نظام الحکم وادارة الدولة فی ضوء عهد الامام امیر المؤمنین علیه السلام لمالک الاشتر رحمه الله جلد 5

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

نظام الحکم و ادارة الدولة في ضوء عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر رحمه الله أعمال الموتمر العلم الوطني المشترك الأول المؤسسه علوم نهج البلاغة ومرکز دراسات الكوفة

المؤلف المؤتمر: المؤتمر العلمي الوطني المشترك (2016:1: كربلاء، العراق).

العنوان: اعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول: نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر رحمه الله /

بيان المسؤولية: الذي اقامته مؤسسة علوم نهج البلاغة، مركز دراسات الكوفة.

بيانات الطبع: الطبعة الاولى.

بيانات النشر: كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة.

الوصف المادي: 10 جزء ببليوجرافي في 10 مجلد مادي؛ 24 سم.

سلسلة النشر: العتبة الحسينية المقدسة؛ (386).

سلسلة النشر: مؤسسة علوم نهج البلاغة، 141 سلسلة المؤتمرات العلمية: (1).

تبصرة محتويات: المجلد 1، 2: المحور القانوني والسياسي - المجلد 3، 4: المحور الاداري والاقتصادي - المجلد 5: المحور الاجتماعي والنفسي - المجلد 6، 7، 8: المحور الأخلاقي وحقوق الانسان - المجلد 9، 10: المحور اللغوي والادبي.

تبصرة ببليوجرافية: يتضمن ارجاعات ببليوجرافية.

موضوع شخصي: الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359-406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الاشتر

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - نظريته في بناء الدولة - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - نظريته في الحكم - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - سياسته وحكومته - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - قضائه - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الأمام الأول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - نظريته في التعايش السلمي - مؤتمرات.

اشارة

ISBN 9789933582395 رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية 1210 لسنة 2018 م مصدر الفهرسة: IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda

رقم تصنيف BP38.02.M8 N5 2018 LC

المؤلف المؤتمر: المؤتمر العلمي الوطني المشترك (2016:1: كربلاء، العراق).

العنوان: اعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول: نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر رحمه الله /

بيان المسؤولية: الذي اقامته مؤسسة علوم نهج البلاغة، مركز دراسات الكوفة.

بيانات الطبع: الطبعة الاولى.

بيانات النشر: كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة.

الوصف المادي: 10 جزء ببليوجرافي في 10 مجلد مادي؛ 24 سم.

سلسلة النشر: العتبة الحسينية المقدسة؛ (386).

سلسلة النشر: مؤسسة علوم نهج البلاغة، 141 سلسلة المؤتمرات العلمية: (1).

تبصرة محتويات: المجلد 1، 2: المحور القانوني والسياسي - المجلد 3، 4: المحور الاداري والاقتصادي - المجلد 5: المحور الاجتماعي والنفسي - المجلد 6، 7، 8: المحور الأخلاقي وحقوق الانسان - المجلد 9، 10: المحور اللغوي والادبي.

تبصرة ببليوجرافية: يتضمن ارجاعات ببليوجرافية.

موضوع شخصي: الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359-406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الاشتر

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - نظريته في بناء الدولة - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - نظريته في الحكم - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - سياسته وحكومته - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - قضائه - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الأمام الأول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - نظريته في التعايش السلمي - مؤتمرات.

موضوع شخصي: مالك بن الحارث الاشتر النخعي، توفي 39 للهجرة - نقد و تفسير.

مصطلح موضوعي: نظام الحكم في الاسلام - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام والدولة - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: النظام الإداري في الاسلام - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام والاقتصاد - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام والتعايش السلمي - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام والمجتمع - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام وحقوق الانسان - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: اللغة العربية - بلاغة - مؤتمرات.

مؤلف اضافي: شرح ل (عمل): الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359-406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الأشتر.

اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء العراق). مؤسسة علوم نهج البلاغة - جهة مصدرة.

اسم هيئة اضافي: مركز دراسات الكوفة (النجف، العراق).

عنوان اضافي: عهد مالك الأشتر.

تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية

سلسلة المؤتمرات العلمية (1) نظام الحکم و ادارة الدولة في ضوء عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر رحمه الله أعمال الموتمر العلم الوطني المشترك الأول المؤسسه علوم نهج البلاغة ومرکز دراسات الكوفة لسنة 1438 ه - 2016 م (المحور الاجتماعي والنفسي) الجزء الخامس اصدار مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة

جميع الحقوق محفوظة للعتبة الحسينية المقدسة الطبعة الأولى 1439 ه - 2018 م العراق: كربلاء المقدسة - شارع السدرة - مجاور مقام علي الاكبر (عليه السلام) مؤسسة علوم نهج البلاغة هاتف:

07728243000 - 07815016633 الموقع الالكتروني:

WWW.inahj.org الايميل:

Inahj.org@gmail.com تنويه: إن الآراء والأفكار الواردة في هذا الكتاب تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العتبة الحسينية المقدسة

المردود السلبي لتقريب الخواص (قراءة في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه)

اشارة

م. د. علي رحيم أبوالهيل الجابري

جامعة ميسان / كلية التربية / قسم التاريخ

أخذ مفهوم الخاصة مساحة واسعة الاهتمام من عهد الإمام علي (عليه السلام) الذي وجهه لمالك الأشتر حين ولاه على مصر. وهو بذلك يصدر عن معاينة لتجربة كانت آثارها وخيمة على مؤسسة الخلافة والدولة والمجتمع مثلتها تجربة حكم عثمان بن عفان وتقريبه لبني عمومته الأمويين وما أحدثوه في الدولة الإسلامية من فساد اداري و مالي، وبالرغم من ادراك الإمام علي (عليه السلام) قيمة ومكانة شخصية مالك الأشتر الا انه لم يتركه دون أن ينبه لخطورة الحضور الفعلي لتلك الطبقة و آثار تمددها على شخصيته و خروجها عما مرسوم لها من حقوق وما عليها من واجبات، وفي هذا الصدد يستحضر الإمام علي (عليه السلام) مجموعة من النقاط المفصلية التي تبين طبيعة تلك الطبقة وكيفية تشكلها ففي كثير من الأحيان تلج الحياة لتلك الطبقة مع قيام الأنظمة السياسية، مكونة مجموعة من الدوائر المحيطة بالحاكم، التي تتضخم في كثير من المجالات لتكون لها المحورية في رسم سياسة الدولة التي تحاول من خلالها التنفذ والهيمنة وشخصنة الدولة لذاتها المعنوية و المادية، هذا ما سيحاول البحث التعرض له و التأكيد عليه فعهد الإمام (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضوان الله تعالى عليه) يمثل قمة الرقي الدستوري و القيمي لإدارة الدولة و ايصالها إلى ما رسمته السماء لها.

أولا: طبقة الخواص في القرآن الكريم

وفي هذا المجال يوظف الإمام علي (عليه السلام) الصورة المستوحات من واقع النص الديني والموروث التاريخي، في توظيف تام لكل منابع المعرفة التي يمكن من خلالها أن تستقيم الأمور لیدرجها في عهد مالك الأشتر، ولاشك أن القرآن الكريم يأتي على هرم تلك المنابع المعرفية فهو الذي لا يأتيه الباطل أبدا، وهو الذي أخذ

حيزا كبيرا من حياة الإمام علي (عليه السلام)، حتى أعلن الرسول (صلى الله عليه وآله ) ذلك في قوله «علي مع القرآن والقرآن مع علي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض» (1) وحقيقة إن ما يروى في ما يأتي لهو دليل واضح عن مدى العلاقة بين سيد العترة والقرآن إذ ورد عنه (سلام الله عليه) قوله: «ذَلِكَ اَلْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ، وَ لَنْ یَنْطِقَ، وَ لَکِنْ أُخْبِرُکُمْ عَنْهُ: أَلاَ إِنَّ فِیهِ عِلْمَ مَا یَأْتِی، وَ اَلْحَدِیثَ عَنِ اَلْمَاضِی، وَ دَوَاءَ دَائِکُمْ، وَ نَظْمَ مَا بَیْنَکُمْ... وَاعْلَمُوا أَنَّ هذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لايَغُشُّ، وَ الْهَادِي الَّذِي لايُضِلُّ... فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ اَدْوائِکُمْ... فَاِنَّ فیهِ شِفاءً مِنْ اَکْبَرِ الدّاءِ وَ هُوَ: الْکُفْرُ وَ النِّفاقُ وَ الْغَیُّ وَ الضَّلالُ... وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ... وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَی رَبِّکُمْ، وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَی أَنْفُسِکُمْ، وَاتَّهِمُوا عَلَیْهِ آرَاءَکُمْ» (2).

وعندما ينطلق الإمام (عليه السلام) لابتكار عقد لإدارة الحياة (الدولة و المجتمع)، يمثل خلاصة التجربة الناجحة لتطبيق نظرية الحكم الإسلامي التي مثلتها سیاسته الدولة الإسلام في المدة الممتدة من (35 - 40 ه) و التي يرجو استمرارها وشيوعها ومحاكاتها من الآخرين، لاشك ولا ريب أن يكون المضمون القرآني حاضرا وبقوة في مثل هكذا عهد وهكذا تجربة، غير أننا ولإختصاص البحث بالمردود السلبي لطبقة الخواص على نظام الحكم سنتطرق فقط لما يخص ذلك من نصوص قرآنية، فتتبع المضامين القرآنية يحتاج إلى استقصاء اللفظة والمعنى والفكرة الضمنية التي تنتمي للقرآن و حیزها الوجودي في ذلك العهد، الذي لا نشك من أنه ترجمه لواقع النص القرآني و التعاليم الربانية لإدارة الدولة.

يورد القرآن الكريم مجموعة من الآيات التي تبين طبيعة خواص الحاكم السياسي (3) و التي أخذت تسمية (الملأ) فيبين في اشارات ضمنية الصفات التي تتمع بها تلك الطبقة، ودورها وفاعليتها و محوریتها في رسم الحدث، فمثلا وردت الإشارة

إلى الملأ الذي عاصر النبي يوسف و النبي موسى، ففي الأولى نجد أن القرآن يشير الى ذلك التواجد من خلال الرؤيا التي حدثت للملك (وَ قالَ اَلْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا اَلْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ. قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ اَلْأَحْلامِ بِعالِمِينَ) (4).

مما يبين لنا جملة من الأمور منها:

إن الملأهم أعلى سلطة في منظومة الحكم و بهم تقام أعمدة السلطة و يعتمد الحاكم عليهم اعتمادا كليا فالآيات تصور أن أول من فزع الملك له مما رأه و التجأ اليهم هم الخواص مما يدلل على مدى التأثير والقرب في قرارات الحاكم و انما الأخذ والرد منهم، كما يلاحظ من خلال النص القرآني ان الملأ المشار اليهم آنفا هم کيان يمثل حالة غير منتجة للحاكم وهذا ما بدى واضحا في الحادثة المشار اليها اذ نجدهم قد تهربوا منها بقولهم أضغاث احلام والتي تعني انما هي مجرد اختلاط في المنامات لا تفسير لها (5)، مما يعني ان كثيرا من تلك الخاصة لا يملك من المؤهلات التي تقوّم الدولة وتملك أدوات الخبرة لديمومتها وبقاءها أو حل المعضلات التي تواجهها، وانما هي عبارة عن كائن يعتاش ويتمدد و ينمو على كتف الدولة غير أن جدواه عقيمة لا تساوي ما يبذل له، وهذ المفهوم تسرب وبشكل واضح إلى عهد الإمام علي المالك الأشتر وهذا ما سيتبين لاحقا.

كما ان النص المتقدم يشير إلى اخفاق النخبة المحيطة بالحاكم وعوزها المعرفي وعدم قدرتها على آداء مهام ادعتها لذاتها لذا حاولت التغطية عليه بالقول إنها من المنامات التي لا مجال لتواجدها في موسوعة المعارف وانما هي امور تقع في خانة اللغو الذي يمر به الإنسان في المنام في حركة توجيه واضحة المقاصد تبعدها عن دائرة شك

الحاكم بها.

في حين نجد أن الصورة لخواص الفرعون (6) الذي عاصر النبي موسى (عليه السلام) انما هي معبرة عن طبيعة الإستعلاء والإزدراء و العنجهية التي تغيب معها العقل، و تتبع ذلك يتبين من خلال تتبع النصوص القرآنية، إذ ورد قوله تعالى: ((قَالَ اَلْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِیمٌ. یُرِیدُ أَنْ یُخْرِجَکُمْ مِنْ أَرْضِکُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ. قَالُوا أَرْجِهْ وَ أَخَاهُ وَ أَرْسِلْ فِی اَلْمَدَائِنِ حَاشِرِینَ. یَأْتُوكَ بِکُلِّ سَاحِرٍ عَلِیمٍ... وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَی وَقَوْمَهُ لِیُفْسِدُوا فِی الْأَرْضِ وَیَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْیِی نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)) (7) وفي سورة الشعراء: ((قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ. قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ. يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ)) (8) والتي يمكن أن نستنتج منها أن خاصة فرعون كانت تتميز بمفردة الإلغاء للآخر و أنها غير قادرة على استيعاب حالة النبوة التي تجسدت في موسی و لم تعتمد إلا على منهج استغلال عوامل القوة والبطش بالآخر، والقرآن يصور حالة التحريض التي كانت عند تلك الخاصة و التي نتج عنها مجموعة من الإجراءات القمعية التي تكللت برغبة افناء المكونات التي لا تنتمي لفرعون أو تعتقد به کوجود عقدي له الحاكمية المطلقة على البشر.

لو سلطنا الضوء على البيئة القيمية لخواص فرعون لوجدنا:

انها طبقة تعتمد على الترديد و لا تمتلك الإستقلالية في شخصيتها، فتواجدها وموقفها عبارة عن اصداء لطبيعة الإرادة الفرعونية دون ان تتحلى بالشخصية المعنوية ذات الإستقلال الواضح.

ان طبقة الخواص هي طبقة مصلحية لا تستهدف إلا الحفاظ على المكاسب المتوفرة عندها وهذا ما يؤدي إلى المماشات لكل قرارات فرعون خشية الخسارة لتلك المكاسب.

عدم تمثيل طبقة الخواص للعامة أو مصالح و ارادة الرعية وانما تمثل ذاتها التي تتسلل وتتضخم باستغلال المستجد و الحدث دون أن يكون لها تواجد ايجابي يلقي بضلاله على العامة، بل يتجلى تحشيدها لفرعون في عدة مواقف محفزة اياه ولوج ظاهر الإستعباد و القهر وذلك من خلال قوله تعالى: ((وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)) (9) مما يعني أن طبقة الخاصة تعتمد في تواجدها على طبيعة تصنيع الخطاب وتسويقة ليكون مقبولا عند فرعون وممثلا لعبوديتها له التي تحقق لها البقاء وهذا ما وجد في النص المتقدم و الذي اعتمدت فيه الخاصة على استلاد خطاب تحريضي يعاكس حقيقة الواقع المنظور، فطبقة الخواص قد اتبعت حالة من الإزدراء والتعصب فضلا عن التكبر في التعامل، في حين نجد أن الأنبياء قد أوضحوا الحق من الباطل عن طريق عرض الخطاب الإلهي و إرادة السماء باسلوب فيه من اللين والعقلانية المتوازنة مع طبيعة المهمة وهذا ما صورته الآية الكريمة التي خاطب الله سبحانه وتعالى بها النبي موسى وأخيه النبي هارون (عليهما السلام): ((اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (10).

وفي مقابل ما وجدناه من تعامل هؤلاء الخاصة و مخالفتهم للأنبياء و الذي يمثل صورة معبرة عن الخضوع التام لشخص الحاكم وما يحمله من صفات استبدادية، نجد أن بعض خواص الملوك هم بدرجة من الرقي و تحليهم بالوعي الحضاري في التعامب مع الأنبياء كما هي حالة خواص ملكة سبأ الذين مثلوا عنصر التوازن العقلي إذ يصور القرآن الكريم ذلك بقوله سبحانه وتعالى: «قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ. قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ. قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ» (11)

ففي بداية كلامها لم تكن تملك المواربة أو لغة التعجل أو التهكم بالإخر بل تكلمت بلغة حضارية قلما توجد في حاکم له من السلطة والهيبة والنفوذ خصوصا وأن هذ الموقف اطلقته أمام الخاصة دون خشية من استغلاله كنقطة ضعف ضدها، بل تعاملت بحرفية ونظرة واقعية وحفظ المكانة المقابل وشخصيته المعنوية لذا قالت (کتاب کریم) ولم تقل أي كلمة فيها ازدراء، وحتى اجابة الخاصة لم تكن تلك الإجابة التي تحمل في جنباتها الاستعراض لمصادر القوة و جعله الخيار الأمثل لتلك المواجهة بل ترادف مع ذلك قولهم (والأمر اليك فانظري ماذا تأمرين). مما يعني أن الطبيعة الحضارية لسبأ قد القت بظلالها على التعامل و انعكست آثارها على الطبقة الحاكمة ومنها الخواص التي لم تكن إلا دقيقة في حساباتها وتصرفاتها بحيث ادت ببلقس أن تسلك السلوك الحضاري في التعامل ممهدت له بحركة ابتعاث دبلوماسي اسفر عن نتائج ايجابية كان لها أن تغير كثير من المسيرة العقدية لتلك المرأة و مملكتها (12).

ثانيا: خاصة مالك بين واقعية التواجد وإيحاءات التجربة التاريخية

ينطلق الإمام علي (عليه السلام) بالحديث عن طبقة الخواص بصورة مباشرة في ذلك العهد إذ يورد كلمة الخاصة بلفظتها ودلالتها دون أن يعتمد على معناها أو على فهم المتلقي لها بل يحاول أن يعطي لذلك الموضوع زخما حقيقيا يجاري أثره على منظومة الحكم، فالإمام لا يكتفي بمكانة مالك الأشتر و التقوى التي هو عليها والخصائص التي تتمثل في شخصيتة (13) بل يتعدها ليؤكد له ذلك الأمر في مواقف عدة بتائم بينها وبين مفاهیم غاية في الأهمية و الدقة إذ نرى الإمام يقول لمالك: ((أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوی من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان الله حربا حتى ينزع ويتوب)) (14).

مما يعني أن الزهو الذي يتمثل في خاصة السلطان بإمكانة أن يخترق المنظومة الدينية والعقدية والأخلاقية للوالي لتحولها من أداة لتطبيق المبادئ الدينية و تجسيد حقيقة المشروع الإلهي إلى أداة هدم وعنصر شك في واقعية النظرية السياسية الإسلامية التي منیت بهزائم طيلة العقود السابقة.

لذا نجد البعد الإيماني مترافق مع كل بنود ذلك العهد المقدس فالإمام (عليه السلام) يحاول أن يطوع مبادئ نظرية الإسلام السياسي ولكن في اصطفاف متماشي مع محورية الإيمان وطبيعته و النتائج التي تترتب على الإنحراف عن مضماره ومساره في استحضار لتلك العبارات التي تحيط المتلقي بجو من الفهوم و المدخلية القصوى على ضرورة توقي الحذر ف ((أنصف الله / إلا تفعل تظلم / من ظلم عباد الله كان خصمة الله دون عبادة / من خاصمه الله أدحض حجته)) يستلهم منها طبيعة المهمة الملقاة على الوالي فهي ليس تشريفا أو نشوة حكم، بل هي مهمة المحك الذي يكون

فيها الحاكم على طريق هي أحد من السيف وأدق من الشعرة.

عندما يتحدث الإمام علي (عليه السلام) بهذه الصراحة والصرامة في نفس الوقت يستثير في الباحث مجموعة من علامات الإستفهام أهمها: هل أن واليه مالك يتصور منه أن يأتي بمثل هكذا أمور، وهل له من الخاصة التي بإمكانها ان تسيطر على قراراته أو تستغل سلطته أو تنفذ إلى تضخيم ذاتها عن طريقة استغلال رمزيته؟، أم أن الإمام يحاول أن يذكر المتلقي بالنتائج الوخيمة التي تعرضت لها نظرية الحكم الإسلامي نتيجة لغزو الخاصة وتمدد أذرعها؟!.

في الحقيقية لا تكاد تسعفنا الصادر عن وجود خاصة من أهل بيت مالك الأشتر أو من عشيرته قد انطلقت معه إلى مصر وهي طامحة بالسلطة والتولية، إذ أن كل الذي لدينا أن اضطراب أوضاع مصر أضطر الإمام أن يضحي بتواجد مالك - ذلك التواجد الذي له ماله من ابعاد عسكرية ونفسية - في منطقة الجزيرة الفراتية قريبا منه (15)، والشيء الآخر أن شخصية مالك كانت تمثل قمة هرم خواص أمير المؤمنين عليه السلام وهو في كل ذلك عاش تجربة أمير المؤمنين وتعامله مع الخواص و المقربين من أهل بيته أو صحبته لذا كان عليه أن يطبق ما عاشه من تجربة مع أمير المؤمنين بكل تجرد لا أن يتخلى عنها بمجرد توليته على مصر.

ثم أن مالكا كان واليا على الجزيرة ولم يبرز منه أيا من تقريب الخاصة أو إعطاء أي منفذ أو تدخل أو تأثير لهم عليه، بل إننا نجد أن مالك كان يمثل شخصية القائد المثالي و المتكامل فهو حتى بعد أن سحب من إدارة الجزيرة لم يخطر بباله أن يولي عليها شخصا من أهل بيته لذا ولاها بدلا منه شبيب بن عامر الأزدي (16) الذي كان يملك صفات القائد التي اخذها من مالك الأشتر، كما أن شخصية مالك لم تكن شخصية مبتذلة أو قليلة السيطرة على زمام نفسها أو تضحي بكل بمبادئها لأجل الخاصة، بل

كانت شخصيته تمثل قمة الإلتزام بأوامر أمير المؤمنين و بإيقاع منضبط قل نظيرة في المتواجدين معه (سلام الله عليه)، فهو في غمارات صفين يمتثل لرأي أمير المؤمنين (عليه السلام) مع أن النصر قريب إذ بعد أن رأى الإمام أن مكيدة المصاحف قد وجدت رواجاً في جل جيشه، أرسل إلى مالك الأشتر بإيقاف القتال، ولم يمهله بالاستمرار وحسم المعركة حتى لو كان الوقت المطلوب فواق ناقة أو عدوة فرس (17) مما أدى بمالك أن ينسحب من المعركة في التزام واضح بأمر أمير المؤمنين ومبدئية تجلت حين وبخ المتخاذلين بقوله ((يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم، وظنوا أنكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها! وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها، وتركوا سنة من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم! أمهلوني فواقا فإني قد أحسست بالفتح. قالوا: لا نمهلك، قال: فأمهلوني عدوة الفرس، فإني قد طمعت في النصر، قالوا: إذن ندخل معك في خطيئتك. قال: فحدثوني عنكم، وقد قتل أماثلکم، وبقی أراذلكم، متی کنتم محقين! أحين کنتم تقتلون أهل الشام! فأنتم الآن حين أمسكتم عن قتالهم مبطلون! أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال محقون! فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم، وإنهم خير منكم في النار. قالوا: دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله، إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا، فقال: خدعتم والله فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباه السود، كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله! فلا أری فرارکم إلا إلى الدنيا من الموت، ألا فقبحا یا أشباه النيب الجلالة، ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا، فأبعدوا کما بعد القوم الظالمون) (18) ومن ثم فمثل هكذا أمور لا يمكن لها أن تلج إلى ولاية مالك على مصر أو تصاحب حكمه.

يبدو أن الإمام أراد أن يحيي ذلك الإرتباط بين التشوهات التي طالت تجربة الحكم الإسلامي بنظرة واقعية مستمدة من تجربة ومعرفة دقيقة فهو كأنما یرید أن يجعل مالك يسير في دائرة الواقع المعرفي الذي لا مجال للتخمين أو الشك في ثناياه ليستخلص له عوامل النجاح المستراحات من المسيرة المعرفية التي تمثلت في شخصه (سلام الله عليه) والتي صاغها في النص الذي يقول فيه ((إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبل، فلقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من کدره، ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كل أمر جليله، وتوخيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله)) مما يعني أن معارف الإمام تؤكد لمالك على ضرورة أن يتخذ من معايشة الحالة التي عاصرها الإمام والتي تنفذت من خلالها الخاصة وبدت مسيطرة على منظومة الحكم عبرة له.

غير أننا عندما نطالع رسائل الإمام وعهوده إلى ولاته الآخرين لا نجدها تحمل ذلك التأكيد على تجنب الخواص بالشكل الذي أكده على مالك وهذا ما يثير الإستفهام فشخصيات ولاته السابقين ليست بمستوى شخصية مالك فمالك يقول عنه الإمام: «فإنه ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم، ولا إسراعه إلى ما البطي عنه أمثل» (19) وقال وقد أتاه نعي مالك «مالك وما مالك! لو كان جبلا لكان فندا، لا يرتقيه الحافر ولا يوفي عليه الطائر» (20) وفي كتابه لأهل مصر قال عنه: «فإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنه لا يقدم ولا يحجم ولا يؤخر ولا يقدم إلا عن أمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوكم» (21) فلماذا هذا التأكيد؟!.

إن أهم ما يمكن توضيحه هنا أن التحذير من الخاصة في هذا العهد كان له مدخلية

وارتباط بشخصية مالك و بالمنطقة التي كلف بحكمها، فمالك يتحد مع مصر في مفردة مهمة وغاية في الدقة ترجع جذورها إلى انحراف الدولة الإداري الذي أفضى بالثورة على عثمان، إذ كان مالك من بين أبرز الذين ثاروا على عثمان نتيجة لإستئثار خاصته في الحكم و انتزاءهم الدولة الإسلامية بكل مفاصلها السياسية والإقتصادية واستغلالهم لرمزيته في ذلك الأمر وتقريره لهم ذلك الإستغلال، وكذلك كانت مصر فأهلها من أركان الثورة على عثمان وقد تشاطروا مع مالك نفس التوجه و الهدف هذا الأمر كان واضحا عند الإمام علي عليه السلام وحاضرا في ذهن و أكده في كتابه الذي أرسله اليهم حين ولى مالك إذ خاطبهم بقوله: «من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصي في أرضه وذهب بحقه، فضرب الجور سرادقه على البر والفاجر والمقيم والظاعن، فلا معروف يستراح إليه، ولا منکر یتناهی عنه أما بعد فقد بعثت إليكم عبدا من عباد الله....» (22)، لذا كان كلام الإمام واعطاءه هذا الزخم التحذيري من خواص أهل بيته ناتج من ذلك الأمر الذي ترجمة الإمام کي يكون مفردة مفصلية في ولايته على مصر، فثورة أهل مصر على عثمان إنما كانت نتيجة الهياج القبلي و النهم الذي راود خاصة عثمان والذي وصفه الإمام بقوله: «الى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه. وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع إلى أن انتكث فتله. وأجهز عليه عمله وكبت به بطنته» (23) ومن ثم من غير المقبول في الحكم الرشيد أن تتكرر هذه الحالة وفي بلد وقف بالضد منها و تجاهل نقاط الحساسية التي يتحسس منها الناس وثاروا ضدها، لذا كان ذلك التشديد، كما يمكن أن يضاف أن المقصود في الخطاب ليس مالكابل أن مالك كان طریق ولد من خلالها تلك الوصايا وأنما المقصود منه هو كل من يأتي لحكم الأمة فالواجب عليه أن يتنبه لمثل هكذا أمر.

ثالثا: الخاصة والصورة الضمنية للمصداق السلبي في تجربة الحكم الإسلامي

يتمثل اقتناص العبرة من الأحداث الماضية نموذج لا يمكن للإمام ان ينحيه عن المستقبل بل كان مهتما به بشكل كبير لذا نجده يركز عليه في عهده لمالك الأشتر فهو يوصيه بقوله «ثُمَّ اعْلَمْ یَا مَالِكُ - أَنِّی قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَی بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَیْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ - مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ - وَأَنَّ النَّاسَ یَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ - فِی مِثْلِ مَا کُنْتَ تَنْظُرُ فِیهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلَاةِ قَبْلَكَ - وَیَقُولُونَ فِیكَ مَا کُنْتَ تَقُولُ فِیهِمْ - وَإِنَّمَا یُسْتَدَلُّ عَلَی الصَّالِحِینَ - بِمَا یُجْرِی اللَّهُ لَهُمْ عَلَی أَلْسُنِ عِبَادِهِ - فَلْیَکُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَیْكَ ذَخِیرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ...» (24)

و من الأمور المستحضرة في هذا العهد المبارك والتي تشكل ارتکازا مفصليا هو استحضار التجربة التاريخية والجنوح إلى القراءة المتعمقة لطبيعة طبقة الخواص كطبقة محيطة بمركز القرار وأعلى هرم في كيان الدولة و الكشف عن أثرها المحوري وتأثيراتها على نضوج تجربة الحكم أو قوقعتها و تحجمها ومن ثم انهيارها، و الإحاطة بكلام الإمام والزخم المعطى لها يتطلب منا ايجاد تلك المقاربات وتوضيح حقيقة نتائجها، إذ يعرض الإمام الى ذلك بقوله: «ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول، وقلة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال ولاتقطعن لأحد من حاشيتك وحامتك قطيعة. ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم، فیکون مهنأ ذلك لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة» (25).

من الواضح أن الإمام علي (عليه السلام) لم يتغافل عن الإستدلال بواقع الخاصة في الدولة الإسلامية سواء كان في خلافة عثمان أو في خلافته، ليحدز مالك الأشتر منه، فتقریب بني أمية وزجهم في ادارة أمور الدولة الإسلامية السياسية والإدارية

جعلهم أكثر نشوة واعتدادا بالنفس وأكثر جماحا وطموحا وتمردا حتى ظهر ذلك جليا وعلى أوجه في عدة مواقف من أهمها الإستئثار المالي والإداري، فقد سيطر الأمويون على موارد الدولة الإسلامية حتى أعطى عثمان زمام الدولة لهم وأباحها بمواردها المالية الكبيرة وجعلها حكرا ومغنما خاص لبني أمية، وتجليات ذلك واضحة فقد «افتتحت إفريقية في أيامه، فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان... وطلب منه عبد الله بن خالد بن أسيد صلة، فأعطاه أربعمائة ألف درهم. وأعاد الحكم بن أبي العاص وأعطاه مائة ألف درهم. وتصدق رسول الله صلى الله عليه وآله بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهزور على المسلمين، فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان بن الحكم. وأقطع مروان فدك ... وحمي المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية. وأعطى عبد الله بن أبي سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب، وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين. وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال، في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بیت المال، وقد كان زوجه ابنته أم أبان، فجاء زيد بن أرقم صاحب بیت المال بالمفاتيح، فوضعها بين يدي عثمان و بکی، فقال عثمان: أتبكي أن وصلت رحمي؟ قال: لا، ولكن أبكي لأني أظنك أنك أخذت هذا المال عوضا عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله...» (26).

لقد شكلت كل تلك الأمور رافد استقى منه الإمام علي (عليه السلام) ذلك العرض والتحذير لمالك الأشتر، بل أن الإمام علي (عليه السلام) لم يكتف بالتحذير بل تعداه ليوعز لمالك جملة من المقومات التي تعرف بطبيعة هؤلاء وطرق معالجة ذلك الهياج الكامن في نفسیات تلك الطبقة، فمنع الإستئثار والتطاول يجب أن يقوم بمنع حصول هذه الطبقة على امتيازات تشريفيه تميزهم عن غيرهم من الرعية واستثناءآت

قانونية تسمح لهم بالتطاول و تجعلهم بمأمن من طائلة المحاسبة والعقوبة والردع لذا قال له الإمام: «فاحسم مادة أولئك بقطع اسباب تلك الأحوال».

ولعل ذلك الأمر من العلامات الفارقة التي اتسمت بها خلافة وشخصية الإمام علي (عليه السلام) و تمیزت عن السابقين له فلم يكن الإمام يسمح لأي شخص من خاصته أن يكون في مأمن من ردعه وعقوبته، لذا نراه يفعل دور القانون بردع مجموعة من خاصته کلا حسب جرمه، وكنماذج على ذلك ننعرض عدة أمثلة:

1.

عندما اخبر أن المنذر بن الجارود يقرب خاصة عشيرته خاطبه الإمام بقوله «أما بعد فإن صلاح أبيك غرني منك، وظننت أنك تتبع هديه وتسلك سبيله، فإذا أنت فيما رقي إلي عنك لا تدع لهواك انقیادا، ولا تبقي لآخرتك عتادا، تعمر دنياك بخراب آخرتك، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك. ولئن كان ما بلغني عنك حقا لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك. ومن كان بصفتك فليس بأهل أن يسد به ثغر، أو ينفذ به أمر، أو يعلى له قدر أو يشرك في أمانة، أو يؤمن على خيانة فأقبل إلي حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله» (27).

2.

في حين أنه خاطب عبد الله بن عباس وقد اغلظ في الموقف مع بني تميم بقوله: «قد بلغني تنمرك لبني تميم و غلظتك عليهم، وإن بني تميم لم يغب هم نجم إلا طلع لهم آخر، وإنهم لم يسبقوا بوغم في جاهلية ولا إسلام. وإن هم بنا رحما ماسة وقرابة خاصة نحن مأجورون على صلتها ومأزورون على قطيعتها. فأربع أبا العباس رحمك الله فيما جرى على لسانك ويدك من خير وشر فإنا شريكان في ذلك، وكن عند صالح ظني بك، ولا يفيلن رأيي فيك. والسلام» (28).

3.

بينما نجده يوبخ عثمان بن حنيف على فعل هو مباح له وذلك حينما دعي إلى

مأدبة قائلا: «ما بعد یا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان وتنقل إليك الجنان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو. فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه» (29).

هذه اهم الأمور من خاصة الإمام و المقربين منه لا يساورها الطمع في شخصه ونیل الحظوة عندها بل أخذت تتوجس منه و تنها به مهابة الإيمان تلك التي عبر عنها قیس بن سعد لمعاوية: «رحم الله أبا حسن، فلقد كان هشا بشا، ذا فكاهة، قال قيس: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح ويبتسم إلى أصحابه، وأراك تسر حسوا في ارتغاء، وتعيبه بذلك! أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوي، تلك هيبة التقوى، وليس كما يهابك طغام أهل الشام!» (30).

ولم يقف الإمام علي عند ذلك بل تعداه الى المفهوم القيمي الذي يتمثل بتلك الخاصة فهي طبقة لا تعترف بالعدل أو تتوخاه و تجعل منه شعارا لها، بل تصل ونتيجة لمكانتها من الحاكم أن تكون مستأثرة على العامة وغير معتدة بتواجدهم لذا خاطب الإمام علي عليه السلام مالكا بقوله (فيهم استئثار وتطاول، وقلة إنصاف في معاملة «وهو استحضار واضح وصريحة للتجربة التي تمثلت في بني أمية أيام عثمان، إذ اصبح من المعتاد جدا أن يرى شخص من بني أمية يستأثر بما ليس له على عامة الناس بل ويتعدى عليهم بالفعل والقول، وكمثال لذلك نجد أن والي الخليفة على الكوفة سعید بن العاص الأموي يطلق كلمته المشهور «ما السواد بستان لقريس» (31) تلك الكلمة التي غير مجرى الأحداث وأججت النقمة على النهم الأموي والمعاملة التي تلقها عامة المسلمين منهم.

ولم كتف أمير المؤمنين (عليه السلام) بتشخیص صفات هذه الطبقة والتعريف بنطاق توسعها بل نراه يذهب الى ابعد من ذلك ليعرف بطرق علاج ما يدلل على نهمها بحالة من التنبيه منه وفي نفس الوقت بتقريب العامة ممن خلال عدة أمور:

1.

منع تفضيل الخاصة ماديا أو اشعارها بأهمية تواجدها المعنوي وهذا ما مثله قوله سلام الله عليه «ولاتقطعن لأحد من حاشيتك وحامتك قطيعة».

2.

قطع اسباب الطمع المادي عند الخاصة من خلال ابراز جوانب الحزم وعدم السماح لهم بالإضرار بالعامة أو التهرب من الواجبات الملقات عليهم و التأكيد على قيامهم بالمهمام و المسؤوليات المطلوبة منهم والواجبة التنفيذ إذ أكد ذلك بقوله: «ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك وعيبه عليك في الدنيا والآخرة».

إن الآراء الواردة في كلام الإمام علي السابق تكشف عمق الفكرة وتظهر اتساع الأفق الذي ميز شخصيته (سلام الله عليه) عن غيره، فالسمة التي تميز الفكر الاداري للامام علي تتميز بالثراء القيمي، ففي شتى المواقف يشير الى العامة ويحذر من تجاوزات الخاصة عليهم ويروج لمبدأ حكومة الغالبية لا سيما إن كانت تلك الغالبية على حق أو أن رأيها أرجح من رأي الخاصة، مما يلفت النظر إلى مركزية العامة في انتظام عقد الدولة وضرورة إستمراره واثره في ابراز شخصيتها التي من خلالها تشيد أسس الدولة وتنهار إذا ما اهملت، وتجليات ذلك الأمر واضحة تمام الوضوح من خلال ابراز الإمام لمردود كلا النموذجين ففي الوقت الذي يصور فيه طبقة الخاصة على انها طبقة تعمد على امتصاص موارد الدولة في وقت السلم، لتتحول في وقت الإضطراب والطوارئ متفرج على ازمة الدولة دون ان تقدم لها ما يقابل ما كانت

تحصل عليه في تناقض تام لكل ما يتوقع منا، هذا الأمر أوضحه الإمام بقوله لمالك «وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضی العامة. وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكرا عند الاعطاء. وأبطأ عذرا عند المنع، وأضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة، فليكن صغوك لهم وميلك معهم»

في الحقيقة إذا اردنا فهم كلام الإمام فإننا نجد هناك مقابلة بين المعطيات والصفات، وجدوى ذلك التواجد ومردوده.

فمن حيث المردود الإقتصادي لتواجد الخاصة نجد أن الإمام يشخص طبيعة تلك الطبقة بكونها تمثل قمة الهرم في استضاب الموارد فامتیازاتها تمثل الثقل الأكبر على اقتصاد الدولة فهناك بونا شاسعا بين امتیازاتها وامتيازات العامة، ولعل منطلق التجربة قد فسح المجال لمفهوم (دور الخاصة في نضوب الموارد الإقتصادية) أن يبرز في كلام الإمام، ويكفي في ذلك أن موارد الدولة قد تم تحويلها إلى ملكيات خاصة في عهد عثمان وهذا ما دفع الإمام عليه السلام إلى اعلان اصلاحه الإقتصادي في اليوم الثاني من خلافته و الذي برز فيه تعدیل میزان الدولة واسترجاع الأموال المنهوبة بغير حق إذ قال: «ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شئ، ولو وجدته وقد تزوج به النساء، وفرق في البلدان، لرددته إلى حاله، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق» (32) ولعل کلام الإمام الآتي يوضح من المقصود بالدرجة الأولى من ذلك البيان «إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام

معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع» أي أنهم الأداة التي عملت على استضاب الإقتصاد الإسلامي و الإستئثار به دون غيرها من الآخرين، لذا نجد الإمام يتكلم بوضوح عن مدى سلبية المردود الإقتصادي الذي تخلفه طبقة الخواص على الحاكم.

في حين المح الإمام إلى سلبية المردود الدفاعي لتلك الطبقة فليس «أقل معونة له في البلاء / وأضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة» مما يعني أن الإتكاك على تلك الطبقة والتعضد بقوتهم إنما هو أمر غير واقعي وليس له أدنى وجود وقد أوضح بن میثم البحراني سبب ذلك بقوله: «كونهم أقلّ معونة له في البلاء لمحبّتهم الدنيا وعزّة جانبهم / كونهم أضعف صبرا عند ملمّات الدهر لتعوّدهم الترّفة، وجزعهم على ما في أيديهم من الدنيا» (33) ولعل ذلك يتضح من خلال تجربة عثمان أيضا فهو قد عمد على استنجاد بني أمية لنصرته غير أن ممثل الأمويين آنذاك معاوية تقاعس عن نصرته أو الدفاع عنه مما يعني أن مقاربة المعطيات التاريخية و معاينة التجربة انتجت صورة واقيعية لإخفاقات مجموعة مقربة من الحاكم تدعي لنفسها صفة (النخبة) إذ أن حقيقة أمرها لا تعدوى من كونها مجموعة قد اصطنعت لنفسها أسلوب حياة هو في مجملة لا يتاشي إلا مع تحقيق ذاتها، في حين يمثل عنصر الهدم و الهرم للدولة، ومنها جاء تركيز الإمام على ضرورة التشخيص الحقيقي لمكامن القوة في الدولة بشكل عام والتي يمثلها عامة الشعب وما فيهم من صفات السخاء المادي والمعنوي فهم من جانب يمثلون الثقل الأهم في الدولة من حيث العدد أما الخاصة فلا يمثلون إلا مجموعة لا نسبة بينها وبين العامة، وكذلك من كون العامة قد التصقت بالدولة معتبرة اياها ممثلا حقيقيا لها و إن حققت لهم النزر من مقومات حياتهم، فكيف سيكون حالها إذ ما طبق کلام الإمام مالك في أن «یکن صغرك لهم

وميلك معهم» حينها ستتشط وتبرز بوضوح شخصية العامة ومدی تحقق اهداف الدولة بهم تلك الأهداف التي شخصها الإمام بقوله «عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء» هذه الأهداف التي تمثل جوهر الطموح والغاية الأهم في نظرية الحكم العادل.

إن المقاربة بين عهد مالك وادارته لمصر و استحضار التجربة التاريخية الشاذة المشوهة في الحكم الإسلامي انما يهدف ايجاد عوامل الأمن الذاتي والوظيفي للوالي، وهي نقطة مهمة توخي الإمام التنبيه عليها في عهده المبارك إذ نراه يقول حين نبه مالك من اعطاء الخاصة استثناءات بغير حق «فيكون مهنأ ذلك لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة» اذ في حقيقة الأمر ان أمن الذات ورغبة الإمام في تحققه للوالي وعدم تأثير الخاصة عليه وتشويهه قد أخذ عدة اضاءات، فالرعية تمتلك معیار وأداة المقارنة بين تجربة الحكم السابق والتجربة المعاصرة، ومن خلال تلك الدراية ينبعث منها ما قد يمثل امن الذات المعنوي والمادي، فأما المعنوي فان الرعية ينظرون من امورك في مثل ما کنت تنظر فيه من امور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم. وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده» و أما الأمن المادي فان الميل للخاصة سيوافر عوامل الظلم التي تبرز الشخص لخصومة الله «ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان الله حربا حتى ينزع ويتوب. وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد» أي سلب توفيقه ولم يعد محفوفا بالعناية الإلهية. وهذه التفاتة قلما يتنبه إليها انسان ولكن الإمام أبي إلا أن تكون حاضرة وبقولة في عهده المقدس.

رابعا: حكم الأكفاء ومنظار الصفات المؤهلة للقيادة

من النقاط المفصلية التي بدت واضحة في ذلك العهد هو رغبة الإمام علي (عليه السلام) أن يكون الحاكم محاط بطبقة لا يعبر تواجدها عن التواجد غير المستحق وانما اراد أن يكون ذلك التواجد عن استحقاق جدارة فهو في الوقت الذي ينبه مالك ويحذره من الخاصة يبرز له طيبعة تكوين جهازة الإداري والصفات المؤهلة لتسنم الإدارة و أثرها على حكمه.

يورد الإمام معطيات غاية الأهمية في هذا المجال يوجب توفرها في الأعوان اهمها:

1.

القدرة على فهم الوضع الحقيقي للدولة.

2.

اختيار الوضع المنشود لمستقبل الدولة

3.

القدرة على التخطيط لوضع برنامج عمل مؤسسات الدولة.

هذه الأمور تتبين من خلال قول الإمام علي لمالك الأشتر

مما يعني أن الإمام أراد من مالك يعتمد على بسط عدله و تنفیذ دستور ولايته على من يجد فيهم الحكمة و العقل و الدراية وتترسخ فيهم مقومات الدين و العلم والفقه و الدهاء ليتقوي بهم على ادارة امور البلاد و لتصل بهم العامة إلى اعلى درجات الإنتفاع الممكنة ومن ثم ابعاد عوامل الجهل الإختلال المجتمعي و نشوء مجتمع خال من آفات الجهل و المرض والعوز، فهم أداة لإرتقاء المجتمع الإسلامي، لا أن يعتمد على من هم أقل خبرة ولا يستهدفون من احاطتهم بالحاكم إلا ارضاء الذات و التفاخر بالمسؤولية وحسن الإدارة في العلن، وهم في حقيقة الأمر لا يملكون الأدوات المعرفية التي تحسن من عمل الدولة بل يأخذهم شبح السلطة و الوصول إلى المناصب ما هو إلا غاية قربهم و مشورتهم التي يستهدف منها المنفعة الذاتية فقط.

الخاتمة

بعد تلك الدراسة يمكننا انجاز جملة من النقاط التي توصل إليها الباحث:

1.

من خلال ما تقدم يتبين أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت له غاية حاول ادراجها في عهده لمالك الأشتر، تفيد بتقديم مشروع إصلاحي شامل لإدارة الدولة والمجتمع، وتبين أن تأكیده الحديث عن طبقة الخاصة التي تضم المقربين من حاكم (خاصة أهلك / ومن لك فيه هوی) على أهميتها وأولويتها والتشديد الذي خصها به دوناً عن الفئات الأخرى، إنما فرضه خطوات الإصلاح الذي فرض نفسه كضرورة لهيكلة مؤسسات الدولة ومرافق الحياة المجتمعية، وأن هذا الأمر انما يمثل نقطة الشروع في عملية الإصلاح التي تنطلق من المؤسسة السياسية ذاتها لتنتج ترسخ قيم ومفاهيم لو اجيز لها التطبيقة العملي لمهد قیام أركان الحكم الرشيد و الغي تواجد عوامل الإنهيار التي احاطة بالمسلمين و ادت إلى تصارعهم وتقاتهلهم.

2.

كما يمكن تشخيص الظرف الذي ولد فيه العهد فهو قد ولد بعد كثير من التشوبات التي طالت المبدئ الإسلامي المرسوم لإدارة الدولة و الحياة العامة، إذ توسعت رقعة الدولة الإسلامية أبان حركة الفتوحات، والتي انتجت تضخم في الحياة الإقتصادية و اختلاف في ميزان العطاء المادي حتى ولد نواة الطبقية التي أصبحت واقعا ملموسا بزيادة الواردات من البلدان المفتوحة، فقد قسم المسلمون على أساس السابقة و القرب من الرسول، ولم يكن للمتأخرين في الإسلام إلا فتات العيش الذي لا يسد الرمق بينما اتخم الطرف الآخر، وكانت الخاصة في هذا المورد انما تتجلى بالسابقة وليس بالقرابة، ثم تطورت في عهد عثمان لتعاني الأمة من الخاصة التي كون البعد الأسري اطرها وابعادها مما حتم على الإمام علي

الإلتفات إلى هذا الأمر ليشدد على ولاته بشكل عام ومالك بشكل بعد الوقوع في مغبته لما له من نتائج وخيمة جدا.

3.

ونتيجة للانحرافات الخطيرة في إدارة الدولة والمجتمع، حرص الإمام (عليه السلام) على وضع برنامج إصلاحي شامل لكافة مرافق الحياة في الدولة الإسلامية عبر عهوده التي وجهها لولاته، والتي كان أشملها وأطولها عهده لصاحبه وواليه مالك الأشتر حين ولاه على مصر بعد عزل محمد بن أبي بكر عنها، وهذا ما يؤشر لخصوصية مالك الأشتر وتميزه عن جميع صحابة وولاة الإمام (عليه السلام) واطمئنانه وثقته بقدرة مالك على تنفيذ برنامجه الإصلاحي الذي خطه له في العهد، وإلا لكان عهد به لمحمد بن أبي بكر، كما يؤشر خصوصية لمصر، بعدها من الأقاليم الغنية والواسعة والمتنوعة عرقيا وعقائدياً في تكوينها السكاني، ومن ثم للصراع الدائر بينه وبين معاوية عليها، ومحاولة الأخير بسط نفوذه عليها لكثرة خيراتها من جهة ولكونها من أهم الأمصار التي شارك أهلها في الانتفاضة على عثمان وقتله، وبالتالي فإن المصريين بحاجة لمشروع إصلاحي شامل يعيد ثقتهم بالخلافة الإسلامية.

4.

يرجح الإمام علي (عليه السلام) مبدأ حكومة الرعية وسلطتها و وارتفاع مكانتها على من سواها ويشير إلى دورها المحوري في انتظام عقد الدولة على عس مكانة الخاصة التي لا تمثل إلا نموذج النفعيين المساهمين وبشكل كبير في استنضاب موارد الدولة دون تقديم ما يقابلها أو يساويها من خدمات.

5. ركز الإمام على قضية في غاية الأهمية ألا وهي مفردة الأمن الذاتي والوظيفي للوالي وهو غاية كبرى كان الإمام يرغب في تحققها، إذ عد الإمام السبيل إلى تحقق ذلك هو رضا العامة وما يجري الله سبحنه وتعالى على السنتهم من ثناء واطراء للوالي، وهذا الأمر هو نتاج السياسة العادلة التي تواخاها الوالي وعمل بها.

الهوامش

1.

الطبراني، المعجم الأوسط، 5/ 135، المعجم الصغير، 1/ 255، الحاكم النيسابوري، المستدرك، 3/ 124، ابن مردویه، المناقب، 117، 118، الموفق الخوارزمي، المناقب، 177، المتقي الهندي، کنز العمال، 11 / 603، القندوزي، ينابيع المودة، 1/ 269،، بل إن هذا الإقرار قد جاء على لسان أناس منحرفين عن الإمام علي (عليه السلام) امثال الشعبي الذي ورد عنه أنه قال: «ما كان أحد من هذه الأمة اعلم بما بين اللوحین و بما انزل على محمد من علي «الحاكم الحسكاني، شواهد التنزيل، 1/ 48 - 49، الزرندي الحنفي، نظم درر السمطين 128.

2.

نهج البلاغة، 54، ينظر: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 9/ 217.

3.

لابد من الإشارة إلى أن هناك أنواع للملا في القرآن الكريم منهم الملأ السياسي والملأ الإجتماعي و الذي ورد في كثير من الآية منها ما ذكر في سورة الأعراف الآية، 60، 66، 75، 95 وغيرها من السور والتي يبدو من خلالها أن الملأ الكافر هم حالة شاذة مخالفة للفكر والعقل وهم في حالة تهجم مستمر على الإرادة و الحق الإلهي الذي جاء به الإنبياء وفي معارضة تامة لتطبيق تلك المبادئ على الأرض، إذ نجد أن الملا الكافر دائما ما يحاول أن يكذب ويكفر انبياء الله بل ويحاول النيل منهم بكل الطرق، و لو حاولنا معرفة سبب ذلك فإننا نجد أن ما جاء به الإنبياء هو مخالف لطبيعة ما يريده الملأ وهو ضرب لمصالحهم، مما يعني أن النتيجة حتمية في محاربة هؤلاء للحق الذي يريده الله سبحانه وتعالى وهذه صورة من صور فقدان الملأ للعقل واحتواءهم للجهل في التعامل المذكور مع الأنبياء.

4.

سورة يوسف، الآية: 43 - 44.

5.

الطباطبائي، تفسير الميزان، 11 / 187، الفيض الكاشاني، التفسير الصافي، 3 / 331، المشهدي، تفسير كنز الدقائق، 6 / 318.

6.

اختلفت الآراء في اسم الفرعون الذي عاصر موسى، ينظر في ذلك دروزة، تاريخ بني اسرائيل.

7.

سورة الأعراف، الآية: 109/ 127.

8.

سورة الشعراء، الآية: 34 - 37.

9.

سورة الأعراف، الآية: 127.

10.

سورة طه، الآية: 43 - 44.

11.

سورة النمل، الآية: 29 - 35.

12.

ابن كثير، البداية والنهاية، 2 / 27، قصص الأنبياء، 2 / 289، ابن العربي، احکام القرآن، 3 / 487، الفخر الرازي، التفسير، 24/ 195/ 196.

13.

تمثل شخصية مالك قمة النضوج الفكري والإيماني والذي تجسد بما قاله أمير المؤمنين عنه في عدة مناسبات ستتضح في ما يأتي.

14.

نهج البلاغة، 459.

15.
16.

كان شبيب عاملا على مدينة نصيبين قبل توليته على الجزيرة، أنظر البلاذري، انساب الأشراف، ص 398.

17.

ينظر في تفاصيل ذلك: ابن أعثم الكوفي، الفتوح، 3/ 187 - 190، الطبري، تاريخ الرسل والملوك، 4/ 35 - 37، ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 3/ 316، ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، 2/ 217،

18.

ينظر في تفاصيل ذلك: ابو جعفر الاسكافي، المعيار والموازنة، 164، ابن أعثم الكوفي، الفتوح، 3/ 187 - 190، الطبري، تاريخ الرسل والملوك، 4/ 35 - 37، ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 3/ 316، ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، 2/ 217 - 219.

19.

نهج البلاغة، 3 / 14.

20.

نهج البلاغة، 4 / 103.

21.

نهج البلاغة، 3 / 64.

22.

نهج البلاغة، 3 / 63.

23.

نهج البلاغة، 37.

24.

نهج البلاغة، 458.

25.

نهج البلاغة، 459.

26.

شرح نهج البلاغة، 1 / 199.

27.

نهج البلاغة، 495.

28.

نهج البلاغة، 404.

29.

نهج البلاغة، 447.

30.

ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 1/ 26.

31.

الطبري، تاريخ الرسل، 3/ 369، ابو الفرج الأصفهاني، الأغاني، 12/ 367.

32.

نهج البلاغة، 46.

33.

5/ 144.

المصادر

• القرآن الكريم.
1.

ابن الأثير، أبي الحسن علي بن أبي الكرم بن محمد بن عبد الكريم بن الشيباني (630 ه/ 1232 م).

2.

الكامل في التاريخ، (دار صادر - دار بيروت، بيروت - لبنان 1385 ه/ 1965 م).

3.

ابن أعثم، ابو محمد أحمد بن أعثم الكوفي، (314 ه/ 926 م).

4.

كتاب الفتوح، تحقيق: على شيري (ط 1، دار الأضواء، بيروت - لبنان، 1411 ه/1991 م).

5.

البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر (279 ه/ 892 م).

6.

انساب الأشراف، تحقيق وتعليق: محمد باقر المحمودي (ط 1، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان، 1394 ه/ 1974 م).

7.

أبو جعفر الإسكافي، محمد بن عبد الله المعتزلي (220 ه/ 835 م).

8.

المعيار والموازنة في فضائل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) وبيان أفضليته على جميع العالمين بعد الأنبياء والمرسلين، تحقيق: محمد باقر المحمودي (ط 1، د. م، 1402 ه/ 1981 م).

9.

الحاكم الحسكاني، عبيد الله بن أحمد الحذاء الحنفي النيسابوري (من أعلام القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي).

10.

شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، تحقيق وتعليق: محمد باقر المحمودي (ط 1،

مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي الإيراني، مجمع أحياء الثقافة الإسلامية، طهران - إيران، 1411 ه/ 1990 م).

11.

الحاكم النيسابوري، ابو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد، (405 ه/ 1014 م).

12.

المستدرك على الصحيحين، تحقيق: يوسف عبد الرحمن المرعشلي (دار المعرفة، بيروت - لبنان، د. ت).

13.

ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين ابن أبي الحديد المدائني(656 ه/ 1258 م).

14.

شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (ط 1، دار احياء الكتب العربية، بيروت - لبنان، 1378 ه/ 1959 م).

15.

السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (911 ه/ 1505 م).

16.

الدر المنثور (دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان ).

17.

الطبراني، أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (360 ه/ 970 م).

18.

المعجم الأوسط، تحقيق: أبو معاذ طارق بن عوض الله بن محمد و أبو الفضل عبد الحسن بن إبراهيم الحسيني (دار الحرمين، السعودية، 1415 ه/ 1995).

19.

المعجم الصغير، (ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، د. ت).

20.

الطباطبائي، محمد حسين.

21.

الميزان في تفسير القرآن (منشورات جماعة المدرسين، قم - ايران، د. ت).

22.

الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير (310 ه/ 922 م).

23.

تاریخ الرسل والملوك (ط 4، مؤسسة الأعلمي، بيروت - لبنان، 1403 ه/ 1993 م).

24.

ابن العربي، محمد بن عبد الله بن محمد (543 ه/ 1148 م).

25.

أحكام القرآن، تحقيق: محمد عبد القادر عطا (دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت / لبنان، د.ت).

26.

الفخر الرازي، محمد بن عمر بن الحسين الرازي (606 ه/ 1223 م).

27.

تفسير الرازي (ط 3، د. م.، د. ت).

28.

ابو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم (356 ه/ 966 م).

29.

الأغاني، تقديم واشراف: كاظم المظفر (ط 2، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، قم - إيران، 1385 ه/ 1965 م).

30.

القندوزي، سليمان بن إبراهيم الحنفي (1294 ه / 1877 م).

31.

ينابيع المودة لذوي القربی، تحقيق: سيد علي جمال أشرف الحسيني (دار الأسوة للطباعة والنشر، ایران، 1416 ه/ 1996 م).

32.

ابن کثیر، ابو الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي (774 ه/ 1372 م).

33.

البداية والنهاية، تحقيق: علي شيري (ط 1، دار احیاء التراث، بيروت - لبنان، 1408 ه/ 1988 م).

34.

المتقي الهندي، علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين (ت 975 ه/ 1567 م).

35.

کنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للعلامة، ضبط تصحيح بكري حياني،

صفوة السفا (مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، 1409 ه/ 1989 م).

36.

مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: يوسف اسعد داغر (ط 2، منشورات دار الهجرة قم المقدسة - ايران، 1385 ه/ 1965 م).

37.

ابن مردويه، أبي بكر أحمد بن موسى ابن مردويه الإصفهاني (410 ه/ 1019 م).

38.

مناقب الإمام علي (عليه السلام)، جمع تحقيق عبد الرزاق محمد حسين حرز الدين، (ط 2، دار الحديث، قم المقدسة - ايران، 1422 ه).

39.

الموفق الخوارزمي، الموقف بن أحمد المكي الحنفي الخوارزمي (568 ه/ 1172 م).

40.

المناقب، تحقيق: مالك المحمودي (ط 2، مؤسسة النشر الإسلامي، قم المقدسة - ایران، 1414 ه).

41.

الموفق الخوارزمي، الموقف بن أحمد المكي الحنفي الخوارزمي (568 ه/ 1172 م).

42.

المناقب، تحقيق: مالك المحمودي (ط 2، مؤسسة النشر الإسلامي، قم المقدسة - ایران، 1414 ه).

43.

الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (807 ه/ 1404 م).

44.

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، (دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1408 ه/ 1988 م).

الجوانب التربوية والاجتماعية ودلالاتها في عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (العدالة والانصاف والمساواة) أنموذجاً.

اشارة

اعداد

أ. د. امل داود سليم

م. د الهام فاضل عباس

ملخص البحث

العدل هو وضع الامور في موضعها ولهذا المفهوم الواسع مصاديق كثيرة من جملتها العدالة بمعنى الاعتدال، العدالة بمعنى رعاية المساواة ونفي كل الوان التمييز، العدالة بمعنى رعاية الحقوق والاستحقاقات، والعدالة بمعنى التزكية والتطهير.

فالعدل يعني العدالة، والعدالة تشمل الحكم والقضاء، القوانين، والمساواة في مجال الحقوق، وعدم الاعتداء على حقوق الاخرين ووضع كل شيء في موضعه المناسب له ولقد اكد الاسلام على مبدأ المساواة والعدالة في اكمل صورتهما وجعلهما العقائد الاساسية التي يجب ان يدين بها المسلم.

ان فكرة العدل التي لخصها امير المؤمنين (علية السلام) بوضع الامور في مواضعها تشمل مختلف القضايا، فالعدل الاجتماعي يتم عبر الحقوق القانونية، الواجبات القانونية، الحقوق المالية، المسؤوليات الفرص المتكافئة. فالعدل هو الفرص المتساوية للناس بحيث يتمتعون بحقوقهم القانونية والشرعية وينفذوا واجباتهم ومسؤوليتهم الدينية والاجتماعية أي ان العدل اذا كان يعني وضع الامور في مواضعها فلابد ان يكون وضعها في حالتي الوصف والمعيار.

وقد لاحظت الباحثتان في الوقت الحاضر ان التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مر بها المجتمع بكافة شرائحه واطيافه قد اوجدت تهديدات ومخاوف وحالة من فقدان العدل او العدالة الاجتماعية لدى الافراد عموما. اضافة الى ذلك تأثير التكنلوجيا المعاصرة وظهور بعض التطورات في المجتمع والتي اثرت تأثيراً سلبي في قيم العدالة بين الافراد وقد تحسست الباحثتان ان هنالك العديد من

الافراد لا يتصفون بهذه المبادئ فكان هذا مبرراً واضحاً للباحثتين لإجراء مثل هذه الدراسة.

وبعد الاطلاع على وصية الامام علي (علية السلام) في العدل والانصاف لمالك الاشتر وضعت الباحثتين السؤالين التاليين:

1.

بما يخص النص الاول في وصية الامام علي (علية السلام) في العدل والانصاف وظلم العباد.

2.

النص الثاني في العدل والتواصل مع الناس، ومن خلال الاجابة على السؤالين من قبل افراد عينة البحث تتوضح المشكلة.

ولأهمية العدل والانصاف والتواصل مع الناس في بناء المجتمع وتحقيق المستقبل الافضل، وكذلك لأهمية الوصية التي وضعها شخص الامام علي (علية السلام) ولمكانته المعروفة وجبت الباحثتان اهمية موضوع البحث من خلال ما ذكر في الوصية للإمام بأن ذكر (مالك الاشتر) بأن يكون هدفه وغايته اقامة العدل، واحياء الحق، الغاية والهدف الذي من اجله ارسل الانبياء والرسل، حتى ينعم الناس بالعدالة والمساواة، فبالعدل فقط تقوم الانظمة وتستمر ويصير للحياة مفهومها ومعناها.

اما الحياة في ظل حاكم ظالم فهي بمثابه السجن، قال (علية السلام) (وليكن احب الامور اليك اوسطها في الحق وأعمها في العدل، واجمعها لرضا الرعية) وحيث قال الامام علي (علية السلام) في وصيته (اياك ومساماة ((السمو)) الله في عظمته، والتشبه به في جبروته، فان الله يذل كل جبار ويهين كل مختال).

وفي هذا الكلات من النص فان وصيه امير المؤمنين (علية السلام) واضحه لنا في تجنبنا بالتشبه في عظمه الله سبحانه وتعالى لأنه جبار يذل كل جبار ويهين كل مختال.

وتربوياً فإننا من الضروري ان نعمل بهذه الكلمات حيث يجب السير على نهج الامام علي (علية السلام) في نصح الطالبات من خلال التواضع والابتعاد عن التكبر، والمساواة المطلوبة بين الجميع ورفض التمييز والترجيح بينهم على اسس عنصرية فمن اركان العدالة الاجتماعية المساواة بين الناس، التوزيع العادل للثروات، واحترام حقوق الانسان.

اما التواصل بين الناس فقد ذكر الامام علي (علية السلام) ان (لكل أمرئ منهم ما ابلى ولا تضمن بلاء امري «صنيعةُ الى غيره») وهنا توضيح واضح الا انه يجب مكافاة كل فرد على ما قام به من عمل صالح وعليه فان البحث الحالي يهدف الى:

1.

هل ان محتوى النص الاول (العدل والانصاف وظلم العباد) للإمام علي (علية السلام) مطبق في الوقت الحاضر واذا كان غير مطبق فما هي الاسباب وان كان مطبق الى حدما فما هي الاسباب.

2.

هل ان محتوى النص الثاني (العدل والتواصل مع الناس) مطبق في الوقت الحاضر، اذا كانت الاجابة بنعم فما هي الاسباب وان كانت كلا فما هي الاسباب وان كانت الى حد ما فما هي الاسباب.

وطبقت الباحثتان الاستبيان الذي تم اعداده على عينه من طالبات الجامعة البالغ عددهم (120) طالبه والذي تم اختيارهم عشوائياً من الطالبات كلية التربية للبنات وبعد حساب اجابات الطالبات على فقرات الاستبيان تبين ان 70٪ من الاجابات كانت بتطبيق النصين ((الى حدما)) و 22٪ كانت اجابتهم بانها مطبقه و 7٪ كانت اجابات الطالبات بانها مطبقه في الوقت الحاضر.

وعلى وفق هذه النتائج بينة الباحثتان ان هناك اسباب عديده بتطبيقها (الى حد ما) ومن هذه الاسباب الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي يمر بها البلد، اضافه الى التكنلوجيا المعاصرة والتي اصبح ان يلزم الافراد بالابتعاد عن التواصل الاجتماعي والتمسك بالقيم والعادات والتقاليد الدينية والالتزام بمنهج الدين الاسلامي اضافه الى مشاغل وهموم الحياة الكثيرة بالرغم ان افراد العينة لم يبتعدوا كثيراً عن النقاط او الركائز الاساسية او الخطوط العريضة للدين الاسلامي. ولذلك جاءت الاجابة ((الى حد ما)).

وهنا التوصيات الي توصي بها الباحثتان من ضرورة اقامة الندوات وورش العمل وتنفيذ وصية الامام علي (علية السلام) لتطبيق هذه الوصايا في وقتنا الراهن.

ومن اهم المقترحات هو اجراء بحث موسع عن العدل والانصاف بين افراد مؤسسات المجتمع العراقي.

المبحث الاول

مشكلة البحث:

اكد الاسلام على مبدا العدالة والمساواة في اكمل صورتهما وجعلهما من العقائد الاساسية التي يجب ان يديم بها المسلم، فالعدالة تعتبر من اهم المكونات والمرتكزات في الاسلام.

ولقد ركز القرآن الكريم كثيرا على اهمية تطبيق العدالة في المجتمع، فلقد خلق الله سبحانه وتعالى الناس جميعا من تراب ولذلك لا فضل لابيض على اسود الا بالتقوى والعمل الصالح.

فالناس سواسية في اصل الخلقة والنشأة والمنبع، والمساواة بين الناس والتي تعد من اهمك مكونات واسس بناء العدالة الاجتماعية.

وان فكرة العدل التي لخصها امير المؤمنين (عليه السلام) بوضع الامور مواضعها، تشمل مختلف القضايا، فالعدل الاجتماعي يتم عبر امور مثل الحقوق القانونية كحق البيع والشراء، وحق العمل ونحوها، والحقوق المالية، المسؤوليات، والفرص المتكافئة.

فالعدل هو اعطاء الفرص المتساوية للناس بحيث يتمتعون بحقوقهم وينفذوا واجباتهم ومسؤولياتهم الدينية والاجتماعية، والعدل الذي مارسه الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) مع الامة شمل النظرية والمصداق معا.

وفي وقتنا الحاضر نجد ان مهمة بناء شخصية الشباب في هذا الزمن، زمن الانفجار المعلوماتي اصبحت مهمة صعبة او تكاد تكون مستحيلة بل انها ايضا محبطة ومخيبة

لآمال الكثير من التربويين والمربين، فالشباب هم الفئة الاكثر تقبلا للتطور والاكثر اتصالا في عملية البناء الحضاري، وان وعي التربويين هو الذي سيحدد مستوى تأثير التكنولوجيا ودورها في بناء شخصية الشباب.

ومشكلة البحث تنبع من احساس الباحثتين في الوقت الحالي مع هذه التطورات التي اثرت تأثير سلبي في قسم العدالة بين افراد المجتمع.

وقد تحسست الباحثتان ان هناك العديد من الافراد لا يتصفون بهذه المبادئ ولا يلتزمون بها فكان هذا واضحا للباحثتين لإجراء مثل هذه الدراسة.

ومن خلال اطلاع الباحثتين على وصيه الامام علي (عليه السلام) في العدل والانصاف وضعت الباحثتين السؤالين التاليين:

1.

بما يخص النص الاول في وصية الامام علي (عليه السلام) في (العدل والانصاف وظلم العباد)

2.

النص الثاني في (العدل والتواصل مع الناس) انظر ملحق 1

ومن خلال الاجابة على السؤالين من قبل افراد عينة البحث تتوضح مشكلة البحث.

اهمية البحث

ان ما حققه الحضارة الاسلامية في عصور ازدهارها كان وراءه نظام ومفاهيم وقيم تربوية نحن الان في امس الحاجة الة دراستها والوقوف امامها للاستفادة من بعض جوانبها في حل مشكلاتنا اليومية.

ولقد ارسى الاسلام العديد من القواعد والاسس التي تنظم العلاقات بين افراد المجتمع، ومن اهم هذه الاسس هي العدالة الاجتماعية بما تحمله من معاني وقيم

رفيعة تساعد على القيام بمجتمع يتمتع بالسلام والاخاء والمحبة والرفاه.

وتتضح اهمية العدل في الاسلام في كونه صفة من صفات الله تعالى، حيث انه سبحانه وتعالى العدل.

ويعد العدل من القيم الاساسية التي حث عليها القرآن الكريم وكررها في العديد من الآيات ولقد فرض الله العدل على المسلمين ليشمل كل شيء في حياتهم ابتداءاً من العدل في الحكم الى الشهادة ومعاملة الاسرة والزوجة وجميع الناس حتى والخصوم، فلقد قال الله تعالى (ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل).

وان قدرة الانسان على التمتع بحقوقه المعنوية والمادية الكاملة لا يمكن ان تتحقق الا في ظل عدالة اجتماعية شاملة، وان العدالة لا يمكن ان تكون كاملة وتامة دون حفظ وحماية وصيانة حقوق الانسان المشروعة وتطبيق قيم العدل والعدالة وحدها الكفالة بتحقيق مبدا الكرامة الانسانية التي اكد عليها القرآن الكريم.

وللعدالة الاجتماعية اركان واسس وقواعد لا تقوم الا بها، وهي مقياس لمعرفة ان كانت العدالة الاجتماعية مطبقة في مجتمع ما ام ان السائد فيه هو الظلم والجور والحرمان، واهم اركان العدالة هي المساواة بين الناس، فالمساواة بين الناس تعطي حيوية للمجتمع.

وما تعانيه المجتمعات في عالم اليوم من مشاكل مزمنة يعود - في جزء منها الى انتشار المحسوبيات في الحياة العامة، وانعدام تكافؤ الفرص بين الناس، والتمييز على اسس مختلة، مما يؤدي الى تأخر المجتمع وغياب العدالة.

ولأهمية العدل والانصاف والتواصل من الناس في بناء المجتمع وتحقيق المستقبل الافضل والتي تنبثق من اهمية الوصية التي وضعها شخص الامام علي (عليه السلام) ولمكانته المعروفة اذ ان اول شيء اوصى امير المؤمنين (عليه السلام) به مالك الاشتر، ان يكون محباً للرعية، محترما لمشاعر الناس من اي فئة كانوا، ثم دعاه الى ان لا يميز بين القريب والبعيد غي عطاءاته، ثم ذكره بان يكون هدفه وغايته اقامة العدل، واحياء الحق، الغاية والهدف الذي من اجله ارسل الانبياء والرسل، حتى ينعم الناس بالعدالة والمساواة فبالعدل فقط تقوم الانظمة وتستمر ويصير للحياة مفهومها ومعناها.

وتربويا فأنا من الضروري ان نعمل بالعدل وبالوصايا هذه حيث يجب السير على نهج الامام علي (عليه السلام) بالتواضع والابتعاد عن التكبر لذلك وجدت الباحثتان اهمية البحث هذا من خلال اهمية الموضوع نفسه.

اهداف البحث: يهدف البحث:

1.

هل ان محتوى النص (العدل والانصاف، وظلم العباد: اذ قال امير المؤمنين (عليه السلام) (اياك ومساماة (السمو) الله في عظمته، والتشبه به في جبروته، فان الله يذل كل جبار، ويهين كل مختال.

2.

انصف الله وانصف الناس من نفسك، ومن خاصة اهلك، ومن لك فيه هوى (تميل اليه) من رعيتك فانك الا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله ادحض (ابطل) حجته وكان الله حربا حتى ينزع (يقلع عن ظلمه) ويتوب):

مطبق في الوقت الحالي واذا كان غير مطبق فما هي الاسباب:

2. هل ان محتوى النص (العدل والتواصل بين الناس) (وان افضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودة الرعية، وانه لا تظهر مودتهم الا بسلامة صدورهم،...)

مطبق في الوقت الحالي واذا كان غير مطبق فما هي الاسباب.

حدود البحث

يتحدد البحث الحالي بطالبات كلية التربية للبنات للمرحلة الاولية وطالبات الدراسات العليا للعام الدراسي 2015 - 2016

تحديد المصطلحات:

أولاً: العدل

• افضل تعريف لمعنى العدل هو: ((وضع الامور في مواضعها)) الوارد عن الامام علي (عليه السلام)

• العدل لغويا: القصد في الامور، او عبارة عن الامر المتوسط بين (الافراط - والتفريط) ومقابلها الظل والجور وما قام في النفوس انه مستقيم، من عَدَلَ يَعدِلُ فهو عادل من عُدول وعدل يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل.

• العدل اصطلاحا: هو عبارة الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب عما هو محظور وهو استعمال الامور في مواضعها واوقاتها ووجوهها، ومقاديرها من غير سرف، ولا تقصير ولا تقديم ولا تأخير.

ثانيا: العدالة الاجتماعية

• علماء الاخلاق ينظرون اليها بوصفها:

خصلة اخلاقية تحفز على احترام حقوق الاخرين

• علماء القانون يعرفون العدالة:

بسيادة القانون

• علماء الفقه ينظرون للعدالة:

بوصفها شرطا لصحة مجموعة من الاعمال

• علماء الاجتماع يركزون على:

انه لا استقرار اجتماعي دون سيادة العدالة

• علماء الفلسفة يرون:

ان فلسفة الوجود قائم على العدالة

• فالعدالة: هي محور كل شيء في حياتنا واصل للأصول الاخرى.

ثالثا: المساواة

رفض التمييز على اسس عنصرية او عرقية أو مذهبية او ما شابه ذلك.

رابعا: الانصاف

لغة: مشتق من نصف اي شطر الشيء الى نصفين متساويين، وتناصف القوم اي تعاطوا بالحق وتعاملوا بالعدل والقسط والتنصف هو طلب المعروف ودرء المنكر بعد استواء المحاسن والمساوئ

اصطلاحا: هو الشعور التلقائي الصادق بما هو عدل او جور

فلسفة: الانصاف في ان يعطي صاحبه ما عليه بإزاء ما يأخذ من النفع، وهو استيفاء الحقوق لا ربابها واستخراجها بالأيدي العادلة والسياسات الفاضلة.

والانصاف: هو ان تعطي غيرك من الحق مثلا الذي تحب ان تأخذه منه لو كنت مكانه ويكون ذلك بالأقوال والافعال، في الرضا والغضب، مع من نحب ومع من نكره.

المبحث الثاني منهج البحث واجراءاته Research Method and Procedures

يتضمن هذا الفصل عرضا لإجراءات البحث المتبعة من حيث تحديد مجتمع البحث واختيار العينة وإجراءات بناء مقياس (العدل والانصاف) وإجراءات التطبيق النهائي على عينة البحث وبيان الوسائل الاحصائية المستخدمة في التوصل الى نتائج البحث وفيما يأتي تفصيل ذلك:

منهج البحث (Method of Research)

اعتمد البحث الحالي منهج الدراسات الوصفية التي تسعى الى تحديد الوضع الحالي لظاهرة معينة، ثم تعمل على وصفها بدقة، فالمنهج الوصفي هو أحد أشكال التحليل والتفسير العلمي المنظم لوصف ظاهرة أو مشكلة محددة وتصويرها كمياً عن طريق جمع بيانات ومعلومات مقننة عنها وتصنيفها واخضاعها للدراسة الدقيقة، ويأخذ المنهج الوصفي أنماطاً وأشكالاً عدة (ملحم، 2002: 35).

عينة البحث: Sample of Research

تمثلت عينة البحث ب (120) طالبة من طالبات قسم رياض الاطفال / كلية التربية / جامعة بغداد، اختيرت بشكل قصدي وتوزعت عينة البحث كما هو موضح في الجدول (1).

جدول (1) عينة البحث وفقاً لعينة الدراسة

المرحلة العدد الثانية الثالثة 40 الرابعة 72 الماجستير الدكتوراه / المجموع 120

اداة البحث: Tool of Reasearch

قامتا الباحثتان و تحقيقاً لهدف البحث بإعداد استبيان (مغلق - مفتوح) يَضم:

1. محتوى النصين من وصية الامام علي (عليه السلام) الى مالك الاشتر وكما:
•

(العدل والإنصاف وظلم العباد).

•

العدل والتواصل بين الناس).

2. اسئلة مغلقة، مفتوحة تتعلق بالنصين السابقين الذكر ملحق (1).

ولتحقق من صدق الاستبيان، وزع على عينة من الخبراء في المجال، بلغ عددهم (10) خبير (ملحق 2) وبعد حساب نسبة اتفاق آراء الخبراء تبين صلاحية الاستبيان بعد حذف السؤال الاول، حيث كانت نسبة اتفاق الاراء اكبر من 80٪ التي اعتمدت كمعيار لحساب الصدق الظاهري للاستبيان، وكما هو موضح في الجدول (2).

جدول (2) نسبة اتفاق اراء الخبراء للصدق الظاهري

الفقرات صالحة بنسبة اتفاق غير صالحة بنسبة اتفاق

محتوى النص الاول 100%

محتوى النص الثاني 100%

السؤال الاول از 20٪ 80٪

السؤال الثاني 100%

السؤال الثالث 100%

السؤال الرابع 90% 10%

وعليه اصبح الاستبيان بالشكل النهائي يضم محتوى النصين (العدل والإنصاف وظلم العباد) و (العدل والتواصل بين الناس) مع الاسئلة الخاصة بكل نص (ملحق 3)

تطبيق أداة البحث:

طبقت الباحثان اداة البحث على العينة البالغة (120) طالبة في قسم رياض الاطفال وكان التطبيق في صفوف الطالبات وقد استغرق (3) اسابيع حيث بدأ في (10/9 /2016) وانتهى في (28/ 10/ 2016).

الوسائل الاحصائية: (Statistical Means)

اعتمدت الباحثتان الوسائل الاحصائية الاتية:-

• مربع كاي.

• النسب المئوية.

• استعملت الباحثة البرنامج الاحصائي (spss) في معالجة البيانات أحصائيا بالحاسبة الالكترونية.

المبحث الثالث نتائج البحث ومناقشتها

يتضمن هذا الفصل عرضا للنتائج التي توصل اليها البحث، وعلى النحو الاَتي:

عرض النتائج:

• الهدف الاول: هل أن محتوى النص (العدل والانصاف، ظلم العباد) من وصية الامام علي (عليه السلام) الى وليه (مالك الاشتر) في مصر، مطبق في الوقت الحاضر، ام غير مطبق، ام مطبق الى حد ما؟

بعد حساب اجابات عينة البحث، استعملت الباحثتان معادلة مربع كاي لعينة واحدة (Chi- Square) (عودة والخليلي، د.ت: 283) وقد تبينت النتائج الدلالة الاحصائية لمربع كاي حيث بلغت القيمة المحسوبة (76،65) وهي اكبر من القيمة الجدولية البالغة (99، 5) عند مستوى دلالة (0،05) كما هو موضح في الجدول (3).

جدول (3) قيمة مربع كاي للهدف الاول

النص التكرار مطبق غير مطبق الى حد ما المجموع قيمة مربع کاي

المشاهدة 27 9 84 120 المحسوبة الجدولية

المتوقع 40 40 40 120 65، 76 99، 5

عند الاطلاع على الجدول السابق، نلاحظ أن رأي طالبات عينة البحث في مدى تطبيق محتوى وصية الامام علي (عليه السلام) الى وليه مالك الاشتر في مصر، مطبق الى حد ما، وبينت العينة أن هناك عدة اسباب لذلك كما هي موضحة في الجدول (4).

جدول (4) اسباب تطبيق محتوى النص (العدل والإنصاف وظلم العباد) من وصية الامام علي (عليه السلام) الى مالك الاشتر مصر

التطبيق الاسباب الى حد ما ك ٪ غير مطبق ك %

1 المحسوبية والاقارب 24 20 صعوبة الظرف الاجتماعي والاقتصادي 9 5، 7

2 عدم تطبيق تعاليم الدين 22 18٫33 ضعف الثقافة السياسية 9 5، 7

3 التطور التكنلوجي 20 / 16,66 التطور التكنلوجي السریع 8 66، 6

4 المصالح الشخصية 19 15,33 شیوع الفساد 5 166، 4

5 ضعف التواصل الاجتماعي و بين الناس 11 16، 9

عند الاطلاع على الجدول اعلاه نجد ان عوامل مثل (المحسوبية والاقارب وعدم الالتزام بالتوجيه الديني، فضلاً الى التطور التكنلوجي، والمصالح الشخصية وصعوبة الظرف الاجتماعي والاقتصادي جعلت في الناس بعيدة كل البعد عن العدل والانصاف وعدم ظلم العباد، حيث اصبحت للمحسوبية دوراً واضحاً في الحياة اليومية، فبلغت 20٪ من مجموع العينة المختارة، تلا ذلك ضعف الوازع الديني فكان نسبة 18،33٪ يلي ذلك التطورات التكنلوجية والمصالح الشخصية وتشير بعض الادبيات الى

الهدف الثاني: هل أن محتوى النص (العدل والتواصل بين الناس) من وصية الامام علي (عليه السلام) الى (مالك الاشتر) في مصر، مطبق في الوقت الحاضر ام غير مطبق، ام مطبق الى حد ما؟.

بعد حساب اجابات عينة البحث، استعملت الباحثتان معادلة مربع کاي لعينة واحدة (Chi-Square) (عودة والخليلي، د. ت: 283) وقد تبينت النتائج الدلالة الاحصائية لمربع کاي حيث بلغت القيمة المحسوبة (63،15) وهي اكبر من القيمة الجدولية البالغة (99، 5) عند مستوى دلالة (05، 0) كما هو موضح في الجدول (5).

جدول (5) قيمة مربع كاي للهدف الثاني

النص التكرار مطبق غیر مطبق الی حد ما المجموع قیمة مربع کاي

المشاهدة 12 18 81 120 المحسوبة الجدولیة

المتوقع 40 40 40 120 15، 63 99، 5

عند الاطلاع على الجدول السابق، نلاحظ أن رأي طالبات عينة البحث في مدى تطبيق محتوى وصية الامام علي (عليه السلام) الى وليه مالك الاشتر في مصر (العدل والتواصل بين الناس)، مطبق الى حد ما، وبينت العينة أن هناك عدة اسباب لذلك كما هي موضحة في الجدول (6).

جدول (6) اسباب تطبيق محتوى النص (العدل والتواصل بين الناس) من وصية الامام علي (عليه السلام) الى مالك الاشتر في مصر

التطبيق الاسباب الى حد ما ك % غیر مطبق ك %

1 ظروف الحياة الاجتماعية والاقتصادية 44 66، 36 قلة صلة الرحم 18 15

2 عدم وجود الامن 32 66، 26 ترك اهل الظم 11 16، 9

3 وجود الفتنة بين الناس 22 33، 18 انعدام الضمیر 9 6، 7

التوصيات:

مما تقدم من اجراءات ونتائج البحث يمكن للباحثتان تقديم التوصيات الاَتية:

1.

اقامة ورش عمل خاصة بكيفية تنفيذ وصايا الامام علي (عليه السلام) في المجتمع.

2.

اقامة مؤتمرات وندوات تناولت موضوعات العدالة والانصاف بين الناس، تقدمها وزارة الدولة ومنها وزارة الشؤون الاجتماعية والتربية فضلاً عن التعليم العالي والبحث العلمي.

3.

اقامة دورات خاصة تتناول موضوعات وصايا الامام علي (عليه السلام) تتمحور حول اعداد الاطفال والمعلمات في الرياض لما لهذه الاستراتيجيتين

الاكبر في بناء المجتمع العراقي.

المقترحات:

في ضوء نتائج البحث تقترح الباحثتان ما يأتي:

1.

اجراء بحوث حول كافة نصوص وصايا الامام علي عليه السلام.

2.

اجراء البحث الحالي على عينة موسعة تشمل جميع طلبة الجامعات.

المصادر:

• القران الكريم
1.

الهام فاضل (2015) التكنولوجيا المعاصرة وعلاقتها بالنفس لطلبة الجامعة، بحث مقدم الى مركز البحوث النفسية، المؤتمر الدولي الثامن عشر.

2.

الدهشان، جمال علي (1993) لتكافؤ الفرص التعليمية، المفهوم و مظاهر التطبيق في عصر الازدهار الاسلامي.

3.

شكر فايز علي - الرعية في عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر.

4.

شبكة المعارف الاسلامية، الامام علي عليه السلام، رائد العدالة الاجتماعية.

5.

عودة: احمد سليمان والخليلي، خليل يوسف في الاحصاء وللباحث في التربية والعلوم الانسانية، دار الفكر للنشر والتوزيع - عمان.

6.

مجلة البحوث النفسية والتربوية - العدد الثالث - كلية التربية - جامعة المنوفية.

7.

الشريف الرضي (الجامع) - نهج البلاغة، فهرسة الدكتور صبحي

8.

اليوسف - عبد الله صمد (2009): مجلة البصائر - العدالة الاجتماعية في القران الكريم - العدد 44

ملحق (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

جامعة بغداد

كلية التربية للبنات

قسم رياض الاطفال

م/ استبيان

عزيزتي الطالبة ............

عزيزتي التدريسية .........

تقوم الباحثتان باجراء دراسة عن (العدل والإنصاف في وصية الامام علي (عليه السلام)) وتنفيذها في الوقت الحاضر) ولأنك العنصر الفعال في المجتمع وبناة المستقبل تضع بين يديك نصين من وصية الامام علي (عليه السلام) الى وليه (مالك الاشتر) في مصر الخاصة بالعدل والإنصاف، يرجي منكِ قراءة النصين الآتيين باستیعاب، ثم الاجابة عن الأسئلة الموضحة.

شاكرين تعاونك معنا

علماً ان الاجابة لأغراض البحث العلمي فقط ولا داعي لذكر الاسم.

مع التقدير

الرجاء قلب الصفحة

النص الاول

العدل والإنصاف، وظلم العباد:

إياك ومساماة (السمو) الله فِي عِظِمِتِهِ، وَ التشِبيُهِ بِهِ فِي جِبَرُوتِهِ، فإِنَ الله يُذِل كلِ جِبَار، ويُهِينُ كل مختِال.

إنصِفِ اللهِ وَ إنصِفِ الناسَ مِن نفسِكِ، وَ مِن خاصهُ إهلِكِ، وَمِن لِكِ فِيهِ هِوىً (تميل اليه) مِن رَعِيتِكِ، فإنِكِ إلا تِفعِل تِظلِم، وَمِن ظِلِمِ عِبَادِ الله كِانَ اللهُ خِصمِه دونَ عِبَادِهِ، وَمِن خِاصِمِه اللهُ إدحِضِ (إبطل) حجَّتِه، وَكِانَ الله حِرباٍ حِتى یِنزعَ (يقلع عن ظلمه) وَيِتوبَ.

بعد اطلاعك المتمعن للنص فأنك تجدين ان محتوى النص:

1.

مطبق في الوقت الحالي نعم الى حد ما

2.

إذا كانت إجابتكِ ب (نعم) فما هي الاسباب:

•
•
•
3. إذا كانت إجابتكِ ب (کلا) فما هي الاسباب:
•
•
•
4. إذا كانت إجابتكِ (الى حد ما) فما هي الاسباب:
•

بعض الناس لا يعرفون العدل.

•

ويظلمون الاخرين.

•

يوجد أي عدل في الموضوع.

النص الثاني

العدل والتواصل بين الناس:

[وَ إِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَینِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِی الْبِلَادِ، وَ ظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِیةِ، وَ إِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ،] وَ لَا تَصِحُّ نَصِیحَتُهُمْ إِلَّا بِحِیطَتِهِمْ (بمعنی حفظه وصانه) عَلَی وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ.

فَافْسَحْ فِی آمَالِهِمْ، وَ وَاصِلْ فِی حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَیهِمْ، وَ تَعْدِیدِ مَا أَبْلَی ذُوُو الْبَلَاءِ (إهل الاعمال العظیمة) مِنْهُمْ، فَإِنَّ کَثْرَةَ الذِّکْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ، وَ تُحَرِّضُ النَّاکِلَ (المتإخر القاعد)، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

ثُمَّ اعْرِفْ لِکُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَی، وَلَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ (صنیعه) إِلَی غَیْرِهِ، وَلَا تُقَصِّرَنَّ بِهُ دُونَ غَایَةِ بَلَائِهِ، وَلَا یَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَی أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مِا کِانَ صِغِیراٍ، وَلاضِعِة امرئ إلی إن تِستصغِرَ مِن بَلائِهِ ما کَانَ عِظیماٍ.

وَارْدُدْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ (الامور الجسام)، وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الاُمُورِ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِقَوْم أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الاَمْرِ مِنْکُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)، فَالرَّدُّ إِلَى اللهِ: الاَخْذُ بِمُحْکَمِ کِتَابِهِ (نِصه الصریح)، وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ: الاَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ.

بعد اطلاعك المتمعن للنص فأنك تجدين ان محتوى النص:

• مطبق في الوقت الحالي نعم كلا الى حد ما
1. إذا كانت إجابتكِ ب (نعم) فما هي الأسباب:
•
•
•
2. إذا كانت إجابتكِ ب (كلا) فما هي الاسباب:
•
•
•
3. إذا كانت إجابتكِ (الى حد ما) فما هي الاسباب:
•

بعض الاشخاص يظلمون ولا يواصلونَ صلة الرحم.

•

والبعض الاخر يحقد ويكره.

•

وبعظهم يقتل اخوه المسلم.

ملحق (2) أسماء الساده المحكمين

ت اللقب العلمي والاسم التخصص مكان العمل

1 أ. د. خولة عبد الوهاب القيسي علم النفس كلية التربية للبنات / جامعة بغداد

2 أ. د. سميرة عبد الحسين علم النفس كلية التربية للبنات / جامعة بغداد

3 أ. م. د زینب محمد کاطع علم النفس كلية التربية للبنات / جامعة بغداد

4 أ. م. د. جميلة رحيم عبد علم النفس التربوي كلية التربية للبنات / جامعة بغداد

5 أ. م. د. أيمان عبدالكريم شخصية وصحة نفسية الجامعة المستنصرية / كلية التربية الأساسية

6 أ. م. د. شيماء صلاح العبيدي قياس وتقويم جامعة بغداد / كلية التربية للبنات

7 أ. م. د. عبد الحسين رزوقي قیاس وتقویم جامعة بغداد / كلية التربية ابن رشد

8 أ. م. د. سیف ردیف قياس وتقويم مركز البحوث التربوية والنفسیة

القواعد الاخلاقية والخصائص السلوكية الواجب توفرها في شخصية من يتولى الامصار الاسلامية من خلال عهد الامام علي (علية السلام) لواليه مالك الاشتر

اشارة

الدكتورة: أمل عجيل ابراهيم جامعة الكوفة / كلية الاثار

المقدمة

الحمد لله الذي شرفنا بنعمة الاسلام ووفقنا الى محبة الامام والصلاة والسلام على سید الانام محمد و آله الطيبين الكرام.

يعد عهد الامام علي (عليه السلام) من اهم العهود التي مرت بها الدولة الاسلامية، رغم قصر مدة الحكم والمحن التي عصفت بكيان الامة ووجودها في تلك الفترة التاريخية الا انه شهد تحديات وانجازات قل نظيرها وتطورات كبيرة في المجالات الادارية والاجتماعية والقضائية.

تناول البحث جانبا مهما من جوانب شخصية الإمام (علية السلام) من خلال العهد الذي كتبه (علية السلام) لواليه على مصر، والذي يعد اعظم وثيقة ادارية اوضحت بشكل جلي المنظور الاداري في فكر الإمام (علية السلام) وهو اطول عهد كتبه خليفة الى احد عماله واجمعها من حيث المضمون برسمه انموذجا «متقدما» لتخطيط الدولة وتوجيه معطيات النظام الاجتماعي والاخلاقي باحتواءه على مجموعة من القواعد المتكاملة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان لتكون دستور عمل للمجتمع الانساني باجمعه، يدعوا الى مکارم الاخلاق و ضوابط السلوك القويم فضلا عن حسن التخطيط والادارة والبعد السياسي اعتمادا على مبادئ القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة.

وانطلق البحث من تناول مسألتين مهمتين:

الأولى: اعطاء ومضه وجيزه عن الظروف التي مرت على الإمام (علية السلام) ابان توليه الخلافة واستعراضها تاريخيا ولو بشيء من الايجاز لكي يتسنى فهم تقلبات المرحلة ومحنها التي مازالت آثارها باقية للان.

الثانية: يتجسد في القاء الضوء على احدى الجوانب المهمة في عهد الامام علي لمالك الاشتر وهو القواعد الأخلاقية والضوابط السلوكية الواجب توفرها في شخصية من يتولى ادارة الامصار الاسلامية مما يصلح ان يطبق في كل عصر بل يجب ان يتوافر في شخصية كل من يقود مجموعة من الناس من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية والامن والرفاهية والمساواة.

وختاما:

ان كل عملنا البسيط هذا موفقا فمن الله سبحانه وتعالى وان كان ناقصا مقصرا فمن انفسنا ونسأل الله العفو والمغفرة، واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

المبحث الأول نظرة عامة على الاوضاع التاريخية ابان تسلم الامام علي (علية السلام)

الخلافة الراشدة (35/ 41 - 661/655 م)

واجهت الامام علي (علية السلام) بعد وفاة الرسول الكريم (صل الله عليه وآله وسلم) معضلات معقدة ومحن صعبة، فالوضع السياسي والاجتماعي في تلك الفترة التاريخية اخذ يسير بكيفيات واتجاهات متناقضة وبعيدة عن روح الاسلام وقواعده الاخلاقية ومع ظهور بوادر الانحراف والتدهور في جسد الدولة والمجتمع الاسلامي الا ان الامام (علية السلام) ظل يسير بنهج قيادي ذو نسق واحد ووفق مبادئ اخلاقية اصيلة ومشهودة من اجل هدف اسمی وغاية انبل وهو انقاذ المجتمع الاسلامي من صدمة الانحراف وتقويم التجربة ونشر الاستقامة والهداية التي دعا اليها الدين الحنيف (1).

وقد عمل الامام (علية السلام) في اطار التعبئة الفكرية التي كان يقوم بها على الموازنة بين موقفه المعارض من السلطة وبين حرصه الشديد على عدم انهيار التجربة الاسلامية وبين تقويم السلطة وتوجيه الارشادات والنصائح لها بغية وضعها على الطريق الصحيح لتطبيق الاسلام وكان مقتضى هذه الموازنة المعقدة بين هذه الاهداف الثلاثة استخدام استراتيجية موحدة في العمل ومواجهة الاحداث ضمن ضوابطها ومحدداتها (2).

وحينما بويع الإمام (علية السلام) على تولي الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان (24/ 35 ه - 644 / 655 م) قبلها مكرهاً قائلاً كلمته الخالدة «دعوني والتمسوا غيري.... واعلموا اني ان اجبتكم ركبت بكم ما اعلم ولم اسع الى قول القائل وعتب

العاتب وان تركتموني فانا کاحدکم ولعلي اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امرکم وانا لكم وزير خيرا لكم مني اميرا» (3).

وربما كان مغزى قوله انه يريد السير بهم على منهج وخطى الرسول الكريم (صل الله عليه وآله وسلم) والرسالة الاسلامية الحقيقية دون الاهتمام بالسلطة والحكم بعد ان شخص مخاطر الانحراف عن الطريق القويم الذي لو كانت قد سارت به الامة لتجنبت العديد من الأهوال والكوارث.

وكان النبي (صل الله عليه وآله وسلم) قد قبض والامام علي بن ابي طالب (علية السلام) عندئذ هو ابرز وجوه بني هاشم وكان واثقا من خلافته للبني (صل الله عليه وآله وسلم) الى حد انه رأى أن ليس لاحد ان يطلبها غيره (4) ولا عجب ان يشعر بذلك وقد خاطبه الرسول (صل الله عليه وآله وسلم) بقوله: «اما ترضى ان تكون منی بمنزلة هارون من موسى» (5).

فقد كان يرى في نفسه وهو الرجل الذي خبر سنة الرسول خبره تامة وكذلك رأى فيه فقراء الصحابة (6) خاصة الضمانة الاساسية لاستمرار النهج الاجتماعي الذي ساد شبه الجزيرة العربية على يد النبي (صل الله عليه وآله وسلم) وايضا الضمانات الاساسية كي لا يعود ملأ قریش واغنياؤها - الذين التحقوا بالاسلام عندما لم يجدوا طريقا لمقاومته - للامساك بالسلطة تحت رايات الدين الجديد (صل الله عليه وآله وسلم).

كانت خلافة الامام علي (علية السلام) بداية عهد جديد ونقطة تحول عن الخط الذي وجد بعد وفاة النبي (صل الله عليه وآله وسلم) و اصبح من الواجب على الامة قبول المنهج الجديد في العمل السياسي والاجتماعي والاداري فكانت اولى واكبر

العقبات التي واجهت الإمام (علية السلام) فور تسلمه زمام الامور هو انشقاق معاوية بن ابي سفيان و تخلف الشام عن الانضمام الى بيعته (8).

وبهذا امتطى الامام اول صعوبة وخطا خطوته الاولى في اقامة منهجه الخاص بالحكم والادارة خلافا للمنهج السابق الذي درج عليه الحكام قبله في اقرار معاوية في منصبه وصلاحياته في الشام.

وكان عمر بن الخطاب (13 - 24 ه/ 634 - 644م) وقد ولاه الشام كلها فكان جواب الإمام (علية السلام) بليغا عظيما حينما اشار عليه المغيرة بن شعبة (9) بان يثبت العمال على ولاياتهم «فاذا بايعوا لك واطمأن الامر لك عزلت من احببت واقررت من احببت» فاجابه الامام (علية السلام): «والله لا ادهن في ديني ولا اعطي الدنية من امري» واصر عليه المغيرة بان ينزع من يشاء ويترك معاوية «لان لمعاوية جراءة وهو في اهل الشام يسمع منه ولك حجة في اثباته» فاجابه الامام «لا والله لا استعمل معاوية يومين ابدا ... لا اعطيه الا السيف» (10)

ان فلسفة الحكم عند الامام تستند من حيث الأساس على وحدة الوسائل والغايات وهي بهذا المعنى تمقت الانتهازية او الوصولية بشتى صورها ومختلف مجالاتها فلا يمكن على هذا الاساس ان يحقق المرء غاية نبيلة باتباعه وسيلة فاسدة وبالعكس لان الوسائل الفاسدة ترافقها وتنتج عنها غايات فاسدة ووسائل اخرى فاسدة كذلك (11)

حرص الامام بموقفه هذا على ان تدرك الامة کامة ان واقع المعركة بينه (علية السلام) وبين معاوية واعوانه ليست معركة بين شخصين او قائدین او قبيلتين وانما هي معركة بين الاسلام والجاهلية، و ان يفهم الناس ان واقع المعركة هو واقع المعركة

بين رسول الله (صل الله عليه وآله وسلم) و الجاهلية التي حاربته في بدر واحد وغيرها من الغزوات و سوف يمني هذا الحرص بنكسة كبيرة لو انه اقر معاوية واقر مخلفات عثمان بن عفان السياسية والمالية ولو الى برهة من الزمن (12).

وكان الوضع السياسي حرجا جدا آنذاك فقد جاء الامام (علية السلام) الى الحكم في وقت تآمرت عليه الاطراف المختلفة بما فيها المحسوبة عليه والمقاتلة بين قواته في ظل ظروف لا تساعد مطلقا على احداث التغيير المنشود الذي كانت تتطلبه تلك المرحلة الدقيقة فلم يمض وقت طويل على مبايعته في ذي الحجة من سنة (35 ه) حتی کانت وقعة الجمل في جمادى الاولى (36 ه) والتي روي المؤرخون انه قتل فيها جمع غفير من المسلمين (13).

واعقبتها واقعة صفين (14) سنة (37 ه) بين الامام (علية السلام) ومعاوية بن ابي سفيان والذي قتل فيها الصحابي الجليل عمار بن یاسر الذي قال فيه الرسول الكريم (صل الله عليه وآله وسلم): «تقتل عمارا الفئة الباغية» (15)

وكادت ان تكون الغلبة لجيش الامام بعد ان ظهروا على اصحاب معاوية ظهورا شديدا واضطروه للهرب على فرسه لينجو بنفسه قبل ان يدعوه عمرو بن العاص (16) الى خديعة رفع المصاحف والاحتكام الى ما فيها «فتستكف جيش الامام وتكسر من حده وتفت في عضده» (17).

وكان ان تمت الخدعة بنجاح فاوقفت المعركة واتفق الفريقان على اختيار حكمين هما عمرو بن العاص نيابة عن معاوية وابو موسى الاشعري (18) نيابة عن الامام ليحكموا بينهما على اساس القرآن فاجتمع الحكمان في (دومة الجندل) (19) من شهر ربیع الاول سنة (38 ه) واستطاع عمرو بن العاص بدهائه ومكره ان يخدع ابا موسی

الاشعري وان يعلن معاوية خليفة على المسلمين (20).

وكانت نتيجة الصراع ظهور فرقة الخوارج (21) و تحزبهم الى قرية يقال لها (حروراء) بينها وبين الكوفة نصف فرسخ، واصطدامهم بالامام (علية السلام) و جيشه فكانت وقعة النهروان سنة (39 ه) التي انتصر فيها جيش الحق وقتل الخوارج عن خرهم (22).

ووجه معاوية بن ابي سفيان، عمرو العاص على مصر على شرط له فقدمها ومعه جيش كبير من اهل الشام، فلقيهم والي الامام على مصر محمد بن أبي بكر وحاربهم محاربة شديدة قبل ان يخذله اليمانية الذين استمالهم عمرو بن العاص فخلفوا محمدا وحده حتى قتل بان ادخلوه جيفة حمار وحرقوه (23) مما يعد سابقة خطيرة في مخالفة القواعد الاسلامية والدين الحنيف.

وبلغ عليا (علية السلام) ضعف محمد بن ابي بكر وممالاة اليمانية لجيش معاوية فوجه (مالك بن الاشتر) (24) الى مصر قبل ان ينتهي اليه قتل محمد بن ابي بكر وكتب الى اهل مصر: اني بعثت اليكم سيفا من سيوف الله لا نابي الضربة ولاكليل الحد فان استنفرکم فانفروا وان امركم بالمقام فاقیموا فانه لا يقدم ولا يحجم الا بامري وقد اثرتكم به على نفسي فلما بلغ معاوية ان عليا قد وجه الاشتر عظم عليه الامر فدس له سما بعسل على يد رجل من اتباعه فمات الاشتر بالقلزم وبها قبره وكان قتله وقتل محمد بن ابي بكر في سنة (38 ه) (25).

وان معاوية قام خطيبا حينما ابلغوه بمقتله فقال: كانت لعلي يمينان فقطعت احداهما بصفين يعني - عمار بن یاسر - وقطعت الاخرى اليوم يعني الاشتر (26).

كانت خلافة الامام علي (علية السلام) مليئة بالصراعات الدامية والى جانب

الصراعات العسكرية تدخلت في النزاع التناقضات الاقليمية فوقف عرب سورية ضد عرب العراق ووقفت دمشق ضد الكوفة واصبح انقسام الامة الاسلامية امرا واقعا بعد ان اعتبر معاوية قرار التحكيم لصالحه واعلن انشقاقه (27).

ووصلت الامور الى ذروتها حينما امتدت يد الغدر لتغتال أمير المؤمنين (علية السلام) في (19 رمضان 40 ه) وهو يصلي في محرابه بالكوفة (28).

وربما ان تاريخ هذه المرحلة الدامية جدير بالمزيد من الاهتمام والتقويم خارج نطاق المفهوم التقليدي للدراسات ففي هذه المرحلة يكمن الخلل الذي دمر الطاقة الاسلامية وشل نهوضها الحضاري والسياسي وجعل الوهن يدب في اتباعها.

وما حدث من هذا التدهور السريع يضعنا امام خيارين لا ثالث لهما: اما ان نظرية الاسلام السياسية لم تطبق اصلا واما ان يكون ما طبق بقطع النظر عن صوابه وخطاءه على درجة من الضعف بحيث لم يستطع الحفاظ على تماسك الدولة وينبغي ان نحلل هذا التحول السياسي الخطير وفق مبادئ الاسلام نفسه وقواعده التي وضعها بهذا الشأن وحسب قوانين هذا العلم وسنن التاريخ عن طريق المنهج الذي نستطيع استنباطه من ممارسات أبي بكر وعمر وعثمان في ضوء السير والتاريخ (29).

في مثل تلك الظروف العصيبة والتي اختصرناها آنفا حكم الامام (علية السلام) وكانت الخطوة الاولى في برنامجه هو العمل على الغاء مظاهر الخلل واسبابه مقرونا بتغيرات جذرية في سياسة الدولة الادارية والاقتصادية والعسكرية والتصدي لرواسب النظام الذي سبقه ممارسات واشخاص والمواجهة مع قوى نافذة وصلبة (30)

ولعل القرار التغيري الاكثر ضرورة حينذاك هو اعادة النظر في الجهاز الاداري کونه الاداة التنفيذية المسؤولة للخلافة من خلال تعيين ولاة من فئة جديدة غير

متورطة في سياسة عثمان بن عفان. ولما كان هدف الحكم الاسلامي يتمثل في الدفاع والامن وفي الاصلاح الاجتماعي والتنمية الاقتصادية وفي البرنامج المالية الدولة التي تنفق على هذه الابواب يمكن القول ان كل هذه المرتكزات كانت تتمثل في شخص من يتولى الامصار لانه على عاتقه تقع مسؤولية تحقيق هذه الاهداف وتتبين من هنا اهمية ولاة الامصار والقواعد الأساسية التي يجب ان يسيروا عليها والتي تجلت باروع ما يكون الظهور في عهد الإمام (علية السلام) الى مالك الاشتر حينما ولاة بلاد مصر (31)

وفيه التأسيس النظام اداري و حقوقي يبدأ من الحاكم نفسه من حيث تحديد القواعد الاخلاقية والقيم السلوكية الواجب توفرها في ولاة الدولة الاسلامية مما يصلح ان تطبق في كل زمان ومكان وفي كل المجتمعات الانسانية على اختلافها وتنوعها.

وللصفات الاخلاقية جانب كبير من الاهمية يبعد صاحبها عن الشبهات والاساليب الدنيئة والملتوية فمتى كان المسؤول صادقا ورعا ملتزما باخلاقیات الاسلام وقيمة النبيلة كان اشد حرصا على شؤون البلاد والعباد وتفضيله المصلحة العامة على موقعه الوظيفي (32).

الامر الذي ادرکه الإمام (علية السلام) بنظرته الثاقبة واكد عليه في عهده الشامل لكل فقرات واسس البرنامج الذي يجب ان يسير عليه الولاة في معاملة رعاياهم

المبحث الثاني القواعد الاخلاقية والقيم السلوكية الواجب توفرها في ولاة الدولة الاسلامية في ضوء عهد الإمام (علية السلام) لمالك الاشتر.

يحتاج المجتمع الى هيئة عليا تقوم على ادارة شؤونه و تسيير اموره العامة لتحقيق التناسق الضروري بين الاحتياجات الاجتماعية المتفاوتة واساليب تحقيق تلك الاحتياجات وضرورة توجيهها الوجهة التي تؤهلها لخدمة مصالح الأمة والدين (33)

ولكل مجتمع اسس ومقوماته وصفاته العامة التي تميزه عن بقية المجتمعات وقد ثبت القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة اسس المجتمع الاسلامي وحدد الروابط والعلائق والصفات العامة لهذا المجتمع النموذجي للحياة البشرية المستقرة وطبق الرسول الكريم (صل الله عليه وآله وسلم) المبادئ الاسلامية تطبيقا عمليا في المدينة المنورة (34)

وجاء أبو بكر وعمر وعثمان فحاول كل منهم ان يطبق هذه المبادئ على حسب اجتهاده وبصيرته باختلاف التطبيق بين واحد واخر منهم بحسب قربها من مبادئ الاسلام او ابتعادها عنه، ويختلف الامر حينما نناقشه مدة خلافة الامام علي بن ابي طالب (علية السلام) باعتبار ان الامام هو اللصيق الاقرب لنهج الاسلام و خط النبوة على اساس کونه «باب مدينة العلم فمن اراد العلم فليأته من بابه» (35) وقول الرسول (صل الله عليه وآله وسلم) له: «انت مني وانا منك» (36) و «لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق» «وقوله» من کنت مولاه فعلي مولاه» (37) فما ورد لاحد من اصحاب رسول الله (صل الله عليه وآله وسلم) من الفضائل ما ورد لعلي (علية السلام) (38) فهو من يحبه الله ورسوله (39).

وان النصوص النبوية التي ذكرها الرسول (صل الله عليه وآله وسلم) في الامام (علية السلام) هي اكثر منان تحصى وهو تفوق النصوص الاخرى الواردة في الاخرين والتي هي من صنع السياسة في الاصل بهدف زعزعة مكانة الامام (علية السلام) وقد امتدت يد السياسة الى النصوص الواردة فيه فشككت فيها وحاولت تضعيفها وما عجزت عن هدمه منها بددت معناه و موهت عليه حتى يضلوا المسلمين عن حقيقة مكانته ودوره ورسالته التي تسلمها من الرسول ولا شك ان سيادة الخط الاموي المعادي للامام واهل بيته بعد وقعة صفين قد عمل هذا على ما هو ثابت ومعروف على سب الامام والطعن في اهل بيته (40) واضفاء المشروعية على حكومتهم واثارة الشبهات حول شیعته وقد اعان على ذلك الكثير ممن انتسب الى الاسلام من مدعي الصحبة والتابعين (41).

ولعل احد مظاهر نبوغ الامام (علية السلام) وريادته يتجلى في عهده الى مالك الاشتر ولاسيما فيما يخص شخص من يتولى الجماعة فيكون رئيسا لهم مديرا لامورهم ساعيا الى تحقيق العدل والرفاه في المجتمع فلا بد من توافر قيم سلوكيه وقواعد اخلاقية فيمن يتولى ادارة امور الرعية لانه بدون ذلك لا يمكنه ان يصبح راعيا لحقوق الاخرين.

فمن يمتلك هذه القواعد والخصال حري بان يتبعه الناس لانهم سيتبعون الفضائل التي تكمن في شخصه ولانه ينقلهم الى عالم مملوء بالقيم والمثل فلا خوف ولا خشية من راع ينتهج العدل ويسلك طريق الفضائل (42)

فكان لا يخص بالولايات الا اهل الديانات والامانات فاذا بلغه عن احدهم خيانة يقيله وهو يقول: اللهم اني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك (43).

ويروى انه (علية السلام) استرد عهده بولاية طلحة (44) على اليمن والزبير (45) على اليمامة والبحرين حينما قالا له: وصلتك رحم وقال: وانما وصلتکما بولاية امور المسلمين (46).

كان احب شيء للامام هو تطبيق العدالة وكانت الخلافة بنظرة احدى الوسائل الفعالة التي تعينه على تطبيق ذلك باوسع مدى ممكن فلم تكن بنظره وسيلة للابهة او الاثراء غير المشروع او مجالا لتوزيع المناصب والجاه و النفوذ على الأصهار والاتباع وذوي القربى (47)

وحدد في عهده الى مالك الاشتر الخصائص الاخلاقية الواجب توفرها في الوالي ولعل اولها هو:

اولا: تقوى الله والاتعاظ بالتاريخ

يجب ان يلتزم الوالي بتقوى الله وایثار طاعته واتباع ما امر به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد احد لا باتباعها ولا يشقى الا مع جحودها واضاعتها (48)

ان اهمية التقوى تاتي من ان الايمان بقوة غيبية شرعية وقاهرة يدعوا ارادة الحاكم السياسي للتفاعل مع المكونات الفكرية والقانونية لمقاصد تلك القوة الالهية لان مقاصد الله سبحانه التشريعية بالنسبة للانسان والحياة ونظام الحكم متناغمة مع حركة الوعي بينما تبقى الرؤى الوضعية والتشريعات الاخرى غير قادرة على انتاج نظام حکم عادل يؤمن الجانبين العدالة والخير والفضيلة من جانب والتطور والانفتاح والاستمرارية من جانب اخر (49).

وجعل العمل الصالح هو احب الذخائر والاقتداء بالغير عن طريق الاعتبار بالتاريخ لاسيما وانه ولاه مصر وهي «بلاد وقد جرت عليها دول قبلك من عدل

وجور وان الناس ينظرون من امورك في مثل ما کنت تنظر فيه من امور الولاية قبلك ويقولون فيك ما کنت تقول فيهم» (50)

فكان الامام يتعامل مع التاريخ لا كمؤرخ وانما باعتباره رجل عقيدة ورسالة ورجل دولة، فلم يكن يستخدم التاريخ کمادة وعظية فقط وانما كان يستهدف منه ایضا، النقد السياسي والتربية الاخلاقية لمجتمعه والتوجيه السلوكي والحضاري لهذا المجتمع (51).

فالسنن التاريخية تعيد نفسها على يد الانسان فقد شهد تاريخ مصر حكم الفراعنة وظلمهم فانحسرت حضارتهم وسلطتهم عن مسرح التاريخ كما شهد حكاما عادلين مارسوا مفهوم العدل وطبقوه على واقع الناس فانتج کیانا اجتماعيا وسياسيا متلاحما وهذا الاخير هو الذي ينتظره شعب مصر من الولاية السياسية لمالك الاشتر و عليه فلا ينبغي خذلانهم فيما يتوقعون من مستقبل سیاسی عادل (52)

ولعل من اهم العناصر الثقافية والاخلاقية للوالي معرفته بتاريخ ولايته التي ستقود الى اطلاعه على تقاليد واعراف المجتمع الذي يحكمه وعلى سيرة الولاة الذين سبقوه فتخلق في نفسه الرغبة للاحتذاء بالصالحين منهم کما تجعله في الوقت نفسه ينأى عن تصرفات الطالحين وجبروتهم وظلمهم الذي ظلت تتناقله السن الرعية بالذم والقدح حتى بعد زوال حكمهم وربما ان فطرة الانسان السليمة وطبعه المستقيم يجعله محبا للذكر الطيب متوجسا من الذم والسيرة السيئة.

ثانيا: امتلاك الهوى وعدم اطاعة الرغبات

يتم تحقيق اغراض القانون والشرائع عن طريق انتخاب اصحاب الايدي النظيفة من الصلحاء والا فان القوانين والشرائع في نفسها صالحة مؤمنة لحقوق الافراد وانما الحيد عن جادتها و محجتها من قبل الايدي الملوثة والنفوس الدنيئة التي يحملها الجائرون وهو الذي يظهر للناس خلاف مرامي الانظمة والقوانين المسنونة لصالحهم (53)

ومن هنا جاءت اهمية القواعد الاخلاقية التي يجب ان يتحلى بها الوالي والتي اوصى الامام (علية السلام) واليه الاشتر بها ومنها امتلاك الهوى وعدم اطاعة الرغبات «فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك فان الشح بالنفس الانصاف منها فيما احبت او کرهت، واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليها سبعا ضاريا تغتنم اكلهم وان يعطيهم من عفوه و صفحه مثل الذي يحب ويرضى ان يعطيه الله من عفوه و صفحه «فانك فوقهم ووالي الامر عليك فوقك والله فوق من ولاك وقد استكفاك امرهم وابتلاك بهم» (54)

فهذا الانسان لم يأت من فراغ ولو تتبعنا عملية بنائه لوجدنا في بداية امره كان عقلا وهوى فقاتل عقله هواه فانتصر عليه عندما عرف ان الله لم يخلقه للدنيا بل خلقه للاخره وانه تحت الرقابة الدائمة لانه في حالة امتحان متواصل امتحان الوعي والارادة (55)

ان فلسفة الحكم عند الامام اخلاقية في جوهرها تستند الى الفضيلة تشجعها وتغرسها في النفوس وتكافح الرذيلة وتدعوا الى استئصالها من عالم الوجود فالاخلاق عن الامام فكرة وسلوك في آن واحد والتوافق بين عقيدة الانسان وبين قوله وعمله والعقيدة بالطبع هي الاساس الذي يستند اليه المرء في قوله وعمله (56)

بان يستشعر في علاقته بالرعية وجود قوة اعلى منه تراقب عمله وتجازيه عليه وهي قوة الحق سبحانه وتعالى التي متى ما وضعها الوالي نصب عينيه کانت رادعا له عن الجور والظلم واطاعة الهوى والرغبات لانه بذلك ينصب نفسه «لحرب الله ... فانه لا يدي لك بنقمته ولا غني عن عفوه ورحمته ... واذا احدث لك ما انت فيه من سلطانك ابهه او مخيله فانظر الى عظم الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك فان ذلك يطامن اليك من طماحك ويكف عنك من غربك ويفي اليك بما غرب عنك من عقلك» (57).

فيستحضر الوالي نظرة الناس اليه وحبه لهم وشعوره بانه محکوم لمن هو اعلى منه فتكون قاعدة تعامله معهم، العفو واللين والصفح، اما العقوبة والشدة فهي الاستثناء الذي تدفع اليه الضرورة.

ثالثا: انصاف الناس من النفس

تعد القواعد الاخلاقية على جانب كبير من الأهمية فهي تبعد من يتمسك بها عن الشبهات والاساليب الملتوية لاسيما اذا كان مسؤولا راعيا للجماعة فيكون اشد حرصا على شؤون البلاد والعباد وتفضيله المصلحة العامة على موقعه الوظيفي ومن الصفات الانسانية للحاكم الاسلامي ان يكون متواصلا مع رعيته واقفا على حوائجهم سواء في حدود موقعه او عند موظفيه في دائرته او رقعته الجغرافية.

وتتم قضاء حوائج الرعية من خلال تطبيق قاعدة أخلاقية مهمة وهي انصاف الناس من النفس «فانصف الله وانصف الناس من نفسك ومن خاصة اهلك ومن لك فيه هوی من رعیتك فانك الا تعمل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ومن خاصمه الله أدحض حجته» (58).

فتشير الفقرة الى قضية اساسية في الانظمة السياسية التي تقوم على حكم الفرد

والتي لا تخضع لمؤسسات الشورى ولهذا ينبه الامام (علية السلام) على ان تقوية السلطان لا تكون بسياسة القمع وانما تكون بسياسة الاستجابة لمصالح الناس واحدى اسوأ المشاكل التي تعاني منها الديمقراطية في العالم المعاصر هي السكوت عن المحسوبيات والقرابات واستخدام القمع اما بشكل سافر او القمع المقنع والذي يغشى تارة بغشاء القضاء واخرى بغشاء الا من ووظيفته الاساسية تكون قمع تطلعات المواطنين، فيوصي الامام (علية السلام) الوالي الذي يجور على الناس من اجل نفسه او عشيرته بان يكف عن التحيز والمحسوبية وان يرد الحقوق الى اصحابها لانه اذا لم ينصف يكون ظالما والظالم خصم الله تعالى (59)

وان يحصن الوالي نفسه من الغرور والظلم بان تكون قراراته ترضي الجميع والا فالعامة دون الخاصة والميل الى عموم الناس وليس الى خصوصهم «وليكن احب الامور اليك اوسطها في الحق واعمها في العدل واجمعها لرضى الرعية» (60).

ولعل مصداق ذلك هو اعطاء الحرية لعموم الناس وحسن الظن بهم واحترام العادات الاجتماعية والعمل على الارتقاء بها بالحفاظ على السنن الصالحة لهؤلاء «التي عمل بها صدور هذه الامة واجتمعت بها الالفة وصلحت عليها الرعية ولا تحدثن سنة تضر بشيء من ماضي تلك السنن فيكون الاجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها» (61)

رابعا: ستر عيوب الناس

يدخل الجانب الاخلاقي في ثنايا وجوهر كل المبادئ والقيم الاسلامية وان نهج امير المؤمنين وعدالته مع الناس جميعا وعهده الى مالك الاشتر يدعونا الى مناقشة اصول الحكم على ضوء المنهج الاسلامي المشبع بالاخلاق (62)

فلا بد لعامل الدولة الاسلامية في أي مفصل من مفاصلها الحكومية او الادارية ان يكون على درجة من احترام الذات والابتعاد عن التكلف والتكبر وان يكون كيسا غير مبتذل في سلوكيات تصغره عند العامة وهذه القواعد الاخلاقية من اهم عناصر النجاح الاداري (63).

ومنها ان يكون الوالي: ساترا لعيوب الناس مبتعدا عن مرافقة ومشاورة من يطلب معائب الناس «فان في الناس عيوبا الوالي احق ان يسترها فلا تكشفن عما غاب عنك منها فانما عليك تظهير ما ظهر لك والله يحكم على ما غاب عنك فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعیتك» (64).

فعلى الوالي ان لا يقرب من يطلب مثالب الناس وان يستر على عيوب رعيته قدر ما يستطيع وان لا يصدق كل ما يسمعه ويتحرى الدقة في ذلك بالقضاء على اسباب الضغينة والنميمة والبغضاء وان يحقق العدالة بين رعيته بالنظر اليهم نظرة واحدة دون تمييز على اساس اللون او المال ا الطبقة الاجتماعية تطبيقا لقول الحق سبحانه وتعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (65)

ادرك الامام بنظرته الثاقبة ان القواعد الاخلاقية هي الضمانة الاكيدة لتطبيق النهج السياسي والاداري و تحقيق العدل الاجتماعي وان انعدامها يجعل رجال الحكم والادارة يفشلون في تطبيق هذا النهج ويتحمل اوزار ذلك المجتمع باسره فاكد في عهده الى مالك، ان يتاني في تصديق الساعين والمتملقين وان يختار المشاورین بحرص وحذر «ولا تعجلن الى تصدیق ساع فان الساعي غاش وان تشبه بالناصحين ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ولا جبانا يضعفك من الامور ولا حريصا يزين لك الشر بالجور فان البخل والجبن والحرص غرائز شتی يجمعها سوء الظن بالله» (66)

ومثلما حذره من معرفة اولئك وتقريبهم منه اوصاه بمرافقة نقیضهم من ذوي الاخلاق العالية فقال «ثم الصق بذي المروءات والاحسان واهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ثم اهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة» (67)

ثم يلتفت الى مسألة في غاية الاهمية وهي عدم الفرح بمديح هؤلاء وصولا الى الزهو والاغترار «والصق باهل الورع والصدق ثم رضهم على ان لا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله فان كثرة الاطراء تحدث الزهو وتدني من العزة» (68)

واحوج ما يحتاجه الحاكم هو رؤية واقعية وموضوعية للامور ليستطيع معالجتها بصورة صحيحة واسلوب التملق الذي تتبعه بطانة الحاكم يحرم الحاكم من هذه الرؤية الموضوعية والواقعية ويدفع به الى الوقوع في الخطأ (69).

لانها تصل به الى حالة الغرور والابهة والتكبر على الاخرين وهو ارضية و باعث للزلل والظلم فيشخص الامام حالة الغرور کحالة مرضية تؤدي الى الظلم وبالتالي فان الغرور عقبة في وجه تحقيق المساواة والعدالة في النفس والمجتمع الانساني خصوصا اذا ما اقترن مع مسؤولية قيادية في الامة (70)

وحتى لا يصل الوالي الى هذه الحالة ينبغي عليه ان يلتزم الحذر في اختيار بطانته وكذلك في اختيار موظفيه فلا يعتمد في ذلك على الفراسة والثقة لان هؤلاء لديهم من الخبرة مما تمكنهم من التعرف على فراسات الولاة ولكن «اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد لاحسنهم كان في العامة اثرا واعرفهم بالامانة وجها» (71)

وحين تتنوع مسؤوليات الوالي وتتعدد فانه يعمد في علاقته مع الناس الى استخدام ادواته السياسية والوظيفية فتنشأ شبكة من الاداريين والمسئولين الثانويين الذين يمثلون البيروقراطية الجديدة المحيطة بالوالي فتمثل مراكز جديدة تؤثر على التوجه

السياسي العام للوالي فتحركه وفقا لارادتها ومصالحها ولذلك يبدي الامام (علية السلام) احترازا نظريا وسلوكيا ضروريا لمجابهة تلك الظاهرة واشكالها المتجددة لذلك ستكون العلاقة الحية والصحيحة مع الناس وجها لوجه ضمانة كبرى لسيادة الحق (72)

ولاجله نهى ابو الحسن (علية السلام) عاملة الاشتر عن الاحتجاب لانه مظنة انطواء الامور عنه واذا رفع الحجاب دخل عليه كل احد فعرف الاخبار ولم يخف عنه شيء من احوال عمله (73)

فيؤكد الامام (علية السلام) على ضرورة رفض السفراء والحجاب بين الوالي ورعيته بان تكون العلاقة بينه وبينهم مباشرة تتخذ من خلالها القرارات الصائبة والمواقف العادلة «فلا تطولن احتجابك عن رعيتك فان احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالامور والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونهم فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل وانما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الامور» (74)

خامسا: الوفاء بالعهد

ان العلاقة بين القائد والامة هي علاقة ديناميكية يؤثر فيها كل طرف في الطرف الاخر ويتأثر به فهي علاقة ازدواجية التفاعل لا احاديته فصلاح الرعية من صلاح الحاكم وسوء احد الطرفين او صلاحه يؤثر في الطرف الاخر سلبا وايجابا فتقع المسؤولية على كليهما (75).

ويعد الوالي المرتكز الاساس الذي تقوم عليه الادارة الناجحة لان نظام الحكم العادل يكون المسئولون فيه شخصيات مؤثرة بالمجتمع تتمتع بمزايا اخلاقية

وسلوكية رفيعة المستوى فكان الإمام (علية السلام) مدركا لمخاطر الحكم متشددا في تحديد مواصفات شخص الوالي باعتباره يمثل الهرم في الجهاز الاداري موجها له بالتحلي بافاضل الاخلاق واكرمها ومنها ان يكون وفيا بالعهود: ((فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالامانة واجعل نفسك جنة دونما اعطیت فانه ليس من فرائض الله شيء الناس اشد اجتماعا مع تفرق اهوائهم وتشتيت ارائهم من تعظيم الوفاء بالعهود)) (76).

سادسا: قواعد وضوابط اخلاقية وشخصية اخرى

يتخبط الكيان السياسي في مجاهيل كثيرة وينتهي به الامر الى فقدان العنصر الانساني في الحكم ويغدو وجود الحاكم مجرد تمثيل لسلطة قمعية خالية من أي شعور روحي او بعد انساني اذا ما انفصل هذا الكيان عن القواعد الأخلاقية الاسلامية ومن هنا جاء تأكيد الإمام (علية السلام) على عدة قواعد اخلاقية وضوابط شخصية يجب ان تتواجد في شخصية الوالي ومنها:

اولا: عدم الاعجاب بالنفس فان «ذلك من اوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من احسان المحسنين» (77)

وان الاعجاب بالنفس حتما الى الغرور والتكبر الذي هو عامل تشتت و تمزق في المجتمع والمجتمعات التي تنمو فيها مظاهر التكبر عرضه للانهيار اكثر من المجتمعات الاخرى ومن هنا جاء حث الاسلام على التواضع وعدم الاعجاب بالنفس لصيانة المجتمع من الانهيار والحفاظ عليه من السقوط السريع (78)

ثانيا: اوصى الإمام (علية السلام) عامله ان يبتعد عن ثلاث رذائل اولها المن على الرعية باحسانه اليهم والثانية التزيد فيما فعله في حقهم وهو ان ينسب الى نفسه من

الاحسان اليهم ازيد مما فعل والثالثة ان يخلف موعده معهم والخلف يوجب المقت «عند الله والناس» (79).

ثالثا: نهى الامام (علية السلام) واليه عن العجلة التي ذمها الله سبحانه وتعالى «خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ» (80): وحذره من ايقاع الامور على احد طرفي التفريط والافراط فطلب الافراط في الطلب العجلة بها قبل اوانها او اللجاجة فيها عند تنكرها وتغير وجوه ماخذها وعدم اتضاحها وطرف التفريط التساهل فيها والقعود عنها اذا امكنت وهو يقابل العجلة فيها او الضعف عنها اذا استوضحت من الطرفين وموضعها الحق فلذلك قال فضع كل امر موضعه واوقع كل عمل موقعه (81).

رابعا: عدم تأجيل الاعمال والعجز عن انجازها والكسل عنها «وامض لكل يوم عمله فان لكل ما فيه» (82)

فيؤكد (علية السلام) على ضرورة التنظيم في العمل والدقة في انجازه عن طريق توزيع الاعمال وتوزيع السلطات التي يعدها من صميم وظائف الحاكم الاسلامي ومن البديهي ان الانشطة والفعاليات سوف تصاب بالتعثر والعرقلة ما لم تسير على ضوء منهاج ونظام» (83).

لا سيما وان الفكر الاداري في الاسلام ابتدأ بالحث على النظم والنظام وجاء الاسلام بهذه الفكرة يوم كانت الفوضى هي الحالة السائدة في جزيرة العرب فتقدم المسلمون في النواحي العسكرية والاقتصادية والادارية لانهم اوجدوا نظاما دقیقا لكل ذلك فبفضل التنظيم استطاع المسلمون ان يكتسحوا العالم ويوصلوا الاسلام الى كل بقاع الارض (84)

وعلى هذا الاساس اعار امير المؤمنين اهتماما كبيرا لنظم الامور وتنظيم الشؤون فاكد على ضرورة ان يتحلى الوالي بالحرص على امور الرعية من خلال انجاز اعمال ولايته اولا باول وعدم جعلها تتراكم وتهمل بسبب عجزه واهماله وكسله عن ادائها وان يجعل تنفيذ الاعمال واكمالها برنامجا يوميا له وقاعدة سلوكية في شخصيته.

خامسا: النظر الى مواطنيه دون تميز والتعامل معهم وفق المساواة فيما بينهم وعدم التفريق بين احد واخر فانهم صنفان: «اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق» (85).

وليس في وسع اكثر النظريات الاجتماعية التنظيمية عمقا وتحسبا ان تعطي للبعد الانساني عمقا في التعامل اكثر شمولية مما اورده الامام علي (علية السلام) في صورة الاخوة على اساس الدين او في الخلق والتكوين الجسدي حيث اذا لم تجتمع وسواك بوحدة العقيدة الاسلامية فانك تجتمع معه بوحدة الخلق (86)

فالمسلمون ليسوا اوصياء على الاخرين ولكنهم دعاة هداة والاسلام دين هداية يخاطب العقول والقلوب اولا وقبل كل شيء ويحترم البشر لانهم بشر من صنع الله تعالى وخلقه بصرف النظر عن اعراقهم واديانهم فمنهج الاسلام واضح في خطاب الجميع وهو نهج يقوم في الاساس على امرين: الاحترام، والاقناع (87)

وهذه النظرية العادلة، الشمولية، والانسانية لابد وان تستند على قاعدة اخلاقية متينة يجب توافرها في شخص الوالي لا سيما اذا كان حاكما لمجتمع لم يكن منغلقا على المسلمين فقط وانما يتعايش فيه المسيحيون جنبا الى جنب معهم كما كان في مصر آنذاك (87)

الخلاصة

1.

كان عهد الامام علي (علية السلام) حافلا بالصراعات والفتن والمواجهات العسكرية التي تميزت بطابع الخبث والخديعة والانقلاب التام عن قيم الاسلام ومبادئه الرفيعة ومع كل تلك المحن الا انه شهد تحديات وانجازات قل نظيرها وتطورات عظيمة المستوى على الصعيد الاداري والقضائي والاجتماعي ولعل عهده (علية السلام) هو الفترة التاريخية الوحيدة والفريدة (بعد وفاة الرسول (صل الله عليه وآله وسلم)) التي طبقت فيها المساواة والعدالة والانسانية بارقى صورها استنادا على هدي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

2.

ان البحث في أي مجال يتعلق بالامام (علية السلام) هو عملية شاقة ومتشبعة ومما يزيد من صعوبتها عظمة شخصية الإمام (علية السلام) التي يتصاغر امامها كل جهد وتقييم، وتداخلها مع المؤثرات السياسية والعقائدية والتاريخية والنفسية سواء في ارثها الماضي او الواقع الحالي المعاصر.

3.

تمیز عهد الإمام (علية السلام) لواليه على مصر بالشمولية والاحتواء العميق لكل صغيرة وكبيرة تخص امور الحكم مما لا يوجد له أي مثيل اخر على مدى التاريخ وحقبة المتعددة ولا نبالغ اذا قلنا انه بحق يعد دستورا کاملا متكاملا جامعا مانعا لكل قواعد الحكم واصوله الصحيحة ليس على صعيد الدولة الاسلامية وانما هو ضروري لكل الازمنة وصالح لكل المجتمعات الانسانية. وان دراسة العهد بشكل تفصيلي والوقوف على المفاصل الرئيسية التي تناولها يحتاج الى سلسلة من الدراسات العميقة والمتخصصة.

4.

دعا الإمام في عهده الى التوافق التام بين عقيدة الانسان وبين عمله وقوله فان العقيدة السليمة تتبعها سلامة الاقوال والأفعال المنبثقة عنها وبالعكس. وهي

قاعدة اساسية تبنى عليها الاخلاق والمواقف والقرارات.

5.

ضرورة ان يتحلى الوالي بالقيم الاخلاقية والقواعد السلوكية المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية فهي اساس شخصية الوالي ودستور معاملته لرعاياه وبخلافها تنهار العملية السياسية والادارية وتصبح السلطة عبارة عن حكومة ارهاب وقهر واضطهاد.

6.

ادرك الامام بنظرته الثاقبة وعبقريته الفريدة اهمية الجانب الاخلاقي وانه جوهر نظام الحكم العادل الذي يجب ان يكون المسئولون فيه شخصيات قوية فاعلة ومؤثرة تتحلى بمزايا شخصية وسلوكية ترتقي بها لان تكون القدوة في المجتمع الذي تعيش فيه لاسيما وانها تشكل قمة الهرم في الجهاز الاداري فحدد شروط الوالي الصالح الذي لا تفارقه تقوى الله مع عدله للرعية واحسانه لهم وعدم احتجابه عنهم وستر ما خفي على الناس من عيوبهم واستخدام واللين والصفح في تعاملهم معهم.

7.

استنادا الى الرؤية الشمولية عند الإمام (علية السلام) فان الادارة هي کيان حي يتصف بالخصائص الانسانية والصفة التنظيمية والجماعية.

وان اشاعة وتعميم وصايا الامام (علية السلام) في عهده لمالك الاشتر ورؤيته الخاصة عن الشخصيات المؤهلة لان تقود الجماعة ببعديها النظري والعملي، عبر نشرها والاخذ بها كمنهج عمل ودستور دولة في المؤسسات الادارية الحكومية والهيئات المدنية سيسهم بشكل كبير وفاعل في تطور الوعي بكون قائد الجماعة هو جزء منهم وقدوة لهم وخادم لتحقيق الخير والرفاهية لمن يقودهم من اجل تقديم نموذج حضاري متميز لا تنضوي تحت لوائه الامة الاسلامية فحسب وانما تنهل منه المجتمعات البشرية في العالم اجمع.

قائمة المصادر والمراجع

(الهوامش)

1.

للاستزادة حول المحن والاوضاع التي اعقبت وفاة النبي (صل الله عليه وآله وسلم) ينظر: احمد بن اسحاق بن جعفر بن وهب ابن واضح اليعقوبي (ت: 292 ه)، تاريخ اليعقوبي، تعليق: خليل المنصور (دار الزهران، ایران: 1439 ه) ج 1، ص 83 وما بعدها؛ ابو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت: 310ه) تاریخ الطبري (دار احیاء التراث العربي، بیروت: 2008) ج 3، ص 134 وما بعدها

2.

كاظم الحسيني الحائري، الامامة وقيادة المجتمع، ط 3 (دار المتقين، بیروت: د. ت) ص 183

3.

الطبري، تاریخ ج 4، ص 294؛ https: ar.wikipedia.org/wiki

4.

لما قبض الرسول (صل الله عليه وآله وسلم) قال العباس بن ابي طالب (علية السلام): ابسط يدك ابايعك فيقال: عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله ويبايعك اهل بيتك فان هذا الامر اذا كان لم يقل (من الا قاله) فقال له علي (علية السلام) (بثقة): ومن يطلب هذا الامر غيرنا ينظر: ابو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري (ت: 276 ه) الامامة والسياسة، تح: علي شيري (دار الاضواء، بیروت: 1990) ج 1، ص 12.

5.

علي مبروك - النبوة من علم العقائد الى فلسفة التاريخ محاولة في اعادة بناء العقائد (دار التنوير، بیروت: 2007) ص 126.

6.

ابو عبد الله محمد بن اسماعیل بن ابراهيم البخاري (ت: 256 ه) ترقيم وترتیب: محمد فؤاد عبد الباقي (مكتبة الثقافية الدينية، القاهرة: 2009) الحديث رقم 3707، ص 430.

7.

كان من اهم الصحابة الذين تخلفوا عن بيعة ابي بكر (11 - 13 ه/ 632 - 634 م) ومالوا الى الامام علي (علية السلام): سلمان الفارسي، وعمار بن یاسر، والمقداد بن عمرو، وابوذر الغفاري وهم من المستضعفين الذين حرصوا على (العدالة) دون ضرورات (القرابة). ينظر: اليعقوبي، تاریخ، ج 1، ص 84؛ علي مبروك، النبوة من علم العقائد الى فلسفة التاريخ، ص 126، هامش (52).

8.

محمد عمارة، الفكر الاجتماعي لعلي بن ابي طالب (دار الثقافة، القاهرة: 1977)، ص 12.

9.

ينظر: اليعقوبي، تاریخ، ج 1، ص 123؛ وما بعدها؛ الطبري، تاریخ، ج 4، ص 302.

10.

المغيرة بن شعبة بن ابي عامر بن مسعود الثقفي ولد في الثقيف بالطائف وبها نشأ، اسلم عام الخندق بعدما قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك واخذ اموالهم فغرم دياتهم عنه عمه عمرو بن مسعود، وهو من اهل المكيدة والدهاء، وقد توفي في الكوفة عن عمر يناهز ال 70 عاما. ينظر: Wikipedia.org/wiki.

11.

الطبري، تاریخ، ج 4، ص 299

12.

نوري جعفر، فلسفة الحكم عند الامام، ص 43.

13.

محمد باقر الصدر، اهل البيت تنوع ادوار ووحدة هدف، تح: عبد الرزاق الصالحي (مؤسسة ام القرى للتحقيق والنشر، بيروت: 2003) ص 121، 122.

14.

للمزيد حول الواقعة ينظر: اليعقوبي، تاریخ، ج 1، ص 127؛ الطبري، تاريخ ج 4، ص 310 وما بعدها؛ ابو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت: 346 ه)، مروج الذهب و معادن الجوهر، ط 2، تح: امير مهنا (مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، بیروت: 2010) ج 2، ص 368؛ عز الدين ابي الحسن علي بن ابي

الكرم الشيباني ابن الاثير (ت: 630 ه) الكامل في التاريخ ط 2، تح: مکتب التراث (دار احیاء التراث العربي، بیروت: 2009) ج 3، ص 312 وما بعدها؛ جمال الدين ابي المحاسن يوسف بن تغري بردي الاتابكي (ت: 874 ه)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، مصر: 1963) ج 1، ص 101 وما بعدها.

15.

للمزيد عن الواقعة ينظر: نصر بن مزاحم المنقري (ت: 212 ه)، وقعة صفين، ط 3، تح: عبد السلام محمد هارون (مكتبة المرعشي النجفي، ایران: 1376)؛ عبد الله جعفر التميمي، صفين لمحات تاريخية من السيرة العلوية (مطبعة النخيل، العراق: 2010) ص 10 وما بعدها.

16.

ينظر ابن عبد الرحمن احمد بن شعيب النسائي (ت: 202 ه) تهذيب خصائص الامام علي (علية السلام)، تح: ابو اسحاق الحويني الأثري حجازي ابن محمد بن شريف (دار الكتب العلمية، بيروت: د. ت)، ص 114. اليعقوبي، تاریخ، ج 1، ص 130؛ عماد الدين ابي الفداء اسماعيل ابن كثير القرشي الدمشقي (ت: 774 ه) البداية والنهاية (دار احیاء التراث العربي، بیروت: 2001) ج 6، ص 209.

17.

عمرو بن العاص: ابو عبدالله من قريش العاص بن وائل السهمي، ارسلته قریش قبل اسلامه الى الحبشة ليطلب من النجاشي تسلميه المسلمين الذين هاجروا اليها فرارا من بطش الكفار، وبعد اسلامه عینه عمر بن الخطاب والیا على مصر بعد فتحه لها. ينظر: ابن عبد البر، الاستیعاب، ص 489، 490 Wikipedia.org/wiki:

18.

ينظر: اليعقوبي، تاریخ، ج 1، ص 131.

19.

ابو موسى الاشعري: عبد الله بن قيس ابن سليم بن الجماهير بن الاشعر وفي

نسبه بعض الاختلاف، وقد قدم الى مكة فحالف سعید بن العاص بن امیه ثم اسلم بعد ذلك، وقد ولاه عمر بن الخطاب البصرة، وبقي عليها حتى مقتل عثمان وكان منحرفا عن الإمام (علية السلام) لانه عزله ولم يستعمله ينظر بن عبد البر، الاستیعاب، ص 852، 851

20.

وهي واحة معروفة بصفتها محطة مهمة على طريق الحجاز بن الشام والمدينة قرب جبال طيء وكانت تحت سلطة (اکیدر الكندي) وقد بعث لها الرسول (صل الله عليه وآله وسلم) خالد بن الوليد المخزومي لفتحها فدخلها واخذ اکیدر اسيرا وقد اسلم الاخير فكتب له الرسول (صل الله عليه وآله وسلم) کتابا بماله ولقومه وبما عليهم ينظر: احمد بن یحیی بن جابر البلاذري (ت: 279 ه)، البلدان فتوحها واحكامها، تح: نجيب الماجدي (المكتبة العصرية، بیروت: 2008) ص 63؛ الفريد لویس در بریمار، تاسیس الاسلام بين الكتابة والتاريخ (دار الساقي، بیروت: 2009) ص 147، 148.

21.

اليعقوبي، تاریخ، ج 1، ص 132؛ ابو منصور احمد بن علي بن ابي طالب الطبرسي (من اعلام القرن السادس الهجري)، الاحتجاج (مكتبة دار المجتبی، النجف الاشرف، 2009) ص 220.

22.

كل من خرج على الامام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا واول من خرج على امير المؤمنين علي بن ابي طالب (علية السلام) جماعة ممن كانوا معه في حرب صفين واشدهم خروجا ومروقا من الدين: الاشعث بن قيس الكندي ومسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي. ينظر: الحسن بن موسی النوبختي (ت: 310 ه) فرق الشيعة، تح: هلموت ریتر (دار بيبلون، باریس: 2014) ص 6؛ ابو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت: 549 ه ) الملك والنحل، تح: ابراهيم شمس الدين (مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، بیروت:

2006. ص 113.
23.

ينظر: اليعقوبي، تاریخ، ج 1، ص 134؛ النوبختي، فرق الشيعة، ص 6؛ ابن الاثیر، الکامل، ج 3، ص 398 وما بعدها.

24.

اليعقوبي، تاریخ، ج 1، ص 134.

25.

هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث الكوفي المعروف بالاشتر من اثبت صحابة امير المؤمنين (علية السلام) ومن ثقاة التابعين وكان رئیس قومه ولطالما وثق به الامام واثنى على خبرته وبصيرته، اصيبت عينه في فتح دمشق وحرب اليرموك فاشتهر بالاشتر، نفي مع عدد من اصحابه الى حمص في ايام عثمان بن عفان بسبب اصطدامه بسعيد بن العاص (والي عثمان) ولما اشتدت نبرة المعارضة ضد عثمان بن عفان عاد الاشتر الى الكوفة ومنع والي عثمان الذي كان قد ذهب الى المدينة انذاك من دخولها واشترك في الثورة ضد عثمان. ينظر: ابن الاثیر، الکامل، ج 3، ص 410؛ جمال الدين ابو المحاسن يوسف بن تغري بردي الاتابكي (ت: 874 ه) النجوم الزاهرة في ملوك القاهرة (المؤسسة المصرية العامة للتالیف والترجمة والطباعة والنشر - مصر: 1963) ج 1، ص 104 وما بعدها.

26.

اليعقوبي، تاریخ، ج 1، ص 135.

27.

ابو الحسن علي بن الحسين بن المسعودي (ت: 346 ه) مروج الذهب ومعادن الجوهر، ط 2، تح: امير مهنا (منشورات مؤسسة الاعلمی للمطبوعات، بیروت: 2010) ج 2، ص 429؛ ابن الاثير / الكامل في التاریخ، ج 3، ص 410

28.

کلودکاهن، الاسلام منذ نشوئه حتى ظهور السلطة العثمانية، تر: حسین جواد قبيسي (المنظمة العربية للترجمة، بیروت، 2010) ص 41؛ هاینس هالم، الشيعة - تر: محمود کبيبو (دار الوراق، بغداد: 2011) ص 24، 25.

29.

للاستزادة ينظر: اليعقوبي، تاریخ، ج 2، ص 148؛ الطبري، تاریخ، ج 5، ص 97

وما بعدها؛ المسعودی، مروج الذهب، ج 2، ص 430؛ وما بعدها.

30.

احمد عز الدين، الامامة والقيادة (مركز المصطفى للدراسات، ایران: 1417) ص 36، 37

31.

ابراهیم بیضون، من دولة عمر الى دولة عبد الملك دراسة في تكوين الاتجاهات السياسية في القرن الاول الهجري (مطبعة كلها، ایران: 2006) ص 120

32.

فتحت مصر بصلح وعهد وخراج مفروض في زمن عمر بن الخطاب سنة (20 ه) واقر عليها عمرو بن العاص واليا بعد ان فتحها وكان عمر یکتب اموال عماله اذا ولاهم ثم يقاسمهم مازاد على ذلك وربما اخذه منهم فكتب الى عمرو بن العاص: انه قد فشت لك فاشية من متاع ورقيق وانیه و حيوان لم يكن حين وليت مصر فانکر عمرو ذلك فاجابه الخليفة: اني قد خبرت من عمال السوء ما کفی وكتابك الى كتاب من قد اقلقه الاخذ بالحق وقد سؤت بك ظنا ... فقاسمه ماله. ينظر: احمد بن يحيى بن جابر البلاذري (ت: 279 ه) البلدان فتوحها واحكامها تح: نجيب الماجدي (المكتبة العصرية، بیروت: 2008) ص 204 وللمزيد من المعرفة حول فتح مصر ينظر:

33.

ابو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ابن اعين القرشي المصري (ت: 871) فتوح مصر واخبارها، ط 2، (مكتبة مدبولي، القاهرة: 1996) ص 226 وما بعدها؛ الفرد. ج. بتلر، فتح العرب لمصر، ط 2، تر: محمد فريد ابو حديد (مكتبة مدبولي، القاهرة: 1996)، ص 226 وما بعدها؛ جاسم صكبان علي، فصول من تاريخ يوحنا النيقي عن فتح مصر: ترجمة من الانكليزية الى العربية بحث منشور في مجلة التراث العلمي العربي، العدد الثاني: 2012)

34.

ينظر: علي سعد تومان عدوة، اسس بناء الدولة الاسلامية في فكر الإمام على (علية السلام) (العتبة العلوية المقدسة، النجف الاشرف: 2011) ص 208

35.

كاظم الحائري / اساس الحكومة الاسلامية (مطبعة النيل، بیروت: 1979) ص 13.

36.

هاشم الموسوي، النظام الاجتماعي في الاسلام (معاونيه العلاقات العامة في منظمة الاعلام الاسلامي، ایران: 1991) ص 29.

37.

سلیم بن قیس الهلالي (ت: 76 ه)، کتاب سلیم بن قیس الهلالي، تح: محمد باقر الانصاري (مكتبة دار المجتبی، النجف الاشرف، 2009) ص 186 ابو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي النمري (ت: 463 ه) الاستيعاب في معرفة الاصحاب، خرج احاديثه: عادل مرشد (دار الاعلام، عمان: 2002) ص 533.

38.

ابو عبد الله محمد بن اسماعیل بن ابراهيم البخاري (ت: 256 ه) صحیح البخاري، ترقيم وترتیب: محمد فؤاد عبد الباقي (مكتبة الثقافية الدينية، القاهرة: 2009) ص 429

39.

ابن عبد البر، الاستیعاب، ص 528، رقم الحدیث 1871؛ شمس الدين ابي عبد الله الذهبي (ت: 746 ه) دول الاسلام (مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، بیروت: 1985) ص 24.

40.

جلال الدين السيوطي (ت: 911 ه) تاریخ الخلفاء (دار الكتب العلمية، بیروت: 1988) ص 133.

41.

ابو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت: 261 ه)، صحيح مسلم (مكتبة الثقافية الدينية، القاهرة: 2009) ص 625، الحديث رقم 2406

42.

كان مما اوصى معاوية بن ابي سفيان لواليه على الكوفة (المغيرة بن شعبة) هو «لا تتحم عن شتم علي وذمه .... والعيب على اصحاب علي والاقصاء لهم وترك الاستماع منهم». ينظر: الطبري، تاریخ، ج 5، ص 169.

43.

ينظر: صالح الورداني، عقائد السنة وعقائد الشيعة التقارب والتباعد، ط 2 (مركز الغدير للدراسات والنشر والتوزيع، بیروت: 2011) ص 161.

44.

محسن باقر الموسوي، الادارة والنظام الاداري عند الامام علي (علية السلام)، (مطبعة الغدیر، بیروت: 1998) ص 29.

45.

ينظر: ابن عبد البر القرطبي النمري (ت: 463 ه)، الاستیعاب، ص 533

46.

هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن کعب التميمي وهو احد الستة الذين جعل عمر بن الخطاب فيهم الشورى، وشهد الجمل محاربا للامام ولكن الإمام (علية السلام) دعاه وذكره بسوابق فضله، فرجع عن قتال الإمام (علية السلام) ومع ذلك فقد قتل في الواقعة، ينظر: ابن عبد البر، الاستیعاب، ص 359، 360، رقم الحديث 1255؛ ابن کثیر، البداية والنهاية، ج 6، ص 208.

47.

الزبير بن العوام بن خویلد بن اسد بن عبد العزي الاسدي وامه صفية بنت عبد المطلب بن هاشم عمة الرسول (صل الله عليه وآله وسلم) شهد الجمل فقاتل ساعة ثم ناداه الامام وذكره يقول الرسول (صل الله عليه وآله وسلم) له: اما انك ستقاتل عليا وانت له ظالم فذكر الزبير ذلك وانصرف من القتال فتبعه عمیرہ بن جرموز السعدي فقتله. ينظر: ابن عبد البر، الاستیعاب، ص 261 وما بعدها رقم الحدیث 854.

48.

ينظر: اليعقوبي، تاریخ، ج 1، ص 124، 125.

49.

نوري جعفر، فلسفة الحكم عند الامام، ص 47.

50.

عز الدين عبد الحميد ابن هبة الله ابن ابي الحديد (ت: 656 ه)، شرح نهج البلاغة، تح: محمد ابو الفضل ابراهیم، ط 2 (دار احیاء التراث العربي، بیروت: 1965)، ج 17، ص 30.

51.

محمد سعيد الاحمد، المستقبلية الاسلامية، نهج البلاغة نموذجا لانطلاق الرؤية

(مركز الشهدين الصدرين للدراسات والبحوث، العراق: 2006)، ص 265.

52.

ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 30

53.

محمد مهدي شمس الدين، حركة التاريخ عند الامام علي دراسة في نهج البلاغة (المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، بيروت: 1985) ص 8.

54.

امل هندي الخزعلي، اسس بناء الجهاز الإداري الكفء، قراءة في عهد الامام علي بن ابي طالب (علية السلام) لمالك الاشتر، (بحث منشور في مجلة العلوم السياسية، العدد 42: 2011).

55.

توفيق الفكیكي، الراعي والرعية، (مطبعة شرعتي، ایران: 1382)، ص 278.

56.

ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 32

57.

محسن باقر الموسوي، الادارة والنظام الإداري عند الامام علي (علية السلام)، ص 44

58.

نوري جعفر، فلسفة الحكم عند الامام، ط 2، (دار المعلم للطباعة، القاهرة: 1978) ص 39

59.

ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 32

60.

ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 33.

61.

محمد مهدي شمس الدين، عهد الاشتر، ص 89، 80

62.

ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 34.

63.

ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغه، ج 17، ص 47.

64.

قاسم خضير عباس، الامام علي رائد العدالة الاجتماعية والسياسية على ضوء تقرير الامم المتحدة (دار الاضواء، بیروت: 2004) ص 77، 83

65.

علي سعد تومان عدوة، اسس بناء الدولة الاسلامية، ص 209

66.

ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 36.

67.

الحجرات: 13.

68.

ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغه، ج 17، ص 36.

69.

ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 51.

70.

ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 44.

71.

محمد مهدي شمس الدين، عهد الاشتر، ط 2 (المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، بيروت: 2000) ص 89، 90

72.

غسان السعد، حقوق الانسان عند الإمام (علية السلام) رؤية علمية، ط 2 (دار الرافدين، بیروت: 2010) ص 87، 88

73.

ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغه، ج 17، ص 76.

74.

عزيز السيد جاسم، علي سلطة الحق (الغدير للطباعة والنشر، قم: 2000)، ص 453.

75.

توفيق الفكیكي، الراعي والرعية، ص 270

76.

ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 90

77.

احمد عز الدين، الامامة والقيادة (مركز المصطفى للدراسات، ایران: 1417) ص 15، 16

78.

ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج17، 79. وقد اكد القرآن الكريم على قضية الوفاء بالعهد فقال سبحانه وتعالى في: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) الاسراء: 34؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) المائدة: 1؛ (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) البقرة: 177؛ (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) المؤمنون: 8

79.

ينظر: ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 113؛ توفيق الفكيكي الراعي والرعية، ص 279

81.

محسن باقر الموسوي، الادارة والنظام الاداري عند الامام علي (علية السلام)، (الغدير للطباعة والنشر والتوزيع، بیروت: 1998)، ص 15

82.

ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغه، ج 17، ص

83.

الأنبياء: 37.

84.

توفيق الفكیكي، الراعي والرعية، ص 280

85.

ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 88.

86.

امل هندي الخزعلي، اسس بناء الجهاز الإداري الكفء، قراءة في عهد الامام علي بن ابي طالب (علية السلام) لمالك الاشتر.

87.

محسن باقر الموسوي، الادارة والنظام الاداري عند الامام علي (علية السلام)، ص 45، 46.

88.

ابن ابي الحديد شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 32

89.

(خضير کاظم حمود، السياسة الادارية في فكر الامام علي بن ابي طالب بين الاصالة والمعاصرة (مؤسسة الباقر، بیروت: د. ت) ص 18.

90.

فهمي هويدي، الاسلام والديمقراطية (مركز الاهرام للترجمة والنشر، القاهرة: 1993)، ص 24.

الوفاء بالعهد أُسٌّ من أسس بناء الدولة والمجتمع

اشارة

الأستاذ الدكتور حاكم حبيب الكريطي الكلية الإسلامية الجامعة / النجف الأشرف

بین یدي البحث

يهتم هذا البحث بدراسة (الوفاء بالعهد)، بوصفه أُسّاً من الأُسس التي أوصى بها الإمام علي (عليه السلام) الأشتر النخعي، ليقيم بها ولايته على مصر. وقد جعل عليه السلام هذه القيمة الدينية والأخلاقية ضرباً من ضروب الأمانة التي أمر الله (عزّوجل) بصيانتها والتمسّك بها في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا...» النساء 58، ومن هنا أوجب الإمام عليه السلام على المسلمين التضحيةً بالنفسِ من أجلِ الوفاءِ بالعهد، وهذا رفع لشأن هذه القيمة التي تُسهمُ في بناءِ المجتمع. وترصّنُ العلاقات بين أبنائه. لقد أراد الإمام عليه السلام أن يبني حياة المسلمين على الوجه الذي يحقّقُ لهم سلامة دينهم ودنياهم، بهذه القيمة العالية، فخصّها بجزء من عهده إلى الأشتر، لیُبصّره بذلك، ويبصّر المسلمين عامة من خلاله، لأنّ الوالي هو الأجدر بتطبيق ما يريده الإمام عليه السلام ليكون قدوة لرعيته في قيادته لهم. وسوف يُعطي هذا التشديد من الإمام عليه السلام، بشأن الوفاء بالعهد للأعداء، صورة عن سماحة الإسلام، وحرص المسلمين على بناء الإنسان على الوجه الذي يريده الله تعالى، إذ يحرم عليهم الإخلال بالعهود مع غيرهم، ويحتّم عليهم التمسّك بهذه الفريضة.


إنّ الوقوفَ على معاني الجذر (عهد) في الاستعمال الاجتماعي، مهيء لنا الاطّلاع على الفضاء الدلالي الذي تتحرك فيه المعاني التي تحتضنها السياقاتُ التي ترد فيها تلك المفردات. وعودةٌ إلى لسان العرب تُعطينا المعاني الآتية (1):

1.

العهد: كلُ ما عُوهدَ الله عليه.

2.

العهد: كلُّ ما بين العباد من مواثيق.

3.

العهد: تولّي أمر اليتيم.

4.

العهد: اليمينُ يحلفُ عليها الرجلُ.

5.

العهد: الوفاء.

6.

العهد: الأمان.

إنّ نظرةً أولى على هذه المعاني، تبرّز لنا المعنى العام المشترك بينها للجذر (عهد)، وهو: (الوفاء بما أخذه الإنسان على نفسه)، ومن هنا اقترن ذكرُ العهد بذكرِ الوفاءِ، وتوحّدا دلاليّاً، وصار أحدهما يدلّ على الآخر من دون ذكر صنوه، وصار وجود العهدِ یعني: أنّ ثمةَ وفاءً ملتبسٌ به، ولا يمكنُ التفريق بينهما في حدود الدلالات المشار إليها.

وعودةٌ إلى المعاني السابقة بنظرة تفصيليّة، تُعطينا الدلالات الآتية:

فالمعنيان الأول والثاني، يُحتّمان على الإنسانِ أن يكونَ وفيّاً مع الله سبحانه وتعالى من جهة، ومع عباده من جهة أخرى، بما يُلزم نفسه به، بعد أن أُضيف (الوفاء) للعهد، فصارا کالكلمة الواحدة ومن هنا صار الوفاءُ وسيلةً ونتيجةً لذلك في آنٍ معا. فتوحّد المعنيان في هذه الدلالة المكثّفة، بعد أن أُضيف (الوفاء) للعهد

أما المعنى الثالث، فإنّ تولّي أمر اليتيم عمل جليل، أمر به الله تعالى، وتظهر قيمتُهُ الأخلاقية والدينيّة بالوفاء به، والوفاء هنا يعني: التمسك بإصلاح حال اليتيم حتى يبلغ أشدّه، على وصف القرآن في قوله تعالى: «وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا» الإسراء 34، وفي آيات أخر (2).

ويأتي المعنى الرابع، وهو الوصية، أي ما يعهد به الإنسان إلى الوصيّ، وهنا يتعهّد الوصىّ بتنفيذ ما وُصّىَ به، فيكون الوفاء شرعيا وأخلاقيّا، لا مناص من الوفاء به، وبهذا يتعاضد العهدُ والوفاءُ في هذه الجزئيّةِ من المعنى العام مرّة أخرى، بعد الاستجابة لما يأمر به الله تعالى.

ويبقى المعنى الأخير للعهد، وهو (الأمان)، وهذا المعنى، وإن كانت المعاني السابقة تُنتجه، لأنّ تحقّقها يعني حصول الأمان للمتعاهدين، إلّا إنّه هنا يقوّي من شأنِ الدلالةِ ويوسّعها، بما يجعلُ العهدَ هو الأمانُ الّذي يريده الله تعالى لعباده، لا بوصفه نتيجةً ينتجُها الوفاءُ فقط، وإنّما يكونُ الوفاءُ أماناً. وهذا المعنى يجمع المعاني السابقة كلّها، ويجعلُ التوسّعَ الدلاليَ الذي قدّمته ينفتحُ على هذا المعنى الواسع، الذي سيتجسد فيما أراده الإمام علي (عليه السلام)، من مالك الأشتر، بقوله ((هذا ما أمر بهِ عبدُ الله عليٌّ أميرُ المؤمنين (عليه السلام)، مالك بن الحارث في عهده إليه حين ولّاهُ مصر)) (3). فجعل كتاب التولية عهدا، لأنّ كلّ ما جاء فيه يحتاج إلى الوفاءً به، حتى يتحقّق الأمان لمصر وأهلها. وليكون ذلك منهاج عمل للولاة في ولاياتهم، ووسيلة بيد المسلمين لمراقبة ما يطبّقه الوالي من العهد، فضلا عمّا فيه من بيان لغير المسلمين ليُبصروا علاقاتهم مع المسلمين من خلاله، واستنادا إلى هذه الرؤية، يكون هذا العهد، أساسا متينا لدولة العدل الإلهي التي بناها الإمام، وأراد من ولاته أن يتمثّلوه، وهم يسوسون العباد.

الوفاء بالعهد في الجاهلية:

أراد الإمام (عليه السلام) من مالك الأشتر ومن المسلمين، أن يستحضروا القيم العربية التي كانت سائدة في العصر الجاهلي، ورفع الإسلام من شأنها، فبقيت محافظة على مكانتها في النفوس، وفي مقدمة تلك القيم التي أقرها الإسلام، قيمة الوفاء بالعهد

أشار الإمام (عليه السلام) في عهده إلى ما كان من تعظيم المشركين للوفاء بالعهد في الجاهلية بقوله ((... وقد لزم ذلك المشركون دون المسلمين، لما استبولوا من عواقب الغدر، فلا تغدر بذمّتك)) (4).

ذكّرَ الإمامُ مالكاً والمسلمين، بأنّ المشركين، على الرغم من جاهليتهم وشركهم، ألزموا أنفسهم بالوفاء بالعهود، وجعلوا الغدر مذمّةً، وعارا يلحق صاحبه، لأنّ عواقبه مهلكةٌ، لذا راحوا يفتّشون عن أيّة وسيلة يمكن أن تفضح الغادر من جهة، وتنفّر الناس من الغدر من جهة أخرى. ومن ذلك ما عُرف عنهم أنّه إذا ((غدر رجلٌ، أو جنى جناية، انطلق احدهم حتى يرفعَ له رايةَ غدرٍ بعكاظ، فيقوم رجلٌ يخطبُ بذلك الغدرِ، ويقول: ألا إنّ فلاناً غدر، فاعرفوا وجهه، ولا تُصاهروهُ ولا تُجالسوهُ ولا تسمعوا منه قولا)) (5). وهذا النصُّ يكشفُ عن المهلكة التي يجلبها الغدرُ لصاحبه - أيضا -، فهي تُميته في المجتمع وإن كان حيّا، وتضرب عليه خيمة من الذلّ. وقد صوّر الشاعر الحادرة الذبياني أنفته وأنفة قومه من الغدر، حينما خاطب حبيبته بقوله:

أسميُّ - ويحكِ - هل سمعتتِ بغدرةٍ *** رُفعَ اللواءُ لنا بها في مجمعِ (6)

ومن هنا نفهم مراد الإمام (عليه السلام)، وهو يدفع المتلقي إلى استحضار هذه القيمة التي ظلّت على ما كانت عليه بعد مجئ الإسلام. لارتباطها بتنظيم حياة الناس، بما يكفل لهم العيش بأمان، وييُسر عليهم سبل بناء الحياة، ليكون هذا وسيلة إلى الوصول إلى رضا الله تعالى.

الوفاء بالعهد في الإسلام:

أشار الإمام (عليه السلام) إلى أنّ (الوفاء بالعهد) فرضٌ من الله تعالى على عباده بقوله: ((.. فإنّه ليس من فرائضِ الله شئٌ، الناسُ أشدُّ علیه اجتماعا مع تفرّق أهوائهم وتشتّت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود)) (7). فكيف يُفهم هذا الكلام؟.

إنّ الاجابة عن هذا السؤال، تقتضي أن نقف على معنى (الفرض) في اللغة، لنأخذ منه تصوّرا لما يريده الإمام (عليه السلام)، وفي اللغة معناه ((ما أوجبه الله عزّ وجلّ ... وفرض الله علينا وكذا افترضه، أوجبه)) (8). فالوفاء بالعهد فرض أوجبه الله تعالى على عبادة ليمكّنهم من تنظيم شؤون حياتهم، ويمكّن أعدائهم من العيش بأمان من دون أن يخشوا غدرا. وليوفّر لهم فسحة للتفكير من أجل ترك معاداة المسلمين من دون أن يفقدوا شيئا مما يخشونه، وعلى هذا النحو يسعى الإمام (عليه السلام) إلى بناء الإنسان.

والإمام علي (عليه السلام)، في رؤيته هذه، يصدر - كما هو شأنه - عن رؤية قرآنيّة للوفاء بالعهد، فقد أوجب الله تعالى ذلك على المسلمين، وجعله - أي الوفاء بالعهد - سمةً من سمات المتّقين، وليس من سمات المسلمين بشكل عام، ويمكن أن نجد هذه الدلالة في قوله تعالى: «بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» آل عمران 76 وفي قوله عز وجل: «إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» التوبة 4، فمحبةُ الله تعالى في هذه الآيةِ مرتبطةٌ بالمحافظةِ على العهد، والوفاء به، وهي موجّهةٌ إلى المتقين، الذين نالوا مرتبةَ التقوى في هذه الآية بالوفاء بالعهد، يقول السيد الطباطبائي عن هذه الجزئية: ((في مقام التعليل لوجوب الوفاء بالعهد مالم ينقضه المعاهد المشرك، و ذلك يجعل احترام العهد و حفظ الميثاق أحد مصادیق

التقوى المطلق الذي لا يزال يأمر به القرآن)) (9).

وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالوفاء بالعهد، فهو سيده، وجعل ذلك شعبة من شعب الإيمان، التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان المسلم، وقد جسّد ذلك في حياته الاجتماعية، فقد ورد في سيرته الطاهرة، أنّ امرأة دخلت عليه ((فَهَشَّ لَهَا، وَأَحسَنَ السُّؤَالَ عَنهَا، فَلَمَّا خَرَجَت قَالَ: إِنَّهَا كَانَت تَأتِينَا أَيَّامَ خَدِیجَةَ وإِنَّ حُسنَ العَهدِ مِنَ الإيِمَانِ)) (10)، إنّ رفق النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه المرأة على النحو الذي تشير إليه الرواية، يجد لنا المراد من حفظ الجوار والوفاء به، على الرغم من أنّ العهد كان مع السيدة خديجة، وحفظه يكون بحفظ ذكراها، وذكراها هنا جسّدته هذه المرأة التي ارتبطت بها في ذلك الزمان. ومن هنا يتبيّن لنا قيمة الوفاء بالعهد على وفق هذه الرؤية النبوية.

إنّ هذه الرؤيةَ القرآنيّةَ والرؤيّةَ النبويّةَ والرؤيةَ العلويّة للوفاء بالعهد، جعلته واجبا مفروضاً من الله (عزّ وجلّ) على من يُعطيه لغيره، أي أنّ العهدَ يستمدُّ وجوبَهُ من انعقاده بين طرفين، وإذا تمّ العقدُ تمّ وجوبُهُ، وصار الإخلالُ بِه إخلالاً بأُسٍّ من أُسسِ الإسلام. واستنادا إلى هذا سنعود لننظر في هذه الجزئية من عهد الإمام (عليه السلام) فنقول أنّه نبّه مالكا إلى التمسك بالوفاء بما يعقده من عهود مع غير المسلمين، لأنّ هذا سيقوّي مكانة المسلمين في النفوس، بما يقدمونه لأعدائهم من قيم اسلامية عليا، ستجذبهم إلى حوزة الإسلام حتما، أو عدم معاداته في أقلّ تقدير. بل إنّ القرآن الكريم عيّر المشركين بأنّهم لا يرعون حرمة للمسلمين إن استطاعوا، قال تعالى: «كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ» التوبة 8. ليرسّخ ما أشرنا إليه من التمسك بالعهود. إذ أضاف عدمُ مراقبتِها فسقا إلى شرك المشركين على ما بيّنته الآية الكريمة (11).

إنّ ما أراده الإمام (عليه السلام)، لا ينطبق على مالك الأشتر هنا فقط، وإنّما يشملُ جميع المسلمين، لأنّ ما يُوصي به (عليه السلام) يريده للجميع، وكلّ مسلم يأخذ منه بالقدر الذي يحتاج إليه في حياته الإسلاميّة المستقيمة، يؤيد هذا الحديث النبوي الشريف عن المسلمين عامّة: ((يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أدناهُم، أَيْ إِذَا أعْطَى أحدُ الجَيْشِ العَدُوَّ أمَاناً جَازَ ذَلِكَ عَلَى جَميعِ المُسْلِمِينَ، وَ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ یُخْفِرُوه، وَ لَا أَنْ يَنْقُضوا عَلَيْهِ عَهْده)) (13).

ويستمر الإمام (عليه السلام) في احاطة مالك الأشتر علما بتفاصيل الوفاء بالعهد، فيخاطبه بقوله ((وإن عقدت بينك وبين عدوّك عقدة، وألبسته منك ذمّة، فحُطّ عهدك بالوفاء، وارعَ ذمّتك بالأمانةِ، واجعل نفسَك جُنّةً دون ما أعطيتَ)) (13). فالإمام (عليه السلام) سمّى العهد هنا عقدا، ودلالة مفردة العقد تُعطي وثوقاً أكثر مما تُعطيه مفردة العهد نفسها، فقد ورد في المعجم العربي، أنّ العقد هو العهد، والجمع عقود، وهي أوكد العهود، وإذا قلت: عاقدته أو عقدتُ عليه، فتأويله أنّك ألزمته ذلك باستيثاق، والمعاقدة: المعاهدة (14). واستنادا إلى هذه الدلالات، فإنّ استعمال الإمام (عليه السلام) للفظة العقد يفصحُ عن تشديد أراده بشأن ما يعقده المسلمون مع أعدائهم ومع بعضهم البعض. ومن هنا ذهب بعض العلماء إلى القول، إنّ قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» المائدة 1، ((يعمّ العقود التي عقدها الله سبحانه وتعالى على عباده، وألزمها إياهم من التكاليف، وما يعقدون بينهم من عقود الأمانات، والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به)) (15). واستنادا إلى هذا نقول: إنّ انتقاء الإمام (عليه السلام) لهذه الصياغة المتضمّنة لدلالة الجذر (عقد)، ينبئ عن الأهمية التي أراد أن يلفت أنظار المسلمين إليها بشأن حُرمة العهود.

أما اللباس الذي قرنه الإمام (عليه السلام) بالعقد، فيشير إلى ما يمكن أن يوفّره

من سكينة وستر للأعداء، فينعمون بذلك، وهنا لا يُمكنهم انکار هذه النعمة، ولا يجوز لهم تجاهلها، وسيغريهم هذا كلّه بالتفكير بالانضمام إلى حضيرة الإسلام اختيرا، وهذا وجه من وجوه بناء الدولة والمجتمع الذي يريده الإمام (عليه السلام).

ويزيد الإمام من تحذيره من خدش فريضة الوفاء بالعهد، فيُضيف متمّا کلامه عن ذلك فيقول: ((فلا تغدرنّ بذمّتك، ولا تخيّسنّ بعهدك، ولا تختلنّ عدوّك، فإنّه لا يجترئ على الله إلا جاهلٌ شقيّ)) (16).

فقول الإمام (عليه السلام) هنا (فلا تغدرنّ بذمتك) ينطوي على تحذير للأشتر النخعي، من الغدر، وعلى الرغم ممّا في الغدر من بشاعةٍ، فإنّ هذه الصورةَ تزداد قُبحاً حينما يُنسبُ الغدر إلى ذمّة الإنسان الغادر وليس إلى خصمه المتعاقد معه بالعهد، وهذا ما جلّاهُ کلام الإمام (عليه السلام)، فلم يعد الغدرُ مخالفة لفرض رباني، ولا بُعدا عن قيمة أخلاقية يُجلّها المجتمع، وإنما صار ضررا يقع على الغادر نفسه، وهكذا يصل إلى غاية القبح حينما يرتدُّ ضرره على صاحبه، وهذا ما يحتّم على الإنسان أن يبتعد عن هذه الخصلة، بعد أن بصّره الإمام (عليه السلام) بعواقبها على النحو الذي تكشّف لنا.

أما قوله (عليه السلام) (ولا تخیّسنَّ بعهدك)، فعل الرغم من أنّ الجذر (خیس) يعني في اللغة: غدر وخان، إلا أنّ انتقاء الإمام (عليه السلام) له هنا، يأتي للإيغال في تبشيع صورة الغدر من خلال ما يؤدّيه من معان أخرى، تنطوي على ذلك، فمن معانيه التي تُظهر ما تُشير إليه المعاني الآتية: ((خاس الشيءُ يخيس: تغيّر وفسد وأنتن ... وخاس هو ذلّ، ويُقال: إن فعل فلانٌ كذا، فإنّه يُخاسُ أنفُهُ أي يُذلُّ أنفه)) (17). وهذا التوجيه يُعطينا تصوّرا لاستعال الإمام للمفردات، بحيث تقدم المفردة الواحدة عددا من المعاني، من دون أن يعترض السياق على ذلك، بل إنّه - أي السياق - يحتضنُ

المعاني الناتجة عن ذلك، بمرونةٍ تعين القارئ على تأويل الكلام إلى اتجاهات كثيرة من دون تعسّف، وهذا وجهٌ من وجوه المرتبة العليا للبلاغة عند إمام البلاغة (عليه السلام).

وينهى الإمام (عليه السلام) الأشتر النخعي عن مخاتلة العدو (ولا تختلنّ عدوّك)، ليحصّن العهد المتعاقِد عليه مع العدو، من أية ثلمة قد يُحدثها التفكير بإيذائه، وهنا اختار الإمام (عليه السلام) لفظة (تختلّن)، ليُنفّرَ المتلقّي من هذا الفعل، فاختل في اللغة يعني: الخداع عن غفلةٍ ... يختل الرجل ليطعنه، أي يداوره ويطلبه من حيث لا يشعر (18)، وهذه الدلالات من وسائل محاربة العدو في ميادين المعارك، ولكنّ الإمام نهی عن الاقتراب منها مع العدو الذي عقد المسلون معه عهدا، وصار المرغوب فيه مرغوبا عنه في هذا الموطن الذي يشير إليه الإمام.

أوجب الإمامُ (عليه السلام) على المسلمين من خلال عامله الأشتر النخعي، التمسك بهذه المضامين، وعدّ الإخلال بها تعدّيا على حدود الله عزّ وجلّ، يقول (عليه السلام) في بيان ذلك: ((فإنّه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقيٌّ، وقد جعل الله عهده وذمّته أمناً، أفضاه بين العباد برحمته، وحريما یسکنون إلى منعته، ويستفيضون إلى جواره)) (19).

فالجرأةُ على الله (عزّ وجلّ) من أفعال الجهلاء الأشقياء، فالجاهل يفعل ذلك لأنّه لا علم له بما يقدم عليه، من جهة، ويفعلُ ذلك من الجهل بالله (عزّ وجلّ) ورسوله وشرائع الدين، من جهة أخرى، والراجح أنّ هذا المعنى - ربما - يكون أكثر ملائمة لما يريد الإمام (عليه السلام)، لأنّه كفيل بتنفير الناس من الإقتراب مما يشين العهد.

أما الشقيّ فهو الّذي لا يستشعر لذّة السعادة في حياته، لأنّه يعيش في شدّةٍ

وعُسرةٍ، وهذا آتٍ من الجرأة على الله (عزّ وجلّ).

وثمة مفهوم آخر للشقيّ، يبسطه الإمام (عليه السلام) في موضع آخر من نهج البلاغة، إذ يقول عنه: ((فإنّ الشقيّ من حُرم نَفعَ ما أُوتيَ من العقلِ والتجربة)) (20)، والعقل يقتضي - حقّا - أن لا يجتر أعبد مسلم على حدٍّ من حدود الله.

إنّ هذا التشديد الذي أظهره الإمام (عليه السلام)، لا يُبقي حُجّةً لمن يريد أن ينقض عهدا، بداعي الحرص على المسلمين من أعدائهم، لأنّ ما يوفّره الوفاء بالعهد أكثر نفعا للمسلمين، ونفعه أولا يتمثل بالامتثال لما أمر به الله تعالى من الوفاء بالعهود، فالأصل في الإسلام التمسك بالثوابت التي تصون الدين.

الوفاء بالعهد أمان للعباد:

يلتفت الإمامُ (عليه السلام) إلى وجه آخر من وجوه الوفاء بالعهد، وهو وجه الأمان الذي يريده الله لعباده، يقول (عليه السلام) ((... وقد جعل الله عهده وذمّته أمناً أفضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون إلى منعته، ويستفيضون إلى جواره)) (21).

إنّ إشارة الإمام (عليه السلام) هذه تجعل العهد ضرباً من ضروب الأمن التي أرادها الله لعباده، رحمة منه بهم، ليعيشوا في دعة وأمان وسكينة، فيبنوا ويعمّروا، ولولا الأمنُ لما قدّر لهم أن يتمكنوا من ذلك، ولما قدّر للوالي أن يدبّر أمور العباد، لأنّ تدبير الأمور يقتضي أمنا وأمانا.

ثم يجعل الإمام (عليه السلام) العهد حریما يسكن العباد إلى منعته، والحريم يعني: كلّ ما حُرّم فلا يُلمس، ولا يُدنی منه (22). وهذه دلالة المنعة التي وصف الإمام (عليه السلام) بها الحريم، حيث توفّر للعباد سکنا في ظلّ الأمن المقترن بها. فالقلق والخشية والترقّب التي تقترن بعدم الأمن، تأخذ من العباد أسس الطُمأنينة

التي ينشدونها، فإذا جاء العهد بأمنه، وفّر لهم ما فقدوه من ذلك كلّه.

ثم يأتي قوله (عليه السلام) (فيستفيضون إلى جواره)، أي يُسرعون إليه، واستعمال الإمام (عليه السلام) لهذه اللفظة، ينطوي على بيان ما يمكن أن يشعر به الإنسان من الأمن الذي يُشيعه العهد، فلفظة (يستفيضون) تحمل دلالة السرعة والكثرة والانبساط والزحف والدفع في السير ... (33). وهذه المعاني كلّها ترسم صورة لحال الناس وهم يندفعون صوب أمن العهد، الذي بسطه الإمام في هذا الجزء من قوله. وفي الوقت نفسه، يُغري المسلمين بالبقاء على ثباتهم على صيانة ما يتعهّدون به أمام خصومهم، لأنّ في هذا سلامة لدينهم.

شروط صحة العهد:

يُنهي الإمام (عليه السلام) كلامه عن الوفاء بالعهد، ببيان الشروط التي ينبغي توفّرها فيه، من أجل سلامته، لأنّ في هذه السلامة سلامة للمتعاقدين عليه، بما يوفّره من مناخ أمن، يتيح للعباد بناء الحياة. وجاءت هذه الشروط في قوله الآتي: ((فلا ادغال ولا مدالسة ولا خداع فيه، ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل، ولا تُعوّلنَّ على لحنِ قولٍ بعد التأكيد والتوثّق)) (24).

والآن ننظر في قول الإمام (عليه السلام) لنقف على ما يؤديه كلّ شرط من هذه الشروط، وهي على النحو الآتي:

1. لا ادغال في العقد: الادغال في اللغة يعني الفساد، وأدغل في الأمر: أدخل فيه ما يُفسده ويُخالفه (25). فمن يدخل في العقد ما ليس فيه يُفسده بهذا الفعل، والادغال ليس من خُلُق المؤمن. يقول الإمام (عليه السلام) في موطن آخر: ((ليس المؤمن بالمُدغل)) (26). فهذا التعارض بين الإيمان والادغال، يحتّمُ على

المؤمن أن يتجنب هذا الفعل الذي يُخرجه من دائرة الإيمان، فكيف إذا كان الادغال في فرض من فرائض الله تعالى وهو العهد؟.

2.

لا مدالسة في العقد: الدَّلَسُ بالتحريك: الظلمة، والمدالسة: المخادعة، وفلان لا يُدالسك، ولا یُخادعك، ولا يُخفي عليك الشئ، فكأنه يأتيك به في الظلام (27). وهذه الدلالة للمدالسة تنطوي على خداع غير ظاهر، يستر المُخادِعُ خداعه كأنّه لایُری، وهذا لا يستقيم مع أخلاق الإسلام، لأنّ من يُخادع الله تعالى في العهد يستحق غضب الله تعالى، وقد ورد في الأحاديث أنّ النبي سُئل)) فيم النجاة غدا؟ فقال: النجاة أن لا تُخادعوا الله فيخدعكم، فإنّه من يُخادع الله يخدعه، ويخلع منه الإيمان، ونفسه يخدع لو يشعر)) (28). فالذي يخدع من يعاهده يخدع نفسه، والله عزّ وجلّ ((خادعه بخذلانه عن حسن البصيرة بما فيه نجاة نفسه في آجل معاده)) (29). واستنادا إلى ما تقدّم، فإنّ المدالسة في العقد تكون مدعاة لسخط الله وغضبه، وبهذا يبتعد عنه المسلمون، ويبتعد عنه الوالي قبل غيره، لأنّه المعني أولا بتفيذ ما يريده الله تعالى، ليكون قدوة للرعية.

3.

لا تجوز العلل في العهد: وهذا منعٌ آخر من الإمام (عليه السلام) لتحصين المسلمين من الانزلاق إلى مهاوي عصيان الله تعالى، فقد يعمد صاحب العهد إلى محاولة صرفه عن وجهه من خلال كتابته بألفاظ غير واضحة في بيان المراد، وكأن الإمام (عليه السلام) يقول لمالك الأشتر: اختر ((للإيجاب والقبول ألفاظا واضحة في معناها، صريحة في دلالتها، يفهم منها أهل العرف انك قصدت المعني الظاهر، و ألزمت به نفسك)) (30). وبهذا يبتعد عن أسباب الجدال والاختلاف والتنازع، ممّا قد يقود إلى إبطال العهد من دون وجه حقٍّ.

4.

تجنّب الّلحن في العهد: ووقفة على دلالة مفردة اللحن ربما تُعيننا على الاقتراب

من مراد الإمام (عليه السلام). فاللحن في اللغة يعني: أنّ القائل يُميل قوله بالتورية عن المفهوم الواضح، فهو إذاً ميلٌ عن جهة الاستقامة، والانحراف عن صحيح المنطق (31). وإن كان ظاهره يُعطي غير المخفي، وهذا هو ما أراد الإمام (عليه السلام) أن يبعد المسلمين عنه، لأنّ الطرف الآخر غافلٌ عمّا يراد به، واستنادا إلى هذا، اشترط الله تعالى (العدل) في من يكتب بين الناس «يَا أَيُّهَا وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ» البقرة 282. ولا تقتصر الكتابة هنا على الدَين فقط، وإنّما تعمّ العهود والمواثيق كافة (32).

إنّ هذه الدلالة تُعطي للنصّ إمكانية التأويل على وجوه مختلفة، وصرف الكلام إلى أكثر من معنى، وتجعل من يريد الجنوح بدلالة ألفاظ العهد إلى غير الوجهة المتّفق عليها قادرا على ذلك، من خلال التكنية أو التعريض، وهذا ما نهى عنه الإمام (عليه السلام)، لأنّ من وثّق عهده باليمين، لا يصحّ أن يُعوّل على لحن القول المشار إليه. وحتى يقطع الإمام (عليه السلام) طريق التّنصل من الإبقاء على العهد ممّن يبغي ذلك، قال قولته هذه.

ويوصي الإمام (عليه السلام) الأشتر مشدّدا على الوفاء بالعهد، وعدم اللجوء إلى البحث عن مسوّغات للتخلص من قيوده، بقوله: ((... ولا يدعُونّك ضيقُ أمرٍ لَزِمَك فيه عهدُ اللهِ إلى طلبِ انفساخهِ بغيرِ الحقّ)) (33).

قد يقع الوالي في أمر يضيق به، ويقدّر أن لا منجى له ممّا هو فيه، إلا بطلب انفساخ العقد بغير الحقّ، فيذهب إلى ذلك، إما باللجوء إلى ما منع عنه الإمام (عليه السلام) کما مرّ بنا قبل قليل، وإما بفعل ذلك من دون حجة، لأنّ من يُجافي الحقّ، قد لا يحتاج إلى حجة ليسوّغ فعله. وهذا منهيّ عنه في قول الإمام (عليه السلام)، لأنّ الوفاء تمثّل لأمر الله تعالى، الذي يُلزم صاحبه التمسك به.

ويختم الإمام (عليه السلام) وصيته لمالك الأشتر بشأن الوفاء بالعهد بقوله: ((فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقِ أَمْر تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ خَيْرٌ مِنْ غَدْر تَخَافُ تَبِعَتَهُ وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللهِ فِيهِ طِلْبَةٌ، لاَ تَسْتَقْبِلُ فِيهَا دُنْيَاكَ وَلاَ آخِرَتَكَ)) (34). وهذا الجزء من قول الإمام (عليه السلام)، مرتبط بالجزء السابق المتعلق بضيق الأمر الذي يواجه صاحب العهد، فالصبر هنا يندرج في حقل الصبر على ما يكره الإنسان، وهو واحدٌ من صبرين، وصفهما الإمام (عليه السلام) بقوله ((الصبر صبران: صبر على ما تكره، وصبرٌ عمّا تُحبّ)) (35). وهذا الصبرُ يُنتظر معه فرج الله (عزّ وجلّ)، والجزاء الأوفي، الذي يُظهره فضل العاقبة التي ذكرها الإمام (عليه السلام)، وقد وعد الله عزّ وجلّ الصابرين بقوله: «...إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ» الزمر 10. وصبر المسلم على التمسّك بعهد الله عزّ وجلّ خير من غدر يخاف تبعته، لمعرفته وجميع المسلمين بعواقب الغدر - کما بان ذلك من قبلُ -. وذكّر الإمام (عليه السلام) بأنّ من يقترف ذلك تُحدق به طِلبَةٌ من الله تعالى، وتُحيط به من الجوانب كلّها وتستدير به، فلا يبقى له منها منجی، ولا يقبله الله تعالى منها، لأنّ التبعةَ المشار إليها لزمته في الدنيا والآخرة.

لقد ختم الإمام (عليه السلام) عهده للأشتر بتذکیره، بعاقبة الخير التي تنتظر من يكون وفيّا بعهده، متمسّكا بعقده، وإن ضاق به أمرٌ، ورأى أنّ انفراجه - كما يظنّ - يكون بالتحرر منه، فهنا يكون الصبرُ هو المعوّل عليه في اجتياز ذلك.

خاتمة البحث

أكّد الإمام عليه السلام على أهمية (الوفاء بالعهد)، في حياة المسلمين، لأنّ في هذه القيمة، مع غيرها من القيم، ما يشكّل بعضاً من الأسس المتينة لبناء الدولة والمجتمع، وقد تبینت هذه الأهميّة في البحث من خلال ما يأتي:

1.

ذكّر الإمام عليه السلام عامله الأشتر النخعي خاصة والمسلمين عامة، بتمسّك المشركين بالوفاء بالعهد، وبجعلهم الغدر منقصة يسبُّ بها الغادرون. فالأولى بالمسلمين أن يصونوا عهودهم مما يشينها.

2.

صارت قيمة (الوفاء بالعهد)، قيمة عربية إسلامية، أمر القرآن بصيانتها، وحثّ النبيُّ على ذلك، وشدّد العام على الحفاظ عليها، بعد أن أصبحت فرضاً من فرائض الله تعالى.

3.

جعل الإمام عليه السلام (الوفاء بالعهد) أماناً من الله تعالى لعباده، يعيشون في كنفه بسكينةِ وهدوء وطُمأنينة، وجعل الغدر دناءة لا يقربها مسلم.

4.

وضع الإمام عليه السلام شروطا ومواثيق للعهود لا يصحّ انعقادها بدونه، وفي مقدمة تلك الشروط، كتابة العهد بألفاظ و تراکیب واضحة، تدلّ على معانيها بيسر، ولا تقبل التأويل الذي قد يُستند إليه في فسخ العقود بحجج لا أصل لها.

5.

انتقى الإمام عليه السلام من الألفاظ والصياغات ما يُظهر وجوب الوفاء بالعهد، وما يبرّز مواطن رحمة الله تعالى في ذلك، بدقةٍ بالغةٍ كما هو معهود في كلامه عليه السلام، من خلال مراعاة ما تؤدّيه جذور الألفاظ من معانٍ متقاربة بشكل عام، ومختلفة في دلالاتها الخاصة في آنٍ معاً.

6.

أراد الإمام عليه السلام من خلال عهده إلى عامله مالك الأشتر، أن يبنيَ مجتمعا اسلاميّاً، يعيش في ظلّ نظام دولة عدل إلهيٍّ، بعد أن وضع له أُسس البناء، وكان الوفاء بالعهد من الأُسس المكينة لذلك كلّه.

الهوامش

1.

ينظر: لسان العرب (عهد).

2.

ينظر: الأنعام 152، الفجر 17.

3.

نهج البلاغة 3/ 106.

4.

م. ن.

5.

الأزمنة والأمكنة 1/ 288، وينظر أيضا 1/ 537. صورة الأسواق في الشعر الجاهلي (بحث) 320/ 321.

6.

نهج البلاغة 3/ 106.

7.

لسان العرب (فرض).

8.

ديوان الحادرة الذبياني 310.

9.

لسان العرب: (فَرَضَ).

10.

الميزان 9/ 84. وينظر: التبيان 5/ 172.

11.

عيون الأثر 2/ 402، والحديث في: بحار الأنوار 16/ 8، المعجم الكبير 22/ 14.

12.

ينظر: الأمثل 5/ 540.

13.

النهاية في غريب الحديث 2/ 168. وينظر قول للإمام الصادق عليه السلام بهذا المعنى في شرح أصول الكافي 7/ 402.

14.

نهج البلاغة 3/ 106.

15.

م. ن.

16.

ينظر: م. ن.

17.

تفسير البيضاوي 2/ 113، وينظر أيضا: تفسير الثعلبي 4/ 7.

18.

لسان العرب (خیس).

19.

ينظر: م. ن.

20.

نهج البلاغة 3/ 107.

21.

م. ن 3/ 137.

22.

م. ن 3/ 107.

23.

نهج البلاغة 3/ 107.

24.

م. ن.

25.

ينظر: تاج العروس (فيض).

26.

نهج البلاغة 3/ 107.

27.

ينظر: لسان العرب (دغل).

28.

النهاية في غريب الحديث 2/ 123.

29.

ينظر: لسان العرب (دلس).

30.

تفسير العياشي: 1/ 283، وينظر الميزان 5/ 121.

31.

تفسير الطبري 1/ 173.

32.

في ظلال نهج البلاغة 1/ 115.

33.

ينظر: لسان العرب (لحن).

34.

ينظر: تفسير القرطبي 2/ 276.

35.

نهج البلاغة 3/ 107.

36.

م. ن.

37.

م. ن.

فهرس المصادر والمراجع

• القرآن الكريم.
1.

الأزمنة والأمكنة، للمرزوقي (أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن الأصفهاني ت 421 ه)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1417 ه.

2.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ مکارم شیرازی، منشورات مدرسة الإمام (عليه السلام) ط 1، التصحيح الثالث، 1426 ه.

3.

بحار الأنوار، الشيخ محمد باقر المجلسي، مؤسسة الوفاء، بیروت - لبنان، ط 2، 1403 ه - 1983 م.

4.

تاج العروس من جواهر القاموس، محمد مرتضى الزبيدي ت 1205 ه، مكتبة الحياة، بیروت، لبنان.

5.

التبيان في تفسير القرآن، الشيخ الطوسي (ت 460 ه)، تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي، مكتب الاعلام الاسلامي، ط 1، 1409 ه، قم.

6.

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل)، البيضاوي، (ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي ت 685 ه)، تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار احیاء التراث العربي، بیروت، لبنان، ط 1، 1418 ه.

7.

تفسير الثعلبي (الكشف والبيان عن تفسير القرآن (ابو اسحق الثعلبيت 427 ه)، تحقيق محمد بن عاشور، دار إحياء التراث العربي، بیروت، 1422 ه.

8.

تفسير الطبري (الجامع في تأويل القرآن)، الطبري (محمد بن جریرت 310 ه)، تحقيق أحمد محمد شاکر، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1420 ه - 2000 م.

9.

تفسير العياشي، العياشي (النضر بن محمد بن مسعود بن عياش السمرقندي ت 320 ه)، تحقيق الحاج السيد هاشم الرسولي المحلاتي، المكتبة العلمية الإسلامية، طهران، د. ت.

10.

تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ت 671 ه، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، 1405 ه.

11.

ديوان الحادرة، تحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد، دار صادر، ط 2، بیروت، لبنان 1393 ه.

12.

شرح أصول الكافي، شرح المولى محمد صالح المازندراني، تعليق الميرزا أبو الحسن الشعراني، تصحیح علي أكبر الغفاري، ط 1، المكتبة الاسلاميةٌ م، ایران.

13.

صورة الأسواق في الشعر الجاهلي، الاستاذ الدكتور حاکم حبيب عزر الكريطي (بحث)، مجلة الاستاذ، مجلة كلية التربية / ابن رشد، جامعة بغداد، العدد 23.

14.

عيون الأثر، ابن سيد الناس ت 734 ه، تحقيق إبراهيم محمد رمضان، دار القلم، بیروت، ط 1، 1414 ه - 1993 م.

15.

في ظلال القرآن، سید قطب (ابراهيم حسين الشاذلي ت 1385 ه)، بيروت - القاهرة، ط 17، 1412 ه.

16.

لسان العرب، ابن منظور، دار صار، بیروت، لبنان.

17.

المعجم الكبير، الطبراني، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، دار احیاء التراث العربي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط 2

18.

الميزان في تفسير القرآن، العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي ت 1402 ه، مؤسسة النشر الإسلامي لجماعة المدرسين، قم، إيران.

19.

النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، تحقیق: طاهر أحمد الزاوي و محمود محمد الطناحي، مؤسسة اسماعیلیان، قم، ط 4.

20.

نهج البلاغة، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، جمع الشريف الرضي، تحقيق الشيخ محمد عبدة، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان.

القيادة التحويلية عند الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) (دراسة تحليلية)

اشارة

د. حليم صخيل العنكوشي وزارة التربية العراقية - مديرية تربية الديوانية

تعريف بالبحث

المقدمة:

إن القيادة تُعد عملية حيوية لإدامة عمل واستمرار وتقدم المجتمعات والمنظمات والجماعات بشكل منتظم، وبسبب هذه الحيوية التي تتصف بها، والتي تخص كل التنظيمات الاجتماعية تقريباً، فإن منظورها ونطاقها من السعة بحيث یکاد يشمل كل ما يتعلق بالنشاطات الإنسانية المشتركة وبالأخص من خلال تغير التركيب الذهني للأفراد وبالتالي تغيير الطريقة التي يتصرفون بها. ويُعد الدور الذي تقوم به القيادة واحد من أهم الأدوار المرتبطة بمركز بناء الجماعة وتعتمد فاعلية الجماعة في جزء كبير منها على درجة تآزر وتوجيه أنشطة الجماعة نحو الحصول على الهدف والذي نادرا ما يحدث إذ لم يكن فرد ما في الجماعة يقوم بدور التوجيه.

وقد تناول هذا البحث نمط القيادة التحويلية التي استعملها الإمام علي (عليه السلام) في عهده المالك الأشتر (رضي الله عنه) وتأتي أهمية القيادة بشكل عام من كونها تقوم بدور أساسي يدخل في كل جوانب العملية الادارية وعملها كأداة محركة لها لتحقيق أهدافها، ذلك أن قيادة أي تنظيم تعمل من خلال تأثيرها على موظفيها فتزيل الفجوات النفسية والاجتماعية بين الموظفين والقائد، والقيادة هي سلوك يقوم به القائد للمساعدة على بلوغ أهداف الجماعة وتحريك الجماعة نحو الأهداف وتحسين التفاعل الاجتماعي بين الأعضاء والحفاظ على تماسك الجماعة وتيسير الموارد للجماعة.

إن جوهر القيادة التحويلية يتركز حول رغبة القائد وقدرته على رفع مدارك الآخرين عن طريق تقوية الأفكار والقيم الأخلاقية، وحث الأتباع على إنجاز المهام الضرورية والاهتمام باحتياجات الرعية نظراً لقدراتهم ومهاراتهم الاستثنائية.

إن قيادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) خلال فترة خلافته كانت تتسم بسمات قلَّ نظيرها إن لم يكن معدوم فقد رسم عليه السلام رؤية متكاملة عن مفهوم القيادة والتي تتلاءم مع وضع المجتمع وحالة الدولة وسير الأحداث والتعامل مع الأزمات، وفي عهده لمالك الأشتر كان يتعامل بصفة القائد التحويلي الذي يرسم سياسة الوالي في ضوء ظروف البلد الذي أرسله اليه.

إن القيادة التحويلية تعمل على إعادة النظر في الرؤية المتعلقة بالأفراد ومهامهم وأدوارهم وتعمل على تجديد التزامهم، وتسعى لإعادة بناء النظم والقواعد العامة التي تُسهم في تحقيق غايتهم، ويسعى القائد التحويلي الى الارتقاء بمستوى مرؤوسيه من أجل الانجاز والتطوير الذاتي والعمل على تنمية وتطوير المجتمع والدولة بشكل عام.

ونظرا لأهمية مفهوم القيادة التحويلية وقلة الدراسات التي تناولته على حد علم الباحث لذا شرع بتتبعه والوقوف عند مكوناته ومعرفة النظريات النفسية التي تفسره. فضلاً عن معرفة آلية تطبيق هذا النمط القيادي بمكوناته في العهد الذي أرسله الإمام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر.

أهمية البحث:

يبرز هذا البحث أهميته من خلال ما يأتي:

أولاً: أهمية عهد الإمام علي (عليه السلام) الذي يروم الباحث دراسته وتحليل محتواه. فهو يُعد واحداً من الوثائق التي تنظم عمل السلطات وتهتم بجوانب المجتمع المختلفة. ثانياً: تنبع أهمية البحث من أهمية الموضوع الذي يُبحث فيه، والمتعلق بنمط القيادة التحويلية لدى الإمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر (رضي

الله عنه).

ثانياً: ندرة البحوث حول مفهوم القيادة التحويلية على حد علم الباحث.

ثالثاً: الاستفادة من أنماط القيادة التي اتبعها الإمام علي (عليه السلام) والتي تناسبت مع الظروف المحيطة وطريقة أدائه كحاكم للمسلمين والعمل على تعميم ذلك الأداء القيادي المميز.

رابعاً: يمكن أن يستفيد من نتائج هذه البحث:

• القادة السياسيين والعسكريين والقائمين بالأعمال الإدارية وبالأخص التربوية منها من خلال التعرف على النمط القيادي الذي يفعل أداء العاملين.

• قد يقدم هذا البحث تغذية راجعة للأفراد القائمين على قيادة المجاميع سواء أكانت تربوية أو اجتماعية أو حكومية بتطوير أدائهم وتحسين مهاراتهم.

• قد يفتح هذا البحث أفاقاً جديدة للباحثين في الأنماط القيادية التي اتبعها الإمام سلام الله عليه أثناء خلافته ليواصلوا البحث في هذا المجال.

أهداف البحث

يستهدف البحث الحالي الى ما يأتي:

1.

تعرف مفهوم القيادة التحويلة وتحديد مكوناته.

2.

الكشف عن القيادة التحويلية في عهد الإمام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر (رضي الله عنه).

3.

تعرف مدى الإفادة من النمط القيادي التحويلي للإمام علي (عليه السلام) في إدارة شؤون الدولة والمؤسسات التربوية بما يتماشى مع الظروف الراهنة.

حدود البحث:

اقتصرت حدود البحث الحالي على تحليل نصوص العهد الذي أرسله الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الى مالك الأشتر وقد اتبع الباحث المنهج الوصفي التحليلي من خلال تحليل النص الوارد واستنتاج تمثيله لمكونات نمط القيادة التحويلية.

منهج البحث:

انسجاماً ومنهج البحث التحليلي فقد قسمت بحثي هذا على المقدمة وأربعة مباحث وخاتمة. شمل المبحث الأول تعريفاً بالبحث، فيما جاء المبحث الثاني ليقف عند مفهوم القيادة التحويلية ومكوناته، إما المبحث الثالث فهو لدراسة القيادة التحويلة في عهد الامام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر (رضي الله عنه) وخصص المبحث الرابع لمناقشة مدى الإفادة من النمط القيادي التحويلي للإمام علي (عليه السلام) في إدارة شؤون الدولة والمؤسسات التربوية بما يتماشى مع الظروف الراهنة.

وتوصل البحث الى أن الاساليب التي اتبعها سلام الله عليه كانت تمثل بحق نمط القيادة التحويلية التي تجاوزت الحوافز مقابل الأداء المرغوب الى تطوير وتشجيع المرؤوسين فکرياً و ابداعياً وترفع الروح المعنوية وتنشط سيادة القيم وتثير تفكيرهم نحو إيجاد معالجات جديدة و ابداعية للمشكلات التي تواجههم أثناء تنفيذ اعمالهم وتحويل اهتماماتهم الذاتية لتكون جزءاً اساسياً من الرسالة العليا للسلطة الحاكمة.

وقد خلص هذا البحث الى مجموعة من التوصيات والمقترحات.

التعريف بمصطلحات البحث:

أولاً- القيادة ((Leadership: عرفها كل من:

أحمد (2002) بأنها: «الصفة التي تخلعها جماعة معينة على فرد من أفرادها تتوافر فيه خصائص وقدرات معينة تجعله في نظرهم أهلاً للصدارة وأحق بالقيادة، ومن أهم تلك الخصائص قدرته على التأثير فيهم ودفعهم إلى العمل كفريق متعاون منسجم نحو تحقي هدف مرغوب «(أحمد، 2002: 89)

حسن (2004) بأنها: «سلوك يقوم به القائد للمساعدة على بلوغ أهداف الجماعة وتحريكهم نحو الأهداف، وتحسين التفاعل الاجتماعي بين الأعضاء والحفاظ على تماسكهم وتيسير الموارد، وهي توجيه لسلوك الأفراد وتنسيق جهودهم والموازنة بين دوافعهم وحاجاتهم، من أجل تحقي الأهداف بكفاءة عالية وفاعلية» (حسن، 2004: 21)

الغزو (2010) بأنها: «التأثير في شخص أو مجموعة أشخاص وتوجيههم وإرشادهم من أجل كسب تعاونهم وحفزهم على العمل بأعلى درجة من الكفاءة في سبيل تحقيق الأهداف الموضوعة من خلال خلق دافع للعمل وتحفيزهم وبالتالي انجاز الأهداف» (العزو، 2010: 11)

ثانياً- القيادة التحويلية : (Transformational Leadership)

عرفها Burns 1978: ’’عملية يسعى من خلالها القائد والتابعون إلى نهوض كلِّ منهم بالآخر للوصول إلى أعلى مستويات الدافعية والأخلاق‘‘ ((20p:1978،Burns

عرفها روبرت (Roberts، 1985): هي القيادة التي تساعد على إعادة النظر في الرؤية المتعلقة بالأفراد و مهماتهم وأدوارهم، وتعمل على تجديد التزامهم، وتسعى لإعادة بناء النظم والقواعد العامة التي تسهم في تحقيق غايتهم (عیسی، 4:2008)

عرفها العامري (2002) بأنها: القيادة التي تركز على الأهداف البعيدة المدى مع التأكيد على بناء رؤية واضحة وحفز وتشجيع الموظفين على تنفيذ تلك الرؤية والعمل في نفس الوقت على تغيير وتعديل الانظمة القائمة لتلائم هذه الرؤية العامري، 2002: 20).

عرفها Murphy، 2005)) بأنها: «قدرة القائد على إيصال رسالة المنظمة ورؤيتها المستقبلية بوضوح للتابعين وتحفيزهم من خلال ممارسة سلوكيات أخلاقية عالية لبناء ثقة واحترام بين الطرفين لتحقيق أهداف المنظمة (p،2005/Murphy .131)»

عرفها محمد (2006): هي نمط قيادي لديه رؤية واضحة عن المستقبل وأهداف محددة وواضحة يشجع المرؤوسين على المشاركة في بلورة رؤية طويلة الأجل وتحديد أهداف واضحة واقعية للمؤسسة، ويسعى إلى إحداث التغيير والتطوير والتنمية الإدارية باستمرار ويتبنى أنظمةً وأساليب قيادية مرنة تمكن من التكيف والتأقلم مع التطورات والتغييرات العالمية المعاصرة، ويهتم بالعمل الجماعي المنظم وبناء فرق العمل، ويعمل على إيجاد بيئة إدارية صحية تقوم على التفاهم والحوار البنّاء والمشاركة بين المستويات الإدارية جميعها (محمد، 2006: 20)

وقد تبنى الباحث تعريف محمد (2006) کونه احدث التعاريف واكثرها شمولاً لمكونات القيادة التحويلية ويتماشى مع أهداف البحث الحالي.

اطار نظري

القيادة في اللغة:

(القود) في اللغة نقيض (السوق) ويقال قيده بالإحسان يقال يقود الدابة من أمامها ويسوقها من خلفها وعليه فمكان القائد في المقدمة كالدليل والقدوة والمرشد، وقد ورد مفهوم القيادة في اللغة تحت كلمة قود والاقود من الرجال أي الشديد العنق وسمي بذلك لقلة التفاته، أي أنه إذا أقبل على شيء بوجهه ولم يكن يصرف وجهه عنه) ابن منظور، 2003: 37)، إما اصطلاحاً فإن معناه: يشير إلى معنی القيادة (Leadership) الاصطلاحي ووفقاً ل (Oxford) بأنها السمات أو الصفات التي من الممكن أن يتحلى بها من يتخذ دور القائد. (Oxford، 2003: 403)

القيادة في الإسلام:

إن القيادة هي ظاهرة اجتماعيه ذات جذور عميقة تتصل بالإنسان وتراثه الثقافي ومشاركته لمن حولة، فالحاجة لها ضرورة ملحة من أجل تنظيم العلاقات القائمة بين الأفراد مهما كان عددهم، لذا فإنه لابد من أن يتولى أحدهم القيادة، وهذا ما يقرره علم النفس الذي يرى أن طبيعة الحياة تجعل من القيادة أمر لا مفر منه، وهذا ما قرره الدين الإسلامي العظيم عندما أمر بأن يتولى أمر كل جماعة قائد يرشدها وينظم أمرها، ويحمل معنى القيادة في الفكر الإسلامي بعضاً من المعاني المتعلقة بهداية الناس وإرشادهم وتولي أمورهم، ومن معانيها ما يلي:

• الإمامة: ويؤخذ منها (الإمام)، وتعني: «من يأتم الناس به من رئيس أو غيرة، ومنه إمام الصلاة»، ويعني أيضاً: الخليفة. (والإمامة) تعني: ریاسة المسلمون (مدكور، 1989: 25). إذ قال تعالى مخاطباً إبراهيم علية السلام: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» (سورة البقرة، آية 124).

• الإمارة: وتعني في اللغة: منصب الأمير، ومنها (أمر) فلانا: أي كلفه شيئا، وأولوا الأمر: أي الرؤساء والعلماء (ومن يتولى قيادة الناس)، ومنها (الأمير): أي من يتولى الإمارة، ومنها أمراء، وأمير المؤمنين، واشتق منه (المأمور) وهو أحد رجال الإدارة (مدكور، 1989: 24)، وقد وردت عبارة أولوا الأمر في القران الكريم في أكثر من موضع، إذ قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا» (سورة النساء، آية 59)

• الولاية: وتعني في اللغة (السلطان) و منها الولي وهو كل من ولي أمرا أو قام به، وكذلك الوالي أي الذي يتولى أمر البلاد والعباد ويرعى شؤونهم.

إن المجتمعات البشرية لابد لها من قيادة تنظم شؤونها وتقيم العدل بينها، وفي قوله تعالى «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ» (سورة التوبة آية 128) تحديد مقومات وسمات القيادة الناجحة وكل ما يرتبط بها من أنماط، وقد حث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله سلم) على ضرورة تعيين القائد في أقل التجمعات البشرية فقد قال عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ((إذَا خَرَجَ ثَلاثَهٌ فی سَفَرٍ فَلْیُؤَمِّروا أَحَدَهُمْ))

مفهوم القيادة التحويلية ومكوناته:

تمت صياغة مصطلح القيادة التحويلية لأول مرة من قبل داونتون -Down ton، 1973))، فيما ظهرت القيادة التحويلية كمصطلح على يد (،1978 Burns) في كتابة القيادة، وذلك للتمييز بين أولئك القادة الذين يبنون علاقة ذات هدف وتكون تحفيزية مع مرؤوسيهم، من أولئك القادة الذين يعتمدون بشكل واسع على عملية تبادل المنافع للحصول على نتائج، ويميز (بيرنز) بين نوعين من القيادة: التبادلية تعني مجموعة من النماذج القيادية التي تركز على التبادلات التي تجري بين القادة واتباعهم. وفي مقابل القيادة التبادلية تعني القيادة التحويلية العملية التي يشترك فيها الفرد مع الآخرين ويكون روابط ترفع من مستوى الدافعية والأخلاق عند كل من القائد والتابع، كانت فكرة (بيرنز) عن القيادة التحويلية البداية لظهور دراسات و نظریات أخرى تناولت هذا الموضوع من أوجه مختلفة، حيث أتي بيرنارد باس (Bernard Bass) ليضيف إلى فكرة (بيرنز)، ويقدم نظريته الخاصة حول القيادة التحويلية، فهو يرى أن الأثر التحفيزي للقادة على التابعين يتضمن شعورهم بالولاء والثقة والإعجاب والاحترام نحو القائد، فهو يحفز التابعين لكي يخدمون وينجزون أكثر مما هو متوقع منهم عمله أصلاً، ويتم حث الأتباع على إنجاز المهام الضرورية والاهتمام الأكثر باحتياجات المنظمة، نظراً لقدراتهم ومهاراتهم الاستثنائية (العمري، 2008: 33).

ويفيد (باس 1985) بأن القيادة التحويلية تحفز الاتباع على بذل أكثر مما هو متوقع من خلال القيام بما يأتي:

• التغيير: ويعني التطوير التنظيمي بهدف تحويل المنظمة من منظمة فعالة إلى منظمة أكثر فعالية.

• الإبداع: إذ تستند إلى التفكير الابتكاري لحل ما يواجهها من مشکلات معقدة

إيماناً منها بأن الابتكار هو جوهر عملية الإبداع.

• إن روح المخاطرة ما يميز القائد التحويلي وهو القدرة على خوض المغامرات وقبول التحدي والاستمتاع بالمواقف المعقدة.

وإن القيادة التحويلية تشارك في عمليات تتضمن خطوات متتالية، وتشمل الاعتراف بالحاجة للتغيير، وإيجاد رؤية جديدة، وجعل التغيير عملا مؤسسياً. (قنديل، 2010: 61)

وتشمل سلوكيات القيادة التحويلية عند (باس) أربع عناصر وهي ما يمكن أن نطلق عليها عناصر القيادة التحويلية وهي:

1. التأثير الكرزماتيكي والجاذبية القيادية (Idealized Influence):

وفقاً لهذه الخاصية فإن القادة يسلكون طريقة تجعل منهم نموذجاً يحاكيه الآخرون بمرور الوقت، فيصبحوا أهلاً للإعجاب والاحترام والثقة، فهم يأخذوا في اعتباراتهم حاجات الآخرين وایثارها على حاجاتهم الشخصية ويكونوا على استعداد للتضحية بالمكاسب الشخصية لصالح الآخرين وعادةً ما يكونوا متوافقين وليسوا متسلطين في تصرفاتهم، ويمسكوا بالمعايير والاخلاق السامية، ولا يستخدموا القوة لأغراض القمع بل لتحريك والجماعات لتحقيق رسالتهم ورؤيتهم، ومتی ما توفرت هذه الصفات المثالية ومع مرور الوقت يعمل التابعين على محاكاتهم وتصبح اهداف هؤلاء التابعين ذات معنى أكبر فيعملون بأقصى طاقتهم، وقد قدم فيبر (1947 Weber) تعريفاً يُعد الأكثر شهرة للكريزما إذ قال: أنها خصائص شخصية خاصة تمنح الشخص قدرات فوق بشرية أو استثنائية ولا يملكها سوى القليلين من البشر وهي هبة من السماء وتؤدي إلى معاملة الشخص على أنه قائد.

2. الدافع والإلهام أو التحفيز الملهم (Inspirational Motivation):

يعمل القادة التحويليين وفق هذه الخاصية على تحفيز والهام المحيطين بهم وذلك بإعطاء المعنى والتحدي لما يقوم به مرؤوسيهم وتغليب روح الجماعة، واظهار الحماس والتفاؤل وجعل التابعين يركزون ويعملون ويفكرون في حالات مستقبلية جذابة ومتعددة، وتحفيزهم على دراسة بدائل متعددة، كذلك اتاحة الفرصة لهم في المشاركة في تحقيق الأهداف المشتركة.

3.

التشجيع الإبداعي (Intellectual Simulation): يتصرفون وفق هذه الخاصية بطريقة تجعلهم يحركون جهود اتباعهم لكي يكونوا مجددین و مبتکرین وذلك بزيادة وعي التابعين بحجم التحديات وتشجيعهم على تبني وخلق مداخل وطرق جديدة لحل المشاكل، وتناول المواقف القديمة بطرق ووجهات نظر جديدة، ويتسم نمط القيادة التحويلية بالقدرة العالية على مواجهة التحديات والتطورات وفتح المجال للابتكار والإبداع من خلال فتح قنوات التطوير والتجديد لمواكبة التغيرات المحيطة والتحولات المتسارعة.

4.

مراعات مشاعر الآخرين (Individualized Consideration): يعطي القائد التحويلي اهتمام خاص بحاجات كل فرد لتطويره والإرتقاء بمستوى ادائه ونموه، فيعمل كمدرب وناصح وصديق وموجه ويهتم بالنواحي الشخصية لكل منهم، وخلق فرص جديدة لتعليمهم مع الأخذ بالاعتبار الفروق الفردية فيما بينهم. (أفوليو، 2003: 73 - 76)

إن القيادة التحويلية هي العملية التي تغير الأفراد وتحولهم، وهي تركز على القيم والأخلاق والمعايير والأهداف طويلة الأجل وتشتمل القيادة التحويلية على تقویم دوافع الأفراد وإشباع حاجاتهم ومعاملتهم بإنسانية، والقيادة التحويلية تقوم

على إحداث تغيرات جذرية عن طريق إقناع المرؤوسين للنظر إلى ما هو أبعد من مصالحهم الذاتية من أجل الصالح العام للمنظمة، وتوسيع اهتماماتهم وتعميق مستوى إدراكهم وقبولهم لرؤية وأهداف المنظمة عن طريق التأثير الكارزماتیکي، والحفز الإلهامي، والاهتمام الفردي، والتشجيع الإبداعي.

وتحمل القيادة التحويلية فكرة "المسؤولية الأخلاقية" التي بدورها تشكل عنصراً فعالاً في تحفيز الأتباع للعمل إلى الحد الذي يتجاوز حدود مصالحهم الشخصية في سبيل مصلحة الجماعة أو المنظمة، وتسهل هذه الفكرة اكتساب السلوك التعاوني داخل المنظمة. كما يدرك القائد التحويلي أهمية التحسين المستمر للمحافظة على الإنجازات، فهو يعي أن مسؤوليته إحداث التغيير، ومن ثم تأدية دور فعال في بث روح التغيير في الآخرين، لتطوير أنفسهم وتحسين العمليات الإدارية على نحو مستمر.

يقوم القادة التحويليين بصياغة مجموعة من القيم الأساسية التي ينبغي تحقيقها، ویمارسون سلوكاً ينسجم مع تلك القيم، ويتطلع القادة التحويلين إلى ما وراء الأفق، كما أنهم يتطلعون للمستقبل ويتخيلون الفرص الجذابة التي تنتظرهم ويتصورن ما سيكون عليه هذا المستقبل، ويؤمنون بأن عمل الأفراد معًا يمكنهم من تحقيق المستحيل. إن رؤيتهم الواضحة الشفافة للمستقبل تدفعهم للأمام، ومع ذلك فإن الرؤية وحدها ليست كافية بالنسبة للقادة التحويليين، لذلك فإنهم يملكون القدرة على إلهام أفكارهم للآخرين من المرؤوسين لكي يحصلوا على التزامهم، لذلك فإن القادة التحويليين لديهم معرفة بأحلام وآمال وتطلعات و رؤی وقيم المرؤوسين، ولا تتحقق الأحلام العظيمة ولا تتحول إلى واقع ملموس من خلال أعمال فرد واحد، أن القيادة التحويلية تعتمد بشكل أساسي على العمل الجماعي، من هذا المنطلق فإن القادة التحويليين يمكنون الآخرين من التصرف واتخاذ القرار، ولذلك يمنحونهم

الصلاحيات التي تمكنهم من الإبداع في عملهم، والقادة التحويليين يشركون جميع من يعملون في المشروع أو من تهمهم النتائج، لأنهم يدركون أنه في منظمات اليوم لا توجد حدود ولا يمكن أن يقتصر التعاون على مجموعة صغيرة من المخلصين، بل يجب أن يشتمل على جميع زملاء العمل والمديرين والعملاء والزبائن والموردين والمواطنين، وجميع من له رؤية في العمل. إن القادة التحويليين يتيحون الفرص للآخرين لأداء عمل جيد، فهم يعرفون جيدًا أن أولئك الذين يتوقع منهم تقديم أفضل النتائج يجب أن يشعروا بشعور القوة والصلاحية الشخصية والملكية، ويدرك القادة التحويليين أن أسلوب التحكم والسيطرة لم يعد مطبقا، لذلك فهم يعملون ليجعلوا الناس يشعرون بالقوة والمقدرة والالتزام، ولذلك فإن القادة التحويليين يقوون مقدرة كل فرد على الوفاء بالوعود التي قطعها على نفسه (العمري، 2004: 34 - 35).

أبعاد القيادة التحويلية:

1.

الرؤية المستقبلية (الجذابة): التي توفر الاتجاه والمعنى السائد، إذ أن القائد التحويلي يقوم بتكييف الأنماط والسلوك والعادات والقيم والمشاعر السائدة بين العاملين بما يلائم البرنامج الجديد، لأنه لا يمكن أن يتم التغيير في ظل الثقافة التنظيمية السائدة، مهما كانت مناسبة، لأن الوضع أصبح يختلف تمامًا، کما على القيادات التحويلية تطوير قناعاتها الفكرية واستعداداتها العقلية والسلوكية لمواجهة المفاجآت والتغيرات المستمرة، وأن تنمي قدراتها ومهاراتها للتعامل مع المفاجآت المتكررة لاتخاذ القرارات، خاصة في الأوضاع غير المستقرة.

2.

التأثير النموذجي أو التأثير المثالي: (Idealized Influence) الذي هو جوهر الكارزما، وهو قدرة القائد على كسب ثقة وإعجاب واحترام وتقدير التابعين وعدّه المثل الأعلى.

3.

التمكين: (Empowerment) أحد الأبعاد الجوهرية للقيادة التحويلية والافتراض الرئيس فيها أن سلطة اتخاذ القرار من المفترض أن يتم تفويضها للموظفين في الصفوف الأمامية لكي يمكن تمكينهم للاستجابة بصورة مباشرة لطلبات الناس ومشكلاتهم واحتياجاتهم. (455. Avoliodet.al،1999.p)

4.

نمذجة الدور: (Modeling the role) هي العملية التي يتعلم بها الفراد عن طریق مشاهدة سلوك الأفراد الآخرين، وأن سلوك الأفراد الذين يشغلون مواقع معينة تكون موقعاً لتوقعات الآخرين وهذا ما يعرف بدور الأداء الاجتماعي.

5.

التحفيز الفكري أو الاستثارة الفكرية: (Intellectual Stimulation):

وتعني إثارة التابعين لجعلهم أكثر وعياً بالمشاكل التي تعترض تحقيق الأداء الجيد الذي يفوق التوقعات ويتم ذلك من خلال التعاطف معهم والاستماع لأفكارهم ومقترحاتهم ومشاركتهم في أحاسيسهم ومشاعرهم (. Krishnan،1998،p 23)، وتمثل القيادة التحويلية الدافع الملهم لحفز التابعين نحو العمل والانجاز وتلبية احتياجاتهم وتمكينهم من تحقيق ذاتهم لأنها تركز على التحفيز الفكري. (Xirasagar 2008: p.602).

6. إيجاد معنى للعمل (The meaning of work) أو التحفيز (Motivation):

وتعني الانجذاب إلى الحاجات ذات المستوى العالي المتعلقة بتحقيق الذات والوصول إلى الرفعة والسمو، کما تعني العملية التي تركز على تصرفات وسلوكيات القائد التي تولد في التابعين حب التحدي، وأن تلك السلوكيات تعمل على إيضاح التوقعات للتابعين وتشجيع روح الفريق في العمل والالتزام بالأهداف التنظيمية. (4. Bass &Avolio،1994 ،p)

7. الاعتبارية الفردية: (Individualized Consideration) قيام القائد بإيلاء الاهتمام بحاجات العاملين معه التي تتسم بالخصوصية بالإضافة إلى بناء الثقة ومعرفة جوانب القوة والضعف في أداء العاملين (14. Avoliodet.al،1999،p ) کما تعني تعزيز الحالة الجماعية التي تساعد على الإحاطة بالاهتمامات الفردية بما یماثل رسالة الجماعة (الزبيدي، 104:2007).

يرتكز جوهر القيادة التحويلية على القدرة على موائمة الوسائل مع الغايات وتشكيل واعادة تشكيل المؤسسات لتحقيق غايات انسانية عظيمة وتطلعات اخلاقية، ويقوم هذا النمط القيادي على إدراك الحاجات الظاهرة والكامنة للمرؤوسين بهدف تحقيق تغيير مقصود، ومن هنا نجد أن القائد التحويلي يسعى الى زيادة وعي مرؤوسيه باحتياجاتهم وتحويل هذا الوعي بالاحتياجات الى آمال وتوقعات، ومن ثم تتولد لديهم الدافعية لإشباع حاجاتهم فيما يتعلق بادراك وتحقيق الذات في حياتهم العملية.

وتسعى القيادة التحويلية إلى النهوض بشعور التابعين، وذلك من خلال الاحتكام إلى أفكار وقيم أخلاقية مثل الحرية والعدالة والمساواة والسلام والإنسانية، فسلوك القيادة التحويلية يبدأ من القيم والمعتقدات الشخصية للقائد وليس من تبادل مصالح مع المرؤوسين. فالقائد التحويلي سعى لإحداث تغيرات إيجابية في طرائق أداء العاملين وحثهم بأهمية عملهم وخلق الشعور لديهم بالولاء والانتماء للمنظمة بما يجعلهم يضعون المصلحة العامة في مرتبة أعلى من المصالح الشخصية، وتستند القيادة التحويلية إلى ثلاثة عناصر أساسية تتمثل فيما يأتي:

1.

رفع مستوى وعي الأتباع بأهمية وقيمة الأهداف المحددة والمثالية.

2.

حث الأتباع على تغليب مصلحة الفريق أو المنظمة على مصالحهم الشخصية.

3. تحفيز الأتباع للاهتمام بالحاجات ذات المستوى الأعلى.

تهتم عوامل القيادة التحويلية بأداء الأتباع وبتطوير قدراتهم إلى الحد الأقصى من خلال:

1.

التأثير المثالي: يسمى العامل الأول بالكريزما أو التأثير المثالي، وهو يصف القادة الذين تمثل تصرفاتهم أدوارا نموذجية لأتباعهم ويتمثل الاتباع هؤلاء القادة ويرغبون في محاكاتهم بدرجة كبيرة.

2.

الدافعية الإلهامية: يطلق على العامل الثاني الدافعية الإلهامية وهذا العامل يصف القادة الذين يوحدون الاتباع بتوقعات عالية ويلهمونهم من خلال تحفيزهم لكي يلتزمون بالرؤية المشتركة في المنظمة ويصبحوا جزءا منها.

3.

الحفز الذهني: يتمثل العامل الثالث في الحفز الذهني ويشير الى القيادة التي تعمل على تحفيز الاتباع لكي يكونوا مبدعين و مبتکرین ومتحدين لمعتقداتهم ولقيمهم وللمعتقدات والقيم التي يتبناها القائد والمنظمة.

4.

الاهتمام الفردي: يسمى العامل الرابع من العوامل التحويلية الاهتمام الفردي. وهذا العامل يمثل القادة الذين يوفرون المناخ المساند الذي ينصتون فيه بعناية الحاجات الاتباع الفردية.

5.

المكافأة المشروطة: يمثل العامل الخامس للقيادة التحويلية هو المكافأة المشروطة، وفي نفس الوقت هو العامل الأول من بين عاملي القيادة التبادلية، وتشير المكافأة المشروطة إلى عملية المبادلة بين القادة والاتباع والتي يتم فيها مبادلة مجهود الاتباع في مقابل مكافآت معينة.

6.

الإدارة بالاستثناء: يطلق على العامل السادس للقيادة التحويلية الإدارة

بالاستثناء، ويعني القيادة التي تعنى بالنقد التصحيحي والتغذية الراجعة السلبية والتعزيز السلبي. والإدارة بالاستثناء تأخذ شكلين: نشط وساكن، فالقائد الذي يستخدم الشكل النشط للإدارة بالاستثناء يراقب الاتباع عن قرب للبحث عن الأخطاء او المخالفات للقواعد ومن ثم يتخذ الاجراء التصحيحي اللازم. والقائد الذي يستخدم الشكل الساكن يتدخل فقط حين لا يتم تحقيق المعايير المطلوبة او بعد ظهور المشكلات.

صفات وخصائص القائد التحويلي ومهاراته:

1.

قدرة القائد التحويلي ورغبته في جعل أتباعه يتصدون للمشكلات القديمة بطرائق جديدة وتعليمهم النظر إلى الصعوبات بوصفها مشکلات تحتاج إلى حل، والبحث عن حلول منطقية لها.

2.

يملك خصائص ذاتية «فطرية»: كالتفكير والتخطيط والإبداع والقدرة على التصور.

3.

القائد التحويلي صاحب رؤية ورسالة واضحة.

4.

لديه مهارات إنسانية «اجتماعية»: كالعلاقات والاتصال والتحفيز.

5.

وظيفته نقل الناس من حوله نقلة حضارية، ويدير أتباعه بالمعاني والقيم.

6.

لديه مهارات فنية «تخصصية»: كحل المشكلات واتخاذ القرارات.

7.

لدى القائد التحويلي أهدافه عالية ومعاييره مرتفعة.

8.

إشاعة ثقافة الحوار وتقبل الرأي الآخر عند الأفراد التابعين والمعارضين.

وتأسيساً على ما سبق يتضح أن القيادة ترتكز على قدرة القائد وما لديه من قدرات عقلية ومعرفية وانفعالية وجوانب دافعية على التأثير في أفراد الجماعة، وذلك من خلال تحديد الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، كما يتوقف نجاح القائد على إدراكه

للتعبير، وقدرته على مواجهة المشكلات وحلها بطرق فعالة بالإضافة إلى إقناع أفراد الجماعة بقبول الأهداف وحثهم على تحقيقها.

وفي ذلك يرى (الزعبي) أنه إذا أردنا فهم القيادة فلا بد من فهم العلاقة بين ثلاثة عناصر متداخلة في القيادة، وهي القائد والموقف وأفراد الجماعة (الأتباع)، القائد بخصائصه وإمكاناته التي تساعد على تحديد أهداف الجماعة، والموقف بما يتضمن من وظائف و أهداف مرغوب تحقيقها، والأتباع بخصائصهم ودوافعهم وإمكاناتهم (الزعبي، 1994: 221 - 222).

النظريات التي فسرت القيادة التحويلية:

1. نظرية الرجل العظيم: (The Great Man Theory)

اهتم العلماء خلال القرن العشرين بمدخل السات الذي يُعد أحد المحاولات المنهجية لدراسة القيادة، والنظريات التي طورت في هذا الشأن كانت تسمى (نظریات الرجل العظيم) لأنها كانت تركز على التعرف على الخصائص والصفات الكامنة التي يمتلكها القادة العظماء، وأن القيادة هي عملية وراثية، وأن القادة يولدون ولا يصنعون، وتركز هذه النظرية على صفات القائد الجسدية، والفكرية، وسماته الشخصية: كالذكاء، والاستقلالية، والاعتماد على النفس، والمشاركة الاجتماعية، وأن نجاح القادة مبني على سماتهم الشخصية وقدراتهم وخصائصهم العبقرية، وقد ظهرت هذه النظرية في أوروبا في القرن الثامن عشر، وتعد نظرية الرجل العظيم أحد أقدم المحاولات الأولى التي استهدفت تحديد خصائص القيادة الناجحة، وتفترض هذه النظرية أن المتغيرات في الحياة الاجتماعية تتحقق عن طريق أفراد ذوي مواهب وقدرات غير عادية، ومن أشد دعاة هذه النظرية“ فرانسیس جالتون ( F.Gulton) الذي قدم دراسات عديدة

حول هذا التصور عندما أكد على العامل الوراثي في بروز القادة، كما قدم العديد من البيانات والاحصائية والوراثية تأييداً لصحة تلك النظرية من حيث تأثير الصفات والسمات الوراثية على القيادة (طلال، 2004: 61)، ومن أبرز رواد هذه النظرية) کارليلر) الذي يؤكد على أهمية البطولة في تحديد سمات القائد التي تجمع بمواهب خاصة تؤدي إلى الإبداع. وقد عدّها كثير من العلماء الأساس للانطلاق إلى نظريات أخرى أكثر علمية ودقة، أما أهم السمات التي اعتمدها الباحثون (ضمن هذه النظرية) والتي من يمتلكها يكون لدية إمكانية أن يكون قائداً وهي:

• السات البدنية: المظهر، روح الشباب، الطاقة والحيوية، البنية الجسمية القوية.

• السمات الذهنية: الذكاء، القدرة على التكيف، الثقة بالنفس، الحماس.

• السمات الاجتماعية: مثل التعاون، الإدارة، المهارات الفردية الشخصية.

• السمات المهنية: مثل الإبداع، حب المسؤولية وقبولها، المبادرة، الرغبة في الترقي في الوظيفة. (346. Harold & Heinz :p)

وقد استندت الأفكار في هذه النظرية إلى الفكر القديم المرتبط بالحضارات السابقة مثل الحضارة الإغريقية والفرعونية والفينيقية والتي كانت تميز بين البشر باعتبار أنهم فئات وطبقات و منهم طبقة القادة والعظماء، لذلك فهم الأحق بالقيادة، وترى نظرية الرجل العظيم أن القيادة عناية إلهية يضعها الله حيث يشاء، وهناك أشخاص معينين يتميزون بالحكمة والجرأة بقدر ما زودهم به الله، ولا تظهر مثل هذه الشخصيات إلا عندما يريد الله (سند، 1983: 235 - 236). وقد تمركزت أفكار هذه النظرية حول المعايير الشخصية التي تصنع الزعامة الناجحة، وكيف أن القيادة الناجحة، تتطلب أشخاصا ذوي مواهب نادرة تجعلهم صالحين لقيادة غيرهم، وأن الرجل

العظيم يستطيع أن يحدث في الجماعة تغييرات متی کانت مستعدة لتقبلها، وهي التي ظهرت في إطار المدخل الفردي، والذي يرى منظوره أن القيادة سمة مميزة للفرد، وأن عدداً قليلاً من الأفراد لديهم من السمات الشخصية والقدرات ما يمكنهم من أن يكونوا قادة، ونظر هؤلاء المنظرون إلى القادة على أنهم محصورون في عدد محدود من العائلات، كما أنهم يسهمون في تحديد شخصية المجتمع، وبالتالي في تغييراً التاريخ تغييرا جذرياً، کما ذهبوا إلى الاعتقاد بأن (القادة يولدون ولا يصنعون) وأن السمات القيادية موروثة وليست مكتسبة (کنعان، 1999: 254 - 311)، وتؤمن هذه النظرية بعدم جدوى تنمية المهارة القيادية، لأن القائد يولد ولا يصنع، ولكن نتائج الدراسات دلت على أنه بالإمكان اكتساب الأفراد العاديين بعض العادات والتقاليد والقيم بحيث يمكنهم فيما بعد بفضل هذه الرعاية المستمرة أن يصبحوا قادة ناجحين.

وقد تبنى الباحث في تفسيره للقيادة التحويلية هذه النظرية لأنها أكثر قرباً من مذهب أهل البيت (عليهم السلام) والذي يرى بأن القيادة لطف والهام الهي وبالأخص قيادة الدولة الإسلامية.

2. نظرية المسار والهدف (The Path -Goal theory):

تم تطوير هذه النظرية بواسطة كل من (Robert House and Terrence Mitchell) إذ تشير إلى أن فاعلية القائد تتوقف على قدرته في زيادة تحفيز اعضائه على الإنجاز، وتحقيق الرضا عن أعماله وتقبلهم لقيادتهم، ولقد ربطت هذه النظرية بين السلوك القيادي الملائم في موقف ما على عاملين أساسيين هما:

• التابع (المرؤوس): فقد ينظر التابع إلى سلوك القائد على أنه السلوك المقبول إذا يتوقع بأن هذا السلوك هو وسيلة لإشباع حاجاته الحالية أو المستقبلية.

• العمل (المهمة): إذا كان العمل أو المهمة غير واضحة وغير محددة، فعندها يميل التابعون إلى سلوك قيادي يرشدهم إلى تحقيق الهدف، أما إذا كان العمل واضحا فإن التابعين ينظرون إلى توجيهات القائد على أنها إفراط في مراقبتهم. (يوسف، 1987: 65)

وتقوم نظرية المسار والهدف على أساس التوقع و الحفز الذي يعني محاولة الربط بين السلوك القيادي وحفز المرؤوسين، إذ يعمل القائد على التأثير في سلوك العاملين من خلال تغيير سلوكه ليكون قدوة للآخرين، تقوم على أن القادة والتابعين لهم يسيرون في طريق واحد لتوقعهم بأن ذلك سوف يقودهم لتحقيق رغباتهم (أبو جاموس، 1992: 341).

ونجد أن هذه النظرية قد استعملت التوقع في الدافعية، ويستعمل القائد بحسب هذه النظرية:

• التركيز وتوضيح على المهام ومتطلباتها

• المشاركة المفتوح لمناقشة المشاكل التي يواجهها التابعين (وَشَاوِرهُم فِي الأَمرِ) (سورة آل عمران آية 159)

• الأخذ بآراء المرؤوسين واقتراحاتهم عند اتخاذ القرارات. (کنعان، 1992: 341).

ويرى الباحث أن عملية الربط بين السلوك القيادي وحفز المرؤوسين من خلال تغيير سلوكه ليكون قدوة للآخرين سوف تزيد من فاعلية أداء العاملين، وأن هذه النظرية قائمة على حفز المرؤوسين وتفسر هذه النظرية السلوك القيادي على دافعية المرؤوس ورضاه للأنماط القيادية التالية: القيادة الموجهة (Directive leadership) والقيادة الداعمة (supportive Achievement) والقيادة المشاركة (-articipative Leader

ship والقيادة المهتمة بالإنجاز (Achievement oriented leadership)، فضلاً عن القيادة التحويلية (Transformational Leadership)، ولعل أبرز ما في هذه النظرية هو أنها تفترض إمكانية ممارسة نفس القائد لهذه الأنماط القيادية في مواقف مختلفة، يعتمد النمط المناسب في هذه النظرية على الموقف، فمثال على ذلك الموقف الغامض وغير المألوف يربك المرؤوسين، من هنا فإن النمط الذي يركز على تنفيذ المهمة هو المطلوب فعليه اخبارهم ماذا يفعلون ويبين لهم بوضوح طريق الوصول للهدف، وفي المقابل عندما يكون الموقف روتينياً فمن غير المناسب أن يتبع القائد نفس النمط السابق (521. weihrich، 1984:p) ويرى الباحث أن القائد الذي يتبع نمطاً يناسب الموقف ويقوم بتغيير النمط المتبع بحسب الموقف يزيد من ثقة المرؤوسين بقدرته القيادية ويزيد من فاعليته، إذ أن الجمود عند نمط محدد بغض النظر عن الموقف يخلق أزمات بين القائد والمرؤوس والعمل على نفور المرؤوس من القائد ويعيق من الانجاز والفعالية لدى المرؤوس.

دراسة القيادة التحويلة في عهد الامام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر (رضي الله عنه):

إن الحقبة الزمنية التي تولى بها الإمام (عليه السلام) الخلافة الفعلية للمسلمين وقيادتهم على الرغم من إدارته لشؤونهم الدينية قبل توليه الخلافة، فقد امتازت بكثرة القلاقل والاضطرابات الداخلية والفتن والتناقضات التي نشأت في عهده، فقد عاش الإمام (عليه السلام) فترة استثنائية فلم يستطع فيها من تحقيق كل ما كان يطمح إليه، وقد بُويع بالإمامة والخلافة العامة يوم الغدير في (18) من شهر ذي الحجة عام (11) للهجرة، وبويع ثانية بعد مقتل عثمان وحصول الفتنة وكان أعلم الصحابة شجاعاً و حکیماً و قاضياً ومتسماً بالشمائل الحسنة المتكاملة، رجل الإنسانية

الذي تدفقت منه الحكمة، والفلسفة، والعلم، استشهد في رمضان ليلة القدر على يد الخارجي ابن ملجم في مسجد الكوفة، وكانت حياته (عليه السلام) عظيمة زاخرة بالفضائل ولقد تربى سيد الفصاحة والبلاغة والفروسية في كنف وأحضان النبوة، ليترجم ذلك عملياً في أفعاله وأقواله، وهذا ما جسد أحد عناصر القيادي التحويلي وهو التأثير الكرزماتیکي والجاذبية القيادية (Idealized Influence).

ولم يستعمل الإمام علي (عليه السلام) نمطاً واحداً أو ثابتاً في أثناء خلافته بل تراه يتعامل بحسب الظروف والأوضاع ونوع المجتمع ومتطلبات المرحلة، وحتى في عهده لمالك الأشتر (رضي الله عنه) لم يكن متصلباً ومحدداً بنمط واحد بل ذهب الى أكثر من نمط تبعاً لما قد يلاقي مبعوثه من ظروف وأحوال، وأوصاه أن ينهج نهجه ويتخذ اسلوباً ناجعاً ومثمراً ويتماشى مع المنظومة القيمية الإسلامية من جهة والحفاظ على هيبة الدولة وفرض الاستقرار من جهة أخرى.

وعندما حصلت بعض الاضطرابات في مصر عينه الامام علي (عليه السلام) والياً عليها عام (38) ه وأرسل معه وصایا سمیت بعهد الأشتر. ولكن مالك لم يصل الى مصر لأنه قتل مسموماً قبل أن يصل اليها، وعند التمعن في هذا العهد نلاحظ أن الامام علي (عليه السلام) قد ابتدأ عهده بالأمر وشرع بهذا الأمر یُعدد الواجبات التي ينبغي على مالك الأشتر (عليه السلام) القيام بها، والأمور التي عليه مراعاتها، وحقوق الناس التي يجب تأديتها، وقد بين له أن القائد ما هو إلا مسؤول مؤتمن على حقوق الناس وخدمتهم.

وعند تحليل بعض نصوص العهد نرى أنها تجسد بشكل مباشر أو غير مباشر العوامل التي تتكون منها القيادة التحويلية ويمكن بيان ذلك كما يأتي:

أولاً- الدافع والإلهام أو التحفيز الملهم (Inspirational Motivation):

إن في قولة (عليه السلام) ((أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَكَانَ لله حَرْباً حَتَّى يَنْزعَ وَيَتُوبَ)) یرید من القائد أن يكون عادلاً منصفاً لرعيته فإن شعور الرعية بالعدل والإنصاف يجعلها متفاعلة مع قائدها ما يزيد من دافعيتها للإنجاز والعطاء وهذا يجسد عامل الاستثارة لدى الرعية.

وقوله سلام الله عليه (فَلَا تُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ، وَلَاتُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَایصِلُ إِلَیكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُیونُ، وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ. فَفَرِّغْ لِأُلئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْیةِ وَ التَّوَاضُعِ) يدفع بالولاة الى التواضع وسماع شكوى الرعية وتفقد أحوالهم مهما كانت منزلته بين الناس، فكل ذلك يجعل القائد متواصل مع رعيته فلا ينظرون اليه على أنه متجبر متسلط عليهم وهذا قطعاً سيدفعهم الى العمل بوصاياه وطاعة أوامره والاخلاص له، وسلوك القائد التحويلي هو استماله المرؤوسين أو التابعين ودفعهم الى الوثوق بقيادته مما يساعدهم على استثمار طاقتهم وعدم البخل بها، ويحفزهم على العمل الجماعي فيلهمهم سلوك قائدهم نحو العمل المثمر وعدم عرقلة أوامر القائد أو من ينوب عنه، وحرص الإمام (عليه السلام) أن يعالج المنظومة القيمية والمعرفية والفكرية الاجتماعية للمجتمع، ويُقرن صلاحها وصلاح الرعية بصلاح ذات القائد وسلامة منظومته المعرفية والاخلاقية.

ثانياً- التشجيع الإبداعي (Intellectual Simulation):

في قوله (عليه السلام) (وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْر مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ، لاَ يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا وَلاَ يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْب فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ) يدعو مالكا الى تقريب ذوي الرأي والمشورة وتشجيعهم على التقرب من القائد والاهتمام بآرائهم والاستئناس بأفكارهم مما يؤيد ذهاب الباحث الى أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كان يشجع المبدعين وأصحاب الرأي والمشورة ويسمع لهم ويقربهم.

وفي النص الوارد في عهده سلام الله عليه (ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُکْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لاَ تَضِيقُ بِهِ الاُمُورُ، وَلاَ تُمَحِّکُهُ الْخُصُومُ وَلاَ يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ وَلاَ يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ) يذهب الى اختيار وانتقاء ذوي الحكمة والقدرة على الإدارة للفصل بين الناس وهؤلاء قطعاً يمتلكون دراية وقدرات عقلية عالية تمكنهم من الخوض في احكام الدين واستخراج ما يتلائم مع القضايا وهذا يحتاج الى فكر ابداعي وتقريب هكذا نماذج وتوليهم مناصب الحكم بين الناس والنظر في منازعاتهم لابد وأنهم يمتلكون قدرات ابداعية عالية.

إن تشديد الإمام على ضرورة كظم الغيظ وضبط النفس في هذا النص من العهد (وَاحْتَرِسْ مِنْ کُلِّ ذَلِكَ بِکَفِّ الْبَادِرَةِ وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ، حَتَّى يَسْکُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الاِخْتِيَارَ)، إنما هو دليل على دراية الإمام وعلمه أن الغيظ والغضب يشتت العقل ويقلل من التركيز ويؤخر الوصول الى حلول ناجعة للمشاكل بطرق سليمة، وكذلك يعيق التفكير الإبداعي لدى الشخص الغاضب فالتركيز وصفاء الذهن والهدوء النفسي من مقومات الوصول إلى حلول ابتكارية للمشكلات التي تواجه الأفراد.

ثالثاً- مراعات مشاعر الآخرين (Individualized Consideration):

في هذه النصوص: (وَلَاتَنْدَمَنَّ عَلَی عَفْوٍ، وَلَاتَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ) ((وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الاْمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ(1)، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ)) يشدد الإمام (عليه السلام) على ضرورة الاهتمام بمشاعر الرعية، وما قولة سلام الله عليه (ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِی الطَّبَقَةِ السُّفْلَی مِنَ الَّذِینَ لَاحِیلَةَ لَهُمْ مِنَ الْمَسَاکِینِ وَ الْمُحْتَاجِینَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَی وَالزَّمْنَی فَإِنَّ فِی هذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرّاً) (ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَی مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْکنَةِ الَّذِینَ یحِقُّ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ. وَفِی اللهِ لِکلّ سَعَةٌ، وَلِکلّ عَلَی الْوَالِی حَقٌّ بِقَدْرِ مَا یصْلِحُهُ) دليل بيّن ومثال على مدى اهتمام الإمام عليه السلام بكل شرائح المجتمع فهو لم يؤثر الخاص منهم على العام، ولم يميّز ما بين قريب منه، أو بعيد عنه، فالكل عنده سواسية في النظرة وفي العطاء كذلك، فهو يدعوا الى التعامل بالتساوي مع كل الفئات والشرائح إذ هم سواسية أمام الشرع والقانون، وهذا يمثل الرؤيا الإنسانية والدور الأبوي لهذه الأمة أوليس هو ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبوا هذه الأمة.

وفي قوله (عليه السلام) (وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْیتْمِ وَذَوِی الرِّقَّةِ فِی السِّنِّ مِمَّنْ لَاحِیلَةَ لَهُ، وَلَا ینْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ، وَ ذَلِكَ عَلَي الوُلَاةِ ثَقِيلٌ وَ الحَقّ كُلّهُ ثَقِيلٌ وَ قَد يُخَفّفُهُ اللّهُ عَلَي أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَهُمْ) أكد على الرحمة بالرعية واللطف بهم، وعدم ظلم الآخرين. والحذر من دعوة المظلوم، وعدم المساواة بين المحسن والمسيء، والى مدارسة العلماء والحكماء. وقد أراد منه أن يولي إهتماماً خاصاً بذوي الحاجات والفقراء، وأن يعمل على مداراة اليتامى وكبار السن، والابتعاد عن المَنِّ على الرعية والتواضع ونشر العدل والإنصاف والعفو والصفح،

وقضاء حاجات الناس، وقول الحق، والعمل على نشر المساواة بين الناس، كما أشار العهد في نصوصه الى (فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِی الدِّینِ أَوْ نَظِیرٌ لَكَ فِی الْخَلْقِ یَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ وَیُؤْتَی عَلَی أَیْدِیهِمْ فِی الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِی تُحِبُّ وَتَرْضَی أَنْ یُعْطِیَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ).

إن عدم تأخير حاجات الناس والإسراع في تلبية مطالبهم دليل الاهتمام بهم وعدم تجاهل مشاعرهم، كما أكد ذلك الإمام (عليه السلام) في قوله ((ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا: مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا یعْیا عَنْهُ کُتَّابُكَ وَمِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ یوْمَ وُرُودِهَا عَلَیكَ)

وفي قوله (عليه السلام) (وَ إِیَّاكَ وَ اَلْمَنَّ عَلَی رَعِیَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ أَوِ اَلتَّزَیُّدَ فِیمَا کَانَ مِنْ فِعْلِكَ وَ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعُودَكَ بخُلْفِكَ فَإِنَّ اَلْمَنَّ یُبْطِلُ اَلْإِحْسَانَ) يشير الى أن المن على الرعية يبطل الإحسان، ونعتقد أن عدم المن على الرعية هو نوع من أنواع الاهتمام بمشاعر الاخرين والاهتمام بهم، فنجاح الحاکم و کسب رضا الناس عنه في الدولة الربانية مرهون بما يقدمه لأمته.

رابعاً- الرؤية المستقبلية (الجذابة) إيجاد معنى للعمل (The meaning of work):

(اعْلَمْ یَا مَالِكُ أَنِّی قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَی بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَیْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ، مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ، وَأَنَّ النَّاسَ یَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِی مِثْلِ مَا کُنْتَ تَنْظُرُ فِیهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلَاهِ قَبْلَكَ، وَیَقُولُونَ فِیكَ مَا کُنْتَ تَقُولُ فِیهِمْ)) في هذا النص نرى أنه عليه السلام استفاد من الخبرات السابقة والأخطاء التي حدثت فهو يذهب الى تعديل السلوك وتجاوز تلك الهفوات من خلال النظر الى الأحداث وفي هذا يرسم صورة مستقبلية واضحة المعالم والأهداف، ومؤكد أن الابتعاد عن خطأ الماضين سوف تكون الرؤية

المستقبلية واضحة وسارة. ونرى في قوله (عليه السلام) (وَامْضِ لِکُلِّ یَوْمٍ عَمَلَهُ، فإنَّ لِکُلِّ یَوْمٍ ما فیهِ) (وَلْيَکُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الاَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الْخَرَاجِ) أنه يستشعر معنى وقيمة وضرورة للعمل، لاسيما اذا كان العمل مثمر ويؤدي الى اصلاح الأرض وسكانها ولكي يؤدي هذا الدور عليه أن يستحصل الخراج لتوفير بنى تحتية لدولة كاملة.

وفي قوله (عليه السلام) (إِيّاكَ وَ العَجَلَةَ بِالأُمُورِ قَبلَ أَوَانِهَا أَوِ التّسَقّطَ فِيهَا عِندَ إِمكَانِهَا أَوِ اللّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكّرَت أَوِ الوَهنَ عَنهَا إِذَا استَوضَحَت فَضَع كُلّ أَمرٍ مَوضِعَهُ وَ أَوقِع كُلّ أَمرٍ مَوقِعَهُ) جسد الإمام التأني واستيضاح الأمور ورسم صورة مستقبلية واضحة الأهداف والمعالم ووضع الشيء في موضوعه الحقيقي أو الملائم فمتى ما كان وضع الأمور في أماكنها اتضحت الصورة وأصبحت جلية تسر الناضرين اليها وتصبح صورة متكاملة يسهل العمل فيها.

وخير مثال على رسم صورة مستقبلية واضحة غير مشوشة عندما تصبح معالم الأمور جليه عندما يكون الحاكم على دراية بما ستؤول اليه الأمور اذا اخطأ في حكمه وأعطى كل ذي حق حقه ففي ذلك صلاح للراعي والرعية فهم في أمان من بسط القائد وسطوته وبذلك تكون الرؤية المستقبلية لقائد واضحة فضلاً عن وضوحها لدى رعيته، وفي هذا الأمر ما ورد في النص التالي من عهده (عليه السلام) (وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَإ وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ سَيْفُكَ أَوْ يَدُكَ بِالْعُقُوبَةِ، فَإِنَّ فِي الْوَکْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً، فَلاَ تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ)

خامساً- التأثير النموذجي أو التأثير المثالي:

إن قوله (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه) (أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ: مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ، الَّتِي لاَ يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلاَّ بِاتِّبَاعِهَا، وَلاَ يَشْقَى إِلاَّ مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا، وَأَنْ يَنْصُرَ اللهَ سُبْحَانَهُ بَيَدِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، فَإِنَّهُ، جَلَّ اسْمُهُ، قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ، وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ) يؤكد فيه على ضرورة تحلي القائد أو الحاكم بكاريزما خاصة تؤهله لقيادة الجماعة وتؤدي الى رغبة الآخرين فيه وطاعتهم له فإن ارقى انواع الكاريزما تلك التي من الله سبحانه وتعالى فهو إن اطاع الخالق فإن الله تعالى يتكفل بنصره ويضفي الهيبة والوقار على شخصيته وقطعاً سيؤدي هذا الى رغبة الآخرين اليه وسماع قوله وامتثال أوامره كونه يعطي للقائد حصانة نفسية ومعرفية واخلاقية تجعله مقبولاً من الرعية، وبعد أنموذج يحتذى به ويطمح الناس الى تقمص شخصيته وتمثيل أدوارها وفي هذا دعوته عليه السلام الى مالك بضرورة الإبتعاد عن العُجب بالنفس ((وإِيَّاكَ والإعْجَابَ بِنَفْسِكَ والثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا وحُبَّ الإطْرَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِینَ))

سادساً - التمكين (Empowerment):

يجسد الإمام (عليه السلام) في قوله ((وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِیةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَاتَکُونَنَّ عَلَیهِمْ سَبُعاً ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ)) عامل التمكين فهو يجعل الولاة قادة مستقلين لهم القدرة والحرية في فعل ما يرونه مناسباً وبإمكانهم ظلم الرعية أو إنصافها، ولكنه سلام الله عليه يحددهم بوجوب الاهتمام بالآخرين بنظرة القائد العطوف والرحيم الذي يجب اتباعه، ويذكره بقدرة الله عليه إذا ما ظلم أو استكبر، فهو يعطيه الحرية بالسلوك القيادي لكنه يقيده بضوابط لابد له من

عدم تجاوزها فهي معيار طاعته لله سبحانه وتعالى. وإنّه (عليه السلام) كان يؤمن بالدور التشاركي في المسؤولية العامة والمشورة ما بين الحاكم والمحكوم من أجل تحقيق الإصلاحات الداخلية، فقد أعطى الإمام (عليه السلام) لمالك حرية اختياره للعاملين معه لكنه حذرة من خطأ الاختيار ولابد له أن يستعمل طرقاً ووسائل لاختيار عمالة فقد أوصاه بأن يختبر عياله قبل أن يترك لهم حرية إدارة أمور الرعية، وكان جلَّ ما يخشاه في عهده هذا، هو أن تمتد أيدي القادة على أموال الدولة، التي هي أموال الرعية. ويرى وجوب تمتع القائد بثقافة إدارية وقدرة على الإنجاز.

سابعاً- نمذجة الدور(Modeling the role):

إن النص الذي ورد في العهد (ثُمَّ انْظُرْ فِی أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً وَلَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وَأَثَرَةً فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِیَانَةِ وَتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَیَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبُیُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالْقَدَمِ فِی الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهُمْ أَکْرَمُ أَخْلَاقاً وَأَصَحُّ أَعْرَاضاً وَأَقَلُّ فِی الْمَطَامِعِ إِشْرَاقاً وَأَبْلَغُ فِی عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً)، يشير الى حرص الإمام على ضرورة اختبار العاملين وفق معايير تجعل منه قادر على الإدارة، كما أنه سيشكل أنموذج يحتذى به إذا كان ذو مواصفات مقبولة اجتماعياً ويمتلك سمعة وتاريخ حسن.

وفي قول الإمام (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر (عليه السلام) (وَالْوَاجِبُ عَلَیكَ أَنْ تَتَذَکَّرَ مَا مَضَی لِمَنْ تَقَدَّمَكَ مِنْ حُکُومَةٍ عَادِلَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ فَاضِلَةٍ، أَوْ أَثَرٍ عَنْ نَبِینَا صَلَّی اللَّهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسلَّم أَوْ فَرِیضَةٍ فِی کِتَابِ اللَّهِ، فَتَقْتَدِی بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِیهَا، وَتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ فِی اتِّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَیكَ فِی عَهْدِی هذَا، وَ اسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِی عَلَیكَ، لِکَیلَا تَکُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِكَ إِلَی هَوَاهَا)، نرى فيه

حث القائد أو المتصدي للحكم بضرورة النظر في شؤون اسلافه وأخذ العبر وتجاوز الأخطاء، وهذا التوجيه المراد منه تقمص الأدوار الحسنة الاعتماد على القدوة من سبقوه من الحكام والأمراء والعاملين على إدارة الولايات والأمصار الإسلامية، حفاظاً على عدالة الحكم، ومراعاتها لحقوق الرعية.

(وَلَا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالَحِةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ، وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ، وَلَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ، فَيَكُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا، وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا)

ثامناً- التحفيز الفكري أو الاستثارة الفكرية:(Intellectual Stimulation)

(وَأَکْثِرْ مُدَارَسَهَ الْعُلَمَاءِ وَمُنَاقَشَهَ الْحُکَمَاءِ فِی تَثْبِیتِ مَا صَلَحَ عَلَیْهِ أَمْرُ بِلاَدِكَ وَإِقَامَهِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ) (وَارْدُدْ إِلَی اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا یُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ، وَیَشْتَبِهُ عَلَیْكَ مِنَ الْأُمُورِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَی لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ: «یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا اللَّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ»، فَالرَّدُّ إِلَی اَللَّهِ: اَلْأَخْذُ بِمُحْکَمِ کِتَابِهِ. وَ اَلرَّدُّ إِلَی اَلرَّسُولِ: اَلْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ اَلْجَامِعَةِ غَیْرِ اَلْمُفَرِّقَةِ) إن الإهتمام بالعلماء والمفكرين والمبدعين وتقريبهم وتوليهم زمام المبادرة يعطي للدولة حصانة فكرية ويبعدها عن الوقوع في الزلل ولهذا نراه عليه السلام يشدد على ضرورة الاستمتاع برأي العلماء والمفكرين ومشاورتهم ومجالستهم وهذا إنما يدل على مدى اهتمامه بذوي البصيرة والمعرفة وتشجيع التحفيز الفكري.

إن في قوله (عليه السلام): (فَافْسَحْ فِی آمَالِهِمْ، وَوَاصِلْ فِی حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَیْهِمْ، وَتَعْدِیدِ مَا أَبْلَی ذُوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّ کَثْرَهَ الذِّکْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ، وَتُحَرِّضُ النَّاکِلَ) (مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَعَلَیْهِ أَنْ یَبْدَأَ بِتَعْلِیمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِیمِ غَیْرِهِ وَ لْیَکُنْ تَأْدِیبُهُ

بِسِیرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِیبِهِ بِلِسَانِهِ، فَإِنَّ مُعَلِّمَ نَفْسِهِ وَ مُؤَدِّبَهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ اَلنَّاسِ وَ مُؤَدِّبِهِمْ) في هذين النصين دليل على استثارة الأفكار لدى الحكماء فميل القائد لهم وتقريبهم وفسح المجال لهم وتوفير سبل تحصيل المعرفة وطرق اكتسابها وآليات العمل بها، ونراه يبدأ بتهذيب وتعليم الذات فمنها تنطلق كل المعارف لان الفرد الذي يكون قادر على فهم ذاته وكبح جماح نفسه يكون قادر على تهذيب وتعليم الآخرين.

تاسعاً- الاعتبارية الفردية :(Individualized Consideration)

تجسد هذا العامل للقيادة التحويلية في قوله سلام الله عليه ((وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِیَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ یَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْضٍ وَ لاَ غِنَی بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ وَ مِنْهَا کُتَّابُ الْعَامَّةِ وَ الْخَاصَّةِ وَ مِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ وَ مِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْیَةِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ مُسْلِمَةِ النَّاسِ وَ مِنْهَا التُّجَّارُ وَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ وَ مِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَی مِنْ ذَوِی الْحَاجَاتِ وَ الْمَسْکَنَةِ وَ کُلٌّ قَدْ سَمَّی اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ وَ وَضَعَ عَلَی حَدِّهِ فَرِیضَةً فِی کِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِیِّهِ ص عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً)) وهذا يدل على اهتمامه سلام الله عليه بالفروق الفردية لدى المجتمع کما انهم يتمايزون بالميول والإتجاهات ولابد من احترام خصوصية وتوجهات العامة والافادة من قدراتهم المتنوعة فلا يمكن لمجتمع أن يعيش دون وجود طبقات متنوعة تحتاج بعضها البعض ويكمل بعضها دور بعض کي تستمر الحياة.

لاشك أن القدرات والامكانات والاستجابات متفاوتة بين الأفراد فالفروق الفردية من الأمور المسلم بها ولابد أن تكون الإثابة بقدر ما قدم الفرد واستمرار التعزيز يؤدي الى زيادة دافع الإنجاز، فإذا شعر الأفراد بأنهم يقيمون على وفق عطائهم وطاعتهم ومدى ممارستهم للقيم والمعايير ويفرق بينهم وبين من لا يلتزم

تلك القواعد والاحكام مؤكد سیکون اطمئنان نفسي لدى المحسن (أي الأفراد ذوي السلوك المتسق مع المنظومة القيمة الإسلامية)، ومعاقبة المنحرفين عن هذه المنظومة يعطي دافع للمحسنين بالاستمرار والتشبث بتلك المنظومة القيمية ولاشك أن إثابة المحسنين هي بحد ذاتها عقوبة للمسيئين أو المنحرفين عن تلك المنظومة، و هذا نجده في هذا النص من قوله (عليه السلام): (وَلايَكُونَنّ الُمحسِنُ وَ الْمُسيئُى عِنْدَكَ بِمَنْزَلَةٍ سَواء).

ويدل ذلك على أنها القيادة تحويلية تستحق الخوض في غمارها للتعرف على أهم الأسس والمهارات لتلك القيادة الفريدة التي مارسها (عليه السلام) والتي تجلت فيها كل خصائص القائد التحويلي سواء في حكمه أو في وصيته للولاة الذين هم بمعيته، وفهم هذه الأسس يساعدنا على الإستفادة منها في إدارة شؤون البلاد.

مدى الإفادة من النمط القيادي التحويلي للإمام علي (عليه السلام) في إدارة شؤون الدولة والمؤسسات بما يتماشى مع الظروف الراهنة

غير خاف على المتابع أن الدول الاسلامية بشكل عام والعراق بشكل خاص يعاني من أزمة القيادة التي تكون قادرة على ادارة الازمات وتتعامل بموضوعية مع الصراعات وتقوم على إدارة تحاكي روح الاسلام وقيمه وأهدافه السامية، ويؤثر النمط القيادي الذي يسلكه قائد المجموعة تأثيراً مباشراً في وجود أو عدم وجود الصراع التنظيمي داخل المجموعة وخارجها، ولما كان الصراع هو وسيلة للتعبير عن التوتر والتأزم بمظاهر مختلفة من السلوك تشكل بمجموعها مظاهر الصراع لذا كان لزاماً على القيادات التدخل لحل هذه الصراعات والنزاعات داخل تشكيل المجموعة أو ما يهدد نظامها القيمي والاخلاقي، ويُعد النمط القيادي الذي يتبناه القائد بمثابة البوتقة التي يصهر فيها الصراع ليعطي نتائج سلبية أو ايجابية، لذا يتوجب تبني نمط

القيادة الاكثر قدرة على إدارة الصراع بما يحقق الأهداف المنوطة بالجماعة بكفاءة عالية وبأقل جهد ممكن مع توافر قدر كبير من رضا الأفراد وقدر كبير من الفعالية من خلال ما يقوم به القائد من عملية التوجيه والتنظيم والتنسيق وصنع الأهداف والسياسات واتخاذ القرارات.

لقد أفرزت التغيرات الهائلة في البيئة المجتمعية نتيجة للثورة المعلوماتية العديد من الضغوط وأفرزت أنواع من الصراعات والتحديات التي باتت تؤثر بشكل كبير على أداء القادة، وبالتالي أصبح للأنماط القيادية دور كبير ووسيلة فعالة في مساعدة القيادات بكل أصنافها على إدارة هذه الصراعات من خلال تبني نمط قيادي فعّال و معتدل يحقق أهداف الجماعة بما يساعد في خلق بيئة خالية من التوتر والازمات، ومما لاشك فيه أن مقدار النجاح الذي تحققه أي مجموعة يتوقف إلى حد كبير على فعالية وكفاءة القرارات المتخذة وملاءمتها للهدف المحدد على مختلف المستويات.

إن كفاءة القائد تعتمد في ممارسة وظائفه القيادية على القرار الناجح الذي يتخذه إزاء المواقف المختلفة وذلك لأن العلاقات السائدة في المجتمع تستدعي معالجات هادفة وفق منظور قادر على استيعاب تطورات المستقبل، وما يحقق هذا المنظور هو تبني الأنماط والسبل والاستراتيجيات التي تبناها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأن القائد کمخطط يتوجب عليه أن يتخذ موقف التخطيط فهو منوط به تقرير أي الأساليب والسبل تسلكها الجماعة ذلك بغرض تحقيق أهدافها، وهذا يتطلب منه تحديد الخطوات الفورية أو الخطوات على المدى البعيد اللازمة التحقيق أهداف الجماعة.

ويُعد عهد الإمام علي (عليه السلام) من أهم الوثائق السياسية ونسق علمي معرفي حضاري للأسلوب الحكم والرأفة بالرعية التي تعالج قضايا الحكم والادارة

وشؤون الدولة وعلاقتها مع الأمة والحقوق والوجبات المترتبة على القائد تجاه الأمة، وواجبات الأمة تجاه القائد وهي تعكس صورة عملية لسياسة الإسلام الحكيمة، وهو يُعد دستور حکم ناضج ومكتمل القواعد والشروط، وبما يوفر العدل والمساواة ويحفظ كرامة الانسان وحقوقه، ويؤكد على عمارة البلاد وإصلاحها، والابتعاد عن الطمع وحب الشهوات، والالتزام بالذكر الحسن، والعمل الصالح.

ولابد للمسؤولين في مختلف درجات مسؤوليتهم ابتداءً من الأسرة الى المؤسسات التربوية والمهنية والخدمية ودوائر العمل وانتهاءً بالحكومة والدولة أن يستفيدوا من هذا النمط القيادي الذي مارسه الإمام (عليه السلام) وأبدع في ممارسته وحقق مالم يستطع غیره تحقيقه.

وأن يعملوا على بث العيون لمراقبة الحكام، وليس مراقبة المحكومين کما تفعل الأنظمة المستبدة على مر العصور. وعلى من يتولى ادارة شؤون الخلق في شتی المجالات أن يكون كما أراد الإمام (عليه السلام) من مالك الأشتر (عليه السلام) أن يحكم بالعدل، وأن لا يكون حكمه منطلقاً من هواه ومزاجه، وطلب منه أن يبتعد عن كل ما هو ليس حلالاً له، وإن لا يبتعد في حكمه عن الرحمة والمحبة ورضا الله سبحانه وتعالى، وأن يبتعد عن المحاباة وأن يكون دقيقاً في انتقاء الأفراد العاملين وعليه مراقبة هؤلاء الأفراد کما ورد ذلك في وصية الإمام عليه السلام.

ولابد لهم أن يتشبثوا بقول الإمام (عليه السلام) المأثور في عهده للأشتر الذي مازال حياً حتى هذه اللحظة وسيظل حياً مادام هناك حاكم فاسداً، إذ جاء في العهد قوله (وَإيَّاكَ وَالإستِئثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسوَةٌ)، ففي هذا القول، تحذير لحاكم، ولأي إنسان آخر له سلطة على الآخرين من الاستئثار بما هو حق مشترك لجميع الناس، إذ أنه يجب على الحاكم أن لا يستحوذ على ما هو ملكية عامة للناس، مهما كان نوعها.

وعلينا أن نتمسك بما ورد عن الإمام عليه السلام في تشديده على الأخلاق وتجنب سفك الدماء کما ورد ذلك في: (إِيَّاكَ وَالدِّمَاءَ وَسَفکَهَا بِغَيرِ حِلِّهَا، فَإِنَّهُ لَيسَ شَيءٌ أَدعَى لِنِقمَةٍ، وَلَا أَعظَمَ لِتَبِعَةٍ، وَلَا أَحرَی بِزَوَالِ نِعمَةٍ، وَانقِطَاعِ مُدَّةٍ، مِن سَفكِ الدِّمَاءِ بِغَيرِ حَقِّهَا)

التوصيات:

1.

إن عهد الإمام علي (عليه السلام) بحاجة إلى دراسة وبحث أكثر لأن هناك مواضع كثيرة فيه تحتاج الى دراسة وتأمل، يجب أن يتوقف عندها الباحث، لأنها تعطي توضيح لبعض الحقائق الإدارية والتنظيمية للدولة الإسلامية.

2.

ضرورة تبني القادة العراقيين القيادة التحويلية بما تضمنه من سلوكيات و ممارسات ومهارات اتصالية وتحفيزية و ابداعية وتفویض للصلاحيات واعتمادها التوجيه الاستراتيجي في اتخاذ قراراتها كفيلة بنجاح منظماتهم في الحاضر والمستقبل.

3.

ضرورة تدريس القيادة وأنماطها من أجل تهيئة الكوادر التي تسعى الدولة لتوليهم المسؤوليات الادارية والقيادية.

4.

تنفيذ برامج تدريبية لاكتساب مهارات القيادة التحويلية وخصائصها وذلك الدورها في تحفيز التابعين أو المرؤوسين سواء أكانوا طلبة أو موظفين.

5.

زيادة الاهتمام بالمعلمين والنظر اليهم كقادة تربويين وحثهم على تنبني السلوك القيادي التحويلي لما له من دور في خلق روح المبادرة والابداع لدى المتعلمين.

6.

تبني المؤسسات التربوية تدریس عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر بجميع المراحل الدراسية لتعليم الطلبة الواجبات والحقوق.

المقترحات:

1.

دراسة تحليلية لأنماط القيادة الأخرى التي استعملها الإمام (عليه السلام) في أثناء فترة خلافته كالقيادة الداعمة والقيادة المهتمة بالإنجاز.

2.

دراسة تحليلية لأنماط القيادة التي استعملها بقية الأئمة سلام الله عليهم سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة.

3.

إجراء دراسة مقارنة بين قيادة الإمام علي (عليه السلام) وأنماط القيادة للحكام المعاصرين.

4.

دراسة السمات القيادية والإدارية لدى الإمام علي (عليه السلام).

المصادر العربية

• القرآن الكريم
1.

ابن منظور، الفضل جمال الدين (2003): لسان العرب، المجلد الاول، الجزء الاول، القاهرة: دار الحديث للطباعة والنشر.

2.

أبو جاموس، سلیمان (1992)، - إدارة القوى العاملة -، دار المعرفة الجامعية، القاهرة، مصر.

3.

احمد، احمد إبراهيم (2002)، تحديث الإدارة التعليمية، الإسكندرية، مكتبة المعارف الحديثة.

4.

أفولیو، بروس (2003)، تنمية القادة: بناء القوى الحيوية، (ترجمة عبد الحكم الخزامي)، دار الفجر للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر.

5.

حسن، ماهر محمد صالح (2004) القيادة: أساسيات و نظریات و مفاهیم، ط 1، دار الكندي للنشر والتوزي، عمان، الأردن.

6.

الزعبي، أحمد محمد (1994)، أسس علم النفس الاجتماعي، صنعاء: دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر والتوزيع.

7.

الزيدي، ناظم جواد (2007)، العلاقة بين سلوك المواطنة التنظيمية والقيادة التحويلية وأثرهما في تفوق المنظمات: دراسة استطلاعية لعينة من مديري المصارف الحكومية والأهلية، أطروحة دكتوراه (غير منشورة). جامعة بغداد، كلية الإدارة والاقتصاد، بغداد، العراق.

8.

سند، عرفه متولي (1983) «مقدمة في العلوم السلوكية وتطبيقاتها في مجال الإدارة»، دار النشر للثقافة والتوزيع، بيروت.

9.

طلال، الشريف عبدالملك (2004)، الانماط القيادية وعلاقتها بالأداء الوظيفي من وجهة نظر العاملين بإمارة مكة المكرمة، رسالة ماجستير غير منشورة،

السعودية.

10.

العامري، أحمد سالم (2002)، السلوك القيادي التحويلي وسلوك المواطنة التنظيمية في الأجهزة الحكومية السعودية، المجلة العربية للعلوم الادارية مج (9)، ع (1)، ص 19 -39.

11.

علاء، سید قنديل (2010)، القيادة الإدارية وإدارة الابتكار، دار الفکر، عمان، ص 61

12.

العمري، عبدالله مهدي (2008)، تأثير القيادة التحويلية على الثقافة التنظيمية في المنظمات الاماراتية مع التطبيق على قطاع البترول، اطروحة دكتوراه (غير منشورة)، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم والسياسة، قسم الإدارة العامة. القاهرة.

13.

العمري، مشهور بن ناصر (2004)، العلاقة بين خصائص القيادة التحويلية ومدى توفر مبادئ إدارة الجودة الشاملة، رسالة ماجستير (غير منشورة). جامعة الملك سعود، كلية العلوم الإدارية، قسم الإدارة العامة. الرياض.

14.

عیسی، سناء محمد عیسی (2008)، دور القيادة التحويلية في تطوير أداء مديري المدارس الثانوية في محافظات غزة، رسالة ماجستير غير منشورة) . الجامعة الاسلامية / غزة، كلية التربية، قسم الادارة التربوية، فلسطين.

15.

الغزو، فاتن عوض (2010)، القيادة والإشراف الإداري، دار أسامة للنشر والتوزي، عمان، الأردن.

16.

کنعان، نواف (1999)، «القيادة الإدارية»، مكتبة دار الثقافة، عمان، الاردن.

17.

کنعان، نواف (1992 م)، اتخاذ القرارات الادارية بين النظرية والتطبيق، ط 1، عمان، دار الثقافة للنشر.

18.

محمد، محمد عبد المقصود (2006)، القيادة الإدارية، عمان، مكتبة المجتمع العربي، الأردن.

19.

مدكور، إبراهيم (1989)، المعجم الوجيز، منشورات مجمع اللغة العربية، القاهرة، مصر.

20.

يوسف، مجید (1987)،"أنماط السلوك القيادي لمديري المعامل الصناعية"، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة بغداد.

المصادر الأجنبية:

TA 1 * ILL LI 1. Xirasagar. S. 2008. Transformational transactional and laissez faire leadership among physician executives Journal of Health Organization and Management“ 22 (6). 2. Burns. J. M. (1978) Leadership-Harper &New«pg20. 3. Harold Knooz & Heinz Weihrich Essentials of Management-5th ed: Megraw-Hill Publishing Company Limited New Delhi-P346. 4. Koontz H odonnellc. And weihrichs H (1984). managements 8th editions New York: Me Graw - Hill company. 5. Murphy. L. (2005). Transformational Leadership: A Cascading Chain Reaction Journal Of Nursing Managements vol. 13. no.1.. 6. The oxford English Dictionary(2003). 2nd ed. CD -ROM. Oxford:

Oxford University. 7. Avolio. B.Bass B. and Jung“ D. (1999) Re-examining the components of transformational and transactional leadership using the multifactor leadership questionnaire. Journal of Occupational And Organizational Psychology. vol.72. 8. Krishnan V. (1998). Influencing the transformational leadership:

strategies used by followers. International Association Of Managements 16(1): 2127 9. Bass-B. & Avolio: B.(1994). Improving Organizational Effectiveness Through Transformational Leadership United states: library of congress.

EL LV 41 LI UL.

من روائع عهد الإمام علي (عليه السلام) (فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق) (أنموذجاً) دراسة وتحليل

اشارة

أ. د. المتمرس. صاحب محمد حسين نصار

أورد ابن أبي الحديد المعتزلي قوله:

((علي إمام الفصحاء وسيد البلغاء، وعن كلامه قيل دون الخالق وفوق كلام المخلوقين، ومنه تعلّم الناس الخطابة والكتابة))

شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي 8/1 من المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله الأطهار، وصحبه المنتجبين الأبرار .

وبعد: من مقولة وصىَّ رسول الله (صلى الله عليه واله) أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، في عهده لمالك الاشتر لما ولاه مصر: (ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين (1)، أو نظير لك في الخلق (2) ...) (3).

فكانت هذه المقولة نبراس ودرس، اورد الأمين العام السابق للأمم المتحدة (وفي عنان): (هذه العبارة يجب أن تعلَّق على كلّ المنظمات، وهي عبارة يجب أن تنشدها البشرية)، وبعد أشهر اقترح (عنان) أن تكون هناك مداولة قانونية حول كتاب الامام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر، واللجنة القانونية في الأمم المتحدة، بعد مدارسات طويلة، عرضت: هل هذا يرشح للتصويت؟ (اي الكتاب) وقد مرّت علیه مراحل أقر المقترح، وصَوتَت عليه الدول بأنه أحد مصادر التشريع الدولي.

يَنظُر أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الناس نظرة بمنتهى الواقعية تحت سراج الحكمة والتعقل، من خلال عهد إلى مالك الأشتر (رضي الله عنه)، وهو يوصیه ويبين له كيف ينظر إلى الناس كي يكون تعامله معهم على أساس رؤية واضحة، فأمير المؤمنين (عليه السلام) في حديثه هذا يقدم فلسفة لكينونة الإنسان في الأرض وما تحمل هذه الكينونة من مراتب، وسنحاول أن نستجلي أهم المسائل المهمة التي تهتم بالشأن الإنساني في هذا الحديث.

وقد انتظم البحث عن ذلك في ثلاثة مطالب:

تناول المطلب الأول معايير التفضيل بين البشر وإنه يكون ضمن عدة أمور كثيرة وقفنا على ثلاثة منها: التقوى والعلم والأخلاق، وتناول المطلب الثاني: الاعتراف بإنسانية الإنسان من خلال الاختبار الإلهي، وادراك عظمة الخالق وإثراء التجارب ومعرفة قيمة التعايش. وكان المطلب الثالث باحثا في حدود الاعتراف بالآخر من خلال الإرادة الصلبة ومحورية بلد المقدسات، واشتمل المطلب الرابع على نموذج من حوار الإمام علي (عليه السلام) مع بعض الملحدين.

المطلب الأول: معايير التفضيل بين البشر

خلق الله تعالى البشر وكرمهم على بقية الخلق لقوله عزّ من قائل: (ولقد کرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) (4)، وهذا التكريم ينطلق من كونهم بشر لا أكثر، من دون أي إضافة أخرى، مع أن هناك عناوین مختلفة يمكن أن تكون معيارا للتفضيل، كفضل المؤمن على الكافر، إلا أن نظرة الخالق إلى الإنسان بمحض كونه إنسانا، هي نظرة التكريم على سائر الخلائق.

وبحكم العلاقات التي لا يمكن لأي فرد أن ينسلخ عنها، وكل إنسان يعيشها حاجة طبيعية، نشأت معايير للتفضيل بين البشر أنفسهم بعد مرحلة التكريم العام الذي كرمهم به الله تعالى.

ونشأت تلك المعايير للتفضيل بين البشر أنفسهم من خلال عدة قوانين وقيم دينية وعقلائية أصبح يتفاضل بها البشر بحسب ارتباطهم بها من خلال الفعل والتطبيق.

وثمة معايير مختلفة للتفضيل بين أبناء البشر، وقد أكد القرآن الكريم على أهمها

وهي التقوى، لقوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (5)، وكذلك معیار العلم، كقوله تعالى: (قُل هَل يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَکَّرُ أُولُو الأَلبَابِ) (6). وبالإمكان بيان ذلك ببعض النقط طلبا للاختصار وكما يأتي:

أولاً: التقوى

إن كلمة (التقوى) من أكثر کلمات نهج البلاغة استعمالاً، فليس هناك كتاب يركز فيه على التقوى أكثر من نهج البلاغة، وليس هناك في نهج البلاغة مفهوم أو معنی اعتني به أكثر من التقوى. فما هي التقوى؟

إن التقوى من الوقاية، والوقاية تعني الحذر والاحتراز والبعد والاجتناب، فهي إذن سيرة عملية سلبية، وكلما كان الحذر أكثر كانت التقوى أكمل! ولهذا نرى أن المتظاهرين بالتقوى يحذرون التدخل في أي عمل، حرصاً على سلامة تقواهم!

ولا شك إن الحذر والاجتناب هو من أصول الحياة للإنسان العاقل، فإن الحياة لا تخلو عن مقارنة بين السلب والإيجاب، والفعل والترك. بل لا يصل الإنسان إلى الإيجاب إلّا عن طريق السلب ولا إلى الإثبات إلّا بعد النفي، وليست كلمة التوحيد، (لا إله إلا الله)، إلاّ كلمة جامعة بين النفي والإثبات، ولا يمكن إثبات التوحيد إلاّ بعد نفي ما سوى الله تعالى، ولذلك نرى أن الإيمان والكفر مقترنان والطاعة والعصيان متلازمان، أي أن كل طاعة تتضمن معصية، وكل إيمان يشتمل على كفر (فمن یکفر بالطاغوت، ويؤمن بالله، فقد استمسك بالعروة الوثقى) البقرة / 256.

ثانياً: العلم

الفكر خاصية الإنسان وحده، به تجلى وتميز عن سائر الخلق، فهو في مواجهته للواقع لا يفتر عن الفكر طرفة عين، حيث تنشأ العلوم والصنائع المختلفة. وحاجة الإنسان لا تستقر على نوع معين من العلوم، لذلك فهو يرغب في تحصيل ما ليس عنده منها، من أجل إشباع ما تستدعيه طباعه من الحاجات والرغبات. ولن يتم له ذلك إلا بأخذه ممن سبقه أو زاد عليه في العلم والمعرفة. ومن هنا جاء العليم. فالعلم والتعليم حاجة طبيعية، فرضها العمران البشري، كما يقول ابن خلدون (فقد تبين بذلك أن العلم والتعليم طبيعي في البشر) (7).

وبالرغم من أن للعوامل الوراثية دورها في تحديد مواهب الفرد ومیوله واستعداداته فإن مدى تحقيق هذه الإمكانيات يتوقف على البيئة، بما تتيحه من وسائل التعلم والتدريب. لذا فقد أعطت الأمم والشعوب للتعليم مكانة بارزة في دساتيرها، وأفسحت بالمجال لدور العلم فيها، وشجعت على طلبه بوسائل عدة، لما كانت تأمله فيه من تقدم وازدهار يطال جميع مرافقها و مؤسساتها.

ولقد كان الإسلام في طليعة الأديان الداعية إلى تعلم العلم والتشدد في طلبه وأخذه من أي مصدر كان. وكان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) يشجع التعليم قولاً وعملاً، فيطلق سراح أسرى الحروب إذا علموا المسلمين القراءة والكتابة، ممّا يدل على الأهمية التي كان يعطيها للعلم والتعليم في بناء الفرد والجماعة. يقول الابراشي: ((إن التربية أساس النجاح للفرد والمجتمع. لذلك تنفق الحكومات في الأمم المتمدنة بسخاء على التعليم، موقنة أن في التعليم قوة، وقوة كبيرة في ترقية الفرد والنهوض بالمجتمع إلى حياة راقية وعيشة راضية، والتاريخ خير دليل على أن بالتربية والتعليم تحيا الشعوب من موتها، وتنتبه من غفلتها، وتقلل سجوتها)) (8).

ولم يتخلف الإمام علي (عليه السلام) عن الدعوة التي أطلقها النبي (صلّى الله عليه وآله) في طلب العلم وممارسته في الحياة، وهو الذي كان يعتبر الجهل الفقر الأكبر الذي يقود إلى العمى والضلال في حين أن العلم يحلق بالإنسان في رحاب المعرفة والفضيلة ويسمو به عن الصغائر ليعيش في ملكوت الحق، فقال: ((اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به)).

ثالثاً: الاخلاق

من الواضح الذي لا غبار عليه أنّ كلّ الشرائع السماوية كان الهدف من ورائها هو تكامل الإنسان ورقیِّه على جميع المستويات المادّية والمعنويّة والروحية والجسدية كي يصل إلى مستوى الخلافة لله في أرضه ويعمرها بالفضائل والقيم والمعاني النبيلة السامية من خلال قيامه بوظائف الخلافة وأدائه لمستلزمات العبودية.

وبما إنَّ الشريعة الإسلامية تمتاز عن غيرها من الشرائع الاُخرى بشمولها وعمومها وخاتميتها فقد حوت كلّ ما جاءت به الشرائع الاُخرى السابقة لها من تعاليم دينية وقيم أخلاقية وأحكام شرعيّة وزادت عليها الكثير بعد أن نسخت و غیّرت ما كان منها يصلح لظرف معيّن وأجل محدود.

فالشريعة الإسلامية نظرية متكاملة الأبعاد ترسم للإنسان منهجاً شاملاً لجميع تفاصيل حياته وعلاقاته بما حوله من الموجودات وارتباطه بخالقه وبذاته وببناء نوعه.

من هنا يتضح لنا أنّ الأخلاق الإسلامية ونعني بها جميع محامد الأخلاق لا خصوص حسن المعاشرة مع الناس - هي مجموعة الأقوال والأفعال التي يجب أن تقوم على أُصول وقواعد وفضائل و آداب مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بالعقيدة والشريعة

الإسلامية - من خلال منابعها ومصادرها الأساسيّة، والتي هي القرآن الكريم والسنّة الشريفة للرسول الأكرم والأئمة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين.

فالأخلاق الإسلامية ليست جزءاً من الدين بل هي جوهره وروحه، ولعلّ هذا المعنى هو المقصود بالحديث المعروف المروي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله): ((إنّما بعثت لاُتَمِّم مکارم الأخلاق)) (9) والآخر المروي عنه (صلى الله عليه واله) أيضاً: ((بعثت بمكارم الأخلاق ومحاسنها)) فانّ الشريعة بكلّ تفاصيلها ما الغرض منها إلاّ سموّ الإنسان ورقيّه ووصوله إلى درجة العبودية التي تحقق له السعادة في الدار الدنيا ومن ثَمّ الأجر والثواب في الدار الاُخرى. وهكذا أراد أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يكون المجتمع مثالا حيا بالعلم والأخلاق والمکارم.

المطلب الثاني: الاعتراف بإنسانية الإنسان

لقد عانت البشرية من التمييز العنصري والديني، منذ قدم تاريخها وإلى اليوم، ويتأتى هذا التمييز من اضطراب آلية تقييم الفرد، وعدم وضوح القيمة الطبيعية المودعة في كينونة الفرد وهي (الإنسانية)، ومن خلال كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) يتضح لنا البعد الإنساني في تقييمه، فهو (عليه السلام) لم يغفل ذلك العنوان الإنساني الذي ينطوي تحته كل فرد حتى الكافر، بمعنى أنه (عليه السلام) قد أُدخل في دائرة الوعي ذلك الجانب المُكرَّم في كينونة الفرد هو الإنسانية، فهو عنوان مُكرَّم بنص القرآن الکریم کما سلف ذكره، وعلى هذا الأساس يتم التعامل مع الآخر على مختلف توجهاته، من خلال رؤية واقعية عقلائية، تعترف بالعنوان العام الجامع للبشرية على مختلف مراتبها.

إن أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يصنف الناس إلى أخ في الدين او نظير في الخلق، ليس بصدد تفضيل الفاضل على المفضول، بل بصدد الاعتراف بالآخر المفضول إلى جانب الفاضل مع وجود الفارق، وهذا الاعتراف يأتي في إطار القيمة التكوينية المودعة في صميم المعنى الإنساني الذي يتمتع به كل فرد، إلا ما شذ عن الإطار الإنساني وأخذ ينسلخ عن الإنسانية نحو الحيوانية والتوحش، مثل الطواغیت والفراعنة فإنهم خارجون عن تصنيف الإمام (عليه السلام) وذلك الخروج واضح بعدما اتضح معيار الاعتراف بالآخر تحت عنوان التكريم.

وقد خلق الله الكون وفق منهج التنوع بما في ذلك الإنسان والحيوان والنبات والجماد والملائكة والأفلاك والمجرات واللغات والألوان والألسن والأديان.

وهذا الاختلاف والتنوع - سواء كان فطرياً کالأعراق والقوميات والشعوب والألوان (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) و (اختلاف ألسنتكم وألوانکم)، أو كان اختيارياً واكتسابياً كانتخاب الدين والفكر والثقافة والسلوك - ضروري لاعتبارات عدة:

أولاً: الاختبار الإلهي

باعتباره يخدم حكمة الله سبحانه وتعالى في ابتلاء البشر بالنعم التي أسداها، أمثال نعمة العقل والقوة والمال.

ثانياً: إدراك عظمة الخالق

فالإنسان عبر التنوع يدرك عظمة الخالق وجمالية الكون، وهو أحد الطرق المؤدية الى معرفة الله تعالى.

ثالثاً: إثراء التجارب

من خلال هذا التنوع يستطيع الإنسان الاستفادة من نقاط قوة الآخرين واجتناب نقاط ضعفهم في بناء الصرح الحضاري من دون مشاكل أو بأقل الخسائر.

رابعاً: معرفة قيمة التعايش

يستطيع الإنسان أن يدرك معنى التعايش والتسالم وهو الفطرة والطبيعة البشرية المبنية على التفاعل لقضاء الحوائج وحل المشكلات، باعتبار أن منطق العقل والدين يدعوان إلى الانسجام والاحترام المتبادل، وإن حكمة الله تعلى اقتضت جعل الخيرات في الكون تحت تصرف الجميع (والأرض وضعها للأنام) (10)، ومن العسير على الإنسان التقوقع والإنزواء خاصة مع تلاشي الحدود وانتشار العولمة وجعل العالم قرية واحدة على حد تعبير عالم الاجتماع الكندي (مالك لوهان) الذي صاغ هذا الاصطلاح أثناء الحرب الأمريكية الفيتنامية.

فإنسانية الإنسانية هي من تحتم على بني البشر أن يتعاملوا بمنطق التسامح والتعايش والتوادد من دون مشاكل واضطرابات.

المطلب الثالث: حدود الاعتراف بالآخر

من خلال قول أمير المؤمنين (عليه السلام) سوف يكون التقييم والتفضيل على أسس موضوعية، فيتم التعامل مع غير المسلم في إطار إنساني عام، وإنسانيته محفوظة مادام يعيش في حدودها، اما لو تعداها فإنه يكون خارجا من الأساس، ولا يمكن حمله على الإنسانية إذ لا مبرر لدخوله الإنسانية وهو يتنكر لها من خلال طاغوته وفرعنته وجبروته وبطشه.

إذاً، ما دام الإنسان يعيش القيم العامة التي تسالم بها العقلاء، فهو ضمن عنوان الإنسانية، وإن لم يعتنق الدين، غاية الأمر يبقى هو المفضول، والمتدين هو الفاضل وفق القيمة المضافة إلى هذا الأخير، وهي قيمة التدين.

وفي ضوء كلامه (عليه السلام) لمالك الأشتر: ((الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق))، كيف يمكن رسم خطة أو بناء أساس للتعامل بين الاثنين؟ ما هي حدود التعامل وأبعاده وملابساته؟ كيف يمكن التوفيق بين الأصالة - الأنا - الموجودة في الدين وبين التبعية - الآخر الموجودة في الخلق؟

هل النظارة في الخلق إشارة إلى البعد الإنساني، والأخوة في الدين وإشارة البعد الإيماني؟ وعند الاختلاف في الاعتبارات الإنسانية لمن يكون المرجع؟ هل الاعتبار الإنساني يحدد الدين أو العقل؟

وبالإمكان الإجابة عن هذا التساؤل وكالآتي:

أولاً: الإرادة الصلبة

إن السعي لأن تكون لنا إرادة حقيقية وجدية لنشر فكر أهل البيت (عليهم السلام) - مراجع و علماء ومفكرون وخطباء وتجار - من منطق (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، فالإرادة هي الأساس لكل حركة تغيير وإصلاح عبر التاريخ ولعامل الإرادة قوانينه وأنظمته الذاتية من الحس بتحمل المسؤولية نفسية واجتماعية وديني ومن إرادة التحدي.

ثانياً: محورية بلد المقدسات (العراق)

التركيز على العراق باعتباره مرکز الانطلاق الفكري والإشعاع الحضاري والعمق الإستراتيجي لأهل البيت عليهم السلام، وبوابة الخليج بل الشرق الأوسط

على حد تعبير الأمريكان، حينما أرادوا طرد البريطانيين والفرنسيين من المنطقة، ففي بداية الثلاثينات من القرن الماضي طلب الحكومة الأمريكية من مراكز الدراسات أن تقدم مقترحاتها عن سبل احتلال الخليج، وبعد سنتين قدمت مائتي دراسة، اختارت الحكومة إحدى الدراسات القائلة بأن العراق بوابة الخليج، ومنذ ذلك الوقت سعت الحكومة الأمريكية إلى تطوير علاقاتها مع بعض التجار وبعض المسؤولين من الدرجة الثانية في العهد الملكي، وتنامت هذه العلاقات في نهاية الستينيات (11). فالاعتراف بالآخر هو نوع من أنواع التعامل الذي طرحه أمير المؤمنين (عليه السلام) من أجل بناء مجتمع قائم على الانسانية وثقافة التعايش.

المطلب الرابع: الحوار من مقتضيات تصنيف أمير المؤمنين (عليه السلام)

من مشاكل الدهر، فقدان الحوار بين الأفراد والمجتمعات والأمم، وعدم الحوار مع الآخر عبارة عن رفض الآخر، وهو ينم عن نظرة دونية تجاه الآخر، ومن الخطأ أن يفهم الحوار على أنه تأسيس لشرعية الآخر، بل هو أسلوب واقعي وموضوعي، وقد تم حوار بين الباري عز وجل وبين إبليس الخارج عن الطاعة والامتثال: («قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ» (12) وسيرة النبي (صلى الله عليه واله) وأهل بيته (عليهم السلام) زاخرة بمواقف حوارية.

إن تصنيف أمير المؤمنين (عليه السلام) للناس يُؤسس لضرورة بل شرعية الحوار، فلما كان ثمة مبررٌ للاعتراف بوجود الآخر وهو البعد الإنساني، فإن الحوار من ملازمات ذلك الوجود، وبالحوار تم تبليغ رسالات السماء، وبالحوار تم إلقاء الحجة على أعتى الخلق، ومن الشواهد على حواريات الإمام علي (عليه السلام) ما يأتي:

قال عبد الله بن عباس أتيت منزل الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقلت له: يا علي إن رؤساء اليهود قد قدموا المدينة وألقوا على أبي بكر مسائل فبقي أبو بكر لا يرد جوابا فتبسم الامام علي (عليه السلام) ضاحكاً ثم قال:

اليوم الذي وعدني رسول الله (صلى الله عليه واله) به، فأقبل يمشي أمامه، وما أخطأت مشيته من مشية رسول الله (صلى الله عليه واله) شيئا حتى قعد في الموضع الذي كان يقعد فيه رسول الله (صلى الله عليه واله)، ثم لتفت الى اليهود، فقال (عليه السلام): یا یهودیان ادنوا مني وألقيا على ما ألقيتماه على الشيخ.

فقال اليهوديان: ومن أنت؟

فقال لهما: أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب أخو النبي (صلى الله عليه واله)، وزوج ابنته فاطمة، وأبو الحسن والحسين، ووصيه في حالاته كلها، وصاحب كل منقبة وعز، وموضع سر النبي، فقال له أحد اليهوديين: وما أنا وأنت عند الله؟

قال (عليه السلام): أنا مؤمن منذ عرفت نفسي، وأنت كافر منذ عرفت نفسك، فما أدري م يحدث الله فيك يا يهودي بعد ذلك.

فقال اليهودي: فما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابه؟

قال (عليه السلام): ذاك يونس (عليه السلام) في بطن الحوت.

قل له: فما قبر سار بصاحبه؟

قال (عليه السلام): يونس حين طاف به الحوت في سبعة أبحر ...(13).

إن النظارة في الخلق، واقتران الفرد بالفرد تحت عنوان الإنسانية، يكرس ضرورة الحوار كمخرج من أزمات العلاقة بين الأفراد على مختلف الأصعدة والمجالات، (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) (14)، وفي هذه الآية تكريس للدعوة والحوار، ومعلوم أن الكافر والملحد مشمول بتلك الدعوة، ولا يعقل أن تتم دعوة من لا وجود له ولا إنسانية، وهذا مقتضی تکریم الله عز وجل للإنسان عندما خاطبه بالدعوة، وأرسل إليه الرسل والأنبياء، لذلك فإن تصنيف أمير المؤمنين (عليه السلام) يأتي في سياق مقتضى التكريم الإلهي للإنسان، وذلك الموجود المكرم والمفضل على سائر المخلوقات، ومن ثم تأتي دوائر أضيق للتفضيل من خلال الاستجابة للدعوة والارتباط الحقيقي بقيم السماء.

الخاتمة:

ان التعامل الذي أظهرته الدراسات الحداثوية اليوم هو محاولة استبعاد كل ما هو اصيل في الدين الإسلامي، ولا يخفى على كل باحث في الدراسات الغربية نجدها تنادي في كل مرة بين الاصلاح والنهضة والتجديد بأفكار ترسم صورة على التعامل الانساني وتطبيقات حياته اليومية من تعامله مع الآخر وحريته وإنسانيته فنجد من نادي بالانسانية (15) اليوم كمفهوم وکنزعة منذ عصر النهضة وحتى عصر الحداثة وما بعدها، ولكن الإسلام سبق هذه التنظيرات قبل العقل الغربي الذي يتجه نحو: العدمية كنمط سلوكي يجعل الإنسان آلة خالي من القيم والشعور، و تارة يحاول أن يسلبه الحرية من الوجود ليستعبده، قال الإمام علي لابنه الحسن (عليهما السلام): ((ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا)) (16)، ومرة يقفده کینونة ذاتيته فتجعله نمطي خارج إبداعاته الروحية التي أودعت بها طاقات، وبهذا يفقد الإنسان القيمة الروحية والتاريخية الزمنية لوجوده من سلبه لهذه الذاتية التي اكد عليها أمير المؤمنين (عليه السلام): ((وكفى بالمرء جهلا ألا يعرف قدره)) (17)، أو قوله (عليه السلام): ((رحم الله إمراً تفكر فاعتبر واعتبر فأبصر...)) (18)، ومن هذا نستشف ان الانسان اليوم مفضل ومكرم بإنسانيته وكمالاته الروحية ليرتفع بها من الدونية الى العلية وهي التقوى وهذا ما أكدته نصوص القران العظيم وكلمات الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله) وأهل البيت (عليهم السلام).

الهوامش

1.

(اما اخ لك في الدين) انه مسلم، أي تلزمك حرمته. ينظر: نهج البلاغة: الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، جمعه الشريف الرضي/ شرح على محمد علي دخیل، دار المرتضی بیروت، ط 1، عام 1423 ه، 2003 م، 3/ 562.

2.

(واما نظير لك في الخلق) اي، انسان والانسانية تستوجب منك العطف عليه، ينظر: المصدر السابق، 3/ 562.

3.

المصدر السابق: 3/ 562.

4.

سورة الاسراء / 70.

5.

سورة الحجرات / 13.

6.

سورة الزمر / 9.

7.

مقدمة ابن خلدون: 403.

8.

التربية والحياة أو تعميم التعليم، محمد عطية الابراشي، المطبعة: عيسى البابي الحلبي - القاهرة، ط 1، ت: 1943: 24.

9.

بحار الأنوار، العلامة المجلسي، الناشر: دار احیاء التراث - بيروت، ط 2، ت: 1983 م: 16 / 210 باب مکارم اخلاق النبي.

10.

الرحمن / 10.

11.

ينظر: نهج أهل البيت عليهم السلام وثقافة التعايش، صاحب مهدي، بحث منشور على الانترنت: 5 http://www.alshirazi.net/maqalat/10.htm.

12.

الأعراف/ 12 - 18.

13.

ينظر: منتهى الآمال، عباس القمي: 1/ 85 - 86.

14.

آل عمران / 64.

15.

مصطلح: يدرس طبيعة الانسان وماهيته الانسانية، او يدرس البحوث المختصة بالإنسان، او يدرس المعايير او المعتقدات المتعلقة بالحاجات الانسانية، او دراسة الوجود الإنساني... ينظر: المعجم الموسوعي لمصطلحات الحداثة، اصدارات مركز الفكر الاسلامي المعاصر (1) 1433 ه - 2012 م لبنان، مط الرسل الفنية،، ج 1/ 143.

16.

نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 3، 13.

17.

نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 1، ص 50.

18.

نهج البلاغة، شرح محمد عبدة، ج 2، ص 200.

أهم المصادر والمراجع:

• القرآن الكريم خير ما نبتدئ به.
1.

بحار الأنوار، العلامة المجلسي، الناشر: دار احیاء التراث - بیروت، ط 2، ت: 1983 م.

2.

التربية والحياة أو تعميم التعليم، محمد عطية الابراشي، المطبعة: عيسى البابي الحلبي - القاهرة، ط 1، ت: 1943.

3.

شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، بيروت - لبنان، ط 2، ت: 1431 ه.

4.

المعجم الموسوعي لمصطلحات الحداثة، اصدارات مركز الفكر الاسلامي المعاصر (1) 1433 ه -2012 م لبنان، مط الرسل الفنية.

5.

مقدمة ابن خلدون، ابن خلدون، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 1، ت: 1421.

6.

منتهى الآمال، عباس القمي، طبع و نشر: مؤسسة النشر الاسلامي لاقم، ط 1، ت: 1425 ه.

7.

نهج البلاغة: الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، جمعه الشريف الرضي/ شرح على محمد علي دخيل، دار المرتضی بیروت، ط 1، عام 1423 ه، 2003 م

8.

نهج البلاغة، شرح محمد عبده، مطبعة القاهرة، ط 1، ت: 1987 م.

9.

نهج أهل البيت (عليهم السلام) وثقافة التعايش، صاحب مهدي، بلا ط، بلا ت.

العدالة الاجتماعية في ضوء عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر ... ((الطبقة السفلى أنموذجاً))

اشارة

إعداد

أ. م. د. طارق حسن کسار

جامعة ذي قار - كلية العلوم الإسلامية

المقدمة

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة والتسليم على نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين.

قال تعالى في كتابه الكريم ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربی وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)) سورة النحل: 90

إن فكرة العدل الاجتماعي قديمة العهد في تاريخ الجنس البشري، ولكن انحراف النفوس عن جادة الحق واستبداد الأقوياء من أمراء وحكام بالرعايا قد شوه معاني العدالة وطمس معالمها فاختلت موازينها وسادت الأهواء في كثير من أدوار التاريخ التي مرت بها البشرية.

هذا وقد ركز القرآن على مفهوم العدل إذ تكررت كلمة (العدل) ومشتقاتها في ما يقرب من ثلاثين آية، وكان العدل الأساس الثاني بعد التوحيد، واللذان دعا إليهما الأنبياء عليهم السلام عند بعثتهم للناس، إذ بعد التعريف بالله خالق الكون وأنه على البشر عبادته، بینوا أهمية العدل وكونه من الركائز المهمة في تبليغهم الرسالة الإلهية، قال تعالى: ((لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط .....)) سورة الحديد: 25، إذ يكون الهدف من خلق البشرية لغواً دون تحقيق العدل والعدالة في مجتمع يعتقد بالمساواة والأكرمية للبشر كافة

ولذلك جاء الأمر الإلهي بتطبيق العدل ((قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين کا بدأكم تعودون)) سورة الأعراف: 29، و ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)) سورة النحل: 90

ونتناول في هذا البحث العدالة الاجتماعية في ضوء عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر، وكيف أن الإمام أمر بالعدل في أكثر من موضع مما يتطلب ذلك عدة مجلدات، فلذلك تناولت جانبا واحدا في بحث مقتضب يتناول العدالة الاجتماعية للطبقة السفلى، وهي تمثل الفئة الغالبة في المجتمع، وقد قسمت البحث الذي وسمته ب « العدالة الاجتماعية في ضوء عهد أمير المؤمنين المالك الأشتر - الطبقة السفلى أنموذجاً» إلى مقدمة ومبحثين، تناول المبحث الأول

ماهية العدالة الاجتماعية وأسسها وذلك ضمن مطلبين، وأما المبحث الثاني فقد تناول ثلاثة مباحث، المبحث الأول فقد تناول طبقات الرعية، وأما المبحث الثاني فقد تطرق إلى والعدالة الاجتماعية بأصناف الطبقة السفلى ثم المبحث الثالث فقد عنی بتوصيات الإمام للراعي.

ونرجو أن نكون قد وفقنا في انجاز هذا البحث عن هذا الأمر الضروري المجتمعنا الذي بات محروما من ابسط مقومات العدالة الاجتماعية والتي نادى بها الإمام علي (عليه السلام) وأوصى عماله وولاته بها.. والحمد لله رب العالمين.

المبحث الأول ماهية العدالة الاجتماعية وأسسها وكيفية تطبيقها

المطلب الأول: ماهية العدالة

أولا: العدالة لغة:

ذكر الفراهيدي بأن العدل: هو «المرضي من الناس قوله وحكمه.... والعدل: نقيض الجور. يقال عدل على الرعية» (1)

أما ابن منظور فقد قال: «العدل: ما قام في النفوس أنه مستقیم، وهو ضد الجور .... والعدالة: وصف بالمصدر، معناه ذو عدل» (2)

وذكر في المفردات «عدل: العدالة والمعادلة لفظ يقتضي معنى المساواة ويستعمل باعتبار المضايفة والعدل والعديل يتقاربان..... فالعدل هو التقسيط على سواء» (3)

فمن هذه التعاريف اللغوية يتبين أن معنى العدالة في اللغة الاستقامة، والعدل هو المتوسط في الأمور من غير إفراط.

ثانياً العدالة اصطلاحاً:

مختلف مفهوم العدالة باختلاف العلم المنتسبة إليه، فعلماء الفقه ينظرون للعدالة كشرط لبعض الفروع الفقهية كثبوت الاجتهاد والمرجعية والأعلمية، والشهادة والقاضي وغير ذلك. وعلماء الأخلاق يعتبرونها صفة حميدة تحفز على احترام حقوق الآخرين، وعلماء القانون يعتبرونها أساسا لإحقاق القانون وسيادته، وهكذا في

العلوم الأخرى يرتبط تعريفها بالمجال الذي يختص به العلم.

أما العدالة في الإسلام فهي: «رعاية الحقوق العامة للمجتمع والأفراد، وإعطاء كل فرد من أفراد المجتمع ما يستحقه من حقوق واستحقاقات، والتوزيع العادل للثروات بين الناس، والمساواة في الفرص، وتوفير الحاجات الرئيسية بشكل عادل، واحترام حقوق الإنسان المعنوية والمادية» (4).

وذكر السيد الطباطبائي: «إن للعدالة وهي الاعتدال والتوسط بين النمطين: العالي والداني، والجانبين: الإفراط والتفريط قيمة حقيقية ووزنا عظيما في المجتمعات الإنسانية، والوسط العدل هو الجزء الجوهري الذي يركن إليه التركيب والتأليف الاجتماعي فإن الفرد العالي الشريف الذي يتلبس بالفضائل العالية الاجتماعية، ويمثل بغية الاجتماع النهائية لا يجود منه الزمان إلا بالنزر القليل والواحد بعد الواحد» (5)

بينما ذكر السيد مصطفى الخميني: «معنى العدالة في هذه المرحلة عدم الاحتجاب من الحق بالخلق» (6)

وقال جورج جرداق: «نضجت في ذهن الإمام القوي فكرة العدالة الاجتماعية على أساس من حقوق الجماعة التي لا بد لها إن تنتهي بإزالة الفروق الهائلة بين الطبقات التي يتخم ثريها وأميرها ويضوي فقيرها وصغيرها فكان صوته في معركة العدالة الاجتماعية هذه مدويا أبدا» (7)

بینما قول بعضهم بان العدالة هي وسط بين الظلم والانظلام... فهو مردود، فانَّ الانظلام يُقصَد به هنا قبول الظلم وعدم دفعه، فان عُدَّ هذا مشاركة في الظلم مع الظالم؛ لأنَّه كما لا يجوز ظلم الآخرين كذلك لا يجوز ظلم النفس إذن، فالانظلام ظلم وليس طرفا آخر للعدالة غير الظلم، وإلا فليس الانظلام قبيحا.

وعبر أرسطو عن العدل الاجتماعي بأنه «المطبق على أناس يشتركون في حياتهم ليحققوا استقلالهم والذين هم أحرار متساوون تناسبا إما شخصيا أو عددیا، وكلما كانت أموالهم ليست مكفولة لهم فلا عدل اجتماعي بالمعنى الأخص عندهم بين بعضهم والبعض» (8)

وهذه العدالة الاجتماعية عرضها العهد بتعبير اعم شمل مضمونه طبقات الناس وأبناء المجتمع كافة من أحرار وعبيد وعلى اختلاف أجناسهم ونحلهم دون تفريق أو تفضيل.

وسئل عليه السلام أيهما أفضل العدل أو الجود، فقال عليه السلام: العدل يضع الأمور مواضعها، والجود يخرجها من جهتها. والعدل سائس عام، والجود عارض خاص. فالعدل أشرفهما وأفضلهما» (9)

قال الشيخ مطهري: «العدل في نظر الإمام هو الأصل الذي يستطيع أن يصون توازن المجتمع ويرضيه ويهب له السلام والخير والطمأنينة والاستقرار» (10)

وحينما نلحظ كلمة: رعية فان لها مفهوم إنساني جميل في الإسلام وهي من مادة رعي أي حفظ وحرس وأطلق الرسول هذه الكلمة على الناس من جهة أن الحاكم في الإسلام عليه إن يتعهد بحفظهم وحراستهم في أنفسهم وأموالهم وحقوقهم وحرياتهم وقد روي عن النبي صلى الله عليه و آله: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) (11)

وبذلك تتحقق العدالة في المجتمع ويسود، وبحلول العدل في المجتمع يسود الخير والسلام والصلاح فيه «الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك هم الأمن وهم مهتدون» (12)

المطلب الثاني: أسس العدالة الإجتماعية:

1- المساواة:

وهي تعني رفض التمييز على أسس عنصرية أو عرقية أو مذهبية، وهذا قانون عام لا يمكن الحيود عنه قال تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» (13)، فأساس التفاضل هو التقوى، لكن من ناحية اجتماعية أيضا لا يمكن مساواة النشط مع الكسول في العمل ولا المبدع علميا مع الخامل في هذا المجال

قال تعالى: «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (14)، فلا يمكن المساواة بين رجل أبكم وغير قادر على شيء ولا يأت بخير ورجل ناطق يأمر بالعدل، وقد أكد الإسلام على مبدأ الإخاء «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ..». (15).

وقد أكد الرسول على مبدأ المساواة بين البشر إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أيها الناس! إن العربية ليست بأب والد، وإنما هو لسان ناطق، فمن تكلم به فهو عربي، ألا إنكم ولد آدم، و آدم من تراب وأكرمكم عند الله أتقاكم» (16).

هذا وإن الناس حسبما عبر الإمام علي ع لا تخلو من مناظرة في الدين أو الخلق فلا يصح أن يقسو على أخ له في الدين تربطه به وشيجة الدين والإيمان، ولا يقسو على أخ له في الخلق يحب ما يحب ويكره ما یکره، وهم كالجسد الواحد، في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و آله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (17)

لكن في مجتمعاتنا في العصر الحاضر نجد أن هذا المبدأ لا يعمل به، إذ التفرقة حاكمة في المجتمع على أساس العرق أو المذهب أو المصلحة الشخصية وغير ذلك، مما يستدعي إعادة النظر في هذا الأمر ومعالجة هذه الظاهرة، وسنبين خلال طیات البحث كيف إن الإمام يوصي بالمساواة ويأمر بها ولاته.

2- التوزيع العادل للثروات:

لابد من التوزيع العادل للثروات والمصالح على أفراد المجتمع لكونهم أعضاء في المجتمع ويخدمونه بما يمتلكون من قابلیات بل وحتى الذين لا يمكنهم العمل لا بد من شمولهم بما يؤمن العيش الكريم لهم.

وأقر الإسلام مجموعة من الواجبات المالية كالزكاة والخمس والكفارات والصدقات تفرض على البعض حتى لا يحصل ذلك التفاضل الكبير ولغرض استفادة الفقراء من أموالهم، قال تعالى «وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» (18) و «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتي المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتي الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون» (19)

وأكد القرآن على الاهتمام بالطبقات الاجتماعية الفقيرة، قال تعالى «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم» (20)

وكذلك الاهتمام بالمتعففين «للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون

ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسياهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم» (21)

3- احترام حقوق الإنسان

لقد كفل الإسلام للفرد في المجتمع حق الحرية لكنه مسؤول عن أفعاله واختياره، وتشمل حرية الفكر والمعتقد، وللإنسان الحق بأن يعيش حياة كريمة آمنة، يحياها ویمارس أنشطته بها، دون تقييد أو خوف، وله الحرية المطلقة بكيفية العيش، وليس لأحد التدخل به أو بشؤونه مادام يتصرف في حدوده، وحق الملكية لما يملكه ويتصرف فيه، وحرمة الاعتداء على أمواله قال تعالى «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما کسبا نکالا من الله والله عزيز حكيم» (22) و «ولا تأكلوا أموالكم بینکم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون» (23)

وكفل للفرد كذلك حق الكرامة للإنسان حق الكرامة فهو مكرمٌ عند ربه قال تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» (24) وحق التعليم وحق العمل، وأيضا حرر الإسلام المرأة من الظلم وأعطاها كافّة حقوقها، وحافظ عليها وسترها و کرمها،، وقد أعطاها الكثير من الحقوق المختلفة منها الحقّ في اختيار الزوج المناسب، وتكوين أسرة سعيدة ومثالية، ومنع تزويج الفتاة بالإكراه، بالإضافة إلى إعطائها الحقّ في التعليم.

4- التكافل الاجتماعي:

قال تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» (25)

يقول محمد أبو زهرة: (يقصد بالتكافل الاجتماعي في معناه اللفظي أن يكون

آحاد الشعب في كفالة جماعتهم وأن يكون كل قادر أو ذي سلطان كفيلاً في مجتمعه يمده بالخير وأن تكون كل القوى الإنسانية في المجتمع متلاقية في المحافظة على مصالح الآحاد ودفع الأضرار ثم المحافظة على دفع الأضرار عن البناء الاجتماعي وإقامته على أسس سليمة» (26)

ويمكن القول إن التكافل هو التزام الأفراد بعضهم نحو بعض؛ فكل فرد عليه واجب رعاية المجتمع و مصالحه. و ليس المقصود بالتكافل الاجتماعي في الإسلام مجرد التعاطف المعنوي من شعور الحب والمودة، بل يتضمن العمل الفعلي الإيجابي الذي يصل إلى حد المساعدة المادية للمحتاج و تأمين حاجته بما يحقق له حد الكفاية.

ومن مظاهر التكافل الاجتماعي كفالة كبار السن وكفالة الأرامل والأيتام وكفالة الفقراء والمساكين

5- وجود الحاكم العادل:

مهما كثرت الدعائم والأسس للعدالة الاجتماعية فإنها لا تتحقق إلا بوجود حاکم عادل يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية.

ولا بد للحاكم من صفات يمتاز بها تؤهله لقيادة رعيته، بيد أن هناك صفات خاصة رجحت كفة مالك واختياره من قبل أمير المؤمنين ع لهذه الولاية، فهو مالك بن الحارث بن عبد يغوث الكوفيّ، المعروف بالأشتر، وهو من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام). أدرك رسول الله وهو من ثقاة التابعين وكان رئیس قومه، وكان الإمام عليّ (عليه السلام) يثق به ويعتمد عليه، وطالما كان يُثني على وعيه وخبرته وبطولته وبصيرته وعظمته، ويفتخر بذلك.

أوّل حضور فاعل له كان في فتح دمشق و حرب اليرموك وفيها أُصيبت عينه

فاشتُهر بالأشتر، وكان طويل القامة، عريض الصدر، عدیم المثيل في الفروسيّة. وكان لمزاياه الأخلاقيّة ومروءته ومَنعته وهيبته وأُبّهته وحياته، تأثیر عجیب في نفوس الكوفييّن

وحينما أرسله الإمام عليه السلام قال: بعثت إليكم يا أهل مصر عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف «فمالك الاشتر معروف بحزمه وشجاعته وقوته في دينه وإيمانه وإخلاصه في أقواله وأفعاله ورجاحة عقله وحسن تدبيره فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيها طابق الحق فانه سيف من سيوف الله» (27).

وقد حكي: «أن مالك الأشتر کان مجتازا بسوق وعليه قميص خام، وعمامة منه، فرآه بعض السوقة فأزری بزیه، فرماه ببندقة تهاونا به، فمضى ولم يلتفت. فقيل له: ويلك أتعرف لمن رميت؟ فقال: لا. فقيل له: هذا مالك صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام). فارتعد الرجل، ومضى إليه ليعتذر إليه، وقد دخل مسجدا وهو قائم يصلي فلما انفتل انكب الرجل على قدميه يقبلهما. فقال: ما هذا الأمر؟ فقال: اعتذر إليك بما صنعت. فقال: لا بأس عليك، والله ما دخلت المسجد إلا لأستغفر لك» (28).

يقول الشيخ القمي: «انظر كيف كسب هذا الرجل الأخلاق من أمير المؤمنين (عليه السلام)، فمع انه من أمراء جيش أمير المؤمنين، وكان شجاعا، وشدید الشوكة» (29)

وبالجملة فمع هذه الجلالة والشجاعة والشدة والشوكة يصل به حسن خلقه إلى أن يستهزئ به رجل سوقي، فلا يظهر في حاله أي تغيير وتبدل، بل يذهب إلى المسجد ويصلي، ويدعو ويستغفر له. وإذا تلاحظ جيدا فان هذه الشجاعة التي عنده وغلبه هوى نفسه أعلى مرتبة من شجاعته البدنية. قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

(أشجع الناس من غلب هواه) (30)

هذه هي أهم أسس العدالة الاجتماعية وقد سلط عهد أمير المؤمنين ع الأضواء على جانب من عدالة السلطة ورعاية حقوق الإنسان في عهد أمير المؤمنين الإمام الخالد علي بن أبي طالب (عليه السلام) ويعتبر كدعامة أساسية للحق والعدالة في تاريخ البشرية

وكان الإمام هو الشخص الأول بعد النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي وضع القواعد الدستورية الإسلامية الحقة في موضعها الصحيح وإتباعه أقوم الأنظمة العادلة لحفظ التوازن بين طبقات المجتمع وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم أو بين الراعي والرعية وكذلك ضمان حقوق الإنسان على أساس العدل الاجتماعي والحق والمساواة، ولقد تجلى كل ذلك في سيرة الإمام العملية من خلال خطبه ورسائله ورقابته المستمرة إلى ولاته أو عماله على الولايات وكان القصد منها بناء سلطة عادلة قوامها الإدارة الذاتية للجماهير المؤمنة وتحريرها من كل الإدارات القمعية والفوقية أو التسلطية على أفراد المجتمع وتحرير الناس من آفة الفقر وتحقيق المساواة والعدالة المرجوة

ولأهمية موضوع العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان ولأخذ العبر والدروس المستنبطة من الوثائق المهمة التي دونها التاريخ بصدق بحق شخصية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ودوره في معالجة الفساد بأنواعه في السلطة ووقوفه دائماً في الدفاع عن حقوق الإنسان بعكس الكثير الذين يركضون وراء التهافت على السلطة وترك حقوق الإنسان عند الاستيلاء على كرسي الحكم... تناولت هذا الموضوع الحيوي المهم.. والذي سنعرض فيه التطبيقات العملية للعدالة الاجتماعية وخاصة فيما يتعلق بالطبقة السفلى في هذا العهد.

المبحث الثاني طبقات الرعية والعدالة الاجتماعية بأصناف الطبقة السفلى

وتوصيات الإمام للراعي

المطلب الأول: طبقات الرعية

قال الإمام علي (عليه السلام): «و اعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض و لا غنى ببعضها عن بعض فمنها جنود الله و منها كتاب العامة والخاصة و منها قضاة العدل و منها عمال الإنصاف و الرفق ومنها أهل الجزية و الخراج من أهل الذمة و مسلمة الناس، و منها التجار و أهل الصناعات و منها الطبقة السفلى من ذوي الحاجات و المسكنة».

إن تصنيف المجتمع إلى طبقات لا يمت إلى المال أو الجاه أو النسب أو الدين أو المذهب بصلة بل صنفه على أساس الأعمال والوظائف الاجتماعية التي ورثتها الإنسانية جيلا عن جيل. (لا يصلح ...) أي لا تستقيم الحياة في أي مجتمع ما لم تكن مصلحة مشتركة بين الجميع من فلاحين وعمال ومهندسين ومعلمين وعلماء .. الخ

ود ذكر الإمام (عليه السلام) تسع طبقات:

1.

جنود الله نسبهم الإمام إلى الله لأنهم يجاهدون في سبيله دفاعا عن الدين والمسلمين وبلادهم.

2.

کتاب العامة والخاصة: كتاب العامة من يحرر الشؤون العامة كالضرائب ونحوها، والمراد بالخاصة من يحرر للقاضي والوالي وآمر الجيش

3.

قضاة العدل

4.

عمال الإنصاف والرفق أي الولاة الذين يعينهم الخليفة لينصفوا الناس ويرفقوا بهم

5.

أهل الجزية من أهل الذمة وهم أهل الكتاب الذين يقبلون بشروط المسلمين

6.

الخراج من مسلمة الأمة الذين يدفعون الخراج وهم المسلمين

7.

التجار

8.

أهل الصناعات

9.

الطبقة السفلى: الفقراء والمساكين وذوي الحاجة من أرامل وأيتام والعاجزين عن العمل وكل کاسب لا يسد دخله نفقته ونفقة عياله (31)

فبعد تعرَّضه (عليه السلام) لأقسام الرعية وأصنافها، بيّن أن كل قسمٍ منها يحتاج للقسم الآخر ومرتبط به ارتباطاً عضوياً، حيث إنَّ كل تلك الأقسام تشكِّل نظاماً متكاملاً متماسكاً، فهي بمثابة الجسم الواحد، وعيّن لكل صنف مسؤوليته ومهمته حتى لا تتداخل الأمور وبالتالي تسود الفوضى.

ومن جانب آخر قسم الإمام (عليه السلام) الرعية إلى فئتين: العامة والخاصة، إذ قال (عليه السلام):

«وليكن أحبّ الأُمور إليك أوسطها في الحقّ وأعمّها في العدل وأجمعها للرعية فإنّ سخط العامة يجحف برضى الخاصّة وإنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضى العامّة. وليس أحد من الرعيّة أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء وأقلّ له معونة في البلاء وأكره للإنصاف وأسأل بالإلحاف وأقلّ شكراً عند الإعطاء وأبطأ عذراً عند المنع وأضعف صبراً عند ملمّات الأُمور ومن الخاصّة وإنّما عمود الدين وجماع المسلمين والعدّة للأعداء أهل العامّة من الأمّة فليكن لهم صَغوك واعمد لأعمّ الأُمور منفعة وخيرها عاقبة ولا قوّة إلاّ بالله»

لقد حث الإمام علي (عليه السلام) على ضرورة الصلة الحية بين الوالي والعامة من الأمة، مشيراً إلى أن الأمة تنقسم إلى العامة «أي الأكثرية»، والخاصة أي الطبقة

التي تشكل فئة الأثرياء والوجهاء.

وقد يكون تضامن الولاة مع بعض المراتب الاجتماعية يؤثر سلباً أو إيجابا على مرتبة دون أخرى.

وهنا أصبح الوالي ملزماً بتحقيق المعادلة المتزنة بين الطبقتين ولا يخطئ بالتمسك فقط بالطبقة الخاصة أو العليا، وبذلك يخسر الطبقة الأخرى الواسعة وهي ذات الطابع الاجتماعي الكبير من متوسطي الدخل وتجار صغار وعمال وفلاحين و فقراء ومساکین وغيرهم، بينما التقرب من العامة هو الأسلم وقد لا يخسر كل الطبقة الخاصة، لأن العامة من الأمة هي المصدر الدائم للواردات الاجتماعية المتجددة التي تمد المجتمع بالعطاء الإنتاجي والثقافي والاجتماعي وبذلك يكون العامة من الشعب أو الأمة هم عماد الدين وجماع المسلمين،

إرضاء العامة

ولكون العامة كما ذكر يشكلون الأكثرية الساحقة من الشعب من ذوي المهن والحرف وغيرهم فإن الحكومة مدعوة لإرضائهم وتنفيذ رغباتهم المشروعة،

وقد حكى هذا المقطع من العهد مدى أهمية العامة عند الإمام وأن رضاهم موجب لنجاح الحكومة وسخطهم موجب لدمارها، وأن العامة هم الذخيرة للدولة بخلاف الخاصة الذين هم أكره للإنصاف وأقل شكراً عند العطاء، وإن عماد الدين وقوام السلطة إنما هو بالعامة دون الخاصة.

المطلب الثاني: العدالة الاجتماعية بأصناف الطبقة السفلى

ذكر الإمام علي (عليه السلام) في العهد: «ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين و المحتاجين و أهل البؤسي و الزمني فان في هذه الطبقة قانعا و معترا واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم واجعل لهم قسما من بیت مالك و قسما من غلات صوافي الإسلام في كل بلد فان للأقصى منهم مثل الذي للأدنى و كل قد استرعیت حقه ولا يشغلنك عنهم بطر فانك لا تعذر بتضييع التافه لأحكامك الكثير المهم. فلا تشخص همك عنهم، ولا تصعر خدك لهم، و تفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمة العيون و تحتقره الرجال ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية و التواضع فليرفع إليك أمورهم ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه فان هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم و كل فاعذر إلى الله في تأدية حقه إليه، و تعهد أهل اليتم و ذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له و لا ينصب للمسالة نفسه و ذلك على الولاة ثقيل و الحق كله ثقيل)

ونبين هنا معاني بعض المفردات التي وردت في هذا النص من كتب اللغة:

فقد ذكر الفراهيدي: «القانع: السائل، والمعتر: المعترض له من غير طلب» (32)

وقال ابن منظور: «الفقراء الزمني الضعاف الذين لا حرفة لهم لسان العرب» (33)

بينما ذكر في تاج العروس: «الفقير من له بلغة: من العيش، والمسكين: من لا شئ له» (34)

أما ابن منظور فقال: «فأما المسكين فالذي قد أذله الفقر، فإذا كان هذا إنما مسکنته من جهة الفقر» (35)

«والزمانة: العاهة، زمن يزمن زمنا وزمنة وزمانة، فهو زمن، والجمع زمنون، وزمين، والجمع زمني لأنه جنس للبلايا التي يصابون بها ويدخلون فيها وهم لها

کارهون .... والسطيح: المستلقي على قفاه من الزمانة لسان العرب» (36)

أما البائس فقد قال سيبويه: البائس من الألفاظ المترحم بها كالمسكين... والبؤسی: خلاف النعمي. (37)

وأما الصوافي فهي: «الأملاك والأرض التي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها، واحدتها صافية. واستصفی صفو الشي: أخذه» (38)

لقد اهتم الإمام (عليه السلام) كثيراً بطبقة الفقراء والمساكين أو الكادحين وذوي الحاجة والذي فاق سائر الطبقات لأنه كان يعيش بقلبه وروحه وجسمه وسائر شؤونه مع هذه الطبقة، ولقد عاش آلام المحرومين منهم والمعذبين وهو خليفة المسلمين، فهو يوصي ولاته بإعطاء حقوقهم كما ينبغي من بيت مال المسلمين وتنفيذ احتياجاتهم.

عن الاصبغ بن نباتة، قال: سمعت عمار بن یاسر يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): يا علي، إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إلى الله منها، زینك بالزهد في الدنيا، وجعلك لا ترزأ منها شيئا، ولا ترزأ منك شيئا، ووهب لك حب المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعا، ويرضون بك إماما، فطوبى لمن أحبك وصدق فيك (39)

وقد سعى أمير المؤمنين (عليه السلام) جاهداً لرفع الغُبن والحيف عن هذه الطبقة، خلال الفترة القصيرة التي حكم فيها، وهي خمس سنوات، وقد نجح إلى حدٍ بعيدٍ في هذا الاتجاه، وإن كانت المدة التي حكم فيها غير كافية لقلع جذور الفقر والاستضعاف.

يقول جورج جرداق: «إنَّ لعلي بن أبي طالب في حقوق الإنسان أصولاً وآراء، تمتد لها في الأرض جذور وتعلو لها فروع» (40)

ويتضح من سياسة الإمام علي عليه السلام مدى حرصه على رعاية حقوق أفراد الأمة والوقوف بجانب المستضعفين دائماً، لأنهم يحتاجون إلى رعاية الوالي، وربما يطرح السؤال التالي: ما هي الأسباب التي دعت الإمام (عليه السلام) إلى اتخاذ هذا الموقف، وما العوامل التي ساهمت في دعمه للفقراء والمستضعفين ومناوأة الأقوياء المستغلين؟

إن مجمل سيرة الإمام (عليه السلام) منذ طفولته وحتى توليه الخلافة والظروف التي أحاطت بها تجيب على هذا التساؤل، وربما يمكننا عرض بعض النقاط التي قد تساعد على إبراز الملامح الأساسية في شخصية الإمام (عليه السلام) وتفسر موقفه الخاص من المستضعفين، وهي:

1.

إن الظروف الاقتصادية الصعبة التي نشأ فيها الإمام ع جعلته يشعر بمعاناة الفقراء والمحتاجين، وينفر من حياة الأغنياء، ويرى في ذلك مظهراً من مظاهر الظلم والاستغلال للفقراء والمعذبين، قال الإمام علي (عليه السلام): (إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء فما جاع فقير إلا بما متع به غني والله تعالى سائلهم عن ذلك) (41)

2.

إن نشأة الإمام علي (عليه السلام) في بيت النبوة وصحبته الطويلة للرسول الأكرم ص وإيمانه بالإسلام منذ وقت مبكر قد جعله يستوعب ويتشبع بقيم الدين ومثله العُليا، والتي يمكن إيجاز الجوانب الاجتماعية منها في النقاط التالية:

أ- إن الناس عباد الله وخلقه، وان التفاضل بينهم في الإسلام لا يقوم على أساس الثروة والنسب وإنما على أساس التقوى والعمل الصالح.

ب- إن المال مال الله، والناس مستخلفون للعمل فيه واستثماره وفقاً لأوامر الله، فلا

يجوز لصاحب المال أن يحتكر المال أو يتخذه أداة للظلم والاستغلال والتعالي على الفقراء والمحتاجين، بل إن من واجبه أن يضع هذا المال في خدمة الناس والمجتمع.

ج- إن الحياة الدنيا طريق الآخرة فلا ينبغي للإنسان أن يتشبث بأسباب الدنيا ويتعلق بها كأنه مخلد فيها، وإنما عليه يتزود منها تزود الزاهد الذي يرى في كثرة المال عبئاً يعيق الحركة لذا عاش الإمام ع قليل المال زاهداً منه حتى بعد أن أقبلت الدنيا على المسلمين وغدا بإمكانه أن يجمع من المال والثروة ما شاء..

3. إن قوة الإمام (عليه السلام) وشجاعته وروح الفروسية التي كان يتحلى بها قد جعلته يؤمن بالحق ويدافع عنه ولا يقبل المساومة عليه لذا كانت سياسته امتداداً لسياسة النبي الأكرم «ص» ومكافحة الباطل والمنافع الدنيوية التي تقوم عليها الدول الإمبراطورية والملكية التي يتخللها الاستبداد وغصب حقوق الآخرين

وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الاشتر «ثم الله الله في الطبقة السفلى.. وذوي الرقة... والحق كله ثقيل»

فالإمام (عليه السلام) يوصي مالك في قوله:... الله الله - يا مالك - في الطبقة السفلي من الذين لا حيلة لهم: أي لا سبيل لهم لإدارة أمورهم، من المساكين: المسكين هو الذي أسكنه الفقر من الحركة، والمحتاجين - المحتاج هو صاحب الحاجة، وأهل البؤسي - أي شديدي الفقر - والزمني - أي ذوي الأمراض والعاهات التي تمنع عن العمل، فإن في هذه الطبقة قانعاً: أي سائلاً، ومعترّاً - أي متعرّضاً للعطاء بلا سؤال، واحفظ لله ما استحفظك من حقّه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلّات صوافي الإسلام في كلّ بلد، وصوافي الإسلام وهي الارضون التي لم يوجف عليها بخيل أو رکاب وهي صافية لرسول الله فلما توفي صارت لفقراء المسلمين، أو هي كل مال مشاع للمسلمين.

وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن

وخص الإمام الأيتام والشيوخ العجزة بالرعاية لأنهم أولى من غيرهم، وهذا يصعب على الوالي أن يتفقد ذلك إلا إذا كان قويا في إيمانه تهون عليه الصعاب طلبا لمرضاة الله.

المطلب الثالث: وصايا الإمام ع بحق الطبقة السفلى

يوصي الإمام بالطبقة السفلى لأنهم ليسوا من الجند أو القضاة أو الموظفين أو الصناع وإنما من العمال المأجورين في الزراعة والبيوت، وفي محلات التجارة وعمال البناء ومن الشيوخ والعجزة والعاطلين عن العمل وغيرهم.

وهم الغالبية العظمى في اغلب الشعوب إضافة إلى كونها الطبقة المستغلة والمضطهدة من بين طبقات المجتمع، فالأغنياء لا يعطونهم من ثمن الخدمات إلا دون الكفاف، وهم يتأثرون بالوضع الاقتصادي أكثر من غيرهم، وهذه بعض وصایا الإمام (عليه السلام) والتي قسم منها ينطبق على طبقات أخرى والقسم الآخر ينطبق عليها بصورة خاصة.

وهذه جملة من وصاياه (عليه السلام):

1. أول شيء أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) به لمالك الأشتر بعد أمره بتقوى الله وإيثار طاعته والالتزام بما جاء في الكتاب الكريم أن يكون محبَّاً للرعية، محترماً لمشاعر الناس من أي فئة كانوا، سواء كانوا مسلمين أم من أهل الأديان الأخرى، قال (عليه السلام): «وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»، وفي هذا تثبیت لإنسانية الإسلام واحترامه لمشاعر الناس،

وتقوية لبنية النظام والحكومة، «أشعر قلبك الرحمة»: أي اجعلها كالشعار له، وهو الثوب الملاصق للجسد لأن الرعية إما أخوك في الدين أو إنسان مثلك تقتضي رقة الجنسية و طبع البشرية الرحمة له» (42)

فليس للوالي إلا اللطف والمبرة بها، فالقائد الذي يمنح رعيته الحب والعاطفة يكسب في المقابل حبهم وثقتهم وعاطفتهم، وأن لا يشمخ عليهم بولايته ويكون سبعاً ضارياً عليهم.

وكأنه لضمان العلاقة بين الراعي والرعية لا يكتفي بمجرد رعاية الوالي للرحمة والمحبة واللطف في التعامل مع الرعية وبجميع مكوناتها المختلفة

المطلوب هو الانطلاق من الذات، ومن المركز الستراتيجي للذات، الانطلاق من القلب، لتبدأ بزراعة الحب والرحمة واللطف، حتى يتحول ذلك الحب الذي يسع جميع مكونات النسيج الاجتماعي إلى ملكة، فتحب الرعية بتعدديتها حبّاً متواصلاً و نابعاً من القلب

يشير (عليه السلام) إلى عدم جدوى كل ما تقدّم ما لم يعزّز بتكريس حقوق الرعية، وتحاشي الإضرار بها، و بمكوّناتها المختلفة بقوله: ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً - أي تضرهم - تغتنم أكلهم - أي تهضم حقوقهم.

2. العفو عن المسيئين: «يفرط بينهم الزلل، وتعرض لهم العلل»، وعليه أن لا يحاسبهم على ما صدر منهم من علل أو زلل، ويمنحهم العفو والرضا لتنعم البلاد بالأمن وتسود فيها ويستمر الإمام عليه السلام في عهده بالرفق بالرعية ولا يصح أن يتخذ الحاكم أمر الزلل في حياة الناس حجة لاضطهادهم وعقوبتهم والتشديد عليهم، فالأخطاء توقعهم في الزلات فيتعامل الحاكم معهم بالرفق والعفو دون العنف إلا في حالة الإصرار على الجرائم والكبائر.

وقال الإمام (عليه السلام): «فأعطهم من عفوك وصفحك، مثل الذي تحب أن يعطيك الله تعالى من عفوه و صفحه»

إذ يؤصّل عليه السلام للعفو والصفح لخلق الأرضية الخصبة للتسامح، إذ يقول: فأعطهم من عفوك وصفحك... و لاتندمن على عفو - إذ العفو أحسن عاقبة من الانتقام «ولا تبجحن بعقوبة» أي لا تفرحن بسبب ما عاقبت به أحداً، فإن العقوبة شرّ عاقبة مهما كانت حقاً.

يقول (عليه السلام): فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ أن يعطيك الله من عفوه و صفحه، «ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة... ولا تقولن: إني مؤمرٍ أمر فأطاع فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين، وتقرب من الغير» حکی هذا المقطع الأساليب التي يجب أن تتوفر في الولاة من عدم الندم على عفو اصدر على مواطن، وعدم التبجح بعقوبة انزلوها على أحد، وليس له الاعتزال بالسلطة والغرور بالحكم، فإن في ذلك مفسدة للدين ومفسدة للمواطنين، وعليهم أن ينظروا إلى قدرة الله، عليهم فإنه المالك لهم. فقد قال الإمام إن التبجح بالسلطان.. (فإن في ذلك ادغال في القلب) أي إفساد ومنهكة للدين (أي ضعف للدين) وتقرب من الغير (أي تقلب الأحوال» وعلى ضوء ذلك يسقط الحاكم

3. جاء الأمر بإنصاف الناس في سياسته وإنصافهم من خاصة أهله والتابعين له، فإن ذلك من أسمى ألوان العدل الذي تبناه الإمام في حكومته، وهذه کلماته قال (عليه السلام): «أنصف الله تعالى، وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوی من رعیتك فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله تعالى، كان الله عز اسمه خصمه دون عباده»

وذكر الإمام (عليه السلام): ولا تنصبن نفسك لحرب الله فان لا يدلك بنقمته

(أي قدرة لديك) ولا غني لك عن عفوه» لأن من يظلم الناس يدخل في دائرة محاربة الله فهم عباده.

«ومن ظلم عباد الله.. كان لله حربا حتى ينزع أو يتوب» فظلم العباد يعني إعلان الحرب على الله تعالى

4. والملاحظ أنَّ الأمير (عليه السلام) طلب من واليه على مصر أن يُشرف بنفسه على أوضاع هذه الفئة، مضافاً إلى الإشراف العام، وحذَّره من التهاون في تنفيذ حاجياتهم، وأداء حقوقهم المالية والقانونية والشرعية و اجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك و تجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك

«واجعل لذوي الحاجات منك قسما» خصص من وقتك لسماع طلباتهم وحوائجهم فلا تجعل بينك وبينهم حجابا. (43)

5.

وإياك و المن على رعيتك بإحسانك أو التزيد فيما كان من فعلك أو إن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك فان المن يبطل الإحسان و التزيد يذهب بنور الحق و الخلف يوجب المقت عند الله و الناس، قال الله سبحانه و تعالى كبر مقتا عند الله إن تقولوا ما لا تفعلون.

6.

عدم الاحتجاب عن الرعية: مما لا شك فيه إن السلطة هي سريعة الانعزال عن الجماهير أو الناس لماذا؟ وذلك لأنها كما هو واضح تشكل حول نفسها بما تملكه من نفوذ وقوة أي كيان عسكري لحمايتها وغيرها من الأمور مثل المال أو الثروة الطائلة والمهمات والأعمال، وان السلطة العليا تزداد عزلة كلما ازدادت طبقية وطغياناً وابتعاداً عن الجماهير، وفي اغلب الأحيان يلعب الوسطاء دوراً سيئاً أو مشوهاً عن الصور الحية للجماهير مما يعيق عملية النمو الحضاري والتقدم

الاجتماعي فتصادر بذلك حقوق الناس ولأنه قد يجد الوسطاء أنفسهم بدلاء عن قنوات الصلة الحقيقية للدولة والشعب وبذلك تضطرب عملية التفاعل الصحيح بين المجتمع والدولة وتتجه الجماهير إلى الابتعاد عن السلطة...

7.

قال الإمام علي (عليه السلام) في كتابه إلى الاشتر «وأما بعد هذا فلا يطولن احتجابك عن رعيتك فان احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم الأمور والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل.

8.

وهكذا تتسامی شخصية الوالي في تواضعها كما يصفها أمير المؤمنين عندما تلتقي بالرعية وذوي الحاجات، ويطلع على أحوالهم ويحل مشاكلهم وبعيداً عن شرطة وهيبة السلطان حتى يعطي الحرية التامة في التحدث والتعبير عن الآراء بدون اضطراب ولا خوف ولا تكون امة طاهرة مستقيمة نزيهة إذا لم يؤخذ حق الضعيف وبلا تردد أو خوف.

وما يسببه الاحتجاب: ضياع الثقة وهدم روح التضامن والتقارب بين الراعي والرعية

«الوالي الذي يحتجب عن شعبه ويكون بمعزل عنه وترفع عليه يعود بالأضرار البالغة عليه والتي منها فتح أبواب المعارضة عليه ونقمة المجتمع منه وكراهيتهم الحكمه وسلطانه» (44)

ولقد جاء في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما يتعلق بقواعد وأصول مهمة تتعلق بالحكم والقضاء حيث قال بوصيته إلى مالك الاشتر، ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك من لا تضيق به الأمور ولا تحكه الخصوم ولا يتمادی في الذلة ولا يحصر من الفي إلى الحق إذا عرفه..

وفي هذا الكلام المهم المتعلق في حياة الناس وما يتعلق بالحاكم والمحكوم وكيفية اختيار الحاكم أو القاضي العادل والصبور الذي لا يتمادى في الذلة ولا يتزعزع وغير عجول في اتخاذ القرار ولا يقبل الهدية ولا الوساطة ولا القرابة، هذا هو عهد الراعي إلا مثل لرعيته منذ توليه الخلافة.

9. وقال الإمام (عليه السلام) «وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فان في إصلاحه وإصلاحهم صلاحاً لمن سواهم ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لان الناس كلهم عيال على الخراج وأهله، .... وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر»

ذكر الطريحي (اسم الخراج يطلق على الضريبة والفيء والجزية والغلة ومنه خراج العراقين» (45)

مما يتضح إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد أولى أهمية قصوى على طبقة المتمولين أو أهل الخراج من طبقات المجتمع، وبمعنى أن خزينة الدولة جيوب رعاياها أي إن الدولة تعتمد في تلافي الأموال اللازمة لنفقاتها المبرمة على الضرائب التي تجبيها من الشعب وكلما زاد الإنتاج الزراعي والصناعي والتجاري زادت الثروة الشعبية وتجلت المنافع الوطنية فليس من الحزم إن تكون الضرائب حائلاً دون الرقي الشعبي ولقد جاء في احد الأقوال لأمير المؤمنين «لا يكون عمران حيث يجور السلطان» (46)، حيث إن الضرائب والتكاليف الثقيلة أعظم في ويلاتها من المنافع التي تتوخاها الحكومة بتوسيع دائرة اختصاصها.

وخراب الأرض وفسادها هو بسبب (إعواز أهلها) فقرهم، وسبب وسبب ذلك هو طمع ولاتهم في الجباية وجمع الأموال لأنفسهم وسوء ظنهم بالبقاء يظنون طول البقاء

وينسون الموت أو إنهم يعتقدون أنهم سينعزلون وينفصلون عن الوظيفة فينتهزون الفرص لاقتطاع الأموال فانصرفوا عن عمارة البلاد.

10. العدل في العطاء: دعاه إلى أن لا يميّز بين القريب والبعيد في عطاءاته من بيت المال؛ لأنّ المسلمين سواءٌ في تناول الحقوق المالية من بيت المال، وقد عانى الناس من التمييز في العطاء أثناء العهد السابق، فكان ذلك من الأسباب التي دعتهم إلى الثورة على عثمان بن عفان.

قال (عليه السلام): «أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ»

ثمَّ ذكّره بأن يكون هدفه وغايته إقامة العدل، وإحياء الحق، الغاية والهدف الذي من أجله أُرسل الأنبياء والرسل، حتى ينعم الناس بالعدالة والمساواة، فبالعدل فقط تقوم الأنظمة وتستمر، ويصير للحياة مفهومها ومعناها. أما الحياة في ظل حاكمٍ ظالم، فهي بمثابة السجن

«ولا تقولن أني مؤمر عليكم أمر فأطاع) فيستغل منصبه لاستذلال الناس وظلمهم وإذا اضطهدهم أدى ذلك إلى إضعاف دور الدين في حياة الناس ونفورهم عنه

أما الوصايا الخاصة بالطبقة السفلى إضافة إلى ما ذكر:

1.

فإنّ للأقصى منهم مثل الذي للأدنى: أي لا تؤثر أقرباءك أو احد من خاصتك على البعيد الذي ليس له علاقة معك، أو لا تصرف الصوافي إلا في المساكين هذا البلد دون البلد البعيد

2.

ولا تشخص همك عنهم أي لا تصرفك مسؤولياتك عن ملاحظة شؤونهم،

3.

تفقد أمور من لا يصل إليك منهم من تقتحمة العين أي تكره أن تنظر إليه احتقارا

4.

فرغ إليهم ثقتك من رجالك لتفقد أحوالهم ممن عرفوا بالتواضع والعبادة

5.

فلا يشغلنك عنهم بطر - أي طغيان الملك والنعمة -، فإنك لا تعذر -

أي لا يقبل الله ولا الناس عذرك التافه القليل، فلا تعذر بتضييعه إن أديت الواجبات المهمة، (لا تعذر بتضعينك التافه) أنت مطالب و مسؤول عن كل كبيرة وصغيرة في الرعية ولا تشغلك كبائر الأمور عن صغارها فلابد من الاهتمام بحاجة كل محتاج وان كانت من التوافه فرب تافه في نظر الناس هو مسالة حياة أو موت عند من يحتاج إليه

6.

ولا تصعر خدك: أي دع الكبر والإعجاب

7.

(واجعل لهم قسما من مالك) يأمر الإمام أن تكون النفقة على المحتاجين وان يخصص الوالي لهم قسما من الميزانية لتكون حقا مضمونا کرواتب الآخرين، وأما (صوافي الإسلام) فهي ليس سهم النبي ص فقط بل الأموال المشاعة بين المسلمين كافة.

8.

ولا تشخص همك عنهم: لا تترفع عن خدمة البائسين ولا تبخل بسعيك لحل مشاكلهم

9. ثم نصح الإمام عامله أن يعين أشخاصا من الأبرار المؤتمنين على مصائر الخلق يتفرغون للبحث عن أحوال الناس ذوي الحاجات ويصغون لمطالبهم ويرفعونها إليه ليعمل على انجازها

لقد حذر الإمام (عليه السلام) الوالي من أمرين هما:

1.

أن يمن على رعيته بما يسديه من إحسان إليهم فانه ذاهب إليه.

2.

وان يعدهم بإحسان ثم يخالف ما وعده فان هذا مما يوجب مقت الله تعالى ومقت الناس (47)

قال الفكيكي: (له شأنٌ أيُ شأنٍ، وآراؤه فيها (حقوق الإنسان) تتَّصل اتصالاً كثيراً بالإسلام يومذاك، وهي تدور على محور من رفع الاستبداد والقضاء على التفاوت الطبقي). (48)

ومَن عرف علي بن أبي طالب وموقفه من قضايا المجتمع، أدرك أنَّه السيف المسلَّط على رقاب المستبدِّين الطُّغاة، وأنَّه الساعي في تركيز العدالة الاجتماعية بآرائه وأدبه وحكومته وسياسته. (49)

الخاتمة والتوصيات:

إن مدرسة علي بن أبي طالب عليه السلام التربوية هي مدرسة البشر التاريخية على مر الأجيال، ولأنها مدرسة جامعة لكل المبادئ الهادفة إلى قيام أنموذج الإنسان الأمثل، والذي ظل دائماً حلم البشرية ومناط أمل المصلحين ودعوات الدعاة.

وكم نحن بحاجة لهذه الدساتير والوثائق في واقع الشعوب الإسلامية والعربية المرير وخاصة ما تمر به من مآسٍ وويلات وإضاعة حقوق الناس وخاصة المستضعفين، كل هذا جاء نتيجة لهبوط نسبي في ثقافة الحق والعدل والصفات السامية التي كان يؤكد عليها أمير المؤمنين ع في التكامل الإنساني مع الرعية وبالمقابل نجد هنالك تنامياً وصعوداً كبيراً في ثقافة التسلط والعنف واستغلال كرسي الحكم وهضم حقوق الآخرين.

لقد حقق علي ابن أبي طالب (عليه السلام) في دور حكومته أهم ما يتطلبه الإسلام من أهداف فقد قضى على الغبن الاجتماعي والظلم الاجتماعي وحقق للمسلمين أهم ما يصبون إليه من العدالة والمساواة، فقد التزم الإمام بالحق حتى وُصف على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) «علي مع الحق والحق مع علي»

ولو أردنا استقراء نظامه في الحكم نجد إن كثيراً من الدساتير العالمية المتطورة الحديثة تأخذ مضامينها من ذلك النظام العادل والنظرة السامية لحقوق الإنسان وخاصة عهده (عليه السلام) إلى الصحابي مالك الاشتر حين ولاه مصر وإعمالها حيث يعد في طليعة الآثار الخالدة لما اشتمل عليه من قواعد وأصول تتعلق بالإدارة والقضاء ولقد احتوى على فصول مهمة حددت القواعد التشريعية والسياسية والإدارية والقضائية والمالية والنظريات الدستورية ولأهمية هذا العهد الخالد وعظمته فقد انبرى علماء ومفكرون على شرحه ودراسته

وتبعاً لمنطلقات العدل المتكامل كان علي ابن أبي طالب (عليه السلام) یركز على عملية التغيير الاجتماعي وهي إحقاق الحق بين طبقات الأمة وفقاً لدور تلك الطبقات في البناء الاجتماعي حيث وكما هو معروف إن فكرة العدل قائمة في التطبيق الاجتماعي لها ومن وجهة نظر الإصلاح الإنساني، وما فائدة العدل الفردي إذا كانت شروط العدل الاجتماعي معدومة لان العدل الفردي يخص فرداً واحداً فيما يخص العدل الاجتماعي للبشرية جماعات وأفراداً.

وهذه جملة من التوصيات:

1. إن البشرية واحدة في الأصل الإنساني، والناس أبناء أسرة وعائلة إنسانية واحدة، والله عز وجل هو الذي كرّم الإنسان دون تمييز قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا» سورة النساء الآية: 1.

فالكل مخلوق من نفس واحدة،، فلا داعي للتمييز والتفرقة في الامتيازات والعطايا.

2. الحفاظ على كرامة الرعية وان لا تترك لتعاني الفقر والعوز كما في قوله: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» سورة الإسراء الآية: 70

ويحدد الله عز وجل معيار التفاضل بالتقوى «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» سورة الحجرات: الآية: 13.

3. حث الأغنياء على مساعد الفقراء وتجاوز محنهم وحفظ ماء وجههم، وقد أكد الإسلام على التكافل الاجتماعي، ونلاحظ تأكيد المرجعية الرشيدة تحث دائماً على هذا الأمر، وأولت موضوع الفقراء اهتماما خاصا، بل وأكدت ذلك من

خلال مساعدتها للفقراء والنازحين.

4.

ترتیب معاش للمعوزين رعاية اجتماعية وصرف مخصصات إضافية لهم لتشمل أطفالهم

5.

وحبذا لو تشكل لجان في وزارة التعليم العالي والتربية لادارج نهج البلاغة في الكتب الدراسية المنهجية في التعليم الثانوي والجامعي، لأنه يشيع ثقافة السلطة العادلة والتي نحن بحاجة إليها في كل وقت وخاصة الوقت الحاضر، ومن المؤسف إن تؤخذ مضامين هذا الكتاب وهذا العهد من دول غربية لا علاقة لها بالإسلام وتطبق بنود كثيرة في السلطة والقضاء وحقوق الإنسان وغيرها، ونحن في الدول العربية والإسلامية بعيدون كل البعد عن ذلك، فمن العجيب إن نرى نهج البلاغة غريبا حتى في الأوساط الشيعية بل وحتى الحوزات العلمية والكليات الإسلامية.

6.

إن عدم الاهتمام بالرعية والطبقة السفلى وإهمال شانهم وعدم رعايتهم وعدم بذل المساعدة لهم، قد جر على كثير من الممالك عظيم الويلات وأنواع الكوارث التي عصفت بالبلاد وبعظماء السلاطين مما أدى إلى تفشي الفساد في الحال والعقيدة وغير ذلك. قال رسول الله: إذا بغض الناس فقراءهم واظهروا عمارة الدنيا رماهم الله بأربع خصال بالقحط من الزمان

7.

من أعدى أعداء العدل هو التحيز والميل لإنسان دون أخر بحيث يعطيه أكثر من حقه وينقص الآخر، فالقاضي عليه إن يطبق القانون على الأفراد بدون ميل لأحد على حساب الآخر، ومن أسباب التحيز: الأقارب حسن المظهر وفصاحة قوله المصلحة الشخصية ومنصبه ومعارفه.

والحمد لله رب العالمين

فهرست الهوامش

1.

کتاب العين - الخليل الفراهيدي 2 : 38، 39

2.

لسان العرب - ابن منظور 11: 430

3.

مفردات غريب القرآن - الراغب الاصفهاني

4.

العدالة الاجتماعية في القرآن الكريم عبدالله احمد اليوسف ص 28 29

5.

تفسير الميزان، ج 6 ص 205

6.

تفسير القرآن الكريم ج 2 ص 237

7.

الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، جورج جرداق: ص 112

8.

علم الأخلاق أرسطو طاليس ص 129

9.

نهج البلاغة - خطب الإمام علي عليه السلام ج 4 ص 102:

10.

في رحاب نهج البلاغة مرتضى المطهري ص 87

11.

بحار الأنوار 72: 38

12.

مستدرك الوسائل، لميرزا النوري 12 / 89 / 13598

13.

کنز العمال - المتقي الهندي 737

14.

التكافل الاجتماعي في الإسلام لأبي زهرة ص 7

15.

ظ: في ظلال نهج البلاغة ج 5 محمد مغنية ص 391

16.

سفينة البحار: الشيخ عباس القمي، ج 1، ص 686،

17.

منازل الآخرة والمطالب الفاخرة - الشيخ عباس القمي ص 210

18.

بحار الأنوار 67: 76

19.

ظ: في ظلال نهج البلاغة مغنية ج 5 نهج البلاغة مغنية ج 5 ص 396 - 398

20.

كتاب العين - الخليل الفراهيدي ج 1 ص 170:

21.

ابن منظور ج 5 ص 61:

22.

تاج العروس - الزبيدي ج 3 ص 473:

23.

لسان العرب - ابن منظور ج 5 ص 61:

24.

لسان العرب، ابن منظور ج 2 ص 483، ج 13 ص 199

25.

لسان العرب - ابن منظور ج 6 ص 21:

26.

لسان العرب - ابن منظور ج 14 ص 463:

27.

الأمالي - الشيخ الطوسي ص 181

28.

علي وحقوق الإنسان، ص 105.

29.

نهج البلاغة - خطب الإمام علي عليه السلام 4: 78: 328

30.

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 17: 33

31.

ظ: في ظلال نهج البلاغة، مغنية، 397

32.

شرح العهد الدولي للإمام أمير المؤمنين (علية السلام) لمالك الأشتر باقر شريف القرشي ص 55

33.

مجمع البحرین 1/ 632

34.

عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي: 540

35.

علي وحقوق الإنسان جورج: 112

36.

الراعي والرعية: توفيق الفكيكي: 119

37.

علي وحقوق الانسان، جورج ص 106

فهرست المصادر

•

القرآن الكريم

•

نهج البلاغة

1.

الأصفهاني - الحسين بن محمدة (الراغب)، مفردات غريب القرآن، ط 1 دفتر نشر الكتاب، 1404 ه

2.

ابن منظور، جمال الدين محمد بن مکرم، لسان العرب، الناشر: أدب الحوزة 1405

3.

أبو زهرة، محمد التكافل الاجتماعي في الإسلام، طبع و نشر: دار الفكر العربي - القاهرة - 1991

4.

جرداق جورج، الإمام علي صوت العدالة الإنسانية جورج، الدار العربية للموسوعات الطبعة الأولى بيروت لبنان، 1426 - 2006

5.

جرداق، جورج، علي وحقوق الإنسان، ط 1، الناشر: الدار العربية للموسوعات، 2006

6.

الخميني، مصطفی، تفسير القرآن الكريم، ط 1، مطبعة: مؤسسة العروج، تحقیق ونشر: مؤسسة تنظیم و نشر آثار الإمام الخميني، 1418 ه

7.

الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، منشورات مكتبة الحياة بيروت لبنان

8.

طاليس - علم الأخلاق أرسطو نقله للفرنسية بارتلي سانتهلير ونقله للعربية احمد لطفي السيد دار الكتب المصرية القاهرة، 1924

9.

الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، منشورات جماعة المدرسين،

قم المقدسة

10.

الطريحي، فخر الدين مجمع البحرین، تحقيق: أحمد الحسيني، ط 2، الناشر: مکتب نشر الثقافة الإسلامية، 1408 ه

11.

الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي، تحقيق و تصحیح: بهزاد الجعفري، علي الغفاري، الناشر: دار الكتب

12.

الفراهيدي الخليل بن أحمد، کتاب العین، تحقيق: مهدي المخزومي، إيراهيم السامرائي، ط 2 ایران، 1409 ه

13.

الفكيكي، توفيق، الراعي والرعية: ، مطبعة اسعد بغداد 1963

14.

القرشي باقر شریف، شرح العهد الدولي للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر الناشر ماهر مطبعة ستاره ط 1، 2011 م

15.

القمي، الشيخ عباس، سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار، ط 2، الناشر: دار الاسوة للطباعة والنشر، 1416

16.

القمي الشيخ عباس، منازل الآخرة والمطالب الفاخرة، ط 1، قم المقدسة، طبع ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين

17.

الليثي علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، ط 1، قم المقدسة: تحقیق علي الحسيني البيرجندي، طبع و نشر: دار الحديث

18.

المتقي الهندي، علاء الدين علي، کنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، ط 1، مؤسسة الرسالة، بیروت، 1989 م

19.

المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ط 2 بیروت مؤسسة الوفاء، 1403 - 1983

20.

المطهري، مرتضي، في رحاب نهج البلاغة، ط 1، بيروت، 1413 - 1992

21.

المعتزلي، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ط 1، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه

22.

مغنية، محمد جواد في ظلال نهج البلاغة، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي مطبعة ستار ط 1، 1425 - 2005

23.

الميرزا النوري، حسين، مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، ط 1، تحقیق: مؤسسة آل البيت ع لإحياء التراث، 1987 م

24.

اليوسف، عبدالله احمد، العدالة الاجتماعية في القرآن الكريم، ط 1، 2008 م

الامن الاجتماعي ووسائل تحقيقه في ظل عهد الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه مالك الاشتر (رضوان الله عليه)

اشارة

علاء عبد الرزاق تدريسي - جامعة بغداد

تلعب الفوارق الطبقية الواضحة وعوامل التمييز بين افراد المجتمع لأسباب عرقية ودينية دورا مهما في تشظية المجتمع وفقدانه لتماسکه و وحدته وبالتالي قيامه بالدور الذي يفترض ان يقوم به في ظل المبادئ الاسلامية الاصلية التي دعا اليها الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم وال بيته الكرام. ولقد جاء عهد الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لعاملة على مصر مالك بن الحارث النخعي ليثبت الاسس الخاصة بالعدل والامن الاجتماعي مدركاً طبيعة الظروف السياسية التي سبقت توليه خلافته الظاهرية ولا سيما وقد أرسل مالكاً واليا على بلد شهد بوادر انطلاقة الثورة ضد عثمان بن عفان.

ينطلق البحث من فرضية اساسية الا وهي ان العهد العلوي تضمن جملة من المبادئ الخاصة بتحقيق الامن الاجتماعي والتي يفترض ان يجري التعريف به في بداية البحث والادوات التي تساعد وتعمل على تحقيقه؛ ولم يكتفي العهد بتبیان ضرورات المحافظة على مبادئ الامن الاجتماعي بل امتد ليشمل الوسائل الفاعلة واللازمة لتحقيق هذا المبدأ الهام في الحياة الانسانية.

ينقسم البحث لمبحثين اساسيين يتناول الاول دراسة مفهوم الامن الاجتماعي وتناول الظروف التاريخية والاجتماعية التي رافقت الحقبة التي سبقت تولى الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لخلافته الظاهرية، واما المبحث الثاني فيتناول الاليات التي تعمل على وضع مبادئ الامن الاجتماعي موضع التطبيق، ولقد ادرك الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ان توافر الكرامة والحقوق الانسانية للفرد في المجتمع مترابطة مع تحقيق الاليات الخاصة بالأمن الاجتماعي وجعل هذا المبدأ المعول عليه في محاسبة الرعية للحاکم وتغييره اذا أخل بتطبيق شروطه ومبادئه.

مفهوم الامن الاجتماعي

يمكن تعريف الامن الاجتماعي على انه سلامة الأفراد والجماعات من الأخطار الداخلية والخارجية التي قد تتحداهم كالأخطار العسكرية وما يتعرض له الأفراد والجماعات من القتل والاختطاف والاعتداء على الممتلكات بالتخريب أو السرقة «في حين يرى فريق من علماء الاجتماع أن غياب أو تراجع معدلات الجريمة يعبر عن حالة الأمن الاجتماعي، وأن تفشي الجرائم وزيادة عددها يعني حالة غياب الأمن الاجتماعي، فمعيار الأمن منوط بقدرة المؤسسات الحكومية والأهلية في الحد من الجريمة والتصدي لها وأن حماية الأفراد والجماعات من مسؤوليات الدولة من خلال فرض النظام، وبسط سيادة القانون بواسطة الاجهزة القضائية والتنفيذية، واستخدام القوة إن تطلب الأمر؛ ذلك لتحقيق الأمن والشعور بالعدالة التي تعزز الانتماء إلى الدولة بصفتها الحامي والأمين لحياة الناس وممتلكاتهم وآمالهم بالعيش الكريم. (1)

ولقد ربط البعض من المفكرين الاسلاميين بين الامن الاجتماعي وبين تحقيق مقاصد الشريعة وصلاح الدنيا يتحقق بالأمن على مقومات العيش الانساني الامن، وهو الاساس والطريق لصلاح الدين. (2)

وقد حدد الماوردي قواعد صلاح الدنيا وانتظام عمرانها، وهي عنده ستة أشياء (دین متبع، وسلطان قاهر - دولة قوية - وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح) فإنه قد جعل «الأمن العام» القاعدة الرابعة من قواعد صلاح الدنيا وانتظام العمران، وعن هذه القاعدة يقول: (وأما القاعدة الرابعة فهي أمن عام تطمئن إليه النفوس، وتنتشر به الهمم، ويسكن فيه البريء، ويأنس به الضعيف، فليس

لخائف راحة، ولا لحاذر طمأنينة، وقد قال بعض الحكماء: الأمن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش، لأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم، ويحجزهم عن تصرفهم، ويكفهم عن أسباب المواد التي بها قِوام أوَدِهم، وانتظام جملتهم... والأمن المطلق: ما عَمَّ والخوف قد يتنوع تارة ويعم، فتنوعه بأن يكون تارة على النفس، وتارة على الأهل، وتارة على المال، وعمومه أن يستوجب جميع الأحوال.) (3)

ومن ذلك أيضاً أن الأمن الاجتماعي هو عبارة عن: «حالة تنطلق من الشعور بالانتماء وتستند إلى الاستقرار وتستمد مقوماتها من النظام بمعنى أن تلك الحالة تفترض وجود بناء تنظيمي أو تنظیم جماعي اتفاقي يشعر الأفراد بالانتماء إليه، ويتسم بالثبات والاستقرار والدوام، ويحدد مواقع أعضاء التنظيم وحقوقهم وواجباتهم بما يساعد على توقيع سلوكيات أعضاء التنظيم في الحالات التفاعلية». (4)

والامن الاجتماعي هو: «الطمأنينة التي تنفي الخوف والفزع من الانسان فرداً أو جماعة، في سائر ميادين العمران الدنيوي، والمعاد الاخروي.

والامن الاجتماعي هو سيادة حالة من العلاقات التي تقوم على شعور الفرد بالأمن والطمأنينة نتيجة وجود شبكة من التشريعات والانظمة والتي تضمن حقوقه الاصلية واللصيقة بكونه انساناً بغض النظر عن انتماءاته الفرعية الاخرى، وهذه الحالة من الاطمئنان تفرز تقدماً على مختلف الصعد والاتجاهات وتعزيزاً للقيم التي يحملها الانسان عن نفسه وعن المحيط الذي يعيش فيه بحيث تتولد ثقة متبادلة بين الفرد والسلطات القائمة.

وبعد هذا التوضیح يبدو من المناسب تحديد الكيفية التي تمكن عن طريقها الامام امیر المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه من تحقيق أسس الامن الاجتماعي في عهده

لمالك بن الحارث الاشتر رضوان الله تعالى عليه.

وسوف يتم في ثنايا البحث التعرف على اسس الامن الاجتماعي والكيفية التي استطاع العهد العلوي أن يلبيها بأدق تفاصيلها عن طريق

1.

العلاقة مع الاخر المختلف في نصوص العهد والتجربة العلوية بشكل عام

2.

كيفية توزيع الفيء

3.

عمارة الارض واستجلاب الخراج

4.

تعامل الوالي مع الرعية

5.

النظر بعدل وبدون تحيز لجميع صنوف المجتمع من تجار وصناع وعمال

6.

كيفية تنظيم العقوبات والاجراءات الجزائية.

أنّ الانحراف في قيادة التجربة الإسلاميّة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) تحوّل بمرور الزمن الى نظرية وقواعد في الحكم استقرت بشكلها الأكثر انحرافاً في أيام حكم عثمان، فكان الإمام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه يمثل الاتجاه الآخر والصحيح وقد برز هذا الأمر جلياً أيام حكم عثمان عندما دخل الإمام عليه السلام في صراع مکشوف وعلني معه ليثبت للأُمّة محتوى واُسس وأخلاقيات نظريته في الحكم الإسلامي وقيادة التجربة، وكانت الاُمّة مهيّئة أكثر من أي وقت مضى للإحساس بحقيقة الاُمور وحقيقة الاختلاف بين منهج أبا بكر وعمر وعثمان ومنهج الإمام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في رؤية الإسلام ووعيه وقيادة تجربته في الحكم والخلافة، لكن هذا التهيّؤ من قبل الاُمّة كان بحاجة الى كثير من الصقل والتدريب لكي يتحوّل من مجرد معرفة ونظر الى موقف عملي ونفسي التحمل أعباء ذلك الوعي فيما يتطلّبه من مواقف وحزم وصبر على المشاق، سواء في جانب التصدّي للانحراف وتحمّل النتائج أو في جانب الصبر على التطبيق الجديد

للإسلام فيما يقرّره المنهج الآخر من زهد في الدنيا وعدالة في التوزيع والحكم والنظرة المتساوية لجميع فئات المجتمع قد لا تصبر عليها النفوس التي درجت وأشربت إتّباع المنهج السابق الذي كرّسه أبو بكر وعمر وعثمان وتحوّل الى ميوعة مطلقة في التعامل مع الحدود والأخلاق الإسلاميّة زمن حكم عثمان. ولهذا قال الإمام مخاطباً الاُمة: «أنا لكم وزيراً خيراً مني لكم أميراً...» أي أن أكون بعيداً عن القرار «وزير» خير وأفضل من أكون في موقع القرار والمسؤولية «أمير» إذ أنّ الموقع الثاني يستبطن إصدار الأوامر والقرارات الصعبة التي تتطلّب قاعدة بشرية واعية ومطيعة قد وطّنت نفسها على خوض غمار الصعوبات، وعلى هذا الأساس فإنّ بيعتكم لي يجب أن تكون بيعة قد أخذت في حسابها جميع هذه الاُمور وإلّا «فأنا لكم وزيراً خيراً مني لكم أمير».

وقد قبلت الاُمّة شورط الإمام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه بعد أن بلغ الإصرار أشدّه على الإمام في قبول الخلافة - وكان مقتضى هذا القبول قبول المنهج الجديد في العمل السياسي والاجتماعي والإداري، وكانت خلافته بداية عهد جديد ونقطة تحوّل في الخط الذي وجد بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم. (5)

لقد تولى الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه الخلافة في أعقاب المشاعر الثورية التي تألّبت ضد عثمان بن عفّان والتي نتج عنها مقتله، والمسلمون وقتئذٍ كانوا في مرحلة تصاعد المعنويات وارتفاعها، وفي لحظة زخم ثوري سليم باتجاه القضاء على الانحراف ومحاولة بناء تجربة إسلاميّة صحيحة، وكان الإمام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه بصدد استثمار هذه الحالة وتوظيفها في بناء المجتمع الجديد. فالمهمات التي كانت أمام الإمام تحتاج الى هذا النوع من الطاقة الحرارية والوعي وبدونهما لا يمكن خوض غمار الجهاد لإعادة بناء المجتمع والدولة، الأمر الذي لا يسمح بمهادنة معاوية وإبقاء الباطل ولو مؤقّتاً، لأنّ مهادتنه تعني قتل هذه الروح لما تؤديّه من

الشكّ في حقانيّة الإمام ومبدئيته.

لقد جاء الإمام وهو بصدد القضاء على مظاهر الفساد الحكومي والإداري الذي خلّفه معاوية في الدولة والمجتمع الإسلامي، واجتثاثه مع جميع تأثيراته وجهازه الإداري الفاسد، ولم يكن بالإمكان حتّى في منطق السياسة - إقرار معاوية ومهادنته لأنّ من شأن هذا الإقرار توطيد سلطته وإسباغ المشروعيّة على نظامه الحكومي والإداري وهذا يتناقض مع ما كان يستهدفه الإمام من إضعاف موقف معاوية وصولاً الى إزالته من الشام، كما أنه يتناقض مع ما كان يستهدفه الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه من ضرورة أن يُدرك الناس حقيقة المعركة بينه وبين معاوية. (6)

ولهذا كان اعتماده على رجال عرفوا بموقفهم الثوري الساخط على النهج الذي اتبعه عثمان بن عفان دليل على مضيه في إعادة بناء التجربة الاسلامية بما يتلائم مع أسس الاسلام المحمدي الأصيل وكان مالك بن الحارث الاشتر من ابرز القادة والولاة والذين كانوا موضع ثقة الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه والايدي القادرة على انجاز عملية الاصلاح. وكان عهده لمالك ذلك العهد الذي يعد من أطول العهد السياسية مصداقاً للرؤية الخاصة التي يحتفظ بها الأمام صلوات الله وسلامه عليه لمالك وللدور الذي يمكن أن يؤديه في عملية الاصلاح المنشود.

ان الاسس التي انطلق منها الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في هذا العهد قد بنيت على تصوره للدور الذي اسند للأشتر كعامل له على مصر ومن الممكن ان يكون ما ورد فيه قابلا للتطبيق من لدن الولاة الاخرين فضلا عن امكانية تطبيقه من لدن أي حكم يسترشد بالمبادئ الصالحة والمثلى في تعامله مع الرعية.

اولا المهام الموكلة للوالي بحسب هذا العهد هي جباية الخراج وتحصيل المال

لخزينة الدولة واستصلاح الرعية وهي السياسة الداخلية وعمارة الارض وهي السياسة الاقتصادية.

ولما ادرك الامام امير المؤمنين ان الرعية تضم الى جنب المسلمين ابناء ديانات وملل اخرى ومنها المسيحية واليهودية فقد ارسى اسس الامن الاجتماعي برسم الكيفية التي يتم عن طريقها التعامل مع معتنقي العقائد المغايرة للإسلام وهنا ارسى قواعد تمس تأمين الامن الاجتماعي الذي يُشعر الجميع بالمساواة والعدل والطمأنينة.

ترك بعهده لمالك النخعي والمعروف بعهد الاشتر الوصايا التي تجمل طريقة التعامل مع الاخر المختلف فابتدأه بالقول:» وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبّة لهم واللطف بهم، ولا تكونّن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزّلل وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ أن يعطيك الله من عفوه وصفحه. (7)

وهنا يؤكد الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ان تقبل الاخر ومعاملته على انه اما اخ في الدين أو مماثل في الخلقة أمر لا يقتصر على سلوك خارجي بل يمتد لان يكون سلوكاً نابعاً من الذات حتى يتحول الى سلوك فطري يستند على محبة الرعية بجميع تنوعاتها واختلافها وهو يعني ان لا يأخذ الراعي نظرة مسبقة تتميز بالحيف والتمييز بالمعاملة فهم نظراؤه في الخلق الامر الذي يستوجب عليه معاملته بأحسن مما يتوقعون، ان تذكير الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لمالك بان الانسان الذي يعتنق ديناً أخر هو نظير لك في الخلقة هو دعوة لحسن التعامل معه وعدم التعالي عليه بأي شكل من الاشكال، وكان صلوات الله وسلامه عليه يدرك تمام الادراك ان اهل الذمة كانوا يواجهون عنتاً في حالة جمع الضرائب والرسوم

وتحصيلها منهم وفكرة النظير في الخلق تضاهي وتكمل الاخوة في الدين وتضع أساساً لعلاقة تقوم على المساواة بين جميع الناس من مختلف الملل والنحل والقوميات والاعراق وتحدد الاطار القانوني والشرعي لحرية الاعتقاد تلك الحرية التي لا يمكن قهرها. وبطبيعة الحال كان الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه على يقين تام بأن الكلام المتعلق بالمعاملة المثلى مع الآخر لن يكون لوحده السبيل الناجح والامثل لتحويل التعامل مع المكونات المذهبية والدينية الاخرى الى اسلوب افضل ما لم تكن هنالك اجراءات عملية ترافق هذا الخطاب، فاردفه باتباع الاساليب الاكثر نجاعة لتحويل هذا السلوك الى سلوك عملي بقوله: «ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً - تأكل حقوقهم او تقتنص الفرص لسلبهم ما لديهم وبين صلوات الله وسلامه عليه اولوية العفو والصفح في مقابل العقوبة والانتقام إذ ان من شأن اتباع الصفح والعفو وتقديمه على الانتقام والاخذ بالظنة ان يشيع بين الرعية من مسلم وغير مسلم طابع التسامح في المعاملة ولا يورث احناً أو عداوات بين جهة وجهة أخرى.

كان الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه يدرك تمام الادراك ان المسلمين قد فتحوا بلداناً تميزت بموروث حضاري فاق ما كان موجوداً عند العرب من سکان شبه الجزيرة العربية وبالتالي كانت نظرة العربي لهذه الشعوب والاقوام نظرة تقوم على الحسد والرغبة بالتشفي والانتقام وهو ما يتنافى وروح الاسلام الحقيقية وكان في تعامله مع الاسرى الفرس في المدينة المنورة خير دليل على رغبته في تعريف الاخر بالأسلوب الاسلامي الحضاري الامثل في التعامل مع الاخ الاخر.

ان توعية الامام امير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لولاته بضرورة الاخذ بأساليب اكثر عدالة وتسامحاً مع الاخر جاء لرؤيته الخاصة للرعية فقد وصفها بالقول: «أنصفوا الناس من أنفسكم واصبروا لحوائجهم فإنكم خزّان الرعية ووكلاء

الأمّة ولاتضربنّ أحداً سوطاً لمكان درهم ولا تمسّن مال أحد من الناس مصلّ ولا معاهد. (8)

وهذا يعني ان الامام صلوات الله وسلامه عليه لم يعمل فقط على حث الولاة على ان لا يكون اسلوب التعايش مع الاخر هو اسلوب عمل فقط بل هو اسلوب حياة قائم على الحب الصادق والاحترام و عدم اعتماد أي اسلوب يقوم على القسوة والفضاضة ونهيه عن استخدام السوط دل على ان هذه الاداة كانت هي الاسلوب الشائع المستخدم في الحقبة التي سبقته والتي شهدت استئثاراً وظلماً وغبناً لحقوق الرعية. ولعل اظهار الولاة المحبة للرعية بمسلمهم ومعاهدهم من شأنه أن يعود بالنفع على علاقة الامة ببعضها البعض ويشيع المحبة والتراحم بين مختلف الفئات وهو أدعى لشيوع العدل واستقرار الدولة من الاساليب التي تقوم على الظلم والاستبعاد.

انتهج الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه اسلوب العدل والمساواة في الحقوق والغاء اي شكل من اشكال التمايز والذي عده السبب الاول لبذر الكراهية والاختلاف في النظرة من فئة لفئة أخرى ولعل حادثة المسيحي البصير الذي كان یسئل الناس في مسجد الكوفة ما يقيم به أوده قد بينت ان التساوي في العطاء وضرورة انفاق بیت المال على المسيحي كما هو الحال مع المسلم ضرورة أساسية لحفظ الكرامة الانسانية:» استعملتموه حتى إذا کبر وعجز منعتموه؟ أنفقوا عليه من بیت المال. (9)

کما سعى الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه إلى توفير المستلزمات الضرورية التي تجعل من العلاقة مع الاخر علاقة طبيعية تقوم على الود والاخاء والتعاون ولعل واحدة من أهم هذه المستلزمات هي الغاء الفوارق الطبقية الفاضحة والتي نمت بعد الفتوحات واوجدت طبقة مهيمنة مسيطرة بحكم انتمائها العرقي

والديني وعدت الاراضي المفتوحة بمثابة أسلاب يجب تقاسمها مع اهمال تام لشؤون الرعية فقال في عهده لمالك:» الله الله - يا مالك في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم - أي لا سبيل لهم لإدارة أمورهم - من المساكين المسكين هو الذي أسكنه الفقر من الحركة -، والمحتاجين - المحتاج هو صاحب الحاجة، وأهل البؤسى - أي شديدي الفقر - والزمني - أي ذوي الأمراض والعاهات التي تمنع عن العمل -، فإن في هذه الطبقة قانعاً - أي سائلاً - ومعترّاً - أي متعرّضاً للعطاء بلا سؤال - واحفظ لله ما استحفظك من حقّه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلاّت صوافي الإسلام في كلّ بلد، فإنّ للأقصى منهم مثل الذي للأدنى - أي دون تمييز في ذلك الضمان بين المركز والمحيط أو بين العاصمة والمحافظات أو بين المدينة والأرياف -، فلا يشغلنك عنهم بطر - أي طغيان الملك والنعمة -، فإنك لا تعذر - أي لا يقبل الله ولا الناس عذرك. (10)

لقد ايقن الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه ان الاخذ بأساليب الحوار مع الاخر والقائم على الاحترام والاعتراف بالكينونة المادية والعقلية لابد وان يستند على جملة من المقومات منها الحرية وضرورة الحفاظ على الكرامة الانسانية ومعاملة الاخر كالذات، ففيما يخص الحرية اشترط الا يجبر عامل على عمل فلا قيمة للعمل لديه ما لم يكن نابعاً من الاختيار الحر، وقد قال صلوات الله وسلامه عليه بهذا الشأن: «ولست أجبر أحداً على عمل يكرهه.» (11)، كما كان لمفهوم الحرية دلالات اوسع في نهج الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه من مجرد الاشارة الى الاحرار والارقاء الذين استرقوا بفعل الفتح إذ عد الحرية صفة ملازمة للانسان» لاتكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً» فالحرية اذن مطلقة، وحدودها الرفض والقبول ضمن نطاق الحياة الداخلية والوجدان، والاحرار مخيرون يقبلون ويرفضون عن اقتناع وايجابية

والحرية هنا هي التي تنشأ الثورات وتقيم الحضارات وتبني علاقات على اساس التعاون الخير وتربط الافراد والجماعات بما يشدهم إلى الخير.

وشدد الامام امير المؤمنين على المساواة اذ عدها الركن المكمل للحرية في تشييد مجتمع يقوم على احترام الانسان مهما كان هذا الانسان متميزا عن المجموع وكان تقسيمه للمال والفيئ بالتساوي ايمانا منه بان الانسان لا يتميز عن الانسان الآخر الا بتقواه وان ما يتميز به من عمل مرده الى الله وقد بين مشروعه الذي جاء لينقض مشروع الاثرة والتمايز واذي كان قائما قبله بالقول: «الا وايما رجل من المهاجرين والانصار من أصحاب رسول الله يرى ان الفضل له على سواه بصحبته، فان الفضل غدا عند الله، فانتم عباد الله والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، ولا فضل فيه لأحد على أحد». (13) وهذا النمط من المساواة في المال ومنع استئثار شخص أو جهة بالمنافع العامة طبقاً لتمايز في العرق أو في الدين أو في سابقة من العمل هي التي تفسح المجال امام نظرة اكثر اتساعاً وشمولا في التعامل مع الاخر المغاير وتمنع عنه اي شعور بالنقص والدونية جراء تميز في الجانب العقائدي، وهو ما عبر عنه الامام امير المؤمنين أفضل تعبير إذ قال: «إياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة». ولم ارى في هذا المال لأبناء اسماعيل دون غيرهم، وان آدم لم يولد عبدا ولا امة. (14)

وامن الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه بضرورة ان تكون الدولة القيمة والراعية لكل رعاياها، فالرعية جسد واحد وعلى الدولة أن ترعى اعضاؤه جميعاً بما تستحق، ولا وجود لتفرقة أو تمييز بين فرد و فرد وهو ما يوفر قاعدة مثلى لعلاقات سوية بين المسلمين ومعتنقي الملل والاديان الاخرى، والعرب وغيرهم من الاقوام الاخرى.

ونظر الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لمبدأ اسلامي أصيل وهو

مبدأ عمارة الارض فبين السبل الاكثر مثالية لان يكون هذا المبدأ مترافقاً مع احترام الذات الانسانية، ذلك ان عمارة الارض لا تتم بجهد جماعة دون اخرى او بجهد شخص يستأثر بمغانمها بل بجهد الرعية من مسلمهم ومعاهدهم وبالتالي تعود منافع الارض وعمارتها للناس أجمعين، ولقد جسد فكرته صلوات الله وسلامه عليه بقوله: «ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف، ولا رزقاً يأكلونه ولا دابة يعتملون عليها، ولا تضر بن أحدهم منهم سوطاً لمكان درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عرضاً في شيء من الخراج، فإنها امرنا أن نأخذ منهم بالعفو.» (15)

واذ اعلن الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه تمجيده للعمل وان الارض ملك لزارعيها فكان ذلك انصافا للموالي من الذين كانوا فلاحين وحرفيين في المناطق التي فتحها العرب المسلمون: «ثم أعرف لكل امرئ منهم ما بلی، ولا تضيعن بلاء امرئ إلى غيره، ولا تقصرن به دون غاية بلائه، ولا يدعونك شرف امرئ ان تعظم من بلائه ما كان صغيراً، ولا ضعة امرئ إلى ان تستصغر من بلائه ما كان عظیماً». (16)

ولم يكن من منهاج امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه أن يفرض على الناس عقيدة معينة فيما يتعلق بالدين، وفي كل ما له صلة قريبة أو بعيدة بالوجدان الخالص وحياة الانسان الداخلية والتي تتصور وتتلون بالوان نابعة من الذات، ویأبی ان يفرض على احد من الناس أن يؤمن بما يؤمن به المسلمون ديناً، فالناس أحرار أن يؤمنوا بالله على ما يرون، وان يعتقد كل منهم على طريقته في الاعتقاد شرط أن لا يلحق ذلك الاذى بالجماعة، والخلق كلهم عيال الله. ويأبى الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه أن يجعل الانسان الحكم الاول والاخير على تصرفات

الخلق وهم لا يلحقون بك الاذى، فرب امرئ يُستصغر شأنه وهو أرفع منك شأناً وأوضح قوله صلوات الله وسلامه عليه منهجيته بهذا الشأن: «فلا تستصغرن عبداً عبيد الله فربما يكون وليه وأنت لا تعلم.»

کما شدد الامام امير المؤمنين على ضرورة نزع فتيل التعصب والكراهية من النفوس، فقدم الالية المناسبة والتي تقوم على «حصاد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك، وضرورة ان يكون أبن أدم وصي نفسه، واتباع القاعدة المثلى للسلوك الانساني وهي: «أحبب لغيرك ما تحب لنفسك وأكره له ما تكره لها، وأرض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك».

ولعل وصايا الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لعماله و ولاته في الكيفية التي يمكن عن طريقها معاملة أهل الذمة تكشف عن سياسته التي لم تكن لتفرق قيد أنملة عن سلوكه المثالي المستند على روح الشريعة وما اوصاه به رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فقد أوصى معقل بن قيس بالقول: «إتق الله يا معقل ما استطعت ولا تبغ على أهل القبلة، ولا تظلم أهل الذمة، ولا تتكبر فأن الله لا يحب المتكبرين» وبين ان اتباع النهج الاسلامي الاصيل والذي ينأى عن الاعتبارات المادية التي شابت هذا النهج حري به ان ينشر العدل والقسط بين الناس أجمعين مهما كانت دياناتهم ومعتقداتهم فقال صلوات الله وسلامه عليه: «ولو سلكتم الحق، واضاء لكم الاسلام، لما ظُلم منكم مسلمُ أو معاهد.» کما شدد على محمد بن ابي بكر واليه على مصر بضرورة العدل على أهل الذمة بقوله:» أوصيك بالعدل على أهل الذمة وبإنصاف المظلوم وبالشدة على الظالم وبالعفو عن الناس، والاحسان ما استطعت، وليكن القريب والبعيد عندك في الحق سواء، كما عهد لنصارى نجران بان «لا يُضاموا ولا يظلموا ولا ينقص حق من حقوقهم».

وبطبيعة الحال فأن نهج التسامح وحسن التعامل مع الاخر والذي كان طابعاً متأصلا في ذات الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لازمه ذم التعصب والتكبر الموروث عن التعصب القبل أو العرقي بمعنى أنه أزال مبررات مثل هذا التعصب والذي قرنه بالكفر ومخالفة الفطرة التي فطر الله الناس عليها فقال: «الا وقد امعنتم في البغي وأفسدتم في الارض، فالله الله في كبر الحمية، وفخر الجاهلية، فانه ملاقح البغضاء ومنافح الشيطان التي خُدعت بها الامم الماضية والقرون الخالية» وهو يعني هنا ان التعصب كان سبباً من اسباب اضمحلال وسقوط دول وامبراطوريات كبرى عبر التاريخ في الوقت الذي يكون فيه التسامح اساساً لديمومة الحضارة الانسانية وتيسير سبل المعاش والتألف:» ولقد نظرت فيها وجدت أحداً من العالمين يتعصب لشيء من الاشياء، إلا عن علة تحتمل تمويه الجهلاء، أو حجة تليط بعقول السفهاء». (18)

وبالمقابل نوه الامام صلوات الله وسلامه عليه بحملة من الاخلاق التي يفترض ان يتعصب الانسان لها وهي سلوكيات عامة شاملة يتقبلها الموالي والمخالف المسلم والمعاهد فقال بهذا الشأن:» فإذا كان لابد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال، ومحاسن الامور، والاخلاق الرغيبة والاحلام العظيمة والاثار المحمودة، والاخذ بالفضل، والكف عن البغي والانصاف للخلق واجتناب المفاسد في الارض (19)

وحينما يقوم الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه بإزالة الاسباب الموجبة للتعصب فهذا يعني انه أزال أسباب الاحتقان بين الجماعات المختلفة ووفر قاعدة من العدل والمساواة وأشاع جوا من الالفة والمودة بين مجموع الامة. ولعل نظرته هذه تقودنا للتعرف أصلاً على طبيعة نظرته للحياة ككل وموقع الانسان في هذه الحياة، لقد امن الامام صلوات الله وسلامه عليه بان «الله خلق الناس حرما في أرضه، وأمناً

بين خلقه، وجمع الفتكم فنشرت النعمة عليكم جناح کرامتها، وأسالت لكم جداول نعیمها» وعقد الله بينهم حبل الألفة التي ينتقلون في ظلها ويأوون إلى كنفها بنعمة لا يعرف احد من المخلوقين لها قيمة، لأنها أرجح من كل ثمن وأجل من كل خطر». (20) وبالتالي كانت الدعوة لاحترام الحياة وتبجيل قيم التألف دون قيم التناحر والتنازع منهجاً أساسياً في سلوكه وممارسته السياسية وهذا يعني إعلاءاً لقيم التنوع وذلك لان الحياة تستند على هذه القيم وعن طريق نشر قيم التألف يتم احتواء الاخر لا بطريقة الالغاء او الضم القسري بل تشعره بان قيمه ومعتقداته محفوظة كانسان، طالما لم يكن هنالك تنافر وشد وعدائية في المجتمع. ولعل تأسيس قاعدة الامن الاجتماعي القادرة على ادارة التنوع هي التي تفسح المجال امام حرية فكرية وعقائدية تستند على احترام الاخر وافساح المجال واسعاًللتعبير عن آرائه ومعتقداته.

وتعزيز الحرية الانسانية والمبني على الاحترام والتبجيل للذات الانسانية جاء عن طريق ارساء الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لجملة من الخطوات والتي كانت سابقة في التاريخ الحضاري الانساني فأعطى للإنسان حرمة في مسكنه وحرية في مزاولته لعمله او حرفته وبين قيمة الانسان التي تستند على مقدار ما يجيد من حرف وقال صلوات الله وسلامه عليه بهذا الصدد:» الناس ابناء ما يحسنون» وادرك ان قيمة العمل مقرون بالحرية التي تمنح للإنسان لإنجاز عمله هذا، وامن بحق الانسان في طلب العلم وطلب العلم لا يكون الا بوجود أرضية من الحرية التي تبيح للإنسان تحصيل العلم وأخذه من موارده المختلفة وحرية النظر والتلقي والأخذ والعطاء، وحينما تكون هنالك حرية في تلقي العلم من مصادر ومدارس مختلفة يكون هنالك اختلاف و تباين في وجهات النظر ونشوء لمدارس واتجاهات مختلفة والتي يمكن أن تخالف تصور وتفکیر توجهات الدولة، ووجود مثل هذه

التوجهات والمدارس مكفول في المدرسة العلوية، بل كان ضرورياً لتلاقح الفكر، فكلما كان القاعدة الفكرية متينة وراسخة كان لديها القدرة على النقاش والجدل مؤمنة بان الانفتاح على الاخر هو ما يرص بنیانها ويدعم كيانها، في الوقت الذي تميل فيه الطروحات الاستبدادية إلى الالغاء والمنع مدركة ان اي حوار مع الفكر المغاير سوف يقوض من هيمنتها وديمومة سيطرتها.

ولقد بين الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه الخطوات الضرورية اللازمة لتكوين علاقات تقوم على الود والاحترام بين مختلف الفئات والافراد اذ امن بان الحقوق والواجبات بين افراد المجتمع تتكافئ بنحو لا يتكامل بعضها الا بالبعض الاخر فقال صلوات الله وسلامه عليه بهذا الشأن: «ثم جعل الله حقوقاً لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافئ في وجوهها ويوجب افتراضها بعضاً على بعض، ولا يستوجب بعضها الا ببعض». (21)

واذا ما كانت هذه هي العلاقة المثلى التي يفترض أن تكون بين الفئات المختلفة في الرعية فهذا يعني ان سبل التواصل بين هذه الفئات المختلفة من عرب او غير عرب مسلمين أو غير مسلمين ستكون أكثر وداً بحكم احتیاج الكل للكل واعتماد الكل على الكل، ولم تكن مثل هذه النظرة الا استمراراً لنهجه الخاص بالمساواة التامة بين الرعية ومساواتهم بالعطاء والفيء دون الاخذ بالاعتبارات التي تقوم على العنصرية والعصبية والدين.

ان الاعتماد على معيار يقوم على حسن العمل وتقبيح التفاخر بالأنساب في تلك الحقبة الزمنية يكشف عن الأبعاد الثورية والنهج الانساني الذي تبناه الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ويكشف عن الاسباب التي دفعت مخالفيه من المستفيدين من الالية السياسية المعتمدة سابقاً لمعارضته واختلاق العقبات التي تحول

دون اکماله لنهجه الانساني القائم على العدل والمساواة التامة بين الافراد. ولقد جسد صلوات الله وسلامه عليه هذه المساواة في القانون والوقوف امام القضاء، والمساواة في الضرائب والمساواة في تولي الوظائف بمعنی فسح المجال امام الجميع لتولي الوظائف التي تتناسب ومؤهلاتهم، عن طريق جملة من الوصايا لعماله وفي الاليات التي اعتمد عليها في حكمه: «ولیکن امر الناس عندك في الحق سواء» و «اعلموا ان الناس عندنا أسوة»، واما العدل في القضاء فقد دلت سيرته وفي أكثر من موضع على ان الاحکام الخاصة بالقضاء تسري على الجميع بما فيهم الخليفة نفسه والذي قد يقف متخاصماً مع يهودي يدعي ان درع الخليفة هي درعه وعندما لا تكون هنالك بينة للخليفة يحكم القاضي بأيلولة الدرع لليهودي والذي لم يكن ليشعر باي درجة من درجات التمييز أو الحيف في ظل دولة يقف مع رأسها سواء بسواء امام السلطة القضائية. (22)

کما کانت وصاياه للقضاة بضرورة التزام الحق طبقاً لمن لزمه من قريب أو بعيد واتباع نهج العدل على الصديق والعدو: «ولا تبغوا على أهل القبلة ولا تظلموا أهل الذمة». «واخفض لهم جناحك، والن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، و أس بينهم في اللحظة والنظرة، حتى لا يطمح الأقوياء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك». (23)

لم يشأ الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه أن يجعل العلاقات بين مكونات المجتمع تقوم على صيغة ((غالبٍ و مغلوب)) ذلك ان العدل والمساواة واتاحة الفرص للجميع للعمل والتفكير بحرية قد أظلت الرعية بظلها وبالتالي لا يمكن أن يكون هنالك قسر أو سعي لإجبار شخص ما على فعل لا يرتضيه، فاستجلاب النفع العام بدلا من تكديس الاموال لدى فئة دون اخری کان دیدن السياسة العلوية، كما ان العفو يحتل المرتبة الاولى دون العقوبة وتقديس العمل بدلا

من الانساب والافتخار بالرمم البالية، ومعيار التقوى كان هو المعيار الذي يميز بين انسان وأخر، ودفع الضرر مقدم على الاخذ بأساليب الشدة والعسف وترك اسلوب التسقيط والاخذ بالظن، كل هذه المرتكزات تدفع الانسان للاطمئنان بان النهج العلوي يقوم على فسح المجال واسعاً امام الانسان لاستكمال شروط بنائه ونضجه العقلي وهذا النضح العقلي يكون اللبنة الاولى في حوار متكافئ وصولاً للحقيقة.

واذا ما كانت هذه هي الاسس التي استند عليها الامام امير المؤمنين في بناء مجتمع حضاري يقوم على الحوار المتكافئ فذلك يعني ان الاخر المختلف قد أُعطي المساحة الكافية للتحرك والجدل وكان الجدل مع رأس الدولة مسألة طبيعية، وبلغ الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه غاية الحرية في فهم نصوص الاسلام من مختلف جوانبه إذ قال عن اهم دعامات الاسلام: «القرآن حمال ذو وجوه»، وكذلك دعا الامام الى شحذ الذهن وتوظيف العلم من اجل استيعاب وشرح آيات القرآن الكريم وعدم الوقوف عند شرح او فهم دون احتساب لعامل التطور والزمن اذ قال صلوات الله وسلامه عليه: «ان القرآن ظاهره انيق وباطنه عمیق، لاتفنی عجائبه ولا تنقضي غرائبه». وقبل الامام ان يحاور رجلا كانت تكتنفه الشكوك حول اثنی عشر موقعاً في القرآن الكريم، فقدم الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه له اية التسامح الفكري وحاوره بعد ان سمع جميع حججه قائلا: «سأعلمك ما شككت فيه، وناقشه واقنعة بحوار علمي و فكر حر ولاسيما في موضوع ذوي أهمية واثر بالغ على عقيدة المسلم مثل الشك في القرآن.

وبين الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه الضرورة الماسة لدخول الانسان للدين بالقناعة وليس محاباة لشخص أو لجهة فقال بهذا الشأن:» من دخل في هذا الدين بالرجال اخرجه منه الرجال کما ادخلوه فيه، ومن دخل فيه بالكتاب

والسنة زالت الجبال قبل ان يزول.

اما في مسالة العبادات والشعائر الدينية فان الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه يعطي الحرية للإنسان في ادائها إذ قال: «ان للقلوب اقبالا وادبارا، فاذا اقبلت فاحملوها على النوافل، واذا ادبرت فاقتصروا بها على الفرائض».

ولعل اقتراب الموالي وغير المسلمين من نهج الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه والائمة من اهل البيت (عليهم السلام) مرده تفسير مدرسة اهل البيت للدين تفسيرا يلائم مصالح الفئات المقهورة والمغلوب على امرها من الرعية ويخالف مصالح الحكام المتنفذين ولقد وجد الموالي وغير المسلمين بان المدرسة العلوية تفسح المجال امام المجتهدين للانتقال به أي التفسير من حال لحال ویأبی الانكماش والجمود، و بالتالي انسجمت طروحات وافکار هذه المدرسة مع اماني المستضعفين والمضطهدين والذي كان جلهم من الموالي وغير المسلمين.

وكان انفتاح المدرسة العلوية بشكل كبير على الانسان المغاير المختلف و تجاربه الروحية والفكرية قد دفع بهذه المدرسة لان تكون المدرسة الاكثر قدرة على الجدل والتفكير الحر والتأمل لمختلف القضايا الفلسفية والكلامية والسياسية بعيداً عن الاطر الضيقة التي رسمتها السلطات المتعاقبة بحرية الرأي وتدارس الآراء المخالفة للمذهب بحرية تامة وهو ما اختلفت عنه عن اي مدرسة في تلك الحقبة ولعلها اول مدرسة في التاريخ الانساني تؤمن بنحو لا يتطرق اليه الشك بحرية الرأي وتسمح للمخالف بمناقشة زعيم المدرسة بأدق التفاصيل الخاصة بالمسائل الكلامية، وهذا يعني ان المدرسة العلوية كانت قد اعتمدت اولى اليات الحوار الا وهي احترام الطرف المقابل حتى وان كان مناقضا للمعتقدات وللمقولات التي تنهض عليها المدرسة.

لقد شيد الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه أسس الحرية الفكرية والاعتقادية في الاسلام في ظل أنموذج لم يسبقه الیه حاکم جمع بين يديه السلطتين الدينية والزمنية، ولقد بين ملامح وأسس هذه الحرية الفكرية والاعتقادية في اكثر من خطبة او قول او سلوك واضح جسد ما قاله وعنى به، لقد احترم وبنحو لا يقوم معه شك الاديان الاخرى ومعتنقيها وتراثها الروحي والفكري، وبين ان عبادة الله الواحد الاحد كانت في الكنيسة كما هي في المسجد وكما كانت قبلهما في البيع، ولم يكن قوله صلوات الله وسلامه عليه: «والله لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الانجيل بإنجيلهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم.. وجادل عدداً من أحبار اليهود في مسجد الكوفة والذين جاؤه ليسألوه حول الله كيف هو وكيف كان ومتی کان، فرحب بهم وأجابهم عن تساؤلاتهم بروح منفتحة ونفس واثقة بعلمها، کما سمح للجدل والحوار بشأن المفاضلة بين الرسل والاديان ووجود الجنة والنار، کما سمح لكافة أشكال المعارضة السياسية أن تمارس عملها طالما لم تعتدي على عموم الناس بقول أو فعل، ولعل رده على شخص أشار عليه بقتل اثنين من الخوارج کانا يظهران عقيدة الخوارج في مسجد الكوفة بالقول: «لقد كان ينبغي لك أن تعلم اني لا اقاتل من لم يقاتلني، ولم يظهر لي عداوة وكان ينبغي لو أنني أردت قتلهما أن تقول لي أتق الله لِم تستحل قتلهما ولم يقتلا أحداً، ولم ينابذاك ولم يخرجا على طاعتك». (24)

وكان رده صلوات الله وسلامه عليه على رجل اراد ان يجادله في مسجد الكوفة بأسلوب شدید مبادراً بالقول: «ایها المدعي ما لا يعلم والمقلد ما لا يفهم انا السائل فأجب، فأراد البعض منعه فقال لهم الإمام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: «دعوه ولا تعجلوه فان الطيش لا يقوم به حجج الله ولا به تظهر براهين الله، ثم التفت الى الرجل وقال له: سل بكل لسانك وما في جوانحك فاني اجيبك».

كما أعلن الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في أكثر من موضع ان معارضته من لدن أي فرد في الرعية لا تنقص أو تثلم حقاً من حقوقه في المال العام أو التمتع بكافة المزايا والحقوق التي يتمتع اي انسان أخر.

وخاطب الإمام امير المؤمنين الرعية كاشفاً عن رؤيته للعلاقة التي يفترض ان تكون قائمة بينه وبينهم بالقول: «فلا تكُفُّوا عن مَقالَةٍ بحقٍّ، أو مشورةٍ بعدلٍ. فإنّي لستُ بنفسي بفوقِ أن أخطئ، ولا آمَنُ ذلكَ من فعلي، إلاّ أن يَكفيَ اللهُ من نفسي ما هُو أملكُ به مني. فإنما انا وانتم عبيدٌ مملوکونَ لربٍّ لاربَّ غيرُهُ. يملكُ منّا ما لا نملِكُ من أنفسنا، واخرجنا ممّا كنّا فيهِ الى ماصَلحنَا عليه. فأبدلنا بعدَ الضلالَةِ بالهُدى، واعطانا البصيرَةَ بعد العمى» (25).

وهذه الاسس مهدت أو وضعت الاساس لقواعد الامن الاجتماعي طبقاً لما نص عليه العهد فالإيمان بمنح الحقوق المختلفة من عقائدية وسياسية واقتصادية واجتماعية لأفراد المجتمع كافة وسوف نری کیف فصل العهد هذه الاسس الخاصة بالأمن الاجتماعي.

لقد سعى الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه إلى تدعيم عرى الثقة بين الحاكم والمحكوم الراعي والرعية لما له من تأثير بالغ على ترسيخ حالة الطمأنينة لدى افراد المجتمع وبالتالي اشاعة حالة من الامن والاستقرار فقال في عهده للاشتر: «وأعلم إنه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظن راعٍ برعيته من احسانه اليهم وتخفيف المؤنات عليهم وترك استکراهه ایاهم ما ليس له قبلهم». (26)

وسعى الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه إلى جعل العلاقات بين طبقات المجتمع علاقات تقوم على التكافؤ والتضامن والاعتمادية المتبادلة:» وأعلم

ان الرعية لا يصلح بعضها إلا بعض، ولا غنی ببعضها عن بعض، وكل قد سمى الله سهمه، و وضع على حده فريضة في كتابه أو سنة نبيه عهدا منه عندنا محفوظاً». (27)

وحتى يأمن الناس نزاهة القضاء وحياديته ومن تحقيق العدالة وهي العامل الناجع في تحقيق السلم والامن المجتمعيين بين الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه الكيفية التي تكون عليها شخصية القاضي أو من يُسند اليه منصب القضاء: «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق بهم الامور ولا تماحته الخصوم ولا يتادي في الزلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تُشرف نفسه على طمعٍ، ولا يكتفي بأدنی فهمٍ دون أقصاه». (28)

ولكي يضمن استقلال القضاء ونزاهته شرع الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه علیه استقلال المحاكم فقال في العهد: «واعطه أي القاضي من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيرك من خاصتك بذمته ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك وانظر في ذلك نظراً بليغاً» وبين مواصفات القاضي المثالي فهو ذلك الذي: «لا يزدريه الاطراء ولا يستميله الاغراء، وأكثر تعاهد قضائه، وأفسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس». (29)

ولعل ذات المعايير التي سعى الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لاتباعها مع القضاة عمد الى اتباعها في طريقة اختيار الموظفين فأوصى مالك الاشتر بان لا يكون اختيارهم عن طريق الفراسة أو حسن الظن من لدن الوالي بل بالاختيار بما ولوا للصالحين قبل عهده بالولاية وأن يعمد لاختيار وانتقاء أحسنهم أثراً في العامة وأعرفهم بالأمانة وجها، فان ذلك دليلُ على نصيحتك لله ولمن وليت امره». (30)

ومما لاشك أن اطمئنان الرعية لطرق واليات اختيار القضاة والموظفين يعني

انقيادهم الطوعي للمبادئ العامة التي يسي عليها الحكم وتدعيم عرى الامن المجتمعي بنحوٍ لا يدع مجالاً لحالات فساد أو اثراء غير مشروع أو حسد أو غل من لدن الرعية لمن تقلد منصباً في الدولة، والسعي في الوقت ذاته لان يكون معيار العدل والنزاهة والاستقامة والاقتداء بسيرة الصالحين هو المعيار الامثل لأي فرد يسعى لان يدرج في مدارج خدمة الرعية وتقلد المناصب التي تعود بالنفع العام على المجتمع.

ولم يكن الامن الاقتصادي وهو واحد من أهم المعايير التي تدعم وجود الامن الاجتماعي بعيداً عن نصوص العهد ولقد تضمن تأكيداً على الكيفية التي تتم بها جباية الاموال وركز على ضرورة عمارة الارض إذ عدها العصب الاساسي لحياة امنة من الناحية الاقتصادية وربط بين سبل تحصيل الخراج وعارة الارض وعد عمارة الارض السبيل الاكثر نجاعة لجلب الخراج وفي ذات الوقت جلب رضا الرعية إذ ان عدم رضاهم واعوانهم سوف يعود سلباً على عمارة الارض وسوف يفضي لحرابها أي انه جعل الرضا المجتمعي وهو احد الادلة الاكثر بروزاً على الامن الاجتماعي معیاراً لصلاح الارض وعمارتها. «ولیکن نظرك في عمارة الارض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لان ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغیر عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد» ... وان العمران محتمل ما حملته، وانما يأتي خراب الارض من اعواز اهلها، وإنما يعوز اهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر. (31)

وركز الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في العهد على أهمية التجارة والصناعة في تأمين الاحتياجات الانسانية فهي مواد المنافع وأسباب المرافق والتجار والصُناع سلم لا تُخاف بائقته فهم مسالمون وصلح لا تخشى غائلته. (32) ورغم التأكيد على اهمية التجار والصناع ودورهم في الحياة الاقتصادية الا ان الامام امير المؤمنين

صلوات الله وسلامه عليه نبه في الوقت ذاته الى ضرورة محاسبة المحتكرين والجشعين منهم ذلك إن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً، وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البياعات، وذلك باب مضرةٍ للعامة وعيب على الولاة» (33) وهذا يعني ان هنالك تأكيد في العهد على ضرورة تأمين الاحتياجات المادية للرعية وهذا ما يضمن امناً اقتصادياً ورفاهية للجميع بدون مضارة أو احتكار أو سلب للمنافع ونرى بعد ذلك ان الامام صلوات الله وسلامه عليه أوصى أن يكون البيع بيعاً سمحاً: بموازین عدل، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمُبتاع.

ثم تابع وصيته بالعمال والمساكين والمحتاجين وأهل البؤسي والزمني والقانعين والمعترین وضرورة أن يتم تخصيص نصیب من بيت المال وقسم من غلات صوافي الاسلام لهم، وعلى الوالي أن ينظر بحسب العهد بعين العدل والمساواة لكل فردٍ من أفراد الرعية وأن يتعهد أهل اليتم والفاقة وذي الرقة ممن لا صلة له ولا ينصب للمسألة نفسه، وعلى الراعي أن لا يهمل أي فرد من أفراد رعيته حتى أولئك الذين لا يمكن أن ينظر اليهم الوالي أو قد يهملهم نظراً لضالة شأنهم و ضعتهم وان يكون هنالك أشخاص يتفرغون لمعرفة أحوالهم وتفقد أوضاعهم فأمثال هؤلاء أحوج إلى الانصاف من غيرهم، وهذا يعني بسط شروط العدل والمساواة بين مختلف الطبقات الاجتماعية وفي ذلك ضان لشروط الامن الاجتماعي. (34)

وحتى يُشعر الوالي رعيته بان بسط يد العدل والمساوة يضم الجميع ينبغي عليه أن يجعل لذوي الحاجات قسماً تفرغ لهم فيه شخصك وأن يجلس لهم مجلساً عاماً يتواضع فيه لله ويبعد الجند والاعوان حتی يكلمهم مُتكلمهم غير متتعتع أي غير متحرج من نطق، عملاً بوصية رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): «لن تقدس امة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع» والاعطاء بشكل هنئ والمنع باجمال واعذار» (35)

وحتى تكون العلاقة طبيعية ومنسجمة بين الدولة والمجتمع أوصى الامام امیر المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في عهد للأشتر بضرورة أن لا يطول احتجاب الوالي عن الرعية فهو شعبة من الضيق وان مثل هذا الاحتجاب يورث عادات اجتماعية سيئة فيصغر عند الرعية الكبير ويعظم الصغير، ویُحسن القبيح ويُشاب الحق بالباطل، وبين الإمام صلوات الله وسلامه عليه عدم ضرورة الاحتجاب فالوالي لا يعدو كونه امرؤ سخت نفسه بالبذل في الحق، فلا داعٍ لاحتجابه إذ ان احتجابه سوف يؤدي بالناس إلى الكف عن مسألته أيسوا نتيجة لطول احتجابه مع العلم ان حاجة الناس للوالي تكون اما شکاة من مظلمة أو انصافٍ في معاملة. (36)

وحتى يقطع الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه نشوء أي سياسات طبقية أو بروز طبقة تثري على حساب الصالح العام أوصى في العهد بضرورة أن لا يقوم الوالي بإقطاع أحدٍ من حاشيته وحامته قطيعة، أو يمتلك عقدة (قطعة من الاض) أو ضيعة يضر بمن يليها من الناس في شربٍ أو عمل مشترك، يحملون مؤونته على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والاخرة. (37)

وأكد الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه على ضرورة عدم سفك الدماء بغير حقها ذلك انه ليس هنالك شيء أدني لنقمة، ولا أعظم لتبعة، ولا أحرى بزوال نعمة، وانقطاع مدة، من سفك الدماء بغير حقها. وعدم المبالغة في العقوبة فان مافوق الوكزة (وهي الضربة بجمع الكف) مقتلة وفي حالة حصول القتل على اثر عقوبةٍ لا تستحق القتل فان على الوالي دفع الدية لأهل المقتول. (38)

وحتى يضمن الوالي الرضا الاجتماعي فعليه تجنب المن على الرعية بالإحسان أو التزيد فيما كان من فعله، أو أن يعد رعيته بوعدٍ فيخلف الوعد، فالمن يُبطل الاحسان والتزيد يُذهب بنور الحق والخلف يوجب المقت عند الله والناس. (39)

الخاتمة والاستنتاجات

أعقبت وفاة الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم جملة من المتغيرات التي أفضت بمجملها إلى النكوص عن المسيرة الاصلية التي أرسى دعائمها صاحب العصمة الكبرى صلوات الله وسلامه عليه وثلة من صحابته المنتجبين والذين امنوا بان الرسالة الاسلامية السمحة رسالة حق وعدل وانصاف وأمن وامان يعيش في ظلها الناس اخوة متساويين ومتكافئين في الحقوق والواجبات، ولما كان الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه هو المستحفظ على هذه الرسالة والقيم عليها بعد انتقال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) للملكوت الاعلى فقد عمل على اتباع سياسة النصح والارشاد قبل تولي خلافته الظاهرة حفظاً للمصالح الاسلامية العليا وعدم رغبة في تضييع الجهود التي بذلت منذ انطلاق الدعوة الاسلامية ولما أدت السياسية التي اتبعت في عهد عثمان بن عفان ولا سيما سياسة الاثرة والتمييز في العطاء وتقريب بني امية واستبعاد وعزل ونفي الاصحاب الاوائل والذين لم يكونوا يمتلكون عصبية قبلية أو ثروة مادية وتراكم الثروات بيد فئة قليلة وتسليط الاقارب والاصهار على رقاب المسلمين إلى تزايد عوامل السخط والثورة وأدت الى قتله، وضغط المسلمين وجموع الثائرين على الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لتولي الخلافة فوليها ساعياً لإصلاح ما فسد في المسيرة الاسلامية وعمل على عزل الولاة الذين كانوا سبباً في تفاقم النقمة على عثمان وبدأ باتباع سياسة ثورية تعمل على اقتلاع الفساد من جذوره وصولا لحالة من العدل والمساواة والامن، ولعل مفردة الامن بمضامينه السياسية والاجتماعية والاقتصادية كانت من اولويات السياسة العلوية ولهذا أكد الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في خطبه ورسائله لعماله على ضرورة نزع الخوف من صدور الرعية وتأمين كل فرد على حياته

ومعتقده وعرضه وماله وممتلكاته وتأمين أسس المساواة في العطاء بنحو لا يشعر معه أي فرد بالحيف والظلم ومعاملة الاخر المختلف بنحو ينم على نظرة انسانية عميقة في مدلولاتها، ولكي يأمن تنفيذ هذه السياسة اسند لخلص اصحابه اعمال الولايات الكبرى في دولة الخلافة فكان مالك بن الحارث الاشتر النخعي واحداً من هؤلاء الاصحاب الذين كانوا بمثابة الايادي الأمينة لتنفيذ معطيات السياسية العلوية الجديدة، ولعل المكانة التي تمتع بها هذا الصحابي الجليل قد دفعت الامام امیر المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لتخصيصه بعهد يُعد أطول عهوده السياسية واكثرها تفصيلاً وشرحاً لطبيعة السياسة التي ينبغي للوالي أن يتبعها في اقليم شهد عدة من التجارب التاريخية المتعاقبة ومرت عليه دول سادت ومن ثم بادت و فيه مرکز للزعامة المسيحية التي وقفت دائما بالضد من محاولات فرض عقيدة مغايرة على اتباعها، لذلك جعل الرحمة والمحبة للرعية أولى واجبات الوالي وتقديم العفو على العقوبة وستر العورة والابتعاد عن عقد الحاقدين و وشايتهم مما يترك اثاراً سلبية في العلاقة بين الراعي والرعية وعد الخلق صنفان أخ في الدين او نظير في الخلق وترك بطانة السوء وتدعيم عري وعوامل الثقة بين الراعي والرعية وضرورة التضامن بين الطبقات والفئات الاجتماعية وضمان استقلالية القضاء والمحاكم والتدقيق في اختيار الموظفين وتقديم عمارة الارض على جباية الخراج وتأمين حالة من الرفاهية الاقتصادية للجميع بتحريم الاحتكار، وعدم الترفع عن العمال والاجراء ورقيقي الحال وترك الاحتجاب عن الرعية ومعرفة دقائق وتفاصيل حياتها بما يصلح أحوالها وعدم الاكتفاء بالسماع، وعدم احاطة الوالي نفسه ببطانة من سوء يقطعهم من اراضي المسلمين، وعدم سفك الدماء الا بالحق وتغليب العفو على العقوبة، وعدم المن على الرعية أو وعدهم بما لا يمكن الوفاء به، وكل هذه النصائح والارشادات التي وردت في العهد العلوي تجعل منه واحداً من اول الوثائق القانونية المفصلة في التاريخ الانساني

ودليل على اصالة النهج الانساني عند الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وسعيه لتأمين أسس الامن الاجتماعي بمناحيه المختلفة الامر الذي يجعل من عهد الأشتر أول وثيقة سياسية قانونية تم فيها تقدیم مصلحة الرعية على الراعي واول وثيقة قانونية سياسية أمنت الانسان على كيانه المادي والمعنوي وأوجدت السبل اللازمة لسير المجتمع في ظل الاهداف السامية التي أرسى أسسها صاحب العصمة الكبرى صلوات الله وسلامه عليه.

الهوامش

علي أسعد بركات، الامن الاجتماعي، دمشق، وزارة الثقافة، الهيئة العامة السورية للكتاب،2011،

ص: 145

7. محمد عمارة، الإسلام والامن الاجتماعي، القاهرة، دار الشروق، 1998،

ص: 21

8.

الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري (450 ه)، أدب الدنيا والدين، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط1، 1407 ه - 1987 م، ص 119.

9.

أحمد المراياتي، العنف: أسبابه وخلفياته النفسية والاجتماعية، 1997، ص 11.

10.

حول هذه الخلفية التاريخية يُنظر: علي شريعتي، الامام علي في محنه الثلاث، محنة التاريخ، محنة التشيع، محنة الانسان، ترجمة: علي الحسيني، بيروت، دار الامير، الطبعة الثانية، 2007. وعزيز السيد جاسم، علي سلطة الحق، بغداد، وزارة حقوق الانسان، المركز الاعلامي، الطبعة الثانية، 2014. واحمد عباس صالح، اليمين واليسار في الاسلام، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، 1973.

11.

يُنظر في هذا الشأن: محمد مهدي شمس الدين، ثورة الامام الحسين عليه السلام، ظروفها الاجتماعية واثارها الانسانية، بيروت، دار الكتاب الاسلامي، 2006، و محمد الحسيني اسماعيل، السقوط الاخير، تاريخ الصراع على السلطة منذ ظهور الاسلام وحتى الوقت الحاضر، القاهرة، مكتبة وهبة، 2006، و علاء عبد الرزاق، المقاومة السياسية لائمة اهل البيت من الصادق حتى الهادي، بغداد، دار الفراهيدي، 2016.

12.

عهد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام لملك الاشتر واليه على مصر، العتبة العلوية المقدسة، قسم الشؤون الفكرية، النجف الاشرف، 2012،

ص: 15 - 33

13. جورج جرداق، الامام علي صوت العدالة الانسانية، بیروت، دار الاندلس، 2010

ص: 250

14.

نفس المصدر السابق

15.

عهد الاشتر، مصدر سبق ذكره؛

ص: 25

16.

نهج البلاغة، شرح ابن ابی الحدید، بغداد، دار الكتاب العربي، مصدر سبق ذكره؛ الخطبة 192

17.

جورج جرداق، الامام علي صوت العدالة الانسانية، مصدر سبق ذكر،

ص: 213

18. نهج البلاغة، الجزء الثاني،

ص: 10

19. نهج البلاغة، الجزء الثاني،

ص: 10

20. عهد الاشتر، مصدر سبق ذكره،

ص: 23

21. عهد الاشتر، نفس المصدر السابق،

ص: 21

22.

باقر شريف القريشي، حياة الامام الحسين عليه السلام، تحقيق مهدي باقر القریشی، کربلاء المقدسة، العتبة الحسينية المقدسة، ط ((2)) 2008،ص: 159

23.

نهج البلاغة، الجزء الثاني،

ص: 165 - 174

24. نفس المصدر السابق،

ص: 175

25. نفس المصدر السابق،

ص: 175

26.

نهج البلاغة، الخطبة ((216))

27.

تفاصيل القصة عند المدرستين الاسلاميتين في الموقع الخاص بالعتبة العلوية المقدسة، باب مناقب الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ووردت عند ابي جعفر محمد بن علي بن شهر اشوب، مناقب ال ابي طالب، المجلد الاول، بیروت، مؤسسة الاعلمی للمطبوعات، 2009،

ص: 384

28. نهج البلاغة: الجزء الثالث، وصية أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لمحمد بن أبي بكر حين توليته مصر،

ص: 31

29. نهج البلاغة، الجزء الثاني،

ص: 3

30.

نهج البلاغه، خطبة ((216))

31.

عهد الاشتر، مصدر سبق ذكره،

ص: 25

32. نفس المصدر السابق،

ص: 27

33. نفس المصدر السابق،

ص: 34

34. نفس المصدر السابق،

ص: 35

35. نفس المصدر السابق،

ص: 41

36. عهد الاشتر، نفس المصدر السابق،

ص: 37 - 39

37. نفس المصدر السابق،

ص: 42

38. نفس المصدر السابق،

ص: 43

39. عهد الاشتر، نفس المصدر السابق،

ص: 45

40. نفس المصدر السابق،

ص: 48

41. نفس المصدر السابق،

ص: 51

42. نفس المصدر السابق،

ص: 52

43. عهد الاشتر، مصدر سبق ذكره،

ص: 58

44. عهد الاشتر، نفس المصدر السابق،

ص: 58

التعايش السلمي دراسة في المأثور عن الإمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر (رضوان الله عليه)

اشارة

د. محمد الجيلاوي

المقدمة:

أكد الإسلام مسألة التعايش السلمي بين الناس، وقد وردت في الآيات والروايات والفقه الإسلامي بحوث مفصلة في هذا الباب. وقد أولى النظام الإسلامي، بما له من شموليه ومبادئ إنسانية، الأقليات الدينية والطوائف غير المسلمة عناية فائقة، وبنى الكيان الاجتماعي على أساس التعايش السلمي وضمان حقوق الجميع.

وفي عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر، يوصى الإمام مالكاً بمحبة الناس والرأفة بهم، ولم يفرِّق الإمام (عليه السلام) بين المسلم الذي عبرّ عنه بالأخ في الدين، وغير المسلم الذي عبرّ عنه بالنظير في الخَلق.

وقد كان منهج حُكمه (عليه السلام) امتداداً ذاتياً لمنهج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو يقوم بالعمل الذي قام به (صلى الله عليه وآله وسلم).

وإنَّ سياسته ومنهجه (عليه السلام) في أيام حُكمه إقامة العدل برحابه ومفاهيمه وإماتة الباطل وإحياء سنن الإسلام. فهناك فارق بين سياسته التي قامت على العدل، وبين سياسة خصومة التي عاشت على الأموال والرغبات والأمور الدنيوية الأخرى.

إنَّ هذه الدراسة التي أقدمها إنما هي صفحة من صفحات ذلك النظام الرائع والتعايش السلمي الذي يملأ النفوس ثقة واطمئناناً بعدله وأصالته وسلامة أهدافه، فقد حوت بنوده على خير الإنسانية وعلى تحقيق آمالها وأحلامها.

وقد حاولت في هذا البحث تسليط الضوء على جانب مهم من خطاب الإمام علي (عليه السلام) الفكري في نهج البلاغة إلى واليه على مصر مالك الأشتر، وهو الدعوة إلى السلم والتعايش السلمي بين أبناء الديانات والمجتمعات المختلفة، وعدم

التمييز بين طبقات المجتمع.

وكان الإمام علي (عليه السلام) أول المؤسسين للدولة المدنية الحديثة التي تكون فيها الحريات مكفولة للجميع، وهم متساوون.

وسبب اختياري للموضوع، هو الحرص على التذكير بالتعايش السلمي في عهد الإمام علي (عليه السلام) بين المجتمع آنذاك. ونحن اليوم بحاجة إليها في ظل الظروف التي يمر بها بلدنا الحبيب.

التمهيد

(التعايش السلمي) لغة واصطلاحاً

التعايش لغةً:

عيش: العَيشُ: الحياةُ، عاشَ يَعِيش عَيشاً وعِيشَةً ومَعِيشاً ومَعاشاً وعَيشُوشةً (1).

قال الجوهري (ت 393 ه): كلُّ واحد من قوله مَعاشاً ومَعِيشاً يصلُح أَن يكون مصدراً وأَن يكون اسماً مثل مَعابٍ ومَعِيبٍ ومَمالٍ ومَمِيلٍ، وأَعاشَه الله عِيشةً راضية (2).

السلم لغةً:

السَّلم والسِّلمُ: يفتح ويكسر ويذكر ويؤنث. والسَّلَامُ والسِّلمُ والسَّلَمُ: الصّلح (3). قال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَن أَلقَى إِلَيكُم السَّلَامَ لَستَ مُؤمِناً) (4).

والسَّلامُ في الأَصل: السَّلامةُ، يقال: سَلِمَ يَسلَمُ سَلاماً وسَلامةً، ومنه قيل للجنة: دار السَّلامِ؛ لأَنها دار السَّلامةِ من الآفات.

والسَّلمُ والسَّلامُ: كالسِّلمِ. والسِّلمُ: المسَالِمُ. تقول: أَنا سِلمٌ لِمَن سالَمني.

وتَسالَموا: تصالحوا، والسَّلَمُ: الاستِسلامُ، والتَّسالُمُ: التَّصالُحُ. والمُسالَمةُ: المُصالحة.

والسَّلامُ: الاستِسلامُ، وحكي السِّلمُ والسَّلمُ الاستِسلامُ وضد الحرب.

والإِسلامُ والاستِسلامُ: الانقياد. والإِسلامُ من الشريعة: إِظهار الخضوع وإِظهار الشريعة والتزام ما أَتى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبذلك يُحقَنُ الدم ويُستَدفَعُ المكروه (5).

التعايش السلمي اصطلاحاً:

يعني التعايش: الاشتراك في الحياة على الألفة والمودة والمحبة من خلال العيش المتبادل مع المخالفين القائم على المسالمة والمهادنة.

والعيش: معناه الحياة، وهو العيش على هذه الأرض منذ نزول أبينا آدم (عليه السلام) إلى يوم الساعة من دون تفريق بين بني البشر.

والسلمي: وصف مؤكد لطبيعة التعايش، وهذا فرض أنَّ هناك تعايشاً غير سلمي.

ولم ترد لفظة التعايش والتسامح في القرآن الكريم أو السنة النبوية.

والقرآن الكريم يبين أنه لا حرج على المسلم أن يحيا في ظل التعايش السلمي بينه وبين أي إنسانٍ مخالف له في دينه ومعتقده، ما لم يُظَاهِر الطرف الآخر المسلم بالعداوة والتحريض، أو الإساءة والخيانة.

والإسلام لا يوصي بمبدأ التعايش السلمي فحسب؛ بل تخطّاه إلى أبعد من ذلك، فحثّ المسلمين على إقامة وشائج الصداقة والمحبّة مع الشعوب غير المسلمة. قال تعالى: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (6).

فالإسلام يفتح صدره للجميع، ويمد يده للجميع، ويدعو للتعايش السلمي بين جميع الشعوب والأمم. قال تعالى: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» (7).

والتعايش السلمي: التعاون بين دول العالم على أساس من التفاهم وتبادل المصالح السياسية والاقتصادية والدينية والعلمية والثقافية.

ويطلق على التعايش السلمي بالمصطلح الحديث: المواطنة والسلم الأهلي.

ومصطلح التعايش: (coexistence) شاع رواجه في العصر الحديث؛ وذلك نتيجة الصراع بين الكتلتين الشرقية والغربية.

ويقال: إنَّ كلاً من الكتلتين: الشرقية والغربية، تدعو إلى التعايش السلمي فيما بينهما، وفي الوقت نفسه تتسلح كل منهما، وتتحصن خوفاً من الأخرى (8).

وتاريخياً يقصد مصطلح التعايش السلمي: نبذ الحرب كوسيلة لحل الخلافات الدولية.

وهو عبارة عن سياسة جاء بها الرئيس السوفيتي خروتشوف سنة 1953 م. ويتمثل التعايش السلمي في محاولة العسكرين تجاوز خلافاتهما الايديولوجية والاقتناع بإمكانية وجود نظامين رأسمالي وشيوعي.

ومصطلح التعايش السلمي مصطلح سياسي يعني البديل عن العلاقات العدائية بين الدول ذات النظم الاجتماعية المختلفة، ومع كونه مصطلحاً سياسياً فليس هناك ما يمنع التوسع في استخدامه في ساحة العلاقات الاجتماعية بين أتباع الديانات المختلفة ولاسيما إذا كانوا في دولة واحدة.

والتعايش السلمي لا يقوم فقط بين الدول وإنما بين الشعوب أيضاً، مع بعضها بعضاً، وبين أبناء الشعب الواحد والمدينة الواحدة وهكذا. فالتعايش هو مجتمعات متكاملة يعيش فيها الناس من مختلف الأعراق والأجناس والأديان منسجمين مع بعضهم بعضاً، ولا يتطلب أدنى فكرة للتعايش سوى أن يعيش أعضاء هذه الجماعات معاً من دون أن يكفر بعضهم الآخر، ويقتل أحدهم الآخر.

والتعايش السلمي أيضاً يكون مع المخلوقات الخارجية الأخرى التي تعيش في كواكب أخرى، فعندما استقبل الإمام علي (عليه السلام) دهقان من دهاقين الفرس

وهو من المنجمين، فسأل المنجم الإمام (عليه السلام) أسئلة كثيرة، فقال (عليه السلام): (البارحة سعد سبعون ألف عالم، وولد في كلّ عالم سبعون ألفاً) (9).

إنَّ هذه الأرقام يقصد منها تثبيت فكرة تعدد العوالم وسعة الكون!. لا أحد في العصر الحديث يبدو أنه يمكنه التصديق بأنَّ هذه الملايين من النظم التي تدور حولها المليارات من الكواكب بعضها بقدر الأرض وبعضها أكبر منها بألف مرة ليست مسكونة وخالية من أية مخلوقات!. ولولا هذا الشعور لما أرسلت وكالة الفضاء رسالة بخمسين لغة حية وفيها تراتيل من الكتب الثلاث إلى سكان الكواكب تطلب فيها إليهم عدم مهاجمة الأرض وضرورة التعايش السلمي!! (10).

و مما تقدم نجد: إنَّ التعايش السلمي في ضوء القواعد الإنسانية وفي ضوء مقاصد الإسلام هو عبادة ربانية وضرورة بشرية. وإنَّ البشرية، سواء كانت مجتمعات أم أفرداً، وسواء كانوا مختلفين في اللون أم العرق، أو الدين والمذهب، أو الرأي، أو اللغة، أو القومية والحزب لا يمكن أن تستقر ولا يمكن أن تتقدم ما لم يسعون إلى التعايش السلمي، واحترام الإنسان بما هو إنسان.

فالإسلام يؤكد احترام كل الناس حتى إذا كانوا كفاراً غير مسلمين؛ لأنَّ الإنسان بما هو إنسان محترم، قال تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» (11).

الوالي مالك الأشتر (رضي الله عنه):

هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي، المعروف بالأشتر: أمير، من زعماء العرب وفرسانهم وأكياسهم، ومن كبار الشجعان. وكان رئيس قومه. أدرك الجاهلية والإسلام. سكن الكوفة. وكان له نسل فيها. وشهد اليرموك وذهبت عينه فيها. وشهد يوم الجمل، وأيام صفين مع الإمام علي (عليه السلام). وله شعر جيد، ويعدّ

من الشجعان الأجواد العلماء الفصحاء (12).

وكان الأشتر من رؤساء الشيعة الموالين لأهل البيت (عليهم السلام).

واعتمد عليه الإمام علي (عليه السلام) وادخره للمهمات. وقال فيه من جملة ما قال (عليه السلام): (کَانَ رَجُلاً لَنَا نَاصِحاً وَ عَلَی عَدُوِّنَا شَدِیداً نَاقِماً)) (13). وقال أيضاً (عليه السلام): (رحم الله مالكاً، فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) (14). وقال أيضاً (عليه السلام): (مِمَّنْ لَایُخَافُ وَهْنُهُ وَلَا سَقْطَتُهُ) (15). فكان الأشتر يجمع بين العلم والعقل والإخلاص، زيادة على الشجاعة والفروسية.

وقال (عليه السّلام)، وقد جاءه نعى الأشتر رحمه الله: (مَالِكٌ وَ مَا مَالِكٌ وَ اَللَّهِ لَوْ کَانَ جَبَلاً لَکَانَ فِنْداً وَ لَوْ کَانَ حَجَراً لَکَانَ صَلْداً لاَ یَرْتَقِیهِ اَلْحَافِرُ وَ لاَ یُوفِی عَلَیْهِ اَلطَّائِرُ) (16). وكانت وفاته سنة سبع وثلاثين هجرية.

والرسالة التي تلقاها مالك الأشتر من الإمام (عليه السلام) حين ولاه على مصر، تعرف بعهد الأشتر. وقد أخذ هذا العهد حظاً كبيراً من اهتمام العلماء العرب وغير العرب قديماً وحديثاً، ومنهم مستشرقون، ونقل المؤلفون وكتاب المقالات كثير من فصوله. ولمحمد تقي الحكيم كتاب «حياة مالك الاشتر» تناول فيه حياة مالك.

التعايش السلمي عند الإمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر (رضوان الله عليه):

إنَّ عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر واليه على مصر، بيانٌ يشرح أهداف الحكومة، وبرنامجٌ عملي للحاكم في سياسته وحياته الشخصية.

وإنّ التعايش السلمي الإنساني موضوع مهم يمكن استخراجه من كلام الإمام علي (عليه السلام)، ليصبح وصفة ناجعة للتعامل الحضاري البناء بين مختلف المجتمعات على الرغم من اختلافاتها، مما يصون هذه المجتمعات المتعددة في الدين أو الثقافة أو السياسة أمام الرؤى المنغلقة والمتطرفة التي لا تريد للعالم مجالاً للتعامل والحوار والتعددية، بقدر ما تريده حلبة للصراع الحضاري، فالمتشددون لا يعرفون الاصطياد إلا في المياه العكرة! وقد سار الإمام علي (عليه السلام) على سيرة أستاذه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فدعا (عليه السلام) لمشروع إنساني قيمي، يقوم على مبادئ، قد جاء بها الإسلام، فكان (الآخر) في منهج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، هو أخ في الدين أو أخ في الإنسانية، ويذهب أبعد من ذلك، فهو يقبل بالعدو، ويعامله بالحسنى والعطف، والإعراض عن الازدراء به، وسلبه مكانته الاعتبارية. وكان العدل أساس حكم أمير المؤمنين (عليه السلام). فكان عصر الإمام علي (عليه السلام) عصر الحرية الواسعة.

وكانت الحرية الواسعة أشبه شيء بالحريات التي منحها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للناس في بداية الإسلام، فكان يعيش في المدينة المنورة بجنب المسلمين: المشركون، واليهود، والنصارى، والمنافقون، مختلطين في دورهم وأسواقهم يتعاملون ويمارسون حرياتهم المتبادلة في ظل الإسلام.

وإنَّ الرجوع إلى سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) يكشف لنا عن كمٍ هائل من الوصايا والوقائع التي تحقق لنا تواصلاً ناجحاً مع الآخرين، والالتزام بتلك

الوصايا كفيل بتحقيق تعامل فعال مع الناس، فعملية التعايش تبدأ من نظرة الانسان إلى نفسه وتقييمها، ومدى نجاحه في إقرار حالة التعايش الداخلي مع ذاته، فالذي ينظر إلى نفسه نظرة إيجابية مطلقة أو سلبية مطلقة، ويقيّم الآخر بأنه سلبي أو إيجابي بصورة مطلقة، لا يمكنه أن يتعايش مع الآخر، وكذلك المتعثر في التعايش مع ذاته في محاكاته وحواراته مع الذات للخروج بتوازن بين الإرادات الداخلية المتباينة كالعقل والعاطفة والضمير والنفس وما إلى ذلك، فيكون ذا شخصية بعيدة عن التوازن والاعتدال والوسطية، وهذا مما يبعد الإنسان عن التعايش، فالتعايش يبدأ من دائرة الذات ويمتد ليؤثر، ويتأثر بجميع دوائر التعايش. يقول سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز: «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ» (17). فالأصل الانساني واحد، والجميع مكرمون، والاختلاف والتنوع والتعدد في اللغات والألوان من آياته ومعجزاته للعالم. وإذا كانت التعددية من آياته سبحانه وتعالى، وهي الأصل في الحياة؛ فما هو الطريق للتعامل بين مكونات التعددية؟ قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (18).

بعد تأكيد التعددية يحدد الله عزَّ وجلَّ معيار التفاضل بالتقوى الذي هو عليم خبير بها، ويشير إلى مقدمة من مقدمات التعايش، وهو التعارف بين مكونات نسيج الأسرة العالمية الواحدة.

والتعارف عادة يمهّد للتفاهم، والتقارب والتعاون والتعايش، وإنَّ الآثار الخطيرة للمعرفة الخاطئة أو الناقصة عن الآخر باتت معروفة، ولذلك يؤكد المصلحون ضرورة تجاوزها، ومعالجتها لدعم التعايش، لدفعه نحو التعاون، كما في قوله تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» (19).

وفي الحديث الشريف عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): ((خَيرُ النّاسِ مَن نَفَعَ النّاسَ)) (20).

فالتعددية هي الأصل، وهي آية، واختبار، وتنافس، واستباق الخيرات في وقت واحد قال تعالى: «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» (21). فالإسلام يصحّح النظرة إلى الذات أولاً، وإلى الآخر ثانياً، وإلى التعددية ثالثاً، ويزرع متطلّبات التعايش رابعاً، فيعالج التحجيم والتضخيم سواءً في النظرة إلى الذات أم إلى الآخر، بالإشارة إلى وحدة الأصل الانساني، وتكريم الإنسان بما هو إنسان إلى جانب نفيه للغرور والتعصب وما شابه ذلك من معوّقات الاتصال والتعارف، والإسلام لم يحترم حرية الآخرين فحسب؛ بلّ يسمح للآخر بتطبيق قوانينه في بيئته وضمن المجتمع أو النظام الاسلامي وقاعدتا الالزام والإمضاء في الفقه الاسلامي خير دليل على ذلك، وفي الأحلاف والاتفاقيات التي عقدها وطبّقها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) على الصعيدين الخارجي والداخلي ما هي إلا أكبر وأرقى أنواع التسامح المطروحة هذه الأيام مع بداية الألفية الثالثة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ الإسلام يكرّسُ كل متطلبات ودعائم التعايش وما ينعشه ويضمنه بصورة مستديمة مثل: القسط، والعدل، والإنصاف، والعفو، والصفح، وإحقاق الحق، ونفي الظلم، وحسن الظن وما إلى ذلك؛ قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» (22).

يقول الإمام (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر لما ولاّه مصر وأعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبي بكر، وهو أطول عهد وأجمع كتبه للمحاسن: ((وأَشعِر

قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِیةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَاتَکُونَنَّ عَلَیهِمْ سَبُعاً ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِی الدِّینِ، أَوْ نَظِیرٌ لَكَ فِی الْخَلْقِ) (23). وكأنه لضمان التعايش بين الرعية، لا يكتفي بمجرد التزام الراعي الرحمة والمحبة واللطف في التعامل مع رعيته.

اذن: فما هو المطلوب؟ وما هو البديل؟ إنَّ المطلوب هو الانطلاق من الذات، والانطلاق من القلب، لتبدأ بزراعة الحب والرحمة واللطف، حتى يتحول ذلك الحب الذي يسع جميع مكونات النسيج الاجتماعي إلى ملکه.

ويشير الإمام (عليه السلام) إلى عدم جدوى كل ما تقدّم ما لم يعزّز بتكريس حقوق الرعية، ويتحاشي الإضرار بها، وبمكوّناتها المختلفة بقوله: (وَلَاتَکُونَنَّ عَلَیهِمْ سَبُعاً ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ) (24). أي لا تضر الناس ولا تهضم حقوقهم. ثمَّ يؤكد (عليه السلام) العفو والصفح لخلق الأرضية الخصبة للتسامح والتعايش بقوله: (یفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، وَیؤْتَی عَلَی أَیدِیهِمْ فِی الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ... وَلَاتَنْدَمَنَّ عَلَی عَفْوٍ وَلَاتَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ) (25).

(يَفرُطُ): أي يسبق. (مِنهُمُ): أي من الناس. (الزَّلَلُ): وتَعرِضُ لَهُمُ العِلَلُ: أي علة الأعمال السيئة. (ويُؤتَى عَلَى أَيدِيهِم فِي العَمدِ والخَطَأ): أي طبيعة الإنسان. (فَأَعطِهِم مِن عَفوِكَ وصَفحِكَ... ولَا تَندَمَنَّ عَلَى عَفوٍ)؛ إذ العفو أحسن عاقبة من الانتقام. (ولَا تَبجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ): أي لا تفرحن بسبب ما عاقبت به أحداً، فإنَّ العقوبة شرّ عاقبة مهما كانت حقاً. وعلى الانسان أن لا يعتدي ويسئ إلى أخيه الإنسان بشيء، وأن ينصفه من نفسه، ويكون عوناً له على ظالمه سواء أكان على دينه أم على دين الشيطان. قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لشيعته: (أَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهلِهَا وإِن كَانُوا مَجُوسِيّاً) (26). وقال له أحد أصحابه وأتباعه: وَقَعَ لِي مَالٌ عِندَّ يَهودِيٍّ، فَاکَابَرَنِي عَلَيه

وحَلَفَ، ثُمَ وَقَعَ لَه عِندِي مَالیُ فَهَل آُخَذَه مَکَانَ مَالِيَ الَّذِي أخَذَه وأجحَدُه وأحلِف عَلَيه، کَمَا صَنَعَ. فَقَالَ الإمامُ الصادق (عليه السلام): (إِن خَانَكَ فَلَا تَخُنه، ولَا تَدخُل فِيمَا عِبتَه عليه) (27).

وقد تعرّض الإمام علي (عليه السّلام) في هذا الفصل من عهده للأشتر لبيان روابطه مع رعيته والمسوسين له من العامة والخاصّة.

ورابطته أنه وال على النّاس وبيده القدرة والأمر والنهي مع كلّ أحد، وقد بيّنها في أمور منها:

1.

أن يكون ملء قلبه المحبّة واللطف والرّحمة لكافّة الرعيّة.

2.

عدم سوء الافادة عن قدرته عليهم فيصير ذئباً يغتنم أكلهم؛ لأنَّ رعاياه، إمّا إخوانه في الدّين كافة المسلمين، وإمّا إخوانه في الإنسانية كالذمّي والمعاهد.

3.

الصفح عن خطاياهم والعفو عن ذنوبهم لنقصان التربية، ونبّهه على أنَّ نسبتهم إليه کنسبته إلى الوالي الآمر عليه وفوقه أيضاً هو الله تعالى، فينبغي الصفح عنهم، وأنّه يرجو الصفح عنه من الوالي الأمر وفوقه من الله تعالى القادر، وبيّن أنَّ تعذيب عباد الله تعالى بمنزلة الحرب مع الله الَّذي لا قدرة تجاه عقوبته، ولا غنى عن عفوه ورحمته.

4.

أمره برعاية الانصاف مع الله تعالى و خلقه، سواء بالنسبة إلى نفسه أو أهله أو من هواه من رعیته، فلا يهضم حقّ الله وحقّ أحد من عباده لرعاية هؤلاء فإنه ظلم والله تعالى خصم للظالم، ومن خاصمه الله تعالى أدحض حجته وكان لله حرباً حتّى يتوب والظلم يوجب تغيير النعم وسلب الأمارة والحكم.

5.

أمره برعاية ما هو أفضل في أداء الحقّ وما هو أعمّ لجميع الرّعيّة في اجراء العدل وما هو أجمع لرضا الرعية في تمشية الأمور وإن كان يوجب سخط الخاصّة من

أرباب النفوذ وأصحاب المقامات السّامية، وعلَّل ذلك بأنّ غضب عامّة الرعيّة وعدم رضاهم عن وضعهم يوجب الثورة والبلوى ولا يقدر الخاصّة مهما كانوا مخلصين للحكومة وجادين في نصرتها المقاومة تجاه سيول الثائرين وأهل البلوى (28).

وهكذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يعامل ويوصي لأفضل عماله وخير صحابته بحسن معاملة الرعية؛ لإنَّ التمييز الذي كان قبل الإسلام بين بني البشر قد ألغي من الله تعالى وقد وضح ذلك في آيات قرآنية عديدة، وكذلك ألغي من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أحاديث شريفة، ثمَّ من أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله: (إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ). فقد كانت الرومان تعتقد - فلسفياً - أنَّ العنصر الأبيض غير العنصر الأسود جنساً ودماً وخلقة. فالدم الذي يجري في عروق الإنسان الأبيض يختلف عن الذي يجري في عروق الأسود وكأنهما خلقا من أصلين متباينين.

وقد خلق الأسود لكي يخدم الأبيض. فوجوده لوجوده، على غرار سائر الحيوانات والنباتات والأحجار. فالإنسان الكريم هو الأبيض! أما الأسود فهو مخلوق لخدمة الأبيض! فهو عبد له في أصل خلقته، وللإنسان الأبيض أن يستغل الإنسان الأسود أينما وجده أو عثر عليه، فهو مُلكٌ له وهو مالكه وفق القانون.

تلك كانت نظرة الأمم المتمدنة - أمثال الرومان والفرس واليونان وغيرهم - إلى الجنس الأسود إطلاقاً. لذلك كان النخاسون يغيرون على المناطق الأفريقية لصيد الإنسان الأسود زرافات وأفراداً، يحملونهم في السفن ويأتون بهم إلى الأسواق فيبيعونهم كما تباع الأغنام والمواشي؛ بل وبصورة أفجع!

وكانت الموالي تعامل العبيد معاملة سيئة، يستغلون منافعهم ومواردهم ويفرضون عليهم الإتاوات الثقيلة، ويكلفونهم ما لا يطيقون، أو يعبثون بأرواحهم غاية التفريح وترويح النفس، كأداة صامتة يعمل صاحبها بها ما شاء!

جاء الإسلام - والعالم منهمك في مهاوي الغي والفساد - جاء ليضع حداً لتلك المظالم، ونهاية للعبث والفساد، وليوقظ العقل البشري الذي أخذه السبات العميق منذ مدة سحيقة، ولينير درب الحياة من جديد فتنتهي الأمم عن غيها وجهلها، وتهتدى إلى سبل الصلاح، والسلام، والعلم، والعدل، والإنصاف: سبيل الإنسانية الفاضلة! (29)

سأل السيد جعفر العاملي عن الوحدة الإسلامية، هل هي وحدة سياسية أم أوسع من ذلك؟ فأجاب: إن المقصود بالوحدة هو: الوحدة الإنسانية (30): بمعنی أن نتعامل مع الآخرين على أساس أنهم: (إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ).

فالناس كلهم على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأديانهم وعقائدهم وانتمائاتهم أخوة في أصل واحد، أو رابط واحد وهو رابط الإنسانية، فجميعنا بلا استثناء أخوة في الإنسانية والبشرية، أي كلنا من أب واحد وأم واحدة، وهما آدم وحواء، فهذه الأخوة أخوة إنسانية، وهي مهمة وضرورية لبقاء الحياة البشرية في سلام وأمان ووئام وراحة واستقرار، والعيش سلمياً بصورة اعتيادية. ولو لم تبق هذه الأخوة لم يبق أي رابط يربط بين الناس على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ودياناتهم وعقائدهم، فهي رابطة عالمية ينبغي الذود عنها، والدفاع في سبيل بقائها، وعلى أساسها قامت المنظمات الدولية والإنسانية للدفاع عن حقوق الإنسان في كافة المجالات، وعلى أساسها منعت حروب وأوقفت، وعلى أساسها شكلت محاكم دولية، وعلى أساسها استقلت

دول، وتفككت دول أخرى، كل ذلك من أجل الحفاظ على حقوق الإنسان، وإن كنا نجهل المصالح السياسية والأطماع الدولية في كثير من المجالات.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي عنان قد عَلق قبل سنوات عدة على مقولة الإمام علي (عليه السلام): (يا مالك إنَّ الناس إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)، فقال: (هذه العبارة يجب أن تعلَّق على كل المنظمات، وهي عبارة يجب أن تنشدها البشرية). وبعد أشهر اقترح عنان أن تكون هناك مداولة قانونية حول كتاب الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر. وبعد مدارسات طويلة طرحت اللجنة القانونية في الأمم المتحدة سؤلاً، هل هذا العهد (الكتاب) يرشح للتصويت؟ ثم رُشِّح للتصويت، وصوتت عليه الدول ليكون أحد مصادر التشريع الدولي (31).

قوله (عليه السلام) لمالك في التعايش السلمي وتفضيل السلم على القتال:

قال (عليه السلام) لمالك: (وَلاتَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَلِلّه فيهِ رِضًا فَاِنَّ فِى الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ وَراحَةً مِنْ هُمُومِكَ وَأَمْناً لِبِلادِكَ) (32).

يعدّ هذا الكلام تأسيساً لخطابه الفكري (عليه السلام) في تفضيل السلم على الحرب. ولا يكتفي الإمام (عليه السلام) بتأسيس الخطاب فحسب؛ بل يفكّر أيضاً في ديمومته فيزيد في الكتاب نفسه (وإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وبَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً، فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ وارْعَ ذِمَّتَكَ بِالأمَانَةِ، واجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَیْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ الله شَيْءٌ، النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ، وتَشَتُّتِ آرَائِهِمْ، مِنْ تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ) (33).

لم يكن الإمام (عليه السلام) ممن يعشقون الحرب؛ بل كانت الحرب من المحظورات التي تبيحها الضرورات، فالحرب - بدمارها وقتلها للإنسان أي إنسان،

وهو إما أخ لنا في الدين أو نظير لنا في الخلق -، لا تشكل خيار الإمام (عليه السلام) الأول؛ بل هي خياره الأخير، فهو يؤخّر الحرب طمعاً في هداية الناس وتجنباً للقتال وحقناً للدماء: (فَوَ اَللَّهِ مَا دَفَعْتُ اَلْحَرْبَ یَوْماً إِلاَّ وَ أَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِی طَائِفَهٌ فَتَهْتَدِیَ بِی وَ تَعْشُوَ إِلَی ضَوْئِی وَ ذَلِکَ أَحَبُّ إِلَیَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَی ضَلاَلِهَا وَ إِنْ کَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا) (34). لا شك في أنَّ تفضيل هداية الأعداء ومعايشتهم على خوض القتال معهم فكرة متجذرة في الخطاب القرآني العام، فيأمر الله سبحانه وتعالى موسى وهارون (عليهما السلام) بالذهاب إلى فرعون: (إِذْهَبا إِلی فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغی فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَیناً لَعَلَّهُ یتذَکَّرُ أَوْ یخْشی) (35). وللقول الليّن أو الحوار. إذا أردنا ترهين المصطلح - مكانة رفيعة في الخطاب القرآني الذي انبنى عليه الخطاب العَلوي، فهذان الخطابان المؤسّسان على التذكر والخشية أمام الله سبحانه وتعالى كفيلان بسدّ الطريق أمام الطغيان الذي يؤسّس للحرب والدمار، بعد أن أغلق جميع الأبواب أمام الحوار الا والتعددية والتعايش، وهذا ما يشهد عليه التاريخ الإنساني بجميع طغاته.

فللتعايش مكانة مرموقة ليس في الديانة الإسلامية فحسب؛ بل في العلاقات التي تحك-م بين الديانات السماوية أيضاً، فليس التبشير بظهور نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكتب السماوية التي نُزّلت قبل القرآن الكريم إلا برهانٌ قاطعٌ على النزعة التعايشية المنفتحة التي تحكم تلك العلاقات، وأنَّ المكانة المهمة التي تحتلها قصص الأنبياء السابقين في النص القرآني دليل على هذا التعايش، وتعايش النصوص وهي منظومة من العلامات التي يهتدي بها الإنسان دليلٌ على تعايش المرسل والمرسل إليه، لا سيما وأنَّ مرسل هذه النصوص واحدٌ، وهو الله سبحانه وتعالى.

ويسبح النص العلوي بوصفه منبثقاً من النص القرآني في هذا الفلك التعايشي، فنرى أنَّ ذكر موسى وعيسى (عليهما السلام) يدخل في نسيج ضفائر نص نهج البلاغة. (وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِیسَی بْنِ مَرْیَمَ علیه السلام، فَلَقَدْ کَانَ یَتَوَسَّدُ اَلْحَجَرَ، وَیَلْبَسُ

اَلْخَشِنَ وَیَأْکُلُ اَلْجَشِبَ، وَکَانَ إِدَامُهُ اَلْجُوعَ وَسِرَاجُهُ بِاللَّیْلِ اَلْقَمَرَ، وَظِلاَلُهُ فِي اَلشِّتَاءِ مَشَارِقَ اَلْأَرْضِ وَمغَارِبَهَا، وَفَاکِهَتُهُ وَرَیْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ؛ وَلَمْ تَکُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ وَلاَ وَلَدٌ یَحْزُنُهُ، وَلاَ مَالٌ یَلْفِتُهُ وَلاَ طَمَعٌ یُذِلُّهُ رِجْلاَهُ وَخَادِمُهُ یَدَاهُ) (36).

لا شك في أنَّ هذه الصورة التي يرسمها الإمام (عليه السلام) لعیسی بن مریم (عليه السلام) تتواشج مع مدلول النص الإنجيلي حين يقول على لسان السيد المسيح: «ما أصعب دخول الأنبياء إلى ملكوت الله! فمرور الجمل في ثقب الإبرة أسهل من دخول الغنيّ إلى ملكوت الله». وإن دلّ هذا التواشج الدلالي على شيء فيدلّ على عقلية الإمام (عليه السلام) المنفتحة تجاه الآخر المسيحي ونصّه المقدّس (37).

ويتراءى لنا أنَّ هذا الانفتاح النصي بحاجة إلى انفتاح في التأويل، وهذا الانفتاح يحتاج قبل كلّ شيء إلى عقلية منفتحة لدى المتلقي، ولا يحصل هذا الانفتاح إلا عبر التعايش السلمي مع الآخر بكيانه المستقل، وهذا يحتاج إلى نظرة تعددية لدى المتلقي أيّاً كانت ديانته.

ونكتشف من خلال فك شفرات هذه الفقرة من النصّ العلوي ومقارنته بالنصّ الإنجيلي أنَّ الإمام (عليه السلام) يركز على التعايش السلمي البناء مع الآخر، ولا نحصل على هذه الحصيلة الدلالية إلا من خلال الحفر في أعماق النصّ، كما رأينا، وليس الاكتفاء بقشوره، أي إنَّ النصّ العلوي - وكذلك النصّ القرآني - لا يذكر الأنبياء السابقين (عليهم السلام) لنعتبر بقصصهم فحسب؛ بل يريد أن يؤسّس من خلال هذه العلاقة التناصية لخطاب فكريٍّ منفتح حيٍّ - وكلّ حيٍّ منفتحٌ - ليأتسي به كلّ من يقتدي بالإمام (عليه السلام)، فيحترم الآخر وينفتح عليه، ليكون التعايش السلمي معه خیارنا الأول والأهم في الحياة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية على المستويين المحلي والعالمي.

يجب الانتباه إلى أنَّ التركيز على التعايش السلمي وتفضيل السلم على القتال في الخطاب العلوي لا يعني أن نغط في نوم الغفلة العميق؛ بل علينا دائماً أن نكون على أهبة الاستعداد لمواجهة الأخطار التي يمكن أن تكون لنا بالمرصاد.

ونرى كيف أنَّ الإمام (عليه السلام) يطالب الأشتر النخعي بأخذ الحذر كله: (وَلكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ؛ فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ فَخُذْ بِالْحَزْمِ، وَاتَّهِمْ فِی ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ) (38).

لا شك في أنَّ أخذ الحذر من العدو أو كل من بإمكانه أن يشكل خطراً للمسلمين يتطلب تضامناً حقيقياً بينهم، ليصبحوا أقوياء يستطيعون الرهان على السلام والتعايش مع الآخر؛ لأنَّ سلام الأقوياء يشكل خياراً أنسب في عالم لا نستطيع أنّ نعيش فيه حياة كريمة لمجرد النوايا الطيبة، وتكشف لنا تجارب تاريخية على مستوى العلاقات الدولية مثل الحرب الباردة، أنَّ السلام والتعايش في أدنى درجاتها يمكن أن يتحققا من خلال موازنة الخوف من الآخر، ولاشك في أنَّ هذا اللون من السلام والتعايش أفضل بكثير من الصراع والحرب (39).

ويرى الإمام (عليه السلام) في الوحدة رمزاً للقوة وفي الفرقة رمزاً للضعف: (فَانْظُرُوا کَیْفَ کانُوا حَیْثُ کانَتِ الأمْلاءُ مُجْتَمِعَةً، وَالأَهْواءُ مُتَّفِقَةً وَالقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً وَالأَیْدِی مُتَرادِفَةً وَالسُّیُوفُ مُتَناصِرَةً وَالبَصائِرُ نافِذَةً وَالعَزائِمُ واحِدَةً أَلَمْ یَکُونُوا أرْباباً فی أقْطارِ الأَرَضِینَ، وَمُلُوکاً عَلیٰ رِقابِ العالَمِینَ، فَانْظُرُوا إلیٰ ما صارُوا إلَیْهِ فی آخِرِ أمُورِهِمْ، حِینَ وَقَعَتِ الفُرْقَةُ وَتَشَتَّتَتِ الأُلْفَةُ، وَاخْتَلَفَتِ الکَلِمَةُ وَالأَفْئِدَةُ، وَتَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِینَ وَتَفَرَّقُوا مُتَحازِبِینَ، قَدْ خَلَعَ اللّٰهُ عَنْهُمْ لِباسَ کَرامَتِهِ، وَسَلَبَهُمْ غَضارَةَ نِعْمَتِهِ، وَبَقِیَ قَصَصُ أَخْبارِهِمْ فِیْکُمْ عِبَراً لِلْمُعْتَبِرِینَ) (40).

ماذا نجني من السلام والتعايش السلمي:

يقول الإمام (عليه السلام) في كتابه لمالك الأشتر: (فإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ وأَمْناً لِبِلاَدِكَ) (41).

إذا وسّعنا مدلول (الجنود) و (الهموم) و(الأمن) ليشمل كل الطاقات التي من المفترض أن تقوم بالتنمية الدائمة الشاملة في كلّ مجتمع من المجتمعات البشرية، فنستطيع أن نستوعب مدلول كلام الإمام (عليه السلام)، فنرى كيف كان الإمام (عليه السلام) يؤمن بأثر السلام في تنمية الطاقات المختلفة التي يمتلكها المجتمع ليستخدمها في تطويره في مختلف الميادين؛ وذلك بعيداً عن الهموم والمشاكل التي تواجهها كثير من المجتمعات المسلمة التي كانت عليها أن تقتدي بكلام الإمام (عليه السلام)، وتجتاز العقبات التي سدت طريق التقدم والتنمية أمام هذه المجتمعات. وتوفير الفرص للقيام بعملية الإصلاح في المجتمع، وهناك فائدة أخرى للسلام يضع الإمام إصبعه عليها، فيقول ردّاً على الذين سألوه: لِمَ جَعَلتَ بَينَكَ وبَينَهُم أَجَلًا فِي التَّحكِيمِ. يقول (عليه السلام): (فَإِنّمَا فَعَلتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيّنَ الجَاهِلُ، وَ يَتَثَبّتَ العَالِمُ، وَ لَعَلّ اللّهَ أَن يُصلِحَ فِي هَذِهِ الهُدنَةِ، أَمرَ هَذِهِ الأُمّةِ، وَ لَا تُؤخَذَ بِأَكظَامِهَا، فَتَعجَلَ عَن تَبَيّنِ الحَقّ، وَ تَنقَادَ لِأَوّلِ الغيَ ّ) (42). إذا كانت في الهدنة التي أعقبت الحرب مع العدو فرصة للإصلاح وإخماد نيران الأحقاد والعودة إلى الرشد وسواء السبيل، فمن البديهي أن يكون للسلام والتعايش مثل هذه الإنجازات في علاقاتنا المحلية والإقليمية والدولية.

إنَّ التعاضد والتضامن في وجه الأخطار التي تهدّد المجتمعات المتعايشة المسالمة من الثمار التي تجنيه هذه المجتمعات من السلام والتعايش، ونرى ذلك في النص العلوي حين نستنطق ضفيرة من ضفائر هذا النص، فيذكر الإمام (عليه السلام) في حلف

يعقده بین ربيعة واليمن أنهما تصبحان (يداً واحدة) ومن ذوي (دعوة واحدة)، أي أنَّ السلام والتعايش يبرزان القواسم المشتركة بين هاتين الطائفتين من الناس لتنتج عنها قوة واحدة تحمي الطرفين المسالمين.

وغني عن الذكر أنّنا حين نقوم بترهين هذا الجزء من الخطاب العلوي علينا أن انتبه إلى أنَّ المجتمعات المعاصرة ليست مثل (المجتمعين) الذين عقد الإمام (عليه السلام) بينهما، فالمجتمعات المعاصرة أكثر تعقيداً وتعددية، الأمر الذي يجعلنا نحترم الآخر بخصوصياته الثقافية وبكيانه المستقل، حتى ولو كان هذا الآخر ممن يشترك معنا في الديانة واللغة وما شابههما من القواسم المشتركة.

إنّ الإمام (عليه السلام) خاض كثيراً من الحروب الطاحنة التي فرضها عليه أعداء الإسلام ومعارضوه، الأمر الذي أجبره ليخصّص معظم طاقاته الجسدية والفكرية للتعامل مع هذه الأحداث، ولا شك في أنَّ ذلك تمَّ بالفعل على حساب الفضاء النصي الذي خصّه لخطابه السلمي التعايشي في نصوصه التي نجدها بين أيدينا، ولا شك أيضاً في أنَّ هذا التقلص في الفضاء النصي لا يعني أبداً الضالة في القيمة الدلالية لخطابه المسالم. زيادة على ذلك إننا نستغرب من تعامل الإمام (عليه السلام) السلمي في أحيان كثيرة، فيتوقع كثير منّا نقيضه حين نقوم بعملية إعادة خلق الواقع التاريخي. ولا يخوض الإمام (عليه السلام) غمار الحرب على السلطة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان يعامل بمرونة من كان يعامله بعنف.

والدعوة التي دعا إليها الإمام (عليه السلام) هي دعوة السلم والتعايش السلمي بين أبناء الديانات والمجتمعات المختلفة، وقد رأينا كيف أنَّ الخطاب العلوي هو خطاب منفتح يناشد حياة مفعمة بالتعايش والسلام، وتراءى لنا ذلك من خلال استنطاق بعض طبقات النص في نهج البلاغة، مع ذلك فإننا نعتقد أنَّ هذا النصّ

نصّ تعدّدي يحتمل قراءات متعدّدة، غير أنَّ ذلك لا يمنعنا، ونحن نحاول تقديم قراءة لهذا النص، أن نقول إنَّ: خطاب الإمام (عليه السلام) الفكري خطابٌ مؤسسٌ على التعايش السلمي، على الرغم من ضآلة الفضاء النصي الذي يحتلّه هذا الخطاب الفكري بالمقارنة إلى الفضاء المخصّص بما يمكن أن نسميه الخطاب القتالي في نهج البلاغة.

وينبني الخطاب العلوي المسالم هذا على الدعوة إلى السلام والحفاظ عليه، کما ينبني على الإشادة بالأنبياء السابقين (عليهم السلام)، وأشرنا إلى ذلك من خلال ذكر النص العلوي للسيد المسيح (عليه السلام)، مما يكشف عن علاقة حوار وتناصّ بين نصي نهج البلاغة والإنجيل، الأمر الذي يدعو المتلقي إلى حياة مؤسّسة على الحوار والتعددية واحترام الآخر بخصوصياته الثقافية والحضارية التي تتمثل في الكيان المستقل لكل مجتمع من المجتمعات، والاعتراف بهذا الكيان حجر أساس اللحوار والتعددية فالتعایش (43).

حقوق الرعية لجميع الشرائح والأديان:

أخرج الكليني (ت 329 ه) في (الكافي) بسنده عن رجل من ثقيف، وكان من عمال أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: استعملني علي بن أبي طالب على بانقيا وسواد من سواد الكوفة، فقال (عليه السلام) لي: (إِیَّاكَ أَنْ تَضْرِبَ مُسْلِماً أَوْ یَهُودِیّاً أَوْ نَصْرَانِیّاً فِی دِرْهَمِ خَرَاجٍ أَوْ تَبِیعَ دَابَّهَ عَمَلٍ فِی دِرْهَمٍ فَإِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَأْخُذَ مِنْهُمُ اَلْعَفْوَ) (44).

قامت حكومة الإمام (عليه السلام) العادلة في ارجاء الدولة الإسلامية على الروابط الحسنة مع جميع الأديان، فقد كان الإمام (عليه السلام) سمحاً دائماً يؤمن بحرية العقيدة ومبدأ التعايش السلمي بين معتنقي المبادئ المختلفة، ويعد أهل

الكتاب متساويين مع المسلمين في الحقوق والواجبات بطريقة أو بأخرى.

وجاء في كتاب (تهذیب الأحکام): إنَّ الإمام علي (عليه السلام) كان يمشي في سكك الكوفة، فنظر إلى رجل يستعطي الناس، فوجه الإمام (عليه السلام) السؤال إلى من حوله من الناس قائلاً: (ما هذا؟) فقالوا: إنه نصراني کبر وشاخ ولم يقدر على العمل، وليس له مال يستعيش به، فيكتنف الناس. فقال الإمام (عليه السلام) في غضب: (استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه؟ أنفقوا عليه من بيت المال) (45).

فجعل الإمام (عليه السلام) لذاك النصراني من بيت مال المسلمين مرتباً خاصاً ليعيش به حتى يأتيه الموت.

الحقوق عند الإمام علي (عليه السلام) کاملة وللجميع، من دون تمييز، والضمان الاجتماعي من بيت المال عام يشمل كل الناس، فالحاجة لابدّ أن تسدّ مع حفظ الكرامة الانسانية.

أليس التمييز عدوّاً للتعايش؟ ألا يكون التعايش - إن وجد - هشّاً مع الحاجة والفقر والخوف من المستقبل وإهدار الكرامة الإنسانية لسدّ العَوَز؟.

والإمام (عليه السلام) يوصي مالكاً بالضمان في قوله: (ثُمَّ اللهَ اللهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ، مِنَ الْمَسَاکِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَ الزَّمْنَى، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرّاً، وَاحْفَظ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكِ، وَقِسْماً مِنْ غَلاَّتِ صَوَافِي الاْسْلاَمِ فِي کُلِّ بَلَد، فَإِنَّ لِلاْقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلاَدْنَى، وَکُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ؛ وَلاَ يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ، فَإِنَّكَ لاَ تُعْذَرُ) (46).

يقول الإمام (عليه السلام) لمالك: (ثُمَّ اللهَ اللهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ): أي لا سبيل لهم لإدارة أمورهم. (مِنَ المَسَاکِينِ): والمسكين هو الذي أسكنه

الفقر من الحركة. (والمُحتَاجِينَ): جمع محتاج هو صاحب الحاجة. (وأَهلِ البُؤسَی): أي شديدي ذوي الفقر. (والزَّمنَی): أي ذوي الأمراض والعاهات التي تمنع عن العمل. (فَإِنَّ فِي هَذِه الطَّبَقَةِ قَانِعاً): أي سائلاً. (ومُعتَرًا): أي معترّضاً للعطاء بلا سؤال. (وَاحْفَظ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكِ، وَقِسْماً مِنْ غَلاَّتِ صَوَافِي الاْسْلاَمِ فِي کُلِّ بَلَد، فَإِنَّ لِلاْقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلاَدْنَى): أي لا يكون تمييز في ذلك الضمان بين المركز والمحيط أو بين العاصمة والمحافظات أو بين المدينة والأرياف. (وَلاَ يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ): أي طغيان الملك والنعمة. (فَإِنَّكَ لاَ تُعْذَرُ): أي لا يقبل الله تعالى ولا الناس عذرك.

تعرّض (عليه السّلام) في هذا الفصل من عهده المبارك لبيان طبقات النّاس والرّعيّة وأثبت للرّعية طبقات سبعة وليس المقصود من ذلك إثبات نظام الطبقات وتأييده فإنَّ نظام الطبقات مخالف للعدل والديمقراطية الحاكمة بتساوي الرّعيّة في الحقوق.

فالبشر في تحوّله الاجتماعي شرع من النظام القبلية والأسرة المبني على أنَّ الحكم المطلق ثابت لرئيس القبيلة وأبي الأسرة يحكم على الأفراد با شاء يعزّ من شاء ويذلّ من شاء، فلا حياة للفرد إلَّا في ضمن القبيلة ويشترك معها في الخيرات والشرور على ما يراه صاحب الأسرة ورئيس القبيلة، وهذا أدني نظام اجتماعي وصل إليه البشر في تكامله الاجتماعي وانتقاله من الغاب إلى الصّحراء، وقد ظلّ البشر في هذا النظام آلافاً من السّنين يسكن في ظلّ بيوت من الشعر أو الجلد وينتقل من کور إلى کور. وقد تحولت أمم من هذا النظام إلى نظام مدنی أرقی قبل آلاف من السنين فقد ذکر بعضهم اکتشاف آثار المدنيّة في مصر من قبل خمسة عشر ألف عام وفي الصّين إلى ما قبل ذلك بآلاف من القرون، ثمّ ازدهرت المدنية في ما بين النّهرین وضواحي

إيران وفارس وظلّت قبائل أوربا وإفريقيا برابرة تعيش تحت الخيام إلى هذه العصور الأخيرة إلَّا ما ظهرت من المدنية في اليونان وبعض ضواحي البحر الأبيض وجزرها.

فنظام الطبقات يحصل للأمم بعد التحوّل من النظام القبلي ومرجعه إلى الأخذ بالحسبان الامتيازات بين الأفراد والأصناف ويبتني على التبعيض في الحقوق العامّة، کما شاع الآن في أفريقيا الجنوبية؛ إذ إنَّ الجنس الأبيض وهم الأسرة الحاكمة في البلاد يمتازون عن السودان وهم أكثر سكان البلاد الأصليين بحقوق واسعة، فنظام الطبقات يخالف التساوي والتآخي بين الأفراد والتساوي في الحقوق کما نادی به الإسلام. وقد تعلَّق العرب على النظام الطبقي والأخذ بالحسبان الامتياز من وجوه شتی: منها عدم تزويج بناتهم من غير العرب، وعدم تزويج القبائل بعضها من بعض، وقد اهتم النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلم) بمحو النظام الطبقي وإلغاء هذه الامتيازات المتوهّمة بكلّ ما أتي من جهد.

ومقصوده (عليه السّلام) من قوله: (واعلم أنَّ للرّعيّة طبقات) ليس اثبات الطبقات بهذا المعنى؛ بل بیان اختلاف الرّعيّة في ما تتصدى له من شؤون الحياة البشريّة؛ إذ إنَّ الإنسان مدني بالطبع يحتاج إلى أمور كثيرة في معاشه من المأكل والملبس والمسكن ولا يقدر فرد واحد؛ بل أفراد على إدارة كلّ هذه الأمور فلا بدّ وأن تنقسم الرّعيّة بحسب مشاغلها إلى طبقات ويتصدّى كلُ طبقة لشأنٍ من الشؤون وشغلاً من المشاغل، ثمّ يتبادل حاصل أعمالهم بعضهم مع بعض حتى يتم أمر معيشتهم ويكمل حوائج حياتهم وجعل الرّعية سبع طبقات.

وقد بيّن (عليه السّلام) في نظم طبقات الرّعيّة أنه لا محلّ للعاطل، ومن لا يعمل عملاً يفيد المجتمع الحيّ البشري. ومما ترى بين الامّة من جماعات لا يتصدّون إلى هذه المشاغل ولكنهم ربما يعيشون أرغد عيش بين الرّعيّة فهم كاللَّصوص.

ثمّ بيّن (عليه السّلام) الموقع الاجتماعي لكلّ من هذه الطبقات واحتیاج بعضها إلى بعض في إدارة شؤون الحياة وإدامتها.

ثمَّ بعد ذلك لا يخلو الاجتماع مهماً كان صحيحاً ومنَّظماً وعادلاً من وجود ذوی العاهات والعجزة والأشياخ الَّذين لا يقدرون على العمل، فهذه الطبقة كالقشر من الشجرة فكما أنّه لا يمكن وجود شجرة سالمة مثمرة من دون قشر، لا يمكن وجود مجتمع خال من هذه الطبقة السفلى، فمنهم من أدّى خدمته أيّام شبابه و دوران صحّته ثمّ عرضه الهرم أو اعترضه السقم فتعذّر له العمل، فلا بدّ من رعايته بتحمّل مئونته، ومنهم من حرم من القوّة لعاهة عرضته فلا بدّ من حفظ حرمته ورعاية كرامته، وهم الَّذين يحقّ رفدهم ومعونتهم وتهيئة وسائل معیشتهم ويسع رحمة الله تعالى كلّ هذه الطبقات السبعة ولكلّ منهم على الوالي حقّ الرعاية والمحافظة بقدر ما يصلحه (47).

الخاتمة:

الخص البحث إلى ما يأتي:

1.

التعايش السلمي مصطلح معاصر معناه القبول بالآخر المختلف إيديولوجياً ودينياً وعرقياً.

2.

بات واضحاً ما مرَّ في البحث أنَّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) سعی إلى وضع أسس ودعائم الدولة المتحضرة التي تقوم على احترام حقوق الإنسان واحترام إنسانية الإنسان، وقد سعى الإمام (عليه السلام) سعياً حثيثاً إلى ذلك، الأمر الذي كلّفه حياته الشريفة؛ إذ عاداه مجتمعه الذي تعوّد على نظام الطبقية. ويحقّ لنا كمسلمين الفخر والاعتزاز ونحن ننظر إلى باني الدولة العصرية قد نادی بالشعارات التي ينادون بها اليوم ودعا لها وعمل على تحقيقها، فيما يسمونه اليوم: حرية، ديمقراطية، فهم الآخر، الحوار مع الآخر، التعايش السلمي.

واليوم، لا تزال الفرصة سانحة، بإمكان عالم اليوم المليء بالحروب والدمار واغتصاب الحقوق العودة إلى ذلك النهج النيّر، نهج الإمام علي (عليه السلام)، فهو يكفينا لإقامة الدولة الصالحة والعصرية المتحضرة، وكذا العودة إلى كتابه إلى واليه على مصر الشهيد مالك الأشتر رضوان الله عليه، لننهل من ذلك المعين العذب، وهو يوصي عامله بأدقّ الأمور وفي شتّى ميادين إدارة الدولة.

3. تبين من الدراسة أنّ الخطاب العلوي خطاب مؤسّس على التعايش السلمي وإعطاء الأولوية للسلام واحترام الآخر، على الرغم ما يكشفه لنا التاريخ من الحروب والصراعات التي خاضها الإمام (عليه السلام) طيلة حياته المباركة قبل تصديه للسلطة السياسية وبعده.

الهوامش:

1.

ابن منظور، لسان العرب، 6/ 321، مادة: (عيش).

2.

الجوهري، الصحاح، 3/ 1013، مادة: (عيش).

3.

الراغب الأصفهاني، مفردات الفاظ القرآن، 423، مادة: (سلم).

4.

سورة النساء، الآية 94.

5.

ينظر: ابن منظور، لسان العرب، 291/12 - 296، مادة: (سلم).

6.

سورة الممتحنة، الآية 8.

7.

سورة آل عمران، الآية 64.

8.

محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، 1/ 158.

9.

الشيخ الطبرسي، الاحتجاج، 356/1

10.

عالم سبيط النيلي، طور الاستخلاف، 29/1

11.

سورة الإسراء، الآية 70.

12.

ينظر: السمعاني، الأنساب، 5/ 476؛ الزركلي، الأعلام، 259/5.

13.

ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 16/ 142.

14.

ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 98/15.

15.

المجلسي، بحار الأنوار، 32/ 414؛ 42/ 176.

16.

الزمخشري، ربيع الأبرار، 1/ 182.

17.

سورة الروم، الآية 22.

18.

سورة الحجرات، الآية 13.

19.

سورة المائدة، الآية 2.

20.

الريشهري، میزان الحكمة، 1/ 845.

21.

سورة المائدة، الآية 48.

22.

سورة المائدة، الآية 8.

23.

ابن میثم البحراني، شرح نهج البلاغة، 5/ 136.

24.

ابن شعبة الحراني، تحف العقول، 127.

25.

محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، 4 / 48.

26.

الشيخ الكليني، الكافي، 5/ 133.

27.

الشيخ الطوسي، الاستبصار، 3/ 52.

28.

ينظر: الخوئي، منهاج البراعة، 20/ 179 - 185.

29.

الشهيد الثاني، الروضة البهية، 6/ 224.

30.

ينظر: مختصر مفید، 10/ 261.

31.

ينظر: ستار الجودة، موقع كتابات ستار الجودة، 1 - 2.

32.

القاضي النعمان المغربي، دعائم الإسلام، 1/ 367.

33.

ابن میثم البحراني، شرح نهج البلاغة، 5/ 174.

34.

قطب الدين الراوندي، منهاج البراعة، 271/1.

35.

سورة طه، الآية 43 - 44.

36.

ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 229/9.

37.

ينظر: محمد أديبي، السلم والتعايش الإنساني، 2.

38.

ابن میثم البحراني، شرح نهج البلاغة، 174/5.

39.

ينظر: محمد أديبي، السلم والتعايش الإنساني، 3.

40.

الشيرازي، توضيح نهج البلاغة، 3/ 212.

41.

ابن میثم البحراني، شرح نهج البلاغة، 5/ 174.

42.

الشيخ الطوسي، الاحتجاج، 1/ 276.

43.

ينظر: محمد أديبي، السلم والتعايش الإنساني، 1 - 5.

44.

الشيخ الكليني، الكافي، 3/ 540.

45.

الشيخ الطوسي، تهذیب الأحکام، 6/ 293؛ الفيض الكاشاني، الوافي، 10/ 446.

46.

ابن شعبة الحراني، تحف العقول، 141.

47.

ينظر: الخوئي، منهاج البراعة، 20/ 195 - 201.

المصادر والمراجع:

• خير ما نبتدئ به القرآن الكريم.

المصادر:

• الجوهري، إسماعيل بن حماد (ت 393 ه):
48. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق أحمد عبد الغفور العطار، (دار العلم للملايين، بیروت، 1407 ه).
• ابن أبي الحديد، عز الدين عبد الحميد بن هبة الله المدائني المعتزلي (ت 656 ه):
49. شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، (دار إحياء الكتب العلمية، بیروت، 1378 ه).
• الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل (ت 502 ه):
50. مفردات ألفاظ القرآن، تحقیق صفوان عدنان داوودي، (منشورات طليعة النور، قم، 1427 ه).
• الزمخشري، أبو القاسم جار الله محمد بن عمر الخوارزمي (ت 538 ه):
51. ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، تحقیق عبد الأمير مهنا، (مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بیروت، 1412 ه).
• السمعاني، أبو سعيد عبد الكريم بن محمد التميمي المروزي (ت 562 ه):
52. الأنساب، تقديم وتعليق عبد الله عمر البارودي، (دار الجنان، بيروت ، 1408 ه).
• ابن شعبة الحراني، أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين الحلبي (ت القرن 4 ه):
53. تحف العقول عن آل الرسول (تحفة العقول)، تحقیق علي أكبر غفاري، (مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1404 ه).
• الشهيد الثاني، زين الدين بن علي بن أحمد الجبعي العاملي (ت 965 ه):
54. الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، تحقيق السيد محمد الكلانتر، (مطبعة أمير، قم، 1386 ه).
• الشيخ الطبرسي، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب (ت 548 ه):
55. الاحتجاج، تحقيق محمد باقر الخرسان، (مطبعة النعمان، النجف الأشرف، 1386 ه).
• الشيخ الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن (ت 460 ه):
56.

الاستبصار فيما اختلف من الاخبار، تحقیق حسن الموسوي الخرسان، (مطبعة خورشيد، الناشر دار الكتب الاسلامية، طهران، 1390 ه).

57.

تهذیب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد رضوان الله عليه، حققه وعلق عليه السيد حسن الموسوي الخرسان، (مطبعة خورشید، طهران، 1390 ه).

• الفيض الكاشاني، محمد حسن (ت 1091 ه):
58. الوافي، تحقيق ضياء الدين الحسيني، (الناشر مكتبة أمير المؤمنين عليه السلام، أصفهان، 1406 ه).
• القاضي النعمان بن محمد التميمي المغربي (ت 363 ه):
59. دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام عن أهل البيت رسول الله عليه وعليهم أفضل السلام، تحقیق آصف بن علي أصغر، (دار المعارف، القاهرة، 1383 ه).
• قطب الدين الراوندي، سعید بن هبة الله الراوندي (ت 573 ه):
60. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، تحقيق السيد عبد اللطيف الكوکھمري، مطبعة الخيام، قم، 1406 ه).
• الشيخ الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الرازي (ت 328 ه):
61. الكافي، تحقیق علي أكبر الغفاري، (دار الكتب الإسلامية، طهران، 1388 ه).
• المجلسي، محمد باقر (ت 1111 ه):
62. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، (مؤسسة الوفاء، بیروت، 1403 ه).
• ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الإفريقي المصري (ت 711 ه):
63. لسان العرب، (نشر أدب الحوزة، قم، 1405 ه).
• ابن میثم البحراني، کمال الدین میثم بن علي بن میثم البحراني (ت 679 ه):
64. شرح نهج البلاغة، عنى بتصحيحه عدة من الأفاضل وقُوبِلَ بعِدَّة نُسَخ مَوثوقٌ بها، (الناشر مركز النشر مكتب الإعلام الإسلامي، قم، 1404 ه).

المراجع:

1.
• السيد جعفر مرتضى العاملي:
2.

مختصر مفيد (أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة)، (مطبعة المركز الإسلامي للدراسات، بیروت، 1324 ه).

3.

الخوئي، العلامة المحقق الحاج میرزا حبیب الله الهاشمي الخوئي (ت 1324 ه):

4.

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، تحقيق السيد إبراهيم الميانجي، (منشورات دار الهجرة، قم، 1403 ه).

• الريشهري، محمد:
5.

القيادة في الإسلام، تعريب علي الأسدي، (دار الحديث، قم، دت).

6.

میزان الحكمة، (دار الحديث، قم، 1416 ه).

• الزركلي، خير الدين (ت 1410 ه):
7. الأعلام، (دار العلم للملايين، بيروت، 1980 م).
• الشيرازي، محمد الحسيني (ت 1422 ه):
8. توضيح نهج البلاغة، (دار تراث الشيعة، طهران، دت).
• عالم سبيط النيلي:
9. طور الاستخلاف (الطور المَهدَويّ)، (الناشر المركز النيلي للدراسات القصدية، 1424 ه).
• محمد جواد مغنية (ت 1400 ه):

التّفسير الكاشف، (دار العلم للملايين، بيروت، 1981 م)

في ظلال نهج البلاغة، (مطبعة ستار، إيران، 1427 ه).

مواقع الانترنت:

1.

ستار الجودة:

2.

موقع كتابات ستار الجودة.

www.kitabat.com .3

4.

محمد أديبي مهر ويد الله ملايري:

5.

السلم والتعايش الإنساني من منظار نهج البلاغة. (موقع نهج البلاغة).

arabic.balaghah.net/content .6

ذوو الاحتياجات الخاصة وفئاتهم في عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضي الله عنه)

اشارة

للكاتب والباحث نذير هارون الزبيدي

المقدمة

يعتبر عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لواليه على مصر مالك الاشتر، وثيقة اسلامية فريدة من نوعها - منذ زمان صدورها وحتى يومنا هذا - لإدارة الحكم والحكومة العادلة، وتعد بحق دستوراً کاملاً لتنظيم الحياة في مختلف اتجاهاتها، مستمدة من رؤية استراتيجية شاملة قائمة على الفهم العميق لروح الشريعة الإسلامية، بمرجعيتها القران الكريم والسنة المطهرة، واللتان استوعبها امير المؤمنين عليه السلام فكرا وعملا.

هذا العهد الّذي كانت ولادته قبل نحو ألف وأربعمائة سنة، ركّز فيه الإمام (عليه السلام) على فكرة المجتمع ومكوناته وفئاته، خصوصا فئة ذوي الاحتياجات الخاصة والتي تعد واقعا اجتماعيا عايشته الانسانية على مدار تاريخها، فهم فئة موجودة في كل مجتمع من المجتمعات وفي كلّ العصور، ومنذ أقدمها، يختلفون في خصائصهم عن خصائص اقرانهم نتيجة لقصور معين يمنعهم من القيام بدورهم ومهامهم بشكل طبيعي لذا فهم يحتاجون لتكيف خاص مع البيئة التي يعيشون فيها.

وقد واجه ذوو الاحتياجات الخاصة معاناة شديدة وظروف بالغة الصعوبة، وعلى امتداد التأريخ وكانوا يشكلون عبئا ثقيلا على افراد مجتمعاتهم وتعرضوا لشتی انواع المعاملة السيئة والقاسية، والتي وصلت في بعض العصور حد التصفية الجسدية.

بينما يقدم لنا نهج امير المؤمنين علي (عليه السلام)، واقعا فكريا وعمليا مغایرا تماما، واقعا لم تشهد البشرية له نظير، تجسدت فيه اسمى معاني الإنسانية، وأروع صور تكريم الانسان واحتراما لكرامته وأدميته، بغض النظر عن شكله ومظهره، ومستواه الاجتماعي، وقد تجلى ذلك بأوضح صوره في وثيقة العهد، التي اخرجت

لنا ولأول مرة في التاريخ مصطلح (ذَوِي الحَاجَاتِ) وحددت فئاتهم واكدت على اهميتهم ووجوب العناية بهم.

اقتضت طبيعة البحث إن يكون في مقدمة ومبحثين وخاتمة.

تناولنا في المبحث الأول المحاور التالية: (مفهوم ذوو الاحتياجات الخاصة وفئاتهم وتطور الفكر البشري في رعاية ذوي الاحتياجات عبر العصور، والتسمية المستخدمة في الاشارة الى افراد الفئات الخاصة وتعدد مصطلحاتها).

اما المبحث الثاني فقد احتوى على المحاور التالية: (مصطلح ذوي الحاجات في عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر وفئات ذوي الاحتياجات في وثيقة العهد).

المبحث الأول مفهوم ذوو الاحتياجات الخاصة وفئاتهم

يعد مفهوم ذوو الاحتياجات الخاصة من المفاهيم الحديثة في ميدان التربية وعلم النفس وقد انتشر بشكل ملحوظ في اواخر القرن الماضي وتعددت تعريفاته، إلا أنه ورغم تعدد تلك التعريفات والنظر إليه من زوايا متعددة تختلف باختلاف العلماء والباحثين، فإنّ هناك اتفاقًا على أن مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة «هو مفهوم بنائي يشمل مجموعة افراد المجتمع غير العاديين بالنسبة لخصائصهم الجسمية والنفسية والعقلية، فمنهم فئات الاعاقة (الجسمية او الذهنية) والاعاقة (السياسية - القانونية - الاقتصادية - الثقافية ..) وهذا ما يعكس مدى اتساع فئات ذوي الاحتياجات الخاصة» (1).

ويعتبر ذوو الاحتياجات الخاصة واقعا اجتماعيا عايشته الانسانية على مدار تاريخها فهم فئة موجودة في كل مجتمع من المجتمعات وفي كلّ العصور، ومنذ أقدمها، يختلفون في خصائصهم عن خصائص اقرانهم نتيجة لقصور معين يمنعهم من القيام بدورهم ومهامهم بشكل طبيعي لذا فهم يحتاجون لتكيف خاص مع البيئة التي يعيشون فيها.

ومن المعلوم ان الخصائص الجسمية والعقلية لعمر معين، او مدى معين متقاربة ومتشابهة، ولكن ذوي الاحتياجات الخاصة يختلفون بنسبة واضحة عن هذا المتوسط، ما يستدعي بالضرورة معاملة خاصة تتوافق مع احتياجاتهم وهذا بالطبع

يتطلب برامج خاصة وميزانية خاصة وجهد ووقت، اذا كان المطلوب هو تحسين هذه الخصائص واستغلالها بالقدر المطلوب بحيث يتمكنون من الاعتماد على انفسهم واعالة عوائلهم (2).

وقد وردت عدة تعريفات لمصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة، والتي منها تعریف (أولسون و بلات) (Olson. J. & Platt) حيث وصفوهما بانهم: اولئك «الاشخاص الذين يختلفون اختلافا ملحوظا عن الافراد الذين يعتبرهم المجتمع اشخاصا طبيعيين او عاديين ويكون نموهم اعلى من المتوسط او ادنی منه بشكل جوهري، والمقصود بالاختلاف الملحوظ او الجوهري هو الاختلاف الذي يتعدى حدود المدى الطبيعي للاختلاف او التباين (3).

اما (القمش والمعايطة) فيعرفان ذوي الحاجات الخاصة بأنهم: الافراد الذين ينحرفون انحرافا ملحوظا عن المتوسط العام للأفراد العاديين في نموهم العقلي والحسي والانفعالي والحركي واللغوي مما يستدعي اهتماما خاصا من المربين والمهتمين بهذه الفئة من حيث طرائق تشخيصهم واختيار طرائق التدريس الملائمة لهم (4).

ویری (ابو النصر) ان مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة يطلق على: «كل مجموعة من افراد المجتمع بغض النظر عن اي فروق فردية بسبب السن او الجنس وغير ذلك بحيث يتميز افراد المجموعة بخصائص او سمات معينة، تعمل على إما اعاقة نموهم الحسي او الجسمي او النفسي او العقلي أو الاجتماعي وتوافقهم مع البيئة التي يعيشون فيها، واما تفيدهم في هذا النمو بكل جوانبه» (5).

اما (الخطيب والحديدي) فيعرفان ذوي الاحتياجات الخاصة بانهم: الافراد الذين يحتاجون الى خدمات التربية الخاصة والتأهيل والخدمات الداعمة لها، ليتسنى لهم

تحقيق اقصى ما يمكنهم من قابلیات انسانية، وانهم يختلفون جوهريا عن الافراد الاخرين في واحدة او اكثر من مجالات النمو والاداء التالية: (المجال المعرفي والمجال الجسدي والمجال الحسي والمجال السلوكي والمجال اللغوي والمجال التعليمي) (6).

تشير التعريفات السابقة الى ان الاعاقة تمثل السمة الاساسية لذوي الاحتياجات الخاصة، لانهم في الغالب يعانون من قصور في ناحية او اكثر من النواحي الجسمية او العقلية او النفسية وهذا القصور يؤثر سلبا على قدرتهم على ممارسة حياتهم بطريقة طبيعية مثل الأشخاص العاديين ويحوجهم الى الرعاية واهتمام خاص وبرامج تربوية وتدريبية وتأهيل يتناسب مع طبيعة كل اعاقة وخصائصها ومستواها او درجتها ودرجة القابلية للتعلم والتأهيل (7).

وينتمي الفرد من ذوي الحاجات الخاصة بشكل عام إلى فئة او اكثر من الفئات التالية:

1.

الموهبة الابداعية والتفوق العقلي.

2.

الاعاقة العقلية بمستوياتها المختلفة.

3.

الاعاقة السمعية الكلامية واللغوية.

4.

الاعاقة البصرية بمستوياتها المختلفة.

5.

صعوبات التعلم الأكاديمية والنمائية.

6.

الاعاقة الجسمية والصحية.

7.

الاضطرابات السلوكية والانفعالية.

8.

التوحد.

9.

اضطرابات التواصل (8).

تطور الفكر البشري في رعاية ذوي الاحتياجات عبر التاريخ:

«الإعاقة وعلى اختلاف أشكالها هي حال مغرق في القدم مصاحب للإنسان أينما وجد وأينما عاش» (9)، وقد واجه المعاقون معاناة شديدة ومروا بمراحل قاسية وطويلة عبر الزمان «سببت لهم الكثير من الالم والاقصاء والتمييز على ايدي الاخرين وحتى على ايدي عائلاتهم الذين كانوا يخشون التأثر سلبا جراء الاقتران بهم» (10).

فقد كان المعاقون في العصور القديمة منبوذون بصفة عامة، ويعاملون معاملة سيئة وقاسية جداً، خصوصا في الحضارتين (اليونانية و الرومانية) فقد كانت مجتمعاتهما تنفیان هؤلاء الأفراد وتنهيان حياتهم بطرق وحشية وبأشكال تتسم بالقسوة المفرطة على اعتبار انهم افرادا غير صالحين بمقاییس حضارتهما (11). ويشكلون عبئا ثقيلا على افراد المجتمع، و كانت» نظرة الناس اليهم قائمة على تفسيرات خرافية وتصورات غير منطقية، معتقدين بان هناك قوى غيبية سحرية جعلت صفات التشاؤم والشر والنحس، ملتصقة بهم» (12) ومنهم من اعتبرهم نذير شؤم او هي دلالة على غضب الالهة (13) وانهم تتملكهم الارواح الشريرة (14)، او أن لديهم مس من الشيطان او ان المعاق نفسه صاحب روح ضالة (15).

اذ شهد العصر الاغريقي التخلص من الاطفال المعاقين عن طريق قتلهم (16) للمحافظة على نقاء العنصر البشري کما نادی افلاطون في جمهوريته (17) فوجودهم وتناسلهم يؤدي الى اضعاف الدولة بمرور الوقت (18)، وكذلك الحال في اسبارطة فقد ابادوهم بلا رحمة، عن طريق رميهم من اعالي الجبال للحيوانات المفترسة والطيور الجارحة، وكانت السلال تباع علناً في أسواق أسبارطة وأثينا ليوضع فيها الصغار المشوهون والمعاقون خارج المدينة إهلاكا وخلاصاً منهم (19).

وتمثل نفس الاتجاه في الدولة الرومانية القديمة، فكان مصير المعوقين بید زعیم القبيلة الذي كان وحده من يقرر مصيرهم اعتمادا على درجة الاعاقة، وفي كل الاحوال كان يتم التخلص منهم، لانهم يمثلون عبئا على انفسهم واهلهم، عن طريق القائهم في الانهار او تركهم على قمم الجبال ليموتوا بفعل الظروف المناخية او الحيوانات المفترسة (20).

اما في عصر المجون والانحلال التي سادت الحضارة الرومانية في فترة من الفترات، فقد وجد الرومان حلاً للمعاقين والمتخلفين عقلياً فجعلوهم مادة للترفيه والتسلية، حيث كانت التقاليد تستلزم أن يوضع الطفل عقب ولادته مباشرة على الأرض أمام والده، فإما أن يرفعه الأب عن الأرض ليصبح الوليد بذلك عنصراً مقبولاً في الأسرة، وإما أن يعرض عنه بسبب تشوهات خلقية أو قصور في تكوينه، فيصبح في هذه الحالة إما من الرقيق أو من المهرجين إن سمح له بالحياة (21).

اما العرب في العصر الجاهلي فكانت نظرتهم الى ذوي الاعاقة نظرة احتقار وازدراء، وكم مهمل، ليس لوجودهم فائدة تذكر، يضاف الى هذا الخوف من مخالطتهم خوف العدوى (22)، فقد ذكر القرطبي ان «العرب ومن بالمدينة قبل المبعث تتجنب الأكل مع أهل الأعذار؛ فبعضهم كان يفعل ذلك تقذرا لجولان اليد من الأعمى، ولانبساط الجلسة من الأعرج، ولرائحة المريض وعلاته؛ وهي أخلاق جاهلية وكبر» (23).

ثم ما لبث ان تحسن وضع ذوي الاحتياجات الخاصة وتحسنت نظرة الناس اليهم، مع نزول الاسلام الحنيف وسيادته، فقد حث على الاهتمام بالمعاقين ورعايتهم وتقديم العون لهم بما يحفظ كرامتهم ويقيهم من العنف والاضطهاد «والنظر اليهم على انهم خلق من خلق الله لا دخل لهم فيما هم فيه» (24) اذ حرص الإسلام كل الحرص على اقرار مبدأ المساواة بين الناس، وعدم التفرقة بين البشر على اساس

الشكل او الاصل او الجنس او القومية او اللون والنظر الى الانسان على اساس عمله وقلبه وليس على اساس شکله او اصله او عرقه حيث قال الله تبارك وتعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (25).

«ويقرر الاسلام ان الانسان مكرم في اصل خلقه «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» (26) وان ما يكون لدى الفرد من نقص او کال انما هو بمشيئة الله ((هُوَ الَّذی یُصَوِّرُکُمْ فِی الاَْرْحامِ کَیْفَ یَشاءُ)) (27) ووجه الجماعة المسلمة والافراد الى عدم النفور من المرضى (المعاقين) «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ» (28)» (29). لذا طلب الاسلام كف الاذى المعنوي المتمثل في النظرة والكلمة والاشارة وغيرها من وسائل التحقير والاستهزاء (30) «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ» (31).

«ورفع الاسلام المشقة عن غير القادرين «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا» (32) «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا» (33) آخذاً في تشريعاته جانب المرضى والضعفاء في الاعتبار ((فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ)) (34)» (35).

وفرض الاسلام على القادرين حقوق في اموالهم تدفع للمحتاجين (36) «وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» (37) فقد حرص الإسلام على توفير الموارد المالية اللازمة لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية للمعاق، ومن أهم هذه الموارد، الخمس والزكاة، والصدقات. يقول الله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ

خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ» (38).

وقد بقي المجتمع المسلم طيلة هذه القرون تربة مباركة لتلك القيمة الربانية، يحافظ عليها وينمي ما فيها من مبادئ وأسس تربوية، وإذا تأملنا معاملة ورعاية واهتمام المعاقين في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي منذ عهد النبوة، وحتى اليوم، نجد كثير من الصفحات المشرقة والتي تدل على مبلغ العناية والرعاية التي لقيها المعاقون من مجتمعاتهم الإسلامية ليس على اندماجهم في مجتمعاتهم وعدم شعورهم بالاغتراب فيها، بل أيضاً مساهمتهم مساهمة جادة في بنائها وازدهارها. فالمتأمل في تاريخنا العلمي، يجد فيضا من العلماء من ذوي العاهات ممن نبغوا في شتى أنواع العلوم والفنون والآداب کالأحول، والأخفش، والأصم والأعرج، والأعمش، والأعمى والأفطس، فبلغ هؤلاء في تاريخنا العلمي والفكري مكاناً عظيماً وذاع صيتهم وأشتهروا بألقاب ما ابتلاهم به الله من عاهات (39).

واستمرت الحضارة الاسلامية على هذا النهج في اعطاء المعاقين حقوقهم وتلبي حاجاتهم من خدمات او مساعدات مالية، ثم ما لبثت ان ضعفت الدولة الاسلامية وتعددت بلدانها واصابها ما يصيب الحضارات من الضعف والوهن (40).

اما في مراحل الانتقال من العصر الوسيط بين الاديان السماوية وبين عصرنا هذا عادت مرة ثانية الاتجاهات الخرافية والغيبية حول السمات المرضية في الانسان حيث المظاهر القاسية في معاملة المعوقين (41) وازدادت الإساءة إليهم، وأصبحت بصورة عامة مشكلة رعاية المعوقين ضمن المشاكل الصحية الاجتماعية الأخرى، والتي لم تنل أدنى اهتماما لها نتيجة لطبيعة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتدهورة التي كان يعيشها المجتمع الأوربي بصورة عامة فمعظم حالات المعوقين كانت تعالج

بصورة سيئة، فقد كانت الكنيسة تصدر حكمها على المتخلفين عقلياً لاتصالهم بالشياطين، حتى أطلق عليهم «مارتن لوثر» أعداء الله!!، كما أطلق عليهم العامة أولاد الشياطين» وزعموا أن أرواح الشر بأيديهم، وعاقبوهم علناً بأبشع أساليب العقاب، فأحرقوهم بالنار وعذبوهم بقسوة واستخدموا أساليب العنف والإرهاب بقصد طرد روح الشر لعل الشيطان يهرب من الجسد المعذب، لذلك كان عصر النهضة أسوأعصر بالنسبة للمتخلفين عقلياً وغيرهم من ذوي الاضطرابات العقلية والنفسية، وسمي هذا العصر كذلك بعصر السلاسل الحديدية. الا ان هذا العصر شهد بعض الحالات لرعاية المعوقين، لكنها اقتصرت على أبناء الأعيان والأمراء والأثرياء فقط، وظل هذا الوضع حتى نهاية القرن الثامن عشر (42).

لكن بعد قيام حركات الإصلاح كالثورة الفرنسية والأمريكية ظهرت الأفكار التي تنادي بحماية وتعليم المعاقين وتنمية قدراتهم، واندماجهم في الحياة الطبيعية مع الأفراد العاديين في المجتمع، وهكذا يمكن القول أن بداية الاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة كانت مع بداية القرن التاسع عشر وكان ذلك في فرنسا ثم امتد إلى عدد من الدوّل الأوروبية ومن ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، في أواخر القرن التاسع عشر، (43) وذلك عندما أسس (سیجان) (Edward Seguin) (44) أول مؤسسة الرعايتهم عام 1850، وفي عام 1922 تأسست جمعية الأطفال الغير عاديين وتغيرت النظرة إلى الإعاقة العقلية عندما اعتبرتها (مونتسوري) (Maria Montessori) (40) مشكله تربوية (46).

أما ذروة الاهتمام على المستوى الحكومي والشعبي فقد ظهرت في أمريكا عام 1962 م حين تبنى الرئيس الأمريكي كنيدي رعاية المعوقين عقليا لان شقيقته كانت معوقة عقليا، وطلب من رجال التربية وعلم النفس والطب والاجتماع دراسة هذه

المشكلة دراسة وافية (47).

فلم يعد ينظر الى الاعاقة على انها وصمة عار بل اصبح ينظر الى المعاقين على انهم افراد يستحقون بذل المزيد من العناية والاهتمام في تربيتهم وتعليمهم، حتى يتسنى لهم التكيف مع مطالب الحياة وشق طريقهم لها في الحدود التي تسمح بها قدراتهم وطاقاتهم ولعل ما يؤكد هذه النظرة التفاؤلية جملة من المبادئ الانسانية السامية التي اقرتها مواثيق حقوق الانسان کالمساواة وتكافؤ الفرص وحق كل انسان ان ينال نصيبه من التربية والتعليم في الحدود التي تسمح بها قدراته (48) خاصة ان ذوي الاحتياجات الخاصة يمثلون ما نسبته 15٪ من المجتمعات الانسانية بحسب تقديرات الامم المتحدة، ما دفع العديد من الدول والمنظمات الانسانية والعالمية مثل اليونسكو واليونيسيف والمنظمة الدولية للصحة والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في جامعة الدول العربية للعمل على رعاية الاطفال المعاقين كحق من حقوقهم وكواجب انساني وتربوي (49)، والعمل على توفير حماية اجتماعية وتربوية وقانونية لهم، وعقد المؤتمرات الدولية لدراسة قضاياهم، والتي نتج عنها التوقيع على بعض المواثيق الدولية التي تضمن حقوقهم ودمجهم بالمجتمع وتحسين مستوى معيشتهم ورعايتهم صحيا واجتماعيا ومنحهم حقوقا معينة في مجالات التعليم والتربية والتأهيل وعدم الانتقاص من حقوقهم باي شكل من الاشكال (50)، وخلال العقود الاربعة الماضية ازداد الوعي بمشكلة الاعاقة من خلال الاعلان الخاص بحقوق المعاقين ذهنياً والذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1971 (51).

«ويعد الإعلان العالمي لحقوق المعاقين الصادر بالقرار 3447 في التاسع من كانون الأول 1975 من أهم المواثيق الدولية المرتبطة بحقوق المعوقين، وفي مؤتمر بلجراد الدولي المنعقد عام 1980 اتخذت العديد من القرارات لصالح المعوقين (52).

وجاء المؤتمر العالمي حول التربية للجميع في 1990 والذي كفل هذا الحق للجميع بغض النظر عما بينهم من فروق فردية، وتوجت الاعلانات الصادرة عن الامم المتحدة بإصدار القواعد الموحدة بشان تحقیق تكافؤ الفرص للمعوقين سنة (1993 (53).

الا انه ورغم صدور كل تلك القرارات لازال المعاقون يواجهون معاناة شديدة تسبب لهم ما يكفي من الالم والاقصاء والتمييز على ايدي الاخرين، وعلى سبيل المثال فان هناك الكثير من المعوقين والمقعدين، محرومون من التعليم اما بسبب الفقر او الحروب او بسبب تصميم المباني او عدم توفير كوادر مدربة على التعامل مع تلك الحالات او لنقص في توفير تكنلوجيا مساعدة وغير ذلك.

وتشير الاحصاءات الى وجود ما يزيد على 600 مليون شخص في العالم لديهم نوع معين من الاعاقة ويعيش اكثر من 400 مليون منهم في الدول النامية في ظروف فقر وعزلة وياس واهمال کما تذهب بعض التقديرات الى ان ما نسبته 10 - 20٪ من سكان الدول النامية هم اناس معوقون بشكل او باخر (54).

التسمية:

تعددت المصطلحات والتسميات المستخدمة في الاشارة الى افراد الفئات الخاصة تعددا ادي في معظم الاحيان الى التداخل والالتباس وغموض الفهم اكثر مما ادى الى صحة الدلالة ووضوح الفهم، ومن بين هذه التسميات المتداولة بين الناس: الشواذ والمعوقين وذوي العاهات والعجزة والمخبولين والملموسين والملبوسين، والعُبط والمبروكين، ومنها ما يطلق على فئة بعينها: کالبلهاء ، والمعتوهين، والبكم، والخُرس، والطُرش، والعُرج، والعور... وغيرها (55).

والملاحظ ان جميع هذه المصطلحات تعبر عن الاتجاه السلبي وعن نظرة القصور ازاء هؤلاء الافراد حيث تشير الى اوجه العيوب والشذوذ عما هو مألوف ومتعارف عليه من الصفات الحسية والمعنوية (56). كما ان شيوع تلك التسميات السلبية وتداولها بين عامة الناس ادى الى آثار سلبية وخيمة، لعل من ابرزها جميعا هو الوصمة الاجتماعية لهؤلاء الافراد بالقصور والعجز، اكثر من الاشارة الى مظاهر الكفاءة، واوجه القوة والايجابية في شخصياتهم، بل واغفالها لمقدرتهم على اداء الكثير من الاعمال والمهام كغيرهم من العاديين سواء بسواء، مما يترتب عليه غالبا ادراك انفسهم على انهم اقل قيمة من غيرهم ويؤدي الى انحطاط تقديراتهم لذواتهم، کما يفسح الطريق النمو احساساتهم بالألم النفسي ويجعلهم نهبا لمشاعر النقص والدونية والانسحاب (57).

کما تعكس بعض هذه التسميات في اذهان العامة سوء فهم يتمثل في ان من تطلق عليهم هذه التسمية من الناس يتميزون نوعيا او كيفيا عن غيرهم بخصائص او صفات لها من الغرابة والشذوذ ما يستحيل معها فهمهم او التعامل معهم في اطار المبادئ العامة الاساسية لعمليات التعلم وطرق التفكير وغيرها مما هو معمول به مع اقرانهم العاديين (58).

ولعل ذلك هو ما دفع كثير من العلماء والباحثين الى المناداة بضرورة استخدام مصطلحات بديلة ومن هذه المصطلحات التي شاع استخدامها مصطلح المعاقون (59). والذي تم استخدامه بدلاً من التسميات الاخرى بعد ان اقره المؤتمر السابع لخبراء الشؤون الاجتماعية العرب المنعقد في القاهرة عام 1961 (60).

ويشير مصطلح الاعاقة الى مشكلات الرفض الاجتماعي بأشكاله المختلفة بمعنی الدرجات المتنوعة من العقاب وعدم الاثابة التي تتولد عن العجز او هي العجز

المستمر الذي يسبب عدم القيام بالدور او الوظيفة العادية للفرد او هي النتيجة المجمعة للعوائق والعقبات التي يسببها العجز بحيث تتداخل بين الفرد واقصى مستوى وظيفي له مما يعطل طاقته الانتاجية وهي قياس لمدى الخسارة أو النقص في طاقة الفرد في اي ناحية من النواحي (61).

وهناك من يفسر الاعاقة على أنها: «حالة تنشأ لظروف جسدية او نفسية او عقلية تقيد من او تحد قدرة صاحبها على القيام بواحدة او اكثر من الوظائف التي تعتبر من المكونات الاساسية للحياة اليومية مثل القدرة على رعاية الذات واشباع الحاجات بصورة استقلالية فلا يستطيع أن يعول نفسه او ان يحيا حياة كريمة دون رعاية ومساعدة الاخرين (62).

ومصطلح الاعاقة مصطلح عام اقل موضوعية من حيث القابلية للقياس، فهو لفظ يشير الى الاثر الذي ينجم عن حالة العجز في ضوء متغيرات شخصية واجتماعية وثقافية مختلفة وتبعا لذلك فان حالة العجز قد لا تعني حالة اعاقة بالضرورة (63).

اما العجز فهي حالة تتصف بضعف وظيفي على النمو السوي وتنتج عن مشکلات جسمية او حسية او صعوبات في التعلم والتكيف الاجتماعي، فالعجز هو اصطلاح يشير الى تدني الوظيفة او فقدان احد اجزاء الجسم او اعضائه مما يحد من قدرة الفرد على اداء بعض المهمات كالمشي او السمع او البصر وبهذا المعنى ايضا لا يمكن اعتبار الفرد الذي يعاني عجز ما على انه معاق ما لم يؤدي هذا العجز الى مشکلات تربوية او شخصية أو اجتماعية او مهنية لدى الفرد (64).

وتجدر الملاحظة هنا إلى أن الكثيرين يستخدمون مصطلحات العجز والاعاقة بشكل متبادل دون تمييز بينهما، ويرى علماء النفس ان على الاخصائيين في مجال التربية

الخاصة ان يفرقوا بين هذين المصطلحين اذ انهما يحملان في طياتهما انعكاسات بالغة الاهمية على الاساليب التربوية والعلاجية (65). وذلك على النحو التالي:

ان مصطلح الاعاقة ليس مرادفا لمصطلح العجز ويستخدم هذا المصطلح لوصف حالة او حاجز فرض عن طريق المجتمع او البيئة او الشخص نفسه ويمكن استخدام مصطلح الاعاقة عند الاستشهاد بالقوانين وحالات محددة ولكن لا ينبغي ان يستخدم لوصف العجز فمثلا يعد السلّم والباص غير المجهز اعاقة لهؤلاء الافراد. اما مصطلح العجز فهو مصطلح عام يستخدم للتعبير عن اوجه القصور الوظيفي الذي يحد من قدرات الفرد: مثال ذلك القدرة على المشي او السمع او التعلم او حمل الاشياء ويمكن ان يرجع ذلك إلى حالة جسمية او عقلية او حسية ويمكن استخدام هذا المصطلح کاسم وصفي او صفة فيمكن ان نقول مثلا الافراد العاجزون عقليا او جسميا او الرجل العاجز (66).

ومن زاوية اخرى فان من يفضلون استخدام مصطلح المعوقين او العجزة ربما يتغافلون عن ان الفرد المعوق او العاجز في احوال وظروف بيئية او اجتماعية او مدرسية معينة قد يكون - او يصبح - اداؤه عاديا في ظروف واحوال اخرى مواتية لإشباع احتياجاته والعكس صحيح ايضا (67).

وثمة مصطلحات اخرى تستخدم للإشارة الى حالات الاعاقة والعجز ومنها (الاضطرابات) و (الحالات الخاصة) كذلك تستخدم مصطلحات اخرى في العلوم الطبية ومنها (التشوهات) و (العيوب)» (68).

إن التطور في تناول قضايا الاعاقة ومشكلاتها، وندرة توحيد معايير المصطلحات التي اطلقت على الاشخاص المعاقين وتعدد تسمياتها وتداخلها، واختلافها فيما بينها

في مدلولاتها ومعانيها باختلاف الاماكن والاوساط والمراحل التاريخية التي مرت بها تبعاً للمستوى الاجتماعي والثقافي للناس «فمن يعتبر معاقا في مجتمع ما، قد لا يعتبر معاقا في مجتمع اخر او من يعتبر معاقا في موقف ما قد لا يعتبر معاقا في موقف اخر» (69). فضلا عن ان مصطلح المعاقين يعاني من اوجه القصور في استيعاب جميع الفئات الخاصة ولا يشمل سوى اولئك الذين اضيروا في جانب او اكثر من جوانب الشخصية او يواجهون مشكلات وصعوبات ناجمة عن قصورهم وعجزهم ويجعلهم مختلفين عن غيرهم من العاديين ومن ثم فان مصطلح المعاقين لا يتضمن في معانيه جميع مظاهر الانحرافات کالتفوق العقلي والموهبة والابداع وانما يقتصر على الانحرافات السلبية دون غيرها (70)، كل هذه الاسباب ساهمت في نمو مشاعر الانکار والمقاومة والرفض لاستخدام هذه المسميات السلبية وربما الشعور بالخجل والخزي والعار من قبل اسر المعوقين، وادي الى تعميم المدركات والاتجاهات السلبية على المستوى الاجتماعي نحو هؤلاء الافراد وذلك لما تحمله هذه المسميات من دلالات على العجز وعدم الكفاءة في القيام بالأدوار الاجتماعية المتوقعة من كل منهم (71). وبالتالي ادى الى اعادة النظر في مصطلح المعاقين والذي اُعتبِر قاسيا جداً على نفسية الشخص الذي تنقصه مهارات استخدام كل ما منحه الله من إمكانيات بالشكل الطبيعي والسليم، والتحول الى منهجية جديدة تعتبر المعاق شخص له احتياجات ومتطلبات خاصة، فظهرت مصطلحات بديلة، ذات دلالة اقل وطأة واكثر تخفیفا على نفسية هؤلاء الافراد والتعامل بها بدلا من مصطلح المعاقين.

اذ عدل الكونجرس الأمريكي في عام 1990 مسمى (قانون تربية المعوقين) الذي صدر لأول مرة عام 1970 الى (قانون تربية الافراد ذوي القصور) تخفيفا لوطأة مصطلح المعاقين، فتضمن القانون ذكر الافراد اولا ثم صفة القصور ثانيا ليؤكد

ان القصور جزء طبيعي من تجربة كل فرد وهو لا يقلل من حقه في الحياة والتعلم والمشاركة في بناء المجتمع وقد طور هذا القانون مرة اخرى عام 1997 ليمنح الاباء دورا اکبر في المشاركة واتخاذ القرارات بشأن اوضاع اطفالهم في فصول التعليم (72).

وهكذا لجأ العلماء والباحثون الى استخدام مصطلحات بديلة ومنها غير العاديين والفئات الخاصة وذوو الاحتياجات الخاصة للإشارة الى كل من ينحرف في مستوى ادائه في جانب او اكثر من جوانب شخصيته عن متوسط اداء اقرانه العاديين الى الحد الذي يتحتم معه - او يصبح لازما - ضرورة تقديم خدمات او وجوه رعاية خاصة کالخدمات التربوية او الطبية أو التأهيلية او الاجتماعية او النفسية (73).

وعلى اي حال فالمصطلح الاكثر قبولا حاليا هو مصطلح «الافراد ذوو الحاجات الخاصة»، لما للمصطلحات السابقة جميعا من مدلولات سلبية (74)، ولكون مصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة يتميز بالاتساع والشمول من جانب، وبالإيجابية من جانب اخر اذ يتضمن من النواحي العقلية والمعرفية كل من المتخلفين عقليا والمتفوقين عقليا والموهوبين کما تنطوي على نظرة اكثر ايجابية للمعوقين من حيث انهم يمكن ان يصبح اداؤهم عاديا - او على الاقل قريبا من هذا المعدل - کما يمكن ان يصبحوا اکثر نشاطا وتفاعلا في مجتمعاتهم واكثر مقدرة على التحصيل والانجاز والاستقلالية - قدر امکاناتهم - اذا ما تم تهيئة بيئة اجتماعية ومدرسية تتوافر لهم فيها الوسائل والادوات والمصادر المناسبة لإشباع احتياجاتهم الخاصة والتنمية استعداداتهم الى اقصى ما يمكن بلوغه (75).

ومما تجدر الاشارة اليه هنا ان المشاركين في المؤتمر القومي الاول للتربية الخاصة في مصر 1995 قد اتفقوا على استخدام مصطلح «الطفل من ذوي الحاجات الخاصة» للدلالة على كل المصطلحات التي سبق استخدامها في برامج وخدمات التربية الخاصة والتأهيل وهم يقصدون بالفرد الخاص كل فرد يحتاج طوال حياته او خلال فترة من حياته الى خدمات خاصة لكي ينمو او يتعلم ويتدرب او يتوافق مع متطلبات حياته اليومية او الاسرية او الوظيفية او المهنية ويمكنه بذلك ان يشارك في عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية بقدر ما يستطيع وبأقصى طاقاته كمواطن (76).

المبحث الثاني مصطلح ذوي الحاجات في عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر رضوان الله عليه

شرَّع الإمام علي (عليه السلام) أروع مظاهر الحضارة، وأبهي ألوان التطور والتقدم الفكري في عهده لمالك الاشتر (رضي الله عنه)، واسس أسمى صور العدالة التي ينشدها الإسلام، وإن الإنسانية على ما جربت من تجارب و بلغت من رقي وإبداع فيما أسسه لها رجال السياسة والقانون من أنظمة الحكم والإدارة فإنهم لم يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً (77)، ولسنا مغالين إذا قلنا ان كل القوانين، أو الانظمة التي تعنى بحقوق الانسان، وان تعددت فإنها لم تصل الى تحديد مفهوم جامع مانع يحاكي قول الامام الذي اختصر فيه كل المفردات الانسانية (78) وبكلمات قصيرة الصياغة بعيدة الدلالة فيقول (عليه السلام) قاصدا البشر بشكل عام: «إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَإِمَّا نَظِیرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ» (79) فهذا العبارة لم يشهد التاريخ لها مثيل على مدى العهود التي تلت حكمه رغم التطور الطبيعي وارتقاء الفكر البشري، ولم يحصل مقارب لهذا البناء العظيم لا في ظل مبادئ الثورة الفرنسية ولا عند قيام هيئة الأمم المتحدة في اربعينيات القرن الماضي (80).

لقد ضمن الإمام (عليه السلام)، بهذا النص مفاهیما انسانية غاية في الرقي الاخلاقي والجمالي، الفني والانساني الذي يفرض وجوده وهيمنته ليكون منهجاً خلاق للمساواة بين ابناء الجنس البشري دون تمييز، تجمعهم الطبيعة الخلقية للبشر وبما ان الناس متشابهون او متطابقون في الحلقة فهم بتطابقهم هذا يجدون لدى الامام

حيزاً عظیماً يجعل كل عرق منهم له على الاخر الحقوق ذاتها، فتسقط لديه الاختلافات الاخری کالجنس واللون والدين والقومية.

«إن مقیاس تقدم الدول ورقيها اليوم هو مقدار ما تراعي حقوق الإنسان الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان - والذي لم يمض على إعلانه سوى نصف قرن - فتراها تسعى جاهدة أمام العالم على أن تظهر بمظهر المراعي لهذا الإعلان وما جاء فيه، في حين نجد ان امير المؤمنين أقر ما هو أوسع وأشمل من هذه الحقوق، «الا أنه ومع شديد الاسف هذا الجانب مغيب في ظل الخلافات الحادة بين المسلمين؛ بفعل التعصب الأعمى الذي كان ولا يزال يدفع أبناء كل مذهب إلى التركيز على ما من شأنه دعم متبنياتهم وتفنيد صحيح الآخر، يضاف الى ذلك قصورنا عن ادراك منهج الامام علي عليه السلام وعجزنا عن الالمام به كلياً وحتى جزئيا، هذه الاسباب جعلت العالم يجهل وجود کنوزا في التراث الفكري للأمام علي عليه السلام تحمل أروع صور تكريم الفرد (81).

ولقد ذكرنا سابقا أن مصطلح «ذوي الاحتياجات الخاصة» دخل ميادين التربية وعلم النفس حديثا وانتشر بشكل ملحوظ في اواخر القرن الماضي بعد مطالبات كثيرة - جاءت من علماء وباحثين ومؤتمرات دولية متعددة - بضرورة ترك تلك المصطلحات ذات المسميات السلبية المستخدمة سابقا- ک (الشواذ والمعوقين وذوي العاهات والعجزة والمخبولين والمعتوهين، والبلهاء وغيرها) والتي عُدت قاسية جداً على نفسية من تنقصهم مهارات استخدام كل ما منحهم الله من إمكانيات بالشكل الطبيعي والسليم - والتحول الى منهجية جديدة تعتبر المعاقين اشخاصا لهم احتياجات ومتطلبات خاصة.

بينما نجد ان امیر المؤمنين عليه السلام هو أول من استعمل ما يعرف اليوم ب»

ذوي الاحتياجات الخاصة موثقا ذلك في عهده المالك الاشتر، فقد ورد ذكر هذا المصطلح فيه ثلاث مرات، مرة باسم (ذَوِي الْحَاجَةِ والْمَسْكَنَة) (82) ومرة اخرى ب (ذَوِي الْحَاجَةِ والْمَسْكَنَة) (83) واخيرا ب (ذَوِي الْحَاجَاتِ) (84) ليس هذا فحسب بل وحدد فئاتهم واكد على اهميتهم ووجوب العناية بهم ومنذ ما يقرب من 1400 سنة.

ويعد مصطلح (ذَوِي الْحَاجَاتِ) الذي ورد ذكره في وثيقة العهد العلوي، واحدا من أروع صور تكريم الانسان واحتراما لكرامته وأدميته، بغض النظر عن شكله ومظهره، ومستواه الاجتماعي، وتتجلى فيه اسمی معاني الإنسانية في التعامل مع ذوي العِللِ والعاهاتِ وأَهلَ اليُتمِ والمساكين والمحتاجين والمرضى والعاجزين من الاطفال والنساء والشيوخ.

وبنظرة سريعة للمسميات التي اطلقاها الامام نجد أن العبارة الاولى (ذَوِي الْحَاجَةِ والْمَسْكَنَة) والثانية (أَهلِ ذَوِي الْحَاجَةِ والْمَسْكَنَة) متشابهتان وتشتملان على فئتين رئيسيتين الاولى منهما «ذوي الحاجة» والثانية «ذوي المسكنة»، اما العبارة الاخيرة فهي اعم واشمل من سابقاتها بل وتشتمل عليهما معا، وهذا ما سنوضحه في فئات ذوي الحاجات عند الأمام علي عليه السلام في وثيقة العهد.

وهناك امر اخر اود الاشارة اليه، وهو انه رغم التشابه اللفظي الكبير بين المصطلح المعاصر» ذوو الاحتياجات الخاصة» وبين عبارة (ذوي الحاجات) الواردة في وثيقة العهد العلوي والذي يصل حد التطابق بينهما، الا اننا نجد بين المحتويين فرق واضح وهو خلو العبارة الواردة في العهد من كلمة «الخاصة» فالأمام اسماهم «ذوي الحاجات» من دون خصوصية، وهذا ما يعد بحق، التفاتة غاية في الروعة من الامام علي عليه السلام، وتكشف لنا العقلية الفذة التي يمتلكها والتي سبق بها العلماء والباحثين والمتخصصين في مجال التربية وعلم النفس - في الوقت الحاضر -

الذين طالبوا بضرورة ترك المصطلحات ذات المسميات السلبية التي ذكرناها سابقا، واستبدالها بمسميات مقبولة مرضية لنفوسهم وغير منفّرة تبعث الطمأنينة في قلوبهم، فاستقر رأيهم على مصطلح «ذوي الاحتياجات الخاصة» الا انهم فاتهم ان هؤلاء الافراد، لفرط حساسيتهم فان هذا التخصيص الوارد في كلمة «خاصة» يحرجهم ويؤذي إحساسهم ويجرح مشاعرهم ايضا.

فئات ذوي الاحتياجات في وثيقة العهد:

بالنظرة الإجماليّة - لا التفصيليّة - لوثيقة العهد يُمكن لنا أن نطلّ من خلالها على أبرز قضيّة تعرّض لها الإمام علي عليه السلام وهي مسألة المجتمع ومكوّناته والّتي نقصد بها الطبقات الاجتماعيّة، فقد قسّم الامام علي عليه السلام المجتمع بشكل عام إلى «سبع طبقات «فئات»، وحدّد ما يجب على كلّ طبقة وما يجب لها وهي:

1.

طبقة الجنود.

2.

طبقة القضاة.

3.

طبقة عمّال الإنصاف والرفق = شرطة الأخلاق والتضامن الاجتماعيّ.

4.

طبقة العامّة = العمّال ونحوهم.

5.

طبقة أهل الجزية من أهل الذمّة، والخراج من المسلمين = وزارة الاقتصاد.

6.

طبقة التجّار وأهل الصناعات.

7.

طبقة أهل المسكنة والحاجة» (85).

يقول الإمام (عليه السلام) مخاطبا مالك الاشتر: «وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِیَّةَ طَبَقَاتٌ لَایَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ، وَ لَاغِنَی بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ، وَ مِنْهَا کُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَ مِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْل، وَ مِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْیةِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ مُسْلِمَةِ النَّاسِ وَ مِنْهَا التُّجَّارُ وَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ وَ مِنْهَا الطَّبَقَةُ

السُّفْلَی مِنْ ذَوِی الْحَاجَةِ وَالْمَسْکَنَةِ، وَ کُلٌّ قَدْ سَمَّی اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ. وَ وَضَعَ عَلَی حَدِّهِ فَرِیضَهً فِی کِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِیِّهِ صلی الله علیه و آله عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً» (86).

وحينما يُقسِّم الإمام عليه السلام المجتمع إلى طبقات فهذا لا يعني أبداً أنّه يُريد إيجاد تمایز وفوارق طبقيّة في المجتمع، بالمعنى الّذي شاع استعماله في الأدب السياسيّ في الوقت الحاضر. كلّا. فليس هذا مقصوده على الإطلاق فالإسلام ألغى فكرة النظام الطبقيّ الّتي كانت موجودة في كلّ المجتمعات - وإن كانت مع الأسف موجودة ومستمرّة - وإنّما المقصد من ذلك الفئات الاجتماعيّة (87)، فمنهج الإمام علي (عليه السلام) قائم على رفض ومحاربة التقسيم على اساس العرق او العنصر القومي.

إذاً فترتيب الطبقات في التقسيم لا يعني ترتيبها في القيمة، فالإمام عليه السلام لم یُراع قيمة كلّ طبقة حين قدّمها وأخّرها، وإنّما راعي الخدمات الاجتماعيّة الّتي تقوم بها، أمّا القيمة فلا تُقاس إلّا بالتقوى (88).

وهذا العهد الّذي كانت ولادته قبل نحو ألف وأربعمائة سنة، ركّز فيه الإمام عليه السلام على فكرة المجتمع ومكوناته وفئاته، ورأى أنّ العنصر البشريّ اجتماعيّ بالطبع لا يستغني بعضه عن بعض. وبهذا نستكشف مدى عظمة الإمام عليّ عليه السلام في المسائل الاجتماعيّة، لكونه المعلِّم الأوّل لعلم الاجتماع في العالم، والواضع لقواعد هذا العلم المستمدّ من تعاليم الإسلام، ولنظريّة وظائف المجتمع، وبيان أنواعها (89).

كانت هذه إطلالة إجمالية موجزة لما ورد في وثيقة العهد العلويّ حول موضوع الفئات الاجتماعية، اما بالنظرة التفصيليّة لها، ولما يخص موضوعنا «ذوي الحاجات» والذين جاءوا في الطبقة الاخيرة «الطبقة السفلة»، حسب تصنيف الوثيقة، والتي

رتبتهم بهذه الطبقة لسبب، لا يخفى على الحصيف المطلع، ان الهدف وراء ذلك، هو لكونهم بحاجة لتضافر جهود الطبقات العليا التي سبقتهم وحمايتها ويقع على عاتق تلك الطبقات مساعدتهم وتأمين احتياجاتهم، وصَون حقوقهم.

اما فيما يخص فئات ذوي الحاجات في وثيقة العهد فيقول الإمام (عليه السلام): «ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِی الطَّبَقَةِ السُّفْلَی مِنَ الَّذِینَ لَاحِیلَةَ لَهُمْ مِنَ الْمَسَاکِینِ وَ الْمُحْتَاجِینَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَی وَالزَّمْنَی فَإِنَّ فِی هذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرّاً وَاحْفَظْ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِیهِمْ وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَیتِ مَالِكَ وَقِسْماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِی الْإِسْلَامِ فِی کُلِّ بَلَدٍ فَإِنَّ لِلْأَقْصَی مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِی لِلْأَدْنَی وَ کُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِیتَ حَقَّهُ فَلَایشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ فَإِنَّكَ لَاتُعْذَرُ بِتَضْییعِكَ التَّافِهَ لِأَحْکَامِكَ الْکَثِیرَ الْمُهِمَّ فَلَاتُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ وَلَاتُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَایصِلُ إِلَیكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُیونُ وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ فَفَرِّغْ لِأُلئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْیةِ وَ التَّوَاضُعِ فَلْیرْفَعْ إِلَیكَ أُمُورَهُمْ ثُمَّ اعْمَلْ فِیهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَی اللَّهِ تَعَالَی یوْمَ تَلْقَاهُ فَإِنَّ هؤُلَاءِ مِنْ بَینِ الرَّعِیةِ أَحْوَجُ إِلَی الْإِنْصَافِ مِنْ غَیرِهِمْ وَکُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَی اللَّهِ فِی تَأْدِیةِ حَقِّهِ إِلَیهِ وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْیتْمِ وَذَوِی الرِّقَّةِ فِی السِّنِّ مِمَّنْ لَاحِیلَةَ لَهُ، وَلَا ینْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ وَذلِكَ عَلَی الْوُلَاةِ ثَقِیلٌ وَ الْحَقٌّ کُلُّهُ ثَقِیلٌ وَقَدْ یخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَی أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَهُمْ» (90).

يتبين لنا من النص اعلاه ان الامام عليه السلام قسم فئات ذوي الحاجات على النحو التالي: (الْمَسَاکِینِ وَ الْمُحْتَاجِینَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَی وَالزَّمْنَی وَأَهْلَ الْیتْمِ وَذَوِی الرِّقَّةِ فِی السِّنِّ) والتي سنأتي على تفصيلها لاحقاً، كما انها وعلى وفق هذا التصنيف نجدها اعم واشمل من التقسيمات التي وضعها العلماء واصطلحوا عليها حديثا، فقد ذكرنا سابقا ان غالبية المختصين بعلم النفس المعاصر والتربية النفسية الحديثة اتفقوا على ان

الفرد ذوي الحاجات الخاصة ينتمي إلى فئة او اكثر من الفئات التالية:

1.

الموهبة الابداعية والتفوق العقلي.

2.

الاعاقة العقلية بمستوياتها المختلفة.

3.

الاعاقة السمعية الكلامية واللغوية.

4.

الاعاقة البصرية بمستوياتها المختلفة.

5.

صعوبات التعلم الأكاديمية والنمائية

6.

الاعاقة الجسمية والصحية.

7.

الاضطرابات السلوكية والانفعالية.

8.

التوحد.

9.

اضطرابات التواصل (91).

بينما لم تقتصر وثيقة العهد في تقسيمها لذوي الحاجات، على فئات المعاقين فقط، بل شملت رؤيتها مساحة واسعة لفئات اجتماعية اخرى لم يرد لها ذكر في التقسيم اعلاه من (الْمَسَاکِینِ وَ الْمُحْتَاجِینَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَی وَالزَّمْنَی وَأَهْلَ الْیتْمِ وَذَوِی الرِّقَّةِ فِی السِّنِّ) وهذه الفئات وحتى وقت قريب كانت محل خلاف وجدل بين الباحثين والمتخصصين وتفاوتت فيهم الآراء بين مؤيد ورافض لجعلهم ضمن فئات ذوي الاحتياجات الخاصة.

الا ان هناك توافق ظهر مؤخرة بين الباحثين والمختصين على مصطلح جديد أطلقوا عليه «المعاقون اجتماعيا» يندرج ضمن فئات ذوي الاحتياجات الخاصة ويشمل (الايتام والمتسولون واطفال الشوارع والمسنون). فقد اكد الدكتور مدحت ابو النصر في كتابه «الاعاقة الاجتماعية المفهوم والانواع وبرامج الراعية» ان الاعاقة الاجتماعية تندرج ضمن فئات ذوي الاحتياجات الخاصة وتشمل: الأحداث

الجانحون وأطفال الشوارع والمتسولون ونزلاء السجون ... واضاف إلى هذه الفئة أصنافًا أخرى مثل الضحايا والمسنين، على اعتبار أن لهم احتياجات خاصة، وأنهم يعانون من بعض المشكلات في تفاعلاتهم الاجتماعية مع الآخرين (92). كما اكد الدكتور عثمان لبيب في كتابه «الاعاقات الذهنية في مرحلة الطفولة» ان الأطفال اليتامى ومجهولي الابوين، يعدون معاقون اجتماعيا ويندرجون ضمن فئات ذوي الاحتياجات الخاصة (93).

وقد قسَّم الامام فئات ذوي الاحتياجات على النحو التالي:

اولا: الذين لا حيلة لهم: وهم من لا قوة ولا مقدرة لديهم، فالحَيلُ في معجم المعاني القُوَّةُ والمقدرة، فيُقال: لا حَيلَ ولا قُوَّة إلّا بالله (94).

وقد ورد ذكر من «لا حيلة لهم» في الكتاب المبين بمعنى المستضعفين في قوله تعالى: «إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا» (95) والمقصود بالمستضعفين في الآية الكريمة، الذين لا يستطيعون الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام متمثلة في الانتقال من مكة إلى المدينة، «والمستضعف غير الضعيف. فالمستضعف فُرض عليه الضعف نتيجة ظروف قاهرة وقوة غاشمة قیّدت طاقته المادية ومنعتها من الانطلاق ولكن الروح المعنوية لا تزال متوقدة تنتظر الفرصة للانطلاق والتحرر من قيودها. أما الضعيف فهو الانسان الذي اختار ان يكون ضعيفا بمحض ارادته مع امتلاكه لكل عوامل القوة واسبابها، فهو الخانع الذليل» (96)، وما يهمنا من الآية هو ما يتعلق بلفظ من «لَا يَستَطِيعُونَ حِيلَةً» اذ اتفق جميع المفسرين بان هؤلاء هم أهل الاعذار من العجزة والمرضى والمقعدين، فقد ورد في تفسير الطبري تعليقا على ما جاء في هذه الآية انهم: «العجزة عن الهجرة بالعسرة، وقلة الحيلة، وسوء البصر والمعرفة بالطريق» (97) وذهب تفسير البغوي

الى نفس الراي فيقول انهم: «أهل العذر لا يقدرون على حيلة ولا على نفقة ولا قوة للخروج» (98) «ولم يختلف التفسير الوسيط عن ذلك فيقول هم: «الذين عجزوا حقا عن الهجرة لضعفهم او مرضهم او شیخوختهم» (99) ام التفسير الميسر فقد اتفق مع من سبقه فيقول هم:» العجزة من الرجال والنساء والصغار الذين لا يقدرون على دفع القهر والظلم عنهم، ولا يعرفون طريقا يخلصهم مما هم فيه من المعاناة (100).

وعليه فان مصطلح «الذين لا حيلة لهم» يحمل معنی شامل جامع لأغلب فئات الاعاقة التي اقرها المختصون الحاليون وذكرناها سابقا؛ كما انه تعبير أَليَقُ بذوي الاعاقات من تلك المسميات - السلبية وانعكاساتها - المستخدمة حاليا مثل (ذوو العاهات او المقعدون او المعوقون وغيرها) لكونه اقل وطأة واكثر تخفيفا على نفسية هؤلاء الافراد.

ثانيا: المساكين: مفردها مسكين، والمِسکِينُ الخاضِعُ الضعيف الذليل، ومن ليس عنده ما يكفي عياله (101) و «الفقير والمسكين صنفان متغایران، فالفقير ينطبق على من يتصف ب (فقد المال)، والمسكين يتصف ب (فقد المال + المسكنة)، فالقدر المشترك بينهما فقد المال، وهو المصداق الوحيد للفقير، في حين أنه إحدى مصادیق المسكين؛ لأنه له مصاديق أخر، هي: (الزمانة - المرض - العرج والعمى) فالمسكين أسوأ حالا من الفقير وتبني هذا القول أغلب المفسرين» (102).

فهذه الفئة وكما هو واضح تشمل طبقة «الفقراء ممّن لا يستطيعون العمل لعاهةٍ فيهم او لا يقدرون معها على العمل، أو لا يستطيعونه لكبرَ السّن وضعف البنية، أو لا يستطيعونه لصغر السِّنّ کالأيتام الّذين لا كافل لهم، أو يستطيعون ويعملون، ولكنّ عملهم لا يمدّهم بالكفاية» (103).

ثالثا: المحتاجون: مفردها محتاج، والمحتاج من بِهِ حَوجٌ» واِفتقَارٌ ورَجَلٌ مُحتَاجٌ: مُفتَقِرٌ، ُمعوِزٌ، مُحتَاجٌ إِلَى مَن يُسَاعِدُهُ (104)، وتختلف المساعدة ونوعها باختلاف الحاجة وطبيعتها.

اما علماء النفس فيعرَّفون الحاجة بأنها: «افتقار الى شيء ما بحيث انه لو كان موجودا لحقق الاشباع او الرضا وما فيه صالح الكائن وهذا الافتقار يدفع الكائن للعيش في نوع من التوتر» (105) وعرفها اخرون بانها: «حالة العوز او النقص النفسي لدى الكائن العضوي كليا أو جزئيا التي يكتسبها الفرد من خلال تفاعله مع المتغيرات البيئية، والتي تخلق له إحساس بالتوتر وعدم الراحة والاستقرار، واختلال في التوازن العضوي والنفسي، وظهور أنماط سلوكية تتعارض ومعايير الجماعة» (106).

وقد اختلف العلماء في تصنيف حاجات الانسان لأنها كثيرة يصعب حصرها وعدها وهي متداخلة ومتشابكة، الا ان اكثر التصنيفات اعتماداً هو تقسيم الحاجات الى قسمين:

• القسم الاول: الحاجات العضوية (الفسيولوجية) وتشمل: (الحاجة للماء والطعام، الحاجة للجنس، الحاجة للأمومة - الحاجة للإخراج - الحاجة للنشاط والراحة).

• القسم الثاني: الحاجات غير العضوية وتقسم الى قسمين:

أ- حاجات نفسية ومن اهمها: الحاجة للأمن، الحاجة لحب الاستطلاع، للحاجة للإنجاز الحاجة للاعتماد على النفس.

ب- حاجات اجتماعية ومن اهمها: الحاجة للانتماء، الحاجة لتقدير الاخرين، الحاجة للصحبة (107).

فإذا ما تم اشباع هذه الحاجات فان ذلك يؤدي وبالدرجة الاولى الى المحافظة على الكيان البيولوجي للإنسان بما يمكنه من الاستمرار في الحياة ، ويساعده على أحداث النمو السليم وممارسة نشاطه بشكل طبيعي و بأسلوب سوي وسليم، كما يسهم اشباع الحاجات النفسية والاجتماعية اسهاماً كبيراً في بناء الشخصية الإنسانية وتشكيلها ونموها، فضلا عن ان ذلك يمكنه من إدراك إمكانات البيئية التي تحيط به والتي يستمد منها ما يشبع هذه الحاجات (108).

اما اذا لم يتم إشباع تلك الحاجات فان ذلك يؤدي إلى خلل في مكونات شخصية الإفراد وإذا ما حصل ذلك فان النتيجة الحتمية انعكاس على النتاج الذي يعطيه الإفراد في مجال عملهم مما يجعله في أدنى مستوياته، وقد انتهى علماء النفس إلى إن إحساس الإنسان بالنقص في شيء ما إنما يحدث توتراً نفسياً يؤدي إلى عدم الاتزان، وبالتالي إلى عدم السوية (109).

لذا فان مفردة المحتاجين التي وردت في وثيقة العهد جاءت لتسلط الضوء على ضرورة تلبية الحاجات الضرورية للمحتاجين، وتأمين حاجاتهم الأساسية واللازمة لبقائهم واستمرارهم في الحياة، وهذا الأمر يقع على عاتق الدولة باعتبارها القائمة على تسيير شؤون ابنائها من خلال وضع مواردها في خدمة شعبها، ما يؤدي بالنتيجة إلى مساهمتهم في بناء الدولة.

رابعا: أهل البؤسي: البؤسي بضم أوله: شدة الفقر» (110) اي من افتقر وعاش في بؤس شديد، وهذه الفئة قد تتوافق مع فئة المساكين الا انها تختلف معها في درجة الفقر وشدته، فأهل البؤسی هم اولئك الذين دفعهم الفقر والعوز الى الاستجداء والتسول.

ان تقسيم الفقراء والمساكين الى فئات في وثيقة العهد حسب درجة فقر هم وشدتها ونعتهم بمسميات تصف حالة البؤس التي وصلوا اليها، وتأكيدها على تخفيف العبء عنهم ورعايتهم وضرورة توفير العيش الكريم لهم بغض النظر عن أي وصف اخر ودون تمييز بينهم سواء كانوا مسیح او يهود فهم مواطنون متساوون في كنف الدولة الإسلامية ونفقتهم على بيت المال، يؤكد ان الامام علي (عليه السلام) اول من دعا الى انشاء «هيئة الضمان الاجتماعي وسعى الى انشاء وزارة الشؤون الاجتماعية« (111) فليس في تأريخ الإسلام وغيره مثل الإمام أمير المؤمنين في اهتمامه بالفقراء، فقد شاركهم في جشوبة العيش وخشونة اللباس، فهو أبو الفقراء، وصديق المحرومين وملاذ البائسين (112).

خامسا: الزمني: «جمع زمن وهو المصاب بالزمانة بفتح الزاي اي العاهة (113)، ورجل زمّن اي مبتلی (114) والزَّمَانَةُ: مرضٌ يدومُ،، يقال: مرضٌ مُزمِنٌ، وعلَّةٌ مُزمِنَةٌ (115). والجمع زَمنَي لأَنه جنس للبلايا التي يصابون بها ويدخلون فيها وهم ها کارهون (116) «والمقصود هنا ارباب العاهات المانعة لهم عن الاكتساب» (117)

والامراض المزمنة هي: مجموعة من الأمراض التي تسمى أيضا «الأمراض غير المعدية»، او الامراض غير السارية وهي أمراض لا تنتقل بالعدوى من شخص لآخر، وتأخذ عادة إصابة الشخص بها وتطورها فترة طويلة ضمن عملية بطيئة نسبيا، اما انواعها فهي: (أمراض القلب - الامراض السرطانية - الجلطة الدماغية - مرض السكري - اضطرابات الصحة النفسية والعصبية - حالات العجز - الاضطراب العقلي - مرض الربو فقر الدم - تورم الغدة الدرقية - بعض أنواع الصرع - الإعاقة العقلية عند الأطفال) (118).

ومن الجدير بالذكر هنا ان الامام علي (عليه السلام) صنف ذوي الامراض المزمنة ضمن فئات ذوي الحاجات، بينما نجد ان اصحاب الامراض المزمنة لم يصنفوا ضمن ذوي الاحتياجات الخاصة الا مؤخرا، وهذا ما ذهب اليه القليل من المختصين ومنهم الدكتور عثمان لبيب حيث جعلهم ضمن فئات ذوي الاحتياجات الخاصة وافرد لهم بابا في كتابه «الاعاقات الذهنية في مرحلة الطفولة» ولكن للحاجات الشديدة منها فقط ک (امراض القلب والسل والسكر وحالات الصرع وامراض الدم والامراض العصبية وبعض حالات الحساسية) (119)، بينما ما زال البعض الاخر يخالف ذلك.

سادسا: أهل اليتم: تأتي مفردة اليتيم بمعنى الانفراد، والأيتام في اللغة جمع يتيم، وهو: الصغير الذي مات أبوه دون أمه (120).

اما اليتيم اصطلاحا: فقد حصل على تعريفات عديدة، ومنها تعريف الزحيلي الذي عرفه بأنه: الفرد الذي مات ابوه قبل ان يبلغ الحلم سواء اكان غنيا ام فقیرا ذكرا ام أنثى، (121) اما وزارة العمل والشؤون الاجتماعية فتعرفه بانه: «من كان عمره دون سن (ثماني عشرة سنة) ويعاني من فقدان أحد الأبوين أو كلیهما» (122).

وقد شجع الامام المجتمع وبجميع افراده ومؤسساته على رعاية الايتام کونه الطريق الامثل لنيل رضا الله تعالى وتحقيق الاستقرار الاجتماعي (123) وكان هو شخصيا عليه السلام أباً عطوفاً للأيتام، ومن اشد الناس حرصا على رعايتهم والعناية بهم والعطف عليهم (124) کما ان الامام عاش تجربة خاصة في العناية بالأيتام، سواء حين كفلت اسرة الامام - ولاسيما ابو طالب - الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو كفالة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه للأمام علي (عليه السلام) لاحقاً هذه التجربة اسهمت في اثراء رؤية الإمام (عليه السلام) للأيتام وصيانة حقوقهم واحساسه العميق بمعاناتهم (125).

سابعا: ذوي الرقة في السن: ذوو الرقة في السن: المتقدمون فيه (126) والذين بلغوا مرحلة الشيخوخة.

وقد عرف جیمبرز (chambers) المسن بأنه: الشخص الذي عاش عمراً طويلاً استطاع من خلاله أن يكسب خبرات كثيرة ومتنوعة، لا تكون عند الشباب ومتوسطي العمر وعادة يحال على التقاعد بسبب النقص الحاصل في قدراته الجسمية والعقلية (127).

اما ديمغرافياً وإحصائياً فيعرف المسنون بأنهم السكان البالغين من العمر (60 سنة) وفي بعض الدول يبدأ سن الشيخوخة من سنة (60 - 65) (128).

اما الشيخوخة فتُعرف بأنها: مرحلة زمنية من مراحل العمر المتتابعة يصل أليها الإنسان بعد سن الخامسة والستين، فهي عملية حيوية طبيعية تتأثر بنمط الحياة وعوامل البيئة والوراثة (129)، وتسمى هذه المرحلة بالعمر الثالث وهي فترة طبيعية في عمر الإنسان (130).

ولا شك أن تحديد هذه الفترة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمتوسط الأعمار في كل دولة على حدة (131) کما أن التحديد العمري، للمعمر أو المسن لا يخضع لمعيار ثابت في كل المجتمعات والأزمنة ولا يوجد تحديد ثقافي صرف، فضلاً عن ذلك فان عمر المسن يرتفع مع التقدم العلمي والصحي للمجتمع ولكن تشترك كل المجتمعات بشان تحديد الإطار العام لعمر المسن وحدوث تغيرات بيولوجية في نهاية العمر متمثلة بظهور علامات الهرم على الوجه وضعف البصر والسمع وتبدل لون الشعر وضعف خلايا الجسم وزيادة أو نقص الإفرازات الهرمونية ومعاناة المسن من أمراض مزمنة كتصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم والسكري فضلاً عن الإصابة بالكآبة

واضطرابات القلق والوسواس القهري واضطرابات النوم والأكل وما إلى ذلك من المشكلات النفسية الأخرى (132).

وتعتبر الشيخوخة من أهم المشكلات التي تواجه المجتمعات الحديثة التي ينصرف إليها البحث العلمي في مختلف میادینه و تخصصاته الاجتماعية والبيولوجية والطبية والنفسية باعتبارها مرحلة من المراحل الهامة في عمر الإنسان، اذ أن توقعات الحياة في الدول المتقدمة وكذلك الدول النامية قد تزايدت بشكل مطرد عبر العقود القليلة الماضية وفي تقرير صدر مؤخراً عن منظمة الصحة العالمية أفاد بأن توقعات الحياة قد ارتفع خلال الخمسين سنة الأخيرة من 46 عاماً إلى 64 عاماً في الدول النامية، ومن المتوقع أن يصل إلى 72 عاماً في عام 2020 م، كما أنه تجاوز هذه الأرقام في معظم الدول المتقدمة حيث وصلت نسبة السكان الذين تجاوز عمرهم الستين عاماً حوالي 32٪ من إجمالي السكان وينتظر أن يتجاوز هذا الرقم ثلث السكان عام 2020 م، وببلوغ ذلك العام ستكون ثلاثة أرباع الوفيات بسبب أمراض ترتبط بالشيخوخة ارتباطاً مباشراً، وهذا التزايد في توقعات الحياة وفي عدد المسنين يعود أساساً إلى انخفاض معدلات الوفاة في الأععار الصغيرة، ونتيجة لما حدث من تقدم طبي وتحسن في ظروف المعيشة، وتطور لمفاهيم الصحة العامة وأساليب الوقاية والعلاج (133).

ومن هذا المنطلق أصبح موضوع رعاية المسنين من قضايا الساعة التي تحظى بالاهتمام و أصبحت الكثير من الدول في العصر الحديث تقدم برامج متنوعة من الرعاية الاجتماعية لمواطنيها وسكانها بهدف تحقيق عدل اجتماعي وتوفير خدمات لهذه الفئة من فئات المجتمع باعتبار أن ذلك من معايير رقي وتقدم ونهضة الدول (134).

بينما نجد ان الإمام (عليه السلام) كان يوصي ابناء الامة ولاسيما اصحاب

السلطة منهم في وثيقة العهد بضرورة رعاية هذه الفئة والاهتمام بها، بل «ونَقلَ احترام كبار السن وضرورة توفير العيش الكريم لهم، كجزء من تلك الرعاية، من حيز البعد المعنوي الى الواقع العملي فشملهم بحق الضمان الاجتماعي، فكان ينفق عليهم من مال المسلمين» (135)، حتى اذا «مر شیخ مكفوف كبير يسأل ، قال امير المؤمنين: من هذا؟ قالوا يا امير المؤمنين نصراني فقال امير المؤمنين: استعملتموه حتى اذا كبر وعجز منعتموه انفقوا عليه من بيت المال» (136). وهذا ما يؤشر الى مدى البعد الانساني العظيم للأمام علي عليه السلام في التعامل مع كبار السن وان لم يكونوا من المسلمين.

لقد وضع الإمام (عليه السلام) الدولة أمام مسؤوليّتها اتجاه فئات ذوي الحاجات، في وثيقة العهد التي تعد بحق دستوراً کاملاً للحكم والحكومة العادلة، لأنّه كان عليه السلام يعلم علم اليقين ان هؤلاء الافراد إذا لم يلقوا العناية منها ينحرف قویّها إلى طريق الجريمة، ويموت ضعيفها جوعاً، وبالتالي يتفكك المجتمع وتنهار منظومته القيمية والأخلاقية ويتحول الى غابة، القوي فيها يأكل الضعيف، مجموعة من الافراد لا رابط بينهم يسهل استغلالهم واستعارهم من قبل الطغاة والظالمين.

الخاتمة

أن ما ورد بين دفتي البحث يظهر لنا النتائج التالية:

1.

واجه ذوو الاحتياجات الخاصة معاناة شديدة وظروف بالغة الصعوبة، وعلى امتداد التأريخ وكانوا يشكلون عبئا ثقيلا على افراد مجتمعاتهم وتعرضوا لشتی انواع المعاملة السيئة والقاسية، والتي وصلت حد التصفية الجسدية في بعض المراحل التاريخية.

2.

رغم صدور جملة من المبادئ الانسانية السامية التي أقرتها المنظمات الدولية والانسانية التي تضمن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، وتعمل على دمجهم بالمجتمع وتحسين مستوى معيشتهم ورعايتهم صحيا واجتماعيا، لازال المعاقون يواجهون معاناة شديدة تسبب لهم ما يكفي من الالم والاقصاء والتمييز على ايدي الاخرين.

3.

حرص الاسلام كل الحرص على اقرار مبدأ المساواة بين الناس، وعدم التفرقة بين البشر من خلال العديد من الآيات القرآنية الكريمة، التي حثت على الاهتمام بالمعاقين ورعايتهم وتقديم العون لهم بما يحفظ كرامتهم ويقيهم من العنف والاضطهاد والنظر اليهم على انهم خلق من خلق الله لا دخل لهم فيما هم فيه، وقد تجسد ذلك واقعا فكريا وعمليا في نهج امير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، وما اسسه لحكومته العادلة، وكان شاهدا حيا البالغ العناية والرعاية التي لقيها المعاقون من حكومتهم الاسلامية.

4.

يعتبر عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لواليه على مصر مالك الاشتر، وثيقة اسلامية فريدة من نوعها - منذ زمان صدورها وحتى يومنا هذا - لإدارة الحكم والحكومة العادلة، وتعدبحق دستوراً کاملاً لتنظيم الحياة في مختلف اتجاهاتها.

5.

يُعد تأصيل مصطلح (ذَوِي الحَاجَاتِ) في وثيقة العهد ولأول مرة في التاريخ وتحديد فئاتهم والتأكيد على اهميتهم ووجوب العناية بهم، من أروع صور تکریم الانسان واحتراما لكرامته وآدمیته - بغض النظر عن شكله ومظهره، ومستواه الاجتماعي.

6.

رغم التشابه اللفظي الكبير والذي يصل حد التطابق بين المصطلح المعاصر «ذوو الاحتياجات الخاصة» وبين عبارة (ذوي الحاجات) الواردة في وثيقة العهد العلوي، الا اننا نجد بين المحتويين فرق واضح وهو خلو العبارة الواردة في العهد من كلمة «الخاصة»، التي فيها من السلبية ما يجعلها كلمة محرجة ومؤذية لإحساس ذوي الحاجات وتجرح مشاعرهم، وهذا بحد ذاته، التفاتة غاية في الروعة من الامام علي عليه السلام، سبق بها العلماء والباحثين والمتخصصين في مجال التربية وعلم النفس - في الوقت الحاضر - الذين طالبوا بضرورة ترك المصطلحات ذات المسميات السلبية واستبدالها بمسميات مقبولة وغير منفّرة.

7.

لم تقتصر وثيقة العهد في تقسيمها لذوي الحاجات، على فئات المعاقين فقط، بل شملت رؤيتها مساحة واسعة لفئات اجتماعية اخرى من (الْمَسَاکِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَ الزَّمْنَى وأَهْلَ الْیُتْمِ وَذَوِی الرِّقَّةِ فِی السِّنِّ).

8.

ان مصطلح «المعاقون اجتماعيا» الذي اشتمل على فئة (الأيتام والمتسولون والأحداث الجانحون و مجهولي الأبوين والمسنون) واندرج حديثا ضمن فئات ذوي الاحتياجات الخاصة هو ذات ما دعا اليه الامام علي عليه السلام في وثيقة العهد منذ ما يقرب من 1400 سنة.

9.

ان مصطلح «الذين لا حيلة لهم» الذي ورد ذكره في وثيقة العهد يحمل معنی شامل جامع لأغلب فئات الاعاقة التي اقرها المختصون؛ کما انه تعبير أَليَقُ بذوي الاعاقات من تلك المسميات - السلبية وانعكاساتها مثل (ذوو العاهات او المقعدون او المعوقون وغيرها).

10.

ان مفردة المحتاجين التي وردت في وثيقة العهد جاءت لتسلط الضوء على ضرورة تلبية الاحتياجات الاساسية والضرورية للمحتاجين، وتأمينها، لبقائهم واستمرارهم في الحياة، وتمكينهم من المساهمة في بناء الدولة، وهذا يقع على عاتق الدولة باعتبارها القائمة على تسيير شؤون ابنائها.

11.

ان تقسيم الفقراء والمساكين الى فئات في وثيقة العهد حسب درجة فقرهم وشدتها ونعتهم بمسميات تصف حالة البؤس التي وصلوا اليها، وتأكيدها على تخفيف العبء عنهم ورعايتهم وضرورة توفير العيش الكريم لهم بغض النظر عن أي وصف اخر ودون تمييز بينهم يؤكد ان الامام علي عليه السلام اول من دعا الى انشاء «هيئة الضمان الاجتماعي وسعى الى انشاء وزارة الشؤون الاجتماعية.

12.

صنف الامام علي (عليه السلام) ذوي الامراض المزمنة ضمن فئات ذوي الحاجات. 13. شمل الامام (عليه السلام) في وثيقة العهد كبار السن بحق الضمان الاجتماعي سواء كانوا مسلمين او غيرهم، فهم مواطنون متساوون في كنف الدولة الإسلامية ونفقتهم على بيت المال.

13.

واخيراً أملنا ان ينال هذا الجهد اليسير المتواضع، القبول ويلقي الاستحسان، فما هو الاجهد مُقل ولاندعي فيه الكمال ولكن عذرنا انا بذلنا فيه قصارى جهدنا فان اصبنا فذاك مرادنا وان أخطئنا فلنا شرف المحاوله والتعلم. وصلِ اللهم على سیدنا وحبيبنا محمد وعلى آله الطيبين.

المصادر

المصادر العربية:

• القرآن الكريم.
1.

ابو بکر عبد بن محمد المالكي، ریاض النفوس في طبقات علماء القيروان وافريقية وزهادهم ونسائهم وسير من أخبارهم وفضائلهم و أوصافهم، تحقيق: بشير البكوش، دار المغرب الإسلامي، بيروت، 1994 م.

2.

أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة ، عالم الكتب، القاهرة، 2008 م.

3.

باقر شريف القرشي، شرح العهد الدولي للأمام امير المؤمنين لمالك الاشتر، تحقيق: مهدي باقر القرشي، ط 1، مؤسسة الامام الحسن لأحياء تراث اهل البيت، 2011.

4.

تيسير مفلح كوافحة، عمر فواز عبد العزيز، مقدمة في التربية الخاصة، ط 4، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان - الاردن ، 2010 م.

5.

جمال محمد الخطيب، منی صبحي الحديدي، ط 1، دار الفكر، عمان - الاردن 2009.

6.

الحسين بن مسعود البغوي، معالم التنزیل (تفسير البغوي)، تحقيق: محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش، دار طيبة، الرياض، 1989 م.

7.

خضير کاظم حمود، السياسة الادارية في فكر الامام علي بن ابي طالب (بين الاصالة والمعاصرة)، مؤسسة الباقر، بيروت، (د. ت).

8.

زیاد کامل اللالا واخرون، اساسيات التربية الخاصة، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان - الاردن، (د. ت).

9.

عبد الرحمن سید سلیمان، سیکولوجية ذوي الحاجات الخاصة، مکتبة زهراء الشرق، القاهرة (د. ت).

10.

عبد الصبور منصور محمّد، مقدمة في التربية الخاصة، سيكولوجيا غير العاديين وتربيتهم، دار المسيرة للنشر والتوزيع، القاهرة 2003.

11.

عبد الغني ابو العزم، المعجم: الغني، کتاب الكتروني، (د. ط)، (د. ت).

12.

عبد اللطيف عبد الحميد، مشکلات اجتماعية، مطبعة جامعة بغداد، 1991.

13.

عبد المطلب امين القريطي، سيكولوجية ذوى الاحتياجات الخاصة وتربيتهم، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1996 م.

14.

عثمان لبيب فراج، الاعاقات الذهنية في مرحلة الطفولة، ط 1، المجلس العربية للطفولة والتنمية، القاهرة 2002 م.

15.

عطا الله الخالدي، دلال العلمي، الصحة النفسية وعلاقتها بالتكيف والتوافق دار الصفاء للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2009.

16.

غسان السعد، حقوق الانسان عند الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) رؤية علمية، ط 2، بغداد، 2008 م.

17.

مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، ط 4، مكتبة الشروق الدولية، جمهورية مصر، 2004 م.

18.

مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، التفسير الميسر، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ط 2، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2009 م.

19.

محب الدين أبي الفيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، دار ليبيا - بنغازي، 1966 م.

20.

محمد بن ابي بكر الرازي، مختار الصحاح، ط 1، دار الكتاب العربي، بيروت، (د. ت).

21.

محمد بن احمد الانصاري القرطبي، تفسير القرطبي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، (د. ت).

22.

محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تفسير آي القران، تحقیق محمود محمد شاکر، دار المعارف، مصر، (د. ت).

23.

محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقیق عبد الرحیم رباني، دار احیاء التراث، بيروت، (د. ت).

24.

محمد بن مکرم جمال الدين ابن منظور، لسان العرب، أمين محمد عبد الوهاب، ومحمد الصادق العبيدي، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، 1997 م.

25.

محمد بهائي السكري، وداعا للشيخوخة، المكتب العلمي، القاهرة، 1988.

26.

محمد سيد طنطاوي، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، ط 2، مطبعة السعادة القاهرة، 1983 م.

27.

محمد عبد الظاهر الطيب، اختبار تكملة الجمل للحاجات النفسية، دار المعارف، الاسكندرية، 1979 م.

28.

محمد عبدة، نهج البلاغة، دار المعرفة، بيروت - لبنان، (د. ت).

29.

مدحت ابو النصر، الاعاقة الاجتماعية المفهوم والانواع وبرامج الراعية، ط 1، مجموعة النيل العربية للطباعة، القاهرة، 2004.

30.

الاعاقة الجسمية: المفهوم والانواع وبرامج الراعية، ط 1، مجموعة النيل العربية للطباعة، القاهرة، 2006.

31.

مصطفی نوري القمش، خليل عبد الرحمن المعايطة، سيكولوجيا الاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ط 1، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان - الاردن، 2007 م.

32.

نبيل موسی، موسوعة مشاهير العالم، دار الصداقة العربية، ط 1، بيروت - لبنان، 2002 م.

33.

وفيق صفوت مختار، ابناؤنا وصحتهم النفسية، دار العلم والثقافة، القاهرة 2001.

34.

وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ط 2، دار الفكر، عمان - الاردن، 1984 م.

البحوث والدراسات:

35.

ألهام فاضل عباس، الوحدة النفسية وعلاقتها بالحاجات النفسية عند موظفي جامعة بغداد، مجلة البحوث التربوية والنفسية، العدد 32، 2011 م.

36.

جبار كاظم الملا، دلالة الفقير والمسكين في سياق واحد في النص القرآني، بحث منشور، مجلة جامعة بابل، العلوم الانسانية، المجلد 23، العدد 3، 2015.

37.

خالد النجار واخرون، مقدمة في التربية الخاصة، بحث منشور، جامعة القاهرة، مركز التعليم المفتوح، (د. ت).

38.

رواب عمار، نظرة الاسلام لذوي الاحتياجات الخاصة، بحث منشور، كلية التربية الرياضية، جامعة محمد خيضر، الجزائر، 2008 م.

39.

سلمى الناشف، مشکلات اطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في محافظة النعيرية في المملكة العربية السعودية، بحث منشور، موقع ومنتدي دراسات وبحوث المعوقين، (د. ت).

40.

سلوی ابراهیم اسماعیل، تقییم لواقع الاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في العراق والخدمات المقدمة لهم، بحث منشور، دائرة التنمية البشرية، وزرارة التخطيط العراقية، 2009 م.

41.

عاطف بحراوي، مقدمة في تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة، بحث منشور، (د. ت).

42.

عبد الكريم جعو خلف الزيرجاوي، المشكلات الاسرية لمعوقي الحرب، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1989.

43.

عبد المهدي الجراح، خالد العجلوني، استخدام التكنلوجيا لخدمة ذوي الحاجات الخاصة، بحث منشور، موقع ومنتدي دراسات وبحوث المعوقين، 2005 م.

44.

غزوة فیصل کاظم، إيذاء الذات وعلاقته بالشعور بالذنب لدى الأيتام في المرحلة المتوسطة، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، الجامعة المستنصرية، 2009.

45.

مجهول المؤلف، مناهج ذوي الاحتياجات الخاصة (الاهداف - المحتوى - التطوير)، بحث منشور، (د. ت).

46.

محمد جبران هادي القحطاني، تقييم برامج الانشطة الرياضية، بأندية ذوي الاحتياجات الخاصة في المنطقتين الجنوبية والغربية، رسالة ماجستير منشورة، كلية التربية، جامعة ام القری، 2015 م.

47.

محمد السعيد عبد الجواد ابو حلاوة، التربية الجنسية للأطفال والمراهقين ذوي الاحتياجات الخاصة، بحث منشور، فعاليات الدورة التدريبية لتأهيل العاملين في مجال التربية الخاصة، جمعية الحياة للجميع لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة 2004.

48. منی حمید حاتم، المشكلات الصحية والنفسية لذوي الاحتياجات الخاصة

(المسنين)، بحث منشور، مجلة كلية الآداب، العدد 9، 2011.

49.

مهدي محمد القصاص، التمكين الاجتماعي لذوي الاحتياجات الخاصة، دراسة ميدانية، المؤتمر العربي الثاني عن الاعاقة الذهنية بين التجنب والرعاية جامعة اسيوط، بحث منشور، موقع ومنتدي دراسات وبحوث المعوقين، 2004 م.

50.

نجلاء سامي النبراوي، ذوو الاحتياجات الخاصة بالمغرب والاندلس، بحث منشور، شبكة الألوكة، (د. ت).

الشبكة العالمية للمعلومات (الانترنت):

51. حميد علي خان، قراءة في وثيقة العهد و مسائل أخرى من متطلبات البحث عن المفاهيم القانونية في نهج البلاغة، بحث منشور، موقع في رحاب نهج البلاغة، موقع الكتروني، http://arabic.balaghah.net/conten.

52.حيدر البصري، من حقوق الانسان في الاسلام، مجلة النبأ، موقع الكتروني، العدد 63، تشرين الثاني، 2001 م، http://annabaa.org .

53. دراسات في نهج البلاغة، إطلالة على عهد الأشتر، المعارف الاسلامية، موقع الكتروني، الدرس الحادي عشر، - http://www.almaaref.org/books/con .

tentsimages/books/almaaref_alislameya/derasat_fe_nahej_al balagah/page/lesson11.htm .

54.

عبد الله العلي النعيم، رعاية المسنين: بين مسئوليات المجتمع ودور الأسرة والمؤسسات الأهلية، بحث منشور، 2001 م. / http://swmsa.net/forum archive/index.php/t-11390.html.

55.

مصطفى الهادي، من هم المستضعفون في الأرض؟، كتابات في الميزان، موقع الكتروني، 73526= http://www.kitabat.info/subject.php?id -

56.

المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون الخليجي، رعاية المسنين، موقع الكتروني، http://sgh.org.sa/ar-sa.

57.

ويكيبيديا، أمراض غير سارية، موقع الكتروني، https://ar.wikipedia. منظمة الصحة العالمية، الامراض المزمنة، موقع الكتروني، //:http org/wiki www.who.int/topics/chronicr /WW

المصادر الاجنبية:

1.

chambers 1985) Dictionary - edited by E-Kiyk Patrick chambers ، London.

2.

Olson. J. & Platt. J. (1999). Teaching children and adoles cents with special needs (3rd Ed.) prentice - Hall

الهوامش

1.

مهدي محمد القصاص، التمكين الاجتماعي لذوي الاحتياجات الخاصة، دراسة ميدانية، المؤتمر العربي الثاني عن الاعاقة الذهنية بين التجنب والرعاية جامعة اسيوط، بحث منشور، موقع ومنتدى دراسات وبحوث المعوقين، 2004 م، ص 2.

2.

ينظر: سلمى الناشف، مشکلات اطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في محافظة النعيرية في المملكة العربية السعودية، بحث منشور، موقع ومنتدى دراسات وبحوث المعوقين، (د. ت)،ص 2.

3.

Olson, J. & Platt. J. (1999). Teaching children and adolescents .

with special needs (3rd Ed.) prentice - Hall

4.

نقلا عن: د. جمال محمد الخطيب و د. منى صبحي الحديدي في كتابهما المدخل الى التربية الخاصة، ط 1، دار الفكر، عمان - الاردن، 2009، ص 14.

5.

د. مصطفى نوري القمش، د. خليل عبد الرحمن المعايطة، سيكولوجيا الاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ط1 ، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان - الاردن، 2007 م ،ص 17.

6.

مدحت ابو النصر، الاعاقة الجسمية: المفهوم والانواع وبرامج الراعية، ط 1، مجموعة النيل العربية للطباعة، القاهرة، 2006، ص 21.

7.

جمال محمد الخطيب، منى صبحي الحديدي، المصدر السابق، ص 13.

8.

ينظر: محمد جبران هادي القحطاني، تقييم برامج الانشطة الرياضية بأندية ذوي الاحتياجات الخاصة في المنطقتين الجنوبية والغربية، رسالة ماجستير منشورة، كلية التربية، جامعة ام القرى، 2015 م، ص 31.

9.

ينظر: د. تيسير مفلح كوافحة، عمر فواز عبد العزيز، مقدمة في التربية الخاصة، ط 4، دار المسيرة للنشر والتوزيع ، عمان - الاردن، 2010 م، ص 16؛ د. عبد الرحمن سيد سليمان، سيكولوجية ذوي الحاجات الخاصة، مكتبة زهراء الشرق، القاهرة (د. ت)، ج1/ ص 25؛ د. زياد كامل اللالا واخرون، اساسيات التربية الخاصة، دار المسيرة للنشر والتوزيع ، عمان - الاردن، (د. ت)، ص 24؛ جمال محمد الخطيب، منى صبحي الحديدي، المصدر السابق، ص 13.

10.

د. خالد النجار واخرون، مقدمة في التربية الخاصة، بحث منشور، جامعة القاهرة، مركز التعليم المفتوح، (د. ت)، ص 2.

11.

د. عبد المهدي الجراح، د، خالد العجلوني، استخدام التكنلوجيا لخدمة ذوي الحاجات الخاصة، بحث منشور، موقع ومنتدى دراسات وبحوث المعوقين، 2005 م، ص 1.

12.

ينظر: زياد كامل اللالا واخرون، المصدر السابق، ص 26؛ تيسير مفلح كوافحة، عمر فواز عبد العزيز، المصدر السابق، ص 14.

13.

سلوى ابراهيم اسماعیل، تقييم لواقع الاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في العراق والخدمات المقدمة لهم، بحث منشور، دائرة التنمية البشرية، وزرارة التخطيط العراقية، 2009 م، ص 7.

14.

ينظر: مهدي محمد القصاص، المصدر السابق، ص 3؛ تيسير مفلح كوافحة، عمر فواز عبد العزيز، المصدر السابق،ص 14.

15.

جمال محمد الخطيب، منى صبحي الحديدي، المصدر السابق، ص 52.

16.

ابو بكر عبد بن محمد المالكي، رياض النفوس في طبقات علماء القيروان و افريقية و زهادهم و نساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم و أوصافهم،

تحقيق: بشير البكوش، دار المغرب الاسلامي، بيروت، 1994 م، 1/ 320؛ د. عاطف بحراوي، مقدمة في تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة، بحث منشور (د. ت)، ص 2.

17.

ينظر: جمال محمد الخطيب، منى صبحي الحديدي، المصدر السابق، ص 102؛ تيسير مفلح كوافحة، عمر فواز عبد العزيز، المصدر السابق، ص 14؛ مصطفی نوري القمش، خليل عبد الرحمن المعايطة، المصدر السابق، ص 36.

18.

ينظر: مهدي محمد القصاص، المصدر السابق، ص 3؛ تيسير مفلح كوافحة، عمر فواز عبد العزيز، المصدر السابق، ص 14؛ مصطفى نوري القمش، خليل عبد الرحمن المعايطة، المصدر السابق، ص 36.

19.

د. نجلاء سامي النبراوي، ذوو الاحتياجات الخاصة بالمغرب والاندلس، بحث منشور، شبكة الالوكة، (د. ت)، ص 3.

20.

ينظر: تيسير مفلح كوافحة، عمر فواز عبد العزيز، المصدر السابق، ص 14؛ عاطف بحراوي، المصدر السابق، ص 2؛ مصطفی نوري القمش، خليل عبد الرحمن المعايطة، المصدر السابق، ص36.

21.

ينظر: مهدي محمد القصاص، المصدر السابق، ص 3؛ نجلاء سامي النبراوي، المصدر السابق، ص 3؛ مصطفی نوري القمش، خليل عبد الرحمن المعايطة، المصدر السابق، ص 36؛ جمال محمد الخطيب، منى صبحي الحديدي، المصدر السابق، ص 17 - 18.

22.

ينظر: د. رواب عمار، نظرة الاسلام لذوي الاحتياجات الخاصة، بحث منشور، كلية التربية الرياضية، جامعة محمد خيضر، الجزائر، 2008 م، ص 2.

24.

محمد بن احمد الانصاري القرطبي، تفسير القرطبي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، (د .ت)، ج12/ 292.

25.

زياد كامل اللالا واخرون، المصدر السابق، ص 26.

26.

سورة الحجرات، الآية: 13.

27.

سورة الإسراء، الآية: 70.

28.

سورة آل عمران، الآية: 6.

29.

سورة النور ، الآية: 61.

30.

عاطف بحراوي، المصدر السابق، ص 1.

31.

مهدي محمد القصاص، المصدر السابق، ص 3.

32.

سورة الحجرات، الآية: 11.

33.

سورة البقرة، الآية: 286.

34.

سورة الطلاق، الآية: 7.

35.

سورة البقرة، الآية: 282.

36.

عاطف بحراوي، المصدر السابق، ص 2.

37.

المصدر نفسه.

38.

سورة الذاريات، الآية: 19.

39.

سورة الأنفال، الآية: 41.

40.

ينظر: مجهول المؤلف، مناهج ذوي الاحتياجات الخاصة (الاهداف - المحتوى - التطوير)، بحث منشور، (د. ت)، ص 14 - 18.

41.

زياد كامل اللالا واخرون، المصدر السابق، ص 27.

42.

سلوى ابراهيم اسماعيل، المصدر السابق، 7.

43.

ينظر: مجهول المؤلف، المصدر السابق، ص 10 - 13 .

44.

عبد الصبور منصور محمّد، مقدمة في التربية الخاصة، سيكولوجيا غير العاديين وتربيتهم، دار المسيرة للنشر والتوزيع، القاهرة 2003، ص 33.

45.

إدوارد سيجان (1812 - 1880): طبيب فرنسي الاصل امريكي الجنسية، يعتبر من الرواد الاوائل في تاريخ التربية الخاصة، هاجر الى الولايات المتحدة الامريكية عام 1849 م وحصل على شهادة الطب من جامعة نيويورك في عام 1861، وكان اهتمامه مركزا على تربية المعاقين عقليا؛ للمزيد من التفاصيل ينظر: د. نبيل موسى، موسوعة مشاهير العالم، دار الصداقة العربية، ط 1، بيروت - لبنان، 2002 م، ج2/ ص 235 - 236.

46.

ماريا مونتيسوري (1870-1952): وهي اول ايطالية تتخرج من مدارس الطب وتعمل في مجال طب نفس الاطفال ضعاف العقول، وقد اسست مدارس ضعاف العقول المعروفة باسمها وصاحبة نظام التعليم للمعوقين المعروف بنظام مونتيسوري؛ ينظر: المصدر نفسه، ج2/ ص 407.

47.

خالد النجار واخرون، المصدر السابق، ص 16.

48.

المصدر نفسه 345.

49.

مصطفى نوري القمش، خليل عبد الرحمن المعايطة، ص 35.

50.

ينظر: تيسير مفلح كوافحة، عمر فواز عبد العزيز ، المصدر السابق، ص 19.

51.

محمد جبران هادي القحطاني، المصدر السابق، ص 2.

52.

مصطفى نوري القمش، خليل عبد الرحمن المعايطة، المصدر السابق، ص 37.

53.

سلوى ابراهيم اسماعيل، المصدر السابق، ص 4.

54.

مهدي محمد القصاص، المصدر السابق، ص 4.

55.

ينظر: عبد المهدي الجراح، خالد العجلوني، المصدر السابق، ص 1.

56.

ينظر: عبد المطلب امين القريطي، سيكولوجية ذوى الاحتياجات الخاصة وتربيتهم، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1996 م، ص 23.

57.

عبد الرحمن سيد سليمان، المصدر السابق، ص 11.

58.

ينظر: عبد المطلب امين القريطي، المصدر السابق، ص 23.

59.

المصدر نفسه، ص 25.

60.

عبد الرحمن سيد سليمان، المصدر السابق، ص 11.

61.

عبد الكريم جعو خلف الزيرجاوي، المشكلات الاسرية لمعوقي الحرب، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1989، ص 16.

62.

رواب عمار، المصدر السابق، ص 5.

63.

محمد السعيد عبد الجواد ابو حلاوة، التربية الجنسية للأطفال والمراهقين ذوي الاحتياجات الخاصة، بحث منشور، فعاليات الدورة التدريبية لتأهيل العاملين في مجال التربية الخاصة، جمعية الحياة للجميع لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، 2004، ص 3.

64.

جمال محمد الخطيب، منى صبحي الحديدي، المصدر السابق، ص 15.

65.

مصطفى نوري القمش، خليل عبد الرحمن المعايطة، المصدر السابق، ص 17 - 18.

66.

ينظر: عبد الرحمن سيد سليمان، المصدر السابق، ص 15.

67.

مصطفى نوري القمش، خليل عبد الرحمن المعايطة، المصدر السابق، ص 18.

68.

عبد المطلب امين القريطي، المصدر السابق، ص 25.

69.

جمال محمد الخطيب، منى صبحي الحديدي، المصدر السابق، ص 15.

70.

عبد الرحمن سيد سليمان، المصدر السابق، ص 22.

71.

عبد المطلب امين القريطي، المصدر السابق، ص 25.

72.

ينظر: عبد المطلب امين القريطي، المصدر السابق، ص 24

73.

ينظر: المصدر نفسه، ص 29 - 30.

74.

ينظر: المصدر نفسه.

75.

جمال محمد الخطيب، منى صبحي الحديدي، المصدر السابق، ص 15.

76.

ينظر: عبد المطلب امين القريطي، المصدر السابق، ص 30 - 31.

77.

عبد الرحمن سيد سليمان ، المصدر السابق، ص 24 - 25.

78.

باقر شريف القرشي، شرح العهد الدولي للأمام امير المؤمنين لمالك الاشتر، تحقيق: مهدي باقر القرشي، ط 1، مؤسسة الامام الحسن لأحياء تراث اهل البيت، 2011، ص 15.

79.

حميد علي خان، قراءة في وثيقة العهد ومسائل أخرى من متطلبات البحث عن المفاهيم القانونية في نهج البلاغة، بحث منشور، موقع في رحاب نهج البلاغة، موقع الكتروني، http://arabic.balaghah.net/content

80.

محمد عبدة، نهج البلاغة، دار المعرفة، بيروت - لبنان، (د. ت)، ج 3 / ص 84.

81.

حميد علي خان، المصدر السابق.

82.

ينظر: حيدر البصري، من حقوق الانسان في الاسلام، مجلة النبأ، موقع الكتروني، العدد 63، تشرين الثاني، 2001 م، http://annabaa.org

83.

المصدر نفسه، ج 3 / ص 90.

84.

المصدر نفسه، ج 3 / ص 91.

85.

محمد عبدة، المصدر السابق، ج 3 / ص 102.

86.

دراسات في نهج البلاغة، إطلالة على عهد الأشتر، المعارف الاسلامية، موقع الكتروني، الدرس الحادي عشر، ص 160، /http://www.almaaref.org books/contentsimages/books/almaaref_alislameya/derasat_ fe_nahej_albalagah/page/lesson11.htm.

87.

محمد عبدة، المصدر السابق، ج 3/ ص89 - 90.

88.

دراسات في نهج البلاغة، المصدر السابق، ص 154.

89.

ينظر: المصدر نفسه، ص 155.

90.

المصدر نفسه

91.

محمد عبدة، المصدر السابق، ج 3 / ص 100 - 101.

92.

اتفقت العديد من المصادر على هذه الفئات التسعة في تصنيف الاعاقة، ما عدى كتاب سيكولوجية ذوي الحاجات الخاصة فقد اضاف فئة عاشرة باسم (الاعاقة الاجتماعية وتحت الثقافية)؛ للمزيد من التفاصيل ينظر تيسير مفلح كوافحة، عمر فواز عبد العزيز، المصدر السابق، ص 16؛ عبد الرحمن سيد سلیمان، سيكولوجية ذوي الحاجات الخاصة، المصدر السابق، ج 1 / ص 25؛ د. زیاد کامل اللالا واخرون، المصدر السابق، ص 24؛ جمال محمد الخطيب، منى صبحي الحديدي، المصدر السابق، ص 13.

93.

ينظر: مدحت ابو النصر، الاعاقة الاجتماعية المفهوم والانواع وبرامج الراعية، ط 1، مجموعة النيل العربية، 2004، القاهرة، ص 13 - 15.

94.

ينظر: عثمان لبيب فراج، الاعاقات الذهنية في مرحلة الطفولة، ط 1، المجلس العربية للطفولة والتنمية، القاهرة 2002،، 17 - 19.

95.

محب الدين أبي الفيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي، تاج

العروس من جواهر القاموس، دار ليبيا - بنغازي، 1966 م، مادة (حيل)؛ محمد بن ابي بكر الرازي، مختار الصحاح، ط 1، دار الكتاب العربي، بيروت، (د. ت)، (مادة حيل)؛ أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، القاهرة، 2008 م، (مادة حيل).

96.

سورة النساء، الآية: 98.

97.

مصطفى الهادي، من هم المستضعفون في الأرض؟، كتابات في الميزان، موقع الكتروني، 73526=http://www.kitabat.info/subject.php?id

98.

محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تفسير آي القران، تحقيق محمود محمد شاکر، دار المعارف، مصر، (د. ت)، ج 5/ ص 102.

99.

الحسين بن مسعود البغوي، معالم التنزيل (تفسير البغوي)، تحقيق: محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية، دار طيبة، الرياض، المجلد 2، ج 5 / ص 273.

100.

محمد سيد طنطاوي، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، ط 2، مطبعة السعادة، القاهرة، 1983م، ج 5/ ص366.

101.

مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، التفسير الميسر، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ط 2، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2009 م، ص 99.

102.

ينظر: مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، ط 4، مكتبة الشروق الدولية، جمهورية مصر، 2004 م، ص 440.

103.

جبار كاظم الملا، دلالة الفقير والمسكين في سياق واحد في النص القرآني، مجلة جامعة بابل، العلوم الانسانية، المجلد 23، العدد 3، 2015، ص 1523.

104.

دراسات في نهج البلاغة، المصدر السابق، ص 161.

105.

عبد الغني ابو العزم، المعجم: الغني، كتاب الكتروني، (د ط)، (د. ت)، مادة (حوج).

106.

محمد عبد الظاهر الطيب، اختبار تكملة الجمل للحاجات النفسية، دار المعارف، الاسكندرية، 1979 م، ص 5.

107.

د. الهام فاضل عباس، الوحدة النفسية وعلاقتها بالحاجات النفسية عند موظفي جامعة بغداد، مجلة البحوث التربوية والنفسية، العدد 32، 2011 م، ص 318.

108.

عطا الله الخالدي، دلال العلمي، الصحة النفسية وعلاقتها بالتكيف والتوافق دار الصفاء للنشر والتوزيع، عمان، الاردن، 2009، ص 14.

109.

ينظر: وفيق صفوت مختار، ابناؤنا وصحتهم النفسية، دار العلم والثقافة القاهرة 2001، ص 162 - 163.

110.

ينظر: المصدر نفسه، 159 - 164.

111.

محمد عبدة، المصدر السابق، ج 3 / ص 100.

112.

ينظر: د. غسان السعد، حقوق الانسان عند الأمام علي بن ابي (عليه السلام). رؤية علمية. ط 2/ بغداد، 2008 م، ص 354؛ د. خضير کاظم حمود، السياسة الادارية في فكر الامام علي بن ابي طالب (بين الاصالة والمعاصرة)، مؤسسة الباقر، بيروت، (د. ت)، ص 11.

113.

باقر شريف القرشي، المصدر السابق، ص 45.

114.

محمد عبدة، المصدر السابق، ج3 / ص 100.

115.

محمد بن ابي بكر الرازي، المصدر السابق، مادة (زمن).

116.

ينظر: مجمع اللغة العربية، المصدر السابق، ص 401.

117.

محمد بن مکرم جمال الدين ابن منظور، لسان العرب، أمين محمد عبد الوهاب، ومحمد الصادق العبيدي، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، 1997 م، مادة (زمن)

118.

محمد عبدة، المصدر السابق، ج 3 / ص 100.

119.

ينظر: ويكيبيديا، أمراض غير سارية، موقع الكتروني، - https://ar.wiki pedia.org/wiki. منظمة الصحة العالمية، الامراض المزمنة، موقع الكتروني، http://www.who.int/topics/chronicr.

120.

ينظر: عثمان لبيب فراج، الاعاقات الذهنية في مرحلة الطفولة، ط 1، 2002، المجلس العربية للطفولة والتنمية، القاهرة، ص 17

121.
19.
122.

ينظر: محمد بن مکرم جمال الدين ابن منظور، المصدر السابق، (مادة يتم).

123.

وهبه الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ط 2، دار الفكر، 1984 م، ص 8 - 9.

124.

غزوة فيصل كاظم، إيذاء الذات وعلاقته بالشعور بالذنب لدى الأيتام في المرحلة المتوسطة، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، الجامعة المستنصرية، 2009، ص 21.

125.

غسان السعد، المصدر السابق، ص 369.

126.

باقر شريف القرشي، المصدر السابق، ص 48.

127.

غسان السعد، المصدر السابق، ص 382.

128.

محمد عبدة، المصدر السابق، ج 1013 - 102.

129.

chambers ، Dictionary، edited by E-Kiyk Patrick chambers

((124.، London،1985.

130.

نقلا عن: منی حمید حاتم، المشكلات الصحية والنفسية لذوي الاحتياجات الخاصة (المسنين)، بحث منشور، مجلة كلية الآداب، العدد 9، 2011، ص 611.

131.

منی حمید حاتم، المصدر السابق، ص 611.

132.

عبد اللطيف عبد الحميد، مشکلات اجتماعية، مطبعة جامعة بغداد، 1991، ص 156.

133.

محمد بهائي السكري، وداعا للشيخوخة، المكتب العلمي، القاهرة، 1988، ص 20.

134.

منی حمید حاتم، المصدر السابق، ص 611.

135.

ينظر: عبد اللطيف عبد الحميد، المصدر السابق، ص 156 - 157.

136.

المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون الخليجي، رعاية المسنين، موقع الكتروني، http://sgh.org.sa/ar-sa.

137.

عبد الله العلي النعيم، رعاية المسنين: بين مسئوليات المجتمع ودور الأسرة والمؤسسات الأهلية، بحث منشور، 2001 م، / http://swmsa.net/forum. archive/index.php/t-11390.html.

138.

غسان السعد، المصدر السابق، ص 386

139.

محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقیق عبدالرحیم رباني، دار احیاء التراث، بیروت، (د. ت)، ج 11/ ص 49.

القيم السلوكية والمحددات النفسية في ضوء عهد اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) في رسالة مالك الاشتر (رضوان الله عليه)

اشارة

م. د. نهى حامد طاهر عبدالحسين الطائي كلية الدراسات الانسانية الجامعة العتبة العباسية المقدسة

م. م. سهاد حسن المكصوصي جامعة موسى الكاظم (عليه السلام) / محافظة واسط

ملخص البحث

من المؤكد أنه ليس أحد من أرحام النبي (صلى الله عليه و آله) وأصحابه أشد ولاءً ولا أكثر حباً ولا تمادياً في الإخلاص له من الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقد كان القوة الضاربة التي حمته من ذئاب طغاة القريشيين الذين جهدوا على تصفية جسده وإقصاء قيمه ومبادئه وحينما أحاطوا بداره لتصفيته وقاه الإمام بنفسه وبات في فراشه، فكان الفدائي الأول للنبي (صلى الله عليه وآله)، وبهذه المنزلة الرفيعة من الوفاء والإخلاص كان الزعيم مالك للإمام فقال له: (أنت لي كما كنت لرسول الله).

وعلق آية الله الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي على كلمة الإمام مالك بقوله: «ولقد ترجم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام ) قائده الأشتر بكلمة من قصار کلماته، وذكر نصها، فهذه الكلمة القصيرة فتحت لنا ألف باب نصل منها إلى معرفة تلك النفس الزكية القدسية».

كان أمير المؤمنين (عليه السلام) خالصاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا لأنه ابن عمه ومن أقرب الناس إليه نسباً ولحمة بل لأنه النبي الصادق الأمين الذي جاء بالحق من عند الله تعالى فصدع به، وبلغه، وهكذا يقضي التشبيه لمالك، ويدل عليه مأثور فعله وقوله في حالتي الغضب والاطمئنان والشدة والرخاء، وهو وإن لم يبت على فراش علي، ولكنه عرض نفسه مشهدٍ للفداء في كل موقف وقفه، وشهد شهده، ومغالاته في التضحية عنه

ويعد عهد الإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر عبارة عن كتاب (رسالة) كتبها الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك الأشتر النخعي حينما ولّاه

بلاد مصر، وهذا الكتاب من أهم وأطول کتب أمير المؤمنين (عليه السلام). كان عهد الإمام إلى الأشتر يهدف إلى التأسيس لنظام إداري و حقوقي على الصعيد الإسلامي يبدأ من الحاكم نفسه.

ولقد تضمن هذا العهد (40) فقرة، وكانت الفقرة الاولى منها تتحدث عن السيرة الحسنة اي حسن السلوك، والذي ستقوم الباحثتان بملامسة هذا الموضوع المهم في هذا العهد.

المقدمة

خلّف علي بن أبي طالب (عليه السلام) منظومة فكرية متكاملة تصعب الاحاطة بمضامينها ومعانيها، فهي معين ثَرٌّ لا ينضب. ما نهل منه شارب الا وخرج بجديد ينفع الناس والمخلوقات کافة. وليس في الأمر مبالغة أن سمية ب: «البيان الجامع». ان اصلاح العباد والبلاد هو الهدف الاساسي الذي يقوم عليه نهج أمير المؤمنين (عليه السلام). فقد تم تفسیر خطبه ورسائله، وأقواله حول شؤون المجتمع الاجتماعية والاقتصادية، والعلمية، والسياسية، والبيئية، والحفاظ على أمن الناس، وتأمين العيش الكريم لهم، ورسمت المعالم الأساسية لأول میثاق لحقوق الانسان. وكان عليه السلام، في سلوكه اليومي و ممارسته العملية منسجماً تمام الانسجام مع أقواله ليس فقط مع محبيه، بل حتي مع مبغضيه، لأنه كان يؤمن أن الناس كلهم أخوة سوداً كانوا أم بيضاً، مسلمين أو معاهدين (ابو جوهر، 2010: 75).

ويشمل علم الأخلاق مجموعة من السلوكيات والعادات والصفات والمشاعر الراسخة في خلجات النفس البشرية، فهي تشكل اساس الملكات التي تظهر عادة بشكل عفوي دون تفكير ويطلق عليها صفة الخير او الشر. اما السلوكيات الغير راسخة والتي تصدر بصورة غير ارادية يطلق عليها مصطلح الغضب. اما اذا صدرت بعد التأمل وكبت الرغبات انذاك يطلق عليها مصطلح الأخلاق المصطنعة، عطاء البخيل بقصد الشهرة او المصلحة وكسب السمعة. فقد جاء في اقوال الأمام علي (عليه السلام) كل داء يداوى الاسوء الخلق، من ساء خلقه ضاق رزقه، ان الخلق المذموم من ثمار الجهل وأخيرا: سوء الخلق يوحش القريب وينفر البعيد) (التميمي، 1931: 9187).

أن حسن الخلق لدى امير المؤمنين علي (عليه السلام) لا يكون فقط مع الناس بل يكون مع الله سبحانه وتعالى في الدرجة الأولى وحسن الخلق مع الله يكون بتصديق أخباره عز وجل مما أخبر به أو أخبر به رسول الله (صلى الله عليه وعلى اله وسلم) فصدقة ولو لم تفهمه عقولنا فلتزم بحسن الخلق مع هذا. وأيضاً يكون حسن الخلق مع الله بتطبيق أحكامه ويكون أيضاً بالصبر على ما قضى وقدر والحال الآخر لحسن الخلق هو حسن الخلق مع الناس (العايد، 2005: 15).

ونلاحظ في عهد امير المؤمنين لماك الاشتر، وکما جاء في تقديم الشريف الرضي له (ومن عهدله عليه السلام كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها حين إضطرب محمد بن أبي بكر وهو أطول عهد وأجمع كتبه للمحاسن)، وقد إبتدأه عليه السلام بالبسملة ثم «هذا ما أمر به عبد الله عليٍ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك بن الحارث الأشتر في عهد اليه حين ولاه مصر ...». نلاحظ ان الامام علي (عليه السلام) قد ابتدأ عهده بالأمر وشرع بهذا الأمر یُعدد الواجبات التي ينبغي على مالك الأشتر القيام بها، والامور التي عليه مراعاتها، وحقوق الناس التي يجب تأديتها. ويبين له (عليه السلام) أن الحاكم ما هو إلا مسؤول مؤتمن على حقوق الناس وخدمتهم، وعدل الحاكم هو ما يوجب على الرعية إتباعه. والمتدبر في قراءة العهد يجد أن الامام علي (عليه السلام) أنكر أن يكون الحاكم والحكومة سلطة متجبرة متسلطة على رؤوس الناس بل ان يكون الحاكم والحكومة في خدمة الناس ومداراتهم، وإلا تحولت الحكومة الى منصب دنیوي يلهث وراءه كل من يحب الدنيا ومغرياتها، وكل باحث عن جابر، وهذا ما حذر منه الامام علي (عليه السلام) ونبه عليه، وخوَّف من عاقبته في الدنيا والآخرة (المالكي والعباسي، 2014: 301).

ويعد عهد الإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر عبارة عن كتاب (رسالة)

كتبها الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك الأشتر النخعي حينما ولاه بلاد مصر، وهذا الكتاب من أهم وأطول کتب أمير المؤمنين (عليه السلام). كان عهد الإمام إلى الأشتر يهدف إلى التأسيس لنظام إداري و حقوقي على الصعيد الإسلامي يبدأ من الحاكم نفسه (سوادي، 2010: 15).

لقد شهد النبي (صلى الله عليه وعلى اله وسلم) لطائفة من أمته بالإيمان منهم مالك الأشتر، فروى أحمد من حديث مُجَاهِدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ ذَرٍّ قَالَتْ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا ذَرٍّ الْوَفَاةُ قَالَتْ بَكَيْتُ فَقَالَ مَا يُبْکِیكِ قَالَتْ وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَأَنْتَ تَمُوتُ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا يَدَ لِي بِدَفْنِكَ وَلَيْسَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُكَ فَأُکَفِّنَكَ فِيهِ قَالَ فَلَا تَبْكِي وَأَبْشِرِي فَإِنِّي سَمِعْتَ رَسُولَ اللهَّ (صَلَّى اللهَّ عَلَيْهِ وعلى اله وَسَلَّمَ) يَقُولُ لَا يَمُوتُ بَيْنَ امْرَأَيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَلَدَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَيَصْبِرَانِ أَوْ يَحْتَسِبَانِ فَيَرِدَانِ النَّارَ أَبَدًا. وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَّ (صَلَّى الله عَلَيْهِ وعلى اله وَسَلَّمَ) يَقُولُ لَیَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْکُمْ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُؤمِنِينَ وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ مَاتَ فِي قَرْيَةٍ أَو جَمَاعَةٍ وَإِنِّي أَنَا الَّذِي أَمُوتُ بِفَلَاةٍ وَاللهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا کُذِبْتُ القرطبي، 1992: 58).

ووفقا لهذا العهد، فسر بعض العلماء الاخلاق لدى امير المؤمنين في انه التفكير الصحيح، اي ان الأسلوب الأمثل هو التفكير الصائب والأمعان والدراسة والمقارنة قبل الأقدام على عمل، فالمعروف عن التفكير انه يوصل الأنسان الى المعرفة عبر العقل فأما ان تكون المعرفة في اطار الخير او في اطار الشر، فأن كانت خيرا ارتقى بها الأنسان، وقد يخطوبه بمجتمعه الى مصير افضل لو كان له دور في قيادته، وان كانت شراً مستطيراً تعرض الى مهاوي الخطر، فبفضل زيادة التمرين والتكرار ينمو لدى الأنسان قابلية القدرة على التفكير الصحيح، يمكنه من اتخاذ القرار المفيد الذي يخدمه

ويأنس به.

اما الاسلوب الثاني في علم الأخلاق فيشمل الأخلاق الحسنة والأخلاق السيئة، و تنقسم الأعمال بدورها الى جيدة واخرى رديئة، وهذه الأعمال ما هي الا عبارة عن افرازات طبيعة للأنسان تعكس مكنوناته النفسية التي تعبر في الغالب عن فضائل او عن رذائل، وقد جاء في سورة القلم وانك لعلى خلق عظیم کما جاء على لسان الرسول الأعظم: «انما بعثت لأتمم مکارم الأخلاق». وجاء في حكم الأمام علي بن ابي طالب (عليه السلام): «حسن الخلق افضل الدين - لا قرين كحسن الخلق - اكرم الحسب الخلق الحسن» (التميمي، 1931: 9187).

وقد نال هذا العهد من الاهتمام والدراسة والتمحيص والتفسير والشرح والبيان ما لم ينله نص آخر مماثل له في التوجه على مر العصور، وقد تُرجم إلى كثير من لغات العالم، وفي بعض اللغات تُرجم وشرح مراراً وتكراراً، وهذا دليل على قيمة المعاني الانسانية العظيمة التي يحتويها هذا العهد، وتناوله مختلف شؤون الحياة أولاً، وواجبات الحاكم والحكومة ثانية (المالكي والعباسي، 2014: 301).

اهمية البحث والحاجة اليه:-

ان الانسان والمجتمع يتعرضان بشكل دائم لتدهور واضطراب و خسران في جميع مقومات الحياة وميادينها، باستثناء من تكون المفاهيم والقيم الدينية هي الحاكمة على مسيرته وحركته، حيث تحرر تلك القيم الإنسان والمجتمع معاً من جميع العبوديات الفكرية والاجتماعية والتربوية، وتزرع في الضمير وخلجات النفس وفي الواقع الاستقرار والطمأنينة التي هي أساس الصحة النفسية والخلقية، وتدفع الى العمل

الايجابي البناء في اصلاح وتغيير النفس والمجتمع، وأساس القيم المعنوية والنفسية الايمان بالله تعالى و باحاطته التامة بالانسان في حركاته وسكناته، وهو الذي يجعل الضمير طامعاً في ثواب الله، وخائفاً من غضبه وعقابه. ولقد أثبتت حركة التاريخ وسننه المتتابعة انّ الابتعاد عن الدين فكراً وسلوكاً هو أساس جميع الوان الانحراف والانحطاط الفردي والاجتماعي، ابتداءً بفقدان الصحة النفسية والروحية، وانتهاءً بالممارسات المنحرفة، ولهذا نجد انّ الانحراف يتزايد في المجتمعات غير الدينية التي لا تؤمن بمفاهيمه أو لا تتبناه منهجاً لها في القيم المعنوية تشمل: الايمان بالله، والایمان بالثواب والعقاب، وذكر الله، وذكر الموت، والاعتراف بالذنب، والاستغفار، والتوبة، والرضا بالقضاء (العذاري، 1992: 32).

قد تحدث الإمام علي (عليه السلام) عن سمو شخصية مالك وعظيم شأنه في رسالته التي بعثها لأهل مصر حينما ولاه عليهم والتي جاء فيها:-

((أما بعد: فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله تعالى لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الروع، أشد على الكفار من حريق النار وهو مالك بن الحارث أخومذحج فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحق فإنه سيف من سيوف الله تعالى لا كليل الظبة ولا نابي الضريبة فإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا فإنه لا يقدم، ولا يحجم، ولا يؤخر، ولا يقدم إلا عن أمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوكم)).

ومن خلال قول الامام علي (عليه السلام) عن مالك الاشتر، يمكن ابراز بعض الجوانب من شخصيته وكالاتي:-

أوله: عظیم شجاعته وشدة بأسه في أيام الرعب والخوف، فإنه لا يهاب الأعداء

ولا يلين لهم

ثانیه: شدته على الكفار، وقد وصفه الإمام بأنه أشد عليهم من حريق النار، وهو وصف من أروع الصفات.

ثالثه: انه سيف من سيوف الله تعالی کما کان الإمام عليه السلام (القرشي، 2004: مصدر انترنت).

ان من الطبائع الإنسانية السليمة أنها خلَّدت شخصيتها المتميزة التي أسهمت بصورة أو أخرى في تذلیل مصاعب الحياة، وتركت بصماتها العلمية والعملية بين يدي الإنسان، لكي يوظِّفها لصالحه في تحقيق النجاح في الميادين كافة، وعندما نقلب صفحات التأريخ الإنساني بتروٍ وتقصٍّ منصف، فإننا سنجد بين طياته شخصیات عظيمة قدمت للبشرية عصارة أفكارها المدعومة بأعمالها، فنقلتها من سباتها وسكونها إلى منطقة الحراك والعمل الإنتاجي المبدع في شتى مجالات الحياة، وبذلك أصبحت أممالها حظوتها القوية في الوجود والتطور المتصاعد، ونقشت اسمها وأعمالها الكبيرة في سجل الإنسانية الخالد، من خلال الإسهامات الفكرية والعلمية لشخصياتها العظيمة، ولكننا قد نجد شخصية فذة فريدة تميزت بالتفوق المطلق وجمعت كل الخصائل الإنسانية الرفيعة والسامية الا وهي شخصية امير المؤمنين علي (عليه السلام)، فهي تعد أعظم وأروع وأهم شخصية بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) المتفردة في صفاتها والمتميزة في سماتها، والتي جعلت من الإمام الشخصية الخالدة التي جاد بها التاريخ على المسلمين وعلى الإنسانية، فتألقت متفردة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سماء البشرية صانعةً مثلاً أعلى ونموذجاً فريداً وشمساً زاهرة بالقيم والفضائل التي تمد العالم دائماً وأبداً بالخير والسعادة (الشيرازي، 2013: 11).

ولقد اكد امير المؤمنين علي (عليه السلام) على تكامل الاخلاق في رسالته لمالك الاشتر، ويمكن ان نذكر اهم ما جاء به الامام علي (عليه السلام) حول الاخلاق من خلال الاحاديث التالية:- «مَنْ سَاءَ خُلْقُهُ أَعْوَزَهُ اَلصَّدِیقُ وَ اَلرَّفِیقُ» (التميمي، 1931: 9187). «مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ ضَاقَ رِزْقُهُ». (الريشهري، 1998: 1086). «سُوءُ اَلْخُلُقِ شَرُّ قَرِینٍ». (التميمي، 1931: 5567). «سُوءُ اَلْخُلْقِ نَکَدُ اَلْعَیْشِ وَ عَذَابُ اَلنَّفْسِ». (الريشهري، 1998: ص 1085). «سُوءُ اَلْخُلْقِ یُوحِشُ اَلنَّفْسَ وَ یَرْفَعُ اَلْأُنْسَ». (التميمي، 1931: 5640).

کما جاء في رسالة امير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الاشتر الوصية التالية المذكورة في نهج البلاغة: «او أشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطا، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه و صفحه، فإنّك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك! وقد استكفاك أمرهم، وابتلاك بهم» (Jawed، 2006 22).

ومن المتناصات التي وردت في عهد الأشتر والرسالة الخامسة، قوله (عليه السلام): «ولا يكون المحسنُ والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة. والزم كلاً منهم ما ألزم نفسه. وأعلم إنه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظنِّ راعٍ برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المؤونات عليهم، وترك استكراجه إياهم على ما ليس قِبَلَهم «،أما ما جاء في الرسالة الخامسة، فهو: «إن الملك صاحب النظر يجب أن ينظر في استحقاق العاملين، فليعطي كل واحد بقدر حقه، لا أن يعطي أذنه لمن يتوقع أن تفرغ الخزانة، ولا للذي

تمتلئ عينه طمعاً. بل على الحاكم أن يرى العزة بنفسه، ولا يطلع أحداً على الحال، ولا يشجع أحداً أن يكون شفيعاً، فرأي الملك وفائدته، هو أن لا يدع غير المحتاج دائم الصراخ وأن يوفر أسباب مؤونة الناس بدون ذلة، فليس هناك أكبر من هذه الهمة، ولن يجد أكبر منها «(عبده، ه 1885: 88 - 89).

کتب (عليه السلام) إلى أهل مصر - حين ولّى عليهم الأشتر - کتاباً يصف فيه الأشتر بقوله: «أما بعد فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الروع. أشدّ على الفجار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج، فاسمعوا له، وأطيعوا أمره فيما طابق الحق فإنه سيف من سيوف الله لا كليل الظبة، ولا نابي الضريبة، فإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنّه لا يقدم ولا يحجم ولا يؤخر ولا يقدم إلا عن أمري، آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوكم». (الاميني، 1359 ه: 40).

وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في موضع آخر:

((لله در مالك، وما مالك لو كان جبلا لكان فنداً، ولو كان حجراً لكان صلداً، أما والله ليهدن موتك عالماً، وليفر عن عالماً على مثل مالك، فلتبك البواكي وهل موجود کمالك)).

وقال أيضا لما بلغه موت مالك: رحمك الله يا مالك، كان لي مالك کما کنت الرسول الله (صلى الله عليه وعلى اله وسلم) (الشريف المرتضي، 1970: 211).

ومن خلال ما سبق عرضه، يمكن تلخيص اهمية البحث بان معنى الاخلاق لدى امير المؤمنين، ينصب على الانسان الذي يتميز بجملة من الصفات لعل من ابرزها معرفة الاسلام و حسن تطبيقه، والعدالة، والوعي السياسي، والصفات الشخصية

الحميدة. وفي حالة المساس بالشريعة الاسلامية أو ظهور حالة الاستبداد والظلم من قبل الحكام أزاء الأمة وتبديد حقوقها نتيجة ضعف الوعي والأداء السياسي والإداري، فإن الامام يمنح الحق للامة بأفرادها و مجموعها بالتصدي للحكومة واخطائها تجسيداً لحق المعارضة وبصورة تدريجية حتى تصل الى الثورة المسلحة للقضاء على الظلم والطغيان وذلك استناداً الى مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أولاه الامام أهمية متميزة على الصعيدين النظري والعملي.

هدف البحث:-

يهدف البحث الحالي، التعرف على اهم القيم السلوكية والمحددات النفسية في ضوء عهد امير المؤمنين علي (عليه السلام) لمالك الاشتر (رض الله عنه).

حدود البحث:-

يتحدد البحث الحالي بالقيم السلوكية والمحددات النفسية المتضمنة في عهد امير المؤمنين علي (عليه السلام) الى مالك الاشتر (رض الله عنه) اثناء تسليمه ولاية مصر

تحديد المصطلحات:-

1. القيم السلوكية:-

عرفها (الصائغ، 2006):-

يقصد بالقيم السلوكية، ذلك النسق من المعايير التفضيلية للسلوكيات المرغوبة

شرعا وعرفًا، والتي يمكن للتربية نقلها وتنميتها عن طريق التنشئة الاجتماعية والتفاعل في المواقف التعليمية والتي يتجسد عنها عن قناعة ممارسات لفظية وحركية مباشرة وغير مباشرة يمكن وصفها بأنها ممارسات يبرز فيها الخلق الحسن (الصائغ، 2006: 9).

2. المحددات النفسية:-

عرفها (ابو رزق، 2011):

عبارة عن صفات أو خصائص يتميز بها الفرد عن غيره من الأفراد أو تتميز بها جماعة من الجماعات وقد تكون هذه السمة أخلاقية كالكرم أو التعاون أو التسامح أو الصدق، وقد تكون فكرية كالمرونة، أو ثقافية كسعة الأفق، أو شخصية كالانبساط، أو مزاجية كسرعة التقلب في المزاج، أو حركية أو جسمية، مكتسبة أو موروثة، شعورية أو لا شعورية، وقد يعوض الإنسان شعوريا أو لا شعوريا بسمة مناسبة أخرى، و قد تكون السمة سطحية أو عميقة مسيطرة أو بسيطة، و قد تكون متغيرة متحركة ديناميكية أو ثابتة ثبوتا نسبيا (ابو رزق، 2011: 29 - 30).

3. عهد الامام علي (عليه السلام):-

عرفه (الطهراني، 1355 ه):-

هو ذلك العهد الذي ارسله الامام علي (عليه السلام) الى مالك الاشتر (رضي الله عنه) عند توليه ولاية مصر، والذي ينص في كيفية إدارة الدولة وسياسة الحكومة ومراعاة حقوق الشعب وفيه نظريات الإسلام في الحاكم والحكومة ومناهج الدين في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والحرب والإدارة والأُمور العبادية والقضائية (الطهراني، 1355 ه: 362).

4. الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام):-

عرفه (المسعودي، 1916) و (ابن الجوزي، 2005):

أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام الهاشمي القُرشي، ولد في (13 من شهر رجب عام 23 قبل الهجرة الموافق 29 من شهر تموز لسنة 599 م) واستشهد في (21 من شهر رمضان عام 40 ه الموافق 27 من شهر يناير لسنة 661 م) ابن عم محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله نبي الإسلام وصهره، من آل بيته عليهم السلام، وكافله حين توفي والديه وجده، وأحد أصحابه، هو رابع الخلفاء الراشدين عند السنة وأحد العشرة المبشرين بالجنة وأوّل الأئمّة عند الشيعة، ولد في مكة وتشير مصادر التاريخ بأن ولادته كانت في جوف الكعبة، وأُمّه فاطمة بنت أسد الهاشميّة، أسلم قبل الهجرة النبويّة، وهو أول من أسلم . هاجر إلى المدينة المنورة بعد هجرة محمد بثلاثة أيّام وآخاه محمد صلى الله عليه واله مع نفسه حين آخى بين المسلمين، وزوجه ابنته فاطمة (عليها السلام) في السنة الثانية من الهجرة. شارك علي عليه السلام في كل غزوات الرسول صلى الله عليه واله عدا غزوة تبوك، وعُرف بشدّته وبراعته في القتال فكان عاملاً مهماً في نصر المسلمين في مختلف المعارك وابرزها غزوة الخندق ومعركة خيبر. لقد كان علي عليه السلام موضع ثقة الرسول محمد (صلی الله عليه وعلى اله وسلم) فكان أحد كتاب الوحي وأحد أهم سفرائه ووزرائه (المسعودي، 1916: 5)، (ابن الجوزي، 2005: 7).

5. مالك الاشتر ( رضي الله عنه):-

عرفه (الشيخ المفيد، 1993):-

هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي المعروف بالأشتر، أمير كبار

الشجعان، وكان رئيس قومه. يلقب مالك بن الحارث النخعي بألقاب عديدة هي: الأشتر، كبش العراق، والأفعى، لكن لقب الأشتر هو الغالب عليه من بين تلك الألقاب، وقد جاء هذا اللقب على أثر ضربة في معركة على إحدى عينيه فشترت. ويعرف مالك الأشتر بطول قامته وضخامة جثته، كان منظر الأشتر في الحرب يبعث في النفوس الهلع والخوف وهو يرتدي عدّة القتال ممتطياً جواده يتقدم الجيوش، ويرتب الصفوف ويبعث الحمية والنخوة والثقة بالنصر. وكان الأشتر من أصحاب علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وشهد معه الجمل وصفين و مشاهده كلها، وكما قال الإمام (عليه السلام): كان لي كما كنت لرسول الله (صلى الله عليه وآله). (الشيخ المفيد، 1993: 79).

الاطار النظري للبحث:-

للإمام أمير المؤمنين عليه السلام مواهب وعبقريات، ولم تختص ملكاته العلمية بأحكام الشريعة ومعارف الإسلام، وإنما كانت شاملة لجميع أنواع العلوم على اختلافها وتعدد أنواعها، وقد ذكر العقاد في عبقرية الإمام أنه فتق أكثر من ثلاثين علماً، لم يعرفها المسلمون من قبل.

ومن المؤكد أن سعة علوم الإمام وشموليتها لكل علم تتطور به الحياة كانت مستمدة من النبي محمد (صلى الله عليه وآله) فقد أفاض علیه علومه، وغذاه بمكوناته الفكرية، فقال: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)) فهو باب مدينة علم النبي محمد (صلى الله عليه وآله) التي شملت جميع أنواع العلوم التي عرف الناس بعضها وجهلوا الكثير منها. (القرشي، 2004: مصدر انترنت).

وقد قال العقاد عنه في كتابه (عبقرية الامام علي عليه السلام) بان سيرته تخاطب الانسان حيثما اتجه اليه الخطاب البليغ من سير الابطال والعظماء، وتثير فيه اقوى ما

يثيره التاريخ البشري من ضروب العطف وحسن الخلق، وواقع العبرة والتامل. ففي سيرته (عليه السلام) معنى لملتقى العاطفة المشبوبه بالاحساس المتطلع الى الرحمة والاكبار، لانه الشهيد ابو الشهداء، يجري تاريخه وتاريخ ابنائه في سلسلة طويلة من مصارع الجهاد والحكم والعدالة والعلم والخلق الرفيع (العقاد، 1967: 5).

ومن بين العلوم التي انفرد بها الإمام عليه السلام وضعه لأنظمة الحكم والإدارة في عهده الدولي للزعيم مالك الاشتر واليه على مصر، فقد وضع فيه أدق الأنظمة وأهمها إصلاحاً لحياة الإنسان السياسية والاجتماعية، وعالج فيه بصورة موضوعية وشاملة جميع قضايا الحكم والإدارة في مجتمع لم يفقه أي بند من أنظمة الحكم والإدارة، وقد شرع الإمام أروع صور الحضارة، وأبهي ألوان التطور والتقدم الفكري، إن الإنسانية على ما جربت من تجارب وبلغت من رقي وإبداع فيما أسسه لها رجال السياسة والقانون من أنظمة الحكم والإدارة فإنهم لم يأتوا بمثل هذا العهد، ولوكان بعضهم لبعض ظهيراً فقد بلغ من عظيم ما سنه الإمام في عهده أنه أمر الحكام أن يساووا بين جميع طبقات الشعب حتى في اللحظة والنظرة، وقد أقام بذلك أسمى صور العدالة التي ينشدها الإسلام وعلى أي حال فإنا نعرض صوراً من الأنظمة المشرقة التي تملأ النفوس إكباراً وتعظيماً (القرشي، 2004: مصدر انترنت).

فعندما قرّر الامام علي (عليه السلام) إرسال مالك الأشتر إلى مصر ليحميها من سطوة معاوية، كتباً إليه كتاب جاء فيه: (أما بعد فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم وأسد به الثغر المخوف، وقد كنت وليت محمد ابن أبي بکر مصر، فخرجت عليه خوارج..). ضاق معاوية بهذا النبأ؛ وجمع أهل الرأي من أصحابه ليوحدوا رأيهم في هذا الموضوع، فإن تولية الأشتر أهم بكثير من أمر محمد.. وهو بعد لم يغرب عن باله موقفه أمس في صفين وبلاؤه، وتضحيته، وتفانيه في سبيل

الحق.

كما لم تغرب عنه خطبته في ذلك اليوم، وهو على فرس أدهم وقد استعدّ للقتال، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال:

(ثم قد كان مما قضى الله سبحانه وقدّر، أن ساقتنا المقادير إلى أهل هذه البلدة من الأرض، فلقّت بيننا، وبين عدو الله وعدونا فنحن بحمد الله ونعمه ومنه، وفضله، قريرة أعيننا، طيبة أنفسنا، نرجو بقتالهم حسن الثواب، والأمن من العقاب، معنا ابن عم نبينا، وسيف من سيوف الله علي بن أبي طالب، صلى مع رسول الله، لم يسبقه إلى الصلاة ذكر، حتى كان شيخاً لم تكن له حبوة، ولا نَبوة، ولا هفوة، ولا سقطة. فقيه في دين الله تعالى، عالم بحدود الله، ذو رأي أصيل، وصبر جمیل، وعفاف قديم... فاتقوا الله، وعلیکم بالحزم والجد واعلموا أنكم على الحق، وأن القوم على الباطل، إنما تقاتلون معاوية، وأنتم مع البدريين وقريب من مائة بدري سوی من حولكم من أصحاب محمد، أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله، ومع معاوية رايات قد كانت مع المشركين على رسول الله، فما يشك في قتال هؤلاء إلا ميت القلب، أنتم على إحدى الحسنيين: إما الفتح، وإما الشهادة عصمنا الله وإياكم بما عصم به من أطاعه واتقاه، وألهمنا، وإياكم طاعته وتقواه واستغفر الله لي ولكم). (شمس الدين، 1990: 239).

وفي خلال هذا العهد کتب الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر (رض)، الالتزام بحسن الخلق، وهذا يتضح في مقولته:

«ليكن أحبّ الأُمور إليك أوسطها في الحقّ وأعمّها في العدل وأجمعها للرعية فإنّ سخط العامة يجحف برضى الخاصّة وإنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضى العامّة

وليس أحد من الرعيّة أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء وأقلّ له معونة في البلاء وأكره للإنصاف وأسأل بالإلحاف وأقلّ شكراً عند الإعطاء وأبطأ عذراً عند المنع وأضعف صبراً عند ملمّات الأُمور ومن الخاصّة وإنّما عمود الدين وجماع المسلمين والعدّة للأعداء أهل العامّة من الأُمّة فليكن لهم صَغوك واعمد لأعمّ الأُمور منفعة وخيرها عاقبة ولا قوّة إلاّ بالله.

ولیکن أبعد رعيتك منك و أشنأهم عندك أطلبهم لعيوب الناس فإنّ في الناس عيوباً الوالي أحقّ مَن سترها فلا تكشفنّ ما غاب عنك واستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحبّ ستره من رعیّتك. وأطلق عن الناس عقد كلّ حقد واقطع عنك سبب كلّ وتر واقبل العذر وادرأ الحدود بالشبهات. وتغاب عن كلّ ما لا يَضِحُ لك ولا تعجلنّ إلى تصدیق ساع فإنّ الساعي غاشّ وإن تشبّه بالناصحين.

لاتُدخلنّ في مشورتك بخيلا يخذلك عن الفضل ويعدك الفقر ولا جباناً يضعف عليك الأُمور ولا حريصاً يزيّن لك الشره بالجور فإنّ البخل والجور والحرص غرائز شتّی يجمعها سوء الظنّ بالله. وأيقن أنّ شرّ وزرائك من كان للأشرار وزيراً ومن شركهم في الآثام وقام بأُمورهم في عباد الله فلا يكوننّ لك بطانة تُشركهم في أمانتك کما شركوا في سلطان غيرك فأردوهم وأوردهم مصارع السوء (الشيرازي، 1994: 113).

عرض النتائج:-

من خلال ما تم عرضه في الاطار النظري للبحث، يمكن ان تستنتج الباحثتان بان القيم السلوكية والمحددات النفسية لامير المؤمنين علي (عليه السلام) في العهد الذي ارسله لماك الاشتر (رضي الله عنه) تتميز بخصائص لا حصر لها، لكن يمكن ان نذكر منها:

1.

ان العمل الصالح أعظم ذخيرة.

2.

امتلاك الهوى، والشح بالنفس عما لا يحل له، والشح يعني «الإنصاف فيما أحببت وكرهت».

3.

العدل بين الناس جميعاً، فإنهم صنفان: «إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق».

4.

التحذير من سفك الدماء بغير حق.

5.

النهي عن الإعجاب بالنفس، وحب الإطراء.

6.

النهي عن المن على الرعية بالإحسان، أو التزيد في إظهار ما وقع منه بالفعل.

7.

النهي عن الإخلاف في الوعد، بعد الوعد.

8.

النهي عن الاستئثار بما فيه الناس متساوون.

9.

الحلم و تأخير السطوة حتى سكون الغضب ليمتلك الحاكم عندها الاختيار، وقوام ذلك «ذكر المعاد إلى ربك».

10.

تنحية الضيق والاستكبار عن الرعية.

11.

إظهار العذر للرعية، حال ظنها وقوع الظلم عليها من قبل الحاكم.

التوصيات:-

1.

اقامة الندوات والمؤتمرات التي تؤكد على دور الامام علي (عليه السلام) في تنمية الاخلاق الحميدة وتهذيب النفوس من الرذائل.

2.

تضمين المبادی الخلقية التي جاء بها اهل البيت (عليهم السلام) في مقررات الدراسية لطلبة الجامعة، وخاصة في مادتي التربية الاسلامية وحقوق الانسان.

3.

اقامة الملتقيات الطلابية والتي تهدف الى توعية الطلبة بالمضامين الخلقية التي جاء بها اهل البيت (عليهم السلام) من اجل العمل على الاقتداء بها في سلوكهم خلال حياتهم اليومية.

المقترحات:-

1.

اجراء دراسة مماثلة تهدف الى معرفة سبب اختيار الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر في تنصيبه ولاية مصر.

2.

اجراء دراسة تهدف الى معرفة الخصائص السلوكية والعسكرية للوالي مالك الاشتر (رضي الله عنه).

قائمة المصادر

1- المصادر العربية:-

1.

ابن الجوزي، سبط (2005): تذکرة الخواص المعروف بتذكرة خواص الأمة في خصائص الأئمة، المجلد الأول، دار الكتب العلمية - بيروت البنان.

2.

ابو جوهر، محمد امین (2010): العدالة الاجتماعية في نهج الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، مجلة افاق الحضارة الاسلامية، العدد (14)، شمارة، ایران، ص (75 - 94).

3.

ابو رزق، محمد مصطفی (2011): السمات الشخصية المميزة لذوي صعوبات التعلم وعلاقتها بالانتباه وبعض المتغيرات، رسالة ماجستير منشورة، كلية التربية، الجامعة الاسلامية - غزة.

4.

الأميني، محمد هادي (1359 ه): ترجمه أعلام نهج البلاغة، ترجمة أبو القاسم أمامي، طهران، ایران.

5.

التميميي، عبد الواحد محمد (1931): شرح غررالحکم و درر الكلم، للإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ترجمة مكتبة الروضة الحيدرية، مطبعة العرفان، صیدا.

6.

الريشهري، محمد (1998): میزان الحكمة، الجزء الثالث، دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع، قم، ایران.

7.

سوادي، فليح (2010): عهد الخليفة الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى وليه على مصر مالك الاشتر (رضوان الله عليه)، العتبة العلوية المقدسة، الطبعة الاولى، النجف الاشرف.

8.

الشريف المرتضي علي بن الحسين (1970): نهج البلاغه من كلام امير المؤمنين علي بن ابي طالب، مركز الأبحاث العقائدية، تحقيق الشيخ فارس الحسون، النجف الاشرف.

9.

شمس الدين، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي أبو عبد الله (1990): تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والاعلام، وذيله، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، طرابلس الشام، سوريا.

10.

الشيخ المفيد، عبدالله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (1993): الاختصاص، الطبعة الثانية، مصادر الحديث الشيعية - القسم العام، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة، ایران.

11.

الشيرازي، السيد محمد رضا (2013): الإمام علي (عليه السلام) التفوق المطلق والشخصية الجامعة، الطبعة الاولى، مؤسسة الفقيه الشيرازي الثقافية، العراق - كربلاء المقدسة.

12.

الشيرازي، مرتضى الحسيني (1994): السبيل الى انهاض المسلمين، الحوزة العلمية الزينبية، دمشق، سوريا.

13.

الصائغ، عبد الرحمن يحيی حیدر (2006): دور المعلم في تنمية القيم الخلقية لدى المرحلة الثانوية، رسالة ماجستير منشورة، كلية التربية، جامعة الملك سعود.

14.

الطهراني، الشيخ آقا بزرك (1355 ه): الذّريعة إلى تصانيف الشّيعة، الجزء الثالث، دار الاضواء، قم، ایران.

15.

العايد، عبد الرحمن بن عايد (2005): فضل حسن الخلق، دار الكتب،

الكويت.

16.

عبده، محمد (1885 ه): شرح نهج البلاغة للامام علي ابن ابي طالب (عليه السلام)، الطبعة الادارية، بیروت، لبنان.

17.

العذاري، السيد شهاب الدين الحسيني (1992): ملامح المنهج التربوي عند اهل البيت (عليهم السلام)، سلسلة المعارف الاسلامية، دار الرسالة، العدد (42)، بيروت، لبنان.

18.

العقاد، عباس محمود (1997): عبقرية الامام علي (عليه السلام)، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.

19.

القرشي، سماحة اية الله الشيخ باقر شريف (رحمه الله) (2004): شرح العهد الدولي للإمام علي (عليه السلام) لواليه مالك الأشتر على مصر، في رحاب نهج البلاغة، موقع انترنت، - http://arabic.balaghah.net/con tent/%D8%B4%D8%B1%D8%AD.

20.

القرطبي، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري (1992): الاستيعاب في معرفة الأصحاب، الجزء الرابع، دار الجيل، بیروت.

21.

المالكي، صبيح مزعل جابر، والعباسي، عماد الدين عبد الرزاق (2014): التناص بين عهد الإمام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر والرسالة الخامسة (في نصيحة الملوك) لسعدي الشيرازي، مجلة جامعة بابل للعلوم الانسانية، العدد (2)، المجلد (22)، ص (286 - 312).

22. المسعودي، ابو الحسن علي بن الحسين (1916): مروج الذهب و معادن الجوهر - عربي - فرنسي، الجزء الثاني، مطبعة باريس للنشر والتوزيع، فرنسا.

2- المصادر الاجنبية:-

Jawads Firas Abdul-Munim (2006) A Pragmatic Analysis of Illocutionary Speech Acts in Standard Arabic with a Special Ref erence to Al-Ashter's 'Epistle”. Babylon University (College of Education /Safi yil Deen Alhilli

القيم الاجتماعية المستوحاة من رسالة اميرالمؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر رضوان الله عليه

اشارة

أ. م. د. عمر عبدالله نجم الدين الكيلاني جامعة ديالى / كلية التربية للعلوم الانسانية قسم علوم القران

م. د. نور نظام الدين نجم الدين الكيلاني جامعة بغداد / كلية التربية ابن رشد قسم علوم القران

المقدمة

أما بعد حمد الله الذي جعل الحمد ثمناً لنعمائه، ومَعاذاً من بلائه، ووسيلاً إلى جِنانه، وسبباً لزيادة إحسانه. والصلاة على رسوله نبيّ الرحمة، وإمام الائمة، وسراج الامة، المنتخب من طينة الكرم، وسلالة المجد الاقدم، ومَغرِس الفخار المُعرِق، وفرع العَلاء المثمر المورق. وعلى أهل بيته مصابيح الظُّلم، صلّى الله عليهم أجمعين.

للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مواهب وعبقريات، ولم تختص ملكاته العلمية بأحكام الشريعة ومعارف الإسلام، وإنما كانت شاملة لجميع أنواع العلوم على اختلافها وتعدد أنواعها، وقد ذكر العقاد في عبقرية الإمام أنه فتق أكثر من ثلاثين علماً، لم يعرفها المسلمون من قبل. ومن المؤكد أن سعة علوم امير المؤمنين (عليه السلام) وشموليتها لكل علم تتطور به الحياة كانت مستمدة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد أفاض علیه علومه، و غذاه بمكوناته الفكرية، فقال: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) فهو باب مدينة علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن بين العلوم التي انفرد بها امير المؤمنين (عليه السلام) وضعه لأنظمة الحكم والإدارة في عهده الدولي للزعيم مالك الاشتر واليه على مصر، فقد وضع فيه أدق الأنظمة وأهمها إصلاحاً لحياة الإنسان السياسية والاجتماعية، وعالج فيه بصورة موضوعية وشاملة جميع قضايا الحكم والإدارة في مجتمع لم يفقه أي بند من أنظمة الحكم والإدارة، وقد شرع (عليه السلام) أروع صور الحضارة، وأبهي ألوان التطور والتقدم الفكري، إن الإنسانية على ما جربت من تجارب و بلغت من رقي وإبداع فيما أسسه لها رجال السياسة والقانون من أنظمة الحكم والإدارة فإنهم لم يأتوا بمثل هذا العهد، ولوكان بعضهم لبعض ظهيراً فقد بلغ من عظيم ماسنه (عليه السلام) في عهده أنه أمر الحكام أن يساووا بين جميع طبقات الشعب حتى في اللحظة والنظرة،

وقد أقام بذلك أسمى صور العدالة التي ينشدها الإسلام وعلى أي حال فإنا نعرض صوراً من الأنظمة المشرقة التي تملأ النفوس إكباراً وتعظيماً.

مفهوم القيم الاجتماعية

القيم الاجتماعية هي الخصائص أو الصفات المرغوب فيها من الجماعة والتي تحددها الثقافة القائمة مثل التسامح والحق والقوة وهي أداة اجتماعية للحفاظ على النظام الاجتماعي والاستقرار بالمجتمع. لغة القيمة هي القدر والمنزلة والقيم الاجتماعية هي الخصائص أو الصفات المرغوب فيها من الجماعة وتوجه سلوكهم، وهي التي تخبرهم الفرق بين الحلال والحرام أو الصحيح والخطأ والجيد والسيء والتي تحددها الثقافة القائمة مثل التسامح والحق والعدل والامانة والجرأة والتعاون والإيثار والقوة وهي أداة اجتماعية للحفاظ على النظام الاجتماعي والاستقرار بالمجتمع (1).

ان أهمية القيم في أنها أولا تحثنا على القيام بأوامر ديننا الإسلامي قولا وعملا، ويعد معیار مهم نحدد من خلالها ما هو مرغوب وغير مرغوب، وهي تساهم في تحقيق الأهداف السامية لكل منا، تمثل الهوية الصادقة التي يحملها كل إنسان بداخله، وهي التي تتحكم بردود أفعالنا اللاإرادية (2).

رسالة علي بن ابي طالب (عليه السلام) إلى مالك الأشتر أو عهد علي بن أبي طالب للأشتر هي الرسالة التي أرسالها علي بن ابي طالب (عليه السلام) إلى مالك بن الاشتر النخعي عندما ولاه الحكم في مصر. فهي عهد في كيفية إدارة الدولة وسياسة الحكومة ومراعاة حقوق الشعب وفيه نظريات الإسلام في الحاكم والحكومة ومناهج الدين في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والحرب والإدارة والأُمور العبادية والقضائية (3).

القيمة الاجتماعية في وصية علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر

أول شيء أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) به مالكاً الأشتر، الذي عيّنه والياً له على مصر، أن يكون محبَّاً للرعية، محترماً لمشاعر الناس من أي فئة كانوا، سواء كانوا مسلمين أم من أهل الأديان الأخرى. ولا يخفى أن في ذلك تثبيتاً لإنسانية الإسلام واحترامه لمشاعر الناس، وتقوية لبنية النظام والحكومة. ومن القيم الاجتماعية التي تضمنتها هذه الوصية ما يلي:

القيمة الاولى: التقوى

قال (عليه السلام): «أمره بتقوى الله وإيثار طاعته ما أمر به في كتابه: من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها، وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه، فإنه جلَّ اسمه قد تكفَّل بنصر من نصره وإعزاز من اعزه» (4).

لا يخفى على احد ما جاء في كتاب الله تعالى من الآيات التي تحث المسلمين على (التقوی) حيث ذكرت في القرآن الكريم (258) مرة، وقد أمر الله عز وجل بها عباده عامة وأمر بها المؤمنين خاصة كما في قوله تعالى: (یُنَزِّلُ الْمَلائِکَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلی مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ) (5). ووصية الأنبياء القومهم: (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ) (6).

فالتقوى هي جعل النفس في وقاية مما يخاف وحفظها عما يؤذيها ويضرها وهي مخافة الله في السر والعلن وفي الخمول والنشاط وفي الغني والفقر وفي المحبة والكراهية وفي القوة والضعف وهي العمل بما انزل الله في كتابه وجاء به نبيه وهي الرضا والقبول

بقضاء الله وقدره وهي جمع الزاد للقائه والاستعداد لليوم الآخر وهي أن تجعل بينك وبين الله حائل واق من عقابه فهي الإسلام وإتباع أوامره واجتناب نواهيه فهي التي تمنع الفقير من السرقة إذا قصد بها تقوى الله وهي التي تمنع الغني من الكبر وهي التي تمنع القوي من البطش وهي التي تمنع المسؤول من الظلم والتي تجعل الحاكم حنونا على شعبة يسهر لأجلهم ويحرص على أمنهم وهي التي تجعل رجل الأمن يسهر الليل حفاظا على النائمين والتي تمنع الموظف من أخذ الرشوة ...... إلخ (7).

إن المتأمل لكتاب الله ليرى أن التقوى ما وردت إلا لجلب الخير في الدنيا والآخرة فهي طريق الفلاح والنجاح وفي إهمالها تقع المصائب والمحن وتقع العقوبات الإلهية ففيها مخرج من كل ضيق وهي مجلبة للرزق ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، نری من تعريفها أنها تصنع المعجزات فهي دعوة للإخلاص ودعوة للنجاح ودعوة للتفاؤل ودعوة لنهوض الأمة الإسلامية.

والتقوی لیست شعارات وأقوال براقة بل هي ترجمة عملية لما وقر في القلب من إيران وخوف من الله عز وجل فكم من مدعي للتقوى ليس له منها نصیب، کیف تكون التقوى عند تجار يستغلون حاجة الناس ويمارسون الاحتكار وترى الغش في بضاعتهم والغبن الفاحش للناس من غير قناعة ولا رضا بالرزق.

وثمار التقوى هي (8):

• تجلب محبة الله ورضاه.

• الفوز بالجنة والنجاة من النار.

• سبب للرزق الكريم.

• الحصول على محبة الناس.

• التكافل الاجتماعي والمحبة والتآخي بين أفراد المجتمع.

• تحسين الوضع الاقتصادي والجذب السياحي إذا ما صارت سمة للمجتمع.

• سبب للحصول على العلم.

• الحصول على النور الذي يفصل بين الحق والباطل.

• جلب السعادة والانتصارات والفتوحات.

• الاستقامة على دين الله والثبات عليه.

• الذرية الصالحة وحفظ النفس والعرض والمال.

وان للتقوى مقياس بالقلب يأتي من ثمار العمل فلا بد من الحفاظ عليه وزيادته وشكر الله عليه فما من خير يصيبك إلا من الله عز وجل.

القيمة الثانية: كبح الشهوات

قال (عليه السلام): «وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ويزعها عند الجمحات، فإنَّ النفس أمارةٌ بالسوء إلا ما رحم الله» (9).

فقد أكد الإمام (عليه السلام) على السيطرة على نزعات النفس وكفها ومنازعاتها إلى شهواتها و مآربها.

القيمة الثالثة: العمل الصالح

قال (عليه السلام): «فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح» (10). هذه المثل العليا في سياسة الإمام (عليه السلام) فقد أكد فيها على ضرورة العمل الصالح.

فالعمل الصالح هو العمل المرضي عند الله تعالى، ومنزلة العمل الصالح في الإسلام منزلة عظيمة، ومرتبته مرتبة عالية، والله جل جلاله وصف عباده المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح، فكل موضع يُذكر فيه الإيمان يكون مقرونًا بالعمل الصالح، ذلكم أن الإيمان المتجرد من الأعمال الصالحة لا يغني عن صاحبه شيئاً (11).

قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَیَرَی اللَّهُ عَمَلَکُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَی عَالِمِ الْغَیْبِ وَالشَّهَادَهِ فَیُنَبِّئُکُمْ بِمَا کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (12).

القيمة الرابعة: الرحمة والمحبة

قال (عليه السلام): «واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم» (13).

قال تعالى: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (14). وقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (15).

أول شيء أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) به مالكاً الأشتر، الذي عيّنه والياً له على مصر، أن يكون محبَّاً للرعية، محترماً لمشاعر الناس من أي فئة كانوا، سواء كانوا مسلمين أم من أهل الأديان الأخرى. ولا يخفى أن في ذلك تثبيتاً لإنسانية الإسلام واحترامه لمشاعر الناس، وتقوية لبنية النظام والحكومة (16).

القيمة الخامسة: الاخوة والانسانية

قال (عليه السلام): «فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق» (17).

اعتمدت الرسالة في الأمم المتحدة كونها من أوائل الرسائل الحقوقية والتي تحدد الحقوق الواجبات بين الدولة والشعب؛ هذا العهد وصل إلى أذن الأمين العام للأُمم المتحدة عبر زوجته السويدية، وقد قال الأمين العام للأمم المتحدة: إنّ هذه العبارة من العهد يجب أن تعلّق على كلّ المؤسسات الحقوقية في العالم، والعبارة هي: «...، فإنّهم صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق»، وهذه العبارة جعلت كوفي عنان ينادي بأن تدرس الأجهزة الحقوقية والقانونية عهد الإمام مالك الأشتر، وترشيحه لكي يكون أحد مصادر التشريع للقانون الدولي، وبعد مداولات استمرّت

لمدّة سنتين في الأمم المتحدة صوّتت غالبية دول العالم على كون عهد علي بن أبي طالب لمالك الأشتر كأحد مصادر التشريع للقانون الدولي وقد تمّ بعد ذلك إضافة فقرات أُخرى من نهج البلاغة غير عهد علي بن أبي طالب لمالك الأشتر کمصادر للقانون الدولي (18).

القيمة السادسة: العفو والتسامح

قال (عليه السلام): «فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه و صفحه» (19).

ثمَّ أوصاه الإمام (عليه السلام) أن يعفو ويصفح عمَّن أساء واجترأ عليه، أو على خاصته.

القيمة السابعة: التواضع ونبذ التكبر

قال (عليه السلام): «وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهةً أو مخيلةً فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك» (20).

التواضع صفة محمودة تدل على طهارة النفس وتدعو إلى المودة والمحبة والمساواة بين الناس وينشر الترابط بينهم ويمحو الحسد والبغض والكراهية من قلوب الناس وفوق هذا كله فإن التواضع يؤدي إلى رضا المولى سبحانه وتعالى قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله وقال (صلى الله عليه واله وسلم): (مَن تواضع لله رفعه الله).

والتواضع يكون مع الله ومع رسوله ومع الخلق أجمعين فالمسلم يتواضع مع الله بأن يتقبل دينه ويخضع له سبحانه وتعالى ولا يجادل ولا يعترض على أوامر

الله برأيه أو هواه ويتواضع مع رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) بأن يتمسك بسنته وهديه، فيقتدي به في أدب وطاعة ودون مخالفة لأوامره ونواهيه والمسلم يتواضع مع الخلق بألا يتكبر عليهم وأن يعرف حقوقهم ويؤديها إليهم مهما كانت درجتهم وأن يعود إلى الحق ويرضى به مهما كان مصدره والتواضع من أبرز أخلاق الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) (21).

القيمة الثامنة: العدل

قال (عليه السلام): «أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوی من رعیتك» (22).

ثمَّ دعاه إلى أن لا يميّز بين القريب والبعيد في عطاءاته من بيت المال؛ لأنَّ المسلمين سواءٌ في تناول الحقوق المالية من بيت المال، وقد عانى الناس من التمييز في العطاء أثناء العهد السابق، فكان ذلك من الأسباب التي دعتهم إلى الثورة على عثمان بن عفان (23).

ثمَّ ذكّره بأن يكون هدفه وغايته إقامة العدل، وإحياء الحق، الغاية والهدف الذي من أجله أُرسل الأنبياء والرسل، حتى ينعم الناس بالعدالة والمساواة، فبالعدل فقط تقوم الأنظمة وتستمر، ويصير للحياة مفهومها ومعناها. أما الحياة في ظل حاکمٍ ظالم، فهي بمثابة السجن، قال تعالى: (عليه السلام): «وليكن أحب الأمور عليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية» (24).

القيمة التاسعة: الابتعاد عن سوء الظن

قال (عليه السلام): «واعلم أنه ليس شيءٌ بأدعى إلى حسن ظنِّ راعٍ برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المؤونات عليهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس قبلهم فليكن منك في ذلك أمر يجتمع به حسن الظن برعيتك، فإنَّ حسن الطن يقطع عنك نصباً طويلاً، وإنَّ أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده. وإنَّ أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده» (25).

الإسلام دين يدعو إلى حسن الظن بالناس والابتعاد كل البعد عن سوء الظن بهم؛ لأن سرائر الناس ودواخلهم لا يعلمها إلا الله تعالى وحده، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) (26).

وليس أريح لقلب العبد في هذه الحياة ولا أسعد لنفسه من حسن الظن، فبه يسلم من أذى الخواطر المقلقة التي تؤذي النفس، وتكدر البال، وتتعب الجسد.

القيمة العاشرة: الصدق

قال (عليه السلام): «وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب» (27).

يعدّ الصّدق من أشرف الفضائل النفسيّة الإنسانيّة، فهو بذرة صالحة تُغرس في نفس الإنسان فتقتلع الصفات السيّئة لتثمر ثقة الناس بنا، فهو تأسیس لأخلاق حميدة حسنة تكون كمصباح يدّل على طريق الحقّ لا نتعثّر باجتيازه مهما كان وعراً، فهو كلّ الطمأنينة والمنجاة، لما له من آثارٍ جليلة في حياة الفرد والمجتمع أيضاً. الصّدق هو النّطق بالحقّ بعد اعتقاده، وإرسائه على الواقع، والعمل به، والمتّصف بالصّدق يُشار إلى أخلاقه العظيمة وبساطته الفطريّة. والصدق هو طريق النجاح والنّصر، ونافذة المقامات العليا، وبوابة المنزلة الرّفيعة، وهو كلّ المواقف الخالية من التصنّع والتكلّف والحِيَل (28).

الخاتمة

يعد هذا الاستعراض المختصر لمضامين القيم الاجتماعية لعهد امير المؤمنين الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر وانتهى هذا العهد الذي يمثل العدل في السياسة والحكم بجميع رحابه ومكوناته وهو من هجرية، اخلفته الإنسانية من تراث عالج فيه قضايا الحكم والإدارة بمنتهى الحكمة والدقة، في وقت لم يكن فيه المسلمون وغيرهم يعرفوا هذه الأنظمة الخلاقة وهي جزء من مواهب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وعبقرياته التي لا تحد و حسبه علواً أنه وصی رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وباب مدينة علمه، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسی.

وان هذا العهد يعد من أروع التشريعات التي سنت للعلاقة بين الحاكم والمحكومين، من هنا قررت الامم المتحدة في بداية الالفية الجديدة توصية عالمية من قبل ((كوفي عنان)) للأنظمة في العالم بالاخذ به لما ورد فيه من قيم ومثل تؤسس للعدالة الانسانية، والمساواة، والتوزيع العادل للثروة، والرأفة بالمجتمع، وتنظيم العلاقات الحكومية.

الهوامش

1.

الشيخ محمّد السند، بحوث معاصرة في الساحة الدولية، 364 - 363.

2.

محمد عابد الجابري، نظام القيم في الثقافة العربية، مجلة فكر ونقد العدد 19 دار النشر المغربية الدار البيضاء 1999.

3.

طه عبد الرحمان الحق العربي في الاختلاف الفلسفي ط 2، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء المغرب 2006، ص 68.

4.

نهج البلاغة، علي بن ابي طالب (عليه السلام)، ضبط نصه صبحي الصالح، ط 1، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ص 149.

5.

سورة النحل، الآية: 2.

6.

سورة الشعراء، الآية: 106.

7.

علم الاجتماع في نهج البلاغة، هاشم ناصر المحنك، دار انباء للطباعة والنشر، النجف الاشرف، العراق، ص 39.

8.

شرح نهج البلاغة، ابن ابي حديد، ط 2، دار الجيل، بیروت، 1966، ج 17، ص 122.

9.

نهج البلاغة، ص 149.

10.

نهج البلاغة، ص 149.

11.

اخلاقيات العدالة في عهد امیر، ص 149.

12.

سورة التوبة، الآية: 105.

13.

نهج البلاغة، ص 149.

14.

سورة ال عمران، الآية: 159.

15.

سورة الأنبياء، الآية: 107.

16.

الراعي والرعية والحاكم والمحكوم في عهد الامام علي - عليه السلام لمالك الأشتر، صباح محسن کاظم، 2010، ص 81.

17.

نهج البلاغة، ص 150.

18.

رسالة علي بن أبي طالب إلى مالك الأشتر / https://ar.wikipedia.org/wiki.

19.

نهج البلاغة، ص 150.

20.

نهج البلاغة، ص 150.

21.

التواضع من محاسن الأخلاق الإسلامية، أحمد الخاني، ط 1، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، 1981، ص 178.

22.

نهج البلاغة، ص 150.

23.

اخلاقيات العدالة في عهد امير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر النجعي، هاشم حسين ناصر المحنك، جامعة الكوفة، النجف الاشرف، العراق، 1990، ص 115.

24.

نهج البلاغة، ص 150.

25.

نهج البلاغة، ص 151.

26.

سورة الحجرات، الآية: 12.

27.

نهج البلاغة، ص 154.

28.

البراهين الاحمدية، مرزا علام احمد القادياني، ترجمة: عبد المجيد عامر، ط 1، الشركة الاسلامية المحدودة، 2013، ص 127.

المصادر

• القرآن الكريم
1.

اخلاقيات العدالة في عهد امير المؤمنين الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر النجعي، هاشم حسين ناصر المحنك، جامعة الكوفة، النجف الاشرف، العراق، 1990.

2.

بحوث معاصرة في الساحة الدولية، الشيخ محمّد السند، بحوث معاصرة في الساحة الدولية.

3.

البراهين الاحمدية، مرزا غلام احمد القادياني، ترجمة: عبد المجيد عامر، ط 1، الشركة الاسلامية المحدودة، 2013.

4.

التواضع من محاسن الأخلاق الإسلامية، أحمد الخاني، ط 1، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، 1981.

5.

الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، طه عبد الرحمان، ط 2، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء المغرب 2006.

6.

الراعي والرعية والحاكم والمحكوم في عهد الامام علي - عليه السلام لمالك الأشتر، صباح محسن کاظم، 2010.

7.

شرح نهج البلاغة، ابن ابي حديد، ط 2، دار الجيل، بیروت، 1966.

8.

علم الاجتماع في نهج البلاغة، هاشم ناصر المحنك، دار انباء للطباعة والنشر، النجف الاشرف، العراق.

9.

نظام القيم في الثقافة العربية، محمد عابد الجابري، مجلة فكر ونقد العدد 19 دار النشر المغربية الدار البيضاء 1999.

10.

نهج البلاغة، على بن ابي طالب (عليه السلام)، ضبط نصه صبحي الصالح، ط 1، دار الكتاب اللبناني، بيروت.

11. رسالة علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك الأشتر / https://ar.wikipedia.org/wiki

الطبقات الاجتماعية في فكر الإمام علي (عليه السلام) - الفقراء انموذجاً - قراءة في نصوص العهد الى مالك الاشتر (رضوان الله عليه)

اشارة

أ. م. د. وسيم عبود عطيه أ. م. د. أحمد بهاء عبد الرزاق كلية التربية للبنات / جامعة الكوفة

المقدمة

حينما قسّم الامام علي (عليه السلام) المجتمع إلى طبقات فهذا لا يعني أبداً انه يريد ایجاد تمایز وفوارق طبقية في المجتمع، لأنه من الواضح والمعلوم لدينا أن مبدأ التمايز في الاسلام وفي نهج الإمام (عليه السلام) بين الناس هو التقوى، وهو المثل الاعلى في الحياة الانسانية.

اعترف الاسلام کما اعترف الامام علي (عليه السلام) بالطبقات الاجتماعية - الفئات - القائمة على اساس اقتصادي او مهني او عليهما معاً، وذلك لأن وجودها ضرورة لا غني عنها ولذا قال (عليه السلام): ((واعلم ان الرعية طبقات لا يصلح بعضها الا ببعض، ولا غنى لبعضها عن بعض))، فالتقسيم الطبقي الذي ذكره (عليه السلام) يُقدم بالدرجة الاولى على الوظيفة الاجتماعية التي تؤديها كل طبقة، ولا يستتبع حكماً تقويمياً على الشخص المنتسب الى طبقة ما يجعله في القمة او ينحدر به الى اسفل السلم الاجتماعي.

وفي هذا العهد قسّم (عليه السلام) المجتمع إلى سبعة طبقات كان في أدناها طبقة اهل المسكنة والحاجة ((الفقراء))، حيث وضع (عليه السلام) الدولة أمام مسؤوليتها تجاههم لأنهم اذا لم يجدوا العناية منها ينحرف قويها الى طريق الجريمة، ويموت ضعيفها جوعاً، فلا بد من تدبير يدفع البؤس عن افرادها والذي أرسى (عليه السلام) دعائمه وهو مبدأ التكافل او الضمان الاجتماعي.

وضع الامام (عليه السلام) حلولاً استراتيجية لمكافحة الفقر والقضاء عليه ومنها الالتزام باتباع حكمة الله في الكون، والاولوية للاعمار والتنمية والاستثمار في البنية التحتية، وترشيد الانفاق، والتوازن بين الريف والحضر في التخطيط الاقتصادي، والالتزام بمعايير موضوعية للمسؤولين الاقتصاديين، وتكريس مبدأ المسألة والمحاسبة وتنشيط حركة الاموال والغاء الاكتناز، والمرونة في الضرائب، وتوفير الحريات، ومحاربة كافة عوامل الفقر.

المبحث الأول مفهوم الطبقات الاجتماعية

تتألف كافة المجتمعات الانسانية من طبقات و مراتب، غالیاً ما تكون مركبة ومتداخلة يندمج فيها الافراد والاسر، ومن خلالها يمكن التمييز وبدقة بين طبقات اجتماعية وفئات کبری من الناس والاسر التي تبدو وكأنها: «زمر مغلقة نسبياً ذات منزلة متفاوتة» (1)، ويعتبر اعضاء كل طبقة انفسهم، كما يعتبرون من قبل الفئات الاخرى وكأنهم يتمتعون بقيمة متساوية نسبياً وبتفوق مشترك في علاقاتهم مع الفئات الاخرى، وفي الوقت نفسه تشكل كل طبقة فئة مغلقة نسبياً، فالانتقال من طبقة الى اخرى صعب دون ان يكون مستحيلاً، اذ ليس لاعضاء طبقة ما الا احتمالات ضئيلة لبلوغ مستوى طبقة اعلى، على حين ان المخاطر قليلة عند الهبوط الى طبقة ادنی (2).

واختلفت المفاهيم في مدلول اصطلاح الطبقة الاجتماعية، فبحسب المفهوم التقليدي: ينظر اليها على انها مجموعة من الافراد تتميز عن غيرها في مدى ما تتمتع به من نعم مادية بسبب وفرة ما لديها من اموال، سواء نتيجة ملكية (وراثة) أو عمل (جهد) (3).

أما المفهوم الماركسي فإنه أكد على انها مجموعة من الافراد تجمعهم بصفة خاصة مرکزهم من ملكية وسائل الانتاج ودورهم في العمل الاجتماعي، وترتبط اما بعلاقات عدائية عندما تحصل طبقة على نصيب من الثروة الاجتماعية على حساب طبقة اخرى كالعلاقة بين ملاك وسائل الانتاج (البرجوازيين) والعمال (البروليتاريا)، وأما بعلاقات غير عدائية وتكون بين طبقات غير مستغلة لطبقات اخرى كالعلاقة بين العمل والفلاحين، ولا يعتبر العداء بين الطبقات في نظر الماركسيين شراً محضاً بل هو من حتميات التطور الاجتماعي وأهم دوافعه من اجل ان تحل طبقة العمال محل الطبقة البرجوازية وهو مرحلة الانتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية (4).

رفض الاسلام المفهوم التقليدي من حيث تقسيمه المجتمع الى طبقات متميزة بسبب المال، او المفهوم الماركسي في تصوره للطبقات الاجتماعية او تغذيته للصراع بینهما، واعتبر ان المثل الاعلى للحياة هو التقوى كعامل تمييز بين الناس في الاسلام (5)، والتي تتمثل في صورتها الروحانية المثلى في تعمير الكون وتنمية الحياة، ذلك ان الانسان هو خليفة الله في أرضه: «إني جاعلٌ في الارض خلیفة» (6)، وانه تعالى سخّر له كل شيء: «وسخّر لکم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه» (7)، فيجب ان يرتفع الى مستوى هذه الخلافة بأن يعمر الدنيا ويحييها ويسخر طاقاتها لخدمته حامداً الله، إكمالا لقوله تعالى: «هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها» (8)، وهو يباشر ذلك كله باسم الله سبحانه، ذاكراً إياه في كل لحظة مسبحاً بحمده شاكراً فضله، خاشياً غضبه وانتقامه ملتمساً رضاه وتوفيقه (9)، وصدق الله العظيم حينما قال: «ما خلقت الجن والانس الا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما اريد ان يطعمون، ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين» (10).

والتقوى في الاسلام هو الايمان المقرون بالعمل الصالح: «ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات، اولئك هم خير البرية» (11)، فهي نهج واسلوب في الحياة أساسه العمل النافع المقرون بالاحساس بالله تعالى وابتغاء وجهه (12)، وصدق الله العظيم حينما قال: «لكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات» (13).

ونظر الامام علي (عليه السلام) الى التقوى وذكر انها الفضيلة في أرفع معانيها وأجل صورها (14)، وكذلك بذل المال لمن أعوزه على حب الله تعالى، فلا امتنان على المعطي ولا افضال (15)، فيقول (عليه السلام): «فإن تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كل ملکه، ونجاة من كل هلكة، بها ينجح الطالب، وينجو الهارب، وتنال الرغائب، فأعملوا والعمل يرفع، والتوبة تنفع، والدعاء يسمع ...» (16).

ووعي (عليه السلام) الى أمر صيانة المجتمع من اخطار التفاوت الطبقي لايتم الا من خلال الاصلاح الاقتصادي الذي بدوره يعد أساساً للاصلاح الاجتماعي، فكان السبيل الى ذلك عن طريق المساواة الانسانية للجميع «فيما الناس فيه أسوة» (17)، فالمساواة عند الإمام (عليه السلام): «ليست شعاراً يرفع ولا كلمة تقال بل هي جهد يبذل وعمل يعمل ومفهوم يطبق في المجتمع تطبيقاً جاداً بلا مفاوتة بين انسان وآخر وبلا ترخص لأنسان دون انسان» (18).

جعل الإمام (عليه السلام) دستور سياسته في المساواة كلمة قصيرة الصياغة بعيدة الدلالة تهدف للاصلاح واعادة بناء الانسان فيقول: «الناس أما اخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق» (19)، فشعاره (عليه السلام) كان المساواة بين جميع الناس وإن تباينوا في الأديان واختلفوا في العناصر والالوان مساواة ميسرة قاصدة بغير تقصیر سمحه بغير مبالاة، نسبية بغير اطلاق تتعايش في الممكن المتاح (20).

برزت في رؤية الامام علي (عليه السلام) المساواة في التمكن من أسباب العيش والعمل والرفاه في الانسان بغض النظر عن أي انتماء حيث كانت فكرته ان: «الناس في المعاش أسوة» (21)، وكان دائما يردد قائلاً: «ان الناس عندنا في الحق أسوة» (22).

ساوی (علیه السلام) بين القريب والبعيد في الحقوق والغي التفاوت الطبقي الذي كان سائداً آنذاك، وهذه الحقيقة تطرق اليها أحد الباحثين بقوله: «ان السنوات الخمس والعشرين التي سبقت البيعة لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) قد شهدت نمواً سرطانياً لأسوء أقتصاد اقطاعي - رأسمالي في أقاليم الوطن الأسلامي الحديث النشأة، وظهور الطبقية بأسوء صورها في الحياة» (23)، ولذلك كانت اولى قراراته (عليه السلام) بعد توليه الخلافة هو رد الاموال العامة للشعب ومنعه للاثراء غير المشروع إذ يقول: «ان في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل

فالجور عليه أضيق» (24).

عمل الامام (عليه السلام) على اتخاذ الاجراءات التي أكد من خلالها على المساواة بين المسلمين في الثروات والغاء سياسة التفاضل المالي، اذ كان يقول: «... إلا وایما رجل من المهاجرين والانصار من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يرى ان الفضل له على من سواه لصحبته فإن الفضل النير غداً عند الله وثوابه واجره على الله ... والمال مال الله يقسم بینکم بالسوية، لافضل فيه لاحد على أحد...» (25).

أظهر قرار الامام (عليه السلام) في العدول عن تمييز الناس في العطاء والعودة الى نظام المساواة انقلاباً اجتماعياً بكل ما تعنيه هذه الكلمة من دلالات، وكان رد فعل الاغنياء وفي مقدمتهم قبيلة قريش وأبناؤهم ضد الإمام (عليه السلام) هو بداية الثورة المضادة ضد حكمه (26).

حاول (عليه السلام) بأسلوب المساواة العادلة القضاء على الفقر المدقع الذي كان بجنب الثراء الفاحش في المجتمع آنذاك، ومن هذا البعد فإن: «الناس غير متساوین في الضرائب اذ لا تؤخذ الضريبة الا من الموسر دون المعوز» (27).

ركز الإمام (عليه السلام) على ضرورة المساواة بين الناس في الرعاية، وفي معاملة ولاتهم والمشرفين على ادارة شؤونهم، فقد أوصى في عهده الى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر -، وبيّن له كيفية التعامل مع الناس من ابناء الامة بقوله: «فأخفض لهم جناحك وألن لهم جنابك، وأبسط لهم وجهك، و آس بينهم في اللحظة والنظرة حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم» (28).

المبحث الثاني الطبقات الاجتماعية في فكر الامام علي (عليه السلام) من خلال بنود عهده الى مالك الاشتر

اعترف الامام علي (عليه السلام) بالطبقات الاجتماعية القائمة على أساس اقتصادي أو مهني أو عليهما معاً، وذلك لأن وجود هذه الطبقات ضرورة لا غنی عنها في المجتمع، ولذا قال (عليه السلام): «واعلم ان الرعية طبقات لايصلح بعضها الا ببعض، ولا غنی لبعضها عن بعض» (29).

كان التقسيم الطبقي الذي ذكره (عليه السلام) يقوم بالدرجة الاولى على الوظيفة الاجتماعية التي تؤديها كل طبقة، ولا يستتبع حكماً تقويمياً على الشخص المنتسب الى طبقة ما يجعله في القمة أو ينحدر به الى أسفل السلم الاجتماعي، ولا يحدد قيمة الشخص الاجتماعية (30).

اذاً فترتيب الطبقات في التقسيم لا يعني ترتيبها في القيمة، فالإمام (عليه السلام) لم يراع قيمة كل طبقة حين قدمها واخرها، وانما راعي الخدمات الاجتماعية التي تقوم بها، أما القيمة فلا تقاس الا بالتقوى (31).

قسّم الامام (عليه السلام) فئات المجتمع الى طبقات تسع هي: (جنود الله، کتاب العامة والخاصة، قضاة العدل، عمال الانصاف والرفق، اهل الجزية... من اهل الذمة، والخراج ... من مسلمة الامة، التجار، أهل الصناعات، الطبقة السفلى من ذوي الحاجات والمسكنة) (32).

• الطبقة الاولى: وهم القوات المسلحة، أي الجيش الذي يحافظ على الكيان السياسي والاجتماعي، ويدافع عن الثغور من الاعداء، ويقوم بالعمليات

الجهادية من فتح للبلدان أو حفظ الامن العام (33)، وهذه الطبقة من المجتمع ذکرها (عليه السلام) في مواضع مختلفة نظراً لأهمية موقعیته في الدولة والمجتمع بصورة عامة، وصيانة أمن البلاد والمحافظة على الارواح، وهم هيبة الدولة والسلطان، فاهتم بنوعية قيادتهم، وعالج مسألة أسلوب تعبئة هذه القوات (34)، حيث يقول (عليه السلام): «فقدموا الدارع واخروا الخاسر وعضوا على الاضراس... والتؤوا في أطراف الرماح، فإنه أمور للأسنة، وغضوا الابصار، فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب، وأميتوا الاصوات، فإنه أطرد للفشل، ورايتكم فلا تميلوها ولا تخلوها ولا تجعلوها الا بإيدي شجعانكم» (35).

أطلق (عليه السلام) على الجند بالدرع الحصين لأن الأمة تتستر به في المواقع الخطيرة التي يتعرض فيها الوطن الى الاعتداء او السلب والنهب، فقال فيهم (عليه السلام): «فالجنود بإذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبل الامن، وليس تقوم الرعية الا بهم، ثم لا قوام للجنود الا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم ويعتمدون عليه فيما يصلحهم» (36).

يعطي (عليه السلام) أهمية لوجود الجند في الدرع الواقي من الاعداء، و به تتحصن الامة خوفاً من الفتك او سلب الممتلكات او ازهاق الأرواح، فهم (زين الولاة) أي انهم للوالي او الحاكم زين وما يزدان به بحيث يشعر بالمهابة والافتخار و علو الهامة (37)، وهم (عز الدين) لأن بهم يمكن الذود عن حمى المسلمين والدفاع عن مبادئ الدين (38)، و (سبل الامن) فهم القوة الصائنة التي يكون فيها حفظ الامن والنظام في البلد، وتكون حياة الناس ومصائرهم محفوظة من الاخطار والاستغلال، والمجتمع لا يقوم الا بهؤلاء المدافعين عن كيان الامة (39).

ويؤكد(عليه السلام) على بذل الاموال للجيش لكي يكون جاهزا وكاملاً

ومسلحاً، وبدون المال لا يكون هنالك جيش قوي ولا سلطة رصينة تحفظ المجتمع وتصونه «ثم لا قوام للجنود الا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم» (40).

• الطبقة الثانية: كتاب الدولة، وهم أركان الجهاز الاداري الذين منهم تتوزع بقية السلطات، وقد يطلق عليهم لقب الوزير أو رئيس الديوان، فهم الايدي المتحركة للحاكم في ادارة البلد، والإمام (عليه السلام) يحذر من اتخاذ الكتاب الذين لا يحفظون الاسرار ويتجرؤون على الوالي فينزلوا منزلته امام الناس، ولا فکر صائب لديهم ولا نباهة وحذاقه في معرفة الامور، قليلي الخبرة والتجربة في عقد الصفقات والمعاملات (41)، وتتداخل في مسألة اختيار الكتاب عدة امور مهمة نظراً لحساسية الموقع وأثره، لذا فإنه (عليه السلام) حذّر من الجوانب السلبية في الاختيار فيقول: «ثم لا يكن اختيارك اياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك، فإن الرجال يتعرضون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم، وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شيء» (43)

. ويضيف (عليه السلام) حول الكتاب وحسن اختيارهم: «ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فأعمد لأحسنهم كان في العامة أثراً واعرفهم بالامانة وجهاً، فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره» (43)، فيجب اختيار اهل التجربة والمعرفة بما تولوا قبل ذلك من اعمال وكانت جهودهم مشكورة واعمالهم حسنة وسيرتهم جيدة» (44).

ويدعو (عليه السلام) الى تقسيم العمل بحسب القدرة والطاقة لمن يقوم بهذه الاعمال، ويطلب ان يجعل لكل ادارة معينة مختصة في جانب من جوانب الدولة رجلاً يشرف عليها ليس فوقه احديقهره ويتأثر به اثناء عمله غير الوالي نفسه «واجعل

لرأس كل امر من امورك رأساً منهم لايقهره كبيرها ولا يشتت عليه كثيرها ومهما كان في كتابك من عيب فتفابیت عنه الزمته» (45).

• الطبقة الثالثة: القضاء، وهو منصب حساس ومؤثر به پنشر العدل والسلام ويمحى الظلم من المجتمع، ولهذا اهتم (عليه السلام) بأمر القضاء لأنه العمود الذي يتكئ عليه کیان المجتمع ويحفظه من الجرائم المتنوعة والتجاوزات اللامشروعة (46)، ففي مخاطبته لمالك الاشتر يقول: «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الامور ولا تمحکه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر من الفيء الى الحق اذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع ...» (47).

فالامام (عليه السلام) يشخص أهم الصفات الواجب توفرها في القاضي ومنها:

1.

أفضل الناس من الرعية يعرفه الوالي وقد خبره بذلك.

2.

لا تعسر به الامور.

3.

لا تجعله المخاصمة لجوجاً مصراً على رأيه، واذا شعر بخطأ حكمه رجع وعاد دون أن تأخذه العزة بالاثم.

4.

ولا تشفق نفسه، وتخاف من فوق المنافع والمصالح.

5.

أن يكون قادراً على اصدار الحكم النهائي بعد التأمل والمراجعة والتدقيق.

6.

الوقف على الشبهات.

7.

لا يضجر أو يتملل أثناء الخصومة.

8.

بعد اتضاح الامور يجب ان يكون صارماً في اصدار الحكم.

9.

لا يؤثر عليه اطراء او مدح.

10. يقف على حكمة العادل ولا يؤثر عليه تحريض او اغراء (48).

• الطبقة الرابعة: الجهاز الإداري للدولة، وهناك طائفة جديدة من تشکیلا الدولة صنفها الإمام (عليه السلام)، وهم رؤساء الهياكل الرئيسية لإدارة البلد، واطلق عليهم العمال، وهم بمثابة المحافظين ورؤساء الدوائر العامة في البلد والمشرفين على الاعمال الادارية، منهم طبقة واسعة من المجتمع ولهم نفوذ سياسي واداري واجتماعي (49)، وقد قال فيهم (عليه السلام) «ثم انظر في امور عمالك فاستعملهم اختباراً، ولا تولهم محاباة وأثرة فإنهما جماعٌ من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من اهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام المتقدمة، فإنهم أكرم اخلاقاً وأصح اعراضاً وأقل في المطامع اشراقاً وأبلغ في عواقب الأمور نظراً» (50).

ويضع (عليه السلام) بعض الضوابط الرئيسية لاختيار العمال منها:

1.

ان يكون من اهل التجربة والمقدرة الذين امتحنوا في الاعمال الاخرى.

2.

ان يكون من اهل الحياء والسمعة الطيبة.

3.

أن يكونوا من اهل السبق والقدم في الاسلام (51).

ووازن (عليه السلام) بين الجانب المعيشي لعمال الولايات من الضرورات التي لابد منها لاشباع حاجاتهم المادية وحتى لا تغريهم الدنيا او تبعث في نفوسهم السير والاندفاع باتجاه الشهوات لسد الرغبات الجامحة ولذا ذکر (عليه السلام): «ثم أسبغ عليهم الارزاق فإن ذلك قوةً لهم على استصلاح انفسهم وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم وحجة عليهم ان خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك» (53).

وحتى يبتعد العمال عن الرشوة والمفاسد الاخرى التي هي أساس الانحلال الاداري وخراب المجتمع «... أمره بإسباغ الارزاق عليهم، فإن الجائع لا امانة

له، ولأن الحجة تكون لازمة لهم ان خانوا، لأنهم قد كفوا مؤنة انفسهم وأهليهم بما فرض لهم من الارزاق» (53).

ويوصي (عليه السلام) بتفقد ومراقبة العمال بدقة ببث العيون والمفتشين الذين يتحرون الاعمال بحذق وصرامة، ويبحثون عن الاعمال المخفية والتي سببها الطمع المادي «ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من اهل الصدق والوفاء عليهم، فأن تعاهدك في السر لأمورهم حدوه لهم على استعمال الامانة والرفق بالرعية...» (54).

• الطبقة الخامسة: التجار وذوي الصناعات الحرفية، تشكل هذه الطبقة وحدة اجتماعية عظيمة الاهمية بعيدة الاثر في الكيان الاجتماعي (55)، وقد قال فيهم (عليه السلام): «واستوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيراً المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه، فإنهم مواد المنافع، وأسباب المرافق، وجلابها من المباعد والمطارح في برك وبحرك وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها، ولا يجترئون عليها، فإنهم سلم لا تخاف بائقته، وصلح لا تخشى غائلته» (56)، فالامام (عليه السلام) يوصي عامله بأن يعمل مع التجار وذوي الصناعات الخير وان يوصي غيره من امرائه وعماله ان يعملوا معهم الخير، ثم يقسم (عليه السلام) الموصى بهم ثلاث أقسام اثنان منها للتجار، وهما المقيم والمسافر ممن يضرب السير بالارض، وواحد لأرباب الصناعات (57).

ويفصح (عليه السلام) بجلاء عن الدور المهم لمهنتي التجارة والصناعة، وعدهما عماد الحياة الاقتصادية بقوله: «ولا قوام لهم جميعاً الا بالتجار وذوي الصناعات...» (58)، فبوجود طبقة التجار يتم اقامة الاسواق وتوفير البضائع

التي تحتاج اليها الرعية دون الحاجة الى السفر وتكبد المشاق والصعاب (59) فكان (عليه السلام) يرمي من التوصية بهذه الشريحة الاجتماعية الى تقديم الدعم المالي والفني لتسهيل مهمتهم في نقل احتياجات المجتمع من سلع وبضائع على مختلف انواعها، مما يكون له الاثر البالغ بما يخدم الصالح العام من خلال اعتماد اقتصاد متكامل في ميادين التجارة والصناعة (60).

ويواصل (عليه السلام) توصياته فيما يخص هذه الشريحة المهمة بالمجتمع الاسلامي بقوله: «وتفقد امورهم بحضرتك، وفي حواشي بلادك، واعلم ان في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً، واحتكاراً للمنافع، وتحكماً في البياعات، وذلك باب معزة للعامة، وعيباً على الولاة، فامنع من الاحتكار ...» (61).

وهنا ينبه (عليه السلام) على أهم واجبات الولاة تجاه التجار، من خلال تأكیده على تفقد امورهم في حاضر البلد واطرافه، باعتبارهم ادوات جلب المنافع (السلع)، لتحقيق الرُقي الاقتصادي (62).

ومن جانب آخر أكد (عليه السلام) على مراقبة الاسعار والحيلولة دون ارتفاعها لأن ذلك يثقل كاهل عامة الناس، وفي هذا يقول (عليه السلام): «وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع» (63)، فإن حدث ما يؤدي الى غلاء الاسعار فلابد من اتخاذ الاجراءات اللازمة لمواجهة هذا الغلاء من قبل اولي الامر سعياً لجعل السعر المتعارف عليه قائماً وفق حركة السوق السائدة من خلال قوی العرض والطلب (64).

وتماشياً مع ما جاء في بنود العهد الذي ذكر انه قد يكون في كثير منهم نوع من البخل والشح فيدعوهم ذلك إلى الاحتكار في الاقوات، مما يضر بالمصلحة العامة

فأمره قائلاً: «فأمنع من الاحتكار فإن رسول الله -ص- منع منه، وليكن البيع بيعاً سمحاً...» (65).

فالاحتكار من الامور المحظورة في الاسلام (66)، وهو الادخار للمبيع وطلب الربح بتقلب الأسعار (67)، ولهذا اعتبره (عليه السلام) عيباً على الولاة، لأنه يحدث نتيجة تقصيرهم في أداء مهامهم ومباشرتهم لأحوال الرعية (68).

والزم (علیه السلام) الولاة والعمال بمعاقبة المحتكرين من التجار والتنكيل بهم حتى يكونوا عبرة لكل من ينوي سلوك هذا المسلك المستقل (69)، ونبّه أيضاً على عدم الاسراف والمبالغة في العقوبة قائلاً: «فمن قارف حكره بعد نهيك اياه فنكل به وعاقبه من غير اسراف» (70).

• الطبقة السادسة: أهل الذمة، تتضح سماحة الإمام (عليه السلام) ورفقه وانصافه في جباية الاموال من أهل الذمة وحماية اموالهم من عبث الولاة والجباة (71)، فكانت تؤخذ الجزية في كل سنة مرة واحدة ويفضل ان تكون في موعد جني الغلات الزراعية (72)، وكان (عليه السلام) يأخذ من صاحب المسال مسالاً، ومن صاحب الابر ابراً، ومن صاحب الحبال حبالاً (73)، فهو يأخذ هذه الامتعة منهم بما يساوي قيمتها المفروضة عليهم کجزية، وذلك في سبيل التخفيف عنهم والرفق بهم (74)، فمن وجبت عليه ومات أو أسلم قبل أن يدفعها فلا تؤخذ من تركته ولا يطالب بها ورثته (75).

المبحث الثالث الفقر من منظور الامام علي (عليه السلام):

يعرف الفقر بأنه الحاجة، يقال انسان فقير أي محتاج، قليل الزاد والمال والمتاع (76)، فالفقير عند العرب: المحتاج، وبه فسر قوله تعالى: «أنتم الفقراء الى الله »(77)، أي المحتاجون اليه في بقائکم وكل أحوالكم (78). ويقال في الفاقة: إنه لمفتاق، وانه لذو فاقه. وفي الحاجة: انه لمحتاج، وانه لذو حاجة (79)، وانه لفي قتر من عيشه وقترة، أي ضيق (80).

والافلاس: یکنی (أبا عمرة) ففي أحد أبيات الشعر:

كل أبو عمرة وسط حجرتي *** وحل نسج العنكبوت برمتي (81)

والفقر والعيلة والعالة والخصاصة والاملاق، والعدم والحاجة، والفاقة والمسكنة والمتربة هي واحد (82).

ووردت كلمة الفقر ومشتقاتها في القرآن الكريم في ثلاثة عشر موضعاً موزعة على عشر سور بعضها مكي والآخر مدني، وهذه الآيات بعضها حث على الر والاحسان للفقراء، وتبين انهم اولى الناس بالصدقات، وبعضها الاخر حذر من سلوك طريق الشيطان واتباعه حيث يعد اتباعه بالفقر ويأمرهم بالفحشاء (83)، فالفقراء يستحقون التكفل والنفقة بنص القرآن، قال تعالى: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها...» (84)، وفي معرض تفسيره لهذه الاية يفرق الامام الصادق (علیه السلام) بين الفقير والمسكين والبائس بقوله تعالى: «الفقير الذي لا يسأل الناس، والمسكين أجهد منه، والبائس أجهدهم» (85).

كان الإمام علي (عليه السلام) واعياً لمشكلة الفقر فهو القائل: ((ان الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء اقوات الفقراء، فما جاع فقير الا بما متع به غني، والله تعالى سائلهم عن ذلك)) (86)، ولهذا اعتبره الامام علي (عليه السلام) بمثابة ((الموت الاكبر)) (87)، وكذلك كان الامام علي (عليه السلام) یکره الفقر ويستعيذ بالله منه، ويأمر الناس بالاستعاذة بالله منه، وينعته بأقبح النعوت، فقال (عليه السلام): ((الغني في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة)) (88)، ومن أقواله (عليه السلام): ((الا وان من البلاء الفاقة، وأشد من الفاقة مرض البدن، وأشد من مرض البدن مرض القلب، الا وان من النعم سعة المال، وافضل من سعة المال صحة البدن، وافضل من صحة البدن تقوى القلب)) (89).

وحاول الامام علي (عليه السلام) انقاذ الافراد من الفقر واخطاره لأنه يؤدي بالانسان الى الكفر والخيانة والذل وعدم نصرة الحق، وكل هذه الامور هي منقصة للدين، وقد ذكرها الامام في وصيته لأبنه محمد بن الحنفية: ((يا بني إني أخاف عليك الفقر، فأستعذ بالله منه، فإن الفقر منقصة للدين)) (90).

واستقراءً للاوضاع الاجتماعية في عصر الامام (عليه السلام) فإنّ ظاهرة الفقر كانت منتشرة وبحاجة إلى علاج اجتماعي جذري، فكان يقول (عليه السلام): ((.. ولكن هيهات ان أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي الى تخير الاطعمة - ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى واكباد حرّی...)) (91)، وهو القائل أيضاً: ((اضرب بطرفك حيث شئت من الناس، فهل تبصر الا فقيرا يكابد فقراً، أو غنياً بدل نعمة الله كفراً)) (92).

وأوصى الامام علي (عليه السلام) بالفقراء وبحسن التعامل معهم، فهو يقول لأبنائه: ((الله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم)) (93)، ومن

وصيته (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام): ((واذا وجدت من اهل الفاقة من يحمل لك زادك الى يوم القيامة فيوافيك به غدا حيث تحتاج اليه فاغتنمه و حمله اياه، واكثر من تزويده وانت قادر عليه، فلعلك تطلبه فلا تجده ...)) (94).

ويحدد الامام علي (عليه السلام) الاثار السلبية للفقر اذ يقول: ((الفقر سواد الوجه في الدارين)) (95)، وان ((من قلّ ذل)) (96)، وأشد خطورة من ذاك التأثير النفسي على الانسان فهو: ((مذهلة للنفس مدهشة للعقل جالب للهموم)) (97)، و ((من ابتلي بالفقر فقد ابتلي بأربع خصال: بالضعف من يقينه، والنقصان في عقله، والدقة في دينه، وقلة الحياء في وجهه، فتعوذ بالله من الفقر)) (98)، ويقول (عليه السلام): ((أهلك الناس اثنان خوف الفقر وطلب الفخر)) (99).

ولهذا دعى الامام علي (عليه السلام) ان الانسان الفقير: ((الجائع المستغل المحروم المصفد بالاغلال لا يستطيع ان يكون فاضلاً، وان من اللغوان يوعظ بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب، وان انساناً کهذا ينقلب کافرة بالقيم والفضائل، وان معدته الخاوية وجسده المعذب ومجتمعه الكافر بإنسانيته المتنكر له وشعوره بالاستغلال وميسم الضعة الذي يلاحقه انی کان، هذه كلها تجعله لصاً وسفاحاً وعدواً للانسانية التي لم تعترف له بحقه في الحياة الكريمة)) (100).

المبحث الرابع الفقر أسبابه وسبل مكافحته لدى الامام علي (عليه السلام) (من خلال بنود العهد الى مالك الاشتر)

ان الفقر والغنى مشكلة اجتماعية خطيرة تؤدي الى تفاوت طبقي خطير بين فئات المجتمع الاسلامي يقوم على أساس تقويم الناس بحسب كفايتهم وقدراتهم العلمية والاخلاقية وغيرها (101)، وللإمام (عليه السلام) وصف دقيق لأحوال الناس في زمانه يقول فيه: «فرُبَّ دائبٍ مضيع، ورُبَّ کادحٍ خاسر، وقد أصبحتم في زمنٍ لا يزداد الخير فيه إلا إدباراً، ولا الشر فيه الا إقبالاً، ولا الشيطان في هلاك الناس إلا طمعاً إضرب بطرفك حيث شئت من الناس، فهل تبصر الا فقيراً يكابد فقراً، أو غنياً بدّل نعمة الله كفراً، أو بخيلاً أتخذ البخل بحق الله وفراً أين أخياركم وصُلحائكم وأحرارکم وسُحاؤكم؟ وأين المتورعون في مكاسبهم، والمتنزهون في مذاهبهم؟» (102)

هنالك أسباب كثيرة تخلق الفقر وتزيد نسبة الفقراء في المجتمع بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل موجبات ارتفاع الاسعار وظاهرة الغلاء، وقد عالج الامام علي (عليه السلام) تلك الظواهر المسببة للفقر، ووجد ان من بين اهم تلك الظواهر والعوامل هي الملكية العامة للدولة اذ اطلق (عليه السلام) للناس حرياتهم واعطاهم مطلق الحق في ان يزرعوا ما شاءوا من الاراضي لأنها ملك عام وليس خاص (103).

ومن مسببات الفقر أيضا الاحتكار والذي يقصد به حبس الطعام او كل ما له علاقة بحاجات الناس حتى يرتفع ثمنه وفي هذا الصدد أكد الامام (عليه السلام) في عهده الى مالك الاشتر «فامنع من الاحتكار، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منع منه، وليكن البيع سمحاً بموازین عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع» (104)، كما ان الاسراف والتبذير في منظور الامام علي (عليه السلام) يعد عاملاً اساسياً من عوامل

الفقر، وفي هذا الصدد يقول (عليه السلام): «التبذير عنوان الفاقة» (105)، ويقول (عليه السلام) : «من افتخر بالتبذير احتقر بالافلاس» (106).

شدد الامام علي (عليه السلام) في كتابه الى مالك الاشتر برعاية المحرومين و «أهل البؤس» بقوله (عليه السلام) «ثم اذكر الله الله يا مالك في الطبقة السفلي من الذين لا حيلة لهم» (107) ويقصد الإمام (عليه السلام) المساكين والمحرومين والمحتاجين ومن اسكنه الفقر من الحركة، فلا يتحرك كما يتحرك الاغنياء.

«واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم واجعل لهم قسماً من بيت مالك» (108) أي طلب سبحانه منك الحفظ من حقه تعالى فيهم أي في اهل المسكنة والحفظ بادارة شؤونهم وتفقد احوالهم والقيام بحوائجهم، وتخصيص مورداً لهم من بیت المال الذي يجمع من الخراج والزكاة والجزية وغيرها من الموارد الاخرى. «وقسماً من غلات صوافي الاسلام فإن للاقصى منهم مثل الذي للادنی» (109) والغلات جمع غلة وهي الثمرة كالحنطة والشعير، وصوافي الاسلام جمع صافية، وهي أرض الغنيمة التي اغتنمها المسلمون بإسم الاسلام، ويؤكد الإمام (عليه السلام) بضرورة مراعاة العدالة في التوزيع بين الناس وان يراعي حقهم قريباً كان أم بعيداً (110).

ويستدرج الإمام (عليه السلام) في كتابه بالقول: «فلا يشغلنك عنهم بطر فأنك لا تعذر بتضييعك التافه لأحكامك الكثير المهم فلا تشخص همّك عنهم، وتفقّد امور من لا يصلك اليك منهم ممن تقتحمة العيون و تحقره الرجال ...» (111) وهنا ينبه الإمام (عليه السلام) بضرورة الاهتمام بالرعية والفقراء، لأنه ومن المعروف ان الحكام دائما ينشغلون عن تتبع احوال الرعية ولا يعتنون بهم (112)، وهنا يشدد (عليه السلام) على ضرورة ملاحظة شؤون الفقراء والمساكين.

ليس هذا فحسب وانما وجّه الامام علي (عليه السلام) جميع عماله على ضرورة التواضع كي لا يتكبروا عن رعايتهم والبحث عنهم في الخرائب و الخانات وما أشبه، فإذا وجدوهم وجب عليهم تقديم العون لهم واعطائهم حقوقهم التي أوجبها الله سبحانه وتعالى على الحاكم (113).

وكان الامام علي (عليه السلام) قد كتب الى مالك الاشتر ما مضمونه «لاينبغي لنفسك او لقرابتك او لاصحابك امتیازاً فيما هو ملك للناس وهم متساوون فيه، وما کسبه الناس من الحلال فهو لهم، «هذا الامام الذي يتحدث هكذا يقول في موضع اخر ما مضمونه «من كان يملك الارض والماء ثم افتقر، فهو بعيد عن رحمة الله» (114).

سعى الامام علي (عليه السلام) للتعامل مع مشكلة الفقر والعمل على وضع الحلول الناجعة والجذرية لها من اجل استئصال هذه المشكلة من المجتمع البشري فكان يقول (عليه السلام): ((أربعة من قواصم الظهر، فقر لا يجد صاحبه له موادياً ...)) (115)، وكانت أساليب التعامل والمعالجة هذه المشكلة تتركز أبعادها على ما يأتي:

1. الجانب الديني: يرفض الامام علي (عليه السلام) أي دعوة لتبرير الفقر استناداً الى قدر الله، أو كون الفقر الحال الاكثر انسجاماً مع رؤية الاسلام وفلسفته للحياة، بل ان الامام يؤكد ان تحقيق الضمان الاجتماعي لإزالة الفقر هو جزء مهم من أسباب الدعوة الاسلامية ككل (116)، وعلى هذا الأساس أتبع الامام علي (عليه السلام) الدعاء كأحد الأساليب لإزالة أية شائبة في العقل تجمع بين الاسلام والفقر، اذ يدعوا (عليه السلام) قائلاً: ((اللهم انا نعوذبك من الشرك وهواديه، والظلم ودواهيه والفقر ودواعيه)) (117)، ومن جانب يؤكد الإمام (عليه السلام) ان الاختبار الحقيقي لمدى تمسك الفرد بمبادئ الاسلام هو اسهامه الفاعل في تحقيق الضمان ضد الفقر إذ كان يقول: ((اختبروا شيعتي بخصلتين: المحافظة على اوقات الصلاة، والمواساة لإخوانهم

بالمال)) (118). وجعل الإمام (عليه السلام) من تخفيف معاناة الفقراء واجب ديني، فقال: ارحموا ضعفاءكم واطلبوا الرحمة من الله بالرحمة لهم)) (119).

2. الجانب السياسي: يحمل الامام علي (عليه السلام) الحكومة والدولة مسؤولية ايقاف تيار الفقر المتنامي في المجتمع من خلال اسلوب کسر ارادة الشرفاء في أية مجتمع، فقد رد على من أشار عليه بتولية طلحة والزبير مدينتي الكوفة والبصرة قائلاً: ((ويحك ان العراقيين بهما الرجال والاموال ومتي تملكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع ويضربا الضعيف بالبلاء ويقويا على القوي بالسلطان)) (120)، ويشخص كذلك حالة الاسراف للحاكم وأعوانه والابتعاد عن تطلعات وامال الفقراء من خلال حديثه لأحد ولاته المسرفين: ((دع الاسراف مقتصداً واذكر في اليوم غداً، وامسك من المال بقدر ضرورتك وقدم الفضل ليوم حاجتك...)) (121).

ويحث الامام علي (عليه السلام) على قيام الدولة بالقضاء على الفقر من خلال اعادة توزيع الثروات في المجتمع حيث يقول: ((اضرب بطرفك حيث شئت من الناس فهل تبصر إلا فقيراً يكابد فقراً أو غنياً بدل نعمة الله كفراً أو بخيلاً اتخذ البخل بحق الله وفراً أو متمرداً كان بإذنه عن سمع المواعظ وقراً)) (122).

3. الجانب الاقتصادي: يذكر الامام علي (عليه السلام) ان وجود الفقر المدقع بجانب الثراء الفاحش يدل على عدم قيام المجتمع الاسلامي الحقيقي، لذلك ذكر: ((انكم في زمان ... اهله معكوفون على العصيان لا يعظم صغيرهم كبيرهم ولا يعول غنيهم فقيرهم)) (123)، ولهذا اعتبر الإمام (عليه السلام) سوء توزيع الموارد والثروات داخل المجتمع هو احد الاسباب المباشرة لمشكلة الفقر فكان يذكر: ((ان الله فرض على أغنياء الناس في اموالهم قدر الذي يسع فقرائهم فإن ضاع الفقير أو اجهد أو عُري... وان الله عز وجل محاسب الاغنياء في ذلك يوم القيامة ومعذبهم

عذاباً اليما)) (125)، ويدعو الإمام (عليه السلام) الى العدالة في التوزيع: ((إياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عن عما تعنی به مما قد وضح للعيون، فأنت مأخوذ منك لغيرك)) (125).

وحرص الإمام (عليه السلام) على ايجاد مجتمع متكافل متوازن تسوده المحبة، ونلمس هذا من خلال التوجيهات السامية التي وجهها إلى ولاته في الامصار يقول: ((فمن اتاه الله مالاً فليصل به القرابة وليحسن منه الضيافة وليفك به الاسير والعاني، وليعط منه الفقير والغارم)) (126).

4. الجانب الاجتماعي: يوصي الإمام (عليه السلام) اولاده بالانفتاح على الفقراء والتخفيف من الامهم وسلوكهم إذ يعزو ذلك الى الفقر وليس الى الفقراء فيقول: ((العسر يشين الاخلاق ويوحش الرفاق)) (127)، ويدعو الامام للبحث عن جوهر الفقراء فكان يقول: ((إذ أقبلت الدنيا على أحدٍ أعارته محاسن غيره، واذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه)) (128).

ويسبر الامام أغوار النفس الإنسانية قائلاً: ((أربع هي مطلوبات الناس في الدنيا: الغني والدعة وقلة الاهتمام والعز، فأما الغني: فموجود في القناعة، فمن طلبه في كثرة المال لم يجده، واما الدعة: فموجودة في خفة المحمل فمن طلبها في ثقله لم يجدها، وأما قلة الاهتمام: فموجودة في قلة الشغل فمن طلبها في كثرته لم يجدها، وأما العز فموجود في خدمة الخالق فمن طلبه في خدمة المخلوق لم يجده)) (129).

ويوجه الإمام (عليه السلام) حديثه بعد ذلك الى أبناء المجتمع، ويبين لهم اعتزازه بكرامتهم الانسانية إذ يقول: ((استغن عمن شئت فأنت نظيره، وافتقر الى من شئت فأنت أسيره)) (130).

الخاتمة

1.

اعترف الامام علي (عليه السلام) بالطبقات الاجتماعية القائمة على أساس اقتصادي أو مهني أو عليهما معاً، وذلك لأن وجود هذه الطبقات ضرورة لا غنى عنها في المجتمع.

2.

كان التقسيم الطبقي الذي ذكره (عليه السلام) يقوم بالدرجة الاولى على الوظيفة الاجتماعية التي تؤديها كل طبقة، ولا يستتبع حكماً تقويمياً على الشخص المنتسب الى طبقة ما يجعله في القمة أو ينحدر به الى أسفل السلم الاجتماعي، ولا يحدد قيمة الشخص الاجتماعية

3.

غزارة الوعي الاقتصادي للإمام علي (عليه السلام)، النابع من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، بما انتهجه من أقوال وتطبيقات ظهرت جلياً على أرض الواقع أثناء حكومته في مدينة الكوفة.

4.

وضع نظام مناسب للضمان الاجتماعي من قبل الدولة لإعانة المساكين والفقراء والمحتاجين، وادق الصور الانسانية وحفظ كرامة الانسان.

5.

التشجيع على التكافل الاجتماعي وبعده الاجتماعي الاقتصادي، والبناء النفسي الرصين من خلاله، والذي يكمل الضمان الاجتماعي التي تسهم به الدولة، فاعتبره واجب على المجتمع وبالذات المتمكنين منهم مادياً لاعانة الاخرين.

6.

اتباع العدالة في توزيع اموال المسلمين، وبما يتناسب وحقوق الانسان وكرامته، والحيلولة دون الاستغلال لها، والعدالة في التوزيع تلغي أية ثغرة بين المسلمين الحصولهم عليها.

7.

للعامل الاقتصادي الدور الفاعل والمؤثر مع العوامل الاخرى في المجتمع، وهو أحد العوامل التي تسهم في تكوين وبناء المجتمع وتماسكه، وهو مرهون باتجاه

المنهج الانساني المخطط له على مستوى الفرد والجامعات، والتوجه بالاقتصاد التنموي لاتجاهات المجتمع والحضارة الانسانية وتقدمها والحيلولة دون ان يكون مسبباً للجشع وخسارة الانسان.

8. عالج الامام علي (عليه السلام) موضوع في غاية الحساسية الا وهو الطبقية والطبقات الاجتماعية، وما لها من خصوصيات وعموميات المعالجات والانسيابية وآلية الاصلاح والتضامن، وهو ما لا تتضمنه مختلف الايديولوجيات الحديثة ما المبنية على الصراعات الطبقية والعبودية وامتهان الانسان وانسانيته، وهي دللت في نهاية المطاف على فشلها التطبيقي وصعود طبقة على حساب الاخرى، وهو ما يخالف الاتجاهات الاسلامية بالاصلاح التضامني التكاملي بين الطبقات الاجتماعية لتحقيق العدالة والمساواة.

هوامش ومصادر البحث:

1.

لاروك: الطبقات الاجتماعية، ص 5.

2.

المصدر نفسه والصفحة.

3.

الفنجري: الاسلام وعدالة التوزيع، ص 364

4.

نصر: تطور النظام الاقتصادي، ص 435 - 436.

5.

شمس الدين: دراسات في نهج البلاغة، ص 37؛ الفنجري: الاسلام، ص 365.

6.

سورة البقرة: آية 30.

7.

سورة الجاثية: آية 13.

8.

سورة هود: آية 61.

9.

الفنجري: ذاتية السياسة الاقتصادية الاسلامية، ص 52.

10.

سورة الذاريات: آية 56.

11.

سورة البينة: آية 7.

12.

الفنجري: ذاتية، ص 56.

13.

سورة البقرة: آية 148.

14.

شمس الدين : دراسات، ص 42.

15.

المصدر نفسه والصفحة.

16.

الامام علي (عليه السلام): نهج البلاغة، ص 228.

17.

المصدر نفسه، ص 571.

18.

((جعفر: فلسفة الحكم عند الامام، ص 8.

19.

((الامام علي (عليه السلام): نهج البلاغة، ص 547.

20.

((السعد: حقوق الانسان عند الامام علي، ص 84.

21.

جرداق: علي صوت العدالة الانسانية، ص 192.

22.

الامام علي (عليه السلام): نهج البلاغة، ص 594.

23.

محمد: المعارضة السياسية في تجربة امير المؤمنين (عليه السلام)، ص 46.

24.

الريشهري: موسوعة الامام علي بن ابي طالب، 120/4

25.

المصدر نفسه، 106/4-107

26.

السعد: حقوق الانسان، ص 92.

27.

جرداق: علي صوت العدالة الانسانية، ص 367؛ السعد: حقوق الانسان، ص 94.

28.

الامام علي (عليه السلام): نهج البلاغة، ص 77.

29.

ابن ابي الحديد: شرح نهج البلاغة، ص 49/17.

30.

شمس الدين: دراسات، ص 62.

31.

مركز نون للتأليف والترجمة: دراسات في نهج البلاغة، ص 155.

32.

ابن ابي الحديد: شرح، 17 / 49؛ شمس الدین: دراسات، ص 64.

33.

الزبيدي: في الفكر الاجتماعي عند الامام علي (عليه السلام)، ص 211.

34.

المصدر نفسه، ص 212.

35.

الامام علي(عليه السلام): نهج البلاغة، ص 182.

36.

ابن ابي الحديد : شرح، 17/ 57.

37.

الزبيدي: في الفكر الاجتماعي، ص 213.

38.

المصدر نفسه والصفحة

39.

المصدر نفسه، ص 214 - 215.

40.

ابن ابي الحديد: شرح، 17/ 57.

41.

الزبيدي: في الفكر الاجتماعي، ص 249 - 250.

42.

الحراني: تحف العقول عن آل الرسول، ص 99.

43.

المصدر نفسه والصفحة.

44.

الزبيدي: في الفكر الاجتماعي، ص 252.

45.

الحراني: تحف العقول، ص 99.

46.

شمس الدين: دراسات، ص 81.

47.

الامام علي (عليه السلام): نهج البلاغة، ص 435.

48.

الفكيكي: الراعي والرعية، ص 52؛ الزبيدي: في الفكر الاجتماعي، ص 227.

49.

المصدر نفسه، ص 236.

50.

الحراني: تحف العقول، ص 97.

51.

شمس الدين: دراسات، ص 94.

52.

ابن ابي الحديد: شرح، 17/ 70.

53.

الحراني: تحف العقول، ص 97.

54.

المصدر نفسه والصفحة؛ الزبيدي: في الفكر الاجتماعي، ص 244.

55.

شمس الدین: دراسات، ص 133.

56.

ابن ابي الحديد: شرح، 17/ 83

57.

الفاضلي: المضامين الاقتصادية والعدل الاجتماعي في عهد الامام علي (عليه السلام) الى مالك الاشتر، ص 65.

58.

ابن ابي الحديد: شرح، 17/ 84.

59.

الفاضلي: المضامين، ص 65.

60.

المصدر نفسه، ص 66.

61.

ابن ابي الحديد: شرح، 17/ 83.

62.

الفاضلي: المضامين، ص 67.

63.

ابن ابي الحديد: شرح، 17/ 83.

64.

الفاضلي: سياسة التسعير في الدولة العربية الاسلامية، ص 36.

65.

ابن ابي الحديد: شرح، 17/ 83.

66.

الفاضلي: المضامين، ص 69.

67.

النووي: روضة الطالبين، 3/ 78؛ العلامة الحلي: نهاية الاحكام في معرفة الاحكام، 2/ 513.

68.

الفاضلي: المضامين، ص 70.

69.

الزبيدي: في الفكر الاجتماعي، ص 259.

70.

ابن ابي الحديد: شرح، 17/ 83.

71.

الفاضلي: المضامين، ص 60.

72.

ابو يوسف: الخراج، ص 122 - 123.

73.

ابو عبيد: الاموال، ص 62.

74.

ابو يوسف: الخراج، ص 122.

75.

المصدر نفسه والصفحة.

76.

ابن دريد، جمهرة اللغة، 2 / 910؛ الازهري: تهذيب اللغة، 9/ 113.

77.

سورة فاطر: آية 15.

78.

القرطبي: الجامع لاحكام القرآن، 4/ 215.

79.

ابن السكيت: تهذيب الالفاظ، 1/ 14.

80.

ابن سيدة: المخصص، 3/ 451.

81.

المصدر نفسه، 3/ 454.

82.

الهمذاني: الالفاظ، ص 197.

83.

اللوح. وعنبر: علاج مشكلة الفقر، ص مشكلة الفقر، ص 320 - 321.

84.

سورة التوبة: آية 60

85.

الحويزي: تفسير نور الثقلين، ص 67.

86.

بيضون: تصنيف نهج البلاغة ،2/ 628.

87.

الامام علي (عليه السلام): نهج البلاغة، القصار من حكمه، ص 638.

88.

المصدر نفسه، المختار من حكم أمير المؤمنين، رقم النص (55).

89.

المصدر نفسه، المختار من حكم أمير المؤمنين، رقم النص (387).

90.

الامام علي (عليه السلام): نهج البلاغة، ص 531.

91.

المصدر نفسه، المختار من كتبه، ص 532.

92.

بيضون: تصنيف، 2/ 627.

93.

الاصفهاني: مقاتل الطالبيين، ص 19.

94.

الامام علي (عليه السلام): نهج البلاغة، ص 398.

95.

الاحسائي: عوالي اللئالي العزيزية، 1/ 39.

96.

الواسطي: عيون الحكم والمواعظ، ص 423.

97.

المصدر نفسه، ص 149.

98.

المجلسي: بحار الانوار، 72/ 47.

99.

المصدر نفسه، 57/ 54.

100.

شمس الدين: دراسات في نهج البلاغة، ص 39.

101.

عدوة: أسس بناء الدولة الاسلامية في فكر الامام علي (عليه السلام)، ص 184.

102.

الامام علي بن ابي طالب (علیه السلام): نهج البلاغة، الخطبة 129، ص 187.

103.

السيد مرتضى الحسيني الشيرازي: استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الامام علي (عليه السلام)، ص 84.

104.

المصدر نفسه، ص 97.

105.

غرر الحكم ودُرَرُ الكِلم: عبد الواحد بن محمد التميمي الآمدي: ص 359.

106.

المصدر نفسه، ص 360.

107.

مهدي حسين التميمي: الامام علي (عليه السلام) التدبير والقيادة، ص 127.

108.

عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى واليه على مصر مالك الاشتر (رض)، ص 17.

109.

المصدر نفسه، ص 19.

110.

المصدر نفسه والصفحة.

111.

الشيرازي: استراتيجية، ص 166

112.

السعد: حقوق الانسان، ص 366.

113.

الشيرازي: استراتيجية، ص 166.

114.

ناجي ساري فارس المالكي: مشكلة الفقر وكيف علاجها عند الامام علي (عليه السلام)، ص 64.

115.

المجلسي: بحار الانوار، 96/ 39.

116.

السعد: حقوق الانسان، ص 366.

117.

المحمودي: نهج السعادة، 7/ 236.

118.

بيضون: تصنیف نهج البلاغة، 2/ 626.

119.

المجلسي: بحار الانوار، 78/ 83.

120.

ابن قتيبة الدينوري: الامامة والسياسة، 1/ 71؛ السعد: حقوق الانسان، ص 368.

121.

الامام علي (عليه السلام): نهج البلاغة، ص 477.

122.

المصدر نفسه، ص 187.

123.

مدير: الحكم من كلام الامام أمير المؤمنين، 1/ 284.

124.

الامام علي: نهج البلاغة، ص 672.

125.

المصدر نفسه، ص 551.

126.

المصدر نفسه، ص 195.

127.

الواسطي: عيون الحكم والمواعظ، ص 49.

128.

الامام علي (عليه السلام): نهج البلاغة، ص 603.

129.

الواسطي: عيون الحكم والمواعظ، ص 74.

130.

المجلسي: بحار الانوار، 7/ 169.

أصول التعايش السلمي دراسة استنباطية في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه)

اشارة

م. م محمد ناصر العذاري

م. م حسن محمد الدربندي

المقدمة

الحمد لله الذي أرسل رسوله «مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا» وجعله «يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ» خصه بالنبوة وأمره بتبليغ الوصية فقال له «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ» فأدى الامانة وصدح بالأمر (مَنْ کُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِیٌّ مَوْلاَهُ) «فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ». وصل اللهم على محمد وآل الأخبار المنتجبين.

أما بعد

القرآن الكريم كتاب الله خالق الخلق جميعا، صرح جلياً «إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ» [يونس: 6] ولا غبار على أن الاختلاف سرٌّ إلهي بني عليه عالم الإمكان والثابت «إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ» [البقرة: 143] لذا فهذا الاختلاف يستبطن الرحمة «وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» [آل عمران: 62].

ولا يمكن بحال من الأحوال إزالة الاختلافات بين خلق الله بشكل عام وبين الناس أنفسهم بشكل خاص، ومن أراد تفحص ما يختلف الناس فسيصل إلى نتيجة حتمية أن الاشتراك نسبي بين الأفراد بعين التغاير.

ولذا فهذا البحث الموسوم ب (أصول التعايش السلمي دراسة استنباطية في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه) محاولة جادة علمية تثبت أن التعايش ضرورة أصله القرآن الكريم وأكد عليه أهل البيت (عليهم السلام)

وجسدوه في حياتهم العملية.

سائلين المولى القدير أن ينعم على المسلمين خاصة والعالم بأسره عامة بالوعي الحقيقي لأهمية التعايش السلمي وأن يطبقوه في مجالات الحياة بدون استثناء، كما نقل لنا التأريخ عبر عصوره ناذج متنوعة من هذا التطبيق.

المبحث الأول التعريف بمفردات العنوان

قبل الشروع بالدراسة المفصلة لهذا البحث، ينبغي أولا تحديد مدلولات العنوان ليتسنى لنا الانطلاق من هذا التحديد استيفاءً لمضامينه وأهدافه، وليسهل رسم المنطلقات العامة للبحث.

أولاً / تعريف الأصول لغة واصطلاحا:

1.

الأصول لغة: جمع أصل والأَصل: (أَسْفَلُ الشَّيْء، اومَا يُبنَى عَلَيْهِ غَيرُه وَقَالَ الرّاغِبُ: أَصْلُ كُلِّ شَيءٍ قَاعِدَتُه الَّتِي لَو تُوُهِّمَتْ مُرتَفِعَةً ارْتَفَعَ بارْتِفاعَها سَائِرُه) (1).

2.

وأما في الإصلاح فقد ذكر العلماء للأصل معاني عدة، منها:

أ- ما يقابل الفرع، فمن باب القياس يقال: الخمر أصل النبيذ أي أن حكم النبيذ مستفاد من حكم الخمر.

ب- القاعدة، أي الركيزة التي يرتكز عليها الشيء، كقوله (عليه السلام): (بني الإسلام على خمسة أصول) (2)، أي على خمس قواعد وان تعددت هذه المعاني في الاصطلاح، إلا أن رجوعها إلى المعنى اللغوي غير بعيد.

ثانيا / تعريف التعايش السلمي لغة واصطلاحا:

التعايش السلمي مصطلح مركب من كلمتين، فإنه لابد من التعريف بهما وعلى النحو الآتي:

1- التعايش السلمي لغة:

بالرجوع إلى الدلالة اللغوية، التي هي أصل في اشتقاق الاصطلاح، نجد مفردة التعايش في كتب اللغة: (عاش: عيشا وعيشة ومعاشا صار ذا حياة فهو عائش، أعاشه: جعله يعيش يقال أعاشه الله عيشة راضية، عایشه: عاش معه، عيشه: أعاشه، تعايشواز عاشوا على الألفة والمودة) (3).

والمَعاشُ والمَعِيشُ والمَعِيشةُ ما یُعاشُ به وجمع المَعِيشة مَعايِشُ على القياس ومَعائِشُ على غير قياس وقد قُرِئَ بهما قوله تعالى «وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ» [الحجر: 20] (4).

وأما مفردة (السلم) فهي مصدر من فعل ثلاثي: سلم؛ السالم، المسالم، السلامة، وتدور في جملتها على معنى الخلاص من كل بلاء أو شر، فالسّلامة: أن يسلم الإنسان من العاهة والأذى وكل مكروه. قال أهل العلم: الله جلَّ ثناؤُه هو السلام؛ لسلامته مما يلحق بالمخلوقين من العيب والنقص والفناء. وقال الله جلَّ جلاله «وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ» [یونس: 25] فالسلام الله جلَّ ثناؤه، ودارُهُ الجنَّة (5).

وقال ابن منظور: السِّلمُ الصلح يفتح ويكسر ويذكر ويؤنث - والسَّلَمُ بفتح السين واللام يريد الاستسلامَ والإِذعانَ كقوله تعالى «وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ» [النساء: 90]، أي الانقياد وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع (6).

2- التعايش السلمي اصطلاحا:

لهذا المصطلح المركب مجموعة من التعريفات اختلفت فيما بينها، وذلك راجع لكونه غير محدد بمجال دون آخر، فالتعايش حالة اجتماعية ديمومته التواصل الإنساني.

ومن ابرز معانيه وأهمها التعددية والاختلاف بمعناها الشامل - كما سيتضح من خلال البحث - متمثلاً بكل المضامين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والتي جميعها تهدف الى خدمة المصالح العامة من جهة وإسعاد المجتمع الإنساني من جهة أخرى.

وعليه فالتعايش السلمي ضربٌ من التعاون المشترك الذي يقوم على أساس الثقة والاحترام، هادفاً إلى تحقيق مصالح يتفق عليها سوى كان بين طرفان أو الأطراف (7).

وكذلك اختلفوا علماء السياسة اختلافاً كبيراً فيما يتعلق بتعريف التعايش السلمي و معیاره، فمنهم اعتبره: کشعار سياسي يعني البديل عن العلاقة العدائية بين الدول ذات النظم الاجتماعية المختلفة (8).

بينما يحرص البعض على ان التعايش السلمي هو: اتفاق بين طرفين أو أطراف يقوم على تنظيم وسائل الحياة بينهم وفق قاعدة يتم تحديدها عن طريق السبل المؤدية إليها (9).

ومن منطلق قاعدة الكثرة والتعدد وباعتبارها شرعة إلهية وسمة من سمات الوجود، فقبول الآخر ليكون شريكا يسهم في بناء مجتمعا صالحا تسوده ثقافة التحضر والسلام، قادرا على هزم الكراهية والعنف والموت والحرب والدمار، متجسدا بالحوار الذي يؤسس للتسامح، خاضعا للمساومات الفكرية والمشتركات الدينية، متجاوزا

سبل الانقسام وعابراً كل الفوارق فيكون ذلك هو التعايش بمفهومه السلمي.

ثالثا / تعريف الاستنباط لغة واصطلاحا:

1- معنى الاستنباط في اللغة:

قال ابن منظور: (نبط: النَّبَط: الْمَاءُ الَّذِي يَنْبُطُ [يَنْبِطُ] من قعر البئر إذا حُفرت، وَقَدْ نبَطَ مَاؤُهَا ينْبِطُ ويَنْبُطُ نَبْطاً ونُبوطاً. وأَنبطنا الماءَ أي اسْتَنْبَطْنَاهُ وَانْتَهَيْنَا إِليه. واسْتَنْبَطه واسْتَنْبَطَ مِنْهُ عِلْمًا وَخَبَرًا وَمَالًا: اسْتَخْرَجَهُ. والاسْتنْباطُ: الاِسْتِخْرَاجُ. واستنبَطَ الفَقِيهُ إِذَا اسْتَخْرَجَ الْفِقْهَ الْبَاطِنَ بِاجْتِهَادِهِ وفهمِه. قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ «لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» [النساء: 83] (10).

2- الاستنباط في الاصطلاح:

قال الجصاص: (إن الاستنباط هو اسم لكل ما استُخرج حتى تقع عليه رؤية العيون أو معرفة القلوب، والاستنباط في الشرع نظير الاستدلال والاستعلاء) (11).

المبحث الثاني التعايش في ضوء القران الكريم والسنة النبوية

1- التعايش في ضوء القران الكريم:

من أهم ما أصله القران الكريم أن الموجودات فوارقها لا تنحصر إذ اقتضى أمر الله تعالى لعباده التنوع في الأجناس والألوان قال سبحانه «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ» [الروم: 22]، ونرى ذلك في مظاهر الطبيعة حولنا وهذا يعني ان التنوع هو سمة من سمات الخلق البارزة، وهذه من حكم الخالق عز وجل في الوجود الكوني حيث تعدت من التنوع إلى التغاير قوله تعالى «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» [الحجرات: 13] فهذه الآية المباركة تصدع في حقيقة الجعل التكويني للتنوع البشري، حيث جعل خلقه (شعوبا وقبائل) أي: ان التنوع البشري إرادة إلهية مطلقة ليس لكرامة وفضيلة أو صدف أو طفرة وراثية (12).

وإنما جوهر يستمد وجوده من الخالق لهذا التنوع البشري، فلا تملك أي جهة حق إلغاء هذا التنوع، يقول تعالى «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» [هود: 118] ومن هنا يؤسس الله تعالى ضرورة الاعتراف بالتنوع ليكون للإنسان فاعلية وإبداع نحو التواصل لكي تطلع كل مجموع بشرية على واقع المجاميع الأخرى للتعرف على خصوصياتها لان الإنسان مجبول بالفطرة على حب الاطلاع. لذلك يشير القران الكريم إلى حقيقة التنوع الذي ينبغي أن تكون دافعا للتعايش بين الأقوام والأمم التي تنبثق من قاعدة الاحترام المتبادل (13).

وبما أن لفظة التعايش بالقران الكريم وردت بمعاني أخرى تشير إلى حال الإنسان

في حياته، كقوله تعالى «فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ» [الحاقة: 21]، وقوله تعالى «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى» [طه: 124]، «وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا» [النبأ: 11] ولكن ذلك لم يمنع من وجود معنى التعايش في كتابه عز وجل، من خلال كلمات رائعة مرادفة ككلمة (نفس واحدة، والتعارف)، والتي ورد ذكرها في قوله تعالى «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا» [النساء: 1] فالله سبحانه وتعالى أوجد الإنسانية من نفس واحدة، ومنها نشر الوجود رجالا ونساءً بصريح قوله تعالى «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ» [الأنعام: 98] وأما كلمة (التعارف) حيث ورد ذكرها في قوله تعالى «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» [الحجرات: 13].

وقد ذهب المفسرون إلى جعل هذه الآية منطلقا لأساس التعايش في الإسلام الذي أوصى الله به في قرانه في قوله «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ» [المائدة: 2]، والإسلام يسعى من خلال تعاليمه إلى تربية إتباعه على التسامح والتعايش المشترك، فقد جعل الله الناس جميعاً شركاء في المسؤولية في قوله تعالى «هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ» [هود: 61] أي جعلكم مسؤولين عن عمارتها وصنع الحضارات فيها.

وشجع على التفاعل الإنساني الذي يستند في مفهوم الفكر الإسلامي إلى مبدأ يقول سبحانه وتعالى «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ» [البقرة: 251].

ومما سبق يتضح أن التعايش متوجه قراني إلى حقيقة يتكئ عليها المجتمع الإنساني، وقد طبقها الإسلام عملياً بجدارة، ويكتفي بذلك مقولة الإمام الباقر (عليه السلام) أن نستمع لها وهو يقول: ((صلاح شأن الناس التعايش)) (14).

2- التعايش السلمي في السنة النبوية

مکث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فترة طويلة بين قومه متآلفاً معهم، وقد كان أكثر قومه أمة بدوية، منشغلة عن أسرار الكون ومعرفة مصيرهم بمشقة الحياة وتحصيل العيش، ومما اشتهروا به من السجايا مزيجا من السخاء والشجاعة والشهامة وإكرام الضيف وغيرها، وأيضا كان من طباعهم القسوة والغلظة والغضب والتعصب، وممارسة الرذائل وارتكاب الفواحش (15) وغير ذلك، وعندما تلقى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الأوامر الإلهية بالقيام للدعوة إلى الإسلام اخذ يكلم الناس ويعرض عليهم الدين الذي بعثه الله به، حتى طهر المجتمع من الرذائل وأرسى قواعد الدين القويم الذي قام على مبادئ العدل والمساواة والتعايش مع الآخر ليشمل جميع نواحي ومجلات الحياة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية.

حيث وضع قواعد وأسس عملية للتعايش مع الآخر لجميع الأحوال والظروف، بما يضمن فاعليتها مع الآخر داخل الدولة الإسلامية وخارجها من جهة وانسجامها مع ثوابت الشريعة من جهة أخرى.

وقد أكد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على مبدأ من المبادئ التي يرتكز عليها التعايش إلا وهي المساواة التي أثبتها في خطبة حجة الوداع ((وَ لَيسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضلٍ إِلَّا بِالتَّقوَى)) (16) يبين لنا هذا الحديث على أهمية المساواة بين الناس كلهم، وان الفوارق بين البشر ليس لها قيمة في ميزان الشريعة، بل المعيار للقيمة

والفضل بين الناس هو التقوى لا غيرها.

ولضمان المساواة التامة لمواطني المدينة قد شكلت وثيقة المدينة أو ما تسمى بالمصطلح المعاصر (دستور المدينة) والذي يلاحظ فيها تنظيم العلاقات والحقوق بين المسلمين من جهة والمسلمين وغيرهم من جهة أخرى، وما تفرضه تلك العلاقة من تعايش والتزامات وواجبات من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية وغيرها.

وان قيمة هذه الوثيقة تتجلى في تطبيقها على ارض الواقع، حيث لم ترفع دعوى أو صوت من يهودي أو غيره يشكو من سوء المعاملة، بالرغم من وجود دسائس خفية تحاول إثارة العصبية والأحقاد الجاهلية.

حيث قامت الوثيقة بين أهل المدينة على عدة قواعد نكتفي بذكر قاعدتين منها:

قاعدة العدل والمساواة: وقد عززت بنود الوثيقة التعايش السلمي في الدولة التي منها: (أنه من خرج أمن ومن قعد أمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم)، ومنها (ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مردَّه إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (17).

ومن هنا نرى أن قاعدة التعايش هي الأساس في علاقة الإنسان بنظام الحكم وبالدولة، ليمثل العدل والمساواة دعامة وطيدة وَصِفَة أصيلة للشريعة الإسلامية، ومن خلال تسليط الضوء على قوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ» [النساء: 135] انه لا احد فوق المساءلة والمحاسبة ومما ينبغي قبولك بالنقد والانتقاد بل يجب العدل ليس فقط ضد النفس حيث أمرت بأن يكون الحكم بالعدل ولو على المخالف في قوله تعالى «وَلَا

يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى» [المائدة: 8] بغض النظر عن الخصوصيات الأخرى.

قاعدة ضمان حرية الاعتقاد: فلكل مواطن حرية التعبد والاعتقاد فقرر (لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ - أي يهلك - إلا نفسه وأهل بيته).

فان المسلمين وغيرهم يُعاملون على أساس المواطنة فهم سواسية في الحقوق والواجبات لا على أساس العقيدة والانتماء، فليس هناك مواطن من الدرجة الأولى، وآخرون من الدرجة الثانية والثالثة.

ومن نماذج حرية الاعتقاد السلمي الذي وضع أسسه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو ما نُقل أن جمعا من النصاری کانوا ((قد زاروا رسول الله للتحقيق والاستفسار أقاموا قداسا في مسجد النبي في المدينة بكل حرية)) (18).

ولم تتوقف بنود الوثيقة على الإطار الثقافي للمجتمع القائم - آنذاك - فقد ورد فيها (وان بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم)، وهذا بما يسميه الفكر الإسلامي بالشورى ليجعل محور المشاركة أكثر شفافية وأكثر اتساعا ليجعلها قائمة على أساس تبادل الخبرات والعمل بما فيه صلاح المجتمع.

وهناك أيضا من الروايات التي سلطت الضوء على جانب م ن المعاملات المالية والتي تشير الى أسلوب التعامل السلمي والأخلاقي بين الرسول (صلى الله عليه وآله)، وبعض اليهود هو ما نقله الإمام موسی بن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) ((عَن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ يَهُودِيّاً کَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ الله (صلی الله علیه وآله وسلم) دَنَانِيرُ فَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لَهُ: یَا یَهُودِيُّ مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ.

فَقَالَ: فَإِنِّي لَا أُفَارِقُكَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى تَقْضِيَنِي. فَقَالَ (علیه السلام): إِذاً أَجْلِسُ مَعَكَ.

فَجَلَسَ مَعَهُ حَتَّى صَلَّى فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ وَالْغَدَاةَ وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله (صلی الله علیه وآله وسلم) یَتَهَدَّدُونَهُ وَ يَتَوَاعَدُونَهُ. فَنَظَرَ رَسُولُ الله إِلَيْهِمْ فَقَالَ (صلی الله علیه وآله وسلم): مَا الَّذِي تَصْنَعُونَ بِهِ! فَقَالُوا: يَا رَسُولُ الله يَهُودِيٌّ يَحْبِسْكَ. فَقَالَ (صلی الله علیه وآله وسلم): لَمْ يَبْعَثْنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ أَظْلِمَ مُعَاهَداً وَلَا غَيْرَهُ.

فَلَمَّا عَلَا النَّهَارُ قَالَ الْيَهُودِيُّ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَشَطْرُ مَالِي فِي سَبِيلِ الله، أَمَا وَالله مَا فَعَلْتُ بِكَ الَّذِي فَعَلْتُ إِلَّا لِأَنْظُرَ إِلَى نَعْتِكَ فِي التَّوْرَاةِ؛ فَإِنِّي قَرَأْتُ نَعْتَكَ فِي التَّوْرَاۃِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ وَمُهَاجَرُهُ بِطَيْبَةَ وَلَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ وَلَا مُتَزَيِّنٍ بِالْفُحْشِ وَلَا قَوْلِ الْخَنَاءِ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَكَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وَهَذَا مَالِي فَاحْکُمْ فِيهِ بِمَا أَنْزَلَ الله)) (19).

وأمثلة ذلك كثيرة منها حزنه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ملك الحبشة بما روّي عَن إمامنا الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ الَعسكَرِيِّ عَن آبَائِهِ (عليهم السلام): ((إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) لَمَّا أَتَاهُ جَبْرَئِیلُ (علیه السلام) بِنَعْیِ اَلنَّجَاشِیِّ بَکَی بُکَاءَ حَزِینٍ عَلَیْهِ وَ قَالَ إِنَّ أَخَاکُمْ أَصْحَمَةَ وَ هُوَ اِسْمُ اَلنَّجَاشِیِّ مَاتَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَی اَلْجَبَّانَةِ وَ کَبَّرَ سَبْعاً فَخَفَضَ اَللَّهُ لَهُ کُلَّ مُرْتَفِعٍ حَتَّی رَأَی جِنَازَتَهُ وَ هُوَ بِالْحَبَشَةِ)) (20)، والتأريخ ينقل لنا أن المسلمين احترموا أهل الحبشة ولم ينكروا عليهم دينهم، ولم يتدخلوا في شؤونهم الداخلية إلا في مساعدتهم في إطار من التعاون والمشاركة والوفاء لجميل إيوائهم (21).

بعد ذلك يمكن القول إن سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته كانت مثالا حيا وانعكاسا جليا لقواعد التعايش ومبادئ التواصل الإنساني التي رسمها بمواقفه الإنسانية، لتشكل أسوة يُقتدى بها على مر العصور.

المبحث الثالث أصول التعايش السلمي من خلال العهد المبارك

عند الخوض باستنباط المعارف من أي نص من نصوص المعصومين (عليهم السلام) يتبادر إلى الأذهان هل هذا النص المعصومي صحيح أم ضعيف؟ أفي دائرة المعتبر أم مردود؟

وحتى وإن توثقنا من الحديث لابد من عرضه على القرآن الكريم، وإيجاد له ما يؤيده من الآيات القرآنية، ويمكن أن يكون ذلك بالتصريح والمباشرة؟ أم بغير التصريح و بالمضمون.

والسنة المعصومية الصادرة عنهم (عليهم السلام) - لا الموضوعة - لها تصديق في القرآن الكريم أما تكون داخلة بكليات مفاهيم الآيات و لربما تكون مؤيدة لها على نحو الجزيئات؛ وعلى العموم فالله تعالى يصدق ما صدر عن رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) قولا أم فعلا أم تقريرا - وهو شامل لأهل بيته الطاهرين - وذلك بصريح قوله تعالى «وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ» [يونس: 37].

وسنحاول - بعون الله تعالى - أن نرجع ما اقتطفناه من نصوص التعايش السلمي من العهد المبارك لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى القرآن الكريم، لإثبات أن

لها مَرجعاً قرآنياً؛ وهو داخل في قوله تعالى «إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى» [النجم: 4] فعلي بن أبي طالب (عليه السلام) هو نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلامهما واحد ومؤيد من قبل الله تعالى بصريح نص الآية الكريمة «وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ» [آل عمران: 61] وبما صرح به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) برواية الإمام الصادق (عليه السلام) ((أَنْتَ مِنِّی بِمَنْزِلَهِ هَارُونَ مِنْ مُوسَی إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِیَّ بَعْدِی)) (22).

وفيما يلي أصول التعايش السلمي من العهد المبارك، وإرجاع كل واحد من تلك الأصول (النصوص المقتطفه) إلى كبراه من الآيات القرآنية والنصوص الحديثية:

1. ((إمَّا أخٌ لكَ في الدين، وإمَّا نظيرٌ لك في الخَلق))

وهذا الأصل المبارك يعتبر حجر الزاوية في تثبيت التعايش السلمي بين أفراد المجتمع الواحد، فمن لم يدرك - أو لا يريد - أن الناس سواسية في نقطة الانطلاق وفي الميزان، بقوله تعالى «إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [آل عمران: 59] والاختلاف لأجل التعارف والسير في الحياة على نحو المحبة والتسامح «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» [الحجرات: 13].

وعلى ذلك وردت النصوص المعصومية الشريفة لإثبات أصل الخلقة وميزان الإكرام عند الله تعالى ومنها ما صرح به الرسول الأكرم بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((یَا عَلِیُّ إنَّ اللّهَ تَبارَك وَ تَعالی قَدْ أذْهَبَ بِالإسْلامِ نَخْوَةَ الْجاهِلِیَّةِ وَ تَفاخُرَها بِآبائِها ألا إنَّ النّاسَ مِنْ آدَمَ وَ آدَمَ مِنْ تُرابٍ وَ أکْرَمَهُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاهُم)) (23).

2. وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِیةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَاتَکُونَنَّ عَلَیهِمْ سَبُعاً

ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ.

لا يمكن إقامة مجتمع مترابط وليست الرحمة ما تسوده؛ ومن الصفات التي بينها الله تعالى لمجتمع المقربين من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنهم رحماء بينهم مما يتجلى أن تلك الصفة غاية في الحسن حتى تطلق لخير أمة على مر العصور فقال تعالى «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ» [الفتح: 29].

وما أمر به أمير المؤمنين (عليه السلام) مالك الأشتر (رضي الله عنه) ما هو إلا ما كان عليه به في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان للناس بأهل البيت (عليهم السلام) المثل الأعلى بالرحمة ورعاية الناس وبذلك ما صرح به مولانا الإمام السجاد (عليه السلام) ((مَا یَنْقِمُ اَلنَّاسُ مِنَّا فَنَحْنُ وَ اَللَّهِ شَجَرَةُ اَلنُّبُوَّةِ وَ بَیْتُ اَلرَّحْمَةِ وَ مَوْضِعُ اَلرِّسَالَةِ وَ مُخْتَلَفُ اَلْمَلاَئِکَةِ)) (24).

3. أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ.

لا يخفى على ذي لب أن العدالة مطلباً للعقل السليم قبل أن تأتي الرسالات السماوية تؤكد عليها، وأمير المؤمنين (عليه السلام) ذكر الجزئي وهو الإنصاف فمن باب أولى أراد الكلي وهي العدالة إذ (أَن الإنصاف إِعطَاء النّصف وَالعدل يكون فِي ذَلِك وَفِي غَيره) (25) والعدل أمر من الله تعالى حيث قال «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ» [النحل: 90] وقال تعالى «إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا» [النساء: 105].

4. إِنَّ اللهَ سَميِعٌ دَعْوَةَ المَظلُومِینَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ.

الناس عيال الله، فتعالى لن يقبل أن يعتدى على عياله أحد، فعَن أَبِي عَبدِ الله (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وسلم): (( اَلْخَلْقُ عِیَالُ اَللَّهِ فَأَحَبُّ اَلْخَلْقِ إِلَی اَللَّهِ مَنْ نَفَعَ عِیَالَ اَللَّهِ وَ أَدْخَلَ عَلَی أَهْلِ بَیْتٍ سُرُوراً)) (26) فالمعتدي سيجد «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ» [الفجر: 14].

ومن ركائز إقامة السلام والتعايش بين الأفراد والمجتمعات اجتناب الظلم فهو قبيح أينما وقع وكيفما كان؛ لذا فأمير المؤمنين (عليه السلام) حث وليه على مصر الأشتر (رضي الله عنه) أن يترفع عن ضلم العباد فدعوة المظلوم لا ترد وإن أجلها الله تعالى فنصره للمظلوم محتوم لما رُوي عَن أَبِي عَبدِ الله (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ اَللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی لَیُنَادِی کُلَّ لَیْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مِنْ أَوَّلِ اَللَّیْلِ إِلَی آخِرِهِ... أَلاَ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ مَظْلُومٌ یَسْأَلُنِی أَنْ آخُذَ لَهُ بِظُلاَمَتِهِ قَبْلَ طُلُوعِ اَلْفَجْرِ فَأَنْتَصِرَ لَهُ وَ آخُذَ لَهُ بِظُلاَمَتِهِ قَالَ فَمَا یَزَالُ یُنَادِی بِهَذَا حَتَّی یَطْلُعَ اَلْفَجْرُ)) (27).

وليأخذ الناس العبر من دعاء نبي الله نوح (عليه السلام) عندما أصر قومه على ظلمه وإيذائه «فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13)» [القمر: 10 - 13].

5. وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الاْمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ.

قال تعالى «يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» [الأعراف: 31] وفي موضع آخر «فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ»

[النساء : 129] فيمكن استنباط أن لكل أمر حدوده الطبيعية وتجاوزها زيادة أو نقصاناً مرفوض من قبل الله تعالى ولذا قال الإمام الصادق (عليه السلام) لرجل ((اِتَّقِ اَللَّهَ وَ لاَ تُسْرِفْ وَ لاَ تَقْتُرْ وَ کُنْ بَیْنَ ذَلِكَ قَوَاماً إِنَّ اَلتَّبْذِیرَ مِنَ اَلْإِسْرَافِ قَالَ اَللَّهُ عَزَّوَجَلَّ وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِیراً)) (28).

6. فَلْیکُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ وَمَیلُكَ مَعَهُمْ.

الجانب النفسي له الدور الهام في تركيز الجهد على تأدية أفضل، ولولا الشعور بذلك الانتماء النفسي لا يمكن لأي أحد أن يتعامل بإيجابية في مواقفه ويؤدي فاعلية عالية في داخل المجتمع، لذا نجد ان الله تعالى من بيّن عوامل كثيرة اختار أهمها ولعله أساسها ألا وهو الشعور الإيجابي والميل الصادق نحو الآخرين لذا قال تعالى «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» [آل عمران: 159] وإنما تجمعت الناس حول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لليونته تجاههم وعدم غلظة قلبه الشريف وما ذلك إلا رحمة من الله تعالى وتعزيزاً لدينه الحنيف.

7. وَلْيَکُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ وَأَشْنَأَهُمْ عِنْدَكَ، أَطْلَبُهُمْ لِمَعَائِبِ النَّاسِ فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا، فَلاَ تَکْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا.

قد أوجب الله تعالى على عباده ستر بعضهم بعضاً وما يعلن منها إلا لمورد في نيل الحقوق وعبر موارد شرعيّة وقانونية، فمن اتخذ من كشف معائب الناس سمة له على الناس أن يحقروه وعلى الحاكم اجتنابه وعدم تقريبه له، إنما الألفة المجتمعية لا تقوم إلا بكتم الأسرار والابتعاد عن تفحص معائبهم قد روي عَن أَبِي عَبدِ الله أنه قَالَ (عليه السلام): ((إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ يَتَمَنَّي لِلنَّاسِ الصَّلاَحَ أَهْلُ الْعُيُوبِ لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا صَلَحُوا كَفُّوا - عَنْ تَتَبُّعِ عُيُوبِهِمْ)) (29).

وأخبر تعالى أن اليوم الذي تنكشف به سرائر الناس في مرحلة من مراحل القيامة وهو «يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10)» [الطارق: 9 - 10].

والتآلف بين الناس له مقوماته فقال تعالى «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» [آل عمران: 134] والمجتمع الفاقد لهذه المقومات يكون عاجز حتى ان يجمع أفراده مهما كانت المشتركات النسبية والمذهبية والاجتماعية.

8. أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ کُلِّ حِقْدٍ، وَ اقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ کُلِّ وِتْرٍ، وَ تَغَابَ عَنْ کُلِّ مَا لاَ یَضِحُ لَكَ، وَ لاَ تَعْجَلَنَّ إِلَی تَصْدِیقِ سَاعٍ، فَإِنَّ السَّاعِیَ غَاشٌّ، وَ إِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِینَ.

ينزع الله من المؤمنين قبل دخولهم الجنة العداوة إن كانت عند بعضهم إذ قال تعالى (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ) [الأعراف: 43 ] وما هذا إلا دليل على الأهمية البالغة حتى يكون المؤمن مع أخوانه في حياة يسودها الوئام والسلام لذا أوصى رسولنا الكريم بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((وَلَا تَدَابَرُوا)) (30).

وعلى الحاكم أن يتأنى في الأخذ من الناقلين للأخبار إلا بعد التثبت قال تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» [الحجرات: 6] فلربما أدى ذلك التسرع إلى إيقاع الأذى بقومٍ آمنين ولم يك لهم أي ذنب، ومما أمر الإمام (عليه السلام) أن يكون للحاكم مقربين ممن لا يطمأن لدينهم وحسن نواياهم وهذا ما صرحت به الآية الكريمة «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ» [آل عمران: 118] .

9. وَالْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ، ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلاَّ يُطْرُوكَ وَلاَ يُبَجِّحُوكَ بباطِلٍ لم

تَفْعَلْهُ، فاِنَّ كَثرَةَ الإطْراءِ تُحْدِثُ الزَّهوَ وتُدْنى مِنَ العِزّةِ.

إذا اتصف المرء بصفات المؤمنين حمدت أفعاله وأصبح أكثر إيجابية في حياته، ولا تكون الحياة خلاقة إلا أن يلتزم الصدق ويتخذ الورع منهجا له وقد قال تعالى «لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» [الأحزاب:24] وكذا قوله تعالى «وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ» [الاحقاف: 16] إذ نستدل من ذلك الأهمية البالغة للصدق في حياة الناس فأراد الإمام (عليه السلام) أن نلتصق بالصادقين ولا نحاول استمالتهم بأي طريقة لقول ما تطيب به النفس من مدح وتملق.

10. وَلَا یَکُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِیءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ، فَإِنَّ فِی ذَلِكَ تَزْهِیداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِی الْإِحْسَانِ، وَتَدْرِیباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَهِ عَلَی الْإِسَاءَهِ، وَأَلْزِمْ کُلّاً مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ.

من أهم مقومات تماسك أفراد المجتمع أن يروا أن المسيء يدان والمحسن يكرم، بغض النظر عن الانتماءات المذهبية والاجتماعية وغيرها، وهذا نابع من صاحب السلطة (31).

إذ أن الله تعالى في حسابه وتعامله مع الناس على ض-وء ما صرحت به الآية الكريمة «وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ» [غافر: 58] وهو بيّان واضح بالتفريق بين من آمن ومن كفر ومن اتخذ الهداية ومن سلك طريق الضلالة.

نعم، كل إنسان مسؤول عن تصرفاته وما يعتقده، ولذا قال تعالى «وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا» [الإسراء: 13].

11. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَیْسَ شَیْءٌ بِأَدْعَی إِلَی حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِیَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَیْهِمْ.

لابد للمتعايشين بسلام أن يحسنوا الظن لبعضهم بعضاً قال تعالى «إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» [الحجرات: 12] وظن السوء لا يجلب لهم إلا الفرقة وتقطع الأواصر بينهم.

ومن مظاهر حسن الظن ذلك الإحسان بين الأفراد وبالأخص إحسان الحاكم لرعيته فالأمر الإلهي «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ» [النحل: 90] فأفراد المجتمع أن رأوا من حاكمهم العدل والإحسان إلتزموه وعملوا به اقتداءً بحاكمهم يثبت ذلك عَن أَبِي عَبدِ الله الصَادِق قَالَ قَالَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ (عليه السلام): ((اعْرِفُوا اللَّهَ بِاللَّهِ وَ الرَّسُولَ بِالرِّسَالَةِ وَ أُولِي الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ الْعَدْلِ وَ الْإِحْسَانِ)) (32) وعلى الناس إتباع الآية الكريمة فيما كان الله تعالى «وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ» [الشورى: 25].

12. وَلَاتَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هذِهِ الْأُمَّةِ، وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ، وَ صَلَحَتْ عَلَیهَا الرَّعِیةُ، وَلَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَیءٍ مِنْ مَاضِی تِلْكَ السُّنَنِ، فَیکُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا، وَالْوِزْرُ عَلَیكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا.

يستنبط من قوله تعالى «قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا» [آل عمران: 95] وكذا من قوله تعالى «قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ» [الممتحنة: 4] أن على المؤمنين أن يتبعوا السبيل القويم الذي كان عليه السابقون من الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) وكذا ما أثر عن المؤمنين من سبل الخير والصلاح وهذا كذلك ما يدل عليه قول مولانا الإمام الرضا (عليه السلام): ((اِتَّبِعُوا سُنَّهَ اَلصَّالِحِینَ فِیمَا أَمَرُوا بِهِ وَ نَهَوْا عَنْهُ)) (33).

13. وَأَکْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ، وَمُنَاقَشَةَ الْحُکَمَاءِ.

العلم أساس رقي الشعوب؛ وبالحث عليه كان أول ما نزل من القرآن «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» [العلق: 1] لذا ف-ا ريب أن يوصي أمير المؤمنين (عليه السلام) بالركون إلى العلماء بالتدريس والمناقشة وأن يكون للإنسان تردداً على الحكماء والتزود منهم، ولا يمكن أن ينتهي العلم بمرحلة ما؛ إنما بغية العقلاء أن يتزودوا دوما من العلم ويبتغون إلى الله تعالى أن يهيأ لهم سبله «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا» [طه: 114].

قال تعالى «يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا» [مريم: 43] فمن تزوّد بالعلم وطبقه بشكل صحيح وصل إلى أن التعايش السلمي أساس في المجتمع واختلاف الناس في مشاربهم وثقافاتهم وتوجهاتهم العقائدية والمذهبية (لا يفسد بالوّد قضية).

ومدارسة العلم لا يحكمها العمر أو المرتبة الاجتماعية، إنما على الناس أن يطلبوه من أهله «فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)» [الكهف: 65 - 66] عَن أَبِي عَبدِ الله (عليه السلام) قَالَ: ((إِنَّ اَلْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ اَلْأَنْبِیَاءِ إِنَّ اَلْأَنْبِیَاءَ لَمْ یُوَرِّثُوا دِرْهَماً وَ لاَ دِینَاراً وَ إِنَّمَا وَرَّثُوا أَحَادِیثَ مِنْ أَحَادِیثِهِمْ فَمَنْ أَخَذَ بِشَیْءٍ مِنْهَا فَقَدْ أَخَذَ حَظّاً وَافِراً فَانْظُرُوا عِلْمَکُمْ هَذَا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ)) (34).

14- وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِیَّةَ طَبَقَاتٌ لَایَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ، وَ لَاغِنَی بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ: فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ، وَ مِنْهَا کُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَ مِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْل، وَ مِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ، وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْیةِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ مُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَ مِنْهَا التُّجَّارُ وَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، وَ مِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَی مِنْ ذَوِی الْحَاجَةِ وَالْمَسْکَنَةِ، وَ کُلٌّ قَدْ سَمَّی اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ. وَ وَضَعَ عَلَی حَدِّهِ فَرِیضَهً فِی کِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِیِّهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً.

التباين بين الناس سر الوجود کما خلق الله تعالى كل مخلوق له ما يتميز به عن الآخر «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ» [الروم: 22]، وهذا مما على الناس فهمه لتستقم حياتهم ولا يروا الاختلاف إلا عامل ايجابي يعزز وجودهم.

وعلى الحاكم أن يفشي بين الناس روح المحبة والمساواة ويعطي لكل ذي حق حقه، ليقتدوا به ولينصف بعضهم بعضا؛ لذا قال تعالى «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ» [التوبة: 128] وبعدما رأوا أفعال رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لهم «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا» [الأحزاب: 21] فأمرهم باتباع ما وجدوه من الرحمة والعدالة عند الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم).

15- ثُمَّ لاَقِوَامَ لِهذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلاَّ بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْکُتَّابِ، لَمِا يُحْکِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ، وَيَجْمَعُونَ مِنْ الْمَنَافِعِ، وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَعَوَامِّهَا.

لا يخلو أي مجتمع من العمل والعمال؛ وحياة الناس جميعا تسودها التعاقدات بشتى أنواعها؛ ولا تجد فرداً منهم إلا ويرتبط مع آخر أو مع جماعة بنوع من الالتزامات.

والقضاء من ركائز المجتمعات؛ فكلما صلح القضاء كان المجتمع أكثر صلاحاً وأمناً، ومن صفات الأنبياء (عليهم السلام) أنهم كانوا قضاة بين الناس قال تعالى «وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ» [الانبياء: 78] والظاهر من الآية الكريمة أن الله تعالى أما يشهد على

القاضي لعدم صوابه في الحكم أو يشهد له ويكرمه إن كان حكمه صائباً.

16- وَفِی اللهِ لِکلّ سَعَةٌ، وَلِکلّ عَلَی الْوَالِی حَقٌّ بِقَدْرِ مَا یصْلِحُهُ.

مما يتخلف به الناس تلك الإمكانيات العقلية والجسدية، وعلى الراعي حسبان تلك الاختلافات فيعطي لكل منهم ما يصلحه وينسجم معه؛ ولذا من مهام الوالي تقدیر ما يصلح بالناس فعَن حَمَّادِ بنِ عُثمَانَ قَالَ قُلتُ لِأَبِي عَبدِ الله (عليه السلام) ((اَلتَّعْزِیرُ کَمْ هُوَ قَالَ دُونَ اَلْحَدِّ قُلْتُ دُونَ ثَمَانِینَ قَالَ لاَ وَ لَکِنْ دُونَ اَلْأَرْبَعِینَ فَإِنَّهَا حَدُّ اَلْمَمْلُوكِ قَالَ قُلْتُ: وَ کَمْ ذَاكَ قَالَ: قَالَ عَلِیٌّ (عَلَیْهِ اَلسَّلاَمُ) عَلَی قَدْرِ مَا یَرَی اَلْوَالِی مِنْ ذَنْبِ اَلرَّجُلِ وَ قُوَّةِ بَدَنِهِ))(35).

فالمساواة لا تعني تكليف الأفراد على حد سواء؛ بل، تكليف كل واحد على قدر طاقته لقوله تعالى لينفق «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا» [الطلاق: 7]

فالإصلاح لابد من إقامته للحاكم قال تعالى َأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» [الأعراف: 142]

وعليه كذلك مداراة الرعية وعدم التعالي «وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» [الشعراء: 215] فإن ذلك ما يقوّم حياة الناس ويوحدهم ويعزز التعايش السلمي بينهم.

17- فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِى نَفْسِكَ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِإِمَامِكَ، [وَ أَنْقَاهُمْ] جَيْباً، وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ، وَ يَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ، وَ يَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَ يَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ، وَ مِمَّنْ لايُثِيرُهُ الْعُنْفُ، وَ لايَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ.

المجتمع الأمثل على أرض الواقع العلمي خلال تجربة الحياة الإنسانية كان في

عصر الرسالة؛ وأهم سمات ذلك المجتمع التسامح فيما بين أفراده بكل مظاهر الرحمة وقبول الآخر وعدم التعالي قال تعالى «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ» [الفتح: 29] والذي يكون أقربهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أكثرهم رحمةً وتسامحاً لإخوانه، قال مولانا الصادق (عليه السلام): ((إِنَّا أَهْلُ بَیْتٍ مُرُوَّتُنَا اَلْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَنَا) (36).

وعلى الراعي أن يلتزم القسط بين رعيته ولا يظلمهم أبدا قال تعالى «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ» [يونس: 47].

18- ثُمَّ الْصَقْ بَذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَالاْحْسَابِ، وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ، ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَالسَّخَاءِ وَالسَّماحَةِ، فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ.

والمروءة كما عرفها لنا أهل البيت برواية عَن أَبِي عَبدِ الله (عليه السلام) قَالَ: ((کَانَ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِیٍّ عَلَیْهِ اَلسَّلاَمُ عِنْدَ مُعَاوِیَةَ فَقَالَ لَهُ أَخْبِرْنِی عَنِ اَلْمُرُوءَةِ فَقَالَ حِفْظُ اَلرَّجُلِ دِینَهُ وَ قِیَامُهُ فِی إِصْلاَحِ ضَیْعَتِهِ وَ حُسْنُ مُنَازَعَتِهِ وَ إِفْشَاءُ اَلسَّلاَمِ وَ لِینُ اَلْکَلاَمِ وَ اَلْکَفُّ وَ اَلتَّحَبُّبُ إِلَی اَلنَّاسِ)) (37) قال تعالى «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» [النحل: 128] فالله يحب المحسنين قَالَ أَبُو جَعفَرٍ (عليه السلام): ((مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اَللَّهِ إِلَی اَللَّهِ اَلْمُحْسِنَ اَلتَّوَّابَ)) (38) وقال عز من قائل «وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ» [المائدة: 84] ففي هاتين الآيتين دليل واضح أن على الناس جميعا مصاحبة أهل الإحسان والصلاح لينتفعوا منهم ويتزودوا من خير الدنيا والآخرة وبمقابل ذلك الابتعاد عن الظالمين قال تعالى في «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» [هود: 113].

19- اِخْتَرْ لِلْحُکْمِ بَیْنَ اَلنَّاسِ أَفْضَلَ رَعِیَّتِكَ فِی نَفْسِكَ.

على الحاكم أن يختار أفضل رعيته لمنصب القضاء، لذا جعل الله تعالى من مهام الانبياء القضاء بين الناس «وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ» [الانبياء: 78] فآخرة القاضي مرهونة بقضائه فَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ: ((لِسَانُ اَلْقَاضِی بَیْنَ جَمْرَتَیْنِ مِنْ نَارٍ حَتَّی یَقْضِیَ بَیْنَ اَلنَّاسِ فَإِمَّا إِلَی اَلْجَنَّةِ وَ إِمَّا إِلَی اَلنَّارِ)) (39) وميل القاضي إلى فئة دون أخرى مدعاة للتفرقة والعداوة في المجتمع.

20- ثُمَّ انْظُرْ فِی أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً، وَلَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وَأَثَرَةً، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِیَانَةِ.

ليس من حق الحاكم تقديم أحداً من الناس على الآخر لهواً؛ بل عليه الاحتكام إلى قواعد ثابتة للترجيح فكما الله جعل المقياس بيّن الناس التقوى فقال جل ذكره «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» [الحجرات: 13] وقد ذكر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل الناس في كل مورد بما رواه عنه مولانا الإمام الصَّادِق جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍا أَنَّهُ قَالَ: ((أَتْقَى النَّاسِ مَنْ قَالَ الْحَقَّ فِيمَا لَهُ عَلَيْهِ وَ أَعْدَلُ النَّاسِ مَنْ رَضِىَ لِلنَّاسِ مَا یَرْضَى لِنَفْسِهِ)) (40) فمن أراد أن يتقدم شعبه ويرتقي عليه يجعل الشخص المناسب في المكان المناسب.

21- ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاَةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ.

كثير من الناس يحاولون استمالت الحكام بإظهار ما يفضلونه، وإذا اعتمد الحاكم على ظاهر الناس وحسن الظ-ن سيستغل المتملقون ذلك، فلابد للحاكم اختيار

أصحاب المسؤوليات في المجتمع بطرق منضبطة لا من خلال الفراسة والظن رغم أن المؤمن له ما لا لغيره فعَن أَبِي جَعفَرٍ (عليه السلام) فِي قَولِ الله عَزَّوَ جَلَّ «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» [الحجر: 75] قَالَ (عليه السلام): ((هُمُ الْأَئِمَّةُ (علیهم الاسلام) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه وآله وسلم): اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ فِي قَولِ اللهِ تَعَالَی «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» (41).

كما يحكي لنا القرآن الكريم اختيار عیسی (علیه السلام) لأصحابه قال تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ» [الصف: 14].

22- وَإِذَا قُمْتَ فِي صَلاَتِكَ لِلنَّاسِ، فَلاَ تَكُونَنَّ مُنَفّرِاً وَلاَ مُضَيِّعاً، فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّةُ وَلَهُ الْحَاجَةُ.

اليسر في الأمور في جميع مجالات العبادات والمعاملات بين الناس سمة للإسلام قال تعالى «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» [البقرة: 185] وعلى كل مسؤول أن ينظر بعين الرحمة لظروف رعيته وذكر الإمام الصلاة لأنها مستمرة بشكل يومي فنستدل على أهمية الالتزام بما يطيقه الناس؛ وعليه ما قَالَهُ رَسُولُ الله (صلى الله علیه و آله وسلم): ((مُدَارَاةُ اَلنَّاسِ نِصْفُ اَلْإِیمَانِ وَ اَلرِّفْقُ بِهِمْ نِصْفُ اَلْعَیْشِ)) (42).

23- فَلَا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِیَّتِكَ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلَاَةِ عَنِ الرَّعِیَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّیقِ وَقِلَّةُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ.

التواضع والمعايشة مع الناس من صفات المصلحين وقد أشكل الكفار على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك «وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا» [الفرقان: 7] ولا يمكن إدارة شؤون الرعية والحاكم لا يكون بتاس معهم بشكل مستمر فعَن حَبِيبٍ الأَحوَلِ قَالَ سَمِعتُ أَبَا عَبدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ: ((صَدَقَةٌ یُحِبُّهَا اَللَّهُ إِصْلاَحٌ بَیْنَ اَلنَّاسِ إِذَا

تَفَاسَدُوا، وَ تَقَارُبٌ بَیْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا)) (43).

24- وَلكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ؛ فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ، فَخُذْ بِالْحَزْمِ، وَاتَّهِمْ فِی ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ.

الصلح خير إن ألتزم الطرفان به، لكن على المرء أن يحذر من عدوه إذا صالحه فلربما يتربص به و يعمد إلى غدره قال تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا» [النساء : 71] وقد قَالَ أَبُو عَبدِ الله (عليه السلام): ((عَلَیْكَ بِالتِّلاَدِ وَ إِیَّاكَ وَ کُلَّ مُحْدَثٍ لاَ عَهْدَ لَهُ وَ لاَ أَمَانَةَ وَ لاَ ذِمَّةَ وَ لاَ مِیثَاقَ وَ کُنْ عَلَی حَذَرٍ مِنْ أَوْثَقِ اَلنَّاسِ فِی نَفْسِكَ فَإِنَّ اَلنَّاسَ أَعْدَاءُ اَلنِّعَم)) (44). فمع الصلح لابد من الحذر، فالله تعالى يحب التصالح وإفشاء المحبة «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا» [الحجرات: 9].

25- وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوّ لَكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً، فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالأَمَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ.

الأمانات وإن اختلفت، لكن لابد لكل إنسان من بعض منها، فأما أمانات بين الإنسان وربه أم بينه وبين الآخر، والالتزام بأدائها واجب قال تعالى «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا» [النساء: 58] عَن الحسين الشيباني عن أَبِي عَبدِ الله (عليه السلام) قال: ((قُلْتُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَوَالِیكَ یَسْتَحِلُّ مَالَ بَنِی أُمَیَّةَ وَ دِمَاءَهُمْ وَ إِنَّهُ وَقَعَ لَهُمْ عِنْدَهُ وَدِیعَةٌ فَقَالَ أَدُّوا اَلْأَمَانَتِ إِلَی أَهْلِهَا وَ إِنْ کَانُوا مَجُوساً فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ یَکُونُ حَتَّی یَقُومَ قَائِمُنَا فَیُحِلُّ وَ یُحَرِّمُ)) (45).

وكذا فما تعاهد عليه لابد له من الالتزام به لقول الله عز وجل «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ» [النحل: 91] وعَن أَبِي عَبدِ اللهَ قَالَ (عليه السلام): ((إِنَّکُمْ لاَ تَکُونُونَ صَالِحِینَ حَتَّی تَعْرِفُوا وَ لاَ تَعْرِفُونَ حَتَّی تُصَدِّقُوا وَ لاَ تُصَدِّقُونَ حَتَّی تُسَلِّمُوا أَبْوَابٌ أَرْبَعَةٌ

لاَ یَصْلُحُ أَوَّلُهَا إِلاَّ بِآخِرِهَا ضَلَّ أَصْحَابُ اَلثَّلاَثَهِ وَ تَاهُوا تَیْهاً بَعِیداً إِنَّ اَللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی لاَ یَقْبَلُ إِلاَّ اَلْعَمَلَ اَلصَّالِحَ وَ لاَ یَقْبَلُ إِلاَّ اَلْوَفَاءَ بِالشُّرُوطِ وَ اَلْعُهُودِ)) (46).

26. وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ، أَوِ التَّزَيُّدَ فِيَما كَانَ مِنْ فِعْلِكَ، أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ.

وبطبيعة الحال فالحاكم لا يمن على رعيته بإدارة شؤونهم، بل له اجر ذلك أما في الدنيا أو بالآخرة بكليهما، لذا فعلى صاحب المسؤولية أداء ما عليه بالعدل ويحرص على ان لا يقع الظلم في أفعاله مع الناس لأمر الله تعالى «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» [النحل: 90] عَنْ صَبَّاحِ بْنِ خَاقَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ اَلتَّمِیمِیِّ قَالَ ((خَرَجَ أَمِیرُ اَلْمُؤْمِنِینَ (عَلَیْهِ اَلسَّلاَمُ) عَلَی أَصْحَابِهِ وَ هُمْ یَتَذَاکَرُونَ اَلْمُرُوءَةَ فَقَالَ أَیْنَ أَنْتُمْ مِنْ کِتَابِ اَللَّهِ قَالُوا یَا أَمِیرَ اَلْمُؤْمِنِینَ فِی أَیِّ مَوْضِعٍ فَقَالَ فِی قَوْلِهِ «إِنَّ اَللّهَ یَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسانِ» فَالْعَدْلُ اَلْإِنْصَافُ وَ اَلْإِحْسَانُ اَلتَّفَضُّلُ)) (47).

المبحث الرابع تطبيقات التعايش السلمي في المجتمع المسلم

1- التعايش الديني:

يقصد بالتعايش الديني قبول و احترام المعتقدات الدينية والمذهبية الأخرى المختلفة والمخالفة، والتعايش مع معتنقيها، وتظهر أهمية هذا النوع من التعايش في الظروف التي تسيطر فيها حركة دينية معينة على المجتمع وتضطهد أصحاب المعتقدات الدينية الأخرى (48).

ويعد أول تطبيق عملي للدولة الإسلامية هو ما فعله النبي (عليه السلام) في حسن التعايش مع الآخرين من غير المسلمين، ودلالة على ذلك أن الدين الإسلام لا ينفي الآخر على الإطلاق وأنه يقر بمبدأ الاختلاف بين الناس في أشكالهم وألوانهم ومعتقداتهم، وهو سنة وحكمة ربانية، قال تعالى «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» [يونس: 99] واستمر بعد وفاته من جاء بعده ال بيته والصحابة بتطبيق هذا السلوك الحضاري القويم، فعَن ثَابِتٍ، عَن أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخدُمُ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِندَ رَأسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ، وَهْوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القاسِم، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه وآله وسلم) وَهْوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ (49).

وقد لا يلتف كثير منا إلى شيء مهم وهو ساح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لغلام يهودي بأن يكون في بيته وخدمته ويدخل ويتطلع على أسرار لا يطلع عليه الناس.

وهنا يجب الانتباه والالتفات الى نقطة مهمة، وهي أن مشروع التعايش بالإسلام كان يخطط لبناء مجتمع محكم ينتمي إلى الهوية الإسلامية ويحمل شعارها من اجل ان يكون الدين كله لله. وما يؤيد هذا الرأي أن القانون الإسلامي يحمي الجميع مع تنوع أديانهم، حيث سجل لنا التاريخ قصة عن أعدل الحكام، إذ تنازع مواطن يهودي مع حاكم البلاد الإمام علي (عليه السلام) حيث ((أَنَّهُ مَضَی (عَلَیْهِ السَّلاَمُ) فِی حُکُومَةٍ إِلَی شُرَیْحٍ مَعَ یَهُودِیٍّ. فَقَالَ یَا یَهُودِیُّ: اَلدِّرْعُ دِرْعِی وَ لَمْ أَبِعْ وَ لَمْ أَهَبْ. فَقَالَ اَلْیَهُودِیُّ: اَلدِّرْعُ لِی وَ فِی یَدِی. فَسَأَلَهُ شُرَیْحٌ اَلْبَیِّنَةَ. فَقَالَ (علیه السلام): هَذَا قَنْبَرٌ وَ اَلْحُسَیْنُ یَشْهَدَانِ لِی بِذَلِكَ. فَقَالَ شُرَیْحٌ: شَهَادَةُ اَلاِبْنِ لاَ تَجُوزُ لِأَبِیهِ وَ شَهَادَةُ اَلْعَبْدِ لاَ تَجُوزُ لِسَیِّدِهِ وَ إِنَّهُمَا یَجُرَّانِ إِلَیْكَ. فَقَالَ أَمِیرُ اَلْمُؤْمِنِینَ (عَلَیْهِ السَّلاَمُ) وَیْلَكَ یَا شُرَیْحُ أَخْطَأْتَ مِنْ وُجُوهٍ أَمَّا وَاحِدَهٌ فَأَنَا إِمَامُكَ تَدِینُ اَللَّهُ بِطَاعَتِی وَ تَعْلَمُ أَنِّی لاَ أَقُولُ بَاطِلاً فَرَدَدْتَ قَوْلِی وَ أَبْطَلْتَ دَعْوَایَ، ثُمَّ سَأَلْتَنِی اَلْبَیِّنَةَ فَشَهِدَ عَبْدٌ وَ أَحَدُ سَیِّدَیْ شَبَابِ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ فَرَدَدْتَ شَهَادَتَهُمَا، ثُمَّ اِدَّعَیْتَ عَلَیْهِمَا أَنَّهُمَا یَجُرَّانِ إِلَی أَنْفُسِهِمَا أَمَا إِنِّی لاَ أَرَی عُقُوبَتَكَ إِلاَّ أَنْ تَقْضِیَ بَیْنَ اَلْیَهُودِ ثَلاَثَهَ أَیَّامِ أَخْرِجُوهُ فَأَخْرَجَهُ إِلَی قُبَاءَ فَقَضَی بَیْنَ اَلْیَهُودِ ثَلاَثاً ثُمَّ اِنْصَرَفَ فَلَمَّا سَمِعَ اَلْیَهُودِیُّ ذَلِكَ قَالَ هَذَا أَمِیرُ اَلْمُؤْمِنِینَ جَاءَ إِلَی اَلْحَاکِمِ وَ اَلْحَاکِمُ حَکَمَ عَلَیْهِ. فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَالَ: اَلدِّرْعُ دِرْعُكَ سَقَطَتْ یَوْمَ صِفِّینَ مِنْ جَمَلٍ أَوْرَقَ فَأَخَذْتُهَا)) (50). وعليه فإن التعايش الديني هو التسامح بين الرؤى الدينية للأديان المختلفة، وان القانون الإسلامي قائم على أساس العدل والمساواة ليس على أساس الديانة أو الانتماء.

2- التعايش الأخلاقي القيمي:

لقد أختار القرآن الكريم من بين جميع صفات النبي الأكرم أن يمتدحه بأعظم تلك الصفات و كلها عظيمة بالواقع فقال تعالى «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» [القلم:

4] لدلالة على الأهمية البالغة للأخلاق بمجاليها النظري والعلمي.

ومن نماذج سمو الخلق عند أهل البيت أن الإمام الحسين في أكثر من مورد يعلن انه لا ينبغي استخدام العنف وفرض الرأي والتسلط على الناس بالسلاح والقوة، وذلك موقفه مع الحر بن يزيد الرياحي الذي قدم لمقاتلة الإمام ومعه ألف فارس قد أنهكهم العطش، حيث وقفوا إمامه وقت الظهر في شدة الحر، وقد اشرفوا على الهلاك من شدة الظمأ، وكانت فرصة سانحة أن يقتلهم، وهو يعلم أنهم جاؤوا لقتاله وقتله، لكن رق لحالهم وغض النظر عنهم، وأمر أصحابه أن يسقوهم وان يرشفوا خيولهم ترشيفا (51)، وهنا يجسد أروع ملاحم الإنسانية والرحمة والتسامح ليؤكد أن التعايش هو مصلحة المجتمع، لان الإمام و أصحابة جاهدوا، ليس من اجل أطماع وأغراض دنيوية. وإنما من اجل الالتزام بالدين، وتحمل المسؤولية الاجتماعية، ومراعاة حقوق الآخرين.

والإمام الحسين عمل بما كان عليه أبوه أمير المؤمنين عندما قاتل معاوية بن أبي سفيان، واستولى عسكر معاوية على الماء وأحاطوا بشريعة الفرات، ورأى عليه السلام أنّه الموت لا محالة حمل على عساكر معاوية حملات كثيفة، حتى أزالهم وملكوا عليهم الماء، فقال أصحاب وشيعة للإمام (عليه السلام): امنعهم الماء كما منعوك، واقتلهم بسيوف العطش، فقال: لا والله أكافيهم بمثل فعلهم، افسحوا لهم عن بعض الشريعة.

فالتاريخ الإسلامي كان وما يزال يحتفظ ويفتخر بمواقف آل الرسول (عليهم السلام) التي يستفاد منها اعتنائهم بقيم التسامح واللين والعفو والسلم.

فالتعايش يستمد قوامه من تلك القيم المرتبطة الواحدة بالأخرى، إذ ليس من

الصواب الاهتمام بقيمة وإهمال القيم الأخرى وذلك لأن كل واحدة منها تكمل الأخرى، وهذا التداخل فيما بينها يجعلها تشكل الإنسانية كالعدل فهو بحاجة إلى الشجاعة والحكمة والعز، وهكذا تتداخل هذه القيم فيما بينها لتشكل قواعد للتعايش السلمي.

3- التعايش والحوار:

الحوار في معناه الصحيح لا يجوز أن يكون سبباً في التنافر والعداوة، بل بالعكس يجب أن يكون سبباً للتعارف والتلاقي على الخير واحترام كل جانب لوجهة نظر الجانب الآخر، وترسيخ قيمة التعايش، والبحث عن القواسم المشتركة التي تشكل الأساس المتين للتعاون المشترك بين الشعوب والأمم.

والناس - بإرجاعهم للقسمة المنطقية التي لا تقبل الإشكال - ((فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِی الدِّینِ، أَوْ نَظِیرٌ لَكَ فِی الْخَلْقِ)) (52) وهذه الجملة المختصرة لمولانا رائد الإنسانية (عليه السلام) أصبحت قاعدة أساس في إطار التسامح الديني والتعايش مع الآخرين وهي صالحة للعمل بها في كل زمان ومكان.

فالتاريخ الإسلامي يذكر بوضوح تام كيف كان المسلمون يعيشون مع كافة أتباع الأديان المختلفة جنباً إلى جنب، والكل يعيش في حرية دينية سامية، ويمارس سائر أشكال الحياة الاجتماعية وطقوسه الدينية، وخير دليل على ذلك قبول الحوار عند الإمام الرضا مع أهل الأديان وأصحاب المقلات، ويعتبر هذا المجلس الذي عقده المأمون للمناظرة بين الإمام الرضا (عليه السلام) وبين علماء الأديان والمذاهب، مجلساً فريداً حيث لم ينعقد مجلس مثله من ظهور الإسلام إلى غيبة ولي الأمر.

ولإثبات أن المشتركات بين الأديان كثيرة أن الإمام الرضا قال لكبير علماء المسيحية:

(انا مقر بنبوة عيسى وكتابه وما بشر به أمته وأقرت به الحواریون وکافر بنبوة كل عیسی لم يقر بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبكتابه ولم يبشر به أمته) (53). مؤكدا أن التعايش ممكن رغم الاختلاف وان الإسلام قام على الإقرار بالديانات السماوية التي سبقته إلا «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ» [آل عمران: 19].

فالاختلاف بين الشرائع أثبته الله في قوله تعالى «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا» [المائدة: 48]، وهذه الشرائع والمناهج رغم اختلافها لكن ما يجمعها واحد «دِينًا قِيَمًا» [الأنعام: 161] وله مالك واحد هو «مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» [الفاتحة: 4].

4- التعايش مع المنافقين:

يعد النفاق والمنافقون خطراً داهماً وشراً مستطيراً على الإنسان والمجتمع الإسلامي، وقد حذر الإسلام من النفاق وأهله، وقد خصص الله سبحانه وتعالى سورة باسمهم: سورة المنافقون، قال تعالى «إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ» [المنافقون: 1].

وقد لعبوا دورا خطيرا في الوقيعة بين المسلمين، ولم يتوقفوا على ذلك فقط بل عمدوا إلى الإساءة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإيذائه، ومع ذلك فان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) صبر عليهم واستعمل الحكمة في ردهم ودفع فتنهن عن المسلمين، فيما روي عن جَابِرٍ بقوله رَضِيَ الله عَنهُ: ((غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّی اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ حَتَّی کَثُرُوا، وَكَانَ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ، فَكَسَعَ أَنْصَارِیًّا، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا، وقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ؟ ثُمَّ قَالَ: مَا شَأْنُهُمْ «فَأُخْبِرَ بِکَسْعَةِ المُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى

اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ): «دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ» وَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِینَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلاَ نَقْتُلُ یَا رَسُولَ الله هَذَا الخَبِيثَ؟ لِعَبْدِ الله، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ))) (54).

فان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه المبادئ قد تجاوز كل دعوات وعوامل الصراع والنزاع، بتسامحه وسعة صدره وقدرته على الاحتواء، وحاول استمالتهم إلى الإيمان الحقيقي، وهذا بحد ذاته يعتبر ردا على المتقولين أن الإسلام ليس دين تسامح وحوار، وانه دین قوة وقهر، وانتشر بالسيف.

وهذا وصيه سيد الموحدين (عليه السلام) عندما تمرد عليه الخوارج - وهو آنذاك الحاكم الشرعي - المنتخب من جماهير الأمة، ورغم أنهم تجرؤوا على الإمام برميه بالكفر والشرك، إلا انه - وانطلاقا من تسامحه وخلقه الرفيع وبصيرته الدينية - رفض (عليه السلام) أن يعتبر الخوارج الذين كفروه كفارة، أو أن يحكم بخروجهم عن الإسلام، فضلاً عن موقفه وتعامله مع سائر المحاربين له وهذا ما اشتهر عند جميع المسلمين ((إِنَّ عَلِیّاً (علیه السلام) لَمْ یَکُنْ یَنْسُبُ أَحَداً مِنْ أَهْلِ حَرْبِهِ إِلَی اَلشِّرْكِ وَ لاَ إِلَی اَلنِّفَاقِ وَ لَکِنَّهُ کَانَ یَقُولُ هُمْ إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَیْنَا)) (55).

وهذه الشواهد التي نسوقها هي نابعة من سياسة تسامحيه مع المجتمع بكافة أطيافه لأمير المؤمنين (عليه السلام)، رغم ما يكنه له البعض من عداء أو كراهية، وأيضا ما يبطنونه من حقد دفين، فعاملهم بالرفق واللين، مقدما نموذجاً فريدا للعالم أجمع للتعايش السلمي، دون تأجيج للفتنه، وتنكيل بالخصوم.

وفي هذا السياق قد نقل الدكتور عبد الهادي الفضلي ما ذكرته مجلة (الشؤون الدولية)

(56) في عددها الخاص عن الإسلام والمسيحية والماركسية انتهى فيه الباحثون في دراستهم ان هذه العقائد الثلاثة: (الإسلام والمسيحية والماركسية) لا يزال الإسلام - من بينها - نظاما صالحا للتطبيق والمعاصرة (57).

5. التعايش في المعاملات الدينية:

کما سلفت الإشارة أن التعايش في الواقع الإسلامي هو عقيدة ثابتة وسلوك راقٍ، بل هو منهج طبقه المسلمون في حياتهم الخاصة والعامة، فكان تعاملهم مع غيرهم من إتباع الديانات الأخرى، مثالا رفيعا قل نظيرة.

ولعل من اكبر الأدلة وأقوى الحجج في هذا المورد عبر العصور على أساس متين من التعايش، ما رواه جَابِرٍ اَلْأَنْصَارِیِّ قَالَ: ((صَلَّی بِنَا عَلِیٌّ (عَلَیْهِ السَّلاَمُ) بِبَرَاثَا بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ قِتَالِ اَلشُّرَاةِ وَ نَحْنُ زُهَاءُ مِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ فَنَزَلَ نَصْرَانِیٌّ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فَقَالَ: أَیْنَ عَمِیدُ هَذَا اَلْجَیْشِ فَقُلْنَا: هَذَا.

فَأَقْبَلَ إِلَیْهِ فَسَلَّمَ عَلَیْهِ ثُمَّ قَالَ: یَا سَیِّدِی أَنْتَ نَبِیٌّ؟ فَقَالَ (علیه السلام): لاَ اَلنَّبِیُّ سَیِّدِی قَدْ مَاتَ. قَالَ: أفَأَنْتَ وَصِیُّ نَبِیٍّ؟ قَالَ (علیه السلام): نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ لَهُ اجْلِسْ كَيْفَ سَأَلْتَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا بَنَيْتُ هَذِهِ الصَّوْمَعَةَ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَ هُوَ بَرَاثَا وَ قَرَأْتُ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِهَذَا الْجَمْعِ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ وَ قَدْ جِئْتُ أُسْلِمُ فَأَسْلَمَ وَ خَرَجَ مَعَنَا إِلَى الْكُوفَةِ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (علیه السلام): فَمَنْ صَلَّى هَاهُنَا؟ قَالَ: صَلَّى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَ أُمُّهُ (علیهم السلام) فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (علیه السلام) أَ فَأُخْبِرُكَ مَنْ صَلَّى هَاهُنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: الْخَلِيلُ (عليه السلام) (58) وأصبح هذا المكان جامعا للمسلمين وله نفس الاسم (براثا) إلى يومنا هذا، ولم يغير المسلمون اسم ذلك الجامع.

والأمر الذي يؤيد بما لا يرقى إليه الشك قوله تعالى «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ

بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)» [البقرة: 251] ونحن لا نسوق هذه الشواهد التاريخية إلا أن نؤكد على إن التعايش في الإسلام أصلُ أصيل، ومبدأ ثابت من مبادئ أهل البيت (عليهم السلام)، وان التعايش هو سمتهم التي اصطبغت بها الحضارة الإسلامية عبر الأحقاب.

6- التعايش في الجانب الاقتصادي:

من الثابت لنا أن الدولة الإسلامية هي المسؤولة عن جميع الأفراد ضمن أراضيها سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، ولهذه المسؤولية دور مهم في تحقيق التعايش الاقتصادي السلمي بينهم أي بين المسلمين وغيرهم.

وقد اهتم الإمام علي (عليه السلام) بالجانب الاقتصادي اهتماماً خاصً، وقد كان من المتصدين أمام كل المحاولات الرامية، إلى التعدي على حقوق أفراد الدولة الإسلامية، حيث أن أول ما قام به عند تسنمه الخلافة، إلغائه النظام الذي كان متبعاً قبله في العطاء على أساس الهجرة والسابقة في الإسلام والقرابة من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (59)، وأعاده إلى نظام المساواة بين المسلمين، إلا ((أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِ عَلِیٍّ (علیه السلام) مَشَوْا إِلَیْهِ عِنْدَ تَفَرُّقِ اَلنَّاسِ عَنْهُ وَ فِرَارِ کَثِیرٍ مِنْهُمْ إِلَی مُعَاوِیَةَ طَلَباً لَمَا فِی یَدَیْهِ مِنَ اَلدُّنْیَا فَقَالُوا: لَهُ یَا أَمِیرَ اَلْمُؤْمِنِینَ أَعْطِ هَذِهِ اَلْأَمْوَالَ وَ فَضِّلْ هَؤُلاَءِ اَلْأَشْرَافَ مِنَ اَلْعَرَبِ وَ قُرَیْشٍ عَلَی اَلْمَوَالِی وَ اَلْعَجَمِ وَ مَنْ یُخَافُ خِلاَفُهُ عَلَیْهِ مِنَ اَلنَّاسِ وَ فِرَارُهُ إِلَی مُعَاوِیَةَ. فَقَالَ لَهُمْ أَمِیرُ اَلْمُؤْمِنِینَ (عَلَیْهِ السَّلاَمُ) أَ تَأْمُرُونِّی أَنْ أَطْلُبَ اَلنَّصْرَ بِالْجَوْرِ لاَ وَ اَللَّهِ لاَ أَفْعَلُ مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَ لاَحَ فِی اَلسَّمَاءِ نَجْمٌ لَوْ کَانَ مَا لَهُمْ لِی لَوَاسَیْتُ بَیْنَهُمْ فَکَیْفَ وَ إِنَّمَا هِیَ أَمْوَالُهُمْ)) (60).

وشاهد آخر عَنْ رَجُلٍ بَلَغَ بِهِ أَمِیرَ اَلْمُؤْمِنِینَ (عَلَیْهِ اَلسَّلاَمُ) قَالَ: ((مَرَّ شَیْخٌ

مَکْفُوفٌ کَبِیرٌ یَسْأَلُ فَقَالَ أَمِیرُ اَلْمُؤْمِنِینَ (عَلَیْهِ اَلسَّلاَمُ): مَا هَذَا؟ قَالُوا: یَا أَمِیرَ اَلْمُؤْمِنِینَ نَصْرَانِیٌّ. فَقَالَ أَمِیرُ اَلْمُؤْمِنِینَ (عَلَیْهِ اَلسَّلاَمُ) اِسْتَعْمَلْتُمُوهُ حَتَّی إِذَا کَبِرَ وَ عَجَزَ مَنَعْتُمُوهُ، أَنْفِقُوا عَلَیْهِ مِنْ بَیْتِ اَلْمَالِ)) (61).

يمكن القول أن الدولة الإسلامية المتمثلة بالإمام علي (عليه السلام)، ساهمت في توفير البيئة التي يتعايش فيها المسلم وغير المسلم و تحقق لغير المسلم حقوقه كاملة، فهو يتمتع بكل الخدمات التي قدمها (عليه السلام) دون تمييز بين المسلم وغيره وهذا يساهم بالتعايش الفعال وايضا يمنح البيئة والمناخ الملائم لممارسة النشاط الاقتصادي.

ولم تقف جهود الإمام (عليه السلام) عند هذا الحد، وإنما تجاوز ذلك قيامه بمتابعة عمل الجباة والمكلفون بجمع تلك الأموال، عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قال: ((أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى بَزْرَجِ سَابُورَ فَقَالَ: لَا تَضْرِبَنَّ رَجُلًا سَوْطًا فِي جِبَايَةِ دِرْهَمٍ، وَلَا تَبِيعَنَّ لَهُمْ رِزْقًا وَلَا کُسْوَةَ شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ، وَلَا دَابَّةً يَعْتَلِملُونَ عَلَيْهَا، وَلَا تُقِمْ رَجُلًا قَائِمًا فِي طَلَبِ دِرْهَمٍ. قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ إِذًا أَرْجِعَ إِلَيْكَ کَمَا ذَهَبْتُ مِنْ عِنْدِكَ. قَالَ: وَإِنْ رَجَعْتَ کَمَا ذَهَبْتَ وَيْحَكَ إِنَّمَا أُمِرْنَا أَنْ نَأْخُذَ مِنْهُمُ الْعَفْوَ)) (62).

أن تعامل الإمام (عليه السلام) في جباية الأموال المفروضة على أهل الذمة، إنما هو مستمد من الشريعة السمحاء ، فهؤلاء دخلوا في ذمة الدولة الإسلامية وان التسامح معهم قد يودي إلى تألیف قلوبهم نحو الإسلام ومن ثم دفعهم الى الدخول فيه، مع مراعاة عدم إبراء ما بذمتهم من حقوق مالية. وهذا كله يؤدي بالنتيجة الى نشر ثقافة التعايش والتالف بين أفراده وإشاعة السلم الاقتصادي في المجتمع بأسره.

من الشهادات الصادرة عن ابرز علماء الغرب التي تشيد بإنسانية الإسلام ومدی

التعايش السلمي فيه اذ قال الكونت هندريك: ان المسلمين امتازوا بالمسالمة وحرية الأفكار في المعاملات و محاسنتهم المخالفين، وقال غوستاف لوبون: ان القوة لم تصمد أمام قوة القرآن، وان العرب تركوا الماديين أحراراً في أديانهم فقد عاملوهم بلطف عظيم. والحق أن الأمم الم تعرف فاتحین رحماء متسامحين مثلهم (63).

النتائج:

1.

أثبت البحث أن جميع كلمات أمير المؤمنين ما هي شرح و تجسيد لآيات القرآن الكريم وأحاديث خاتم الرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد طبقها عملياً في حياته الشريفة بأكمل صوّرها.

2.

أن التعايش السلمي ركيزة إسلامية وليس خطابات فضفاضة عمل عليها أهل البيت (عليهم السلام) وأكدوها في حياتهم القولية والفعلية والتقريرية.

3.

أن السيرة التاريخية للإمام علي (عليه السلام) هي المصدر الكبير لروح الإنسانية التي تنشر العفو والتعايش على جميع العصور.

4.

العهد المبارك لأمير المؤمنين (عليه السلام) يستحق عقد المصنفات المطولة لما يحمله من مضامين عالية أوجزها بقوة العبارة ودقتها، وما نصوص التعايش السلمي التي عرضها البحث إلا دليل على صلاحيته ليكون دستوراً إنسانياً لحكام العالم بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم.

5.

رسم (عليه السلام) للمسلمين من خلال عهده ومعطيات الأحداث التي قدمها، طريقا في التعامل مع الآخر، بكافة المجالات الاجتماعية والاقتصادية والدينية.

6.

تأكيد العهد المبارك إن الاشتراك أصل والاختلاف فرع، فالآخر هو النظير بالدين أو بالخلقة وهذا دليل لا لبس فيه على أن التعايش السلمي مقصود إلهي لخدمة الأهداف الإنسانية وتحقيق المصالح البشرية.

7.

جسدت فتوى الجهاد الكفائي المباركة وحشدنا المقدس اليوم الصور الإنسانية لمعاني التعايش وقبول الآخر، بل؛ والدفاع عنه والتضحية بالغالي والنفيس.

التوصيات:

1.

تفعيل دور المؤسسات التربوية من خلال تنويع مناهجها في الحث على سبل التعايش بين الأفراد.

2.

السعي الجدّي لوسائل الإعلام - بكافة أشكالها المرئية والمسموعة والمقروءة - بأخذ دورها الفاعل في نشر قيم التعايش السلمي بين فئات المجتمع.

3.

تطويّر البرامج الثقافية والفكرية، الداعيّة لبث روّح التعايش والمواطنة وقبول الآخر، من منطلق العهد المبارك للإمام علي (عليه السلام) ليتواءم مع التحولات ألعصريه الجارية في العالم كله.

4.

ترجمة مفهوم العهد باللغات الأخرى، كاللغة الانكليزية والفرنسية، وغيرها، وعرضها بطريقة بسيطة، للتعريف بالأنموذج المتكامل لسماحة الإسلام وعدالته، ودحض مزاعم الأعداء بإقصائه للإنسان وتهميشه على أساس من دينه أو مذهبه المخالف.

هذا وأسأل الله تعالى أن يتقبل منا ويجعلنا من أهل الإخلاص والإيمان، واعو ذبه من النفاق والرياء، إن أصبت فمن الله تعالى وان أخطأت فمن نفسي والشيطان، سبحان ربك عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

الهوامش

1.

الزَّبيدي: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، تاج العروس من جواهر القاموس، ج 27، ص 447

2.

الحكيم: محمد تقي، الأصول العامة للفقه المقارن، المؤسسة الدولية، ط 4، بیروت، 1422 - 2001، ص 35.

3.

إبراهيم مصطفی و مجموعة من العلماء: المعجم الوسيط ، دار النشر: دار الدعوة تح: مجمع اللغة العربية . باب العین، ج 2، ص 639.

4.

ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بیروت، ط 1، باب عيش، ج 6، ص 321.

5.

ينظر: ابن فارس، معجم مقاییس اللغة، تح: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، ط: 1399 ه - 1979 م. باب سلم، ج 3، ص 90.

6.

ابن منظور، لسان العرب، باب سلم، ج 12، ص 289.

7.

يُنظَر: مقال للباحث، زاويتي محمد، التعايش بين الأديان، كيف ولماذا؟، بتاريخ 12/28 / 2011 م، موقع: مع لبناء السلام: http://www.tfpb.org

8.

مجموعة من أساتذة معهد الفلسفة وأكاديمية العلوم بالاتحاد السوفيتي، مشكلة الحرب والسلام، ترجمة: شوقي جلال وسعد رحمي، دار الثقافة الجديد، مصر، بدون تاریخ، ص 2.

9.

التويجري: عبد العزيز بن عثمان، الإسلام والتعايش بين الأديان في أفق القران الحادي والعشرون، منشورات المنظمة العربية الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة - إيسيسكو - 1419 ه، ص 2.

10.

ابن منظور: لسان العرب، ج 7، ص 410.

11.

الجصاص: أحمد بن علي، أحكام القرآن، تح: عبد السلام محمد علي، دار إحياء

التراث العربي، بيروت 1405 ه 2/ 2150.

12.

ينظر: الطباطبائي، تفسير الميزان، ج 11، ص 60.

13.

بحر العلوم: حسن عز الدين، التعددية الدنية في الفكر الإسلامي، العارف للمطبوعات، لبنان، ط 1، سنة 2011، ص 35

14.

المجلسي: محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ط 3، بیروت، دار إحياء التراث العربي، سنة 1403، ج 71، ص 167.

15.

وقد وصف حالهم بدقة جعفر بن ابي طالب، حين خطب امام النجاشي قالا: أيها الملك! كنَّا قومًا أهلَ جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل المَيتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار،... حتى بعث الله إلينا رسولاً منَّا، نعرف نَسَبَه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحِّده ونعبده، ونخلع ما كنَّا نعبد نحن وآباؤنا منَ الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة. ينظر: ابن هشام: أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعارفي، السيرة النبوية،، تح: طه عبدالرؤوف، دار الجيل، بیروت، ط 1، سنة 1411 ه، ج 1، ص 335 - 336.

16.

المجلسي، بحار الأنوار، ج 73، باب جوامع مناهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ص 348.

17.

ينظر: ابن هشام، السيرة النبوية، ج 2، ص 350.

18.

الشيرازي: ناصر مکارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 2، ص 262.

19.

المجلسي: بحار الأنوار، ج 16، باب مکارم أخلاقه و سیره و سننه ص 216؛ وكذا: الحر العاملي: محمد بن الحسن، الجواهر السنية في الأحاديث القدسية، 1384 ه ط النعمان، النجف الأشرف، ص 57.

20.

الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 3، باب جواز الصلاة على الميت، ص 107

21.

فقة التعايش في السيرة، ص 40

22.

الكليني، الكافي، ج 8، باب حديث أبي بصير مع المرأة، ص 106

23.

الصدوق: من لا يحضره الفقيه، ج 4، باب النوادر و هو آخر أبواب الكتاب، ص 362.

24.

الكليني: الكافي، ج 1، باب أن الأئمة (عليهم السلام) معدن العلم و شجرة النبوة، ص 221.

25.

العسكري، الفروق اللغوية، ص 234.

26.

الكليني: الكافي، ج 2، باب الاهتمام بأمور المسلمين و النصي، ص 164.

27.

الصدوق: من لا يحضره الفقیه، ج 1، باب وجوب الجمعة و فضلها ومن وضعت، ص 420.

28.

الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 9، باب الحقوق في المال سوى الزكاة، ص 45

29.

الصدوق: من لا يحضره الفقيه، ج 4، باب و من ألفاظ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الموجزة، ص 401

30.

الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 17، باب الزيادة وقت النداء و الدخول، ص 459.

31.

وقد كان منهج مولانا أمير المؤمنين واضح بقوله(عليه السلام): ((فَوَ الله مَا أَنَا فِي هَذَا الْمَالِ وَ أَجِیرِي هَذَا إِلَّا بِمَنْزِلَةٍ سَوَاء)). المجلسي: بحار الأنوار، ج 32، باب بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ص 110

32.

الكليني: الكافي، ج 1، باب أنه لا يعرف إلا به، ص 85

33.

النوري: مستدرك الوسائل، ج 6، باب استحباب زيادة ألف ركعة في شهر، ص 214.

34.

الكليني: الكافي، ج 1، باب صفة العلم و فضله و فضل العلماء، ص 32

35.

الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 28، باب أنه لا فرق في حد الشرب، ص 228

36.

الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 12، باب استحباب العفو عن الظالم، ص 174.

37.

الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 11، باب خصال الفتوة و المروءة، ص 435.

38.

الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 16، باب استحباب تكرار التوبة و الاستغفار، ص 86.

39.

الطوسي: تهذيب الأحكام، ج 6، باب من الزيادات في القضايا، ص 292.

40.

الصدوق: من لا يحضره الفقيه، ج 4، باب ومن ألفاظ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الموجزة، ص 394

41.

الكليني: الكافي، ج 1، باب أن المتوسمين الذين ذكرهم الله، ص 218

42.

الكليني : الكافي، ج 2، باب المداراة، ص 116

43.

الكليني: الكافي، ج 2، باب الإصلاح بين الناس، ص 209.

44.

الكليني: الكافي، ج 8، حديث القباب، ص 249.

45.

الكليني: الكافي، ج 5، باب أداء الأمانة، ص 132.

46.

الكليني: الكافي، ج 1، باب معرفة الإمام(عليه السلام) و الرد إليه، ص181 47. الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 11، باب خصال الفتوة و المروءة، ص 434.

47.

الفيشاوي: سعد، المعجم العلمي للمعتقدات الدينية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2007، ص 434.

48.

بن حنبل: أحمد، المسند، ج 3، ص 175، ح 12823.

49.

المجلسي: بحار الأنوار، ج 101، باب نوادر القضاء، ص 296.

50.

ينظر: القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)، ط 1، سنة 1413 ه، بيروت: درا البلاغة، ج 3، ص 74.

51.

المجلسي: محمد باقر، بحار الأنوار، ج 41، ص 145

53.

الصدوق: التوحید، ص 420

54.

البخاري: صحيح البخاري، ح 4905، وكذا: مسلم، صحیح مسلم، ح 2584.

55.

الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 15، باب حکم قتال البغاة، ص 83

56.

الصادرة عن جامعة كامبردج البريطانية التي تعدّ من الجامعات المرموقة على المستوى الأكاديمي العالمي.

57.

الفضلي: عبد الهادي، الإسلام والتعدد الحضاري بين سُبل الحوار وأخلاقيات التعايش، ط 1، بیروت، 2014، مركز الحضارة التنمية الفكر الإسلامي، ص 106.

58.

الصدوق: من لا يحضره الفقیه، ج 1، باب فضل المساجد و حرمتها و ثواب من، ص 232.

59.

ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 3، ص 109.

60.

الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 15، باب التسوية بين الناس في القسمة، ص 107.

61.

الطوسي: تهذیب الأحکام، ج 6، باب من الزيادات في القضايا، ص 292

62.

البيهقي: السنن الکبری، ج 9، ص 345.

63.

ينظر: الشيرازي، محمد الحسيني، السلم والسلام، ط 1، 1426 ه - 2005 م، لبنان، دار العلوم، ص 41.

قائمة المصادر والمراجع

• القرآن الكريم.
1.

بحر العلوم: حسن عز الدين، التعددية الدنية في الفكر الإسلامي، العارف للمطبوعات، لبنان، ط 1، سنة 2011 م.

2.

البخاري: محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، تح: مصطفی دیب، دار بن كثير، دمشق، ط 3، 1403 ه.

3.

البيهقي: احمد بن الحسين، السنن الكبرى، تح: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 3، 1424 ه - 2003 م.

4.

التويجري: عبد العزيز بن عثمان، الإسلام والتعايش بين الأديان في أفق القرآن الحادي والعشرون، منشورات المنظمة العربية الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة - إيسيسكو - 1419 ه.

5.

الجصاص: أحمد بن علي، أحكام القرآن، تح: عبد السلام محمد علي، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1405 ه.

6.

الحكيم: محمد تقي، الأصول العامة للفقه المقارن، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، ط 4، بيروت، 1422 ه - 2001 م.

7.

ابن حنبل: أحمد، مسند أحمد بن حنبل، تح: شعیب الارناؤوط - عادل مرشد وآخرون، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1421 ه - 2001 م.

8.

زاويتي: محمد، التعايش بين الأديان، كيف ولماذا؟ مقال منشور بتاريخ 28/ 2011/12م، موقع: معاً لبناء السلام: .http://www.tfpb.org

9.

الزبيدي: محمّد بن محمّد بن عبد الرّزاق الحسيني، تاج العروس من جواهر القاموس، تح: علي شيري، دار الجديد للطباعة والنشر والتوزيع، بلا.

10.

الشيرازي: ناصر مكارم، الأمثل في تنزيل كتاب الله الأمثل، ترجمة ونشر مدرسة

الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قم، 1426 ه. ق.

11.

الصدوق: محمد بن علي الحسين، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامية، صححه وعلق عليه: علي اكبر الغفاري، منشورات: جماعة من المدرسين في الحوزة العلمية قم، ط 3، 1413.

12.

الطباطبائي: محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1997 م.

13.

الطبرسي: حسين النوري، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، تح: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، ط 1، 1408 ه.

14.

الطبري: محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، راجعه وصححه وضبطه نخبه من العلماء، 1879 م.

15.

الطوسي: محمد ابن الحسن، تهذيب الأحكام، تح: حسن الموسوي الخراساني، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1365 ه.

16.

العاملي: محمد الحسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تح: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، قم، 1414ه.

17.

العسكري: أبو هلال، الفروق اللغوية، تح: مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط 1، 1412 ه.

18.

ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، تح: عبد السلام محمد هارون، دار الفکر، ط: 1399 ه - 1979 م.

19.

الفضلي: عبد الهادي، الإسلام والتعدد الحضاري بين سُبل الحوار وأخلاقيات التعايش، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي ط 1، بيروت، 2014 م.

20.

الفيشاوي: سعد، المعجم العلمي للمعتقدات الدينية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2007 م.

21.

القرشي: باقر شريف، حياة الإمام الحسين بن علي (علیه السلام)، ط 1،، بیروت:

درا البلاغة، 1413 ه.

22.

الكليني: محمد بن یعقوب، الكافي، صححه وعلق عليه علي اکبر الغفاري: دار الكتب الإسلامية، طهران، ط 3، 1365 ه.

23.

المجلسي: محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، بیروت، دار إحياء التراث العربي، ط 3، 1403 ه.

24.

مجموعة من أساتذة معهد الفلسفة وأكاديمية العلوم بالاتحاد السوفيتي، مشكلة الحرب والسلام، ترجمة: شوقي جلال وسعد رحمي، دار الثقافة الجديد، مصر، بلا ت.

25.

إبراهيم: مصطفی و مجموعة من العلماء، المعجم الوسيط، دار النشر: دار الدعوة تح: مجمع اللغة العربية.

26.

ابن منظور: محمد بن مکرم، لسان العرب، دار صادر، بیروت، لسان العرب، ط 1.

27.

ابن هشام: أبو محمد عبد الملك، السيرة النبوية، تح: طه عبد الرؤوف، دار الجيل، بیروت، ط 1، 1411 ه.

المحتویات

المردود السلبي لتقريب الخواص (قراءة في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه))

أولا: طبقة الخواص في القرآن الكريم...7

ثانيا: خاصة مالك بين واقعية التواجد وإيحاءات التجربة التاريخية...13

ثالثاً: الخاصة والصورة الضمنية للمصداق السلبي في تجربة الحكم الإسلامي...18

رابعا: حكم الأكفاء ومنظار الصفات المؤهلة للقيادة...26

الخاتمة...27

الهوامش...30

المصادر...34

الجوانب التربوية والاجتماعية ودلالاتها في عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر (العدالة والانصاف والمساواة) أنموذجاً

ملخص البحث...41

المبحث الاول...45

مشكلة البحث:...45

اهمية البحث...46

اهداف البحث: يهدف البحث:...48

حدود البحث...49

تحديد المصطلحات:...49

ثانيا: العدالة الاجتماعية...50

ثالثا: المساواة...50

رابعا: الإنصاف...50

اصطلاحا: هو الشعور التلقائي الصادق بما هو عدل او جور...50

المبحث الثاني: منهج البحث واجراءاته...51

منهج البحث (Method of Research)...51

عينة البحث: Sample of Research...51

اداة البحث: Tools of Reasearch...52

تطبيق اداة البحث:...53

الوسائل الاحصائية: (Statistical Means)...54

اعتمدت الباحثتان الوسائل الاحصائية الاتية:-...54

المبحث الثالث: نتائج البحث ومناقشتها...54

عرض النتائج:...54

التوصيات:...57

المقترحات:...58

المصادر:...58

ملحق(1)...59

القواعد الاخلاقية والخصائص السلوكية الواجب توفرها في شخصية من يتولى الامصار الاسلامية من خلال عهد الامام علي (علية السلام) لواليه مالك الاشتر

المقدمة...67

المبحث الأول: نظرة عامة على الاوضاع التاريخية ابان تسلم الامام على (علية السلام)...69

الخلافة الراشدة (30/ 61 ه - 661/655 م)...69

المبحث الثاني: القواعد الاخلاقية والقيم السلوكية الواجب توفرها في ولاة الدولة الاسلامية في ضوء عهد الإمام (علية السلام) لمالك الاشتر...76

اولا: تقوى الله والاتعاظ بالتاريخ...78

ثانيا: امتلاك الهوى وعدم اطاعة الرغبات...80

ثالثا: انصاف الناس من النفس...81

رابعا: ستر عيوب الناس...82

خامسا: الوفاء بالعهد...85

سادسا: قواعد وضوابط اخلاقية وشخصية اخرى...86

الخلاصة...89

قائمة المصادر والمراجع...91

الهوامش...91

الوفاء بالعهد أس من أُسٌّ بناء الدولة والمجتمع

بين يدي البحث...105

الوفاء بالعهد في الجاهلية:...107

الوفاء بالعهد في الإسلام:...109

الوفاء بالعهد أمان للعباد:...114

شروط صحة العهد:...115

خاتمة البحث...119

الهوامش...120

فهرس المصادر والمراجع...122

القيادة التحويلية عند الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) (دراسة تحليلية)

تعريف بالبحث...127

المقدمة:...127

أهمية البحث:...128

أهداف البحث:...130

حدود البحث:...130

منهج البحث:...130

التعريف بمصطلحات البحث:...131

أولاً- القيادة ((Leadership: عرفها كل من:...131

ثانياً- القيادة التحويلية :(Transformational Leadership)...132

اطار نظري...133

القيادة في اللغة:...133

القيادة في الإسلام:...133

مفهوم القيادة التحويلية ومكوناته:...135

أبعاد القيادة التحويلية:...139

صفات وخصائص القائد التحويلي ومهاراته:...143

النظريات التي فسرت القيادة التحويلية:...144

دراسة القيادة التحويلة في عهد الامام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر:...148

مدى الإفادة من النمط القيادي التحويلي للإمام علي (عليه السلام) في إدارة شؤون الدولة والمؤسسات بما يتماشى مع الظروف الراهنة...159

التوصيات:...162

المقترحات:...163

المصادر العربية...164

المصادر الأجنبية:...166

من روائع عهد الإمام علي (عليه السلام) (فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق) (أنموذجاً) دراسة وتحليل

المطلب الأول: معايير التفضيل بين البشر...171

أولاً: التقوى...172

ثانياً: العلم...173

ثالثاً: الاخلاق...174

المطلب الثاني: الاعتراف بإنسانية الإنسان...175

أولاً: الاختبار الإلهي...176

ثانياً: إدراك عظمة الخالق...176

ثالثاً: إثراء التجارب...177

رابعاً: معرفة قيمة التعايش...177

المطلب الثالث: حدود الاعتراف بالآخر...177

أولاً: الإرادة الصلبة...178

ثانياً: محورية بلد المقدسات (العراق)...178

المطلب الرابع: الحوار من مقتضيات تصنيف أمير المؤمنين (عليه السلام)...179

الخاتمة:

الهوامش...183

أهم المصادر والمراجع:...185

العدالة الاجتماعية في ضوء عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر. ((الطبقة السفلى أنموذجاً))

المقدمة...189

المبحث الأول: ماهية العدالة الاجتماعية وأسسها وكيفية تطبيقها...191

المطلب الأول: ماهية العدالة...191

أولا: العدالة لغة:...191

ثانياً العدالة اصطلاحاً:...191

المطلب الثاني: أسس العدالة الإجتماعية:...194

1- المساواة:...194

2- التوزيع العادل للثروات:...195

3- احترام حقوق الإنسان...196

4- التكافل الاجتماعي:...196

5- وجود الحاكم العادل:...197

المبحث الثاني: طبقات الرعية والعدالة الاجتماعية بأصناف الطبقة السفلى...200

وتوصيات الإمام للراعي...200

المطلب الأول: طبقات الرعية...200

إرضاء العامة...202

المطلب الثاني: العدالة الاجتماعية بأصناف الطبقة السفلى...203

وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن...207

المطلب الثالث: وصايا الإمام ع بحق الطبقة السفلى...207

وهذه جملة من وصاياه (علیه السلام):...207

أما الوصايا الخاصة بالطبقة السفلى إضافة إلى ما ذكر...214

لقد حذر الإمام (عليه السلام) الوالي من أمرين...215

الخاتمة والتوصيات:...216

جملة من التوصيات:...217

فهرست الهوامش...219

فهرست المصادر...221

الامن الاجتماعي و وسائل تحقيقه في ظل عهد الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لمالك الاشتر رضوان الله عليه

مفهوم الأمن الاجتماعي...228

الخاتمة والاستنتاجات...252

الهوامش...255

التعايش السلمي (دراسة في المأثور عن الإمام علي (عليه السلام)في عهده لمالك الأشتر)

المقدمة:...261

التمهيد...263

(التعايش السلمي) لغة واصطلاحاً...263

التعايش لغةً:...263

السلم لغةً:...263

التعايش السلمي اصطلاحاً:...263

الوالي مالك الأشتر (رضي الله عنه):...266

التعايش السلمي عند الإمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر:...268

قوله (عليه السلام) لمالك في التعايش السلمي وتفضيل السلم على القتال:...275

ماذا نجني من السلام والتعايش السلمي:...279

حقوق الرعية لجميع الشرائح والأديان:...281

الخاتمة:...286

الهوامش:...287

المصادر والمراجع:...290

ذوو الاحتياجات الخاصة وفئاتهم في عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضي الله عنه)

المقدمة...297

المبحث الاول: مفهوم ذوو الاحتياجات الخاصة وفئاتهم...299

التسمية:...308

المبحث الثاني: مصطلح ذوي الحاجات في عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر رضوان اللہ علیه...315

فئات ذوي الاحتياجات في وثيقة العهد:...318

وقد قسَّم الامام فئات ذوي الاحتياجات على النحو التالي:...322

الخاتمة...331

المصادر...334

الهوامش...341

القيم السلوكية والمحددات النفسية في ضوء عهد امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) في رسالة مالك الاشتر (رضوان الله عليه)

ملخص البحث...355

المقدمة...357

اهمية البحث والحاجة اليه...360

هدف البحث:-...365

حدود البحث:-...365

تحديد المصطلحات:-...365

1- القيم السلوكية...365

2- المحددات النفسة...366

3- عهد الامام علي (عليه السلام)...366

4- الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)....367

5- مالك الأشتر (رضي الله عنه)...367

الاطار النظري للبحث...368

عرض النتائج...372

التوصيات...373

المقترحات...373

قائمة المصادر...374

القيم الاجتماعية المستوحاة من رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضوان الله عليه)

المقدمة...381

مفهوم القيم الاجتماعية...383

القيمة الاجتماعية في وصية علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر...384

القيمة الاولى: التقوى...384

القيمة الثانية: كبح الشهوات...133

القيمة الثالثة: العمل الصالح...386

القيمة الرابعة: الرحمة والمحبة...387

القيمة الخامسة: الأخوة والإنسانية...387

القيمة السادسة: العفو والتسامح...388

القيمة السابعة: التواضع ونبذ التكبر...388

القيمة الثامنة: العدل...389

القيمة التاسعة: الابتعاد عن سوء الظن...390

القيمة العاشرة: الصدق...390

الخاتمة...391

الهوامش...392

المصادر...395

الطبقات الاجتماعية في فكر الامام علي (عليه السلام) - الفقراء انموذجاً - قراءة في نصوص العهد الى مالك الاشتر

المقدمة...399

المبحث الاول: مفهوم الطبقات الاجتماعية...400

المبحث الثاني: الطبقات الاجتماعية في فكر الامام علي(عليه السلام) من خلال بنود عهده الى مالك الاشتر...404

المبحث الثالث: الفقر من منظور الامام علي(عليه السلام):...412

المبحث الرابع: الفقر أسبابه وسبل مكافحته لدى الامام علي (عليه السلام) (من خلال بنود العهد الى مالك الاشتر)...415

الخاتمة...420

هوامش ومصادر البحث...422

أصول التعايش السلمي دراسة استنباطية في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه)

المقدمة...431

المبحث الأول: التعريف بمفردات العنوان...432

أولاً / تعريف الأصول لغة واصطلاحا:...432

ثانيا/ تعريف التعايش السلمي لغة واصطلاحا:...433

1- التعايش السلمي لغة:...433

2- التعايش السلمي اصطلاحا:...434

ثالثا/ تعريف الاستنباط لغة واصطلاحا:...435

1- معنى الاستنباط في اللغة:...435

2- الاستنباط في الاصطلاح:...435

المبحث الثاني: التعايش في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية...436

1- التعايش في ضوء القرآن الكريم:...436

2- التعايش السلمي في السنة النبوية...438

حيث قامت الوثيقة بين أهل المدينة على عدة قواعد نكتفي بذكر قاعدتين منها...439

المبحث الثالث: أصول التعايش السلمي من خلال العهد المبارك...442

المبحث الرابع: تطبيقات التعايش السلمي في المجتمع المسلم...458

1- التعايش الديني:...458

2- التعايش الأخلاقي القيمي:...459

3- التعايش والحوار:...461

4- التعايش مع المنافقين:...462

5- التعايش في المعاملات الدينية:...464

6- التعايش في الجانب الاقتصادي:...465

النتائج:...468

التوصيات:...469

الهوامش...470

قائمة المصادر والمراجع...475