمخافة الشر وضربه للتأديب، وقد كان التأديب والمخافة في قولك : خرجت مخافة الشر وضربته تأديباً تعليلين وتقول أيضاً حسبت خروجه لمخافة الشر وظننت ضربه للتأديب، فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبراً .
والهمزة في قوله (علیه السَّلام): (أو ليس قد قلت) للاستفهام التقريري كما في قوله تعالى : «أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ» [الزمر: ٣٦] والمقصود به حمل المخاطب على الإقرار بما دخله النفي.
إعلم أن هذا الفصل من كلامه مشتمل على فصلين :
الفصل الأول (منه)
في وصف الدين والإيمان وهو قوله : (سبيل أبلج المنهاج) استعارة مرشحة فإن الإيمان لما كان موصلاً لصاحبه إلى الجنة وإلى حظائر القدس صح استعارة لفظ السبيل له كما صح
ص: ٢٤٦
التعبير عنه بلفظ الصراط بذلك الاعتبار أيضاً في قوله تعالى: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)» [الفاتحة: ٦- ٧] .
فهو طريق أوضح المسلك إلى الجنة (وأنور السراج) لا يضلّ سالكها البتة لوضوحها وإضاءتها (فبالإيمان يستدل على الصالحات وبالصالحات يستدل على الإيمان) قال الشارح البحراني: والصالحات هي الأعمال الصالحات من سائر العبادات ومكارم الأخلاق التي وردت بها الشريعة وظاهر كونها معلولات للإيمان وثمرات له يستدل بوجوه في قلب العبد على ملازمته لها استدلالاً بالعلة على المعلول، ويستدل بصدورها من العبد على وجود الإيمان في قلبه استدلالاً بالمعلول على العلة (وبالإيمان يعمر العلم) إذ من المعلوم أن فضل العلم وكماله إنما هو العمل بالأركان والعمل بالأركان إما شرط للإيمان أو شطر منه حسبما عرفته في شرح الخطبة المائة والتاسعة فيكون فضله وكماله بالإيمان، وهو معنى كونه معموراً به.
ويومئ إليه قول الصادق (علیه السَّلام): لا يقبل الله عملاً إلا بمعرفة ولا معرفة إلا بعمل فمن عرف دلّته المعرفة على العمل ومن لم يعمل فلا معرفة له ألا إن الإيمان بعضه من بعض (1).
وقال علي بن الحسين (علیهما السَّلام) : مكتوب في الإنجيل: لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولما تعملوا بما علمتم ، فإن العلم إذا لم يعمل به لم يزده صاحبه إلا كفراً ولم يزدد من الله إلا بعداً (2).
(وبالعلم يرهب الموت) لأن العلم بالمبدأ والمعاد مستلزم لذكر الموت والتوجه إليه وإلى ما يتلوه من الشدائد والأهوال، وذلك موجب للرهبة منه لا محالة وأما الجاهل فهو غافل عن ذلك لكون همّته مقصورة على الدنيا مصروفة إليها (وبالموت تختم الدنيا) وهو ظاهر إذ الموت آخر منازل الدنيا كما هو أول منازل الآخرة (وبالدنيا تحرز الآخرة) لأنها دار التكليف وفيها تقام العبادات وتقتنى الحسنات فيفاز بالجنات وينال السعادات فهي محل الاستعداد لتحصيل الزاد ليوم المعاد (والقيامة تزلف الجنة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين) اقتباس من الآية الشريفة في سورة (الشعراء) قال سبحانه: «يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)» [الشعراء: ٨٨ - ٩١] أي قربت الجنة وقدمت للسعداء بحيث يرونها من الموقف فيبجحون بأنهم المحشورون إليها، وتظهر الجحيم للأشقياء فيرونها مكشوفة بارزة فيتحسرون على أنهم المسوقون إليها (وإن الخلق لا مقصر لهم عن القيامة) أي لا محبس ولا غاية لهم دونها ولا مانع من ورودهم عليها
ص: ٢٤٧
(مرقلين) أي مسرعين (في مضمارها) وهو مدة الحياة الدنيا (إلى الغاية القصوى).
قال الشارح البحراني : قوله : (وإن الخلق لا مقصر لهم) إلى آخره، كلام في غاية الحسن مع غزارة الفائدة، وهو إشارة إلى أنه لا بد لهم من ورود القيامة ومضمارها مدة الحياة الدنيا وهو لفظ مستعار، ووجه المشابهة كون تلك المدة محل استعداد النفوس للسباق إلى حضرة الله كما أن المضمار محل استعداد الخيل للسباق وأرقالهم كناية عن سيرهم المتوهم في مدة أعمارهم إلى الآخرة، وسرعة حثيث الزمان بهم في إعداد أبدانهم للخراب والغاية القصوى وهي السعادة والشقاوة الأخروية.
الفصل الثاني (منه)
في وصف حال أهل القبور والحثّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى لزوم كتاب الله وبيان معنى الفتنة وهو قوله (علیه السَّلام): (قد شخصوا من مستقر الأجداث) أي ارتحل الموتى من محل استقرارهم وهي القبور (وصاروا إلى مصائر الغايات) أي انتقلوا إلى محال هي غاية منازل السالكين ومنتهى سير السائرين يعني درجات ودركات الجحيم (ولكل دار) من هاتين الدارين (أهل) من السعداء والأشقياء (لا يستبدلون بها) غيرها (ولا ينقلون عنها) إلى غيرها يعني أن أهل الجنة لا يطلبون إبدالها لما هم عليه من عظيم النعماء وألذ الآلاء، وأهل النار لا ينقلون عنها ولو طلبوا النقل والإبدال لكونهم مخلّدين فيها، وهذه قرينة على أن يكون مراده (علیه السَّلام) بأهل النار الكفار والمنافقين، إذ غيرهم من أصحاب الجرائر من المسلمين المذعنين بالولاية لا يخلدون في النار لو دخلوها، بل يخرجون بعد تمحيص الذنوب إما بفضل من الله سبحانه، أو بشفاعة أولياء الله تعالى كما دلت عليه الأصول المحكمة.
ثم حثّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتنبيه على فضلهما بقوله : (وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله) قال الشارح البحراني «رحمه الله» : إطلاق لفظ الخلق على الله استعارة، لأن حقيقة الخلق ملكة نفسانية تصدر عن الإنسان بها أفعال خيرية أو شرّية، وإذ قد تنزّه قدسه تعالى عن الكيفيات والهيئات لم يصدق هذا اللفظ عليه حقيقة لكن لما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأفعال الخيرية التي بها نظام العالم وبقاؤه كحكمته وقدرته ووجوده وعنايته وعدم حاجته بما يتعارف من الأخلاق الفاضلة التي تصدر عنها الأفعال الخيرية البشرية، فاستعير بها لفظ الأخلاق وأطلق عليه، انتهى.
أقول: هذا كله مبني على التجوّز في لفظ الخلق حسبما صرّح به، ويجوز إبقائه على حقيقته والبناء على التجوّز في الإضافة، يعني أنهما خلقان نسبتهما إليه سبحانه باعتبار كونهما مرضيين عند الله ومحبوبين له تعالى، فصح بذلك الاعتبار كونهما من خلقه تعالى أي من
ص: ٢٤٨
خلق هو محبوبه ومطلوبه كما نقول : بيت الله تشريفاً، وروح الله تعظيماً وتكريماً ونحو ذلك، هذا.
ولما كان أكثر الناس يكفون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويمسكون عن ردع الظلمة بتوهم أن يبطش به فيقتل أو يقطع رزقه ويحرم فأشار (علیه السَّلام) إلى دفع هذا التوهم بقوله : (وأنهما لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق) وقد روي هذا المعنى عنه (علیه السَّلام) في حديث آخر
وهو ما رواه في (الوسائل) من (الكافي) عن يحيى بن عقيل عن حسن (علیه السَّلام) قال : خطب أمير المؤمنين (علیه السَّلام) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنه إنما هلك من كان قبلكم حيثما عملوا من المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار عن ذلك، وإنهم لما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار عن ذلك نزلت بهم العقوبات فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن يقربا أجلاً ولن يقطعا رزقاً (1).
وفيه عن الحسن بن علي بن شعبة في (تحف العقول) عن الحسين قال ویروی عن علي (علیه السَّلام): اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أوليائه من سوء ثنائه عن الأحبار إذ يقول «لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ» [المائدة: ٦٣] إلى قوله : « لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» :[المائدة: ٧٩] وإنما عاب الله ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالون منهم ورهبة مما يحذرون، والله يقول: « شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ» [ الــمـــائـــدة : ٤٤] ، وقال : «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ» [التوبة: ۷۱] فبدأ الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه لعلمه بأنها إذا أديت وأقيمت واستقامت الفرائض كلها هينها وصعبها، وذلك إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم وقسمة الفيء والغنائم وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقها (2)، هذا.
وينبغي القيام بوظائف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشروط المقررة في الكتب الفقهية، ومن جملتها الأمن من الضرر على المباشر أو على بعض المؤمنين نفساً أو مالاً أو عرضاً، فلو غلب على ظنه أو قطع بأن يصيبه أو يصيبهم ضرر بهما سقط وجوبهما، بل يحرمان كما صرح به علماؤنا الأخيار ودلّت عليه أخبار أئمتنا الأطهار.
روى في (الوسائل) عن الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن
ص: ٢٤٩
يحيى الطويل صاحب (المقري) قال : قال أبو عبد الله (علیه السَّلام) : إنما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن فيتعظ أو جاهل فيتعلّم فأما صاحب سوط أو سيف فلا.
وعنه عن أبي عن ابن أبي عمير عن مفضّل بن يزيد عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : قال لي: يا مفضل من تعرّض لسلطان جائر فأصابته بليّة لم يؤجر عليها ولم يرزق الصبر عليها (1).
فظهر لك بما ذكرنا أن قوله (علیه السَّلام) في المتن: (وإنهما لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق) لا بد أن يحصل على صورة عدم الظن بالضرر فضلاً عن القطع به.
ثم أمر بلزوم اتباع الكتاب المجيد معللاً وجوب متابعته بأوصاف كمال نبه عليها فقال : (وعليكم بكتاب الله فإنه الحبل المتين) استعارة لفظ الحبل له باعتبار حصول النجاة للمتمسك به كما يحصل النجاة للمتمسك بالحبل وذكر المتانة ترشيح .
وقد وقع نظير تلك الاستعارة في النبوي المعروف المروي بطرق عديدة منها ما رواه أبو سعيد الخدري قال : قال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» (2).
(والنور المبين) وهو أيضاً استعارة لأنه نور عقلي ينكشف به أحوال المبدأ والمعاد ويهتدي به في ظلمات برّ الأجسام وبحر النفوس كما يهتدي بالنور المحسوس في الغياهب والظلمات ونظير هذه الاستعارة قوله سبحانه : « قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ» [المائدة: ١٧] (والشفاء النافع) إذ به يحصل البرء من الأسقام الباطنية والأمراض النفسانية كما قال تعالى: «قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ» [فصلت : ٤٤] وقال في موضع آخر : «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)» [الإسراء: ۸۲] . (والزي الناقع) أي القاطع لغليل العطشان بماء الحياة الأبدية، أعني ما تضمنه من المعارف الحقة والعلوم الإلهية (وعصمة للمتمسك ونجاة للمتعلق) يعني من تمسك وتعلق به وأخذ بأحكامه وعمل بها فهو يعصمه من غضب الجبار ويُنجيه من دخول النار .
(لا يعوج فيقام) لأنه كلام الحق يصدّق بعضه بعضاً « وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)» [النساء : ۸۲] واحتاج إلى إصلاح اختلافه وإقامة اعوجاجه وخلله (ولا يزيغ
ص: ٢٥٠
فيستعتب) أي لا يميل ولا يعدل عن الحق حتى يطلب عتباه ورجوعه إليه (ولا يخلقه كثرة الرد وولوج السمع) يعني أن كل كلام نثراً كان أو نظماً لو تكرر تردده على الألسنة وولوجه في الأسماع مجه الأسماع وملّ عنه الطباع واشمئزت منه القلوب ويكون خلقاً مبتذلاً مرزولاً، وأما القرآن الكريم فلا يزال غضاً طريّاً يزداد على كثرة التكرار وطول التلاوة في كرور الأعصار ومرور الدهور حسناً وبهاء ورونقاً وضياء، هو المسك ما كررته يتضوّع .
وذلك من جملة خصائصها التي امتاز بها عن كلام المخلوق.
(من قال به صدق) لأنه كلام مطابق للواقع فالقول بما أفاده البتة يكون صدقاً والقائل به صادقاً (ومن عمل به سبق) إلى درجات الجنان وفاز أعظم الرضوان.
قال السيد «رحمه الله» : (وقام إليه رجل فقال : أخبرنا عن الفتنة) الظاهر أن (اللام) فيها للعهد وتكون الإشارة بها إلى فتنة معهودة سبق ذكرها في كلام رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وفي الكتاب العزيز في الآية الآتية: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً» [الأنفال : ٢٥] وغيرهما، والفتنة تكون لمعان شتى من الابتلاء والامتحان والإضلال والعذاب والفضيحة والكفر والإثم واختلاف الناس في الآراء ونحوها .
ولما كان خطابه (علیه السَّلام) بذلك الكلام لأهل البصرة حسبما نبه السيد في عنوانه فبقرينة مساق الكلام يحتمل أن يكون استخبار السائل عن موضوع الفتنة ليفهم أن فتنة أهل البصرة هل هي داخلة في الفتنة التي أخبر الله بها ورسوله، وأن يكون عن حكمها .
ويشعر بالأول جوابه للسائل بما ينقله عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) من قوله : «يا علي إن أمتي سيفتنون من بعدي» وقوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أيضاً : (يا علي إن القوم سيفتنون بعدي).
ويشعر بالثاني آخر كلامه (علیه السَّلام) أعني قوله : فقلت يا رسول الله فبأي المنازل أنزلهم عند ذلك أبمنزلة ردّة أم بمنزلة فتنة؟ فقال: بمنزلة فتنة .
فعلى الاحتمال الأول يكون معنى قوله : (وهل سألت عنها رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)) هل سألت عن معنيها ليتبين المراد بها .
وعلى الاحتمال الثاني فالمعنى : هل سألت عن حكمها عنه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ليعلم أن المفتونين مرتدون أم لا (فقال (علیه السَّلام)) في جواب المستخبر .
(لما أنزل الله سبحانه قوله : «الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)» قال في (الكشاف) قال في (الكشاف) في تفسير الآية: الفتنة الامتحان بشدائد التكاليف من مفارقة
ص: ٢٥١
الأوطان ومجاهدة الأعداء وسائر الطاعات الشاقة وهجر الشهوات والملاذ، وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم، والمعنى: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم وأظهروا القول بالإيمان أنهم يتركون لذلك غير ممتحنين، بل يمتحنهم الله بأنواع المحن وضروب البلا حتى يبلو صبرهم وثبات أقدامهم وصحة عقائدهم وخلوص نياتهم ليتميز المخلص من غير المخلص والراسخ في الدين من المضطرب والمتمكن من العابد على حرف، انتهى .
أقول : وبنحو ذلك فسره غير واحد من علماء التفسير، ومحصله أن المراد بالفتنة الامتحان والابتلاء في النفس والمال .
ورواه الطبرسي في (مجمع البيان) عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : معنى يفتنون يبتلون في أنفسهم وأموالهم (1)، والمستفاد من غير واحد من الأخبار الآتية أن المراد بها خصوص الامتحان بالولاية، وإليه يرجع ما أجاب به أمير المؤمنين (علیه السَّلام) هنا للسائل المستخبر، ولا تنافي بين المعنيين إذ الأول تنزيله والثاني تأويله ولا غبار عليه .
وإنما الإشكال في قوله : (علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بين أظهرنا) لظهور أن الآية لا دلالة فيها على عدم نزول الفتنة بهم مع كون الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بينهم، فمن أين علم أمير المؤمنين (علیه السَّلام) ذلك ، وقد تنبه لذلك الشارح المعتزلي وأجاب عنه بما لا يعبأ به، حيث قال :
فإن قلت : فلم قال (علیه السَّلام): علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بين أظهرنا ؟
قلت : لقوله تعالى: «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ» [الأنفال: ٣٣] (آهـ) وأنت خبير بما فيه .
أما أولاً: فلأن هذا الجواب كما ترى مبني على جعل الفتنة في الآية بمعنى العذاب، وقد علمت أن كلام أمير المؤمنين (علیه السَّلام) في هذا المقام ناظر إلى كونها بمعنى الامتحان بالولاية والتنافي بين المعنيين ظاهر .
وأما ثانياً : فلأنا بعد الغض عما ذكرنا نقول : إن قوله: علمت، جواب لما وهو يفيد أن منشأ علمه بعدم نزول الفتنة هو قوله : «الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ» [العنكبوت : ١ - ٢] ، الآية، ، لا قوله : «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ» [الأنفال: ۱۳۳]، والعلم بعدم نزول العذاب من الآية الثانية لا يلازم حصول العلم من الآية الأولى على ما هو مقتضی ظاهر كلامه (علیه السَّلام).
ص: ٢٥٢
1) قرب الإسناد : ٧ ، والخصال : ٦٥ ح ٩٧ .
والذي عندي في رفع ذلك الإشكال أنه علم ذلك حين نزول الآية بإعلام النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فقد روي في (الصافي) عنه أنه لما نزلت هذه الآية قال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «لا بد من فتنة تبتلى به الأمة بعد نبيها ليتعين الصادق من الكاذب، لأن الوحي قد انقطع وبقي السيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة» (1).
فإن هذه الرواية ككثير من الروايات الآتية صريحة في أن نزول الفتنة إنما يكون بعد النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، فحصل بذلك العلم له (علیه السَّلام) بأنها لا تنزل مع كونه بين أظهرهم.
ولما كان ذلك الإخبار من النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) حين نزول الآية صح بذلك الاعتبار قوله (علیه السَّلام): لما أنزل الله قوله : « الم» آهـ ،علمت إلى قوله : (فقلت يا رسول الله ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها؟ فقال : يا علي إن أمتي سيفتنون من بعدي) وهذا الجواب من النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) له (علیه السَّلام) وإن كان مجملاً لم يصرح فيه بأن افتتان الأمة بعده (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بماذا إلا أنه (علیه السَّلام) قد فهم منه أن مراده (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) منه الافتتان به (علیه السَّلام) وامتحانهم بولايته.
وفهمه (علیه السَّلام) ذلك منه إما من باب سر الحبيب مع الحبيب أو بقرينة تصريحه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) به في غيره، فقد روي في (غاية المرام) عن ابن شهر اشوب عن أبي طالب الهروي بإسناده عن علقمة وأبي أيوب أنه لما نزل «الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ» الآيات، قال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لعمار: «إنه سيكون من بعدي هناة حتى يختلف السيف فيما بينهم وحتى يقتل بعضهم بعضاً وحتى يتبرئ بعضهم من بعض، فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلح عن يميني علي بن أبي طالب، فإن سلك الناس كلهم وادياً فاسلك وادي علي وخلّ عن الناس، يا عمار إن علياً لا يردّك عن هدى ولا يردّك إلى ردى، يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله» .
وفيه عنه من طريق العامة أيضاً في قوله : ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ قال علي (علیه السَّلام): يا رسول الله ما هذه الفتنة؟ قال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «يا علي بك وأنك المخاصم فأعد للخصومة».
وفيه عن محمد بن العباس مسنداً عن الحسين بن علي عن أبيه صلوات الله عليهم أجمعين قال : لما نزلت «الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ» الآية قال: قلت يا رسول الله ما هذه؟ قال: «يا علي إنك مبتلى بك وأنت مخاصم فأعد للخصومة».
وعن محمد بن العباس قال: حدثنا أحمد بن هودة عن إبراهيم بن إسحاق عن عبد الله بن حماد عن سماعة بن مهران قال: كان رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ذات ليلة في المسجد، فلما كان
ص: ٢٥٣
1) بحار الأنوار: ۲۱٤/٥ ، والتفسير الصافي : ١١٠/٤ .
قرب الصبح دخل أمير المؤمنين (علیه السَّلام) فناداه يا رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فقال: «يا علي»، فقال : لبيك، قال: «هلم إلي»، فلما دنى منه قال : «يا علي بت الليلة حيث تراني وقد سألت ربي ألف حاجة فقضيها لي وسألت لك ربي أن يجمع لك أمتي من بعدي فأبى علي ربي فقال: «الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)» (1).
وهذه الروايات وما بمعناها (2)مما لم نوردها خوف الإطالة كما ترى صريحة في الدلالة على أن الافتتان بعده (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إنما هو بولاية أمير المؤمنين (علیه السَّلام) فهي رافعة للإجمال في الجواب المروي في المتن مبيّنة لكون مراد النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بقوله : إن أمتي سيفتنون من بعدي افتتانهم بها وامتحانهم به (علیه السَّلام).
ولما كان ذلك مبعداً لما كان ينتظره ويرجوه من شهادته التي بشر بها النبي وموهماً لعدم إنجاز ما بشر به ومفيداً لعدم حصوله في زمان النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وحال حياته وكان فيه خوف فوت المطلوب لا جرم أعاد (علیه السَّلام) السؤال تحصيلاً لاطمئنان القلب كما سأل إبراهيم ربه بقوله : كيف تحيي الموتى ؟ فقال (علیه السَّلام): (فقلت أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحيزت) أي منعت (عني الشهادة فشق ذلك علي فقلت لي : أبشر فإن الشهادة من ورائك؟ فقال لي : إن ذلك كذلك) يعني أن الشهادة واقعة لا محالة وإن لم تكن في زماني وفي مجاهداتك التي بين يدي، هذا .
ويجوز أن تكون الهمزة في قوله : (أو ليس قد قلت) لم يرد بها الاستفهام والتقرير، بل المراد بها الاستبطاء نظير ما قاله علماء البيان في مثل : كم دعوتك من أن الغرض به ليس السؤال والاستفهام، بل المراد الاستبطاء وهو الوصف بالبطوء أي عدا المتكلم المخاطب بطيئاً في إجابة الدعوة والغرض من الكلام الشكاية عن بطوء الإجابة والحثّ عليها .
ومعنى الاستبطاء فيما نحن فيه وصف ما قاله النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) و ما بشر به من الشهادة بالبطوء والشكاية من تأخيره فإنه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لما أخبر بأن الأمة سيفتنون بعده أحب (علیه السَّلام) أن لا يبقى إلى زمان تلك الفتنة فقال ذلك الكلام استبطاء للشهادة فافهم جيداً .
ثم أراد النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) الإبانة عن علو همته (علیه السَّلام) والإفصاح عن ثبات قدمه في جنب الله فقال : (فكيف صبرك إذا) يعني إذا ظفرت بالشهادة (فقلت يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر ولكن من مواطن البشرى والشكر) يعني أن الصبر عبارة عن تحمل المشاق والمكروه
ص: ٢٥٤
وهو إنما يتصور في حق المحجوبين عن الله المنهمكين في لذات الدنيا والغافلين عن لذات الآخرة، فإنهم يكرهون الموت ويفرون منه ويحذرون من الشهادة، وأما أولياء الدين وأهل الحق واليقين فغاية غرضهم الخروج من هذه القرية الظالم أهلها والفوز بلقاء الحق والنيل إلى رضوانه .
فالموت لما كان وسيلة للوصول إليه فهو أحب إليهم من كل شيء ولذلك كان (علیه السَّلام) يقول غير مرة: والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، ولما كان حصول الموت بالقتل والشهادة من أعظم القربات وأفضل الطاعات كانوا مستبشرين به و شاکرین علی وصول تلك النعمة العظيمة، وإليه ينظر قوله (علیه السَّلام) في الكلام المائة والثانية والعشرين : إن أكرم الموت القتل والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على فراش (1).
ثم عاد النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بعد الإشارة إجمالاً إلى افتتان الأمة من بعده إلى شرح حال المفتونين وبيان أوصافهم تفصيلاً (وقال : يا علي إن الأمة سيفتنون بعدي بأموالهم) أي بقلتها وكثرتها وباكتسابها من حلال أو حرام وبصرفها في مصارف الخير أو الشر وبإخراج الحقوق الواجبة منها والبخل بها وغير ذلك من طرق الامتحان (ويمنون بدينهم على ربهم) كما من من قبلهم بذلك على ما حكى الله عنهم بقوله : «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ» [الحجرات : ١٦] (وينمنون رحمته ويأمنون سطوته) الأمن من سخط الله سبحانه كالأياس من رحمته من الكبائر الموبقة، وأما تمني الرحمة مع عدم المبالاة في الدين فهو من صفة الجاهلين وقد روى عنه (علیه السَّلام) قال : «أحمق الحمقاء من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله » (2).
(ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والأهواء الساهية) أي الغافلة ووصف الأهواء بها للمبالغة كما في قولهم : شعر شاعر، فإن اتباع الهوى لما كان موجباً للغفلة عن الحق صح اتصافه به، والمراد أن استحلالهم للحرام بسبب متابعتهم لهوى أنفسهم الصَّاد لهم عن الحق والشاغل بهم إلى الدنيا .
روى أبو حمزة عن أبي جعفر قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : يقول الله عزّ وجل: وعزتي وجلالي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواي أي إلا شتت عليه أمره ولبست عليه دنياه وشغلت قلبه بها ولم أوته منها إلا ما قدرت له وعزتي وجلالي
ص: ٢٥٥
وعظمتي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي، وكفّلت السماوات والأرضين رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة (1).
وأشار إلى تفصيل ما يستحلونه من المحرمات بقوله : (فيستحلون الخمر بالنبيذ) الغالب في الخمر إطلاقه على الشراب المتخذ من العنب، وفي النبيذ استعماله في الشراب المتخذ من التمر، ومن ذلك نشأت شبهتهم حيث زعموا أن النبيذ ليس بخمر فحكموا بحليته أي حلّية النبيذ بتوهم اختصاص الحرمة بالخمر فأوجب ذلك استحلالهم للخمر من حيث لا يشعرون .
وقد ذمهم على ذلك تنبيهاً على فساد ما زعموه وهو كذلك (2).
أما أولاً: فلمنع خروج النبيذ من موضوع الخمر، لأن الخمر عبارة عن كل ما يخمر العقل أي يستره ويغطيه، فيشمل النبيذ وغيره وإن كان استعماله في العصير العنبي أكثر .
ويدل عليه ما رواه في (الوسائل) عن الكليني بسنده عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «الخمر من خمسة: العصير من الكرم، والنقيع من الزبيب، والبتع من العسل، والمرز من الشعير، والنبيذ من التمر» (3).
وعن الكليني عن عامر بن السمط عن علي بن الحسين (علیه السَّلام) قال : الخمر من خمسة أشياء: من التمر، والزبيب، والحنطة، والشعير، والعسل (4).
وفيه أيضاً عن ابن الشيخ في (أماليه) بإسناده عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول: «أيها الناس إن من العنب خمراً، وإن من الزبيب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من الشعير خمراً ، ألا أيها الناس أنهاكم عن كل مسكر» .
وأما ثانياً : فلمنع اختصاص حكم الحرمة بخصوص الخمر بعد تسليم عدم شموله للنبيذ حقيقة، وذلك لتعلق الحكم بكل مسكر كما مر في الرواية آنفاً.
ومثله ما رواه في (الوسائل) عن الكليني عن عطاء بن يسار عن أبي جعفر (علیه السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «كل مسكر حرام وكل مسكر خمر» (5).
ص: ٢٥٦
وفيه عن علي بن إبراهيم القمي في (تفسيره) عن أبي الجارود عن أبي جعفر (علیه السَّلام) في قوله: « إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ» [المائدة: ۹۰] الآية، أما الخمر فكل مسكر من الشراب إذا أخمر فهو خمر وما أسكر كثيره فقليله حرام وذلك إن أبا بكر شرب قبل أن يحرم الخمر فسكر إلى أن قال: فأنزل الله تحريمها بعد ذلك وإنما كانت الخمر يوم حرمت بالمدينة فضيخ البسر والتمر، فلما نزل تحريمها خرج رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فقعد في المسجد ثم دعا بآنيتهم التي كانوا ينبذون فيها فأكفاها كلها، وقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «هذه كلها خمر حرمها الله»، فكان أكثر شيء أكفى في ذلك اليوم الفضيخ ولم أعلم أكفى يومئذ من خمر العنب شيء إلا إناء واحد كان فيه زبيب وتمر جميعاً، فأما عصير العنب فلم يكن منه يومئذ بالمدينة شيء، وحرم الله الخمر قليلها وكثيرها وبيعها وشرائها والانتفاع بها، هذا (1).
ويدل على حرمة النبيذ بخصوصه ما رواه في (الوسائل) عن الكليني بإسناده عن خضر الصيرفي عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : من شرب النبيذ على أنه حلال خلد في النار، ومن شربه على أنه حرام عذب في النار .
وعن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن علي عن أبيه عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) لو أن رجلاً كحل عينيه بميل من نبيذ كان حقاً على الله عزَّ وجل أن يكحله بميل من نار .
وفيه عن الشيخ بإسناده عن عمار قال: سألت أبا عبد الله (علیه السَّلام) عن الرجل يكون مسلماً عارفاً إلا أنه يشرب المسكر هذا النبيذ، فقال لي: يا عمار إن مات فلا تصلّ عليه (2).
والأخبار في هذا المعنى كثيرة وفيما أوردناها كفاية.
(و) يستحلون (السحت بالهدية) السحت الحرام وكل ما لا يحل كسبه، وفي (مجمع البحرين) عن علي (علیه السَّلام) هو الرشوة في الحكم ومهر البغي وكسب الحجام وعسب الفحل وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة .
والظاهر أن المراد به هنا خصوص الرشوة كما فسّره بها الصادق (علیه السَّلام) فيما رواه في (الوسائل) عن الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن ابن مسكان عن يزيد بن فرقد قال: سألت أبا عبد الله (علیه السَّلام) السحت فقال : هو الرشاء في الحكم (3).
ص: ٢٥٧
والمقصود أنهم يأخذون الرشوة إذا أهديت إليهم ويستحلونها بزعم أنها هدية.
قال الفاضل النراقي : الفرق بين الرشوة والهدية أن الأولى هي المال المبذول للقاضي للتوسل به إلى الحكم ابتداء أو إرشاداً، والثانية هي العطية المطلقة أو لغرض آخر نحو التودد والتقرب إليه أو إلى الله، والحاصل أن كل مال مبذول للشخص للتوسل به إلى فعل صادر منه ولو مجرد الكف عن شره لساناً أو يداً أو نحوهما فهو الرشوة، ولا فرق في الفعل الذي هو غاية البذل أن يكون فعلاً حاضراً أو متوقعاً كأن يبذل للقاضي لأجل أنه لو حصل له خصم يحكم للباذل وإن لم يكن له بالفعل خصم حاضر ولا خصومة حاضرة، وكل مبذول لا لغرض يفعله المبذول له بل لمجرد التقرب أو التودد إليه أو لصفة محمودة أو كمال فيه فهو هدية وإن كان الغرض من التودد والتقرب الاحتفاظ من شر شخص آخر أو التوسل إلى فعل شخص آخر يوجبه التقرب والتودد إليه .
وقد يستعمل لفظ أحدهما في معنى الآخر تجوزاً فما كان من الأول.
فإن كان الفعل المقصود الحكم فهو حرام مطلقاً سواء كان الحكم لخصومة حاضرة أو فرضية، ولذا حكموا بحرمة الهدية الغير المعهودة قبل القضاء، لأنه قرينة على أنه المقصود منه الحكم ولو فرضاً وهو كذلك لصدق اسم الرشوة عرفاً فيشمله إطلاقاتها وعليه يحمل إطلاق ما ورد من طريق العامة والخاصة كما في (أمالي) الشيخ: أن هدايا العمال كما في بعضها أو هدية الأمراء كما في بعض آخر غلول أو سحت (1).
ويدل عليه أيضاً رواية أبي حميد الساعدي قال : استعمل النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) رجلاً يقال له : اللثة على الصدقة، فلما قدم قال : هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) على المنبر فقال: «ما بال العامل نبعثه على أعمالنا يقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، فهلا جلس في قعب بيته أو في بيت الله ينظر ليهدى أم لا، والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منها شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمل على رقبته»، الحديث (2).
وإن كان غير الحكم فإن كان أمراً محرماً فهو أيضاً كرشوة الحكم محرّم لكونه إعانة على الإثم واتباعاً للهوى، وإن لم يكن محرماً فلا يحرم للأصل واختصاص الأخبار المتقدمة برشوة الحكم، وما كان من الثاني لا يحرم.
(و) يستحلون (الربا بالبيع) الربا لغة هو الزيادة وشرعاً هو الزيادة على رأس المال من
ص: ٢٥٨
أحد المتساويين جنساً مما يكال أو يوزن والمراد أنهم يأخذون الزيادة بواسطة البيع أي يجعلون المبايعة وسيلة إلى أخذ تلك الزيادة ويزعمون حليتها لأجل أنها معاملة بتراضي الطرفين أو أنهم يستحلون الربا بقياسه على البيع كما كان عليه بناء أهل الجاهلية على ما أخبر الله سبحانه عنهم بقوله: « ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا» [البقرة: ۲۷۵] .
قال الشيخ الطبرسي : أي ذلك العقاب لهم بسبب قولهم « إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ» فيه مثل البيع الذي فيه الربا .
قال ابن عباس: كان الرجل منهم إذا حلّ دينه على غريمه فطالبه به قال المطلوب منه له : زدني في الأجل وأزيدك في المال فيتراضيان عليه ويعملان به، فإذا قيل لهم : هذا رباً، قالوا: هما سواء يعنون بذلك أن الزيادة في الثمن حال البيع والزيادة فيه بسبب الأجل عند حل الدين سواء، فذمهم الله به والحق الوعيد بهم وخطأهم في ذلك لقوله تعالى: « وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا».
وقال الفخر الرازي: إعلم أن الربا قسمان: ربا النسيئة وربا الفضل، أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان متعارفاً مشهوراً في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً ويكون رأس المال باقياً، ثم إذا حلّ الدين طالبوا المديون برأس المال، فإذا تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به، وأما ربا النقد فهو أن يباع منٌ من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك .
أما قوله تعالى: « قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ» ففيه مسائل.
المسألة الأولى : القوم كانوا في تحليل الربا على هذه الشبهة، وهي أن من اشترى ثوباً بعشرة ثم باعه بأحد عشر فهذا حلال فكذا إذا باع العشرة بأحد عشر يجب أن يكون حلالاً، لأنه لا فرق في العقل بين الأمرين فهذا في ربا النقد.
وأما في ربا النسيئة فكذلك أيضاً لأنه لو باع الثوب الذي يساوي عشرة في الحال بأحد عشر إلى شهر جاز، فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر إلى شهر وجب أن يجوز، لأنه لا فرق في العقل بين الصورتين، وذلك لأنه إنما جاز هنا لأنه حصل التراضي فيه من الجانبين فكذا ههنا لما حصل التراضي من الجانبين وجب أن يجوز أيضاً، فالبياعات أنما شرعت لدفع الحاجات ولعل الإنسان أن يكون صفر اليد في الحال شديد الحاجة ويكون له في المستقبل من الزمان أموال كثيرة فإذا لم يجز الربا لم يعطه ربِّ المال شيئاً فيبقى الإنسان في الشدّة والحاجة، أما بتقدير جواز الربا فيعطيه ربّ المال طمعاً في الزيادة والمديون يردّه عند وجدان
ص: ٢٥٩
المال مع الزيادة وإعطاء تلك الزيادة عند وجدان المال أسهل عليه من البقاء في الحاجة فيل وجدان المال، فهذا يقتضي حلّ الربا كما حكمنا بحل سائر البياعات لأجل دفع الحاجة .
فهذا هو شبهة القوم والله تعالى أجاب عنه بحرف واحد وهو قوله : « فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ».
ووجه الجواب أن ما ذكرتم معارضة للنص بالقياس وهو من عمل إبليس، فإنه تعالى لما أمره بالسجود لآدم (علیه السَّلام) عارض النص بالقياس فقال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، وذكر الفرق بين البابين فقال : من باع ثوباً يساوي العشرة بالعشرين فقد جعل ذات الثوب مقابلاً بالعشرين، فلما حصل التراضي على هذا التقابل صار كل واحد منهما مقابلاً للآخر في المالية عندهما فلم يكن أخذ من صاحبه شيئاً بغير عوض، أما إذا باع العشرة بالعشرين فقد أخذ العشرة الزائدة من غير عوض.
ولا يمكن أن يقال : إن عوضه هو الإمهال في المدة، لأن الإمهال ليس مالاً أو شيئاً يشار إليه حتى يجعله عوضاً من العشرة الزائدة، فظهر الفرق بين الصورتين إلى أن قال :
المسألة الثانية: في الآية سؤال، وهو : أنه لِمَ لَمْ يقل : إنما الرّبا مثل البيع وذلك لأن حلّ البيع متفق عليه فهم أرادوا أن يقيسوا عليه الربا ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق، فكان نظم الآية أن يقال: إنما الربا مثل البيع في الحكمة في قلب هذه القضية، فقال: إنما البيع مثل الربا .
والجواب أنه لم يكن مقصود القوم أن يتمسكوا بنظم القياس، بل كان غرضهم أن الربا والبيع متماثلان من جميع الوجوه المطلوبة فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحل والثاني بالحرمة؟ وعلى هذا التقدير فأيهما قدّم أو أخر جاز ، هذا .
وقال الرازي : وذكروا في سبب تحريم الربا وجوهاً :
أحدها: الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسية فيحصل له زيادة درهم من غير عوض، ومال الإنسان متعلق حاجته وله حرمة عظيمة .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون إبقاء رأس المال في يده مدة مديدة عوضاً عن الدرهم الزائد، وذلك لأن رأس المال لو بقي في يده هذه المدة لكان يمكن المالك أن يتجر فيه ويستفيد بسبب تلك التجارة ربحاً، فلما تركه في يد المديون وانتفع به المديون لم يبعد أن يدفع إلى ربّ المال ذلك الدرهم الزائد عوضاً عن انتفاعه بماله.
قلنا : إن هذا الانتفاع الذي ذكرتم أمر موهوم لا ينفك عن نوع ضرر موهوم قد يحصل
ص: ٢٦٠
وقد لا يحصل، وأخذ الدراهم الزائدة متيقن فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع ضرر.
وثانيها : قال بعضهم : الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً كان أو نسية خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات.
وثالثها : قيل : السبب في تحريم عقد الربا إنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، لأن الربا إذا حرم طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله، ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين، فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان.
أقول : وهذا الوجه الأخير هو المروي عن الصادق (علیه السَّلام) قال : إنما شدّد الله في تحريم الربا لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف قرضاً ورفداً .
قال بعض العارفين: آكل الربا أسوء حالاً من جميع مرتكبي الكبائر، فإن كل مكتسب له تؤكل ما في كسبه قليلاً كان أو كثيراً كالتاجر والزارع والمحترف لم يعينوا أرزاقهم بعقولهم ولم يتعين لهم قبل الاكتساب، فهم على غير معلوم في الحقيقة كما قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «أبى الله أن يرزق المؤمن إلا من حيث لا يعلم، وأما آكل الربا فقد عيّن مكسبه ورزقه وهو محجوب عن ربه بنفسه وعن رزقه بتعينه لا توكل له أصلاً، فوكله الله إلى نفسه وعقله وأخرجه من حفظه وكلاءته فاحتفظته الجن وخبلته فيقوم يوم القيامة ولا رابطة بينه وبين الله عزّ وجل كسائر الناس المرتبطين به بالتوكل، فيكون كالمصروع الذي مسهه الشيطان فتخبطه لا يهتدي إلى مقصد» (1)، هذا.
والأخبار في عقاب الربا كثيرة جداً .
منها ما في (الصافي) عن (الكافي) عن الصادق (علیه السَّلام): درهم ربا أشدّ من سبعين زنية كلها بذات محرم (2)وزاد في (الفقيه والتهذيب): مثل خالة وعمة، وزاد القمي : في بيت الله الحرام وقال : الربا سبعون جزء أيسره مثل أن ينكح الرجل أمه في بيت الله الحرام .
ص: ٢٦١
وعن (الفقيه والتهذيب) عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام): لعن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) الربا وآكله وبائعه ومشتريه وكاتبه وشاهديه (1).
ثم إن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لما بين لأمير المؤمنين (علیه السَّلام) أوصاف المفتونين فأعاد (علیه السَّلام) السؤال وقال: (فقلت: يا رسول الله فبأي المنازل أنزلهم عند ذلك أبمنزلة ردّة أم بمنزلة فتنة؟ فقال: «بمنزلة فتنة») وذلك لبقائهم على الإقرار بالشهادتين وإن ارتكبوا من المحارم ما ارتكبوا لشبه غطت على أعين أبصارهم، فلا يجري عليهم في الظاهر أحكام الكفر وإن كانوا باطناً من أخبث الكفار .
تنبيهات
الأول : قال الشارحان المعتزلي والبحراني : إن هذا الخبر الذي رواه أمير المؤمنين (علیه السَّلام) عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قد رواه كثير من المحدثين عنه علي عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال (علیه السَّلام): «إن الله قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين»، قال (علیه السَّلام): فقلت : يا رسول الله ما هذه الفتنة التي كتب علي فيها الجهاد؟ قال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «فتنة قوم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله وهم مخالفون للسنة»، فقلت: يا رسول الله فعلى ما أقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد؟ قال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «على الإحداث في الدين ومخالفة الأمر»، فقلت: يا رسول الله إنك كنت وعدتني بالشهادة فاسأل الله أن يعجلها لي بين يديك، قال: «فمن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين أما أني وعدتك بالشهادة وستشهد تضرب على هذا فتخضب هذه فكيف صبرك إذاً؟»، فقلت يا رسول الله ليس ذا بموطن صبر هذا موطن شكر، قال «أجل، أصبت فأعد للخصومة فإنك مخاصم»، فقلت يا رسول الله لو بيَّنت لي قليلاً ، فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «إن أمتي ستفتن من بعدي فتتأوّل القرآن، وتعمل بالرأي، وتستحل الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع، وتحرّف الكلم عن مواضعه، وتغلب كلمة الضلال فكن جليس بيتك حتى تقلّدها، فإذا قلدتها، جاشت عليك الصدور، وقلبت لك الأمور، فقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فليست حالهم الثانية دون حالهم الأولى»، فقلت يا رسول الله فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين؟ أبمنزلة فتنة أم بمنزلة ردّة؟ فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل»، فقلت يا رسول الله أيدركهم العدل منا أم من غيرنا ؟ قال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «بل منا ، بنا فتح الله وبنا يختم، وبنا ألف الله بين القلوب بعد الشرك»، فقلت : الحمد الله على ما وهب لنا من فضله (2).
ص: ٢٦٢
بیان
قوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «كن جليس بيتك» هكذا في نسخة الشارح المعتزلي فعيل بمعنى فاعل، أي كن من يجالس بيتك، وفي نسخة البحراني : حلس بيتك بالحاء المهملة وزن حبر . قال في (مجمع البحرين): في الخبر كونوا أحلاس بيوتكم، الحلس بالكسر كساء يوضع على ظهر البعير تحت البرذعة، وهذا هو الأصل، والمعنى : إلزموا بيوتكم لزوم الأحلاس ولا تخرجوا منها فتقعوا في الفتنة، والضمير في تقلّدها وقلّدتها على البناء للمفعول فيهما راجع إلى الخلافة، والتقليد مأخوذ من عقد القلادة على الاستعارة وتقليدهم إطاعتهم وترك الفساد، وجأش القدر بالهمز وغيره غلا ، (وقلبت لك الأمور) : أي دبّروا أنواع المكائد والحيل.
الثاني : قال الشارح المعتزلي : في قوله (علیه السَّلام): (بل بمنزلة فتنة) تصديق لمذهبنا في أهل البغي وأنهم لم يدخلوا في الكفر بالكلية، بل هم فسّاق، والفاسق عندنا في منزلة بين المنزلتين خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر ، انتهى (1).
أقول : قد علمت تحقيق الكلام في حكم البغاة والخوارج في شرح الخطبة الثالثة والثلاثين وظهر لك هناك أنهم محكومون بكفرهم باطناً وإن يجري عليهم في الظاهر أحكام الإسلام، ولقد ظفرت حيثما بلغ بنا الشرح إلى هذا المقام على تحقيق أنيق للعلامة المجلسي قدس سره العزيز في هذا المرام فأحببت أن أورده هنا لكونه معاضداً لما قدمنا ، فأقول: قال قدّس الله روحه في المجلد الثامن من (البحار) في باب حكم من حارب أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام:
تذييل
إعلم أنه قد اختلف في أحكام البغاة في مقامين :
الأول: في كفرهم فذهب أصحابنا إلى كفرهم قال المحقق الطوسي رحمة الله عليه في (التجريد): محاربوا علي (علیه السَّلام) كفرة، ومخالفوه فسقة.
أقول : ولعل مراده إن مخالفيه في الحرب والذين لم ينصروه فسقة كما يومئ إليه بعض كلماته فيما بعد.
وذهب الشافعي : إلى أن الباغي ليس باسم ذمّ، بل هو اسم من اجتهد فأخطأ بمنزلة من خالف الفقهاء في بعض المسائل.
ص: ٢٦٣
1) شرح النهج : ۲۰۸/۹.
وقال شارح (المقاصد): والمخالفون لعلي (علیه السَّلام) بغاة، لخروجهم على إمام الحق بشبهة من ترك القصاص من قتلة عثمان، ولقوله (علیه السَّلام) لعمار رضي الله عنه : «تقتلك الفئة الباغية»، وقد قتل يوم صفين على يد أهل الشام ولقول علي عليه الصلاة والسلام: إخواننا بغوا علينا وليسوا كفاراً ولا فسقة وظلمة، لما لهم من التأويل وإن كان باطلاً ، فغاية الأمر أنهم أخطأوا في الاجتهاد، وذلك لا يوجب التفسيق فضلاً عن التكفير .
وذهبت المعتزلة إلى أنه اسم ذمّ ويسمونهم فسّاقاً.
والدلائل على ما ذهب إليه أصحابنا أكثر من أن تحصى وقد مضت الأخبار الدالة عليه وسيأتي في أبواب حبّ أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب عليه صلوات الله الملك الغالب وبغضه عليه الصلاة والسلام وأبواب مناقبه وإيرادها هنا يوجب التكرار فبعضها صريح في كفر مبغض أهل بيت العصمة والطهارة عليهم الصلاة والسلام، ولا ريب في أن الباغي مبغض، وبعضها يدل على كفر من أنكر إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، وبعضها على أن الجاحد له من أهل النار. وبعضها يدل على كفر من لم يعرف إمام زمانه، وذلك مما اتفقت عليه كلمة الفريقين، والبغي لا يجامع في الغالب معرفة الإمام، ولو فرض باغ على الإمام لأمر دنيوي من غير بغض ولا إنكار لإمامته فهو كافر أيضاً، لعدم القائل بالفرق.
ثم إن الظاهر (1)أن قوله تعالى: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)» [الحجرات: ٩] لا يتعلّق بقتال البغاة بالمعنى المعروف، لما عرفت من كفرهم، وإطلاق المؤمن عليهم باعتبار ما كانوا عليه بعيد، وظاهر الآية التالية وهى قوله: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)» [الحجرات: ١٠] بقاء المذكورين في الآية السابقة على الإيمان ولعله السر في خلو أكثر الأخبار عن الاحتجاج بهذه الآية في هذا المقام، فتكون الآية مسوقة لبيان حكم طائفتين من المؤمنين تعدّت وبغت إحديهما على الأخرى لأمر دنيوي أو غيرها مما لا يؤدي إلى الكفر.
الثاني : فيما اغتنمه المسلمون من أموال البغاة فذهب بعض الأصحاب إلى أنه لا يقسم أموالهم مطلقاً، وذهب بعضهم إلى قسمة ما حواه العسكر دون غيره من أموالهم وتمسك الفريقان بسيرته (علیه السَّلام) في أهل البصرة.
قال الأولون : لو جاز الاغتنام لم يرد (علیه السَّلام) عليهم أموالهم وقد روى أنه (علیه السَّلام) نادى : من
ص: ٢٦٤
1) أي في تلك الأمثلة.
وجد ماله فله أخذه، فكان الرجل منهم يمر بمسلم يطبخ في قدر فيسأله أن يصبر حتى ينضج؟ فلا يصبر فيكفاها ويأخذها وأنه (علیه السَّلام) كان يعطي من القوم من له بيّنة ومن لم يكن له بينة فيحلفه ويعطيه .
وقال الآخرون: لولا جوازه لما قسم (علیه السَّلام) أموالهم أولاً بین المقاتلة وقد كان ردّها عليهم بعد ذلك على سبيل المنّ لا الاستحقاق كما من النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) على كثير من المشركين وقد رووا عنه (علیه السَّلام) أنه قال : مننت على أهل البصرة كما منّ النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) على أهل مكة، ولذا ذهب بعض أصحابنا على جواز استرقاقهم كما جاز للرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في أهل مكة والمشهور عدمه.
والذي نفهم من الأخبار أنهم واقعاً في حكم المشركين وغنائمهم وسبيهم في حكم غنائم المشركين وسبيهم، والقائم (علیه السَّلام) يجري عليهم تلك الأحكام، ولما علم أمير المؤمنين (علیه السَّلام) استيلاء المخالفين على شيعته لم يجر هذه الأحكام عليهم لئلا يجروها على شيعته، وكذا الحكم بطهارتهم وجواز مناكحهم وحلّ ذبيحتهم لاضطرار معاشرة الشيعة معهم في دولة المخالفين.
ويدل عليه ما رواه الكليني بإسناده عن أبي بكر الحضرمي قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السَّلام) يقول : لسيرة عليّ يوم البصرة كانت خيراً للشيعة مما طلعت عليه الشمس لأنه علم أن للقوم دولة فلو سباهم لسبيت شيعته، قلت: فأخبرني عن القائم أيسير بسيرته (علیه السَّلام)؟ قال : لا ، إن علياً سار فيهم بالمنّ، للعلم من دولتهم، وإن القائم (علیه السَّلام) يسير فيهم بخلاف تلك السيرة، لأنه لا دولة لهم (1).
وأما ما لم يحوها العسكر من أموالهم فنقلوا الإجماع على عدم جواز تملكها، وكذلك ما حواه العسكر إذا رجعوا إلى طاعة الإمام (علیه السَّلام) وإنما الخلاف فيما حواه العسكر مع إصرارهم، وأما مدبرهم وجريحهم وأسيرهم فذو الفئة منهم يتبع ويجهز عليه ويقتل، بخلاف غيره، وقد مضت الأخبار في ذلك وستأتي في باب سيرته (علیه السَّلام) في حروبه.
تكملة
قال الشيخ قدس الله روحه في (تلخيص الشافي) عندنا أن من حارب أمير المؤمنين وضرب وجهه ووجه أصحابه بالسيف كافر والدليل المعتمد في ذلك إجماع الفرقة المحقة الإمامية على ذلك، فإنهم لا يختلفون في هذه المسألة على حال من الأحوال وتدلّلنا على أن
ص: ٢٦٥
1) المحاسن : ۳۲۰/۲۰ ح ۵۵ ، والكافي: ٣٣/٥ ح ٤.
إجماعهم حجة فيما تقدم، وأيضاً فنحن نعلم أن من حاربه كان منكراً لإمامته ودافعاً لها، ودفع الإمامة كفر كما أن دفع النبوة كفر، لأن الجهل بهما على حد واحد .
وقد روي عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أنه قال: «من مات وهو لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وميتة جاهلية لا تكون إلا على كفر».
وأيضاً روي عنه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أنه قال : «حربك يا علي حربي، وسلمك يا علي سلمي»، ومعلوم أنه إنما أراد أحكام حربك تماثل أحكام حربي، ولم يرد أن إحدى الحربين هي الأخرى، لأن المعلوم ضرورة خلاف ذلك وإن كان حرب النبي كفراً أوجب مثل ذلك في حرب أمير المؤمنين (علیه السَّلام) لأنه جعله مثل حربه .
ويدل على ذلك أيضاً قوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» (1)، ونحن نعلم أنه لا يحب عداوة أحد بالإطلاق إلا عداوة الكفّار .
وأيضاً فنحن نعلم أن من كان يقاتله يستحل دمه ويتقرب إلى الله بذلك، واستحلال دم مؤمن مسلم كفر بالإجماع، وهو أعظم من استحلال جرعة من الخمر الذي هو كفر بالاتفاق.
فإن قيل : لو كانوا كفاراً لوجب أن يسير فيهم بسيرة الكفار، فيتبع موليهم ويجهز على جريحهم، ويسبي ذراريهم، فلما لم يفعل ذلك دلّ على أنهم لم يكونوا كفاراً .
قلنا : لا يجب بالتساوي في الكفر التساوي في جميع أحكامه، لأن أحكام الكفر مختلفة، فحكم الحربي خلاف حكم الذمي، وحكم أهل الكتاب خلاف حكم من لا كتاب له من عباد الأصنام، فإن أهل الكتاب تؤخذ منهم الجزية ويقرّون على أديانهم، ولا يفعل بعباد الأصنام، وعند من خالفنا من الفقهاء يجوز التزوج بأهل الذمة وإن لم يجز ذلك في غيرهم، وحكم المرتد بخلاف حكم الجميع، وإذا كانت أحكام الكفر مختلفة مع الاتفاق في كونه كفراً لا يمتنع أن يكون من حاربه كافراً وإن سار فيهم بخلاف أحكام الكفار .
وأما المعتزلة وكثير من المنصفين من غيرهم فيقولون بفسق من حاربه ونكث بيعته ومرق عن طاعته، وإنما يدعون أنهم تابوا بعد ذلك، ويرجعون في إثبات توبتهم إلى أمور غير مقطوع بها ولا معلومة من أخبار الآحاد، والمعصية معلومة مقطوع عليها، وليس يجوز الرجوع عن المعلوم إلا بمعلوم مثله.
ص: ٢٦٦
1) من لا يحضره الفقيه : ۲۲۹/۱.
فصل ثانی از کلام آن امام انام است، می فرماید:
راه ایمان راهی است روشن تر از همه راه ها و نورانی تر از جمیع چراغ ها، پس با ایمان استدلال کرده می شود به اعمال صالحه و با اعمال صالحه استدلال کرده می شود با ایمان و با ایمان آباد شده می شود علم و با علم ترس حاصل می شود از مرگ و با مرگ ختم می شود دنیا و با دنیا محکم می شود کار آخرت و با قیامت نزديك شده می شود بهشت عنبر سرشت از برای متقین و اظهار می شود دوزخ از برای معصیت کاران و به درستی که مخلوقان هیچ مکان نگهدارنده نیست ایشان را از ورود قیامت در حالتی که سرعت کننده اند در میدان آن به سوی غایت نهایت که عبارت است از سعادت و شقاوت .
بعض دیگر از این کلام در بیان حال اهل قبور است، می فرماید:
به تحقیق که کوچ کردند ایشان از قرارگاه قبرها و منتقل شدند به محل انتقال این غایت ها که عبارت است از بهشت و جهنم و از برای هر خانه از این دو خانه اهلی است که طلب نمی کنند عوض نمودن آن را به خانه دیگر و نقل کرده نمی شوند از آن خانه به سوی غیر آن و به درستی که امر به معروف و نهی از منکر دو خلق پسندیده هستند از اخلاق خدا و به درستی که این دو خلق نزديك نمی گردانند از مرگ و کم نمی کنند از روزی و لازم نمایید به خودتان عمل کردن کتاب خدا را پس به درستی که او است ریسمان محکم و نور آشکار و شفادهنده با منفعت و سیراب کننده ای که رفع عطش می نماید و نگاه دارنده از برای کسی که تمسك به آن نماید و نجات دهنده مرکسی که تعلّق به آن داشته باشد، کج نمی شود تا راست کرده شود و عدول نمی کند از حق تا طلب کرده شود بازگشت آن به سوی حق و کهنه نمی کند آن را کثرت ورد آن به زبان ها و دخول آن به گوش ها، هر کس قایل شد به آن کتاب صادق شد و هر کس عمل نمود به آن سبقت کرد به درجات جنان وروضه رضوان.
ص: ٢٦٧
و برخاست به سوی آن حضرت در اثنای این کلام مردی، پس عرض نمود ای امیرمؤمنان، خبر ده ما را از فتنه و بلیه و آیا پرسیدی آن را از حضرت رسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)؟ پس فرمود:
زمانی که نازل نمود حق سبحانه و تعالی آیه:
«الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ»، یعنی «منم خدای لطيف مجید آیا گمان کردند مردمان که ایشان ترک کرده می شوند به حال خودشان به محض اینکه می گویند ایمان آوردیم ما؟ و حال آنکه ایشان امتحان کرده نشوند»؛
دانستم من که فتنه نازل نمی شود به ما و حال آنکه حضرت رسالت مآب (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) در میان ما است پس گفتم یا رسول الله چیست این فتنه و امتحان که خبر داده تو را خداوند متعال به آن؟ پس فرمود آن حضرت که: ای علی به درستی که امّت من زود باشد که به فتنه افتند بعد از من پس گفتم: ای رسول خدا آیا نبود که گفتی مرا در روز جنگ احد هنگامی که به درجه شهادت رسیدند کسانی که شهید شدند از مسلمانان و منع شد از من شهادت، پس دشوار آمد این شهید نشدن به من، پس فرمودی تو به من که: شاد باش که شهادت از پس تو است، پس فرمود حضرت رسول به من که: یا علی کار به همین قرار است؛ (یعنی البته شهید خواهی شد) پس چگونه است صبر تو آن هنگام؟ عرض کردم یا رسول الله نیست این مقام از مقام های صبر و شکیبایی ولکن از مواضع بشارت و شکر است، پس فرمود آن حضرت: ای علی به درستی این قوم زود باشد که مفتون باشند بعد از من به مال های خودشان و منت گذاری کنند به دین خود به پروردگار خودشان و آرزو نمایند رحمت او را و ایمن شوند از سخط او و حلال شمارند حرام او را با شبهه های دروغ و با خواهشات غفلت کننده، پس حلال شمارند شراب را به نبیذ و رشوت را به اسم هدیه و ربا را به سبب مبایعه، پس گفتم یا رسول الله، به کدام منزل ها نازل کنم ایشان را در آن حال؟ آیا به منزله فتنه یا به منزله مرتد شدن؟ پس فرمود که: به منزله فتنه، از جهت اینکه ظاهراً اقرار به شهادتین دارند اگرچه باطناً کافرند.
ص: ٢٦٨
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الحَمْدَ مِفتاحاً لِذِكْرِه ، وسَبَباً لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ، وَدَلِيلاً عَلَى آلَاءِهِ وعَظَمَتهِ، عِبادَ اللَّهِ إِنَّ الدَّهْرَ يَجْرِي بالباقِينَ كَجَرْيِهِ بِالماضِينَ، لا يَعُودُ ما قَدْ وَلّى مِنْهُ، وَلا يَبْقَى سَرْمَداً ما فيهِ ، آخِرُ فِعالِهِ كَأَوَّلِهِ، مُتَشَابِهَةٌ أَمُورُهُ ، مُتَظَاهِرَةٌ أَعْلامُهُ، فَكَأَنَّكُمْ بِالسّاعَةِ تَحْدُوكُمْ حَدْوَ الزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ، فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَبِرْ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُماتِ، وَارْتَبَكَ فِي الهَلَكاتِ، ومَدَّتْ بِهِ شَياطينُهُ في طُغْيانِهِ، وزَيَّنَتْ لَهُ سَيِّءَ أَعْمالِهِ، فَالجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ، والنَّارُ غايَةُ المُفْرِطِينَ، اعْلَمُوا عِبادَ اللَّهِ أَنَّ التَّقْویٰ دارُ حِصْنٍ عَزيزٍ، والفُجُورَ دارُ حِصْنٍ ذَليلٍ، لا يَمْنَعُ أَهْلَهُ، وَلا يُحْرِزُ مَنْ لَجأَ إِلَيْهِ، أَلا وَبِالتَّقْوى تُقْطَعُ حُمَةُ الخَطايا، وباليَقِينِ تُدْرَكُ الغايَةُ القُصْوىٰ، عِبادَ اللَّهِ اللهَ اللهَ في أعزّ الأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ، وأَحَبِّها إِلَيْكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ قَذَ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبيلَ الحَقِّ، وأنارَ طُرُقَهُ، فَشَقْوَةٌ لازِمَةٌ ، أَوْ سَعادَةٌ دائِمَةٌ، فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الفَناءِ لأَيَّام البَقاءِ ، قَدْ دُلِلْتُمْ عَلى الزّادِ، وأُمِرْتُمْ بِالطَّعَنِ، وحُثِثتُمْ عَلى المَسِيرِ ، فَإِنَّما أَنْتُمْ كَرَكْبٍ وُقُوفٍ لا تَدْرُونَ مَتى تُؤْمَرُونَ بِالسَّيرِ ، أَلا فَما يَصْنَعُ بِالدُّنْيا مَنْ خُلِقَ لِلآخِرَةِ، وما يَصْنَعُ بِمالِ مَنْ عَمّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ، ويَبْقَىٰ عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وحِسابُهُ ، عِبادَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِما وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الخَيْرِ مَتْرَكٌ ولا فِيما نَهَىٰ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبٌ، عِبادَ اللَّهِ احْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ الأَعْمَالُ، ويَكْثُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ، وتَشيبُ فِيهِ الأَطْفالُ، إعْلمُوا عِبادَ اللّهِ أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وعُيُوناً مِنْ جوارِحِكُمْ، وحُفّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ ، وعَدَدَ أَنْفاسِكُمْ، لا نَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلٍ داجٍ، ولا يُكِنُّكُمْ مِنْهُمْ بابٌ ذُو رِتاجٍ، وإِنَّ غَداً مِنَ اليَوْمِ قَرِيبٌ، يَذْهَبُ اليَوْمُ بِما فِيهِ، ويَجيءُ الغَدُ لاحقاً بِهِ، فَكَأَنَّ كُلَّ امْرِءٍ مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ، ومَخَطَّ حُفْرَتِه، فَيا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ، وَمَنْزِلِ وَحْشَةٍ، ومُفْرَدِ غُرْبَةٍ، وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ، وَالسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ، وبَرَزْتُمْ لِفَصْلِ القَضاءِ، قَدْ َزاحَتْ عَنْكُمُ الأباطِيلُ ، واضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ العِللُ، وَاسْتَحَقَّتُ بكُمُ الحَقائِقُ ، وصَدَرَتْ بِكُمْ الأُمُورُ مَصادِرَها ، فَاتَّعِظُوا بِالعِبَرِ، وَاعْتَبِرُوا بِالغَيْرِ، وانْتَفِعُوا بالنُّذُرِ (1).
(زجر) البعير من باب نصر ساقه و (شول) جمع شائلة على غير قياس وهي من الإبل ما
ص: ٢٦٩
1) بحار الأنوار: ٧٤/ ٤٣٢، وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي (علیه السَّلام): ۳۰۹/۱.
أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر فجف لبنها، وجمع الجمع أشوال، وأما الشائل بغير هاء فهي الناقة تشول وترفع ذنبها للقاح، والجمع شوّل مثل راكع وركع و (الحمة) بضم الحاء وفتح الميم إبرة العقرب وهي محلّ سمّها، وربما يطلق على نفس السم، ويروى : حمّة بالتشديد من حمة الحر وهو معظمه و (رتج) الباب أغلقه كارتجه و (مخط حفرته) في بعض النسخ بالخاء المعجمة لأن القبر يخط أولاً ثم يحفر ، وفي بعضها بالحاء المهملة من القوم إذا نزلوا .
قوله : (الله الله في أعز الأنفس) منصوبان على التحذير، وحذف العامل وجوباً، أي احذروا الله أو اتقوا الله. قال نجم الأئمة: وحكمة اختصاص وجوب الحذف بالمحذر منه المكرر كون تكريره دالاً على مقارنة المحذر منه للمحذر بحيث يضيق الوقت إلا عن ذكر المحذر منه على أبلغ ما يمكن، وذلك بتكريره ولا يتسع لذكر العامل مع هذا المكرر، وإذا لم يكرر الاسم جاز إظهار العامل اتفاقاً .
وقوله : (فشقوة لازمة أو سعادة دائمة) مرفوعان على الخبرية أي فعاقبتكم شقوة أو سعادة، أو مبتدآن محذوفا الخبر، ولا يضر نكارتهما لكونهما نكرة موصوفة والتقدير فشقوة لازمة لمن نكب عنها أو سعادة دائمة لمن سلكها، أي سلك هذه الطرق، ويجوز أن يكونا فاعلين لفعل محذوف .
وقوله : (فما يصنع) استفهام إنكاري على سبيل التقريع والتوبيخ (وعن) في قوله : (عما قليل) بمعنى بعد والضمير في قوله : (أنه ليس) آه للشأن وإضافة المخط إلى حفرته من باب الإضافة في سعيد كرز إذ المراد بهما القبر، وقوله : (فيا له من بيت وحدة) النداء للتفخيم والتهويل (واللام) للاستغاثة، والضمير في له راجع إلى مخط حفرته، (ومن بيت وحدة) تمييز.
قال الرضي: وقد يكون الإسم في نفسه تاماً لا لشيء آخر أعني لا يجوز إضافته فينصب عنه التمييز وذلك في شيئين، أحدهما : الضمير وهو الأكثر وذلك فيما فيه معنى المبالغة والتفخيم كمواضع التعجب نحو: يا له رجلاً ويا لها قصة، ويا لك ليلاً ويا لها خطة «إلى أن قال»: (فإن كان الضمير فيها (1)) لا يعرف المقصود منه فالتمييز عن المفرد كقول امرئ القيس :
ص: ٢٧٠
1) أي في مثل تلك الأمثلة.
فيالك من ليل كأن نجومه *** بكل مغار القتل شذت بيذبل
وإن عرف المقصود من الضمير برجوعه إلى سابق معين كقولك : جاءني زيد فيا له رجلاً، ويله فارساً، ويا ويحه رجلاً ولقيت زيداً فلله دره رجلاً، أو بالخطاب لشخص معين نحو : قلت لزيد : يا لك من شجاع ولله درك من رجل ونحو ذلك، فليس التمييز عن المفرد، لأنه لا إبهام إذاً في الضمير بل عن النسبة الحاصلة بالإضافة كما يكون كذلك إذا كان المضاف إليه فيها ظاهراً، نحو: يا لزيد رجلاً ، ولله در زيد رجلاً، إلى آخر ما ذكره .
إعلم أن هذه الخطبة الشريفة قد خطب بها للنصح والموعظة وتنبيه المخاطبين من نوم الغفلة والجهالة، وافتتحها بما هو حقيق أن يفتتح به كل كلام ذي بال، أعني حمد الله سبحانه والثناء عليه تعالى بجملة من نعوت كماله فقال : (الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره) قال الشارح المعتزلي : لأن أول الكتاب العزيز الحمد لله ربّ العالمين، والقرآن هو الذكر، قال سبحانه: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)» [الحجر: ٩] أقول: هذا إنما يتم لو كانت سورة الفاتحة أول ما نزل من القرآن أو يكون هذا الجمع والترتيب ووقوع الفاتحة في البداء بجعل من الله سبحانه.
أما الثاني : فباطل قطعاً إذ نظم السور وتأليفها وترتيبها على ما هي عليه الآن إنما كان في زمن عثمان ومن فعله حسبما عرفته في تذييلات شرح الفصل السابع عشر من الخطبة الأولى.
وأما الأول : فهو أيضاً غير معلوم بعد، بل المشهور بين المفسرين أن أول سورة نزلت بمكة هي سورة «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ»، وقد رواه في (مجمع البيان) في تفسير سورة «هَلْ أَتَى» عن ابن عباس وغيره، نعم قد روي هناك عن سعيد بن المسيب عن علي (علیه السَّلام): أن أول ما نزل بمكة فاتحة الكتاب ثم اقرأ باسم ربك.
فالأولى أن يقال: إن المراد أنه سبحانه جعل الحمد مفتاحاً لذكره في عدة سور، وإطلاق الذكر على السورة لا غبار عليه كما أن القرآن يطلق على المجموع وعلى البعض من سورة وآية ونحوها (وسبباً للمزيد من فضله) بمقتضى وعده الصادق في كتابه العزيز، أعني قوله : «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» [إبراهيم: ٧] .
(ودليلاً على آلائه وعظمته) أما كونه دليلاً على آلائه فيحتمل معنيين :
أحدهما : أنه دليل للحامد على آلائه سبحانه أي على الفوز بها إذ الحمد والشكر سببان للوصول إلى النعم موجبان لزيادتها حسبما عرفت آنفاً، وأنها منه دون غيره، فمن حمد له
ص: ٢٧١
تعالى فقد اهتدى بحمده إلى نيل نعمه .
وثانيهما: أن الحمد لله تعالى دليل على أنه صاحب الآلاء والنعم إذ الحمد لا يليق إلا بولي النعمة، ولعل الثاني أظهر .
وأما كونه دليلاً على عظمته فلدلالته على عدم تناهي قدرته وعدم نفاد ملكه وخزائنه إذ كلما ازداد الحمد ازدادت النعمة لا يزيده كثرة العطاء إلا كرماً وجوداً فسبحان من لا تفني خزائنه المسائل، ولا تبدل حكمته الوسائل.
ولما فرغ من حمد الله سبحانه شرع في التذكير والموعظة فقال : (عباد الله إن الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين) يعني أن جريانه بالأخلاف كجريانه بالأسلاف قال الشاعر:
فما الدهر إلا كالزمان الذي مضى *** ولا نحن إلا كالقرون الأوائل
وهو من تشبيه المعقول بالمعقول، إذ الجري أمر عقلاني غير مدرك بإحدى الحواس الخمس، ومن باب التشبيه المفصل للتصريح بوجه الشبه وكونه مذكوراً في الكلام وهو قوله : (لا يعود ما قد ولي منه ولا يبقى سرمداً ما فيه) يعني أن ما ولي منه وأدبر فقد فات ومضى لا عود له أبداً، وما هو موجود فيه فهو في معرض الزوال والفناء ليس له ثبات ولا بقاء، إذ وجود الزماني إنما هو بوجود زمانه، فيكون منقضياً بانقضائه وفي هذا المعنى قال الشاعر :
ما أحسن الأيام إلا أنـــهـــا *** يا صاحبي إذا مضت لم ترجع
(آخر فعاله كأوّله) وعن بعض النسخ: كأولها ، فالضمير راجع إلى فعاله، وعلى ما في المتن فالضمير راجع إلى الدهر فيحتاج إلى تقدير مضاف كأول فعاله، والمراد واحد وإن هو أجزاء الزمان أولاً وآخراً سابقاً ولاحقاً على وتيرة واحدة ونسق واحد أي (متشابهة أموره) فإنه كما كان أولاً يعدّ قوماً للفقر وآخرين للغنى وطائفة للصحة وأخرى للمرض، وفرقة للضّعة وأخرى للرّفعة، وجمعاً للوجود وآخر للعدم ، وهكذا كذلك هو آخراً، وبالجملة فإن حديثه يخبر عن قديمه، وجديده ينبئ عن عتيقه . قال الشارح المعتزلي : وروى متسابقة أموره، أي شيء منها قبل كل شيء كأنها خيل تتسابق في مضمار (متظاهرة أعلامه) أي دلالته على سجيته وشيمته وأفعاله التي يعامل بها الناس قديماً وحديثاً تظاهر بعضها بعضاً وتعاضده، هذا.
ونسبة هذه الأمور إلى الدهر وإن كان الفاعل في الحقيقة هو الرب تعالى باعتبار كونه من الأسباب المعدّة لحصول ما يحصل في عالم الكون والفساد من الخير والشر والسعة والضيق حسبما عرفت في شرح الخطبة الثانية والثلاثين.
وقوله : (فكأنكم بالساعة تحدوكم حدو الزاجر بشوله) قد مر تحقيق الكلام في شرح نظير هذا الكلام له (علیه السَّلام) في شرح الخطبة الحادية والعشرين واستظهرنا هناك أن المراد
ص: ٢٧٢
بالساعة ساعات الليل والنهار، لأنها تسوق النار إلى الدار الآخرة ويسعى الناس بها إليها ، ويجوز أن يراد بها هنا القيامة وإن لم نجوّزه فيما تقدم لاباء لفظة هناك عنه، ولعل إرادة هذه هنا أظهر بملاحظة لفظة فكأنكم، فتأمل.
وتسميتها بالساعة باعتبار أن الناس يسعى إليها، فيكون المقصود به الإشارة إلى قرب القيامة وكونها حادية للمخاطبين باعتبار أنها لا بد للناس من الحشر إليها والاجتماع فيها للسؤال والجواب والحساب والكتاب والثواب والعقاب لا مناص لهم عن وقوفها فكأنها تسوقهم إليها ليجتمعوا فيها وينظروا إلى أعمالهم وإنما شبه حدوهم بحدو الزاجر بشوله لأن سائق الشول إنما يسوقها بعنف وسرعة لخلوها من الضرع واللبن بخلاف سائق العشار فإنه يرفق بها ولا يزجرها كما هو ظاهر.
ولما نبه على قرب الساعة وأنها تحدو المخاطبين أردفه بالتنبيه على وجوب الاشتغال بالنفس أي بصرف الهمّة إلى محاسبتها وإصلاحها وتزكيتها وترغيبها إلى ما أريد منها (ف)ـإن (من شغل نفسه بغير نفسه) لا يتحصل له نور يهتدي به في ظلمات طريق الآخرة بل إنما يحصل على أغطية من الهيئات البدنية وأغشية متحصلة من الاشتغال بزخارف الدنيا حاجبة له عن نور البصيرة فلأجل ذلك يكون قد (تحير في الظلمات) وتاه فيها (وارتبك) أي اختلط (في الهلكات) لا يكاد يتخلص منها (ومدت به شياطينه في طغيانه وزينت له سيء أعماله) كما قال عزَّ من قائل: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)» [الأعراف : ٢٠١ - ۲۰۲] يعني أن الذين اتقوا الله باجتناب معاصيه إذا طاف عليهم الشيطان بوساوسه تذكروا ما عليهم من العقاب بذلك فيجتنبوه ويتركونه فإذا هم مبصرون للرشد، وإخوان المشركين من شياطين الجن والأنس يمدونهم في الضلال والمعاصي ويزيدونهم فيه ويزينون ما هم فيه ثم لا يقصرون ولا يكفون الشياطين عن استغوائهم ولا يرحمونهم. وقيل : معناه: وإخوان الشياطين من الكفار يمدهم الشياطين في الغي ثم لا يقصرون هؤلاء مع ذلك كما يقصر الذين اتقوا، هكذا في (مجمع البيان).
ثم ذكر غاية وجود الإنسان وقال : (فالجنة غاية السابقين والنار غاية المفرطين) وكفى بالجنة نعمة لمن طلب، وكفى بالنار نقمة لمن هرب وتخصيص الجنة بالسابقين والنار بالمفرطين تنبيهاً على فضيلة السبق ورذيلة التفريط بتقوى الباعث على طلب أشرف الغايتين ولهرب من أخسهما .
ولما كان السبق إلى الجنة والنجاة من النار لا يحصل إلا بالتقوى وبالكف عن الفجور أردفه بذكر ثمرات هذين الوصفين وشرح ما يترتب عليهما من الفضائل والرذائل فقال:
ص: ٢٧٣
(اعلموا عباد الله أن التقوى دار حصن عزيز والفجور دار حصن ذليل) قال الشارح المعتزلي : أي دار حصانة، فأقيم الإسم مقام المصدر، هذا .
ونسبة العزّة والذلة إلى الدار من التوسع باعتبار عزَّة من تحصن بالأول وذلّة من تحصن بالآخر.
أما الأول فلأن التقوى تحرز من اتقى في الدنيا من الرذائل المنقصة والقبائح الموقعة له في الهلكات والمخازي، وفي الآخرة من النار وغضب الجبار كالحصن الحصين الذي يحرز متحصنه من المضارّ والمكاره .
وأما الثاني : فلأن الفجور يوقع الفاجر في الدنيا في المعاطب والمهالك ولا ينجيه في الآخرة من العذاب الأليم والسخط العظيم، فهو بمنزلة دار غير وثيق البنيان منهدم الحيطان والجدران (لا يمنع أهله ولا يحرز من لجأ إليه) ومن تحصن بدار كذلك ليكونن ذليلاً مهاناً لا محالة .
(ألا وبالتقوى تقطع حمة الخطايا) التشبيه المضمر في النفس للخطايا بالعقارب أو بذوات السموم من الحيوان استعارة بالكناية وذكر الحمة تخييل والقطع ترشيح والمراد أن بالتقوى يتدارك وينجبر سريان سمّ الخطايا والآثام في النفوس الموجب لهلاكها الأبد كما يقطع سريان سموم العقارب والأفاعي في الأبدان بالباد زهر والترياق ويمنع من نفوذها في أعماق البدن بقطع العضو الملدوغ من موضع اللدغ، وعلى رواية : حمة بالتشديد، فالمقصود أن بها تدفع شدتها وترفع .
ولما نبه على كون التقوى حاسمة لمادة الخطايا، وكان بذلك إصلاح القوة العملية نبه على ما به يحصل إصلاح القوة النظرية أعني اليقين فقال : (وباليقين تدرك الغاية القصوى) وإدراكها به لأن الإنسان إذا كملت قوته النظرية باليقين وقوته العملية بالتقوى، بلغ الغاية القصوى من الكمال الإنساني البتة.
ثم عاد (علیه السَّلام) إلى تحذير العباد تأكيداً للمراد فقال : (عباد الله الله الله) أي راقبوه سبحانه واتقوه تعالى (في أعز الأنفس عليكم وأحبها إليكم) الظاهر أن المراد بأعزّ الأنفس عليهم نفسهم، إذ كل أحد يحب نفسه بالذات ولغيره بالعرض والتبع، ولذلك قال سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ» [التحريم: ٦] قدم الأمر بوقاية النفس على الأهل لكونها أولى بها من الغير، هذا .
وقال الشارح البحراني: وفي الكلام إشارة إلى أن للإنسان نفوساً متعددة وهي باعتبار مطمئنة وأمارة بالسوء ولوّامة وباعتبار عاقلة وشهوية وغضبية، والإشارة إلى الثلاث الأخيرة
ص: ٢٧٤
وأعزّها النفس العاقلة إذ هي الباقية بعد الموت وعليها العقاب وفيها العصبية.
أقول : كون كلامه (علیه السَّلام) إشارة إلى ما ذكره بعيد غايته .
(فإن الله قد أوضح لكم سبيل الحق وأنار طرقه) ويروى : فأبان طرقه، فالعطف للتفسير يعني أنه سبحانه أتم الحجة عليكم، وأزال العذر عنه بما بعثه من الأنبياء والرسل وأنزله من الزبر والكتب، وأبلج لكم نهج الحق على لسانهم)فـ)ـلم يبق بعد ذلك إلا (شقوة لازمة) لمن نكب عنه (أو سعادة دائمة) لمن سلكه كما قال عزَّ من قائل: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)» [الإنسان : ٣] ثم عاد على الحث على أخذ الزاد ليوم المعاد وقال: (فتزودوا في أيام الفناء لأيام البقاء قد دللتم على الزاد) أي دلكم الله سبحانه عليه بقوله : «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى» [البقرة : ۱۹۷] (وأمرتم بالظعن) والرحيل (وحثثتم على المسير) يحتمل أن يكون الظعن والمسير كنايتين عن ترك الدنيا والرغبة في الآخرة والسير إليها بالقلوب والنفوس، فيكون المراد بالأمر والحثّ ما ورد في الكتاب والسنّة من الآيات والأخبار المنفّرة من الأولى والمرغبة في الأخرى، ويجوز أن يراد بهما معناهما الحقيقي أعني السير والرحلة إلى الآخرة بالأبدان فيكون الأمر والحث كناية عما أوجد الله من الأسباب المعدة لفساد المزاج المقربة إلى الموت وعن الليل والنار الحاديين للإنسان بتعاقبها إلى وطنه الأصلي على ما مر تحقيقاً وتفصيلاً في شرح الخطبة الثالثة والستين.
(فإنما أنتم كركب وقوف لا تدرون متى تؤمرون بالسير) لما أمرهم بالتزود في الدنيا علله بذلك تنبيهاً على وجوب المبادرة إلى أخذ الزاد لأن المسافر إذا كان زمام أمره بيد غيره ولا يعلم متى يسار به لزم عليه أن يبادر إلى زاده كي لا يفاجأه السفر ويسير بغير زاد فيعطب.
قال الشارح البحراني: قوله : (فإنما أنتم كركب) إلى آخره، فوجه التشبيه ظاهر، فالإنسان هو النفس، والمطايا هي الأبدان والقوى النفسانية والطريق هي العالم الحسي والعقلي والسير الذي ذكر ما قب الموت هو تصرّف النفس في العالمين لتحصيل الكمالات المعدة وهي الزاد لغاية السعادة الباقية وأما السير الثاني الذي هم وقوف ينتظرون ولا يدرون متى يؤمرون به فهو الرحيل إلى الآخرة من دار الدنيا وطرح البدن وقطع عقبات الموت والقبر إذ الإنسان لا يعرف وقت ذلك .
(ألا فما يصنع بالدنيا من خلق للآخرة) الاستفهام في معرض التنفير عن الدنيا والتوبيخ لطالبيها إذ الإنسان لما كان مخلوقاً للآخرة فمقتضى العقل أن يصرف همّته إليها لا إلى الدنيا الزائلة عنه عن قليل (وما يصنع بالمال عما قليل يسلبه) وهو في معرض التنفير عن المال بالتنبيه على أنه مسلوب عنه بعد زمان قليل فيزول سريعاً لذته (ويبقى عليه تبعته) أي إثمه (وحسابه) وما كان هذا وصفه فحري بأن يرفض ويترك لا أن يقتني ويجمع.
ص: ٢٧٥
ثم رغب في الخير بقوله : (عباد الله أنه ليس لما وعد الله من الخير مترك) أي ليس للخيرات والمثوبات التي وعدها الله سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) محل لأن تترك رغبة عنها إلى غيرها إذ كل خير دونها زهيد، وكل نفع عندها قليل، كما قال عزّ من قائل : «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)» [الكهف: ٤٦]، وفي سورة آل عمران): «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)» [آل عمران: ١٤ - ١٥]. هذا . ومقصوده (علیه السَّلام) بذلك الكلام الترغيب في الطاعات المحصلة للخيرات الأخروية والتحضيض عليها وعلى القيام بوظائفها.
ثم نفّر عن الشر بقوله : (ولا فيما نهى عنه من الشر مرغب) أي ليس في المحرمات والمعاصي التي نهى الله سبحانه عنها محلّ لأن يرغب فيها مع وجود نهيه وكونها مبغوضة عنده محصلة للآثام والعقوبات الدائمة (عباد الله احذروا يوماً تفحص فيه الأعمال) أي تكشف وتجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً (ويكثر فيه الزلزال) ونظير التحذير عنه بكثرة الزلزال التحذير في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)» [الحج: ١- ٢].
قال في (مجمع البيان) معناه : يا أيها العقلاء المكلفون اتقوا عذاب ربكم واخشوا معصية ربكم إن زلزلة الأرض يوم القيامة أمر عظيم هائل لا يطاق، يوم ترون الزلزلة أو الساعة تشغل كل مرضعة عن ولدها وتنساه، وتضع الحبالى ما في بطونها وهو تهويل لأمر القيامة وتعظيم لما يكون فيه من الشدائد أي لو كان ثم مرضعة لذهلت أو حامل لوضعت وإن لم يكن هناك حامل ولا مرضعة، وترى الناس سكارى من شدة الخوف والفزع وما هم بسکارى من الشراب وقيل: معناه كأنهم سكارى من ذهول عقولهم لشدّة ما يمر بهم لأنهم يضطربون اضطراب السكران، هذا .
(و) لشدة ذلك اليوم أيضاً (يشيب فيه الأطفال) كما قال تعالى: «يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا» [المزمل: ۱۷] . قال الطبرسي : وهذا وصف لذلك اليوم وشدته كما يقال : هذا أمر يشيب منه الوليد وتشيب منه النواصي إذا كان عظيماً شديداً.
وقال الشارح المعتزلي : قوله (علیه السَّلام): (ويشيب فيه الأطفال) كلام جار مجرى المثل
ص: ٢٧٦
وليس ذلك على حقيقته لأن الأمة مجتمعة على أن الأطفال لا يتغير حالهم في الآخرة إلى الشيب، والأصل في هذا أن الهموم والأحزان إذا توالت على الإنسان شاب سريعاً، قال أبو الطيب :
والهم يخترم الجسيم مخافة *** ويشيب ناصية الصبي ويهرم
ثم عقب بالتحذير من المعاصي بقوله : (اعلموا عباد الله أن عليكم رصداً من أنفسكم) أي حرساً وحفظة ملازمين لكم غير منفكين عنكم، وأراد به الجوارح والأعضاء، ولذا فسّره بقوله : (وعيوناً من جوارحكم) مراقبين لكم شهداء عليكم يوم القيامة كما قال تعالى في سورة سجدة: «وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)» [فصلت: ۱۹-۲۱] روى في (الصافي) عن القمي: نزلت في قوم تعرض عليهم أعمالهم فينكرونها فيقولون: ما عملنا شيئاً منهم، فيشهد عليهم الملائكة الذين كتبوا عليهم أعمالهم .
قال الصادق (علیه السَّلام): فيقولون لله : يا رب هؤلاء ملائكتك يشهدون لك، ثم يحلفون بالله ما فعلوا من ذلك شيئاً وهو قول الله عزّ وجل: «يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ» [المجادلة: ۱۸] وهم الذين غصبوا أمير المؤمنين (علیه السَّلام) فعند ذلك يختم الله عزّ وجل على ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهد السمع بما سمع مما حرم الله، ويشهد البصر بما نظر به إلى ما حرم الله عزّ وجل، ويشهد اليدان بما أخذتا، وتشهد الرجلان بما سعتا فيما حرَّم الله ، ويشهد الفرج بما ارتكب مما حرَّم الله. ثم أنطق الله عزَّ وجل ألسنتهم، فيقولون هم لجلودهم «لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا» الآية ، قال : والجلود الفروج (1).
وفي (الصافي) عن القمي أيضاً في تفسير قوله تعالى في سورة يس : «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)» [يس: ٦٥] قال : إذا جمع الله عزّ وجل الخلق يوم القيامة دفع إلى كل إنسان كتابه فينظرون فيه فينكرون أنهم عملوا من ذلك شيئاً، فتشهد عليهم الملائكة، فيقولون : يا رب ملائكتك يشهدون لك، ثم يحلفون أنهم لم يعملوا من ذلك شيئاً، وهو قول الله عزّ وجل : «يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ» فإذا فعلوا ذلك ختم الله على ألسنتهم وتنطق جوارحهم بما كانوا يكسبون، هذا.
وبما ذكرنا ظهر لك ضعف ما ذكره الشارح البحراني بل فساده من أن شهادة الجلود وغيرها بلسان الحال والنطق به، فإن كل عضو لما كان مباشراً لفعل من الأفعال كان حضور
ص: ٢٧٧
1) بحار الأنوار: ۳۱۳/۷ ، والتفسير الصافي : ٣٥٦/٤ .
ذلك العضو وما صدر عنه في علم الله تعالى بمنزلة الشهادة القولية بين يديه، فإن ذلك مخالف لظاهر الآية ونص الرواية لدلالتهما على كون الشهادة بلسان القال لا بلسان الحال كما زعمه الشارح وتوهم .
وقوله : (وحفاظ صدق يحفظون أعمالكم وعدد أنفاسكم) أراد بهم الكرام الكاتبين، قال تعالى: «إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)» [ق: ١٧ - ۱۸] . قال في (مجمع البيان) ذكر سبحانه أنه مع علمه به وكل به ملكين يحفظان عليه عمله إلزاماً للحجة، فقال : إذ يتلقى المتلقيان وهما الملكان يأخذان منه عمله فيكتبانه كما يكتب المملى عليه، عن اليمين وعن الشمال قعيد، المراد بالقعيد هو الملازم الذي لا يبرح لا القاعد الذي هو ضد القائم، وقيل: عن اليمين كاتب الحسنات وعن الشمال كاتب السيئات عن الحسن ومجاهد، وقيل: الحفظة أربعة، ملكان بالليل، وملكان بالنهار عن الحسن، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد أي ما يتكلم بكلام فيلفظه أي يرميه من فيه إلا لديه حافظ حاضر معه يعني الملك الموكل به إما صاحب اليمين وإما صاحب الشمال، يحفظ عمله لا يغيب عنه وعن أبي أمامة عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : «إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ أو المسيء، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها وإلا كتب واحدة» (1)، وفي رواية أخرى قال: صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل حسنة كتبها له صاحب اليمين بعشر أمثالها وإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال له صاحب اليمين: إمسك، فيمسك عنه سبع ساعات، فإن استغفر الله منها لم يكتب عليه شيء، وإن لم يستغفر الله كتب له سيئة واحدة، هذا.
وقد علم بذلك أنه سبحانه مع علمه بحال العبد وكونه أقرب إليه من حبل الوريد وكل عليه لحكمة اقتضته من تشديد في تثبط العبد من المعصية وتأكيد في اعتبار الأعمال وضبطها للجزاء وإلزام الحجة يوم يقوم الأشهاد حفظة صدق يحفظون عمله ويضبطونه وهم ملازمون له غير غائبين عنه عنه أبداً.
كما أشار إليه بقوله : (لا تستركم منهم ظلمة ليل داج) أي شديدة الظلمة (ولا يكنكم) أي لا يستركم (منهم باب ذو رتاج) أي باب عظيم مغلق.
ثم حذر بقرب الموت فقال : (وإن غداً من اليوم قريب) كنّى بالغد عن وقت الموت (يذهب اليوم بما فيه) من الخير والشر والطاعة والمعصية (ويجيء الغد لاحقاً به) ثم حذر ببلوغ القبر وكنّى عنه بقوله : (فكان كل امرء منكم قد بلغ من الأرض منزل وحدته ومخط
ص: ٢٧٨
1) بحار الأنوار: ۳۲۱/۵ ، والمعجم الكبير : ١٨٥/٨ .
حفرته) وأشار إلى هول ذلك المنزل ووصفه بالأوصاف الموحشة المنفرة فقال: (فيا له من بيت وحدة ومنزل وحشة ومفرد غربة) ثم حذر بالصيحة ونفخ الصور وقيام الساعة فقال: (وكأن الصيحة قد أتتكم والساعة قد غشيتكم) والظاهر أن المراد بالصيحة الصيحة والنفخة الثانية وقد أشير إليهما أعني الصيحتين في سورة يس قال تعالى: «مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)» [٤٩ - ٥٣] . قال في (مجمع البيان): أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة يريد النفخة الأولى عن ابن عباس، يعني أن القيامة تأتيهم بغتة تأخذهم الصيحة وهم يخصمون أي يختصمون في أمورهم ويتبايعون في الأسواق، ثم أخبر عن النفخة الثانية وما يلقونه فيها إذا بعثوا بعد الموت فقال : ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث وهي القبور، إلى ربهم أي إلى الموضع الذي يحكم الله فيه لا حكم لغيره هناك، ينسلون أي يخرجون سراعاً ثم أخبر عن سرعة بعثهم فقال : إن كانت إلا صيحة واحدة، أي لم تكن المدة إلا مدة صيحة واحدة، فإذا هم جميع لدينا محضرون، أي فإذا الأولون والآخرون مجموعون في عرصات القيامة محضرون في موقف الحساب.
وفي سورة الزمر : «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)» [٦٨] قال في (مجمع البيان): فصعق من في السموات (آهـ)، أي يموت من شدة تلك الصيحة التي تخرج من الصور جميع من في السماوات والأرض، وقوله : ثم نفخ فيه أخرى، يعني نفخة البعث وهي النفخة الثانية.
وبرزتم لفصل القضاء أي لحكم العدل الفاصل بين الحق والباطل ليتميز المصيب من المخطئ، والمسلم من الكافر، والمؤمن من المنافق ليجزي كل ما عمل كما قال عزّ من قائل: «وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)» [الزمر: ٦٩ - ٧٠] .
(قد زاحت عنكم الأباطيل) أي بعدت وتنحت عنكم الهيئات الباطلة الممكنة الزوال (واضمحلت عنكم العلل) أي ذهبت وانحلت عنكم العلل والأمراض النفسانية (واستحقت بكم الحقائق) قال الشارح المعتزلي: أي حقت ووقعت فاستفعل بمعنى فعل: (وصدرت بكم الأمور مصادرها) أراد به رجوع كل امرء إلى ثمرة ما قدم، قاله البحراني (فاتعظوا بالعبر) أي بكل ما يفيد اعتباراً وتنبهاً على أحوال الآخرة وبما فيه تذكرة للموت وما بعده من الشدائد والأهوال ، ألا ترى إلى الأباء والإخوان والأبناء والولدان والأقرباء والجيران كيف طحنتهم
ص: ٢٧٩
المنون، وتوالت عليهم السنون، وفقدتهم العيون، اندرست عن وجه الأرض آثارهم وانقطعت عن الأفواه أخبارهم .
إذا كان هذا حال من كان قبلنا *** فإنّا على آثارهم نتلاحق
(واعتبروا بالغير) أي بتغيرات الدهر وانقلاباته على أهله لا يدوم سروره، ولا تتم أموره، لا يقيم على حال، ولا يمتنع بوصال، وعوده كاذبة، وآماله خائبة.
تحدّثك الأطماع أنك للبقاء *** خلقت وأن الدهر خلّ موافق
كأنك لم تـبــصــر أُناساً ترادفـت *** عليهم بأسباب المنون اللواحق
(وانتفعوا بالنذر) أي بكل ما أفاد تخويفاً بالآخرة وما فيها من المفزعات والدواهي فهي من عدم رشده، وضل قصده إن أوقاتك محدودة، وأنفاسك معدودة، وأفعالك مشهورة، وأنت مقيم على الإصرار ، غافل من يوم تشخص فيه الأبصار .
إذا نصب الميزان للفصل والقضا *** وأبلس محجاج وأخرس ناطق
وأججت النيران واشتد غيظها *** إذا فتحت أبوابها والمغــالق
فإنك مأخوذ بما قد جنيته *** وإنك مطلوب بما أنت سارق
فقارب وسدّد واتق الله وحده *** ولا تستقل الزاد فالموت طارق
ص: ٢٨٠
از جمله خطب بلیغه آن امام مبین و ولى ربّ العالمين است در نصیحت و موعظه و تنفیر از دنیا و ترغیب به عقبی، می فرماید:
حمد و ثنا مر خدای را است که گردانید حمد را کلید از برای ذکر خود و سبب زیادتی فضل و انعام خود و دلیل بر نعمتهای خود و عظمت بی نهایت خود. ای بندگان خدا، به درستی روزگار جاری می شود به باقی ماندگان مثل جاری شدن او بر گذشتگان در حالتی که بازنمی گردد آنچه که پشت گردانیده از آن و باقی نمی ماند همیشه آنچه که در او است، آخر کارهای او مثل اوّل کارهای او است، شبیه است به هم دیگر کارهای او، هم پشت یکدیگرند علامت های او، پس گویا که شما می بینید قیامت را می راند شما را به سوی خود مثل راندن کسی که به عنف و زجر شتر ماده بی شیر و بچه خود را براند، پس کسی که مشغول نماید نفس خود را به غیر اصلاح نفس خود متحیر می ماند در ظلمت های جهالت و آمیخته شود در تباهی هلاکات و بکشند او را شیطان ها در طغیان او و زینت می دهند از برای او عمل های بد او را، پس بهشت پایان کار سبقت کنندگان است و جهنم نهایت کار تفریط نمایندگان. بدانید ای بندگان خدا که تقوی حصن حصینی است با عزّت و فسق و فجور خانه حصنی است با ذلّت که منع نمی کند اهل خود را از بلا و مکاره و حفظ نمی کند کسی را که پناه برد به سوی او، آگاه باشید که با تقوی بریده می شود نیش پر زهر گناه ها و با یقین درک می شود غایت قصوی.
ای بندگان بپرهیزید از خدا در عزیزترین نفس ها بر شما و دوست ترین آنها به سوی شما، پس به درستی که حق تعالی واضح گردانیده از برای شما راه حق را و ظاهر نموده راه های آن را پس نهایت کار یا شقاوتی است لازم یا سعادتی است دائم پس توشه بردارید در روزهای فنا از برای روزهای بقا، پس به تحقیق که راه نموده شدید بر توشه آخرت و مأمور شدید به رحلت و حث و ترغیب شدید به سیر کردن به سوی وطن اصلی، پس به درستی که شما مانند سوارانید منتظر ایستاده که نمی دانید چه وقت مأمور خواهید شد به حرکت.
ص: ٢٨١
آگاه باشید چه می کند دنیا را کسی که خلق شده است از برای آخرت و چه کار دارد با مال کسی که بعد از زمان قلیل سلب می شود از آن و باقی می ماند بر او وبال و حساب آن. ای بندگان خدا، به درستی که نیست مرچیزی را که وعده فرموده است خدا از نیکویی جای ترکی و نیست در آنچه نهی فرموده از آن از بدی جای رغبتی. ای بندگان خدا حذر نمایید از روزی که جستجو می شود در آن عمل ها و بسیار می شود در آن زلزله و پیر میشوند در آن بچه گان.
بدانیدای بندگان خدا که بر شما است نگهبانان از نفس های خودتان و جاسوسان از اعضاء و جوارح شما و نگهدارندگان راست و درست یعنی کرام الکاتبین که نگه می دارند عمل های شما را و شماره نفس های شما را در حالتی که نمی پوشاند شما را از ایشان تاریکی شب تار و پنهان نمی سازد شما را از آنها در محکم بسته شده و به درستی که فردا نزديك است از امروز، می رود امروز با آنچه که در او است از خیر و شر و می آید فردا در حالتی که لاحق است به آن.
پس گویا هر مردی از شما به تحقیق رسیده است از زمین به منزل تنهایی خود و به محل خط گودال خود که عبارت است از قبر او، پس ای بسا تعجب ای قوم مرا به منزل و مکان از خانه تنهایی و منزل بیمناك و محل تفرّد غریبی و گویا صدای نفخه صور اسرافیل آمده است به شما و قیامت احاطه نموده بر شما و بیرون آمده اید از قبر به جهت حکم عدل پروردگار که تمیز دهنده است میان حق و باطل در حالتی که بعید شده است از شما باطل ها و زایل شده از شما علّت ها و مستحق شده است به شما حقیقت ها و بازگشته به شما امورات به مواضع بازگشتن خودشان.
پس پند گیرید با عبرت ها و عبرت نمایید با تغیرات روزگار و منتفع باشید با چیزهایی که می ترساند شما را از عذاب نار و از سخط خداوند قهار.
ص: ٢٨٢
والظاهر أنها مع الخطبة الثامنة والثمانين متحدتان ملتقطتان من خطبة طويلة قدمنا روايتها من (الكافي) في شرح الخطبة التي أشرنا إليها .
أَرْسَلَهُ عَلىٰ حِينَ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الأمَم ، وانْتِقاضٍ مِنَ المُبْرَمِ، فَجاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَينَ يَدَيْهِ ، والنُّورِ المُقْتَدِىٰ بِهِ ، ذٰلِكَ القُرآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَلَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ ، أَلَا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ ما يَأْتي والحَدِيثَ عَنِ الماضي، ودَواءَ دائِكُمْ، وَنَظمَ ما بَيْنَكُمْ.
مِنْها - فَعِنْدَ ذٰلِكَ لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا وأَدْخَلَهُ الظَّلَمَةُ تَرْحَةٌ ، وأَوْلَجُوا فِيهِ نِقْمَةً، فَيَوْمَئِذٍ لا يَبْقَىٰ لَهُمْ فِي السَّمَاءِ عاذِرٌ ، ولا فِي الأَرْضِ ناصِرٌ ، أَصْفَيْتُم بِالأَمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ، وأَوْرَدْتُمُوهُ غَيرَ وِرْدِهِ، وسَيَنْتَقِمُ اللهُ مِمَّنْ ظَلَمَ مَأْكَلاً بِمَأْكَلٍ، ومَشْرَباً بِمَشْرَبٍ، مِنْ مَطاعِمِ العَلْقَمِ، ومَشارِبِ الصَّبِرِ والمَقِرِ ، وَلِبَاسِ شِعارِ الخَوْفِ ، ودِثارِ السَّيْفِ، وإِنَّما هُمْ مَطايَا الخَطِيئَاتِ، وزَوَامِلُ الآثَامِ، فَأُقْسِمُ ثُمَّ أُقْسِمُ لَتَنْخَمَنَّها أُمَيَّةُ مِنْ بَعْدِي كما تُلْفَظُ النُّخَامَةُ، ثُمَّ لا تَذُوقُها ولا تَتَطَعَّمُ بِطَعْمِها أَبَداً ما كَرَّ الجَديدان (1).
(الفترة) بين الرّسل وانقطاع الوحي والرسالة و (الهجعة) النومة من الليل أو من أوله و (أبرم) الحبل جعله طاقين ثم فتله وأبرم الأمر أحكمه و (الترحة) المرّة من الترح بالتحريك الهم والحزن و (أصفيت) فلاناً بكذا خصصته به و (المأكل) و (المشرب) مصدران بمعنى الأكل والشرب ويجوز هنا أن يجعلا بمعنى المفعول و (المقر) ككتف الصبر أو شبيه به أو السم كالمقر وزن فلس و (الشعار) ما يلي الجسد من الثياب و (الدثار) ما فوقه و (المطايا) جمع مطيّة وهي الدابة تمطو أي تجد في سيرها و (الزوامل) جمع الزاملة وهي التي يحمل عليها من الإبل وغيرها و (تنخم) دفع بشيء من أنفه أو صدره و (النخامة) بالضم النخاعة.
(على) في قوله (علیه السَّلام): (على فترة) بمعنى (في) كما في قوله تعالى: «عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا» [القصص : ١٥]، «عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ» [البقرة: ۱۰۲] . و (من) في قوله : (من الرسل)
ص: ٢٨٣
1) بحار الأنوار : ٥٤٧/٣١ ، نهج السعادة : ۲۲۲/۱.
نشوية، وكذا في قوله: (من الأمم ومن المبرم) (والباء) في قوله : (فجائهم بتصديق) (آهـ) تحتمل المصاحبة والتعدية.
قال الشارح المعتزلي : (مأكلاً) منصوب بفعل مقدّر أي يأكلون مأكلاً ، (والباء) هنا للمجازاة الدالة على الصلة كقوله تعالى: «فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ» [النساء: ١٥٥]، وقال سبحانه: «قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)» [القصص : ١٧].
وقال البحراني : (ومأكلاً ومشرباً) منصوبان بفعل مضمر والتقدير ويبدلهم مأكلاً بمأكل .
أقول : الظاهر أن (الباء) على ما قرره الشارح المعتزلي من الفعل سببية لا للمجازاة، وإن كان مراده بالمجازاة هي السببية فلا مشاحة، وعلى تقرير البحراني فهي للمقابلة، وعلى قول الأول فمن في قوله : (من مطاعم العلقم ومشارب الصبر) بيان لمأكلاً ومشرباً، وعلى قول الثاني فهي بيان لقوله : (بمأكل ومشرب) فافهم جيداً .
والإنصاف أنه لا حاجة إلى تقدير الفعل، بل يجوز مأكلاً ومشرباً مفعولين لظلم بواسطة الحرف المقدّر ، ويجعل قوله : (بمأكل) متعلقاً بينتقم، وعلى ذلك فيكون من مطاعم بياناً لقوله: (لمأكل) كما قدمنا في قول البحراني وتقدير الكلام وسينتقم قول البحراني، وتقدير الكلام وسينتقم الله ممن ظلم أحداً في أكل أو شرب بأكل من مطاعم العلقم وبشرب من مشارب الصبر، وعلى ذلك فيستقيم الكلام على أحسن نظام كما هو غير خفي على أولي الأفهام .
إعلم أن مدار هذه الخطبة على فصلين
في الإشارة إلى بعثة الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وفضيلته (علیه السَّلام) وفضيلة ما جاء به من كتاب الله سبحانه وهو قوله : (أرسله على حين فترة من الرسل وطول هجعة من الأمم) قد تقدم شرح هاتين القرينتين في شرح الخطبة الثامنة والثمانين فليراجع ثمة (وانتقاض من المبرم) أي انتقاض ما أبرمه الأنبياء والرسل من أحكام الدين وأحكموه من قوانين الشرع المبين (فجاءهم بتصديق الذي بين يديه) أي جاءهم الرسول مصاحباً بالتصديق أي مصدّقاً لما قبله فيكون التصديق وصفاً لنفس الرسول كما قال تعالى: «وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ» [البقرة : ۱۰۱] . وعلى كون (الباء) للتعدية فالمعنى أنه أتاهم بكتاب فيه تصديق الذي بين يديه، فيكون المصدّق هو الكتاب كما قال تعالى: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ»
ص: ٢٨٤
[آل عمران: ۳] قال في (مجمع البيان) أي لما قبله من كتاب ورسول، عن مجاهد وقتادة والربيع وجميع المفسرين وإنما قيل لما بين يديه لما قبله لأنه ظاهر له كظهور الذي بين يديه.
وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية: الوصف الثاني لهذا الكتاب قوله : مصدّقاً لما بين يديه، والمعنى أنه مصدّق لكتب الأنبياء ولما أخبروا به عن الله عزّ وجل.
ثم في الآية وجهان:
الأول : أنه تعالى دلّ بذلك على صحة القرآن لأنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب، لأنه كان أمياً لم يختلط بأحد من العلماء ولا تلمذ لأحد ولا قرأ على أحد شيئاً، والمفتري إذا كان هكذا امتنع أن يسلم عن الكذب والتحريف، فلما لم يكن كذلك ثبت أنه عرف هذه القصص بوحي الله.
الثاني: قال أبو مسلم : المراد منه أنه تعالى لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده والإيمان به وتنزيهه عما لا يليق به والأمر بالعدل والإحسان والشرائع التي هي صلاح كل زمان، فالقرآن مصدّق لتلك الكتب في كل ذلك .
بقي في الآية سؤالان:
الأول: كيف سمّى ما مضى بأنه بين يديه ؟ والجواب : أن تلك الأخبار لغاية ظهورها سماها بهذا الإسم .
الثاني : كيف يكون مصدّقاً لما تقدمه من الكتب مع أن القرآن ناسخ لأكثر تلك الأحكام؟ والجواب : إذا كانت الكتب مبشّرة بالقرآن وبالرسول ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثته وأنها تصير منسوخة عند نزول القرآن كانت موافقة للقرآن، فكان القرآن مصدّقاً لها، وأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدّق لها ، لأن دلائل المباحث الإلهية لا تختلف في ذلك، فهو مصدّق لها في الأخبار الواردة في التوراة والإنجيل، هذا.
والأظهر كون التصديق في قوله : (وصفاً للقرآن) والباء فيه للتعدية بقرينة قوله (والنور المقتدى به) فإنه وصف له أيضاً وكونه نوراً يهتدى به في ظلمات الجهل، ويقتدى بأحكامه ظاهراً، قال سبحانه: «كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ» [المائدة: ١٥].
(ذلك) الموصوف بما تقدم هو (القرآن) المنزّل من عند الله إعجازاً لرسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) (فاستنطقوه) يحتمل أن يكون المراد به الأمر باستفهام مضامينه وتفهم ما تضمنه من الحقائق والدقائق والحلال والحرام والحدود والأحكام.
ص: ٢٨٥
ولما كان التفهم عنه بنفسه غير ممكن لاشتماله على المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والظاهر والباطن والتنزيل والتأويل وغيرها عقبه بقوله : (ولن ينطق) أي لا يمكن تفهيمه بنفسه أبداً بل لا بد له من مترجم فأردفه بقوله : (ولكن أخبركم عنه) تنبيهاً على أنه (علیه السَّلام) مترجمه وقيمه ومفهم معانيه وظواهره وبواطنه .
ويجوز أن يكون استفعل بمعنى أفعل فيكون المراد باستنطاقهم له إنطاقهم إياه ولما كان ذلك موهماً لكونه ذا نطق بنفسه أتى بقوله : (ولن ينطق) من باب الاحتراس الذي عرفت في ديباجة الشرح من (المحسنات البديعية) ثم عقبه بقوله : (ولكن أخبركم عنه) تنبيهاً على أنه خط مسطور بين الدفتين ليس له لسان بل لا بد له من ترجمان وهو (علیه السَّلام) لسانه وترجمانه وإلى ذلك يشير في الخطبة المائة والثانية والثمانين بقوله : (فالقرآن آمر زاجر وصامت ناطق) أي صامت بنفسه وناطق بترجمانه، ولعلنا تذكر لهذا الكلام معنى آخر في مقامه إن شاء الله حيثما بلغ الشرح إليه، هذا .
وقد تقدم في التذييل الثالث من تذييلات الفصل السابع عشر من الخطبة الأولى الأدلة العقلية والنقلية على أن دليل القرآن وقيمه وترجمانه والعالم بمعانيه ومبانيه وبأسراره وبواطنه وظواهره هو أمير المؤمنين (علیه السَّلام) والطيبون من أولاده سلام الله عليهم جميعاً .
وقد علمت هناك أيضاً أن القرآن مشتمل على علم ما كان وما يكون وما هو كائن. وإليه أشار هنا بقوله : (ألا إن فيه علم ما يأتي) أي أخبار اللاحقين كلياتها وجزئياتها وأحوال الموت والبرزخ والبعث والنشور والقيامة والجنة والنار ودرجات الجنان ودركات الجحيم وأحوال السابقون إلى الأولى والسائرون إلى الأخرى، وتفاوت مراتب المثابين والمعاقبين في الثواب والعقاب شدّة وضعفاً وقلة وكثرة وغير ذلك مما يحدث في المستقبل.
(والحديث عن الماضي) أي أخبار السابقين وكيفية بدء الخلق من السماء والأرض والشجر والحجر والنبات والإنسان والحيوان وقصص الأنبياء السلف وأممهم ومعاصريهم من ملوك الأرض والسلاطين وغير ذلك مما مضى.
(ودواء دائكم) لاشتماله على الفضائل العلمية والعملية بها يحصل إصلاح النفوس والشفاء من الأمراض النفسانية والبرء من داء الغفلة والجهالة (ونظم ما بينكم) لتضمنه القوانين الشرعية والحكمة السياسية التي بها نظام العالم واستقامة الأمور.
في وصف حال بني أمية والأخبار عن ملكهم وظلمهم وزوال دولتهم بعد فسادهم في الأرض وهو قوله : (فعند ذلك لا يبقى بيت مدر ولا وبر) أي أهل الحضر والبدو (إلا وأدخله
ص: ٢٨٦
الظلمة) من بني أمية ومن أعوانهم (ترحة) أي همّاً وحزناً (وأولجوا) أي أدخلوا (فيه نقمة) وعقوبة (فيومئذ) يحيق بهم العذاب (ولا يبقى لهم في السماء عاذر) أي ناصر (ولا في الأرض ناصر) فتزول دولتهم وتكسر صولتهم .
وأردف ذلك بتوبيخ المخاطبين الراضين بفعل الظلمة والمتقاعدين عن ردعهم عن ظلمهم فقال: (أصفيتم بالأمر) أي آثرتم بأمر الخلافة (غير أهله) الذي هو حق له (وأوردتموه غیر ورده) أي أنزلتموه عند من لا يستحقه من الأول والثاني والثالث ومن يحذو حذوهم من معاوية وسائر بني أمية، إذ الخطاب في أصفيتم وإن كان متوجهاً إلى المخاطبين الحاضرين إلا أن المراد به العموم كسائر الخطابات الشفاهية.
(وسينتقم الله ممن ظلم مأكلاً بمأكل ومشرباً بمشرب من مطاعم العلقم ومشارب الصبر والمقر) أي يبدل نعمتهم بالنقمة ومطاعمهم اللذيذة الشهية بالمريرة.
قال الشارح البحراني : واستعار لفظ العلقم والصبر والمقر لما يتجرعونه من شدائد القتل وأحوال العدو ومرارات زوال الدولة (و) ينتقم أيضاً بـ (لباس شعار الخوف ودثار السيف) أي بالخوف اللازم لهم لزوم الشعار وبالسيف اللازم عليهم لزوم الدثار، وتخصيص الشعار بالخوف والدثار بالسيف لأن الخوف باطن في القلوب والسيف ظاهر في البدن كما أن الشعار ما كان يلي الجسد من الثياب والدثار وما فوقه فناسب الأول بالأول والثاني بالثاني.
(وإنما هم مطايا الخطيئات وزوامل الآثام) يعني أنهم حمال المعاصي والسيئات لكون حركاتهم وسكناتهم كلها على خلاف القانون الشرعي.
ثم أخبر عن زوال ملكهم وأتى بالقسم البار المؤكد تنبيهاً على أن المخبر به واقع لا محالة فقال: (فأقسم) بالله العليم (ثم أقسم) به وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (لتنخمنها أمية) أي لتلفظن الخلافة بنو أمية (من بعدي كما تلفظ النخامة) أي تدفع من الصدر والأنف (ثم لا تذوق) لذتـ(ـها ولا تتطعم بطعمها أبداً ما كرّ الجديدان) أي الليل والنهار يعني أنهم لا يجدون حلاوتها ولا يستلذون بها ولا ينالون إليها أبد الدهر، لأنه تعالى قد أخبر نبيه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): إن مدة ملكهم ألف شهر بقوله : «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)» [القدر: ٣] . وأخبره رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أمير المؤمنين (علیه السَّلام) وأولاده الطاهرين.
روى في (الصافي) عن علي بن إبراهيم القمي (رحمه الله) قال : رأى رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كان قروداً تصعد منبره فغمه ذلك، فأنزل الله سورة القدر : «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)» [القدر: ١ - ٣] تملك بنو أمية ليس فيها ليلة القدر .
ص: ٢٨٧
وفيه عن (الكافي) عن الصادق (علیه السَّلام): رأى رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في منامه أن بني أمية يصعدون على منبره من بعده ويضلون الناس عن الصراط القهقري، فأصبح كئيباً حزيناً، قال (علیه السَّلام) فهبط عليه جبرائيل (علیه السَّلام) فقال : يا رسول الله ما لي أراك كئيباً حزيناً، قال: «يا جبرائيل إني رأيت بني أميّة في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي يضلّون الناس عن الصراط القهقري»، فقال : والذي بعثك بالحق نبياً إني ما اطلعت عليه، فعرج إلى السماء فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يؤنسه بها قال: «أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)» [الشعراء: ٢٠٥ - ۲۰۷] ، وأنزل عليه : «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)» [القدر: ١- ٤] جعل الله ليلة القدر لنبيه خيراً من ألف شهر ملك بني أمية (1)، وفي معناه أخبار أخرى هذا .
وقد تقدم تفصيل زوال الدولة الأموية وانقراضهم بيد السفاح في شرح الخطبة المائة والرابعة، فليراجع هناك.
ص: ٢٨٨
1) بحار الأنوار: ۲۰۹/٣٣ ، ومناقب أهل البيت (علیهم السَّلام) : ٤٦٥ .
از جمله خطب آن بزرگوار و ولی پروردگار است در بعثت پیغمبر آخرالزمان و فضیلت قرآن و وصف حال بنی امیه و ظلم ایشان و زوال دولت آنها بعد از فساد و طغیان، می فرماید:
فرستاد خدای تبارك و تعالی پیغمبر مختار را در زمان منقطع شدن وحی و خالی بودن آن از پیغمبران و بر درازی خواب غفلت از امتان و هنگام شکسته شدن ریسمان پرتاب شریعت پیشینان، پس آورد به ایشان تصدیق آن چیزی را که پیش از او بود از تورات و انجیل و زبور و آورد نوری را که اقتدا و تبعیت می شود به آن و آن نور عبارت است از قرآن، پس طلب کنید نطق و گفتار او را و حال آنکه ابداً گویا نخواهد شد ولكن من خبر دهم شما را به مضمون آن از جهت اینکه منم ترجمان قرآن. آگاه باشید، به درستی در قرآن است علم آنچه که خواهد آمد و خبر از گذشته؛ (یعنی متضمّن علم اوّلین و آخرین است) و در او است دواء درد شما و نظام ما بين شما .
از جمله آن خطبه است می فرماید:
پس نزد دولت بنی امیه باقی نمی ماند هیچ خانه ای که ساخته شده باشد از گل و خشت و نه خانه ای که بنا شده باشد از پشم؛ (یعنی نمی ماند عمارتی در شهر و نه خرگاهی در بیابان) مگر اینکه داخل می کنند ظلام دران خانه هم و حزن را و درآورند در آن عقوبت و نقمت را، پس در آن روز باقی نماند از برای ظلام در آسمان عذر آورنده و نه در زمین یاری کننده، اختیار کردید شما به امر خلافت غیر اهل آن را و وارد كرديد أمر خلافت را در غیر محل او و زود باشد که انتقام بکشد خداوند قهار از کسی که ظلم کرده باشد کسی را در مأکول و مشروبی با مأكول و مشروبی که از مأکولات تلخ است و از مشروبات تلخ و بدمزه و با لباس باطنی خوف و ترس و با لباس ظاهری شمشیر و به درستی که ایشان شتران بارکش گناهانند و شتران توشه معاصی، پس قسم می خورم به خدا باز قسم می خورم، البته می اندازد خلافت را بنی امیه بعد از من چنانچه انداخته شود آب دهن از
ص: ٢٨٩
دهن، پس از آن نچشند هرگز چاشنی خلافت را و نمی خورند طعام آن را هیچ مادامی که بازگردد شب و روز.
ص: ٢٩٠
وَلَقَدْ أَحْسَنْتُ جُوارَكُمْ ، وأَحَطْتُ بِجَهْدِي مِنْ وَرائِكُمْ ، وأَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلِّ، وحَلَقِ الضَّيْمِ، شُكراً مِنّي لِلْبِرِّ القَلِيلِ، وَإِطْراقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ البَصَرُ ، وشَهِدَهُ البَدَنُ مِنَ المُنْكَرِ الكَثِيرِ (1).
(الجوار) بالضم، وقد يكسر المجاورة و (الرّبق) بالكسر وزن حمل حبل فيه عدة عرى يشد به البهم وكل عروة ربقة بالكسر والفتح ويجمع على ربق كعنب وأرباق كأصحاب ورباق کجبال و (الحلق) بالتحريك جمع الحلقة بسكون (اللام) على غير القياس وربما يجمع على حلق بالسكون كبدرة وبدر وعلى حِلَق كقصعة وقصع، وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء : أن الحلقة بالفتح، وعلى هذا فالجمع بحذف (الهاء) قياس كقصبة وقصب، قاله الفيومي في (مصباح اللغة).
(الواو) في قوله : (ولقد) للقسم والمقسم به محذوف لكونه معلوماً، (وشكراً) مفعول للأفعال المتقدمة على سبيل التنازع و (من) في قوله : (من المنكر) بيان لما أدركه .
الظاهر أنه خاطب بها أهل الكوفة والغرض منه المنّ على المخاطبين والتنبيه على حسن مداراته (علیه السَّلام) معهم وصفحه عنهم والغض عن خطيئاتهم على كثرتها كما قال: (ولقد أحسنت جواركم) أي مجاورتكم أي كنت لكم جار حسن، وقد وقع نظير التعبير بهذه اللفظة في كلامه المائة والتاسع والعشرين حيث قال هناك: وإنما كنت جاراً جاوركم بدني أياماً، وأراد بمجاورته لهم مطلق المصاحبة والمعاشرة على سبيل الكناية.
ويجوز أن يراد به معناه الحقيقي لأنه (علیه السَّلام) ارتحل من المدينة إلى البصرة لجهاد الناكثين، واحتاج إلى الاستنصار بأهل الكوفة إذ لم يكن جيش الحجاز وافياً بمقابلتهم، ثم
ص: ٢٩١
1) شرح نهج البلاغة : ۲۲۱/۹.
اتصلت تلك الفتنة بفتنة أهل الشام فاضطر إلى المقام بينهم وصار جاراً لهم كما تقدم الإشارة إلى ذلك في الكلام السبعين وشرحه .
(وأحطت بجهدي من ورائكم) قيل : أراد بالإحاطة من الوراء دفع من يريدهم بشرّ لأن العدو غالباً يكون من وراء الهارب.
أقول : بل الظاهر أنه أراد أنه كان به (علیه السَّلام) قوة ظهرهم وشدّ إزرهم (وأعتقتكم من ريق الذل وحلق الضيم) والظلم أراد به أنه دفع عنهم ذل الأسر وظلم الأعداء، والمقصود حمايته (علیه السَّلام) لهم واعتزازهم به (شكراً مني للبر القليل) أي ثناء مني ومحمدة لأفعالكم الحسنة على قلتها (وإطراقاً) أي سكوتاً وغضاً (عما أدركه البصر وشهده البدن من المنكر الكثير) وإطراقه عنهم مع مشاهدتهم على المنكرات على كثرتها إما لعدم تمكنه من الإنكار والردع بالعنف والقهر، أو لانجراره إلى ما هو أعظم فساداً ومفسدة مما هم عليه .
قال الشارح البحراني: والظاهر أنهم كانوا غير معصومين، ومحال أن تستقيم دولة أو يتم ملك بدون الإحسان إلى المحسنين من الرعية والتجاوز عن بعض المسيئين .
ص: ٢٩٢
از جمله خطب فصاحت نظام و بلاغت فرجام آن امام انام است در اظهار حسن رفتار و کردار خود نسبت به اصحاب و اتباع، می فرماید:
قسم به خدا هر آینه به تحقیق نیکو کردم همسایگی شما را و حق جوار را خوب به جا آوردم و احاطه نمودم به قدر طاقت خود از پس شما و آزاد کردم شما را از ریسمان های ذلّت و از حلقه های ظلم و ستم به جهت تشکر از من مرنیکویی اندك شما را که آن طاعت قلیل شما است نسبت به من و به جهت سکوت و چشم در پیش افکندن از آنچه که درك نمود آن را چشم من و مشاهده کرد آن را بدن من از منکرات و اعمال قبیحه کثیره، به جهت اینکه دفع آن مؤدی بر فساد عظیم می شود.
ص: ٢٩٣
وشرحها في فصلين
أَمْرُهُ قَضاءٌ وَحِكْمَةٌ، ورِضاهُ أمانٌ ورَحْمَةٌ يَقْضِي بِعِلمٍ، ويَعْفُو بِحِلْمٍ، اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلىٰ ما تَأْخُذُ وتُعطي، وعلىٰ ما تُعافي وتَبْتَلِي، حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الحَمْدِ لَكَ ، وأَحَبَّ الحَمْدِ إِلَيْكَ ، وأَفْضَلَ الحَمْدِ عِنْدَكَ ، حَمْداً يَمْلاَءُ ما خَلَقْتَ، ويَبْلُغُ ما أَرَدْتَ، حَمْداً لا يُحْجَبُ عَنْكَ، ولا يَقْصُرُ دُونَكَ، حَمْداً لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ، ولا يَفْنىٰ مَدَدُهُ ، فَلَسْنا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ إِلا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومٌ لا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ، وَلَمْ يُدْرِكُكَ بَصَرٌ، أَدْرَكْتَ الأَبْصارَ ، وأَحْصَيْتَ الأعْمالَ، وأَخَذْتَ بالنَّواصي والأقدام، وما الذي نَرىٰ مِنْ خَلْقِكَ، ونَعْجُبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ، وَنِصْفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطانِكَ، وما تَغَيَّبَ عَنا مِنْهُ، وقَصُرَتْ أَبْصارُنا عَنْهُ ، وانْتَهَتْ عُقُولُنا دُونَهُ ، وحالتْ سَواتِرُ الغُيُوبِ بَيْنَنا وبَيْنَهُ أَعْظَمُ ، فَمَنْ فَرَغَ قَلْبَهُ، وأَعْمَلَ فِكْرَهُ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ ، وكَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ ، وكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الهَواءِ سَماواتِكَ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلى مَوْرِ الماءِ أَرْضَكَ رَجَعَ طَرْفُهُ حَسيراً ، وعَقْلُهُ مَبْهوراً ، وسَمْعُهُ والِهاً، وفكرُهُ حائِراً (1).
قال الفيومي : (عافاه) الله محى عنه الأسقام والعافية اسم منه وهي مصدر جاءت على فاعلة، ومثله ناشئة الليل بمعنى نشوء الليل والخاتمة بمعنى الختم والعافية بمعنى العقب، وليس لوقعتها كاذبة و (حسر) البصر حسوراً من باب قعد كل لطول مدى ونحوه فهو حسير و (بهره) بهراً من باب نفع غلبه ومنه قيل للقمر الباهر لظهوره على سائر الكواكب و (آلَهَ) تحيّر.
جملة (لا تأخذه) في محل النصب على الحال ، و (ما) في قوله (علیه السَّلام): (وما الذي نرى)
ص: ٢٩٤
1) الميعار والموازنة : ۲۵۷ ، وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي (علیه السَّلام) : ٣٥١/١.
للاستفهام على وجه الاستحقار، و(الواو) في قوله (علیه السَّلام): (وما تغيب) حالية وما موصول إسمي بمعنى (الذي) مرفوع المحل على الابتداء وخبره أعظم.
إعلم أن هذا الفصل من الخطبة متضمن لتعظيم الله سبحانه وتبجيله بجملة من نعوت كماله وأوصاف جماله قال (علیه السَّلام): (أمره قضاء وحكمة) يجوز أن يراد بأمره الأمر التكويني أعني الاختراع أو الإحداث، فيكون القضاء بمعنى الإنفاذ والإمضاء، وحمله عليه حينئذ من باب المبالغة أو المصدر بمعنى الفاعل أو المفعول يعني أن أمره سبحانه نافذ وممضي لا راد له ولا دافع كما قال عزّ من قائل: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)» [یس : ۸۲] أي إذا أراد أن يكوّنه فيكون .
قال الزمخشري : فإن قلت ما حقيقة قوله : أن يقول له كن فيكون؟
قلت: هو مجاز من الكلام وتمثيل لأنه لا يمتنع عليه شيء من المكونات وأنه بمنزلة من المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع، والمراد بالحكمة حينئذ العدل والنظام الأكمل، فمحصل المعنى : أن أمره تعالى نافذ في جميع الموجودات والمكونات متضمن للعدل، ومشتمل على النظام الأكمل.
ويجوز أن يراد به الأمر التكليفي فيكون القضاء بمعنى الحتم والإلزام يعني أن أمره سبحانه حتم وإلزام مشتمل على الحكمة والمصلحة في المأمور به كما هو مذهب العدلية من كون الأوامر والنواهي تابعة للمصالح والمفاسد الكامنة الواقعية، وقد تكون المصلحة في نفس الأمر دون المأمور به كما في الأوامر الابتلائية .
ويجوز أن يكون المراد به الشأن فيكون القضاء بمعنى الحكم، يعني أن شأنه تعالى حكم وحكمه لأنه القادر القاهر العالم العادل، فبمقتضى قدرته وسلطانه حاكم، وبمقتضى علمه وعدله حكيم.
وكون الأمر بمعنى الشأن قد صرح به غير واحد منهم الزمخشري في تفسير الآية السابقة قال : إنما أمره: إنما شأنه، إذا أراد شيئاً : إذا دعاه داعي حكمة إلى تكوينه ولا صارف أن يقول له: كن، أن يكوّنه من غير توقف، فيكون: فيحدث، أي فهو كائن موجود لا محالة .
(ورضاه أمان ورحمة) أي أمان من النار ورحمة للأبرار إذ رضوانه سبحانه مبدأ كل منحة ونعمة، ومنشئ كل لذة وبهجة، كما قال تعالى: «وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ»
ص: ٢٩٥
[التوبة: ۷۲] . (يقضي بعلم) أي يحكم بما يحكم به لعلمه بحسن ذلك القضاء واقتضاء الحكمة والعدل له، وهو كالتفسير لقوله : أمره قضاء وحكمة، كما أن قوله : (ويعفو بحلم) بمنزلة التفسير لقوله : ورضاه أمان ورحمة، لأن العفو يعود إلى الرضا بالطاعة بعد تقدم الذنب وإنما يتحقق العفو مع القدرة على العقاب إذ العجز عن الانتقام لا يسمى عفواً فلذلك قال : يعفو بحلم، يعني أن عفوه لكونه حليماً لا يستنفره الغضب .
ثم أثنى عليه تعالى بالاعتراف بنعمه فقال: (اللهم لك الحمد على ما تأخذ وتعطي وعلى ما تعافي وتبتلي) أي على السراء والضراء والشدة والرخاء، وقد تقدم تحقيق معنى الأخذ والإعطاء، ووجه استحقاق الله سبحانه للحمد بهذين الوصفين في شرح الخطبة المائة والثانية والثلاثين، ووجه استحقاقه للحمد على البلاء والابتلاء هناك أيضاً مضافاً إلى شرح الخطبة المائة والثالثة عشر .
وأقول هنا زيادة على ما تقدم: إنه قد ثبت في علم الأصول أن الله عزّ وعلا الغني المطلق عما سواه والمتعالي عن الحاجة إلى ما عداه، بل غنى كل مخلوق بجوده وقوام كل موجود بوجوده، فإذاً جميع ما يصدر عنه سبحانه في حق العباد من الأخذ والإعطاء والمعافاة والابتلاء والافتقار والإغناء ليس الغرض منها جلب منفعة لذاته أو دفع مضرّة عن نفسه، بل الغرض منها كلها مصالح كامنة للمكلفين ومنافع عائدة إليهم يعلمها سبحانه ولا نعلمها إلا بعضاً منها مما علمنا الله سبحانه بالقوة العاقلة أو بتعليم حججه، فكم من فقير لا يصلحه إلا الفقر ولو استغنى لطغى، وكم من غنيّ لا يصلحه إلا الغنى ولو افتقر لكفر، وربّ مريض لو كان معتدل المزاج لانهمك في الشهوات واقتحم في الهلكات وكأين من صحيح البنية لو مرض لم يصبر عليه وأحب المنية، وهكذا جميع ما يفعله سبحانه في حق المكلفين فهو في الحقيقة نعمة منه تعالى عليهم ظاهرة أو باطنة كما قال عزَّ من قائل: «وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً» [لقمان: ۲۰] فإذا ثبت أن هذه كلها إنعام منه سبحانه عليهم، وإحسان إليهم ظهر وجه استحقاقه للحمد والثناء عليها كلها إذ الشكر على النعم فرض عقلاً ونقلاً، هذا .
ويدل على ما ذكرنا من كون الابتلاء منه تعالى في الحقيقة نعمة منه على العباد ما رواه في (الكافي) عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : إنه ليكون للعبد منزلة عند الله فما ينالها إلا بإحدى خصلتين : إما بذهاب في ماله أو ببليّة في جسده (1).
وفيه عن يونس بن رباط قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السَّلام) يقول: إن أهل الحق لم يزالوا
ص: ٢٩٦
1) الكافي : ٢٥٧/٢ ح ۲۳ ، وشرح أصول الكافي : ٢١٥/٩ ح ٢٣ .
منذ كانوا في شدّة أما إن ذلك إلى مدة قليلة وعافية طويلة (1).
وفيه عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السَّلام) يقول : إن المؤمن من الله عزّ وجل لبأفضل مكان ثلاثاً إنه ليبتليه بالبلاء ثم ينزع نفسه عضواً عضواً وهو يحمد الله على ذلك (2).
ثم أخذ في تفخيم شأن حمده عليه وتعظيمه باعتبار كيفيته فقال: (حمداً يكون أرضى الحمد لك) أي أكمل رضاء منك به من غيره (وأحب الحمد إليك وأفضل الحمد عندك) أي أشد محبة منك إليه وأرفع منزلة عندك من سائر المحامد لاتصافه بالفضل والكمال ورجحانه على ما سواه.
ثم أتبعه بتفخيمه باعتبار كميَّته فقال : (حمداً يملأ ما خلقت) من السماء والعرش والأرض (ويبلغ ما أردت) من حيث الكثرة والزيادة.
ثم بتفخيمه باعتبار الخلوص فقال : (حمداً لا يحجب عنك ولا يقصر) أي لا يحبس (دونك) لخلوصه من شوب العجب والرياء وسائر ما يمنعه عن الوصول إلى درجة القبول والرضا.
ثم باعتبار مادته فقال : (حمداً لا ينقطع عدده ولا يفنى مدده) هذا وتكرار لفظ الحمد إما لقصد التعظيم كما في قوله: «وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)» [الواقعة: ٢٧]، وفي قوله : «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)» [القدر: ١-٢] أو للتلذذ بذكر المكرّر كما في قول الشاعر:
سقى الله نجداً والسلام على نجد *** ويا حبّذا نجد على الناي والبعد
نظرت إلى نجد وبغداد دونه *** لعلي أرى نجداً وهيهات من نجد
وفي قوله :
تالله یا ظبيات القاع قلن لنا *** ليلاي منكن أم ليلي من البشر
أو للاهتمام بشأنه، ثم إنه (علیه السَّلام) لما بالغ في حمده سبحانه والثناء عليه من حيث الكيف والكمّ والخلوص والعدد والمدد وكان الحمد عبارة عن الوصف بالجميل على وجه التعظيم والتبجيل، وكان ذلك موهماً لمعرفة عظمة المحمود له حق معرفتها عقب ذلك بالاعتراف بالعجز عن عرفان كنه عظمته تنبيهاً على عدم إمكان القيام بوظائف الثناء عليه وإن بولغ فيه
ص: ٢٩٧
منتهى المبالغة، تأسياً بما صدر عن صدر النبوة من الاعتراف بالعجز حيث قال (علیه السَّلام): «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (1)، ولهذا أتى بالفاء المفيدة للتعقيب والاتصال فقال : (فلسنا نعلم كنه عظمتك) لقصور المشاعر الظاهرة والباطنة من المتفكّرة والمتخيلة وغيرهما والقوة العقلانية وإن كانت على غاية الكمال وبلغت إلى منتهى معارجها عن إدراك ذاته واكتناه عظمته (إلا أنا نعلم) أي لكن نعرفك بصفات جمالك وجلالك فنعلم (أنك حي قيوم).
قال في (الكشاف) الحي الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء وعلى اصطلاح المتكلمين الذي يصح أن يعلم ويقدر، والقيوم الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه (لا تأخذك سنة) هي ما يتقدم النوم من الفتور يسمى النعاس (ولا نوم) بالطريق الأولى وهو تأكيد للنوم المنفي ضمناً .
قال الزمخشري : وهو تأكيد للقيوم لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوماً، ومنه حديث موسى (علیه السَّلام): أنه سأل الملائكة وكان ذلك من قومه كطلب الرؤية : أينام ربنا ؟ فأوحى الله إليهم أن يوقظوه ثلاثاً ولا يتركوه ينام، ثم قال خذ بيدك قارورتين مملؤتين فأخذهما وألقى الله عليه النعاس فضرب إحديهما على الأخرى فانكسرتا، ثم أوحى إليه : قل لهؤلاء إني أمسك السماوات والأرض بقدرتي فلو أخذني نوم أو نعاس لزالتا .
وكيف كان فالمقصود بقوله : (لا تأخذك سنة ولا نوم) تنزيهه تعالى عن صفات البشر وتقديسه عن لوازم المزاج الحيواني.
فإن قلت: مقتضى المقام أن ينفي النوم أولاً والسنة ثانياً إذ مقام التقديس يناسبه نفي الأقوى ثم الأضعف كما تقول : زيد لا يقدم على الحرام بل لا يأتي بالمكروه، وفلان لا يفوت عنه الفرائض ولا النوافل كما أن التمجيد بالإثبات على عكس ذلك، فيقدم فيه غير الأبلغ على الأبلغ تقول : فلان عالم تحرير وجوّاد فياض.
قلت: سلّمنا ولكنه قدم سلب السنة تبعاً لكلام الله سبحانه وملاحظة للترتيب الطبيعي، فإن السنة لما كانت عبارة عن الفتور المتقدم عن النوم فساق الكلام على طبق ما في نفس الأمر.
(لم ينته إليك نظر) عقلي أو بصري (ولم يدركك بصر) قد تقدم تحقيق عدم إمكان إدراكه تعالى بالنظر والبصر أي بالمشاعر الباطنة والظاهرة في شرح الفصل الثاني من الخطبة
ص: ٢٩٨
1) شرح أصول الكافي: ۲۳/۱، والاحتجاج : ٢٩٤/١.
الأولى وشرح الخطبة التاسعة والأربعين والخطبة الرابعة والستين والفصل الثاني من الخطبة التسعين مستوفي .
وأقول هنا مضافاً إلى ما سبق إن قوله : (لم يدركك بصر)، إبطال لزعم الإمامية والمعتزلة إلى امتناعها مطلقاً، وذهبت المشبهة والكرامية إلى جوازها منزّهاً عن المقابلة والجهة والمكان.
قال الأعرابي في كتاب (إكمال الإكمال) ناقلاً عن بعض علمائهم : إن رؤيته تعالى جائزة في الدنيا عقلاً، واختلف في وقوعها وفي أنه هل رآه النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ليلة الإسراء أم لا؟ فأنكرته عائشة وجماعة من الصحابة والتابعين والمتكلمين وأثبت ذلك ابن عباس، وقال: إن الله اختصه بالرؤية وموسى بالكلام وإبراهيم بالخلّة، وأخذ به جماعة من السلف والأشعري وجماعة من أصحابه وابن حنبل وكان الحسن يقسم : لقد رآه، وقد توقف فيه جماعة، هذا حال رؤيته في الدنيا .
وأما رؤيته في الآخرة فجائزة عقلاً، وأجمع على وقوعها أهل السنّة وأحالها المعتزلة والمرجئة والخوارج، والفرق بين الدنيا والآخرة أن القوى والإدراكات ضعيفة في الدنيا حتى إذا كانوا في الآخرة وخلفهم للبقاء قوى إدراكهم فأطاقوا رؤيته، انتهى كلامه على ما حكي عنه.
وقد عرفت فيما تقدم أن استحالة ذلك مطلقاً هو المعلوم من مذهب أهل البيت (علیهم السَّلام)، وعليه إجماع الشيعة باتفاق المخالف والمؤالف، وقد دلّت عليه الأدلة العقلية والنقلية من الآيات والأخبار المستفيضة، ومن جملة تلك الآيات قوله سبحانه: «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)» [الأنعام: ١٠٣] استدل بها النافون للرؤية وقرروها بوجهين :
أحدهما: أن إدراك البصر عبارة شائعة عن الإدراك بالبصر إسناد للفعل إلى الآلة والإدراك بالبصر هو الرؤية بمعنى اتحاد المفهومين أو تلازمهما ، والجمع المعرّف (باللام) عند عدم قرينة العهدية والبعضية تفيد العموم والاستغراق بإجماع أهل العربية والأصول وأئمة التفسير وبشهادة استعمال الفصحاء وصحة الاستثناء فالله سبحانه قد أخبر بأنه لا يراه أحد في المستقبل، فلو رآه المؤمنون في الجنة لزم كذبه .
واعترض عليه بأن (اللام) في الجمع لو كانت للعموم والاستغراق كان قوله: (تدركه الأبصار) موجبة كلية وقد دخل عليها النفي فرفعها هو رفع الإيجاب الكلي ورفع الإيجاب الكلي سلب جزئي، ولو لم يكن للعموم كان قوله : (لا تدركه الأبصار) سالبة مهملة في قوة
ص: ٢٩٩
الجزئية فكان المعنى لا تدركه بعض الأبصار، ونحن نقول بموجبه حيث لا يراه الكافرون، ولو سلم فلا نسلّم عمومه في الأحوال والأوقات، فيحمل على نفي الرؤية في الدنيا جمعاً بين الأدلة .
والجواب : أنه قد تقرر في موضعه أن الجمع المحلى (باللام) عام نفيّاً وإثباتاً في المنفي والمثبت كقوله تعالى: «وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ» [غافر : ۳۱]، «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» [التوبة : ۹۱] حتى أنه لم يرد في سياق النفي في شيء من الكتاب الكريم إلا بمعنى عموم النفي ولم يرد لنفي العموم أصلاً ، نعم قد اختلف في النفي الداخل على لفظة (كل) لكنه في القرآن المجيد أيضاً بالمعنى الذي ذكرنا كقوله تعالى: «وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ» [المجادلة : ۲۳] إلى غير ذلك، وقد اعترف بما ذكرنا في (شرح المقاصد) وبالغ فيه .
وأما منع عموم الأحوال والأوقات فلا يخفى فساده فإن النفي المطلق غير المقيد لا وجه لتخصيصه ببعض الأوقات إذ لا ترجيح لبعضها على بعض، وهو من الأدلة على العموم عند علماء الأصول.
وأيضاً صحة الاستثناء دليل عليه وهل يمنع أحد صحة قولنا : ما كلمت زيداً إلا يوم الجمعة، ولا أكلمه إلا يوم العيد وقال تعالى: «وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ» إلى قوله: «إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ» [النساء: ۱۹] وقال: «لَا تُخْرِجُوهُنَّ» إلى قوله: «إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ» [الطلاق: ١].
وأيضاً كل نفي ورد في القرآن بالنسبة إلى ذاته تعالى فهو للتأبيد وعموم الأوقات لا سيما ما قبل هذه الآية.
وأيضاً عدم إدراك الأبصار جميعاً لا يختص بشيء من الموجودات خصوصاً مع اعتبار شمول الأحوال والأوقات، فلا يختص به تعالى فتعين أن يكون التمدح بمعنى عدم إدراك شيء من الأبصار له في شيء من الأوقات.
وثانيهما: أنه تعالى تمدح بكونه لا يرى به فإنه ذكره في أثناء المدائح وما كان من الصفات عدمه مدحاً كان وجوده نقصاً، فيجب تنزيه الله تعالى بنفيه مطلقاً .
ثم لما نفى عنه درك الأبصار له أثبت له دركه للأبصار فقال : أدركت الأبصار وأحصيت الأعمال كما نطق به الكتاب العزيز، قال عزّ من قائل: «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)» [الأنعام: ۱۰۳] ، وقال أيضاً : «يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)» [المجادلة: ٦] أي أحاط به عدداً لم يغب عنه شيء ونسوه لكثرته أو تهاونهم به، والله على كل شيء شهيد، أي يعلم
ص: ٣٠٠
الأشياء كلها من جميع وجوهها لا يخفى عليه شيء منها، وقال أيضاً تلو هذه الآية : «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)» [المجادلة : ٧] ، ثم وصفه سبحانه بكمال الاقتدار فقال: (وأخذت بالنواصي والأقدام) أي أحاطت قدرتك بنواصي العباد وأقدامهم وأخذت بها على وجه القهر والإذلال، ويجوز أن يكون المراد به خصوص أخذ المجرمين بنواصيهم وأقدامهم يوم القيامة كما قال تعالى : «يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)» [الرحمن: ٤١] ونسبته (علیه السَّلام) الأخذ إلى الله سبحانه مع كونه فعل الملائكة من باب الإسناد إلى السبب الأمر كما أسند الله التوفي إلى نفسه في قوله : «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا» [الزمر: ٤٢] مع كونه فعل ملك الموت بدليل قوله سبحانه في سورة السجدة: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ» [١١] . قال الفخر الرازي في تفسير الآية الأولى : وفي كيفية الأخذ ظهور نكالهم لأن في نفس الأخذ بالناصية إذلالاً وإهانة، وكذلك الأخذ بالقدم.
وفي الأخذ بها وجهان، بل قولان لأهل التفسير.
أحدهما: أن يجمع بين ناصيتهم وقدمهم من جانب ظهورهم فيربط بنواصيهم أقدامهم أو من جانب وجوههم فتكون رؤوسهم على ركبهم ونواصيهم في أصابع أرجلهم مربوطة .
والثاني : أنهم يسحبون سحباً، فبعضهم يؤخذ بناصيته، وبعضهم يجر برجله.
ثم استفهم على سبيل الاستحقار لما استفهم عنه فقال : (وما الذي نرى من خلقك) أي من مخلوقاتك على كثرتها واختلاف أجناسها وأنواعها وهيئاتها ومقاديرها وخواصها وأشكالها وألوانها إلى غير هذه من أوصافها وحالاتها التي لا يضبطها عد ولا يحيط بها حد (ونعجب له من قدرتك) أي من مقدوراتك الغير المتناهية عدداً ومدداً وكيفاً وكمّاً ونصفه من عظيم سلطانك النافذ في الأنفس والآفاق، والماضي في أطباق الأرض وأقطار السماء (و) الحال أن (ما تغيب عنا منه) أي من مخلوقك ومقدورك وملكك (وقصرت أبصارنا عنه) من محسوسات الموجودات (وانتهت عقولنا دونه) من معقولات المخلوقات (وحالت سواتر الغيوب بيننا وبينه) أي كانت سرادقات العزّة وأستار القدرة عائلة بيننا وبينه، وحاجبة لنا من الوصول إليه من غيابات الغيوب والغيب المحجوب.
(أعظم) وأفخم، يعني أنه لو قيس كل ما شاهدناه بأبصارنا وأدركناه بعقولنا ووصفناه بألسنتنا مما ذرأه الله سبحانه في عالم الإمكان إلى ما غاب عنا من أسرار القدرة والجلال، وشئونات الكبرياء والجمال لم يكن إلا أقل قليل كنسبة الجدول إلى النهر، بل القطرة إلى البحر.
ص: ٣٠١
(فمن فرغ قلبه) للنظر في عجائب الملك والملكوت (وأعمل فكره ليعلم) مشاهد العزّ والسلطان والقدرة والجبروت وأنه (كيف أقمت عرشك) في الجو على عظمه (وكيف ذرأ)ت أي خلقت (خلقك) على كثرته (وكيف علقت في الهواء سماواتك) بغير عمد (وكيف مددت على مور الماء) أي موجه واضطرابه (أرضك) على ثقلها مع عدم رسوبها فيه (رجع طرفه حسيراً) كليلاً (وعقله مبهوراً) مغلوباً (وسمعه والها) متحيراً (وفكره حائراً) قاصراً عن الاهتداء إليه وعن الوصول إلى معرفته .
ومحصله أنه لو بالغ أحد في إعمال فكره وبذل وسعه للوصول إلى معرفة بعض ما أبدعه الله سبحانه في عالم الغيب والشهادة من بدائع القدرة ولطائف الحكمة، وعجائب الصنعة لعجز وحار، وانقطع واستحار فكيف لو رام معرفة كله ويشهد على ما ذكره (علیه السَّلام) ما قدمنا في شرح الخطبة الأولى وفي شرح الخطبة التسعين، فليراجع ثمة .
از جمله خطب شریفه آن حضرت است که فصل اوّل آن متضمّن اوصاف كمال حضرت ذوالجلال است، می فرماید که:
امر خدای تعالی حکمی است لازم و موافق است با حکمت و خوشنودی آن امان است از عقوبت و سبب مغفرت است و رحمت، حکم می فرماید به علم شامل خود و عفو می فرماید با حلم کامل، پروردگارا مرتورا است حمد بر آنچه می گیری و می دهی و بر آنچه که سلامت می داری از بلیات و مبتلا می نمایی به آفات، حمد می کنم تو را حمد کردنی که باشد خوشنودترین حمدها از برای تو و دوست ترین حمدها به سوی تو و فاضل ترین حمدها نزد تو، چنان حمدی که پرسازد آنچه را خلق کرده ای و برسد به مقامی که مراد تو است، حمدی که محجوب نباشد از درگاه تو و ممنوع و محبوس نباشد نزد بارگاه تو، حمدی که منقطع نشود شماره و عدد آن و فانی نشود ماده و مدد آن.
ص: ٣٠٢
پس نیستیم ما که بدانیم نهایت بزرگی جلال تو را غیر از این که می دانیم که تو زنده ای قائم به امور مخلوقان، اخذ نمی کند تو را مقدّمه خواب که خواب خفيف است و نه خواب گران، منتهی نشد به سوی کمال تو نظر و فکری و درك ننمود جمال تو را هیچ بصری، درک کردی تو بصرها را و در شماره آوردی عمل ها را و اخذ کردی به پیشانی ها و قدم های مردمان.
و چه چیز است آنچه که می بینیم از خلق تو و تعجب می کنیم از برای او از قدرت تو و وصف می کنیم آن را از بزرگی پادشاهی تو و حال آنکه آنچه که غایب شده از ما از آن و قاصر شده بصرهای ما از درك آن و به نهایت رسیده عقل های ما نزد آن و حایل شده پرده های غیب ها میان ما و میان آن بزرگتر است.
پس هر که فارغ نماید قلب خودش را و اعمال کند فکر خود را تا بداند که چگونه برپا داشته ای عرض خود را و چه سان آفریده ای مخلوقات خود را و چه قرار در آویخته ای در هوا آسمان های خود را و چه نوع گسترانیده ای بر موج آب زمین خود را، برمی گردد بینایی او درمانده و آواره و عقل او مغلوب و قوه سامعه او حيران و قوه متفكّره او متحیر و سرگردان .
ص: ٣٠٣
يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللَّهَ، كَذَبَ وَ الْعَظِيمِ مَا بَالُهُ لَا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ، فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ إِلَّا رَجَاءَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ، وَ كُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ إِلَّا خَوْفَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ، يَرْجُو اللَّهَ فِي الْكَبِيرِ وَ يَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ، فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لَا يُعْطِي الرَّبَّ؛ فَمَا بَالُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ، أَ تَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً، أَوْ تَكُونَ لَا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً، وَ كَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لَا يُعْطِي رَبَّهُ، فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً، وَ خَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً وَ وَعْداً؛ وَ كَذَلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ وَ كَبُرَ مَوْقِعُهَا فِي قَلْبِهِ، آثَرَهَا عَلَى اللَّهِ فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا، وَ صَارَ عَبْداً لَهَا.
وَ لَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كَافٍ لَكَ فِي الْأُسْوَةِ، وَ دَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَ عَيْبِهَا، وَ كَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَ مَسَاوِيهَا، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا وَ وُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا، وَ فُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا وَ زُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا.
وَ إِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ (علیه السَّلام)، حَيْثُ يَقُولُ «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» [القصص: ٢٤]، وَ اللَّهِ مَا سَأَلَهُ إِلَّا خُبْزاً يَأْكُلُهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ وَ لَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ لِهُزَالِهِ، وَ تَشَذُّبِ لَحْمِهِ.
وَ إِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُدَ (علیه السَّلام) صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ وَ قَارِئِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ بِيَدِهِ وَ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا، وَ يَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا.
وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (علیه السَّلام)، فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ وَ يَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَ يَأْكُلُ الْجَشِبَ، وَ كَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ وَ سِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ وَ ظِلَالُهُ فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا وَ فَاكِهَتُهُ وَ رَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ، وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ، وَ لَا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ، وَ لَا مَالٌ يَلْفِتُهُ، وَ لَا طَمَعٌ يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجْلَاهُ، وَ خَادِمُهُ يَدَاهُ.
فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّىٰ، وَ عَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّىٰ، وَ أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ وَ الْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ؛ قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً وَ لَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً، أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً، وَ أَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً. عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا؛ وَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ، وَ حَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ، وَ صَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ؛ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلَّا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ، وَ تَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ، لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً لِلَّهِ، وَ مُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللَّهِ.
ص: ٣٠٤
وَ لَقَدْ كَانَ (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ وَ يَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَ يَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ، وَ يَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، وَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ، وَ يُرْدِفُ خَلْفَهُ، وَ يَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ، فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ، فَيَقُولُ يَا فُلَانَةُ - لِإِحْدَى أَزْوَاجِهِ - غَيِّبِيهِ عَنِّي، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَ زَخَارِفَهَا، فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَ أَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْ لَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً، وَ لَا يَعْتَقِدَهَا قَرَارا،ً وَ لَا يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ، وَ أَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ، وَ غَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ؛ وَ كَذَلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَ أَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ.
وَ لَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) مَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسَاوِئِ الدُّنْيَا وَ عُيُوبِهَا، إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ، وَ زُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ، فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ أَكْرَمَ اللَّهُ مُحَمَّداً (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ؟! فَإِنْ قَالَ: أَهَانَه،ُ فَقَدْ كَذَبَ وَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، بِالْإِفْكِ الْعَظِيمِ؛ وَ إِنْ قَالَ: أَكْرَمَهُ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ، وَ زَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ، فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ، وَ اقْتَصَّ أَثَرَهُ، وَ وَلَجَ مَوْلِجَهُ، وَ إِلَّا فَلَا يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مُحَمَّداً (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) عَلَماً لِلسَّاعَةِ، وَ مُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ، وَ مُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ، خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً، وَ وَرَدَ الْآخِرَةَ سَلِيماً، لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَ أَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ. فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللَّهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ، وَ قَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ، وَ اللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا، وَ لَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ: أَلَا تَنْبِذُهَا عَنْكَ، فَقُلْتُ: اعْزُبْ عَنِّي، فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى (1).
(الزعم) مثلثة الزاء قد يطلق على الظن والاعتقاد الفاسد، ومنه قوله تعالى: «زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا» [التغابن : ٧] . وقد يطلق على القول الباطل والكذب، وربما يطلق على القول الحق والمراد هنا الأول و (مدخول) مفعول من الدخل بالتسكين وهو المكر والخديعة والعيب ومثله الدّخل محركة، قال تعالى: «وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ» [النحل: ٩٤] أي مكراً وخديعة و (الضمار) ما لا يرجى من الوعود هكذا قال الشارح المعتزلي، وقال الفيروزآبادي: الضمار ككتاب من المال الذي لا يرجى رجوعه، ومن العذاب ما كان ذا تسويف وخلاف العيان ومن الدين ما كان بلا أجل و (الأسوة) بالكسر والضم القدوة و (المخازي) جمع مخزاة وهي الأمر يستحی من ذكره لقبحه و (المساوئ) العيوب و (الأكناف) الأطراف و (شف) الثوب شفاً وشفيفاً رق فحكى ما تحته .
و (الضفاف) ككتاب الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر و (الهزال) بضم الهاء
ص: ٣٠٥
1) الأمالي : ۷۱۹ ، وشرح أصول الكافي: ۲۳۳/۱.
نقيض السمن و (المزامير) جمع المزمار وهي الآلة التي يزمر فيها من زَمَرَ يَزْمُر ويزمِر من باب نصر وضرب زمراً وزميراً غنّى في القصب ونحوه، ومزامير داود ما كان يتغنّى به من الزبور وضروب الدعاء و (السفائف) جمع السفيفة وهي النسيجة من سففت الخوص وأسففته نسجته وفي نسخة الشارح المعتزلي بعد قوله : (ويلبس الخشن) ويأكل الجشب، وهو كالجشيب الخشن الغليظ البشع من كل شيء والسييء المأكل أو بلا أدم.
(ولا ولد يحزنه) مضارع حزن كنصر قال تعالى: «تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ»[يوسف: ١٣] ويقرأ : يُحزن مضارع أحزنه الشيء و (لفته) عن كذا يلفته صرفه ولواه و (القضم) الأكل بأدنى الفم أي بأطراف الأسنان، ويروى قصم بالصاد المهملة من القصم وهو القصر و (الهضم) محركة انضمام الجنبين وخمص البطن و (الكشح) الخاصرة (وحقر شيئاً) يروى بالتخفيف والتضعيف .
(الباء) في قوله : (بزعمه) للسببية إن كان الزعم بمعنى الظن والاعتقاد، وإلا فهي صلة، و (الواو) في قوله : (كذب والعظيم) للقسم وإنما قال والعظيم ولم يقل : والله العظيم، تأكيداً لعظمة الباري سبحانه، لأن الموصوف إذا لغى وترك واعتمد على الصفة حتى صارت كالإسم كانت أدلّ على تحقق مفهوم الصفة كالحارث والعباس هكذا قال الشارح المعتزلي .
وقال البحراني : وإنما قال: والعظيم، دون الله لأن ذكر العظمة هنا أنسب للرجاء، والإضافة في قوله : (من خوفه) من إضافة المصدر إلى الفاعل أو المفعول، و (اللام) في قوله تعالى: « إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» ، بمعنى إلى أو للتعليل أو ضمن فقير معنى سائل فعدّى باللام و (الواو) في قوله : (ولقد كانت) للقسم والمقسم به محذوف لمعلوميته، وسلفاً، وقائداً، منصوبان على الحال من ضمير به.
إعلم أنه قد نبه في هذا الفصل من كلامه (علیه السَّلام) على بطلان دعوى من يدعي رجاء ثواب الله سبحانه وخوف عقابه ويزعم اتصافه بهذين الوصفين اللذين هما من أوصاف السالكين وحالات الطالبين ومقامات العارفين الراغبين، وعقبه بالتزهيد عن الدنيا بالأمر بالتأسي على رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وجملة من السلف الصالحين من الأنبياء والمرسلين حيث زهدوا في الدنيا، وآثروا الآخرة على الأولى لما رأوا من معايبها ومساوئها، وقد تقدم في التنبيه الثالث من تنبيهات الفصل السادس من فصول الخطبة الثانية والثمانين تحقيق معنى الرجاء وتفصيل الكلام فيه ولا حاجة إلى الإعادة، وإنما نشير هنا إلى محصل ما أوردناه
ص: ٣٠٦
هناك تمهيداً وتوضيحاً للمتن.
فأقول: خلاصة ما قلناه فيما تقدم: إن الرجاء عبارة عن ارتياح النفس لانتظار ما هو محبوب عندها، فهو حالة لها تصدر عن علم وتقتضي عملاً، فمن كان يرجو لقاء ربه ويأمل ثوابه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً، كما نطق به الكتاب الكريم والقرآن الحكيم، فاللازم على الراجي للثواب من الملك الوهاب عزّ وعلا أن يبذر المعارف الإلهية في قلبه ويدوم على سقيه بماء الطاعات ويجتهد في تطهير نفسه عن شوك الأخلاق الرديئة المانعة من نماء العلم وزيادة الإيمان، وينتظر من فضل الله سبحانه أن يثبته على ذلك إلى زمان وصوله وحصاد عمله، فذلك الانتظار هو الرجاء الحقيقي المحمود .
إذا عرفت ذلك فنقول : إن من الناس من يتبع هواه ويفرّط في أمر مولاه ويغمر في المعاصي ويدوم على المناهي ومع ذلك كله (يدعي بزعمه) الفاسد ونظره الكاسد (أنه يرجو الله) ويأمل لقائه فقد (كذب) في دعواه وخاب فيما يتوقعه ويتمناه (و) الرب (العظيم) لما قد عرفت أن الرجاء بدون إصلاح العمل حمق وجهالة، ومن دون تزكية النفس سفه وضلالة (ما باله) استفهام على سبيل التوبيخ والتقريع، أي ما بال هذا الداعي للرجاء (لا يتبين رجاؤه في عمله) يعني أنه لو كان رجاؤه صدقاً لظهر رجاؤه في عمله، وذلك لأنا نرى أن كل من رجا شيئاً من سلطان أو غيره فإنه يتابعه ويخدمه ويتقرّب إليه ويتحبّب إليه ويبالغ في طلب رضاه ويسارع إلى خدمته ويأتي بقدر طوعه كل ما هو مطلوب له ومحبوب عنده ليظفر بمراده وينال إلى ما يرجوه منه، وهذا المدعي للرجاء حيث لا يظهر رجاؤه في عمله يتبين أنه كاذب في دعواه غير خالص في رجاه.
وهذا معنى قوله : (وكل من رجا عرف رجاؤه في عمله إلا رجاء) من يرجو (الله فإنه مدخول) أي معيب (وكل خوف محقق) أي كل خائف فخوفه محقق ثابت له أصل وحقيقة تظهر آثاره على الخائف (إلا خوف الله) تعالى (فإنه معلول) أي مشتمل على المرض والعلة حيث لا يظهر آثاره وعلاماته على من يخافه سبحانه كما ستعرفه تفصيلاً .
هذا على تقدير عود الضمير في قوله : (فإنه) إلى خوف الله ، ويجوز عوده إلى كل خوف بأن يجعل محقق صفة لخوف وإلا بمعنى غير، وهذه الجملة أعني جملة فإنه معلول خيراً لكل خوف، فيكون محصل المعنى أن كل خوف ثابت غیر خوف الله سبحانه، فإن هذا الخوف معلول، بخلاف خوفه سبحانه فإنه الخوف الصريح الحقيقي، وذلك لأن ما يخاف به من غيره تعالى فهو أمر دنيوي سريع الزوال والانقضاء، مع أن ذلك الغير لا يقدر على إيقاع مكروه على الخائف إلا بمشيئة الله سبحانه وإقدار منه له عليه، بخلاف الخوف منه تعالى فإنه خوف من القادر القاهر لا راد لقضائه ولا دافع لحكمه، وعذابه أليم لا يفنى، وسخطه عظيم لا
ص: ٣٠٧
ينقطع ولا يتناهى.
ويؤيد هذا الاحتمال الثاني في هذه الفقرة ما في بعض النسخ بدل قوله : وكل من رجا (آهـ) وكل رجاء إلا رجاء الله فإنه مدخول، وجه التأييد أن الضمير حينئذ يعود إلى كل رجاء فيكون سوق كلتا الفقرتين على مساق واحد، ويتطابق الكليتان كما هو غير خفي على البصير، هذا .
وأكد كون رجائه لله سبحانه معلولاً بقوله : (يرجو الله في الكبير) أي يرجو رحمته ومغفرته ونعمته ومنته وجنته التي عرضها السماء والأرض (ويرجو العباد في الصغير) أي في أمور دنيوية زهيدة المنفعة قليلة الجدوى سريعة الزوال والانقضاء ومع ذلك (فيعطي العبد ما لا يعطي الرب) الإتيان بلفظ الإعطاء في يعطي الرب للمشاكلة، والمراد أنه يكثر عمله لمن يرجوه من العباد ويتقرب إليه بكل وسيلة ليفوز بما يتوقعه منه، ويتهاون في طاعة ربه ويتكاسل في عبادته ويقصر فيما يقربه إليه مع أن اللازم عليه أن يكون عمله بعكس ذلك، فيكون قيامه بوظائف التقرب إلى الله سبحانه أكثر وأكد من القيام بوظائف التقرب إلى غيره، حيث إن المرجو الكبير يستدعي ما يناسبه مما هو وسيلة إليه كمية وكيفية.
وحيث إنه عكس في القيام بوظائف رجاه ولم يعط ربه ما أعطاه سواء فحقيق بالتوبيخ والملام والتقريع والتبكيت، ولذلك قال ذمّاً وتشنيعاً : (فما بال الله عز وجل يقصر به عما يصنع به بعباده) أي عما يعمل به، ويصانع لهم من المصانعة التي هي ان تصنع شيئاً لغيرك لتصنع لك مثله .
وأكد التوبيخ والتشنيع بقوله : (أتخاف أن تكون في رجاءك له كاذباً أو تكون لا تراه للرجاء موضعاً) يعني أن قصورك في القيام بوظائف الرجاء كاشف من خوفك من أحد أمرين كلاهما باطل.
أحدهما : أن تكون كاذباً في رجاءك له سبحانه لزعمك أنك لا تستعدّ مع العمل بلوازم رجائه تعالى لإفاضة الجود منه عليك ولا تنال إلى مرجوّك وهو خطأ عظيم ناشئ عن ضعف الاعتقاد بالوعود التي وعدها الله سبحانه على ألسنة رسله وأنبيائه لمن عمل صالحاً ويرجو رحمة ربه.
وثانيهما: أن تكون لا تراه للرجاء موضعاً، وهو كفر صريح ناشئ من توهّم عجزه أو بخله، هذا.
ولما نبه على بطلان دعوى المدعين للرجاء وشنعهم على تلك الدعوى، عقبه بالتشنيع على الخائفين بسبب قصورهم في لوازم الخوف وتوضيح قصورهم فيها محتاج إلى تحقيق
ص: ٣٠٨
معنى الخوف وبيان حقيقته .
فأقول : إن الخوف كما في (إحياء العلوم) عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال، وقد ظهر هذا في بيان حقيقة الرجاء وهو صفة تقتضي علماً وعملاً .
أما العلم، فهو العلم بالسبب المفضي إلى المكروه، وذلك كمن جنى على ملك ثم وقع في يده فيخاف القتل مثلاً ويجوز العفو والإفلات، ولكن يكون تألم قلبه بالخوف بحسب قوة علمه بالأسباب المفضية إلى قتله، وهو تفاحش جنايته وكون الملك حقوداً غضوباً منتقماً، وكونه محفوفاً بمن يحثه على الانتقام، خالياً عمن يتشفّع إليه في حقه، وكان هذا الخائف عاطلاً عن كل وسيلة وحسنة تمحو أثر جنايته عند الملك، فالعلم بتظاهر هذه الأسباب سبب لقوة الخوف وشدة تألّم القلب، وبحسب ضعف هذه الأسباب يضعف الخوف.
وقد يكون الخوف لا عن سبب جناية فارقها الخائف، بل عن صفة المخوف منه كالذي وقع في مخالب سبع، فإنه يخاف السبع لصفة ذات السبع وهي سطوته وحرصه على الافتراس غالباً وإن كان افتراسه بالاختيار.
وقد يكون من صفة جبلية للمخوف منه كخوف من وقع في مجرى سيل أو جوار حريق من الغرق والاحتراق، لأن طبع الماء مجبول على السيلان والإغراق، وكذا النار على الإحراق، فالعلم بأسباب المكروه هو السبب الباعث المثير لإحراق القلب وتألّمه، وذلك الإحراق هو الخوف.
فكذلك الخوف من الله تارة يكون لمعرفة الله ومعرفة صفاته وأنه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه مانع، وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي، وتارة يكون بهما جميعاً، ، وبحسب معرفته بعيوب نفسه ومعرفته بجلال الله تعالى واستغنائه وأنه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون تكون قوة خوفه فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه ويربه، ولذلك قال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «أنا أخوفكم لله»، وكذلك قال الله: « إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» [فاطر: ۲۸] .
وأما العمل، فهو أنه إذا حصل له الخوف أوجب ذلك الكف والتوقي عن كل ما يؤدي إلى المكروه المتوقع الذي يخاف منه .
وخوف الله سبحانه إذا ثبت في القلب واشتد يظهر أثره على البدن وعلى الجوارح والصفات .
أما البدن فبالنحول والصفار والغشية والزعقة والبكاء، وقد تنشق به المرارة فيفضي إلى الموت، أو يصعد إلى الدماغ فيفسد العقل أو يقوى فيورث القنوط واليأس.
ص: ٣٠٩
وأما الجوارح فيكفها عن المعاصي وتقييدها بالطاعات تلافياً لما فرّط واستعداداً للمستقبل .
وأما الصفات فبأن يقمع الشهوات ويكدّر اللذات فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة كما يصير العسل مكروهاً عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سمّاً فتحرق الشهوات بالخوف وتتأدّب الجوارح ويحصل في القلب الذبول والخشوع والاستكانة ويفارقه الكبر والحقد والحسد، بل يصير مستوعب الهم بخوفه والنظر في خطر عاقبته، فلا يتفرغ لغيره ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضنة بالأنفاس واللحظات، ومؤاخذة النفس بالخطرات والخطوات والكمال ويكون حاله حال من وقع في مخالب سبع ضار لا يدري أنه يغفل عنه فيفلت أو يهجم عليه فيهلك، فيكون ظاهره وباطنه مشغولاً بما هو خائف منه لا متسع فيه لغيره هذا حال من غلبه الخوف واستولى عليه.
وقوة المراقبة والمحاسبة والمجاهدة بحسب قوة الخوف الذي هو تألم القلب واحتراقه وقوة الخوف بحسب قوة المعرفة بجلال الله تعالى وصفاته وأفعاله وبعيوب النفس وما بين يديها من الأخطار والأهوال.
وأقل درجات الخوف مما يظهر أثره في الأعمال أن يمنع عن المحظورات ويسمى الكف الحاصل عن المحظورات ورعاً، فإن زادت قوته كف عما يتطرق إليه إمكان التحريم فيكف أيضاً عن المشتبهات ويسمى ذلك التقوى، إذ التقوى أن يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، وقد يحمله على ترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس وهو الصدق في التقوى، فإذا انضم إليه التجرد للخدمة فصار لا يبني ما لا يسكنه ولا يجمع ما لا يأكله، ولا يلتفت إلى دنيا يعلم أنها تفارقه، ولا يصرف إلى غير الله تعالى نفساً من أنفاسه، فهو الصدق وصاحبه جدير بأن يسمى صديقاً.
ويدخل في الصدق التقوى، ويدخل في التقوى الورع، ويدخل في الورع العفة فإنها عبارة عن الامتناع عن مقتضى الشهوات خاصة، فإذا الخوف يؤثر في الجوارح بالكف والإقدام ويتجدد له بسبب الكف إسم العفة، وهو عن مقتضى الشهوة وأعلى منه الورع، فإنه أعم لأنه كف عن كل محظور وأعلى منه التقوى، فإنه إسم للكف عن المحظور والشبهة جميعاً ووراءه اسم الصديق والمقرّب .
إذا عرفت ذلك ظهر لك معنى قوله (وكذلك إن هو خاف عبداً من عبيده) سبحانه (أعطاه من خوفه) الضمير راجع إلى الخائف أو العبد، أي أعطاه من أجل خوفه إياه (ما لا يعطي به) يعني أنه يقوم بمقتضيات خوفه إن خاف غير الله تعالى فيفعل ما يأمر ويترك ما ينهى ويأتي بما يريد بخلاف خوفه منه سبحانه، فيدعي الخوف ولا يظهر أثره عليه (فجعل خوفه من
ص: ٣١٠
العباد نقداً) أي كالنقد المعجل لوجود آثاره فيه بالفعل (وخوفه من خالقه ضماراً ووعداً) ذا تسويف غير موجود آثاره فيه بعد هذا.
ولما نبه على بطلان دعوى المدعين للخوف والرجاء وكذبهم في تلك الدعوى معللاً يكون رجاءهم لغير الله تعالى أكثر وأكد، وخوفهم من غيره سبحانه أقوى وأشد، وفهم من ذلك ضمناً بدلالة الالتزام أن توجههم ومراقبتهم إلى غيره عزَّ وعلا أكثر من مراقبتهم وتوجههم إليه، حيث إنهم يؤثرون غيره عليه إذا رجوا، ويقدمون خوف الغير على خوفه إذا خافوا أردف ذلك بالتنبيه على أن حال أبناء الدنيا كذلك لإيثارهم الدنيا عليه تعالى وانقطاعهم إليها وافتتانهم بها ورغبتهم إليها دونه .
وبهذا ظهر لك حسن الارتباط والمناسبة بين ما مر وبين قوله (وكذلك من عظمت الدنيا في عينه) وراقه زبرجها (وكبر موقعها من قلبه) وعظم محلها عنده للذاتها العاجلة وشهواتها الموجودة الحاضرة (آثرها على الله) واختارها على ما لديه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر لكونه آجلاً غائباً (فانقطع إليها وصار عبداً لها) ولمن في يديه شيء منها حيثما زالت زال إليها وحيثما أقبلت أقبل عليها، غافلاً عن أنه ظل زائل، وضوء آفل، وسناد مائل، وغرور حائل .
ولما وصف حال أبناء الدنيا المفتونين بها عقبه بأمرهم بالتأسي برسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) المعرض عنها لما رأى من فنائها وزوالها ومخازيها ومعايبها تزهيداً لهم عنها، وتنبيهاً على خطأهم في الافتتان بها فقال: (ولقد كان في رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كاف لك في الأسوة) أي في القدوة والاتباع (ودليل لك على ذم الدنيا وكثرة مخازينها) أي مهالكها ومقابحها وفضائحها ومساوئها أي معايبها.
وأشار إلى دليل الذمّ بقوله : (إذ قبضت عنه أطرافها ووطئت) أي هيأت (لغيره أكنافها) وجوانبها و (فطم من رضاعها) والتقم غيره ضرعها (وزوى) أي نحى (عن زخارفها) وقرب إلى غيره زبرجها .
ودلالة هذه الجملة على ذمّها وعيبها أنه لو كان لها وقع عنده سبحانه ولها كرامة لديه لم يضن بها على أحب خلقه إليه وأشرفهم وأكرمهم عنده، فحيث زويها عنه وبسطها لغيره دل على خستها وحقارتها وهوانها .
وإلى ذلك يشير ما في الحديث: ما زوى الله عن المؤمن في هذه الدنيا خير مما عجل له فيها (1).
ص: ٣١١
1) مجمع البحرين : ٣٠٦/٢ .
قال بعض شراح الحديث : أي ما نحى من الخير والفضل، وتصديق ذلك أن الرجل منهم يوم القيامة يقول : يا رب إن أهل الدنيا تنافسوا في دنياهم فنكحوا النساء ولبسوا الثياب اللينة وأكلوا الطعام وسكنوا الدور وركبوا المشهور من الدواب فأعطني مثل ما أعطيتهم، فيقول الله تبارك وتعالى : ولكل عبد منكم ما أعطيت أهل الدنيا منذ كانت الدنيا إلى أن انقضت سبعون ضعفاً (1).
(وإن شئت ثنيت) إعراض رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) عن الدنيا (بـ) ـإعراض (موسى كليم الله) عنها أو إن شئت ثنيت الأسوة بالرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بالأسوة بالكليم (إذ يقول) ما حكى الله سبحانه عنه في سورة القصص بقوله : (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) أي إني محتاج (2)إلى ما أنزلت إليّ أو سائل طالب لما أنزلته، أو إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إلي من خير الدين وهو النجاة من الظالمين، أي صرفت فقيراً لأجل ذلك لأنه كان عند فرعون في ثروة وسعة وملك، وقال (علیه السَّلام) ذلك رضا بالبدل النبي وفرحاً به وشكراً له، وعلى ذلك فالمراد بما في قوله لما أنزلت، هو خير الدين والنجاة من الظالمين وقال في (الكشاف): إني لأي شيء أنزلت إلي قليل أو كثير غثّ أو سمين لفقير .
وحمله الأكثرون على الطعام ويؤيده ما في (الصافي) عن (الكافي) والعياشي عن الصادق (علیه السَّلام) سأل الطعام، قال: وفي (الإكمال) روى أنه قال ذلك وهو محتاج إلى شقّ تمرة (3).
وفي (مجمع البيان) عن ابن عباس قال: سأل نبي الله فلق خبز يقيم به صلبه .
ويؤيده أيضاً كما يؤيد تضمين فقير معنى سائل وكون (اللام) للصلة قول أمير المؤمنين (علیه السَّلام): (والله ما سأله إلا خبزاً یأكله، لأنه كان يأكل بقلة الأرض) إذ خرج من مدينة فرعون خائفاً يترقب بغير ظهر ولا دابة ولا خادم ولا زاد تخفضه الأرض مرة وترفعه أخرى حتى انتهى إلى أرض مدين، وكان بينه وبين مدين مسيرة ثلاثة أيام، وقيل ثمانية، فخرج منها حافياً ولم يصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه، وكان لا يأكل في مدة مسيرها إلا حشيش الصحراء وبقل الأرض.
(ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه) يعني أن جلد بطنه بسبب رقته لم يكن حاجباً عن إدراك البصر لما ورائه وذلك (الهزاله وتشذب لحمه) أي تفرّقه قال في (عدة
ص: ٣١٢
الداعي) ويروى أنه، أي موسى (علیه السَّلام)، قال يوماً : يا رب إني جائع، فقال الله: أنا أعلم بجوعك ، قال : يا رب أطعمني، قال: إلى أن أريد .
وفيما أوحى إليه (علیه السَّلام): يا موسى، الفقير من ليس له مثلي كفيل، والمريض من ليس له مثلي طبيب، والغريب من ليس له مثلي مؤنس، قال ویروی حبيب، يا موسى إرضى بكسرة من شعير تسدّ بها جوعتك، وبخرقة تواري بها عورتك، واصبر على المصائب، وإذا رأيت الدنيا مقبلة عليك فقل : إنا لله وإنا إليه راجعون، عقوبة قد عجلت في الدنيا، وإذا رأيت الدنيا مدبرة عنك فقل : مرحباً بشعار الصالحين، يا موسى لا تعجبن بما أوتي فرعون وما تمتع به فإنما هي زهرة الحياة الدنيا .
(وإن شئت ثلثت بداود) بن أيش من أولاد يهودا سمّي به لأنه داوى جرحه بود، وقد قيل : داوى ودّه بالطاعة حتى قيل عبد، رواء في (البحار) من معاني الأخبار وغيره (صاحب المزامير) قال الفيروزآبادي: مزاميره ما كان يتغنى به من الزبور وقال الشارح المعتزلي : يقال : إن داود أعطى من طيب النغم ولذة ترجيع القراءة ما كان الطيور لأجله تقع عليه وهو في محرابه، والوحش تسمعه فيدخل بين الناس ولا تنفر منهم لما قد استغرقها من طيب صوته.
وفي (البحار) من الأمالي عن هشام بن سالم عن الصادق (علیه السَّلام) في الحديث الآتي وكان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر ولا سبع إلا جاذبه (1)(و) لعله لطيب صوته كان (قارئ أهل الجنة فلقد كان يعمل سفائف الخوص) أي نسائج ورق النخل (بيده ويقول لجلسائه: أيكم يكفيني بيعها ويأكل قرص الشعير من ثمنها) قال في (البحار) : لعل هذا كان قبل أن ألان الله له الحديد.
وروي فيه من تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ» أي سبحي له « وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ» [سبا : ١٠] قال: كان داود إذا مر في البراري يقرأ الزبور يسبح الجبال والطير معه والوحوش وألان الله له الحديد مثل الشمع حتى كان يتخذ منه ما أحب.
وفيه من (الفقيه) بسنده عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : أوحى الله إلى داود نعم العبد لولا أنك تأكل من بيت المال ولا تأكل بيدك شيئاً ، قال : فبكى داود (علیه السَّلام) فأوحى الله تعالى إلى الحديد أن لِن لعبدي داود، فألان الله له الحديد، فكان يعمل كل يوم درعاً فيبعيها بألف
ص: ٣١٣
1) الأمالي : ۱۵۹ ح ١٥٧ ، وروضة الواعظين : ٤٤٢.
درهم فعمل ثلاثمائة وستين درعاً فباعها بثلاثمائة وستين ألفاً واستغنى عن بيت المال (1).
وعن صاحب (الكامل) : كان داود بن إيشاح (2)من أولاد يهودا وكان قصيراً أزرق قليل الشعر، فلما قتل طالوت أتى بنو إسرائيل داود وأعطوه خزائن طالوت وملكوه عليهم .
وقيل : إن داود ملك قبل أن يقتل جالوت، فلما ملك جعله الله نبياً ملكاً وأنزل عليه الزبور وعلمه صنعة الدرع وألان له الحديد وأمر الجبال والطير أن يسبحن معه إذا سبَّح، ولم يعط الله أحداً مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور تدنو الوحش حتى يؤخذ بأعناقها، وكان شديد الاجتهاد، كثير العبادة والبكاء، وكان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر، وكان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف، وكان يأكل من كسب يده أربعة آلاف، وكانت مدة ملكه أربعين وتمام عمره مائة ، هذا.
وقد اتضح بذلك أنه (علیه السَّلام) مع ما آتاه الله من الملك والنبوة والبسطة زهد في الدنيا ورغب عنها وجعل رزقه في كل يمينه والعجب أنه مع زهده ذلك عيّره حزقيل النبي ويعجبني أن أذكر قصته معه لمناسبتها بالمقام، ودلالتها على ذم الدنيا المسوق له هذا الفصل من كلام الإمام (علیه السَّلام).
فأقول : روي في (البحار) من أمالي الصدوق عن أبيه عن علي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن الصادق عن جعفر بن محمد (علیهم السَّلام) قال : إن داود خرج ذات يوم يقرأ الزبور وكان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر ولا سبع إلا جاذبه، فما زال يمر حتى انتهى إلى جبل فإذا على ذلك الجبل نبي عابد يقال له: حزقيل، فلما سمع دوي الجبال وأصوات السباع والطير علم أنه داود، فقال داود: يا حزقيل أتأذن لي فأصعد إليك؟ قال: لا، فبكى داود (علیه السَّلام) فأوحى الله جل جلاله إليه : يا حزقيل لا تعير داود وسلني العافية، فقام حزقيل فأخذ بيد داود (علیه السَّلام) فرفعه إليه فقال داود (علیه السَّلام): یا حزقیل هل هممت بخطيئة قط ؟ قال: لا، قال: فهل دخلك العجب مما أنت فيه من عبادة الله تعالى؟ قال: لا، قال: فهل ركنت إلى الدنيا فأحببت أن تأخذ من شهوتها ولذتها؟ قال: بلى ربما عرض بقلبي، قال: فماذا تصنع إذا كان ذلك ؟ قال : أدخل هذا الشعب فاعتبر بما فيه .
قال : فدخل داود النبي الشعب فإذا سرير من حديد عليه جمجمة بالية وعظام فانية، وإذا لوح حديد فيه كتابة، فقرأها داود فإذا هي : أنا أردى شلم ملكت ألف سنة وبنيت ألف
ص: ٣١٤
مدينة وافتضضت ألف بكر فكان آخر أمري أن صار التراب فراشي، والحجارة وسادتي والديدان والحيات جيراني، فمن رآني فلا يغتر بالدنيا (1).
وفي (البحار) أيضاً : دخل داود غاراً من غيران بيت المقدس، فوجد حزقيل يعبد ربه وقد يبس جلده على عظمه فسلّم عليه ، فقال : سمع صوت شبعان ناعم فمن أنت؟ قال: أنا ، :قال الذي له كذا وكذا أمة؟ قال: نعم، وأنت في هذه الشدة؟ قال: ما أنا في شدة ولا أنت في نعمة حتى تدخل الجنة (2).
(وإن شئت قلت في عيسى ابن مريم (علیه السَّلام)) أي إن شئت أن تذكر حال المسيح فاذكر أنه (لقد كان يتوسد الحجر) أي يأخذه وسادة له (ويلبس) اللباس(الخشن وكان إدامه الجوع) قال العلامة المجلسي : لعل المعنى أن الإنسان إنما يحتاج إلى الإدام لأنه يعسر على النفس أكل الخبز يابساً ، فأما مع الجوع الشديد فيلتذّ بالخبز ولا يطلب غيره فهو بمنزلة الإدام، أو أنه كان يأكل الخبز دون الشبع فكان الجوع مخلوطاً به كالإدام.
أقول : ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يلتذ بالجوع كما يلتذ بالإدام والطعام، أو أن الجوع كان بدلاً عن إدامه ، فاستعير لفظ الجوع له من باب استعارة إسم الضد للضد مثل قوله في الخطبة الثانية: نومهم سهود وكحلهم دموع .
(وسراجه بالليل القمر) يستضيء به كما يستضاء بالسراج (وظلاله في الشتاء) أي مكمنه من الرد (مشارق الأرض) في الضحى (ومغاربها) في المساء (وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم) واستعارة الفاكهة والريحان لما تنبت باعتبار التذاذ ذوقه وشمه به كالتذاذ غيره بالفواكه والرياحين (ولم تكن له زوجة تفتنه ولا ولد يحزنه ولا مال يلفته) أي يلويه ويصرفه عن ذكر الله (ولا طمع یذله) أي يوقعه في الذلة والهوان (دابته رجلاه وخادمه یداه) أي انتفاعه بهما كما ينتفع غيره بالدابة والخادم.
واعلم أن ما وصف (علیه السَّلام) به عیسی فقد روى عنه (علیه السَّلام) نحوه في (عدة الداعي) قال: وأما عيسى روح الله وكلمته فإنه كان يقول : خادمي يداي و دابتي رجلاي وفراشي الأرض ووسادي الحجر ودفئي في الشتاء مشارق الأرض وسراجي بالليل القمر وإدامي الجوع وشعاري الخوف ولباسي الصوف وفاكهتي وريحاني ما أنبتت الأرض للوحوش والأنعام، أبيت وليس لي شيء، وأصبح وليس لي شيء، وليس على وجه الأرض أحد أغنى مني، ورواه مثله في
ص: ٣١٥
(البحار) من إرشاد القلوب إلا أن فيه بدل مشارق الأرض: مشارق الشمس، وبدل ريحاني ريحانتي .
وفي (عدّة الداعي) عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : في الإنجيل إن عيسى قال : اللهم ارزقني غدوة رغيفاً من شعير وعشية رغيفاً من شعير ولا ترزقني فوق ذلك فأطغى (1).
أقول : وإن شئت فاتبع ذكر حال هؤلاء الأنبياء الأكرمين بذلك حال غيرهم من الأنبياء والمرسلين .
واذكر نوحاً نجي الله فإنه مع كونه شيخ المرسلين وقد روي أنه عاش ألفي عام وخمسمائة عام، وعمّر في الدنيا مديداً، مضى منها ولم يبن فيها بيتاً، وكان إذا أصبح يقول : لا أمسي، وإذا أمسى يقول : لا أصبح.
وانظر إلى أبي الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن فقد كان لباسه الصوف وطعامه الشعير .
ثم انظر إلى يحيى بن زكريا كان لباسه الليف وأكله ورق الشجر .
ثم إلى سليمان بن داود فقد كان مع ما هو فيه من الملك العظيم يلبس الشعر وإذا جنّه الليل شدّ يديه إلى عنقه فلا يزال قائماً باكياً حتى يصبح، وكان قوته من سفائف الخوص يعملها بيده، وهكذا كان حال سائر الأنبياء في إعراضهم عن الدنيا .
وأما سيد البشر فوصف حاله إجمالاً قد مر وقد تقدم أن فيه كافياً لك في الاتباع به والاهتداء بهداه، ولذلك عقبه بالأمر بالتأسي به وأردفه يوصف حاله تفصيلاً فقال: (فتأسّ بنبيك الأطيب الأطهر (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)) واتبع له (فإن فيه أسوة لمن تأسى وعزاء لمن تعزى) أي نسبة لمن انتسب (وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه والمقتض) المتتبع (لأثره) وإنما كان أحب العباد إليه سبحانه لقوله تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» [آل عمران: ۳۱] قال الفخر الرازي: قال المتكلمون: محبة الله للعبد عبارة عن إرادته تعالى إيصال الخيرات والمنافع في الدين والدنيا إليه، وقال بعض المحققين: ومن المتكلمين من أنكر محبة الله لعباده كالزمخشري وأترابه، زعماً منهم أن ذلك يوجب نقصاً في ذاته ولم يعلموا أن محبة الله تعالى لخلقه راجعة إلى محبة ذاته، هذا .
وقوله : (قضم الدنيا قضماً) استئناف بياني، فإنه لما ذكر أن أحب العباد إلى الله من اقتص أثر النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وكان ذلك مظنة لأن يسأل عن الأثر الذي يقتص أردف بهذا الكلام وما يتلوه جواباً لهذا السؤال المتوهم وتفصيلاً لما فيه الأسوة، وبه يكون الاقتصاص، وأراد
ص: ٣١٦
1) بحار الأنوار: ٣٢٦/١٤ ح ٤٠ ، وميزان الحكمة : ۱۰۷۸/۲.
بقضمه اقتصاره (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في الدنيا على قدر الضرورة إذا لقضم يقابل الخضم والأول أكل الشيء اليابس بأطراف الأسنان، والثاني الأكل بالفم كله للأشياء الرطبة كما قال (علیه السَّلام) في وصف حال بني أمية في الخطبة (الشقشقية) : يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع، وفي حديث أبي ذر «رضي الله عنه» يخضمون ونقضم والموعد لله.
(ولم يعرها طرفاً) أي لم يعطها نظرة على وجه العارية فكيف بأن يجعلها مطمح نظره، وهو كناية عن عدم التفاته إليها (أهضم أهل الدنيا كشحاً وأخمصهم بطناً) أي أخمصهم خاصرة وبطناً، ، وهو كناية عن كونه أشدهم جوعاً وأقلهم شبعاً كما روي أنه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إذا اشتد جوعه كان يربط على بطنه حجراً ويسميه المشبع مع كونه مالكاً لقطعة واسعة من الدنيا .
قال الغزالي في (إحياء العلوم): وفي الخبر أن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لو كان يجوع من غير غور أي مختاراً لذلك.
قال: وكانت عائشة تقول : إن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لم يمتل قط شبعاً وربما بكيت رحمة له مما أرى به من الجوع فأمسح بطنه بيدي وأقول : نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقويك ويمنعك من الجوع، فيقول: يا عائشة إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو اشد من هذا، فمضوا على حالهم فقدموا على ربّهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم، فأجدني أستحي إن ترفّهت في معيشتي أن يقصر بي غداً دونهم، فالصبر أياماً يسيرة أحب إليّ من أن ينقص حظي غداً في الآخرة، وما من شيء أحب إلي من اللحوق بأصحابي وإخواني، قالت عائشة : فوالله ما استكمل بعد ذلك جمعة حتى قبضه الله إليه .
وعن أنس قال : جاءت فاطمة صلوات الله وسلامه عليها بكسرة خبز إلى رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فقال: «ما هذه الكسرة؟»، قالت: قرص خبزته ولم تطب نفسي حتى أتيتك منه بهذه الكسرة، فقال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «أما أنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام» (1)، هذا، وسنورد فصلاً مشبعاً في فضيلة الجوع وفوائده بعد الفراغ من شرح الخطبة إن شاء الله .
(عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها) إشارة إلى ما ورد في غير واحد من الأحاديث العامية والخاصية من أنه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) عرض عليه مفاتيح كنوز الأرض فامتنع من قبولها .
منها ما في (الكافي) عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد عن عبد الله بن سنان عن عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : خرج النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وهو محزون فأتاه ملك ومعه مفاتيح خزائن الأرض فقال : يا محمد هذه مفاتيح
ص: ٣١٧
1) حلية الأبرار: ٢٤۲/۱۸ ، وكنز العمال : ٤٩١/٦ ح ۱٦٦۷۹.
خزائن الدنيا يقول لك ربك : افتح وخذ منها ما شئت من غير أن أن تنقص شيئاً عندي، فقال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «الدنيا دار من لا دار له ولها يجمع من لا عقل له» (1)، فقال له الملك : والذي بعثك بالحق لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقوله في السماء الرابعة حين أعطيت المفاتيح.
ومنها ما في (الوسائل) عن الكليني عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السَّلام) في حديث طويل وفيه : ثم قال : يا محمد لعلك ترى أنه لشبع من خبز البر ثلاثة أيام منذ بعثه الله إلى أن قبض، ثم ردّ على نفسه ثم قال: لا والله ما شبع من خبز البرّ ثلاثة أيام متوالية منذ بعثه الله إلى أن قبضه، أما أني لا أقول إنه كان لا يجد، لقد كان يجير الرجل الواحد بالمائة من الإبل فلو أراد أن يأكل لأكل، وقد أتاه جبرائيل بمفاتيح خزائن الأرض ثلاث مرات يخيره من غير أن ينقص مما أعد الله له يوم القيامة شيئاً، فيختار التواضع لله (2)، الحديث.
وقد مر في شرح الكلام التاسع والستين في التذنيب الأول من شرحه المسوق لكيفية شهادة أمير المؤمنين عند اقتصاص حاله في ليلة تسع عشرة من شهر رمضان حديث عرض المفاتيح برواية لوط بن يحيى بنحو آخر، فتذكر .
(وعلم (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أن الله سبحانه أبغض شيئاً) ولم يرده لأولياءه (فأبغضه) النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لنفسه لأنه لا يشاء إلا أن يشاء الله ، روى في (إحياء العلوم) عن موسى بن يسار قال: قال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «إن الله عزَّ وجل لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا وأنه منذ خلقها لم ينظر إليها».
وفيه أيضاً قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «الدنيا موقوفة بين السماء والأرض منذ خلقها الله لم ينظر إليها وتقول يوم القيامة : يا رب اجعلني لأدنى أوليائك اليوم نصيباً، فيقول : اسكتي يا لا شيء إني لم أرضك لهم في الدنيا أرضاك لهم اليوم» (3).
(وحقر شيئاً فحقره) أي حقره النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لحقارته عند الله سبحانه كما روى في (الكافي) عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : مر رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بجدي أسك ملقى على مزبلة ميتاً فقال لأصحابه : كم يساوي هذا؟ فقالوا : لعله لو كان حياً لم يساو درهماً ، فقال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «والذي نفسي بيده الدنيا أهون عند الله من
ص: ٣١٨
هذا الجدي على أهله» (1).
(وصغر شيئاً) أراد تصغيره بالنسبة إلى ما أعده لأوليائه في الآخرة (فصغره) قال في (إحياء العلوم) : قال داود بن هلال: مكتوب في صحف إبراهيم (علیه السَّلام): يا دنيا ما هونك على الأبرار الذين تصنّعت وتزينت لهم إني قذفت في قلوبهم بغضك والصدود عنك، وما خلقت خلقاً أهون على منك كل شأنك صغير، وإلى الفناء تصير قضيت عليك يوم خلقتك أن لا تدومي لأحد، ولا يدوم لك أحد وإن بخل به صاحبك وشح عليك، طوبي للأبرار الذين أطلعوني من قلوبهم على الرضا ومن ضميرهم على الصدق والاستقامة، فطوبى لهم ما لهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إلي من قبورهم إلا النور يسعى أمامهم، والملائكة حافون بهم حتى أبلغهم ما يرجون من رحمتي، هذا
ولما ذكر أن الدنيا مبغوضة لله، حقيرة عنده وكذلك عند النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) تبعاً لرضائه تعالى، عقب ذلك بالتنبيه على أن اللازم على المتأسي له (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) والمقتص لأثره أن يبغض ما أبغضه الله ورسوله ويحقر ما حقراه وإلا لكان مواداً لما حاد الله ورسوله فقال : (ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله ورسوله وتعظيمنا ما صغر الله ورسوله لكفى به شقاقاً لله) ومخالفة له (ومحادة عن أمر الله) أي معاداة ومجانبة عنه .
وإلى ذلك ينظر ما روي أن سلمان رضي الله عنه كان متحسراً عند موته، فقيل له : يا أبا عبد الله على ما تأسفك؟ قال: ليس تأسفي على الدنيا، ولكن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) عهد إلينا وقال : لتكن بلغة أحدكم كزاد الراكب، وأخاف أن يكون قد جاوزنا أمره وحولي هذه الأساور، وأشار إلى ما في بيته وإذا هو دست وسيف وجفنة (2).
ثم أشار إلى تواضعه وتذلله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في مأكله ومجلسه ومركبه وغيرها فقال: (ولقد كان يأكل على الأرض ويجلس جلسة العبد) وقد ورد التصريح بذلك في روايات كثيرة مروية في (الوسائل) في كتاب الأطعمة.
ففيه عن محمد بن يعقوب الكليني بإسناده عن هارون بن خارجة عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال: كان رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يأكل أكل العبد، ويجلس جلسة العبد ويعلم أنه عبد (3).
وعن الكليني عن الحسن الصيقل قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السَّلام) يقول : مرت امرأة بذيئة برسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وهو يأكل وهو جالس على الحضيض فقالت: يا محمد إنك تأكل أكل العبد
ص: ٣١٩
وتجلس جلوسه، فقال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «[ ويحك] وأي عبد أعبد مني» (1).
وفيه عن البرقي عن عمرو بن جميع عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : كان رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يأكل بالأرض، هذا.
وظهور التواضع في الأكل على الأرض واضح .
والمراد بأكله أكل العبد إما ذلك أعني الأكل على الأرض، أو الأكل بثلاثة أصابع لا بالأصبعين كما يشعر به ما في (الوسائل) عن البرقي عن أبي خديجة عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) أنه كان يجلس جلسة العبد ويضع يده على الأرض ويأكل بثلاثة أصابع، وقال: إن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كان يأكل هكذا ليس كما يفعله الجبارون يأكل أحدهم بأصبعيه، أو الأكل من غير اتكاء (2).
ويدل عليه ما في (الوسائل) عن الكليني عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : ما أكل رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)متكئاً منذ بعثه الله إلى أن قبضه تواضعاً لله عزّ وجل (3).
وعن زيد الشحام عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : ما أكل رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) متكئاً منذ بعثه الله حتى قبض، كان يأكل أكلة العبد، ويجلس جلسة العبد، قلت ولم ذلك؟ قال : تواضعاً لله عزّ وجل .
وأما المراد من كون جلوسه جلسة العبد إما جلوسه على الأرض، ويدل عليه ما مر.
أو الجلوس من غير تربّع كما هو جلوس الملوك، ويدل عليه ما في (الوسائل) عن الكليني عن أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : قال أمير المؤمنين (علیه السَّلام): إذا جلس أحدكم على الطعام فليجلس جلسة العبد ولا يضعن إحدى رجليه على الأخرى ويتربّع، فإنها جلسة يبغضها الله ويمقتها .
أو الجلوس دون شرفه، ويفيده ما في (الوسائل) أيضاً عن الكليني مرسلاً عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : كان رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إذا دخل منزلاً قعد في أدنى المجلس إليه حين يدخل (4).
(ويخصف بيده نعله) وتضمن لبس النعل المخصوفة للتواضع ظاهر لا سيما إذا كان لابسها هو الخاصف، وقد تأسى به (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أمير المؤمنين (علیه السَّلام) في هذا الوصف مضافاً إلى سائر
ص: ٣٢٠
الصفات كما يفصح عنه ما مر في عنوان الخطبة الثالثة والثلاثين عن ابن عباس أنه قال : دخلت على أمير المؤمنين (علیه السَّلام) بذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي : ما قيمة هذه النعل ؟ فقلت : لا قيمة لها، فقال (علیه السَّلام): والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً (1).
ويرقع بيده ثوبه ويركب الحمار العاري ويردف خلفه ومعلوم أن ركوب الحمار العاري آية التواضع وهضم النفس، وإرداف غيره خلفه أكد في الدلالة عليه.
روى في (الوسائل) من العيون عن الرضا (علیه السَّلام) عن آبائه عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال: «خمس لا أدعهن حتى الممات: الأكل على الحضيض مع العبد، وركوبي الحمار موكفاً (2)وحلب العنز بيدي، ولبس الصوف، والتسليم على الصبيان لتكون سنّة من بعدي» (3).
وكذلك لبس الثوب المرقع لا سيما إذا كان اللابس هو الراقع .
ثم أشار إلى مبغوضية الدنيا وقيناتها عنده بقوله : (ويكون الستر على باب بيته ويكون فيه التصاوير) الظاهر أن المراد به تصاویر الشجر والنبات ونحوها لا تصاوير الحيوان وغيره من ذوي الأرواح، إذ بيته (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كان مهبط الوحي ومختلف الملائكة ولا يدخل الملك بيتاً فيه صورة مجسّمة كما وردت به الأخبار .
(فيقول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): يا فلانة، لإحدى أزواجه، غيبي عني) الظاهر أنه أراد بها عائشة كما يومئ إليه في باب الزهد من (إحياء العلوم) قال ورأى رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) على باب عائشة ستراً فهتكه وقال : «كلما رأيته ذكرت الدنيا أرسلي به إلى آل فلان».
قال الشارح البحراني: أمره بتغييب التصاوير محافظة من حركة الوسواس الخناس، وكما أن الأنبياء (علیهم السَّلام) كانوا كاسرين للنفس الأمارة بالسوء، وقاهرين لشياطينهم كانوا أيضاً محتاجين إلى مراعاتهم ومراقبتهم وتفقد أحوال نفوسهم في كل لحظة وطرفة، فإنها كاللصوص المخادعين للنفوس المطمئنة مهما تركت وغفل عن قهرها والتحفظ عنها عادت إلى طباعها .
أقول : لا يخفى ما في هذا التعليل بعد الغض عن كونه خلاف ما يستفاد من كلامه
ص: ٣٢١
(علیه السَّلام) من الركاكة والسخافة والسماجة وإساءة الأدب بالنسبة إلى خاتم النبيين (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بل وسائر أولياء الدين وكيف يتصور في حقه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) حركة الوسواس الخناس مع وجود ملكة العصمة ولو لم تغب عنه (علیه السَّلام) التصاوير، بل الظاهر أن أمره (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بتغييبها إنما هو لأجل أن الدنيا وزخارفها كانت مبغوضة عنده بالذات ومكروهة لديه بالطبع، فأمر بتغييبها لكونها موجبة لذكر ما يبغضه ويتنفر عنه ويعاديه .
كما يومئ إليه قوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): (فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها) ويدل عليه صريحاً قوله الآتي وكذلك من أبغض شيئاً آه (فأعرض (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) عن الدنيا بقلبه وأمات ذكرها عن نفسه) وهو الزهد الحقيقي (وأحب أن تغيب زينتها عن عينه لكي لا يتخذ منها رياشاً) أي لباساً فاخراً، وذلك لما رأى عنه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إن الله يحب المبتذل الذي لا يبالي ما لبس.
قال في (إحياء العلوم) : قال أبو بردة: أخرجت لنا عائشة كساء ملبداً وإزاراً غليظاً، فقالت قبض رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في هذين.
قال: واشترى رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ثوباً بأربعة دراهم وكانت قيمة ثوبيه عشرة وكان إزاره أربعة أذرع ونصفاً، واشترى سراويل بثلاثة دراهم وكان يلبس شملتين بيضاوين وكانت تسمى حلة لأنهما ثوبان من جنس واحد، وربما كان يلبس بردين يمانين أو سحوليين من هذه الغلاظ، وكان شراك نعله قد أخلق فأبدل بسير جديد فصلّى فيه فلما سلّم قال : أعيدوا الشراك الخلق وانزعوا هذا الجديد فإني نظرت إليه في الصلاة، وكان (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قد احتذى مرة نعلين جديدين فأعجبه حسنهما فخر ساجداً وقال: أعجبني حسنهما فتواضعت لربي خشية أن يمقتني فدفعهما إلى أول مسكين رآه (1).
(ولا يعتقدها قراراً ولا يرجو فيها مقاماً) لأنها دار مجاز لا دار قرار.
أحلام نوم أو كظل زائل *** إن اللبيب بمثلها لا يخدع
ولذلك قال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له (2)، ولها يسعى من لا يقين له، ولنعم ما قيل: (3)،
أرى طالب الدنيا وإن طال عمره *** ونال من الدنيا سروراً وأنعما
كبان بنی بـنــیـــانــه فــأقــامــه *** فلما استوى ما قد بناه تهدما»
(فأخرج) محبتـ(ـها من النفس وأشخص) رغبتـ(ـها عن القلب وغيب) زينتـ(ـها عن
ص: ٣٢٢
البصر) وذلك لفرط بغضه لها ونفرته عنها وكراهته إياها (وكذلك) حال (من أبغض شيئاً) فإنه إذا أبغضه (أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده).
ثم أكد ما قدم وقال : (ولقد كان في رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ما يدلك على مساوئ الدنيا وعيوبها إذ جاع فيها مع خاصته).
أما جوعه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فقد عرفته فيما تقدم، وأقول هنا مضافاً إلى ما سبق: روى أحمد بن فهد في (عدة الداعي) أنه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أصابه يوماً الجوع فوضع صخرة على بطنه ثم قال: «ألا رب مكرم لنفسه وهولها مهين، ألا رب مهين لنفسه وهولها مكرم، ألا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طامعة في الآخرة ناعمة يوم القيامة، ألا رب نفس كاسية ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا رب نفس متخوض متنعم فيما أفاء الله على رسوله ما له في الآخرة من خلاق، ألا إن عمل أهل الجنة خزنة بربوة، ألا إن عمل أهل النار سهلة لشهوة، ألا رب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً يوم القيامة» (1).
وأما جوع خاصته، فقد ورد في روايات مستفيضة .
منها ما في (إحياء العلوم) قال أبو هريرة ما أشبع النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أهله أعني أهل بيته وأزواجه وأهل بطانته من أصحابه ثلاثة أيام تباعاً من خبز الحنطة حتى فارق الدنيا، وقال: إن أهل الجوع في الدنيا هم أهل الشبع في الآخرة.
وفيه قال الفضيل : ما شبع رسول الله منذ قدم المدينة ثلاثة أيام من خبز البر.
قالت عائشة : كانت تأتي علينا أربعون ليلة وما يوقد في بيت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) مصباح ولا نار، قيل لها فيم كنتم تعيشون؟ قال: بالأسودين التمر والماء.
وأما جوع أخص خاصته أعني أهل بيت العصمة والطهارة فهو غني عن البيان، وكتب الخاصة بل العامة قد تضمنت أخباراً كثيرة في ذلك المعنى، ولنقتصر على ثلاثة أحاديث .
أحدها ما رواه المحدث الجزائري في (الأنوار النعمانية) عن الصدوق طاب ثراه بإسناد إلى خالد بن ربعي قال : إن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) دخل مكة في بعض حوائجه فوجد أعرابياً متعلقاً بأستار الكعبة وهو يقول : يا صاحب البيت البيت بيتك والضيف ضيفك ولكل ضيف من مضيفة قرى فاجعل قراي منك الليلة المغفرة.
فقال أمير المؤمنين (علیه السَّلام) لأصحابه : أما تسمعون كلام الأعرابي؟ قالوا: نعم، قال
ص: ٣٢٣
1) بحار الأنوار : ٣٢١/٦٧ ح ٣٨، وكنز العمال: ٩٣٥/١٥.
(علیه السَّلام): الله أكرم من أن يرد ضيفه .
قال : فلما كانت من الليلة الثانية وجده متعلقاً بذلك الركن وهو يقول : يا عزيزاً في عزك فلا أعز منك في عزك أعزني بعز عزك في عز لا يعلم أحد كيف هو أتوجه إليك وأتوسل إليك بحق محمد وآل محمد عليك أعطني ما لا يعطيني أحد غيرك، واصرف عني ما لا يصرفه أحد غيرك
قال : فقال أمير المؤمنين (علیه السَّلام) لأصحابه : هذا والله الإسم الأكبر بالسريانية أخبرني به حبيبي رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) سأله الجنة فأعطاه وسأله صرف النار فصرفها عنه .
قال : فلما كان الليلة الثالثة وجده وهو متعلق بذلك الركن، وهو يقول: يا من لا يحويه مكان ولا يخلو منه مكان بلا كيفية كان أرزق الأعرابي أربعة آلاف درهم.
قال : فتقدم إليه أمير المؤمنين (علیه السَّلام) وقال : يا أعرابي سألت ربك فأقراك، وسألت الجنة فأعطاك، وسألته أن يصرف عنك النار فصرفها عنك وفي هذه الليلة تسأله أربعة آلاف درهم؟ قال الأعرابي : من أنت؟ قال (علیه السَّلام): أنا علي بن أبي طالب، قال الأعرابي : أنت والله بغيتي وبك أنزلت حاجتي ، قال (علیه السَّلام): سل يا أعرابي، قال : أريد ألف درهم للصداق، وألف درهم أقضي بها (1)ديني، وألف درهم اشترى بها داراً، وألف درهم أتعيش بها، قال: أنصفت يا أعرابي فإذا خرجت من مكة فسل عن داري بمدينة الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) .
فأقام الأعرابي بمكة أسبوعاً فخرج في طلب أمير المؤمنين (علیه السَّلام) إلى المدينة ونادى من يدلني على دار أمير المؤمنين (علیه السَّلام) فقال الحسين بن علي من بين الصبيان: أنا أدلك على دار أمير المؤمنين، وأنا ابنه الحسين بن علي فقال الأعرابي : من أبوك؟ قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السَّلام)، قال : من أمك ؟ قال : فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، قال: من جدك؟ قال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قال من جدتك؟ قال: خديجة بنت خويلد قال: من أخوك؟ قال : أبو محمد الحسن بن علي (علیه السَّلام)، قال : قد أخذت الدنيا بطرفيها إمش إلى أمير المؤمنين (علیه السَّلام) وقل له : إن الأعرابي صاحب الضمان بمكة على الباب.
قال : فدخل الحسين بن علي (علیه السَّلام) فقال : يا أبه أعرابي بالباب ويزعم أنه صاحب الضمان بمكة، قال: فقال : يا فاطمة عندك شيء يأكله الأعرابي؟ قالت : اللهم لا، فتلبس أمير المؤمنين (علیه السَّلام) وخرج وقال : ادعوا لي أبا عبد الله سلمان الفارسي، قال: فدخل سلمان الفارسي (رضي الله عنه) فقال (علیه السَّلام): يا أبا عبد الله أعرض الحديقة التي غرسها رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) على
ص: ٣٢٤
1) في نسخة: به .
التجار.
قال : فدخل سلمان إلى السوق وعرض الحديقة فباعها بإثني عشر ألف درهم وأحضر المال وأحضروا الأعرابي، فأعطاه أربعة آلاف درهم وأربعين درهماً نفقة، ووقع الخبر إلى سؤال المدينة فاجتمعوا، ومضى رجل إلى فاطمة فأخبرها بذلك فقالت : آجرك الله في ممشاك، فجلس علي (علیه السَّلام) والدراهم مصبوبة بين يديه حتى اجتمع عليه أصحابه فقبض قبضة قبضة وجعل يعطي رجلاً رجلاً حتى لم يبق معه درهم واحد.
فلما أتى المنزل قالت له فاطمة (علیها السَّلام) : يا ابن عم بعت الحائط الذي غرسه لك والدي؟ قال : نعم بخير منه عاجلاً وآجلاً قالت فأين الثمن؟ قال: دفعته إلى أعين استحييت أن أذلها بذل المسألة أعطيتها قبل أن تسألني، قالت فاطمة : أنا جائعة وأولادي جائعان، ولا شك إلا وأنك مثلنا في الجوع لم يكن لنا منه درهم، وأخذت بطرف ثوب عليّ، ، فقال علي: خليني، فقالت عليها السلام: لا والله أو يحكم بيني وبينك أبي .
فهبط جبرائيل على رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فقال : يا محمد ربك يقرؤك السلام ويقول : إقرأ علياً مني السلام وقل لفاطمة : ليس لك أن تضربي على يديه ولا تلزمي بثوبه. فلما أتى رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) منزل علي (علیه السَّلام) وجد فاطمة ملازمة لعلي (علیه السَّلام)، فقال لها يا بنيّة ما لك ملازمة لعلي؟ قالت : يا أبت باع الحائط الذي غرسته له بإثني عشر ألف درهم لم يحبس لنا منه درهماً واحداً نشتري به طعاماً ، فقال : «يا بنية إن جبرائيل يقرئني من ربي السلام ويقول : إقرأ علياً مني السلام وأمرني أن أقول لك ليس لك أن تضربي على يديه ولا تلزم بثوبه»، قالت فاطمة : أستغفر الله ولا أعود أبداً .
قالت فاطمة عليها السلام: فخرج أبي في ناحية وزوجي في ناحية فما لبث أن أتى أبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ومعه سبعة دراهم سود هجرية، فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): يا فاطمة أين ابن عمي ؟ فقلت له : خرج، فقال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «هاك هذه الدراهم فإذا جاء ابن عمي فقولي له يبتاع لكم بها طعاماً»، فما لبث إلا يسيراً حتى جاء علي (علیه السَّلام) فقال : رجع ابن عمي فإني أجد رائحة طيبة قالت: نعم وقد دفع إليّ شيئاً تبتاع به طعاماً، قال: فقال علي (علیه السَّلام): هاتيه، فدفعت إليه سبعة دراهم سود هجرية، فقال: بسم الله والحمد لله كثيراً طيباً وهذا من رزق الله تعالى، ثم قال (علیه السَّلام): يا حسن قم معي فأتيا السوق فإذا هما برجل واقف وهو يقول : من يقرض الملي الوفي؟ قال: يا بني نعطيه، قال أي والله يا أبه، فأعطاه علي الدراهم كلها، فقال يا أبتاه أعطيته الدراهم كلها ؟ قال : نعم يا بني إن الذي يعطي القليل قادر على أن يعطي الكثير .
قال: فمضى علي (علیه السَّلام) إلى باب رجل يستقرض منه شيئاً، فلقيه أعرابي ومعه ناقة،
ص: ٣٢٥
فقال : يا علي اشتر مني هذه الناقة، قال: ليس معي ثمنها، قال: فإني أنظرك به إلى القبض، قال بكم يا أعرابي؟ قال : بمائة درهم فقال علي (علیه السَّلام): خذها يا حسن فأخذها.
فمضى علي (علیه السَّلام) فلقيه أعرابي آخر المثال واحد والثياب مختلفة فقال : يا عليُّ تبيع الناقة، قال علي (علیه السَّلام): وما تصنع بها ؟ قال : أغزو بها أول غزوة يغزوها ابن عمك؟ قال (علیه السَّلام): إن قبلتها فهي لك بلا ثمن، قال معي ثمنها وبالثمن أشتريها ، قال : فبكم اشتريتها؟ قال (علیه السَّلام): بمائة درهم، قال الأعرابي : فلك سبعون ومائة درهم، قال علي (علیه السَّلام) للحسن (علیه السَّلام): خذ السبعين والمائة وسلّم المائة للأعرابي الذي باعنا الناقة والسبعين لنا نبتاع بها شيئاً، فأخذ الحسن (علیه السَّلام) الدراهم وسلّم الناقة .
قال علي (علیه السَّلام): فمضيت أطلب الأعرابي الذي ابتعت منه الناقة لأعطيه ثمنه فرأيت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) جالساً لم أر فيه جالساً قبل ذلك اليوم ولا بعده على قارعة الطريق، فلما نظر النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إلي تبسم ضاحكاً حتى بدت نواجذه، قال علي (علیه السَّلام): أضحك الله سنك وبشرك بيومك، فقال: «يا أبا الحسن إنك تطلب الأعرابي الذي باعك الناقة لتوفيه الثمن؟» فقلت: أي والله فداك أبي وأمي ، فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «يا أبا الحسن الذي باعك الناقة جبرائيل والذي اشتراها منك ميكائيل والناقة من نوق الجنة والدراهم من عند ربّ العالمين فأنفقها في خير ولا تخف إقتاراً» (1).
الثاني : ما روته العامة والخاصة بروايات كثيرة تنيف على عشرين في سبب نزول سورة (هل أتى) فلنقتصر على رواية واحدة.
وهي ما في (غاية المرام) عن الصدوق بسندين مذكورين فيه أحدهما عن ابن عباس، وثانيهما عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه (علیهم السَّلام) في قول الله عز وجل: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ» [الإنسان: ٧]، قال (علیه السَّلام): مرض الحسن والحسين وهما صبيان صغيران فعادهما رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ومعه رجلان (2)فقال أحدهما : لو نذرت في إبنيك نذراً إن عافاهما الله ؟ ، قال (علیه السَّلام): أصوم ثلاثة أيام لله شكراً لله عزّ وجل، وكذلك قالت فاطمة، وقال الصبيان ونحن أيضاً نصوم ثلاثة أيام، وكذلك قالت جاريتهم فضة فألبسهما الله العافية فأصبحوا صائمين، وليس عندهم طعام.
فانطلق علي (علیه السَّلام) إلى جار له من اليهود يقال له : شمعون يعالج الصوف، فقال له : هل لك أن تعطيني جزة من صوف تغزلها ابنة محمد بثلاثة أصوع من شعير؟ قال: نعم فأعطاه،
ص: ٣٢٦
فجاء بالصوف والشعير وأخبر فاطمة فقبلت وأطاعت، ثم عمدت فغزلت ثلث الصوف ثم أخذت صاعا من الشعير فطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد منهم قرص، وصلّى علي (علیه السَّلام) مع النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) المغرب ثم أتى منزله فوضع الخوان وجلسوا خمستهم.
فأول لقمة كسرها علي (علیه السَّلام) إذا مسكين واقف، فقال : السلام عليكم يا أهل بيت محمد أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله من موائد الجنة، فوضع اللقمة من يده ثم قال (علیه السَّلام):
فاطم ذات المجد والیقين *** يابنت خير الناس أجمعين
أما ترين البائس المسكين *** جاء إلى الباب له حنین
يشكو إلى الله ويستكين *** یشكو إلينا جائع حزين
کل امرء بکسبه رهین *** من يفعل الخير يكن حسين
موعده في جنة ومین *** حرمها الله على الضنين
وصاحب البخل يقف حزين *** تهوى به النار إلى سجين
شرابه الحميم والغسلين
فأقبلت فاطمة عليها السلام تقول :
أمرك سَمْعٌ يا ابن عم وطاعة *** ما بي من لؤم ولا ضراعة
غذيت باللب وبالبراعة *** أرجو إذا أشبــعــت فـي مــجـــاعــة
إن الحق خيار والجماعة *** وأدخل الجنة في شفاعة
وعمدت إلى ما كان من الخوان فدفعته إلى المسكين وباتوا جياعاً وأصبحوا صياماً لم يذوقوا إلا الماء القراح.
ثم عمدت إلى الثلث الثاني من الصوف فغزلته ثم أخذت صاعاً من الشعير فطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرص، وصلى علي (علیه السَّلام) المغرب مع النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ثم أتى إلى منزله فلما وضع الخوان بين يديه وجلسوا خمستهم.
فأوّل لقمة كسرها علي (علیه السَّلام) إذا يتيم من يتامى المسلمين قد وقف فقال : السلام عليكم يا أهل بيت محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أنا يتيم المسلمين، أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة ، فوضع علي (علیه السَّلام) اللقمة من يده ثم قال (علیه السَّلام):
فاطم بنت السید الكريم *** بنت نبي لیس بالزنیم
قد جاءنا الله بذا الیتیم *** من یرحم الیوم فهو رحیم
ص: ٣٢٧
موعده في جنة النعیم *** حرمها الله على اللئیم
وصاحب البخل يقف ذمیم *** تهوی به النار إلى الجحیم
شرابه الصديد والحميم
فأقبلت فاطمة عليها السلام تقول :
فسوف أعطيه ولا أبالي *** وأؤثر الله عیالي
أمسوا جياعاً وهم أشبالي *** أصغرهما يقتل في القتال
في كربلا يقتل باغتيال *** لقاتليه الويل والوبال
تهوى به النار إلى سفال *** كبولة زادت على الأكبال
ثم عمدت فأعطته جميع ما على الخوان، وباتوا جياعاً لم يذوقوا إلا الماء القراح فأصبحوا صياماً .
وعمدت فاطمة (رضي الله عنها) فعزل الثلث الباقي من الصوف وطحنت الثلث الباقي وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد منهم قرص وصلى علي (علیه السَّلام) مع النبي ثم أتى منزله فقرب إليه الخوان فجلسوا خمستهم .
فأول لقمة كسرها علي (علیه السَّلام) إذا أسير من أسير المشركين قد وقف بالباب فقال : السلام عليكم يا أهل بيت محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) تأسرونا وتشدّونا ولا تطعمونا، فوضع علي (علیه السَّلام) اللقمة من يده ثم قال :
فاطم یا بنت النبي أحمد *** بنت نبي سید مسدد
قد جاءك الأسير ليس يهتدي *** ما يزرع الزارع سوف يحصل
فأعطيه ولا تخطيه بنكد (1)
فأطعمي من غير من نكد
وبعده :
حتى تجاوزي بالذي لم ينفد
منه.
فأقبلت فاطمة عليها السلام وهي تقول :
لم یبق مما كان کان غير صاع *** قد دبرت كفي مع الذراع
ص: ٣٢٨
1) هكذا في رواية الصدوق ولا يستقيم وزن الشعر وأثبتناه كما وجدناه، وفي رواية الخوارزمي عن ابن عباس (رضي الله عنه):
شبلاي والله هما جياع *** یا ربّ لا تتركهما ضیاع
أبوهما للخیر ذواصطناع *** عبل الذراعین طویل الباع
وما علی رأسي قناع *** إلا عباء نسجها بصاع
وعمدوا إلى ما كان على الخوان فأعطوه وباتوا جياعاً وأصبحوا مفطرين ليس عندهم شي ء.
قال شعيب في حديثه وأقبل علي (علیه السَّلام) بالحسن والحسين (علیهما السَّلام) نحو رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وهما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال: «يا أبا الحسن أشد ما يسوءني ما أرى بكم انطلق إلى ابنتي فاطمة (رضي الله عنها)» ، فانطلقوا وهي في محرابها قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها، فلما رآها رسول الله ضمها إليه، وقال: «واغوثاه أنتم منذ ثلاث فيما أرى»، فهبط جبرائيل فقال : يا محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) خذ ما هنالك في أهل بيتك، قال: «وما آخذ يا جبرائيل؟» قال: «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ» حتى بلغ : «إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)» [الإنسان: ١- ٢٢]. وقال الحسن بن مهران في حديثه : فوثب النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) حتى دخل منزل فاطمة فرأى ما بهم فجمعهم ثم انكبّ عليهم يبكي وقال: «أنتم منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم» (1)، فهبط جبرائيل بهذه الآيات : «إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)» [الإنسان ٥ - ٦] قال : هي عين دار النبي يتفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ» [الإنسان : ٧] يعني علياً وفاطمة والحسن والحسين وجاريتهما فضة « وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا» [الإنسان: ۷] يقول عابساً كلوحاً «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ» يقول : على حب شهوتهم الطعام وإيثارهم له «مِسْكِينًا» من مساكين المسلمين « وَيَتِيمًا» من يتامى المسلمين « وَأَسِيرًا» من أسارى المشركين، ويقولون إذا أطعموهم «إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)» [الإنسان ٨ - ٩] قال : والله ما قالوا هذا ولكنهم أضمروا في أنفسهم فأخبر الله بإضمارهم : ، يقول : لا نزيد منكم جزاء تكافوننا به، ولا شكوراً تثنون علينا به، ولكنا إنما نطعمكم لوجه الله وطلب ثوابه، قال الله تعالى ذكره: «فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)» [الإنسان : ۱۱] نضرة في الوجوه وسروراً في القلب «وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)» [الإنسان : ۱۲] جنّة يسكنونها وحريراً يفرشونه ويلبسونه «مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ» والأرائك السرير عليه الحجلة « لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا» [الإنسان : ۱۳] . قال ابن عباس : فبينا أن أهل الجنة في الجنة إذا رأوا مثل الشمس أشرقت له الجنان فيقول أهل الجنة يا ربّ إنك قلت في كتابك :
ص: ٣٢٩
1) الأمالي : ۳۳۳، وبحار الأنوار: ٢٤٠/٣٥.
لا يرون فيها شمساً، فيرسل الله جلّ إسمه إليهم جبرائيل فيقول : ليس هذه بشمس لكن علياً وفاطمة ضحكا فأشرقت الجنان من نور ضحكهما ونزلت «هَلْ أَتَى» فيهم إلى قوله : « وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا» [الإنسان: ۱ - ۲۲] .
أقول : وقد أثبت الرواية برمتها وإن كان خاتمتها خارجة من الغرض الذي نحن فيه شفعاً مني بذكر مآثر أمير المؤمنين وزوجته والطيبين من أولادهما سلام الله عليهم، وفيما رويناه من الفضل الذي تخصصوا به ما لم يشركهم فيه أحد ولا ساواهم في نظير له مساو .
الثالث : ما في (الصافي) من الأمالي عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أنه جاء إليه رجل فشكى إليه الجوع، فبعث رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إلى بيوت أزواجه فقال : ما عندنا إلا ماء، فقال رسول الله (علیه السَّلام): «من لهذا الرجل الليلة؟» فقال علي بن أبي طالب: أنا له يا رسول الله. وأتى فاطمة عليها السلام فقال لها: ما عندك يا ابنة رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ؟ فقالت: ما عندنا إلا قوت العشية لكنا نؤثر ضيفنا، فقال : يا ابنة محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) نومي الصبية وأطفئي المصباح، فلما أصبح علي (علیه السَّلام) غدا على رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فأخبره الخبر، فلم يبرح حتى أنزل الله عزّ وجل: « وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» [الحشر: ٩] هذا (1).
وقد ظهر لك مما تضمنته هذه الروايات الثلاث الذي هو أنموذج مما تضمنته سائر الروايات كيفية عيش رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) مع خواصه في دار الدنيا وزهدهم فيها وإيثارهم الآخرة على الأولى، وأنها قبضت عنه وعن أهل بيته (وزويت) أي صرفت ونحيت (عنه زخارفها) وزينتها (مع عظيم) تقرّبه و (زلفته فلينظر ناظر بعقله) أنه لو يكون في الدنيا والإكثار منها خير لم يفت هؤلاء الأكياس الذين هم أقرب الخلق إلى الله وخاصته وحججه على سائر الناس، بل تقرّبوا إليه سبحانه بالبعد عنها وتحببوا إليه تعالى بالبغض لها .
وليتفكر بفكرة سليمة أنه (أكرم الله تعالى محمداً (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)) وسائر أنبيائه وأوليائه (بذلك) الضيق في الدنيا والإعسار فيها (أم أهانه) وأهانهم .
(فإن قال أهانه) وإياهم (فقد كذب والعظيم) ضرورة أن أحقر ملك من ملوك الدنيا لا يقصد بأحد من خاصته إذا كان مطيعاً له منقاداً لأمره مخلصاً في طاعته الإهانة فكيف يصدر عن ذلك ملك الملوك وسلطان السلاطين حكيم الحكماء ورحيم الرحماء في حق أخص خواصه وأقربهم إليه وأشدهم زلفة عنده وأكثرهم طاعة له.
ص: ٣٣٠
1) وسائل الشيعة : ٤٦٢/٩ ح ١٢٥٠٣، والأمالي : ۱۸۵ ح ٣٠٩.
(وإن قال أكرمه) وأكرمهم كما هو الحق والصدق (فليعلم أن الله) قد (أهان غيره) وغيرهم إذا الشيء إن كان عدمه إكراماً وكمالاً كان وجوده نقصاً وإهانة فـ (حيث بسط الدنيا) له أي لذلك الغير (وزويها عن أقرب الناس منه) كان في بسطها له إهانة لا محالة.
(فتأسی متأس بنبيه واقتص أثره وولج مولجه) الفاء فصيحة والجمل الثلاث إخبار في معنى الإنشاء أي إذا عرف زهد النبي في الدنيا، وعلم أنها دار هوان فليتأس المتأسي به (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وليتبع أثره وليدخل مدخله ويحذو حذوه وليرغب عنها .
وإلا فلا يأمن الهلكة لأن حب الدنيا والتنافس فيها رأس كل خطيئة جاذبة من درجات النعيم إلى دركات الجحيم.
وأوضح هذه العلة بقوله : (فإن الله سبحانه جعل محمداً (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) علماً للساعة ومبشراً بالجنة ومنذراً بالعقوبة) أي مطلعاً بأحوال الآخرة جميعها، فحيث آثر الآخرة على الأولى وترك الركون إليها مع اطلاعه عليهما علم أن ليس ذلك إلا لكون الدنيا مظنة الهلاك، والعقبى محلّة النجاة والحياة فالراكن إليها متعرّض للهلاك الدائم والخزي الأبد لا محالة.
ويظهر لك عدم ركونه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إليها بأنه (خرج من الدنيا خميصاً) أي جائعاً إما حقيقة أو كناية عن عدم الاستمتاع بها (وورد الآخرة سليماً) من التبعات والمكاره (لم يضع حجراً على حجر) كناية عن عدم بنائه فيها (حتى مضى لسبيله وأجاب داعي ربه) .
قال الحسن: مات رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ولم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، رواه في (إحياء العلوم).
وفيه أيضاً : قال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «إذا أراد الله بعبد شرّاً أهلك ماله في الماء والطين».
وقال عبد الله بن عمر: مرّ علينا رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ونحن نعالج خصاً، فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «ما هذا؟» قلنا خصّ لنا قد وهى فقال : «أرى الأمر أعجل من ذلك» .
وقال الغزالي : وقال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «من بنى فوق ما يكفيه كلّف أن يحمله يوم القيامة» هذا (1).
ولما فرغ من التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة بالتنبيه على هوانها وحقارتها بما لا مزيد عليه، وبشرح حال أولياء الدين من خاتم النبيين وسائر الأنبياء والمرسلين سلام الله عليهم أجمعين في رفضهم لها وتركهم إياها أردف ذلك بالإشارة إلى زهده وإظهار غاية
ص: ٣٣١
1) المعجم الكبير : ١٥٢/١٠ ، وكنز العمال: ٤٠٦/١٥ ح ٤١٤٨٦.
الامتنان من الله سبحانه في إنعامه عزَّ وجل عليه بالتأسي بنبيه فقال: (فما أعظم نعمة الله عندنا حين أنعم علينا به) أي برسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) (سلفاً نتبعه وقائداً نطأ عقبه) ونقفو أثره ونسلك سبيله في زهده.
وأوضح اتباعه وتأسيه به (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بالإشارة إلى بعض مراتب زهده فإنه أنموذج من سائر المراتب، وفيه عبرة لمن اعتبر، وكفاية لمن تذكر، فقال: (والله لقد رقعت مدرعتي هذه) وهو ثوب من صوف يتدرّع به (حتى استحييت من راقعها) لكثرة رقاعها (ولقد قال لي قائل) لما رأى أنها خلق وسمل (ألا تنبذها) وتطرحها (عنك فقلت) له (أعزب) أي غب وتباعد (عني فعند الصباح يحمد القوم السرى) وهو مثل يضرب لمن احتمل المشقة عاجلاً لينال الراحة آجلاً .
وأصله : أن المسافر إذا احتمل المشقة وحرّم على نفسه لذة الرقاد وبادر إلى السرى من أول الليل وجدّ في سيره فإنه يبلغ عند الصباح منزله ويصل إليه سالماً غانماً وينزل أحسن المنازل وأشرفها مقدماً على غيره، ويستريح من تعب الليل ويكون محموداً، بخلاف من أخذه نوم الغفلة وآثر اللذة العاجلة على الآجلة، فإنه إذا سرى في آخر الليل وفي أخريات الناس فإنه ربما يغيله اللصوص فلا يسلم أو يضلّ عن الطريق فيعطب، ومع سلامته يكون مسيره في حرّ النهار على وصب وتعب، فيصل إلى المنزل بعدما سبق غيره إلى أحسنه وأشرفه، فلا يجد له منزلاً ومقيلاً إلا أردأ المنازل وأدونها، فعند ذلك يلوم نفسه بتفريطه، ويذمه غيره ويندم على ما فرّط ولا ينفعه الندم .
وبهذا التقرير انقدح لك وجه المطابقة بين المثال والممثل .
بيانه أن تلك النشأة المشوبة بالكدورات والعلائق الظلمانية البدنية بمنزلة الليل، والنشأة الأخروية المطابقة لتلك النشأة التي هي دار التجرد الصافية عن الكدورات والعلاقات بمنزلة الصباح الواقع عقيب الليل والوطن الأصلي للإنسان هي الدار الآخرة، وهو في الدنيا بمنزلة المسافر، فمن ترك الدنيا وجدّ في السير إلى الآخرة بالمواظبة على الطاعات والرياضات الشاقة الموصلة له إليها وصل إلى مقصده، ونزل في غرفات الجنان، وفيهن خیرات حسان فعند ذلك يكون محموداً مسروراً عند نفسه وعند الخالق والخلائق لما صبر على مشاق الدنيا ومقاساة الشدائد.
ومن أخذه نوم الغفلة فيها واغتر باللذات الحاضرة والشهوات العاجلة، ورد الآخرة وليس له مقام إلا سجين ولا شراب وطعام إلا من حميم وغسلين، فعند ذلك تلومه نفسه وغيره ويندم على تقصيره، ويقعد ملوماً محسوراً ويدعو ثبوراً .
ص: ٣٣٢
قد مضى في مقدمات شرح الخطبة (الشقشقية) وفي غيرها بعض الكلام في زهد أمير المؤمنين (علیه السَّلام)، وأقول هنا مضافاً إلى ما سبق:
روي في (عدة الداعي) عن خبير بن حبيب قال: نزل بعمر بن خطاب نازلة قام لها وقعد، وتربخ لها وتقطر (1)ثم قال : يا معشر المهاجرين ما عندكم فيها؟ قالوا يا أمير المؤمنين أنت المفزع والمنزل، فغضب وقال : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، أما والله إنّا وإياكم لنعرف ابن بجدتها (2)والخبير بها ، قالوا : كأنك أردت ابن أبي طالب؟ قال : وأنى يعدل بي عنه وهل طفحت جرّة بمثله ؟ قالوا : فلو بعثت إليه، قال: هيهات هيهات هناك شمخ من هاشم ولحمة من الرسول وأثرة من علم يؤتى لها ولا يأتي، امضوا إليه فاقصفو (3) نحوه وافضوا إليه، نحوه وافضوا إليه، وهو في حائط له عليه تبان يتركل على مسحاته (4)يقول: «أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨)» [ القيامة : ٣٦ - ٣٨] ودموعه تهمي على خديه فأجهش (5) القوم لبكائه ثم سكن وسكنوا، وسأله عمر عن مسألة فأصدر إليه جوابها فلوى عمر يديه ثم قال: أما والله لقد أرادك الحق ولكن أبي قومك، فقال (علیه السَّلام) : يا أبا حفص خفّض عليك من هناك ومن هنا، إن يوم الفصل كان ميقاتاً، فانصرف وقد أظلم وجهه وكأنما ينظر إليه من ليل .
وفي (شرح المعتزلي) عن أحمد بن حنبل قال : لما أرسل عثمان إلى علي (علیه السَّلام) وجدوه مؤتزراً بعباءة محتجزاً بعقال (6)وهو يهنأ (7)بعيراً له (8).
وفي (كشف الغمة) من (مناقب) الخوارزمي عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: رأيت
ص: ٣٣٣
1) تربخ بالباء الموحدة والخاء المعجمة : استرخى، وتقطر تهيأ للقتال ورمی بنفسه من علو .
2) ابن بجدتها بالباء والجيم، يقال بالعالم بالشيء، وللدليل الهادي، ولمن لا يبرح عن قوله.
3) أي تزاحموا إليه.
4) التبان: سراويل صغير يستر العورة المغلظة يكون مع الملاحين وتركل بمسحاته: ضربها برجله لتدخل الأرض، منه.
5) أي تهيأوا للبكاء.
6) أي شد وسطه بالحبل لتشمير ثوبه، ويقال لذلك الحبل : الحجاز .
7) أي يطليه بالقطران .
8) الطرائف : ٤٢٤ ، وحلية الأبرار: ١٨٤/٢ ح ٤.
على علي (علیه السَّلام) قميصاً زرياً إذا مده بلغ الظفر، وإذا أرسله كان مع نصف الذراع (1).
ومنه عن عدي بن ثابت قال : أتى علي بن أبي طالب (علیه السَّلام) بفالوذج فأبى أن يأكل منه ، وقال : شيء لم يأكل منه رسول الله منه رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لا أحب أن آكل منه .
ومنه عن أبي مسطر قال خرجت من المسجد فإذا رجل ينادي من خلفي : إرفع إزارك فإنه أتقى لثوبك وأبقى لك وخذ من رأسك إن كنت مسلماً ، فمشيت خلفه وهو مؤتزر بإزار ومرتد برداء ومعه الدرّة كأنه أعرابي بدوي، فقلت : من هذا؟ فقال لي رجل أراك غريباً بهذا البلد؟ قلت : أجل رجل من أهل البصرة قال : هذا علي أمير المؤمنين (علیه السَّلام) حتى انتهى إلى دار بني أبي معيط وهو سوق الإبل فقال : بيعوا ولا تحلفوا فإن اليمين تنفق السلعة وتمحق البركة.
ثم أتى أصحاب التمر فإذا خادمة تبكي فقال : ما يبكيك؟ قالت : باعني هذا الرجل تمراً بدرهم فردوه موالي فأبى أن يقبله، فقال: خذ تمرك واعطها درهمها فإنها خادم ليس لها أمر، فدفعه، فقلت: أتدري من هذا؟ قال: لا، قلت: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (علیه السَّلام)، فصب تمره وأعطاها درهمها، وقال: أحب أن ترضى عني، فقال: ما أرضاني عنك إذا وفيتهم حقوقهم.
ثم مرّ مجتازاً بأصحاب التمر فقال : يا أصحاب التمر أطعموا المساكين يربو كسبكم .
ثم مرّ مجتازاً ومعه المسلمون حتى أتى أصحاب السمك فقال : لا يباع في سوقنا طاف.
ثم أتى دار فرات وهو سوق الكرابيس فقال : يا شيخ أحسن بيعي في قميصي بثلاثة دراهم، فلما عرفه لم يشتر منه شيئاً ، فأتى غلاماً حدثاً فاشترى منه قميصاً بثلاثة دراهم ولبسه ما بين الرسغين إلى الكعبين، وقال حين لبسه : الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمّل به في الناس وأواري به عورتي.
فقيل له : يا أمير المؤمنين هذا شيء ترويه عن نفسك أو شيء سمعته من رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : بل شيء سمعته من رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقوله عند الكسوة. فجاء أبو الغلام صاحب الثوب فقيل : يا فلان قد باع ابنك اليوم من أمير المؤمنين (علیه السَّلام) قميصاً بثلاثة دراهم، قال: أفلا أخذت منه درهمین.
ص: ٣٣٤
1) بحار الأنوار: ۱۰/ ۳۳۰ ح ۱۳ ، وكشف الغمة : ١٦٢/١ .
فأخذ أبوه درهماً وجاء به إلى أمير المؤمنين (علیه السَّلام) وهو جالس على باب الرحبة ومعه المسلمون فقال : إمسك هذه الدرهم يا أمير المؤمنين قال (علیه السَّلام): ما شأن هذا الدرهم؟ :قال : كان ثمن قميصك درهمين، فقال: باعني رضاي وأخذ رضاه» (1).،
ومنه قال ابن الأعرابي : إن عليا (علیه السَّلام) دخل السوق وهو أمير المؤمنين فاشترى قميصاً بثلاثة دراهم ونصف فلبسه في السوق فطال أصابعه، فقال للخياط: قصه، قال: فقصه وقال الخياط: أحوصه (2)يا أمير المؤمنين؟ قال : لا ، ومشى والدّرة على كتفه وهو (علیه السَّلام) يقول : شرعك ما بلغك المحل شرعك (3)ما بلغك المحل (4).
وفي (كشف الغمة) أيضاً قال هارون بن عنترة قال: حدثني أبي قال: دخلت على علي بن أبي طالب (علیه السَّلام) بالخَوَرنق وهو يرعد تحت سمل (5)قطيفة، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا العالم ما يعم وأنت تصنع بنفسك ما تصنع؟ فقال : والله ما أرزأكم من أموالكم شيئاً وإن هذه لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي من المدينة ما عندي غيرها .
وفيه: وخرج (علیه السَّلام) يوماً وعليه إزار مرقوع فعوتب عليه فقال : يخشع القلب بلبسه ويقتدي بي المؤمنين إذا رآه علي.
واشترى يوماً ثوبين غليظين فخيّر قنبراً فيهما ، فأخذ واحداً ولبس هو الآخر، ورأى في كمّه طولاً عن أصابعه فقطعه.
وكان (علیه السَّلام) قد ولى على عكبرا رجلاً من ثقيف قال : قال لي علي (علیه السَّلام): إذا صليت الظهر غداً فعد إليّ، فعدت إليه في الوقت المعين فلم أجد عنده حاجباً يحبسني دونه فوجدته جالساً وعنده قدح وكوز ماء، فدعا بوعاء مشدود مختوم، فقلت قد أمنني حتى يخرج إليّ جوهراً ، فكسر الختم فإذا فيه سويق فأخرج منه فصبه في القدح وصب عليه ماء فشرب وسقاني، فلم أصبر فقلت له : يا أمير المؤمنين أتصنع هذا في العراق وطعامه كما ترى في كثرته؟ فقال له : أما والله ما أختم عليه بخلابه ولكني أبتاع قدر ما يكفيني فأخاف أن ينقص فيوضع فيه من غيره وأنا أكره أن أدخل بطني إلا طيباً ، فلذلك أحترز عليه كما ترى، فإياك
ص: ٣٣٥
وتناول ما لا تعلم حلّه (1).
قال (كاشف الغمة) بعد روايته لهذه الأخبار وغيرها مما تركنا روايتها خوف الإطالة : وكم له صلى الله عليه من الآثار والأخبار والمناقب التي لا تستر أو يستر وجه النهار، والسيرة التي هي عنوان السير والمفاخر التي يتعلم منها من فخر، والمآثر التي تعجز من بقي كما أعجزت من غبر، فأعجب بهذه المكارم والأفعال التي هي غرور في جبهات الأيام، والزهاد التي فاق بها جميع الأنام والورع الذي حمله على ترك الحلال فضلاً عن الحرام، والعبادة التي أوصلته إلى مقام وقف دونه كل الأقوام.
ولما ألزم نفسه الشريف تحمل هذه المتاعب وقادها إلى اتباعه فانقادت انقياد الجنائب ، وملكها حتى صاحب منها أكرم عشير وخير مصاحب، واستشارها ليختبرها فلم تنه إلا عن منكر ولا أمرت إلا بواجب صار له ذلك طبعاً وسجيّة، وانضم عليه ظاهر أو نية، وأعمل فيه عزيمة بهمة قوية واستوى في السعي لبلوغ غاياته علانية وطوية، فما تحرك حركة إلا بفكر وفي تحصيل أجر، وفي تخليد ذكر لا لطلب فخر وإعلاء قدر، بل لامتثال أمر وطاعة في سرّ وجهر، فلذلك شكر الله سعيه حين سعى، وعمّه بألطافه العميمة ورعى، وأجاب دعاءه لما دعى، وجعل أذنه السمعية الواعية فسمع ووعى، فأسأل الله بكرمه أن يحشرني ومحبّيه وإياه معاً .
قال (كاشف الغمة) : أنشدني بعض الأصحاب لبعض العلويين :
عتبت على الدنيا وقلت إلى متى *** أكابد عسراً ضرّه ليس ينجلي
أكل شريف من عـــلـــي جـــدوده *** حرام عليه الرزق غير محلّل
فقالت نعم يا ابن الحسين رميتكم *** بسهمي عناداً حين طلقني علي (2)
لما كان هذا الفصل من خطبته (علیه السَّلام) متضمناً للتحريض على الجوع والترغيب فيه تأسياً بالنبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وسائر السلف الصالحين أحببت أن أعرفك فوائد الجوع وآفات الشبع على ما يستفاد من الأخبار ويدل عليه الوجدان والتجربة فأقول :
ص: ٣٣٦
قال الغزالي في (إحياء العلوم) ما ملخصه ببعض تصرف وتغيير منا : إن في الجوع عشر فوائد.
الفائدة الأولى : صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة، فإن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر البخار في الدماغ شبه السكر حتى يحتوي على معادن الفكر فيقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار وعن سرعة الإدراك.
قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وقلة الشبع، وطهروها بالجوع تصفو وترق (1).
وقال لقمان لابنه: يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة.
الثانية : رقة القلب وصفائه الذي به يتهيّأ لإدراك لذة المناجاة والتأثر بالذكر، فكم من ذكر يجري على اللسان ولكن القلب لا يلتذ به ولا يتأثر حتى كأن بينه وبينه حجاباً من قسوة القلب، وإنما يحصل التلذذ والتأثر بخلق المعدة كما هو معلوم بالتجربة .
الثالثة : الإنكسار والذل وزوال البطر والأشر والفرح الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن ذكر الله كما قال تعالى: « إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)» [العلق: ٦- ٧] فلا تنكسر النفس ولا تذل بشيء كما تذل بالجوع، فعنده تسكن لربها وتخشع وتذعن بعجزها وذلها لما ذاقت حيلتها بلقمة طعام وأظلمت الدنيا عليها بشربة ماء، وما لم يشاهد الإنسان ذل نفسه وعجزه لا يرى عزّة مولاه ولا قهره.
ولذلك إن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لما جاءه جبرائيل وعرض عليه خزائن الدنيا وأبى من قبولها قال لجبرائيل : «دعني أجوع يوماً وأشبع يوماً، فاليوم الذي أجوع فيه أتضرع إلى ربي وأسأله، واليوم الذي أشبع فيه أشكر ربي وأحمده» (2)، فقال له جبرائيل ؛ وفقت لكل خير .
الرابعة : التذكّر بجوعه جوع الفقراء والمساكين والمحتاجين لأن الإنسان إنما يقيس غيره على نفسه فيلاحظ حال الغير بملاحظة حاله، فإذا شاهد في نفسه ألم الجوع يعرف بذلك ما في المحتاجين من الألم، فيوجب ذلك مؤاساتهم، ويدعو إلى الإطعام والشفقة والرحمة على خلق الله والشبعان بمعزل عن ذلك وغفلة منه .
ولذلك قيل ليوسف (علیه السَّلام): لم تجوع وفي يديك خزائن الأرض؟ فقال : أخاف أن أشبع
ص: ٣٣٧
فأنسى الجائع.
الخامسة : التذكر به جوع يوم القيامة وعطشه، فإن العبد لا ينبغي أن يغفل عن أهوال يوم القيامة وآلامها .
قال في (عدّة الداعي): قال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «أكثر الناس شبعاً أكثرهم جوعاً يوم القيامة» (1)، لأن تذكرها يهيج الخوف والخشية من الله وهو زمام النفس الأمارة العاطف لها عن الفحشاء والمنكر.
السادسة : وهي أعظم الفوائد كسرة شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس، فإن منشأ المعاصي الشهوات والقوى ومادة القوى والشهوات هي الأطعمة البتة، فتقليلها يضعف كل شهوة وقوّة، وإنما السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه ولا يملكه نفسه وكما أنك لا تملك الدابة الجموح إلا بضعف الجوع والهزال فإذا شبعت قوية وشردت وجمحت، فكذلك النفس .
ولذلك قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، فضيقوا مجاريه بالجوع» (2).
السابعة: دفع النوم ودوام السهر ، فإن من شبع شرب كثيراً، ومن كثر شربه كثر نومه، وفي كثرة النوم ضياع العمر وفوات التهجد، والعمر أنفس الجواهر وهو رأس مال الإنسان به يتجر ويتزوّد لآخرته، وفضيلة التهجد غير خفية .
الثامنة : تيسير المواظبة على العبادات فإن كثرة الأكل مانعة منها، لأنها محتاجة إلى زمان يشتغل فيه بالأكل ومضغ الطعام وازدراده في الفم، وربما يحتاج إلى شراء الطعام وطبخه وغسل اليد ونحوها، وفي ذلك تفويت العمر وتضييع الوقت فلو صرف زمانه المصروف إلى ذلك في الطاعات والمناجاة لعظم أجره وكثر ربحه .
التاسعة: صحة البدن والسلامة من الأمراض، فإن سببها كثرة الأكل وحصول فضله الأخلاط في المعدة والعروق.
روي إن سقراط الحكيم كان قليل الأكل فقيل له في ذلك، فأجاب : إن الأكل للحياة وليس الحياة للأكل.
ص: ٣٣٨
قال المحدث الجزائري في (زهر الربيع) : ورد في الحديث: أن حكيماً نصرانياً دخل على الصادق (علیه السَّلام) فقال : أفي كتاب ربكم أم في سنة نبيكم شيء من الطب؟ فقال: أما في کتاب ربنا فقوله تعالى: « وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا» [الأعراف: ۳۱)، وأما في سنة نبينا : الإسراف في الأكل رأس كل داء والحمية منه رأس كل دواء، فقام النصراني وقال: والله ما ترك كتاب ربكم ولا سنة نبيكم شئاً من الطب لجالينوس (1).
قال : روي عنه : أنه لو سئل أهل القبور عن السبب والعلة في موتهم لقال أكثرهم التخمة (2)، فعلم من ذلك أن عمدة السبب للمرض هو كثرة الأكل وممانعة المرض من العبادات وتشويشه للقلب ومنعه من الذكر والفكر وتنغيصه للعيش معلوم.
العاشرة: خفة المؤنة، فإن من اعتاد قلة الأكل كفاه القليل من الطعام واليسير من المال، بخلاف من تعوّد البطنة، فإن بطنه صار غريماً له أخذاً بخناقه في كل يوم وليلة، فيلجأه إلى أن يمد عين الطمع إلى الناس ويدخل المداخل فيكتسب إما من الحرام فيعصى، أو من الحلال فيحاسب .
هذا كله مضافاً إلى ما في قلة الأكل من التمكن من الإيثار والتصدق بفاضل قوته على الفقراء والمساكين، فيكون يوم القيامة في ظل صدقته وقد تقدم في شرح الخطبة المائة والتاسعة في فضائل الصوم والصدقة ما يوجب زيادة البصيرة في هذا المقام فليتذكر.
ثم إنه بقي الكلام في مقدار قلّة الأكل، وقد عينه النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فيما رواه عنه في (عدة الداعي) قال ويروى عنه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أنه قال : «حسب ابن آدم لقيمات يقمن به صلبه، فإن كان ولا بد فليكن الثلث للطعام والثلث للشراب والثلث للنفس» (3).
قال القرطبي : لو سمع بقراط بهذه القسمة لتعجب من هذه الحكمة (4).
قیل: لا شك إن أثر الحكمة في هذا الحديث واضح وإنما خص الثلاثة (5)بالذكر لأنها أسباب حياة الحيوان لأنه لا يدخل البطن سواها.
ص: ٣٣٩
ومراتب الأكل على ما قاله بعضهم سبع الأولى ما به تقوم الحياة. الثانية: أن يزيد حتى أن يصوم ويصلي عن قيام، وهذان واجبان. الثالثة: أن يزيد حتى يقوى على أداء النوافل. الرابعة: أن يزيد حتى يدر على التكسب للتوسعة، وهذان مستحبان. الخامسة : أن يملأ الثلث وهذا جائز . السادسة : أن يزيد حتى يتضرّر وهي البطنة المنهي عنها وهذا حرام، ويمكن إدخال الأولى إلى الثانية والثالثة إلى الرابعة.
ص: ٣٤٠
فصل دویم از این خطبه متضمّن است ابطال دعوى بعض اهل زمان رجا به ثواب خداوند را و خوف از عقاب آن می فرماید:
ادعا می کند به زعم فاسد خود که امیدوار است به خدای تعالی، دروغ می گوید به حق خدای بزرگ، چیست حال او که ظاهر نمی شود رجا و امیدواری در عمل او و هر که امید داشته باشد شناخته می شود امیدواری در عمل و کردار او مگر امید به خداوند متعال که به درستی آن مغشوش است و معیوب و هر ترس محقق است مگر ترس از حقتعالی، پس به درستی که آن معلول است و مریض، امید می دارد آن شخص به خدا در چیز بزرگ و امید می دارد به بندگان در چیز حقیر، پس می دهد به بنده چیزی را که نمی دهد به پروردگار، پس چیست شأن خدای عزّوجل که تقصیر کرده می شود به او از آن چیزی که رفتار می شود با آن بر بندگان او، آیا می ترسی که باشی در امیدواری تو به او دروغ گوی، یا باشی که نبینی او را از برای امیدواری محل قابل.
و همچنین است اگر او بترسد از بنده ای از بندگان خدا عطا می کند به او از جهت خوف خود چیزی را که عطا نمی کند به پروردگار خود، پس می گرداند ترس خود را از بندگان نقد و ترس خود را از خالق خود وعده غیر امیدوار و همین قرار است کسی که عظم و شان داشته باشد دنیا در چشم او و بزرگ باشد وقع دنیا از قلب او، ترجیح می دهد آن دنیا را بر خدا، پس بالكليه رجوع نماید به آن دنیا و برگردد بنده از برای آن.
و به تحقیق که هست در رفتار و کردار حضرت رسالت مآب (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) کفایت کننده و مر تو را در تأسی و پیروی نمودن به آن بزرگوار و راه نماینده از برای تو بر مذمت دنیای فانی و كثرت مهالك و معایب آن از جهت اینکه بسته شد از او اطراف آن و مهیا شد از برای غیر او جوانب او و باز گرفته شد از شیرخواری دنیا و دور کرده شد از زینت های آن
ص: ٣٤١
و اگر بخواهی دو تا گردانی اعراض حضرت رسالت مآب را از دنیا با اعراض و زهد حضرت موسی کلیم الله وقتی که گفت: به خداوند تعالی بار پروردگارا به درستى من محتاجم به آنچه که فرو می فرستی به من از طعام، قسم بخدا که سؤال نمی کرد از خداوند مگر نانی که بخورد آن را به جهت اینکه بود آن حضرت می خورد سبزی زمین را و به تحقیق که بود سبزی تره دیده میشد از پوست درون شکم او به جهت لاغری او و کمی گوشت او .
و اگر می خواهی سه تا گردانی آن را با زهد حضرت داود (علیه السَّلام) صاحب مزمارهای زبور و قرائت کننده اهل بهشت پس به تحقیق که بود عمل می کرد به بافته شده های برگ درخت خرما یعنی زنبیل می بافت به دست خود، می گفت به همنشینان خود: کدام يك از شما کفایت می کند مرا به فروختن این و می خورد نان جوی از قیمت آن .
و اگر بخواهی بگویی در عیسی بن مریم (علیه السَّلام)، پس به تحقیق که بود بالش اخذ می نمود سنگ را و می پوشید جامه درشت را و بود نان خورش او گرسنگی و چراغ او در شب روشنایی ماه و سایه بان های او در فصل زمستان مشرقهای آفتاب و مغربهای آن و میوه او و ریحان او آنچه که می رویانید آن را زمین از برای حیوانات و نبود او را زنی که مفتون نماید او را و نه فرزندی که محزون کند او را و نه مالی که برگرداند او را از حق و نه طمعی که ذلیل بگرداند او را، مرکب او پای های او بود و خدمتکار او دستهایش بود.
پس تأسی کن به پیغمبر پاک پاکیزه خودت (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، ، پس به تحقیق که در او است قابلیت متبوعیت از برای کسی که اقتدا و تبعیت نماید و لیاقت انتساب از برای کسی که نسبت خود را به او بدهد و دوست ترین بندگان به سوی خدا کسی است که تأسی نماید به پیغمبر خود و متابعت کند اثر او را، خورد دنیا را خوردنی اندك به اطراف دندان و پرنکرد از آن دهان خود را و نظر التفات به سوی او نگماشت، لاغرترین اهل دنیا بود از حیثیت تهی گاه و گرسنه ترین ایشان بوده از حیثیت شکم، عرض کرده شد بر او خزاین دنیا، پس امتناع فرمود از قبول آن و دانست که خدای تعالی دشمن داشته چیزی را، پس دشمن گرفت آن حضرت نیز آن را و حقیر گرفته چیزی را، پس حقیر گرفت آن حضرت نیز آن را و كوچك و بی مقدار شمرده
ص: ٣٤٢
چیزی را پس كوچك شمرد آن هم او را .
و اگر نشود در ما هیچ چیز مگر محبت ما به چیزی که دشمن داشته خدا و رسول او، و تعظیم ما چیزی را که خوار و خرد شمرده خدا و رسول او، هر آینه کفایت می کند آن از حیثیت مخالفت مر خدا را و از حیثیت معادات و مجانبت از فرمان آن.
و به تحقیق که بود حضرت رسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) می خورد طعام را بر روی زمین و می نشست مانند نشستن غلام و می دوخت با دست خود کفش خودش را، پینه می زد با دست خود رخت خود را و سوار می شد بر دراز گوش برهنه و ردیف می کرد در پس خود دیگری را و می بود پرده ای بر در خانه آن حضرت، پس می شد در آن پرده نقش نگارها پس می فرمود بر یکی از زوجات خود: ای فلانه پنهان کن این را از نظر من، پس به درستی که من زمانی که نظر می کنم به سوی آن یاد می کنم دنیا و زینت های آن را .
پس اعراض فرمود از دنیا به قلب مبارك خود و معدوم ساخت ذکر دنیا را از نفس نفیس خود و دوست گرفت که غایب شود زینت آن از چشم جهان بین خود تا اینکه اخذ ننماید از دنیا لباس فاخری و اعتقاد نکند آن را آرامگاهی و امید نگیرد در آن اقامت را، پس بیرون نمود دنیا را از نفس نفیس و کوچانید حبّ دنیا را از خواطر انور و غایب گردانید آن را از نظر آفتاب منظر و همچنین است هر کس که دشمن می گیرد چیزی را دشمن می گیرد آنکه نگاه کند به سوی آن و آنکه ذکر بشود نام و نشان آن در نزد او .
و به تحقیق که هست در رسول خدا (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) چیزی که دلالت کد تورا بر بدی های دنیا و عیب های آن از جهت اینکه گرسنه ماند در دنیا با خواص خودش و دور کرده شد از او زینت های آن با وجود بزرگی قرب و منزلت او .
پس باید که نظر کند نظر کننده به عقل خود که آیا گرامی داشته خدای تعالی محمّد مصطفى (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) را به سبب این یا خوار نموده آن را، پس اگر گوید خوار فرموده او را پس به تحقیق که دروغ گفته قسم به خدای بزرگوار و اگر گوید گرامی داشته او را پس باید که بداند آنکه خدای متعال به تحقیق که خوار کرده غیر او را از جهت اینکه بسط فرموده دنیا را از برای آن غیر و صرف نموده دنیا را
ص: ٣٤٣
از اقرب خلق به سوی او.
پس باید که تأسی نماید تأسی کننده به پیغمبر برگزیده خود و پیروی نماید اثر او را و داخل شود به محل دخول آن والّا پس ایمن نشود از هلاکت.
پس به درستی که خدای تعالی گردانید محمّد مصطفی (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) را نشانه از برای قیامت و بشارت دهنده به بهشت و ترساننده با عقوبت، بیرون رفت آن حضرت از دنیا در حالتی که شکم تهی بود و وارد شد به آخرت در حالتی که سالم بود از مکاره و معایب، ننهاد سنگ بالای سنگی تا اینکه در گذشت به راه خود و اجابت فرمود دعوت کننده پروردگار خود را .
پس چه قدر بزرگ است منت و نعمت خدا در نزد ما وقتی که انعام فرمود با آن حضرت بر ما پیش رویی که متابعت کنیم او را و پیشوایی که گام می نهیم در پی او، قسم به خدا به تحقیق که پینه دوزاندم این دراعه خود را تا به مرتبه ای که خجالت کشیدم از پینه دوزنده آن و به تحقیق که گفت مرا گوینده ای آیا نمی اندازی آن را از خودت؟ پس گفتم که دور شو از من که در نزد صبح ستایش کرده می شوند مردمان شب رونده .
ص: ٣٤٤
بَعَثَهُ بِالنُّورِ المُضِيءِ ، والبُرْهانِ الجَلِيِّ ، والمِنْهاج البادي، والكِتابِ الهادِي، أُسْرَتُهُ خَيرُ أَسْرَةِ، وشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ ، أَغصانُها مُعْتَدِلَةٌ وثِمارُها مُتَهَدِّلَةً، مُوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ، عَلَا بِها ذِكْرُهُ، وَامْتَدَّ بِها صَوْتُهُ ، أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كافِيَةٍ، ومَوْعِظَةٍ شافِيَةٍ، وَدَعْوَةٍ مُتَلافِيَةٍ ، أَظْهَرَ بِهِ الشَّرائِعَ المَجْهُولَةَ ، وقَمَعَ بِهِ البِدْعَ المَدْخُولَةَ ، وبَيَّنَ بِهِ الأحْكامَ المَفْصولَةَ، فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ، وتَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ ، وتَعْظُمْ كَبْوَتُهُ، ويَكُنْ مَآبُهُ إِلَى الحُزْنِ الطَّوِيلِ، والعَذابِ الوَبِيلِ، وأتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلَ الإِنابَةِ إِلَيْهِ، وأَسْتَرْشِدُهُ السَّبِيلَ المُؤَدِّيَةِ إِلَى جَنَّتِهِ، القاصِدَةِ إِلىٰ مَحَلِّ رَغْبَتِهِ.
أُوْصِيكُمْ عِبادَ اللهِ بِتَقْوى الله وطاعَتِهِ فَإِنَّها النَّجاةُ غَداً ، والمَنْجاةُ أَبَداً، رَهَّبَ فَأَبْلَغَ، ورَغَّبَ فَأَسْبَغَ وَوَصَفَ لَكُمُ الدُّنْيا وانْقِطاعَها، وزَوالَها وانتِقالَها ، فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيها لِقِلَّةِ ما يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا، أَقْرَبُ دارٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ ، وأَبْعَدُها مِنْ رِضْوانِ اللهِ، فَغَضُّوا عَنْكُمْ عِبادَ اللَّهِ عُمُومَها وأَشْغالَها لِما قَدْ أَيْقَنْتُمْ بِهِ من فِراقِها وتَصَرُّفِ حالاتِها ، فَاحْذَرُوها حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ ، والمُجِدِّ الكادِحِ ، واعْتَبِرُوا بِما قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصارعِ القُرُونِ قَبْلَكُمْ قَدْ تَزايَلَتْ أوْصالُهُمْ ، وزالَتْ أَبْصَارُهُمْ وأَسماعُهُمْ، وَذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَعِزُّهُمْ، وَانْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ، فَبَدَّلُوا بِقُرْبِ الأَوْلادِ فَقْدَها ، وبِصُحْبَةِ الأَزْواجِ مُفارِقَتَها، لا يَتَفاخَرُونَ، ولا يَتَناسَلونَ، ولا يَتَزاوَرُونَ، وَلا يَتَجاوَرُونَ، فَاحْذَرُوا عِبادَ اللَّهِ حَذَرَ الغَالِبِ لِنَفْسِهِ المَانِعِ لِشَهْوَتِهِ النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ، فَإِنَّ الأَمْرَ واضِحٌ، والعَلَمَ قائِمٌ ، والطَّرِيقَ جَدَدٌ، والسَّبِيل قَصْدٌ (1).
(بعثه) وابتعث رسله أرسله فانبعث و (أسرة) الرجل بالضم رهطه الأدنون و (التهدل) الاسترخاء والتدلي و (طيبة) بالفتح والتخفيف إسم مدينة الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كطابة والطيبة وكان اسمها يثرب فسماها رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بطيبة و (التلافي) الإستدراك) و (قمعه) يقمعه قهره وذلله وضربه بالمقمعة وزن مكنسة وهي العمود من الحديد أو كالمحجن يضرب به على رأس الفيل وخشبة يضرب به الإنسان على رأسه و (كبا) الجواد كبواً عثر فوقع إلى الأرض وانكب على وجهه والإسم الكبوة و (نجا) نجوا ونجاة خلص، وقال الشارح المعتزلي : والمناجاة مصدر
ص: ٣٤٥
1) شرح نهج البلاغة : ۲۳۹/۹.
نجا ينجو والنجاة الناقة ينجى عليها و لا يتجاورون بالجيم من المجاورة ويروى بالحاء المهملة.
(الباء) في قوله : (بالنور) للمصاحبة والملابسة، وتعدية القاصدة بـ (إلى) لتضمينها معنى الإفضاء، وفاعل رهّب ورغب راجع إلى الله تعالى، و (الفاء) في قوله : (فأعرضوا) فصيحة (وأقرب دار) خبر لمبتدأ محذوف، وجملة (قد تزابلت) استئناف بياني، و(الفاء) في قوله : (فبذلوا) عاطفة من عطف المفصل على المجمل.
إعلم أن هذه الخطبة متضمنة لذكر ممادح النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ومناقبه الجميلة ثم الموعظة الحسنة والتنفير عن الدنيا بالتنبيه على معايبها ومساوئها .
قال (علیه السَّلام): (ابتعثه) وفي بعض النسخ: بعثه بدله ، وهما بمعنى كما مر (بالنور المضيء) أراد به نور النبوة، وتفسير (الشارح المعتزلي) له بالدين والقرآن وهم لأن المراد بالمنهاج الآتي ذلك، والكتاب أيضاً يجيء ذكره والتأسيس أولى من التأكيد (والبرهان الجلي) أي بالمعجزات الباهرات والأدلة الواضحة على حقيته (والمنهاج المبادي) أي الطريق الظاهر، يعني الشريعة والدين (والكتاب الهادي) إلى سبيل الجنة وطريق النجاة، قال تعالى: «ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)» [البقرة: ٢].
(أسرته خير أسرة وشجرته خير شجرة) أي رهطه خير رهط وأصله خير أصل، وقد مضى شرح هاتين القرينتين في شرح الخطبة الثالثة والتسعين مستوفاً ولا حاجة هنا إلى الإعادة .
(أغصانها معتدلة) المراد بها الأغصان المعهودة، أعني أهل بيت العصمة والطهارة، فإن الجمع المضاف إنما يفيد العموم حيث لا عهد، والقرينة على إرادة الخصوص هنا قائمة وهي قوله : (معتدلة)، فإن الظاهر أن المراد به اعتدالها في الكمالات النفسانية وكونها مصونة من التفريط والإفراط كما قال تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا» [البقرة : ١٤٣] .
روى بريد العجلي في هذه الآية عن أبي جعفر (علیه السَّلام) أنه قال : نحن الأمة الوسط (1).
وفي رواية حمران عنه (علیه السَّلام): إنما أنزل الله عزّ وجل: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا»
ص: ٣٤٦
1) مناقب آل أبي طالب : ٣١٤/٣ ، والبحار : ٣٥١/٢٣ ح ٦٣ .
يعني عدلاً «لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» قال: ولا يكون شهداء على الناس إلا الأئمة والرّسل (1).
فقد علم بما ذكرناه أن ما قاله الشارح البحراني من أن لفظ الأغصان مستعار لأشخاص بيته (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كعلي (علیه السَّلام) وأولاده وزوجته وأعمامه وإخوته واعتدال هذه الأغصان في الفضل والشرف سخيف، إذ اعتدال الأولين مسلّم، وأما الأعمام والأخوة فقياسهم عليهم فاسد، والتقارب بينهم ممنوع .
(وثمارها متهدّلة) أي ثمار هذه الشجرة الظاهرة من أغصانها متدلية، وهو كناية عن سهولة الانتفاع بها، وأراد بالثمار العلوم الحقة المأخوذة عنهم (علیهم السَّلام).
(مولده بمكة) شرفها الله يوم الجمعة عند طلوع الشمس السابع عشر من ربيع الأول عام الفیل، قاله أبو علي الطبرسي وقد تقدم تفصيل تاريخ ميلاده (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وطالع ولادته (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في شرح الفصل السادس عشر من الخطبة الأولي.
(وهجرته بطيبة) هاجر إليها وهو ابن ثلاث وخمسين كما يدل عليه ما رواه في (كشف الغمة) عن أبي جعفر الباقر (علیه السَّلام)، قال : قبض رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وهو ابن ثلاث وستين سنة في سنة عشر من الهجرة، فكان مقامه بمكة أربعين سنة، ثم نزل عليه الوحي في تمام الأربعين، وكان بمكة ثلاث عشر سنة، ثم هاجر إلى المدينة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فأقام بالمدينة عشر سنين وقبض (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) (2).
(علا بها) أي في طيبة (ذكره) لأنه قهر الأعداء وانتصر من الكفار بعد الهجرة إليها أهلها بالأنصار (وامتد بها صوته) أي انتشرت دعوته فيها وبلغ بنصرة أهلها، ولذلك سمي صيت الإسلام إلى الأصقاع والأكناف بعدما هاجر إليها .
(أرسله بحجة كافية) يعني الآيات القرآنية الكافية في إثبات نبوّته مضافة إلى سائر معجزاته (وموعظة شافية) لأسقام القلوب وأمراض النفوس، والمراد بها ما اشتمل عليه الكتاب الكريم والسنّة الكريمة من الوعد والوعيد وضرب الأمثال والتذكير بالقرون الخالية والأمم الماضية الموقظة للخلق من نوم الغفلة والمنقذة لهم من خلال الجهالة (ودعوة متلافية) متداركة بها ما فسد من نظام أمر الدين في أيام الجاهلية .
(أظهر به الشرائع المجهولة) الظاهر أن المراد بها قوانين الشريعة النبوية التي كانت
ص: ٣٤٧
مجهولة بين الناس ثم ظهرت وعرفت بعد وجوده وتشريعه إياها، ويجوز أن يراد بها شرائع الماضين من السنن التي لم تكن منسوخة وإنما كانت مجهولة بين الناس لبعد العهد وطول الزمان واتباع الهوى فأظهرها النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وأمر بأخذها ولزومها .
(وقمع به البدع المدخولة) أراد بها ما كان أهل الفترة وأيام الجاهلية أبدعوها في الدين وأدخلوها على الشرع المبين من عبادة الأصنام ونحرهم لها وحجهم لأجلها وزعمهم أنها تقربهم إلى الله زلفى ومن النسيء والطواف بالبيت عرياناً وغيرها من البدع التي لا تحصی فأذلّ الله سبحانه ببعث النبي تلك البدع وأذل المبدعين وقطع دابر الكافرين.
(وبين به الأحكام المفصولة) أي أحكامه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) المفصولة الآن ببيانه، لا أنها كانت مفصولة قبل (فمن يبتغ) ويطلب (غير الإسلام ديناً) بعدما بلغه النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وأعلمه وشرعه وأفصح عن معالمه وأقام الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على صحته وحقيته (تتحقق شقوته) في الآخرة (وتنفصم عروته) أي ينقطع ما يتمسك به من حبل النجاة (وتعظم كبوته) وعثرته فيطيح في نار الجحيم والسخط العظيم (ويكن) مرجعه و (مآبه إلى الحزن الطويل والعذاب الوبيل) المتضمن للهلاك والوبال في دار البوار، وهذا مراد من فسّره بالشديد.
(وأتوكل على الله توكل الإنابة إليه) أي توكّل الملتفت عن غيره والراجع بكليته إليه للعلم بأن غيره لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع .
قال أبو عبد الله (علیه السَّلام) في رواية (الكافي) : أوحى الله عزَّ وجل إلى داود: ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيته ثم تكيده السماوات والأرض ومن فيهن إلا جعلت له المخرج من بينهن، وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماوات من يده وأسخت الأرض من تحته ولم أبال بأي واد يهلك (1).
(واسترشده السبيل المؤدية إلى جنته القاصدة إلى محلّ رغبته) أي الطريق التي من سلكها أدّته إلى جنته، ومن قصدها أفضته إلى محل رغبته .
ثم عقب ذلك بالموعظة والوصية بما لا يزال يوصى به دائماً فقال : (أوصيكم عباد الله بتقوى الله وطاعته فإنها النجاة غداً) إفراد الضمير مع تعدّد المرجع باعتبار أنهما في المعنى شيء واحد، ولكونهما سبب النجاة أطلق عليهما النجاة من باب إطلاق المسبب على السبب، فيكون مجازاً مرسلاً، وعلى ما ذكره الشارح المعتزلي من أن النجاة إسم للناقة التي
ص: ٣٤٨
1) وسائل الشيعة : ۲۱۱/۱٥ ح ٢٠٣٠٤، ومستدرك الوسائل : ٢١٤/١١ ح ١٢٧٧٤.
ينجي عليها فيكون استعارة تشبيهاً لهما بالمطية التي يركب عليها فيخلص من العطب، فإن المطيع ينجو بهما من الهلاك الأخروي والعذاب الأليم.
(والمنجاة أبداً) جعلهما محل النجاة باعتبار حصولهما في الاتصاف بهذين الوصفين، فشبها بالمحل الذي يحل فيه الشيء وأطلق عليهما لفظ المنجاة من باب تسمية الشيء بإسم محلّه.
ولما أمر بالتقوى والطاعة وكانت الطاعة عبارة عن امتثال الأوامر والنواهي أشار إلى أن الله سبحانه قد أعذر وأنذر وأتم الحجة ولم يبق لأحد معذرة في التقصير حيث (رهب) المجرمين بعذاب الجحيم والسخط العظيم (فأبلغ) في ترهيبه (ورغب) المطيعين في درجات الجنان والحور والغلمان وأكبر نعمائه الرضوان (فأسبغ) وأكمل في ترغيبه (ووصف لكم) في قوله : «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)» [الحديد: ٢٠] كما وصـف فـي غـيـره مـن آيـات الكتاب الكريم والقرآن الحكيم (الدنيا وانقطاعها وزوالها وانتقالها) وحيث إنها موصوفة بالانقطاع متصفة بسرعة الزوال والانقضاء (فأعرضوا) بقلوبكم (عما يعجبكم منها) من زينتها وزخارفها وازهدوا فيها وفي رياشها (لقلة ما يصحبكم منها) قال الشارح البحراني : وإنما قال : لقلة ذلك ولم يقل : لعدمه، لأن السالكين لا بد أن يستصحبوا منها شيئاً وهو ما يكتب أحدهم من الكمالات إلى الآخرة ولكن القدر الذي يكتسبه المترفون من الكمالات إذا قصدوا بأموالهم وسائر زينة الحياة الدنيا الوصول إلى الله نزر قليل، ومع ذلك فهم في غاية الخطر ومزلّة القدم في كل حركة وتصرف بخلاف أهل التقشف الذين اقتصروا منها على مقدار الضرورة البدنية، ويحتمل أن يريد بالقليل الذي يصحبهم منها كالكفن ونحوه.
(أقرب دار من سخط الله) لأنها محفوفة بالشهوات الموجبة لسخطه وأكثر أهلها محبون لها راغبون إليها متابعون للهوى، ورأس كل خطيئة حب الدنيا (وأبعدها من رضوان الله) لأن الطالب فيها لتحصيل رضوانه وللانتفاع بقيناتها في سلوك سبيله قليل (فغضوا عنكم عباد الله) وكفوا عن أنفسكم واخرجوا عن قلوبكم (غمومها وأشغالها لما قد أیقنتم به من فراقها وتصرف حالاتها) يعني أن الغم والاشتغال إنما يحسن أن يوجها نحو ما يبقى دون ما يفنى مع أن الاشتغال بما يفنى شاغل عن الاشتغال بما يبقى، وهو ليس فعل العاقل .
وروى في (الكافي) عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يحيى بن عقبة الأزدي عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : قال أبو جعفر (علیه السَّلام) مثل الحريص على الدنيا مثل دودة القز كلما
ص: ٣٤٩
زادت من القز على نفسها لفاً كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غماً (1).
وقال أبو عبد الله (علیه السَّلام) : أغنى الغنى من لم يكن للحرص أسيراً (2).
وقال: لا تشعروا قلوبكم الاشتغال بما قد فات فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما لم يأت (فاحذروها) على أنفسكم (حذر الشفيق الناصح) على شفيقه (و) حذر (المجلد الكادح) من خيبة سعيه .
روي في (الكافي) عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الله بن المغيرة عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : إن في كتاب علي (علیه السَّلام): إنما مثل الدنيا كمثل الحية ما ألين مسها وفي جوفها السم الناقع يحذرها الرجل العاقل ويهوى إليها الصبي الجاهل (3).
(واعتبروا بما قد رأيتم من مصارع القرون) الماضية (قبلكم) فإنكم عما قليل لاحقون بهم وصائرون مثلهم (قد تزايلت أوصالهم) وأعضائهم (وزالت أسماعهم وأبصارهم) وجرت أحداقهم على الخدود وسالت أفواههم ومناخرهم بالقيح والصديد (وذهب شرفهم وعزّهم وانقطع سرورهم ونعيمهم) فلا تنظر إلى طيب عيشهم ولين رياشهم ولكن انظر إلى سرعة طعنهم وسوء منقلبهم .
يا راقد الليل مسروراً بأوله *** إن الحوادث قد يـطـرقن أسحاراً
أفنى القرون التي كانت منعمة *** كر الجديدان إقبالاً وإدباراً
كم قد أبادت صروف الدهر من ملك *** قد كان في الدهر نفاعاً وضرارا
يا من يعانق دنياً لا بقاء لها *** يمسي ويصبح في دنياه سفاراً
هلا تركت من الدنيا معانقة *** حتى تعانق في الفردوس أبكاراً
إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها *** فینبغي لك أن لا تأمن النـارا
ثم انظر إلى أهل القبور كيف صاروا إليها بعد سكنى القصور، وانتقلوا إلى دار الوحدة وارتحلوا إلى بيت الوحشة ليس لهم أنيس به يستأنسون ولا سكن إليه يسكنون (فبدلوا بقرب الأولاد فقدها وبصحبة الأزواج مفارقتها) بل استوحش من قربهم الأولاد والأصحاب، واستنفر من قبرهم الآلاف والأحباب (لا يتفاخرون ولا يتناسلون ولا يتزاورون ولا يتجاورون) إذ لم يبق لهم زائر ولا مجاور.
ص: ٣٥٠
وحـلـوا بـدار لا تزاور بينهم *** وأنّى لسكان القبور التزاور
وإنما صار هوام الأرض لهم الزوار والضيفان، والحشرات والديدان لهم الجيران وانحصر لباسهم ورياشهم في الأكفان.
(فاحذروا عباد الله) ثم احذروا (حذر الغالب لنفسه الأمارة بالسوء (المانع لشهوته) المؤدية إلى هلكته (الناظر بعقله) المميز بين منفعته ومضرته (فإن الأمر واضح) أي أمر الدنيا والآخرة ظاهر لا خفاء فيه (والعلم قائم) أي علم الشريعة الهادي إلى الحق قائم لا غبار عليه (والطريق) إلى الله (جدد) سهل (والسبيل) إلى رضوان الله تعالى (قصد) مستقيم.
فطوبى لعبد آثر الله ربه *** وجاد بدنياه لما يتوقع
ص: ٣٥١
از جمله خطب شريفه آن حبل الله المتين و سيّد وصيين است مشتمل است بر مناقب حضرت رسالت و متضمن است موعظه و نصیحت را، می فرماید:
مبعوث فرمود خداوند تعالی پیغمبر آخرالزمان (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) را با نور روشن کننده که عبارت است از نور نبوّت و با دلیل آشکارا که عبارت است از معجزات رسالت و با راه واضح که جاده شریعت است و با کتاب مشتمل به هدایت که قرآن کریم است، رهط و قبیله آن حضرت بهترین قبایل است و درخت آن بزرگوار بهترین درختها است، شاخه های آن درخت معتدلند و متقارب و میوه های آن فرو ریخته شده است و آویزان مکان ولادت آن حضرت مکّه معظمه است و هجرت او به مدینه طیبه، در مدینه بلند شد ذکر آن و کشیده شد در آن صدای آن، در رسید به آفاق و اکناف، فرستاد خداوند عزّوجل او را با حجّت کفایت کننده و با موعظه شفا دهنده و با دعوت تدارك كننده ظاهر فرمود خدا به اظهار و بیان آن حضرت شریعت های مجهوله را و منكوب و مخذول نمود به وجود او بدعت های مدخوله را و روشن گردانید به زبان گوهر فشان او حکمهای فصل شده را، پس هر که طلب نماید غیر از اسلام دینی را متحقق می شود شقاوت او و گسیخته می شود متمسك او و بزرگ گردد لغزش او و باشد بازگشت او به سوی اندوه دراز و عذاب شدید و توکل می کنم به خداوند توکل رجوع کردن به سوی او و طلب ارشاد می کنم از او به راهی که رساننده باشد به بهشت عنبر سرشت او و قصد کننده باشد به محل رغبت او.
وصیت می کنم شما را ای بندگان خدا به پرهیزکاری از خدا و فرمان برداری او، پس به درستی که پرهیزکاری و فرمان برداری رستگاری است فردا روز قیامت و محلّ رستگاری است همیشه، ترسانیده خدای عزّوجلّ مخلوقات را به عقاب و ترغیب فرموده ایشان را به ثواب و وصف نموده از برای شما دنیای بی وفا و بریده شدن آن را و زوال آن را و انتقال آن را، پس اعراض نمایید از آنچه که شگفت می آورد شما را در دنیا از جهت کمی آنچه که همراه خواهد شد با شما از دنیا،
ص: ٣٥٢
نزديك ترین خانه ای است از غضب خدا و دورترین خانه ای است از رضای خدا .
پس بازدارید از خودتان ای بندگان خدا غم های دنیا و شغل های آن را از جهت آنکه محققاً یقین کرده اید به آن از مفارقت آن و انقلاب حالات آن، پس بترسید در آن همچو ترسیدن برادر مهربان نصیحت کننده و مثل ترسیدن صاحب جدّ و جهد سعی کننده و عبرت بردارید به آنچه که دیدید از مهالك قرن هایی که پیش از شما بودند، به تحقیق که جدا شد از یکدیگر عضوهای بدن ایشان و زایل شد گوش ها و چشم های ایشان و رفت بزرگواری و عزّت ایشان و بریده گشت شادی و نعمت ایشان، پس بدل کرده شدند به نزدیکی اولاد نایابی ایشان را و به مصاحبت زنان جدایی ایشان را، تفاخر نمی توانند بکنند به یکدیگر و نسل اخذ نمی کنند و زیارت یکدیگر نمی نمایند و با هم همسایگی نمی کنند.
پس حذر کنیدای بندگان خدا مثل حذر نمودن کسی که غلبه نماید بر نفس خود و منع کننده باشد شهوت خود را و نظر کننده باشد به چشم عقل خود، پس به درستی که امر دنیا و آخرت واضح است و روشن و علم شریعت قائم است و بر پا و راه حق سهل است و آسان و راه درست مستقیم است و راست.
هنا انتهى الجزء التاسع من هذه الطبعة الجديدة النفيسة وتم تصحيحه وترتيبه وتهذيبه بيد العبد السيد إبراهيم الميانجي عفى الله عنه وعن والديه في اليوم الثاني عشر وشهر الله الأعظم سنة (۱۳۸۱) ويليه إنشاء الله الجزء العاشر وأوله : المختار المائة والواحد والستون، والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً .
ص: ٣٥٣
ص: ٣٥٤
محتوى الجزء التاسع من كتاب منهاج البراعة شرح نهج البلاغة
ومن خطبة له (علیه السَّلام) في الإستسقاء وهي المائة والثالثة والأربعون من المختار في باب الخطب ... ٥
اللغة ... ٥
الإعراب ... ٦
المعنى .. ٧
تنبیه ... ١٤
الترجمة ... ١٥
ومن خطبة له (علیه السَّلام) وهي المائة و الرابعة والأربعون من المختار في باب الخطب ... ١٧
الفصل الأول ... ١٧
اللغة ... ١٧
الإعراب ... ١٧
المعنى ... ١٨
تنبیه ... ٣٠
الترجمة ... ٤٧
الفصل الثاني ... ٤٨
اللغة ... ٤٨
الإعراب ... ٤٨
المعنى ... ٤٨
تنبيه ... ٥٠
الترجمة ... ٥٣
ومن خطبة له (علیه السَّلام) وهي المائة والخامسة والأربعون من المختار في باب الخطب ... ٥٤
منها ... ٥٤
اللغة ... ٥٤
الإعراب ... ٥٥
المعنى ... ٥٥
ص: ٣٥٥
الترجمة ... ٥٨
ومن كلام له (علیه السَّلام) وقد استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه وهوالمائة والسادس والأربعون من المختار في باب الخطب ... ٥٩
اللغة ... ٥٩
الإعراب ... ٦٠
المعنى ... ٦٠
تبصرة ... ٦٢
الترجمة ... ٦٧
ومن خطبة له (علیه السَّلام) وهي المائة والسابعة والأربعون من المختار في باب الخطب .. ٦٨
اللغة ... ٦٩
الإعراب ... ٦٩
المعنى ... ٧٠
الفصل الأول ... ٧٠
الفصل الثاني ... ٧٣
الفصل الثالث ... ٧٥
الفصل الرابع ... ٧٦
تنبیه ... ٨٣
المقام الأول ... ٨٣
الثاني في حقيقة الكبر وماهيته ... ٨٥
الثالث في المتكبر عليه ... ٨٦
القسم الأول ... ٨٦
القسم الثاني ... ٨٦
القسم الثالث ... ٨٧
الرابع في ما به التكبر ... ٨٨
الخامس في معالجة الكبر ... ٨٩
أما الأول ... ٩٠
وأما الثاني ... ٩٠
وأما الثالث ... ٩٣
وأما الأمر الرابع ... ١٠٠
ص: ٣٥٦
الترجمة ... ١٠١
ومن خطبة له (علیه السَّلام) في ذكر أهل البصرة وهي المائة والثامنة والأربعون من المختار في باب الخطب ... ١٠٣
اللغة ... ١٠٣
الإعراب ... ١٠٣
المعنى ... ١٠٤
الترجمة ... ١٠٩
ومن كلام له (علیه السَّلام) قبل موته وهو المائة والتاسع والأربعون من المختار في باب الخطب ... ١١٠
اللغة ... ١١٠
الإعراب ... ١١١
المعنى ... ١١٢
تذكرة ... ١٢٠
تكملة ... ١٢٢
بیان ... ١٢٣
الترجمة ... ١٢٤
ومن خطبة له (علیه السَّلام) في الملاحم وهي المائة والخمسون من المختار في باب الخطب ... ١٢٦
اللغة ... ١٢٦
الإعراب ... ١٢٧
المعنى ... ١٢٨
الفصل الأول ... ١٢٨
الفصل الثاني ... ١٣٠
الفصل الثالث ... ١٣٢
تنبیه ... ١٣٩
الترجمة ... ١٤٤
ومن خطبة له (علیه السَّلام) وهي المائة والواحد والخمسون من المختار في باب الخطب ... ١٤٦
اللغة ... ١٤٧
الإعراب ... ١٤٨
ص: ٣٥٧
المعن ... ١٤٨
الترجمة ... ١٥٤
ومن خطبة له (علیه السَّلام) وهي المائة والثاني والخمسون من المختار في باب الخطب وشرحها في فصول ... ١٥٧
الفصل الأول ... ١٥٧
اللغة ... ١٥٧
الإعراب ... ١٥٧
المعنى ... ١٥٨
الترجمة ... ١٦٤
الفصل الثاني منها ... ١٦٥
اللغة ... ١٦٥
الإعراب ... ١٦٥
المعنى ... ١٦٦
تنبيه ... ١٧١
تذييل ... ١٧٣
الترجمة ... ١٨٥
الفصل الثالث منها ... ١٨٦
اللغة ... ١٨٧
الإعراب ... ١٨٧
المعنى ... ١٨٧
الترجمة ... ٢٠٠
ومن خطبة له (علیه السَّلام) هو و هي المائة والثالث والخمسون من المختار في باب الخطب وفيه فصلان ... ٢٠٢
اللغة ... ٢٠٢
الإعراب ... ٢٠٣
المعنى ... ٢٠٣
الترجمة ... ٢٢١
ص: ٣٥٨
ومن خطبة له (علیه السَّلام) يذكر فيها بديع خلقة الخفاش وهي المائة والرابع والخمسون من المختار في باب الخطب ... ٢٢٣
اللغة ... ٢٢٣
الإعراب ... ٢٢٥
المعنى ... ٢٢٥
الترجمة ... ٢٣٠
ومن كلام له (علیه السَّلام) خاطب به أهل البصرة على جهة اختصاص الملاحم وهو المائة والخامس والخمسون من المختار في باب الخطب ... ٢٣٢
اللغة ... ٢٣٢
الإعراب ... ٢٣٢
المعنى ... ٢٣٢
الترجمة ... ٢٤٤
الفصل الثاني ... ٢٤٥
اللغة ... ٢٤٥
الإعراب ... ٢٤٦
المعنى ... ٢٤٦
الترجمة ... ٢٦٧
ومن خطبة له (علیه السَّلام) وهي المائة والسادسة والخمسون من المختار في باب الخطب ... ٢٦٩
اللغة ... ٢٦٩
الإعراب ... ٢٧٠
المعنى ... ٢٧١
الترجمة ... ٢٨١
ومن خطبة له (علیه السَّلام) و هي المائة والسابعة والخمسون من المختار في باب الخطب ... ٢٨٣
اللغة ... ٢٨٣
الإعراب ... ٢٨٣
المعنى ... ٢٨٤
الفصل الأول ... ٢٨٤
ص: ٣٥٩
الفصل الثاني (منها) ... ٢٨٦
الترجمة ... ٢٨٩
ومن خطبة له (علیه السَّلام) وهي المائة والثامنة والخمسون من المختار في باب الخطب ... ٢٩١
اللغة ... ٢٩١
الإعراب ... ٢٩١
المعنى ... ٢٩١
الترجمة ... ٢٩٣
ومن خطبة له (علیه السَّلام) وهي المائة والتاسعة والخمسون من المختار في باب الخطب ... ٢٩٤
الفصل الأول ... ٢٩٤
اللغة ... ٢٩٤
الإعراب ... ٢٩٤
المعنى ... ٢٩٥
الترجمة ... ٣٠٢
الفصل الثاني (منها) ... ٣٠٤
اللغة ... ٣٠٥
الإعراب ... ٣٠٦
المعنى ... ٣٠٦
تذيبلان ... ٣٣٣
الأول ... ٣٣٣
التذييل الثاني ... ٣٣٦
الترجمة ... ٣٤١
ومن خطبة له (علیه السَّلام) وهي المائة والستون من المختار في باب الخطب ... ٣٤٥
اللغة ... ٣٤٥
الإعراب ... ٣٤٦
المعنى ... ٣٤٦
الترجمة ... ٣٥٢
ص: ٣٦٠