الولایة التشریعیة

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

الولاية التشريعية

الشيخ على عيسى الزواد

الطبعة الثانية

1429ه- /2008م

محرر الرقمی:محمد رضا راهجو

اشارة

الطبعة الثانية

1429ه- /2008م

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

«الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ

غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ»

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا»

(59) سورة النساء

مقدمة

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

الحمد لله الذي أنار قلوب عباده بالعلم والعرفان، وشرح صدور خلقه بنور محبة عِدل القرآن. وصلى الله على سيدنا محمد منقذ الإنسان، من ظلمات الجهل والجاهلية إلى نور المعرفة والإيمان، وعلى آله وأهل بيته الذين مَن تمسّك بهم دخل الجنان، ومن تخلّف عنهم ليس له إلاّ الخسران والنيران...

وبعد:

إنّ الحديث حول ولاية من ولايات أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام، وهي الولاية التشريعيّة التي هي إحدى الولايات الثابتة لهم، وكلّي أمل أن أوفّق لشرف الكتابة في غيرها من الولايات، إنّه سميع الدعوات.

وقد يأنس بالحديث مؤمن، لأنّه يرى ذكر أحبّته أحلى من العسل المصفّى، وقد تضيق نفوس من ذكر فضائل السادة الأطهارعلیهم السلام.

فكُتب هذا الكتيّب سُروراً للمؤمنين، وتذكرة للذين تنفعهم الذكرى، وتثبيتاً للذين صدقت قلوبهم في إرادة صيانة دينهم، وحرصت نفوسهم على معرفة بعض مقامات أولياء الله تعالى.

ولقد رُمنا الاختصار قدر الإمكان، لأنّ كثيراً من المؤمنين يأنسون بالكتيّب أكثر من الكتاب، ويسأمون من مطالعة طويل الخطاب، كما أنّ خير الكلام ما قلّ ودلّ، وفيه الكفاية لمن رام الهداية.

ولم أتطرّق كثيراً لتصحيح الأسناد، بعد أن استفاضت الروايات إن لم تكن متواترة، وقد أقرّ بهذه الفضيلة والمنزلة، حتّى الذين مِن شأنهم الإنتقاص والإجحاف لا الإنصاف، وهم أهل الخلاف.

ومع ذلك أشرنا إلى تصحيح عدة روايات، لكي لا تكون هناكذريعة يتشبّث بها أهل التشكيك والتضليل، ولم نُسايرهم في سائر الروايات.

ولعمري إنّ المؤمن تكفيه الإشارة، والتلويح دون التصريح، كي يلتفت إلى مُفردة من مفردات اعتقاده، ويتناغم مع ذكر أحبائه، ويُسرّ بِذكر أوليائه. ونور إيمانه يهديه، وبصيرته في دينه

تُغنيه.

فأسأل الله تعالى لأخي المؤمن التوفيق، كما أسأله تعالى لي التسديد والتأييد، ببركة مولانا الغائب النحيب، على كلّ ما أصاب أجداده الطاهرين ويُصيب، إنّه سميع مجيب.

الولاية التشريعيّة

ونريد منها أنّ أهل البيت علیهم السلام لهم حق التشريع، وليس شأنهم مقتصراً على تبليغ الأحكام الشرعيّة وبيانها للناس، بل إنّ الله تعالى فوّض إليهم بعض الأحكام، لا بمعنى أنّهم يُحلّون ما حرّم الله تعالى أو يُحرّمون ما أحلّ الله تعالى، بل إنّ هناك بعض الأحكام أوكل الله تعالى الحكم فيها إلى أهل البيت علیهم السلام فيُمضيها الله تعالى، لأنّه تعالى أطلعهم على المصالح والمفاسد الواقعية، ولقد دلّ على هذا التفويض الإلهي لهم علیهم السلام أحاديث كثيرة، فلقد عقد الشيخ الكليني في الكافي الشريف باباً سمّاه: التفويض إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وإلى الأئمة علیهم السلام في أمر الدين. وأورد فيه عشرة أحاديث.

كما أنّ محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات عقد للتفويض بابين؛ الأوّل: باب التفويض لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وأورد فيه تسعة عشر حديثاً، والثاني باب في أنّ ما فوض إلى رسول الله فقد فوض للأئمة علیهم السلام وأورد فيه ثلاثة عشر حديثاً. فيكون مجموع ما رواه الشيخ الكليني والصفار فقط هو اثنان وأربعون حديثاً، وبعض الأحاديث مكرر في الكتابين.

وكما اهتمّ المحدّثون بتلك الروايات، كذلك دأب المحققون من العلماء على بيان هذه المنزلة للنبي وآله صلی الله علیه و آله و سلم ، ولا يُنافيها شيء من شرع أو عقل بعد استفاضة الروايات في ذلك.

وكلمات العلماء الأعلام صريحة وواضحة فيما نقلناه وقلناه من ثبوت الولاية التشريعية لهم، وأنّ الله تعالى قد فوّض إليهم التشريع في بعض الأحكام.

فمن ذلك ما قاله العلامة المجلسي في بحار الأنوار ج25 ص348: (أنه تعالى لمّا أكمل نبيّه صلی الله علیه و آله و سلم بحيث لم يكن يختار من الأمور شيئاً إلاّ ما يوافق الحق والصواب، ولا يحلّ بباله ما يخالف مشيّته تعالى في كلّ باب، فوّض إليه تعيين بعض الأمور كالزيادة في الصلاة، وتعيينالنوافل في الصلاة والصوم، وطعمة الجد، وغير

ذلك مما مضى وسيأتي، إظهاراً لشرفه وكرامته عنده، ولم يكن أصل التعيين إلاّ بالوحي، ولم يكن الاختيار إلاّ بإلهام، ثمّ كان يؤكّد ما اختاره صلی الله علیه و آله و سلم بالوحي، ولا فساد في ذلك عقلاً وقد دلّت النصوص المستفيضة)((1)).

ومن ذلك ما صرّح به السيد محمد الروحاني في المرتقى إلى الفقه الأرقى ج2 ص302 حيث ذكر ثبوت حق التشريع للأئمة علیهم السلام.

ومن ذلك ما في شرح أصول الكافي للمولي محمد صالح المازندراني ج6 ص54:

(ومنها تفويض القول بما هو أصلح له أو للخلق، وإن كان الحكم الأصلي خلافه، كما في صورة التقية، وهي أيضاً من حكم الله تعالى، إلاّ أنّه منوط على عدم إمكان الأوّل بالإضرار ونحوه. ومنها تفويض الأحكام والأفعال، بأن يُثبت ما رآه حسناً ويردّ ما رآه قبيحاً، فيجيز الله تعالى لإثباته إياه. ومنها تفويض الإرادة بأن يريد شيئاً لحسنه، ولا يريد شيئاً لقبحه فيجيز الله تعالى إيّاه. وهذه الأقسام الثلاثة لا تنافي ما ثبت من أنّه لا ينطق إلا بالوحي، لأنّ كلّ واحد منها ثبت من الوحي، إلاّ أنّ الوحي تابع لإرادته، يعني إرادة ذلك، فأوحى إليه، كما أنّه أراد تغيير


1) ومثل هذه العبارة ذكرها المجلسي في مرآة العقول، كما ذكرها الشيخ علي الغفاري في تعليقته على مشيخة الصدوق في أواخر من لا يحضره الفقيه ج4 ص547. وكذا الشيخ علي الخاقاني في رجاله ص144. وغيرهما.

القبلة، وزيادة الركعتين في الرباعية، والركعة في الثلاثية، وغير ذلك، فأوحى الله تعالى إليه بما أراد).

ومن ذلك ما قاله الشيخ علي النمازي الشاهرودي في مستدرك سفينة البحار ج8 ص323: (التفويض في أمر الدين إلى رسول الله وإلى الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم قطعي من الآيات الشريفةالمفسرة من كلام الرسول والعترة الطاهرة والروايات المتواترة).

فمن أنكر التفويض في التشريع من علمائنا لا يريد هذا المعنى، لأنّه أمر قطعي غير قابل للإنكار، وإنّما أنكر معنى آخر للتفويض وهو استقلالهم علیهم السلام في التشريع من دون فيض الله تعالى عليهم، أو أنّ كلّ الأحكام كانت مفوّضة إليهم، أو غير ذلك، ولا مجال هنا في هذا المختصر لعرض عباراتهم، فكن أخي المؤمن القارئ على ذكر من هذا حتّى لا يلتبس عليك الأمر.

حقيقة الولاية التشريعية

اشاره

إنّ الولاية التشريعيّة للمعصومين علیهم السلام ثابتة لهم بالنصوص الكثيرة، والمؤمن يكفيه ذلك في ثبوت اعتقاده ورسوخ يقينه. والمؤمن يؤمن بقول الله تعالى وقول أوليائه علیهم السلام، ولا يتوقّف إيمانه - بعد ثبوت النصّ - على شيء آخر، وإلاّ فهو ليس بمؤمن.

ولو أردنا أن نتصوّر ثبوت الولاية لهم علیهم السلام فإنّ هذا التصوّر يتوقّف على مقدّمات، فمتى ما كانت هذه المقدّمات مسلّمة كان تصوّر أمر التفويض لهم علیهم السلام في الأحكام الشرعية مُسلّماً أيضاً، وتلك المقدّمات هي:

الأولى: تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعيّة.

إنّ الله تعالى - الغني عن تكليف عباده - إنّما كلّف عباده

بالأفعال لوجود مصالح فيها تعود على العباد، كما أنّه تعالى نهاهم عن أمور لكونها مشتملة على مفاسد تضرّ بالعباد.

قال تعالى:{مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ}((1)).

وعن إسحاق بن إسماعيل النيسابوري، إنّ العالم كتب إليه - يعني الحسن بن علي ’ -: (إنّ الله لمّا فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم بحاجة منه إليه، بل رحمة منه إليكم، لا إله إلا هو، ليميز الخبيث من الطيّب...)((2)).

فهناك حسن وقبح واقعيان، ومن خلالهما تنشأ الأحكام ويُكلّف العباد على طبق تلك المصالح والمفاسد الواقعيّة، وهذا رأي العدليّة، خلافاً لرأي الأشاعرة الذين يرون أنّ القبيح هو ما قبّحه الشرع، والحسن هو ما حسّنه الشرع، وليس هناك أمر واقعي هو حسن أو قبيح في ذاته.فالعدليّة يرون أنّ الله تعالى ما حرّم الخمر إلاّ لكونها تتضمن مفسدة للإنسان، وما أوجب الصلاة إلاّ لكونها مشتملة على مصلحة ملزمة لهم لا يجوز تركها بحال، ولم تُشرّع المستحبّات إلاّ لكونها مشتملة على مصالح غير ملزمة فلذا يجوز تركها، ولم تُشرّع المكروهات إلاّ لكونها مشتملة على منقصة لا ترتقي إلى مفسدة المحرّم، ولذا يجوز فعلها، كما أنّ المباح على خلافها


1) سورة الذاريات الآية (57).

2) علل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص249. وعنه وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي ج1 ص21. وتحف العقول لابن شعبة الحرّاني ص485.

كلّها.

قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}((1)).

فدلّت الآية الشريفة على أنّ تحريم الله تعالى للخمر إنّما هو لاشتمالها على خباثة معنوية، وكلّنا يعلم أنّ من الخباثة المعنويّة ذهاب العقل المترتب عليه مفاسد كثيرة.

فهذه الزهراء علیها السلام - في خطبتها المعروفة المشهورة - قد بيّنت وأوضحت ملاكات بعض الأحكام الإلهيّة، وأنّ الأحكام إنّما هي مُناطة بالمصالح والمفاسد، بأبلغ لسان، وأعظم بيان، فقالت:

(...فجعل الله الإيمان: تطهيراً لكم من الشرك. والصّلاة: تنزيهاً لكم عن الكبر. والزكاة: تزكية للنفس، ونماء في الرزق. والصيام: تثبيتاً للإخلاص. والحجّ: تشييداً للدين. والعدل: مسكاً((2)) للقلوب. وطاعتنا: نظاماً للملّة. وإمامتنا: أماناً للفرقة. والجهاد: عزّاً للإسلام. والصبر: معونة على استيجاب الأجر. والأمر بالمعروف: مصلحة للعامة. وبرّ الوالدين: وقاية من السخط. وصلة الأرحام: منساة في العمر((3))، ومنماة للعدد. والقصاص: حقناً للدماء. والوفاء بالنذر: تعريضاً للمغفرة.


1) سورة المائدة الآية (90).

2) وروي تنسيقاً، كما روي تمسّكاً. والعدل: يُمسك ويُثبّت القلوب، كما أنّه تنظيماً لها واستقراراً وتثبيتاً.

3) منساة للعمر: مؤخّرة.

وتوفية المكائيل والموازين: تغييراً للبخس((1)). والنهي عن شرب الخمر: تنزيهاً عن الرجس. واجتناب القذف: حجاباً عن اللعنة. وترك السرقة: إيجاباً بالعفة. وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية. فاتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون...)((2)).

والمصالح والمفاسد هي ما يُسمّى بملاكات الأحكام، وهذه الملاكات هي علل غائيّة، بمعنى أنّ الأمر بالصوم لمصلحة وملاك التقوى مثلاً فتكون التقوى غاية مترتبة على فعل الصوم وبسببها ولأجلها وجب الصوم.

فيكون هناك حكم واقعي يُصيبه المجتهد تارة ويُخطئه تارة أخرى، خلافاً للأشاعرة الذين قالوا بأنّ المجتهد مصيب دائماً، وهو القول بالتصويب، أمّا الإماميّة فعُرفوا بالمخطئة بمعنى أنّهم يرون المجتهد قد يُخطئ الواقع تارة، وقد يصيبه تارة أخرى، فيصحُّ في حقّه الخطأ.

الثانية: ملاكات الأحكام من علم الغيب.

لا إشكال في أنّ معرفة المصالح الواقعيّة للأحكام من علم الغيب، ومن هنا قد يتوهّم البعض بأنّ علم الغيب لا يصحّ نسبته إلى غير علاّم الغيوب سبحانه وتعالى، إذ لا يصحّ من أحد أن


1) أي أنّ توفية المكاييل والأوزان والإنصاف فيها مغيّرة ومبدّلة لبخس الناس وظلمهم وإعطائهم أقل من حقّهم.

2) الاحتجاج للشيخ الطبرسي ج1 ص134.

يعلم أيّ شيء من علم الغيب.

ولكن المنصف العاقل عندما يتأمّل يجد أننا نعلم بغيب بعض الأمور، فنعلم بيوم القيامة، وتطاير الكتب، والصراط، والميزان، والجنّة والنار، ومراتب الناس فيهما، وغير ذلك الكثير.

ولذا وصف الله تعالى المؤمنين بكونهم يؤمنون بالغيب، ولا يتحقق الإيمان إلاّ بما يُعلم، وإلاّ كيف يؤمن بما يجهله، نعم يعلم به تارة تفصيلاً وتارة أخرى يعلم به إجمالاً ولو بعناوين منطبقة عليه.قال تعالى:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}((1)).

فإن قلت: إنّما علمنا ببعض المغيّبات بواسطة الوحي، ولم نعلم بذاتنا من دون واسطة، فعلمنا بالغيب بتعليم الله تعالى.

قلنا لك: وكذا أهل بيت العصمة علیهم السلام قد أطلعهم الله تعالى على المغيّبات، ولم يكن علمهم ذاتيّاً ومن دون فيض الله تعالى عليهم.

قال تعالى: {...يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍمِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء...}((2)). ولقد شاء الله تعالى أن يُطلع مَن شاء مِن أولياءه على غيبه، وسيأتيك بيانه في المقدمة الثالثة الآتية.


1) سورة البقرة الآية (3).

2) سورة البقرة من الآية (255).

الثالثة: عموم علمهم علیهم السلام بالواقع.

إنّ الناظر بعين البصيرة يجد أنّ الله تعالى قد تفضّل على أهل بيت العصمة علیهم السلام بعظيم المنن، ومنها سعة علمهم، واطّلاعهم على الأوسع من المصالح والمفاسد الواقعيّة.

والمتأمّل في الآيات القرآنيّة الكريمة يقطع بأنهم عيبة علمه تعالى وخزانة أسراره، وما من غائبة تغيب عنهم لا في السماء ولا في الأرض، وهم مثل نور الله تعالى، وهم مصباح العلم الذي أنار كلّ عوالم الوجود.

فروي عن الإمام الكاظم علیه السلام أنّه قال: - في حديث – (إن الله تعالى يقول في كتابه:{وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى بَلْ لِلهِ الأمْرُ جَمِيعاً}((1))، وقد ورثنا هذا القرآن، ففيه مايقطع به الجبال، ويقطع المداين به، ويحيى به الموتى، ونحن نعرف الماء تحت الهواء، وأنّ في كتاب الله لآيات ما يراد بها أمر إلى أن يأذن الله به، مع ما فيه إذن الله، فما كتبه للماضين جعله الله في أمّ الكتاب، إن الله يقول في كتابه: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}((2)) ثم قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}((3)) فنحن الذين اصطفانا الله فورثنا هذا الذي فيه تبيان كلّ


1) الآية 31 من سورة الرعد.

2) الآية (75) النمل.

3) الآية (32) الفاطر.

شيء)((1)).

وإذا لم يكن قلب النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم هو الكتاب المبين الحاوي على غيب السماء والأرض فما هو إذاً الكتاب المبين؟!

وهل هناك وعاء أشرف وأعظم عند الله تعالى من قلب حبيبه المصطفى محمد صلی الله علیه و آله و سلم ؟! وهل ذلك الوعاء يعي أكثر مما يعيه الحبيب المصطفى؟! أم أنّه لا يعي شيئاً وإنّما احتاج الله تعالى في علمه إلى ذلك الوعاء كي يعلم؟! تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

فما ورثه الأئمة علیهم السلام ليس ذلك الحاوي للعلوم والأسرار، بل إنّما ورثوا ما فيه من المكنون والمخزون، ومن هنا كانوا أوصياءه وخلفاءه وورثته، فعندما يرث شخصٌ آخر لا يرث بدنه وإنّما يرث ما له من أموال وحقوق، وأهل البيت علیهم السلام ورثوا قلب النبي صلی الله علیه و آله و سلم بمعنى أنّهم ورثوا ما فيه من النور المبين، والحق المستقيم، والسرّ العظيم.

تأمّل هذه الآية المباركة:

{اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَلِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ


1) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص 67.

عَلِيمٌ}((1)).

المصباح هو العلم، فكما أنّ المصباح يُنير فكذا العلم يُنير الدرب لسائريه، والمشكاة هو النبي الحبيب المصطفى محمد صلی الله علیه و آله و سلم عيبة العلوم الربّانيّة، وخزانة الأسرار الإلهيّة.

وذلك المصباح في زجاجة، والزجاجة هي قلب الوصي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام.

(روي عن محمد بن علي بن الحسين علیهم السلام في قوله عزّ وجلّ: {...كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ...}، قال: المشكاة؛ نور العلم في صدر النبي صلی الله علیه و آله و سلم . {...الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ...} الزجاجة؛ صدر علي علیه السلام، صار علم النبي صلی الله علیه و آله و سلم إلى صدر علي علیه السلام. {...الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ...} قال: نور. {...لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ...} قال: لا يهودية ولا نصرانية. {...يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ...} قال: يكاد العالم من آل محمد علیهم السلام يتكلم بالعلم قبل أن يُسأل. {...نُّورٌ عَلَى نُورٍ...} يعني: إماماً مؤيّداً بنور العلم والحكمة في إثر إمام من آل محمد علیهم السلام، وذلك من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة)((2)).

ورُبّ قائل يقول: كيف يعلمون والآيات الكثيرة نافية لعلمهم، وأظهرها في نفي الغيب قوله تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ


1) سورة الن--ور الآية (35).

2) التوحيد للشيخ الصدوق ص158، وتفسير فرات الكوفي ص281.

مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}((1)).

فنقول: لو تأمّلت الآيات الكريمة لما وجدتها متنافية مع الآيات القرآنيّة الأخرى الدالّة على علمهم علیهم السلام، فإنّ الآية الشريفة السابقة تنفيالعلم الذاتي، بمعنى أنّها تنفي علمه صلی الله علیه و آله و سلم من دون تعليم الله تعالى، وفي الآية قرينة واضحة على ذلك.

فإنّ قوله تعالى: {...وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ...} هي القرينة على أنّ المنفي ليس علم الغيب مطلقاً، وإنّما المنفي خصوص علم الغيب الذاتي.

فعلم النبي صلی الله علیه و آله و سلم بما يحدث له من أذى مستقبلي لم يمنع من أن يمسّه السوء، وكذا علم أمير المؤمنين بمقتله، وعلم الحسين بما يجري عليه، وعلمهم جميعاً بما يُفعل بهم من قبل الظالمين لم يمنع ذلك العلم الغيبي الإستقبالي من لحوق الأذى بهم.

إذاً، فما هو العلم الغيبي الذي إذا اتصف به العالم لا يمكن لأحد أنّ يمسّه بسوء؟ إنّه العلم الذاتي الذي لا يتّصف به إلاّ الله تعالى.

وعلى مثل هذا تُحمل الآيات الأخرى التي يتوهّم البعض أنّها نافية لعلمهم، أو متنافية مع الآيات الأخرى المثبتة لعلمهم علیهم السلام.

والحديث حول عموم علمهم علیهم السلام لا يحتمله هذا المختصر.


1) سورة الأعراف (188).

الرابعة: معرفة الأحكام الإلهيّة.

إنّ مَن عرف ملاكات الأحكام الشرعيّة فبالضرورة يكون عارفاً بما تقتضيه تلك الملاكات من الأحكام الخمسة، ولذا كان أهل البيت علیهم السلام هم (المظهرين لأمر الله ونهيه) - كما في الزيارة الجامعة - والإظهار ليس هو التبليغ، وإنّما هم بعد أن اطّلعوا على ملاكات الأحكام وما تقتضيه تلك الملاكات من الأحكام الخمسة فحينئذ يكونون مظهرين لأمر الله تعالى من عالم خفائه إلى أن يبيّنوه للناس.

ولكنّهم علیهم السلام {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}((1)). ولذا نجدهم في بعض الروايات يُسألون فينتظرون أمر الله تعالى إلاّ فيما قد فوّضهمفي بيانه وإظهاره للناس، وهذا الأمر مهم جدّاً أخي المؤمن، عليك أن تلتفت إليه جيّداً، فإنّ انتظار أمر الله تعالى في الأحكام حتّى من قبل النبي صلی الله علیه و آله و سلم ليس باعتبار عدم علمه، وإنّما هو التأدّب مع الله تعالى، وقد تكون هناك أغراض أخرى في تأخير إجابتهم للناس لسنا بصدد ذكرها.


1) سورة الأنبياء الآية (27).

نتيجة المقدّمات

عرفنا أن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، وهي ملاكات الأحكام، فمن عرفها فقد عرف ما تقتضيه من الأحكام الخمسة، وصحّ تفويض إظهار الحكم له، بعد أن عرفه، فلم يمنع من التفويض لهم علیهم السلام مانع من عقل أو شرع.

والأحكام في حقّنا قد يكون منها إرشادي؛ إذا أدرك العقل وعرف ملاكها، كوجوب العدل، وطاعة المولى، وشكر المنعم، وغيرها مما يُدرك العقل وجوبه أو حرمته، ومنها ما يكون مولويّاً تخفى فيها علينا ملاكات الأحكام، والعقل البشري قاصر عن إدراكها، كالصلاة بالكيفيّة المعروفة، وكون صلاة الصبح ركعتين، وصلاة الظهرين أربع، وغيرها من الأحكام الشرعيّة الكثيرة المولويّة، وحتّى لو عُلّمنا ملاكات بعض الأحكام تبقى تلك الأحكام مولوية بالنسبة إلينا، لأننا إنّما اطّلعنا عليها وعلمنا بها لا بمحض العقول.

وأمّا الأحكام في حقّ النبي محمد وآله صلی الله علیه و آله و سلم فهي إرشاديّة، لعلمهم وإدراكهم ملاكات الأحكام كلّها، بفيض الله تعالى وتعليمه وإلهامه، منّة منه على أحبائه وأوليائه علیهم السلام، فإنّه تعالى قد أفاض عليهم العقل المدرك لتلك المصالح والمفاسد للأحكام.

نماذج من إعمال الولاية التشريعيّة

اشاره

تضمّنت الأحاديث الكثيرة بياناً لبعض الموارد التي كانت من تشريع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وقد أجاز الله تعالى له ذلك، وهذه الأحاديث تصلح دليلاً على ثبوت الولاية التشريعيّة للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ومنها:

الأوّل: ركعات الصلوات المفروضة:

إنّ الله عزّ وجلّ فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فكانت عشر ركعات، فأضاف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إلى الظهرين والعشاء ركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة، فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن إلا في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة.

ففي الكافي للشيخ الكليني ج1 ص266: بسند صحيح عن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إن الله عز وجل أدّب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال: {...إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}((1))، ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده، فقال عز وجل: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((2)) وإن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كان مسدّداً موفّقاً مؤيّداً بروح القدس، لا يزل ولا يخطئ في شيء مما يسوس به الخلق، فتأدب بآداب الله.

ثم إنّ الله عزّ وجلّ فرض الصلاة ركعتين، ركعتين عشر ركعات، فأضاف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة، فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن إلاّ في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله عزّ وجلّ لهذلك، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة، ثم سن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم النوافل أربعا وثلاثين ركعة مثلي الفريضة فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك، والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة؛ منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعد بركعة مكان الوتر، وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان، وسنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم صوم شعبان وثلاث أيّام في كلّ شهر مثلي الفريضة فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك،


1) القلم: من الآية4.

2) الحشر: من الآية7.

وحرّم الله عزّ وجلّ الخمر بعينها، وحرّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم المسكر من كلّ شراب فأجاز الله له ذلك كله.

وعاف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أشياء وكرهها ولم ينه عنها نهي حرام إنّما نهى عنها نهي إعافة وكراهة، ثم رخّص فيها فصار الأخذ برخصه((1)) واجباً على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه، ولم يرخص لهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فيما نهاهم عنه نهي حرام، ولا فيما أمر به أمر فرض لازم، فكثير المسكر((2)) من الأشربة نهاهم عنه نهي حرام لم يرخص فيه لأحد، ولم يرخص رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمهما إلى ما فرض الله عزّ وجلّ، بل ألزمهم ذلك إلزاماً واجباً، لم يرخص لأحد في شيء من ذلك إلاّ للمسافر، وليس لأحد أن يرخص [شيئاً] ما لم يرخصه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فوافق أمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أمر الله عزّ وجلّ ونهيه نهي الله عزّ وجلّ ووجب على العباد التسليم له كالتسليم لله تبارك وتعالى)((3)).

وفي الكافي الشيخ الكليني ج3 ص272 بسند صحيح أيضاً عن أبيجعفر علیه السلام قال:


1) في بعض النسخ [برخصته].

2) لا إشكال في حرمة شرب الخمر، ولا فرق بين قليله وكثيره، وهذه العبارة قد توهم خلاف ذلك، ويُمكن توجيهها بوجوه منها: أنها لا تدلّ على حليّة شرب القليل إلاّ بمفهوم اللقب، وهو ليس بحجّة اتفاقاً. ومن التوجيهات أن يُقال: المراد أنّ الله تعالى قد حرّم بعض المسكرات، والنبي نهى عن كثير من المسكرات الأخرى.

3) ثمّ ذكر بعده مثله بسند آخر.

(عشر ركعات - ركعتان من الظهر وركعتان من العصر وركعتا الصبح وركعتا المغرب وركعتا العشاء الآخرة - لا يجوز الوهم فيهنّ، ومَن وهم في شيء منهنّ استقبل الصلاة استقبالاً، وهي الصلاة التي فرضها الله عزّ وجلّ على المؤمنين في القرآن، وفوّض إلى محمد صلی الله علیه و آله و سلم فزاد النبي صلی الله علیه و آله و سلم في الصلاة سبع ركعات، وهي سنّة ليس فيها قراءة، إنّما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء، فالوهم إنّما يكون فيهنّ، فزاد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في صلاة المقيم غير المسافر ركعتين في الظهر والعصر والعشاء الآخرة وركعة في المغرب للمقيم والمسافر).

وفي عدة روايات((1)) تصريح بمناسبة الزيادة وهي مولد الحسنين ’، فكانت الزيادة منه صلی الله علیه و آله و سلم شكراً لله على تلك النعمة العظيمة بمولد النورين الطاهرين السبطين.

الثاني: صلاة الحضر والسفر والميت والخوف والكسوفين والعيدين

ففي الكافي للشيخ الكليني ج3 ص272 بسنده عن زرارة قال:

(قال أبو جعفر علیه السلام: فرض الله الصلاة، وسنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم عشرة أوجه: صلاة الحضر والسفر، وصلاة الخوف على ثلاثة أوجه، وصلاة كسوف الشمس والقمر، وصلاة العيدين، وصلاة الاستسقاء،


1) راجع الكافي للشيخ الكليني ج3 ص487، وعنه وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي ج4 ص50.

والصلاة على الميت).

الثالث: النوافل اليوميّة:

سن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مثلي الفريضة فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعد بركعة مكان الوتر.

وقد تقدّم ما يدلّ على ذلك في الحديث المذكور في المورد الأوّل.

الرابع: صوم شعبان وغيره:

وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان وسن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم صوم شعبان وثلاث أيام في كل شهر مثلي الفريضة فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك.

ففي علل الشرائع للشيخ الصدوق ج2 ص380: (الله تبارك وتعالى فوض إلى نبيه محمد صلی الله علیه و آله و سلم أمر دينه فقال: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((1)) فسنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم مكان أيّام البيض خميساً في أول الشهر، وأربعاء في وسط الشهر، وخميساً في آخر الشهر، وذلك الصوم السنة، من صامها كان كمن صام الدهر لقول الله عزّ وجلّ {مَن جَاء بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ


1) الحشر: من الآية7.

أَمْثَالِهَا...}((1))).

ولقد تقدّم ما يدلّ على ذلك في الحديث المذكور في المورد الأوّل.

الخامس: تحريم كلّ مسكر:

وحرم الله عزّ وجلّ الخمر بعينها وحرم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم المسكر من كل شراب فأجاز الله له ذلك كله.

ففي بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص 399: بسنده عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ الله أدّب نبيّه على أدبه، فلمّا انتهى به إلى ما أراد قال له: {...إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}((2)) ففوّض إليه دينه فقال:{...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((3)) وإنّ الله فرض في القرآن ولم يقسّم للجد شيئاً وإنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أطعمه السدس فأجاز الله له، وإنّ الله حرّم الخمر بعينها وحرّمرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كلّ مسكر فأجاز الله له ذلك، وذلك قول الله: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}((4)).

وفي بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص402: بسنده عن أبي جعفر علیه السلام قال:


1) سورة الأنعام من الآية (160).

2) القلم: من الآية4.

3) الحشر: من الآية7.

4) ص: 39.

(إنّ الله تبارك وتعالى أدّب محمداً صلی الله علیه و آله و سلم فلما تأدّب فوّض إليه فقال تبارك وتعالى: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((1)) فقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ...}((2)) فكان فيما فرض في القرآن فرايض الصلب، وفرض رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فرايض الجدّ، فأجاز الله ذلك له، وأنزل الله في القرآن تحريم الخمر بعينها فحرّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم المسكر فأجاز الله له ذلك في أشياء كثيرة، فما حرّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فهو بمنزلة ما حرّم الله).

الروايات في تحريمه صلی الله علیه و آله و سلم لكلّ مسكر كثيرة، ومنها ما تقدّم في الحديث المذكور في المورد الأوّل. كما يأتي ما يدلّ عليه في المورد الخامس والسادس والسابع والثامن.

السادس: تحريم المدينة:

حرّم الله مكّة وحرّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم المدينة فأجاز الله ذلك له.

ففي بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص400: بسنده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله علیه السلام قال:

قلت له: كيف كان يصنع أمير المؤمنين علیه السلام بشارب الخمر؟

قال: كان يحدّه.

قلت: فإن عاد؟


1) الحشر: من الآية7

2) النساء: من الآية80.

قال: يحدّه ثلاث مرّات فإن عاد كان يقتله. قلت: فمن شرب الخمر كما شرب المسكر؟

قال: سواء. فاستعظمت ذلك.

فقال: لا تستعظم ذلك، إنّ الله لمّا أدّب نبيّه إئتدب، ففوّض إليه، وإنّ الله حرّم مكّة وإنّ رسول الله حرّم المدينة فأجاز الله له ذلك، وإنّ الله حرّم الخمر وإنّ رسول الله حرّم المسكر فأجاز الله ذلك كله، وإنّ الله فرض الفرايض من الصلب وإنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يطعم الجدّ فأجاز الله ذلك له. ثم قال: حرف وما حرف {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ...}((1)).

السابع: أوقات الصلوات:

إنّ الله تعالى قد فرض الصلوات وإنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وقّت أوقاتها فأجاز الله ذلك له.

ففي بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص 399: بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام قال:

إنّ الله أدّب نبيّه حتى إذا أقامه على ما أراد قال له: {...وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}((2)) فلما فعل ذلك له رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم زكّاه الله


1) النساء: من الآية80. والحديث ذكر مثله في نفس الصفحة باختلاف يسير.

2) الأعراف: من الآية199.

فقال: {...إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}((1)) فلما زكّاه فوّض إليه دينه فقال: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((2)) فحرّم الله الخمر وحرّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كلّ مسكر فأجاز الله ذلك كله، وإنّ الله أنزل الصلوة وإنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وقّت أوقاتها فأجاز الله ذلك له).

الثامن: دية العين ودية النفس:

وضع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم دية العين ودية النفس فأجاز الله له ذلك.في الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام قال:(وضع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم دية العين ودية النفس وحرم النبيذ وكل مسكر، فقال له رجل: وضع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من غير أن يكون جاء فيه شيء؟ قال: نعم ليعلم من يطع الرسول ممن يعصيه)((3)).

التاسع: القسمة للجدّ:

إن الله عزّ وجلّ فرض الفرائض ولم يقسم للجد شيئاً وإن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أطعمه السدس فأجاز الله جل ذكره له ذلك.

ففي الكافي للشيخ الكليني ج1 ص267: بسنده عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله علیه السلام قال:


1) القلم: من الآية4.

2) الحشر: من الآية7.

3) في الكافي للشيخ الكليني ج1 ص267، ومثله في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص401.

إن الله تبارك وتعالى أدّب نبيّه صلی الله علیه و آله و سلم فلمّا انتهى به إلى ما أراد، قال له: {...إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}((1)) ففوّض إليه دينه فقال: {...وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((2)) وإنّ الله عزّ وجلّ فرض الفرائض ولم يقسم للجدّ شيئاً وإنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أطعمه السدس فأجاز الله جلّ ذكره له ذلك، وذلك قول الله عزّ وجلّ: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}((3)).

وفي بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص400: بسنده عن أبي جعفر علیه السلام قال:(إنّ الله أدّب محمداً صلی الله علیه و آله و سلم تأديباً ففوض إليه الأمر وقال: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((4)) وكان مما أمره الله في كتابه فرايض الصلب وفرض رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم للجد فأجاز الله ذلك له((5))).وفي بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص402: بسنده عن الإمام محمد بن علي ’ قال:

(إنّ الله تبارك وتعالى أدّب محمداً صلی الله علیه و آله و سلم فلمّا تأدّب فوّض إليه الأمر


1) القلم: من الآية4.

2) الحشر: من الآية7.

3) صّ: 39.

4) الحشر: من الآية7

5) في البحار: وحرّم الله الخمر في كتابه بعينها وحرّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كلّ مسكر فأجاز الله ذلك له.

فقال تبارك وتعالى: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((1)) فقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ...}((2)) فكان فيما فرض الله في القرآن فرايض الصلب وفرض رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فرايض الجدّ فأجاز الله ذلك، وأنزل الله له في القرآن تحريم الخمر بعينها وحرّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كلّ مسكر فأجاز الله ذلك له وأشياء كثيرة وكلّ ما حرّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فهو بمنزلة ما حرّم الله).

وفي بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص403: بسنده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن قوله:(إنّ الله فوّض الأمر إلى محمد صلی الله علیه و آله و سلم فقال: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((3)) قال: إنّ الله خلق محمداً صلی الله علیه و آله و سلم طاهراً ثم أدّبه حتى قوّمه على ما أراد، ثم فوّض إليه الأمر فقال: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((4)) فحرّم الله الخمر بعينها وحرّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم المسكر من كلّ شراب وفرض الله فرايض الصلب وأعطى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الجدّ فأجاز الله له ذلك وأشياء ذكرها من هذا الباب).

وفي تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج9 ص397 بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال:(إنّ الله أدّب محمداً صلی الله علیه و آله و سلم فأحسن تأديبه فقال:


1) الحشر: من الآية7

2) النساء: من الآية80.

3) الحشر: من الآية7

4) الحشر: من الآية7

{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ}((1)) قال: فلمّا كانذلك أنزل الله عليه {وإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}((2)) فلمّا كان ذلك فوّض إليه دينه فقال: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}((3)) فحرّم الله الخمر بعينها وحرّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كلّ مسكر فأجاز الله له ذلك، وفرض الله الفرائض فلم يذكر الجدّ فجعل له رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم سهماً فأجاز الله ذلك له، وكان والله يعطي الجنة على الله فيجوز الله ذلك له).

تقدّم ما يدلّ على ذلك في الحديثين المذكورين في المورد الرابع. وفي الحديث المذكور في المورد الخامس.

العاشر: غسل يوم الجمعة

إنّ مما ثبت تشريع النبي صلی الله علیه و آله و سلم له هو غسل يوم الجمعة.

فروي عن الإمام الصادق علیه السلام في علّة غسل يوم الجمعة:

(إن الأنصار كانت تعمل في نواضحها وأموالها، فإذا كان يوم الجمعة حضروا المسجد، فتأذى الناس بأرواح آباطهم وأجسادهم، فأمرهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بالغسل، فجرت بذلك السنة)((4)).


1) سورة الأعراف الآية (199).

2) القلم: 4.

3) الحشر: من الآية7

4) من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ج1 ص112، ومثله بتغيير يسير رواه الشيخ أيضاً في علل الشرائع ج1 ص285 مسنداً إلى أبي عبد الله علیه السلام. ورواه الشيخ الطوسي في التهذيب ج1 ص366.

ولقد صرّح بثبوت هذا التشريع العلماء الأعلام، ففي صراط النجاة للميرزا جواد التبريزي ج3 ص450: في جواب سؤال وجّه إليه قال فيه:(التفويض في التشريع إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم في الشريعة أمر ثابت في الجملة، وسنن النبي صلی الله علیه و آله و سلم في الدين أمر معروف، كتشريعه غسل الجمعة).

الحادي عشر: إطعام أهل الميّت

ثلاثة أيّامروي عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (لمّا قتل جعفر بن أبي طالب علیه السلام أمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فاطمة علیها السلام أن تتخذ طعاماً لأسماء بنت عميس ثلاثة أيّام، وتأتيها ونساءها فتقيم عندها ثلاثة أي

عموم التفويض

ولا يعني ذكر تلك الأمور أنّ التفويض اقتصر عليها، بل

هذا هو المقدار الذي عثرنا عليه، وقد يجد الباحث أكثر من ذلك، كما أنّه ليس كلّ ما كان تشريعاً له صلی الله علیه و آله و سلم قد وصل إلينا، كما يمكن وجود تشريعات لم يصرّح أهل البيت علیهم السلام بأنّها من تشريعاته صلی الله علیه و آله و سلم ، ويؤيّد ذلك بعض الروايات الدالّة على أنّ التفويض لهم صلوات الله عليهم في أوسع من ذلك.

فمنها: ما في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص400: بسنده عن الإمام جعفر بن محمد صلی الله علیه و آله و سلم :(إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كان يفوّض إليه، إنّ الله تبارك وتعالى فوّض إلى سليمان ملكه فقال: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}((1)) وإنّ الله فوّض إلى محمد نبيّه فقال: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((2)) فقال رجل: إنّما كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم مفوّضاً إليه في الزرع والضرع. فلوى جعفر علیه السلام عنه عنقه مغضباً فقال: في كلّ شيء، والله في كلّ شيء).

ومنها ما في الكافي للشيخ الكليني ج1 ص441: بسنده عن محمد بن سنان قال:(كنت عند أبي جعفر الثاني علیه السلام فأجريت اختلاف الشيعة،


1) صّ: 39.

2) الحشر: من الآية7

فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفرداً بوحدانيته ثم خلق محمداً وعليّاً وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوّض أمورها إليهم، فهم يحلون ما يشاؤون ويحرّمون ما يشاؤون ولن يشاؤوا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى، ثم قال: يا محمد هذه الديانة التي من تقدّمها مرق، ومن تخلف عنها محق، ومن لزمها لحق، خذها إليك يا محمد).

الغرض من ثبوت الولاية التشريعية لهم علیهم السلام

إن تفضّل الله سبحانه وتعالى على أهل البيت علیهم السلام بالولاية التشريعية وإعطاءهم حقّ التشريع، لا إشكال أنّ فيه تعظيماً لأوليائه وتشريفاً لهم.

والله سبحانه وتعالى المتفضّل على جميع الخلق بالنعم الكثيرة التي لا تُعدّ ولا تُحصى، فأنعم على كلّ مخلوقاته بنعمة شرف الوجود، وكذلك رزق جميع العباد، وبذل النعم الكثيرة للإنسان يتنعّم بها في مأكله ومشربه وملبسه ومركوبه، كما خلق الزوجين الذكر والأنثى، كلّ ذلك لجميع الخلق تفضلاً منه ورحمة.

أمّا أولياؤه وأحباؤه وأنصاره فلا إشكال في أنّ فضل الله تعالى عليهم أكبر وأعظم وأشرف، ومما شرّف الله تعالى أولياءه النبي محمداً وآله الطاهرين أن جعل لهم حق التشريع على خلقه كما

كان لهم حق الولاية والتصرّف فيهم وأنهم أولى بالخلائق من أنفسهم.

كما أنّ الله تعالى أراد أن يختبر ويبتلي عباده بطاعتهم لأوليائه الطاهرين، فشرّع النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم أحكاماً فأمضاها الله تعالى له وأمر الناس بطاعة حبيبه ورسوله محمد صلی الله علیه و آله و سلم فقال:

{...وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((1)).

وقال عزّ وجلّ: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ...}((2)).

فجعل الله تعالى كلّ ما يصدر من النبي صلی الله علیه و آله و سلم صادراً عنه تعالى، ويجب على الناس كافّة طاعة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، كما يجب عليهم طاعة الله سبحانه وتعالى، وإنّ مَن أطاع النبي صلی الله علیه و آله و سلم فيما يأمر وينهي فقد أطاع الله تعالى.

ففي الكافي((3)) للشيخ الكليني ج1 ص267 بسنده الصحيح عنزرارة أنه سمع أبا جعفر وأبا عبد الله ’ يقولان: إن الله تبارك وتعالى فوض إلى نبيه صلی الله علیه و آله و سلم أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم، ثم تلا هذه الآية {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((4)).


1) الحشر: من الآية7.

2) النساء: من الآية80.

3) ومثله في الكافي أيضاً ص267 بسند صحيح أيضاً. ومثله في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص 398. ومثله في ص399. وكذا في ص 400.

4) الحشر: من الآية7.

وفي الكافي أيضاً ج1 ص267: بسنده عن زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام قال: وضع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم دية العين ودية النفس وحرم النبيذ وكل مسكر،

فقال له رجل: وضع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من غير أن يكون جاء فيه شيء؟

قال: نعم ليعلم من يطيع الرسول ممن يعصيه)((1)).


1) مثله في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص401.

التفويض عند العامة

اشاره

إنّ هذا المعنى من التفويض كما هو ثابت قطعي عند شيعة أهل البيت علیهم السلام، بالآيات والروايات كذلك هو موجود في روايات العامّة، وصرّح بعض علمائهم بثبوت التفويض للنبي صلی الله علیه و آله و سلم في بعض الأحكام، بل ورد في بعض أحاديثهم التفويض لأمير المؤمنين علیه السلام.

الحديث الأوّل:

اشاره

ومن الأحاديث المتفق عليها ما ورد بلفظ: (لولا أنّي أخاف أن أشقّ على أمتي لأمرتهم...)((1)) بالسواك تارة، وتأخير صلاة العشاء


1) وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي ج2 ص17 عن الفقيه ج1 ص34. وص19 عن الكافي ج3 ص22، والمحاسن ص561، والفقيه ج1 ص33، وعلل الشرايع ص293. والوسائل أيضاً ج4 ص185 عن التهذيب ج2 ص261، والاستبصار ج1 ص272، والتهذيب ج2 ص262، والوسائل أيضاً ج11 ص223 عن العلل ص412. وكذا في صحيح البخاري ج1 ص214، وج2 ص234، وج8 ص131. وصحيح مسلم ج2 ص116. وفي كلّ مسانيدهم بلا استثناء.

إلى ثلث الليل تارة أخرى، وفي ثالث لاستقيت من بئر زمزم ذَنوباً((1)) أو ذَنوبين، وما قارب هذا اللفظ، فإنّه مروي عند الفريقين في روايات متعددة كثيرة، وهو أمر مسلّم به عندنا وعندهم. ولم يشكّ أحد في استفاضته إنّ لم يكن متواتراًً، فلذا لا معنى للحديث عن السند، وإثبات صحّته.

دلالة الحديث:

إنّ الأمر في الحديث الشريف المراد به الإيجاب والفرض، كما صرّحت به بعض الروايات((2))، وإلاّ فالسواك مأمور به بأمر استحبابي،فلا معنى (لأمرتكم) في حين أنّه مأمور به.

والمتأمّل في الحديث الشريف يجد أنّه دالّ على التفويض له صلی الله علیه و آله و سلم في الدين، وأنّ له الولاية التشريعيّة، لأنّ الأحكام الشرعيّة إذا كانت لا تصدر إلا عن الله تعالى فلا يصحّ من النبي صلی الله علیه و آله و سلم أن يقول: لخوفي عليكم لم أفرض السواك عليكم،ولم أوجب عليكم تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل.

لأنّه إن كان حكم الله تعالى هو الوجوب لا يصحّ أن يُخالفه ويسكت عن بيانه، وإن كان حكم الله تعالى هو الاستحباب فلا


1) الذنوب: الدلو المملوء ماءاً.

2) مستدرك الوسائل للميرزا النوري ج1 ص360، وص364، ج3 ص136.

معنى لعدم إيجابه خوفاً على أمته، بل يكون عدم الإيجاب لأن الله تعالى قد حكم باستحبابه.

فحتّى يستقيم معنى الحديث المتفق عليه المتواتر لا بدّ من كونه دالاًّ على أنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم له حقّ أن يُشرّع وجوب السواك، كما أنّ له الحق أيضاً في إيجاب تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل، وفرض الإستقاء من بئر زمزم ذَنوباً أو ذَنوبين.

الحديث الثاني:

ومن الأحاديث عندهم ما في مسند أحمد بن حنبل ج2 ص508 بسنده عن أبي هريرة قال: (خطبنا - وقال مرّة خطب - رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقال: أيّها الناس إنّ الله عزّ وجلّ قد فرض عليكم الحج فحجّوا. فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم...)((1)).

وعلى هذا الحديث اعتمد من قال بالتفويض لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من أهل العامة كالنووي في شرح مسلم ج9 ص101: حيث قال


1) الأحاديث عند العامة في هذا المضمون كثيرة فراجع جامع البيان لابن جرير الطبري ج7 ص110. ومسند احمد بن حنبل ج1 ص370، وص371، و ج2 ص508. وصحيح مسلم لمسلم النيسابوري ج4 ص102. وسنن النسائي ج5 ص110، وص111. والمستدرك للحاكم النيسابوري ج1 ص470، وج2 ص293. والسنن الكبرى للبيهقي ج4 ص325، وص 326، و ج5 ص178.

(وأمّا قوله صلی الله علیه و آله و سلم (لو قلت نعم لوجبت) ففيه دليل للمذهب الصحيح أنه صلی الله علیه و آله و سلم كان له أن يجتهد في الأحكام ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي).

والظاهر أنّه يريد بالإجتهاد هنا التفويض أو الإجتهاد الذي لا يصحّ فيه الخطأ، فيرجع إلى معنى التفويض تقريباً، وإلاّ فهو منافٍ لقولهم بعصمته صلی الله علیه و آله و سلم في الشرع، وإن كان بعضهم لا يلتزم حتّى بهذا المقدار من العصمة.

وكذلك ابن عبد الهادي في حاشية السندي على النسائي ج5 ص110: فلقد صرّح بلفظ التفويض فقال: - تعليقاً على فقرة من فقرات الحديث السابق(لو قلت نعم لوجبت… الخ) - (أي لوجب الحج كلّ عام وهذا بظاهره يقتضي أنّ أمر افتراض الحج كلّ عام كان مفوّضاً إليه، حتى لو قال: نعم، لحصل، وليس بمستبعد، إذ يجوز أن يأمر الله تعالى بالإطلاق ويفوض أمر التقييد إلى الذي فوض إليه البيان فهو إن أراد أن يبقيه على الإطلاق يبقيه عليه وإن أراد أن يقيده بكل عام يقيده به).

والمباركفوري في تحفة الأحوذي ج3 ص459 فلقد قال:((ولو قلت نعم لوجبت) استدلّ به على أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم مفوّض في شرع الأحكام وفي ذلك خلاف مبسوط في الأصول). وكذا في نيل الأوطار ج7 ص226.

الحديث الثالث:

وليس الأمر مقتصراً على ما ذكرناه من الأحاديث، بل يُمكن الإستدلال على الولاية التشريعيّة من كتبهم بمثل الحديث المروي في المناقب للخوارزمي ص134 بسنده عن جابر قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : (إنّ الله لمّا خلق السماوات والأرض دعاهنّ فأجبنه، فعرض عليهنّ نبوّتي وولاية علي بن أبي طالب فقبلتاهما، ثمّ خلق الخلق، وفوّض إليناأمر الدين، فالسعيد من سعد بنا، والشقي من شقي بنا، نحن المحلون لحلاله والمحرمون لحرامه)((1)).

ولقد أورده السيد هاشم البحراني في غاية المرام ج5 ص128. في مقام الاستدلال على التفويض في الشّرع عند العامّة.

كما استدلّ به أحمد بن داود بن سعيد، فإنه كان من العامّة ثمّ استبصر، وكتب كتباً في الردّ على المخالفين، وعدّ الشيخ في الفهرست والنجاشي من كتبه كتاب التفويض.


1) وعنه حسن بن سليمان الحلي في المحتضر ص173. ومثله في مائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص25 بسنده عن طريق العامّة.

التفويض والوحي

قد يقول قائل: كيف يصحّ التفويض مع أنّ الله تعالى قد حصر معارف النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم بالوحي، ولا ينطق عن الهوى، بل إنّما هو مُوحى إليه فقط، فليس هناك قول للنبي صلی الله علیه و آله و سلم من غير الوحي، فقال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}((1)).

فنقول: الوحي له معانٍ متعددة، كما أنّ له مصاديق وأفراد مختلفة، فلقد ورد في القرآن الكريم الوحي بمعنى الإلهام في مثل قوله تعالى:

{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}((2)).


1) سورة النجم.

2) سورة النحل الآية (68).

{إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا(1)وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا(2)وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا(3)يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا(4)بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}((1)).

ويأتي بمعنى النقر في القلب، كقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}((2)).

ويأتي بمعنى الإيجاد، كقوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}((3)).

ويأتي بمعنى الإشارة، كقوله تعالى:{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِفَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}((4)).

وغير تلك المعني التي وردت في القرآن، ولسنا بصدد الإستقصاء.

وعلى هذا فإنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم إن هو إلاّ وحي يوحى، ولكنّ الوحي لا يقتصر على المخاطبة عن طريق الملك، فإنّه يصحّ أيضاً عن طريق الإلهام، فالله تعالى يُطلع حبيبه على المصالح والمفاسد الواقعيّة، وملاكات الأحكام، كما يُلهمه إظهار الحكم على مقتضى تلك الملاكات، ولا يكون بذلك خارجاً عن الوحي.


1) من سورة الزلزلة.

2) سورة القصص الآية (7).

3) سورة فصلت الآية (12).

4) سورة مريم الآية (11).

فروي عن أبي الحسن العسكري علیه السلام – في حديث – جاء فيه: (...وقوله {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء...}((1)) قال: وحي مشافهة، ووحي إلهام، وهو الذي يقع في القلب، أو من وراء حجاب، كما كلّم الله نبيه صلی الله علیه و آله و سلم وكما كلّم الله موسى علیه السلام من النار، أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء...)((2)).

وأمّا الآية المباركة: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}((3)) فقد يُقال: إنّها ظاهرة في نفي كلّ شيء عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم حتّى الولاية التشريعيّة.

فأقول: هذا الإستظهار ليس في محلّه، وبعيد عن الصواب، فإنّ الآية الكريمة لا تنفي كلّ شيء عنه صلی الله علیه و آله و سلم ، وكيف!!! ولقد كان لرسول الله - على الأقل - حقّ بيان الأحكام وتبليغها، وحقّ القضاء وفصل الخصومات، وغيرها مما هو مُسلّم به عند الجميع.ففي بصائر الدرجات((4)) بسنده عن أبي حمزة الثمالي قال: (قرأت هذه الآية إلى أبي جعفر علیه السلام: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ


1) سورة الشورى الآية (51).

2) تفسير القمي لعلي بن إبراهيم القمي ج2 ص278، بسنده.

3) سورة آل عمران الآية (128).

4) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص402.

شَيْءٌ...}((1)) قول الله تعالى لنبيه، وأنا أريد أن أسأله عنها، فقال أبو جعفر علیه السلام بل وشيء بشيء مرتين، وكيف لا يكون له من الأمر شيء!!! فقد فوّض الله إليه دينه فقال: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((2)) فما أحلّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فهو حلال وما حرّم فهو حرام).

فلابُدّ أن الأمر المذكور في الآية الشريفة يُقصد منه شيء معيّن، وهو المنفي دون سواه، فما هو المنفي؟

المنفي - بحسب ما يظهر لنا من سياق الآية المباركة، وبحسب التأمّل في سبب النزول - هو أنّ الناس إذا لم يُنصروا ذمّوا النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، فالله تعالى أراد أنّ يُلفت نظر الناس بأنّ ذلك الأمر من النصرة وعدمها من فعل الله تعالى فلا يجوز مذمّة النبي صلی الله علیه و آله و سلم على عدم النصرة.

قال السيد الطباطبائي في ميزانه((3)): (وقوله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ...}((4)) معترضة، وفائدتها بيان أنّ الأمر في القطع والكبت لله، وليس للنبي صلی الله علیه و آله و سلم فيه صنع حتى يمدحوه ويستحسنوا تدبيره إذا ظفروا على عدوّهم ونالوا منه، ويلوموه ويوبّخوه إذا دارت الدائرة عليهم ويهنوا ويحزنوا، كما كان ذلك منهم يوم أحد على ما


1) سورة آل عمران من الآية (128).

2) الحشر: من الآية7.

3) تفسير الميزان للسيد الطباطبائي ج4 ص9.

4) سورة آل عمران من الآية (128).

حكاه الله تعالى).

وإنّ تركنا استظهاراتنا - التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع عند ورود التفسير من عِدل القرآن وأهل بينت النبوّة والإمامة علیهم السلام - نجد أنّالروايات قد فسّرت الأمر بأنّه يُشير إلى ولاية أمير المؤمنين علیه السلام، فإنّ أمر ولاية علي علیه السلام كأمر نبوّة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ليس للنبي فيها إرادة واختيار، بل هي من الله تعالى محضاً من أوّل تكوينه علیه السلام، فمن قبل تلك الولاية فسيتوب الله عليه، ويُدخله النعيم المقيم، ومن لم يقبلها فلن يتقبّل الله تعالى منه عمل، ولن يتوب عليه، وله العذاب الأليم.

فعن جابر الجعفي قال:(قرأت عند أبي جعفرعلیه السلام قول الله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ...}((1)) قال: بلى والله إنّ له من الأمر شيئاً وشيئاً وشيئاً، وليس حيث ذهبت، ولكنّي أخبرك، إنّ الله تبارك وتعالى لمّا أمر نبيّه صلی الله علیه و آله و سلم أن يُظهر ولاية علي فكّر في عداوة قومه له ومعرفته بهم، وذلك الذي فضله الله به عليهم في جميع خصاله، كان أوّل من آمن برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وبمن أرسله، وكان أنصر الناس لله ولرسوله، وأقتلهم لعدوهما وأشدّهم بغضاً لمن خالفهما، وفضل علمه الذي لم يساوه أحد، ومناقبه التي لا تحصى شرفاً، فلما فكّر النبي صلی الله علیه و آله و سلم في عداوة قومه له في هذه الخصال، وحسدهم له عليها ضاق عن ذلك [صدره] فأخبر الله


1) سورة آل عمران من الآية (128).

انه ليس له من هذا الأمر شيء إنما الأمر فيه إلى الله أن يُصيِّر عليًّاعلیه السلام وصيّه وولي الأمر بعده، فهذا عنى الله، وكيف لا يكون له من الأمر شيء وقد فوّض الله إليه أن جعل ما أحلّ فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، قوله: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((1)))((2)).

ويؤيّد هذه الرواية ما روي من مواقف أمير المؤمنين علیه السلام وجهاده بين يدي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في يوم أحد حتّى أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم نظر إلى السماءوقال:

(اللهم إنّ محمّداً عبدك ورسولك، جعلت لكلّ نبي وزيراً من أهله، لتشد به عضده، وتشركه في أمره، وجعلت لي وزيراً من أهلي، عليّ بن أبي طالب أخي، فنعم الأخ ونعم الوزير، اللهم وعدتني أن تمدّني بأربعة آلاف من الملائكة مردفين، اللهم وعدك وعدك إنّك لا تخلف الميعاد، وعدتني أن تظهر دينك على الدين كله ولو كره المشركون.

قال[الراوي]: فبينما رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يدعو ربّه ويتضرّع إليه إذ سمع دويّاً من الناس، فرفع رأسه فإذا جبرئيلعلیه السلام على كرسي من ذهب، ومعه أربعة آلاف من الملائكة مردفين وهو يقول:

لا فتى إلاّ علي، ولا سيف إلا ذو الفقار، فهبط جبرئيل علیه السلام على


1) الحشر: من الآية7.

2) تفسير العيّاشي لمحمد بن مسعود العيّاشي ج1 ص197،وأورد بعد تلك الرواية رواية أخرى، وكذا في تفسير فرات الكوفي ص93. والاختصاص للشيخ المفيد ص332. وراجع التفسير الأصفى للفيض الكاشاني ج1 ص171، وغيره الكثير ممن نقل هذه الروايات.

الصخرة وحفّت الملائكة برسول الله فسلّموا عليه. فقال جبرئيل علیه السلام: يا رسول الله. والذي أكرمك بالهدى لقد عجبت الملائكة المقربون لمواساة هذا الرجل لك بنفسه. فقال: يا جبرئيل ما يمنعه يواسيني بنفسه وهو مني وأنا منه. فقال جبرئيل: وأنا منكما - حتى قالها ثلاثا - ثمّ حمل علي بن أبي طالبعلیه السلام. وحمل جبرئيل علیه السلام. والملائكة ثم إن الله تعالى هزم جمع المشركين وتشتت أمرهم، فمضى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وعلي بن أبي طالبعلیه السلام بين يديه، ومعه اللواء قد خضبه بالدم، وأبو دجانة خلفه، فلمّا أشرف على المدينة فإذا نساء الأنصار يبكين رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ... ثمّ قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : أيّها الناس، إنّكم رغبتم بأنفسكم عنّي، ووازرني علي وواساني، فمن أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني وفارقني في الدنيا والآخرة...).

القرآن فيه تبيان كلّ شيء

قد يتوهّم متوهّم ويتصوّر أنّ القرآن لمّا كان مُشتملاً على كلّ شيء، فلا موضوعيّة للولاية التشريعيّة، فإنّ الأحكام الشرعيّة كلّها موجودة في القرآن الكريم، فأين تشريعات النبي صلی الله علیه و آله و سلم حينئذ؟

إنّ القرآن لم يترك شيئاً، ولم يفرّط في شيء، بل بيّن كلّ شيء، والآيات الناصّة على ذلك هي:

{...وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُش-ْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}((1)) {...مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَ-رُونَ}((2)).

والجواب: إنّنا نتسائل، أين عدد الركعات، وأنصبة الزكاة، وكيفية الصلاة وكيفية الصوم وشرائطه وأحكامه؟


1) سورة النحل من الآية (89).

2) سورة الأنعام من الآية (38).

والقرآن لم يتطرّق لكلّ الحدود والديات والتعزيرات وغيرها من الأحكام الكثيرة.

فلو ادّعينا؛ بأنّ الآيات بظاهرها تنصّ على أنّ القرآن فيه كلّ شيء، ومنها الأحكام الكليّة والجزئيّة، لكذّب هذه الدعوى الواقع المقطوع به، ولو ادّعينا ذلك لاتخذنا الغير هُزواً، واتهُمنا بالإصابة في عقولنا.

فمن هنا نقول: إنّ القرآن الكريم اشتمل في ظاهره على مُجملات تفصيلها وبيانها وتفريعها إنّما كان على لسان أوليائه علیهم السلام، واشتمل على ظاهر وباطن، بل بطون، كما أنّ له تفسيراً وتأويلاً، والعالم بأسرار هذا القرآن هم مَن أُنزل عليهم وفي بيوتهم.

وفي القرآن ما به تُسيّر الجبال وتُقطّع به الأرض ويُتكلّم به مع الموتى، وفي القرآن شفاء للأبدان والنفوس، وفيه العلوم التي من عرفها عرف أسرار الكون والحوادث، وغير ذلك مما هو معلوم لدى المؤمنين عامّة.فمن عرف القرآن فقد عرف التشريع وكيفيّته وملاكاته وموضوعاته، ومن عرف القرآن فقد علم أنّ الولاية لله تعالى ولرسوله صلی الله علیه و آله و سلم ولأوصيائه علیهم السلام على الناس في دينهم وأعراضهم وأنفسهم وأموالهم.

{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ

وَهُمْ رَاكِعُونَ}((1)).

فهم علیهم السلام المظهرون لأمره ونهيه، من بطون كتابه المشتمل على حقائق أسراره، لكونهم العارفين بالقرآن، والعاملين به، والمفسرين له، وهم القائمون على تأويله، كما أنّهم بالقرآن عرفوا كيف يُشرّعون.


1) سورة المائدة الآية (55).

التفويض للأوصياء علیهم السلام

لقد تقدّمت في المباحث السابقة الأحاديث الكثيرة على ثبوت الولاية التشريعيّة للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ولقد بيّن أهل البيت علیهم السلام دلالة الآية السابقة المباركة أيضاً على ثبوت حقّ التشريع للنبي صلی الله علیه و آله و سلم .

قال تعالى:{...وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((1))

وكذلك الأئمة المعصومين علیهم السلام مفوّض إليهم أمر التشريع كرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ولقد دلّ على هذا التفويض الإلهي لهم علیهم السلام أحاديث كثيرة منها:

ما في الكافي للشيخ الكليني ج1 ص265: بسنده الصحيح عن أبي إسحاق النحوي قال: دخلت على أبي عبد الله علیه السلام فسمعته يقول:


1) الحشر: من الآية7.

(إن الله عزّ وجلّ أدّب نبيّه على محبته فقال: {وإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}((1)) ثم فوّض إليه فقال عزّ وجلّ: {...وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((2)) وقال عزّ وجلّ: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ...}((3)) قال: ثم قال: وإنّ نبي الله فوّض إلى علي وائتمنه فسلّمتم وجحد الناس، فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا، وأن تصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله عزّ وجلّ، ما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا)((4)).

وفي الكافي أيضاً ج1 ص265: بسنده عن موسى بن أشيم قال:(كنت عند أبي عبد الله علیه السلام فسأله رجل عن آية من كتاب الله عزّ وجلّ فأخبره بها، ثمّ دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبرهبخلاف ما أخبر [به] الأوّل، فدخلني من ذلك ما شاء الله، حتّى كأنّ قلبي يُشرَّح بالسكاكين، فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطئ في الواو وشبهه، وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطاء كله. فبينا أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي، فسكنت نفسي، فعلمت أن ذلك منه تقية، قال: ثم التفتَ إليَّ فقال لي: يا ابن أشيم إن الله عزَّ وجلَّ فوّض إلى سليمان بن داود فقال: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ


1) القلم: 4.

2) الحشر: من الآية7.

3) النساء: من الآية80.

4) وبعده في الكافي ذكر مثله عن الإمام أبي جعفر علیه السلام. ومثله بتغييرات في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص404.

أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}((1)) وفوّض إلى نبيّه، صلی الله علیه و آله و سلم فقال: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((2)) فما فوّض إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقد فوّضه إلينا)((3)).

وفي الكافي أيضاً ج1 ص267: بسنده عن عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله علیه السلام:(لا والله ما فوّض الله إلى أحد من خلقه إلاّ إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وإلى الأئمة، قال عزّ وجلّ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ}((4)) وهي جارية في الأوصياءعلیهم السلام)((5)).

وفي الكافي أيضاً ج1 ص268: بسنده عن محمد بن الحسن الميثمي، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: سمعته يقول:(إن الله عزّ وجلّ أدّب رسوله حتى قوّمه على ما أراد، ثم فوّض إليه فقال عزّ ذكره: {...مَاآتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((6)) فما


1) صّ: 39.

2) الحشر: من الآية7.

3) ومثله بتغييرات في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص403. ومثله فيه أيضاً بتغييرات ص405. ومثله أيضاً بتغييرات ص406 وفي آخره زيادة (يا ابن أشيم من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإيمان، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيّقاً حرجاً، أتدري ما الحرج؟ قلت: لا. فقال بيده وضمّ أصابعه كالشيء المصمت الذي لا يخرج منه شيء ولا يدخل فيها شيء).

4) النساء: من الآية105.

5) ومثله في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص404.

6) الحشر: من الآية7.

فوّض الله إلى رسوله صلی الله علیه و آله و سلم فقد فوّضه إلينا)((1)).

و في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص404 بسنده عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول:(من أحللنا له شيئاً أصابه من أعمال الظالمين فهو له حلال، لأنّ الأئمة منّا مفوّض إليهم، فما أحلّوا فهو حلال، وما حرّموا فهو حرام).

وفيه بسنده عن أبي إسحق النحوي قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: (إنّ الله أدّب نبيّه على محبته فقال: {...إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}((2)) قال: ثمّ فوّض إليه فقال {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((3)) و {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ...}((4)) وإنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فوّض إلى علي وائتمنه، فسلّمتم وجحد الناس، ونحن فيما بينكم وبين الله ما جعل الله لأحد من خير في خلافه)((5)).


1) ومثله في بصائر الدرجات للصفّار ص403. وبسند آخر ص405.

2) القلم: من الآية4.

3) الحشر: من الآية7

4) النساء: من الآية80.

5) وفي نفس المصدر أورد مثله.

بعض موارد إعمال الولاية عند الأوصياء علیهم السلام

لقد تقدّمت الأحاديث الكثيرة في إثبات الولاية التشريعيّة لهم علیهم السلام، ولم نذكر كلّ ما ورد في حقّهم علیهم السلام، وإنّما اكتفينا بمقدار يفي بالغرض والمقصود، والذي لا تنفع معه تلك الأحاديث على كثرتها لا ينفعه الأكثر، والمؤمن لا يتوقّف إيمانه واعتقاده عند تلك الأحاديث الشريفة، بل إنّ ما يعتقده المؤمن أنّه لا يقوى الإنس والجن والملائكة على حصر المعشار من فضائلهم، وكلّ ما يُدركه المؤمن دون فضلهم علیهم السلام.

وإنّما أحببت أن يتبرّك المؤمن بذكر بعض الموارد التي جرى فيها الشرع المقدس على طبق ما سنُّوا وفعلوا، فمن ذلك ما فعله

أمير المؤمنين علیه السلام من الغُسل بعد تغسيل النبي صلی الله علیه و آله و سلم وإن كان النبي صلی الله علیه و آله و سلم طاهراً مطهراً، وجرت السنة عندهم علیهم السلام في تغسيل ميّتهم.

ففي تهذيب الأحكام((1)) للشيخ الطوسي ج1 ص469 بسنده عن الحسين بن عبيد قال: كتبت إلى الصادق علیه السلام: هل اغتسل أمير المؤمنين علیه السلام حين غسل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم عند موته؟ فأجاب:(كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم طاهراً مطهراً، ولكنّ أمير المؤمنين علیه السلام فعل، وجرت به السنَّة).

كما أنّه روي أنّ الإمام الجواد علیه السلام في سنة مائتين وعشرين قد أوجب تخميس الذهب والفضة التي قد حال عليها الحول في تلك السنة فقط، ولم يوجبها في كلّ سنة.

ففي الاستبصار((2)) بسنده عن الإمام الجواد علیه السلام من كتاب قال فيه:(إنّ الذي أوجبت في سنتي هذه وهذه سنة عشرين ومائتين فقط لمعنى من المعاني ، أكره تفسير المعنى كلّه خوفاً من الانتشار، وسأفسر لك بقيتهإن شاء الله... إلى أن يقول:...ولم أوجب ذلك عليهم في كلّ عام ولا أوجب عليهم إلا الزكاة التي فرضها الله عليهم، وإنّما أوجب عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضة التي قد حال عليها


1) وفي التهذيب أيضاً عن القاسم الصيقل ص107. ومثله في الاستبصار للشيخ الطوسي ج1 ص99.

2) الاستبصار للشيخ الطوسي ج2 ص60.

الحول...).

وليس الأمر مقتصراً على الأئمة المعصومين علیهم السلام والسيدة الزهراء علیها السلام ، بل حتّى مثل عبد المطلب علیه السلام، فلقد فعل وأمر وجرت السنّة على طبق فعله وأمره، فلقد روي أنّه سنَّ خمس سنن أجراها الله تعالى في الإسلام.

روى الشيخ الصدوق في الخصال((1)) ص312: بسنده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب علیهم السلام، عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قال في وصيته له: (يا علي إنّ عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن، أجراها الله له في الإسلام؛ حرّم نساء الآباء على الأبناء فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء...}((2)). ووجد كنزاً فأخرج منه الخمس وتصدّق به، فأنزل الله عزّ وجلّ:{وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ...الآية}((3)). ولمّا حفر زمزم سمّاها سقاية الحاج، فأنزل الله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ...الآية}((4)). وسنّ في القتل مائة من الإبل، فأجرى الله عزّ وجلّ ذلك في الإسلام، ولم يكن للطواف عدد عند قريش فسنّ فيهم عبد المطلب سبعة أشواط،


1) وفي الخصال ص312 بسند آخر مثله. ومثله أيضاً في عيون الأخبار للشيخ الصدوق ج1 ص212. والفقيه ج4 ص264.

2) سورة النساء من الآية (22).

3) سورة الأنفال من الآية (41).

4) سورة التوبة من الآية (19).

فأجرى الله ذلك في الإسلام. يا علي إنّ عبد المطلب كان لا يستقسم بالأزلام، ولا يعبد الأصنام، ولا يأكل ما ذبح على النصب، ويقول: أنا على دين أبي إبراهيم علیه السلام).

ومثله عن طرق العامّة في ينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي ج2ص340. ومن العامة أيضاً اليعقوبي في تاريخه ج1 ص252 قال: (وصارت الدية من الإبل على ما سن عبد المطلب).

كما روى ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب ج2 ص22 رواية مولد أمير المؤمنين وما جرى فيها من السنن.

الولاية التشريعيّة وإكمال الدين

قد يقول قائل: إنّ الدين قد اكتمل بالأحكام التي بيّنها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، سواء كانت ابتداءً من الله تعالى، أم بالتفويض إلى نبيّه صلی الله علیه و آله و سلم ، فليس هناك مورد يُتصوّر فيه ثبوت التفويض للأئمة المعصومين علیهم السلام، فلقد قال الله تعالى: {...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا...}((1)).

فأقول: إنّ الآية الشريفة لَم تقل:(اليوم أكملت لكم الدين) بل أكملت دين المخاطبين، ولا يتنافى ذلك مع تجدّد موضوعات لأحكام تُنشأ في وقت الحاجة إليها، ومن ذلك ما مرّ عليك من غسل أمير المؤمنين علیه السلام في تغسيل النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، وغيره مما أعملت فيه ولايتهم التشريعيّة، كتحليل الخمس لشيعتهم.


1) سورة المائدة من الآية (3).

فإنّ تلك الأحكام لا تتنافى مع إكمال الدين للذين خوطبوا، ونحن كذلك، الدين مكتمل بالنسبة إلينا بضميمة ما ورد عن أئمة الهدى.

ولتقريب الأمر أضرب مثالاً، فالمجتهد الموجود في عصر قبل مئة عام مثلاً، قد أفتى الناس بكلّ ما يحتاجونه، ولم ينقصهم شيء، وبعد مرور مئة عام وتجدد الموضوعات، يأتي الفقيه المعاصر لكي يُتمم للموجودين حاليّا كل ما يحتاجونه.

وإن شئت إلاّ الإكمال لجميع العصور في زمانه صلی الله علیه و آله و سلم ، فنقول: إنّ إعلان ولاية أمير المؤمنين علیه السلام، وما تحمل من ولاية تشريعيّة تكفي البشر في كلّ أمر دينهم، وهو كمال وتمام.

وأمّا الجامعة وفيها كلّ حلال وحرام، وكلّ شيء يحتاج الناس إليه، لا تتنافى مع الولاية التشريعيّة لهم علیهم السلام، لجواز أن يكون قد كتب في تلك الجامعة حكم وإن كان الذي يُظهره ويُنشؤه هو الإمام اللاحق.في الصحيح عن أبي بصير قال:(دخلت على أبي عبد الله علیه السلام فقلت له: جعلت فداك، إنّي أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟((1)) قال: فرفع أبو عبد الله علیه السلام ستراً بينه وبين بيت آخر فأطّلع فيه ثمّ قال: يا أبا محمد سل عمّا بدا لك. قال:


1) يستفهم الراوي عن وجود شخص يُمكن أن يُتّقى منه، أو وصول الصوت إلى مَن يُخاف منه.

قلت: جعلت فداك إنّ شيعتك يتحدثون أن رسول الله علیه السلام علّم عليّاً علیه السلام باباً يفتح له منه ألف باب؟ قال: فقال: يا أبا محمد، علّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم عليّاً علیه السلام ألف باب، يفتح من كلّ باب ألف باب. قال:قلت: هذا والله العلم.

قال: فنكت ساعة في الأرض ثمّ قال: إنه لعلم وما هو بذاك. قال: ثم قال: يا أبا محمد، وإنّ عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك، وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وإملائه من فلق فيه، وخطّ علي بيمينه، فيها كلّ حلال وحرام، وكلّ شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش، وضرب بيده إليّ فقال: تأذن لي يا أبا محمد؟ قال: قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتّى أرش هذا - كأنه مغضب - قال: قلت: هذا والله العلم.

قال: إنه لعلم وليس بذاك. ثم سكت ساعة، ثمّ قال: وإنّ عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر؟ قال: قلت: وما الجفر؟ قال: وعاء من أدم((1)) فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل. قال: قلت: إن هذا هو العلم.

قال: إنه لعلم وليس بذاك. ثمّ سكت ساعة ثمّ قال: وإنّ عندنا لمصحف فاطمة علیها السلام ، وما يدريهم ما مصحف فاطمة علیها السلام ؟


1) الأدم: جمع أديم، وهو الجلد المدبوغ.

قال: قلت: وما مصحف فاطمة علیها السلام ؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكمهذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت: هذا والله العلم.

قال: إنه لعلم وما هو بذاك. ثمّ سكت ساعة ثمّ قال: إنّ عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. قال: قلت: جعلت فداك هذا والله هو العلم.

قال: إنه لعلم وليس بذاك. قلت: جعلت فداك فأيّ شيء العلم؟ قال((1)): ما يحدث بالليل والنهار، الأمر من بعد الأمر، والشيء بعد الشيء، إلى يوم القيامة)((2)).

وكذا غيرها من الأحاديث التي نصّت على أنّ كلّ حلال وحرام قد دوّن في تلك الصحف، كما أنّ هذه الروايات غير آبية من الحمل على أنّ فيها كلّ حكم تمّ إنشاؤه وصدر من رسول صلی الله علیه و آله و سلم ، ولا يُنافي ذلك وجود بعض الأحكام وإن كانت يسيرة باقية إلى أن يحين وقت إنشائها على لسان أحد الأوصياء علیهم السلام.


1) بيّن هنا علیه السلام - في هذا القول- علم ما سيكون. بعد أن بيّن علیه السلام علم ما كان وما هو كائن.

2) الكافي للشيخ الكليني ج1 ص238.

الأئمة علیهم السلام مُحدِّثون ومُحدَّثون

الأئمة علیهم السلام لقد حدّثوا عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ونقلوا الأحاديث عنه، كما فسّروا قوله وفعله، ورووا سيرته وصفاته وكراماته، فتحدّثوا عنه بالكثير من المدح والثناء والذكر العطر.

ونجدهم في بعض الأحكام يُسندونها إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ويروونها عنه، فقد يقع تساؤل؛ لِمَ يروون بعض الأحكام عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم مع أنّهم عارفون بها، ومطّلعون على واقعها ودقائقها؟

فنقول: إنّ الأئمة علیهم السلام يسندون كلامهم في بعض الأحيان إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم لأغراض كثيرة لا يصحّ منّا دعوى الإحاطة بها، ولكن يُمكن القول بأنّ منها: إنّ بعض عديمي الإيمان لا يقبلون القول من الأئمة علیه السلام، فحتّى يُسلّم الناس بما يقولون، يقومون بروايته عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم .

فالإمام الباقر علیه السلام كان يُحدِّث الناس بحديث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وكانت الناس لا تقبل منه لأنّه لم يلقَ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فعند ذلك كان يأتيه جابر بن عبد الله الأنصاري ويطلب منه أن يُحدِّثه بما سمع من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، ويخرج الإمام علیه السلام فيُحدِّث الناس عن جابر عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فحينئذ قبلوا منه((1)).

ومن الدواعي - لإسناد حديثهم إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم - بيان أنّ هذا الحكم صدر من النبي صلی الله علیه و آله و سلم لا منهم، وأيضاً من الدواعي حفظ سيرة وكلام النبي صلی الله علیه و آله و سلم في ألسنة الناس وإبقاء ذكره عندهم، ومنها أنس الإمام وتقرّبه بذكر النبي صلی الله علیه و آله و سلم حبيب الله تعالى. وغير ذلك من الدواعي والأسباب للرواية عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم .

وقد يقول قائل: إنّ هناك روايات متعددة تدلّ بظاهرها على أنّ كلّحكم يقوله أهل البيت علیهم السلام، وكلّ معرفة يفيضونها، ما هو إلاّ رواية عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فكيف نوفّق بين هذه الروايات والروايات الدالّة على أنّ الولاية التشريعيّة حقّ ثابت لهم علیهم السلام؟

فيُقال له: لا توجد روايات تتنافى مع ثبوت الولاية التشريعيّة لأهل البيت علیهم السلام، والروايات التي ذُكر فيها أنّ حديثهم علیهم السلام هو حديث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، أو أنّ حديثهم من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم متعددة منها:


1) انظر الرواية في ذلك عن الكافي للشيخ الكليني ج1 ص469. وغيرها.

ما في الكافي للشيخ الكليني((1)) بسنده عن هشام بن سالم وحمّاد بن عثمان وغيره قالوا سمعنا أبا عبد الله علیه السلام يقول: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدِّي، وحديث جدِّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين علیهم السلام، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وحديث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قول الله عزّ وجلّ).

وهذا الحديث الشريف ظاهر في أنّ كلام أوّلهم لا يختلف عن كلام آخرهم، وكلامهم لا يُخالف قول الله تعالى، فإنّ قول كلّ واحد منهم إنّما هو من الله تعالى فكيف يختلف حديثهم مع قول الله تبارك وتعالى!!!

ومنها ما في أمالي الشيخ المفيد((2)) بسنده عن جابر قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام: إذا حدَّثتني بحديث فأسنده لي. فقال: حدَّثني أبي، عن جدي، عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، عن جبرئيل علیه السلام، عن الله عزّ وجلّ، وكلّما أحدثك بهذا الإسناد. وقال: يا جابر، لحديث واحد تأخذه عن صادق خير لك من الدنيا وما فيها).

ونعلق على هذه الرواية الشريفة: بأنّ كلام أهل البيت علیهم السلام بعضه رواية وحديث عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وهذا له سنده وقد بُيِّن في الرواية المذكورة، ومن كلامهم ما ليس برواية عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ،


1) عنه جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج1 ص127.

2) عنه جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج1 ص128.

وإنّما هو بفيض الله تعالى عليهم، وأنّهم يزدادون علماً، ولولا ذلكلنفد ما عندهم، وهذا مذكور في روايات كثيرة، ولقد عقد الكليني في الكافي باباً لذلك((1))،

وفي بعض الروايات أنّهم يزدادون في كلّ يوم، في الليل والنهار، ومن تلك الروايات:

ما روي عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال:(إنّا نزاد في الليل والنهار، ولولا أنّا نزاد في الليل والنهار لنفد ما عندنا)((2)).

وفي بعض الروايات أنّهم علیهم السلام يلتقون مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في كلّ ليلة جمعة فيزدادون علماً، كما روي ذلك في روايات متعددة حتّى أنّ بصائر الدرجات عقد باباً لذلك((3)) ومنها:

ما روي عن المفضّل قال:(قال لي أبو عبد الله علیه السلام ذات يوم - وكان لا يكنيني قبل ذلك -: يا أبا عبد الله.

فقلت: لبيك، جعلت فداك.

قال: إنّ لنا في كلّ ليلة جمعة سروراً.

قلت: زادك الله، وما ذاك؟

قال: إنّه إذا كان ليلة الجمعة وافا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم العرش، ووافى الأئمة معه، ووافينا معهم، فلا تردّ أرواحنا إلى أبداننا إلاّ بعلم مستفاد،


1) الكافي للشيخ الكليني ج1 ص254. (باب: لولا أنّ الأئمة علیهم السلام يزدادون لنفد ما عندهم).

2) راجع الروايات في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص252 – 253.

3) بصائر الدرجات محمد بن الحسن الصفار ص150. (باب ما يُزاد الأئمة في ليلة الجمعة من العلم المستفاد).

ولولا ذلك لنفد ما عندنا).

حتّى أنّ في بعضها دفع لإشكال وهو؛ كيف يُفاض عليهم فيكون المتأخّر يعلم بما لا يعلم به المتقدّم منهم علیهم السلام، فتُجيب الروايات المتعددة على أنّ ما يُفاض على متأخرهم يُفاض به على السابق منهم، ومن تلكالروايات:

ما في الكافي((1)) بسنده عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: لولا أنّا نزداد لأنفدنا، قال: قلت: تزدادون شيئاً لا يعلمه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ؟ قال: أما إنّه إذا كان ذلك عرض على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ثمّ على الأئمة ثم انتهى الأمر إلينا).

وبما أنّ الحق واحد لا يتعدد فكلامهم واحد لا يتعدد، ولا فرق حينئذ في الرواية عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، والرواية عنهم علیهم السلام، والحق كما يصحّ نسبته إلى الرسول صلی الله علیه و آله و سلم كذلك يصحّ نسبته إليهم علیهم السلام، فإنّ كلامهم نور واحد لا اختلاف فيه، كما أنّ أولهم محمد وأوسطهم محمد وآخرهم محمد في القول والفعل.

ففي الكافي((2)) بسنده عن أبي بصير(قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام: الحديث أسمعه منك أرويه عن أبيك، أو أسمعه من أبيك أرويه عنك؟ قال: سواء إلاّ أنّك ترويه عن أبي أحبّ إلي).


1) الكافي للشيخ الكليني ج1 ص254.

2) عنه جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج1 ص128.

وبما أنّهم علیهم السلام يعلمون بالواقع بإعلام الله تعالى لهم، وبفيضه عليهم، فمعنى ذلك أنّهم يعلمون ويقولون ويحكمون، لا أنّهم يتّبعون الهوى، فإنّهم علیهم السلام لا هوى لهم إلاّ ما أراده الله تعالى، ولا إرادة لهم إلا ما يرتضيه الله تعالى، ولا رضى لهم إلا ما يرتضيه خالقهم.

ومن هنا نصّ أهل البيت علیهم السلام على أنّهم لا يتّبعون الهوى، وإنّ ما عندهم هو موجود عند رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فلذا صحّ نسبته لهم وصحّ نسبته لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، كما صحّ نسبته إلى المتقدّم منهم أو المتأخّر.

ففي بصائر الدرجات((1)) بسنده عن عنبسة قال: سأل رجل أبا عبد الله علیه السلام عن مسألة فأجابه فيها. فقال الرجل: إن كان كذا وكذا ما كانالقول فيها؟ فقال له: مه ما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، لسنا نقول برأينا من شيء).

فالرواية الشريفة هنا ناظرة إلى أنّهم علیهم السلام ليسوا من أصحاب الرأي والقياس والاستحسان، بل قولهم هو قول الحق، يتوارثونه لا بمعنى أنّهم علیهم السلام يقعد كلّ واحد منهم مقعد التلميذ الجاهل كي يتعلّم من أبيه المعلِّم، فلم نجد من ذلك عيناً ولا أثراً، بل إنّهم علیهم السلام يُفاض عليهم، ويثوارثون بعض العلوم الأخرى غير التي هي محلّ الإفاضة الدائمة عليهم من الله تعالى.


1) وكذا في الكافي، وعنهما جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج1 ص129.

ففي بصائر الدرجات((1)) بسنده عن داود ابن أبي يزيد الأحول، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: سمعته يقول:(إنّا لو كنّا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّها آثار من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، أصل علم نتوارثها كابراً عن كابر، نكنزها كما يكنز الناس ذهبهم وفضتهم).

الرواية ذكرت أنّ الموروث هو أصل علم، والأصل هو ما يتفرّع عليه غيره، فهناك أصول علوم موروثة، وهم علیهم السلام يُفرّعون على تلك الأصول الحقيقيّة الواقعيّة، كما أنّ هناك فيوضات دائمة أبديّة سرمديّة، لا تنتهي، لأنّ علّة وسبب حدوث الفيض عليهم هو محبّة الله لهم، وهذا السبب كما هو سبب وعلّة في حدوث الإفاضة فكذلك هو سبب في دوامها واستمرارها إلى الأبد، والمعلول لابُدّ أن يكون موجوداً ما دامت علّته موجودة.


1) جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج1 ص130.

الخاتمة

هذا ما تيسّر لي أن أدوّنه في هذا المختصر، فأرجو من الله العلي القدير أن أكون قد وفّقت لإحياء أمرهم علیهم السلام، وأرجو من إخواني المؤمنين التأمّل والتريّث والتدبّر في ما مرّ من مباحث، ولا يستعجل في الحكم على شيء من تلك المباحث متسرّعاً.

وفي الختام من المناسب أن أُجمل وأُلخّص البحث، ولكنّي وجدت أنّ كلمات السيّد السيستاني قد تكون أوقع في نفوس البعض، لذا آثرت أن أترك التلخيص له.

قال السيد السيستاني في محاضراته في كتاب (علل اختلاف الحديث) - غير مطبوع- بقلم تلميذه السيد هاشم الهاشمي قال في ص14:

(الرواية صريحة في تقسيم وظيفة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ؛ فتارة

تكون التبليغ فحسب، وذلك بالنسبة للأحكام التي جعلها الله تعالى، وتارة تكون التفويض، كما في بعض الأحكام التي كان النبي صلی الله علیه و آله و سلم بنفسه مشرّعاً للحرام أو للواجب فيها).

وقال السيد السيستاني في المصدر المذكور أيضاً: (والحاصل، أن هذه الروايات الشريفة تدلّ على وجود حق التشريع بالنسبة للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ، مضافاً إلى الروايات العامّة التي أشرنا إليها أوّلاً، وأنّ هذا الحق قد أعمل خارجاً، بحيث أصبحت الأحكام التي بين أيدينا على قسمين: قسم من الأحكام قد فرضها الله تعالى، وقسم منها قد سنها النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، سواء كانت من الأحكام التكليفية أو الأحكام الوضعية. وقد التزم بمثل هذا الرأي كثير من العلماء أمثال الشيخ الكليني، والمحقق النائيني).

ثمّ قال: (هناك بعض الروايات التي تدلّ على أنه كلّ ما فوّض للنبي صلی الله علیه و آله و سلم قد فوّض للأئمة علیهم السلام ما عدا النبوة. ومن جملة ما فوّض له صلی الله علیه و آله و سلم حق التشريع الدائم، إذن فحق التشريع الدائم ثابت للأئمة علیهم السلام).

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

المحتویات

مقدمة 5

الولاية التشريعيّة 9

حقيقة الولاية التشريعية 13

الأولى: تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعيّة 31

الثانية: ملاكات الأحكام من علم الغيب 61

الثالثة: عموم علمهم علیهم السلام بالواقع 81

الرابعة: معرفة الأحكام الإلهيّة 22

نتيجة المقدّمات 23

نماذج من إعمال الولاية التشريعيّة 24

الأوّل: ركعات الصلوات المفروضة: 42

الثاني: صلاة الحضر والسفر والميت والخوف والكسوفين والعیدن 27

الثالث: النوافل اليوميّة: 28

الرابع: صوم شعبان وغيره: 28

الخامس: تحريم كلّ مسكر: 29

السادس: تحريم المدينة: 30

السابع: أوقات الصلوات: 31

الثامن: دية العين ودية النفس: 32

التاسع: القسمة للجدّ: 23

العاشر: غسل يوم الجمعة 35

الحادي عشر: إطعام أهل الميّت ثلاثة أيّام 36

عموم التفويض 36

الغرض من ثبوت الولاية التشريعية لهم علیهم السلام 39

التفويض عند العامة 42

الحديث الأوّل: 24

دلالة الحديث: 34

الحديث الثاني: 44

الحديث الثالث: 64

التفويض والوحي 48

القرآن فيه تبيان كلّ شيء 54

التفويض للأوصياء علیهم السلام 57

بعض موارد إعمال الولاية عند الأوصياء علیهم السلام 61

الولاية التشريعيّة وإكمال الدين 65

الأئمة علیهم السلام مُحدِّثون ومُحدَّثون 69

الخاتمة 76